نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار تأليف الإِمام بدر الدين العيني محمود بن أحمد بن موسي العينتابي الحلبي ثم القاهري الحنفي المولود سنة 762 هـ والمتوفى سنة 855 هـ رحمه الله تعالي المجلد الأول حققه وضبط نصه أبو تميم ياسر بن إبراهيم إصدرات وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر طبع بتمويل الهيئة القطرية للأوقاف

إدارة الشؤون الإسلامية لجنة إحياء التراث الإسلامي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد؛ فهذا كتاب: نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار للإمام بدر الدين العيني (762 - 855 هـ) يقع الكتاب المخطوط في ثمانية أجزاء موجودة كاملة في دار الكتب المصرية برقم (526) حديث، وقد فرغ العيني من تأليفه عام 819 هـ وكان قد انتهى من تأليف كتابه "مباني الأخبار" عام 810 هـ، ويسمَّي أيضًا "معاني الأخبار" وهو شرح لـ"معاني الآثار" للإمام الطحاوي ورغم أنه مختصر من "مباني الأخبار" ففيه زيادات عليه. وحين بدأ العيني بتأليفه وعمره 46 سنة كان قد نضج علميًا وأمضى فيه 10 سنوات وهو يبلغ في حجمه ثلاثة أرباع الأصل، وانتهى المؤلف من الجزء الأول سنة 808 ومن الأخير سنة 819.

وهذا يدل على أنه اشتغل في "نخب الأفكار" قبل أن ينجز "معاني الأخبار" بسنتين، فقد أدرك ضرورة تنقيح المباني فشرع في تنقيح المنجز منه. والكتاب رغم توافر نسخه الخطية وهي: 1 - نسخة دار الكتب المصرية في ثمانية مجلدات كاملة بخط المؤلف. 2 - نسخة طوب قابي سراي ناقصة في ثلاثة مجلدات، تضم الأجزاء الثاني والرابع والخامس. 3 - نسخة أخرى في دار الكتب المصرية. فإنه لا حاجة للرجوع لهاتين النسختين مع وجود نسخة المؤلف إلا لملء البياض والسقط الذي وقع في بعض مواضع المخطوط. وكان هذا الكتاب قد طبع بعضه بالهند بعناية محمد أرشد رئيس القسم التعليمي بجامعة ديوبند بالهند. طبعة قديمة لا تتيسر للطالبين في الوقت الحاضر فضلًا عن تطور أدوات الطباعة والإِخراج والالتزام بقواعد التحقيق العلمي. وقد قام خبراء الوزارة بدراسة منهج التحقيق، وأبدوا توجيهات وملحوظات على عمل المحققين تم الأخذ بها حيث بذل المحققون الأفاضل جهودًا كبيرة في ضبط النص والتعليق عليه بما يكفل سلامة القراءة وتيسير النص ونقل أقوال النقاد في الحكم على الأحاديث، وقد تصدرت الكتاب مقدمة مستفيضة عن الإِمام العيني ومنهجه ومكانة كتابه، هذا وإن اللجنة إذ تضع هذا الكتاب النفيس بين يدي العلماء وطلبة العلم فإنها تدعوهم إلى موافاتها بملحوظاتهم واقتراحاتهم حول منشوراتها في حقل التراث.

وهي تسأل الله العلي القدير أن يأخذ بأيدي الجميع إلى ما فيه الخير والعزة والسؤدد لأمة الإِسلام. لجنة إحياء التراث الإِسلامي

مقدمة المحقق

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المحقق إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فإن كتاب "شرح معاني الآثار" من أعظم دواوين الإِسلام وأنفسها، وأكثرها فائدة ونفعًا، وقد تضمن مزايا عديدة، وفوائد فريدة يجدها من يمعن النظر فيه، وكما قال العيني -رحمه الله-: فإن الناظر فيه المنصف إذا تأمله يجده راجحًا علي كثير من كتب الحديث المشهورة المقبولة ويظهر له رجحانه بالتأمل في كلامه وترتيبه، ولا يشك في هذا إلا جاهل أو متعصب. وقال في مقدمة "مغاني الأخيار": قد جمع من سننهم كتابا مُترَّهًا بشرح معاني الآثار، فائقًا غيره من الأمثال والأنظار، مشتملًا علي فوائد عظيمة وعوائد جسيمة، إن أردت حديثًا؛ فكبحر تتلاطم فيه أمواجه، وإن أردت فقها؛ رأيت الناس يدخلون فيه أفواجًا، بحيث من شرع فيه لم يبرح يعاوده، ومن غرف منه غرفة لم يزل يراوده، ومن نال منه شيئًا نال مُنَاهُ، ومن ظفر استوعب غناه، ومن تعلق به سِفْرًا ساد أهل زَمَانِهِ، ومن تعلق به كثيرًا يقول متلهفًا: ليت أيام الشباب ترجع إلى ريعانِهِ، ولم يهجر هذا الكتاب إلا حاسد ذو فساد، أو ذو عناد، أو متعصب مماري، أو مَنْ هو من هذا الفن عاري.

وقد قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (15/ 30) في ترجمة أبي جعفر الطحاوي: ومن نظر في تواليف هذا الإِمام علم محله من العلم وسعة المعرفة. وقد يتميز هذا الكتاب بأنه يشتمل على الفوائد الكثيرة التي لا توجد في غيره. فمنها: أنه يكثر من سرد أسانيد الحديث فكثير من الأحاديث المروية في غيره توجد فيه بزيادات مهمة كتعدد الأسانيد التي تزيد الأحاديث قوة. وقد يكون الحديث في غيره بسند ضعيف ويوجد فيه بسند قوي. أو يكون في غيره من طريق وتوجد فيه طرق أخرى، وتعدد الأسانيد يظهر للمحدث نكت وفوائد مهمة. ومنها: أنه توجد في كتابه فوائد كثيرة في المتون؛ فيقع في كتابه مطولًا ما وقع في غيره مختصرًا، أو مفسرًا ما كان عند غيره مجملًا، أو مقيَّدًا ما كان عند غيره مطلقًا وغير ذلك من مهمات الفوائد. ومنها: أنه يشتمل علي كثير من الأحاديث المرفوعة، والآثار عن الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم وآرائهم في الفقه ما لا يوجد في غيره من الكتب حاشا مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة والمحلي. ولذلك قال العيني في كتاب الزكاة، باب "الصدقة علي بني هاشم": فانظر إلى اتساع رواية الطحاوي وجلالة قدره الذي أخرج في حكم واحد نادر الوقوع بالنسبة إلى غيره عن اثني عشر صحابيًّا مع استنباط الأحكام والتوغل فيها! ومنها: أنه بوب كتابه علي مسائل الفقه ثم يورد الأحاديث وينبه على استنباطات عزيزة من الأحاديث لا يكاد يُنتَبَه إليها. ومنها: أن مؤلفه رتب الكتاب علي ترتيب كتب الفقه ثم تلطف في استخراج مناسبات يورد فيها الأحاديث المتعلقة بالأمور التي يتبادر إلى الذهن أنها ليست متعلقة بتلك المسألة التي عقد لها الباب.

وهذا في كتابه كثير يظهر بالتتبع والتأمل. ومنها: أنه مع إثباته مذهب الأحناف وإيراد أدلتهم يذكر أدلة المخالفين في الباب ثم يرجح بينها وينصر مذهب أبي حنيفة غالبًا إلا في مواضع يسيرة. قال الكوثري: من مصنفات الطحاوي الممتعة: كتاب "معاني الآثار" في المحاكمة بين أدله المسائل الخلافية، يسوق بسنده الأخبار التي يتمسك بها أهل الخلاف في تلك المسائل ويخرج من بحوثه بعد نقدها إسنادًا ومتنًا رواية ونظرًا ما يقنع الباحث المنصف المتبرئ من التقليد الأعمى، وليس لهذا الكتاب نظير في التفقيه، وتعليم طرق التفقه، وتنمية مَلَكة الفقه. وقد صرح الإِمام الطحاوي في مقدمته بسبب تأليفه للكتاب فقال: سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أن أضع له كتابًا أذكر فيه الآثار المأثورة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد، والضعفة من أهل الإِسلام أن بعضها ينقض بعضًا لقلة علمهم بناسخها ومنسوخها وما يجب عليه به العمل منها لِمَا يشهد له من الكتاب الناطق والسُّنَّة المجتمع عليها، وأجعل لذلك أبوابًا أذكر في كل كتاب منها ما فيه من الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء، واحتجاج بعضهم علي بعض وإقامة الحجة لمن صح -عندي- قوله منهم بما يصح به مثله من كتاب أو سنة أو إجماع، أو تواتر من أقاويل الصحابة أو تابعيهم، وإني نظرت في ذلك وبحثت بحثًا شديدًا، فاستخرجت منه أبوابًا على النحو الذي سأل وجعلت ذلك كتبًا، ذكرت في كل كتاب منها جنسًا من تلك الأجناس. قلت: وقد توسع: في دعوى النسخ كثيرًا، وقام بنصرة مذهب أبي حنيفة: وتكلف في كثير من الأحيان تكلفًا شديدًا لنصرة مذهبه. فتراه في كتابه هذا يبدأ بعدد من الآثار والأدلة التي يذهب إليها المخالف ثم يتبعها بالآثار المعارضة التي يراها هي أولى بالاتباع، ويرجحها، ثم يصرح بأن هذا هو مذهب أبي حنيفة أو أحد أصحابه، أما غير الأحناف فنادرًا ما يصرح باسمهم.

ولما كان المشتهر بين الناس أن مذهب الأحناف هو مذهب أهل الرأي حتى ادعى عليهم بعضهم بأنهم يردون الأحاديث التي تتعارض مع مذهبهم؛ تصدر الطحاوي: لنصرة هذا المذهب بالأحاديث والآثار. فأضحى هذا الكتاب أصلًا أصيلًا ومرجعًا مهمًّا في نصرة مذهب أهل الرأي بالأثر. ومن أجل هذا كان لعلمائهم عناية خاصة بهذا الكتاب وروايته وتدريسه وشرحه وتلخيصه والكلام علي رجاله. فألفوا حوله كتبًا كثيرة ما بين شروح ومختصرات وتراجم لرجاله. ومن أعظم من شرحه العلامة بدر الدين العيني -رحمه الله-: وهو الشرح الذي بين أيدينا. وقد كانت للحافظ بدر الدين العيني: عناية خاصة بهذا الشرح وكيف لا والسبب الداعي لتأليفه له هو دفع الفرية التي تتهم الأحناف بأخذهم الرأي وتقديمه على الأحاديث والآثار؛ لذلك شد العزم وأخرج كل ما في جعبته من علوم ومعارف لنصرة المذهب ودفع الشبهات والتشكيكات من حوله؛ فأضحى هذا الكتاب كنزًا للأحناف في نصرة مذهبهم. وقد عني العيني بتدريسه سنين طويلة في المدرسة المؤيدية، وكان الملك المؤيد شيخ ملمًّا بالعلم يناقش العلماء فيه حتي جعل لهذا الكتاب كرسيًّا خاصًّا في جامعته كباقي أمهات كتب الحديث، وعين لهذا الكرسي البدر العيني فقام البدر بتدريس هذا الكتاب خير قيام مدة مديدة وألف في شرحه كتابين ضخمين فخمين صورة ومعنى أحدهما "نخب الأفكار في تنقيح معاني الآثار"، وهو الكتاب الذي بين أيدينا. والشرح الثاني هو "مباني الأخبار في شرح معاني الآثار" وهو خالٍ من الكلام في الرجال حيث أفردهم في تأليف خاص سماه "مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار"، وقد قال في مقدمته:

ولما كانت مخدرات هذا الكتاب مقَنَّعَة تحت النقاب، ومستوراته محتجبة وراء الحجاب، وأزهاره مستورة، وأثماره مخبأة في أكمامه، أردت أن أجلوها علي منصة الإِيضاح وأجلوها على الإفصاح؛ ليصير عرضة للخطاب وبغية للطلاب، فيرغب فيها كل من له دين سليم، ويميل إليها كل من كان علي منهج مستقيم؛ بأن أدون له شرحًا يزيل صعابه، ويستخرج عن القشور لبابه، ويبين ما فيه من المشكلات، ويكشف ما فيه من المعضلات؛ مشتملًا: أولًا: علي تخريج رجاله من الرواة، وتمييز الضعفاء من الثقات؛ لأنهم العمدة في هذا الباب، وهم الأعمدة في قيام صحة كل كتاب. وثانيًا: متعرضًا لمشكلات ما هي من المتون، فيما يتعلق بأحوال اللفظ والمعني، منبهًا علي من وافقه من أصحاب الصحاح والسنن. اهـ. وسنتكلم عن منهجه إن شاء الله تعالى أثناء ترجمتنا للعيني -رحمه الله-. وممن شرحه قبل العيني -رحمه الله-: محمد بن محمد الباهلي (314هـ)، وسماه: "تصحيح معاني الآثار". وقد ذكره العلامة فؤاد سيزكين في "تاريخ التراث العربي" (2/ 86). وكذا شرحه الشيخ العلامة عبد القادر القرشي (775 هـ) وسماه: "الحاوي في بيان آثار الطحاوي"، وهو مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم (195 حديث). وكذا شرحه الحافظ أبو محمَّد المنبجي صاحب كتاب "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب"، وهو مخطوط يوجد منه قطعة في مكتبة آيا صوفيا في الآستانة. وممن لخصه: حافظ المغرب ابن عبد البر. وكذلك الحافظ الزيلعي صاحب "نصب الراية"، وهو مخطوط محفوظ بمكتبة رواق الأتراك، ومكتبة آيا صوفيا في الآستانة. وكذلك اختصره ابن رشد المالكي وهو مخطوط في مجلد بدار الكتب المصرية تحت رقم (419 حديث).

وقد جمع مشايخ الطحاوي في جزء واحد عبد العزيز بن أبي الطاهر التميمي كما في "الحاوي". وقد جمع الحافظ قاسم بن قطلوبغا رجاله في كتاب وترجم لهم بإسهاب وسماه "الإيثار في رجال معاني الآثار" كما في "الرسالة المستطرفة". وقد اعتني بجمع أطرافه الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه "إتحاف المهرة بأطراف العشرة". وأما العيني -رحمه الله-: فقد أفرد كما ذكر في تراجم رجال الطحاوي كتابًا جعله كالمقدمة لكتابه "مباني الأخبار شرح معاني الآثار"، والذي لم يتعرض فيه لتراجم رجال الأسانيد بخلاف كتاب النخب الذي تعمد الترجمة لكل رجال أسانيده فيه. وسماه "مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار".

ترجمة المصنف

ترجمة المصنف اسمه ونسبه: هو البدر أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن الحسين بن يوسف بن محمود، الحلبي الأصل العنتابي المولد ثم القاهري، الحنفي المذهب الشهير بالبدر العيني. مولده ونشأته: ولد البدر في بلدة عينُ تاب -وهي قلعة حصينة ورستاق بين حلب وأنطاكية، وكانت تعرف بدلوك، ودلوك رستاقها، وهي من أعمال حلب- في السابع عشر من رمضان سنة اثنين وستين وسبعمائة من الهجرة، ونشأ بها نشأة أبناء العلماء في زمانه، فتلقى العلوم علي والده القاضي شهاب الدين أحمد بن موسي وعلي غيره من المشايخ بعين تاب، وبرع في كثير من العلوم حتى إنه استطاع أن يتولى القضاء نيابة عن والده وأن يجيد القيام بمهامه. ولم يقف طموح البدر عند تلقي العلوم علي علماء بلدته فارتحل إلى البلاد المجاورة طلبًا للعلم علي يد العلماء المبرزين في كل فن، فانتقل إلى حلب وأخذ عن أجلة شيوخها، كما انتقل إلى بهنسا وإلى كختسا وإلي ملطية لنفس الغرض، وفي سنة ثمان وثمانين وسبعمائة سافر إلى الحج، وزار بيت المقدس فالتقي بشيخ علماء العصر علاء الدين أحمد بن محمد السيرافي الحنفي فلازمه وداوم علي صحبته ثم سافر معه إلى مصر، وقرَّه صوفيًّا في عداد صوفية المدرسة البرقوقية التي افتتحها السلطان الظاهر برقوق في سنة تسع وثمانين ثم عين خادمًا فيها، وتهيأ له بذلك طول الملازمة لشيخه علاء الدين، فدرس عليه علوم الفقه وأصوله والمعني والبيان وغيرها، وسنحت له الفرصة لتلقي العلوم علي غيره أيضًا من أكابر شيوخ القاهرة.

شيوخه

ثم بعد أن رسخ له كثير من العلوم وذاع صيته في القاهرة، تولي عدة مناصب ووظائف، فعين محتسبًا للقاهرة بعد عزل العلامة تقي الدين المقريزي في سنة إحدى وثمانمائة، ثم عزل عنها ثم أعيد مرة أخرى، ثم عزل وعن تقي الدين المقريزي مكانه، ثم عين ناظرًا للأحباس في عصر السلطان المؤيد وفوض إليه تدريس الحديث بالمدرسة المؤيدية عند افتتاحها وصار من خلصاء السلطان المؤيد، وألف له كتابًا في سيرته وسماه "السيف المهند في سيرة الملك المؤيد". وحينما استقر الظاهر ططر وتولى السلطنة زاد في إكرام العيني لسابق صحبته معه، وعلت منزلته عنده، وأسرع بتأليف كتاب في سيرته وأسماه "الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر". كما قام بترجمة كتاب القدوري في فقه الحنفية بناء علي توجيه هذا السلطان، ولما تولى الملك الأشرف برسباي السلطنة قربه إليه، ونال البدر من رفعة المنزلة وعلو الدرجة في أيامه ما لم ينله في أيام غيره من السلاطين حتى كان يسامره ويقرأ له التاريخ الذي جمعه -وهو عقد الجمان- باللغة العربية ثم يفسره له بالتركية لتقدمه في اللغتين؛ وعلمه كثيرًا من أمور الدين حتى حكي عنه أنه كان يقول: لولا البدر العيني لكان في إسلامنا شيء، وعرض عليه النظر علي أوقاف الأشراف فأبى فولاه حسبة القاهرة، ولم يزل يترقى عنده إلي، أن عينه لقضاء الحنفية في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين عوضًا عن التفهني ويقال: إنه لم يجتمع القضاء والحسبة ونظر الأحباس في آن واحدٍ لأحد قبله. شيوخه: أكثر العيني من الشيوخ الذين أخذ عنهم العلم، وكان من كبار شيوخه: الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي، والحافظ سراج الدين البلقيني، وعالم الديار المصرية ومسندها المحدث تقي الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن الدجوي، والعلاء علي بن محمد بن عبد الكريم القوي، والحافظ نور الدين

تلاميذه

أبو الحسن علي الهيثمي، وقطب الدين عبد الكريم بن المتقي بن الحافظ الحلبي، وشرف الدين بن الكويك، والشيخ محمود بن محمد العينتابي، والشيخ ذو النون، والعلامة ولي لدين البهنسي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن خاص التركي، والشيخ جمال الدين يوسف بن موسى الملطي، وغيرهم كثير، وقد جمعهم في مصنف أسماه "معجم الشيوخ". تلاميذه: تولى العيني التدريس بعدة مدارس أهمها المؤيدية وقد ظل يدرس الحديث بها نحو أربعين سنة، ودَرَّس الفقه بالمدرسة المحمودية، وتعددت دروسه في مدارس القاهرة وتتلمذ عليه كثير من العلماء، وذلك لأنه عُمِّر طويلًا، وعده الحافظ ابن حجر في عداد شيوخه برغم تقاربهما في السن وما كان بينهما من مشاحنات. وقال السخاوي: حدث وأفتي ودرس وأخذ عنه الأئمة من كل مذهب طبقة بعد أخرى بل أخذ عنه أهل الطبقة الثالثة. اهـ. وممن تتلمذ علي يديه: الإِمام المحقق كمال الدين بن الهمام، والعلامة الحافظ ناصر الدين أبو البقاء محمد بن أبي بكر الصالحي المعروف بابن زريق، والحافظ قاسم الدين قطلوبغا، والحافظ شمس الدين السخاوي، والعلامة أبو الفتح محمد بن محمد العوفي، والعلامة زكي الدين أبو بكر الكختاوي، وقاضي القضاة عز الدين أحمد بن إبراهيم الكتافي الحنبلي. مؤلفاته: ترك البدر العيني رصيدًا ضخمًا من المصنفات في جميع العلوم المعروفة في زمانه حتي قيل: إنه لا يقاربه أحد من أهل عصره في كثرة مصنفاته إلا أن يكون الحافظ ابن حجر العسقلاني.

فصنف في علوم التفسير والحديث واللغة والفقه والبلاغة والبيان والعروض والتاريخ والمنطق وغير ذلك كثير، فمن مؤلفاته: 1 - البناية في شرح الهداية للإمام المرغيناني، مطبوع في عشر مجلدات. 2 - تحفة الملوك في المواعظ والرقائق -مخطوط في مكتبة برلين تحت رقم (4520/ 41)، وفي مكتبة الجزائر تحت رقم (992). 3 - تكميل الأطراف مجلدة مخطوط في مكتبة شهيد باشا علي برقم (387). 4 - الدرر الزاهرة في شرح البحار الزاخرة للرهاوي في المذاهب الأربعة، في مجلدين ثانيهما بخط المؤلف- محفوظ بدار الكتب تحت رقم (183 - 184) فقه حنفي. 5 - رمز الحقائق في شرح كنز الدقائق للنسفي -في فقه الحنفية- مطبوع مع شرحه في مجلدين. 6 - الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر، مطبوع. 7 - السيف المهند في سيرة الملك المؤيد- مطبوع في مجلد. 8 - شرح سنن أبي داود، مطبوع. 9 - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان في خمسة وعشرين جزءًا، وقيل: ثلاثة وعشرين تقع في تسعة وستين مجلدًا. 10 - العلم الهيب في شرح الكلم الطيب لابن تيمية، وهو مطبوع في مجلد. 11 - عمدة القاري في شرح الجامع الصحيح للبخاري، وهو مطبوع. 12 - فرائد القلائد في مختصر شرح الشواهد، المعروف بالشواهد الصغرى، وهو مطبوع في مجلد. 13 - المسائل البدرية المنتخبة من الفتاوى الظهيرية لظهير الدين أبي بكر محمد بن أحمد البخاري الحنفي المتوفى سنة (619) - دار الكتب (428 فقه حنفي، وهو بخط المؤلف).

عقيدته

14 - المستجمع في شرح المجمع (مجمع البحرين لابن الساعاتي) في مجلدين، دار الكتب (رقم 418، 790 فقه حنفي). 15 - مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار، مطبوع في مجلدين. 16 - المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية، المعروف بالشواهد الكبرى وهو مطبوع علي هامش كتاب خزانة الأدب للبغدادي. 17 - منحة السلوك في شرح تحفة الملوك لزين الدين محمد بن أبي بكر بن عبد المحسن الرازي الحنفي- مخطوط في دار الكتب في عدة نسخ. 18 - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار للإمام أبي جعفر الطحاوي، وهو كتابنا هذا. 19 - المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية -المعروف بالشواهد الكبري- مطبوع علي هامش كتاب خزانة الأدب للبغدادي. 20 - ملاح الألواح في شرح مراح الأرواح، مطبوع. 21 - كشف القناع المُرنى عن مهمات الأسامي والكني، مطبوع. وغير ذلك كثير مما يطول المقام بذكره. عقيدته: البدر العيني شأنه شأن كثير من أهل العلم في عصره والعصور التي قبله قد جنحوا إلى تأويل الصفات من نسبة اليد والوجه والقدم والسمع والبصر لله عز وجل والأفعال مثل الاستواء والإتيان والنزول وغير ذلك مما صحت به النصوص ونقلها الخلف عن السلف. وأما أهل السنة والجماعة فلم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا علي من تأولها، مع إجماعهم علي أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله -جل وعلا-:

مكانته العلمية وثناء العلماء عليه

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (¬1) وفوضوا كيفيتها إلى الله -عز وجل- ولم يُعْمِلوا العقل في ذلك بل آمنوا وكَفُّوا، وهذا هو اعتقاد أهل العلم المبرزين وأهل الحديث خاصة؛ تبعًا لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -وقال به مَنْ بعده من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون وتابعوهم، ولذا نجد الإِمام ابن خزيمة يقول في كتابه "التوحيد" (1/ 26): فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه ربنا بوجه أحد من المخلوقين، وعز ربنا أن نشبهه بالمخلوقين وجل ربنا عن مقالة المعطلين، وعز عن أن يكون عدمًا كما قاله المبطلون. انتهى. ونحن مع ذلك نعذر من تلبس من علمائنا ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذَل وسعه، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع حسن قصده وتوخيه اتباع الحق أهدرناه وتركنا ما برع فيه من العلوم الأخرى لقلَّ مَنْ يسلم لنا من الأئمة، فرحم الله الجميع بمنه وكرمه، وعفا عنا وعنهم. مكانته العلمية وثناء العلماء عليه: لا شك أن هذا التراث الذي خلفه لنا البدر يعطي فكرة واضحة عن المكانة العلمية التي كانت له في عصره، ولقد أثنى عليه كثير من العلماء، فقال العلامة أبو المعالي الحسيني في كتابه "غاية الأماني": شيخ العصر، وأستاذ الدهر، ومحدث زمانه المتفرد بالرواية والدراية. وقال الشيخ أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي في "المنهل الصافي": كان بارعًا في عدة علوم، مفتيًا كثير الاطلاع، واسع الباع في المعقول والمنقول، لا يستنقصه إلا متغرِّض، قل أن يذُكر علم إلا له فيه مشاركة جيدة. ¬

_ (¬1) سورة الشورى، آية: (11).

وفاته

وقال السخاوي في "الضوء اللامع": وكان إمامًا عالمًا علامة، عارفًا بالصرف والعربية وغيرها، حافظًا للتاريخ وللغة كثير الاستعمال لها مشاركًا في الفنون، ذا نظم ونثر مقامه أجل منهما، لا يمل من المطالعة والكتابة، كتب جملة، وصنف الكثير، بحيث لا أعلم بعد شيخنا -أي: ابن حجر- أكثر تصانيف منه، يقال: إنه كتب القدوري في ليلة، بل سمع ذلك منه العز الحنبلي، وكذا قال المقريزي: إنه كتب الحاوي في ليلة. اشتهر اسمه وبَعُد صيته، مع لطف العشرة والتواضع. وقال ابن خطيب الناصرية في "تاريخه": هو إمام عالم فاضل مشارك في علوم، وعنده حشمة ومروءة، وعصبية وديانة. وفاته: توفي البدر العيني ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة عن ثلاث وتسعين سنة، وصُلي عليه في الجامع الأزهر، ودفن في مدرسته التي تقع في حارة كتامة بحي الأزهر، وإلى حفيده الأمير أحمد بن عبد الرحيم بن البدر العيني ينسب قصر العيني الشهير بالقاهرة. منهج العيني في شرح "معاني الآثار": شرح العيني: كتاب "شرح معاني الآثار" شرحًا جميلًا منسقًا، يذكر فيه مناسبة الحديث بالباب، ومناسبة الباب بما قبله من الأبواب، ويتكلم علي رجال إسناده بإسهاب، ويبين فيه اللغات والإعراب، ووجوه المعاني والبيان، والأسئلة والاعتراضات والأجوبة، وتخريج مواضع الحديث وما يستنبط منه من الأحكام. وقد قام المؤلف: بوضع حرف "ص" قبل الجزء الذي يريد أن يشرحه من كتاب "شرح معاني الآثار" دلالة علي أنه من كلام المصنف أو إشارة إلي أن هذا الكلام هو صدر الكتاب، كما يضع حرف "ش" قبل الشرح.

ثم يبدأ في شرح الأبواب فيشرح ترجمة الباب وعلاقته بالباب الذي قبله، وسبب تأخيره عنه. ثم يقوم بترجمة إسناد الحديث فيترجم لرواة الحديث راويًا راويًا مقتصرًا على اسمه ونسبه ولقبه ومرتبته في الجرح والتعديل وذكر من وثقه ومن جرحه ومن أخرج له من أصحاب الكتب الستة. وغالبًا ما يضبط الأسماء والألفاظ المشتبهة إما بالشكل أو بالحروف. ثم يقوم بذكر من أخرج الحديث من أصحاب الكتب المشهورة. ثم يقوم بالحكم على الأحاديث من حيث الصحة والضعف. ثم يشرع في شرح الألفاظ الغريبة في النص، وإعراب ما يشكل من الجمل والكلمات بإسهاب. ثم ينقل المصنف المذاهب الفقهية المتعلقة بالمسألة ويناقشها، ويتوسع فيها فيذكر آراء الصحابة والتابعين وبقية الفقهاء، مع أدلتهم والردود عليها، وغالبًا ما يقوم بترجيح الآراء الموافقة لأصحابه الأحناف وينتصر لهم ويقرر مذهب أبي حنيفة ويتكلف كثيرًا في الرد علي مخالفيهم، ناقلًا عن أمهات كتب الفقه والحديث. ويكثر من عرض الاعتراضات والإشكالات مبرزًا إياها بقوله: فإن قيل ... ويجيب بـ قلت: غالبًا ما يذكر المصنف بعض الفؤائد المنتقاة من الأحاديث في آخر كل حديث فيقول في بعض الأحيان: ويستفاد منه أحكام، ثم يسردها. وأحيانًا يقول: ويستنبط منه أحكام ... ثم يذكرها. وأحيانًا أخرى يقول: وفيه ... ثم يذكر الفائدة. في كثير من الأحيان يذكر الطحاوي أثناء عرض المسألة الفقهية الفرق المختلفة فيقول: فقال قوم، أو يقول: فقالت طائفة، أو ما شابه ذلك.

التوصيف العلمي للمخطوطات

فيقوم العيني: ببيان من هم هؤلاء القوم أو الطائفة ويسميهم بأسمائهم إن كانوا من الصحابة أو التابعين أو أصحاب المذاهب. عند إنتهاء المسألة وسرد أدلتها يذكر غالبًا العيني الأحاديث التي لم يذكرها الطحاوي فيقول مثلًا: روى الطحاوي في هذه المسألة عن خمسة عشر صحابيًّا وينقل عن الترمذي أحيانًا ما فات الطحاوي فيقول وقال الترمذي بعد أن أخرج الحديث: وفي الباب عن فلان وفلان، ثم يسردهم ثم يذكر الأحاديث والآثار التي فاتت الطحاوي ويذكر من أخرجها. في كثير من الأحيان يترك المؤلف بياضًا عند ذكر حديث لم يعثر علي من أخرجه أو لم يستحضره، أو عند راوٍ لم يجد من ترجمه وقد تتبعته في كثير من هذه المواضع واستدركتها. التوصيف العلمي للمخطوطات: 1 - المخطوط "الأصل": وهي من محفوظات دار الكتب المصرية تحت رقم (526 حديث)، وهي بخط المؤلف:، وقد كتبت بخط نسخي جميل، وعدد أجزائها ثمانية أجزاء، وقد فرغ من تأليفه عام (819 هـ). وقد نقص من أول خطبته شيء قليل. وأوراقها من القطع الكبير وكل ورقة منها تتكون من وجهين، عدد أسطر كل وجه ما بين (29: 30) سطرًا. وهذه النسخة يوجد بها نقص وخروم في مواضع كثيرة فوقع نقص في أول المجلد الأول، وأول المجلد الثاني، وآخر المجلد الثالث، وآخر المجلد الرابع، وأول المجلد الثامن، وينتشر هذا النقص في المجلد الثامن. وهناك بعض الأوراق وضعت في غير موضعها، وتم التصوير علي هذا الخطأ مما سبب لنا مشكلات في كثير من الأحيان حتى انتبهنا إلى، موضعها فأعدناها إلى موضعها.

وقد جزَّأ المؤلف: كل مجلد إلى أجزاء فجعل كل عشرة ورقات جزءًا يكتب عند بداية كل جزء أعلي يسار الورقة "ب" رقم الجزء بالحروف مثل: الأول، أو الثاني، وهكذا. كتب علي بعض الورقات من "الأصل" بعض التصويبات أو التعليقات، ولم يذكر اسم كاتبها، ويغلب علي ظني أنها بخط ناسخ النسخة المتأخرة "ك"، كما في [8/ ق 214]. وفي بعض الورقات يكتب صاحب هذه الحواشي عناوين فرعية علي جانب الورقة مثل إذا تكلم المؤلف في مسألة أصولية مثلًا يكتب بجواره: بحث أصولي كما في [4/ ق65 - أ]. أو بحث "أولاد المشركين"، وبحث "كل مولود يولد على الفطرة"، كما في [4/ ق 90 - أ] وغير ذلك. 2 - مخطوط كتاب "مباني الأخبار في شرح معاني الآثار"، وهي نسخة بخط المؤلف: وهي من محفوظات دار الكتب المصرية تحت رقم (492 حديث)، وانتهي من نسخها سنة (810 هـ)، وعدد أجزائها أحد عشر جزءًا، الموجود منها في دار الكتب ستة أجزاء، وهي الأول، والرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن، والحادي عشر، وينتهي بآخر الكتاب. وأوراقها من القطع الكبير، وكل ورقة منها تتكون من وجهين، عدد أسطر كل وجه 30 سطرًا، وعلى حاشية بعض أوراقها تعليقات وتصويبات للمؤلف بخطه، وكتب فوق التعليق أو التصويب "صح". وقد استعنت بها في استدراك بعض النقص في النسخ الأخرى خاصة في أول المجلد الأول. واستيضاح بعض الكلمات بمراجعة موضعها من هذا الكتاب الأم.

3 - نسخة أحمد الثالث "ح"، وهي من مخطوطات متحف "طوبقبو سراي" تحت رقم (653/ 2)، وهي نسخة كتبت بخط نسخي نفيس في سنة (882 هـ) كتبها عمر بن عبد الله بن محمد المنظراوي، برسم المقر الأشرف محمد بن إينال العلائي، وقوبلت علي نسخة المؤلف، وبأوله لوحة مذهبة برسم محمد بن إينال العلائي، وبجانبها توقيعه، والموجود منها: المجلد الثاني، والرابع، والخامس، وأوراقها من القطع المتوسط، ومسطرتها (18/ 28) تقريبًا. وكل ورقة منها تتكون من وجهين، عدد أسطر كل وجه 27 سطرًا. والنسخة بها آثار أرضة طاغية أفضت إلى تآكل أطراف أوراقها ووسطها، مما جعل الاستفادة منها عسير جدًّا، ولذا لم نستعن بها إلا في مواضع قليلة جدًّا مثل أول المجلد الثاني الناقص من الأصل. 4 - نسخة دار الكتب المصرية المتأخرة "ك"، وهي من محفوظات دار الكتب القومية (فؤاد) تحت رقم (21547 - ب). وهي منسوخة من النسخة "الأصل" وبها نفس الخروم والسقط الذي في النسخة الأصل. وهي منسوخة بخط نسخي جميل واضح مقروء وتقع في 18 مجلدًا، كل ورقة من وجهين، عدد أسطر كل وجه 21 سطرًا. ونظرًا لأن المجلد السادس في النسخة الأصل يتميز بالطمس الكثير في وسطه خاصة الوجه "ب"، فقد استعنت بهذه النسخة "ك" في استيضاح هذا الطمس، وهو ما يوافق (ج 13) من "ك". وكذا المجلد الثامن من الأصل حيث وقع فيه طمس كثير أيضًا استعنا في استيضاحه من "ك"، وهو ما يوافق (ج 17، ج 18).

عملي في الكتاب

عملي في الكتاب: اتخذت من نسخة "دار الكتب المصرية" -والتي بخط المصنف- أصلًا في ضبط الكتاب فقمنا بقراءتها قراءة متفحصة، ثم قمنا بنسخها ورمزنا لها بـ"الأصل". استعنت بالنسخة المتأخرة والمحفوظة بدار الكتب القومية تحت رقم (21547 - ب) والتي رمزنا لها بالرمز "ك"، ونسخة أحمد الثالث، والتي رمزنا لها بالرمز "ح" في استدراك بعض السقط، واستيضاح بعض الطمس الذي وقع في النسخة "الأصل". فقمنا بمقابلة "الأصل" عليهما مقابلة دقيقة وأثبتنا الفروق المهمة بينهما، وإذا كان ما في "الأصل" هو الصواب أثبتناه بين قوسين () مستديرين ونبهنا على الفرق في الهامش. وإذا كان ما في "الأصل" ليس له وجه صحيح عندنا. أثبتنا الصواب في أصل الكتاب بين معقوفين []، وأشرنا إلى ما كان في "أصل" في الهامش. كما استعنت بنسخة "مباني الأخبار" وهو الكتاب الأم الذي قام مؤلفه بتنقيحه واختصاره في كتابنا هذا، وهو "نخب الأفكار" في استدراك بعض السقط الذي لم يوجد في النسخ المساعدة كما في أول المجلد الأول. كما استعنت بكتاب "شرح معاني الآثار" في ضبط كلام الطحاوي ومقابلة أصل الكتاب وهو المتن الذي يصدره المؤلف بالرمز "ص" فقابلناه عليه وأثبتنا الفروق المهمة مع الوضع في الاعتبار أن نسخة الإمام العيني هي أضبط كثيرًا من النسخ المطبوعة والتي تتميز بكثرة السقط والتحريف كما أن كتابنا بخط المؤلف: مما يزيدنا ثقة في نقله عن الإمام الطحاوي، كما أنه ينقل من رواية أخرى للكتاب غير الرواية التي طبع عليها الكتاب. قمت بتنظيم فقرات النص، وكتابته بما هو متعارف عليه في عصرنا من صورة الإملاء ورسم الكلمات، وغَيَّرتُ ما اصطلح عليه الناسخ -وهو المؤلف نفسه- في رسم بعض الكلمات، مثل: "لا يخلو" فيكتبها "لايخ"، "لابد حينئذ"

فيكتبها "لابح"، وكلمة "حينئذ"، والتي يكتبها كثيرًا "ح"، وكلمة "إحداهما"، يكتبها دائمًا "إحديهما" مهما كان موقعها من الإعراب، ولعله أراد أن يضع ألف صغيرة فوق الياء. وكذا تسهيل الهمزات وحذف الألف الوسطية في كثير من الأسماء مثل "الحارث" يكتبها "الحرث"، و"سفيان" يكتبها "سفين"، و"صالح" يكتبها "صلح". وكذا حذف الهمزة المتطرفة في الكلمات مثل "جاء" يكتبها "جا"، و"السماء" يكتبها "السما"وغير ذلك. قمت بوضع علامات الترقيم المناسبة والتنسيق بين فقرات النص وضبط ما يشُكل من كلماته، وتقييد ما وقع لنا من فوائد أثناء ضبطه في الهامش، وما زدته عن "الأصل" أو غيرته وضعته بي معقوفين []، وأشرت إليه في الهامش وإلى مصدر الزيادة أو التصويب. قمت بتخريج الأحاديث والآثار التي ذكرها المؤلف أثناء شرحه. وكذلك قمت بعزو الأحاديث والآثار التي خرجها المصنف إلى النسخ المطبوعة منها. قمت بعزو الآيات إلى موضعها من المصحف. قمت بالتنبيه على بعض الأخطاء والأوهام التي وقع فيها المؤلف: وغالبها في تعيين الرواة أو تخريج بعض الأحاديث. فمن أمثلة الأوهام في تعيين بعض الرواة: وهم تكرر منه مرارًا في تعيين الفريابي شيخ البخاري، فكثيرًا ما يقول: الفريابي هو عبد الله بن يوسف وهو وهم أو سبق قلم، والصواب: أنه محمَّد بن يوسف، وأما عبد الله بن يوسف فهو التنيسي، وهو شيخ البخاري أيضًا، وقد تكرر منه ذلك، كما في [8/ 223، 290، [12/ 224، 228]، وغير ذلك، وكذا وهم في تعيين القواريري، واختلط عليه بآخر، كما في [8/ 227].

وكذا في تعيين عبد الله بن عاصم، كما في [31/ 238]. وأما من أمثلة الأوهام في عزو الأحاديث: فقد وقع له وهم في عزو الحديث لأبي داود، كما في [13/ 275]، ووهم أيضًا في عزو الحديث لمسلم في "صحيحه"، كما في [12/ 443]. قمت بعمل فهارس علمية في آخر الكتاب، وهي تشتمل على فهرس لآيات القرآن الكريم، وفهرس لأطراف الأحاديث والآثار، وفهرسٍ للمسائل الفقهية والأصولية والحديثية، وفهرس للرواة المتكلم فيهم بجرح أو تعديل، وأدخلت فيه كل من قال فيه العيني: رجاله ثقات أو إسناده صحيح. وفهرس للكلمات الغريبة التي شرحها المولف -رحمه الله-. ووضعت في آخر كل مجلد فهرسًا للموضوعات الواردة فيه حتى يسهل الانتفاع بمادة الكتاب العلمية. كما قمت بعمل ترجمة وافية للمؤلف ومنهجه في الشرح وعقيدته وشيوخه وتلاميذه. ووضعت توصيفًا علميًّا لنسخ الكتاب المخطوطة؛ الأصل، والنسخ المساعدة. فالله أسأل أن يتقبل مني، وأن يجعله لي ذخرًا في الآخرة، وأن يخلصه من شوائب السمعة والرياء، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وما كان من عيب فمني ومن الشيطان وما كان من صواب فمن الله وحده. ونستغفر الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وكتبه راجي عفو ربه أبو تميم ياسر بن إبراهيم بدار المشكاة في يوم الأربعاء الخامس من جمادى الأخرى سنة 1428 هـ

صورة من الورقة الأولي من النسخة الأصل

الورقة الأخيرة من النسخة الأصل

الورقة الأولي من المجلد الثاني والرابع

الورقة الأولى والأخيرة من الجزء 13

[مقدمة المؤلف]

(¬1) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله، وأشكره شكرًا كثيرًا، والصلاة والسلام على مَنْ بُعث بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، محمَّد المصطفى ناسخ الملل، وخاتم الأنبياء والرسل، وعلي آله وصحبه الطيبن الطاهرين، والرضوان على علماء الدين، ومن تبعهم من المسلمين، ما قُرئ السبع المثاني والمئين، وبعد: فإني لما فرغتُ من توشيح رجال معاني الآثار، شرعتُ في الشرح الذي ترجمتُه بمباني الأخبار، متوكلًا على العزيز الغفَّار، وقد بيّنتُ هناك طريق روايتنا للكتاب عن الشيخ الإِمام العلَّامة: أبي جعفر الطحاوي -سقى الله ثراه- وجعل الجنَّةَ مثواه، ولنشرع الآن فيما سبق الوعدُ به، فنقولُ: قال الشيخ الإِمام العلَّامة أبو جعفر أحمد بن محمَّد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي -رحمه الله-: ص: سألني بعض أصحابنا من أهل العلم أنْ أضع له كتابا أذكرُ فيه الآثار المأثورة المروية عن رسول الله - عليه السلام - في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد والضعفة من أهل الإسلام أن بعضها ينقض بعضًا؛ لقلة علمهم بناسخها من منسوخها، وما يجب [به] (¬2) العمل منها، لما يشهد له من الكتاب الناطق، والسُّنة المجتمع عليها، وأجعل لذلك أبوابًا، أذكر في كل باب منها ما فيه من الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء، واحتجاج بعضهم على بعض، وإقامة الحجة لمن صحّ عندي ¬

_ (¬1) سقطت الصفحة الأولي من "الأصل، ك" وقد رأيتُ أن أستدركها من الكتاب الأم "مباني الأخبار" إتمامًا للفائدة وسدًّا لهذا النقص، وقد وقعت هذه الصفحة في حوالي ورقتين من كتاب "مباني الأخبار" وسأنبه عند نهاية النقل منها هناك إن شاء الله. (¬2) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "شرح معاني الآثار".

قوله منهم، بما صح به مثله من كتاب أو سنُه أو إجماع أو تواتر، من أقاويل الصحابة أو تابعيهم، وإني نظرت في ذلك وبحثت عنه بحثًا شديدًا، فاستخرجت منه أبوابًا على النحو الذي سأل، وجعلتُ ذلك كتبا، ذكرتُ في كل كتابٍ منها جنسًا من تلك الأجناس، فأول ما ابتدأت بذكره من ذلك: ما رُوي عن رسول الله في الطهارة، فمن ذلك: ش: قال محمود -عفا الله عنه -: قد جَرتْ عادة السلفِ والخلف أنْ يُعَنْوِنوا أوائل رسائلهم وكتبهم وخطبهم بالبَسْملة، ثم بالحمدلة؛ اقتداء بالكتاب العزيز المستفتح به كذلك، وعملًا بقوله - عليه السلام -: "كلُّ أمْرٍ ذي بال لا يُبْدأُ فيه بذكر الله وبسم الله الرحمن الرحيم أقطع". رواه الحافظ عبد القادر الرهاوي في أربعينه. وفي رواية أيضًا أبي داود (¬1) والنسائي (¬2): "كل كلام لا يُبْدأ فيه بحمد الله فهو أجذم". وفي رواية ابن ماجه (¬3): "كل أمر ذي بال لا يُبْدأ فيه بالحمد أقطع". ورواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما (¬4)، قال ابن الصلاح: ورجاله رجال الصحيحين سوي قرة بن عبد الرحمن؛ فإنه ممن انفرد به مسلم بالتخريج له، قال: وهو حديث حسن صحيح، وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: إنما بدأ -يعني مسلمًا- كتابه بالحمد لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل أمر ذي بال لا يُبدأ بالحمد لله أقطع" وفي رواية: "بحمد الله"، وفي ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (4/ 261 رقم 4840) من حديث أبي هريرة. (¬2) هو في "السنن الكبرى" - كتاب "عمل اليوم والليلة" (6/ 127 رقم 10328) من حديث أبي هريرة أيضًا ولكن بلفظ: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع". (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 610 رقم 1894) من حديث أبي هريرة أيضًا. (¬4) "صحيح ابن حبان" (1/ 173 رقم 1).

رواية: "بالحمد فهو أقطع"، وفي رواية: "أجذم"، وفي رواية: "لا يبدأ فيه بذكر الله"، وفي رواية: "ببسم الله الرحمن الرحيم". ومعنى "أقطع": قليل البركة وكذلك "أجذمُ" -بالجيم والذال المعجمة- ويقال فيه: جَذِم بكسر الذال يَجْذَمُ بفتحها، وقيل: الأجذم مقطوع اليد. وقيل: الأبتر الذي لا عقب له. فإن قيل: فلِمَ اقتصر أبو جعفر على ذكر البسملة، ولم يسلك منهج غيره من الابتداء بالبسملة والتَّثَنِّي بالحمدلة؟ قلت: الجواب عنه من وجوه: الأول: لا نسلم أنه ترك الحمدلة؛ بل حَمِدهُ بعد التسمية بقوله: الرحمن الرحيم. فإن الحمد هو الذكر بالوصف الجميل على وجه التفضيل، ولما ذكر الله تعالى بكونه رحمانًا رحيمًا أي موليًا لجلائل النعم ودقائقها، وذلك وصف له بالجميل على وجه التفصيل، صار آتيًا بحمد الله، وليس المراد من الحمد في الحديث الإتيان بلفظ الحمد بخصوصه، بل المراد منه الذكر؛ بدليل ما روي: "بذكر الله" بدل "حمد الله" كما مرّ. الثاني: أن الذي اقتضاه لفظُ الحمد أن يَحْمدَ الله بلسانه لا أن يكتب حمده قراءة، فما يمنع أنه ذكر الله، تعالى بلسانه بعد التسمية عند افتتاح تصنيف الكتاب، ومن أين عُرف أنه تركه بلسانه عند الشروع؟! الثالث: أن الافتتاح بالتحميد محمول على ابتداءات الخطب دون غيرها؛ زجرًا عما كانت الجاهلية عليه من تقديم الشعر المنظوم والكلام المنثور، وذلك ما روي: "أن أعرابيًّا خطب فترك التحميد، فقال - عليه السلام -: كل أمر ذي بال ... " الحديث (¬1). ¬

_ (¬1) سبق تخريجه.

ولأن أول ما نزل من القرآن سورة {اقْرَأْ}، وقيل: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}، وليس في ابتدائهما حمد الله. وفيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الرابع: أنه إنما ترك التحميد؛ لأن حديث الافتتاح بالتحميد منسوخ بأنه - عليه السلام - لما صالح قريشًا عام الُحديبية كتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه محمَّد رسول الله - عليه السلام - سُهَيل بن عمرو. فلولا نسخه لما تركه. وفيه نظر أيضًا؛ لأن لقائل أن يقول: أي دليل دلّنا على النسخ؟ فلِمَ لا يجوز أن يكون الترك لبيان الجواز؟! بل الظاهر هذا؛ لأن الحث على التحميد للاستحباب لا للوجوب؛ لأن الحث عليه إنما هو لمنفعة العباد، حتى يصير فعلُهم وقولُهم تامًّا ذا نظام، ولا يقع أبتر مقطوع البركة. فلو كان الحث عليه للوجوب للزم عود الأمر على موضوعه بالنقض. واعلم أن هذا السؤال يَرِدُ على البخاري أيضًا؛ حيث شرع في "صحيحه" بعد البسملة بغير ذكر الحمدلة، فالجواب هو الجواب. ثم الكلام في البسملة؛ فالباء فيها تتعلق بمحذوف تقديره: بسم الله أشرع، كما أن المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم الله والبركات، كان المعنى: بسم الله أحل، وبسم الله أرتحل. وكل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله كان مضمرًا ما جعل التسمية مبدأ له. وقال الزمخشري في هذا المقام: فإن قلت: لم قدرت المحذوف متأخرًا؟. قلت: لأن الأهم من الفعل والمتعلق، هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم، فيقولون: باسم اللات، باسم العُزَّي، فوجب أن يقصد المُوحِّد معنى اختصاص اسم الله -عزَّ وعلا- بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل، كما فُعل في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} (¬1)؛ حيث صرَّح بتقديم الاسم ¬

_ (¬1) سورة الفاتحة، آية: [5].

إرادة للاختصاص، والدليل عليه قوله: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} (¬1). انتهى. قلت: تخصيص الابتداء باسم الله قصر إفرادٍ كما في قوله تعالي: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}؛ لأن المشركين وإن بدءوا بأسماء آلهتهم لا ينوب عن الابتداء باسم الله تعالي ثم قال الزمخشري: فإن قلت: فقد قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} (¬2) فقدم الفعل. قلت: هناك تقديم الفعل أوقع؛ لأنها أول سورة نزلت، فكان الأمر بالقراءة أهم. انتهى. ثم اعلمْ أن الباء في كلام العرب تجيء لأربعة عشر معنى: الأول: الإلصاق، قيل: هو معنّى لا يفارقها، نحو مررت بزيدٍ، أي: ألصقت مروري بمكان يقرب منه زيدٌ. الثاني: التعدية، وتُسمى باء النقل أيضًا، نحو: ذهبت يزيد. الثالث: الاستعانة، وهي الداخلة على آلة الفعل، نحو: كتبت بالقلم، ونجرت بالقدوم، قيل: ومنه باء البسملة؛ لأن الفعل لا يتأتى على الوجه الأكمل إلَّا بها. الرابع: السببية نحو: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} (¬3)، {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} (¬4). الخامس: المصاحبة، نحو: {بِسَلَامٍ مِنَّا} (¬5)، أي: معه. ¬

_ (¬1) سورة هود، آية: [41]. (¬2) سورة العلق، آية: [1]. (¬3) سورة البقرة، آية: [54]. (¬4) سورة العنكبوت، آية: [40]. (¬5) سورة هود، آية: [48].

السادس: الظرفية، نحو: {نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} (¬1). السابع: البدل كقول الحماسي: فليتَ لي بهم قومًا إذا ركبوا .... شنُّوا الإَغارَةَ فرسانًا وركبانًا وانتصاب الإغارة على المفعول لأجله. الثامن: المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض، كاشتريته بألفٍ. التاسع: المجاورة، كعن، فقيل: تختص بالسؤال نحو: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} (¬2)، وقيل لا تختص به. العاشر: الاستعلاء، نحو: {مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ} (¬3)، الآية. الحادي عشر: التبعيض، أثبته الأصمعي والفارسي وابن مالك، قيل: والكوفيون، وجعلوا منه: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} (¬4)، ومنه: {بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} (¬5)، وقيل: هي في آية الوضوء للاستعانة. الثاني عشر: القسم، وهي أصل أحرفه. الثالث عشر: الغايةُ، نحو: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} (¬6)، أبي: إليَّ. والرابع عشر: التوكيد، وهي الزائدة فتكون في الفاعل، نحو: {كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (¬7) [1/ ق 2 - أ]، وتكون في المفعول، نحو: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (¬8)، وتكون في المبتدأ نحو: بحسبك درهم، وخرجت فإذا بزيدٍ، ونحو ذلك. ¬

_ (¬1) سورة القمر، آية: [34]. (¬2) سورة الفرقان، آية: [59]. (¬3) سورة آل عمران، آية: [75]. (¬4) سورة الإنسان، آية: [6]. (¬5) سورة المائدة، آية: [6]. (¬6) سورة يوسف آية: [100]. (¬7) سورة الرعد، آية: [43]. (¬8) سورة البقرة، آية: [195].

والاسم أحدُ الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدأ زادوا همزة؛ لئلَّا يقع الابتدأء بالساكن، وهو من الأسماء المحذوفة الأَعْجَاز كيدٍ، ودَمٍ، وأصله: سمو، واشتقاقه من السُّمو عند البصريين، وقال الكوفيون: مشتق من وَسَمَ يَسِمُ سِمَةً. قلتُ: ولو كان كذلك لقالوا في تصغيره: وُسَيْم، وفي جمعه: أوسام، فلما قالوا: سُمَيّ وأَسْمَاء، دلّ على أن أصله سِمو، ويقال: اسِمٌ وسِمٌ -بالكَسْر فيهما- واسُم وسُمٌ -بالضم فيهما- وقال المبرد: سمعت العرب تقى: اسِمُه واسُمْه ويِسْمُه وسِمْهُ وسَمَاه. ولفظة "الله" اسم علم للباري -جل جلالة- والمختار أنه ليس بمشتق وهو قول الخليل وسيبويه، وأكثر الأصوليين والفقهاء؛ وذلك لأنه لو كان مشتقًّا لكان معناه معنى كليًّا لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة، وحينئذ لا يكون قولنا: "إلا الله" موجبًا للتوحيد المحض؛ وحيث أجمع العقلاء على أن هذا توحيد محض، علمنا أن لفظة "الله" اسمٌ علمٌ موضوع لتلك الذات المُعيَّنَة، وليست من الألفاظ المشتقة فافهم. و"الرحمن": فعلان من رَحِمَ كَغَضْبَان من غَضِبَ. و"الرحيم": فعيل منه، كمريض من مَرِضَ، وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم، ولذلك قالوا: رحمان الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، والزيادة في البناء لزيادة في المعنى. واتصاف الله بالرحمة -ومعناها العطف والحنو- مجاز عن إنعامه على عباده، وذكر الرحيم بعد الرحمن من قبيل التتميم والترديف؛ وذلك لأنه لما قال: الرحمن تناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، ثم أردفه بالرحيم ليتناول ما دق منها وما لطف. وقد اختُلف في صرف "رحمان" ومنعه، فمن شرط في المنع انتفاء فعلانه منعه، ومن شرط وجود فعلانه صرفه، على ما عرف في موضعه.

و"الشيخ" في اللغة يطلق على من استبانت فيه السنن، ويقال: من عَدَّى خمسين سنة يُسمَّى شيخًا إلى ثمانين سنة، ثم يَصير هِمًّا. وقال الإِمام أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد المعروف بابن الأجداني: ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين، فإذا وُلد فهو منفوس وأمه نفساء، فإذا خرج رأسه قبل رجليه فهو وَجِيةٌ، وإنْ خرجت رجلاه قبل رأسه فهو يَتْنٌ وذلك مذموم، ويسمى طفلًا ورضيعًا، فإذا ارتفع شيئًا وأكل فهو جَفرٌ، والأنثى: جَفْرَة، فإذا فطم، فهو فطيم، فإذا قوي وجمد فهو حَزَوَّر، فإذا ارتفع فوق ذلك فهو يَافِعٌ، فإذا قارب الاحتلام فهو مراهق، فإذا بلغ الحُلم فهو محتلمٌ وحالم، فإذا بقل وجهه فهو طارٌّ، يقال: طرَّ وجهه، وطرَّ شاربه، فإذا جاوز وقت النكاح ولم يتزوج فهو عانس، فإذا اجتمع وتم فهو كهل، فإذا رأى البياض فهو أشيب وأشمط، فإذا استبانت فيه السن فهو شيخ، فإذا ارتفع عن ذلك فهو مُسِنٌّ، فإذا ارتفع عن ذلك فهو قَحْمٌ، فإذا قارب الخَطْوَ فهو دالف، فإذا زاد على ذلك فهو هَرِمٌ وهِمٌّ بكسر الهاء، فإذا ذهب عقله من الكبر فهو خَرفٌ. وقال بعضهم: الولد ما دام في بطن أمه فهو جنين، فإذا وُلِدَ سُمِّي صَبِيًّا، فإذا فُطِمَ سُمِّي غُلامًا إلى سبع سنين، ثم يصير يَافِعًا إلى عشر حِجَج، ثم يصير حزوَّرًا إلى خمس عشرة سنة، ثم يصير قُمُدًّا (¬1)، إلى خمس وعشرين سنة، ثم يصير عَنَطْنَطًا إلى ثلاثين سنة، ثم يصير صملًا إلى أربعين سنة، ثم يصير كهلًا إلى خمسين سنة، ثم يصير شيخًا إلى ثمانين سنة، ثم يصير بعد ذلك هِمًّا. وقال الجوهري: جمع الشيخ: شيوخ وأشياخ وشِيخَةٌ وشيخانُ ومَشِيخَةٌ ومشايخ ومَشيُوخاء، والمرأة شيخةٌ. قال عَبيدٌ: كأنها شَيخةٌ رَقُوب وقد شاخ الرجل يشيخ شَيَخًا -بالتحريك جاء على أصله- وشيخوخةً، وأصل الياء متحركة فسكنت لأنه ليس في الكلام فعلول، وما جاء على هذا مثل ¬

_ (¬1) القُمُد: القوي الشديد انظر "لسان العرب" (مادة: قمد).

كينونة وقيدودة وديمومة وهيعوعة فأصله كَيَّنُونة بالتشديد [1/ق 2 - ب] فخفف، ولولا ذلك لقالوا: كونونة وقودودة، ولا يجب ذلك في ذوات الياء مثل الحيدودة، والطيرورة، والشيخوخة، وشيّخ تَشييخًا، أي: شاخ، وشَيَّخْتُهُ أي دَعَوتُه شيخًا للتبجيل، وتصغير الشيخ: شُيَيْخ وشِيَيْخ أيضًا، ولا تقل: شُوَيْخ. انتهى. وأما في الاصطلاح: فالشيخ يطلق على من تقدم في العلم، وإنْ لم يبلغ حد الشيخوخة في السن، ويقال: الشيخ من يَصلحُ أن يتتلمذ له. فإن قيل: هل يجوز إطلاق ذلك على الأنبياء عليهم السلام؟. قلت: قد جاء في قوله تعالى حكايته عن قول سارة امرأة إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} (¬1)، قال المفسرون: كانت حينئذٍ ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق. وفي قول مجاهد ابنة تسع وتسعين سنة، وكان سن إبراهيم - عليه السلام - مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق. ومائة سنة في قول مجاهد. وجاء أيضًا في قوله تعالى حكايته عن قول بنات شعيب - عليه السلام - {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} (¬2)، يعني لا يستطيع أن يسقي مواشيه لكبر سنه، ولقد سمعت شيخي العلَّامة أبا الروح عيسى السُّرْماري عند قراءة التفسير عليه أن إطلاق لفظ الشيخ على إبراهيم - عليه السلام -؛ لإظهار التعجب، وعلي شعيب - عليه السلام -، للاستعطاف، فافهم. قوله: "الإِمام" الذي يقُتدَى به؛ فإن كان في الصلاة يُسمّى إمامًا باعتبار اقتدائهم به في الصلاة، وإنْ كان في العلم يسمى إمامًا باعتبار أخذهم العلوم منه، وإنْ كان في الخلافة يسمى إمامًا باعتبار إطاعتهم له وانقيادهم لأمره. ¬

_ (¬1) سورة هود، آية: [72]. (¬2) سورة القصص، آية: [23].

وجمعه: أئمة، وأصله: أَأْمِمَة على أَفْعِلَة مثل: إناء وآنية، وإله وآلهة، فأدغمت الميم، فنقلت حركتها إلى ما قبلها، فلما حرَّكوها بالكسر جعلوها ياءً، وقرئ {فَقَاتِلُوا أَيمَّةَ الْكُفْرِ} (¬1)، قال الأخفش: جعلت الهمزة ياء لأنها في موضع كسرة وما قبلها مفتوح فلم يهمز؛ لاجتماع الهمزتين، قال: ومن كان رأيه اجتماع الهمزتين هَمَزَهُ، قال: وتصغيرها أُوَيْمة، لما تحركت الهمزة بالفتحة قلبها واوًا. وقال المازني: أُيَيْمة، ولم يقلب. قوله: "العلامة" مبالغة عالم، وقال الجوهري: رجل علامة أي عالم جِدًّا، والهاء للمبالغة كأنهم يريدون به: داهية. قوله: "أبو جعفر" كنية الطحاوي، و"أحمد" اسمه، و"الأزدي" نسبته إلى القبيلة، و"الطحاوي" نسبته إلى البلد، وقد ذكرنا وجه ذلك في ترجمته، والفرق بين الكُنية واللقب والاسم والنسبة: أن الكُنية كل اسم بُدئ بأب أو أم، كما تقول: أبو عمرو، وأم عمرو. و"اللقب" ما يدل على شرف في المُسمّي أو حقارة، كعتيق لقب الصديق، وسَفِينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبَطّة، وقُفَّة، وأنف الناقة. و"الاسم" -أعني به العلَمَ-: ما وضع في أول أحواله لشيء بعَيْنه ولا يقع على كل ما يشبهه، ألا ترى أن زيدًا وضع في أول ما وضع للرجل المعين، ثم ليس كل من يكون مثل زيد يسمى زيدًا، ثم هو ينقسم إلى شخصي وجنسيّ: فالشخصي: كأعلام أولي العلم، وما يتحد ويؤلف. فالأول: كزيد من الإنس، وآصف من الجن، وجبريل من الملائكة (¬2). ومنه أسماء الله تعالى الله والرحمن. ¬

_ (¬1) هي قراءة نافع كما في "البدور الزاهرة" (ص 133، 134)، والآية من سورة التوبة، آية: [12]. (¬2) هذا آخر ما قمتُ باستدراكه من كتاب "مباني الأخبار" نسخة "دار الكتب المصرية" بخط مؤلفه بدر الدين العيني -رحمه الله-. انظر وصف المخطوطات في المقدمة.

والثاني: أنواع ما يتخذ لقبيلة كتميم، أو بلد كمكة ودمشق، أو فرس كلاحق (¬1). وأعوج (¬2)، أو جمل كشَدْقم (¬3)، وعِلَيّانِ (¬4)، أو شاة كخطّة وهَيْلة، أو كلب، كضُمْران (¬5)، وواشق (¬6)، ونحوها. وجنسي: كل اسم جنس جرى مجرى العلم الشخصي في الاستعمال كأسامة للأسد، وثعالة للثعلب (¬7)، وحضاجر للضبع ونحوها. قوله: "الآثار" جمع "أَثَر" بفتحتين، وهو ما بقي من رسم الشيء، وضربة السيف، وسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - آثاره، وأصله من أثَرْتُ الحديث -مقصور الهمزة- آثُره -بالمدّ وضم الثاء وكسرها- أثْرًا ساكنة الثاء: حدّثتُ به. قوله: "المأثورة" أبي المحكية والمروية، فإن قلت: ما الفرق بين السُّنَّة والحديث والخبر؟ قلت: السُّنة في اللغة: الطريقة، قال الله تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} (¬8)، والسيرة. ¬

_ (¬1) لاحق: اسم لفرس معروف من خيل العرب، ولاحق اسم لفرس كان لمعاوية بن أبي سفيان، انظر "لسان العرب" (مادة: لحق). (¬2) أعوج: فرس سابق رُكب صغيرًا فاعوجت قوائمه، وهو فرس كريم تنسب إليه الخيل الكرام، وأعوج اسم لفرس كان لعُدي بن أيوب، انظر اللسان (مادة: عوج). (¬3) الشدقم: هو واسع الشدق، وهو اسم لفحل من فحول إبل العرب معروف، انظر "لسان العرب" (مادة: شدقم). (¬4) العِلَيَّان: يقال ناقة عليَّان أي طويلة جسيمة مرتفعة السير لا ترى أبدًا إلَّا أمام الركب، انظر "لسان العرب": (مادة: علو). (¬5) ضُمْرَان: من أسماء الكلاب، وهو بضم الضاد المعجمة، انظر "لسان العرب" (مادة: ضمر). (¬6) الوشق: العَضُّ، ووشقه وشقًا: أي خدشه، وواشق اسم كلب، وقيل للكلب: واشق؛ لأنه يخدش ويقطع. انظر "غريب الحديث" لابن قتيبة (2/ 259)، و"لسان العرب" (مادة: وشق). (¬7) الثعلب الذكر، والأنثى ثعلبة، ويقال لكل ثعلب إذا كان ذكرًا: ثُعَالةُ بغير صرف، ولا يقال للأنثى: ثعالة. ويقال للأسد: أسامةُ بغير صرف، ولا يقال للأنثى: أسامة. انظر "لسان العرب": (مادة: ثعل). (¬8) سورة فاطر، آية: [43].

قال الهذليّ: فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أنت .... فأول راضٍ سُنَّةَ من يَسِيرُهَا (¬1) وفي الاصطلاح: السُّنة: الوحي غير المتلو، وفي الشرع: السُّنَّة: ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن من قول -ويُسَمَّى الحديث- أو فعل أو تقرير، فعلم أنْ لفظ الحديث مختص بالأقوال، ولفظة السُّنة تعم الأقوال والأفعال. و"الخبر": واحد الأخبار، وأصله من الخُبْر -بضم الخاء وسكون الباء- وهو العلم بالشيء، من خَبَرتُ الشيء أَخْبُره خُبْرًا وخِبرة، ومن أين خَبرْت هذا؟ أي علمته. وفي الاصطلاح: الخبر ما يصح أن يدخله الصدق أو الكذب، وقال الطحاوي: القرآن لم يفرق بين الخبر والحديث؛ قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} (¬2)، وقال: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} (¬3)، فجعل الحديث والخبر واحدًا، وقال تعالى: {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} (¬4)، وهي الأشياء التي كانت بينهم، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ} (¬5)، و {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} (¬6)، وقال: - عليه السلام -: "ألا أخبركم بخير دور الأنصار" (¬7)، "وأخبرني تميم الداري وذكر قصة الجن" (¬8)، وقال: "إنَّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، ¬

_ (¬1) انظر "لسان العرب": (مادة: سير). (¬2) سورة الزمر، آية: [23]. (¬3) سورة الزلزله، آية: [4]. (¬4) سورة التوبة، آية: [94]. (¬5) سورة البروج، آية: [7]. (¬6) سورة النساء، آية: [42]. (¬7) أخرجه البخاري (5/ 2031 رقم 4994) والترمذي (5/ 716 رقم 3910) والنسائي في "الكبرى" (5/ 89 رقم 8336) وأحمد في "مسنده" (1/ 56 رقم 392)، وأبو يعلى (6/ 327 رقم 3650) وابن حبان (16/ 274 رقم 7285) من حديث أنس بن مالك. (¬8) أخرجه الطبراني في "الكبير" (24/ 401 رقم 970، 973) وأصله عند مسلم في "صحيحه" (4/ 2261 رقم 2942).

وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي ... " (¬1) الحديث، وفي رواية: "فأخبروني" (¬2). قلت: ومن هذا قال القاضي عياض: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعته يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان. وإليه مال الطحاوي، وصحح هذا المدقق ابن الحاجب ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، وهو مذهب جماعة من المحدثين منهم الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى القطان، وقيل: إنه قول معظم الحجازين والكوفيين. وقال آخرون بالمنع في القراءة على الشيخ إلَّا مقيدًا، مثل: حدثنا فلان قراءة عليه، وأخبرنا قراءة عليه، وهو مذهب ابن المبارك وأحمد بن حنبل ويحيي بن يحيى التميمي، والمشهور عن النسائي، وصححه الآمدي والغزالي، وهو مذهب المتكلمين، وقال آخرون بالمنع في حدثنا، وبالجواز في أخبرنا، وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق، ونُقِلَ عن أكثر المحدثين منهم ابن جريج والأوزاعي والنسائي وابن وهب، وقيل: إنه أول من أحدث هذا الفرق بمصر وصار هو السابغ الغالب على أهل الحديث، والأحرى أن يقال فيه: إنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين، وخصصوا قراءة الشيخ بحدثنا المفيدة إشعاره بالنطق والمشافهة. ثم إنَّ السُّنة [1/ ق 2 - أ]، إحدى أصول الشرع الثلاثة المتفق عليها، أعني الكتاب والسُّنة والإجماع، والأصل الرابع هو القياس المستنبط من هذه الثلاثة، ووجه الحصر أن الدليل إنْ كان وحيًا مَتلُوًّا فهو الكتاب، أو غير متلوٍّ فهو السُّنة، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1/ 34 رقم 61) ومسلم (4/ 216 رقم 2811) من حديث ابن عمر. (¬2) أخرجه البخاري (4/ 1735 رقم 4331) ومسلم (4/ 2166 رقم 2811) من حديث ابن عمر - رضي الله عنه - بلفظ: "أخبروني".

وغير الوحي إنْ كان معصومًا عن الخطأ فهو الإجماع، أو غير معصوم عنه فهو القياس، والأصل الكتاب، والسُّنة مُخْبِرةٌ عنه، والإجماع مستندٌ إليهما، والقياس متفرع عليهما. وأما شرائع من قبلنا التي قصَّ الله أو رسوله -من غير إنكار- فملحقة بالكتاب أو السُّنة، وقول الصحابي ملحق بالسُّنة، والتعامل ملحق بالإجماع، والاستصحاب ملحق بالقياس، فلا يبطل الحَصرُ المذكور. قوله: "عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" فالرسول على وزن فعول بمعنى مفعل، مشتق من الرسالة وهي الإبلاع، وفي الاصطلاح: الرسول من أوتي الكتاب والمعجزة، قاله بعض المحققين، وقيل: إنَّ الرسول من بعُث ومعه كتاب منُزل عليه، والنبي من لا كتاب له، فكل رسول نبي ولا عكس. وهذا كله غير مرضي، والصحيح أن الرسول من نزل عليه ملك أو كتاب، والنبي من يوقفه الله تعالى على الأحكام، أو يتبع رسولًا من الرسل. و"الصلاة" في اللغة الدعاء، وإنْ أضيفت إلى الربّ فهي رحمة، وإلى العبد فهي سؤال وخضوع، ومعناها: اللهم عظّمه في الدنيا بإعلاء كلمته وإحياء شريعته، وفي الآخرة بتكثير أجره وتشفيعه في أمته. قوله: "أهل الإلحاد": من ألحد في دين الله، أي: حادَ عنه وعدل، ولَحَد لغة فيه وقرئ: {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ [إِلَيْهِ] (¬1)} ووالتحد مثله، وألحد الرجل أي ظلم في الحرم، وكل من عدل عن الحق فهو ملحد، وكل من كذب على الله تعالى أو على رسوله فهو ملحد، وكل من فسر القرآن برأيه فهو ملحد، وكل من لم ير بتأويل الأحاديث المتعارضة فهو ملحد، وكل من لا يرى بالنسخ في ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "فيه"، وهو خطأ، والآية من سورة النحل رقم: [103]، ومن قرأ بفتح الياء، والحاء في {يُلْحِدُونَ} حمزة والكسائي وخلف. انظر "البدور الزاهرة" (ص 182).

الكتاب أو السُّنة فهو ملحد، وقد ورد وعيد شديد في الكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو قوله - عليه السلام -: "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (¬1)، وفي رواية: "من تعمد عليَّ كذبًا فليتبوأ مقعده من النار" (¬2)، وهذا حديث جليل متواتر مقطوع به لا يوجد له مشابه في طرقه وكثرتها، وقال البزّار: رواه مرفوعًا نحو من أربعين صحابيًّا. وقال ابن الصلاح: قيل: إنَّه رواه ثمانون من الصحابة فيهم العشرة إلَّا عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهم - وقال الطبراني وابن منده: رواه سبعة وثمانون صحابيًّا منهم العشرة. وقيل: رواه مائتان منهم ولم نزل في ازدياد. وقال ابن دِحْيَةَ: قد أخرج من نحو أربعمائة [طريق] (¬3). وقيل: لا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة غيره، ثم الكذب عند الأشاعرة الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وإنْ كان سهوًا، واشترطت المعتزلة العمدية فيه. قلت: الحديث يدل على أن من لم يتعمد يقع عليه اسم الكذب، ولكن الإجماع منعقد على أن الناسي لا إثم عليه، والمطلق محمول على المقيد في الإثم، ثم الكذب عليه - عليه السلام - من الكبائر، والمشهور أن فاعله لا يكفر -إلَّا أن يستحله- خلافًا للجُوَيْني حيث قال: يكفر ويُراق دمه. وضَعَّفه ولدُهُ الإمام وجعله من هفوات والده، نعم من كَذَب في حديث واحد عمدًا يفسق وترد شهادته ورواياته كلها وإنْ تاب، وبه قال [1/ق 2 - ب]، أحمد وغيره، وهو نظير ما قاله مالك في شاهد الزور إذا تاب؛ أنه لا تقبل شهادته، ونظير ما قاله أبو حنيفة والشافعي فيمن ردّت شهادته بالفسق أو العداوة ثم تاب وحسنت حاله لا يقبل ¬

_ (¬1) متفق عليه من حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (1/ 52 رقم 110) ومسلم (1/ 10 رقم 4). (¬2) متفق عليه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - فأخرجه البخاري (1/ 52 رقم 108) ومسلم (1/ 10 رقم 2). (¬3) في "الأصل، ك": "طرق".

منه إعادتها لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه، ونظير ما قاله أبو حنيفة من أن قاذف المحصن إذا تاب لا تقبل شهادته أبدًا، ونظير ما قاله من أنه إذا ردَّت شهادة أحد الزوجين للآخر ثم بَانت لا تسمع للتهمة، وخالف النووي فقال: المختار صحة توبته وقبول روايته بعد صحة التوبة بشروطها، ثم لا فرق بين تحريم الكذب عليه - عليه السلام - بين ما كان في الأحكام وغيرها كالترغيب والترهيب، ولا عبرة بقول الكرامية في تجويزهم الوضع في الترغيب والترهيب وتشبثهم برواية: "من كذب عليّ متعمدًا ليضل به" (¬1) بهذه الزيادة ولأنه كذب له لا عليه، فهذه زيادة باطلة باتفاق الحفاظ، واللَّحْنُ ونحوه يحتمل دخوله في هذا الوعيد؛ فلذلك قالوا: ينبغي للراوي أن يعرف من النحو واللغة ما يسلم به من قول ما لم يقله، وقال الأصمعي: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله - عليه السلام -: "من كذب عليّ ... " (1) الحديث؛ لأنه - عليه السلام - لم يكن يلحن، فمهما لحن الراوي فقد كذب عليه. قوله: "والضعفةُ" بالرفع عطفًا على المضاف في قوله: "أهل الإلحاد" وأراد بهم الضعفة -وهو جمع ضعيف- في النقل، أو في استنباط الأحكام، أو في فهم المعاني من الألفاظ. قوله: "من الناسخ" النسخ لغة: الإزالة والرفع، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته ورفعته، والنقل أيضًا يقال: نسختُ الكتابَ أي نقلت مثل ذلك المكتوب إلى موضع آخر. وشرعًا: بيان لمدة الحكم المطلق الذي كان معلومًا عند الله تعالى وأجمع المسلمون على جوازه -خلافًا لليهود- وعلي وقوعه -خلافًا لأبي مسلم الأصفهاني- وشرطه: التمكن من عقد القلب، فأما الفعل أو التمكن منه فليس بشرط -خلافًا للمعتزلة- وذلك لأن الله تعالى فرض على عَبيده خمسين صلاة ¬

_ (¬1) تقدم.

ليلة المعراج ثم انتسخ ما زاد على الخمس لسؤال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان ذلك نسخًا قبل التمكن من الفعل إلَّا أنه كان بعد عقد القلب عليه، والرسول - عليه السلام - هو الأصل لهذه الآية ولا شك أنه عقد قلبه على ذلك، ومحله أربعة: الأول: لا مدخل للنسخ فيه، كصفات الباري وأسمائه، وهذا القسم لا يحتمل العدم أصلًا. الثاني: ما لا يحتمل الوجود أصلًا، كاجتماع النقيضين، وهذا أيضًا ما استحال نسخه؛ لأنه لا يجري في المعدوم. والثالث: ما يحتمل الوجود والعدم لكن اقترن به ما يمنع الزوال من توقيت، مثل أن يقول الشارع: أذنت لك كذا إلى سنة كذا، فإن المنع عنه قبل حلول الأجل بداء فهو باطل وليس لهذا القسم مثال في أحكام الشرع، أو تأبيد صريح مثل: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} ولا يجري فيه النسخ أيضًا. والرابع: هو المطلق الذي يحتمل أن يكون مؤقتًا، ويحتمل أن يكون مؤبدًا احتمالًا على السواء فيجري فيه النسخ، وذلك في الأحكام الشرعية بالأمر والنهي، ولا نسخ في الأخبار عند الجمهور، ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب، والسُّنة بالسُّنة، والكتاب بالسُّنة والعكس [1/ق 3 - أ]، خلافًا للشافعي في الأخيرين، ولا يجوز نسخ الكتاب والسُّنة بالقياس عند الجمهور -خلافا لابن سريج- ووجوهه أربعة: نَسخ التلاوة والحكم جميعًا، كصحف إبراهيم ومن تقدمه من الرسل، عليهم السلام. ونَسخ الحكم مع بقاء التلاوة، كما في قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} (¬1)، فإن الحبس في البيوت والأذى باللسان كان حَدَّ الزنى، وقد نسخ هذا مع بقاء التلاوة. ¬

_ (¬1) سورة النساء، آية: [15].

ونَسخ رسم التلاوة مع بقاء الحكم، كما في صوم كفارة اليمن ثلاثة أيام متتابعة بقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه -: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ متتابعات} (¬1). والنَّسخ بطريق الزيادة على النص، فهذا بَيَانٌ عندنا صورة، ونَسْخ معنًى، سواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم، وعلي قول الشافعي هو بمنزلة تخصيص العام، ولا يكون فيه معنى النسخ، حتى جوز ذلك بخبر الواحد والقياس، وبيان هذا في النفي مع الجلد، وقيد صفة الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار واليمين. قوله: "وتأويل العلماء" مِنْ أوّل، أصله من آل الشيء يئول إلى كذا، أي رجع وصار إليه، وقال ابن الأثير: التأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. وقال البغوي: التأويل صرف الآية إلى معنى محتمل موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسُّنة من طريق الاستنباط، والتفسير هو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها فلا يجوز إلَّا بالسماع بعد ثبوته بطريق النقل، وأصله من التفسِرة وهي الدليل من الماء الذي ينظر فيه الطبيب، فيكشف عن علة المريض، فكذلك المفسر يكشف عن شأن الآية وقصتها. قوله: "وإقامة الحجة" من حَجَّ إذا غلب، سمّيت حُجَّة لأنها تغلب من قامت عليه وألزمته حقًّا، وتستعمل في القطعي وغيره، والبرهان نظيرها، وقيل: هو بيان صدق الشهادة. و"البينة" مأخوذة من البين وهو الفصل، والفاصل بين الحق والباطل سمّي بينة. و"الدليل" يُذكر ويراد به الدالّ، ومنه قول الداعي: يا دليل المتحيرين إني هاديهم إلى ما تزول به الحَيْرة، ومنه دليل القافلة وهو الذي يرشدهم الطريق، ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [89].

ويُذَكَّر ويراد به العلامة المنصوبة لمعرفة المدلول ومنه سمّي الدخان دليلًا على النار، ثم اسم الدليل يقع على كل ما يعرف به المعلوم حِسِّيًّا كان أو شرعيًّا، قطعيًّا كان أو غير قطعيّ، حتى سمّي الحِسُّ والعقل والنص والقياس وخبر الواحد وظواهر النصوص كلها أدلة. قوله: "أو إجماع أو تواتر" الإجماع لغة: العزم، يقال: أجمع زيد على كذا، أي عزم وصمم عليه. وفي الاصطلاح: هو اتفاق المجتهدين من هذه الأمَّة في كل عصر على أمر من الأمور، ولا بد من قيد "إلى انقراض العصر" عند من يشترط ذلك، وقال داود ومن تابعه: لا إجماع إلَّا للصحابة. وهو رواية عن أحمد، وقال مالك ومن تابعه: لا إجماع إلَّا لأهل المدينة من الصحابة والتابعين. وقالت الزيدية والإمامية: لا إجماع إلَّا لعترة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم رهطه الأدنون. والصحيح: أن إجماع علماء كل عصر من أهل العدالة والاجتهاد حجة، ولا عبرة بقلتهم وكثرتهم، خلافًا لإمام الحرمين في اشتراطه عدد التواتر في انعقاده. وأما التواتر في اللغة: من تواترت الكتب إذا اتصل بعضها ببعض في الورود متتابعًا. [1/ ق 3 - ب] وفي الاصطلاح: ما اتصل بنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنقل المتواتر، وهو أن ينقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب؛ لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم، عن قوم مثلهم، هكذا إلى أن يتصل برسول الله - عليه السلام - فيكون أوله كآخره وأوسطه كطرفيه، نحو نقل أعداد الصلوات وأعداد الركعات ومقادير الزكوات والديات ونحو ذلك، والمذهب عندنا: أن الثابت بالمتواتر من الأخبار علم ضروري كالثابت بالمعاينة، وأصحاب الشافعي يقولون: إنَّ الثابت به علم يقين، ولكنه مكتسب لا ضروري.

قوله: "من أقاويل الصحابة" الأقاويل: جمع أقوال، جمع قول، وهو النطق المعتمد على مقاطع الفم، وقال ابن جني: القول يقع على الكلام التام وعلى الكلمة الواحدة على سبيل الحقيقة، ويصح جعله مجازًا على الاعتقاد والرأي، كما نقول: فلان يقول بقول أبي حنيفة ويذهب إلى قول مالك، وقد يستعمل في غير النطق، قال تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ} (¬1)، واللفظ ما يتلفظ به الإنسان أو في حكمه مهملًا كان أو مستعملًا، والصوت كيفية تحدث من تموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع. و"الصحابة" في الأصل مصدر ولكن المراد الأصحاب، يقال: صَحِبَهُ يصحَبُه صُحْبة وصَحابةً، وجمع الصاحب: صَحْب كراكب ورَكْب، وصُحْبة -بالضم- كَفَارِه وفُزهة، وصِحاب كجائع وجياع، وصُحْبَان، كشابّ وشبَّان، والأصحاب جمع صحب. والصحابي: كل مسلم رأى النبي - عليه السلام - ولو ساعة وإنْ لم يصحبه، وقال البخاري: من صحب النبي - عليه السلام - أو رآه من المسلمين. وقالت جماعة: هو من طالت صحبته مع النبي - عليه السلام - وكثرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه. وعن ابن المسيّب: هو من أقام مع رسول الله - عليه السلام - سنة أو سنتين، أو غزا معه غزوة أو غزوتين. والأصح أنه من رأى النبي - عليه السلام - أو رآه النبي - عليه السلام - ولو ساعة. ويعرف كونه صحابيًّا بالتواتر أو بالاستفاضة أو يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، أو بقوله وإخباره عن نفسه أنه صحابي بعد ثبوت عدالته. والتابعيّ: من رأى الصحابيّ، والياء فيهما للمبالغة كما يقال أحمريّ ودُوَّاريّ، أو زائدة لازمة لغير معنى كقولهم للناصر حواريّ ولضرب من النبت بَرْدي. ¬

_ (¬1) سورة النحل، آية: [40].

قوله: "وبحثت" من بحث عن الشيء وابتحث عنه إذا فتش عنه، وفي الاصطلاح: البحث هو التفتيش عن النسبة الإيجابية أو السلبية في الكلام. قوله: "أبوابًا ... " جمع باب وهو النوع وقد يجمع على أبوبة قاله ابن فارس، و"الجنس" كلي مقول على كثيرين مختلفين في النوع، والنوع كلي مقول على كثيرين مختلفين بالشخص. قوله: "في الطهارات" جمع طهارة وهي النظافة مطلقًا، وفي الشرع هي النظافة عن النجاسات وما به، من طَهُر يطهُر بضم الهاء وفتحها في الماضي، وإنما جمع المصدر وإنْ كان يتناول القليل والكثير لقصده الأنواع، كما يقال: كتاب البيوع لاشتماله على أنواع البيع، والتاء فيها كالتاء في "رحمة" و"شدة". قوله: "فمن ذلك" إشارة إلى باب الطهارة الذي دل عليه سياقه أو إلي الطهارات باعتبار، المذكور.

كتاب الطهارة

ص: باب: الماء تقع فيه النجاسة ش: ارتفاع الباب بالابتداء، وخبره قوله: "فمن ذلك"، أي فمن باب الطهارات باب حكم الماء الذي تقع فيه النجاسة، هذا على النسخة التي ترتيبها هكذا فمن ذلك باب الماء تقع فيه النجاسة، وأما على النسخة التي ترتيبها فمن ذلك باب ما تقع فيه النجاسة، باب الماء تقع فيه النجاسة فهو مرفوع إما على أنه بدل من الباب الأول، أو يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب في بيان أحكام الماء الذي تقع فيه النجاسة، فيكون هذا من ذكر الخاص بعد العام؛ لأن قوله: باب ما تقع فيه النجاسة أعم من أن يكون ماءً أو غيره. وإنما قدم أبواب الطهارات؛ لأنها شروط للصلاة، والشرط يذكر قبل المشروط، وقدم الماء لأنه آلة للتحصيل، وخصّ الماء الذي تقع فيه النجاسة لشدة الاحتياج إلى معرفة أحكامه. وأصل الماء: مَوَه فلذلك تجمع على أمواه ومياه، فالأول في القِلة، والثاني في الكثرة، والذاهب عنه الهاء لأن تصغيره مُوَيْه، وماهت الركيّةُ تَموه وتَميه وتماه مَوهًا وموؤها إذا طهر ماؤها، ومِهْتُ الرجلَ ومهُته بكسر الميم وضمها إذا سقيته الماء، قال الجوهري: الماء الذي يشرب. قلت: الماء جوهر سيَّال منبِت مُرْوٍ للعطش. والنجاسة اسم للنجس من نَجِسَ الشيء -بالكسر- يَنجُس نَجَسًا بفتحتين ونِجْسًا بكسر النون وسكون الجيم، وأَنْجَسَهُ غيره ونَجَّسَه بمعنى. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة بن راشد البصري، قال: حدثنا الحجاج بن منهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبيد اللهَ بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ من بئر بضُاعة، فقيل: يا رسول الله، إنَّه تُلقي فيها الِجيَفُ والمحائضُ. فقال: إنَّ الماء لا ينجس".

ش: محمَّد بن خزيمة وثقه ابن يونس وقال: توفي بالإسكندرية سنة ست وسبعن ومائتين. والحجاج بن منهال الأنماطي أبو محمَّد البصريّ، روى له الجماعة. وحماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا. ومحمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المدني، روي له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات. وعُبيد الله -بتصغير العبد- بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري العدوي، وقيل: عبيد الله بن عبد الله -بتصغير الابن وتكبير الأب- بن رافع بن خَديج، وقيل: عبد الله بن عبد الله بالتكبير فيهما. وقيل: إنهما اثنان، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي. وأبو سعيد اسمه سعد بن مالك، مشهور باسمه وكنيته. والحديث أخرجه الثلاثة، فقال أبو داود (¬1): حدثنا ابن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سُليمان الأنباري، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري: "أنه قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تُطرح فيها الحِيَض ولحم الكلاب والنَّتْن؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الماء [1/ق 4 - ب] طهور لا ينجسه شيء". وقال الترمذي (¬2): حدثنا هنّاد والحسن بن علي الخلال وغير واحد، قالوا: حدثنا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن محمَّد بن كعب، عن عبيد الله بن عبد الله ابن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري: "قيل: يا رسول الله، أتتوضأ من بئر ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 17 رقم 66). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 95 رقم 66).

بضاعة وهي بئر تُلقي فيها الحِيَض ولحوم الكلاب والنَّتْنُ؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء". وقال النسائي (¬1): أخبرني هارون بن عبد الله، ثنا أبو أسامة، ثنا الوليد بن كثير، ثنا محمَّد بن كعب القُرَظِي، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد الخدري قال: "قيل: يا رسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تطرح فيها لحوم الكلاب والحيض والنتن؟! فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء". وأخرجه أيضًا أحمد (¬2) والبزار وأبو يعلى (¬3) في مسانيدهم، والدارقطني (¬4) والبيهقي (¬5) في سننهما، وقال أحمد: "هو صحيح". وقال التزمدي: هذا حديث حسن. فإن قلت: قال ابن القطان: هو ضعيف؛ لأن مداره على أبي أسامة عن محمَّد بن كعب، واختلف على أبي أسامة في الواسطة الذي بين محمَّد بن كعب وأبي سعيد على خمسة أقوال: عبد الله بن عبد الله بن رافع، وعبيد الله بن عبد الله بن رافع، وعبد الله ابن عبد الرحمن بن رافع، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وعبد الرحمن بن رافع، وكيف ما كان لا نعرف له حالًا ولا عينًا. قلت: القول ما قال أحمد؛ "إذا قالت حَذام فصدِّقوها". ووثق ابن حبان عبيد الله بن عبد الله وعبيد الله بن عبد الرحمن وعقد لهما ترجمتين، وهما عند البخاري واحد، بل الخمسة المذكورون عند ابن القطان واحد عند البخاري، فعل هذا ما أحَقّه أن يكون صحيحًا، ولما أخرجه ابن منده من رواية ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 174 رقم 326). (¬2) "مسند أحمد" (3/ 31 رقم 11275). (¬3) "مسند أبي يعلى" (2/ 476 رقم 1304) لكن من طريق خالد بن أبي نوف، عن سليط، عن أبي سعيد الخدري به، بلفظ: "إنَّ الماء لا ينجسه شيء". (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 31 رقم 13). (¬5) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 4 رقم 7).

محمَّد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع قال: هذا إسناد مشهور، ولكن تركه البخاري ومسلم لاختلاف في إسناده. وله طريق حسن من غير رواية أبي سعيد، من رواية سهل بن سعد. قال قاسم بن أصبغ: ثنا أبوعلي عبد الصمد بن أبي سُكينة الحلبي بحلب، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد: "قالوا: يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة وفيها ما يُنْجِي الناس والمحائض والجيف! فقال رسول الله - عليه السلام -: الماء لا ينجسه شيء". قال قاسم: هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة. وقال ابن حزم في كتاب "الإيصال": عبد الصمد بن أبي سُكينة ثقة مشهور. وقول ابن القطان في تضعيفه مرجوح، وأكثر ما فيه أنه جَهِل من عرفه غيرُه، وإذا صح من طريق لا يضره أن يُروى من طريق أخرى غير صحيحة، فالضعيف لا يُعِلّ الصحيح. قوله: "تتوضأ" من باب تفعل وثلاثيه "وَضُأ" على وزن فَعُلَ بالضم، قال الجوهري: الوضاءة الحسن والنظافة، تقول منه وَضُؤَ الرجل أي صار وضيئًا، وتوضأت للصلاة، ولا تقل: توضيت، وبعضهم يقوله. و"البئر" يجمع في القِلة أَبْؤُر وأبآر بهمز بعد الباء، ومن العرب من يقلب الهمزة فيقول: آبار، فإذا كثرت فهي البِئارُ وقد بأرت بئرًا، والبئرة هي الحفرة، وقال أبو زيد: [1/ق 5 - أ]، بَأَرْتُ أَبأَرَ بَأْرًا: حفرتُ بُؤْرَة يطبخ فيها، وهي الإِرةُ والبَئيرةُ على فعيلة: الذخيرة. و"البُضاعة" بضم الباء هو المشهور، وذكر الجوهري الضم والكسر وبعدها ضاد معجمة وعن مهملة وحُكي أيضًا بالصاد المهملة، وقال المنذري: بئر بضاعة دار لبني ساعدة بالمدينة، وبئرها معلوم، وبها مال من أموال أهل المدينة. وفي بعض شروح الهداية: بئر بضاعة بئر بالمدينة قديمة ماؤها يجري في البساتين.

قوله: "يلقى" من ألقيت الشيء إذا طرحته، يقال: ألقه من يدك، وألق به من يدك، وألقيت إليك المودة، وألقيت عليه أُلْقِيةً كقولك ألقيت عليه أُحْجية. و"الجيف" جمع جيفة، وقال الجوهري: الجيفة جثة الميت وقد أراح، تقول منه: جيّفَ تجييفًا، والجمع: جيف ثم أجياف. و"المحائض" جمع مَحِيضة وهي خرقة الحيض، وكذلك الحِيَض -بكسر الحاء وفتح الياء- جمع حِيْضة -بكسر الحاء وسكون الياء- وهي خرقة الحيض وقال ابن الأثير: "وقيل: المحائض جمع محيض وهو مصدر خاص فلما سَمَّى به جمعه، ويقع المحيض على المصدر والزمان والمكان والدم". و"النتّن" الرائحة الكريهة وتقع أيضًا على كل مستقبح. و"عَذِرُ النَّاس" -بفتح العين وكسر الذال المعجمة- اسم جنس للعذرة، وضبط أيضًا بكسر العين وفتح الذال كَمَعِد ومِعَد وكلاهما صحيح، وضم العين تصحيف. قوله: "ما يُنْجي الناس" بضم الياء بعدها نون ساكنة ثم جيم، والناس مرفوع على الفاعلية، يقال: أنجي الرجل إذا أحدث. قوله: "لا ينجس" من نَجِسَ يَنْجَس مِن باب علم يعلمُ، ونَجِسًا ونَجَسًا ونجاسةً، ويقال: في نجس لغتان ضم الجيم وكسرها فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع، ومن ضمها ضمها في المستقبل أيضًا. قوله: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" بفتح الهمزة في محل النصب على أنه مفعول "روي"، المقدر؛ لأن التقدير: عن أبي سعيد الخدري روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و"كان" من الأفعال الناقصة وهي أم الباب لكثرة أقسامها ودلالتها على الكون إذا كانت تامّة وكل شيء داخل تحت الكون. قوله: "إنّه" الضمير فيه للشأن، ولما كانوا مترددين في حال بئر "بضاعة" بحسب ما يلقي فيها من المحائض ونحوها أكَّدَ رسول الله - عليه السلام - جوابه بنوع من المؤكد فقال: "إنَّ الماء لا ينجس" وقد عُلِمَ أن "إنَّ" تدخل الكلام للتأكيد ولكن البلاغة أن يراعى

فيه الحال فإن كان المخاطب خالي الذهن يُستغنى عن المؤكِّد، وإنْ كان متصورًا لطرفي الخبر مترددًا فيه حسن تقويته بمؤكد، وإنْ كان منكرًا للحكم وجب توكيده بحسب الإنكار، والألف واللام في "إنَّ الماء" للعهد أي ماء بئر بضاعة ولا يصح أن يكون للاستغراق؛ لأنه يلزم أن يكون كل فرد من أفراد الماء طاهرًا وليس كذلك، ولئن سُلِّم أنه للاستغراق ولكنه مخصوص بوجهين: الأول: مجمع عليه، وهو المتغير بالنجاسة. والثاني: مختلف فيه، وهو إذا كان دون القلتين كما قال به الشافعي وأحمد، وسيأتي كيفية استنباط الحكم بهذا الحديث في اختلاف العلماء، ولما أخرج الترمذي [1/ق 5 - ب]، هذا الحديث قال: وفي الباب عن ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم -. أما حديث ابن عباس فأخرجه أبو يعلى (¬1) بإسناد صحيح عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الماء لا ينجسه شيء". وأما حديث عائشة فأخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬2): حدثنا أحمد، ثنا أبو الربيع عبيد الله بن محمَّد الحارثي، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الماء لا ينجسه شيء" لم يروه عن المقدام إلَّا شريك، ورواه البزار (¬3): عن عمر بن علي، عن أبي أحمد. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود سليمان بن داود الأسدي، قال: حدثنا أحمد بن خالد الوهبى، قال: حدثنا محمَّد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "قيل: يا رسول الله، إنَّه يُستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها عذرة الناس ومحائض النساء ولحوم الكلاب. فقال: إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء". ¬

_ (¬1) "مسند أبي يعلى" (4/ 301 رقم 2411). (¬2) "المعجم الأوسط" (2/ 318 رقم 2093). (¬3) ورواه أبو يعلى أيضًا (8/ 203 رقم 4765) من طريق الحماني، عن شريك به.

ش: إبراهيم هذا هو: إبراهيم بن سليمان بن داود أبو إسحاق الأسدي المعروف بالبُرُلُّسي، قال ابن عساكر: كان ثقة من حفاظ الحديث. قوله: "سليمان بن داود" عطف بيان على قوله: "ابن أبي داود" وقد صحّف النساخ هَا هنا تصحيفًا فاحشًا وكتبوا "وسليمان بن داود" بواو العطف، وهذا غلط كبير. وأحمد بن خالد: روي له الأربعة، ووثقه يحيى بن معين. و"سَليط" بفتح السين، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي هذا الحديث لا غير. وأخرجه بهذا الإسناد أبو داود (¬1) وقال: حدثنا أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز ابن يحيي الحرانيان، قالا: ثنا محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن سَليط بن أيوب، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - وهو يقال له: "إنَّه يستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر يلقي فيها لحوم الكلاب والمحائض وعَذِرُ الناس! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء". قوله: "إنَّه" أي إن الشأن. قوله: "طَهُور" بفتح الطاء، وهو الماء الذي يتطهر به، وبالضم: التطهر كالوَضوء، والوُضوء والسَّحور والسُّحور، وقال سيبويه: الطَّهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معًا. فعلى هذا يجوز أن يكون الحديث بفتح الطاء وضمها، والمراد بهما: التطهر، يقال: طَهَرَ يَطْهُر طَهْرًا من باب نَصَرَ يَنْصُرُ، وطَهُر يَطْهُر من باب حَسُنَ يَحْسُن، وتَطَهَّر يَتَطَهَّر تَطَهُّرًا فهو مُتَطَهِّر. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 18 رقم 67).

والماء الطهور في الفقه: هو الذي يُرفع به الحدث، ويُزيل النجس؛ لأن "فعولًا" من أبنية المبالغة فكأنه تناهى في الطهارة، والماء الطاهر غير الطهور: هو الذي لا يَرفع الحدث ولا يزيل النجس، كالمستعمل في الوضوء والغسل؛ قاله ابن الأثير، ولكن هذا على مذهب الشافعي ومحمد بن الحسن على ما عرف في موضعه، ويجوز أن يكون وزن "فعول" على معنى الفاعل يعني مُطّهر كما في قوله: في البحر: "هو الطهور ماؤه" (¬1) أي المطهر، ووجه ذكر "إنَّ" قد ذكرناه، وأما الجملة الاسمية فلتدل على الشرب والاستبراء، وأما ذكر الخبر بصيغة فعول فلقصد المبالغة في الوصف المذكور. وقوله: "لا ينجسه شيء" جملة تفسيرية فلذلك ترك العاطف، ويجوز أن تكون [1/ق 6 - أ]، كالمؤكدة للأولى لدفع توهم تجوز أو غلط أو سبق لسان تحمله الجملة السابقة، وهاتان من الجمل التي لا محل لها من الإعراب. ص: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا عيسى بن إبراهيم البرَكيّ، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم القَسْملي، قال: حدثنا مُطَرِّف، عن خالد بن أبي نَوف، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: "انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: يا رسول الله، أتتوضأ منها وهي يُلقي فيها ما يُلقي من النتن؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الماء لا ينجسه شيء". ش: "إبراهيم" هو البرلسي وقد مر ذكره الآن. و"عيسى بن إبراهيم" شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان وغيره، والبِرَكي -بكسر الباء الموحدة وفتح الراء- نسبة إلي سكة البِرَك بالبصرة؛ قاله البزار. و"عبد العزيز بن مسلم أبو زيد المروزي ثم البصري"، روى له الجماعة سوى ابن ماجه. ¬

_ (¬1) رواه أصحاب السنن الأربعة وأحمد وغيرهم، فأخرجه أبو داود (1/ 21 رقم 83)، والترمذي (1/ 100 رقم 69)، والنسائي (1/ 50 رقم 59)، وابن ماجه (1/ 136 رقم 386)، وأحمد (2/ 237 رقم 7232).

و"القَسْملي" -بفتح القاف وسكون السين المهملة- نسبة إلى القساملة قبيلة من الأزد، وقيل: إنَّه نزل القساملة فنسب إليهم. و"مُطَرِّف" -بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وبالفاء- ابن طريف، وقد نسبه النسائي في روايته، روى له الجماعة. و"خالد بن أبي نوف السجستاني"، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي هذا الحديث فقط. و"ابن أبي سعيد الخدري" هو عبد الرحمن بن أبي سعيد سعد بن مالك، وقد جاء مصرحًا به في رواية الحافظ أبي الفتح اليعمري من حديث مطرف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط بن أيوب، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، روى له الجماعة. وأخرجه النسائي (¬1) أيضًا وقال: أخبرنا العباس بن عبد العظيم، ثنا عبد الملك ابن عمرو، ثنا عبد العزيز بن مسلم -وكان من العابدين- عن مطرف بن طريف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط، عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: "مررت بالنبي - عليه السلام - وهو يتوضأ من بئر بضاعة فقلت: أتتوضأ منها وهي تطرح فيها ما يكره من النَّتن؟! فقال: الماء لا ينجسه شيء". وزادت رواية النسائي على رواية الطحاوي بشيئين: أحدهما نسبة مطرف إلى أبيه. والآخر إدخال سليط بين خالد وابن أبي سعيد. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): من رواية عبد العزيز، مثل رواية الطحاوي سواء، غير أن في رواية أحمد: "فقلت: يا رسول الله، توضأ منها؟ " بدون همزة ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 174 رقم 327). (¬2) "مسند أحمد" (3/ 15 رقم 11134).

الاستفهام. وفي رواية الطحاوي، بالهمزة، وفي رواية أحمد "إنَّ الماء" وفي رواية الطحاوي بدون "إنَّ". وأخرجه أبو يعلى (¬1) أيضًا من رواية عبد العزيز مثل رواية الطحاوي سواء، غير أن في رواية أبي يعلى: "إنَّ الماء". قوله: "انتهيت إلى رسول الله - عليه السلام -" أي بلغت إليه في النهاية، وهي الغاية، ولما ضمِّن معنى بلغت عُدِّي بكلمة "إلى" التي هي للغاية. قوله: "أتتوضأ" الهمزة للاستفهام وهو بتائين مثناتين من فوق، خطاب للنبي - عليه السلام - وكذلك وقع مصرحًا به من طريق الشافعي: "قيل: يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة" وكذا وقع في رواية النسائي. قوله: "وهم تُلقى" أبي بئر بضاعة تُطرح فيها ويلقى، على صفة المجهول. قوله:" ما يُلقى" مسند إلى "تُلقى". قوله: "من النتن" كلمة من البيان، وموضعها النصب على الحال. [1/ ق 6 - ب]. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: حدثنا أصبغ بن الفَرَج، قال: ثنا حاتم ابن إسماعيل، عن محمَّد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أمّه قالت: "دخلنا على سهل بن سعد في نِسوة، فقال: لو سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم ذلك؛ وقد سَقيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي منها". ش: أصبغ بن الفرج بن سعيد الفقيه المصري وَرّاق عبد الله بن وهب أحد مشايخ البخاري في "الصحيح"، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي. وحاتم بن إسماعيل المدني مولى بني عبد المدان، روى له الجماعة. ومحمد بن أبي يحيى الأسلمي أبو عبد الله المدني، روى له الأربعة، والترمذي في "الشمائل". ¬

_ (¬1) "مسند أبي يعلى" (2/ 476 رقم 1304).

قوله: "عن أمّه" أي عن أم محمَّد بن أبي يحيى، ولم أقف على اسمها في الكتب المشهورة ولا عرفت حالها بعد الكشف التام ولا لها ذكر في الكتب الستة. ووقع في رواية الطبراني (¬1): "عن أبية" موضع "أمه" وقال: حدثنا موسى بن سهل، عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، عن محمَّد بن يحيى الأسلمي، عن أبيه قال: "دخلنا على سهل بن سعد الساعدي في بيته، فقال: لو أني سقيتكم من بئر بضاعة لكرهتم، وقد -والله- سقيت منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي". وأخرجه الدارقطني (¬2) أيضًا هكذا وقال: حدثنا أبو حامد محمَّد بن هارون، ثنا محمَّد بن زياد الزيادي، ثنا فضيل بن سليمان، عن محمَّد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أبيه قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - يقول: "شرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بئر بضاعة" وقد وقع في أصل الدارقطني: عن محمَّد بن أبي يحيى الأسلمي، عن أمه مثل رواية الطحاوي، واسم أبيه سمعان بن يحيى، روى له أبو داود والترمذي. قوله: "في نسوة" كلمة "في" هَا هنا بمعنى المصاحبة كما في قوله تعالى: {ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} (¬3) أي معهم، وقوله: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} (¬4) وموقعها النصب على الحال، أي دخلنا مصاحبين نسوة. قوله: "لو سقيتكم" خطاب لجماعة النساء ولكن ذكره بخطاب المذكر تغليبا للمذكر على المؤنث؛ لأنهن ما خلون عن رجل بينهن. ويستفاد من هذا جواز استعمال الماء الذي تتغير بعض أوصافه بمخالطة شيء طاهر أو بطول المكث؛ وذلك لأن قوله: "لكرهتم ذلك" يدل على أنه كان متغيرا. قلت: "وقد سقيت رسول الله - عليه السلام -" يدل على أن تغييره في ذلك الوقت ما كان إلَّا بشيء طاهر أو بانحباسه وانسداد جريانه، ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (6/ 207 رقم 6026). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 32 رقم 17). (¬3) سورة الأعراف، آية: [38]. (¬4) سورة القصص، آية: [79].

"الأوسط" (¬1) و"الكبير" (¬2) من حديث أبي أمامة الباهلي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا ينُجّس الماء شيء إلَّا ما غَيَّرَ ريحه أو طعمه". ورواه ابن ماجه (¬3) ولفظه: "إلَّا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". وفي سنده رشدين بن سعد وهو ضعيف. وروى الطبراني (¬4) أيضًا عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتوضأ بالماء ما لم يأْجَن الماء؛ يخضرّ أو يصفرّ". ص: حدثنا فهد بن سليمان بن يحيي، قال: ثنا محمَّد بن سعد الأصبهاني، قال: أخبرنا شريك بن عبد اللهَ النخعي، عن طريف البصري، [1/ق 7 - أ]، عن أبي نضرة، عن جابر -أو أبي سعيد الخدري- قال: "كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فانتهينا إلي غدير وفيه جيفة، فكففنا وكفّ الناس، حتى أتانا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما لكم لا تستقون؟ فقلنا: يا رسول اللهَ، هذه الجيفة. فقال: استقوا فإن الماء لا ينجسه شيء. فاستقينا وارتوينا". ش: فهد بن سليمان بن يحيي أبو يحيى الكوفي، وثقه ابن يونس. ومحمد بن سعيد بن سليمان الأصبهاني أحد مشايخ البخاري في "الصحيح"، وروى له الترمذي والنسائي في "اليوم والليلة". وشريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا، ومسلم في المتابعات. وطريف -بالطاء المهملة- هو ابن شهاب، وقيل: ابن سعد، وقيل: ابن سفيان، أبو سفيان السعدي البصري الأشل، ضعيف جِدّا، وروى له الترمذي وابن ماجه. ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (1/ 417 رقم 748). (¬2) "المعجم الكبير" (8/ 104 رقم 7503). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 174 رقم 521). (¬4) "المعجم الكبير" (20/ 99 رقم 193).

وأبو نضرة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة- واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي ثم العَوَقي -بفتح العين والواو، وفي آخره قاف- روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدا. والحديث أخرجه ابن ماجه (¬1) أيضًا وقال: ثنا أحمد بن [سنان] (¬2) نا يزيد بن هارون، نا شريك، عن طريف بن شهاب، قال: سمعت أبا نضرة يحدّث عن جابر - رضي الله عنه - قال: "انتهينا إلى غدير فإذا فيه جيفة حمار، قال: فكففنا عنه حتى انتهى إلينا رسول الله - عليه السلام - فقال: إنَّ الماء لا ينجسه شيء. فاستقينا، وأروينا، وحملنا". قوله: "فانتهينا إلي غدير" أي بلغنا إليها، والغدير على وزن فعيل بمعنى مفاعل من غادره، أو بمعنى مفعل من أغدره، وقيل: فعيل بمعنى فاعل؛ لأنه يغدر بأهله لانقطاعه عند شدة الحاجة إليه، وهو القطعة من الماء يغادره السيل. قوله: "وفيه جيفة" جملة اسمية وقعت حالًا عن الغدير. قوله: "فكففنا" من كفّ إذا امتنع، يتعدى ولا يتعدى. قوله: "وارتوينا" بمعنى رَوَيْنَا وكذلك تَروّينا، يقال رَوِيت من الماء -بالكسر- أَرْوي رَيّا ورِيّا ورِوي -مثل رضي- وارتويت وتروّيت كله بمعنى. والمراد من الغدير هَا هنا هو الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، والمراد من الاستقاء هو الاستقاء من الجانب الذي لا يصل إليه أثر الجيفة وذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر أحدا إلَّا باستعمال ماء طاهر. ص: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: لا ينجسّ الماء شيء وقع فيه إلَّا أن يُغيّر لونه أو طعمه أو ريحه فأي ذلك إذا كان فقد نجس الماء. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والليث بن سعد ومالكا وعبد الله بن وهب وإسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير والحسن بن صالح وداود بن علي ومن ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 173 رقم 520). (¬2) في "الأصل، ك": سليمان، وهو تحريف، والمثبت من "سنن ابن ماجة"، و"تحفة الأشراف".

تبعهم؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الآثار المذكورة وقالوا: لا ينجس الماء شيء وقع فيه، وأرادوا به من النجاسة؛ لأن وقوع الشيء الطاهر لا ينجسه عندنا أيضًا وإنْ غيّر بعض أوصافه، وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران: "أنه سأل القاسم بن محمَّد وسالم بن عبد الله عن الماء الراكد الذي لا يجري تموت فيه الدابة أَيُشْربُ منه ويُغتسل وتُغسل منه الثياب؟ فقالا: انظر بعينك فإن رأيت ماء لا يدنسه ما وقع فيه فنرجو ألَّا يكون به بأس". قال: وأخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: "كل ماء فيه فضل عما يصيبه [1/ق 7 - ب]، من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه ولا لونه ولا ريحه فهو طاهر يتوضأ به". قال: وأخبرني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة قال: "إذا وقعت الميتة في البئر فلم يتغير طعمها ولا لونها ولا ريحها؛ فلا بأس أن يتوضأ منها، وإنْ رُؤيت فيها الميتة، قال: وإنْ تغيرت نزع منها قدر ما يذهب الرائحة عنها" هذا قول ابن وهب. وقال القشيري: "وهو الذي شهره العراقيون عن مالك فاشتهر". وهو قول لأحمد، ورجحه أيضًا من أتباع الشافعي القاضي أبو المحاسن الروياني صاحب "بحر المذهب". وفي "البدائع" ما ملخصه: أن الظاهرية استدلت بالآثار المذكورة أن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلًا سواء كان جاريا أم راكد، وسواء كان قليلًا أم كثيرا، تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير. وقال ابن حزم في "المحلى" (¬1): وممن روي عنه القول بمثل قولنا: "إن الماء لا ينجسه شيء": عائشة أم المؤمنين وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله ابن العباس والحسن بن علي بن أبي طالب وميمونة أم المؤمنين وأبو هريرة وحذيفة ابن اليمان - رضي الله عنهم - والأسود بن يزيد وعبد الرحمن أخوه وعبد الرحمن بن أبي ليلى ¬

_ (¬1) "المحلى" (1/ 168).

وسعيد بن جبير ومجاهد وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق والحسن البصري وعكرمة وجابر بن زيد وعثمان البتِّي وغيرهم. قوله: "فأي ذلك" إشارة إلى كل واحد من اللون والطعم والريح. قوله: "فقد نجس الماء" بفتح النون وكسر الجميع وضمها. ص: وخالفهم في ذلك آخرون. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه -رحمهم الله- فإنهم قالوا: الماء لا يخلو إما أن يكون جاريا أو راكدا قليلًا أو كثيرا، فإن كان جاريا فوقعت فيه نجاسة وكانت غير مرئية كالبول والخمر ونحوهما فإنه لا ينجس ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، ويتوضأ منه من أي موضع شاء، من الجوانب التي وقعت فيها النجاسة أو من جانب آخر؛ كذا ذكر محمَّد في كتاب "الأشربة". وإنْ كانت مرئية كالجيفة ونحوها؛ فإن كان يجري جميع الماء عليها لا يجوز التوضؤ من أسفلها، وإنْ كان يجري أكثره عليها؛ كذلك اعتبارا بالغالب، وإنْ كان أقله يجري عليها يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإنْ كان يجري عليها النصف دون النصف فالقياس جواز التوضؤ وفي الاستحسان لا يجوز احتياطا. وإنْ كان راكدا فقد اختلفوا فيه: فقال الظاهرية: لا ينجس أصلًا. وقال عامة العلماء: إنْ كان الماء قليلًا ينجس وإنْ كان كثيرا لا ينجس. لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بينهما، فقال مالك: إنْ تغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل؛ وإلَّا فهو كثير. وقال الشافعي: "إذا بلغ قلتين فهو كثير وما دونهما قليل. وبه قال أحمد". وقال أصحابنا: إن كان بحال يخلص. بعضه إلى بعض فهو قليل وإلَّا فهو كثير.

ثم اختلفوا في تفسير الخلوص بعد أن اتفقوا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك وهو أن يكون بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص، وإلَّا فهو مما لا يخلص. واختلفوا في صفة التحريك، فعن أبي يوسف، عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال في غير عنف، وعن محمَّد أنه يعتبر بالوضوء، وروي أنه باليد من غير اغتسال ولا وضوء. وأما اختلافهم في تفسير الخلوص فعن أبي حفص الكبير أنه اعتبره بالصبغ، وعن ابن أخي محمَّد بن سلام أنه اعتبره بالتكدير، وعن أبي سليمان الجوزجاني أنه اعتبره بالمساحة وقال: إن كان عشرا في عشر فهو مما لا يخلص، وإنْ كان دونه فهو مما يخلص. وعن ابن المبارك أنه اعتبره بالعشرة أولا ثم بخمسة عشر، وإليه ذهب أبو مطيع البلخي فقال: إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز [1/ ق 8 - أ] وإنْ كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئًا. وعن محمَّد أنه قدّره بمسجده وكان ثمانيا في ثمان، وبه أخذ محمَّد بن مسلمة، وقيل: كان مسجده عشرا في عشر، وقيل: كان داخله ثمانيا في ثمان وخارجه عشرا في عشر، وعن الكرخي لا عبرة للتقدير وإنما المعتبر هو التحري، فإن كان أكثر رأيه أن النجاسة خلصت إلى الموضع الذي يتوضأ منه لا يجوز، وإنْ كان أكثر رأيه أنَّهَا لم تصل إليه يجوز. فإن قلت: نصب المقدّرات بالرأي لا يجوز. قلت: حديث بئر بضاعة يصلح أن يكون مستندا لتقديرهم الماء الكثير بالعشر في العشر وذلك لأن محمدا قدّره بمسجده وكان ثمانيا في ثمان على ما مرّ وكان وسع بئر بضاعة ثمانيا في ثمان على ما قيل، ولكن قال أبو داود: قدّرتُ بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه هل غُيّر بناؤها عما كان عليه؟ فقال: لا. ورأيت الماء فيها متغير اللون. انتهى.

فإذا كان عرضها ستة أذرع يكون طولها أكثر منها إذ لو كانت البئر مدورة لقال أبو داود: فإذا دورها ستة أذرع. فإذا أضيف ما في الطول من الزيادة إلى العرض يكون ثمانية وأكثر فيستقيم قول من قال: كان وسع بئر بضاعة ثمانيا في ثمان لأن مبنى ذلك على التقدير لا على التحرير؛ فأخذ محمَّد من هذا وقال: إنْ كان قدر مسجدي هذا فهو كثير فلما قاسوه وجدوه ثمانيا في ثمان من داخله وعشرا في عشر من خارجه ولكنهم اعتبروا مساحة خارجه، وقالوا: الماء الكثير عشر في عشر. ولم يعتبروا داخله لأجل الاحتياط في باب العبادات، وأما على قول محمَّد بن مسلمة في تقديره بثمان في ثمان فهو على ظاهره؛ لأن مسجد محمَّد ثمان في ثمان كما أن بئر بضاعة ثمان في ثمان فتنبّه على هذا فإن كثيرا منهم لم يحوموا حوله حتى تعرف أن مبنى أقوال أصحابنا على أصل محكم. وأما من اعتبر الخلوص في تقدير الماء الكثير فله أن يستند على حديث ابن ماجه الذي ذكر عن قريب، واعلم أيضًا أن هذا الحديث يصلح أن يكون مستندا لتقدير بعض أصحابنا عمق الماء الكثير بذراع على ما قال صاحب البدائع، وأما العمق فهل يشترط مع الطول والعرض؟ عن أبي سليمان الجوزجاني أنه قال: إن أصحابنا اعتبروا البسط دون العمق. وعن الفقيه أبي جعفر الهنداوي إنْ كان بحال لو رفع إنسان الماء بكفيه انحسر أسفله ثم اتصل لا يتوضأ به وإنْ كان بحال لا ينحسر أسفله لا بأس بالوضوء منه. وقيل: مقدار العمق أن يكون زيادة على عرض الدرهم الكبير المثقال، وقيل: أن يكون قدر شبر، وقيل: قدر ذراع، انتهى. بيان ذلك: أن أبا داود -رحمه الله-: قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: سألت قيّم بئر بضاعة عن عمقها قلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. فهذا عند ازدياده يكون إلى العانة وهذا قدر ذراع وأكثر، وعند انتقاصه يكون دون العورة أراد به ما دون الركبة فهذا وأكثر من شبر، وأيّا ما

كان لا تنجس الأرض لو رفع إنسان ماءه بكفيه، وعلى كل تقدير فيه استناد للأقوال التي ذكرت في مقدار العمق في الماء الكثير، فافهم. ص: فقالوا: أما ما ذكرتموه من بئر بضاعة فلا حجة لكم فيه؛ لأن بئر بضاعة قد اختلفت فيها ما كانت؟ فقال قوم: كانت طريقا للماء إلى البساتين، فكان الماء لا يستقر فيها، فكان حكم مائها كحكم ماء الأنهار، وهكذا نقول في كل موضع كان على هذه الصفة وقعت في مائه نجاسة؛ فلا ينجس ماؤه إلَّا أن يغلب على طعمه أو لونه أو ريحه [1/ ق 8 - ب]، أو يعلم أنَّهَا في الماء الذي يؤخذ منه؛ فإن علم ذلك كان نجسا، وإنْ كان لم يعلم ذلك كان طاهرا. ش: أشار بهذا إلى الجواب عن الآثار المذكورة وهو ظاهر. قوله: "فيه" أي فيما ذكرتموه من الآثار، وأراد بقوله: "فقال قوم" الواقدي ومن تبعه على ما يجيء، وهو قول عائشة - رضي الله عنه - أيضًا على ما روي عنها أنَّهَا قالت: "إنَّ بئر بضاعة كانت قناة ولها منفذ إلى بساتينهم ويسقى منها خمسة بساتين أو سبعة" وقال صاحب الهداية: والذي رواه مالك ورد في بئر بضاعة وماؤه كان جاريا في البساتين. وقال الخطابي: قد يتوهم من سمع حديث أبي سعيد أن هذا كان منهم عادة، وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدا وتعمدًا، وهذا ما لا يجوز أن يُظَنّ بذمي بل وثني فضلا عن مسلم، ولم تزل عادة الناس قديما وحديثا مسلمهم وكافرهم تنزيه المياه، فكيف يُظن بأعلى طبقات الدين وأفضل جماعة المسلمين والماء ببلادهم أعز والحاجة إليه أمس أن يكون صنيعهم به هكذا وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تغوط في موارد الماء ومشارعه فكيف من اتخذ عيون الماء ومنابعه رصدا للأنجاس ومطرحا للأقذار، مثل هذا الظن لا يليق بهم ولا يجوز فيهم، وإنما كان من أجل أن هذه البئر موضعها في حدور من الأرض، وأن السيول كانت تكسح هذه الأقذار من الطرق والأفنية فتحملها فتلقيها فيها، وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع هذه الأشياء، ولا تُغيره، فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شأنها ليعلموا حكمها من الطهارة والنجاسة، فكان من

جوابه لهم: "إنَّ الماء لا ينجسه شيء" يريد الكثير منه الذي صفته صفة ماء هذه البئر في غزارته؛ لأن السؤال إنما وقع عنها نفسها فخرج الجواب عليها. قوله: "على هذه الصفة" إشارة إلى قوله: "فكان الماء لا يستقر فيها". قوله: "أو يعلم أنَّهَا" أي النجاسة. قوله: "وإنْ كان لم يعلم ذلك" أي وقوع النجاسة في الماء الذي يؤخذ منه، كان الماء طاهرا على حاله؛ لأن الأصل الطهارة فلا يثبت كونه نجسا إلَّا بالعلم، وإنْ شك فيه فكذلك طاهر، على الأصل المعهود: أن اليقين لا يزول بالشك. ص: وقد حُكي هذا القول الذي ذكرناه في بئر بضاعة عن الواقدي، حدثنيه أبو جعفر أحمد بن أبي عمران، عن أبي عبد الله محمَّد بن شجاع الثَلجي، عن الواقدي: أنَّهَا كانت كذلك. ش: أشار به إلى القول المحكي عن القوم الذين قالوا: إنها كانت طريقا للماء إلى البساتين. قوله: "حدثنيه" أي هذا القول. أبو جعفر أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي، وثقه ابن يونس. ومحمد بن شجاع الثلجي -بالثاء المثلثة وبالجيم في آخره- من أصحاب الحسن بن زياد اللؤلؤي وقد شنع عليه أصحاب الحديث تشنيعا عظيما، وقال في التهذيب: كان فقيه أهل الرأي في وقته وصاحب التصانيف. ونقل ابن الجوزي عن ابن عدي أنه كان يضع أحاديث في التشبيه ينسبها إلي أصحاب الحديث يثلبهم بها. قلت: من جملة تصانيفه كتاب "الردّ على المشبهة" فكيف يصح هذا عنه، وكان دَيّنا صالحا عابدا (¬1). ¬

_ (¬1) قال الذهبي -رحمه الله- في "السير" (12/ 380): "وكان صاحب تعبد وتهجد وتلاوة، مات ساجدًا، له كتاب "المناسك" في نيف وستين جزءًا، إلَّا أنه كان يقف في مسألة القرآن وينال من الكبار. =

واسم الواقدي محمَّد بن عمر بن واقد الأسلمي أبو عبد الله المدني قاضي بغداد أحد مشايخ الشافعي. فإن قلت: قد قيل: إنَّ المدينة لم يكن بها ماء جارٍ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -وأما عين الزرقا وعيون حمزة - رضي الله عنه - فحدثت بعد ذلك، وبئر بضاعة كان نبعا غير جارٍ وهي باقية إلى اليوم شرقي المدينة بدار بني ساعدة. قلت: يرد هذا ما رواه الطحاوي عن الوليد بن [1/ ق 9 - أ]، علي أنه يحتمل أن يكون مراد هذا القائل: إن المدينة لم يكن بها ماء جار. الجاري على وجه الأرض مثل النهر، وبئر بضاعة كان ماؤها جاريا تحت الأرض كالقنوات التي تجري تحت الأرض. فإن قلت: قال البيهقي: "زعم أبو جعفر الطحاوي أن بئر بضاعة كان طريقا للماء إلى البساتين فكان الماء لا يستقر فيها، وحكاه عن الواقدي، ومحمد بن عمر الواقدي لا يحتج بروايته فيما يسنده فكيف فيما يرسله؟! ضعفه يحيى بن معين، وكذبه أحمد بن حنبل، وقال البخاري: محمَّد بن عمر الواقدي متروك الحديث. ثم أسند عن الشافعي أنه قال: كتب الواقدي كذب". قلت: هذا تحامل من البيهقي على الطحاوي؛ لأنه حكي عنه أن بئر بضاعة كانت كذلك، وهو إنما أخبر عن مشاهدة لأنه من أهل المدينة وهو أخبر بحالها وحال أماكنها من غيره، وليس فيه إسناد حديث ولا إرساله حتى يشنع عليه هذا التشنيع، فما للواقدي لا يحتج بكلامه في مثل هذا وقد طبّق شرق الأرض وغربها ذكره وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم كما ذكره الخطيب، وقال إبراهيم بن جابر الفقيه: سمعت الصاغاني وذكر الواقدي فقال: والله لولا أنه عندي ثقة ما حدثت عنه. وحدّث عنه أربعة أئمة كبار: أبو بكر بن أبي شيبة وأبو عُبَيد القاسم بن سلام وأبو خيثمة ورجل ¬

_ = وقال في "الميزان" (3/ 578) بعد أن ذكر الأقوال في تضعيفه: "وكان مع هناته ذا تلاوة وتعبد، ومات ساجدًا في صلاة العصر، ويرحم إنْ شاء الله".

آخر. ويمكن أن يكون هو الشافعي لأنه روى عنه، وقال مصعب الزبيري: الواقدي ثقة مأمون. وقال أبو عُبَيد: الواقدي ثقة. ورواية الطحاوي عن الثلجي عن الواقدي دليل على أنهما مرضيان عنده، ولا يلزمه تضعيف غيره إياهما على ما عرف. ص: وكان من الحجة في ذلك أيضًا أنهم قد أجمعوا إن النجاسة إذا وقعت في البئر فغلبت على طعم مائها إو ريحه أو لونه أن ماءها قد فسد، وليس في حديث بئر بضاعة من هذا شيء إنما فيه: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن بئر بضاعة فقيل: إنَّه يلقى فيها الكلاب والمحائض. فقال: إنَّ الماء لا ينجسه شيء" ونحن نعلم أن بئرا لو سقط فيها ما هو أقل من ذلك لكان محالا ألَّا يتغير ريح مائها أو طعمه، هذا مما يعقل ويعلم، فلما كان ذلك كذلك وقد أباح لهم النبي - عليه السلام - ماءها وأجمعوا أن ذلك لم يكن وقد داخل الماء التغير من جهة من الجهات اللاتي ذكرنا؛ استحال عندنا -والله أعلم- أن يكون سؤالهم النبي - عليه السلام - عن مائها وجوابه إياهم في ذلك بما أجابهم كان والنجاسة في البئر، ولكنه كان -والله أعلم- بعد إن أخرجت النجاسة من البئر فسألوا النبي - عليه السلام - عن ذلك هل يطهر بإخراج النجاسة منها فلا ينجس ماؤها الذي يطرأ عليها بعد ذلك؟ وذلك موضع مشكل؛ لأن حيطان البئر لم تغسل وطينها لم يُخْرَجْ؟ فقال لهم النبي - عليه السلام -: "إنَّ الماء لا ينجس" يريد بذلك الماء الذي يطرأ عليها بعد إخراج النجاسة منها؛ لا أن الماء لا ينجس إذا خالطته النجاسة، وقد رأينا أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "المؤمن لا ينجس". ش: هذا إشارة إلي جواب آخر عن مقالة الخصم وهو ظاهر. قوله: "أنهم" في محل الرفع على أنه اسم "كان" والتقدير: وكان من الحجة في ذلك اجتماعهم -أعني إجماع كل من الخصم والأصحاب- على أن النجاسة ... إلى آخره. فإن قلت: كيف قال: قد أجمعوا، والظاهرية ليسوا بقائلين بهذا الحكم فإن عندهم الماء لا ينجسه شيء أصلًا على ما حكينا عن ابن حزم أن مذهبهم هو مذهب

[1/ ق 9 - ب] جماعة من الصحابة والتابعين، وقد سردنا أسماءهم، ثم قال في آخره: فإن كان التقليد؛ فتقليد من ذكرنا من الصحابة والتابعين أولى من تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي. ثم استدل على مذهبه بحديثين: أحدهما ما رواه سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الماء لا ينجسه شيء" والآخر ما رواه حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فضلنا على الناس بثلاث" فذكر - عليه السلام - منها "وجعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" (¬1) يعم - عليه السلام - كل ماء ولم يخص ماء من ماء. قلت: المراد من الخصم في هذا الفصل مالك ومن تبعه فإنهم قائلون بأن البئر إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت أحد أوصاف الماء فيها فإنه ينجس، ولا اعتبار لمخالفة الظاهرية؛ لأن كلامهم ساقط؛ ألَّا ترى إلى قول ابن حزم: فعمّ - عليه السلام - كل ماء ولم يخصّ ماء من ماء. كيف هو في غاية السقوط والتفاهة؛ لأن قوله: - عليه السلام -: "إذا لم نجد الماء" أي الماء الطاهر المطهر، بدليل قوله - عليه السلام -: "لا ينجس الماء شيء إلَّا ما غيّر ريحه أو طعمه" رواه الطبراني وابن ماجه وقد ذكرناه (¬2)، قوله - عليه السلام - "لا يبل أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه" رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3)، ولو كان البول فيه لم ينجسه لم يكن للنهي فائدة. قوله: "وليس في حديث بئر بضاعة من هذا شيء" يعني من الحكم المجمع عليه وهو فساد ماء البئر بوقوع النجاسة التي غلبت على أحد أوصاف الماء. قوله: "ألَّا تتغير" في محل الرفع على أنه اسم كان، والتقدير: لكان عدم تغير ريح مائها محالا. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (1/ 371 رقم 522). (¬2) تقدم. (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 141) من حديث أبي هريرة، والحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة أيضًا، بلفظ: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه" أخرجه البخاري (1/ 94 رقم 236)، ومسلم (1/ 235 رقم 282).

قوله: "فلما كان ذلك كذلك" أي لما كان الأمر كما ذكرنا. قوله: "وقد أباح" جملة حالية وكذلك الواو في قوله: "وقد داخل الماء التغير" للحال، والتغير فاعل "داخل". قوله: "استحال" جواب "لمّا". قوله: "وجوابه إياهم" أي جواب النبي - عليه السلام - للصحابة الذين سألوه. قوله: "والنجاسة في البئر" جملة حالية أيضًا. قوله: "من البئر" أي بئر بضاعة. قوله: "يطرأ" أي يعرض ويُجدّد. "بعد ذلك" أي بعد إخراج النجاسة من البئر. قوله: "وذلك موضع مشكل" إشارة إلى عدم نجاسة الماء الطارئ عليها، يعني كيف يطهر هذا، وهو مشكل "لأن حيطان البئر لم تغسل وطينها النجس لم يخرج" لأنه خالطه نجاسة فأجاب - عليه السلام - بقوله: "إنَّ الماء لا ينجس" يعني الماء الذي يطرأ ويجدّد بعد إخراج النجاسة، لا أن الماء لا ينجس أصلًا إذا خالطته النجاسة، يعني ليس المراد من قوله: "إنَّ الماء لا ينجس" أنه لا ينجس إذا خالطته النجاسة، ثم أيد هذا التأويل بقوله: "وقد رأينا أنه - عليه السلام - قال: المؤمن لا ينجس" لأن معناه ليس أن بدنه لا ينجس وإنْ أصابته النجاسة؛ لأن نجاسته حينئذ ظاهرة لا يمكن نفيها عنه، بل معناه لا ينجس من حيث الاعتقاد، كما يقال في حق المشرك: إنه نجس من حيث الاعتقاد؛ إذ لو كان نجسا بغير هذا المعنى لكان سؤره نجسا مع أنه طاهر. ص: حدثناه ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن حميد. وحدثناه ابن خزيمة، قال: حدثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "لقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا جنب، فمد يده إليّ فقبضت يدي عنه وقلت: إني جُنُب. فقال: سبحان الله، إنَّ المسلم لا ينجس".

ش: أي حدثنا الحديث المذكور وهو قوله - رضي الله عنه -: "المؤمن لا ينجس" إبراهيم بن أبي داود البرلسي. قوله: "حدثنا" بفتح الدال من حدث و"نا" مفعوله "وابن أبي داود" فاعله. و"المقدّمَي" -بضم الميم وفتح القاف [1/ق 10 - أ]، وتشديد الدال المفتوحة وكسر الميم الثانية -نسبة إلى المُقدَّم- على صيغة الفعول -وهو جدّ أبي عبد الله محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم، والذي اشتهر بهذه النسبة منهم جماعة، منهم: محمَّد بن أبي بكر هذا، روى عنه البخاري ومسلم وابن أبي داود البرلسي أيضًا، ومنهم: ابن عمه محمد بن عمر بن علي بن عطاء البصري روى عنه الأربعة- والبرلسي أيضًا وثقه ابن حبان- قيل: هو المراد هَا هنا من المقدمي. وابن أبي عدي هو محمَّد بن إبراهيم بن أبي عدي السلمي مولاهم أبو عمرو البصري، ويقال: محمَّد بن أبي عدي، واسم أبي عدي إبراهيم، روى له الجماعة. وحُميد -بضم الحاء- ابن أبي حميد الطويل، أبو عُبيدة الخزاعي البصري، روى له الجماعة. وابن خزيمة هو محمَّد بن خزيمة بن راشد البصري ثقة مشهور. والحجاج بن منهال روى له الجماعة. وحماد بن سلمة بن دينار البصري روى له الجماعة، البخاري مستشهدا. وبكر هو ابن عبد الله المزني أبو عبد الله البصري روى له الجماعة. وأبو رافع اسمه نُفيع -بضم النون- الصائغ المدني نزيل البصرة روى له الجماعة. وهذا الحديث أخرجه الجماعة، فقال البخاري (¬1): ثنا محمَّد بن المثني، عن ¬

_ (¬1) لم أجده في "صحيح البخاري" من طريق محمَّد بن المثني، ولم يذكر المزي -رحمه الله- هذا الطريق في "تحفة الأشراف"، وإنما أخرجه البخاري في (1/ 109 رقم 279) من طريق علي بن عبد الله، عن يحيى به، ولفظه: "إنَّ المسلم" وأخرجه (1/ 109 رقم 281) من طريق عياش، عن عبد الأعلى به، وانظر "تحفة الأشراف" (9/ 385).

يحيى بن سعيد، عن حميد، قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فذهبت فاغتسلت، ثم جئت فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. قال: سبحان الله، إنَّ المؤمن لا ينجس". وقال مسلم (¬1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا ابن عُلية، عن حميد الطويل، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أنه لقيه النبي - عليه السلام - في طريق من طرق المدينة وهو جُنب، فانسلَّ فذهب فاغتسل، فتفقده النبي - عليه السلام - فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جُنب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سبحان الله! إنَّ المؤمن لا ينجس". وقال أبو داود (¬2): ثنا مسدد، قال: نا يحيى وبشر، عن حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: "لقيني رسول الله - عليه السلام - في طريق من طرق المدينة وأنا جُنب، فاخْتَنَسْتُ منه فذهبت فاغتسلت، ثم جئت فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قلت: إني كنت جُنبا فكرهت أن أجالسك على غير طهارة. فقال: سبحان الله، إنَّ المسلم لا ينجس". وقال الترمذي (¬3): نا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد القطان، قال: نا حميد الطويل، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن النبي - عليه السلام - لقيه وهو جنب، قال: فانبجَسْتُ فاغتسلتُ ثم جئت، فقال: أين كنت -أو أين ذهبت-؟ قلت: إني كنت جنبا. فقال: إنَّ المسلم لا ينجس". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 282 رقم 371). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 59 رقم 231). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 207 رقم 121).

وقال النسائي (¬1): أخبرنا [حميد بن مسعدة] (¬2) قال: ثنا بشر -وهو ابن المفضل- قال: ثنا حميد، عن بكر، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: "أن النبي - عليه السلام - لقيه في طريق من طرق المدينة وهو جنب فانسلَّ عنه فاغتسل ففقده النبي - عليه السلام - فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله، إنك لقيتني وأنا جُنُب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال: سبحان الله إنَّ المؤمن لا ينجس". وقال ابن ماجه (¬3): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ... إلي آخر ما رواه مسلم لأنهما كليهما أخرجاه عن ابن أبي شيبة، ولكن عند مسلم منقطع بين حميد وأبي رافع بينهما بكر بن عبد الله المزني (¬4)، وعند ابن ماجه موصول فافهم. فإن قلت: قد قال الطحاوي أولًا: وقد رأينا أنه - عليه السلام - قال: "المؤمن لا ينجس". ثم روى الحديث وفيه: "إن المسلم لا ينجس". قلت: كلا اللفظين مروي كما ذكرناه [1/ ق -10 ب] وقال الترمذي: وفي الباب عن حذيفة وابن عباس - رضي الله عنهم -. قلت: حديث حذيفة رواه أبو داود (¬5) عن مسدد، عن يحيي، عن مسعر، عن واصل، عن أبي وائل، عن حذيفة: "أن النبي - عليه السلام - لقيه فأهوى إليه فقال: إني جُنب. فقال: إنَّ المسلم ليس بنجس" (¬6). ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 145 رقم 269). (¬2) في"الأصل، ك": "قتيبة بن سعيد"، وهو تحريف، والمثبت من "المجتبى" و"تحفة الأشراف"، ولم يذكر المزي في "تهذيبه": "قتيبه" فيمن روى عن بشر بن المفضل. (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 178 رقم 534). (¬4) قال الحافظ في "النكت الظراف": "بكر بن عبد الله" في السند عند مسلم في أكثر النسخ من (م) وثبت في بعضها من رواية بعض المغاربة وكذا هي عندي بخط أبي الحسن المرادي الراوي عن الفراوي. (¬5) "سنن أبي داود" (1/ 59 رقم230). (¬6) في "سنن أبي داود": (لا ينجس).

ورواه مسلم (¬1) أيضًا ولفظه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقيه وهو جُنب فحاد عنه فاغتسل ثم جاء فقال: كنت جُنبا. قال: إن المسلم لا ينجس". وفي رواية الكَسّار عن النسائي: أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا يحيى، قال: ثنا سفيان، قال: حدثني واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله: "أن النبي - عليه السلام - لقيه وهو جُنب، فأهوي إليّ فقلت: إني جنب. فقال: المسلم لا ينجس" وفي رواية غيره: "عن حذيفة" بدل "عبد الله" (¬2). وكذا عند ابن ماجه (¬3): "عن حذيفة". وحديث عبد الله بن عباس أخرجه الحكم في "مستدركه" (¬4): على ما نذكره الآن إنْ شاء الله تعالى. قوله: "جُنُب" على وزن فُعُل بضمتين صفة مشبّهة، وهو الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المني، ويقع على الواحد والإثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وقد يجمع على أجناب وجُنُبين، وأَجْنَبَ يُجنِبُ إجنابا، والجنابة الاسم، وهي في الأصل: البعُد، ويسمى الإنسان جنبا؛ لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، وقيل: لمجانبته الناس حتى يتطهر، قال الجوهري: تقول: أجنب الرجل وجُنِبَ أيضًا بالضم. قوله: "فقبضت يدي عنه" يعني جمعتها عنه؛ لأن القبض في الأصل خلاف البسط. قوله: "سبحان الله" في موضع التعجب، وسبحان عَلَمٌ للتسبيح. كعثمان علم للرجل، ومعناه أُسبح الله تسبيحا أي أنزّهه عن النقائص. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 282 رقم 372). (¬2) "المجتبى" (1/ 145 رقم 268)، وكذا فيه مسعر بدل سفيان. (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 178 رقم 535). (¬4) "المستدرك" (1/ 542 رقم 1422).

قوله: "فانخنست" أبي تأخرت، ومنه خنس الشيطان وهو بالخاء المعجمة والنون، وكذا معنى "فاختنست" فالأول من باب الانفعال والثاني من باب الافتعال، وفي رواية للبخاري (¬1) -رحمه الله-: "فانسللت" من السَّلِّ وهو الجذب. قوله: "فانبجست" يعني اندفعت ومنه قوله تعالى: {فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} (¬2) أي جَرْتَ واندفعت. وروي "فانتجست" أي اعتقدت نفسي نجسا، وروي "فانتجشت" -بالشين المعجمة- من النجش وهو الإسراع، روي "فانبخست" -بالنون والباء الموحدة والخاء المعجمة والسين المهملة- واستبعده بعضهم، وقال بعضهم: البخس النقص فكأنه ظهر له نقصانه عن مُمَاشاةِ رسول الله - عليه السلام - لما اعتقد في نفسه من النجاسة. قوله: "أهوى إليه"أي أهوى إليه يده، أي أمالها إليه، يقال: أهوى يده إليه وأهوى بيده إليه، ويترك المفعول كثيرا. قوله: "فحاد عنه" من حاد عن الشيء أو عدل عنه يحيد حيدا وحيدودة. ويستفاد منه فوائد: - كون الجنُب طاهرا وكذا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه، وكون المسلم طاهرا حيّا وميتا، وعن الشافعي قولان في الميت أصحهما الطهارة. - وذكر البخاري في "صحيحه" (¬3): عن ابن عباس تعليقا "المسلم لا ينجس حيّا ولا ميتا". - ووصله الحكم في "المستدرك" (¬4) فقال: أخبرني إبراهيم بن عصمة، قال: ثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي، أنبأ أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة، قالا: ثنا ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 109 رقم 281). (¬2) سورة الأعراف، آية: [160]. (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 422) في ترجمة الباب. (¬4) "المستدرك" (1/ 542 رقم 1422).

سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنجسوا موتاكم؛ فإن المسلم ليس بنجس حيّا ولا ميِّتّا" قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. فإن قلت: على هذا ينبغي ألَّا يغسل الميت؛ لأنه طاهر. قلت: اختلف علماؤنا في وجوب غسله، فقيل: إنما وجب لحدثٍ يحله باسترخاء المفاصل لا لنجاسته؛ فإن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة، إذ لو تنجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات وكان الواجب اقتصار الغسل على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة، لكن ذلك إنما كان نفيا للحرج فيما يتكرر كل يوم والحدث بسبب الموت لا يتكرر، فكان كالجنابة لا يكتفي فيها بغسل الأعضاء الأربعة بل يبقى على الأصل وهو وجوب غسل البدن لعدم الحرج فكذا هذا. وقال العراقيون: يجب غسله لنجاسته بالموت لا بسبب الحدث؛ لأن للآدمي دمًا سائلا فيتنجس بالموت قياسا على غيره، ألا ترى أنه لو مات في البئر نجّسها ولو حمله المصلي لم تجز صلاته، ولو لم يكن نجسا لجازت كما لو حمل محدثا. هذا حكم المسلم، وأما حكم الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة كحكم المسلم عند الجمهور خلافا لقوم. - ومنها: جواز تأخير الغسل عن الجنابة بمقدار ما لا يفوته الفرض فيه؛ لأنه - عليه السلام - ما أنكر عليه ذلك حين قال: إني جنب. - واستحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات وأحسن الصفات. - وأن العالم إذا رأى من تابعه في أمر يخافُ عليه فيه خلافَ الصواب، سأله عنه وبيّن له الصواب وحكمه. ص: وقال - صلى الله عليه وسلم - في غير هذا الحديث: "إنَّ الأرض لا تنجس". ش: ذكر هذا تأييدا لتأويله الثاني في قوله - عليه السلام -: "إنَّ الماء لا ينجس".

ص: حدثنا بذلك أبو بكرة بكار بن قتيية البكراوي، قال: حدثنا أبو داود، قال: ثنا أبو عقيل الدورقي، قال: حدثنا الحسن: "أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب لهم قبة في المسجد، فقالوا: يا رسول الله، قوم أنجاس. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّه ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاس الناس على أنفسهم". ش: أشار بذلك إلى ما ذكره من قوله - عليه السلام -: "إنَّ الأرض لا تنجس". وبكَّار بن قتيبة هو القاضي الزاهد المشهور، روى عنه أيضًا أبو عوانة وأبو بكر ابن خزيمة في صحيحيهما، والبكراوي نسبة إلى أبي بكرة نفيع بن الحارث الصحابي؛ لأنه من نسله ونُسِبَ هكذا ليكون فرقا بينه وبن النسبة إلى أبي بكر، فإن فيه يقال: بكريّ. والمراد بأبي داود هو الطيالسي صاحب المسند واسمه سليمان بن داود بن الجارود البصري الحافظ، روى له الجماعة البخاري مستشهدا. وأبو عقيل -بفتح العين- اسمه بَشير بن عقبة الناجي -بالنون والجيم- السامي البصري من رجال الصحيحين، والدَّوْرَقي -بفتح الدال وسكون الواو وفتح الراء وفي آخره قاف- نسبة إلى دورق من بلاد خوزستان. والحسن هو البصري الإمام المشهور. وهذا من مراسيل الحسن، وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن الثوري، عن يونس، عن الحسن قال: "جاء النبي - عليه السلام - ورهط من ثقيف، فأقيمت الصلاة، فقيل: يا نبي الله، إنَّ هؤلاء مشركون! قال: إنَّ الأرض لا ينجسها شيء". وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (¬2) نحوه. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 414 رقم 1620). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 260 رقم 8775).

والحديث المسند فيه ما أخرجه البيهقي في "سننه" (¬1): من حديث حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص: "أن وفد ثقيف قدموا على النبي - عليه السلام - فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا على النبي - عليه السلام - ألَّا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبّوا ولا يستعمل عليهم من غيرهم. فقال: لا تُحشروا ولا تعشروا ولا تُجبّوا ولا يستعمل عليكم من غيركم، ولا خير في دين ليس فيه ركوع". وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (¬2). قوله: "إنَّ وفد ثقيف" الوفد جمع وافد كركب جمع راكب وهم القوم يجتمعون ويَرِدُون البلاد، وكذلك يقصدون الأمراء لزيارة أو استرفاد وانتجاع وغير ذلك، تقول: وفد يفد فهو وافد، وأوفدته فوفد، وأوفد على الشيء فهو موفد إذا أشرف، وثقيف أبو قبيلة من هوازن واسمه فَسِيّ، والنسبة إليه ثقفي، وأصله من ثقف الرجل ثقافة أبي صار حاذقا خفيفا فهو ثَقْفٌ مثل ضخم ومنه المثاقفة، والثقاف ما تسوى به الرماح. قوله: "ضرب لهم قبة" أي نصبها وأقامها على أوتاد، وهذه المادة تستعمل لمعانٍ كثيرة، والقُبة -بضم القاف- بيت صغير مستدير من بيوت العرب قاله ابن الأثير، وقال الجوهري: هي من البناء والجمع قِبَبٌ وقبَاب. قوله: "قوم أنجاس" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم قوم أنجاس، جمع نَجَس بفتحتين. قوله: "إنَّه" أي إن الشأن. ومعنى قوله: "إنَّه ليس من أنجاس الناس على الأرض شيء" أي الأرض لا تنجس بنزول المشركين عليها، وليس المعنى أنَّهَا لا تنجس إذا أصابتها النجاسة. ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (2/ 444 رقم 4131). (¬2) "مسند أحمد" (4/ 218 رقم 17942).

ومعني قوله: "إنما أنجاس الناس على أنفسهم" أي أنجاسهم منحصرة عليهم لا تعدو إلى غيرهم، وكان قدوم وفد ثقيف على رسول الله - عليه السلام - في رمضان سنة تسع من الهجرة وكانوا بضعة عشر رجلًا منهم كنانة بن عبد ياليل وهو رئيسهم، وفيهم عثمان بن أبي العاص وهو أصغر الوفد. قوله: "ألَّا يحشروا ولا يعشروا" أي لا يندبون إلى المغازي ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل: لا يحشرون إلى عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالهم بل يأخذها في أماكنهم. قوله: "ولا يجبّوا" من التجبية -بالجيم- وهو أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على ركبتيه وهو قائم، وقيل: هو السجود، والمراد من قولهم: "لا يجبوا" أنهم لا يصلون، ولفظ الحديث يدل على الركوع لقوله: في جوابهم "لا خير في دين ليس فيه ركوع" فسمى الصلاة ركوعا لأنه بعضها. ومن فوائده: جواز دخول الكافر المسجد، وهو حجة على مالك في منعه عن ذلك، واستحباب إكرام الوفد والرسل القادمين وتهيئة نزلهم والنظر في أمرهم، وعدم نجاسة الأرض بدون إصابة النجاسة الحقيقية. ص: فلم يكن معنى قوله - عليه السلام -: "المسلم لا ينجس" يريد بذلك أن بدنه لا ينجس وإنْ أصابته النجاسة وإنما أراد أنه لا ينجس بمعنى غير ذلك، وكذلك قوله: "الأرض لا تنجس" ليس يعني بذلك أنَّهَا لا تنجس وإنْ أصابتها النجاسة، وكيف يكون ذلك وقد أمر بالمكان الذي بال فيه الأعرابي من المسجد أن يصب عليه ذنوب من ماء! ش: "ليس يعني" أي ليس يقصد، من عَني يَعْني عَنْيا، وأما عَنَا يَعْنُو عُنوا فمعناه خضع وذل، وعَنِيَ يعني -من باب عَلِمَ يَعْلَمُ- عَنَاءً إذا تعب، والضمير فيه يرجع إلى النبي - عليه السلام - والواو في "وقد كان" للحال.

والأعرابي: هو الذي يسكن البادية، منسوب إلى الأعراب ساكني البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلَّا لحاجة، والعرب اسم لهذا الجنس من الناس، ولا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية أم المدن، والنسبة إليه عربي. قوله: "أن يُصَبَّ" في محل النصب و"أن" مصدرية والتقدير بأن يصب أي أمر بصب ذنوب عليه، والذنوب -بفتح الذال المعجمة- الدلو العظيمة، وقيل: لا تسمى ذنوبا إلَّا إذا كان فيها ماء. ص: حدثنا بذلك أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس اليمامي (من اليمامة) (¬1) قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدثني أنس بن مالك، قال: "بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلوسا إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مَهْ مَهْ! فقال رسول الله - عليه السلام - "دعوه". فتركوه حتى بال، ثم إنَّ رسول الله - عليه السلام - دعاه (فقال) (¬2): "إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والعذرة، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن- قال عكرمة: أو كما قال رسول الله - عليه السلام - فأمر رجلًا (فجاء) (¬3) بدلو من ماء فسَنَّه عليه". ش: أي حدثنا بحديث الأعرابي المذكور أبو بكرة بكَّار القاضي. وعمر بن يونس بن القاسم الحنفي أبو حفص اليمامي، روى له الجماعة. وعكرمة بن عمار العجلي اليمامي، روي له الجماعة؛ البخاري مستشهدا. وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري المدني، روى له الجماعة. ¬

_ (¬1) ليست في "شرح معاني الآثار". (¬2) في "شرح معاني الآثار": "فقال له". (¬3) في "شرح معاني الآثار": "فجاءه".

وأخرجه البخاري (¬1) وقال: ثنا خالد بن مخلد، ثنا سليمان، عن يحيى بن سعيد [قال] (¬2): سمعت أنس بن مالك قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة من المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي - عليه السلام -، فلما قضى بوله، أمر النبي - عليه السلام - بذنوبٍ من ماء فأهريق عليه". ومسلم (¬3)، وقال: حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا عمر بن يونس الحنفي، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: ثنا إسحاق بن أبي طلحة، قال حدثني أنس بن مالك -وهو عم إسحاق- قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله - عليه السلام - إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - عليه السلام -: مَهْ مَهْ قال: قال رسول الله - عليه السلام -: لا تُزْرموه ودعوه. [فتركوه] (¬4) حتى بال، ثم إنَّ رسول الله - عليه السلام - دعاه فقال له: إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن- أو كما قال رسول الله - عليه السلام - قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء [بدلومن ماء فشَنَّه] (¬5) عليه". والنسائي (¬6)، وقال: أنا قتيبة، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: "أن أعرابيّا بال في المسجد، فقام إليه بعض القوم، فقال النبي - عليه السلام -: دعوه، لا تزرموه، فلما فرغ، دعا [بدلو من ماء فصبه] (¬7) عليه". وابن ماجه (¬8)، وقال: ثنا أحمد بن عبدة، أنا حماد بن زيد، ثنا ثابت، عن أنس: ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 89 رقم 219). (¬2) من "صحيح البخاري". (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 236 رقم 285). (¬4) في "الأصل، ك": "وتركوه" والمثبت من "صحيح مسلم". (¬5) في "الأصل، ك": "بدلوٍ فسنه". والمثبت من "صحيح مسلم". (¬6) "المجتبى" (1/ 47 رقم 53). (¬7) في "الأصل، ك": "بدلو فصب"، والمثبت من "المجتبى". (¬8) "سنن ابن ماجه" (1/ 176 رقم 528).

"أن أعرابيًّا بال في المسجد، فوثب إليه بعض القوم، فقال رسول الله - عليه السلام -: لا تُزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه". قوله: "بينما نحن" اعلم أن "بين" تُشبع فتحة نونه فتصير ألفا فيقال: "بينا"، وتارة تدخل عليه "ما" نحو "بينما" وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى جملة، قلت: "نحن" مبتدأ و "مع رسول الله" خبره و"بينما" أضيف إلى هذه الجملة، والمعنى بينما أوقات كوننا مع رسول الله - عليه السلام - جاء أعرابي. قوله: "جلوسا" نُصبَ على الحال، جمع جالس كالركوع جمع راكع. قوله: "إذ جاء" إذ هذه للمفاجأة -نص عليه سيبويه- وهو جواب "بينما". قوله: "مَهْ" كلمة بنيت على السكون وهو اسم سمي به الفعل ومعناه اكفف لأنه زجر، فإن وُصِلَتْ نونت، فقلت: مَهٍ مَهْ، و"مَهْ" الثاني تأكيد كما تقول: "صَهْ صَهْ". قوله: "فسنه" بالسين المهملة ويروى بالمعجمة، ومعنى السَنّ -بالمهملة- الصب المتصل، ومعنى الشن -بالمعجمة- الصب المنقطع، قاله ابن الأثير. قوله: "في طائفة من المسجد" أي قطعة منه. قوله: "فأهريق" أي أريق، والهاء زائدة. قوله: "لا تزرموه" بتقديم الزاي على الراء المهملة يعني لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زرم الدمع والدم انقطعا، وأزرمته أنا. واستنبط منه أحكام: الأول: استدل به الشافعي على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة تطهر بصب الماء عليها، وقال النووي: ولا يشترط حفرها. وقال الرافعي: إذا أصاب الأرض نجاسة يصب عليها من الماء ما يغمرها ويستهلك فيه النجاسة طهرت بعد نضوب الماء، وقبله فيه وجهان: إنْ قلنا إنَّ

الغسالة طاهرة والعصر لا يجب فنعم، وإنْ قلنا إنها نجسة والعصر واجب فلا، وعلي هذا فلا يتوقف الحكم بالطهارة على الجفاف بل يكفي أن يغاص الماء كالثوب المُعَصَّر ولا يشترط فيه الجفاف والنضوب كالعصر، وفيه وجه أن يكون الماء المصبوب سبعة أضعاف البول، ووجه آخر يجب أن يصُب على بول الواحد ذنوب وعلي بول الإثنين ذنوبان وعلي هذا أَبدا. انتهى. وقال أصحابنا: إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة، فإن كانت الأرض رخوة صُبَّ عليها الماء حتى يتسفَّل فيها، فإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفَّل الماء يحكم بطهارتها، ولا يعتبر فيه العدد، وإنما هو على اجتهاده وما في غالب ظنه أنَّهَا طهرت ويقوم التسفّل في الأرض مقام العصر فيما يحتمل العصر وعلي قياس ظاهر الرواية: يصب الماء عليها ثلاث مرات ويتسفل في كل مرة وإنْ كانت الأرض صلبة، فإن كانت صعودا يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها ثلاث مرات ويتسفل إلى الحفيرة ثم تكبس الحفيرة، وإنْ كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة في الغسل بل تحفر، وعن أبي حنيفة: لا تطهير الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة وينقل التراب. ودليلنا على الحفر ما رواه الدارقطني (¬1) وقال: ثنا عبد الوهاب بن عيسى ابن أبي حيّة، ثنا أبو هشام الرفاعي محمَّد بن يزيد، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "جاء أعرابي فبال في المسجد فأمر رسول الله - عليه السلام - بمكانه فاحتفر فصب عليه دلو من ماء فقال الأعرابي: يا رسول الله، المرء يحب القوم ولا يعمل بعملهم. فقال رسول الله - عليه السلام -: المرء مع من أحب". ورواه أبو يعلى أيضًا (¬2). ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 131 رقم 2). (¬2) "مسند أبي يعلى" (6/ 310 رقم 3626).

وما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس قال: "بال أعرابي في المسجد فأرادوا أن يضربوه، فقال النبي - عليه السلام -: احفروا مكانه واطرحوا عليه دلوا من ماء، علّموا ويسّروا ولا تعسروا". والقياس أيضًا يقتضي هذا الحكم لأن الغسالة نجسة فلا تطهر الأرض ما لم تحفر وينقل التراب. فإنيْ قيل: قد استدللتم بالأثرين الأول مرفوع ضعيف؛ لأن سمعان بن مالك ليس بالقوي، وقال ابن خراش: "مجهول". والثاني مرسل وتركتم الحديث الصحيح! قلت: لا نسلم ذلك فإنا قد عملنا بالكل فعملنا بالصحيح فيما إذا كانت الأرض صلبة، وعملنا بالضعيف على زعمكم فيما إذا كانت الأرض رخوة، والعمل بالكل أولى من العمل بالبعض والإهمال للبعض. فإن قلت: كيف تحملون الأرض فيه على الصلبة وقد ورد الأمر بالحفر فدل على أنَّهَا كانت رخوة؟! قلت: محتمل أن تكون قضيتين، في الأولي كانت الأرض صلبة، وفي الأخرى كانت رخوة. الثاني: استدل به بعض الشافعية على أن الماء متعين في إزالة النجاسة ومنعوا غيره من المائعات المزيلة، وهذا استدلال فاسد؛ لأن ذكر الماء هَا هنا لا يدل على نفي غيره؛ لأن الواجب هو الإزالة، والماء مزيل بطبعه، فيقاس عليه كل ما كان مزيلا؛ لوجود الجامع، على أن هذا الاستدلال يشبه مفهوم مخالفة وهو ليس بحجة. الثالث: استدلت به جماعة من الشافعية وغيرهم أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة وذلك لأن الماء المصبوب لا بد أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محل لم يصبه البول مما يجاوره، فلولا أن الغسالة طاهرة لكان الصب ناشرا ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 424 رقم 1659).

للنجاسة وذلك خلاف مقصود التطهير وسواء أكانت النجاسة على الأرض أم غيرها لكن الحنابلة فرقوا بين الأرض وغيرها ويقال إنَّه رواية واحدة عند الشافعية إنْ كانت الأرض، وإنْ كان غيرها فوجهان. قلت: روي عن أبي حنيفة أنَّهَا بعد صب الماء عليها لا تطهر حتى تدلك وتشعر بصوف أوخرقة وفُعِلَ ذلك ثلاث مرات، وإنْ لم يفعل ذلك لكن صب عليها ماء كثيرا حتى عرف أنه أزال النجاسة ولم يوجد فيه لون ولا ريح، ثم ترك حتى نشفت كانت طاهرة. الرابع: استدل به بعض الشافعية أن العصر في الثوب المغسول من النجاسة لا يجب، وهذا استدلال فاسد وقياس بالفارق؛ لأن الثوب ينعصر بالعصر بخلاف الأرض. الخامس: استدل به البعض أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء لا تطهر، وهو محكي عن أبي قلابة أيضًا، وهذا أيضًا فاسد؛ لأن ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلي تطهير المسجد، وتركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب، وإذا تردد الحال بين الأمرين لا يكون دليلًا على أحدهما بعينه. السادس: فيه دليل على وجوب صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات، ألا ترى إلى قوله: - عليه السلام -: "إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والعذرة". السابع: فيه دليل على أن المساجد لا يجوز فيها إلَّا ذكر الله والصلاة وقراءة القرآن، فقوله: "وإنما هي لذكر الله" من قصر الموصوف على الصفة، ولفظ الذكر عام يتناول قراءة القرآن وقراءة العلم ووعظ الناس، والصلاة أيضًا عام يتناول المكتوبة والنافلة، ولكن النافلة في المنزل أفضل، ثم غير هذه الأشياء ككلام الدنيا والضحك واللبث فيه بغير نية الاعتكاف مشتغلًا بأمر من أمور الدنيا ينبغي ألا يباح، وهو قول بعض الشافعية، والصحيح أن الجلوس فيه لعبادة أو قراءة علم أو درس أو سماع موعظة أو

انتظار صلاة أو نحو ذلك مستحب ويثاب على ذلك، وإنْ لم يكن لشيء من ذلك كان مباحا وتركه أولي، وأما النوم فيه، فقد نص الشافعي في الأم أنه يجوز، وقال ابن المنذر: رخص في النوم في المسجد ابن المسيب والحسن وعطاء والشافعي. وقال ابن عباس: لا تتخذوه مرقدا. وروي عنه أنه قال: إنْ كان ينام فيه لصلاة فلا بأس به. وقال الأوزاعي: يكره النوم في المسجد. وقال مالك: لا بأس بذلك للغرباء ولا أرى ذلك للحاضر. وقال أحمد: إنْ كان مسافرا أو شبهه فلا بأس وإنْ اتخذه مقيلا ومبيتا فلا. وهو قول إسحاق، وقال اليعمري: وحجة من أجازه: نوم علي بن أبي طالب وابن عمر واهل الصفة، والمرأة صاحبة الوشاح، والعرنيين، وثمامة بن أثال، وصفوان بن أمية، وهي أخبار صحاح مشهورة، وأما الوضوء فيه فقال ابن المنذر: أباح كل من يُحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلَّا أن يتوضأ في مكان يبلّه ويتأذى الناس به فإنه مكروه. وقال ابن بطال: هذا منقول عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والنخعي وابن القاسم صاحب مالك، وذكر عن ابن سيرين وسحنون أنهما كرهاه تنزيهًا للمسجد. وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن ابن جريج قال: "قال إنسان لعطاء: يخرج إنسان فيبول ثم يأتي زمزم فيتوضأ؟ قال: لا بأس بذلك فليدخل إنْ شاء فليتوضأ في زمزم، الدين سمح سهل. قال له إنسان: إني أرى أناسا يتوضئون في المسجد. قال: أجل ليس بذاك بأس. قلت: فتوضأ أنت فيه؟ قال: نعم. قلت: تتمضمض وتستنشق؟ قال: نعم، وأسبغ وضوئي في مسجد مكة. وروى عبد الرزاق (¬2): أيضًا، عن الثوري، قال: أخبرني أبو هارون العبدى: "أنه رأى ابن عمر - رضي الله عنهما - يتوضأ في المسجد". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 418 رقم 1637). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 419 رقم 1641).

وقال بعض أصحابنا: إن كان فيه موضع معد للوضوء فلا بأس وإلَّا فلا. وفي "شرح الترمذي" لليعمري: إذا افتصد في المسجد فإن كان في غير إناء فحرام وإنْ كان في إناء فمكروه، وإنْ بال في المسجد في إناء فوجهان أصحهما أنه حرام، والثاني أنه مكروه، ويجوز الاستلقاء في المسجد ومدّ الرجل وتشبيك الأصابع للأحاديث الثابتة في ذلك. الثامن: فيه مبادرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. التاسع: فيه مبادرة الصحابة إلى الإنكار بحضرة النبي - عليه السلام - من غير مراجعة له. فإن قلت: أليس هذا من باب التقدّم بين يدي الله ورسوله؟ قلت: لا؛ لأن ذلك تقرر عندهم في الشرع من مقتضى الإنكار فأمر الشارع متقدم على ما وقع منهم في ذلك، وإنْ لم يكن في هذه الواقعة الخاصة إذن فدلّ على أنه لا يشترط الإذن الخاص ويُكتفي بالعام. العاشر: فيه دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما فإن البول فيه مفسدة، وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها، فدفع أعظمهما أيسر المفسدتين، وتنزيه المسجد عنه مصلحة وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها، فحصلت أعظم المصلحتين بترك أيسرهما. فإن قيل: ما الحكمة في نهيه - عليه السلام - إياهم عن الأعرابي حين أسرعوا إليه؟ قلت: مراعاة حق البائل لئلَّا يلحقه الضرر ومراعاة حق المسجد لئلَّا ينتشر البول عند القطع. الحادي عشر: فيه مراعاة التيسير على الجاهل والتألّف للقلوب. الثاني عشر: فيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع؛ لأن الأعرابي حين فرغ، أمر بصب الماء. الثالث عشر: في رواية الترمذي (¬1): "أهريقوا عليه سجلا من ماء -أو دلوا من ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 275 رقم 147).

ماء" على ما نذكرها: اعتبار الأداء باللفظ؛ وإنْ كان الجمهور على عدم اشتراطه، وأن المعنى كافٍ وتحمل "أو" هَا هنا على الشك، ولا معني فيه للتنويع، ولا للتخيير، ولا للعطف؛ فلو كان الراوي يرى جواز الرواية بالمعنى لاقتصر على أحدهما فلما تردد في التفرقة بين الدلو والسجل وهما بمعنى؛ عُلم أن ذلك التردد لموافقة اللفظ. قاله الحافظ القشيري. ولقائل أن يقول: إنما يتم هذا لو اتحد المعني في السجل والدلو لغة، لكنه غير متحد؛ فالسجل الدلو الضخمة المملوءة ولا يقال لها فارغة: "سجل" فافهم. ص: (وكما) (¬1) حدثنا بذلك علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى (بن يحيى) (1)، قال: أخبرني عبد العزيز بن محمَّد، عن يحيى بن سعيد أنه سمع أنس بن مالك - رضي الله عنه - يَذكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه غير أنه لم يذكر قوله: "إنَّ هذه المساجد ... " إلى آخر الحديث. ش: أي وكما حدثنا بحديث الأعرابي المذكور علي بن شيبة بن الصلت بن عصفور أبو الحسن البصري؛ وفي بعض النسخ: "وكما أخبرنا بذلك". ويحيي بن يحيى بن بكر أبو زكريا النيسابوري، شيخ البخاري ومسلم. وعبد العزيز بن محمَّد بن عبيد الدراوردي أبو محمَّد الجهني مولاهم المدني، روى له الجماعة. ويحيي بن سعيد بن قيس الأنصاري قاضي المدينة، روى له الجماعة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬2) من حديث يحيى بن سعيد أنَّه سمع أنسا قال: "جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قضى حاجته قام إلى ناحية فبال، فصاح به الناس فكفَّهم عنه ثم قال: صبّوا عليه دلوا من ماء". ¬

_ (¬1) ليست في "شرح معاني الآثار". (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 427 رقم 4033).

قوله: "يَذكر" جملة وقعت حالا عن أنس. قوله: "نحوه" أي نحو الحديث المذكور. قوله: "غير أنه" استثناء أي غير أن يحيى بن سعيد لم يذكر عن أنس في هذه الرواية قول النبي - رضي الله عنه - في الرواية السابقة: "إنَّ هذه المساجد" إلى آخره. ص: ورَوَى طاوس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بمكانه أن يحفر". ش: طاوس بن كيسان اليماني التابعي الكبير الثقة المأمون، وهذا مرسل. ص: حدثنا بذلك أبو بكرة بكار بن قتيبة البكراوي، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس بذلك. ش: أي حدثنا بما رواه طاوس: بكَّار القاضي، والكل رجال الصحيح ما خلا بكّارا. و"بشّار" على وزن فعال بالتشديد، من البشارة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس قال: "بال أعرابي في المسجد، فأرادوا أن يضربوه، فقال النبي - عليه السلام -: احفروا مكانه واطرحوا عليه دلوا من ماء، علّموا ويسّروا ولا تعسّروا". ص: وقد روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك أيضًا. ش: أي بالحفر كما في رواية طاوس. ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن سمعان بن مالك الأسدي، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "بال أعرابي في المسجد، فأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فصُبَّ عليه دلو من ماء ثم أمر به فحفر مكانه". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 424 رقم 1659).

ش: أي حدثنا بما روي عن ابن مسعود: فهد بن سليمان الكوفي نزيل مصر. ويحيي بن عبد الحميد الكوفي، وثقه بعضهم وكذبه آخرون، والحماني -بكسر الحاء- نسبة إلى حِمّان قبيلة من تميم. وأبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الحناط -بالنون- مختلف في اسمه فقيل: محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل: اسمه كنيته، وقيل غير ذلك. وعياش بالياء المشددة آخر الحروف وبالشين المعجمة، وهو من رجال الستة. وسمعان بن مالك ضعيف. وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة الأسدي، روى له الجماعة. وأخرجه الدراقطني بأتم منه، وقد ذكرناه عن قريب (¬1). فإن قلت: هذا الحديث ضعيف، فكيف يحتجون به في وجوب الحفر؟ قلت: هو عند الطحاوي غير ضعيف، ولئن سلمنا ذلك فإن الحفر قد روي بطريقين مسندين وطريقين مرسلين. فأما طريقا الإسناد ففي رواية الدارقطني الأولى (¬2): عن سمعان بن مالك، عن أبي وائل، عن عبد الله. والثانية (¬3): عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس: "أن أعرابيًا بال في المسجد، فقال - عليه السلام -: احفروا مكانه ثم صُبّوا عليه ذنوبا من ماء". وأما طريقا الإرسال: فأحداهما: ما رواه أبو داود (¬4) من حديث عبد الله بن معقل بن مقُرّن قال: "قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فاكتشف فبال، فقال ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 131 رقم 2). (¬3) انظر "تلخيص الحبير" (1/ 59) بتحقيقنا. (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 103 رقم 381)، واللفظ للدارقطني (1/ 132).

النبي - عليه السلام -: خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء" رواه عن موسى بن إسماعيل، نا جرير -يعني ابن حازم- قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدث، عن عبد الله بن معقل به، وقال أبو داود: روي متصلًا ولا يصح (¬1). والثانية: ما رواه عبد الرزاق (¬2) من حديث عمرو بن دينار، عن طاوس، وقد مرَّ عن قريب. واعلم أن حديث الأعرابي رواه خمسة من الصحابة وهم أنس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وواثلة بن الأسقع - رضي الله عنهم - وقد أخرج الطحاوي حديثي أنس وابن مسعود وقد ذكرناهما مع بيان من أخرجهما أيضًا من الأئمة. وأما حديث عبدالله بن عباس فرواه الطبراني في "الكبير" (¬3) وأبو يعلى في "مسنده" (¬4) والبزار في "مسنده" (¬5) بإسناد رجاله رجال "الصحيح" إلى ابن عباس أنه قال: "أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرابي فبايعه ثم انصرف فقام (ففشخ) (¬6) فبال فهمَّ الناسُ به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تقطعوا على الرجل بوله. ثم دعا به فقال: ألست برجل مسلم؟ قال: بلى. قال: فما حملك على أن بُلتَ في المسجد؟ قال: والذي بعثك بالحق ما ظننت إلَّا أنه صعيد من الصعدات فبلت فيه. فأمر النبي - عليه السلام - بذنوب من ماء فصب على بوله". ¬

_ (¬1) لفظ أبي داود في "السنن": وهو مرسل، ابن معقل لم يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -. (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 424 رقم 1660). (¬3) "معجم الطبراني الكبير" (11/ 20 رقم 11552). (¬4) "مسند أبي يعلى" (4/ 431 رقم 2557). (¬5) في "الأصل، ك": في "سننه"، وقد ذكره الهيثمي في "كشف الأستار" (1/ 207 رقم 409)، والحافظ ابن حجر في "مختصر زوائد البزار" (1/ 212) وقال: قال الشيخ: -أي الهيثمي- رجاله رجال "الصحيح" ثم تعقبه بقوله: لكن أبو أويس ضعيف؛ إنما أخرج له مسلم وحده متابعة. (¬6) كذا في "الأصل، ك":" ففشخ" آخره خاء معجمة قبلها شين معجمة أيضًا، وعند الطبراني: "ففحج" بحاء مهملة بعدها جيم، وعند أبي يعلى: "ففشج" بشين معجمة بعدها جيم.

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الجماعة ما خلا مسلما. فقال البخاري (¬1): أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن أبا هريرة قال: "قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي - عليه السلام -: دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء -أو ذنوبا من ماء- فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين". وقال أبو داود (¬2): ثنا أحمد بن عمرو بن السرح، وابن عبدة في آخرين -وهذا لفظ ابن عبدة- قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة: "أن أعرابيّا دخل المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال النبي - عليه السلام -: لقد تحجّرت واسعا، ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع [إليه] (¬3) الناس، فنهاهم النبي - عليه السلام - وقال: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين؛ صُبّوا عليه سجلا من ماء- أو قال: ذنوبا من ماء". وقال الترمذي (¬4): نا ابن أبي عمر وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قالا: نا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: "دخل أعرابيّ المسجد والنبي - عليه السلام - جالس فصلي فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فالتفت إليه النبي - عليه السلام - فقال: لقد تحجرت واسعا. فلم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع إليه الناسُ، فقال النبي - عليه السلام -: أهريقوا عليه سجلا من ماء -أو دلوا من ماء- ثم قال: إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين". وقال النسائي (¬5): أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم، عن عمر بن عبد الواحد، عن ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 89 رقم 217). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 103 رقم 380). (¬3) في "الأصل، ك": "عليه"، والمثبت من "سنن أبي داود". (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 275 رقم 147). (¬5) "المجتبى" (1/ 48 رقم 56)، و (1/ 175 رقم 330).

الأوزاعي، عن محمَّد بن الوليد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة قال: "قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله - عليه السلام -: دعوه وأهريقوا على بوله دلوا من ماء؛ فإنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسّرين". وقال ابن ماجه (¬1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا علي بن مسهر، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "دخل أعرابيّ المسجد ورسول الله - عليه السلام - جالس، فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا. فضحك رسول الله - عليه السلام - وقال: لقد احتظرت واسعا. ثم وليّ حتى إذا كان في ناحية المسجد (فثني) (¬2) يبول، فقال الأعرابي بعد أن فقه: فقام إليَّ -بأبي وأمي- صلى الله عليه وسلم - فلم يؤنب ولم يسبَّ فقال: إنَّ هذا المسجد لا يبُال فيه، وإنما بني لذكر الله وللصلاة، ثم أمر بسجل من ماء فأفرغ على بوله". وأما حديث واثلة بن الأسقع فأخرجه ابن ماجه (¬3) وقال: نا أبو حاتم محمَّد بن عبد الله الأنصاري وهو من حديث أبي بكر بن الأصفهاني، نا محمَّد بن يحيى، نا محمَّد بن عبد الله، عن عبيد الله الهذلي- قال محمَّد بن يحيى: هو عندنا ابن أبي جميلة - أنا أبو المليح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع قال: "جاء أعرابي إلى النبي - عليه السلام - فقال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتك إيانا أحدا. فقال: لقد حظرت واسعا، ويحك -أو ويلك- قال: (فثني) (2) يبول، [فقال أصحاب النبي - عليه السلام -: مَهْ] (¬4) فقال رسول الله - عليه السلام -: دعوه (فدعا) (¬5) بسجل من ماء فصبه عليه". ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 176 رقم 529). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "سنن ابن ماجه": "فشج". (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 176 رقم 530). (¬4) كذا في "سنن ابن ماجه"، وفي "الأصل، ك": "فقام أصحاب النبي - عليه السلام -". (¬5) كذا في "الأصل، ك" وفي "سنن ابن ماجه": "ثم دعا".

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فكأن معنى قوله: "إنَّ الأرض لا تنجس" أي أنَّهَا لا تبقى نجسة إذا زالت النجاسة منها؛ لا أنه يريد أنَّهَا غير نجسة في حال كون النجاسة فيها، فكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في بئر بضاعة: "إنَّ الماء لا ينجس" ليس هو على كون النجاسة فيها إنما هو على حال عدم النجاسة فيها، فهذا وجه قوله - صلى الله عليه وسلم - في بئر بضاعة: "الماء لا ينجسه شيء". ش: لما أوّل قوله - عليه السلام -: "الماء لا ينجسه شيء" بالتأويل المذكور، واستدل عليه بالأحاديث المذكورة؛ أوضحه بقوله: "فكان معنى قوله"أي النبي - عليه السلام -؛ فلذلك ذكره بالفاء التفصيلية. ص: وقد رأيناه بَيّن ذلك في غير هذا الحديث. ش: أي قد رأينا النبي - عليه السلام - بَيّن ذلك ما ذكرنا من التأويل وأوضحه في غير حديث بئر بضاعة، و"رأي" هَا هنا بمعنى علم؛ فلذلك تعدى إلى مفعولين كما في قوله: رأيت الله أكبر كل شيء .... محاولة وأكثره جنودا ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري وعلي بن شيبة بن الصلت البغدادي، قالا: ثنا عبد الله بن يزيد المقرىء، قال: سمعت ابن عون يحدث، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "نَهَى -أو نُهي- أن يبول الرجل في الماء الدائم أو الركد ثم يتوضأ منه أو يغتسل فيه". ش: رجاله كلهم ثقات، وابن عون هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري التابعي الثقة الزاهد. وأخرجه الطبراني (¬1) بهذا الطريق من حديث أبي عبد الرحمن المقرئ قال: سمعت ابن عون يحدث، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: "نهى -أو نُهي- أن يبول ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (3/ 254 رقم 3069).

الرجل ... " إلى آخره، رواه عن بشر بن موسى، عنه، وقال: لم يجوِّدْه عن ابن عون غير المقرئ. وأخرجه الجماعة أيضًا، فقال البخاري (¬1): أنا أبو اليمان، أنا شعيب، أنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز حدثه، أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله - عليه السلام - يقول: "نحن الآخرون السابقون". وبإسناده، قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه". وقال مسلم (¬2): حدثني زهير بن حرب، قال: نا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه". وقال أبو داود (¬3): ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زائدة في حديث هشام، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام -: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه". وقال الترمذي (¬4): حدثنا محمود بن غيلان، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه". وقال النسائي (¬5): أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عيسى بن يونس، قال: ثنا عوف، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 94 رقم 236). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 235 رقم 282). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 18 رقم 69). (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 100 رقم 68). (¬5) "المجتبى" (1/ 49 رقم 57).

وقال ابن ماجه (¬1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد". قوله: "نَهَى" على صيغة المعلوم، وقوله: "أو نُهِي" علي صيغة المجهول، وحرف "أو" يدل على تشكك الراوي، فالمعني في الأول: نهى رسول الله - عليه السلام - ويكون محل "أن يبول الرجل" نصبا على المفعولية. وفي الثاني: أتى النهي في بول الرجل في الماء الدائم ويكون محل "أن يبول" رفعا لاستناد "نهي" إليه، و"أن" في الوجهين مصدرية. قوله: "الدائم" أي الثابت الواقف الذي لا يجري كما جاء في بعض الألفاظ: "في الماء الدائم الذي لا يجري" (¬2) وهو تفسير للدائم وأيضًاح لمعناه. قوله: "أو الراكد" شك من الراوي، من ركد إذا ثبت، قال الجوهري: ركد الماء ركودا سكن، وكل ثابت في مكان راكد. ثم اعلم أن قوله: و"نهى" حكايته النهي كما أن قوله: "أمر" حكاية الأمر، واختلفوا فيما إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو السُّنة كذا، فالمذهب عندنا أنه لا يفهم من هذا المطلق الأخبار بأمر رسول الله - عليه السلام - أو أنه سُنَّة رسول الله - عليه السلام -. وقال الشافعي في القديم: "ينصرف إلى ذلك عند الإطلاق"، وفي الجديد قال: "لا ينصرف إلى ذلك بدون البيان؛ لاحتمال أن يكون المراد سُنّه البلدان أو الرؤساء" حتى قال في كل موضع قال: السُّنة ببلدنا كذا، فإنما أراد سليمان بن بلال وكان عريفا بالمدينة. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 124 رقم 344). (¬2) وهو لفظ رواية البخاري ومسلم السابقتين.

واستنبط من الحديث المذكور أحكام: الأول: احتج به أصحابنا أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم إذا وقعت فيه النجاسة لم يجز الوضوء به؛ قليلًا كان أو كثيرا. وعلي أن القلتين تحمل النجاسة لأن الحديث مطلق؛ فبإطلاقه يتناول الماء القليل والكثير والقلتين والأكثر، ولو قلنا: إن القلتين لا تحمل النجاسة لم يكن للنهي فائدة؛ على أن هذا أصح من حديث القلتين لما يأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى ومذهب مالك أن الماء القليل لا يتنجس إلَّا بتغير أحد أوصافه، لقوله: - عليه السلام -: "الماء طهور لا ينجسه شيء" (¬1) ومذهب الشافعي وأحمد أن الماء إذا كان قلتين لا يتنجس إلَّا بالتغير لحديث القلتين، والجواب أن حديث مالك ورد في بئر بضاعة وماؤها كان جاريا كما قد قررناه، وحديث الشافعي ضعيف من جهة كونه مضطربا سندا ومتنا على ما يجيء بيانه أو مؤُوَّل على ما سيأتي إنْ شاء الله تعالى. فإن قلت: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا يجوز تخصيصه ببئر بضاعة. قلت: قد خُصَّ بدليل يساويه وهو حديث هذا الباب. وقال ابن قدامة في "المغني" (¬2): ما دون القلتين إذا لاقته النجاسة فلم يتغير بها فالمشهور في المذهب أنه ينجس، وروي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد، وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو عبيد، ورُوي عن أحمد أن الماء لا ينجس إلَّا بالتغيير قليله وكثيره، وروي مثل ذلك عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس - رضي الله عنهم - قالوا: "الماء لا ينجس" ورُوي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد وابن أبي ليلي ومالك والأوزاعي ويحيي بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وابن المنذر، وهو قول للشافعي. ثم قال: ¬

_ (¬1) سبق تخريجه. (¬2) "المغني" (1/ 31).

ودليلنا حديث القلتين وحديث بئر بضاعة، ثم قال: "وهذان الحديثان نص في خلاف ما ذهب إليه الحنفية"، وقال أيضًا: بئر بضاعة لا يبلغ إلى الحد الذي يمنع التنجس عندهم. قلت: لا نسلم أن هذين الحديثين نص في خلاف مذهبنا، أما حديث القلتين فلأنه ضعيف -على ما يأتي- والعمل بالصحيح المتفق عليه أقوى وأقرب، وأما حديث بئر بضاعة فإنا نعمل به لأن ماءها كان جاريا على ما ذكرنا، وقوله: "وبئر بضاعة لا يبلغ ... " إلى آخره غير صحيح؛ لأن البيهقي روى عن الشافعي أن بئر بضاعة كانت كثير الماء واسعة، وكان يطرح فيها من الأنجاس ما لا يغير لها لونا ولا طعما. فإن قيل: حديثكم عام في كل ماءٍ وحديثهم خاص فيما بلغ القلتين، وتقديم الخاص على العام متعين؛ كيف وحديثكم لابد من تخصيصه، فإنكم وافقتمونا على تخصيص الماء الكثير الذي يزيد على عشرة أذرع وإذا لم يكن بد من التخصيص فالتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي من غير أصل يرجع إليه ولا دليل يعتمد عليه. قلت: لا نسلم أن تقديم الخاص على العام متعين، بل الظاهر من مذهب أبي حنيفة ترجيح العام على الخاص في العمل به كما في بئر الناضح، فإنه رجح قوله - عليه السلام -: "من حفر بئرا فله مما حولها أربعون ذراعا" (¬1) على الخاص الوارد في بئر الناضح أنه ستون ذراعا (¬2). ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه (2/ 831 رقم 2486) من حديث عبد الله بن مغفل، وقال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (3/ 85): هذا حديث ضعيف من الطريقين معًا؛ لأن مدار الحديث فيه على إسماعيل بن مسلم المكي، وقد تركه ابن مهدي وابن المبارك ويحيى القطان والنسائي، وضعفه البخاري وابن الجارود والعقيلي وغيرهم. (¬2) ذكره في "الهداية" بلفظ: "حريم العين خمسمائة ذراع، وحريم البئر العطن أربعون ذراعًا، وحريم بئر الناضح ستون ذراعًا". =

ورجح قوله - عليه السلام -: "ما أخرجت الأرض ففيه العشر" (¬1) على الخاص الوارد بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (¬2) ونسخ الخاص بالعام أيضًا كما فعله في بول ما يؤكل لحمه فإنه جعل الخاص من حديث العرنيين (¬3) فيه منسوخا بالعام وهو قوله - عليه السلام -: "استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (¬4). قلت: "فالتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بالرأي"، إنما يكون إذا كان الحديث المخصّص غير مخالف للإجماع، وحديث القلتيين خبر آحاد ورد مخالفا لإجماع الصحابة فَيُرَدُّ. بيانه: أن ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهم - أفتيا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح الماء كله. ولم يظهر أثره في الماء وكان الماء أكثر من قلتين وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهما أحد منهم فكان إجماعا (¬5)، وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للإجماع يُردُّ، يدل عليه أن علي بن المديني قال: لا يثبت هذا الحديث عن النبي - عليه السلام - وكفى به قدوة في هذا الباب، وقال أبو داود: لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن ¬

_ = قال الحافظ ابن حجر في "الدراية" (2/ 245): لم أجده هكذا. وقال الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 292): قلت غريب. وقال ابن حزم في "المحلى" (8/ 239): ولا أعلم لأبي حنيفة سلفًا في قوله في بئر الناضح. (¬1) ذكره الزيلعي في "نصب الراية" (2/ 384) وقال: غريب بهذا اللفظ، وبمعناه ما أخرجه البخاري، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول ال - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر". (¬2) أخرجه البخاري (2/ 529 رقم 1390)، ومسلم (2/ 673 رقم 979) كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. (¬3) أخرجه البخاري (1/ 92 رقم 231)، ومسلم (3/ 1296 رقم 1671) كلاهما من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -. (¬4) أخرجه الدارقطني (1/ 128 رقم 7) من حديث أبي هريرة، وقال: الصواب مرسل، وأخرجه (1/ 127 رقم 2) من حديث أنس، وقال أيضًا: المحفوظ مرسل. (¬5) راجع له "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي (1/ 111)، و"المحلى" لابن حزم (11/ 363)، و"سنن البيهقي الكبري" (1/ 268).

النبي - عليه السلام - في تقدير الماء. وقال صاحب "البدائع": ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعية. الثاني: استدل به أبو يوسف على نجاسة الماء المستعمل فإنه قرن فيه بين الغسل فيه والبول فيه، أما البول فيه فينجسّه فكذلك الغسل فيه، وفي دلالة القِران بين الشيئن على استوائهما في الحكم خلاف بين العلماء، فالمذكور عن أبي يوسف والمزني ذلك وخالفهما غيرهما. الثالث: أن النووي زعم أن النهي المذكور فيه للتحريم في بعض المياه، والكراهة في بعضها، فإن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول فيه لمفهوم الحديث ولكن الأولى اجتنابه، وإنْ كان قليلًا جاريا فقد قال جماعة من أصحابنا: يكره، والمختار أنه يحرم؛ لأنه يقذره وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي، وإنْ كان كثيرا راكدا فقال أصحابنا: يكره ولا يحرم، ولو قيل: يحرم لم يكن بعيدا، وأما الماء الراكد القليل فقد أطلق جماعة من أصحابنا أنه مكروه، والصواب المختار أنه حرام، والتغوط فيه كالبول فيه وأقبح، وكذا إذا بال في إناء ثم صبّه في الماء. قلت: زَعْمُ النووي من باب استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين، وفيه من الخلاف ما هو معروف عند أهل الأصول. الرابع: أن هذا الحديث عام فلا بد من تخصيصه اتفاقا بالماء المُستَبْحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر كما قلناه، أو بحديث القلتين كما ذهب إليه الشافعي، أو بالعمومات الدالة على طهورية الماء ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة كما ذهب إليه مالك. الخامس: أنَّ من تمسك بالعمومات الواردة الدالة على طهورية الماء الذي لم يتغير وصف من أوصافه الثلاثة يحمل النهي هَا هنا على الكراهة فيما لم يتغير، وهو خلاف المشهور في النهي، ومن قال بتنجيس ما دون القلتين من الماء وإنْ لم يتغير -من

أصحاب الشافعي وغيره- فإنما أخذه من مفهوم حديث القلتين، وفي تخصيص العموم بالمفهوم تنازع بين أهل الأصول فبعضهم يقول: لا نعلم خلافا بين القائلين بالمفهوم أنه يجوز تخصيص العموم به، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة أم من قبيل مفهوم المخالفة، وغيره يقول: إذا قلنا: المفهوم حجة فالأشبه أنه يجوز تخصيص العام به؛ لأن المفهوم أضعف دلالة من المنطوق فكان التخصيص تقديما للأضعف على الأقوى وذلك غير جائز. السادس: أن المذكور فيه البول فيلحق به التغوط قياسا، والمذكور فيه الغسل من الجنابة فيلحق به اغتسال الحائض والنفساء قياسا، وكذلك يلحق به اغتسال الجمعة والاغتسال من غسل الميت عند من يوجبهما. فإن قلت: هل يلحق به الغسل المسنون أم لا؟ قلت: من اقتصر على اللفظ فلا إلحاق عنده كأهل الظاهر، وأما من يعمل بالقياس ممن زعم أن العلة الاستعمال فالإلحاق صحيح، ومن زعم أن العلة رفع الحدث فلا إلحاق عنده، فاعتبر بالخلاف الذي بين أبي يوسف ومحمد في كون الماء مستعملا. السابع: فيه دلالة على تنجيس البول. ص: وحدثنا علي بن معبد بن نوح البغدادي، قال: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: حدثنا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه". ش: هذا طريق آخر، ورجاله ثقات، وأخرج مسلم نحوه (¬1)، وقد ذكرناه. قوله: "لا يبولن" نهي مؤكد بالنون الثقيلة وأصله "لا يبل أحدكم" فلما دخلت النون عادت الواو المحذوفة. قوله: "الذي لا يجري" صفة كاشفة. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه.

قوله: "ثم يغتسل فيمه برفع اللام؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، أي ثم هو يغتسل فيه، ويجوز الجزم عطفا على محل لا يبولن؛ لأنه مجزوم، وعدم ظهور الجزم لأجل النون، وقد قيل: يجوز النصب بإضمار "أن" ويعطي لـ"ثم" حكم واو الجمع. قلت: هذا فاسد؛ لأنه يقتضي أن يكون المنهي عنه هو الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقل به أحد، بل البول فيه منهيّ عنه سواء أراد الاغتسال فيه أم منه أم لا، وقال القرطبي في "المفهم": الصحيح "يغتسلُ" برفع اللام، ولا يجوز نصبها إذ لا تنتصب بإضمار"أن" بعد "ثم". وخالفه في ذلك ابن مالك وأجازه بالوجه الذي ذكرناه، وقال النووي: الرواية "يغتسل" بالرفع. وقال القرطبي: ومثل هذا قوله - عليه السلام -: "لا يضرب أحدكم امرأته ضربَ الأَمة ثم يُضاجعُها" (¬1) برفع "يُضاجعُها". ولم يروه أحد بالجزم، والتقدير: ثم هو يضاجعها، وثم هو يغتسل. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى أبو موسى الصدفي، قال: أخبرني أنس بن عياض الليثي، عن الحارث بن أبي ذُبَاب -وهو رجل من الأزد- عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه أو يشرب". ش: هذا طريق آخر أيضًا، ورجاله ثقات. ويونس بن عبد الأعلي شيخ مسلم أيضًا والنسائي وابن ماجه، وقد شاركهم الطحاوي في الرواية عنه. وأنس بن عياض شيخ الشافعي وأحمد. والحارث بن أبي ذباب هو الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد -وقيل: المغيرة- بن أبي ذباب الدوسي المدني. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في "صحيحه" (5/ 2246 رقم 5695)، ومسلم (4/ 2191 رقم 2855) كلاهما من حديث عبد الله بن زمعة - رضي الله عنه - بنحوه.

وأخرج البيهقي نحوه إسنادا ومتنا (¬1). قوله: "أو يشرب" أي منه. ص: حدثنا يونس قال: أخبرني عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكير بن عبد الله الأشج حدثه، أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة، حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جُنب. فقال: كيف نفعل يا أبا هريرة؟ فقال: تتناوله تناولا". ش: رجال هذا كلهم رجال الصحيح، فنصفه مصري، ونصفه مدني. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬2) عن النيسابوري عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره نحوه سواء بسواء. وأخرجه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (¬3): عن عبد الله بن مسلم، عن حرملة ابن يحيى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره نحوه (¬4). قوله: "لا يغتسلْ" نهي؛ فلذلك جزم "اللام"، ويجوز أن يكون نفيا؛ فحينئذ تضم اللام. قوله: "وهو جنب" جملة حالية. قوله: "كيف نفعل" بالنون المصدرة للجماعة. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 239 رقم 1072) من طريق ابن وهب عن أنس بن عياض به. وأخرجه ابن خزيمة (1/ 50 رقم 94)، وعنه ابن حبان في "صحيحه" (4/ 67 رقم 1256) من نفس طريق المصنف، فروياه عن يونس بن عبد الأعلى به. (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 51 رقم 1). (¬3) "صحيح ابن حبان" (4/ 62 رقم 1252). (¬4) فات المصنف أن يعزوه إلى "صحيح مسلم" وهو أولى بالعزو، فقد رواه مسلم من طريق هارون بن سعيد الأيلي، وأبي طاهر، وأحمد بن عيسى، جميعًا عن ابن وهب به سواءً بسواء (1/ 236 رقم 283)، وهو عند ابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 49 رقم 93) من طريق يونس به.

قوله: "تتناوله" بتاء الخطاب، و"تناولا" نُصِبَ على المصدرية. واستدل به أبو يوسف على نجاسة الماء المستعمل؛ لأنه نهي عن الاغتسال في الماء الدائم في حالة الجنابة؛ فلو لم يتنجس الماء بذلك لم يكن للنهي فائدة. ومن فوائده: جواز إدخال الجنب يده في الماء الدائم ليأخذ منه شيئا للاغتسال، وكذا حكم الإناء؛ لأن في منع هذا حرجا عظيما؛ لأن كل أحد لا يجد إناء يأخذ الماء به، ولو أدخل رجله لفسد الماء لعدم الحاجة إليه، وعن أبي يوسف: لو أدخل رجله في البئر لا يفسد؛ لأنه يحتاج إلى ذلك لطلب الدلو. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، قال: حدثني أبي، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه. ش: ابن أبي داود هو إبراهيم، وقد مر غير مرة. وسعيد بن الحكم المصري، روى له الجماعة. وعبد الرحمن بن أبي الزناد -بالزاي والنون- أبو محمَّد القرشي المدني، استشهد به البخاري، واحتج به أبو داود والترمذي وابن ماجه. واسم أبي عبد الرحمن: عبد الله بن ذكوان أبو الزناد، روى له الجماعة. وموسى بن أبي عثمان التبان مولى المغيرة بن شعبة، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. ولم يعرف اسم أبي موسى المذكور، روى له الترمذي والنسائي. ص: وكما حدثنا حسين بن نصر بن المعارك البغدادي، قال: ثنا محمَّد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا سفيان (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزناد ... فذكر بإسناده مثله.

ش: هذان طريقان آخران للطريق السابق، فحصل لحديث أبي الزناد ثلاث طرق. وحسن بن نصر ذكره ابن يونس فيمن قدم مصر وقال: كان ثقة ثبتا. ومحمد بن يوسف الفريابي روى له الجماعة، والفِريابي -بكسر الفاء- نسبة إلى فارياب، بليدة بنواحي خراسان. وسفيان هو الثوري الإمام المشهور. وفهد هو ابن سليمان. وأبو نعيم هو الفضل بن دكين شيخ البخاري وغيره. واعلم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر يكتب عند الانتقال من إسناد إلى إسناد آخر "حاء" مهملة مفردة؛ دلالة على التحويل والانتقال، ولذلك كَتَبَ "ح" بعد قوله: "ثنا سفيان ح وحدثنا فهد". ص: حدثنا الربيع بين سليمان المؤذن قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا عبد الله ابن لهيعة، قال: ثنا عبد الرحمن الأعرج، قال: سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه". ش: هذا طريق آخر. والربيع بين سليمان بن عبد الجبار المرادي، راوي كتب الأمهات عن الشافعي، وثقه الخطيب. وأسد بن موسى بن إبراهيم الأموي المصري، وثقه ابن حبان وغيره. وعبد الله بن لَهِيعة -بفتح اللام وكسر الهاء- قاضي مصر قالوا: فيه مقال. ولكنه كبير، وثقه أحمد ورضي به الطحاوي (¬1). ¬

_ (¬1) راجع ترجمته في "تهذيب الكمال" (15/ 487 - 503) و"ميزان الاعتدال" (2/ 475 - 483). وقال الذهبي في "السير" (8/ 14): لا ريب أن ابن لهيعة كان عالم الديار المصرية، هو والليث معًا، كما كان الإِمام مالك في ذلك العصر عالم المدينة، والأوزاعي عالم الشام، ومعمر عالم =

وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج القرشي، روي له الجماعة. ص: وكما حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، قال: أنا حيوة بن شريح، قال: سمعت ابن عجلان يحدث، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ولا يغتسل فيه". ش: هذا طريق آخر رجاله كلهم ثقات. والربيع هذا غير الربيع المذكور في الحديث السابق فإن ذاك مرادي وهذا جيزي نسبة إلى جيزة مصر مقابل المقياس وكلاهما من أصحاب الشافعي. وحيوة بن شريح التميمي المصري. وهذا الإسناد نصفه مصري ونصفه مدني. قوله: "ولا يغتسلُ" برفع اللام، عطف جملة على جملة لا عطف فعل على فعل، إذ لو كان ذاك لقيل: ولا يغتسلن -بالنون- وهذه الرواية بحرف "في" والتي قبلها بحرف "من" فافهم. ص: حدثنا إبراهيم بن منقذ العُصْفري، قال: حدثني إدريس بن يحيى، قال: ثنا عبد الله بن عياش، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبى - عليه السلام - مثله، غير أنه قال: "ولا يغتسل فيه جنب". ش: هذا إسناد آخر في الحديث السابق، وفيه زيادة لفظة: "جُنب" بعد قوله: "ولا يغتسل فيه" ورجاله ثقات. وإبراهيم بن منقذ من أصحاب عبد الله بن وهب. ¬

_ =اليمن، وشعبة والثوري عالمي العراق، وإبراهيم بن طهمان عالم خراسان، ولكن ابن لهيعة تهاون بالإتقان، وروى مناكير؛ فانحط عن رتبة الاحتجاج به عندهم، وبعض الحفاظ يروي حديثه، ويذكره في الشواهد والاعتبارات والزهد والملاحم، لا في الأصول. وبعضهم يبالغ في وهنه، ولا ينبغي إهداره، وتتجنب تلك المناكير، فإنه عدل في نفسه.

وإدريس بن يحيى بن إدريس بن يحيى الخولاني. وعبد الله بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة- القِتْبَاني أبو حفص المصري، روي له مسلم. والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. ص: وحدثنا محمَّد بن الحجاج بن سليمان الحضرمي، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو يوسف، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر - رضي الله عنه -، عن النبي - عليه السلام -: "أنه نهى أن يبال في الماء الركد ثم يتوضأ فيه". ش: محمَّد بن الحجاج ذكره ابن يونس وقال: محمَّد بن الحجاج بن سليمان الجوهري مولى حضرموت، يكني أبا جعفر، كان صالحا. وعلي بن معبد بن شداد العبدي أبو الحسن الرَّقي نزيل مصر، وثقه أبو حاتم، وروي له الترمذي والنسائي. وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، الإِمام المشهور أكبر أصحاب أبي حنيفة، وثقه ابن حبان وغيره. وابن أبي ليلي هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري قاضي الكوفة، روى له الأربعة، وفيه مقال. وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، روي له الجماعة. وأخرجه مسلم (¬1): عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله - عليه السلام -: "أنه نهى أن يبال في الماء الراكد". وابن ماجه (¬2): عن محمَّد بن رمح، عن الليث ... إلي آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 235 رقم 281). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 124 رقم 343).

والطبراني في "الأوسط" (¬1) بإسناد صحيح إلى جابر قال: "نهي رسول الله - عليه السلام - أن يبال في الماء الجاري فإذا كان البول في الجاري منهيّا عنه ففي الراكد بالطريق الأولى. وأخرجه ابن ماجه (¬2): عن محمَّد بن يحيى، عن محمَّد بن المبارك، عن يحيى بن حمزة؛، عن ابن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا [يبولن] (¬3) أحدكم في الماء الناقع". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلما خصّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الماء الذي لا يجري دون الماء الجاري مع ما في هذه الآثار؛ علمنا بذلك أنه إنما فصل ذلك لأن النجاسة تداخل الماء الذي لا يجري ولا تداخل الماء الجاري، وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا في غسل الإناء من ولوغ الكلب ما سنذكره في غير هذا الموضع من كتابنا هذا إنْ شاء الله تعالى فذلك دليل على نجاسة الإناء ونجاسة مائه وليس ذلك بغالب على ريحه ولا على لونه ولا على طعمه، فتصحيح معاني هذه الآثار يوجب فيما ذكرنا من هذا الباب من معاني حديث بئر بضاعة ما وصفنا لتتفق معاني ذلك ومعاني هذه الآثار ولا تتضادَّ، فهذا حكم الماء الذي لا يجري إذا وقعت فيه النجاسة من طريق تصحيح معاني الآثار، غير أن قوما وقتوا في ذلك شيئًا فقالوا: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا. ش: لما أوّل فيما مضى معنى قوله - عليه السلام - في بئر بضاعة: "إنَّ الماء لا ينجس" بأنه لا ينجس في حال عدم النجاسة فيها، وكذلك معنى قوله - عليه السلام -: "إنَّ الأرض لا تنجس" بأنها لا تبقى نجسة إذا زالت النجاسة منها، وأقام على ذلك شواهد تدل على صحة مدعاه وهي أحاديث بول الأعرابي في المسجد، ثم أوضح ذلك ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (2/ 208 رقم 1749)، وقال: "لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلَّا الحارث". أي الحارث بن عطية. (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 124 رقم 345). (¬3) في "الأصل، ك": "يبول"، والمثبت من "سنن ابن ماجه".

بأحاديث النهي عن البول في الماء الدائم الذي لا يجري، علم بذلك اتفاق معاني آثار بئر بضاعة مع معاني هذه الآثار وليس بينها تضاد في الحقيقة؛ وإنْ كان يتُوهم ذلك بحسب الظاهر. قوله: "ما سنذكره" مسند إلى قوله: "وقد روي". قوله: "فذلك" إشارة إلى حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب. قوله: "وليس ذلك بغالب" جملة حالية. قوله: "فتصحيح معاني هذه الآثار" كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "يوجب" قلت: "ما وصفنا" مفعوله. قوله: "ولا تتضاد" بالنصب عطفا على قوله: "لتتفق معاني هذه الآثار" والتضاد بين الشيئين التنافي بينهما وهو أن يقتضي أحدهما ثبوت أمر والآخر انتفاءه في محل واحد بشرط تساويهما في القوة، وكذا التناقض بين الشيئين والتعارض بينهما فالمتضادان لا يجتمعان ولكنهما يرتفعان كالأبيض والأسود، والتناقض عند أهل المعقول: اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما وكذب الأخرى. قوله: "غير أن قوما" أراد بهم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وأبا عبيد ومن تبعهم في توقيت الماء القليل. قوله: "وقتوا" أي قدروا في الماء الدائم في حكم القليل الذي يتنجس بوقوع النجاسة بما دون القلتين على ما يتحرر عن قريب إنْ شاء الله تعالى. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: أبنا أبو أسامة حماد بن أسامة، عن الوليد بن كثير المخزومي، عن محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الماء وما ينوبه من السباع، فقال: إذا بلغ الماء قلتين فلم يحمل الخبث".

ش: أي احتج هؤلاء القوم وهو الذي ذكره في قوله: "غير أن قوما وقتوا في ذلك". وقد ذكر أن المراد منهم الشافعي وأحمد وإسحاق ومن تبعهم. ورجال هذا كلهم رجال الصحيح ما خلا بحر بن نصر فإنه أيضًا ثقة، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: صدوق ثقة. روى عنه النسائي. وأخرجه الأربعة، فأبو داود (¬1): عن ابن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي، عن أبي أسامة ... إلى آخره نحوه. والترمذي (¬2): عن هنّاد، عن عبدة، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن جعفر ... إلى آخره، ولفظه: "سمعت رسول الله - عليه السلام - وهو يُسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث". والئسائي (¬3): عن هناد بن السري والحسن بن حريث، عن أبي أسامة ... إلى آخره نحو رواية أبي جعفر، غير أن فيه: "من الدواب والسباع". وابن ماجه (¬4): عن أبي بكر بن خلَّاد، عن يزيد بن هارون، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن جعفر ... إلى آخره نحو رواية الترمذي. وقد وقع في رواية النسائي وابن ماجه: "عُبيد الله بن عبد الله" (¬5) مثل ما وقع في رواية الطحاوي بتصغير "العبد" في الابن وتكبيره في الأب، وفي رواية أبي داود والترمذي (¬6): بالتكبير فيهما، ولما أخرجه الترمذي سكت عنه ولم يحكم عليه بشيء، ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 17 رقم 63). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 97 رقم 67). (¬3) "المجتبى" (1/ 46 رقم 52). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 172 رقم 517). (¬5) في المطبوع في هذا الموضع: "عبد الله بن عبد الله" بالتكبير فيهما، وأما في (1/ 175 رقم 328) من طريق الحسين بن الحريث فقط من غير ذكر هناد بن السري. (¬6) في المطبوع في "جامع الترمذي" في هذا الموضع و"سنن أبي داود" (1/ 17 رقم 64): "عبيد الله =

وقال اليعمري: وقد صححه ابن حبان وابن منده والطحاوي والخطابيّ والبيهقي، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (¬1) والحاكم في "مستدركه" (¬2): وزعم أنه على شرط الشيخين، ووافقه ابن منده في أنه على شرط مسلم، وقال الحكم: "صحيح ولا تقبل دعوى من ادعى اضطرابه". وقال اليعمري أيضًا: وقد حكم الفقيه أبو جعفر الطحاوي بصحة هذا الحديث لكنه اعتل في ترك العمل به بجهالة مقدار القلتين. قلت: وضعفه الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ، وقال ابن العربي: مداره على علته أو مضطرب في الرواية أو موقوف، وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد ابن كثير وهو إباضيّ، واختلفت روايته فقيل: قلتين، وقيل: قلتين أو ثلاثًا، ¬

_ = ابن عبد الله" بالتصغير في الابن والتكبير في الأب، وكلاهما من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر. وقد ذكر الحافظ المزي في كتابه العظيم "تحفة الأشراف" روايتي أبي داود والنسائي في مسند عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، بالتكبير فيهما (5/ 471 رقم 7272)، وكلاهما من طريق الوليد بن كثير عن محمَّد بن جعفر، وذكر رواية أبي داود والترمذي وابن ماجه في مسند عُبَيد الله بن عبد الله عن أبيه، بالتصغير في الابن والتكبير في الأب، وكلها من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر (3/ 6 رقم 7305). ورواه أبو داود (1/ 17 رقم 65) من طريق عاصم بن المنذر، عن عُبَيد الله بن عبد الله به، بالتصغير في الابن أيضًا، وهي عند ابن ماجه أيضًا (1/ 172 رقم 518)، واختلف على عاصم في رفعه ووقفه كما سيأتي. والخلاصة: أنه اختلف على محمَّد بن جعفر فيه، فرواه عنه محمَّد بن إسحاق وعاصم بن المنذر عن عبيد الله -بالتصغير- بن عبد الله بن عمر. ورواه الوليد بن كثير عنه عن عبد الله -بالتكبير- بن عبد الله. وعُبَيد الله بن عبد الله ثقة، وعبد الله بن عبد الله ضعيف، المصغر مكبر في الرواية، والمكبر مصغر في الرواية. (¬1) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 49 رقم 92). (¬2) "مستدرك الحاكم" (1/ 225).

وروي "أربعون قلة" وروي "أربعون غربا" ووقف على أبي هريرة وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - وقال اليعمري: حكم ابن منده بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة، ولكنه أعرض عن جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها والاضطراب ولعل مسلما تركه لذلك. قلت: اضطرابه لفظي ومعنوي، أما اللفظي فمن جهة الإسناد والمتن، أما إسناده فمن ثلاث روايات: الأول: رواية الوليد بن كثير كما في رواية الطحاوي وأبي داود والنسائي وكذا في رواية الشافعي عن عبد الله بن الحارث المخزومي عن الوليد بن كثير، وكذا في رواية إسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة. والثانية: رواية محمَّد بن إسحاق، كما في رواية الترمذي وابن ماجه. والثالثة: رواية حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر، واختلف في إسنادها ومتنها: أما الإسناد فما رواه أبو داود (¬1) وابن ماجه (¬2): عن موسى بن إسماعيل، عن حماد عن عاصم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: حدثني أبي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس" وخالف حماد بن سلمة فرواه عن عاصم بن المنذر، عن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله موقوفا. وأما المتن فإن يزيد بن هارون رواه عن حماد بن سلمة، فاختلف فيه على يزيد، فقال الحسن بن محمَّد الصباح عنه عن حماد، عن عاصم قال: "دخلت مع عبيد الله ابن عبد الله بن عمر بستانا فيه مقرى ماء فيه جلد بعير ميت، فتوضأ فيه، فقلت له: أتتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت؟! فحدثني عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا بلغ الماء قلتين أو أكثر لم ينجسه شيء" أخرجه الدارقطني (¬3). ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 17 رقم 65). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 172 رقم 518). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 22 رقم 21)، وفيه: "أو ثلاثًا" موضع "أو أكثر".

وكذلك رواه وكيع عن حماد بن سلمة وقال:"إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثًا لم ينجسه شيء" رواه ابن ماجه (¬1). وأما متنه فالاضطراب فيه ما تقدم. ورروي الدارقطني في "سُننه" (¬2) وابن عُدي في "الكامل" (¬3) والعقيلي في كتابه (¬4) عن القاسم بن [عبد] (¬5) الله العمري، عن محمَّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث" وقال الدارقطني: القاسم العمري وهم في إسناده، وكان ضعيفًا كثير الخطأ. وروى الدارقطني (¬6) أيضًا: من جهة بشر بن السري عن ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن سليمان بن سنان، عن عبد الرحمن بن أبي هريرة، عن أبيه قال: "إذا كان الماء قدر أربعين قلة لم يحمل خبثا" وخالفه غير واحد رووه عن أبي هريرة فقالوا: "أربعين غربا" ومنهم من قال: "أربعين دلوا". وأما الاضطراب المعنوي فقيل: إنَّ القلّة اسم مشترك يطلق على الجرّة وعلى القربة وعل رأس الجبل وعلي قامة الرحل، والاسم المشترك لا يراد به إلَّا أحد المعاني الذي دلّ عليه الدليل المرجح، فأي دليل مرجح دلّ على أن المراد من القلّة ما أرادوه من التقدير لا غيره. فإن قلت: روى الشافعي في "مسنده" (¬7): أخبرني مسلم بن خالد الزنجي، عن ¬

_ (¬1) سبق تخريجه. (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 26 رقم 34). (¬3) "الكامل" (6/ 34). (¬4) "ضعفاء العقيلي" (3/ 374). (¬5) في "الأصل، ك": "عُبَيد، وهو خطأ، والمثبت من "سنن الدارقطني"، و"الكامل" لابن عدي، و"ضعفاء العقيلي"، ومحمد بن المنكدر لم يذكروا في الرواة عنه القاسم بن عبيد الله، إنما يروي عنه القاسم بن عبد الله. (¬6) "سنن الدارقطني" (1/ 27 رقم 40). (¬7) "مسند الشافعي" (1/ 165).

ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل [خبثا] (¬1) " وقال في الحديث: "بقلال هجر" قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا. وقال الشافعي: فالاحتياط أن تجعل القلّة قربتين ونصفا، فإذا كان الماء خمس قِرب كبار كقرب الحجاز لم يحمل نجسا إلَّا أن يظهر في الماء ريح أو طعم أو لون. قلت: في هذا ثلاثة أشياء: أحدها: أن مسلم بن خالد ضعفه جماعة، فالبيهقي أيضًا ضعفه في باب: من زعم أن التراويح بالجماعة أفضل (¬2). الثاني: أن الإسناد الذي لم يحضره ذكره مجهول، فهو كالمنقطع، فلا تقوم به حجة. الثالث: أن قوله: "وقال في الحديث: بقلال هجر" يوهم أنه من لفظ النبي - عليه السلام - والذي وجد في رواية ابن جريج أنه قول يحيى بن عقيل كما بينه البيهقي، ويحيي هذا ليس بصحابي فلا تقوم بقوله حجة. فإن قلت: أسند البيهقي (¬3): عن محمَّد [أن يحيى بن عقيل أخبره] (¬4) عن يحيى ابن يعمر، أنه - عليه السلام - قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا ولا بأسا". قال: فقلت ليحيي بن عقيل: قلال هجر؟ [قال: قلال هجر] (¬5) قال: فأظن أن كل قلة تأخذ فرقين" زاد أحمد بن علي في روايته: "والفرق ستة عشر رطلا". قلت: في هذا أيضًا أشياء: أحدها: أنه مرسل. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وفي "مسند الشافعي": "نجسًا". (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 495). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 263 رقم 1173). (¬4) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن البيهقي الكبرى". (¬5) وكذا صرح باسمه الدارقطني في "سننه" (1/ 24 رقم 28).

الثاني: أن محمَّد المذكور فيه هو ابن يحيى -على ما قال أبو أحمد الحافظ- يحتاج إلى الكشف عن حاله. الثالث: أنه ظن من غير جزم. الرابع: أنه إذا كان الفرق ستة عشر رطلا يكون مجموع القلتين أربعة وستين رطلا، وهذا لا يقول به البيهقي وإمامه. فإن قلت: قد ارتفع الاضطراب برواية إسماعيل بن عُلَيّة، والاضطراب الذي يرجع إلى المتن قد يدفع بما ذكر من طريق ابن إسحاق من عدة أوجه ليس فيها ذكر لغير القلتين، وكذلك طريق الوليد بن كثير ولم يقع من ذلك إلَّا اليسير جِدّا في طريق عاصم بن المنذر من بعض الوجوه وهي كلها لا تساوي واحدا من طريقي ابن إسحاق والوليد ولا يقاربها، فالاضطراب إنما يقدح إذا تساوت الطرق وتعذر الجمع أو الترجيح، وكذا تعليل مرفوعه بموقوفه ليس بمستقيم؛ لأن الرافع إذا كان ثقة لا يضره من لم يرفعه؛ لأنه زيادة من ثقة، وأن من رفعه أكثر وأحفظ ممن وقفه بكثير، فيكون الاعتبار للأكثر وللأحفظ. قلت: لا نسلم أن ارتفاع الاضطراب برواية ابن عُلية؛ لأنه يروي عن عاصم بن المنذر وهو ليس ممن اتفق عليه، ألا تري أن البخاري استشهد به وما روى له، وقوله: "طريق عاصم لا يساوي طريق ابن إسحاق" غير مسلم؛ لأن كليهما سواء في القوة والضعف، ولهذا استشهد بهما البخاري ولم يخرج لهما شيئًا، وقوله: "إنَّ الرافع إذا كان ثقة" معارَضٌ بما إذا كان الواقف أيضًا ثقة، قلت: "الاعتبار للاكثر" غير مسلم؛ بل الاعتبار للقوة، ولئن سلمنا جميع ذلك وسلمنا صحة الحديث لكنا نأوّله ونحمله على ما ذكره الطحاوي؛ ألَّا ترى أنه وهو إمام في الحديث وفي معرفة طرق معانيه، قد أخرج هذا الحديث بإسناد صحيح ولكنه لم يعمل به لجهالة مقدار القلتين على ما يجيء بيانه مستقصى إنْ شاء الله.

قوله: "وما ينوبه" أي ما يطرقه، وقيل: أي ما يقصده، يقال: نابه ينوبه نوبا وانتابه، إذا قصده مرة بعد أخرى، ويقال: معناه: ما تنزل به الدواب للشرب وهو جمع دابة، وهو ما يدب على وجه الأرض في اللغة، وفي العرف الدابة تطلق على ذوات الأربع مما يركب، وفي الصحاح: الدابة التي تركب. والسباع جمع سبع وهو كل حيوان عادٍ مفترس ضار ممتنع، وعطف السباع على الدَّواب من عطف الخاص على العام، إنْ اعتبرنا في الدواب المعنى اللغوي، وإلَّا فلا يكون من هذا القبيل. قوله: "فقال" أي النبي - صلى الله عليه وسلم - "إذا كان الماء قلتين" وهي تثنية قلة وهي الحُبّ (¬1) العظيم والجمع قلال، واختلفوا في تفسير القلة، فقيل: خمس قرب كل قربة خمسون منّا، وقيل: جرة تسع فيها مائة وخمس وعشرون منّا، وقيل: القلتان خمسمائة رطل بالبغدادي، وقيل: القلتان خمسمائة منّ، وقيل: القلة هي الجرّة التي يقُلّها القوي من الرجال أي يحملها، وقال اليعمري: الصحيح أن القلتين خمسمائة رطل، خمس قرب كل قربة مائة رطل بالبغدادي. وقيل: ستمائة، وقيل: ألف، وهما بالمساحة ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا، هكذا قالوا وليس محرّرا؛ فإن الماء تختلف أوزانه، وفي المغني لابن قدامة: القلة هي الجرّة، ويقع هذا الاسم على الصغيرة والكبيرة، والمراد من القلتين هَا هنا من قلال هجر، وهما خمس قرب كل قربة مائة رطل بالعراقي، فتكون القلتان خمسمائة رطل، هذا هو المشهور في المذهب وعليه أكثر الأصحاب. وهو مذهب الشافعي، وروى الأثرم عن أحمد أنَّهما أربع قرب، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن إمامه. قلت: وهجر التي تنسب إليها القلال قرية كانت ببلاد المدينة، ويقال: هجر التي باليمن، والأول أصح. ¬

_ (¬1) الحُبُّ -بالحاء المهملة- هو الجرَّة الضخمة، وهو الذي يجعل فيه الماء. انظر "لسان العرب"، (مادة: حبب).

قوله: "لم يحمل الخَبَث" بفتحتين أي لا يحتمل نجسا لضعف قوته، هذا تأويلنا وهم يقولون: معناه لم ينجس بملاصقة النجاسة ووقوعها فيه. وقال النووي: وأما قول المانعين من العمل بالقلتين: "إن معناه يضعف عن حمله" فخطأ فاحش من أوجه: أحدها: أن الرواية الأخري مصرحة بلفظه وهي قوله: "فإنه لا ينجس". الثاني: أن الضعف عن الحمل إنما يكون في الأجسام كقولك فلان لا يحمل الخشبة أبي يعجز عن حملها لثقلها، وأما في المعاني فمعناه لا يقبله. الثالث: أن سياق الكلام يفسده؛ لأنه لو كان المراد أنه يضعف عن حمله لم يكن للتقييد بالقلتين معني فإن ما دونهما أولى بذلك. وأجيب بأن تأويل المانعين في الرواية التي لفظها "لم يحمل الخبث" صحيح لأن المعنى لا يحتمل هذا الماء نجسا لعدم قوته كما يقال فلان لا يحمل ألف رطل أي يضعف عنه، وتأويلهم إنما هو في هذه الرواية، وأما الرواية الأخري فالجواب عنها أن العمل متعذّر؛ للاختلاف الشديد في تفسير القلتين. وقال أبو عمر في "التمهيد": "وما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر؛ لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم؛ ولأن القلتين لم يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع". وقال ابن حزم: "وأما حديث القلتين فلا حجة لهم فيه أصلًا لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحدّ مقدار القلتين، ولا شك في أنه - عليه السلام - إذا أراد أن يجعلها حدّا بين ما يقبل النجاسة وبين ما لا يقبلها لمَا أهمل أن يحدّها لنا بحد ظاهر، لا يحيل، وليس [هذا] (¬1) مما يوجب على المرء ويوكل فيه إلى اختياره ولو كان ذلك لكانت كل قلتين -صغرتا أو كبرتا- حدّا في ذلك". ¬

_ (¬1) من "المحلى" لابن حزم (1/ 175).

وأما الشافعي فليس حدّه في القلتين بأولى من حدّ غيره ممن فسرهما بغير تفسيره، وكل قول لا برهان له فهو باطل. والقلتان هو ما وقع عليه في اللغة اسم قلتين صغرتا أم كبُرتا، ولا خلاف في أن القلة التي تَسَعُ عشرة أرطال ماء تسمى عند العرب قلة، وليس [في هذا] (¬1) الخبر ذكر لقلال هجر أصلا، ولا شك في أن بهجر قلالا صغارا وكبارا. فإن قيل: إنَّه - عليه السلام - ذكر قلال هجر في حديث الإسراء. قلئا: نعم وليس ذلك بموجب أن يكون - عليه السلام - متى ذكر قلة فإنما أراد من قلال هجر، وليس تفسير ابن جريج للقلتين بأولى من تفسير مجاهد الذي قال: هما جرتان. وتفسير الحسن كذلك أيضًا. ص: وكما حدثنا الحسن بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أبنا محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن جعفر أبي الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه سئل عن الحياض التي بالبادية تصيب منها السباع، قال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسا". ش: هذه طريقة أخرى وهي صحيحة أيضًا، وإسنادها بعينه إسناد ابن ماجه الذي ذكرناه؛ لأنه أخرجه (¬2) عن أبي بكر بن خلاد، عن يزيد بن هارون ... إلى آخره، غير أن لفظهما مختلف كما ترى. قوله: "بالبادية" أي في البادية على وزن فاعلة، من بدا إذا ظهر، يقال: بدا القوم بدوًّا أي خرجوا إلى باديتهم، والبدوي نسبة إلى البدو، والبدو البادية. وقد استدل به بعضهم على نجاسة سؤار السباع، لقوله: "تصيب منها السباع" وأجاب عنه من لا يرى بنجاسة سؤرها بأنها إذا وردت مياه الغدران خاضتها، وإذا خاضت بالت في الأكثر عادة، مع أن قوائمها لا تخلو من النجاسة غالبا، فكان ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "لهذا"، والمثبت من "المحلى" لابن حزم. (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 172 رقم 517)، وقد سبق.

سؤالهم عن ذلك، وكان الجواب عنه - عليه السلام - عن ذلك تقرير قاعدة عامة في الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، ومياه الغدران بالفلوات لا تنقص عن قلتين غالبا. قلت: فيه نظر؛ لأنا لا نسلم أنها تخوض في الماء عند الورود إليه، ولئن سلمنا ذلك فلا نسلم أنَّهَا تبول، ولئن سلمنا أنّها تبول فلا نسلم أن يكون تنجيس بولها الماء منافيا عن تنجيسه بسؤرها، فلم لا يجوز أن يكون تنجيسه بهما جميعا عند اجتماعهما وكل واحد منهما عند الإفراد؟! وقوله: "مع أن قوائمها لا تخلو من النجاسة" معارض بأن أفواهها لا تخلو عن النجاسة بل كون نجاسة فمها أقرب وأكثر من كون قوائمها نجسة؛ لأنها تأكل الجيف والعذرة ونحوهما، فهذا ما فتُح لي من الأنوار الربانية والأسرار الرحمانية ولله الحمد. ص: حدثنا محمد بن الحجاج، ثنا علي بن معبد، ثنا عباد بن عباد المهلبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عبيد اللهَ بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: هذه طريقة أخرى وهي أيضًا صحيحة. وأخرجه البزار في "مسنده" وقال: حدثنا عمرو بن علي، نا أبو معاوية، عن محمد بن إسحاق إلى آخره نحوه. وأبو معاوية هو عبّاد بن عبّاد بن حبيب بن المهلب البصري، روى له الجماعة. ص: وكما حدثنا يزيد بن سنان بن يزيد البصري، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. ش: هذه طريقة أخرى، وهي أيضًا صحيحة.

ويزيد بن سنان أبو خالد القزاز البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي. وموسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود. ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر أخبرهم قال: "كنا في بستان لنا -أو بستان لعبيد الله بن عبد الله بن عمر- فحضرت صلاة الظهر، فقام إلى بئر البستان فتوضأ منه وفيه جلد بعير ميت، فقلت: أتتوضأ منه وهذا فيه؟ " فقال عبيد الله: أخبرني أبي أن رسول الله - عليه السلام - قال: إذا كان الماء قلتين لم ينجس". ش: يزيد هو ابن سنان المذكور. وعاصم بن المنذر وثقه ابن حبان. وهذا أخرجه الدارقطني (¬1): وقد ذكرناه ولكن في روايته: "إذا بلغ الماء قلتين أو (أكثر) (¬2) لم ينجسه شيء". وأخرجه البيهقي (¬3) أيضًا: من حديث حماد عن عاصم بن المنذر قال: "دخلت مع عبيد الله بن عبد الله بن عمر بستانا فيه مِقرى ماء فيه جلد بعير ميت، فتوضأ منه، فقلت: أتتوضأ منه وفيه هذا؟! فحدثني عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا بلغ الماء قدر قلتين أو ثلاث لم ينجسه شيء". قوله: "وفيه جلد بعير" جملة حالية، وكذا قوله: "وهذا فيه". قوله: "مِقرى ماء" بكسر الميم قال ابن الأثير: المقرى والمقراة: الحوض الذي يجتمع فيه الماء. ص: وكما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا حماد بن سلمة ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوقفه على ابن عمر - رضي الله عنهما -. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 22 رقم 20). (¬2) في "سنن الدارقطني": "ثلاثًا". (¬3) "سنن البيهقي الكبري" (1/ 262 رقم 1169).

ش: هذا موقوف، فقد ظهر لك بهذا اضطراب هذا الحديث -يعني حديث القلتين- لأن في سنده ضعفا وفي متنه اضطرابا، والقلة في نفسها مجهولة. قلت: "لا يحمل الخبث" يحتمل معنيين مختلفين لا ندري أيهما المراد، والاعتماد على مثل هذا الخبر لا يصلح؛ كيف وقد ظهر العمل من الصحابة بخلافه في ماء البئر، فكان الاعتماد على ما روي من الأحاديث المشهورة. قلت: والجواب القاطع لحديث القلتين أنه خبر واحد، وخبر الواحد إذا ورد مخالفا للإجماع يُردّ، بيانه: أن ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهم - أفتيا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح الماء كله. ولم يظهر أثره في الماء، وكان الماء أكثر من قلتين، وذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينكر عليهما أحد منهم، فانعقد الإجماع برد هذا الحديث. ص: فقال هؤلاء القوم: إذا بلغ الماء هذا المقدار؛ لا يضره ما وقعت فيه من النجاسة إلَّا ما غلب على ريحه أو طعمه ولونه. واحتجوا في ذلك بحديث ابن عمر - رضي الله عنهم - هذا. ش: أشار بهؤلاء القوم إلى قوله: "غير أن قوما وقتوا في ذلك شيئًا" وهم: الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ومن تبعهم، وأراد بهذا المقدار القلتين. وفي "المغني" (¬1): وإذا كان الماء قلتين وهو خمس قرب فوقعت فيه نجاسة فلم يوجد له طعم ولا لون ولا رائحة فهو طاهر، وأما ما دون القلتين إذا لاقته النجاسة فلم يتغير بها فالمشهور في الذهب أنه ينجس، وروي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد، وبه قال الشافعي وإسحاق وأبو عُبيد. وروي عن أحمد رواية أخرى: أن الماء لا ينجس إلَّا بالتغيير؛ قليله وكثيره. وروي ذلك عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس، قالوا: الماء لا ينجس إلَّا بالتغير. ¬

_ (¬1) "المغني" (1/ 30).

وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد وابن أبي ليلى ومالك والأوزاعي والثوري ويحيي بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وابن المنذر، وهو قول الشافعي. وأما الزائد على القلتين إذا لم يتغير بالنجاسة ولم تكن النجاسة بولا أو عذرة فلا يختلف المذهب في طهارته، روي ذلك عن ابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير والشافعي وإسحاق وأبي عُبيد وأبي ثور. ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة التي صححناها أن هاتين القلتين لم يبيَّن لنا في هذه الآثار ما مقدارهما، فقد يجوز أن يكون مقدارهما قلتين من قلال هجر كما ذكرتم، ويحتمل أن تكونا قلتين أريد بهما قلّة الرحل وهي قامته فأريد إذا كان الماء قلتين أبي قامتين لم يحمل نجسا لكثرته ولأنه يكون بذلك في معنى الأنهار. ش: أشار بهذا إلى بيان كيفية ترك العمل بحديث القلتين والجواب عنه. قوله: "عليهم" أي على هؤلاء القوم وهم الذين ذكرناهم عن قريب، وأراد بأهل المقالة التي صحح لهم أبا حنيفة وأصحابه ومن تبعهم فيما ذهبوا إليه. قوله: "أن هاتين القلتين" إسم لكان و"أنَّ" مصدرية. وكلمة "من" في قوله: "من الحجة" يجوز أن تكون للتبعيض وأن تكون للبيان والتقدير، فكان عدم بيان هاتين القلتين في هذه الآثار المذكورة من بعض الحجة عليهم، تحريره أن القلة في نفسها مجهولة لأنها وردت لمعاني كثيرة كما ذكرنا، فيبقي محتملا فلا يقوم به الدليل. فإن قلت: قد تبين ذلك في حديث ابن جريج الذي أسنده البيهقي الذي ذكرناه فيما قبل بورقتين. قلت: قد أجبت عن هذا هناك، وأيضًا لا يندفع الاحتمال بذلك؛ لأن ابن جريج ممن لا يقُلد، كذا قال شيخ الإِسلام في "المبسوط".

فإن قلت: قد أخرج ابن عدي (¬1) من جهة المغيرة بن سقلاب، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء" وذكر أنهما فرقان. قلت: الحديث معلول بالمغيرة؛ لأن ابن عدي ضعفه، وقال ابن حبان: غلب على حديثه المناكير فاستحق الترك. فإن قلت: ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه: أنه صالح، وعن أبي زرعة: جزري لا بأس به. قلت: إنْ سلمنا ذلك فالحديث يقتضي أن تكون القلتان اثنين وثلاثين رطلا، وهذا لا يقول به هؤلاء القوم. ص: فإن قلتم: إنَّ الخبر عندنا على ظاهره والقلال عندنا هي قلال الحجاز المعروفة، قيل لكم: فإن كان الخبر على ظاهره كما ذكرتم فإنه ينبغي أن يكون الماء إذا بلغ ذلك المقدار لا تضره النجاسة وإنْ غيرت لونه أو طعمه أو ريحه؛ لأن النبي - عليه السلام - لم يذكر ذلك في هذا الحديث؛ فالحديث على ظاهره. ش: السؤال ظاهر، وتحرير الجواب أن يقال لهم: إنْ كان الحديث على ظاهره يقتضي ما ذكرتم؛ كان ينبغي أن الماء إذا بلغ القلتين لا تضره النجاسة وإنْ غيرت وصفا من أوصافه، فحين شرطتم عدم التغير دلّ أنكم لم تعملوا بظاهر الحديث؛ لأنه - عليه السلام - لم يذكر هذا الشرط في الحديث فلم تكونوا عاملين به. فإن قالوا: عملنا به ولكن شرطنا عدم التغير بحديث أبي أمامة الباهلي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "لا ينجس الماء شيء إلَّا ما غيّر ريحه أو طعمه" رواه الطبراني في "الأوسط" (¬2) و"الكبير" (¬3). ¬

_ (¬1) "الكامل" لابن عدي (6/ 359). (¬2) "المعجم الأوسط" (1/ 226 رقم 744). (¬3) "المعجم الكبير" (8/ 104 رقم 7503).

وفي رواية ابن ماجه (¬1): "إلَّا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". قلنا: يلزمكم حينئذ أن تحكموا بطهارة ما دون القلتين إذا لم يغير وقوع النجاسة فيه وصفا من أوصافه، ومع هذا لا تحكمون بطهارتها، على أن في سند الحديث رشدين بن سعد وهو ضعيف. ص: فإن قلتم: فإنه وإنْ لم يكن ذكره في هذا الحديث فقد ذكره في غيره، فذكرتم ما حدثنا به محمَّد بن الحجاج قال: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الماء لا ينجسه شيء إلَّا ما غلب على لونه أو طعمه". قيل لكم: هذا منقطع وأنتم لا تثبتون المنقطع ولا تحتجون به. ش: تحرير هذه المعارضة أن النبي - عليه السلام - وإنْ لم يكن ذكر اشتراط عدم التغير في حديث القلتين، فقد كان ذكره في غيره، وهو الحديث الذي رواه راشد بن سعد المقرائي الحبُراني الحمصي التابعي، والجواب أنه منقطع فلا يقوم حجة. والمعني أنه مرسل وهم لا يحتجون به، وأطلق على المرسل منقطعا لأنهما سواء عند الطحاوي، وقال ابن الصلاح: "المنقطع مثل المرسل وكلاهما شاملان لكل ما لا يتصل إسناده". وقال أبو عمر بن عبد البر: "المرسل مخصوص بالتابعين، والمنقطع شامل له ولغيره". وهو عنده كل ما لا يتصل إسناده سواء كان يعزى إلى النبي - عليه السلام - أو إلى غيره. قلت: فظهر من هذا أن المنقطع أعم. فإن قلت: فهذا وإنْ كان منقطعا من وجه فإنه متصل من وجه آخر على ما رواه الدارقطني (¬2): حدثنا محمَّد بن موسى البزاز، ثنا علي بن السرَاج، ثنا ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 174 رقم 521). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 28 رقم 1).

أبو شرحبيل، ثنا مروان بن محمَّد، ثنا رشدين بن سعد، ثنا معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن ثوبان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الماء طهور إلَّا ما غلب على ريحه أو على طعمه". قلت: قد اختلف أصحاب الحديث في منقطع من وجه متصل من وجه آخر، فمنهم من قال: سقط اعتبار الاتصال فيه بالانقطاع من وجه، والأكثرون على أنه حجة (¬1)، ولكن الحديث معلول برشدين بن سعد على ما ذكرناه عن قريب. ص: فإن كنتم قد جعلتم قوله في القلتين على خاص من القلال، جاز لغيركم أن يجعل الماء على خاص من المياه، فيكون ذلك عنده على ما يوافق معاني الآثار الأول ولا يخالفها، فإذا كانت الآثار الأول التي قد جاءت في البول في الماء الراكد، وفي نجاسة الماء الذي في الإناء من ولوغ الهرّ فيه عامّا لم يذكر مقداره، وجعل على كل ما لا يجري؛ ثبت بذلك أن ما في حديث القلتين هو على الماء الذي لا يجري، ولا نظر في ذلك إلى مقدار الماء، كما لم يُنْظَرْ في شيء مما ذكرنا إلى مقداره؛ حتى لا يتضادّ شيء من الآثار المروية في هذا الباب. ش: تحريره: أنهم إذا قالوا: نحن نخص القلتين بما هو المعروف عند أهل الحجاز فلا يبقى حينئذ احتمال فتقوم الحجة، فنحن نعارضهم بأن نخص الماء المذكور في حديث القلتين بأن نحمله على الماء الراكد، وهو أعم من أن يكون على الأرض أو في الإناء ليوافق معناه معاني الآثار التي وردت في البول في الماء الراكد، وفي نجاسة الماء الذي في الإناء من ولوغ الكلب أو الهرة، ولم يذكر في هذه الآثار مقدار معين، بل جعل على كل ما لا يجري فكذلك يحمل ما في حديث القلتين على الماء الذي لا يجري من غير نظر إلى مقداره كما في الآثار المذكورة؛ لئلَّا يقع التضاد والتنافي بين حديث القلتين والآثار المذكورة. ¬

_ (¬1) والحق أن العبرة بمن روى هذا أو ذاك، فإن كان الذي رواه موصولًا أوثق أو أتقن فالحكم للوصل، وإن كان الذي رواه منقطعًا أوثق أو أتقن كان الحكم للقطع، وكذا يحكم للأكثر إن كان الرواة ثقات وأكثر من واحد.

بيان وقوع التضاد عند عدم التوفيق: أن الآثار المذكورة تدل على نجاسة الماء الراكد مطلقا، سواء كان في قلة أو قربة أو طشَتٍ أو حوض أو نحو ذلك، وسواء كان قليلًا أو كثيرا، وسواء تغيّر أحد أوصافه أو لا، وحديث القلتين يدل بظاهره على أن الماء إذا بلغ قلتين لا يتنجس بوقوع النجاسة، وبينهما منافاة ظاهرة؛ لأن كلا الماءين من الماء الذي لا يجري فالحكم في أحدهما بالنجاسة وفي الآخر بالطهارة والحال أنهما سواء تضاد ومنافاة، فإذا حمل حديث القلتين على ما ذكرنا ارتفع التضاد وتوافقت الآثار واتحدت معانيها. وهَا هنا جواب آخر تفردت به وهو أنكم إذا حملتم معنى القلة على قلة معينة يعرفها أهل الحجاز الذي هو أحد معاني القلة، فنحن أيضًا نحمله على معنى قامة الرحل؛ لأنه أحد محتملاته، فيكون المعنى إذا بلغ الماء قامتين لا يحمل الخبث وقدر القامتين لا يكون إلَّا في الغدران والحياض الكبيرة فيكون كثيرا، ونحن أيضًا نقول: إنَّ الماء الكثير لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه إلَّا إذا تغيّر أحد أوصافه من الطعم واللون والرائحة. فإن قلتم: حَمْلكم على معنى القامة ترجيح بلا مرجح. قلنا: حَمْلكم أيضًا على قلة يعرفها أهل الحجاز ترجيح بلا مرجح. فإن قلتم: عندنا ما يرجح ذلك وهو رواية ابن جريج أنَّهَا قلال هجر. قلنا: قد مرَّ الجواب عن هذا أن ابن جريج لا يقلد في ذلك، وقد حمل بعض الناس القلة على قلّة الجبل وهي أعلاه لأن قلة كل شيء أعلاه وهذا بعيد عادة؛ لأن الماء إذا بلغ إلى أعلى الجبلين يكون كالبحر فلا تؤثر فيه النجاسة أصلًا، فلا يبقى لقوله: "إذا بلغ الماء أعلى الجبلين لا يحمل الخبث" زيادة فائدة. ص: وهذا المعنى الذي صححنا عليه معاني هذه الآثار، هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله-. ش: أراد بهذا المعني: وجه التوفيق الذي ذكره بين الآثار المذكورة وحديث القلتين.

ص: وقد روي في ذلك عمن تقدمهم ما يوافق مذهبهم. ش: أي قد روي فيما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه عمن تقدمهم من الصحابة والتابعين ما يوافق مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد و"ما يوافق" محله رفع لاستناد روي إليه، و"مذهبهم" مفعول يوافق. ص: فمما روي في ذلك ما حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، وقال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن عطاء: "أن حبشيّا وقع في بئر زمزم فمات، فأمر ابن الزبير فنزح ماؤها، فجعل الماء لا ينقطع، فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود فقال ابن الزبير: حسبكم". ش: أي فمن الذي روي فيما يوافق مذهبهم ما حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث. ورجال هذا رجال الصحيح ما خلا صالحا. وسعيد بن منصور أحد مشايخ مسلم وأبي داود. وهُشَيم -بضم الهاء وفتح الشين المعجمة- بن بَشير -بفتح الباء- أبو معاوية الواسطي. ومنصور بن المعتمر أبو العتاب الكوفي. وعطاء بن أبي رباح أحد مشايخ أبي حنيفة. وأخرجه ابن أبي شيبة في"مصنفه" (¬1) قال: ثنا هشيم، عن منصور ... إلى آخره نحوه. قوله: "أن حبشيًّا" منسوب إلى الحبش وهم حبش من السودان مشهور، وقال السهيلي: "الحبشة هم بنو حبش بن كرُش بن حام بن نوح - عليه الصلاة والسلام -. و"زمزم" اسم بئر بمكة أصلها من ركضة جبريل - عليه السلام - ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 150 رقم 1721).

قوله: "فجعل الماء" جعل هذه من أفعال المقاربة؛ لأنه بمعني شرع، ولا يكون خبره إلَّا مضارعا مجردا من "أن". قوله: "فإذا" للمفاجأة. قوله: "حسبكم" أي يكفيكم نزح الماء الذي فيه، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، وبالعكس. واستدل به أصحابنا أن البئر إذا مات فيها آدمي وما يقاربه في الجثة لا يطهر إلَّا بنزح جميع مائها، ودل هذا أيضًا أن القلتين يتنجس وإنْ لم يتغير؛ لأن ماء زمزم كان أكثر من قلتين بلا خلاف. ص: وما قد حدثنا حسين بن نصر، ثنا الفريابي، ثنا سفيان، أخبرني جابر، عن أبي الطفيل قال: "وقع غلام في زمزم فنزفت". ش: الفريابي هو محمَّد بن يوسف، روى له الجماعة. وسفيان هو الثوري. وجابر هو ابن يزيد بن الحارث الجُعفي، فيه مقال. وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي - رضي الله عنه -. ورواه الدارقطني (¬1) أيضًا وفي روايته: "فنزحت" موضع: "فنزفت". ورواه البيهقي أيضًا في "سننه" (¬2) و"المعرفة" (¬3): ثم تكلم في جابر الجعفي. قلت: قال ابن عدي: للجعفي حديث صالح، وقد روي الثوري عنه وقد احتمله الناس ورووا عنه. وعن شعبة: هو صدوق في الحديث. ولئن سلمنا ما قاله البيهقي فإن نزح زمزم قد روي من طريق آخر صحيح وهو الرواية السابقة التي أخرجها الطحاوي وابن أبي شيبة. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 33 رقم 2). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 266 رقم 1183). (¬3) "معرفة السنن والآثار" (1/ 332 رقم 405).

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن معمر قال: "سقط رجل في زمزم فمات فيها فأمر ابن عباس أن تسد عيونها وتنزح فقيل له: إنَّ فيها عينا قد غلبتنا. قال: إنها من الجنة. فأعطاهم مِطرفا من خَزٍّ فحشوه فيها ثم نزح ماؤها حتى لم يبق فيها نتن". فإن قلت: حكى البيهقي (¬2): عن الشافعي أنه قال: لا نعرفه عن ابن عباس وزمزم عندنا، ما سمعنا بهذا. وعن ابن عيينة قال: أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر صغيرا ولا كبيرا يعرف حديث الزنجي. وعن أبي عُبيد كذلك؛ لأنه قد جاءت الآثار في نعتها أنَّهَا لا تنزح ولا تذم. قلت: قد عرف هذا الأمر وأثبته أبو الطفيل، وابن سيرين وقتادة ولو أرسلاه، وعمرو بن دينار وعطاء ومعمر، والمثبت مقدم على النافي خصوصا مثل هؤلاء الأعلام، ولا يلزم من عدم سماع من لم يدرك ذلك الوقت وعدم من يعرفه عدمُ هذا الأمر في نفسه، وليس في حديث ابن الزبير وابن عباس - رضي الله عنهما - أنهما قدرا على استئصال الماء بالنزح حتى يكون مخالفا للآثار التي جاءت بأنها لا تنزح ولا تذم بل صَرَّح في رواية ابن أبي شيبة (¬3): بأن الماء لم ينقطع، وفي رواية البيهقي: بأن العين غلبتهم حتى دسّت بالقباطي والمطارف. وجعل السهيلي حديث الحبشي مؤيدا لما روي في صفتها أنَّهَا لا تنزف. فإن قلت: قد حكى البيهقي أيضًا عن الشافعي أنه قال لمخالفيه: قد رويتم عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الماء لا ينجسه شيء" أفترى أن ابن عباس يروي عن النبي - عليه السلام - خبرًا ثم يتركه؟! قلت: لم يتركه بل خصّصه كما خصصت أنت أيها الشافعي فقلت بنجاسة ما دون القلتين بالنجس ولو لم يتغير، وبنجاسة ما بلغ قلتين فصاعدًا بالتغير. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 82 رقم 275). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 266 - 267). (¬3) سبق تخريجه.

فإن قلت: حكي أيضًا عن الشافعي أنه أوَّل نزح زمزم -إنْ صح- بأنه كان للتنظيف لا للنجاسة. قلت: هذا ممنوع؛ لأن ابن عباس وابن الزبير أمرا بالنزح، ومطلق الأمر للوجوب، وليس ذلك إلَّا للتنجيس، ويبعد هذا التأويل أيضًا أنهم بالغوا في النزح وسدّ العين، ولو كان للتنظيف لم يبالغوا هذه المبالغة العظيمة. فإن قلت: حكي أيضًا عنه أنه قال: وقد يكون الدم ظهر على وجه الماء حتى رُئُي فيه. قلت: الغالب أن من يقع في الماء يموت خنقا ولا يخرج منه دم، ولو خرج كان قليلًا لا يصل إلى أن يظهر على وجه الماء الكثير ويرى فيه. قوله: "لا تُذمّ" أي لا يوجد ماؤها قليلًا، من قولهم بئر ذِمّة إذا كانت قليلة الماء. قوله: "نُزِفَت" من نَزَفت ماء البئر نَزْفا إذا نزحته كله، ونَزَفت هي، يتعدى ولا يتعدى، ونُزِفت أيضًا على ما لم يسم فاعله. ص: وما قد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن ميسرة: "أن عليّا - رضي الله عنه - قال في بئر وقعت فيها فأرة فماتت قال: ينزح ماؤها". ش: رجاله ثقات. قلت: "ينزح ماؤها" محمول على ما إذا ماتت وانتفخت، وأما إذا لم تنتفخ بل أُخرجت على الفور، فإنه ينزح عشرون دلوا، روي ذلك عن عطاء ذكره ابن حزم، وفي "البدائع" و"الأيضَاح": ينزح في الفأرة وما يقاربها في الجثة عشرون أو ثلاثون، هكذا روي عن علي - رضي الله عنه -. وروي عن علي ما يخالف ذلك كله، وهو ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): حدثنا إبراهيم بن محمَّد، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، أن عليّا - رضي الله عنه - قال: "إذا ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 82 رقم 273).

سقطت الفأرة في البئر فتقطعت؛ نزع منها سبعة أدلاء، فإنْ كانت الفأرة كهيئتها لم تقطع؛ نُزع منها دلو أو دلوان، فإن كانت منتنة أعظم من ذلك فلينزع من البئر ما يذهب الريح". فإن قلت: ما معنى الترديد بين العشرين والثلاثين في مسألة الفأرة وبين الأربعين والخمسين والستين في الدجاجة؟ قلت: لما اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في الفأرة من عدم وجوب شيء، ووجوب دلوا ودلوين، ووجوب عشرين دلوا، ووجوب أربعين دلوا، اختار أصحابنا قول من يقول بالعشرين التي هي الوسط بين القليل والكثير ثم زادوا عليه مقدار نصفه بطريق الاستحباب لأجل الاحتياط، بيان ذلك فيما رواه عبد الرزاق (¬1) عن معمر أخبرني من سمع الحسن يقول: "إذا ماتت الدابة في البئر أخذت منها وإنْ تفسخت فيها نزحت" وما رواه أيضًا من حديث علي المذكور آنفا وما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2) عن ابن عُيينة، عن ليث، عن عطاء قال: "إذا وقع الجُرذ في البئر نزح منها عشرون دلوا". و"الجُرَذ" -بضم الجيم وفتح الراء وفي آخره ذال معجمة- وهو الذكر الكبير من الفأر فجمعها الجُرذان. وما رواه أيضًا (¬3) عن حفص، عن عاصم، عن الحسن: "في الفأرة تقع في البئر قال: يستقي منها أربعون دلوا". وأما الترديد في الدجاجة فكذلك لاختلاف أقوالهم. بيان ذلك فيما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬4) عن معمر قال: "سألت الزهري ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 81 رقم 271). (¬2) ليس هذا الأثر والذي يليه في "مصنف عبد الرزاق" وإنما هو في "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 149 رقم 1714). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 149 رقم 1712). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 81 رقم 269).

عن دجاجة وقعت في بئر فماتت، قال: لا بأس أن تتوضأ منها وتشرب إلَّا أن تنتن حتى يوجد ريح نتنها في الماء؛ فينزح". وما رواه أيضًا (¬1) عن يعلى بن عبيد، عن عبد الملك، عن عطاء: "في البئر تموت فيها الدجاجة وأشباهها قال: استق منها دلوا وتوضأ منها، فإن هي تفسخت استق منها أربعين دلوا". وما رواه أيضًا (¬2) عن المحاربي، عن الشيباني، عن حماد بن أبي سليمان: "في البئر تقع فيها الدجاجة والكلب والسنور فتموت، قال: ينزح منها ثلاثون أو أربعون دلوا". وما رواه أيضًا عن أسباط بن محمد بن عبد الملك، عن سلمة بن كهيل: "في الدجاجة تقع في البئر قال: يستقي منها أربعون دلوا". فلما اختلفت هذه الأقوال اختار أصحابنا الأربعين؛ لأن أكثر ما ذكر فيه ثم زادوا عليه على وجه الاستحباب عشرة، وبعضهم زادوا عشرين؛ لأنه نصف الأربعين تأكيدا في طلب الاحتياط، فافهم. فإن قيل: قد قلتم إنَّ مبنى مسائل الآبار على الآثار دون القياس والرأي، وما ذكرتم لا يخلو عن رأي. قلت: المقادير بالرأي إنما تمنع في التي تثبت لحق الله تعالى ابتداء دون المقادير التي تتردد بين القليل والكثير والصغير والكبير، فإن المقادير في الحدود والعبادات لا مدخل للرأي فيها أصلا، وكذا ما يكون بتلك الصفة، وأما الذي يكون من باب الفرق بين القليل والكثير فيما يحتاج إليه فللرأي فيه مدخل، ولما عرف بآثار الصحابة حكم طهارة البئر في الفصول كلها مع اختلاف الأقوال عنهم وعن غيرهم من التابعين في القليل والكثير من النزح؛ صار ذلك من باب الفرق ¬

_ (¬1) ليس هذا الأثر والذي يليه في "مصنف عبد الرزاق" وإنما هو في "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 149 رقم 1716). (¬2) "مصنف ابن أبي شييبة" (1/ 149 رقم 1717).

فدخل فيه الرأي لاختيار عدد دون عدد بحسب صفة القضية، ألا ترى أن محمدا حكم في البئر المعين بمائتي دلو إلى ثلاثمائة بناء على كثرة الماء في آبار بغداد، فهذا رأي ولكنه عن دليل، وذلك لأن الشرع لما أمر بإخراج جميع ما فيها صار الواجب نزح ذلك الماء الذي وقعت فيه النجاسة، وغالب مياه الآبار لا تزيد على مائتي دلو، فبنزح هذا المقدار يحصل المطلوب، وأما قوله: "إلى ثلاثمائة" فللاحتياط في باب التطهير. ص: وما قد حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بنعين، عن عطاء، عن ميسرة وزاذان، أن عليًّا - رضي الله عنه - قال: "إذا سقطت الفأرة أو الدابة في البئر فانزحها حتى يغلبك الماء". ش: محمَّد بن حميد وثقه ابن يونس. وعلي بن معبد بن شداد من أصحاب محمَّد بن الحسن ثقة. وموسى بن أعين الجزري، روى له الجماعة سوى الترمذي. وعطاء هو ابن السائب، وثقه أحمد، وعن يحيي: "لا يحتج به". وميسرة أبو صالح الكوفي. وزاذان أبو عبد الله الكوفي، روى له الجماعة؛ البخاري في الأدب. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): حدثنا وكيع، عن حمزة الزيات، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي - رضي الله عنه -: "في الفأرة تقع في البئر، قال: ينزح إلى أن يغلبهم الماء". واستدل به أبو حنيفة في البئر إذا كانت معينا، تنزح حتى يغلبهم الماء، ولم يقدر الغلبة بشيء لأنها متفاوتة، بل يفوض إلى رأي المبتلي به. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي المهزّم ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شييبة" (1/ 149 رقم 1711).

قال: "سألنا أبا هريرة عن الرجل يمر بالغدير أيبول فيه؟ قال: لا، فإنه يمر به أخوه المسلم فيشرب منه ويتوضأ، وإنْ كان جاريا فليبُل فيه إنْ شاء". ش: حجاج هو ابن المنهال. وحماد هو ابن سلمة. وأبو المُهزّم اسمه يزيد بن سفيان، وقيل: عبد الرحمن بن سفيان، ضعفه يحيى ابن معين وتركه النسائي. واستفيد منه: أن الماء القليل يتنجس بوقوع النجاسة فيه وإنْ كان مقدار القلتين ولم يتغير. وأن البول في الماء الراكد منهي عنه وفي الجاري لا بأس به، ولكن روى الطبراني في "الأوسط" (¬1) بإسناد صحيح عن جابر قال: "نهى رسول الله - عليه السلام - أن يُبال في الماء الجاري" وهذا من أقوى الدليل على تنجس القلتين بوقوع النجاسة وإنْ لم يتغير. ص: حدثنا محمَّد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن محمَّد، عن أبي هريرة بمثله. ش: هذاطريق آخر بإسناد صحيح عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عامر العَقَدي، قال: ثنا سفيان، عن زكريا، عن الشعبي: "في الطير والسنّور ونحوهما يقع في البئر؛ ينزح منها أربعون دلوا". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكَّار القاضي. وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو البصري. وسفيان هو الثوري. ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (2/ 208 رقم 1749).

وزكريا هو ابن أبي زائدة الكوفي. واسم الشعبي عامر بن شراحيل أبو عمرو الكوفي. واحتج به أبو حنيفة وأصحابه أن الهرة وما يقاربها في الجثة إذا ماتت في البئر وأخرجت على الفور ينزح منها أربعون دلوا. ص: حدثنا حسين بن نصر، ثنا الفريايى، ثنا سفيان، عن زكريا، عن الشعبي قال: "ينزح منها أربعون دلوا". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح، والفريابي هو محمَّد بن يوسف. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن عبد الله بن سبرة الهمداني، عن الشعبي قال: "يُدلي منها سبعون دلوا". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح، وهشيم هو ابن بشير. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1) قال: ثنا هشيم، عن عبد الله بن سبرة، عن الشعبي أنه قال: "يُدلى منها سبعون دلوا -يعني في الدجاجة". قوله: "يُدلي" على صيغة المجهول من دلوت الدلو: نزعتها، والمعنى: ينزع من البئر سبعون دلوا في الدجاجة، ولم يفسر في رواية الطحاوي كون هذا العدد في الدجاجة ولكن هو المراد؛ لتفسير ابن أبي شيبة. ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: ثنا حفص بن غياث النخعي، عن عبد الله بن سبرة الهمداني، عن الشعبي قال: "سألناه عن الدجاجة تقع في البئر فتموت فيها، قال: ينزح منها سبعون دلوا". ش: هذا أيضًا إسناده صحيح، وفيه إيضاح لما في الخبر الأول من الإبهام في محل العدد المذكور. ص: حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أبنا ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 149 رقم 1715).

مغيرة، عن إبراهيم،: "في البئر تقع فيها الجُرذ أو السنور فتموت، وقال: ندلو منها أربعين دلوا. قال المغيرة: حتى يتغير الماء". ش: هذا أيضا إسناد صحيح. ومغيرة هو ابن مقسم الضبي، أبو هشام الكوفي الفقيه الأعمي، روى له الجماعة. وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي الكوفي، روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1) عن هشيم ... إلى آخره نحوه. و"الجُرذ" -بضم الجيم وفتح الراء وفي آخره ذال معجمة- وهو الذكر الكبير من الفأر. قوله: "ندلو" بالنون المصدرة للجماعة، من دلوت الدلو: نزعتها، أي ننزع من البئر أربعين دلوا. قوله: "حتى يتغير الماء" أي ماء البئر، أراد أنهم يعنفون في إرسال الدلو حتى يتكدر الماء فيخرج الكدر فتطهر بعده. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم: "في فأرة وقعت في بئر، قال: ينزح منها قدر أربعين دلوا". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح. وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز، روى له الجماعة. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريايى، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم: "في البئر تقع فيها الفأرة، قال: ينزح منها دلاء". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح. والفريابي محمَّد بن يوسف. قوله: "دلاء" جمع دلو، وهو جمع كثرة، وجمع القلة أدل. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 149 رقم 1713).

ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حماد ابن. أبي سليمان: "أنه قال في دجاجة وقعت في بئر فماتت قال: ينزح منها قدر أربعين دلوا أو خمسين، ثم يتوضأ منها". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح. ص: فهذا من روينا عنه من أصحاب رسول ال - صلى الله عليه وسلم - وتابعيهم، قد جعلوا مياه الآبار نجسة بوقوع النجاسات فيها ولم يراعوا كثرتها ولا قلتها، وراعوا دوامها وركودها، وفرقوا بينها وبين ما يجري مما سواهما، فإلي هذه الآثار مع ما تقدمها مما رويناه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذهب أصحابنا في النجاسات التي تقع في الآبار، ولم يجز لهم أن يخالفوها؛ لأنه لم يرو عن أحد خلافها. ش: أشار بهذا الكلام إلى أن هذه الآثار كلها دالة على أن الماء الدائم الذي لا يجري إذا وقعت فيه نجاسة فإنه يتنجس، سواء بلغ القلتين أو لم يبلغ أو زاد عليهما، ألا ترى أنهم لم يراعوا -لما حَكموا- النظر في كثرة الماء ولا في قلته، بل راعوا دوامه وعدم جريانه؛ فلذلك فرقوا بين الجاري وغيره، فهذا أدل دليل على أن المراد من قوله: "لم يحمل الخبث" في حديث القلتين لا يحتمله لضعفه، إذ لو كان المراد لم ينجس بملاصقة النجاسة -كما فسره الخصم- لكان ينقل عنهم في هذه الآثار ما يدل على هذا المعنى. فإن قيل: قد جاء مصرحا في رواية أبي داود وغيره (¬1): "لم ينجس" فهذا ينافي تفسيركم. قلت: نلتزم هذا المعنى إذا عرفنا معنى القلتين، فلما كان معنى القلتين مشتركا لم يرجح منه معني مقصود صار محتملا، والمحتمل لا يصلح حجة، فتركنا العمل به وعملنا بالأحاديث الصحيحة التي وردت بالنهي عن البول في الماء الدائم، وبالآثار المروية [عن] (¬2) الصحابة والتابعين في هذا الباب ¬

_ (¬1) سبق تخريجه. (¬2) في "الأصل، ك": "من".

قوله: "فهذا" معناه: مضى هذا، أو خذ هذا. قلت: "من روينا عنه" مبتدأ، وخبره قوله: "قد جعلوا". وأراد بالأصحاب مثل: ابن الزبير وابن عباس وأبي الطفيل وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - وبتابعيهم مثل: عطاء والشعبي وميسرة وزاذان وإبراهيم النخعي. قوله: "فإلى هلمه الآثار" يتعلق بقوله: "ذهب أصحابنا" وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وأصحابهم. قوله: "أن يخالفوها" في محل الرفع على الفاعلية، و"أن"مصدرية، أي: ولم يجز لهم مخالفتهم تلك الآثار. "لأنه" أي لأن الشأن لم يرو عن أحد من الصحابة والتابعين خلاف ما ذكر من الآثار والأخبار، فإذن بطل حكم من يحكم في الآبار أيضًا باعتبار القلتين، ألا ترى أن ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهم - لم يحكما في زمزم حين وقع الحبشي إلَّا بنزح الماء كله ولم يلتفتا إلى القلتين، وكذلك حكم علي - رضي الله عنه - في الفأرة، فهؤلاء يجب تقليدهم لأن الحق لا يعدو أقاويلهم. ص: فإن قال قائل: فأنتم قد جعلتم ماء البئر نجسا بوقوع النجاسة فيها فكان ينبغي ألَّا تطهر تلك البئر أبدا. لأن حيطانها قد تشربت ذلك الماء النجس واستكنَّ فيها. فكان ينبغي ألا تطهّر. قيل له: لم نر العادات جرت على هذا، قد فعل عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - ما ذكرنا في زمزم بحضرة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكروا ذلك عليه ولا أنكره من بعدهم؛ ولا رأى أحد منهم طَمَّها، وقد أمر رسول الله - عليه السلام - في الإناء الذي قد نجس من ولوغ الكلب فيه أن يغسل ولم يأمر أن يكسر، وقد تشرب من الماء النجس، فكما لم يأمر بكسر ذلك الإناء فكذلك لا يؤمر بطم تلك البئر. ش: هذا السؤال وارد من جهة القياس، فتحريره: أنكم لما حكمتم بنجاسة ماء البئر بوقوعها فيه من غير اعتبار كثرة الماء وقلته وكثرة النجاسة وقلتها؛ فكان مقتضى القياس ألَّا تطهير نفس البئر أبدا؛ لأن حيطان البئر قد تشربت ذلك

الماء النجس واستقر فيها، وكان الظن يبقي في البئر بعد نزح الماء، وكذا الأحجار؛ فكان ينبغي أن تطم البئر، كما قاله بشر المريسي ومن تبعه، أي يردم ويسوى، يقال: طمّ ماء السيل الركية أبي دفنها وسوَّاها، والجواب ظاهر. ص: فإن قال قائل: فإنا قد رأينا الإناء يغسل، فلم لا كانت البئر كذلك؟ قيل له: إنَّ البئر لا يستطاع غسلها؛ لأن ما يغسل به يرجع فيها وليست كالإناء الذي يُهراق منه ما يغسل به، فلما كانت البئر مما لا يستطاع غسلها وقد ثبت طهارتها في حال ما، وكان كل من أوجب نجاستها بوقوع النجاسة فيها فقد أوجب طهارتها بنزحها، وإنْ لم ينزح ما فيها من طين، فلما كان بقاء طينها فيها لا يوجب نجاسة ما يطرأ فيها من الماء وإنْ كان يجري على ذلك الطين؛ كان إذا ماسّ حيطانها أحرى ألَّا تنجس، ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر لما طهرت حتى تغسل حيطانها ويُخرج طينها ويُحفر، فلما أجمعوا أن نزح طينها وحفرها غير واجب كان غسل حيطانها أحرى ألَّا يكون واجبا، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله-. ش: هذا السؤال قد نشأ من وجه قياس عدم وجوب طم البئر النجسة على عدم وجوب كسر الإناء النجس، بيانه أنكم لما أوجبتم غسل الإناء النجس ولم توجبوا كسره حيث قلتم أمر رسول الله - عليه السلام - بغسله ولم يأمر بكسره والحال أنه قد تشرب من الماء النجس وقستم البئر النجسة عليه حيث حكمتم بطهارتها بالنزح ولم تحكموا بالطم والحال أن حيطانها قد تشربت من الماء النجس، فَلِمَ ما حكمتم بغسل حيطانها قياسا على الإناء؟! والجواب طاهر. قوله: "وقد ثبت طهارتها في حال ما ... " إلى آخره جواب عن سؤال مقدّر تقريره أن يقال: سلّمنا أن غسل البئر متعسر غير مستطاع ولكن إخراج الطين غير متعسر فكان ينبغي أن يجب ذلك.

فأجاب بقوله: "وقد ثبت طهارتها" أي طهارة البئر "في حال ما" أي في حال من الأحوال وهي حالة النزح؛ لأن نزح ماء البئر كالجريان في غيرها فكما تثبت الطهارة في الماء الجاري بجريانه وإنْ وقعت فيه نجاسة فكذلك البئر تثبت لها طهارة بالنزح، فحينئذ كل من كان أوجب نجاستها بوقوعها فيها فقد أوجب طهارتها بواسطة ذلك النزح وإنْ لم ينزح ما فيها من طين وحمأة كما في قضية زمزم حيث حكم ابن الزبير وابن عباس بعد نزح مائها كلها بطهارتها ولم يحكما بنزح طينها وحماءتها، ثم لما كان بقاء طينها فيها لا يوجب نجاسة ما ينبع فيها من الماء الجديد بعد النزح وقلع الماء النجس وإنْ كان ذلك الماء الجديد يجري على ذلك الطين كان إذا ماسّ حيطانها أحرى وأولي ألَّا ينجس. قوله: "إذا ماسّ" بتشديد السين وأصله ماسس لأنه من باب المفاعلة الذي فيه الاشتراكة بين اثنين، وثلاثيه "مسّ" فلما نقل إلى باب المفاعلة لذلك المعنى أدغمت السين في السين ومضارعه يماسّ مماسّة ومساسا كما تقول: مادّ يمادّ مماددة ومدادا. قوله: "أحرى" بمعنى "أولى" ومنه يقال: هو حَري أن يفعل ذلك -بفتح الراء- أي خليق وجدير، لا يثني ولا يجمع، وإذا قلت: هو حَريّ -بكسر الراء على وزن فعيل- يُثَنَّي، ويجمع ويذكر ويؤنث، تقول: هما حَريّان، وهم حَريّون وأحرياء، وهي حَريّة، وهن حَريّات وحَرَايا. قوله: "ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر" أي ولو كان الحكم بطهارة البئر النجسة بعد إخراج مائها مأخوذا من طريق القياس ... إلى آخره. وعن هذا قال أصحابنا: إذا طهرت البئر يطهر طينها وحماءتها ودلوها ورشاها.

ص: باب: سؤر الهر

ص: باب: سؤر الهرّ ش: أي هذا باب في بيان أحكام سؤر الهرّ، وهو السنّور، والجمع هِرَرة، مثل قرد وقردة، والأنثى هرة وجمعها هرر مثل قربة وقرب، ومن أسمائها: القط والجمع قطاط، قال الأخطل: أكلت القطاط فأفنيتها ...... فهل في الخنانيص من مغمز والقطة السنّورة، وجمع السنّور سنانير. و"السؤر" بقية الماء التي يبقيها الشارب، وفي المطالع: كل بقيّة من ماء أو طعام فهو سؤر. قلت: أصله سُؤر بضم السين وسكون الهمزة وقد يخفف بالحذف، والفاعل منه مُسئِّرٌ على القياس ولكن السماع سَأرٌ. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، أن مالكا حدثه، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة: "أن أبا قتادة دخل عليها، فسكبت له وضوءا، فجاءت هرّة فشربت منه، فأصغى لها أبو قتادة الأناء حتى شربت، قالت كبشة: فجعلت انظر إليه، فقال: أتعجيين يا بنت أخي؟ قالت: قلت: نعم. قال: فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات". ش: يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، شيخ مسلم والنسائي. وعبد الله بن وهب المصري، روى له الجماعة. ومالك هو ابن أنس الإِمام المشهور. وإسحاق بن عبد الله هو ابن أخي أنس بن مالك، روى له الجماعة.

وحميدة -بضم الحاء وعن مالك بفتحها- بنت عبيد بن رفاعة الأنصارية زوجة إسحاق المذكور، روى لها الأربعة. وكبشة بنت كعب بن مالك الأنصارية زوجة ابن أبي قتادة، روى لها الأربعة، ووثقها ابن حبان. وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي الخزرجي الأنصاري، واسم أبيه عبد الله. وأخرجه الأربعة، فأبو داود (¬1): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره، مثله، غير أن قوله: "من الطوافين عليكم والطوافات" من غير شك. والترمذي (¬2): عن إسحاق بن موسى (¬3)، عن معن، عن مالك، ... إلى آخره نحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (¬4): عن قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وابن ماجه (¬5): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن حباب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬6) والحاكم في "مستدركه" (¬7) وقال: وقد صحح مالك هذا الحديث واحتج به في "موطئه" وقد شهد البخاري ومسلم لمالك أنه الحَكَم في حديث المدنيين، فوجب الرجوع إلى هذا الحديث في طهارة الهرّ، ورواه ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 19 رقم 75). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 153 رقم 92). (¬3) في "الأصل، ك": إسحاق بن منصور، وهو تحريف، والمثبت من "جامع الترمذي"، وإسحاق ابن منصور لم يذكروا له رواية عن معن بن عيسى، وذكره المزي في "تحفة الأشراف" (9/ 272 رقم 12141) من طريق إسحاق بن موسى الأنصاري به. (¬4) "المجتبى" (1/ 55 رقم 68). (¬5) "سنن ابن ماجه" (/ 131 رقم 367). (¬6) "صحيح ابن حبان" (4/ 114 رقم 1299). (¬7) "مستدرك الحاكم" (1/ 263 رقم 567).

ابن خزيمة (¬1) وابن منده في صحيحيهما. فإن قلت: قد قال ابن منده: وحميدة وخالتها كبشة لا تعرف لهما رواية إلَّا في هذا الحديث ومحلهما محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر بوجه من الوجوه. قلت: لعل طريق من صححه أن يكون اعتمد على إخراج مالك لروايتهما مع شهرته بالتثبت وقال البيهقي (¬2): قال البخاري: جوّده مالك وروايته أصح من غيره. قوله: "فسكبت له وضوءا" بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به. قوله: "فأصغى لها" أي أماله ليسهل عليها الشرب، قال الجوهري: صغي يصغو ويصغِي صُغوّا أي مال، وكذلك صَغِيَ -بالكسر- يَصغِي صَغا وصُغِيّا، وصَغَت النجوم: مالت للغروب، وأَصغيتُ أنا: أملتُ. قوله: "نَعم" بفتح النون، وكنانة تكسرها، وبها قرأ الكسائي وهي حرف تصديق ووعد وإعلام، فالأول بعد الخبر، والثاني بعد افعل ولا تفعل، والثالث بعد الاستفهام، وها هنا للإعلام. قوله: "إنها ليست بنَجَس" بفتح النون والجيم، ويقال لكل شيء مستقذر: نجس؛ قال الله تعالى: {الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا} (¬3) وهذا تعليل لإصغائه الإناء إليها. قوله: "إنها من الطوافين عليكم" تعليل لقوله: "إنها ليست بنجس" والطوافون هم بنو آدم ويدخل بعضهم على بعض بالتكرار، والطوافات هي المواشي التي يكثر وجودها عند الناس مثل الغنم والبقر والإبل، وجعل النبي - عليه السلام - الهرّ من القبيلين لكثرة طوافه واختلاطه بالناس، وأشار إلى الكثرة بصيغة التفعيل؛ لأنه للتكثير ¬

_ (¬1) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 55 رقم 104). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 245) ونقله عن الترمذي عن البخاري. (¬3) سورة التوبة، آية: [28].

والمبالغة، وموصوف كل واحد من الطوافين والطوافات محذوف أقيمت الصفة مقامه، ويقَدَّر ذلك بحسب ما يليق له، مثل ما يقال: خدم طوافون، وحيوانات طوافات، وقال تعالى: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (¬1) يعني المماليك والخدم الذين لا يقُدَرُ على التحفّظ منهم غالبا، ثم إنَّه وقع "أو الطوافات" بحرف الشك في رواية الطحاوي، وكذا في رواية ابن ماجه، ووقع عند غيرهما بواو العطف، وقد روي الوجهان عن مالك -رحمه الله-. ص: حدثنا محمد بن الحجاج، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن كعب بن عبد الرحمن، عن جده أبي قتادة قال: "رأيته يتوضأ، فجاء الهر، فأصغى له حتى شرب من الإناء، فقلت: يا أبتاه، لم تفعل هذا؟ فقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله -أو قال: هي من الطوافين عليكم". ش: إسناده معلول بقيس بن الربيع؛ لأن فيه كلاما كثيرا. قوله: "يا أبتاه" منادى مضاف إلى تاء المتكلم، والتاء والألف عوضان عن يائه، والهاء للسكت. قوله: "أو قال" شك من الراوي. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري، قال: ثنا أبو الرجال، عن أمه عمرة، عن عائشة - رضي الله عنه - أنَّهَا قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الإناء الواحد وقد أصاب الهرّ منه قبل ذلك". ش: أبو بكرة بكَّار القاضي. ومؤمل بن إسماعيل القرشي أبو عبد الرحمن البصري، وثقه ابن حبان، واستشهد به البخاري، وروى له الأربعة. وأبو الرجال -بالجيم، جمع رجل- اسمه محمَّد بن عبد الرحمن الأنصاري، من رجال الصحيحين. ¬

_ (¬1) سورة النور، آية: [58].

وأمه عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، روي لها الجماعة. وأخرجه ابن ماجه (¬1): ثنا [عمرو] (¬2) بن رافع إسماعيل بن توبة، قالا: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حارثة، عن عمرة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنت أتوضأ أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد قد أصابت منه الهرة قبل ذلك". وأخرجه الدارقطني (¬3): عن الحسين بن إسماعيل، عن زياد بن أيوب، عن ابن أبي زائدة ... إلى آخره نحو رواية ابن ماجه. وحارثة هذا وثقه الدارقطني (¬4)، وضعفه البخاري والنسائي وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم. ويستفاد منه: طهارة سؤر الهرة، وجواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وروي فيه أحاديث كثيرة تأتي إنْ شاء الله تعالى في باب سؤر بني آدم. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا سفيان الثوري، عن حارثة ابن أبي الرجال. ونا أبو بشر عبد الملك بن مروان الرقي، ثنا شجاع بن الوليد، عن حارثة بن محمَّد، عن عمرة، عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله. ش: هذان طريقان آخران: أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن سفيان الثوري، ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 131 رقم 368). (¬2) في "الأصل، ك": أبو عمرو، وهو تحريف، والمثبت من "سنن ابن ماجه"، وعمرو بن رافع هو ابن الفرات بن رافع أبو حجر القزويني شيخ ابن ماجه، مترجم في "تهذيب الكمال" (22/ 19). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 69 رقم 17). (¬4) لم أجد هذا التوثيق عن الدارقطني، ولم ينقله عنه أحد إلا المصنف وأظنه وهم فيه، وفي علل الدارقطني (5/ ق 97): قال الدارقطني: ليس بالقوي، فعلى كل فحارثة متفق على تضعيفه، وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال" (5/ 313 - 316)، وميزان الاعتدال (1/ 446).

عن حارثة بن أبي الرجال -بالجيم- عن عمرة، عن عائشة. والآخر: عن عبد الملك، عن شجاع بن الوليد ... إلى آخره. وحارثة هذا مختلف فيه (¬1) وقد ذكرناه الآن. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا خالد بن عمرو الخراساني، قال: ثنا صالح ابن حسان، قال: ثنا عروة بن الزبير، عن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصغي الأناء للهر ويتوضأ بفضله". ش: صالح بن حسان النضري أبو الحارث المدني، ضعيف متروك، روى له أبو داود في "المراسيل" والترمذي وابن ماجه. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬2): ثنا موسى، ثنا محمَّد بن المبارك، ثنا عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن داود بن صالح، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يصغي لها لإناء لتشرب ثم يتوضأ بفضلها- يعني الهرة". قلت: رجاله موثقون. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى هذه الآثار فلم يروا بسؤر الهرِّ بأسا. ش: أراد بالقوم: الشافعي ومالكا وأحمد والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبا عُبيد. وفي "المغني" لابن قدامة: السنور وما دونها في الخلقة كالفأرة وابن عرس ونحوهما من حشرات الأرض سؤرها طاهر يجوز شربه والوضوء به ولا يكره، وهذا قول كثير أهل العلم من الصحابة والتابعين من أهل المدينة والشام وأهل الكوفة وأصحاب الرأي إلَّا النعمان، فإنه كره الوضوء بسؤر الهرّ فإن فعل أجزأه. وروي عن ابن عمر أنه كرهه، وكذلك يحيى الأنصاري وابن أبي ليلى، وقال ¬

_ (¬1) انظر التعليق السابق، فهو متفق على تضعيفه. (¬2) "المعجم الأوسط" (8/ 55 رقم 7949).

أبو هريرة: يغسل مرة أو مرتين، وبه قال ابن المسيب، وقال الحسن وابن سيرين: يغسل مرة. وقال طاوس: يغسل سبعا كالكلب؛ ولأنها سبع فكره سؤرها كبقية السباع. ص: وممن ذهب بلى ذلك أبو يوسف ومحمد. ش: أي ومن الذين ذهبوا إلي طهارة سؤر الهر من غير كراهة الإِمام أبو يوسف ومحمد، وقد ذكر أكثر أصحابنا قول محمَّد مع أبي حنيفة. وقال صاحب "الإيضاح": والنوع الثاني من الأسئار الطاهرة المكروهة هو سؤر الهرة في قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: لا يكره. وقال صاحب "الهداية": وسؤر الهرة طاهر مكروه. وعن أبي يوسف أنه غير مكروه. وكذا أثبت الخلاف صاحب المنطوق وغيره، والذي ذكره الطحاوي أن محمدًا مع أبي يوسف هو الأصح، ألا ترى أنه روى حديث مالك المذكور في "موطئه" ثم قال: قال محمَّد: لا بأس بأن تتوضأ بفضل سؤر الهرة، وغيره أحب إلينا منه. وهذا قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوه. ش: أي خالف القوم المذكورين في سؤر الهر جماعة آخرون، وأراد بهم: طاوسًا وابن سيرين وابن أبي ليلى ويحيى الأنصاري وأبا حنيفة؛ فإنهم كرهوا سؤر الهرة وهو المروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -. فإن قلت: أهي كراهة تحريم أم تنزيه؟ قلت: كان الطحاوي يقول: كراهة سؤرها كحرمة لحمها. وهذا يدل على أنه إلى التحريم أقرب، وقال الكرخي: كراهة سؤرها لأنها تتناول الجيف فلا يخلو فمها عن نجاسة عادة. وهذا يدل على أنه كراهة تنزيه وهو الأصح والأقرب إلى موافقة الآثار.

ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى أن حديث مالك عن إسحاق ابن عبد الله لا حجة لهم فيه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات" لأن ذلك قد يجوز أن يكون أريد به كونها في البيوت ومماسّتها الثياب، فأمّا ولوغها في الماء فليس في ذلك دليل على أن ذلك يوجب النجاسة أم لا، وإنما الذي في الحديث من ذلك من فعل أبي قتادة، فلا ينبغي أن يحتج من قول رسول الله - عليه السلام - بما قد يحتمل المعنى الذي احتج به فيه ويحتمل خلافه، وقد رأينا الكلاب كونها في المنازل، للصيد والحراسة والزرع غير مكروه وسؤرها مكروه، فقد يجوز أيضًا أن يكون ما روي عن رسول الله - عليه السلام - مما في حديث أبي قتادة أريد به الكون في المنازل وليس في ذلك دليل على حكم سؤرها هل هو مكروه أم لا؟. ش: أي كان من الحجة للآخرين على أهل المقالة الأولى وهم أبو يوسف والشافعي ومالك وأحمد ومن تبعهم، تحرير هذا الكلام: أن احتجاج هؤلاء في مدعاهم بحديث مالك غير تام؛ لأنه قد يجوز أن يكون الرسول - عليه السلام - أراد من قوله: "إنها ليست بنجس إنها من الطوافين والطوافات" باعتبار كون الهرّ في البيوت وملاصقتها ثيابهم ونومها معهم في فرشهم، وبالاحتمال لا تقوم الحجة، وأما ولوغها في الماء فليس في الحديث دليل أن ذلك يوجب نجاسة سؤرها أم لا، وإنما الذي في الحديث من ذلك وهو إصغاء الإناء للهرّ للشرب، فِعْلُ أبي قتادة وليس بفعل الرسول - عليه السلام - ولا حكاية عن فعله، فلا يحتج من قول رسول الله - عليه السلام - بما ذكرنا من الاحتمال. قوله: "ويحتمل خلافه" جملة وقعت حالًا أي بما قد يحتمل المعنى الذي احتج به الخصم فيه حال كونه محتملا لغيره، وهو الذي ذكره من قوله: "قد يجوز أن يكون أريد به ... " إلى آخره. قوله: "وقد رأينا الكلاب ... " إلى آخره ذكره تأييدا وأيضًاحا لما ذكره من الاحتمال بقوله: "لأن ذلك قد يجوز أن يكون أريد به كونها في البيوت ومماستها

الثياب" تحريره أن يقال: إنَّ الكلاب تكون في البيوت للصيد أو الحراسة أو الزرع وهو غير مكروه مع أن سؤرها مكروه فيجوز أن يكون ما روي في حديث أبي قتادة من هذا القبيل وليس فيه دليل على حكم سؤرها. على أنَّا نقول: قد خالف أبا قتادة رجلان من أصحاب النبي - عليه السلام - أبو هريرة وابن عمر - رضي الله عنهم - فذهبا إلى نجاسة سؤرها، فلم يكن مذهب أبي قتادة أولى من مذهبهما، على أنه قد وافقهما جماعة من التابعين. ص: ولكن الآثار الآخرى، عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها إباحة سؤرها؛ فنريد أن ننظر هل روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يخالفها؟ فنظرنا في ذلك فإذا: أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا أبو عاصم، عن قرة بن خالد، قال: ثنا محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "طهور الإناء إذا ولغ فيه الهرّ أن يغسل مرة أو مرتين" قرة بن خالد شك. وهذا حديث متصل الإسناد فيه خلاف ما في الآثار الأول، وقد فَضَلهَا هذا الحديث بصحة إسناده، فإن كان هذا الأمر يؤخذ من جهة الإسناد فإن القول بهذا أولي من القول بما خالفه. ش: لما بيّن أن حديث أبي قتادة لا يتم به الاحتجاج للاحتمال الذي ذكره، استدرك وقال: لكن أحاديث عائشة - رضي الله عنها -المذكورة صريحة بإباحة سؤرها فيُحتاج إلى النظر هل ورد عن النبي - عليه السلام - ما يخالف أحاديث عائشة، فنظرنا فإذا عن أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - ما يخالفها، ففي مثل هذا لا يؤخذ إلَّا بالأصح والأقوي، وهذا معنى قوله: "فإن كان هذا الأمر يؤخذ من جهة الإسناد فإن القول بهذا" أي بحديث أبي هريرة "أولى"؛ لأن سنده صحيح ورجاله رجال الصحيحين ما خلا أبا بكرة بكَّار القاضي. وأبو عاصم اسمه الضحاك بن مخلد.

وأخرجه الدارقطني (¬1): ثنا أبو بكر النيسابوري، قال: ثنا حماد بن الحسن وبكار بن قتيبة، قالا: ثنا أبو عاصم ... إلى آخره نحوه. قوله: "طُهور الإناء" بضم الطاء، بمعنى طهارة الإناء. قوله: "إذا ولَغ" من الولوغ، يقال: ولَغ الكلب في الإناء يلَغ -بفتح اللام فيهما- ولوغا، إذا شرب بأطراف لسانه، وعن ثعلبة أنه يقال: وَلِغَ -بكسر اللام- ولكنها غير فصيحة، وتبعه في ذلك أبو علي القالي وابن سيده وابن القطاع وأبو حاتم السجستاني، وزاد: وسكَّن بعضهم اللام فقال: وَلْغَ. وقال ابن جني: مستقبله يَلغ بفتح اللام وكسرها، وفي مستقبل وَلِغَ -بالكسر- يلَغ بالفتح. زاد ابن القطاع: ويلَغ بفتح اللام كما في الماضي. وقال ابن خالويه: ولَغَ يَلَغُ وُلُوغا وولْغَانا، وولِغ وُلُوغا وَوَلَغا وولُوغا ووَلَغَانا. قال أبو زيد: يقال: ولغ الكلب بشرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا. وقال ابن الأثير: وأكثر ما يكون الولوغ في السباع. وقال ابن قرقول: كل ولوغ شرب وليس كل شرب بولوغ، والشرب أعم، ولا يكون الولوغ إلَّا للسباع، وكل من يتناول الماء بلسانه دون شفتيه. فإذًا الولوغ صفة من صفات الشرب يختص بها اللسان، والشرب عبارة عن توصيل المشروب إلى محله من داخل الجسم، ألا ترى أنه يقال: شربت الثمار، والشجر والأرض؟ والمصدر من وَلَغ الكلب: الوُلُوغ -بالضم- قال الخطابي: فإذا كثر فهم الوَلُوغ- بالفتح. وقال المُطرزّ: الولْغ من الكلاب والسباع كلها: هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع يحركه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 67 رقم 8).

وقال مكي في شرحه: فإن كان غير مائع يقال: لعِقه وَلَحِسَه. قال المطرز: فإن كان الإناء فارغا يقال: لَحِسَ، وإنْ كان فيه شيء يقال: ولغ. وقال ابن درستويه: معني ولغ لَطِعه بلسانه، شرب منه أو لم يشرب، كان فيه ماء أو لم يكن، ولا يقال: ولغ في شيء من جوارحه سوى لسانه. ص: فإن قال قائل: فإن هشام بن حسان قد روى هذا الحديث عن محمَّد بن سيرين فلم يرفعه، وذكر في ذلك ما قد حدثنا أبو بكرة، قال: أخبرني وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن حسان، عن محمَّد، عن أبي هريرة قال: "سؤر الهرّ يُهراقُ ويغسل الإناء مرة أو مرتين". قيل له: ليس في هذا ما يجب به فساد حديث قرة؛ لأن محمَّد بن سيرين قد كان يفعل هذا في أحاديث أبي هريرة يقفها عليه، فإذا سئل عنها هل هي عن النبى - عليه السلام -؟ رفعها. ش: تقرير السؤال أن حديث عائشة المذكور مرفوع لم يَقِفَهُ أحد، وحديث أبي هريرة وقفه هشام بن حسان، فكيف يرجح على حديث عائشة؟! والجواب ظاهر، و [قال] (¬1) المحدثون في خبر يروى موقوفا على بعض الصحابة بطريق ومرفوعا إلى رسول الله - عليه السلام - بطريق فإن كان يرويه عن رسول الله - عليه السلام - من هو في الطبقة العليا فإنه يثبت مرفوعا، وإنْ كان إنما يرويه عن رسول الله - عليه السلام - من ليس في الطبقة العليا ويرويه موقوفا من هو في الطبقة العليا فإنه يثبت موقوفا، وكذلك قالوا في المرسل والمسند، ولكن الفقهاء لم يأخذوا بهذا القول؛ لأن الترجيح عند أهل الفقه يكون بالحجة لا بأعيان الرجال (¬2). ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": وقالت. (¬2) قلت: مدار الأمر عند الاختلاف على الضبط لا على المعاني، فالحجة عند الاختلاف تكون مع الأضبط والأتقن والأكثر.

وأخرجه الدارقطني (¬1) أيضًا موقوفًا في إحدى رواياته: عن النيسابوري، عن أحمد بن يوسف وإبراهيم بن هانئ كلاهما، عن مسلم بن إبراهيم، عن قرة، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة "في الهر يلغ في الإناء قال: اغسله مرة أو مرتين" وكذلك عن أيوب، عن محمَّد، عن أبي هريرة موقوفًا. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة "في الهر يلغ في الإناء قال: اغسله مرة وأهرقه". ص: والدليل على ذلك ما حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يحيى بن عتيق، عن محمَّد بن سيرين: "أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة فقيل له: عن النبي -عليه السلام-؟ فقال: كل حديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام -". وإنما كان يفعل ذلك؛ لأن أبا هريرة لم يكن يحدثهم إلَّا عن النبي - عليه السلام -؛ فأغناه ما أعلمهم من ذلك في حديث ابن أبي داود أن يرفع كل حديث يرويه لهم محمَّد عنه، فثبت بذلك أيضًا اتصال حديث أبي هريرة هذا مع ثبت قرة وضبطه وإتقانه. ش: أي الدليل على أن محمد بن سيرين قد كان يقف أحاديث أبي هريرة عليه فإذا سئل هل هي عن النبي - عليه السلام - رفعها و"هو" مبتدأ قلت: "ما حدثنا" خبره. وإبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي شيخ الترمذي وابن ماجه، وثقه الدارقطني، وضعفه أبو داود. وإسماعيل بن إبراهيم بن مقسم البصري المعروف بابن عُلية، روى له الجماعة. ويحيي بن عتيق الطفاوي البصري، استشهد به البخاري، وروى له مسلم. قوله: "فأغناه" أي أغني محمَّد بن سيرين. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 68 رقم 9). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 99 رقم 344).

"ما أعلمهم من ذلك" أي ما أعلم الناس من أن أبا هريرة لم يكن يحدثهم إلَّا عن النبي - عليه السلام -. قوله: "محمَّد عنه" أي عن أبي هريرة. قوله: "مع ثبت قرة" أشار به إلى أن قرة بن خالد الذي رفع الحديث أثبت من هشام بن حسان الذي وقفه، قال يحيى بن سعيد: قرة بن خالد عندنا من أثبت شيوخنا. وروى له الجماعة. ص: ثم قد روي ذلك أيضًا عن أبي هريرة موقوفًا من غير هذا الطريق: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عفير، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة قال: "يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب". ش: أي ثم قد روي حديث غسل الإناء من الهر عن أبي هريرة موقوفًا عليه من غير طريق قرة بن خالد. وسعيد بن كثير -بفتح الكاف- بن عُفَير -بضم العين وفتح الفاء- الأنصاري، المصري أحد مشايخ البخاري وروى له مسلم. ويحيي بن أيوب الغافقي المصري، روى له الجماعة. وابن جريج اسمه عبد الملك، أبو خالد المكي، روى له الجماعة. وعمرو بن دينار المكي، روى له الجماعة. وأبو صالح اسمه ذكوان المدني، روى له الشيخان. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1): من حديث سعيد بن عفير، عن يحيى بن أيوب، إلى ... آخره نحو رواية الطحاوي. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 248 رقم 1107).

ورواه الدارقطني (¬1): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا غيلان بن المغيرة، ثنا ابن أبي مريم، ثنا يحيى أيوب، أخبرني خير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب". ورواه أيضًا مرفوعا (¬2) قال: ثنا علي بن محمَّد المصري، ثنا روح بن الفرج، ثنا سعيد بن عفير، ثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يغسل الإناء من الهرة كما يغسل من الكلب". وقال عبد الحق: قال الدارقطني لا يثبت هذا مرفوعًا، والمحفوظ من قول أبي هريرة، واختلف عنه (¬3). فإن قلت: هذا يقتضي أن يكون سؤر الهرّ نجسا كسؤر الكلب لأنهما تساويا في هذا الحكم. قلت: لا نسلم ذلك، فإن التشبيه لا عموم له، ولئن سلمنا ولكن تنجيسه قد سقط بعلة الطوف، ولا يلزم من سقوط النجاسة سقوط الكراهة، فافهم. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن خير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مثله. ش: هذا طريق آخر بإسناد صحيح، وأخرجه بهذا الطريق الدارقطني وقد ذكرناه الآن (¬4). وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن سالم المعروف بابن أبي مريم أبو محمَّد المصري، أحد مشايخ البخاري. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 68 رقم 10) وقال الدارقطني عقبه: هذا موقوف، ولا يثبت عن أبي هريرة، ويحيى بن أيوب في بعض أحاديثه اضطراب. (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 68 رقم 11). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 68 رقم 10). (¬4) تقدم تخريجه.

وخير بن نعيم قاضي مصر، روى له مسلم. وأبو الزبير اسمه محمَّد بن مسلم. وأبو صالح ذكوان. ص: وقد روي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعيهم. ش: أي قد روي غسل الإناء من ولوغ الهر عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - روى أبو جعفر من ذلك ما روي عن ابن عمر من الصحابة فقط، وروى النسائي (¬1) من رواية أبي الزبير عن جابر بن عبد الله: "أنه - عليه السلام - نهى عن ثمن الكلب والسنور" وإنما نهى عن ذلك لنجاستهما، فصار الهر كالكلب، إلَّا أن تنجيسه سقط بعلة الطوف فبقيت الكراهة، وروي من التابعين عن سعيد والحسن فقط على ما يجيء. وروى عبد الرزاق (¬2): عن ابن جريج قال: "قلت لعطاء: الهر. قال: هو بمنزلة الكلب أو أشر منه". وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، عن محمَّد "في الإناء (تلغ فيه الهرة) (¬4) قال: يغسل مرة". ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: أخبرنا أبو بكر الحنفي، قال: حدثنا عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، عن أبيه، عن ابن عمر - رضي الله عنه -: "أنه كان لا يتوضأ بفضل الكلب والهرّ، وما سوى ذلك فليس به بأس". ش: أبو بكر الحنفي اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد البصري، من جملة أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة. وعبد الله بن نافع ضعيف متروك الحديث، روى له ابن ماجه. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (7/ 309 رقم 4668) ورواه أحمد في "مسنده" (3/ 386 رقم 15176). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 98 رقم 342). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 37 رقم 340). (¬4) في "المصنف": يلغ فيه الهّر. بالتذكير.

وأبوه نافع مولى ابن عمر، روي له الجماعة. وروى عبد الرزاق (¬1): عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أنه كان يكره سؤر السنور". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الربيع بن يحيى الأشناني، قال: ثنا شعبة، عن واقد بن محمَّد، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "لا تتوضئوا من سؤر الحمار ولا الكلب ولا السنور". ش: إسناده صحيح. والأشناني نسبة إلى بيع الأشنان. وأخرجه عبد الرزاق (¬2): عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يكره سؤر الحمار والكلب والهرّ أن يتوضأ بفضلهم". عبد الرزاق (¬3): عن الثوري، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مثله. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن أبي عُبيد الله، عن قتادة، عن سعيد قال: "إذا ولغ السنّور في الإناء فاغسله مرتين أو ثلاثًا". ش: إسناده صحيح. وسعيد هو ابن المسيب. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): عن هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: "يغسل مرتين أو ثلاثًا -يعني إذا ولغ السنور في الإناء". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 98 رقم 340). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 105 رقم 373). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 105 رقم 374). (¬4) الذي في "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 37 رقم 344) من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب ولفظه: "يغسل مرتين". ورواه (1/ 38 رقم 345) من طريق هشام، عن قتادة من قوله: "يغسل مرتين أو ثلاثًا".

ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج -يعني ابن المنهال- قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن الحسن وسعيد بن المسيب: "في السنّور يلغ في الإناء، قال أحدهما: يغسله مرة. وقال الآخر: يغسله مرتين". ش: إسناد صحيح، وحماد هو ابن سلمة. والحسن هو البصري. قوله: "قال أحدهما" أراد به الحسن على ما روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1) عن معمر، عن يونس، عن الحسن: "أنه سئل عن الإناء يلغ فيه السنور قال: يغسل (مرة) (¬2) ". وأراد بقوله: "وقال الآخر" سعيد بن المسيب على ما رواه إبراهيم بن مرزوق في الخبر السابق. وروى عبد الرزاق (¬3): عن معمر عن قتادة قال: "سألت ابن المسيب عن الهرّ يلغ في الإناء قال: يغسل مرة أو مرتين. قال: وكان الحسن يقول: مرة أو ثلاثًا". ص: حدثنا سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا همام، عن قتادة، قال: كان سعيد بن المسيب والحسن يقولان: "اغسل الإناء ثلاثًا -يعني من سؤر الهرّ". ش: سليمان بن شعيب هذا من أصحاب محمَّد بن الحسن، قال في التهذيب: فقيه. والخَصيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح القرشي البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان. وهمام هو ابن يحيى بن دينار العوذي البصري، روى له الجماعة. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 37 رقم 341). (¬2) ليست في "المصنف". (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 99 رقم 345).

ص: ثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو حرّة، عن الحسن: "في هرّ ولغ في الإناء وشرب منه، قال: يُصب ويغسل الإناء مرة". ش: أبو بكرة بكَّار القاضي. وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي صاحب المسند. وأبو حرّة -بضم الحاء المهملة وتشديد الراء- اسمه واصل بن عبد الرحمن البصري، روى له مسلم. وقد ذكرنا الفرق بين الولوغ والشرب في هذا الباب. ص: حدثنا روح بن الفرج القطان، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عُفير، قال: حدثني يحيى بن أيوب: "أنه سأل يحيى بن سعيد عما لا يتوضأ بفضله من الدواب، فقال: الخنزير والكلب والهرّ". ش: روح وثقه الخطيب، وروى عنه الطبراني. ويحيي بن أيوب الغافقي المصري. ويحيى بن سعيد الأنصاري المدني قاضيها، روى له الجماعة. قوله: "بفضله" أي سؤره، وقد سوى يحيى بن سعيد بين الكلب والخنزير والهر فيكون سؤر الثلاثة سواء، وقول عطاء بن أبي رباح مثله، وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن الحسن بن علي، قال: سمعت عطاء يقول في الهر يلغ في الإناء: "يغسله سبع مرات". وقد ورد في الحديث "الهِر سبعٌ" رواه أحمد في "مسنده" (¬2): بهذا اللفظ، وكذا رواه إسحاق بن راهوية (¬3) وابن أبي شيبة (¬4) في "مسنديهما" بهذا اللفظ، ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 37 رقم 342). (¬2) "مسند أحمد" (12/ 442 رقم 9706) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (¬3) "مسند إسحاق بن راهوية" (1/ 222 رقم 178). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 37 رقم 343).

كلهم عن وكيع (¬1). ورواه الحكم في "مستدركه" (¬2): من حديث عيسى بن المسيب، ثنا أبو زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "السنور سبع". قال الحكم: حديث صحيح ولم يخرجاه، وعيسى هذا تفرد عن أبي زرعة إلَّا أنه صدوق ولم يجرح قط. انتهي. وتعقبه الذهبي في مختصره وقال: ضعفه أبو داود وأبو حاتم. انتهى. وقال ابن أبي حاتم في "علله" (¬3): قال أبو زرعة: لم يرفعه أبو نعيم وهو أصح، وعيسى ليس بالقوي. انتهى. ورواه الدارقطني في "سننه" (¬4): بقصة فيه عن أبي النضر، عن عيسى بن المسيب، قال: حدثني أبو زرعة، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي دار قوم من الأنصار ودونهم دار فشق ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله، تأتي دار فلان ولا تأتي دارنا! فقال - عليه السلام -: لأن في داركم كلبا. قالوا: فإن في دارهم سنورا. فقال - عليه السلام -: السنور سبع". ثم أخرجه مختصرا (¬5): من جهة وكيع ومحمد بن ربيعة، كلاهما عن [عيسي] (¬6) بن المسيب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "السنور سبع". وقال وكيع: "الهر سبع". ص: وقد شدَّ هذا القولَ النظرُ الصحيحُ؛ وذلك أنا رأينا اللُّحْمَان على أربعة أوجه: ¬

_ (¬1) أي كلهم عن وكيع عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة به. (¬2) "مستدرك الحاكم" (1/ 292 رقم 649). (¬3) "علل ابن أبي حاتم" (1/ 44 رقم 98). (¬4) سنن الدارقطني (1/ 63 رقم 5). (¬5) "سنن الدارقطني" (1/ 63 رقم 6). (¬6) في "في الأصل": سعيد وهو سبق قلم، والمثبت من "سنن الدارقطني" ويدل عليه ما تقدم من الروايات.

فمنها لحم طاهر مأكول، وهو لحم الإبل والبقر والغنم فسؤر كل ذلك طاهر؛ لأنه ماسَّ لحما طاهرا. ومنها لحم طاهر غير مأكول، وهو لحم بني آدم وسؤرهم طاهر؛ لأنه ماسَّ لحما طاهرا. ومنها لحم حرام، وهو لحم الخنزير والكلب فسؤر ذلك حرام؛ لأنه ماسَّ لحما حراما. فكان حكم ما ماسَّ هذه اللحمان الثلاثة كما ذكرنا يكون حكمه حكمها في الطهارة والتحريم. ومن اللحمان أيضًا لحم قد نُهي عن كله، وهو لحم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السِّباع، فمن ذلك السنور وما أشبهه فكان ذلك منهيّا عنه ممنوعا من أكل لحمه بالسُّنة، فكان في النظر أيضًا سؤر ذلك حكمه حكم لحمه؛ لأنه ماسَّ لحما مكروها فصار حكمُه حكمَه، كما صار حكم ما ماسَّ اللحمان الثلاثة الأول حكمها، فثبت بذلك كراهة سؤر السنور. ش: "شدَّ" بالدال المهملة أي قوّى، وأيّد هذا القول أشار به إلى قول من ذهب إلى كراهة سؤر الهرّ. قوله: "النظر الصحيحُ" فاعله و "هذا القولَ" بالنصب مفعوله. قوله: "وذلك" إشارة إلى النظر الصحيح في محل الرفع على الابتداء، وقوله: "أَنَّا رأينا" خبره ولهذا فتحت "أنّ" وأراد بالنظر الصحيح: القياس، وهو ظاهر. قوله: "فسؤر كل ذلك طاهر" فإن قلت: ليس هذا على عمومه؛ لأن الإبل الجلالة والبقر الجلالة سؤرهما مكروه. قلت: كراهة سؤرهما ليست مبنية على ما ذكر، وإنما هي لكونها تأكل النجاسات حتى لو حبست ومنعت من ذلك صار سؤرهما طاهرا على ما كان.

قوله: "وسؤرهم" أي سؤر بني آدم طاهر، وهذا عام في كل آدمي سواء كان مسلما أو كافرا صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى طاهرا أو نجسا حائضا أو جُنبا إلَّا في حال شرب الخمر لنجاسة فمه حينئذ، وقيل: هذا إذا شرب الماء من ساعته، فأما إذا شرب بعد ساعة [...] (¬1) يبلع بصاقه فيها ثلاث مرات يكون طاهرا عند أبي حنيفة، خلافا لهما بناء علي مسألتين: إحداهما: إزالة النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن بما سوى الماء من المائعات الطاهرة. والثانية: إزالة النجاسة الحقيقية بالغسل في الأواني ثلاث مرات، وأبو يوسف مع أبي حنيفة في المسألة الأولى ومحمد في الثانية، لكن اتفق جوابهما في هذه المسألة لأصلين مختلفين: أحدهما: أن الصب شرط عند أبي يوسف فلم يوجد. والثاني: أن ما سوى الماء من المائعات ليس بطهور عند محمَّد. قوله: "فسؤر ذلك حرام" فإن قلت: لا يلزم من كون سؤرهما حراما كونه نجسا. قلت: القصد ها هنا بيان أقسام اللحمان وإثبات النجاسة في هذا القسم يحصل ضمنا؛ وذلك لأنه لم يحرم إلَّا لقذارته ونجاسته، وقد قال بعض أصحابنا: نجاسة سؤر الكلب حكم ثابت بدلالة الإجماع؛ لأن الإجماع لما انعقد على وجوب غسل الإناء بولوغه كان لهذا الإجماع دلالة على نجاسة الماء؛ لأن لسان الكلب لم يلاق الإناء وإنما لاقى الماء، ولما ورد الشرع بتنجس الإناء مع أن لسانه لم يلاق الإناء فلأن يَرِد بتنجيس الماء ولسان الكلب لاقاه كان أولى. فإن قيل: يمكن أن يكون المراد من الأمر بالغسل من الولوغ لكونه قد نجس الإناء فحينئذ كان لسانه ملاقيا للإناء فلم يتم الاستدلال بالأولوية. ¬

_ (¬1) كلمة غير واضحة في "الأصل، ك".

قلت: الحقيقة لا تترك ما لم يقم الدليل على المجاز، فحقيقة الولوغ شرب الكلب المائعات بأطراف لسانه كما ثبت ذلك في كتب اللغة. قوله: "لحم قد نهي عن أكله وهو لحم الحمر الأهلية" لما روى مسلم في "صحيحه" (¬1): من حديث علي - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية". وكذلك لحم كل ذي ناب من السباع؛ لما روى مسلم (¬2): من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير". قوله: "فمن ذلك السنور" أي من كل ذي ناب من السباع السنور. "وما أشبهه" كابن عرس ودَلَق ونمس ونحوها؛ لقوله: - عليه السلام - "السنور سبع" فظهر من هذا الكلام أن كراهة سؤر الهرة عند الطحاوي لحرمة لحمها يدل أنه إلى التحريم أقرب، وعند الكرخي: لتناولها الجيف فلا يخلو فمها عن نجاسة عادة، فهذا يدل على أن كراهته تنزيه، وقد ذكرناه مرة. فإن قيل: كان ينبغي على ما ذكره أن يكون سؤره نجسا؛ لأن لحمه منهي عنه فيكون حراما؛ فإذا كان حراما يكون كالكلب والخنزير. قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن الحرمة عارضة عليه لأنه ما حرّم إلَّا حين حرم السباع، فتكون نجاسته عنده عارضة لتناول اسم السبع عليه، فلم يؤثر ذلك في نجاسة سؤره، على أن حديث الطوف يدل على طهارة سؤره، فصار لسؤره شبهان: إنْ نظرنا إلى أنه سبع يقتضي أن يكون سؤره نجسا، وإنْ نظرنا إلى قوله - عليه السلام -: "إنها ليست بنجس" يقتضي أن يكون طاهرا، لكن لما انتفى التنجيس بعلة الطواف، بقيت الكراهة، وهذا هو التحقيق في هذا المقام. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (2/ 1027 رقم 1407). (¬2) "صحيح مسلم" (3/ 1534 رقم 1934).

قوله: "فصار حكمُه حكمَه" برفع الأول ونصب الثاني أي صار حكم سؤر الهر كحكم لحمه. قوله: "فثبت بذلك" جواب شرط محذوف، أي إذا تقرر هذا ثبت بذلك. ص: فبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة. ش: أي بهذا القول وهو كراهة سؤر الهر نأخذ، أشار بهذا إلى أن هذا القول هو اختياره، ومما ورد في الباب مما يوافق مذهب أبي يوسف ومن تبعه. ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن معمر، عن أبي إسحاق قال: "ولغ هرّ في لبن لآل أبي قيس فأراد أهله أن يهريقوا اللبن، فنهاهم عن ذلك وأمرهم أن يشربوه". عبد الرزاق (¬2): عن الثوري، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن حسين بن علي - رضي الله عنه -: "أن امرأة سألت عن السنور يلغ في شرابي، فقال: الهرّ؟ قالت: نعم. قال: فلا تهريقي شرابك ولا طهورك، فإنه لا ينجس شيئا". عن عبد الرزاق (¬3): عن معمر، عن قتادة وأيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الهرّ من متاع البيت". عبد الرزاق (¬4): عن الثوري، عن الحسن بن عُبيد الله، عن إبراهيم قال: "السنور من أهل البيت". عبد الرزاق (¬5): عن إبراهيم بن محمَّد، قال: أخبرني صالح مولى التوأمة، قال: سمعت أبا قتادة يقول: "لا بأس بالوضوء من فضل الهرّ، إنما هي من عيالي". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" 1/ 101 رقم 354). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" 1/ 102 رقم 357). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 102 رقم 358). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 103 رقم 36). (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 100 رقم 350).

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق قال: "ولغ هرّ في لبن لآل علقمة، فأرادوا أن يهريقوه، فقال علقمة: إنَّه ليتفاحش في صدري أن أهريقه". ثنا (¬2) روح بن عبادة، عن محمَّد بن عبد الرحمن العرني، قال: سمعت محمَّد بن علي يقول: "لا بأس أن يتوضأ بفضل الهرّ. ويقول: هي من متاع البيت". ثنا (¬3) عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن عكرمة قال: "كان العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - يوضع له الوضوء فيشغله الشيء، فيجيء الهرّ فيشرب منه، فيتوضأ منه ويصلي". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 37 رقم 338). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 37 رقم 331). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 37 رقم 334).

ص: باب: سؤر الكلب

ص: باب: سؤر الكلب ش: أي هذا باب في بيان أحكام سؤر الكلب، والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لاشتمال كل منهما على أحكام السؤر، وتأخير هذا عن باب سؤر الهرّ؛ لكون الكلب أدنى حالا منه وأخس. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن شعبة، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبى - عليه السلام - قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي. والأعمش اسمه سليمان. وذكوان هو أبو صالح الزيات. وأخرجه الجماعة على ما نذكره. وأخرجه الدارقطني (¬1): عن عبد الله بن محمَّد، عن عباس بن الوليد النَرْسي، عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات". قوله: "إذا ولغ" قد استقصينا تفسير الولوغ في الباب الذي قبله. واستنبط منه أحكام: الأول: استدلت به جماعة على وجوب غسل الإناء سبع مرات عند ولوغ الكلب، وسيأتي بيانه مفصلًا. الثاني: أن ظاهر الأمر بالغسل يدل على نجاسة الإناء والماء، ويؤيد ذلك الرواية الأخرى: "طهور إنائكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب". ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 63 رقم 1).

رواه مسلم (¬1) وأبو داود (¬2)؛ وذلك لأن الطهارة تارة تستعمل عن الحدث وتارة عن الخبث، ولا حدث على الإناء فبقي الخبث، وأما مالك فحمله على التعبد؛ لاعتقاده طهارة الماء والإناء، وربما رجحه أصحابه بذكر هذا العدد الخصوص بالسبع؛ لأنه لو كان للنجاسة لاكتفي بما دون السبع؛ فإنه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة وقد اكتفي فيها بما دون السبع، والحمل على الأول وهو التنجس أقوى؛ لأنه شيء دار الحكم بين كونه تعبدا وبين كونه معقول المعنى، فالثاني أولى لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى، وأما كونه لا يكون أغلظ من نجاسة العذرة فممنوع. الثالث: أن العلة من الحكم المذكور هي النجاسة، وقيل: القذارة لاستعماله النجاسات، وقيل: علته لأنهم نهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا؛ فغُلِّظ عليهم بذلك، ومنهم من قال: إنَّ ذلك معلل بما يتقى من كَلِب الكَلْب، والعدد السبع قد جاء في مواضع من الشرع على جهة الطب والتداوي، وفيه نظر؛ لأن الكَلْب الكَلِب لا يقرب الماء؛ على ذلك جماعة من الأطباء. الرابع: أن ظاهر الأمر فيه يدل على الوجوب، وعن مالك أنه للندب، وقد اتفق أصحابنا وجمهور الشافعية وجماعة من المعتزلة على أن الأمر المطلق -أي المتجرد عن القرائن الدالة على الوجوب أو العدم- أنه للوجوب وأنه حقيقة فيه، مجاز فيما سواه، وذهب بعض فقهاء أهل السنة وجماعة من المعتزلة إلى أنه حقيقة في الندب مجاز فيما سواه، وذهب طائفة إلى أنه حقيقة للطلب المشترك بين الوجوب والندب، وهو ترجيح الفعل على الترك فتكون من الاشتراك المعنوي، وقيل: مشترك بينهما باشتراك لفظي، وقيل: مشترك بين الوجوب والندب والإباحة بالاشتراك اللفظي. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 234 رقم 279) من حديث أبي هريرة. (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 19 رقم 71) من حديث أبي هريرة أيضًا، ووقع فيهما: "طهور إناء أحدكم".

الخامس: أن لفظ الإناء أعم من أن يكون إناء ماء، أو إناء مائع آخر، أو إناء طعام، وعن مالك: لا يغسل إلَّا إناء الطعام -وهو نص المدونة- لأنه مصون. السادس: أن ظاهر الحديث عام في جميع الكلاب، وفي مذهب مالك أربعة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، والرابع لابن الماجشون: يفرق بين البدوي والحضري. ثم اختلف أصحابنا في الكلب هل هو نجس العين كالخنزير أم لا؟ والأصح أنه ليس بنجس العين كذا في "البدائع" وفي "الإيضاح": فأما عين الكلب فقد روي عن محمَّد أنه نجس، وكذا عن أبي يوسف، وبعضهم قالوا: هو طاهر؛ بدلالة طهارة جلده بالدباغ. وقال في فصل مسائل البئر: فأما الحيوان النجس كالكلب والخنزيز والسباع ينزح كله؛ لأنه نجس في عينه، ولهذا قالوا في كلب إذا ابتل وانتضح منه على ثوب أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه، وذكر في "قنية المنية" (¬1): الذي صح عندي من الروايات في "النوادر والأمالي" أن الكلب نجس العين عندهما، وعند أبي حنيفة ليس بنجس العين، وفائدته تظهر في كلب وقع في بئر وخرج حيّا فأصاب ثوب إنسان، ينجس الماء والثوب عندهما؛ خلافا لأبي حنيفة -رحمه الله-. السابع: أن الظاهرية تعلقوا بظاهر ألفاظ الحديث وحكموا بأشياء مخالفة للإجماع، فقال ابن حزم: فإن أكل الكلب في الإناء ولم يلغ فيه أو أدخل رجله أو ذنبه أو وقع بكله فيه لم يلزم غسل الإناء ولا يهراق ما فيه البتة، وهو طاهر حلال كله كما كان، وكذا لَوْ وَلغَ الكلب في بقعة في الأرض أو في يد إنسان أو فيما لا يسمى إناء فلا يلزم غسل شيء من ذلك ولا يهراق ما فيه. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا أبو صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. ¬

_ (¬1) انظر "كشف الظنون" (2/ 1886).

ش: هذا طريق آخر ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهذا. والأعمش سليمان، وأبو صالح ذكوان. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المُقدَّميّ، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أيوب، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - مثله، وزاد: "أولاهن بالتراب". ش: هذا طريق آخر عن إبراهيم بن أبي داود البُرلسي، عن محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم أبي عبد الله الثقفي المقدمي شيخ البخاري، عن المعتمر بن سليمان بن طرخان، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة. وكلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: نا أبان، قال: نا قتادة، أن محمَّد بن سيرين حدثه، عن أبي هريرة، أن نبي الله - عليه السلام - قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرار (¬2) السابعة بالتراب". وأخرجه الترمذي (¬3): ثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: نا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أيوب يحدث، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات أولاهن [أو أُخراهن] (¬4) بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة". قوله: "وزاد أولاهن بالتراب" أي زاد ابن أبي داود في روايته: "أولاهن بالتراب". وهكذا وقع في رواية مسلم (¬5): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 19 رقم 73). (¬2) في "سنن أبي داود": "مرات". (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 151 رقم 91). (¬4) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "جامع الترمذي". (¬5) "صحيح مسلم" (1/ 234 رقم 279).

ووقع في إحدى روايات ابي داود (¬1): "السابعة بالتراب" كما ذكرنا. وروى أيضًا (¬2): من حديث مطرف، عن عبد الله بن مغفل، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرار والثامنة عفروه بالتراب" وكذا رواه ابن ماجه (¬3) ومسلم (¬4). وروى الدارقطني (¬5): من حديث علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالبطحاء". ورواه الطبراني أيضًا في "الأوسط" (¬6)، وروى البزار أيضًا من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات- أحسبه قال: إحداهن بالتراب". وروى البيهقي (¬7): من حديث أيوب [عن ابن سيرين] (¬8) عن أبي هريرة: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن -أو أُخراهن- بالتراب". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، عن قرة، قال: ثنا محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: هذا طريق آخر بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن قرة بن خالد السَّدُوسي. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 19 رقم 73). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 19 رقم 74). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 130 رقم 365). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 235 رقم 280). (¬5) "سنن الدارقطني" (1/ 65 رقم 12). (¬6) "المعجم الأوسط" (8/ 42 رقم 7899). (¬7) "سنن البيهقي" (1/ 241 رقم 1079). (¬8) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن البيهقي".

ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: سئل سعيد عن الكلب يلغ في الإناء، فأخبرنا عن قتادة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - ... مثله، غير أنه قال: "أولها -أو السابعة- بالتراب" شك سعيد. ش: هذا طريق آخر إسناده جيد. وسعيد هو ابن أبي عروبة مهران البصري، من رجال الصحيحين. ص: فذهب قوم إلى هذا الأثر، فقالوا: لا يطهر الإناء إذا ولغ فيه الكلب حتى يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب كما قال النبي - عليه السلام -. ش: أراد بالقوم: الأوزاعي والشافعي ومالكا وأحمد وإسحاق وأبا ثور وأبا عبيد وداود؛ فإنهم ذهبوا إلى العمل بهذا الحديث، وقال ابن قدامة: يجب غسل الإناء سبعا إحداهن بالتراب من ولوغ الكلب، وهو قول الشافعي، وعن أحمد: أنه يجب ثمانيا إحداهن بالتراب، وروي ذلك عن الحسن، والرواية الأولى أصح، ويحمل الحديث الذي فيه الثامنة على أنه عد التراب ثامنة؛ لأنه وإنْ وجد مع إحدى السبع فهو جنس آخر، فيجمع بين الخبرين. انتهى. وعن الشافعي: يغسل سبعا أولاهن وأخراهن بالتراب. وفي "المغني": فإن جعل مكان التراب غيره من الأشنان والصابون والنخالة ونحو ذلك أو غسله ثامنة، قال أبو بكر: فيه وجهان: أحدهما: لا يجزئه، والثاني: يجزئه، وأظهر الوجهين في الغسلة الثامنة أنَّهَا لا تقوم مقام التراب، وقال غير أبي بكر: إنما كان جواز العدول إلى غير التراب عند عدم التراب أو كونه يفسد المحل المغسول، فأما لغير ذلك فلا. وقال أبو عبد الله بن حامد: إنْ كان التراب يفسد التور يعدل إلى غيره، وقال: والمستحب أن يكون التراب في الغسلة الأولى لموافقته لفظ الخبر، وليأتي عليه الماء فينظفه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: يغسل الإناء من ذلك كما يغسل من سائر النجاسات.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد ومن تبعهم. ص: واحتجوا في ذلك بما قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن ذلك ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال حدثني الأوزاعي. وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريايى، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة كان يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قام أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أحدكم فيم باتت يده". ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بما قد روي عن النبي - عليه السلام - من الأحاديث. قوله: "فمن ذلك" أي فمن ما روي من الأحاديث ما حدثنا، فقوله: "ما حدثنا" مبتدأ، قلت: "فمن ذلك" خبره و"الفاء" تفصيلية. وقد روي هذا الحديث من طريقين صحيحين: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. والثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمَّد بن يوسف الفريابي -شيخ البخاري- عن الأوزاعي ... إلي آخره. وأخرج مثله ابن ماجه (¬1): ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، حدثني الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما حدثاه أن أبا هريرة كان يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا استيقظ أحدكم من الليل ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء، غير أن في روايته: "إذا قام" موضع "إذا استيقظ". ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 138 رقم 393).

قوله: "من الليل" كلمة "من" ها هنا يجوز أن تكون على أصل معناها بمعنى إذا كان غاية قيام أحدكم من الليل، ويجوز أن تكون بمعنى "في" للظرف كما في قوله: تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} (¬1) أي فيها. قوله: "فلا يدخل" بجزم اللام لأنه نهي. قوله: "حتى يفرغ" من أفرغت الإناء إفراغا: قلبت ما فيه، وكذا أفرغت تفريغا، والمعنى حتى يصب على يديه مرتين أو ثلاثا، وفي سنن الكجي الكبير: "حتى يصب عليها صبة أو صبتين" وفي جامع عبد الله بن وهب المصري صاحب مالك: "حتى يغسل يده أو يفرغ فيها فإنه لا يدري حيث باتت يده". وفي علل ابن أبي حاتم الرازي (¬2): "فليغرف على يده ثلاث غرفات" وفي لفظ (¬3) "ثم ليغترف بيمينه من إنائه" (¬4). وعند ابن عدي (¬5): من رواية الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا: "فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها فليُرِق ذلك الماء". قلت: أنكر ابن عدي على معلي بن الفضل الذي روى هذا الحديث عن الربيع ابن صبيح، عن الحسن، عن أبي هريرة زيادة: "فليرق ذلك الماء". والحديث منقطع أيضًا عند الأكثرين. قوله: "فيمَ باتت يده" (ما) استفهامية أي في أي شيء باتت يده، ويجب حذف ألف (ما) الاستفهامية إذا جُرَّت ابقاء الفتحة دليلًا عليها نحو: فيم، وإلامَ، ¬

_ (¬1) سورة الجمعة، آية: [9]. (¬2) "علل ابن أبي حاتم" (1/ 62 رقم 162) من حديث عائشة. (¬3) "علل ابن أبي حاتم" (1/ 65 رقم 170) من حديث أبي هريرة. (¬4) وقال أبو حاتم: ينبغي أن يكون "ثم ليغترف بيمينه ... " إلى آخر الحديث من كلام إبراهيم بن طهمان، فإنه كان يصل كلامه بالحديث، لا يميزه المستمع. (¬5) "الكامل" لابن عُدي (6/ 374 رقم 1857).

وعلام، وعلة الحذف الفرق بين الاستهفام والخبر، فلذلك حذفت نحو {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} (¬1) وثبتت في {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} (¬2). واستنبط منه أحكام: الأول: استدل به أصحابنا أن الإناء يغسل من ولوغ الكلب ثلاثًا على ما يجيء محررا عن قريب. الثاني: أن غسل اليدين قبل الشروع في الوضوء سنة. فإن قلت: كان ينبغي ألَّا تبقى هذه السُّنة؛ لأنهم كانوا يتوضئون من الأتوار، فلذلك أمرهم - عليه السلام - به، وأما في هذا الزمان فقد تغير ذلك. قلت: السُنّة لما وقعت سُنة في الابتداء بقيت ودامت وإنْ لم يبق ذلك المعنى، كالرمل في الحج. الثالث: أن قيد الليل باعتبار الغالب، وإلَّا فالحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم بالليل بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد، فمتي شك كُرِهَ له إدخالها في الإناء قبل غسلها، سواء قام من نوم الليل، أو من نوم النهار، أو شك في نجاستها في غير نوم، هذا مذهب الجمهور، وعن أحمد: إنْ قام من نوم الليل كُرِهَ كراهة تحريم، وإنْ قام من نوم نهار كُرِهَ كراهة تنزيه، ووافقه داود الظاهري؛ اعتمادا على لفظ المبيت. الرابع: أن هذا النهي نهي تنزيه لا تحريم، حتى لو غمس يده لم يفسد الماء ولم يأثم الغامس، وعن الحسن البصري وإسحاق ومحمد بن جرير الطبري أنه ينجس إنْ قام من نوم الليل، وهذا ضعيف، وفي "التلويح": قال الشعبي: النائم والمستيقظ سواء، لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها. وذهب عامّة أهل العلم إلى أن ذلك على الاستحباب، وله أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها وأن الماء طاهر ما لم يتيقين نجاسة يده وممن روي عنه ¬

_ (¬1) سورة النازعات، آية: [43]. (¬2) سورة الأنفال، آية: [68].

ذلك: عَبيدة وابن سيرين وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وسالم والبراء بن عازب والأعمش فيما ذكره المصنف. وقال ابن المنذر: قال أحمد: إذا انتبه من النوم فأدخل يده في الماء قبل الغسل أعجب إلىّ أن يريق ذلك الماء إذا كان من نوم الليل. ولا يهُراق في قول عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي عُبيد. واختلفوا في المستيقظ من النوم بالنهار، فقال الحسن البصري: نوم النهار ونوم الليل واحد في غمس اليد. وسهّل أحمد في نوم النهار ونهى عن ذلك إذا قام من نوم الليل، وقال أبو بكر: وغسل اليد في ابتداء الوضوء ليس بفرض. وذهب داود وابن جرير الطبري إلى إيجاب ذلك وأن الماء ينجس إنْ لم تكن اليد مغسولة، وقال ابن القاسم: غسلهما عبادة. الخامس: أن قوله: "في الإناء" محمول على ما كانت الآنية صغيرة كالكوز، أو كبيرة كالحُبّ ومعه آنية صغيرة، أما إذا كانت الآنية كبيرة وليس معه آنية صغيرة فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة حتى لو أدخل أصابع يده اليسري مضمومة في الإناء دون الكف ويرفع الماء من الحبّ ويصب على يده اليمنى ويدلك الأصابع بعضها ببعض، يفعل كذلك ثلاث مرات، ثم يدخل يده اليمنى بالغا ما بلغ في الإناء إنْ شاء، هذا الذي ذكره أصحابنا. وقال النووي: وإذا كان الماء في إناء كبير بحيث لا يمكن الصب منه وليس معه إناء صغير يغترف به، فطريقه أن يأخذ الماء بفمه ثم يغسل به كفيه، أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف أو يستعين بغيره. قلت: لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه ولم يعتمد على طهارة ثوبه، ولم يجد من يستعين به ماذا يفعل؟ وما قاله أصحابنا أحسن وأوسع.

السادس: أن الفاء في قوله: "فإنه لا يدري" للتعليل وذلك لأنهم كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن أن يطوف بيده على ذلك الموضع النجس أو على بَثْرة أو قذر غير ذلك. قلت: "فيم باتت يده" كناية عن وقوعها على دبره أو ذكره أو نجاسة، وإنما ذكر بطريق الكناية تحاشيا من التصريح به، وذلك من آداب النبي - عليه السلام - ونظائر ذلك كثيرة في القرآن والحديث. السابع: يُستفاد منه أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإنْ لم تغيره، وهذا حجة قوية لأصحابنا في نجاسة القلتين بوقوع النجاسة فيها وإنْ لم تغيره، وإلَّا لا يكون للنهي فائدة. الثامن: يُستفاد منه استحباب غسل النجاسات ثلاثًا لأنه إذا أمر به في المتوهمة ففي المحققة أولى، ولم يرد شيء فوق الثلاث إلَّا في ولوغ الكلب، وسيجيء أنه - عليه السلام - أوجب فيه الثلاث وخيَّرَ فيما زاد. التاسع: أن موضع الاستنجاء لا يطهر بالمسح بالأحجار بل يبقي نجسا معفوّا عنه في حق الصلاة، حتى إذا أصاب موضع المسح بلل وابتلّ به سراويله أو قميصه ينجسه. العاشر: أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ولا يؤثر فيها الرش؛ فإنه - عليه السلام - قال: "حتى يفرغ عليها" وفي لفظ: "حتى يغسلها" ولم يقل: "حتى يرشها". الحادي عشر: استحباب الأخذ بالاحتياط في باب العبادات. الثاني عشر: أن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه، وهذا بالإجماع، وفي العكس كذلك عندنا خلافا للشافعي، وقال النووي: وفيه دلالة أن الماء القليل إذا وردت عليه نجاسة نجسته، وإنْ قلت ولم تغيره فإنها تنجسه؛ لأن الذي يعلق باليد ولا يرى قليل جدّا، وكانت عادتهم استعمال الأواني الصغيرة التي تقصر عن القلتين بل لا تقاربها، قال القشيري: وفيه نظر عندي؛ لأن مقتضى الحديث أن

ورود النجاسة على الماء يؤثر فيه، ومطلق التأثر أعم من التأثير بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين، فإذا سَلَّم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروها فقد ثبت مطلق التأثر، ولا يلزم ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس. [الثالث] (¬1) عشر: استحباب استعمال الكنايات في المواضع التي فيها استهجان، ولهذا قال - عليه السلام -: "فإنه لا يدري أين باتت يده" ولم يقل: فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره أو نجاسة أو نحو ذلك، وإنْ كان هذا معني قوله - عليه السلام -؛ وهذا إذا علم أن السامع يفهم بالكناية المقصود، فإن لم يكن كذلك فلا بد من التصريح ليزى اللبس والوقوع في الخلاف في المطلوب، وعلي هذا يحمل ما جاء مصرحًا به. [الرابع] (¬2) عشر: أن قوله: "في الإناء" وإنْ كان عامّا لكن القرينة دلّت على أنه إناء الماء، بدليل قوله في الرواية الأخرى: "في وَضُوئه" وهو الماء الذي يتوضأ به، ولكن الحكم لا يختلف بينه وبين غيره من الأشياء الرطبة، فافهم. ص: حدثنا ابن أبي داود وفهد قالا: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، قال: حدثني ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله. ش: هذا طريق آخر إسناده صحيح نصفه مصري ونصفه مدني. وأبو صالح اسمه عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال أبو حاتم: صدوق أمين. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. وسعيد هو ابن المسيب. وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن. ¬

_ (¬1) في "الأصل": "الثاني"، وهو خطأ والصواب ما أثبتناه. (¬2) في "الأصل": "الثالث"، وهو سبق قلم أيضًا.

وأخرجه الترمذي (¬1): من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا استيقظ أحدكم من الليل فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده". ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أخبرنا زائدة بن قدامة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. ش: هذا طريق آخر إسناده صحيح. والأعمش سليمان. وأبو صالح ذكوان. وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا مسدد، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي رزين وأبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، ثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن أبي صالح وأبي رزين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - عليه السلام - مثله، غير أنه قال: "فليغسل يديه مرتين أو ثلاثا". ش: هذا طريق آخر رجاله رجال الصحيح. وأبو شهاب اسمه موسى بن نافع. وأبو صالح ذكوان. وأبو رزين اسمه مسعود بن مالك. قوله: "مرتين أو ثلاثا" يفيد أنه إذا اكتفي بالغسل مرتين يجوز؛ لأنه مستحب إذا قلنا: إن هذا شك في نجاسة اليد، أما إذا تحقق فإنه يجب عليه الغسل إلى أن تطهير، سواء كان بالثلاث أو أكثر، وهذا مذهب الجمهور؛ لأنه - عليه السلام - نبَّه على ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 36 رقم 24). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 25 رقم 103).

العلة وهي الشك، فإذا انتفت العلة انتفت الكراهة، ولو كان النهى عامّا لقال: إذا أراد أحدكم استعمال الماء فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها. وعند بعض الشافعية: حكمه حكم الشك لكن أسباب النجاسة قد تخفى في حق معظم الناس فَيَسُدُّ الباب لئلَّا يتساهل فيه من لا يعرف. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله. ش: هذا طريق آخر بإسناد صحيح. وحجاج هو [ابن] (¬1) المنهال. وحماد هو ابن سلمة. وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا ابن وهب، عن جابر بن إسماعيل، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قام من النوم فرغ على يديه ثلاثا". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي. وعُقيل بضم العين. وابن شهاب محمَّد بن مسلم الزهري. ورواه الدارقطني (¬2): من حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده منه -أو أين طافت يده- فقال له رجل: أرأيت إنْ كان حوضا؟ فحصبه ابن عمر، وقال: أخبرك عن رسول الله - عليه السلام - وتقول: أرأيت إنْ كان حوضا؟ ". ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك". (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 49 رقم 3).

ويُستفاد منه: أن المستحب ألَّا ينقص عن الثلاث، فإن اقتصر على مرتين جاز وليس عليه بأس؛ لما ورد في الحديث السابق: "فليغسل يديه مرتين أو ثلاثًا". فإن قيل: فإن اقتصر على مرة ماذا يكون حكمه؟ قلت: ظاهر ما رواه البخاري (¬1): عن عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه (ماء) (¬2) ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من (منامه) (¬3) فليغسل يديه قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" يشعر بجواز الاكتفاء على واحدة ولكن المستحب ألَّا ينقصها عن الثلاث؛ لما تقرر من القواعد: أن المطلق يحمل على المقيد عند اتحاد الحكم. ص: قالوا: فلما روي هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطهارة من البول لأنهم كانوا يتغوطون ويبولون ولا يستنجون بالماء، فأمرهم بذلك إذا قاموا من نومهم؛ لأنهم لا يدرون أين باتت يدهم من أبدانهم فقد يجوز أن تكون كانت في موضع قد مسحوه من البول (أو) (¬4) الغائط فيعرقون [فتتنجس] (¬5) بذلك أيديهم فأمر النبي - عليه السلام - بغسلها ثلاثًا، وكان ذلك طهارتها من الغائط أو البول إنْ كان أصابها، فلما كان ذلك يُطهّر من البول والغائط وهما أغلظ النجاسات؛ كان أحرى أن يطهر مما هو دون ذلك من النجاسات. ش: أي قال أهل المقالة الثانية: "فلما روي هذا" أي حديث المستيقظ من النوم. قوله: "وهما أغلظ النجاسات" جملة وقعت حالا. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 72 رقم 160). (¬2) ليست في "صحيح البخاري"، وأشار الحافظ في "الفتح" إلى أنها مذكورة في رواية أبي ذر فقط. (¬3) في "صحيح البخاري": "نومه". (¬4) تكررت من الناسخ في "الأصل". (¬5) في "الأصل، ك": يتنجس أوله "ياء" آخر الحروف.

قوله: "كان أحرى" أي كان الثلاث أولى أن يطهر مما دون البول والغائط من النجاسات. ص: وقد دلّ على ما ذكرنا من هذا ما قد روي عن أبي هريرة من قوله بعد رسول الله - عليه السلام - كما قد حدثنا إسماعيل بن إسحاق تُرُنْجَه قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة: "في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهرّ، قال: يُغسل ثلاث مرات" فلما كان أبو هريرة قد رأى أن الثلاث تطهر الأناء من ولوغ الكلب فيه، وقد روي عن النبي - عليه السلام - ما ذكرنا، ثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن به ولا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي - عليه السلام - إلَّا إلي مثله، وإلَّا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته. ش: أي قد دل على ما ذكرنا من قولهم: "قالوا: فلما روي ... " إلى آخره "ما قد روي عن أبي هريرة" و"ما" في محل الرفع على أنه فاعل "دلّ". تحرير ذلك: أن أبا هريرة أفتي بغسل الثلاث من ولوغ الكلب، والحال أنه روى عن النبي - عليه السلام - الغسل بالسبع فدل ذلك أن الأمر بالسبع قد نُسخ وأن النسخ قد ثبت عنده، وإنما قلنا ذلك لأن الراوي إذا ظهرت منه المخالفة فيما رواه قولًا أو فعلا فإن كان ذلك تنازع قبل الرواية فإنه لا يقدح في الخبر، ويحمل على أنه كان ذلك مذهبه قبل أن يسمع الحديث فلما سمع الحديث رجع إليه، وكذلك إنْ لم يُعلم التاريخ؛ لأن الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه، وهو أن يكون ذلك منه قبل أن يبلغه الحديث ثم رجع إلى الحديث، وأما إذا عُلم ذلك منه بتاريخ بعد الحديث فإن الحديث يخرج به من أن يكون حجة؛ لأن فتواه بخلاف الحديث أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع وأنه لا أصل للحديث، فإن الحال لا يخلو إما أن [تكون] (¬1) الرواية تقوّلا منه لا عن سماع، فيكون واجب الرد، أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث على وجه قلّة المبالاة والتهاون بالحديث؛ فيصير به فاسقا لا تقبل روايته أصلا، أو يكون ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": كانت.

ذلك عن غفلة ونسيان وشهادة المغفل لا تكون حجة، فكذلك خبره، أو يكون ذلك منه على أنه علم انتساخ حكم الحديث، وهذا أحسن الوجوه، فيجب الحمل عليه تحسينا للظن بروايته وعمله؛ فإنه روى على طريق إبقاء الإسناد وعلم أنه منسوخ فأفتي بخلافه، فبهذا الطريق حكمنا في حديث أبي هريرة لأنا نحسن الظن به، فحملنا ما رواه من السبع على أنه كان قد علم انتساخ هذا الحكم فأفتي بالثلاث، أو علم بدلالة الحال أن مراد رسول الله - عليه السلام - التقرب فيما وراء الثلاث، وهذا كما في قول عمر - رضي الله عنه - "متعتان كانتا على عهد رسول الله - عليه السلام -وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج" (¬1) فإنما يحمل هذا على علمه بالانتساخ، ولهذا قال ابن سيرين: هم الذين رووا الرخصة في المتعة وهم الذين نهوا وليس في رأيهم ما يرغب عنه ولا في نصيحتهم ما يوجب التهمة. وقال صاحب "البدائع": وما رواه الشافعي -أراد به الأمر بالسبع في ولوغ الكلب [في] (¬2) الإناء- كان في ابتداء الإِسلام لقطع عادة الناس في الألف بالكلاب، كما أمر بكسر الدِّنان، ونهى عن الشرب في ظروف الخمر حتى حرمت الخمر، فلما تركوا العادة أزال ذلك كما في الخمر، دلّ عليه ما روي في بعض الروايات: "فليغسله سبعا أولاهن -أو أخراهن- بالتراب" وفي بعضها: "وعفروا الثامنة بالتراب" وذلك غير واجب بالإجماع. قوله: "وقد روي عن النبي - عليه السلام -" جملة وقعت حالا. قوله: "ثبت بذلك" جواب لـ"ما". ثم إسناد الحديث المذكور صحيح؛ لأن إسماعيل بن إسحاق المعروف بتُرنجه قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه وهو صدوق. وترُونْجَه -بضم التاء المثناة من فوق والراء وسكون النون وفتح الجيم- ووقع صفة له ها هنا. ¬

_ (¬1) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/ 146). وأخرجه أحمد في "مسنده" (3/ 325 رقم 14519) بنحوه من حديث جابر بن عبد الله عن عمر. (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.

وأبو نعيم الفضل بن دكين. وعبد السلام بن حرب روي له الجماعة وعبد الملك بن أبي سليمان العرزمي أبو عبد الله الكوفي روي له مسلم. وعطاء بن أبي رباح، روى له الجماعة. فإن قلت: قال البيهقي: تفرّد به عبد الملك من بين أصحاب أبي هريرة والحفاظ الثقات، ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في زمانه تركه شعبة ولم يحتج به البخاري في صحيحه وقد اختلف عليه في هذا الحديث فمنهم من يرويه عنه مرفوعا، ومنهم من يرويه عنه موقوفا على أبي هريرة من قوله، ومنهم من يرويه عنه من فعله، وقد اعتمد الطحاوي على الرواية الموقوفة في نسخ حديث السبع، وأن أبا هريرة لا يخالف النبي - عليه السلام - فيما يرويه عنه، وكيف يجوز ترك رواية الحفاظ الإثبات من أوجه كثيرة لا يكون مثلها غلطا، برواية واحد قد عرف بمخالفة الحفاظ في بعض أحاديثه. قلت: هذا تحامل منه؛ لأن الحديث رواه الطحاوي بسند صحيح، ثم الدارقطني كذلك بسند قال في "الإمام": هذا سند صحيح، ثم ابن عدي أيضًا عن عمر بن شبة، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك إلى آخره. وعبد الملك قد أخرج له مسلم في "صحيحه"، وقال ابن حنبل والثوري: هو من الحفاظ. وعن الثوري: هو ثقة متقن فقيه. وقال أحمد بن عبد الله: ثقة ثبت في الحديث. ويقال: كان الثوري يسميه الميزان. ولا يلزم من ترك احتجاج البخاري به أن يترك قوله، وتشنيعه على الطحاوي بأنه اعتمد على الرواية الموقوفة في نسخ حديث السبع باطل؛ لأنه لما صح عنده هذه الرواية حمل رواية السبع على النسخ توفيقا بين الكلامين وتحسينا للظن في حق أبي هريرة، ولا سيما وقد تأيدت الرواية الموقوفة بالرواية المرفوعة على ما أخرجه

ابن عدي (¬1): عن الكرابيسي، عن إسحاق الازرق، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات". ثم قال لم يرفعه غير حسين بن علي الكرابيسي ولم أجد له حديثا منكرا غير هذا، وإنما حمل عليه أحمد بن حنبل من جهة اللفظ بالقرآن، فأما في الحديث فلم أر به بأسا. وبما روى عبد الرزاق (¬2): عن معمر قال: "سألت الزهري عن الكلب يلغ في الإناء، قال: يغسل ثلاث مرات" فهذا الزهري لو لم يثبت عنده نسخ السبع لما أفتي بما أفتي به أبو هريرة. وروى عبد الرزاق (¬3): أيضًا عن ابن جريج قال: "قلت لعطاء كم يغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب؟ قال: كل ذلك سمعت: سبعا وخمسًا وثلاث مرات". فإن قلت: قد قال البيهقي: وقد روى حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة فتواه بالسبع كما رواه، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة في الثلاث. قلت: يحتمل أن تكون فتواه بالسبع قبل ظهور النسخ عنده، أو يكون ذلك بطريق الندب، ومُخطِّئ عبد الملك مُخْطئ. وقد روي عن أبي هريرة مرة واحدة أيضًا، قال عبد الرزاق (¬4): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة "في الهرّ يلغ في الإناء قال: اغسله مرة واحدة". ¬

_ (¬1) "الكامل" لابن عُدي (2/ 366). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 97 رقم 366). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 97 رقم 333). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 99 رقم 344).

وإسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح، فهذا أدلّ دليل على ثبوت انتساخ السبع عنده، وأن مراده من رواية الثلاث هو أن يكون على الندب والاستحباب. ص: ولو وجب أن يعمل بما روينا في السبع ولا يجعل منسوخا لكان ما روى عبد الله بن المغفل في ذلك عن النبي - عليه السلام - أولى مما روى أبو هريرة؛ لأنه زاد عليه. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن أبي التيّاح، عن مُطَرِّف بن عبد الله، عن عبد الله بن مُغفّل - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - أمر بقتل الكلاب، ثم قال: ما لي وللكلاب؛ ثم قال: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات وعَفِّروا الثامنة بالتراب". ش: تحريره أن حديث السبع إذا لم يجعل منسوخا يكون العمل بحديث عبد الله بن مغفل أولى؛ لأنه زاد عليه -أي على حديث أبي هريرة- للاحتياط ولهذا ذهب إليه الحسن وأحمد -في رواية-. ورجال الحديث رجال الصحيح ما خلا بكَّارا. وأبو التَيَّاح اسمه يزيد بن حميد وهو بفتح التاء المثناة من فوق ثم الياء آخر الحروف المشددة وفي آخره حاء مهملة. ومُطَرِّف بضم الميم وتشديد الراء المكسورة. وأخرجه مسلم (¬1): عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة إلى آخره، ولفظه "أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب! ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في [إناء أحدكم] (¬2) فاغسلوه سبع مرات وعفروا الثامنة بالتراب". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم": (1/ 235 رقم 280). (¬2) في"صحيح مسلم": "الإناء".

وأبو داود (¬1): عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة ... إلى آخره نحوه. والنسائي (¬2): عن محمَّد بن عبد الأعلي، عن خالد، عن شعبة ... إلى آخره نحوه، وليس فيه "ما لي وللكلاب". وابن ماجه (¬3): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شبابة، عن شعبة ... إلى آخره مقتصرا على قوله: "إذا ولغ الكلب ... " إلى آخره. قوله: "ما لي وللكلاب" أراد بهذا التنبيه على النهي عن قتلها. قوله: "وعفروا" قال صاحب "المطالع": معناه اغسلوه بالتراب، وهو من العَفَر -بالتحريك- وهو التراب، يقال: عفره في التراب يعفره عفرا، وعفره تعفيرا أي مرّغه، وشيء معفور ومعفّر مُترّب. قوله: "الثامنه بالنصب على الظرفية وموصوفها محذوف، والتقدير: عفروه في المرة الثامنة بالتراب. ويُستفاد من هذه الروايات: أن قتل الكلاب كان جائزا ثم نُسخ. وروى الطبراني (¬4): من طريق الجارود عن إسرائيل، بإسناده إلى علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم، ومن اقتني كلبا لغير صيد ولا زرع ولا غنم؛ أوى إليه كل (يوم) (¬5) قيراط من الإثم مثل أحد". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 9 رقم 74). (¬2) "المجتبى" (1/ 54 رقم 67)، (1/ 177 رقم 336). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 130 رقم 363). (¬4) "المعجم الأوسط" (8/ 41، 42 رقم 7899). (¬5) في "المعجم الأوسط": "ليلة". وزاد في آخره: "وإذا ولغ الكلب في إناء فليغسله سبع مرات إحداهن بالبطحاء".

وأخرج البخاري (¬1) ومسلم (¬2): "من اقتني كلبا إلَّا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان" رواه ابن عمر. فإن كان الكلب عقورا جاز قتله؛ لحديث عائشة رواه مسلم (¬3): "خمس (من الفواسق) (¬4) يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُديَّا. ويُستفاد منه أيضًا: حرمة اقتنائه لغير الحاجة، نحو أن يقتني إعجابا بصورته أو للمفاخرة به، فهذا حرام بلا خلاف، وأما للحاجة نحو: الصيد وحراسة الزرع والغنم فجائز بلا خلاف، وفي معناه لحراسة الدروب والدور، واختلف في اقتناء كلب صيد ولا يصيد. ص: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب، عن شعبة فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر إسناده صحيح. ص: فهذا عبد الله بن مغفل قد روى عن النبي - عليه السلام - أنه يغسل سبعا ويعفّر الثامنة بالتراب، وزاد على أبي هريرة، والزائد أولي من الناقص، فكان ينبغي لهذا المخالف لنا أن يقول: لا يطهر الإناء حتى يغسل ثمان مرات السابعة بالتراب والثامنة كذلك، ليأخذ بالحديثين جميعًا، فإن ترك حديث عبد الله بن مغفل فقد لزمه ما ألزمه خصمه في ترك السبع التي قد ذكرنا، وإلَّا فقد بينَّا أن أغلظ النجاسات يُطهِّر منها الإناء غسلُ ثلاث مرات، فما دونها أحرى أن يُطهّره ذلك أيضًا. ش: هذا موضح لقوله: "ولو وجب أن يعمل بما رويناه في السبع ... " إلى آخره، وأراد بالمخالف الشافعي وكل من ذهب إلى مذهبه في هذا. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (5/ 2088 رقم 5163). (¬2) "صحيح مسلم" (3/ 1201 رقم 1574). (¬3) "صحيح مسلم" (2/ 856 رقم 1198). (¬4) كذا في "الأصل، ك"، وفي "صحيح مسلم": "فواسق".

قوله: "والثامنة كذلك" يعني بالتراب فيكون استعمال التراب مرتين؛ لأن في حديث أبي هريرة: "سبع أخراهن بالتراب" وفي حديث ابن مغفل: "الثامنة بالتراب" فإن لم يعمل كذا لا يكون عملا بالحديثين، وقد أوَّل ذلك النووي وغيره حيث قالوا: المراد اغسلوه سبعا واحدة منهن تراب مع الماء، فكان التراب قائم مقام غسله فسميت ثامنة لهذا. قلت: هذا مخالف لصريح الحديثين، فإن صريح حديث أبي هريرة يدل على أن يكون التراب واحدة من السبعة، وحديث ابن مغفل صريح بأن تكون الثامنة هو التراب، ولهذا روي عن الحسن أنه قال: "يفتقر إلى دفعة ثامنة". قوله: "فقد لزمه" أي المخالف المذكور. قوله: "وإلَّا" أي وإنْ لم يترك حديث ابن مغفل. "فقد بينّا" يعني فيما مضى. قوله: "يُطَهِّر منها الإناء" على صيغة المعلوم. و"غسلُ ثلاث" كلام إضافي فاعله. و"الإناءَ" بالنصب مفعوله، وفي بعض النسخ: "يَطْهُر منها الإناء بعد غسل ثلاث مرات" فعلى هذا يكون يطهر لازما بخلاف الأول فإنه متعد؛ لأنه من التطهير. ص: ولقد قال الحسن في ذلك بما روى عبد الله بن مغفل. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو حرة، عن الحسن قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات والثامنة بالتراب". ش: ذكر هذا تأييدا لقوله: "والزائد أولى، من الناقص" أي لقد قال الحسن البصري في غسل الإناء من ولوغ الكلب فيه. وأبو داود هو سليمان الطيالسي. وأبو حرة اسمه واصل بن عبد الرحمن.

ص: وأما النظر في ذلك فقد كفانا الكلام فيه ما بيّنا من حكم اللحمان في باب سؤر الهر. ش: أي في حكم ولوغ الكلب في الإناء فكان قد بيّن في باب سؤر الهرّ أن ما كان سؤره نجسا كان حكمه حكم سائر النجاسات، وحكم النجاسات أن تُطهر بالغسل ثلاث مرات، فكذلك الإناء الذي ولغ فيه الكلب يطهر بالغسل ثلاث مرات، والتقدير بالثلاث في إزالة النجاسات غير لازم عندنا، بل هو مفوض إلى غالب رأيه وأكثر ظنه، وإنما ورد النص بالثلاث بناء على غالب العادة، فإن الغالب أنَّها تزول بالثلاث، ولأن الثلاث هو الحد المضروب لإبلاع الأعذار كما في قصة العبد الصالح مع موسى - عليه السلام - حيث قال له موسى في المرة الثالثة: {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا} (¬1). ص: وقد ذهب قوم في الكلب يلغ في الإناء أن الماء طاهر ويغسل الإناء سبعا وقالوا: إنما ذلك تعبد تُعبدنا به في الآنية خاصة. فكان من الحجة عليهم: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن الحياض التي تردها السباع قال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثا" فقد دلّ ذلك أنه إذا كان دون القلتين حمل الخبث، ولولا ذلك لما كان لذكر القلتين معنى، ولكان ما هو أقل منهما وما هو أكثر سواء، فلما جرى الذكر على القلتين ثبت أن حكمهما خلاف حكم ما هو دونهما، فثبت بهذا من قول رسول الله - عليه السلام - أن ولوغ الكلب في الماء ينجس الماء، وجميع ما بيّنا في هذا الباب هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله-. ش: أراد بالقوم: الأوزاعي ومالكا وأصحابه وبعض الظاهرية فإنهم قالوا: إنَّ الإناء إذا ولغ فيه الكلب لا ينجس الماء ولا الإناء، إنما يغسل سبعا تعبدا. ¬

_ (¬1) سورة الكهف، آية: [76].

وقال عياض في "شرح مسلم": مذهبنا في غسل الإناء من ولوغ الكلب تعبد مستحق العدد وهو مذهب أهل الظاهر، لكن يتنزه عنه عندنا مع وجود غيره وهو قول الأوزاعي، وقال الثوري: من لم يجد غيره توضأ به ثم تيمم. ووافقنا الشافعي في العدد وخالف في نجاسة الكلب فقال: هو نجس. وقد حُكي هذا عن سحنون. فإن قيل: ما حكم الخنزير إذا ولغ في الإناء؟. قلت: يقُاس على الكلب لنجاسته، وهو أحد قولي الشافعي، وعند مالك لا يغسل؛ لأنه لا يقتني فلا يوجد فيه علة الكَلِب من أذى الناس، وهو قول للشافعي، وعنه يغسل لتقذره وأكله الأنجاس. وقال الإِمام: احتج أصحابنا بتحديد غسل الإناء سبع مرات أنه لو كانت العلة النجاسة لكان المطلوب الإنقاء وقد يحصل في مرة واحدة. واختلف عندنا هل يغسل الإناء من ولوغ الكلب المأذون في اتخاذه؟ فيصح أن يبنى الخلاف على الخلاف في الألف واللام في قوله: "إذا ولغ الكلب" هل هي للعهد أو للجنس؟ فإن كانت للعهد اختص ذلك بالمنهي عن اتخاذه، وهل يغسل الإناء من ولوغه في الطعام؛ أيضًا خلاف، ويصح أن يبنى على خلاف أهل الأصول في تخصيص العموم بالعادة، إذ الغالب عندهم وجود الماء لا الطعام. انتهى. والجواب عن ذلك: إنَّا لا نسلم أن يدل تحديد الغسل بالسبع على الطهارة، بل يدل على قوة النجاسة، ولهذا أمر بالتراب في السابعة مبالغة في قصد التنظيف، ولا نسلم أيضًا أن يحصل الإنقاء في مرة واحدة؛ لأن ذلك يعرف عقلًا ويلزمهم في قولهم بالتعبد أن يقولوا بغسل جميع الإناء ما لاقى الولوغ وما لم يلقه، عملًا بحقيقة لفظ الإناء، وأما الألف واللام في "الكلب" فلتعريف الحقيقة وتفيد الاستغراق، بيان ذلك أن المعرف باللام قد يكون نفس الحقيقة من غير نظر إلى الأفراد، مثل: الرجل خير من المرأة، وقد يكون حصة معينة منها واحدًا أو أكثر مثل جاءني رجل،

فقال الرجل كذا، وقد يكون حصة غير معينة منها لكن باعتبار عهدتها في الذهن نحو: ادخل السوق. وقد يكون جميع أفرادها نحو: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (¬1) فإذا لم توجد قرينة البعضية كيف يحمل على العهد، بل يحمل على الاستغراق؛ حتى لا تترجح بعض المتساويات، ولا يفهم من الإطلاق إلَّا الاستغراق، والعهد الذهني موقوف على وجود قرينة البعضية كما قلنا، وأما تخصيص العام بالعادة إنما يكون في موضع يستبعد حمل الكلام على عمومه، نحو ما إذا قال: لا نأكل رأسًا، فإنه يستبعد أن يتناول كلامه رأس العصفور ونحوه، بخلاف الإناء فإنه لا يستبعد -لا عقلًا ولا عادة- أن يتناول الماء والطعام، على أن البعض لم يجوز هذا التخصيص. قوله: "فإنه" أي التعبد "في الآنية خاصة" احترز به عن الأمر بالغسل في غيرها فإنه للنجاسة. قوله: "فكان من الحجة عليهم" أي على القوم الذين قالوا بالتعبد. قوله: "فثبت بهذا" أي بما ذكرنا من قول رسول الله - عليه السلام - أن ولوغ الكلب في الماء ينجس الماء، فحينئذٍ تجب إراقته، وعلي قول الشافعي إذا كان الماء في الإناء مقدار القلتين لم تجب إراقته لأنه طاهر، وأما إذا كان غير الماء فإنه يراق وإنْ كان قلتين أو أكثر، وعن الأوزاعي إذا ولغ الكلب في إناء فيه عشرة أقساط لبن يهرق كله ويغسل الإناء سبع مرات إحداهن بالتراب، وعن المالكية قولان في غير الماء: أحدهما: أنه طاهر لا يهرق ولكن يغسل الإناء سبعا تعبدا. والآخر: أنه يهرق ويغسل الإناء سبعا، وقد شنع ابن حزم ها هنا على أبي حنيفة وأساء الأدب وقال: قال أبو حنيفة: لا يغسل الإناء من ولوغ الكلب إلَّا مرة واحدة، وأن كل ما في الإناء يهرق -أي شيء كان- وهذا قول لا يحفظ عن أحد من الصحابة ولا من التابعين؛ إلَّا ما روي عن إبراهيم أنه قال فيما ولغ الكلب: ¬

_ (¬1) سورة العصر، آية: [2].

اغسله، وعنه: اغسله حتى تنقيه. ولم يذكر تحديدا وهو قول مخالف لسُنّة رسول الله - عليه السلام - واحتج له بعض مقلديه بأن أبا هريرة قد روي عنه أنه خالفه، وهو باطل؛ لأنه إنما روى ذلك الخبر الساقط عبد السلام بن حرب وهو ضعيف وعلي نحس روايته شَرَطَ الثلاث، فلم يحصلوا إلَّا على خلاف السُّنة وخلاف ما اعترضوا به عن أبي هريرة، فلا النبي - عليه السلام - اتبعوا، ولا أبا هريرة الذي احتجوا به قلدوا. قلت: هذا كلام في غاية السخافة والتفاهة؛ لأن أبا حنيفة لم يقل فيه بالمرة، ولا أحد من أصحابه، بل مذهبه أن يغسل ثلاث مرات كما أفتي به أبو هريرة، وحفظ هذا عن أبي هريرة، وكيف يقول وهذا قول لا يحفظ عن الصحابة ولما ثبت نجاسة الإناء بالولوغ، ثبت نجاسة ما يجاوره، سواء كان ماء أو غيره، وهو أيضًا محفوظ عن بعض الصحابة والتابعين. وقد روى عبد الرزاق (¬1): عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أنه كان يكره سؤر الكلب". وروى (¬2): عن ابن جريج قال: "قلت لعطاء: ولغ الكلب في جفنة قوم فيها لبن فأدركوه عند ذلك، فغرفوا حول ما ولغ، قال لا تشربوه". وحكمه على حديث عبد السلام بالسقوط ساقط باطل؛ لأن الخبر صحيح صححه جماعة من المحدثين كما ذكرناه، وعبد السلام بن حرب ثقة مأمون حافظ، أخرج له الجماعة. وغمز أيضًا ابن قدامة في "المغني" علينا حيث قال: قال أبو حنيفة: لا يجب العدد في شيء من النجاسات إنما يغسل حتى يغلب على الظن نقاؤه من النجاسة؛ لأنه روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال في الكلب يلغ في الإناء: "يغسل ثلاثًا أو خمسًا أو ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 98 رقم 338). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 97 رقم 337).

سبعا"، فلم يعين عددا وحديثهم يرويه عبد الوهاب بن الضحاك وهو ضعيف، وقد روى غيره من الثقات: "فليغسله سبعا". قلت: كان أبو هريرة يغسل ثلاثًا والراوي إذا روى شيئًا ثم فعل بخلافه فالعبرة عندنا لما رأى لا لما روى وقد بسطنا الكلام فيه، وأيضًا روي من طريق أبي هريرة مرفوعًا التخيير المذكور، فلو كان السبع واجبا لم يخير بينه وبين الباقي، وأيضًا هذا الأمر كان حين أمر بقتل الكلاب فلما نهي عن قتلها نسخ ذلك، وأيضًا الأمر بالسبع محمول على من غلب على ظنه أن نجاسة الولوغ لا تزول بأقل منها، وكون عبد الوهاب ضعيفًا لا يضرنا. لأن الدارقطني (¬1): أخرج عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه، ثم اغسله ثلاث مرات". وهذا إسناد صحيح، وقد مر الكلام فيه مستقصى. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 66 رقم 16). وقال الدارقطني: هذا موقوف، ولم يروه هكذا غير عبد الملك، عن عطاء، والله أعلم.

ص: باب: سؤر بني آدم

ص: باب: سؤر بني آدم ش: أي هذا باب في بيان أحكام سؤر بني آدم، وأرادَ به ما يبُقِيه في الإناء بعد الغسل والوُضوء، وتأخيره عن سؤر الكلاب من قبيل قوله تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} (¬1). ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا المعليّ بن أسد، قال: ثنا عبد العزيز بن المختار، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس، قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعا". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة. وأخرجه ابن ماجه (¬2): عن محمَّد بن يحيى الباهلي، عن المعلى بن أسد ... إلى آخره نحوه، وفيه: "بفضل وَضُوء المرأة". وأخرجه الدارقطني (¬3): أيضًا، عن عبد الله بن محمَّد بن سعيد المقرئ، عن أبي حاتم الرازي، عن المعلي بن أسد ... إلى آخره نحوه. ثم قال: خالفه شعبة، حدثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا الحسن بن يحيى، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن عاصم، عن عبد الله بن سرجس قال: "تتوضأ المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره، ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة ولا طهورها". وهذا موقوف [صحيح] (¬4) وهو أولي بالصواب. ¬

_ (¬1) سورة الحج، آية: [40]. (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 133 رقم 374). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 116 رقم 1). (¬4) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن الدارقطني" (1/ 116 رقم 1).

وأخرجه البيهقي أيضًا مرفوعا (¬1) وموقوفا (¬2)، ثم قال: الموقوف أولى، وقال: قال البخاري: أخطأ من رفعه. قلت: الحكم للرافع (¬3) لأنه زاد، والراوي قد يفتي بالشيء، ثم يرويه مرة أخرى فيجعل الموقوف فتوى فلا تعارض المرفوع، وعبد العزيز بن المختار أخرج له الشيخان وغيرهما، ووثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة، فلا يضره وقف من وقفه، وصححه ابن حزم مرفوعا من حديث عبد العزيز بن مختار، وقال ابن القطان؛ رفعه عبد العزيز وهو ثقة، ولا يضره وقف من وقفه، وتوقف ابن القطان في تصحيحه لأنه لم يره إلَّا في كتاب الدارقطني، وشيخ الدارقطني فيه لم يعرف حاله، ولو رآه عند ابن ماجه أو عند الطحاوي لا توقف؛ لأن ابن ماجه رواه عن محمَّد بن يحيى، عن المعلى بن أسد، والطحاوي رواه عن محمَّد بن خزيمة وهما مشهوران. قلت: لا نشك أنه صحيح لأن رجاله رجال الصحيح، ولا يلتفت إلى قول ابن خزيمة، أما عبد العزيز بن المختار فجاء في هذا الإسناد بطامّة، وهو خبر خطأ في السند والمتن جميعا، وشعبة أحفظ من مائتين من عبد العزيز، وأما عاصم عن ابن سرجس من النوع الذي كان يقول الشافعي: أخذ من طريق المجرَّة. قوله: "بفضل المرأة" أراد به فضل الماء الذي اغتسلت منه المرأة. قوله: "ولكن يشرعان جميعا" أراد أنهما يغتسلان معا، فلا يتقدم أحدهما على الآخر حتى لا يكون مغتسلا بفضل الآخر. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 192 رقم 876). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 192 رقم 877). (¬3) في هذا نظر؛ بل الحكم للأحفظ والأتقن سواء رفعه أو وقفه. والزيادة من الثقة قد تكون شاذة إذا خالف بها مَنْ هو أوثق منه أو أكثر عددًا كما سيأتي.

ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: نا مسدد، قال: ثنا أبو عوانة، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: "لقيت مَنْ صَحِبَ النبي - عليه السلام - كما صَحِبَه أبو هريرة أربع سنين، قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... " فذكر مثله. ش: إسناده صحيح، وصححه ابن القطان، وأبو بكر بن المنذر. وقال أحمد بن حنبل: إسناده حسن -فيما ذكره الأثرم- ولا التفات إلى قول ابن منده وابن حزم: لا يثبت من جهة سنده، زاد ابن حزم إنْ كان داود هذا هو عم ابن إدريس فهو ضعيف وإنْ لم يكن إياه فهو مجهول؛ لأن الحميدي كتب إلى أبي محمَّد في العراق يخبره بصحة هذا الخبر، ويبين له أن داود هذا هو ابن عبد الله الزعافري أبو العلاء الكوفي، روى عنه جماعة ووثقه أحمد وغيره، وقال ابن مفُوِّز: فلا أدري رجع أبو محمَّد عن قوله أم لا، وذكره البيهقي في "المعرفة"، وقال: هو منقطع، وداود بن عبد الله متفرد به، وذكره في "السنن" وقال رواته ثقات: إلَّا أن حميدا لم يسمّ الصحابي، فهو بمعنى المرسل، إلَّا أنه مرسل جيد؛ لولا مخالفة الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود لم يحتج به الشيخان انتهى. وعليه فيه مآخذ: الأول: قوله: "إنَّه بمعنى المرسَل" إنْ أراد أنه يشبهه في أنه لم يسم الصحابي فصحيح، لكنه لا يمنع خصمه من الاحتجاج ذاهبا إلى أنه لا حاجة إلى تسمية الصحابي بعد أن حكم التابعي له بالصحبة، وإنْ أراد أنه في معناه في أنه لا يحتج به قوم كما لا يحتجون بمرسل التابعي فغير صحيح لما قدمناه. الثاني: قوله: "مرسل جيّد" غير جيّد؛ بل هو مسند على الصحيح من أقوال العلماء. الثالث: قوله: "لولا مخالفة الأحاديث الثابتة" يعني بذلك ما تقدم، فليس جيدا لأمرين، الأول: شأن المحدث الأعراض عن المعارضة كما قرره الأئمة. الثاني: على تقدير التسليم يجاب بأنه لا بأس أن يتوضئا أو يغتسلا جميعًا من إناء

واحد يتنازعاه، على حديث عائشة، وميمونة، وأنس، وغيرهم، علي أنه لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة على حديث الحكم الغفاري، ولأن الأحاديث التي وردت في الكراهة عن الصحابة والتابعين لم يكن في شيء منها أن الكراهة في ذلك للرجل أن يتطهر بفضل وضوء المرأة، ولتلك الأحاديث علل ذكرها أبو بكر الأثرم في كتاب الناسخ والمنسوخ. الرابع: قوله: وداود لم يحتج به الشيخان، فيه نظر في موضعين: الأول: أنه إنْ أراد عيبه بذلك فليس بعيب عند المحدثين قاطبة؛ لأنهما لم يلتزما الإخراج عن كل ثقة، ولو التزماه لما [أطاقاه] (¬1).الثاني: إنْ كان يريد بهذا الكلام رد الحديث وهو الأقرب بضميمة كلامه على انقطاعه وغيره؛ فهو كلام متناقض لا حاصل تحته. الخامس: قوله: "منقطع" إنما يريد به الإرسال الذي أشار إليه في "السنن" لا الانقطاع الصِناعيّ، وزعم أبو عمر أن أبا عوانة رواه عن داود، عن حميد، عن أبي هريرة، وأخطأ فيه. قلت: زعم ابن القطان أن المبهم ها هنا قيل: هو عبد الله بن مغفل، وقيل: ابن سرجس. والحديث أخرجه أبو داود (¬2): عن مسدد، عن أبي عوانة ... إلى آخره نحوه. والنسائي (¬3): عن قتيبة عن أبي عوانة ... إلى آخره، ولفظه "نهي رسول الله - عليه السلام - أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعا". ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن شعبة، عن عاصم الأحول قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم الغفاري قال: "نهى ¬

_ (¬1) في "الأصل": أطاه. وكتب في الحاشية بخط مغاير: لعله: أطاقاه. وأظنه هو الصواب. (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 21 رقم 81). (¬3) "المجتبى" (1/ 130 رقم 238).

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو بسؤر المرأة". لا يدري أبو حاجب أيهما قال. ش: إسناده حسن، وأبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم العنزي، وثقه ابن حبان، وأخرجه الثلاثة: فأبو داود (¬1)، عن ابن بشار، عن أبي داود، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي حاجب، عن الحكم بن عمرو -وهو الأقرع- "أن النبي - عليه السلام - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة". والترمذي (¬2)، عن ابن بشار، ومحمود بن غيلان كلاهما، عن أبي داود، عن شعبة إلى آخره نحوه. وابن ماجه (¬3)، عن ابن بشار ... إلى آخره نحوه، ولفظه: "بفضل وضوء المرأة". وقال جماعة من المحدثين: هذا الحديث لا يصح. وقال البخاري: سوادة بن عاصم لا أراه يصح عن الحكم بن عَمرو. وأشار الخطابي أيضًا إلى عدم صحته، وقال ابن منده في كتاب الطهارة: لا يثبت من جهة السند. وقال أبو عمرو والآثار في هذا الباب مضطربة ولا تقوم بها حجة. وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: يسنده أحد غير عاصم؟ قال: لا، ويضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غُندَر، بعضهم يقول: من فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول: من فضل المرأة، ولا يتفقون عليه، ورواه التيمي إلَّا أنه لم يسمه، قال: عن رجل من الصحابة، والآثار الصحاح واردة بالإباحة. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 21 رقم 82). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 93 رقم 64). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 132 رقم 273).

قلت: لما أخرجه الترمذي قال: هذا حديث حسن. ورجحه ابن ماجه على حديث عبد الله بن سرجس، وصححه ابن حبان وأبو محمَّد الفارسي، والقول قول من صحَّحه لا من ضعَفه؛ لأنه بسندٍ ظاهره السلامة من مُضعَّفٍ وانقطاع، وقال ابن قدامة: الحديث رواه أحمد واحتج به. وتضعيف البخاري له بعد ذلك لا يقبل؛ لاحتمال أن يكون وقع له من غير طريق صحيح، ويُجاب عن قول أبي عبد الله بأنه مضطرب بأن معنى ما روي كله يرجع إلى شيء واحد وهو البقية، إِذ الرواية بالمعني جائزة بلا خلاف، وكونه ليس في كتاب غندر ليس بقادح؛ لأن غندر لم يَدَّعِ الإحاطة بجميع حديث شعبه، وإبهام الصحابي لا يضر بالإجماع. ص: حدثنا حسين بن نصر قال: ثنا الفريايى، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان، عن سوادة بن عاصم أبي حاجب، عن الحكم الغفاري قال: نهي رسول الله - عليه السلام - عن سؤر المرأة". ش: هذا طريق آخر، وفيه قيس بن الربيع، ضَعَّفه يحيى، وتركه النسائي. والفريابي هو محمَّد بن يوسف شيخ البخاري. ص: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فكرهوا أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل. ش: أراد بالقوم: الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وأحمد بن حنبل، وداود، وآخرين، ولكن عندهم تفصيل: ففي "المغني": اختلفت الرواية عن أحمد في وضوء الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به، والمشهور عنه أنه لا يجوز له ذلك، وهذا قول عبد الله بن سرجس، والحسن، وغنيم بن قيس، وهو قول ابن عمر في الحائض والجنب، قال أحمد: كرهه غير واحد من أصحاب النبي - عليه السلام -، وأما إذا كانا جميعًا فلا بأس، والثانية: يجوز الوضوء به للرجال والنساء. اختارها ابن عقيل، وهو قول أكثر أهل العلم.

وفي "التمهيد": قال أبو عمر: في هذه المسألة أقوال: الأول: لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل المرأة ما لم تكن حائضا أو جُنبا. الثاني: الكراهة، أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل. الثالث: الكراهة في أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، والترخيص في أن تتطهر المرأة بفضل وضوء الرجل. الرابع: أنهما إذا شرعا جميعا في التطهر فلا بأس به، وإذا خلت المرأة بالطهور فلا خير في أن يتوضأ بفضل طهورها، وهو قول أحمد بن حنبل. الخامس: لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل طهور صاحبه؛ شرعا جميعا أو خلا كل واحد منهما به، وعليه فقهاء: الأمصار، والآثار في معناه متواترة. وفي "المحلى" قال ابن حزم: وكل ما توضأت منه امرأة حائض أو غير حائض، أو اغتسلت منه فأفضلت منه فضلا لم يحل لرجل الوضوء من ذلك الفضل ولا الغسل منه، سواء وجدوا ماء آخر أو لم يجدوا غيره، وفرضهم التيمم حينئذ، وحلالٌ شربه للرجال والنساء، وجائز الوضوء به والغسل للنساء على كل حال، ولا يكون فضلا، إلا ما كان أقل مما استعملته منه، فإن كان مثله أو أكثر فليس فضلا، والوضوء والغسل به جائز أي للرجال والنساء، وأما فضل الرجل فالوضوء به والغسل جائز للرجل والمرأة، إلَّا أن يصح خبر في نهي المرأة عنه فنقف عنده، ولم نجده صحيحا، فإن توضأ الرجل والمرأة من إناء واحد أو اغتسلا من إناء واحد يغترفان معا فذلك جائز ولا نبالي أيهما بدأ قبل، أو أيهما أتم قبل. ثم استدل [بحديثي] (¬1) الحكم وابن سرجس، ثم قال: وبهذا يقول ابن سرجس والحكم وغيرهما، وبه تقول جويرية أم المؤمنين، وأم سلمة أم المؤمنين، وعمر بن الخطاب، وقد روي عن عمر أنه ضرب بالدرة من خالف هذا القول، ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": بحديث.

وقال قتادة: "سألت سعيد بن المسيب والحسن البصري عن الوضوء بفضل المرأة، فكلاهما نهاني عنه". ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس بهذا كله. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة ومالك والشافعي وجماهير العلماء. ص: وكان مما احتجوا به في ذلك ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب ابن عطاء، عن شعبة، عن عاصم، عن معاذة، عن عائشة - رضي الله عنه - قالت: "كنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نغتسل من إناء واحد". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن معبد، وعاصم هو ابن سليمان الأحول. ومعاذة بنت عبد الله العدوية، من العابدات - رضي الله عنها -. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (¬1): عن يزيد بن هارون، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة ... إلى آخره نحوه. وأخرجه البخاري (¬2): عن قبيصة، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحد وكلانا جنب". قوله: "ورسولُ الله" بالرفع عطف على قوله: "أنا" وذلك لأنه لا يحسن العطف على الضمير المرفوع إلَّا بمؤكد -على ما عرف- وفيه خلاف بين الكوفيين والبصريين. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن عاصم، فذكر بإسناده مثله. ¬

_ (¬1) "مسند أبي يعلى" (7/ 457 رقم 4483) من طريق إبراهيم، عن حماد، عن قتادة وعاصم الأحول، عن معاذة العدوية ... إلى آخره بنحوه. (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 115 رقم 295).

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وحماد هو ابن سلمة وقد أخرج الطحاوي هذا الحديث من ثمانية عشر طريقا على ما تقف عليها في هذا الباب. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة مثله. ش: إسناده صحيح، وأبو عبد الرحمن اسمه عبد الله بن يزيد الفقير، روى له الجماعة. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهريّ. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحد، وكان يغتسل من القدح- وهو الفَرق". ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن عروة، عن عائشة مثله. ش: إسناده صحيح، وأبو الوليد اسمه هشام بن عبد الملك الطيالسي، شيخ البخاري وأبي داود. وأبو بكر بن حفص اسمه عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، روى له الجماعة. وأخرجه البيهقي (¬2): من حديث أبي الوليد، عن شعبة إلى آخره نحوه، والبزار كذلك بهذا الإسناد. ص: حدثنا يونس، نا ابن وهب أن مالك حدثه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بمثله. ش: رجاله كلهم رجال الصحيح. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 37 رقم 24135). (¬2) "سنن البيهقي" (1/ 187 رقم 847).

ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعلى بن عبيد عن حريث، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة مثله. ش: إسناده معلول بحريث بن أبي مطر أبي عمرو الحنّاط -بالنون- الكوفي، ضعفه يحيى بن معين وغيره. ويعلى بن عبيد الطنافسي الكوفي، روى له الجماعة، والشعبي هو عامر بن شراحيل، ومسروق هو ابن الأجدع الهمْداني الكوفي، روى له الجماعة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمَّد بن عبيد الله بن يزيد الحراني، حدثني أبي، عن سليمان بن أبي داود الجزري، عن الحكم بن عتيبة، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أنازع رسول الله - عليه السلام - من إناء واحد" تعني الغسل. ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب ابن خالد، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن عائشة مثله. ش: رجاله موثقون وأم منصور اسمها صفية بنت شيبة الحاجب الصحابية. فهذه طرق سبعة متوالية، والبقية تأتي عن قريب. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحدا". ش: الوهبي هو أحمد بن خالد الكندي، روى له الأربعة، وهو نسبة إلى أحد أجداه. وشيبان بن عبد الرحمن المؤدب، روى له الجماعة. وأبو سلمة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، روى له الجماعة. وزينب بنت أم سلمة صحابية بنت صحابية. وأم سلمة اسمها هند.

وأخرجه البخاري (¬1): بأتم منه، عن [سعد] (¬2) بن حفص، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن زينب ابنة أبي سلمة حدثته، أن أم سلمة قالت: "حِضْتُ وأنا مع النبي - عليه السلام - في الخميلة، فانسَلَلْتُ فخرجت منها، فأخذت ثياب حيضتي فلبستها، فقال لي رسول الله - عليه السلام -: أَنَفِشتِ؟ قلت: نعم، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة". قالت: وحدثتني "أن النبي - عليه السلام - كان يقبلها وهو صائم، وكنت أغتسل أنا والنبي - عليه السلام - من إناء واحد من الجنابة". وأخرجه مسلم (¬3): أيضًا مختصرا نحو: رواية الطحاوي. و"الخميلة" هي الأسود من الثياب. قوله: "فانسللتُ" أي ذهبت في خفية. قوله: "أنَفِستِ" بنون مفتوحة وفاء مكسورة، قال النووي: هذا هو الصحيح في اللغة أبي أَحِضْتِ، فأما في الولادة فَنُفِست بضم النون وكسر الفاء، وقيل: بضم النون وفتحها، وفي الحيض بالفتح لا غير. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "أخبرتني ميمونة أنها كانت تغتسل هي والنبي - عليه السلام - من إناء واحد". ش: حدثنا أبو بكرة بكَّار القاضي. وإبراهيم بن بشار الرمادي، وثقه ابن حبان. وسفيان هو: ابن عُيينة. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 122 رقم 316). (¬2) في "الأصل، ك": سعيد، وهو تحريف، والمثبت من "صحيح البخاري"، وسعد بن حفص هو الطلحي أبو محمَّد الكوفي، المعروف بالضخم، شيخ البخاري، له ترجمة في "تهذيب الكمال" (10/ 260). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 257 رقم 324).

وجابر بن زيد الأزدي اليحمدي، روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا قتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة جميعا، عن ابن عيينة -قال قتيبة: ثنا سفيان- عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس، قال: "أخبرتني ميمونة أنَّهَا كانت تغتسل هي والنبي - عليه السلام - في إناء واحد". وأخرجه الترمذي (¬2): أيضًا نحوه، عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عُيينة ... إلى آخره. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم بن عتيية، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "اغتسلت أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحد". ش: إسناده صحيح، وعُتَيبَةُ بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق، وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة وفي آخره هاء. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): من حديث الأسود، عن عائشة: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحد ونحن جنبان". ص: حدثنا يزيد بن سنان البصري، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: نا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن عائشة مثله. ش: إسناده صحيح، وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو. وعطاء هو ابن أبي رباح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬4): عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة أنَّهَا أخبرته، عن النبي - عليه السلام -: "أنهما شرعا جميعا وهما جنب في إناء واحد". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 257 رقم 322). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 91 رقم 62). (¬3) "مسند أحمد" (6/ 191 رقم 25624). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 268 رقم 1028).

وأخرجه البيهقي (¬1): من طريقه. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا سعيد بن يزيد، قال: سمعت عبد الرحمن بن هرمز الأعرج يقول: حدثني ناعم مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله - عليه السلام - في مِركن واحد، نفيض على أيدينا حتى نُنْقيها، ثم نفيض علينا الماء". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وناعم -بالنون- بن أُجَيْل الهَمداني أبو عبد الله المصري مولى أم سلمة زوج النبي - عليه السلام -. وأخرجه النسائي (¬2) وقال: أخبرنا سويد بن نصر، قال: ثنا عبد الله بن يزيد ... إلى آخره نحوه. قوله: "في مِركن" بكسر الميم، وهو الإجّانة التي تغسل فيها الثياب. قوله: "نفيض" من الإفاضة. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا شعبة (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن عبد اللهَ بن جَبْر، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل هو والمرأة من نسائه من الإناء الواحد". ش: رجال الطريقين كلهم من رجال الصحيحين، ما خلا ابن مرزوق وأبا بكرة. وأخرجه البخاري (¬3)، عن أبي الوليد، عن شعبة ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 188 رقم 855). (¬2) "المجتبى" (1/ 129 رقم 237). (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 103 رقم 261).

ومسلم أيضًا (¬1) وزاد: "من الجنابة". قوله: "والمرأةُ" بالرفع عطف على الضمير الذي في "يغتسل"، وقد ذكرنا أنه لا يحسن إلَّا بمؤكد. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلم يكن في هذا عندنا حجةٌ على كل ما يقول أهل المقالة الأولى؛ لأنه قد يجوز أن يكونا كانا يغتسلان جميعا، وإنما التنازع بين الناس إذا ابتدأ أحدهما قبل الآخر، فنظرنا في ذلك فإذا عليّ بن معبد قد حدثنا، قال: ثنا عبد الوهاب، عن أسامة بن زيد، عن سالم، عن أم صُبيَّة الجُهنِيّة- زعم أنَّهَا قد أدركت وبايعت رسول الله - عليه السلام - قالت: "اختلفت يدي ويد رسول الله - عليه السلام -في الوضوء من إناء واحد". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة، عن سالم بن النعمان، عن أم صُبَيّة الجهنية مثله. ففي هذا دليل على أن أحدهما قد كان يأخذ من الماء بعد صاحبه. ش: لما احتجت أهل المقالة الثانية بالأحاديث المذكورة على أهل المقالة الأولى، عارضوهم وقالوا: لا نسلم أن أحاديثكم حجة علينا؛ لأن دعوانا في كراهة فضل الرجل للمرأة وفضل المرأة للرجل، وأحاديثكم لا تمنع هذا؛ لأنه يجوز أن يكونا قد اغتسلا معا، فلا يكون كلٌّ منهما مغتسلا بفضل الآخر، وهذا معنى قوله: "فلم يكن في هذا عندنا حجة" ... إلى آخره. فأجاب أهل المقالة الثانية عن هذا وقالوا: وجدنا أحاديث منها حديث أم صُبَيّة يدل على أن أحدهما قد كان يأخذ من الماء بعد صاحبه، فَفَسَّرت هذه الأحاديث معنى الأحاديث المذكورة، وأزالت الاحتمال الذي ذكروه. ¬

_ (¬1) هذا وهم من المؤلف رحمه الله؛ فمسلم هذا ليس صاحب الصحيح، وإنما هو مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري، فقد قال البخاري عقب إيراده للحديث في الموضع المذكور: وزاد مسلم ووهب عن شعبة: "من الجنابة". فذهل المؤلف -رحمه الله-، وظنه مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح فعزاه إليه. ومسلم لم يخرج هذا الحديث. ووهب هو ابن جرير كما حرره الحافظ في "الفتح".

ثم إنَّه أخرج حديث أم صُبيّة من طريقين صحيحين؛ لأن رجالهما كلهم موثقون، وسالم بن النعمان ويقال: أبو النعمان ويقال له: سالم بن سَرْج -بالجيم- وهو ابن خربوذ مولى أم صُبَيّة، وثقه ابن حبان. والحديث أخرجه أيضًا أبو داود (¬1)، وقال: ثنا النفيلي، ثنا وكيع، عن أسامة بن زيد، عن ابن خرَّبُوذ، عن أم صُبَيَّة الجُهنية قالت: "اختلفت يدي ويد رسول الله - عليه السلام - في الوضوء من إناء واحد". وأخرجه ابن ماجه (¬2): عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، عن أنس بن عياض، عن أسامة بن زيد، عن سالم أبي النعمان -وهو ابن سرْج- عن أم صُبَيّة الجُهَنيَّةِ، قالت: "ربما اختلفت يدي ويد رسول الله - عليه السلام - في الوضوء من إناء واحد". قال أبو عبد الله (¬3): سمعت محمدا يقول: أم صُبَيَّة هي خولة بنت قيس، فذكرت لأبي زرعة، فقال: صدق. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا أبان بن صَمْعة، عن عكرمة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحد، يبدأ قبلي". ش: إسناده صحيح، وأخرجه البيهقي (¬4): وقال أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا محمَّد بن أيوب، نا موسى بن إسماعيل، نا أبان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنت أنا ورسول الله - عليه السلام - نغتسل من إناء واحد، فيبدأ قبلي". ص: ففي هذا دليل على أن سؤر الرجل جائز للمرأة التطهر به. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 20 رقم 78). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 135 رقم 382). (¬3) أي ابن ماجه. (¬4) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 188 رقم 854).

ش: أي في حديث عائشة هذا دليل صريح أن فضل الرجل يجوز للمرأة أن تتطهر به؛ لأنها قالت: "يبدأ قبلي"، أي يبدأ رسول الله - عليه السلام - في الغرف من الإناء؛ فتكون عائشة - رضي الله عنها - مغتسلة بما فضله رسول الله - عليه السلام -. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد تختلف فيه أيدينا من الجنابة". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي. وأخرجه البخاري (¬1) ومسلم (¬2): كلاهما عن عبد الله بن مسلمة، عن أفلح ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: نا أفلح. وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا أفلح ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: أحدهما: عن عبد الله بن مسلمة شيخ الشيخين، والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - رضي الله عنه - قالت: "كنت أَتَنَازعَ أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -الغُسل من إناء واحد من الجنابة". ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي. وأخرجه النسائي (¬3): وقال: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبيدة بن حميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "لقد رأيتُني أُنَازعُ رسول الله - عليه السلام - الإناء أغتسل أنا وهو منه". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 103 رقم 258). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 256 رقم 321). (¬3) "المجتبى" (1/ 129 رقم 234).

قوله: "أتنازع" معناه تريد هي أن تغترف أولا، ويريد رسول الله - عليه السلام - أن يغترف أولا، فيتسابقان في تحصيله. ص: حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا الخَصيب، قال: ثنا همام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها -: "أنَّهَا والنبي - عليه السلام - كانا يغتسلان من إناء واحد يغترف قبلها وتغترف قبله". ش: إسناده صحيح، والخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح، وهمام بن يحيى البصري. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده"، وقال: ثنا أبو خيثمة، نا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أغتسلت أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحد كل واحد منا يغترف منه". قوله: "يغترف قبلها وتغترف قبله" معناه أنهما يتسابقان، يسبق أحدهما تارة والآخر أخرى. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن مبارك بن فضالة، عن أمه، عن معاذة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحد، فأقول: ابْق لي، ابْق لي". ش: أبو عاصم النَّبيل اسمه الضحاك بن مخلد، روى له الجماعة. ومبارك بن فضالة بن أبي أمية البصري، ضعفه النسائي، ووثقه ابن حبان، واستشهد به البخاري. وأم مبارك لا ندري حالها ولا اسمها، ومعاذة [بنت] (¬1) عبد الله العدوية من العابدات. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): وقال: ثنا هاشم بن القاسم، ثنا المبارك، حدثتني أمي، عن معاذة العدوية، عن عائشة ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": ابن، وكتب بالحاشية بخط مغاير: لعله: بنت. وهو الصواب. (¬2) "مسند أحمد" (6/ 91 رقم 24643).

ص: حدثنا محمَّد بن العباس بن الربيع اللؤلؤى، قال: ثنا أسد بن موسى قال: ثنا المبارك، فذكر بإسناده مثله. ش: أخرج مسلم (¬1) هذا الحديث: عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة، عن عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحد بيني وبينه، فيبادرني حتى أقول له: دَعْ لي، دَعْ لي" قالت: وهما جنبان. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن يزيد الرِّشْك، عن معاذة، عن عائشة مثله. ش: إسناده صحيح، ويزيد الرِّشْك هو يزيد بن أبي يزيد الضبعي أبو الأزهر البصري، روى له الجماعة، والرِّشْك -بكسر الراء وسكون الشين المعجمة- معناه القَسَّام بلغة أهل البصرة، وكان يُقَسِّم الدور فَسُمِّي به، ويقال: الرشك بالفارسية: الكبير اللحية، وكان كبير اللحية حتى قيل: إنَّ عقربا دخلت في لحيته فمكثت بها ثلاثة أيام فلم يعلم بها. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): وقال: ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن يزيد الرشك، عن معاذة قالت: "سألت عائشة - رضي الله عنها - عن الغسل من الجنابة، فقالت: إنَّ الماء لا ينجسه شيء؛ قد كنت [أغتسل] (¬3) أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحد، يبدأ فيغسل يديه". ص: حدثنا أبو بكرة [قال] (¬4): ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن بعض أزواج النبي - عليه السلام - اغتسلت من جنابة، فجاء النبي - عليه السلام - فتوضأ، فقالت له، فقال: إنَّ الماء لا ينجسه شيء". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 257 رقم 321). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 172 رقم 25428). (¬3) في "الأصل، ك": اغتسلت، والمثبت من "مسند أحمد". (¬4) تكررت في "الأصل".

ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكَّار القاضي، وأبو أحمد اسمه محمَّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الزبيري. وسفيان هو الثوري. وسماك هو ابن حرب بكسر السين المهملة. وأخرجه الأربعة، فأبو داود (¬1): عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "اغتسل بعض أزواج النبي - عليه السلام - في جفنة، فجاء النبي - عليه السلام - ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جُنبا، فقال رسول الله - عليه السلام -: إنَّ الماء لا يجنب". والترمذي (¬2): عن قتيبة، عن أبي الأحوص ... إلي آخره نحوه. والنسائي (¬3): عن سويد بن نصر، عن عبد الله المبارك، عن سفيان، عن سماك ... إلى آخره، ولفظه: "إنَّ الماء لا ينجسه شيء". وابن ماجه (¬4): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص ... إلى آخره نحو رواية أبي داود. و"الجَفْنة": القصعة الكبيرة، ومعنى "الماء لا يَجنب": لا ينجس، من أجنب إجنابا. ثم اعلم أن أحاديث هذا الباب رويت عن عشرة من الصحابة، وهم عليّ، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبو هريرة، وعائشة، وأم صُبيّة، وأم سلمة، وأم هانئ، وميمونة بنت قيس. أما حديث علي - رضي الله عنه - فأخرجه أحمد (¬5): من حديث الحارث، عن عليّ - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - عليه السلام - وأهله يغتسلون من إناء واحد". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 18 رقم 68). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 94 رقم 65). (¬3) "المجتبى" (1/ 73 رقم 325). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 132 رقم 370). (¬5) "مسند أحمد" (1/ 77 رقم 572).

وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني (¬1) في "الكبير": من حديث عكرمة عنه: "أن رسول الله - عليه السلام - وعائشة اغتسلا من إناء واحد من جنابة، وتوضآ جميعا للصلاة". وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا محمَّد بن الحسن الأسديّ، قال: ثنا شريك، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله - عليه السلام - وأزواجه يغتسلون من إناء واحد". وأما حديث أنس فأخرجه الطحاوي والبخاري، وقد ذكرناه (¬3). وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البزار في "مسنده" (¬4): من حديث عكرمة، عن أبي هريرة: "أن النبي - عليه السلام - كان هو وأهله -أو بعض أهله- يغتسلون من إناء واحد". وأما حديث عائشة فأخرجه الطحاوي، والبخاري (3). وأما حديث أم صُبَيّة فأخرجه الطحاويّ وأبو داود وابن ماجه (3). وأما حديث أم سلمة فأخرجه الطحاوي أيضًا، وأحمد (3). وأما حديث أم هانىء فأخرجه النسائي (¬5): من حديث مجاهد، عن أم هانئ بنت أبي طالب "أن النبي - عليه السلام - اغتسل هو وميمونة من إناء واحدٍ في قصعة فيها أثر العجين". وأخرجه ابن ماجه (¬6) أيضًا. ¬

_ (¬1) "معجم الطبراني الكبير" (11/ 361 رقم 12016). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 40، 41 رقم 382). (¬3) تقدم تخريجه. (¬4) ذكره الهيثمي في "المجمع" (1/ 273)، وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات. (¬5) "المجتبى" (1/ 131 رقم 240). (¬6) "سنن ابن ماجه" (1/ 134 رقم 378).

وأما حديث ميمونة فأخرجه الترمذي (¬1): بإسناده إلى ابن عباس قال: حدثتني ميمونة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - عليه السلام - من إناء واحدٍ من الجنابة"، وقال هذا حديث حسن صحيح. ص: فقد روينا في هذه الآثار تَطَهُّرِ كل واحد من الرجل والمرأة بسؤر صاحبه، فضاد ذلك ما روينا في أول هذا الباب؛ فوجَبَ النظر ها هنا لنستخرج به من المعنين المتضادين معنى صحيحا، فوجدنا الأصل المتفق عليه أن الرجل والمرأة إذا أخذ بأيديهما الماء معا من إناء واحد أن ذلك لا ينجس الماء، ورأينا النجاسات كلها إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضيء منه أن حكم كل ذلك سواء، فلما كان ذلك كذلك وكان وضوء كل واحد من الرجل ومن المرأة مع صاحبه لا ينجس الماء عليه؛ كان وضوءه بعده من سؤره في النظر أيضًا كذلك، فثبت بهذا ما ذهب إليه الفريق الآخر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي وردت عن عائشة، وأم سلمة، وأم صُبَيَّة، وأنس، وابن عباس - رضي الله عنهم -. وأراد بما روينا في أول هذا الباب: حديث عبد الله بن سرجس، والحكم الغفاري. وجه التضاد بينهما ظاهر؛ لأن أحاديث أول الباب تمنع اغتسال الرجل بفضل المرأة واغتسال المرأة بفضل الرجل، وأحاديث عائشة ومن معها تطلق ذلك وتُجَوِّزه، ففي مثل هذا يطلب المخلص، ووجوهه كثيرة على ما عرف في موضعه، منها: يكون بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين موجبا للحظر والآخر موجبا للإباحة كما فيما نحن فيه، وكان الذي ينبغي على هذا أن تكون أحاديث أول الباب متأخرة عن الأحاديث الأخرى، ولكن هنا أبقى ما كان على ما كان؛ لكون الإباحة أصلًا فصارت الأحاديث [...] (¬2) كالمنسوخة [...] (¬3). ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 91 رقم 62). (¬2) طمس في "الأصل، ك". (¬3) سبق تخريجه.

وقد قال البيهقي في الخلافيات: وحديث أبي حاجب عن الحكم إنْ كان صحيحا فمنسوخ، بإجماع الحجة على خلافه. قوله: "وَكَان وضوء" الواو فيه للحال. قوله: "فثبت بهذا" أبي بما ذكرنا من وجه النظر. قوله: "وهو قول أبي حنيفة" أي الذي ذكرنا من ثبوت ما ذهب إليه الفريق الآخر، وهو قول الشافعي، ومالك أيضًا.

ص: باب: التسمية علي الوضوء

ص: باب: التسمية علي الوضوء ش: أي هذا باب في بيان التسمية عند الوضوء، ولما فرغ عن بيان المياه التي هي آكد لتحصيل الطهارة، شرع في بيان أحكام الوضوء، وقدم بيان التسمية لاحتياج كل أمر ذي بال إليها في الابتداء به. ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود البغدادي، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا وهب، قال: ثنا عبد الرحمن بن حرملة، أنه سمع أبا ثِفال المُريّ يقول: سمعت رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب يقول: حدثتني جدتي أنَّهَا سمعت أباها يقول: سمعت رسول الله يقول: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". ش: شيخ الطحاوي وثقه ابن يونس، وعفان بن مسلم روى له الجماعة، ووهيب بن خالد روى له الجماعة، وعبد الرحمن بن حرملة المري روى له مسلم، وأبو ثفال -بكسر الثاء المثلثة بعدها الفاء وضبطه الدارقطني بضم الثاء- واسمه ثمامة بن وائل المري الشاعر، قال البخاري: في حديثه نظر، روى له الترمذي وابن ماجه، والمُرِّي -بضم الميم وتشديد الراء- نسبه إلى مرة بن غطفان. ورباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب بن عبد العزيز القرشي العامري المدني قاضيها، روى له الترمذي وابن ماجه هذا الحديث. وجدة رباح اسمها: أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال: لا أدري ما اسمها. وأبو جدة رباح هو: سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرة. وأخرجه الترمذي (¬1) عن نصر بن علي وبشر، كلاهما عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن حرملة ... إلى آخره نحوه من غير ذكر: "لا صلاة لمن لا وضوء له". ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 37 - 38 رقم 25).

وابن ماجه (¬1): عن الحسن بن علي الخلال، عن يزيد بن هارون، عن يزيد بن عياض، عن أبي ثفال ... إلى آخره، ولفظه: "لا صلاة لمن لا وضوء له ... " إلى آخره. وأخرجه الدارقطني (¬2): وزاد: "ولا يؤمن بالله من لم يؤمن بي ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار". وكذا رواه البيهقي (¬3). وقال ابن قطان في كتاب "الوهم والإيهام": فيه ثلاثة مجاهيل الأحوال؛ جدة رباح لا يعرف لها اسم ولا حال، ورباح أيضًا مجهول الحال، وأبو ثفال كذلك مع أنه أشهرهم. وقال ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (¬4) هذا الحديث عندنا ليس بذلك الصحيح، وأبو ثفال مجهول، ورباح مجهول. وقال أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد. وعن الترمذي: أبو ثفال ليس بالمعروف جدّا. قلت: قوله: أبو ثفال ليس بالمعروف جدّا. غير مُسَلَّم؛ لأن البزار ذكر أنه مشهور. وعن البخاري: ليس في هذا الباب حديث أحسن عندي من حديث رباح بن عبد الرحمن. قوله: "لا صلاة" كلمة "لا" لنفي الجنس، وخبرها محذوف، أي لا صلاة حاصلة لمن لا وضوء له، أيّ صلاة كانت، وهذا بإجماع المسلمين من السلف والخلف، أن الصلاة لا تصح إلَّا بالوضوء. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 140 رقم 398). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 72 رقم 5). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 43 رقم 193). (¬4) "علل ابن أبي حاتم" (1/ 52 رقم 129).

فإن قلت: قوله: "صلاة". مفرد مقابل المثنى والمجموع، وهو يدل على الوحدة، والاستغراق يدل على الكثرة، فالجمع بينهما جمع بين المتنافيين. قلت: لا تنافي بين الاستغراق وإفراد الاسم؛ لأن "لا" التي لنفي الجنس إنما تدخل على الاسم المفرد حال كونه مجردا عن إرادة معنى الوحدة والكثرة؛ لأن دلالة اللفظ على المعنى منوطة بالإرادة الجارية على قانون الوضع، وإنما يلزم التنافي لو لم تجرد عن معنى الوحدة وأدخل عليه "لا" وكذلك الجواب في "لام" الاستغراق، ولأن معنى قولنا: "لا صلاة" كل فرد من أفراد الصلاة، لا مجموع الصلاة من حيث هو مجموع، والذي ينافي الإفراد والوحدة هو الثاني، كما في قولك: لا رجل في الدار. كل فرد من أفراد الرجال لا مجموع الرجال. وقوله: "لا وضوء له" يتناول الوضوء الضمني أيضًا، أعني الوضوء الذي يوجد في الاغتسال، بأن اغتسل ولم يتوضأ، ويتناول خلفه الذي هو التيمم؛ لأنه طهارة في حق عادم الماء. قوله: "ولا وضوء" عطف على قوله: "لا صلاة". فإن قيل: إذا كان "ولا وضوء" عطف على "لا صلاة" كان ينبغي ألَّا يجوز الوضوء بدون ذكر الله كما لا تجوز الصلاة بدون الوضوء. قلت: نعم، ظاهر الكلام يقتضي ذلك، كما ذهب إليه جماعة، ولكن خرج هذا عن ذلك الحكم بدليل آخر سنذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. واستنبط منه أحكام: الأول: احتجت به جماعة على فرضية التسمية في الوضوء على ما يجيء مفصلا. والثاني: قوله: "اسم الله" يتناوله كل اسم -يعني من أسماء الذات والصفات- فظاهره يدل على أنه إذا ذكر الله على الوضوء مطلقا يكون أتي بالوجوب عند من يرى الوجوب، وبالسُّنة عند من يرى التسمية سُنة.

وقال ابن قدامة في "المغني" (¬1): وصفتها أن يقول: بسم الله، لا يقوم غيرها من الذكر مقامها، لأن التسمية عند الإطلاق تنصرف إلى قول: "بسم الله" بدليل التسمية المشروعة على الذبيحة والطعام وشرب الشراب. قلت: لفظ الحديث بعمومه ينافي هذا؛ لأنه لم يقل: لمن لم يذكر لفظة الله؛ وإنما قال: لمن لم يذكر اسم الله، وأسماء الله كثيرة بخلاف الذبيحة؛ لأنهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح، فيجب أن يأتي بلفظة اسم الله؛ ليكون إظهارا لمخالفيهم في ذلك. والثالث: لفظ الحديث يدل على أن يكون ذكر اسم الله واقعا على الوضوء لقوله: "عليه" أي على الوضوء، ومعنى وقوعه عليه: أن يكون الوضوء مشمولا به، ولا يكون مشمولا به إلَّا بتقديم التسمية عليه، ولهذا قال بعضهم يسمي قبل الاستنجاء، لما أن الاستنجاء سُنَّه من سنن الوضوء، فيسمي قبله لتقع جميع أفعال الوضوء، فرضها وسننها بالتسمية. وقال بعضهم: يسمي بعده؛ لأن قبله حال انكشاف العورة، وذكر الله تعالى حال كشف العورة غير مستحب؛ تعظيما لاسم الله تعالى كذا في مبسوط شيخ الإِسلام. وذكر في "فتاوى قاضي خان": والأصح أنه يسمي مرتين، فلو سمى في أثناء الوضوء ينبغي أن يجزئ؛ لأنه ذكر اسم الله عليه، ولو سمى بعد فراغه منه لا يجزئ ولا يكون مقيما للتسمية. ص: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود البغداديُّ، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عُفير، قال: حدثني سليمان بن بلال، عن أبي ثفال المري، قال: سمعت رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان يقول: حدثتني جدتي، أنها سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول ذلك. ش: هذا طريق آخر، وفيه أن جَدَّة رباح هي التي سمعت رسول الله - عليه السلام -. ¬

_ (¬1) المغني (1/ 74).

وقال الدارقطني في "علله": اختلف فيه عن عبد الرحمن بن حرملة، فروى عنه وهيب، وبشر بن المفضل، وابن أبي فديك، وسليمان بن بلال، عن أبي ثفال، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، عن النبي - عليه السلام - وخالفهم حفص بن ميسرة، وأبو معشر نجيح، وإسحاق بن حازم، فرووه عن ابن حرملة، عن أبي ثفال، عن رباح بن عبد الرحمن، عن جدته، أنها سمعت النبي - عليه السلام -، ولم يذكروا أباها في الإسناد. قلت: في رواية الطحاوي سليمان بن بلال من جملة من خالف وهيبا وبشر بن المفضل وابن أبي فديك، وهذه الرواية تدل على أن جدة رباح صحابية، وقد ذكرنا أن ابن حبان ذكرها في التابعيات. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا الدراوردي، عن ابن حرملة، عن أبي ثفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن العامري، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: محمَّد بن سعيد بن سليمان الملقب: حمدان، وثقه ابن حبان، وروى له الترمذي. والدراوردي هو عبد العزيز بن محمَّد، روى له الجماعة؛ البخاري مقرونا بغيره، نسبة إلى دراورد، قرية بخراسان. وابن حرملة عبد الرحمن. وأبو ثفال ثمامة. وابن ثوبان هو محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي المدني، روى له المجماعة. وأخرج أبو داود (¬1): عن قتيبة بن سعيد، عن محمَّد بن موسى، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر [اسم] (¬2) الله عليه". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 25 رقم 101). (¬2) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "سنن أبي داود".

ورواه أحمد (¬1) بهذا الإسناد. ورواه ابن ماجه (¬2): عن أبي كريب وعبد الرحمن بن إبراهيم، كلاهما عن ابن أبي فديك، عن محمَّد بن موسى ... إلي آخره نحوه. فهذا أبو جعفر الطحاوي قد أخرج حديث التسمية عن صحابيين: سعيد بن زيد، وأبي هريرة. وفي الباب عن عائشة، وأبي سعيد، وسهل بن سعد، وأنس، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي سبرة. أما حديث عائشة - رضي الله عنها - فرواه البزار في "مسنده" (¬3) وقال: ثنا إبراهيم بن زياد الصائغ، نا أبو داود الحفري، نا سفيان، عن حارثة بن محمَّد، عن عمرة، عن عائشة: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا بدأ الوضوء سمى". وأخرجه الدارقطني (¬4)، ولفظه: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا مَسَّ طهورا سمى الله". وأما حديث أن سعيد، فرواه ابن ماجه (¬5): من ثلاث طرق عن كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، أن النبي - عليه السلام - قال:"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". وأما حديث سهل بن سعد فرواه ابن ماجه أيضًا (¬6): وقال: نا عبد الرحمن بن إبراهيم، ثنا ابن أبي فديك، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أبيه، عن جده، عن النبي - عليه السلام - قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 418 رقم 19408). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 140 رقم 399). (¬3) ذكره الحافظ ابن حجر في "زوائد مسند البزار" (1/ 159 رقم 159) ونقل عن البزار أنه قال بعده: حارثة ليِّن الحديث. (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 72 رقم 4) من طريق آخر. (¬5) "سنن ابن ماجه" (1/ 139 رقم 397). (¬6) "سنن ابن ماجه" (1/ 140 رقم 400).

ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لمن لا يصلي على النبي - عليه السلام - ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار". وأما حديث أنس - رضي الله عنه - فرواه النسائي (¬1): وقال: أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن ثابت وقتادة، عن أنس قال: "طلب بعض أصحاب النبي - عليه السلام - وَضُوءا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل مع أحد منكم ماء؟ فوضع يده في الماء ويقول توضئوا بسم الله، فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، حتى توضئوا من عند آخرهم" قال: [ثابت] (¬2): قلت لانس: كم تراهم؟ قال: نحوًا من سبعين. وأما حديث ابن عمر- رضي الله عنهما - فرواه الدارقطني (¬3)، وقال: نا أحمد بن محمَّد بن زياد، ثنا محمد بن غالب، ثنا هشام بن بهرام، ثنا عبد الله بن حكيم، عن عاصم بن محمَّد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من توضأ فذكر اسم الله على وضوءه كان طهورا لجسده، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله على وضوءه كان طهورا لأعضائه". وأخرجه البيهقي (¬4): بهذا الإسناد ثم قال: هذا ضعيف، وأبو بكر الداهري غير ثقة عند أهل العلم بالحديث. قلت: أراد بأبي بكر الداهري عبد الله بن حُكيم -بضم الحاء وفتح الكاف، وذكره المزي بفتح الحاء-. قال يحيى بن معين: عبد الله بن حكيم أبو بكر الداهري ليس بشيء، وقال السعدي: كذاب مُصَرِّح. وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات. وأما حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - فرواه الدارقطني (¬5) أيضًا وقال: نا عثمان بن أحمد ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 61 رقم 78). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن النسائي". (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 74 رقم 13). (¬4) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 44 رقم 200). (¬5) "سنن الدارقطني" (1/ 73 رقم 11).

الدقاق، نا إسحاق بن إبراهيم بن [سنين] (¬1)، قال: ثنا يحيى بن هاشم، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا تطهر أحدكم فليذكر اسم الله؛ فإنه يطهر جسده كله، وإنْ لم يذكر اسم الله على طهوره لم يطهر منه إلَّا ما مَرَّ عليه الماء، فإذا فرغ من طهوره فليَشْهَدْ أن لا إله إلَّا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإذا قال ذلك؛ فتحت له أبواب السماء". ورواه البيهقي (¬2) مثله: وزادَ بعدَ قوله: "وأن محمدا عبده ورسوله": "ثم ليصل عليَّ، فإذا قال ذلك فتحت له أبواب الرحمة"، ثم قال: وهذا ضعيف لا أعلمه رواه عن الأعمش غير يحيى بن هاشم وهو متروك الحديث. وأما حديث أبي سبرة فرواه الطبراني في "الكبير" (¬3): بإسناده إليه مرفوعًا قال: "لا صلاة" لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لم يعرف حق الأنصار". ص: فذهب قوم إلى أن من لم يسم على وضوء الصلاة فلا يجزئه وضوءه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم: الحسن البصري، وإسحاق، وأحمد -في رواية- وبعض الظاهرية. وقال صاحب "البدائع": وقال مالك: إنَّ التسمية فرض إلَّا إذا كان ناسيا؛ فتقام التسمية بالقلب مقام التسمية باللسان دفعا للحرج، واحتج له بالحديث المذكور. وهذا غير صحيح؛ لأن مذهب مالك أن التسمية سُنة، وقد قال صاحب "الجواهر في مذهب مالك": وأما فضائله أي الوضوء فأربع: التسمية. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": سفيان، وهو تحريف، وما أثبتناه هو الصواب كما في "سنن الدارقطني"، وإسحاق بن إبراهيم بن سنين هو الختلى الحافظ. انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (13/ 342). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 44 رقم 199). (¬3) "المعجم الكبير" (22/ 296 رقم 755) ولفظه: "لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء ... " إلخ.

فهذا عدّها من الفضائل، وبين الفضيلة والفريضة فرق كثير. وروي عن الواقدي: ليس ذلك مما يؤمر به؛ من شاء قال ذلك ومن شاء لم يقله، وروي عن علي بن زياد إنكارها. وفي "المغني": ظاهر مذهب أحمد أن التسمية مسنونة في طهارات الحدث كلها، رواه جماعة من أصحابه عنه، وقال الخلال: الذي استقرت الروايات عنه: أنه لا بأس به -يعني إذا ترك التسمية- وهذا قول الثوري، ومالك، والشافعي، وأبي عُبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي. وعن أحمد رواية أخرى: أن التسمية واجبة في جميع طهارات الحدث: الوضوء، والغسل، والتيمم، وهو اختيار أبي بكر، ومذهب الحسن، وإسحاق. ثم إذا قلنا بوجوبها فتركها عمدا لم تصح طهارته، فإن تركها سهوا صحت -وهو قول إسحاق- وإنْ ذكرها في اثناء الطهارة أتى بها، وقال أبو الفرج: إذا سمى في أثناء الوضوء أجزأ يعني على كل حال؛ لأنه قد ذكر اسم الله على الوضوء، وقال بعض أصحابنا: لا تسقط بالسهو لظاهر الحديث، وقياسا لها على سائر الواجبات، والأول أولى. قال أبو داود: قلت لأحمد: إذا نسى التسمية في الوضوء؟ قال: أرجو ألَّا يكون عليه شيء (¬1). ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: من لم يسم على وضوئه فقد أساء، وقد طهّره وضوئه ذلك. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدا، ومالك، والشافعي، وأحمد -في أصح روايتيه- فإنهم قالوا: من لم يُسم على وضوئه جاز وضوئه، ولكنه يكون مُسيئا لتركه السُّنة. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر أبي ساسان، عن ¬

_ (¬1) "المغني" (1/ 72 - 73) بتصرف وتقديم وتأخير.

المهاجر بن قنفذ: "أنه سلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ من وضوئه قال: إنَّه لم يمنعني أن أرد عليك إلَّا أني كرهت أن أذكر الله إلَّا على طهارة". ففي هذا الحديث: أن رسول الله كره أن يذكر الله إلَّا على طهارة، وردّ السلام بعد الوضوء الذي صار به متطهرا، ففي ذلك دليل أنه قد توضأ قبل أن يذكر اسم الله تعالى. ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بما قد حدثنا ... إلي آخره. وسعيد هو ابن أبي عروبة أبو النضر البصري، روى له الجماعة. وحُضَين -بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء وفي آخره نون- روى له مسلم وهذا الإسناد صحيح. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا محمَّد بن المثني، ثنا عبد الأعلي، ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر، عن المهاجر بن قنفذ "أنه أتى النبي - عليه السلام - وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد [عليه] حتى توضأ، ثم اعتذر إليه قال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلَّا على طهر أو [قال] (¬2) على طهارة". وأخرجه النسائي (¬3)، وابن ماجه (¬4) أيضًا. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬5)، عن محمَّد بن جعفر، عن سعيد ... إلي آخره نحو رواية الطحاوي. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 5 رقم 17). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود". (¬3) "المجتبى" (1/ 37 رقم 38). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 26 رقم 350). (¬5) "مسند أحمد" (4/ 345 رقم 19056).

وكذلك البيهقي في "سننه" (¬1)، ورواه ابن حبان في "صحيحه" (¬2)، والحكم في "مستدركه" (¬3)، وقال: إنَّه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال ابن دقيق العيد في "الإمام": هذا الحديث معلول، ومعارض؛ أما كونه معلولا فلأن سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخر عمره، فيراعى فيه سماع من سمع منه قبل الاختلاط. وقد رواه النسائي (¬4): من حديث شعبة عن قتادة به وليس فيه: "أنه لم يمنعني ... " إلى آخره، ورواه حماد بن سلمة عن حميد وغيره، عن الحسن، عن مهاجر منقطعا، فصار فيه ثلاث علل. وأما كونه مُعَارَضا فبما رواه البخاري (¬5) ومسلم (¬6): من حديث كريب عن ابن عباس قال: "بتّ عند خالتي ميمونة ... " الحديث. ففي هذا ما يدل على جواز ذكر اسم الله تعالى وقراءة القرآن مع الحدث. قوله: "ففي هذا الحديث" أي حديث مهاجر، أراد أن هذا الحديث دلّ أنه - عليه السلام - توضأ قبل أن يذكر اسم الله؛ فدل ذلك على عدم اشتراط التسمية. وفي "المبسوط": عَلَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي الوضوء ولم يذكر التسمية. فتبيَّن بهذا أن المراد من قوله - عليه السلام -: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" نفي الكمال لا نفي الجواز، وفي الحديث المعروف: "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله أقطع" أي ناقص غير كامل، وقد قيل: إنَّ الأحاديث التي وردت في هذا الباب كلها ليست بصحيحة ولا أسانيدها مستقيمة، ولهذا قال أحمد: لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيّد. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 90 رقم 430). (¬2) "صحيح ابن حبان" (3/ 82 رقم 803، 806). (¬3) "مستدرك الحاكم" (1/ 272 رقم 592). (¬4) سبق تخريجه. (¬5) "صحيح البخاري" (4/ 1665 رقم 4293). (¬6) "صحيح مسلم" (1/ 526 رقم 763).

قلت: قد ذكرنا عن جماعة أنهم صححوا حديث المهاجر، والأولى أن يقال الحديث محمول على نفي الفضيلة، حتى لا يلزم الزيادة على مطلق الكتاب بخبر الواحد، وذلك نحو قوله - عليه السلام -: "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد". فإن قيل: قوله - عليه السلام -: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" نظير قوله - عليه السلام -: "لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب" في كونه خبر الواحد، فكيف اختلف حكمهما من السُّنة والوجوب؟ قلت: قد قال بعضهم: لا نسلم أنهما نظيران في كونهما خبر الواحد، بل خبر الفاتحة أشهر من خبر التسمية فقدر مرتبة الحكم على حسب مرتبة العلة، وفيه نظر؛ لأن لقائل أن يقول: إذا كان خبر الفاتحة مشهورا لكان تعيين الفاتحة فرضا؛ لجواز الزيادة على النص بالخبر المشهور، والأحسن أن يقال: قارن خبر الفاتحة مواظبة النبي - عليه السلام - عليها من غير ترك، فهذا دليل الوجوب، بخلاف التسمية حيث لم تثبت فيها مواظبة. فإن قلت: حديث عائشة - رضي الله عنها - الذي أخرجه البزّار الذي ذكرناه عن قريب يدل على أنه - عليه السلام - كان يسمّي في الوضوء دائما. قلت: نعم، لكن لا نسلّم أنَّهَا كانت باعتبار أنَّهَا سُنّة الوضوء بل باعتبار أنَّهَا مستحبة في ابتداء جميع الأفعال. ص: وكان قوله - عليه السلام -: "لا وضوء لمن لم يُسمّ" يحتمل أيضًا ما قال أهل المقالة الأولي، ويحتمل لا وضوء له أي لا وضوء له متكاملا في الثواب كما قال: ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، فلم يُرد بذلك أنه ليس بمسكين خارج من حدّ المسكنة كلها حتى تحرم عليه الصدقة، وإنما أراد بذلك أنه ليس بالمسكين المتكامل المسكنة الذي ليس بعد درجته في المسكنة درجة. ش: ملخص كلامه أن الحديث له احتمالان، فلا تقوم به الحجة.

فإن قلت: ما وجه ترجيح احتمال نفي الكمال مع أنه لا دليل يقُطعُ به لأحد الاحتمالين؟ قلت: طلب الموافقة لمعنى حديث المهاجر حتى لا يقع التضاد بينهما، على ما يذكره الطحاوي عن قريب. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عُمر الحوضى، قال: ثنا خالد بن عبد اللهَ، عن إبراهيم الهَجَريّ، عن أبي الأحوص، عن عبد الله - رضي الله عنه -، عن النبي - عليه السلام - قال: "ليس المسكينَ بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان. قالوا: فما المسكين؟ قال: الذي يستحي أن يسأل، ولا يجدُ ما يُغنيه، ولا يفُطنُ له فيعطَى". ش: لما نَظَّرَ بهذا في معنى نفي الكمال ذكره مسندا وإلَّا فليس له مدخل في هذا الباب. وأبو عُمر الحوضي اسمه حفص بن عمر، شيخ البخاري وأبي داود، والحوضي نسبة إلى حَوْض داود، مَحلَّه كانت ببغداد. وخالد بن عبد الله الطحان، روى له الجماعة، وإبراهيم بن مسلم الهجري قال الأزدي: صدوق، وفي "الميزان": ضعّفه ابن معين، والنسائي. وأبو الأحوص اسمُه عوف بن مالك، روى له مسلم. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1) قال: ثنا أبو معاوية، ثنا إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس المسكين بالطواف ولا بالذي تردّه التمرة ولا التمرتان ولا اللقمة ولا اللقمتان، ولكن المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئا، ولا يُفْطَنُ له فَيُتصَدَّق عليه" وأخرجه الجماعة غير ابن ماجه من حديث أبي هريرة كما يأتي إنْ شاء الله تعالي. قوله: "ليس المسكين" هو مِفْعِيل من صيغ المبالغة كمنطيق، واشتقاقه من السكون، ويستوي في هذه الصيغة المذكر والمؤنث، يقال: رجل مسكين، وامرأة مسكين، ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 384 رقم 3636)

ويقال: مسكينة أيضًا، وجمعه مساكين ومسكينون، وقال الجوهري: المسكين الفقير، وقد يكون مع الذلة والضعف، يقال: تسكن الرجل وتَمسكن، كما قالوا: تمدرع من المدرعة، وتمندل من المنديل على تمفعل وهو شاذ، والقياس: تسكن وتدرع وتندل مثل: تسمع وتَحَلَّم، وكان يونس يقول: المسكين أشد حالًا من الفقير، قال: وقلت لأعرابي: أنت أفقير أنت؟ فقال: لا والله، بل مسكين. وقال الخطابي: وقد اختلف الناس في المسكين والفقير، والفرق بينهما. فروي عن ابن عباس أنه قال: المساكين هم الطوافون، والفقراء فقراء المسلمين، وعن مجاهد، وعكرمة، والزهري: أن المسكين الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل. وعن قتادة أن الفقير هو الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج، وقال الشافعي: الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا، زَمِنا كان أو غير زمن، والمسكين من له مال أو حرفة ولا يقع منه موقعا ولا يغنيه، سائلا كان أو غير سائل. وقال بعض أهل اللغة: المسكين الذي لا شيء له، والفقير من له البلغة من العيش، واحتج بقى الراعي: أما الفقيرُ الذي كانت حَلُوبَتَه وَفْقَ العِيال فلم يُتركْ له سَبَدُ. قال: فجعل للفقير حلوبته. وقيل: المسكين أحسن حالًا من الفقير لقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} (¬1) فأثبت لهم مع المسكنة ملكا وكسبا، وهما: السفينة، والعمل بها في البحر، وقيل: إنما سماهم مساكين مجازا، على سبيل الترحم والشفقة عليهم إِذْ كانوا مطلوبين. وقال صاحب الهداية: الفقير من له أدنى شيء، والمسكين من لا شيء له وهذا مروي عن أبي حنيفة، وقد قيل على العكس والأول أصح، ووجهه {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} (¬2) أي: لاصقا بالتراب من الجوع والعري، ووجه الثاني أن الفقير مشتق من انكسار فقار الظهر فيكون أسوأ حالًا من المسكين، فإن قلت: فائدة هذا الخلاف ماذا؟ قلت: في الوصايا والأوقاف وفي الزكاة لا يظهر الخلاف عندنا. ¬

_ (¬1) سورة الكهف، آية: [79]. (¬2) سورة البلد، آية: [6].

قوله: "بالطَوَّاف" خبر ليس، و "الذي ترده التمرة" جملة وقعت صفة للمسكين، يعني ليس المسكين بالدوران على الناس، والطواف: اسم من الطوف، يقال: طاف حول البيت يطوف طوفا، وطوَفانا، وتَطَوَّف، واستطاف كله بمعنى. قوله: "ما يغنيه" من الإغناء. قوله: "ولا يُعطى له" على صيغة المجهول، أي لا يُعلم له فقر حتى يُعطي له شيء، من فَطَن يفطِنُ، من باب ضَرَبَ يَضْربُ. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم، فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر، وقبيصة روى له الجماعة، وسفيان هو: الثوري، وإبراهيم هو: ابن مسلم الهجري. ص: حدثنا يونس قال: ثنا ابنُ وهب، قال: أنا ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - نحوه. ش: يونس هو: ابن عبد الأعلي، شيخ مسلم، وابن وهب هو: عبد الله بن وهب المصري، روى له الجماعة، وابن أبي ذئب هو: محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني روى له الجماعة، وأبو الوليد اسمه: عبد الله بن الحارث الأنصاري البصري، نسيب محمَّد بن سيرين، ختن ابن سيرين على أخته، قال: أبو زرعة ثقة. وقال: أبو حاتم يكتب حديثه. ص: حدثنا أبو أميّة محمَّد بن إبراهيم بن مسلم، قال: ثنا عليّ بن عياش الحِمْصي، عن ابن ثوبان، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله. ش: أبو أميّة وثقه ابن حبان، وروي عنه النسائي، وعلي بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة- أبو الحسن الحمصي أحد مشايخ البخاري، وروى له الأربعة، وابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي أبو عبد الله

الدمشقي الزاهد، روى له الأربعة، وعن يحيى ضعيف، وعنه صالح، وعنه لا شيء، وعن النسائي ليس بثقة، وعن دحيم ثقة يُرمى بالقدر. وأخرجه مسلم (¬1): عن قتيبة بن سعيد، عن المغيرة -يعني: الحزامي- عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمةُ واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: وما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غناء يُغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا". ص: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله. ش: هذا طريق آخر على شرط مسلم، عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله ابن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن الأعرج. وأخرجه أبو داود (¬2): عن عثمان بن أبي شيبة، وزهير بن حرب كلاهما عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس شيئا، ولا يفطنون به فيعُطونه". وأخرجه النسائي (¬3): عن علي بن حجر، عن إسماعيل، عن شريك، عن عطاء ابن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله - عليه السلام - قال: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان؛ إن المسكين المتعفف، واقرأوا إنْ شئتم {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} (¬4) ". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (2/ 719 رقم 1039). (¬2) "سنن أبي داود" (2/ 118 رقم 1631). (¬3) "المجتبى" (5/ 84 رقم 12571). (¬4) سورة البقرة، آية: [273].

ص: وكما قال: "ليس المؤمن الذي يبيتُ شبعان وجارُه جائع". حدثنا بذلك أبو بكرة قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عبد الله بن المُساور -أو ابن أبي المُساور- قال: سمعت ابن عباس - رضي الله عنه - يُعاتبُ ابن الزبير في البخل ويقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس المؤمن الذي يبيت شبعان، وجارُه إلى جَنبه جائع". ش: هذا عطف على قوله: كما قال: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان" أي وكما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قوله: "حدثنا بذلك" أي بقوله: "ليس المؤمن " ... إلى آخره. وأبو بكرة بكَّار القاضي، ومؤمل بن إسماعيل القرشي البصريّ وثقه يحيى وابن حبان، وسفيان هو: الثوري، وعبد الملك بن أبي بشيرالبصري، وثقه يحيى، وعبد الله بن المساور وثقه ابن حبان. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عبد الله بن المساور، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما يؤمن مَن باتَ شبعان وجارُه طاوٍ إلى جَنْبه". وأخرجه البخاري في كتاب "الأدب" (¬2) من حديث عبد الله بن مساور. قوله: "شبعان" نصب على أنه خبر لقوله: "يبيت" الواو في "وجاره" للحال، وكلمة "إلى" في "إلى جنبه" بمعنى عند، كما في قول الشاعر: أم لا سبيل إلي الشباب وذكره .... أشهى إلىَّ من الرحيق السَلْسل أي: أشهى عندي. ص: فلم يُرد بذلك أنه ليس بمؤمن إيمانا خرج بتركه إياه إلى الكفر، ولكنه أراد به أنه ليْس في أعلي مراتب الإيمان، في أشباه لهذا كثيرة يطول الكتابُ بذكرها، ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (6/ 164) رقم 30359). (¬2) "الأدب المفرد" للبخاري (1/ 52 رقم 112).

فكذلك قوله:" لا وضوءَ لِمَنْ لم يُسمّ" لم يُرد بذلك أنه ليس بمتوضيء وضوءا لم يخرج به من الحدث، ولكنه أراد أنه ليس بمتوضئ وضوءا كاملا في أسباب الوضوء الذي يُوجبُ الثواب، فلما احتمل هذا الحديث من المعاني ما وصفنا، ولم تكن هناك دلالة يُقطع بها لأحد التأويلين على الآخر، وجبَ أن يُجعل معناه موافقا لمعاني حديث المهاجر حتى لا يتَضادان، فثبت بذلك أن الوضوء بلا تسمية يخرجُ به المتوضيء من الحدث إلى الطهارة. ش: أي لم يرد النبي - عليه السلام - بذلك أي بقوله: "ليس المؤمن الذي يبيت شبعان، وجاره جائع"، أنه خرج بتركه ذلك عن الإيمان إلى الكفر؛ لأن حقيقة الإيمان موجودة فيه لعدم ما يضادِده، ولكنه - عليه السلام - أراد بذلك أنه ليس المؤمن الكامل في مراتب الإيمان، والإيمان له مراتب، وشُعب كما قال - عليه السلام -: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" فبتركه شعبة منها لا يخرج عن حقيقة الإيمان، ولكن عن تلك الشعبة التي هي من فضائل الإيمان. قوله: "في أشباه لهذا كثيرة" يتعلق بمحذوف، أي كما أراد - عليه السلام - هذا المعني في أشباه، أي أمثال ونظائر لهذا، أي للحديث المذكور. قوله: "كثيرة" بالجرّ صفة لأشباه. منها ما رواه البخاري (¬1): عن مسدّد، عن يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - عليه السلام - قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه". ومنها ما رواه (¬2) أيضًا عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام -قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده، وولده" وهذا من إفراد البخاريّ. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 14 رقم 13). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 14 رقم 14).

ومنها ما رواه (¬1): عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن! قيل: مَنْ يا رسول الله؟، قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه"، وأمثال هذا كثيرة، وكل ما ورد من ذلك فهو محمول على المعنى الذي ذكره. قوله: "حتى لا يتضادان" أي حديث التسمية وحديث المهاجر، ولأن حديث التسمية يقتضي عدم جواز الوضوء بدونها، وحديث المهاجر يقتضي [جوازه] (¬2) بدونها، فإذا أُوّلَ معنى حديث التسمية، بالتأويل المذكور يتوافق مع حديث الهاجر، ويرتفع التضاد، والعمل بالحديثين أولى من العمل بأحدهما وإهمال الآخر. ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا أشياء لا يُدْخَلُ فيها إلَّا بكلام، منها العقدة التى يعْقدها الناس لبعض من البياعات والإجارات والمناكحات والخلع، وما أشبه ذلك فكانت تلك الأشياء لا تجب إلَّا بأقوال، وكانت الأقوال منها إيجاب؛ لأنه يَقولُ: قد بعتك، قد زوجتك، قد خلعتك، فتلك أقوال فيها ذكر العقود، وأشياء يُدْخَلُ فيها بأقوال وهي: الصلاة، والحج، فَيدخَلُ في الصلاة بالتكبير، وفي الحج بالتلبية، فكان التكبير في الصلاة والتليية في الحج ركنا من أركانهما، ثم رجعنا إلى التسمية في الوضوء، هل تشبه شيئًا من ذلك؟ فرأيناها غير مذكور فيها إيجابُ شيء كما كان في النكاح والبيوع؛ فخرجت التسمية لذلك من حكم ما وصفنا، ولم تكن التسمية أيضًا ركنا من أركان الوضوء كما كان التكبر ركنا من أركان الصلاة، وكما كانت التلبية ركنا من أركان الحج؛ فخرج بذلك أيضًا حكمها من حكم التكبير والتلبية، فبطل بذلك قولُ مَنْ قال: إنَّه لا بد منها في الوضوء كما لا بد من تلك الأشياء فيما يُعمل فيه. ش: ملخّصه أن ثمة أشياء لا يمكن تحصيلها إلَّا بالقول كما في البيع مثلا، فإنه لا يمكن تحصيله إلَّا بالقول، وهو الإيجاب، وكما في الصلاة لا يصح الشروع فيها إلَّا بالقول وهو التكبير، وكما في الحج لا يصح الشروع فيه إلَّا بالقى وهو التلبية، ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (5/ 2240 رقم 5670). (¬2) في "الأصل، ك": جوازها، وما أثبتناه هو الصواب.

فنظرنا في التسمية في الوضوء هل لها شبه لشيء من تلك الأشياء؟ فلم نجد فيها إيجاب شيء كما في البيع ونحوه، فخرجت من حكم ذلك، ولم تكن هي ركنا من أركان الوضوء كالتكبير في الصلاة، والتلبية في الحج، فخرجت بذلك أيضًا من حكم ذلك، فحينئذ بطل القول بأنه لا بد منها في الوضوء كما لا بد من الإيجاب في المعاملات، والقول المخصوص في العبادات، فافهم. قوله: "من البِياعات" بكسر الباء، وتخفيف الياء، جمع بياعه، مصدر كالبيع. ص: فإن قيل: فإنا قد رأينا الذبيحة لا بدّ من التسمية عندها، ومَنْ ترك ذلك متعمدًا لم تؤكل ذبيحته، فالتسمية أيضًا على الوضوء كذلك، قيل له: ما ثبتَ في حكم النظر أن مَنْ ترك التسميةَ متعمدًا على الذبيحة أنَّهَا لا تُؤكلُ؛ فقد تنازع الناسُ في ذلك، فقال بعضهم: تؤكل، وقال بعضهم: لا تؤكل، فأما من قال: تؤكل فقد كُفِينا البيانَ لقوله، وأما من قال لا تؤكل فإنه يقول: إن تركها ناسيا أكل، وسواءٌ عنده كان الذابح مسلما أو كافرا بعد أن يكون كتابيّا، فجعلت التسمية ها هنا في قول من أوجبها في الذبيحة إنما هي لبيان الملَّة، فإذا سَمى الذابح صارت ذبيحته من ذبائح الملّة المأكولة ذبيحتها، وإذا لم يُسم جُعلت من ذبائح الملل التي لا تؤكل ذبيحتها، والتسمية للوضوء ليست للملّة إنما هى مجعولة لذكر على سبب من أسباب الصلاة، فرأينا من أسباب الصلاة: الوضوء، وستر العورة، فكان مَنْ ستر عورته لا بتسمية لم يضره ذلك، فالنظر على ذلك أن يكون مَنْ تطهير أيضًا لا بتسمية لم يضره ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. ش: هذا السؤال وارد على وجه النظر المذكور، تقريره أن يقال: إنا وجدنا شيئا يحتاج في الدخول له إلى التسمية ليصح ذلك الشيء كالذبيحة، قال: من أراد أن يذبح لا بد من التسمية عنده حتى تحل ذبيحته حتى إذا تركها عمدًا لم تؤكل ذبيحته؛ لفوات شرطه، فكان ينبغي أن تكون التسمية على الوضوء كذلك، والجامع أن كلَّا منهما فِعْل تدخل فيه.

وتقرير الجواب أن نقول: لا نسلم ثبوت عدم أكل الذبيحة بترك التسمية عمدًا فيما يقتضيه النظر والقياس، فهذا باب تنازع فيه العلماء، فقال بعضهم: تؤكل، وهو قول الشا فعي، ومالك -في قول- وأحمد -في رواية- وقال بعضهم: لا تؤكل، وهو قول الحنفية، فعلى القول الأول لا يرد السؤال، فلا يحتاج إلى الجواب، وهو معنى قوله: فأما من قال تؤكل فقد كفينا البيان، فنحتاج إلى الجواب على القول الثاني، وهو أن يقال: وجوب التسمية على الذبيحة لبيان الملَّة، أي الدين، حتى إذا سمى تصير ذبيحته من ذبائح أهل الدين، وإذا لم يسمّ لم تؤكل؛ لأنَّا إنما أُمرنا بها إظهارا لمخالفة المشركين؛ لأنهم كانوا يسمّون آلهتهم عند الذبح، فكان الترك عمدًا مفسدا، والتسمية على الوضوء ليست لأجل ذلك المعنى، وإنما هي مجعولة لذكر على شرط من شروط الصلاة، وشروط الصلاة كثيرة وهي: الوضوء، وستر العورة، واستقبال القبلة، وغيرها، فلم يقل أحد: إنَّ ستر العورة يحتاج إلى التسمية، أو استقبال القبلة، وأن تركها يضر ذلك، فالنظر على ذلك إذا توضأ ولم يسمّ لا يضره ذلك. قوله: "من أسباب الصلاة" أراد بها الشروط، وأطلق عليها أسبابا باعتبار اللغة، فإن السبب هو الذي يتوصل به إلى المقصود، ومنه سمى الحبل سببا؛ فكذلك الشروط يتوصل بها إليه. وفي الاصطلاح: السبب ما يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به، والشرط ما يوجد الحكم عند وجوده، وينعدم عند عدمه. قوله: "وهذا قول أبي حنيفة" وهو قول الشافعي ومالك أيضًا كما ذكرناه.

ص: باب: الوضوء مرة مرة وثلاثا ثلاثا

ص: باب: الوضُوء مرة مرة وثلاثا ثلاثا ش: أي هذا باب في بيان الوضوء الذي ورد عن النبي - عليه السلام - مرة مرة، وثلاث مرات، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفِريابيُّ، قال: ثنا زائدة بن قدامة، قال: ثنا علقمة بن خالد -أو خالد بن علقمة- عن عبد خير، عن علي - رضي الله عنه -: "أنه توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال: هذا طهورُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". ش: الفِريابيُّ محمَّد بن يوسف شيخ البخاري، وزائدة بن قدامة روى له الجماعة، وعلقمة بن خالد الهمداني أبو حيَّة -بالياء آخر الحروف- وثقه يحيى، وروى له الأربعة، ويقال له: خالد بن علقمة؛ فلذلك قال: أو خالد، ولا يفهم من التشكيك أنهما شخصان شك الراوي في تعيين أحدهما؛ وإنما هما شخص واحد، وعبد خير بن يزيد الهمداني الكوفي أدرك الجاهلية، ووثقه يحيى، العجلي، وروي له الأربعة. ورواه أبو داود (¬1): بأتم منه، وقال: ثنا مُسدّد، قال: ثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير قال: "أتانا علي - رضي الله عنه - وقد صلي، فدعا بطهور، فقلنا ما يصنع بالطهُور وقد صلي؟! ما يريد إلَّا أن يُعلمنا، فَأُتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل [يده] (¬2) ثلاثا، ثم (مضمض) (¬3) واستنثر ثلاثا، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده الشمال ثلاثا، ثم جعل يده بالإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا، ورجله الشمال ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله - عليه السلام - فهو هذا". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 27 رقم 111). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود". (¬3) كذا في "الأصل، ك"، وفي "سنن أبي داود": تمضمض.

وأخرجه النسائي (¬1): عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن خالد بن علقمة ... إلى آخره نحوه، إلَّا أنّ في لفظه: "أتينا عليّ بن أبي طالب ... ثم تمضمض واستنشق ثلاثًا" والباقي لا خلاف فيه. قوله: "هذا طُهور رسول الله - عليه السلام -" بضم الطاء، وقيل: بالفتح. والضم أرجح. قوله: "فدعا بطهور" بفتح الطاء لا غير. قوله: "وطستٍ" بالجرّ، عطف على قوله: "بإناءً" وأصله طسّ، بدليل جمعه على طسوس (¬2)، والعامة تقوله: بالشين المعجمة. قوله: "واستثر" أي استنشق، وانتصاب "ثلاثا" الأول على أنه صفة لمصدر محذوف، أي توضأ توضئا ثلاثيا، أي ثلاث مرات، أي محدودا بهذا العدد [1/ق 46 - أ]،، والثاني تأكيد للأول. ويستفاد منه: أن الثلاث سُنَّة، ولكن وردت أحاديث صحيحة بالثلاث، وبالمرة، وفي بعض الأعضاء بالثلاث وبعضها مرتين مرتين، وبعضها مرّة، فالاختلاف على هذه الصفة دليل الجواز في الكل، وأن الثلاث هي الكمال، والواحدة تجزئ، وعن هذا قال أصحابنا: الأولى فرض، والثانية مستحبة، والثالثة سُنة، وقيل: الأولى فرض، والثانية سُنة، والثالثة إكمال السُّنة، وقيل: الثانية والثالثة سُنّة، وقيل: الثانية سُنَّة والثالثة بدل، وقيل: على عكسه، وعن أبي بكر الإسكاف: أن الثلاث تقع فرضا كما إذا الحال في الركوع والسجود، وقال بعض أصحابنا: إنَّ الزائد على الثلاث لا يقع طهارة ولا يصير الماء به مستعملا إلَّا إذا قصد به تجديد الوضوء، وما ذكر في "الجامع" أن ماء الرابعة في غسل الثوب النجس طهور، وفي العضو النجس مستعمل محمول على ما نوى بها القربة. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 68 رقم 92). (¬2) انظر "لسان العرب" (مادة: طسس).

وفي "العتابي": وماء الرابعة مستعمل في العضو النجس؛ لأن الظاهر هو قصد القربة حتى يقوم الدليل على خلافه. وفي "شرح النسفي": فيه لأنه وجد فيه معنى القربة؛ لأن الوضوء على الوضوء نور، ولهذا صار الماء مستعملا به، وفي "المحيط": أن ماء الرابعة لا يصير مستعملا إلَّا بالنيَّة. وعند الشافعية خمسة أوجه: أصحها: إنْ صلى بالوضوء الأول فرضا أو نفلا استحب وإلَّا فلا، وبه قطع البغوي. وثائيها: إنْ صلى فرضا استحب وإلَّا فلا وبه قطع الفوراني. وثالثها: مستحب إنْ فعل بالوضوء الأول ما يقصد له الوضوء وإلَّا فلا، ذكره الشاشيّ. ورابعها: إنْ صلي بالأول أو سجد لتلاوة أو شكر، أو قراءة القرآن في مصحف استحبّ وإلَّا فلا، وبه قطع أبو محمَّد الجوينيّ. وخامسها: مستحب وإنْ لم يفعل بالوضوء الأول شيئًا أصلًا، حكاه إمام الحرمين قال: وهذا إنما يصح إذا تخلل بين الوضوء والتجديد زمن يقع مثله تفريق، فأما إذا وصله بالوضوء فهو في حكم غَسْلة رابعة. ص: حدثنا حُسَين، قال: ثنا الفريايى، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبي حية الوادعي، عن علي - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - نحوه. ش: هذا طريق آخر، والفريابي محمَّد بن يوسف، وإسرائيل هو ابن يونس السَبيعي الهَمذاني الكوفي، روى له الجماعة، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله الكوفي جَدُّ إسرائيل، روى له الجماعة، وأبو حيّة -بالياء آخر الحروف- بن قيس الوادعي الخارفي الهمداني الكوفي، قال الحاكم أبو أحمد: لا يعرف اسمه، وقال أبو زرعة: لا يسمّى، وقال ابن ماكولا: مختلف في اسمه فيقال: عمرو بن نصر، ويقال: عامر بن الحارث. وعن أحمد: شيخ، روى له الأربعة.

وأخرجه الترمذي (¬1) قال: ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي حيّة، عن علي - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - توضأ ثلاثا ثلاثا". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا ابن ثوبان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن شقيق قال: "رأيت عليّا وعثمان - رضي الله عنه - توضئا ثلاثا ثلاثا، وقالا: هكذا كان يتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ش: علي بن الجعد بن عبيد الجوهري شيخ البخاري، وأبي داود ثقة متقن من أصحاب الإِمام أبي يوسف، وابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ضعيف، وعبدة بن أبي لبابة الأسدي الكوفي نزيل دمشق روى له الجماعة، وأبو وائل شقيق بن سلمة. وأخرجه ابن ماجه (¬2): ثنا محمود بن خالد الدمشقي، نا الوليد بن مسلم الدمشقي، نا ابن ثوبان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن شقيق بن سلمة قال: "رأيت عثمان وعليّا يتوضئان ثلاثا، ويقولان: هكذا كان وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ص: حدثنا أحمد بن يحيى الصُوري، قال: حدثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا ابن ثوبان، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر عن أحمد بن يحيى الصوريّ، عن الهيثم بن جميل البغدادي، نزيل انطاكية، قال الدارقطني: ثقة حافظ، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: ثنا إسحاق بن يحيى، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: "أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ هكذا". ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 63 رقم 44). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 144 رقم 413).

ش: عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي البصري، أخو أبي بكر الحنفي، روى له الجماعة، وإسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله القرشي المدني، عن يحيي: لا يكتب حديثه، وقال ابن حبان: يحتج به فيما وافق الثقات، ومعاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني، وثقه العجلي وابن حبان. وعبد الله بن جعفر والد معاوية المذكور الصحابي المشهور - رضي الله عنه -. وأخرجه الدراقطني (¬1): وقال: ثنا الحسن بن إسماعيل، ثنا محمَّد بن إسماعيل ابن يوسف السُلمي، نا أيوب بن سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر، عن سليمان ابن بلال، عن إسحاق بن يحيى، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن أبيه عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن عفان: "أنه توضأ فغسل يديه ثلاثا كل واحدة منهما، واستنشق ثلاثا، ومضمض ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه كل واحد منهما ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا كل واحد منهما، ثم قال: رأيت رسول الله - عليه السلام - يتوضأ هكذا". واعلم أن حديث عثمان - رضي الله عنه - روي من وجوه كثيرة وطرق مختلفة. فأخرجه البخاري (¬2): عن حمران مولى عثمان: "أنه رأى عثمان دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثا (ويديه ثلاثا إلى المرفقين) (¬3) ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه؛ غفر له ما تقدم من ذنبه". ومسلم (¬4): عن حمران: "أن عثمان بن عفان دعا بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه (ثلاثا) (¬5)، ثم غسل يده ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 91 رقم 1). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 71 رقم 158). (¬3) كذا في"الأصل، ك"، وفي "صحيح البخاري": "ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار". (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 204 رقم 226). (¬5) كذا في "الأصل، ك"، وفي "صحيح مسلم": "ثلاث مرات".

اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك ... " الحديث. وأبو داود (¬1): عن حمران قال: "رأيت عثمان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ... " إلى آخره نحوه. والنسائي (¬2): عن حمران ... إلى آخره نحو رواية أبي داود، إلَّا أن موضع "واستنثر": "واستنشق". وأحمد (¬3): عن حمران قال: "دعا عثمان بماء وهو على المقاعد، فسكب على يمينه فغسلها، ثم أدخل يمينه في الإناء فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاث مرار ومضمض واستنثر، وغسل ذراعيه إلي المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاث مرار ... " الحديث. والبرار (¬4): عن حمران، عن عثمان: "أنه دعا بوضوء، فمضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم ضحِكَ، قال: ألا تَسْألوني ما أضحكني؟ قلنا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: ضحكت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بوضوء قريبا من هذا المكان، فتوضأ رسول الله - عليه السلام - كما توضأت، ثم ضحك كما ضحكتُ، ثم قال: ألا تسألوني ما أضحكني؟ قلنا: ما أضحكك يا نبي الله؟ قال: أضحكني أن العبد إذا توضأ فغسل وجهه؛ حطّ الله عنه كل خطيئة [أصاب] (¬5) بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان كذلك، فإذا مسح رأسه كان كذلك، فإذا طهّر قدميه كان كذلك". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 26 رقم 106). (¬2) "المجتبى" (1/ 64 رقم 84). (¬3) "مسند أحمد" (1/ 59 رقم 418). (¬4) "مسند البزار" (2/ 74 رقم 420). (¬5) في "الأصل، ك": أصابت، والمثبت من "مسند البزار".

قلت: رجال البزار رجال الصحيح. والدارقطني (¬1): عن ابن البَيلماني، عن أبيه، عن عثمان بن عفان: "أنه توضأ بالمقاعد -والمقاعد بالمدينة حيث يصلي على الجنائز عند المسجد- فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، واستنثر ثلاثا، ومضمض ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ومسح برأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا، وسلم عليه رجل وهو يتوضأ فلم يردّ عليه حتى فرغ، فلما فرغ كلمه يعتذر إليه، وقال: لم يمنعني أن أردّ عليك إلَّا أني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: من توضأ هكذا ولم يتكلم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله؛ غفر له ما بين الوضوئين". وأبو يعلى (¬2): عن غسان، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي النضر: "أن عثمان - رضي الله عنه - دعا بالوضوء، وعنده الزبير وطلحة وعلي وسعد - رضي الله عنه - فتوضأ وهم ينظرون، فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم أفرغ على يمينه ثلاث مرات، وعلي شماله ثلاث مرات، ومسح برأسه، ورش على رجله اليمنى ثلاث مرات، ثم غسلها، ثم رش على رجله اليسرى، ثم غسلها ثلاث مرات، ثم قال للذين حضروا: أنا أنشدكم الله عز وجل أتعلمون أن رسول الله - عليه السلام - كان يتوضأ كما توضأت الآن؟ قالوا: نعم، وذلك لشيء بلغه". قلت: أبو النضر لم يسمع من أحد من العشرة، وغسان بن الربيع ضعفه الدارقطني مرة، وقال مرة: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سُمَيعْ، عن أبي أمامة "أن النبي- عليه السلام - توضأ ثلاثا ثلاثا". ش: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وسُمَيعْ -بضم السين المهملة، وفتح الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره عين مهملة- ذكره الطبراني، ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 92 رقم 5). (¬2) "مسند أبي يعلى" (2/ 8 رقم 633) بتصرف.

وقال: سُميع الزيات، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: سُميع شيخ يروي عن أبي أممامة، روي عنه عمر وبن دينار المكي، لا أدري مَنْ هو، ولا ابن مَنْ هو. ومن قال هذا سُبيع بالباء الموحدة موضع الميم فقد صحف، وسبيع هذا هو ابن خالد اليشكري، ويقال له: خالد بن سبيع، ويقال له: خالد بن خالد هكذا سمّاه النسائي وروى له، وأبو أمامة اسمُه صُدَي بن عجلان - رضي الله عنه -. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سُمَيع، عن أبي أمامة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل يديه ثلاثا، وتمضمض واستنشق (ثلاثا ثلاثا) (¬2)، وتوضأ ثلاثا ثلاثا". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3) نحوه. ص: ففي هذه الآثار أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، وقد روي عنه أنه توضأ مرة مرة. حدثنا الربيع بين سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا الضحاك بن شرحبيل، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - توضأ مرة مرة". ش: أراد بهذه الآثار حديث علي، وعثمان، وأبي أمامة - رضي الله عنهم -. قوله: "وقد روي عنه" أي عن النبي - عليه السلام -: "أنه توضأ مرة مرة" كما في حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وغيره، والربيع صاحب الشافعي، وأسد هو: ابن موسى المصري، وثقه النسائي. وابن لهيعة عبد الله بن لَهيعة -بفتح اللام، وكسر الهاء- قاضي مصر، تكلموا فيه، ولكنه من المرضيين عند الأحمدين، أعني ابن حنبل، والطحاوي. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 17 رقم 61). (¬2) هكذا في "الأصل، ك" مكررة مرتين، وفي المصنف لم تتكرر. (¬3) "معجم الطبراني الكبير" (8/ 254 رقم 7990).

والضحاك بن شرحبيل وثقه ابن حبان، وزيد بن أسلم المدني الفقيه روى له الجماعة. وأبوه أسلم أبو زيد مولى عمر، روى له الجماعة. وأخرجه ابن ماجه (¬1): ثنا أبو كريب، نا رشدين بن سعد، أنا الضحاك بن شرحبيل، عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عمر - رضي الله عنه - قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - في غزوة [تبوك] (¬2) توضأ واحدة واحدة". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسار، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "ألا أنبئكم بوضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة مرة، أو قال: توضأ مرة مرة". ش: أبو عاصم: النبيل الضحاك بن مخلد، وسفيان هو الثوري. إسناد صحيح. وأخرجه البخاري (¬3): عن محمَّد بن يوسف، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. وأبو داود (¬4): عن مسدّد، عن يحيى، عن سفيان ... إلى آخره، ولفظه: "ألا أخبركم بوضوء رسول الله - عليه السلام -، فتوضأ مرة مرة". والترمذي (¬5): عن محمَّد بن بشار، عن يحيى. وعن قتيبة وهناد وأبي كريب، ثلاثتهم عن وكيع، عن سفيان ... والنسائي (¬6): عن محمَّد بن المثني، عن يحيى، عن سفيان ... إلى آخره نحو: رواية أبي داود. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 143 رقم 412). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن ابن ماجه". (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 70 رقم 156). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 34 رقم 138). (¬5) "جامع الترمذي" (1/ 60 رقم 42). (¬6) "المجتبى" (1/ 62 رقم 80).

وابن ماجه (¬1): عن أبي بكر بن خلاد، عن يحيي بن سعيد، عن سفيان إلى آخره، ولفظه: "رأيت رسول الله - عليه السلام - توضأ غرفة غرفة". قوله: "ألا" كلمة تنبيه. و"أنبئكم" أي أخبركم، من النبأ وهو الخبر، ومنه النبيّ؛ لأنه يخبر عن الله تعالى. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحَاظِي، قال: ثنا عبيد الله ابن عمرو، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: "توضأ رسول الله - عليه السلام - مرة مرة". ش: يحيي بن صالح الدمشقي، وثقه ابن حبان، وكان مُرْجئا، والوُحاظي -بضم الواو وتخفيف الحاء المهملة، وبعد الألف ظاء معجمة- نسبة إلى وُحَاظَة بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك. وعُبيد الله بن عمرو أبي الوليد الرقي، روى له الجماعة. وابن أبي نجيح اسمه عبد الله، واسم أبي نجيح يَسَار -بالياء آخر الحروف- روى له الجماعة. (وأخرجه) (¬2) الطبراني في "الأوسط" (¬3): ثنا محمَّد بن أبان، ثنا محمَّد بن الليث أبو الصباح الهدادي، ثنا بكر بن يحيي بن زبان، ثنا مندل بن علي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - توضأ مرة مرة، ثم قام فصلّى". لم يروه عن ابن أبي نجيح إلَّا مندل، تفرد به بكر. قلت: هذا عبيد الله بن عمرو أيضًا روى عنه، فكيف يقول لم يروه عنه إلَّا مندل؟! ومندل ضعيف، ضعفه أحمد، وابن المديني، وابن معين في رواية، ووثقه في أخرى. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 143 رقم 411). (¬2) تكررت في "الأصل". (¬3) "المعجم الأوسط" (7/ 228 رقم 7346).

وأخرجه البزار (¬1): نحو رواية الطحاوي. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن مَعبد، ثنا عبيد الله، عن الحسن بن عمارة، عن ابن أبي نجيح، ثم ذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وعبيد الله هو ابن عمرو المذكور. والحسن بن عُمارة: الفقيه، فيه مقال كثير. وهذا ابن عمارة روى عن ابن أبي نجيح هذا الحديث، وقد قال الطبراني: لم يروه عن ابن أبي نجيح إلَّا مندل! ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، وابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطى، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - توضأ ثلاثا ثلاثا، ورأيته غسل مرة مرة". ش: سعيد بن سليمان المشهور بسعدويه، روى له الجماعة. وعبد العزيز بن محمَّد الدراوردي روى له الجماعة، البخاري مقرونا بغيره. وعمرو بن أبي عمرو -واسمه ميسرة- مولى المطلب بن عبد الله بن حَنْطب أبو عثمان المدني، روى له الجماعة. وعبد الله بن عبيد الله -بتكبير الإبن، وتصغير الأب- ابن أبي رافع مولى النبي - عليه السلام - روى له مسلم حديثا واحدا، وأبوه عبيد الله بن أبي رافع المدني روى له الجماعة، وأبوه أبو رافع مولى النبي - عليه السلام - اسمه أسلم، وقيل: إبراهيم، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬2): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، نا ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (6/ 368 رقم 2385) من طريق بكر بن يحيي بن زبان، عن مندل به. (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 81 رقم 7).

عبد الله بن عمر الخطابي، ثنا الدراورديّ، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (توضأ) (¬1) ثلاثا ثلاثا، ورأيته (توضأ) (2) مرة مرة". ص: فثبت بما ذكرنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ مرة مرة فثبت بذلك أن ما كان منه من وضوئه ثلاثا؛ إنما لإصابة الفضل لا للفرض. ش: كلامه يُشْعر بأن الثانية والثالثة فضيلة، وإنما الفرض هو المرة، فإن قلت: أخرج أبو داود (¬2): من حديث عمرو بن شعيب في حديث الوضوء ثلاثا ثلاثا، وفي آخره: "هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم -أو ظلم وأساء". فهذا يقتضي أن يكون بترك الثانية والثالثة مسيئًا ظالما، وتارك الفضيلة غير مسيء ولا ظالم. قلت: معنى قوله: "فقد أساء" أي في الأدب بتركه السُّنة والتأدب بآداب الشرع، ومعنى "ظلم" نفسه بما نقصها من الثواب وفي تركه الفضيلة والكمال، ويقال: إنما يكون ظالما إذا اعتقد خلاف السنة في الثلاث. وقد قيل: إن حديث عمرو بن شعيب هذا لا يُعادل الأحاديث الصحيحة التي فيها الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، ولكن فيه ما فيه؛ لأن حديثه صحيح عند من يصحح رواية شعيب عن جده عبد الله، لصحة الإسناد إليه، وقيل: الإساءة ترجع إلى الزيادة، والظلم إلى النقصان؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير محله، قلت: الزيادة على الثلاث أيضًا وضع الشيء في غير محله، وأيضًا إنما يتمشى هذا في رواية تقديم الإساءة على النقصان. ¬

_ (¬1) في "سنن الدارقطني": "يتوضأ". (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 33 رقم 135).

وفي "البدائع" (¬1): واختلف في تأويله، فقيل: زاد على مواضع الوضوء ونقص عن مواضعه. وقيل: زاد على ثلاث مرات ولم ينو ابتداء الوضوء ونقص عن الواحدة. والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس العمل، معناه فمن زاد على الثلاث أو نقص عن الثلاث ولم ير الثلاث سنة؛ لأن من لم ير سُنة النبي - عليه السلام - سُنة فقد ابتدع فيلحقه الوعيد، حتى لو زاد على الثلاث أو نقص ورأى الثلاث سُنة؛ لا يلحقه هذا الوعيد؛ لأن الزيادة على الثلاث من باب الوضوء على الوضوء إذا نوى به، وإنه نور على نور على لسان النبي - عليه السلام -. وقال البخاري: كره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يُجَاوَزَ فعل النبي - عليه السلام -. هذا من البخاري إشارة إلي نقل الإجماع على منع الزيادة على الثلاث، وقد قال الشافعي في "الأم": لا أحب الزيادة عليها، فإن زاد لم أكرهه -إن شاء الله. وذكر أصحابه ثلاثة أوجه؛ أصحها: أن الزيادة عليها مكروهة كراهة تنزيه، وثانيها: أنها حرام، وثالثها: أنها خلاف الأولى. وأبعد قوم فقالوا: إذا زاد على الثلاث بطل وضوءه. حكاه الدارمي في استذكاره، وهو خطأ. وبقيت هنا فائدتان: الأولى: بيان ما روي عنه - عليه السلام - أنه توضأ مرتين مرتين، وما روي عنه أنه توضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثًا، وما روي أنه توضأ بعض وضوءه مرة وبعضه ثلاثًا، فهذه ثلاثة أقسام لم يذكرها الطحاويّ، فنقول: قال البخاريّ (¬2): ثنا الحسين بن عيسي، ثنا يونس بن محمَّد، أنا فليح بن ¬

_ (¬1) "بدائع الصنائع" (1/ 22). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 70 رقم 70).

سليمان، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد: "أن النبي - عليه السلام - توضأ مرتين مرتين". وقال أبو داود (¬1): حدثنا محمَّد بن العلاء، ثنا زيد -يعني ابن حباب- عن عبد الرحمن بن ثوبان، ثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن النبي - عليه السلام - توضأ مرتين مرتين". وأخرجه الترمذي (¬2) أيضًا، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال الترمذي (¬3): حدثنا ابن أبي عمر قال: ثنا سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن يحيي، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه مرتين مرتين، ومسح برأسه، وغسل رجليه [مرتين] (¬4) "، وقال: أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد ذُكر في غير حديث أن النبي - عليه السلام - توضأ بعض وضوئه مرة، وبعضه ثلاثا، وقد رخّص بعض أهل العلم في ذلك، ولم يَرَوْا بأسا أن يتوضأ الرجل بعض وضوئه [ثلاثا وبعضه] (4) مرتين أو مرة. وروى الدارقطني في سننه (¬5): وقال: ثنا إبراهيم بن حماد، ثنا العباس بن يزيد، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أُري النِداء: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- توضأ فغسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين، ورجليه مرتين"، كذا قال ابن عُيينة، وإنما هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وليس هو الذي أُري النداء. حدثنا (¬6) محمَّد بن عبد الله بن زكريا، ثنا أحمد بن شعيب، أنا محمَّد بن منصور، ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 34 رقم 136). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 62 رقم 43). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 66 رقم 47). (¬4) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "جامع الترمذي". (¬5) "سنن الدارقطني" (1/ 81 رقم 9). (¬6) "سنن الدارقطني" (1/ 82 رقم 10).

ثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد الذي أُري النداء، قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -توضأ فغسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين، وغسل رجليه مرتين، ومسح برأسه مرتين". حدثنا (¬1) جعفر بن محمَّد الواسطي، ثنا موسى بن إسحاق، ثنا أبو بكر، ثنا ابن عيينة بهذا الإسناد، وقال: "ومسح برأسه ورجليه مرتين". ثنا (¬2) دعلج بن أحمد، ثنا محمَّد بن عليّ بن زيد، ثنا سعيد بن منصور، نا سفيان بهذا: "أن النبي - عليه السلام - غسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين مرتين". الفائدة الثانية: أن الطحاوي قد أخرج في هذا الباب في الوضوء أحاديث عن ثمانية من الصحابة وهم: عليّ، وعثمان، وأبو أمامة، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن زيد، وأبو رافع - رضي الله عنهم -. قال الترمذي (¬3): بعد أن أخرج حديث عليّ - رضي الله عنه -: وفي الباب عن عثمان، وعن عائشة، والربيع، وابن عمر، وأبي أمامة، وأبي رافع، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية، وأبي هريرة، وجابر، وعبد الله بن زيد، وأبي بن كعب -رضي الله عنهم-. قلت: وفي الباب أيضًا عن عبد الله بن أبي أوفى، وأبي مالك الأشعري، والبراء ابن عازب، وأنس بن مالك، ووائل بن حجر، وأبي بكرة، وعبد الله بن أنيس، ومعاذ بن جبل، وأبي كاهل، والمقدام بن معدي كرب، وكعب بن عمرو، وبريدة، وابن الفاكه فهؤلاء (تسعهٌ وعشرون) (¬4) صحابيّا. فحديث عائشة - رضي الله عنها - عند ابن ماجه (¬5): "أن النبي - عليه السلام - توضأ ثلاثا ثلاثا". ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 82 رقم 11). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 82 رقم 12). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 44). (¬4) كذا في "الأصل، ك"، والمذكورون عددهم ثمانية وعشرون. (¬5) "سنن ابن ماجه" (1/ 144 رقم 415).

وحديث الربيع عنده (¬1) أيضًا: عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا ثلاثا". وحديث ابن عمر عنده (¬2) أيضًا: "أنه توضأ ثلاثا ثلاثا" ورفع ذلك إلى النبي - عليه السلام -. وحديث معاوية عند أبي داود (¬3): "أنه توضأ للناس كما رأى رسول الله - عليه السلام - يتوضأ، فلما بلغ رأسه اغترف غرفة من ماء، فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلي مقدمه". وحديث أبي هريرة عند الطبراني في "الأوسط" (¬4): "أن رسول الله - عليه السلام - توضأ فمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه ثلاثا ومسح برأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا". وحديث جابر عند ابن ماجه (¬5): عن ثابت بن أبي صفية قال: "سألت أبا جعفر قلت له: حُدِّثت عن جابر بن عبد الله أن النبي - عليه السلام - توضأ مرة مرة"؟ قال: نعم، قلت: ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا؟ قال: نعم". وحديث عبد اللهَ بن زيد عند البخاري (¬6): وقد ذكرناه. وحديث أبي بن كعب عند ابن ماجه (¬7): "أن رسول الله - عليه السلام - دعا بماء، فتوضأ ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 145 رقم 418). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 44 رقم 414). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 31 رقم 124). (¬4) "المعجم الأوسط" (6/ 97 رقم 5912). (¬5) "سنن ابن ماجه" (1/ 43 رقم 310). (¬6) سبق تخريجه. (¬7) "سنن ابن ماجه" (1/ 145 رقم 420).

مرة مرة، فقال: هذا وظيفة الوضوء، أو قال: وضوءٌ من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة، ثم توضأ مرتين مرتين، ثم قال: هذا وضوء من توضأه أعطاه الله كفلين من الأجر، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال: هذا وضوئي، ووضوء المرسلين قبلي". وحديث عبد الله بن أبي أوفى عنده (¬1) أيضًا قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - توضأ (ثلاثا) (¬2) ومسح رأسه مرة". وحديث أبي مالك عنده (¬3) أيضًا قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ ثلاثا ثلاثا". وحديث البراء بن عازب عند أحمد (¬4)، و (كان أميرَّا بعُمان) (¬5) فقال: "اجتمعوا (لأريكم) (¬6) كيف كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ، وكيف كان يصلي، فإني لا أدري ما قدر صحبتي إياكم، قال: فجمع بنيه وأهله، ودعا بوَضوء فتمضمض واستنثر، فغسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمني ثلاثا وغسل هذه ثلاثا -يعني اليسرى- ثم مسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وغسل هذه الرجل يعني اليمنى ثلاثا، وغسل هذه الرجل (يعني اليسرى ثلاثا) (¬7)، ثم قال: هكذا ما ألوتُ أن أريكم كيف كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ". ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 144 رقم 416). (¬2) كذا في "الأصل، ك" دون تكرار، وفي "سنن ابن ماجه": "ثلاثا ثلاثا". (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 144 رقم 417). (¬4) "مسند أحمد" (4/ 288 رقم 18560). (¬5) الذي كان أميرًا بعمان هو يزيد بن البراء الراوي عن أبيه البراء. قال أحمد في إسناده: عن يزيد بن البراء بن عازب -وكان أميرًا بعمان، وكان كخير الأمراء- قال: قال أبي: "اجتمعوا ... الحديث". (¬6) كذا في "الأصل، ك"، وفي "مسند أحمد": (فلأريكم). (¬7) كذا في "الأصل، ك" وفي "مسند أحمد": (ثلاثًا يعني اليسرى).

وحديث أنس عند الطبراني في "الأوسط" (¬1): "رأيت رسول الله - عليه السلام - يتوضأ ثلاثا ثلاثا، (وقال: بهذا أمرني ربي عز وجل) " (¬2). وحديث وائل بن حجر عنده في "الكبير" (¬3)، وعند البزار قال: "حضرت رسول الله - عليه السلام - وقد أُتى بإناء فيه ماء فأكفأ على يمينه ثلاثا، ثم غمس يمينه في الإناء فأفاض بها على اليسرى ثلاثا، ثم غمس اليمنى فحفن حفنة من ماء فمضمض بها، واستنشق واستنثر ثلاثا، ثم أدخل كفيه في الإناء فحمل بهما ماء فغسل وجهه ثلاثا، ثم خلّل لحيته، ثم مسح باطن أذنيه، وأدخل خنصره في داخل أذنه؛ ليبلغ الماء، ثم مسح رقبته وباطن لحيته من فضل ماء الوجه، وغسل ذراعه اليمنى ثلاثا حتى جاوز المرفق، وغسل اليسرى مثل ذلك باليمني حتى جاوز المرفق، ثم مسح على رأسه ثلاثا، ومسح ظاهر أذنيه، ومسح رقبته وباطن لحيته بفضل ماء الرأس، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا، وخلل أصابعها، وجاوز بالماء الكعب، ورفع في الساق الماء، ثم فعل في اليسري مثل ذلك، ثم أخذ حفنة من ماء بيده اليمنى فوضعه على رأسه حتى تحدر من جوانب رأسه، وقال: هذا تمام الوضوء، فدخل محرابه فصف الناس خلفه، ونظر عن يمينه ويساره". وحديث أبي بكرة عند البزار (¬4) قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - توضأ فغسل يديه ثلاثا، ومضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، و [غسل] (¬5) ذراعيه إلى المرفقين، ومسح برأسه يقبل بيديه من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه، ثم غسل رجليه ثلاثا، وخلّل [بين] (4) أصابع رجليه، وخلّل لحيته". ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (2/ 159 رقم 1571). (¬2) ليست في "المعجم الأوسط". (¬3) "المعجم الكبير" (22/ 49 رقم 118). (¬4) "مسند البزار" (9/ 133 - 134 رقم 3687). (¬5) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند البزار".

وحديث عبد الله بن أنيس عند الطبراني في "الأوسط" (¬1) قال: "ألا أريكم كيف كان توضأ رسول الله - عليه السلام -، وكيف صلى؟ قلنا: بلى، فغسل يديه ثلاثا ثلاثا، [ومضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه وذراعيه إلى المرفقين ثلاثا ثلاثا] (¬2) ومسح برأسه مقبلا ومدبرا، وأمسَّ أذنيه، [وغسل] (¬3) رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم أخذ ثوبا فاشتمل به وصلي، قال: هكذا رأيت حِبّي رسول الله - عليه السلام - يتوضأ ويصلي". وحديث معاذ بن جبل (عنده) (¬4) أيضًا في "الكبير" (¬5) قال: "كان النبي - عليه السلام - يتوضأ واحدة (واحدة) (¬6)، وثنتين (ثنتين) (¬7) وثلاثا ثلاثا كل ذلك كان يفعل". وفي إسناده محمَّد بن سعيد المصلوب، وهو ضعيف. وحديث أبي كاهل عنده أيضًا في "الكبير" (7)، قال: "مررت برسول الله - عليه السلام - وهو يتوضأ [فقلت] (¬8): يا رسول الله، قد أعطانا الله منك خيرا كثيرا، فغسل كفيه، ثم تمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه ولم يوقت، وظهر قدميه ولم يوقت، وقال: يا أبا كاهل، ضع الطهور مواضعه، وأبق فضل طهورك لأهلك لا تعطش أهلك ولا تشقق على خادمك". وفي إسناده الهيثم بن جماز، وهو متروك. ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (4/ 257 رقم 4133). (¬2) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "المعجم الأوسط". (¬3) في "الأصل، ك": وأخذ، ولعله انتقال نظر من المصنف -رحمه الله-، والمثبت من "المعجم الأوسط". (¬4) تكررت في "الأصل". (¬5) "المعجم الكبير" (20/ 68 رقم 125). (¬6) ليست في "المعجم الكبير" وهي مثبتة في "الأصل، ك". (¬7) "المعجم الكبير" (18/ 360 رقم 926). (¬8) في "الأصل، ك": قلت، والمثبت من "المعجم الكبير".

وحديث المقدام بن معدي كرب عند أبي داود (¬1) قال: "أُتي رسول الله - عليه السلام - بوَضُوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما، وباطنهما". وحديث كعب بن عمرو عند الطبراني (¬2) وأبي داود (¬3). وحديث بريدة (¬4). ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 30 رقم 121). (¬2) "المعجم الكبير" (19/ 180 رقم 409). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 32 رقم 132) من طريق طلحة بن مصرف بن كعب بن عمر، عن أبيه، عن جده. (¬4) هذا آخر كلام الشارح في "الأصل، ك" وبيض لحديثي بريدة وابن الفاكه. فأما حديث بريدة: فأخرجه الطبراني في "الأوسط" (4/ 78 رقم 3661). وأما حديث ابن الفاكه: فأخرجه علي بن الجعد في "مسنده" (1/ 495 رقم 3447).

ص: باب: فرض مسح الرأس في الوضوء

ص: باب: فرض مسح الرأس في الوضوء ش: أي هذا باب في بيان أحكام فرض مسح الرأس في الوضوء، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصَدَفي وعبد الغني بن أبي عقيل وأحمد بن عبد الرحمن قالوا: أبنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم ومالك بن أنس، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، عن رسول الله - عليه السلام -: "أنه أخذ بيده في وضوئه للصلاة ماء فبدأ بمقدّم رأسه، ثم ذهب بيده إلى مؤخر الرأس، ثم ردهما إلى مقدّمه". قال مالك: هذا أحسن ما سمعت في ذلك، وأعمّه في مسح الرأس. ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وعبد الأعلى وأحمد عبد الرحمن كلاهما من شيوخ مسلم، ولقب أحمد بَحشَلْ، وعبد الله بن وهب عمّه، والصَدَفي -بفتح الصاد والدال نسبة- إلى الصَدِف -بفتح الصاد وكسر الدال- واسمه عمرو بن مالك بن دَعْمِي بن زياد بن حضرموت. وعبد الغني بن أبي عقيل من شيوخ أبي داود، واسم أبي عقيل: رفاعة بن عبد الملك الجمحي المصريّ. والحديث أخرجه الجماعة، فالبخاريّ (¬1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره. وأبو داود (¬2): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك ... إلى آخره. والترمذي (¬3): عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى، عن مالك. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 80 رقم 183). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 29 رقم 118). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 47 رقم 32).

والنسائي (¬1): عن محمَّد بن [سلمة] (¬2) والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك. وابن ماجه (¬3): عن الربيع بن سليمان وحرملة بن يحيى، كلاهما عن الشافعي، عن مالك. ومسلم (¬4): عن محمَّد بن الصباح، عن خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن عبد الله بن يزيد بن عاصم الأنصاري وكانت له صحبة. وأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه" (¬5): وقال: أنا مالك بن أنس، قال: أنا عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني، عن أبيه يحيى، أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد بن عاصم- وكان من أصحاب رسول الله - عليه السلام - قال: "هل تستطيع أن تُرِيني كيف كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ؟ قال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوَضوء، فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين، ثم تمضمض، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم مسح من مقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه"، قال محمَّد: هذا حسن، والوضوء ثلاثًا ثلاثًا أفضل الوضوء، والاثنتان تجزئان، والواحدة إذا أَسْبغَت تجزئ أيضًا، وهو قول أبي حنيفة. واستنبط منه أحكام: الأول: استدلّت به جماعة على أن الواجب مسح جميع الرأس، على ما يجيء بيانه مستقصي قريب -إن شاء الله تعالى. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 71 رقم 97). (¬2) في "الأصل، ك": مسلمة، وهو تحريف، والمثبت من "سنن النسائي"، وهو المرادي أبو الحارث المصري. (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 149 رقم 434). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 210 رقم 235). (¬5) "الموطأ" رواية محمَّد بن الحسن (ص 33 رقم 5).

الثاني: فيه استيعاب الرأس بالمسح، والإجماع قائم على مطلوبيّته لكن هل ذلك على وجه الوجوب أو الندب؟ فيه خلاف نذكره إن شاء الله، والكيفية المذكورة في هذا الحديث هي المشهورة، وبه استدل أصحابنا على أن السنة في مسح الرأس البداية من مقدّم الرأس، وقال الحسن البصري: السنة البداية من الهامة فيضع يديه عليها ويُمِرُّهما إلى مقدّم الرأس، ثم يُعيدها إلى القفا، وهكذا روي هشام، عن محمَّد، والصحيح قول العامة؛ للحديث المذكور. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): حدثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر كان يمسح رأسه هكذا، ووضع أيوب كفّه وسط رأسه، ثم أمرّها إلى مقدم رأسه". ثنا (¬2) حماد بن مسعده، عن يزيد، قال: "كان سلمة يمسح مقدم رأسه". ثنا (¬3) يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه "أنه كان يمسح رأسه هكذا: من مقدّمه إلى مؤخره، ثم ردّ يديه إلى مقدمه". وقال عبد الرزاق في "مصنفه" (¬4): ثنا ابن جريج قال: أخبرني نافع "أن ابن عمر كان يضع بطن كفه اليمنى على الماء ثم لا ينفضها، ثم يمسح بها ما بين قرنَيْه إلى الجبين مرةً واحدةً لا يزيد عليها". عبد الرزاق (¬5): عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "كان يدُخْل يده في الوَضُوء فيمسح بها مسحةً واحدةً اليافوخ فقط". الثالث: أن المذكور في حديث الجماعة هو مسح الرأس مرةً واحدةً، وبه قال ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 23 رقم 154). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 23 رقم 155). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 23 رقم 152). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 6 رقم 6). (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 6 رقم 7).

أصحابنا، ولهذا قال أبو داود في "سننه" (¬1): أحاديث عثمان - رضي الله عنه - الصحاح تدل على مسح الرأس أنه مرة؛ فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا، وقالوا ب [فيها: و] (¬2) مسحَ رأسه، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره. وعند الشافعي يُسن تكراره كالغسل. ويستدل بما رواه أبو داود (¬3): ثنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن آدم قال: أنا إسرائيل، عن عامر [بن] (¬4) شقيق بن جمرة، عن شقيق بن سلمة قال: "رأيت عثمان بن عفان - رضي الله عنه - غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله فعل هذا". وقال ابن قدامة في "المغني": ولا يسن تكرار مسح الرأس في الصحيح من المذهب، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وروي ذلك عن ابن عمر، وابنه سالم، والحسن، والنخعي، ومجاهد، وطلحة بن مصّرف، والحكم، قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام - ومَنْ بَعدهم، وعن أحمد أنه يسن تكراره، وهو مذهب الشافعي، وروي عن أنس، وقال ابن عبد البرّ: كلهم يقول: يمسح الرأس مسحة واحدة، إلَّا الشافعي قال: يمسح برأسه ثلاثًا؛ لحديث أبي داود المذكور آنفًا، ولنا أن عبد الله بن زيد وصف وضوء النبي - عليه السلام - قال: "ومسح برأسه مرةً واحدةً" متفق عليه، وحديث علي - رضي الله عنه - قال فيه: "ومسح برأسه مرةً واحدة". وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وكذا وصف عبد الله بن أبي أوفى، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع، والربيع، كلهم قالوا: ومسح برأسه مرة واحدةً، ولم يصح من أحاديثهم شيء صريح في تكرار المسح، أما حديث عثمان - رضي الله عنه - فرواه ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 26). (¬2) في "الأصل، ك": وفيها. والمثبت من "سنن أبي داود". (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 27 رقم 110). (¬4) في "الأصل، ك": عن، وهو تحريف، والمثبت من "سنن أبي داود" ومصادر ترجمة عامر بن شقيق.

يحيى بن آدم، وخالفه وكيع فقال: توضأ ثلاثًا ثلاثًا فقط، والصحيح عن عثمان أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا في غيره، وبقية أحاديثهم إنما [أرادوا] (¬1) بها توضأ ثلاثًا ثلاثًا في غير المسح، فإن رواتها حين فصلوا الوضوء قالوا: ومسح برأسه مرةً (¬2). قلت: ولهذا قال البيهقي (¬3): قد روي من أوجه غريبة عن عثمان ذكر التكرار في مسح الرأس، إلَّا أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإنْ كان بعض أصحابنا يحتج بها. فإن قلت: قد روى الدارقطني في "سننه" (¬4): عن محمَّد بن محمود الواسطي، عن شعيب بن أيوب، عن أبي يحيى الحماني، عن أبي حنيفة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي - رضي الله عنه -: "أنه توضأ ... " الحديث، وفيه: "ومسح برأسه ثلاثًا، ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة [عن خالد بن علقمة] (¬5)، وخالفه جماعة (من) (¬6) الحفاظ الثقات فرووه عن خالد بن علقمة، فقالوا فيه: "ومسح رأسه مرة واحدة". ومع خلافه إياهم قال: إنَّ السُّنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة (¬7). قلت: الزيادة عن الثقة مقبولة ولا سيما من مثل أبي حنيفة (¬8)، وأما قوله: فقد خالف في حكم المسح غير صحيح؛ لأن تكرار المسح مسنون عند أبي حنيفة أيضًا صرّح بذلك صاحب الهداية، ولكن بماء واحد. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": أراد، والمثبت من "المغني" وهو الأليق بالسياق. (¬2) انتهى من "المغني" بتصرف واختصار (1/ 88). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 62). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 89 رقم 1). (¬5) سقطت من المصنف، واستدركها في الحاشية، ولكن قال: عن علقمة بن خالد، وقال العيني: في "المغاني" وفي هذا الكتاب (1/ 238): ويقال له: علقمة بن خالد، والمثبت من "سنن الدارقطني". (¬6) تكررت في "الأصل". (¬7) انتهى كلام الدارقطني باختصار وتصرف من المصنف -رحمه الله-. (¬8) لا جرم أن هذا تكلف شديد من المصنف، فهذه ليست زيادة؛ إنما هي خلاف في اللفظ يعارض ما رواه الحفاظ، راجع كلام الدارقطني.

الرابع: احتج الشافعي بما في حديث مسلم من هذا الحديث، وهو: "فمضمض، واستنشق من كف واحد يفعل ذلك ثلاثًا"، أن السنة في الوضوء أن يتمضمض، ويستنشق ثلاثًا من كف واحد، وهو وجه عنده. وفي "الروضة": وفي كيفيته وجهان: أصحهما: يتمضمض من غرفة ثلاثًا، ويستنشق من أخرى ثلاثًا، والثاني: بست غرفات. قلت: فعلى هذا ثلاثة أوجه عند الشافعي في المضمضة والاستنشاق، وهذه الأوجه الثلاثة منقولة عن أحمد، وأما مذهب مالك، فقد قال في "الجواهر": حكى ابن سابق في ذلك قولين: أحدهما: يغرف غرفة واحدة لِفيه وأنفه، والثاني: يتمضمض ثلاثًا في غرفة، ويستنشق ثلاثًا في غرفة فقال: وهذا اختيار مالك، والأول اختيار الشافعي. وفي "المغني": وهو مخيَّر بين أن يمضمض ويستنشق ثلاثًا من غرفة أو بثلاث غرفات فإن عبد الله بن زيد روى عن النبي - عليه السلام -: "أنه مضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات"، متفق عليه، وروي البخاري عنه: "أن النبي - عليه السلام - مضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا من غرفة من واحدة"، وروى الأثرم، وابن ماجه: "أن رسول الله - عليه السلام - توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا من كف واحد"، وإنْ أفرد لكل عضو ثلاث غرفات جاز؛ لأن الكيفية في الغسل غير [واجبة] (¬1). وفي "التلويح" (¬2) شرح البخاري: والأفضل أن يتمضمض، ويستنشق بثلاث غرفات كما في الصحاح وغيرها. ووجه ثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثًا، ثم يستنشق منها ثلاثا، رواه علي بن أبي طالب، عن النبي - عليه السلام - عند ابن خزيمة وابن حبان، ورواه أيضًا وائل بن حجر بسند ضعيف عند البزار. ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل". (¬2) هو كتاب "التلويح شرح الجامع الصحيح" للحافظ علاء الدين مغلطاي صاحب "إكمال تهذيب الكمال". انظر "كشف الظنون" (1/ 546).

وثالث: يجمع بينهما بغرفة، وهو أن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم الثانية كذلك، ثم الثالثة. رواه عبد الله بن زيد، عن النبي - عليه السلام - عند الترمذي، وقال: حسن غريب. ورابع: يفصل بينهما بغرفتين يتمضمض من إحداهما ثلاثًا، ثم يستنشق من الاخرى ثلاثًا. وخامس: يفصل بست غرفات يتمضمض بثلاث، ويستنشق بثلاث انتهى. قلت: استدل أصحابنا على ما قالوا بما رواه الترمذي (¬1): ثنا هنّاد وقتيبة، قالا: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية قال: "رأيت عليًّا - رضي الله عنه - توضأ، فغسل كفيه حتى أَنْقاهما، ثم مضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام بأخذ فضل طَهُوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله - عليه السلام - وقال: هذا حديث حسن صحيح. فإن قيل: لم يُحك فيه أن كل واحدة من المضامض، والاستنشاقات بماء واحد بل حكي أنه تمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا. قلت: مدلوله ظاهرًا ما ذكرناه، وهو أن يتمضمض ثلاثًا، يأخذ لكل مرة ماءً جديدًا، ثم يستنشق كذلك، وهو رواية البُويطي عن الشافعي؛ فإنه روى! عنه أنه يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة، وثلاث غرفات للاستنشاق، وفي رواية غيره عنه في "الأم" يغرف غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يغرف غرفةً يتمضمض بها ويستنشق، ثم يغرف ثالثة يتمضمض منها ويستنشق، فيَجْمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق، واختلف نصّه في الكيفيَّتن، فنصّ في "الأمّ" -وهو نص مختصر المزني- أن الجمع أفضل، ونصّ البُويطي أن الفصل أفضل، ونقله الترمذي عن الشافعي. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 67 رقم 48).

قال النووي: قال صاحب "المهذب": القول بالجمع أكثر في كلام الشافعي، وهو أيضًا أكثر في الأحاديث "الصحيحة" والجواب عن كل ما روي من ذلك فهو محمول على الجواز. وقال المرغيناني: لو أخذ الماء بكفه وتمضمض ببعضه واستنشق بالباقي جاز، وعلي عكسه لا يجوز لصيرورة الماء مستعملًا، والجواب عما ورد في الحديث "فتمضمض واستنشق من كف واحد" أنه مجمل لأنه يحتمل أنه تمضمض واستنشق بكفٍ واحدٍ بماء واحدٍ، ويحتمل أنه فعل ذلك بكف واحد بمياه، والمحتمل لا تقوم به حجة، أو يُرَدُّ هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه توفيقًا بين الدليلين، وقد يقال: إنَّ المراد: استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين كما في الوجه، وقد يقال؛ إنَّه فعلهما باليد اليمنى؛ ردَّا على قول من يقول يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأن الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء، كذا في "المبسوط". وفيه نظر لا يخفى، وأما وجه الفصل بينهما كما هو مذهبنا: فما رواه الطبراني (¬1). عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جدّه كعب بن عمرو اليامي: "أن رسول الله - عليه السلام - توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، فأخذ لكل واحدة ماءً جديدًا". وكذا روى عنه أبو داود في "سننه" (¬2): وسكت عنه، وهو دليل رضاه بالصحة. ثم اعلم أن السُنَّة أن تكون المضمضة والاستنشاق باليمني، وقال بعضهم: المضمضة باليمني والاستنشاق باليسار؛ لأن الفم مطهرة والأنف مقذرة، واليمين للأطهار، واليسار للأقذار، ولنا ما روي عن الحسن بن علي - رضي الله عنه -: "أنه استنثر بيمينه فقال له معاوية: جهلت السنة فقال: كيف أجهل والسُّنة من بيوتنا خرجت ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (19/ 180 رقم 409). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 34 رقم 139).

أما علمت أن النبي - عليه السلام - قال: اليمين للوجه، واليسار للمقعد" كذا ذكره صاحب "البدائع". والترتيب بينهما سُنّة، ذكره في الخلاصة؛ لأنه لم يُنْقَل عن النبي - عليه السلام - في صفة وضوئه إلَّا هكذا، وهما سنتان في الوضوء، واجبتان في الغسل عندنا، وبه قال الثوري. وقال الشافعي: هما سنتان فيهما جميعًا. وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري، والزهريّ، والحكم، وقتادة، وربيعة، ويحيي بن سعيد الأنصاري، ومالك، والأوزاعي، والليث، وهو رواية عن عطاء، وأحمد. وقال أحمد -في المشهور عنه-: إنهما واجبتان فيهما. وهو مذهب ابن أبي ليلى، وحماد، وإسحاق، ورواية عن عطاء. والمذهب الرابع: أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول. واحتجوا بما رواه البخاري (¬1)، ومسلم (¬2): عن أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: "من توضأ فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر". قلنا: هذا محمول على الاستحباب. ثم "المضمضة" تحريك الماء في الفم، قال ابن سيده: مضمض، وتمضمض. وكماله أن يجعل الماء في فيه ثم يُدِيره ويَمُجّه، وأقله أن يجعل الماء في فيه، ولا يشترط إدارته على مشهور مذهب الشافعي، وقال جماعة من أصحابه: يشترط، وفي "شرح البخاري للركني": المضمضة أصلها مُشْعِرٌ بالتحريك، ومنه مضمض النعاس في عينيه إذا تحرك، واستعمل في المضمضة لتحريك الماء في الفم. وأما "الاستنشاق": فهو إدخال الماء في الأنف، وقال ابن طريف: نثر الماء في أنفه: دفعه، وأما الاستنثار فزعم ابن سيده أنه يقال: استنثر إذا استنشق الماء ثم ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 72 رقم 160). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 212 رقم 237).

استخرج ذلك بِنَفَسِ الأنف، والنثرة: الخيشوم وما والاه، وتنشق واستنشق الماء في أنفه: صبّه في أنفه، وفي "جامع القزاز": نثرت الشيء أنثِره وأنثُره إذا بددته، فأنت ناثر، والشىء منثور، قال: والمتوضئ يستنشق إذا جذب الماء بريح أنفه، ثم يستنثره، وفي "الغريبين": يستنشق أبي يبلغ الماء خياشيمه، ويقال: نثر، وانتثر، واستنثر، إذا حرك النثرة وهي طرف الأنف، وذكر ابن الأعرابي، وابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار واحد. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا أبي وحفص بن غياث، عن ليث، عن طلحة بن مُصَرِّفٍ، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت النبي - عليه السلام - يمسح مقدم رأسه حتى بلغ القذال من مقدم عنقه". ش: عبد الصمد روى له الجماعة. وأبوه عبد الوارث بن سعيد البصري روى له الجماعة. وحفص بن غياث قاضي الكوفة من أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة. وليث هو ابن أبي سليم القرشي الكوفي، روى له مسلم مقرونًا بغيره وروى عنه أبو حنيفة، وعن يحيى لا بأس به. وطلحة بن مصرف بن عمرو الكوفي، روي له الجماعة. وأبوه مصُرّف بن عمرو بن كعب يقال: له صحبة. وجده عمرو بن كعب - رضي الله عنه -. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا محمَّد بن عيسي، ومسدد قالا: ثنا عبد الوارث، عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يمسح رأسه مرةً واحدةً حتى بلغ القذال، وهو أول القفا -وقال مُسدّد: مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره حتى أخرج يديه من تحت أذنيه-" قال أبو داود: فحدثت به يحيى فأنكره. قال أبو داود: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: ابن عيينة زعموا أنه كان ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 32 رقم 132).

ينكره، ويقول أَيْشْ طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده؟ قلت: قال ابن أبي حاتم: مصرف بن كعب بن عمرو اليامي روى عن أبيه، قال بعضهم: صحبة، روى عنه ابنُه طلحة، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هذا خطأ، طلحة رجل من الأنصار وليس هو ابن مصرف، ولو كان ابن مصرف لم نختلف فيه. قوله: "مقدم رأسه" ذكر ابن جني: أن الجمع أَرْؤُس و [آراس] (¬1) -على القلب و (رُؤُس) (¬2). قال ابن السكيت: ورُءْسٌ على الحذف. وأنشد (¬3): فيومًا إلى أهلي ويومًا إليكُم ... ويومًا أحُطُّ الخيل من رُؤْسِ أجْبال قوله: "حتى بلغ القذال" بفتح القاف، والذال المعجمة، جماع مؤخر الرأس، وهو معقد العذار من الفرس خلف الناصية، ويقال: القذالان: ما اكتنف فأس القفا عن يمين وشمال، ويجمع على أَقْذِلة وقُذُل، وقذلته: ضربت قذاله. ويُستفاد منه: أن كيفية المسح أن يكون من مقدم الرأس إلى أن يبلغ القذال من مقدم عنقه، وروي في كيفية المسح أحاديث كثيرة. فعند النسائي (¬4): من حديث عبد الله بن زيد: "ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه". وعند ابن أبي شيبة (¬5): من حديث الربيع "بدأ بمؤخره، ثم رَدّ على ناصيته". وعند الطبراني (¬6): "بدأ بمؤخر رأسه ثم جَرّه إلى قفاه، ثم جره إلى مؤخره". ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": اارُس، والمثبت من "لسان العرب" (مادة: رأس). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "لسان العرب": رؤوس، بزيادة واو قبل السين. (¬3) عزاه في "لسان العرب" لامرئ القيس. (¬4) "المجتبى" (1/ 71 رقم 98). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 23 رقم 153). (¬6) "المعجم الأوسط" (3/ 35 رقم 2389) من حديث الربيع أيضًا.

وعند أبي داود (¬1): "يبدأ بمؤخره ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما". وفي لفظ (¬2): "مسح الرأس كله، من قرن الشعر كل ناحية لمنصب الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته". وفي لفظ (¬3): [مسح رأسه وما أقبل] (¬4) وما أدبر، وصدغيه". وعند البزار (¬5): من حديث بكار بن عبد العزيز، عن أبيه، عن أبي بكرة يَرْفعه-: "توضأ ثلاثًا ثلاثًا"، وفيه: "مسح برأسه، يقبل (بيده) (¬6) من مقدمه إلي مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدّمه" وبَكارٌ ليس به بأس. وعند ابن قانع من حديث أبي هريرة: "وضع يديه على النصف من رأسه، ثم جرّهما إلى مقدم رأسه، ثم أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه، وجزهما إلى صُدْغيه". وعند أبي داود (¬7): من حديث أنس: "أدخل يده من تحت العمامة فمسح مُقدّم رأسه". وفي كتاب ابن السكن: "فمسح باطن لحيته وقفاه". وفي "معجم البغوي"، وكتاب ابن أبي خيثمة: "مسح رأسه إلى سالفته". وفي كتاب النسائي (¬8): عن عائشة، ووصفت وضوئه - عليه السلام -: "ووضعت يدها في مقدّم رأسها، ثم [مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره، ثم أمرّت يديها بأذنيها، ثم مرّت] (¬9) على الخدين". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 31 رقم 126). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 31 رقم 128). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 32 رقم 129). (¬4) في "سنن أبي داود": فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه. (¬5) "مسند البزار" (9/ 134 رقم 3687). (¬6) في "مسند البزار": بيديه. (¬7) "سنن أبي داود" (1/ 36 رقم 147). (¬8) "المجتبى" (1/ 72 رقم 100). (¬9) في "الأصل، ك": مسحت بماء مؤخره، ثم مدَّت بيديها بأذنيها ثم مدَّت. والمثبت من "المجتبى".

فهذه أوجه كثيرة يختار المتوضئ أيها شاء، واختار بعض أصحابنا رواية عبد الله بن زيد، وقال السغناقي في شرح الهداية: وكيفيّته: أن يبلّ كفّيه وأصابع يَدَيه، ويضع بطون ثلاث أصابع من كل كف على مقدم الرأس، ويعزل السبّابتن والإبهامين، ويجافي الكفن، ويجرهما إلي مؤخر الرأس، ثم يمسح الفودين بالكفين، ويجرهما إلى مقدم الرأس، ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين، وباطن الأذنين بباطن السبابتن، ويمسح رقبته بظاهر اليدين حتى يصير ماسحًا ببل لم يَصِرْ مستعملًا، كذا علمنا الأستاذ الشفيق فخر الدين المَايْمرُغي، إلَّا أن الرواية في "المبسوط" على أن الماء لا يعطي له حكم الماء المستعمل حال الاستعمال فقال: ألا ترى أن في المسنون يستوعب الحكم جميع الرأس كما في المغسولات، فكما في المغسولات الماء في العضو لا يصير مستعملًا، فكذلك في حكم إقامة السُنَّة في الممسوح، ولكن يجب أن تستعمل فيه ثلاث أصابع اليد في الاستيعاب؛ ليقوم الأكثر مقام الكل حتى أنه لو مسح ناصيته بجوانبها الأربع لا يجوز -في الأصح- لعدم استعمال أكثر الأصابع. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن ليث ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله ابن عمرو التميمي المقعد البصري، شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث ابن سعيد البصري، عن ليث بن أبي سليم، عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): وقال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت النبي - عليه السلام - توضأ فمسح رأسه هكذا، وأَمرَّ حفص بيديه على رأسه حتى مسح قفاه". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 23 رقم 150).

وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ولفظه: "أنه رأى رسول الله - عليه السلام - يمسحُ رأسه حتى بلغ القذال، وما يليه من مقدم العنق مرةً، قال: القذال السالفة". قال الجوهري: السالفة ناحية مقدّم العنق، من لدن معلق القرط إلى قلب الترقوة. ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا عليّ بن بحر، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا عبد الله بن العلاء، عن أبي الأزهر، عن معاوية - رضي الله عنه -: "أنه أراهم وضوء رسول الله - عليه السلام - فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، ثم مرّ بهما حتى بلغ القفا، ثم ردَّهما حتى بلغ المكان الذي منه بدأ". ش: أحمد بن داود وثقه ابن يونس. وعلي بن بَحْر بن بَريّ القطان وثقه يحيى وغيره، روى له الترمذي. والوليد بن مسلم القرشي الدمشقي روى له الجماعة. وعبد الله بن العلاء بن زَبْر أبو عبد الرحمن الدمشقي روى له الجماعة. وأبو الأزهر اسمه المغيرة بن فروة الثقفي وثقه ابن حبان، روى له أبو داود. وأخرجه أبو داود (¬2): عن المؤمل بن فضل الحراني، عن الوليد بن مسلم إلى آخره بأتم منه، ولفظه: "ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه". وأخرجه البيهقي في سننه (¬3): من طريق أبي داود، وأخرجه أحمد (¬4)، والطبراني (¬5) أيضًا. ص: فذهب ذاهبون إلي مسح الرأس كله واجب في وضوء الصلاة، لا يجزئ ترك شيء منه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 481 رقم 15993). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 31 رقم 124). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 59 رقم 276). (¬4) "مسند أحمد" (14/ 94 رقم 16900). (¬5) "المعجم الكبير" (19/ 384 رقم 900).

ش: أراد بهؤلاء الذاهبين: مالكًا، وابن عليّة، وأحمد في رواية، فإنهم ذهبوا إلى أن مسح جميع الرأس فرض، واستدلوا على ذلك بالأحاديث المذكورة، والمروي عن مالك فرض الكل، ولكن أصحابه اختلفوا، فقال أشهب: يجوز مسح بعض الرأس، وقال غيره الثلث فصاعدًا. وفي "المغني": اختلف في قدر الواجب، فروي عن أحمد وجوب مسح جميعه في حق كل أحد، وهو ظاهر كلام الخرقي، ومذهب مالك، والرواية الثانية: يجزئ مسح بعضه، وممن قال بمسح البعض: الحسن، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، إلَّا أن الظاهر عن أحمد في حق الرجل وجوب الاستيعاب، وفي حق المرأة يجزئها مقدم الرأس، قال الخلال: العمل في مذهب أبي عبد الله أنَّهَا إنْ مسحت بمقدّم رأسها أجزأها. وقال مهنَّى: قال أحمد: أرجو أن تكون المرأة في مسح الرأس أسهل. قلت له: ولم؟ قال: كانت عائشة - رضي الله عنها - تمسح مقدم رأسها. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: الذي في آثاركم هذه إنما هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه كله في وضوئه للصلاة، (فلهذا) (¬1) نأمر المتوضيء أن يفعل ذلك في وضوءه للصلاة، ولا نوجب ذلك، بكماله عليه فرضًا، وليس في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه ما قد دلّ على أن ذلك كان منه لأنه فرض، وقد رأيناه - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثًا ثلاثًا لا لأن ذلك فرض لا يجزى أقل منه، ولكن منه فرض ومنه نفل. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، والشافعي، وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: الذي في آثاركم أي الأحاديث المتقدمة، والباقي ظاهر. قوله: "ومنه نفل" أي ومن المسح، وفي بعض النسخ: "ومنه فضل" أي زائد على الفرض، وكلاهما في المعني سواء؛ لأن معنى النفل في اللغة: الفضل والزيادة. ¬

_ (¬1) في "شرح المعاني" المطبوع: فهكذا.

ص: وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الآثار الدالة على ما ذهبوا إليه في الفرض في مسح الرأس أنه على بعضه ما قد حدثنا الربيع المؤذن، ثنا يحيى بن حسّان، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ وعليه عمامة فمسح على عمامته، ومسح بناصيته". ش: رواته ثقات، وأيوب هو السختياني. وأخرجه الدارقطني (¬1): عن أبي بكر النيسابوري، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي، عن يحيى بن حسان ... إلى آخره مثله، وزاد: و"خفَّيْه". وكذا رواه البيهقي في "المعرفة" (¬2): عن أبي زكريا بن أبي إسحاق، وأبي بكر أحمد بن الحسن، وأبي سعيد بن عمر قالوا: أنا أبو العباس قال: أنا الربيع قال: أنا الشافعي ... إلى آخره نحوه. ورواه الطبراني في "الكبير" (¬3): عن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، عن محمد بن بكار، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن محمَّد بن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة قال: "مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناصيته وعمامته، ومسح على خفيه وأنا شاهد على ذلك". والحديث أخرجه مسلم (¬4) أيضًا: من غير هذا الوجه، وقال: حدثني محمَّد بن عبد الله بن بزيع قال: ثنا يزيد -يعني ابن زريع- قال: ثنا حميد الطويل قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه قال: "تخلف رسول الله - عليه السلام - وتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: أمعك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسرُ عن ذراعيه فضاق كمّ الجبّة، فأخرج يده من ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 192 رقم 1). (¬2) "معرفة السنن والآثار" (1/ 160 رقم 59). (¬3) "المعجم الكبير" (20/ 426 رقم 1030). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 230 رقم 274).

تحت الجبَّة فألقى الجبَّة على منكبيه، وغسل ذراعيه، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه ... " الحديث. ورواه أبو داود (¬1)، والنسائي (¬2) أيضًا. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أخبرنا ابن عون، عن عامر، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه. وابنُ عَون عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة بن شعبة رفعه إليه قال: "كنا مع رسول الله - عليه السلام - في سفر، فتوضأ للصلاة، فمسح على عمامته، وقد ذكر الناصية بشيء". ش: أخرج الطحاوي هذا عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون شيخ أحمد، ويزيد هذا أخرجه من طريقين: الأول: عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني، عن عامر الشعبي، عن ابن المغيرة، واسمه حمزة، ويقال: عروة، وقال القاضي عياض: حمزة بن المغيرة هو الصحيح، وعروة بن المغيرة في الأحاديث الأخرى، وحمزة وعروة ابنان للمغيرة، والحديث مرويّ عنهما جميعًا لكن رواية بكر بن عبد الله المزني إنما هي عن حمزة ابن المغيرة. قلت: رواية بكر بن عبد الله عنه رواها أبو داود، والطبراني، ولكن أبا داود ما صرّح بحمزة وإنما قال: ابن المغيرة، كرواية الطحاوي، وصرّح الطبراني بحمزة ابن المغيرة، وبعروة بن المغيرة أيضًا، وكذا صرّح النسائي بحمزة بن المغيرة في رواية بكر بن عبد الله المزني عنه، وصرّح بعروة بن المغيرة في رواية عامر الشعبيّ عنه وكذا صرح مسلم في رواية بكر بعروة بن المغيرة على ما مر عن قريب فعلي هذا يحتمل في رواية الطحاوي أن يكون حمزة، ويحتمل أن يكون عروة؛ لأن روايته ليس فيها بكر بن عبد الله المزني فافهم. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 38 رقم 150). (¬2) "المجتبى" (1/ 76 رقم 108).

الثاني: عن ابن عون، عن محمَّد بن سيرين، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة ابن شعبة. فكالطريق الأول أخرجه الطبراني (¬1): عن معاذ بن المثنى بن معاذ، عن أبيه، عن ابن عون، عن محمَّد والشعبي، عن عروة بن المغيرة في حديث طويل، وفيه قال ابن عون: "وذكر من ناصيته وعمامته شيئًا لا أدري أصبته أم لا، ومسح على خفيه". وأخرجه أيضًا (¬2): عن محمَّد بن أحمد بن البراء، ثنا المعافي بن سليمان، نا موسى بن أعين، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عروة بن المغيرة بن شُعبة، عن أبيه قال: "كنت أسيرُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلةً ... " الحديث، وفيه: "فتوضأ فغسل يديه ووجهه وذراعيه، ومسح على خفيه". وكالطريق الثاني: أخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): عن يزيد بن هارون، عن هشام، عن محمَّد، عن عمرو بن وهب الثقفي في حديث طويل، وفيه: "ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى الخفين". قوله: "في سفر" صرّح في رواية أبي داود (¬4): أنه كان في غزوة تبوك قال: ثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: حدثني عباد بن زياد، أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره [أنه سمع أباه] (¬5) المغيرة بن شعبة يقول: "عدل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا معه في غزوة تبوك قبل الفجر فعدلت معه، فأناخ النبي - عليه السلام - فتبرّز، ثم جاء فسكبتُ على يديه من الاداوة، فغسل كفيه، ثم غسل وجهه، ثم حَسَر عن ذراعيه فضاق كمَّا جُبّته، فأدخل يديه فأخرجهما من تحت الجبة فغسلهما إلى المرفق، ومسح برأسه، ثم توضأ على خفيه ... " الحديث. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (20/ 373 رقم 870). (¬2) "المعجم الكبير" (20/ 372 رقم 869). (¬3) "مسند أحمد" (4/ 247 رقم 18189). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 37 رقم 149). (¬5) في "الأصل، ك": أن أباه. والمثبت من "سنن أبي داود".

ثم إنهم استدلوا بهذه الأحاديث أن فرض المسح هو مقدار الناصية، وقال النووي: هذا مما احتج به أصحابنا على أن مسح بعض الرأس يكفي ولا يشترط الجميع. قلت: هذا حجة عليهم لا لهم؛ لأن الفرض عندهم أدنى ما ينطلق عليه اسم المسح، وها هنا قد نصّ على الناصية، وهو مقدار الربع، وقال ابن قدامة: احتج من أجاز البعض بأن المغيرة بن شعبة روى أن النبي - عليه السلام - مسح بناصيته، وعمامته، ولأن من مسح ببعض رأسه يقُال: مسح برأسه كما يقال: مسح برأس اليتيم، وقبَّل رأسه، وزعم بعض من ينصر ذلك أن الباء للتبعيض، ولنا ظاهر قوله تعالى: {بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} (¬1)، والباء للإلصاق فكأنه قال: امسحوا رؤسكم. فيتناول الجميع، كما قال [في التيمم] (¬2): {بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} (3)، قال بعض أهل العربية: من جعل الباء للتبعيض أدخل في اللغة ما ليس منها، وقال ابن بَرْهان: (من زعم) (¬3) أن "الباء" تُفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه، وحديث المغيرة يدل عل جواز المسح على العمامة، ونحن نقول به، وأيضًا فإن النبي - عليه السلام - لما توضأ مسح برأسه كله، وهذا خرج من النبي - عليه السلام - مخرج البيان؛ فدل علي وجوبه، وما ذكروه من اللفظ مجاز، لا يعدل إليه عن الحقيقة إلا بدليل. انتهى. قلت: اتفق الشافعي مع أبي حنيفة في البعضية، ولكن عند الشافعي أقله ما ينطلق عليه اسم المسح، ولو بعض شعره. وفي "الروضة" الواجب في مسح الرأس ما ينطلق عليه الاسم ولو بعض شعره أو قدره من البشرة، وفي وجه شاذ: يشترط ثلاث شعرات، وشرط الشعر الممسوح ألَّا يخرج عن حد الرأس لو مُدّ، سَبطا كان أو جعدَّا انتهى. ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [6]. (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المغني" (1/ 87). (¬3) تكررت في "الأصل".

وعند أبي حنيفة: الفرض مقدار الناصية، وهو ربع الرأس، قال صاحب "الهداية": والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وفي بعض الروايات قدَّره أصحابنا بثلاث أصابع، وهو ظاهر الرواية، وهو المذكور في الأصل، وهو رواية عن محمَّد، ذكرها ابن رستم في نوادره، وإذا وضع ثلاث أصابع ولم يمدّها؛ جاز في قول محمَّد في الرأس والخف جميعًا، ولم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف حتى يمدّها مقدار ما تصيب البلة ربع رأسه، فهما اعتبرا الممسوح عليه، ومحمد اعتبر الممسوح به، وهو عشر أصابع ربعها أصبعان ونصف، إلَّا أن الإصبع الواحدة لا تُجَزَّأ، فجعل المفروض قدر ثلاث أصابع لهذا، فالحاصل أن علمائنا اتفقوا في اعتبار الربع، لكنهما اعتبرا ربع المحل، ومحمد اعتبر ربع الآلة، وما قالاه مُرَجَّح؛ لأن المذكور في النص هو الرأس، فالاعتبار لما هو المذكور فيه أولى. وفي "البدائع": ولو مسح بثلاثة أصابع منصوبة غير موضوعة ولا ممدودة لم يجز، لأنه لم يأت بالقدر المفروض، ولو مدّها حتى بلغ القدر المفروض لم يجز عندنا وعند زفر يجوز، وعلي هذا الخلاف إذا مسح بأصبع أو أصبعين ومدهما حتى بلغ مقدار المفروض، ولو مسح بأصبع واحدة ببطنها وظهرها وجانبيها لم يذكر في ظاهر الرواية، واختلف المشايخ، فقال بعضهم: لا يجوز، وقال بعضهم: يجوز، وهو الأصح، ولو مسح علي شعره وكان شعره طويلًا فإن مسح على ما تحت أذنيه لم يجز، وإنْ مسح على ما فوقهما يجوز، ولو أصاب رأسه من ماء المطر مقدار المفروض سقط عنه فرض المسح -والله أعلم- ثم إنَّ أصحابنا استدلوا على فرضية ربع الرأس في المسح بحديث المغيرة؛ لأن الكتاب مجمل في حق المقدار فقط لأن الباء في {وَامْسَحُوا} للإلصاق باعتبار أصل الوضع، فإذا قرنت بآلة المسح يتعدى الفعل بها إلى محل المسح، فيتناول جميعه، كما يقول الرجل: مسحت الحائط بيدي، ومسحت رأس اليتيم بيدي، فيتناول كله، وإذا قرنت بمحل المسح، يتعدى الفعل بها إلى الآلة، فلا يقتضي الاستيعاب، وإنما يقتضي إلصاق الآلة بالمحل، وذلك لا يستوعب الكل عادةً، ثم أكثر الآلة ينزل منزلة الكل، فيتأدي المسح بإلصاق ثلاثة أصابع بمحل

المسح، ومعنى التبعيض إنما يثبت بهذا الطريق، لا بمعني أن الباء للتبعيض كما قاله البعض، وتحرير الكلام في هذا المقام ما ذكره النحاة: أن الباء تستعمل لمعانٍ كثيرة: أحدها الإلصاق، وقد جعلها الجرجانيّ أصلًا فيه بحيث إنها إذا استعملت في غيره فإنما تكون بقرينة زائدة مع الإشعار بمعنى الإلصاق، فإذا قلت: كتبت بالقلم، وعملت بالقدوم فالباء للاستعانة أي كتبت مستعينًا بالقلم، وعملت مستعينًا بالقدوم، وفي ذلك معنى الإلصاق، وغير الجرجاني يجعل لها معاني كثيرة، كل واحد منها برأسه، منها أن تكون للتبعيض، ذكره أبو علي في "التذكرة"، ويحكي عن الأصمعي في قول الشاعر: شربن بماء البحر ثم ترفعت .... متى لجج خضر لهن نئيج (¬1) ومن شواهد ذلك قوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} (¬2)، وقوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} (¬3)، وقال ابن هشام: أثبت مجيء الباء للتبعيض الأصمعي، والفارسي، والقُتبي، وابن مالك -قيل: والكوفيون- وجعلوا منه: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} (2) قيل: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} (¬4)، والظاهر أن الباء فيهما للإلصاق، وقيل: هي في آية الوضوء للاستعانة، وأن في الكلام حذفًا وقلبًا، فإن "مسح" يتعدى إلى المزال عنه بنفسه، وإلى المزيل بالباء، فالأصل امسحوا رؤسكم بالماء، ونظيره بيت اللباب: كنواح ريش حمامة نجديّة ...... ومسحت باللثَتين عَصْف الأثمد يقول: إنَّ لبابك تضرب إلى سُمْرة فكأنك مسحتها بمسحوق الأثمد، فَقلبَ مَعْمول مَسحَ. وقال الزمخشري في {يَشْرَبُ بِهَا}: المعنى يشرب بها الخمر كما تقول شربتُ الماء ¬

_ (¬1) عزاه في "لسان العرب" (مادة: مخر) لأبي ذؤيب. (¬2) سورة الإنسان، آية: [6]. (¬3) سورة المطففين، آية: [28]. (¬4) سورة المائدة، آية: [6].

بالعسل، فإن قيل: سلمنا أن خبر الواحد يصحّ به بيان مجمل الكتاب، ولكن لا نسلّم أن آية الوضوء فيها إجمال؛ لأن بيان المُجْمَل: ما لا يدرك بيانه إلَّا من جهة المُجْمِل، ونحن لا نحتاج إلى البيان إذا قلنا بالاستيعاب كما قال مالك، أو بأقل ما ينطلق عليه المسح كما قال الشافعي؛ لأن في الأول عملًا بالأقاويل كلها، وفي الثاني عملًا بالمتيقن. قلت: الأول: إنما يكون عملًا بالأقاويل إذا كان الاستيعاب فرضًا عند الكل، وليس بفرض عند الكل، ولهذا قال أحمد: ومن يمكنه أن يأتي على الرأس كله؟! فحينئذ ينفي الإجمال، والثاني: إنما يكون عملًا بالمتيقن إذا كان ذلك الأقل معتبرًا، وقد يحصل بغسل الوجه ولا اعتبار له فيبقى الإجمال أيضًا، وأما وجه التقدير بالناصية، فلأن مسح جميع الرأس ليس بمراد بالإجماع؛ لأن عند مالك لو مسح جميع الرأس إلَّا قليلًا منه جاز، فلا يمكن حمل الآية على جميع الرأس، ولا على بعض مطلق، وهو أدنى ما ينطلق عليه الاسم كما قال الشافعي؛ لأن ماسح شعره أو ثلاث شعرات لا يُسّمي ماسحًا في العرف، فلا بد من الحمل على مقدار يسمى المسح عليه مسحًا في التعارف، وذلك غير معلوم، فصار فعله - عليه السلام - حديث المغيرة بيانًا لمجمل الكتاب؛ إِذْ البيان يكون تارة بالقول وتارة بالفعل، كفعله في هيئة الصلاة، وعدد ركعاتها، وفعله في مناسك الحج، وغير ذلك، فكان المراد من المسح بالرأس مقدار الناصية ببيان النبي - عليه السلام -فإن قيل: أليس -أي في التميم- حكم المسح ثبت بقوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} (¬1) ثم الاستيعاب فيه شرط، قلت: أمَّا على رواية الحسن، عن أبي حنيفة لا يشترط فيه الاستيعاب، لهذا المعنى الذي ذكرناه، وأما على ظاهر الرواية فإنما عرفنا الاستيعاب هناك إما بإشارة الكتاب وهو أن الله تعالى أقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذر الغسل، والاستيعاب في الغسل فرض بالنص، فكذا فيما قام مقامه، أو عرفنا ذلك بالسنة، وهو قوله: - عليه السلام - لعمار: "يكفيك ضربتان ضربة للوجه، وضربة للذراعين". ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [6].

فإن قيل: المسح فرض، والمفروض مقدار الناصية، ومن حكم الفرض أن يكفر جاحده، وجاحد المقدار لا يكفر فكيف يكون فرضًا؟ قلت: بلى جاحد الفرض كافر، وجاحد المقدار لا يكفر؛ لأنه في حق المقدار ظني، وأصل المسح قطعي وجاحده كافر. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من الناصية كل الرأس كما في قوله تعالى: {فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} (¬1)، فإن المراد بها ها هنا الرءوس فيكون المراد من قوله: "ومسح بناصيته": مسح برأسه؟ قلت: الأصل استعمال اللفظ فيما وضع له، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز بلا فائدة ولا قرينة لا يجوز، ولا قرينة ها هنا على أن المراد من الناصية كل الرأس، فإن قيل: كيف استدل أبو حنيفة ببعض الحديث، وترك البعض، ولم يجوز المسح على العمامة؟. قلت: لو عمل بكل الحديث لكان تلزم به الزيادة على النص؛ لأن هذا خبر الواحد، والزيادة به على الكتاب نسخ، فلا يجوز، وأما المسح على الرأس فقد ثبت بالكتاب، فلا يلزم ذلك، ولهذا قال مالك في "موطأه": بلغني عن جابر بن عبد الله: "أنه سئل عن العمامة فقال: لا حتى يمسّ الشعر الماء". ورواه عنه محمد في موطأه (¬2): ثم قال: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، وأما مسحه - عليه السلام - على العمامة فأوّله البعض بأن المراد به ما تحته من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وأَوَّله البعض بأن الراوي كان بعيدًا عن النبي - عليه السلام -فمسح النبي - عليه السلام - على رأسه ولم يضع العمامة في رأسه، فظن الراوي أنه مسح على العمامة، وقال القاضي عياض: وأحسن ما حمل عليه أصحابنا حديث المسح على العمامة أنه - عليه السلام - لعلّه كان به مرض مَنَعه كشفَ رأسه فصارت العمامة كالجبيرة التي يمسح عليها للضرورة، وقال ابن حزم: إنَّ ذلك كان في مرات مختلفة لا أنه مسح على ناصيته وعلى العمامة ¬

_ (¬1) سورة الرحمن، آية: [41]. (¬2) "الموطأ" رواية محمَّد بن الحسن (ص 45 رقم 52).

معًا، بل مسح على العمامة مرةً، ومسح على الناصية في مرة أخرى. وفيه نظر؛ لأنه ليس للتفقه فيه مجال فلا بدّ من النقل على ذلك، ويمكن أن يقال أنه مسح مرتين، مرةً على الناصية، ومرةَّ عَلى العمامة، كما نقل عنه المسح في غير هذا الحديث تارة مرةً، وتارة ثلاثًا، ويدل على ذلك تكرار قوله: "فمسح بناصيته" بعد قوله: "فمسح على عمامته"، ولم يقل: فمسح على عمامته وناصيته، فافهم. وقال ابن حزم أيضًا ما ملخصه: إن الناس اختلفوا في مسح الرأس، فقال مالك بعموم مسح الرأس في الوضوء، وقال أبو حنيفة بمسح مقدار ثلاث أصابع، وعنه ربع الرأس، وقال الثوري: يجزئ في الرأس مسح بعضه ولو شعرة واحدة، ويجزئ مسحه بأصبع، وببعض أصبع، وحد أصحاب الشافعي ما يجزئ من مسح الرأس بشعرتين، ويجزئ بأصبع وببعض أصبع، وأحب ذلك إلى الشافعي: العموم ثلاث مرات. وقال أحمد بن حنبل: يجزئ للمرأة أن تمسح بمقدم رأسها. وقال الأوزاعي والليث: يجزئ مسح مقدم الرأس فقط، وقال داود: يجزئ من ذلك ما وقع عليه اسم مسح، وكذلك بما مسح من أصبع أو أقل أو أكثر، وأحب إليه العموم، وهذا هو الصحيح، وعن النخعي: إنْ أصاب هذا يعني مقدم رأسه، وصدغيه، وعن الشعبي: إنْ مسح جانب رأسه أجزأه، وروي أيضًا عن عطاء، وصفية بنت أبي عبيد، وعكرمة، والحسن، وأبي العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم، ثم قال: ولا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة خلاف لما روينا عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يدخل يده في الوضوء فيمسح به مسحة واحدة اليافوخ فقط، ولا حجة لمن خالفنا يعني مَن روي عنه من الصحابة وغيرهم: مسح جميع رأسه؛ لأنا لا ننكر ذلك بل نستحبه. ثم قال: وأما تخصيص أبي حنيفة لربع الرأس، ولمقدار ثلاث أصابع ففاسد، لأنه لا دليل عليه، فإن قالوا: هو مقدار الناصية قلنا لهم: ومن أين لكم بأن هذا هو مقدار الناصية والأصابع تختلف، وتحديد ربع الرأس يحتاج إلى تكسير ومساحة، وهذا باطل.

قلت: قوله: لأنه لا دليل عليه باطل؛ لأن مذهب أبي حنيفة الذي روى عنه الطحاوي والكرخي هو مقدار الناصية لحديث المغيرة المذكور، ولهذا قال أبو الحسين القدوري: والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وسكت عليه، ولا يلزم من هذا أن تكون الناصية ربع الرأس تحقيقًا، وأما إذا كان تقريبًا فلا يحتاج إليه؛ نعم روى الحسن عن أبي حنيفة أن مقدار الناصية هو الربع كما قال به زفر باعتبار أن الرأس لها أربعة أركان: الناصية، والقفا، والفودان، فبهذا الاعتبار تكون الناصية ربع الرأس، ولا يلزم من هذه القسمة أن تكون الناصية ربعًا حقيقيًا حتى يلزم ما ذكره ابن حزم، وقد قال ابن فارس: الناصية قصاص الشعر، ثم فسر القصاص بأنه نهاية منبت الشعر من مقدم الرأس، فهذا أعم من أن يكون ربع الرأس على الحقيقة، أو باعتبار أنه أحد الأركان الأربعة، وأما جوازه في غير الناصية فكما أن الرأس كله محل للمسح فلا تتعين الناصية دون غيرها، وإنما الذي تعين هو مقدار الناصية فافهم. واستدل بعض الشافعية بالحديث المذكور على استحباب تتميم المسح بالعمامة، لتكون الطهارة على جميع الرأس، ولا فرق عندهم بين أن يكون لَبِس العمامة على طهر أو على حدث، وكذا لو كان على رأسه قلنسوة ولم ينزعها ومسح بناصيته يستحب أن يتممّ على القلنسوة كالعمامة، واستدل به أحمد علي جواز المسح على العمامة. قال ابن المنذر: وممن مسح على العمامة: أبو بكر الصديق، وبه قال عمر، وأنس، وأبو أمامة، وروي عن سعد بن مالك، وأبي الدرداء، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، ومكحول، والأوزاعي، وأبو ثور. وقال عروة، والنخعي، والشعبي، والقاسم، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يجوز المسح عليها. وفي "المغني": ومن شرائط جواز المسح على العمامة شيئان: أحدهما: أن تكون تحت الحنك، وسواء أرخي لها ذوابة أولا، قاله القاضي، ولا فرق بين الصغيرة

والكبيرة إذا وقع عليها الاسم، وقيل: إنما لم يجز المسح على العمامة التي ليس لها حنك؛ لأن النبي - عليه السلام - أمر بالتلحي، ونهى عن الاقتعاط، قال أبو عُبيد: الاقتعاط ألَّا يكون تحت الحنك شيء، وروي: "أن عمر - رضي الله عنه - رأي رجلًا ليس تحت حنكه من عمامته شيء فحنكه بكور منها، وقال: ما هذه الفاسقية" وقال الخلال: أن تكون ساترةً لجميع الرأس إلَّا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين، ويستحب أن يمسح على ما ظهر من الرأس مع المسح على العمامة، نصّ عليه أحمد، وقال الخلال: وإذا نزع عمامته بعد مسحها بطلت طهارته كما لو نزع الخف بعد مسحه، وكذلك إنْ انكشف رأسه، نصّ عليه أحمد إلَّا أن يكون يسيرًا جرت العادة بمثله، مثل: إنْ حك رأسه أو رفعها لأجل الوضوء، فإن انتقضت العمامة بعد مسحها بطلت طهارته وإنْ انتقض بعضها، وقال القاضي: لو انتقض منها كور واحد بطلت طهارته، وهو المنصوص، وقال ابن عقيل: فيه رواية آخري: لا تبطل. وأما القلانس فإن كانت طاقية لم يمسح عليها، وأما القلانس المبطنات كَدَنِّيَات القضاة والنوميات فقال إسحاق بن إبراهيم: قال أحمد: لا يمسح على القلنسوة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بالمسح على القلنسوة، إلَّا أن أنسًا مسح على قلنسوته، وروي الأثرم بإسناده، عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "إنْ شاء حسر عن رأسه، وإنْ شاء مسح على قلنسيته وعمامته". وفي جواز المسح للمرأة على الخمار روايتان: إحداهما: يجوز، والثانية: لا يجوز، قاله نافع، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ولا يجوز المسح على الوقاية قولًا واحدًا، ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه لا يشق نزعها والله أعلم (¬1). ص: ففي هذا الأثر أن رسول الله - عليه السلام - مسح على بعض الرأس، وهو الناصية، وظهور الناصية دليل على أن بقية الرأس حكمه حكم ما ظهر منه؛ لأنه لو كان ¬

_ (¬1) انتهى من "المغني" لابن قدامة بتصرف وتقديم وتأخير (1/ 184 - 186).

الحكم قد ثبت بالمسح على العمامة لكان كالمسح على الخفين فلم يكن ألَّا وقد غُيِّيت الرجلان فيهما، ولو كان بعض (الرجل) (¬1) باديًا لما أجزأه أن يغسل ماظهر (منها) (¬2)، ويمسح على ما غاب منهما [فجعل حكم ما غاب منهما مضمنًا] (¬3) لحكم ما بدا منهما [فلما] (¬4) وجب غسل الظاهر؛ وجب غسل الباطن، فكذلك الرأس لما وجب مسح ما ظهر منه ثبت أنه لا يجوز مسح ما بطن منه ليكون حكمه كله حكمًا واحدًا كما كان حكم الرجلين إذا غيّب بعضهما في الخفين حكمًا واحدًا، فلما أكتفى النبي - عليه السلام - في هذا الأثر بمسح الناصية عن مسح ما بقي من الرأس، دلَّ ذلك أن الفرض في مسح الرأس هو مقدار الناصية، وأن ما فعله فيما جاوز به الناصية فيما سوى ذلك من الآثار كان دليلًا على الفضل لا على الوجوب؛ حتى تستوي هذه الآثار ولا تتضّاد، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار. ش: أشار بهذا الأثر إلى حديث المغيرة بن شعبة، تحريره أنه - عليه السلام - مسح على بعض رأسه في هذا الحديث، وهو الناصية، وظهورها من بين أجزاء الرأس دليل على أن حكم بقية الرأس من الفودين والقفا كحكم ما ظهر منه، وأن الحكم قد ثبت بالمسح على الناصية إِذْ لو ثبت بالمسح على العمامة لكان حكمه كحكم المسح على الخفين ولم يكن المسح (على) (¬5) الخفين إلَّا عند تغيب الرجلين فيهما إِذْ لو كان بعض الرجل ظاهرًا لما أجزأه أن يغسل ما ظهر من ذلك ويمسح ما غاب لعدم [جواز] (¬6) الجمع بين الغسل والمسح من غير ضرورة، فإذا وجب غسل ما ظهر، وجب غسل ما بطن، فكذلك الرأس، لما وجب مسح ما ظهر منه ثبت أنه لا يجوز مسح ما بطن منه تحت العمامة ونحوها، ليكون حكمه كله حكمًا واحدًا كما كان حكم الرجلين ¬

_ (¬1) في "شرح المعاني": "الرجلين". (¬2) في "شرح المعاني": "منهما". (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني". (¬4) في "الأصل، ك": "فلو". والمثبت من "شرح المعاني". (¬5) تكررت في "الأصل". (¬6) في "الأصل، ك": الجواز.

كما ذكرنا، ثم إنَّ النبي - عليه السلام - لما اكتفى في هذا الحديث بالمسح على الناصية عن مسح ما بقي من رأسه دل فعله ذلك أن الفرض في مسح الرأس هو مقدار الناصية، إِذ لو كان غيرها منها فرضًا لما اكتفي بها، ودلّ ذلك أيضًا أن مسحه جميع رأسه في الأحاديث المتقدمة كان ذلك منه على سبيل الفضل والنفل، لا على سبيل الوجوب، إِذْ لو لم يكن الأمر كذلك يلزم التضاد بين هذه الآثار؛ لأن حديث المغيرة يدل على وجوب البعض، وأحاديث غيره تدل على وجوب الكل فإذا حملنا على المعنى المذكور يرتفع التضاد، وتستوي معاني الآثار. ص: وأما من طريق النظر: فإنا رأينا الوضوءَ يجبُ في أعضاء، فمنه ما حكمُه أن يغسل، ومنها ما حكمُه أن يمسح، فأما ما حكمه أن يغسل فالوجه، واليدان، والرجلان في قول من يوجب غسلهما، فكل قد أجمع أن ما وجب غسله من ذلك فلا بد من غسله كله، ولا يجزى غسل بعضه دون بعض، فكان ما وَجب مسحه من ذلك هو الرأس، فقال قوم حكمهُ أن يُمسح كله كما تغسل تلك الأعضاء كلها. وقال آخرون: يمسح بعضه دون بعض، فنظرنا فيما حكمه المسح كيف هو؟ فرأينا حكم المسح على الخفين قد اختلف فيه، فقال قوم: يمسح ظاهرهما وباطنهما، وقال آخرون: يمسح ظاهرهما دون باطنهما، فكل قد اتفق أن فرض المسح في ذلك هو على بعضهما دون مسح كلهما، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك حكم مسح الرأس هو على بعضه دون بعض، قياسًا ونظرًا على ما بينا من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن - رحمهم الله-. ش: أي وأما حكم هذا الباب من وجه النظر والقياس وهذا قياس اقتراني جملي مشتمل على مقدمتين؛ لأن تقديره: فرض الرأس في الوضوء مسح كفرض الرجل التي في الخف، وكل رجل في الخف لا يجب استيعاب مسحه، ينتج فرض الرأس لا يجب استيعاب مسحه وكلام الطحاوي ظاهر.

قوله: "والرجلان في قول من يوجب غسلهما" وهم جمهور العلماء خلافًا لابن جرير الطبري وطائفة يسيرة، فإنهم خيروا بين الغسل والمسح، وخلافًا للروافض فإنهم أوجبوا المسح، وما جوّزوا الغسل على ما سيأتي مفصلًا- إنْ شاء الله تعالى. قوله: "فقال قوم" وهم مالك، وابن عُلية، وأحمد في رواية. قوله: "وقال آخرون" وهم: أبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وغيرهم. قوله: "فقال قوم يمسح ظاهرهما" وهم: مالك، والشافعي، والزهري وغيرهم. قوله: "وقال أخرون" وهم: النخعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وإسحاق، وغيرهم. ص: وقد روي في ذلك عمّن بعد النبي - عليه السلام - أيضًا ما يُوافقُ ذلك، حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عبد الله بن يوسف قال: ثنا يحيى بن حمزة، عن الزُبَيْدي، عن الزُهْريّ، عن سالم، عن أبيه: "أنه كان يمسح بمقدم رأسه إذا توضأ". ش: أي قد روي فيما ذكرنا من التوفيق بين الأحاديث، وتعيّن بعض الرأس في الوجوب، "ما رُوي" عن بعض الصحابة "ما يوافق ذلك"، أي ما ذكرنا، ثم بين ذلك بقوله: "حدثنا ... " إلى آخره. ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود. والزُّبَيْدي هو: محمَّد بن الوليد، صاحب الزهريّ، نسبة إلى زُبَيد بضم الزاي، وفتح الباء الموحدة، وهو: منبه بن مصعب، وهذا هو زبيد الاكبر، إليه ترجع قبائل زُبيد. والزهري هو: محمَّد بن مسلم. وسالم هو: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -.

وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر "كان يدخل يده في الوَضُوء فيمسح بها مسحةً واحدةً [علي] (¬2) اليافوخ فقط". قلت: اليافوخ اسم لمقدم الرأس، يفعول، والجمع اليآفخ، وأَفَخْتُه: ضربت يافوخه، ويافوخ الليل معظمه. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 12 رقم 30). (¬2) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "مصنف عبد الرزاق".

ص: باب: حكم الأذنين في وضوء الصلاة

ص: باب: حكم الأذنين في وضوء الصلاة ش: أي هذا باب في بيان حكم الأذنين في الوضوء هل يمسحان أم لا؟ فإذا كانا يمسحان، هل يمسحان بماء الرأس أو بماء جديد؟ ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو كريب محمَّد بن العلاء، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن محمَّد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن عبيد الله الخولاني، عن عبد الله بن عباس قال: "دخل عليَّ عليٌّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقد أراق الماء، فدعا بإناء فيه ماء، فقال: يا ابن عباس ألا أتوضأ لك كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟ قلت: بلى فداك أبي وأمي، فذكر حديثا طويلًا، وذكر فيه أنه أخذ حفنة من ماء بيديه جميعًا فصكّ بهما وجهه، ثم الثانية مثل ذلك، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم ألقم إبهامَيه ما أقبل من أذنيه، ثم أخذ كفا من ماء بيده اليمنى فصبّها على ناصيته، ثم أرسلها تستن على وجهه، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، واليسرى كذلك، ثم مسح برأسه، وظهور أذنيه". ش: رجاله ثقات. وعَبَدَة بفتحات (¬1) قيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب عليه. وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني، نا محمَّد يعني ابن سلمة، ¬

_ (¬1) لم أجد من ضبطه بفتحات غير المصنف، والمشهور بسكون الباء الموحدة، ولما ذكره ابن ماكولا في "الإكمال" قال: أما عَبْدة بسكون الباء، فجماعة. فكأن الأصل أن يكون بسكون الباء. ثم قال: وأما عَبَدة بفتح العين والباء فهو عَبَدة بن هلال أبومالك، شاعر. ولم يذكر في هذا الباب غيره. فالله أعلم. انظر "الإكمال" (6/ 28، 29). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 29 رقم 117).

عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبيد الله الخولاني، عن ابن عباس قال: "دخل عليَّ عليٌّ بن أبي طالب، وقد أهراق الماء، فدعا بوَضوء، فأتيناه بتَور فيه ماء حتى وضعنا بين يديه، فقال: يا ابن عباس ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله - عليه السلام -؟ قلت: بلى، فأصغى الإناء على يديه فغسلهما، ثم أدخل يده اليمني، وأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه ثلاثا، ثم تمضمض، واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء، فضرب بها على وجهه، ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء، فصبها على ناصيته فتركها تستن على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثا، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعا فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت وفي النعلين؟! قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين؟! قال: وفي النعلين؟! قال: قلت: وفي النعلين؟! قال: وفي النعلين". وأخرجه أحمد (¬1)، والبيهقي (¬2) أيضًا: وقال الترمذي: سألت محمَّد بن إسماعيل البخاريّ عن هذا الحديث فقال: لا أدري ما هذا الحديث، وقال البيهقي: فكأنه رأى حديث عطاء بن يسار أصحّ. وحديث عطاء ما رواه زيد بن أسلم عنه قال: "قال لي ابن عباس: ألا أُريك وُضوء رسول الله - عليه السلام - فتوضأ مرة مرة، ثم غسل رجليه وعليه نعله". أخرجه الجماعة (¬3) بألفاظ مختلفة. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 82 رقم 625). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 74 رقم 355). (¬3) لم يخرجه مسلم ولم يعزه المزي في "أطرافه" (5/ 105 رقم 5978) إلَّا للبخاري والأربعة، وهو عند البخاري (1/ 65 رقم 140)، وأبي داود (1/ 34 رقم 137)، والترمذي (1/ 52 رقم 36)، والنسائي (1/ 74 رقم 102) وابن ماجه (1/ 151 رقم 439).

قلت: هذا الحديث إسناده جيد، ولكن الجواب عنه أن قوله: "فأخذ حفنة من ماء" يحتمل أن تلك الحفنة قد وصلت إلى ظاهر القدم وباطنه وإنْ كان في النعل، ويدل على ذلك قوله: ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، والحفنة من الماء ربما كفت مع الرفق في مثل هذا، ولو كان أراد المسح على بعض القدم لكان يكفيه ما دون الحفنة، وسيجيء البحث فيه مستقصى باب فرض الرجلين في وضوء الصلاة، إنْ شاء الله. قوله: "أَلا" كلمة تنبيه. قوله: "بلى" حرف جواب، وألفه أصلية، وقيل: أصله "بل" والألف زائدة، والفرق بينها وبين "نعم" أنَّ "بلى" حرف إيجاب بعد النفي، و"نعم" تصديق لما قبله نفيا كان أو إثباتا. قوله: "فداك أبي وأمي" معناه أنت مفدّى بأبي وأمي، والفداء بفتح الفاء والقصر، وإذا كسرت الفاء تُمدُّ، يقال: فَداه يفديه فِداء، وفَدَى، وفَادَاهُ يُفَاديه مُفَادَاة إذا أعطى فداءه وأنقذه، وفَدَاه بنفسه، وفَدَّاه إذا قال له: جُعلِتُ فداك، وقيل: المفاداة: أن يُفْتَكَّ الأسير بأسير مثله. قلت: فدى الأسير معناه افتكَّهُ بمال، وإذا أخذ مالا ودفع الأسير يقال: أفداه، وإذا دفع أسيرا وأخذ أسيرا عوضه يقال: فاداه. قوله: "فصك" أي ضرب، ومنه قوله تعالى: {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا} (¬1). قوله: "ثم ألقم إبهاميه" أي أدخلهما، من الإلقام، كأنه جعلهما لقمة لأذنيه. قوله: "يستن" بالسن المهملة أي يسيل وينصب، من سننت الماء إذا صببته صبّا سهلا. ¬

_ (¬1) سورة الذاريات، آية: [29].

قوله: "وظهور أذنَيْه" أي مسح ظهري أذنيه، أطلق الجمع على التثنية مجازا كما في قوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (¬1) أي قلباكما. ص: فذهب قوم بلى هذا الأثر فقالوا: ما أقبل من الأذنين فحكمه حكم الوجه يغسل مع الوجه، وما أدبر منهما فحكمه حكم الرأس يمسح مع الرأس. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبيّ، وابن سيرين، والنخعي، وابن جرير الطبري، وإسحاق بن راهويه. وقال أبو عمر: حكي هذا القول ابن أبي هريرة عن الشافعي (¬2)، وقد روي عن أحمد مثله. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): نا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: "ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس". ثنا (¬4) ابن عُلية، عن ابن عون، عن ابن سيرين: "كان يغسل أذنيه مع وجهه، ويمسحهما مع رأسه". ¬

_ (¬1) سورة التحريم، آية: [4]. (¬2) في "التمهيد" (4/ 37) بعد أن عزا هذا القول لابن راهويه والحسن بن حي قال ابن عبد البر: وحكي عن أبي هريرة هذا القول وعن الشافعي والمشهور من مذهبه ما تقدم ذكره، رواه المزني والربيع والزعفراني والبويطي وغيرهم. قلت: وهذا تحريف وتلفيق من محققه؛ والصواب ما أثبتناه، وابن أبي هريرة هو الإِمام أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة البغدادي القاضي، قال الإِمام الذهبي في "السير" (15/ 430): الإِمام شيخ الشافعية، من أصحاب الوجوه، انتهت إليه رئاسة المذهب، تفقه بابن سريج ثم بأبي إسحاق المروزي، وصنف شرحًا لمختصر المزني، أخذ عنه أبو علي الطبري والدارقطني وغيرهما. واشتهر في الآفاق. وكأن محقق "التمهيد" لم يعرف ابن أبي هريرة، واستبعد أن يروي عن الشافعي فلفق الكلام حتى يستقيم مع فهمه دون التنبيه عليه، غفر الله لنا وله. وكأن ابن عبد البر أراد أن يذكر الخلاف في الروايات عن الشافعي في المسألة. (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 24 رقم 165). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 24 رقم 166).

ثنا (¬1) ابن فضيل، عن حُصين، عن إبراهيم قال: "سألته عن مسح الأذنين، مع الرأس أو مع الوجه؟ فقال مع كلٍ". ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: الأذنان من الرأس يمسح مقدمهما، ومؤخرهما. ش: أي خالف القوم المذكورين "في ذلك" أي في حكم الأذنين جماعة آخرون وهم: أبو حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد، وأصحابهم، فقالوا: الأذنان من الرأس، فإذا كانتا من الرأس فتمسحان مع الرأس، وليس لهما حكم في الغسل، وقال ابن قدامة في"المغني": والأولى ألَّا يخل بمسحهما؛ لكونهما من الرأس، ولكون رسول الله - عليه السلام - مسحهما في وضوئه وقد صح أنه - عليه السلام - مسحهما مع رأسه ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة، وروى ابن عباس: "أن النبي - عليه السلام - مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما". وقال الترمذي: حديث ابن عباس، وحديث الرُّبَيِّع صحيحان، فيستحب أن يدخل سبابته في صماخي أذنيه، ويمسح ظاهر أذنيه بإبهاميه. وقال أبو عمر: قال داود: إنْ مسح أذنيه فحسن، وإنْ لم يمسح فلا شيء عليه، وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه، ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي - عليه السلام -، ولا يوجبون عليه إعادة، إلَّا إسحاق فإنه قال: إنْ ترك مسح أذنيه عمدًا لم يجزه، وقال أحمد: إنْ تركها عمدًا أحببت أن يعيد، وقد كان بعض أصحاب مالك يقول: من ترك سُنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامدا أعاد، وهذا عند الفقهاء ضعيف، وليس لقائله سلف، ولا له حظّ من النظر، ولو كان ذلك كذلك لم يعرف الفرض والواجب من غيره. وقال ابن حزم: وأما مسح الأذنين فليس بفرض، ولا هما من الرأس؛ لأن الآثار في ذلك كلها ضعيفة، فلو كانتا من الرأس لأجزأ أن يمسحا عن مسح ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 24 رقم 170).

الرأس، وهذا لا يقوله أحد، ويقال لهم: إنْ كانتا من الرأس فما بالكم تأخذون لهما ماء جديدا وهما بعض الرأس؟! قلت: هذا كلام ساقط؛ لأنه يفرُّ من القياس، ويستدل على خصمه بالقياس على ما لا يخفى من كلامه، قلت: "لأن الآثار في ذلك ضعيفة كلها" غير صحيح؛ لأن الآثار الصحيحة في سُنية مسحهما كثيرة، وورد أيضًا بعض الآثار بأنهما من الرأس بأسانيد جيدة كما نُبينه- إنْ شاء الله. وقوله: "فلو كان الأذنان ... إلى أخره"، قياس فاسد، على أنه لا يعمل بالقياس؛ لأن معنى كونهما من الرأس كونهما تبعًا لها، فحينئذ لا يثبت لهما حكم الأصل من كل وجه. وقوله: "ويقال لهم ... إلى آخره" لا يرد على الحنفية أصلًا؛ لأنهم لا يأخذون لهما ماء جديدا، ولا على الشافعية أيضًا؛ لأنهم يأخذون ماء جديدا لورود الأثر، لا لكونهما ليستا من الرأس. ص: واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا الربيع، قال: ثنا أسد، قال: ثنا إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: "أنه توضأ فمسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ". ش: الربيع هو ابن سليمان المرادي المؤذن صاحب الشافعي، وأسد هو ابن موسى، وإسرائيل هو ابن يونس، وعامر بن شقيق بن جمرة -بالجيم- فيه مقال، والبقية ثقات. وأخرجه الدارقطني (¬1): عن دَعلج، عن موسى بن هارون، عن أبي خيثمة، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل ... " إلي آخره نحوه. وأخرجه البيهقي (¬2) أيضًا نحوه. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 86 رقم 13). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 63 رقم 299).

ص: حدثنا إبراهيم بن محمَّد الصَيْرفي، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا الدراوردي، قال: نا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أن رسول - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمسح برأسه وأذنيه". ش: أبو الوليد هو: هشام بن عبد الملك الطيالسي، شيخ البخاريّ. والدراورديّ هو: عبد العزيز بن محمَّد. وأخرجه أبو داود (¬1): عن عثمان بن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار نحوه بأتم منه، وفيه: "ثم مسح [بها] (¬2) رأسه وأذنيه". والنسائي (¬3): ولفظه: "ثم مسح [برأسه] (¬4)، وأذنيه باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه". والترمذي (¬5): ولفظه: "مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما". وقال: حديث حسن (¬6)، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، يرون مسح الأذنين ظهورهما وبطونهما. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا عبد العزيز ... فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "مرة واحدة". ش: يحيى بن يحيى النيسابوري، وعبد العزيز هو: الدراوردي. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 34 رقم 137). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود". (¬3) "المجتبى" (1/ 74 رقم 102). (¬4) في "الأصل، ك": "رأسه"، والمثبت من "المجتبى". (¬5) "جامع الترمذي" (1/ 52 رقم 36). (¬6) في المطبوع من "جامع الترمذي": "حسن صحيح".

وأخرجه النسائي (¬1): أخبرنا الهيثم بن أيوب الطالقاني، ثنا عبد العزيز بن محمَّد قال: ثنا زيد بن أسلم (¬2). يقول مِأقٍ ومؤقٍ بكسرها، وبعضهم يقول ماق بلا همز كقاض، والأفصح الأكثر المأْقي بالهمزة والياء، والمُؤْق بالهمز والضم، وجمع المؤق آماق وأماق، وجمع المأقي مآقي وفي "المطالع": فيه لغات: موق وماق على مثال: قاض، ومؤقٍ على مثال: مُعطٍ ناقص أيضًا، وموقي على مثال: موقع، وأمق على مثال عنق. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا محمَّد بن عجلان، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الربيعّ ابنة معوذ بن عفراء: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ عندها فمسح رأسه على مجاري الشعر، ومسح صدغيه، وأذنيه ظاهرهما وباطنهما". ش: تكرر ذكر ربيع، وأسد، وابن لهيعة عبد الله. ومحمد بن عجلان المدني روى له مسلم متابعة، وروى له الأربعة. وعبد الله بن محمد بن عَقيل -بفتح العين- ابن أبي طالب، ضعفه يحيى في رواية، وقال الحاكم كان أحمد وإسحاق بن إبراهيم يحتجان بحديثه، ولكن ليس بالمتين عندهم، وقال يعقوب بن سفيان: صدوق، روى له الأربعة. والرُبَيِّع -بضم الراء، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء آخر الحروف- ابنة مُعوّذ -بكسر الواو المشددة- بن عفراء الصحابيّة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الترمذي (¬4): عن قتيبة بن سعيد، عن بشر بن المفضل، عن عبد الله بن ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 73 رقم 101). (¬2) وقع هنا في "الأصل، ك" سقط بمقدار لوحة -نصف ورقة-. (¬3) "مسند أحمد" (6/ 359 رقم 27067). (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 48 رقم 33).

محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: "أن النبي - عليه السلام - مسح برأسه [مرتين] (¬1) بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وأخرجه ابن ماجه (¬2): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شريك، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الرُبيّع: "أن النبي - عليه السلام - توضأ فمسح ظاهر أذنيه، وباطنهما". وأخرجه الدارقطني (¬3)، والبيهقي (¬4)، والطبراني (¬5). قوله: "على مجاري الشعر" أي على مواضعه، فإن قلت: ما محل هذه الجملة؟ قلت: "النصب" لأنها بدل من الرأس، والتقدير فمسح على مجاري شعر رأسه. قوله: "مسح صُدغيه" الصُدغ بضم الصاد ما بين العين والأذن، ويسمى أيضًا الشعر المتدلي عليها: صدغا، يقال: صدغ معقرب. قوله: "وأذنيه" أي ومسح أذنيه. قوله: "ظاهرِهما" بالجرّ بدل من أذنيه، و"باطِنِهما" عطف عليه. ويستفاد منه: استيعاب مجاري شعر الرأس بالمسح، والمسح على الصغدين، وسنية المسح على الأذنين ظاهرهما وباطنهما. ص: حدثنا إبراهيم بن منقذ العصفري، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني ابن عجلان، ثم ذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر حسن، عن إبراهيم، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب مقلاص الخزاعي، عن محمَّد بن عجلان ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "جامع الترمذي". (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 151 رقم 440). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 106 رقم 50). (¬4) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 59 رقم 277). (¬5) "المعجم الكبير" (24/ 267 - 269 رقم 676، 682، 683).

ص: حدثنا أبو العوام محمَّد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي، قال: ثنا عمي أبو الأسود، قال: حدثني بكر بن مضر، عن ابن عجلان ... فذكره بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر رجاله ثقات، وأبو الأسود اسمه: النضر بن عبد الجبار بن النضير، كلاهما بالضاد المعجمة لكن الأول مكبر، والثاني مصغر. وأخرجه أبو داود (¬1): من حديث بكر بن مضر، عن ابن عجلان ... إلى آخره، ولفظه: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يتوضأ، قالت: فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وأدبر، وصدغيه، وأذنيه مرة واحدة". وأخرجه الترمذي (¬2): وقال: حديث حسن (¬3). ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا همام، قال: ثنا محمَّد بن عجلان، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا حسن، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وهمام بن يحيى. وأخرجه أحمد (¬4): من حديث ابن عجلان ... إلى آخره، ولفظه: "أن رسول الله - عليه السلام - توضأ عندها، فمسح برأسه، فمسح الرأس كله من فوق الشعر كل ناحية بمَنْصِب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته" انتهى، ومَنْصِب الشعر: أصله، بفتح الميم، وكسر الصاد. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: ثنا شريك، عن عبد اللهَ بن محمَّد، عن الربيّع قالت: "أتانا النبي - عليه السلام -فتوضأ فمسح ظاهر أذنيه وباطنهما". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 32 رقم 129). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 49 رقم 34). (¬3) في المطبوع: "حسن صحيح". (¬4) "مسند أحمد" (6/ 359 رقم 27069).

ش: هذا طريق آخر وهو حسن. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، ثنا شريك، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: "وضأت النبي - عليه السلام - فأتيتُه بميضأة تسع مُدّا أو مدّا وثلثا، فقال: اسكبي، فتوضأ ومسحَ مقدم رأسه، ومسح ظاهر أذنيه وباطنهما". و"الميضأة" -بكسر الميم-: الركوة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا رَوحُ بن القاسم، عن عبد الله بن محمَّد، عن الربيع، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا حسن. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): وقال: ثنا أبو مسلم الكشِّي، ثنا محمَّد بن المنهال ... إلى آخره، ولفظه:"قالت: كان النبي - عليه السلام - يأتينا فنأتيه بمضأة لنا فيها ماء، يأخذ بمد المدينة مدا ونصفا أو ثلثا، فأَصُبُّ عليه فيغسل يديه ثلاثا، ويمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه ثلاثا، ويمسح برأسه مرة واحدة، ويمسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وبظهر قدميه". ص: ففي هذه الآثار أن حكم الأذنين ما أقبل منهما وما أدبر من الرأس، وقد تواترت الآثار بذلك ما لم يتواتر بما خالفه، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: أي ففي هذه الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الثانية. قوله: "وقد تواترت" أي تكاثرت وتتابعت، وليس المراد منه التواتر المصطلحي. قوله: "بما خالفه" أراد به حديث أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى. قوله: "فهذا وجه هذا الباب" أراد أن العمل بالذي تواتر أولى من الذي لم يتواتر مثله، وهذا هو الوجه في التوفيق بين الأحاديث المخالفة. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (24/ 269 رقم 682). (¬2) "المعجم الكبير" (24/ 267 رقم 676).

ص: وأما من طريق النظر: فإنا قد رأيناهم لا يختلفون أن المحرمة ليس لها أن تغطي وجهها، ولها أن تغطي رأسها، وكلٌّ أجمع أن لها أن تغطي أذنيها ظاهرهما وباطنهما، فدلّ ذلك أن حكمهما حكم الرأس في المسح لا حكم الوجه. ش: هذا ظاهر. قوله: "رأيناهم" أي أهل المقالة الأولى والثانية، وجه القياس يقول الأذنان من الرأس: لأنهما تُغطيان معها في إحرام المرأة، وكل جزء من أجزاء الرأس يغطي فهو من الرأس، ينتج أن الأذنين من الرأس. ص: وحجةٌ أخرى: أنا رأيناهم لم يختلفوا أن ما أدبر منهما يمسح مع الرأس، واختلفوا فيما أقبل منهما على ما ذكرنا، فنظرنا في ذلك، فرأينا الأعضاء التي اتفق على فرضها في الوضوء هي: الوجه، واليدان، والرجلان، والرأس، فكان الوجه يغسل كله، وكذلك اليدان، وكذلك الرجلان، ولم يكن حكم شيء من تلك الأعضاء خلاف حكم البقية، بل جعل حكم كل عضو منها حكمًا واحدا فجعل مغسولا كله أو ممسوحا كله، واتفقوا أن ما أدبر من الأذنين فحكمه المسح، فالنظر على ذلك أن يكون ما أقبل منهما كذلك، وأن يكون حكم الأذنين كله حكما واحدا كما كان سائر الأعضاء التي ذكرنا؛ فهذا هو وجه النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد -رحمهم الله-. ش: أي "حجة أخرى" عقلية، وارتفاعها بالابتداء، وخبرها قوله: "إنا رأيناهم" أي أهل المقالتين، وهذه ظاهرة، ولكن قيل: هذا النظر ليس بمستقيم؛ لأن الأذنين ليستا من الأعضاء الأربعة التي اتفق على فرضيتها حتى يلزم أن يكون حكمهما حكمًا واحدا، فنقول: لا يضرنا ذلك؛ لأن حقيقة وجه النظر هو أن الوضوء ليس فيه عضو -سواء كان عضو الفرض كالأعضاء الأربعة أو عضو السُّنه كالرقبة- يختلف حكمه بأن يمسح بعضه ويغسل بعضه، بل إما يغسل كله وإما

يمسح كله، فالنظر على [ذلك] (¬1) ينبغي أن تكون الأذنان مما يمسح كله قياسا على نظائرها. قوله: "وهو قول أبي حنيفة" أي وجه النظر الذي اقتضى أن يكون ما أقبل من الأذنين وما أدبر منهما من الرأس فيمسحان معها، هو قول أبي حنيفة. ص: وقد قال بذلك جماعة من أصحاب رسول الله - عليه السلام -، حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم، عن حُمَيد قال: "رأيت أنس بن مالك توضأ، فمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما مع رأسه، وقال: إنّ ابن مسعود كان يأمر بالأذنين. ش: أي قد قال بأن ما أقبل من الأذنين وما أدبر منهما من الرأس؛ جماعة من الصحابة، وبيّن ذلك بقوله: حدثنا ... إلى آخره. وإسناده صحيح، وهُشيم بن بشير، وحميد الطويل أبو عُبيدة البصري. وأخرجه الدارقطني (¬2): عن أحمد بن عبد الله الوكيل، عن الحسن بن عرفة، عن هشيم ... إلى آخره نحوه سواء. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني حميد، فذكر مثله. ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن حميد الطويل. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (¬3) من طريقين: الأول: عن أبي سعيد بن أبي عمرو، عن محمَّد بن يعقوب، عن محمَّد بن هشام، عن مروان بن معاوية، عن حميد قال: "توضأ أنس ونحن عنده، فجعل يمسح ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك" والسياق يقتضيها. (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 106 رقم 52). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 64 رقم 308، 309).

باطن أذنيه وظاهرهما، فرأى شدة نظرنا إليه، فقال: إنَّ ابن مسعود كان يأمرنا بهذا". الثاني: عن محمد بن عبد الله الحافظ، عن محمد بن يعقوب، عن أسيد بن عاصم، عن الحسن بن حفص، عن سفيان الثوري، عن حميد قال: "رأيت أنس ابن مالك توضأ ومسح أذنيه، فنظرنا إليه، قال: كان ابن أمّ عبد يأمرنا بذلك". ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم، عن أبي جمرة قال: "رأيت ابن عباس توضأ فمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما". ش: إسناده صحيح. وأبو جمرة -بالجيم، والراء- واسمه نصر بن عمران الضُبَعي البصري، روى له الجماعة. ص: فهذا ابن عباس - رضي الله عنهما - قد روى عن علي - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - ما قد رويناه في أول هذا الباب، وروى عنه عطاء بن يسار، عن النبي - عليه السلام - كما رويناه في الفصل الثاني من هذا الباب، ثم عمل هو بذلك، (وترك ما حدثه) (¬1) عليّ عن النبي - عليه السلام - فهذا دليل أن نسخ ما روى عن علي - رضي الله عنه - قد كان ثبت عنده. ش: قد تقّرر أن الراوي إذا عمل بخلاف ما روى، أن ذلك فيه احتمالات كثيرة، وأحسنها أن يحمل ما رواه على النسخ، تحسينا بالظن في حق الصحابي - رضي الله عنه -. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يقول: "الأذنان من الرأس". ش: إسناده صحيح. ويعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري. ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل".

وأبوه: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، روى له الجماعة. وابن إسحاق هو محمَّد بن إسحاق المدني. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن أبي أسامة، عن أسامة، عن هلال بن أسامة، عن ابن عمر قال: "الأذنان من الرأس". ثنا (¬2) عبد الرحيم بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع قال: "كان ابن عمر يمسح أذنيه ويقول: هما من الرأس". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "الأذنان من الرأس". ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم، عن غيلان بن عبد الله، قال: سمعت ابن عمر يقول: "الأذنان من الرأس". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وهذا الطريق أخرجه الدارقطني (¬4): عن أحمد بن عبد الله النحاس، عن الحسن ابن عرفة، عن هشيم، عن غيلان بن عبد الله مولى بني مخزوم، قال: سمعت ابن عمر يقول: "الأذنان من الرأس". ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر كان يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، يتتبع بذلك الغضون". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 24 رقم 163). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 24 رقم 164). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 11 رقم 24). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 98 رقم 9).

وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن عبد الله بن عمر، عن نافع: "أن ابن عمر كان يمسح بأذنيه مع رأسه إذا توضأ، يدخل أصبعيه في الماء فيمسح بهما أذنيه، ثم يرد إبهاميه خلف أذنيه". قوله: "الغضون" جمع غَضْن -بفتح الغين وسكون الضاد المعجمتين- وجاء بالتحريك أيضًا، وهي مكاسر الأذنين. وقد روي أيضًا عن أبي موسى، فروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث، عن الحسن، عن أبي موسى قال: "الأذنان من الرأس"، والحسن [لم يسمع] (¬3) من أبي موسى. وعن عثمان - رضي الله عنه - فروى ابن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن الجُريري، عن عروة بن قبيصة، عن رجل من الأنصار، عن أبيه، عن عثمان قال: "واعلموا أن الأذنين من الرأس". وعن ابن عباس، فروى ابن أبي شيبة (¬4): عن وكيع، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: "الأذنان من الرأس". وعن أبي هريرة، فروى عبد الرزاق في "مصنفه" (¬5): عن عبد الله بن محّرر، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: "الأذنان من الرأس". وروي عن التابعين أيضًا، وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬6): عن عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن قالا: "الأذنان من الرأس". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 12 رقم 29). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 24 رقم 158). (¬3) في "الأصل، ك": "لم يرو"، والصواب ما أثبتناه. (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 24 رقم 169). (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 12 رقم 21). (¬6) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 24 رقم 157).

وروى عبد الرزاق (¬1): عن معمر، عن قتادة: "أنه كان يمسح الأذنين، ويقول: الأذنان من الرأس". وروى أيضًا (¬2): عن الثوري، عن منصور، عن أبي معشر، عن إبراهيم: "أنه كان يَمسحُ ظهور الأذنين، وبطونهما". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 13 رقم 31). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 13 رقم 32).

ص: باب: فرض الرجلين في الوضوء

ص: باب: فرض الرجلين في الوضوء ش: أي هذا باب في بيان فرض الرجلين في الوضوء، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النَزّال بن سبرة قال: "رأيت عليّا - رضي الله عنه - صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أُتي بماء فمسح بوجهه ويديه، ومسح برأسه ورجليه، وشربَ فضله قائمًا، ثم قال: إنَّ ناسا يزعمون أن هذا يكره، وإني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع مثل ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم. وأخرجه أحمد في مسنده (¬1): عن محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: "أُتي علي بكوز وهو في الرحبة، فأخذ كفّا من ماء، فمضمض واستنشق، ومسح وجهه، وذراعيه، ورأسه، ثم شرب وهو قائم، ثم قال: هذا وضوء من لم يُحدث، هكذا رأيت رسول الله - عليه السلام -[فعل] (¬2) ". وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (¬3): أخبرنا أبو علي الروذباري، نا أبو بكر محمَّد بن أحمد بن محموية العسكري، نا جعفر بن محمَّد القلانسي، ثنا آدم، نا شعبة، نا عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن [سبرة] (¬4) يُحدّث عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر، ثم أُتي بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة فمسح بها وجهه ويديه ورأسه، ورجليه، ثم قام فشرب فضله وهو قائم، ثم قال: ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 78 رقم 583). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد". (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 75 رقم 359). (¬4) في "الأصل، ك": ميسرة، وهو انتقال نظر من المصنف، والمثبت من "سنن البيهقي".

إنَّ ناسا يكرهون الشرب قائما، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع كما صنعت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث". رواه البخاري في الصحيح (¬1): عن آدم بن أبي إياس ببعض معناه. قوله: "في الرحبة" أراد بها رحبة الكوفة، وهي رحبة خنيس بن سَعْد أخو النعمان بن سَعْد جدّ أبي يوسف القاضي. وفيه: دلالة على استحباب شرب الماء الذي فضل من الوضوء قائما (¬2). ص: قال أبو جعفر: وليس في هذا الحديث عندنا دليل أن فرض الرجلين هو المسح؛ لأن فيه أنه قد مسح وجهه، وكان ذلك المسح هو غسلا فكذلك يحتمل أن يكون مَسْحه لرجليه كذلك. ش: أشار بهذا إلي أن احتجاج مَن يذهب إلى أن وظيفة الرجلين المسح بهذا الحديث غير صحيح؛ لأنه ليس فيه ذلك على [الإطلاق] (¬3) ألا ترى أنه قال فيه: "فمسح بوجهه" ولم يكن ذلك إلاَّ غسلا؛ لأنهم قائلون أيضًا أن الوجه لا يمسح، ولا اليدين، فكذلك يكون معنى المسح في الرجلين الغسل. فإن قيل: سلمنا أن المراد بالمسح الغسل في الوجه واليدين، ولكن لا نسلم ذلك في الرجلين، فإن قوله: "ومسح برأسه ورجليه" قرينة تدل على أن المراد من المسح في الرجلين هو خلاف الغسل؛ بقرينة ذكر الرأس؛ لأن وظيفتها المسح بالإجماع، ويدل عليه أيضًا ما روي عن عكرمة: "غسلتان ومسحتان" وأراد بالغسلتن غسل الوجه، وغسل اليدين، وأراد بالمسحتين مسح الرأس، ومسح الرجلين. قلت: ولئن سلمنا ذلك فهذا كان في وضوء متطوع به، لا في وضوء واجب عليه من الحدث الذي يوجب الوضوء، وذلك لقوله - رضي الله عنه -: "وهذا وضوء مَنْ لم ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (5/ 2130 رقم 5293). (¬2) كذا قال المصنف -رحمه الله- وفيه نظر، ولعل الصواب أنه فيه دلالة على جواز ذلك لا استحبابه والله أعلم. وانظر كلام الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (10/ 83) فإنه نفيس. (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.

يُحدث"، وقال البيهقي: وفي هذا الحديث دلالة على أن الحديث الذي روي عن النبي - عليه السلام - في المسح على الرجلين -إنْ صحّ- فإنما عنى به وهو طاهر غير محدث إلَّا أن بعض الرواة اختصر الحديث فلم ينقل قوله: "هذا وضوء مَنْ لم يحدث". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو كُريب، قال ثنا عبدة، عن ابن إسحاق، عن محمَّد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن عبد الله الخولاني، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "دخل عليَّ عليٌّ - رضي الله عنه - وقد أراق الماء، فدعا بوَضوء فجئناه بإناء من ماء، قال: يابن عباس ألا أتوضأ لك كما رأيت رسول الله - عليه السلام - يتوضأ؟ قلت: بلى، فداك أبي وأمي -فذكر حديثا طويلا- قال: ثم أخذ بيديه جميعا حفنة من ماء فصك بها على قدمه اليمنى، وفي اليسرى كذلك. ش: قد مرَّ هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد في أول باب حكم الأذنين في وضوء الصلاة، وأَعادَه لأجل التبويب. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "توضأ رسول الله - عليه السلام -، فأخذ ملء كله ماء، فرش به على قدميه وهو منتعل". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي. وأخرجه أبو داود بأتم منه (¬1): وقد ذكرناه في باب حكم الأذنين. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬2): عن أبي الحسن بن عبدان، عن أحمد بن عُبَيد، عن إسماعيل بن إسحاق، عن إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز بن محمَّد ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3) مطولا. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 72 رقم 347). (¬3) "المعجم الكبير" (10/ 311 - 312 رقم 10759).

ص: حدثنا أبو أميّة، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أبنا شريك، عن السُّدي، عن عبد خير، عن عليّ - رضي الله عنه -: "أنه توضأ فمسح على ظهر القدم، وقال: لولا أني رأيت رسول الله - عليه السلام - فعله لكان باطن القدم أحق من ظاهره". ش: أبو أمية اسمه محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، وثقه ابن حبان. وشريك بن عبد الله النخعي. والسُّدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي الأعور التابعي، كان يقعد في سدة باب الجامع بالكوفة؛ فسمي السدي، روى له الجماعة إلاَّ البخاري. عبد خير بن يزيد، أبو عمارة الكوفي، وثقه يحيى وأحمد بن عبد الله. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن السُّدي ... إلى آخره، ولفظه: "ومسح على ظهر قدميه، ثم قال هذا طهور (¬2) من لم يحدث، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله - عليه السلام - مسح على ظهر قدميه، رأيت أن بطونهما أحق، ثم شرب فضل وضوئه ... " وأخرج أيضًا (¬3): عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي - رضي الله عنه - قال: "لو كان الدين برأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، ولكني رأيت رسول الله - عليه السلام - مسح ظاهرهما". وأصحابنا استدلوا بهذا في كتبهم عل أن السُنَّة في مسح الخفين أن يكون على ظاهرهما. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن الحسين اللهبي، قال: ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان رسول الله - عليه السلام - يصنع هكذا". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 116 رقم 943). (¬2) في "المسند": وضوء. (¬3) "مسند أحمد" (1/ 95 رقم 737). بألفاظ مختلفة عن هذا اللفظ، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 25 رقم 183) بهذا اللفظ عن وكيع به

ش: أحمد بن الحسين من ولد أبي لهب بن عبد المطلب، ثقة مأمون. وابن أبي فديك اسمه محمَّد بن إسماعيل بن أبي فديك، واسم أبي فديك دينار، روى له الجماعة. وابن أبي ذئب اسمه محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن سعد المدني، روى له الجماعة. وأخرجه البزار في "مسنده": عن إبراهيم بن سعيد، عن روح بن عبادة، عن ابن أبي ذئب ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا همام بن يحيى قال: أنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: ثنا علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع: "أنه كان جالسا عند النبي - عليه السلام - فذكر الحديث حتى قال: إنَّه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عز وجل فغسل وجهَه ويدَيْه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين". ش: إسناد صحيح على شرط البخاري، نصفه بَصْري، ونصفه مدني. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): بتمامه، وقال: نا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن منهال، ونا محمَّد بن حيان المازني، قال: نا أبو الوليد الطيالسي، قال: أنا همام، أنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه -أبي رفاعة بن رافع- زاد أبو الوليد في حديثه: وكان رفاعة، ومالك أخوين من أهل بدر قال: "بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، نظر حوله فإذا رجل فاستقبل القبلة فصلى ركعتين، وقال حجاج في حديثه: كنت جالسا عند النبي - عليه السلام - إِذ جاء رجل فدخل المسجد فصل، فلما قضى صلاته، جاء فسلم على رسول الله - عليه السلام - وعلى القوم، فقال رسول الله - عليه السلام -: وعليك، ارجع فصل؛ فإنك لم تصل! قال: فرجع فصلى، فجعل يَرمُق صلاته لا يدري ما يعيب منها! قال: فلما قضى، ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (5/ 37 رقم 4525).

جاء فسلم على رسول الله - عليه السلام - وعلى القوم، فقال له رسول الله - عليه السلام -: وعليك، ارجع فصل؛ فإنك لم تصل، قال: وذكر ذلك إما مرتين، وإما ثلاثا، فقال الرجل: ما أدري ما عِيب عليَّ؟ فقال النبي - عليه السلام -: إنَّه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله -عز وجل- يغسل وجهه، ويدَيه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويحمده، ويقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه وتيسّر، ثم يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، فيستوي قائما حتى يأخذ كل عظم مأخذه، ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد، فيمكن جبهته -قال همام: وربما قال: فيمكن وجهه- من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيرفع رأسه، فيستوي قاعدا على مقعدته، ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا حتى فرغ، ثم قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك" واللفظ لحديث حجاج. انتهى. قلت: هذا دليل واضح، وبرهان ساطع على أن قراءة الفاتحة ليست فرضًا في الصلاة كما زعم به الشافعي، إِذْ لو كانت فرضا لقال: ويقرأ فاتحة الكتاب، ولم يقل به، بل قال: ويقرأ من القرآن ما أذن الله له فيه وتيَسّر، وهو أعم من الفاتحة وغيرها، وهذا مقام التعليم والبيان، فلو كانت الفاتحة فرضا لبيّنه - عليه السلام - فافهم. والحديث رواه أبو داود أيضًا (¬1) في "باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود": عن الحسن بن علي، عن هشام بن عبد الملك والحجاج ... إلى آخره. ورواه الترمذي (¬2): وقال: حديث رفاعة بن رافع حديث حسن، وقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجه. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عباد بن تميم، عن عمه: "أن النبي - عليه السلام - توضأ ومسح على القدمين"، وأن عروة كان يفعل ذلك. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 227 رقم 858). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 100 - 102 رقم 302).

ش: روح بن الفرج أبو الزنباع المصري، كان من الثقات، روى عنه الطبراني أيضًا. وعمرو بن خالد بن فروخ، أبو الحسن الحراني، سكن مصر، وثقه العجلي، وروى له ابن ماجه. وعبد الله بن لهيعة قد ذكرنا أن أحمد وثقه، وجماعة ضعفوه. وأبو الأسود اسمه: محمَّد بن عبد الرحمن، يتيم عروة بن الزبير، ثقة. وعم. عباد: هو عبد الله بن زيد الأنصاري الصحابي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن أبي عبد الرحمن المقرئ عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود، عن عباد بن ميم، عن عبد الله بن زيد: "أن النبي - عليه السلام - توضأ، ومسح بالماء على رجليه". وهذا إسناد صحيح، ولكن قال أبو عمر: هذا إسناد لا تقوم به حجة، وما أدري أيّ شيء الذي أنكره من ذلك. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): عن عبد الله بن زيد. وفي "الأوسط" (¬3): من حديث عباد بن تميم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يتوضأ، ويمسح بالماء على رجليه". قوله: "وإن عروة كان يفعل ذلك"، من كلام أبي الأسود، أبي كان يفعل المسح على رجليه. ص: فذهب قوم إلى هذا وقالوا: هذا حكم الرجلين يمسحان كما تمسح الرأس. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن، والشعبي، وعكرمة، والإمامية القائلين بإمامة عليّ - رضي الله عنه - نصّا ظاهرا. ¬

_ (¬1) لم أجده في "المصنف"، وهو في "مسند أحمد" (4/ 40 رقم 16510) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ به. (¬2) "المعجم الكبير" (2/ 60 رقم 1286) من طريق عباد بن تميم عن أبيه، كما في "المعجم الأوسط". (¬3) "المعجم الأوسط" (9/ 132 رقم 9332).

وفي "المغني": وقالت الروافض: الواجب المسح، والغسل لا يجوز. وفي "البدائع": قالت الرافضة: الواجب هو المسح لا غير، وقال الحسن البصري: بالتخيير بين الغسل والمسح، وقال بعض المتأخرين بالجمع بينهما. وقال ابن حزم في "المحلّى": وأما قولنا في الرجلين فإن القرآن نزل بالمسح، وهكذا جاء عن ابن عباس، نزل القرآن بالمسح يعني في الرجلين في الوضوء، وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن، وعكرمة، والشعبي، وغيرهم، وهو قول الطبريّ. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا ابن علية، عن أيوب قال: "رأيت عكرمة يمسح على رجليه، وكان يقول به". نا (¬2) ابن عُلَيَّة، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: "إنما هو المسح على القدمين، وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما". نا (¬3) ابن عُلَيَّة، عن داود، عن الشعبي قال: "إنما هو المسح على القدمين". نا (¬4) ابن عُلَيَّة، عن مالك، عن زبيد اليامي، عن الشعبي، قال: "نزل جبريل - عليه السلام - بالمسح على القدمين". نا (¬5) ابن عُلَية، عن حميد قال: "كان أنس إذا مسح على قدميه بلّهما" وهذه الأسانيد كلها جيدة. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يغسلان. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: ابن سيرين، والزهري، والثوري، والأوزاعي، وأبا حنيفة، والليث بن سعد، والشافعي، ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 25 رقم 178). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 25 رقم 179). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 25 رقم 181). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 26 رقم 184). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 25 رقم 182).

ومالكًا، وأحمد، وإسحاق، وأبا عُبَيد، والحسن بن صالح، وداود بن علي، والحكم ابن عتيبة، فإنهم قالوا: وظيفة الرجلين الغسل، وبه قال من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وحذيفة، وأبو هريرة، وتميم الداري، وسلمة بن الأكوع، وعائشة - رضي الله عنهم - وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله - عليه السلام - على غسل القدمين، وقد لقي عبد الرحمن مائة وعشرين صحابيا، وقال عطاء بن أبي رباح: لم أدرك أحدا منهم يمسح على القدمين، وقد لقي عطاء عشرة من الصحابة، وذكر أبو محمَّد الجماعيلي أن لُقيّه لأربعة عشر صحابيًّا، وفي "التهذيب" ذكر أكثر من ذلك. ص: واحتجوا في ذلك من الآثار، بما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابيُّ، قال: نا زائدة بن قدامة، قال: ثنا علقمة بن خالد -أو خالد بن علقمة- عن عبد خير، قال: "دخل عليٌّ الرحبةَ ثم قال لغلامه: إيتني بطَهُور، فأتاه بماء وطست [فتوضأ] (¬1) فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، وقال: هكذا [كان] (1) طهُور رسول الله - عليه السلام -". ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من غسل القدمين. وهذا الحديث أخرجه الطحاوي في أول باب الوضوء للصلاة مرة مرة، وثلاثا ثلاثا بهذا الإسناد بعينه، ولكن لفظه هناك: "عن عليّ أنه توضأ ثلاثا ثلاثا". وأخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والدارقطني، وقد ذكرناه (¬2). والرحبة هي رحبة الكوفة ذكرناها عن قريب واعلم أنه قد تواترت الأخبار عن النبي - عليه السلام - بغسل الرجلين في الوضوء، فثبت به الحكم قطعا، وما يروى عن عليّ وابن عباس وابن عمر وغيرهم من المسح عليهما كما ذكرنا فهي أخبار آحاد لا يجب قبولها من وجهين: ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني". (¬2) سبق تخريجه.

أحدهما: لما فيه من الاعتراض على موجب الآية من الغسل، على ما نبين ذلك إنْ شاء الله تعالى. والثاني: أن أخبار الآحاد غير مقبولة في مثله؛ لعموم الحاجة إليه، وقد روي عن عليّ - رضي الله عنه - "أنه قرأ {وَأَرْجُلَكُمْ} (¬1) بالنصب، وقال: المراد الغسل" فلو كان عنده عن النبي - عليه السلام - جواز المسح والاقتصار عليه دون الغسل، لما قال: إن مراد الله الغسل، كذا قاله أبو بكر الجصاص. وقال البيهقي: وحديث عبد خير عن عليّ في المسح على ظهر القدمين إنْ صح فالمراد به ظهر الخفين، وقد روي عن عليّ من أوجه كثيرة أنه غسل رجليه في الوضوء. قلت: أما الجواب عن الأحاديث التي فيها مسح الرجلين، فقد أجاب أبو جعفر: عن الحديث الأول -أعني حديث النزال بن سبرة- أنه ليس فيه دليل على أن فرض الرجلين هو المسح؛ لأن فيه أنه قد مسح وجهه، وهو لا شك أنه غسل؛ لأن الوجه لا يمسح عليه بالإجماع، فكذلك المراد من قوله: "ومسح رجليه" معناه غسلهما. فإن قيل: هل أتى المسح بمعنى الغسل؟ قلت: نعم، وقد قال أبو زيد الأنصاري: المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضائه: قد تمسح، ويقال: مسح الله ما بك، أي أذهب عنك وطهرك من الذنوب. وأما الجواب عن الحديث الثاني- وهو حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - فهو أن يقال: إنه ضعيف، وقد قال الترمذي: سألت محمَّد بن إسماعيل عنه فضعفه، ولئن سلمنا أنه صحيح، ولكنه قال: "ثم أخذ بيديه جميعا حفنة من ماء"، والحفنة من الماء قد تصل إلى ظاهر القدم وباطنه وإنْ كان في النعل، ويدل على ذلك قوله: "ففتلها بها، ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [6].

ثم الأخرى مثل ذلك" والحفنة قد تكفي مع الرفق في مثل هذا، ولو كان أراد المسح على بعض القدم لكان يكفيه ما دون الحفنة. وأما الجواب عن الحديث الثالث -وهو حديث عطاء بن يسار، عن ابن عباس- فهو أن المراد به غسل قدميه وهو منتعل، والدليل على ذلك أنه قال: "فأخذ ملء كفه ماء" ولو كان المراد أنه مسح لكان يكفي أقل من ذلك؛ لأن المسح هو الإصابة وليس الإسالة. وأما الجواب عن الحديث الرابع، وهو حديث السُّدي، عن عبد خير، عن عليّ - رضي الله عنه - فمراده باطن الخف الذي على القدم. قال البيهقي في "المعرفة" (¬1): هذا حديث تفرّد به عبد خير الهمداني، عن عليّ - رضي الله عنه - وعبد خير لم يحتج به صاحب الصحيح، وقد اختلف عليه في متن هذا الحديث، فروي هكذا، وروي عنه أن ذلك كان على الخفين، أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، قال: نا أحمد بن عبيد الصفار قال: نا عباس بن الفضل الأسفاطي، قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا حفص -هو ابن غياث- عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن عليّ - رضي الله عنه - قال: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخفين أحق بالمسح من ظاهرهما، ولكنِّي رأيت رسول الله - عليه السلام - يمسح على ظاهرهما" ويحتمل أن يكون المراد بالأول ما فسّر في هذا، وروي من وجه آخر عن عبد خير: أن المسح إنما كان في وضوء من لم يُحدث. وأما الجواب عن الحديث الخامس -وهو حديث نافع عن ابن عمر- فالمراد أنه مسح على جورَبَيْه المنعلين، أو كان هذا في وضوء متطوع به لا في وضوء واجب عليه من الحدث. وكذلك الجواب عن حديث علي - رضي الله عنه -: "أنه توضأ وضوءا خفيفا، ثم مسح على نعليه" أراد به على جورَبيه المنعلين أو في وضوء متطوع به. ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (1/ 169 رقم 76).

وأما الجواب عن الحديث السادس -وهو حديث رفاعة بن رافع- فالمراد أنه مسح برأسه وخفيه على رجليه، وقد قال بعضهم في هذا الحديث: إن هذا وأمثاله من الآثار الدالة على مسح الرجلين في الوضوء من غير خف منسوخة بالأحاديث الواردة بغسلها، وقد قال الطحاوي: فذكر عبد الله بن عمرو أنهم كانوا يمسحون على أرجلهم حتى أمرهم رسول الله - عليه السلام - بإسباغ الوضوء وخَوَّفهم، فقال: "ويل للأعقاب من النار" فدلّ ذلك على أن حكم المسح الذي قد كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرنا من الأحاديث التي وردت بالغسل. وأما الجواب عن الحديث السابع -وهو حديث عباد بن تميم عن عمه- فالمراد أنه مسح على الخفين على القدمين، أو مسح على القدمين في وضوء متطوع به، كما ذكرناه. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابيّ، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن أبي حيّةالوادعي، عن عليّ - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام -. ش: هذا طريق آخر عن حسين، عن محمَّد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعي، عن أبي حيّة -بالياء آخر الحروف- لا يُعرفُ اسمُه، عن عليّ، وقد ذكر هؤلاء في أول "باب الوضوء مرة مرة". ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يحيى بن يحيى، ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر عن علي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله. وأخرجه أبو داود (¬1): نا مسدّد وأبو توبة، نا [أبو الأحوص، و] (¬2) نا عمرو ابن عون قال: أنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي حية قال: "رأيت عليّا ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 28 رقم 116). (¬2) في "الأصل، ك": روح، وهو خطأ، والمثبت من "سنن أبي داود"، و"تحفة الأشراف" للحافظ المزي (7/ 461 رقم 10321).

توضأ فذكر وضوءه ثلاثا ثلاثا، قال: ومسح رأسه، ثم غسل رجليه، ثم قال: إنما أحببت أن أريكم طهور رسول الله - عليه السلام -". وأخرجه الترمذي (¬1): عن هناد وقتيبة، كلاهما عن أبي الأحوص نحوه، وزاد فيه: "ثم قام فأخذ فضل طَهُوره فشربه وهو قائم". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة، عن مالك بن عرفطة قال: سمعت عبد خير ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر بن عبد الملك بن عمرو العَقَدي البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن مالك بن عرفطة ... إلى آخره. ومالك بن عرفطة، ذكر في "التكميل": مالك عن عبد خير عن علي في الوضوء، وعنه شعبة، وتابعه أبو عوانة بعد ما كان يسميه باسمه الصحيح، قال أبو داود: إنما هو خالد بن علقمة، أخطأ فيه شعبة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): وقال: نا يحيى بن سعيد، نا شعبة، حدثني مالك ابن عرفطة، سمعت عبد خير قال: "كنت عند عليّ - رضي الله عنه - فَأُتي بكرسي وتور، قال: فغسل كفيه ثلاثا، ووجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه -وصف يحيى- فبدأ بمقدم رأسه إلى آخره، قال: ولا أدري أرد يده أم لا، وغسل رجليه، ثم قال: من أحبّ أن ينظر إلى وضوء رسول الله فهذا وضوء رسول الله -عليه السلام -" قال أبو عبد الرحمن: هذا أخطأ فيه شعبة إنما هو خالد بن علقمة، عن عبد خير. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال: ثنا إسحاق بن يحيى، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: "أنه توضأ فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا وقال: رأيت رسول الله - عليه السلام - توضأ هكذا". ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 67 رقم 48). (¬2) "مسند أحمد" (1/ 122 رقم 989).

ش: ذكر الطحاوي هذا بعينه إسنادا ومتنا في باب الوضوء مرة مرة. ص: حدثنا يونس وابن أبي عقيل، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد الليثي أخبره، أن حمران مولى عثمان أخبره، عن عثمان مثله. ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وابن أبي عقيل اسمه عبد الغني، واسم أبي عقيل رفاعة بن عبد الملك الجمحي. ويونس الأول هو: ابن عبد الأعلى، والثاني هو: ابن يزيد الأيلي. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أن عطاء بن يزيد أخبره، أن حمران مولى عثمان [أخبره]، (¬2): "أنه رأى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - دعا بإناء، فأفرغ على كفَّيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين". وأخرجه مسلم (¬3): عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو، وحرملة بن يحيى كلاهما، عن ابن وهب ... إلى آخره نحوه مع بعض زيادة. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن أبي مريم، قال: "دخلت على زيد بن دارة بيته، فسمعني وأنا أمضمض فقال لي: يا محمَّد، فقلت: لبيك، فقال: ألا أخبرك عن وضوء رسول الله - عليه السلام -؟ قلت: بلى. قال: رأيت عثمان بن عفان عند المقاعد دعا بوضوء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: من أحب أن ينظر إلى وُضوء رسول الله - عليه السلام - فلينظر إلى وضوئي". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 71 رقم 158). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح البخاري". (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 204 رقم 226).

ش: رجاله كلهم ثقات. وأخرجه الداراقطني (¬1): عن الحسين بن إسماعيل، عن محمَّد بن عبد الله المخرمي، عن صفوان بن عيسى ... إلى آخره نحوه. وأخرجه البيهقي (¬2): عن أبي الحسن علي بن محمَّد بن علي المقرئ، عن الحسن ابن محمَّد بن إسحاق الإسفرائيني، عن يوسف بن يعقوب القاضي، عن مسدد بن مسرهد، عن صفوان ... إلى آخره. قوله: "عند المقاعد"، وهي في المدينة حيث يُصلَّي على الجنائز عند المسجد. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: سمعت كثير بن زيد، قال: ثنا المطلب بن عبد الله بن حَنطب المخزومي، عن حمران بن أبان: "أن عثمان - رضي الله عنه - توضأ، فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، وقال: لو قلت أنَّ هذا وضوء رسول الله - عليه السلام - صدقت". ش: أبو بكر الحنفي الصغير اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، روى له الجماعة. وكثير بن زيد الأسلمي السهمي، وثقه محمَّد بن عبد الله بن عمار، وقال يحول: ليس بذاك القوي، روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. والمطلب بن عبد الله، وثقه ابن حبان. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": نا أبو موسى، نا عبيد الله بن عبد المجيد، ثنا كثير بن زيد المدني، نا المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن حمران بن أبان: "أن عثمان توضأ فمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: لو قلت هذا وضوء رسول الله - عليه السلام - صدقت". ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 91 رقم 4). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 62 رقم 298).

ص: حدثنا ابن أبي عقيل، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري، قال: سمعت أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد يقول: سمعت المستورد بن شداد القُرشيَّ يقولُ: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه". قال أبو جعفر: وهذا لا يكون إلَّا في الغَسل؛ لأن المسح لا يبلغ فيه ذلك، إنما هو على ظهور القدمين خاصة. ش: يزيد بن عمرو المعافري المصري، قال أبو حاتم: لا بأس به، والمعافري -بفتح الميم- نسبة إلى المعافِر بن يَعْفُر، قبيل عامتهم بمصر. وأخرجه أبو داود (¬1): عن قتيبة، عن ابن لهيعة ... إلى آخره نحوه. ولفظه: "إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره". وأخرجه الترمذي (¬2): وقال: هذا حديث غريب (¬3) لا نعرفه إلَّا من حديث ابن لهيعة. وأخرجه ابن ماجه (¬4): عن محمَّد بن المصفى الحمصي، عن محمَّد بن حمير، عن ابن لهيعة ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، وإبراهيم بن أبي داود، قالا: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يتوضأ فغسل رجليه ثلاثا ثلاثا". ش: إسناده صحيح. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 37 رقم 148). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 57 رقم 40). (¬3) في النسخة المطبوعة من "الجامع": "حسن غريب". (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 152 رقم 446).

وعبد الله بن عبيد الله بتكبير الابن، وتصغير الأب. وأبو رافع مولى النبي - عليه السلام -، واسمُه أسلم أو إبراهيم. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬1): ثنا أحمد -يعني ابن يحيى الحلواني- نا سعيد -يعني ابن سليمان- عن عبد العزيز بن محمَّد الدراورديّ، ثنا عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ فغسل وجهه ثلاثا، وغسل يديه ثلاثا، ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجليه ثلاثا، ورأيته مرة أخرى توضأ مرة مرة" لا يروى عن أبي رافع إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به الدراورديّ. ص: حدثنا يونس وحسين بن نصر، قالا: ثنا علي بن مَعبد، قال: ثنا عبيد الله ابن عَمرو، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الرُبيّع قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتينا فيتوضأ للصلاة، فيغسل رجليه ثلاثا ثلاثا". ش: أخرج الطحاوي هذا الحديث في باب حكم الأذنين، من وجوه كثيرة، والتكرار للتبويب، واختلاف فيه إسنادا ولفظا. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عُمر الحوضي، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فمضمض واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعيه ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه، ووضأ قدميه". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود. وأبو عمر الحوضي اسمه حفص بن عمر البصري، شيخ البخاري، والحوضي نسبة إلى حوض داود، محلة ببغداد. ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (1/ 278 رقم 907)، وانظر "مجمع البحرين" (1/ 329 رقم 404).

ورواه الطبراني في "الأوسط" (¬1): عن محمَّد بن يحيى القزاز، عن حفص بن عمر الحوضي ... إلى آخره نحوه، غير أن فيه: "ومسح رأسه ثلاثا، وغسل قدميه ثلاثا". وأخرجه الترمذي (¬2) معلقا، وقال وقد روي عن همام، عن عامر الأحول، عن عطاء، عن أبي هريرة: "أن النبي - عليه السلام - توضأ ثلاثا ثلاثا". قوله: "وضأ قدميه" أبي غسلهما، من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، وقد فسره في رواية الطبراني كما ذكرنا. ص: حدثنا أحمد بن أبي داود، قال: نا مسدد، قال: ثنا أبو عوانة، عن موسى ابن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رجلًا أتى النبي - عليه السلام - فسأله كيف الطهور؟ فدعا بماء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح برأسه، وغسل رجليه، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم". ش: ذكر الطحاوي هذا الحديث بهذا الإسناد بعينه في باب حكم الأذنين، ولكن اقتصر هناك على حكم الأذنين، وذكرها هنا بقية الحديث، وقد مر الكلام فيه مستقصى هناك. قوله: "فقد أساء" أبي في الأدب بترك السُّنَّة والتأدب بآداب الشرع، و"ظلم" نفسه بما نقصها من الثواب بترداد المرات في الوضوء، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب: الوضوء مرة مرة. ويُستفاد منه: أن النية ليست بشرط في الوضوء، إِذ لو كانت شرطا لكان - عليه السلام - علم ذلك الرجل؛ لأن الوضع موضع الحاجة إلى البيان. ص: حدثنا يونس وابن أبي عقيل، قالا: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (6/ 97 رقم 5912). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 63) عقب الحديث رقم 43.

عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم: "هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ؟ فدعا بماء فتوضأ وغسل رجليه". ش: ذكر هذا في باب فرض مسح الرأس بهذا الإسناد، ولكن المتن يختلف. وأخرجه البخاري (¬1) بأتم منه، وقال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: "أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد -وهو جدّ عمرو بن يحيى-: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء فأفرغ على يده فغسل يده مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقن، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه". وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والطبراني من وجوه كثيرة، وقد ذكرناها (¬2) في باب: "فرض مسح الرأس". ص: حدثنا بحر قال: ثنا ابن وهب قال: حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه: "أن أبا جُبَير الكنديّ قدم على رسول الله - عليه السلام - فأمر له بوضوء، فقال: توضأ يا أبا جُبير، فبدأ بفيه، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تبدأ بفيك. فإن الكافر يبدأ بفيه، ودعا رسول الله - عليه السلام - بماء، فتوضأ ثلاثا ثلاثا، ثم مسح برأسه، وغسل رجليه ... ". ش: إسناده صحيح. وبحر هو ابن نصر بن سابق الخولاني. وجبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي أبو عبد الرحمن الحمصي التابعي، أدرك النبي - عليه السلام - وأسلم في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - روى له الجماعة إلَّا البخاري. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 80 رقم 183). (¬2) سبق تخريجها هناك.

وأبو جبير الكندي شامي، وليس له اسم يعرف. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬1): أنا ابن قتيبة، قال: ثنا حرملة بن يحيى، نا ابن وهب، قال: نا معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه: "أن أبا جبير الكندي قدم على رسول الله - عليه السلام -، فأمر له رسول الله - عليه السلام - بوضوء، فقال: توضأ يا أبا جبير. فبدأ بفيه، فقال رسول الله - عليه السلام -: لا تبدأ بفيك؛ فإن الكافر يبدأ بفيه، ثم دعا رسول الله - عليه السلام - بوضوء، فغسل يديه حتى أنقاهما، ثم تمضمض واستنثر (واستنشق) (¬2)، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا، ثم مسح برأسه، وغسل رجليه". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الليث بن سعد، عن معاوية، ثم ذكر مثله بإسناده. قال فهدٌ: فذكرته لعبد الله بن صالح، فقال: سمعته من معاوية بن صالح. ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح. ص: فهذه الآثار قد تواترت عن النبي - عليه السلام - أنه غسل قدميه في وضوئه للصلاة. ش: أي الأحاديث المذكورة قد تكاثرت وتتابعت عن النبي - عليه السلام - في غسل القدمين في الوضوء. ص: وقد روي عنه أيضًا ما يدل على أن حكمهما حكم الغسل، فمما روي في ذلك: ما حدثنا يونس، وابن أبي عقيل جميعًا قالا: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا توضأ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه". ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (3/ 369 رقم 1089). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، ولم يذكر في "صحيح ابن حبان": واستنشق.

ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأبو صالح اسمه ذكوان الزيات. وأخرجه مسلم (¬1): عن سويد بن سعيد، عن مالك ... إلى آخره نحوه، وفي لفظه: "نظر إليها بعينيه مع الماء- أو مع آخر قطر الماء" وهكذا بعد اليدين، والرجلن، وفي آخره: "حتى يخرج نقيّا من الذنوب". وأخرجه الترمذي (¬2): عن إسحاق بن موسى، عن معن بن عيسى القزاز، عن مالك ... إلى آخره، نحو رواية مسلم، وقال: هذا حديث حسن صحيح. قوله: "كل خطيئة" أي إثم، من خَطِئ في دينه خِطْئا -بكسر الخاء، وسكون الطاء- إذا أثم فيه، والخِطْئُ: الذنب، وأَخْطَأَ يخطئ إذا سلك سبيل الخطأ عمدا أو سهوا، ويقال: خَطِئ بمعنى أخطأ أيضًا، وقيل: خَطِئَ إذا تعمّد، وأخطأ إذا لم يتعمد، ويقال لمن أراد شيئًا ففعل غيره أو فعل غير الصواب: أخطأ. قوله: "بطشتها"، من البطْش وهو السطوة، والأخذ بالعنف، وقد بَطَشَ به يَبْطُشُ، ويَبْطِشُ بَطْشا وبَاطَشَهُ مُباطَشَةً، وعين الفعل في المضارع مضموم ومكسور. قوله: "مَسَّتها"، من المسّ، من مَسِسْتُ الشيء -بالكسر- أمَسُّه مَسّا، فهذه اللغة الفصيحة، وحكى أبو عبيد مسَسْتُ الشيءَ -بالفتح- أمَسُّه مَسّا، فهذه بالضم، وربما قالوا: مِسْتُ الشيء بحذف السين الأولى، وتحويل كسرها إلى الميم، ومنهم من لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن المراد من قوله: "كل خطيئة" الصغائر لا الكبائر، وإنْ كانت الخطيئة تتناول الكل، وذلك لأن الكبائر لا تكفرها إلَّا التوبة أو رحمة الله تعالى، وقال القاضي في قوله: "حتى يخرج نقيّا من الذنوب": هذا يعم كل ذنب. قلت: نعم، ذلك بحسب الظاهر، ولكن المراد منه الصغائر كما ذكرنا، ولهذا ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 215 رقم 244). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 6، 7 رقم 2).

لا يخرج من مظالم العباد إلَّا بإرضاء الخصوم فهذه أيضًا ذنوب، وقد يقال: إنَّ المراد من الذنوب: الذنوب التي يقترفها ما بين الوضوئين من الصغائر والكبائر ما خلا مظالم العباد، كما ورد في حديث: "الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما" (¬1). الثاني: أن قوله: "فإذا غسل رجليه" نص صريح أن وظيفة الرجلين الغسل، ولهذا قال في رواية مسلم: "مع الماء أو مع آخر قطر الماء" وإنما ذكر ذلك عند غسل الوجه وغسل اليدين وغسل الرجلين، ولم يذكر شيئا في مسح الرأس؛ لأنه غير الغسل، فإن قلت: ما معنى خروج الخطيئة عند الغسل، والخروج ونحوه مما يضاف إلى الأجسام؟ قلت: هذه استعارة؛ لأنه شبَّه الخطيئة بالوسخ والدرن الذي يتراكب على الجسم، ثم أثبت له على طريق الترشيح ما يلائمه، وهو الخروج الذي بمعنى الزوال، وجه التشبيه زوال الدرن من الجسم بالماء، والمعنى تزول الخطيئة عنه عند الغسل، بمعنى يغفر لها وتمحى، كما يزول الدرن حقيقة من الجسم عند مماسَّة الماء. الثالث: أن ظاهر الحديث يدل على أن تلك الفضيلة تحصل له وإنْ لم يصل بذلك الوضوء شيئًا من الصلوات، وفيه دليل على أن الوضوء نفسه عبادة وقربة، وإنْ لم يصل به. والدليل عليه ما روى البخاري (¬2): بإسناده، عن أسامة بن زيد أنه قال: "دفع رسول الله - عليه السلام - من عرفة حتى نزل بالشعب، فبالَ ثم توضأ، ولم يُسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله، قال: الصلاة أمامك، فركب فلما جاء إلى المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلى ولم يُصل بينهما". ¬

_ (¬1) أخرجه أحمد في "مسنده" (2/ 506 رقم 10584) من حديث أبي هريرة مطولًا، والحديث أصله في "صحيح مسلم" (1/ 209 رقم 233) من حديث أبي هريرة، ولفظه: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 65 رقم 139).

فهذا يدل على أن وضوءه - عليه السلام - أولا ما كان لأجل الصلاة، وإنما كان لتحصيل الطهر والتقرب، ولهذا كان - عليه السلام - يقدم الطهارة إذا أوى إلى فراشه، ليكون مَبيتُه على طهر. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا موسى بن يعقوب، قال: حدثني عبّاد بن أبي صالح السمان، أنه سمع أباه يقول: سمعت أبا هريرة يقولُ: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "ما من مسلم يتوضأ فيغسل سائر رجليه إلَّا خرج مع قطر الماء كل سيئة مشى بهما إليها". ش: ابن أبي مريم هو سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري. وموسى بن يعقوب بن عبد الله المدني، وثقه يحيى، وضعفه ابن المديني، وقال: ليس بشيء. وأخرجه البزّارُ في "مسنده": ثنا محمَّد بن مسكين، نا ابن أبي مريم، نا موسى ابن يعقوب، عن عباد بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يتوضأ للصلاة فيغسل وجهه إلَّا تناثر مع الماء أو مع قطر الماء كل سيئة نظر إليها، ولا تمضمض إلا تناثر مع كل قطر الماء كل سيئة وجد ريحها، ولا يغسل يديه إلا خرج مع قطر الماء كل سيئة بطش بها، ولا يغسل شيئًا من رجليه إلا خرج مع قطر الماء كل سيئة مشى بهما إليها، فإذا خرج من المسجد كتبت له بكل خطوة خطاها حسنة، ومحي بها عنه سيئة حتى يأتي مقامه". وأخرجه الطبراني أيضًا في "الأوسط" (¬1): وقد استدل بهذا الحديث وبأمثاله أصحابنا على أن الماء المستعمل لا يجوز استعماله؛ لأنه أزال الآثام عن المتوضئ، فينتقل ذلك إلى الماء فيتمكن منه نوع خبث، كالماء الذي تصدق به، ولهذا سمّيت الصدقة غسالة الناس، فإذا تمكن منه نوع خبث تسلب عنه الطهورية، ولا تسلب الطاهرية، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، حتى روي عن القاضي أبي حازم ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (8/ 174 رقم 8314) من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه -.

العراقي أنه كان يقول: إنا نرجوا ألَّا تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة، وهو اختيار المحققين، ومشايخنا بما وراء النهر. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: أخبرنا الحمانيّ، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأسود بن قيس، عن ثعلبة بن عباد العبدي، عن أبيه قال: "ما أدري كم حدّثنيه رسول الله - عليه السلام - أزواجا وأفرادا، ما من عبد يتوضأ فيحسن الوضوء فيغسل وجهه حتى يسيل الماء على ذقنه، ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه، ويغسل رجليه حتى يسيل الماء من قبل كعبيه، ثم يقوم فيصلي إلَّا غفر الله له ما سلف من ذنوبه". ش: الحِمَّانيّ هو: يحيى بن عبد الحميد، وثقه ابن معين، وهو بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم. وقيس بن الربيع، مختلف فيه. والأسود بن قيس، روى له الجماعة. وثعلبة بن عباد، قال ابن حزم: مجهول. قلت: روى له الأربعة، وأبوه عِبَاد -بكسر العين وتخفيف الباء الموحدة- العبدي الصحابي، يُعدّ في أهل الكوفة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): عن العباس بن الفضل الأسفاطي، عن أبي الوليد الطيالسي. وعن أبي حصين القاضي، والحسين بن إسحاق التستري، كلاهما عن يحيى بن عبد الحميد الحماني ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "كم" هنا خبرية، أي كم أحاديث حدثنيها. ¬

_ (¬1) عزاه الهيثمي في "المجمع" (1/ 224) للطبراني في "الكبير"، وكذا فعل المنذري في "الترغيب والترهيب" (1/ 195) وقال: رواه الطبراني في "الكبير" بإسنادٍ ليِّن. ولعله في الجزء المفقود من "معجم الطبراني".

وقوله: "أزواجا وأفرادًا" حال عن المحذوف، أبي مجتمعات ومتفرقات. قوله: "ذَقَنِة" بفتح الذال المعجمة وفتح القاف، وهو مجتمع لِحْيَيْه. قوله: "إلى مرفقيه" المِرفَق بكسر الميم، وقال أبو عُبَيدة (¬1): المِرفَق والمَرفِق من الإنسان والدابة: أعلى الذراع وأسفل العضد، والمِرفق: المتكأ، قال الأصمعي: المرفق من الإنسان والدابة بكسر الفاء، وفي "جامع القزاز": وقال قوم: المرفق من اليد، والمتكأ، والأمر، مكسور الميم، وكذلك قرأ الأعمش، والحسن، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي {وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا} (¬2) بكسر الميم، وقرأها أهل المدينة، وعاصم بالفتح وبهذا يُرَّد على الجوهري أن الفتح لم يقرأ به أحد، وفي "الغريبين": الفتح أقيس، والكسر أكثر في مرفق اليد. قوله: "كعبيه" الكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأن الكتب في اللغة اسم لما علا وارتفع، ومنه سميت الكعبة، وكذا في العرف يفهم منه الناتئ، وما روي عن هشام، عن محمَّد: أنه المفصل الذي هو معقد الشراك على ظهر القدم فغير صحيح، وإنما قال محمَّد ذلك في مسألة المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع الخف أسفل الكعبين، قيل: إنَّ الكعب هنا الذي في مفصل القدم، فنقل هشام ذلك إلى الطهارة. وقال أبو بكر: الكعبان هما العظمان الناتئان في جانبي القدم إِذ لو كان العظم الناتئ على ظهر القدم، لكان للرجل اليمنى كعب لا كعبان، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال لقوم: أين الكعبان؟ فأشاروا إلى رأس الساق، فقال: بل هو هذا، وأشار إلى المفصل، وعن الأصمعي: الكعبان عند موصل الساق والقدم، وهما في (وحشي) (¬3) الرجلين، وأنكر قول الناس: إنه في ظهر القدم. ¬

_ (¬1) عزاه صاحب "لسان العرب" لابن سيده. (¬2) سورة الكهف، آية: [16]. (¬3) الوحشي: هو الجانب الأيمن من كل شيء، قاله الجوهري، وقال غيره: هو شقه الأيسر، انظر "لسان العرب" (مادة: وحش).

وفي "المخصص": في كل رِجْل كعبان وهما ما بين عظمي الساق وملتقى القدمين، والجمع كعوب وكعاب. وفي "العباب": والتركيب يدل على نتوء الشيء. ص: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش البصري، قال: نا أبو الوليد، قال: نا قيس، فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر، عن عبد الله بن محمَّد، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن قيس بن الربيع ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في إحدى طرقه من حديث أبي الوليد. وخُشيش بضم الخاء المعجمة، وبشينين معجمتين بينهما ياء آخر الحروف ساكنة. ص: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرميّ، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن شرحبيل بن السِمْط أنه قال: "مَنْ يُحدّثنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال عمرو بن عبسة: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: إذا دعا الرجل بطهوره فغسل وجهه؛ سقطت خطاياه من وجهه وأطراف لحيته، فإذا غسل يديه سقطت خطاياه من أطراف أنامله، فإذا مسح برأسه سقطت خطاياه من أطراف شعره، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من بطون قدميه". ش: رجاله ثقات. وأيوب هو السختياني. وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، أحد الأئمة الأعلام. وعمرو بن عَبَسَة -بفتحات- بن عامر السُلمي الصحابيّ - رضي الله عنه -. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): من حديث عمرو بن عبسة، عن النبي - عليه السلام - قال: "إنَّ العبد إذا توضأ فغسل يديه (جرت) (¬2) خطاياه من يديه، وإذا غسل ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 15 رقم 43). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "مصنف ابن أبي شيبة": خرجت.

وجهه (جرت) (¬1) خطاياه من وجهه، إذا غسل ذراعيه (جرت) (1) خطاياه من ذراعيه ورأسه، إذا غسل رجليه (جرت) (1) خطاياه من رجليه". وقال الطبراني في "الكبير" (¬2): حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا أبو ثابت محمَّد بن عبيد الله، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، أنه قال لعمرو بن عبسة: حَدِّثنَا حَدِيثا سمعته من رسول الله - عليه السلام -. قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض واستنثر تناثرت الخطايا من فمه ومنخره، فإذا غسل وجهه تناثرت الخطايا من وجهه، فإذا غسل يديه تناثرت الخطايا من أظفاره، فإذا مسح رأسه تناثرت الخطايا من شعر رأسه، فإذا غسل رجليه تناثرت الخطايا من أظفار رجليه، فإذا قام فصلّى ركعتين يقبل فيهما بقلبه وطرفه إلى الله -عز وجل- خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه". ص: حدثنا بحر، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن ضمرة بن حبيب وأبي يحيى وأبي طلحة، عن أبي أمامة الباهلي، عن عمرو بن عَبَسَةَ قال: "قلت: يا رسول الله كيف الوضوء؟ قال: إذا توضأت فغسلت يديك ثلاثا خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك، فإذا مضمضت واستنشقت في منخرك، وغسلت وجهك وذراعيك إلى المرفقين، وغسلت رجليك إلى الكعبين اغتسلت من عامة خطاياك". ش: رجاله ثقات. وأبو يحيى اسمه سُلَيم بن عامر الكلاعي الحمصي، وثقه ابن حبان وروى له مسلم. وأبو طلحة اسمه نُعيم بن زياد الأنماري الشامي، وثقه النسائي وروى له. وأبو أمامة صُدَيّ بن عجلان الباهلي الصحابيّ. ¬

_ (¬1) انظر التعليق السابق. (¬2) مسند عمرو بن عبسة مفقود من "معجم الطبراني الكبير" المطبوع، والحديث أخرجه الطبراني أيضًا سندًا ومتنًا في "مسند الشاميين" (2/ 270 رقم 1320).

وأخرجه الطبراني (¬1) بأتم منه: وقال: ثنا بكر بن سهل، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي يحيى سُليم بن عامر الخبائري، وضمرة بن حبيب، وأبو طلحة نعيم بن زياد، وكل هؤلاء سمعه من أبي أمامة الباهلي صاحب رسول الله - عليه السلام - قال: سمعت عمرو بن عبسة السلمي يقول: "أتيت رسول الله - عليه السلام - وهو نازل بعكاظ فقلت: يا رسول الله من معك في هذا الأمر، قال: معي رجلان: أبو بكر وبلال، فأسلمت عند ذلك، فلقد رأيتني ربع الإِسلام، قلت: يا رسول الله، أمكثُ معك أم ألحق بقومي؟ قال: بل الحق بقومك، فيوشك الله أن يفي بمن يرى إلى الإسلام، ثم أتيته قبيل فتح مكة فسلمت عليه، فقلت: يا رسول الله، أنا عمرو بن عَبَسة أُحبّ أن أسألك عما تعلم وأجهل عنه، وعما ينفعني ولا يضرك. فقال: يا عمرو، إنك تريد أن تسألني عن شيء ما سألني عنه أحد ممن ترى، ولن تسألني إنْ شاء الله إلَّا أخبرتك. فقلت: يا رسول الله فهل من ساعة أقرب من أخرى أو ساعة ينبغي ذكرها؟ قال: نعم، أقرب ما يكون من الدعاء جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تلك الساعة فكن؛ فإن الصلاة مشهودة إلى طلوع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان، وهي صلاة الكفار، فدع الصلاة حتى ترتفع قيد رمح، ويذهب شعاعها، ثم الصلاة مشهودة محضورة حتى تعتدل الشمس اعتدال الرمح لنصف النهار؛ فإنها ساعة تفتح فيها أبواب جهنم وتسجر، فدع الصلاة حتى يفيء الفيء، ثم الصلاة محضورة مشهودة حتى تغيب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان، وهي ساعة صلاة الكفار، فقلت: يا رسول الله، هذا في هذا، فكيف الوضوء؟ قال: أما الوضوء فإنك إذا توضأت وغسلت كفَّيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وبين أناملك، فإذا مضمضت واستنشقت في منخريك، وغسلت وجهك، ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين؛ اغتسلت من عامة خطاياك، فإن أنت وضعت وجهك لله تعالى- خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه.

فقلت: يا عمرو بن عَبَسَة انظر ما تقول كل هذا يُعطى في مجلس واحد؟! قال: والله لقد كبرتْ سنّي، ودنا أجلي، وما بي من فَقْر أن أكذب على رسول الله - عليه السلام - لقد سمعتْ أذناي وَوَعَاه قلبي". قوله: "في مَنْخَريك" بفتح الميم، وهو ثقب الأنف، وقد تكسر الميم اتباعا لكسرة الخاء كما قالوا: مِنْتِن، وهما نادران؛ لأن مِفْعلا ليس من الأبنية، والمنخور لغة في المنخر، قال الراجز: مِنْ لَدُ لَحْيَيْهِ إلى مُنْخُورِهِ (¬1) قوله: "من عامّة خطاياك" أبي من جميع ذنوبك، وسائر آثامك. ص: فهذه الآثار تدلّ أيضًا على أن الرِّجْلين فرضهما الغسل؛ لأن فرضهما لو كان هو المسح لم يكن في غسلهما ثواب، ألا ترى أن الرأس الذي فرضه المسح لا ثواب في غسله، فلما كان في غسل القدمين ثواب دلّ ذلك على أن فرضهما هو الغسل. ش: أي فهذه الأحاديث التي جاءت بفضل الوضوء المذكورة. والدليل على أنه لو غسل رأسه لا ثواب له ما ذكره من فضيلة مسح الرأس في حديث أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا تمضمض أحدكم حُط ما أصاب بفيه، وإذا غسل وجهه حط ما أصاب بوجهه، وإذا غسل يديه حط ما أصاب بيديه، وإذا مسح برأسه تناثرت خطاياه من أصول الشعر، وإذا غسل قدميه حط ما أصاب برجليه". رواه الطبراني في "الأوسط" (¬2) برجال الصحيح. ¬

_ (¬1) عزاه صاحب "لسان العرب" لغيلان بن حريث، ونقل عن ابن بري أن الصواب فيه: إلى منحوره -بالحاء المهملة- وكذا أنشده سيبويه وقال: والمنحور: النحر، انظر "لسان العرب" (مادة: نحر). ونقل عنه ابن بري في (مادة: لدن) أنه قال: وأنشده سيبويه: إلى مَنْخُوره -بفتح الميم والخاء- أبي مَنْخَره. (¬2) سقط من "الأوسط"، وذكره الهيثمي في "مجمع البحرين" (1/ 317 رقم 386)، وذكره أيضًا في "مجمع الزوائد" (1/ 222) وقال: رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح.

فإن قلت: قد عرفنا أنه إذا غسل رأسه لا يستحق تلك الفضيلة فهل هو يغني عن المسح أم لا؟ قلت: نعم يجزئ؛ لأن المسح إصابة الماء، والغسل فيه الإصابة مع زيادة، وهي الإسالة، ولهذا لو صبّ على رأسه ميزاب أو ترك عليه مطر فأصاب قدر موضع المسح يجزئ عن المسح. وفي "المغني" لابن قدامة: فإن غسل رأسه بدل مسحه فعلى وجهين: أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الله أمر بالمسح، والمسح غير الغسل. والوجه الآخر: يجزئه، وهو قول ابن حامد؛ لأنه لو كان عليه جنابة فانغمس في ماء يقصد الطهارتين أجزأه مع عدم المسح، فكذلك إذا كان الحدث الأصغر مفردا. انتهى. ومن أبين الدلائل على ما ذكرتُ حديث ابن عباس في وصفه وضوء علي - رضي الله عنهم - قال: "وأخذ بكفه اليمنى قبضة من ماء، فصبها على ناصيته، فتركها حتى تستن على وجهه -أي تسيل". رواه أبو داود (¬1) وقد ذكرناه. ص: وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا ما يدل على ذلك. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن إسحاق، عن سعيد بن أبي كَرْب، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "رأى النبي - عليه السلام - في قدم رجل لمعة لم يغسلها، فقال: ويل للعراقيب من النار". ش: أي قد روي عن النبي - عليه السلام - أيضًا ما يدل على أن وظيفة الرجلين الغسل لا المسح، ثم بيّنه بقوله: "حدثنا فهد ... " إلى آخره. إسناده صحيح. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه.

وأبو نعيم الفضل بن دكين، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله السَّبيعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كَرْب، عن جابر بن عبد الله قال: "سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: ويل للعراقيب من النار". وأخرجه ابن ماجه (¬2): عن ابن أبي شيبة نحوه. قوله: "لُمْعَة" بضم اللام، وهي بياض أو سواد أو حمرة تبدو من بين لون سواها، وهي في الأصل قطعة من النبت إذا أخذت في اليُبْس، والمراد بهَا هنا الموضع الذي لم يصبه الماء، وكذا اصطلح به الفقهاء. قوله: "ويل" من المصادر التي لا أفعال لها، وهي كلمة عذاب وهلاك، وهي تقابل "ويح"، يقال لمن وقع فيما لا يستحقه: ويحه، ترحما، وعن أبي سعيد الخدري: تأويل: وادٍ في جهنم، لو أرسلت عليه الجبال لما غيرته من حره"، وقيل: "ويل" صديد أهل النار. وارتفاعه على الابتداء، والمخصّص كونه مصدرا في معنى الدعاء كما في "سلامٌ عليكم" كما عرف في موضعه. و"العراقيب" خبره، جمع عرقوب، وهو الوتر الذي خلف الكعبين بين مفصل القدم، والساق من ذوات الأربع، وهو في الإنسان فوق العقب، وقال الجوهري: العرقوب: العصب الغليظ المُوتّر فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. وقال الأصمعي: وكل ذي أربع عرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه، وقد عرقبتُ الدابة: قطعت عرقوبها. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 32 رقم 271). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 155 رقم 454).

ويستفاد منه: وجوب استيعاب غسل الرجلين، وأن المسح غير جائز، ووجوب تعميم الأعضاء بالمطهر، وأنَّ ترك البعض منها غير مجزئ حتى إذا كان تحت أظفاره وسَخ أو عجينٌ يَمنعَ وصولَ الماء إليه لا يجوز. وأنه إذا غسل أعضاء وضوئه ولم يسل الماء، بل استعمله مثل الدهن لا يجوز، وفي "البدائع": وهو ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه يجوز، وعلى هذا قالوا: لو توضأ بالثلج ولم يقطر منه ماء لا يجوز، ولو قطر منه قطرتان أو ثلاث جازة لوجود الإساله. وأن الجسد يُعذب في النار، وهو مذهب أهل الحق. وأن العالم ينبغي له إنكار ما يرى من تضييع الفرائض والسنن، ويُغَلِّظ القول في ذلك. وأن تعليم الجاهل وإرشاده واجب. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمّل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ويل للأعقاب من النار؛ أسبغوا الوضوء". ش: رجاله ثقات، وأبو بكرة بكَّار القاضي، وسفيان هو الثوري، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله، وسعيد هو ابن أبي كرب. وأخرجه ابن ماجه (¬1): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "ويل للأعقاب من النار". قوله: "للأعقاب" جمع عَقِبْ مثال: كَبدْ، وهو المستأخر الذي يمسك مؤخر شراك النعل، وقال أبو حاتم: عَقِبْ، وعَقْب مثال: كَبِدْ وصَقْر، وهي مؤنثة، ولم يكسروا العين كما في كبد وكتف. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه.

وقال النضر بن شُميل: العَقب يكون في المتَن والساقين مختلط باللحم، يمشق منه مشقا، ويهذّب، ويُنَقَّى من اللحم، ويُسَوَّى منه الوتر، وأما العصب فالعِلْباء الغليظ، ولا خير فيه، قال الليث: والعقِب مؤخر القدم فهو من العصب لا من العقَب، وقال الأصمعي: العقب ما أصاب الأرض من مؤخر الرجل إلى موضع الشراك، وفي "المخصّص": عرش (¬1) القدم أصول سلامياتها المنتشرة القريبة من الأصابع، وعقبها مؤخرها الذي يفصلها عن مؤخر القدم، وهو موقع الشراك من خلفها. فإن قلت: لم خصّ الأعقاب بالعذاب؟. قلت: لأنها العضو التي لم تغسل. وفي "الغريبين": وفي الحديث: "ويل للعقب من النار" أي لصاحب العقب المقصر عن غسلها، كما قال تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (¬2) أي أهلها، وقيل: إن العقب تخصّ بالمؤلم من العقاب إذا قصر في غسلها. وفي "المنتهى في اللغة": وفي الحديث: "ويل للأعقاب من النار" أراد التغليظ في إسباغ الوضوء، وذلك أنهم كانوا يبولون على شباق من أعقابهم، ثم يصلون، ولا يغسلون. قوله: "أسبغوا" أمر من الإسباغ، وهو التكميل، والإتمام، والسبوغ: الشمول، وإنما ترك العاطف بين الجملتين؛ لأن الثانية كالبيان للأصلى فلا يحتاج إلى العاطف. فإن قلت: ما الألف واللام في الأعقاب؟ قلت: للعهد، أبي الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسها الماء، أو يكون المراد الأعقاب التي صِفَتُها هذه لا كل الأعقاب. ¬

_ (¬1) كتب في الحاشية بخط مغاير: عرش القدم ما نتأ من ظهرها، وفيه الأصابع، وهو بفتح العين وسكون الراء المهملتين، وفي آخره شين معجمة. (¬2) سورة يوسف، آية: [82].

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس، قال ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: نا أبو سلمة، قال: ثنا سالم مولى المهري، قال: "سمعت عائشة - رضي الله عنها - تنادي عبد الرحمن: أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: ويل للأعقاب من النار". ش: رجاله رجال مسلم ما خلا شيخ الطحاوي، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وسالم مولى المهري هو الذي يقال له: سالم سَبَلان، وسالم الدَوْسي، وسالم مولى شداد (¬1). وأخرجه مسلم (¬2): عن هارون بن سعيد الأيلي وأبي الطاهر وأحمد بن عيسى، كلهم عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سالم مولى شداد قال: "دخلت على عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - عليه السلام - يوم توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنه - فتوضأ عندها، فقالت: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: ويل للأعقاب من النار". وأخرجه أحمد أيضًا في مسنده (¬3). ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عاصم، قال: ثنا ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي سلمة أنه سمع عائشة - رضي الله عنه - تقول: "يا عبد الرحمن ... " فذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن عجلان هو محمَّد، والمقبُري هو سعيد بن أبي سعيد كيسان. وأخرجه أحمد (¬4): نا يحيى، عن ابن عجلان، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، قال: "رأت عائشة عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهم - يتوضأ، فقالت: يا عبد الرحمن، أحسن الوضوء، فإني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: ويل للأعقاب من النار". ¬

_ (¬1) ويقال له غير ذلك، انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" (10/ 154). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 213 رقم 240). (¬3) "مسند أحمد" (6/ 81 رقم 24560). (¬4) "مسند أحمد" (6/ 191 رقم 25630).

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي، عن عائشة مثله. ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد اليشكري، عن يحيى بن أبي كثير، عن سالم الدوسي، وهو سالم سبلان المذكور آنفا. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني سالم الدوسي، قال: سمعت عائشة تقول لعبد الرحمن ابن أبي بكر: "يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: ويل للأعقاب من النار". ص: حدثنا ربيع الجيزيّ، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: أنا حيوة بن شريح قال: أنا أبو الأسود، أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد حدّثه: "أنه دخل على عائشة زوج النبي - عليه السلام - وعندها عبد الرحمن بن أبي بكر ... " ثم ذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو جيد حسن. وأبو زرعة اسمه وهب الله بن راشد الحجري المؤذن، قال أبو حاتم: محله الصدق (¬2). وحيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري. وأبو الأسود النَّضر بن عبد الجبار بن نُضير -بضم النون في الجدّ، وبفتحها في الابن- وثقه ابن حبان. وأبو عبد الله هو سالم بن عبد الله مولى شداد، فهذا كما رأيت ذكره في الطريق الأول وقال: سالم مولى المهري، وفي الثاني ذكره وقال: سالم الدوسي، وفي الثالث ذكره وقال: إن أبا عبد الله مولى شداد، والكل واحدٌ كما ذكرنا، وبالطريق الثالث ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 84 رقم 24587). (¬2) قلت: وهو متكلم فيه. انظر ترجمته في "لسان الميزان".

أخرجه مسلم (¬1): عن حرملة، عن ابن وهب، عن حيوة، عن محمَّد بن عبد الرحمن، أن أبا عبد الله مولى شداد بن الهاد حدثه: "أنه دخل على عائشة - رضي الله عنها - ... " فذكر عنها عن النبي - عليه السلام - بمثله. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2) -وقال: سالم سبلان-: ثنا حسين، ثنا ابن أبي ذئب، عن عمران بن بشير، عن سالم سبلان قال: "خرجنا مع عائشة إلى مكة، وكانت تخرج بأبي يحيى التيمي؛ يصلي بها، [قال] (¬3) فأدركنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فأساء عبد الرحمن الوضوء، فقالت عائشة: يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: ويل للأعقاب من النار" (¬4). ص: حدثنا فهد، قال: نا ابن أبي مريم، قال: أنا سليمان بن بلال، قال: حدثني سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "ويلٌ للأعقاب من النار يوم القيامة". ش: إسناده صحيح، وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم، وقد تكرر ذكره، وأبو صالح ذكوان. وأخرجه مسلم (¬5): حدثني زهير بن حرب قال: نا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ويل للأعقاب من النار". ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: "ويل (للعقب) (¬6) من النار". ش: إسناده صحيح. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 213 رقم 240). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 112 رقم 24857). (¬3) تكررت في "الأصل". (¬4) زاد في "مسند أحمد": "يوم القيامة" بعد "للأعقاب". (¬5) "صحيح مسلم" (1/ 215 رقم 242). (¬6) كذا في "الأصل، ك" بالإفراد، وفي "شرح المعاني": "للأعقاب" بالجمع.

وأخرجه البخاري (¬1): نا آدم بن أبي إياس، ثنا شعبة، نا محمَّد بن زياد قال: "سمعت أبا هريرة وكان يَمرُّ بنا والناس يتوضئون من المطهرة، فقال: أسبغوا الوضوء؛ فإن أبا القاسم قال: ويل للأعقاب من النار". ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وإسناده صحيح أيضًا. وأخرجه النسائى (¬2)، أنا قتيبة، قال: نا يزيد بن زريع، عن شعبة. وأنا مؤمل بن هشام، قال: ثنا إسماعيل، عن شعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: "ويل للأعقاب من النار". وأخرجه مسلم (¬3) أيضًا من حديث شعبة، ولفظه: "ويل للعراقيب من النار". ص: حدثنا يونس قال: ثنا يحيى بن عبد اللهَ بن بُكير قال: حدثني الليث، عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزُبيدي قال: سمعتُ رسول الله - عليه السلام - يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار". ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا عقبة، ووثقه العجلي. وغيره. والزُّبيدي -بضم الزاي المعجمة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف- نسبة إلى زُبيد أحد أجداده؛ لأن عبد الله هو: ابن الحارث بن جزء بن عبد الله بن معدي كرب بن عمرو بن عُصم بن عُريج بن عمرو بن زُبيد، وإلى زبيد ترجع قبائل كثيرة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬4):، ثنا هارون قال: نا عبد الله بن ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 73 رقم 163). (¬2) "المجتبى" (1/ 77 رقم 110). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 214 رقم 242). (¬4) "مسند أحمد" (4/ 190 رقم 17742).

وهب، أخبرني حيوة بن شريح، أخبرني عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث ابن جزء الزُّبيدي، وهو من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار يوم القيامة". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): عن يحيى بن أيوب العلاف، عن سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد والليث بن سعد، عن يحيى بن شريح، عن عقبة بن مسلم ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: نا أبو الأسود، قال: نا الليث وابن لهيعة، قالا: أبنا حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، قال: سمعت عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: قال رسول الله - عليه السلام - ... فذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وعبد الله بن لهيعة وإنْ كان فيه مقال فهو مذكور متابعة. وأبو الأسود هو: النضر بن عبد الجبار. وأخرجه الطبراني (¬2): من حديث ابن لهيعة وحده، عن حيوة بن شريح ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: نا زائدة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "ويل للأعقاب من النار". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك، وأبو يحيى الأعرج اسمه مصدع مولى عبد الله ابن عمرو بن العاص. ¬

_ (¬1) مسند عبد الله بن جزء في الجزء المفقود من المعجم الذي لم يطبع بعد. (¬2) انظر التعليق السابق.

وأخرجه الثلاثة، فأبو داود (¬1): عن مسدد، عن يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن هلال ... إلى آخره نحوه، ولفظه: [أن] (¬2) النبي - عليه السلام - رأى قوما وأعقابهم تلوح، فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء". والنسائي (¬3): عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان. وعن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور ... إلى آخره نحوه. وابن ماجه (¬4): عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلى بن محمَّد، كلاهما عن وكيع، عن سفيان، عن منصور ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: نا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى الأعرج، عن عبد الله بن عمرو: "أن النبي - عليه السلام - رأى قوما توضئوا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئا، فقال: ويل للعقب من النار، أسبغوا الوضوء". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬5)، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة ... إلى آخره، ولفظه: "سألت رسول الله - عليه السلام - عن صلاة الرجل قاعدًا، فقال: على النصف من صلاته قائما، قال: وأبصر رسول الله - عليه السلام - قوما يتوضئون لم يتموا الوضوء، فقال: أسبغوا -يعني الوضوء- ويل للعراقيب من النار -أو للأعقاب-". ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أخبرنا زائدة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو قال: ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 24 رقم 97). (¬2) تكررت في "الأصل". (¬3) "المجتبى" (1/ 77 رقم 111). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 154 رقم 450). (¬5) "مسند أحمد" (2/ 201 رقم 6883).

"سافرنا مع رسول الله - عليه السلام - من مكة إلى المدينة، فأتى على ماء بين مكة والمدينة، فحضرت العصر، فتقدم أناس، فانتهينا إليهم وقد توضأوا وأعقابهم تلوح لم يمسّها ماء، فقال النبي - عليه السلام -: ويل للأعقاب من النار؛ أسبغوا الوضوء". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬1): أنا أبو يعلى قال: نا أبو خيثمة، قال: نا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي يحيى، عن عبد الله بن عمرو قال: "رجعنا مع رسول الله - عليه السلام - من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا ببعض الطريق تعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال، قال فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسّها الماء، فقال رسول الله - عليه السلام -: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء". وأخرجه مسلم (¬2) أيضًا: عن زهير بن حرب، عن جرير، عن منصور ... إلى آخره نحوه. قوله: "وقد توضئوا" حال، وكذا "وأعقابهم تلوح" وكذا "لم يمسها ماء" أحوال مترادفة أو متداخلة، وتلوح: مِن لاح الشيء إذا ظهر. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكّار، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: "تخلف عنا رسول الله - عليه السلام - في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا صلاة العصر، ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى: ويل للأعقاب من النار -مرتين أو ثلاثا-". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأبو عوانة الوضّاح اليشكري. وأبو بشر جعفر بن أبي وحشيّة إياس الواسطي التابعي الكبير. وماهَك بفتح الهاء، والكاف، لا تتصرف للعجمة، والعلمية وهو اسم أبيه، وقيل: اسم أمه، والاصح أن اسم أمه مُسَيْكة، وعن ابن المديني: يوسف بن ماهك ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (3/ 335 رقم 1055). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 214 رقم 241).

ويوسف بن ماهان واحد، قلت: ماهك بالفارسية تصغير القمر، يعني قمير؛ لأن ماه عندهم اسم القمر، والتصغير عندهم بالكاف. وأخرجه البخاري (¬1): عن أبي النعمان، عن أبي عوانة إلى آخره نحو: رواية الطحاوي، وفيه فنادى بأعلى صوته. وأخرجه مسلم (¬2): عن شيبان بن فروخ وأبي كامل الجحدري جميعًا، عن أبي عوانة إلى آخره نحوه. قوله: "في سفرة" قد جاء مفسرا في الرواية الأولى أنها كانت من مكة إلى المدينة. قوله: "وقد أرهقتنا" جملة حالية، وصلاة العصر فاعِلُهُ، أبي أعجلتنا لضيق وقتها، قال القاضي عياض: ومنه المراهق -بالفتح- في الحج؛ وقيل: بالكسر، وهو الذي أعجله ضيق الوقت أن يطوف. وفي "الموعب": قال أبو زيد: رَهِقتنا الصلاة بالكسر رهوقا: حانت، وأرهقنا نحن الصلاة إرهاقا: أخرناها عن وقتها، وقال صاحب "العين": استأخرنا عنها حتى يدنو وقت الأخرى، ورهِقتُ الشيء رهقا أي دنوت منه. وفي "المحكم": أرهقنا الليل: دنا منّا، ورهِقَتنا الصلاة رهقا: حانتْ. وفي "المعرب": رهقتنا الصلاة غشيتنا. وفي "الاشتقاق" للرُماني: أصل الرهَق الغشيان، وكذا قاله الزجاج. وقال أبو النضر: رهقني: دنا مني، وقال ابن الأعرابي: رهقته، وأرهقته بمعنى دنوت منه. قوله: "ونحن نتوضأ ونمسح على أرجلنا" قال القاضي عياض: معناه نغسل كما هو المراد في الآية بدليل تباين الروايات، وليس معناه ما أشار إليه بعضهم أنه دليل ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 33 رقم 60). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 214 رقم 241).

على أنهم كانوا يمسحون، فنهاهم النبي - عليه السلام -عن ذلك، وأمرهم بالغَسل، وقالوا أيضًا: لو كان غسلاُ لأمرهم بالإعادة لما صلوا. هذا لاحجة فيه لقائله؛ لأنه - عليه السلام - قد أعلمهم بأنهم مستوجبون النار على فعلهم بقوله: "ويل للأعقاب من النار"، ولا يكون هذا إلَّا في الواجب، وقد أمرهم بالغسل بقوله: أسبغوا الوضوء، ولم يأت أنهم صلوا بهذا الوضوء، ولا أنها كانت عادتهم قبلُ؛ فيلزم أمرهم بالإعادة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو عوانة ... فذكر مثله. ش: هذا طريق آخر عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذكر عبد الله بن عمرو أنهم كانوا يمسحون حتى أمرهم رسول الله - عليه السلام - بإسباغ الوضوء، وخوّفهم فقال: "ويل للأعقاب من النار" فدلّ ذلك أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه مما ذكرنا، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار. ش: المفهوم من كلامه أن معنى قوله: "ونمسح على أرجلنا" هو أنهم كانوا يمسحون عليها مثل مسح الرأس، ثم إنَّ رسول الله - عليه السلام - منعهم عن ذلك، وأمرهم بالغسل، فهذا يدل على انتساخ ما كانوا يفعلونه من المسح، ولكن فيه ما فيه؛ لأن قوله: "ونمسح على أرجلنا" يحتمل أنْ يكون معناه نغسل غسلا خفيفا مُبقَّعا حتى يرى كأنه مسح، والدليل عليه ما في الرواية الأخرى: "رأى قوما توضئوا وكأنهم تركوا من أرجلهم شيئا" فهذا يدل على أنهم كانوا يغسلون، ولكن غسلا قريبا من المسح، فلذلك قال لهم: "أسبغوا الوضوء" وأيضًا إنما يكون الوعيد على ترك الفرض، ولو لم يكن الغسل في الأول فرضا عندهم لما توجه الوعيد؛ لأن المسح لو كان هو المعمول فيما بينهم كان يأمرهم بتركه وانتقالهم إلى الغسل بدون الوعيد، ومن ذلك قال القاضي عياض: معناه نغسل كما ذكرناه آنفا، والصواب أنْ يُقال: إنَّ أمر رسول الله - عليه السلام - بإسباغ الوضوء، ووعيدَه وإنكاره عليهم في ذلك الغسل

يدل على أن وظيفة الرجلين هو الغسل الوافي، لا الغسل المشابه للمسح كغسل هؤلاء، وما روي من الأحاديث التي فيها المسح صريحا فقد أجبنا عنها في أول الباب، وقول عياض: وقد أمرهم بالغسل بقوله: "أسبغوا الوضوء" غير مُسَلّم؛ لأن الأمر بالإسباغ أمر بتكميل الغسل، والأمر بالغسل فُهِمَ من الوعيد؛ لأنه لا يكون إلَّا في ترك واجب، فلما فُهِمَ ذلك من الوعيد أكده بقوله: "أسبغوا الوضوء" ولهذا ترك العاطف فوقع هذا تأكيدًا عامّا يشمل الرجلين وغيرهما من أعضاء الوضوء؛ لأنه لم يقل: أسبغوا الرجلين، بل قال: أسبغوا الوضوء، والوضوء هو غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، ومطلوبية الإسباغ غير مختصة بالرجلين، فكما أنه مطلوب فيهما فكذلك هو مطلوب في غيرهما. فإنْ قيل: لِمَ ذكر الإسباغ عامّا، والوعيد خاصّا؟ قلت: لأنهم ما قصّروا إلَّا في وظيفة الرجلين؛ فلذلك ذكر لفظ الأعقاب، فيكون الوعيد في مقابلة ذلك التقصير الخاص، فهذا كله ظهر لي من الأنوار الربانية، وتحقق عندي أنه صواب، فلذلك غيرت هنا ما قلت هناك والله أعلم. ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد ذكرنا فيما تقدم من هذا الباب عن رسول الله - عليه السلام - ما لمن غسل رجليه في وضوئه من الثواب، فثبت بذلك أنهما مما يغسل في الوضوء، وأنهما ليستا كالرأس الذي يمسح في الوضوء وغاسله لا ثواب له في غسله، وهذا الذي ثبت (بهذه) (¬1) الآثار هو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد -رحمهم الله-. ش: أبي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس ... إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "ما لمن غسل" مفعول "قد ذكرنا"، و"من" موصولة. وقوله: "من الثواب" بيان لكلمة "ما" فافهم. ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل".

ص: وقد اختلف الناس في قوله عز وجل: {وَأَرْجُلَكُمْ} (¬1) فأضافه قوم إلى قوله: {بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} (1) قصرا على معنى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} وأضافه قوم إلى قوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فقرءوا {وَأَرْجُلَكُمْ} (1) نَسَقا على قوله: فاغسلوا وجوهكم، واغسلوا أيديكم، واغسلوا أرجلكم على الإضمار والنسق. ش: لما ذكر حجج الفريقين من الآثار والأخبار، شرع بذكر استدلالهم بالقرائتين المختلفتين في آية الوضوء، فالفريق الأول -أعني الذين ذهبوا إلى مسح الرجلين- أخذوا بقراءة الجرِّ في قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} (1) وجعلوها عطفا على قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} وهو معنى قوله: "فأضافه قوم إلى قوله: وامسحوا ... " إلى آخره فيكون المأمور في الوضوء أربعة أشياء: غسلان: غسل اليدين، والوجه، ومسحان: مسح الرأس والرجلين، فقرأ بالجرّ ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وحمزة، وابن كثير، وقال الحافظ أبو بكر بن العربي: وقرأ أنس، وعلقمة، وأبو جعفر أيضًا بالخفض، وقال موسى بن أنس لأنس: يا أبا حمزة، إنَّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا حتى ذكر الرجلين، وغسلهما، وغسل العراقيب، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج، قال الله سبحانه: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} (1) قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلهما، وقال: نزل القرآن بالمسح وجاءت السُّنَّهُ بالغسل. وعن ابن عباس وقتادة: "افترض الله -سبحانه- مسحين، وغسلين"، وبه قال عكرمة، والشعبي، واختار الطبري التمييز بينهما، وجعل القراءتين كالروايتين في الخبر، يعمل بهما إذا لم يتناقضا. انتهى. والفريق الثاني -أعني الذين ذهبوا إلى غسل الرجلين- أخذوا بقراءة النصب، وهو معنى قوله: "وأضافه قوم إلى قوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (1) وأراد بالإضافة ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [6].

في الموضعين: العطف؛ لأن معنى العطف: الميل لغة، وفيه معنى الضم؛ لأن العاطف يضم شفقته إلى من يعطف عليه، ويجعلون المعنى: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم واغسلوا أرجلكم، على الإضمار والنسق، أما الإضمار فهو تقدير اغسلوا، وأما النسق فهو العطف على اغسلوا وجوهكم، وممن قرأ بالنصب: عليٌّ، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس -في رواية- وإبراهيم، والضحاك، ونافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم، وعلي بن حمزة، وقال الأزهريّ: وهي قراءة ابن عباس، والأعمش، وحفص عن أبي بكر، ومحمد بن إدريس الشافعي -رحمهم الله-. وقال الحافظ أبو بكر بن العربي: ثبتت القراءة بثلاث روايات: الرفع، قرأ به نافع، ورواه عنه الوليد بن مسلم، وهي قراءة الأعمش. والنصب والجرّ ذكرناهما، وقال الإِمام أبو بكر الرازي -رحمه الله-: وهاتان القراءتان قد نزل بهما القرآن جميعًا ونقلهما الأئمة تلقيّا من رسول الله - عليه السلام - ولا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفهما على الرأس، ويحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها (على) (¬1) المغسول من الأعضاء، وذلك لأن قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} بالنصب يجوز أن يكون مراده واغسلوا أرجلكم، ويجوز أنْ يكون معطوفا على الرأس، فيراد بها المسح وإنْ كانت منصوبة فيكون عطفا على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الممسوح مفعول به، كقول الشاعر: مُعاوِيَ إننا بشرٌ فأسجح (¬2) ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب الحديد وهو معطوف على الجبال بالمعنى، وتحتمل قراءة الخفض أنْ يكون معطوفا على الرأس، فيراد به المسح، ويحتمل عطفه على الغسل، ويكون ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل". (¬2) كتب في الحاشية بخط مغاير: قوله: "أسجح" أمر من الإسجاح، وهو حسن العفو، والجيم مقدمة على الحاء.

مخفوضا بالمجاورة، كقوله: تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} (¬1)، ثم قال: {وَحُورٌ عِينٌ} (¬2) فخفضهن بالمجاورة، وهن معطوفات في المعنى على الولدان؛ لأنهن يطفن ولا يطاف بهن، وكما قال الشاعر: فهل أنت إنْ ماتت أتانك ركبُ ... إلى دار بسطام بن قيس فخاطِب فخفض خاطِب بالمجاورة، وهو معطوف على المرفوع من قول راكبُ، والقوافي مجرورة، ألا ترى إلى قوله: فهَلْ مثلُها في مثل حَيّ وكلَّهُم ... على داري بين ليلى وغالِب فثبت بما وصفنا احتمال كل واحدة من القراءتين المسح، والغسل، فلا يخلو حينئذ القول من أحد معانٍ ثلاثة، إما أنْ يقال: إنَّ المراد هما جميعًا مجموعان فيكون عليه أنْ يمسح، ويغسل فيجمعهما، أو يكون أحدهما على التخيير، يفعل المتوضئ أيهما شاء ويكون ما يفعله هو المفروض، أو يكون المراد أحدهما بعينه لا على وجه التخيير، وغير جائز أنْ يكون هما جميعًا على وجه الجمع لاتفاق الجميع على خلافه، ولا جائز أيضًا أنْ يكون المراد أحدهما على وجه التخيير؛ إِذ ليس في الآية ذكر التخيير، ولا دلالة عليه، ولو جاز إثبات التخيير مع عدم لفظ التخيير في الآية لجاز إثبات الجمع مع عدم لفظ الجمع؛ فبطل التخيير بما وصفنا، وإذ انتفى التخيير والجمع، ولم يبق إلَّا أنْ يكون المراد أحدهما لا على وجه التخيير، فاحتجنا إلى طلب الدليل على المراد منهما، فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا غسل فقد أدى فرضه وأتى بالمراد، وأنه غير ملوم على ترك المسح، فثبتَ أن المراد الغسل، وأيضًا فإن اللفظ للاحتمال الذي ذكرنا مع اتفاق الجميع على أن المراد أحدهما ضار في حكم المجمل المفتقر إلى البيان، فمهما ورد فيه من البيان عن الرسول - عليه السلام - من فعل أو قول، علمنا أنه مراد الله، وقد ورد البيان عنه - عليه السلام - بالغسل قولًا ¬

_ (¬1) سورة الواقعة، آية: [17]. (¬2) سورة الواقعة، آية: [22]. وهي قراءة حمزة والكسائي وأبو جعفر، وقرأ الباقون بالرفع، انظر "البدور الزاهرة" (ص 312).

وفعلا، أما الأول فهو ما ثبت بالنقل المستفيض المتواتر أنه - عليه السلام - غسل رجليه في الوضوء، ولم تختلف الأمة فيه، فصار ذلك واردا مورد البيان، فإذا ورد فعله على وجه البيان فهو على الوجوب، فثبتَ أن ذلك مراد الله بالآية. وأما الثاني فما روى جابر وأبو هريرة، وعائشة، وعبيد الله بن عمر وغيرهم: "أن النبي - عليه السلام - رأى قوما تلوح أعقابهم لم يصبها الماء، فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء" (¬1) وتوضأ النبي - عليه السلام - مرة فغسل رجليه وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلَّا به" (1) وأيضًا فلو كان المسح جائزا لما أخلاه النبي - عليه السلام - من بيانه إِذ كان مراد الله في المسح كهو في الغسل، فكان يجب أنْ يكون مسحه في وزن غسله، فلما لم يرد عنه المسح حسب وروده في الغسل؛ ثبت أن المسح غير مراد. وأيضًا فإن القراءتين كالآيتين في أحداهما الغسل وفي الأخرى المسح لاحتمالهما للمعنيين، فإذا وردت آيتان إحداهما توجب الغسل، والأخرى توجب المسح، لما جاز ترك الغسل إلى المسح؛ لأن في الغسل زيادة فعل وقد اقتضاه الأجر بالغسل، فكان يكون حينئذ يجب استعمالها على أعمّهما حكمًا، وأكثرهما فائدة وهو الغسل؛ لأنه يأتي على المسح، والمسح لا يتضمن الغسل، وأيضًا لما حَدّد الرجلين بقوله: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} كما قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} دلّ على استيعاب الجميع كما دلّ ذكر الأيدي إلى المرافق على استيعابهما بالغسل، وذكر صاحب "البدائع" ما ملخّصه: أن من قال بالمسح أخذ بقراءة الخفض، ومن قال بالتخيير يقول: إنَّ القراءتين ثابتتان، وقد تعذر الجمع بينهما بأن يجمع الغسل والمسح إِذ لا قائل به من السلف فيتخير، وأيهما فعل يكون آتيا بالمفروض، ومن قال بالجمع يقول: القراءتان في آية واحدة كالآيتين، فيجب العمل بهما جميعًا ما أمكن، وهنا أمكن لعدم التنافي بين الغسل والمسح في محل واحد، فيجب الجمع، ولنا قراءة النصب وأنها ترجح؛ لأنها محكمة في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على المغسول، وقراءة ¬

_ (¬1) سبق تخريجه.

الخفض محتملة؛ لأنه يحتمل عطفها على الرؤوس حقيقة ومحلها الخفض، وعلى الوجه واليدين حقيقة ومحلها النصب إلَّا أنها خفضت للمجاورة كما في: "جُحْر ضبٍّ خرب"، والخرب نعت للجحر لا للضبّ، فكانت قراءة النصب أرجح، إلَّا أن فيه إشكالا وهو أن الكلام في حد التعارض؛ لأن قراءة النصب محتملة أيضًا في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على اليدين والوجه؛ لأنه يحتمل أنَّهَا معطوفة على الرأس، والمراد بها المسح حقيقة، لكنها نصبت على المعنى لا على اللفظ؛ لأن الممسوح به مفعول به فصار كأنه: فامسحوا رؤوسكم، والإعراب قد يتبع اللفظ وقد يتبع المعنى، فحينئذ يُصلب الترجيح من وجه آخر، وذلك من وجوه: أحدها: أنَّ الله مدّ الحكم في الأرجل إلى الكعبين، ووجوب المسح لا يمتد إليهما. الثاني: أنَّ الغَسْلَ يتضمن المسح. والثالث: أنه روى عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله - عليه السلام - أنه قال: "ويل للأعقاب من النار" والوعيد لا يُستحق إلَّا بترك الواجب، والحكم في تعارض القراءتين كالحكم في تعارض الآيتين، فإنْ أمكن العمل بهما مطلقا يعمل، وإلَّا يعمل بالقدر الممكن، وها هنا لا يمكن الجمع بين الغسل والمسح في عضو واحدٍ في حالة واحدةٍ؛ لأنه لم يقل به أحد، ولأنه يؤدي إلى تكرار المسح؛ لأن الغسل يتضمن المسح، والأمر المطلق لا يقتضي التكرار فيحمل في حالتين، فتُحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرِّجْلان باديتان، وقراءة الخفض على ما إذا كانتا مستورتين بالخفن؛ توفيقا بين القراءتين، وعملا بهما بالقدر الممكن. انتهى. فإنْ قيل: لا يستقيم الحمل على هذا الوجه؛ لأن قراءة الجر تقتضي المسح على الرجل دون الخف. قلت: لما أقيم الخف مقامه كان المسح على الخف كالمسح عليه، وإنما أضيف المسح إلى الرجل دون الخف لئلا يوهم جواز المسح على الخف بدون اللبس، وهذا على اختيار بعض المشايخ الذين أثبتوا جواز المسح على الخف بالكتاب، ولكن الجمهور منهم أثبتوه بالسُّنة المشهورة دون الكتاب وقالوا: لو كان ثابتا

بالكتاب لكان مغيًّا إلى الكعبين كالغسل، وليس كذلك، وأجابوا عن قراءة الجرّ بأن الأرجل في محل النصب أيضًا بالعطف على الوجه فيكون مغسولا، فلا تعارض، وإنما صار مجرورا للمجاورة، وقيل: المراد بالمسح في حق الرجل الغسل، ولكن أُطلق عليه لفظ المسح للمشاكلة، كقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} (¬1) وقيل: إنما ذكر بلفظ المسح؛ لأن الأرجل من بين سائر الأعضاء مظنة إسراف الماء بالصبّ، فعطف على الممسوح، وإنْ كانت مغسولة على وجوب الاقتصاد في الصبّ لا لتُمْسح، وجيء بالغاية فقيل: إلى الكعبين إماطة لظن ظان يحسبها أنها ممسوحة؛ إذ المسح لم تصرف له غاية، وإليه أشار العلامة الزمخشري في "الكشاف"، واعترض عليه بأنا لا نسلم أنّ العطف لا لتمسح؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وقوله: إماطة لظن ... إلى آخره، غير مسلم أيضًا لأن الحكم الشرعي لا يعلم كيفيته وكميته إلَّا بالشرع، فننتهي إلى ما أنهانا الشارع إليه، وما قاله تعليل في معارضة النص، وهو فاسد، وأيضًا لو كان لتعليله أثر لم يُقرأ بالنصب، وقد ظهر فساد علّته لتخلف المعلول عن العلة، على تقدير قراءة النصب، وها هنا سؤال، وهو أنْ يقال: المسح في المعطوف عليه للإصابة حقيقة، وفي المعطوف إذا جعل للغسل مجاز، فيكون جمعا بين الحقيقة والمجاز. وأجيب بأن المسح الذي يُعبّر به عن الغسل هو لفظ المسح المقدر الذي تدل عليه الواو التي في قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} فحينئذ لا يلزم ذلك في لفظٍ واحدٍ. ص: وقد اختلف في ذلك أصحاب رسول الله - عليه السلام - فمن دونهم، فمما روي عنهم في ذلك ما: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن قيس، عن عاصم، عن زِرٍّ: "أنَّ عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قرأ {وَأَرْجُلَكُمْ} بالفتح". ¬

_ (¬1) سورة الشورى، آية: [40].

ش: أي وقد اختلف في عطف قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} هل هو على قوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} أو على قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} أصحاب رسول الله - عليه السلام - فمن دونهم من التابعين، فمما روي عن الصحابة: ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه -. أخرجه الطحاوي عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن بهدلة الكوفي المقرئ، عن زر بن حُبَيْش، عن عبد الله، وفي قيس خلاف. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1): عن أبي بكر أحمد بن علي، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله، عن محمَّد بن إسحاق بن خزيمة، عن بُنْدَار، عن أبي داود ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق، قال: ثنا عبد الوارث ابن سعيد ووهيب بن خالد، عن خالد الحذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك. ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن ابن مبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه قرأ {وَأَرْجُلَكُمْ} يعني رجع الأمر إلى الغسل". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: نا عبد الوارث، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو حسن؛ لأن علي بن زيد روى له مسلم مقرونا بثابت البناني (¬3). ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 70 رقم 336). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 26 رقم 193). (¬3) قلت: بل هو ضعيف، ورواية مسلم له مقرونًا بغيره لا تنفعه؛ فالرجل مجمع على ضعفه. انظر ترجمته في "تهذيب الكمال"، "وميزان الاعتدال".

ويوسف بن مهران وثقه أبو زرعة وابن سعد. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: سمعت هشيما يقول: أبنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنه قرأها كذلك، وقال: عاد إلى الغسل". ش: هذا طريق آخر وإسناده صحيح. قوله: "قرأها كذلك" يعني وأرجلَكم بالفتح. قوله: "عاد إلى الغسل" أي عاد الأمر أو الحكم إلى غسل الرجلين بمقتضى هذه القراءة. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا يعقوب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قيس، عن مجاهد قال: "رجع القرآن إلى الغسل، وقرأ {وَأَرْجُلَكُمْ}. ش: يعقوب: هو ابن إسحاق، وقيس هو ابن الربيع، فيه مقال. وأخرجه البيهقي (¬1): عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي العباس، عن إبراهيم، عن يعقوب بن إسحاق ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حماد ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن مجاهد ... إلى آخره. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: نا سفيان بن عُيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه مثله. ش: إسناده صحيح. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 70 رقم 337، 338).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: "أنه كان يقرأ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} (¬2)، يقول رجع الأمر إلى الغسل". وأخرجه البيهقي (¬3) نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: [ثنا يعقوب قال] (¬4)، ثنا عبد الوارث، قال: ثنا أبو التياح، عن شهر بن حوشب مثله. ش: إسناده صحيح، وأبو التياح اسمُه يزيد بن حُميد الضبعي. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا حماد، عن عاصم، عن الشعبي قال: "نزل القرآن بالمسح، والسُّنَّة بالغسل". ش: إسناده صحيح، ويعقوب هو ابن إسحاق، وحماد هو ابن سلمة، وعاصم هو ابن بَهْدلة، والشعبي اسمُه عامرٌ. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬5): عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: "أما جبريل فقد نزل بالمسح على القدمين". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا حميد الأعرج، عن مجاهد: "أنه قرأها {وَأَرْجُلَكُمْ} بالخفض. ش: إسناده صحيح، وحميد بن قيس الأعرج المكي، روى له الجماعة. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 26 رقم 194). (¬2) سورة المائدة، آية: [6]. (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 70 رقم 337) من طريق سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة به. (¬4) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني" وإبراهيم بن مرزوق لا يدرك عبد الوارث ابن سعيد، إنما يروي عن ابنه عبد الصمد بن عبد الوارث. وسيأتي على الصواب إن شاء الله تعالى. (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 19 رقم 56).

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن قرة، عن الحسن، أنه قرأها كذلك. ش: إسناده صحيح، وأبو داود: سليمان الطيالسي، وقرة بن خالد السدوسي، والحسن البصري -رحمهم الله-. ص: وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله - عليه السلام - أنهم كانوا يغسلون، فمما روي في ذلك ما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الزبير بن عَدِيّ، عن إبراهيم قال: قلت للأسود: "أكان عمر يغسل قدميه؟ فقال: نعم كان يغسلهما غسلا". ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم: الفضل بن دكين، وسفيان هو: الثوري، وإبراهيم هو: النخعي، والأسود هو: ابن يزيد، خال إبراهيم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن عبد الله بن نمير، عن الحجاج، عن الزبير بن عدي ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: نا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "توضأ عمر - رضي الله عنه - فغسل قدميه". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا روح بن الفرج، ولكنه منقطع؛ لأن إبراهيم لم يسمع من الصحابة شيئا. وأبو الأحوص سلّام بن سُليم الكوفي، ومغيرة هو [ابن] (¬2) مقسم الضبي. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا أبو ربيعة، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي جَمرة قال: "رأيت ابن عباس يغسل رجليه ثلاثا ثلاثا". ش: أبو ربيعة اسمه زيد بن عوف. القُطَعي، قال الدراقطني: ضعيف. وقال الفلاس: متروك. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 26 رقم 186). (¬2) سقط من "الأصل، ك" والصواب إثباته، ومغيرة بن مقسم من رجال التهذيب.

وأبو عوانة الوضاح اليشكري، وأبو جمرة -بالجيم- نصر بن عمران. وما روي عنه: "الوضوء مسحتان وغسلتان" فمحمول على مسح الرجلين وهما في الخف. ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابنُ لهيعة، عن عمارة بن غَزِيَّة، عن ابن المُجْمر قال: "رأيت أبا هريرة يتوضأ مرة، وكان إذا غسل ذراعيه كاد أنْ يبلغ نصف العضد، ورجليه إلى نصف الساق، فقلت له في ذلك، فقال: أريد أنْ أُطيل غرتي، إني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة غرّا محجَّلين من الوضوء، ولا يأتي أحد من الأمم كذلك". ش: أبو الأسود النضر بن عبد الجبار، ثقة. وعبد الله بن لهيعة فيه مقال. وعمارة بن غزية روى له مسلم. وابن المُجْمر هو نعيم بن عبد الله المُجْمِر، بضم الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية، ويقال: بتشديد الميم (¬1)، ثم هو صفة عبد الله والد نعيم في رواية الطحاوي، وبه جزم ابن حبان في كتاب "الثقات"، وكذلك جزم النووي في شرح مسلم بأن المجمر صفة لعبد الله، وتطلق على ابنه نعيم مجازا، قال ذلك مع جزمه أولا بأن نعيما هو كان يُبخِّر المسجد ووقع في رواية البخاري ومسلم عن نعيم المجمر، فوقع المجمر صفة له، والصحيح أنَّ المجمر صفة لأبيه عبد الله، كما في رواية الطحاوي؛ لأنه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا خرج إلى الصلاة في رمضان ونعيم هو ابن المجمر، روى له الجماعة. وأخرجه البخاري (¬2): ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا الليث، عن خالد، عن سعيد ابن أبي هلال، عن نعيم المجمر قال: "رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد، ¬

_ (¬1) أي مع فتح الجيم: المجَمِّر. (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 63 رقم 136).

فتوضأ وقال: إني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: إن أمتي يُدْعون يوم القيامة غرّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أنْ يطيل غرته فليفعل لما. وأخرجه مسلم (¬1): حدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثني ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم بن عبد الله: "أنه رأى أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه (إلى) (¬2) المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت ... " إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (¬3): عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أنَّ رسول الله - عليه السلام - خرج إلى المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون، وددت أني رأيت إخواننا، قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون بعد، وأنا فرطهم على الحوض، قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غرٌّ محجلةٌ في خيل بهُمٍ دُهمٍ، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض". قلت: هذا الحديث رواه أيضًا عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو الدرداء (¬4): فحديث عبد الله عند ابن أبي شيبة (¬5)، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله قال: "قلت: يا رسول الله، كيف تعرف مَنْ لم تر من أمتك؟ قال: هم غُرٌّ [محجلون] (¬6) بلق من آثار الوضوء". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 216 رقم 246). (¬2) في "صحيح مسلم": "حتى كاد يبلغ". (¬3) "المجتبى" (1/ 93 - 94 رقم 150)، وأخرجه ابن ماجه أيضًا (2/ 1439 رقم 306). (¬4) وعبد الله بن بسر أيضًا كما عند البزار في "مسنده" (8/ 429 رقم 3500). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 15 رقم 40)، وأخرجه ابن ماجه أيضًا (1/ 104 رقم 284). (¬6) ليست في "الأصل، ك"، وما أثبتناه من "مصنف ابن أبي شيبة".

وحديث جابر عند البزار (¬1): عن إسماعيل بن حفص الأيلي، عن يحيى بن اليمان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر قال: "قيل: يا رسول الله، كيف تعرف منْ لم تر من أمتك؟ قال: غُرّا -أحسبه قال-: محجلون من آثار الوضوء". وحديث أبي سعيد عند الطبراني في "الأوسط" (¬2): بإسناده إليه قال: "قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قال: غرٌّ محجلون من الوضوء". وحديث أبي أمامة عنده أيضًا في "الكبير" (¬3): بإسناده إليه قال: "قلت يا رسول الله، أتعرف أمتك يوم القيامة؟ قال: نعم. قلت: مَنْ رأيت ومَنْ لم تر؟ قال: مَنْ رأيت ومنْ لم أر، قلت: بماذا؟ قال: غرٌّ محجلون من آثار الوضوء". رواه أحمد أيضًا في "مسنده" (¬4). وحديث أبي الدرداء عند أحمد (¬5) والطبراني (¬6) أيضًا: بإسناد فيه ابن لهيعة فقال أبو الدرداء: قال رسول الله - عليه السلام -: "أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يرفع رأسه، فأنظر (بين) (¬7) يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي [مثل] (¬8) ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك، فقال رجل: كيف تعرف أمتك يا رسول الله من بين سائر الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هم غرّ محجلون من أثر الوضوء ليس لأحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتَون كتُبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى بين أيدهم ذريتهم". ¬

_ (¬1) عزاه الهيثمي في "المجمع" (1/ 225) للبزار وقال: إسناده حسن. (¬2) "المعجم الأوسط" (6/ 97 رقم 5852). (¬3) "المعجم الكبير" (8/ 106 رقم 7509). (¬4) "مسند أحمد" (5/ 260 - 261 رقم 2231) بنحوه. (¬5) "مسند أحمد" (5/ 199 رقم 21788). (¬6) "المعجم الأوسط" (3/ 304 رقم 3234). (¬7) تكررت في "الأصل". (¬8) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد".

قوله: "نصف العضد" يجوز فيه ضُم الضاد وسكونها، وقال الجوهري: العضد الساعد، وهي من المرفق إلى الكتف، فيه أربع لغات: عَضُد، وعَضِد، مثل: حَذُر، وحَذِر، وعَضْد، وعُضْد، مثل: ضَعْف، وضُعْف، وعضدتُه أعضُده -بالضم- أَعَنْتُه، والساق ساق القدم، والجمع سوق وسيقان وأسوق. قوله: "غرتي" الغرة بياض في جبهة الفرس، والحجل بياض في يديها ورجليها، فسُمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرّا وتحجيلا؛ تشبيها بذلك، وقيل: الأغرَّ من الخيل الذي غرته أكثر من الدرهم، قد وسطت جبهته ولم تُصِبْ واحدة من العينين، ولم تمل على واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفلى، وهي أفشى من القرحة (¬1)، وقال بعضهم: بل يقال للأغر: أغرَّ أقرح؛ لأنك إذا قلت: أَغَرَّ فلا بد من أنْ تصف الغرة بالطول والعرض، والصغر والعِظَمْ والدقة، وكلهن غُرَر، فالغرة جامعة لهن، وغرة الفرس: البياض يكون في وجهه، فإنْ كان [مُدَوَّرَة فهي] (¬2) وتيرة، وإنْ [كانت] (¬3) طويلة فهي شادخة. وفي "الصحاح": الوتيرة الوردة البيضاء، ووتَره حقه أبي نقصه. والأغرب الأبيض من كل شيء، وقد غَرَّ وجهه يَغَرّ -بالفتح- غَرَرا، وغُرَّة، وغَرارة: صار ذا غُرَّة. والتحجيل بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل: هو أنْ يكون البياض في ثلاث قوائم منهن دون الأخرى، في رجل ويدين، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلَّا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلَّا مع الرجلين، والتحجيل بياض قلَّ أو كثُرَ حتى يبلغ نصف الوظيف ويكون سائره ما كان. وفي "الصحاح": يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين، ولا العرقوبين. ¬

_ (¬1) زاد في "لسان العرب" (مادة: غرر): والقرحة: قدر الدرهم فما دونه. (¬2) في "الأصل، ك": موزرة فهو، والمثبت من "لسان العرب". (¬3) في "الأصل، ك": كان، والمثبت من "لسان العرب".

وفي "المغيث" لأبي موسى المديني: فإذا كان البياض في طرف اليد فهو العُصمة، يقال: فرس أعصم. قوله: "إنَّ أمتي" الأُمة تطلق على أُمَّه الدعوة، وعلى أمة الأتباع، والمراد ها هنا أمة أتباعه - عليه السلام -، جعلنا الله منهم، والأمة في اللغة: الجماعة، قال الأخفش: هو في اللفظ واحدة والمعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة، وفي الحديث: "لولا أنَّ الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" (¬1). قوله: "يوم القيامه" يوم: من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حَرْفَيْ علة (¬2)، فهو من باب "ويل" و"ويح"، وهو اسم لبياض النهار، وهو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، والقيامة: فعالة من قام يقوم، وأصلها قوامة، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها. قوله: "غُرّا" بضم الغين جمع أغرّ. ويستفاد منه أحكام: الأول: المراد بالغُرة غسل شيء من مقدم الرأس، وما تجاوز الوجه زائدا على الجزء الذي يجب غسله لاستيعاب كمال الوجه، وبالتحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وادعى ابن بطال ثم القاضي عياض ثم ابن التين اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب، وهي دعوى باطلة، فقد ثبت ذلك من فعل رسول الله - عليه السلام -، وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهم محجوجون بالإجماع، واحتجاجهم بقوله: - عليه السلام - "من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" لا يصح؛ لأن المراد به الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب، أو الثواب ¬

_ (¬1) أخرجه "أبو داود" (3/ 108 رقم 2845)، و"الترمذي" (4/ 78 رقم 1486)، والنسائي في "المجتبى" (7/ 185 رقم 4280)، و"ابن ماجة" (2/ 1069 رقم 3205) وغيرهم من حديث عبد الله بن مغفل، وقال الترمذي: حسن صحيح. (¬2) أي أول حرفين من وزن الاسم؛ لأنه على وزن: فعل.

المرتب على نقص العدد، لا الزيادة على تطويل الغرة والتحجيل، وأما حد الزيادة فغايته استيعاب العضد والساق، وقال جماعة من أصحاب الشافعي: يستحب إلى نصفهما. وقال البغوي: نصف العضد فما فوقه، ونصف الساق فما فوقه. وقال النووي: اختلف أصحابنا في القدر المستحب على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيف. وثانيها: إلى نصف العضد والساق. وثالثها: إلى المنكب والركبتين، والأحاديث تقتضي ذلك كله. وقال الشيخ تقي الدين القشيري: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين والساقين، وقد استعمله أبو هريرة على إطلاقه فغسل إلى قريب من المنكبين، ولم ينقل ذلك عن النبي - عليه السلام -، ولا كثر استعماله في الصحابة والتابعين؛ فلذلك لم يقل به أحد من الفقهاء، ورأيت بعض الناس قد ذكر أنَّ حد ذلك نصف العضد والساق. قلت: قوله: "لم يقل به أحد من الفقهاء" غريب على ما قدمنا عنهم آنفا عن أصحاب الشافعي. فإن قيل: لِمَ اقتصر أبو هريرة على قوله: "أريد أنْ أطيل غرتي" ولم يذكر التحجيل؟ قلت: هو من باب الاكتفاء للعلم به، كما في قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} (¬1) ولم يقل: والبرد؛ للعلم به، والمعنى تقيكم الحر والبرد. وقد قيل: إنَّ هذا من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين على الآخر، وإنْ كانا بسبيل واحد للترغيب فيه. وقد استعمل الفقهاء ذلك وقالوا: يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل وفيه نظرة لأن التغليب اجتماع الاسمين أو ¬

_ (¬1) سورة النحل، آية: [81].

الأسماء وتغليب أحدهما على الآخر نحو: القمرين والعمرين، وهنا لم يذكر إلَّا اسم واحد، وقد يجاب بأنها خصت بالذكر لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة. فإنْ قيل: الوضوء من خصائص هذه الأمة أم كان أيضًا لأحد من الأمُم؟ قلت: استدلت جماعة من العلماء بهذا الحديث على أنَّ الوضوء من خصائص هذه الأمة، وبه جزم الحليمي في "منهاجه"، وقال آخرون: ليس الوضوء مختصا بهذه الأُمة، وإنما الذي اختصت به: الغرة والتحجيل، واحتجوا بقوله - عليه السلام -: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي"، وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: أحدهما: أنه ضعيف. والثاني: أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء عليهم السلام دون أممهم بخلاف هذه الأمة، وفيه شرف عظيم لهم؛ حيث استووا مع الأنبياء - عليهم السلام - في هذه الخصوصية، وامتازت بالغرة والتحجيل، ولكن ورد في الحديث فيه شأن جريج العابد: "أنه توضأ وصلى" (¬1)، وفيه دلالة على أنَّ الوضوء كان مشروعا لهم، فعلى هذا تكون خاصية هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء لا الوضوء، ونقل الزناتي المالكي شارح "الرسالة" (¬2) عن العلماء: أنَّ الغرة، والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم و [من] (¬3) لم يتوضأ، كما قالوا: لا يكفر أحدٌ من أهل القبلة بذنب، إنَّ أهل القبلة كل من آمن به من أمته، سواء صلّى أو لم يصلّ، وهذا نقل غريب، فظاهر الأحاديث يقتضي خصوصية ذلك لمن توضأ منهم. ¬

_ (¬1) هذه هي رواية البخاري في "صحيحه" (3/ 1268 رقم 3253). (¬2) هو يوسف بن عمر الزناتي المالكي، والرسالة هي رسالة ابن زيدون. انظر "كشف الظنون" (1/ 841). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.

الحكم الثاني: استحباب المحافظة على الوضوء، وسننه المشروعة فيه، وإسباغه. الثالث: فيه ما أعد الله تعالى من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. الرابع: فيه دلالة قطعية أنَّ وظيفة الرجلين غسلهما، ولا يجزئ مسحهما، فافهم. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا يعقوب، قال: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد: "أنه ذكر له المسح على القدمين، فقال: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يغسل رجليه غسلا، وأنا أسكب عليه الماء سكبا". ش: إسناده صحيح، وأبو عوانة: الوضاح، وأبو بشر: جعفر بن أبي وحشية الواسطي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا محمَّد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "إني كنت لأسكب عليه الماء فيغسل رجليه". وفيه: إباحة استعانة الغير في الوضوء. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عمر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا أبو عامر العَقَدي، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجُشَون، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أنه كان يغسل رجليه إذا توضأ". ش: إسناده على شرط الشيخين. وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو، والعَقَدي -بفتح العين المهملة والقاف- نسبة إلى العَقَد -بالتحريك- قبيلة من اليمن، وقيل: من بجيلة. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 26 رقم 190).

والماجُشِون -بضم الجيم كذا في "العباب" (¬1) وقال: هي ثياب مُصَبَّغة، وأنشد لأمية الهُذلي. وتخفي بخَيْفاء مُغبّرةٍ ... تَخالُ القَتامَ بها الماجُشونا أي تخفي شخص الرجل لسرعتها، قاله أبو سعيد، وقال غيرُه: الماجشون: السفينة، وماجُشُون من الألقاب، وهو مُعّربُ مَاهُ كوُنْ، ومعناه: المُوَرَّدُ على لون القمر، وهو من الأبنية التي أغفلها سيبويه. انتهى. قلت: "ماه" بالفارسية هو القَمُر، وكوُن: معناه اللون، وقد استَقْصَينا الكلام فيه في كتاب الرجال. وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: "كان في توضئه يُنَقي رجليه، وينظف أصابع يديه مع أصابع رجليه، ويتتبع ذلك حتى ينقيه". عبد الرزاق (¬3)، عن عبد العزيز بن أبي [رواد] (¬4)، عن نافع: "أنَّ ابن عمر كان يغسل قدميه بأكثر وضوئه". قال عبد الرزاق: "فوضّأت أنا الثوري فرأيته يفعل ذلك، يغسلهما فيكثر". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: ثنا عبد السلام، عن عبد الملك، قال: "قلت لعطاء: أبَلَغَك عن أحدٍ من أصحاب النبي - عليه السلام - أنه مسح على القدمين؟ قال: لا". ش: إسناده صحيح. ¬

_ (¬1) هو "العباب الزاخر" في اللغة، للإمام الحسن بن محمَّد الصغاني وهو في عشرين مجلدًا، انظر "كشف الظنون" (2/ 1122)، و"سير أعلام النبلاء" (23/ 283). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 24 رقم 73). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 25 رقم 76). (¬4) في "الأصل، ك": داود، وهو تحريف، والمثبت من "مصنف عبد الرزاق"، ومصادر ترجمته.

ص: وقد زعم زاعم أنَّ النظر يُوجبُ مسح القدمين في وضوء الصلاة لا غسلهما، فقال: لأني رأيت حكمهما بحكم الرأس أشبه؛ لأني رأيتُ الرَجُلَ إذا عدِمَ الماء فصار فرضه التيمم، يَمَّمَ وجهَه وَيَدَيْه ولا يُيَمّم رأسه ولا رجليه، فلما كان عدم الماء يسقط فرض غسل الوجه واليدين إلى فرض آخر -وهو التيمم- ويسقط فرض الرأس، والرجلين لا إلى فرض؛ ثبت بذلك أنَّ حكم الرجلين في حال وجود الماء كحكم الرأس، لا كحكم الوجه واليدين. ش: هذا سؤال من جهة مَنْ يذهب إلى مسح الرجلين، أوردوه من جهة القياس، وهو ظاهر، ومن ذلك قال: ابن حزم في "المحلى": إنا وجدنا الرجلين يسقط حكمهما في التيمم كما تسقط الرأس فكان حملهما على ما يسقطان بسقوطه، ويثبتان بثبوته أولى من حملهما على ما لا يثبتان بثبوته. وأيضًا فالرِجْلان مذكوران مع الرأس؛ فكان حملهما على ما ذُكرا معه أولى من حملهما على ما لم يذكرا معه. وأيضًا فالرأس طرف، والرجلان طرف؛ فكان قياس الطرف على الطرف أولى من قياس الطرف على الوسط. وأيضًا فإنهم يقولون بالمسح على الخفين؛ فكان تعويض المسح من المسح أولى من تعويض المسح من الغسل. وأيضًا فإنه لما جاز المسح على ساتر الرجلين، ولم يجز على ساتر دون الوجه والذراعين؛ دلَّ -على أصول أصحاب القياس- أنَّ أمر الرجلين أخف (وأيسر) (¬1) من أمر الوجه والذراعين، فإذا كان كذلك فليس إلَّا المسح. فهذا أصح قياس في الأرض لو كان القياس حقّا. انتهى. ¬

_ (¬1) ليست في "المحلى" (2/ 57).

قلنا: هذا كله قياس، ونحن ما أثبتنا فرضيّة غسل الرجلين بالقياس حتى يلزمنا ما ذكرتم، وإنما ثبتت فرضيّة ذلك بالنصّ، والأحاديث الدالة على ذلك، وليس للقياس فيه مجال، نعم هذا إنما يَرِدُ علينا لو أنْ أثبتنا الحكم بالقياس ابتداء، وليس كذلك، فافهم. ص: قال أبو جعفر: فكان من الحجة عليه في ذلك: أنَّا رأينا أشياء تكون في حال وجود الماء كحكم الوجه واليدين لا كحكم الرأس، ويكون فرضها الغسل في حال وجود الماء، ثم يسقط ذلك الفرض في حال عدم الماء لا إلى فرض، من ذلك: الجنب عليه أنْ يغسل سائر بدنه عند وجود الماء، وإذا عَدِمَ يمَّمَ الوجه واليدين، ولم يَدُلّ هذا على أنَّ ما عداه لا يجب غسلُه عند القدرة على الماء، فكذلك حكم الرجلين. ش: أيّ فكان من الجواب على هذا الزاعم فيما أورده في السؤال المذكور: أنَّا رأينا ... إلى آخره وهذا أيضًا ظاهر. قوله: "في ذلك" أيْ فيما ذكرنا من قولنا أشياء. قوله: "وإذا عَدِمَ" بكسر الدال أيْ إذا عَدِمَ الماء وهو متعدٍ، يُقال: عَدِمْتُ الشيء -بالكسر- أَعْدَمُه عُدَما وعَدَما بالتحريك على غير قياس، أيْ: فقدته. قوله: "يَمَّمَ الوجه" أيْ استعمل التراب على الوجه واليدين.

ص: باب: الوضوء هل يجب لكل صلاة أم لا؟

ص: باب: الوضوء هل يجب لكل صلاة أم لا؟ ش: أيّ هذا باب في بيان أنَّ الوضوء يجب لكل صلاة أم يجوز بوضوء واحد صلوات عديدة؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأن كلا منهما مشتمل على أحكام الوضوء. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا سفيان، عن علقمة ابن مرثد، عن سليمان بن بُرَيْدَة، عن أبيه: "أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان الفتح صلى الصلوات بوضوءٍ واحد". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأبو بكرة بكَّار، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي ذكرناه عن قريب في الباب الذي قبله، وبُريدة -بضم الباء الموحدة- ابن الحُصَيْب -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- بن عبد الله الصحابي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن وكيع عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه أنه قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ ... " إلى آخره نحوه. قوله: "الفتح" أيّ فتح مكة، فتحت سنة ثمان من الهجرة في شهر رمضان يوم الجمعة لعشر بقين، وأقام بها النبي - عليه السلام - خمس عشرة ليلة. في رواية البخاري (¬2)، وفي رواية أبي داود (¬3) والترمذي (¬4): "أقام ثماني عشر ليلة - لا يصلي إلَّا ركعتين". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 34 رقم 298). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، والذي في "صحيح البخاري" من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - (4/ 1564 رقم 4047): "أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة تسعة عشر يومًا، يصلي ركعتين" فرواية البخاري "تسعة عشر وليس خمس عشرة". أما رواية خمس عشرة فعند أبي داود (2/ 10 رقم 1231). وانظر كلام الحافظ في "الفتح" (2/ 654) فإنه نفيس. (¬3) "سنن أبي داود" (2/ 9 رقم 1229) من حديث عمران بن حصين. (¬4) "جامع الترمذي" (2/ 430 رقم 545) من حديث عمران بن حصين ولكن ليس فيه محل الشاهد.

ثم ظاهر قوله: "كان يتوضأ لكل صلاة" يدل على وجوب الوضوء لكل صلاة. وقوله: "فلما كان الفتح ... " إلى آخره، يدل على جواز صلوات كثيرة بوضوء واحد، ثم قيل: إنَّ الحكم الأول قد انتسخ بالحكم الثاني، والصحيح أنَّ مواظبته - عليه السلام - على الوضوء لكل صلاة كان لأجل العمل بالأفضل، وصلاته - عليه السلام - يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد بيان للجواز، والدليل عليه: قوله في الحديث الآتي: "عمدا فعلته يا عمر" فهذا يدل على أنَّ فعله الأول كان للأفضل، وفعله الثاني كان بيانا للجواز، ودليل آخر على ألَّا نسخ ثمة: أنَّ الوجوب إذا نسخ يبقى التخيير، ثم أجمع أهل الفتوى بعد ذلك على أنَّه لا يجب إلَّا على المُحدِث، وأنَّ تجديده لكل صلاة مندوب، ولم يبق بينهم اختلاف، على ما يجيء مزيد البيان إنْ شاء الله تعالى. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا أبو عاصم وأبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "صلى رسولُ الله - عليه السلام - يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر - رضي الله عنه -: صنعت شيئًا يا رسول الله لم تكن تصنعه ... قال: عمدا فعلته يا عمر". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وأبو حذيفة النهْدي اسمه موسى بن مسعود البصري شيخ البخاري وغيره، وسفيان هو الثوري. وأخرجه مسلم (¬1): وقال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، قال: نا أبي، قال: نا سفيان، عن علقمة بن مرثد. وحدثني محمَّد بن حاتم -واللفظ له- قال: أنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني علقمة ... إلى آخره نحوه سواء. وأبو داود (¬2): عن مُسدّد، عن يحيى، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 232 رقم 277). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 44 رقم 172).

والترمذي (¬1)، عن ابن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان ... إلى آخره نحوه، وقال هذا حديث حسن صحيح. ومما يُستفاد منه: جواز المسح على الخفين، وسؤال المفضول الفاضلَ عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة؛ لأنه قد يكون عن نسيان فيرجع عنه، وقد يكون تعمدا لمعنى خَفِي على المفضول ليستفيده. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال ثنا سفيان، قال: ثنا علقمة، عن سليمان، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -: "أنَّه كان يتوضأ لكل صلاة. ش: هذا الإسناد بعينه هو إسناد الحديث الأول ولكن فيه اقتصر على قوله: "إنه كان يتوضأ لكل صلاة". وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": عن زهير، عن وكيع، عن سفيان، عن محارب ابن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، نحوه. ص: فذهب قوم إلى أنَّ الحاضرين يجب عليهم أنْ يَتوضئوا لكل صلاة، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من الظاهرية، وجماعة من الشيعة فإنهم أوجبوا الوضوء لكل صلاة في حق المقيمين دون المسافرين، واحتجوا في ذلك بحديث بُريدة المذكور؛ لأنه - عليه السلام - كان يتوضأ لكل صلاة، ثم صلى الصلوات الخمس يوم فتح مكة بوضوء واحد؛ لأنه كان مسافرا. وذهبت طائفة إلى إيجاب الوضوء لكل صلاة مطلقا من غير حَدَثٍ، وروي ذلك عن ابن عمر وأبي موسى، وجابر بن عبد الله، وعَبِيدة السَّلْمَاني، وأبي العالية، وسعيد بن المسيّب، إبراهيم، والحسن، وحكى ابن حزم في كتاب "الإجماع" هذا المذهب عن عمرو بن عبيد قال: "وروينا عن إبراهيم النخعي: ألَّا يصلى بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات". ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 89 رقم 61).

ص: وخالفهم في ذلك أكثر العلماء فقالوا: لا يجب الوضوء إلَّا مِنْ حدَث. ش: أيّ خالف القوم المذكورين أكثر العلماء من الأئمة الأربعة وأصحابهم، وأكثر أصحاب الحديث، وغيرهم، فقالوا: لا يجب الوضوء إلَّا من أجل حدَث، وذلك لأن آية الوضوء نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة؛ لأن قوله: تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (¬1) معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون. وقال الإِمام أبو بكر الرازي ما ملخصه: إنَّ ظاهر الآية يقتضي وجوب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة؛ لأنه جعل القيام إليها شرطا لفعل الصلاة، وحكم الجزاء تأخره عن الشرط، ولا خلاف بين السلف والخلف أنَّ القيام إلى الصلاة ليس بسبب لإيجاب الطهارة، وأنَّ سبب وجوبها شيء آخر غيره، وقد بُيِّن ذلك في حديث أسماء بنت زيد: "أنَّ رسول الله - عليه السلام - أُمِرَ بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلَّا من حدَثٍ" (¬2) فدلّ هذا أنَّ وجوب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة. هذا ما ذكره. قلت: اختلفوا في سبب وجوب الوضوء؛ فقالت الظاهرية: هو القيام إلى الصلاة، وكل من قام إليها فعليه أنْ يتوضأ وإنْ كان على الوضوء، لظاهر الآية. وقال أهل الطَّرْدِ: وسببه الحدث؛ لدورانه معه وجودا وعدما، وقال أبو بكر الرازي: سببه الحدث عند القيام إلى الصلاة. كما ذكرنا الآن، وكل ذلك فاسد، أما الأول فلحديث بُريدة أنَّه - عليه السلام - يوم الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد، ولأن فيه تسلسلا على ما لا يخفى وهو باطل، وأما الثاني والثالث فكذلك لأنَّا ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [6]. (¬2) أخرجه أبو داود في "سننه" بمعناه (1/ 12 رقم 48)، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (1/ 11 رقم 15)، والحاكم في مستدركه (1/ 258 رقم 556) كلهم من طريق أسماء بنت زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

لا نسلم أنَّ الدوران دليل العليَّة، ولئن سلّمنا ذلك لا نسلم أنَّ الدوران وجودا موجود؛ لأنه قد يوجد الحدث ولا يجب الوضوء ما لم تجب الصلاة بالبلوغ ودخول الوقت، وقد يقال: السبب ما يكون مفضيًا إلى الشيء ويجتمع معه، والحدث رافع للطهارة، فكيف يكون سببا لها؟! والصحيح في المذهب: أنَّ سبب وجوب الوضوء الصلاة؛ لأنه نسب إليها، ويقوم بها، ويجب بوجوبها، ويسقط بسقوطها، وهو شرطها فيتعلق بها، حتى لم يجب قصدا لكن عند إرادة الصلاة، والحدث شرطه، فإنْ قلت: لا يجوز أنَّ تكون الصلاة سببًا لأنه لا بد حينئذ يكون الوضوء حكما وشرطا للصلاة، وهو فاسد؛ لأن المتقدم متأخر والمتأخر متقدم. قلت: الوضوء شرط الجواز، والصلاة سبب الوجوب، وبينهما مغايرة. فافهم. وإنما قلنا: إنَّ الحدث شرطه لأن الأمر بالوضوء أمر بالتطهير وهو يقتضي النجاسة لا محالة إما حقيقة أو حكمًا، والأول منتفٍ بالإجماع، فتعين الثاني، وإلَّا يلزم إلغاء النص عن الفائدة، وأنَّ القيام المذكور بإطلاقه يتناول كل قيام، وهو غير مراد بالإجماع، فتعين أخصّ الخصوص وهو القيام إلى الصلاة وهو محدث، قد يكون تقدير الآية: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون. أو إذا قمتم إلى الصلاة عن المنام. والنوم دليل الحدث، فإنْ قلت: قد صرح بذكر الحدث في الغسل والتيمم دون الوضوء فما الفائدة فيه؟ قلت: ليعلم أنَّ الوضوء يكون سُنّة وفرضا، والحدث شرط في الفرض دون السُّنَّة؛ لأن الوضوء على الوضوء نور على نور (¬1)، والغسل على الغسل والتيميم ¬

_ (¬1) هذا لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" (1/ 98 رقم 315): وأما الحديث الذي يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الوضوء على الوضوء نور على نور" فلا يحضرني له أصل من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولعله من كلام بعض السلف والله أعلم. وقال العراقي في "تخريج الإحياء" (1/ 120): لم أجد له أصلًا. ونقل صاحب "كشف الخفا" (2/ 447) عن الحافظ ابن حجر أنه قال: حديث ضعيف، ورواه رزين في "مسنده".

على التيمم ليس كذلك، فإنْ قلت: أليس هذا التقدير زيادة تُقَيِّد إطلاق الكتاب بخبر الواحد؟ وأنتم تأبون ذلك كما أبيتم زيادة تعيين الفاتحة على القراءة وزيادة الطهارة على الطواف بخبر الواحد. قلت: بين الزيادتين فرق، وهو أنَّ هذه الزيادة لو لم تكن فيما نحن فيه يلزم منه فساد بيِّن وحرجٌ ظاهر، وكلاهما منتفٍ، وقد نفاهُ الشارعُ بقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (¬1) وحججه لا تتناقض، فكانت الزيادة ثابتة بالنصّ الذي ينفي الحرج وخبر الواحد وقع موافقا له، وربما يقال: إنَّ هذه الزيادة ثبتت بقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه -: "وأنتم محدثون" ورواية ابن بريدة "أنَّه خطاب للمحدثين" ومثله عن ابن عباس، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعُبَيْدة، وأبي موسى، وجابر، وأبي العالية، وسعيد بن المسيّب، وإبراهيم، والحسن، والضحاك، وعليه إجماع التابعين والفقهاء. وعند الشافعية في موجب الوضوء ثلاثة أوجه حكاها المتولي والشاشي عنهم. أحدها: وجوبه بالحدث، فلولاه لم يجب. والثالث: وجوبه بالقيام إلى الصلاة، فإنه لا يتعين الوضوء قبله. والثالث: وهو الصحيح عند المتولي وغيره: يجب بالحدث والقيام إلى الصلاة جميعا. والأوجه الثلاثة جارية في موجب الغسل هل هو الإنزال والجماع، أم القيام إلى الصلاة، أم كلاهما؟ ص: وكان مما رُوِي عن النبي - عليه السلام - ما يوافق ما ذهبوا إليه في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد وابن جريج وابن سمعان، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى امرأة من الأنصار ومعه أصحابه، فقربت لهم شاة مصلية، فأكل وأكلنا ثم حانت ¬

_ (¬1) سورة الحج، آية: [78].

الظهر، فتوضأ وصلى، ثم رجع إلى فضل طعامه فأكل، ثم حانت العصر، فصلى ولم يتوضأ". قال أبو جعفر -رحمه الله-: إنه صلى الظهر والعصر بوضوئِه الذي كان في وقت الظهر. ش: "ما يوافق" في محل الرفع لاستناد "روي" إليه. وقوله: "ما حدثنا" اسم لكان وخبره "مما رُوي". وقوله: "ما ذهبوا إليه" في محل النصب؛ لأنه مفعول "يوافق" أيّ ما يوافق ما ذهب إليه أكثر العلماء. وقوله: "في ذلك" أيّ في أنَّ الوضوء لا يجب إلَّا مِنْ حدث. وإسناد الحديث المذكور صحيح على شرط مسلم، وابن وهب هو عبد الله بن وهب، وابن جريج هو عبد الملك بن جريج. وابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سمعان، كذَّبَه أبو داود، وتركه النسائي، ولا يضر هذا صحة الإسناد؛ فإنّ ابن وهب رواه عن أسامة وابنُ جريج، وهما كافيان لصحة الإسناد، ولا يلتفت إلى ابن سمعان بينهم. وأخرجه الترمذي (¬1): ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان بن عيينة، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن عقيل، سمع جابر بن عبد الله -قال سفيان: وحدثنا محمَّد ابن المنكدر، عن جابر- قال: "خرج رسول الله - عليه السلام - وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى ثم انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشاة فأكل، ثم صلى العصر ولم يتوضأ". وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬2) نحو: رواية الطحاوي، وقال النووي في شرح المهذب: إسناد هذا الحديث صحيح على شرط مسلم. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 116 - 117 رقم 80). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 156 رقم 702).

وأخرج أبو داود (¬1): ثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي، قال: نا حجاج، قال: نا ابن جريج، أخبرني محمَّد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "قربتُ للنبي - عليه السلام - خبزا ولحما. فأكل، ثم دعى بوَضوء فتوضأ، ثم صلى الظهر، ثم دعى بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ". قوله: "إلى امرأة من الأنصار" هي عمرة بنت حزم أخت عَمرو بن حزم، قاله ابن منده وأبو عمر، وقال أبو نعيم: عمرة بنت حزام، وكانت تحت سعد بن الربيع. فقتل عنها يوم أحد، وقال ابن الأثير: روى يحيى بن أيوب، عن محمَّد بن ثابت البناني، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر، عن عمرة بنت حَزْم: "أنها جعلت النبي - عليه السلام - في صُوْر نخل كَنَسَتْه ورَشَّتْه، وذبحتْ له شاة، فأكل منها وتوضأ وصلى الظهر، ثم قدّمت له من لحمها فأكل، وصلى العصر ولم يتوضأ" رواه أبو نعيم (¬2)، عن الطبراني، عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن عمرو بن الربيع ابن طارق، عن يحيى بإسناده، وقال: عمرة بنت حزام. ورواه ابن منده بإسناده: عن محمَّد بن إسحاق الصاغاني، وأبي حاتم الرازي، عن عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب، عن محمَّد فقالا: عمرة بنت حَزم. قوله: "فقرّبت" بتشديد الراء. قوله: "مصلية" أيّ مشويّه، يقال: صَلَيْت اللحم -بالتخفيف- أيّ شَوَيْتُه، فهو مَصليٌّ، فأما إذا أحرقته وألقيته في النار. قلتَ: صلَّيتُه -بالتشديد- وأصْلَيْتُه. قوله: "ثم حانت الظهر" أيّ آنت يعني حضرت، من الحين، وهو الوقت. قوله: "فأتته بقِنَاع" بكسر القاف، وهو الطبق الذي يؤكل عليه، ويقال له القُنْعٍ -بالكسر والضم- وقيل: القناع جمعه. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 49 رقم 191). (¬2) "معرفة الصحابة" لأبي نعيم (6/ 3394 رقم 7759). وهو عند الطبراني في "المعجم الكبير" (24/ 339 رقم 848).

وقال الجوهري: القناع: الطبق من عُسُب النخل، وكذلك القِنع. وفي "الدستور": هو طبق الفاكهة، وبالفارسية: طبق مِرِه. قوله: "بِعُلالة"، بضم العين المهملة أيّ ببقية لحم الشاة ويقال لبقية اللبن في الضرع، وبقية قوة الشيخ، وبقية جري الفرس: علالة، وقيل: عُلالة الشاة: ما يُتَعَلَّل به شيئًا بعد شيء، من العَلَل: الشرب بعد الشرب. قوله: "صَوْر" بفتح الصاد وسكون الواو، وهو النخل المجتمع الصغار، لا واحد له، ويجمع على صِيران. ويُستفادُ منه ما ذكره الطحاوي، وجواز العود إلى فضلة الطعام، وجواز ترك الوضوء مما مسَّته النار. ص: وقد يجوز أنْ يكون وضوءه - عليه السلام - لكل صلاة -على ما روى بُريْدة- كان ذلك على التماس الفضل لا على الوجوب. ش: أشار بهذا إلى أنَّ حديث بريدة لا تقوم به حجة لهؤلاء القوم للاحتمال المذكور، على ما ذكرناه في أول الباب. ص: فإنْ قيل: فهل في هذا من فضل فيلتمس؟ قيل له: نعم، قد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبي غطيف الهذلي، قال: "صليتُ مع عبد الله بن عمر بن الخطاب الظهر، فانصرف في مجلس في داره، فانصرفت معه حتى إذا نُودي بالعصر دعى بوَضوء فتوضأ ثم خرج وخرجت معه، فصلى العصر، ثم رجع إلى مجلسه ورجعت معه حتى إذا نودي بالمغرب دعى بوضوء فتوضأ فقلت له: أيّ شيء هذا يا أبا عبد الرحمن، الوضوء عند كل صلاة؟! فقال: وقد فطنت لهذا مني؟ ليست سُنّة إنْ كان لكافيا وضوئي لصلاة الصبح وصلواتي كلها ما لم أُحدث، ولكني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: من توضأ على طُهر كتب الله له بذلك عشر حسناتٍ، ففط ذلك رغبت يا ابن أخي".

فقد يجوز أنْ يكون رسول الله - عليه السلام - إنما فعل ذلك -[ما روى] (¬1) عنه بُريدةُ- لأصابة الفضل لا لأن ذلك كان واجبا عليه. ش: إيراد هذا السؤال على قوله: كان [يفعل] (¬2) ذلك طلبا للفضل. قوله: "فيلتمسُ" بالرفع أيّ فهو يلتمس؟ قوله: "حدثنا" بيان لما قاله من قوله المذكور. ويونس هو ابن عبد الأعلى، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي قاضيها، فيه مقال، روى له الأربعة. وأبو غُطَيْف -بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة- ويقال: غُضَيف، روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): مختصرا وقال: ثنا عبدة بن سليمان، عن الأفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "من توضأ على طهرٍ، كتب له عشر حسنات". وقال الترمذي (¬4): ورُوي في حديث عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - أنَّه قال: "من توضأ على طُهرٍ؛ كتب الله له عشر حسنات" وروى هذا الحديث الأفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - حدثنا بذلك الحسن بن حُريث المروزي، قال: ثنا محمَّد بن يزيد الواسطي، عن الأفريقي، وهو إسناد ضعيف. قوله: "دعى بوَضوء" بفتح الواو في الموضعين، وهو الماء الذي يتوضأ به. قوله: "يا أبا عبد الرحمن الوُضُوء" هذا بضم الواو. قوله: "وقد فَطِنْتَ" من الفطنة، وهو الفهم، تقول: فَطَنْتُ الشيء -بالفتح- ورجل فَطِن وفَطُن، وقد فَطِنَ -بالكسر- فطنة وفطانة وفطانية. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار". (¬2) في "الأصل، ك": يفعله، والصواب ما أثبتناه. (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 16 رقم 53). (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 87 رقم 59).

قوله: "إنْ كان لكافيا" إنْ هذه مخففة، من المثقلة، وأصله: إنه كان كافيا، أيّ: إنَّ الشأن كان وضوئي لكافيا، و"كافيا" خبر كان، مقدم على اسمه، وهو قوله: "وضوئي". فإنْ قلتَ: ما الحكمة في تنصيص هذا العدد بالعَشْر؟ قلتُ: قالوا: إنَّ هذا أمر شرعي لا مجال للعقل فيه، وسنح بخاطري من الأنوار الربانية في حكمة هذا العدد أنَّ بالوضوء الأول حصل له خمس حسنات باعتبار أنه يمكن أنْ يصلي به خمس صلوات ثم بالوضوء الثاني تضاعف الأجر فيصير عشر حسنات!! ص: وقد رُوي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أيضًا ما يدل على ما ذكرنا. حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا وهب بن جرير، قال ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، عن أنس بن مالك قال: "أُتي رسول الله - عليه السلام - بوضوءٍ فتوضأ منه، فقلت لأنس: أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم. قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء". فهذا أنسن - رضي الله عنه - قد علم حكم ما ذكرنا من فعل رسول الله - عليه السلام - ولم يُردِ ذلك فرضا على غيره. ش: أيّ قد روي عن أنس أيضًا ما يدل على ما ذكرنا من أنَّ النبي - عليه السلام - فعل ما رواه بريدة لإصابة الفضل لا لأنه كان واجبا، وقد علم أنس أنَّه النبي - عليه السلام - إنما كان يتوضأ عند كل صلاة لإصابة الفضل، وإلَّا لما كان وسعه ولا لغيره أنْ يخالفوه، وإسناد الحديث المذكور صحيح. وأخرجه الترمذي (¬1): ثنا محمَّد بن بشار، قال: نا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن ابن مهدي، قالا: نا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان النبي - عليه السلام - يتوضأ عند كل صلاة. قلت: وأنتم، ما كنتم ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 88 رقم 60).

تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نُحدِثْ" قال هذا حديث حسن صحيح. ص: وقد يجوز أيضًا أنْ يكون رسول الله - عليه السلام - كان يفعل ذلك وهو واجب ثم نسخ، فنظرنا في ذلك هل نجد شيئًا من الآثار يدل على هذا المعنى؟ فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن محمَّد بن يحيى بن حَبَّان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، قال: قلت له: "أرأيت توضؤ ابن عمر لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، عمَّ ذلك؟ قال: حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب، أنَّ عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدثها، أنَّ رسول الله - عليه السلام - أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أُمِرَ بالسِّواك لكل صلاة، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يرى أنَّ به على ذلك قوة، وكان لا يدع الوضوء لكل صلاة. ففي هذا الحديث: أنَّ رسول الله - عليه السلام - كان أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك، فثبت بما ذكرنا أنَّ الوضوء يجزئ ما لم يكن الحدث. ش: هذا جواب آخر عن حديث بريدة، أنَّه - عليه السلام - كان يتوضأ لكل صلاة وهو طاهر. قوله: "أنْ يكون" فاعل "يجوز" و"رسول الله - عليه السلام -" اسم "يكون". وقوله: "كان يفعل ذلك" خبره. وقوله: "وهو واجب" جملة حالية، وذلك إشارة إلى توضئه - عليه السلام - لكل صلاة، وإسناد الحديث المذكور جيد حسن. والوَهْبيّ هو أحمد بن خالد بن موسى الكندي، ونسبته إلى وهب والد عبد الله المصري. وابن إسحاق هو محمَّد بن إسحاق.

ومحمد بن يحيى بن حَبّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- ابن منقذ بن عمرو بن مالك الأنصاري. وأسماء ابنة زيد بن الخطاب أخت عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، من التابعيات. وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب واسمه عبد عمرو بن صيفي بن زيد بن أميّة الأنصاري، أبو عبد الرحمن المدني، له رؤية من النبي - عليه السلام - ويقال: توفي النبي - عليه السلام - وهو ابن سبع سنين. وروى له أبو داود هذا الحديث (¬1) فقط: عن محمَّد بن عوف الطائي، عن أحمد بن خالد، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه بسواء. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬2): من طريق أبي داود. قوله: "أرأيت" معناه أَخْبِرْني. قوله: "طاهرا"، نصب على أنَّه خبر "كان" مقدما عليه. قوله: "أُمِرَ بالوضوء" على صفة المجهول، أيّ: أمره الله تعالى، وكذلك "أُمِرَ" الثاني. قوله: "فلما شق ذلك عليه" أيّ: لما ثقل التوضؤ لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر على النبي - عليه السلام - "أُمِرَ بالسواك" أيّ باستعماله؛ لأن نفس السواك لا يؤمر به. قوله: "يرى أنَّ به قوة" أيّ يظن أنَّ به طاقة يتحمل الوضوء لكل صلاة. قوله: "وكان لا يدع" أيّ: لا يترك، وهذا من الألفاظ التي أماتوا ماضيها، كذا قالوا، وليس بشيء؛ فإنه قرئ قوله: تعالى: {مَا وَدَّعَكَ} (¬3) بالتخفيف. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 12 رقم 48) وقد تقدم. (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 37 رقم 157). (¬3) وهي قراءة ابن عباس وابن الزبير، انظر "تفسير القرطبي" لسورة الضحى (20/ 83).

ص: فإنْ قال قائل: معنى هذا الحديث إيجاب السواك لكل صلاة، فكيف لا توجبون ذلك وتعملون بكل الحديث إذْ كنتم قد عملتم ببعضه؟ قيل له: قد يجوز أنْ يكون النبي - عليه السلام - خُصَّ بالسواك لكل صلاة دون أمته، ويجوز أنْ يكون هو وجميع أمته في ذلك سواء، وليس يوصل إلى حقيقة ذلك إلَّا بالتوقيف، فاعتبرنا ذلك، هل نجد شيئًا يدلنا على شيء من ذلك؟ فإذا علي بن معبد قد حدثنا، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: نا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عمي عبد الرحمن ابن يسار، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن علي - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كل صلاة". ش: تحرير السؤال: أنَّ حديث عبد الله بن حنظلة دَلَّ على إيجاب السواك لكل صلاة، لقوله: "أُمِرَ بالسواك" ومقتضى الأمر الوجوب، فإذا كان كذلك فلِمَ لا توجبون السواك؟ وَلِمَ لا تعملون بكل الحديث؟ تعملون بعضه وتتركون بعضه؟! قوله: "إذْ كنتم" أيّ "حين كنتم" ويصح أنْ تكون "إذ" للتعليل، كما في قوله: تعالى: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ} (¬1). وتحرير الجواب من وجهين: أحدهما: أنَّه قد يجوز أنْ يكون النبي - عليه السلام - مخصوصا بالسِّواك لكل صلاة، ولا يكون ذلك لأمته، فلا يجب على غيره، فلا يمكن العمل بكل الحديث، والأصل فيه أنَّ فعل النبي - عليه السلام - إذا علمت صفته أنَّه فعله واجبا أو ندبا أو مباحا فإنه يتتبع فيه بتلك الصفة، وإنْ لم يعلم فإنه تثبت له صفة الإباحة، ثم لا يكون الاتباع فيه ثابتا إلَّا بقيام الدليل على كونه مخصوصا بصفته، وهذا هو المذهب الصحيح في أفعال النبي - عليه السلام -. فإنْ قلت: قد علمت هنا صفته أنَّه كان واجبا لقوله: "أُمِرَ بالسواك". ¬

_ (¬1) سورة الزخرف، آية: [37].

قلت: قد يحتمل أنْ يكون ذلك الأمر خاصا به كما في الضحى ونحوه، ويحتمل أنْ يَعُمّ هو وأمته كما قال في الجواب الثاني بقوله: ويجوز أنْ يكون هو وجميع أمته في ذلك سواء، ولكن لهذين الاحتمالين يجب التوقيف حتى يقوم الدليل على ترجيح أحدهما، فاعتبرنا ذلك، فوجدنا حديث عليّ - رضي الله عنه - قد دلَّ على أنه ليس بواجب -على ما يجيء إنْ شاء الله تعالى-. وإسناد حديث عليّ حسنٌ، بل صحيح؛ لأن ابن إسحاق ثقة ولكنه مدلس، ولكن قد صرّح هنا بالتحديث. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه (¬1) وقال: حدثني عقبة بن مكرم الكوفي، نا يونس بن بُكير، نا محمَّد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة. وعن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ - رضي الله عنه - قال: قال: رسول الله - عليه السلام -: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬2) ولفظه: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء". قوله: "لولا" كلمة لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، نحو: لولا زيد لأكرمتك، أيّ لولا زيد موجود، والمعنى ها هنا: لولا مخافة أنْ أشق لأمرتهم أمر إيجاب. وإلَّا لانعكس معناها إذ الممتنع: المشقة، والأمر موجود، وقد استدلت جماعة من الفقهاء على سُنية السواك بهذا الحديث، فإنْ قلتَ: كيف تثبت بهذا؟ قلتُ: لما امتنع الوجوب لوجود المشقة، ثبت ما دون الوجوب وهو السُّنَّة، لعدم المانع، وهو المشقة؛ لأنه بسبيل في ترك السُّنَّة. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 80 رقم 607). (¬2) "المعجم الأوسط" (2/ 57 رقم 1238).

قوله: "بالسواك" أيّ باستعمال السواك؛ لأن نفس الخشبة التي تسمى سواكا ومِسْواكا أيضًا ليست بسنة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ لأمنِ اللبس، كما في قوله: "خير خلال الصائم السواك" (¬1)، أيّ استعماله. قال أبو زيد: السواك يجمع على سُوُك، ككِتَاب وكُتب، وسَوَّكَ فاه تَسْوِيكا، وإذا قلت: اسْتَاك أو تَسَوَّكَ لم تذكر الفم. وفي "النهاية" لابن الأثير: السِّواك بالكسر والمِسْواك: ما تدلك به الأسنان من العيدان، يقال: سَاكَ فاه يَسُوكَهُ إذا دلّكه بالسِّواك، فإذا لم تذكر الفم، قلت: أستاكَ. قوله: "عند كل صلاة" يشُعرُ بأنه مستحب عند كل صلاة، وما روي من حديث أبي هريرة الذي رواه الطحاوي عن مالك -على ما يأتي- يشعر بأنه مستحب [عند] (¬2) كل وضوء، وأكثر أصحابنا ذكروه عند الوضوء، كذا في "المحيط" و"شرح مختصر الكرخي" و"الطحاوي" و"التحفة" و"الغُنية" وقال صاحب "البدائع": ومن سنن الوضوء: السواك، ولكن المنقول عن أبي حنيفة على ما ذكره صاحب "المفيد" أنَّه من سنن الدين، فحينئذ تستوي فيه كل الأحوال، ولا سيما تتأكد سُنِّيَتَهُ عند تَغَيُّر الفم، وفي شرح الطحاوي: أنَّه سُنة، رطبا كان أو يابسا، مبلولا بالماء أو لا، في جميع الأوقات على أيّ حال كان. وقال أبو عمر: فضل السواك مجمع عليه، لا خلاف فيه، والصلاة عند الجميع به أفضل منها بغيره، حتى قال الأوزاعي: هو شطر الوضوء. ويتأكد طلبه عند إرادة الصلاة، وعند الوضوء، وقراعة القرآن، والاستيقاظ من النوم، وعند تغير الفم، ويستحب بين كل ركعتين من صلاة الليل، ويوم الجمعة، وقبل النوم، وبعد الوتر، وعند الأكل، وفي السحر. ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه في "سننه" (1/ 536 رقم 1677)، والدارقطني في "سننه" (2/ 203 رقم 6) من حديث عائشة - رضي الله عنها - بلفظ: "من خير خصال الصائم السواك". (¬2) ليست في "الأصل، ك".

وفي "المغني" لابن قدامة: قال أبو القاسم: السِّواك سُنة مستحبة عند كل صلاة، لا يعلم في هذا خلاف، غير ما حكي عن إسحاق وداود أنهما قالا بوجوبه استدلالا بالأمر به، وقول سائر أهل العلم أصح. وقال ابن حزم: هو سُنّة، ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل، وهو يوم الجمعة فرض لازم. وحكى أبو حامد الإسفرائيني والماوردي عن أهل الظاهر وجوبه، وهو غير جيِّد، الفهم إلَّا إذا أراد به يوم الجمعة، وعن إسحاق: أنه واجب، إنْ تركه عمدًا بطلت صلاته، وزعم النووي أنَّ هذا لم يصح عن إسحاق. ثم أصحابنا قالوا: الأولى أنْ يكون السواك من شجر مُرٍّ في غلظ الخنصر، وطول الشِّبر، وأنْ يستاك طولا وعرضا، وقد ورد في حديث أبي موسى (¬1) الاستياك طولا، وورد في حديث بَهْز (¬2)، وربيعة بن أكثم (¬3) وغيره الاستياك عرضا، وحديث عائشة - رضي الله عنها - "كان - عليه السلام - يستاكُ عرضا ولا يستاك طول" ذكره أبو نعيم (¬4). وفي "مراسيل أبي داود" (¬5): "إذا استكتم فاستاكوا عرضا". ¬

_ (¬1) قال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" بعد أن ذكر أحاديث الاستياك عرضًا: هذا إنما هو في الأسنان، أما في اللسان فيستاك طولًا كما في حديث أبي موسى في "الصحيحين"، ولفظ أحمد: "وطرف السواك على لسانه يستن إلى فوق"، قال الراوي: كأنه يستن طولًا. والحديث أخرجه البخاري (1/ 96 رقم 241) ومسلم (1/ 220 رقم 254). (¬2) أخرجه: الطبراني في "المعجم الكبير" (2/ 47 رقم 1242) والبيهقي في "الكبرى" (1/ 41 رقم 172) وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (1/ 440 رقم 1277)، وقال الحافظ في "تلخيص الحبير" (1/ 65): وفي إسناده ثبيت بن كثير وهو ضعيف، واليمان بن عدي وهو أضعف منه. (¬3) أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (3/ 229 رقم 1230)، والبيهقي في "الكبرى" (1/ 40 رقم 173) وقال العقيلي: لا يصح. وقال الحافظ في، "تلخيص الحبير" (1/ 65): وإسناده ضعيف جدًّا. (¬4) عزاه الحافظ في "تلخيص الحبير" (1/ 65) لأبي نعيم في كتاب "السواك" من حديث عائشة، وقال: وفي إسناده عبد الله بن حكيم وهو متروك. (¬5) مراسيل أبي داود (1/ 74 رقم 5) من طريق عطاء بن أبي رباح.

وفي "المغني" لابن قدامة: ويستحب أن يجعل السواك أراكا أو عرجونا أو زيتونا أو عودا ينقي ولا يجرح ولا يتفتت، ولا يستاك بالرياحين ولا الرمّان ولا الأعواد الذكية؛ لأنه رُوي أنَّ السواك بعود الرياحين يحرك عرق الجذام، وقيل: السِّك بعود الرمّان يضر بلحم الفم، فإنْ استاك بإصبعه أو بخرقة لم يُصِبْ السُّنَّة، وقيل: يكون مصيبا. انتهى (¬1). وقال صاحب "الهداية": وعند فقده يُعالج بالإصبع. أيّ عند عدم السواك يزاول بالإصبع. وروى الطبراني في "الأوسط" (¬2): من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "الأصابع تجري مجرى السواك إذا لم يكن سواك". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، قال: ثنا عبد الله بن يَسَار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ثنا أصحاب محمَّد - عليه السلام -، عن نبي الله - عليه السلام - مثل ذلك. ش: إسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره، ويحيى بن حماد بن أبي الزناد الشيباني، شيخ البخاري، وأبو عوانة الوضاح، وسليمان هو الأعمش، وعبد الله ابن يَسَار -بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة- الجهني، وثقه ابن حبان. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا عُبَيدة بن حميد، ثنا الأعمش، عن عبد الله بن يَسار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بعض أصحاب النبي - عليه السلام - رفعه قال: "لولا أنْ أشق على أمتي لفرضت على أمتي السواك كما فرضت عليهم الطهور". ¬

_ (¬1) "المغني" (1/ 70) لكن بتصرف واختصار. (¬2) "المعجم الأوسط" (6/ 288 رقم 6437). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 156 رقم 1797).

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن خلف الطُّفَاوي، قال: نا هشام ابن حسّان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، مثله. ش: عبد الله بن خلف ذكره في "الميزان" وقال: في حديثه وهم ونكارة. والطُّفَاوِي -بضم الطاء- نسبة إلى طُفاوة حيَّ من قيس غيلان. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا محمد بن صالح بن النطاح، ثنا أرطاة أبو حاتم، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وروى أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا قتيبة بن سعيد، نا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبي - عليه السلام - قال: "عليكم بالسواك فإنه مَطيبة للفم، ومرضاة للربّ تبارك وتعالى". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: هذا حديث غريب ما كتبناه إلَّا عن ابن مرزوق. ش: أشار به إلى حديث ابن عمر هذا الذي رواه عن إبراهيم بن مرزوق، قال ابن منده: الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث سمي غريبا، وإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمي عزيزا، وإذا روى الجماعة عنهم حديثا سمي مشهورا. وقال ابن الصلاح: الحديث الذي ينفرد به بعض الرواة يوصف بالغريب، وكذلك الحديث الذي ينفرد به بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيره، إما في متنه وإما في إسناده، ثم إنَّ الغريب ينقسم إلى صحيح؛ كالأفراد المخرجة في "الصحيح"، وإلى غير صحيح وذلك هو الغالب على الغرائب. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (12/ 375 رقم 13389). (¬2) "مسند أحمد" (2/ 108 رقم 5865).

وينقسم الغريب أيضًا من وجه آخر، فمنه ما هو غريب متنا وإسنادا، وهو الحديث الذي تفرد برواية متنه راوٍ واحد، ومنه ما هو غريب إسنادا لا متنا؛ كالحديث متنه معروف مروي عن جماعة من الصحابة إذا انفرد بعضهم بروايته عن صحابي آخر كان غريبا من ذلك الوجه، مع أنَّ متنه غير غريب، ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة، وهذا الذي يقول فيه الترمذي: غريب من هذا الوجه، ولا أرى هذا النوع ينعكس فلا يُوجد إذن ما هو غريب مَتْنا وليْس غريبًا إسنادا، إلَّا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرّد به فرواه عنه عددٌ كثيرون، فإنه يصير غريبا مشهورا، وغريبا متنا وغير غريب إسنادا، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد فإنّ إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر، كحديث: "إنما الأعمال بالنيّات" (¬1) وكسائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف المشتهرة، ومُراد الطحاوي ها هنا تفرّد عبد الله بن خلف الطُفاوي، عن هشام بن حسّان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وغيره يروي عن هشام عن عبيد الله، عن نافع، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن محمد بن [إبراهيم بن] (¬2) الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. ش: هذا إسناد لا بأس به؛ لأن محمد بن إسحاق مدلِّس، ولم يصرّح بالتحديث إلَّا أنَّ الترمذي صححه كما يجيء الآن، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في صدر "صحيحه" (1/ 3 رقم 1) ومسلم (3/ 1515 رقم 1907) من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وقال الحافظ في "الفتح": قد يكون هذا الحديث على طريقة بعض الناس مردودًا؛ لكونه فردًا، فإنه لا يروى عن عمر إلَّا من رواية علقمة، ولا عن علقمة إلَّا من رواية محمَّد بن إبراهيم، ولا عن محمَّد بن إبراهيم إلَّا من رواية يحيى بن سعيد ... إلخ. (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار" ومصادر التخريج.

وأخرجه أبو داود (¬1): عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى بن يونس، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد الجُهني، قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وأخرجه الترمذي (¬2): عن هنّاد، عن عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه، وزاد: "ولأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل. قال: فكان زيد بن خالد يشهد الصلوات وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، لا يقوم لصلاة إلَّا استنّ، ثم يردّه إلى موضعه". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الحاكم أيضًا وصحّحه (¬3). ص: حدثنا عليّ، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني سَعيد المَقْبري، عن عطاء مولى أم صُبَيَّة، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: إسناده صحيح؛ صرَّح ابن إسحاق بالتحديث، وعطاء مولى أم صُبَيَّة وثقه ابن حبان. والحديث أخرجه الجماعة بأسانيد مختلفة على ما نذكرها. وبهذا الإسناد أخرجه البيهقي (¬4): وقال: أنا أبو طاهر، أنا أبو حامد، نا محمَّد ابن يحيى، أنا أحمد بن خالد، نا محمَّد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عطاء مولى أم صُبَيَّة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "لولا أني أكره أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 12 رقم 47). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 35 رقم 23). (¬3) لم أجده عند الحاكم من حديث زيد بن خالد، وإنما أخرج نحوه (1/ 245 رقم 516) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (¬4) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 36 رقم 148).

ص: حدثنا يونس وابن أبي عقيل، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "لولا أنْ يُشَقُّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وابن أبي عقيل عبد الغني. وأخرجه البيهقي (¬1): عن أبي الحسن محمَّد بن الحسين بن داود العلوي، عن أبي النضر محمَّد بن محمَّد بن يوسف الفقيه، عن الحارث بن أبي أسامة، عن إسماعيل ابن أبي أويس، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد ... إلى آخره نحوه. ثم قال: وهكذا رواه الشافعي في رواية حرملة مرفوعا، وهو في الوطأ بهذا الإسناد موقوف دون ذكر الوضوء. وقال أبو عمر في "التمهيد" (¬2): مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبي هريرة أنه قال: "لولا أنْ يَشُقَّ على أمته لأمرهم بالسِّواك مع كل وضوء" وهذا مُدْخل في المسند عند جميعهم لاتصاله من غير ما وجهٍ، وبهذا اللفظ رواه أكثر الرواة عن مالك، وممّن رواه كذلك كما رواه يحيى: أبو المصعب، وابن بُكير، والقعنبي، وابن القاسم، وابن وهب، وابن [نافع] (¬3) ورواه معن بن عيسى، وأيوب بن صالح، وعبد الرحمن بن مهدي، وحوثرة، وأبو قرة موسى بن طارق، وإسماعيل بن أبي أويس، ومطرف بن عبد الله اليَساري الأصم، وبشر بن عمر، ورَوْحُ [بن] (¬4) عبادة، وسعيد بن عُفَير، عن مالك. وسحنُون، عن ابن القاسم، عن مالك بإسناده، أنَّ رسول الله - عليه السلام - قال: "لولا أنْ يشُقُّ على أمتي لأمرتهم بالسِّواك مع كل وضوء". وبعضهم يقول: "مع كل صلاة". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 35 رقم 144). (¬2) التمهيد (7/ 194). (¬3) في "الأصل، ك": قانع، وهو تحريف، وما أثبتناه من "التمهيد"، وابن نافع هو عبد الله بن نافع الصائغ صاحب مالك. وهو من رجال التهذيب. (¬4) سقط من "الأصل، ك"، والصواب إثباته كما في "التمهيد".

قوله: "مع كل صلاة" أيّ عند كل صلاة، وكلمة "مع" أصلها للمصاحبة، وتجيء بمعنى عند، وهو معناها. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال ثنا بشر بن عمر، قال ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله - عليه السلام - قال: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وقد اختلفت الرواية كما تراها، ففي الأولى: "مع كل صلاة"، وها هنا: "مع كل وضوء". ص: حدثنا يونس، قال: أخبرني أنس بن عياض، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "لولا أنْ أشق على أمتي. لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". ش: إسناده صحيح، وأنس بن عياض بن ضمرة المدني روى له الجماعة، ومحمد ابن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، أبو عبد الله المدني، روى له الجماعة -البخاري مقرونا بغيره ومسلم في المتابعات- وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. وأخرجه الترمذي (¬1): عن أبي كريب، عن عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة ... إلى آخره نحوه. وقال: وحديث أبي هريرة إنما صح؛ لأنه روي من غير وجه. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة (ح). وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. ش: هذان طريقان آخران صحيحان: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 34 رقم 22).

وأخرجه ابن ماجه (¬1): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة وعبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): عن يحيى، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك مع الوضوء، ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل -أو شطر الليل-". ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفريابي، قال: ثنا ابن عُيَيْنة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، يرفعه مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، والفريابي محمَّد بن يوسف، وابن عُيينة هو سفيان، وأبو الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز. وأخرجه أبو داود (¬3): عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، يرفعه قال: "لولا أنْ أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة". وأخرجه مسلم (¬4): عن قتيبة وعمرو (بن) (¬5) الناقد وزهير بن حرب، كلهم عن سفيان ... إلى آخره نحوه، قال: وفي حديث زهير: "على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 105 رقم 287). (¬2) "مسند أحمد" (2/ 250 رقم 7406). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 12 رقم 46). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 220 رقم 252). (¬5) كذا في "الأصل، ك"، وليست في "صحيح مسلم".

وأخرجه البخاري (¬1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. والنسائي (¬2): عن قتيبة بن سعيد، عن مالك ... إلى آخره. قوله: "يرفعه" أيّ يرفع أبو هريرة هذا الحديث إلى رسول الله - عليه السلام - وهذه جملة فعلية وقعت حالًا، وفعلها مضارع مُثْبت، لا يحتاج إلى الواو. وقال الخطيب: قول التابعي: يرفع الحديث، ويُنْميه، ويبلغ به، كلها كناية عن رفع الصحابي للحديث، وروايته إياه عن رسول الله - عليه السلام - ولا يختلف أهل العلم أنَّ الحكم في هذه الأخبار وفيما صرّح برفعه سواء، في وجوب القبول والتزام العمل. ثم اعلم أنَّ الطحاوي أخرج حديث السواك عن ستة من الصحابة، وهم: عبد الله بن حنظلة، وعلي بن أبي طالب، وبعض أصحاب النبي - عليه السلام -، وعبد الله بن عمر، وزيد بن خالد، وأبو هريرة - رضي الله عنه -. وفي الباب عن أبي بكر الصديق، وابن عباس، وحذيفة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وواثلة بن الأسقع، وأبي موسى، وعامر بن ربيعة، وبهز، وربيعة بن أكثم، ومليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده، وسليمان بن صُرَد بن الجَوْن، وسَهل بن سَعْد، وجَابرٍ، وعبد الله بن الزبير، ومُحْرِزٍ، وأسامة، وكَثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، وأبي سعيد الخدري، ومعاذ بن جبل، وأبي خَيْرة الصُّبَاحِي، والعباس بن عبد المطلب، وشيخ من الأنصار، وعمَّار بن ياسر، وجبير بن مُطعم، وَوَضِين، وعبد الله بن جَراد، وعبد الله بن عمرو بن حَلْحَلة، ورافع بن خَديج، وعبد الله بن مسعود، وسعيد وعامِر بن واثلة، وأبي أمامة، وأبي أيوب، وتمام بن عباس، وجعفر بن أبي طالب، وعائشة، وأم حبيبة، وزينبْ بنت جحْش، وأم سلمة - رضي الله عنهم -. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 303 رقم 847). (¬2) "المجتبى" (1/ 12 رقم 7).

فحديث أبي بكر - رضي الله عنه - عند أحمد (¬1): عن أبي كامل، عن حماد بن سلمة، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنَّ النبي - عليه السلام - قال: "السِّواك مَطهرة للفم مرضاة للرب". وحديث ابن عباس عند ابن ماجه (¬2): عن سفيان، عن وكيع، عن عثام بن علي، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي بالليل ركعتن ركعتين، ثم ينصرف فيستاك". وحديث حذيفة: عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): عن هُشيم، عن حُصين، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان، قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا قام فتهجد، يشوص فاه بالسواك". وأخرجه البخاري (¬4)، ومسلم (¬5)، وأبو داود (¬6)، والنسائي (¬7). وحديث أنس بن مالك: عند البخاري (¬8): عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس قال: قال رسول الله - عليه السلام - صلى الله عليه وسلم -: "أكثرت عليكم في السواك". وأخرجه النسائي (¬9) أيضًا. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 3 رقم 7). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 106 رقم 288). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 155 رقم 1783). (¬4) "صحيح البخاري" (1/ 382 رقم 1085). (¬5) "صحيح مسلم" (1/ 220 رقم 255). (¬6) "سنن أبي داود" (1/ 62 رقم 55). (¬7) "المجتبى" (1/ 8 رقم 2). (¬8) "صحيح البخاري" (1/ 33 رقم 848). (¬9) "المجتبى" (1/ 11 رقم 6).

وحديث عبد الله بن عمرو: عند أبي نعيم من حديث إبراهيم بن سليمان بن هشام الإفريقي، عن معاوية بن صالح، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو، أنَّ رسول الله - عليه السلام -[قال] (¬1): "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وحديث واثلة بن الأسقع: عند الطبراني في "الكبير" (¬2): عن أبي خليفة، عن علي بن المديني، عن إسماعيل بن إبراهيم وجرير، عن ليث، عن أبي بريدة، عن أبي المليح، عن واثلة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "لقد أُمِرْتُ بالسواك حتى لقد خشيت أنْ يُكتب عليّ". وأخرجه أحمد أيضًا (¬3). وحديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -: عند البخاري (¬4): بإسناده إليه قال: "أتيت النبي - عليه السلام - فوجدته يستنّ بسواك بيده يقول: أُعْ أُعْ، والسواك في فِيه كأنه يتهوّع". وأخرجه مسلم (¬5)، وأبو داود (¬6)، والنسائى (¬7): بألفاظ مختلفة. وحديث عامر بن ربيعة: عند الطبراني (¬8): عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن الثوري، وعن علي بن عبد العزيز، عن أبي نُعيم، وعن ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل"، والسياق يقتضيها. (¬2) "معجم الطبراني الكبير" (22/ 76 رقم 190). (¬3) "مسند أحمد" (3/ 490 رقم 16050). (¬4) "صحيح البخاري" (1/ 96 رقم 241). (¬5) "صحيح مسلم" (1/ 220 رقم 254). (¬6) "سنن أبي داود" (1/ 13 رقم 49). (¬7) "المجتبى" (1/ 9 رقم 3). (¬8) في الجزء المفقود، والحديث عند أبي داود (2/ 307 رقم 2364)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (2/ 294 رقم 9148)، وعبد الرزاق في "مصنفه" (4/ 199 رقم 7479) وغيرهم. وذكره البخاري تعليقًا (2/ 682).

سفيان، عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يَسْتاك وهو صائم ما لا أُحْصِي". وحديث بَهْز: عند الطبراني (¬1): أيضًا بإسناده إليه قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يستاك عرضا". وحديث ربيعة بن أكثم: عند البيهقي في "سننه" (¬2): بإسناده إليه قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يَسْتاك عرضا ويَشْرَبُ مَصّا ويقى: هو أهنأ وأمرأ". وحديث مليح بن عبد الله الخطمي، عن أبيه، عن جده عند البزار في "مسند" (¬3): بإسناده إلى مليح بن عبد الله الخطمي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "خمس من سنن المرسلين: الحياء والعلم والحماسة والسواك والتعطر". وحديث سليمان بن صُرَد: عند الطبراني في "الأوسط" (¬4): بإسناده إليه يرفعه: "استاكواو نظفوا ... ". وحديث سهل بن سعد عنده أيضًا في "الكبير" (¬5) و"الأوسط" (¬6) بإسناده إليه قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "أمرني جبريل - رضي الله عنه - بالسواك حتى ظننتُ أني سأدْرَد". قلت: هو من دَرِدَ الرجل: إذا سقطت أسنَانُه، فهو أَدْرَدُ. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (2/ 47 رقم 1242). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 40 رقم 173). (¬3) ذكره الهيثمي في "المجمع" (2/ 99) وقال: رواه البزار، ومليح وأبوه وجده لم أجد من ترجمهم. وذكره الحافظ ابن حجر في "مختصر زوائد البزار" (1/ 257 رقم 369). وأخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (4/ 233 رقم 2208). وأخرجه الطبراني أيضًا في "الكبير" (22/ 293 رقم 749). (¬4) "المعجم الأوسط" (7/ 259 رقم 7442). (¬5) "المعجم الكبير" (6/ 205 رقم 6018). (¬6) "المعجم الأوسط" (2/ 316 رقم 2087).

وحديث جابر: عند البيهقي في سننه (¬1): من حديث سفيان، عن ابن إسحاق، عن أبي جعفر، عن جابر قال: "كان السواك من أذن النبي - عليه السلام - موضع القلم من [أذن] (¬2) الكاتب". وحديث عبد الله بن الزبير: عند ابن أبي شيبة (¬3): بإسناده إليه عن النبي - عليه السلام - قال: "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وحديث محرز -غير منسوب-: عند ابن منده وأبي نُعَيْم (¬4) بإسنادهما عن عكرمة قال: "جاءني محرز ذات ليلة عشاء، فدعونا له بعَشاء، فقال محرز: هل عندكم سواك؟ فقلنا: ما تصنع به هذه الساعة؟! فقال: إنَّ رسول الله - عليه السلام - ما نامَ ليلة حتى (تسوّك) (¬5) ". وحديث أسامة: عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬6): بإسناده إلى أبي عتيق، عن جابر قال: "كان يَسْتَاكُ إذا أخذ مضجعه، وإذا قام من الليل، وإذا خرج إلى الصبح، قال: فقلت له: قد شقَقْتَ على نفسك بهذا السواك. فقال: إنَّ أسامة أخبرني، أنَّ رسول الله - عليه السلام - كان يستاك هذا السواك". وحديث كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده: عند الطبراني في "الأوسط" (¬7): بإسناده إلى كثير بن عبد الله بن عَمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " (تجري الأصابع) (¬8) مجرى السواك إذا لم يكن سواك". ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 37 رقم 156). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن البيهقي الكبرى". (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 156 رقم 1795). (¬4) "معرفة الصحابة" لأبي نعيم (5/ 2592 رقم 6247). (¬5) في "معرفة الصحابة": "يستن". (¬6) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 155 رقم 1788). (¬7) "المعجم الأوسط" (6/ 288 رقم 6437). (¬8) في "المعجم الأوسط": الأصابع تجري.

وحديث أبي سعيد الخدري: عند أحمد في "مسنده" (¬1): بإسناده إلى عبد الرحمن ابن سعيد، عن أبيه، أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الغسل يوم الجمعة على كل محتلم والسواك وأنْ يمس من الطيب ما يقدر عليه". وحديث معاذ بن جبل: عند الطبراني في "الأوسط" (¬2): بإسناده إليه قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "نعم السواك الزيتون؛ من شجرة مباركة، يطيب الفم ويُذهب بالحفر، وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي". وحديث أبي خَيْرةَ الصُّباحي: عند الطبراني أيضًا في "الكبير" (¬3): بإسناده إليه قال: "كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله - عليه السلام -[من عبد قيس] (¬4) فزوَّدنا بالأراك نستاكُ به ... " الحديث. وحديث العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه -: عند البزار (¬5) بإسناده إليه قال: "كانوا يدخلون على رسول الله - عليه السلام - ولم يَسْتاكوا، فقال: تدخلون عليَّ قلحا؟! استاكوا فلولا أنْ أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة كما فرضت عليهم الوضوء". وأخرجه الطبراني (¬6) وأبو يعلى (¬7). قلت: القُلْح -بضم القاف وسكون اللام- جمع أقلح، من قَلِح الرجل -بالكسر قَلَحا- بالتحريك- وهو صفرة في الأسنان. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 30 رقم 11268)، و (3/ 69 رقم 11677). (¬2) "المعجم الأوسط" (1/ 210 رقم 678). (¬3) "المعجم الكبير" (22/ 368 رقم 924). (¬4) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المعجم الكبير" للطبراني. (¬5) "مسند البزار" (4/ 129 رقم 1302). (¬6) "المعجم الكبير" (2/ 64 رقم 1301). (¬7) "مسند أبي يعلى" (12/ 71 رقم 6710).

وحديث شيخ من الأنصار: عند أحمد في "مسنده" (¬1): نا وكيع، عن سفيان، عن سَعد بن إبراهيم، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن شيخ من الأنصار قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حق على كل مسلم: الغسل، والطيب، والسواك، يوم الجمعة". وحديث عمار بن ياسر: عند أحمد (¬2)، وأبي داود (¬3)، وابن ماجه (¬4): في خصال الفطرة أنَّ رسول الله - عليه السلام - قال: "من الفطرة -أو الفطرة-: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك ... " الحديث. وحديث جبير بن مطعم: عند ثابت بن أبي ثابت السَّرَقُسْطي في كتاب "الدلائل" له: ثنا موسى بن هارون، ثنا محمَّد بن الصباح، ثنا سفيان بن عُيينة، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد أُمِرْتُ بالسِّواك حتى خشيتُ أنْ يُدَردِرني" وأبو الحويرث ضعيف، والدَرْدرة: ذهاب الأسنان. وحديث وَضين: عند أبي مسلم اللَيثي في "سننه": عن عبد العزيز بن خطاب، عن مندل، عن أبي رجاء، عن وضين قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "طيِّبوا أفواهكم؛ فإنّ أفواهكم طريق القرآن" (¬5). وحديث عبد الله بن جراد: عند أبي نُعَيم: عن يَعلى بن الأشدق، عن عبد الله ابن جراد، عن النبي - عليه السلام - قال: "السِّواكُ من الفطرة". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 363 رقم 23126). (¬2) "مسند أحمد" (4/ 264 رقم 18353). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 14 رقم 54). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 107 رقم 294). (¬5) وأخرجه البيهقي في "الشعب" (2/ 382 رقم 2119) من حديث سمرة بن جندب بسند ضعيف.

حديث عبد اللهَ بن عمرو بن حلحلة، ورافع بن خديج: عند أبي نعيم (¬1): أيضًا من حديث القاسم بن مالك المزني، نا محمَّد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز ابن صهيب قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن حلحلة ورافع بن خديج قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "السِّواك واجب، وغسل الجمعة واجب على كل مسلم". وحديث عبد اللهَ بن مسعود: عند أبي يعلى الموصلي (¬2): من حديث زِرٍّ عنه: "كنت أجتني لرسول الله - عليه السلام - سواكا من أراك ... " ورواه أحمد (¬3) أيضًا. وحديث سعيد وعامر بن واثلة: عند أبي نعيم: أخرجه عن العاص أبي أحمد محمَّد بن أحمد بن إبراهيم، عن علي بن الحسن العجلي، عن محمَّد بن طريف، عن محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد وعامر بن واثلة يرفعانه عن النبي - عليه السلام - قال: "لقد أمرت بالسواك حتى خشيت على فمي". وحديث أبي أمامة: عند ابن ماجه (¬4): عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، أنَّ رسول الله - عليه السلام - قال: "تسوكوا؛ فإنّ السواك مَطهرة للفم، مرضاة للربّ، ما جاءني جبريل - عليه السلام - إلَّا أوصاني بالسواك ولقد خشيت أنْ يفرض على أمتي، ولولا أني أخاف أنْ أشق على أمتي لفرضته عليهم، وإني لأستاك حتى إني لقد خشيت أنْ أحفي مقادم فمي". وحديث أبي أيوب: عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬5): ثنا يزيد بن هارون، عن حجاج، عن مكحول، قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله - عليه السلام -: "أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح، والسواك، والحِنّاء". ¬

_ (¬1) قال الحافظ في "تلخيص الحبير" (1/ 68): رواه أبو نعيم، وإسناده واهٍ. (¬2) "مسند أبي يعلى" (9/ 209 رقم 5310). (¬3) "مسند أحمد" (1/ 420 رقم 3991). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 106 رقم 289). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 156 رقم 1802).

وحديث تمام بن العباس: عند البزار (¬1): بسند جيد عن تمام بن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "ما لي أراكم تدخلون عليّ قلحًا؟! استاكوا". وأعلّه ابن القطان بأبي علي الصَّيْقل في إسناده وليس بجيد؛ لعرفان حاله. وحديث جعفر بن أبي طالب: عند محمَّد في "آثاره" (¬2) وقال: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثني أبوعلي، عن تمام، عن جعفر بن أبي طالب، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "ما لي أراكم تدخلون عليَّ قلحًا؛ استاكوا، ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يستاكوا عند كل صلاة". وأخرجه الدارقطني في "الغرائب". وحديث عائشة - رضي الله عنها -: عند مسلم (¬3): نا أبو كريب محمَّد بن العلاء، ثنا ابن بشر، عن مسْعر، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، قال: "سألت عائشة، قلت: بأيّ شيء كان يبدأ النبي - عليه السلام - إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك". وأخرج أبو يعلى في "مسنده" (¬4): بإسناد صحيح، عن عائشة قالت: قال رسول الله - عليه السلام -: "السواك مطهرة للفم مرضاة للربّ". ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (4/ 130 رقم 1302) من طريق أبي علي الصيقل، عن جعفر بن تمام، عن أبيه، عن جده العباس. ثم قال البزار: ولا نعلم يروى هذا اللفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلَّا عن العباس عنه بهذا الإسناد، وقد روى تمام بن العباس عن أبيه حديثًا آخر. ورواه أبو يعلى مثله (12/ 71 رقم 6710). والحديث أخرجه البيهقي في "الكبرى" (1/ 36 رقم 150) من طريق أبي علي الصَّيْقل، عن ابن تمام، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكر طرقه. وهو عند ابن قانع في "معجم الصحابة" (1/ 114). وأخرجه أحمد في "مسنده" (1/ 214 رقم 1835) من طريق أبي علي الزراد، عن جعفر بن تمام بن عباس، عن أبيه مرفوعًا، وذكره العلائي في "المراسيل" (1/ 151 رقم 71). وانظر تاريخ البخاري "الكبير" (2/ 157 رقم 2044)، و"تلخيص الحبير" (1/ 69). (¬2) كتاب "الآثار" لمحمد بن الحسن (1/ 54 رقم 40). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 220 رقم 253). (¬4) "مسند أبي يعلى" (8/ 73 رقم 4598).

وأخرج البزار في "مسنده": عنها -بإسناد فيه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف- عن النبي - عليه السلام - قال: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وحديث أم حبيبة: عند أحمد في "مسنده" (¬1): عن يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني محمَّد [بن]، (¬2) طلحة بن يزيد بن ركانة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبي الجراح مولى أم حبيبة، عن أم حبيبة أنها حدثته، قالت: سمعت رسول الله - عليه السلام -: "لولا أنْ أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وأخرجه أبو يعلى (¬3) أيضًا. وحديث زينب بنت جحش: عند أحمد (¬4): أيضًا بإسناد جيد، من رواية أبي الجراح مولى، أم حبيبة، عنها، عن زينب بنت جحش [قالت] (¬5) سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضئون". وحديث أم سلمة: عند الطبراني في "الكبير" (¬6): بإسناده إليها أنها قالت: قال رسول الله - عليه السلام -: "ما زال جبريل - عليه السلام - يُوصّيني بالسواك حتى خفت على أضراسي". ص: فثبت بقوله: - صلى الله عليه وسلم -: "لولا أنْ أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" أنَّه لم يأمرهم بذلك، وأنَّ ذلك ليس عليهم، وأَنَّ ارتفاع ذلك عنهم وهو المجعول بدلا من الوضوء لكل صلاة؛ دليل على أنَّ الوضوء لكل صلاة لم يكن عليهم، ولا أُمِروا به، وأنَّ المأمور به النبي - عليه السلام - دونهم، وأنَّ حكمه كان في ذلك غير ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 325 رقم 26806). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد". (¬3) "مسند أبي يعلى" (13/ 48 رقم 7127). (¬4) "مسند أحمد" (6/ 428 رقم 27355). (¬5) في "الأصل، ك": قال، وهو خطأ، والمثبت من "المسند". (¬6) "المعجم الكبير" (23/ 251 رقم 510).

حكمهم، فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار وقد ثبت بذلك ارتفاع وجوب الوضوء لكل صلاة. ش: وجه ثبوت عدم أمره - عليه السلام - إياهم بالسواك ظاهر من ظاهر الحديث، وفي ارتفاع السواك عنهم والحال أنَّه كان بدلا من الوضوء لكل صلاة كما في حديث عبد الله بن حنظلة المذكورة دليل على أنَّ الوضوء لكل صلاة لم يكن واجبا عليهم، ولا أنهم أمروا بذلك بل المأمور به هو النبي - عليه السلام - فإذا كان كذلك يثبت ارتفاع وجوب الوضوء لكل صلاة. ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا الوضوء طهارة من حدث، فأردنا أنْ ننظر في الطهارات من الأحداث كيف حكمها؟ وما الذي يَنْقُضُها؟ وجدنا الطهارات التي توجبها أحداثُ على ضربين: فمنها الغسل، ومنها الوضوء، فكان من جَامَع أو أَجْنَبَ وجبَ عليه الغسل، وكان من بالَ أو تغوَّطَ وجبَ عليه الوضوء، فكان الغسلُ الواجبُ بما ذكرنا، لا تنقضه مرور الأوقات ولا تنقضه إلَّا الأحداث، فلما ثبت أنَّ حكم الطهارة من الجماع والاحتلام كما ذكرنا، كان في النظر أيضًا أنْ يكون [حكم] (¬1) الطهارات من سائر الأحداث كذلك وأنه لا ينقض ذلك مرور الوقت، كما لا ينقض الغسل مرور وقت. ش: ملخصه على وجه التحرير: أنَّ الطهارة من الأحداث على نوعين: طهارة يرى وهو الغسل، وطهارة صغرى وهو الوضوء، فالموجب في الأولى: خروج المني على وجه الدفق، والشهوة، والتقاء الختانين، وفي الثانية: البول والغائط ونحوه. ثم إنه إذا تطهر في الأولى، لا ترتفع طهارته تلك بمرور الأزمان، إلَّا إذا وُجِدَ الحدث، فكذلك في القياس، ينبغي أنْ يكون في الصغرى كذلك، بألَّا ترتفع بمرور الأزمان إلَّا بالحدث؛ قياسا على الكبرى؛ لأنها أختها ونظيرتها فافهم. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

ص: وحجة أخرى: أنّا رأيناهم أجمعوا أنَّ المسافر يُصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يُحدث، وإنما اختلفوا في الحاضر، فوجَدْنا الأحداث من الجماع والاحتلام والغائط والبول وكل ما إذا كان من الحاضر كان حدثًا يوجب به عليه طهارة، فإنه إذا كان من المسافر كان كذلك أيضًا، ووجب عليه من الطهارة ما يجب عليه لو كان حاضرا، رأينا طهارة أخرى يَنقضها خروجُ وقتٍ، وهي المسح على الخفين، فكان الحاضرُ والمسافر في ذلك سواء، ينقضُ طهارتَها خروج وقت ما، وإنْ كان ذلك الوقت في نفسه مختلفا في الحضر والسفر، فلما ثبت أنَّ ما ذكرنا كذلك، وأنَّ ما ينقض طهارة الحاضر من ذلك ينقض طهارة المسافر، وكان خروج الوقت عن المسافر لا ينقض طهارته؛ كان خروجه عن المقيم أيضًا كذلك؛ قياسا ونظرا على ما بَيَّنَّا من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله-. ش: لما ادعت أهل المقالة الأولى وجوب الوضوء لكل صلاة على الحاضرين دون المسافرين، أشار بهذه الحجة إلى بطلان هذا الفرق بالوجه الذي يقتضيه النظر والقياس، تحريره: أنَّ الكل متفقون على أنَّ المسافر يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يُحدث، واختلافهم في الحاضر، ومتفقون على أنَّ كل ما هو حدث في حق الحاضر مما يُوجب عليه الطهارة؛ فإنه في حق المسافر كذلك، ومتفقون أنَّ المسح على الخفين طهارة ينقضها خروج الوقت، يعني تمام المدة، وإنْ كانت المدة في نفسها مختلفة، فإذا ثبت هذا وثبت أنَّ ما ينقض طهارة الحاضر ينقض طهارة المسافر، وكان خروج وقت الصلاة عن المسافرلا ينقض طهارته؛ حتى لم يكن يحتاج إلى الوضوء إلَّا بالحدث، كان خروجه عن المقيم كذلك لا ينقض طهارته ما لم يحدث؛ قياسا عليه ونظرا. قوله: "فوجدنا الأحداث من الجماع" أيّ الأحداث الحاصلة من الجماع ... إلى آخره. قوله: "وكلُّ ما إذا كان من الحاضرِ" بالرفع مبتدأ، وخبره: قوله: "فإنه إذا كان من المسافر" ودخلت الفاء لتُضَّمِّن المبتدأ معنى الشرط.

قوله: "خروج وقت ما" أيّ وقت من الأوقات، و"ما" ها هنا نكرة وقعت صفة لوقت. قوله: "وإنْ كان ذلك الوقت في نفسه مختلفا في الحضر والسفر" لأنه في حق المقيم يوم وليلة، وفي حق المسافر ثلاثة أيام ولياليها. ص: وقد قال بذلك جماعة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي عمران الجَوْني، عن أنس بن مالك: "أنَّ أصحاب أبي موسى الأشعري توضئوا وصلوا الظهر، فلما حضر العصر قاموا ليتوضئوا، فقال لهم: ما لكم، أحدَثتم؟ فقالوا: لا. قال: الوضوء من غير حدث؟ ليوشك أنْ يَقْتُل الرجل أباه، وأخاه، وعمه، وابن عمه، وهو يتوضأ من غير حدث". ش: أيّ قال بعدَمِ وُجُوب الوضوء لكل صلاة من غير حدث جماعة من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - فمن ذلك ما روي عن أبي موسى الأشعري، واسمُه: عبد الله بن قيس، أخرجه الطحاوي عن محمَّد بن خزيمة بإسناد صحيحٍ على شَرْط مسلمٍ. وحجاجُ هو ابن المنهال، وحمادٌ هو ابن سلمة وأبو عمران اسمُه عبد الملك بن حبيب البصري، روى له الجماعة، والجَوْني نسبة إلى جَوْن -بفتح الجميع، وسكون الواو، وفي آخره نون- أحد الأجداد. قوله: "ما لكم" استفهام على سبيل الإنكار، أيّ: ما لكم، أو ما أصابكم، فكأنه أنكر عليهم وضوءهم ذلك. قوله: "أحدثتم" أصله أأحدثتم بهمزة الاستفهام. قوله: "الوضوءُ من غير حدثٍ" ارتفاع الوضوء بالابتداء، وخبره "من غير حدث" ومتعلقه محذوف، أيّ: الوضوء يفعل من غير حدث؟ وتكون الجملة في موضع الاستفهام على سبيل الإنكار، ويجوز أنْ يكون ارتفاعه بالفعل المحذوف، أيّ: هل يفعل الوضوء من غير حدث؟!

ويجوز أنْ يكون منصوبا على تقدير: هل تفعلون الوضوءَ، أو تتوضئون الوضوءَ من غير حدث؟! فأنكر عليهم ذلك ونسبهم إلى الجهل، ثم بالغَ في إنكاره بقوله: "ليوشك ... " إلى آخره. فقوله: "ليُوشِك" بكسر الشين، وفتحها لغة عَاميّة، وهو من أفعال المقاربة. قال الجوهري: أوشك فلان، يُوشِك إيشاكا، أيّ أسْرع، ومنه قولهم: يوشك أنْ يكون كذا، وفي "المطالع": حكى بعضهم: وَشُك - بضم الشين أيّ أسْرع- وَشْكا وَوَشْكَانا بتثليث الواو فيهما، وأنكر الأصمعي أَوْشَكَ. وخبرها فعل مضارع مقرون بـ"أنْ" غالبا، كعَسَى، وقد يجيء مجردا من "أنْ" كما فيما روى ابن ماجه في "سننه" (¬1): أنَّ رسول الله قال: "يُوشك الرجل متكئا على أريكته (يأتيه الأمر من أمري) (¬2) ... " الحديث. وقد عُلم أنَّ أحد استعمالي "عسى" أنْ يُذكر لها مرفوع فقط، فيستغني عن الخبر لاستعمال الإسم على المنسوب والمنسوب إليه، فكذلك "يوشك" ها هنا ذكر لها مرفوع فقط، وهو قوله: "أنْ يقتل الرجل أباه" كما تقول "عسى أنْ يخرج زيد" و"أنْ" مصدرية، والتقدير: قَرُب قتل الرجل أباه من الجهل، وهو يتوضأ من غير حدث، وهذه الجملة حال، أيّ حال كونه متوضئا من غير حدث، وهذه مبالغة عظيمة في غاية الإنكار، حتى جعل التوضؤ من غير حدث كقتل الوالد والأخ من الجهل، فإنْ قلت: هذا الإنكار العظيم يدل على أنَّ الوضوء من غير حدث ذنب عظيم؟ قلت: إنكار أبي موسى - رضي الله عنه - إنما كان لأجل فعلهم بالجهل، واعتقادهم أنَّ بوضوء واحد لا تجوز إلا صلاة واحدة، والدليل على ذلك ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن مَعمر، عن قتادة، عن يونس بن ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 6 رقم 12). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "سنن ابن ماجة": "يُحدَّث بحديث من حديثي". (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 55 رقم 159).

جُبَير أبي غلّاب، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: "كنا مع أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - في جيش على ساحل دجلة، إذ حضرت الصلاة، فنادى مناديه للظهر، فقام الناس إلى الوضوء، فتوضأ ثم صلى بهم، ثم جلسوا حِلَقا، فلما حضرت العصر نادى منادي العصر، فَهَبَّ الناسُ للوضوء أيضًا، فأمَر منادِيه: ألا لا وضوء إلَّا على مَنْ أَحْدَث، قال: أوْشك العلم أنْ يذهبَ، ويَظهر الجهل، حتى يضرب الرجل أمه بالسيف من الجهل". انتهى. فهذا صريح على أنَّ إنكاره إنما كان على فعلهم بالجهل، فلذلك أكد كلامه في الإنكار باللام، وتشبيه حال من يتوضأ من غير حدث بالجهل؛ بحال مَن يقتل أباه أو أخاه بالجهل، ثم إنه خص الأب والأخ والعم وابن العم، ولم يُشبّه بقتل النفس مطلقا بالجهل، وإنْ كان القتل بالجهل كله حراما؛ زيادة للمبالغة أيضًا؛ لأن قتل هؤلاء أعظم في النفس من قتل غيرهم، مع حرمان الإرث، ومن الدليل على ما قلنا أيضًا: ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: "الوضوء من غير حدثٍ اعتداء". أيّ ظلم، إذا كان عن جهل مثل ما ذكرنا، وإلَّا فالوضوء على الوضوء نور على نور، وقد ذكرنا ما رواه الطحاوي والترمذي من حديث عبد الله بن عمر "من توضأ على طهر؛ كتب الله له بذلك عشر حسنات" (¬2). ولكن ذكروا أنَّ هذا الثواب إنما يحصل إذا فصل بين الوضوءين بصلاة، أيّ صلاة كانت؛ لأنه لم ينقل عنه - عليه السلام - أنَّه توضأ لصلاة واحدة مرتين، قال أبو عمر في "التمهيد": لم يحفظ عنه - عليه السلام - قط أنَّه توضأ لصلاة واحدة مرتين، وإنْ كان توضأ لكل صلاة. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 34 رقم 295). (¬2) تقدم تخريجه عند التعليق على حديث: "الوضوء على الوضوء نور على نور".

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنسا يقول: "كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نُحْدث". ش: إسناده صحيح، وأبو داود سليمان الطيالسي، وذكره الطحاوي هنا في هذا الباب بأتم منه حيث قال: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب بن جرير قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، عن أنس بن مالك ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (¬1) أيضًا بنحوه، وقد ذكرناه. وأخرجه البخاري (¬2) ثنا محمَّد بن يوسف، قال: نا سفيان، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنسا. ونا مُسَدّد، قال: نا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني عمرو بن عامر، عن أنس قال: "كان النبي - عليه السلام - يتوضأ عند كل صلاة. قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث" وقد قال بعض شراح البخاري: المراد من سفيان هو الثوري؛ لأنّا لم نجد لابن عيينة عن عمرو رواية. قلت: قد صرح الترمذي في روايته بأنه هو سفيان الثوري حيث قال: نا محمَّد بن بشار، نا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا سفيان بن سعيد، عن عمرو بن عامر ... إلى آخره. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني مسعود بن علي، عن عكرمة: "أنَّ سَعْدا كان يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يُحْدِث". ش: مَسعود بن علي وثقه ابن حبان، وسعدٌ هو ابن أبي وقاص - رضي الله عنه -. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): عن يحيى بن سعيد، عن مسعود بن علي، عن عكرمة، قال: قال سَعْدٌ: "إذا توضأت، فصلّ بوضوئك ما لم تُحْدِث". ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 88 رقم 60) وقد تقدم أيضًا. (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 87 رقم 211). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 34 رقم 301).

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله، غيرَ أنَّه لم يذكر عكرمة، وزاد: "وكان عليّ - رضي الله عنه - يتوضأ لكل صلاة ويتلو: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} " (¬1). ش: أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا يحيى بن سعيد، عن مسعود بن علي، عن عكرمة قال: قال سَعد: "إذا توضأت فصل بوضوئك ما لم تُحدث". وقال عليّ - رضي الله عنه -: "إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ". وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن رجل من أهل مصر، قال: أخبرني فُضيل بن مرزوق الهمداني: "أنَّ عليّا - رضي الله عنه - كان يتوضأ لكل صلاة". قلت: هذا يرد كلام ابن شاهين حيث يقى: لم يبلغنا أنَّ أحدا من الصحابة والتابعن كانوا يتعمدون الوضوء لكل صلاة إلَّا ابن عمر. ويرده أيضًا ما رواه ابن أبي شيبة (¬4): نا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن محمَّد قال: "كان أبو بكر وعمر وعثمان يتوضئون لكل صلاة، فإذا كانوا في المسجد دعوا بالطست". ثنا (¬5) وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: "كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: وليس في هذه الآية عندنا دليل على وجوب الوضوء لكل صلاة؛ لأنه قد يجوز أنْ يكون قوله ذلك على القيام وهم محدثون، ألا ترى أنهم قد أجمعوا أنَّ حكم المسافر هو هذا؟ وأنَّ الوضوء لا يجب عليه حتى يحدث، فلما ثبت أنَّ هذا حكم المسافر في هذه الآية، وقد خوطب بها كما خوطب الحاضر؛ ثبت ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [6]. (¬2) سبق تخريجه. (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 58 رقم 168). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 35 رقم 303). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 35 رقم 302).

أنَّ حكم الحاضر فيها كذلك أيضًا، وقد قال ابن الفَغْوَاء: إنهم كانوا إذا أحدثوا لم يتكلموا حتى يتوضئوا، فنزلت هذه الآية {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} (¬1) فأخبر أنَّ ذلك إنما هو لقيام إلى الصلاة بعد حدثٍ. ش: هذا جواب عَمّا رُوي من فعل علي - رضي الله عنه - أنَّه كان يتوضأ لكل صلاة، ويحتج بقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} (¬2) وتحريره: أنَّ أهل المقالة الأولى احتجوا فيما ذهبوا إليه بما روي عن عليّ - رضي الله عنه - وليس في ذلك دليل على ما قالوا؛ لأنه قد يجوز أنْ يكون المراد من قوله: هو القيام في حالة الحدث، ونحن أيضًا نقول: إذا قام إلى الصلاة وهو محدث فعليه أنْ يتوضأ، وإنْ تعدّد قيامه مع الحدث، ثم أوضح ذلك بقوله: "ألا ترى أنهم قد أجمعوا، أيّ أهل المقالتين أجمعوا أنَّ حكم المسافر هو أنَّه لا يجب عليه الوضوء إلَّا بالحدث، وإنْ مضى عليه أوقات، والحال أنَّه مخاطب بالآية كما أن المقيم مخاطب بها، فإذا ثبت حكم المسافر على ما ذكرنا كان حكم الحاضر كذلك؛ لشمول الخطاب إياهما، ثم أكد ما ذكره من قوله: إنَّ المراد هو القيام إلى الصلاة وهم محدثون، بما قال ابن الفغواء، أنهم -أيّ الصحابة- كانوا إذا أصابهم الحدث، لم يتكلموا حتى يتوضئوا؛ فنزلت هذه الآية، وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} (1) فأخبر الله تعالى أنَّ ذلك لأجل القيام إلى الصلاة بعد حدث لا لمطلق القيام، على ما عليه الجمهور من الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم. وابن الفغواء هو عمرو بن الفغواء، ويقال: ابن أبي الفغواء، والد عبد الله بن عمرو بن الفغواء، له صحبة، وهو بالفاء ثم الغين المعجمة. وقد قال أبو بكر الرازي: الآية غير مستعملة على حقيقتها؛ لأن فيها مضمرا يتعلق إيجاب الطهارة به، وهو النوم، والتقدير: إذا قمتم من النوم، وأراد به نوم ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [6]. (¬2) سبق تخريجه.

النائم المضطجع؛ لأن من نام قاعدا، أو ساجدا، أو راكعا، لا يقال: إنه قام من النوم؛ لأن السلف وسائر فقهاء الأمصار اتفقوا على نفي إيجاب الوضوء على من نام قاعدا، غير مستندٍ إلى شيء، وروى عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنه -: "أنَّ رسول الله - عليه السلام - أخّر صلاة العشاء ذات ليلة حتى نام الناسُ، ثم استيقظوا، فجاء عمر- رضي الله عنه - فقال: الصلاة يا رسول الله، فخرج وصل" (¬1) ولم يذكر أنهم توضأوا. وروى قتادة، عن أنس - رضي الله عنه - قال: "كنا نجيء إلى مسجد رسول الله - عليه السلام - ننتظر الصلاة، فمنا مَنْ نعس، ومنّا منْ نام، ولا نُعيد وضوءا". وروى نافع عن ابن عمر قال: "لا يجب عليه الوضوء حتى يضع جنبه وينام" ثم إنما كان نوم المضطجع حدثا؛ لاسترخاء مفاصله، فلا يؤمن منه خروج الريح، فإذا كانت العلة هذا يدخل في مضمر الآية إيجاب الوضوء من الريح، والغائط، والبول، والمذي، والمني، ودم الاستحاضة، فكل هذه أحداث، يشتمل عليها مضمر الآية، ويؤخذ من هذا أنَّ النوم حدث، وبه قال علماء الأمة، إلَّا ما روي عن أبي موسى الأشعري أنَّه لم يكن يراه حدثا، ولم يثبت ذلك ... انتهى. واعلم أنَّ العلماء اختلفوا في النوم هل ينقض الوضوء أم لا؟ على مذاهب: أحدها: أنَّ النوم لا ينقض الوضوء بحال، وهو محكي عن أبي موسى الأشعري، وسعيد بن المسيّب، وأبي مجلز، وحميد بن عبد الرحمن، والأعرج، قال ابن حزم: وإليه ذهب الأوزاعي، وهو قول صحيح عن جماعة من الصحابة وغيرهم، منهم: ابن عمر، ومكحول، وعَبِيدَة السَلْماني. وادّعى بعضهم الإجماع على خلافه، وهو غير جيد؛ لِمَا روى أنس: "كان أصحاب رسول الله - عليه السلام - ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقومون إلى الصلاة". ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في "صحيحه" (6/ 2645 رقم 6912).

قال ابن القطان: رواه قاسم بن أصبغ، عن محمَّد بن عبد السلام، ثنا ابن بشار، ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة وهو كما ترى صحيح من رواته (¬1). وعند البزار "يضعون جنوبهم فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ". ولما ذكر الأثرم لأبي عبد الله هذا، تبسّم وقال: هذا لمن لا يضعون جنوبهم. وقال الطبري: فبان بهذا الحديث أنَّ من استغرق في نومه مضطجعا أو جالسا توضأ. وزاد أحمد بن عبيد في "مسنده": من جهة يحيى بن سعيد، عن قتادة، عنه: "على عهد رسول الله - عليه السلام - وعند البيهقي (¬2): "كان الصحابة يوقَظُون للصلاة وإني لأسمع غطيطا، ثم يصلون ولا يتوضئون" وفي آخره قال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس. قال البيهقي وعلى هذا حمله عبد الرحمن بن مهدي والشافعي. وذكره أيضًا الطبري في "التهذيب": عن هُشَيْم. ولكن يعارضه ما رواه أبو عيسى" (¬3): من حديث أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية عن ابن عباس: "أنَّه رأى رسول الله - عليه السلام - نام وهو ساجد حتى غطّ -أو نفخ- ثم قام فصل، فقلت: يا رسول الله، إنك قد نمت. قال: إنَّ الوضوء لا يجب إلَّا على من نام مضطجعا؛ فإنه إذا اضطجع، استرخت مفاصله". قال أبو عيسى (¬4): رواه ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية، ولم يرفعه. ¬

_ (¬1) عزاه الحافظ ابن حجر في "الدراية" (1/ 34)، و"تلخيص الحبير" (1/ 119) للبزار في "مسنده". (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 120 رقم 587). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 111 رقم 77). (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 113).

وفي "مسند دعلج": سمعت موسى بن هارون يقول: هذا حديث منكر، لا نعلم أحدا رواه إلَّا الدالانيّ. ولفظه عند "البيهقي" (¬1): "لا يجب الوضوء على من نام جالسا أو قائما أو ساجدا؛ حتى يضع جنبه؛ فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله". وقال: تفرّد به على هذا الوجه الدالانيُّ. وقال أبو داود (¬2): قوله: "الوضوء على من نام مضطجعا" هو منكر. قال: وذكرته لأحمد بن حنبل، فقال: ما للدالاني يُدِخل على أصحاب قتادة، ورأيته لا يعبأ بهذا الحديث، زاد في "التفرد": لم يسمع قتادة هذا من أبي العالية، ولم يجىء به إلَّا يزيد. انتهى. وذكر الدارقطني له متابعا (¬3) -مع قوله أيضًا: تفرد به- وهو مقاتل بن سليمان، ويعقوب بن عطاء، فلا تفرد إذن على هذا، والله أعلم. وقال شعبة (¬4): إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث ليس هذا منها. وقال البخاريُّ (¬5): هذا لا شيء، ولا نعرف لأبي خالد سماعا من قتادة. وقال الدارقطني (¬6): تفرد به الدالاني ولا يصح. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 121 رقم 593). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 52 رقم 202). (¬3) لم يذكر له الدارقطني متابعًا، بل قال بعد ذكره (1/ 159 رقم1): تفرد به أبو خالد عن قتادة، ولا يصح. وذكر بعده بحديث حديثًا آخر من طريق يعقوب بن عطاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه. وهذا يقال له: شاهد وليس متابعًا. (¬4) انظر "سنن أبي داود"، الموضع السابق. (¬5) "علل الترمذي الكبير" (1/ 45 رقم 43). (¬6) "سنن الدارقطني" (1/ 159 رقم 1).

وقال البيهقي: أنكره على أبي خالد جميع الحفاظ. وقال ابن الحصَّار: هذا منكر، وليس بمتصل الإسناد. وقال ابن المنذر: لا يثبت. وقال ابن أبي داود: هذا الحديث معلول، لم يسمع قتادة من أبي العالية إلَّا أربع أحاديث معروفة ليس هذا منها، وهذا مرسل من قتادة. وقال أبو عمر: حديث أبي خالد هذا عند أهل الحديث منكر. وفي كتاب البيهقي (¬1) عن أبي هريرة "من استحق النوم؛ فقد وجب عليه الوضوء؛ فسئل عن استحقاق النوم، فقال: هو أنْ يضع جنبه". قال البيهقي: ورُوي مرفوعًا أيضًا ولا يصح. ولفظه عند ابن عدي (¬2): "إذا وضع أحدكم جنبه فليتوضأ". وقال الحربي: هذا حديث منكر. وعند الدراقطني (¬3): من حديث يعقوب بن عطاء -وهو ضعيف- عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنَّ رسول الله - عليه السلام - قال: "من نام جالسا فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء". وعند البيهقي (¬4) مُضَعَّفا: عن حذيفة مرفوعا: " ... حتى تضع جنبك". قال ابن حزم: وبه قال داود: إنَّ النوم لا ينقض الوضوء إلَّا نوم المضطجع فقط، وهو قول رُوي عن عمر بن الخطاب وابن العباس، ولم يصح عنهما، وعن ابن عمر وصَحّ عنه، وصح عن النخعي، وعطاء، والليث، والثوري، والحسن بن حيّ. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 119 رقم 580). (¬2) "الكامل" لابن عدي (6/ 400). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 160 رقم 4). (¬4) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 120 رقم 591).

الثاني: أنَّ النوم ينقض الوضوء على كل حال، وهو مذهب الحسن، والمزني، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وإسحاق بن راهوية. قال ابن المنذر: وهو قول غريب للشافعي، قال: وبه أقول، قال: ورُوي معناه عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة. وقال ابن حزم: النوم في ذاته حدث ينقض الوضوء، سواء قلّ أو كثُرَ، قاعدا أو قائما، في صلاة أو غيرها، أو راكعا أو ساجدا، أو متكئا، أو مضطجعا، أيقن من حواليه أنَّه لم يحدث أو لم يوقنوا، برهان ذلك حديث صفوان. يعني المذكور عند ابن خزيمة في "صحيحه" (¬1) وكذلك عند ابن حبان (¬2). وقال الحاكم (¬3): صحيح على شرط الشيخين وإنما لم يخرجاه لتفرد عاصم به عن زرّ، عن صفوان: "كان رسول الله - عليه السلام - يأمرنا ألَّا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلَّا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم". انتهى كلامه. وفيه نظر؛ لأنا قد رأينا غير عاصم رواه عن زرّ، وهو المنهال بن عمرو -فيما ذكره ابن السكن في كتاب "الحروف"- وحبيب بن أبي ثابت عند الطبراني (¬4). قال ابن حزم: وهو قول أبي هريرة، وأبي رافع، وعروة، وعطاء، والحسن، وابن المسيب، وعكرمة، ومحمد بن شهاب في آخرين. الثالث: كثير النوم ينقض وقليله لا ينقض بكل حال. قال ابن المنذر: وهو مذهب الزهري، وربيعة، والأوزاعي، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين. ¬

_ (¬1) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 13 رقم 17)، (1/ 98 رقم 196). (¬2) "صحيح ابن حبان" (3/ 381 رقم 1100)، (4/ 149 رقم 1320). (¬3) لم أجده بهذا اللفظ في "المستدرك". (¬4) "المعجم الكبير" (8/ 55 رقم 7350).

وعند الترمذي (¬1): قال بعضهم: إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء. وبه يقول إسحاق. الرابع: إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع، والساجد، والقائم، والقاعد، لا ينتقض وضوءه، سواء كان في الصلاة أو لم يكن، فإنْ نام مضطجعا أو مستلقيا على قفاه انتقض، وهو قول أبي حنيفة، وداود، وقول غريب للشافعي، وقاله أيضًا حماد بن أبي سليمان، وسفيان. قال ابن حزم: احتجوا بحديث لا يثبت رواه ابن عباس. وقد ذكرناه. الخامس: لا ينقض إلَّا نوم الساجد، رُوي عن أحمد. السادس: لا ينقض إلَّا نوم الراكع، وهو قول عن أحمد ذكره ابن التين. السابع: من نام ساجدا في مصلاه فليس عليه وضوء، فإنْ نام ساجدا في غير مصلاه توضأ، فإنْ تعمد النوم ساجدا في الصلاة فعليه الوضوء، وهو قول ابن المبارك. الثامن: لا ينقض النوم في الصلاة، وينقض خارج الصلاة، وهو قول للشافعي. التاسع: إذا نام جالسا مُمَكِّنا مقعدته من الأرض لم ينقض، سواء قلّ أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعي. وقال ابن العربي: هذا كله في حقنا، فأما سيدنا رسول الله - عليه السلام - فمن خصائصه: ألَّا ينقض وضوءه بالنوم مضطجعا ولا غير مضطجع. ص: وحدثنا ابن مرزوق مرة أخرى، قال: ثنا عبد الصمد وبشْر بن عمر، قالا: ثنا شعبة، عن مَسْعود بن علي ... بذلك ولم يذكر عكرمة. ش: أشار بهذا إلى أنَّ إبراهيم بن مرزوق أسمعهم هذا الأثر مرتين، وليس فيهما ذكر عكرمة، كما ذكره أبو بكرة بكَّار القاضي في روايته حيث قال: ثنا أبو داود، ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 113) بعد الحديث رقم (78).

قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني مسعود بن علي، عن عكرمة: "أنَّ سعدا ... " غير أنَّه زاد في طريقه الواحد: "وكان علي - رضي الله عنه - يتوضأ ... " إلى آخره. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمَّد: "أنَّ شريحا كان يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد". ش: إسناده صحيح، وأيوب هو السختياني، ومحمد هو ابن سيرين. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: "قلت لشريح: أأتوضأ لكل صلاة؟ قال: انظر ماذا يصنع الناس". ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن: "أنَّه كان لا يرى بذلك بأسا". ش: إسناده صحيح، ويزيد بن إبراهيم التستري، أبو سعيد البصري، روى له الجماعة. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا عبد الله بن إدريس، عن هشام، عن الحسن قال: "يصلي الرجل الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يحدث، وكذلك التيمم". قوله: "كان لا يرى بذلك بأسا" أيّ: بأن يصلي الصلوات بوضوء واحدٍ ما لم يحدث. وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (¬3): ثنا حفص، عن ليث، عن عطاء والحسن ومجاهد: "أنهم كانوا يصلون الصلوات كلها بوضوء واحدٍ". ثنا (¬4) أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة، عن الأسود قال: "كان له قعب يتوضأ به، ثم يُصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 34 رقم 296). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 33 رقم 290). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 33 رقم 284). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة (1/ 33 رقم 285).

ثنا (¬1) حفص، عن يزيد مولى سلمة، عن سلمة: "أنَّه كان يصلي الصلوات بوضوءٍ واحدٍ". ثنا (¬2) يحيى بن سعيد، عن مجالد، قال: "رأيت الشعبي يُصلي الصلوات بوضوءٍ واحدٍ". ثنا (¬3) وكيع، عن سفيان، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم قال: "إني لأصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوءٍ واحدٍ، إلَّا أنْ أُحدث، أو أقول منكرا". ثنا (¬4) وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر قال: "تصلي الصلوات كلها بطهور واحد". ثنا (¬5) ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن: "أنَّه صلى الظهر والعصر -ولا أعلمه إلَّا قال: صلى المغرب- ولم يَمسَّ ماء" والله أعلم. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 34 رقم 287). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 34 رقم 288). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 34 رقم 289). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 34 رقم 294). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 34 رقم 297).

ص: باب: الرجل يخرج من ذكره المذي كيف يفعل؟

ص: باب: الرجل يخرج من ذكره المذي كيف يفعل؟ ش: أيّ هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يخرج من ذكره المذي، كيف يكون حكمه؟ ولما فرغ من أحكام الوضوء، شرع في بيان ما ينقضه، والمذي -بفتح الميم وسكون الذال المعجمة- ما يخرج عند الملاعبة والتقبيل. قاله في الصحاح. يقال: مذى الرجل -بالفتح- وأمذى- بالألف مثله، ويقال: كل ذكر يُمذِي، وكل أنثى تَقْذِي من قَذتِ الشاة: إذا ألقت من رحمها بياضا. وقال ابن الأثير: المذي -بسكون الذال مخفف الياء-: البَلَل اللزج الذي يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء، ولا يجب فيه الغُسل، وهو نجس يجب غسله، وينقض الوضوء، ورجل مَذَّاء: فَعَّال للمبالغة في كثرة المذي، وقد مَذى الرجل، يَمْذِي، وأَمْذى، والمِذاء: المُمَاذاة فَعَال منه. وفي "المطالع": هو ماء رقيق، يخرج عند التذكر أو الملاعبة، بسكون الذال وكسرها، يقال: مَذى، وأمذى، ومَذَّى. وقال عياض: فيه وجهان: مَذْي بالتخفيف، ومَذِيّ بالتشديد. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أميّه بن بسطام، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا رَوْحُ بن القاسم، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن إياس بن خليفة، عن رافع بن خديج: "أنَّ عليّا - رضي الله عنه - أمَر عمَّارا أنْ يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المَذْي، قال: يَغْسلُ مذاكيره ويتوضأ". ش: أميّة بن بسطام بن المنتشر أبو بكر البصري، ابن عم يزيد بن زريع، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي. وابن أبي نجيح هو عبد الله بن أبي نجيح، روى له الجماعة. وعطاء بن أبي رباح.

وإياس بن خليفة البكري قال الذهبي: لا يكاد يُعرف. قال العُقيلي: في حديثه وهم، روى له النسائي. وأخرجه النسائي (¬1): عن عثمان بن عبد الله، عن أميّة بن بسطام ... إلى آخره نحوه. قوله: "مذاكيره" جمع ذكر على غير قياس. قال الجوهري: كأنهم فرقوا بين الذكر الذي هو الفحل وبين الذكر الذي هو العضو في الجمع. وقال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له مثل العباديد، والأبابيل. ويُستفاد منه: وجوب الوضوء من المذي دون الغسل، واستنابة الصحابة بعضهم بعضا، وتعاونهم في العلم والتعلم، وحسن التعلم مع الصهر، واستعمال الحياء في أمثال هذه الأمور ما لم يقدح في الدين، ويؤدي إلى تضييع ما يلزم. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى أنَّ غسل المذاكير واجب [على الرجل] (¬2) إذا أمْذى، وإذا بال، واحتجوا في ذلك بهذا الأثر. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري وبعض المالكية والحنابلة؛ فإنهم أوجبوا غسل المذاكير إذا أمذى وإذا بال، وقد اختلف أصحاب مالك، منهم من أوجب غسل الذكر كله لظاهر الخبر، ومنهم من أوجب غسل مخرج المذي وحده. وعن الزهري: لا تغسل الأنثيين من المذي إلَّا أنْ يكون أصابهما شيء. وقال الأثرم: وعلى هذا مذهب أبي عبد الله، سمعته لا يرى في المذي إلَّا الوضوء، ولا يرى فيه الغُسل، وهذا قول أكثر أهل العلم. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 97 رقم 155). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

وفي "المغني" لابن قدامة: المذي ينقض الوضوء، وهو ما يخرج لزجا متسبسبا عند الشهوة، فيكون على رأس الذكر، واختلفت الرواية في حكمه، فروي أنَّه لا يوجب [إلَّا] (¬1) الاستنجاء والوضوء، والرواية الثانية: يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء. انتهى. وقال ابن حزم في "المحلى": المذي تطهيره بالماء؛ يغسل مخرجه من الذكر وينضح بالماء ما مسّ من الثوب. وقال مالك: يغسل الذكر كله. وقال القاضي عياض في "شرح مسلم": اختلف أصحابنا في المذي هل يجزئ منه الاستجمار كالبول، أو لا بد من الماء؟ واختلف القائلون بغسل الذكر من المذي هل يجزئ أنْ يغسل منه ما يغسل من البول أو لا بد من غسل جميعه؟ واختلفوا أيضًا هل يفتقر إلى نية في غسل ذكره أم لا؟ وقال أبو عمر: المذي عند جميعهم يوجب الوضوء ما لم يكن خارجا عن علة أبردةٍ وزمانةٍ، فإن كان كذلك فهو أيضًا كالبول عند جميعهم، فإنْ كان سَلَسا لا ينقطع، فحكمه حكم سلس البول عند جميعهم أيضا، إلَّا أنَّ طائفة توجب الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة؛ قياسا على المستحاضة عندهم، وطائفة تستحبه ولا توجبه، وأما المذي العهود المتعارف، وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله؛ لما يجري من اللذة أو لطول عزْبة، فعل هذا المعنى خرج السؤال في حديث علي - رضي الله عنه - وعليه يقع الجواب، وهو موضع إجماع، لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، إيجاب غسله لنجاسته. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها، والذي في "المغني" (1/ 112): لا يجب أكثر من الاستنجاء والوضوء. وهذه هي الرواية الثانية في "المغني". فالمؤلف ينقل من "المغني" وغيره بالمعنى، ويتصرف في كثير من الألفاظ بالاختصار والتقديم والتأخير.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لم يكن ذلك من رسول الله - عليه السلام -[علي] (¬1) إيجاب غسل المذاكير، ولكنه ليتقلص المذي فلا يخرج، قالوا: ومن ذلك ما أُمر به المسلمون في الهدي إذا كان له لبن أنْ ينضح ضرعه بالماء؛ ليتقلص ذلك فيه فلا يخرج. ش: أيّ خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه، والشافعي وأصحابه، ومالكا في رواية، وأحمد كذلك؛ فإنهم قالوا: لم يكن ذلك أيّ قوله: - عليه السلام -: "يغسل مذاكيره" إيجاب غسل ولكنه ليتقلص أيّ ليرتفع ويزول، من قلص الشيء، تقلص قلوصا: ارتفع. يقال: قلص الظلّ، وقَلَص الماء: إذا ارتفع في البئر فهو ماء قَالِصٌ، وقَلاص، وقَلِيص، وقَلَص، وقَلَّص وتَقَلَّص: كله بمعنى واحد. أيّ: انضم وانزوى، يقال: قلصت شفته: إذا انزوت، وقلص الثوب بعد الغسل، وشفة قالصة، وظل قالص: إذا نقص. قوله: "ومن ذلك" أيّ من القبيل المذكور: مسألة الهدي إذا كان لها لبن يُدِرُّ، فإنه ينضح بالماء ليتقلص، أيّ: ليرتفع لبنها وينقطع، فإنّ هذا في الحديث ليس على الإيجاب. ومن خاصيَّة الماء البارد أنَّه يقطع اللبن ويردّه إلى داخل الضرع، وكذلك إذا أصاب الأنثيين رَدَّ المذي وكسره، و"النضح" -بالضاد المعجمة، والحاء المهملة-: الرش. ص: وقد جاءت الآثار متواترة بما يدل على ما قالوا، فمن ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود وابن أبي عمران، قالا: حدثنا عمرو بن محمَّد الناقد، قال: نا عَبيدةُ بن حميد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال علي - رضي الله عنه -: "قد كنت رجلًا مذاء، فأمرتُ رجلًا، فسأل النبي - عليه السلام - فقال: فيه الوضوء". ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

ش: أيّ قد جاءت الآثار حال كونها متكاثرة متتابعة بما يَدلُّ على ما قال الآخرون، من أنَّ قوله - عليه السلام -: "يغسل مذاكيره" ليس على إيجاب غسلها؛ ولكن ليتقلص المذي كما ذكرنا. فمن ذلك ما رواه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي وأحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، كلاهما عن عمرو بن محمَّد شيخ الشيخين وغيرهما، عن عَبيدة -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- بن حميد بن صُهيب الضبي، عن سليمان الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، وهذا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (¬1): من حديث عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس قال: قال علي - رضي الله عنه -: "أرسلت المقداد ابن الأسود إلى رسول الله - عليه السلام - فسأله عن المذي يخرج من الإنسان، كيف يفعل به؟! قال رسول الله - عليه السلام -: توضأ وانضح فرجك". قوله: "مذاء"، فعَّال بالتشديد، وهو صيغة المبالغة في كثرة خروج المذي، وكان علي - رضي الله عنه - كثير المذي جدّا. حتى قال البيهقي في "سننه" (¬2): من حديث ابن جريج، عن عطاء: "أنَّ عليّا كان يدخل الفتيلة في إحليله من كثرة المذي". قوله: "فأمرت رجلًا" قد فسره في رواية مسلم بأنه المقداد. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أبنا هُشيم، قال: أبنا الأعمش، عن منذر بن يعلى الثوري، عن محمَّد بن الحنفية، قال: سمعته يُحدِّث عن أبيه قال: "كنت أجد مذيا؛ فأمرت المقداد أنْ يسأل النبي - عليه السلام - عن ذلك، واستَحْييتُ أنْ أسأله؛ لأن ابنته عندي، فقال: إن كل فحل يُمْذي، فإذا كان المني فعليه الغسل، وإذا كان المذي فعليه الوضوء". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 247 رقم 303). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 356 رقم 1554) بنحوه.

ش: هذا طريق آخر، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وهشيم هو ابن بشير، والأعمش هو سليمان، ومحمد بن الحنفية هو محمَّد بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - المعروف بابن الحنفية، واسمها خولة بنت جعفر. وأخرجه مسلم (¬1): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع وأبي معاوية وهشيم، عن الأعمش، عن منذر بن يعلى ... إلى آخره، نحوه، ولفظه: "فكنت أستحي أنْ أسأل رسول الله لمكان ابنته، فأمرت المقداد فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ". وأخرجه البخاري (¬2) أيضًا بنحوه. قوله: "واستحييت"، بيائين، وفيه لغة أخرى: بياء واحدة، وقرأ ابن كثير: {إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا} (¬3) بياء واحدة كراهة للجمع بين حرفي لين. قاله ابن خالويه. قوله: "كل فحل" أيّ كل ذكر من بني آدم يخرج من ذكره مذي. قوله: "فإذا كان المني" أيّ وُجدَ المني و"كان" ها هنا تامة؛ فلهذا لم تحتج إلى الخبر، وهذا لم يذكر فيه وجوب غسل الذكر، وكل موضع ذكر فيه ذلك فالمراد غسل موضع الإصابة، لا جميع الذكر. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة بن قدامة عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كنت رجلًا مذاء، وكانت عندي ابنة النبي - عليه السلام - فأرسلتُ إلى رسول الله - عليه السلام - فقال: توضأ واغسله". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة. وأبو حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 247 رقم 303). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 61 رقم 132). (¬3) سورة البقرة، آية: [26].

وأبو عبد الرحمن اسمه عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة -بالتصغير- السلمي الكوفي. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا الوليد، ثنا زائدة، عن أبي حَصِين، عن أبي عبد الرحمن، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كنت رجلًا مذَّاء، فأمرت رجلًا أنْ يسأل النبي - عليه السلام - لمكان ابنته، فسأله فقال: توضأ واغْسل ذكرك". وأخرجه النسائي (¬2) وقال: أنا هنّاد بن السري، عن أبي بكر بن عيّاش، عن أبي حَصِين، عن أبي عبد الرحمن، قال: قال عليّ: "كنت رجلًا مذاء، وكانت ابنة النبي - عليه السلام - تحتي، فاستحييت أنْ أسأله فقلت لرجل جالس إلى جَنْبي: سَلْه. فسأله فقال: فيه الوضوء". ص: حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أنا يزيدُ بن أبي زياد، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي - رضي الله عنه - قال: "سئل النبي - عليه السلام - عن المذي، قال: فيه الوضوء، وفي المني الغسل". ش: هذا طريق آخر وهو جيد حسن، ورجاله ثقات، وسعيد هو ابن منصور. وأخرجه الترمذي (¬3) نا محمَّد بن عمرو السواق البلخي، ثنا هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، قال: ونا محمود بن غيلان، قال: نا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: "سألت النبي - عليه السلام - عن المذي، فقال: من المذي الوضوء ومن المني الغسل". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفريابي، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كنت رجلًا مذاء، وكنت إذا أمزيت اغتسلتُ، فسألت النبي - عليه السلام - فقال: فيه الوضوء". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 105 رقم 266). (¬2) "المجتبى" (1/ 96 رقم 152). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 193 رقم 114).

ش: هذا أيضًا طريق آخر، وهو جيد لا بأس به، والفريابي هو [محمد] (¬1) بن يوسف، وأبو إسحاق هو عَمرو بن عبد الله السّبيعي، وإسرائيل ابنه، وهانئ بن هانئ الهمداني الكوفي، لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي، ووثقه ابن حبان. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كنت رجلًا مذاء، فإذا أمزيت اغتسلت، فأمرت المقداد فسأل النبي - عليه السلام - فضحك، وقال: فيه الوضوء". ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أبنا إسرائيل. ح وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا إسرائيل ... ثم ذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان آخران صحيحان: أحدهما: عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء بن عمر البصري، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي - رضي الله عنه -. والآخر: عن ربيع المؤذن المصري، عن أسد بن موسى، عن إسرائيل ... إلى آخره. و"الحاء" المفردة علامة الانتقال والتحول من إسناد إلى إسناد. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة، قال: ثنا الرُكَيْن بن الربيع الفزاري، عن حُصَيْن بن قبيصة، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كنت رجلًا مذاء، فسألت النبي - عليه السلام - فقال: إذا رأيت المذْي فتَوضأ واغسِل ذكرك، وإذا رأيت المني فاغتسل". ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": عبد الله. وهو وهم أو سبق قلم تكرر مرارًا من المؤلف -رحمه الله-، وعبد الله بن يوسف هو التنيسي، وهو شيخ البخاري أيضًا، وأما الفريابي فهو محمَّد بن يوسف. (¬2) "مسند أحمد" (1/ 108 رقم 856).

ش: إسناده جيد حسن، والرُكين -بضم الراء- بن الربيع بن عميلة الفزاري الكوفي، روى له مسلم والأربعة. وحُصين -بضم الحاء- وثقه ابن حبان. وأخره أبو داود (¬1): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عَبيدة بن حميد الحذاء، عن الركين ابن الربيع، عن حصين بن قبيصة، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كنت رجلًا مذاء، فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، قال: فذكرت ذلك للنبي - عليه السلام -أو ذكر له- فقال: رسول الله - عليه السلام -: لا تفعل؛ إذا رأيت المذي؛ فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضَخْت الماء فاغتسل". وأخرجه أحمد (¬2)، والطبراني (¬3) أيضًا، وفي رواية أحمد: "فليغسل ذكره وأُنْثييه" فمراده استظهار بزيادة التطهير؛ لأن المذي ربما ينتشر فيصيبهما. قوله: "فضخت"، بالضاد والخاء المعجمتين أيّ إذا دفقت. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن عايش بن أنس، قال: سمعت عليّا - رضي الله عنه - على المنبر يقول: "كنت رجلًا مذاء فأردت أنْ أسال النبي - عليه السلام - فاستحييت منه لأن ابنته كانت تحتي، فأمرت عمارا فسأله، فقال: يكفي منه الوضوء". ش: هذا أيضًا جيد، وعايش -بالياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة- وثقه ابن حبان (¬4) وأخرجه النسائي (¬5): عن قتيبة، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 53 رقم 206). (¬2) "مسند أحمد" (1/ 145 رقم 1237). (¬3) "المعجم الكبير" (20/ 238 رقم 563). (¬4) وذكره الذهبي في "الميزان" (2/ 364) وقال: قال ابن خراش: مجهول. ثم قال: كوفيٌّ له عن علي وغيره، وعنه عطاء بن أبي رباح فقط: "كنت رجلًا مذاءً". فعلى هذا فهو مجهول العين، والإسناد ضعيف. (¬5) "المجتبى" (1/ 96 رقم 154).

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: أفلا ترى أنَّ عليّا - رضي الله عنه -، لما ذكر عن النبي - عليه السلام - ما أوجبه عليه في ذلك ذكر وضوء الصلاة؛ فثبت بذلك أنَّ ما كان سوى وضوء الصلاة مما أمره به؛ فإنما كان لغير المعني الذي أوجب وضوء الصلاة. ش: أراد من قوله: "مما أمر به" من غسل الأنثيين، أو نضح الماء، التحقيق أنَّه - عليه السلام - أوجب الوضوء لكون المَذْي خارجا نجسا، وأما ما سواه من ذلك فإنه إنما كان لغير هذا المعنى، وهو كونه نجسا أصاب موضعا طاهرا؛ فيجب غسله، ولهذا قلنا باقتصار غسل موضع الإصابة من الذكر. ص: وقد روى سهلُ بن حُنَيْف، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على هذا أيضًا. حدثنا نصر بن مرزوق وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن محمَّد بن إسحاق، عن سعيد بن عبيد بن السباق، عن أبيه، عن سهل بن حنيف: "أنَّه سأل النبي - عليه السلام - عن المذي، فقال: فيه الوضوء". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فأخبر أنَّ ما يجب فيه هو الوضوء، وذلك ينفي أنْ يكون عليه مع الوضوء غيره. ش: أيّ ما دلّ على ما ذكرناه من أنَّ ما سوى الوضوء مما أمر به فإنما كان لغير المعنى الذي وجب به الوضوء، وإسناد الحديث المذكور صحيح. وأخرجه الترمذي (¬1): ثنا هنّاد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره، ولفظه: "كنت ألقى من المذي شدة وعَناء، فكنت أكثر منه الغسل، فذكرت ذلك لرسول الله - عليه السلام - وسألته عنه، فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء. قلت: يا رسول الله كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أنْ تأخذ كفّا من ماء، فتنضح به ثوبك حيث ترى أنَّه أصاب منه". قال: هذا حديث حسن صحيح. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 197 رقم 115).

وأخرجه ابن ماجه (¬1): عن عبد الله بن المبارك وعبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه. فهذا سهل بن حُنيف أخبر أنَّ الذي يجب فيه: هو الوضوء لا غير، وهذا ينفي أنْ يكون عليه مع الوضوء غيره وأما المذي إذا أصاب الثوب فحكمه ما قال الترمذي في "جامعه": وقد اختلف أهل العلم في المذي يُصيب الثوب، فقال بعضهم: لا يجزئ إلَّا الغسل -وهو قول الشافعي وإسحاق- وقال بعضهم: يجزئه النضح. وقال أحمد: أرجو أن يجزئ النضح بالماء. قلت: مذهب أبي حنيفة أنه لا يجزئ إلَّا الغسل. ص: فإن قال قائل: فقد رُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ما يوافق ما قال أهل المقالة الأول، فذكر: ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عمر، قال: أبنا حماد بن سلمة، قال: أبنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النَهْدي: "أن سلمان بن ربيعة الباهلي، تزوج امرأة من بني عُقَيل، فكان يأتيها فيُلاعبها فيمذي، فسأل [عن] (¬2) ذلك عمر بن الخطاب، فقال: إذا وجدت الماء فاغسل فرجك وأُنثييك، وتوضأ وضوئك للصلاة". قيل له: يحتمل أن يكون وجه ذلك أيضًا ما صرفنا إليه وجه حديث رافع بن خديج. ش: توجيه السؤال: أن قول عمر - رضي الله عنه - يدل على ثلاثة أشياء: غسل الفرج، وغسل الأنثيين، والوضوء كوضوء الصلاة، وهذا يعضد قول أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى أن غسل المذاكير واجب إذا أمذى وإذا بال. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 169 رقم 506). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

والجواب: أنه يحتمل تأويل حديث عمر نحو تأويل حديث رافع بن خديج الذي مضى ذكره في أى الباب، بأن يكون المراد من غسل الفرج والأنثيين هو لأن يتقلص المذي، أو المراد منه غسل موضع الإصابة فقط، وذكر الأنثيين يكون لاستظهار الطهارة. وأبو بكرة: هو بكَّار القاضي. وأبو عمر: هو الحَوْضِي واسمُه حفص بن عمر، شيخ البخاريّ. وسليمان التيمي، روى له الجماعة. وأبو عثمان النهدي: اسمه عبد الرحمن بن مَلّ الكوفي، روى له الجماعة. وسلمان بن ربيعة الباهلي صحابي، وذكره ابن حبان في التابعين. "وأخرجه بن أبي شيبة" (¬1): عن ابن عُلية، عن سليمان التيمي ... إلى آخره نحوه، ولكن فيه: "ثم أتيت عمر فقال: ليس عليك في ذلك غسل". قوله: "من بني عُقَيْل" بضم العين وفتح القاف، وهم قبيلة كبيرة. ص: وقد روُي عن جماعة ممن بعده ما يوافق ذلك؛ حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري. (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا هلال بن يحيى بن مسلم، قال: ثنا أبو عوانة، كلاهما عن منصور، عن مجاهد، عن مُورق، عن ابن عباس قال: "هو المني والمذي والوّدْيُ؛ فأما المَذْي والوّدْي فإنه يغسل ذكره ويتوضأ، وأما المَني ففيه الغسل". ش: أي قد رُوي عن جماعة ممن بعد النبي - عليه السلام - من الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، أبي ما صرفنا إليه معنى حديث رافع بن خديج. وأثر ابن عباس أخرجه من طريقين جيدين حَسنين: ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 88 رقم 971).

أحدهما: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي -وثقه ابن حبان- عن الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد بن جبر المكي، عن مُوَرّق العجلي -بضم الميم وتشديد الراء المكسورة-. وأخرجه ابن أبي شيبة (¬1) في "مصنفه": عن وكيع، عن سفيان، عن منصور ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن أبي بكرة، عن هلال بن يحيى بن مسلم الرأي البصري- أحد الأئمة الحنفية الكبار، قال ابن الجوزي: كان فقيها كبيرا، وضعفه بعضهم، (¬2) وكان أجَلّ من ذلك. عن أبي عُوانة، عن منصور ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (¬3): عن الثوري، عن منصور (إلى) (¬4) مجاهد عن ابن عباس قال في المَذْي والودي والمني: "في المني الغُسْلُ، وفي المَذي والوّدْي الوضوءُ، يغسل حَشَفَته ويَتوضأ". قوله: "كلاهما" أبي سفيان وأبو عوانة. قوله: "هو المني ... " إلى آخره، أي: الذي يخرج من الذكر غير البول ثلاثة أشياء: المَنِيُّ، والمَذْي، والوَدْي، وقد مر تفسير المذي. وأما "الوَدْي": فهو بفتح الواو وسكون الدال المهملة، وهو الذي يكون مع البول وبعده، وفي "البدائع": الوَدْي ماء غليظ يخرج بعد البول، وكذا رُوُيَ عن عائشة - رضي الله عنها -، ويقال: الودي في نفس الأمر: بقيّة البول، ولكنه غليظ أغلظ ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 89 رقم 2984)، وليس فيه ذكر لمورق العجلي. (¬2) ذكره ابن حبان في "المجروحين" (3/ 87 - 88) وقال: كان يخطئ كثيرًا على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 159 رقم 610). (¬4) كذا في "الأصل، ك"، وفي "المصنف": منصور، عن مجاهد، ومنصور يروي عن مجاهد مباشرة كما في مصادر ترجمته، وليس في إسناده مورق.

من البول، وقال الجوهري: الوَدْي بالتسكين ما يخرج بعد البول، وكذا الوديَّ بالتشديد، وفي "المطالع": ويقال فيه بذال معجمة أيضًا، ويقال: الوديُّ أيضًا، يقال فيه: وَدي، وأَوْدَى، ووَدَّي، وهو من السيلان، وَوَدَي: سال، ومنه الوادي. وأما المني: فهو الماء الدافق بشهوة، وفي "البدائع": المني: حاثر أبيض ينكسر منه الذكر، وقال الشافعي: إن له رائحة الطلع. وفي "المطالع": المَنِيّ والمُنِيّ والمِنِيّ على مثال: المُرِيُّ لغات كلها، وقال الأزهري: سُمي مَنِيّا لأنه يُمْنَى، أبي: يُراق ويدفق، ومنه سميت منى لما يُمنى بها من الدماء، أبي: يراق، والمَنِيُّ مشدد، ولا يجوز فيه التخفيف، يقال: مَنى الرجل وأَمْنَى: إذا دفق ماؤه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن أبي جمرة، قال: "قلت لابن عباس: إني أركب الدابة فأُمْذي. قال: اغْسِلْ ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة". قال أبو جعفر -رحمه الله-: أفلا ترى أن ابن عباس حين ذكر ما يجب في المذي ذكر الوضوء خاصة، وحين أمر أبا جمرة أمره [مع الوضوء] (¬1) بغسل الذكر. ش: إسناده صحيح، وأبو عامر: عبد الملك بن عَمرو العقدي. وأبو جمرة -بالجيم- نصر بن عمران بن عاصم الضُبَعي. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن هشيم، عن أبي جمرة مولى بني أسد قال: "سألت ابن عباس، قلت: بينا أنا على راحلتي أخذتني شهوة، فخرج من ذكري شيء ملأ (حَاذيَّ) (¬3) وما حوله، فقال: اغسل ذكرك، وما أصابك، ثم توضأ وضوءك للصلاة". ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": بالوضوء، والمثبت من "شرح المعاني". (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 158 رقم 609). (¬3) الحاذان: لحمتان في ظاهر الفخذين، تكونان في الإنسان وغيره. انظر "لسان العرب" (مادة: حوذ).

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا وهب، قال: نا الربيع بن صَبيح، عن الحسن -في المذي والودي-: "يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة". ش: وهب هو ابن جرير البصري، روى له الجماعة. والربيع بن الصبيح -بفتح الصاد- السعدي، استشهد به البخاري في الكفارات، وضعفه جماعة، وقال أبو زرعة: صالح صدوق. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أبو الأحوص، عن سماك، قال: قلت للحسن البصري: "أرأيت الرجل إذا أمذى، كيف يصنع؟ قال: كل فحل يُمذي، فإذا كان ذلك، فليغسل ذكره. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن زياد بن فياض، عن سعيد بن جبير، قال: "إذا أمذى الرجل غسل الحشفة، وتوضأ وضوءه للصلاة". ش: زياد بن فياض الخزاعي أبو الحسن الكوفي، روى له مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا وكيع، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن سعيد بن جبير: "أنه قال في الذي: يغسل الحشفة ثلاثا ويتوضأ". وأخرجه عبد الرزاق أيضًا (¬3): عن الثوري، عن زياد بن فياض، قال: "سمعت سعيد بن جبير يقول في الذي: يغسل حشفته". وهذا كله صريح بأن الواجب: غسل موضع الإصابة، لا كما قال أهل المقالة الأولى. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا وجه هذا الباب، من طريق تصحيح الآثار، قد ثبت به ما وصفنا، وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا خروج المذي حدثا، ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 88 رقم 981). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 88 رقم 983). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 158 رقم 608).

فأردنا أن ننظر في خروج الأحداث ما الذي يجب فيه؟ فكان خروج الغائط يجب فيه غسل ما أصاب البدن منه، ولا يجب غسل ما سوى ذلك، إلَّا التطهر للصلاة. وكذلك خروج الدم من أي موضع ما خرج -في قول من جعل ذلك حدثا- فالنظر على ذلك أن يكون كذلك خروج المذي الذي هو حدث، لا يجب فيه غسل غير الموضع الذي أصابه من البدن، غير التطهر للصلاة، فثبت بذلك أيضًا ما ذكرنا من طريق النظر، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. ش: أشار بقوله: "فهذا" إلى ما ذكر من قوله: إن المراد من غسل المذاكير هو أن يتقلص وينزوي حتى لا يخرج، لا أنه يجب غسل الذكر كله. قوله: "قد ثبت به" أبي بهذا الطريق "ما وصفنا" من وجوب الوضوء في المذي خاصة وغسل موضع الإصابة، والباقي طاهر.

ص: باب: حكم المني هل هو طاهر أم نجس؟

ص: باب: حكم المني هل هو طاهر أم نجس؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم المني في الطهارة والنجاسة، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن الحَكَمِ، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث: "أنه كان نازلا على عائشة - رضي الله عنها - فاحتلم، فرأته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه -أو يغسل ثوبه- فأخبَرتْ بذلك عائشة، فقالت عائشة: لقد رأيتني وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين، والحَكَم هو ابن عُتَيْبَة الكوفي، وإبراهيم هو النخعي. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا يحيى بن يحيى، أنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي مدثر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود: "أن رجلًا نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إِنْ رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر؛ نضحت حوله؛ ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - عليه السلام - فركا، فيصلي فيه". ثنا [عمر بن حفص] (¬2) بن غياث، ثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وهمّام، عن عائشة في المني قالت: "كنت أفركه من ثوب رسول الله - عليه السلام -". قوله: "أثر الجنابة" المراد من الأثر: البقية، ومن الجنابة: المني. قوله: "لقد رَأَيْتُني" بضم التاء، أي: لقد رأيت نفسي وأنا أفركه، ويجوز كسر التاء على كونه خطابا للجارية. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 238 رقم 288). (¬2) في "الأصل، ك": حفص بن عمر، وهو تحريف، والمثبت من "صحيح مسلم".

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وَهْب بن جرير، قال: ثنا شعبة، أخبرنا الحكم، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، ولقد أخرج الطحاوي حديث عائشة هذا من اثنين وعشرين طريقا وستقف على الكل إن شاء الله تعالى. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا حفص بن عمر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث: "أنه كان عند عائشة فاحتلم، فأبصرته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه -أو يغسل ثوبه- فأخبرت عائشة، فقالت: لقد رأيتني وأنا أفركه من ثوب رسول الله - عليه السلام -". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، عن الحكم، عن إبراهيم النخعي، عن همام، عن عائشة ... نحوه. ش: هذا أيضًا طريق صحيح. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حمّاد، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام ... فذكر نحوه. ش: هذا أيضًا طريق صحيح. وأخرجه الترمذي (¬2) عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همّام بن الحارث، قال: "ضاف عائشة ضيف، فأَمَرَت له بملحفة صفراء، فنام فيها، فاحتلم، فاستحيا أن يُرسِل بها وبها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشة: لِمَ أفسدَ علينا ثوبنا؟! إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، وربما فركته من ثوب رسول الله - عليه السلام - بأصابعي". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 101 رقم 371). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 198 - 199 رقم 116).

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي، قال: ثنا عبيد الله، عن زيد، عن الأعمش ... فذكر مثله بإسناده. ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وعبيد الله هو ابن عمرو الرَّقِيِ. وزيْدُ: هو ابن أبي أُنَيْسة. والأعمش: سليمان. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: أخبرني حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد وهمام، عن عائشة ... مثله. ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وحفص هو ابن غياث. وأخرجه مسلم (¬1): عن حفص، عن أبيه، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه، وقد ذكرناه آنفا. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحمّاني، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة، مثله، (غير أن في حديث يحيى قال: "رأيتُني وما أزيد على أن أَحُتُّه من الثوب، فإذا جَفَّ دلكته") (¬2). ش: هذا أيضًا صحيح، والحمّاني هو يحيى بن عبد الحميد. وأخرج النسائي (¬3): عن شعيب بن يوسف، عن يحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة قالت: "كنت أراه في ثوب رسول الله - عليه السلام - فأحكه". قوله: "أَحُتُّه" من الحَتَّ، والحَتُّ والحك والقشر سواء. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 238 رقم 288)، وفيه: عمر بن حفص بن غياث عن أبيه، وسبق تخريجه والتنبيه على الخطأ. (¬2) كذا في "الأصل"، وليست في "شرح المعاني". (¬3) "المجتبى" (1/ 156 رقم 299).

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، عن حماد، عن إبراهيم، عن همام عن عائشة مثله، غير أنه قال: "لقد رأيتني وما أزيد على أن أحته من الثوب فإذا جفّ دلكته". ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي. والمَسْعوديّ اسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي ونسبته إلى والد عبد الله بن مسعود. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث إلَّا أنه اختلط في آخر عمره، روى له البخاري مستشهدًا والأربعة. وحماد هو ابن سلمة. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (¬1): وقال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم: "أن همام بن الحارث كان نازلا على عائشة فاحتلم، فأبصرته جارية لعائشة يغسل أثر الجنابة من ثوبه، فأخبرت عائشة، فأرسلت إليه عائشة: لقد رأيتني وما أزيد أن أفركه من ثوب رسول الله - عليه السلام -". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: ثنا مَهْدّي بن مَيْمون، قال: ثنا وَاصِل الأحْدَبُ، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود قال: "رأتني عائشة - رضي الله عنها - أغسل جنابة أصابت ثوبي، فقالت: لقد رأيتني وإنه ليصيبُ ثوب رسول الله - عليه السلام -، فما نزيد على أن نقول به هكذا- تعني نفركه". ش: هذا أيضًا طريق صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا عفان، نا مهدي، نا واصِلٌ الأحدب الأسدي الكوفي، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره نحوه سواء؛ غير أن في آخره" (ووصف) (¬3) حك يده على الأخرى". ¬

_ (¬1) "مسند الطيالسي" (1/ 199 رقم 1401). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 101 رقم 24746). (¬3) كذا في "الأصل، ك"، وفي "مسند أحمد": "ووصفه مهدي".

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا دُحَيم، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن عطاء، عن عائشة قالت: "كنت (أفرك) (¬1) من ثوب رسول الله - عليه السلام - تَعْني المَنيُّ". ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وإسناده شامي، ودُحَيْم -بضم الدال وفتح الحاء المهملتين- عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، قاضي الأردن وفلسطن، شيخ البخاري وغيره. والأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو. وعطاء هو ابن أبي رباح. وأخرجه البزار في "مسنده": من حديث عطاء، عن عائشة، وقال: ثنا إسماعيل، نا موسى، نا خطّاب، عن عبد الكريم، عن عطاء ... إلى آخره نحوه، وزاد: "ولا أغسله". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن الحارث بن نوفل، عن عائشة، مثله. ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وأبو هاشم اسمه يحيى بن دينار الزِّمَّاني، روى له الجماعة. وأبو مجلز -بكسر الميم وسكون الجميع وفي آخره زاي معجمة- واسمه لاحق بن حميد، روى له الجماعة. والحارث بن نوفل ذكره ابن حبان في الثقات التابعين، وقال المزي في التهذيب الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد [المطلب] (¬2) بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، والد عبد الله بن الحارث بن نوفل، له ولأبيه صحبة. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وفي "شرح معاني الآثار": "أفركه". (¬2) كذا في "تهذيب الكمال" (5/ 292)، وفي "الأصل، ك": مناف، ولعله انتقال نظر من المؤلف -رحمه الله-.

وأخرجه النسائي (¬1): أنا قتيبة، ثنا حماد، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن الحارث بن نوفل، عن عائشة قالت: "كنت أفرك الجنابة- وقالت مرة أخرى: المني- من ثوب رسول الله عليه الصلاة والسلام". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابنُ أبي السَّريّ، قال: ثنا مُبَشَّر بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن بُرْقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من مرطْ رسول الله - عليه السلام - وكانت مروطنا يومئذ الصوف". ش: هذا أيضًا طريق صحيح، وابن أبي السريّ هو محمد بن المتوكل بن عبد الرحمن بن حسان القرشي الهاشمي المعروف بابن أبي السري العسقلاني، أخو الحسن بن أبي السري، شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان. ومبشر بن إسماعيل الحلبي، روى له الجماعة. وجَعْفرُ بن بُرْقان الدالاني، أبو عبد الله الجزري الرقي، روى له مسلم. والزهري هو محمَّد بن مسلم. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا عمر بن أيوب المَوْصِلي، عن جعفر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان يراه في مْرط إحدانا ثم يفركه، ومُروطهن يومئذ الصوف، تعني النبي - عليه السلام -". قوله: "أفرك" من فركت الثوب بيدي، أفركها فركا، من باب: نَصَرَ يَنْصُرُ. "والمِرطُ" بكسر الميم وسكون الراء: واحد المروط، وهي أكسية من صوف أوخَزّ، كانوا يأتزرونها. ص: حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البَرْقي، قال: ثنا الحْميدي، قال: ثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 156 رقم 296). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 263 رقم 26307).

قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - عليه السلام - إذا كان يابسا، وأغسله -أو أمسحه- إذا كان رطبا" شك الحميديّ. ش: هذا أيضًا طريق صحيح، والحمُيديّ هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن حميد، أبو بكر المكي، شيخ البخاري. والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو. وأخرجه الدارقطني (¬1): ثنا محمَّد بن مخلد، ثنا أبو إسماعيل الترمذي، ثنا الحميدي ... إلى آخره، نحوه سواء. قوله: "شك الحميديّ" يعني في قوله: "وأغسله أو أمسحه". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عَبْثَر بن القاسم، عن بُرْد أخي يزيد بن أبي زياد، عن أبي سَفَّانَةَ النخعي، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - عليه السلام -". ش: يوسف بن عدي بن زُريق الكوفي، شيخ البخاريّ. وعَبْثَر -بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وفتح الثاء المثلثة وفي آخره راء- ابن القاسم الزبيدي الكوفي، روى له الجماعة. وبُرْد -بضم الباء الموحدة- ابن أبي زياد، أبو العلاء الكوفي، وثقه النسائي وروى له. وأبو سَفَّانة -بفتح السين المهملة، وتشديد الفاء، وبعد الألف نون- قال ابن أبي حاتَم: شيخ مجهول، كوفي لا يعرف اسمه، ماله راوٍ غير بُرْد بن أبي زياد. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب ذاهبون إلى أن المني طاهر، وأنه لا يُفسد الماء وإن وقع فيه، وإن حكمه في ذلك حكم النُّخَامة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالذاهبين هؤلاء: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، فإنهم ذهبوا إلى ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 125 رقم 3).

أن المَني طاهر، وحكى صاحب "البيان" في نجاسته قولين، وزعم بعضهم أن القولين في مني المرأة، وفي مني غير الآدمي أقوال ثلاثة: أحدهما: طاهر جميعه إلَّا مني الكلب والخنزير. الثاني: كله نجس. الثالث: مني مأكول اللحم طاهر، وغيره نجس. وفي "الروضة": أما المني فمن الآدمين طاهر، وقيل: فيه قولان، وقيل: القولان في مني المرأة خاصة. والمذهب: الأول. وفي "الحاوي" في فقه أحمد: ومني الآدمي طاهر، وعنه: نجسر يجزئ فرك يابسه من الرجل -وقيل: مطلقا- ويمسح رطبه، وعنه: يغسل، وعنه: أنه كالدم؛ فيعفى عن يسيره، وذكر في غيره عن أحمد: في منيها قولان، وفي مني غير الآدمي ثلاثة أوجه، مثل الأقوال الثلاثة. قوله: "وأن حكمه في ذلك حكم النخامة" لأنه أصل آدمي مكرم، وليس من كرامته تنجيس أصله. وروى الدارقطني (¬1): ثنا ابن مخلد، ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، ثنا سعيد بن يحيى بن الأزهر، ثنا إسحاق بن يوسف، ثنا شريك، عن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "سئل النبي - عليه السلام - عن المني يصيب الثوب، فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة". لم يرفعه غير إسحاق الأزرق. قلت: لم يصح رفعه. قاله الذهبي. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل هو نجس. ش: أبي خالف هؤلاء الذاهبين إلى طهارة المني جماعة آخرون، وأراد بهم: ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 124 رقم 1).

الأوزاعي، والثوري، وأبا حنيفة، ومالكا، والليث، والحسن بن حي؛ فإنهم قالوا: هو نجس، وهو رواية عن أحمد أيضًا، إلَّا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد. وقال مالك: لا بد من غسله، رطبا كان أو يابسا. وقال الليث: هو نجس، ولا تعاد الصلاة منه. وقال الحسن بن صالح: لا تعاد من المني في الثوب وإن كان كثيرا، وتعاد منه في الجسد وإن قَلَّ. ص: وقالوا: ولا حجة لكم في هذه الآثار؛ لأنها إنما جاءت في ذكر ثياب يَنام فيها، ولم تأت في ثياب يُصلى فيها، وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها، فقد يجوز أن يكون المني كذلك، وإنما يكون هذا الحديث حجة علينا لو كنا نقول: لا يصلح النوم في الثوب النجس، فأما إذا كنا نُبيحُ ذلك، ونُوافقُ ما رَوَيْتُم عن النبي - عليه السلام - في ذلك، ونقى من بعد: لا تصلحُ الصلاة في ذلك، فلم نخالف شيئًا مما رُوي، في ذلك عن النبي - عليه السلام -. ش: أي قال الآخرون: "لا حجة لكم في هذه الآثار". أي الأحاديث التي رُويت عن عائشة فيما مضى. "لأنها إنما جاءت في ثياب يَنَامُ فيها" أبي النبي - صلى الله عليه وسلم - "ولم تأت في ثياب يصلي (عليها) (¬1) " فإذا لم تكن هذه الآثار في الثياب التي يُصل فيها فيجوز أن يكون حكمها حكم الثياب النجسة بالغائط أو البول أو الدم، فإن هذه الثياب لا بأس بالنوم فيها، ولا يجوز الصلاة فيها، فيكون حكم المني كذلك، وباقي كلامه ظاهر. فإنْ قيل: إذا كان المني نجسا عندكم كان ينبغي ألَّا يجوز الفرك فيه، كما في سائر النجاسات. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك" ولعل الصواب: "فيها"، كما في متن الكتاب.

قلت: نعم، هذا هو القياس في هذا الباب، ولكن خُصَّ بحديث الفرك، ورُوي عن محمَّد أنه قال: إن كان المني غليظا فهو يطهر بالفرك، وإن كان رقيقا لا يطهر إلَّا بالغسل. وقال: إذا أصاب المني ثوبا ذا طاقين فالطاق الأعلى يطهر بالفرك والأسفل لا يطهر إلَّا بالغسل؛ لأنه تصيبه البَلَّة دون الجرم، وهذه مشكلة فإن الفحل لا يمني حتى يمذي، والمَذْي -بالتخفيف- لا يطهر بالفرك، إلَّا أنه جعل المذي في هذه الحالة معلوما مستهلكا بالمني، فكان الحكم للمني دون المذي. وقال الإِمام أبو إسحاق الحافظ: المني اليابس إنما يطهر بالفرك، إذا كان رأس الذكر طاهرا وقت خروجه بأن كان بال واستنجى، وأما إذا لم يكن طاهرا لا يطهر، قال: وهذا رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، وكذلك إنما يتطهر المصاب بالفرك إذا خرج المني قبل خروج المذي، فأما إذا خرج المذي على رأس الإحليل، ثم خرج المني؛ لا يطهر الثوب بالفرك، ثم إذا فرك المني اليابس عن الثوب وحُكِمَ بطهاراته، ثم أصابه الماء، هل يعود نجسا؟ فهو على الروايتين عن أبي حنيفة، كذا في "المحيط". وعن الفَضَلي: إن مني المرأة لا يطهر بالفرك؛ لأنه رقيق. فإن قيل: ما تقى في رواية الدارقطني التي ذكرناها؟ قلت: إنما شبهه بالمخاط في لزوجته وقلة تداخله في الثوب، ولهذا أمره بإماطته، لأنه إذا أماطه عنه ذهب أكثره، وبقي القليل منه، مع أنه أمره بإماطته، والأمر للوجوب، ومن يقول بأنه طاهر لا يوجب إزالته. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون الأمر للإباحة؟ قلت: أعلى مراتب الأمر الوجوب، وأدناها الإباحة، وهنا لا وجه للثاني؛ لأنه - عليه السلام - لم يتركه على ثوبه أبدا، وكذلك الصحابة من بعده، والأصل في الكلام الكمال، فإذا أطلق اللفظ؛ ينصرف إلى الكامل، اللهم إلَّا أن يصرف ذلك عنه بقرينة تقوم، فتدل عليه حينئذ.

فإن قيل: قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا} (¬1) سماه ماءً وهو في الحقيقة ليس بماء، فدل أنه أراد به الشبيه في الحكم، ومن حكم الماء أن يكون طاهرا. قلت: إن تسميته ماءً لا يدل على طهارته؛ فإن الله سمّى مني الدواب ماء بقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} (¬2) ولا يدل ذلك على طهارة ماء كل الحيوان. وقد قال الخطابي: حديث الفرك يدل على طهارة المني، وحديث الغسل لا يخالفه، إنما هو استحباب واستظهار بالنظافة، كما قد يغسل من النخامة والمخاط، والحديثان إذا أمكن استعمالهما؛ لم يجز أن يحملا على التناقض. قلت: ما ادعى أحد المخالفة بين الحديثين ولا التناقض، وإنما يدل حديث الغسل على نجاسة المني، بدلالة غسله، وكان هذا هو القياس أيضًا في بابه، ولكنه خُصَّ بحديث الفرك كما قلنا، ولا نسلم أن غسل هذا مثل غسل النخامة والمخاط. لأنه ورد في حديث أخرجه الدارقطني في "سننه" (¬3): "يا عمار، ما نخامتك ولا دموعك إلَّا بمنزلة الماء الذي في ركوتك، إنما يُغسل الثوب من خمس: من البول، والغائط، والمني، والدم، والقيء" فانظر كيف ذكره بين الغائط والدم؟! والاستدلال به: أنه أمره بغسل الثوب عن المني بكلمة "إنما" وهي لإثبات المذكور ونفي ما عداه، وإثبات المذكور بنفي ما عداه يدل على التحقيق لا على البدل. والثاني: أنه قرنه بالأشياء التي هي نجسة بالإجماع (¬4)؛ فكان حكمه حكم ما قرن به؛ لأن القرآن في الجملة الناقصة. فإن قيل: قد قال الدارقطني: لم يروه غير ثابت بن حماد وهو ضعيف جدًّا. ¬

_ (¬1) سورة الفرقان، آية: [54]. (¬2) سورة النور، آية: [45]. (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 127 رقم 1) بتقديم وتأخير في المتن. (¬4) الدم والقيء يختلف في نجاستهما، وإن نقل البعض فيهما الإجماع.

قلت: قال البزار: وثابت بن حماد كان ثقة. فإن قيل: قد قال البيهقي: وأما حديث عمار بن ياسر "أن النبي - عليه السلام - قال: يا عمار ما نخامتك ولا دموع عينيك ... " الحديث فهو باطل لا أصل له؛ إنما رواه ثابت بن حماد عن علي بن زيد عن ابن المسيب عن عمار. وعلي بن زيد غير محتج به، وثابت بن حماد متهم بالوضع. قلت: كفاك أن الدراقطني أخرجه. قلت: علي بن زيد غير محتج به لا تُفيد دعواه؛ لأن مسلما روى له مقرونا بغيره، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي، وقال رجل لابن معين: اختلط علي بن زيد؟ قال: ما اختلط علي بن زيد قط وهو أحب إلى من ابن عقيل، ومن عاصم بن عبد الله. وقال العجلي: لا بأس به. وفي موضع آخر: يكتب حديثه. وروى له الحاكم في المستدرك، وقال الترمذي: صدوق. وفي "الجوهر النقي": وأما كون ثابت بن حماد متهما بالوضع فما رأيت أحدا بعد الكشف التام ذكره غير البيهقي، وقد ذكر هو أيضًا هذا الحديث في كتاب المعرفة، وضعّف ثابتا هذا ولم ينسبه إلى التهمة بالوضع. فإن قيل: إنه أصل الأنبياء والأولياء فيجب أن يكون طاهرا. قلت: هو أصل الأعداء أيضًا كنمروذ وفرعون وغيرهم، على أَنَّا نقول: العلقة أقرب إلى الإنسان من المني وهي أيضًا أصل الأنبياء، ومع هذا لا يقال طاهرة: فَعُلم أن كون المني أصل الأنبياء - عليهم السلام - لا عبرة له في الطهارة، أو نقول: الواجب في خروج المَني أكبر الطهارتين -وهو الغسل- والبول لا يجب بخروجه إلَّا الوضوء، فلو لم تكن نجاسته أقوى من نجاسة البول لم يكن حكمه أغلظ من حكمه. فرضنا أنه طاهر، لكن مخرجه مخرج النجس لأنه يخرج من حيث يخرج البول فينجس؛ لاتصال النجس به. فإن قيل: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه كالمخاط.

قلت: لا نسلم أن القياس صحيح؛ لأن المخاط لا يتعلق بخروجه حدث ما أصلًا، والمَني موجب لاكبر الحدثين، وهو الجنابة، ولا نسلم أن سقوط الغَسْل يدل على الطهارة كما في موضع الاستنجاء. فإن قيل: ما حكم المني إذا جفّ على البدن؟ قلت: قال مشايخ بخارى وسمرقند فيه: إنه كالثوب؛ لأن البلوى فيه أشد من البلوى في الثوب، فَيطَهَّر البدن كالثوب دفعا للحرج. وفي "مبسوط السرخسي" رُوي عن أبي حنيفة في المنى إذا أصاب البدن: لا يطهر إلَّا بالغَسْلِ؛ لأن لين البدن يمنع زوال أثره بالحتّ. ص: وقد جاء عن عائشة - رضي الله عنها - فيما كانت تفعل بثوب رسول الله - عليه السلام - الذي كان يُصلّي فيه إذا أصابه المني: حدثنا يونسُ، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد الله بن المبارك وبشر بن المفضل، عن عَمرو بن ميمون، عن سليمان بن يَسَار، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - عليه السلام - فيخرج لي الصلاة، وإن بُقَعَ الماء لفي ثويه". ش: لما ذكر فيما مضى أن هذه الآثار إنما جاءت في ثياب النوم ولم تأت في ثياب الصلاة؛ بيّن هنا ما جاء من الآثار التي فيها ما كانت عائشة - رضي الله عنها - تفعل بثوب رسول الله - عليه السلام - إذا أصابه المني، وقد بَيَّنَت عائشة - رضي الله عنها - ها هنا أنها كانت تغسل الثوب الذي كان يصلي فيه إذا أصابه المني، وتفرك من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه، وفعلها هذا دلّ على نجاسة المني. ثم إسناد الحديث المذكور صحيح على شرط مسلم. وأخرجه الجماعة، فالبخاري (¬1): عن عبدان، عن عبد الله بن المبارك ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "كنت أغسل الجنابة" موضع: "المني". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 91 رقم 227).

ومسلم (¬1) عن ابن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر، عن عمرو بن ميمون، قال: "سألت سليمان بن يَسار عن المني يصيب [ثوب] (¬2) الرجل أيغسله أم يغسل الثوب؟ فقال: أخبرتني عائشة أن رسول الله - عليه السلام - كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا انظر إلى أثر الغسل فيه". وأبو داود (¬3): عن النفيلي، عن زهير. وعن محمَّد بن عبيد البصري، عن سليم، كلاهما عن عمرو بن ميمون، قال: سمعت سليمان بن يَسَار يَقُولُ: سمعت عائشة تقى: "إنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله - عليه السلام - قالت: ثم أَرَاهُ فيه بقعة أو بقعا". والترمذي (¬4): عن ابن منيع، عن أبي معاوية، عن عمرو بن ميمون ... إلى آخره، ولفظه: "أنها غسلت مَنِيّا (من) (¬5) ثوب رسول الله - عليه السلام -". والنسائي (¬6): عن سويد بن نصر، عن عبد الله، عن عمرو بن ميمون ... إلى آخره نحو رواية البخاري. وابن ماجه (¬7): عن ابن أبي شيبة، عن عبدة بن سليمان، عن عمرو بن ميمون ... إلى آخره نحو: رواية مسلم. قوله: "وإن بقع الماء" جمع بقعة، والمراد منها: آثار الغسل التي في القماش، والجنابة: المني. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 239 رقم 289). (¬2) في "الأصل": الثوب، والمثبت من "صحيح مسلم". (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 102 رقم 117). (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 201 رقم 117). (¬5) في "الأصل": في، والمثبت من "جامع الترمذي". (¬6) "المجتبى" (1/ 156 رقم 295). (¬7) "سنن ابن ماجه" (1/ 178 رقم 536).

ص: حدثنا أبو بشر الرَقّي، قال: ثنا أبو معاوية، عن عمرو ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بشر عبد الملك بن مروان بن إسماعيل الرقي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- الضرير، عن عمرو بن ميمون ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): عن أبي معاوية، عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن سليمان بن يَسَار، عن عائشة - رضي الله عنها -: "أنها غسلت مَنِيّا أصاب ثوب رسول الله - عليه السلام -". ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أبنا عمرو ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا يزيد، أبنا عمرو بن ميمون، نا سليمان بن يسار، أخبرتني عائشة: "أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله - عليه السلام - فيخرج ويصلي، وأنا أنظر إلى البقع في ثوبه من أثر الغَسْلِ". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهكذا كانت عائشة تفعل بثوب النبي - عليه السلام - الذي كان يُصلي فيه، تغسل المني عنه وتفركه من ثوبه الذي كان لا يُصلّي فيه، وقد وافَقَ ذلك ما رُوي عن أمّ حَبية: حّدّثنا ربيعٌ الجيزيُّ، قال: ثنا إسحاقُ بن بَكرْ بن مُضَر، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سُوَيد بن قَيْس، عن مُعاويةَ بن حُدَيْج، عن معاوية بن أبي سفيان: "أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، هل كان النبي - عليه السلام - يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يُصبه أذى". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 47 رقم 24253). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 142 رقم 25141).

ش: لما بَيَّنَ الفرق بين الغسْل والفرك في المني الذي يُصِيب الثوب، بما كانت تفعل عائشة - رضي الله عنها - في ثوب النبي - عليه السلام - حيث كان فركها في ثوبه الذي كان ينام [فيه] (¬1) وغسلها في ثوبه الذي كان يصلي فيه، وأن ذلك يدل على نجاسة المَني؛ أكدَّ ذلك بما روي عن أم حبيبة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، أخت معاوية بن أبي سفيان، إحدى زوجات النبي - عليه السلام - وذلك أن معاوية لما سألها هل كان النبي - عليه السلام - يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت أم حبيبة: نعم؛ إذا لم يُصبْه أذى. وأرادت به المني -على ما نذكره- فدلّ ذلك أن ما كان من الثوب الذي أصابه المني لم يكن يصلي فيه إلَّا بالغسل، وهذا يدل على نجاسة المَني. وإسناد الحديث المذكور صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا الربيع وسُوَيد ابن قيس؛ فإنهما أيضًا ثقتان، ومعاوية بن حُدَيج -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين- الخولاني المصري، الأصح أن له صحبة، فهذا الحديث فيه ثلاثة من الصحابة - رضي الله عنهم -. وأخرجه الثلاثة؛ فأبو داود (¬2): عن عيسى بن حماد المصري، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "في الثوب الذي يجامعها فيه؟ فقالت: نعم؛ إذا لم يَرَ فيه أذى". والنسائيُّ (¬3): عن حماد بن عيسى أيضًا إلى آخره، نحو: رواية أبي داود؛ غير أن في لفظه: "في الثوب (الذي) (¬4) يجامع فيه". وابن ماجه (¬5): عن محمَّد بن رمح، عن الليث بن سَعد، عن يزيد بن أبي حبيب ... إلى آخره نحو: النسائي. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها. (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 100 رقم 366). (¬3) "المجتبى" (1/ 155 رقم 29). (¬4) "المجتبى": (الذي كان). (¬5) "سنن ابن ماجه" (1/ 179 رقم 540).

وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): عن محمَّد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد ... إلى آخره، ولفظه: "قلت لأم حبيبة زوج النبي - عليه السلام -: كان رسول الله - عليه السلام - يصلي في الثوب الذي ينام معك فيه؟ قالت: نعم، ما لم يَرِ فيه أذى". قوله: "يُضاجعك فيه" أي يجامعك، وهكذا في رواية أبي داود مُصرّحا كما ذكرنا. قوله: "أذى" يتناول سائر النجاسات كالمني والدم والبول والغائط ونحوها، ولكن المراد منه ها هنا المني؛ بقرينة ذكر المضاجعة، فإن قلت: المراد منه الدم، ولهذا جاء مصرحا في بعض روايات أبي داود: "إذا لم يَرَ فيه دمًا". قلت: قد قلت لك: إن لفظة الأذى عام؛ لأنه من أذاه يؤذيه أَذِيَّه وأذى وإِذايَة، وهو إيصال شيء مكروه إلى غيره، ألا ترى إلى قوله - عليه السلام -: "أميطوا عنه الأذى" (¬2) أراد به الشعر والنجاسة، وما يخرجَ على رأس الصبي حين يولد يحلق عنه يوم سابعه. وقوله - عليه السلام -: "أدناها إماطة الأذى عن الطريق" (¬3) وهو ما يؤذي فيها، كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها، قلت تعالى {قُلْ هُوَ أَذًى} (¬4) أراد به الدم؛ فحينئذ لا يرجح معنى خاص فيه إلَّا بقرينة كما في الآية؛ فإنه أريد به الدم؛ بقرينة قوله: {عَنِ الْمَحِيضِ} (4) فقال: {قُلْ هُوَ أَذًى} (4) أي دم مستقذر يؤدي، وكما في الحديث فإنه أريد به المني بقرينة قوله: "يضاجعك" لأن ثوب المضاجعة قد يُصيبه المني وهذا لا يُنْكر. فإن قلت: لِمَ لا يتعين الدم ها هنا لاحتمال الحال ذلك؟ قلت: لا يتأتى ذلك ها هنا؛ لأن المضاجعة حالة الدم حرام، فكان ثوب المضاجعة بعيدا عن الدم، ولكن ليس ببعيد عن المني. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 325 رقم 26803). (¬2) أخرجه البخاري في "صحيحه" (6/ 325 رقم 26803). (¬3) رواه مسلم في "صحيحه" (1/ 63 رقم 35) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. (¬4) سورة البقرة، آية: [222].

فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون دم الاستحاضة، فإن المضاجعة غير ممنوعة؟ قلت: الكلام في مضاجعة النبي - عليه السلام - وشأنه أجلّ من أن تكون مضاجعته نحو ذلك، ورواية أبي داود مسألة بذاتها مستقلة، فافهم؛ فإنه مما سنح به خاطري من الأنوار الإلهية ولله الحمد. ص: حدثنا يُونسُ، قال: أبنا ابن وهب، قال: أخبرني (ابن لهيعة) (¬1) والليث، عن يزيد، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر صحيح على شرط مسلم، وذكر عبد الله بن لهيعة لا يَضُره؛ فإنه مذكور متابعة، ويزيد هو ابن أبي حبيب المذكور. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا عبد الله بن عبد الحكم، ثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُدَيج، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول: "سألت أم حبيبة، هل كان رسول الله - عليه السلام - يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذي". ص: وقد رُوي عن عائشة أيضًا ما يوافق ذلك: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المُقدَّميُّ، قال: ثنا خالد بن الحارث، عن أشعث، عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصلي في لُحُف نسائه. ش: أي ما يوافق حديث أم حبيبة؛ لأن امتناعه عن الصلاة في لحف نسائه كان مخافة أن يكون أصابها شيء من دم الحيض أو المني، فهذا يدل أيضًا أنه كان يجانب الثوب الذي يجامع فيه؛ لاحتمال أن يكون قد أصابه شيء من المني، وذا دليل ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وفي "شرح معاني الآثار": "عمرو، وابن لهيعة"، فزاد مع ابن لهيعة والليث عَمْرًا. (¬2) "المعجم الكبير" (23/ 220 رقم 405).

النجاسة، وإسناد الحديث المذكور صحيح، والمُقدَّمِي هو محمَّد بن أبي بكر بن عطاء بن مُقَدَّم -بفتح الدال-. وأشعث هو ابن عبد الملك الحُمْراني. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأشعث، عن محمَّد بن سيرين، عن [عبد الله] (¬2) بن شقيق، عن عائشة، قالت: "كان النبي - عليه السلام - لا يصلي في شُعرنا- أو لُحُفِنَا" قال عبيد الله: شك أبي. وفي رواية لأبي داود (¬3): "كان لا يصلي في ملاحفنا". وأخرجه الترمذي (¬4): نا محمَّد بن [عبد] (¬5) الأعلى، قال: ثنا خالد بن الحارث، عن أشعث -وهو ابن عبد الملك- عن محمَّد بن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - لا يصلي في لحف نسائه" قال: هذا حديث حسن صحيح. قوله: "في لُحُف" بضم اللام والحاء، جمع لحاف، وهو اسم لما يلتحف به، وكل شيءٌ تغطيت به فقد التحفت به. و"الشُعُر" بضمتين: جمع شعار، مثل كتُب وكِتَاب، وهو الثوب الذي يَسْتَشْعره الإنسانُ، أي يجعله مما يلي بدنه. "والدثار" ما نلبسه فوق الشعار. و"الملاحف" جمع مِلحفة -بكسر الميم- وهي ما يلتحف به. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 101 رقم 367). (¬2) "الأصل، ك": محمَّد، وهو تحريف أو انتقال نظر من المؤلف، والمثبت من "سنن أبي داود". (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 101 رقم 368). (¬4) "جامع الترمذي" (2/ 496 رقم 600). (¬5) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "جامع الترمذي".

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن حُميد، قال: ثنا غُنْدَر، عن شعبة، عن أشعث ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "في لحفنا". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وأحمد بن حميد الطُرَيْثِيثي، أبو الحسن الكوفي، شيخ البخاري. وغُنْدَر -بضم الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وفي آخره راء - وهو لقب محمَّد بن جعفر الهُذلي، روى له الجماعة. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فثبت بما ذكرنا أن رسول الله - عليه السلام - لم يكن يصلي في الثوب الذي ينام فيه، إذا أصابه شيء من الجنابة، وثبت أن ما ذكر الأسود وهمام، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - إنما هو في ثوب النوم؛ لا في ثوب الصلاة. ش: أبي بما ذكرنا من حديث أم حبيبة، وحديث عائشة الموافق لحديث أم حبيبة، والباقي ظاهر. وهمام هو ابن الحارث، وقد مضى في الأحاديث الأول. ص: فكان من (حجة أهل) (¬1) القى الأول على أهل القول الثاني في ذلك: ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: أبنا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - عليه السلام - يابسا بأصابعي، ثم يصلي فيه ولا يغسله". ش: هذا اعتراض من جهة الفريق الأول على ما ذكره الفريق الثاني، من قولهم: إن ما ذكره الأسود وهمام عن عائشة من حديث الفرك إنما كان في ثوب النوم لا في ثوب الصلاة، وأن عائشة إنما كانت تفرك المني من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه، وأنها قالت: "كان - عليه السلام - لا يصلي في لحف نسائه" وأن كل ذلك دليل على نجاسة المني. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل"، وفي "شرح المعاني": الحجة لأهل.

وجه الاعتراض: أن قول عائشة - رضي الله عنها - في هذا الحديث: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - عليه السلام - يابسا ... " إلى آخره. صريح أنه كان - علية السلام - يصلي في ثوب نومه، بعد فرك المني عنه، بدون الغَسْل، فهذا يدل على طهارة المني، ثم إسناد هذا الحديث صحيح على شرط مسلم. وخالد الأول: هو ابن عبد الله الطحان الواسطي. وخالد الثاني: هو ابن مهران الحذاء البصري. وأبو معشر اسمه زياد بن كليب الكوفي. وإبراهيم هو النخعي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا عفان، ثنا حماد، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - عليه السلام - ثم يذهبُ فيُصلي فيه". وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" أيضًا: عن زهير، عن عثمان بن عمرو، عن هشام، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "سألت عائشة - رضي الله عنها - عن الجنابة تكون في الثوب، فقالت: كنا نفركه من ثوب رسول الله - عليه السلام - ثم يصلي فيه". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن عائشة، مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، عن شريك النخعي، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث. ص: حدثنا محمَّد بن الحجاج وسليمان بن شعيب، قالا: نا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت أفركه من ثوب رسول الله - علية السلام - ثم يُصلي فيه". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 132 رقم 25052).

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. قوله: حماد بن سلمة، عن حماد وهو ابن أبي سليمان، أحد مشايخ أبي حنيفة. قوله: "كنت أفركه" أي: المني. ص: حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا قزعة بن سُوَيْد، قال: حدثني حميد الأعرج وعبد الله ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة، مثله. ش: قزعة فيه مقال. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن يحيى الأزدي، نا عاصم بن [مهجع] (¬1) نا قزعة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، وحميد الأعرج، عن مجاهد، عن عائشة قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - عليه السلام -" وليس فيه: "ثم يصلي فيه". ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا عيسى بن ميمون، قال: ثنا القاسم بن محمَّد، عن عائشة مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو الثاني والعشرون من الطرق التي رويت عن عائشة كما ذكرنا، وعيسى بن ميمون مولى القاسم، ضعيف وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (¬2): ثنا عباد بن منصور، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوب رسول الله - عليه السلام - ولا يغسل مكانه". ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": مهج، وهو تحريف، والمثبت من "الجرح والتعديل" (6/ 350) و"ثقات ابن حبان" (8/ 506). وقد روى البزار في "مسنده" -في الأجزاء المطبوعة حتى الآن- من طريق الحسن بن يحيى الأزدي عن عاصم بن مهجع في ثلاثة مواضع (3/ 303 رقم 1093)، و (6/ 31 رقم 2099)، و (8/ 402 رقم 3478). (¬2) "مسند الطيالسي" (1/ 202 رقم 1420).

ص: قالوا: ففي هذه الآثار أنها كانت تفرك المني من ثوب الصلاة، كما تفركه من ثوب النوم. قال أبو جعفر: وليس في هذا عندنا دليل على طهارته، وقد يجوز أن يكون كانت تفعل به هذا، فيطهر بذلك الثوب، والمني في نفسه نجس؛ كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى. حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن كثير، قال: ثنا الأوزاعي، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه أو بنعله؛ فطهورهما التراب". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما وليس في ذلك دليل على طهارة الأذى في نفسه، فكذلك ما روينا في المني، يحتمل أن يكون كان حكمه عندهم كذلك، يطهر الثوب بإزالتهم إياه عنه بالفرك، وهو في نفسه نجس، كما كان الأذى يطهر النعل بإزالتهم إياه عنها وهو في نفسه نجس. ش: أي قالت أهل المقالة الأولى: "ففي هذه الآثار" أراد بها الأحاديث التي رواها علقمةُ والأسود وهمامٌ ومجاهدُ والقاسمُ بن محمَّد عن عائشة: "أنها كانت تفرك المَني من ثوب الصلاة كما كانت تفركه من ثوب النوم" فهذا يدل على طهارة المَني، وأجاب عن ذلك بقوله: "وليس في هذا" أي فيما قلتم ... إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "أن يكون كانت" أي عائشة - رضي الله عنها - والضمير في "أن يكون" يرجع إلى الشأن أو الأمر المقدر، وهو اسمه. قلت: "كانت تفعل به" في محل النصب، خبره. قوله: "والمني نجس في نفسه" جملة إسمية وقعت حالا. ثم الحديث المذكور صحيح، ومحمد بن كثير الصنعاني وإن كانوا تكلموا فيه ولكن ابن حبان وثقه.

وروى الحديث في "صحيحه" (¬1): بغير هذا الإسناد عن أبي سعيد الخدري. والحاكم في "مستدركه" (¬2): وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأبو داود (¬3): رواه بهذا الإسناد حيث قال: ثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب". وقال النووي في "الخلاصة": رواه أبو داود بإسناد صحيح، ولا يلتفت إلى قول ابن القطان: هذا حديث رواه أبو داود من طريق لا يظن بها الصحة. ورواه أبو داود (¬4) أيضًا من حديث عائشة - رضي الله عنها -: ثنا محمود بن خالد، ثنا محمَّد يعني ابن عائذ، نا يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، عن محمَّد بن الوليد، قال: أخبرني أيضًا سعيد بن أبي سعيد، عن القعقاع بن حكيم، عن عائشة - رضي الله عنها -، عن رسول الله - عليه السلام - معناه، أبي معنى حديث أبي هريرة. وقال المنذري: حديث عائشة حديث حسن، غير أنه لم يذكر لفظه. قلت: رواه ابن عدي في "الكامل" (¬5): عن عبد الله بن زياد بن سمعان القرشي، عن سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "سألت رسول الله - عليه السلام -[عن] (¬6) الرجل يطأ بنعليه في الأذى، قال: التراب لهما طهور". فإن قلت: قال الدارقطني: مدار الحديث علي ابن سمعان وهو ضعيف. قال ابن الجوزي: قال مالك: هو كذاب. وقال أحمد: متروك الحديث. ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (4/ 250 رقم 1404). (¬2) "مستدرك الحاكم" (1/ 271 - 272 رقم 590، 591). ولكن من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - بنحوه. (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 105 رقم 386). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 105 رقم 387). (¬5) "الكامل" لابن عدي (4/ 126). (¬6) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "الكامل" لابن عدي.

قلت: ذكر صاحب "الكمال": قال أبو زرعة، حدثني أحمد بن صالح، قال: قلت لابن وهب: ما كان يقول مالك في ابن سمعان؟ قال: لا يقبل قول بعضهم في بعض. وروى له الترمذي مقرونا بيونس بن يزيد. ورواه أيضًا أبو داود (¬1): من حديث أبي سعيد الخدري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن أبي نعامة السعدي، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: "بينما رسول الله - عليه السلام - يُصلي بأصحابه؛ إذ خَلَع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم، ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله - عليه السلام - صلاته، قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟! قالوا: رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا. فقال رسول الله - عليه السلام -: إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما قذرا. وقال: إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى، فلْيمسحه، وليصلي فيهما". وأخرجه ابن حبان (¬2) أيضًا نحوه. قوله: "الأذى" أرادَ به النجاسة. و"النعل" الحذاء مؤنثة، وتصغيرها نعيلة. وقال ابن الأثير: وهي التي تلبس في المشي وتُسمى الآن تاسُومة. واستدلت أصحابنا بهذه الأحاديث أن الخف ونحوه إذا أصابته النجاسة التي لها جرم كالروث، والعذرة، والدم، والمني، فجفَّت، فدلكه بالأرض جاز؛ خلافا لمحمد، وكان الأوزاعي يستعمل هذه الأحاديث على ظاهرها، وقال: يجزئه أن يمسح القذر من نعله أو خفه بالتراب، ويصلي فيه. وروي مثله عن عروة بن الزبير، وكان النخعي يمسح النعل والخف يكون فيه السِّرقين عند باب المسجد ويصلي بالقوم، وقال أبو ثور في الخف والنعل إذا مسحهما بالأرض حتى لا يجد له ريحا ولا أثرا: رجوت أن يجزئه. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 175 رقم 650). (¬2) "صحيح ابن حبان" (5/ 560 رقم 2185).

وقال الشافعي: لا تطهر النجاسات إلَّا بالماء، سواء كانت في ثوب أو حذاء. وبه قال مالك وأحمد وزفر، والحديث حجة عليهم، ثم بإطلاق الحديث أَخذَ أبو يُوسف، حتى يطهر الخف أو النعل عنده بالمسح، سواء كان النجس رطبا أو يابسا. وقال أبو حنيفة: المراد بالأذى: النجاسة العينية اليابسة؛ لأن الرطبة تزداد بالمسح بالأرض انتشارا وتلوثا. فإن قيل: الحديث مطلق؛ فلِمَ قيده أبو حنيفة هذا القيد؟ قلت: التي لا جرم لها خرجت بالتعليل، وهو قوله: "فطهورهما التراب" في رواية أبي جعفر، وفي رواية أبي داود: "قال: الشراب طهور" أي يزيل نجاسته، ونحن نعلم يقينا أن النعل والخف إذا تشرب البول أو الخمر لا يزيله المسح، ولا يخرجه من أجزاء الجلد، فقال: إطلاق الحديث مصروف إلى الأذى الذي يقبل الإزالة بالمسح، حتى إن البول أو الخمر لو استجسد بالرمل أو الشراب فجف؛ فإنه يطهر أيضًا بالمسح -على ما قال شمس الأئمة؛ وهو الصحيح- فلا فرق أن يكون جرم النجاسة منها أو من غيرها، هكذا ذكره الفقيه أبو جعفر، والشيخ الإِمام أبو بكر محمد بن الفضل عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف مثل ذلك؛ إلَّا أنه لم يشترط الخفاف. وذكر في "الجامع الصغير" في النجاسة التي لها جرم إذا أصابت الخف والنعل وحَكّه أو حته بعد ما تبيّن؛ أنه يطهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وذكر في الأصل: إذا مسحهما بالتراب تَطْهر. قال مشايخنا: لولا المذكور في "الجامع الصغير" لكنا نقول لا يطهران ما لم يمسحهما بالتراب؛ لأن المسح بالتراب له أثر في باب الطهارة، فالمذكور في "الجامع الصغير" أن الحك له أثر. وقال القدوري في شرحه: ومعنى قول أبي حنيفة في هذه المسألة: إن الخف والنعل يطهران في حق جواز الصلاة معه،

أما لو أصابه الماء بعد ذلك يعود نجسا -على إحدى الروايتين- وأصل المسألة الأرض إذا ذهب أثر النجاسة عنها ثم أصابها الماء فإنه يعود حكم النجاسة على إحدى الروايتين. والله أعلم. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فالذي وقَفْنا عليه من هذه الآثار المروية في المنّي: هو أن الثوب يطهر مما أصابه من ذلك بالفرك إذا كان يابسا، ويُجزِئ ذلك من الغسل، وليس في شيء من هذا دليل على حكمه هو في نفسه؛ طاهر هو أم نجس؟ فذهب ذاهب إلى أنه قد روي عن عائشة - رضي الله عنها - ما يدل على أنه كان عندها نجسا، فذكر في ذلك. ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها - أنها قالت في المني إذا أصاب الثوب: "إذا رأيته فاغسله، وإن لم تره فانضحه". ش: لما ذكر أن أحاديث الفرك لم تَدلّ قطعا على طهارة المني؛ لاحتمال أَنْ يَطهر الثوب بالفرك والمني في نفسه نجس، كما في مسألة النعل؛ فإنه يَطْهُر بالمسح والذي أصابه في نفسه نجس، وأن ذلك كان احتمالا، وبالاحتمال لا تقوم الحجة؛ أشار هنا إلى أن الذي يُوقفُ عليه من الآثار المذكورة: هو أن الثوب يَطهُر مما أصابه من المني بالفرك إذا كان يابسا، وليس فيه دليل يَدُل على حكم المَني في نفسه، هل هو طاهر أم نجس؟ يعني الدليل الصريح، وذكر أن طائفة من الأصحاب قالوا: إنه نجس في نفسه، واحتجوا على ذلك بحديث عائشة هذا؛ لأن قولها: "اغسله" يدل على أنه كان عندها نجسا؛ إذ لو لم يكن نجسا لما أمرَت بغسله عند الرؤية، وبالنضح عند عدمها، فرد الطحاوي هذا بقوله: قيل له ما في ذلك دليل على ما ذكرت على ما يأتي، ثم تبين أن نجاسته بطريق النظر والقياس على ما نحرره، إن شاء الله تعالى. وإسناد هذا الحديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود.

قوله: "فانضحه" أبي انضح عليه شيئا من الماء، والنضح: الرش بالحاء المهملة، وأما بالمعجمة فهو الأثر يبقى في الثوب وغيره، قال أبو زَيد: النضح بالحاء المهملة الرش مثل النضخ بالخاء المعجمة وهما سواء، وإنما أَمَرَت بالنضح عند عدم الرؤية؛ للاحتياط، وقطعا للوسوسة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، قال: أنا أبو بكر بن حفص، قال: سمعت عمتي تُحدِّث، عن عائشة - رضي الله عنها - مثله. ش: عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، أبو عبد الله، ثقة. وأبو بكر بن حفص بن عمر بن سَعْد بن أبي وقاص القرشي الزهري، واسمه عبد الله، روى له الجماعة. وعمته: الظاهر أنها عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، وهي عمة أبيه فقال: عمتي تجوزا؛ لأنه لا يُعْرف في آل سَعْدٍ امرأة لها رواية غيرها، وقد أدركها أبو بكر بن حفص؛ لأنه روى عن جده عمر بن سَعْد؛ فبالضرورة يكون روى أيضًا عن أخت عمر التي هي عمة أبيه، وعائشةُ هذه روى لها البخاري، وأبو داود، والنسائي، والترمذي. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. إسناد صحيح، وقد روي عن أبي هريرة وسالم نحوه.

قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي هريرة: "أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: إن رأيت أثره فاغسله، وإن علمت أن قد أصابه ثم خفي عليك فاغسل الثوب، وإن شككت فلم تدر أصاب الثوب أم لا فانضحه". ثنا (¬2) محبوب القواريري، عن مالك بن حبيب، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: "سأله رجل فقال: إني احتلمت في ثوبي. قال: اغسله. قال: خفي عليَّ. قال: انضخه بالماء". ص: قال: فهذا قد دلّ على نجاسته عندها. قيل له: ما في ذلك دليل [على ما ذكرت] (¬3) لأنه لو كان حكمه عندها حكم سائر النجاسات من الغائط والبول والدم؛ لأمرت بغسل الثوب كله إذا لم يعرف موضعه منه، ألا ترى أن ثوبا لو أصابه بول فجف مكانه، أنه لا يطهره النضح؛ فإنه لا بد من غسله كله حتى يعلم طهوره من النجاسة، فلما كان حكم المني عند عائشة إذا كان موضعه من الثوب غير معلوم النضح؛ ثبت بذلك أن حكمه كان عندها بخلاف سائر النجاسات. ش: أي قال هذا الذاهب المذكور عند قوله: "فذهب ذاهب إلى أنه قد روي عن عائشة ما يدل على أنه كان عندها نجسا، وأشار بقوله: "قيل له". أبي: لهذا الذاهب: ما فيما قلت دليل على ما ادّعيت، والباقي ظاهر. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: وقد اختلف أصحاب النبي - عليه السلام - في ذلك، فروي عنهم في ذلك: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أنا حُصَينٌ، عن مُصْعب بن سعد، عن أبيه: "أنه كان يفرك الجنابة عن ثوبه". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 81 رقم 899). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 82 رقم 907). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني".

فهذا يحتمل أن يكون كان يَفُعل ذلك؛ لأنه عنده طاهر، ويحتمل أن يكون كان يَفعلُ ذلك كما يَفعلُ بالرَوث المحكوك من النعل؛ لا لأنه عنده طاهر. ش: "في ذلك". أبي في حكم المني هل هو طاهر أم نجس؟ فمن ذلك ما روي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - "أنه كان يفرك الجنابة" فهذا يحتمل مثل احتمال ما في بعض أحاديث عائشة -رضي الله عنها-، فلم يدل على أنه طاهر عنده أو نجس. وإسناد حديثه صحيح على شرط الشيخين وسعيد: هو ابن سليمان الواسطي المعروف بسَعْدُويه. وحُصن -بضم الحاء- هو ابن عبدِ الرحمن. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن هشيم، عن حصين، عن مصعب بن سَعد، عن سعد: "أنه كان يفرك الجنابة من ثوبه" والجنابة: المني. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدّثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه: "أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في ركب فيهم عمرو بن العاص، وأن عمر- رضي الله عنه - عرس ببعض الطريق، قريبا من بعض المياه، فاحتلم عمر بن الخطاب، وقد كاد أن يصبح، فلم يجد ماءً في الركب، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى من الاحتلام حتى أسفر، فقال له عمرو: أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك. فقال عمر - رضي الله عنه -: بل أغسل ما رأيت، وانضح ما لم أره". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، ويونس شيخه. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه: "أن عمر أصابته جنابة وهو في سفر، فلما أصبح، قال: أترونا ندرك الماء قبل طلوع الشمس؟ قالوا: نعم فأسرع المسير حتى أدرك، فاغتسل، وجعل يغسل ما رأى من الجنابة في ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 83 رقم 918). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 370 رقم 1446).

ثوبه، فقال له عمرو بن العاص: لو لبست ثوبا غير هذا وصليت؟ فقال له عمر: إن وجدت ثوبا وجده كل إنسان؟! إني لو فعلت لكان سُنة، ولكني أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر". قوله: "في رَكبْ" بفتح الراء، وهم أصحاب الإبل في السفر، دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها، والجمع أَرْكُبْ، والرَّكَبَةُ -بالتحريك-: أقل من الركب، والأركوب -بالضم-: أكثر من الركب، والركبان الجماعة منهم، والرُكَّاب: جمع راكب، يقال: هم رُكَّابُ السفينة. قوله: "عَرَّس" بتشديد الراء: من التعريس، وهو نزول القوم في السفر من آخر الليل، يقفون وقفة للاستراحة، ويرتحلون، وأَعْرَسَ: لغة فيه قليلة، والموضع: مُعرِّسٌ ومُعْرَسٌ، والعِرِّيس: موضع الأسد. قوله: "إن وجدتُ وجده كل إنسان؟ " يعني إن وجدت أنا الثوب، فهل وجده كل إنسان؟!. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زُيَيْد بن الصلت، أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب إلى الجرَف، فنظر فإذا هو قد احتلم ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلَّا احتلمت وما شعرت، وصليت وما اغتسلت، فاغتسل وغَسل ما رأى في ثوبه، ونضح ما لم يَرَ". ش: هذا أيضًا إسناده صحيح، وزُيَيّد -بضم الزاي المعجمة وبيائين آخر الحروف، أولاهما مفتوحة، والأخرى ساكنة- ابن الصلت الكندي، وثقة ابن حبان. وأخرجه ابن أبي شيبة (¬1) مختصرا: عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن زُييد بن الصلت: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - غسل ما رأى، ونضح ما لم ير، وأعاد بعد ما أضحى متمكنا". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 82 رقم 901).

قوله: "إلى الجُرف" بضم الجيم والراء: موضع قريب من المدينة، وهي في الأصل ما تجرفه السيول وأكلته من الأرض. قوله: "ما أراني" أي ما أرى نفسي. قوله: "وما شعرت" أي وما علمتْ. قوله: "ما رأى في ثوبه" أي من المني. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فأما ما رُوي عن يحيى بن عبد الرحمن، عن عمر، فهو يدل على أن عمر فعل ما لا بد له منه؛ لضيق وقت الصلاة ولم ينكر ذلك عليه أحد ممن كان معه، فدل ذلك على متابعتهم إياه على ما رأى من ذلك، وأما قوله: "وأنضح ما لم أر" فإن ذلك يحتمل أن يكون أراد به: وانضح ما لم أره مما أتوهم أنه أصابه ولا أتيقن ذلك؛ حتى يقطع ذلك (الشك عنه) (¬1) فيما يستأنف، ويقول: هذا البلل من الماء. ش: ملخص هذا الكلام: أن هذا من عمر - رضي الله عنه - لا يدل على طهارة المني عنده، ولا على نجاسته، كما هو هكذا في حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله، عن أبي هريرة، قال في المني يصيب الثوب: "إَنْ رأيته فاغسله، وإلَّا فاغسل الثوب كله". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا يدل على أنه قد كان يراه نجسا. ش: إسناده صحيح، وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي، شيخ البخاري وغيره. والزهري: هو محمَّد بن مسلم. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وفي "شرح المعاني": عنه الشك.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن أبي هريرة، أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: "إن رأيت أثره فاغسله، وإن علمت أن قد أصابه ثم خفي عليك فاغسل الثوب، وإن شككت فلم [تدر] (¬2) أصاب الثوبَ أم لا؟ فانضحه". ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نُعيم، قال: ثنا سفيان، عن حبيب -يعني ابن أبي ثابت- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "امسحه بإذخر". فهذا يدل على أنه قد كان يراه طاهرا. ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دكين. وسفيان هو الثوري. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. قوله: "امسحه" أي المني، والدليل عليه في رواية ابن أبي شيبة عن ابن عباس في المني: "امسحه -ويُروى امسحوا- بإذخرة". ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، نحوه. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وعبد الرحمن: هو ابن زياد الرّصاصي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): ثنا هُشيم، أنا حجاج وابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس، في الجنابة تصيب الثوب قال: "إنما هو كالنخامة أو النخاعة، أَمِطْه عنك بخرقةٍ، أو بإذخرة". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 81 رقم 899). (¬2) في "الأصل، ك": تدري، وهو خلاف العبادة، والمثبت من "المصنف". (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 83 رقم 923). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 83 رقم 924).

قوله: "أَمِطْه" أي أزله، من أَمَاطَ يُمِيطُ. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن مِسْعر، عن جبلة بن سحيم: "قال: سألت ابن عمر عن المني يُصيبُ الثوب. قال: انضحه بالماء". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فقد يجوز أن يكون أراد بالنضح: الغَسْل؛ لأن النضح قد يُسَمي غسلا، قال رسول الله - عليه السلام -: "إني لاعرف مدينة ينضح البحر بجانبها" يعني يضرب البحر بجانبها، ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد غير ذلك. ش: هذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله. قوله: "لأن النضح قد يُسَمّي غَسْلا"، وفي "المطالع" قوله: ونضح الدمَ عن جبينه أي غسله ونزعه، والنضح الصَبُّ أيضًا، والنضخُ: الرَشّ، ومنه حديث بول الصبي: "فنضحه ويقال: غسله". وقوله: "وانضح فرْجَك بالماء" أي رُشَّه؛ مخافة الوسواس. وقيل: اغسله. وهو أظهر هنا، وفي حديث دم الحيض "تقرصه بالماء ثم لتنضَحْه" أي تغسله، فإن قلت: أصَل النضح الرشّ. يقال: نضح عليه الماء ونضحه به إذا رشه عليه. قلت: قد يستعمل في معنى الغسل كما ذكرنا، وإذا أكثر الرش يكون غسْلا. واستدل الطحاوي على أن النضح قد يُسَمّي غَسْلا بحديث نضح البحر، أخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا يزيد، أنا جرير، أنا الزبير بن خِرّيت، عن أبي لبيد، قال: "خرج رجل من ضاحية مهاجرا، يقال له: بيرح بن أسد، فقدم المدينة بعد وفاة رسول الله - عليه السلام - فرآه عمر - رضي الله عنه - فعلم أنه غريب، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 369 رقم 1443). (¬2) "مسند أحمد" (1/ 44 رقم 308).

أهل عُمان. قال: من أهل عمان؟! قال: نعم. قال: فأخذ بيده فأدخله على أبي بكر - رضي الله عنه -فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعْت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إني لأعلم أرضا يَقال لها: عُمان، ينضحُ بناحيتها البحرُ بها [حي من العرب] (¬1) لو أتاهم رسولي ما رَمَوْهُ بسهم ولا حجر". وأخرجه أبو يعلى أيضًا في "مسنده" (¬2). قوله: "ويحتمل أن يكون ابن عمر - رضي الله عنهما - أراد غير ذلك" كأن يريد من النضح الرش لا الغَسل، ويكون ذلك محمولا على ما إذا خفي مكانه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك ابن عمير، قال: سئل جابر بن سمرة، عن الرجل يصلي في الثوب الذي يجامع فيه أهله. قال: "صَلِّ فيه؛ إلَّا أن ترى فيه شيئًا فتغسله ولا تنضحه؛ فإن النضح لا يزيده إلَّا شرا". ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة: بكار. وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك. وأبو عوانة: الوضّاح اليشكري. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3) مرفوعًا: عن عبد الله بن ميمون، عن عبيد الله -يعني ابن عمرو- وعن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: "سمعت رجلًا يسأل النبي - عليه السلام - قال: أُصلِّي في ثوبي الذي آتي فيه أهلي؟ قال: نعم؛ إلَّا أن ترى فيه شيئًا، فتغسله". وقال أبو عبد الرحمن: [قال أبي] (¬4) هذا الحديث لا يُرْفَعُ عن عبد الملك. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد". (¬2) "مسند أبي يعلى" (1/ 101 رقم 106). (¬3) "مسند أحمد" (5/ 89 رقم 20857). (¬4) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد".

قوله: "فَتَغْسِلَهُ" بالنصب؛ عطفا على قوله: "أن ترى". وكذا قوله: "ولا تَنْضَحَه" بالنصب عطفا عليه، ويجوز الجزم فيه؛ على النهي. قوله: "إلَّا شَرا" أراد به الأقذار. كما في رواية ابن أبي شيبة (¬1): عن ابن عليه، عن أيوب، عن الحكَم -في الجنابة في الثوب- قال: "إن رأيته فاغسله، وإن لم تره فدعْه، ولا تنضحه بالماء؛ فإن النضح لا يزيده إلَّا قذرا". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا السريٌّ بن يحيى، عن عبد الكريم بن رُشَيْد، قال: سْئِل أنس بن مالك عن قطيفة أصابتها جنابة لا ندْري أين موضعها؟ قال: اغسِلْها". ش: هذا إسناد صحيح بصريُّ. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن وكيع، عن السري بن يحيى، عن عبد الكريم بن رُشَيْد، عن أنس: "في رجل أجنب في نومه لم يَرَ أثره- قال: يغسله كله". فهذا يدل على أن أنسا كان يراه نجسا. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلما اختلف فيه هذا الاختلاف؛ ولم يكن فيما روينا عن رسول الله - عليه السلام - دليل على حكمه كيف هو؟ اعتبرنا ذلك من طريق النظر، فوجدنا خروج المني حدثا أغلظ الأحداث؛ لأنه يُوجبُ أكبر الطهارات، فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث، كيف حكمها في نفسها؟ فرأينا الغائطَ والبولَ خروجهما حدثٌ، وهما نجسان في أنفسهما، وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث، وهما نجسان في أنفسهما، ودمُ العروق كذلك في النظر، فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما كان خروجه حدثا فهو نجسٌ في نفسه، وقد ثبت أن خروج المني حدث، ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 82 رقم 911). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة (1/ 82 رقم 902).

ثبت أيضًا أنه في نفسه نجسٌ، فهذا هو النظر فيه، غير أنَّا اتَّبَعْنَا في إباحة حكه إذا كان يابسا ما روي في ذلك عن النبي - عليه السلام - وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله. ش: ملخصه: لَمَّا لم يدل دليل قطعا من الأحاديث المذكورة والآثار المروِّية على نجاسة المني ولا على طهارته؛ لكثرة الاختلاف فيها؛ رجعنا إلى بيان حكمه بالنظر والقياس، فنقى: المني حدث؛ لأنه خارج من سبيل، وكل خارج من سبيل نجس؛ فالمني نجس. قوله: "غير أنا اتبعنا ... " إلى آخره. جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: إذا ثبت كون المني نجسا كان الواجب غسله مطلقا، رطبا كان أو يابسا كسائر النجاسات. فأجاب عنه: بأن القياس كان يقتضي ما ذكرتم، ولكنا تركناه بالأحاديث الواردة بالفرك في يابسه. قوله: "وهذا قول أبي حنيفة" أي: كون المني نجسا، قول أبي حنيفة وأصحابه، وهو قول مالك أيضًا كما ذكرنا، وفي "الجواهر" للمالكية: المني نجس، وأصله دم، وهو يمر في ممر البول، فاختلف في سبب التنجيس هل هو رَدُّه إلى أصله، أو مروره في مجرى البول؟ وعلى تحقيقه يخرج حكم طهارة مني ما يؤكل من الحيوان. والله أعلم.

ص: باب: الرجل الذي يجامع ولا ينزل

ص: باب: الرجل الذي يجامع ولا ينزل ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل يجامع ولا يُنْزِل من المني، كيف يكون حكمه؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة لا تخفي. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا حسين المعلّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجُهني: "أنه سأل عثمان - رضي الله عنه - عن الرجل يجامع فلا ينزل، قال: ليس عليه إلَّا الطهور، ثم قال: سمعته من النبي - عليه السلام -قال: وسألت علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب - رضي الله عنهم - فقالوا ذلك". قال: وأخبرني أبو سلمة، قال حدثني عروة، أنه سأل أبا أيوب فقال ذلك". ش: إسناده صحيح، ورجالُه رجال الصحيحين ما خلا يزيد، وهو أيضًا ثقة، وروى عنه النسائي. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا أبو نُعَيم، قال: ثنا عبد الوارث، عن الحسين المعلم، قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة، أن عطاء بن يسَار أخبره، أن زيد بن خالد الجهني أخبره، أنه سأل عثمان بن عفان فقال: "أرأيت إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْنِ؟ فقال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. وقال عثمان - رضي الله عنه - سمعته من رسول الله - عليه السلام - فسألت [عن] (¬2) ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك" وأخبرني أبو سلمة أن عروة بن الزبير أخبره أن أبا أيوب أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله - عليه السلام -. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 111 رقم 288). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح البخاري".

وأخرجه مسلم (¬1): عن عبد الوارث بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن الحسن ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن لفظه: "قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره". قوله: "ليس عليه إلَّا الطهور" أراد به: الوضوء، كما جاء مفسرا في رواية الشيخين. ص: حدثنا يزيدُ، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا عبد الوارث ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر عليّا، ولا سؤال عروة أبا أيوب. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن يزيد بن سنان، عن موسى بن إسماعيل التَبُوذكي البصري، شيخ البخاري. وأخرجه البزار في "سننه" (¬2) وقال: ثنا محمَّد بن عثمان بن كرامة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد الجهني: "أنه سأل عثمان عن الرجل يجامع ولا يُنْزِل، فقال: ليس عليه إلَّا الوضوء. وقال عثمان أشْهَدُ أني سمعتُ ذلك من رسول الله - عليه السلام -". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا عبد الوارث، عن حُسَين المعلم، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يَسار، عن زيد بن خالد، قال: "سألت عثمان عن الرجل يُجامعُ أهله ثم يكسل، قال: ليْس عليه غُسْل. فأتيتُ الزبير بن العوام وأبي بن كعب، فقالا مثل ذلك، عن النبي - عليه السلام -". ش: هذا طريق آخر عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحمّاني ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 270 رقم 347). (¬2) كذا في "الأصل، ك": "سننه"، والصواب: "مسنده"، فإنه مرتب على مسانيد الصحابة ومن هنا سُمي "مسندا" وليس "سننًا" كما هو معلوم من علم أصول الحديث. والحديث في "مسند البزار" (2/ 13، 14 رقم 351).

وأخرجه البيهقي (¬1) من حديث حسين المعلم، عن يحيى، أن أبا سلمة حدثه، أن عطاء بن يسَار حدثه، أن زيد بن خالد الجهني حدثه: "أنه سأل عثمان عن الرجل يجامع فلا ينزل، فقال: ليس عليه غسل، ثم قال: سمعته من رسول الله - عليه السلام - فسألت بعد ذلك عليَّا والزبيرَ وطلحةَ وأُبَيّا، فقالوا مثل ذلك، عن النبي - عليه السلام -". قوله: "يكسل" من الإكسال؛ يُقال: أكسل الرجل في الجماع، إذا خالط أهله ولم يُنْزل، وأصله من الكَسَلِ، وهو التثاقلُ عن الأمْر، وقد كَسِلَ -بالكسر- فهو كسلان، وقوم كسالى، وإن شئت كسرت اللام. ص: حدثنا يزيد، قال ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة. قال: وحدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب الأنصاري، عن أُبي بن كعب - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس في الإكسال إلَّا الطُهُور". ش: هذان طريقان صحيحان من حديث أبي بن كعب - رضي الله عنه - الأول: عن يزيد بن سنان، عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا سُوَيْد بن عَمْرو، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره نحوه سواء. الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (¬3): ثنا أبو الربيع الزهراني، ثنا حماد، عن هشام بن عروة، ونا أبو كريب -واللفظ له - قال ثنا: أبو معاوية، قال: ثنا هشام، عن أبيه، عن ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 164 رقم 748). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 87 رقم 964). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 270 رقم 346).

أبي أيوب، عن أبي بن كعب، قال: "سألت رسول الله - عليه السلام - عن الرجل يُصيب من المرأة ثم يكْسل، فقال: يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ ويصل". ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا نعيم، قال: أنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: حدثني أبو أيوب الأنصاري، عن أبي بن كعب، قال: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجامع فيكسل، قال: يغسل ما أصابه، ويتوضأ وضوءه للصلاة". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، ونعيم هو ابن حماد الأعْوَر، نزيل مصر، روى له البخاريّ. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا يحيى بن سعيد، أنا هشام بن عروة، أخبرني أَبي، أخبرني أبو أيوب، أن أُبَيّا حدّثه قال: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلت: الرجل يجامع أهله فلا ينزل. قال: يَغْسل ما مسّ المرأة منه، ويتوضأ ويصلي". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بَشّار، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن عُروة بن عياض، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: "قلت لإخواني من الأنصار: اتركوا الأمر كما تقولون: الماء من الماء؛ أرأيتم إن أَغْتَسِلُ؟ فقالوا: لا والله، حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله". ش: إسناده صحيح، وعروة بن عياض بن عمرو بن عبد القاري، روى له مسلم. وأبو سعيد الخدري: اسمه سعد بن مالك، مشهور باسمه وكنيته. وأخرجه أبو العباس السراج في "مسنده": ثنا روح بن عبادة، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، أن ابن عياض أخبره، أن أبا سعيد كان ينزل في دارهم، وأن أبا سعيد أخبره: "أنه كان يقول لأصحابه: أرأيتم لو اغتسلتُ وأنا ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 113 رقم 21125).

أعرف أنه كما تقولون؟ قالوا: لا حتى لا يكون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله، في الرجل يأتي امرأته ولا يُنزل". قوله: "اتركوا الأمر كما تقولون: الماء من الماء" أي: اتركوا العمل بهذا القول، أو اتركوا أمركم للناس، بألَّا تغتسلوا إلَّا من الإنزال. قوله: "أرأيتم" معناه أخبروني. قوله: "إن أَغْتسل" خبر إن محذوف، يعني: إن أغتسل أنا من الاكسال، ماذا يترتب عليَّ؟ فقالوا- أي الأنصار: لا، والله ما نترك قولنا بهذا، ولا نأمرك بالاغتسال، حتى لا يكون في نفسك حرج -أي ضيق- مما قضى الله ورسوله- أي مما حكم الله ورسوله. ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله - عليه السلام - مرَّ على رجل من الأنصار، فدعاه؛ فخرج إليه ورأسه يقطرُ ماء، فقال: لعلَّنَا أعجلناك؟ قال: نعم. قال: فإذا أُعجلت أو قُحِطْتَ فعليك الوضوء". ش: إسناده صحيح، والحكم: هو ابن عُتَيْبَة. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا غُنْدر، عن شعبة. ونا محمَّد بن المثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ذكوان، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله - عليه السلام - مرّ على رجل من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر ماء، فقال: لعلنا أعجلناك؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: إذا أُعْجلْت أو (قُحِطت) (¬2) فلا غسل عليك، وعليك الوضوء". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 269 رقم 345). (¬2) في "صحيح مسلم": أقحطت.

وأخرجه البخاري (¬1): عن إسحاق بن منصور، عن النضر، عن شعبة ... إلى آخره نحوه. قوله: "ورأسه يقطر" جملة إسمية وقعت حالا. قوله: "فإذا أُعْجلْت" بضم الهمزة وكسر الجيم، يقال: أعجله وتَعَجَّله وعَجَّله، تعجيلا: إذا استحثَّه. قوله: "أو قُحِطْتَ" بدون الألف، وكذا في رواية الشيخين؛ قاله ابن بطال، ويقال بالألف، وذكر صاحب "الأفعال": أنه يقال: أُقْحِط الرجل: إذا أَكْسَلَ في الجماع عن الإنزال، ولم يذكر قُحِطَ. وقال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون: قَحِطْتَ بفتح القاف. وقال عبد الله بن أحمد النحوي: أصحابي يقولون: بضم القاف. وفي "المطالع": ورُوي "أُقحطت" بضم الهمزة، يقال: قَحَطَ وقُحِطَ، كل ذلك إذا لم ينزل، وقَحِطت السماء، وقُحِطَت وقَحَطَت إذا لم تمطر. وقال أبو علي: قَحِط المطرُ وقُحِط الناسُ والأرض، وأُقْحِطوا وقُحِطوا وأَقْحَطوا. انتهى. ومعنى الإقحاط: عدم الإنزال، وهو استعارة من قحوط المطر: وهو انحباسُه، وقحوط الأرض: وهو عدم إخراجها النبات. ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن ابن شهاب أخبره، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، [أن] (¬2) رسول الله - عليه السلام - قال: "الماء من الماء". ش: إسناده صحيح، وابن شهاب: هو محمَّد بن مسلم، وأبو سلمة: عبد الله ابن عبد الرحمن بن عوف. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 77 رقم 178). (¬2) في "الأصل، ك": عن، والمثبت من "شرح المعاني".

وأخرجه مسلم (¬1) وقال: ثنا هارون بن سعيد الأيلي، ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث ... إلى آخره نحوه. قوله: "الماء من الماء" يعني وجوب الغسل من إنزال المني، وقد استدل أبو بكر الدقاق وبعض الحنابلة بهذا الحديث أن التخصيص باسم العَلَم يوجب نفي الحكم عما عداه؛ وذلك لأن الأنصار فهموا عدم وجوب الاغتسال بالإكسال -وهو أن يفتر الذكر بعد الإيلاج قبل الإنزال- من قوله - علية السلام -: "الماء من الماء" أي الاغتسال واجب من المني، فالماء الأول هو المُطَهر، والثاني هو المني، "ومن" للسببية، والأنصار كانوا من أهل اللسان وفصحاء العرب، وقد فهموا التخصيص منه، حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالأكسال؛ لعدم الماء، ولو لم يكن التنصيص باسم الماء موجبا للنفي عما عداه؛ لما صح استدلالهم على ذلك، والجواب عن ذلك: أنه ليس ذلك من دلالة التنصيص على التخصيص، بل إنما هو من اللام المعرّفة الموجبة للاستغراق عند عدم المعهود، ونحن نقول هذا الكلام للاستغراق والانحصار كما فهمها الأنصار، لكن لما دل الدليل -وهو الإجماع- على وجوب الاغتسال من الحيض والنفاس، أيضًا نفي الانحصار فيما وراء ذلك مما يتعلق بالمَني، وصار المعنى: جميع الاغتسالات المتعلقة بالمني تنحصر فيه لا تثبت لغيره. فإن قيل: فعل هذا ينبغي ألَّا يجب الغسل بالإكسال لعدم الماء. قلت: الماء فيه ثابت تقديرا؛ لأنه تارة يثبت عيانا كما في حقيقة الإنزال، ومرة دلالة كما في التقاء الختانين؛ فإنه سبب لنزول الماء، فأقيم مقامه؛ لكونه أمرا خفيّا كالنوم أقيم مقام الحدث، لتعذر الوقوف عليه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال ثنا سفيان بن عُيينة، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن السائب، عن عبد الرحمن بن سُعاد، عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي - عليه السلام - مثله. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 269 رقم 343).

ش: رجاله ثقات وعبد الرحمن بن السائب، ويقال: ابن السائبة، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي (¬1) وابن ماجه هذا الحديث. وأبو أيوب الأنصاري: اسمه خالد بن يزيد. وأخرجه ابن ماجه (¬2)، عن محمَّد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو ابن دينار، عن ابن السائب، عن عبد الرحمن بن سعاد، عن أبي أيوب قال: قال النبي - عليه السلام -: "الماء من الماء". ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا العلاء بن محمد بن سنان، قال: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "بعث رسول الله - عليه السلام - إلى رجل من الأنصار، فأبطأ، فقال: ما حبسك؟ قال: كنت أصيب من أهلي فلما جاء رسولك اغتسلت من غير أن أحدث شيئًا. فقال رسول الله - عليه السلام -: الماء من الماء، والغسل على من أنزله. ش: العلاء بن سنان المازني ضعفه يحيى وغيره. ومحمد بن يحيى بن علقمة فيه مقال. وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن. وقد رأيت أن الطحاوي أخرج حديث: "الماء من الماء" عن ثلاثة من الصحابة وهم: أبو سعيد الخدري، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو هريرة. وفي الباب عن: عتبان الأنصاري، وحديثه عند أحمد (¬3): رواه بإسناده عن عتبان أو ابن عتبان الأنصاري قال: "قلت: يا نبي الله؛ إني كنت مع أهلي، فلما سمعت صوتك، أقلعتُ، فاغتسلت. فقال رسول الله - عليه السلام -: الماء من الماء". ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 115 رقم 199). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 199 رقم 607). (¬3) "مسند أحمد" (4/ 342 رقم 19035).

وعن رافع بن خديج، وحديثه عند الطبراني (¬1) وأحمد (¬2) عنه، قال: "ناداني رسول الله - عليه السلام - وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أُنْزِل، فاغتسلت، فأخبرته: إنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم (أُمْنِ) (¬3) فاغتسلت. فقال رسول الله - عليه السلام -: لا عليك، الماء من الماء" (¬4). وعن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وحديثه عند أبي يعلي (¬5) بإسناده عنه قال: "انطلق رسول الله - عليه السلام - في طلب رجل من الأنصار، فدعاه، فخرج الأنصاري ورأسه يقطر ماء، فقال رسول الله - عليه السلام - ما لرأسك؟ قال: دعوتني وأنا مع أهلي، فخفت أن أحتبس عليك، فعجلت، فقمت وَصَبَبتُ عليَّ الماء، ثم خرجت. فقال: هل كنتَ أنزلتَ؟ قال: لا. قال: إذا فعلت ذلك فلا تغتسلن؛ اغسل ما مسّ المرأة منك، وتوضأ وضؤك للصلاة، فإن الماء من الماء" وأخرجه البزار أيضًا. وعن عبد الله بن عباس، وحديثه عند البزار: بإسناده عنه قال: "أرسل رسول الله - عليه السلام - إلى رجل من الأنصار، فأبطأ عليه، فقال: ما حبسك؟ قال: كنتُ حين أتاني رسولك على المرأة، فقمت، فاغتسلت. فقال: وما كان عليك ألَّا تغتسل ما لم تنزل؟ قال: فكان الأنصار يفعلون ذلك". وأخرجه أبو يعلى (¬6) أيضًا وفي إسناده أبو سعيد وهو ضعيف. وعن عبد الله بن عبد الله بن عقيل وحديثه عند معمر بن راشد في "جامعه" (¬7): عنه قال: "سلم النبي - عليه السلام - على سَعد بن عبادة ثلاثا فلم يأذن له؛ كان على حاجته، ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (4/ 267 رقم 4374) بنحوه، و"المعجم الأوسط" (6/ 318 رقم 6213) بنحوه أيضًا. (¬2) "مسند أحمد" (4/ 143 رقم 17327). (¬3) في "مسند أحمد": أنزل. (¬4) وقال رافع بن خديج في آخر الحديث: "ثم أمرنا بعد ذلك بالغسل". (¬5) "مسند أبي يعلى" (2/ 163 رقم 857). (¬6) "مسند أبي يعلى" (5/ 62 رقم 2654). (¬7) "جامع معمر بن راشد" (10/ 382 رقم 19426).

فرجع النبي - عليه السلام -، فقام سَعد سريعا، فاغتسل، ثم تبعه فقال: يا رسول الله، إني كنت على حاجة، فقمت فاغتسلت. فقال - صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى أن من وطئ في الفرج ولم يُنزل فليس عليه غسل، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وأبا سلمة وهشام بن عروة وسليمان الأعمش وداود. وفي "المحلى": وممن رأى ألَّا غسل في الإيلاج في الفرج إن لم يكن إنزال عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو سعيد الخدري، وأبي بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وابن عباس، والنعمان بن بشر، وزيد بن ثابت، وجمهرة الأنصار - رضي الله عنهم - وعطاء بن أبي رباح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أصحاب الظاهر. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي في عدم وجوب الغسل بالايلاج بلا إنزال. ص: وخالفهم ذلك آخرون، فقالوا: عليه الغسل وإن لم يُنزل. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي، والثوري، وأبا حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، وبعض أصحاب الظاهر. وقال ابن حزم (¬1): ورُوي إيجاب الغسل عن عائشة أم المؤمنين، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، والمهاجرين - رضي الله عنهم -. وقال أيضًا: الأشياء الموجبة غسل البدن كله إيلاج الحشفة، أو إيلاج مقدارها من الذكر الذاهب الحشفة أو الذاهب أكثر الحشفة في فرج امرأة الذي هو مخرج الولد منها بحرام أو حلال، إذا كان بعمد، أنزل أو لم ينزل، فإن عمدت هي أيضًا كذلك ¬

_ (¬1) انظر "المحلى" (2/ 2 - 5).

فكذلك، أنزلت أو لم تُنزل، فإن كان أحدهما مجنونا، أو سكرانا، أو نائما أو مغمي عليه، أو مكرها، فليس على من هذه صفته منهما إلَّا الوضوء فقط إذا أفاق أو استيقظ، إلَّا أَنْ يُنزل، فإن كان أحدهما غير بالغ فلا غسل عليه ولا وضوء، فإذا بَلَغَ؛ لزمه الغسل فيما يحدث لا فيما سلف له من ذلك والوضوء. وفي "المغني" (¬1) لابن قدامة: تغييب الحشفة في الفرج هو الموجب للغسل، سواء كانا مُخْتَتَنَيْن أو لا، وسواء أصاب موضع الختان منه ختانها أو لم يُصبه، ولو ألصق الختان بالختان من غير إيلاج فلا غسل بالاتفاق. ويجب الغسل سواء كان الفرج قبلا أو دبرا، من كل حيوان آدمي أو بهيم حيّا أو ميتا، طائعا أو مُكْرَها، نائما أو مستيقظا، وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل بوطء البهيمة والميتة. وقال أيضًا: فإن أولج بعض الحشفة، أو وطئ دون الفَرْج أو في السرة، لم يجب الغسل؛ لأنه لم يوجد إلتقاء الختانين، فإن انقطعت الحشفة فكان الباقي من ذكره قدر الحشفة فأولج؛ وجب الغسل، وتعلقت به أحكام الوطء من المهر وغيره. فإن أولج في قبل خنثى مشكل، أو أولج الخنثى ذكره في فرج، أو وطئ أحدهما الآخر في قبله فلا غسل على واحد منهما؛ لأنه يحتمل أن تكون خلقة زائدة، فلا نزول عن يقين الطهارة بالشك. وإذا كان الواطيء صغيرا، أو الموطوءة صغيرة، فقال أحمد: يجب عليهما الغسل. وقال: إذا (أتى) (¬2) على الصبية تسع سنين ومثلها يوطأ، وجب عليها الغسل. وسئل عن الغلام يجامع مثله ولم يبلغ، فجامع المرأة يكون عليهما جميعًا الغسل؟ قال: نعم. قيل له: أنزل أو لم يُنزل؟ قال: نعم. ¬

_ (¬1) "المغني" (1/ 131) بتصرف. (¬2) ليست في "الأصل" وكتبت في حاشية "الأصل" وكتب فوقها لعله، وهي هكذا في "المغني" (1/ 132).

وحَمَل القاضي كلام أحمد على الاستحباب، وهو قول أصحاب الرأي وأبي ثور. انتهى. وقال أصحابنا: والتقاء الختانين يوجب الغسل، أي مع تواري الحشفة فإن نفس ملاقاة الفرج، الفرج من غير التواري لا يوجب الغسل، ولكن يوجب الوضوء عندهما، خلافا لمحمد، والختان موضع القطع من الذكر والأنثى. وفي "المحيط": ولو أتى امرأته وهي بكر فلا غسل ما لم ينزل؛ لأن ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت، فعليهما الغسل؛ لوجود الإنزال؛ لأنه لا حَبَل بدونه. ص: واحتجوا في ذلك بما: حدثنا محمَّد بن الحجّاج وسليمان بن شعيب، قالا: ثنا بشْر بن بكر، قال: نا الأوزاعي، قال: حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها -: "أنها سُئلتْ عن الرجل يجامع فلا يُنْزل. فقالت: فعلته أنا ورسول الله - عليه السلام - فاغتسلنا منه جميعًا". ش: إسناده صحيح، والأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو. وأخرجه الترمذي (¬1): عن محمَّد بن المثنى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي ... إلى آخره نحوه، ولفظه: "إذا جاوز الختان الختان؛ وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله - عليه السلام -، فاغتسلنا". وقال (¬2): هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه (¬3): عن علي بن محمَّد وعبد الرحمن بن إبراهيم، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي ... إلى آخره نحو رواية الترمذي. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 180 رقم 108). (¬2) قول الترمذي هذا ذكره بعد الحديث رقم (109) وهو من طريق سفيان بن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ولفظه: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل". (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 199 رقم 608).

واحتج به جماعة المهاجرين على وجوب الغسل بالإيلاج وإن لم يُنزل، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصحابة ومن بعدهم، وهم الذين ذكرناهم، ثم انعقد الإجماع على الوجوب مطلقا، وكان ما ذكروه في أى الإسلام رخصة لقلة ثياب الناس، ثم نسخ ذلك وأمر بالغسل بالإكسال، ولكن بقي على المذهب الأول جماعة من الصحابة؛ لم يبلغهم خبر التقاء الختانين، منهم: سعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وزيد ابن خالد الجهني. وقد خالف بعض الظاهرية لداود ووافق الجماعة. ومستند داود: "إنما الماء من الماء" (¬1). وقد جاء في الحديث: "إنما كان الماء من الماء رخصة في أى الإسلام ثم نسخ" (¬2). رواه الترمذي (¬3) وصححه، فزال ما استندوا إليه. وذهب ابن عباس وغيره إلى أنه ليس منسوخ، بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذا لم يُنزل. وقال ابن العربي: وقد روى جماعة من الصحابة المنع ثم رجعوا، حتى روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "مَنْ خالف في ذلك جعلته نكالا"، وانعقد الإجماع على ذلك، ولا يُعبأ بخلاف داود في ذلك؛ فإنه لولا خلافه ما عرف، وإنما الأمر الصعب خلاف البخاري في ذلك، وحكمه بأن الغسل أحوط، وهو أحد حكماء الدين، والعجب منه أنه يُساوي بين حديث عائشة في وجوب الغسل بإلتقاء الختانين، وبين حديث عثمان وأبي في نفيه إلَّا بإنزال، وحديث عثمان ضعيف وكذلك حديث أُبَيّ؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى لما سمع وعلم ما كان أقوى منه، وقد ¬

_ (¬1) سبق تخريجه. (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 183 رقم 110). (¬3) كذا في "الأصل، ك" وهو من كلام الترمذي بعد الحديث، ولفظ الحديث: "ثم نهى عنها" راجع "جامع الترمذي".

قيل: يحتمل قول البخاري: "الغسل أحوط" يعني في الدين وهو باب مشهور في الأصول، وهو الأشبه بإمامة الرجل وعلمه. وروى مالك (¬1)، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعائشة أم المؤمنين، كانوا يقولون: "إذا مسّ الختان الختان فقد وجب الغسل". وقال ابن بطال: وقد رُوي عن عثمان وعلي وأبي بأسانيد حسان أنهم أفتوا بخلافه، والله أعلم. ص: حدثنا محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال ثنا حماد بن سلمة (ح). وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن عبد العزيز بن النعمان، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا التقى الختانان اغتسل". ش: هذان طريقان آخران، رجالهما ثقات. الأول: عن محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي أبي بكر البزّاز، عن سليمان بن حرب البصري، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن عبد الله بن رباح - بالباء الموحدة - عن عبد العزيز بن النعمان. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): عن عفان، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره، نحوه سواء. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد، عن ثابت ... إلى آخره (¬3). ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 45 رقم 102). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 123 رقم 24958). (¬3) أخرجه أحمد أيضًا (6/ 227 رقم 25944) عن أبي كامل، عن حماد، عن ثابت به.

ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: "ذكر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا ألتقى الختانان أيوجب الغسل؟ فقال أبو موسى: أنا آتيكم بعلم ذلك، فنهض وَتَبِعْتُه حتى أَتَى عائشة، فقال: يا أم المؤمنين، إني أُريد أن أسألك عن شيء، وأنا أستحي أن أسألك. قالت: فإنما أنا أمك. قال: إذا ألتقى الختانان أيجب الغسلُ؟ فقالت: كان رسول الله - عليه السلام - إذا التقى الختانان اغتسل". ش: إسناده صحيح، وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس. وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (¬1): أنا أبو عبد الله، وأبو زكريا، وأبو بكر، قالوا: أنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي، قال: أنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: "أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين فقال: لقد شق عليّ اختلاف أصحاب رسول الله - عليه السلام - في أمر إني لأُعظم أن أستقبلك به. فقالت: ما هو؟ ما كنت سائلا عنه أمك فَسَلْني عنه. فقال لها: الرجل يصيب أهله ثم يكسل ولا يُنزل. قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال أبو موسى: لا أسأل أحدا عن هذا بعدكِ أبدا". قال الإِمام أحمد (¬2): هذا إسناد صحيح إلَّا أنه موقوف على عائشة. وقال أبو عُمر (¬3): هذا الحديث موقوف في "الموطأ" (¬4) عند جماعة من رواته. وروى موسى بن طارق وأبو قرة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (1/ 259 رقم 250). (¬2) هذا ليس الإمام أحمد بن حنبل، وإنما هو أحمد بن الحسين البيهقي صاحب "معرفة السنن والآثار" ولعله اشتبه على المؤلف: راجع "معرفة السنن والآثار". (¬3) "التمهيد" (23/ 100). (¬4) "موطأ مالك" (1/ 46 رقم 104) وعنه الشافعي في "مسنده" (1/ 158) وفي اختلاف الحديث له (1/ 90).

ابن المسيب، عن أبي موسى، عن عائشة أن النبي - عليه السلام - قال: "إذا التقى الختانان؛ وجب الغسل". ولم يتابع على رفعه عن مالك. قوله: "فنهض" أي أبو موسى، أي قام، يقال: نهض ينهض نهضا ونهوضا إذا قام، وأَنْهَضته أنا فانتهَضَ. قوله: "أستحي" بياء واحدة، ويجوز فيه: "استحيي" بيائين. قوله: "سَلْ" أمر، من سأل يسأل، وأصله: اسأل، فخففت الهمزة بالحذف بعد أن أعطيت حركتها للسين، واستغني عن همزة الوصل فحذفت، فصار: سَلْ، على وزن فَلْ؛ لأن المحذوف منه: عين الفعل. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب قال: "كان أصحاب رسول الله - عليه السلام - يختلفون في الرجل يطأ امرأته، ثم ينصرف عنها قبل أن يُنزل، فذكر أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة فقال: لقد شق عليّ اختلاف أصحاب النبي - عليه السلام - في أمر، إني لأعظمك أن أستقبلك به. قالت: ما هو [مرارا] (¬2) فقال: الرجل يصيب أهله، ثم ينصرف ولم ينزل، قال: فقالت لي: إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: لا أسأل عن هذا أحدا بعدك أبدا". ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عياض بن عبد الله القرشي وابن لهيعة، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد اللهَ، قال: أخبرتني أم كلثوم، عن عائشة - رضي الله عنها -: "أن رجلًا سأل رسول الله - عليه السلام - عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل، هل عليه من غسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله - عليه السلام - إني لافْعلُ ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 248 رقم 954). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مصنف عبد الرزاق".

ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، ولا يضره عبد الله بن لهيعة؛ لأنه متَابَع، وأبو الزُبير اسمه محمَّد بن مسلم بن تَدْرس المكي، وأم كلثوم: بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وهي تابعية، روى لها مسلم. وأخرجه مسلم (¬1): عن هارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي، كلاهما عن ابن وهب ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "وعائشة جالسة" جملة وقعت حالا. قوله: "وهذه" إشارة إلى عائشة، وهو عطف على الضمير الذي في "لأَفعل". وقال القاضي عياض: وفيه غاية في البيان للسائل، بإخباره عن فعل نفسه، وأنه مما لا يرخص فيه. وفيه حجة على أن أفعاله - علية السلام - على الوجوب، ولولا ذلك لم يكن فيه حجة ولا بيان للسائل، وفيه أن ذكر مثل هذا على جهة الفائدة غير منكر من القول، وإنما ينكر عنه الإخبار عنه بصورة الفعل، وكشف ما يُستر به من ذلك ويحتشم من ذكره. ص: قالوا: فهذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله - عليه السلام - أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم يُنزل، فقيل لهم: هذه الآثار إنما تُخبر عن فعل رسول الله - عليه السلام - وقد يجوز أن يَفْعَل ما ليس عليه، والآثار الأول تُخْبُر عما يجبُ وما لا يجب؛ فهي أولى، فكان من الحجة لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأول أن الآثار التي رويناها في الفصل الأول من هذا الباب على ضربين: فضرب منهما "الماء من الماء" لا غير. وضرب منهما: أن رسول الله - عليه السلام - قال: "لا غسل على من أكسل حتى يُنْزِل" فأما ما كان من ذلك فيه ذكر "الماء من الماء" فإن ابن عباس - رضي الله عنهما - قد روي عنه في ذلك: أن مراد رسول الله - عليه السلام -[به قد] (¬2) كان غير ما حمله عليه أهل المقالة الأولى. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 273 رقم 350). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني".

حدثنا فهد قال: ثنا أبو غسّان، قال: ثنا شريك، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: "الماء من الماء؛ إنما ذلك في الاحتلام إذا رأى أنه يجامع ثم لم ينزل؛ فلا غسل عليه". فهذا ابن عباس قد أخْبر أن وجهه غير الوجه الذي حمله عليه أهل المقالة الأولى؛ فضاد قوله قولهم. وأما ما روي فيما بيّن فيه الأمر (¬1)، وأخْبَر فيه بالقصد وأنه لا غُسل [عليه] (¬2) في ذلك حتى يكون الماء، فإنه قد روي عن النبي - عليه السلام - خلاف ذلك. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا قعدَ بين شُعَبها الأربع ثم اجتهد، فقد وجب الغسل". ش: أي قالت الآخرون القائلون بوجوب الغسل بالايلاج مطلقا. "فهذه الآثار" أرادَ بها التي رُويت عن عائشة - رضي الله عنها - تخبر صريحا عن رسول الله - عليه السلام - أنه كان يغتسل إذا جامع وإن لم ينزل، فثبت أن بمجرد الإيلاج يجب الغسل. قوله: "فقيل لهم ... " إلى آخره، اعتراض على أهل المقالة الثانية، تحريره أن يقال: ما ذكرتم من الآثار إنما تخبر عن فعل رسول الله - عليه السلام - وقد يجوز أن يكون - عليه السلام - إنما كان يفعله بطريق الاستحباب لا بطريق الوجوب، فلا يتم الاستدلال بها على ما ادعيتم، وأما الآثار الأولى فإنها تخبر صريحا عما يجب وعما لا يجب، فتكون هذه أولى. ¬

_ (¬1) كُتب في الحاشية بعد قوله بَيَّنَ: "النبي - عليه السلام -" ولم يكتب فوقها "صح" علامة أنها من "الأصل"، وإنما كتب فوقها: "ح" أي إنها حاشية، ولم يعلم كاتبها، وليست في "شرح المعاني". ولعلها حاشية توضيحية من بعض من اطلع على الكتاب والله أعلم. (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح المعاني".

قوله: "فكان من الحجة" ... إلى آخره، جواب عن الاعتراض المذكور، ملخصه: أن آثاركم على قسمين: أحدهما: المذكور فيه: "الماء من الماء" فهذا ابن عباس - رضي الله عنهما - قد روي عنه أن مراد رسول الله - عليه السلام - من هذا هو أن يكون في الاحتلام، فهذا القول منه يُضادّ قولهم فلا تبقى لهم حجة. والآخر: ما بُيِّن فيه الأمر، وأنه لا يجب الغسل في ذلك إلا بالإنزال، فهذا أيضًا يخالفه ما روي عن النبي - عليه السلام - من قوله: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وجهدها؛ فقد وجب الغسل". فلا تبقى لهم حجة، فالقسم الأول ليس فيه النسخ، والثاني فيه النسخ، ومنهم من أثبت النسخ في القسمين جميعًا. ثم إسناد الحديث الأول جيّد حسن؛ لأن رجاله ثقات. وأبو غسّان اسمه مالك بن إسماعيل الكوفي، شيخ البخاري. وداود هو ابن أبي عوف أبو الجحّاف، وثقه ابن معين. وأخرجه الترمذي (¬1): عن علي بن حجر، عن شريك، عن أبي الجحاف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "إنما الماء من الماء في الاحتلام". وإسناد الحديث الثاني صحيح، وأبو رافع اسمه نفيع الصائغ. وأخرجه النسائي (¬2): عن إبراهيم بن يعقوب، عن عبد الله بن يوسف، عن عيسى بن يونس، عن أشعث بن عبد الملك، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه البخاري (¬3): عن معاذ بن فضالة، عن هشام، عن قتادة، عن الحسن، ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 186 رقم 112). (¬2) "المجتبى" (1/ 111 رقم 192). (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 110 رقم 287).

عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهّدها؛ فقد وجب الغسل". وأخرجه مسلم (¬1): عن زهير بن حرب (وآخرين) (¬2) عن معاذ بن هشْام، عن أبيه، عن قتادة إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (¬3) عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام وشعبة، عن قتادة ... إلى آخره، ولفظه: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل". وأخرجه ابن ماجه (¬4): عن ابن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي، عن قتادة ... إلى آخره نحوه. قوله: "بين شُعَبها" بضم الشين: النواحي، جمع شعبة، ويروى أشعبها جمع شعب. وقال ابن الأثير: الشعبة الطائفة من كل شيء والقطعة منه. واختلفوا في المراد بالشُعب الأربع، فقيل: هي اليدان والرجلان. وقيل: الرجلان والفخذان. وقيل: الرجلان والشفران. واختار القاضي عياض أن المراد: شعب الفرج الأربع، أي نواحيه الأربع، وكأنه يحوم على طلبه الحقيقة الموجبة للغسل. والأقرب أن يكون المراد: اليدين والرجلن، أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنَّيا عنه بذلك، يكتفي بما ذكر عن التصريح، وإنما رجح هذا لأنه أقرب إلى الحقيقة في الجلوس بينها، والضمير يرجع إلى المرأة وإن لم يمض ذكرها لدلالة السياق عليه كما في قوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (¬5). ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 271 رقم 348). (¬2) هم: أبو غسان المسمعي، ومحمد بن المثنى، وابن بشار، كما في "صحيح مسلم". (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 56 رقم 216). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 200 رقم 610). (¬5) سورة ص، آية: [32].

قوله: "ثم جَهَدها" بفتح الهاء، أي بلغ جهده فيها. وقيل: بلغ مشقتها. وقيل: كدها بحركته. قوله: "وألزق الختان" أي: موضع الختان؛ لأن الختان اسم للفعل، أي ألزق موضع الختان بموضع الختان منها. ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود البغدادي، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام وأبان، عن قتادة، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا همام وأبان، قالا: ثنا قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام -: "إذا جلس بين شعبها الأربع وأجْهد نفسه؛ فقد وجب الغسل أَنْزَلَ أو لم يُنزِلْ". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: هذا طريق آخر أيضًا، وهو أيضًا صحيح. عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): حدثني عمرو بن الهيثم أبو قطن، ثنا هشام، عن قتادة [عن الحسن] (¬3) عن أبي رافع، عن أبي هريرة -قال أبو قطن: في الكتاب مرفوع-: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جَهَدها؛ فقد وجب الغسل". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 347 رقم 8557) من طريق عفان، عن همام وأبان به. (¬2) "مسند أحمد" (2/ 234 رقم 7197). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد".

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة قالت: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم ألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل". ش: إسناده حسَن. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن إسماعيل بن عُلَيّةَ، عن علي بن زيد بن جدعان ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن حبان بن واسع، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل". ش: أحمد بن عبد الرحمن: المعروف ببَحْشَل، وعمّه: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال، وحَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- وقد روي هذا الحديث عن عائشة من وجوه كثيرة. ص: قال أبو جعفر: فهذه الآثار تُضَاد الآثار الأول، وليس في شيء من ذلك دليل على: الناسخ في ذلك ما هو؟ فنظرنا في ذلك؛ فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا الحِماني، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب قال: "إنما كان الماء من الماء في أول الإِسلام، فلما أحكم الله الأمور نهي عنه". ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رُويت عن أبي هريرة وعائشة المذكورة آنفا، ومضاددتها الآثار الأول ظاهرة؛ لأن فيها عدم الغُسل بلا إنزال، وها هنا وجوبه مطلقا، ولكن ليس في هذه الآثار شيء صريح يدل على النسخ؛ لعدم التعرض إلى شيء من التاريخ فنظرنا، فوجدنا حديث أبي بن كعب يصرح بانتساخ أحاديث "الماء من الماء" وهو الذي رواه الطحاوي عن علي بن شيبة، ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 84 رقم 929).

عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سهل بن سعد الصحابي - رضي الله عنه -. وأخرجه الترمذي (¬1): عن أحمد بن منيع، عن عبد الله بن المبارك ... إلى آخره نحوه، وقال: هذا حديث صحيح (¬2). ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال أخبرني عمرو بن الحارث، قال: قال ابن شهاب: حدثني بعض مَنْ أرضى، عن سهل بن سعد، أن أبي بن كعب الأنصاري أخبره: "أن رسول الله - عليه السلام - جعل الماء من الماء رخْصة في أول الإسلام، ثم نهى عن ذلك، وأمر بالغسل". ش: عمه هو عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث روى له الجماعة، وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. قلت: "بعض من أرضى" مجهول، والظاهر أنه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج. لأن البيهقي روى هذا الحديث (¬3) ثم قال: ورويناه بإسناد آخر موصول عن أبي حازم، عن سهل بن سعد. ويشبه أن يكون الزهري أخذه عن أبي حازم. ورواه معمر عن الزهري موقوفا على سهل، والحديث محفوظ عن سهل، عن أبي بن كعب. أخرجه أبو داود في كتاب "السنن" انتهى كلامه. وقال بعض شراح البخاري: فهذا كما ترى ابن شهاب قد صرح بعدم سماعه من سهل، وإن كان معروفا بالسماع منه. وقال البَيهقي: وهذا الحديث لم يسمعه الزهري من سعد. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 183 رقم 110). (¬2) في النسخة المطبوعة من "الجامع": حسن صحيح. (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 165 رقم 752).

وقال الحازمي: وقفه بعضهم على سهل، وروي بإسناد آخر موصى عن أبي حازم عن سهل. ولم يجر فيه الحازمي على الاصطلاح الحديثي، فإن قول سَهْل: "كان القول في الماء من الماء رخصة" داخل في المرفوع، وقول الزهري: "من أرضى"، ليس تعديلا للمحدث المبهم عند الجُمهور، ولسنا من تقليد الزهري في إيراد ولا صدر، الفهم إذا بَيَّين اسمه وعَدَّله. وقال: ابن حزم: هذا الرجل الذي لم يسمّه عمرو بن الحارث يُشبه أن يكون سلمة بن دينارة لأن مبشر بن إسماعيل روى هذا الخبر عن أبي غسّان محمدْ بن طريف، عن أبي حازم عن سهل. وقال ابن حبان في "صحيحه" (¬1) يشبه أن يكون الزهري سمع الخبر من سَهْلٍ -كما قاله غُنْدُر- وسمعه عن بعض منْ يَرْضاه عن سهل، فرواه مرة عن سهل ومرة عن الذي رضيه عنه، وقد تتبّعتُ طرق هذا الحديث على أن أَجد أحدا رواه عن سهل؛ فلم أجد أحدا في الدنيا رواه إلَّا أبا حَازم، فيُشْبه أن يكون المُبْهَم هُو، والله أعلم. وقال موسى بن هارون (¬2): وقد روى أبو حازم هذا الخبر عن سَهْل، وأظن ابن شهاب سمعه منه؛ لأنه لم يسمعه من سهل، وقد سمع من سهل أحاديث، فإن سمعه من أبي حازم؛ فإنه رَضِيٌّ كما قال. وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (¬3): إنما رواه ابن شهاب عن أبي حازم، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له. وأخرجه أبو داود (¬4): ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عَمرو- ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (3/ 447). (¬2) انظر "الاستذكار" لابن عبد البر (3/ 84، 85). (¬3) "الاستذكار" (3/ 94). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 55 رقم 214).

يَعْني ابن الحارث- عن ابن شهاب، قال: حدثني بعض مَنْ أرضى، أن سهل بن سعد الساعديّ أخبره، أن أبي بن كعب أخبره: "أن رسول الله - عليه السلام - إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإِسلام؛ لقلة الثياب، ثم أمر بالغُسْل، ونهى عن ذلك". قال أبو داود: يَعني "الماء من الماء". ص: حدثنا يّزيد بن سنان وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: قال سهل بن سَعْد الساعدي، قال: حدثني أبي بن كعب، ثم ذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وعبد الله بن صالح: كاتب الليث بن سعد، وعُقيل -بضم العين وفتح القاف-: هو ابن خالد الأيلي، وابن شهاب: هو محمَّد بن مسلم الزهريّ. ولم يصرح ابن شهاب في هذا بالسماع عن سهل بن سَعْدٍ، وإنما علّقه حيث قال: قال ابن سعد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): مُعَنْعَنا، ولكنه موقوف على سهل، فقال: ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن سهل بن سَعد قال: "إنما كان قول الأنصار: الماء من الماء، رخصة في أول الإسلام، ثم كان الغُسل بَعْدُ". وكذا أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2) وقال: نا معمر، عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي -وكان قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -- قال: "إنما كان قول الأنصار: الماء من الماء؛ رخصه في أول الإِسلام، ثم أخذنا بالغسل بعد ذلك إذا مسّ الختان الختان". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا هو أبي يُخبر أن هذا هو الناسخ لقوله: الماء من الماء". وقد رُوي عنه بعد ذلك من قوله: ما يَدُل على هذا أيضًا. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 86 رقم 952). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 248 رقم 951).

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب. (ح). وحدثنا يونس، أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب، عن محمود بن لبيد: "أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكْسِل ولا يُنْزل؛ فقال زيد - رضي الله عنه -: يَغْتسلُ. فقلت له: إن أبي بن كعب كان لا يرى فيه الغسل. فقال زيد: إن أُبَيّا قد نزع عن ذلك قبل أن يموت". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا أبي - رضي الله عنه - قد قال هذا، وقد رَوى عن النبي - عليه السلام - خلاف ذلك؛ فلا يجوز (هذا) (¬1) إلَّا وقد ثبت نسخ ذلك عنده من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ش: أي هذا أبي بن كعب يُخْبر في حديثه الذي روى عنه سهل بن سعد: أن حديث "الماء من الماء" منسوخ؛ لأنه صرح فيه أنه كان رخصة في أول الإسلام. قوله: "وقد روي عنه بعد ذلك من قوله: ما يدل على هذا أيضًا" أي قد روي عن أبي بن كعب بعد هذا الحديث المرفوع من قول نفسه ما يدل على أن حديث "الماء من الماء" منسوخ؛ وذلك لأن أُبَيّا كان ممن روى هذا الحديث عن النبي - عليه السلام -. ثم قوله بعد هذا ما يخالف ما رواه يدلّ على أن النسخ قد ثبت عنده من رسول الله - عليه السلام -. إذ لو لم يثبت عنده هذا؛ لما وسعه أن يخالف ما رواه. ثم إنه أخرج حديث أبي من طريقين صحيحين: أحدهما: عن علي بن شيبة بن الصلت البصري، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الله بن كعب الحميري مولى عثمان بن عفان، عن محمود بن لبيد بن عقبة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب، عن محمود بن لبيد قال: "سألت زيد بن ثابت عن الرجل ¬

_ (¬1) في "شرح معاني الآثار": هذا عندنا. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 86 رقم 949).

يجامع ثم لا ينزل؛ قال: عليه الغسل. قال: قلت له: إن أُبَيّا كان لا يرى ذلك. فقال: إن أُبَيّا نزع عن ذلك قبل أن يموت". وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (¬1): عن الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن محمود بن لبيد، قال: "قلت لزيد بن ثابت: إن أبي بن كعب كان يفتي بذلك. فقال زيد: إن أُبَيّا قد نزع عن ذلك قبل أن يموت". والآخر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬2): أنا أبو أحمد عبد الله بن محمَّد بن الحسن العدل، أنا أبو بكر محمَّد بن جعفر المزكي، نا محمَّد بن إبراهيم العبدي، ثنا يحيى بن بكير، ثنا مالك ... إلى آخره نحوه. قوله: "قد نزع [عن] (¬3) ذلك" أبي قد أَقلع وأمسك عن عدم الغسل من الإكسال. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب وعثمان وعائشة زوج النبي - عليه السلام - كانوا يقولون: إذا مَسَّ الختان الختان فقد وجب الغسل". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا عثمان أيضًا يقول هذا، وقد رَوَى عن رسول الله - عليه السلام - خلافه، فلا يجوز هذا إلَّا وقد ثبت النسخ عنده. ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 250 رقم 960). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 166 رقم 754). (¬3) في "الأصل، ك": من، والصواب ما أثبتناه كما في متن الحديث.

وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: "كان عمر وعثمان وعائشة والمهاجرون الأولون، يقولون: إذا مَسَّ الختان الختان وجب الغسل". وأخرجه البيهقي (¬2): من حديث مالك نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حميد الصائغ، قال: ثنا حبيب بن شهاب، عن أبيه، قال: "سألت أبا هريرة - رضي الله عنه -: ما يوجب الغسل؟ فقال: إذا غابت المُدَوَّرة". وعنه في هذا الباب ما يخالف ذلك. ش: إسناده صحيح، وحميد بن أبي زياد، وحبيب بن شهاب بن مُدْلج العنبري التميمي البصري. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا ابن علية، عن حبيب بن شهاب، عن أبيه قال: قال أبو هريرة: "إذا غابت المدورة فقد وجب الغسل". قوله: "المُدَّورة" بضم الميم: حشفة الذكر. قوله: "وعنه في هذا الباب ما يخالف ذلك" أي: وعن أبي هريرة في باب الغسل ما يخالف هذه الرواية، وذلك أنه قد روى فيما مضى عن النبي - عليه السلام - حديث: "الماء من الماء". فقوله هذا بعد روايته ما يخالفها يدل على ثبوت النسخ عنده، وفي بعض النُّسَخ: "وقد رَوَي عن رسول الله - عليه السلام - ما قد ذكرنا، فهذا أيضًا دليل على نسخ ذلك". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، وعن زيد بن أنيسة، عن عمرو بن مرة الجملي، عن سعيد بن المسيب قال: "كان ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 245 رقم 936). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 166 رقم 755). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 84 رقم 937).

رجال من الأنصار يفتون أن الرجل إذا جامع المرأة ولم ينزل فلا غسل عليه، وكان المهاجرون لا يتابعونهم على ذلك. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا يدل على نسخ ذلك أيضًا؛ لأن عثمان والزبير من المهاجرين، وقد سمعا من رسول الله - عليه السلام - ما قد روينا عنهما في أول هذا الباب، ثم قد قالا بخلاف ذلك، فلا يجوز ذلك منهما إلا وقد ثبت النسخ عندهما، ثم قد كشف ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بحضرة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين والأنصار، فلم يثبت ذلك عنده، فحمل الناس على غيره، وأمرهم بالغسل، ولم يعترض عليه في ذلك أحد، وسلموا ذلك له، فذلك دليل على رجوعهم أيضًا إلى قوله. ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح؛ ما خلا فهذا وعلي بن معبد. وأكَّدَ ما ذكره من النسخ بشيئين آخرين أيضًا؛ أحدهما: بعدم متابعة المهاجرين لإفتاء الأنصار. والثاني: بكشف عمر عن ذلك، وحمله الناس بعده على الغسل، وتسليم الصحابة له بذلك، فهذا كله مما يثبت النسخ. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حيَّة، قال: سمعت عبيد بن رفاعة الأنصاري يقول: "كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فتذاكروا الغسل من الإنزال، فقال زيد: ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة، فقام رجل من أهل المجلس فأتى عمر - رضي الله عنه - فأخبره بذلك، فقال عمر للرجل اذهب أنت بنفسك فأتني به حتى تكون أنت الشاهد عليه، فذهب فجاء به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله - عليه السلام - فيهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهما - فقال له عمر: كنت عُدَيُّ نفسه، تفتي الناس بهذا؟! فقال زيد أَمَ والله ما ابتدعته، ولكني سمعته من أعمامي: رفاعة بن رافع، ومن أبي أيوب الأنصاريَ،

فقال عمر: يا عباد الله، فمن أسأل بعدكم، وأنتم أهل بدرٍ الأخيار؟ فقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: فأرسل إلى أزواج النبي - عليه السلام -؛ فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرن عليه، فأرسل إلى حفصة فسألها، فقالت لا علم لي بذلك. ثم أرسل إلى عائشة - رضي الله عنها -، فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال عمر - رضي الله عنه - عند ذلك: لا أعلم أحدا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا". ش: هذا بيان قوله: "وقد كشف ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -" فهذا عمر قد كشف ذلك [عند] (¬1) الصحابة بعد أن أنكر على زيد بن ثابت فتواه، ثم لما جاءه خبر عائشة - رضي الله عنها - حمل الناس على وجوب الغسل من الإكسال، وأوعد من لم يغتسل [منه] (¬2) بالنكال، ووافقته الصحابة على ذلك، فانعقد إجماعا على وجوب الغسل بالإيلج وإن لم ينزل. ثم رجال الأثر المذكور ثقات، غير أن في عبد الله بن لهيعة مقالا. وأبو عبد الرحمن المقرئ اسمه عبد الله بن يزيد. ومعمر بن أبي حَيَّةَ -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- ويقال: ابن أبي حُيَيَّة-بضم الحاء وفتح الياء الأولى، وعبيد بن رفاعة، ذكره عبد الغني في الصحابة، وذكره ابن حبان في التابعين الثقات، وقال ابن الأثير: قيل: إنه أدرك النبي - عليه السلام -، في صحبته خلاف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة مولى ابنة صفوان، عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: "بينا أنا عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذ دخل عليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا زيد بن ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "عن". (¬2) في "الأصل، ك": "عنه". (¬3) مصنف ابن أبي شيبة (1/ 85 رقم 947).

ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: عَلَيَّ به، فجاء زيد، فلما رآه عمر - رضي الله عنه - قال: أي عدوَّ نفسه، قد بلغت أن تفتي الناس برأيك، فقال: يا أمير المؤمنين، بالله ما فعلت، لكني سمعت من أعمامي حديثا، فحدثت به، من أبي أيوب، ومن أبي بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع، فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل لم يغتسل؟ فقال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يأتنا من الله فيه تحريم، ولم يكن من رسول الله - عليه السلام - فيه نهي، قال: رسول الله - عليه السلام - يعلم ذلك؟ قال لا أدري، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فجمعوا له، فشاورهم، فأشار الناس: ألَّا غسل في ذلك؛ إلَّا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قالا: إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، فقال عمر - رضي الله عنه -: هذا وأنتم أصحاب بدر وقد اختلفتم، فَمَنْ بعدكم أشدُّ اختلافا، قال: فقال علي: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحدٌ أعلمَ بهذا من شأن رسول الله - عليه السلام - من أزواجه، فأرسل إلى حفصة - رضي الله عنها -؛ فقالت: لا علم لي بهذا، فأرسل إلى عائشة - رضي الله عنها -، فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال عمر - رضي الله عنه -: لا أسمع برجل فعل ذلك إلَّا أوجعته ضربا". قوله: "أنت عُدَيّ نفسه" بضم العين، وفتح الدال، مصغر عَدوّ؛ لأن العدو إذا صُغِّر يكون على عُدَيْو، على وزن فعيل ثم تقلب الواو ياء، وتدغم الياء في الياء، وقد جاء في رواية ابن أبي شيبة وغيره بالتكبير. قوله: "أَمَ والله" أصله "أمَاَ" بالفتح والتخفيف، وهو في كلام العرب على وجهين: أحدهما: أن يكون حرف استفتاح، بمنزلة "ألا"، ويكثر قبل القسم، وقد يحذف الألف مع ترك الإبدال، وها هنا كذلك. والثاني: أن يكون بمعنى حقّا، وفيه خلاف. قوله: "ظهرن عليه" بمعنى أحطن به علمًا، من قولهم: ظهرنا عليهم. أي غلبناهم وأحطنا بهم، وأصل الظهور: التبيّن.

قوله: "نكالا" أي عبرة لغيره، بمعنى يوقع به نكالا حتى يصير عبرة لغيره. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن نمير، قال: ثنا ابن إدريس، عن محمَّد بن إسحاق ... (¬1) عن أبي جعفر محمَّد بن علي، قال: "أجمع المهاجرون أنه ما أوجب عليه الحدّ من الجلد والرجم؛ أوْجَب الغُسْلَ، أبو بكر، وعمر، وعثمان وعَليّ - رضي الله عنهم -. ش: رجاله ثقات، والحجاج هو ابن أرطاة الكوفي القاضي، روى له مسلم مقرونا بغيره (¬2). ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - المعروف بالباقر. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3) عن حفص، عن حجاج ... إلى آخره نحوه. قوله: "ما أوجب عليه الحدّ من الجلد والرجم" أي: كل شيء أوجب عليه الحد إما جلد وإما رجم فهو يوجب الغسل، ومجاوزة الختان الختان توجب الجلد في غير المحصن، والرجم في المحصن، فكذا توجب الاغتسال، وكذا يثبت بها التحليل للزوج الأول، والإنزال ليس بشرط؛ ولهذا يحصل التحليل بإدخال المراهق. ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله: "في الرجل يُجامع فلا ينزل، قال: إذا بلغتُ ذلك اغتسلت". ش: رجاله ثقات أَجِلَّاء، وهو من مراسيل إبراهيم النخعي؛ لأن إبراهيم لم يدرك عبد الله بن مسعود. ¬

_ (¬1) سقط من "الأصل، ك" بمقدار ورقة. (¬2) في حديثه لين، وكان يدلس ولم يصرح بالتحديث في هذا الإسناد، وانظر ترجمته في "ميزان الاعتدال" (2/ 197، 198). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 85 رقم 941).

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا محمَّد بن النضر الأزدي، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن منصور، عن إبراهيم قال: "سئل عبد الله عن الرجل يجامع (المرأة) (¬2) فلا يُمْنِي. قال: أما أنا فإذا بلغت ذلك من المرأة اغتسلت". قوله: "في الرجل" أي في حكم الرجل الذي يجامع من غير إنزال. قوله: "يجامع" جملة وقعت حالا عن الرجل، ويجوز أن تكون صفة، باعتبار زيادة الألف واللام، أو باعتبار أن الألف واللام إذا كان لتعريف الجنس يكون قريبا من النكرة. قوله: "إذا بلغتُ ذلك" بضم التاء، أي إذا بلغت أنا ذلك، أي الفعل المذكور في المرأة، يعني إذا جامعت أنا ولم أنزل؛ اغتسلت. فهذا عبد الله أيضًا يَرَى الاغتسالَ لمجرّد الإيلاج. ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، مثله. ش: هذا طريق آخر صحيح مسند؛ لأن إبراهيم في هذا روى عن علقمة، عن عبد الله، وسفيان: هو الثوري، والأعمش: سليمان. وأخرجه ابن أبي شيبة (¬3): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "أما أنا فإذا بلغت ذلك منها اغتسلت". ص: حدثنا يونُسُ، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "إذا خلف الختان الختان؛ فقد وجب الغسل". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه مالك في "موطأه" (¬4). ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (9/ 253 رقم 9253). (¬2) في "المعجم الكبير": امرأته. (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 84 رقم 938). (¬4) "موطأ مالك" (1/ 47 رقم 106) بلفظ: "إذا جاوز الختان ... " إلخ.

قوله: "إذا خَلَفَ الختان الختان" معناه: إذا صار أحدهما موضع الآخر، وهو عبارة عن مجاوزة أحدهما الآخر بعد الملاقاة، كما يقال: خلافُ فلان فلانا إذا كان عوضه خليفة عنه، وهو بتخفيف اللام. وأما بالتشديد فمعناه التأخير، يقال: خَلَّفتُ فلانا ورائي فَتَخَلَّف عني، أي تأخر. فافهم. ص: حدثنا رَوْحٌ، قال: حدثنا ابن بُكير، قال: ثنا حماد بن زيد، عن الصَقْعَب، عن (عبد الرحمن) (¬1) بن الأسود، قال: "وكان أبي يَبْعثني إلى عائشة - رضي الله عنها - قبل أن احتلم، فلما احتلمت، جئت فناديتُ، فقلتُ: ما يوجَب الغسل؟ قالت: إذا التقت المواسي". ش: إسناده صحيح، وروح: هو ابن الفرج القطان. وابن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير. والصقعب بن زهير بن عبد الله، وثقة ابن حبان. وعبد الرحمن بن الأسود النخعي الكوفي، وقد رأيت في نسخ عديدة عبد الله ابن الأسود موضع عبد الرحمن، وهو غلط أو تحريف، وأبوه: الأسود بن زيد، صاحب عبد الله بن مسعود، تابعي مشهور. وأخرجه محمد بن سعد في "الطبقات" (¬2): أنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: "بعثني أبي إلى عائشة أسألها سنة احتلمت فأتيتها، فناديتها من وراء الحجاب، فقالت: أفعلتَها أَيْ لُكَعُ؟ قلت: قال لك أبي: ما يوجب الغسل؟ قالت إذا التقت المواسي". وأخرجه أيضًا الحافظ أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في "تاريخه": ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن زيد، ثنا الصقعب ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) في "شرح معاني الآثار": عبد الله، وهو تحريف، نبه عليه المؤلف في شرحه. (¬2) "الطبقات الكبرى" (6/ 289).

ورواه البخاريّ في "تاريخه" (¬1): من وجه آخر: عن أبي نعيم، عن العلاء بن زهير، قال: حدثني عبد الرحمن بن الأسود، قال: "كنت أدخل على عائشة - رضي الله عنها - بغير إذن وأنا غلام، حتى إذا احتلمت استأذنت ... " الحديث (¬2). قوله: "إذا التقت المواسي" كناية عن التقاء الختانين؛ لأن الختان يكون بالمُوسَى، فذكرت المواسي وأرادت بها المواضع التي تختن بها، وهذه من أحسن الكلمات، حيث صدرت من امرأة عظيمة الشأن، لشاب أَوّل ما احتلم، وكلاهُما بصدد الحياء والخجل، فَخَاطَبَتْهُ بما يُفْهِمُه من غير ذكر لما يُسْتَحى منه، ونظير ذلك من الكناية: ما جاء في حديث عمر - رضي الله عنه - "أن يقتلوا من جرت عليه المواسي" (¬3) أراد به من نبتت عانته؛ لأن المواسي إنما تجري على مَنْ أَنْبتَ، والمواسي جمع مُوسَى. قال الجوهري: الموُسَى: ما يحلق به، ذكره في باب وَسَيَ؛ ليدل على أن ميمه زائدة، يقال: أوسى رأسه أي حَلقَ. ص: حدثنا يُونَس، قال: ثنا ابنُ وهب، أن مالكا حدثه، عن أبي النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: "سألت عائشة - رضي الله عنها - ما يوجب الغسل؟ فقالت: إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغُسل". ش: إسناده صحيح مصريّ ومدنيّ، وأبو النضر -بالنون والضاد المعجمة- واسمه سالم بن أبي أمية القرشي المدني. وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما - ¬

_ (¬1) "التاريخ الكبير" (5/ 852). (¬2) وأخرجه الدارقطني في "سننه" من طريق أبي نعيم عن العلاء ... إلى آخره بنحوه (2/ 189 رقم 41). (¬3) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (6/ 483 رقم 33119). وكذا في (6/ 484 رقم 33129). وأخرجه البيهقي في "الكبرى" (9/ 198 رقم 18480). وغيرهم.

وأخرج ابن أبي شيبة (¬1): نحوه من حديث عطاء عن عائشة. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت: "إذا التقى الختانان وجب الغسل". ش: إسناده صحيح، وعبيد الله: هو ابن عَمروَ الرَّقي، وعبد الكريم هو ابن مالك الجزري الحراني. وأخرج العدني في "مسنده" نحوه موقوفا ومرفوعا. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: ثنا جُويرية بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: "وإذا أخلف الختان الختان فقد وجب الغسل". ش: إسناده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا أبو أسامة، عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر قال: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل". قوله: "أخلف" لغة في خلف، والمعنى: إذا جاوز الختان الختان وقد ذكرنا تحقيقه عن قريب. ص: حدثنا أحمد، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن زرّ، عن علي - رضي الله عنه -، مثله. ش: إسناده صحيح، وأحمد: هو ابن داود المكي، شيخ الطبراني ثقة. ومُسَدد: هو ابن مُسرهد، شيخ البخاري وأبي داود. وعاصم: هو ابن بَهْدلة، وهو ابن أبي النجود الكوفي المقرئ، أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة الشيخان مقرونا بغيره. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 84 رقم 930). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة " (1/ 86 رقم 951).

وزِرّ -بكسر الزاي وتشديد الراء-: هو ابن حبيش الكوفي، مخضرم، روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة "مصنفه" (¬1): ثنا أبو بكر بن عيّاش، عن عاصم، عن زرّ، عن عليّ قال: "إذا التقى الختانان (وجب) (¬2) الغسل". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فثبت بهذه الآثار التي رويناها صحة قول من ذهب إلى وجوب الغسل بالتقاء الختانين، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن الجماع في الفرج الذي لا إنزال معه حدث، فقال قوم: هو أَغْلظ الأحداث فأوجبوا فيه أغلظ الطهارات، وهو الغسل. وقال قوم: هو كأخف الأحداث، فأوجبوا فيه أخف الطهارات، وهو الوضوء، فأردنا أن ننظر إلى التقاء الختانين؛ هل هو أغلظ الأشياء فنُوجب فيه أغلظ ما يجب في ذلك؟ فوجدنا أشياء يُوجبها الجماع، وهي: فساد الصوم والحج، فكان ذلك بالتقاء الختانين وإن لم يكن معه إنزال، ويوجب ذلك في الحج الدم وقضاء الحج، ويوجب في الصيام القضاء والكفارة في قول مَنْ يوجبها. ولو كان جامع فيما دون الفرج؛ وجب عليه في الحج دم فقط، ولم يجب عليه في الصيام شيء إلَّا أن ينزل، وكلُ ذلك محرَّمٌ عليه في حجه وصيامه. وكان من زَنَى بامرأةٍ حُدَّ وإن لم يُنَزل، ولو فعل ذلك على وجه شبهة فسقط بها الحدّ عنه؛ وجب عليه المهر. وكان لو جامعها فيما دون الفرج لم يجب في ذلك عليه حَدٌّ ولا مهر، ولكنه يعزَّر إذا لم تكن هناك شُبهة. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 84 رقم 933). (¬2) في "المصنف": فقد وجب.

وكان الرجل إذا تزوج امرأة فجامعها جماعا لا خلوة معه في الفرج، ثم طلقها، كان عليه المهر، أنزل أو لم يُنزل، ووجبت عليها العدة، وأحلّها ذلك لزوجها الأول، ولو جامعها فيما دون الفرج لم يجب [عليه] (¬1) في ذلك شيء، وكان عليه في الطلاق نصف المهر إن كان سمّى لها مهرا، أو المتعة إذا لم يكن سمّى لها مهرا، فكان يجب في هذه الأشياء التي وصفنا التي لا إنزال معها، أغلظ ما يجب في الجماع الذي معه الإنزال من الحدود والمهور وغير ذلك. فالنظر على ذلك، أن يكون كذلك هو في [حكم] (¬2) الأحداث، أغلظ الأحداث، ويجب فيه أغلظ ما يجب في الأحداث، وهو الغسل. ش: مُلَخّص وجه النظر والقياس: أنه مبني على مقدمة مُسلَّمَةٌ عند الكل، وهي أن الجماع في الفرج بلا إنزال حديث، ولكن الخلاف في صفته، فقال قومُ وهم الأئمة الأربعة ومن تبعهم: هو حدث غليظٌ؛ فَيجب فيه طهارة غليظة وهو الغسل. وقال قوم وهم عطاء، والأعمش، وهشام، وداودُ: هو حدث خفيف، فتجب فيه طهارة خفيفة، وهو الوضوء. ثم نظرنا فيه فوجَدْنا أشياء تتعلقٌ به كما تتعلق بالجماع في الفرج بالإنزال، وهي: فساد الصوم والحج، ووجوب الحدّ والمهر عند سقوطه بالشبهة، ووجوب العدة والتحليل للزوج الأول، فإذا تساويا في هذه الأشياء فالنظر عليه تساويهما في أغلظ الطهارات؛ وهي الغُسل. ويؤيد ذلك ما روي عن عكرمة: "توجب القتل والرجم، ولا توجب إناء من ماء؟ ". ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "شيء عليم" ولعل "شيء عليه" هذه زائدة أو سبق قلم من المؤلف، أو تكون هذه من أصل الكلام وتحذف الأخيرة من الجملة ... (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن ابن عُلَيّه عنه. وروى أيضًا (¬2): عن وكيع، عن ابن عون، عن الشعبي قال: قال شريح: "أتوجب أربعة آلاف، ولا توجب إناء من ماء؟ يعني في الذي يخالط ثم لا ينزل" وفي رواية عبد الرزاق (¬3): "ولا توجب قدحا من ماء؟ ". ص: وحجة أخرى في ذلك: أنا رأينا هذه الأشياء التي وجبت بالتقاء الختانين إذا كان بعدها الإنزال، لم يجب بالإنزال حكم ثان، وإنما الحكم لالتقاء الختانين، ألا ترى أن رجلًا لو جامع امرأة جماع زنا فالتقى ختاناهما وجب الحد عليهما بذلك؟ ولو أقام عليها حتى أنزل لم يجب عليه في ذلك الإنزال شيء بعدما وجب بالتقاء الختانين، وكان ما يحكم به في هذه الأشياء على من جامع فأنزل هو ما يحكم به عليه إذا جامع ولم يُنْزل، وكان الحكم في ذلك لالتقاء الختانين لا للإنزال الذي يكون بعده، فالنظر على ذلك أن يكون الغسل الذي يجب على من جامع وأنزل هو بالتقاء الختانين، لا بالأنزال الذي يكون بعده، فثبت بذلك قول الذين قالوا: إن الجماع يوجب الغسل كان معه إنزال أو لم يكن، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد، وعامّة العلماء - رحمهم الله. ش: مُلخَّص هذه الحجة: أن الأشياء التي ذكرناها في الحجة الأولى وجدناها متعلقة بمجرد التقاء الختانين، فالنظر عليه أن يكون الغسل الذي يجب على من جامع وأنزل بالتقاء الختانين لا بالإنزال الذي يكون بعده، وتعليق الأشياء المذكورة بالتقاء الختانين والغسل بالإنزال في محل واحد في حكم واحد خارج عن القياس والنظر. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 85 رقم 944). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 85 رقم 943). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 246 رقم 944).

ص: وحجة أخرى في ذلك: أن فهذا حدثنا، قال: ثنا علي بن مَعبد، قال: ثنا عبيد الله، عن زيد، عن جابر -هو بن يزيد- عن أبي صالح قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب فقال: "إن نساء الأنصار يُفْتَين أن الرجل إذا جامع فلم يُنْزل كان على المرأة الغسل، وأنه لا غسل عليه، وأنه ليس كما أُفْتَيْن؛ إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل". قال أبو جعفر -رحمه الله-: معنى هذا أن الأنصار كانوا يَروْن أن الماء من الماء، إنما هو في الرجال المجامعين، لا في النساء المجامَعَات، وأن المخالطة توجب على النساء وإن لم يكن معها إنزال، وقد رأينا الإنزال يستوي فيه حكم النساء والرجال في وجوب الغسل عليهم، فالنظر على ذلك: أن يكون حكم المخالطة التي لا إنزال معها يستوي فيها حكم الرجال والنساء في وجوب الغسل عليهم. ش: تحرير هذه الحجة: أن الأنصار كانوا يفتون لنسائهم بوجوب الغسل عليهن عند الإكسال، ولا يَروْن ذلك على الرجال، والدليل على ذلك ما رواه أبو صالح عن عمر، وهو مولاه، ولا يعرف له اسم، وثقه ابن حبان. روى عنه جابر بن يزيد الجعفي، فيه مقال كثير، ومنهم من وثقه. وروي عنه عبيد الله بن عمرو الرقيّ. وقد وجدنا حكم الرجال والنساء سواء في الجماع الذي بالإنزال؛ فالنظر عليه: أن يكون حكمهما سواء في الأكسال. قوله: "يفْتَيْنَ" على صيغة المجهول من المضارع. قلت: "أُفْتَيْن" على صيغة المجهول في الماضي، فافهم.

حقوق الطبع محفوظة لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية إدارة الشئون الإسلامية دولة قطر الطبعة الأولى / 1429 هـ -2008 م قامت بعمليات الإخراج الفني والطباعة دار النوادر لصاحبها ومديرها العام نور الدين طالب سوريا- دمشق -ص. ب: 24306 لبنان- بيروت- ص. ب: 5180/ 14 هاتف: 00963112227001 - فاكس 00963112227011 www.daralnawader.com

ص: باب: أكل ما غيرت النار هل يوجب الوضوء أم لا؟

ص: باب: أكل ما غيرت النار هل يوجب الوضوء أم لا؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم أكل ما مسته النار، هل يوجب الوضوء أم لا؟ ولما فرغ عن بيان حكم الطهارتين شرع في بيان ما يوجب الوضوء وما لا يوجب، وما ينقضه وما لا ينقضه. ص: حدثنا ابن أبي داود، وأحمد بن داود، قالا: ثنا أبو عمر الحَوْضي، قال: نا همام، عن مطر الورّاق، قال: "قلت: عَمَّن أخذ الحسن الوضوء مما غيرت النار؟ قال: أخذه الحسن عن أنس، وأخذه أنس عن أبي طلحة، وأخذه أبو طلحة عن رسول الله - عليه السلام -". ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو عمر اسمه حفص بن عمر، ونسبته إلى حوض داود مَحِلَّةٌ ببغداد. وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري، الصحابي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن عفّان، عن همام ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهريّ، قال: حدثني أبي، عن أبيه -وهو محمَّد بن عبد الله القاري- عن أبي طلحة صاحب رسول الله - عليه السلام -: "أنه أكل ثَوْرَ أقطٍ، فتوضأ منه. قال عمرو: الثور: القطعة. ش: إسناده صحيح، والقاريّ -بتشديد الياء- نسبة إلى قارة وهم بنو الهُون ابن خريمة. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 53 رقم 552). ولفظه: "قيل لمطر الوراق وأنا عنده: عمن ... " إلخ.

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): عن علي بن عبد العزيز، عن سعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي طلحة ... إلى آخره نحوه. قوله: "ثور أقط" بإضافة ثور إلى أقط، والثور -بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو-: هو القطعة من الأقط ويجمع على أثوار. وقال الجوهري: والجمع: ثِوَرَة وكذا يجيئ جمع الثور من البقر: ثِوَرَة. وقال المبرد: يقولون: ثمرة للفرق بين الجَمْعين. والأقِط -بفتح الهمزة وكسر القاف-: لبن جامد مستحجر، وربما تُسَكَّن القاف في الشعر وتُنقل حركتها إلى ما قبلها. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله - عليه السلام - قال: "توضئوا مما غَيَّرَتِ النار". ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكَّار القاضي. وأبو عامر: هو عبد الملك بن عمرو العقدي البصري. وابن أبي ذئب: هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب. والزهري هو محمَّد بن مسلم. وأخرجه النسائي (¬2): أبنا هشام بن عبد الملك [حدثنا محمَّد] (¬3) ثنا الزبيدي أخبرني الزهري ... إلى آخره، نحوه سواء. ¬

_ (¬1) "معجم الطبراني الكبير" (5/ 155 رقم 4734). (¬2) "المجتبى" (1/ 107 رقم 179). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن النسائي"، ومحمد هو ابن حرب الخولاني كما في الطريق الذي يليه في "سنن النسائي".

قوله: "مما غيرت النار" أي مما غيرته، والمفعول محذوف، وهو يتناول كل شيء تغيره النار من المأكولات. ص: حدثنا ابن أبي داود وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب ... فذكر مثله بإسناده. ش: إسناده صحيح، وعبد الرحمن بن خالد كان أمير مصر لعبد الملك بن مروان، روى له البخاريّ. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، قال: قال محمَّد بن مسلم، أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام، أن خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري أخبره، أن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "توضئوا مما مَسَّتِ النار". ص: حدثنا نصر بن مرزوق، وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيْل، عن ابن شهاب ... فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وعُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره، أن أباه زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول يقول: "توضئوا مما مَسَّت النار". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (5/ 128 رقم 4835). (¬2) "مسند أحمد" (5/ 188 رقم 21685).

ص: حدثنا نصر بن مرزوق، وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، أنه سأل عروة بن الزبير عن ذلك، فقال عروة: سمعت عائشة - رضي الله عنها - تقى: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ... فذكر مثله. ش: إسناده صحيح، وسعيد بن خالد روى له مسلم (¬1) هذا الحديث فقط، وقال: ثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عقيل بن خالد قال: قال ابن شهاب: أخبرني سعيد بن خالد ... إلى آخره نحوه سواء. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى ابن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة أخبره: "أنه دخل على أم حبيبة زوج النبي - عليه السلام - فدعت له بسويق فشرب، ثم قالت: يا ابن أخي، توضأ. فقال: إني لم أُحْدِث شيئا! فقالت: إن رسول الله - عليه السلام - قال: توضئوا مما مست النار". ش: إسناده صحيح، وأبو سفيان بن سعيد وثقه ابن حبان. وأم حبيبة اسمها رَمْلَة بنت أبي سفيان، زوج النبي - عليه السلام -. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سفيان بن المغيرة بن الأخنس: "أنه دخل على أم حبيبة، فسقته سَوِيْقًا، ثم قام يصلي، فقالت له: توضأ يا ابن أخي، فإني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: توضئوا مما مست النار". وأخرجه أبو داود (¬3): ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان، عن يحيى - ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 272 رقم 351). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 327 رقم 26826). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 50 رقم 195).

يعني ابن أبي كثير- عن أبي سلمة، أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة حدثه: "أنه دخل على أم حبيبة، فسقته قدحا من سويق، فدعى بماء فمضمض، قالت: يا ابن أخي، ألا تتوضأ؟ إن رسول الله - عليه السلام - قال: توضئوا مما غَيَّرَتِ النار -أو مست النار". قوله: "مما مست النار" أي: مما أصابته النار. ص: حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: ثنا إسحاق بن بكر بن مضر، قال: ثنا أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس، عن أم حبيبة، مثله، غير أنه قال: "يا ابن أختي". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وأبو سفيان بن سعيد هو المذكور في الطريق الذي قبله، وهو ابن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي. وأخرجه النسائي (¬1): أنا هشام بن عبد الملك، ثنا ابن حرب، قال: ثنا الزُّبَيْدي، عن الزهري، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق: "أنه دخل على أم حبيبة زوج النبي - عليه السلام - وهي خالته، فسقته سويقا، ثم قالت له: توضأ يا ابن أختي؛ فإن رسول الله - عليه السلام - قال: توضئوا مما مست النار". قوله: "غير أنه قال: يا ابن أختي" هكذا وقع في رواية أبي داود والنسائي كما ذكرنا، ووقع كلاهما في رواية الطحاوي، ووقع في رواية أحمد: "يا ابن أخي" كما ذكرنا، وفي رواية أخرى له: "يا ابن الأخ". ص: حدثنا ابنُ أبي داود وفهدٌ، قالا: أنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 107 رقم 180).

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1) مختصرا: أنا موسى بن عيسى، أنا أبو اليمان، نا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس، عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله - عليه السلام -: "توضئوا مما مسّت النار". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيدُ بن عامر، قال: حدثنا محمَّد بن عَمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "توضئوا مما غيرت النار ولو من ثور أقط". ش: إسناده حسن جيد. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا يزيد بن هارون، أنا [محمد] (¬3) عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، نحوه سواء. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "توضئوا من ثور أقط". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا حسن جَيَّد. وأخرجه الحديث في "مسنده": ثنا الدراورديّ، عن محمَّد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "توضئوا مما مست النار ولو من أثوار أقط". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدَّمِيُّ، قال: ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنها - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "توضؤوا مما مست النار ولو من ثور أقط، فقال ابن عباس: يا أبا هريرة، فإنا ندهن بالدهن وقد سخن بالنار! ونتوضأ بالماء وقد سخن بالنار! فقال: يا ابن أخي، إذا سمعت الحديث من رسول الله - عليه السلام - فلا تضرِبْ له الأمثال". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (23/ 239 رقم 467). (¬2) "مسند أحمد" (2/ 503 رقم 10549). (¬3) في "الأصل، ك": محمَّد بن، ولفظة: "بن" مقحمة، وليست في "المسند".

ش: إسناده صحيح، والمُقدَّمي هو محمَّد بن أبي بكر بن عطاء بن مقَدَّم- بفتح الدال. وأخرجه الترمذي (¬1): ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط. قال: فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة، (أتوضأ) (¬2) من الدهن، (أتوضأ) (¬3) من الحميم؟! قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي، إذا سمعت حديثا عن رسول الله - عليه السلام - فلا تضرب له مثلا". قوله: "وقد سخن" جملة فعلية وقعت حالا في الموضعين. قوله: "فلا تضرب له الأمثال" أي لا تصف له الأمثال، يقال: ضرب مثلا. أي وَصَفَ وَبَيَّنَ. إنما قال له هكذا لأنه فهم منه الإنكار عليه. "والحَميم" بفتح الحاء: الماء الحار. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا بكر بن مضر. قال: ثنا الحارث بن يعقوب، أن عراك بن مالك أخبره، قال: سمعت أبا هريرة يَقولُ: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "توضؤوا مما مسّت النار". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه السّراج في "مسنده": ثنا الحسن بن عبد العزيز الجَرويُّ، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا بكر بن مضر ... إلى آخره نحوه سواء. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي": (1/ 114 رقم 79). (¬2) كذا في "الأصل، ك" على الإفراد، وفي "جامع الترمذي": "أنتوضأ" بصيغة الجمع. (¬3) سبق تخريجه.

ص: حدثنا ربيع الجيزيّ، قال: ثنا إسحاق بن بكر بن مضر، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سَوادة، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ قال: "رأيت أبا هريرة يتوضأ على ظهر المسجد، فقال: قلت أثوارَ أقطٍ فتوضأت؛ إني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: توضئوا مما مست النار". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وعمر بن عبد العزيز هو: الخليفة العادل والإمام الصالح. وأخرجه النسائي (¬1) وقال: أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود، قال: ثنا إسحاق ابن بكر ... إلى آخره نحوه سواء. وهذا مما اشترك فيه الطحاوي والنسائي في تخريجه عن شيخ واحد. قوله: "أثوار أقط" بالإضافة، والأثوار جمع ثور وقد فسرناه. ص: حدثنا فهد وابن أبي داود، قالا: نا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن فهد بن سليمان وإبراهيم بن أبي داود البولّسي، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن قارظ، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (¬2): نا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عُقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره، أن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "الوضوء مما مسّت النار". ¬

_ (¬1) "المجتبى" (01/ 105 رقم 173). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 272 رقم 351) وقد تقدم قريبًا.

قال ابن شهاب (¬1): أخبرني عمر بن عبد العزيز، أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره، "أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط كلتها، سمعت رسول الله - عليه السلام -[يقول]، (¬2) توضئوا مما مست النار". ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان بن يزيد، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن المُطلب بن حنطب، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وأخرجه النسائي (¬3)، أنا إبراهيم بن يعقوب، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا أبي، عن حسين المعلم، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن عَمرو الأوزاعي، أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب يقول: قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالا لأن النار مسته؟! فجمع أبو هريرة حصى فقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله - عليه السلام - قال: توضئوا مما مست النار". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن يحيى فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو المُقْعد البصري شيخ البخاريّ، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن المطلب بن حنطب، عن أبي هريرة. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 272 رقم 352). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح مسلم". (¬3) "المجتبى" (1/ 105 رقم 174).

وأخرجه السّراج في "مسنده" من حديث يحيى، عن الأوزاعي، عن المطلب بن حنطب، عن ابن عباس قال: "أتوضأ من طعام أجده حلالًا في كتاب الله -عز وجل- لأن النار محشته؟! فجمع أبو هريرة حصى وقال: أشهد عدد هذا الحصى، سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: توضئوا مما غيرت النار". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ عن معاوية بن صالح، عن سليمان أبي الربيع، عن القاسم مولى معاوية، قال: "أتيت المسجد، فرأيت الناس مجتمعين على شيخ يحدثهم، قلت: من هذا؟ قالوا: سهل بن الحنظلية. فسمعته يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أكل لحما فليتوضأ". ش: إسناده جيد، ويحيى بن معين: الحجة الثبت في الحديث ورجاله. وسليمان: هو ابن موسى أبو الربيع، الدمشقي الأسدي الأشدق (¬1)، روى له الجماعة إلَّا البخاري. والقاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى معاوية بن أبي سفيان، وثقه يحيى بن معين والعجلي والترمذي، وضعفه جماعة، وروى له الأربعة. ¬

_ (¬1) كذا قال، وهو احتمال بعيد، فلا يعلم أن سليمان بن موسى الأشدق يكنى أبا الربيع، ولما أخرج الإِمام أحمد هذا الحديث قال: هو سليمان بن عبد الرحمن الذي روى عنه شعبة وليث ابن سعد. كذا قال ويقصد به سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى المترجم في "تهذيب الكمال" (12/ 32) ولكنه يكنى أبا عمرو أو أبا عُمر. وكذا قال الخطيب البغدادي في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (2/ 122) في ترجمة سليمان ابن عبد الرحمن الشامي، فقال وهو سليمان أبو الربيع الذي روى عنه معاوية بن صالح ... إلخ. وأما البخاري فقال في "تاريخه الكبير" (4/ 12): وقال بعضهم: هو ابن عبد الرحمن ولم يصح، ويقال لسليمان: أبو عمر الأسدي. وكأنه يشير إلى الاختلاف في كنية هذا مع صاحب الترجمة. وصنيع ابن أبي حاتم في "الجرح " (4/ 152) يوافق صنيع البخاري، وكأنهم ذهبوا إلى تجهيله، والله أعلم.

وسهل بن الحنظلية: هو سهل بن عَمرو -والحنظلية أمه- الأنصاري الصحابي. وأخرجه أحمد في "مسنده": ثنا عبد الرحمن بن مهدي ... إلى آخره ونحوه. ولفظه: "دخلت مسجد دمشق" والباقي نحو رواية الطحاوي. ص: حدثنا ابن خزيمة، ثنا حجاج، ثنا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي عليه السلام قال: "كنا نتوضأ مما غيرت النار، ونمضمض من اللبن، ولا نمضمض من التمر". ش: إسناده صحيح، وحجاج هو ابن المنهال، وحماد هو ابن سلمة، وأيوب هو السختياني، وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجَرمي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1) مختصرًا: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من هذيل -أراه قد ذكر أن له صحبة- قال: "يتوضأ مما غيرت النار". ص: فذهب قوم إلى الوضوء مما غيرت النار، واحتجوا في ذلك بهذ الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري، والزهري، وأبا قلابة، وأبا مجلز، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن يعمر. فإنهم ذهبوا إلى وجوب الوضوء مما غيرت النار، واحتجوا فيه بالآثار المذكورة، وهو قول ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي موسى، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة أم المؤمنين، وأم حبيبة أم المؤمنين، وأبي أيوب، وأبي موسى. وقال ابن حزم: والأحاديث في ذا ثابتة، ولولا أنها منسوخة لقلنا بها (¬2). وفي "المغني" لابن قدامة: وأكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال، نيئا ومطبوخا ومشويّا، عالما كان أو جاهلا. وبهذا قال جابر بن سمرة، ومحمد بن ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 54 رقم 561). (¬2) انظر "المحلى" (1/ 243).

إسحاق (¬1)، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر (¬2). وقال الخطابي: ذهب إلى هذا عامَّه أصحاب الحديث، فإن شرب من ألبان الإبل فالظاهر عن أحمد أنه لا وضوء عليه. وعنه: عليه الوضوء. وفيما سوى اللحم من أجزاء البعير من كبده وطحاله وسنامه ودهنه ومرقه وجهان، أحدهما: لا ينقض كاللبن، والثاني: ينقض؛ لأنه من الجملة، وما عدا لحم الجزور من الأطعمة لا وضوء فيه لحما أو غير لحم، حلالا أو حراما، مسته النار أو لم تمسه (¬3). ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا وضوء في شيء من ذلك. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، والأوزاعي، وأبا حنيفة، ومالكا، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، وأهل الشام، وأهل الكوفة، والحسن بن حيّ، والليث بن سعد، وأبا عبيد، وداود بن علي، وابن جرير الطبري؛ فإنهم قالوا: لا وضوء في شيء من ذلك، إلَّا أن أحمد يرى نقض الوضوء في لحم الجزور فقط كما ذكرناه. وقال ابن المنذر: وكان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وأبي بنُ كعب، وأبو الدرداء، لا يرون الوضوء مما مسته النار. ص: وذهبوا في ذلك إلى ما روي عن رسول الله - عليه السلام -[من] (¬4) ذلك: ما حدثنا يونس، قال: أنا بن وهب، أن مالكا حدثه. ح وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن زيد بن ¬

_ (¬1) زاد في "المغني" (1/ 121): وإسحاق. وهو ابن راهويه. (¬2) زاد في "المغني" (1/ 121): وهو أحد قولي الشافعي. (¬3) من "المغني" (1/ 123) بتصرف واختصار. (¬4) في "الأصل، ك": في، وما أثبتناه أليق بالسياق وتم الشرح عليه.

أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: "أن رسول الله - عليه السلام - أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ". ش: أي ذهب هؤلاء الآخرون في عدم وجوب الوضوء مما مسته النار إلى ما روي عن رسول الله - عليه السلام - من أحاديث تدل على ذلك، منها حديث ابن عباس أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح من وجهين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس. وأخرجه البخاري (¬1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو المصري، عن القعنبي وهو: عبد الله ابن مسلمة بن قعنب، ونسبته إلى جده، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (¬2): عن عبد الله بن مسلمة هذا، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (¬3) عن عبد الله، عن مالك كذلك. قوله: "كَتْفِ شاة" ذكر ابن سيدة في "المخصص" أنه هو العظم، وهي أنثى والجمع كتاف وفي "المحكم": الكَتِفُ والكِتْفُ كالكَذِبِ والكِذْب: عظم عريض خلف المنكب، وهي تكون للناس وغيرهم، والكتف في الإبل والبغال والحمير وغيرها: ما فوق العضد. وقيل: الكتفان أعلى اليدين، والجمع كتاف، وقال سيبويه: لم يجاوزوا به هذا البناء، وحكى اللحياني في جمعه: كَتِفَة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زُرَيع، قال: ثنا رَوح بن القاسم، عن زيد بن أسلم ... فذكر نحوه بإسناده. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 86 رقم 204). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 273 رقم 354). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 48 رقم 187).

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا أبو مسلم الكشي، ثنا محمَّد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - خرج إلى الصلاة، فأتي بكتف من لحم، فانتهسها، ثم مضى إلى الصلاة ولم يمضمض ولم يطَّهر". ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا محمَّد بن الزبير الحنظلي، عن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه. ش: هذا طريق آخر، ومحمد بن الزبير فيه مقال، حتى قال يحيى: ضعيف لا شيء. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا عبد الوهاب الخفاف، أنا محمَّد بن الزبير، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عبد الله بن عباس: "أن النبي - عليه السلام - أتى بكتف مشوية فأكل منها نتفا، ثم صلى ولم يتوضأ". ص: حدثنا أحمد بن يحيى الصُوريّ، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا ابن ثوبان، عن داود بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله. ش: هذا طريق آخر، وابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العَنْسي، فيه مقال كثير. وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3): ثنا موسى بن هارون، ثنا علي بن الجعد، ثنا ابن ثوبان، عن داود بن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه، عن جده قال: "أكل رسول الله - عليه السلام - لحما ثم صلى ولم يتوضأ". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (10/ 311 رقم 10758). (¬2) "مسند أحمد" (1/ 258 رقم 2339). (¬3) "المعجم الكبير" (10/ 280 رقم 10660).

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحَوْضي، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن يحيى بن يَعْمُر، عن ابن عباس، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلُّسي، عن [حفص بن عمر] (¬1) أبي عمر الحَوْضي، عن همام بن يحيى إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا بهز، ثنا همام، ثنا قتادة، عن يحيى بن يعمر البصري، عن ابن عباس: "أن النبي - عليه السلام - انتهس من كتف، ثم صلى ولم يتوضأ". وأخرجه أبو داود (¬3) أيضًا بهذا الطريق. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبي نعيم -هو وهب بن كيسان- عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: "أكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبزا ولحما ... " ثم ذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬4): ثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، نا أبي، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيْسان، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله - عليه السلام - أكل كتفا ثم صلى ولم يمسَّ ماء". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬5): نا ابن علية، عن أيوب، عن وهب بن كيسان، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله - عليه السلام - أكل من عظم أو تَعَرَّقَ من ضلع ثم صلى ولم يتوضأ". ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "عمر بن حفص"، وهو خطأ، والصواب حفص بن عمر كما أثبتناه وراجع ترجمته في "تهذيب الكمال". (¬2) "مسند أحمد" (1/ 361 رقم 3403). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 49 رقم 190) من طريق حفص بن عمر، عن همام به. (¬4) "المعجم الكبير" (10/ 323 رقم 10789). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة " (1/ 51 رقم 523).

قلت: "العَرْق" -بفتح العن وسكون الراء- وهو العظم عليه بقيّة اللحم، يقال: عَرَقْتَه وَاعْتَرقْتَه إذا أكلت ما عليه بأسنانك. وقال الخليل: العُراق عظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم فهو عَرْق. ص: حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء: "أنه دخل عليَّ ابن عباس يومًا في بيت ميمونة، فضرب على يدي وقال: عجبت من ناس يتوضئون مما مست النار، والله لقد جمع رسول الله - عليه السلام - يوما ثيابه، ثم أُتي بثريد فأكل منها، ثم قام فخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ". ش: أبو الأسود اسمه: النضر بن عبد الجبار المصري، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال. وأخرجه الطبراني (¬1): ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، حدثني أبي، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: "دخلت بيت ميمونة -زوج النبي - عليه السلام -- فوجدت فيه عبد الله بن عباس، فتذاكرنا الوضوء مما مست النار، فقال ابن عباس: كان رسول الله - عليه السلام - يأكل مما مست النار ثم يصلي ولا يتوضأ، فقلنا: أنت رأيته؟ فأشار إلى عينيه فقال: بصر عيني". وأخرج مسلم (¬2): حدثني علي بن حجر، قال: أنا إسماعيل بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله - عليه السلام - جمع عليه ثيابه ثم خرج إلى الصلاة، فأُتيَ بهدية خبز ولحم، فأكل ثلاثة لقم ثم صلى بالناس وما مس ماء". قوله: "بثريد" الثريد من ثردت الخبز ثردا: كسرتُه، فهو ثريد ومثرود، والاسم: الثُردة -بالضم- وكذلك أثردت الخبز، ويقال: لا يكون ثريد حتى يكون فيه لحم. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (1/ 324 رقم 10792). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 275 رقم 359).

ص: حدثنا يونس والربيع المؤذنُ، قالا: ثنا أسد، ثنا شعبة. ح وحدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم بن أبي إياس. ح وحدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا أبو داود، قالوا: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا عون محمَّد بن عبيد الله الثقفي، يقول: سمعت عبد الله بن شداد بن الهاد، يحدث عن أم سلمة: "أن رسول الله - عليه السلام - خرج إلى الصلاة فنشلت له كَتِفا، فأكل منها، ثم خرج فصلى ولم يتوضأ". ش: هذه ثلاث طرق رجالها كلهم ثقات، وأم سلمة اسمها هند بنت أبي أمية. وأخرجه الطبراني (¬1): أيضًا من ثلاث طرق: ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا مسلم بن إبراهيم ح ثنا أحمد بن عمرو القطراني، ثنا سليمان بن حرب ح ونا أبو خليفة، نا أبو الوليد، قالوا: نا شعبة، عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد: "أن أم سلمة - رضي الله عنها - سئلت عما غيرت النار، فقالت: أكل النبي - عليه السلام - كتفا، ثم صلى ولم يتوضأ". قوله: "فنشلت له كتفا" مِنْ نَشَلْتُ اللحم إذا جذبته من القِدْر، واللحم هو النَشِيل، من نَشَلَ يَنْشُل من باب نَصَر يَنْصُر، ومنه المِنْشَل والمِنْشال، وهو الحديدة التي يُنْشَل بها اللحم من القِدْر. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان الثوري، عن أبي عون، قال: سمعت عبد اللهَ بن شداد يَقُولُ: "سأل مروان أبا هريرة عن الوضوء مما غيرت النار، فأمر به ثم قال: كيف تسأل أحدا وفينا أزواج النبي - عليه السلام -؟! فأرسلوا إلى أم سلمة زوج النبي - عليه السلام - فسألوها ... " ثم ذكر مثل حديث شعبة. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (23/ 286 رقم 630).

ش: رجاله ثقات، وأبو عون هو: محمَّد بن عبيد الله الثقفي، ومروان هو: ابن الحكم. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا وكيع، نا سفيان، نا أبو عون محمَّد بن عبيد الله الثقفي، عن عبد الله بن شداد، قال: سمعت أبا هريرة يُحدّث مروان قال: "توضئوا مما مست النار، فأرسل مروان إلى أم سلمة فسألها، فقالت: نَهس رسُولُ الله - عليه السلام - عندي كتفا، ثم خرج إلى الصلاة ولم يَمسّ ماء". وأخرجه الطبراني (¬2) أيضًا: عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن الثوري ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا عثمان بن عمر، قال: أخبرني ابن جريج، عن محمَّد بن يوسف، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة قالت: "قربت إلى رسول الله - عليه السلام - جَنْبا مشويّا، فأكل منه ولم يتوضأ". ش: رجاله رجال الصحيحين ما خلا ابن مرزوق، وابن جريج هو عبد الملك، ومحمد بن يوسف الكندي المدني الأعرج ابن بنت السائب، وسليمان بن يسار -بالياء آخر الحروف- أبو أيوب المدني، مولى أم سلمة. وأخرجها "النسائي" (¬3): أنا محمَّد بن عبد الأعلى، نا خالد، قال: نا ابن جريج، عن محمَّد بن يوسف، عن سليمان بن يسار قال: "دخلت على أم سلمة فحدثتني: أن رسول الله - عليه السلام - كان يُصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم، وحدثنا (بهذا) (¬4) الحديث أنها حدثته: أنها قربت إلى النبي - عليه السلام - جَنْبا مشويّا فأكل مثله، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 306 رقم 26654). (¬2) "المعجم الكبير" (23/ 286 رقم 628). (¬3) "المجتبى" (1/ 108 رقم 183). (¬4) كذا في "الأصل، ك"، وفي "المجتبى": "مع هذا".

وأخرجه أحمد (¬1) والطبراني (¬2): وفي روايتهما: عطاء بن يَسَار موضع سليمان بن يَسَار، وهما أخوان. وأخرجه البيهقي (¬3): عن كليهما. قوله:" قَربتُ" بضم التاء من التقريب، على أنه اختبار عن النفس وفي رواية غيره: "قُربَتْ" على صيغة الغائب. قوله: "جَنْبا" بفتح الجميع وسكون النون ثم بالباء الموحدة، وجنب الشاة معروف، ويجمع على جنوب. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود الطيالسيّ، قال: نا زائدة بن قدامة، قال: نا عبد الله بن محمَّد بن عَقِيل، عن جابر بن عبد الله، قال: "أُتينا ومعنا رسولُ الله - عليه السلام - بطعام فأكلنا، ثم قمنا إلى الصلاة ولم يتوضأ أحد منا، ثم تعشينا ببقية الشاة، ثم قمنا إلى العصر ولم يَمّس أحد منا ماء". ش: أبو داود اسمه: سليمان بن داود، والطيالسي نسبة إلى بيع الطيالس جمع طيلسان. وعبد الله بن محمَّد بن عَقِيل -بفتح العين- فيه مقال مع كثرة علمه. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (¬4): نا زائدة، عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، عن جابر قال: "مشيت مع رسول الله - عليه السلام - إلى امرأة من الأنصار، فذبحت لنا شاة، وأُتينا بالطعام، فأكل رسول الله - عليه السلام -وكلنا، ثم قمنا إلى الظُّهر لم يتوضأ أحد منها، ثم أُتينا ببقية الشاة فتعشَّينا منها، فحضرت صلاة العصر، فقام رسول الله - عليه السلام - وقمنا فصلينا، لم يمس أحدٌ منَّا مَاء". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 307 رقم 26664). (¬2) "المعجم الكبير" (23/ 285 رقم 626). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 154 رقم 695). (¬4) "مسند الطيالسي" (1/ 233 رقم 1670).

ص: حدثنا يونس، قال: نا علي بن معبد، قال: نا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمَّد ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن يونس بن عبد الأعلى، عن علي بن معبد بن شداد، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، عن جابر. وأخرجه الحديث في "مسنده": نا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، سمع جابر بن عبد الله. ونا سفيان، نا محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "خرج رسول الله - عليه السلام - وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، ففرشت لنا تحت صَوْر لها -والصَوْر: النخل المجتمعات- وذبحت لنا شاة فأكل منها، وأتته بقناع رُطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر فصلى، ثم انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشاة، فأكل، ثم صلى العصر ولم يتوضأ". قلت: علالة كل شيء: بقيته، وهو بضم العين وتخفيف اللام. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا محمَّد بن المنهال، قال: نا يزيد بن زريع، قال: نا روح بن القاسم، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر قال: "دعتنا أمرأة من الأنصار، فذبحت لنا شاة، ففرشت لنا تحت صَوْرٍ لها فدعى رسول الله - عليه السلام -، فأكلنا، ثم صلى ولم يتوضأ". ش: هذا طريق آخر وهو صحيح. وأخرجه الترمذي (¬1): ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا عبد الله بن عقيل، سمع جابر بن عبد الله. وقال سفيان: ونا محمَّد بن المنكدر، عن جابر قال: "خرج رسول الله - عليه السلام - وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقناع من رُطَب، فأكل منه ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشاة، فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ". ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 116 رقم 80).

وأخرج أبو داود (¬1): ثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني محمَّد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "قَرَّبْتُ للنبي - عليه السلام - خبزا ولحما، فأكل [ثم دعى] (¬2) بوَضُوء فتوضأ، ثم صلى الظهر، ثم دعى بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ". قوله: "دعتنا امرأة" قال عبد الغني: هذه المرأة: عمرة بنت حَزْم أخت عمرو بن حزم. قوله: "بقِنَاع" بكسر القاف، وهو طبق من عسب النخل، وكذا القِنع. ويستفاد منه: جواز الجمع بين الطعامين، والعود إلى فضلة الطعام، وترك الوضوء مما مسته النار، وسنيّة إجابة الدعوة. ص: حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: حدثنا أسد، قال: ثنا عمارة بن زاذان، عن محمَّد بن المنكدر، قال: "دخلت على بعض أزواج النبي فقلتُ: حدثينى في شيء مما غيرت النار، فقالت: قلّ ما كانَ رسولُ اللهَ - عليه السلام - يأتينا إلَّا قَلَيْنا له حبَّةً تكونُ بالمدينة، فيأكل منها ويصلي ولا يتوضأ". ش: رجاله ثقات. قوله: "في شيء مما غيرت النار" أي في حكم أكل شيء من الأشياء التي غيّرتها النار، هل يجب فيه الوضوء أم لا؟. قوله: "تكون" صفة للحبة. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا عثمان بن زاذان، عن محمَّد بن المنكدر قال: "دخلت على فلانة -بعض أزواج النبي - عليه السلام - قد سمّاها ونسيت- قالت: دخل عليّ رسول الله - عليه السلام - وعندي بطن معلق، فقال: لو طبخت لنا من هذا البطن كذا وكذا، قالت: فصنعناه، فأكل ولم يتوضأ". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" 1/ 49 رقم 191). (¬2) في "الأصل": ثم دعى فدعى. والمثبت من "سنن أبي داود".

ش: إسناده صحيح، ولعل المراد من "بعض أزواج النبي -عليه السلام" ها هنا أم سلمة؛ لأن لها روايات كثيرة في هذا الباب، وأراد "بالبطن" ما يحتوي عليه البطن من الأحشاء. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أم حكيم قالت: "دخل عليّ رسول الله - عليه السلام - فأكل كتفا، فآذنه بلال بالأذان فصلى ولم يتوضأ". ش: إسناده صحيح، وعمار بن أبي عمار: مولى، بني هاشم، روى له الجماعة إلَّا البخاري. وأم حكيم صَفية، ويقال: عاتكة، ويقال: ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابن هاشم القرشية بنت عم النبي - عليه السلام -. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا يزيد بن هارون، أنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن صالحا أبا الخليل حدثه، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن أم حكيم ابنة الزبير حدثته: "أن رسول الله - عليه السلام - دخل على ضباعة بنت الزبير، فنهس من كتف عندها، ثم صل ولم يتوضأ من ذلك"، وإسناده أيضًا صحيح. قوله: "فآذنه" أي: أعلمه. قوله: "فنهس" بالسين المهملة، النَّهْسُ: أخذ اللحم بأطراف الأسنان، والنهش -بالمعجمة- الأخذ بجميعها، وقال الأصمعي: كلاهما واحد، وقيل: بالمهملة أبلغ منه بالمعجمة، وقيل: النهس سرعة الأكل. ص: حدثنا ابن مرزوق، وربيعٌ الجيزيُّ، وصالح بن عبد الرحمن قالوا: ثنا القَعْنَبيُّ قال: نا فائد مولى عبيد الله بن علي، عن عبيد الله، عن جده قال: طبُخت لرسول الله - عليه السلام - بطن شاة، فأكل منها، ثم صلى العشاء ولم يتوضأ". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 371 رقم 27136)، (6/ 419 رقم 27394).

ش: ابن مرزوق: هو إبراهيم، والقَعْنبي: هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب، وفائد -بالفاء- وعبيد الله بن علي بن أبي رافع مولى النبي - عليه السلام -، وجده: أبو رافع مولى النبي، ورواية عبيد الله هذا عن جَدّه مرسلة؛ لأنه لم يدرك جده أبا رافع مولى النبي - عليه السلام - وإنما روايته عن أبيه علي بن أبي رافع. وحديث أبي رافع أخرجه مسلم (¬1): من حديث سعيد بن أبي هلال، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي غطفان، عن أبي رافع قال: "أشهد: لكنتُ أشْوِي لرسول الله - عليه السلام - بطن الشاة، ثم صلى ولم يتوضأ". ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا القعنبي، قال: نا عبد العزيز، عن عمرو ابن أبي عَمرو، عن المغيرة بن أبي رافع، عن أبي رافع، عن رسول الله - عليه السلام - نحوه، ولم يذكر العشاء. ش: هذا طريق آخر، وعبد العزيز: هو الدراوردي، والمغيرة بن أبي رافع يقال له: المعتمر أيضًا، وأبو رافع اسمه أسلم أو إبراهيم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا خالد بن مخلد، نا سليمان بن بلال، قال: حدثني عمرو بن أبي عمرو، عن حُنين بن أبي المغيرة، عن أبي رافع قال: "رأيت النبي - عليه السلام - أكل كتفا، ثم قام إلى الصلاة ولم يَمسَّ ماء". ص: حدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: نا أسد، قال: نا سعيد بن سالم، عن محمَّد بن حميد، قال: حدثتني هند بنت سعيد بن أبي سعيد الخدري، عن عمتها قالت: "زارنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أكل عندنا كتف شاة، ثم قام فصلى ولم يتوضأ". ش: أسد: هو ابن موسى، ثقة. وسعيد بن سالم القَدَّاح أبو عمر المكي، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: محله الصدق. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 274 رقم 357). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 51 رقم 529).

ومحمد بن أبي حميد واسمُه إبراهيم الزّرقي الأنصاري، فيه مقال حتى قال يحيى: ضعيف ليس حديثه بشيء. روى له الترمذي وابن ماجه. وهند بنت سعيد بن أبي سعيد الخدري، وثقها ابن حبان. وعمة هند بنت سعيد تكنى أم عبد الرحمن، صحابية. وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني (¬1): من حديث يعقوب بن حميد، عن عبد العزيز ابن محمَّد، عن محمَّد بن أبي حميد، عن هند بنت سعيد، عن عمتها: "أن النبي - عليه السلام - زارهم، فأكل كتف شاة، ثم صل ولم يتوضأ". وأخرجه الطبراني (¬2): من طرق عن هند بنت سعيد هذه تحدث عن عمّتها قالت: "جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عائدا لأبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - فقدمنا إليه ذراع شاة فأكل، وحضرت الصلاة، فتمضمض ثم صل ولم يتوضأ". ص: حدثنا ربيعٌ الجيزيّ، قال: نا نضر بن عبد الجبار، قال: نا ابن لهيعة، عن سليمان بن زياد، عن عبد الله بن الحارث الأسديّ الزُبتدي قال: "أكلنا مع رسول الله - عليه السلام - طعاما في المسجد قد شُويَ، ثم أقيمت الصلاة، فمسحنا أيدينا بالحَصْباء، ثم قمنا نصلي ولم نتوضأ". ش: رجاله ثقات إلَّا أن في عبد الله بن لهيعة مقالا، والزُّبَيدي- بضم الزاي، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف. وأخرجه الطبراني (¬3): نا المقدامُ بن داود، نا أسد بن موسى. ح ¬

_ (¬1) "معرفة الصحابة" (6/ 3593 رقم 8096). (¬2) "المعجم الكبير" (24/ 445 رقم 1093 - 1095). (¬3) هذا الحديث في الجزء المفقود من "المعجم الكبير" للطبراني، وأخرجه الطبراني من طريق آخر بنحوه في "المعجم الأوسط" (6/ 250 رقم 6320). وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (2/ 1097 رقم 3300) مختصرًا من طريق الحضرمي عنه. وكذا أخرجه الحافظ الضياء في "المختارة" (9/ 207 رقم 191 - 193) من طرق عنه.

ونا عبدان بن أحمد المروزي، نا قتيبة بن سَعيد، قالا: نا ابن لهيعة، نا سليمان بن زياد الحضرمي، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي قال: "أُتينا ونحن مع رسول الله - عليه السلام - بشواء، وأقيمت الصلاة، فأدخلنا أيدينا في الحصباء ثم صلينا ولم نتوضأ"، وله في رواية أخرى: "كنا نأكل على عهد رسول الله - عليه السلام -في المسجد الخبزَ واللحمَ ثم نصلي ولا نتوضأ". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني للراهيم بن سَعْد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني جعفر بن عمرو بن أمية، أن أباه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يأكل ذراعا يَجْتَزُ منها، فدعي إلى الصلاة، فقام فطرح السكين، فصلى ولم يتوضأ". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين (¬1)، والأوَيسي نسْبة إلى أحد أجداد أُوَيس، بضم الهمزة. وأخرجه البخاري (¬2): نا يحيى بن بكير، قال: نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني جعفر بن عمرو بن أمية، أن أباه أخبره: "أنه رأى النبي - عليه السلام - يَجْتَزُّ من كتف شاة، فدعي إلى الصلاة فألقى السكين، فصلى ولم يتوضأ". وأخرجه مسلم (¬3): نا محمد بن الصباح، قال: نا إبراهيم بن سعد، قال: حدثني الزهري، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضّمْري، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يَجْتَزُّ من كتف يأكل منها، ثم صلى ولم يتوضأ". قوله: "ذراعا" هو ذراع الشاة، يذكر ويؤنث. قوله: "يجتز" أي يقطع، وقيل: هو القطع من غير إبانة، يُقال: جززت العود جزّا. ¬

_ (¬1) قلت: عبد العزيز بن عبد الله الأويسي لم يخرج له مسلم. (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 86 رقم 205). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 273 رقم 355).

قوله: "فطرح السكين" أي رماها، والسكين يذكر ويؤنث، سميت بذلك لتسكينها حركة المذبوح. ويستفاد منه: - جواز قطع اللحم بالسكين لدعاء الحاجة إليه، كصلابة اللحم وكبر القطعة. فإنْ قيل: قد جاء النهي عنه في بعض الحديث وأمر بالنَّهْش. قلت: المراد من ذلك كراهة زي العجم واستعمال عادتهم في الأكل بالأخلة والبارجين على مذهب النخوة والترفّه عن مسِّ الأصابع الشفتين والفم، وأما إذا كان اللحم طابقا، أو عضوًا كبيرا كالجنب ونحوه؛ لا يكره قطعه بالسكين، وإصلاحه به والحزّ منه، وإذا كان عراقا ونحوه؛ فنهسُه مستحب على مذهب التواضع وطرح الكبر. وقال ابن التين: وإنما نهي عن قطع الخبز بالسكين، قاله الخطابي. قلت: وقد نهي عن قطع اللحم أيضًا. رواه الطبراني (¬1) ولكن معناه على ما ذكرنا. - وألَّا وضوء مما مست النار. - واستحباب استدعاء الأئمة للصلاة إذا حانت. - واستحباب إجابة الداعي للصلاة إذا أقيمت وترك الاشتغال بغيرها. - وقبول الشهادة على النفي إذا كان المنفي محظورا مثل هذا، أعني قوله: "ولم يتوضأ". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (23/ 285 رقم 624) من حديث أم سلمة - رضي الله عنها -، وفي إسناده عباد بن كثير وهو ضعيف. ورواه أبو داود في "سننه" (3/ 349 رقم 3778) وذكره النسائي في "الكبرى" (2/ 96 رقم 2551) وفي "المجتبى" (4/ 171 رقم 2243) وعده من منكرات أبي معشر نجيح، والبيهقي في "الكبرى" (7/ 280 رقم 14403) كلهم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها -، وقال أبو داود: ليس بالقوي.

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن بشَيْر بن يَسار مولى بني حارثة، أن سُوَيد بن النعمان حدثه: "أنه خرج مع رسول الله - عليه السلام - عام خيبر، حتى إذا كان بالصهباء -وهي من أدنى خيبر- نزل فصلى العصر، ثم دعى بالأزواد، فلم يُؤت إلَّا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل وكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ". ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال مسلم، وبشُير -بضم الباء الموحدة، وفتح الشين المعجمة- ويسار بفتح الياء آخر الحروف، والسين المهملة. وأخرجه البخاريّ (¬1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه. والنسائي (¬2): عن محمَّد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه، عن ابن القاسم، عن مالك ... إلى آخره. قوله: "عام خَيْبر" قال ابن سعد: كانت في جمادى الأولى سنة سبع، وسمِّيت خيبر باسم رجل من العماليق نزلها، واسمه خيبر بن فانية بن مهلاييل، وبينها وبين المدينة ثمانية برد، واختلف في فتحها، فقيل: صلحا، وقيل: عنوة، وقيل: جلا أهلها عنها بغير قتال، وقيل: بعضها صلحا وبعضها عنوة، وبعضها جلا أهلها عنها بغير قتال، وعلى كل ذلك تدل الأحاديث الواردة. قوله: "بالصهباء" وهي موضع على روحة من خيبر. وقال البكري: على بريد، على لفظ تأنيث أصهب. قوله: "ثم دعى بالأزواد" أبي طلبها، وهي جمع زاد، وهو طعام يتخذ للسفر، تقول: زودت الرجل فتزود، والمِزود: ما يجعل فيه الزاد. قوله: "بالسويق" قال صاحب "المحكم": يقال فيه: السويق، والجمع أسوقة. قال الفارسي: سمّي به لانسياقه في الحلق، والقطعة منه سويقة. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 86 رقم 206). (¬2) "المجتبى" (1/ 108 رقم 186).

وقال أبو حاتم: إن عملوا الغَريضَة -وهو ضرب من السويق- صرموا من الزرع ما يريدون حين يَسْتفرك، ثم يُسَهّمُونه -وتسهيمه أن يسخن على المِقْلى حتى يَيْبَس- وإن شاءوا جعلوا على المقلى النوذنج وهو أطيب لطعمه، وعاب رجلٌ السويقَ بحضرة أعرابي فقال: لا تعبه؛ فإنه عدة المسافر، وطعام العجلان، وغذاء المبكّر، وبلغة المريض، وهو يسر فؤاد الحزين، ويرد من نفس المحرور، وجيّد في التسمين، ومنعوت في الطب، وقفاره يحلق البلغم، ومَلتونه يصلي الدم، وإن شئت كان شرابا، وإن شئت كان طعاما، وإن شئت كان ثريدا، وإن شئت كان خبيصا (¬1). والسويق يتخذ من الشعير أو القمح، يُدقّ فيكون شبه الدقيق، إذا احتيج إلى أكله خلط بماء أو لبن أو رُبَّ ونحوه. وقال قوم: هو الكعك. قال السفاقسي: قال بعضهم كان ملتوتا بسمن، وقال الداودي: هو دقيق الشعير والسُلْت (المقلوّ) (¬2). ويّردّ على من قال: هو الكعك؛ قول ابن عمر: يا حبذا الكعك بلحم مَثرود وخُشْكُنَان (مع سويق) (¬3) مقنود. قوله: "فثُرِّيَ" من ثريت السويق: صبَبْت عليه ماء ثم لَتَتْتَّه، وفي "مجمع الغرائب": ثَرى تُثْرِي تَثْرِيَة: إذا بُلَّ التراب، ويقال: ثَرَّ المكان: أي رشَّشَهُ، وإنما بَلَّ السويق لما كان لحقه من اليُبْس والقدم. ويستنبط منه أحكام: - إباحة الزاد في السفر خلافا لمن يمنع ذلك. - وألَّا وضوء مما مست النار. - ونظر الإِمام لأهل العسكر عند قلة الأزواد وجمعها؛ ليقوت من لا زاد له. ¬

_ (¬1) انظر "لسان العرب" (مادة: غرض) و"عمدة القاري" (3/ 103). (¬2) المَقْل: الغمس، انظر "لسان العرب" (مادة: مقل). (¬3) كذا في "الأصل، ك"، وفي "لسان العرب" (مادة: كعك): بسويق.

- وأن القوم إذا فَنِي زاد أكثرهم، فالواجب أن يتواسوا في زاد من بقي. - وأن المضمضة منه إنما كانت لاحتباس شيء منه بين الأسنان؛ فربما تشغل المصلي. واستدل أبو عمر وغيره على أن هذا الحديث ناسخ لما تقدم من الحظر، وفيه نظر؛ لأن من جملة رُواة الحظر أبا هريرة، وإسلامه بعد خيبر، وهذا الحديث عن مسيرهم إليها، فافهم. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن يحيى ... فذكر نحوه بإسناده، غير أنه لم يقل: "وهي من أدنى خيبر". ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بشُير بن يَسار، أن سويد بن النعمان ... فذكر نحوه. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): نا علي بن عبد العزيز، نا حماد بن زيد، نا يحيى بن سعيد، نا بشُير بن يَسار الأنصاري مولى الأنصار، أن سويد بن النعمان وهو من أصحاب النبي - عليه السلام - أخبره: "أنهم خرجوا مع رسول الله - عليه السلام - إلى خيبر، قال حتى إذا كنا بالصهباء -وهي على رَوْحة من خيبر- دعا رسول الله - عليه السلام - بطعام فلم يوجد غير سويق، فأكلنا ثم شربنا عليه من الماء، ثم مضمض رسول الله - عليه السلام - فقام فصلى". وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): نا يحيى بن سعيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، حدثني بشير بن يَسار، عن سويد بن النعمان: "أن رسول الله - عليه السلام - نزل بالصهباء عام خيبر، فلما صلى العصر دعا بالأطعمة، فلم يؤت إلَّا بسويق، قال: فلكنا -يعني أكلنا- منه، فلما كانت المغرب تمضمض وتمضمضنا معه". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (7/ 88 رقم 6458). (¬2) "مسند أحمد" (3/ 488 رقم 16033).

ص: حدثنا علي بن معبد، قال: نا مَكِّيّ بن إبراهيم، قال: نا الجُعَيد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن عبد الله بن عبيد الله، أن عمرو بن عبيد الله حدثه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - أكل كَتِفا، ثم قام فصلى ولم يتوضأ". ش: مكي بن إبراهيم شيخ البخاري. والجُعيد بن عبد الرحمن المدني، روى له الجماعة سوى ابن ماجه. والحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد الطلب، أبو عبد الله المدني، ضعفّه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، روى له الترمذي وابن ماجه. وعمرو بن عبيد الله الحضرمي، قال ابن الأثير: إنه رأى النبي - عليه السلام -. وقال أبو نعيم: لا تصح له رؤية. والأول أصح. وأخرجه أحمد (¬1): نا مكيّ بن إبراهيم ... إلى آخره نحوه، وفيه: "أن عمرو ابن عبيد الله صاحب النبي - عليه السلام -". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا بشر بن عُمر، قال: حدثني إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن ثابت وغيره من مشيخة بني عبد الأشهل، عن أم عامر بنت يزيد (امرأة) (¬2) ممن بايعت رسول الله - عليه السلام -: "أنها جاءت إلى رسول الله - عليه السلام - بعَرْق في مسجد بني عبد الأشهل، فَعَرَقَهُ ثم قام فصلى ولم يتوضأ". ش: إبراهيم بن إسماعيل وثقه أحمد، وضعفه يحيى بن معين (¬3). ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (4/ 347 رقم 19075)، وليس في المطبوع: "صاحب رسول الله". (¬2) تكررت في "الأصل". (¬3) هو ابن أبي حبيبة، وقال مرة: صالح. كما في "الجرح" (2/ 83)، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث. وقال البخاري في "تاريخه الكبير" (1/ 271): منكر الحديث، وضعفه الدارقطني.

وعبد الرحمن بن عبد الرحمن بن ثابت بن صامت الأشهاري، ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن ثابت بن صامت، قال أبو حاتم: ليس عندي منكر الحديث، وأدخله البخاري في الضعفاء (¬1). وأم عامر: بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأشهلية. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): نا أبو عامر، نا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، نا عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأشهلي، عن أم عامر ابنة يزيد، امرأة من المبايعات: "أنها أتت النبي - عليه السلام - بعرق في مسجد بني فلان فتعرقه، ثم قام فصل ولم يتوضأ". وأخرجه الطبراني (¬3): أيضًا عن ابن المبارك (¬4)، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن ... إلى آخره. قوله: "من مشيخة" جمع شيخ، قال الجوهري: جمع الشيخ: شيوخ، وأَشْيَاخ، وشِيَخَة، وشيِخَان، ومَشْيَخَةٌ، ومشايخُ ومَشْيُوخَاء، والمرأة (شيخة) (¬5). وبنو عبد الأشهل بطن من الأنصار كبير، وعبد الأشهل بن جُشم بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس. قوله: "بعَرقٍ" فتح العين وسكون الراء، وقد فسرناه في هذا الباب. ¬

_ (¬1) وقال أبو حاتم في "الجرح" (5/ 219): يحول حديثه من هناك. (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والحديث في "مسند أحمد" (6/ 372 رقم 27144). (¬3) "المعجم الكبير" (25/ 148 رقم 357). (¬4) هو علي بن المبارك الصنعاني شيخ الطبراني. (¬5) كذا في "الأصل، ك"، وفي "مختار الصحاح" (1/ 148): والمرأة شَيْخُوخَة، وَشَيَخًا أيضًا بفتح الياء. وانظر "لسان العرب"، (مادة: شيخ).

قوله: "فَعَرقَه" من عَرَقْتَ العظم، واعترقته وتعرقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك. فهذا كما قد رأيت قد أخرج الطحاوي أحاديث ترك الوضوء مما مست النار عن اثني عشر صحابيا وهم: ابن عباس، وأم سلمة، وجابر بن عبد الله، وبعض أزواج النبي - عليه السلام - وأم حكيم، وأبو رافع، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن الحارث، وعمرو بن أمية، وسويد بن النعمان، وعمرو بن عبيد الله، وأم عامر. وفي الباب عن عثمان، وابن مسعود، ومحمد بن سلمة، وعبد الله بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، ورافع بن خديج، وأبي هريرة. ص: ففي هذه الآثار ما يَنْفي أن يكون أكل ما مست النار حدثا؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتوضأ منه، وقد يجوز أن يكون ما أمر به من الوضوء في الآثار الأول هو وضوء الصلاة، ويجوز أن يكون غسل اليد لا وضوء الصلاة، إلَّا أنه قد ثبت عنه بما روينا أنه توضأ وأنه لم يتوضأ، فاردنا أن نعلم ما الآخر من ذلك؟ فإذا ابنُ أبي داود وأبو أمية وأبو زرعة الدمشقي قد حدثونا قالوا: نا علي بن عياش، قال: نا شعيب بن أب حمزة، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله - عليه السلام - هو ترك الوضوء مما مسّت النار". حدثنا محمد بن خزيمة، نا حجاج، نا عبد العزيز بن مسلم، عن سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل ثوْرَ أقطٍ فتوضأ، ثم أكل بعده كتفا فصلى ولم يتوضأ". فثبت بما ذكرنا أن آخر الأمرين عن رسول الله - عليه السلام -: هو ترك الوضوء مما غيرت النار، وأن ما خالف من ذلك فقد نسخ بالفعل الثاني، هذا إذا كان ما أمر به من الوضوء يريد به وضوء الصلاة، وإن كان لا يريد وضوء الصلاة فلم

يثبت بالأحاديث الأُول أن أكل ما غيرت النار حدث، فثبت بما ذكرنا بتصحيح هذه الآثار أن أكل ما مسّت النار ليس بحدث. ش: أراد بهذه الآثار ما رواه عن اثني عشر صحابيا بنفي الوضوء مما مست النار. قوله: "وقد يجوز ... إلى أخره" تحريره: أن الوضوء المذكور في الأحاديث الأُول يحتمل الوضوء الشرعي الذي هو وضوء الصلاة، ويحتمل الوضوء اللغوي وهو أن يُريد به غسل اليد والفم من دسمه وزهومته، فإن كان المراد الثاني؛ لم يثبت بالأحاديث الأول كون كل ما غيرت النار حدثا؛ لأنه إنما يكون حدثا إن لو كان المراد بالوضوء الوضوء الشرعي. وقد روى الطبراني في "الكبير" (¬1) بإسناده إلى معاذ بن جبل أنه قال: "إنما أمر النبي - عليه السلام - بالوضوء مما غيرت النار بغسل اليدين والفم للتنظيف، وليس بواجب". وفي إسناده مُطرف بن مازن وقد نُسب إلى الكذب. وقال أبو عمر: ذهب بعض من تكلم في تفسير حديث النبي - عليه السلام -: "توضؤوا مما مست النار" أنه عني به غسل اليد؛ لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة، فكأنه قال: نظفوا أيديكم من غَمر ما مسته النار، ومن دَسَم ما مسته النار، وهذا لا معنى له عند أهل العلم، ولو كان كما ظن هذا القائل؛ لكان دَسم ما لم تمسه النار وَوَدك ما لم تمسه النار لا يتنظف منه ولا تغسل منه اليد، وهذا لا يصح عند ذي لُبٍّ، بل المراد منه الوضوء المعهود للصلاة لمن أكل طعاما مسته النار، ولكن هو منسوخ على ما نبينه (¬2). وقيل: وضوءه - عليه السلام - من ذلك يحتمل أن يكون لشيء آخر اقتضاه، أو لنقض الطهارة أو تجديدها، وقيل: كان أمره بذلك أولًا لِمَا كانت عليه الجاهلية والأعراب من قلة التنظيف، فأراد النبي - عليه السلام - تغيير ذلك وعلّق لهم شريعة ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (20/ 71 رقم 134). (¬2) انظر "التمهيد" (3/ 330).

الوضوء، فلما رأى استقرار النظافة فيهم والتزامهم له؛ نسخ ذلك بتخفيف الحرج في لزومه لهم. انتهى. وإن كان المراد الأول -أعني الوضوء الشرعي- كما مال إلى هذا جمهور العلماء؛ يكون آخر الأمرين من فعله - عليه السلام - ناسخًا للأول كما يشهد له حديث جابر وأبي هريرة على ما نبينه عن قريب -إن شاء الله- فإن حديثهما يَشْهد أن آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو ترك الوضوء مما غيرت النار، وأن كل ما روي [مما] (¬1) يخالف ذلك فقد نسخ بالفعل الثاني. وقال البيهقي في "المعرفة" (¬2): قال الشافعي: وإنما قلنا: لا يتوضأ منه؛ لأنه عندنا منسوخ، ألا ترى أن عبد الله بن عباس -وإنما صحبته بعد الفتح- روي عنه: "أنه رآه - عليه السلام - يأكل من كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ"؟ وهذا عندنا من أبين الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ، وأن أمره بالوضوء منه للتنظيف، والثابت عنه أنه لم يتوضأ. انتهى. وفيه نظر؛ كيف لم يثبت عنه [أنه توضأ] (¬3) وقد روى عنه جماعة من الصحابة أنه توضأ من ذلك؟ ولهذا قال الطحاوي: إلَّا أنه قد ثبت عنه بما روينا أنه - عليه السلام - توضأ، وثبت عنه - عليه السلام - أنه لم يتوضأ، ففي مثل ذلك نحتاج إلى علم الآخر منهما، وقد دل حديث جابر وأبي هريرة أن آخر الأمْرَين تركُ الوضوء، فصار الأول منسوخا. وقال البغوي في "شرح السنة": هو منسوخ عند عامة أهل العلم. وقال الترمذي في "جامعه" بعد أن روى حديث جابر: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام - والتابعين ومن بعدهم مثل: سفيان، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": ما، وما أثبتناه أليق بالسياق. (¬2) "معرفة السنن والآثار" (1/ 250 - 251). (¬3) في "الأصل، ك": لم يتوضأ. وما أثبتناه هو أقرب إلى الصواب، والله أعلم.

من رسول الله - عليه السلام - وكان هذا الحديث ناسخا للحديث الأول -حديث الوضوء مما مست النار- انتهى. قلت: هذا بيان المخلص من المعارضة من حيث التاريخ، وهو أن يُعلم بالدليل التاريخ فيما بَين النصين، فيكون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم. فإن قيل: الخبر المثبت أولى من النافي؛ لأن المثبت أقرب إلى الصدق من النافي، ولهذا قبلت الشهادة على الإثبات دون النفي، فلا يحتاج إلى طلب المخلص بالتاريخ؛ لعدم تحقق المعارضة. قلت: الخبر الموجب للنفي معمول به كالموجب للإثبات وما يستدل به على صدق الراوي في الخبر الموجب للإثبات فإنه يستدل بعينه على صدق الراوي في الخبر الموجب للنفي، فحينئذ تتحقق المعارضة؛ فإذا تحققت المعارضة يُحتاج إلى طلب المخلص، وقد علم من الأصول أن طلب المخلص أولا من نفس الحجة، فإن لم يكن فمن الحكم، فإن لم يكن فباعتبار الحال، فإن لم يوجد فبمعرفة التاريخ نصّا، فإن لم يوجد فبدلالة التاريخ. وقال أبو عمر: وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة وبالبصرة، ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ، ولم يعرفوا منه غير هذا الوجه الواحد، وكانوا يوجبون الوضوء مما مسّت النار، ويتوضؤن من ذلك، وممن رُوي عنه ذلك: زيد بن ثابت، وابن [عمرو] (¬1) وأبو موسى، وأبو هريرة، وعائشة، وأم حبيبة، واختلف فيه عن أبي طلحة الأنصاري، وعن ابن عمر وأنس بن مالك وقال به: خارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابن عبد الملك، ومحمد بن المنكدر، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب الزهري، فهؤلاء كلهم مدنيون. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": عُمر، والمثبت من "التمهيد" لابن عبد البر، وسيأتي ذكر الخلاف عن ابن عمر في هذه المسألة، انظر "التمهيد" (3/ 330، 331).

وقال به من أهل العراق: أبو قلابة، وأبو مجلز، والحسن البصري، ويحيى ابن يعمر، وهؤلاء كلهم بصريون، وكأن ابن شهاب قد علم الوجهين جميعًا في ذلك وروى الحديثين المتعارضين في هذا الباب، وكان يذهب إلى أن قوله: - عليه السلام -: "توضؤوا مما غيرت النار" ناسخ لفعله المذكور في حديث ابن عباس [هذا] (¬1) ومثله. وهذا مما غَلط فيه الزهري مع سعة عمله، وقد ناظره أصحابه في ذلك وقالوا: كيف يذهب الناسخ على أبي بكر، وعُمر، وعثمان، وعلي، وهم الخلفاء الراشدون؟! فأجابهم بأن قال: أعيى الفقهاء أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله - عليه السلام - من منسوخه. وقال أبو عمر (¬2): أظن أن ابن شهاب كان يقول: إن أمهات المؤمنين لا يخفى عليهن الآخر من فعله - عليه السلام -؛ فبهذا استدل -والله أعلم- على أنه الناسخ، وعن عائشة: "كان آخر الأمرين من رسول الله - عليه السلام - الوضوء مما مسّت النار". ص: وقد روي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله - عليه السلام - أيضًا. حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن جابر. وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر. وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر. وحدثنا أبو بكرة، قال: نا إبراهيم بن بشار، قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر. وحدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن عمرو، عن جابر. ¬

_ (¬1) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "التمهيد" (3/ 332). (¬2) "التمهيد" (3/ 334 - 337) نحوه باختصار وتصرف.

وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا زائدة، قال: نا عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن جابر قال: "أكلنا مع أبي بكر - رضي الله عنه - خبزا ولحما، ثم صلى ولم يتوضأ". وفي حديث عبد الله بن محمَّد خاصّة: "وأكلنا مع عمر خبزا ولحما ثم قام إلى الصلاة ولم يمس ماء". ش: أي وقد روي ترك الوضوء عن أكل ما مسّته النار عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم: أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - على ما روى جابر بن عبد الله عنه ذلك. وأخرجه الطحاوي من عشر طرق: [الأول] (¬1): عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن رباح بن أبي معروف بن أبي سارة المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن جابر. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "أكل أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - كتف لحم -أو ذراع- ثم قام فصلى لنا ولم يتوضأ". قال عطاء: وحسبت أن جابرا قال: "ولم يمضمض ولم يغسل يده" قال: حسبت أنه قال: "مسح بيده". الثاني: عن أبي بكرة، عن أبي داود، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر. وهذا أيضًا إسناد صحيح. ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل، ك". (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 167 رقم 647).

وأخرجه ابن أبي شيبة (¬1) في "مصنفه": نا هُشَيم، أنا عمرو بن دينار وأبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: "أكلت مع أبي بكر خبزا ولحما، فصلى ولم يتوضأ". الثالث: عن أبي بكرة، عن أبي داود، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سليمان بن قيس اليشكري البصري، عن جابر. وهؤلاء ثقات، لكن قيل: إن سليمان بن قيس مات في حياة جابر، ولم يسمع منه أبو بشر. الرابع: عن أبي بكرة، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن جابر. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله يقولُ: "أكل أبو بكر خبزا ولحما ثم صلى ولم يتوضأ". الخامس: عن يونس بن عبد الأعل، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق (¬3) عن مَعْمر والثوري، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: "أكلنا مع أبي بكر خبزا ولحما، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ". قال معمر: ثم أحسبه قال: "إلَّا أنه تمضمض". السادس: عن أبي بكرة، عن أبي داود، عن زائدة بن قدامة، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل بن أبي طالب عن جابر. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 52 رقم 532). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 167 رقم 648). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 167 رقم 649).

وفي عبد الله هذا مقال. قوله: "وفي حديث عبد الله بن محمَّد ... " إلى آخره: أشار به إلى أن ذكر عمر - رضي الله عنه - جاء في روايته خاصة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا سفيان، سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر، وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابرا وظننته سمعه (من ابن عقيل) (¬2) عن جابر: "أن النبي - عليه السلام - أكل لحما ثم صلى ولم يتوضأ، وأن أبا بكر أكل (لبنا) (¬3) فصلى ولم يتوضأ، وأن عمر - رضي الله عنه - أكل لحما ثم صلى ولم يتوضأ". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا محمَّد بن المنهال، قال: نا يزيد زريع، قال: نا رَوْح بن القاسم، عن محمَّد بن المنكدر عن جابر، عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنه - مثله. ش: هذا الطريق السابع، وهو صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن أبي داود إبراهيم. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): نا هشيم، أنا علي بن زيد، نا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "قلت مع رسول الله - عليه السلام - ومع أبي بكر وعمر وعثمان خبزا ولحما، فصلوا ولم يتوضئوا". ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن أبي نُعَيْم وهب ابن كيسان، أنه سمع جابر بن عبد الله يَقُولُ: "رأيت أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أكل لحما، ثم صلى ولم يتوضأ". ش: هذا الطريق الثامن، ورجاله كلهم رجال مسلم وغيره. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 307 رقم 14338). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "مسند أحمد": من ابن عقيل وابن المنكدر وعبد الله بن محمد بن عقيل. (¬3) كذا في "الأصل، ك" وبعض نسخ "المسند"، وفي المطبوع من "المسند": لحمًا". (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 51 رقم 521).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا ابن عُلَيّة، عن أيوب، عن وهب بن كيْسان، عن جابر: "أن أبا بكر أكل خبزا ولحما فما زاد على أن مضمض فاه وغسل يديه ثم صلى". وأخرجه البيهقي (¬2): عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي العباس محمَّد بن يعقوب، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: نا همام، قال: نا قتادة، قال: قال لي سليمان بن هشام: وإن هذا لا يَدَعنا -يعني الزهري- أن نأكل شيئْا إلَّا أمَرنا أن نتوضأ منه، فقلت: سألت عنه سعيد بن المسيب، فقال: إذا أكلته فهو طيب ليس عليك فيه وضوء فإذا خرج فهو خبيث عليك فيه الوضوء. قال: ما أراكما إلَّا قد اختلفتما، فهل بالبلد من أحد؟ فقلت: نعم؛ أقدم رجل في جزيرة العرب. قال: مَنْ هو؟ قلت: عطاء. فأرسل، فجيء [به] (¬3) فقال: إن هذين قد اختلفا عليّ فما تقول؟ فقال: حدثنا جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - ... " ثم ذكر عن أبي بكر مثله. ش: هذا الطريق التاسع، وأبو عُمر الحوضي حفص بن عمر وقد تكرر ذكره، وهمام بن يحيى العوذي، وقتادة بن دعامة السَّدُوسي، وعطاء بن أبي رباح، وكلهم أئمة أجلاء ثقات. وسليمان بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، وكان أميرا في عهد أبيه ولم يل الخلافة، قتله السفاح فيمن قَتَل من بني أمَيَّة، سنه ثلاث وثلاثين ومائة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬4): ثنا عفان وبهز، قالا: نا همام، قال بهز: نا قتادة ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 52 رقم 534). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 157 رقم 705). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار"، و"مسند أحمد" كما سيأتي. (¬4) "مسند أحمد" (3/ 363 رقم 14962).

قال: قال لي سليمان ... إلى آخره نحوه، وفي آخره: "قال: قال لعطاء: ما تقول في العمرى؟ قال: حدثني جابر أن النبي - عليه السلام - قال: العمرى جائزة". قوله: "لا يدعنا" أي: لا يتركنا. قوله: "في جزيرة العرب" من جهة الغرب بحر القلزم من أطراف اليمن إلى أيلة، وأيلة من جزيرة العرب، ومن جهة الشرق إلى البصرة، ومن الجنوب بحر الهند إلى آخر اليمن من جهة الحجاز إلى حد الجهة الغربية، وفي الشمال بعض الشام إلى بَالِس على الفرات إلى الرحَبة وعَانة. ص: حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: نا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، قال: حدثني جابر: "أنه رأى أبا بكر فعل ذلك". ش: هذا الطريق العاشر، عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون أبي بكر السكري الإسكندراني، وثقه ابن يونس، وروى عنه أبو داود والنسائي. والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، وهذا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن يحيى بن ربيعة، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: أخبرني جابر بن عبد الله: "أن أبا بكر أكل كتف شاة -أو ذراع- ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ، فقيل له: نأتيك بوَضوء؟ فقال: إني لم أحدث". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو الوليد، قال: نا شعبة، عن حماد ومنصور وسليمان ومغيرة، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود وعلقمة خرجا من بيت عبد الله بن مسعود يُريدان الصلاة، فجيء بقصعة من بيت علقمة فيها ثريد ولحم فأكلا، فمضمض ابن مسعود وغسل أصابعه، ثم قام إلى الصلاة". ش: أبو الوليد: هشام بن عبد الملك، وحماد: هو ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، ومنصور: هو ابن المعتمر، وسليمان: هو الأعمش، ومغيرة: هو ابن مقسم الضبّي، ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 171 رقم 664).

وإبراهيم: هو ابن يزيد النخعي، وعلقمة: هو ابن قيس النخعي، وهؤلاء كلهم أئمة أجلاء أَثْبات. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة: "أُتِينا بجفنة ونحن مع ابن مسعود، فأمر بها فوضعت في الطريق، فأكل منها وأكلنا معه، وجعل يدعو مَنْ مَرَّ به، ثم مضينا إلى الصلاة، فما زاد على أن غسل أطراف أصابعه، ومضمض فاه، ثم صلّى". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق ... إلى آخره. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن الحجاج، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليّ من أتوضأ من اللقمة الطيبة". ش: رجاله ثقات، وحجاج الأول: هو ابن المنهال، والثاني: هو بن أرْطاة النخعي الكوفي، وحماد: هو ابن سلمة، والأعمش: هو سليمان، ووالد إبراهيم: هو يزيد بن شريك التيمي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3): نا علي بن عبد العزيز، نا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه. "والخبيثة": الرديَّة، من خَبُثَ الشيء خباثة، وخَبُثَ الرجل خبثا فهو خبيث أي رديء، وأصل الخبيث خلاف الطيب. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب أن مالكا حدثه، عن محمَّد بن المنكدر وصفوان بن سليم، أنهما أخبراه عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 168 رقم 650). (¬2) "المعجم الكبير" (9/ 250 رقم 9234). (¬3) "المعجم الكبير" (9/ 248 رقم 9223).

التَيْمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير:"أنه تعشى مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ثم صلى ولم يتوضأ". ش: إسناده صحيح، وربيعة بن عبد الله: عم محمَّد بن المنكدر. وأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه" (¬1): عن مالك ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن ضَمْرة بن سعيد المازني، عن أبان بن عثمان: "أن عثمان - رضي الله عنه - أكل خبزا ولحما، وغسل يديه ثم مسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه" (¬2): عن مالك ... إلى آخره نحوه. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬3): عن أبي علي الروذباري، عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن يحيى بن بكير المصري، عن مالك ... إلى آخره. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أيوب بن سليمان بن بلال، قال: حدثني أبو بكر بن أبي أُوَيْس، عن سُليمان، عن عُتبة بن مسلم، عن عبيد بن حُنيْن، قال: "رأيت عثمان - رضي الله عنه - أُتي بثريد فأكل، ثم تمضمض، ثم غسَل يَديْه، ثم قام فصلى للناس (¬4) ولم يتوضأ". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأيوب بن سليمان: شيخ البخاري، وأبو بكر اسمه: عبد الحميد بن عبد الله بن أَويس المدني، وسليمان هو: ابن بلال القرشي المدني، وعتبة بن مسلم: التيمي مولاهم المدني، وعبيد بن حنين: المدني مولى آل زيد بن الخطاب. وهؤلاء كلهم مدنيّون. ¬

_ (¬1) "موطأ مالك": رواية محمد بن الحسن (1/ 38 رقم 31). (¬2) "موطأ مالك": رواية محمَّد بن الحسن (1/ 39 رقم 32). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 157 رقم 707). (¬4) كذا في "الأصل، ك"، وفي "شرح معاني الآثار": بالناس.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو الوليد، قال: نا شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عَقْرب الكناني قال: "رأيت ابن عباس - رضي الله عنه - أكل خبزا رقيقا ولحما حتى سال الوّدك على أصابعه، فغسل يديه وصلى المغرب". ش: إسناده صحيح، وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسيّ، وأبو نوفل قيل: اسمه مسلم، وقيل: عمرو بن مسلم بن أبي عقرب، وقيل: معاوية بن مسلم، والكناني: نسبة إلى كنانة بن خزيمة وهي عدة قبائل. قوله: "رقيقا" ضد الثخين، قال الجوهري: الخبز الرُّقاق -بالضم-: الخبز الرقيق، و"الوَدك" -بفتحتين-: دسم اللحم، يقال: دجاجة وديكة: أي سمينة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا عثمان بن عمر، قال: نا إسرائيل، عن طارق، عن سعيد بن جُبَير: "أن ابن عباس أُتي بجفنة من ثريدٍ ولحم عند العصر فأكل منها، فأُتي بماء فغسل أطراف أصابعه، ثم صلى ولم يتوضأ". ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة، وإسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي. قوله: "بجفنة" وهي كالقصعة، والجمع جفان وجفنات. "والثريد" خبز أو رقاق مُفتّت، مسقي بالودك، عليه لحم مقطع، وقيل: لا يكون الثريد حتى يكون فيه لحم، ولكن عطف اللحم هنا على الثريد يردّ هذا القول. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن جبير قال: "دخل قوم على ابن عباس فأطعمهم طعاما، ثم صلى بهم على طِنفسه، فوضعوا وجوههم وجباهم وما توضؤا". ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله. قوله: "طِنْفَسة" -بكسر الطاء وفتحها وسكون النون وفتح الفاء-: وهي البساط الذي له خمل رقيق، وجمعه طنافس.

وقال ابن الأثير: الطنفسة بكسر الطاء والفاء وبضمهما، وبكسر الطاء وفتح الفاء. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا المسعودي، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه قال: "قال ابن عمر لأبي هريرة: ما تقول في الوضوء مما غيرت النار؟ قال: توضأ منه، قال: ما تقول في الدهن والماء المسخن، نتوضأ منه؟ فقال: أنت رجل من قريش وأنا رجل من دوس، قال: يا أبا هريرة لعلك تلتجئ إلي هذه الآية {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (¬1). ش: إسناده صحيح، وأبو داود: سليمان بن داود الطيالسي، وقد تكرر، والمسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، وثقه أحمد ويحيى، واستشهد به البخاري، وروى له الأربعة. وسعيد بن أبي بردة، واسم أبي بردة: عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري. قوله: "قال: ما تقول" أي قال ابن عمر لأبي هريرة: ما تقول، وهذا القول منه إلزام لأبي هريرة، واعتراض عليه فيما ذهب إليه من إيجابه الوضوء مما غيرته النار. قوله: "أنت رجل من قريش" أراد به أبو هريرة: أنك رجل شريف لأنك قرشي وأنا رجل وضيع لأني دوسيّ، فكيف أقاومك في الجواب والمعارضة؟! ثم إن ابن عمر - رضي الله عنه - فهم من كلامه أنه ينسبه بهذا الكلام إلى اللجاجة والخصام، وقال له: لعلك تلتجئ إلى هذه الآية {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (1). ص: حدثنا روْح بن الفرج، قال: نا يوسف بن عديّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حُصَين، عن مجاهد، قال ابن عمر: "لا نتوضأ من شيء تأكله". ش: إسناده صحيح، ويوسف بن عدي: شيخ البخاري. ¬

_ (¬1) سورة الزخرف، آية: [58].

وأبو الأحوص سلّام بن سُليم الكوفي، روى له الجماعة. وحُصين -بضم الحاء- بن عبد الرحمن السُلمي الكوفي، روى له الجماعة. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: نا حماد، عن أبي غالب، عن أبي أمامة: "أنه كل خبزا ولحما فصلى ولم يتوضأ، وقال: الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل". ش: حمّاد: هو ابن سلمة. وأبو غالب: البصري صاحب أبي أمامة، اختلف في اسمه فقيل: اسمه حَزَوَّر، وقيل: سعيد بن الحَزَوَّر، وقيل: نافع، ضعفه النسائي، ووثقه الدارقطني. وأبو أمامة صُدَيْ بن عَجْلان الباهلي الصحابي. قوله: "الوضوء مما يخرج" أي: يجب من أجل خروجه من السبيلن، أو من غيرهما إذا كان نجسا نحو: الدم والقيح، وليس مما يدخل أي: من أجل ما يدخل في باطن [ابن] (¬1) آدم من الأكل والشرب، وهذا كله خلاف حكم الصوم. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهؤلاء الِجلَّة من أصحاب رسول الله - عليه السلام - لا يَروْن في أكل ما غيرت النار وضوءا. ش: أشار بهؤلاء إلى الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة الباهلي، الذين روي عنهم أنهم لا يرون الوضوء مما مست النار. "والِجلّة" -بكسر الجميع وتشديد اللام-: جمع جَليل، كَصِبْية جمعُ صبي، والجليل بمعنى العظيم، وأراد هؤلاء الأكابر والأعاظم من الصحابة - رضي الله عنهم -. ص: وقد روي عن آخرين منهم مثل ذلك ممن قد رُوي عنه عن رسول الله - عليه السلام - أنه أمر بالوضوء مما غيرت النار. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.

ش: أي وقد رُوي عن جماعة آخرين من الصحابة مثل ما رُوي عن هؤلاء الِجلَّة من الذين قد رُوي عنهم عن رسول الله - عليه السلام - أنه أمر بالوضوء مما غيرت النار، وأراد بهذا: تأكيد ما قاله فيما مضى من انتساخ الأمر بالوضوء مما غيرت النار؛ لأن رواية من رَوى ترك الوضوء منه بعد روايته أنه أمر بالوضوء منه أول دليل على نسخ الحكم الأول؛ لأن الصحابة محفوظون من أن يرووا شيئًا عن النبي - عليه السلام - ثم يقولون أو يفعلون بخلافه إلَّا بعد ثبوت النسخ عندهم. ص: فمن ذلك: ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا بشْر بن بكر، قال: نا الأوزاعي، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، قال: حدثني أنس بن مالك، قال: "بينا أنا وأبو طلحة الأنصاري وأبي بن كعب أُتينا بطعام سخن فأكلنا، ثم قمت فتوضأت، فقال أحدهما لصاحبه: أَعِرَاقيةٌ؟! ثم انتهراني، فعلمتُ أنهما أفقه مني". ش: أي فمن هذا الذي ذكرنا من قولنا: "وقد روي عن آخرين منهم .... " إلى آخره. قوله: "ما حدثنا" مبتدأ، و"من ذلك" مقدما خبره و"ما" موصولة، و"حدثنا" صلتها. وإسناده حسن ورجاله ثقات، والأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1): أنا أبو أحمد عبد الله بن محمَّد، أنا أبو بكر محمَّد بن جعفر المزكي، نا محمَّد بن إبراهيم العبدي، نا بُكير، نا مالك، عن موسى بن عقبة، عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري: "أن أنس بن مالك قَدِمَ من العراق، فدخل عليه أبو طلحة وأبي بن كعب، فقَرب إليهما طعاما قد مسّته النار، فأكلوا منه، فقام أنس فتوضأ، فقال له أبو طلحة وأبي بن كعب: ما هذا يا أنس، أعِراقية؟! فقال أنسٌ: ليتني لم أفعل. وقام أبو طلحة وأبي بن كعب فَصَلَّيَا ولم يتوضئا". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 158 رقم 711).

قوله: "بينا" أصله: "بين" أشبعت فتحتها بالألف، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة، وكذلك "بينما" ويضافان إلى جملة، ويحتاجان إلى جواب، والأفصح في جوابهما ألَّا يكون فيه "إذ" ولا "إذا". وقوله: "أنا" مبتدأ، وخبره محذوف و"أبو طلحة وأبي بن كعب" عطفا عليه، والتقدير: بينا أنا قاعد أو جالس، وأبو طلحة وأبي قاعدان. قوله: "أُتِينا" على صيغة المجهول، جواب "بينا" وقد وقع على شرط الفصاحة. قوله: "أعراقية" الهمزة للاستفهام على وجه الإنكار، والمعنى، هل هذه الفعلة التي فعلها أنس عراقية؟ يعني منسوبة إلى العراق، فكأنهما استغربا ذلك عن أنس ونسباه إلى العراق، فكأنه تعلّم هذا في العراق ثم أتى به إلينا. قوله: "ثم انتهراني" أي زجراني ومنعاني عن ذلك، يقال: نهرته، وأنتهرته، بمعنى. قوله: "فعلمت أنهما" أي أن أبا طلحة وأبي بن كعب "أفقه" أي أعلم بهذه المسألة مني، فهذا يدل على أن ما فعله أنس من قبل من الوضوء مما مسته النار لعدم وقوفه على النسخ، فلما علمه منهما؛ رجع عما كان يفعله، ولهذا قال في رواية البيهقي: "ليتني لم أفعل" وكذلك أبو طلحة هو الذي روى الوضوء مما مسته النار، ثم تركه؛ لما علم بانتساخه. ص: حدثنا يونس، قال: نا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن موسى بن عقبة، عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري: "أن أنس بن مالك قدم من العراق ... ، ثم ذكر مثله، وزاد: "فقام أبو طلحة وأبي فصليا ولم يتوضئا". ش: هذا طريق آخر وهو صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطأه" (¬1). ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 27 رقم 56).

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني إسماعيل بن رافع ومحمدُ بن النيل، عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، عن أنس بن مالك قال: "أكلت أنا وأبو طلحة وأبو أيوب الأنصاري طعاما قد مسته النار، فقمتُ لأن أتوضأ، فقالا لي: تتوضأ من الطيبات؟! لقد جئت بها عراقية". فهذا أبو طلحة وأبو أيوب قد صليا بعد أكلهما ما غيرت النار ولم يتوضئأ، وقد رويا عن رسول الله - عليه السلام - أنه أمر بالوضوء من ذلك فيما قد روينا عنهما في هذا الباب، فهذا لا يكون عندنا إلَّا وقد ثبت نسخ ما قد روَياه عن النبي - عليه السلام - من ذلك عندهما، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: هذا وجه آخر في الحديث المذكور، يَرْويه عن إبراهيم بن أبي في أوفى، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي، وهو ثقة، روى له الجماعة. وإسماعيل بن رافع بن عُوَيْمر المدني، قال يحيى: ضعيف. وقال النسائي: متروك الحديث. ومحمد بن النَيْل الفهري المصري، ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه، وقال الدارقطني: شيخ من أهل مصر، والنيل: بفتح النون وسكون الياء آخر الحروف كذا ضبطه الدارقطني، وقال الصاغاني في "العباب": وأبو النيل الشامي، ومحمد بن نيل الفهري من أصحاب الحديث يُقَالان بفتح النون وكسرها، ذكره في مادة النون والياء -آخر الحروف- واللام، ومَنْ ضَبطَه بالنون والباء الموحدة فقد صحّف. ويحيى بن أيوب الغافقي يَرْوي عن إسماعيل بن رافع ومحمد بن النيل هذا، وكلاهما يَرْويان عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس.

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن محمَّد بن راشد، قال: أخبرني عثمان بن عمرو التيمي، عن عقبة بن زيد، عن أنس بن مالك قال: "قدمت المدينة فتعشيتُ مع أبي طلحة قبل المغرب، وعنده نفر من أصحاب النبي - عليه السلام - منهم أبي بن كعب، فحضرت المغرب، فقمت أتوضأ، فقالوا: ما هذه العراقية التي أحدثتها؛ من الطيبات تتوضأ؟! فصلوا المغرب جميعًا ولم يتوضؤا". قوله: "أنتوضأ" الهمزة فيه للاستفهام "من الطيبات" أي: من المواكيل الطيّبات. قوله: "لقد جئت بها" أي بهذه الفَعْلة يعني الوضوء مما مسته النار. قوله: "عراقية" بالنصب على الحال، من الضمير الذي في "بها". قوله: "وقد رويا" جملة وقعت حالا، أي والحال أنهما -أي أبا طلحة وأبا أيوب- قد رَوَيَا عن رسول الله - عليه السلام - أنه أَمَر بالوضوء مما مَسّته النار، أما حديث أبي طلحة فهو ما رواه في أول الباب: "أنه - عليه السلام - أكل ثوْرَ أقطٍ فتوضأ منه" (¬2). وأما حديث أبي أيوب فهو ما رواه النسائي في "سننه" (¬3): وقال: أخبرنا عَمرو بن علي ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن عمرو، قال حدثني محمَّد القاري، عن أبي أيوب قال: قال النبي - عليه السلام -: "توضئوا مما غيرت النار". والطحاوي لم يَرو حديث أبي أيوب في هذا الكتاب، وإنما رواه في غيره، ولكن في هذا الباب -يعني باب حكم ما مّسته النار- فلذلك قال: فيما قد روينا عنهما في هذا الباب. قوله: "فهذا لا يكون عندنا ... " إلى آخره إشارة إلى بيان وجه النسخ، وذلك لأن الصحابي إذا روى شيئًا ثم عمل أو أفتى بخلافه يدلّ ذلك على أنه قد ثبت النسخ عنده فيما رواه لأنا لا نظن بالصحابة إلَّا كل خير. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 170 رقم 659). (¬2) تقدم تخريجه. (¬3) "المجتبى" (1/ 106 رقم 176).

ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد رأينا هذه الأشياء التي قد اختلف في أكلها أنه ينقض الوضوء أم لا إذا مستها النار، فقد أجمع كلٌ أن أكلها قبل مُمَاسَّةِ النار إياها لا يَنقُض الوضوءَ، فأردنا أن نَنظُرَ، هل للنار حكمٌ يجب في الأشياء إذا ماستها فَيُنُقَل به حكمُها إليها؟ فرأينا الماء القَراح تُؤدَّى به الفروض، ثم رأيناه إذا سُخِّنَ فصار مما قد مَسّته النار أن حكمه في طهارته على ما كان عليه قبل مماسة النار إياه، وأنَّ النار لَمْ تُحْدِثُ فيه حكمًا يَنتقلُ به حكمُه إلى غير ما كان عليه في البدْء، فلما كان ما وصَفْنا كذلك كان في النظر أن الطعام الطاهرَ الذي لا يكون أكله قبل أن تمسه النار حدثا؛ إذا مسَّته النارُ لا تَنقله عن حاله فلا يُغيَّر حكمَه، ويكون حكمه بعد مَسِيس النار إياه كحكمه قبل ذلك، قياسا ونظرا على ما بَيّنا، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله. ش: بَنَى هذا القياس على مقدمتين مُسلمتين: الأولى: أن كل الطعام قبل مماسة النار إياه لا ينقض الوضوء بلا خلاف. والثانية: أن الماء القراح الطاهر إذا سخن بالنار لا تُحدث فيه النار شيئا، ولا تُغير حكمه عما كان عليه، فالنظر عليه كون الطعام كذلك بعد مماسة النار إياه، أنها لم تُحدث فيه شيئًا ولم تغير حكمه عما كان عليه. فإن قلت: كيف تقول إن النار لم تحدث فيه شيئًا، فإنه قبل مماسة النار إياه يُسمّى: نيّا، وبعدها يسمى نضيجا، أليس هذا إحداث؟ قلت: هذا الإحداث لا يضرنا شيئا؛ لأن المراد إحداث أمر شرعيّ متعلق به الحكم، وهذا ليس بأمر شرعي؛ لأن الطعام يباح كله قبل مسّ النار وبعده، وإنما يمنع أكل بعض الطعام قبل مسّ النار من جهة الطب لا من جهة الشرع، والنار لا تحل شيئًا ولا تحرّمه، وإنما تأتي بلذة المطعوم وتزيده طيبا، ألا ترى إلى قول ابن عباس - رضي الله عنه -: "إنما النار بركة الله، وما تُحِلّ من شيء ولا تحرّمه، ولا وضوء مما مسّته النارُ، ولا وضوء مما دخل، إنما الوضوء مما خرج من الإنسان".

رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن ابن جريج، عن عطاء عنه. وأخرجه عنه أيضًا (¬2): أنه قال: "ما زاده النار إلَّا طيبا، ولو لم تمسّه النار لم تأكله". قوله: "الماء القراح" بفتح القاف، وهو الماء الخالص الذي لا يَشُوبه شيء، ومنه سُمّيت المزرعة التي ليس عليها بناء ولا شجر قراحا، والجمع أقرحة. قوله: "في البدءْ" أي في الابتداء. ص: وقد فرق قومٌ بين لحوم الغنم ولحوم الإبل، فأوجبوا في أكل لحوم الإبل الوضوءَ ولم يوجبوا ذلك في لحوم الغنم. ش: أراد بالقوم هؤلاء: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، ويحي بن يحيى وآخرين. وفي "المغني": أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال، نيّا ومطبوخا و (مشويّا) (¬3) عالمًا كان أو جاهلا، وبهذا قال جابر بن سمرة، ومحمد بن إسحاق، وإسحاق بن راهوية، وأبو خيْثمة، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر. وقال الخطابيّ: ذهب إلى هذا عامّة أصحاب الحديث. وقال ابن حزم فى "المحلى" (¬4): وكل لحوم الإبل عمدًا -يعني ينقض الوضوء- نيَّة ومطبوخة ومشويّة، وهو يدري أنه جمل أو ناقة. ولا يُنتَقض الوضوء بأكل شحومها محضة، ولا أكل شيء منها غير لحمها، فإن كان يقع على بطونها ورءوسها وأرجلها اسم لحم عند العرب؛ نقض أكلها الوضوء وإلَّا فلا، ولا ينقض الوضوءَ كل شيء مَسته النارُ غير ذلك، وبهذا يقول أبو موسى الأشعري وجابر بن سمرة، ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 168 رقم 653). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 169 رقم 656). (¬3) ليست في "المغني" (1/ 121). (¬4) "المحلى" (1/ 241) بتصرف.

ومن الفقهاء: أبو خيْثمة زهير بن حرب، ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: نا مُؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان، قال: نا سماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة قال: "سئل رسول الله - عليه السلام -: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا". ش: أي احتج هؤلاء القوم في وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وعدمه من أكل لحم الغنم. بحديث جابر بن سمرة هذا، ورجاله ثقات، والحديث صحيح، وقال ابن مّندة: حديث جابر بن سمرة صحيح، وكذا قال البيهقي. وأخرجه مسلم (¬1) أيضًا: نا أبو كامل الجحدري، ثنا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة: "أن رجلًا سأل رسول الله - عليه السلام - أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم؛ فتوضَأْ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا". وأخرجه ابن ماجه (¬2): نا محمَّد بن بشار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا زائدة وإسرائيل، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، قال: "أمرنا رسول الله - عليه السلام - أن نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم". ص: حدثنا علي بن مَعبد، قال: نا معاوية أبي عَمرو، قال: نا زائدة، عن سماك بن حرب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جده جابر، عن النبي - عليه السلام - نحوه. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح على شرط مسلم. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 275 رقم 360). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 166 رقم 495).

قوله: "عن جدّه" قيل: من قبل أمّه، وقيل: من قبل أبيه. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): نا يوسف القاضي، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن جعفر بن أبي ثور بن جابر بن سمرة، عن جده جابر بن سمرة: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، أتوضأ من لحوم (من لحوم) (¬2) الغنم؟ قال: إن شئت فعلت وإن شئت لم تفعل. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبَات الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبَات الإبل؟ قال: لا". ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا الحجاج، نا حماد، عن سماك بن حرب، عن جعفر، عن جده جابر بن سمرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فعلت وإن شئت لم تفعل. قال: يا رسول الله، أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): نا بهز، نا حماد، عن سماك .... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موْهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وأبو عوانة الوضاح اليشكري. وأخرجه مسلم (¬4) من هذا الطريق كما ذكرنا. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (2/ 210 رقم 1860). (¬2) تكررت في "الأصل، ك". (¬3) "مسند أحمد" (5/ 92 رقم 20899). (¬4) تقدم تخريجه.

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1) أيضًا: نا معاذ بن المثنى، نا مسدد. ح ونا طالب بن قرة الأذني، نا محمَّد بن عيسى بن الطباع. ح ونا أبو حصين القاضي، نا يحيى الحماني، قالوا: نا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر قال: "كنت جالسا عند رسول الله - عليه السلام - فَسُئِل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ فقال: نعم، فتوضئوا من لحوم الإبل. فقالوا: نصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا. [قالوا] (¬2): أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ. [قالوا]: نصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم". واحتج هؤلاء القوم بحديث جابر بن سمرة فيما ذهبوا إليه. وقال ابن قدامة في "المغني": ولنا في هذا الباب حديث جابر بن سمرة وحديث البراء. وقد قال أحمد: فيه حديثان صحيحان عن النبي - عليه السلام - حديث البراء وحديث جابر بن سمرة. وكذلك قال إسحاق. وحديثهم لا أصل له إنما هو قول ابن عباس. قلت: أراد به ما استدل به الحنفية والشافعية والمالكية من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "الوضوء مما يخرج لا مما يدخل". ثم قال: فإن قيل: الوضوء ها هنا غسل اليد؛ لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضي غسل اليد كما كان - عليه السلام - يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده. وخص ذلك بلحوم الإبل لأن فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في لحوم الغنم؛ قلنا: هذا فاسد؛ فإنه نوع تأويل يخالف الظاهر من وجوه أربعة: أحدها: أنهم حملوا الأمر على الاستحباب، ومقتضاه الوجوب. والثاني: أنهم حملوا الوضوء على غير موضوعه في الشرع، ولفظ الشارع عند الإطلاق إنما يحمل على الموضوعات الشرعية. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (2/ 212 رقم 1866). (¬2) في "الأصل، ك": قال، والمثبت من "معجم الطبراني الكبير" وهو الموافق للسياق.

الثالث: أنهم جمعوا بين ما نهى النبي - عليه السلام - عنه وبين ما أمر به، فإن النبي - عليه السلام - أمر بالوضوء من لحوم الإبل، ونهى عن الوضوء من لحوم الغنم، ومتى حُمل الأمر على استحباب غسل اليد فهي مستحبة فيهما جميعًا بدليل الحديث الذي رووه. الرابع: أن السائل سأل عن الوضوء من لحومها والصلاة في مباركها، والوضوء المقرون بالصلاة لا يفهم منه غير المشروع لها، ومخالفة هذه الظواهر كلها لا يجوز بمثل هذا التأويل الضعيف الذي ليس له أصل، وَمِنَ العجب أن مخالفينا أوجبوا الوضوء فيما يخالف القياس بأحاديث ضعيفة، فبعضهم أوجبه بالقهقهة في الصلاة، والخارج من غير السبيل، وبعضهم أوجبه من لمس الذكر بحديث مختلف فيه لا يقارب هذه الأحاديث في الصحة، والتأويل فيه أسهل من التأويل ها هنا، وقد عارضه حديث قيس بن طلق، وقد قال أحمد: ما أعلم به بأسا. وقال: الوضوء من أكل لحم الجزور أقوى من الوضوء من مس الفرج؛ لصحة الحديث فيه، ثم عدلوا عن هذا الحديث مع صحته وظهور دلالته لمخالفته القياس الطردي. انتهى (¬1). والجواب عن الحديث: أنه منسوخ بحديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: "كان آخر الأمرين من رسول الله - عليه السلام - ترك الوضوء مما مسته النار". ويتناول ذلك لحوم الإبل وغيرها، والجواب عن قوله: "وحديثهم لا أصل له إنما هو من قول ابن عباس": غير صحيح؛ لأن الحديث له أصل. وقد أخرجه الطبراني (¬2) بإسناده عن أبي أمامة قال: "دخل رسول الله - عليه السلام - على صفية بنت عبد المطلب فَغَرفَت له -أو فقربت له- عرْقا فوضعته بين يديه ثم غرفت -أو قربت- آخر فوضعته بين يديه فأكل ثم أتى المؤذن فقال: الوضوء الوضوء. فقال: إنما الوضوء علينا (مما) (¬3) خرج وليس علينا (مما) (3) دخل" ولئن ¬

_ (¬1) "المغني" لابن قدامة (1/ 122) بتصرف واختصار. (¬2) "المعجم الكبير" للطبراني (8/ 210 رقم 7848). (¬3) كذا في "الأصل، ك"، وفي "معجم الطبراني": "فيما".

سلمنا ذلك، أو قلنا بضعف حديث الطبراني؛ لكون عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد في إسناده وهما ضعيفان، حتى قيل: لا يحل الاحتجاج بهما، فنقول: قول ابن عباس صحيح، قد روي عنه من وجوه كثيرة: منها ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا ابن عُلَيّة، عن أيوب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الوضوء مما خرج وليس مما دخل" وهذا إسناد صحيح. ومنها ما رواه أيضًا (¬2): نا هشيم، عن حصين، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عباس قال: "الوضوء مما خرج وليس مما دخل ولا مما أوطي" وهذا أيضًا إسناد صحيح. ومنها ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: "ولا وضوء مما دخل، إنما الوضوء مما خرج" وهذا أيضًا إسناد صحيح. وقد روي هذا عن غير ابن عباس؛ فروى عبد الرزاق (¬4)، عن الثوري، عن وائل بن داود، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود قال: "إنما الوضوء مما خرج، والصوم مما دخل وليس مما خرج". عبد الرزاق (¬5): عن معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب قال: "إنما الوضوء مما خرج وليس مما دخل؛ لأنه يدخل وهو طيب، لا عليك منه، ويخرج وهو خبيث عليك منه الوضوء والطهور". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 52 رقم 35). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 52 رقم 38). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 168 رقم 653). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 170 رقم 658). (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 171 رقم 663).

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا هشيم، عن حصين، عن عكرمة قال: "الوضوء مما خرج وليس مما دخل". وقد عرف في علم الأصول أن قول الصحابي المجتهد حجة لاحتمال السماع وزيادة الإصابة في الرأي ببركة صحبة النبي - عليه السلام - فابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنهم - لا شك في اجتهادهما وكثرة علمهما واتساع فقههما، والخلاف في قول التابعي؛ لأنهم رجال ونحن أيضًا رجال، ومع هذا لا يتم الإجماع بخلاف التابعي عندنا؛ خلافا للشافعي. وأما قوله: "قلنا هذا فاسدة؛ فإنه نوع تأويل ... إلى آخره" ففاسد لأن هذا التأويل لا يخالف الظاهر؛ لأن الظاهر (أن) (¬2) الوضوء له سبب وهو إرادة الصلاة مع الحدث، ولم يوجد هذا السبب عند أكل لحم الإبل حتى نقول: إن الأمر بالوضوء منه هو الوضوء الشرعي، وإنما معنى الأمر فيه منصرف إلى غسل اليد لوجود سببه وهو الزهومة والغَمر، فمعنى الوضوء يتأول على الوضوء الذي هو النظافة ونقاء الزهومة، كما روي: "توضؤوا من اللبن فإن له دَسَما" (¬3). قلت: "فبعضهم أوجبه بالقهقهة في الصلاة" غمز على الحنفية، وكذلك قوله: "والخارج من غير السبيل". قلت: "وبعضهم أوجبه من لمس الذكر" غمز على الشافعية، والجواب عن هذا: ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 52 رقم 539). (¬2) تكررت في "الأصل". (¬3) رواه ابن ماجه (1/ 167 رقم 500)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 59 - 60 رقم 628)، والروياني في "مسنده" (2/ 224 رقم 1086)، والطبراني في "الكبير" (6/ 125 رقم 5721)، كلهم من حديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه -، ولكن بلفظ: "مضمضوا من اللبن فإن له دسمًا". ورواه ابن ماجه في "سننه" (1/ 167 رقم 498) من حديث ابن عباس مثله، وأصله في "الصحيحين" حكايته فعل: "أنه - صلى الله عليه وسلم - شرب لبنًا ثم دعا بماء فتمضمض، وقال: إن له دسمًا"، البخاري (1/ 87 رقم 208)، ومسلم (1/ 274 رقم 358)، وروي عن أم سلمة مرفوعًا مثله. أما لفظ الوضوء فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 60 رقم 637) عن أبي سعيد قال: "لا وضوء إلا من اللبن؛ لأنه يخرج من بين فرث ودم". وأخرجه أيضًا (1/ 60 رقم 638) من حديث أبي هريرة قال: "لا وضوء إلا من اللبن".

أن حديث القهقهة أخرجه الدارقطني (¬1): عن أبي العالية الرياحي: "أن أعمى تردّى في بئر، والنبي - عليه السلام - يصلي بأصحابه، فضحك بعض من كان يصلي مع النبي - عليه السلام - فأمر النبي - عليه السلام - من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصلاة جميعًا". فإن قيل: هذا الحديث مرسل أرسله أبو العالية الرياحي، وقد قيل: إنه كان لا يبالي من أين كان يأخذ الحديث. وقال ابن عدي: إنما قيل في أبي العالية ما قيل لهذا الحديث، وإلَّا فسائر أحاديثه صالحة. قيل له: روى البيهقي (¬2): عن ابن شهاب: "أن النبي - عليه السلام - أمر رجلًا ضحك في الصلاة أن يعيد الوضوء والصلاة" قال الشافعي: لم نقبله لأنه مرسل. فلم يذكر فيه علة سوى الإرسال، فدل على صحة إرساله، وأما أبو العالية فهو عدل ثقة، وقد اتفق على إرسال هذا الحديث معمر وأبو عوانة وسعيد بن أبي عروبة وسعيد بن بَشير، فرووه عن قتادة، عن أبي العالية، وتابعهم عليه ابن أبي الزيال وهؤلاء جميعهم ثقات، فإن صح عن أبي العالية أنه كان لا يبالي من أين أخذ الحديث، قلنا: لكنه إذا أرسل الحديث لا يُرسله إلَّا عمن يقبل روايته؛ لأن المقصود من رواية الحديث ليس إلَّا التبليغ عن رسول الله - عليه السلام - وخاصة إذا تضمن حكمًا شرعيّا، فإذا أرسل الحديث ولم يذكر من أرسله عنه مع علمه أو ظنه بعدم عدالته كان غاشّا، للمسلمين وتاركا لِنصيحتهم، فتسقط عدالته، ويدخل في قوله: - عليه السلام -: "مَن غش فليس منا" (¬3) وقد ثبتت عدالته ورواه الثقات عنه مرسلا؛ فدل على أنه أرسله عن عدل، ولأن المُرسِلُ شاهد على الرسول - عليه السلام - بإضافة الخبر إليه، فلو لم يكن ثابتا عنه بطريق تقارب العلم لما أرسله، ولكان أَسْنَدَهُ لتكون العهدة على غيره، وهذه عادة غير مدفوعة؛ أن من قوي ظنه بوجود شيء أعرض عن إسناده، فهذه مسألة تفرد بها أصحابنا اتباعا لهذا الحديث، وتركوا القياس من أجله، وهذه شهادة ظاهرة لهم أنهم يقدمون الحديث على القياس، وهم أتبع للحديث من سائر ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 163 رقم 5). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 146 رقم 663). (¬3) أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 99 رقم 102) من حديث أبي هريرة.

الناس (¬1)، وروى محمَّد في "آثاره" (¬2) وقال: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا منصور ابن زاذان، عن الحسن البصريّ، عن معبد، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "بينما هو في الصلاة؛ إذْ أقبل رجل أعمى من قِبل القبلة يريد الصلاة، والقوم في صلاة الفجر فوقع في (زُبْيَة) (¬3) فاستضحك بعض القوم حتى قهقه، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من كان قهقه منكم فليعد الوضوء والصلام". محمَّد قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: "في الرجل يُقهقه في الصلاة قال: يعيد الوضوء والصلاة ويستغفر ربه؛ فإنه أشد الحدث" (¬4). قال محمَّد: وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة. وذكر هذا الحديث الحافظ أبو موسى المديني في كتاب "الأمالي" مسندا إلى معبد الحمْصي عن النبي - عليه السلام - في باب الميم. فإن قيل: قد قال الدارقطني: روى هذا الحديث أبو حنيفة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن معبد الجهني مرسلًا عن النبي - عليه السلام - وهم فيه أبو حنيفة على منصور، وإنما رواه منصور بن زاذان عن محمَّد بن سيرين عن معبد، ومعبد هذا لا صحبة له، ويقال: إنه أول من تكلم في القدر من التابعين، حدث به عن منصور، عن ابن سيرين، غيلان بن جامع وهشيم بن بشير، وهما أحفظ من أبي حنيفة للإسناد. قلت: هذا تحامل من الدارقطني على أبي حنيفة، وليس هو من أهل هذا الكلام في مثل أبي حنيفة الذي هو معظم أركان الدين، وأعظم أئمة المسلمين، وذكر ابن الأثير ¬

_ (¬1) هذا الكلام فيه نظر، والإجابة عنه مبسوطة في كتب مصطلح الحديث وكتب الأصول عند الكلام على المرسل والاحتجاج به، فليراجع هناك. (¬2) انظر كتاب "الآثار" لأبي يوسف (1/ 28 رقم 135). (¬3) الزبية: هي الحفرة التي لا يعلوها الماء، وتحتفر ليقع فيها الصيد من الذئاب والأسود وغيرها، وتحتفر للشواء أيضًا، انظر "لسان العرب" (مادة: زبي). (¬4) أخرجه أبو يوسف في "الآثار" (1/ 32 رقم 161) عن أبي حنيفة بنحوه.

معبدا في الصحابة وقال: مَعبد بن (صبح) (¬1) بصري روى عنه الحسن البصري، أخبرنا أبو موسى كتابَة، أنا أبو علي، أنا أبو نعيم، ثنا الحسن بن علان، نا عبد الله ابن [أبي] (¬2) داود، ثنا إسحاق بن إبراهيم، نا سعد بن الصلت، نا أبو حنيفة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن معبد: "أن النبي - عليه السلام - بينما هو في (الصلاة) (¬3) إذ أقبل أعمى فوقع في زُبْيَة، فضحك بعض القوم حتى قهقه، فلما سلَّم النبي - عليه السلام - قال: من كان منكم قهقه فَلْيُعِدْ الوضوء والصلاة". وقال مكي: عن أبي حنيفة، عن معبد بن أبي معبد. أخرجه أبو عمر وأبو موسى، وقد أخرجه ابن منده وأبو نعيم فقالا: معبد بن أبي معبد الخزاعي، ورويا له هذا الحديث، (وأتى) (¬4) النبي - عليه السلام - وهو صغير لما هاجر، ورويا له أيضًا حديث جابر أنه قال: "لما هاجر رسول الله - عليه السلام - وأبو بكر - رضي الله عنها - مرَّ بخباء أم معبد، فبعث النبي - عليه السلام - معبدا وكان صغيرا فقال: ادع هذه الشاة، ثم قال: يا غلام، هات فَرقا. فأرسلت أن لا لبن فيها، فقال النبي - عليه السلام -: هات، فمسح ظهرها فَاجْرَت ودَرَّت، ثم حلب فشرب، وسقى أبا بكر وعامرا ومعبد بن أبي معبد، ثم رد الشاة". وقال أبو نعيم عقيب حديث الضحك في الصلاة: رواه أسد بن عمرو عن أبي حنيفة فقال معبد بن (صبح) (¬5). أخرجه الثلاثة وأبو موسى (¬6). ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك" وهو صواب، ويقال له: ابن صبيح أيضًا. وفي المطبوع من "أسُد الغابة" (5/ 219): مَعْبد بن صبيح. (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "أسد الغابة"، و"معرفة الصحابة" لأبي نعيم (5/ 2529). (¬3) كذا في "الأصل، ك"، وفي "أسد الغابة"، و"معرفة الصحابة": صلاته. (¬4) كذا في "الأصل، ك "، وفي "أسد الغابة": رأى. (¬5) كذا في "الأصل، ك"، وفي "أسد الغابة"، و"معرفة الصحابة": صبيح. (¬6) كذا في "أسد الغابة"، ورمز له في أول الترجمة بـ (ب د ع س). أي أبو عمر بن عبد البر، وابن منده، وأبو نعيم، وأبو موسى المديني، وكلهم أخرجه في كتابه في الصحابة.

فإن قيل: روى أبو هريرة عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "لا وضوء إلَّا من صوت أو ريح" (¬1) فدلّ أنه لا وضوء في القهقهة. قلت: ظاهر هذا الحديث متروك بالإجماع؛ لأنه في البول والغائط يجب الوضوء وإن لم يوجد الصوت أو الريح، وكذا في الدم والقيح إذا خرجا من المخرج المعتاد، ولا سيما على مذهب الشافعي فإن عنده يجب الوضوء من مس الذكر ومس المرأة فلا صوت ثمة ولا ريح، فلما لم يدل هذا الحديث على نفي الوضوء في هذه الصور، فكذا لا يدل على نفيه في القهقهة أيضًا. قوله: "في زُبْية" بضم الزاي المعجمة وسكون الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف: حفرة محفورة، وفي الأصل حفرة يحفرونها للأسد. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجب الوضوء للصلاة بكل شيء من ذلك. ش: أي خالف القوم المذكورين، جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة والشافعي ومالكا وأصحابهم، وهو أيضًا مذهب الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبي الدرداء وأبي طلحة وعامر بن ربيعة وأبي أمامة - رضي الله عنهم - وجماهير التابعين، وقد ذكرناه مستقصى. قوله: "بأكل شيء من ذلك" أي من لحوم الإبل وغيرها. فإن قيل: ما حكم البقر في ذلك؛ لأنه لم يذكر في الحديث؟. قلت: روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: "ليس في (لحوم) (¬3) الإبل والبقر والغنم وضوء". ¬

_ (¬1) رواه الترمذي في "جامعه" (1/ 109 رقم 74) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (1/ 172 رقم 515)، وأحمد في "مسنده" (2/ 471 رقم 10095) وغيرهم. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 51 رقم 520). (¬3) في "مصنف ابن أبي شيبة": لحم.

ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون الوضوء الذي أراده النبي - عليه السلام - هو غسل اليد، وفرق بين لحوم الإبل ولحوم الغنم في ذلك لما في لحوم الإبل من الغلظ ومن غلبة ودكها على يد آكلها، فلم يرخص في تركه على اليد وأباح ألَّا يتوضأ من لحوم الغنم لعدم ذلك منها، وقد روي في الباب الأول في حديث جابر - رضي الله عنه -: "إن آخر الأمرين من رسول الله - عليه السلام - ترك الوضوء مما غيرت النار" فإذا كان ما تقدم منه هو الوضوء مما مست النار ومن ذلك لحوم الإبل وغيرها، كان في تركه ذلك ترك الوضوء من لحوم الإبل وغيرها، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار. ش: أي وكان من الحجة والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه من عدم وجوب الوضوء مطلقا من أكل اللحوم، وقد حققنا الكلام فيه عن قريب. قوله: "وأباح" أي النبي - عليه السلام -. قوله: "في الباب الأول" أراد به الفصل الأول. وأراد بـ"جابر" جابر بن عبد الله لا جابر بن سمرة. ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنَّا قدر رأينا الإبل والغنم سواء في حلّ بيعهما وشرب لبنهما وطهارة لحمهما، وأنه لا تفترق أحكامهما في شيء من ذلك؛ فالنظر على ذلك أنهما في كل لحومهما سواء، فكما كان لا وضوء في كل لحوم الغنم فكذلك الوجوب في كل لحوم الإبل، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. ش: ملخصه: أن الإبل كالغنم في حِلِّ البيع، وشرب اللبن، وطهارة اللحم، والسؤر، وصفة النجاسة في البول والروث، وجواز التضحية، وحِلِّ ذبحهما للمحرم، ووجوب الزكاة فيهما، فأكل لحم الغنم لا يوجب الوضوء، فالنظر كذلك، أي لا يوجب أكل لحم الإبل قياسا عليه.

ص: باب: مس الفرج هل يجب فيه الوضوء أم لا؟

ص: باب: مس الفرج هل يجب فيه الوضوء أم لا؟ ش: أي هذا باب في بيان مس الفرج هل يوجب الوضوء أم لا؟ وهل ينقضه أم لا؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا الحسين بن مهدي، قال: نا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري (عن) (¬1) عروة: "أنه تذاكر هو ومروان الوضوء من مس الفرج، فقال مروان: حدثتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله - عليه السلام - يأمر بالوضوء من مس الفرج، وكان عروة لم يرفع بحديثها رأسا، فأرسل مروان إليها شرطيّا فرجع فأخبرهم أنها قالت: سمعت رسول الله - عليه السلام - يأمرنا بالوضوء من مس الفرج". ش: أبو بكرة بكَّار القاضي، والحسين بن مهدي شيخ الترمذي وابن ماجه، وبقية الرواة روى لهم الجماعة. وأما مروان فهو ابن الحكم بن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو عبد الله المدني، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، ولم يصح له سماع من النبي - عليه السلام - روى له الجماعة سوى مسلم. وأما بُسرة: فهي -بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة- بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية، بنت أخي ورقة بن نوفل، وأخت عقبة بن أبي مُعَيْط لأمه، وهي خالة مروان بن الحكم، وجدّه عبد الملك بن مروان، روى لها الجماعة. والحديث أخرجه الأربعة، فأبو داود (¬2): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه سمع عروة يقول: "دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل". (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 46 رقم 181).

يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر. فقال عروة: ما علمت ذاك. فقال مروان: أخبرتني بُسْرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: من مس ذكره فليتوضأ". والترمذي (¬1): عن إسحاق بن منصور، أنا يحيى بن سعيد القطان، عن هشام ابن عروة، قال: أخبرني أبي، عن بسرة بنت صفوان، أن النبي - عليه السلام - قال: "من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ". والنسائي (¬2): عن هارون بن عبد الله، حدثنا معن، أنبأنا مالك (ح). والحارث بن مسكين -قراءة عليه وأنا أسمع-[عن ابن القاسم] (¬3) عن عبد الله ابن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: "دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: مِن مس الذكر الوضوء. فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بُسرة بنت صفوان، أنها سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ". وابن ماجه (¬4): عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن إدريس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن بسُرة بنت صفوان، قالت: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬5): عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬6): عن أبي زكرياء يحيى بن إبراهيم، عن أبي العباس ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 126 رقم 182)، وقال الترمذي: حسن صحيح. (¬2) "المجتبى" (1/ 100 رقم 163). (¬3) ليس في "الأصل" ولعله انتقال نظر من المؤلف:، والمثبت من "سنن النسائي". (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 161 رقم 479). (¬5) "معجم الطبراني الكبير" (24/ 193 رقم 485). (¬6) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 128 رقم 610).

محمَّد بن يعقوب، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي، عن مالك ... إلى آخره نحو رواية أبي داود. وقال عبد الله بن أحمد (¬1): وجدت في كتاب أبي بخط يده: نا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: "ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، فأنكرت ذلك [عليه] (¬2) وقلت: لا وضوء على من مَسَّهُ. فقال مروان: أخبرتني بُسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله - عليه السلام - يذكر ما يُتوَضَّا منه، قالت: فقال رسول الله - عليه السلام -: ويتوضأ من مس الذكر. قال عروة: فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلًا من حرسه، فأرسله إلى بسرة فسألها عما حدثت من ذلك، فأرسلت إليه بسرة مثل الذي حدثني عنها مروان". ولما أخرج الترمذي هذا الحديث قال: وفي الباب عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي هريرة وأروى ابنة أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو. قلت: وفي الباب عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وطلق بن علي - رضي الله عنهم -. فحديث أم حبيبة عند ابن "ماجه" (¬3): نا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي، نا مروان بن محمَّد، نا الهيثم بن حميد، نا العلاء بن حارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "من مس فرجه فليتوضأ". وأخرجه الطبراني (¬4): عن بكر بن سهل، عن عبد الله بن يوسف، عن الهيثم ابن حميد ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 407 رقم 27337). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد". (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 162 رقم 481). (¬4) "المعجم الكبير" (23/ 234 رقم 447).

وأخرجه الطحاوي (¬1): أيضًا، وأعلّه بأنه منقطع على ما يأتي. وحديث أبي أيوب عند ابن ماجه (¬2) أيضًا: نا سفيان بن وكيع، نا عبد السلام ابن حرب، عن إسحاق بن أبي فروة، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد القاري، عن أبي أيوب قال: سمعت النبي - عليه السلام - يقول: "من مس فرجه فليتوضأ". وإسحاق ابن أبي فروة متروك باتفاقهم وقد اتهمه بعضهم بالوضع. وحديث أبي هريرة عند ابن حبان في "صحيحه" (¬3): عن يزيد بن عبد الملك ونافع بن أبي نعيم القاري، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا (حائل) (¬4) فليتوضأ". ورواه الحاكم في "مستدركه" (¬5): وصححه، ورواه أحمد في "مسنده" (¬6): والدارقطني في "سننه" (¬7) والبيهقي (¬8) أيضًا ولفظه فيه: "من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه وضوء الصلاة". وأخرجه الطحاوي (¬9): أيضًا وعلله بيزيد بن عبد الملك وقد أغلظ العلماء القول فيه، فقال أبو زرعة: واهي الحديث. وغلظ فيه القول جدّا، وقال النسائي: متروك الحديث وقال الساجي: ضعيف منكر الحديث واختلط بأخرة؛ فإذن عرفت تساهل ابن حبان والحاكم في الصحيح (¬10). ¬

_ (¬1) "شرح معاني الآثار" (1/ 75). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 162 رقم 482)، وأخرجه الطبراني في "الكبير" (4/ 170 رقم 3928) من طريق إسحاق بن أبي فروة به. (¬3) "صحيح ابن حبان" (3/ 401 رقم 1118) من طريق عبد الرحمن بن القاسم عنهما. (¬4) كذا في "الأصل، ك"، وفي "صحيح ابن حبان": حجاب. (¬5) "مستدرك الحاكم" (1/ 233). (¬6) "مسند أحمد" (2/ 333 رقم 8385). (¬7) "سنن الدارقطني" (1/ 147 رقم 6). (¬8) "السنن الكبرى" (1/ 133 رقم 630). (¬9) "شرح معاني الآثار" (1/ 74). (¬10) أما ابن حبان فقد أخرجه من طريق يزيد بن عبد الملك ونافع بن أبي نعيم، ثم قال عقب =

وحديث أروى عند ابن منده وأبي نعيم الأصبهاني (¬1): عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أروى بنت أنيس، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "من مس فرجه فليتوضأ". وذكرها ابن الأثير (¬2): في الصحابيات وذكر هذا الحديث أيضًا ثم قال: وقيل: أبو أروى. وذكره في الكنى (¬3): أبو أروى الدوسي حجازي. وهذا كما ترى فيه خلاف. وحديث عائشة عند الدارقطني في "سننه" (¬4): نا الحسين بن إسماعيل، نا يحيى ابن معلى بن منصور، نا عتيق بن يعقوب، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ابن حفص العمري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضئون. قالت عائشة: بأبي وأمي، هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ قال: إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ للصلاة" وهو معلول بعبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، قال أحمد: كان كذابا. وقال النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة: متروك. زاد أبو حاتم: وكان يكذب. ¬

_ = الحديث: احتجاجنا في هذا الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد بن عبد الملك النوفلي؛ لأن يزيد تبرأنا من عهدته في كتاب "الضعفاء". وأما الحاكم فقد أخرجه من طريق نافع أيضًا وصححه، ثم قال: وشاهده الحديث المشهور عن يزيد بن عبد الملك ... إلخ. ونافع هو أحد القراء السبعة، وثقه ابن معين، وقال ابن المديني: هو عندنا لا بأس به. وقال ابن عدي: ولم أر في حديثه شيئًا منكرا وأرجو أنه لا بأس به. وأما أحمد فقال: ليس بشيء في الحديث. انظر "الميزان" (7/ 7). (¬1) "معرفة الصحابة" لأبي نعيم (6/ 3270 رقم 7527) من طريق هشام بن زياد، عن هشام بن عروة به. (¬2) "أسد الغابة" (7/ 6 رقم 6696). (¬3) "أسد الغابة" (6/ 9 رقم 5668). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 147 رقم 9).

وقد روى أبو يعلى في "مسنده" (¬1) حديثا يعارض هذا وينافيه، فقال: نا الجراح ابن مخلد، نا عمر بن يونس اليمامي، ثنا المفضل بن أثواب، (¬2) حدثني حسين بن أوزع، عن أبيه، عن سيف بن عبد الله الحميري قال: "دخلت أنا ورجال معي على عائشة - رضي الله عنها - فسألناها عن الرجل يمس فرجه أو المرأة تمس فرجها، فقالت: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: ما أبالي إياه مسست أو أنفي". وأخرج الطحاوي حديث عائشة في نقض مس الفرج الوضوء، وأجاب عنه كما يأتي إن شاء الله تعالى. وحديث جابر عند ابن ماجه (¬3): نا إبراهيم بن المنذر الحزامي، نا معن بن عيسى (ح). ونا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا عبد الله بن نافع، جميعًا عن ابن أبي [ذئب] (¬4) عن عقبة بن عبد الرحمن، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء". وأخرجه الطحاوي (¬5): أيضًا، وأعله بالإرسال، وقد قال الشافعي أيضًا: وسمعت جماعة من الحفاظ عن ابن نافع يروونه لا يذكرون فيه جابرا. وهم لا يحتجون بالمرسل. وحديث زيد بن خالد عند أحمد في "مسنده" (¬6): عن ابن إسحاق، حدثني ¬

_ (¬1) "مسند أبي يعلى" (8/ 286 رقم 4875). (¬2) في "الأصل، ك": أيوب، وهو تحريف، والمثبت من "مسند أبي يعلى"، وكذا ذكره الحافظ في "تلخيص الحبير" (1/ 127)، وقال: إسناده مجهول. وذكره أيضًا على الصواب الحافظ الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 60). وانظر "الإكمال" لابن ماكولا (1/ 562). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 162 رقم 480). (¬4) في "الأصل، ك": كرب، وهو تحريف، والمثبت من "سنن ابن ماجه" وغيره. (¬5) "شرح معاني الآثار" (1/ 74). (¬6) "مسند أحمد" (5/ 194 رقم 21735).

محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن خالد الجهني، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من مس فرجه فليتوضأ". ورواه البزار (¬1) والطبراني (¬2) أيضًا. وأخرجه الطحاوي (¬3): أيضًا وأجاب عنه على ما يأتي. وحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (¬4) والبيهقي (¬5): عن بقية بن الوليد، عن محمَّد بن الوليد الزبيدي، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ". وأخرجه الطحاوي (¬6): أيضًا على ما يأتي إن شاء الله. وحديث عبد الله بن عُمر عند الدارقطني في "سننه" (¬7): عن إسحاق بن محمَّد الفَرَوي، نا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة". ورواه الطبراني في "الكبير" (¬8) والبزار في "مسنده" (¬9): ولفظهما "من مس فرجه فليتوضأ". ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (9/ 219 رقم 3762). (¬2) "المعجم الكبير" للطبراني (5/ 243 رقم 5221، 5222). (¬3) "شرح معاني الآثار" (1/ 73). (¬4) "مسند أحمد" (2/ 223 رقم 7076). (¬5) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 132 رقم 626). (¬6) "شرح معاني الآثار" (1/ 75). (¬7) "سنن الدارقطني" (1/ 147 رقم 5). (¬8) "المعجم الكبير" (12/ 281 رقم 13118) من طريق العلاء بن سليمان، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر. ولفظه: "من مس ذكره فليتوضأ". وأعله الهيثمي في "المجمع" (1/ 245) بالعلاء بن سليمان. (¬9) عزاه الهيثمي في "المجمع" (1/ 245) للبزار والطبراني في "الكبير" وقد ذكرناه، وقال: وفي سند "الكبير" العلاء بن سليمان، وهو ضعيف جدًّا، وفي سند البزار هاشم بن زيد، وهو ضعيف جدًّا.

وأخرجه الطحاوي أيضًا وأعله بصدقة بن عبد الله على ما يأتي، وفي سند الطبراني العلاء بن سليمان، وفي سند البزار هاشم بن زيد، وكلاهما ضعيفان جدًّا. وحديث طلق بن علي عند الطبراني في "الكبير" (¬1): نا الحسن بن علي الفسوي، نا محمَّد بن حماد بن محمَّد الحنفي، نا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي -وكان من الوفد الذين وفدوا على رسول الله - عليه السلام -- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار". وبه عن أبيه أن النبي - عليه السلام - قال: "من مس ذكره فليتوضأ" انتهى. قلت: ويعارضه حديثه الآخر وهو ما رواه الطحاوي وغيره على ما يأتي: "أنه سأل رسول الله - عليه السلام - أمن مس الذكر وضوء؟ قال: لا". والقياس يشهد لترجيح هذا؛ فيكون ناسخا للأول على تقدير صحته، والله أعلم. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى هذا الأثر، وأوجبوا الوضوء من مس الفرج. ش: أراد بهؤلاء القوم: الأوزاعي، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وأبان بن عثمان، وعروة، وسليمان بن يسار، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وفي "المغني" (¬2) لابن قدامة: وقد روي أيضًا عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة، وهو المشهور عن مالك. وفي "الجواهر" للمالكية: النوع الثالث مس الذكر، وينقض الوضوء به في الرواية الأخيرة، ولكن اختلف فيه على صفة مخصوصة، فرأى العراقيون أنها اللذة، واعتبر أشهب مسه بباطن الكف، واعتبر في "اللباب" باطن الكف أو باطن الأصابع، قال ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (8/ 334 رقم 8252). (¬2) "المغني" (1/ 116 - 117) بتصرف واختصار.

الشيخ أبو طاهر: والكل على مراعاة وجود اللذة وفقدها، ولو مسَّه من فوق ثوب أو من تحته انتقضت طهارته، ولا حكم لمسّ الذكر المبان ولا لمسّ ذكر الغير إلَّا من باب الملامسة، ولا ينقض وضوء من مس ذكر غيره، وفي مس المرأة فرجها ثلاث روايات: النقض، ونفيه، والتفرقة بين أن تلطف فيجب الوضوء وبين ألَّا تلطف فلا يجب. وفي "المغني" (¬1): الفرج اسم لمخرج الحدث، فيتناول الذكر والدبر وقبل المرأة، وفي نقض الوضوء بجميع ذلك خلاف في المذهب وآكدها مس الذكر، وعن أحمد فيه روايتان: [إحداهما] (¬2) ينقض الوضوء وهي المشهورة من مذهبه، والرواية الثانية: لا وضوء فيه بحال. فعل رواية النقض: لا فرق بين العامد وغيره، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو أيوب، وأبو خيثمة. وعن أحمد رواية أخرى: لا ينقض إلَّا بمسّه قاصدا مسَّه، قال أحمد بن الحسين: قيل لأحمد: الوضوء من مس الذكر؟ قال: أحب إليَّ أن أتوضأ. قلت: يا أبا عبد الله ربما مرت يده في إحليله فكيف يجب الوضوء من مس الذكر؟! فقال: هكذا -وقبض على يده يعني إذا قبض عليه- وهذا قول مكحول، وطاوس، وسعيد بن جبير، وحميد الطويل. قالوا: إن مسّه ولا يريد وضوءا فلا شيء عليه، ولا فرق بين رأس الذكر وأصله. وفيه رواية أخرى: لا ينقض إلَّا مسّ موضع الثقب، والأول هو الصحيح عملا بظاهر اللفظ. ولا فرق بين بطن الكف وظهره، وهو قول عطاء، والأوزاعي. وقال مالك والليث والشافعي وإسحاق: لا ينقض مسّه إلَّا بباطن الكف. ¬

_ (¬1) "المغني" (1/ 116 - 117) بتصرف واختصار. (¬2) في "الأصل، ك": إحديهما، والمثبت من "المغني" لابن قدامة.

ولا ينقض مسّه بذراعه، وعن أحمد أنه ينقض؛ لأنه من يده، وهو قول عطاء والأوزاعي، والصحيح الأول. ولا فرق بين ذكره وذكر غيره، وقال داود: لا ينقض مسّ ذكر غيره؛ لأنه لا نص فيه. ولا فرق بين ذكر الصغير والكبير وبه قال عطاء، والشافعي، وأبو ثور، وعن الزهري والأوزاعي ومالك: لا وضوء على [من] (¬1) مسّ ذكر الصغير؛ لأنه يجوز مسّه والنظر إليه. وقد روي عن النبي - عليه السلام - مسّ زبيبة - رضي الله عنه - ولم يتوضأ. وفرج الميت كفرج الحي. وهو قول الشافعي، وقال إسحاق: لا وضوء عليه. وفي الذكر المقطوع وجهان، ولو مسّ القلفة التي تقطع في الختان قبل قطعها نقض وضوءه، وإن مسّها بعد القطع فلا وضوء. فأما مسّ حلقة الدبر ففيه روايتان: إحداهما: ينقض، نقلها أبو داود، وهو مذهب عطاء والزهري والشافعي وإسحاق. والثانية: لا ينقض، وهو مذهب مالك. فأما مسّ المرأة فرجها ففيه أيضًا روايتان. وأما لمس فرج الخنثى المشكل فينقض إذا تيقنا أنه مسّ فرجا، أو كان لمسا بين رجل وامرأة لشهوة، ومتى جوزنا عدم ذلك لم ينقض وضوء، فعلى هذا إذا مسّ أحدَ فَرْجَيْ نفسه لم ينتقض وضوءه، لاحتمال أن يكون خلقة زائدة، وإن جمع بينهما انتقض وضوءه لأنه لا بد أن يكون أحدهما فرجا؛ إلَّا على الرواية التي لا تنقض وضوء المرأة مسّها لفرجها. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المغني".

وإن مس رجل ذكره لغير شهوة لم ينتقض وضوءه، وإن مسّه لشهوة انتقض؛ لأنه إن كان رجلا فقد مسّ وإن كان امرأة فقد مسّ امرأة لشهوة، وإن مسّه لغير شهوة لم ينتقض لاحتمال أن يكون الذي مسّه خلقة زائدة، وإن مسّ فرجه لم ينتقض بحال لشهوة كان أو لا، وإن جمع بين الفرجين انتقض. وإن كان اللامس امرأة، فلمست الفرج لشهوة أو جمعت بينهما في اللمس انتقض وضوءها. وإلَّا فلا، وإن كان اللامس خنثى مشكلا لم ينتقض وضوءه بحال إلَّا أن يجمع بين الفرجين في اللمس، ولو مسّ أحد الخنثيين ذكر الآخر ومسّ الآخر فرجه وكان اللمس منهما لشهوة فلا وضوء على واحد منهما. وقال أيضًا (¬1): ولا وضوء بمس ما عدا الفرجين من سائر البدن كالرفغ والأنثيين والإبط في قول عامة أهل العلم؛ إلَّا أن عروة قال: من مس أنثييه فليتوضأ. وقال الزهري: أحب إليّ أن يتوضأ. وقال عكرمة: من مس [ما] (¬2) بين الفرجين فليتوضأ. ولا ينتقض الوضوء بمس فرج البهيمة. وقال الليث بن سعد: عليه الوضوء. وقال عطاء: من مسّ قُنْبَ حمار عليه الوضوء، ومن مس ثيل جمل لا وضوء عليه، انتهى. قلت: "الرُّفغْ" بضم الراء، وسكون الفاء، وفي آخره غين معجمة: واحد الأرفاغ، وهي المغابن من الأباط وأصول الفخذين. و"القُنْب" -بضم القاف، وسكون النون، وفي آخره باء موحدة- وهي وعاء قضيب الفرس وغيره من ذوات الحوافر. ¬

_ (¬1) "المغني" (1/ 119) بتصرف واختصار أيضًا. (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المغني".

والثِيل -بكسر الثاء المثلثة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره لام- وهي وعاء قضيب البعير. وقال ابن حزم في "المحلى": وأما قول الأوزاعي والشافعي ومالك في مراعاة باطن الكف دون ظاهرها فقول لا دليل عليه لا من قرآن، ولا من سنة، ولا من إجماع، ولا من قول صاحب، ولا قياس، ولا من رأي صحيح، وشغب بعضهم بأن قال: في بعض الآثار "من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ" قال علي: وهذا لا يصح أصلا، ولو صح لما كان فيه دليل على ما يقولون؛ لأن الإفضاء باليد يكون بظهر اليد كما يكون بباطنها، وحتى لو كان الإفضاء بباطن اليد لما كان في ذلك. ما يسقط الوضوء عن غير الإفضاء إذا جاء أثر بزيادة على لفظ الإفضاء، كيف والافضاء يكون بجميع الجسد، وقال تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} (¬1). وأما [قول مالك في إيجاب الوضوء منه ثم لم ير الإعادة إلَّا في الوقت؛ فقول متناقض؛ لأنه لا يخلو أن يكون انتقض وضوءه أو لم ينتقض، فإن كان انتقض فعلى أصله يلزمه أن يعيد أبدا، وإن كان لم ينتقض فلا يجوز له أن يصلي صلاة فرض واحدة في يوم مرتين وكذلك] (¬2) فرق مالك بين مس الرجل فرجه وبين مس المرأة فرجها؛ فهو قول لا دليل عليه، فهو ساقط. وأما إيجاب الشافعي الوضوء من مس الدبر فخطأة؛ لأن الدُّبر لا يُسمى فرجا، فإن قال: قسته على الذكر. قيل له: القياس عند القائلين به لا يكون إلَّا على علة جامعة بين الحكمين، ولا علة جامعة بين مس الذكر ومس الدبر. فإن قال: كلاهما مخرج للنجاسة. ¬

_ (¬1) سورة النساء، آية، [21]. (¬2) ليس في "الأصل، ك"، ولعله انتقال نظر من المؤلف، والمثبت من "المحلى" (1/ 238).

قيل: ليس كون الذكر مخرجا للنجاسة هو علة انتقاض الوضوء من مسّه، ومن قوله: إن مس النجاسات لا ينقض الوضوء فكيف مسّ مخرجها. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا وضوء فيه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، والنخعي، وطاوس، وسعيد بن جبير، وأبا حنيفة، وأصحابه، وربيعة؛ فإنهم قالوا: لا وضوء في مس الفرج أصلا. وبه قال ابن المنذر، وأحمد في رواية، وروي أيضًا عن علي، وعَمَّار، وابن مسعود، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - وذكر ابن أبي شيبة أنه قول طلق بن علي وأبي أمامة الباهلي. ص: واحتجوا في ذلك على أهل المقالة الأول، فقالوا: في حديثكم هذا أن عروة لم يرفع بحديث بسرة رأسا، فإن كان ذلك لأنها عنده في حال من لا يؤخذ ذلك عنها، ففي تضعيف من هو أقل من عروة لِبُسْرة ما يسقط حديثها، وقد تابعه على ذلك غيره. حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن زيد، عن ربيعة أنه قال: لو وضعت يدي في دم أو حيضة ما نقض وضوئي، فمسّ الذكر أيسر أم الدم أم الحيضة؟! قال: وكان ربيعة يقول لهم: ويحكم مثل هذا يأخذ به أحد ويعمل بحديث بسرة؟ والله لو أن بسرة شهدت على هذا الفعل لما أجزت شهادتها، إنما قوام الدين الصلاة، وإنما قوام الصلاة الطهور، فلم يكن في صحابة رسول الله - عليه السلام - من يقيم بهذا الدين إلَّا بسرة؟! قال ابن زيد: على هذا أدركنا مشيختنا، ما منهم أحد يرى في مسّ الذكر وضوءا، وإن كان إنما ترك أن يرفع بذلك رأسا؛ لأن مروان عنده ليس في حال من يجب القبول عن مثله، فإن خبر شرطي مروان عن بسرة دون خبره هو عنها، فإن كان مروان خبره في نفسه عند عروة غير مقبول، فخبر شرطيه إياه عنها بذلك أحرى ألَّا يكون مقبولا.

ش: أي احتج هؤلاء الآخرون على أهل المقالة الأولى. "في ذلك" أي في عدم انتقاض الوضوء من مس الفرج. "فقالوا: في حديثكم هذا" أشار به إلى حديث بسرة بنت صفوان الذي احتجوا به. "أن عروة بن الزبير لم يرفع بحديث بسرة رأسا" أراد أنه لم يعتبره ولم يلتفت إليه، ثم بين الطحاوي ذلك بأنه لا يخلو عن وجهين: الأول: أن يكون ذلك لكون بسرة بنت صفوان عنده ممن لا يؤخذ مثل ذلك الحكم عنهم؛ وذلك لكونها انفردت بهذه الرواية مع عموم الحاجة إلى معرفته، فصار ذلك كشهادة الواحد من أهل المصر على رؤية هلال رمضان إذا لم يكن بالسماء علّة. وقال السرخسي في "المبسوط": وحديث بسرة لا يكاد يصح، وقد قال يحيى بن معين: ثلاث لا يصح منهن حديث عن رسول الله - عليه السلام - منها هذا، وما بال رسول الله - عليه السلام - لم يقل هذا بين يدي كبار الصحابة حتى لم ينقله أحد منهم، إنما قاله بين يدي بسرة، وقد كان رسول الله - عليه السلام - أشد حياء من العذراء في خدرها، وتأويله على تسليم ثبوته: "من بال" فجعل مسّ الذكر كناية عن البول؛ لأن من يبول مس ذكره عادة كقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} (¬1) والغائط المطمئن من الأرض، وكَنَّى عن الحدث؛ لأنه يكون في مثل هذا الموضع عادة. فإن قيل: كيف تقول: لا يكاد يصح وقد قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن صحيح. وقال محمَّد بن إسماعيل: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب؟! قلت: محمَّد بن إسماعيل هو البخاري لو رضي به لأخرجه في "صحيحه" فلم ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [6].

يخرجه هو ولا مسلم (¬1)، وقول البخاري هذا لا يدل على صحته، وإنما مراده هو على علاته أصح من غيره من أحاديث الباب، وقد اغترّ ابن العربي بهذه العبارة فحكى عن البخاري تصحيحه وليس كذلك، وأما قول الترمذي فيعارضه قول يحيى بن معين الذي هو العمدة في هذا الشأن وإليه المرجع في باب التصحيح والتضعيف. ومع هذا كله يخالف حديث بسرة ما روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان، وأبي الدرداء، وعمّار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أمامة، وسعيد بن المسيب، وسعيد ابن جبير، وإبراهيم النخعي، وربيعة بن عبد الرحمن، وسفيان الثوري، وجماعة أخرى، فهل يسع للمنصف في دينه أن يترك قول هؤلاء الأعلام من الصحابة الأجلاء ومن التابعين العظماء، ويعمل بحديث بسرة الذي لما جرى أمره في زمن مروان بن الحكم، وشاور من بقي من الصحابة في زمانه قالوا: لا ندع كتاب ربنا ولا سُنة نبيه بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت؟ ولهذا قال ربيعة: والله لو شهدت بُسرة على هذا الفعل لما أجزت شهادتها. ذكره الطحاوي بقوله: "وقد تابعه على ذلك غيره" أي قد تابع عروة في كونه لم يرفع بحديث بسرة رأسا غيره من العلماء وهو ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإِمام مالك بن أنس، وهو تابعي كبير، قال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت أحد مفتي المدينة، وروى له الجماعة. وقال أبو عمر بن عبد البر: كان أحد الفقهاء بالمدينة الذين كانت الفتوى تدور عليهم بها. ¬

_ (¬1) من المعلوم أن البخاري ومسلمًا لم يشترطا أن يخرجا في "صحيحيهما" كل ما صح عندهما من حديث؛ إنما أخرجا في "صحيحيهما" ما وافق شرطهما في كتابيهما، وقد اشترطا أعلى درجات الصحة، وإنما يسلم له قوله: إن قول البخاري: "أصح شيء في الباب" لا يلزم منه أن يكون صحيحًا، بل قد يكون ضعيفًا ضعفًا أخف مما ورد في هذا الباب، والله أعلم.

وروى الطحاوي ذلك عنه عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم والنسائي وابن ماجه وبقي بن مخلد وأبي زرعة الرازي وأبي عوانة الإسفرايني، وهو يرويه عن عبد الله بن وهب المصري روى له الجماعة، وهو يرويه عن ابن زيد، وهو أسامة بن زيد الليثي أبو زيد المدني، روى له الجماعة -البخاري مستشهدا- وقال أحمد بن سعيد عن يحيى بن معين: هو ثقة حجة، وهو يرويه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن القرشي التيمي أبي عبد الرحمن المدني، المعروف بربيعة الرأي أنه قال: "لو وضعت يدي في دم أو حيضة ... " إلى آخره، فهذا دليل صريح على أنه قد حكم بسقوط هذا الحديث، ولقد بالغ في وجه تركه حيث أقسم وقال: "والله لو أن بسرة شهدت ... " إلى آخره، ولعمري إنه صادق في قوله: لأن هذا حكم يتعلق به الرجال، فكيف تختص به امرأة؟ وهذه تهمة توجب التوقف، وقبول الصحابة خبر عائشة - رضي الله عنها - في التقاء الختانين لا يناقض هذا؛ لأنه حكم مشترك بين الرجال والنساء، وحديث التقاء الختانين ثبت في الصحيح عن أبي هريرة، وعكسه عن عثمان - رضي الله عنه - وحديث عائشة كان مرجِّحا مُثبِتا. ثم أشار الطحاوي أن عدم إلتفات عروة لحديث بسرة إن كان لأجل أنهما عنده في عداد من لا يؤخذ ذلك عنهم؛ ففي تضعيف من هو أقل من عروة إياها ما يَسقط به حديثها، فكيف في تضعيف مثل عروة وهو حجة متقن ثبت عالم أمين؟ وتضعيفه أولى وأجدر أن يسقط به حديثها، على أن بعضهم قالوا: إن بسرة غير مشهورة؛ لاختلاف الرواة في نسبها، لأن بعضهم يقول: هي كنانية، وبعضهم يقول: هي أسدية. قوله: "أو حيضة" بكسر الحاء، وهي الحالة التي هي عليها، والحيضة بالكسر أيضًا الخرقة التي تستثفر بها المرأة. قوله: "الطهور" بفتح الطاء، اسم لما يتطهر به، ويجوز بالضم أيضًا وهو التطهر. قوله: "قال ابن زيد" أبي أسامة بن زيد.

قوله: "مشيختنا" أي مشايخنا، جمع شيخ، ومن جملة مشايخه: محمَّد بن مسلم الزهري ويعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة، ونافع مولى ابن عمر، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن بن القاسم، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن حنين، وحفص بن عبيد الله بن أنس، وأبو عبد الله دينار القراظ، وأبو حازم سلمة بن دينار. الوجه الثاني لعدم رفع عروة رأسه لحديث بسرة هو ما أشار إليه بقوله: "وإن كان إنما ترك أن يرفع بذلك رأسا ... " إلى آخره، تحريره: أن الذي أخبر عن بُسرة هو شُرطي مروان، فإذا كان مروان عند عروة ممن لا يؤخذ عنهم؛ فخبر شرطيه أولى ألَّا يؤخذ؛ لأن خبره عن بسرة دون خبر مروان عنها، وأما مروان فإنما رد عروة خبره لعلّةٍ فيه قد ظهرت لعروة، ولا سيما حين خرج على عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - ولهذا قال ابن حزم في "المحلى": مروان ما يعلم له جرح قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما - ثم قال: ولم يلقه قط عروة إلَّا قبل خروجه على أخيه لا بعد خروجه. قلت: فيه نظر؛ لعدم الدليل على هذ الدعوى، وأما شرطي مروان فإنه مجهول، وقول البيهقي في كتاب "المعرفة": ولولا ثقة الحَرَسِيِّ عنده -أبي عند عروة بن الزبير- لما صار إليه -أي إلى حديث بسرة- غير مُسَلَّم؛ لأن عروة لم يقنع بخبره، ولو كان ثقة عنده لاكتفى بمجرد خبره، ولا كان يسأل عن بسرة بنفسه، ثم هو لم يقنع بخبره مروان الذي هو أقوى من خبر شرطيه، فكيف يقنع بخبر وهو أدنى من خبر مروان؟! ثم الشرطي منسوب إلى الشَرَطِ -بفتح الشين والراء- وشَرَط السلطان: نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، وأصل الشَرَط -بالتحريك-: العلَّامة. قال ابن الأثير: وبه سميت شرط السلطان؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها.

وقال ابن الأعرابي: هم الشَرَطُ والشُرَطة، فالنسبة إلى الأول: شَرَطي -بفتحتين- والنسبة إلى الثاني: شُرْطي -بضم الشين وسكون الراء-. وقال الأصمعي: واحد الشُرَط شُرْطة وشُرْطي. ص: وهذا الحديث أيضًا فلم يسمعه الزهري من عروة، إنما دلس به؛ وذلك أن يونس حدثنا قال: نا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم قال: "الوضوء من مس الذكر. قال مروان: أخبَرَتْنيه بسرة بنت صفوان. فأرسل إلى بسرة، فقالت: ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يتوضأ منه فذكر مسّ الذكر". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فصار هذا الأثر إنما هو عن الزهري عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، فقد حط بذلك درجة؛ لأن عبد الله بن أبي بكر ليس حديثه عن عروة كحديث الزهري عن عروة، ولا عبد الله بن أبي بكر في حديثه بالمتقن، ولقد حدثني يحيى بن عثمان قال: حدثنا ابن وزير قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت ابن عيينة يقول: كنا إذا رأينا الرجل يكتب الحديث عند واحد من نفر سماهم منهم: عبد الله بن عبد الله بن أبي بكر، سخرنا منه؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون الحديث، وأنتم فقد تُضَعِّفُون ما هو مثل هذا بأقل من كلام مثل ابن عيينة. ش: هذه إشارة إلى وجه آخر في سقوط العمل بحديث بسرة المذكور، وهو كونه مدلَّسا؛ وذلك لأن الزهري لم يسمعه من عروة، وإنما دلّس به، بيّن ذلك ما رواه يونس بن عبد الأعلى المصري، عن شعيب بن الليث ... إلى آخره، فصار هذا الحديث عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، وانحط بذلك درجة؛ وذلك لأن حديث عبد الله بن أبي بكر عن عروة ليس كحديث الزهري عن عروة في القوة، ولا عبد الله بن أبي بكر بالمتقن في حديثه. واستدل على ذلك بما رواه الشافعي، عن سفيان بن عُيينة.

رواه عن الشافعي محمَّد بن الوزير أحد مشايخ أبي داود، واحد من أخذ عن الشافعي، روى عنه يحيى بن عثمان بن صلاح بن صفوان القرشي أبو زكريا المصري أحد مشايخ الطبراني وابن ماجه. قال ابن يونس: كان حافظا للحديث عالما. فإن قيل: عبد الله بن أبي بكر قد أخرج له الجماعة حتى قال النسائي فيه: ثبت. قلت: لا يلزم من إخراج الجماعة له ولا من قول النسائي أنه ثبت أن ينفي عنه ما تكلم فيه غيره ممن هو كبر منهم، وكفى في ذلك قول الشافعي عن شيخه سفيان بن عيينة، ولا يعادل أحد منهم ابن عيينة، ولقد سقط بذلك أيضًا ما ذكره البيهقي من حطه على الطحاوي في تضعيفه هذا الحديث قلت أيضًا: ولم يخطر ببالي أن يكون إنسان يدعي معرفة الآثار والرواية ثم يطعن في أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم وابنه عبد الله. وليت شعري لِمَ لَمْ يخطر ببال البيهقي ما نقله إمامه الشافعي عن ابن عيينة؟ ثم اعلم أن التدليس على قسمين: الأول: تدليس الإسناد وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه لقيه وسمعه منه، ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر، ومن شأنه ألَّا يقول في ذلك: أخبرنا فلان ولا حدثنا وما أشبههما، وإنما يقول: قال فلان أو عن فلان، وهذا الحديث من هذا القبيل؛ لأن الزهري لم يسمعه من عروة وإنما سمعه من عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد عن عروة عن مروان، فبينهما واحد وأسقطه في تلك الرواية ودلّس به، وهذا القسم مكروه جدّا ذمّه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدهم ذمّا له، وعن الشافعي أن التديس أخو الكذب (¬1). ¬

_ (¬1) هذا ليس كلام الشافعي، إنما هو كلام شعبة، رواه عنه الإِمام الشافعي كما نقله عنه الخطيب في "الكفاية" (1/ 35).

والقسم الثاني: تدليس الشيوخ وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يُعْرَف به؛ كي لا يعرف، وهذا القسم أخف من الأول. ثم هذا الطريق الذي فيه عبد الله بن أبي بكر أخرجه النسائي (¬1) أيضًا: أنا أحمد بن محمَّد بن المغيرة، قال: نا عثمان بن سعيد، عن شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: "ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، فأنكرت ذلك، فقلت: لا وضوء على من مسّه. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله - عليه السلام - ذكر ما يتوضأ منه، فقال رسول الله - عليه السلام -: ويتوضأ من مس الذكر. قال عروة: فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلًا من حرسه فأرسله إلى بسرة، فسألها عما حدثت مروان، فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدثني عنها مروان". قوله: "من نفر" قال الجوهري: النَّفَر -بالتحريك- عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة و [كذا] (¬2) النفير. قوله: "سماهم" جملة في محل الجَرِّر؛ لأنها وقعت صفة للنفر. قوله: "سخرنا منه" من سخرت منه أسخر، من باب عَلَمِ يَعْلَمُ، والمصدر: سَخَر بالتحريك، والاسم السُخرية، والسُخرى والسِخرى -بالضم والكسر- يقال: سخرت منه وبه، وضحكت منه وبه، وهزئت منه وبه، كل ذلك يقال. ص: وقال آخرون: إن الذي بين الزهري وعروة في هذا الحديث أبو بكر بن محمَّد، حدثنا سليمان بن شعيب قال: نا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: أخبرني ابن شهاب قال: حدثني أبو بكر محمَّد بن عمرو بن حزم، قال: ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 100 رقم 164). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مختار الصحاح" (1/ 280).

حدثني عروة، عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت النبي - عليه السلام - يقول: "يتوضأ الرجل من مسّ الذكر". ش: أي قال جماعة آخرون من أهل الحديث: إن الرجل الذي بين الزهري وعروة بن الزبير هو أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وبَيَّن ذلك الطحاوي بقوله: "حدثنا سليمان بن شعيب ... ". إلى آخره. وسليمان بن شعيب هذا من أصحاب محمَّد بن الحسن، وثقه السمعاني وغيره. وبشر بن بكر: التنيسي، روى له الجماعة. والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، الإِمام المشهور. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي المدني، روى له الجماعة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): نا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، نا يحيى بن عبد الله البابلي، ثنا الأوزاعي، حدثني الزهري، حدثني أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم ... إلى آخره نحوه. وأشار الطحاوي بذلك إلى اضطراب هذا الحديث؛ لأن الزهري تارة يروي عن عروة، وتارة عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة، وتارة عن أبي بكر بن محمَّد عن عروة، فهذه علة أخرى انضمت إلى غيرها من العلل. ص: فإن قالوا: فقد روى هذا الحديث أيضًا هشام بن عروة عن أبيه، وهشام فليس ممن يتكلم في روايته بشيء، ثم ذكروا في ذلك ما حدثنا ابن أبي عمران قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "سألني مروان عن مس الذكر، فقلت: لا وضوء فيه. فقال مروان: فيه الوضوء ... ". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" للطبراني (24/ 193 رقم 487).

ثم ذكر مثل حديث أبي بكرة الذي في أول هذا الباب عن حسين بن مهدي، حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج بن المنهال، قال: نا حماد، عنه هشام ... فذكر بإسناده نحوه، غير أنه قال: "فأنكر ذلك عروة". حدثنا حسين بن نصر قال: نا يوسف بن عدي، قال: نا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا مس أحدكم ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ". حدثنا ابن أبي داود قال: نا يحيى بن صالح، قال: نا ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. قيل لهم: إن هشام بن عروة لم يسمع هذا من أبيه وإنما أخذه من أبي بكر أيضًا، فدلّس به عن أبيه. حدثنا سليمان بن شعيب قال: نا الخصيب بن ناصح، قال: نا همام، عن هشام بن عروة، قال: حدثني أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عروة: "أنه كان جالسا مع مروان ... " ثم ذكر الحديث على ما ذكره ابن أبي عمران ومحمد بن خزيمة. فرجع الحديث إلى أبي بكر أيضًا. ش: هذا إيراد من أهل المقالة الأولى، على ما ذكره أهل المقالة الثانية، بيانه: أنكم أثبتم الاضطراب في حديث الزهري عن عروة، وأن الزهري دلّس به، وادعيتم عدم إتقان عبد الله بن أبي بكر، فقد سلمنا لكم هذه، ولكن ما تقولون في رواية هشام بن عروة عن أبيه، فإنه روى هذا الحديث عن أبيه [عروة] (¬1) عن مروان، عن بسرة، وعن عروة عن بسرة، وهشام ليس ممن يتكلم في روايته بشيء. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": عن عروة، ولفظة "عن" زائدة؛ فعروة هو والد هشام بن عروة.

ثم بيّن الطحاوي رواية هشام عن أبيه من خمس طرق: الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن عبيد الله بن محمَّد ابن حفص التيمي أبي عبد الرحمن البصري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... إلي آخره، وهؤلاء كلهم ثقات. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد البصري، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (¬1) نحوه، نا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن مروان بن الحكم قال: "من مس فرجه فليتوضأ. فأنكر ذلك عليه عروة، فقال: يا شرطي، أثبت بسرة بنت صفوان فسلها (فأتاها فسألها, فقالت) (¬2): سمعت - عليه السلام - يقول: من مس ذكره فليتوضأ". الثالث: عن حسين بن نصر، عن يوسف بن عدي، عن علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... إلي آخره وهؤلاء كلهم ثقات. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3): نا علي عبد العزيز، نا محمد بن سعيد الأصبهاني، أنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرني مروان بن الحكم، عن بسرة بنت صفوان، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مس أحدكم فرجه فليتوضأ". قال: فأنكرت عليه، فأرسل إليها بحديثه عن رسول الله - عليه السلام - وأنا حاضر". الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن سعيد ابن عبد الرحمن الجمحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة ... إلي آخره، وهؤلاء أيضًا ثقات. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (24/ 199 رقم 509). (¬2) في "المعجم الكبير": (فإنها قالت). (¬3) "المعجم الكبير": (24/ 199 رقم 506).

وأخرجه الييهقي في "سننه الكبير" (¬1): أنا أبو زكريا و [أبو] (¬2) عبد الرحمن السلمي وغيرهما قالوا: أنا أبو العباس بن يعقوب، نا بحر بن نصر، قال: قرئ على ابن وهب: أخبرك سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان- قال: وكانت صحبت النبي - عليه السلام -- أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا مس أحدكم ذكره فلا يصلين حتى يتوضأ". الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- القرشي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، عن النبي - عليه السلام - وهؤلاء أيضًا ثقات. قوله: "قيل لهم ... " إلى آخره جواب عن الإيراد المذكور، بيانه: أن هشام بن عروة لم يسمع هذا الحديث من أبيه عروة وإنما أخذه من أبي بكر محمَّد بن عمرو بن حزم، فدلَّس به عن أبيه، فيكون هذا الطريق أيضًا مدلسًا، وقال يعقوب بن شيبة: هشام بن عروة ثقة ثبت لم ينكر عليه شيء إلاَّ بعد ما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، وكان تَسَهُّله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، وكان هشام صدوقا تدخل أخباره في الصحيح، بلغني أن مالكا نقم عليه حديثه لأهل العراق. ونقل البيهقي في كتابه "المعرفة" قول: الطحاوي: "فإن قالوا قد روى هذا الحديث ... إلى آخره" ثم قال: ونسبه في ذلك -أي نسب هشاما في ذلك- إلى التدليس، وأيش يكون إذا كان يرويه عن أبي بكر، وأبو بكر ثقة حجة عند كافة أهل العلم بالحديث؟! إنما يضعف الحديث بأن يُدخل الثقة بينه وبين من فوقه مجهولا أو ضعيفًا، فإذا أدخل ثقة معروفا قامت به الحجة. ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 128 رقم 611). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "السنن الكبرى"، وهو الصواب.

قلت: قد اعترف البيهقي بالتدليس في الحديث المذكور ولكن تحامله على الطحاوي الذي دعاه بأن قال: وأيش يكون إذا كان يرويه عن أبي بكر ... إلى آخره، وكيف يقول البيهقي هذا القول وهو لا يخلّصه عن القول بالتدليس، فإنك قد عرفت أن التدليس أن يكون بين الراوي وبين المروي عنه واحد أو أكثر، سواء كان الواسطة ثقة أو ضعيفًا، ألا ترى إلى ما مثَّل ابن الصلاح لصورة التدليس في الإسناد بقوله (¬1): مثال: ما روينا عن علي بن خشرم، قال: كنا عند ابن عيينة، فقال: الزهري. فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري. فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. فانظر الواسطة بين ابن عُيينة وبين الزهري، وهما إمامان ثقتان: عبد الرزاق، ومعمر بن راشد، ومع هذا فهو تدليس، وقد عرف أن المدلّس غير مقبول ولا محتج به إلاَّ إذا كان بلفظ مبين للاتصال، كما قد وقع في الصحيحين وغيرهما عن قتادة والأعمش والسفيانين وهشيم بن بشير وغيرهم، على أن البيهقي قد قال: أنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا منصور العتكي يقول: سمعت الفضل بن محمَّد الشعراني، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: حدثني يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: لم يسمع هشام بن عروة حديث أبيه في مس الذكر. قال: يحيى فسألت هشاما فقال: أخبرني أبي. فهذا شعبة صرح بأن هشاما ما لم يسمع هذا الحديث من أبيه عروة فيكون قول يحيى: "سمع من أبيه" معارضا لقول شعبة: "إنه لم يسمع أباه" ثم بيّن الطحاوي تدليس هشام أيضًا كتدليس الزهري بقوله: "حدثنا سليمان بن شعيب ... " إلى آخره، ورجاله ثقات. وسليمان هذا وثقه ابن يونس وغيره. ¬

_ (¬1) مقدمة ابن الصلاح (ص 34 - 35) النوع الثاني عشر.

والخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي نزيل مصر، وثقه ابن حبان. وهمام بن يحيى أبو بكر البصري، روى له الجماعة. ص: فإن قالوا: فقد رواه عن عروة أيضًا غير الزهري وغير هشام فذكروا في ذلك ما حدثنا محمَّد بن الحجاج وربيع المؤذن قالا: نا أسد قال: نا ابن لهيعة، قال: ثنا أبو الأسود أنه سمع عروة يذكر عن بسرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. قيل لهم: كيف تحتجون في هذا بابن لهيعة وأنتم لا تجعلونه حجة لخصمكم فيما يحتج به عليكم؟! قال أبو جعفر رحمه الله: ولم أرد بشيء من ذلك الطعن على أبي عبد الله بن أبي بكر ولا على ابن لهيعة ولا على غيرهما ولكني أردت بيان ظلم الخصم، فثبت وهاء حديث الزهري بالذي دخل بينه وبين عروة، ووهاء حديث الزهري أيضًا وهشام بالذي بين عروة وبسرة، ولأن عروة لم يقل ذلك ولم يرفع به رأسا، وقد يسقط الحديث بأقل من هذا. ش: هذا إيراد آخر على أهل المقالة الثانية، بيانه: أنكم قد قلتم ما قلتم في الروايات المتقدمة، وها نحن وجدنا رواية أخرى سالمة مما ذكرتم، فذكروا في ذلك ما رواه الطحاوي عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي ورييع بن سليمان المؤذن كلاهما عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني، عن عروة ... إلى آخره، وأجاب عن ذلك بقوله: "قيل لهم ... " إلى آخره وهو ظاهر. ملخصه: أنكم متى احتججتم بابن لهيعة في هذا، يلزم قلب الموضوع، وهو احتجاجكم بمن كنتم تضعفونه عند كون الحجة عليكم، وهو طلق. فإن قلت: ابن لهيعة مرضيّ عند الطحاوي، ولهذا يحتج به في مواضع من كتابه فيكون الحديث صحيحا عنده من هذا الطريق، ويلزمه القول به.

قلت: لا نُسَلِّم أنه يحتج به، بل يذكره في المتابعات، ولئن سلمنا أنه يحتج به وأنه ثقة عنده؛ فالحديث ضعيف لا ضطرابه كما ذكرنا, ولكون المدار على عروة في طرق هذا الحديث، وهو لم يرفع به رأسا، وهو معنى قوله: "ولأن عروة لم يقل ذلك ولم يرفع به رأسا، وقد يسقط الحديث بأقل من هذا" بيانه أن هذا أحرى أن يسقط، وبعد التسليم بالكل فالحديث منقطع معنى بمعارضة دليل أقوى منه، فسقط به بيانه: أنه مخالف للكتاب وهو قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} (¬1) فإن الآية نزلت في أهل قباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء بعد الاستنجاء بالأحجار فقال لهم النبي - عليه السلام -: إن الله قد أثنى عليكم، فما الذي تصنعون؟ فقالوا: نستنجي بالماء بعد الاستنجاء بالأحجار" فلو جعل المس حدثا لما مدحهم الله تعالى بالماء الذي لا يتصور إلاَّ بمس الفرجين جميعا, ولو كان التطهير الذي مدحهم عليه حدثا لا يكون الاستنجاء تطهيرا؛ إذ التطهير يحصل بزوال الحدث لا بإثباته، أو نقول: أنه محمول على غسل اليدين ليس إلاَّ، كإيراد ذلك في حديث بريدة بن الخصيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من مس صنما فليتوضأ". رواه البزار (¬2): فإن أحدا ما أوجب الوضوء من مس الصنم. فإن قلت: قد قال ابن حبان (¬3): وليس المراد من الوضوء غسل اليد؛ وإن كان العرب تسمي غسل اليد وضوءا بدليل ما أخبرنا ... وأسند عن عروة، عن مروان، عن بسرة قالت: قال رسول الله - عليه السلام -: "من مس فرجه فليتوضأ وضوءه للصلاة". وأسند أيضًا (¬4): عن عروة، عن بسرة قالت: قال رسول الله - عليه السلام -: "من مس فرجه فليعد الوضوء". قال: والإعادة لا تكون إلَّا لوضوء للصلاة. ¬

_ (¬1) سورة التوبة، آية: [108]. (¬2) ذكره الهيثمي في "المجمع" (1/ 246)، وقال: رواه البزار، وفيه صالح بن حبان وهو ضعيف. (¬3) "صحيح ابن حبان" (3/ 400 رقم 1116). (¬4) "صحيح ابن حبان" (3/ 399 رقم 1115).

قلت: أكثر الروايات "فليتوضأ" فقط كما في رواية أبي داود (¬1) وابن ماجه (1) وغيرهما، وفي رواية الترمذي "فلا يصلي حتى يتوضأ" (1) وكل ذلك يحتمل غسل اليدين كما ذكرناه، ورواية ابن حبان: "وضوءه للصلاة" قيل: إنه مدرج من بعض الرواة. ولئن سلمنا أنه غير مدرج، فالجواب عنه ما ذكرنا، وأما قوله: "والإعادة لا تكون إلاَّ لوضوء الصلاة" فغير مسلم؛ لأنه يجوز أن يكون المراد إعادة غسل اليدين للتنظيف طلبا للتنزه. قوله: "ولم أرد بشيء من ذلك ... " إلى آخره بسط للعذر بأنه إنما ذكر ما ذكره لعدم إنصاف الخصم وتماديه في العسف، لا لأجل الطعن على أحد، على عبد الله بن أبي بكر، ولا على عبد الله بن لهيعة، ولا على غيرهما من الأئمة، وهذا غاية الإنصاف منه؛ لشدة ورعه، وإظهار أنه بصدد طلب الحق لا لإظهار الهوى والتعصب. ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة [قال] (¬2): نا أبو داود، قال: نا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، أنه سمع رجلًا يحدّث في مسجد رسول الله - عليه السلام - عن عروة، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - بذلك. قيل لهم: كفى بكم ظلما أن تحتجوا بمثل هذا. ش: أراد بذلك أن هذا الحديث عن عائشة غير صحيح؛ لأن فيه مجهولا، فلا يجوز الاحتجاج به، ولا يقال: حديث عائشة رواه الدارقطني من غير هذا الوجه؛ لأنا نقول: في إسناده كذاب، وقد بيناه فيما مضى. ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا عليّ بن معبد قال: نا يعقوب بن إبراهيم ابن سعد، قال: ثنا أبما، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم بن ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) تكررت في "الأصل، ك".

عبيد الله بن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن خالد، قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "من مس فرجه فليوضأ". حدثنا ابن أبي داود، قال: نا عياش الرقام، قال: نا عبد الأعلى، عن ابن إسحاق ... فذكر بإسناده مثله. قيل لهم: أنتم لا تجعلون محمَّد بن إسحاق حجة في شيء إذا خالفه فيه مثل من خالفه في هذا الحديث، ولا إذا انفرد، ونفس هذا الحديث منكر، وأخلق به أن يكون غلطا؛ لأن عروة حين سأله مروان عن مس الفرج، فأجابه من رأيه ألاَّ وضوء فيه، فلما قال له مروان عن بسرة عن النبي - عليه السلام - ما قال، قال له عروة: ما سمعت به. وهذا بعد موت زيد بن خالد بما شاء الله، فكيف يجوز أن ينكر عروة على بسرة ما قد حدثه إياه زيد بن خالد عن النبي - عليه السلام -؟! ش: أي إن احتج أهل المقالة الأولى في انتقاض الوضوء بمس الفرج بحديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - يقال: في جوابهم وجهان: الأول: أن يقال: إنكم لا تجعلون محمَّد بن إسحاق حجة في شيء؛ سواء خالفه أحد، أو انفرد بروايته، ثم كيف تحتجون به ها هنا وقد قال البيهقي في كتاب "المعرفة": وروى الطحاوي حديث زيد بن خالد الجهني من جهة محمَّد بن إسحاق بن يسار، ثم أخذ في الطعن علي ابن إسحاق وأنه ليس بحجة؛ ثم ذهب إلى أنه غلط وذكره إلى آخر ما ذكره الطحاوي، ثم قال: وددنا أن لو كان احتجاجه في مسائله بأمثال محمَّد بن إسحاق بن يسار، كيف وهو يحتج في كتابه بمن قد أجمع أهل العلم بالحديث على تضعيفه في الرواية؟ قلت: فيا للعجب من هذا البيهقي، كيف يفهم كلام المحققين؟ فمتى طعن الطحاوي على ابن إسحاق حتى يقول: ثم أخذ في الطعن علي ابن إسحاق؟ والذي ذكره الطحاوي ليس منه طعنا عليه، وإنما قال للخصم: أنتم لا تجعلون محمَّد بن إسحاق حجة.

وهذا القول لا يستلزم الطعن منه عليه؛ وإنما تبين بذلك عسف الخصم، حيث يجعل محمَّد بن إسحاق حجة عند كون الحديث له، ويتركه ويطعن فيه عند كون الحديث عليه، ولئن سلمنا أنه طعن عليه؛ فليس هو مختصا به، ولا بأول من تكلم به فيه، فإن بعض السلف قبله قد طعنوا فيه كالإمام مالك حيث قال فيه: دجال من الدجاجلة. وقد قال الخطيب: وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأسباب منها: أنه كان يتشيع، وينسب إلى القدر، ويدلس في حديثه، فأما الصدق فليس بمدفوع عنه. وقال الحافظ ابن الذهبي: والذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث صالح الحال صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئًا. قلت: ولهذا لم يُخرِّج له الشيخان، وإنما استشهد به البخاري، وروى له مسلم في المتابعات. وقول البيهقي: "كيف وهو يحتج بمن قد أجمع أهل العلم بالحديث على ضعفه في الرواية" تحامل منه وتعصب؛ حيث يقول قولًا مجملا من غير بيان، فهلا بَيَّنَهُ في صُوَرِهِ حتى ننظر فيها، ذلك ولئن سلمنا أنه احتج بمن هو ضعيف عند غيره فلا نسلم أن ذلك عيب منه أو تقصير؛ لأنه ربما كان ذاك ثقة عنده، ألا ترى إلى خلق كثير قد احتج بهم الشيخان مع أن غيرهما قد تكلموا فيهم، ولم يجعلوا مثل ذلك قادحا في الصحة، فكذلك الطحاوي؛ لأنه إمام في الحديث مثلهم، بل له زيادة فضيلة معرفة وجوه المناظرات وطرق استنباط الأحكام ونحوها. الوجه الثاني: أن هذا الحديث منكر بل الأجدر أن يكون غلطا، بيان ذلك: أن عروة أجاب مروان حين سأله عن مس الذكر بأنه لا وضوء فيه، فقال مروان: أخبرتني بسرة عن النبي - عليه السلام - أن فيه الوضوء. فقال له عروة: ما سمعت بهذا، حتى أرسل مروان إلى بسرة شرطيّا فأخبرته، وكان ذلك بعد موت زيد بن خالد بما

شاء الله، فكيف يجوز أن ينكر عروة على بسرة ما قد حدثه به زيد بن خالد عن النبي - عليه السلام - هذا مما لا يستقيم ولا يصح. وقال البيهقي في كتابه "المعرفة": هذا منه توهم -أراد أن الطحاوي وهم فيه- فلا ينبغي لأهل العلم أن يطعنوا في الأخبار بالتوهم، فقد بقي زيد بن خالد إلى سنة ثمان وسبعين من الهجرة، ومات مروان بن الحكم سنة خمس وستين، فيجوز أن يكون عروة لم يسمعه من أحد حين سأله مروان، ثم سمعه من بسرة، ثم سمعه بعد ذلك من زيد بن خالد الجهني، فرجع إلى روايتهما وقلد حديثهما. قلت: ليس هذا وهما من الطحاوي، بل الذي ينسبه إلى الوهم هو الذي وهم فيه، وكيف وهو إمام في التاريخ أيضًا؟ إذا قالت حذامِ فصدقوها فإن القول ما قالت حذامِ. وقد اختلف العلماء من أهل التاريخ في وفاة زيد بن خالد الجهني، وفي مكان موته على ما نقله ابن الأثير في كتاب "معرفة الصحابة" فقال: توفي بالمدينة، وقيل: بمصر، وقيل: بالكوفة، وكانت وفاته سنة ثمان وسبعين وهو ابن خمس وثمانين، وقيل: مات سنة خمسين وهو ابن ثمان وسبعن سنة، وقيل: توفي في آخر أيام معاوية، وقيل: سنة اثنتين وسبعين وهو ابن ثمانين سنة والله أعلم. ويمكن أن يكون الصحيح في تاريخ وفاته سنة خمسين، ويكون قد ثبت ذلك عند الطحاوي، فيكون تاريخ وفاته متقدما على تاريخ وفاة مروان بخمسة عشرة سنة، وإنما وقف البيهقي على قول من قال بأن وفاة زيد بن خالد سنة ثمان وسبعين؛ ليتوسل به إلى الطعن علي الطحاوي، وليس هذا دأب أهل الإنصاف، ولا من قَصْدُهُ إظهار الصواب. ثم إن الطحاوي أخرج حديث زيد بن خالد من طريقين: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة ... إلى آخره.

وقد ذكرنا فيما مضى أن أحمد والبزار والطبراني قد أخرجوه (¬1). الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عَيَّاش -بتشديد الياء آخر الحروف وفيه آخره شين معجمة- بن الوليد الرقَّام القطان أحد مشايخ البخاري، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي القرشي البصري، عن محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة ... إلى آخره. قوله: "وأَخْلِق به أن يكون غلطا" من صيغ التعجب، وقد عرف أن الموضوع له صيغتان: ما أفعله، وأفعل به. فالصيغة الثانية لفظها لفظ الأمر، ومعناها خبر، كقوله: تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} (¬2) أي ما أسمعهم وأبصرهم، وحكي عن الزجاج أنه أمر حقيقة، وهو قول الفراء، واستحسنه الزمخشري وابن خروف (¬3)، ثم معنى "أَخْلِقْ به" أي أجعله جديرا بأن يكون غلطا، من قولهم: فلان خليق بكذا أي جدير به، وقد خَلُقَ لذلك -بالضم- أي لاق له. ص: فإن احتج في ذلك بما حدثنا ربيع الجيزي، قال: نا إسماعيل بن أبي أويس، قال: نا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي، عن عمر بن شريح، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك. حدثنا ابن أبي داود قال: نا الفروي إسحاق بن محمَّد قال: نا إبراهيم ... فذكر مثله بإسناده. قيل له: أنتم لا تسوغون خصمكم أن يحتج عليكم بمثل عمر بن سريح، فكيف تحتجون به أنتم عليه؟ ثم ذلك أيضًا في نفسه منكر؛ لأن عروة لما أخبره مروان عن بسرة بما أخبره به من ذلك، لم يكن عرفه قبل ذلك لا عن عائشة ولا عن غيرها. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) سورة مريم، آية: [38]. (¬3) هو إمام النحو، أبو الحسن علي بن محمَّد بن علي بن خروف الإشبيلي مؤلف "شرح سيبويه" وغيره، مات سنة (610 هـ) وقيل: (609 هـ)، انظر "سير أعلام النبلاء" (22/ 26).

ش: أي فإن احتج الخصم في انتقاض الوضوء من مس الذكر بحديث عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - عليه السلام - يقال: في جوابه وجهان أيضًا: الأول: إنكم لا تسوّغون -أي لا تجوزون- لخصمكم أن يحتج عليكم بمثل (عمرو بن شريج) (¬1) الحضرمي فكيف أنتم تحتجون به على خصمكم وهو قلب الموضوع كما ذكرنا؟ فإن قلت: لِمَ عيّن الطحاوي (عمر بن سريج) (1) وفي إسناده غيره من الضعفاء كإسماعيل بن أبي أويس، فإن يحيى ضعفه وبالغ فيه النسائي وإن كان قد روى عنه الشيخان، وإبراهيم بن إسماعيل قال البخاري فيه: منكر الحديث. وإسحاق بن محمَّد الفروي، قال النسائي فيه: ليس بثقة. وضعفه أبو داود جدًّا وكذا الدارقطني؟ قلت: لأن الخصم معترف بضعف (عمر بن شريج) (1) فلذلك عينه. الثاني: أن هذا الحديث في نفسه منكر؛ لأن عروة بن الزبير لما أخبره مروان بن الحكم عن بسرة لم يكن عروة عرف هذا الحكم قبل هذا، لا عن عائشة ولا عن غيرها، فلو كان سمعه من عائشة قبل هذا لما أنكر على مروان خبره عن بسرة. ثم إنه أخرج هذا الحديث عن طريقين: الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إبراهيم ابن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي المدني، عن (عمر بن شريج) (1) الحضرمي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وفي بعض الطبعات من "شرح معاني الآثار". ووقع في بعض الطرق "عُمر بن شريح" وكل ذلك خطأ، والصواب: "عمر بن سريج" بالسين المهملة وآخره جيم، كما صرح بذلك الذهبي في "الميزان" (5/ 246)، والحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (4/ 311) وقالا: هو عمر بن سعيد بن سريج -بسين مهملة لا بالشين المعجمة- نسبة إلى الجد، وكذا ضبطه ابن ماكولا في "الإكمال" (4/ 273).

والثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن إسحاق بن محمَّد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة الفروي المدني، عن إبراهيم بن إسماعيل ... إلى آخره. والإسنادان كلاهما ضعيف، والفَرَوي -بفتح الفاء وسكون الراء- نسبة إلى جده أبي فروة، لا يقال: إنه روي عن عائشة من غير هذا الطريق، رواه الدارقطني؛ لأنا قد قلنا: إن في سنده كذابا، مع أنه روي عنها ما يخالف هذه الرواية، وقد بيناه فيما مضى. ص: فإن احتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد بن سنان قال: نا دحيم بن اليتيم، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن صدقة بن عبد الله، عن هاشم بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنها - عن رسول الله - عليه السلام - بذاك، قيل لهم: صدقة بن عبد الله هذا عندكم ضعيف فكيف تحتجون به؟! وهاشم بن زيد فليس من أهل العلم الذي يثبت بروايتهم مثل هذا. ش: أي فإن احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - فجوابه أنه ضعيف، معلول بصدقة بن عبد الله السمين أبي معاوية الدمشقي، قال أحمد: ضعيف ليس حديثه يسوى شيئًا، أحاديثه مناكير. وكذا ضعفه ابن معين والبخاري والنسائي، وقال أبو حاتم: لين، يكتب حديثه ولا يحتج به. ومعلول أيضًا بهاشم بن زيد الدمشقي، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. ودحيم -بضم الدال وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف- لقب عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي يعرف بدحيم بن اليتيم مولى آل عثمان بن عفان، قاضي الأردن وفلسطين، أحد مشايخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه. وعمرو بن أبي سلمة التنيسي، أبو حفص الدمشقي، روى له الجماعة.

وأخرجه البزار في "مسنده" (¬1): بهذا الطريق وقال: نا عمر بن الخطاب، نا عمرو بن أبي سلمة، نا صدقة بن عبد الله، عن هاشم بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: "من مس فرجه فليتوضأ". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): وفي إسناده العلاء بن سليمان وهو أيضًا ضعيف جدًّا. ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد بن سنان، قال: نا عمرو بن خالد، قال: نا العلاء بن سليمان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "من مس فرجه فليتوضأ". قيل لهم: كيف تحتجون بالعلاء هذا وهو عندكم ضعيف؟! ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى فيما ذهبو إليه بحديث سالم عن أبيه، فجوابه أنه معلول بالعلاء بن سليمان الرقي، ذكره ابن الجوزي في الضعفاء وقال: قال الأسدي: ساقط لا تحل الرواية عنه. وعمرو بن خالد بن فروخ التميمي الحنظلي، أحد مشايخ البخاري وغيره، قال العجلي: مصري ثقة ثبت. وأخرجه الطبراني بهذا الطريق كما ذكرناه آنفا (¬3). ص: وإن احتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا يونس، قال: نا معن بن عيسى القزاز، عن يزيد بن عبد الملك، عن المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "من أفضى بيده إلى ذكره ليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ". قيل له: يزيد هذا عندكم منكر الحديث، لا يسوى حديثه عندكم شيئًا، فكيف تحتجون به؟!. ¬

_ (¬1) ذكره الهيثمي في "مجمع "الزوائد" (1/ 245) وقال: رواه البزار، والطبراني في "الكبير"، وفي سند "الكبير" العلاء بن سليمان، وهو ضعيف جدًّا، وفي سند البزار هاشم بن زيد وهو ضعيف جدًا. (¬2) "المعجم الكبير" (12/ 281 رقم 13118) بلفظ: "من مس ذكره فليتوضأ". (¬3) سبق تخريجه.

ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة هذا فجوابه أنه ضعيف معلول بيزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي المدني، قال أحمد ويحيى: ضعيف. وقال النسائي: متروك الحديث ولم يخرج له غير ابن ماجه حديثا واحدا في السقط. والمقبري هو سعيد بن أبي سعيد، ونسبته إلى مقبرة وكان ساكنا فيها. وقد ذكرنا أن ابن حبان أخرجه في "صحيحه" (¬1): عن يزيد بن عبد الملك. والحاكم في "مستدركه" (1) وصححه، وأنهما قد تخارفا جدّا في تصحيحه (¬2). ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد، قال: نا دحيم، قال: نا عبد الله، عن النبي - عليه السلام - مثل حديث يونس، عن معن، قيل لهم: هذا الحديث كل من رواه عن ابن أبي ذئب من الحفاظ يقطعه ويوقفه على محمد بن عبد الرحمن، فمن ذلك ما حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عامر، قال: نا ابن أبي ذئب، عن عقبة، عن محمَّد ابن عبد الرحمن، عن النبي - عليه السلام - بذلك. فهؤلاء الحفاظ يوقفون هذا الحديث على محمَّد بن عبد الرحمن، ويخالفون فيه ابن نافع، وهو عندكم حجة عليه وليس هو بحجة عليهم، فكيف تحتجون بحديث منقطع في هذا وأنتم لا تثبتون الحديث المنقطع. ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث جابر بن عبد الله، فجوابه أنه منقطع موقوف على محمَّد بن عبد الرحمن، والمنقطع ليس بحجة عندهم، فكيف يحتجون به؟! والدليل على ذلك أن الحفاظ الثقات يوقفونه على ¬

_ (¬1) سبق تخريجه. (¬2) قد بينا قبل ذلك عند تخريجه أن ابن حبان أخرجه من طريق نافع بن أبي نعيم مع يزيد بن عبد الملك، وقال: احتجاجنا في هذا الخبر بنافع بن أبي نعيم دون يزيد بن عبد الملك ... إلخ، وكذا أخرجه الحاكم من طريق نافع وصححه واستشهد بحديث يزيد، فبان بذلك أنهما لم يتخارفا؛ فرحمهما الله.

محمَّد بن عبد الرحمن ويخالفون فيه عبد الله بن نافع الصائغ الذي يرفعه، وكذا قال الشافعي: سمعت جماعة من الحفاظ غير ابن نافع يروونه ولا يذكرون فيه جابرا. وقال البخاري (¬1): عقبة، عن ابن ثوبان، روى عنه ابن أبي ذئب مرسل عن النبي - عليه السلام - في مس الذكر. قلت: فعلى هذا يئول الحديث إلى الإرسال، وهم لا يحتجون بالمرسل؛ فإذن سقط احتجاجهم بحديث جابر - رضي الله عنه - وقد شنع [البيهقي] (¬2) في هذا المقام على هذا الطحاوي بقوله: "ثم أخذ الطحاوي في رواية أحاديث لم يعتمد عليها في الوضوء من مس الذكر، وجعل يضعفها مرة بضعف الرواة ومرة بالانقطاع، وأن من أوجب الوضوء منه لا يقول بالمنقطع، ونحن إنما لا نقول بالمنقطع إذا كان منفردا، فإذا انضم إليه غيره أو انضم إليه قول بعض الصحابة أو ما يتأكد به المراسيل، ولم يعارضه ما هو أقوى منه؛ فإنا نقول به. انتهى. قلت: هذا تشنيع من غير وجه؛ لأن الطحاوي ما ضعف حديثا قد صح فيه، ولا جعل الموصول منقطعا، وإنما ذكره على وجه يرضى به الخصم، وأراد بهذا أن هذه الأحاديث التي احتج بها الخصم لا تصلح للاحتجاج، والعجب من البيهقي أنه يصرح بأن هذه الأحاديث لا يعتمد عليها في الوضوء من مس الذكر ثم يرجع ويشنع على الطحاوي بأنه يضعفها مرة بضعف الرواية ومرة بالانقطاع! ورجال المرفوع ثقات كلهم، ودحيم قد مض ذكره آنفا. وعبد الله بن نافع الصائغ المخزومي القرشي أبو محمَّد المدني، روى له الجماعة إلاَّ البخاري. وابن أبي ذئب اسمه محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، روى له الجماعة. ¬

_ (¬1) "تاريخ البخاري الكبير" (6/ 435) وزاد بعده: وقال بعضهم: عن جابر - رضي الله عنه -، ولا يصح. (¬2) في "الأصل، ك": الطحاوي، وهو سبق قلم من المؤلف، والصواب ما أثبتناه، كما سيتضح في آخر التعقيب من المؤلف بقوله: والعجب من البيهقي .. الخ.

وعقبة هو ابن عبد الرحمن بن أبي معمر، حجازي، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (¬1). ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي أبو عبد الله المدني، روى له الجماعة. ورجال الموقوف أيضًا ثقات وأبو بكرة بكَّار القاضي. وأبو عامر: عبد الملك ابن عمرو العقدي، تكرر ذكره. ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا صالح بن عبد الرحمن ويونس وربيع الجيزي، قالوا: ثنا عبد الله بن يوسف، عن الهيثم بن حميد، قال: أخبرني العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة زوج النبي - عليه السلام - قالت: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "من مس فرجه فليتوضأ". حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أبو مسهر، عن الهيثم ... فذكر بإسناده مثله. قيل لهم: هذا حديث منقطع أيضًا؛ لأن مكحولا لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان شيئا. حدثنا ابن أبي داود قال: سمعت أبا مسهر يقول ذلك، وأنتم تحتجون في مثل هذا بقول أبي مسهر. ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بحديث أم حبيبة - رضي الله عنها - فجوابه: أنه أيضًا منقطع؛ وذلك لأن مكحولا لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان شيئًا، قاله أبو مسهر. روى الطحاوي عن ابن أبي داود، عن أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي أنه كان يقول ذلك، يعني بأن مكحولا لم يسمع من عنبسة، وهم يحتجون بأبي مسهر، وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين، قال أبو مسهر: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، ولا أدري أدركه أم لا. ¬

_ (¬1) الأولى أن يقال: سكت عليه، أو لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ لأن "سكت عنه" من ألفاظ الجرح الشديد.

فإن قلت: قال البيهقي بعد أن ذكر هذا الحديث: بلغني عن الترمذي، سألت أبا زرعة عن هذا الحديث فاستحسنه ورأيته كأنه يعدّه محفوظا. قلت: وقال الترمذي في كتابه: قال محمَّد -يعني البخاري-: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، وروى مكحول عن رجل عن عنبسة غير هذا الحديث. وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحا. وفي "الإِمام" عن ابن معين قال: هذا أضعف أحاديث هذا الباب. وأخرج النسائي (¬1): حديثا آخر من رواية مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة، ثم قال: مكحول لم يسمع من عنبسة شيئًا. وأخرج الطحاوي حديث أم حبيبة هذا من طريقين: الأول: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو، ويونس بن عبد الأعلى، وربيع بن سليمان الجيزي كلهم عن عبد الله بن يوسف التنيسي -أحد مشايخ البخاري- عن الهيثم بن حميد الغساني الدمشقي، عن العلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي، عن مكحول الشامي، عن عنبسة بن أبي سفيان صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان زوج النبي - عليه السلام -. وأخرجه ابن ماجه (¬2): نحوه، وقد ذكرناه. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي مسهر، عن الهيثم بن [حميد] (¬3) إلى آخره. وأخرجه الطبراني (¬4) نحوه. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (3/ 265 رقم 1815) ولفظه "من ركع أربع ركعات قبل الظهر .. " الخ. (¬2) تقدم تخريجه. (¬3) في "الأصل، ك" عدي، وهو سبق قلم من المؤلف: وما أثبتناه هو الصواب، كما في المتن، و"معجم الطبراني الكبير". (¬4) "المعجم الكبير" (23/ 234 رقم 447).

ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: نا معن بن عيسى، عن عبد الله بن المؤمل المخزومي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن بسرة سألت النبي - عليه السلام - فقالت: المرأة تضرب بيدها فتصيب فرجها. قال: تتوضأ يا بسرة". حدثنا ابن أبي داود، قال: نا الخطاب بن عثمان الفوزي، قال: نا بقية، عن الزبيدي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ". قيل لهم: أنتم تزعمون أن عمرو بن شعيب لم يسمع من أبيه شيئًا، وإنما حديثه عنه عن صحيفة، فهذا على قولكم منقطع، والمنقطع لا تجب به حجة عندكم. ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى، فيما ذهبوا إليه بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن بسرة، عن النبي - عليه السلام - وبحديثه عن أبيه، عن جده، عن النبي - عليه السلام -؛ فجوابه أن يقال: إنكم تزعمون أن عمرو بن شعيب لم يسمع من أبيه شيئًا وإنما حديثه عنه عن صحيفة؛ فيكون منقطعا، والمنقطع لا تقوم به حجة عندكم، وقال ابن المديني: عن يحيى بن سعيد: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عندنا واهٍ. وقال عباس الدوري: عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده فهو كتاب، هو عمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو يقول: أي عن جدي، فمن ها هنا جاء ضعفه. أو نحو هذا من الكلام. وقال ابن عُدي: عمرو بن شعيب في نفسه ثقة إلاَّ إذا روى عن أبيه، عن جده، عن النبي - عليه السلام - يكون مرسلًا. لأن جده عنده: محمَّد بن عبد الله بن عمرو لا صحبة له، وتردد ابن حبان في عمرو وذكره في الضعفاء فقال: إذا روى عن طاوس وابن المسيب وغيرهما من الثقات غير أبيه فهو ثقة يجوز الاحتجاج به، وإذا روى عن أبيه عن جده ففيه مناكير كثيرة فلا يجوز

الاحتجاج بذلك، قال: فإذا روى عن أبيه عن جده؛ فإن شعيبا لم يلق عبد الله، فيكون خبره منقطعا. وإن أراد بحده الأدنى فهو محمَّد لا صحبة له فيكون مرسلًا. وقال الحافظ المزِّي: عمرو بن شعيب على ثلاثة أوجه: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، فعمرو له ثلاثة أجداد: محمَّد، وعبد الله، وعمرو بن العاص. محمَّد تابعي، وعبد الله وعمرو صحابيان، فإن كان المراد بجده محمدا فالحديث مرسل لأنه تابعي، وإن كان المراد به عَمرا فالحديث منقطع؛ لأن شعيبا لم يدرك عمرا، وإن كان المراد به عبد الله فنحتاج إلى معرفة سماع شعيب من عبد الله. فإن قيل: قال البخاري في تاريخه: عمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص سمع أباه وسعيد بن المسيب وطاوسا. فكيف يقول الطحاوي وأنتم تزعمون أن عمرو بن شعيب لم يسمع من أبيه شيئًا؟ ولهذا شنع البيهقي في "المعرفة" على الطحاوي بسبب هذا الكلام. وقال: الخلاف في سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، ثم قال: وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه، وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو. قلت: الطحاوي نفسه قائل بأن عمرو بن شعيب سمع من أبيه؛ ولهذا يحتج به في كثير من المواضع، وإنما ذكر ما ذكره ناقلا عن بعض طائفة من الخصوم أنهم قالوا: إنه لم يسمع من أبيه شيئًا، وأراد به إلزامهم بذلك؛ لأنه إذا لم يكن سمع من أبيه يكون حديثه منقطعا، فكيف يجوز الاحتجاج به مع دعواهم بذلك؟! فسقط بذلك تشنيع البيهقي أيضًا. فإن قلت: إذا كان الطحاوي يحتج بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فما باله لم يعمل بحديثه هذا؟

قلت: لأنه قد عارضه حديث طلق بن علي، فلم يكن ليعمل به لتأخر حديث طلق عنه فيثبت بذلك انتساخ أحاديث انتقاض الوضوء من مس الفرج. فإن قيل: حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في هذا الباب ناسخ لحديث طلق بن علي؛ لأن طلقا قدم على النبي - عليه السلام - في ابتداء الهجرة والمسجد على عرش، وأبو هريرة أسلم سنة ست من الهجرة فكان حديثه متأخرا، والأخذ بآخر الأمرين واجب لأنه ناسخ، والطبراني أيضًا مال إلى أن حديث طلق منسوخ. قلت: روى أبو داود (¬1): عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "قدمنا على نبي الله - عليه السلام - فجاءه رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: هل [هو] (¬2) إلاَّ مضغة منه أو بضعة منه". ففي قوله: "ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ" دلالة على أنه كان بلغه أن النبي - عليه السلام - شَرَّعَ فيه الوضوء، فأراد أن يستيقن ذلك، وإلَّا فالمستقر عندهم أن الأحداث إنما كانت من الخارج النجس، وإلَّا فالعقل لا يهدي إلى أن مس الذكر يناسب نقض الوضوء، فعلى هذا يكون حديث طلق هو آخر الأمرين، ويكون أبو هريرة قد سمعه من بعض الصحابة ثم أرسله. وجواب آخر أن دعوى النسخ إنما تصح بعد ثبوت صحة الحديث، ونحن لا نُسَلِّم صحة حديث أبي هريرة؛ فافهم. ص: فقد ثبت فساد هذه الآثار كلها التي يحتج بها من يذهب إلى إيجاب الوضوء من مس الفرج. ش: أي إذا علم ما ذكرنا، فقد ثبت فساد هذا الأحاديث التي سلفت في هذا الباب التي يحتج بها من يذهب إلى إيجاب الوضوء من مس الفرج، وذلك لكون بعضها منكرا، وبعضها مضطربا، وبعضها ضعيفا معلولا، وبعضها منقطعا، ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 46 رقم 182). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود".

وبعضها موقوفًا على ما بُيِّنَت مستقصاة مشروحة، وفي ذلك نقل شمس الأئمة السرخسي عن يحيى بن معين أنه قال: ثلاث لا يصح فيهن حديث، منها: انتقاض الوضوء من مس الفرج. ص: وقد رويت آثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تخالف ذلك، فمنها: ما حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن محمَّد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه: "أنه سأل النبي - عليه السلام - أفي مس الذكر وضوء؟ قال: لا". ش: أي قد رويت أحاديث عن رسول الله - عليه السلام - تخالف ما روي من إيجاب الوضوء من مس الفرج، ولما ذكر ما يحتج به أهل المقالة الأولى من الأحاديث وأجاب عنها، شرع يذكر ما يحتج به أهل المقالة الثانية، فمن جملة حججهم: حديث قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -. أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن جابر بن سيار اليمامي الأعمى -فيه مقال- عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي بن المنذر الحنفي اليمامي الصحابي - رضي الله عنه -. وأخرجه ابن ماجه (¬1): نا علي بن محمَّد، نا وكيع، نا محمد بن جابر، قال: سمعت قيس بن طلق الحنفي، عن أبيه قال: "سمعت رسول الله - عليه السلام - سئل عن مس الذكر، فقال: ليس فيه وضوء، إنما هو منك". وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): عن موسى بن داود، عن محمَّد بن جابر ... إلى آخره نحوه. واعلم أن حديث طلق صحيح وإن كان هذا الطريق فيه مقال؛ لأنه روي من غير وجه، وقال أبو داود: وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي - عليه السلام - وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك، وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 163 رقم 483). (¬2) "مسند أحمد" (4/ 23 رقم 16335).

وقال ابن حزم في "المحلى" بعد أن ذكر حديث طَلق بن علي قال عَليٌّ: وهذا خبر صحيح. ولكن ادعى أنه منسوخ كما ادعى الطبراني والبيهقي وصاحب "المغني" وهذه الدعوى غير صحيحة، وقد بينا فسادها عن قريب. فإن قيل: قد ذكر البيهقي عن ابن معين أنه قال: قد أكثر الناس في قيس بن طلق ولا يحتج بحديثه. قلت: قد ذكر البيهقي ذلك بسند فيه محمَّد بن الحسن النقاش المفسّر، وهو من المتهمين بالكذب. وقال البرقاني: كل حديثه مناكير، وليس في تفسيره حديث صحيح. وروى النقاش كلام ابن معين هذا عن عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، وعبد الله هذا قال فيه ابن عدي: كان متهما في روايته عن قوم أنه لم يلحقهم. وقد ذكر ابن أبي حاتم أن ابن معين وثق قيسا بخلاف ما ذُكِرَ عنه في هذا السند الساقط، وصحح حديثه هذا ابن حبان وابن حزم كما ذكرناه. وذكر ابن منده في كتابه: أن عمرو بن علي الفلّاس قال: حديث قيس عندنا أثبت من حديث بسرة. فإن قيل: ذكر البيهقي عن الشافعي أنه قال: سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا فيه قبول خبره. وقد حكى الدارقطني أيضًا في "سننه" (¬1): عن ابن أبي حاتم أنه سأل أباه وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة. ووهياه ولم يثبتاه. قلت: هو معروف روى عنه تسعة أنفس ذكرهم صاحب الكمال وهم: عبد الله ابن بدر، ومحمد بن جابر اليمامي، وعبد الله بن النعيمان السحيمي، وعجيبة بن ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 149 رقم 15).

عبد الحميد بن طلق، وابنه هوذة بن قيس وأيوب بن عتبة اليمامي، وموسى بن عمير اليمامي، وسراج بن عقبة، وعيسى بن خثيم، ثم قال عبد الغني بعد ذكر هؤلاء: قال يحيى بن معين وأحمد بن عبد الله: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في "المستدرك" وروى له أصحاب السنن الأربعة، وأخرج الترمذي من طريق ملازم وقيس هذا حديث "لا وتران في ليلة" وحسنه، وقال عبد الحق: وغير الترمذي يصححه. فإن قيل: قد روى حديث بسرة جماعة من الصحابة وكثرة الرواية مؤثرة في الترجيح، وحديث طلق بن علي لا يحفظ من طريق يوازي هذه الطرق وهو حديث فرد في هذا الباب. قلت: كما وجد اختلاف الرواة في حديثها فكذلك وجد في حديث طلق نحو ذلك، ثم إذا وجد للحديث طريق واحد سالم من شوائب الطعن تعين المصير إليه، ولا عبرة باختلاف الباقين، وقد يقال: إن كثرة الرواة لا أثر لها في باب الترجيحات؛ لأن طريق كل واحد منها غلبة الظن؛ فصار كشهادة شاهدين مع شهادة أربعة. وقد يقال: إن بسرة غير مشهورة، لاختلاف الرواة في نسبها؛ لأن بعضهم يقول: هي كنانية، وبعضهم يقول: هي أسدية، ولو سلم عدم جهالتها فليست توازي طلقا في شهرته وكثرة روايته وطول صحبته، وبالجملة فحديث النساء لا يوازي حديث الرجال. فإن قيل: قد أسند البيهقي عن طلق أنه قدم على النبي - عليه السلام - وهو يبني المسجد قلت: استدل بذلك على أن حديثه متقدم ليثبت كونه منسوخا، وفي سنده هذا محمَّد بن جابر وهو ضعيف وقد ضعفه هو أيضًا في بابه، وأيضًا فقد اختلف عليه، فرواه البيهقي عنه عن قيس بن طلق عن أبيه، وأخرجه الحازمي في الناسخ والمنسوخ عنه عن عبد الله بن بدر عن طلق. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا مسدد، قال: نا محمَّد بن جابر ... فذكر بإسناده نحوه.

ش: هذا طريق آخر عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري، عن محمَّد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): نا إسحاق الدبري [عن عبد الرزاق] (¬2) عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أرأيت الرجل يتوضأ، ثم يهوي فيمس ذكره أو أَرْنَبَتَهُ؟ قال: هو منك". ص: حدثنا محمَّد بن العباس اللؤلؤي، قال: نا أسد، قال: نا أيوب بن عتبة (ح). وحدثنا أبو بشر الرقي، قال: نا حجاج بن محمَّد، قال: نا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - نحوه. ش: هذان طريقان آخران: أحدهما: عن محمَّد بن العباس اللؤلؤي أحد أصحاب أبي حنيفة، عن أسد بن موسى. عن أيوب بن عتبة اليمامي، فيه مقال كبير، وقال أبو زرعة: ما حدث باليمامة فهو مستقيم. وقال الدارقطني مرة: يعتبر به شيخ. وقال أبو داود: كان صحيح الكتاب تقادم موته. وقال العجلي: يكتب حديثه. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): نا حماد بن خالد، نا أيوب بن عتبة، عن قيس ابن طلق، عن أبيه قال: "سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره؟ قال: إنما هو بضعة منك- أو من جسدك". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (8/ 330 رقم 8233). (¬2) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "معجم الطبراني الكبير". (¬3) "مسند أحمد" (4/ 22 رقم 16329).

والآخر: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي -وثقه ابن يونس- عن حجاج بن محمَّد المصيصي، عن أيوب بن عتبة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): نا علي بن عبد العزيز، نا أحمد بن يونس، نا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "سأل رجل رسول الله - عليه السلام - فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا مس أحدنا ذكره، يتوضأ؟ قال: لا، إنما هو بضعة منك". ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا يوسف بن عدي، قال: نا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر السحيمي، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: هذا طريق آخر وهو صحيح، عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يوسف ابن عدي بن زريق -أحد مشايخ البخاري- عن ملازم بن عمرو بن عبد الله الحنفي السُحَيْمي اليمامي، وثقه ابن حبان وغيره وروى له الأربعة، عن عبد الله بن بدر بن عميرة الحنفي السُحَيْمي اليمامي، جد ملازم بن عمرو لأبيه -وقيل: لأمه- وثقه ابن معين وابن حبان، وروى له الأربعة. والسحيمي نسبة إلى سُحيم -بضم السين وفتح الحاء المهملتين- بن مرة بن دول بن حنيفة بطن من بني حنيفة. وأخرجه الثلاثة. فأبو داود (¬2): عن مسدد، عن ملازم بن عمرو الحنفي، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "قدمنا على نبي الله - عليه السلام - فجاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: وهل هو [إلَّا] (¬3) مضغة منه- أو بضعة منه؟! ". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (8/ 334 رقم 8249). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 46 رقم 182). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود".

والترمذي (¬1): عن هنّاد، عن ملازم بن عمرو ... وإلى آخره. والنسائي (¬2) أيضًا: عن هناد بن السري، عن ملازم بن عمرو ... إلى آخره، ولفظه: "خرجنا وفدا حتى قدمنا على نبي الله - عليه السلام - فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة، جاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله، ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ قال: وهل هو إلاَّ مضغة منك- أو بضعة منك؟! ". ص: حدثنا أبو أميّة، قال: نا الأسود بن عامر وخلف بن الوليد وأحمد بن يونس وسعيد بن سليمان، عن أيوب، عن قيس، أنه حدثه عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - نحوه. ش: هذا طريق أخر رجاله كلهم ثقات ما خلا أيوب؛ فإن فيه مقالا مع أن بعضهم وثقوه. وأبو أُميَّة هو محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي. وخلف بن الوليد الجوهري البغدادي نزيل مكة، وثقة أبو زرعة. وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس وينسب إلى جده، أحد مشايخ البخاري ومسلم وأبي داود. وسعيد بن سليمان الضبي الواسطي المعروف بسعدويه. وأخرجه أحمد (¬3) وأبو يعلى في مسنديهما. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، نا ملازم، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -: "أنه سأله رجل فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ فقال النبي - عليه السلام -: هل هو إلاَّ بضعة منك أو مضغة منك؟!. ش: هذا طريق أخر وهو صحيح، عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 131 رقم 85). (¬2) "المجتبى" (1/ 101 رقم 165). (¬3) "مسند أحمد" (4/ 22 رقم 16329) من طريق حماد بن خالد، عن أيوب.

ابن المنهال الأنماطي، عن ملازم ... إلى آخره. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬1): أنا ابن قتيبة بعسقلان، قال: نا محمَّد بن أبي السري، نا ملازم بن عمرو، حدثني عبد الله بن بدر، قال: حدثني قيس بن طلق، قال: حدثني أبي قال: "كنا عند النبي - عليه السلام - فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يكون في الصلاة فيحتك فتصيب يده ذكره. فقال رسول الله - عليه السلام -: وهل هو إلاَّ بضعة أومضغة منك"؟! وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬2): نا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، نا محمَّد بن أزياد، (¬3) بن فروة البلدي أبو روح، نا ملازم بن عمرو ... إلى آخره. قوله: "بضعة" بفتح الباء وكسرها، وهي القطعة من اللحم، والمعنى أنه جزء منه كما في الحديث: "فاطمة بضعة مني" (¬4) أي جزء مني كما أن القطعة من اللحم. قوله: "أو مُضغة" شك من الراوي، وهي بضم الميم القطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وجمعها مُضَغ. ص: فهذا حديث ملازم، مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا في متنه، فهو أولى عندنا مما رويناه أولا من الآثار المضطربة في أسانيدها، ولقد حدثني ابن أبي عمران، قال: سمعت عباس بن عبد العظيم العنبري، يقول: سمعت علي بن المديني، يقول: حديث ملازم هذا أحسن من حديث بسرة، فإن كان هذا الباب يؤخذ من طريق الإسناد واستقامته؛ فحديث ملازم هذا أحسن إسنادا، وإن كان يؤخذ من طريق النظر؛ فإنا رأيناهم لا يختلفون أنَّ من مس ذكره بظهر كفه أو بذراعه لم يجب في ذلك وضوء، فالنظر أن يكون مسه إياه ببطن كفه كذلك، ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (3/ 403 رقم 1120). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 149 رقم 17). (¬3) في "الأصل": زيادة، والمثبت من "سنن الدارقطني"، و"ثقات ابن حبان" (9/ 84). (¬4) متفق عليه من حديث المسور بن مخرمة - رضي الله عنه - البخاري (3/ 1361 رقم 3510)، ومسلم (4/ 1902 رقم 2429).

وقد رأينا لو ماسه بفخذه لم يجب عليه بذلك وضوء، والفخذ عورة، فإذا كانت مماسته إياه بالعورة لا توجب عليه وضوءا، فمماسته إياه بغير العورة أحرى ألَّا توجب عليه وضوءا. ش: الذي قاله ظاهر، وبينته على دعواه صادقة [وهذا] (¬1) الإِمام المبّرز في هذا الشأن صاحب التصانيف الواسعة، الذي هو أكبر مشايخ البخاري وأبي داود وأحمد بن حنبل وأبي يعلى الموصلي وأبي حاتم الرازي وغيرهم من أكابر أئمة الشأن، وهو الحافظ علي بن المديني، روى عنه مقالته هذه عباس بن عبد العظيم العنبري الحافظ شيخ الجماعة، وروى عنه شيخ الحنفية شيخ الطحاوي أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي. فإن قيل: قال البيهقي في "المعرفة" (¬2): ورواه عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق مرسلًا. ورواه بإسناده إلى أن قال: نا عكرمة بن عمار اليمامي، عن قيس بن طلق: "أن طلقا سأل النبي - عليه السلام - عن الرجل يمس ذكره وهو في الصلاة. فقال: لا بأس به، إنما هو كبعض جسده" وهذا منقطع لأن قيسا لم يشهد سؤال طلق، وعكرمة بن عمار أقوى مَنْ رواه عن قيس بن طلق، وإن كان هو أيضًا مختلف في عدالته، فاحتج به مسلم بن الحجاج في غير هذا الحديث، وتركه البخاري، وضعفه يحيى بن سعيد القطان في آخرين. وقال في "سننه الكبير" (¬3): بإسناده إلى رجاء بن مرجا الحافظ قال: اجتمعنا في مسجد الخيف أنا وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين، فتناظروا في مس الذكر، فقال يحيى بن معين: يتوضأ منه. وتقلّد علي بن المديني قول الكوفيين وقال به، واحتج يحيى بن معين بحديث بسرة بنت صفوان، واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق، وقال ليحيى: كيف تتقلد إسناد بسرة ومروان أرسل شرطيا ¬

_ (¬1) في "الأصل": وهو، وما أثبتناه هو لأليق بالسياق. (¬2) "معرفة السنن والآثار" (1/ 233). (¬3) "السنن الكبرى" (1/ 136 رقم 635).

حتى رد جوابها إليه؟! فقال يحيى: ثم لم يقنع ذلك عروة حتى أتى بسرة فسألها وشافهته بالحديث. ثم قال يحيى: ولقد أكثر الناس في قيس بن طلق وأنه لا يحتج بحديثه. فقال أحمد بن حنبل: كلا الأمرين على ما قلتما. فقال يحيى: مالك، عن نافع، عن ابن عمر "يتوضأ من مس الذكر" فقال علي: كان ابن مسعود يقول: "لا يتوضأ منه وإنما هو بضعة من جسدك". وقال يحيى: هذا عن من؟ فقال: عن سفيان، عن أبي قيس، عن هذيل، عن عبد الله، وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر واختلفا فابن مسعود أولى بأن يتبع. فقال أحمد بن حنبل: نعم، ولكن أبو قيس الأودي لا يحتج بحديثه. فقال علي: حدثني أبو نعيم، نا مسعر، عن عمير بن سعيد، عن عمار قال: "ما أبالي مسسته أو أنفي". فقال يحيى: بين عمير بن سعيد وعمار بن ياسر مفازة. ثم أسند البيهقي (¬1): أن ابن جريج والثوري تذاكرا مس الذكر، فقال ابن جريج: يتوضأ منه. وقال سفيان: لا يتوضأ منه. فقال سفيان: أرأيت لو أن رجلًا أمسك بيده منيّا ما كان عليه؟ فقال ابن جريج: يغسل يده. فقال: أيهما أكثر المني أو مس الذكر؟ فقال: ما ألقاها عل لسانك إلاَّ الشيطان. قال: وإنما أراد ابن جريج أن السُّنة لا تعارض بالقياس، وذكر الشافعي في رواية الزعفراني عنه أن الذي قال من الصحابة لا وضوء فيه فإنما قال بالرأي، ومن أوجب الوضوء فيه فلا يوجبه إلاَّ بالاتباع. انتهى كلامه. قلت: لا يلزم من إرسال عكرمة بن عمار عدم صحة الحديث من غيره، وقوله: عكرمة (بن) (¬2) عمار أقوى مَنْ رواه عن قيس. غير صحيح؛ لأن عكرمة أيضًا مختلف فيه، ولهذا لم يخرج له البخاري إلاَّ مستشهدا، وضعفه يحيى القطان في أحاديث عن يحيى بن أبي كثير، وقَدَّم مُلازِمَ بن عمرو عليه وأما حكايته رجاء بن ¬

_ (¬1) سبق تخريجه. (¬2) تكررت في "الأصل".

مرجا ففي إسناده عبد الله السرخسي وكان متهما. قوله: "ولكن أبو قيس الأودي لا يحتج بحدثيه" يعارضه قوله: في باب "لا نكاح إلَّا بولي": مختلف في عدالته. انتهى كلامه. وأبو قيس هذا وثقه ابن معين، وقال العجلي: ثقه ثبت. واحتج به البخاري، وأخرج له ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه". وقوله: "بين عمير وعمار مفازة" يعارضه ما ذكره ابن أبي شيبة (¬1): حدثنا ابن فضيل ووكيع، عن مسعر، عن عمير بن سعيد، قال: "كنت جالسا في مجلس فيه عمار بن ياسر، فسئل عن مس الذكر في الصلاة، فقال: ما هو إلاَّ بضعة منك"، وهذا سند صحيح، وفيه تصريح بأنه لا مفازة بينهما. وقوله: "عمار وابن عمر استويا"، ليس كذلك؛ لأن مع عمار ابن مسعود وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - والأسانيد بذلك صحاح كما ذكر ابن عبد البر، وقد ذكر الطحاوي أنه لم يُفْتِ بالوضوء منه من الصحابة غير ابن عمر - رضي الله عنهما - فحينئذ لا نُسَلِّم الاستواء. وقوله: "فإنما قال بالرأي" غير مُسَلَّم؛ لأنه كيف يكون ذلك وقد صح الحديث فيه؟! فافهم. وأما قول الطحاوي: "فإن كان هذا الباب" أي: هذا النوع من الحكم يؤخذ من طريق إسناد الأحاديث من حيث الصحة والاستقامة، فحديث ملازم بن عمرو هذا الذي مضى أحسن إسنادا من أحاديث الخصم، فتكون أولى بالقبول وأحق بالعمل به. وإن كان يؤخذ من طريق النظر والقياس؛ فالقياس يقضي ألَّا ينتقض الوضوء بالمس بباطن الكف، كما لا ينتقض بالمس بظاهره أو بذراعه بالإجماع والجامع أن ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 152 رقم 1743).

كلا منهما مَسٌّ في موضع مخصوص. وكذا لو مسَّه بفخذه لا ينتقض الوضوء، مع أن الفخذ عورة، فبالأولى ألَّا ينتقض وضوءه بالمس بباطن كفه التي هي ليست بعورة. وتعليل بعض الشافعية المس بباطن الكف بأنه مظنة خروج شيءٌ تعليل فاسد؛ لأنه يلزم منه ألَّا ينتقض الوضوء عند تحققه بعدم الخروج، وكذا في مسّ الدبر، وكذا في مس المرأة فرجها، وكذا في مس ذكر غيره، والله أعلم. ص: فقال الذين ذهبوا إلى إيجاب الوضوء منه: فقد أوجب الوضوء في مماسته بالكف أصحاب النبي - عليه السلام - فذكروا في ذلك: ما حدثنا أبو بكرة قال: نا أبو داود، قال: نا شعبة، قال: أنبأني الحكم، قال: سمعت مصعب بن سعد بن أبي وقاص يقول: "كنت أمسك المصحف على أبي، فمسِستُ فرجي، فأمرني أن أتوضأ". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا عبد الرحمن بن زياد، قال: نا شعبة، عن قتادة قال: "كان ابن عمر وابن عباس يقولان في الرجل يَمَسُّ ذكره، قالا: يتوضأ". قال شعبة، فقلت لقتادة: عمَّن هذا؟ فقال: عن عطاء بن أبي رباح. حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أنه رآه صلى صلاة لم يكن يصليها، قال: فقلت له: ما هذه الصلاة؟ قال: إني مسست فرجي، فنسيت أن أتوضأ". حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ... مثله. حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا أبو عوانة، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، قال: "صلينا مع ابن عمر -أو صلى بنا ابن عمر- ثم سار، ثم أناخ بجمله، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إنا قد صلينا! فقال: إن أبا عبد الرحمن قد

عرف ذلك؛ ولكني مَسِسْتُ ذكري، قال: فتوضأ وأعاد الصلاة". ش: لما ذكر الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من انتقاض الوضوء بمس الفرج، وأجاب عنها؛ شرع يذكر الأخبار التي وردت من بعض الصحابة موافقة لما ذهبوا إليه ليجيب نهما، فذكر عن ثلاثة من الصحابة، وهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمر، - رضي الله عنهم -. أما خبر سعد فأخرجه عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عُتَيْبَة، عن مصعب بن سعد. وهؤلاء كلهم ثقات أئمة أجلاء. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا وكيع، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد، قال: "كنت أمسك على أبي (في) (¬2) المصحف، فأدخلت يدي هكذا -يعني مَسَّ ذكره- فقال له: توضأ". قوله: "فَمَسِسْتُ" من مَسِسْت الشيء -بالكسر- أَمَسُّه مَسًّا، فهذه اللغة الفصيحة. وحكى أبو عُبيدة: مَسَسْتُ الشيء -بالفتح- أَمُسُّه مَسًّا- فهذه بالضم. وربما قالوا: مِسْتُ الشيء يحذفون منه السين الأولى ويحولون كسرتها إلى الميم، ومنهم من لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة (¬3). قوله: "أن أتوضأ": أي: بأن أتوضأ، "وأَنْ" مصدرية، والتقدير: أمرني بالوضوء. وأما خبر ابن عباس: وفيه ابن عمر أيضًا: فأخرجه عن سليمان بن شعيب، عن ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 151 رقم 1731). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وليست في "مصنف ابن أبي شيبة". (¬3) انظر "لسان العرب" (مادة: مسس).

عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا شبابة، نا شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن ابن عباس وابن عمر، قالا: "من مَسَّ ذكره توضأ". وأما خبر ابن عمر - رضي الله عنهما -: فأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيَينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر ... إلى آخره، وهذا على شرط مسلم. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن ابن جريج، قال: أخبرنا ابن شهاب، عن سالم: "أن ابن عمر - رضي الله عنهما - صلى بهم بطريق مكة العصر، ثم ركبنا فسرنا ما قُدِّر أن نسير، ثم أناخ ابن عمر فتوضأ، وصلى العصر وحده. قال سالم: فقلت له: إنك قد صليت لنا صلاة العصر، أفنسيت؟ قال: لم أنس ولكني مَسِسْت ذكري قبل أن أصلي، فلما ذكرت ذلك توضأت فعدت لصلاتي". الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (¬3): نا ابن عُليَّة، عن ابن عون، عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا مسَّ فرجه؛ أعاد الوضوء". الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن أبي عوانة الوضاح اليِشكري، عن إبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي الكوفي، عن مجاهد بن جبر المكي، عن عبد الله بن عمر. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 151 رقم 1736). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 115 رقم 418). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 151 رقم 1733).

وهذا أيضًا إسناد صحيح. ص: قيل لهم: أما ما رويتموه عن سعد بن مالك، فإنه قد روى عن مصعب بن سعد، عن أبيه، خلاف ما رواه عنه الحكم. حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال ثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمَّد، عن مصعب بن سعد، قال: "كنت آخذا على أبي المصحف، فاحتككت فأصبت فرجي، فقال: أصبت فرجك؟ قلت: نعم. فقال: اغمس يدك في التراب. ولم يأمرني أن أتوضأ". وروي عن مصعب أيضًا، أن أباه أمره بغسل يده. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الزبير بن عديّ، عن مصعب بن سعد، مثله. غير أنه قال: "قم فاغسل يدك". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فقد يجوز أن يكون الوضوء الذي أراده الحكم في حديثه عن مصعب: هو غسل اليد، على ما ما بينه عنه الزبير بن عدي؛ حتى لا تتضاد الروايتان. وقد روي عن سعد من قوله: "إنه لا وضوء في ذلك". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: "سئل سعد عن مسِّ الذكر، فقال: إن كان نجسا فاقطعه، لا بأس به". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أنا هُشَيم، قال: نا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: "قال رجل لسعد: إنه مسَّ ذكره وهو في الصلاة، فقال: اقطعه، إنما هو بضعة منك". فهذا سعد لما كُشِفَت الروايات عنه، ثبت عنه أنه لا وضوء في مس الذكر.

ش: هذا جواب عما روي عن سعد بن مالك -هو سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة- في وجوب الوضوء من مس الفرج، على ما روى عنه ابنه مصعب بن سعد، وعن غيره: أنَّ سعدا - رضي الله عنه - روي عنه الأمر بالوضوء من ذلك، وروي عنه ترك الوضوء منه، وروي عنه الأمر بغمس اليد في التراب، وروي عنه الأمر بغسل اليد فقط. فمتى تكشف هذه الروايات يثبت عنه أنه لا وضوء في مس الذكر؛ فحينئذ يجوز أن يكون المراد في الوضوء الذي في رواية الحكَم: هو غسل اليد، كما صرح به في رواية الزبير بن عدي؛ فبهذا ينتفي التضاد الذي بين الروايتين، ثم الأخبار التي رويت عنه في ذلك أربعة: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن القرشي الزهري، عن إسماعيل بن محمَّد بن سعد ابن أبي وقاص المدني، عن مصعب بن سعد ... إلي آخره. وهؤلاء كلهم رجال الصحيحين ما خلا ابن مرزوق؛ فإنه أيضًا ثقة، وثقه الدارقطني وغيره. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء بن عمر الغداني البصري، عن زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي، عن إسماعيل بن أبي خالد هرمز أبي عبد الله الكوفي، عن الزبير بن عدي الهمداني الكوفي قاضي الريّ، عن مصعب ابن سعد ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء، عن زائدة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، واسم أبي حازم: حصين بن عوف البجلي الأحمسي الكوفي، قيل: له صحبة ولم يصح، وأبوه أبو حازم له صحبة، روى له الجماعة.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (¬1): نا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس، قال: سأل رجل سعدا عن مس الذكر فقال: "إن علمت أن منك بضعة نجسة فاقطعها". الرابع: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث المصري، عن سعيد بن منصور -شيخ مسلم وأبي داود- عن هشيم بن بشير الواسطي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفة" (¬2): عن ابن عُيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: "سأل رجل سعد بن أبي وقاص عن مس الذكر، أَيُتوضأ منه؟ قال: إن كان منك شيء نجس فاقطعه". ص: وأما ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في إيجاب الوضوء فيه؛ فإنه قد روي عنه خلاف ذلك. حدثنا أبو بكرة، قال: نا يعقوب بن إسحاق، قال: نا عكرمة بن عمار، قال: ثنا عطاء، عن ابن عباس قال: "ما أبالي إياه مسست أو أنفي". حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عامر، قال: نا ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، مثله. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه كان لا يرى في مسِّ الذكر وضوءا". فهذا ابن عباس قد روي عنه غير ما رواه قتادة عن عطاء عنه، فلم نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله - عليه السلام - أفتى بالوضوء منه، غير ابن عمر - رضي الله عنهما -. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 151 رقم 1739). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 119 رقم 434).

ش: هذا جواب عَمَّا رُوي عن ابن عباس من وجوب الوضوء من مَسِّ الذكر. بيانه: أن ابن عباس روى عنه عطاء بن أبي رباح وجوب الوضوء من مس الذكر، وروى عنه أيضًا عدم الوجوب، وكذا روى شعبة مولى ابن عباس عنه، وكذا روى سعيد بن جبير عنه، فهذه الرواية ترجح لموافقته الأصل والقياس؛ لأن الوضوء مما يخرج، ولأن بين روايتي عطاء تضاد؛ فتحمل روايته الأولى على غسل اليد لينتفي التضاد، والحامل عل هذا رواية شعبة مولاه، ورواية سعيد بن جبير ثم الأخبار التي رويت عنه ثلاثة: الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن يعقوب بن إسحاق بن زيد البصري المقرئ، عن عكرمة بن عمار العجلي، عن عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس. وهذا صحيح على شرط مسلم. وأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه" (¬1): أنا طلحة بن عمرو المكي، أنا عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس، قال في مس الذكر وأنت في الصلاة، قال: "ما أبالي مَسِسْتُه أو مَسِسْتُ أنفي". وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن ابن جريج قال: أخبرني محمَّد بن يوسف، عن كثير من أهل المدينة، أن ابن عباس قال لابن عمر: "لو أعلم أن ما تقول في الذكر حقا لقطعته، ثم إذا لو أعلمه نجسا لقطعته، وما أبالي إياه مَسِسْتُ أو مَسِسْتُ أنفي". قوله: "ما أبالي إياه" الضمير فيه يرجع إلى الذكر؛ لأن الكلام خرج (سؤالا) (¬3) عن سؤال وجوب الوضوء من مس الذكر. الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن ¬

_ (¬1) "موطأ محمَّد بن الحسن" (1/ 36 رقم 14). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 119 رقم 435). (¬3) كذا في "الأصل، ك"، ولعله سبق قلم من المؤلف، والصواب: جوابًا.

محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن شعبة بن دينار القرشي مولى ابن عباس، عن ابن عباس. وفي شعبة مقال. الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن سليمان الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن سعيد بن جبير، وهذا إسناد صحيح. قوله: "فلم نعلم أحدا من أصحاب رسول الله - عليه السلام - ... " إلى آخره. فإن قيل: كيف قال ذلك وقد روى هو نفسه عن سعد بن أبي وقاص وابن عباس وجوب الوضوء من مس الذكر؟! قلت: قد بَيَّن لك أنه روي عن كل منهما خلاف ذلك، وأن سعدا إنما أمر بغسل اليد فقط دون الوضوء الشرعي، وأن ابن عباس مذهبه أن الوضوء. مما يخرج رواه ابن أبي شيبة (¬1) عنه، ورواه الدارقطني (¬2) بإسناده عنه مرفوعًا. ص: وقد خالفه في ذلك أكثر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. حدثنا محمَّد بن العباس، قال: نا عبد الله بن محمَّد بن المغيرة، قال: أنا مِسْعر، عن قابوس، عن أبي ظبيان، عن علي - رضي الله عنه - قال: "ما أبالي أنفي مَسِسْتُ أو أُذني أو ذكري". حدثنا أبو بكرة، قال: نا يحيى بن حماد، قال: نا أبو عوانة، عن سليمان، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، قال: قال عبد الله بن مسعود: "ما أبالي ذكري مَسِسْتُ في الصلاة أم أُذني أم أنفي". حدثنا بكر بن إدريس، قال: نا آدم بن أبي إياس، قال: نا شعبة، قال: نا أبو قيس، قال: سمعت هُزَيْلا يحدث عن عبد الله ... نحوه. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 52 رقم 535). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 151 رقم 1) من طريق شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس، مرفوعًا.

حدثنا صالح، قال: نا سعيد، قال: أنا هشيم، قال: أنا الأعمش، عن المنهال ابن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله ... مثله. حدثنا صالح، قال: نا سعيد، قال: نا هشيم، قال [أنا] (¬1) سليمان الشيباني، عن أبي قيس ... فذكر بإسناده مثله. أخبرنا أبو بكرة، قال: نا أبو أحمد الزبيري، قال: نا مسعر، عن عمير بن سعيد. ح وحدثنا فهد، قال: نا أبو نعيم، قال: نا مسعر، عن عمير بن سعيد قال: "كنت في مجلس فيه عمار بن ياسر، فذكر مس الذكر، فقال: إنما هو بضعة منك مثل أنفي أو أنفك، وأَنَّى لكفك موضعا غيره". أخبرنا أبو بكرة، قال نا أبو عامر، قال: نا سفيان، عن إياد بن لقيط، عن البراء بن قيس (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال حدثنا أبو داود، قال: نا شعبة، عن منصور، قال: سمعت سدوسا يحدث عن البراء بن قيس (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه، عن البراء بن قيس، قال: سمعت حذيفة - رضي الله عنه - يقول: "ما أبالي إياه مسست أو أنفي". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن قتادة (ح). وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا الخَصِيبُ، قال نا همام، عن قتادة، عن المخارق بن أحمر، عن حذيفة نحوه. حدثنا ابن مرزوق، قال: نا عمرو بن أبي رُزين، قال: نا هشام بن حسان، عن الحسن، عن خمسة من أصحاب النبي - عليه السلام - منهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن ¬

_ (¬1) سقطت صيغة التحديث من "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، ورجل أخر: "أنهم كانوا لا يرون في مس الذكر وضوءا". حدثنا ابن خزيمة قال: نا حجاج، قال: نا حماد (ح). وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا عبد الرحمن، قال: نا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، نحوه. حدثنا صالح، قال: نا سعيد، قال: نا هشيم، قال: أنا حميد الطويل، عن الحسن، عن عمران، مثله. قال أبو جعفر: فإن كان يجب في مثل هذا تقليد ابن عمر؛ فتقليد من ذكرنا أولى من تقليد ابن عمر - رضي الله عنهما -. ش: أي قد خالف عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - في إيجاب الوضوء من مس الذكر أكثر الصحابة - رضي الله عنهم - ولما قال: لم يُفْتِ أحد من الصحابة بالوضوء من مس الذكر غير ابن عمر، ولم يرو عن ابن عمر ما يخالف ما روي عنه. أجاب عنه بأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك، فإن كان تقليد ابن عمر في مثل هذا واجبا، فتقليد الجماعة منهم أولى؛ لأنه أقرب إلى الحق وأشبه بالقياس، ثم أخرج ذلك عن خمسة من الصحابة وهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، - رضي الله عنهم -. أما ما روي عن علي - رضي الله عنه - فأخرجه عن محمَّد بن العباس اللؤلؤي، عن عبد الله ابن محمَّد بن المغيرة الكوفي نزيل مصر -فيه مقال- عن مسعر بن كدام، عن قابوس بن أبي ظبيان الجَنبي -مختلف فيه- عن أبيه أبي ظبيان، واسمه حصُين بن جندب، روول له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا جرير، عن قابوس، عن أبيه قال: "سئل علي - رضي الله عنه - عن الرجل يمس ذكره؟ قال: لا بأس". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 151 رقم 1741).

وأما ما روي عن ابن مسعود فأخرجه من أربع طرق: الأول: عن أبي بكرة بكّار، عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني ختن أبي عوانة، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن المنهال بن عمرو الأسدي الكوفي، عن قيس بن السكن الأسدي الكوفي. وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا ابن فضيل، عن الأعمش، عن المنهال، عن قيس بن السكن، قال: قال عبد الله: "ما أبالي مَسِسْت ذكري أو أذني أو إبهامي أو أنفي". الثاني: عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس عبد الرحمن التيمي شيخ البخاري، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي قيس عبد الرحمن ابن ثروان الأودي الكوفي، عن هُزيل بن شرحبيل الأودي الكوفي الأعمى، وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (¬2): نا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل: "أن أخاه أرقم بن شرحبيب سأل ابن مسعود فقال: إني أحتك فأفضي بيدي إلى فرجي. فقال ابن مسعود: إن علمت أن منك بضعة نجسة فاقطعها". الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن سليمان الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن ابن مسعود. الرابع: عن صالح بن عبد الرحمن أيضًا، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن سليمان بن أبي سليمان فيروز الشيباني، عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان، عن هذيل، عن عبد الله، وهذا أيضًا إسناد صحيح. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 152 رقم 1743). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 151 رقم 1738).

وأما ما روي عن عمار بن ياسر، فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن عمير بن سعيد النخعي الكوفي. والثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نُعيم الفضل بن دكين، عن مسعر ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا ابن فضيل ووكيع، عن مسعر، عن عمير بن سعد، قال: "كنت جالسا في مجلس فيه عمار بن ياسر، فسئل عن مس الذكر في الصلاة، فقال: ما هو إلاَّ بَضْعة منك وأَنَّى لكفك موضعا غيره". قوله: "بَضْعة" بفتح الباء، أي: قطعة منك، أراد أنه جزء منك مثل أنفك وأذنك. قوله: "وأنَّى" أي: ومن أين لكفك موضعا غيره؛ وذلك لأن الرجل إذا أدخل يده إلى داخل ثوبه لم يكن لكفه غير الاشتغال بذكره. وأما ما روي عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -. فأخرجه من خمس طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي، عن سفيان الثوري، عن إياد بن لقيط السدوسي، عن البراء بن قيس أبي كبشة السكوني، عن حذيفة بن اليمان. الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن منصور بن المعتمر، عن سدوس الثوري الكوفي، عن البراء بن قيس، عن حذيفة. وسَدُوس -بفتح السين المهملة وضم الدال وفي آخره سين أيضًا- وثقه ابن حبان. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 152 رقم 1743).

الثالث: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود، عن عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه، عن البراء بن قيس، عن حذيفة. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا ابن فضيل، عن حصين، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن حذيفة بن اليمان أنه قال: "ما أبالي مَسِسْت ذكري أو أذني". وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬2): نا أبو محمَّد بن صاعد، ثنا أبو حصين عبد الله ابن أحمد بن يونس، ثنا عَبْثَر، عن حصين، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن قال: قال حذيفة: "ما أبالي مَسِسْت ذكري في الصلاة أو مَسِسْتُ أُذني". الرابع: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن المخارق بن أحمر، عن حذيفة. الخامس: عن سليمان بن شعيب، عن الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح، عن همام بن يحيى بن دينار، عن قتادة، عن المخارق، عن حذيفة. والمُخَارق -بضم الميم- وثقه ابن حبان. وروى الطحاوي أيضًا بإسناد آخر عن الصحابة المذكورين وفيهم عمران بن حصين أيضًا ورجل آخر من الصحابة عن إبراهيم بن مرزوق، عن عمرو بن أبي رَزين -هو عمرو بن محمَّد بن أبي رزين الخزاعي البصري- عن هشام بن حسان الأزدي البصري، عن الحسن البصري. وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق؛ إلاَّ أن الحسن مدلس ولم يصرح بالسماع. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3): نا محمَّد بن النضر الأزدي، نا معاوية بن ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 151 رقم 1740). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 150 رقم 21). (¬3) "المعجم الكبير" (9/ 247 رقم 9218).

عمرو، نا زائدة، عن هشام، عن الحسن: أن خمسة من أصحاب النبي - عليه السلام -: علي ابن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة، وعمران بن حصين، ورجل آخر، قال بعضهم: "ما أبالي ذكري مَسِسْت أو أَرْنَبَتي. وقال الآخر: أذني [وقال الآخر فخذي] (¬1) وقال الآخر: ركبتي". وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن سليمان بن مهران الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن: "أن عليًّا وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبا هريرة، لا يرون من مس الذكر وضوءا، وقالوا: لا بأس به". قلت: يحتمل أن يكون الرجل الآخر في رواية الطحاوي والطبراني هو أبا هريرة، فحينئذ يكون مَنْ خالف عبد الله بن عمر من الصحابة في وجوب الوضوء من مس الذكر ثمانية من أعيان الصحابة وهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، وأبو هريرة - رضي الله عنهم -. وأما ما روي عن عمران بن الحصين، فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن عنه. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): أنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن الحصين قال: "ما أبالي إياه مَسِسْت أو فخذي". الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن عمران بن الحصين - رضي الله عنه -. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "معجم الطبراني الكبير". (¬2) "مصنف عبد الرازق" (1/ 120 رقم 436). (¬3) "مصنف عبد الرازق" (1/ 119 رقم 433).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا محمَّد بن أبي عدي، عن حميد، عن الحسن، أن عمران بن الحصين قال: "ما أبالي إياه مَسِسْت أو بطن فخذي" يعني: ذكره. الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن حميد الطويل، عن الحسن، عن عمران - رضي الله عنه -. وفي الباب عن أبي أمامة الباهلي، وأبي الدرداء - رضي الله عنهما -. أما حديث أبي أمامة: فأخرجه ابن ماجه (¬2) مرفوعا: نا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، نا مروان بن معاوية، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: "سئل رسول الله - عليه السلام - عن مس الذكر فقال: إنما هو حُذْوة منك". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): نا وكيع، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة ... إلى آخره نحوه. وأما حديث أبي الدرداء: فأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه" (¬4) موقوفا: أخبرنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني حَرِيزُ بن عثمان عن حبيب بن عُبيد، عن أبي الدرداء: "أنه سئل عن مس الذكر، فقال: إنما هو بَضْعَةٌ منك". قلت: "الحذْوة" بضم الحاء المهملة -وقيل: بكسرها- وسكون الذال المعجمة، قطعة من اللحم، وكذلك الحُذْية. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 152 رقم 1744). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 163 رقم 484)، وقال البوصيري في "الزوائد": فيه جعفر بن الزبير، اتفقوا على تركه واتهموه. (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 152 رقم 1751). (¬4) "موطأ مالك": رواية محمَّد بن الحسن (1/ 38 رقم 28).

ص: وقد روي ذلك أيضًا عن سعيد بن المسيَّب، والحسن. حدثنا عبد الله بن محمد بن خُشَيْش، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، قال: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيَّب: "أنه كان لا يرى في مس الذكر وضوءا". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: نا هشام، عن قتادة، عن الحسن، مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: نا عبد الله بن حُمران، قال: نا أشعث، عن الحسن: "أنه كان يكره مسَّ الفرج، فإن فعله لم ير عليه وضوءا". حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: نا هشيم، قال: أنا يونس، عن الحسن: "أنه كان لا يرى في مس الذكر وضوءا". فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. ش: أي: قد روي عدم انتقاض الوضوء من مس الذكر عن بعض التابعين أيضًا، منهم سعيد بن المسيَّب. أخرج عنه من طريقين صحيحين: الأول: عن عبد الله بن محمَّد بن خُشَيْش -بالمعجمات أولها مضموم- عن مسلم بن إبراهيم الأزدي أحد مشايخ البخاري، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن إبراهيم بن محمَّد، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، قال: "مَنْ مس ذكره فليس عليه وضوء". الثاني: عن أبي بكرة، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام ... إلى آخره. ومنهم الحسن البصري أخرج عنه من طريقين صحيحين أيضًا. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 120 رقم 437).

الأول: عن أبي بكرة، عن عبد الله بن حُمران بن عبد الله الأموي مولى عثمان ابن عفان، عن أشعث بن عبد الملك الحُمْراني، عن الحسن البصري ... إلى آخره. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الحسن البصري ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن معمر، عن الحسن ... نحوه. ومنهم طاوس وسعيد بن جبير، أخرج عنهما ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، قال: قال طاوس وسعيد بن جبير: "من مس ذكره وهو لا يريد فليس عليه وضوء". ومنهم إبراهيم، أخرج عنه ابن أبي شيبة (¬3) أيضًا: عن ابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: "لا بأس أن يمس الرجل ذكره في الصلاة". وأخرجه محمد بن الحسن في "موطأه" (¬4): أنا مُحِلّ الضبيِّ، عن إبراهيم النخعي، في مس الذكر في الصلاة، قال:"إنما هو بضعة منك". قوله: "فبهذا نأخذ" أي: فبعدم انتقاض الوضوء من مس الذكر نأخذ، والله أعلم. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 120 رقم 438)، ولفظه: "كان الحسن وقتادة لا يريان منه وضوءًا". (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 152 رقم 1750). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 152 رقم 1748). (¬4) "موطأ مالك": رواية محمَّد بن الحسن (1/ 37 رقم 20).

ص: باب: المسح على الخفين كم وقته للمقيم وللمسافر؟

ص: باب: المسح على الخفين كم وقته للمقيم وللمسافر؟ ش: أي: هذا باب بيان المسح على الخفين، كم وقته ومدته من الأيام؟ للمقيم والمسافر. وجه المناسبة بينه وبين ما قبله من الأبواب: أنه لما فرغ عن بيان الوضوء ونواقضه؛ شرع في بيان المسح على الخفين؛ لأنه خلف عن بعض الوضوء، والمناسبة بين الأصل والخلف ظاهرة، وقدمه على التيمم؛ لأنه خلف عن الكل، فالخلف عن البعض أقرب إلى الأصل من الخلف عن الكل، فبهذا الاعتبار قَدَّمه، وإن كان التيمم أقوى من المسح على الخفين؛ لأنه ثابت بالكتاب، والمسح بالسُّنة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: نا يحيى بن أيوب، قال: حدثني عبد الرحمن بن رَزين، عن محمَّد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة بن نُسَيّ، عن أبي بن عمارة -وصلى مع رسول الله - عليه السلام - أبي بن عمارة القبلتين- أنه قال: "يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: يوما يا رسول الله؟ قال: نعم، ويومين. قال: ويومين يا رسول الله؟! قال: نعم، وثلاث. قال وثلاث يا رسول الله؟! قال: نعم. حتى بلغ سبعا، ثم قال: امسَحْ ما بدا لك". ش: ابن أبي داود وهو إبراهيم البرلسي. وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم المصري شيخ البخاري. ويحيى بن أيوب الغافقي، روى له الجماعة. وعبد الرحمن بن رزين -ويقال: ابن يزيد- الغافقي وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود وابن ماجه هذا الحديث. ومحمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي الفلسطيني نزيل مصر مولى المغيرة بن شعبة، قال أبو حاتم: مجهول. روى له أبو داود والترمذي.

وعُبادة بن نُسَيّ -بالضم في أولها- الكندي أبو عمرو الشامي الأزدي قاضي طبريه، وثقه يحيى والعجلي والنسائي، وروى له الأربعة. وأُبي بن عمارة بكسر العين وقيل: بضمها، والأول أشهر. وهذا حديث ضعيف، وقال ابن حبان: ليس بالمعتمد عليه. وقال ابن الأثير: معلول، في إسناده اضطراب، وفي العلل "المتناهية": لا يصح. وقال أبو عمر: لا يثبت ولا له إسناد قائم. وقال ابن الحصار في "تقريب المدارك": في إسناده اختلاف واضطراب. وقال ابن عُقدة: تفرد به أهل مصر. وقال أحمد بن حنبل: ليس بمعروف الإسناد. وفي موضع آخر: رجاله لا يعرفون. وقال أبو الفتح الأزدي: ليس بالقائم، في متنه نظر، وفي إسناده نظر. وقال أبو داود: وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي. قلت: أشار بذلك إلى أن يحيى بن أيوب رواه عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمَّد بن يزيد، عن عبادة بن نُسَيّ، عن أبي بن عمارة. هذا قول. ويروى عنه عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمَّد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة. فهذا قول ثان. ويروي عنه مرسلًا لا يذكر فيه أبي بن عمارة. فهذا قول ثالث. ورواه الدارقطني بسند أبي داود على ما نذكره. وقال: هذا إسناد لا يثبت، وعبد الرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن مجهولون.

وقال أبو حاتم: محمَّد بن يزيد مجهول. ويحيى بن أيوب مختلف فيه، وهو ممن عيب على مسلم في إخراج حديثه. وقال عبد الغني في "الكمال": لم يرو أبي بن عمارة إلاَّ حديثًا واحدًا وفي إسناده ضعف وجهالة واضطراب. وقال أبو زرعة: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث أبي بن عمارة ليس بمعروف الإسناد. فقلت: فإلى أي شيء ذهب أهل المدينة في المسح أكثر من ثلاثة أيام، ويوم وليلة؟ قال: لهم فيه أثر (¬1). قلت: الأثر الذي أشار إليه أحمد، الأقرب أنه أراد الرواية عن ابن عمر؛ فإنه صحيح عنه، من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان لا يؤقت في المسح على الخفن وقتا" (¬2). ويحتمل أن يريد غير ذلك من الآثار منها! رواية حماد بن زيد، عن كثير بن شِنْظير، عن الحسن، قال: "سافرنا مع أصحاب رسول الله - عليه السلام - فكانوا يَمْسحون خفافهم بغير وقت ولا عدد". رواه ابن الجهم في كتابه (¬3)، وعلله ابن حزم فقال: وكثير بن شِنظير ضعيف جدًّا. فإن قلت: ما تقول في حديث أخرجه الحاكم في "مستدركه" (¬4): عن عبد الغفار ابن داود الحراني، نا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر وثابت، عن أنس، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه، فليصل فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلَّا من جنابة". ¬

_ (¬1) انظر "نصب الراية" (1/ 178). (¬2) أخرجه الدارقطني (1/ 196 رقم 12)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 280 رقم 1247). (¬3) انظر "نصب الراية" (1/ 178). (¬4) "مستدرك الحاكم" (1/ 290 رقم 643).

قال الحكم: إسناده صحيح على شرط مسلم ورواته عن آخرهم ثقات. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬1): عن أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة ... به. قال صاحب "التنقيح": إسناده قوي، وأسد بن موسى صدوق، وثقه النسائي وغيره. قلت: قال ابن الجوزي: هو محمول على مدة الثلاث. وقال ابن حزم: هذا مما انفرد به أسد بن موسى عن حماد، وأسد منكر الحديث لا يحتج به. قوله: "أمسح": أصله أأمسح، بهمزة استفهام. قوله: "ما بدا لك" أي: ما ظهر لك. قوله: "ويومين" بالنصب عطفا على قوله: "يوما". قوله: "وثلاث" بالرفع في بعض النسخ، والصحيح: وثلاثا. بالنصب عطفا على يومين ويوما، وكذا وقع في رواية الدارقطني، وأما وجه الرفع -على تقدير ثبوته- فهو أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: قال: نعم، ومدته ثلاث. أي ثلاثة أيام، وتكون "ثلاث" الثاني عطف على الأول في الرفع والنصب. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا سعيد بن عفير، قال: أنا يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين، أنه أخبره عن محمَّد بن يزيد، عن أيوب ابن قطن، عن عبادة، عن أبي بن عمارة -قال: وكان ممن صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القبلتين- عن رسول الله - عليه السلام -. ش: هذا طريق اخر، وأخرجه أبو داود (¬2): نا يحيى بن معين، ثنا عمرو بن الربيع بن طارق، أنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمَّد بن ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 203 رقم 1). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 40 رقم 158).

يزيد، عن أيوب بن قطن، عن أبي بن عمارة- قال يحيى بن أيوب: وكان قد صلى مع رسول الله - عليه السلام - القبلتين- أنه قال: "يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم. (يوما؟ قال: ويومين. قال: وثلاثة؟ قال: نعم، ما شئت) (¬1) ". وأخرجه ابن ماجه (¬2): نا حرملة بن يحيى وعمرو بن السوَّاد المصريَّان، قالا: نا عبد الله بن وهب، أنا يحيى بن أيوب ... إلى آخره نحوه. وفي آخره قال: "وثلاثا؟ حتى بلغ سبعا، قال له: وما بدا لك". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3): نا الحسن بن غليب المصري، نا سعيد بن عفير ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا ابن عُفَيْر، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمَّد بن يزيد بن أبي زياد، عن أيوب بن قطن، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة، عن رسول الله - عليه السلام - ... نحوه. ش: هذا طريق آخر عن رَوْح بن الفرج القطان المصريّ. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬4): ثنا أبو بكر النيسابوري، نا محمَّد بن إسحاق، نا سعيد بن عفير، قال: نا يحيى بن أيوب ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي. ثم قال: هذا إسناد لا يثبت، وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافا كثيرا، وعبد الرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن مجهولون كلهم. ص: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا توقيت للمسح على الخفين في السفر ولا في الحضر. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وفي المطبوع من "السنن": "قال: يومًا؟ قال: يومًا. قال: ويومين؟ قال: ويومين. قال: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت". (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 185 رقم 557). (¬3) "المعجم الكبير" (1/ 203 رقم 546). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 198 رقم 19).

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري والليث بن سعد وأهل المدينة ومالكا؛ فإنهم قالوا: المسح على الخفين غير مؤقت؛ لحديث أبي بن عمارة. وقال الترمذي: وقد روي عن بعض أهل العلم أنهم لا يوقتوا في المسح على الخفين، وهو قول مالك بن أنس، والتوقيت أصح. وفي "المغني": وقال الليث بن سعد: يمسح ما بدا له. وكذلك قال مالك في المسافر، وله في المقيم روايتان: [إحدهما] (¬1): يمسح من غير توقيت، والثانية: لا يمسح. وفي "الجواهر" للمالكية: المشهور نفي التحديد، وألَّا يلزمه النزع إلي أن يجنب. وروي عن أشهب: أن المسافر يمسح ثلاثة أيام، ولم يذكر للمقيم وقتا. وروى ابن نافع، أن المقيم يمسح من جمعة إلى جمعة. وقال ابن حزم في "المحلى": والرواية عن مالك مختلفة، والأظهر كراهة المسح للمقيم، وقد روي عنه إجازة المسح للمقيم، وأنه لا يرى التوقيت لا للمقيم ولا للمسافر، وأنهما يمسحان أبدا ما لم يجنبا. وقال صاحب "البدائع": وعن أبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وسعد: أنه غير مؤقت. وذكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): أنه مذهب سعد بن أبي وقاص، وأبي سلمة، وعروة بن الزبير، والحسن. ص: وقد شدَّ ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيضًا، فذكروا ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا بشر بن بكر، قال: أنا موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، عن عقبة بن عامر قال: "أُبْرِدْتُ من الشام إلى عمر بن الخطاب، فخرجت من الشام يوم الجمعة ودخلت المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر - رضي الله عنه - وعَلَيَّ خُفان لي ¬

_ (¬1) في "الأصل": إحديهما، والمثبت من "المغني" (1/ 177). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 168 رقم 1933 - 1937).

جُرْمُقَانِيَّانِ، فقال لي: متى عهدك يا عقبة بخلع خفيك؟ فقلت: لبستهما يوم الجمعة وهذه الجمعة. فقال لي: أصبت السُّنة". حدثنا أبو بكرة، قال: نا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: نا المفضَّل بن فضالة -قاضي أهل مصر- عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البلوي، عن عقبة بن عامر بمثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو وابن لهيعة والليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البلوي، أنه سمع علي بن رباح اللخمي، يخبر عن عقبة بن عامر ... فذكر مثله، غير أنه قال: "قد أصبت". ولم يقل: "السُّنة"، قالوا: فقول عمر - رضي الله عنه - هذا لعقبة: "أصبت السُّنة" يدل على أن ذلك عنده عن النبي - عليه السلام - لأن السُّنة لا تكون إلاَّ عنه. ش: أي: وقد قَوَّى وأكَّدَ ما ذهبوا إليه ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وفي بعض النسخ: "وقد شيَّد ذلك" من التَشْييد وهو الإحكام والإتقان، ثم إنه أخرج أثر عمر - رضي الله عنه - من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن بشر بن بكر التِنِّيسي، عن موسى ابن عُلَيّ -بضم العن وفتح اللام- بن رباح اللخْمي- أمير مصر لأبي جعفر المنصور- عن أبيه عُلَيّ بن رباح بن قصير اللخْمي، عن عقبة بن عامر الجُهني الصحابي - رضي الله عنه -. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1): أنا الحافظ أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، نا بشر بن بكر موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني، نا بشر بن بكر، نا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: "خرجت من الشام إلى المدينة [يوم ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 280 رقم 1244) من طريق أبي عبد الله الحافظ -وهو الحاكم- عن أبي العباس به.

الجمعة] (¬1) فدخلت على عمر بن الخطاب، فقال لي: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: فهل نزعتهما؟ [قلت] (¬2) لا. قال: أصبت السُّنَّة". الثاني: رواه عن أبي بكرة بكَّار، عن إبراهيم بن أبي الوزير، وهو إبراهيم بن عمر بن مطرت الهاشمي مولاهم المكي أبي عمرو، عن المفضَّل بن فضالة بن عبيد -قاضي مصر- عن يزيد بن أبي حبيب سُوَيد المصري، عن عبد الله بن الحكم البلوي، عن عقبة بن عامر. وأخرجه البيهقي (¬3): أيضًا نا علي بن أحمد بن عبدان، نا أحمد بن عبيد، نا عبيد بن شريك، نا يحيى بن بُكَير، نا مُفضّل بن فضالة، إلى آخره نحوه. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عمرو بن الحارث المصري وعبد الله بن لهيعة المصري والليث بن سعد المصري، ثلاثتهم عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البلوى ... إلى آخره. وأخرجه الدارقطني في "سُننه" (¬4): نا أبو بكر النيسابوري، نا يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب، أخبرني حيوة، سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول: حدثني عبد الله بن الحكم، عن عُلَي بن رباح، أن عقبة بن عامر حدثه: "أنه قدم على عمر - رضي الله عنه - بفتح دمشق، قال: وعَليّ خفان، فقال لي عمر: كم لك ياعقبة منذ لم تنزع خفيك؟ فتذكرت من الجمعة إلى الجمعة، فقلت: منذ ثمانية أيام. قال: أحسنت، أو أصبت السُّنّة". ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن البيهقي الكبرى". (¬2) في "الأصل، ك": قال. والمثبت من "سنن البيهقي الكبرى". (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 280 رقم 1246). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 199 رقم 20).

قوله: "أُبْرِدْتُ من الشام" على صيغة المجهول من الإبراد وهو إتيان الرسول، والمعنى: أُرسلت من الشام بريدا، والبريد هو الرسول، وهو في الأصل كلمة فارسية يراد بها في [الأصل] (¬1) البغل، وأصلا بُرَيْدَه دُمْ. أي: محذوف الذَّنَب؛ لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، فأعربت وخُفِّفت، ثم سُمِّي الرسول الذي يركبه بريدا، والمسافة التي بين السِّكَّتَيْن بريدا. قوله: "وعَليَّ خُفَانِ" جملة وقعت حالًا. وقوله: "لي" جملة صفة للخفين، ومحلها من الإعراب الرفع. و"جرمقانيان" أيضًا صفة أخرى وهي نسبة إلى الجُرْمُقان -بضم الجيم، وسكون الراء، وضم الميم، بعدها قاف، وبعدها ألف، وآخره نون- اسم موضع، قال الجوهري: الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب إلاَّ أن يكون معربا أو حكايته صوت. قوله: "قالوا" أي القوم المذكورون. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يمسح المقيم على خفيه يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وفي أكثر النسخ "وخالفهم في ذلك مخالفون" والأول أصح، وأراد بهم: الثوري، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، وأبا حنيفة وأصحابه، والشافعي وأحمد وأصحابهما، وداود، وإسحاق ابن راهويه، فإنهم قالوا: يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها. وقال الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي - عليه السلام - والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء. وفي "المغني": وبهذا قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو زيد، وشريح، وعطاء، وأصحاب الرأي. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "النهاية في غريب الحديث" (1/ 115) ..

وقال ابن حزم: وهو قول جملة أصحاب الحديث. ص: وقالوا: أما ما رويتموه عن عمر - رضي الله عنه - في قوله: "أصبت السُّنة"، فليس في ذلك دليل على أنه عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن السُّنة قد تكون منه وقد تكون من خلفائه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين". حدثنا به أبو أميَّة، قال: ثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلميّ، عن العرباض بن سارية، عن النبي - عليه السلام -. وقد قال سعيد بن المسيب لربيعة في أروش أصابع المرأة: "يا ابن أخي إنها السُّنة"، يريد قول زيد بن ثابت. فقد يجوز أن يكون عمر - رضي الله عنه - قد رأى ما قال لعقبة وهو من الخلفاء الراشدين المهديين فسمى رأيه ذلك سنة، مع أنه قد جاءت الآثار المتواترة في ذلك بتوقيت المسح للمسافر والمقيم بخلاف ما جاءه حديث أبي بن عمارة - رضي الله عنه -. ش: أي: قال الآخرون في جواب ما احتج به هؤلاء القوم من قول عمر - رضي الله عنه -: "أصبت السُّنة". بيانه أنه ليس من دليل قطعي على أن ذلك عنده من النبي - عليه السلام - لأن السُّنة عند الإطلاق يحتمل أن تكون سُنَّة النبي - عليه السلام - ويحتمل أن تكون سُنَّة أحد من خلفائه، والدليل على ذلك حديث عرباض بن سارية - رضي الله عنه - فإنه يدل أن السُّنة أعم من أن تكون للنبي - عليه السلام - أو لأحد من خلفائه، وقد تطلق أيضًا على قول أحد من الصحابة، والدليل عليه أن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - قال لربيعة بن أبي عبد الرحمن، المعروف بربيعة الرأي، شيخ مالك، التابعي الكبير، في أروش أصابع المرأة: "إنها السُّنة" يريد قول زيد بن ثابت الأنصاري الصحابي فقد أطلق السُّنة على قول زيد، فإذا كان كذلك يجوز أن يكون عمر - رضي الله عنه - قال ذلك لعقبة بن عامر من رأيه وسماه سنة، فلم تقم به حجة لما ذهبوا إليه.

قوله: "مع أنه قد جاءت الآثار المتواترة" أي: المتكاثرة وهذا جواب آخر، بيانه: أن حديث أبي بن عمار غريب، والأحاديث المشهورة قد جاءت بتوقيت المسح للمقيم والمسافر، فلا يعارضها الحديث الغريب، مع أن فيه عللا كثيرة قد (ذكرناه) (¬1). وقد قيل: إن حديث أبي بن عمارة محمول على أنه يمسح ما شاء إذا نزعهما عند انتهاء مدته ثم لبسهما. وقال شمس الأئمة: وتأويل الحديث أن مراده - عليه السلام - بيان أن المسح مؤبد غير منسوخ، ألَّا ينزع في هذه المدة، والأخبار المشهورة لا تترك بهذا الشاذ. ثم إسناد حديث عرباض بن سارية صحيح ورجاله ثقات. وأبو أميَّة محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي. وأبو عاصم النبيل اسمه الضحاك بن مخلد. وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي الحمصي، روى له الجماعة سوى مسلم. وخالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي الحمصي روى له الجماعة. وعبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي الشامي، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه هذا الحديث. وعرباض بن سارية السُلمي من أهل الصُفَّة، وأحد البكائين الذين نزل فيهم {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ} (¬2) الآية، نزل الشام وسكن حمص. وأخرجه أبو داود (¬3): مطولا بإسناده إلى عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر ابن حجر، قالا: "أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} (2) فسلمنا وقلنا: أتيناك ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، ولعل الصواب: قد ذكرناها .. (¬2) سورة التوبة، آية: [92]. (¬3) "سنن أبي داود" (4/ 200 رقم 4607).

زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال العرباض: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيّا؛ فإنه مَنْ يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور. فإن كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وأخرجه الترمذي (¬1): ولم يذكر الصلاة، وفي آخره تقديم وتأخر. قوله: "مقتبسين" من الاقتباس وهو في الأصل: القَبَس من النار، وأراد به: الأخذ من العلم والأدب. قوله: "ذرفت" أي دمعت. قوله: "ووجلت" أي خافت وفزعت، من الوجل وهو الفزع. قوله: "فماذا تعهد إلينا" من عَهِدَ إليه بكذا يَعهد إذا أوصى إليه. قوله: "فعليكم بسنتي" أي: خذوا بها. و"السُنة" في اللغة: الطريقة والعادة، قال الله تعالى: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} (¬2). وفي الاصطلاح: ما صدر عن النبي - عليه السلام - غير القرآن من قول -ويسمى الحديث- أو فعل أو تقرير، وتطلق على سُنة غيره، كما ورد في قوله: "وسُنة الخلفاء الراشدين" من رَشَدَ يَرْشُدُ رُشْدا ورَشَدا، وهو خلاف الغَيّ، وأرشدته أنا إذا هديته، والمهدي الذي هداه الله إلى الحق، هداه يهديه فهو مهديّ، والله هاديه. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (5/ 44 رقم 2676). (¬2) سورة فاطر، آية: [43].

فإن قلت: مَنْ الخلفاء الراشدون؟ قلت: لا شك أن المراد منهم ها هنا: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن بن على - رضي الله عنهم - أجمعين؛ لقوله: - عليه السلام - "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير مُلْكًا عضوضًا". رواه سفينة مولى النبي - عليه السلام - وفي رواية: "ثم يؤتي الله ملكه من يشاء". رواه أحمد (¬1) وأبو داود (¬2) والترمذي (¬3) والنسائي (¬4). وبيان ذلك أن خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - كانت سنتين وأربعة [أشهر] (¬5) إلاَّ عشر ليال، وخلافة عمر - رضي الله عنه - كانت عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان - رضي الله عنه - كانت ثنتي عشرة سنة إلاَّ اثني عشر يوما، وخلافة علي - رضي الله عنه - كانت خمس سنين إلاَّ شهرين، وتكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن علي - رضي الله عنهما - نحو من ستة أشهر حتى نَزَلَ عنها لمعاوية عام أربعين من الهجرة. وروى يعقوب بن سفيان بإسناده (¬6) إلى عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "خلافة نبوة ثلاثون عاما، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء. فقال معاوية: رضينا بالملك". وفيه رد صريح على الروافض المنكرين خلافة الثلاثة، وعلى النواصب من بني أمية ومَنْ تبعهم من أهل الشام في إنكار خلافة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. فإن قلت ما الجمع بين حديث سفينة وبين حديث جابر بن سمرة الذي رواه مسلم في صحيحه (¬7): "لا يزال هذا الدين قائما ما كان اثنى عشر خليفة، كلهم من ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 221 رقم 21978) بنحوه. (¬2) "سنن أبي داود" (4/ 211 رقم 4646، 4647) بنحوه. (¬3) "جامع الترمذي" (4/ 503 رقم 2226) بنحوه. (¬4) "سنن النسائي الكبرى" (5/ 47 رقم 8155) بنحوه .. (¬5) "الأصل": عشر، وهو سبق قلم من المؤلف:. (¬6) "المعرفة والتاريخ" (3/ 458). (¬7) "صحيح مسلم" (3/ 1453 رقم 1822) بنحوه.

قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، ولتفتحن عصابة من المسلمين كنز القصر [الأبيض] (¬1) قصر كسرى، وأنا فرطكم على الحوض"؟. قلت: حديث جابر فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا من قريش وإن لم يوجدوا على الولاء، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة ثلاثين سنة، ثم قد كان بعد ذلك خلفاء راشدون منهم عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي - رضي الله عنه - وقد نص على خلافته وعدله وكونه من الخلفاء الراشدين غير واحد من الأئمة، حتى قال أحمد بن حنبل: ليس قول أحد من التابعين صحيح إلاَّ قول عمر بن عبد العزيز. ومنهم من ذكر من هؤلاء: المهدي بأمر الله العباسي، والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضًا بالنص على كونه من أهل البيت واسمه محمَّد بن عبد الله، وليس بالمنتظر في سرداب سامُرَّاء؛ فإن ذلك ليس بموجود بالكلية، وإنما سَطَرَهُ الجهلة من الرافضة (¬2). وقال البيهقي: المراد بالخلفاء الاثنى عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق. قلت: فيه نظرة لأنهم حينئذٍ يصيرون خمسة عشر، أو ستة عشر، ويدخل فيهم مثل يزيد بن معاوية، ويخرج منهم مثل عمر بن عبد العزيز الذي [أطبقت] (¬3) الأمة واتفق الأئمة على شكره ومدحه، وعدُّوه من الخلفاء الراشدين. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "إلا نبض"، وهو تحريف، والمثبت من "صحيح مسلم". (¬2) والرافضة الإمامية -الاثنا عشرية- يزعمون أنهم على الحق؛ لأن فيهم الإمام المعصوم، ويزعمون أنه دخل إلى سرداب سامراء بعد موت أبيه الحسن بن علي العسكري سنة ستين ومائتين، وهو الآن غائب لم يعرف له خبر ولا وقع له أحد على عين أو أثر، وأهل العلم بأنساب أهل البيت يقولون: إن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب، وهم يزعمون أنه عند موت أبيه كان عمره سنتين أو ثلاثًا أو خمسًا. (¬3) في "الأصل، ك": أطبق.

بيانه أن [خلافة] (¬1) الخلفاء الأربعة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان، وعلي - رضي الله عنهم - محققة بنص حديث سفينة، ثم بعدهم الحسن بن علي تكملة الثلاثين على ما بَيَّنَّا، ثم معاوية، ثم ابنه يزيد بن معاوية، ثم ابنه معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن الملك، ثم هشام بن عبد الملك. فهؤلاء خمسة عشر، ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فإن اعتبرنا ولاية ابن الزبير قبل عبد الملك صاروا ستة عشر، فإن قال: أنا لا أعتبر في هذا إلاَّ من اجتمعت عليه الأمة؛ لزمه على هذا ألَّا يَعدَّ علي بن أبي طالب ولا ابنه؛ لأن الناس لم يجتمعوا عليهما؛ وذلك لأن أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما، وعد حينئذٍ معاوية وابنه يزيد وابن ابنه معاوية بن يزيد، ولم يعتد بأيام مروان ولا ابن الزبير؛ لأن الأمة لم تجتمع على واحد منهما، فعلى هذا [يكون] (¬2) في مسلكه هذا عادَّا للخلفاء: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية ثم يزيد بن معاوية ثم معاوية بن يزيد ثم عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد ثم هشام، فهؤلاء اثني عشر، ثم بعدهم: الوليد بن يزيد بن عبد الملك ولكن هذا لا يمكن أن يسلك لأنه يلزم منه إخراج علي وابنه الحسن من هؤلاء الاثني عشر وهو خلاف ما نص عليه أئمة السُنَّه بل والشيعة، والأحسن في ذلك ما بَيَّنَّا أن الخلافة قد انقطعت بعد الثلاثين سنة؛ لا مطلقا بل انقطع تتابعها. ولا ننفي وجود خلفاء راشدين بعد ذلك كما دل عليه حديث جابر بن سمرة. قوله: "وعضوا عليها بالنواجذ": وهي الأضراس التي بعد الناب، وهي جمع ناجذ، وهذا مَثَلٌ في شدة الاستمساك بالأمر؛ لأن العض بالنواجذ عض بعظم الأسنان التي قبلها والتي بعدها. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها. (¬2) في "الأصل، ك": يقول، وما أثبتناه أليق بالسياق.

قوله: "وإياكم" أي: احذروا. "محدثات الأمور" وهي التي لم تكن معروفة في كتاب ولا في سُنَّةٍ ولا إجماع. قوله: "بدعة": وهي إحداث أمر لم يكن في زمن النبي - عليه السلام -. ثم الابتداع إذا كان من الله وحده فهو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وهو تكوين الأشياء بعد أن لم تكن، وليس ذلك إلاَّ إلى الله تعالى. فأما من المخلوقين فإن كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم والإنكار، وإن كان واقعا تحت عموم ما نَدب الله إليه وحضَّ عليه أو رسوله فهو في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجودا؛ كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهذا فعل من الأفعال المحمودة لم يكن الفاعل قد سُبِقَ إليه، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد به الشرع؛ لأن رسول الله - عليه السلام - قد جعل له في ذلك ثوابا فقال: "من سنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها" وقال في ضده: "من سنَّ سُنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها" (¬1) وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله. ص: فمما روى عنه في ذلك ما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفِريابيّ، قال: نا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن الحكم بن عُتَيْبة، عن القاسم بن مُخَيْمرة، عن شريح بن هانئ، عن علي - رضي الله عنه - قال: "جعل رسول الله - عليه السلام - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". يعني المسح على الخفين. ش: أي: فمن الذي روي عنه في توقيت المسح، حديث علي - رضي الله عنه - والضمير في "عنه" يرجع إلى "ما" وإسناده صحيح. والفِريابيّ: هو محمَّد بن يوسف شيخ البخاري، وسفيان هو الثوري، والحكم ابن عُتَيْبَة بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم في "صحيحه" (2/ 704 رقم 1017) من حديث جرير بن عبد الله.

وأخرجه النسائي (¬1): نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أنا عبد الرزاق، أنا الثوري، عن عمرو بن قيس ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه مسلم (¬2): أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق ... إلى آخره. ولفظه: "عن شريح بن هانئ أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فَسَلْه؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله - عليه السلام - فسألناه فقال: جعل رسول الله - عليه السلام - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم". قال: وكان سفيان إذا ذكر عَمْرًا اثنى عليه. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: نا يوسف بن عدي، قال: نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ قال: "رأيت عليّا - رضي الله عنه - فسألته عن المسح على الخفين، قال: كنا نؤمر إذا كنا سَفْرا أن نمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وإذا كنا مقيمين فيوما وليلة". ش: هذا طريق اخر وهو أيضًا صحيح، وأبو الأحوص اسمه سلام بن سُلَيْم الكوفي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السَبيعي. قوله: "كنا نؤمر": يدل على أنه أمر لله ورسوله، وهذا قول أكثر أهل العلم، وكذا قول الصحابي: "أمرنا بكذا" ولا فرق بين أن يكون ذلك في زمن النبي - عليه السلام - أو بعده، قاله الخطيب في "الكفاية". قوله: "سَفْرا" بفتح السين وسكون الفاء جمع سافر، كركب جمع راكب. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا أسد، قال: نا محمَّد بن طلحة، عن زُبَيْد، عن الحكم بن عُتَيْبة، عن شريح بن هانئ قال: "أتيت عائشة - رضي الله عنها - فقلت: يا أم المؤمنين ما ترين في المسح على الخفين؟ قالت: إئت عليّا فهو أعلم بذلك مني، كان يسافر مع ¬

_ (¬1) "المجتبى" (84/ 1 رقم 128). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 232 رقم 276).

رسول الله - عليه السلام -. فسألته، فقال: كنا إذا كنا سَفْرا مع رسول الله - عليه السلام - أُمرنا ألَّا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وزُبَيْد -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- بن الحارث اليامي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، قال: "سألت عائشة - رضي الله عنها - عن المسح على الخفين، قالت: سَلْ علي بن أبي طالب؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله - عليه السلام - فسألته، فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". قال يحيى: وكان يرفعه -يعني شعبة- ثم تركه. ص: حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجَدَليّ، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي - عليه السلام -: "أنه جعل المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة. قال: لو أطنب له السائل في مسألته لزاده". ش: إسناده صحيح، وأبو عبد الله [الجَدَليّ] (¬2) اسمه عبد بن عبد، ويقال: عبد الرحمن بن عبد، وثقه ابن معين، وروى له أبو داود والترمذي. وخزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، قتل بصفين، وكان مع علي - رضي الله عنه -. وأخرجه الترمذي (¬3): نا قتيبة، قال: نا أبوعوانة، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجَدَليّ، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي - عليه السلام -: "أنه سُئل عن المسح على الخُفين، فقال: للمسافر ثلاثة ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 120 رقم 966) .. (¬2) في "الأصل، ك": البجلي، وهو سبق قلم من المؤلف:، والصواب ما أثبتناه كما في متن الحديث، و"تهذيب الكمال" (34/ 24)، و"جامع الترمذي". (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 158 رقم 95).

(أيام) (¬1) وللمقيم يوم (وليلة) " (¬2). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد ذُكر عن ابن معين أنه صحح حديث خزيمة بن ثابت في المسح. وقال الشيخ تقي الدين في "الإِمام": وحديث خزيمة فيه ثلاث علل: الأولى: الاختلاف في إسناده، وله ثلاث مخارج، رواية إبراهيم النخعي، ورواية إبراهيم التيمي، ورواية الشعبي، ثم ذكر في بعضها الزيادة -أعني: "لو استزدناه لزادنا"- وبعضها ليست فيه. الثانية: الانقطاع، قال البيهقي: قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث، فقال: لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح؛ لأنه لا يُعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة، وقال شعبة: لم يسمع إبراهيم النخعي حديث المسح على الخفين من أبي عبد الله الجدلي!. الثالثة: ذكر ابن حزم أن أبا عبد الله الجدلي لا يعتمد على روايته. قلت: كله لا يخلو عن نظر. قوله: "لو أطنب له" أي: لو بالغ السائل في سؤاله. قال الجوهري: طنَبَ الفرس أي: طال متنه، وأطنب في الكلام: بالغ فيه. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا يحيى بن حسان، قال: نا سفيان وجرير، عن منصور، فذكر بإسناده مثله إلاَّ أنه قال: "ولو استزدناه لزادنا". ش: هذا طريق آخر، وقد أخرجه الطحاوي عن عشر طرق كما تراها، وسفيان هو الثوري، وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر. وأخرجه أبو داود (¬3): نا حفص بن عمر، قال: نا شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي - عليه السلام -، قال: "المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة". ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وليست في النسخة المطبوعة من "جامع الترمذي". (¬2) سبق تخريجه. (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 40 رقم 157).

وقال أبو داود: رواه منصور بن المعتمر، عن إبراهيم التيمي بإسناده [وقال فيه] (¬1) "ولو استزدناه لزادنا". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا بشر بن عمر، قال: نا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة، عن النبي - عليه السلام -، مثله. إلاَّ أنه لم يقل: "ولو استزدناه لزادنا". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة. وأخرجه الطبراني (¬2): عن أبي خليفة، عن الحسن بن علي الواسطي، عن يزيد ابن هارون، عن الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله، عن خزيمة، عن النبي - عليه السلام - قال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا يحيى بن حسان، قال: نا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر، عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله، عن خزيمة. وأخرجه الطبراني (¬3): عن علي بن عبد العزيز، عن الحجاج، عن حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله، عن خزيمة، عن النبي - عليه السلام - في المسح على الخفين-: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود". (¬2) "المعجم الكبير" (4/ 155 رقم 3790). (¬3) "معجم الكبير" (4/ 95 رقم 3765).

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود الطيالسي، قال: نا شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن أبي بكرة بكَّار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا عفان، نا شعبة، أخبرني الحكم وحماد، سمعا إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي - عليه السلام -: "أنه رخص ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". ص: حدثنا أبو بكرة قال: نا أبو داود، وأبو عامر، قالا: نا هشام، عن حماد، عن إبراهيم ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار، عن أبي داود الطيالسي وأبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي، كلاهما عن هشام الداستوائي، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي ... إلي آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): نا أبو مسلم الكشي، نا مسلم بن إبراهيم، نا هشام الدستوائي، نا حماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي - عليه السلام - قال: "يمسح المسافر على الخُفين ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة". ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا الخصيب، قال: نا همام (ح). وحدثنا ابن أبي داود، قال: نا هُدْبَة، قال: نا همام، عن قتادة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة: "أنه شهد أن النبي - عليه السلام - قال ذلك". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 215 رقم 21924). (¬2) "معجم الكبير" للطبراني (4/ 95 رقم 3764).

ش: هذان طريقان آخران صحيحان أيضًا: أحدهما: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح، عن همام ابن يحيى، عن قتادة، عن أبي معشر زياد بن كليب الكوفي، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله، عن خزيمة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن قتادة، عن أبي معشر، عن النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت الأنصاري، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم". والطريق الآخر: عن إبراهيم بن أبي داود، عن هُدْبَة بن خالد، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله، عن خزيمة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ونا موسى بن هارون، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، قالوا: نا هُدْبَة بن خالد، نا همام، عن قتادة، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة ابن ثابت، أن النبي - عليه السلام - قال في المسح على الخفين: "ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: نا مسلم، قال: نا هشام، عن حماد عن إبراهيم، عن أبي عبد الله، عن خزيمة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة. وأخرجة الطبراني في "الكبير" (¬3): ثنا أبو مسلم الكشي، نا مسلم بن إبراهيم، نا ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 215 رقم 21930). (¬2) "معجم الكبير" (4/ 98 رقم 3781). (¬3) "معجم الكبير" (4/ 95 رقم 3764).

هشام الدستوائي، نا حماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "يمسح المسافر على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة". ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا شعبة، قال: ثنا الحكم وحماد، عن إبراهيم، بإسناده مثله. ش: هذا طريق عاشر، وهو أيضًا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج ابن منهال، عن شعبة، عن الحكم بن عُتَيْبة وحماد بن أبي سليمان، كلاهما عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت الأنصاري. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا أبو زرعة، ثنا آدم بن أبي إياس (ح). ونا عمر بن حفص السدوسي، ثنا هشام بن علي. ونا أبو خليفة ثنا أبو الوليد. ونا محمَّد بن عبدوس بن كامل السراج، ثنا علي بن الجعد. ونا علي بن علي [البَرْبَهاري] (¬2) نا عفان، قالوا: نا شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم التيمي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي - عليه السلام - قال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا عبد الرحمن بن المبارك، قال: ثنا الصَعْق بن حَزَن، قال: ثنا علي بن الحكم، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حُبَيْش الأسدي، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "كنت جالسا عند النبي - عليه السلام - فجاء رجل من مراد يقال له: صفوان بن عسال، فقال: يا رسول الله إني أسافر بين مكة والمدينة، فأفتني عن المسح على الخفين، فقال: ثلاثة أيام للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (4/ 95 رقم 3763). (¬2) في "الأصل، ك": البرفهاري، بفاء بعد الراء الأولى، وهو تحريف، والمثبت من "المعجم الكبير" والبربهَاري بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الباء الثانية أيضًا والراء أيضًا بعد الهاء والألف، وهذه نسبة إلى بربهار، وهي الأدوية التي تجلب من الهند "الأنساب" (1/ 307).

ش: إسناده صحيح، وقال الترمذي: سألت محمدا -يعني البخاري- قلت: أيَّ حديث أصح عندك في التوقيت في المسح على الخفين؟ فقال: حديث صفوان بن علي، وحديث أبي بكرة حسن. وعبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله العيشي الطفاوي أبو بكر البصري الخُلْقاني، وثقه أبو حاتم وابن حبان، وروى عنه البخاري وأبو داود، وروى له النسائي. والصعق بن حزن بن قيس البكري ثم العيشي، روى له مسلم. وعلي بن الحكم البُناني، روى له الجماعة سوى مسلم. والمنهال بن عمرو الأسدي الكوفي، روى له الجماعة سوى مسلم. وزِرّ بن حبيش الأسدي الكوفي، روى له الجماعة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1) بأتم منه: نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الله الحضرمي، نا شيبان بن فروخ، ثنا الصعق بن حزن، ثنا علي بن الحكم البناني، عن المنهال بن عمرو، عن زِرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: حدث صفوان بن عسال المرادي، قال: "أتيت رسول الله - عليه السلام - وهو في المسجد متكئ على بُرد له أحمر، فقلت: يا رسول الله، جئت أطلب العلم، فقال: مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم لتحفه الملائكة وتظله بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب، ما جئت تطلب؟ قال: قال صفوان: يا رسول الله، لا نزال نسافر بين مكة والمدينة، فأفتنا عن المسح على الخفين، فقال له رسول الله - عليه السلام -: ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم". ص: حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن عاصم، عن زر، قال: "أتيت صفوان ابن عسال، فقلت: حَكَّ في نفسي -أو في صدري- المسح على الخفين بعد الغائط والبول، فهل سمعت من رسول الله - عليه السلام - في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، كنَّا إذا كنَّا سَفْرا ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (8/ 54 رقم 7347).

أو مسافرين أمرنا ألَّا نُنزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلاَّ من جنابة ولكن من بول وغائط". ش: هذا طريق آخر من حديث صفوان -أخرجه من خمس طرق- وهو طريق صحيح عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيينة، عن عاصم ابن أبي النَجُود، عن زر بن حبيش ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (¬1): نا هناد، قال: نا أبو الأحوص، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حُبَيْش، عن عاصم، عن صفوان بن عسال، قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلاَّ من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم". وأخرجه النسائي (¬2): أنا أحمد بن سليمان الراوي، قال: نا يحيى بن آدم، قال: نا سفيان الثوري ومالك بن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش وسفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زر قال: "سألت صفوان بن عسال عن المسح على الخفين، فقال: كان رسول الله - عليه السلام - يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم؛ إلاَّ من جنابة". وأخرجه الطبراني (¬3) بأتم منه: ثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: "أتيت صفوان بن عسال، فقال: ما جاء بك؟ قلت: ابتغاء العلم قال: فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب. قال: قلت: (حاك) (¬4) في صدري مسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرءا من أصحاب رسول الله - عليه السلام - فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت في ذلك شيئًا؟ ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 159 رقم 96). (¬2) "المجتبى" (1/ 83 رقم 127). (¬3) "المعجم الكبير" (8/ 56 رقم 7353). (¬4) كذا في "الأصل، ك"، وفي "المعجم الكبير": حك.

قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرا -أو كنا مسافرين- ألَّا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن؛ إلاَّ من جنابة، ولكن من غائط وبول. قلت: (أسمعت) (¬1) يذكر الهوى؟ قال: نعم، بينا نحن معه في مسير، إذ ناداه أعرابيّ بصوت جهوريّ -أو قال: بصوت جوهري- بين عَيْنَيْه شَك، قال: يا محمَّد، فأجابه بنحو: من كلامه، فقال: مَهْ؟ فقال: أرأيت رجلًا أحبَّ قوما ولم يلحق بهم؟ قال: هو يوم القيامة مع مَنْ أحب. قال: فلم يَزَل يُحدثنا حتى قال: (إن بين قبل المغرب بابا عرضه) (¬2) سبعين سَنة، فتحه الله للتوبة يوم خلق السموات والأرض فلا يغلقه حتى تطلع الشمس من نحوه". قوله: "حك في نفسي" قال ابن الأثير: يقال: حك الشيء في نفسي إذا لم يكن منشرح الصَّدْرَ به، وكان في قلبك منه شيء من الشك والرَّيب. وأوهمك أنه ذنب وخطيئة، ومنه الحديث: "الإثم ما حك في صدرك". والحديث الآخر: "إياكم والحكَّاكَات فإنها المآثم". وهو جمع حكاكة، وهي المؤثرة في القلب. وقال الجوهري: ما حاك منه في صدري شيء، أي: ما تخالج، ويقال: ما حاك في صدري كذا، إذا لم ينشرح له صدرك. وأما قوله: في رواية الطبراني: "حاك في صدري" من الحيك. وفي الحديث الآخر: "الإثم ما حال في نفسك" أي: أثر فيا ورسخ، وقال الجوهري: الحيك أخذ القول في القلب، يقال: ما يحيك فيه الملام، إذا لم يؤثر. قوله: "أو في صدري" شك من الراوي. قوله: "سَفْرا" جمع سافر كَرَكْب جمع راكب. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وفي "المعجم الكبير": سمعته. (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "المعجم الكبير": إن من قبل المغرب بابًا مسيرة عرضه.

قوله: "كنَّا إذا كنَّا سَفْرا" فالاسم لـ"كان" في الموضعين "نون المتكلم" وخبر الأول قوله: "أُمرنا" على صيغة المجهول، وخبر الثاني قوله: "سفرا". قوله: "إلاَّ من جنابة" استثناء من قوله: "ألَّا ننزع خفافنا" والمعنى: عدم نزعنا عن الحدث الأصغر من البول والغائط والنوم لا عن الحدث الأكبر كالجنابة؛ ولهذا استدرك بعده بقوله: "ولكن من غائط وبول" أي: ولكنا لا ننزع من غائط وبول. ورواية النسائي كالتفسير لرواية غيره حيث قال: "ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم إلاَّ من جنابة" يعني: لكنا ننزعها من جنابة، وقد وقع في كتب الفقه بحرف النفي حيث يقال فيها: "ألَّا ننزع خفافنا لا من جنابة ولكن من بول وغائط". والظاهر أن هذا تصحيف، فإن صحت هذه الرواية، يكون المعنى أمرنا بالنزع من جنابة ولكن ما أمرنا به من بول وغائط. ويستفاد منه: أن المسح لا يجوز لمن وجب عليه الغسل، ولهذا قال صاحب "المبسوط"، "والهداية" وغيرهما: وإنما يجوز المسح في كل حدث موجب للوضوء دون الاغتسال؛ لحديث صفوان بن عسال المرادي؛ ولأن الجنابة ألزمته غسل جميع البدن، ومع الخف لا يتأتى ذلك. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا سليمان بن حرب، قال: نا حماد بن زيد، عن عاصم، فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): نا علي بن عبد العزيز، نا عارم أبو النعمان، نا حماد بن زيد، ثنا عاصم بن بَهْدلة، عن زر بن حبيش قال: "أتيت صفوان بن عسال المرادي، فقال: ما جاء بك يا صاح؟ فقلت: ابتغاء العلم، فقال: لقد بلغني أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع. فقلت له: حاك- أو حال- في ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (8/ 59 رقم 7360).

نفسي المسح على الخفين، فهل حفظت عن رسول الله - عليه السلام - فيه شيئًا؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله في سفر كذا وكذا ... " الحديث. ص: حدثنا حجاج، قال: نا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بَهْدَلة، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): نا علي بن عبد العزيز، نا حجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: "غدوت على صفوان بن عسال المرادي وأنا أريد أن أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم، فقال: ألا أبشرك؟ فقلت: بلى، فرفع الحديث، فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضَى بما يطلب. ثم سألت عن المسح على الخفين، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يمسح المسافر على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن من بول أو غائط أو نوم، لا من جنابة". الحديث. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا عفان، قال: نا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا أبو رَوْق عطية بن الحارث، قال: ثنا أبو الغَريف عبيد الله بن خليفة، عن صفوان بن عسال، "قال بعثني رسول الله - عليه السلام - في سرية، فقال: للمسافر ثلاث وللمقيم يوم وليلة مسحا على الخفين". ش: هذا هو الطريق الخامس، وهو جيّد لا بأس به، وعفان هو ابن مسلم البصري، روى له الجماعة. وعبد الواحد بن زياد أبو عُبيدة البصري روى له الجماعة. وأبو روق الهَمْداني اسمه عطية بن الحارث، قال أبو حاتم: صدوق، ووثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (8/ 58 رقم 7359).

وأبو الغَريف -بفتح الغين المعجمة وكسر الراء وفي آخره فاء- اسمه عبيد الله بن خليفة، تكلموا فيه، ولكن ابن حبان وثقه. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا يونس وعفان، قالا: ثنا عبد الواحد بن زياد ... إلى آخره نحوه، وفيه: "اغزوا بسم الله، لا تغلّو الأولى تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): نا علي بن عبد العزيز، نا محمَّد بن عبد الله الرقاشي، نا عبد الواحد بن زياد، نا أبو رَوْق ... إلى آخره. ولفظه: "بعثني رسول الله - عليه السلام - في سرّية فقال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، لا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة يمسح على الخفين". قوله: "في سرية" وهي قطعة من الجيش، يقال: خير السَّرايَا أربعمائة رجل، وأصله من سَرَا يَسْرُو، وسَرِيَ -بالكسر- يَسْرى سَرْوا فيهما.، وسَرُو يسرُو سراوة أي صار سريّا. قوله: "لا تَغُلُّوا" من غَلَّ في المغنم غلولا، أي: خان، وأَغَلَّ مثله. "ولا تغدروا" من الغدر وهو الخيانة، قال الجوهري: هو ترك الوفاء، وقد غَدَر به فهو غادرٌ، وغُدَر أيضًا. "ولا تمثلوا" من مثَّل بالقتيل جَدَعه، ومثل به يُمَثِّل مُثَلا أي: شكل به، والاسم: المُثْلة بالضم. و"الوليد": الصبي. قوله: "مسحا على الخفين" منصوب بفعل محذوف، أي: يمسح مسحا، هذا إذا قرئ "مسحا" على المصدر، وأما إذ قُرئت "مَسَحا" على لفظ التثنية في الماضي تكون ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (4/ 240 رقم 1822). (¬2) "المعجم الكبير" (8/ 70 رقم 7397).

حالًا بتقدير "قد" والتقدير: للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم، حال كونهما قد مسحا على خفيهما. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: نا عبد الوهاب الثقفي، عن مهاجر، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - مثله، وزاد: "وإذا لبستهما على طهارة". ش: أبو بكرة بكَّار القاضي. وإبراهيم بن أبي الوزير هو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي المكي، أبو عمرو ابن أبي الوزير، روى له الجماعة إلاَّ مسلما. وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وثقه ابن حبان. ومهاجر: هو ابن مخلد البصري مولى البكرات، قال يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم: لين الحديث ليس بذاك أو ليس بالمتين، شيخ يكتب حديثه. وعبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي أبو بحر، روى له الجماعة. وأبوه أبو بكرة اسمه نُفَيع بن الحارث الثقفي الصحابي. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬1): نا ابن مبشر، نا أبو موسى محمَّد بن المثنى. ونا ابن مبشر، ثنا أبو الأشعث. ونا إبراهيم بن حماد نا العباس بن يزيد، قالوا: نا عبد الوهاب الثقفي، ثنا المهاجر أبو مخلد مولى البكرات، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -: "أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة، إذا تطهر ولبس خُفَّيه أن يمسح عليهما". ويُستفاد منه اشتراط اللبس على طهارة كاملة، وهذا لا خلاف فيه، والخلاف في أنه هل يشترط الكمال عند اللبس أو عند الحدث، فعندنا عند الحدث، وعند ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 194 رقم 1).

الشافعي عند اللبس، وتظهر ثمرته فيما إذا غسل رجليه أولا ولبس خفيه ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث ثم أحدث، صار له المسح عندنا خلافا له، وكذا لو توضأ فرتب لكن غسل إحدى رجليه ولبس الخف ثم غسل الأخرى ولبس الآخر؛ يجوز عندنا خلافا له، وهذا مبني على أن الترتيب شرط عنده، وفي الصورة الثانية وإن وجد الترتيب عنده ولكنه لم يوجد اللبس على طهارة كاملة، ولو لبسهما وهو محدث ثم توضأ وخاض الماء حتى أصابَ الماءُ داخل الخفِّ رجليه، ثم أحدث؛ جاز له المسح عندنا خلافا له، ولو لبسهما وهو محدث ثم أحدث قبل أن يتم الوضوء ثم أتم الوضوء؛ لا يجوز له المسح إجماعا، ولو أراد الطاهر أن يبول فلبس خفيه ثم بال؛ جاز له المسح؛ لأنه على طهارة كاملة وقت الحدث بعد اللبس، وسئل أبو حنيفة عن هذا، فقال: لا يفعله إلاَّ فقيه. ولو لبسهما على طهارة التيمم ثم وجد الماء؛ نزع خفيه، لأنه صار محدثا بالحدث السابق على التيمم، ولو لبسهما على طهارة بنبيذ التمر ثم أحدث فإن لم يجد ماء مطلقا توضأ بنبيذ التمر ومسح على خفيه، لأنه طهور مطلق حال عدم الماء عند أبي حنيفة، وإن وجد ماء نزعهما وتوضأ وغسل قدميه، وكذا لو توضأ بسؤر الحمار ولبسهما ولم يتيمم حتى أحدث؛ صار له أن يتوضأ بسؤر الحمار ويمسح على خفيه ثم يتيمم ويصلي، ولو توضأ ومسح على جبائر قدميه ولبسهما ثم أحدث، أو كانت إحدى رجليه صحيحة فغسلها ومسح على جبائر الأخرى ولبسهما ثم أحدث، فإن لم يكن برئ الجرح مسح عليهما، ولو] (¬1) كان برئ نزعهما؛ لأنه صار محدثا بالحدث السابق. كل ذلك من الزيادات. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا سعيد بن منصور، قال: أنا هشيم، قال: أنا داود بن عمرو الحضرمي، عن بُسْر بن عبيد الله الحضرمي، عن أبي إدريس الخولاني، قال: نا عوف بن مالك الأشجعي، عن النبي - عليه السلام - ... مثله في التوقيت خاصة، وزاد أنه جعل ذلك في غزوة تبوك. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": إلا. وما أثبتناه أليق بالسياق.

ش: إسناده حسن جيد، وداود بن عمرو الأوْدي الشامي، وثقه ابن معين، وروى له أبو داود حديثين. وبُسْر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- بن عبيد الله الحضرمي الشامي، روى له الجماعة. وأبو إدريس الخولاني اسمه عائذ الله بن عبد الله، روى له الجماعة. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬1): نا الحسن بن إسماعيل وعمر بن محمَّد بن المسيب والحسين بن يحيى بن عياش، قالوا: نا إبراهيم بن مجشر، نا هشيم، عن داود بن عُمرو، عن بُسْر بن عبيد الله الحضرمي، عن أبي إدريس الخولاني، قال: نا عوف بن مالك الأشجعي: "أن رسول الله - عليه السلام - أمرنا بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، وللمقيم قوما وليلة". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا هُشيم بن بشر، قال: نا داود بن عَمرو ... إلى آخره نحوه. قوله: "في غزوة تبوك" وكانت في التاسعة من الهجرة في رجب منها، وكان مع رسول الله - عليه السلام - ثلاثون ألفا، وكانت الخيل عشرة آلاف فرس، واستخلف رسول الله - عليه السلام - على المدينة محمَّد بن مسلمة الأنصاري. وذكر الدراوردي أنه استخلف سباع بن عرفطة. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا يحيى بن حسان، قال: نا هشيم، عن داود ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق أخر مثل الأول في الحُسن. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3): نا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 197 رقم 18). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 161 رقم 1853). (¬3) "المعجم الكبير" (18/ 45 رقم 69).

ونا علي بن عبد العزيز، نا سعيد بن منصور، قالا: نا هشيم، أنا داود بن عمرو، عن بُسْر بن عبيد الله الحضرمي، عن أبي إدريس الخولاني، قال: نا عوف بن مالك الأشجعي، قال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بالمسح على الخفين في غزوة تبوك، للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". ورواه البزار في "مسنده" (¬1) أيضًا بإسناد جيد. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا مكي بن إبراهيم، قال: نا داود بن يزيد، عن عامر بن عروة بن المغيرة، أنه سمع أباه يقول: "كنا مع رسول الله - عليه السلام - فذهب لحاجته، فأتيته بماء -وعليه جُبَّة شامية- فتوضأ ومسح على الخفين، فكانت سُنّة للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". ش: مكي بن إبراهيم البلخي أحد مشايخ البخاري. وداود بن يزيد بن عبد الرحمن الأوْدي الزَعافري، ضعفه أحمد ويحيى وغيرهما. وعن يحيى: ليس حديثه بشيء. وقال ابن عدي: إذا روى عنه ثقة فهو ثقة. روى له الترمذي وابن ماجه. وعامر هو ابن شراحيل الشعبي. وعروة بن المغيرة بن شعبة أبو يعفور الكوفي، روى له الجماعة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): نا عبد الله بن محمَّد بن شعيب [الرجاني] (¬3)، نا يحيى بن حكيم المقدَّم، نا مكي بن إبراهيم، نا داود بن يزيد الأودي، عن عامر ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (7/ 179 رقم 2757). (¬2) "المعجم الكبير" (20/ 374 رقم 873). (¬3) في "الأصل، ك": "المرجاني" بزيادة ميم في أوله، وهو تحريف، وفي "المعجم الكبير": "الرحابي" بحاء مهملة وباء موحدة، وهو تحريف أيضًا. وما أثبتناه هو الصواب، فقد ضبطه ابن ماكولا في "الإكمال" (4/ 127): بالجيم وبعد الألف نون، وتابعه ابن السمعاني في "الأنساب" (3/ 44).

الشعبي، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، أنه سمع أباه قال: "كنا مع رسول الله - عليه السلام - فذهب لحاجته ثم أشار إليَّ، فأتيته بماء، وعليه جبَّة شامية ليس لها يدان فألقاها على عاتقه وقال: صُبَّ عليَّ، فصببته عليه، فتوضأ ... " إلى آخره نحوه. وحديث المغيرة بن شعبة في المسح على الخفين رواه الجماعة: فالبخاري (¬1): عن عمرو بن خالد الحراني، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه المغيرة بن شعبة، عن رسول الله - عليه السلام -: "أنه خرج لحاجته، فأتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء، فصب عليه حين فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين". ومسلم (¬2): عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب -قال أبو بكر-: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة، قال: "كنت مع النبي - عليه السلام - في سفر فقال: يا مغيرة، خذ الإداوة، فأخذتها ثم خرجت معه، فانطلق رسول الله - عليه السلام - حتى توارى عني، فقضى حاجته ثم جاء وعليه جبة شامية ضيقة الكفين، فذهب يخرج يده من كميها فضاقت، فأخرج يده من أسفلها، فصببت عليه، فتوضأ وضوءه للصلاة ثم مسح على خفيه، ثم صلى" وله روايات أخرى (¬3). وأبو داود (¬4): عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس ابن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدثني عباد بن زياد، أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره، أن أباه المغيرة بن شعبة يقول: "عدل رسول الله - عليه السلام - وأنا معه في غزوة تبوك قبل الفجر ... " ... الحديث، وفيه: "ثم توضأ على خفيه". والترمذي (¬5): عن محمَّد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سليمان ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 85 رقم 200). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 229 رقم 274). (¬3) سبق تخريجه. (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 37 رقم 149). (¬5) "جامع الترمذي" (1/ 170 رقم 100).

التيمي، عن بكر بن عبد الله المزني، عن الحسن، عن ابن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، قال: "توضأ النبي - عليه السلام - ومسح على الخفين والعمامة". والنسائي (¬1): عن محمَّد بن منصور، عن سفيان، قال: سمعت إسماعيل بن محمَّد بن سعد، قال: سمعت حمزة بن المغيرة بن شعبة يحدث، عن أبيه قال: "كنت مع النبي - عليه السلام - في سفر ... " الحديث. وفيه: "ومسح على خفيه". وابن ماجه (¬2): عن محمَّد بن رمح، عن الليث بن سعد ... إلى آخره، نحو رواية البخاري. ص: حدثنا فهد، قال: نا أحمد بن يونس، قال: نا أبو شهاب، عن الحجاج ابن أرطاة، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - في المسح على الخفين: "للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن". ش: إسناده صحيح، وأحمد بن يونس الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود. وأبو شهاب الحنَّاط -بالنون- واسمه عبد ربه بن نافع الكناني، روى له الجماعة إلَّا الترمذي. والحجاج بن أرطاة الكوفي، روى له مسلم مقرونا بغيره. وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي، روى له الجماعة. وعلي بن ربيعة الوالبي الأسدي، روى له الجماعة. وأخرجه أبو الفضل الجارودي بغير هذا الإسناد من طريق سلام بن أبي خَبْزَةَ (¬3) عن أبان، عن صلة، عن شُتَيْر بن شكل، عن علي بن أبي طالب، عن النبي - عليه السلام - قال: "المسافر يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة". ورواه أيضًا الحافظ تمام بن محمَّد الرازي، في "فوائده" من حديث بُسْرة بن ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 83 رقم 125). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 181 رقم 545). (¬3) كتب في حاشية "الأصل": أبو خَبزة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وبالزاي المعجمة.

صفوان اللخمي، عن أبي عمرو البزار حفص بن سليمان، عن أبي حصين، عن أبي ظبيان، عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "المسح على الخفن للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". وهذا كما رأيت، أخرج الطحاوي في توقيت المسح عن ستة من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، وخزيمة بن ثابت، وصفوان بن عسال، وأبو بكرة الثقفي، وعوف بن مالك الأشجعي، والمغيرة بن شعبة - رضي الله عنهم -. ص: فهذه الآثار قد تواترت عن رسول الله - عليه السلام - بالتوقيت في المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليها وللمقيم يوم وليلة؛ فليس ينبغي لأحد أن يترك مثل هذه الآثار إلى مثل حديث أبي بن عمارة. ش: أراد بها الأحاديث المذكورة، وأراد بالتواتر التكاثر والتتابع، ولم يرد به التواتر الاصطلاحي، وقد بينا علل حديث أبي بن عمارة وأن العمل ليس عليه. ص: وأما ما احتجوا به مما رواه عقبة بن عامر عن عمر - رضي الله عنهما - فإنه قد تواترت الآثار أيضًا عن عمر بخلاف ذلك. حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا يحيى بن حسان، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة قال: "قلنا لنُبَاتة الجعفي -وكان أجرأنا على عمر-: سَلْه عن المسح على الخفين، فسأله فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". حدثنا أبو بكرة، قال: نا مؤمل، قال: نا سفيان الثوري، قال: نا عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة: "أن نُبَاتة سأل عمر - رضي الله عنه - عن ذلك، فقال: امسح عليهما يوما وليلة". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا سعيد، قال: نا هشيم، قال: أنا مالك ابن مغول، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة قال: "أتينا عمر - رضي الله عنه - فسأله نُبَاتَة عن المسح على الخفين، فقال عمر: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم

وليلة". حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن نباتة، عن عمر ... مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عامر، قال: نا هشام، عن حماد ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن خزيمة، قال: نا مسلم، قال: نا هشام، قال: نا حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر ... مثله. حدثنا فهد، قال: نا محمد بن سعيد، قال: أنا حفص، عن عاصم، عن أبي عثمان، أن عمر - رضي الله عنه - قال: "مَنْ أدخل قدميه وهما طاهرتان؛ فليمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته". حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، قال: "كتب إلينا عمر - رضي الله عنه - في المسح على الخفين: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". فهذا عمر - رضي الله عنه - قد جاء عنه في هذا ما يوافق ما روينا عن رسول الله - عليه السلام - في التوقيت للمسافر وللمقيم، وقد يحتمل حديث عقبة أيضًا أن يكون ذلك الكلام كان من عمر؛ لأنه علم أن طريق عقبة الذي جاء منه طريق لا ماء فيه، فكان حكمه أن يتيمم فسأله متى عهدك بخلع خفيك؟ إذ كان حكمك هو التيمم، فأخبره بما أخبره، وهذا الوجه أولى ما حُمِلَ عليه هذا الحديث؛ ليوافق ما روي عن عمر - رضي الله عنه - سواه ولا يضاده. ش: لما أقام الدليل لأهل المقالة الثانية من الأحاديث الصحيحة؛ أشار إلى الجواب عما احتج به أهل المقالة الأولى من رواية عقبة بن عامر عن عمر - رضي الله عنه -. بيانه: أن الأخبار تواترت عن عمر - رضي الله عنه - بتوقيت المسح في حق المسافر: بثلاثة

أيام، وفي حق المقيم بيوم، وخبر عقبة لا يعارضها؛ لأنه بالنسبة إليها غريب، فلا يقاوم الأخبار المشهورة، ولئن سلمنا أنه مثلها ولكنه يُأَول؛ لأجل نفي التضاد ولتتوافق الأخبار عنه، وأشار إلى تأويله بقوله: "وقد يحتمل حديث عقبة ... " إلى آخره، وهو ظاهر، وأوَّله بعضهم بأن قول عمر - رضي الله عنه -: "متى عهدك يا عقبة بخلع خفيك؟ فقلت: لبستهما يوم الجمعة وهذه الجمعة" يكون سؤالا [من] (¬1) عمر - رضي الله عنه -[عن] (¬2) ابتداء الخلع، ويكون جواب عقبة بيانا عن ابتداء اللبس، وإن كان تخلل بين ذلك نزع الخف، ويكون معنى قول عمر - رضي الله عنه -: "أصبت السنة" أي: سُنة الرسول - عليه السلام - في المسح على الخفين، لا في المدة الزائدة على ثلاثة أيام، فافهم. ثم إنه أخرج ما روي عن عمر - رضي الله عنه - في توقيت المسح من ثمان طرق صحاح ورجالها كلهم ثقات: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن يحيى بن حسان، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن عمران بن مسلم المنقري أبي بكر [النَّصْري- بالنون] (¬3) عن سويد بن غفلة أبي أمية الكوفي، عن نُبَاتة -بضم النون- الجعفي الكوفي. قوله: "وكان أجرأنا" أي نُبَاتة وهو أفعل من الجراءة وهو الإقدام على الشيء من غير احتشام. الثاني: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن عمران بن مسلم ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬4): عن الثوري، عن حماد، عن إبراهيم [عن ¬

_ (¬1) في "الأصل": عن. (¬2) في "الأصل": من. (¬3) كذا بـ"الأصل، ك" وكذا في "مغاني الأخيار" وهو وهم، والصواب فيه "البصري" بالباء الموحدة كما في جميع مصادر ترجمته، ولم أجد من نسبه بالنون كما قال المؤلف، وراجع ترجمته في "تهذيب الكمال" وفروعه. (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 205 رقم 794).

الأسود] (¬1) عن نباتة، عن عمر - رضي الله عنه - قال: "للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة". الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن مالك بن مغول النخعي الكوفي، عن عمران بن مسلم ... إلى آخره. الرابع: عن أبي بكرة بكَّار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبرهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن نباتة. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (¬2): أنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني عبد الرحمن ابن الحسن، نا إبراهيم بن الحسن، نا آدم، نا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن نباتة، عن عمر - رضي الله عنه - قال: "المسح للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن". الخامس: عن أبي بكرة، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن نباتة، عن عمر - رضي الله عنه -. وأخرجه محمد بن الحسن في "آثاره" (¬3): أنا أبو حنيفة، قال: نا حماد، عن إبراهيم، عن حنظلة، عن نباتة الجعفي، أن عمر بن الخطاب قال: "المسح على الخفين للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن؛ إذا لبستهما وأنت طاهر". السادس: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي، عن هشام الدستوائي، عن حماد بن سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر - رضي الله عنه -. السابع: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد الأصبهاني، عن حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مَلّ، أن عمر ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مصنف عبد الرزاق". (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 276 رقم 1228). (¬3) "الآثار" لمحمد بن الحسن (1/ 12 رقم 8).

وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (¬1): أنا أبو بكر محمَّد بن إبراهيم الحافظ، أنا أبو نصر أحمد بن عمرو، أنا سفيان بن محمَّد الجوهري، نا علي بن الحسن، نا عبد الله بن الوليد، نا سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "يمسح الرجل على خفيه إلى ساعتها من يومها وليلتها". الثامن: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن يزيد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش، عن زيد بن وهب الجُهني التابعي الكبير. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا هشيم، قال: أنا يزيد بن أبي زياد، قال: نا زيد بن وهب، قال: "كتب إلينا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب الجهني، قال: "كنا بأذربيجان، فكتب إلينا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يمسح على الخفين ثلاثا إذا سافرنا، وليلة إذا أقمنا". ص: وقد روي في ذلك عن غير عمر - رضي الله عنه - من أصحاب النبي - عليه السلام - ما يوافق ما روينا. ش: أي قد روي في توقيت المسح عن غير عمر من الصحابة والتابعين ما يوافق ما روي عن عمر - رضي الله عنه -. ص: حدثنا فهد، قال: نا أبو غسان، قال: نا زهير، قال: ثنا أبو إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ قال: "أتيت عائشة - رضي الله عنها - فسألتها عن المسح على الخفين، فقالت: إيت عليّا؛ فإنه أعلمهم بوضوء رسول الله - عليه السلام -؛ كان يسافر معه. فأنهيته فسألته، فقال: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 276 رقم 1229). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 163 رقم 1879). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 206 رقم 796).

ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأبو غسان: مالك بن إسماعيل بن درهم النهدي الكوفي، أحد مشايخ البخاري. وزهير هو ابن معاوية بن حديج. وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. وأخرجه مسلم (¬1) من حديث القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، عن علي مرفوعا. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا أبو نعيم، قال: نا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، قال: "جعل عبد الله المسح على الخفين ثلاثة أيام للمسافر، وللمقيم يوما وليلة". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأبو نعيم الفضل بن دكين، وسفيان هو الثوري، وإبراهيم هو ابن يزيد التيمي. وأخرجه ابن أي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا ابن مهدي، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله قال: "ثلاث للمسافر، وللمقيم يوم وليلة". وقال الحارث: "ما أخلع خفي حتى آتي فراشي". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن الثوري، عن سلمة بن كهيل ... إلى آخره. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن إبراهيم عن عمرو بن الحارث، قال: "سافرت مع عبد الله فكان لا ينزع خفيه ثلاثا". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 232 رقم 276). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 167 رقم 1926). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 207 رقم 799).

ش: إسناده صحيح، أبو عوانة الوضاح، والمغيرة بن مقسم، وإبراهيم هو التيمي. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث بن المصطلق، قال: "سافرت مع عبد الله بن مسعود ثلاثا إلى المدينة لم ينزع خفيه". وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬2): عن عبد الله بن يوسف، عن أبي سعيد بن الأعرابي، عن سعدان بن نصر، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن الحارث ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، قال: "سألت ابن عباس - رضي الله عنهما - عن المسح على الخفين، قال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". ش: إسناده صحيح. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (¬3): أنا أبو نصر بن عبد العزيز، أنا أبو علي الرَّفاء، أنا علي بن عبد العزيز، نا خلف بن موسى بن خلف العمّي، نا أبي، عن قتادة، عن موسى بن سلمة الهذلي، قال: "سألت ابن عباس ... " إلى آخره نحوه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق أخر وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 207 رقم 800). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 277 رقم 1230). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 277 رقم 1232).

وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (¬1): من حديث شعبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، قال: "سألت ابن عباس عن المسح على الخفين، فقال: ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". ثم قال وهذا إسناد في غاية الصحة. ص: حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: نا هشيم، قال: أخبرني غيلان بن عبد الله، قال: سمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول ذلك. ش: إسناده حسن جيد، وسعيد هو ابن منصور، وهشيم هو ابن بشير. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا هشيم، قال: أنا غيلان بن عبد الله مولى بني مخزوم، قال: "سمعت ابن عمر، سأله رجل من الأنصار عن المسح على الخفين قال: ثلاثة أيام للمسافر، وللمقيم يوم وليلة". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا هُذْبَةُ، قال: نا سلام بن مسكين، عن عبد العزيز، عن أنس، مثله. ش: إسناده صحيح، وهُدْبَة هو ابن خالد البصري أحد مشايخ البخاري. وعبد العزيز هو ابن صُهيب البناني البصري الأعمى. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: أنا حجاج، قال: أنا حماد، عن سعيد بن قطن، عن أبي زيد الأنصاري، عن رجل من أصحاب النبي - عليه السلام -، مثله. ش: حجاج هو [ابن] (¬3) المنهال، وحماد هو ابن سلمة. وسعيد بن قطن القطعي قال أبو حاتم: شيخ. وقال ابن الجوزي: قال الرازي: مجهول (¬4). ¬

_ (¬1) "المحلى" (2/ 88). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 164 رقم 1889). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والصواب إثباتها. (¬4) قال الحافظ في "لسان الميزان" (3/ 41): وما في كتاب ابن أبي حاتم مجهول بل فيه: إنه شيخ.

وأبو زيد الأنصاري (¬1). ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن يونس وقتادة، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس، مثله. ش: هذا طريق آخر في أثر ابن عباس، عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي وقتادة بن دعامة، عن موسى بن سلمة بن المحبق، عن ابن عباس، وهؤلاء كلهم ثقات. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا ابن عُليَّة، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة الهذلي، عن ابن عباس قال: "يمسح المسافر على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذه أقوال أصحاب رسول الله - عليه السلام - فقد اتفقت على ما ذكرنا من التوقيت في المسح على الخفين للمسافر والمقيم، فلا ينبغي لأحد أن يخالف ذلك، وهذا الذي ذكرناه أيضًا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. ش: أشار بهذه الأقوال إلى ما روي عن علي، وابن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، ورجل من أصحاب رسول الله - عليه السلام -. وقد روي عن غيرهم أيضًا من الصحابة والتابعين، فمن ذلك: ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): نا أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن سماك، قال: سمعت جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: "ما أبالي لو لم أنزع خفي ثلاثا". ¬

_ (¬1) ترك له المصنف بياضًا في "الأصل، ك"، وهو عمرو بن أخطب بن رفاعة أبو زيد الأنصاري الأعرج الصحابي الجليل، غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة غزوة، وروى له الجماعة سوى البخاري، روى عنه أنس بن سيرين، وسعيد بن قطن، وأبو قلابة الجرمي وغيرهم، انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" (6/ 220)، و "تهذيب الكمال" (21/ 542)، و"سير أعلام النبلاء" (3/ 473) وغير ذلك. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 166 رقم 1911). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 165 رقم 1899).

وقال (¬1): نا عائذ بن حبيب، عن طلحة بن يحيى، عن أبان بن عثمان، قال: "سألت سعد بن أبي وقاص عن المسح على الخفين، فقال: نعم، ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم". نا (¬2) حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: قال سعيد بن المسيب: "إذا أدخلت رجليك في الخف وهما طاهرتان وأنت مقيم كفاك إلى مثلها من الغد، وللمسافر ثلاث ليال". نا (¬3) يعلى، عن موسى الجهني، عن عمرو الجمال الأسود، قال: سألت عنه سالما فقال: "للمسافر ثلاثة أيام وثلاث ليال، وللمقيم يوم وليلة". عبد الرزاق في "مصنفه" (¬4): عن ابن جريج، قال: أخبرني أبان بن صالح، أن عمير بن شريح أخبره، أن شريحا كان يقول: "للمقيم يوم إلى الليل، وللمسافر إلى ثلاث ليال". ثم اعلم أنه قد وردت في المسح على الخفين عدة أحاديث تبلغ التواتر على رأي كثير من العلماء. قال الميموني عن أحمد: فيها سبعة وثلاثون صحابيا. وفي رواية الحسن بن محمَّد عنه: أربعون. وكذا قاله البزار في "مسنده"، وقال ابن أبي حاتم: أحد وأربعون صحابيا. وفي "الأشراف": عن الحسن: حدثني به سبعون صحابيا. وقال: ابن عبد البر: مسح على الخفين سائر أهل بدر والحديبية وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين وعامة أهل العلم ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 166 رقم 1909). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 166 رقم 1914). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 166 رقم 1915). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 258 رقم 803).

والأثر (¬1). (ولا ينكره إلاَّ مخذول مبتدع خارج عن جماعة المسلمين) (¬2). وقال صاحب "البدائع": المسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء وعامة الصحابة إلَّا شيئًا روي عن ابن عباس أنه لا يجوز، وهو قول "الرافضة" ثم قال: روي عن الحسن البصري أنه قال: "أدركت سبعين بدريّا من الصحابة كلهم يرون المسح على الخفين". ولهذا رآها أبو حنيفة من شرائط السنة والجماعة. فقال فيها: أن نفضل الشيخين، ونحب الختنين، ونرى المسح على الخفين، وألَّا نحرم نبيذ الجر -يعني المثلث (¬3). وروي عنه أنه قال: ما قلت بالمسح حتى جاءني في مثل ضوء النهار فكان الجحود ردّا على كبار الصحابة ونسبته إياهم إلى الخطأ فكان بدعة؛ ولهذا قال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين. والأُمة لم تختلف أن رسول الله - عليه السلام - مسح، وإنما اختلفوا أنه مسح قبل نزول المائدة أو بعدها. وروي (¬4) عن عائشة والبراء بن عازب: "أن النبي - عليه السلام - مسح بعد المائدة"، وروي عن جرير بن عبد الله البجلي: "أنه توضأ ومسح على الخفين، فقيل له في ذلك، فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ومسح على الخفين. فقيل له: أكان ذلك بعد نزول المائدة؟ فقال: هل أسلمت إلاَّ بعد نزولها؟! وما رأيت رسول الله - عليه السلام - مسح إلاَّ بعد ما نزلت"، ذكره ابن خزيمة في "صحيحه" (¬5). ¬

_ (¬1) إلى هنا بتصرف من كتاب "التمهيد" (11/ 137). (¬2) وهذا الكلام ليس تتمة الكلام السابق، وإنما ذكره ابن عبد البر في "التمهيد" (11/ 134). (¬3) والمثلث هو أن يطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. انظر "لسان العرب" "مادة: ثلث". (¬4) أخرجه الدارقطني في "سننه" (1/ 194 رقم 6)، والطبراني في "مسند الشاميين" (2/ 364 رقم 1503، 1504). (¬5) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 94 رقم 187).

وعند "الطبراني" (¬1): "أنه كان مع النبي - عليه السلام - في حجة الوداع فمسح على خفيه"، وفي لفظ: "يوم نزول المائدة فرأيته يمسح" (¬2). وعند "الدارقطني" (¬3): "قدمت على النبي - عليه السلام - بعد نزول المائدة، فرأيته يمسح". وعند أبي علي الطوسي مصححا: "مسح على خفيه -أو قال-: جَوْرَبَيْه"، قال عيسى بن يونس: أنا أشك. وفي حديث أنس (من) (¬4) عند الطبراني في "الأوسط" (¬5) بسند جيد: "وضأت النبي - عليه السلام - قبل موته بشهر فمسح على الخفين والعمامة". وقال لم يروه عن سليمان التيمي عنه إلاَّ علي بن الفضل بن عبد العزيز. وعند "الميموني": "خدمت النبي - عليه السلام - تسع سنين وهو يفعل ذلك". وعند الطبراني (¬6): من حديث البراء وأبي أمامة: "لم يزل رسول الله - عليه السلام - يمسح قبل نزول المائدة وبعده حتى قبضه الله تعالى". وعن عائشة: "ما زال رسول الله - عليه السلام - يمسح منذ أنزلت عليه سورة المائدة حتى لحق بالله" (¬7). وقال البيهقي (¬8): وإنما نقلنا كراهة ذلك عن علي وابن عباس وعائشة. فأما الرواية عن علي: "سبق الكتاب المسح على الخفين". فلم يرو ذلك عنه بإسناد موصول يثبت مثله. ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (7/ 155)، و"الكبير" (2/ 358 رقم 2506). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، ولم أجده، والذي ثبت عنه أنه ما أسلم إلا بعد نزول المائدة .. (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 193 رقم 4). (¬4) كذا في "الأصل". (¬5) "المعجم الأوسط" (5/ 59 رقم 4664). (¬6) "المعجم الأوسط" (5/ 355 رقم 5537). (¬7) أخرجه الدارقطني في "سننه" (1/ 194 رقم 6). (¬8) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 272 رقم 1206) بتصرف واختصار.

وأما عائشة فثبت عنها أنها أحالت بعلم ذلك على عليّ - رضي الله عنه -. وأما ابن عباس فإنما كرهه حين لم يثبت عنده مسح النبي - عليه السلام - بعد نزول المائدة، فلما ثبت له رجع إليه. وقال الجوزقاني في كتاب "الموضوعات": إنكار عائشة غير ثابت عنها. وقال الكاساني (¬1): وأما الرواية عن ابن عباس فلم تصح؛ لأن مداره على عكرمة. وروي أنه لما بلغ ذلك عطاء قال: كذب عكرمة. وروي عن عطاء أنه قال: "كان ابن عباس يخالف الناس في المسح على الخفين، فلم يمت حتى تابعهم". وفي "المغني" (¬2) لابن قدامة: قال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثا عن أصحاب رسول الله - عليه السلام - ما رفعوا إلى رسول الله - عليه السلام - وما أوقفوا. وروي عنه أنه قال: المسح أفضل، يعني من الغسل؛ لأن النبي - عليه السلام - وأصحابه إنما طلبوا الفضل، وهذا مذهب الشعبي، والحكم، وإسحاق. انتهى. وفي "الهداية" (¬3): الأخبار فيه مستفيضة حتى قيل: إن مَنْ لم يره كان مبتدعا، لكن من رآه ثم لم يمسح أخذ بالعزيمة وكان مأجورا. وحكى القرطبي مثل هذا عن مالك أنه قاله عند موته، وعن مالك فيه أقوال: أحدها: أنه لا يجوز المسح أصلا. الثاني: أنه يجوز بُكْرَة. الثالث: وهو الأشهر: يجوز أبدا بغير توقيت. ¬

_ (¬1) "بدائع الصنائع" (1/ 8). (¬2) "المغني" (1/ 174). (¬3) "الهداية" (1/ 28).

الرابع: يجوز بتوقيت. الخامس: يجوز للمسافر دون الحاضر. السادس: عكسه. وقال إسحاق والحكم وحماد: المسح أفضل من غسل الرجلين، وهو قول الشعبي وإحدى الروايتين عن أحمد. وقال ابن المنذر: هما سواء، وهي رواية عن أحمد. وقال أصحاب الشافعي: الغسل أفضل من المسح بشرط ألَّا يترك المسح رغبة عن السنة ولا شك في جوازه. وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا من الفقهاء روي عنه إنكار المسح إلاَّ مالكا، والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك انتهى. قلت: فيه نظر؛ لما في "مصنف ابن أبي شيبة" من أن مجاهدا وسعيد بن جبير وعكرمة كرهوه، وكذا حكاه أبو الحسين عن محمَّد بن علي بن الحسن وأبي إسحاق السَّبِيعي وقيس بن الربيع. وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي بكر بن أبي داود والخوارج والروافض. ثم اعلم أنا نشير إلى جماعة من الصحابة الذين رووا المسح على الخفين بإشارة لطيفة وهم سبعة وستون صحابيا. فحديث على - رضي الله عنه - عند مسلم (¬1). وحديث عمر بن الخطاب عند ابن أبي شيبة (¬2) بسند حسن. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 232 رقم 276). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 163 رقم 1872).

وحديث أنس بن مالك عند "النسائي" (¬1) بسند صحيح. وحديث جابر بن عبد الله عند الطبراني في "الأوسط" (¬2) بسند جيد. وحديث عبادة بن الصامت وأبي أمامة عند عبد الله بن وهب في "مسنده" (¬3) بسند ضعيف. وحديث أسامة بن شريك عند القاضي ابن طاهر الذهلي بسند لا بأس به (¬4). وحديث سَلْمان عند ابن حبان في "صحيحه" (¬5)، وحديث جرير عند الجماعة. وحديث أبي أيوب الأنصاري عند أبي بكر بن زياد النيسابوري في كتاب "الأبواب" بسند صحيح (¬6). وحديث سعيد بن أبي مريم عن رجل له صحبة عند البخاري (¬7): وأعلّه. وحديث أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص وقيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن الحارث بن جزء عند البيهقي (¬8). ¬

_ (¬1) لم أجده عند النسائي، وإنما عزاه الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 167) لابن ماجه (1/ 182 رقم 548)، والطبراني في "الأوسط" (6/ 261 رقم 6356). (¬2) "المعجم الأوسط" (2/ 30 رقم 1135)، وانظر "نصب الراية" (1/ 169). (¬3) وعزاه الهيثمي في "المجمع" (1/ 260) للطبراني في "المعجم الكبير" من حديث أبي أمامة، وقال: وفيه مروان أبو سلمة، قال الذهبي: مجهول. وأما حديث عبادة بن الصامت، فقد عزاه الهيثمي أيضًا في "المجمع" (1/ 258) للطبراني في "الكبير" من رواية إسحاق بن يحيى، عن عبادة. قال: ولم يدركه. (¬4) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (1/ 187 رقم 492)، وقال الهيثمي في "المجمع" (1/ 260): وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى وهو مجمع على ضعفه. (¬5) "صحيح ابن حبان" (4/ 175 رقم 1344). (¬6) أخرجه أحمد في "مسنده" (5/ 421 رقم 23621)، والطبراني في "الكبير" (4/ 170 رقم 439). (¬7) "التاريخ الكبير" للبخاري (3/ 512 رقم 1703). (¬8) انظر "السنن الكبرى" للبيهقي (1/ 271).

وحديث أبي مسعود الأنصاري (¬1) وبُدَيْل بن ورقاء (¬2) عند العسكري في كتاب "الصحابة". وحديث عثمان بن عفان، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وفضالة بن عُبَيد، عند أبي عمر ابن عبد البر بأسانيد حسان (¬3). وحديث الزبير بن العوام عند الطبراني في "الأوسط" (¬4). وحديث خالد بن سعيد بن العاص عند النيسابوري في "الأبواب". وحديث عبد الله بن رواحة وأسامة بن زيد عند ابن قانع (¬5) بسند لا بأس به. وحديث أسامة عن بلال عند ابن خزيمة في "صحيحه" (¬6). وحديث عوف بن مالك عند الترمذي محسنا في كتاب "العلل" (¬7). وحديث أبي برزة الأسلمي عند النيسابوري في "الأبواب" (¬8). وحديث ابن عباس عند النسائي (¬9): من طريق جيد، قال الميموني عن أحمد: ليس بصحيح. ¬

_ (¬1) أما حديث أبي مسعود الأنصاري فأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (1/ 167 رقم 1917). (¬2) وأما حديث بديل بن ورقاء فلم أجده، وإنما أخرجوا حديث بديل آخر غير منسوب، وهو حليف بني لخم، كما في "الإصابة" (1/ 275)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (1/ 151)، و"معجم الصحابة" لابن قانع (1/ 101)، و"تاريخ بغداد" (10/ 448)، وهو غير بديل بن ورقاء. (¬3) "التمهيد" لابن عبد البر (11/ 137، 138). (¬4) لم أجده. (¬5) "معجم الصحابة" لابن قانع (2/ 128 رقم 592). (¬6) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 93 رقم 185). (¬7) وأخرجه أحمد في "مسنده" (6/ 27 رقم 24041)، والطبراني في "الكبير" (18/ 40 رقم 69)، وفي "الأوسط" (2/ 33 رقم 1145)، والدارقطني في "سننه" (1/ 197 رقم 18) وغيرهم. (¬8) أخرجه البزار في "مسنده" (9/ 310 رقم 3855). (¬9) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 165 رقم 1893)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 277 رقم 1232).

وحديث أبي عوسجة مسلم عند البزار وأعله (¬1). وحديث أبي هريرة عند مسلم في كتاب "التمييز" (¬2). وحسنه ابن عبد البر. وحديث شبيب بن غالب الكندي عند أبي نعيم في "معرفة الصحابة" (¬3). وحديث ابن أبي العشراء الدارمي عند ابن عسكر في ترجمة علي بن أحمد (¬4). وحديث خزيمة بن ثابت عند ابن حبان في "صحيحه" (¬5). وحديث أبي بكرة نفيع بن الحارث عند ابن حبان أيضًا (¬6). وحديث صفوان بن عسال عنده أيضًا (¬7). وحديث يعلى بن مرة في "الأبواب" (¬8). وحديث البراء بن عازب عند الطبراني (¬9). وحديث أبي مريم عند أبي نعيم في كتاب "الصحابة" (¬10). ¬

_ (¬1) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (19/ 436 رقم 1057)، وذكره الحافظ ابن حجر في "زوائد البزار" (1/ 173 رقم 189). ونقل عن البزار قوله: إنما يروى عن عوسجة، عن أبيه، عن علي، وأخطأ فيه مهدي. قال الحافظ: قلت: تابعه الوَرِكاني- أي عند الطبراني. وانظر "نصب الراية" (1/ 170). (¬2) "التمييز" (1/ 209) وأعله الإِمام مسلم. (¬3) "معرفة الصحابة" (3/ 1483 رقم 3760). (¬4) "تاريخ دمشق" (41/ 205). (¬5) "صحيح ابن حبان" (4/ 158 رقم 1329، 1330). (¬6) "صحيح ابن حبان" (4/ 157 رقم 1328). (¬7) "صحيح ابن حبان" (4/ 147 - 149 رقم 1319، 1320). (¬8) وأخرجه الطبراني في "الكبير" (22/ 262 رقم 673). (¬9) "المعجم الكبير" (2/ 25 رقم 1174). (¬10) "معرفة الصحابة" (6/ 3013 رقم 6991).

وحديث مالك بن سعد عنده أيضًا (¬1). وحديث يَسَار جد عبد الله بن مسلم عند ابن أبي حاتم وأعله (¬2). وحديث عبد الله بن مسعود عند البزار بسند ضعيف (¬3) وابن أبي شيبة (¬4) موقوفا بسند صحيح. وحديث أبي زيد رجل من الصحابة عند أبي مسلم الكَجِّي في "السير الكبير". وحديث جابر بن سمرة عند البيهقي (¬5) مرفوعًا، وابن أبي شيبة (¬6) موقوفا. وحديث أبي بن عمارة عند الحكم (¬7) وصححه وأعله جماعة. وحديث عقبة بن عامر عند صاحب الأبواب واستغربه (¬8). وحديث سهل بن سعد عند القاضي أبي أحمد بسند جيد (¬9). وحديث بُريدة عند الترمذي (¬10) مُحَسَّنا. وحديث ميمونة زوج النبي - عليه السلام - عند الدارقطني (¬11) بسند صحيح. ¬

_ (¬1) "معرفة الصحابة" (5/ 2477 - 2478 رقم 6033). (¬2) "علل ابن أبي حاتم" (1/ 30 رقم 55). (¬3) "مسند البزار" (5/ 21 - 22 رقم 1578). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 164 رقم 1888). (¬5) وأخرجه الطبراني في "الكبير" (2/ 244 رقم 2023)، وانظر "سنن البيهقي" (1/ 271). (¬6) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 67 رقم 720). (¬7) "مستدرك الحاكم" (1/ 276). (¬8) وأخرجه ابن ماجه (1/ 185 رقم 558)، والدارقطني في "سننه" (1/ 199 رقم 20)، والحاكم (1/ 289)، وصححه على شرط مسلم. (¬9) وأخرجه الروياني في "مسنده" (2/ 194 رقم 1025)، والطبراني في "الكبير" (6/ 152 رقم 5817)، و (6/ 171 رقم 5895). (¬10) "جامع الترمذي" (5/ 124 رقم 2820)، وروى مسلم وغيره عن بريدة "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ يوم الفتح ومسح على خفيه" (1/ 232 رقم 227). (¬11) "سنن الدارقطني" (1/ 199 رقم 22)، وفي إسناده عمر بن إسحاق، قال الدارقطني: ليس بالقوي، انظر "ميزان الاعتدال" (5/ 219).

وحديث ثوبان مولى رسول الله - عليه السلام - عند الحاكم (¬1) وصححه. وحديث أبي ذر وكعب بن عجرة عند ابن حزم (¬2) وصححهما. وحديث أبي طلحة عند الطبراني في الصغير (¬3). وحديث سعد بن أبي وقاص عند ابن الجهم في كتابه (¬4). وحديث المغيرة بن شعبة عند مسلم (¬5). وحديث أبي سعيد الخدري عند البيهقي (¬6). وحديث أوس الثقفي عند ابن أبي شيبة في "مسنده" (¬7). وحديث ربيعة بن كعب عند الطبراني (¬8). وحديث خالد بن عرفطة عند بحشل في كتابه "تاريخ واسط" (¬9). وحديث عبد الرحمن بن بلال عند الطبراني (¬10). وحديث عمرو بن حزم عند الطبراني أيضًا (¬11). وحديث عائشة في "الأبواب" بسند صحيح، وعند الدارقطني بسند جيد. وحديث أم سعد بنت زيد بن ثابت عند النيسابوري. ¬

_ (¬1) "مستدرك الحاكم" (1/ 275 رقم 602). وعند أحمد حديث آخر عن ثوبان أيضًا (5/ 281) والطبراني في "الكبير" (2/ 91 رقم 1409). (¬2) "المحلى" (2/ 59 - 60). (¬3) "المعجم الصغير" (2/ 204 رقم 1031). (¬4) عزاه له الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 178). (¬5) "صحيح مسلم" (1/ 228 رقم 274). (¬6) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 271 بعد رقم 1205). (¬7) ليس في النسخة المطبوعة لدينا، وانظر "نصب الراية" (1/ 171). (¬8) "المعجم الكبير" (5/ 60 رقم 4579)، وقال الهيثمي في "المجمع" (1/ 257): وإسناده حسن. (¬9) انظر "الدراية في تخريج أحاديث الهداية" (1/ 76)، و"نصب الراية" (1/ 172). (¬10) انظر "نصب الراية" (1/ 172). (¬11) عزاه الهيثمي في "المجمع" (1/ 257)، للطبراني في "الكبير"، وقال: وفيه الواقدي وهو ضعيف جدًّا، وانظر "نصب الراية" (1/ 172).

ص: باب: ذكر الجنب والحائض والذي ليس على وضوء وقراءتهم القرآن

ص: باب: ذكر الجُنُب والحائض والذي ليس على وضوء وقراءتهم القرآن ش: أي هذا باب في بيان حكم الجنب، والرجل الذي ليس على الوضوء، والحائض؛ إذا ذكروا الله تعالى أو قرءوا القرآن، كيف يكون حكمهم؟ وجه المناسبة بين البابين من حيث التضاد؛ لأن ما قبل هذا الباب في أحكام المبُيح وهو المسح على الخفين، وهذا الباب في أحكام المانع والمحرم. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: نا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حُصَيْن أبي سَاسَان، عن المهاجر بن قنُفذ: "أنه سَلَّم على رسول الله - عليه السلام - وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ من وضوءه، قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلاَّ أني كرهت أن أذكر الله تعالى إلاَّ على طهارة". ش: ذكر هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد والمتن في باب التسمية على الوضوء، فليراجع هناك. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: أنا حميد وغيره، عن الحسن، عن المهاجر: "أن النبي - عليه السلام - كان يبول -أو قال: مررت به وقد بال- فسلمت عليه فلم يرد عليَّ حتى فرغ من وضوءه ثم رَدَّ عليَّ". ش: هذا طريق آخر صحيح أيضًا، عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج ابن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل وغيره، عن الحسن البصري، عن المهاجر. وأخرجه الطبراني في الكبير (¬1): نا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال. وحدثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (20/ 329 رقم 779).

قالا: نا حماد بن سلمة، أنا حميد وغيره، عن الحسن، عن مهاجر بن قنفذ: "أن النبي - عليه السلام - كان يبول -أو قال: مررت به وقد بال- فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ حتى فرغ من وضوئه، ثم ردَّ عَلَيَّ". ص: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا ينبغي لأحد أن يذكر الله بشيء إلاَّ وهو على حال يجوز له أن يصلي عليها. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري، وأبا العالية، وعكرمة؛ فإنهم ذهبوا إلى أن الرجل لا ينبغي له أن يذكر الله إلاَّ وهو طاهر، واستدلوا على ذلك بهذا الحديث، ويُروى ذلك عن عبد الله بن عمر. وُوري عن ابن عباس: "أنه كره أن يذكر الله على حالين: على الخلاء، والرجل [يواقع] (¬1) أهله". وهو قول عطاء ومجاهد. وقال مجاهد: "يجتنب المَلَكُ الإنسان عند جماعه وعند غائطه" (¬2). وقال ابن حزم في "المحلى" (¬3): نا أحمد بن خالد، نا علي بن عبد العزيز، نا الحجاج بن منهال، نا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يقرأ القرآن، ولا يرد السلام، ولا يذكر الله إلاَّ وهو طاهر". ص: وخالفهم في ذلك أخرون، فقالوا: من سُلِّم عليه وهو على حال حدث؛ تَيَمَّمَ ورد السلام، وإن كان في العصر. وقالوا فيما سوى السلام مثل قول أهل المقالة الأولى. ¬

_ (¬1) تحرفت في "الأصل، ك " وكتبت: (على قع) كذا، والمثبت من "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 108 رقم 1220). (¬2) انظر "الأوسط" لابن المنذر (1/ 241). (¬3) المحلى (1/ 88).

ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم طائفة من أهل الحديث منهم حميد وغيره، فإنهم قالوا: المُحْدِث إذا سُلِّم عليه ينبغي له أن يتيمم ويرد السلام وإن كان في المصر. وفيما سوى السلام ينبغي له ألَّا يذكر الله إلاَّ على حالة يجوز له أن يصلي عليها، كما هو مذهب أهل المقالة الأولى. ص: وكان مما احتجوا به في ذلك ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: نا محمَّد بن ثابت العبدي. وحدثنا حسين بن نصر، وسليمان بن شعيب، قالا: نا يحيى بن حسان، قال: نا محمَّد بن ثابت، قال: نا نافع، قال: "انطلقت مع ابن عمر - رضي الله عنه - إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - في حاجة لابن عمر، فقضى حاجته، فكان من حديثه يومئذ أنه قال: مرَّ رجل على رسول الله - عليه السلام - في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يَرُدَّ عليه السلام، حتى كاد الرجل أن يتوارى في السكة، فضرب بيديه على الحائط فتيمم لوجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فتيمم لذراعيه، قال: ثم رَدَّ عليه السلام، وقال: أما إنه لم يمنعني أن أَرُدَّ عليك السلام إلاَّ أني كنت لست بطاهر". ش: أي كان من الذي احتج به هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه: بحديث ابن عباس الذي يأتي الآن، وأخرجه من طريقين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن ثابت العبدي، عن نافع. والثاني: عن حسين بن نصر بن انمعارك وسليمان بن شعيب، كلاهما عن يحيى بن حسان التنيسي، عن محمَّد بن ثابت، عن نافع. وهؤلاء كلهم ثقات. فإن قيل: ابن حزم ضعف هذا الحديث، وقال: محمَّد بن ثابت العبدي ضعيف لا يحتج بحديثه.

قلت: لا يلتفت إلى ما قاله؛ لأن النسائي وابن حبان وغيرهما وثقوه (¬1)، وروى له أبو داود والنسائي، وإنما ضعفه ابن حزم؛ لأن الحديث حجة عليه؛ لأنه لا يرى إلَّا أن التيمم ضربة واحدة إلى الكوعين. والحديث أخرجه الدارقطني في "سننه" (¬2): وقال: نا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز إملاء، نا أبو الربيع الزهراني، نا محمَّد بن ثابت العبدي، نا نافع، قال: "انطلقت مع ابن عمر ... " إلى آخره نحوه سواء. قوله: "في سكة" بكسر السين، وهي الزقاق، وجمعها سكك، والسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والسكة: الحديدة التي يحرث بها، وسكة الدراهم: هي المنقوشة. قوله: "وقد خرج من غائط" جملة فعلية وقعت حالا والغائط اسم للمكان المطمئن من الأرض الواسع، ثم يكنى به عن الحدث. والجمع: غوط، وأغواط، وغيطان. قوله: "أن يتوارى" أي: أن يغيب. قوله: "أمَا إنَّه" بفتح الهمزة والتخفيف، وهي حرف استفتاح بمنزلة: "ألا" هنا، وتكون بمعنى "حقًّا" وقيل: اسم بمعنرل "حقًّا" والضمير في "إنه" للشأن. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن مَنْ سُلِّم عليه وهو مُحْدِثْ ينبغي له ألَّا يرد السلام إلاَّ بعد التيمم وإن كان في المصر، على ما ذهب إليه هؤلاء الطائفة، والجواب عنه للجمهور أنه كان من ¬

_ (¬1) أما النسائي فقال في "الضعفاء والمتروكين" (1/ 91 رقم 519): ليس بالقوي. ونقل المزي عنه في "تهذيب الكمال" أنه قال في موضع آخر: ليس به بأس، وأما ابن حبان فقال في "المجروحين" (2/ 251): يرفع المراسيل، ويسند الموقوفات توهمًا من سوء حفظه، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به. وراجع من وثقه وضعفه في "تهذيب الكمال" (24/ 556 - 557). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 177 رقم 7).

النبي - عليه السلام - للفضيلة والاستحباب، وذلك لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى كما جاء في حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إن السلام اسم من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم" (¬1). ولم يرَ - عليه السلام - أن يذكر الله في تلك الحالة وهذا هو اللائق بحاله وفعله - عليه السلام -. والثاني: أن فيه تعليما للأمة ألَّا يسلموا على الرجل وهو يبول أو يتغوط كما ورد في حديث آخر عن ابن عمر أنه قال: "مرَّ رجل على النبي - عليه السلام - وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه (¬2) ". الثالث: يفهم منه أنه رد السلام واجب، وأنه لا يسقط بالتأخير، ولا يأثم به الرجل إذا كان عن عذر. الرابع: فيه استحباب استعطاف خاطر الرجل إذا توهم منه أنه قد قصر في حقه؛ تطبيبا لخاطره وإبداء عذره إياه. الخامس: فيه بيان أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين. السادس: فيه بيان أن التيمم يجوز بالحجر والمدر وما كان من أجزاء الأرض. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا محمَّد بن بشار، قال: ناأبو أحمد الزبيري، قال: نا سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلًا سلم على النبي - عليه السلام - وهو يبول فلم يَردُ عليه حتى أتى حائطا فتيمم". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه مسلم (¬3): عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، قال: نا أبي، نا سفيان، عن الضحاك بن عثمان ... إلى آخره نحوه، وليس فيه: "حتى أتى حائطا فتيمم". ¬

_ (¬1) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (3/ 231 رقم 3008) والبيهقي في "الشعب" (6/ 433 رقم 87840) وغيرهم وفي إسناده بشر بن رافع وهو ضعيف! (¬2) أخرجه مسلم في "صحيحه" بنحوه (1/ 281 رقم 370) وسيأتي في الحديث الآتي. (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 281 رقم 370).

وأبو داود (¬1): عن عثمان وأبي بكر ابني أبي شيبة، كلاهما عن عمر بن سعد، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. والترمذي (¬2): عن نصر بن علي ومحمد بن بشار، كلاهما عن أبي أحمد، عن سفيان ... إلى آخره. والنسائي (¬3): عن محمود بن غيلان، عن زيد بن الحباب وقبيصة، كلاهما عن سفيان ... إلى آخره. وابن ماجه (¬4): عن عبد الله بن سعيد والحسن بن أبي السري العسقلاني، كلاهما عن أبي داود، عن سفيان ... إلى آخره. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا شعيب بن الليث، قال: نا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: "أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي - عليه السلام - حتى دخلنا على أبي الجُهيمْ بن الحارث بن الصمَّة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله - عليه السلام - من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسَّلم عليه، فلم يرد رسول الله - عليه السلام - عليه حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه وبيديه، ثم رد عليه السلام". ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ربيعا، وعمير هو مولى عبيد الله بن عباس بتصغير العبد، وكذا صُرِّح به في رواية الدارقطني على ما يجيء، ويقال له: مولى أم الفضل. وأخرجه البخاري (¬5): عن يحيى بن بكبير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة ... إلى آخره نحوه سواء. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 5 رقم 16). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 150 رقم 90). (¬3) "المجتبى" (1/ 35 رقم 37). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 127 رقم 353). (¬5) "صحيح البخاري" (1/ 129 رقم 330).

وأخرجه مسلم (¬1) مقطوعا وقال: وروى الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: "أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة زوجة النبي - عليه السلام - ... " إلى آخره نحوه. قلت: ذكروا أن فيه ثلاثة أنظار: الأول: قوله: "عبد الرحمن بن يسار" وهم، والصواب: "عبد الله بن يسار" كما في رواية البخاري والطحاوي. الثاني: قوله: "أبو الجهم" مكبرا، غير جيد، إنما هو مصغر. الثالث: ذكره مسلم منقطعا وهو موصول على شرطه. كما أخرجه البخاري موصولا كما ذكرناه. وكذا أخرجه أبو داود (¬2): عن عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حدثني أبي، عن جدي، عن جعفر ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (¬3): عن الربيع بن سليمان مثل الطحاوي. ولكن قال القاضي عياض في شرح مسلم: روايتنا فيه عبد الله بن يسار، وكذا قاله النسائي وأبو داود وغيرهما من الحفاظ، وقالوا أيضًا: إن أبا الجهم بن الحارث يقال له: أبو جهيم أيضًا، وفيه وجهان، ولذلك ذكره مسلم مُكبَّرا ها هنا، وذكره في حديث المرور بين يدي المصلي مصغرا (¬4)، وسماه أبو نعيم وابن منده: عبد الله بن جُهيم وجعلاهما واحدا، ورجح ابن الأثير كونهما اثنين، وقاله أيضًا أبو علي الجياني وغيره، وهو ابن أخت أبي بن كعب - رضي الله عنه -. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 281 رقم 369). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 89 رقم 329). (¬3) "المجتبى" (1/ 165 رقم 311). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 363 رقم 507).

قوله: "بئر جَمل" بجيم مفتوحة، وعند النسائي بئر الجمل، وهو موضع بغرب المدينة فيه مال من أموالها، ذكره أبو عُبيد. ويستفاد منه ما ذكرنا من الأحكام في الحديث الماضي، ويستفاد أيضًا: جواز التيمم بالجدار سواء كان عليه غبار أو لم يكن؛ لإطلاق الحديث، وهو حجة لأبي حنيفة على مخالفيه. وفيه دليل أيضًا على جواز التيمم للنوافل، والفضائل كسجدة التلاوة، والشكر، ومس المصحف، ونحوها كما يجوز للفرض، وهذا بالإجماع إلاَّ وجه شاذ منكر للشافعية أنه لا يجوز إلاَّ للفرض، وقد رأى الأوزاعي أن الجنب إذا خاف إن اشتغل بالغسل طلعت الشمس يتيمم ويصلي قبل فوت الوقت. قال الخطابي: وبه قال مالك في بعض الروايات، وعند أصحابنا إذا [خاف] (¬1) فوت الصلاة على الجنازة والعيدين يتمم. وحكى البغوي في "التهذيب": إذا خاف فوت الفريضة لضيق الوقت صلاها بالتيمم، ثم توضأ وقضاها. وقال النووي في "شرح مسلم": هذا الحديث محمول على أنه كان - عليه السلام - عادما للماء حال التيمم، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله، ولا فرق بين أن يضيق الوقت، وبين أن يتسع، ولا فرق بين صلاة الجنازة والعيدين وغيرهما. قلت: الحديث مطلق يستفاد منه: جواز التيمم لرد السلام ونحوه، وفي معناه صلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما سواء وجد الماء أو لا، ولا ضرورة إلى حمله على أنه كان عادما للماء؛ لأنه تخصيص بلا مخصص. فإن قيل: كيف يتيمم - عليه السلام - بالجدار بغير إذن مالكه؟ ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.

قلت: هو محمول على أنه كان مباحا أو مملوكا لإنسان يعرفه فتأول - عليه السلام -، وتيمم به لعلمه بأنه لا يكره ذلك بل كان يفرح به، ومثل: هذا يجوز لآحاد الناس، فالنبي - عليه السلام - أولى وأجدر. ص: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا عمرو بن محمَّد الناقد، قال: نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس ... فذكر مثله. ش: هذا طريق آخر صحيح أيضًا، وابن إسحاق هو محمَّد بن إسحاق المدني. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬1)، نا إسماعيل الصفار، ثنا عباس الدوري، ثنا عمرو الناقد، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عمير مولى عبيد الله بن عباس- قال: وكان عمير مولى عبيد الله ثقة- بلغني عن أبي جُهَيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، قال: "خرج رسول الله - عليه السلام - ليقضي حاجته نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلّم عليه، فلم يرد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى وضع يده على الجدار، ومسح بها وجهه ويديه، ثم قال: وعليك السلام". ص: قالوا فبهذه الآثار رخصنا للذي يُسَلم عليه وهو غير طاهر أنه يتيمم ويردَّ السلام، ليكون ذلك جوابا للسلام، وهذا كما رخَّص قوم في التيمم للجنازة، والعيدين إذا خيف على فوت ذلك إذا تشوغل بطلب الماء لوضوء الصلاة. ش: أي قال هؤلاء الآخرون الذين ذهبوا إلى أنه ينبغي لمن يُسَلَّم عليه وهو على حدث أن يتيمم ويرد السلام، وإن كان في العصر "رخصنا بهذه الآثار" وأراد بها آثار ابن عمر، وآثار أبي الجهم المذكورة آنفا. قوله: "ليكون ذلك" أي ردَّه السلام بعد التيمم، جوابا لسلام المسلم وإن كان قد تأخر ساعة من الزمان، لأجل التيمم. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 176 رقم 5).

قوله: "وهذا" أي الحكم المذكور نظير ما رخص قوم في التيمم لأجل الصلاة على الجنازة، ولأجل صلاة العيدين إذا خاف أن تفوته إن اشتغل بطلب الماء لأجل الوضوء، وأراد بهؤلاء القوم: أبا حنيفة وأصحابه، والنخعي، والزهري، والحسن، ويحيى الأنصاري، وربيعة، وسعد بن إبراهيم، والثوري، والليث؛ فإنهم ذهبوا إلى أنه يتيمم عند خوف فوت الجنازة لأنه لا يمكن استدراكها بالوضوء فهو كالعادم، وبه قال أحمد في رواية، وكذا مذهب أبي حنيفة عند خوف فوت صلاة العيد، وبه قال الأوزاعي. وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر: لا يجوز ذلك. وعن الأوزاعي، والثوري: يتمم إذا خاف فوت الوقت أيضًا. وعن الشعبي: يُصلي على الجنازة من غير وضوء؛ لأنه لا ركوع فيها ولا سجود. وهلا ليس بصحيح؛ لأنها صلاة، فتدخل في عموم قوله - عليه السلام -: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (¬1). ص: وذكروا في ذلك ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا يحيى بن حسان، قال: ثنا عمر بن أيوب الموصلي، عن المغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس: "في الرجل تفجأه الجنازة وهو على غير وضوء قال: يتيمم ويصلي عليها". ش: أي ذكر هؤلاء القوم في جواز التيمم لأجل صلاة الجنازة عند خوف فوتها ما حدثنا ... إلى آخره، وهو خبر ابن عباس. أخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن يحيى بن حسان التنيسي، عن عمر بن أيوب العبدي الموصلي. عن المغيرة بن زياد البجلي الموصلي، فيه مقال، وعن أبي حاتم: صالح صدوق، ليس بذاك القوي، وأدخله البخاري في كتاب "الضعفاء" يُحَوَّل اسمه من هناك. وعن عباس الدوري، عن يحيى: ثقة. وروى له الأربعة. ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (1/ 204 رقم 224).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا عمر بن أيوب الموصلي، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "إذا خفت أن تفوتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصَلّ". فإن قيل: قد قال البيهقي: الذي روى مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس في ذلك لا يصح عنه إنما هو قول عطاء، كذلك رواه ابن جريج عن عطاء، وهذا أحد ما أنكر ابن حنبل وابن معين على المغيرة. قلت: المغيرة أخرج له الحاكم في المستدرك، وأصحاب السنن الأربعة، ووثقه وكيع، وابن معين، وعنه قال: ليس به بأس ثقة، وعنه له حديث واحد منكر. ووثقه أحمد بن عبد الله ويعقوب بن سفيان وابن عمار. وقال ابن عدي: عامه ما يرويه مستقيم إلاَّ أنه يقع في حديثه كما يقع في حديث من ليس به بأس من الغلط. ثم رواية ابن جريج لا تعارض روايته؛ لأن عطاء كان فقيها، فيجوز أن يكون أفتى بذلك فسمعه ابن جريج، ورواه مرة أخرى فسمعه المغيرة، وهذا أولى من تغليط المغيرة والإنكار عليه، فافهم. قوله: "تفجأه الجنازة" من فجِئه الأمر وفجَأهُ -بالكسر والفتح- إذا جاءه الأمر بغتة، قال الجوهرىِ: فاجَأَه الأمر، مُفَاجَأةَ وفِجَاء، وكذلك فَجِئَه الأمر وفَجَأه فُجاءَة -بالضم والمدّ: وهذا الخبر حجة على الشافعي ومن تبعه. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم وعبد الملك، عن عطاء وزكرياء، عن عامر ويونس، عن الحسن مثله. ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وهشيم هو ابن بشير، ومغيرة هو ابن مقسم الضبي، وإبراهيم هو النخعي وعبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وعطاء ابن أبي رباح، وزكرياء: ابن أبي زائدة، وعامر: ابن شراحيل الشعبي، ويونس ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 497 رقم 11467).

ابن أبي إسحاق السبيعي، والحسن هو البصري. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن حفص، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم قال: "إذا خاف أن تفوته الصلاة على الجنازة يتيمم". وعن عبدة (¬2) بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: "إذا خفت أن تفوتك الجنازة فتيمم وصل". وعن وكيع (¬3)، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي قال: "يتيمم إذا خشي الفوت". وعن يزيد (¬4) بن هارون، عن هشام، عن الحسن قال: "يتيمم ويصلي عليها". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم ... مثله. ش: إسناده صحيح، وأبو داود: سليمان بن داود الطيالسي، وإبراهيم: النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬5): نا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم قال: "إذا فَجئتك الجنازة ولست على وضوء، فإن كان عندك ماء فتوضأ وصلَّ، وإن لم يكن عندك ماء فتيمم وصلَّ". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ... مثله. ش: هذا طريق اخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار، عن مؤمل بن ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 498 رقم 11469، 11475) بنحوه من طرق أخرى عن إبراهيم، ولم أجد هذا الطريق في النسخة التي لديَّ. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 498 رقم 11471). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 498 رقم 11472). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 498 رقم 11476). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 498 رقم 11469).

إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا أبو نعيم، قال: نا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم ... مثله. ش: هذا طريق أخر، وهو أيضًا صحيح، عن حسين بن نصر، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا وكيع، عن سفيان، عن حماد ومنصور، عن إبراهيم قال: "يتيمم إذا خشي الفوت". ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا سعيد، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن. ومغيرة عن إبراهيم. وعبد الملك، عن عطاء نحوه. ش: إسناده صحيح، هذه ثلاثة أسانيد. الأول: صالح، عن سعيد، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن. والثاني: صالح، عن سعيد، عن هشيم، عن مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي. والثالث: صالح، عن سعيد، عن هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2) نا يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن قال: "يتيمم ويصلي عليها". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 498 رقم 114693). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 498 رقم 11470).

ونا (¬1) عبدة بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء قال: "إذا خفت أن تفوتك الجنازة فتيمم وصل". ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: نا أبو داود، عن عباد بن راشد، قال: "سمعت الحسن يقول ذلك". ش: إسناده صحيح، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب ... مثله. قال: وقال لي الليث مثله. ش: إسناده صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... مثله، أي مثل قول الحسن: "يتيمم إذا خشي الفوت". قوله: "قال" أي قال يونس: "وقال لي الليث ابن سعد" مثل ما قال ابن شهاب، والحسن. ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن عبد الملك بن أبي غَنيَّة، عن الحكم ... مثله. ش: إسناده صحيح، عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع ابن الوليد بن قيس السكوني، عن عبد الملك بن أبي غنية الخزاعي الكوفي، عن الحكم ابن عُتَيبة. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم قال: "إذا خفت أن تفوتك الصلاة وأنت على غير وضوء فتيمم". ¬

_ (¬1) سبق تخريجه. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 498 رقم 11473).

وقد عُلِمَ بهذه الآثار أن مذهب إبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وعامر الشعبي، والحسن البصري، والزهري، والليث بن سعد، والحكم بن عُتيبة؛ مثل مذهب أبي حنيفة وأصحابه في جواز التيمم لصلاة الجنازة عند خوف فوتها مع وجود الماء. ص: فلما كان قد رُخص في التيمم في الأمصار خوف فوت الصلاة على الجنازة، وفي صلاة العيدين؛ لأن ذلك إذا فات لم يقض، قالوا: فكذلك رُخِّصنا في التيمم في الأمصار لرد السلام؛ ليكون ذلك جوابا للمُسَلِّم؛ لأنه إذا رد في الحال الثاني لم يكن جوابا للسلام له، وأما ما سوى ذلك مما لا يخاف فوته من الذكر، وقراءة القرآن فإنه لا يخاف فوته، فإنه لا يجوز فيه التيمم، ولا ينبغي أن يفعل ذلك أحد إلا على طهارة. ش: هذا من جملة مقالة أهل المقالة الثانية بطريق القياس، وهو أن التيمم لما كان جائزا في الأمصار لأجل الجنازة، فكذلك ينبغي أن يتيمم لأجل رد السلام قياسا عليه، والجامع وجود خوف الفوات فيهما، بخلاف ما سوى ذلك من قراءة القرآن والذكر ونحوهما، حيث لا يقاس على ذلك لانتفاء الجامع؛ فحينئذ لا يجوز التيمم فيه، ولا ينبغي أن يقرأ أحد، أو يذكر الله إلاَّ على حالة يجوز له أن يصلي على تلك الحالة. فإن قيل: ما حكم التيمم الواقع للجنازة أو لرد السلام، هل يصلي به الفرض أم لا؟ قلت: العمدة في ذلك اعتبار كيفية النية، فإن نوى به استباحة الصلاة يجوز به أداء ما شاء من الصلوات، وإن عَيَّنَ به أداء جواب السلام فقط لا يجوز به بعده أداء الصلوات، كما إذا تيمم لدخول المسجد أو مس المصحف. ثم اعلم أن أصحابنا اختلفوا في كيفية النية فيه، فقال القدوري: الصحيح في المذهب أنه إذا نوى الطهارة، أو نوى استباحة الصلاة أجزأه.

وقال الجصاص: لا تجب في التيمم نية التطهر، وإنما يجب فيه التمييز وهو أن ينوي [رفع] (¬1) الحدث أو الجنابة. والصحيح أن ذلك ليس بشرط، فإن ابن سماعة روى عن محمَّد: أن الجنب إذا تيمم يريد به الوضوء أجزأه عن الجنابة، ولو تيمم ونوى مطلق الطهارة أو نوى استباحة الصلاة فله أن يفعل كل ما لا يجوز بدون الطهارة كصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، ومس المصحف، ونحوها، لأنه لما أبيح له أداء الصلاة فلأن يباح له ما دونها وما هو جزء من أجزائها أولى، وكذا لو تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة أو لقراءة القرآن بأن كان جنبا فجاز له أن يصلي سائر الصلوات؛ لأن كل واحد من ذلك عبادة مقصودة بنفسها، وهو من جنس أجزاء الصلاة فكان نيتها عند التيمم كنية الصلاة، فأما إذا تيمم لدخول المسجد أو لمس المصحف، لا يجوز له أن يصلي به، ولا هو من أجزاء الصلاة؛ لأن دخول المسجد، ومس المصحف ليس بعبادة مقصودة، ولا من جنس أجزاء الصلاة، فيقع طهورا لما أوقعه لا غير. وفي "المغني" (¬2): وينوي بالتيمم المكتوبة، لا نعلم خلافا في أن التيمم لا يصح إلاَّ بنية، غير ما حكي عن الأوزاعي، والحسن بن صالح أنه يصح بغير نيَّة، وسائر أهل العلم على إيجاب النيَّة فيه، وممن قال ذلك: ربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وينوي استباحة الصلاة، فإن نوى رفع الحدث لم يصح، هذا مذهب مالك، والشافعي، وحكي عن أبي حنيفة أنه يرفع الحدث، ولا يصح التيمم للفرض إلاَّ بنية الفرض، فإن نوى فريضة معينة فله أن يصلي غيرها، وإن نوى فريضة مطلقة فله أن يصلي به فريضة معينة، وإن نوى نفلا أو صلاة مطلقة لم يجز أن يصلي إلاَّ نافلة، وهذا مذهب الشافعي، وأباح له أبو حنيفة صلاة الفرض به كطهارة الماء، وإذا نوى الفرض استباح كل ما يباح بالتيمم من التنقل قبل الصلاة وبعدها، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك" والسياق يقتضيها. (¬2) "المغني" (1/ 158).

وقال مالك: لا يتطوع قبل الفريضة بصلاة غير راتبة، وحكي نحوه عن أحمد، وإن نوى نافلة أبيحت له، وأبيح له قراءة القرآن، ومس المصحف، والطواف (¬1). ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس أن يذكر الله في الأحوال كلها من الجنابة وغيرها، ويقرأ القرآن في ذلك إلاَّ في الجنابة والحيض؛ فإنه لا ينبغي لصاحبهما أن يقرأ القرآن. ش: أي خالف أهل المقالتين جميعًا جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، والنخعي، وأبا حنيفة، والشافعي، ومالكا، وأحمد، وإسحاق، وأصحابهم، فإنهم قالوا: لا بأس للرجل أن يذكر الله في كل الأحوال سواء كان طاهرا، أو محدثا، أو جُنبا، أو حائضا، أو نفساء، وكذا قراءة القرآن إلَّا في حالة الجنابة والحيض، وستجيء الدلائل على ذلك كله. ثم اعلم أن هذا الحكم فيما يرجع إلى حال الرجل، وأما الحكم فيما يرجع إلى المكان فعلى أنواع: الأول: بيت الخلاء، فعن ابن عباس كراهة الذكر فيه، وهو قول عطاء ومجاهد أيضًا، وقال ابن سيرين والنخعي: لا بأس به. وفي "المغني" (¬2): إذا عطس حمد الله بقلبه، وقال ابن عقيل: هل يحمد الله بلسانه أم بقلبه؟ روايتان. وعن الشعبي يحمد الله. قال ابن أبي شيبة (¬3): نا ابن إدريس، عن حصين، عن الشعبي: "في الرجل يعطس على الخلاء، قال: يحمد الله". ¬

_ (¬1) انتهى من "المغني" بتصرف واختصار من المؤلف. (¬2) "المغني" (1/ 109) بتصرف واختصار. (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 108 رقم 1225).

نا (¬1) ابن إدريس، عن أبيه، عن منصور، عن إبراهيم قال: "يحمد الله فإنه يصعد". نا (¬2) ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن قال: "يحمد الله في نفسه". نا (¬3) ابن عُلية، عن ابن عون، عن محمَّد: "سئل عن الرجل يعطس في الخلاء، قال: لا أعلم بأسا بذكر الله". نا ابن علية، عن شعبة، عن أبي إسحاق: "في الرجل يعطس في الخلاء" (¬4) قال: قال أبو ميسرة: ما أحب أن أذكر الله إلا في مكان طيب قال: قال منصور: قال إبراهيم: يحمد الله". وأما إذا. دخل الخلاء ومعه الدراهم، فعن مجاهد أنه مكروه، وعن الحسن لا بأس به. وقال ابن أبي شيبة (¬5): نا ابن عُلية قال: "سألت ابن أبي نجيح عن الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم البيض، فقال: كان مجاهد يكرهه". نا (¬6) ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن قال: "كان لا يرى بأسا أن يدخل الرجل الخلاء ومعه الدراهم البيض، قال: وكان القاسم بن محمَّد يكرهه، ولا يرى بالبيع والشراء بها بأسا". وأما إذا دخل الخلاء وعليه الخاتم، فعن عطاء أنه لا بأس به، وعن ابن عباس ينزعه. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 108 رقم 1226). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 108 رقم 1227). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 108 رقم 1228). (¬4) سقط من "الأصل، ك" ولعله انتقال نظر من المؤلف، والمثبت من "المصنف" لابن أبي شيبة (1/ 108 رقم 1229). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 107 رقم 1209). (¬6) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 107 رقم 1210).

وقال ابن أبي شيبة (¬1): حدثنا ابن إدريس، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء: "أنه كان لا يرى بأسا أن يلبس الرجل الخاتم ويدخل به الخلاء، ويجامع فيه، ويكون فيه اسم". نا (¬2) عبد الرحمن بن مهدي، عن زمعة، عن سلمة [بن] (¬3) وهرام، عن عكرمة قال: "كان ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه". نا (¬4) يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن وابن سيرين: "في الرجل يدخل المخرج وفي يده خاتم فيه اسم الله، قالا: لا بأس به". نا (¬5) حفص، عن ابن أبي رواد (¬6) عن عكرمة قال: "كان يقول إذا دخل الرجل الخلاء وعليه خاتم فيه ذكر الله تعالى جعل الخاتم مما يلي بطن كفه، ثم عقد عليه بإصبعه". نا (¬7) أبو معاوية، قال: نا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان سليمان بن داود عليهما السلام إذا دخل الخلاء نزع خاتمه فأعطاه امرأته". نا (¬8) يحيى بن أبي كثير، قال: نا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "أنه كان يكره للإنسان أن يدخل الكنيف وعليه خاتم فيه اسم الله". وأما المُحدِث إذا مسَّ الدراهم فعن إبراهيم أنه مكروه، وعن الحسن لا بأس به. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 106 رقم 1203). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 106 رقم 1204). (¬3) سقط من "الأصل، ك" والمثبت عن المصدر السابق. (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 106 رقم 1205). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 106 رقم 1206). (¬6) في "الأصل، ك": ورَّاد، وهو تحريف، والمثبت من "المصنف". (¬7) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 106 رقم 1207). (¬8) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 106 رقم 1208).

وقال ابن أبي شيبة (¬1): نا أبو أسامة، عن الأعمش، عن إبراهيم: "أنه كان يكره الدرهم الأبيض وهو على غير وضوء". نا (¬2) أبو أسامة، عن هشام، عن القاسم: "أنه كان لا يرى بأسا بمس الدرهم الأبيض وهو على غير وضوء". نا (¬3) وكيع، قال: نا سفيان، عن هشام، عن الحسن قال: "لا بأس أن يمسها على غير وضوء". نا (¬4) وكيع، عن ربيع قال: "كرهه ابن سيرين". النوع الثاني: الحمام، وفي "المغني": ولا بأس بذكر الله في الحمام، وقد رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه كان يذكر الله على كل أحيانه". فأما قراءة القرآن، فقال أحمد: لم يُبْن لهذا، وكره قراءة القرآن فيه أبو وائل، والشعبي، والحسن، ومكحول، وقبيصة بن ذؤيب، ولم يكرهه النخعي، ومالك. وأما التسليم فيه فقال أحمد: لا أعلم أني سمعت فيه [شيئا] (¬5) والأولى جوازه لدخوله في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفشوا السلام بينكم". النوع الثالث: المقبرة، وكره بعض الناس القراءة فيها، وكذا الصلاة لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الأرض كلها مسجد إلَّا الحمَّام، والمقبرة". رواه أبو داود (¬6)، والترمذي (¬7)، وابن ماجه (¬8). ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 107 رقم 1214). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 107 رقم 1215). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 107 رقم 1216). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 107 رقم 1218). (¬5) في "الأصل، ك": شيء، والمثبت من "المغني" (1/ 147). (¬6) "سنن أبي داود" (1/ 132 رقم 492). (¬7) "جامع الترمذي" (2/ 131 رقم 317). (¬8) "سنن ابن ماجه" (1/ 246 رقم 745).

والأصح أنه لا تكره القراءة فيها ولا الصلاة، وعن الشافعي: إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى، وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها؛ للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته، وكذلك الحمام إذا صل في موضع نظيف منه فلا إعادة عليه، وهذا أيضًا قول أصحابنا، ورخص عبد الله بن عمر في الصلاة في المقبرة، وحكي عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر، وعن مالك: لا بأس بالصلاة في المقبرة، وقال أبو ثور: لا يُصلى في حمام ولا مقبرة لظاهر الحديث، وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهب بن جرير، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: "دخلت على علي - رضي الله عنه - أنا ورجل منا ورجل من بني أسد، فبعثهما في وجه، ثم قال: إنكما علجان فعالجا عن دينكما. قال: ثم دخل المخرج، ثم خرج فأخذ حفنة من ماء فتمسح بها، وجعل يقرأ القرآن، فرآنا كأنَّا أنكرنا ذلك، فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من الخلاء فيقرئنا القران، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجره عن ذلك شئ، ليس الجنابة". ش: أي احتج الآخرون الذين خالفوا أهل المقالتين في ذلك، أي في قولهم: لا بأس أن يذكر الله في كل الأحوال كلها من الجنابة وغيرها، ويقرأ القرآن في ذلك إلَّا في الجنابة والحيض. قوله: "بما حدثنا" يتعلق بقوله احتجوا، وإسناد الحديث صحيح. وعبد الله بن سَلِمَة -بكسر اللام- المرادي الكوفي، قال العجلي: تابعي ثقة. روى له الأربعة. وأخرجه أبو داود (¬1): نا حفص بن عمر، قال شعبة .. إلى آخره نحوه. والترمذي مختصرا (¬2): نا أبو سعيد الأشج، نا حفص بن غياث وعقبة بن خالد ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 59 رقم 229). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 274 رقم 146).

قالا: نا الأعمش وابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرئنا القرآن على كل حال، ما لم يكن جُنُبا". والنسائي (¬1): أنا علي بن حُجْر، أنا إسماعيل بن إبراهيم، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: "أتيت عليّا أنا ورجلان، فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة". وابن ماجه (¬2): نا محمَّد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: "دخلت على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي الخلاء فيقض الحاجة، ثم يخرج فيأكل معنا الخبز واللحم، ويقرأ القرآن، ولا يحجبه -وربما قال: ولا يحجره- عن القرآن شيء إلَّا الجنابة". وأخرجه ابن حبان (¬3) أيضًا، وصححه ابن خزيمة (¬4)، وأبو علي الطوسي، والحكم (¬5)، والبغوي في "شرح السُّنَّة"، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي سؤالات الميموني: قال شعبة: ليس أحد يحدث بحديث أجود من ذا. وفي كتاب ابن عدي عنه: لم يرو عمرو أحسن من هذا، وكان شعبة يقول: هو ثلث رأس مالي. وخرجه ابن الجارود في "المنتقى" (¬6)، وذكر البزار (¬7) أنه لا يُروى عن علي إلَّا من حديث عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، وحكى البخاري، عن عمرو بن مرة كان عبد الله يعني ابن سلمة يحدثنا فنعرف وننكر، وكان قد كبر، لا يتابع في حدثه. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 144 رقم 265). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 195 رقم 594). (¬3) "صحيح ابن حبان" (3/ 79 رقم 799). (¬4) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 104 رقم 208). (¬5) "المستدرك" (1/ 253 رقم 541). (¬6) "المنتقى" (1/ 34 رقم 94). (¬7) "مسند البزار" (2/ 287 رقم 708).

وذكر الشافعي هذا الحديث، وقال: وإن لم يكن أهل الحديث بثبوته. وقال البيهقي: وإنما توقف الشافعي في ثبوت الحديث؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي، وكان قد كبر وأنكر من حديثه، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة. وذكر الخطابي أن الإِمام أحمد بن حنبل كان يوهنُ حديث علي - رضي الله عنه - هذا، وُيضَعِّفُ أمر عبد الله بن سلمة. قلت: وقد ذكره ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (¬1)، وقال: قال النسائي تعرف وتنكر. ولكن قال الحاكم: إنه غير مطعون فيه. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قوله: "ورجل منا" عطف على الضمير المرفوع المنفصل الذي أوتي به ليصح العطف على ما قبله حتى لا يكون عطف الاسم على الفعل. قوله: "في وجه" أي جهة من الجهات، وهو النحو والقصد الذي تستقبله. قوله: "علجان" تثنيه عَلِجْ بفتح العين، وكسر اللام، وهو الضخم القويُّ، وقال الخطابي: يُريد الشدة والقوة على العمل، يقال: رجل عَلِج، وعُلَّج -بتشديد اللام- إذا كان قوي الخلقة وثيق البنية. قوله: "فعالجا" أي جاهدا، وجالدا لأجل دينكما، وكلمة "عن" للتعليل نحو قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ} (¬2) وتجوز أن تكون حالًا، والمعنى عَالِجا مقيمين دينكما، أي مقيمين أموره، ومحصلين ما ينبغي له. ¬

_ (¬1) "الضعفاء والمتروكين" (2/ 125 رقم 2038). (¬2) سورة التوبة، آية: [114].

قوله: "المخرج" بفتح الجيم، وهو الخلاء، سُمِّي به لأنه موضع خروج البول، والغائط. قوله: "فتمسح بها" أي توضأ بها أي غسل يديه، وقال ابن الأثير: يقال للرجل إذا توضأ: تمسح. قوله: "فرآنا كأنا أنكرنا ذلك" أي كونه قرأ القرآن بلا وضوء كامل، فلما أنكروا على عليّ - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن" أي يُعلمنا القرآن عقيب خروجه، من غير اشتغال بالوضوء. قوله: "كأنا أنكرنا" جملة وقعت مفعولا ثانيا للرؤية، والتقدير: رآنا كالمنكرين في ذلك. قوله: "ويأكل معنا اللحم" أشار به إلى أن أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء لقراءة القرآن ولا للصلاة أيضًا، لأجل هذا قال: "ولم يكن يحجره" أي يمنعه "من القرآن"، أي عن قراءة القرآن "شيء ليس الجنابة" أي غيرها. وقوله: "يحجره" من حجره إذا منعه، وحَجَرَ عليه أي منعه من التصرف، وفي بعض الرواية "يحجزه" بالزاي المعجمة، من حجزه يحجزه حجزا بمعنى منعه أيضًا، وكلاهما من باب نصر ينصر، وفي بعض الرواية "يحجبه" من حجب إذا منع أيضًا، ومنه قيل للبواب: حاجبا؛ لأنه يمنع الناس عن الدخول. قوله: "ليس الجنابة" أي غير الجنابة، "وليس" له ثلاث مواضع: أحدها: أن تكون بمعنى الفعل، وهو يرفع الاسم، وينصب الخبر كقولك: ليس عبد الله جاهلا. وتكون بمعنى "لا" كقولك: رأيت عبد الله ليس زيدا، تنصب به زيدا كما تنصب بلا. وتكون بمعنى "غير" كقولك: ما رأيت أكرم من عمر، وليس زيد. أي غير زيد، وهو يجر ما بعده.

وتُستنبط منه أحكام: الأول: جواز قراءة القرآن للمُحْدِث. الثاني: جواز ذكر الله تعالى بأي ذكر كان في أي حال كان؛ لأن قراءة القرآن إذا كانت جائزة للمُحْدِث فالذكر بالطريق الأولى. الثالث: فيه دليل على حرمة قراءته على الجنب، وكذلك الحائض؛ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، وكان أحمد يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحوها، وكذلك قال مالك، وقد حُكي عنه أنه قال: تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب؛ لأن الحائض إذا لم تقرأ نسيت القرآن؛ لأن أيام الحيض تتطاول؛ ومدة الجنابة لا تتطاول، وروي عن ابن المسيب وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأسا بقراءة القرآن للجُنب، والجمهور على تحريمه. وفي "المغني" (¬1): لا يقرأ القرآن جنب، ولا حائض، ولا نفساء، رويت الكراهة لذلك عن عمر، وعلي، والحسن، والنخعي، والزهري، وقتادة، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقال الأوزاعي: لا يقرأ إلاَّ آية الركوب، والنزول {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} (¬2)، {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} (¬3)، وقال ابن عباس: يقرأ ورده، وقال سعيد بن المسيَّب: يقرأ، أليس هو في جوفه؟ والذي يحرم عليه قراءة آية، فأما ما دون الآية ففيه روايتان: إحداهما: لا تجوز قراءته، وهو مذهب الشافعي. والثانية: تجوز، وهو قول أبي حنيفة. وقال صاحب "البدائع"، ويستوي في الكراهة الآية التامة وما دونها عند عامَّة مشايخنا، وقال الطحاوي: لا بأس بقراءة ما دون الآية. ¬

_ (¬1) "المغني" (1/ 96). (¬2) سورة الزخرف، آية: [13]. (¬3) سورة المؤمنون، آية: [29].

والصحيح قول العامة، هذا إذا قصد التلاوة، فأما إذا لم يقصد بأن قال: بسم الله. لافتتاح الأشياء تبركا، أو قال: الحمد لله فلا بأس؛ لأنه من باب الذكر. وقال ابن حزم في "المحلى" (¬1): وقراءة القرآن، والسجود فيه، ومس المصحف، وذكر الله جائز كل ذلك بوضوء، وبلا وضوء، وللجنب والحائض. وقالت طائفة لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن، وهو قول رُوي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحسن البصري، والنخعي، وقتادة، وغيرهم. وقالت طائفة: أما الحائض فتقرأ ما شاءت من القرآن، وأما الجنب فيقرأ الآيتين ونحوهما، وهو قول مالك، وقال بعضهم: يُتم الآية، وهو قول أبي حنيفة، ثم رُوي عن ربيعة أنه قال: لا بأس أن يقرأ الجنب القرآن، وعن سعيد بن جبير: يقرأ الجنب؟ فلم ير بأسا، وقال: أليس في جوفه القرآن، ثم قال: وهو قول داود، وجميع أصحابنا. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا أبو الوليد، قال: نا شعبة، قال: أنا عمرو ابن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة .. فذكر مثله، غير أنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته فيقرأ القرآن". حدثنا حسين بن نصر وسليمان بن شعيب، قالا: نا عبد الرحمن بن زياد، قال: نا شعبة .. فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا شعبة ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا فهد، قال: نا عمر بن حفص، قال: نا أبي، قال: نا الأعمش، قال: قال عمرو بن مرة: عن عبد الله بن سلمة، عن علي - رضي الله عنه -: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ القرآن على كل حال إلَّا الجنابة". ¬

_ (¬1) "المحلى" (1/ 77) بتصرف واختصار.

حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس السوسي التغلبي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو، عن عبد الله بن سلمة، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا القرآن على كل حال إلا الجنابة". ش: هذه خمس طرق رجالها كلهم ثقات، غير أن ابن أبي ليلى فيه مقال، وهو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وأبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وعبد الرحمن بن زياد هو الرصاصي الثقفي، والأعمش هو سليمان. ويحيى بن عيسى بن عبد الرحمن التميمي النهشلي مختلف فيه، ولكن مسلما روى له، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وكان يتشيع، فبالطريق الأول أخرجه البيهقي (¬1) من حديث شعبة، نا عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: "دخلت على عليّ - رضي الله عنه - أنا ورجلان من قومي، و [رجل] (¬2) أحسبه من بني أسد، فبعثهما وجها وقال: إنكما علجان فعالجا عن دينكما، ثم دخل المخرج فقضى حاجته، ثم خرج فأخذ حفنة من ماء فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن فكأنه رأى أنَّا أنكرنا ذلك، فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه -وربما قال: يحجزه- عن القرآن شيء ليس الجنابة". وبالطريق الثاني: أخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): نا يحيى، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: "أتيت على عليّ - رضي الله عنه - أنا ورجلان، فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته، ثم يخرج فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولا يحجره -وربما قال: لا يحجبه- من القرآن شيء ليس الجنابة". والطريق الرابع: مقطوع؛ لأن الأعمش أخبر عن عمرو بن مرة حيث قال: قال عمرو، ولم يذكر فيه شيئًا يدل على السماع. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 88 رقم 418). (¬2) في "الأصل، ك" رجال، والمثبت من المصدر السابق. (¬3) "المسند" (1/ 84 رقم 639).

وأخرجه ابن أبي شيبة (¬1) موصولا: نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرئنا القرآن على كل حال إلاَّ الجنابة". وبالطريق الخامس: أخرجه أبو عبد الله الحديث في "مسنده"، نا محمَّد، نا وكيع، ثنا ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا". وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (¬2)، نا أبو معاوية، نا ابن أبي ليلى ... إلى آخره نحوه. ص: قال أبو جعفر - عليه السلام -: ففيما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إباحة ذكر الله -عز وجل- على غير وضوء، وقراءة القرآن كذلك، ومنعُ للجنب من قراءة القرآن خاصة. ش: "إباحة ذكر الله" كلام إضافي مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: "ففيما روينا". قوله: "وقراءة القران" عطف عليه، وكذا قوله: "ومنعٌ" ويجوز أن يكون "وقراءة القرآن" بالجرِّ عطفا على المضاف إليه في قوله: "إباحة ذكر الله" بل هذا أصوب على ما لا يخفى. ص: وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا فيما يدل على إباحة ذكر الله -عز وجل- على غير طهارة ما حدثنا فهدٌ، قال: نا الحسن بن الربيع، قال: نا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، قال: ثنا أبو ظبية، قال: سمعت عمرو بن عبسة - رضي الله عنه - يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من امرئ مسلم يبيت طاهرا على ذكر الله، فيتعار من الليل يسأل الله شيئا من أمر الدنيا والآخرة إلَّا أعطاه إياه". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 97 رقم 1078). (¬2) "مسند أحمد" (1/ 134 رقم 1123).

ش: لما كانت الآثار المذكورة تدل على إباحة ذكر الله على غير وضوء بطريق التضمن أورد أحاديث تدل على ذلك بطريق المطابقة. وقوله: "روي" مسند إلى قوله: "ما حدثنا فهدٌ". ورجال هذا الحديث ثقات، والحسن بن ربيع: ابن سليمان البجلي القسري الكوفي شيخ مسلم وأبي داود والنسائي. وأبو الأحوص: سلام بن سليم الكوفي. والأعمش هو سليمان. وشمر بن عطية: الأسدي الكاهلي، وثقه ابن حبان. وأبو ظبية بالظاء المعجمة، وقال ابن منده: بالطاء المهملة أيضًا. وقال أبو زرعة: لا نعرف أحدا يسميه. وقال العسكري: لا يعرف اسمه، ويقال: اسمه كنيته. وقال الدارقطني: ليس به بأس. وقال ابن معين: ثقة روى له أبو داود وابن ماجه. وعمرو بن عَبَسَة بفتحات-: ابن عامر السُلَميَّ. وأبو نجيح الصحابي، وهو أخو أبي ذرَّ الغفاري لأمَّه، وأمهما رملة بنت الوقيعة بن حَرام بن غفار، مات بحمص -رحمه الله-. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الحسن بن الربيع الكوفي، ثنا أبو الأحوص، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "فيتعار" من تعار الرجل من الليل، إذا هبَّ من نومه مع صوتَ، وأصله من عار الظليم تعار عِرارا، وهو صوته، وبعضهم يقول: عر الظليم يعِرُّ عرارا، كما قالوا: زمر النعام يزمر زمارا. قلت: أصله يتعارَرُ، ادغمت إحدى الرائين في الأخرى؛ لموجب الإدغام وهو اجتماع المثلين من الحرف. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (8/ 124 رقم 7564).

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفَّان، قال: ثنا حماد، قال: كنت أنا وعاصم ابن بهدلة وثابت، فحدث عاصم، عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله غير أنه لم يذكر قوله: "على ذكر الله"، قال ثابت: قدم علينا فحدثنا هذا الحديث ولا أعلمه إلاَّ عنه، يعنيم أبا ظبية، قلت لحماد: عن معاذ؟ قال: عن معاذ. ش: أشار بهذا إلى أن هذا الحديث المذكور قد رُوي أيضًا عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - ورجاله ثقات، وحماد هو ابن سلمة، وثابت هو ابن أسلم البناني. وأخرجه أحمد في "مسنده" من ثلاث وجوه: الأول (¬1): عن عفان، عن حماد .. إلى آخره نحو طريق أبي جعفر سواء. الثاني (¬2): عن روح وحسن بن موسى، قالا: نا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية، عن معاذ بن جبل، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يبيت على ذكر الله طاهرا، فيتعار من الليل، فيسأل الله -عز وجل- خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه". قال: حسن في حديثه قال: ثابت البناني: فقدم علينا ها هنا فحدثنا بهذا الحديث عن معاذ، قال أبو سلمة: أظنه عنِي أبا ظبية. الثالث (¬3): عن أبي كامل: ثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يبيت على ذكر الله [طاهرًا]، (¬4) فيتعار من الليل، فيسأل الله خيرا من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 241 رقم 22145). (¬2) "مسند أحمد" (5/ 234 رقم 22101). (¬3) "مسند أحمد" (5/ 244 رقم 22167). (¬4) تكررت في "الأصل، ك".

ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال ناعلي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عاصم بن أبي النجود، عن شمر بن عطية ... فذكر بإسناده. ش: هذا طريق أخر وهو أيضًا صحيح، وعاصم بن أبي النجود هو عاصم ابن بهدلة المزني. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا المقدام بن داود، ثنا علي بن معبد، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عاصم بن أي النجود، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية، عن عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من بات طاهرا على ذكر، ثم تعار من الليل ساعة يسأل الله تعالى فيها شيئًا من أمر الدنيا والآخرة إلاَّ أتاه الله إياها". ص: وهذا أيضًا بعد النوم، ففلى ذلك إباحة ذكر الله تعالى بعد الحدث، وقد رُوي عن عائشة - رضي الله عنها - من ذلك شيء. حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا مُعلَّى بن منصور، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه، وحتى الجنابة". ففي هذا إباحة ذكر الله -عز وجل- وليس فيه ولا في حديث أي ظبية من قراءة القرآن شيء، وفي حديث علي - رضي الله عنه - بيان فرق ما بين قراءة القرآن، وذكر الله في حال الجنابة. ش: أشار بهذا إلى ما رُوي عن عمرو بن عبسة، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنهما - ¬

_ (¬1) في الجزء المفقود من الطبعة الحالية للمعجم وهو في "المعجم الأوسط" (4/ 361 رقم 4439) بنحوه، ورواه النسائي في الكبرى (6/ 202 رقم 10644) من طريق الأعمش، عن شمر ابن عطية به، نحوه. وهو كذلك من طريق الأعمش عند الخطيب في "تاريخه" (8/ 60).

قوله: "وقد رُوي عن عائشة من ذلك شيء" أي من إباحة ذكر الله في حالة الحدث، وإسناد حديثها صحيح. وابن أبي زائدة هو يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة الكوفي، روى له الجماعة، وأبوه: زكرياء، روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا أبو كريب محمَّد بن العلاء وإبراهيم بن موسى، قالا: نا ابن أبي زائدة ... إلى آخره نحوه سواء. وأحْرجه أبو داود (¬2): عن أبي كريب أيضًا نحوه. وأخرجه الترمذي (¬3)، وابن ماجه (¬4) أيضًا. ولكن في رواية الكل بين خالد بن سلمة وبن عروة، عبد الله البهي، ولم يقع كذا في رواية الطحاوي، وخالد بن سلمة روى عن عروة أيضًا، ولو لم تصح روايته عنه لقلنا: إن البهي ساقط في رواية الطحاوي من النساخ. قوله: "يذكر الله" عام يشمل جميع أنواع الذكر من التهليل، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، وأشباه ذلك. "والأحيان" جمع حين، وهو الوقت، وهو أيضًا يتناول جميع أحيان الأحوال ولكن يستثنى منه قراءة القرآن حين الجنابة، وحين الحيض؛ لأنه قد ثبت بدلائل أخرى عدم جواز قراءة القرآن للجُنب، والحائض. قوله: "ففي هذا" أي في حديث عائشة. قوله: "وليس فيه" أي في حديث عائشة، ولا في حديث أبي ظبية الذي رواه عن عمرو بن عبسة ومعاذ في قراءة القرآن شيء، أما حديث أبي ظبية فإنه لم يذكر فيه إلَّا ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 282 رقم 373). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 5 رقم 18). (¬3) "جامع الترمذي" (5/ 364 رقم 3384). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 110 رقم 302).

لفظ السؤال، ولا يفهم منه إلَّا ذكر الله تعالى دون قراءة القرآن، وأما حديث عائشة فإنه لم يذكر فيه إلَّا لفظ الذكر، وهو عند الإطلاق لا يتناول القرآن باعتبار العرف، وإنما فرق بينهما في حديث علي - رضي الله عنه - حيث قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا القرآن على كل حال إلاَّ الجنابة" (¬1) فإنه يدل على جواز الذكر حال الجنابة دون القراءة. ص: وقد رُوي أيضًا في النهي عن قراءة القرآن حال الجنابة ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى ابن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن". ش: عبد الله بن يوسف هو "التنيسي" (¬2) شيخ البخاري، وإسماعيل بن عيَّاش -بتشديد الياء آخر الحروف، والشين المعجمة- بن سُليم الشامي الحمصي العنسي -بالنون- وثقه يحيى بن معين في روايته عن الشاميين خاصة، وقال أبو حاتم: هو لين يكتب حديثه، لا أعلم أحدا كف عنه إلاَّ أبو إسحاق الفزاري، وقال أبو زرعة: صدوق إلاَّ أنه غلط في حديث الحجازيين والعراقيين، وروى له الأربعة. قلت: ولهذا لما أخرجه الترمذي (¬3) سكت عنه وقال: ثنا علي بن حجر والحسين ابن عرفه، قالا: نا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تقرأ الحائض ولا الجنُب شيئًا من القرآن". وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬4): عن عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، عن داود بن رُشَيد، عن إسماعيل بن عياش .. إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه. (¬2) في "الأصل، ك" الفريابي، وهو سبق قلم من المصنف، والصواب أنه التنيسي شيخ البخاري، وأما الفريابي فهو محمَّد بن يوسف الفريابي وهو شيخ البخاري أيضًا. (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 236 رقم 131). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 117 رقم 1).

وأخرجه الدارمي في "سننه" (¬1): موقوفا، وقال: أخبرنا محمَّد بن يزيد البزار، ثنا شريك، عن فراس، عن عامر: "الجنب والحائض لا يقرآن القرآن". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد ح وحدثنا روح بن الفرج قال: ثنا ابن بكير، قالا: أنا عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنُود، عن مالك بن عبادة الغافقي، قال: "أكل رسول الله - عليه السلام - وهو جُنب، فأخبرت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فجرّني إلى رسول الله - عليه السلام - فقال: يا رسول الله، إن هذا أخبرني أنك أكلت وأنت جنب. قال: نعم، إذا توضأت أكلت وشربت ولكن لا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل". ش: أخرجه من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود، عن عمرو بن خالد بن فروخ الحراني، نزيل مصر، شيخ البخاري وغيره، عن عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان بن زرعة أبي حمزة الطويل المصري، عن ثعلبة بن أبي الكنود الحمراوي وثقه ابن حبان، عن مالك بن عبادة الغافقي، ويقال: مالك بن عبد الله، ويقال له: عبد الله بن مالك الغافقي، وقال ابن الأثير: عبد الله بن مالك الغافقي أبو موسى، وقيل: مالك بن عبد الله، مصري ذكره في العبادلة، ثم قال في باب مالك: ابن عبد الله الغافقي يقال له: مالك بن عبادة، وقيل: شاميُّ، والطبراني ذكره في الحديث المذكور (¬2): مالك بن عبد الله حيث قال: نا بكر بن سهل، نا عبد الله بن يوسف، نا ابن لهيعة (¬3)، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن مالك بن عبد الله الغافقي، قال: "أكل رسول الله - عليه السلام - يوما طعاما، ثم قال: أستر عليَّ حتى أغتسل، فقلت: كنت جنبا يا رسول الله؟ قال: نعم، فأخبرت ذلك عمر بن الخطاب، فجاء إلى رسول الله - عليه السلام - فقال له: هذا يزعم أنك ¬

_ (¬1) "سنن الدرامي" (1/ 252 رقم 991). (¬2) "المعجم الكبير" (19/ 295 رقم 656). (¬3) وقع ها هنا في "الأصل، ك"، عن عبد الله بن يوسف بين ابن لهيعة وعن ثعلبة، وهو انتقال نظر من المؤلف.

أكلت وأنت جُنُب، فقال: نعم، إذا توضأت أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل". الطريق الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يحيى بن بكير المصري، عن عبد الله بن لهيعة ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (¬1): من حديث ابن وهب، أنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن عبد الله بن مالك الغافقي، أنه سمع رسول الله - عليه السلام - يقول لعمر - رضي الله عنه -: "إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل"، ثم قال ابن وهب: قال لي مالك والليث مثله يعني من قولهما انتهى، وهذا في رواية البيهقي: عبد الله بن مالك. فإن قلت: من أين عرف مالك بن عبادة أن رسول الله - عليه السلام - كان جنبا حين أكل حتى أخبر بذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؟ قلت: رواية الطبراني تجيبك عن هذا، فافهم. ص: ففي هذين الأثرين منع الجنب من قراءة القرآن، وفي أحدهما منع الحائض من ذلك، فثبت بما ذكرنا في هذين الحديثين مع ما في حديث عليَّ - رضي الله عنه - أنه لا بأس بذكر الله تعالى وقراءة القرآن في حال الحدث غير الجنابة، وأن قراءة القرآن خاصة مكروهة في حال الجنابة والحيض، فأردنا أن ننظر أي هذه الآثار بأخرة فنجعله ناسخا لما تقدم، فنظرنا في ذلك، فإذا ابن أبي داود قد حدثنا قال: ثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أجُنُب أو اهراق الماء إنما نكلمه فلا يكلمنا، ونُسلم عليه فلا يرد علينا حتى نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} (¬2) ". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فأخبر علقمة في هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن حكم الجنب ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 89 رقم 419). (¬2) سورة المائدة، آية: [6].

كان عنده قبل نزول هذه الآية ألَّا يتكلم، وألَّا يرد السلام، حتى نسخ الله -عز وجل- ذلك بهذه الآية، فأوجب بها الطهارة على من أراد الصلاة خاصة، فثبت بذلك أن حديث أبي الجُهيم، وحديث ابن عمر، وابن عباس، والمهاجر منسوخة كلها، وأن الحكم الذي في حديث علي - رضي الله عنه - متأخر عن الحكم الذي فيها. ش: أراد بهذين الأثرين: أثر عبد الله بن عمر، وأثر مالك بن عبادة الغافقي. قوله: "فأردنا ... " إلى آخره، إشارة إلى وجه التوفيق بين هذه الآثار المذكورة في هذا الباب؛ لأن بعضها يضاد بعضا، وذلك لأن حديث أبي الجهيم بن الحارث، وحديث عبد الله بن عمر: "أن رجلا سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ... " إلى آخره، وحديث ابن عباس مثله، وحديث المهاجر بن قنفذ الذي في أول الباب؛ كلها تدل على أن ذكر الله وغيره نحو القراءة لا تكون إلَّا على طهر، وأحاديث غير هؤلاء التي ذكرت هنا تدل على إباحة ذكر الله تعالى على أي حالة كانت، وأن قراءة القرآن تجوز على حال الحدث الأصغر، وتمنع على حال الحدث الأكبر والحيض والنفاس، فلما كان الأمر كذلك؛ وجب المصير إلى التوفيق، ووجهه: أن ننظر أي من هذه الآثار جاء آخرا، وأيها جاء أولا، فنظرنا في ذلك، فوجدنا حديث علقمة بن الفغواء دل على أن آثار أبي الجهم وابن عمر وابن عباس والمهاجر بن قنفذ كانت متقدمة، وأن الحكم الذي في حديث علي - رضي الله عنه - متأخر عن الحكم الذي فيها؛ فثبت بها انتساخ أحاديث هؤلاء كما هو الأصل عند تعارض النصوص. فإن قلت: حديث جابر الجعفي غير ثابت فلا يتم به الاستدلال. قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن سفيان يقول: كان جابر ورعا في الحديث ما رأيت أورع في الحديث منه، وعن شعبة: وهو صدوق في الحديث، وعن وكيع: ثقة، ولئن سلمنا ذلك فنقول آثار هؤلاء محمولة على الفضيلة والاستحباب، وقد يقال: إنها منسوخة بحديث عائشة: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه".

وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره (¬1) كما ذكرناه، ثم رجال حديث عبد الله بن علقمة كلهم ثقات. وأبو كريب اسمه محمَّد بن العلاء، شيخ الجماعة، ومعاوية بن هشام: أبو الحسن القصار الكوفي، روى له الجماعة إلا البخاري، وسفيان هو الثوري، وجابر هو ابن يزيد الجعفي وقد ذكرناه الآن، وعبد الله بن أبي بكر روى له الجماعة، وعبد الله بن علقمة بن الفغواء -بالفاء، والغين المعجمة الساكنة-، ذكره ابن حبان في الثقات، وأبوه علقمة بن الفغواء أخو عمرو بن الفغواء الخزاعي، يقال: له صحبة، سكن المدينة، وأخرج ابن الأثير هذا الحديث في ترجمة علقمة بن الفغواء، وأخرجه أيضًا أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن"، والطبراني في "الكبير" (¬2). قوله: "إذا أجنب" أي إذا صار جُنبا، مثل: أغد البعير، إذا صار ذا غدة. قوله: "أو أهراق" أي أراق، والهاء زائدة. ويستفاد منه: أن الوضوء كان لا بد منه لرد السلام ونحوه في صدر الإسلام، ولهذا كان رسول الله - عليه السلام - لا يرد السلام في الجنابة، ولا بعد إراقة الماء قبل الغسل والوضوء، فلما نزلت آية الوضوء نَسَخَتْ هذا الحكم لأنه لم يوجب الطهارة إلا على من أراد الصلاة وهو محدث، فبقي غيرها على أصل الإباحة. ثم اعلم أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت في قصة عائشة - رضي الله عنها -، ولا خلاف أن الوضوء كان بمكة سنة، معناه أنه كان مفعولا بالسنة، فأما حكمه فلم يكن قط إلَّا فرضا، كذا قاله أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن، وقال: وقد روى ابن إسحاق وغيره: "أن النبي - عليه السلام - لما فرض الله عليه الصلاة ليلة الإسراء، ونزل جبريل - عليه السلام - ظهر ذلك اليوم ليصلي به، همز بعقبة فانبجثت ماء، فتوضأ معلما له، وتوضأ هو معه وصلى، وصلى رسول الله - عليه السلام -" وقال في تفسير قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) "المعجم الكبير" (18/ 6 رقم 3).

عَلَى} (¬1)، رُوي أن أصحاب رسول الله - عليه السلام - أصابتهم جراحة ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك فنزلت هذه الآية. وقالت عائشة - رضي الله عنها -: "كنت في مسير مع رسول الله - عليه السلام - حتى إذا كنت بذات الجيش؛ ضلَّ عقد لي ... " الحديث، قال: فنزلت آية التيمم، وهي مُعضلةٌ ما وجدت لدائها من دواء عند أحد، هما آيتان فيهما ذكر التيمم، إحداهما في النساء، والأخرى في المائدة، فلا نعلم أَيَّةُ آيةٍ عنت عائشة، وآية التيمم المذكورة في حديث عائشة النازلة عند فقد العقد كانت في غزوة المريسيع، قال خليفة بن خياط: في سَنة ست من الهجرة، وقال غيره: سنة خمس؛ وليس بصحيح، وحديثهما يدل على أن التيمم قبل ذلك لم يكن معلوما ولا مفعولا لهم، والله أعلم كيف كان حال من عدم الماء ثم جاءت عليه الصلاة؟ فإحدى الآيتين سفرية والأخرى حضرية، ولما كان أمر لا يتعلق به خبأه الله تعالى ولم ينشر بيانه على يد أحد، ولقد عجبت من البخاري بوب في كتاب التفسير في سورة النساء على الآية التي ذكر فيها التيمم فقال (¬2): باب "وإن كنتم مرضى أو على سفر" وأدخل فيه حديث عائشة، وبوب في سورة النساء، باب (¬3) "فلم تجدوا ماء"، وأدخل حديث عائشة بعينه، وإنما أراد أن يدل على أن الآيتين تحتمل كل واحدة منهما قصة عائشة، وأراد فائدة أشار إليها، أن قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} (¬4) إلى هذا الحد نزل في قصة، على أن ما وراءها قصة أخرى، وحكم آخر يتعلق به شيء، فلما نزلت في وقت آخر قرنت بها، والذي يقتضيه هذا الظاهر عندي أن آية الوضوء التي يذكر التيمم فيها في المائدة هي النازلة في قصة عائشة، وكان الوضوء مفعولا غير متلو فكمل ذكره، وعقب بذكر بدله، واستوفيت النواقص فيه، ثم أعيدت من قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ} هو إلى آخر الآية في سورة النساء مركبة على قوله ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [6]. (¬2) تكررت في "الأصل، ك". (¬3) "صحيح البخاري" (4/ 1673 رقم 89). (¬4) "صحيح البخاري" (4/ 1673 رقم 110).

تعالى: {جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} (¬1) حتى يكمل تلك الآية في سورة النساء، والذي يدل على أن قصة عائشة هي آية المائدة؛ إن المفسرين بالمدينة اتفقوا أن المراد بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} (¬2) يعني من النوم، وكان ذلك في قصة عائشة - رضي الله عنها -، وقال الصفاقسي كلاما طويلًا ملخصه: أن الوضوء كان لازما لهم، وآية التيمم إما المائدة أو النساء، وهما مدنيتان، ولم تكن صلاة قبل إلاَّ بوضوء، فلما نزلت آية التيمم لم يذكر الوضوء لكونه متقدما متلوّا؛ لأن حكم التيمم هو الطارئ على الوضوء. وقيل: يحتمل أن يكون نزل أولا أول الآية وهو فرض الوضوء، ثم نزل عند هذه الواقعة آية التيمم، وهو تمام الآية، وهو {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} (2)، أو يحتمل أن يكون الوضوء كان بالسُّنة لا بالقرآن، ثم أُنزلا معا، فعبَّرت بالتيمم إذ كان هو المقصود، وقال القرطبي وغيره أرادَتْ آية النساء؛ لأن آيتها لا ذكر فيها للوضوء. ص: وقد دلّ على ذلك أيضًا: ما: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الحسن بن صالح، قال: سمعت سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير قال: "كان ابن عباس وابن عمر يقرآن القرآن، وهما على غير وضوء". حدثنا سليمان بن شعب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: نا شعبة، عن سلمة بن كهيل .. فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، عن حماد بن سلمة. وحدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس .. مثله. حدثنا إبراهيم بن محمَّد الصيرفي، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: نا همام، قال: نا قتادة، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن ابن عباس: "أنه كان يقرأ حِزبه وهو محدث". ¬

_ (¬1) سورة النساء، آية: [43]. (¬2) سورة المائدة، آية: [6].

حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أخبرني الأزرق بن قيس، عن رجل يقال له: أبان، قال: "قلت لابن عمر: إذا هرقت الماء، أأذكر الله؟ قال: أيْ شيء إذا هَرقت الماء؟ قال: إذا بُلْتُ. قال: نعم، أذكر الله". فهذا ابن عباس وابن عمر قد رويا عن النبي - عليه السلام - أنه لم يَرُدّ السَّلام في حال الحدث حتى تيمّم، وقد ذكرنا عنهما ذلك فيما تقدّم هنا في هذا الكتاب، وهنا فقد قرءا القرآن في حال الحدث، فلا يجوز ذلك عندنا، إلَّا وقد ثبت النسخ أيضًا عندهما. ش: أي وقد دّل على النسخ الذي ذكرناه ما روي عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم -، بيانه: أنهما قد رويا فيما مضى أن النبي - عليه السلام - لم يرد السلام في حال الحدث حتى تيمم، فدل هذا على أن ذكر الله من غير طهر لا ينبغي أن يفعل، ثم إنه قد روي عنهما أنهما قرءا القرآن وهما محدثان فلا يجوز ذلك عنهما إلاَّ بعد ثبوت النسخ عندهما؛ تحسينا بالظن في حقهما، وقد تقرر أن الصحابي إذا فعل أو أفتى بخلاف ما روى؛ دَلَّ ذلك على ثبوت النسخ عنده؛ لأنهم محفوظون عن المخالفة، ثم إنه أخرج ما روي عن ابن عباس وابن عمر معا من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم هو الفضل بن دكين، عن الحسن بن صالح بن حيّ الكوفي العابد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا وكيع، قال: نا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير: "أن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم -[كانا] (¬2) يقرءان القرآن بعد ما يخرجان من الحدث قبل أن يتوضئا". الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة .. إلى آخره. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 99 رقم 1117). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المصنف".

وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (¬1): قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سلمة ابن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وابن عمر "كانا يقرءان أحزابهما من القرآن بعد ما يخرجان من الخلاء قبل أن يتوضئا". وأخرج ما روي عن ابن عباس وحده من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل. الثالث: عن إبراهيم بن محمَّد الصيرفي البصريّ، وثقه ابن حبان، عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وغيره، عن همام بن يحيى ... آخره. قوله: "حزبه" الحزب: ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالوِرْد، والحزبْ: النوبة في ورود الماء. وأخرج ما روي عن ابن عمر وحده، عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، روى له البخاري وأبو داود والنسائي، عن أبان شيخ بصري تابعي ذكره ابن حبان في التابعين الثقات. قوله: "هرقت" أصله أرقت، والهاء تبدل من الهمزة. قوله: "أأذكر" بهمزتين أولاهما استفهامية. ص: وقد تابعهما على ما ذهبا إليه من هذا قوم. حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن حماد الكوفي، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يُقْرِئْ رجلًا، فلما انتهى إلى شاطئ الفرات كفَّ عنه الرجلُ، فقال له: مالك؟ قال: أحدثت. قال: اقرأ فجعل يقرأ، وجعل يفتح عليه". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 98 رقم 1102).

حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عاصم الأحول، عن عروة، عن سلمان: "أنه أحدث، فجعل يقرأ، فقيل له: أتقرأ وقد أحدثت؟ قال: نعم إني لست بجُنب". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا عبد الرحمن بن زياد، قال: نا شعبة، قال: "سألت قتادة عن الرجل يقرأ القرآن وهو غير طاهر. فقال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: كان أبو هريرة ربما قرأ السورة وهو غير طاهر". حدثنا مرزوق، قال: نا وهب، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد، عن أبي هريرة ... مثله. حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا همام، عن قتادة .. فذكر بإسناده مثله. فقد ثبت بتصحيح ما روينا نَسْخُ حديث ابن عباس ومن تابعه، وثبوت حديث عليّ - رضي الله عنه - على ما قد شدَّه من أقوال الصحابة، فبذلك نأخذ، فَنَكْرَهُ للجنب والحائض قراءة الآية تامة، ولا نرى بذلك بأسا للذي على غير وضوء، ولا نرى لهم جميعًا بأسا بذكر الله -عز وجل-. ش: أي وقد تابع ابن عباس وابن عمر على ما ذهبا إليه من إباحة ذكر الله من غير طهر قوم من الصحابة، وهم: عبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وأبو هريرة. وأخرج أثر ابن مسعود بإسناد صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان الكوفي، عن إبراهيم النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1) مختصرا، عن وكيع، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: "أنه كان معه رجل، فبال ثم جاء، فقال له ابن مسعود: اقرأه". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 99 رقم 1116).

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن معمر، عن عطاء الخراساني، قال: "كان ابن مسعود يفتح على الرجل وهو يقرأ، ثم قام فبال فأمسك الرجل عن القراءة، فقال له ابن مسعود: ما لك؟! اقرأ، وكان يفتح عليه فقرأ". قوله: "إلى شاطئ الفرات" أي إلى جنبه. قال الجوهري: شاطئ الوادي وشطّه: جانبه، والفرات نهر مشهور أوله من شمالي أرمينية الروم آخر بلاد الروم، وآخره يصبّ في بطائح كبار في فضاء العراق بعد الكوفة. قوله: "فجعل" معناه: شرع، وتستعمل استعمال "كاد"، تقول: جعل زيد يفعل كذا، وكذلك "أخذ"، وقد يجيئ جملة إسمية، وفعلا ماضيا، وهما نادران. قوله: "يفتح عليه" يعني يرد عليه إذا توقف في القراءة، ويلقنه، ويأخذ منه. وأخرج أثر سلمان أيضًا من طريق صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج ابن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن عروة بن الزبير بن العوام. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): من وجه آخر، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن معاوية، عن علقمة والأسود: "أن سلمان قرأ عليهما بعد الحدث". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن ابن عيينة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت علقمة بن قيس يقول: "دخلنا على سلمان، فقرأ علينا آيات من القرآن على غير وضوء". وأخرج أثر أبي هريرة من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن. سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 339 رقم 1319). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 98 رقم 1101). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 340 رقم 1324).

وأخرجه عبد الرازق في "مصنفه" (¬1): عن معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب قال: "ربما سمعت أبا هريرة يقرأ ويحدر السورة وإنه لغير متوضئ". قوله: "وهو غير طاهر" أي غير متوضئ، وتشهد لذلك رواية عبد الرزاق. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير .. إلى آخره. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن ابن نمير، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن أبا هريرة كان يخرج من المخرج ثم يحدر السورة". الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن همام بن يحيى، عن قتادة. قوله: "نسخ حديث ابن عباس" وهو الحديث الذي مر ذكره في أوائل الباب، الذي تمسك به أهل المقالة الثانية. وأراد بمن تابعه: ابن عمر، والمهاجر بن قنفذ، وأبا الجهم بن الحارث. وأراد بحديث علي - رضي الله عنه - قوله: "كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ القرآن على كل حال إلا الجنابة". قوله: "على ما قد شده" أي حديث علي "من أقوال الصحابة" وكلمة "من" زائدة، وهي تراد في الإثبات والنفي جميعًا؛ فافهم. قوله: "فبذلك نأخذ" أي بحديث علي نأخذ، وهو إباحة الذكر والقراءة للمحدث بالحدث الأصغر. قوله: "فنكره" أي إذا كان الأمر كذلك؛ نكره للجنب والحائض "قراءة الآية تامة"، أي حال كونها تامة، والمراد كراهة التحريم، وفهم منه أن لهما قراءة ما دون الآية، وعامة المشايخ على أنه تستوي في الكراهة الآية التامة وما دونها، وعلّله صاحب "البدائع" بإطلاق الحديث، وبأن المانع تعظيم القرآن، ومحافظة حرمته، وهذا لا يوجب الفصل بين القليل والكثير. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 338 رقم 1317). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 98 رقم 1103).

قلت: نظر الطحاوي في أن المتعلق بالقرآن حكمان: جواز الصلاة، ومنع الجنب والحائض عن قراءته، ثم في حق أحد الحكمين تفصيل بين الآية وما دونها، فكذلك في الحكم الآخر. وفي "المبسوط": قول أبي سماعة مثل قول الطحاوي، وفي "الجامع" لنجم الدين الزاهدي: وأطلق الطحاوي ما دون الآية للحائض والنفساء والجنب، وهو رواية أبي سماعة عن أبي حنيفة، وعليه الأكثرون، وفي "التجنيس": ويستوي في القراءة الآية وما دونها، وهو الصحيح يعني في الحرمة، وقال أيضًا: إذا حاضت المعلّمة فينبغي لها أن تعلم الصبيان كلمة كلمة، وتقطع بين الكلمتين، على قول الكرخي، وعلى قول الطحاوي: تُعلم نصف آية، ثم تقطع، ثم تعلم نصف آية، ولا يكره لها التهجي بالقرآن، وكذا لا يكره دعاء القنوت، كذا في "المحيط". وذكر الحلواني، عن أبي حنيفة: لا بأس للجنب أن يقرأ الفاتحة على وجه الدعاء. قال الهندواني: لا أفتي بهذا، وإن روي عنه. وفي "العيون": لا بأس للجنب أن يقرأ الفاتحة على وجه الدعاء، أو شيئًا من الآيات التي فيها معنى الدعاء. قوله: "ولا يرى لهم" أي للجنب، والحائض، والذي على غير وضوء. ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في منع الجنب أيضًا من قراءة القرآن ما يوافق ما قلنا. حدثنا إبراهيم بن محمَّد الصيرفي، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: نا زائدة، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبيدة قال: "كان عمر - رضي الله عنه - يكره أن يقرأ القرآن وهو جُنب". حدثنا فهد، قال: نا عمر بن حفص، قال: نا أبي، قال: ثنا الأعمش ... فذكر بإسناده مثله.

فهذا عندنا أولى من قول ابن عباس؛ لما قد وافقه مما رويناه عن رسول الله - عليه السلام - في حديث علي بن أبي طالب وابن عمر وأبي موسى مالك بن عبادة، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. ش: "روي" مستند إلى قوله: "ما يُوافقُ"، وقوله: "ما قلنا" مفعول قوله يُوافقُ. وإسناد أثر عمر صحيح من الطريقين على شرط الشيخين، وزائدة هو ابن قدامة، والأعمش هو سليمان، وشقيق -بن سلمة، وعَبِيدة -بفتح العين، وكسر الباء-: ابن عمرو السَّلْماني بسكون اللام. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عَبِيدة السَلْماني قال: "كان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن وهو جُنُب". وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن حفص وأبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عَبيدة، عن عمر - رضي الله عنه - قال: "لا يقرأ الجنب القرآن". وأخرج الدارمي في "سننه" (¬3): أنا أبو الوليد، نا شعبة، أنا الحكم، عن إبراهيم قال: "كان عمر - رضي الله عنه - يكره أو ينهى أن يقرأ الجنب"، قال شعبة: وجدت في الكتاب: "والحائض". قوله: "وأبي موسى" هو كنية مالك بن عبادة الغافقي، ولهذا قال: "مالك بن عبادة" بعده بطريق عطف البيان. ص: وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضًا ما يدل على خلاف ما رواه نافع في حديث محمَّد بن ثابت الذي ذكرناه فيما تقدم في كتابنا هذا. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 337 رقم 1307). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 97 رقم 1080). (¬3) سنن الدارمي (1/ 252 رقم 992).

حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من الخلاء، فطعم، فقيل له: ألا توضأ؟ فقال: "إني لا أريد أن أصلي فأتوضأ". حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عاصم، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني سعيد بن الحويرث .. فذكر مثله بإسناده. حدثنا ابن أبي داود، قال: نا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: نا رَوْح بن القاسم، عن عمرو بن دينار .. فذكره بإسناده مثله. حدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: نا خالد بن عبد الرحمن، قال: نا حماد بن سلمة، عن عمرو ... مثله بإسناده. أفلا ترى أن رسول الله لما قيل له: "ألا توضأ؟ " قال: "أَأُريد الصلاة فأتوضا؟! ". فأخبر أن الوضوء إنما يُراد للصلاة لا للذكر، فهذا معارض لما رويناه عن ابن عباس في أول هذا الباب، وهذا أولى؛ لأن ابن عباس عمل به بعد رسول الله - عليه السلام - فدلّ عملهُ به على أنه هو الناسخ. ش: أشار بهذا إلى أن ما روي عن ابن عباس من حديث محمَّد بن ثابت العبدي عن نافع، عنه، الذي مضى ذكره في صدر هذا الباب قد نسخ بما رواه عن سعيد بن الحويرث مخالفا له في حُكمه؛ لأن في حديث محمَّد بن ثابت ذكر أنه - عليه السلام - لم يَرُدّ السلام على ذاك الرجل، وقال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلاَّ أني كنت لست بطاهر"، وفي حديث سعيد بن الحويرث لما قيل له: "ألا توضأ؟ " قال: "أَأُريد الصلاة". وبينهما تعارض ظاهر، ولكن حديث محمَّد بن ثابت منسوخ، والدليل عليه أن ابن عباس عمل بحديث سعيد بن الحويرث بعد النبي - عليه السلام -، وهذا دليل علي أن النسخ ثبت عنده؛ لأن الراوي إذا روى حديثين متعارضين ثم عمل بأحدهما أو أفتى به، يدل على ثبوت نسخ

الآخر عنده، ثم إنه أخرج حديث ابن عباس هذا من أربع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره. وهذا على شرط مسلم؛ لأن رجاله كلهم رجاله. وأخرجه مسلم (¬1): أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة .. إلى آخره نحوه. غير أن في لفظه: "فجاء من الغائط فأُتي بطعام"، والباقي مثله سواء. وأخرجه الدارمي أيضًا في "سننه" (¬2): عن أبي نعيم، عن سفيان بن عيينة .. إلى آخره نحو رواية مسلم. قوله: "فطعم" أي أكل، يقال: طَعِمَ يَطْعَمُ طُعْما فهو طَاعِمٌ: إذا أكل أو ذاق، مثل: غَنِمَ يَغْنَمُ غُنْما فهو غَانِمٌ، قال الله تعالى،: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} (¬3)، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} (¬4) أي من لم يذقه. قوله: "ألا توضأ" أصله تتوضأ، فحذفت إحدى التائين للتخفيف. قوله: "فأتوضأ" بالنصب عطفا على قوله: "أن أصلي"، والمعنى لا أريد الصلاة حتى أتوضأ. الثاني: عن أبي بكرة بكَّار، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج .. إلى آخره. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 283 رقم 374). (¬2) "سنن الدارمي" (1/ 216 رقم 767). (¬3) سورة الأحزاب، آية: [53]. (¬4) سورة البقرة، آية: [249].

وأخرجه مسلم (¬1): حدثني محمَّد بن عمرو بن عباد بن جبلة، قال: نا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: نا سعيد بن حويرث، أنه سمع ابن عباس يقول: "إن النبي - عليه السلام - فقضى حاجته من الخلاء، فُقرّب إليه طعام فأكل؛ ولم يمسّ ماء" فقال: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث: "أن النبي - عليه السلام - قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ" وزعم عمرو أنه سمعه من سعيد بن الحويرث. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود، عن محمَّد بن المنهال .. إلى آخره. وأخرجه الكِسِّي في "مسنده" (¬2): أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة. وعن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس: "أن رسول الله - عليه السلام - خرج من الغائط، ثم أراد أن يَطْعَم، فقيل: ألا توضأ؟ فقال إنما أمرتم بالوضوء للصلاة". الرابع: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (¬3): نا حماد بن سلمة وحماد بن زيد، عن عمر وبن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس، قال: "خرج رسول الله - عليه السلام - من الخلاء، فقالوا: نأتيك بوضوء؟ فقال: أأصلي فأتوضا؟! ". وأخرجه الطبراني بإسناده (¬4): عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "خرج النبي - عليه السلام - من الغائط، ثم قعد فَطَعِمَ، فقالوا: يا رسول الله، ألا تتوضأ؟ قال: إنما أمرت بالوضوء للصلاة، فأما للطعام فلا". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 283 رقم 374). (¬2) الكسّي هو عبد بن حميد بن نصر أبو محمَّد الكسّي، والحديث في مسنده (1/ 230 رقم 690). (¬3) "مسند الطيالسي" (1/ 361 رقم 765). (¬4) "المعجم الكبير" (12/ 82 رقم 12547).

وأخرجه أيضًا (¬1): من حديث ابن أبي مليكة، عن ابن عباس نحوه. ص: فإن عارض في ذلك معارض بما حدثنا فهد، قال: نا أحمد بن يونس، قال: أنا زهير، قال: نا جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: "ما أتى رسولُ الله - عليه السلام - الخلاءَ إلا توضأ حين يخرج وضوءه للصلاة". قالوا: فهذا يدلّ على فساد ما رويتموه عن عائشة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يذكر الله على كل أحيانه". قيل له: ما في هذا دليل على ما ذكرت؛ لأنه قد يجوز أن يكون كان يتوضأ إذا خرج من الخلاء، ولا يتوضأ إذا بال، فيكون ذلك الحين حين حدث قد كان يذكر الله فيه، فيكون معنى قولها: "كان يذكر الله في كل أحيانه" أي في حين طهارته وحدثه، حتى لا تتضاد الآثار، مع أنه قد خالف ذلك حديث ابن عباس، عن رسول الله - عليه السلام - لما قال: "أأرُيد الصلاة فأتوضأ"، فَدلّ ذلك على أنه لم يكن يتوضأ إلَّا وهو يريد الصلاة، فقد يحتمل أن يكون ما حضرت منه عائشة من الوضوء عند خروجه إنما هو لإرادته الصلاة لا للخروج من الخلاء، ويحتمل أيضًا أن يكون ذلك إخبارا منها عما كان يفعل قبل نزول الآية، وما في حديث خالد بن سلمة إخبارا منهما ما كان يفعل بعد نزول الآية، حتى يتفق ما روي عنها وما روي عن غيرها، ولا يتضاد من ذلك شيئًا. ش: بيان المعارضة: أن حديث الأسود، عن عائشة يدلّ على أن الذكر وقراءة القرآن لا بد لهما من الطهر، وأنه أيضًا يدل على فساد ما روي عنها: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يذكر الله على كل أحيانه" وذلك للتعارض بينهما ظاهرا، والعمل بحديث الأسود أولى، حملا لحال الرسول - عليه السلام - على أكمل الأحوال، والجواب عنها ظاهر. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (11/ 122 رقم 11241).

قوله: "مع أنه قد خالف ذلك" أي مع أن الشأن: قد خالف حديث الأسود حديث ابن عباس. قوله: "قبل نزول الاية" أي آية الوضوء، وأراد بحديث خالد بن سلمة هو الحديث الذي رواه عن عروة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يذكر الله على كل أحيانه" ورجال حديث الأسود عن عائشة ثقات إلاَّ أن في جابر بن يزيد الجعفي مقالا وأحمد بن يونس: الضبي، قال الدارقطني: صدوق ثقة. وزهير: ابن معاوية، والأسود: ابن يزيد بن قيس.

ص: باب: حكم بول الغلام والجارية قبل أتى يأكلا الطعام

ص: باب: حكم بول الغلام والجارية قبل أتى يأكلا الطعام ش: أي هذا باب في بيان حكم بول الصغير والصغيرة قبل أن يأكلا الطعام، وجه المناسبة بين البابين: أن الأول يشتمل على أحكام النجس الحكمي، وهذا على أحكام النجس الحقيقي. "الغلام" هو من حين يُولد إلى أن يَشِبَّ، وقيل: هو الذي طَرّ شاربُه، وفي "المخصّص": هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين. وعن أبي عُبَيد: هو المترعرع. وفي "أساس البلاغة" للزمخشري: الغلام هو الصغير إلى حدَّ الالتحاء، فإن أجرى عليه بعد ما صار مُلتحيا اسم الغلام فهو مجاز (¬1). ويروى عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - في بعض أراجيزه. أنا الغلام الهاشمي المؤتمن (¬2). وقالت ليلى الأخيلية في الحجاج: غلام إذا هزَّ القناة ثَناها (¬3). وقال بعضهم: يستحق هذا الاسم إذا ترعرع وبلغ الاحتلام بشهوة النكاح؛ كأنه يشتهي النكاح ذلك الوقت، ويُسمى قبل ذلك: الغلام، تفاؤلا، وبعد ذلك مجازا. ¬

_ (¬1) لم أقف عليه في النسخة المطبوعة من أساس البلاغة. (¬2) المؤتمن تحرفت في "الأصل، ك"، فلم تَظهر، وفرأها بعض الباحثين: "المكي"، كما في رسالة "بدر الدين العيني، وأثره في علم الحديث" (ص 207)، وهو غلط وزنًا ومعنى. والصواب ما أثبتناه، وعجزُه: أبو حسين، فاعلمنَّ. انظر "نيل الأوطار" (1/ 57). (¬3) صَدْرُ البيت: شفاهًا من الداء العُقام الذي بها. انظر: "الكامل للمبرد" (1/ 306)، "زهرالآداب" للحُصْري (2/ 935) وغيرهما.

وفي "الموعب" لأبي غالب بن التياني: لا يقال للأنثى: غلامة إلَّا في كلام قد ذهب في ألسنة الناس. وفي "الجمهرة": غلام رَعرعٌ، ورعراع، ولا يكون ذلك إلاَّ مع حسن الشباب، ويجمع على أَغْلِمة، وغِلْمة، وغِلْمان. وفي "الصحاح": استغنوا بغلمة عن أغلمة، وتصغير الغلمة: أُغَيْلِمَة على غير مُكَبَّره؛ كأنهم صغروا أغلمة، وإن كانوا لم يقولوا. وفي كتاب "خلق الإنسان": قال الأصمعي: يقال: غلام طفل، وجارية طِفْلة، وفيه: قال بعضهم: ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين، فإذا ولدته سمى صبيّا ما دام رضيعا، فإذا فُطِمَ سُمِّي غلاما إلى سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج، ثم يصير حَزَوّرا إلى خمس عشرة سنة، ثم يصير قُمُدا إلى خمس وعشرين سنة، ثم يصير عَنَطْنَطا إلى ثلاثين سنة، ثم يصير صُمّلا إلى أربعين سنة، ثم يصير كهلا إلى خمسين سنة، ثم يصير شيخا إلى ثمانين سنة، ثم يصير هِمَّا بعد ذلك فانيا كبيرا (¬1). ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: نا بكر بن خلف، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: أخبرني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن عليّ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الرضيع: "يُغْسل بول الجارية، وينضح بول الغلام". ش: بكر بن خلف البصري شيخ البخاري وأبي داود وابن ماجه. وأبو حرب روى له مسلم، وأبوه: أبو الأسود اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، روى له الجماعة، وهو أول من تكلم في النحو. وأخرجه أبو داود (¬2)، نا مُسدد، قال: نا يحيى، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي - رضي الله عنه - قال: "يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام ما لم يطعم". ¬

_ (¬1) انظر فتح الباري (8/ 698). (¬2) "سنن أبو داود" (1/ 103 رقم 377).

نا (¬1) ابن المثنى، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن علي بن أبي طالب: "أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال .. " فذكر معناه، لم يذكر: "ما لم يطعم". زاد: قال قتادة: "هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعًا". وأخرجه ابن ماجه (¬2)، والترمذي (¬3)، وقال: حديث حسن، وذكر أن هشاما الدستوائي رفعه عن قتادة، وأن سعيد بن أبي عروبة وقفه عنه ولم يرفعه، وقال البخاري: وسعيد بن أبي عروبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي يرفعه وهو حافظ. وأخرجه الدارقطني (¬4): عن أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الآدمي، عن الهيثم العبدي، عن معاذ بن هشام ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، وفي آخره: قال قتادة: "هذا ما لم يطعما فإذا طعما الطعام غسلا جميعا". قوله: "في الرضيع" وهو اسم للمولود الذي يرضع، يقال: رَضِعَ الصبيّ أمّه يَرْضَعُها رضاعا مثل سَمِع يسْمَع سماعا، وأهل نجد يقولون: رَضَع يرضِع رَضْعا مثل: ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبا، وأرْضَعَتْه أمّه، وامرأة مُرضع أي لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاع الولد، قلت: مرضعة. قوله: "ويُنضح" من نَضَحَ الماء عليه يَنْضَحُهُ نَضْحا إذا ضربه بشيء فأصابه منه رشاش، ونَضَحَ عليه الماءُ رَش، قاله ابن سيدة. وقال الأصمعي: نَضَحْتُ عليه الماء نَضْحا، وأصابه نَضَحٌ من كذا. ¬

_ (¬1) "سنن أبو داود" (1/ 103 رقم 378). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 174 رقم 525). (¬3) "جامع الترمذي" (2/ 509 رقم 610). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 129 رقم 2).

وقال ابن الأعرابي: النضح ما كان على اعتماد (¬1)، والنضخ ما كان على غير اعتماد، وقيل: هما لغتان بمعنى، وكله رَشٌّ. وقال أبو علي: النضح ما كان من علو إلى سفل، ونضح البيت يَنْضِحُه نضحا، رشه رشا خفيفا، وفي "الجامع للقزاز": نضحت الشيء بالماء إذا رششته، والنضح أكثر من النضخ في رش الماء، ومنه قول قتادة: النَّضْحُ من النضح (¬2)، وقالوا: النضح ما بقي له أثر، وقيل: النضخ بما غلظ كالدم والطيب، والنضح بالحاء المهملة بما رق، وفي "المنتهى" لأبي المعالي: النضح الرش، وأصابنا نضح من مطر، ونضْحُه، أي: مطر خفيف، وفي "الواعي" لأبي محمَّد، و"الصحاح" لأبي نصر، و"المجمل" لابن فارس، و"الجمهرة" لابن دريد، وابن القوطية، وابن القطاع، وابن طريف في "الأفعال"، والفارابي في "ديوان الأدب"، ويعقوب في "الألفاظ"، وكراع في "المنتخب"، وغيرهم: النضح: الرش. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن قابوس بن المخارق، عن لُبَابة بنت الحارث: "أن الحسين بن عليّ - رضي الله عنهما - بال على النبي - عليه السلام -، فقلت: أعطني أغسله. فقال: إنما يغسل من الأنثى وينضح من بول الذكر". ش: إسناده صحيح، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي. وقابوس بن المخارق الكوفي ثقة. ¬

_ (¬1) جاء بَعْده -كما في "اللسان"-: "وهو ما نضحته بيدك مُعْتَمِدًا" وفي "النهاية" (5/ 70): "وقيل: هو -بالمعجمة- ما فُعل تَعَمُّدًا، وبالمهملة: من غير تعمد وهو قريب مما في اللسان (نضخ) -بالمعجمة- عن الأصمعي. (¬2) النضخ كذا هنا بالخاء المعجمة، وهذا الأثر في النهاية (5/ 70) -وعنه: اللسان-: بالحاء المهملة في الكلمتين.

ولُبَابَة بنت الحارث بن حزن أم الفضل الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي - عليه السلام - وهي زوجة العباس بن عبد المطلب. وأخرجه أبو داود (¬1): نا مسدد والربيع بن نافع أبو توبة، قالا: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن قابوس، عن لُبَابَة بنت الحارث قالت: "كان الحسن بن علي في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبال عليه، فقلت: الْبس ثوبا، وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر". وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬2): من وجوه، وفي أحدها: "جاءت أم الفضل -يعني لُبَابَة- إلى النبي - عليه السلام -. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا أبو الأحوص ... فذكره مثله بإسناده. ش: هذا طريق اخر، وهو أيضًا صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة صاحب "المصنف" و"المسند"، عن أبي الأحوص سلام ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (¬3): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن قابوس بن أبي المخارق، عن لُبَابَة بنت الحارث، قالت: "بال الحسين بن علي في حجر النبي - عليه السلام - فقلت: يا رسول الله، أعطني ثوبك والبَسْ ثوبا غيره، فقال: إنما ينضح من بول الذكر، ويغسل من بول الأنثى". وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (¬4) والكجي في "سننه". ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني مالكٌ والليث وعمرو ويونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس ابنة محصن: ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 102 رقم 375). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 414 رقم 3957). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 174 رقم 522). (¬4) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 143 رقم 282) من طريق أبي الأحوص به.

"أنها أتت بابن لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه رسول الله - عليه السلام - في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، وثم يغسله". ش: هؤلاء كلهم رجال الصحيح، ويونس هو ابن عبد الأعلى، وابن وهب عبد الله، وعمرو هو ابن الحارث المصري، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله الفقيه الأعمى المدني أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. وأخرجه الجماعة: فالبخاري (¬1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ... إلى آخره نحوه. ومسلم (¬2) عن محمَّد بن عبيد الله بن المهاجر، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أم قيس بنت محصن: "أنها أتت رسول الله - عليه السلام - بابن لها لم يأكل الطعام، فوضعته في حجره فبال، قال: فلم يزد على أن نضح بالماء". وفي رواية لمسلم (¬3): "فدعا بماء فرشه". وأبو داود (¬4)، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. والترمذي (¬5): عن قتيبة وابن منيع، كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس بنت محصن، قالت: "دخلت بابن لي على النبي - عليه السلام - لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء فرشه عليه". والنسائي (¬6): عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 90 رقم 221). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 238 رقم 287). (¬3) سبق تخريجه. (¬4) "سنن أبو داود" (1/ 102 رقم 274). (¬5) "جامع الترمذي" (1/ 104 رقم 71). (¬6) "المجتبى" (1/ 157 رقم 302).

وابن ماجه (¬1): عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، كلاهما عن سفيان ابن عيينة، عن الزهري .. إلى آخره، نحو رواية الترمذي. وأخرجه الطبراني (¬2): بأتم منه، نا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر وابن جريج وابن عيينة، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة: "أن أم قيس بنت محصن، وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله - عليه السلام - فأخبرتني أنها أتت رسول الله - عليه السلام - بابن لها لما يبلغ أن يأكل الطعام، وقد أغلَقَت عليه من العُذرة رفعتها بيدها فقال رسول الله - عليه السلام -: عَلامَ تذعرن أولادكن بهذه العلائق، عليكم بهذا العود الهذي يعني القُسط، فإن فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنُب. قال عبيد الله: فأخبرتني أم قيس أن ابنها بال في حجر النبي - عليه السلام -، فدعا رسول الله - عليه السلام - بماء، فصبه على بوله ولم يغسله". قوله: "أم قيس" قال السهيلي: اسمها آمنة بنت وهب بن مِحْصن، وقال أبو عمر: اسمها جُذامة، وهي أخت عكاشة بن محصن. قوله: "في حجره" بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان. قوله: "فبال على ثوبه" الظاهر أن الضمير في "ثوبه" يرجع إلى النبي - عليه السلام -، وقد قيل: إنه يرجع إلى الابن، أي بال الابن على ثوب نفسه، وهو في حجره - عليه السلام -، فنضح عليه الماء خوفا أن يكون طار على ثوبه منه شيء. قلت: وهذا تأييد لقول الحنفية، فافهم. قوله: "أعلقت عليه" رفعتها بيدها. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 174 رقم 524). (¬2) "المعجم الكبير" (25/ 177 رقم 435).

"والعذرة" بضم العين المهملة، وسكون الذال المعجمة: وجع الحلق من الدم، وذلك الموضع أيضًا سمي عذرة، وهو قريب من اللَّهاة. قوله: "تذعرن" من ذَعَرْتُه أَذْعَره ذَعْرا: أفزعته، والاسم الذُّعر بالضم. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري ... فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد ابن مسلم الزهري .... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أم قيس بنت محصن قالت: "دخلتُ على النبي - عليه السلام - بابن لي لم يطعم فبال عليه، فدعا بماء، فرشه عليه". وأخرجه الدارمي في "سننه" (¬2): أنا عثمان بن عمر، أنا مالك بن أنس، وحدثناه عن يونس أيضًا، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس بنت محصن: "أنها أتت النبي - عليه السلام - بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، فأجلسته في حجره، فبال عليه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله". ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: نا زائدة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "أتى النبي - عليه السلام - بصبي يحنكه، ويدعو له، فبال عليه، فدعى بماء فنضحه، ولم يغسله". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه البخاري (¬3): نا عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "أتى النبي - عليه السلام - بصبي فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه إياه". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد (6/ 355 رقم 27041). (¬2) "سنن الدارمي" (1/ 206 رقم 741). (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 89 رقم 220).

ومسلم (¬1): عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، قالا: نا عبد الله بن نُمَيْر، قال: نا هشام، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يؤتى بالصبيان فيُبرِّك عليهم ويحنِّكهم، فأتى بصبي فبال عليه، فدعاء بماء فأتبعه بوله ولم يغسله" وفي رواية: "فصبَّه عليه". والنسائي (¬2): عن قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحو رواية البخاري. وابن ماجه (¬3): عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمَّد، قالا: ثنا وكيع، نا هشام بن عروة .. إلى آخره نحو رواية مسلم. قوله: "بصبي" ذكر الدارقطني (¬4): من حديث الحجاج بن أرطاة أن هذا الصبي هو عبد الله بن الزبير، وأنها قالت: "فأخذته أخذا عنيفا، فقال - عليه السلام -: إنه لم يأكل الطعام فلا يضر بوله" وفي لفظ: "فإنه لم يطعم الطعام فلا يقذر بوله". وقد قيل: إنه الحسن. وقيل: إنه الحسين. قلت: كل ذلك يحتمل، لروايات جاءت في ذلك. الصبيُّ اسم لمن يولد إلى أن يبلغ، وذكر ابن سيدة في "المخصص"، عن ثابت: يكون صبيا ما دام رضيعا، وقال كراع في "المنتخب": أول ما يولد الولد يقال له: وليد، وطفل، وصبي، وعن الأصمعي: أول ما يولدُ: صبيُّ، ثم طفل. وقال ابن دريد: جمعه صبيان، وصبوان وهذه أضعفها بناء مُكبَّره. وقال ابن السكيت: صبية، وصبوة. وقال سيبويه: ومما حقر على غير بناء مُكبره قولهم في صِبْيَة: أُصَيبية. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 237 رقم 286). (¬2) "المجتبى" (1/ 157 رقم 303). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 174 رقم 523). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 129 رقم 1).

وفي "المحكم": صبية، وصُبية، وصبوان، وصُبْوان، وأما قول بعضهم: صُبْيان بضم الصاد، والياء (¬1)، ففيه من النظر (¬2) وفي "الجامع": صبي بين الصباء ممدودا، وفي "الصحاح" إذا مددت فتَحَت، وإذا كسرت قصرت، ولم يقولوا: أصبية استغناء بصِبْيَة، وجمع الصَّبيَّة صَبَايَا. قوله: "يحنكه" من حَنَكَ الصَّبي، وحنَّكه بالتخفيف، والتشديد، وهو أن يمضغ التمر ونحوه، وذلك به حنكه. وهذا كما رأيت أخرج الطحاوي في هذا الباب، عن علي، ولبابة بنت الحارث، وأم قيس، وعائشة، وابن أبي ليلى، وقال الترمذي: وفي الباب، عن علي، وعائشة، وزينب، وأبي السمح، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وأبي ليلى. قلت: وفي الباب، عن أنس، وأبي أمامة، وأم سلمة، وأمر كرز - رضي الله عنهم -. فحديث زينب بنت جحش عند الطبراني في "الكبير" (¬3): نا علي بن عبد العزيز، نا أبو نعيم، نا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن ابن القاسم مولى زينب، عن زينب بنت جحش: "أن النبي - عليه السلام - كان نائما عندها، وحسين يحبو في البيت، فغفلت عنه، فحبا حتل بلغ النبي - عليه السلام - فصعد على بطنه ثم وضع ذكره في سرته، قالت: واستيقظ النبي - عليه السلام -، فقمت إليه فحططته عن بطنه، فقال النبي - عليه السلام -: دعي ابني، فلما قضى بوله أخذ كوزا من ماء فصبه عليه، ثم قال: إنه يُصَبُّ من الغلام ويُغْسل من الجارية. قالت: ثم توضأ، ثم قام يصلي واحتضنه، فكان إذا ركع وسجد وضعه، وإذا قام حمله، فلما جلس جعل يدعو، ويرفع يديه، ويقول، فلما ¬

_ (¬1) قوله: والياء، ليس يعني: وضم الياء، كما قد يُتَوَهَّم، فهذا مُتَعذَّر، وإنما مراده أنه بالياء، وليس بالواو. (¬2) وفي "اللسان" (مادة: صبا) أنه ضم الصاد بعد أن قُلبت الواو ياءً في لغة من كسر فقال: صِبْيان، فلما قلبت الواو ياءً للكسرة، ضُمت الصاد بعد ذلك، وأُقرت الياء بحالها التي هي عليها في لغة من كسر. (¬3) "المعجم الكبير" (24/ 54 رقم 141).

قضى الصلاة قلت: يا رسول الله، لقد رأيتك تصنع اليوم شيئًا من رأيتك تصنعه! قال: إن جبريل - عليه السلام - أتاني، وأخبرني أن ابني يقتل، قلت: فأرني إذا فأتاني تربة حمراء". قلت: وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وحديث أبي السمح عند أبي داود (¬1): نا مجاهد بن موسى وعباس بن عبد العظيم العنبري، قالا: نا عبد الرحمن بن مهدي، قال: نا يحيى بن الوليد، قال: حدثني مُحِلّ بن خليفة، قال: حدثني أبو السَمْح، قال: "كنت أخدم النبي - عليه السلام - فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولِّني قفاك، فأوليه قفاي فأستره به، فأتى بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: يُغسل من بول الجارية، ويُرش من بول الغلام". وأخرجه النسائي (¬2)، وابن ماجه (¬3). وأبو السمح لا يعرف له اسم، ولا يعرف له غير هذا الحديث، كذا قال أبو زرعة الرازي، وقال غيره، اسمه إيادُ، والله أعلم. وحديث عبد الله بن عمرو وعند الطبراني في "الأوسط" (¬4) بإسناد حسن عنه: "أن رسول الله - عليه السلام - أتي بصبي فبال عليه فنضحه، وأتى بجارية فبالت عليه فغسله". وحديث ابن عباس عند الدارقطني (¬5): نا محمَّد بن عمرو بن البختري، نا أحمد بن الخليل، نا الواقدي، نا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "أصاب النبي - عليه السلام - أو جلده بول صبي وهو صغير، فصب عليه من الماء بقدر البول". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 102 رقم 376). (¬2) "المجتبى" (1/ 158 رقم 304). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 175 رقم 526). (¬4) "المعجم الأوسط" (1/ 251 رقم 824). (¬5) "سنن الدارقطني" (1/ 130 رقم 5).

وحديث أنس بن مالك عند الطبراني في "الكبير" (¬1): بإسناده عنه، قال: "بينا رسول الله - عليه السلام - راقد في بعض بيوته على قفاه، إذ جاء الحسن بدرج حتى قعد على صدر النبي - عليه السلام - ثم بال على صدره، فجئت أميُطه عنه، فانتبه رسول الله - عليه السلام - فقال لي: ويحك يا أنس، دع ابني وثمرة فؤادي، فإنه من آذى هذا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ثم دعا رسول الله - عليه السلام - بماء فصبه على البول صبَّا، فقال: يُصَبُّ على بول الغلام، ويغسل بول الجارية". قلت: وفي إسناده نافع أبو هرمز، وقد أجمعوا على ضعفه. وحديث أبي أمامة عند الطبراني أيضًا في "الكبير" (¬2) عنه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى بالحسين فجعل يقبله، فبال، فذهبوا ليتناولوه، فقال: ذروه، فتركه حتى فرغ من بوله" وفي إسناده [عفير] (¬3) بن معان، وقد أجمعوا على ضعفه. وحديث أم سلمة عند الطبراني أيضًا في "الأوسط" (¬4)، عنها: "أن الحسن أو الحسين بال على بطن النبي - عليه السلام - فقال النبي - عليه السلام - لا تُزرموا ابني أو لا تستعجلوه، فتركه حتى قضى بوله، فدعى بماء فصبه عليه" وإسناده حسن. وحديث أم كرز عند ابن ماجه (¬5): نا محمَّد بن بشار، نا أبو بكر الحنفي، نا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أم كرز، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬6). ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (3/ 42 رقم 2627). (¬2) "المعجم الكبير" (8/ 167 رقم 7699). (¬3) في "الأصل، ك": عمرو، وهو تحريف، والمثبت من "المعجم الكبير" ومصادر ترجمته، وانظر "تهذيب الكمال" (20/ 176). (¬4) "المعجم الأوسط" (6/ 204 رقم 6197). (¬5) "سنن ابن ماجه" (1/ 175 رقم 527). (¬6) "المعجم الكبير" (25/ 168 رقم 408).

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى التفريق بين حكم بول الغلام، وبول الجارية قبل أن يأكلا الطعام، فقالوا: بول الغلام طاهر، وبول الجارية نجس. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن، والأوزاعي، وابن وهب، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور؛ فإنهم فرقوا بين حكم بول الصغير، وبول الصغيرة. وأعلم أنه أجمع المسلمون أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس، واختلفوا في بول الصبي والصبيَّة إذا كانا رضيعين لا يأكلان الطعام. فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: بول الصبي والصبية كبول الرجل. وبه قال الثوري، والحسن بن حيّ. وقال الأوزاعي: لا بأس ببول الصبي مادام يشرب اللبن ولا يأكل الطعام. وهو قول ابن وهب. وقال الشافعي: بول الصبي ليس بنجس، ولا يبين لي فرق ما بين الصبي والصبية، ولو غُسل كان أحبَّ إلي. وقال الطيبي: بول الصبية يغسل غسلا، وبول الصبي يتبع بماء، وهو قول الحسن البصري. وقال النووي: الخلاف في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلَّا داود الظاهري، وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض، عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: بول الصبي طاهر وينضح فحكاية باطلة قطعا. قلت: هذا إنكار من غير برهان، ولم يُنْقَل هذا عن الشافعي وحده، بل نُقِل عن مالك أيضًا، أن بول الصغير الذي لا يطعم طاهر، وكذا نُقِلَ عن الأوزاعي وداود الظاهري.

ثم قال النووي (¬1): وكيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا: الصحيح المشهور المختار: أنه يكفي النضح في بول الصبي، ولا يكفي في بول الجارية بل لا بد من غسله كغيره من النجاسات. والثاني: أنه يكفي النضح فيهما. والثالث: لا يكفي النضح فيهما، وهما شاذان ضعيفان. وممن قال بالفرق: علي بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن وهب من أصحاب مالك، ورُوي عن أبي حنيفة. وأما حقيقة النضح هنا فقد اختلف أصحابنا فيها، فذهب الشيخ أبو محمَّد الجويني والقاضي حسين والبغوي إلى أن معناه: أن الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات، بحيث لو عصر لا يعصر، وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أن النضح: أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء [وتَردُّده] (¬2) وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يشترط فيها أن تكون بحيث يجري بعض الماء ويتقاطر في المحل، وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار. ثم إن النضح إنما يجزئ ما دام الصبي يُقْتَصَر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف. وقال ابن حزم في "المحلى": وممن فرق بين بول الغلام وبول الجارية أم سلمة: -أم المؤمنين- وعلي بن أبي طالب ولا مخالف لهما من الصحابة، وبه يقول قتادة، والزهري وقال: مضت السُّنة بذلك، وعطاء بن أبي رباح والحسن والأوزاعي ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": وترده، والمثبت من "شرح مسلم" للنووي (3/ 257). (¬2) سبق تخريجه.

والشافعي وأحمد إلَّا أنه قد رُوي عن الحسن: التسوية بين بول الغلام والجارية في الرش عليهما جميعا. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فسووا بين بولهما جميعا وجعلوهما نجسين. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: إبراهيم النخعي، وسعيد بن المسيب، والحسن بن حي، والثوري، وأبا حنيفة وأصحابه، ومالكا وأكثر أصحابه، فإنهم لم يفرقوا بين بولي الصغير والصغيرة في نجاسته، وجعلوهما سواء في وجوب غسله منهما. وقال القاضي عياض: في مذهبنا ثلاثة أقوال: - قول بنجاسة بولهما وغسلهما، وهو المشهور عن مالك وأصحابه، وهو قول أبي حنيفة والكوفيين. - وقول بطهارة بول الصبي وحدة ونضحه، ونجاسة بول الجارية، وهو قول الشافعي وأحمد وجماعة من السلف وأصحاب الحديث، وابن وهب من أصحابنا. - والقول الثالث: رواه الوليد بن مسلم عن مالك، وهو قول الحسن البصري، وقد ذكرنا قوله عن قريب. ص: وقالوا: قد يحتمل قول النبي - عليه السلام -: "بول الغلام ينضح" إنما أراد بالنضح صب الماء عليه؛ فقد تُسمي العرب ذلك نضحا، ومنه قول النبي - عليه السلام -: "إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبه" فلم يعن بذلك النضح الرش، ولكنه أراد: يلزق بجانبها. قالوا: وإنما فوق بينهما لأن بول الغلام يكون في موضع واحد لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرق لسعة مخرجه، فأمر في بول الغلام بالنضح، ويريد: صب الماء في موضع واحد، وأراد بغسل بول الجارية أن يتتبع بالماء؛ لأنه يقع في مواضع متفرقة، وهذا محتمل لما ذكرناه.

ش: أي قال هؤلاء الآخرون: وأشار به إلى الجواب عن ما قاله أهل المقالة الأولى من تعين النضح لبول الغلام؛ محتجين بحديث علي - رضي الله عنه - وغيره. تحريره: أن يقال: يحتمل أن يراد من النضح صب الماء عليه؛ لأن العرب تُسمي ذلك نضحا، كما في قوله - عليه السلام - "إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها" فإنه - عليه السلام - لم يرد بذلك النضح الرش، ولكنه أراد أنه يلزق بجانبها ويضربه. وهذا الحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا يزيد، أنا جرير، أنا الزبير بن خرِّيت، عن أبي لبيد قال: "خرج رجل من ضاحية مهاجرا -يقال له: بَيْرَح بن أسد- فقدم المدينة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأيام، فرآه عمر - رضي الله عنه - فعلم أنه غريب، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من أهل عمان. قال: من أهل عمان؟ قال: نعم. قال: فأخذ بيده فأدخله على أبي بكر - رضي الله عنه - فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: إني لأعلم أرضا يقال لها: عمان، ينضح بناحيتها البحر، لو أتاهم رسول (¬2) ما رموه بسهم ولا حجر". قلت: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أبو يعلى أيضًا في "مسنده" (¬3): وفيه لمازة بن زبار وهو ثقة. ومن الدليل على أن النضح هو صب الماء والغسل من غير عرك: قول العرب: [غسلتني] (¬4) السماء، وإنما يقولون ذلك عند إنصباب المطر عليهم. وكذلك يقال: غسلني التراب إذا انصب عليه. وقال أبو عمر: الظاهر من معنى النضح صب الماء دون الرش؛ لأن الرش لا يزيد النجاسة إلَّا نثرا. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 44 رقم 358). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "مسند أحمد": "بها حيّ من العرب، لو أتاهم رسولي .. ". (¬3) "مسند أبي يعلى" (1/ 101 رقم 106). (¬4) في "الأصل، ك" غسلني.

وقد قال بعض من ينصر قول أهل المقالة الثانية: إن النضح قد يذكر ويراد به الغسل، وكذلك الرش يذكر ويراد به الغسل. أما الأول: فيدل عليه ما رواه أبو داود (¬1) وغيره: عن المقداد بن الأسود: "أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أمره أن يسأل رسول الله - عليه السلام - عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي، ماذا عليه؟ قال علي: فإن عندي ابنته وأنا استحي أن أسأله. قال المقداد: فسألت رسول - عليه السلام - عن ذلك فقال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة". ثم الذي يدل على أنه أريد بالنضح ها هنا الغسل ما رواه مسلم (¬2): وغيره عن علي - رضي الله عنه - قال: "كنت رجلًا مذاءا، فاستحييت أن أسأل رسول الله - عليه السلام - لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن أسود، فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ". والقضية واحدة، والراوي عن رسول الله - عليه السلام - واحد. ومما يدل على أن النضح يذكر ويراد به الغسل: ما رواه الترمذي (¬3): وغيره عن سهل بن حنيف قال: "كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر منه الاغتسال، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنما يجزئك ذلك الوضوء. قلت: يا رسول الله، فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ فقال: يكفيك أن تأخذ كفّا من ماء فتنضح به من ثوبك حيث ترى أنه أصابه" وأراد بالنضح ها هنا الغسل، فافهم. وأما الثاني: وهو أن الرش يذكر ويراد به الغسل فقد صح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه لما حكى وضوء رسول الله - عليه السلام - أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، وأراد بالرش ها هنا: صب الماء قليلا قليلا، وهو الغسل بعينه. ¬

_ (¬1) "سنن أبو داود" (1/ 53 رقم 207). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 247 رقم 303). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 197 رقم 115).

ومما يدل على أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل: قوله - عليه السلام - في حديث أسماء - رضي الله عنها -: "تحتُّه، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه" معناه تغسله، هذا في رواية الشيخين (¬1)، وفي رواية الترمذي (¬2): "حُتيَّه، ثم اقرصيه، ثم رشِّيه وصلي فيه" أراد اغسليه، قاله البغوي. فلما ثبت أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل، وجب حمل ما جاء في هذا الباب من النضح والرش على الغسل، بمعنى إسالة الماء عليه من غير عرك؛ لأنه متى صب الماء عليه قليلا قليلا حتى تقاطر وسال، حصل الغسل؛ لأن الغسل هو الإساله، فافهم. فإن قيل: قد صرح في رواية مسلم وغيره: "فأتبعه بوله، ولم يغسله"، فكيف تحمل النضح والرش على الغسل؟ قلت: معناه: ولم يغسله بالعرك كما يغسل سائر الثياب إذا أصابتها النجاسة، ونحن نقول به. قوله: "قالوا: وإنما فرق بينهما .. الخ" أي قال أهل المقالة الأولى: إنما فرق في الحديث بين الصغير والصغيرة؛ "لأن بول الغلام ... إلى آخره"، إنما ذكر هذا تأكيدا لما قاله، إنما أراد بالنضح صب الماء عليه؛ لأنهم قالوا في هذه التفرقة: إن المراد بالنضح في بول الغلام صب الماء في موضع واحد، ومن الغسل في بول الجارية أن يتتبع بالماء لأنه يقع في مواضع متفرقة. وهذا بعينه يؤيد ما ذكرنا من أن المراد بالنضح صب الماء، فلذلك قال: "وهذا محتمل لما ذكرنا"، أي هذا الذي ذكروه من الصب في بول الغلام، وتتابع الماء في بول الجارية مُحْتَمَلُ لما ذكرناه، وهو بفتح الميم، فافهم. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 91 رقم 225)، ومسلم (1/ 240 رقم 291). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 254 - 255 رقم 138).

ثم وجه التفرقة بينهما: هو ما ذكروه من أن بول الغلام يقع في موضع واحد لضيق مخرجه وهو الإحليل، وبول الجارية يقع في مواضع لسعة مخرجه، وهو ما بين "اسكتي" (¬1) الفرج، فأمر في بول الغلام بالنضح، أي الصب في موضع واحد، وبالغسل في بول الجارية لتفرقه. وقد يقال: إن بول الغلام مثل الماء، وبول الجارية ثخين أصفر يلتصق بالمحل، فقال: "ينضح بول الغلام" أي يسال عليه الماء من غير عرك؛ لسرعة زواله، كما أمر بالنضح على الثوب الذي أصابه المذي، وقال: "يغسل بول الجارية"، أي يصب الماء عليه ويعرك لبُطْء زواله، كما أمر به في غسل الثوب من دم الحيض بقوله - عليه السلام -: "حُتيَّه ثم اقرصيه بالماء". وقال القاضي عياض: وجه التفرقة بين الغلام والجارية: اتباع ما وقع في الحديث، فلا يعلى به ما ورد به، وهذا أحسن من التوجيه بغير هذا المعنى مما ذكروه. وقال أبو عمر بن عبد البر: حجة من قال بالتفرقة قوله - عليه السلام -: "يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام" وهذا عند جميعهم ما لم يأكل الطعام. قال: والقياس أنه لا فرق بين بول الغلام والجارية، كما أنه لا فرق بين بول الرجل والمرأة، إلاَّ أن هذه الآثار -إن صحت ولم يعارضها مثلها- وجب القول بها إلَّا أن رواية من روى الصب على بول الصبي واتباعه الماء أصح وأولى. وأحسن شيء في هذا الباب ما قالته أم سلمة قالت: "يغسل بول الغلام، يصب عليه الماء صبّا، وبول الجارية يغسل طَعِمَت أو لم تطعم" ذكره البغوي وهو حديث مفسر للأحاديث كلها، مستعمل لما حاشا حديث المُحِل بن خليفة الذي ذكر فيه الرش، وهو حديث لا تقوم به حجة، والمُحِلُّ: ضعيف، انتهى. ¬

_ (¬1) قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" (3/ 8): هما بكسر الهمزة وفتح الكاف، هكذا ذكره الجوهري في صحاحه، وأهل اللغة مطلقًا، قال الأزهري: هما حرفًا فرجها، قال وتفترق الإسكتان والشفران بأن الإسكتين ناحيتا الفرج، والشفرين طرفا الناحيتين.

قلت: في كلامه نظر من وجوه: الأول: أن قوله: "إن الذي ذكر فيه الرش ضعيف" غير جيد؛ لأن ابن خزيمة خرجه في "صحيحه" (¬1) من حديث المحل، وابن حزم (¬2) والحاكم (¬3)، ورواه ابن ماجه أيضًا (¬4) بسند صحيح من غير حديث المحل وفيه: "فدعا بماء فرش عليه"، وكذا في رواية أحمد على ما ذكرناها عن قريب. الثاني: تضعيفه المحل بن خليفة غير جيد؛ لأنه ممن احتج به البخاري في "صحيحه" في غير موضع، وقال فيه يحيى (وأبو زرعة) (¬5) والنسائي والدارقطني، ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات. الثالث: ذكره قول أم سلمة موقوفا عليها غير جيد؛ لأن الطبراني في "الأوسط" (¬6): رواه من حديث عبد الرحيم بن سليمان، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أمه، عنها مرفوعا: "إذا كان الغلام لم يطعم الطعام صب على بوله، وإذا كانت الجارية غسل". ورواه أيضًا (¬7): من حديث هشيم، عن يونس، عن الحسن، عن أمه، عنها: "أن الحسن -أو الحسين- بال على النبي - عليه السلام - فذهبوا ليأخذوه، فقال: لا تزرموا ابني أو (لا تعجلوه، فتركه) (¬8) حتى قضى بوله، فدعا بماء ... " الحديث. ¬

_ (¬1) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 143 رقم 283). (¬2) "المحلى" (1/ 101). (¬3) "المستدرك" (1/ 271 رقم 589). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 174 رقم 524) من حديث أم قيس بنت محصن وهو عند البخاري أيضًا في "صحيحه" (5/ 2155 رقم 5368) من طريقها. (¬5) لعل الصواب: أبو حاتم، فقال في "الجرح" (8/ 413): صدوق ثقة، وانظر "تهذيب التهذيب" (10/ 54) وقال الحافظ: ولم يتابع ابن عبد البر على ذلك، أي تضعيفه. (¬6) "المعجم الأوسط" (3/ 143 رقم 2742). (¬7) "المعجم الأوسط" (6/ 204 رقم 6197). (¬8) كذا في "الأصل، ك"، وفي "المعجم الأوسط": "لا تستعجلوه، فتركوه".

ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (¬1) من حديث المبارك بن فضالة عن الحسن بلفظ: "يصب عليه الماء صبّا ما لم يطعم، وبول الجارية يغسل غسلا طعمت أو لم تطعم". قلت: وبهذا يُرَدُّ ما نقله القاضي عياض أيضًا من قوله: قال بعض علمائنا: ليس قوله في الحديث: "لم يأكل الطعام" لا علة للحكم، وإنما هو وصف حال وحكاية قصة، كما قال في الحديث: "صغير"، وفي الحديث الآخر: "رضيع"، واللبن طعام وحكمه حكمه في كل حال، فأي فرق بينه وبين الطعام؟ والنبي - عليه السلام - لم يعلل بهذا ولا أشار إليه فنكل الحكم فيه إليه. ويقال: احتمل قوله: "لم يأكل الطعام" أي لم يرضع بعد، وأن المسلمين كانوا يوجهون أبناءهم للنبي - عليه السلام - ليدعو لهم ويتفل في أفواههم؛ ليكون أول ما يدخل في أفواههم ريق النبي - عليه السلام - فيكون قوله - عليه السلام -، على هذا: "أجلسه في حجره"، مجازا لوضعه فيه ويحتمل أن يكون الصبي بلغ حد الجلوس وأحضر ليدعو له النبي - عليه السلام - ولكنه بعد لم يفصل عن الرضاع، ولا أكل الطعام انتهى. فإن قيل: قد قال الكرخي عكس ما نقل الطحاوي عنهم؛ من أن بول الغلام يكون في موضع واحد وبول الجارية متفرق، وهو أن بول الصبي يقع في مواضع وبول الجارية يقع في موضع واحد، فأمر بالرش في بول الصبي والغسل في بول الجارية. قلت: الذي نقله الطحاوي أقرب إلى الحكمة؛ لأن فم الرحم منكوس، فيخرج منه بالبول متفرقا لسعة المحل، بخلاف إحليل الذكر، فإن مسلك البول فيه مستقيم، فإذا خرج يخرج مجتمعا. فإن قيل: قول من قال: إن بول الغلام مثل الماء وبول الجارية ثخين، ويؤيد قول الكرخي؛ لأنه وصف بول الجارية بالثخانة، ولا يكون ذلك إلَّا في موضع واحد، ¬

_ (¬1) "مسند أبي يعلى" (12/ 355 رقم 6923).

ووصف بول الغلام بأنه كالماء، فإنه يتفرق في مواضع، ولأن الذكر يتحرك، فبالضرورة يتفرق ما يخرج منه، بخلاف الفرج. ويؤيد هذا أيضًا ما رواه ابن ماجه (¬1): ثنا أحمد بن موسى بن معقل، نا أبو اليمان المصري، قال: سألت الشافعي، عن حديث النبي - عليه السلام -: "يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية" والماءان جميعا واحد، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم. ثم قال لي: فهمت؟ قلت: لا. قال: إن الله لما خلق آدم خلق حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال: قال لي: فهمت؟ قلت: نعم. قال: نفعك الله به. قلت: لا يضرنا ذلك؛ لأن النظر فيما نقله الطحاوي إلى مخرجي بولهما، ولا شك أن مخرج بول الغلام ضيق، فبالضرورة الذي يخرج منه ينزل في موضع واحد، وإن كان في نفسه مائعا كالماء، ومخرج بول الجارية واسع، فبالضرورة الذي يخرج منه يتفرق وينتشر وإن كان في نفسه ثخينا. ص: وقد روي عن بعض المتقدمين ما يدل على ذلك؛ فمن ذلك ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال: "الرش بالرش والصب بالصب من الأبوال كلها". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن حميد، عن الحسن أنه قال: "بول الجارية يغسل غسلا، وبول الغلام يتتبع بالماء". أفلا ترى أن سعيدا قد سوى بين حكم الأبوال كلها من الصبيان وغيرهم، فجعل ما كان منه رشا يطهر بالرش، وما كان منه صبّا يطهر بالصب، ليس لأن بعضها عنده طاهر وبعضها غير طاهر، ولكنها كلها عنده نجسه، وفرق بين التطهير من نجاستها عنده بضيق مخرجها وسعته. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 174 رقم 525) وفيه: "قال أبو الحسن بن سلمة، حدثنا أحمد بن موسى بن معقل .. ".

ش: أي قد روي عن بعض المتقدمين من التابعين ما يدل على أن الأبوال كلها سواء في النجاسة، وأنه لا فرق بين بول الذكر والأنثى، فمن ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب. أخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن قتادة عنه. ومنه ما رُوي عن الحسن البصري، أخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن ابن خزيمة، عن الحجاج، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل. وذلك أن سعيد بن المسيب قد سوى بين حكم الأبوال كلها، سواء كانت من الصغار أو من الكبار، من الذكور والإناث؛ فَحَكَم بأن الذي يرش منه يطهر بالرش، والذي يصب منه يطهر بالصب، وهو معنى قوله: "الرش بالرش" أي الرش من البول يطهر بالرش من الماء، والصب منه يطهر بالصب من الماء، وقوله: "من الأبوال كلها" بيان لهذا. ثم إنه لم يقل هكذا لكون بعض الأبوال عنده طاهرا وبعضها نجسا، بل الكل عنده نجسة، ولكن الفرق بين التطهير من نجاستها عنده لأجل ضيق مخرج الأبوال وسعته، فإن مخرج بول الصبي ضيق كما قلنا فيرش البول، ومخرج بول الجارية واسع فيصب البول صبّا، فيقابل الرش بالرش، والصب بالصب. ومن ذلك قال الحسن البصري أيضًا: بول الجارية يغسل غسلا؛ لأنه ينصب فيحتاج إلى صب الماء عليه، وبول الغلام يتتبع بالماء؛ لأنه يرتش، ولا فرق عنده أيضًا في الأبوال، فقال أبو داود: قال هارون بن تميم الراسبي، عن الحسن قال: "الأبوال كلها سواء". ص: ثم أردنا بعد ذلك أن ننظر في الآثار المأثورة عن رسول الله - عليه السلام -: هل فيها ما يدل على شيء مما ذكرنا؟ فنظرنا في ذلك، فإذا محمَّد بن عمرو بن يونس قد حدثنا قال: أنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان

رسول الله - عليه السلام - يؤتى بالصييان فيدعو لهم، فأتي بصبي مرة فبال عليه، فقال: صُبُّوا عليه ماء صبّا". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمَّد بن خازم ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا أسد، قال: نا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "أن النبي - عليه السلام - أتُي بصبي فبال عليه، فأتبعه الماء ولم يغسله". حدثنا يونس، قال: نا ابن وهب، أن مالكا حدثه عن هشام ... فذكر بإسناده مثله غير أنه لم يقل: "ولم يغسله". واتباع الماء حكمه حكم الغسل؛ ألا ترى أن رجلًا لو أصاب ثوبه عذرة فاتبعها الماء حتى ذهب بها أن ثوبه قد طهر. وقد روى هذا الحديث زائدة، عن هشام بن عروة، قال فيه: "فدعا بماء فنضحه عليه". وقال مالك وأبو معاوية وعَبْدَة، عن هشام بن عروة: "فدعا بماء فصبه عليه" فدل ذلك أن النضح عندهم هو الصب. ش: "هل فيها" أي في الآثار المذكورة "ما يدل على شيء مما ذكرنا"، من أن النضح في هذه الآثار بمعنى الصب، فوجدنا ذلك في الحديث الذي رواه عروة عن عائشة، حيث صرح فيه بقوله: "صبوا عليه ماء صبا". وقد مضى في روايتها الأخرى: "فدعا بماء فنضحه عليه" فعلم أن الراد من النضح هو الصب؛ لأن هذا الحديث قد روي بألفاظ مختلفة كما قد ذكرت، ولكن كلها ترجع إلى معنى واحد وهو الصب؛ لأن بعضها يفسر بعضا، ولأن ما قلنا أقرب إلى المعقول وللمنقول. وكذلك معنى اتباع الماء في روايتها الأخرى هو معنى الغسل، والدليل عليه: أن رجلًا إذا أصاب ثوبه شيء من النجاسة ثم أتبعه الماء حتى أذهبه، فإن ثوبه قد تطهر بلا خلاف. فعُلم أن معنى هذا أيضًا يرجع إلى الغسل والصب.

قوله: "وقد روى هذا الحديث" أي حديث عائشة الذي رواه عروة عنها: زائدة ابن قدامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة وقال فيه "فدعا بماء فنضحه عليه". وقد مر هذا فيما مضى في هذا الباب، رواه الطحاوي عن ابن خزيمة، عن عبد الله ابن رجاء، عن زائدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وقال مالك في روايته: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "فصبه عليه". وكذا روى أبو معاوية محمَّد بن خازم الضرير في روايته عن هشام، عن أبيه، عن عنها. وكذا روى عَبْدَة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عنها. فهذه ألفاظ مختلفة والمعنى واحد. ومن هذا قال أبو عمر في "التمهيد": هذه الآثار المرفوعة في هذا الباب غير متدافعة ولا متضادة. يشير به إلى أن حاصل الجميع يرجع إلي معنى واحد وهو الصب. ويؤيد ذلك أيضًا ما روي عن بعض الصحابة ومن بعدهم، فقد روي عن أم سلمة قالت: "بول الغلام يصب عليه الماء صبّا، وبول الجارية يغسل، طعمت أو لم تطعم" (¬1) ذكره البغوي والقرطبي في "مختصر التمهيد". وذكره الطبراني في "الأوسط" مرفوعا (1)، وقد ذكرناه عن قريب. وروى أبو داود في "سننه" (¬2): ثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن أمه: "أنها أبصرت أم سلمة تصب على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية". ¬

_ (¬1) سبق تخريجه. (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 103 رقم 379).

وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): نا وكيع، عن معن، عن منصور، عن إبراهيم قال: "إن كان طَعِمَ غُسِل، وإن لم يكن طَعِمَ صُبَّ عليه الماء". ثنا وكيع، عن واقد، عن عطاء قال: "قال له رجل: يحمل أحدنا الصبي فيصيبه من أذاه، قال: إن كان طَعِمَ غُسل، وإن لم يكن طَعِمَ صُبَّ عليه الماء". ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: "يُصَّبُّ الماء على بول الصبي". ثنا محمَّد بن بكر، عن ابن جريج قال: "قلت لعطاء: الصبي ما لم يأكل الطعام تغسل ثوبك من بوله وسَلْحِه (¬2) أيضًا؟ قال: اَرشش عليه الماء، أو أصبب عليه قال: قلت: فالصبي يلعق قبل أن يأكل الطعام من السمن والعسل وذاك طعام؟ قال: اَرْشُش عليه أو أَصبب عليه". ثم إنه أخرج حديث عائشة - رضي الله عنها - هذا من أربع طرق صحاح: الأول: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي المعروف بالسُّوسي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- الضرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: "أتي رسول الله - عليه السلام - بصبي يرضع، فبال في حجره، فدعا بماء فصبه عليه". الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن خازم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. الثالث: عن ربيع، عن أسد، عن عبدة بن سليمان الكلابي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وأخرجه العدني في "مسنده" (¬3): ثنا محمَّد، ثنا ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يؤتى بالصبيان يدعو لهم، فأتي بصبي فبال عليه، فأتبع النبي - عليه السلام - الماء بوله". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 114 رقم 1296 - 1299). (¬2) السَّلْحُ: الغائط. انظر: "اللسان" و"المصباح" سلح. (¬3) وأخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 237 رقم 286) من طريق ابن نمير عن هشام به.

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو، ثنا يحيى بن سعيد، نا هشام بن عروة، حدثني أبي، عن عائشة: "أن النبي - عليه السلام - أتي بصبي فبال في حجره، فأتبع النبي - عليه السلام - الماء بوله". وأخرجه أحمد (¬1): أيضًا عن يحيى عن هشام إلى آخره. قوله: "ولم يغسله" أراد أنه لم يغسله بالعرك والعصر، كما في سائر النجاسات، والغرض هو الإزالة، فقد حصلت به. الرابع: عن يونس بن عبد الأعل، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن هشام، عن عروة، عن عائشة. وأخرجه في "موطئه" (¬2)، وكذا أخرجه النسائي (¬3)، وليس فيه "ولم يغسله". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا ابن شهاب، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ليلى قال: "كنت عند رسول الله - عليه السلام - فجيء بالحسن - رضي الله عنه - فبال عليه، فأراد القوم أن يُعْجِلُوه، فقال: ابني ابني. فلما فرغ من بوله صب عليه الماء". حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد قال: أنا وكيع، عن ابن أي ليلى ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن عبد الله بن عيسى، عن جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: "كنت جالسا عند رسول الله - عليه السلام - وعلى بطنه أو على صدره حسن أو حسين، فبال عليه حتى رأيت بوله أساريع، فقمنا إليهن، فقال: دعوه. فدعا بماء فصبه عليه". ¬

_ (¬1) "مسندأحمد" (6/ 52 رقم 24301). (¬2) "الموطأ" (1/ 63 رقم 111). (¬3) "المجتبى" (1/ 157 رقم 303).

ش: حديث أبي ليلى هذا أيضًا قد دل على أن المراد من النضح الصب؛ لأنه صرح فيه بالصب كما صرح في غيره بالنضح، فمعناهما واحد لأن الحكم واحد، والقضية واحدة. وأخرجه من ثلاثة طرق: الأول: عن فهد بن سليمان. عن أحمد بن عبد الله بن يونس، شيخ البخاري ومسلم، وينسب إلي جده غالبا. عن محمد بن مسلم بن أبي ليلى الفقيه الكوفي قاضيها، فيه مقال، وروى له الأربعة. عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أخو محمَّد المذكور، وثقه ابن معين، وروى له الترمذي وأبو داود وابن ماجه. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، والد عيسى المذكور. عن أبي ليلى، واسمه يسار ويقال: بلال، ويقال: داود بن بلال بن بُلَيْل بن أحيحة الأنصاري من الأوس قتل بصفين مع علي - رضي الله عنه -. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جده أبي ليلى قال: "كنا جلوسا عند النبي - عليه السلام - فجاء الحسين بن علي - رضي الله عنهما - يحبو حتى جلس على صدره فبال عليه، قال فابتدرناه لنأخذه، فقال: ابني ابني، ثم دعا بماء فصبه عليه". قوله: "ابني ابني" كرر للتأكيد في محل النصب؛ معناه: دعوا ابني، دعوا ابني، ولا تتعرضوا له. وإنما قال ذلك لغاية شفقته وحبه له، ولأن فيه قطع بوله وذلك مما يضره، كما قد نهى [عنه] (¬2) أم الفضل في حديث آخر بقوله: "لا تزرمي ابني ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 113 رقم 1290). (¬2) في "الأصل، ك": عن، والمثبت هو الذي يقتضيه السياق.

لا تُزْرِمي ابني" (¬1) أي لا تقطعي عليه البول، وكما قد نهى عن قطع بول الأعرابي لما بال في مسجده. الثاني: عن فهد، عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن وكيع، عن محمد بن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ليلى. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا وكيع، ثنا ابن أبي ليلى ... إلى آخره نحو رواية ابن أبي شيبة [المذكورة] (¬3) آنفا. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي. عن يحيى بن صالح الوحاظي روى له الجماعة. عن زهير بن معاوية بن حُدَيْج الكوفي، روى له الجماعة. عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، روى له الجماعة. عن جده عبد الرحمن بن أبي ليلى، روى له الجماعة. عن أبي ليلى. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أحمد "مسنده" (¬4): ثنا حسن بن موسول، نا زهير، عن عبد الله بن عيسى ... إلى آخره نحوه، غير أن روايته: "دعوا ابني، لا تُفْزِعُوه حتى يقضي بوله، ثم أتبعه الماء، ثم قام فدخل بيت تمر الصدقة ودخل معه الغلام، فأخذ تمرة فجعلها في فيه، فاستخرجها النبي - عليه السلام - وقال: إن الصدقة لا تحل لنا". ¬

_ (¬1) أخرجه الحاكم في "مستدركه " (3/ 197 رقم 4829)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 114 رقم 1291). (¬2) "مسند أحمد" (4/ 347 رقم 19079). (¬3) في "الأصل، ك": المذكور. (¬4) "مسند أحمد" (4/ 348 رقم 19082).

قوله "أساريع" أي طرائق، واحدها أُسروع ويسروع (¬1) قاله في "النهاية"، وقال الجوهري: الأسروع واحد أساريع القوس، وهي خطوط فيها وطرائق. قلت: المعنى رأيت بوله ذا طرائق وخطوط. وانتصابه على الحال؛ لأن "رأيت" بمعنى أبصرت فلا تقتضي إلَّا مفعولا واحدا، ولكنه بتأويل مخططا كما تقول رأيت زيدا أسدا، أي: شجاعا، وبعت البُرَّ قفيزا بدرهم، أي: مسعرا وبعته يدا بيدٍ، أي متناجزين. ومنه قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} (¬2) و {نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} (¬3) ونظائره كثيرة. ص: حدثنا فهد قال: ثنا أبو غسان: قال: ثنا شريك، عن سماك، عن قابوس، عن أم الفضل قالت: "لما ولد الحسين - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله، أعطنيه -أو ادفعه إليَّ- فلأكفله، أو أرضعه بلبني، ففعل، فأتيته به، فوضعه على صدره، فبال عليه فأصاب إزاره، فقلت له: يا رسول الله، أعطني إزارك أغسله. قال: إنما يصب على بول الغلام ويغسل بول الجاريه. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذه أم الفضل في حديثها هذا: "إنما يصب بول الغلام" وفي حديثها الذي ذكرناه في الفصل الأول: "إنما يُنْضح من بول الغلام، فلما ذكرنا كذلك ثبت أن النضح الذي "أراد به" (¬4) في الحديث الأول، هو الصب المذكور ها هنا؟ حتى لا يتضاد الأثران. وهذا أبو ليلى - رضي الله عنه - فلم يختلف عنه أنه رأى النبي - عليه السلام - صب على البول الماء. ¬

_ (¬1) يَسروع: كذا ضبطها في الأصل، ك بفتح الياء، والذي في "النهاية" (2/ 361) بضمها بضبط القلم، وفتح الياء هو الأصل، إلا أنهم ضموها هنا اتباعًا لضمة الراء، وانظر "اللسان"، و"القاموس" (سرع). (¬2) سورة النساء، آية: [88]. (¬3) سورة الأعراف، آية: [73]، وسورة هود، آية: [64]. (¬4) كذا في "الأصل، ك"، و"شرح معاني الآثار" (1/ 94).

فثبت بهذه الآثار أن حكم بول الغلام هو الغسل؛ إلا أن ذلك الغسل يجزئ منه الصب، وأن حكم بول الجارية هو الغسل أيضًا، وفرق في اللفظ بينهما وإن كانا مستويين في المعنى التي ذكرنا: من ضيق المخرج وسعته، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار. وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأينا الغلام والجارية حكم أبوالهما سواء بعدما يأكلان الطعام، فالنظر في ذلك أن يكونا أيضا سواء قبل أن يأكلا الطعام، فإذا كان بول الجارية نجسا، فبول الغلام أيضا نجس وهذا قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. ش: أشار بهذا إلى تأكيد ما ادعى من أن النضح في هذا الباب بمعنى الصب والبرهان عليه: أن أم الفضل لبابة بنت الحارث قد روي عنها حديثان: أحدهما فيه النضح وهو الذي مر في أول هذا الباب، والثاني فيه الصب، فحمل النضح على الصب الذي في هذا الحديث؛ دفعا لتضاد الأثرين كما هو الأصل في باب التعارض، وعملا بالحديثين. وإسناد هذا حسن جيد. وأبو غسان اسمه مالك بن إسماعيل النهدي، شيخ البخاري. وشريك هو ابن عبد الله النخعي، روى له مسلم في المتابعات واحتج به الأربعة. وسماك -بكسر السين- هو ابن حرب، روى له الجماعة إلَّا البخاري، وقابوس ابن المخارق الكوفي، وثقه ابن حبان. وأم الفضل هي لبابة بنت الحارث، أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي - عليه السلام -. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا عفان، نا وهيب، ثنا أيوب، عن صالح أبي الحليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل قالت: "أتيت النبي - عليه السلام - فقلت: إني رأيت في منامي أن في بيتي -أو في حجرتي- عضوا من ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 339 رقم 26921).

أعضائك. قال: تلد فاطمة -إن شاء الله- غلاما فتكفلينه، فولدت فاطمة - رضي الله عنها - حسينا، فدفعه إليها، فأرضعتُهُ بلبن قثم، وأتيت به النبي - عليه السلام - يوما أزوره، فأخذه النبي - عليه السلام - فوضعه على صدره فبال، فأصاب إزاره [فزخخت] (¬1) بيدي بين كتفيه، فقال: أوجعت ابني أصلحك الله- أو قال: -رحمك الله- فقلت: أعطني إزارك أغسله. قال: إنما يغسل بول الجارية، ويصب على بول الغلام". وأخرجه الطبراني (¬2): أيضا نحوه، وفي آخره: "دعي ابني، فإن ابني ليس بنجس، ثم دعا بماء فصبه عليه". قلت: ميلاد الحسن بن علي - رضي الله عنهما - في السنة الثالثة من الهجرة في رمضان. قوله: "وهذا أبو ليلى ... إلى آخره" كأنه جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: ما وجه ترجيح معنى الصب على معنى النضح، فلم لا يجعل الأمر بالعكس؟ فأجاب عنه بأن أبا ليلى - رضي الله عنه - لم يُختلف عنه فمرة روى بالصب، ومرة بالنضح، فعلم من ذلك أن الصب هو الأصل وأن ما ورد في لفظ النضح وغيره ففي الحقيقة يرجع إلى معنى الصب. قوله: "وفرق في اللفظ بينهما" أي بين الغلام والجارية. وهذا أيضًا كأنه جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: إذا كان حكم بول الغلام الغسل كبول الجارية، فما الفائدة في أنه - عليه السلام - فرق بينهما حيث قال في الغلام بالنضح أو الرش أو الصب أو الاتباع بالماء، وقال في حق بول الجارية بالغسل؟ فأجاب عنه بقوله: وقد فرق رسول الله - عليه السلام - بينهما وإن كانا مستويين في المعنى للعلة التي ذكرنا فيما مضى، أن مخرج بول الغلام ضيق فيخرج بوله مستقيما ويقع مجتمعا، وأن مخرج بول الجارية واسع فيخرج بولها مترششا، فيقع متفرقا، كما قد قررناه فيما مضى، والباقي ظاهر، والله أعلم. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "فدححت"، وهو تحريف، والمثبت من "مسند أحمد"، والزَّخ: هو الدفع. انظر "النهاية" (2/ 298). (¬2) "المعجم الكبير" (25/ 27 رقم 42).

ص: باب: الرجل لا يجد إلا نبيذ التمر هل يتوضأ به أو يتيمم؟

ص: باب: الرجل لا يجد إلَّا نبيذ التمر هل يتوضأ به أو يتيمم؟ ش: أي هذا باب في بيان حال الرجل الذي لا يجد إلا نبيذ التمر هل يتوضأ به لأجل الصلاة، أو يتركه ويتيمم بالصعيد؟ والنبيذ فَعِيل بمعنى مفعول، من نَبَذْتُ الشيء إذا طرحته، وهو الماء الذي تُنبذ فيه تمرات لتخرج حلاوتها إلى الماء. وفي "النهاية" لابن الأثير: النبيذ ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب، إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا، فصرف من مفعول إلى فعيل، وانتبذته اتخذته نبيذا، وسواء كان مسكرا أو غير مسكر فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب: نبيذ، كما يقال للنبيذ: خمر. وقال ابن فارس في "المجمل": نبذت الشيء أنبذه، إذا ألقيته من يدك، والنبيذ التمر يلقى في الآنية ويصب عليه الماء. قلت: هو من باب فَعَلَ يَفْعلُ بالفتح في الماضي والكسر (في) (¬1) المضارع، كَضَرَبَ يَضْرِبُ، وكذا ذكره صاحب "الدستور" في هذا الباب. وقال ابن سيده: النبذ طرحك الشيء، وكل طرح نبذ، والنبيذ الشيء المنبوذ، والنبيذ ما نبذته من عصير ونحوه، وقد نَبَذَ وانْتَبَذَ ونَبَّذَ. وفي "الصحاح": العامة تقول: أنبذت وكذا ذُكر في كتاب "الشرح" لابن درستويه، وذكر اللحياني في "نوادره": ومن حط الحامض: أنبذت، لغة ولكنها قليلة. وذكره أيضًا ثعلب في كتاب "فعلت وأفعلت". ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل".

وفي "الجامع" للقزاز: أكثر الناس يقولون: نبذت النبيذ. بغير ألف. وحكى الفراء عن الرؤاسي: أنبذت النبيذ، قال ولم أسمعها أنا من العرب. وفي "العُبَاب": وأنبذت النبيذ، لغة عامية، ونَبَّذْتَ الشيء تنبيذا، شُدِّد للمبالغة، ثم المناسبة بين البابين من حيث إن كُلا منهما يشتمل على حكم يرجع إلي حال المكلف من الصحة والفساد. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: أخبرنا أسد، قال: أنا ابن لهيعة، قال: أنا قيس ابن الحجاج عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أن ابن مسعود - رضي الله عنه - خرج مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمعك يا ابن مسعود ماء؟ قال: معي نبيذ في إداوتي: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تعال، أصْبُب عليّ. فتوضأ به وقال: شراب وطهور". ش: رجاله ثقات ما خلا عبد الله بن لهيعة، فإن فيه مقالا. وحنش -بفتح الحاء المهملة والنون وبالشين المعجمة- ابن عبد الله الصنعاني، من صنعاء دمشق، والنون في النسبة زائدة. وأخرجه ابن ماجه (¬1): عن العباس بن الوليد الدمشقي، عن مروان بن محمَّد، عن ابن لهيعة ... إلى آخره، ولفظه: "قال لابن مسعود: معك ماء؟ قال: لا، إلَّا نبيذ في سَطِيحة. فقال رسول الله - عليه السلام - تمرة طيبة وماء طهور، صُبَّ عليّ. قال: فصببت عليه فتوضأ به". قوله "ليلة الجن" أي في ليلة حضرت فيها الجن عند رسول الله - عليه السلام - وكانوا من جن نُصَيبين، قيل: كانوا بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: كانوا من الشَّيْصيان وهم أكثر الجن عددا، وعامّة جنود إبليس منهم. ويقال: إن الجن كانت تسترق السمع، فلما حُرِست السماء ورُجِمُوا بالشهب، قالوا: ما هذا إلَّا لنبأ حدث، فنهض سبعةُ نفر -أو ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 135 رقم 385) ..

تسعة- من أشرف جن نصيبين، أو نَيْنَوي منهم زَوْبَعَةُ، فضربوا في الأرض حتى بلغوا تهامة، ثم اندفعوا إلى وادي نخلة، فوافوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو قائم في جوف الليل يصلي -أو في صلاة الفجر- فاستمعوا القرآن، وذلك حين مُنْصَرَفِهِ من الطائف، حين خرج إليهم يستنصرهم، وفي رواية أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن مسعود لما خرج معه، فقال: "أولئك جن نصيبين"، وكانوا اثني عشر ألفا، وكانت السورة التي قرأها رسول الله - عليه السلام -: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (¬1). قوله: "أمعك ماء" الهمزة فيه للاستفهام، وليست في رواية ابن ماجه. قوله: "في إداوتي" الإداوة -بكسر الهمزة- إناء صغير من جلد يتخذ للماء، كالسطيحة ونحوها، وجمعها أَدَواي على وزن فَعَالي بالفتح. قوله: "أصبُب" أمرٌ من: صَبَّ يَصُبُّ، خرج على الأصل، ويجوز فيه صُبّ، بالإدغام مع الحركات الثلاث في الباء، كما في قولك مدّ وامددُ. قوله: "شراب" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا شراب أو هو شراب. و"طهور" بفتح الطاء بمعنى مطهر، والمعنى أنه جامع للصفتين، الأولى: كونه مشروبا حلوا، والثانية: كونه مطهرا للحديث. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عمر، قال: أنا حماد بن سلمة، قال: أخبرني علي بن زيد بن جدعان، عن أبي رافع مولى آل عمر، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: "أنه كان مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن، وأن رسول الله - عليه السلام - احتاج إلى ماء يتوضأ به، ولم يكن معه إلَّا النبيذ، فقال النبي - عليه السلام -: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". ش: أبو بكرة: بكَّار القاضي. وأبو عمر -بضم العين وفتح الميم- هو حفص بن عمر الضرير، مشهور باسمه وكنيته، روى عنه أبو داود وابن ماجه وأحمد. ¬

_ (¬1) سورة العلق، آية: [1].

وعلي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان أبو الحسن البصري المكفوف، فيه اختلاف، روى له الأربعة، ومسلم مقرونا بثابت البناني. وأبو رافع: نفيع الصائغ المدني نزيل البصرة، مولى ابن عمر بن الخطاب، روى له الجماعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1)، والدارقطني في "سننه" (¬2): عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود: "أن النبي - عليه السلام - قال له ليلة الجن: أمعك ماء؟ قال: لا. قال: أمعك نبيذ؟ -قال: أحسبه- قال: نعم. فتوضأ به" (¬3). قوله: "وأن رسول الهَ - عليه السلام -" عطف على "أنه كان". قوله: "يتوضأ به" جملة في محل الجر لأنها صفة لقوله: "ماء". قوله: "تمرة" خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، أو: الذي، معك تمرة و"طيبة" صفتها، والطيب خلاف الخبيث، والمعنى: لم يخرج الماء عن طهوريته لوقوع التمرة الطيبة فيه. ص: فذهب قوم إلى أن من لم يجد إلا نبيذ التمر في سَفَرِه توضأ به، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة - رضي الله عنه -. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عكرمة والأوزاعي وحميدا صاحب الحسن بن حي وإسحاق، فإنهم ذهبوا إلى جواز التوضؤ بنبيذ التمر عند عدم الماء المطلق، وإليه ذهب أيضًا أبو حنيفة. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 449 رقم 4296) من طريق أبي زيد مولى عمرو بن حريث. (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 77 رقم 14). (¬3) وقال الدارقطني: علي بن زيد ضعيف، وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود، وليس هذا الحديث في مصنفات حماد بن سلمة.

وفي "المغني" لابن قدامة: وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بنبيذ التمر وبه قال الحسن والأوزاعي. وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء. وقال إسحاق: النبيذ الحلو أحب إليَّ من التيمم، وجمعهما أحب إليَّ. وعن أبي حنيفة كقول عكرمة، وقيل عنه: يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ واشتد، عند عدم الماء في السفر؛ لحديث ابن مسعود. وفي "أحكام القرآن" لأبي بكر الرازي: عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات. أحدها: يتوضأ به، ويشترط فيه النيّة ولا يتيمم، قال: وهذه هي المشهورة. وقال قاضي خان: وهو قوله الأول، وبها قال زفر. والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه نوح بن أبي مريم وأسد بن عمرو والحسن بن زياد، قال قاضي خان: هو الصحيح عنه، وقوله الآخِر، والذي رجع إليها، وبها قال أبو يوسف وأكثر العلماء واختيار الطحاوي. والثالثة: روى عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمَّد، وقال صاحب "المحيط": صفة هذا النبيذ أن يلقى في الماء تمرات حتى يأخذ الماء حلاوتها، ولا يشتد ولا يسكر، فإن اشتد حرم شربه، فكيف الوضوء وإن كان مطبوخا؟! فالصحيح أنه لا يتوضأ به. وقال في "المفيد": إذا أُلقي فيه تمرات فحلا، ولم يزل عنه اسم الماء، وهو رقيق، فيجوز الوضوء به بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يجوز الاغتسال به، خلاف ما قاله في "المبسوط" من أنه يجوز الاغتسال به. وقال الكرخي: المطبوخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به، إلَّا عند محمَّد. وقال الدباس: لا يجوز.

وفي "البدائع": واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل أبي حنيفة، فقال بعضهم: يجوز لاستوائهما في المعنى. ثم لا بد من تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف؛ وهو أن يُلْقَى في الماء شيء من التمر فتخرج حلاوته إلى الماء، وهكذا ذكر ابن مسعود - رضي الله عنه - في تصير النبيذ الذي توضأ به النبي - عليه السلام - فقال: "تميرات ألقيتها في الماء"، لأن من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء الملح ليحلو. فمادام رقيقا، حلوا أو قارصا، يُتَوَضأ به عند أبي حنيفة، وإن كان غليظا كالرُب، لا يجوز التوضؤ به، وكذا إذا كان رقيقا لكنه علا واشتد وقذف بالزبد؛ لأنه صار مسكرا، والمسكر حرام، فلا يجوز التوضؤ به؛ لأن النبيذ الذي توضأ به رسول الله - عليه السلام - كان رقيقا حلوا، فلا يلحق به الغليظ. والنبيذ إذا كان نِيَّا (¬1) أو كان مطبوخا أدنى طبخة، فما دام قارصا أو حلوا، فهو على الخلاف. وإن علا واشتد وقذف بالزبد، ذكر القدوري في شرحه "مختصر الكرخي" الاختلاف فيه بين الكرخي وأبي طاهر الدباس: على قول الكرخي يجوز، وعلى قول أبي طاهر لا يجوز. وذكر القاضي في شرحه "مختصر الطحاوي" وجعله على الاختلاف في شربه، فقال: على قول أبي حنيفة يجوز التوضؤ به كما يجوز شربه، وعند محمَّد لا يجوز كما لا يجوز شربه، وأبو يوسف فرق بين الوضوء والشرب فقال: يجوز شربه ولا يجوز التوضؤ به؛ لأنه لا يرى التوضؤ بالنبيذ الحلو، فبالمرّ المطبوخ أولى، وأما نبيذ الزبيب وسائر الأنبذة فلا يجوز الوضوء بها عند عامّة العلماء، وقال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بالأنبذة كلها، نيَّا كان النبيذ أو مطبوخا، حلوا كان أو مرّا، قياسا على نبيذ التمر. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا يتوضأ بنبيذ التمر، ومن لم يجد غيره تيمم ولم يتوضأ به، وممن ذهب إلى هذا القول أبو يوسف -رحمه الله-. ¬

_ (¬1) نيًّا: -بكسر النون وتشديد الياء- أصلها: نيء، ومعنها -كما في "المصباح"- كل شيء شأنه أن يعالج بطبخ أو شيء، ولم ينضج، وانظر: "اللسان" أيضًا.

ش: أي وخالف القوم المذكورين جماعة آخرون؛ وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح والثوري والحسن البصري ومالك والشافعي وأحمد وأبا عبيد وأبا ثور وداود، فانهم ذهبوا إلى جواز التوضؤ بنبيذ التمر، سواء كان في الحضر أو في السفر، وممن ذهب إلى ذلك الإِمام أبو يوسف. وفي "مصنف" (¬1) ابن أبي شيبة: نا وكيع، قال: نا سفيان، عمن سمع الحسن يقول: "لا يتوضأ بنبيذ ولا لبن". ص: وكان من الحُجّة لأهل هذا القول على أهل القول الأول: أن عبد الله بن مسعود إنما رُوي عنه ما ذكرنا في أول هذا الباب من الطرق التي وصفنا، وليست هذه الطرق طرقا تقوم بها الحجة عند من يقبل خبر الواحد، ولم يجئ أيضًا المجيء الظاهر، فيجب العمل على من يستعمل الخبر إذا تواترت الروايات به. فهذا مما لا يجب استعماله له لما ذكرناه على مذهب الفرقتين اللتين ذكرنا. ش: أشار بهذا إلى أن الآثار التي احتجت بها أهل المقالة الأولى آثار ضعيفة؛ لأن في طرقها ضعفاء، وفي طرق بعضها مما رواه غير الطحاوي من لا يعرف ومن لا خير فيه، ألا ترى إلى الحديث الذي رواه أبو داود (¬2) والترمذي (¬3) وابن ماجه (¬4): عن شريك، عن أبي فزارة، عن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود: "أن النبي - عليه السلام - قال في ليلة الجن: ماذا في إداوتك؟ قال: نبيذ، قال: تمرة طيبة وماء طهور" فذكروا فيه ثلاث علل. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 61 رقم 650). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 21 رقم 84). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 147 رقم 88). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 135 رقم 384).

الأولى: جهالة أبي زيد؛ لقد قال الترمذي (¬1): أبو زيد رجل مجهول لا يعرف له غير هذا الحديث. وقال ابن حبان في كتاب "الضعفاء" (¬2): أبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود، وليس يُدرى من هو، ولا يعرف أبوه ولا بلده، ومن كان بهذا النعت، ثم لم يرو إلَّا خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، استحق مجانبته. وقال ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (¬3): سمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول. وذكر ابن عدي عن البخاري قال: أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا يصح هذا الحديث عن النبي - عليه السلام - وهو خلاف القرآن. العلة الثانية: هي التردد في أبي فزارة؛ فقيل: هو راشد بن كيسان، وهو ثقة أخرج له مسلم، وقيل: هما رجلان، وأن هذا ليس براشد بن كيسان، وإنما هو رجل مجهول. وقد نقل عن الإِمام أحمد أنه قال: أبو فزارة في حديث ابن مسعود رجل مجهول. وذكر البخاري أن أبا فزارة العبسي غير مسمى، فجعلهما اثنين. العلة الثالثة: هي إنكار كون ابن مسعود شهد ليلة الجن؛ وذلك لما روى مسلم (¬4): من حديث الشعبي، عن علقمة قال: "سألت ابن مسعود: هل شهد منكم أحد مع رسول الله - عليه السلام -[ليلة الجن] (¬5)؟ قال: لا .. " الحديث. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 147 رقم 88). (¬2) "المجروحين" (3/ 158). (¬3) "العلل" (1/ 17). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 332 رقم 450). (¬5) سقط من "الأصل، ك" والمثبت من "صحيح مسلم".

وفي لفظ له (¬1) قال: "لم أكن مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن، وودت أني كنت معه". وما روى أبو داود (¬2): عن علقمة قال: "قلت لابن مسعود: من كان منكم مع النبي - عليه السلام -[ليلة الجن] (¬3)؟ قال: ما كان معه منا أحد". ورواه الترمذي (¬4): أيضا في تفسير سورة الأحقاف، ورواه الطحاوي أيضا، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قلت: هذا الحديث رواه جماعة عن أبي فزارة؛ فرواه عنه شريك كما أخرجه الترمذي (¬5) وأبو داود (¬6). ورواه عنه سفيان والجراح بن مليح كما أخرجه ابن ماجه (¬7). ورواه عنه إسرائيل كما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬8)، ورواه عنه قيس بن الربيع كما أخرجه عبد الرزاق أيضًا (¬9). والجهالة عند المحدثين تزول برواية اثنين فصاعدا، فأين الجهالة بعد ذلك؟! إلَّا أن يراد جهالة الحال؛ هذا وقد صرح ابن عدي بأنه راشد بن كيسان فقال: مدار هذا الحديث على أبي فزارة عن أبي زيد، وأبو فزارة اسمه راشد بن كيسان وهو مشهور، وأبو زيد عمرو بن حريث مجهول. وحُكي عن الدارقطني أنه قال: أبو فزارة، في حديث النبيذ، اسمه راشد بن كيسان. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 33 رقم 450). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 21 رقم 85). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود". (¬4) "جامع الترمذي" (5/ 382 رقم 3258). (¬5) "جامع الترمذي" (1/ 147 رقم 88). (¬6) "سنن أبي داود" (1/ 21 رقم 84). (¬7) "سنن ابن ماجه" (1/ 135 رقم 384). (¬8) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 179 رقم 693) من طريق الثوري وإسرائيل عنه. (¬9) ومن طريقه رواه الطبراني في "الكبير" (10/ 63 رقم 9962).

وقال ابن عبد البر في كتاب "الاستيعاب": أبو فزارة العبسي راشد بن كيسان ثقة عندهم. وقولهم أيضًا "أبو زيد مجهول" فيه نظر من حيث أن أربعة عشر رجلا رووه عن عبد الله بن مسعود كما رواه أبو زيد (¬1) مع النبي - عليه السلام - في خبر أجمع الفقهاء على العمل به، وهو "أنه طلب منه ثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين وروثه ... " الحديث، وقال ابن العربي: في البعض صحبه، واستوقفه وبَعُد عنه - عليه السلام -، ثم عاد إليه فصح أنه لم يكن معه غير الجن، لا نفس الخروج. وفي "البدائع" (¬2): ولأبي حنيفة ما روى ابن مسعود أنه قال: "كنا أصحاب النبي - عليه السلام - جلوسا في بيته، فدخل علينا رسول الله - عليه السلام - فقال: ليقم منكم من ليس في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقمت -وفي رواية: فلم يقم منا أحد، فأشار إليَّ بالقيام، فقمت- ودخلت البيت فتَزَوَّدت إداوة من نبيذ، فخرجت معه، فخط لي خطّا، فقال: إن خرجت من هذا لم ترني إلى يوم القيامة، فقمت قائما حتى انفجر الصبح، فإذا أنا برسول الله - عليه السلام - وقد عرق جبينه كأنه [حارب جنّا] (¬3)، فقال لي: يا ابن مسعود، هل معك ما أتوضأ به؟ فقلت: لا إلَّا نبيذ تمر في إداوة، فقال: تمرة طيبة وماء طهور. فأخذ ذلك وتوضأ وصلى الفجر". وكذا جماعة من الصحابة منهم: علي وابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنهم - كانوا يجوزون التوضؤ بنبيذ التمر. ورُوي عن النبي - عليه السلام -: "توضئوا بنبيذ التمر، ولا توضئوا باللبن". وروي عن أبي العالية أنه [قال] (¬4): "كنت في جماعة من أصحاب رسول الله - عليه السلام - ¬

_ (¬1) هذا السياق يشعر أن ها هنا سقط، والله أعلم. (¬2) "بدائع الصنائع" (1/ 16). (¬3) في "الأصل، ك": حاد رحبًا، والمثبت من البدائع. (¬4) في "الأصل، ك": قالت، وهو تحريف، والمثبت من "بدائع الصنائع".

في سفينة في البحر، فحفرت الصلاة فَفَنِيَ ماؤهم، ومعهم نبيذ التمر، فتوضأ بعضهم بماء البحر وكره الوضوء بنبيذ التمر، وتوضأ بعضهم بنبيذ التمر وكره الوضوء بماء البحر" وهذا حكايته لا إجماع، فإن من كان يتوضأ بماء البحر كان يعتقد [جواز] (¬1) التوضؤ بماء البحر، فلم يتوضأ بالنبيذ لكونه واجدا للماء المطلق، ومن كان يتوضأ بالنبيذ كان لا يرى ماء البحر طهورا وكان يقول هو سخطة ونقمة، كأنه لم يبلغه قوله - عليه السلام - في صفة البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميته" فيتوضأ بنبيذ التمر لكونه عادِما للماء الطاهر. وبه تبين أن الحديث ورد مورد الشهرة والاستفاضة، حتى عمل به الصحابة وتلقوه بالقبول، فصار مُوجبا علمًا استدلاليا، كخبر المعراج، والقدر خيره وشره من الله تعالى، وأخبار الرؤية والشفاعة، وغير ذلك مما كان الراوي في الأصل واحدا ثم اشتهر وتلقته العلماء بالقبول، ومثله مما ينسخ به الكتاب، انتهى. قلت: قد عملت الصحابة بهذا الحديث على ما في "سنن الدارقطني" (¬2): عن عبد الله بن [محرر] (¬3)، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "النبيذ وضوء من لم يجد الماء". وأخرج أيضا (¬4): عن الحارث، عن علي - رضي الله عنه -: "أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ". وروى أيضا في "سننه" (¬5): من حديث مجاعة، عن أبان، عن عكرمة، عن ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "بدائع الصنائع". (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 76 رقم 8) وقال: ابن محرر متروك الحديث. (¬3) في "الأصل، ك" محرز، بزاي في آخره، وهو تصحيف، والصواب محرر، آخره راء، كما في "سنن الدارقطني"، ومصادر ترجمته. (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 78 رقم 20) وقال: تفرد به حجاج بن أرطاة، لا يحتج بحديثه. (¬5) "سنن الدارقطني" (1/ 76 رقم 9) وقال: أبان هو ابن أبي عياش، متروك الحديث، ومجاعة ضعيف.

ابن عباس قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ به" قال: المحفوظ من قول عكرمة، غير مرفوع إلى النبي - عليه السلام - ولا إلى ابن عباس. وقال البيهقي: هذا حديث واهٍ. قلت: (هذا) (¬1) مجرد دعوى منه فلا تقبل. وقال أبو بكر الرازي في كتاب "أحكام القرآن": رَوَى الوضوء بالنبيذ عن النبي - عليه السلام - أبو مامة - رضي الله عنه - أيضا. فإن قيل: هذا الحديث من أخبار الآحاد، ورَدَ على مخالفه الكتاب، ومن شرط ثبوت خبر الآحاد ألَّا يخالف الكتاب، فإذا خالف لا يثبت، أو يثبت لكنه نُسِخَ؛ لأنه كان بمكة، وهذه الآية -أعني قوله تعالى: {تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا} (¬2) نزلت بالمدينة، وقال ابن القصار من المالكية، وابن حزم: من ذهب إلى أنه وإن صح يكون منسوخا؛ لأنه كان بمكة، ونزول قوله تعالى: {تَجِدُوا مَاءً} (¬3) كان بالمدينة. وقال ابن حزم (¬4): "نزول أمر الوضوء كان بالمدينة". قلت: قد ذكر لك أن الحديث ورد مورد الشهرة والاستفاضة حتى عمل به الصحابة وتلقوه بالقبول، فصار موجبا علمًا استدلاليّا، ومثله مما ينسخ به الكتاب. مع أنه لا حجة لهم في الكتاب؛ لأن عدم نبيذ التمر في الأسفار، يسبق عدم الماء عادة؛ لأنه أعسر وجودا من الماء، وتعليق جواز التيمم بعدم الماء تعليق بعدم النبيذ دلالة. فكأنه قال: فلم تجدوا ماء، ولا نبيذ تمر، فتيمموا، إلا أنه لم ينص عليه لثبوته عادة. يؤيد هذا ما ذكرنا من فتاوى نجباء الصحابة - رضي الله عنهم - في زمان استدَّ فيه باب الوحي، وأنهم كانوا أعرف الناس بالناسخ والمنسوخ، فتبطل دعوى النسخ. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك". (¬2) سورة المائدة، آية: [6]. (¬3) سبق تخريجه. (¬4) "المحلى" (1/ 204).

وقول ابن حزم (¬1): "نزول أمر الوضوء كان بالمدينة"، يرده ما ذكره الطبراني في "الكبير" (¬2) والدارقطني (¬3) "أن جبريل - عليه السلام - نزل على رسول الله - عليه السلام - بأعلى مكة، فهمز له بعقبه، فأنبع الماء، وعلمه الوضوء". وقال السهيلي: الوضوء مكي، ولكنه مدني التلاوة، وإنما قالت عائشة - رضي الله عنها -: "آية التيمم"، ولم تقل "الوضوء"؛ لأن الوضوء كان مفروضا قبل، غير أنه لم يكن قرآنا يُتْلى حتى نزلت آية التيمم. وقال أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن": يستدل بقوله تعالى: {قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} (¬4) الآية على جواز الوضوء بنبيذ التمر من وجهين. أحدهما: قوله تعالى: {وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} عموم في جميع المائعات؛ لأنه يسمى غاسلا بها، إلا ما قام الدليل فيه، ونبيذ التمر مما قد شمله العموم. الثاني: قوله: {تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} (¬5) فإنما أباح التيمم عند عدم كل جزء من الماء؛ لأنه لفظ مُنَكَّرٌ يتناول كل جزء منه، سواء كان مخالطا بغيره، أو منفردا بنفسه، ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر: ماء، فلما كان كذلك وجب ألَّا يجوز التيمم مع وجوده، بالظاهر. ويدل على ذلك أن النبي - عليه السلام - توضأ بمكة قبل نزول الآية في التيمم، وقبل أن نُقِلَ من الماء إلى بدل، فدل على أنه توضأ به، على أنه بقي حكم الماء الذي فيه، لا على وجه البدل عن الماء؛ إذ قد توضأ به في وقت كانت الطهارة مقصورة على الماء بدون غيره، والله أعلم. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه. (¬2) "المعجم الكبير" (5/ 85 رقم 4657) بنحوه من حديث أسامة بن زيد، عن أبيه. (¬3) سنن الدراقطني (1/ 111 رقم 1، 2) بنحوه أيضًا مثل رواية الطبراني. (¬4) سورة المائدة، آية: [6]. (¬5) سبق تخريجه.

ص: فإن قال قائل: الآثار الأُول أولى من هذا؛ لأنها متصلة وهذا منقطع, لأن أبا عُبَيدة لم يسمع من أبيه شيئا. قيل له: ليس من هذه الجهة احتججنا بكلام أبي عُييدة، إنما احتججنا به لأن مثله، على تقدمه في العلم، وموضعه من عبد الله، وخِلْطَتِه بخاصته من بعده، لا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله ذلك حجة فيما ذكرنا، لا من طريق الذي وصفت. ش: السؤال والجواب ظاهران، وأراد بالاتصال اتصال الإسناد، وبالانقطاع انقطاعه. وقال الترمذي: لا يعرف اسم أبي عُبَيدة، ولم يسمع من أبيه شيئًا. وقال أبو داود: كان أبو عبيدة يوم مات أبوه ابن سبع سنين. قوله: "وخِلْطَتُه بخاصته من بعده" أي وخلطة أبي عبيدة بخواص أبيه عبد الله، وهم أصحابه الذين كانوا يلازمونه ويأخذون منه، والجواب لا يتمم به التقريب على ما لا يخفى. ص: وقد روينا عن عبيد الله من كلامه بالإسناد المتصل ما قد وافق ما قال أبو عُبَيدة، وحدثناه ابن أبي داود، قال: نا عمرو بن عون، قال: نا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "لم أكن مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن، ولوددت أني كنت". ش: أكد بهذا ما رُوي عن أبي عبيدة من عدم كون أبيه عبد الله مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن. قوله: "ما قد وافق" مفعول "روينا". وقوله: "ما قال" مفعول "وافق". وقوله: "حدثناه ابن أبي داود" بيان لقوله: "روينا". وإسناد هذا صحيح على شرط مسلم.

وخالد الأول هو الطحان الواسطي، والثاني هو خالد بن مهران الحذَّاء -بفتح الحاء المهملة وتشديد الذال المعجمة- ولم يكن حذَّاء، وإنما كان ملازما القعود عند حذَّاء، فنسب إليه. وأبو مِعْشَر اسمه زياد بن كُلَيْب الكوفي. وإبراهيم هو النخعي. وأخرجه مسلم (¬1): من حديث الشعبي، عن علقمة قال: "سألت ابن مسعود هل شهد منكم أحد مع رسول الله - عليه السلام -؟ قال: لا ... " الحديث. وفي لفظ (¬2): له أخرجه عن خالد الحذاء عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: "لم أكن مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن، ولوددت أني كنت معه" فبهذا استدلوا على أن ابن مسعود - رضي الله عنه -لم يكن مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن، فيبطل بذلك العمل بالآثار الأُول. وللمناقش أن يقول: إنه لم يكن معه - عليه السلام - في الحالة التي خاطب فيها الجن، ومعنى قوله: "ولوددت أني كنت" أي أحببت أني كنت مع النبي - عليه السلام - وقت الخطاب وعدم كونه معه في هذه الحالة؛ لا ينافي كونه معه في غير هذه الحالة في تلك الليلة، وقد قلنا: إن الوضوء بالنبيذ إنما كان بعد الانصراف من عند الجن. ورُوي عنه: "أنه مر بقوم يلعبون بالكوفة، فقال: ما رأيت أحدا أشبه بهؤلاء من الجن الذين رأيتهم مع النبي - عليه السلام - (¬3) وفي رواية: "رأى قوما من (الزُّطِّ) (¬4) بالعراق، فقال: ما أشبه هؤلاء بالجن الذين رأيتهم ليلة الجن (¬5) ". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 332 رقم 450). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 333 رقم 450). (¬3) انظر "مختلف الحديث" لابن قتيبة (1/ 22). (¬4) الزُّط: جنس من السودان والهنود، انظر "النهاية" (2/ 302). (¬5) رواه أحمد في "مسنده" (1/ 455 رقم 4353) بنحوه، والبزار في "مسنده" (5/ 266 رقم 1880) وقال: وهذا اللفظ لا نعلمه يروى إلَّا عن أبي عثمان عن عبد الله ..

على أنه قد ذكر بعضهم أن غير عبد الله حضر الليلة أيضا، وهو الزبير بن العوام. ذكره الإسماعيلي (¬1): عن موسى بن جعفر، نا يعقوب بن سفيان، ثنا سليمان بن سلمة، ثنا أبو [يحمد] (¬2) بقية بن الوليد، حدثني نمير بن يزيد الحمصي -معروف حسن الحديث- عن أبيه، عن عمه قحافة بن ربيعة، ثنا الزبير بن العوام قال: "صلى بنا النبي - عليه السلام - صلاة الصبح في مسجد المدينة ثم قال: أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة ... " الحديث. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: أنا أسد، قال: ثنا زكريا بن أبي زائدة، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة قال: "سألت ابن مسعود هل كان مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن أحد؟ فقال: لم يصحبه منا أحد، ولكن فقدناه ذات ليلة فقلنا: استُطير أم اغتيل؟ فتفرقنا في الشعاب والأودية نلتمسه، فبتنا بشَرِّ ليلة بات بها قوم، نقول: استطير أم اغتيل؟ فقال: إنه أتاني داعي الجن، فذهبت أُقْرِئهم القرآن، فأرانا آثارهم". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وعامر هو الشَّعبي. وأخرجه مسلم (¬3): عن محمَّد بن المثني، عن عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال: "سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله - عليه السلام - ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، هل صحب النبي - عليه السلام - ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد ... " إلى آخره نحوه، وفيه: "فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء" وفي آخره: "فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بَعْرةٍ علفٌ لدوابكم. وقال رسول الله - عليه السلام -: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم". ¬

_ (¬1) معجم شيوخ الإسماعيلي (3/ 781 رقم 391). (¬2) في "الأصل، ك": محمَّد، وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه كما في المصدر السابق ومصادر الترجمة. (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 332 رقم 450).

وأخرجه الترمذي (¬1): عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، عن الشعبي ... إلى آخره نحوه، وفيه الزيادة: "وكانوا من جن الجزيرة". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قوله: "فقدناه ذات ليلة" يقال: ذات يوم وذا يوم، وذات ليلة وذا ليلة، وهو كناية عن يوم وليلة، والمعنى: فقدناه مدة التي هي الليلة، والمعنى في التذكير: وقتا وزمانا الذي هو يوم. قوله: "استطير" على صيغة المجهول، أي ذُهِبَ به بسرعة، كأن الطير حملته، أو اغتاله أحد. والاستطارة والتطاير: التفرق والذهاب. وقال الجوهري: استطير الشيء أي: طُيَّر. قوله: "أم اغتيل" على صيغة المجهول أيضا، من: اغتال يغتال، من الغَوْل -بالفتح - وهو البعد في السير، وكذلك المغَاوَلة هي المبادرة في السَّيْر، والمعنى ها هنا: أم أُخِذ غيلة، والاغتيال: الاحتيال. قوله: "في الشِّعاب" -بكسر الشين- جمع شِعب -بكسر الشين- وهو الطريق في الجبل. قوله: "نلتمسه" أي نطلبه، وهي جملة في موضع النصب على الحال عن الضمير الذي في "تفرقنا". قوله: "فقال إنه" أي: الشأن. ص: فهذا عبد الله قد أنكر أن يكون مع النبي - عليه السلام - ليلة الجن، فهذا الباب إن كان يؤخذ من طريق صحة الإسناد، فهذا الحديث الذي فيه الإنكار أولى؛ لاستقامة طريقه وثبت رواته، وإن كان من طريق النظر فإنا رأينا الأصل المتفق عليه أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب ولا بالخل، فكان النظر على ذلك أن يكون نبيذ التمر أيضا كذلك. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (5/ 382 رقم 3258).

وقد أجمع العلماء أن نييذ التمر إذا كان موجودا في الحال وجودَ الماء، أنه لا يتوضأ به؛ لأنه ليس بماء، فلما كان خارجا من حكم المياه في حال وجود الماء، كان كذلك هو في حال عدم الماء. وحديث ابن مسعود الذي فيه التوضؤ بنبيذ التمر إنما فيه: أن النبي - عليه السلام - توضأ به وهو غير مسافر, لأنه إنما خرج من مكة يريدهم، فقيل: إنه توضأ بنبيذ التمر في ذلك المكان، وهو في حكم من هو بمكة, لأنه يتم الصلاة فهو أيضًا في حكم استعمال ذلك النبيذ هنالك، في حكم استعماله إياه في مكة، فلو ثبت بهذا الأثر أن النبيذ مما يجوز التوضؤ به في الأمصار والبوادي ثبت أنه يجوز التوضؤ به في حال وجود الماء وفي حال عدمه. فلما أجمعوا على ترك ذلك والعمل بضده، فلم يجيزوا التوضؤ به في [الأمصار] (¬1)، ولا فيما حكمه حكم الأمصار؛ ثبت بذلك تركهم لذلك الحديث، وخرج حكم ذلك النبيذ من حكم سائر المياه. فثبت بذلك أنه لا يجوز التوضؤ به في حال من الأحوال، وهذا هو قول أبي يوسف رحمه الله وهو النظر عندنا، والله أعلم. شْ: هذا كله ظاهر، ولكنه لا يخلو عن مناقشة ونظر؛ لأنا قد ذكرنا أن الخبر الذي فيه الوضوء بالنبيذ، وكون ابن مسعود - رضي الله عنه - مع النبي - عليه السلام - ليلتئذ، قد ورد من طرق متعددة. وأن خبر "مسلم" ونحوه محمول على أنه ما كان معه وقت خطاب الجن، وكيف وقد عمل به نجباء الصحابة من بعده؟! ولئن سلمنا أن القياس يقتضي ما ذكره، ولكنه ورد [الخبر] (¬2) على خلافه فنعمل به. ولو قيل: هذا خبر آحاد قد ورد على مخالفة الكتاب، فلا يثبت ولا يعمل به، فالجواب عنه ما قدمناه. ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل". (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.

قوله: "فإذا رأينا الأصل المتفق عليه أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب" فيه نظر لأن؛ الأوزاعي يرى الوضوء بسائر الأنبيذة مطلقا، على أي وجه كان. قوله: "فلما كان خارجا" أي فلما كان نبيذ التمر خارجا "عن حكم المياه ... " إلى آخره، فيه نظر لأنه ليس بخارج عن حد المياه عند عدم الماء المطلق، لقوله - عليه السلام - "تمرة طيبة وماء طهور". أطلق عليه عند عدم الماء المطلق أنه ماء، وأنه طهور، فكيف يستوي حكمه في الحالتين؟!

ص: باب: المسح على النعلين

ص: باب: المسح على النعلين ص: (¬1) حدثنا أبو بكرة وإبراهيم بن مرْزوق، قالا: نا أبو داود، قال: أنا حماد بن سلمة. وحدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس قال: "رأيت أبي توضأ ومسح على نعلين له، فقلت له: أتمسح على النعلين؟ فقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على النعلين". ش: هذان طريقان رجالهما ثقات. وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي. وأوس بن أبي أوس الثقفي الصحابي. وأبوه، أبو أوس الثقفي، اسمه حذيفة والد أوس، وقال ابن أبي حاتم: أوس ابن أوس الثقفي له صحبه .. ويقال: أوس بن أبي أوس، قال الدُّوري: سمعت يحيى بن معين يقول: أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس واحد. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): عن علي بن عبد العزيز وأبي مسلم الكشي، كلاهما عن حجاج بن المنهال إلى ... آخره نحوه سواء. وأخرجه أبو داود (¬3): عن أوس نفسه: ثنا مسدد وعباد بن موسى، قالا: نا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، قال عباد: أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي أنه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - أتى كظامة قوم يعني الميضأة [ولم يذكر مسدد ¬

_ (¬1) سقط شرح ترجمة الباب من "الأصل، ك"، وكذا ذكر المناسبة بينه وبين الباب الماضي كعادة المؤلف -رحمه الله- والله أعلم. (¬2) "المعجم الكبير" (1/ 222 رقم 605). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 41 رقم 160).

الكظامة ثم اتفقا- فتوضأ] (¬1)، ومسح على نعليه وقدميه". ص: حدثنا فهد، قال: نا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس قال: "كنت مع أبي في سفر، فنزلنا بماء من مياه الأعراب، فبال، فتوضأ ومسح على نعليه، فقلت له: أتفعل هذا؟! فقال: ما أزيدك على ما رأيت رسول الله - عليه السلام - فعل". ش: هذا طريق آخر بإسناد جيد. وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي قاضيها. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): عن عبيد بن غنام، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شريك ... إلى آخره، نحوه. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): عن شريك، عن يعلى بن عطاء .. إلى آخره، نحوه سواء. ص: فذهب قوم في المسح على النعلين كما يمسح على الخفين. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي، والوليد بن مسلم، ونفرا من الظاهرية؛ فإنهم قالوا بجواز المسح على النعلين، وادعوا أنه مذهب عليّ وأوس بن أبي أوس. ص: فقالوا قد شد ذلك ما قد رُوي عن علي - رضي الله عنه -؛ فذكروا في ذلك ما قد حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود ووهب، قالا: نا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي ظبيان: "أنه رأى عليّا - رضي الله عنه - بال قائما، ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه، ثم صلى". ش: أي قال هؤلاء القوم "قد شد" أي: قوَّى وأحكم "ذلك" أي: ما ذهبنا إليه ¬

_ (¬1) عبارة "الأصل، ك": "ثم اتفقا، فتوضأ، ولم يذكر مسدد الكاظمة، فتوضأ" وهي مضطربة، والمثبت من "سنن أبي داود"، وانظر عون المعبود (1/ 277). (¬2) "المعجم الكبير للطبراني" (1/ 222 رقم 606). (¬3) "مسند أحمد" (4/ 10 رقم 16226).

من جواز المسح على النعلين لحديث أوس "ما قد رُوِيَ عن علي - رضي الله عنه - فذكروا في ذلك" أي فيما ذهبوا إليه، ما قد حدثنا أبو بكرة: بكَّار القاضي، قال: نا أبو داود سليمان بن داود الطيالسي ووهب بن جرير، قالا: نا شعبة بن الحجاج، عن سلمة بن كهيل الكوفي، أحد مشايخ أبي حنيفة، الثقة الثبت، عن أبي ظَبْيان -بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة- واسمه حُصَيْن بن جُنْدب الجنَبِي الكوفي، روى له الجماعة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظَبْيان الجنبي قال: "رأيت عليّا - رضي الله عنه - بال قائما حتى أرغى، ثم توضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه فجعلهما في كمه ثم صلى". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي ظبيان قال: "رأيت عليًّا بال قائما ثم توضأ ومسح على نعليه". ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا نرى المسح على النعلين. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والنخعي وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد وأصحابهم وجمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم؛ فإنهم لا يجوزون المسح على النعلين. ص: وكان من الحجة في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون النبي - عليه السلام - مسح على نعلين تحتهما جوربان وكان قاصدا بمسحه ذلك إلى جوربيه لا إلى نعليه، وجورباه مما لو كانا عليه بلا نعلين جاز له أن يمسح عليهما، فكان مسحه ذلك مسحا أراد به الجوربين، فأتى ذلك على الجوربين والنعلين، فكان مسحه على الجوربين هو الذي يطهر به، ومسحه على النعلين فضل. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 201 رقم 783). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 173 رقم 1998).

ش: هذا جواب عما تمسك به هؤلاء القوم، وهو ظاهر. فإن قيل: من أين هذا الاحتمال؟ قلت: الحديث الذي يأتي يدل على ذلك، وهو قول أبي موسى - رضي الله عنه -: "إن النبي - عليه السلام - مسح على جوربيه ونعليه" (¬1)، فهذا صريح، وذاك محتمل، فيحمل المحتمل على الصريح. وجواب آخر: أن معنى ما ورد من المسح على النعلين: الغسل؛ لأن المسح قد يجيء بمعنى الغسل، وعن أبي زيد الأنصاري: المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا، ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه: قد تمسح، ويقال: مسح الله ما بك. أي أذهبه عنك وطهرك من الذنوب. وجواب آخر: أن الذي نقل عن النبي - عليه السلام - أنه غسل رجله جمُّ غفير وعدد كثير، والذي نقل عنه أنه مسح نعليه عدد قليل، والقضية واحدة، والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير، مع فضل من حفظ على من [لم] (¬2) يحفظ. وقد يقال: إن ذلك كان منه - عليه السلام - في الوضوء التطوع، لا في الوضوء من حدث؛ يؤيده ما أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (¬3): وترجم عليه: باب ذكر الدليل على أن مسح النبي - عليه السلام - على النعلين كان في وضوء تطوع، لا من حدث: عن سفيان، عن السدي، عن عبد خير، عن علي - رضي الله عنه -: "أنه دعا بكوز من ماء، ثم توضأ وضوءا خفيفا ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله - عليه السلام - للطاهر ما لم يحدث". قال في "الإمام": وهذا الحديث أخرجه أحمد بن عبيد الصفار في "مسند" بزيادة لفظ، وفيه: "قال: هكذا فعل رسول الله - عليه السلام - ما لم يحدث". ¬

_ (¬1) يأتي في نص الطحاوي التالي، وشرحه. (¬2) ليست في "الأصل، ك" والسياق يقتضيها. (¬3) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 100 رقم 200).

وقال ابن حبان في "صحيحه" (¬1): هذا إنما كان في الوضوء للنفل، ثم استدل عليه بحديث أخرجه عن النَّزَّال بن سَبرة، عن عَلي - رضي الله عنه -: "أنه توضأ ومسح برجليه وقال: رأيت رسول الله - عليه السلام - فعل كما فعلت، وهذا وضوء من لم يحدث". وكذا ذكر البزار في "مسنده" (¬2). ص: وقد بيّن ذلك ما حدثنا علي بن معبد، قال: نا المعلى بن منصور، قال: نا عيسى بن يونس، عن أبي سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى: "أن النبي - عليه السلام - مسح على جوربيه ونعليه". حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: نا أبو عاصم، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس، عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. فأخبر أبو موسى والمغيرة عن مسح النبي - عليه السلام - على نعليه كيف كان منه. ش: أي قد بيَّنَ ما ذكرنا من التوجيه، وهو أنه يجوز أن يكون النبي - عليه السلام - مسح على نعلين تحتهما جوربان ... إلى آخره، وهو (¬3) على صيغة المعلوم. وقوله: "ما حدثنا" في محل الرفع، فاعله. وأخرج فيه حديثين: أحدهما: عن أبي موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس، ورجاله ثقات. وأبو سِنَان -بكسر السين المهملة وبالنون المخففة- اسمه عيسى بن سنان الحنفي الفلسطيني. فإن قيل: قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالمتصل ولا بالقوي. وقال البيهقي: الضخاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه عن أبي موسى الأشعري، وعيسى بن سنان لا يحتج به. ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (4/ 170 رقم 1340). (¬2) "مسند البزار" (3/ 30 - 32 رقم 780 - 782). (¬3) أي الفعل "بَيَّن".

قلت: قال عبد الغني في "الكمال": الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، ويقال: عرزم، سمع أباه وأبا موسى الأشعري وأبا هريرة (¬1). وقال في ترجمة عيسى بن سنان: قال يحيى بن معين: ثقة. ووثقه ابن حبان أيضًا (¬2). وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3): نا أحمد بن يحيى الحلواني، نا سعيد بن سليمان، عن عيسى بن يونس، عن أبي سنان، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب، عن أبي موسى قال: "دعا النبي - عليه السلام - بوضوء فتوضأ ومسح على الجوربين والعمامة والنعلين". والآخر: عن [المغيرة - رضي الله عنه -] (¬4) ورجال حديثه ثقات أيضًا، وأبو عاصم النبيل: الضحاك بن مخلد. وأبو قيس اسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي الكوفي. وأخرجه أبو داود (¬5): نا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري .. إلى آخره ولفظه: "أن رسول الله - عليه السلام - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين". والترمذي (¬6): عن هناد ومحمود بن غيلان، كلاهما عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) وأثبت البخاري له السماع من أبي موسى كما في "تاريخه الكبير" (4/ 333). (¬2) قال الذهبي في "الميزان" (5/ 377) ضعفه أحمد وابن معين، وهو ممن يكتب حديثه على لينه، وقواه بعضهم يسيرًا، وقال العجلي لا بأس به، وقال أبو حاتم ليس بالقوي. (¬3) مسند أبي موسى لم يطبع من "المعجم الكبير"، والحديث أخرجه الطبراني أيضًا في "المعجم الأوسط" (2/ 24 رقم 1108) من طريق عيسى بن يونس بنحوه، وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به عيسى. (¬4) في "الأصل، ك" ابن عمر، وهو سبق قلم من المؤلف، والمثبت من نص الطحاوي ومصادر تخريج الحديث. (¬5) "سنن أبي داود" (1/ 41 رقم 159). (¬6) "جامع الترمذي" (1/ 167 رقم 99).

وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه (¬1): عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. واحتج [به] (¬2) الجمهور من العلماء على جواز المسح على الجوربين. قال الترمذي (¬3): وهو قول غير واحد من أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين، وإن لم يكونا منعلين، إذا كانا ثخينين. قال أبو عيسى: سمعت صالح بن محمَّد الترمذي قال: سمعت أبا مقاتل السمرقندي يقول: "دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضأ، وعليه جوربان فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئا لم أكن أفعله، مسحت على الجوربين وهما غير منعلين". وفي "البدائع" (¬4): وأما المسح على الجوربين فإن كانا مجلدين أو منعلين يجوز بلا خلاف بين أصحابنا، وإن لم يكونا مجلدين أو منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان الماء لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز، ورُوي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره، وعند الشافعي لا يجوز المسح على الجوارب وإن كانت منعلة، إلا إذا كانت مجلدة إلى الكعبين، واحتج أبو يوسف ومحمد بحديث المغيرة، ولأبي حنيفة أن جواز المسح على الخفين ثبت نصّا، بخلاف القياس، فكان كل ما في معنى الخف في إدمان (¬5) المشي عليه، وإمكان قطع السفر به يُلْحَق به، وما لا فلا. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 185 رقم 559). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها. (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 168 - 169). (¬4) "بدائع الصنائع" (1/ 10) مع بعض الاختصار. (¬5) أدمن الشيء: أدامه "القاموس المحيط" (دمن).

ومعلوم أن غير المجلد والمنعل من الجوارب لا يشارك الخف في هذا المعنى، فتعذر الإلحاق. وأما الحديث فيحتمل أنهما كانا مجلدين أو منعلين، وبه نقول، ولا عموم له لأنه حكاية حال؛ ألا ترى أنه لا يتناول الرقيق من الجوارب؟ انتهى. وفي "المغني" (¬1): قال أحمد: يذكر المسح على الجوربين عن سبعة أو ثمانية من أصحاب النبي - عليه السلام - وقال ابن المنذر: يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب رسول الله - عليه السلام -: علي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وبه قال عطاء، والحسن، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وسعيد بن جبير، والأعمش، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وإسحاق، ويعقوب، ومحمد. وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم، والشافعي: لا يجوز المسح عليهما إلا أن يُنْعلا. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (¬2): نا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام: "أن أبا مسعود كان يمسح على الجوربين". نا (¬3) وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن عقبة بن عمرو: "أنه مسح على الجوربين من شعر". نا (¬4) وكيع، عن أبي جناب، عن أبيه، عن خلاس أبي عمرو: "أن عمر - رضي الله عنه - توضأ ومسح على جوربيه ونعليه". ¬

_ (¬1) "المغني" (1/ 181). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 171 رقم 1971). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 171 رقم 1972). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 171 رقم 1974).

نا أبو بكر (¬1) بن عياش، عن حصين، عن إبراهيم قال: "الجوربان والنعلان بمنزلة الخفين". نا (¬2) وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس: "أنه كان يمسح على الجوربين". نا (¬3) أبو بكر بن عياش، عن عبد الله بن سعد، عن [خلاس] (¬4)، قال: "رأيت عليا - رضي الله عنه - بال، ثم مسح على جوربيه ونعليه". نا (¬5) إسحاق الأزرق، عن جويبر، عن الضحاك: "أنه كان يقول في المسح على الجوربين: لا بأس به". نا (¬6) الثقفي، عن إسماعيل بن أمية قال: "بلغني أن البراء بن عازب كان لا يرى بالمسح على الجوربين بأسا وبلغني عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن المسيب: "أنهما كانا لا يريان بأسا بالمسح على الجوربين". نا (¬7) زيد بن حباب، عن هشام بن سعد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: "أنه مسح على الجوربين". وقال ابن حزم في "المحلى" (¬8): والعجب من الحنفيين والشافعيين والمالكيين يشنعون ويعظمون مخالفة الصاحب إذا وافق تقليدهم، وهم قد خالفوا ها هنا أحد عشر صحابيّا لا مخالف لهم من الصحابة، ممن يجيز المسح، منهم: عمر، وابنه، وعلي، وابن مسعود؛ فخالفوا السنة الثابتة عن رسول الله - عليه السلام - والقياس بلا معنى. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 171 رقم 1975). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 172 رقم 1978). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 172 رقم 1980). (¬4) في "الأصل، ك": خيرة، وهو تحريف، والمثبت من "المصنف". (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 172 رقم 1981). (¬6) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 172 رقم 1983). (¬7) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 173 رقم 1990). (¬8) "المحلى" (2/ 87).

قلت: هذا تشنيع ساقط وكلام واهٍ؛ فالحنفيون ما خالفوا ها هنا أحدا من الصحابة، بل مذهبهم جميعا جواز المسح على الجوربين، وما رُوي عن أبي حنيفة في المنع فقد صح رجوعه عنه كما صرح به الترمذي في جامعه (¬1). والشافعيون فقد ذكر الترمذي قول الشافعي مع قول من يجيز، غاية ما في الباب: اشترط الشافعي عدم نفوذ الماء من الجورب، وإمكان متابعة المشي. ولم يُنقل عن أحد عدم اشتراط هذين الشرطين. والمالكيون فأكثرهم على الجواز. ص: وقد رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - في ذلك وجه آخر. حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أحمد الحسين اللَّهَبِيّ، قال: نا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع: "أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان النبي - عليه السلام - يصنع هكذا". ش: أي قد رُوي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - في معنى المسح على النعلين وجه آخر، ثم بيَّن ذلك بقوله: "حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرلسي" .... إلى آخره، وقد ذكر هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد في باب فرض الرجلين في الوضوء، وإسناده صحيح. واللَّهبي نسبه إلى أبي لهب بن عبد المطلب، وأحمد بن الحسن من ذريته، ثقة مشهور. وابن أبي فديك هو محمَّد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك. وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب أبو الحارث المدني. وأخرجه البزار في "مسنده" (¬2): ثنا إبراهيم بن سعيد، نا روح بن عبادة، عن ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) عزاه له الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 188) وصحح إسناده الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الدراية".

ابن أبي ذئب، عن نافع: "أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله - عليه السلام - يفعل" وهذا الحديث لا يعلم رواه عن نافع إلا ابن أبي ذئب، ولا يعلم رواه عنه إلا روح، وإنما كان يمسح عليهما لأنه توضأ من غير حدث، وكان يتوضأ لكل صلاة من غير حدث، فهذا معناه عندنا. انتهى. قلت: قوله: "ولا نعلم رواه عنه إلا روح" تعارضه رواية الطحاوي؛ فإن الراوي عنه روايته ابن أبي فديك. ص: فأخبر ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - عليه السلام - قد كان في وقتِ ما كان يمسح على نعليه ويمسح على قدميه، فقد يحتمل عندنا أن يكون ما مسح على قدميه هو الفرض، وما مسح على نعليه كان فضلا؛ فحديث أبي أوس يحتمل ما ذكر فيه عن النبي - عليه السلام - من مسحه على نعليه، أن يكون كما قال أبو موسى والمغيرة، أو كما قال ابن عمر، فإن كان كما قال أبو موسى والمغيرة فإنا نقول بذلك؛ لأنا لا نرى بأسا بالمسح على الجوربين إذا كانا صفيقين، قد قال ذلك أبو يوسف ومحمد. وأما أبو حنيفة فإنه كان لا يرى ذلك حتى يكونا صفيقين ويكونا مجلدين، فيكونان كالخفين. وإن كان كما قال ابن عمر فإن في ذلك إثبات المسح على القدمين، فقد بينا ذلك، وما عارضه وما نسخه، في باب فرض القدمين. فعلى أي المعنيين كان وجه حديث أوس بن أبي أوس: من معنى حديث أبي موسى والمغيرة، ومن معني حديث ابن عمر، فليس في ذلك ما يدل على جواز المسح على النعلين، فلما احتمل حديث أوس ما ذكرنا ولم يكن فيه حجة في جواز المسح على النعلين؛ التمسنا ذلك من طريق النظر لنعلم كيف حكمه، فرأينا الخفين اللذين جوز المسح عليهما إذا تخرقا حتى بدت القدمان منهما، أو أكثر القدمين، فكلُّ قد أجمع أنه لا يمسح عليهما، فلما كان المسح على الخفين إنما يجوز إذا غيبا القدمين، ويبطل إذا لم

يُغِيبا القدمين، وكانت النعلان غير مغيبتين للقدمين، ثبت أنهما كالخفين اللذين لا يغيبان القدمين. ش: ملخص هذا أن حديث ابن عمر بخبر أنه - عليه السلام - حين كان يمسح على نعليه يمسح على قدميه، فيحتمل أن يكون مسحه على قدميه فرضا، وعلى نعليه إصابة الفضيلة، وحديث أوس، إن كان معناه كمعنى حديث ابن عمر هذا، فإن فيه إثبات المسح على القدمين، ولكن قد ثبت ما عارضه وما نسخه في باب فرض القدمين. وإن كان معناه كمعنى حديث أبي موسى والمغيرة، فإنا نقول بذلك؛ لأنا نُجَوِّز المسح على الخفين إذا كانا ثخينين لا يشفَّان، وأيّا ما كان، فلا يبقي في حديث أوس ما يدل على جواز المسح على النعلين، فلا يبقى حُجَّة لمن يرى [ذلك] (¬1). قوله "وأما أبو حنيفة ... " إلى آخره قد ذكرنا التحقيق فيه عن قريب .. قوله: "إذا غييا" على صيغة المعلوم أي إذا غيب الخفان القدمين بأن [ستراهما] (¬2). قوله "غير مُغَيِّبتَيْن" على صيغة الفاعل، تثنية مُغَيَّبَة، فافهم. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": بذلك. (¬2) في "الأصل، ك": سترهما.

ص: باب: المستحاضة كيف تتطهر للصلاة؟

ص: باب: المستحاضة كيف تتطهر للصلاة؟ ش: أي هذا باب في بيان أن المستحاضة كيف [تتطهر] (¬1) لإقامة الصلاة، و"المستحاضة": من ترى الدم في غير أوانها. وفي "العُباب": المستحاضة المرأة التي يسيل منها الدم ولا يرقأ، ولا يسيل من المحيض ولكن يسيل من عِرقٍ يقال له: العاذل. والمناسبة بينه وبين الأبواب التي قبله: أن كلا منها مشتمل على أحكام الوضوء. ص: حدثنا محمَّد بن النعمان السقطي، قال: نا الحميدي، قال: نا عبد العزيز ابن أبي حازم، قال: نا ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة - رضي الله عنها -: "أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف وأنها استحيضت حتى لا تَطْهُر، فذُكِرَ شأنُها لرسول الله - عليه السلام - فقال: ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، لتَنْظُر قذر قرئها الذي تحيض له، فلتترك الصلاة، ثم لتنظر بعد ذلك، فلتغتسل عند كل صلاة وتصلي". ش: رجاله رجال الصحيحين ما خلا محمَّد بن النعمان بن بشير النيسابوري السقطي نزيل بيت المقدس، وهو أيضا ثقة مشهور. والحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى بن أسامة بن عبد الله بن حميد القرشي الأسدي. وعبد العزيز بن أبي حازم -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- واسمه سلمة بن دينار المدني. وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني. وعَمْرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدينة. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك" تتطر، سقطت الهاء من وسطها.

وأم حبيبة بنت جحش هي حمنة بنت جحش الأسدية، وهي أخت زينب بنت جحش زوج النبي - عليه السلام - ولها صحبة. وأخرجه النسائي (¬1): عن الربيع بن سليمان بن داود بن إبراهيم، عن إسحاق ابن بكر، قال: حدثني أبي: عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن محمَّد .. إلى آخره، نحوه سواء. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬2)، و"المعرفة" (¬3): عن أبي سعيد الإسفرايني، عن أبي بحر البربهاري، عن بشر بن موسى، عن الحميدي ... إلى آخره نحوه سواء، وقال في "المعرفة": قال أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، فيما قرأنا على محمَّد بن عبد الله الحافظ، عنه، قال بعض مشايخنا: خبر ابن الهاد غير محفوظ. قال البيهقي: وقد رواه محمَّد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - قال فيه: "فأمرها بالغسل لكل صلاة" وكذلك رواه سليمان بن كثير عن الزهري -في إحدى الروايات عنه- والصحيح رواية الجمهور عن الزهري، وليس فيه الأمر بالغسل إلا مرة واحدة، ثم كانت تغتسل عند كل صلاة من عند نفسها، وكيف يكون الأمر بالغسل صحيحا عن عروة عن عائشة، وصح عن كل واحد منهما أنه كان يرى عليها الوضوء لكل صلاة؟! وقد رُوي الأمر بالغسل لكل صلاة من أوجه كلها ضعيفة. قلت: الطريق المذكور صحيح لا يمكن رميه بالضعف، ولكن الجمهور ما عملوا به؛ لكونه منسوخا على ما يأتي إن شاء الله. قوله: "وأنها استحيضت" عطف على قوله: "أن أم حبيبة". قوله: "حتى لا تَطُهُر" بالرفع. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 120 رقم 209). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 327 - 328 رقم 1454). (¬3) "المعرفة" (1/ 377 رقم 484).

قوله: "فَذُكرَ شأنُها" أي حالها. "ذُكِرَ" على صيغة المجهول، وفي رواية البيهقي "فَذَكَرَت" أي أم حبيبة. قوله: "ليست بالحيضة" -بفتح الحاء- المرة الواحدة من دُفع الحيض ونُوبِهِ، والحيضة -بكسر- الاسم من الحيض، والفرق بينهما بالقرينة من مساق الحديث، وها هنا يحتمل الوجهين، والفتح أظهر. وفي كتاب "الواعي": الحيض اجتماع دم المرأة، والحَيضة والحِيضة بفتح الحاء وكسرها، أصلها عند قوم من حُضتُ الماءَ، أحُوضهُ، حَوْضا، إذا جمعته، وأحيضه حيضا، فيصبح فيه الواو والياء. وجمع الحِيضة -بالكسر- حِيَض، وجمع الحيضة -بالفتح- حَيضات، والمحيض اسم للحيض. وقال ابن سيده: حاضت المرأة حيضا ومحيضا وهن حائض وحُيَّض وحَوَائض، والحَيضة: المرَّة الواحدة، والحيضة: الاسم، وقيل: الحيضة الدم نفسه، والحياض دم الحيضة، قال الفرزدق: خَواقُ حياضهن يسيل سيلا ... على الأعقاب تحسبه خضابا (¬1) وفي "العباب": حاضت المرأة تحيض حَيضا ومَحِيضا ومَحَاضا، فهي حائض وحائضة أيضا، والحَيضَةُ: المرَّة الواحدة، والحِيضة -بالكسر-: الاسم. وكذا قال في "الصحاح" و"الغريب"، عن الفراء، وأنشد: كحائضة يُزْنى بها [غير] (¬2) طاهرٍ ¬

_ (¬1) البيت في "اللسان" (مادة: حيض)، وقال: أراد خواقّ، فخفف. (¬2) في "الأصل، ك": وهي، وهو خطأ وصدره: رأيتُ خُتُون العام والعام قبله، وقد ورد البيت غير منسوب في "اللسان" (حيض) لكن بلفظ: "حُيون" وفي (ختن): كالمثبت هنا, وشرحه هناك، وورد أيضًا غير منسوب في تصحيح الفصيح لابن درستويه (414) و"شرح الفصيح" للزمخشري (2/ 589).

وفي "شرح الفصيح" للتدميري: سمي حيضا على التشبيه بالحيض، وهو ماء أحمر يخرج من شجر السَّمر فيقال في ذلك: حاضت السمرة، وفي شرحه (¬1) للهروي: حاضت المرأة وتحيضت، ودرَسَت، وعركت، وطَمِثَت. وقال الأزهري [دم] (¬2) يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها يخرج من قعره، يقال: حاضت محاضا. وفي "الغريبين" عن ابن عرفة: هو اجتماع الدم إلى ذلك الموضع، وبه سمي الحوض، لاجتماع الماء فيه. وقال صاحب "مجمع الغرائب" هذا زلل ظاهر؛ لأن الحوض من الواو، والحيض من الياء، وأيضا فالحائض تسمى حائضا عند سيلان الدم، لا عند اجتماع الدم في رحمها، فإذا أخذُ الحوض من الحيض خطأ لفظا، فلست أدري كيف وقع. قلت: قال الأزهري: ومن هذا قيل للحوض حوض لأن الماء يحيضُ إليه، أي: يسيل: والعرب تُدخِل الواو على الياء، والياء على الواو؛ لأنهما من حيِّزٍ واحد، وهو الهواء. فعَرْفتَ من هذا أن نسبة صاحب "مجمع الغرائب" ابن عرفة إلى الخطأ غير صحيح، غير أنه كان ينبغي أن يقول: وبه سُمِّي الحوض؛ لأن الماء يحيض إليه، كما قاله الأزهري. وفي "العباب": قال الفراء: حاضت السَّمرةُ، إذا سال منها الدُّودِمَ، وهو شيء كالدم يسيل منها، وحاض وجاض وحاص وحاد بمعنى. وقال القاضي عياض: أصل الحيض السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال. وقال ابن حزم: الحيض هو الدم الأسود الخاثر الكريه الرائحة، وقيل: هو الدم الخارج بنفسه من فرج الممكن حملها، عادة". ¬

_ (¬1) يعني: شرح الفصيح وانظر: "شرح الفصيح" للزمخشري مقدمة المحقق (1/ 19). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من المجموع (2/ 342) نقلًا عن الأزهري.

قوله: "ولكنها ركضة" أي ولكن تلك الحيضة ركضة من الرحم؛ وأصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، كما تُركض الدابةُ وتصاب بالرجل، والمعنى ها هنا: أن الرحم لما دفعت تلك الحيضة لبست بها على صاحبتها في أمر دينها وطهرها، حتى أنستها عادتها، وصار في التقدير كأنها ركضة من الشيطان، فكأنه قد وجد بذلك طريقا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك عادتها، فصار في التقدير كأنه ركضة. قوله: "لتنظر" بالجزم. قوله: "قدر قرئها" أي قدر حيضها الذي كانت تحيض. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا الوهبي، قال: نا محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "أن أم حبيبة بنت جحش كانت استحيضت في عهد النبي - عليه السلام - فأمرها النبي - عليه السلام - بالغُسل لكل صلاة، فإن كانت لتغتمس في المركن وهو مملوء ماء، ثم تخرج منه وإن الدم لعاليه، ثم تصلي". ش: هذا طريق آخر عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد بن موسى -ويقال: ابن محمَّد- الوهبي، ونسبته إلى وهب والد عبد الله بن وهب عن محمَّد بن إسحاق بن يسار المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، وهؤلاء كلهم ثقات. وأخرجه أبو داود (¬1): عن هناد بن السري، عن عبدة، عن ابن إسحاق ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): عن يزيد، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في روايته: "زينب بنت جحش"، موضع "أم حبيبة بنت جحش". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 78 رقم 292). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 237 رقم 26047).

واعلم أن المستحاضات على عهد رسول الله - عليه السلام - خمس: حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأختها أم حبيبة- وقيل: أم حبيب بغير هاء، وفاطمة بنت أبي حُبيش القرشية الأسدية، وسهلة بنت سهيل القرشية العامرية، وسَوْدَة بنت زمعة، زوج رسول الله - عليه السلام - وقد ذكر بعضهم أن زينب بنت جحش استحيضت، كما وقع في رواية أحمد، والمشهور خلافه، وإنما المستحاضتان أختاها. فإن قيل: كيف قلت: إن اسم أم حبيبة حمنة، ثم جعلت حمنة غير أم حبيبة؟! قلت: الأصح أن حمنة غير أم حبيبة: وأنهما أختان لزينب بنت جحش، قال ابن الأثير في باب كني النساء الصحابيات: أم حبيبة، وقيل: أم حبيب، والأول أكثر، وهي بنت جحش بن رئاب الأسدية، أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين. وكانت تستحاض. وأهل السِّير يقولون: إن المستحاضة حمنة. قال أبو عمر: الصحيح أنهما كانتا تستحاضان، وكانت حمنة زوج مصعب بن عمير، قتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له محمدا وعمران، ابنا طلحة، وأمها أُمَيْمَةُ بنت عبد المطلب، عمة رسول الله - عليه السلام -. وجعل ابن مندة حَمْنَةَ غير أم حبيبة، وقال: حمنة بنت جحش، ويقال: حبيبة بنت جحش، وجعل أبو نعيم أم حبيبة كنية حمنة، وجعلهما أبو عمر اثنتين، كما ذكرناه. وفي بعض شروح البخاري (¬1): وكان في زمنه - عليه السلام - جماعة من النساء مستحاضات، منهن أم حبيبة بنت جحش، وحمنة بنت جحش، ذكرها أبو داود، وسهلة بنت سهيل ذكرها أيضًا، وزينب بنت جحش ذكرها أيضا، وسودة بنت زمعة، ذكرها العلاء بن مسيب، عن الحكم، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين، وزينب بنت أم سلمة ذكرها الإسماعيلي في جمعه لحديث يحيى بن أبي كثير، ¬

_ (¬1) انظر: "فتح الباري" (1/ 490 - 491) شرح الحديث رقم (311).

وأسماء بنت [مرثد] (¬1) الحارثية ذكرها البيهقي، وبادية بنت غيلان، ذكرها (ابن الأثير) (¬2). قوله: "فإن كانت" إن مخففة من المثقلة، أصلها فإنها كانت، واللام في "لتغتمس" للتأكيد. "والمركن" -بكسر الميم- الإجَّانة التي تُغسل فيها الثياب، والميم زائدة وهي التي تخص الآلات (¬3). قوله: "وهو مملوء" جملة اسمية حالية. و"ماء" نصب على التمييز. قوله: "لعاليه" اللام للتأكيد، وهو من علا الشيء يعلوه، والمعنى أن الدم قد علا الماء أي ركبه وغشيه، وضبطه بعضهم "لغالبه" بالغين المعجمة من الغَلَبة، يقال: غلبه غَلَبا وغَلَبَة، وفي لفظ: "كانت تجلس في المركن ثم تخرج وهي عالية الدم"، أي يعلو دمها الماء. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل لكل صلاة، واحتجوا في ذلك بقول النبي - عليه السلام - المروي في هذه الآثار, وبفعل أم حبيبة بنت جحش ذلك على عهد النبي - عليه السلام -. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عكرمة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جير، وقتادة؛ فإنهم قالوا: المستحاضة تغتسل لكل صلاة. ورُوي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأم حبيبة - رضي الله عنهم - وإليه ذهبت الظاهرية. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": مرشد -بالشين المعجمة بدلًا من الثاء- وهو تحريف، انظر "الاستيعاب" (4/ 1785)، و"الإصابة" (7/ 493). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "فتح الباري" (1/ 412) و"الإصابة" (7/ 529): ابن مندة. (¬3) راجع "لسان العرب": (ركن).

وقد روى ابن حزم الآثار المذكورة في "المحلى" (¬1): ثم قال: فهذه آثار في غاية الصحة، وقال بهذا جماعة من الصحابة، ورُوي عن ابن عمر في المستحاضة قال: "تغتسل لكل صلاة". وقد رواه أيضا: عكرمة ومجاهد عن ابن عباس، قال مجاهد عنه: "تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا". وقال أيضًا: وروينا من طريق ابن جريج، عن عطاء "تنتظر المستحاضة أيام أقرائها، ثم تغتسل غسلا واحدا للظهر والعصر، تؤخر الظهر قليلا وتعجل العصر قليلا، وكذلك المغرب والعشاء، وتغتسل للصبح غسلا". وروينا من طريق سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي مثل قول عطاء سواء بسواء، وروينا من طريق معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: "المستحاضة تغتسل لكل صلاة وتصلي". ص: حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: أخبرنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا الهيثم بن حميد، قال: أخبرني النعمان والأوزاعي وأبو مُعَيْد حفص بن غيلان، عن الزهري، قال: أخبرني عروة، عن عمرة، عن عائشة قالت: "استحيضت أم حبيبة ابنة جحش، فاستفتت النبي - عليه السلام - فقال لها رسول الله - عليه السلام -: إن هذه ليست بحيضة، ولكنه عِرْق فتقه إبليس، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت فاتركي لها الصلاة. قالت عائشة - رضي الله عنها -: فكانت أم حبيبة تغتسل لكل صلاة، وكانت تغتسل أحيانا في مِرْكنٍ في حجرة أختها زينب وهي عند النبي - عليه السلام - حتى إن حمرة الدم لتعلو الماء، فتصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما يمنعها ذلك من الصلاة". ش: هذا الحديث بطرقه واختلاف متنه بيان لقوله: "وبفعل أم حبيبة بنت جحش ذلك"، أي الاغتسال لكل صلاة "على عهد النبي - عليه السلام -" أي في زمنه وأيامه. ¬

_ (¬1) "المحلى" (2/ 214) بتصرف واختصار.

والربيع بن سليمان بن داود الأعرج المصري، نسبته إلى جيزة مصر، بكسر الجيم وفتح الزاي المعجمة. وعبد الله بن يوسف التِّنيسي أحد مشايخ البخاري. والهيثم بن حُمَيْد -بضم الحاء- الغساني، أبو أحمد الدمشقي، وثَّقه ابن حبان وغيره، وروى له الأربعة. والنعمان بن المنذر الغساني أبو الوزير الدمشقي، ثقة لكنه يُرْمى بالقدر، روى له أبو داود والنسائي. والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو. وأبو مُعَيْد -بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف- اسمه حفص بن غيلان الهَمْداني الدمشقي، وثقه ابن حبان وتكلم فيه غيره، وروى له النسائي وابن ماجه. والزهري محمَّد بن مسلم. وأخرجه النسائي (¬1): عن الربيع بن سليمان مثل الطحاوي ... إلي آخره، ولكن في رواية النسائي: أخبرني عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، بواو العطف بين عروة وعمرة، وفي رواية الطحاوي: أخبرني عروة عن عمرة بحرف "عن" بينهما، قال القاضي عياض: قال الأوزاعي: عن عروة، عن عمرة بغير واو، وقد رواه يحيى بن سعيد عن عروة وعمرة، وكذا قال ابن أبي ذئب. قلت: وتأتي الآن رواية الطحاوي أيضا من طريق ابن أبي ذئب عن عروة وعمرة، بواو العطف كما في رواية النسائي. قوله: "ليست بحيضة" بكسر الحاء كذا قال بعض الأساتذة الكبار، وقالوا: كل موضع فيه "أقبلت الحيضة" بفتح الحاء، وكل موضع فيه "ليست بالحيضة" بكسر الحاء. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 118 رقم 204).

قلت: قد وقع في كثير من النسخ المعتمدة كلاهما بالفتح. قوله "فتقه إبليس" من فتقت الشيء فتقا: شققته، وفتَّقته تفتيقا مثله، فتفتق وانفتق. ثم إن إسناد الفتق إلى إبليس يجوز أن يكون على وجه الحقيقة على معنى أن يشق موضع الدم من الرحم لتبتلي بكثرة الدم، ليلتبس عليها أمر دينها، ويجوز أن يكون على وجه المجاز على معنى أن الشيطان بذلك يجد طريقا إلى التلبيس عليها في أمر في دينها وطهرها وصلاتها، فيصير كأنه هو الذي أسال هذا الدم. قوله: "فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي" المراد من الإدبار: انقطاع الحيض، وقد وقع في رواية أبي داود: "وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" ولكنه مشكل في ظاهره؛ لأنه لم يذكر الغسل، ولابد بعد انقضاء الحيض من الغسل. والجواب عنه: أنه وإن لم يذكره في هذه الرواية فقد ذكر في رواية غيره. وحمل بعضهم هذا الإشكال على أن جعل الإدبار وانقضاء أيام الحيض والاغتسال، وجعل قوله: "واغسلي عنك الدم" محمولا على دم يأتي بعد الغسل، والجواب الأول أصح. فإن قيل: ما علامة إدبار الحيض وانقطاعه والدخول في الطهر؟ قلت: أما عند أبي حنيفة وأصحابه: الزمان والعادة هو الفيصل بينهما، فإذا أضَّلت عادتها تَحرّت، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل. وأما عند الشافعي وأصحابه اختلاف الألوان هو الفيصل، فالأسود أقوى من الأحمر، والأحمر أقوى من الأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر، والأصفر أقوى من الأكدر إذا جعلناهما حيضا؛ فتكون حائضا في أيام القوي، مستحاضة في أيام الضعيف، والتمييز عنده بثلاثة شروط: أحدها: أن لا يزيد القوي على خمسة عشر يوما. والثاني: أن لا ينقص عن يوم وليلة ليمكن جعله حيضا.

والثالث: أن لا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يوما ليمكن جعله طهرا بين الحيضتين. وبه قال مالك وأحمد. وقال النووي: علامة انقطاع الحيض والحصول في الطهر: أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة، وسواء خرجت رطوبة بيضاء، أم لم يخرج شيء أصلا. قال البيهقي وابن الصَّبَاغ: التَرِيَّةُ رطوبة خَفيَّة (¬1) لا صفرة فيها ولا كدرة، تكون على القطنة أثر لا لون، وهذا يكون بعد انقطاع الحيض، والتَّرِيّة بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الراء وبعدها ياء آخر الحروف مشددة. ثم اعلم أنها إذا مضى زمن حيضها وجب عليها أن تغتسل في الحال لأول صلاة تدركها, ولا يجوز لها أن تترك صلاة أو صومًا، ويكون حكمها حكم الطاهرات ولا تستظهر بشيء أصلا، وبه قال الشافعي. وعن مالك ثلاث روايات: الأولى: تستظهر ثلاثة أيام، وما بعد ذلك استحاضة. والثانية: تترك الصلاة إلى انتهاء خمسة عشر يوما، وهي أكثر مدة الحيض عنده. والثالثة: كمذهبنا. ومن فوائد هذا الحديث: جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بالطهارة وأحداث النساء. وجواز استماع صوتها عند الحاجة. ومنها: نهيُ المستحاضة عن الصلاة في زمن الحيض، وهو نهي تحريم ويقتضي فساد الصلاة هنا بإجماع المسلمين، ويستوي فيها الفرض والنفل، ويتبعها الطواف وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة وسجدة الشكر. ومنها: أنها بعد غُسْلِهَا تصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل، وفي وجه للشافعية أنها لا تصلي النافلة أصلا. ¬

_ (¬1) قال صاحب "الصحاح": التَّريَّة: الشيء الخفي اليسير من الصفرة والكدرة، وانظر "شرح صحيح مسلم" للنووي (4/ 22).

وقال النووي: والمذهب أنها لا تصلي بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية، وحُكي ذلك عن عروة والثوري وأحمد وأبي ثور. وقال أبو حنيفة: طهارتها مقدرة بالوقت فتصلي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت. وقال مالك وربيعة وداود: الاستحاضة لا تنقض الوضوء، فإذا تطهرت فلها أن تصلي بطهارتها ما شاءت من الفرائض والنوافل إلا أن تُحْدث بغير الاستحاضة. ولا يصح وضوءها الفريضة قبل دخول وقتها عند الشافعي، ويصح عند أبي حنيفة. ووطء المستحاضة جائز في حال جريان الدم عند جمهور العلماء، حكاه ابن المنذر عن ابن عباس، وابن المسيب، والحسن، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر المزني، والأوزاعي، والثوري، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وعن عائشة: أنه لا يأتيها زوجها، وبه قال النخعي، والحكم، وسليمان بن يسار، والزهري، والشعبي، وابن علية، وكرهه ابن سيرين. وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها. وفي رواية: لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها العنت. وعن منصور: تصوم ولا يأتيها زوجها ولا تمس المصحف. ومنها: أن فيه دليلا على نجاسة الدم، وأن الصلاة تجب بمجرد الانقطاع. ص: حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: أنا أسد، قال: أنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة وعمرة، عن عائشة: "أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، فسألت النبي - عليه السلام - عن ذلك فأمرها أن تغتسل، وقال: إن هذه عرق وليست بحيضة. فكانت هي تغتسل لكل صلاة".

ش: هذا طريق آخر عن الربيع، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب، عن محمَّد بن مسلم الزهري .. إلى آخره، وهذا فيه عن عروة وعمرة بواو العطف. وكذا رواه أحمد في مسنده (¬1): عن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عروة وعمرة بنة عبد الرحمن، عن عائشة ... إلى آخره نحوه سواء، وفيه: "وكانت امرأة عبد الرحمن بن عوف". وأخرجه أبو داود (¬2): عن محمَّد بن إسحاق المسيِّبي، عن أبيه، عن ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة: "أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فأمرها رسول الله - عليه السلام - أن تغتسل، وكانت تغتسل لكل صلاة". وهذا كما ترى بكلمة "عن" بين عروة وعمرة دون حرف العطف. قوله: "إنما هذا عرق" أي دم عرق لأن الدم ليس بعرق، فحذف المضاف توسعا؛ يريد أن ذلك علة حدثت بها من تصدع العرق، فاتصل الدم، وليس بدم الحيض، الذي يدفعه الرحم لميقات معلوم. وقد قلنا: إن الاستحاضة جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، ولكنه يخرج من عِرْق يقال له العَاذِل -بالعين المهملة والذال المعجمة المكسورة- بخلاف دم الحيض فإنه يخرج من قعر الرحم. وقال ابن سيده: في بعض الحديث "تلك" (¬3) عاذل [تغذو] (¬4) يعني: تسيل وربما سُمي ذلك العرق عاذرا بفتح الراء. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 141 رقم 25138). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 78 رقم 291). (¬3) أنث اسم الإشارة، والفعل "تسيل" على معنى: العِرْقةُ، بمعنى: العرق، انظر: "لسان العرب" (عزل). (¬4) في "الأصل، ك": تغدر، والتصويب من "اللسان" (عزل) وانظر "النهاية" (3/ 200).

وفي "المغيث": العاذر عرق الاستحاضة والعاذرة المستحاضة، قاله اللحياني، وقيل: إنها أقيمت مقام المفعول؛ لأنها معذورة في ترك الصلاة، وفي رواية عن ابن عباس (¬1) وسئل عن الاستحاضة: "إنه عرق عاند"، أراد أنه كالإنسان يعاند عن القصد. قوله: "فكانت تغتسل لكل صلاة" من كلام عائشة - رضي الله عنها - وبهذا احتج أهل المقالة الأولى على وجوب الاغتسال على المستحاضة عند كل صلاة؛ وذلك لأنها قد فعلت ذلك، ولم ينكر عليها النبي - عليه السلام -. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة .. مثله. قال الليث: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله - عليه السلام - أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة. ش: هذا طريق آخر على شرط مسلم، وليس فيه "عمرة" بين عروة وعائشة. وأخرجه مسلم (¬2): عن قتيبة بن سعيد، عن ليث، وعن محمد بن رمح، عن ليث ... إلى آخره نحوه. وقال ابن عينية: قوله "وكانت تغتسل عند كل صلاة" كان تطوعا منها غير ما أمرت به، وذلك واسع لها. وقال الشافعي: ما أمرها رسول الله - عليه السلام - إلا أن تغتسل وتصلي، وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة. ¬

_ (¬1) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (1/ 159 رقم 51) ورى من حديث عائشة أيضًا كما عند النسائي في "المجتبى" (1/ 122 رقم 213)، (1/ 184 رقم 360) وأحمد في "مسنده" (6/ 172 رقم 25430). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 263 رقم 334).

ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: أنا محمَّد بن إدريس الشافعي، قال: أنا إبراهيم بن سعد، سمع ابن هشام، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة مثله، ولم يذكر قول الليث. ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، وليس فيه ذكر عروة بن الزبير. وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (¬1): عن أبي إسحاق الفقيه، عن أبي شافع بن محمَّد، عن الطحاوي، عن المزني، عن الشافعي، عن إبراهيم بن سعد، أنه سمع ابن شهاب يحدث، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة - رضي الله عنهما -: "أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستفتته فيه، فقالت عائشة: فقال لها رسول الله - عليه السلام -: ليست تلك بالحيضة، وإنما ذلك عرق، فاغتسلي وصلي، قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة، وكانت تجلس في مركن فتعلو الماء حمرةُ الدم، ثم تخرج وتصلي". رواه مسلم في الصحيح (¬2): عن محمَّد بن جعفر بن زياد، عن إبراهيم بن سعد. وأخرجه (¬3) من حديث عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة. وأخرجه البخاري (¬4): من حديث ابن أبي ذئب، عن الزهري عنهما جميعا. وأخرجه مسلم (¬5): من حديث الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. وقال القاضي عياض: "فكانت تغتسل لكل صلاة" عند مسلم وفي حديث قتيبة، عن الليث، عن الزهري. ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (1/ 376 رقم 481). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 364 رقم 334). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 363 رقم 334). (¬4) "صحيح البخاري" (1/ 124 رقم 321). (¬5) "صحيح مسلم" (1/ 363 رقم 334).

وفي "الموطأ" (¬1): "فكانت تغتسل وتصلي". قال الليث في كتاب مسلم: لم يقل ابن شهاب: إن النبي - عليه السلام - وما في الموطأ يحتمل أنها تغتسل عند انقطاع الدم، أو عند إدبار دم الحيضة، وتقادم الاستحاضة، أو لكل صلاة كما قال في كتاب مسلم. وقد روى ابن إسحاق هذا الحديث عن الزهري فيه: "فأمرها رسول الله - عليه السلام - أن تغتسل لكل صلاة" ولم يُتَّابع ابن إسحاق أصحابُ الزهري على هذا، وحكى الطحاوي أنه منسوخ بحديث فاطمة، على ما يجيء بيانه، إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا إسماعيل، قال: أنا الشافعي، قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة مثله. ش: هذا طريق آخر عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن الإِمام الشافعي، عن سفيان بن عُيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عمرة، عن عائشة. وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (¬2): أنا أبو زكريا وأبو بكر، قالا: أنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي، قال: أنا ابن عيينة، قال: أخبرني الزهري، عن عمرة، عن عائشة: "أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله - عليه السلام - فقال: إنما هو عرق وليست بالحيضة، فأمرها أن تغتسل وتصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة، وتجلس في المركن فيعلو الدم". رواه مسلم في الصحيح (¬3): عن محمَّد بن المثنى، عن سفيان بن عيينة. وأعلم أن المراد من قول الشافعي: أنا سفيان هو ابن عيينة كما صرحنا به، وليس هو الثوري، ولهذا صرح به البيهقي في روايته، والشافعي لم يأخذ من الثوري شيئا ¬

_ (¬1) "الموطأ" (1/ 62 رقم 137) من حديث عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن زينب بنت جحش. (¬2) "المعرفة" (1/ 375 رقم 480). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 263 رقم 334).

لأنه توفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، وكان عمر الشافعي حينئذ إحدى عشرة سنة، وتوفي سفيان بن عيينة بمكة يوم السبت غرة رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وكان عمر الشافعي حينئذ ثمانية وأربعين سنة. ص: قالوا فهذه أم حبيبة قد كانت تفعل هذا في عهد رسول الله - عليه السلام - لأمر النبي - عليه السلام - إياها بالغسل، فكان ذلك عندها على الغسل لكل صلاة. ش: أي قال هؤلاء القوم المذكورون: فهذه أم حبيبة - رضي الله عنها - قد كانت تغتسل لكل صلاة في زمن رسول الله - عليه السلام - وذلك لأن النبي - عليه السلام - أمرها بالغسل، ففهمت من ذلك الغسل لكل صلاة، وأنها كانت تغتسل لكل صلاة، ولم ينكر عليها النبي - عليه السلام - فعلم أن الفرض على المستحاضة أن تغتسل عند كل صلاة. ص: وقد قال ذلك علي وابن عباس - رضي الله عنهم - من بعد رسول الله - عليه السلام - وأفتيا بذلك: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا الخصيب بن ناصح، قال: أنا همام، عن قتادة، عن أبي حسان، عن سعيد بن جبير: "أن امرأة أتت ابن عباس بكتاب بعد ما ذهب بصرة، فدفعه إلي ابنه فتَرْترَ فيه، فدفعه إليَّ فقرأته، فقال لابنه: ألا هَذْرَمْتَه كما هَذْرمَه الغلام المصري. فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من امرأة من المسلمين، أنها استحيضت فاستفتت عليّا - رضي الله عنه - فأمرها أن تغتسل وتصلي، فقال: اللهم لا أعلم القول إلا قول علي- ثلاث مرات". قال قتادة: وأخبرني عزرةُ، عن سعيد: "أنه قيل له: إن الكوفة أرض باردة، وإنه يشق علينا الغسل لكل صلاة. فقال: لو شاء الله لابتلاها بما هو أشد منه". ش: أي وقد قال بوجوب الاغتسال عليها عند كل صلاة: علي بن أبي طالب وعبد الله ابن عباس من بعد رسول الله - عليه السلام - وأفتيا بذلك، ولو لم يعلما بذلك في زمن النبي - عليه السلام - لما كانا أفتيا بعده، ثم بين الطحاوي فتواهما بقوله: حدثنا سليمان بن شعيب .. إلى آخره.

ورجاله ثقات تكرر ذكرهم. وأبو حسان: الأعرج، وقيل: الأجرد، اسمه مسلم بن عبد الله البصري، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدا. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير: "أن امرأة من أهل الكوفة كتبت إلى ابن عباس بكتاب، فدفعه إلى ابنه ليقرأه فتتعتع فيه، فدفعه إليَّ فقرأته، فقال ابن عباس لابنه: أمَا لو هَذْرَمْتَها كما هَذْرمها الغلام المصري. فإذا في الكتاب: إني امرأة مستحاضة أصابني بلاء وضُر، وإني أدع الصلاة الزمان الطويل، وإن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - سئل عن ذلك فأفتاني أن أغتسل عند كل صلاة، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: اللهم لا أجد لها إلا ما قال علي، غير أنها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للفجر. قال: فقيل له: إن الكوفة أرض باردة، وإنه يشق عليها. قال: لو شاء الله لابتلاها بأشد من ذلك". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2) مختصرًا: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير قال: "كنت عند ابن عباس، فجاءت امرأة بكتاب فَقَرَأْتُهُ، فإذا فيه: إني امرأة مستحاضة، وإن عليّا قال: تغتسل لكل صلاة. فقال ابن عباس: ما أجد ما أجد إلا ما قال علي - رضي الله عنه -". قوله "فَتْرتَر" من التَرْتَرة وهي التحريك، والمعنى أنه حرك لسانه ولم يُفْهم شيئا، وكذلك معنى التلتلة، وفي حديث ابن مسعود (¬3) "تَرْتِرُوه ومَزْمِزُوه"، أي: حركوه ليُسْتَنكه، وفي رواية "تلتلوه" ومعنى الكل التحريك (¬4)، ومعنى "فتعتع" في رواية عبد الرزاق: تردد في قراءته، وتبلد فيها لسانه، ومعناه قريب من الأول. قوله: "ألا هَذرَمْته" من الهذرمة، وهي السرعة في الكلام والمشي أيضًا، والمعنى: هلا أسرعت في قراءتك كما أسرع الغلام المصري، أراد به سعيد بن جبير، وأراد ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 305 رقم 1173). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 119 رقم 1361). (¬3) أخرجه الطبراني في "الكبير" (9/ 109 رقم 8572). (¬4) انظر: "النهاية" (1/ 186).

بالمصري: الكوفي, لأن كوفة وبصرة يقال لهما المصران، ولأن مصرا في أصل الوضع واحد الأمصار، و"إلا" كلمة تحضيض تختص بالجمل الفعلية الخبرية، كسائر أدوات التحضيض. قوله: "فقال: اللهم لا أعلم القول إلا ما قال عليّ" اعلم أن هذه الكلمة تستعمل على ثلاثة أنحاء: أحدها: للنداء المحض، وهو ظاهر. والثاني: للإيذان بندرة المستثنى، كقول الحريري: اللهم إلا أن [تِقِدَ نار] (¬1) الجوع، كأنه يناديه مستيقنا دفعه أو [حصوله] (¬2). الثالث: ليدل على تيقن المجيب [في الجواب] (¬3) المقترن هو به، كقولك لمن قال: أزيد قائم؟ اللهم نعم، أولًا، كأنه يناديه مستشهدا على ما قال من الجواب، وها هنا من القبيل الثالث. قوله: "ثلاث مرات" أي قال ابن عباس قوله ذلك ثلاث مرات. قوله: "وأخبرني عزرة" هو عزرة بن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعي الكوفي الأعور، وهو من رجال صحيح مسلم. قوله: "وإنه يشق" أي وإن الشأن يُثقل علينا الغسل. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا الخصيب، قال: أخبرني يزيد بن إبراهيم، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير: "أن امرأة من أهل الكوفة استُحيضت، فكتبت إلى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهم - تناشدهم الله، وتقول: ¬

_ (¬1) تقد نار: رسمت في "الأصل": تعد واو، والمثبت من "مقامات الحريري"، المقامة الخامسة: ص (34) ط الحلبي. (¬2) تكررت اللام والهاء (له) في "الأصل، ك". (¬3) في "الأصل، ك": في جواب، والمثبت من "عمدة القاري" (2/ 21) وقد ذكر الأشموني المعاني الثلاثة في "شرح الألفية" (3/ 147) وعزاها إلى "النهاية"، لكن لم أجدها في النسخة المطبوعة، فليحرر.

إني امرأة مسلمة أصابني بلاء، وإنما استُحِضْتُ منذ سنين فما [ترون] (¬1) ذلك؟ فكان أول من وقع الكتاب في يده ابن الزبير فقال: ما أعلم لها إلا أن تدع قرأها وتغتسل عند كل صلاة وتصلي، فتتابعوا على ذلك". ش: الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة- هو ابن ناصح. ويزيد بن إبراهيم التُسْتُري، أبو سعيد البصري، روى له الجماعة. وأبو الزبير هو محمَّد بن مسلم بن تَدْرَس المكي، روى له الجماعة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): مقتصرا على ابن الزبير، فقال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أن سعيد بن جبير أخبره قال: "أرسلت امرأة مستحاضة إلى ابن الزبير غلاما لها -أو مولى لها-: إني مبتلاة، لم أصل منذ كذا وكذا -قال: حسبت أنه قال سنتين- وإني أنشدك الله ألا ما بَيَّنْتَ لي في ديني. قال: وكتبت إليه: إني أُفتِيتُ أن أغتسل لكل صلاة، فقال ابن الزبير: لا أجد لها إلا ذلك". قوله "تناشدهم الله" بنصب لفظة "الله" معناه تسألهم بالله وتقسم عليهم، يقال: نَشَدتُك اللهَ، وأنَشَدُك اللهَ، وباللهِ، وناشدتك الله وبالله، أي سألتك وأقسمت عليك. ونشدتُه نِشْدة ونُشدانا ومنشَادة. وتعديته إلى مفعولين؛ إما لأنه بمنزلة دعوت، حيث قالوا: نشدتك الله وبالله، كما قالوا: دعوت زيدا وبزيد، وإما لأنهم ضَمَّنُوه معنى ذكرت. فأما أنشدتك بالله فخطأ. قوله "ابن الزبير" مرفوع لأنه اسم كان في قوله: "فكان أول من وقع" و"أول من وقع" منصوب على أنه خبر [مقدم] (¬3). ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "تروا من"، والمثبت من "شرح معاني الآثار" (1/ 100)، "والتمهيد" لابن عبد البر (16/ 91). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 308 رقم 1179). (¬3) في "الأصل، ك": مقدما, ولعل المثبت هو الصواب.

قوله "إلا أن تدع قرأها" أي إلا أن تترك أيام قرئها، أي حيضها. قوله: [فتتابعوا] (¬1) أي [فتعاقبوا] في الجواب (¬2). "على ذلك" أي كل وجوب الاغتسال عليها عند كل صلاة. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: نا حماد، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس خاصة، مثله. غير أنه قال: "تدع الصلاة أيام حيضها" فجعل أهل هذه المقالة على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة، لما ذكرنا من هذه الآثار. ش: هذا طريق آخر وهو أيضا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، عن سعيد بن جبير. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع سعيد بن جبير يقول: "كتبت مستحاضة إلى ابن عباس: أن قلت إني أدع الصلاة قدر أقرائي، وأن أغتسل لكل صلاة. قال ابن عباس: ما أجد لها إلا ما في كتابها". قوله: "فجعل أهل هذه المقالة" أشار به إلى قوله: "فذهب قوم إلى أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل لك صلاة". وأشار بقوله: "من هذه الآثار" إلى الآثار المذكورة من أول الباب إلى هنا. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: الذي يجب عليها: أن تغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، فتصلي به الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك" بالياء المثناة من تحتها: فتتايعوا, ولعل الصواب ما أثبتناه، كما في المتن؛ فالتتايع لا يكون إلا في الشر، كما قال الأزهري وغيره انظر "لسان العرب". (¬2) في "الأصل، ك" فتعاقدوا, ولعل الصواب ما أثبتناه. (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 308 رقم 1178).

وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا تصليهما به , فتؤخر الأولى منهما وتُقدِّم الآخرة، كما فعلت في الظهر والعصر، وتغتسل للصبح غسلا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، ومنصور بن المعتمر، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم -، فإنهم ذهبوا إلى ما ذكره الطحاوي عنهم، ورُوِي ذلك أيضًا عن علي وابن عباس - رضي الله عنهم -. ص: وذهبوا في ذلك إلى ما حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا نعيم بن حماد، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمَّد، عن زينب بنت جحش قالت: "سألت امرأة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها مستحاضة، فقال: لتجلس أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل فتصلي، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل وتصلي، وتغتسل للفجر". ش: أي ذهب هؤلاء الآخرون في ذلك، أي فيما ذهبوا إليه من الذي بيَّنه الطحاوي، إلى ما حدثنا .. وهو حديث زينب بنت جحش. وإسناده منقطع؛ لأن القاسم لم يدرك زينب أصلا، على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. ونعيم بن حماد المروزي الأعور مختلف فيه، وإن كان قد أخرج له الجماعة غير النسائي، فإنه كان يضعفه جدّا وابن المبارك هو عبد الله بن المبارك، وزينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين - رضي الله عنها - وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1) عن محمَّد بن حاتم المروزي، عن حسان بن موسى وسويد بن نصر. وعن يحيى بن عثمان، عن نعيم بن حماد، قالوا: أنا ابن المبارك ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (24/ 56 رقم 145).

قوله: "سألت امرأة" قيل: إنها سهلة بنت سُهَيل، وقيل: هي بادنة بنت غيلان، وقيل: هي أم حبيبة. قوله: "أيام أقرائها" أي أيام حيضها وهو جمع قرء، وقال ابن سيده: هو الحيض، والطهر ضِدُّ، وذلك أن القرء: الوقت، فقد يكون للحيض والطهر، والجمع أقراء وقروء وأَقْرُؤ، الأخيرة عن اللحياني، ولم يعرف سيبويه أقراء ولا أُقْرُءا (¬1)، استغنوا عنه بفُعول، وفي التنزيل: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (¬2) أراد ثلاثة قروء من قروء (¬3): وأقرأت المرأة، وهي مقرئ، حاضت وطهرت، وقرأت إذا رأت الدم، والمُقرَّأَة التي يُنْظَر بها انقضاء أقرائها. وفي "المنتهى" لأبي المعالي: قال تعالى: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (2) وهي أوقات الحيض أو الطهر؛ أراد به الوقت لأن الحيض مؤنثه، ويجوز أنه أراد الطهر، والوقت أصح، قال أهل العراق: هي الحيض. وقال أهل المدينة: هي الطهر، والأصل فيه الوقت على ما بَيَّنَّا، وأقرأت المرأة: حاضت، قيل: قَرَتْ -بلا ألف- يقال: قرت حيضة أو حيضتين، وقيل: أقرأت: انتقلت من وقت إلى وقت، أي من وقت الحيض إلى وقت الطهر، ومن وقت الطهر إلى وقت الحيض. وقال بعضهم: القرء انفصال الطهر أو الحيض. وقيل: ما بين الحيضتين. قلت: وفيه حُجة لأبي حنيفة على الشافعي؛ حيث حمل القَرْء على الحيض في باب العِدَّة، والشافعيُّ على الطهر؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يكون معنى قوله: "تجلس أيام أقرائها" أيام طهرها، وإنما المعنى أيام حيضها. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": أَقْرءةً، وهو تحريف، والتصويب من كتاب سيبويه (3/ 575)، و"اللسان" (قرأ). (¬2) سورة البقرة، آية: [228]. (¬3) في "الأصل، ك": من قُرْء، والتصويب من "اللسان" وانظر: "الكتاب" (3/ 569، 575) و"المقتضب" للمبرد (2/ 156 - 157).

ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه: "أن امرأة استحيضت من المسلمين، فسألوا النبي - عليه السلام - ... " ثم ذكر نحوه إلا أنه قال: "نحو أيامها". ش: إسناده منقطع, لأن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم - لم يدرك النبي - عليه السلام -. وأخرجه أبو داود تعليقا (¬1): وقال: رواه ابن عُيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: "أن امرأة استحيضت، فسألت النبي - عليه السلام -، فأمرها ... "، بمعناه. قلت: يعني بمعنى الحديث الذي قبله، وهو حديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن سهلة بنت سهيل استُحيضت، فأتت النبي - عليه السلام - فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح". وأخرجه أبو داود (¬2): عن عبد العزيز بن يحيى، عن محمد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. ويستفاد من هذا الحديث: أن هذه المرأة كانت مُعْتَادة مُمَيِّزة؛ لأنه قال: فيه "قدر أيامها" أي لتجلس قدر أيامها المعتادة في الحيض، لا تصوم ولا تصلي. ثم إذا خرجت أيامها تغتسل، وتؤخر الظهر وتعجل العصر، كما مر بيانه آنفا. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا بشر بن عمر، قال: أنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن امرأة استحيضت على عهد النبي - عليه السلام - فأمرت .. " ثم ذكره نحوه، غير أنه لم يذكر تركها الصلاة أيام أقرائها ولا أيام حيضها. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 79) عقب الحديث رقم (295). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 79 رقم 295).

ش: إسناده صحيح، وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "استحيضت امرأة على عهد رسول الله - عليه السلام - فأمرت أن تُعَجِّل العصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلا، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا، وتغتسل لصلاة الصبح. فقلت لعبد الرحمن: أعن النبي - عليه السلام -؟ فقال: لا أحدثك عن النبي - عليه السلام - بشيء". وأخرجه النسائي (¬2): وقال: أنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا محمَّد، قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله - عليه السلام - قيل لها: إنه عرق عاند، وأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلا واحدا". وذكر الدارمي في "سننه" (¬3): أن المرأة المذكورة هي بادية بنت غيلان الثقفية، وقال: أخبرنا أحمد بن خالد، ثنا محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم: "أنها كانت بادية بنت غيلان الثقفية" وعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "إنما هي سهلة بنت سهيل بن عمرو، واستحيضت، وأن رسول الله - عليه السلام - كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما (¬4) جهدها ذلك، أمر أن تجمع الظهر والعصر في غسل واحد، والمغرب والعشاء في غسل واحد، وتغتسل للصبح". أخبرنا أحمد بن خالد، ثنا محمَّد بن إسحاق، عن سعد بن إبراهيم، قال إنما جاء اختلافهن, لأنهن كنا عند عبد الرحمن بن عوف، فقال بعضهم: هي أم حبيبة، وقال بعضهم: هي بادنة، وقال بعضهم: هي سهلة بنت سهل. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 79 رقم 294). (¬2) "المجتبى" (1/ 122 رقم 213). (¬3) "سنن الدارمي" (1/ 222 رقم 784). (¬4) سقطت ورقة من ها هنا ووضعت خطأ برقم 175 من المخطوط، فأعدتها إلى موضعها، وتكررت كلمة "فلما" في أول الصفحة.

وقال ابن الأثير: في كتاب "الصحابة" في حرف الباء الموحدة: بادنة (¬1) بنت غيلان الثقفية، روى القاسم بن محمَّد، عن عائشة: "أن بادنة بنت غيلان أتت النبي - عليه السلام - فقالت: إني لا أقدر على الطهر، أفأترك الصلاة؟ فقال: ليست تلك بالحيضة، إنما ذلك عرق، فإذا ذهب قرء الحيض فارتفعي عن الدم، ثم اغتسلي وصلي". و [بادنة هذه] (¬2) هي التي قال عنها: هيت المخنث: "تقبل بأربع وتدبر بثمان"، أخرجها ابن منده وأبو نعيم (¬3). قوله: "أُستُحيضت" بضم الهمزة والتاء، معناه: استمر بها الدم. قوله: "عرق عاند"، بالنون: من العِناد، شُبِّه به لكثرة ما يخرج منه على خلاف عادته، وقيل: العاند الذي لا يرقأ، وقيل: العاند السائر. ومما يستفاد منه: وجوب الغسل ثلاث مرات في كل يوم وليلة، ثم إن النبي - عليه السلام - إنما أمرها بتعجيل العصر وتأخير الظهر، والاغتسال لهما غسلا واحدا، لما رأى أن الأمر قد طال عليها، وقد جَهَدَها الاغتسال لكل صلاة، ورخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، كالمسافر الذي رخص له الجمع بين الصلاتين، على مذهب من يرى ذلك. وفيه حجة لمن رأى للمتيمم أن يجمع بين صلاتي فرضٍ بتيمم واحد؛ لأن علتهما واحدة، وهي الضرورة. ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: نا خالد بن عبد الله، عن سهيل، عن الزهري، عن عروة، عن أسماء بنت عُمَيْس، قالت: "قلت: يا رسول الله، إن فاطمة ابنة أبي حُبَيش أُستُحِيضَتْ منذ كذا وكذا فلم تُصلِّ، فقال: ¬

_ (¬1) الذي في "أسد الغابة" لابن الأثير: بادية، بالياء، آخر الحروف. (¬2) في "الأصل، ك": "هذه بادنة". (¬3) أي في الصحابة، وانظر "الإصابة": (7/ 529).

سبحان الله، هذا من الشيطان، لتَجْلِس في مِرْكَنٍ، فإذا رأت صُفْرَة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، ثم تغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتتوضأ فيما بين ذلك". فقوله: "فيما بين ذلك" يحتمل: تتوضأ لما يكون بها من الأحداث التي يُوجَبُ بها نقضُ الطهارات، ويحتمل: تتوضأ للصبح، فليس فيه دليل على خلاف ما تقدمه من حديث شعبة وسفيان. قالوا: فهذه الآثار قد رويت عن النبي - عليه السلام - كما ذكرنا في جمع الظهر والعصر بغسل واحد، فبهذا نأخذ، وهي أولى من الآثار الأُوَل التي فيها ذكر الأمر بالغسل لكل صلاة؛ لأنه قد رُوي ما يدل على أن هذا هو ناسخ لذلك، فذكروا ما: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا الوهبي، قال: حدثنا محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "إن سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت، وإن النبي - عليه السلام - كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع الظهر والعصر في غسل واحد، والمغرب والعشاء في غسل واحد، وتغتسل للصبح". قالوا: فدلَّ ذلك على أن هذا الحكم ناسخ للحكم الذي في الآثار الأُوَل, لأنه إنما أمر به بعد ذلك، فصار القول به أولى من القول بالآثار الأُوَل. ش: حديث أسماء بنت عُمَيْس من جملة ما احتجت به أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه من ثلاث اغتسالات: غسل للظهر والعصر، وغسل للمغرب والعشاء، وغسل للصبح. ورجال إسناده ثقات، إلا أن يحيى بن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحِمّاني فيه كلام كثير؛ ضعفه ناس ووثقه آخرون، ونسبته إلى حمان -بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم- قبيلة من تميم.

وأخرجه أبو داود (¬1): نا وهب بن بقية، قال: نا خالد، عن سهيل بن أبي صالح، عن الزهري ... إلى آخره نحوه سواء، إلا أن في لفظه: "فإذا رأت صَفَارة" وزيادة قوله: "وتغتسل للفجر غسلا"، وبعده قوله: "وتتوضأ فيما بين ذلك" كما في رواية الطحاوي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): عن محمود بن محمَّد الواسطي، عن وهب بن بقية، قال: نا خالد ... والباقي مثل رواية أبي داود سواء. وأخرجه [الدارقطني] (¬3) في "سننه": نا محمَّد بن مخلد، نا محمَّد بن عبد الواحد ابن مسلم الصيرفي، ثنا علي بن عاصم، عن سهيل بن أبي صالح، أخبرني الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس، قالت: "قلت: يا رسول الله، فاطمة بنت أبي حبيش لم تصل منذ كذا وكذا، قال: سبحان الله، إنما ذلك عرق -فذكر كلمة بعدها -أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، وتؤخر من الظهر وتعجل من العصر وتغتسل لهما غسلا واحدا، وتؤخر من المغرب وتعجل من العشاء وتغتسل لهما غسلا وتصلي" وهذا ليس في روايته: "وتغتسل للفجر" مثل رواية الطحاوي، ولا فيها: "وتتوضأ فيما بين ذلك" كما هو في رواية الطحاوي، وأبي داود. قوله: "منذ كذا وكذا" منذُ: مبني على الضم، كما أن "منذ" مبني على السكون، وكل منهما يكون حرف جر فيجر ما بعده، ويجري مجرى "في" ولا يدخل -حينئذ- إلا على زمان أنت فيه تقول: "ما رأيته منذ الليلة" وتكون اسما فترفع ما بعده على التاريخ أو على التوقيت، فنقول في التاريخ: "ما رأيته منذ يوم الجمعة" أي أول انقطاع الرؤية يوم الجمعة، وفي التوقيت: "ما رأيته منذ سنة" أي أمَدُ ذلك سنة. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 79 رقم 296). (¬2) "المعجم الكبير" (24/ 139 رقم 370). (¬3) في "الأصل، ك": البيهقي، وهو سبق قلم من المؤلف، والصواب الدارقطني في "السنن" (1/ 216 رقم 54) عن محمَّد بن مخلد به.

و"كذا" عبارة عن العهد المبهم. قوله: "سبحان الله" تعجب واستبعاد لفعلها ذلك. قوله: "هذا من الشيطان" له معنياه: الأول: مجازي، وهو أنه أنساها أيام حيضها حتى حصل لها تَلَبُّس في أمر دينها ووقت طهرها وصلاتها. والثاني: حقيقي بمعنى أنه ضَرَبها حتى فتق منها عرق الاستحاضة. قوله: "في مِرْكَنٍ" بكسر الميم وهي الإجانة. ويُستفاد منه حكمان: الأول: وجوب تكرار الغسل كما تقدم، قبل هذا. والثاني: فيه حجة من اعتبر التمييز باللون؛ لأن رؤيتها الصفرة دليل على انقطاع دم الحيض. قوله: "فقوله له فيما بين ذلك ... " إلى آخره كأنه جواب عن سؤال مقدر، تقريره، أن يقال: إن حديث أسماء بنت عميس الذي احتججتم به مخالف لأحاديث شعبة والثوري وابن عيينة التي احتججتم بها أولا من وجهين: الأول: أنه ليس فيها "وتتوضأ فيما بين ذلك". والثاني: فيها "وتغتسل للفجر"، وليس هذا في حديث أسماء بنت عميس. فأجاب عنه بقوله: "وتتوضأ فيما بين ذلك، يحتمل أن يكون المراد أنها تتوضأ لما يكون بها من الأحداث التي يُوجب بها نقض الطهارات" يعني: إذا أرادت أن تصلي فيما بين الصلوات صلاة أخرى تتوضأ ولا تكتفي بالاغتسال؛ لأنه للفرائض المختصة بالأوقات الخمس، ويحتمل أن يكون المراد: أنها تتوضأ لصلاة الصبح، فعلى كلا التقديرين، ليس فيه دليل على خلاف ما تقدمه من حديث شعبة الذي رواه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن امرأة استحيضت". ولا من

حديث سفيان وسفيان، وأراد بالأول: سفيان الثوري، وحديثه: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمَّد، عن زينب ابنة جحش. وبالثاني: سفيان بن عُيينة، وحديثه: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: "أن امرأة استحيضت ... " الحديث. قوله: "فهذه الآثار" أراد بها الآثار التي رواها شعبة وسفيان الثوري وسفيان بن عُيينة والزهري، عن عروة. قوله: "فبهذا نأخذ" أي: "بما في هذه الآثار, وهذا حكايته عن أهل المقالة الثانية، ثم بيَّنَ وجه الأخذ بهذه الآثار بقوله: "وهي أولى من الآثار الأُوَلِ" وهي التي احتجت بها أهل المقالة الأولى التي فيها وجوب الغسل لكل صلاة من الصلوات الخمس؛ وذلك لأنه قد رُوي عن النبي - عليه السلام - ما يدل على أن هذا ناسخ لتلك الآثار. ثم أشار إلى الحديث الناسخ لتلك الأحاديث بقوله: "فذكروا ما حدثنا ابن أبي داود .. " إلى آخره، وهو حديث سهلة بنت سهيل. ثم بين وجه النسخ بقوله: "لأنه إنما أمر به بعد ذلك" أي: لأن النبي - عليه السلام - أمر بما في حديث سهلة بنت سهيل بعد أن أمر بما في الأحاديث الأوُل، ولاشك أن مثل هذا نسخ؛ لأن النسخ هو رفع الحكم الأول، فلما أمر أولا بالاغتسال لكل صلاة من الصلوات الخمس، ثم أمر بعد ذلك أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، وبين المغرب والعشاء بغسل واحد، وتصلي الصبح بغسل واحد؛ دل أن هذا رَفعَ حكم الأول. ورجال هذا الحديث ثقات. والوهبي هو أحمد بن خالد بن محمَّد، أحد مشايخ البخاري، نسبه إلى والد عبد الله بن وهب.

وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا عبد العزيز بن يحيى، قال: حدثني محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها -: "أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي - عليه السلام - فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصُّبح". قوله "فلما جَهِدَهَا" بكسر الهاء، أي فلما شق عليها الاغتسال، من: جَهِده الشيء -بكسر الهاء- جَهدا -بالفتح- والجُهد -بالضم- الطاقة، وقيل: هما لغتان في الوِسْع والطاقة. ص: وقالوا: وقد رُوي ذلك أيضا عن علي وابن عباس - رضي الله عنهم - فذكروا ما حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أبو معمر، قال: نا عبد الوارث، قال: نا محمَّد بن جحادة، عن إسماعيل بن رجاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "جاءته امرأة مستحاضة تسأله، لم يفتها وقال لها: سلي [غيري] (¬2) قال: فأتت ابن عمر - رضي الله عنهما - فسألته، فقال لها: لا تصلي ما رأيت الدم. فرجعت إلى ابن عباس فأخبرته، فقال رحمه الله: إن كاد ليُكفِرْك، قال: ثم سألت علي بن أبي طالب فقال: تلك ركزة من الشيطان -أو قرحة في الرحم- اغتسلي عند كل صلاتين مرَّة وصلي. قال: فَلَقِيَت ابن عباس بعد فسَألتْه، فقال: ما أجد لك إلا ما قال علي - رضي الله عنه -. حدثنا ابن خزيمة، قال: أنا الحجاج، قال: أنا حماد، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: "قيل لابن عباس: إن أرضنا أرض باردة. قال: تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلا، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا وتغتسل للفجر غسلا". فذهب هؤلاء إلى الآثار التي ذكرنا. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 79 رقم 295). (¬2) سقطت من "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار" (1/ 101).

ش: أي قال أهل المقالة الثانية أيضا: روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس مثل ما ذهبنا إليه، فذكروا ما رواه الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو المقعد البصري، شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد البصري، عن محمد بن جُحَادة -بضم الجيم وفتح الحاء المهملة- الأودي الكوفي، عن إسماعيل بن رجاء الكوفي، عن سعيد بن جبير. وهذا على شرط مسلم. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): قال: ثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن الحكم، عن علي - رضي الله عنه -: "في المستحاضة تؤخر من الظهر وتعجل من العصر، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء -قال: وأظنه قال: وتغتسل للفجر- قال: فذكرت ذلك لابن الزبير وابن عباس، فقالا: ما نجد لها إلا ما قال علي - رضي الله عنه -". وإسناد الأثر الثاني أيضا صحيح: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد أبي عبد الملك المكي، عن مجاهد ... إلى آخره. وأخرجه الدارمي في "سننه" (¬2): أنا الحسن بن ربيع، نا أبو الأحوص، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء، قال: "كان ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول في المستحاضة: تغتسل غُسلا للظهر والعصر، وغُسلا للمغرب والعشاء، وكان يقول: تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء". قوله: "إن كاد ليُكَفِرُك" أي إنه كاد، و"اللام" في "ليكفرك" للتأكيد، ومعناه أنه قارب أن يكفرك، بأمره لها بترك الصلاة، وهي من أفعال المقاربة، ولا يستعمل منه إلا الماضي والمضارع؛ إلا ما سمع نادرا، وحكمه حكم سائر الأفعال في أن معناه منفي إذا صحبها حرف نفي، فإذا قال القائل: كاد زيد يبكي، ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 120 رقم 1362). (¬2) "سنن الدارمي" (1/ 225 رقم 804).

فمعناه: قارب زيد البكاء، فالمقاربة ثابتة، ونفس البكاء منتف، وكذلك المعنى ها هنا: المقاربة ثابتة، ونفس التكفير منتف. قوله "تلك ركزة من الشيطان" بفتح الراء من ركزت الرمح أَرْكُزُهُ رَكْزا، إذا غرزته في الأرض، وهو يحتمل الحقيقة بأن يركز الشيطان في فرجها، ويفتق عرق الاستحاضة، ويحتمل المجاز بأن يكون المعنى أنه وَجَدَ بذلك طريقا إلى أن يُلبِّس عليها أمر دينها، بأن أنساها أيام عادتها وأقرائها. قوله: "أو قرحه في الرحم" أي جراحة وانكشاف لعرق في الرحم. قوله: "اغتسلي عند كل صلاتين" أراد بهما: الظُّهرين والعشاءين. ويستفاد منه: أن الواجب على المستحاضة أن تجمع بين كل صلاتين بغسل واحد، بأن تؤخر الظهر وتعجل العصر كما مرَّ بيانه. وأن ترك الصلاة قريب من الكفر. وأن لعلي بن أبي طالب مزية فضيلة على غيره في العلم، وجلالة قدر. قوله: "إن أرضنا" أراد بها أرض الكوفة لأن المستفتية كانت منها. قوله: "فذهب هؤلاء" أي أهل المقالة الثانية. "إلى هذه الآثار" وهي الأحاديث المذكورة عن شعبة والثوري وابن عيينة والزهري، عن عروة والقاسم بن محمَّد، عن عائشة، والأثر الذي روي عن علي وابن عباس - رضي الله عنهم -. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: تدع المستحاضة الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي. ش: أي خالف أهل المقالة الأولى وأهل المقالة الثانية؛ جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، وعبد الله بن المبارك، وعروة بن الزبير، وأبا سلمة بن عبد الرحمن،

وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد وأصحابهم، "فإنهم قالوا: تدع"، أي: تترك، "المستحاضة الصلاة أيام أقرائها"، أي: حيضها. "ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي". وقال ابن حزم: وممن قال بإيجاب الوضوء على المستحاضة: عائشة أم المؤمنين وعلي بن أبي طالب وابن عباس وفقهاء المدينة وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمَّد وسالم بن عبد الله ومحمد بن علي بن الحسن. و [عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري] (¬1) وهو قول سفيان الثوري [وأبي حنيفة] (1) والشافعي وأحمد وأبي عبيد [وغيرهم] (1). ص: وذهبوا في ذلك إلى ما حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس السوسي، قال: نا يحيى بن عيسى، قال: نا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة: "أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي - عليه السلام - فقالت: يا رسول الله، إنني أستحاض فلا ينقطع عني الدم. فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي؛ وإن قطر الدم على الحصير قطرا". ش: أي ذهب هؤلاء الآخرون، فيما ذهبوا إليه من ترك الصلاة أيام الأقراء والاغتسال والتوضؤ لكل صلاة، إلى حديث عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - وإسناده على شرط مسلم. وأخرجه وابن ماجه (¬2): ثنا علي بن محمَّد وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - عليه السلام -[فقالت] (¬3): يا رسول الله، ¬

_ (¬1) ما بين المعكوفات لم يظهر في المصورة واستدركته من "المُحَلَّى" (1/ 252). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 204 رقم 624). (¬3) في "الأصل، ك": فقال، وهي على الصواب عند ابن ماجه.

إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، وإن قطَر الدم على الحصير". وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬1): ثنا محمَّد بن موسى بن سهل البربهاري، ثنا محمَّد بن معاوية بن صالح، ثنا علي بن هاشم، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة قالت: "أتت فاطمة بنت أبي حبيش النبي - عليه السلام - فقالت: يا رسول الله، إني استُحِضْتُ فما أطهر فقال: ذري الصلاة أيام حيضتك، ثم اغتسلي، وتوضئي عند كل صلاة؛ وإن قطر الدم على الحصير". ثم قال الدارقطني: [تابعه] (¬2) وكيع الخُرَيبي وقرة بن موسى ومحمد بن ربيعة وسعيد بن محمَّد الوراق وابن نمير، عن الأعمش فرفعوه، ووقفه حفص بن غياث وأبو أسامة وأسباط بن محمَّد، وهم أثبات. ثم سرد الدارقطني سند المتابعين، وسند الواقفين. قلت: هذا الحديث صحيح عند الطحاوي؛ لأن رواته من رجال صحيح مسلم، ماخلا شيخه. وقال البيهقي (¬3): وأشهر حديث روى فيه العراقيون -يعني في حكم المستحاضة- ما أخبرنا أبو علي الرُّوذَبَارِي، قال: أنا أبو بكر بن داسة، قال: ثنا أبو داود، قال: نا عثمان بن أبي شيبة، قال: نا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - عليه السلام -" فذكر خبرها، قال: "ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة، وصلِّي" [قال الإِمام أحمد] (¬4): وزاد فيه ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 211 رقم 33). (¬2) في "الأصل، ك": تابع، والمثبت من "سنن الدارقطني". (¬3) "معرفة السنن والآثار" (1/ 379). (¬4) كذا في "الأصل، ك" والمتبادر إلى الذهن أنه الإِمام أحمد بن حنبل، وهو خطأ وإنما هو أحمد بن =

غيره عن وكيع: "وإن قطر الدم على الحصير" وهذا حديث ضعيف، ضعفه يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وقال سفيان الثوري: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا. وقال أبو داود: حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت ضعيف، ورواه حفص بن غياث عن الأعمش فوقفه على عائشة، وأنكر أن يكون مرفوعا، ووقفه أيضا أسباط عن الأعمش، ورواه أيوب أبو العلاء، عن الحجاج بن أرطأة، عن أم كلثوم، عن عائشة، وعن ابن شُبْرُمة، عن امرأة مسروق، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - قال أبو داود: حديث أيوب أبي العلاء ضعيف لا يصح. انتهى. قلت: حاصل الكلام أنهم علّلوا الحديث من جهة المتن ومن جهة الإسناد، أما من جهة المتن فإنهم أنكروا أن يكون فيه الوضوء لكل صلاة، وأما من جهة الإسناد فإنهم أنكروا أن يكون هذا الحديث مرفوعا. والجواب عن ذلك: أنه إن كان حفص بن غياث وأسباط روياه موقوفا على عائشة، فكذلك رواه وكيع وسعيد بن محمَّد الوراق وعبد الله بن نمير والجُرَيْرِي مرفوعا، فترجح رواياتهم؛ لأنها زيادة ثقة، ولأنهم أكثر عددا، وتحمل رواية من وقفه على عائشة أنها سمعته من النبي - عليه السلام - فروته مرة، وأفتت به مرة أخرى. فإن قيل: قال أبو داود: ودلّ على ضعف [حديث] (¬1) حبيب هذا أن رواية الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: "فكانت تغتسل لكل صلاة" في حديث المستحاضة. ¬

_ الحسين، أي البيهقي، راجع "المعرفة" المصدر السابق. (¬1) سقط من "الأصل، ك"، واستدركتها من "سنن أبي داود" (1/ 80 رقم 300).

و (لذا علل البيهقي في تضعيف حديث حبيب) (¬1). قلت: هذا لا يدل على ضعف حديث حبيب؛ لأن الاغتسال لكل صلاة في رواية الزهري مضاف إلى فعلها، ويحتمل أن يكون اختيارا منها، بل الظاهر أنها فعلته تطوعا كما ذكرنا تحقيقه، والوضوء لكل صلاة في حديث حبيب مروي عنه - عليه السلام -، ومضاف إليه وإلى أمره، فافهم. فإن قلت: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة؛ لأن سفيان الثوري وغيره قالوا: لم يسمع حبيب من عروة شيئا. قلت: ادعى مسلم الاتفاق على أنه يكفي إمكان اللُّقيا في ثبوت السماع، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة؛ لروايته عمن هو أكبر من عروة وأجل وأقدم موتا، وقال أبو عمر: لا نشك أنه أدرك عروة. وقال أبو داود في كتاب "السنن" (¬2) وقد روى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثا صحيحا انتهى كلامه. وهذا يدل ظاهرا على أن حبيبا سمع من عروة، وهو مثبت، فيقدم على ما زعمه الثوري لكونه نافيا. والحديث الذي أشار إليه أبو داود هو أنه - عليه السلام - كان يقول: "اللهم عافني في جسدي وعافني في بصري" الحديث، ورواه الترمذي قال: حسن غريب (¬3). ثم اعلم أنه قد روى هذا الحديث -أعني حديث فاطمة بنت حبيش- غير حبيب عن عروة، ورواه غير عروة عن عائشة، خرّجه الطحاوي على ما يأتي، وغيره أيضًا من المصنفين. ¬

_ (¬1) كذا وردت العبارة في "الأصل"، ولعل الأقرب: وكذا .. ، على أنها -أيضًا- لا تكاد تستقيم. (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 46) عقب الحديث رقم (180). (¬3) "جامع الترمذي" (5/ 518 رقم 3480) وزاد: سمعت محمدًا -أي البخاري- يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا، والله أعلم.

وذكر ابن رشد في "قواعده" حديث عائشة: "جاءت فاطمة ... " إلى آخره، ثم قال: وفي بعض رواياته: "وتوضئي لكل صلاة"، وصحح قوم من أهل الحديث هذه الزيادة. وقال في موضع آخر: صححها أبو عمر بن عبد البر، وجاء أيضا في حديث عثمان الكاتب، عن ابن أبي مليكة، في قصة فاطمة بنت أبي حبيش: "لتدع الصلاة في كل شهر أيام قرئها, ولتغتسل لكل يوم غسلا واحدا، ثم الطهور عند كل صلاة" (¬1). فإن قيل: قال البيهقي في "السنن" (¬2): وعثمان ليس بالقوي، وتابعه الحجاج ابن أرطاة وليس بالقوي. وقال في باب المعتادة لا تميز بين الدمين (¬3): حديث عثمان الكاتب ضعيف. قلت: خالف في ذلك شيخه الحاكم؛ فإنه أخرج حديث عثمان هذا في المستدرك (¬4) وقال: صحيح لم يخرجاه بهذا اللفظ، وعثمان الكاتب بصري ثقة عزيز الحديث (¬5). ثم اعلم أن الأئمة الأربعة ومن تابعهم استدلوا بهذا الحديث على أن المستحاضة تترك الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي، ولكن اختلفوا [في] (¬6) أن وضوءها للصلاة أو لوقت الصلاة؟ ¬

_ (¬1) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (1/ 283 رقم 623) والدارقطني في "سننه" (1/ 217 رقم 56) والبيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 354 رقم 1548). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 355 رقم 1551). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 331). (¬4) "المستدرك" (1/ 283 رقم 623). (¬5) أكثر العلماء على تضعيف عثمان، وانظر ترجمته في "التهذيب" (4/ 77) وغيره. (¬6) ليست في "الأصل، ك".

فعند أبي حنيفة وأصحابه: لوقت الصلاة، حتى لو توضأت في أول الوقت فلها أن تصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل، ما لم يخرج الوقت؛ وإن دام السيلان. وعند الشافعي: إن كان العذر من أحد السبيلين، كالاستحاضة وسلس البول وخروج الريح، تتوضأ لكل فرض وتصلي ما شاءت من النوافل. وقال مالك، في أحد قوليه: تتوضأ لكل صلاة. كذا في "البدائع" (¬1). وفي "المغني" (¬2) لابن قدامة: وأكثر أهل العلم على أن الغسل عند انقضاء الحيض، ثم الوضوء لكل صلاة يُجْزِئْهَا، وقد قيل: لا يجب عليها الوضوء لكل صلاة، وهو قول مالك وربيعة وعكرمة؛ لأن ظاهر حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قصة فاطمة بنت أبي حُبيش، الغسل فقط؛ فإنه قال: "فاغتسلي وصلي", ولم يقل: "وتوضئي لكل صلاة"، وحديث الترمذي فيه: "وتوضئي لكل صلاة"، وهذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة. ثم قال: وحكم طهارة المستحاضة حكم التيمم، في أنها إذا توضأت في الوقت صلَّتْ صلاة الوقت، وقضت الفوائت، وتطوعت، حتى يخرج الوقت، نص أحمد على هذا. ومذهب الشافعي أنها لا تجمع بطهارتها بين فرضين؛ فلا تقضي فائتة، ولا تجمع بين صلاتين، كقولهم في التيمم وحجته. قوله - عليه السلام -: "توضئي لكل صلاة" ولنا أنه رُوي في بعض ألفاظ حديث بنت أبي حبيش: "توضئي لوقت كل صلاة". رُوي "التمهيد" (¬3): كان عروة يفتي بأن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وذلك عند مالك على الاستحباب لا على الإيجاب، وروى مالك في موطئه عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ ¬

_ (¬1) "بدائع الصنائع" (1/ 27). (¬2) "المغني" (1/ 221) بتصرف واختصار. (¬3) "التمهيد" (22/ 109 - 110) باختصار وتصرف.

بعد ذلك لكل صلاة"، قال مالك: الأمر عندنا على حديث هشام بن عروة عن أبيه، وهو أحب ما سمعت إليّ في ذلك، وممن قال بأن الوضوء على المستحاضة غير واجب: ربيعة وعكرمة وأيوب وطائفة. وقال البيهقي في "المعرفة" (¬1): قال الشافعي في كتاب الحيض: قال يعني بعض العراقيين: أمَا إنَّا روينا أن النبي - عليه السلام - أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة قال الشافعي: نعم قد رويتم ذلك، وبه نقول، قياسا على سنة رسول الله - عليه السلام - في الوضوء مما خرج من دبر أو ذكر أو فرج، ولو كان هذا محفوظا كان أحب إلينا من القياس. فأشار الشافعي إلى أن الحديث الذي رُوي فيه غير محفوظ. قلت: يلزم على قياس الشافعي أن لا تختص المستحاضة بفرض واحد كالوضوء مما يخرج من أحد السبيلين. فإن قال: الفرق أن حدث المستحاضة بعد الفرض موجود قائم. قلنا: فوجب أن لا [تصلي] (¬2) بعد ذلك نافلة. وفي كون الشافعي لم يجوِّز لها أن تصلي فرضين بطهارة واحدة؛ دليل على أنه عمل بحديث المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، لا بالقياس على ما ذكر، ثم إنه خصص العموم وجوز من النوافل ما شاءت، وجعل التقدير: لكل صلاة فرض، فلما أضمر ذلك، فلخصمه أن يُضْمر الوقت، ويقول: التقدير لوقت كل صلاة، كقوله - عليه السلام - "إن للصلاة أولا وآخرا، وأينما أدركتني الصلاة تيممت" وذلك لأن ذهاب الوقت عُهِدَ مبطلا للطهارة، كذهاب مدة المسح. والخروج من الصلاة لم يعهد مبطلا للطهارة، وكذا الحدث يعم الفريضة والنافلة، وكذا القياس الذي ذكره الشافعي، فَعُلِمَ أنه لم يطرد القياس. وقال ابن حزم (¬3): قول مالك في هذا الباب خطأ لأنه خلاف للحديث الوارد في ¬

_ (¬1) "معرفة السنن" (1/ 379). (¬2) في "الأصل، ك": يُصلي وهو تصحيف. (¬3) "المحلى" (1/ 254).

ذلك، وقول الشافعي وأحمد كذلك خطأ؛ لأن من المحال الممتنع في الدين الذي لم يأت به قط نص ولا دليل أن يكون إنسان طاهرا إن أراد أن يصلي تطوعا، ومحدثا غير طاهر في ذلك الوقت بعينه إن أراد أن يصلي فريضة، فإن كانت طاهرة فلها أن تصلي، ما شاءت من الفرائض والنوافل، وإن كانت محدثة فما يحل لها أن تصلي لا نافلة ولا فريضة. وقول أبي حنيفة فاسد أيضا؛ لأنه مخالف للخبر الذي تعلق به، ومخالف للمعقول والقياس، وما وجدنا قط طهارة تنتقض بخروج وقت، وتصح يكون الوقت قائما. قلت: تشنيعه على أبي حنيفة باطل؛ لأن قوله غير مخالف للخبر الذي تعلق به، فإن في بعض ألفاظه: "توضئي لوقت كل صلاة". على ما ذكره صاحب "المغني" (¬1). وكذا قوله: مخالف للمعقول والقياس باطل أيضا؛ لأن ذهاب الوقت قد عُهِدَ مبطلا للطهارة، كذهاب مدة المسح، فكيف يشنع ويقول: وما وجدنا قط طهارة تنتقض بخروج وقت (¬2)؟! ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا عبد الله بن يزيد المقرى، قال: ثنا أبو حنيفة. وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: نا أبو حنيفة، عن هشام بن عروة، عن ¬

_ (¬1) "المغني" (1/ 221). (¬2) قد أجاب ابن حزم على هذه المسألة في نفس الموضع فقال: وما انتقضت قط طهارة الماسح بانقضاء الأمد المذكور، بل هو طاهر كما هو ما لم ينتقض وضوؤه يحدث من الأحداث، وإنما جاءت السُّنة بمنعه من الابتداء للمسح فقط لا بانتقاض طهارته. اهـ (1/ 254).

أبيه، عن عائشة: "أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي - عليه السلام - فقالت: إنني أحيض الشهر والشهرين، فقال - عليه السلام -: إن ذلك ليس بحيض، وإنما ذلك عرق من دمك، فإذا أقبل فدعى الصلاة، وإذا أدبر فاغتسلي لطهرك، ثم توضئي عند كل صلاة". ش: هذان طريقان صحيحان. الأول: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد القرشي المقرئ القصير، عن الإِمام أبي حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة. وأخرجه البيهقي (¬1) أيضا من حديث أبي حنيفة. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم، عن أبي حنيفة ... إلى آخره. وأخرج السراج في "مسنده" عن هناد بن السري، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، نحو رواية أبي حنيفة. فإن قيل: قال البيهقي في هذا الحديث: ورواه أبو حنيفة، عن هشام، وفيه: "توضئي لكل صلاة" الصحيح أن هذا من قول عروة. قلت: قد وصلها الحمادان وغيرهما بكلامه - عليه السلام -، أما حماد بن زيد فقد قال النسائي (¬2): أخبرنا يحيى بن حبيب، قال: ثنا حماد -وهو ابن زيد- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش، فسألت النبي - عليه السلام - فقالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله - عليه السلام -: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي، فإنما ذلك عرق وليست بالحيضة. قيل له: فالغسل؟ قال: ذلك لا يشك فيه أحد". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 344 رقم 1516). (¬2) "المجتبى" (1/ 123 رقم 217).

قال أبو عبد الرحمن (¬1): لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث: "وتوضئي" غير حماد بن زيد، وقد روى غير واحد عن هشام ولم يذكر فيه: "وتوضئي". وأما حماد بن سلمة فقد قال الدارمي في "سننه" (¬2): أنا حجاج بن منهال، نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله، إني امرأة استحاض أفأترك الصلاة؟ قال [لا] (¬3) إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي". وأخرجه الترمذي (¬4): وصححه من طريق وكيع وعَبدة وأبي معاوية، عن هشام ... وقال في آخره: وقال أبو معاوية في حديثه: "وقال: توضئي لكل صلاة". ورواه أبو عوانة أيضًا: عن هشام، أخرجه الطحاوي في كتاب "الرد على الكرابيسي" من طريقه بسند جيد، على أن حماد بن زيد لو انفرد بذلك لكان كافيا؛ لثقته وحفظه لا سيما في هشام، فإن صح السند الذي جعل فيه من كلام عروة، يحمل على أنه سمعها، فرواها مرة كذلك، ومرة أخرى أفتى بهذا، وهذا أولى من تخطئة من وصلها بكلامه - عليه السلام - كيف وقد روي ذلك مرفوعا في رواية هشام عن عروة كما مرّ. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على شريك، عن أبي اليقظان. وحدثنا فهد، قال: نا محمَّد بن سعيد الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي - عليه السلام - قال: ¬

_ (¬1) هو الإِمام النسائي. (¬2) "سنن الدارمي" (1/ 220 رقم 779). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن الدارمي". (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 217 رقم 125).

"المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة، وتصوم وتصلي". ش: هذان طريقان: أحدهما: عن علي بن شيبة بن الصلت الكوفي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ البخاري ومسلم. قال: قرأت على شريك بن عبد الله النخعي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدا، ومسلم في المتابعات. عن أبي اليقظان عثمان بن عمير البجلي الكوفي الأعمى، فيه كلام كثير، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. عن عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، وثقه أبو حاتم وأحمد، وقال أبو حاتم أيضا: صدوق، وكان إمام مسجد الشيعة وقاضيهم. وأبوه ثابت: وثقه ابن حبان، وذكره ابن أبي حاتم فيمن اسمه ثابت ولم يُنْسَب، وقال: ثابت الأنصاري، والد عدي بن ثابت، روى عنه ابنه عدي بن ثابت، وجده -أبو أمه- عبد الله بن يزيد. كذا قال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل". وقال الترمذي (¬1): سألت محمدا عن هذا الحديث فقلت له: عدي بن ثابت عن أبيه عن جده، جد عدي ما اسمه؟ فلم يعرف محمَّد اسمه، وذكرت لمحمد قول يحيى بن معين: إن اسمه دينار، فلم يعبأ به. وقال الدارقطني: لا يصح من هذا كله شيء. وذكر ابن حبان في كتاب "الثقات" أن ثابتا هذا هو ابن عبيد بن عازب، ابن أخي البراء بن عازب الصحابي. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 220 رقم 127).

وقال أبو عمر: شهد عبيد وأخوه البراء مع علي - رضي الله عنه - مشاهده كلها، وهو جد عدي بن ثابت، روى في الوضوء والحيض. والترمذي أخرجه من (¬1): هذا الطريق وقال: نا قتيبة، قال: نا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي - عليه السلام - أنه قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي". قال أبو عيسى: هذا حديث قد تفرد به شريك عن أبي اليقظان. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن سليمان الكوفي أبي جعفر الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬2): نا محمَّد بن جعفر بن زياد، عن أبيه، عن جده، عن النبي - عليه السلام - في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة" وزاد عثمان: "وتصوم وتصلي". وأخرجه ابن ماجه (¬3): عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسماعيل بن موسى، قالا: ثنا شريك ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الدارمي في "سننه" (¬4): عن محمَّد بن عيسى، عن شريك .. إلى آخره نحوه. وهذا الحديث من قبيل رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد، نحو عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وطلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، وهذا النوع مما يحتج به أهل العلم. ولكنهم اختلفوا في عمرو بن ¬

_ (¬1) جامع الترمذي (1/ 220 رقم 126). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 80 رقم 297). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 204 رقم 625). (¬4) "سنن الدارمي" (1/ 223 رقم 793).

شعيب عن أبيه عن جده، وأكثرهم على الاحتجاج بحديثه، حملا لمطلق الجد فيه على الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص، دون ابنه محمَّد والد شعيب؛ لما ظهر من إطلاقه ذلك. وجدّ بهز: معاوية بن حَيْدَة القُشَيري. وجد طلحة: عمرو بن كعب اليامي. وجد عُدي: عبيد بن عازب، أو عبد الله بن يزيد على ما ذكرنا. وفيه حجة لأبي حنيفة في حمله القُرء على الحيض، خلافا للشافعي. ص: قالوا: وقد روي عن علي - رضي الله عنه -، ذلك فذكروا ما: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي ابن ثابت، عن أبيه عن علي مثله، يعني مثل حديثه عن أبيه عن جده عن النبي - عليه السلام - الذي ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا، قالوا: فبما رويناه عن رسول الله - عليه السلام - وعن علي - رضي الله عنه - نقول. ش: أشار بهذا إلى أن الحديث المذكور كما روي مرفوعا، رُوي أيضا موقوفا على علي بن أبي طالب - عليه السلام -، برجال الطريق الثاني من الطريقين المذكورين آنفا. وقال أبو داود بعد أن أخرج حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده: ورواه أبو اليقظان عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن علي - عليه السلام -، وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي": صوابه: عدي بن أبان بن ثابت بن قيس الظفري، فنسب إلى جده: وأبان لا يعرف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن شريك، عن أبي اليقظان، عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن علي - رضي الله عنه - مثله. قوله: "قالوا" أي أهل المقالة الثالثة. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 120 رقم 1365).

قوله: "نقول" مقول "قالوا"، والباء في "فبما" تتعلق به، أي نقول بالذي رويناه عن رسول الله - عليه السلام - وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. ص: فعارضهم معارض فقال: أما حديث أبي حنيفة الذي رواه عن هشام بن عروة فخطأ؛ وذلك لأن الحفاظ عن هشام رووه على غير ذلك، فذكروا ما: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث وسعيد بن عبد الرحمن ومالك بن أنس والليث، عن هشام بن عروة، أنه أخبرهم عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها -: "أن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت النبي - عليه السلام - وكانت تستحاض- فقالت: يا رسول الله، إني والله ما أطهر أفأدع الصلاة أبدا؟ فقال رسول الله - عليه السلام -: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم ثم صلي". حدثنا محمَّد بن علي بن داود، قال: نا سليمان بن داود الهاشمي، قال: أنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه وهشام كلاهما، عن عروة، عن عائشة مثله. قالوا: فهكذا روى الحفاظ هذا الحديث عن هشام بن عروة، لا كما رواه أبو حنيفة - رضي الله عنه -. فكان من الحجة عليهم في ذلك أن حماد بن سلمة قد روى هذا الحديث عن هشام فزاد حرفا يدل على موافقته لأبي حنيفة: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج ابن المنهال، قال: نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - بمثل حديث يونس عن ابن وهب، وحديث محمَّد بن علي عن سليمان ابن داود، غير أنه قال: "فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي". ففي هذا الحديث أن النبي - عليه السلام - أمرها بالوضوء مع أمره إياها بالغسل، فذلك الوضوء هو الوضوء لكل صلاة، فهذا معنى حديث أبي حنيفة، وليس حماد بن سلمة عندكم في هشام بن عروة، بدون مالك والليث وعمرو بن الحارث.

ش: أي عارض أهل المقالة الثالثة معارضٌ، بيان المعارضة: أن هذا الحديث رواه الحفاظ عن هشام بن عروة على غير الوجه الذي رواه أبو حنيفة؛ لأنهم رووه عن هشام بن عروة، وليس فيه الأمر بالوضوء عند كل صلاة، وإنما أبو حنيفة روى هذا عنه وتفرد به، ولم يتابعه عليه أحد، فلا يحتج به، وأراد بالحفاظ مثل عمرو بن الحارث وسعيد بن عبد الرحمن ومالك بن أنس والليث بن سعد. وأجاب عن هذا بقوله: "فكان من الحجة عليهم في ذلك" أي على المعارضين الطاعنين في حديث أبي حنيفة، أن حماد بن سلمة روى هذا الحديث عن هشام بن عروة فزاد فيه حرفا، فوافق بذلك أبا حنيفة، وليس حماد بن سلمة في روايته عن هشام، بدون هؤلاء الحفاظ المذكورين. فإن قلت: كيف يساوي حماد بن سلمة هؤلاء الحفاظ، أو يدانيهم، ولم يخرج له البخاري إلا مستشهدا؟ قلت: لا يلزم من ذلك ما ذكرتم، فإن مسلما احتج به، وكذلك الأربعة، وكيف وقد قال شعبة: حماد بن سلمة يفيدني. وعن وهيب: كان حماد بن سلمة سيدنا وكان أعلمنا. ذكره ابن أبي حاتم في كتابه على أنا نقول: ليس هذا بمخالفة من أبي حنيفة لرواية الحفاظ بل زيادة ثقة، وهي مقبولة ولا سيما من مثله. وخصوصا تابعه على ذلك حماد بن سلمة على ما ذكره الطحاوي، وتابعه أيضًا حماد بن زيد كما ذكرنا في حديث النسائي، وتابعه أيضا أبو عوانة الوضاح عن هشام، ذكره الطحاوي بسند جيد في كتاب "الرد على الكرابيسي" على ما ذكره عن قريب، وتابعه أبو حمزة السكري أيضا على ما قال ابن حبان في "صحيحه" (¬1): ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذه اللفظة تفرد بها أبو حمزة وأبو حنيفة. ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (4/ 189 رقم 1355).

أخبرنا محمد بن أحمد بن النضر قال: ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "سئل رسول الله - عليه السلام - عن المستحاضة، فقال: تدع الصلاة أيامها، ثم تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ عند كل صلاة". أخبرنا (¬1) محمَّد بن أحمد بن النضر الخلقاني، قال: نا محمَّد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي، قال: ثنا أبو حمزة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي - عليه السلام - فقالت: يا رسول الله، إني استحاض الشهر والشهرين. قال: ليس ذاك بحيض ولكنه عرق، فإذا أقبل الحيض فدعي الصلاة عدد أيامك التي كنت تحيضين فيه، فإذا أدبرت فاغتسلي، وتوضئي لكل صلاة لما انتهى. فهذا أبو حنيفة قد تابعه في ذلك حماد بن سلمة وحماد بن زيد وأبو عوانة وأبو حمزة، أربعة من الحفاظ الأجلاء، مع أن تفرد أبي حنيفة كاف لجلالة قدره وتعين إمامته. وأبو حمزة اسمه محمَّد بن ميمون المروزي السكري، روى له الجماعة، ولم يكن سُكَّريّا، وإنما قيل له: السُّكَّري لحلاوة كلامه، قاله عباس الدوري. ثم إن الطحاوي أخرج الحديث الذي عارضه به ذلك المعارض من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري وسعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله المدني قاضي بغداد في عسكر المهدي زمن الرشيد، ومالك بن أنس المدني، والليث بن سعد المصري، كلهم عن هشام بن عروة ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (4/ 188 رقم 1354).

وأخرجه الجماعة؛ فالبخاري (¬1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك .. إلى آخره نحوه. ومسلم (¬2): عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، كلاهما، عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ... إلى آخره نحوه. وأبو داود (¬3): عن أحمد بن يونس وعبد الله بن محمَّد النفيلي، كلاهما عن زهير، عن هشام ... إلى آخره نحوه. والترمذي (¬4): عن هناد، عن وكيع وعَبدة وأبي معاوية، ثلاثتهم عن هشام ... إلى آخره نحوه، وقال في آخره: قال أبو معاوية في حديثه: "وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت". والنسائي (¬5): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبدة ووكيع وأبي معاوية، قالوا: ثنا هشام بن عروة .. إلى آخره، نحو رواية أبي داود. وابن ماجه (¬6): عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمَّد، قالا: ثنا وكيع، عن هشام ... إلى آخره نحوه. والثاني: عن محمَّد بن علي بن داود أبي بكر البغدادي، عن سليمان بن داود ابن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي أبو أيوب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- واسمه عبد الله بن ذكوان، عن أبيه عبد الله وعن هشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة، مثله. أي مثل الحديث المذكور. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 117 رقم 300). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 262 رقم 333). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 74 رقم 282). (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 217 رقم 125). (¬5) "المجتبى" (1/ 122 رقم 212). (¬6) "سنن ابن ماجه" (1/ 203 رقم 621).

قوله: "وإذا ذهب قدرها" بالدال المهملة أي قدر وقتها، ومنهم من صحف هذا وقال: "قَذرَهَا" بالذال المعجمة، وهو غلط. وهذا الحديث يدل على أن هذه المرأة كانت معتادة كما جاء في رواية أخرى: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي". واستدل به أبو حنيفة في أن الرد إلى الأيام التي هي عادتها سواء كانت مميزة أو غير مميزة، وبه قال الشافعي في قول. وأما إذا لم يكن لها عادة تعتمد عليها تجعل لها من كل شهر عشرة أيام حيضا والباقي استحاضة كما عرف ذلك في الفروع. وفيه ردّ لمن رأى الغسل لكل صلاة، ولمن رأى عليها الجمع بين الظهرين بغسل، والعشاءين بغسل. ولمن قال: بالاستظهار بيومين أو ثلاث، أو أقل أو أكثر. ولمن رأى عليها الغسل في كل يوم من ظهر إلى ظهر. وقال أبو عمر في "التمهيد" (¬1): وفيه ردّ على من أوجب الوضوء على المستحاضة، فإذا أحدثت المستحاضة حدثا معروفا معتادا، لزمها الوضوء لأجل ذلك، وأما دَمُ استحاضتها فلا يوجب وضوءا؛ لأنه كدم الجرح السائل، وكيف يجب من أجله وضوء وهو لا ينقطع، ومن كان مثل هذه، من سلس البول والمذي، لا يرتفع [بوضوئه حدثا] (¬2) لأنه لا يتمه إلا وقد حصل ذلك الحدث في الأغلب، انتهى. وفيه تناقض لِمَا أنه قال: إن الوضوء في حديث عائشة صحيح. وهذا من أطراف حديثها المذكور، فلا رد حينئذ على من قال به، فافهم. ¬

_ (¬1) "التمهيد" (22/ 109). (¬2) في "الأصل، ك": وضوؤه، والمثبت من "التمهيد".

وأما حديث حماد الذي زاد فيه حرفا، فأخرجه عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن هشام ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وأخرجه الدارمي (¬1): عنَ حجاج، عن حماد، عن هشام .. إلى آخره نحوه. وأخرجه الترمذي: كما ذكرنا عن قريب، وفيه: "قال أبو معاوية في حديثه: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت" ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي - عليه السلام - والتابعين، وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وابن المبارك: أن المستحاضة إذا جاوزت أيام أقرائها، اغتسلت، وتوضأت لكل صلاة. قوله: "بمثل حديث يونس عن ابن وهب" أي بمثل حديث يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث وسعيد بن عبد الرحمن ومالك بن أنس والليث بن سعد، عن هشام بن عروة، أنه أخبرهم عن أبيه، عن عائشة. . . الحديث. قوله: "وحديث محمَّد بن علي" أراد به شيخه محمَّد بن علي بن داود البغدادي، عن سليمان بن داود الهاشمي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه وهشام، كلاهما عن عروة، عن عائشة. قوله: "ففي هذا الحديث" أراد به حديث حماد بن سلمة. قوله: "أمرها" أي أمر فاطمة بنت أبي حبيش بالوضوء مع أمره إياها بالغسل، فذلك الوضوء الذي أمرها به هو الوضوء لكل صلاة. فإن قلت: من أين يُعلم أن الوضوء لكل صلاة؟ ¬

_ (¬1) "سنن الدارمي" (1/ 220 رقم 779).

قلت: الحالة تدل على هذا, ولا سيما ورد في رواية أبي معاوية، في تخريج الترمذي: "توضئي لكل صلاة" وفي رواية أبي حنيفة ومن تابعه أيضًا: "ثم توضئي عند كل صلاة"، وفي حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده: "وتتوضأ لكل صلاة". ص: فقد ثبت بما ذكرنا صحة الرواية عن النبي - عليه السلام - في المستحاضة أنها تتوضأ في حال استحاضتها لكل صلاة، إلا أنه قد رُوي عن النبي - عليه السلام - ما قد تقدم ذكرنا في هذا الباب، فأردنا أن ننظر في ذلك لنعلم ما الذي ينبغي أن نعمل به من ذلك؟ فكان ما رُوي عن النبي - عليه السلام - مما رويناه في أول هذا الباب: "أنه أمر أم حبيبة بنت جحش بالغسل عند كل صلاة" فقد ثبت نسخ ذلك بما قد رويناه عن النبي - عليه السلام - في الفصل الثاني من هذا الباب في حديث ابن أبي داود عن الوهبي في أمر سهلة بنت سهيل؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أمرها بالغسل لكل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، وبين المغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح غسلا، فكان ما أمرها به من ذلك ناسخا لما كان أمرها به قبل ذلك من الغسل لكل صلاة، فأرنا أن ننظر فيما رُوي في ذلك، كيف معناه؟ فإذا عبد الرحمن بن القاسم قد روى عن أبيه في المستحاضة التي استحيضت في عهد النبي - عليه السلام - فاختلف عن عبد الرحمن في ذلك؛ فروى الثوري عنه، عن أبيه، عن زينب بنت جحش: "أن النبي - عليه السلام - أمرها بذلك، وأن تدع الصلاة أيام أقرائها" ورواه ابن عيينة عن عبد الرحمن أيضا، عن أبيه، ولم يذكر زينب، إلا أنه وافق الثوري في معنى متن الحديث، فكان ذلك على الجمع بين كل صلاتين بغسل في أيام المستحاضة خاصة. فثبت بذلك أن أيام الحيض كان موضعها معروفا، ثم جاء شعبة فرواه عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، كما رواه الثوري وابن عيينة، غير أنه لم يذكر أيام الأقراء، وتابعه على ذلك محمَّد بن إسحاق.

فلما رُوِي هذا الحديث كما ذكرنا، واختلفوا فيه، [كشفناه] (¬1) لنعلم من أين جاء الاختلاف، فكان ذكر أيام الأقراء في حديث القاسم عن زينب وليس ذلك في [حديثه عن عائشة - رضي الله عنها - فوجب أن يجعل روايته عن زينب غير روايته عن عائشة - رضي الله عنها - فكان]، (¬2) حديث زينب الذي فيه ذكر الأقراء حديثا منقطعا لا [يثبته] (¬3) أهل الخبر؛ لأنهم لا يحتجون بالمنقطع، وإنما جاء انقطاعه؛ لأن زينب لم يدركها القاسم، ولم يُولد في زمنها؛ لأنها تُوفيت في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وهي أول أزواج النبي - عليه السلام - وفاة بعده، وكان حديث عائشة هو الذي ليس فيه ذكر الأقراء، وإنما فيه: أن النبي - عليه السلام - أمر المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل، على ما في ذلك الحديث، ولم يُبيِّن أي مستحاضة هي؛ فقد وجدنا المستحاضة قد تكون على معان مختلفة: فمنها: أن تكون مستحاضة قد استمر بها الدم، وأيام حيضها معروفة، فسبيلها أن تدع الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل، وتتوضأ بعد ذلك. ومنها: أن تكون مستحاضة؛ لأن دمها قد استمر بها فلا ينقطع عنها، وأيام حيضها قد خَفِيَتْ عليها، فسبيلُها أن تغتسل لكل صلاة؛ لأنه لا يأتي عليها وقت إلا احتمل أن تكون فيه حائضا، أو طاهرا من حيض، أو مستحاضة، فيحتاط (¬4) لها، فتؤمر بالغسل. ومنها: أن تكون مستحاضة قد خفيت عنها أيام حيضها، ودمها غير مستمر بها، ينقطع ساعة ويعود بعد ذلك، هكذا هي في أيامها كلها، فيكون قد أحاط علمها أنها في وقت انقطاع دمها، إذا اغتسلت حينئذ غير طاهر من حيض طهرا ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": كشفنا، والمثبت من "شرح معاني الآثار" (1/ 104). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار". (¬3) في "الأصل، ك" يثبتونه، والمثبت من "شرح معاني الآثار". (¬4) فيُحتاط: غير منقوطة "بالأصل"، ويمكن قراءتها، فنحتاط -بالنون- أو: فتحتاط يعني: هي، والمثبت أنسب للفعل بعده.

يُوجب عليها غسلا، فلها أن تصلي في حالها تلك ما أرادت من الصلوات بذلك الغسل إن أمكنها ذلك. فلما وجدنا المرأة قد تكون مستحاضة بكل وجه من هذه الوجوه التي معانيها مختلفة، وأحكامها مختلفة، واسم المستحاضة يجمعها, ولم نجد في حديث عائشة - رضي الله عنها - ذلك تِبْيَانَ استحاضة تلك المرأة التي أمرها النبي - عليه السلام - بما ذكرنا أيُّ استحاضة هي، لم يجز لنا أن نحمل ذلك على وجه من هذه الوجوه دون غيره إلا بدليل على ذلك. فنظرنا في ذلك، هل نجد فيه دليلا؟ فإذا بكر بن إدريس قد حدثنا، قال: أنا آدم، قال: نا شعبة، قال: نا عبد الملك بن ميسرة والمجالد بن سعيد وبيان، قالوا: سمعنا عامرا الشعبي يحدث عن قَمير -امرأة مسروق- عن عائشة: "أنها قالت في المستحاضة: تدع الصلاة أيام حيضها، ثم تغتسل غسلا واحدا، وتتوضأ عند كل صلاة". حدثنا حسين بن نصر وعلي بن شيبة، قالا: حدثنا أبو نعيم، قال: نا سفيان، عن فراس وبيان، عن الشعبي بإسناده. فلما رُوي عن عائشة ما ذكرنا من قولها الذي أفتت به بعد النبي - عليه السلام -، وكان ما ذكرنا من حكم المستحاضة أنها تغتسل لكل صلاة، وما ذكرنا أنها تجمع بين الصلاتين بغسل، وما ذكرنا أنها تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وقد روي ذلك كله عنها، ثبت بجوابها ذلك أن ذلك الحكم هو الناسخ للحكمين الآخرين؛ لأنه لا يجوز عندنا عليها أن تدع الناسخ وتفتي بالمنسوخ، ولولا ذلك لسقطت روايتها. فلما ثبت أن هذا هو الناسخ؛ لما ذكرنا، وجب القول به، ولم يجز خلافها، هذا وجه قد يجوز أن يكون معاني هذه الآثار عليه.

ش: ملخص هذا: أن النبي - عليه السلام - رُوي عنه في المستحاضة ثلاثة أحكام، وقد ذهب إلى كل واحد منها طائفة من أهل العلم، كما ذُكِر مستقصى، وكل ذلك قد ورد بطرق مختلفة صحيحة وغير صحيحة، والسبيل في مثل هذا أن يُوَفَّق بينهما؛ دفعا للتضاد والاختلاف، وقد بيَّن فيما مضى أن حديث الغسل عند كل صلاة، الذي هو الحكم [الأول] (¬1) قد نسخه الحكم الثاني، وهو الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، وبقي التوفيق بينه وبين الثالث الذي فيه الأمر بالاغتسال مرة والوضوء عند كل صلاة، ووجهه: أن كلا منهما قد رُوي عن عائشة بطرق صحيحة، ورُوي عنها أيضا أنها أفتت بعد النبي - عليه السلام - في المستحاضة أن تغتسل غسلا واحدا وتتوضأ عند كل صلاة، كما في حديث قَمير امرأة مسروق، عنها، على ما يجيء الآن. فدل ذلك أنه ناسخ للحكم الأول والثاني، وذلك لأنه لا يجوز على مثل عائشة أن تترك الناسخ وتفتي بالمنسوخ، وإلا سقطت روايتها، فعلم أن حديث الأمر بالاغتسال مرة والوضوء عند كل صلاة هو الناسخ لجميع ما روي من الآثار في هذا الباب، وأن العمل عليه، كما ذهب إليه جمهور العلماء، ومعظم الفقهاء، والأئمة الأربعة. قوله: "فقد ثبت بما ذكرنا" أراد به ما ذكره من حديث محمَّد بن عمرو بن يونس السوسي، عن يحيى بن عيسى. ومن حديث علي ابن شيبة بن الصلت السَّدوسي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري. ومن حديث محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج ابن، (¬2) منهال الأنماطي. قوله: "إلا أنه قد رُوي" أي: غير أن الشأن: قد رُوي عن النبي - عليه السلام - ما قد تقدم ذكرنا له، يعني: في أول الباب، وأراد به أن تلك الأحاديث معارضة لما قد ثبت بما ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها. (¬2) ليست في "الأصل، ك".

ذكرنا، ثم بيَّن أن هذه منسوخة بقوله: "فأردنا أن ننظر في ذلك ... " إلي آخره: وهو طاهر بُيِّن فيما تقدم. قوله: "فأردنا أن ننظر فيما روى في ذلك" أي: في أمره - عليه السلام - إياها بالجمع بين الظهرين بغسل، وبين العشائين بغسل، والصبح بغسل، كيف معناه؟ وكيف حال هذه المستحاضة. قوله: "فإذا عبد الرحمن" كلمة "إذا" ها هنا للمفاجأة، كما في قولك: "خرجت فإذا السبع واقف"، ولا يليها إلا الجملة الاسمية، فقوله: "عبد الرحمن" مبتدأ، وقوله: "قد روى" خبره. قوله: "فاختُلِفَ عن عبد الرحمن في ذلك"، أي فيما روى عن أبيه عن عائشة، فروى الثوري عنه عن أبيه عن زينب ابنة جحش ... إلي آخره. ورواه ابن عيينة عن عبد الرحمن أيضا عن أبيه، ولم يذكر "زينب" وخالفه فيه، ولكنهما متفقان في معنى متن الحديث، فثبت بذلك -أي باتفاقهما على متن الحديث- أن أيام حيضها كان موضعها معروفا؛ إذ لو لم يكن معروفا لما كانت تتمكن من ذلك على الحقيقة. ويدل على ذلك ما جاء في حديث آخر: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها". فإن قيل: من أين كانت تحفظ هذه المرأة عدد أيامها التي كانت تحيض فيها أيام الصحة؟ قلت: لو لم تكن تحفظ ذلك لم يكن لقوله - عليه السلام -: "تدع الصلاة أيام أقرائها" معنى؛ إذ لا يجوز. أن يردها إلى رأيها ونظرها في أمر هي غير عارفة بكنهه. قوله: "ثم جاء شعبة فرواه عن عبد الرحمن" أي: روى الحديث المذكور الذي رواه سفيانان (¬1)، غير أنه لم يذكر فيه أيام الأقراء. ¬

_ (¬1) يعني الثوري وابن عُيينة، فقد رويا الحديث كما سبق.

"وتابعه على ذلك"، أي: تابع شعبة على مثل ما روى محمدُ بن إسحاق المدني، فحصل فيه الاختلاف حينئذ، فيحتاج إلى الكشف حتى يُعْلم من أين جاء الاختلاف؟ فكُشِفَ عن ذلك، فوُجدَ ذكر أيام الأقراء في حديث القاسم عن زينب، وهو الحديث الذي رواه الثوري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن زينب، وليس في حديثه عن عائشة، أي: ليس ذكر أيام الإقراء في حديث القاسم عن عائشة الذي رواه شعبة ووافقه محمَّد بن إسحاق، فتباينت الروايتان، ولكن حديث زينب الذي فيه الأقراء حديث مئقطع؛ وذلك لأن القاسم لم يدرك زينب ولم يُولد في حياتها. بيان ذلك: أن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، مات في ولاية يزيد بن عبد الملك، بعد عمر بن عبد العزيز، سنة إحدى أو اثنتين ومائة. وقال خليفة بن خياط توفي سنة ستٍّ ومائة. وقال يحيى بن بكير: سنة سبع ومائة بقديد. وقال ابن المديني وابن معين: مات سنة ثمان ومائة. قال الواقدي: وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. فيكون تاريخ ميلاده على القول الأول: سنة ثلاثين من الهجرة، وسنة أربع وثلاثين على قول خليفة، وسنة سبع وثلاثين على قول يحيى بن بكير، وسنة ثمان وثلاثين على قول ابن المديني وابن معين، وعلى كل [التقدير] (¬1) لم يدرك القاسم زينت بنت جحش، أم المؤمنين - رضي الله عنها -؛ لأنها توفيت سنة عشرين من الهجرة، وصل عليها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وكانت أول نساء النبي - عليه السلام - لحوقا به. فكان حديث القاسم، عن زينب منقطعا، فلا يحتج به. ¬

_ (¬1) التقدير: "كذا بالأصل، ك"، مُعَرَّفة، والنكرة: تقدير، أنسب.

فيكون العمل على حديث عائشة الذي ليس فيه الأقراء، وإنما فيه: "أنه - عليه السلام - أمر المستحاضة أن تجمع بين الصلاتين بغسل"، ولكنه لم يبين أي مستحاضة هي؛ لأن المستحاضات كثيرة (¬1) على أنواع، كما بينها الطحاوي. ولم نعلم في حديث عائشة بيان تلك المستحاضة أيتها هي، فلم يجز حيئنذ أن نحمل ذلك على نوع من الأنواع؛ لبطلان الترجيح بلا مرجح، وهو الدليل يدل على خصوصية المراد فوجدنا ذلك في حديث قَمِير عن عائشة، وتبيَّن أن المراد من تلك المستحاضة هي التي لها أيام معتادة، لأنها أفتت بذلك حيث قالت: "تدع الصلاة أيام حيضها ثم تغتسل غسلا واحدا وتتوضأ عند كل صلاة", ولما روي هذا عن عائشة من قولها الذي أفتت به بعد النبي - عليه السلام -، والحال أنه قد روي عنها من أنها تغتسل لكل صلاة، ومن أنها تجمع بين الصلاتين بغسل، ثبت بفتواها هذه أن ما روي عنها من الحكمين الآخرين قد نسخ، إذ لا يجوز أن تفتي بالمنسوخ وتترك الناسخ كما ذكرنا. فلما ثبت أن هذا هو الناسخ، تعين المصير إليه، ووجب القول به، ولم يجز تركه إلى حكم من الحكمين الآخرين. ثم إنه أخرج حديث قمير عن عائشة من طريقين حسنين صحيحين: الأول: عن بكر بن إدريس بن الحجاج، ذكره ابن يونس وأثنى عليه، عن آدم بن أبي إياس التميمي، أحد مشايخ البخاري في الصحيح، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي، أبي زيد الكوفي؛ روى له الجماعة، وعن المجالد بن سعيد بن عمير الكوفي، روى له مسلم -مقرونا بغيره- والأربعة. وعن بيان بن بشر الأحمسي البجلي الكوفي المعلم، روى له الجماعة، ثلاثتهم عن عامر الشعبي، عن قَمير -بفتح القاف وكسر الميم- بنت عمرو الكوفية، امرأة مسروق ابن الأجدع، قال العِجْلي: تابعية ثقة. روى لها أبو داود والنسائي. ¬

_ (¬1) كذا "بالأصل، ك" ولعل الصواب: كثيرات.

وأخرجه أبو داود (¬1): مُعَلَّقا، قال: روى عبد الملك بن ميسرة وبيان والمغيرة وفراس ومجالد، عن الشعبي حديث قمير، عن عائشة: "توضئي لكل صلاة". وأخرجه الدارمي في "مسنده" (¬2): أنا جعفر بن عون، أنا إسماعيل، عن عامر، عن قمير، عن عائشة، في المستحاضة: "تنتظر أيامها التي كانت تترك الصلاة فيها، فإذا كان يوم طهرها [الذي] (¬3) كانت تَطَهَّر فيه، اغتسلت ثم توضأت عند كل صلاة، وصلت". الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك وعلي بن شيبة، كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن فِراسٍ -بكسر الفاء- بن يحيى الهمداني الخَارفي الكوفي، وعن بيان بن بشر، كلاهما عن عامر الشعبي، بإسناده نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): نا أبو خالد الأحمر، عن المجالد وداود، عن الشعبي، قال: "أرسلت امرأتي إلى امرأة مسروق فسألتها عن المستحاضة، فذكرت عن عائشة أنها قالت: تجلس أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة". وأخرجه البيهقي (¬5): من حديث شعبة، عن بيان، سمعت الشعبي يحدث، عن قمير، عن عائشة، قالت: "المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها، وتغتسل وتستذفر وتتوضأ عند كل صلاة". ثم قال: ورواه زائدة، عن بيان، وفيه: "ثم تتوضأ لكل صلاة" وهكذا رواه عبد الملك بن ميسرة ومغيرة ومجالد وغيرهم عن الشعبي. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 80) عقب الحديث رقم (300). (¬2) "سنن الدارمي" (1/ 223 رقم 792). (¬3) في "الأصل، ك": التي، والمثبت من "سنن الدارمي". (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 119 رقم 1351). (¬5) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 346 رقم 1524).

وروى داود بن أبي هند وعاصم، عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة: "تغتسل كل يوم مرة". قوله: "فلما" بتشديد الميم. وقوله: "ثبت بجوابها ذلك" جواب "لمَّا". قوله: "وقد رُوي ذلك كله عنها، جملة وقعت حالا، أي: عن عائشة. قوله: "الحكمين الآخرين" بفتح الخاء، وأراد بهما حكم وجوب الغسل عند كل صلاة، وحكم وجوب الجمع بين الصلاتين بغسل. ص: وقد يجوز في هذا وجه آخر: يجوز أن يكون ما رُوي عن النبي - عليه السلام -، في فاطمة بنت أبي حُبَيْش، لا يُخالف ما رُوي عنه في أمر سهلة بنت سُهَيل؛ لأن فاطمة بنت أبي حبيش كانت أيامها معروفة، وسهلة كانت أيامها مجهولة، إلا أن دمها ينقطع في أوقات ويعود بعدها، وهي قد أحاط علمها أنها لم تخرج من الحيض بعد غسلها إلى أن صلت الصلاتين جميعا. فإن كان ذلك كذلك، فإنا نقول بالحديثين جميعًا، فنجعل حكم حديث فاطمة على ما صرفناه إليه، وحكم حديث سهلة على ما صرفناه إليه. وأما حديث أم حبيبة فقد رُوي مختلفا؛ فبعضهم يذكر عن عائشة أن رسول الله - عليه السلام - أمرها بالغسل عند كل صلاة ولم يذكر أقرائها، فقد يجوز أن يكون أمرها بذلك ليكون ذلك الماء علاجا لها, لأنه يُقلِّصُ الدمَ في الرحم فلا يسيل، وبعضهم يرويه عن عائشة: أن النبي - عليه السلام - أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل لكل صلاة. فإن كان ذلك كذلك فقد يجوز أن يكون أراد به ما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا؛ لأن دمها سائل دائم السيلان، وليست صلاة إلا تحتمل أن تكون عندها طاهرا من حيض، ليس لها أن تصليها إلا بعد الاغتسال، فأمرها بالغسل لذلك، فإن كان

هذا هو معنى حديثها، فإنَّا كذلك نقول أيضًا فيمَنْ استمر بها الدم ولم تعرف أيامها، فلما احتملت هذه الآثارُ ما ذكرنا، وروينا عن عائشة من قولها بعد رسول الله - عليه السلام - ما وصفنا، ثبت أن ذلك هو حكم المستحاضة التي تعرف أيامها، وثبت أن ما خالف ذلك مما رُوي عنها عن رسول الله - عليه السلام - في مستحاضةٍ استحاضتُهَا غير استحاضة هذه، أو في مستحاضة استحاضتها مثل استحاضة هذه، إلا أن ذلك على أيَّ المعاني كان، كان فيما رُوي في أمر فاطمة بنت أبي حييش أولى؛ لأن معه الاختيار من عائشة - رضي الله عنها - له بعد النبي - عليه السلام -، وقد علمت ما خالفه وما وافقه من قوله - عليه السلام -. وكذلك أيضا ما رويناه عن علي - رضي الله عنه -[أنها تغتسل لكل صلاة، وما رويناه عنه أنها تجمع بين الصلاتين بغسل، وما رويناه عنه] (¬1) أنها تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة، إنما اختلفت أقواله في ذلك لاختلاف الاستحاضات التي أفتئ فيها بذلك. وأما ما رُوي عن أم حبيبة في اغتسالها لكل صلاة، فوجه ذلك عندنا -والله أعلم-: أنها كانت تتعالج به، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار وهي التي يحتج بها فيه. ش: ملخص هذا الوجه أن يحمل كل حديث ورد في هذا الباب على وجه من الوجوه، فلا يبقى بينها لا تعارض ولا اختلاف، وهذا هو التوفيق فيما بينها, وليس فيه لا نسخ ولانظر إلى التقديم والتأخير. وبيان ذلك كله ظاهر من كلام الشيخ. قوله: "لأنه يقلص الدم" أي: لأن الماء يُجمِّد الدم في الرحم، فلا يُخَلِّيه يسيل، يقال: قَلَصَ الشيء يَقْلِصُ قلوصا: ارتفع، وقلَص وقلَّص، بالتخفيف والتشديد، وتقلَّص، كله بمعنى انضمَّ وانزوى. ¬

_ (¬1) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار" (1/ 106).

قوله: "فإنا كذلك نقول أيضا فيمن استمر بها الدم ولم تعرف أيامها" يعني: نقول بأن تغتسل عند كل صلاة, لأنه لا يأتي عليها وقت إلا احتمل أن تكون فيه حائضا أو طاهرا من حيض أو استحاضة، فتؤمر بالغسل عند كل صلاة؛ احتياطا. قوله: "فأمرها بالغسل لذلك" أي: أمرها بالغسل عند كل صلاة لكون استمرار الدم بها مع الجهل بأيامها. قوله: "فلما احتملت هذه الآثار" أراد بها الآثار التي رُويت في فاطمة بنت أبي حبيش، وسهلة بنت سهيل، وأم حبيبة. قوله: "وروينا عن عائشة من قولها بعد رسول الله - عليه السلام -" أراد به ما روته قَمِير امرأة مسروق عنها، الذي مضى ذكره. قوله: "ثبت ذلك" أي الذي روينا عن عائشة من قولها. قوله: "وأما ما رُوي عن أم حبيبة ... " إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: سلمنا ما قلتم من وجه النظر بين هذه الأحاديث، وما حملتم كل حديث على معنى يليق لحال تلك المستحاضة، فما تقولون في اغتسال أم حبيبة عند كل صلاة في عهد النبي - عليه السلام - كما ورد في رواية عائشة: فكانت هي تغتسل لكل صلاة؟ وتقرير الجواب: أنها إنما كانت تغتسل لكل صلاة تعالُجا به ليتقلص دم رحمها، أو لأنها كان استمر بها الدم، وخفيت عليها أيام قَرْئِها، فحكم مثل هذه المستحاضة أن تغتسل عندكم صلاة. ص: ثم اختلف الذين قالوا: إنها تتوضأ لكل صلاة؛ فقال بعضهم، تتوضأ لوقت كل صلاة، وهو قول أبي حنيفة وزُفَر وأبى يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. وقال آخرون بل تتوضأ لكل صلاة، ولا يعرفون ذكر الوقت في ذلك.

فأردنا نحن أن نستخرج من القولين قولا صحيحا، فرأيناهم قد أجمعوا أنها إذا توضأت في وقت صلاة فلم تصل حتى خرج الوقت، فأرادت أن تصلي بذلك الوضوء، أنه ليس لها ذلك حتى تتوضأ وضوءا جديدا، ورأيناها لو توضأت في وقت صلاة فصَلَّت، ثم أرادت أن تتطوع بذلك الوضوء، كان ذلك لها مادامت في الوقت. فدل ما ذكرنا أن الذي ينقض طُهْرها هو خروجُ الوقت، وأن وضوءها يُوجبُه الوقت، لا الصلاة. وقد رأيناها لو فاتتها صلوات فأرادت أن تقضيهن، كان لها أن تجمعهن في وقت صلاة واحدة، بوضوء واحد، فلو كان الوضوء يجب عليها لكل صلاة، لكان يجب أن تتوضأ لكل صلاة من الصلوات الفائتات، فلما كانت تصليهن جميعها بوضوء واحد، ثبت بذلك أن الوضوء الذي يجب عليها هو لغير الصلاة، وهو الوقت. ش: أراد "بالذين قالوا": أهل المقالة الثالثة، وهم الأئمة الأربعة ومن تبعهم. قوله: "فقال بعضهم" أراد به: أبا حنيفة وأصحابه؛ فلذلك أوضحه بقوله: "وهو قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله-" وهو قول أحمد أيضا في الأصح عنه. قوله: "وقال أخرون" أي: جماعة آخرون، وأراد بهم: الشافعية ومن تبعهم. وأما مذهب مالك، فقد قال ابن حزم في "المحلى" (¬1): وقال مالك: لا وضوء عليها -أي على المستحاضة- في هذا الدم إلا استحبابا لا إيجابا، وهي طاهر ما لم تُحْدِث حدثا آخر. قوله: "من القولين" أراد بهما: قول الحنفية، وقول الشافعية، ثم ذكر ثلاث مسائل متفقا عليها، وقاس عليها مسائل المستحاضة المتنازع فيها، والجامع: كون وجوب الوضوء عليها للوقت لا للصلاة، فافهم. ¬

_ (¬1) "المحلى" (1/ 253).

ص: وحجة أخرى، وهي أَنَّا قد رأينا الطهارات تنتقض بأحداث: منها الغائط، والبول، وطهارات تنتقض بخروج أوقات وهي الطهارة بالمسح على الخفين ينقضها خروج وقت المسافر، وخروج وقت المقيم، وهذه الطهارات المتفق عليها لم نجد فيها ما تنقضها صلاة، وإنما ينقضها حدث، أو خروج وقت، وقد ثبت أن طهارة المستحاضة ينقضها الحدث وغير الحدث، فقال قوم: هذا الذي هو غير الحدث هو خروج وقت. وقال آخرون: هو فراغ من صلاة، ولم نجد الفراغ من الصلاة حدثا في شيء غير ذلك، وقد وجدنا خروج الوقت حدثا في غيره، فأولى الأشياء أن نرجع في هذا الحدث المختلف فيه، فنجعله كالحدث الذي قد أجمع عليه ووجد له أصل، ولا نجعله كما لم يُجمع عليه ولم نجد له أصلا. فثبت بذلك قول مَنْ ذهب إلى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. ش: ملخص هذه الحجة: أنَّ جَعْلَ الفراغ من الصلاة حدثا غيرُ واقع، وجعل خروج الوقت حدثا واقعٌ موجود متفق عليه، فقياس انتقاض وضوء المستحاضة على الأصل الموجود المتفق عليه، أصلى من قياسه على شيء غير واقع، فافهم. قوله: "فقال قوم" أراد بهم: الحنفية. وقوله: "وقال آخرون" أراد بهم: الشافعية. هذا الذي ذكره كله بطريق النظر والقياس، وأما إذا ثبت في الحديث: المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، كان هذا (¬1) مزيدة توكيد للمذهب. وقد قال صاحب "المغني": روي في بعض ألفاظ حديث بنت أبي حبيش: "توضئي لوقت كل صلاة" ثم قال: وحديثهم محمول على الوقت كما قال ¬

_ (¬1) يعني: النظر والقياس الذي ذكره.

النبي - عليه السلام -: "أينما أدركتني الصلاة" أي: وقتها دون فحلها، وحديث حمنة ظاهر في الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد، ألا ترى أنه لم يأمرها بالوضوء بينهما؟ وقال الكاساني (¬1): روى أبو حنيفة بإسناده عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة"، وهذا نص في الباب، وهذا محكم، وقوله - عليه السلام -: "المستحاضة تتوضأ لكل صلاة" محتمل، فيحمل المحتمل على المحكم، توفيقا بين الدليلين، صيانة لهما عن التناقض. ثم إن المستحاضة إذا سأل منها الدم بعد الوضوء فذلك لا يمنع من أداء الصلاة ما بقي الوقت لقوله - عليه السلام -: "وإن قطر الدم على الحصير" وأما إذا سأل من موضع آخر أعاد الوضوء، وإن كان الوضوء باقيا؛ لأن هذا حدث جديد، وإذا أصاب ثوبها من دم الاستحاضة فعليها أن تغسله، والله أعلم بالصواب. ¬

_ (¬1) "بدائع الصنائع" (1/ 28).

ص: باب: حكم بول ما يؤكل لحمه

ص: باب: حكم بول ما يؤكل لحمه ش: أي هذا باب بيان حكم بول مأكول اللحم من الحيوان، وجه المناسبة بين البابين: اشتمال كل منهما على حكم التطهير، على ما لا يخفى. ص: حدثنا أبو بكرة بكَّار بن قتيية، قال: نا عبد الله بن بكر، قال: نا حميد، عن أنس قال: "قدم ناس من عُرَيْنةَ على النبي - عليه السلام - المدينة فاجْتَوَوْها، فقال: لو خرجتم إلى ذوْدٍ لنا فشرِبتم من ألبانها"، قال: وذكر قتادة أنه قد حفظ عنه: "أبوالها". ش: إسناده صحيح، وأخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة، مطولة ومختصرة، فالبخاري (¬1): عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: "قدم ناس من عُكل أو عُرَيْنَةَ فاجتووا المدينة، فأمرهم النبي - عليه السلام - بلقاحٍ وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صَحُّوا قتلوا راعي النبي - عليه السلام -، واستاقوا النَّعم، فجاء الخبر [أول النهار] (¬2) فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسُمِّرَتْ أعيُنُهم، وألقوا في الحَرَّة يستسقون فلا يُسقون. قال أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. ومسلم (¬3): عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن هُشيم واللفظ ليحيى، قال: أنا هشيم، عن عبد العزيز بن صهيب وحميد، عن أنس بن مالك: "أن ناسا من عُرَيْنَه قدموا على رسول الله - عليه السلام - المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول الله - عليه السلام -: "إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها فافعلوا، ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 92 رقم 231). (¬2) ليس في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح البخاري". (¬3) "صحيح مسلم" (3/ 1296 رقم 1671).

فَصَحُّوا، ثم مالوا على الرِّعاء فقتلوهم، وارتدُّوا عن الإِسلام، وساقوا زَوْدَ رسول الله - عليه السلام - فبلغ ذلك النبي - عليه السلام - فبعث في إثرهم، فأُتِيَ بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمَلَ أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا". وأبو داود (¬1): عن سليمان بن حرب .. إلى آخره، نحو رواية البخاري سواء. والترمذى (¬2): عن الحسن بن محمَّد الزعفراني، عن [عفان] (¬3) بن مسلم، عن حماد بن سملة، قال: أنا حميد وثابت وقتادة، عن أنس: "أن ناسا من عُرَينة قدموا المدينة فاجتووْها، فبعثهم النبي - عليه السلام - في إبل الصدقة، وقال: اشربوا من ألبانها وأبوالها". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. والنسائي (¬4): عن محمَّد بن عبد الأعلى، عن يزيد بن زُريع، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا قتادة، أن أنس بن مالك حدثهم: "أن أناسا -أو رجالا- من عُكَل قدِموا على رسول الله - عليه السلام - فتكلموا بالإِسلام، فقالوا: يا رسول الله إنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله - عليه السلام - بذودٍ [وراع،] (¬5)، وأمرهم أن يخرجوا فيها [فيشربوا] (¬6) من ألبانها وأبوالها، فلما صَحُّوا وكانوا بناحية الحرة، كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعِيَ رسول الله - عليه السلام - واستاقوا الذَّوْد، فبلغ النبي - عليه السلام - فبعث الطلب في آثارهم، فأتي بهم، فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، ثم تُركوا في الحرة على حالهم حتى ماتوا". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (4/ 130 رقم 4364). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 106 رقم 72). (¬3) في "الأصل": عثمان، وهو تحريف، والمثبت من "جامع الترمذي". (¬4) "المجتبى" (1/ 158 رقم 305). (¬5) في "الأصل": وراعي، بإثبات الياء، وهي لغة، والمثبت من "المجتبى" وهي اللغة الفاشية. (¬6) في "الأصل، ك": فيشربون، وهي لغة -أيضًا- والمثبت من "المجتبى".

وابن ماجه (¬1): عن أبي بكر بن أبي شيبة ... إلى آخره، نحو مسلم. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، نحو رواية النسائي .. وفي آخره: قال قتادة: "فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (¬3). قوله: "من عُرَيْنَهَ" بضم العين، وفتح الراء، وسكون الياء آخر الحروف، بعدها نون مفتوحة، وهو ابن نذير بن قَسْر بن عَبْقَر بن أَنْمار بن أراش بن عمرو ابن الغوث بن طيئ بن أُدَدَ، وزعم السكريّ أنه عرينة بن عَرِين بن يزيد. وأما عكل فهم خمس قبائل، وذلك أن عوف بن عبد مناة ولد قيسا، فولد قيسُ ابن عوف وائلا وعوانة، فولد وائلٌ عوفا وثعلبة، ويقال لثعلبة: ركبة القلوص، فولد عوف بن وائل الحارث وجُشَما وسعدا وعليّا وقيسا وأمهم بنت ذي اللحية، لأنه كان ثَطا (¬4) بلا لحية، فحضنتهم أمة سوداء يقال لها: عكل -قاله الكلبي- فغلبت عليهم وهم جملة الرباب الذين تحالفوا على بني تميم. قوله: "فاجتووها" أي كرهوها للمرض الذي أصابهم بها، وأصله من الجَوى -بالجيم- وهو داء الجوف إذا تطاول، وقيل: اجتووها: استوْبلوها، ومنهم من فرق بين اجتووا واستوبلوا؛ فجعل استوبلوا: إذا لم يوافقهم وإن أحَبُّوا، واجتووا: كرهوا الوضع وإن وافق. وقال ابن الأثير (¬5): فاجتوو المدينة أي أصابهم الجوى وهو المرض، وداء الجوف ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (2/ 861 رقم 2578) و (2/ 1158 رقم 3503) كلاهما عن نصر بن علي الجهضمي وليس عن أبي بكر بن أبي شيبة، ولعله انتقال نظر من المؤلف. (¬2) "مسند أحمد" (3/ 163 رقم 12690). (¬3) سورة المائدة، آية: [33]. (¬4) الثط: هو القليل شعر اللحية، وقيل: هو الخفيف اللحية والعارضين وقيل: هو أيضًا القليل شعر الحاجبين، انظر "اللسان" (ثط). (¬5) "النهاية": (1/ 318).

إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواها واستوخموها، يقال: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في نعمة. قوله: "إلى ذَوْدٍ": بفتح الذال المعجمة وسكون الواو، وفي آخره: دال مهملة، وهي: الإبل ما بين الثِّنْتَيْنِ إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، واللفظة مؤنثة (¬1)، ولا واحد لها من لفظها كالنَّعم. وقال أبو عُبَيد: الذَّود من الإناث دون الذكور. فإن قيل: كم كان عدد الإبل التي أرسلهم - عليه السلام - إليها ليشربوا ألبانها وأبوالها؟ قلت: جاء في رواية ابن سعد مُصرَّحا أنها خمسة عشر لِقْحَة، على ما ذكره في الطبقات (¬2): وقال: أرسل رسول الله - عليه السلام - في إثرهم كُرْزَ بن جابر الفهري، وعشرون فارسا، وكان العُرَنِيُّون ثمانية، وكانت اللقاح ترعى بذي الجَدْر، ناحيةَ قُبَاء، قريبا من عَيْر، على ستة أميال من المدينة، فلما عَرَوْا على اللِّقاح، أدركهم يَسار مولى النبي - عليه السلام - وكان نُوبِيَّا أصابه رسول الله - عليه السلام - في غزوة محارب، فلما رآه يحسن الصلاة أعتقه - ومعه نفر، فقاتلهم فقطعوا يده ورجْله، وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، ففعل بهم النبي - عليه السلام - كذلك، وأُنْزِلَ عليه {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} (¬3) الآية فلم يَسْمُل بعد ذلك عينا. وكانت اللِّقاح خمس عشرة (¬4) لِقْحَة غِزَارا، ففقد منها لقحة تُسَمَّى الحناء، فسأل عنها فقيل نحروها، وحُمِل يسارُ مَيْتا، ودفنوه بقباء. وقال ابن عقبة: كان أمير السرية سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. فإن قيل: قد جاء في رواية: قال لهم النبي - عليه السلام - "هذه نعم لنا"، وفي رواية: "أنها ¬

_ (¬1) وقد تُذَكَّر، انظر: "الفرق بين المذكر والمؤنث"، لابن الأنباري (72). (¬2) "الطبقات الكبرى" لابن سعد (2/ 93). (¬3) سورة المائدة، آية: [33]. (¬4) في "الأصل، ك" خمسة عشر، تحريف.

لقاح النبي - عليه السلام -" وفي رواية: "أنها إبل الصدقة"، وفي رواية: "ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل النبي - عليه السلام -", فكيف وجه هذه الروايات؟ قلت: طريق الجمع: أن النبي - عليه السلام - كانت له إبل من نصيبه من الغُنْم، وكان يشرب لبنها، وكانت ترص مع إبل الصدقة، فأخبره مرة عن إبله، ومرة عن إبل الصدقة لاجتماعهما في موضع واحد. فإن قيل: ما وجه الترديد في رواية البخاري وغيره: "من عُكْل، أو عُرَيْنَة"، فهل هم كانوا من عكل كما صرح به الطحاوي في روايته، أو كانوا من عرينة، أو كانوا منهم ومنهم؟ قلت: قالوا: إنهم كانوا سبعة: أربعة من عرينة، وقيل: كانوا ثمانية، على ما صرح به ابن سعد في روايته على ما ذكرناه أيضا، وزعم الرشاطي أنهم من غير عرينة التي في قضاعة، وجاء في رواية عبد الرزاق: "كانوا من بني فزارة" وفي كتاب ابن الطلاع (¬1): أنهم كانوا من بني سُليم. وفيه نظر؛ لأن هؤلاء القبيلتين لا يجتمعان مع عرينة. فإن قيل: متى كانت قضية العرنيين؟ قلت: كانت في شوال سنة ست من الهجرة. فإن قيل: قال الطبري (¬2): نا محمَّد بن خلف، نا إسحاق بن حماد، عن عمير ابن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمَّد بن إبراهيم، عن جرير، قال: "قدم قوم من عرينة حفاة، فلما صَحُّوا واشتدوا، قتلوا رعاة اللقاح، ثم خرجوا باللقاح، فبعثني رسول الله - عليه السلام - فلما أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلادهم -إلى أن قال-: فجعلوا يقولون: الماء الماء، ورسول الله - عليه السلام - يقول: النار النار". ¬

_ (¬1) هو أبو عبد الله محمَّد بن الفرج القرطبي المالكي مولى محمَّد بن يحيى بن الطلاع، له كتاب في أحكام النبي، انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء " (19/ 199). (¬2) "تفسير الطبري" (6/ 207).

قلت: هذا مشكل على تقدير صحته؛ لأن إسلام جرير كان في السنة العاشرة، وقضية العرنيين كانت في سنة ست على ما ذكرنا, ولكن ذكر الطبراني في "الأوسط" وابن قانع أن جريرا أسلم قديما، فإن صح ما قالاه فلا إشكال. قوله "سمرت أعينهم" وفي رواية: "سملت" قيل: هما معنى واحد، والراء بدلت من اللام، وقيل اللام للشوك وغيره، وقد تكون بحديدة محماة تُدني من العين. وقد تكون مسمارا لتتفق الروايتان. قوله: "وألقوا في الحرَّة" بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وهي الأرض ذات الحجارة السود، وتجمع علي حَرّ، وحِرَار (¬1) حرّات وحَرين وإحرين، وهو من المجموع النادرة كثُبِين، وقلين في جمع ثبة وقلة، وزيادة الهمزة في أوله بمنزلة الحركة في أرضين وتغيير أول سنين، وقيل: إن واحد إحرين: إحرة (¬2). والحرة هذه أرض بظاهر المدينة، بها حجارة سود كثيرة، وكان بها الوقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية. قوله: "أهل ضْرع" الضَّرْع لكل ذات ظلف أو خُفّ، أراد به أنهم كانوا أهل إبل وغنم. قوله: "ولم نكن أهل ريف" الريف كل أرض فيها زرع ونخل، أرادوا أنهم كانوا من أهل البادية، لا من أهل المدن. ص: حدثنا عبد الله بن محمد بن خُشيش، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: نا حماد بن سلمة، عن ثابت وقتادة وحميد، عن أنس، عن النبي - عليه السلام - مثله وقال: "من أبوالها وألبانها". ش: هذا طريق أخر، وهو أيضا صحيح. وأخرجه الترمذي (¬3) نحوه، وقد ذكرناه. ¬

_ (¬1) حِرَار: ضبطت في "الأصل، ك" بفتح الحاء، وهو تحريف، والتصويب من المعاجم. (¬2) انظر "النهاية في غريب الحديث" (1/ 365). (¬3) "جامع الترمذي" (4/ 281 رقم 1845).

ص: فذهب قوم إلى أن بول ما يؤكل لحمه طاهرٌ وأن حكم ذلك حكم لحمه، وممن ذهب إلى ذلك محمَّد بن الحسن، وقالوا لما جعل ذلك النبي - عليه السلام - دواء لما بهم، ثبت أنه حلال؛ لأنه لو كان حراما لم يُدَاوِهم به؛ لأنه داء وليس شفاء. ش: أراد بالقوم المذكورين: الشعبي وعطاء والنخعي والزهري وابن سيرين والحكَم بن عتيبة والثوري، فإنهم استدلوا بالحديث المذكور على طهارة بول ما يؤكل لحمه وممن ذهب إلى ذلك محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة، والإصطخري والرُّويَانيُّ من أصحاب الشافعي، وإليه ذهب مالك وأحمد. وقال في داود وابن عُليَّة: بول كل حيوان ونَجْوه -وإن كان لا يؤكل- طاهر غير بول الآدمي. ص: كما قال في حديث علقمة بن وائل بن جُحْر؛ حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا يحيى بن حسان، قال: نا حماد بن سلمة (ح). وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن طارق بن سُوَيد الحضرمي، قال: "قلت: يا رسول الله، إن بأرضنا أعنابا نعتصرها أفنشرب منها؟ فقال: لا. فراجعته، فقال: لا. فقلت: يا رسول الله إنا نستشفي بها للمريض، قال: ذاك داء وليس شفاء". ش: إشار به إلى الاستدلال بأن الحرام لا يجوز أن يداوى به، ولو كانت أبوال الإبل ونحوها حراما، لَمَا أمرهم - عليه السلام - أن يتداوو به، والدليل عليه حديث طارق بن سويد، فإنه يدل على أن التداوي بالحرام غير جائز، ألا ترى كيف قال رسول الله - عليه السلام -: "ذاك داء وليس شفاء" حتى قال له طارق: "أنا نستشفي بها للمريض"؟ فلو كانت أبوال الإبل ونحوها حراما؛ لما أمر النبي - عليه السلام - بالتداوي به، فأَمْرُه بذلك دَلَّ على أنه حلال، فيكون طاهرا.

ثم إنه أخرج حديث طارق من طريقين صحيحين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن يحيى بن حسان التنيسي، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل بن حجر الكوفي، عن طارق بن سويد -ويقال: سويد بن طارق- الحضرمي، ويقال: الجُعْفي الصحابي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا بهز وأبو كامل، قالا: ثنا حماد بن سلمة .. إلى آخره نحوه. وأخرجه مسلم (¬2): ولفظه: "أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي - عليه السلام - عن الخمر، فنهاه، أو كره أن يصنعها [قال إنما أصنعها] (¬3) للدواء- فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء". وأخرجه أبو داود (¬4): ولفظه: "أنه سأل النبي - عليه السلام - عن الخمر، فنهاه، ثم سأله فنهاه، فقال: يا نبي الله، إنها دواء. فقال النبي - عليه السلام -: "لا, ولكنها داء". وأخرجه الترمذي (¬5): ولفظه: "أنه شهد النبي - عليه السلام - وسأله سويد بن طارق -أو طارق بن سويد- عن الخمر، فنهاه، فقال: إنا نتداوى بها، فقال رسول الله - عليه السلام - إنها ليست بدواء ولكنها داء". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البُرُلُّسِي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬6): عن زكريا بن يحيى الساجي، عن هُدْبة بن خالد، عن حماد بن سلمة .. إلى آخره نحو رواية أحمد سواء. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (4/ 311 رقم 18809). (¬2) "صحيح مسلم" (3/ 1573 رقم 1984). (¬3) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "صحيح مسلم". (¬4) "سنن أبي داود" (4/ 7 رقم 3873). (¬5) "جامع الترمذي" (4/ 378 رقم 2046). (¬6) "المعجم الكبير" (8/ 323 رقم 8212).

قوله: "أفنشرب منها" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "فراجعته" وفي رواية: "فعادوته" وكذا في رواية أحمد. "نستشفي "أي: نطلب الشفاء بها. ص: وكما قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وغيره من أصحاب النبي - عليه السلام -: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا وهب، قال: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله: "ما كان الله ليجعل في رجس -أو فيما حرم- شفاء". حدثنا حسين بن نصر، قال: نا أبو نعيم، قال: نا سفيان، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: "اشتكى رجل مِنَّا، فَنُعِتَ له السَّكَرُ، فأتينا عبد الله فسألناه، فقال: إن الله -عز وجل- لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا أبو عاصم عن عثمان بن الأسود، عن عطاء، قال: قالت عائشة - رضي الله عنها -: "اللهم لا تشف مَنْ استَشْفى بالخمر". قالوا: فلما ثبت بهذه الآثار أن الشفاء لا يكون فيما حُرِّم على العباد، ثبت بالأثر الأول الذي جعل النبي - عليه السلام - بول الإبل فيه دواء أنه طاهر غير حرام، وقد روي عن النبي - عليه السلام - في ذلك أيضا ما قد حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: نا أسد، قال: نا ابن لهيعة، قال: نا ابن هُبَيرة، عن حنش بن عبد الله، عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذَّرِبة بطونهم". قالوا: ففي ذلك أيضا تثبيت ما وصفناه، أيضا. ش: هذا عطف على قوله: "كما قال في حديث علقمة" أي وكقول عبد الله ابن مسعود وغيره من الصحابة في حرمة الاستشفاء بالحرام. وأخرج في هذا عن ابن مسعود من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي، عن أبي الأحوص عوف بن مالك الكوفي، عن عبد الله.

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): بأتم منه: ثنا أبو خليفة، نا أبو الوليد الطيالسي ومحمد بن كثير، قالا: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص: "أن رجلا أتى عبد الله، فقال: إن أخي مريض، اشتكى بطنه، وإنه نُعِتَ له الخمر، أفأسقيه؟ قال عبد الله: سبحان الله! ما جعل الله شفاء في رجس، إنما الشفاء في شيئين: العسل شفاء للناس، والقرآن شفاء لما في الصدور". قوله: "في رجس" بكسر الراء أي: في نجس، قال ابن الأثير: الرجس القذر، وقد يُعَبَّر به عن الحرام، والفعل القبيح، والعذاب، واللعنة، والكفر، والمراد ها هنا: القذر والحرام. والثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا جرير، عن منصور، عن أبي وائل: "أن رجلا أصابه الصَّفَرُ، فَنُعِتَ له السَّكَرُ، فسُئِل عبد الله عن ذلك، فقال: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". قوله: "فنُعتَ له" أي وصف له "السَّكَرُ"، وهو بفتح السين والكاف، وهو الخمر المعتصر من العنب -قاله ابن الأثير- وقال الجوهري: السَكَرُ: نبيذ التمر. وفي التنزيل {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} (¬3) والسَكَّارُ: النَبَّاذ. قوله: "الصَّفَر" بفتح الصاد والفاء، قال الجوهري: الصَفَّر فيما يزعم العرب: حَيّة في البطن تعض الإنسان إذا جاع، واللدغ الذي يجده عند الجوع من لدغه، ولكن المراد ها هنا ما ذكره ابن الأثير، وهو اجتماع الماء في البطن كما يَعْرِضُ للمُسْتَسْقَى، يقال: ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (9/ 184 رقم 8910). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (5/ 38 رقم 23492). (¬3) سورة النحل، آية: [67].

صُفِرَ فهو مصفور وصفِر صَفَرا فهو صَفِرٌ، والصَّفَر أيضا، دود [يقع] (¬1) في الكبد وشراسيف الأضلاع، فيصفرُّ عنه الإنسان جدّا، وربما قتله. وأخرج في هذا عن عائشة - رضي الله عنها -، عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي عاصم النبيل، الضحاك بن مخلد، عن عثمان بن الأسود بن موسى المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة. وهذا أيضا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن معاوية بن هشام عن أبي ذئب، عن الزهري، أن عائشة - رضي الله عنها - كانت تقول: "مَنْ تداوى بالخمر فلا شَفَاه الله". وأخرج عن ابن عباس مرفوعا، عن الربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن عبد الله بن هُبَيرة الشيباني، عن حنش بن عبد الله أبي رِشْدين الصنعاني، عن عبد الله بن العباس. ورجاله ثقات إلَّا أن في ابن لهيعة مقالا. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3): نا بكر بن سهل، نا عبد الله بن يوسف، نا ابن لهيعة .. إلى آخره، نحوه. قوله: "للذرِبَة بطونهم" من الذَّرَب بالتحريك، وهو الداء الذي يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام، ويَفْسُد فيها فلا تمسكه، يتهال: ذَرِبت معدته، تَذْرَبُ، ذَرَبا: فسدت. قوله: "بطونهم" مرفوع بإسناد الذربة إليه، والذَّرِبَة ها هنا صفة مشبهة، بفتح الذال المعجمة وكسر الراء، تقول: رجل ذَرِبٌ، ومَعِدة ذَرِبَة. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "النهاية" (3/ 36). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (5/ 38 رقم 23498). (¬3) "المعجم الكبير" (12/ 238 رقم 12986).

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أبوال الإبل نجسة وحكمها حكم دمائها, لا حكم لحومها. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف والشافعي وأبا ثور وآخرين كثيرين؛ فإنهم قالوا: أبوال الإبل نجسة وحكمها حكم دمائها في النجاسة، لا حكم لحومها. وقال ابن حزم في "المحلى" (¬1): والبول كله من كل حيوان، إنسان أو غير إنسان، مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه، [ونَجْو كل ما ذكرنا] (¬2) كذلك، أو من طائر، يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه، فكل ذلك حرام كله وشربه، إلَّا لضرورة تداوي أو إكراه، أو جوع أو عطش فقط، وفرضٌ اجتنابه في الطهارة والصلاة، إلَّا ما لا يمكن التحفظ منه إلَّا بحَرَجٍ (¬3)، فهو معفو عنه كونيم الذباب، ونَجْو البراغيث. وقال داود (¬4): بول كل حيوان ونَجْوُه، أكل لحمه أو لم يؤكل فهو طاهر، حاشي بول الإنسان ونجْوه فقط؛ فهما نجسان. ص: وقالوا: أما ما رويتموه من حديث العرنيين فذلك إنما كان للضرورة، فليس في ذلك دليل أنه مباح في غير حال الضرورة؛ لأَنَّا قد رأينا أشياء أُبيحت في الضرورات، ولم تُبَح في غير الضرورات. ش: أي: قال أهل المقالة الثانية مجيبين عما احتج به أهل المقالة الأولى. بيانه: أن ما رويتم من حديث العرنيين كان ذلك لأجل الضرورة، فما أبيح في الضرورة لا يباح في غيرها، كما في لبس الحرير، فإنه حرام على الرجال، وقد ¬

_ (¬1) "المحلى" (1/ 168). (¬2) "ونجو كل ما ذكرنا": كذا بالجيم المعجمة في "الأصل، ك"، وفي "المُحلَّى" (1/ 168): "نحو ما ذكرنا" بالحاء المهملة وهو تحريف. (¬3) في "الأصل، ك"؛ أن لا يخرج، والتصويب من "المحلى". (¬4) "المحلى" (1/ 169).

أبيح لبسه في الجرب، أو للحكة، أو لشدة البرد إذا لم يجد غيره، وله أمثال كثيرة في الشرع. والجواب المقنع في ذلك: أنه - عليه السلام - عرف بطريق الوحي شفاءَهم، والاستشفاء بالحرام جائز عند التيقن بحصول الشفاء؛ كتناول الميتة عند المخمصة، والخمر عند العطش وإساغة اللقمة، وإنما لا يباح مالا يسْتيقن حصول الشفاء فيه. وقال ابن حزم (¬1): صح يقينا أن رسول الله - عليه السلام - إنما أمرهم بذلك على سبيل التداوي من السقم الذي كان أصابهم، وأنهم صحت أجسامهم بذلك، والتداوي منزلة ضرورة؛ وقد قال -عز وجل-: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (¬2)؛ فما اضطُّر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المآكل والمشارب. وقال شمس الأئمة: حديث أنس - رضي الله عنه - قد رواه قتادة عنه: أنه رخص لهم في شرب ألبان الإبل، ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكره في رواية, حميد الطويل عنه، والحديث حكايته حال، فإذا دار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة، سقط الاحتجاج به. ثم نقول: خصَّهم رسول الله - عليه السلام - بذلك؛ لأنه عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، وهو كما خص الزبير - رضي الله عنه - بلبس الحرير لحكة كانت به، وهي القمل، فإنه كان كثير القمل. أو لأنهم كانوا كفارا في علم الله تعالى، ورسوله - عليه السلام - علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الرِّدَّة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس, انتهى. فإن قيل: هل لأبوال الإبل تأثير في الاستشفاء حتى أمرهم - عليه السلام - بذلك؟ قلت: قد كانت إبله - عليه السلام - ترعى الشِّيحَ والقَيْصَوم، وأبوال الإبل التي ترعى ذلك وألبانها تدخل في علاج نوع من أنواع الاستشفاء، فإذا كان كذلك كان ¬

_ (¬1) "المحلى" (1/ 175). (¬2) سورة الأنعام، آية: [119].

الأمر في هذا أنه - عليه السلام - عرف بطريق الوحي كون هذه شفاء، وعرف أيضا مرضهم الذي تُزيله هذه الأبوال، فأمرهم لذلك، ولا يوجد هذا في زماننا، حتى إذا فرضنا أن أحدا عرف مرض شخص بقوة العلم، وعرف أنه لا يزيله إلَّا تناول المحرم، يباح له حينئذ أن يتناوله، كما يباح شرب الخمر عند العطش الشديد، وتناول الميتة عند المخمصة. ص: ورُوِيَت فيها الآثار عن النبي - عليه السلام -: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا همام. (ح). وحدثنا عبد الله بن محمَّد بن خُشيش، قال: حدثنا الحجاج ابن منهال، قال: نا همام، قال: نا قتادة، عن أنس: "أن الزبير وعبد الرحمن ابن عوف - رضي الله عنهما - شَكَوَا إلى النبي - عليه السلام - القمل، فرخص لهما في قميص الحرير في غزاة لهما، قال أنس: فرأيت على كل واحد منهما قميصا من حرير". ش: أي: رُويت في إباحة الأشياء في الضرورات الآثار عن النبي - عليه السلام - ثم بين ذلك بقوله: حدثنا .. إلى آخره. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن حسين بن نصر، عن يزيد بن هارون الواسطي أحد مشايخ أحمد، واحد أصحاب أبي حنيفة، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس. والثاني: عن عبد الله بن محمَّد بن خُشيش -بالمعجمات وضم الأول- عن الحجاج بن منهال، عن همام ... إلى آخره. وأخرجه الجماعة: فالبخاري (¬1): عن محمَّد، عن وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: "رخص النبي - عليه السلام - للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة بهما". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (5/ 2196 رقم 5501).

ومسلم (¬1): عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة؛ أن أنس بن مالك أنبأهم: "أن رسول الله - عليه السلام - رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في القُمُص الحرير في السفر، في حكة كانت بهما، أو وجع كان بهما". وأبو داود (¬2): عن النفيلي، عن عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة .. إلى آخره نحوه، وليس في لفظه: "أو وجع كان بهما". والترمذي (¬3): عن محمود بن غيلان، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل إلى رسول الله - عليه السلام - في غزاة لهما، فرخص لهما في قمص الحرير، قال: ورأيته عليهما". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي (¬4): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، عن سعيد .. إلى آخره، نحو رواية أبي داود. وابن ماجه (¬5): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر، عن سعيد .. إلى آخره، نحو رواية مسلم. قوله: "شَكَوَا" تثنية شكى مثل غَزَوَا في تثنية غزا، ووقع في رواية الترمذي: "شَكَيَا" مثل رَميَا في تثنية رمى، والأصل أن يقال بالواو؛ لأنه من النواقص الواوية تقول: شكوت فلانا، أشكوه شَكْوا وشكاية، وشَكِيَّة وشَكَاة، إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك، فهو مَشْكُوُّ ومَشْكِيُّ، والاسم: الشَّكْوى. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (3/ 1646 رقم 2076). (¬2) "سنن أبي داود" (4/ 50 رقم 4056). (¬3) "جامع الترمذي" (4/ 218 رقم 1722). (¬4) "المجتبى" (8/ 202 رقم 5310). (¬5) "سنن ابن ماجه" (2/ 1188 رقم 3592).

قوله: "في قميص الحرير" وفي رواية غيره: "في قُمُص الحرير" على لفظ الجمع. قوله: "في غزاة لهما" وفي رواية أبي داود ومسلم: "في السفر"، وهذا أعم؛ لتناوله الغَزَاة وغيرهَا. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أباح الحريرَ لمن أباح له لبسه من الرجال للحكة التي كانت، فكان ذلك من علاجها, ولم يكن في إباحته ذلك لهم للعلل التي كانت بهم ما يدل على أن ذلك كان مباحا في غير تلك العلل، فكذلك أيضا ما أباحه رسول الله - عليه السلام - للعُرَنِيِّين للعلل التي كانت بهم، فليس في إباحته ذلك لهم دليل على أن ذلك مباح في غير تلك العلل، ولم يكن في تحريم لبس الحرير ما ينفي أن يكون حلالا في حال الضرورة، فكذلك حُرْمة البول في غير حال الضرورة ليس فيه دليل أنه حرام في حال الضرورة، فثبت بذلك أن قول النبي - عليه السلام - في الخمر: "إنها داء وليس شفاء"، إنما هو لأنهم كانوا يتشفون بها لأنها خمرٌ؛ فذلك حرام، وكذلك قول عبد الله -عندنا-: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" إنما هو لما كانوا يفعلون بالخمر، لأعظامهم إياها, ولأنهم كانوا يعدونها شفاء في نفسها، فقال لهم: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". فهذه وجوه هذه الآثار, فلما احتملت ما ذكرنا ولم يكن فيها دليل على طهارة الأبوال، احتجنا أن نُراجع، فنلتمس ذلك من طريق النظر، فنعلم كيف حكمه؟ فنظرنا في ذلك، فإذا لحوم بني آدم كلُّ قد أجمع أنها لحوم طاهرة، وأن أبوالهم حرام نجسه، فكانت أبوالهم باتفاقهم محكوما لها بحكم دمائهم، لا بحكم لحومهم، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك أبوال الإبل يُحكم لها بحكم دمائها لا بحكم لحومها. فثبت بما ذكرنا أن أبوال الإبل نجسة، فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة: ش: النُّسَخ في هذا الموضع مختلفة، وأحسنها ما كتبناه، وهو ظاهر لا يحتاج إلى البيان.

قوله: "فثبت بذلك أن قول النبي - عليه السلام -، في الخمر: إنها داء وليس بشفاء"، جواب عن حديث طارق بن سويد الحضرمي. وقد طغى ابن حزم فيه (¬1)، قال: إنما جاء من طريق سماك بن حرب، وهو يَقْبلُ التلقين، شهد بذلك شعبة وغيره (¬2)، ثم لو صحَّ لم يكن فيه حجة؛ لأن فيه أن الخمر ليست دواء. ولا خلاف بيننا أن ما ليس دواء، فلا يحل تناوله إذا كان حراما] (¬3) وإنما خالفناهم في الدواء، وجميع الحاضرين لا يقولون بهذا، بل أصحابنا والمالكيون يُبيحون للمختنق شربَ الخمر إذا لم يجد ما يُسيغ أكلته به غيرها، والحنفيون والشافعيون يُبيحونها عند شدة العطش. قوله: "وكذلك قول عبد الله"، جواب عن أثر عبد الله بن مسعود، وهو ظاهر. وذكر ابن حزم في "المحلى" قول ابن مسعود، وجعله حديثا عن النبي - عليه السلام -، فقال: رُوِيَ من طريق جرير، عن [سليمان] (¬4) الشيباني، عن حسان بن المخارق، عن أم سلمة، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" ثم قال: هذا حديث باطل؛ لأن [سليمان] (¬5) الشيباني مجهول (¬6). ¬

_ (¬1) نقل ابن حزم عن شعبة وغيره ثابت: انظر "الميزان" (2/ 423)، فينظر في قول المؤلف: (طغى). (¬2) "المحلى" (1/ 175). (¬3) تكررت في "الأصل". (¬4) في "الأصل، ك": سَلْمَان، وهو في "المحلى" على الصواب. (¬5) سبق تخريجه. (¬6) لم يعلق المصنف على تجهيل ابن حزم للشيباني، وهو من مفاريده في الرجال؛ فالشيباني ثقة حجة، روى له الجماعة، قال ابن عبد البر وهو من شيوخ ابن حزم: "هو ثقة حجة عند جميعهم" انظر: "التهذيب" (2/ 408) وتعليق الشيخ شاكر على كلام ابن حزم في "المحلى" (2/ 176) هـ (2): وإنما المجهول سليمان ابن أبي سليمان الهاشمي، مولى ابن عباس، فكأن ابن حزم خلط بينهما، لما قيل في الشيباني الثقة إنه مولى ابن عباس أيضًا، والصواب كما قال ابن حجر: الأول شيباني الولاء.

قلت: أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬1) وصححه، قال: أنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: نا أبو خيثمة، قال: ثنا جرير، عن الشيباني، عن حسان بن المخارق قال: "قالت أم سلمة: اشتكت ابنة لي، فنبذت لها في كوز، فدخل النبي - عليه السلام - وهو يغل، فقال: ما هذا؟ فقلت: إن ابنتي اشتكت فنبذنا لها هذا، فقال - عليه السلام -: إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام". قوله: "كل قد أجمع" أي: كل واحد من أهل المقالتين. ص: وقد اختلف المتقدمون في ذلك، فمما روي عنهم في ذلك: ما حدثنا حسين بن نصر قال: نا الفِريابيُّ، قال: نا إسرائيل، قال: نا جابر، عن محمَّد بن علي، قال: "لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم، أن يتداوى بها". قال أبو جعفر: فقد يجوز أن يكون ذهب إلى ذلك؛ لأنها عنده طاهرة في الأحوال كلها، كما قال محمَّد بن الحسن، وقد يجوز أن يكون أباح العلاج بها للضرورة إليها، لا لأنها طاهرة في نفسها, ولا مباحة في غير حال الضرورة إليها. حدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفِرْيابيُّ، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: "كانوا يستشفون بأبوال الإبل، لا يرون بها بأسا". فقد يحتمل هذا أيضا ما احتمله قول محمَّد بن علي - رضي الله عنه -. حدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفريابي، قال: أنا سفيان، عن عبد الكريم، عن عطاء قال: "كل ما أكل لحمه فلا بأس ببوله". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا مكشوف المعنى. حدثنا بكر بن إدريس، قال: نا آدم، قال: نا شعبة، عن يونس، عن الحسن: "أنه كره أبوال الإبل والبقر والغنم، أو كلاما هذا معناه". ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (4/ 233 رقم 1391).

ش: أراد بالمتقدمين التابعين؛ فإنهم أيضا اختلفوا في ذلك، أي في حكم بول الإبل ونحوه، هل يجوز به التداوي أم لا؟ وأخرج في ذلك عن أبي جعفر محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - القرشي الهاشمي، المدعو بالباقر، وهو أحد الأئمة الاثنى عشر في اعتقاد الإمامية، سمي باقرا لأنه تَبَقَّر في العلم، أي توسمع، والتَّبَقُّر: التوسع، وهو ممن روى له الجماعة. وإبراهيم النخعيِّ، وعطاءٍ، والحسن البصريِّ. فالأول: عن حسين بن نصر، عن محمَّد بن يوسف الفريابي (¬1) شيخ البخاري، عن إسماعيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي. عن جابر بن يزيد الجعفي، فيه مقال كثير ة فعن أبي حنيفة: ما لقيت -فيمن لقيت- أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأي، إلَّا جاء فيه بأثر. وعن جرير بن عبد الحميد: كان يؤمن بالرجعة. وقال عباس الدُّوري: كان كذابا، ليس بشيء. وعن زائدة: رافضِيّ يشتم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ووثقه آخرون. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر، قال: "لا بأس بأبوال الإبل أن يتداوى بها". والثاني: عن حسين بن نصر، عن الفِرْيابيّ أيضا، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": عبد الله بن يوسف الفريابي، وهذا خطأ فالفريابي هو محمَّد بن يوسف بن واقد أبو عبد الله الفريابي شيخ البخاري، وليس عبد الله بن يوسف انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" وفروعه. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (5/ 56 رقم 23651).

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: "لا بأس أن يستنشق [من] (¬2) أبوال الإبل". والثالث: عن حسين أيضا، عن الفِرْيابى، عن سفيان، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عطاء بن أبي رباح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): عن وكيع، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن عطاء، قال: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله". والرابع: عن بكر بن إدريس، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن يونس ابن أبي إسحاق، عن الحسن. وأخرجه محمَّد بن الحسن في "آثاره" (¬4): أنا أبو حنيفة، نا رجل من أهل البصرة، عن الحسن البصري، أنه قال: "لا بأس ببول كل ذات كرش". قال محمَّد: وكان أبو حنيفة يكرهه ويقول: إذا وقع في وَضُوءٍ أفسدهُ، وإن أصاب الثوب منه شيء ثم صل فيه، أعاد الصلاة. قال محمَّد: ولا أرى به بأسا؛ لا يفسد ماء ولا وضوءا ولا ثوبا. قوله: "أو كلاما هذا معناه" أشار به إلى أن هذا الأثر قد روي عن الحسن بغير هذا اللفظ، على ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬5) قال: نا ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن، قال: "كان يرى أن تغسل الأبوال كلها". نا (¬6) فضيل عن أشعث، عن الحسن: "أنه كان يغسل البول كله، وكان يرخص في أبوال ذات الكروش" -والله أعلم-. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (5/ 56 رقم 23654). (¬2) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "المصنف". (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 109 رقم 1241). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (9/ 259) عن الثوري، عن أبان بن أبي عياش، عن الحسن. (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 109 رقم 1237). (¬6) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 109 رقم 1238).

ص: باب: صفة التيمم كيف هي؟

ص: باب: صفة التيمم كيف هي؟ ش: أي هذا في بيان صفة التيمم كيف هي؛ هل هي ضربة واحدة، أو ضربتان، أو أكثر؟ وكيف ماهية الضرب؟ وأصل التيمم من الأَمِّ، وهو القصد، تقول: أَمَّةُ يَؤُمه أَمّا إذا قصده، ويقال: أَمَّ، وتَأمّم، ويَمّم، وتَيْمّم، بمعنى واحد. ذكره أبو محمَّد في "الكتاب الواعي" وفي "المحكم": وايتمّه. والتيمم أصله من ذلك؛ لأنه يقصد التراب فيتمسح به. وفي "الجامع" عن الخليل: التيمم يجري مجرى التوخي، تقول: تيَمَّمْ أطيبَ ما عندك فأطْعِمْنَا منه، أي: توخَّاه (¬1) وقال الفراء: ولم أسمع: "يَمَمْتُ" بالتخفف، وفي "التهذيب" لأبي منصور: التعمد. قلت: التيمم في اللغة مطلق القصد. قال الشاعر (¬2): ولا أَدْرِي إذا يَمَّمْتُ أَرْضا ... أُريِدُ الْخيرَ أَيُّهُمَا يَلِيني أَأَلْخيرُ الذي أَنَا أَبْتَغِيه ... أَمِ الشَّرُّ الّذي هو يَبتَغِيني وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر، واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة الخبر (¬3). وإنما لم يقل: كتاب صفة التيمم؛ لأن كتاب الطهارة يشمله، فلا يحتاج إلى ذكر الكتاب، وهو نوع من الطهارة فلا يُذكر إلا بالباب. ¬

_ (¬1) توخاه: كذا في "الأصل، ك"، وهي كذلك أيضًا في "عمدة القاري" (2/ 2) ولعل الأظهر: تَوَخَّهُ؛ لأن الفعل المُفسَّر (تيممْ) فعلُ أمرٍ. (¬2) هو المُثَقِّب العبدي، آخر بيتين له من قصيدة من "المفضليات"، رقم (76) و"الحماسة البصرية" رقم (89) وفي المصدرين تخريج الأبيات مفصلًا وقوله: (يممت أرضًا) موافق لرواية "الحماسة"، وفي "المفضليات": (أمرًا). (¬3) في "عمدة القاري": "لاستباحة الصلاة، وإقامة الأمر" وهي أوضح.

ولما فرغ من أحكام الوضوء الذي هو طهارة صغرى، وما يتعلق به، شرع يذكر التيمم الذي هو خَلَفٌ عنه، والخلف أبدا يلي الأصل. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا الوهبي، قال: نا ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن عمار، قال: "كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين نزلت آية التيمم، فضربنا ضربة واحدة للوجه، ثم ضربنا ضربة لليدين إلى المنكبين، ظهرا وبطنا". ش: الوهبي: هو أحمد بن خالد الكندي، ونسبته إلى وهب والد عبد الله بن وهب. وابن إسحاق: هو محمَّد بن إسحاق بن يَسار المدني. والزهري: هو محمَّد بن مسلم الزهري. وعُبَيد الله: هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، الفقيه الأعمى المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكلهم ثقات أئمة أجلاء. وأخرجه أبو داود منقطعا وموصولا: أما المنقطع (¬1): فقد قال: نا أحمد بن صالح، نا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، حدثه عن عمار بن ياسر: "أنه كان يحدث أنهم تمسحوا، وهم مع رسول الله - عليه السلام - بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط، من بطون أيديهم". وإنما قلنا: إنه منقطع؛ لأن عبيد الله بن عبد الله لم يدرك عمارا، قاله الشيخ زكي الدين المنذري. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 86 رقم 318).

وأما الموصول (¬1): فقد قال: نا محمد بن أحمد بن أبي خلف ومحمد بن يحيى النيسابوري -في آخرين- قالوا: نا يعقوب، قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر - رضي الله عنهم -: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَرّس بأولات الجيش ومعه عائشة، فانقطع عِقْد لها من جزع ظفار، فحبس الناسَ ابتغاءُ عقدِها ذلك، حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر - رضي الله عنه - وقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله على رسوله رخصة التطهير بالصعيد بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله - عليه السلام -، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط. وأخرجه النسائي (¬2): أيضا موصولا هكذا. وأخرجه ابن ماجه (¬3): منقطعا وليس فيه: "المناكب". قوله: "للوجه" أي لأجل مسح الوجه. قوله: "إلى المنكبين" تثنية مَنْكِب بفتح الميم وكسر الكاف وهو مجمع عظم العضد والكتف. قوله: "ظهرا وبطنا" منصوبان على التمييز، يعني من حيث الظهر ومن حيث البطن؛ لأن قوله: "لليدين إلى المنكبين" يحتمل أن يكون في ظاهر اليدين إلى المنكبين بدون باطنهما، ويحتمل أن يكون في باطنهما دون ظاهرهما، فلما قال: ظهرا وبطنا زال ذلك الاحتمال. ص: حدثنا ابن أبي داود ومحمد بن النعمان، قالا: نا عبد العزيز بن عبد الله الأوَيْسي، قال، نا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب ... فروي بإسناده مثله. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 86 رقم 320). (¬2) "المجتبى" (1/ 167 رقم 314). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 189 رقم 571).

ش: هذا طريق آخر ورجاله ثقات، عن إبراهيم بن أبي داود البُرُلُّسي ومحمد بن النعمان السقطي، كلاهما عن عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أُوَيْس، القرشي العامري الأُوَيْسي، أبي القاسم المدني، أحد مشايخ البخاري في الصحيح. عن إبراهيم بن سعد الزهري أبي إسحاق المدني. عن صالح بن كيسان أبي محمَّد المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله .. إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري .. إلى آخره. كما أخرجه أبو داود، وقد ذكرناه الآن (¬2). ص: وحدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: أنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أنه أخبره عن أبيه، عن عمار، قال: "تمسحنا مع النبي - عليه السلام - بالتراب، فمسحنا وجوهنا وأيدينا إلى المناكب". ش: هذا طريق آخر عن إبراهيم بن أبي داود، عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء بن عبيد الله بن مخارق البصري، ابن أخي جويرية بن أسماء شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن جويرية بن أسماء بن عبيد، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه عبد الله ابن عتبة ابن مسعود، عن عمار بن ياسر. ورجاله رجال الصحيح، ما خلا إبراهيم. وأخرجه النسائي (¬3): أنا العباس بن عبد العظيم، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن ¬

_ (¬1) "مسندأحمد" (4/ 263). (¬2) سبق تخريجه. (¬3) "المجتبى" (1/ 168 رقم 315).

أسماء، قال: نا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنه أخبره عن أبيه، عن عمار، قال: "تيممنا مع رسول الله - عليه السلام -[بالتراب] (¬1) فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب". قوله: "تمسحنا" أي: تيممنا كما جاء في قوله: "تمسحوا بالأرض" أراد به التيمم، وكما وقع في رواية النسائي: "تيممنا". ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود، قال: نا سعيد بن داود، قال: نا مالك، أن ابن شهاب حدثه، أن عبيد الله -هو ابن عبد الله-[أخبره] (¬2) عن أبيه عن عمار مثله. ش: هذا طريق آخر عن محمَّد بن علي بن داود المعروف بابن أخت غزال، وثقه ابن يونس. عن سعيد بن داود بن سعيد بن أبي زَنْبَر، عن [أبي] (¬3) عثمان المدني، روى عنه البخاري في الصحيح، وضعفه ابن حبان وغيره. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا إبراهيم بن بشار، قال: حدثني سفيان بن عُيينة، قال: نا عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن أبيه، عن عمار، قال: "تيممنا مع النبي - عليه السلام - إلى المناكب". ش: هذا طريق آخر عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي أحد مشايخ أبي داود، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن محمَّد ابن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله، عن أبيه عبد الله بن عتبة، عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه -. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "سنن النسائي". (¬2) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من شرح "معاني الآثار" (1/ 110). (¬3) في "الأصل، ك": "ابن أبي" وهو سبق قلم من المؤلف، والصواب حذف "ابن" فإن أبا عثمان: هي كنية سعيد نفسه، انظر ترجمته في "تهذيب الكمال".

وأخرجه البزار في "مسنده" (¬1): ثنا محمَّد بن عمرو بن العباس الناجي، ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه، عن عمار، قال: "تيممنا مع رسول الله - عليه السلام - إلى المناكب والآباط". ولا تعلم [روى] (¬2) عبد الله بن عتبة، عن عمار إلَّا هذا الحديث. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يزيد بن هارون، قال: أنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمار بن ياسر، قال: "كنا مع النبي - عليه السلام - في سفر، فهلك عقد لعائشة - رضي الله عنها - فطلبوه حتى أصبحوا, وليس مع القوم ماء، فنزلت الرخصة في التيمم بالصُّعُدَات، فقام المسلمون فضربوا بأيديهم إلى الأرض، فمسحوا بها وجوههم، وظاهر أيديهم إلى المنكب، وباطنها إلى الآباط. ش: رجاله ثقات وإسناده منقطع؛ لأن عبيد الله لم يدرك عمارا كما ذكرناه. وأخرجه أبو داود نحوه وقد ذكرناه (¬3)، وابن أبي ذئب: هو محمَّد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب. وأخرج البخاري (¬4)، ومسلم (¬5)، والنسائي (¬6): حديث عائشة في انقطاع العقد، وليس فيه كيفية التيمم. قوله: "في سفر" أراد سفر الحج أو الغزاة، ولكن جاء في بعض ألفاظ الصحيح أنه ضاع عقدها في غزوة المُرَيْسِيع التي كانت فيها قصة الإفك، قال أبو عُبَيد البكري في حديث الإفك: فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاؤه. ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (4/ 239 رقم 1403). (¬2) في "الأصل، ك": "روى عن" وحرف "عن" ليس عند البزار والصواب حذفه. (¬3) سبق تخريجه. (¬4) "صحيح البخاري" (1/ 127 رقم 327). (¬5) "صحيح مسلم" (1/ 279 رقم 367). (¬6) "المجتبى" (1/ 163 رقم 310).

وقال ابن سعد: خرج رسول الله - عليه السلام - إلى المُرَيْسيع يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس. ورجحه أبو عبد الله في "الإكليل" وقال البخاري: عن أبي إسحاق سنة ست، قال البخاري: قال موسى بن عقبة: سنة أربع. واختلفوا متى نزلت آية التيمم؟ فزعم ابن التين أنها نزلت في المريسيع سنة ست، وكذا قاله الإِمام عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن بَزِيزَة في شرح كتاب "الأحكام الصغرى" لأبي محمَّد الإشبيلي وزعم ابن الجوزي أن ابن حبيب قال: سقط عقدها في السنة الرابعة في عزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق سنة ست قصةُ الإفك. قلت: يعارض هذا ما رواه الطبراني (¬1): من أن الإفك قبل التيمم فقال: نا القاسم بن حماد، نا محمد بن حميد الرازي، نا سلمة بن الفضل وإبراهيم بن المختار، عن محمَّد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة قالت: "لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله - عليه السلام - في غزوة أخرى، فسقط أيضًا عقدي، حتى حبس الناس على التماسه وطلع الفجر، فلقيت من أبي بكر ما شاء الله وقال: يا بنية: في كل سفر تكونين عناء وبلاء؟! ليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك ما [علمتٌ] (¬2) لمباركه. قلت: إسناده جيد حسن. وزعم البكري أن سقوطه كان بمكان يقال له: "الصُّلْصُل" بالمهملتين، قيل: وهو الصحيح. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (23/ 121 رقم 159). (¬2) في "الأصل، ك": عمدت وهو تحريف، والمثبت من "معجم الطبراني" ..

وأما الجوهري فكذلك ذكره بالمهملتين، وفي "العباب"، الصُّلْصُل موضع على طريق المدينة، وصُلْصُل ماء قرب اليمامة لبني العجلان، وصلصل ماء في جوف هضبة حمراء، ودَارَةُ صُلْصُل لبني عمرو بن كلاب، وهي بأعلى دارها، ذكر كل ذلك في المهملة (¬1). قوله: "فهلك عقد" أي: ضاع وسقط، وهو من الهلك بالتحريك، وهو الشيء الذي يهوي ويسقط، ولهذا جاءت في رواية أخروى: قالت عائشة: "سقط قلادة لي بالبيداء" وفي رواية: "انقطع عقد لي"، والعِقْدُ بكسر العين وسكون القاف: القلادة، وذكر السفاقسي أن ثمنه كان يسيرا، وقيل: كان ثمنُه اثني عشر درهما، وفيه دلالة على حرمة الأموال الحلال، [وأَلَّا تضاع] (¬2). وذكر ابن مسلمة المالكي في مبسوطه: فيه (جواز) (¬3) حفظ الأموال وإن أدى إلى عدم الماء في الوقت، وعلى هذا يجوز للإنسان سلوك طريق يتيقين فيه عدم الماء طلبا للمال. قوله: "وليس مع القوم ماء" جملة خبرية وقعت حالا. قوله: "فنزلت الرخصة" أراد آية التيمم، وقال أبو بكر بن العربي: هذه مُعْضِلة ما وجدت لدائها من دواء؛ [هما] (¬4) آيتان فيهما ذكر التيمم: في النساء والمائدة فلا نعلم أيتها عنت عائشة - رضي الله عنها - بقولها: "فأنزلت آية التيمم". ¬

_ (¬1) وانظر "معجم البلدان" (2/ 421). (¬2) في "الأصل، ك": الأبضاع، بالباء الموحدة، وقد تقرأ: وألا يُضاع، يعني: المال، وما أثبتنا أظهر. وفي "العمدة" (2/ 7): "ولا يضيعُها" .. (¬3) تكررت في "الأصل، ك". (¬4) ليست في "الأصل، ك"، وأثبتها من "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 441) والعبارة فيه بنحو مما هنا وفي هذا الموضع من "الأصل" غبش في مصورتنا، وانظر "عمدة القاري" (2/ 5).

وقال السفاقسي كلاما طويلا ملخصه: [أن الوضوء] (¬1) كان لازما لهم، وآية التيمم إما المائدة أو النساء، وهما مدنيتان، ولم تكن صلاة قبل إلَّا بوضوء، فلما نزلت آية التيمم لم يُذكر الوضوء لكونه متقدما متلوّا؛ لأن حكم التيمم هو الطارئ على الوضوء وقيل: يحتمل أن يكون نزل أولا أول الآية، وهو فرض الوضوء، ثم نزل عقب هذه الواقعة آية التيمم، وهو تمام الآية وهو: {كُنْتُمْ مَرْضَى أَو} أو: يحتمل أن يكون كان بالسُّنَّة لا بالقرآن، ثم أنزلا معا فعبرت عائشة بالتيمم؛ إذ كان هو المقصود. وقال القرطبي أرادت به آية النساء؛ لأن آيتها لا ذكر فيها للوضوء. قلت: لو رأى هؤلاء ما ذكره أبو بكر الحميدي في "جَمْعِه" في حديث عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ... فذكر الحديث، وفيه فتزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى} الآية إلى قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (¬2) لما احتاجوا إلى الترخص والله أعلم. قوله: "بالصُّعُدات" بضم الصاد والعين جمع: صُعُد وهو جمع صعيد، كطريق وطرق وطرقات، وقيل: هي جمع صُعْدَة، كظُلْمة تجمع على ظلمات. قوله: "إلى الآباط" بمد الهمزة المفتوحة جمع إبط بكسر الهمزة والباء، ويجوز فيه تسكين الباء (¬3). ص: حدثنا ابن أبي داود ومحمد بن النعمان، قالا: ثنا الأُوَيْسيُّ، قال: نا إبراهيم ابن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس - رضي الله عنهم - عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل، ك"، والعبارة في "عمدة القاري" (2/ 5) على الصواب، بدون تكرار. (¬2) سورة المائدة، آية: [6]. (¬3) الوجْه أن يُقال هنا: بسكون الباء، ويجوز فيه كسر الباء، كما هو صنيع "القاموس" و"المعجم الكبير" فسكون الباء هو الأصل، حتى إن "اللسان" أهمل ذكر الكسر، "والمصباح" أنكره.

ش: هذا طريق أخر وهو متصل صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود، عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ونسبته إلى جدِّه أُوَيْس بضم الهمزة. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: قد ذهب قوم إلى هذا، فقالوا: هكذا التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المناكب والآباط. ش: أراد بالقوم: محمَّد بن مسلم الزهري ومن تبعه، وقد قيل: إن هذا المذهب، وهو مذهب الزهري فقط ولم يقل غيره. قلت: نقل ابن بزيزة أن هذا مذهب ابن مسلمة والزهري أيضا، وقال ابن حزم في "المحلى" (¬1): وقد ذهب قوم إلى أن التيمم إلى المناكب، ثم قال: وبه كان يقول عمار والزهري. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فافترقوا فرقتين. فقالت فرقة منهم: التيمم للوجه واليدين إلى المرفقين. وقالت فرقة: التيمم للوجه والكفين. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون؛ وأراد بهم جماهير العلماء، والأئمة الأربعة وأصحابهم فإن أحدا منهم لم يقل إن التيمم إلى الآباط. ثم افترق هؤلاء فرقتين: فقالت فرقة منهم: التيمم للوجه واليدين إلى المرفقين؛ وهو مذهب الأكثرين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول الشافعي ومالك -في رواية- والثوري والشعبي والحسن. وإليه ذهب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عُمَرَ، وابنه سالم بن عبد الله. وقالت فرقة: التيمم للوجه والكفين، وهو مذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر، وعامة أصحاب الحديث. ¬

_ (¬1) "المحلى" (2/ 153).

وعن ابن سيرين: لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة ثانية لكفيه، وثالثة لذراعيه، وعنه: ثلاث ضربات؛ الثالثة لهما جميعا. وفي "القواعد" لابن رشد: روي عن مالك الاستحباب إلى ثلاث، والفرض اثنتان وفي "شرح الأحكام" لابن بزيزة: قالت طائفة من العلماء: يضرب أربع ضربات، ضربتان للوجه، وضربتان لليدين، قال ابن بزيزة وليس له أصل من السنة. وقال أبو عمر (¬1): اختلف العلماء في كيفية التيمم، فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم، وابن أبي سلمة والليث: إلى المرفقين. وقال الأوزاعي: التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين وهما الرُّسْغان، والفرض عند مالك إلى الكوعين، الاختيار إلى المرفقين، وروى عن الأوزاعي -وهو أشهر قوليه-: التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعين، وهو قول عطاء والشعبي في رواية, وبه قال أحمد وإسحاق والطبري، وهو أثبت ما روي في ذلك عن عمار، رواه شقيق، عن أبي موسى، عن عمار ولم يختلف في حديث أبي وائل هذا، وسائر أحاديث عمار مختلف فيها. وحكاه الخطابي عن عامة أصحاب الحديث. وقال الحسن بن حَيّ وابن أبي ليلى: التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومِرفقيه (¬2)، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما في علمي. وفي "المغني" (¬3) لابن قدامة: المسنون عند أحمد التيمم بضربة واحدة، فإن تيمم بضربتين جاز، وقال القاضي: الإجزاء يحصل بضربة، والكمال بضربتين انتهى. ¬

_ (¬1) "التمهيد" (19/ 282) بتصرف واختصار. (¬2) في "الأصل، ك": ورفقيه، خطأ. (¬3) "المغني" (1/ 154).

ويدخل المرفقان في التيمم عند أبي حنيفة والشافعي ومالك، وهو قول ابن عمر وابنه سالم والحسن والشعبي. وعن مالك: التيمم إلى الكوعين: وهو قول الشافعي في القديم، وأحمد في رواية. وعن مالك: أنه في الجنابة إلى الكوعين، وفي الحدث الأصغر إلى المنكبين. ص: فكان من الحجة لهاتين الفرقتيق على الفرقة الأولى: أن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - لم يذكر أن النبي - عليه السلام - أمرهم أن يتيمموا كذلك، وإنما أنزل منها {صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا} (¬1) ولم يبين لهم كيف يتيمموا، فكان ذلك عندهم على كل ما فعلوا في التيمم، لا وقَّت في ذلك وقتا, ولا عضوا مقصودا به إليه بعينه، حتى نزلت بعد ذلك {بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا} (¬2). ش: هذا جواب عن حديث عمار الذي احتج به الزهري ومن تابعه فيما ذهبوا إليه، وهو ظاهر، وهذا يُشعر باعتراف الطحاوي بصحة حديث عمار، فلذلك حمله على هذا المحمل، وصححه أيضا ابن حزم. وقال الترمذي: وضعّف بعض أهل العلم حديث عمار. وفي "التمهيد" (¬3): كُلُّ ما يروى عن عمار في هذا مضطرب مختلف فيه، وأكثر الآثار المرفوعة عنه ضربة واحدة للوجه واليدين خلافه، وإن كان عن أمر فهو منسوخ، وناسخه حديث عمار أيضا: "إنما يكفيك أن تفعل هكذا". فإن قيل: فلو كان عمار حفظ التيمم في أول الأمر، وكان الثاني بعد الأول، كما زعمتم، لما اضطر عمار إلى التمرغ. ¬

_ (¬1) سورة النساء، آية: [43]، والمائدة، آية: [6]. (¬2) سورة المائدة، آية: [6]. (¬3) "التمهيد" (19/ 287) بنحوه.

قلت: إنما أشكل على عمر وعمار لحصول الجنابة، فاعتزل عمر - رضي الله عنه - وتمعك عمار؛ ظنّا منه أن حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر. وعندي جواب حسن عن هذا الحديث، وهو أنهم أجروا اسم اليد على ظاهر الاسم؛ لأن اليد لغة: من رؤوس الأنامل إلى الآباط، ولم يكن عندهم دليل الخصوص، فأجروا الحكم على ظاهره، ولكن قام دليل الإجماع في إسقاط ما وراء المرفقين، فسقط، وما دونهما بقي على الأصل؛ لاقتضاء الاسم إياه، ويؤيده أن التيمم بدل عن الوضوء والبدل لا يخالف المبدل. وقال الكاساني في "البدائع" (¬1): وحديث عمار معارض، والمعارض لا يصلح حجة. وقد قال إسحاق بن إبراهيم قريبا من كلام الطحاوي، وهو أن حديثه "تيممنا مع النبي - عليه السلام - إلى المناكب والآباط" ليس بمخالف لحديث الوجه والكفين؛ لأن عمارا لم يذكر أن النبي - عليه السلام - أمرهم بذلك، وإنما قال: فعلنا كذا وكذا، فلما سأل النبي - عليه السلام - أمره بالوجه والكفين، فانتهى إلى ما عَلَّمه رسول الله - عليه السلام -، والدليل على ذلك ما أفتى به عمار بعد النبي - عليه السلام - في التيمم أنه قال: الوجه والكفين. وقال الشافعي: ذكر عمار تيممهم مع النبي - عليه السلام - إلى المناكب منسوخ عنده؛ لأنه رَوى عنه - عليه السلام - أنه أمر بالتيمم على الوجه والكفين، فإن لم يرو عنه إلَّا تيمما واحدا فاختلف رواته عنه، فتكون رواية ابن الصمَّة التي لم تختلف أثبت، وإذا لم تختلف فأولى أن يؤخذ بها؛ لأنها أوفق لكتاب الله من الروايتين اللتين رويتا مختلفتين، أو يكون إنما سمعوا آية التيمم عند حضور الصلاة، فتيمموا واحتاطوا وأتوا على غاية ما يقع عليه اسم اليد؛ لأن ذلك لا يضرهم، كما لا يضرهم لو فعلوه في الوضوء، فلما صاروا إلى سؤاله - عليه السلام - أخبرهم أنه يجزئهم أقل مما فعلوا. ¬

_ (¬1) "بدائع الصنائع" (1/ 46) بنحوه.

ص: ومما يدل على ما قلنا من ذلك ما: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، حدثه أنه سمع عروة يخبر، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أقبلنا مع النبي - عليه السلام - في غزوة [له] (¬1) حتى إذا كنا بالمعرَّس، قريبا من المدينة، نَعَسْتُ من الليل، وكانت عليَّ قلادة تدعي السِمْط، تبلغ السُّرّةَ، فجعلت أَنْعُسُ، فخرجتْ من عنقي، فلما نزلتُ مع النبي - عليه السلام - لصلاة الصبح، قلت: يا رسول الله، خرَّت قلادتي. فقال للناس: إن أمكم قد ضلّت قلادتها فابتغوها، فابتغاها الناس، ولم يكن معهم ماء، فاشتغلوا بابتغائها إلى أن حضرتهم الصلاة، ووجدوا القلادة، ولم يقدروا على ماء، فمنهم من تيمم إلى الكف، ومنهم من تيمم إلى المنكب، وبعضهم تيمم على (جلده) (¬2) فبلغ ذلك رسول الله - عليه السلام - فأنزلت آية التيمم. ففي هذا الحديث: أن نزول آية التيمم كان بعد ما تيمموا هذا التيمم المختلِف، الذي بعضه إلى المناكب، فعلمنا بتيممهم أنهم لم يفعلوا ذلك إلا وقد تقدم عندهم أصل التيمم، وعلمنا بقولها: "فأنزل الله -عز وجل- آية التيمم" الذي نزل بعد فعلهم هو صفة التيمم، فهذا وجه حديث عمار عندنا. ش: أي: من الذي يدل على ما قلنا من ذلك، أي: من قولنا، فقد يحتمل أن تكون الآية لما أنزلت لم تنزل بتمامها .. إلى آخره. وجه دلالة هذا الحديث على ما قاله، أن نزول آية التيمم كان بعد ما تيمموا تيمما مختلفا في نفسه، من غير أن يحيطوا علما بصفته وكيفيته، ثم لما نزلت آية التيمم علموا صفة التيمم ما هي، وحديث عمار الذي فيه ذكر الآباط والمناكب محمول على هذا المعنى؛ لأنه أخبر عن التيمم الذي وقع منهم قبل نزول آية التيمم، ولهذا روى عمار بعد هذا أن التيمم للوجه والكفين، على ما يجيء إن شاء الله. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "كذا"، وهو تحريف، وستأتي في الشرح على الصواب، والمثبت من "شرح معاني الآثار" (1/ 111). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "شرح معاني الآثار" (1/ 111) جسده.

وجواب آخر عن حديث عمار: أنه لما اختلفت أحاديثه في هذا الباب، واتفقوا أن التيمم إلى المناكب غير ثابت الحكم مع ذلك، على أن عمارا لم يَعْزُ ذلك إلى النبي - عليه السلام - وإنما حكى فعل نفسه، فلم يثبت التيمم إلى المناكب وإن كان له وجه في الاحتمال، وهو أنه جائز أن يكون عمار ذهب في ذلك مذهب أبي هريرة في غَسْلِه ذراعيه في الوضوء إلى إبطيه، على وجه المبالغة فيه، لقول النبي - عليه السلام -: "إنكم الغُرُّ المحجلون من آثار الوضوء، فمن أراد منكم أن تطول غرته فليفعل. فقال أبو هريرة: إني أحب أن أطيل غُرَّتي" (¬1). ثم بقي من أخبار عمار ما عزاه إلى النبي - عليه السلام - الوجه والكفان، ونصف الذراع إلى المرفقين، فكانت رواية من روى إلى المرفقين أولى؛ لوجوه: إحداها: أنه زائد على روايات الآخرين، وخبر الزائد أولى. والثاني: أن آية الوضوء تقتضي اليدين إلى المنكبين، لدخولهما تحت الاسم، ولا يخرج منه شيء إلا بدليل، وقد قامت الدلالة على خروج ما فوق المرفقين، فبقي حكمه إلى المرفقين. والثالث: أن في حديث أبي عامر وجابر والأسلع: التيمم إلى المرفقين من غير اختلاف عنهم في رواياتهم. ثم رجال حديث عائشة - رضي الله عنها - ثقات، غير أن في عبد الله بن لهيعة مقالا. وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب أبو عبد الله المصري، بَحْشَل، ابن أخي عبد الله ابن وهب، روى عنه مسلم وابن جرير الطبري وابن خزيمة. وعمه عبد الله بن وهب. وأبو الأسود عبد الرحمن المدني. وحديث انقطاع العقد حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود، وليس في حديثهم ذكر صفة التيمم. ¬

_ (¬1) "أخرجه مسلم" (1/ 216 رقم 246) بنحوه.

فقال البخاري (¬1): نا عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي - عليه السلام - قالت: "خرجنا مع رسول الله - عليه السلام - في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء -أو بذات الجيش- انقطع عقد لي، فأقام رسول الله - عليه السلام - على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟! أقامت بالناس والنبي - عليه السلام - وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر، ورسول الله - عليه السلام - واضع رأسه على فخذي، فدنا ثم قال: أحبست رسول الله - عليه السلام -، والناس ليسوا على ماء، وليس معهم ماء؟! قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يَطْعَنُنِي بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله - عليه السلام - على فخذي. [فقام رسول الله - عليه السلام -] (¬2) حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله -عز وجل- آية التيمم، فتيمموا فقال أُسَيْد بن حُضَير: مَا هي بأول بركتكم، يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعيرَ، فأصبنا العقد تحته". وفي لفظ: (¬3) استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله - عليه السلام - رجلا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فشكوا ذلك إلى رسول الله - عليه السلام - فأنزل الله تعالى آية التيمم، فقال أسيد لعائشة: جزاك الله خيرا، والله ما نزل بك أمر تكرهينه، إلَّا جعل الله تعالى ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا". وأخرج مسلم الروايتين: الأولى: (¬4) عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك ... إلى آخره. والثانية: (¬5) عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: نا أبو أسامة، وعن أبي كريب، قال: نا ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 127 رقم 327). (¬2) تكررت في "الأصل". (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 128 رقم 329). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 279 رقم 367). (¬5) سبق تخريجه.

أبو أسامة وابن بشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أنها استعارت قلادة من أسماء فهلكت .. إلى، آخره نحوه". وأخرجه النسائي (¬1): عن قتيبة، عن مالك .. إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬2): عن النفيلي، عن أبي معاوية. وعن عثمان بن أبي شيبة، قال: أنا عبدة -المعنى واحد- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "بَعَثَ رسول الله - عليه السلام - أسيد بن حضير وأناسا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي - عليه السلام - فذكروا ذلك له، فأُنزلت آية التيمم" زاد ابن نفيل: "فقال لها أسيد: رحمك الله، ما نزل بك أمر تكرهينه إلَّا جعل الله للمسلمين ولك فيه فرجا". قوله: "في غزوة له" هي غزوة المُرَيْسيع، وقد مَرَّ الكلام فيه مستوفي عن قريب. قوله: "حتى إذا كنا بالمُعَرَّس" بضم الميم وفتح العين والراء المشددة، وهو موضع التعريس، وبه سُمِّيَ مُعَرَّس ذي الحليفة، عرَّس به النبي - عليه السلام - وصلى فيه الصبح، ثم رحل. والتعريس هو النزول في آخر الليل، نزل للنوم والاستراحة، يقال فيه: عَرَّس يُعِّرس تَعْريسا، ويقال فيه: أعرس. فعلى هذا يجوز أن يقال في قوله: "حتى إذا كنا بالمُعْرَس" بضم الميم وسكون العين وفتح الراء المخففة. قوله: "قريبا من المدينه" بيان لقوله "بالمعرس"، وانتصابه على أنه حال منه. قوله: "نَعَسْت" من: نَعَسَ، يَنْعُسُ -من باب نَصَرَ يَنْصُر (¬3) - نُعاسا ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 163 رقم 310). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 86 رقم 317). (¬3) كما في "المصباح"، وهي في "لسان"، بضبط القلم، و"فصيح ثعلب" (1/ 21) شرح الزمخشري و"أدب الكاتب" (625) وغيرها. وفي "القاموس": أنه "كمنع"، وذكر الزمخشري في "شرح الفصيح" أنها لغة بني عامر.

ونعسة، فهو ناعس، ولا يقال: نعسان (¬1)، و [النُّعَاس]، (¬2) الوسن، وأول النوم. قوله: "يدعى السِمْط" بكسر السين وسكون الميم، وهو الخيط ما دام فيه خرز، وإلَّا فهو سلك، وأصله من التسميط وهو التعليق: يقال: سمطت الشيء: علقته على السُّموط، تسميطا، والسُّمُوط: السير الذي يعلق من السرج، وجمعه سماط. قوله: "تبلغ السرة" في محل الرفع على أنه صفة للسمط. قوله: "خرت" أي سقطت، من الخرور، وهو السقوط. قوله: "قد ضلَّت قلادتُها" برفع قلادة، يعني ضاعت، يقال: ضَلَّ الشيء يضل ضلالا، إذا ضاع وهلك، والاسم الضُّلُّ، بالضم. ويجوز نصب القلادة، من قولهم: ضَلَلْتُ الشيءَ، وضَلِلْتُه، إذا جعلته في مكان ولم تدر أين هو، قال الجوهري: وقد ضَلَلْتُ أَضِلّ، قال تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} (¬3) فهذه لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون: ضَلِلْتُ بالكسر أَضِل، وقال: ابن السَّكَيت: أضللت بعيري: إذا ذهب منك، وضللت المسجد والدار، إذا لم تعرف موضعهما. قوله: "فابتغوها" أي: اطلبوها، والابتغاء: الطلب. قوله: "إلى أن حضرتهم الصلاة" أي صلاة الصبح، والألف واللام فيه للعهد، أي: زمن؛ لأن صلاة الصبح قد ذكرت قبلها. ¬

_ (¬1) إلا في كلام العامّة كما في "شرح الفصيح" (1/ 21) وغيره، أو هي لغة قليلة كما في "القاموس" و"المصباح"، وفي "اللسان" عن الفراء: "لا أشتهيها" اهـ وانظر أيضًا: "شرح الفصيح" السابق حاشية المحقق. (¬2) في "الأصل، ك" النعْسان، والصواب المثبت. (¬3) سورة سبأ، آية: [43]، وسورة المائدة، آية: [6].

وها هنا أسئلة: الأول: اختلاف لفظ العِقْد والقلادة، ففي رواية البخاري: "انقطع عقد لي" وكذا في رواية عمار: "فهلك عقد لعائشة"، وهي الرواية التي أخرجها الطحاوي وأبو داود، وكذا في بعض ألفاظ الصحيح: "أنه ضاع عقدها في غزوة المريسيع" وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم: "استعارت من أسماء قلادة"، وفي رواية الطحاوي ها هنا: "وكانت عليّ قلادة"، وهذه كما ترى متضادة. وأجيب بأن القصة واحدة وإنما الرواة تخالف بين العبارات، والقلادة كانت لأسماء، واستعارتها (¬1) منها عائشة فأضفتها إلى نفسها بقولها: "انقطع عقد لي" قاله ابن الجوزي. قلت: والأحسن أن يقال: إن سقوط العقد كان مرتين على ما صرح به الطحاوي في روايته التي ذكرناها في هذا الباب، فكانت قضيتان، فعبرت في الأولى بالعقد، وفي الثانية بالقلادة، وكان أمر العقد في قضية الإفك، وأمر القلادة في قضية التيمم، تشهد عليه بذلك رواية الطبراني. فإن قلت: إذا كان أمر القلادة في قضية التيمم، فكيف عبرت عائشة - رضي الله عنها - بالعقد في قضية التيمم في رواية البخاري وغيره؟ قلت: أطلقت على القلادة عقدا، فتارة عبرت بالعقد، وتارة بالقلادة. الثاني: أن بين قولها "فبعث رسول الله - عليه السلام - رجلا" فوجدها، وبين قوله "فبعثنا البعير فأصبنا العقد تحته"، تناقض حتى قال الداودي: هذا مما لا شك في تضاده، ولا أرى الوهم في ذلك إلَّا في رواية عبد الله بن نمير عن هشام: "فبعث رجلا فوجدها" قال: وحمل إسماعيل بن إسحاق على رواية ابن نمير وجعله تناقضا لحديث مالك. ¬

_ (¬1) في "الأصل": استعادها.

وأجيب بأن الدعوى أنهما قضيتان، فلا تناقض حينئذ على ما لا يخفي. أو يكون المراد من قولها: "بعث رجلا"، يعني أميرا على جماعة، كعادته، فعبر بعض الرواة بأُنَاس، يعني: أسيدا وأصحابه، وبعضهم برجل، يعني: المشار إليه. وقال المهلب بن أبي صفرة: ليس بينهما تناقض؛ لأنه يحتمل أن يكون المبعوث أسيدا فوجدها بعد رجوعه من طلبها، ويحتمل أن يكون النبي - عليه السلام - وجدها عند إثارة البعير، بعد انصراف المبعوثين إليها، فلا يكون بينهما تعارض. الثالث: أن بين رواية الطحاوي هذه وبين رواية مسلم وغيره تناقضا؛ لأن المفهوم من رواية الطحاوي أنهم حين لم يقدروا على الماء تيمموا، منهم من تيمم إلى الكف، ومنهم من تيمم إلى المنكب، ومنهم من تيمم على جلده، ثم بلغ ذلك رسول الله - عليه السلام - فأنزلت آية التيمم. فهذا يدل على أن نزول آية التيمم كان بعد ما تيمموا هذا التيمم المختلف، فَعُلم من هذا أنهم لم يفعلوا ذلك إلَّا وقد تقدم عندهم أصل التيمم، وعلم من قول عائشة: "فأنزل الله آية التيمم"، (أنه هو الذي) (¬1) أنزل بعد فعلهم هو صفة التيمم، على ما ذكره الطحاوي. والمفهوم من رواية مسلم وغيره أنهم صلوا بغير وضوء، وأنهم لما أتوا النبي - عليه السلام - شكوْا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم، فهذه تدل على أنهم لو كان لهم علم متقدم من أصل التيمم ما كانوا صلوا الآن. وأجيب: أن قوله: "صلوا بغير وضوء" لا يستلزم نفي صلاتهم بذاك التيمم المختلف، الذي تقدم علمهم به؛ لأن الوضوء غير التيمم. فإن قيل: يرد هذا ما رواه الطبراني في "الكبير" (¬2): نا يوسف القاضي، نا محمَّد بن ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك" ولعل الصواب: "أن الذي" يحذف: "هو". (¬2) "المعجم الكبير" (23/ 50 رقم 131).

أبي بكر المقدمي، نا حميد بن الأسود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أنها استعارت قلادة من أسماء، فسقطت من عنقها، فذكَرَت ذلك لرسول الله - عليه السلام - فأرسل رجالا يبتغونها، فابتغوها فوجدوها، فحضرت الصلاة، فصلوا بغير طهور، ثم رجعوا إلى رسول الله - عليه السلام - فذكروا ذلك له، فأنزل الله الرخصة. فقال أُسيد بن حضير: جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمؤمنين خيرا". فإن قوله: "بغير طهور" يتناول الماء والتراب. قلت: قوله: "بغير طهور" لا ينافي أصل علمهم بأصل التيمم، ولما كان هذا التيمم المختلف عندهم كلا تيمم؛ لعدم نزول النص حينئذٍ، صاروا كأنهم صلوا بغير طهور، ولما أنزلت آية التيمم، وعرفوا صفته، عرفوا بعد ذلك أنه طهور كالماء عند عدمه، ألا ترى أن تيممهم ذلك لو كان معتبرا معتدّا به قبل نزول الآية، لما سأل عمار - رضي الله عنه - الذي هو أحد من تيمم ذلك التيمم المختلف- رسول الله - عليه السلام - عن صفة التيمم، فسؤاله هذا إنما كان بعد تيممه بذلك التيمم. فإن قلت: هذا التيمم المختلف، هل عملوه باجتهادٍ ورأي من عندهم، أم بالسُّنة؟ قلت: الظاهر أنه كان باجتهاد منهم، فيرجع هذا إلى المسألة المختلف فيها، وهي أن الاجتهاد في عصره - عليه السلام - هل يجوز أم لا؟ فمنهم من جوزه مطلقا، وهو المختار عند الأكثرين، منهم الإِمام. ومنهم من منعه مطلقا. وقالت طائفة: يجوز للغائبين عن الرسول - عليه السلام - وعن نوابه من القضاة والولاة، دون الحاضرين. وجوزه الآخرون للغائبين مطلقا، دون الحاضرين. ومنهم من قال: يجوز إذا لم يوجد من ذلك منع.

الرابع: أن قوله: "فأنزلت آية التيمم" إن كان المراد منه آية الوضوء التي في سورة المائدة، يلزم من ذلك أن يكون الوضوء فُرِضَ حين شُرع التيمم، وليس كذلك، بل الوضوء كان فرضا قبل ذلك، ومنذ افترضت الصلاة بمكة لم تصل صلاة إلا بوضوء مثل وضوئنا اليوم، وهذا ما لا يجهله أحد. وأجيب بأن القرطبي وغيره ذكروا أنها أرادت آية النساء؛ لأن آيتها لا ذكر فيها للوضوء. وقيل: يحتمل أن يكون نزل أولا أول الآية، وهو فرض الوضوء، ثم نزل عند هذه الواقعة آية التيمم، وهو تمام الآية، وهو {كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ} (¬1) أو يْحتمل أن يكون الوضوء كان بالسُّنة لا بالقرآن، ثم أنزلا معا، فعبرت عائشة بالتيمم؛ إِذْ كان هو المقصود. الخامس: أن الجاحظ عمرو بن بحر، ذكر في كتاب "البرهان" أن الأسلع الأعرجي الذي كان يرحل للنبي - عليه السلام - قال للنبي - عليه السلام - يوما: "إني أجنبت وليس عندي ماء، فأنزل الله آية التيمم" على ما يجيء. وأجيب: بأنه ضعيف، ولئن صح فجوابه أنه يحتمل أن تكون قضية الأعرجي (¬2) واقعة في قضية سقوط العقد؛ لأنه كان يخدم النبي - عليه السلام - وكان صاحب راحلته، فاتفق له هذا الأمر عند وقوع قضية سقوط العقد. فإن قيل: قد روى ابن أبي شيبة؛ في "مصنفه" (¬3): عن عبّاد بن العوام، عن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن أبي هريرة: "لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع، فأتيت ¬

_ (¬1) سورة النساء، آية: [43]،، وسورة المائدة، آية: [6]. (¬2) في "الأصل، ك": الأعرج، والمثبت الصواب، نسبة إلى بني الأعرج بن كعب، وانظر: "الإصابة" لابن حجر (1/ 52). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 147 رقم 1689).

النبي - عليه السلام -[فلم أجده، فانطلقت أطلبه، فاستقبلته، فلما رآني عرف الذي جئت له] (¬1) فضرب بيديه ضربة إلى الأرض، فمسح وجهه وكفيه" انتهى. وهذا مشكل لأن إسلام أبي هريرة بعد نزول آية التيمم بزمان؛ لأنه أسلم عام خيبر، وكانت في سبع من الهجرة، ونزول آية التيمم كان في سنة خمس أو ست، على ما بَيَّنَّا من الاختلاف فيه. قلت: استشكلوا هذا، ولم يُجبْ أحد عنه، وقد وقع في خاطري من الأنوار الربانية: أنه لما أسلم، وبلغه آية التيمم وتعلمها، لم يدر كيف التيمم، فسأل النبي - عليه السلام - عنه، فَعَلَّمه إياه، ثم إنه لا أَخْبر به قال: "لما نزلت آية التيمم"، بناء على نزولها فيما مضى، لا في تلك الحالة، فيكون التقدير: لا نزلت آية التيمم وتعلمتها بعد إسلامي، لم أدر كيف أصنع، فسألته - عليه السلام -، فضرب بيديه إلى الأرض فمسح وجهه وكفيه (¬2). ثم إنه يستفاد من الحديث المذكور أحكام: الأول: خروج النساء مع الرجال في الأسفار والغزوات، إذا كان العسكر كثيرا يؤمن عليهن، فإذا كانت له نساء فله أن يُخرج أيتها شاء، ويستحب أن يُقرع بينهن، فمن خرجت قرعتها أخرجها معه، وعند الأئمة الثلاثة القرعة واجبة. الثاني: جواز التيمم بالصعيد الطاهر لكل مسلم، مريض أو مسافر، محدث أو جنب، ولم يختلف فيه علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب. وقد كان عمر بن الخطاب وابن مسعود - رضي الله عنهم - يقولان: الجنب لا يطهره إلا الماء؛ لقوله -عز وجل- {كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ} (¬3)، وقوله: {جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ} (¬4) وذهبا إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله: {كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مصنف ابن أبي شيبة". (¬2) قارن: "فتح الباري" (1/ 518). (¬3) سورة المائدة، آية: [6]. (¬4) سورة النساء، آية: [43].

مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا} (¬1) ولم يتعلق بقولهما أحد من الفقهاء؛ للأحاديث الثابتة في تيمم الجنب. الثالث: استدل بقوله: "فصلوا بغير وضوء" في رواية مسلم وغيره طائفة أن من لم يجد ماء ولا ترابا لا يترك الصلاة إذا حضر وقتها على كل حال، وعن الشافعي أربعة أقوال: أصحها: يجب عليه أن يصلي، ويجب عليه أن يعيد إذا زالت الضرورة. الثاني: لا تجب عليه الصلاة ولكن تستحب، ويجب القضاء سواء صلى أو لم يصل. الثالث: تجب الصلاة ولا تجب عليه الإعادة، وبه قال المزني. والرابع: تحرم عليه الصلاة؛ لكونه محدثا، وتجب عليه الإعادة، وهو قول أصحابنا الحنفية؛ لقوله - عليه السلام -: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (¬2). والجواب عن هذا: أنهم صلوا صلاتهم تلك اجتهادا، والمجتهد يخطئ ويصيب. وقال أبو عمر (¬3): قال ابن خواز منداد: الصحيح من مذهب مالك أن كل من لم يقدر على الماء ولا على الصعيد حتى خرج الوقت، أنه لا يصلي ولا شيء عليه. ورواه المدنيون عن مالك، وهو الصحيح. قال أبو عمر: كيف أقدم على أن جعل هذا صحيحا، وعلى خلافه جمهور السلف، وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين؟! فكأنه قاسه على ما روي عن مالك فيمن كتَّفه الوالي وحبسه، فمنعه من الصلاة حتى خرج وقتها، أنه لا إعادة عليه. ¬

_ (¬1) سورة النساء، آية: [43]، والمائدة، آية: [6]. (¬2) رواه مسلم في "صحيحه" (1/ 204 رقم 224) من حديث ابن عمر. (¬3) "التمهيد" (19/ 275).

ثم قال: والأسير المغلول، والمريض الذي لا يجد من يناوله الماء، ولا يستطيع التيمم، لا يصلي وإن خرج الوقت حتى يجد إلى الوضوء أو التيمم سبيلا. وعن الشافعي روايتان: إحدهما هكذا، والأخرى يصلي، (وأعاد) (¬1) إذا قدر، وهو المشهور عنه، وقال أبو حنيفة في المحبوس في العصر: إذا لم يجد ماء، ولا ترابا نظيفا لم يصل، وإذا وجده صلى. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي والثوري والطبري: يصلي ويعيد. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي: إن وجد المحبوس في العصر ترابا نظيفا صلى وأعاد. وقال زفر: لا يتيمم ولا يصلي وإن وجد ترابا نظيفا؛ بناء على [أصله في] (¬2) أنه لا تيمم عنده في الحضر. وقال ابن القاسم: لو تيمم على التراب النظيف، أو على وجه الأرض، لم يكن عليه إعادة إذا صلى ثم وجد الماء. وقال أبو عمر: أما الذين قالوا: إن من لم يقدر على الماء ولا على الصعيد صلى كما هو وأعاد إذا قدر على الطهارة [فإنهم احتاطوا للصلاة] (2). الرابع: يستفاد منه التيمم في السفر وهو أمر مجمع عليه. واختلفوا في الحضر، فذهب مالك وأصحابه إلى أن التيمم في الحضر والسفر سواء، إذا عدم الماء أو تعذر استعماله لمرض أو خوف شديد، أو خوف خروج الوقت. قال أبو عمر: وهذا كله قول أبي حنيفة ومحمد. ¬

_ (¬1) كذا "بالأصل، ك" وفي "التمهيد" (19/ 276): يعيد. (¬2) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "التمهيد" (19/ 277).

وقال الشافعي لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم، إلَّا أن يخاف التلف. وبه قال الطبري. وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف خروج الوقت. وقال الشافعي أيضا والليث والطبري: إذا عدم الماء في الحضر مع خوف فوت الوقت، الصحيح والسقيم يتيمم ويصلي ويعيد. وقال عطاء بن أبي رباح: لا يتيمم المريض إذا وجد الماء، ولا غير المريض. قلت: قوله وهذا كله قول أبي حنيفة؛ غير صحيح، فإن عنده لا يجوز التيمم لأجل خوف فوت الوقت، كما هو مقرر في كتب أصحابه. الخامس: فيه دليل على أنه ليس للمرء أن ينصرف عن سفر لا يجد فيه ماء، ولا يترك سلوك طريق لذلك، وخشية سلوك ما أباح الله له. السادس: فيه دليل على حرمة الأموال الحلال. السابع: فيه دليل على جواز حفظ الأموال وإن أدى إلى عدم الماء في الوقت. ص: ومما يدل أيضا على أن هذه الآية تنفي ما فعلوا من ذلك، أن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - وهو الذي روى ذلك عن النبي - عليه السلام - قد روي عنه في التيمم الذي عمله بعد ذلك خلاف ذلك، فمنه: ما حدثنا علي بن معبد، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عَزْرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبْزى، عن أبيه: "أن عمار بن ياسر سأل النبي - عليه السلام - عن التيمم، فأمره بالوجه والكفين". ش: أي: ومن جملة الدليل الذي يدل على أن آية التيمم تنفي وترد ما كان الصحابة قد فعلوا من ذلك، أي: من تيممهم إلى الآباط والمناكب، أن عمار بن ياسر وهو الذي روى ذلك الفعل عن النبي - عليه السلام - قد روي عنه أيضا في صفة التيمم الذي عمله بعد ذلك، خلاف ذلك، فدل أن المتأخر ناسخ لما قد كان أولا، كما قد ذكرناه.

وقوله: "أن عمار بن ياسر" في محل الرفع على أنه فاعل "يَدُلّ"، والواو في قوله: "وهو الذي روى" للحال. قوله: "فمنه ما حدثنا" أي فمن الذي دل على نفي ما فعلوا أو لا: حديث عبد الرحمن بن أَبْزى. أخرجه عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن عَزْرة -بفتح العين المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الراء- ابن عبد الرحمن الكوفي الأعور، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى -بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة بعد الزاي المعجمة- عن أبيه، عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، مختلف في صحبته. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أبو داود (¬1): نا محمَّد بن المنهال نا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة، عن عَزْرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بن ياسر قال: "سألت النبي - عليه السلام - عن التيمم، فأمرني ضربة واحدة (بالوجه) (¬2) والكفين". وأخرجه الترمذي (¬3): عن عمرو بن علي الفلاس، عن يزيد بن زيع .. إلى آخره نحوه، وقال: حديث عمار حديث حسن صحيح. فهذا يدل على أن ما كان من رواية عمار التي [فيها] (¬4): "إلى الآباط والمناكب" قد نسخ بهذه الرواية. فإن قيل: كيف تستدلون بهذا على مذهبكم، وهو لا يقتضي إلا أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين؟ ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 89 رقم 327). (¬2) "كذا بالأصل، ك"، وفي "السنن": "للوجه". (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 268 رقم 144). (¬4) في "الأصل، ك": فيه، والصواب المثبت.

قلت: نحن لا نستدل بهذا إلَّا على انتساخ ما كان روى عمار من أن التيمم إلى الآباط والمناكب، وأما كون التيمم بضربتين: ضربة للوجه، وضربة للكفين إلى المرفقين، فبأحاديث غير ذلك على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ذر بن عبد اللهَ يحدث، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أن رجلًا أتي عمر - رضي الله عنه - فقال: إني كنت في سفر، فأجْنَبْتُ، فلم أجد الماء، فقال عمر: لا تصل. فقال عمار: يا أمير المؤمنين أما تذكر أني كنت أنا وإياك في سرية، فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في الزاب، فأتينا النبي - عليه السلام - فأخبرناه، فقال: أما أنت فكان يكفيك، وقال بيديه وضرب بهما، ونفخ فيهما، ومسح وجهه وكفيه". قال أبو جعفر -رحمه الله-: ففعل عمار إذ تمرغ يريد بذلك التيمم، وإن كان ذلك بعد نزول الآية، فإنما كان ذلك منه -عندنا والله أعلم- لأنه عمل على أن التيمم للجنابة غير التيمم للحديث، حتى علمه النبي - عليه السلام - أنهما سواء. ش: أورد هذا الحديث لمعنيين: الأول: أنه ناسخ لما تقدم من التيمم إلى المناكب والآباط. والثانى: أن فعل عمار - رضي الله عنه - أعني: تمرغه لأجل التيمم- إنما كان ذلك منه ظنّا منه أن هذا هو تيمم الجنابة، وأن تيمم الجنابة غير تيمم الحدث، حتى علمه النبي أنهما سواء. وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وأبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي، والحكم هو ابن عتيبة، وذرّ -بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء- بن عبد الله بن زُرارة المُرْهِبِىّ الهمدني، روى له الجماعة.

وأخرجه الجماعة: فقال البخاري (¬1): نا آدم، نا شعبة، ثنا الحكم، عن ذرّ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنَبْتُ فلم أصب الماء، فقال لا تصل. فقال عمار بن ياسر لعمر: أما تذكر أنّا كنا في سفر أنا وأنت؟ فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرتُ ذلك النبي - عليه السلام -، فقال: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بههما وجهه وكفيه". وقال مسلم (¬2): حدثني عبد الله بن هاشم العبدي، قال: نا يحيى -يعني: ابن سعيد القطان- عن شعبة، قال: حدثني الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى، عن أبيه: "أن رجلا أتى - رضي الله عنه - فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء. قال: لا تصل. فقال عمار: أتذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء؟ فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، وقال النبي - عليه السلام -: إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بههما وجهك وكفيك. فقال عمر: أتق الله يا عمار، قال: إن شئت لم أحدث به". قال الحكم: وحدثنيه ابنُ عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، مثل حديث ذر، قال: وحدثني سلمة، عن ذر، في هذا الإسناد، والذي ذكره الحكم، فقال عمر: "نُوليك ما توليت". وقال أبو داود (¬3): حدثنا محمَّد بن كثير العبدي، قال: نا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: "كنت عند عمر، فجاءه رجل فقال: إنا نكون بالمكان [الشهر] (¬4) أو الشهرين، فقال عمر: أما أنا ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 129 رقم 331). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 280 رقم 368). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 88 رقم 322). (¬4) في "الأصل، ك": المشهور، والمثبت من "السنن".

فلم أكن أصلي حتى أجد الماء. قال: فقال عمار: يا أمير المؤمنين، أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأصابتنا جنابة؟ فأما أنا فتمعكت، فأتينا النبي - عليه السلام - فذكرت ذلك له، فقال إنما كان [يكفيك] (¬1) أن تقول هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع، فقال عمر: يا عمار، اتق الله، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت -والله- لم أذكره أبدا، فقال عمر: كلَّا والله، لَنُوَليَنَّكَ من ذلك ما توليت". وأخرجه من طرق كثيرة، وفي بعض طرقه: "ومسح بها وجهه وكفيه إلى المرفقين أو الذراعين". وأخرجه الترمذي (¬2): مختصرا وقال: قال إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحمصي: حديث عمار في التيمم للوجه والكفين حديث صحيح. وأخرجه النسائي (¬3): أيضا بطرق متعددة، مطولة ومختصرة منها ما قال: أخبرنا عمرو بن يزيد، قال: ثنا بهزٌ، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أن رجلا سأل عمر بن الخطاب عن التيمم فلم يَدْر ما يقول، فقال عمار: أتذكر حيث كنا في سرية، فأجنبت، فتمعكت في التراب، فأتيت النبي - عليه السلام - قال: إنما كان يكفيك هكذا، وضرب شعبة يديه على ركبتيه ومسح في يديه، ومسح بهما وجهه وكفيه مرة واحدة". وأخرجه ابن ماجه (¬4): فقال: نا محمَّد بن بشار، نا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم ... إلى آخره نحو رواية مسلم، وليس فيه: "فقال عمر: اتق الله ... " إلى آخره. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك ": يفكيك، وهو سبق قلم، والمثبت من "سنن أبي داود". (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 268 رقم 144). (¬3) "المجتبى" (1/ 169 رقم 317). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 188 رقم 2569).

قوله: "أَمَا تذكر" بفتح الهمزة وتخفيف الميم، تستعمل في الكلام على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف استفتاح بمنزلة "ألا" وتكثر قبل القسم. الثاني: أن تكون بمعنى "حقّا". قوله: "في سرية" وهي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربع مائة، تُبعثُ إلى العدو، وجمعها: السرايا، سموا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم؛ من الشيء السَّريِّ: النفيس، وقيل: سموا بذلك لأنهم يبعثون سرّا وخفية، وليس بالوجه؛ لأن لام السِرِّ: راء، وهذه ياء، فافهم (¬1). قوله: "فأجنبنا" أي صرنا جُنُبا، والجنب يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، والمؤنث، وقد فسرناه فيما مضى مستقصى. قوله: "فتمرغت" أي: تمعكت. قوله: "قال بيديه هكذا" من العرب (¬2) من يجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، ويطلقه على غير الكلام واللسان، فيقول: قال بيده: أي أخذ (¬3)، وقال برجله: أي مشي، وقالت العينان: سمعا وطاعة، أي: أومأت، وقال بالماء على يده: أي قلَّب، وقال بثوبه: أي رفعه، وكل ذلك على المجاز والاتساع. ويقال: "قال" ها هنا بمعنى: ضرب، ولهذا فسره بقوله: "وضرب بهما". وتجيء "قال" بمعنى "أقبل" وبمعنى "مال" و"استراح" و"ضرب" و"غلب" وغير ذلك. قوله: "اتق الله" أي: خَفِ الله فيما ترويه، وتَثَبَّتْ، لعلك نسيت، أو اشتبه عليك الأمر. ¬

_ (¬1) انظر "النهاية" لابن الأثير (2/ 363). (¬2) في "النهاية" لابن الأثير (4/ 124) "العرب تجعل" فعَمَّم، وباقي البحث مأخوذ عنه، وانظر "اللسان" و"القاموس" في نفس المادة. (¬3) في "الأصل، ك": أخذه، والصواب المثبت كما في أصله.

قوله: "إن شئت لم أحدث به" أراد إن رأيت المصلحة في إمساكي عن التحدث به راجحة على مصلحة تحديثي أمسكت، فإن طاعتك واجبة علىَّ في غير معصية. قوله: "كلا والله" كلا ردع وزجر وتنبيه على الخطأ، ومنه قوله تعالى: في {كَلاَّ} بعد قوله: {إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} (¬1) وتجيء بمعنى "حقّا" ومنه قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى} (¬2). ويستفاد منه أحكام: الأول: استدل به من ذهب إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين جميعا. والجواب: أن المراد ها هنا صورة الضرب للتعليم، وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم، وقد أوجب الله غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء، ثم قال في التيمم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (¬3) والظاهر أن اليد المطلقة ها هنا هي المقيدة في الوضوء في أول الآية، فلا يترك هذا الصريح إلا بدلالة [صريحة] (¬4). الثانى: استدل به أبو حنيفة على جواز التيمم من الصخرة التي لا غبار عليها؛ لأنه لو كان معتبرا لم ينفخ في يديه. الثالث: فيه حجة لما كان يذهب إليه عُمَر وعبد الله بن مسعود من أن الجنب لا يطهره إلا الماء، ولكن الأصح أنهما رجعا عن ذلك فإن قيل: إن عمر لم يقنع بقول عمار، حيث قال: "اتق الله يا عمار" فكيف يكون ذلك؟ ¬

_ (¬1) سورة الفجر، آية: [16]. (¬2) سورة العلق، آية: [6]. (¬3) سورة النساء، آية: [43]. (¬4) في "الأصل، ك": صريح.

قلت: لما أخبره عمار عن النبي - عليه السلام - أن التيمم يكفيه، سكت عنه ولم ينهه، فلما لم ينهه علمنا أنه وقع في قلبه تصديق عمار؛ لأن عمارا قال له: "إن شئت لم أذكره" ولو وقع بقلبه تكذيب عمار لنهاه؛ لما كان الله -عز وجل- قد جعل في قلبه من تعظيم حرمات الله، ولا شيء أعظم من الصلاة، وغير متوهم على عمر أن يَسْكت على صلاة تصلى عنده من غير طهارة، وهو الخليفة المسئول عن الأمور، وكان أتقى الناس لربه وأنصحهم له في دينه في ذلك الوقت. الرابع: فيه جواز الاجتهاد في زمن النبي - عليه السلام - فإن عمارا - رضي الله عنه - اجتهد في صفة التيمم، وقد اختلف أهل الأصول فيه، وقد ذكرناه مستوفي. الخامس: في قوله: "إلى نصف الذراع"، في رواية أبي داود، حجة لمالك، حيث يقول: إن التيمم إلى الكوعين. والجواب عنه ما ذكرناه في الوجه الأول. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: أنامبو داود، قال: نا زائدة وشعبة، عن حصين عن أبى مالك، عن عمار، أنه قال: "إلى المفصل" ولم يرفعه. ش: هذا طريق أخر، وهو موقوف، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زائدة بن قدامة، وعن شعبة بن الحجاج، كلاهما عن حُصَيْن -بضم الحاء- بن عبد الرحمن السُلَمي الكوفي، عن أبي مالك، حَبيب بن صُهْبان، عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أنه قال: "إلى المفصل"، يعني في قوله: "بالوجه والكفين". قوله: "ولم يرفعه" أي: الحديث إلى النبي - عليه السلام -. وقال الدارقطني: لم يروه عن حصين مرفوعا غير إبراهيم بن طهمان، وأوقفه شعبة وزائدة وغيرهما. وأخرجه البيهقي (¬1): من حديث حصين، عن أبي مالك، قال: "سمعت عمارا يخطب، فذكر التيمم، فضرب بكفيه الأرض، فمسح بهما وجهه وكفيه" ورواه إبراهيم بن طهمان، عن حصين فرفعه. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 209 رقم 950).

وأخرجه ابن أبى شيبة؛ في "مصنفه" (¬1): وقال: نا ابن إدريس، عن حصين، عن أبي مالك، عن عمار: "أنه تيمم فمسح بيديه التراب، ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه، ولم يمسح ذراعيه". وفيه حجة لمالك إلى الكوعين. ص: حدثنا محمد بن الحجاج، قال: نا علي بن مَعبد، قال: نا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، أن رسول الله - عليه السلام - قال له: "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب الأعمشُ بيديه الأرض ثم نفخهما ومسح بهما وجهه وكفيه". ش: هذا طريق آخر من حديث عبد الرحمن بن أبزى، عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن علي بن معبد بن شداد العَبدي البَصْري نزيل مصر، عن عيسى ابن يونس بن أبي إسحاق السَبيعي، عن سليمان الأعمش، عن سلمة بن كهيل بن حصين الحضرمي الكوفي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة؛ في "مصنفه" (¬2): نا وكيع، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن أبيه: "قال عمار لعمر: أما تذكر [يوم]، (¬3) كنا في كذا وكذا، فأجنبنا، فلم نجد الماء، فتمعكنا في التراب، فلما قدمنا على النبي - عليه السلام - ذكرنا له ذلك، فقال: إنما كان [ويكفيكما]، (¬4) هذا؛ ثم ضرب الأعمشُ بيديه ضربة، ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 147 رقم 1685). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة " (7/ 302 رقم 3692). (¬3) في "الأصل، ك": يوما، والمثبت من "المصنف". (¬4) في "الأصل، ك": يكفيك، والمثبت من "المصنف".

وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا محمَّد بن العلاء، قال: نا حفص، قال: نا الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن ابن أبزى، عن عمار بن ياسر .. بهذا الحديث فقال: "يا عمار إنما كان يكفيك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما على الأخرى، ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعد، ولم يبلغ المرفقين، ضربة واحدة". قوله: "أن تقول هكذا" معناه: أن تضرب بيديك كهذا، وقد مرَّ أن القول يستعمل في جميع معاني الأفعال. وفيه: حجة لأبي حنيفة في عدم اشتراط الاستيعاب، ولمالك في رؤيته إلى الكوعين، ولمن رأى أن التيمم ضربة واحدة. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا شعبة، قال: أخبرني الحكم، عن ذر، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، أن رسول الله - عليه السلام - قال له: "إنما كان يكفيك هكذا، وضرب شعبة بكفيه إلى الأرض وأدناهما من فيه، فنفخ فيهما، ثم مسح وجهه وكفيه". قال أبو جعفر -رحمه الله-: هكذا قال محمَّد بن خزيمة في إسناد هذا الحديث: عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه. وإنما هو عن ذر، عن ابن عبد الرحمن، عن أبيه. ش: هذا الطريق آخرجه النسائي (¬2): ولكن في روايته: عن ذر عن ابن عبد الرحمن ابن أبزى، عن أبيه، عن عمار، وكما أشار إليه الطحاوي بقوله: وإنما هو عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، وابن عبد الرحمن هو سعيد وقد مَرَّ في الروايات المتقدمة. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 88 رقم 323). (¬2) "المجتبى" (1/ 165 رقم 312).

وأما رواية محمَّد بن خزيمة شيخ الطحاوي التي فيها عن ذر، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، بدون ذكر "ابن" فَتُبْتَنَى على صحة قول مَنْ يقول: إن أبزى والد عبد الرحمن صحابي، وهو قول ابن مندة، فإنه جعله من الصحابة، وروى بإسناده عن هشام بن عبيد الله الرازي، عن بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن رسول الله - عليه السلام - "أنه خطب الناس قائما، ثم قال: ما بال أقوام لا يُعَلِّمون جيرانهم، ولا يفقهونهم، ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم ولا ينهونهم" ... الحديث. ورواه إسحاق بن راهويه في "المسند": عن محمَّد بن أبي سهل، عن بكير ابن معروف، عن مقاتل، عن علقمة بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن جده، عن النبي - عليه السلام - بهذا وقد رده أبو نعيم عليه وقال: ذكر ابن مندة أن البخاري ذكره في كتاب "الوحدان", وأخرج له حديث أبي سلمة -عن ابن أبزى- عن النبي - عليه السلام - ولم يقل فيه: عن أبيه. وقال ابن الأثير: أبزى والد عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، ذكره البخاري في"الوحدان"، ولا تصح له صحبة ولا رؤية، ولابنه عبد الرحمن صحبة ورؤية. قلت: وكذا أبو عمر لم يذكر أبزى، وإنما ذكر عبد الرحمن؛ لأنه لم تصح عنده صحبة أبزى، والله أعلم. ومع هذا، ومع الاختلاف في صحبة عبد الرحمن أيضا، ذكره ابن حبان في التابعين، وقال أبو بكر بن أبي داود: لم يحدث ابن أبي ليلى عن التابعين إلَّا عن ابن أبزى، وقال البخاري: له صحبة. وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي - عليه السلام - وصلى خلفه، روى عنه ابناه عبد الله وسعيد. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: أنا شعبة، عن سلمة، قال: سمعت ذرّا يحدث، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، نحوه. قال سلمة: لا أدري بلغ الذراعين أم لا؟.

ش: أشار بهذا إلى بيان قوله: "وإنما هو عن ذر عن ابن عبد الرحمن، عن أبيه". وأخرجه عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل .. إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬1): نا محمَّد بن بشار، قال: نا محمَّد بن جعفر، قال: نا شعبة، عن سلمة، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار بهذه القصة، فقال: "إنما كان يكفيك، وضرب النبي - عليه السلام -[بيده]، (¬2) ثم نفخ فيهما ومسح بها وجهه وكفيه" شك سلمة فقال: لا أدري فيه: "إلى المرفقين"، أو "إلى الكفين". ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا محمَّد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك، عن عبد الرحمن بن أبزى، مثله وزاد: "فمسح بهما يديه إلى أنصاف الذراع". ش: هذا طريق آخر عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار البصري، عن محمَّد بن كثير العبدي البصري، أحد مشايخ البخاري في الصحيح، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك حبيب بن صُهْبان، عن عبد الرحمن بن أبزى، مثله. وأخرجه أبو داود (¬3): عن محمَّد بن كثير العبدي، عن سفيان .. إلى آخره، بأتم منه. وقد ذكرناه عن قريب. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: أنا مؤمل بن إسماعيل، قال: أنا سفيان .. فذكره بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمَّل بن إسماعيل القرشي العدوي البصري، عن سفيان الثوري .. إلى آخره. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 88 رقم 324). (¬2) ليست في "الأصل، ك". واستدركتها من "سنن أبي داود". (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 88 رقم 322).

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فقد اضطرب علينا حديث عمار هذا، غير أنهم جميعا قد نَفَوا أن يكون بلغ المنكين والإبطين، فثبت بذلك انتفاء ما روي عنه في حديث عبيد الله، عن أبيه، أو ابن عباس، وثبت أحد القولين الآخرين، فنظرنا في ذلك فإنا أبو جُهَيْم قد روى عن رسول الله - عليه السلام - أنه يَمَّم وجهه وكفيه، فذلك حجة لمن ذهب إلى أن التيمم إلى الكفين. روى نافع، عن ابن عباس، عن النبي - عليه السلام -: "أنه تيمم إلى مرفقيه" وقد ذكرتُ هذين الحديثين جميعا في باب: "قراءة الجُنُب والحائض". وقد حدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: أنا علي بن معبد، قال: أنا أبو يوسف، عن الربيع بن بدر، قال: حدثني أبي، عن جَدّي، عن أَسْلع التميمي، قال: "كنت مع النبي - عليه السلام - في سفر، فقال لي: يا أَسْلع، قم فأرحل لنا، قلت: يا رسول الله - عليه السلام - أصابتني جنابة بعدك، قال: فسكت عني حتى جبريل - عليه السلام - بآية التيمم، فقال لي: يا أسلع، قم فتيمم صعيدا طيبا، ضربتين: ضربة لوجهك، وضربة لذرعيك، ظاهرهما وباطنهما، فلما انتهينا إلى الماء، قال لي: يا أُسَيْلعُ قُم فاغتسل". فلما اختلفوا في التيمم كيف هو، واختلفت هذه الروايات فيه، رجعنا إلى النظر في ذلك؛ لنستخرج به من هذه الأقاويل قولا صحيحا، فاعتبرنا ذلك فوجدنا الوضوء على الأعضاء التي قد ذكرناها في كتابه، وكان التيمم قد أسقط عن بعضها؛ فأسقط عن الرأس والرجلين، فكان التيمم هو على بعض ما عليه الوضوء، فبطل بذلك قول مَنْ قال: إنه إلى المنكب؛ لأنه لما بطل عن الرأس والرجلين، وهما مما يُوضَّآن، كان أَحْرى أن لا يجب على ما لا يُوَضَّأ. ثم اختُلِف في الذراعين، هل يُؤَمّمان أم لا؟ فرأينا الوجه الذي يُؤَمّم بالصعيد كما يغسل بالماء، ورأينا الرأس والرجلين لا يؤمم منهما شيء، فكان ما سقط التيمم عن بعضه سقط عن كله، وكان ما وجب فيه التيمم، كان كالوضوء سواء؛ لأنه جعل بدلا منه.

فلما ثبت أن بعض ما يغسل من اليدين في حال وجود الماء تيمم في حال عدمه؛ ثبت بذلك أن التيمم في اليدين إلى المرفقين، قياسا ونظرا على ما بَيَّنَّا من ذلك. وهذا قول أبي حنيفة وفي يوسف ومحمد -رحمهم الله-. ش: ملخص هذا الكلام، أن حديث عمار لا يصلح حجة في كون التيمم إلى المرفقين أو الكوعين أو الكفين، كما ذهبت إلى كل واحد طائفة من أهل العلم، وذلك لاضطرابه كما قد رأيت، ولذلك قال الترمذي: وقد ضعف بعض أهل العلم حديث عمار - رضي الله عنه - في التيمم للوجه والكفين، لما رُوِي عنه حديثُ المناكب والآباط. ولكنه يندفع به ما روي عنه في حديث عبيد الله، عن أبيه، عن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، عن عمار. وفي حديث عبيد الله أيضا، عن ابن عباس، عن عمار، المذكورين في أول الباب، اللذين فيهما: "فمسحنا وجوهنا وأيدينا إلى المناكب". وذلك لأنه قد روى عن النبي - عليه السلام - أنه أمر بالتيمم للوجه والكفين، فلا يجوز ذلك إلَّا بعد أن ثبت انتساخ حكم الأول، كما قد ذكرنا، أو ثبت بعد ذلك أحد القولين الآخَرين -بفتح الخاء- وهما قول مَنْ يرى التيمم إلى الكفين، وقول مَنْ يراه إلى المرفقين، ولكن من غير ترجيح أحدهما على الآخر، فلا يتمُّ به الاستدلال أيضا لواحد من الفريقين. فوجدنا حديث أبي الجُهَيْم بن الحارث بن الصمة الأنصاري يُرجّح قول مَنْ يقول التيمم إلى الكفين؛ لأنه ذكر في حديثه أنه - عليه السلام - مسح بوجهه وبيديه، ووجدنا حديث نافع عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يُرجّحُ قول من يقول التيمم إلى المرفقين؟ لأنه ذكر في حديثه أنه تيمم لوجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فتيمم لذراعيه، وقد ذكرهما الطحاوي في باب: قراءة الجنب والحائض. وتكلمنا فيهما بما فيه الكفاية هناك.

وحديث الأسلع أيضا يرجح قول مَنْ يقول إلى المرفقين؛ لأنه ذكر: فيه "ضربة لوجهك وضربة لذراعيك ظاهرهما وباطنهما". فلما وقع هذا الاختلاف باختلاف الروايات، وأخذت كل طائفة برواية، (نحتاج) (¬1) في ذلك إلى النظر ليُسْتَخرج من هذه الأقاويل قولٌ صحيح يوافق القياس والنظر، كما هو الأصل والقاعدة. وفي ذلك قال أبو عمر: لما اختلفت الآثار في كيفية التيمم وتعارضت، كان الواجب في ذلك الرجوع إلى ظاهر الكتاب، وهو يدل على ضربتين، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، قياسا على الوضوء، واتباعا لفعل ابن عمر - رضي الله عنه -. وأشار إلى وجه النظر بقوله: فاعتبرنا ذلك، فوجدنا الوضوء .. إلى آخره. تحريره: أن الوضوء يكون على الأعضاء الأربعة غسلا ومسحا، ثم إن الشارع جعل التيمم بدلا منه عند عدم الماء، وأسقط منه بعض الأعضاء، (الذي أمر به في الأصل، وهو) (¬2) الرأس الرجلان، تيسيرا على عباده، ولئلا يتساوى البدل والمبدل منه، فيكون التيمم على بعض ما عليه الوضوء وهو الوجه واليدان، فيجب أن يكون البدل ها هنا مثل الأصل؛ لئلا يلزم مزية الفرع على الأصل، فبطل حينئذ قول من قال: إن التيمم إلى الآباط والمناكب، وذلك لأنه لما بطل التيمم عن الرأس والرجلين، والحال أنهما مما يجب غسلهما ومسحهما، كان بطريق الأولى أن لا يجب التيمم على ما لا يُوضَّأ، وهو ما وراء المرفقين. ثم بقي الكلام في الذراعين اللذين وقع فيهما الخلاف؛ هل يدخلان تحت التيمم أم لا؟ فرأينا الرأس والرجلين لا يقع عليهما التيمم، فكان ما سقط التيمم عن بعضه ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وهي غير منقوطة، كما يفعل كثيرًا ولعل الصواب: احتجنا .. ، وقد مر في كلام الطحاوي -المشروح- رجعنا، وهو يرجح ما استظهرنا. (¬2) كذا العبارة في "الأصل، ك"، بضمير المفرد المذكر، والمناسب: التي أمر بها ... وهي.

سقط عن كله، وكان ما وجب فيه التيمم كان كالوضوء سواء؛ لأنه جُعِلَ بدلا منه. ولما ثبت أن بعض ما يغسل من اليدين، في حال وجود الماء، يقع عليه التيمم في حال عدم الماء، ثبت بذلك أن التيمم في اليدين إلى المرفقين، قياسا ونظرا على الأصل. قوله: "الأقاويل" جمع: أقوال، جمع: قول، ويجوز أن يكون جمع أُقْووله؟ كأغاليط جمع أغُلوطة. قوله: "مما يُوضَّآن" على صيغة المجهول، أي: مما يدخلان في الوضوء، تحت الغسل والمسح. قوله: "هل يُؤَممان" على صيغة المجهول أيضا، أي: مما يدخلان في التيمم؛ هو من يَمَّمَ يُيَمِّم -بيائين- ويجوز يؤمم بإبدال الثانية همزة، يقال: أمّ وتأمّم ويمّم وتيمّم، كلها بمعنى واحد. قوله: "سواء" بالنصب لأنه حال، معناه: متساويا، أو متساوية، بحسب ما يقتضيه المقام. ثم إنه أخرج حديث الأسلع بن شريك الأعرجي التميمي، خادم النبي - عليه السلام - وصاحب راحلته. عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي. عن علي بن معبد بن شداد الرقي، أحد أصحاب محمَّد بن الحسن، وثقه أبو حاتم. عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، الإِمام المشهور القاضي، أكبر أصحاب أبي حنيفة. عن الربيع بن بدر التميمي السعدي الأعرج، المعروف بعُلَيْلة، قال أبو حاتم: ضعيف ذاهب الحديث، وأبوه بَدْر بن عمرو التميمي السَعْدي قال في "الميزان": لا يدرى حاله وفيه جهالة، وجده هو عمرو بن جراد التميمي، لم أعرف حاله.

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): نا محمَّد بن عبد الله الحضرمي والحسن بن إسحاق التستري قالا: ثنا يحيى الحماني، نا الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، عن الأسلع -رجل من بني الأعرج بن كعب- قال: "كنت أخذم النبي - عليه السلام -فقال لي: يا أسلع، قم أرني كذا وكذا، قلت: يا رسول الله - عليه السلام - أصابتني جنابة، فسكت عني ساعة حتى جاءه جبريل - عليه السلام - بالصعيد التيمم، قال: قم يا أسلع فتيمم، قال: ثم [أراني] (¬2) الأسلع كيف علمه رسول الله - عليه السلام - التيمم، قال: ضرب رسول الله - عليه السلام - بكفيه الأرض ثم نفضهما، ثم مسح بهما وجهه حتى أمرّ على لحيته، ثم أعادهما إلى الأرض، فمسح بكفيه فدلك إحداهما بالأخرى ثم نفضهما، ثم مسح ذراعيه [ظاهرهما وباطنهما] (¬3). وأخرجه الدارقطني (¬4)، وليس فيه ذكر جبريل ولا نزول آية التيمم. وكذلك البيهقي في "سننه" (¬5): وأبو بكر الرقي في "معرفة الصحابة" والجاحظ في كتاب "البرهان". وابن الأثير في كتاب "الصحابة" (¬6)، وابن حزم في "المحلى" (¬7)، ثم قال: رويناه من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عُلَيلة وهو الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، عن الأسلع [وكل] (¬8) من ذكرنا فليسوا بشيء، انتهى. وما قيل: إن بين هذا وبين حديث العِقْد تناقضا، فقد مرَّ جوابه. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (1/ 298 رقم 876). (¬2) في "الأصل، ك": رآني، وهو تحريف، والمثبت من "المعجم الكبير". (¬3) في "الأصل، ك": ظهرهما وبطنهما، والمثبت من "المعجم الكبير". (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 179 رقم 14). (¬5) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 208 رقم 944). (¬6) "أسد الغابة" (1/ 91). (¬7) "المحلى" (2/ 149). (¬8) في "الأصل، ك": فكل، والمثبت من "المحلى" (2/ 150).

فإن قلت: هذا الحديث ضعفه في "النهاية"، فما بال الطحاوي احتج به؟ قلت: الطحاوي إمام، فيمكن أن يكون قد ثبت عنده، ووثَّقَ مَنْ ضَعَّفَهُ غيره. ولئن سلمنا ذلك فليس الاحتجاج بانفراده هو، وإنما أخرجه في معرض شاهد وتابع لغيره طلبا للتأكيد، فافهم. قوله: "فأرحل لنا" من قولهم: رحلتُ البعيرَ أرحُله رَحْلا إذا شددت على ظهره الرحْل من باب: نصح ينصح. قوله: "صعيدا طييا" أي أرضا طاهرة. قال الأصمعي: الصعيد وجه الأرض. فقيل: بمعنى مفعول، أي مصعود عليه، وحكاه ابن الأعرابي، وكذا قاله الخليل وثعلب. وفي "الجمهرة": وهو التراب الذي لا يخالطه رمل ولا سبخ، هذا قول أبي عبيدة. وقيل: هو الظاهر من وجه الأرض. وقال الزجاج في "المعاني": الصعيد وجه الأرض ولا يبالى، كان في الموضع تراب أم لم يكن؛ لأن الصعيد ليس إسما للتراب، إنما هو وجه الأرض، ترابا كان أو صخرا لا تراب عليه، أو غيره، قال تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا} (¬1) فأعلمك أن الصعيد يكون زلقا. وعن قتادة: الصعيد الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر. وقال أبو إسحاق: الطيب: النظيف، وأكثر العلماء على أنه الطاهر، وقيل: الحلال، وقيل: الطيب: ما تستطيبه النفس. ¬

_ (¬1) سورة الكهف، آية: [40].

قوله: "يا أسلع، قم فاغتسل" وقع في بعض النسخ بالتصغير. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن التيمم كما يجوز عند الحدث الأصغر، فكذلك يجوز عند الحدث الأكبر. الثاني: عدم جوازه بغير ما كان من جنس الأرض، ويجوز بكل ما كان من جنس الأرض حتى بالغبار. وقال أبو عمر (¬1): أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز. وعند مالك يجوز بالتراب، والرمل، وبالحشيش، والشجر، والثلج (¬2)، والمطبوخ كالجَصّ والآجر. وقال الثوري والأوزاعي: يجوز بكل ما كان على الأرض حتى الشجر والثلج والجلد. ونقل النقاش عن ابن عُليَّة وابن كيسان جوازه بالمسك والزّعفران. وعن إسحاق: منعه بالسباخ. ويجوز عند أبي حنيفة بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر الأملس المغسول، والجصّ والنُّورة والزرنيخ والكحل والكبريت والتوتيا، والطين الأحمر والأسود والأبيض، والحائط المطين والمجصَّص، والياقوت والزبرجد والزمرد والفيروزج والمرجان والأرض النديّة والطين الرطب. وفي "البدائع": يجوز بالملح الجبلي. وفي "قاضي خان": لا يجوز على الأصح، ولا يجوز بالزجاج، ويجوز بالآجر في ظاهر الرواية. وشرط الكرخي أن يكون مدقوقًا. وفي "المحيط": لا يجوز بمسبوك الذهب والفضة، ويجوز بالمختلط بالتراب، إذا كان التراب غالبًا، وبالخزف، إذا كان من ¬

_ (¬1) "التمهيد" (19/ 290). (¬2) قال ابن عبد البر في "التمهيد" (19/ 289): واختلفت الرواية عنه -أي مالك- في التيمم على الثلج، فأجازه مرة، ومنع منه أخرى.

طين خالص. وفي المرغيناني: يجوز بالذهب والفضة والحديد والنحاس وشبهها ما دام على الأرض. وذكر الشاشي في "الحلية": لا يجوز التيمم بتراب خالطه دقيق، أو (جص) (¬1) وحكى وجه آخر أنه يجوز إذا كان التراب غالبًا. ولا يصح التيمم بتراب استعمل في التيمم، وعند أبي حنيفة يجوز، وهو وجه لبعض أصحابنا. ومذهب الشافعي وأحمد: لا يجوز إلا بالتراب الذي له غبار. في "المغني" لابن قدامة (¬2): قال الأوزاعي: الرمل من الصعيد، وقال حماد بن أبي سليمان: لا بأس أن يتيمم بالرخام. وعن أحمد في رواية في السَّبَخَة والرمل: أنه يجوز التيمم به. فإن دق الخزف والطين المحترق لم يجز التيمم به، فإن ضرب بيده على لِبْد أو ثوب أو الجوالق أو البرذعة، أو في الشعير، فعَلِق بيديه غبار فتيمم به جاز. نص أحمد على ذلك كله. وإذا خالط التراب ما لا يجوز التيمم به كالنُّورة والزرنيخ والجص، قال القاضي: حكمه حكم الماء إذا خالطته الطاهرات، إن كانت الغلبة للتراب جاز، وإن كانت الغلبة للمخالط لم يَجُزْ (¬3). وقال ابن عقيل: يُمْنع وإن كان قليلًا. وهو مذهب الشافعي. وإذا كان في طين لا يجد ترابا، فحكى (¬4) عن ابن عباس أنه قال: يأخذ الطين فيطلي به جسده، فإذا جف تيمم به. وإن خاف ذوات الوقت قبل جفافه فهو كالعادم. وإن لطخ وجهه بطين لم يجز (¬5)؛ لأنه لا يقع عليه اسم الصعيد. الثالث: أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة للذراعين. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": جبص. (¬2) "المغني" (1/ 326). (¬3) في "الأصل، ك": لم يجزه، والمثبت من "المغني" (1/ 327)، وهو المناسب لقوله أولًا: "جاز". (¬4) في "الأصل، ك": يُحكى، والمثبت من "المغني". (¬5) لم يجز: كذا في الأصل، وفي "المغني": لم يُجْزِه.

الرابع: دخول المرفقين فيه، من قوله: "ظاهرهما وباطنهما"؛ لأن المرفق داخل في حكم الذراع. الخامس: أن الجنب إذا تيمم وصلى، ثم وجد الماء يغتسل، فإن ذلك يرفع تيممه. ص: وقد روي في ذلك عن ابن عمر وجابر - رضي الله عنهم -. حدثنا يونس، قال: أنا علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، قال: "سألت ابن عمر عن التيمم، فضرب بيديه إلى الأرض ومسح بهما يديه ووجهه وضرب ضربة أخرى فمسح بهما ذراعيه". حدثنا علي بن شيبة، قال: أنا محمَّد بن عبد الله الكُنَاسِي، قال: نا عبد العزيز ابن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر مثله. حدثنا رَوح بن الفرج، قال: نا سعيد بن كثير بن عُفَيْر، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن هشام بن عروة، عن نافع، عن ابن عمر، مثله. حدثنا يونس قال: نا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع: "أن عبد الله بن عمر أقبل من الجرف، حتى إذا كان بالمزبد تيمم صعيدًا طييًا، فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى". ش: أي قد روي في أن التيمم في اليدين إلى المرفقين عن عبد الله ابن عمر وجابر - رضي الله عنهم -، فأخرج عن ابن عمر من أربع طرق صحاح كلها موقوفة. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن علي بن معبد بن شداد، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن نافع. وأخرج البيهقي (¬1) من حديث عبيد الله وغيره، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يقول: التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة للكفين إلى المرفقين". ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 207 رقم 941).

الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى الأسدي الكوفي الكُنَاسِي، بضم الكاف وفتح النون - نسبة إلى كُنَاسة- وهو لقب أبيه عبد الله، ويقال لابنه: أبي كناسة أيضًا، عن عبد العزيز بن أبي رَواد ميمون بن بدر المكي، عن نافع. الثالث: عن روح بن الفرج القطان، عن سعيد بن كثير بن عُفَير بن مسلم بن عمار المصري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن هشام بن عروة، عن نافع. الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع. وأخرجه مالك في "موطئه" (¬1) عن نافع: أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجرف، حتى إذا كانا بالمِرْبد، نزل عبد الله فتيمم صعيدًا طيبًا، فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن ابن عُليَّة، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر تيمم في مربد الغنم، فقال بيديه على الأرض فمسح بهما [وجهه]، (¬3)، ثم ضرب بهما على الأرض ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين". ورواه الدارقطني (¬4) مرفوعًا أيضًا، وقال: نا أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل الفارسي، نا عبد الله بن الحسين بن جابر، ثنا عبد الرحيم بن مطرف، ثنا علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - قال: "التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين". كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعًا، ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب. ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 56 رقم 121) (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 146 رقم 1673). (¬3) في "الأصل، ك": وجه، والمثبت من "المصنف". (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 180 رقم 16)

قوله: "من الجُرُف" بضم الجيم والراء، وهو اسم موضع قريب من المدينة، وأصله ما تجرفه السيول من الأودية و"الجَرْف" بفتح الجيم وسكون الراء: أخذك الشيء عن وجه الأرض بالمجرفة. وزعم الزبير أن الجُرُف على ميل من المدينة، وقال ابن إسحاق على فرسخ، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزو. وزعم ابن قرقول أنه على ثلاثة أميال إلى جهة الشام، به مال عمر وأموال أهل المدينة، وتعرف ببئر جُشم وبئر الجمل (¬1). قوله: "بالمِرْبَد" بكسر الميم وفتح الباء، من ربد بالمكان إذا أقام فيه، وربده إذا حبسه، وأراد به الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم، وبه سمى مِرْبَد البصرة والمدينة. والمربد أيضًا الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف، كالْبَيْدَر للحِنطة. وزعم ابن قرقول: أن المربد على ميلين من المدينة، وقال السفاقسي: رويناه بفتح الميم، وهي في اللغة بكسرها. وفي "المحكم": المربد: مَحْبس الإبل، وقيل: هي خشبة أو عصًا تعترض صدور الإبل فتمنعها من الخروج. ومربد البصرة من ذلك؛ لأنهم يحبسون فيه الإبل. والمربد: فضاء وراء البيوت [يُرْتَفَقُ] (¬2) به، والمربد كالحجرة في الدار، ومربد التمر: جَرِينة الذي يوضع فيه بعد الِجذاذ ليَيْبَس، قال سيبويه: هو اسم كالمطبخ، وإنما مثل به لأن الطبخ [يُيبِّسُ] (¬3)، وقال السهيلي: المربد والجَرِين والمِسْطح والبَيْدر والأَنْدَر والجرجاذ لغات بمعنى واحد. ¬

_ (¬1) انظر معجم البلدان (2/ 128). (¬2) في "الأصل، ك": برهق، والمثبت من "اللسان"، وفي "العمدة" (2/ 14): ترتفق، وطبعته -تصوير بيروت عن المنيرية- كثيرة التحريف، لا يوثق بها. (¬3) في "الأصل، ك": يُيَبَّسُ، غير مستقيمة اللفظ، وفي "اللسان": " .. لأن الطبخ تَيْبِيس"، والكلام في "عمدة القاري" -أيضًا- لكنه محرف تحريفًا فاحشًا!!

وقال محمَّد بن سلمة: إنما تيمم ابن عمر بالمربد؛ لأنه خاف فوت الوقت. لعله يريد فوات الوقت المستحب، وهو أن تصفَرَّ الشمس. فإن قيل: قال البخاري في "جامعه" وأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف، فحضرت العصر بمِرْبَد الغنم، فصلى، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يُعِدْ. قلت: قوله: "والشمس مرتفعه" يحتمل أن تكون مرتفعة عن الأفق، والصفرة دخلتها. ويحتمل أن يكون ظَنَّ أنه لا يدخل المدينة حتى يخرج الوقت، فتيمم على ذلك الاجتهاد. وعن ابن القاسم: "من رجا إدراك الماء في آخر الوقت، فتيمم في أوله وصلى أجزأه، ويُعيد في الوقت استحبابًّا". فيحتمل أن يكون ابن عمر كان يرى هذا. وقال سحنون في شرح "الموطأ": كان ابن عمر على وضوء؛ لأنه كان يتوضأ لكل صلاة، فجعل التيمم عند عدم الماء عوضًا من الوضوء. وقيل: كان ابن عمر يرى أن الوقت إذا دخل حل التيمم، وليس عليه أن يؤخر لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (¬1). وقال عبد العزيز ابن بُزيزة: الحاضر الصحيح يَعْدِم الماء، هل يتيمم أم لا؟ قالت طائفة: يتيمم، وهو مذهب ابن عمر وعطاء والحسن، وجمهور العلماء. وقال قوم من العلماء: لا يتيمم. وعن أبي حنيفة: يُستحب لعادم الماء، وهو يرجوه، أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، ليقع الأداء بأكمل الطهارتين. وعن محمَّد: إن خاف فوت الوقت يتيمم. وفي شرح الأقطع: التأخير، عن أبي حنيفة ويعقوب حَتْم. كأنه يشُير إلى ما رواه الدارقطني (¬2) من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: "إذا أجنب الرجل في السفر تَلَوَّمَ ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء، تيمم وصلى". ¬

_ (¬1) سورة النساء، آية: [43]، وسورة المائدة، آية: [6]. (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 186 رقم 5).

ولفظ البيهقي (¬1): "اطلب الماء حتى يكون آخر الوقت، فإن لم تجد الماء تَيَمَّمْ، ثم صَلِّ". قال ابن حزم (¬2): وبه قال سفيان بن سعيد وأحمد بن حنبل وعطاء. وقال مالك: لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت. وقال مرة: إن أيقن بوجود الماء قبل خروج الوقت آخَّره إلى وسط الوقت، وإن كان موقنًا أنه لا يجد الماء حتى يخرج الوقت فليتيمم في أول الوقت ويصلي، وعن الأوزاعي: كل ذلك سواء. وعند مالك إذا وجد الحاضر الماء في الوقت هل يعيد أم لا؟ فيه قولان في "المدونة"، وقيل: إنه يعيد أبدًا. قلت: مَنْ صلى بالتيمم، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت، لا إعادة عليه؛ لما روى أبو داود في "سننه" (¬3): نا محمَّد بن إسحاق المُسَيَّبيِّ، قال: نا عبد الله بن نافع، عن الليث بن سَعْد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: "خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء. فتيمما صعيدًا طيبًا، فصليا. ثم وَجَدَا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله - عليه السلام -[فذكرا] (¬4) ذلك له فقال للذي لم يُعِد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين". وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسفيان وإسحاق والشعبي، وقال عطاء وطاوس وابن سيرين ومكحول والزهري: يعيد الصلاة. واستحبه الأوزاعي ولم يوجبه. فإن قيل: قال أبو داود: ذكرُ أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ، هو مرسل. ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 233 رقم 1041). (¬2) "المحلى" (2/ 120). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 93 رقم 338). (¬4) في "الأصل، ك": "فذكروا"، والمثبت من "السنن".

قلت: أسنده أبو الوليد الطيالسي، عن الليث، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. وقال أبو علي بن السكن: تفرد به أبو الوليد ولم يُسْنِد عميرة غير هذا الحديث. وأخرجه الحكم (¬1) مسندًا وقال: صحيح على شرطهما، فإن ابن نافع ثقة، وقد وصل هذا الإسناد عن الليث، وقد أرسله غيره. وقال الطبراني في "الأوسط" (¬2): لم يروه متصلًا إلا ابن نافع، تفرد به المسيَّبي. وقال الدارقطني (¬3): تفرد به ابن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلًا، وخالفه ابن المبارك وغيره، فلم يذكروا أبا سعيد. فإن قيل: قال ابن القطان: عميرة مجهول الحال. قلت: ليس كذلك؛ لأن النسائي لما ذكره في التمييز، قال: ثقة، وقال ابن يونس: كانت له عبادة وفضل، وقال ابن بكير: هو ثقة. وسئل أحمد بن صالح عنه وعن ابن شريح، فقال: هما متقاربان في الفضل، وذكره ابن حبان في الثقات. ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: نا أبو نعيم، قال: نا عَزْرَة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "أتاه رجل فقال أصابتني جنابة، وإنني تمعكت في التراب، فقال: أَصرْتَ حمارًا؟! فضرب بيديه إلى الأرض فمسح وجهه، ثم ضرب بيده إلى الأرض فمسح بيديه إلى المرفقين، وقال: هكذا التيمم". ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعَزْرَةَ -بفتح العين المهملة، وسكون الزاي المعجمة وفتح الراء- وأبو الزبير محمَّد بن مسلم بن تدْرُس المكي. وأخرجه الدارقطني (¬4): عن محمَّد بن مخلد وإسماعيل بن علي وعبد الباقي بن ¬

_ (¬1) "مستدرك الحاكم" (1/ 286 رقم 632). (¬2) "المعجم الأوسط" (2/ 235 رقم 1842) (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 188 رقم 1). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 182 رقم 23).

قانع، كلهم عن إبراهيم الحربي، عن أبي نعيم، عن عزرة ... إلى آخره نحوه، وليس في روايته: "أصرت حمارًا". وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن وكيع، عن عَزْرَة ... إلى آخره. ورواه الدارقطني (¬2) مرفوعًا أيضًا: نا محمَّد بن مخلد وإسماعيل بن علي وعبد الباقي ابن قانع، قالوا: نا إبراهيم بن إسحاق الحربي، ثنا عثمان بن محمَّد الأنماطي، نا حرميُّ بن عمارة، عن عَزْرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - عليه السلام -، قال: "التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين". وأخرجه البيهقي (¬3) مرفوعًا أيضًا. وأخرجه الحكم (¬4): من حديث [إبراهيم بن] (¬5) إسحاق الحربي نحوه، وقال هذا إسناد صحيح، وقال الذهبي أيضًا: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته. قوله: "تمعكت" أي تمرغت. ص: وقد روي مثل ذلك عن الحسن: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن قَتَادة، عن الحسن، أنه قال: "ضربة للوجه والكفين، وضربة للذراعين إلى المرفقين". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج بن المنهال، قال: أنا أبو الأشهب، عن الحسن، مثله، ولم يَقُل: "إلي المرفقين". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 147 رقم 1688). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 181 رقم 21). (¬3) "السنن الكبرى" (1/ 207 رقم 943). (¬4) "مستدرك الحاكم" (1/ 288 رقم 638). (¬5) سقط من "الأصل"، والمثبت من "المستدرك".

ش: أي: قد روي عن الحسن البصري مثل ما روي عن ابن عمر وجابر. وأخرجه بطريقين صحيحين: أولهما: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن قَتَادَة. الثاني: عن محمَّد، عن حجاج، عن أبي الأَشْهب جَعْفر بن حَيَّان الأسدي السَعْدي العُطاردي البصري الخزَّاز الأعمى، عن الحسن. وروى الدارقطنى (¬1): ثنا القاضيان الحسن بن إسماعيل وأبو عمر محمَّد بن يوسف، قالا: نا إبراهيم بن هانئ، نا موسى بن إسماعيل، نا أبان، قال: "سئل قَتَادَةُ عن التيمم في السفر، فقال: كان ابن عمر يقول: إلى المرفقين، وكان الحسن وإبراهيم النخعي يقولان: إلى المرفقين". وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن الثوري، عن يونس، عن الحسن، وقاله: عن معمر عن الحسن أيضًا، قال: "مرة للوجه، ومرة لليدين إلى المرفقين" انتهى. قلت: وروي عن إبراهيم وطاوس وسالم والشعبي وسعيد ابن المسيب نحوه. فروى محمَّد عن أبي حنيفة، قال: نا حماد، عن إبراهيم، في التيمم قال: "تضع راحتيك في الصعيد فتمسح وجهك، ثم تضعهما الثانية فتمسح يديك وذراعيك إلى المرفقين" قال محمَّد وبه نأخذ. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): نا ابن مهدي، عن زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين". ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 182 رقم 24). (¬2) مصنف عبد الرزاق (1/ 212 رقم 820). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 146 رقم 1681).

نا ابن عُلَية (¬1) عن أيوب، قال: "سألت سالمًا عن التيمم، قال: فضرب بيديه على الأرض (¬2) ضربة أخرى فمسح بهما يديه إلى المرفقين". نا ابن عُليَّة، عن داود، عن الشعبي، قال: "التيمم ضربة للوجه ولليدين إلى المرفقين". نا أبو داود الطيالسي (¬3)، عن حماد، عن قَتَادةَ، عن ابن سيرين وصالح أبي الخليل أنهما قالا: "التيمم الوجه والكفان". وقال سعيد بن المسيب وابن عمر: "الوجه والذراعان". وروي عن أبي أمامة وعائشة مرفوعًا. أما حديث أبي أمامة: فأخرجه الطبراني (¬4) بإسناده إليه، عن النبي - عليه السلام -، قال: "التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين". وفي إسناده جعفر بن الزبير، قال شعبة: وضع أربع مائة حديث. وأما حديث عائشة فأخرجه البزار (¬5) بإسناده عنها، عن النبي - عليه السلام -، قال في التيمم: "ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"، وفي إسناده الحَرِيشُ بن حُرَيْث، ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة والبخاري. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 146 رقم 1674). (¬2) كذا في "الأصل، ك" و"المصنف"، ولعله قد وقع ها هنا سقط ولعل موضعه: "ضربة فمسح بهما وجهه ثم ضرب". (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 47 رقم 1672). (¬4) "المعجم الكبير" (8/ 245 رقم 7959). (¬5) عزاه له الهيثمي في "المجمع" (1/ 263)، وانظر "نصب الراية" (1/ 151).

ص: باب: غسل يوم الجمعة

ص: باب: غسل يوم الجمعة ش: أي: هذا باب في بيان حكم الغسل يوم الجمعة. والمناسبة بين البابين أن ما قبله طهارة صغرى وهذا طهارة كبرى. و"الجُمُعة" بضم الجيم والميم، وسكون الميم أيضًا، مشتقة من اجتماع الناس للصلاة، قاله ابن دُرَيْد. وقال غيره: بل لاجتماع الخليقة فيه وكمالها. وفي "المطالع": وروي عن النبي - عليه السلام - أنها إنما سميت بذلك لاجتماع آدم فيه مع حواء، يعني في الأرض. ص: حدثنا محمَّد بن علي بن محرز، قال: نا يعقوب بن إبراهيم، قال: نا أبي، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن طاوس، قال: قلت لابن عباس: "ذكروا أن النبي - عليه السلام - قال: اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنُبَا، وأصيبوا من الطيب. فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أعلمه". حدثنا ابن أبى داود، قال: نا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبى حمزة، عن الزهري، قال: قال طاوس، قلت لابن عباس ... ثم ذكر مثله. حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو عاصم النبيل، قال: أنا ابن جريج، عن إبراهيم بن مَيْسرة، عن طاوس، عن ابن عباس ... مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن محمَّد بن علي بن محرز البغدادي، وثقه ابن يونس وابن الجوزي. عن يعقوب بن إبراهيم المدني. عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. عن محمَّد بن إسحاق المدني.

عن محمَّد بن مسلم الزهري. عن طاوس بن كيسان اليماني. وأخرجه البزار في "مسنده": عن الفضل بن سهل، عن يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن ابن إسحاق ... إلى آخره نحوه. الثانى: عن إبراهيم بن أبي داود، عن أبي اليمان الحكم بن نافع البَهْراني، عن شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي الحمصي، عن الزهري عن طاوس ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (¬1): عن أبي اليمان ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي. الثالث: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عاصم النَّبِيل، بفتح النون وكسر الباءالموحدة، من النبالة، وهي الفضل، من: نَبُل -بضم عين الفعل- فهو نَبيل، واسمه: الضحاك بن مَخْلَد. عن عبد الملك ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس. وأخرجه مسلم (¬2): عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق، قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس: "أنه ذكر قول النبي - عليه السلام - في الغسل يوم الجمعة، قال طاوس: فقلت لابن عباس: ويَمسّ طيبًا أو دهنًا إن كان عند أهله؟ قال: لا أعلمه". قوله: "جُنبًا" منصوب على أنه خبر "إن لم تكونوا" وقد ذكرنا أن الجنب يطلق على الواحد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث. قوله: "وأصيبوا" أي: مِن: أَصَاب يُصِيب. [إصابة] (¬3) وكلمة "مِن" في: "مِن الطيب" للتبعيض، والطِيب ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 302 رقم 844). (¬2) "صحيح مسلم" (2/ 582 رقم 848). (¬3) تكررت في "الأصل".

اسم لما يُتَطَيَّب به حتى الماء فإنه يطلق عليه الطيب كما ورد في الحديث: "فإن الماء طيب" (¬1)، وسيجيء ذكره إن شاء الله تعالى. وذلك لأن الطَيِّب في اللغة خلاف الخبيث، يُقال: طاب الشيء يطيب طِيبه وتَطيابَّاَ. وفي العُباب: وطِيبًا أيضًا. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: أنا عفان بن مسلم، قال: نا شعبة، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثَّاب، قال: "سمعت رجلًا سأل ابن عمر عن الغسل يوم الجمعة، فقال: أمرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". حدثنا فهد، قال: نا أبو نعيم، قال: نا إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن نافع وعن يحيى بن وثاب، قالا: سمعنا ابن عمر يقول: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول ذلك. حدثنا ابن مرزوق، قال: نا أبو داود، قال: نا شعبة، عن الحكم أنه سمع نافعًا يحدث، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - بذلك. حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن الزهري عن حديث سالم بن عبد الله، عن عبد الله، عن حديث رسول الله - عليه السلام - بذلك. حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام -، بذلك. حدثنا ابن أبي داود، قال: نا سليمان بن حرب، قال: أنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - بذلك. حدثنا أبو بكرة، قال: نا إبراهيم بن أبي الوزير، قال نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - بذلك. ¬

_ (¬1) أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 116)، والروياني في "مسنده" (1/ 241 رقم 350)، وأبو يعلى في "مسنده" (3/ 221 رقم 1659) كلهم من حديث البراء بن عازب، وسيأتي في هذا الكتاب قريبًا.

حدثنا عبد الرحمن بن الجارود أبو بشر البغدادي، قال: نا ابن أبي مريم، قال: نا الليث بن سعد، قال: حدثني ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي - عليه السلام - بذلك. ش: أخرج حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - من ثمان طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن يحيى بن وثاب الأسدي ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا حجاج، أنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت يحيي بن وثاب: "سألت ابن عمر عن الغسل يوم الجمعة، قال: أمرنا به رسول الله - عليه السلام -". الثانى: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو السبيعي، عن نافع، وعن يحيى بن وثاب، كلاهما عن ابن عمر - رضي الله عنهما -. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا شريك وأبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "مَنْ أتى الجمعة فليغتسل". نا (¬3) ابن عياش، عن أبي إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام -، بمثله. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عُتَيْبة، عن نافع. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 47 رقم 5078). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 433 رقم 4991). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 433 رقم 4992).

وأخرجه البزار في "مسنده": نا عمرو بن علي، نا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "من أتى الجمعة فليغتسل". الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله. وأخرجه أحمد في "مسند" (¬1): نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - وهو على المنبر يقول: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه مالك في "موطإه" (¬2): عن نافع، عن عبد الله ابن عمر، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل". السادس: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): نا محمَّد بن جعفر، عن شعبة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام -: "إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل". السابع: عن أبي بكرة بكار، عن إبراهيم بن أبي الوزير، هو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي المكي، المعروف بابن أبي الوزير، عن سفيان الثوري، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 35 رقم 4920). (¬2) "الموطأ" (1/ 102 رقم 231). (¬3) "مسند أحمد" (2/ 78 رقم 5488).

وأخرجه أبو عبد الله العدني في "مسنده": نا سفيان عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه سمع النبي - عليه السلام -، وهو على المنبر يقول: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل". الثامن: عن عبد الرحمن بن الجارود أبي بشر البغدادي، عن سعيد ابن الحكم بن سالم، المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري، شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه مسلم (¬1): نا قتيبة بن سعيد، ثنا ليث. ونا ابن رمح، نا ليث، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله - عليه السلام - أنه قال وهو قائم على المنبر: "مَنْ جاء منكم الجمعة فليغتسل". ص: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: أنا الوليد بن مسلم، قال: أنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت عمر - رضي الله عنه - على المنبر يقول: "ألم تسمعوا النبي - عليه السلام - يقول: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل؟ ". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين. الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه البخاري (¬2): نا أبو نعيم، نا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن عمر - رضي الله عنه - بينما يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل، فقال عمر: لم تحتبسون عن الصلاة؟ فقال الرجل: ما هو إلا سمعت النداء فتوضأت، فقال: ألم تسمعوا النبي - عليه السلام - قال: إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل؟ ". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (2/ 579 رقم 844). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 301 رقم 842).

وأخرجه مسلم (¬1): أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال حدثني يحيى بن أبي كثير، قال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو هريرة قال: "بينما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضًا؟! ألم تسمعوا رسول الله - عليه السلام -، يقول: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل". وأخرجه أبو داود (¬2): عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن معاوية، عن يحيى، عن أبي سلمة ... إلي آخره، نحو رواية البخاري، وفيه: "والوضوء أيضًا" بدل قوله: "أو لم تسمعوا". وأخرجه الترمذي من طريق الزهري، عن سالم، عن أبيه: "بينما عمر ... " الحديث. ص: حدثنا محمَّد بن حميد بن هشام الرعيني، قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، قال: ثنا المفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن حفصة زوج النبي - عليه السلام -، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "على كل محتلم الرَّواح إلى الجمعة، وعلى من راح الجمعة الغسل". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وعياش -بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة- بن عباس -بالباء الموحدة والسين المهملة- القِتْبَانيّ. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (2/ 580 رقم 845). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 94 رقم 340).

وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا أيزيد، (¬2) بن خالد الرملي، ثنا المفضل -يعني: ابن فضالة- عن عياش ... إلى آخره، نحوه سواء. قوله: "الرواح" أصل الرواح أن يكون بعد الزوال، ولكن المراد منه ها هنا الذهاب مطلقًا، يقال: راح القوم وتروّحوا، إذا ساروا أيَّ وقت كان. وقال الأزهري: لغة العرب أن الرواح الذهاب، سواء كان أول النهار أو آخره، أو في الليل. والمراد من "المحتلم" البالغ المدرك، وأصله من الحُلُم بضم الحاء وهو العقل، وأراد به من بلغ العقل، وجرى عليه حكم الرجال، سواء احتلم أو لم يحتلم. ص: حدثنا روح بن الفرج القطان، قال: أنا يحيى بن عبد الله ويزيد بن مَوْهب وعبد الله بن عباد البصري، قالوا: نا المفضل فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن روح بن الفرج القطان أبي الزنباع المصري، عن يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، وعن يزيد بن مَوْهب الشامي، وثقه ابن حبان. وعن عبد الله بن عباد البصري، قال في الميزان: ضعيف، ثلاثتهم قالوا: حدثنا المفضل بن فضالة فذكر روح الحديث بإسناده مثل المذكور. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3)، وقال: ثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، ثنا يحين بن بكير، حدثني مفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس القِتْبَانيّ، عن بُكَيْر بن عبد الله بن الأشج، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة، قالت: قال رسول الله - عليه السلام -: "الرواح يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والغسل كاغتساله من الجنابة". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 94 رقم 342). (¬2) في "الأصل، ك": زيد، وهو تحريف، والمثبت من "سنن أبي داود" ومصادر ترجمته. (¬3) "المعجم الكبير" (23/ 195 رقم 334).

ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا أبو غسان، قال: أنا محمَّد بن بِشْر، قال: نا زكريا بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طَلْق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة - رضي الله عنهم -: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يأمرنا بالغسل يوم الجمعة". ش: إسناده صحيح، وأبو غسان مالك بن إسماعيل الكوفي شيخ البخاري في "الصحيح"، وطلق بن حبيب العنزي البصري روى له الجماعة؛ البخاري في الأدب. وأخرجه أبو داود (¬1): نا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: نا محمَّد بن بشر، قال: نا زكريا بن أبي زائدة، ثنا مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب العنزيّ، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها حدثته: "أن النبي - عليه السلام - كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت". ثم أخرجه في باب "الجنائز"، وقال: هذا منسوخ. قوله: "كان يأمرنا" أرادت به أمر استحباب، لأجل التنظيف؛ لأن يوم الجمعة يوم ازدحام، فأمرهم بالغسل لئلا يتأذى بعضهم برائحة البعض، وليس المراد منه أمر الوجوب؛ لأن الأحاديث التي وردت بخلافه تدل على ذلك، على ما يجيء. ص: حدثنا فهد، قال: نا أبو نعيم، قال: أنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن رجل من أصحابي النبي - عليه السلام - من الأنصار قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "حق على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ويتطيب من طيب، إن كان عنده". ش: إسناده صحيح، وأبو نُعيم الفضل بن دكين، وسفيان هو الثوري. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): نا وكيع، عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن شيخ من الأنصار، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم الجمعه". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 96 رقم 348). (¬2) "مسند أحمد" (5/ 363 رقم 23126).

وتعلقت الظاهرية به، فقالوا: هذه الثلاثة فرض يوم الجمعة. والجواب عنه أنه منسوخ كما يأتي. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: نا مُسدد، قال: نا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، ح. وحدثنا فهد قال: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا أبو خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبى الزبير، عن جابر، عن النبي - عليه السلام -، قال: "الغسل واجب على كل مسلم، في كل أسبوع يومًا، وهو يوم الجمعة". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن مُسدد بن مُسَرْهَد، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان الواسطي، عن داود بن أبي هند البصري، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس المكي، عن جابر. والثانى: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد سليمان ابن حَيان -بالياء آخر الحروف- الكوفي المعروف بأبي خالد الأحمر ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن أبي خالد، إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: فيه: "في كل سبع". قوله: "أُسبوع" بضم الهمزة، ويقال: سُبُوع بلا ألف، وهي لغة قليلة، وهو اسم للأيام السبعة. ص: حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن صفوان بن سُلَيم، عن عطاء بن يَسار، عن أبي سعيد الخدري، يبلغ به النبي - عليه السلام -: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 433 رقم 4993).

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدَّثه، عن صفوان ... فذكر بإسناده، مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيَيْنة، عن صفوان بن سُلَيم المدني، عن عطاء بن يسار الهلالي المدني، عن أبي سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك. وأخرجه البزار في "مسنده": نا أحمد بن إياس القرشي، نا عبد العزيز بن محمَّد وعبد الله بن محمَّد بن أبي فروة، أبو علقمة الفروي، قالا: نا صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "الغسل واجب على كل محتلم يوم الجمعة"، وهذا الحديث قد رواه مالك وابن عيينة. الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن صفوان ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (¬1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. ومسلم (¬2): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأبو داود (¬3): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك. والنسائي (¬4): عن قتيبة، عن مالك. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث، قال: نا سعيد بن منصور، قال: نا هشيم، قال: نا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من الحق على المسلم أن يغتسل ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 300 رقم 839). (¬2) "صحيح مسلم" (2/ 580 رقم 846). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 94 رقم 341). (¬4) "المجتبى" (2/ 93 رقم 1377).

يوم الجمعة، وأن يمس من طيب، إن كان عند أهله، فإن لم يكن عندهم طيب، فإن الماء طيب". ش: إسناده حسن، ورجاله ثقات. وأخرجه الترمذي (¬1): نا علي بن الحسن الكوفي، قال: نا أبو يحيي إسماعيل بن إبراهيم التيمي، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "حق على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمس أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب". وقال: حديث البراء حديث حسن. قوله: "إن من الحق" أي: من بَعْضه، وكلمة "من" للتبعيض. قوله: "أن يغتسل" في محل النصب بتأويل المصدر على أنه اسم "إن"، والتقدير: أن غسل يوم الجمعة من الحق. قوله: "وأن يمس" بالمصدر عطفا على "أن يغتسل"، من: مَسِسْتُ الشيء أَمَسُّه مسًّا: إذا لَمَسْتَه بيدك. قوله: "إن كان عند أهله": أي: زوجته، ومنه يقال للمتزوج: الآهِل، وشرط فيه التمكن من وجوده، والتأكيد أيضًا، فإن طيب المرأة مكروه للرجل، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه فأباحه ها هنا للرجل للضرورة لعدم غيره حتى لو كان عنده من طيب الرجال، وهو ما ظهر ريحه وخفي لونه لا يعدل عنه إلى طيب النساء. قوله: "فإن الماء طيب" معناه: أنه مُطهر مُزيل للروائح الكريهة، وأيّ طيب يكون أشد إزالة للروائح الكريهة منه، والقصد منه أنه إن لم يظفر بطيب، لا يترك الاغتسال بالماء، ليكون ذلك أقوى في النظافة والطهارة. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 407 رقم 528).

وهذا كما رأيت، أخرج الطحاوي هذه الأحاديث عن تسعة من الصحابة، وهم: ابن عباس، وابن عمر، وعمر بن الخطاب، وحفصة، وعائشة، ورجل من الأنصار، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب. ولما أخرج الترمذي حديث ابن عمر في باب "ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة" قال: وفي الباب عن عمر، وأبي سعيد، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء. قلت: وفي الباب عن أنس، وبريدة بن الحُصَيْب، وثوبان، وسهل بن حبيب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود، وأبي أمامة - رضي الله عنه -. فحديث ابي الدرداء عند الطبراني في "الكبير" (¬1)، وأحمد في "مسنده" (¬2): من رواية حرب بن قيس، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من اغتسل يوم الجمعة ثم لبس ثيابه ومَسَّ طيبًا إن كان عنده، ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة، ولم يتخط أحدًا, ولم يؤذ، وركع ما قضى له، ثم انتظر حتى ينصرف الإِمام، غفر له ما بين الجمعتين". وحرب بن قيس عن أبي الدرداء: مرسل، قاله أبو حاتم. وحديث أنس عند ابن عدي في "الكامل" في ترجمة الفضل بن المختار (¬3)، عن أبان، عن أنس، ويْ ترجمة أبان أيضًا (¬4)، وفي ترجمة الفضل أيضًا عن تمام بن حسان، عن الحسن، عن أنس بلفظ: "من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل". وأبان بن أبي عياش متروك، والفضل بن المختار لا يتابع على حديثه. ¬

_ (¬1) عزاه له الهيثمي في "المجمع" (2/ 171)، وقال: رواه أحمد والطبراني في "الكبير" عن حرب بن قيس عن أبي الدرداء، وحرب لم يسمع من أبي الدرداء. (¬2) "مسند أحمد" (5/ 198 رقم 21777). (¬3) "الكامل" لابن عدي (6/ 15). (¬4) "الكامل" لابن عدي (1/ 385).

وحديث بُريدة عند البزار (¬1): من رواية أبي هلال، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -، قال: "مَنْ أتى الجمعة فليغتسل". وحديث ثوبان عند البزار (¬2) أيضًا: من رواية يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن أبي عثمان، عن ثوبان، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "حق على كل مسلم السواك، وغسل الجمعة، وأن يمس من طيب أهله إن كان". ويزيد بن ربيعة الرحبي: ضعيف، وأبو الأشعث اسمه: شراحيل بن آدَة، وأبو عثمان اسمه: شراحيل بن مرثد. وحديث سهل بن حنيف عند الطبراني في "الكبير" (¬3): من رواية يزيد بن عياض، عن أشعث بن مالك، عن عثمان بن أبي أمامة، عن سهل بن حنيف، عن رسول الله - عليه السلام -: "من حق الجمعة: السواك والغسل، ومَنْ وجد طيبًا فليس منه". ويزيد بن عياض بن جُعْدُبة: ضعيف، قاله ابن المديني وابن معين وغيرهما. وحديث عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - عند الطبراني أيضًا في "الكبير" (¬4): من رواية إبراهيم بن يزيد، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "من أتى الجمعة فليغتسل"، وإبراهيم بن يزيد -الظاهر أنه الخوزي- وهو ضعيف. ¬

_ (¬1) عزاه له الهيثمي في "المجمع" (2/ 173)، وللطبراني في "الأوسط" بنحوه وقال: وفي إسنادهما زكريا بن يحيى قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، قال الذهبي: وروى له حديثًا جيدًا وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطئ. (¬2) عزاه الهيثمي له في "المجمع" (2/ 172)، وقال: رواه البزار وفيه يزيد بن ربيعة، ضعفه البخاري، والنسائي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. (¬3) "المعجم الكبير" (6/ 88 رقم 5596). (¬4) عزاه الهيثمي له في "المجمع" (2/ 173)، وقال: رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه إبراهيم بن يزيد -وأظنه الخوزي- فإنه في طبقته، روى عن التابعين، وهو متروك.

وحديث عبد الله بن مسعود عند البزَّار (¬1) من رواية وبرة، عن همام، عن عبد الله، قال: "من السنة الغسل يوم الجمعة". وحديث أبي أمامة عند الطبراني في "الأوسط" (¬2): من رواية يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة: "أن رسول الله - عليه السلام - قام في أصحابه، قال: "اغتسلوا يوم الجمعة""،الحديث. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى إيجاب الغسل يوم الجمعة واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، والمسيب بن رافع، ومالكًا -في رواية- وجماعة الظاهرية، فإنهم قالوا بوجوب الغسل يوم الجمعة بالأحاديث المذكورة. وقال ابن حزم في "المحلى" (¬3): وممن قال بوجوب الغسل يوم الجمعة: عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة، لم يخالفه فيه أحد منهم، وأبو هريرة، وابن عباس وأبو سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعمرو بن سليم [وعطاء] (¬4)، وكعب، والمسيب بن رافع. قال: ولا نعلم أنه يصح عن أحد من الصحابة إسقاط فرض الغسل يوم الجمعة. وقال القاضي عياض: اختلف السلف والعلماء في غسل الجمعة؛ فروي عن بعض الصحابة وجوبه، وبه قال أهل الظاهر، وتأول ابن المنذر أنه مذهب مالك، وحكاه الخطابي عنه وعن الحسن. ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (5/ 315 رقم 1932). (¬2) "المعجم الأوسط" (7/ 135 رقم 7087). (¬3) "المحلى" (2/ 9 - 10). (¬4) ليس في "الأصل، ك" والمثبت من "المحلى".

وعامَّة فقهاء الأمصار على أنه سُنّة، وهو حقيقة مذهب مالك، والمعروف من قوله، ومعظم قول أصحابه وجاء عنه ما دل أنه مستحب، وقال به طائفة من العلماء. وقال بعضهم: الطيب يجزئ عنه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: ليس الغسل يوم الجمعة بواجب، ولكنه مما قد أمر به رسول الله - عليه السلام - لمعان قد كانت فمنها: ما رُوي عن ابن عباس في ذلك: حدثنا فهد بن سليمان، قال: نا ابن أبي مريم، قال: أنا الدراورديُّ ح. وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا القعنبيُّ، قال: نا الدراوردي، قال: حدثني عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، قال: "سئل ابن عباس - رضي الله عنه - عن الغسل يوم الجمعة؛ أواجب هو؟ قال: لا, ولكنه طهور وخير، فمن اغتسل فحسنٌ، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب. وسأخبركم (كيف) (¬1) بَدْءُ الغُسْل: كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مُقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله - عليه السلام - في يوم حرٍّ وقد عَرِقَ الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت رياح، حتى آذى بعضُهم بعضًا، فوجد رسول الله - عليه السلام - تلك الرياح، فقال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا, وليمس أحدكم أمثل ما يجد من دُهْنه وطيبه، قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العملَ وَوُسِّع مسجدُهم". فهذا ابن عباس يخبر أن ذلك الأمر الذي كان من رسول الله - عليه السلام - بالغسل لم يكن للوجوب عليهم، وإنما كان لعلة ثم ذهبت تلك العلة فذهب الغسل، وهو أحد من روي عنه عن رسول الله - عليه السلام -: "أنه كان يأمر بالغسل". ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل".

ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعةٌ آخرون، وأراد بهم جمهور العلماء من التابعين وغيرهم، والأئمة الأربعة وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: الغسل يوم الجمعة ليس بواجب، وإنما كان النبي - عليه السلام - أمر به لعلة، وقد زالت، فزال وجوب الغسل معها. وقد بيَّنها ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديثه المذكور، وقد علم أن الحكم ينتهي بانتهاء علته. قوله: "لمعان" أي لعلل، واختار لفظ المعاني كراهة لذكر اصطلاح الفلاسفة. قوله: "فمنها" أي فمن تلك المعاني، ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان النحاس، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري في "الصحيح"، عن عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي نسبته إلى درَاوَرْد، بفتح الدال، قرية بخراسان، عن عمرو بن أبي عمرو مَيْسرة، ابن عمار المدني. الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن الدراوردي ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬1): عن عبد الله بن مسلمة، عن الدراوردي، عن عمرو -يعني ابن أبي عمرو- عن عكرمة: "أن ناسًا من أهل العراق جائوا فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا, ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم" ... إلى آخره نحوه. قوله: "طهور" أي: مطهر للبدن، وخير لمن اغتسل في الثواب. قوله: "كيف بَدْء الغسل" أي: كيف كان ابتداؤه. قوله: "مجهودين" من قولهم جُهِدَ الرجل فهو مجهودٌ، إذا وجد مشقةً. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 97 رقم 353).

قوله: "إنما هو عريش" العريش: كُلُّ ما يُستظل به، والمراد أن سقفه كان من الجريد، والسَعَف. قوله: "حتى ثارت" أي هاجت، من: ثار يثور ثَوْرًا، وثَوَرانًا، إذا سطع. قوله: "أمثل ما يجد" أي: أفضل ما يجده. قوله: "من دهنه" يتناول الزيت، ودهن السمسم، وغيرهما من الأدهان الطيبة، وكذلك الطيب: يتناول سائر أنواع الطيب، مثل المسك والعنبر، والعالية ونحوها. قوله: "ثم جاء اللهَ بالخير" إشارة إلى أن الله تعالى فتح الشام ومصر وعراق على أيدي الصحابة - رضي الله عنهم -، وكثرت أموالهم وخدمهم و [حشمهم] (¬1)، فغيروا اللَّبِنَ، والبناء وغير ذلك. وقد خبَّط ابن حزم هنا تخبيطًا عظيمًا لترويج مذهبه، فقال (¬2): وأما حديث ابن عباس فقد روي من طريقين: أحدهما: من طريق محمَّد بن معاوية النَيْسابوري، وهو معروف بوضع الأحاديث والكذب. والثاني: من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، وهو ضعيف لا يحتج به. ثم لو صح من حديث عمرو بن أبي عمرو فليس فيه حجة لهم بل حجة لنا عليهم؛ لأنه ليس فيه من كلام النبي - عليه السلام - إلا الأمر بالغسل وإيجابه، وكل ما تعلقوا به في إسقاط وجوب الغسل فليس من كلامه - عليه السلام -، وإنما هو من كلام ابن عباس وظنِّه، ولا حجة في أحدٍ دونه - عليه السلام -. قلت: الطريق الذي أخرجه الطحاوي وأبو داود صحيح، وعمرو بن أبي عمرو احتجت به الجماعة، فلا التفات إلى تضعيف ابن حزم إياه. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": ومماشهم، وهو تحريف، والحَشَم: جماعة الإنسان اللائذون به لخدمته، انظر "النهاية " (1/ 391). (¬2) "المحلى" (2/ 12).

وقوله: "فليس فيه حجة لهم" كلام ساقط؛ لأن ابن عباس - رضي الله عنهما - لو لم يدر عدم وجوب الغسل يوم الجمعة لما قال: "لا"، حين سئل عنه. وكيف وقد رَوَى عنه - عليه السلام -: أنه كان يأمر به، ولو لم يثبت عنده أن هذا الأمر كان لعلة، وأنها قد زالت فزال الوجوب، لما علَّل عدم الوجوب بما ذكره، ولا يُظَن في حق ابن عباس أنه عرف وجوب الغسل وحقيقته، ثم ترك وذهب! إلى عدم الوجوب. وكيف وهو أعلم الناس بمواقف النصوص، وعللها ومواردها، وما يتعلق بأحكامها؟!. ص: وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - في ذلك شيء: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا أنس بن عياض، عن يحيي بن سعيد ح. وحدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: أنا علي بن معبد، قال: أنا عبيد الله -يعني ابن عمرو الجزري- عن يحيي بن سعيد قال: "سألت عمرة عن غسل يوم الجمعة، فذكرت أنها سمعت عائشة تقول كان الناس عُمَّال أنفسهم، فيروحون بهيئتهم، فقال: لو اغتسلتم". فهذه عائشة - رضي الله عنها - تخبر أن رسول الله - عليه السلام - إنما كان ندبهم إلى الغسل للعلة التي أخبر بها ابن عباس - رضي الله عنهما -، وأنه يجعل ذلك عليهم حتمَا. وهي أحد مَنْ روينا عنه في الفصل الأول أن النبي - عليه السلام - كان يأمر بالغسل في ذلك اليوم. ش: أي قد روي عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في المعنى الذي ذكره ابن عباس شيء؛ حيث قالت: "كان الناس عمال أنفسهم ... " إلى آخره، أرادت: إنما أمرهم رسول الله - عليه السلام - بالغسل للمعنى الذي ذكره ابن عباس، وذلك المعنى قد زال، فزال الوجوب؛ على أن عائشة - رضي الله عنها - هي أحد من روى عنه أنه - عليه السلام - كان يأمر بالغسل يوم الجمعة. ثم إنه أخرج حديث عائشة من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن أنس بن عياض بن ضمرة المدني، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: "سألت عَمْرَة ... ".

وأخرجه البخاري (¬1): نا عبدان قال: أنا عبد الله، قال: أنا يحيى بن سعيد: "أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة، فقالت: قالت عائشة - رضي الله عنها -: كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم". الثانى: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن عبيد الله بن عمرو أبي الوليد الجزري الرقيّ، [عن يحيى بن سعيد الأنصاري] (¬2)، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية. وأخرجه مسلم (¬3): نا محمَّد بن رمح، قال: أنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة - رضي الله عنها -، أنها قالت: "كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كُفاة، فكانوا يكون لهم التَّفَلُ، فقيل لهم: لو اغتسلتم". وأخرجه أبو داود (¬4): نا مسدد، قال: نا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: "كان [الناس] (¬5) مُهَّان أنفسهم، فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم". قوله: "عُمَّال أنفسهم" بضم العين وتشديد الميم، جمع عامل، وأراد أنهم كانوا يخدمون أنفسهم ويعملون أعمالهم بأنفسهم، لم يكن لهم مَنْ يخدمهم. والإنسان إذا باشر العمل الشاق بنفسه حَمِيَ بدنه وعَرِق، ولا سيما في البلاد الحارة، فربما يكون منه الرائحة الكريهة، فأمروا بالاغتسال تنظيفًا للبدن، وقطعًا للرائحة. و"المَهَنة" بالفتحات -جمع ماهِن، وهو الخادم، كالكتبة جمع كاتب، وكذلك المهَّان -بضم الميم وتشديد الهاء- جمع ماهِن، ككُتَّاب جمع كاتب، وقال الحافظ ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 307 رقم 861). (¬2) ليس في "الأصل، ك" وهو موجود في إسناد الطحاوي كما سبق. (¬3) "صحيح مسلم" (2/ 581 رقم 847). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 97 رقم 352). (¬5) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "سنن أبي داود".

أبو موسى: "مِهَان" بكسر الميم والتخفيف: جمع [ماهِن] (¬1) كصِيَام جمع صائِم، وقِيَام جمع قائِم. قوله: "راحوا في هيئتهم" أي: في صفتهم التي كانوا عليها، والعرق والغبار والرائحة الكريهة. قوله: "لو اغتسلتم" جوابه محذوف، أي: لو اغتسلتم لكان زال منكم ما يُكره ويؤذي جاره، أو لكان أحب. قوله: "ولم يكن لهم كُفاة" بضم الكاف، جمع كافي، كقضاة جمع قاضي، وأراد بهم العبيد والخدم الذين يكفونهم الخدمة والعمل. قوله: "فكانوا يكون لهم التَّفَل" بفتح التاء المثناة من فوق، وفتح الفاء، وأراد به: الرائحة الكريهة. قوله: "يكون لهم التفل" جملة في محل النصب على أنها خبر قوله: "فكانوا". ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ما يدل على أن ذلك لم يقع عِنْدَهُ موقع الفرض. حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يزيد بن هارون، قال: أنا هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن ابن عباس: "أن عمر ابن الخطاب بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ أقبل رجل فدخل المسجد فقال له عمر الآن توضأت، قال: ما زدت حين سمعت الأذان على أن توضأت ثم جئت. فلما دخل أمير المؤمنين ذكَّرته، فقلت: يا أمير المؤمنين أما سمعمت ما قال؟ قال: وما قال؟ قلت: قال: ما زدت على أن توضأت حين سمعت النداء، ثم أقبلت. فقال: أما إنه قد علم أنَّا أمرنا بغير ذلك. قلت: وما هو؟ قال: الغسل، قلت: أنتم أيها المهاجرون الأولون أم الناس جميعًا. قال: لا أدري". ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": مهان، وهو تحريف أو سبق قلم من المؤلف وانظر "النهاية في غريب الحديث" (4/ 376) و"لسان العرب": (مهن).

ش: أي قد روي عن عمر- رضي الله عنه - ما يدل على أن الأمر بالغسل يوم الجمعة لم يقع موقع الفرض عنده بل وقع موقع الاستحباب؛ وذلك لأن قوله: "لا أدري"، يدل على ذلك، حين قال له ابن عباس "أنتم أيها المهاجرون الأولون أم الناس جميعًا". ورجاله رجال "الصحيح" ما خلا علي بن شيبة. وأخرجه ابن أبي شيبةَ في "مصنفه" (¬1): نا يزيد بن هارون، عن هشام ... إلى آخره نحوه. ونا هشيم (¬2)، عن منصور، عن ابن سيرين، قال: "أقبل رجل من المهاجرين يوم الجمعة، فقال له عمر: هل اغتسلت؟ قال: لا، قال: لقد علمت أنا أُمِرْنَا بغير ذلك، قال الرجل بم أمرتم؟ قال: بالغسل، قال: أنتم معشر المهاجرين أم الناس؟ قال: لا أدري". قوله: "بينما" ظرف زمان، يعني المفاجأة، وأصله "بين" زيدت فيه الألف والميم. قوله: "إذْ أقبل" جوابه: قوله "ذكّرته"، بالتشديد، وفاعله ابن عباس، أي: ذكرت عمر ما قاله ذلك الرجل. قوله: "أما سمعت ما قال"، أي: ما قال ذلك الرجل. قوله: "قال: قال: وما قال" أي: قال ابن عباس: قال عمر: ما قال ذلك الرجل؟ ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، قال: "دخل رجل من أصحاب النبي - عليه السلام - المسجد يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخطب، فقال عمر: أيَّة ساعةٍ هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: الوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله - عليه السلام - كان يأمر بالغسل؟ ". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 434 رقم 5000). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 434 رقم 4999).

قال مالك: والرجل عثمان - رضي الله عنه -. ش: هذا مرسل، وأخرجه مالك في "موطإه" (¬1) مرسلًا أيضًا، هكذا أكثر الرواة. ووصله رَوْح بن عبادة، وإبراهيم بن طهْمان، والقعنبي في رواية إسماعيل بن إسحاق عنه، فجعلوه عن سالم عن ابن عمر - رضي الله عنهم -. قال الترمذي (¬2): وسألت محمدًا عن هذا فقال: الصحيح حديث الزهري عن سالم عن أبيه، أراد أن المسند هو الصحيح. قوله: "آية ساعة هذه" على طريق التقريع والبيان والتعريف للداخل. ويستفاد منه أحكام: الأول: جواز أمر الإِمام في خطبته بالمعروف ونهيه عن المنكر، وسؤاله من يحتاج سؤاله في أمور الناس، وجواب الآخر له، وأنه ليس أحد منهم لاغيًا، وإنما اللاغي من أعرض عن استماع الخطبة، وشغل نفسه عنها بكلام أو غيره مما يمنعه من السماع. الثانى: فيه جواز العمل يوم الجمعة قبل النداء، والتجارة والمبايعات. وقد كان أصحاب النبي - عليه السلام - يكرهون ترك العمل يوم الجمعة كي لا يُتَشَبه باليهود. الثالث: فيه حجة لمن لا يرى الأوامر على الوجوب إلا بقرينة، بدليل فعل عثمان، وإقرار عمر، وترك إنكار الصحابة - رضي الله عنهم - ترك الغسل مع اعترافهم بالأمر به. الرابع: فيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكونا بالتلطف، وترك المواجهة بخشن القول وصريح الإنكار، ألا ترى كيف قال عمر- رضي الله عنه - في الحديث الآخر: "ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟ " وكثيرًا ما كان النبي - عليه السلام - يفعل مثل هذا, ولا سيما لأهل الفضل ولمن لا يظُن به إلا الخير، ومَنْ له عذر. ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 101 رقم 229). (¬2) جامع الترمذي (2/ 366 رقم 495).

الخامس: فيه دليل أن السعي إنما يجب بالنداء وبسماعه؛ حيث قال عثمان - رضي الله عنه -: "سمعت النداء"، وأن شهود الخطبة ليس بواجب. قال القاضي: هذا على مقتضى قول أكثر أصحابنا, ولا يشترط في صحة صلاة الجمعة، على قول آخرين. السادس: فيه دليل على جواز شهود الأخيار والفضلاء السوق، ومعاناة التَجْر (¬1) فيه، وهكذا كان المهاجرون يعانون المتاجر؛ لأنهم لم تكن لهم حيطان ولا غلات يعتمرونها إلا بعد حين، وكانت الأنصار ينظرون في أموالهم ويعتمرونها. السابع: فيه دليل على طلب الرزق والتعرض له والتحرف. الثامن: هو المقصود منه ها هنا: أن فيه دليلًا على أن أمره - عليه السلام - بالغسل ليوم الجمعة ليس بفرض؛ لأن عمر- رضي الله عنه - في هذا الحديث لم يأمر عثمان بالانصراف للغسل، ولا انصرف عثمان حين ذكره عمر بذلك، ولو كان الغسل واجبًا للجمعة ما أجزأت الجمعة إلا به، ما لا تجزئ الصلاة إلا بالوضوء للحديث، أو بالغسل للجنب. وفي هذا ما يوضح (أن) قوله - عليه السلام - في حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم، كغسل الجنابة"، أنه وجوب سنة واستحباب وفضيلة، وأن قوله: "كغسل الجنابة"؛ أراد به الهيئة والحال، والكيفية، فمن هذا الوجه وقع التشبيه له بغسل الجنابة، لا من جهة الوجوب. وقد أجمع علماء المسلمين قديمًا وحديثًا على أن غسل الجمعة ليس بفرض واجب، وفي ذلك ما يكفي ويفي عن الإكثار، ولا يجوز على الأمة بأسرها جهل معنى السنة ومعنى الكتاب (¬2). والله أعلم بالصواب. ¬

_ (¬1) التَّجْر: التِّجارة، مصدر: تجر، يَتْجُر، تجرًا، من باب: قتل، انظر "القاموس"، و"المصباح". (¬2) قارن -حول دعوى الإجماع هنا-: "المحلى" (2/ 9)، "المغني" (3/ 225)، "فتح الباري" (2/ 420).

فائدة: قال أبو عمر- رضي الله عنه -: أول من دُعِيَ بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -وإنما، كان يقال لأبي بكر- رضي الله عنه -: خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان السبب في ذلك أنه كتب إلى عامل العراق: أن أبعث إلى برجلن "جَلِيدَيْن" (¬1) نبيلين نَسْأَلُهما عن العراق وأهله، فبعث إليه عاملُ العراق بلبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم. فلما قدما المدينة أناخا راحلتَيْهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاص، فقالا له: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين. فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، نحن المؤمنون وهو الأمير. فوثب عمرو فدخل، فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال عمر- رضي الله عنه -: ما بدا لك يا ابن العاص في هذا الاسم؟ قال: إن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم قدما، فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد فقالا لي: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين، فهما والله أصابا اسمك؛ أنت الأمير ونحن المؤمنون. قال: فجرى الكتاب من يومئذ (¬2)، وقد روي أن عمر- رضي الله عنه - هو الذي [سمي]، (¬3) نفسه أمير المؤمنين. والله أعلم. ص: حدثنا ابن أب داود، قال: أنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء جويرية، عن مالك، عن الزهري عن سالم عن أبيه مثله، غير أنه لم يذكر قول مالك: إنه عثمان - رضي الله عنه -. ش: هذا طريق آخر وهو مسند صحيح. وأخرجه البخاري (¬4): نا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: أنا جويرية، عن مالك، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر- رضي الله عنه -، عن ابن عمر- رضي الله عنه -: "أن ¬

_ (¬1) جَلِيدين: في "الاستيعاب" لابن عبد البر (2/ 458) بها مش الإصابة: جَلْدين، وهما بمعى. (¬2) فجرى الكتاب من يومئذ: يعني على ذلك، والعبارة في "الاستيعاب" كما هنا، وفي "أُسْد الغابة" (4/ 170): فجرى الكتاب "من عمر أمير المؤمنين"، من ذلك اليوم، اهـ وهي أوضح. (¬3) في "الأصل": سمه، والمثبت من "ك". (¬4) "صحيح البخاري" (1/ 300 رقم 383).

عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين، من أصحاب رسول الله - عليه السلام -، فناداه عمر: أيَّه ساعة هذه؟ قال: إني شُغِلْت فلم أَنْقِلب إلى أهلي حتى سمعت المنادي، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله - عليه السلام - كان يأمر بالغسل؟! ". وأخرجه مسلم (¬1): عن حرملة بن يحيي، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بينا هو يخطب الناس يوم الجمعة دخل رجل ... الحديث". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا حُسَين بن مهدي، قال: نا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، مثله. ش: هذا طريق أخر، وهو أيضًا صحيح عن أبي بكرة بكار. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا عبد الرزاق، نا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب بينا هو قائم يخطب يوم الجمعة، فدخل رجل من أصحاب النبي - عليه السلام -، فناداه عمر: أيَّة ساعة هذه ... " إلى آخره نحو رواية البخاري. ص: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: نا الوليد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ح. وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا حرب بن شداد، قال: حدثني يحيى -يعني ابن أبي كثير- قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة، قال: "بينما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخطب الناس إذ دخل عثمان بن عفان فعرّض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء ... " ثم ذكر مثله. ش: هذا وجه آخر من حديث أبي هريرة. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (2/ 580 رقم 845). (¬2) "مسند أحمد" (1/ 29 رقم 202).

وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قالك أنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو هريرة، قال: "بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة، إذ دخل عثمان بن عفان، فعرض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت، فقال عمر: والوضوء أيضًا؟! ألم تسمعوا رسول الله - عليه السلام - يقول: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل؟ ". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسند" (¬2): نا عبد الصمد، نا حرب بن شداد، نا يحيي، نا أبو سلمة، نا أبو هريرة، قال: "بينا عمر بن الخطاب (يخطب) (¬3) إذْ جاء رجل فجلس، فقال عمر: لم تحتبسون عن (الصلاة) (¬4)؟ فقال الرجل يا أمير المؤمنين، ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت ثم أقبلت. فقال عمر: والوضوء أيضًا؟ ألم تسمعوا رسول الله - عليه السلام - يقول: إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل؟ ". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (2/ 580 رقم 845). (¬2) "مسند أحمد" (1/ 46 رقم 319). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد". (¬4) كذا في "الأصل، ك": وفي "المسند": الجمعة.

ص: حدثنا فهد، قال: نا أبو غسان، قال: نا جويرية، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلًا من المهاجرين الأولين دخل المسجد وعمر - رضي الله عنه - يخطب، فناداه عمرك أيَّة ساعة هذه؟ فقال: ما كان إلا الوضوء ثم الإقبال. فقال عمر: والوضوء أيضًا؟ لقد علمت أنا كنا نؤمر بالغسل". ش: هذا وجه آخر صحيح من حديث ابن عمر، عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، إلى آخره. قوله: "ثم الإقبال" أي: التوجه إلى الصلاة. ص: ففي هذه الآثار غيرُ معنى يَنْفِي وجوب الغسل: أما أحدها: فإن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لم يغتسل، واكتفى بالوضوء، ولم يأمره عمر أيضًا بالرجوع لأمر رسول الله - عليه السلام - إياه بالغسل، ففي ذلك دليل على أن الغسل الذي كان أمره به لم يكن عندهما على الوجوب، وإنما كان لِعِلَّةِ ما قال ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم -، أو لغير ذلك، ولولا ذلك لما تركه عثمان ولا سكت عمر عن أمره إياه بالرجوع حتى يغتسل، وذلك بحضرة أصحاب النبي - عليه السلام - الذين قد سمعوا ذلك من النبي - عليه السلام - كما سمعه عمر، وعلموا معناه الذي أراده، فلم ينكروا من ذلك شيئًا، ولم يأمروا بخلافة، ففي هذا إجماع منهم على نفي وجوب الغسل. ش: أي: الآثار المروية عن عمر - رضي الله عنه -. قوله: "غير معنى" كلام إضافي، مبتدأ وخبره. قوله: "ففي هذه الآثار" والمعنى: أن في هذه الآثار معانٍ كثيرةٌ تدل على نفي وجوب الغسل يوم الجمعة. "أما أحدها" أي: أما أحد المعاني التي تدل على نفي وجوب الغسل، "فإن عثمان ... " إلى آخره، وهذا المعنى ظاهر.

فإن قيل: من أين لكم أن عثمان لم يغتسل في صدر يومه ذلك؟ ومن أين لكم أن عمر - رضي الله عنه - لم يأمر بالرجوع للغسل؟ قلت: من أين لكم أنه اغتسل في صدر يومه؟ ومن أين لكم أن عمر أمره بالرجوع؟ بل القرائن دلّت على ما ادّعينا، والأصل عدم الغسل من عثمان، وعدم الأمر بالرجوع له من عمر، فمن ادعى خلافة فعليه البيان. فإن قيل: قطع عمر الخطبة منكرًا على عثمان أن لم يوصل الغُسْلَ بالرواح، دليل على أن ذلك واجب عنده، وموافقة الصحابة أيضًا عمر - رضي الله عنه - على قوله ذلك، حيث لم ينكروا عليه قطع خطبته، فهذا أيضًا يدل على أنه واجب عندهم. قلت: قَطْعُ عمر خطبته إنما كان للتعريف لعثمان بما فاته من فضل التهجير، وأنه وقت طيِّ الصحف، ولهذا قال: "أيَّة ساعةٍ هذه؟ " على طريق التوبيخ والتقريع؛ ليسمع الحاضرون ذلك ويبكروا إلى الجمعة، ولم يكن ذلك لأجل الأمر بالغسل ولا بغيره. فإن قيل: أليس هذا لغوًا، واللغو قد نهي عنه في الخطبة؟ قلت: ليس الأمر كذلك بل إنما هو أمر بالمعروف، وترغيب بالمبادرة إلى النداء، واللاغي مَنْ أعرض عن استماع الخطبة، وشغل نفسه عنها بكلام أو غيره مما يمنعه من السماع. ومن المعاني التي تدل على نفي وجوب الغسل: ما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: "وسأخْبركم كيف كان بَدْءُ الغسل: كان الناس مجهودين ... " إلى آخره. ومنها: ما قالت عائشة - رضي الله عنها -: "كان الناس عُمَّال أنفسهم ... " إلى آخره أشار إلى ذلك بقوله: "وإنما لعلة ما قال ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم -". ومنها: أن يكون ذلك لزيادة التنظيف والمبالغة في الطهارة. ومنها: تعظيم يوم الجمعة بمباشرة الطهارة الكبرى.

ومنها: تفضيل صلاة الجمعة على غيرها من الصلوات حيث يبُاشرها بالغسل. أشار إلى هذه المعاني بقوله: "أو لغير ذلك". ص: وقد روي عن رسول الله - عليه السلام - ما يدل على أن ذلك كان من طريق الاختيار، وإصابة الفضل. حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا يعقوب الحضرمى، قال: أنا الربيع بن صَبيح، عن الحسن، وعن يزيد الرقاشى، عن أنس قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "مَنْ توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فحسن". ش: أي: ما يدل على أن أمره - عليه السلام - بالغسل يوم الجمعة، في الآثار المذكورة، كان أمر استحباب وفضيلة؛ وهو حديث أنس - رضي الله عنه - فإنه صريح، بأن الغسل يوم الجمعة ليس بواجب، وإنما هو فضيلة وحسن. لا يقال: إنه حديث ضعيف، وأحاديث الأمر بالغسل صحاح؛ لأنا نقول فيما يُخَرِّجُه أيضًا أحاديث صحاح؛ كحديث سَمُرة، على ما يأتي، وغيره. على أنا لا نسلم أن يكون حديث أنس ضعيفًا لأجل يزيد بن أبان الرقاشي؛ فإن ابن عدي قال: أرجو أنه لا بأس به؛ لرواية الثقات عنه. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله البكائين بالليل. أو لأجل الربيع بن صبيح، فإن أبا زرعة قال: شيخ صالح صدوق، وقال ابن عدي: له أحاديث مستقيمة صالحة، ولم أر له حديثا منكرًا جدًّا، وأرجو أنه لا بأس به، وصَبِيح بفتح الصاد. وأما يعقوب بن إسحاق الحضرمي أبو محمَّد البصري المقرئ النحوي فإنه من رجال صحيح مسلم. والحديث أخرجه ابن ماجه (¬1): نا نصر بن علي الجهضمي، نا يزيد بن هارون، ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 347 رقم 1091).

أنا إسماعيل بن مسلم المكي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي - عليه السلام - قال: "مَنْ توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، يجزئ عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل". قوله: "فبها" أي: فبهذه الفعلة أو الخصلة أخذ. وقال الأصمعي: معناه فبالسنة أخذ. و"نِعْمت" أي: نعمت الخصلة، والمخصوص بالمدح محذوف؛ أي: هي. قوله: "فحسن" أي: فهو حسنٌ، والجملة جواب الشرط. فإن قيل: إلام يرجع الضمير؟ قلت: إلى الغسل الذي دل عليه. قوله: "ومن اغتسل" كما في قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (¬1). أي: العدل أقرب للتقوى. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال أنا عفان، قال: أنا همام ح. وحدثنا فهد، قال: نا أبو الوليد، حدثنا همام، عن قَتَادَةَ، عن الحسن، عن سَمُرة عن النبي - عليه السلام - مثله، غير أنه قال: "ومن اغتسل فالغسل أفضل". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه من طريقين. الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم البصري، عن همام بن يحيى البصري، عن قَتَادَةَ بن دعامة، عن الحسن البصري، عن سَمُرة، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه ابن أبى شيبة؛ في "مصنفه" (¬2) قال: نا عفان، قال: ثنا همام، عن قَتَادَةَ، ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية (8). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 436 رقم 5026).

عن الحسن، عن سَمُرة، أن النبي - عليه السلام -، قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فذلك أفضل". وأخرجه الدارمي في "سننه" (¬1) عن عفان ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن همام ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬2): نا أبو الوليد الطيالسي ... إلي آخره نحوه. والترمذي (¬3): عن ابن المثنى، عن سعيد بن سفيان الجَحْدري، عن شعبة، عن قَتَادَة، عن الحسن ... إلى آخره نحوه، وقال: حديث سَمُرة حديث (حسن صحيح) (¬4). والنسائي (¬5): عن ابن الأشعث، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن قَتَادَة؛ ... إلى آخره نحوه، قال أبو عبد الرحمن: الحسن عن سَمُرة (كتاب (¬6)) ولم يسمعِ الحسنُ من سَمُرة إلا حديث العقيقة. قلت: في سماع الحسن من سَمُرة ثلاثة مذاهب: الأول: أنه سمع منه مطلقًا، وهو قول ابن المدينى، ذكره عنه البخارى في أول تاريخه "الوسط" (¬7)، فقال: نا الحميدي، ثنا سفيان، عن إسرائيل قال: سمعت الحسن يقول: "وُلِدْتُ لسنتين بقيتا من خلافة عمر - رضي الله عنه -" قال علىٌّ: سماع الحسن من سَمُرة صحيح. ¬

_ (¬1) "سنن الدارمي" (1/ 434 رقم 1540). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 97 رقم 354). (¬3) "جامع الترمذي" (2/ 369 رقم 497). (¬4) كذا في "الأصل، ك"، والذي في نسختي من "الجامع": حسن. فقط. (¬5) "المجتبى" (3/ 94 رقم 1380). (¬6) كذا في "الأصل، ك"، وفي "سنن النسائي": كتابا. بالنصب. (¬7) وكذا في "التاريخ الصغير" (1/ 247 رقم 1199 - 1200).

ونقله الترمذي في "كتابه"، قال في باب: الصلاة الوسطي (¬1): قال محمَّد بن إسماعيل يعني البخاري، قال عليٌّ -يعني ابن المديني- سماع الحسن من سَمُرة صحيح. وقال الترمذي: سماع الحسن من سَمُرة صحيح عندي. واختار الحاكم هذا القول، وأخرج في كتابه عدَّة أحاديث من رواية الحسن عن سَمُرة، وقال في بعضها: على شرط البخاري. الثاني: أنه لم يسمع منه شيئًا، واختاره ابن حبان في "صحيحه"، فقال في النوع الرابع من القسم الخامس (¬2)، بعد أن روى حديث الحسن عن سَمُرة: "إن النبي - عليه السلام - كانت له سكتتان": والحسن لم يسمع من سَمُرة شيئًا، وقال صاحب التنقيح: قال ابن معين: الحسن لم يلق سَمُرة. وقال شعبة: لم يسمع من سَمُرة. وقال البَرْديجي: أحاديث الحسن عن سَمُرة كتاب، ولا يثبت عنه حديث قال فيه: سمعت سَمُرة. الثالث: أنه سمع منه حديث العقيقة فقط، قاله النسائي كما ذكرنا، وإليه مال الدارقطنى في "سننه"، فقال في حديث السكتتين: والحسن اختلف في سماعه من سَمُرة، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة، فيما قاله قريش بن أنس. واختاره عبد الحق في أحكامه، واختاره البزار في "مسنده"، وكذا قال ابن حزم في "المحلى": إنه ما سمع من سَمُرة إلا حديث العقيقة، والله أعلم (¬3). ص: حدثنا أحمد بن خالد البغدادي، قال: نا علي بن الجعد، قال: أنا الربيع بن صبيح، وسفيان الثوري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي - عليه السلام -، مثله. ش: هذا طريق آخر في حديث أنس وكان الأنسب أن يذكر عقيبه، فوق حديث سَمُرة، ولعل ذاك من النُّسَّاخ. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 342 عقب الحديث رقم 1807). (¬2) "صحيح ابن حبان" (5/ 132 عقب الحديث رقم 182). (¬3) راجع "نصب الراية" (1/ 89).

وأخرجه عن أحمد بن خالد البغدادي المعروف بابن خَالوَيْه، عن علي بن الجعد ابن عبيد الجوهري، أحد مشايخ البخاري وأبي داود، واحد أصحاب أبي حنيفة، عن الربيع بن صبيح السَعْدي، وعن سفيان الثوري، كلاهما عن يزيد بن أبان الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه البزار، وقال: هذا الحديث إنما يعرف من حديث يزيد الرقاشي عن أنس، رواه غير واحد عنه. ص: حدثنا أحمد بن خالد، قال: نا عُبيد بن إسحاق العطار، قال: أنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: سنده ضعيف جدًّا؟ لأن عبيد بن إسحاق ضعفه يحيى والدارقطني، وقال الأزدي: متروك الحديث، وأبو حاتم رضيه. وقيس بن الربيع الأسدي، أبو محمَّد الكوفي فيه مقال كثير وأكثرهم أسقطوه. والأعمش هو سليمان، وأبو سفيان هو طلحة بن نافع. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (¬1) في ترجمة عبيد بن إسحاق العطار من روايته، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي - عليه السلام -، قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، وقال: لا أعلمه رواه عنه غير عبيد وهو ضعيف. قلت: لم يتفرد به عنه بل تابعه عليه محمَّد بن الصلت وهي رواية البزار وقال: حدثني ابن الصلت، قال: حدثني عمي محمَّد بن الصلت، نا قيس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر - رضي الله عنه -، قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". ¬

_ (¬1) "الكامل لابن عدي" (5/ 347).

ص: حدثنا ابن أبى داود، قال: نا خالد بن خَلِيّ الحمصي، قال: نا محمَّد بن حَرْب، قال: حدثني الضحاك بن حُمزة الأملوكي، عن الحجاج بن أرطاة، عن إبراهيم بن المهاجر، عن الحسن بن أبي الحسن، عن أنس بن مالك، عن رسول الله - عليه السلام - قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، وقد أدى الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل". فبيَّن رسول الله - عليه السلام - في هذا الحديث أن الفرض هو الوضوء، وأن الغسل أفضل؛ لما ينال به من الفضل لا على أنه فرض. ش: إسناده لا بأس به، وخالد بن خَلِىّ الكلاعي الحمصي القاضي، وثقه ابن حبان، وقال البخاري: صدوق. ومحمد بن حرب الخولاني المعروف بالأَبرْش، روى له الجماعة. والضحاك بن حُمْرة -بضم الحاء المهملة، وسكون الميم، بعدها راء مهملة- الأَمْلوكيِ، فيه اختلاف، ووثقه ابن حبان، والأُملوكي -بضم الهمزة- نسبة إلى أملوك بطن من رَدْمان، وردمان قبيلة من رعين. والحجاج بن أرطاة النخعي، روى له الأربعة ومسلم مقرونًا بغيره. وإبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي أبو إسحاق الكوفي، روى له الجماعة إلا البخاري. وذكر ابن حزم هذا في "المحلى"، وقال: هو من رواية الضحاك بن حُمْرة، وهو هالك، عن الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط، عن إبراهيم بن المهاجر، وهو ضعيف. قلت: قد تعسَّف ذلك لأجل مذهبه، ولقد بينت لك ما قالت الجماعة فيهم. وهذا الباب كما قد رأيت قد أخرج فيه الطحاوي عن ثلاثة من الصحابة - رضي الله عنهم - وهم: أنس، وسمرة، وجابر - رضي الله عنهم -. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وابن عباس.

فحديث الخدري عند البيهقي (¬1) والبزار: عن أَسِيد بن زيد الجمال، عن شريك، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل". قلت: أَسِيد بن زيد شيعيّ يبُالغ ولكن احتمله الناس (¬2)، وأبو نَضْرة، بالنون والضاد المعجمة، اسمه: المنذر بن مالك. وحديث أيضًا هريرة عند البزار (¬3) أيضًا عن أبي بكر الهُذلي عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه. ورواه ابن عدي في "الكامل" (¬4) وأعله بأبي بكر الهذلي، واسمه سُلْمَى بن عبد الله. وحديث عبد الرحمن بن سَمُرة عند الطبراني في "الأوسط" (¬5) من حديث حفص بن عمر الرازي ثنا أبو حرة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سَمُرة مرفوعًا، نحوه. وحديث ابن عباس عند البيهقي (¬6): أنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو أحمد بن محمَّد بن إسحاق الصفار، ثنا أحمد بن نصر، نا عمرو بن طلحة [القنّاد] (¬7)، نا أسباط بن نصر، عن السديّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - عليه السلام - ... فذكر نحوه. ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 296 رقم 1316). (¬2) الجمهور على تضعيفه وتوهينه، واتهمه ابن معين، انظر "تهذيب التهذيب". (¬3) انظر "نصب الراية" (1/ 92). (¬4) "الكامل لابن عدي" (3/ 323). (¬5) "المعجم الأوسط" (7/ 374 رقم 7765). (¬6) "السنن الكبرى" (1/ 295 رقم 1310). (¬7) في "الأصل، ك": العباد، بالعين المهملة والباء الموحدة، وهو تحريف والمثبت من "سنن البيهقي"، ومصادر ترجمته.

ص: فإن احتج محتج في وجوب ذلك بما روي عن علي وسعد وأبي قَتَادَة؛ وأبي هريرة - رضي الله عنهم -: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهب، قال: نا شعبة، عن يزيد بن أبى زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: "كنت قاعدًا مع سَعْدٍ، فذكر الغسل يوم الجمعة، فقال ابنه: لم اغتسل، فقال سعد: ما كنت أرى مسلمًا يدع الغسل يوم الجمعة". حدثنا ابن مرزوق، قال: نا يعقوب بن إسحاق، قال: نا شعبة، قال: أخبرني عمرو بن مرة، عن زاذان قال: "سألت عليًّا - رضي الله عنه - عن الغسل، فقال: اغتسل إذا شئت، قلت: إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل، قال: غسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر". حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "حقٌّ الله واجب على كل مسلم في كل سبعة أيام يغتسل، ويُغسِّل منه كل شيء، ويمس طيبا إن كان لأهله". حدثنا ربيع المؤذن، قال: أنا شعيب بن الليث، قال: نا الليث، عن يزيد بن أي حبيب، أن مصعب بن ثابت حدثه، أن ثابت ابن أبي قَتَادَة؛ حدثه، أن أبا قَتَادَة قال له: "اغتسل للجمعة فقال: لقد اغتسلت من جنابة، قال اغتسل للجمعة فإنك إنما اغتسلت للجنابة". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا سعيد بن منصور، قال: نا سفيان عن عَبْدة بن أي لُبَابَة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزى: "أن أباه كان يُحدِثُ بعد ما يغتسل يوم الجمعة فيتوضأ ولا يعيد". ش: أي: فإن استدل أحد ممن يدعي وجوب الاغتسال يوم الجمعة بما روي عن هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - الأربعة وهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو قَتَادَة الحارث بن ربعي الأنصاري، وأبو هريرة عبد الرحمن -على اختلاف في اسمه على ما ينيف على عشرة أسماء- فهذا كأنه اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى أورده حتى يجيب عنه.

وقد أخرج عن كل واحد منهم خبرًا. أما خبر سعد: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن يزيد بن أبي زياد القرشي، فيه اختلاف كثير، روى له مسلم مقرونًا بغيره، والأربعة. وأخرجه ابن أبى شيبة في "مصنفة" (¬1): نا هشيم، قال: نا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: "كنت مع سعد، فجاء ابن له، فقال له: هل اغتسلت؟ قال: لا، توضأت ثم جئت، فقال له سعد: ما أحب أن أحدًا يدع الغسل يوم الجمعة". واسم ابن سعد: إبراهيم. فقدله: "ما كنت أرى مسلمًا يدع الغسل يوم الجمعة" أي: يتركه، يدل على أنه واجب، إذْ لو لم يكن واجبًا لما شدد هذا التشديد على تاركه. وأما خبر علي - رضي الله عنه -: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن يعقوب بن إسحاق المقرئ النحوي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة الجملي الأعمى، أحد مشايخ أبي حنيفة، عن زاذان الكوفي الضرير البزاز. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا حفص، عن حجاج، عن عمرو بن مرة، عن زاذان، قال:"سألت عليًّا عن الغسل يوم الجمعة، فقال: الغسل يوم الجمعة وفي العيدين ويوم عرفة". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 434 رقم 4998). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 500 رقم 5772) من طريق وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن زاذان: "أن رجلًا سأل عليًّا عن الغسل، فقال: الغسل يوم الأضحى ويوم الفطر". هكذا جاء في المصنف ولم أجد الرواية المذكورة في نسختي، والأثر أخرجه البيهقي في "سننه الكبري" (3/ 378) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة.

قوله: "إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل" أي: الغسل الذي لا بد منه ولا ينبغي تركه قال: "غسل يوم الجمعة ... " إلى آخره. وأما خبر أبي هريرة: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن طاوس، وهذا صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن حزم في "المحلى" (¬1). قوله: "حق" مرفوع بالابتداء، وهو نكرة، ولكنه تخصص بالصفة وهو قوله: "واجب"، وخبره قوله: "يغتسل" والأصوب أن يكون "يغتسل" مبتدءًا بتقدير "أن" ويكون قوله "حق" خبره. أي أن يغتسل حق، أي: غسله حق واجب لله تعالى. كما في قوله: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (¬2). قوله: "ويغسل منه" أي: من جسده كل شيء، ووقع في رواية ذكرها ابن الأثير في "جامعه": "ويغسل رأسه وجسده"، وأراد به الغسل الكامل كغسل الجنابة. قوله: "ويمس" بالرفع عطفًا على قوله: "يغتسل" وفي بعض النسخ: "وليمس" بلام الغائب، والأول: أصح. وأما خبر أبي قَتَادَةَ: فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي المصري، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي المدني، فيه مقال ووثقه ابن حبان، عن ثابت بن أبي قَتَادَة؛ الحارث بن ربعي ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬3): من رواية يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ابن أبي قَتَادَة؛، قال: "دخل عليَّ أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غسلك هذا من ¬

_ (¬1) "المحلى" (2/ 20). (¬2) قال في "كشف الخفا" (1/ 559 رقم 1509): مثلٌ وليس بحديث. (¬3) "المعجم الأوسط" (8/ 130).

جنابة أو للجمعة؟ قلت: من جنابة، قال: أعد غسلًا آخر؛ إني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى". وأما خبر عبد الرحمن بن أبزى فإنه خلاف خبر أبي قَتَادَة على ما نذكره عن قريب وكان ينبغي أن يذكره في الجواب عن أخبار هؤلاء، على أنه قال: وقد روينا عن عبد الرحمن بن أبزى خلاف ذلك. ويستفاد منه شيئان: الأول: عدم وجوب الغسل يوم الجمعة؛ لأنه لو كان واجبًا عنده لأعاده بعد الحدث، لأجل الصلاة به. والثاني: فيه حجة لمن يرى أن غسل يوم الجمعة لليوم لا للصلاة؛ إذْ لو كان للصلاة لكان عبد الرحمن بن أبزى يعيد غسله إذا أحدث، وإليه ذهب الحسن بن زياد من أصحابنا، وقال أبو يوسف: للصلاة، وهو قول طاوس وإبراهيم التيمي ومحمد بن سيرين. وقال ابن حزم في "المحلى": وغسل يوم الجمعة إنما هو لليوم لا للصلاة، فإن صلى الجمعة والعصر ولم يغتسل أجزأه ذلك، وأول وقته إثْر طلوع الفجر من يوم الجمعة إلى أن يبقى من قرص الشمس مقدار ما يتم غسله كله قبل غروب آخره، وأفضله أن يكون متصلًا بالرواح إلى الجمعة. وقال أبو حنيفة والليث وسفيان وعبد العزيز بن أبي سلمة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وداود كقولنا، وقال طاوس والزهري وقَتَادَة ويحيي بن أبي كثير: من اغتسل للجمعة ثم أحدث، يستحب أن يعيد غسله. وقال مالك والأوزاعي: لا يجزئ غسله يوم الجمعة إلا متصلًا بالرواح، إلا أن الأوزاعي، قال: إن اغتسل قبل الفجر ونهض (إلى الجمعة) (¬1) أجزأه. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المحلى" (2/ 22).

وقال مالك: إن بال أو أحدث بعد الغسل لم ينتقض غسله ويتوضأ فقط، فإن أكل أو نام انتقض غسله. وقال علي (¬1): ما نعلم مثل قول مالك عن أحد من الصحابة والتابعين ولا له حجة من قرآن أو سنة، ولا قياس ولا قول صاحب. ثم إسناد خبر عبد الرحمن بن أبزى صحيح ورجاله من رجال الصحيح ما خلا صالحًا. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): نا سفيان بن عيينة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أنه كان يغتسل يوم الجمعة، ثم يحدث بعد الغسل ثم لا يعيد غسلًا". ص: قيل له: أما ما روي عن علي - رضي الله عنه - فلا دلالة فيه على الفرض؛ لأنه لما قال له زاذان إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل، أي: الذي في إصابته الفضل، قال: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة. فقرن بعض ذلك ببعض فكما كان ما ذكر مع غسل يوم الجمعة ليس على الفرض فكذلك غسل يوم الجمعة. وأما ما روي عن سعد - رضي الله عنه - من قوله: "ما كنت أرى مسلمًا يدع الغسل يوم الجمعة" أي لما فيه من الفضل الكبير مع خفة مؤنته. وأما ما روي عن أبي هريرة من قوله: "حق الله واجب على كل مسلم يغتسل في كل سبعة أيام" فقد قرن ذلك بقوله: "ويمس طيبًا إن كان لأهله" فلم يكن مسيس الطيب على الفرض، فكذلك الغسل. وهو فقد سمع عمر يقول لعثمان ما ذكرنا, ولم يأمره بالرجوع بحضرته، فلم ينكر ذلك عليه؛ فذلك أيضًا دليل على أنه عنده كذلك. ¬

_ (¬1) أي ابن حزم. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 438 رقم 5048).

وأما ما روي عن أبي قَتَادَة، مما ذكرنا عنه من ذلك، فهو إرادة منه للقصد بالغسل إلى الجمعة لإصابة الفضل في ذلك. وقد روينا عن عبد الرحمن بن أبزى خلاف ذلك. وجميع ما بيناه في هذا الباب قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. ش: هذا جواب عما احتج به ذاك المحتج بأخبار هؤلاء المذكورين؛ أي: قيل للمحتج المذكور: أما ما روي عن علي ... إلى آخره. وهو ظاهر. فإن قيل: قد يجمع النظم قرائن الألفاظ والأسماء المختلفة الأحكام، والمعاني تنزلها منازلها وترتبها كما في قول عائشة - رضي الله عنها -: "إن النبي - عليه السلام - كان يغتسل من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة ومن غسل الميت". فأما الغسل من الجنابة فواجب بالاتفاق. وأما الاغتسال من الحجامة إنما هو لإماطة الأذى؛ لأنه لا يؤمن أن يكون قد أصاب المحتجمَ رشاشٌ من الدم، فالاغتسال منها استظهار بالطهارة، استحباب للنظافة. وأما الاغتسال من غَسْل الميت فقد اتفق الجمهور على أنه على غير الوجوب. فيبقى الكلام في غسل يوم الجمعة، فلم لا يجوز أن يكون كغسل الجنابة بقرينة الأوامر الواردة فيه، وكذلك في قول علي - رضي الله عنه -، يكون غسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة مستحبًّا؛ لأن المراد منه الاستظهار بالنظافة في تلك الأيام، ويكون غسل يوم الجمعة فرضًا بقرنية الأوامر الدالة عليه في هذا الباب؟ قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن الدليل قد قام أنه - رضي الله عنه - كان يفعله ويأمر به استحبابًا، فسقط الوجوب حينئذٍ، فيكون كلام علي - رضي الله عنه - على نسق واحدٍ في الدلالة على الاستحباب في الجميع.

فإن قيل: فلم لا يجوز أن يكون الكل على نسقٍ واحدٍ في الوجوب؟ قلت: لا؛ لعدم قيام الدليل عليه؛ لأنه لم ينقل عنه - عليه السلام - أنه أوجب غسل يوم عرفة، أو يوم العيدين. قوله: "لما فيه من الفضل الكبير" أي: في الاغتسال للجمعة لما روي عن أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله - عليه السلام -، قال: "من اغتسل يوم الجمعة واستاك ولبس أحسن ثيابه وتطيب بطيب -إن وجده- ثم جاء ولم يتخط الناس، فصلى ما شاء الله أن يصلي، فإذا خرج الإِمام سكت، فذلك كفارة إلى الجمعة الأخرى". رواه البيهقي (¬1) بإسناد صالح. قوله: "مع خفة مؤنته" أي: مع [خفه] (¬2) مؤنة الغسل لعدم التكلف في تحصيل الماء؛ لأنه مبذول عادة. قوله: "فقد قرن ذلك بقوله ويمس طيبًا" والقران في النظم يوجب القران في الحكم، على اختلاف فيه، فكما أن مس الطيب ليس بفرض، فكذلك الغسل يوم الجمعة. قوله: "وهو فقد سمع": أي والحال أن أبا هريرة قد سمع عمر - رضي الله عنه - حين قال لعثمان ما ذكر فيما مضى، ولم يأمره بالرجوع إلى الغسل، ولم ينكر أبو هريرة ولا غيره ذلك عليه، فدل ذلك أنه أيضًا لا يرى بوجوب الغسل. قوله: "فهو إرادة منه للقصد بالغسل إلى الجمعة لإصابة الفضل" كما روي عن أبي هريرة أنه قال: "لأغتسلن يوم الجمعة، ولو كأسٌ بدينار". رواه ابن أبي شيبة (¬3): عن وكيع، عن ثور، عن زياد النميري ... عنه. ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (3/ 192 رقم 5474). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها. (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 434 رقم 5004).

قوله: "وقد روينا عن عبد الرحمن بن أبزى خلاف ذلك". أي: خلاف ما روي عن أبي قَتَادَة، فإن أبا قَتَادَة أمر ابنه بإعادة الغسل لأجل الجمعة بعد أن اغتسل للجنابة وعبد الرحمن بن أبزى كان لا يعيده إذا أحدث، وهو خلاف ذاك. وكأنه أشار بذلك إلى أن خبر أبي قَتَادَةَ مُعَارَض بخبر عبد الرحمن بن أبزى، والمعارَض لا يصلح حجة.

ص: باب: الاستجمار

ص: باب: الاستجمار ش: أي هذا باب في بيان حكم الاستجمار؛ وهو التمسح بالجمار. وهي الأحجار الصغار، ومنه سميت جمار الحج؛ للحصى التي يرمى بها، وأما موضع الجمار بمنى فسمي جمرة لأنها بالجمار. وقيل: لأنها مجمع الحصى التي ترمى بها من الجمرة. وقيل سميت به من قولهم: أجمر، إذا أسرع. وإنما سمي الاستنجاء استجمارًا؛ لأنه ينظف المحل، كما يطيبه الاستجمار بالبخور. وقد قيل في قوله: "من استجمر فليوتر": إنه البخور، من التجمير الذي يُوقد به. والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأن الاستجمار لا بد منه للطهارة سواء كانت صغرى أو كبرى. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا عبد الله بن وهب، أن مالكًا حدثه، ح. وحدثنا حسين بن نصر، قال: نا عبد الرحمن بن زياد، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "من استجمر فليوتر". حدثنا يونس، قالك أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - ... مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: نا الوَهْبيُّ، قال: أنا ابن إسحاق، قال: حدثنا الزهري، عن عائذ الله، قال سمعت أبا هريرة يقول ... مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: نا بشر بن عمر، قال: نا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس، عن أبى هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - ... مثله.

حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: نا سعيد بن أبى مريم، قال: أنا أبو غسان، قال: حدثني ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يأمرنا إذا أتى أحدنا الغائط، بثلاثة أحجار". ش: هذه ستة طرق صحاح. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (¬1): نا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه الماء ثم لينتثر، ومن استجمر فليوتر ... ". الثاني: عن حسين بن نصر، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، عن مالك ... إلى آخره، وعبد الرحمن هذا وثقه أبو حاتم. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (¬2): نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة: أن رسول الله - عليه السلام - قال: "من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر". وأخرجه النسائي (¬3): أنا قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 72 رقم 160). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 212 رقم 237). (¬3) "المجتبى" (1/ 66 رقم 88).

الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود، عن أحمد بن خالد الكندي الوَهبي، عن محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عائذ الله الخولاني، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبى شيبة (¬1): من حديث الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "منْ توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر". الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر بن الحكم الزهراني، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن ماجه (¬2): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا زيد بن الحباب وداود بن عبد الله، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "مَنْ توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر". السادس: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سعيد بن أبي مريم شيخ البخاري، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي، عن محمَّد بن عجلان المدني، عن القَعْقاع بن حكيم الكناني، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3) بأتم منه، عن ابن عُيَيْنة، عن محمَّد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إنما أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم، إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، وأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرَّمة -يعني العظام- ونهى أن يستطيب الرجل بيمينه". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 33 رقم 279). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 143 رقم 409). (¬3) لم أجده في "مصنف عبد الرزاق " النسخة المتداولة، ولم يعزه له الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 14) وإنما عزاه للبيهقي في "سننه الكبرى" (1/ 91 رقم 437) من نفس الطريق.

وأخرجه أبو داود (¬1) والنسائي (¬2) وابن ماجه (¬3). قوله: "فليوتر" أمر من الإيتار، ومعناه: اجعل الأحجار التي تستنجي بها فردًا، إما واحدة أو ثلاثًا أو خمسًا، وأصله من الوتر وهو الفرد. قوله: "إذا أتى أحدنا الغائط" أي: موضع قضاء الحاجة، وفي الأصل هو اسم للمطمئن من الأرض. ص: حدثنا محمَّد بن حميد، قال: حدثني عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني هشام بن سعد، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط، سمع عروة يقول: حدثتني عائشة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا خرج أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار ليستنظف بها، فإنها ستكفيه". ش: إسناده حسن جيد، وأبو حازم اسمه سلمة بن دينار المدني الأعرج. وأخرجه أبو داود (¬4): نا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد، قالا: نا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه". وأخرجه النسائي (¬5): عن قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن مسلم بن قُرط ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الدارقطني (¬6) أيضًا. قوله: "ليستنظف بها" أي: بالأحجار الثلاثة، الاستنظاف من النظافة، وأراد به الاستنجاء؛ لأنه ينظفه ويُطيبه. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود (1/ 3 رقم 8) ". (¬2) "المجتبى" (1/ 38 رقم 40). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 114 رقم 313). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 10 رقم 40). (¬5) "المجتبى" (1/ 41 رقم 44). (¬6) "سنن الدارقطني" (1/ 54 رقم 4) وقال الدارقطني: إسناد صحيح.

قوله: "فإنها" أي: فإن الأحجار الثلاثة ستكفيه في النظافة. قوله: "فليذهب بثلاثة أحجار" وفي رواية أبي داود "فليذهب معه بثلاثة أحجار" أي مصاحبة معه، وهيِ حال. ص: حدثنا: ابن أبي داود، قال: أنا سليمان بن حرب، قال: نا شعبة، عن منصور، ح. وحدثنا أبو بكرة، قال: أنا أبو الوليد، قال: نا شعبة، قال: قرأت على منصور، ح. وحدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهب، نا شعبة، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن سلمة بن قيس، عن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا استجمرت فأوتر". ش: أخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سليمان بن حرب، عن شعبة، عن منصور ابن المعتمر، عن هلال بن يَسَاف، عن سلمة بن قيس الأشجعي الغطفاني الصحابي، عن رسول الله - عليه السلام -. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): نا أبو مسلم الكشيّ، ثنا سليمان بن حرب ... إلى آخره. ولفظه: "إذا توضأت فانتثر، هذا استجمرت فأوتر". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة، عن منصور، عن هلال ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (¬2) أيضًا: نا أبو مسلم الكشيّ، ثنا أبو الوليد الطيالسي ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (7/ 37 رقم 6308). (¬2) "المعجم الكبير" (7/ 37 رقم 6309).

الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور، عن هلال ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (¬1): عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن سلمة بن قيس، عن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا استجمرت فأوتر". ص: حدثنا: أبو بكرة، قال: نا صفوان بن عيسى، قال: نا محمَّد بن عجلان، ح. وحدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة الكوفي، قال: نا عفان، قال: نا وُهَيْب، عن ابن عجلان، قال: أنا القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يأمرنا بثلاثة أحجار، يعني في الاستحجار". ش: هذان طريقان صحيحان. الأول: عن أبي بكرة بكار، عن صفوان بن عيسى القرشي الزهري البصري، عن محمَّد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (¬2) بأتم منه: نا عبد الله بن محمَّد النُفَيلي، قال: ثنا ابن المبارك، عن محمَّد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها, ولا يتطيب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرِمّة". الثاني: عن علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة الكوفي، عن عفان بن مسلم، عن وُهَيْب -بالتصغير- بن خالد البصري، عن ابن عجلان ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 41 رقم 43). (¬2) سنن أبي داود (1/ 3 رقم 8) وقد تقدم.

وأخرجه النسائي (¬1): أنا يعقوب بن إبراهيم، قال: نا يحيي -يعني ابن سعيد- عن محمَّد بن عجلان، قال: أخبرني القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "أنا لكم مثل الوالد، أعلمكم؛ إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها, ولا يستنجي بيمينة. وكان يأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة". وأخرجه ابن ماجه (¬2) والدارمي (¬3) أيضًا في "سننيهما". ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: نا عبد الرحيم ابن سليمان، عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة،. عن خزيمة بن ثابت، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "في الاستجمار ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع". ش: إسناده حسن جيد، وعمرو بن خزيمة المزني وثقه ابن حبان. وعمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري، وثقه النسائي وغيره. وخزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري، ذو الشهادتين. وأخرجه أبو داود (¬4): نا عبد الله بن محمَّد النُفيْلي، قال: نا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن عمرو بن خزيمة، عن عمارة بن خزيمة، عن خزيمة بن ثابت، قال: "سئل رسول الله - عليه السلام - عن الاستطابة، فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع". وأخرجه ابن ماجه (¬5) أيضًا: عن محمَّد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة. وعن علي بن محمَّد، عن وكيع، جميعًا عن هشام بن عروة ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي، غير أن لفظه: "في الاستنجاء". ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 38 رقم 40). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 114 رقم 313). (¬3) "سنن الدارمي" (1/ 182 رقم 674). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 11 رقم 41). (¬5) "سنن ابن ماجه" (1/ 114 رقم 315).

و"الرجيع" هو العذِرة والروث، سمي رجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. ص: حدثنا فهد، قال: نا جَنْدَلُ بن وَالِقِ، قال: نا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان - رضي الله عنه -، قال: "نُهينا أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار". ش: إسناده حسن، وجندل بن والق التغلبي أبو علي الكوفي، قال أبو حاتم: صدوق. وحفص هو ابن غياث النخعي الكوفي، أحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة. والأعمش هو سليمان، وإبراهيم هو النخعي. وعبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، أخو الأسود. والحديث أخرجه الجماعة (¬1) غير البخاري. ورواه ابن أبى شيبة في "مصنفه" (¬2): نا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان: "قال له بعض المشركين -وهم يستهزئون-: أرى صاحبكم وهو يعلمكم، حتى الخراءة! فقال سلمان: أجل، أمرنا أن لا نستقبل القبلة، ولا نستنجي بدون ثلاثة أحجار". ورواه مسلم (¬3): عن أبي بكر بن أبي شيبة. ¬

_ (¬1) ذكر المصنف رواية مسلم عن ابن أبي شيبة بعد ذلك وسنذكر الباقي هناك. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 143 رقم 164). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 223 رقم 262). ورواه أبو داود في "سننه" (1/ 3 رقم 7)، والترمذي في "جامعه" (1/ 24 رقم 16) والنسائي في "المجتبى" (1/ 38 رقم 41) من طريق أبي معاوية عن الأعمش به، ورواه ابن ماجه أيضًا (1/ 115 رقم 316) من طريق وكيع وسفيان عن الأعمش به.

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى أن الاستجمار لا يجزئ بأقل من ثلاثة أحجار، واحتجوا في ذلك بهذا الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهوية وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: لا بد من ثلاث مَسَحَات بثلاثة أحجار، حتى لو مسح مرة أو مرتين فزالت النجاسة، وجبت مسحة ثالثة، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة. وقال ابن حزم في "المحلى" (¬1): وتطهير القبل والدبر من البول والغائط والدم، من الرجل والمرأة، لا يكون إلا بالماء حتى يزول الأثر، وبثلاثة أحجار متغايرة؛ فإن لم تُنْقِ فعلى الوتر أبدًا يزيد كذلك، حتى تُنْقِى، لا أقل من ذلك، أو بالتراب أو الرمل بلا عدد، لكن ما أزال الأثر فقط على الوتر. وفي "المغني" (¬2): وإن أنقى بدون الثلاثة لم يُجْزه حتى يأتي بالعدد، وإن لم يُنْق بثلاثة زاد حتى ينقي. ويشترط الأمران جميعًا: الإنقاء وإكمال الثلاثة، أيهما وجد دون صاحبه لا يكفي، وإذا زاد ذلك على الثلاثة استحب أن لا يقطع إلا على وتر؛ للحديث الوارد فيه. ص: وخالفهم في ذلك أخرون، فقالوا: ما استجمر به منها فأنقى به الأذى، ثلاثة كانت أو أكثر منها أو أقل، وترًا كانت أو غير وتر، فإن ذلك قد طهره. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا أو مالكا وداود والظاهرية؛ فإنهم قالوا: الشرطُ الإنقاء، دون العدد؛ حتى لو حصل الإنقاء بحجر واحدٍ أجزأه. وهو وجه للشافعية. قوله: "ما استجمر به" "ما" موصولة مبتدأ، واستجمر به صلتها. وقوله: "فأنقى" عطف عليه، "والأذى" مفعوله. ¬

_ (¬1) "المحلى" (1/ 95). (¬2) "المغني" (1/ 101) بتصرف واختصار.

قوله: "فإن ذلك قد طهره" جملة من المبتدأ والخبر مؤكدة بـ"إن" في محل الرفع على أنها خبر للمبتدأ؛ أعني قوله: "ما" في "ما استجمر"، ودخلت فيه الفاء لِتُضَمِّن المبتدأ معنى الشرط. قوله: "ثلاثةً" نصب، على أنها خبر كان؛ أي: سواء كانت الأحجار ثلاثة أو أكثر أو أقل، وكذا الكلام في انتصاب "وترًا". ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن أمر النبي - عليه السلام - في هذا بالوتر يحتمل أن يكون ذلك على الاستحباب منه للوتر، لا على أن ما كان غير وتر لا يُطّهر، ويحتمل أن يكون أراد به التوقيت الذي لا يطهر ما هو أقل منه. فنظرنا في ذلك هل نجد فيه شيئًا مما يدل على ذلك؟ فإذا يونس بن عبد الأعلى قد حدثنا، قال: أنا يحيى بن حسان، قال: نا عيسى بن يونس، قال: ثنا ثور بن يزيد، عن حصين الحُمْراني، عن أبي سعيد الخَيْر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "من اكتحل فليوتر من فَعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن تخلل فليلفظ، ومن لاك بلسانه فليبلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا كثيبًا يجمعه فليستدبره؛ فإن الشيطان [يتلاعب]، (¬1) بمقاعد بني آدم". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أخبرنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، قال: نا حصين الحِميْري، قال: حدثني أبو سعيد الخير، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - ... مثله، وزاد: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج". فدل ذلك أن رسول الله - عليه السلام - إنما أمر بالوتر في الآثار الأُوَل استحبابًا منه للوتر لا أن ذلك من طريق الفَرض الذي لا يجزئ إلا هو. ¬

_ (¬1) في "الأصل": يلاعب، والمثبت من شرح معاني الآثار، ومصادر التخريج.

ش: أي: وكان من البرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه؛ تقريره: أن أمر النبي - عليه السلام - بالوتر في الآثار المذكورة يحتمل أن يكون على وجه الاستحباب كما يقوله أهل المقالة الثانية ويحتمل أن يكون على وجه التنصيص عليه. بحيث إنه إذا أحل لا يجوز، كما يقوله أهل المقالة الأولى فالمحتمل لا يصلح حجة إلا بمرجح لأحد المعنيين، فرأينا حديث أبي هريرة قد دل على الاحتمال الأول، فسقط الوجه الثاني. ففي هذا أيضًا إعمال الحديثين، وفيما قالوه إهمال لأحدهما، والعمل بالحديثين أصلى من إهمال أحدهما. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن يحيى بن حسان التنّيسي، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن ثور بن يزيد أبي خالد الشامي الحمصي، عن حُصَيْن الحمراني -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- والحمراني -بضم الحاء وسكون الميم- نسبة إلي حُمران بطن من حمير، وربما يقال له الحُبْراني بـ"الباء" موضع "الميم" ويقال له: الحميري أيضًا كما في الطريق الثاني، وهو يروي عن أبي سعيد الخير، وفي التهذيب: أبو سَعْد الخير، ويقال أبو سعيد الخير، ويقال: إنهما اثنان. يقال: اسمه زياد، ويقال: عامر بن سعد، ويقال: عمرو بن سعد. ذكره أبو عمر وأبو نعيم الأصبهاني وابن مندة وابن الأثير في "الصحابة" فتكون رواية صحابي عن صحابي. وأخرجه أبو داود في "سننه" (¬1): نا إبراهيم بن موسى الرازي، قال: أنا عيسى بن يونس ... إلى آخره نحوه، مع اختلاف يسير. الثانى: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن ثور بن يزيد ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 9 رقم 35).

وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا سريج، نا عيسى بن يونس، عن ثور، عن الحصين -كذا قال-: عن أبي سعيد الخير -وكان من أصحاب عمر- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام - ... إلى آخره، نحوه. فإن قيل: ما حال هذا الحديث؟ قلت: رجاله ثقات، وهو صحيح. فإن قلت: قد قال أبو عمر وابن حزم والبيهقي: ليس إسناده بالقائم، فيه مجهولان، يَعْنون حصينًا الحُمْراني وأبا سعيد الخير. قلت: هذا كلام ساقط؛ لأن أبا زرعة الدمشقي قال في حصين هذا: شيخ معروف. وقال يعقوب بن سفيان في "تاريخه": لا أعلم إلا خيرًا، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات". وأما أبو سعيد الخير فإنه صحابي. والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان في "صحيحه" (¬2) وأحمد في "مسنده" (¬3) كما ذكرنا. قوله: "من اكتحل فيوتر" أي: فليجعل الاكتحال فردًا، إما واحدة أو ثلاثا أو خمسًا، وإنما أُمِرنا بالوتر لقوله - عليه السلام -: "إن الله وتر يحب الوتر" (¬4) وهذا الأمر من الأمور النَدْبية، كقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ} (¬5)، والأولى أن يكون للإرشاد، والفرق بينهما أن الندب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، غير مشتمل على ثواب الآخرة، وقد علم في موضعه أن الأمر يستعمل في قريب من عشرين معنى. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 371 رقم 8825). (¬2) "صحيح ابن حبان" (4/ 257 رقم 1410). (¬3) تقدم قريبًا. (¬4) "متفق عليه"، أخرجه البخاري (5/ 2354 رقم 6047)، ومسلم (4/ 2062 رقم 2677). (¬5) سورة النور، آية: (33).

قوله: "من فعل فقد أحسن" أي: من فعل الإيتار فقد أحسن في فعله، أي أتى بالفعل الحسن. ولتضمن "مَن" معنى الشرط دخل في جوابه "الفاء". قوله: "ومن لا فلا حرج" أي: ومن لم يفعل الإيتار فلا حرج عليه أيِ: لا إثم عليه. وقد دل نفي الحرج على أن الإيتار ليس بواجب، وإنما هو مندوب كما ذكرناه. قوله: "ومن استجمر" أي: ومن تمسح بالحجارة فليوتر، أي: فليجعل الحجارة التي يستنجى بها فردًا، إما واحدة أو ثلاثًا أو خمسًا. وهذا حجة قوية لأبي حنيفة ومن تبعه في هذه المسألة؛ لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث. وقد قيل في قوله: "من استجمر فليوتر" إنه البخور، مأخوذ من الجَمْر الذي يُوقد به، وقد كان الإِمام مالك يقوله، ثم رجع عنه. قوله: "ومن تخلل فليلفظ" أي: من تخلل بالخِلال فيما بين أسنانه بعد الأكل، فليلفظ الذي يخرج منه، أي: فليرم؛ لأن اللفظ في اللغة من الرمي، يقال: أكلت التمرة ولفظت نواها، أي: رميتها. وهذا أيضًا من الأمور الإرشادية. قوله: "ومن لاك" من اللوك، يقال: لكت الشيء في فمي ألوكهُ، إذا علكته، وقد لاك الفرسُ اللجامَ. قوله: "فليبتلع" أمر من الابتلاع، البلع والابتلاع بمعنى. وإنما أمر في التخلل بالرمي -يعني رميِ الخُلالة- لأنها تُنْتن بين الأسنان فتصير مستقذرة. وروي عن ابن عمر أن تركها يُوهن الأضراس. وفي اللوك بالابتلاع (¬1)؛ لأن رميِ اللقمة بعد لوكها إسراف وبشاعة للحاضرين. ¬

_ (¬1) "وفي اللوك بالابتلاع" يعني: وأمر في اللوك بالابتلاع، وهو تتمة لقوله السابق: "وإنما أمر في التخلل ... " إلخ.

قوله: "إلا كثيبًا": الكثيب من الرمل المستطيل المحُدَودب. قوله: "يجمعه" جملة وقعت صفة للكثيب. قوله: "فليستدبره" أي: فليستدبر الكثيب، أي: يجعله عند دبره. قوله: "فإن الشيطان [يتلاعب]، (¬1) بمقاعد بني أدم" أراد: أن الشياطين أن تحضر تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد؛ لأنها [مواضع] (¬2) يهجر فيها ذكر الله تعالى، وتكشف فيها العورات. وهو معنى قوله: "إن هذه الحشوش محتضرة" (¬3) فأمره بالتستر مهما أمكن، وألا يكون قعوده في براح من الأرض، تقع عليه أبصار الناظرين، أو تهب الريح عليه فيصيبه نشر البول، فيلوث بدنه أو ثيابه، وكل ذلك من لعب الشيطان به. و"المقاعد" مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها, ولعب الشيطان بمقاعد بني آدم كناية عن إيصاله الأذى والفساد. وقد استفيد منه أحكام كثيرة على ما لا يخفى: منها: جواز الاكتحال للرجال والنساء جميعًا، وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - عليه السلام - قال: "اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر"، وزعم "أن النبي - عليه السلام - كانت له مِكْحَلة يكتحل منها كل ليلة، ثلاثةً في هذه، وثلاثةً في هذه". أخرجه الترمذي (¬4). ومنها: أن الاستنجاء ليس فيه عدد مسنون؛ لأن الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": يلاعب، كما تقدم في متن الحديث، والمثبت من "شرح معاني الآثار"، ومصادر تخريج الحديث. (¬2) في "الأصل، ك": موضع، وما أثبته أليق بالسياق. (¬3) رواه أبو داود في "سننه" (1/ 2 رقم 6)، والنسائي في "الكبرى" (6/ 23 رقم 9903)، وابن ماجة في "سننه" (1/ 108 رقم 296) وأحمد في "مسنده" (4/ 369) وغيرهم من حديث زيد بن الأرقم. (¬4) "جامع الترمذي" (4/ 234 رقم 1757).

ومنها: أن الاستنجاء ليس بفرض كما ذهبت إليه الحنفية؛ لأن قوله: "من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج"، لا يقال مثل هذا في المفروض، وإنما يقال في المندوب إليه، إلا أنه إذا ترك الاستنجاء أصلًا وصلى يكره؛ لأن قليل النجاسة جعل عفوًا في حق جواز الصلاة دون الكراهة، وإذا استنجى زالت الكراهية. وقد قيل: إن نفي الحرج في تركه (¬1)، ولو كان فرضًا لكان في تركه حرج، فالحديث حجة على الشافعي ومن تبعه في قولهم بفرضية الاستنجاء. قلت: فيه نظر؛ لأن نفي الحرج في ترك الإيتار لا في ترك أصل الاستنجاء. وقال الخطابي: معنى الحديث التخيير بين الماء الذي هو الأصل، وبين الأحجار التي هي للترخيص. لكنه إذا استجمر بالحجارة فليجعل [وترًا ثلاثا] (¬2) وإلا فلا حرج إن تركه إلى غيره. وليس معناه ترك التعبد أصلًا بدليل حديث سلمان "نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار". قلت: قال الأستاذ فخر الدين: في التمسك بالحديث نفي الحرج عن تارك الاستنجاء، فدلّ أنه ليس بواجب، وكذلك ترك الإيتار لا يضر؛ لأن ترك أصله لما لم يكن مانعًا فما ظنك في ترك وصفه فدل الحديث على انتفاء المجموع. قلت: فيه النظر المذكور بعينه. وقال الخطابيّ: وفيه آخر، وهو رفع الحرج في الزيادة على الثلاث، وذلك أن مجاوزة الثلاث في الماء عدوان، وترك للسنة، والزيادة في الأحجار ليست بعدوان، وإن صارت شفعًا. قلت: هذا الوجه لا يفهم من هذا الكلام، على ما لا يخفى على [الفطن] ومجاوزة الثلاث في الماء كيف يكون عدوانًا إذا لم تحصل الطهارة بالثلاث؟! والزيادة في الأحجار وإن كانت شفعًا، كيف لا يصيرُ عدوانا، وقد نص على الإيتار؟! ¬

_ (¬1) يعني الحرج الكائن في تركه، لو كان واجبًا. (¬2) في "الأصل": وثرانلا. والتصويب من "معالم السنن"- بها مش المنذري (1/ 35).

ص: وقد روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - ما قد بين ذلك أيضًا: حدثنا أحمد بن داود، قال: نا مُسدّد، قال: أنا يحيي بن سعيد، عن زهير، قال: أخبرني أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: "كنت مع النبي - عليه السلام - فأتى الغائط فقال: ائتني بثلاتة أحجار فالتمست فلم أجد إلا حجرين وروثةً، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس". حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا زهير بن عباد، قال: نا يزيد بن عطاء، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود، قالا: قال ابن مسعود ... فذكر نحوه. ففى هذا الحديث ما يَدلُّ أنَّ النبي - عليه السلام - قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجارٌ؛ لقوله لعبد الله ناوِلنيِ ثلاثة أحجار، ولو كان بحضرته شيء من ذلك لما احتاج إلى أن يناوله من غير ذلك امان، فلما أتاه عبد الله بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وأخذ الحجرين، دلّ ذلك على استعماله الحجرين، وعلى أنه قد رأى أن الاستحجار لهما يجزى مما يجزى منه الاستجمار بالثلاث؛ لأنه لو كان لا يجزى للاستحجار بما دون الثلاث لما اكتفى بالحجرين، ولأمر عبد الله أن يَبْغِيه ثالثًا. ففي ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين. ش: أي قد رُوِيَ عن ابن مسعود، عن النبي - عليه السلام - ما قد بَيَّن ما قلنا من أن الأمر بالإيتار في الآثار المذكورة أمر ندب لا أمر وجوب، وذلك ظاهر لا يخفى. حاصلة أن العَدَد لو كان شرطًا، لسأل النبي - عليه السلام - ابنَ مسعود ثالثًا؛ فحين اكتفى بالاثنين, ولم يسأل الثالث، علمنا أن المعتبى في هذا الباب الإنقاء دون العدد، ولا ينكر هذا إلا معاند. ثم إنه أخرج حديث ابن مسعود من طريقين: الأول: عن أحمد بن داود، عن مُسدّد، أحد مشايخ البخاري وغيره، عن يحيي بن سعيد القطان، عن زهُير بن معاوية بن حُديج الكوفي، أحد أصحاب

أبي حنيفة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَبيعي، عن عبد الرحمن بن الأسود بن [يزيد]، (¬1) بن قيس النخعي، عن أبيه الأسود بن يزيد، وكلهم رجال الصحيح ما خلا أحمد بن داود. وأخرجه البخاري (¬2)، نا أبو نعيم، نا زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، سمع عبد الله يقول: "أتى رسول الله - عليه السلام - الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال. هذا ركس". وأخرجه النسائي (¬3)، نا أحمد بن سليمان، نا أبو نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود ... إلى آخره، نحو رواية البخاري، وفي آخره قال أبو عبد الرحمن: "الركس طعام الجن". وأخرجه ابن ماجه (¬4)، نا أبو بكر بن خلاد الباهلي، نا يحيي بن سعيد القطان، عن زهير، عن أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الترمذي (¬5) من حديث أبي عبيدة: نا هناد وقتيبة، قالا: نا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: "خرج النبي لحاجته، فقال: التمس لي ثلاثة أحجار، قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: إنها ركس". ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": زيد، وهو تحريف، والمثبت من مصادر ترجمته. (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 70 رقم 155). (¬3) "المجتبى" (1/ 39 رقم 42). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 114 رقم 314). (¬5) "جامع الترمذي" (1/ 25 رقم 17).

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود، عن زهير بن عباد الرُؤاسي، ابن عم وكيع بن الجراح، عن يزيد بن عطاء بن يزيد الكندي، فيه مقال، عن أبي إسحاق عَمرو السَبيعي، عن علقمة بن قيس النخعي، وعن الأسود بن يزيد النخعي، عن ابن مسعود. وأخرجه الدارقطني (¬1): نا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن بول، حدثني جدّي، ثنا أبي، عن أبي شيبة، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله قال: "خرجت يومًا مع رسول الله - عليه السلام - قال: فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، قال: فأتيتهُ بحجرين وروثة، قال: فألقى الروثة وقال: إنها ركس فأتني بغيرها". وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (¬2) من حديث علقمة بإسناد صحيح، قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا زياد بن الحسن بن فرات عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله، قال: "أراد النبي - عليه السلام - أن يتبرز، فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فوجدت له حجرين وروثة حمار، فأمسك الحجرين، وطرح الروثة، وقال: هي رجس". فإن قلت: ما حال هذا الحديث؟ قلت: صحيح كما ترى. فإن قلت: قال ابن الشاذكوني: هذا الحديث مردود؛ لأنه مُدلَّس؛ لأن السبيعي لم يصرّح فيه بسماع، ولم يأت بصيغة معتبرة، وما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا, ولا أخفي قال: أبو عبيدة لم يحدثني، ولكن عبد الرحمن، عن فلان، ولم يقل: حدثني، فجاز الحديث وسار. قلت: أبو إسحاق سمعه من جماعة، ولكنه كان غالبًا إنما يحدث به عن أبي عبيدة، فلما نشط يومًا قال: ليس أبو عبيدة الذي هو في ذهنكم أني حدثتكم ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 55 رقم 5). (¬2) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 39 رقم 70).

عنه حدثني وحده، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، ولعل البخاري لم ير ذلك متعارضًا وجعلهما إسنادين، أو أسانيد. وذكر الكرابيسي في كتاب "المدلسين": أبو إسحاق يقول في هذا الحديث مرةً: حدثني عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، ومرةً حدثني علقمة، عن عبد الله، ومرة حدثني أبو عبيدة، عن عبد الله، ومرةً يقول: ليس أبو عبيدة حدثنيه، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن عبد الله، وهذا دليل واضح أنه رواه عن عبد الرحمن بن الأسود سماعًا فافهم. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: اختلفوا في هذا الحديث، والصحيح عندي حديث أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه. وزعم الترمذي أن أصح الروايات عنده حديث قيس بن الربيع وإسرائيل عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس، وزهير [في] (¬1) أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بأخرة، سمعت أحمد بن الحسن، سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة، وزهير فلا تبالِ أن لا تسمعه من غيرهما، إلا حديث أبي إسحاق. ورواه زكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، وهذا حديث فيه إضطراب، قال: وسألت الدارمّي أي الروايات في هذا أصح عن أبي إسحاق؟ فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمدًا عن هذا فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أشبه، ووضعه في جامعه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ولا نعرف اسمه. انتهى كلامه (¬2). ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": عن، والمثبت من "جامع الترمذي" (1/ 28). (¬2) هذا النقل فيه تقديم وتأخير عن كلام الترمذي الذي في نسختي، يراجع له جامع الترمذي (1/ 25 - 29).

قلت: في كلامه نظر من وجوه: الأول: ترجيحه حديث إسرائيل على حديث زهير، وهو معارض بما حكاه الإسماعيلي في صحيحه؛ إذ رواه من حديث يحيى بن سعيد، ويحيي بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير، عن أبي إسحاق، ما ليس بسماع لأبي إسحاق. وكذلك رواية أبي جعفر الطحاوي حيث رواه من حديث يحيي بن سعيد، عن زهير، عن أبي إسحاق. وقال الآجُرّيّ: سألت أبا داود، عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق؟ فقال: زهير فوق إسرائيل بكثير. وتابعه إبراهيم بن يوسف، عن أبيه كما قال البخاري في آخر الحديث المذكور، وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق حدثني عبد الرحمن، وتابعه أبو حماد الحنفي، وأبو مريم، وشريك وزكرياء بن أبي زائدة، كذا قاله الدارقطني. الثاني: إسرائيل اختلف عليه؛ فرواه كرواية زهير، ورواه عباد القطواني، وخالد العبدي، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله. وروى الحميدي، عن ابن عيينة عنه، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، ذكره الدارقطني والعدني في "مسنده"، وزهير لم يختلف عليه. الثالث: اعتماده على متابعة قيس بن الربيع، وهي لا شيء لشدة ما رُمِيَ به من نكارة الحديث والضعف، وإضرابه عن متابعة يونس والثوري، وهما هما. الرابع: قوله: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه مردود، وقال أبو بكر بن أبي داود: قلت لأبي: أبو عبيدة سمع من أبيه، قال: يُقال: إنه لم يسمع منه قلت: فإن عبد الواحد بن زياد يروي عن أبي مالك الأشجعي، عن عبد الله بن أبي هند، عن أبي عبيد قال: "خرجت مع أبي لصلاة الصبح" فقال لي: ما أدري ما هذا، وما أدري ابن أبي هند من هو.

وفي "المعجم الأوسط" (¬1) للطبراني: من حديث زياد بن سعد، عن أبي الزبير، قال: حدثني يونس بن [خباب] (¬2) الكوفي، سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول: "كنت مع النبي - عليه السلام - في سفر ... " الحديث. وأخرج الحاكم في "مستدركه" (¬3) حديث أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه في ذكر يوسف عليه الصلاة والسلام، ثم صححّه. وكذلك الترمذيُّ حَسّنَ عِدّة أحاديث رواها أبو عبيدة، عن أبيه عبد الله، منها: "كان في الركعتين الأولين كأنه على الرَضْف" (¬4)، ومن شرط الحديث أن يكون متصلًا عن المحدثين (¬5). الخامس: قوله: "وأبو عبيدة لم يُعرف اسمه"، يرّده ما ذكره مسلم في كتاب "الكنى"، وابن حبان في كتاب "الثقات"، وأبو أحمد في "الكنى"، وغيرهم أن اسمه عامر. السادس: أنه أضرب عن الحديث المتصل الصحيح إلى منقطع -على زعمه- وهو قول الدارقطني: ثنا عمر بن أحمد الدقاق، نا محمَّد بن عيسى بن حبان، ثنا الحسن بن قتيبة، ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، وأبي الأحوص، عن ابن مسعود فذكره. ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (9/ 81 رقم 9189). (¬2) في "الأصل، ك" عتاب، وهو تحريف، والمثبت من "المعجم الأوسط" ومصادر ترجمته يونس، وهو من رجال التهذيب. (¬3) "مستدرك الحاكم" (3/ 96 رقم 4509). (¬4) "جامع الترمذي" (2/ 202 رقم 366). (¬5) قلت: قال الترمذي بعد الحديث المذكور: هذا حديث حسن إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.

السابع: قوله: "ورواه زكرياء بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن ابن يزيد، عن عبد الله"، ولم يزد على ذلك شيئًا, وليس كذلك فإن زكرياء روي عنه هذا على وجوه (¬1): منها رواية عبد الرحيم، والأزرق، وإسماعيل بن أبان. ومنها رواية سهل، عن يحيي، عنه، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، وقيل: عن منجاب، عن يحيي، عنه، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، لم يذكر بين أبي إسحاق والأسود أحدًا، فيما ذكره الدارقطني (¬2). قال: ورواه عمار بن رزيق، وورقاء، ومعتمر، وسليمان بن قَرْم، وإبراهيم الصائغ، وعبد الكبير بن دينار، وأبو شيبة، ومحمد بن جابر، وشعبة بن الحجاج، وصباح بن يحيى المزني، وروح بن مسافر، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله، وكذلك قال إسحاق الأزرق، عن شريك، وروي عن علي بن صالح بن حيّ، ومالك بن مِغول، ويوسف بن أبي إسحاق، وحُدَيج بن معاوية، وشريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأسود، عن عبد الله، ورواه أبو سنان، عن أبي إسحاق، عن هُبَيرة بن يريم، عن عبد الله وقفه شعبة، وسفيان، ورفعه عنه الثوري، وغيره، قال الدارقطني: قد اختلف فيه على أبي إسحاق اختلافًا شديدًا، والله أعلم (¬3). وتعلقت الظاهرية بنص هذا الحديث أن الأحجار متعينة في الاستنجاء، لا يجزئ غيرها. والإجماع على أن الحجر ليس بمتعين، بل يقوم الخزف، والخشب، والمدر، والتراب، ونحوها مقامه؛ لأن المعنى فيه كونه مُزيلًا، وقد يحصل ذلك بغير الحجر، وإنما نص - عليه السلام - على الحجر لكونه الغالب المتَيسِّر. ¬

_ (¬1) راجع "علل الدارقطني" (5/ 27). (¬2) "علل الدارقطني" (5/ 27). (¬3) وانظر "العلل" (5/ 18 - 29) تحت الحديث رقم (686).

ويدلّ على عدم تعيّنه أيضًا نهيهُ - عليه السلام - عن العظم، والبعر، والرجيع؛ فلو كان معينًا لنهى عما سواه مطلقًا. ص: فهذا وجه الباب من طريق تصحيح معاني الآثار، وأما من طريق النظر فإنا رأينا الغائط والبول إذا غُسلا بالماء مرةً، فذهب بذلك أثرهما وريحهما حتى لم يبق شيء من ذلك، أن مكانهما قد طهر بذلك، ولو لم يذهب بذلك لونهما ولا ريحهما احتيج إلى غسله ثانيًا، فإن غسلا ثانيًا فذهب لونهما وريحهما طهر بذلك كما يطهر بالواحدة ولو لم يذهب لويهما ولا ريحهما بِغُسْل مرتين احتيج إلى أن يُغْسَلا بعد ذلك حتى يذهب لونهما وريحهما. فكان ما يراه في غسلهما معلومًا لا يُجزئِ ما هو أقل منه، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك الاستجمار بالحجارة، لا يراد من الحجارة في ذلك مقدار معلومٌ لا يجزئ الاستجمار بأقل منه، ولكن يُجْزئ من ذلك ما أذهب النجاسة، مما قل أو أكُثر فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله. ش: أشار بهذا إلى ما قاله، من قوله: "ففي هذا الحديث ما يدُلّ أن النبي - عليه السلام - قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار"، إلى قوله: "ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين"، وإنما ذكر قوله للغائط في مكان إلى قوله من غير ذلك المكان تمهيدًا، وبسطًا لجواب سؤال يأتي من قبل الخصم، وهو أن يقول: يحتمل أن يكون اكتفاء النبي - عليه السلام - بالحجرين، وعدم طلبه الثالث لكون الثالث موجودًا عنده، فلذلك لم يطلب منه الثالث، فقال: لا نُسَلِّم ذلك؛ لأن قعوده - عليه السلام - للغائط كان في مكان ليس فيه أحجار، إذ لو كانت هناك أحجار لما قال له: ائتني بثلاثة أحجار؛ لأنه لا فائدة لطلب أحجار وهي حاصلة عنده وهذا معلوم بالضرورة. فإن قيل: لو لم يكن تعيين الثلاث مفيدًا، لما قال: ائتني بثلاثة أحجار.

قلت: كان ذلك للاحتياط؛ لأن التطهير بواحد أو اثنين لم يكن محققًا، فلذلك نصّ على الثلاث، وبالثلاث يحصل التطهير غالبًا. ونحن أيضًا نقول: إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلا بالثلاث، تَعيَّن عليه الثلاث، والتعيّن ليس لأجل التوقيت فيه، وإنما هو للإنقاء الحاصل منه، حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس وهلمَّ جرّا، يتعين عليه ذلك. قوله: "وأما من طريق النظر" أي القياس الصحيح، وهو ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وبالله المستعان في كل شأن.

ص: باب: الاستنجاء بالعظام

ص: باب: الاستنجاء بالعظام ش: أي هذا باب في بيان أحكام الاستنجاء بالعظام، وفي بعض النسخ: باب الاستجمار بالعظام، وكلاهما بمعنى واحد. وفي "المطالع": الاستنجاء إزالة النجو، وهو الأذى الباقي في فم المخرج، وأكثر ما يُستعمل في الماء، وقد يستعمل في الأحجار. وأصله من النجو، وهو القَشْر والإزالة، وقيل: من النجوة، وهو: ما ارتفع من الأرض لاستتارهم به، وقيل: لارتفاعهم وتجانبهم عن الأرض عند ذلك، وقال الأزهري عن شمر: الاستنجاء بالحجارة بالحجارة مأخوذ من نجوت الشجرة وأنجيِتها، واستنجيتها، إذا قطعتها؛ كأنه يقطع الأذى عنه بالماء أو بحجر يتمسح به، قال: ويقال استنجيت العقب إذا أخلصته من اللحم ونقيته منه، وأنشد ابن الأعرابي: فتبازَتْ فَتَبازَخْتُ لها ... جِلْسةَ الأَعْسر يَسْتَنجي الوتَرْ قلت: ذكر الجوهري هذا الشعر ونسَبه إلى عبد الرحمن بن حسّان (¬1)، والظاهر أنه لغيره، حكي في "العباب": قال أبو عمر الزاهد: كان شاعرا يلزم باب معاوية - رضي الله عنه - وهو خليفة، فأبطأت عليه الجائزة، وكانت له جارية يقال لها: صولة يعني لهذا الشاعر، قال: فدفع إليها الشاعر يومًا رقعة، فقال: توصِلِينَها إليه. قال: فجاءت فدفعت إليه، فأخذها فقرأها، وهي قائمة، ثم قال لها معاوية: إن كان مثله إلا كاذبًا، فقالت: حاشاه مثله لا يكذبُ، فقال لها معاوية: إن كان مثله لا يكذب، فقد هتك الله سترك، قالت: وأيّ شيءٌ فيها، فأنشدها: سَائلُوا صولَة هَل نَبَّهْتُها ... بَعْد ما نامَتْ بعَرْد ذي عُجَر ¬

_ (¬1) وكذا هو في "اللسان": مادة (بَزَخ)، (نجا).

فتبازَتْ فتبازختُ لها ... جلسْةَ الأعَسْر يَسْتنجِي الوتر (¬1) وقال الجوهري: استنجى مسح موضع النجو أو غسله، واستنجى الوتر: أي مَدّ القوس، وقال الشاعر ... ، ثم أنشد هذا البيت، ثم قال: وأصله الذي يتخذ الأوتار للقيسيّ؛ لأنه يخرج ما في المصارين من النَجْو، وهو ما يخرج من البطن. قلت: العَرْدُ، بفتح العن وسكون الراء المهملتين، الذكر إذا انتشر وانتصب، والعُجَر -بضم العن المهملة وفتح الجيم-: جمع عجُرة، وهي العُقدة في الخشب، وأراد به ها هنا الذكر الذي له طيات كالعقد. قوله: "فتبازت" أي رفعت مؤخرتها لإتيان الرجل إليها، وأصله من البَزي، بالزاي المعجمة، وهو أن يستأخر العجز ويستقدم الصدر. قوله: "فتبازخت" أي تطامنت، وأصله من البزخ بالمعجمتين، وهو خروج الصدر ودخول الظهر، ومنه رجل أبزخ. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن سَنّة الخزاعي، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن يَستطيب أحدٌ بعظم أو رَوث". ش: يونس هو ابن عبد الأعلى، وابن وهب هو [عبد الله]، (¬2)، وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأبو عثمان بن سَنّة الخزاعي لا يدرى اسمه، وذكره ابن أبي حاتم، وسكت عنه، وقال: سئل أبو زرعة عن اسمه، فقال: لا أعرفه. ¬

_ (¬1) البيتان في "اللسان" أيضًا (بزا) لعبد الرحمن، مع بعض اختلاف في الرواية البيت الأول، وسمي الجارية مية. (¬2) في "الأصل، ك": ابن عبد الله، وكلمة "ابن" زائدة، ولعله سبق قلم من المؤلف، وعبد الله هو ابن وهب الفهري عالم مصر.

وأخرجه النسائي (¬1): أنا أحمد بن عمرو بن السَرْحِ، قال: أنا ابن وهب ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "أحدكم". ص: حدثنا فهد، قال: أنا جندل بن والق، قال: نا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سَلمان - رضي الله عنه - قال: "نُهينا أن نستنجي بعظم أو رجيع". ش: هذا الإسناد بعينه، بهؤلاء الرواة، قد مر في الباب الذي قبله. ولكن أخرج هناك عن سلمان: "نهينا أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار" وأصل الحديث واحد؛ وإنّما قَطَّعه للتبويب. وقد أخرجه مسلم (¬2)، وأبو داود (¬3)، والنسائي (¬4) بتمامه، وقد ذكرنا بعضه هنالك. ص: حدثنا يونس، قال: أخبرني ابنُ وهب، قال: أخبرني عَمرو بن الحارث، عن موسى بن أبي إسحاق الأنصاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب رسول الله - عليه السلام -، عن النبي - عليه السلام - "أنه نهى أن يَسْتطيب أحد بعظم أو روثة أو جلد". ش: موسى بن أبي إسحاق وثقه بن حبان، وليس له رواية عند الجماعة (¬5). وعبد الله بن عبد الرحمن مجهول، قاله الدارقطني، وأخرج الحديث في "سننه" (¬6): حدثني جعفر بن محمَّد بن نصير، نا الحسن بن علي، ثنا أبو طاهر وعمرو بن سَوَّاد، قالا: ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن موسى بن ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 37 رقم 39). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 224 رقم 262). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 37 رقم 7). (¬4) "المجتبى" (1/ 37 رقم 41). (¬5) ترجمه الذهبي في "الميزان" والحافظ في "اللسان" ونقلا عن ابن القطان أنه قال: مجهول الحال. (¬6) "سنن الدارقطني" (1/ 56 رقم 8).

أبي إسحاق الأنصاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب رسول الله - عليه السلام - أخبره، عن رسول الله - عليه السلام - أنه نهى أن يستطيب أحدٌ بعظم أو روث أو جلد"، وهذا إسناد غير ثابت. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: أنا يحيي بن حسان، قال: نا سفيان بن عُيَينة، عن محمَّد بن عجلان، ح. وحدثنا أبو بكرة، قال: نا صفوان، قال: أنا ابن عجلان، ح. وحدثنا على بن عبد الرحمن، قال: نا عثمان، قال: أنا وُهَيب بن خالد، قال: أنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - "نهى أن يستنجى بالروثة أو رمّة، والرّمة العظم". ش: هذه ثلاث طرق، قد مر منها الطريق الثاني، والثالث بعَينهما في الباب السابق فالكل حديثٌ واحد، وإنما قطعّة للتبويب، وقد ذكرنا هناك أن النسائي (¬1) أخرجه، عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه أيضًا. وأما الطريق الأول، فعَن حُسين بن نصر بن المعارك، عن يحيى بن حسان التنِّيسي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح ذكوان الزيات إلى آخره. وأخرجه الحديث في "مسنده"، نا سفيان، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إنما أنا لكم مثل الوالد للولد أعلمكم؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول، وأمر أن نستنجي بثلاثة أحجار، ونهى أن يستنجي الرجل بيمينه، ونهى عن الروث، والرمّة"، قال سفيان: الرمّة العظام. ¬

_ (¬1) سبق تخريجه قريبًا.

ص: حدثنا محمَّد بن حُميد بن هشام الرُعَيني، قال: نا أصبغ بن الفرج، قال: نا ابنَ وَهب، قال: أخبرني حَيْوَةُ بن شُرَيح، عن عَيَّاش بن عباس، أن شُيَيْم بن بَيْتانَ أخبره، أنه سمع رُوَيفِعَ بن ثابت الأنصاريَ، أن رسول الله - عليه السلام -، قال له: "يا رويفع بن ثابت لعل الحياة ستطول بك، فأخبر الناسَ أنه من استنجى برجيع دابّة أو عظم، فإن محمدًا منه بريء". ش: إسناده حسن جَيّد، ورجاله ثقات، وحيوة بن شريح التُجِيبي، أبو زرعة المصري الفقيه الزاهد العابد. وعّياش بتشديد الياء آخر الحروف، والشين المعجمة ابن عباس، بتشديد الباء الموحدة والسين المهملة، القِتْباَني. وشِيَيْم بكسر الشين المعجمة، ويقال: بضمها، وبفتح الياء آخر الحروف، وياء أخرى مثلها ساكنة، ابن بَيْتان بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح التاء المثناة من فوق القِتْباني المصري. ورويفع بن ثابت بن سكن الأنصاري. وأخرجه النسائى في كتاب "الزينة" (¬1): أنا محمَّد بن سلمة، نا ابن وهب، عن حيوة بن شريح -وذكر آخر قبله- عن عياش بن عباس القِتْباني، أن شييم بن بيتان حدثه أنه سمع رويفع بن ثابت يقول: إن رسول الله - عليه السلام - قال: "يا رويفع، لعل الحياة تطول بك بعدي؛ فأخْبِر الناس أنه مَن عَقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أوعظَم، فإن محمدًا بريء منه". وأخرجه أبو داود (¬2): نا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمْدانيِ، قال: ثنا المفضل -يعني بن فضالة المصري- عن عياش بن عباس القِتْبانيِ أن شييم بن بَيْتان أخبره، عن شيبان القِتْبَاني، "أن مسلمة بن مُخَلَّد استعمل رُويفع بن ثابت على أسفل ¬

_ (¬1) من "المجتبى" (8/ 135 رقم 5067). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 9 رقم 36).

الأرض، قال شيبان: فسرنا معه من كوم شريك إلى عَلقما -أو من علقما إلى كوم شريك- يُريد علقام، فقال رويفع: إن كان أحدنا في زمن رسول الله - عليه السلام - ليأخذ نِضْوَ أخيه، على أن له النصف مما يغنم و [لنا]، (¬1) النصف وإن كان أحدنا ليَطيرُ له النَّصْلُ والرِّيش، وللآخر القِدْح. ثم قال لي رسول الله - عليه السلام -: يا رويفع، لعل الحياة ... " إلى آخره، مثل ما ذكره النسائي. قوله: "برجيع دابه": قد ذكرنا أنه العذِرة. قوله: "أو عظم": عطف عليه، والتقدير: أو بعظم. قوله: "فإن محمدًا": جواب قَوله: مَنْ، ودخلت فيه الفاء لتضمن "مَنْ" معنى الشرط. فانظر إلى هذه التأكيدات: الجملة الاسمية التي تدلّ على الثبات والاستمرار، ودخول "إن" التي للتأكيد، وتقديم الشأن على الخبر. فإن قلت: ما الحكمة في هذا الوعيد الشديد؟ قلت: الذي ظهر لي من الأسرار الربانية أن النبي - عليه السلام - وعد الِجنّ ليلَة لُقِيِّهِم إياه في بعض شعاب مكة، حين سألوه الزاد أن يكون العظم زادًا لهم، والروث علفًا لدوابهم، وقبلوا ذلك من النبي - عليه السلام -، ثم إن أحدًا إذا استنجى بعظم أو روث، يتأذى منه الجن؛ فلذلك أكَّد الوعيد فيه حتى يجانبوا ذلك ولا يفعلوه (¬2). ولنتكلم في لغات رواية أبي داود تكثيرًا للفائدة. فقوله: "على أسفل الأرض" أراد به الوجه البحري من مصر. قوله: "من كوم شريك" هي بلد في طريق إسكندرّية، وشريك هذا هو ابن سُمّي المرادي الغُطَيْفي، وفد على رسول الله - عليه السلام -، وشهد فتح مصر. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": له، والمثبت من "سنن أبي داود". (¬2) انظر حول هذا المعنى: "سنن أبي داود"، عقب حديث ابن مسعود المذكور بعد حديث رويفع بحديثين، رقم (39).

قوله: "إلى علقما" بفتح العين المهملة، وسكون اللام، وفتح القاف، والميم المقصورة، وهي بلدة في طريق إسكندرية، وهي خراب اليوم، وعلقام مثله، إلا أنه بالألف قبل الميم، وهي أيضًا بلدة وهي خراب. قوله: "إن كان أحدنا" أصله إنه كان، وتُسمّى هذه "إنْ" المخففة من المثقلة؛ فتدخل على الجملتين، والأكثر كون الفعل ماضيًا (¬1) ناسخًا نحو: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} (¬2) وأمثال ذلك كثيرة في القرآن. قوله: "ليأخذ نِضْو أخيه" النِضو بكسر النون، وسكون الضاد المعجمة البعير المهزول، يقال: بعير نضو، وناقة نضو، ونضوة. وقال ابن الأثير: النضر الدابة التي أهزلتها الأسفار، وأنهبت لحمها. وفي هذا حجة لمن أجاز أن يعطي الرجل فرسَه أو بعيره على شطر ما يُصيبه المستأجر من الغنيمة، وهو قول أحمد والأوزاعي، ولم يجوّز ذلك أكثر العلماء، وأوجبوا في مثل هذا أجرة المثل. قوله: "إن كان أحدنا" أي: وإنه كان. "ليطير له" أي يصيبه في القسمة، يقال: طار لفلان النصف ولفلان الثلث؛ إذا وقع في القسمة ذلك. و"النصل": نصل السهم والسيف والسكين والرمح، والجمع نُصول ونِصال. و"الريش": للطائر جمع ريشة (¬3). و"القِدْح": بكسر القاف وسكون الدال، خشبة السهم، ويقال للسهم أَوّلَ ما يقطع: قِطع بكسر القاف، ثم يُنْحت، ويُبْهرى، فيُسَمّي بَريًّا، ثم يُقَّوَّم ¬

_ (¬1) قوله: كون الفعل ماضيًا: كذا، ومراده: كون الفعل بعدها. (¬2) سورة البقرة: آية [143]. (¬3) وزاد في "الصحاح": وراش السهم ألزق عليه الريش، فهو مريش.

فيسمّى قِدحًا، ثم يُرَاش ويركب نصله فيسمى سهمًا (¬1). قوله: "من عقد لحيته": قيل: كانوا يفعلونه في الحرب، وهو من زيّ الأعاجم. وقيل: معالجة الشعر لينعقد ويتجعّد، وذلك من قبل التوضيع والتأنيث، فلأجل ذلك نهاه - عليه السلام -. قوله: "أو تقلد وترًا" قيل: هي التمائم التي يشدونها بالأوتار، وكانوا يرَوْنها تعْصِمهم من الآفات وتدفع عنهم المكاره، فأبطل النبي - عليه السلام - ذلك، وقيل: هي الأجراس التي يُعلّقونها بها. والله أعلم. ص: فذهب قوم إلى أنه لا يجوز الاستنجاء بالعظام، وجعلوا المستنجى بها في حكم من لم يَسْتنج، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، والظاهرية؛ فإنهم قالوا: لا يجوز الاستنجاء بالعظام، واحتجوا في ذلك بهذه الأحاديث المذكورة. وقال ابن قدامة في "المغني" (¬2): والخشب والخِرق وكل ما أُنْقِيَ به كالأحجار إلا الروث والعظام، والطعام مقتاتا أو غيرُه مقتات، ولا يجوز الإستنجاء به، ولا بالروث، والعظام، طاهرا كان أو غير طاهر. وبه قال الثوري، والشافعي، وإسحاق. وأباح أبو حنيفة الاستنجاء بالروث والعظام؛ لأنه يجفف النجاسة ويُنقيها، وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما (¬3). ¬

_ (¬1) راجع: "النهاية في غريب الحديث" (4/ 20). (¬2) "المغني" (1/ 103). (¬3) المصنف -رحمه الله- أدخل كلام الخرقي في كلام ابن قدامة، وتصرف -كعادته في نقله- كثيرًا في العبارة، وقدم وأخّر، واختصر، ولذا لم نقابل نصوصه التي وقفنا عليها بأصولها، إلا حيث احتجنا إلى التصحيح.

وقال ابن حزم في "المحلى": وممن قال: لا يجزئ بالعظام، ولا باليمين. الشافعي، وأبو سليمان، وغيرهما. وفي "البدائع": فإن فعل ذلك، يعني الاستنجاء بالعظم أو الروث، يُعتدّ به عندنا، فيكون مقيما سنةً، ومرتكبًا كراهية. وعند الشافعي: لا يُعْتدُّ به حتى لا تجوزُ صلاته إذا لم يستنج بعد ذلك بالأحجار. ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ فقالوا: لم ينه عن الاستنجاء بالعظم؛ لأن الاستنجاء به ليس كالاستنجاء بالحجر وغيره، ولكنه نُهِيَ عن ذلك لأنه جُعِلَ زادًا للجن، فأمر بني آدم أن لا يُقذّروه عليهم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون؛ وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه، ومالكًا، وابن جرير الطبري. قال القاضي: واختلفت الرواية عن مالك في كراهية هذا، يعني الاستنجاء بالعظم، والمشهور عنه النهي عن الاستنجاء به، على ما جاء في الحديث، وعنه أيضًا: إجازة ذلك، وقال: ما سمعت في ذلك بنهي عام. وذهب بعض البغداديين إلى جواز ذلك إذا وقع بما كان، وهو قول أبي حنيفة، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز، وإليه نحا ابن القصَّار، وهو قول الشافعي. وقال بعضهم: لا يجوز بما كان نجس العين، إليه نحا القاضي ابن نصر، وذكر في فروع الحنفيّة: قال أبو حنيفة: يجوز الاستنجاء بالمدر، والتراب، والعود، والخزف، والقطن، والجلد، وبكل طاهر غير منقوم. وكره بعض العلماء الاستنجاء بعشرة أشياء: العظم، والرجيع، والروث، والطعام، والفحم، والزجاج، والورق، والخزف، وورق الشجر، والسَّعْتر، ولو استنجى بها أجزأه مع الكراهة؛ لما رُوي: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان له عظم يستنجى به، ثم يتوضأ ويصلي." وقال عياض: وقد شذّ بعض الفقهاء، ولم ير الاستنجاء بالماء العذب، بِناءً على أنه طعام عنده، والاستنجاء بالطعام ممنوع.

وفي بعض شروح البخاري: وشذَّ ابن جرير الطبري فأجاز الاستنجاء بكل طاهر ونجس (¬1). ويكره بالذهب والفضة عند أبي حنيفة، وعن الشافعي في قول: لا يكره. قوله: "أن لا يقذوره" أي لا يلوثوه بالقذر وهو النجاسة. ص: وقد بين ذلك وكشفه ما حدثنا حسين بن نصر، قال: نا يوسف بن عدي، قال: نا حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، قال رسول الله - عليه السلام -: "لا تستنجوا بعظم ولا روث، فإنه زاد إخوانكم من الجن". ش: أي وقد أظهر ما قلنا من أنه نهى عن ذلك لأنه جُعِل زادًا للجن، ما حدثنا. وقوله: "ما حدثنا" في محل الرفع على أنه فاعل "بيّن"، وإسنادُ هذا الحديث صحيح على شرط مسلم، والشعبي هو عامر بن شراحيل. وأخرجه الترمذي (¬2): نا هناد، نا حفص بن غياث ... إلى آخره نحوه ولفظه: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام ... ". ويستفاد منه: أن النهي عن ذلك إنما هو لكونه زادًا للجن لا لأنه لا يطهر؛ لأنه علله بقوله: "فإنه زاد إخوانكم من الجن"؛ فحينئذ إذا استنجى به جاز بالنظر إلى كونه مطهرًا صورة، ولكنه يأثم لارتكاب النهي. ويستفاد أيضًا: وجود الجن، خلافًا لمن أنكر ذلك، وأن من الجن مسلمين؛ بدليل قوله: إخوانكم؛ لأن إخواننا لا يكونون (¬3) إلا مسلمين. فإن قيل: ما حقيقة الجن؟ ¬

_ (¬1) وانظر "بداية المجتهد" لابن رشد (1/ 71). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 29 رقم 18). (¬3) في "الأصل، ك": لا يكونوا، وهو خلاف الجادّة.

قلت: قال الجاحظ: الجن، والملائكة واحد؛ فمن طهر منهم فهو ملك، ومن خبث منهم فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جن. وقال الشريف السمرقندي: قال المِلِّيون (¬1): الروحانيات السماوية والأرضية أجسام لطيفة قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة، وسَمُّوا السماوية بالملائكة، والأرضية بالجن إن كانت غير شريرة، وبالشياطين إن كانت شريرة، وأنكرت الفلاسفة وأوائل المعتزلة كونها كذلك؛ أرادوا أنها ليست بأجسام، ولهم مناقشات كثيرة، وقال الرازي: قالت الفلاسفة: إنها جواهر قائمة بنفسها ليست بمتحيزة البتة، فمنهم من هي مستغرقة في معرفة الله فهم الملائكة المقربون، ومنهم مدبرات هذا العالم إن كانت خيّرات فهم الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهم الشياطين. ص: حدثنا عليّ بن مَعْبد، قال: نا عبد الوهاب بن عطاء، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "سألت الجنُّ رسول الله - عليه السلام - في آخر ليلة لُقِيِّهم في بعض شعاب مكّة الزاد، فقال: كل عظم يقعُ في أيديكم قد ذكر اسم الله عليه تجدونه أَوْفَر ما يكون لحمًا، والبعرُ علفًا لدوابكم، فقالوا: إن بني آدم ينجسونه علينا فعند ذلك قال: لا تستنجوا بروث دابّة، ولا بعظمٍ، إنه زادُ إخوانكم من الجن". ش: إسناده صحيحٌ على شرط مسلم، والشَعْبيّ هو عامرُ. وأخرجه مسلم (¬2)، والترمذي (1) بأتمّ منه، وقد ذكرناه في باب الوضوء بنبيذ التمر. قوله: "شعاب مكة" جمع شِعب بكسر الشين، وهو الطريق في الجبل، وأما الشَّعب بالفتح فهو ما يشعب من قبائل العرب والعجم. ¬

_ (¬1) الملِّيون: جمع مِلِّيّ، نسبة إلى المِلة، وهي الدين، يعني: المنتسبين إلى الأديان. (¬2) سبق تخريجه.

قوله: "الزاد" منصوب؛ لأنه مفعول "سألت الجن". قوله: "كل عظم" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: زادكم كل عظم. وقوله: "يقع في أيديكم" صفة للعظم. وقوله: "قد ذكر اسم الله" جملة وقعت حالًا، وكذا قوله "يَجدونه" حال أخرى، ويجوز أن يكون كل عظم مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: لكم كل عظم يقع في أيديكم، كما في رواية مسلم (¬1): "وسألوه الزادَ، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم". قوله: "والبعرُ" بالرفع عطفًا على "كل عظم"، أي: ولكم البعرُ أيضًا حال كونه علَفًا لدوابكم، بمعنى: طعامًا لها، وفي رواية النسائي: وكلُ بعر علف لدوابكم، ويجوز: "والبعرَ" بالنصب، على تقدير: وجعلْتُ البَعْرَ علفًا لدوابكم. ويستفاد منه: أن كراهة الاستنجاء بالعظم لكونه زاد الجنّ، لا لكونه لا يطهّره، وكراهة الاستنجاء به، وأن العظم الذي هو زادهم ذلك العظم الذي سُمّيَ عليه، حتى إن العظم الذي لا يذكر عليه اسم الله لا يكون لهم زادًا؛ لأن في المسمى عليه يجدون لحمًا يكتفون به، وذلك ببركة اسم الله تعالى وغير المسمّى عليه ليس عليه شيءِ يتناولونه، وأن البعر علف لدوابهم، وأن لهم دواب يركبونها، وأن في الجن مسلمين؛ بدلالة قوله: "إخوانكم من الجن"، وأن رسول الله - عليه السلام - مرسل إلى الإنس والجن، وأن لهم قدرة على الكلام والخطاب مع الإنس، وأنهم يُروْن ويَرَوْن. ص: حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: نا أحمد بن محمَّد الأَزْرقي، قال: نا عَمرو بن يحيى بن سعيد، عن جدّه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: "اتبعت النبي - عليه السلام - وخرج في حاجة له، وكان لا يَلتفت، فدنوتُ، فاستأنستُ وتنحنحتُ، فقال: مَنْ هذا، ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 332 رقم 450) وتقدم.

فقلتُ: أبو هريرة، فقال: يا أبا هريرة، أبغني أحجارًا أستَطيب بهنّ، ولا تأتني بعظم ولا رَوث، قال: فأتَيْتُه بأحجارٍ أحملها في مُلاءتي، فوضعتها إلى جنبه، ثم أعرضت عنه، فلما قضى حاجته، اتبعتُه فسألته عن الأحجار، والعظم، والروثة، فقال: إنه جاءني وَفْدُ جن نَصِيبيبن -ونعم الجنّ هم- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمرّوا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليه طعامًا". ش: إسناده صحيح على شرط البخاريّ، وأحمد بن محمَّد بن الوليد، وأبو محمَّد المكي الأزرقي أحد مشايخ البخاريّ، وعمر بن يحيى بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص (¬1) بن أمّية القرشي الأموي المكي. وأخرجه الإسماعيلي في "صحيحه" من حديث عمرو، عن جده، عن أبي هريرة ... إلى آخره، نحوه سواء. وأخرجه البخاري (¬2) مختصرًا: نا أحمد بن [محمد]، (¬3) المكي، نا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو المكي، عن جده، عن أبي هريرة قال: "اتبعت النبي -عليه السلام، وخرج لحاجته، فكان لا يلتفتُ، فدنوت منه، فقال: أبغني أحجارًا أستنفضُ بها -أو نحوه- ولا تأتني بعظم ولا بروث فأتيته بأحجار بطرف ثيابي فوضعتها إلى جنبه، وأعرضت عنه، فلما قض حاجته أتبعه بهن". قوله: "اتبعت النبي - عليه السلام -" قال ابن سيده: تبع الشيء تبعًا، وتباعًا، واتَّبعه، وأتْبَعَه، وتتبعّه: قَفَّاه، وقيل: اتبع الرجل سبقه فلحقه، وتبعه تبعًا، واتّبعه مرّ به فمضى معه، وفي التنزيل: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} (¬4)، ومعناه: تبع، وقرأ أبو عَمرو "ثم اتبع سببًا" أي لحق وأدرك، واستتبعه طلب إليه أن يتبعه، والجمع تُبَّع، وتُبَّاع، ¬

_ (¬1) ابن سعيد بن العاص: وضع عليه في "الأصل" علامة "صح" لرفع توهم التكرار. (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 70 رقم 154). (¬3) في "الأصل، ك": أحمد بن موسى، والتصويب من "صحيح البخاري". (¬4) سورة الكهف، آية: [89].

وتَبعه، وتَبع، وفي "الأفعال" لأبن طريف: المشهور: تبعتُه: سرتُ في أثره، واتبعته لحقتُه، ولذلك فسّر في التنزيل {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} (¬1) أي: لحقوهم. وفي "الصحاح" تبعت القوم تبعًا، وتباعًا وتَبَاعةً -بالفتح- إذا مشَيْتَ، أو مرّوا إلى فمضيت معهم، قال الأخفش: تبعتُه، واتبعته بمعنى، مثل: رَدِفَه، وأَرْدَفَه. قوله: "وخرج في حاجة له" جملة وقعت حالًا. قوله: "أبغني أحجارًا"، قال أبو علي الهجري في "أماليه": بغيتُ الخير بغاءً، وقال أبو الحسن اللحياني في "نوادره": يقال: بغى الرجل الحاجَة والعلم والخيرَ وكل شيء يُطلبُ، يبغى بُغاء، وبِغْيَة و (بِغى) (¬2) وبُغْية وبُغي واستبغى القوم يبغَوْه، وبغَوْا له أي طلبوا له، وفي الحكم المعروف بُغَاءٍ -يعني بالضم- والاسم البُغْية، والبَغْية ما ابتُغي، وأبغاه الشيء طلب له أو أعانه على طلبه، والجمع بغاة، وبغيان، وابتغى الشيء تَيَسر، وتسَهّل، وبغى الشيء بُغوا وانظر إليه كيف هو، وفي "الجامع" للقزاز: ابغني كذا أي أعنّي عليه، واطلبه معي، وقيل: بغيتك الشيء طلبته لك، وأبغيتك أعنتك على بغيتك، وفي كتاب "الداعي" لعبد الحق الأشبيلي، والبغاء الطلب، وفي "الصحاح" كل طلبة بُغاء بالضم، والمدِّ، وبُغاية أيضًا، وأبغَيْتُك الشيء جعلتك طالبًا له، وأبْتغيت الشيء، وتَبَغَّيْتُه إذا طلبته، قال ساعدةُ بن جُوَية الهُذلي: سباغٌ تَبغّي الناسَ مثنى ومَوْحد. قوله: "استطيبُ بهن" صفة للأحجار أراد استنجي بهن، من الإستطابة، وهي طلب النظافة، والطهارة، وكذلك الإصابة. قوله: "أحملها في مُلاءتي" جملة حالية والمُلاءة بضم الميم الإزار، وذكره الجوهري في باب المهموز، وقال الملاءة بالضم ممدود: الرَّيْطَة، والجمع: مُلاء. ¬

_ (¬1) سورة الشعراء، آية: [60]. (¬2) في "الأصل، ك": بغيّا، والمثبت من "لسان العرب" نقلًا عن اللحياني وقال بعدها: مقصورًا.

قوله: "وفد جن نصيبين" الوفد القومُ يجتمعون ويَرِدون البلاد، وواحدهم وافد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة أو استرفاد، وانتجاع وغير ذلك، تقول: وَفَدَ، يَفِدُ فهو وافد، وأوفدته يوفَد، وأوفد على الشيء فهو مُوفد إذا أشرف. و"نَصِيبين" بفتح النون، وكسر الصاد المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، ثم باء موحدة مكسورة، وياء ثانية ساكنة، ونون، وهي قاعدة ديار ربيعة، مخصوصة بالورد الأبيض، ولا يوجد فيها وردة حمراء، وفي شماليها جبل كبير منه ينزل نهرها، ويمر على سورها، والبساتين عليه، وهي شمال سنجار، وجبل نصيبين هو الجودي، وهو الذي استوت سفينة نوح - عليه السلام - عليه، ويقال يسمّى نهرها الهرماس، وبها عقارب قاتلة. قوله: "إلا وجدوا عليه": على كل واحد من العظم والروث، وظاهر الكلام يقتضي أن يكون طعامهم من العظم والروث، كما جاء في حديث آخر أخرجه أبو داود (¬1)، عن حيوة بن شريح، عن ابن عياش، عن يحيى بن [أبي] (¬2) عمرو السَّيْبَانيِ، عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الله بن مسعود، قال: "قدم وفد الجن على رسول الله - عليه السلام -، فقالوا: يا محمَّد، انْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حمَمة فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقًا، قال فنهى النبي - عليه السلام -[عن ذلك] (¬3) ". وظاهر هذا الحديث أيضًا أن رزقهم من هذه الأشياء؛ فلذلك منع النبي عن الاستنجاء بها، وكذلك حديث ابن مسعود الذي مرّ ذكره عن قريب: "لا تستنجوا بعظم ولا روث؛ فإنه زاد إخوانكم من الجن"، يقتضي ما ذكرنا، والدليل القاطع على ذلك ما جاء في رواية مسلم: "فلا تَسْتنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم" والضمير يرجع إلى العظم، والبعرة. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 10 رقم 39). (¬2) من "الأصل"، والمثبت من "سنن أبي داود"، ومصادر ترجمته. (¬3) ليست في "الأصل"، والمثبت من "سنن أبي داود".

فإن قيل: كيف يكون التوفيق بين هذا، وبين قوله في رواية الترمذي: "وكل بَعرة أو روثة علف لدوابكم"، وكذا في رواية الطحاوي، و"البعر علفًا لدوابكم"؟ قلت: التوفيق بين الكلامين: أن العظم زادهم خاصة، وأن الروث، والبعر مشتركان بينهم وبين دوابهم، يدلّ على ذلك قرائن الكلام والحال، فافهم. قوله: "استنفض بها" في رواية البخاري أي: استنجي بها، وهو من نفض الثوب لأن المستنجي ينفض عن نفسه الأذى بالحجر أي: يزيله ويدفعه، وجاء في السنن العشر انتقاص الماء بالقاف والصاد المهملة يُريد إنتقاص البول بالماء إذا غسل المذاكير به. وقيل: هو الانتضاح بالماء، ويروى بالفاء والمعجمة (¬1). ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: نا سويد بن سعيد، قال: أنا عمرو بن يحيى ... ثم ذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر في الحديث المذكور، عن أحمد بن داود المكي، عن سويد بن سعيد بن سهل الأنباري أحد مشايخ مسلم في الصحيح، عن عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده، عن أبي هريرة نحوه وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬2): من حديث سويد بن سعيد، نا عمرو بن يحيى بن سعيد، عن جده سعيد بن عمرو قال: "كان أبو هريرة يتبع رسول الله - عليه السلام - بإداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يومًا، فقال: مَنْ هذا؟ قال: أنا أبو هريرة، قال: إبغني أحجارًا استنفض بها, ولا تأتني بعظم ولا روث، فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه، حتى إذا فرغ وقام تبعتُه، فقلت: يا رسول الله، ما بال العظم، والروث؟ فقال: أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروّا بروثة ولا عظم إلا وجدوا عليه طعامًا". ¬

_ (¬1) راجع "فتح الباري" (1/ 256). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 107 رقم 524).

ص: فثبت بهذا الآثار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن الاستنجاء بالعظام؛ لمكان الجن لا لأنها لا تُطهّر كما يطهر الحجر، وجميع ما ذهبنا إليه من الاستجمار بالعظام أنه يطهّر قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله. ش: أي بالأحاديث المروية عن عبد الله بن مسعود وأبي هريرة، والباقي ظاهر. وقد غمز البيهقي على الطحاوي ها هنا حيث يقول -بعد أن روى حديث سلمان، وجابر، وابن مسعود، وأبي هريرة عن النبي - عليه السلام - "أنه نهى عن الاستنجاء بالعظم"، وحديث رويفع بن ثابت قال: "قال لي رسول الله - عليه السلام -: أخبر الناس أن من استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا منه بريء"-: وهذا كله يدل على أنه إذا استنجى بالعظم لم يقع موقعه، وكما جعل العلة في العظم أنه زاد الجن، جعل العلة في الرجيع أنه علف دواب الجن، وإن كان في الرجيع أنه نجس ففي العظم أنه لا ينظف لما فيه من الدسومة، وهذا جواب عمّا زعم الطحاوي في الفرق بينهما. قلت: كلام البيهقي عَيْنه يُشْعِرُ بالفرق الذي ذكره الطحاوي، ولكنه غفل عنه ذريعة للغمز عليه بأن قوله: "كما جعل العلة في العظم أنه زاد الجن ... " إلى آخره، يُشْعِر أن المنع عن الاستنجاء به هو كونه زادًا للجن لا لكونه لا يُطهّر الحجر فإذا كان كذلك يقع الاستنجاء به، ولكنه يأثم لارتكابه النهي، وأما الروث فإنه نجس، والنجس لا يزيل النجس، ولا سيما إذا كان رطبًا، فلذلك لا يقع به الاستنجاء موقعه، وهذا الفرق واضح كعين الشمس، فكيف يرده البيهقي على الطحاويّ؟! على أن ابن حزم قد روى في "المحلى" (¬1) أن عمر - رضي الله عنه - كان له عظم يستنجى به ثم ¬

_ (¬1) "المحلى" (1/ 97)، ولم يروه ابن حزم إنما ذكره في أثناء سرد أدلة المخالفين له بدون إسناد فقال: وما نعلم لهم متعلقًا إلا أنهم ذكروا أثرًا فيه: "أن عمر - رضي الله عنه - كان له عظم أو حجر يستنجي به" ثم قال: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه شك: إما حجر وإما عظم اهـ. ورواه ابن المنذر في "الأوسط" (1/ 346 رقم 299) من طريق ابن أبي ليلى، قال: "كان لعمر مكان قد اعتاده يبول فيه، وكان له حجر أو عظم في حجر، فكان إذا بال مسح به ذكره ثلاثًا ولم يمسه ماء" فتأمل احتجاج المؤلف به واعتراضه على البيهقي.

يتوضأ، ويصلي" ولو لم يقع الاستنجاء بالعظم لما فعله عمر - رضي الله عنه -، ورأي عمر - رضي الله عنه - أقوى من رأي البيهقي، ومن رأي من هو أكبر منه، ولقد صدق القائل: فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا حسدوا الفتى إذْ لم ينَالوُا ثناؤه ... والقومُ أعداءٌ له وخصوم

ص: باب: الجنب يريد النوم أو الأكل أو الشرب أو الجماع

ص: باب: الجنب يريد النوم أو الأكل أو الشرب أو الجماع ش: أي هذا باب في بيان الجنب إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب كيف يكون حكمه. قوله: "يريد النوم": جملة وقعت حالًا لأن الجملة بعد المعرفة حال، وبعد النكرة صفة على ما عُرف في موضعه، ووجه المناسبة بين الناس غير خفي. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا أبو عامر، قال: نا سفيان ح. وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عاصم، قال: نا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة - رضي الله عنها -، عن النبي - عليه السلام - "أنه كان ينام وهو جنب لا يَمسّ الماء". حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا مسدد، قال: نا أبو الأحوص، قال: نا أبو إسحاق، عن الأسود، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا رجع من المسجد صلى ما شاء الله، ثم مال إلى فراشه، وإلى أهله فإن كانت له حاجة قضاها، ثم نام كهيئته، ولا يمسُّ طيبًا". حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف، قال: أنا عليُّ بن مَعْبد، قال: نا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: "كان النبي - عليه السلام - يجنب ثم ينام، ولا يمس ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا الحجاج بن إبراهيم، قال: نا أبو بكر بن عياش فذكر مثله بإسناده. حدثنا صالح، قال: نا سعيد بن منصور، قال: أنا هُشَيم، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق فذكر مثله بإسناده. حدثنا صالح، قال: أنا علي بن مَعْبد، قال: نا عبيد الله بن عَمرو، عن الأعمش، عن أبي إسحاق فذكر مثله بإسناده.

ش: هذه سبعة طرق رجالهم كلهم ثقات، ولكن في الحديث مقال كثير نذكره عن قريب إن شاء الله. الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقدي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو السَّبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة - رضي الله عنها -. وأخرجه ابن ماجه (¬1): [ثنا على بن محمَّد]، (¬2)، نا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يجنُب ثم ينام كهيئته لا يمسّ ماءً". الثانى: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان، عن أبي إسحاق ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - ينام جنبًا, ولا يمس ماءً". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود، عن مُسدّد بن مسرهد، عن أبي الأحوص سلام بن سُليم الحنفي، عن أبي إسحاق عمرو، عن الأسود، عن عائشة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة قالت: "إن رسول الله - عليه السلام - إن كانت له إلى أهله حاجة قضاها ثم ينام كهيئته لا يمس ماء". ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 192 رقم 583). (¬2) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن ابن ماجه". (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 280 رقم 1082). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 64 رقم 682) بنحوه.

وأخرجه ابن ماجه (¬1)، عن أبي بكر بن أبي شيبة. قوله: "إن كانت له حاجة" أرادت بها الجماع. قوله: "كهيئته" أي على حالته وهو جنب. قوله: "ولا يمس طيبًا" أرادت به الماء كما قد وقع في رواية ابن أبي شيبة، وذلك أن الماء يطلق عليه الطيب، كما ورد في الحديث "فإن الماء طيب" (¬2) لأنه يطيب، ويطهر، وأيّ طيب أقوى فعلًا في التطهير من الماء؟. الرابع: عن مالك بن عبد الله بن سيف، عن عبد الله بن شهاب التجيبي، عن علي بن معبد بن شداد العبدي. عن أبي بكر بن عياش -بالياء آخر الحروف، والشين المعجمة- بن سالم الأسدي الكوفي الحفاط -بالنون- المقرئ، قيل: إسمه محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل: شعبة، وقيل: رُؤْبَة، وقيل: مسلم، وقيل: خداش، وقيل: حماد، وقيل: حَبيب، والصحيح أن اسمه كنيته. عن الأعمش وهو سليمان، عن أبي إسحاق عمرو، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة. وأخرجه ابن ماجه (¬3): ثنا محمد بن الصباح، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يجنب ثم ينام، ولا يمسّ ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل". الخامس: عن صالح بن عبد الرحمن الحضرمي، عن الحجاج بن إبراهيم الأزرق، عن أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 192 رقم 582). (¬2) تقدم تخريجه. (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 192 رقم 581).

وأخرجه الترمذى (¬1): ثنا هناد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "كان النبي - عليه السلام - ينام وهو جنب، ولا يمس ماء". السادس: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور المروزيّ، عن هشيم بن بشير، عن إسماعيل بن أبي خالد أبي عبد الله البجلي الكوفي، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة. السابع: عن صالح بن عبد الرحمن، عن علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو الأسدي الرَّقي، عن سليمان الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة. وأخرجه أحمد (¬2) أيضًا: من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يجنب، ثم ينام، ولا يمسّ ماء حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل". ص: فذهب قوم إلى هذا، وممن ذهب إليه أبو يوسف:، فقالوا: لا نرى بأسًا أن ينامَ الجنب من غير أن يتوضأ؛ لأن التوضأ لا يخرجه من حال الجنابة إلى حال الطهارة. شَ: أي إلى هذا الحديث المذكور، وهو حديث عائشة، وأراد بالقوم هؤلاء: الثوري، والحسن بن حيّ، وابن المسيب، وأبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ينبغي له أن يتوضأ للصلاة قبل أن ينام. شَ: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون في هذا الحكم، وأراد بهم: الأوزاعي، والليث، وأبا حنيفة، ومحمدًا، والشافعي، ومالكًا، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك، وآخرين. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 202 رقم 118). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 43 رقم 24207).

ولكنهم اختلفوا في صفة هذا الوضوء وحكمه، فقال أحمد: يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أو يطأ ثانيًا أو يأكل أن يغسل فرجه ويتوضأ، روي ذلك عن علي، وعبد الله بن عمر. وقال سعيد بن المسيب: إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه، ويتمضمض، وحكي نحوه عن أحمد، وإسحاق، وابن الحنفية، وقال مجاهد: يغسل كفيه، وقال مالك: يغسل يديه إن كان أصابهما أذى. وقال أبو عمر في "التمهيد": وقد اختلف العلماء في إيجاب الوضوء عن النوم على الجنب فذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك على الندب والاستحسان لا على الوجوب، وذهبت طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه، وغسل ذكره، ويديه، وهو التنظيف، وذلك عند العرب يسمى وضوءًا، قالوا: وقد كان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل للصلاة، وهو روى الحديث، وعلم مخرجه. وقال مالك: لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة، قال: وله أن يعاود أهله، ويأكل قبل أن يتوضأ، إلا أن يكون في يديه قذر فيغسلهما، قال: والحائض تنام قبل أن تتوضأ، وقال الشافعي في هذا كله: نحو قول مالك. وقال أبو حنيفة، والثوري: لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء، وأحب إلينا أن يتوضأ، قالوا: فإذا أراد أن يأكل مضمض، وغسل يَديْه، وهو قول الحسن بن حيّ، وقال الأوزاعي: الحائض والجنب إذا أرادا أن يطعما غسلا أيديهما، وقال الليث بن سعد: لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلًا كان أو امرأة. انتهى. وقال القاضي عياض: ظاهر مذهب مالك أنه ليس بواجب، وإنما هو مُرغّب فيه، وابن حبيب يرى وجوبَه، وهو مذهب داود. وقال ابن حزم في "المحلى": ويستحب الوضوء للجنب إذا أراد الأكل أو النوم، ولرّد السلام، ولذكر الله تعالى وليس ذلك بواجب.

قلت: قد خالف ابن حزم داود في هذا الحكم. وفي "البدائع": ولا بأس للجنب أن ينام، ويعاود أهله قبل أن يتوضأ، وإن أراد أن يأكل أو يشرب يتمضمض ويغسل يديه، ثم يأكل ويشرب؛ لأن الجنابة حلّت الفم فلو شربَ قبل أن يتمضمض صار الماء مستعملًا فيصير شاربًا الماء المستعمل، ويده لا تخلو عن نجاسة فينبغي أن يغسلها ثم يأكل. قلت: فيه نظر من وجوه لا تخفى: الأول: أن هذا ليس مذهب أبي حنيفة، وإنما هو مذهب أبي يوسف على ما صّرح به الطحاوي، وكل من ذكر أبا حنيفة ومحمدًا مع من لا يرى بأسًا للجنب إذا أراد النوم، فقد ذكر عن غير علم بمذهب أبي حنيفة، وإنما مذهبه أنه يرى باستحباب الوضوء للجنب إذا أراد النوم للأحاديث الصحيحة الواردة فيه، ألا ترى كيف صرح الطحاوي بذكر أبي يوسف مع الطائفة الأولى وسكت عن ذكر أبي حنيفة ومحمد، وهو أعلم الناس باختلاف العلماء من غير منازعة فيه: إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام والثاني: لا نسلم صيرورة الماء مستعملا للشرب، لعدم النية، وإزالة الحدث بالكلية. والثالث: يفهم من كلامه أن شرب الماء المستعمل ممنوع، وليس كذلك؛ لأنه ماء طاهر بالإجماع، بل طهور أيضًا عند البعض حتى قالوا: إنه يجوز الطبخ والعَجْنُ بالماء المستعمل، فإذا كان هذا جائزًا فالشرب كذلك. ص: وقالوا: هذا الحديث غلط؛ لأنه حديث مختصر، اختصره أبو إسحاق من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه، وذلك أن فهدًا حدثنا، قال: أنا أبو غسّان، قال: أنا زهيرٌ، قال: نا أبو إسحاق، قال: أتيتُ الأسود بن يزيد، وكان لي أخًا وصديقًا، فقلت له: يا أبا عُمر، حدثني ما حدّثتك عائشةُ أم المؤمنين عن صلاة النبي - عليه السلام -، فقال: قالت: "كان النبي - عليه السلام - ينام أول الليل ويحيي آخره، ثم إن كانت له

حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يَمسّ ماءً، فإذا كان عند النداء الأول وثبَ -وما قالت: قامَ- فأفاض عليه الماء -وما قالت: اغتسل وأنا أُعلَمُ ما تُريد- وإن نام جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة". فهذا الأسود بن يزيد قد بان في حديثه لمَّا ذُكِرَ -بطوله- أنه كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وأما قولُها: "فإن كانت له حاجة قضاها، ثم نام قبل أن يمس ماء" فيحتمل أن يكون ذلك على الماء الذي يغتسل به لا على الوضوء. ش: أي قال الجماعة الآخرون -في جواب الحديث الذي احتج به أهل المقالة الأولى-: هذا الحديث غلط؛ لأن أبا إسحاق عمرو بن عبد الله اختصر هذا الحديث من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه، وقال الترمذي، وأبو علي الطوسي: روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة: "أنه كان يتوضأ قبل أن ينام"، وهذا أصح أن حديث أبي إسحاق، قال: وكانوا يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق. وبين الطحاوي ذلك بقوله: "وذلك أن فهدًا ... " إلى آخره، فإن هذا الحديث لما ذكر بطُوله من غير اختصار ظهر أنه كان إذا أراد أن ينام وهو جنب يتوضأ وضوء الصلاة، فيكون معنى قولها في الحديث المختصر: "ثم نام قبل أن يمسّ ماء" أي الماء الذي يغتسل به لا الماء الذي يتوضأ به. واعلم أن الأئمة اختلفوا في حديث أبي إسحاق عن الأسود، فصححه قوم، وضعفه آخرون، فقال أبو داود: حدثنا الحسين الواسطي: سمعت يزيد بن هارون يقول: هذا الحديث وهم، يعني حديث أبي إسحاق، وفي رواية ابن العبد عنه: ليس بالصحيح، وفي موضع آخر: وهم أبو إسحاق في هذا الحديث. وفي كتاب "العلل" (¬1) لأبي حاتم: قال شعبة: سمعت حديث أبي إسحاق أن النبي - عليه السلام - كان ينام جنبًا, ولكني أتقيه. ¬

_ (¬1) "علل ابن أبي حاتم" (1/ 49 رقم 115).

وقال مُهنّى: سألت أبا عبد الله عنه، فقال: ليس صحيحًا. قلت: ثم قال لأن شعبة روى عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة". قلت: من قِبَل مَنْ جاء هذا الاختلاف؟ قال: من قِبل أبي إسحاق، قال مُهنّى: وسمعت يزيد بن هارون يقول: [جَرْمَزَ] (¬1) أبو إسحاق في هذا الحديث. قال: وسألت أحمد بن صالح عن هذا الحديث فقال: لا يحل أن يروى. قال أبو عبد الله: الحكم يرويه مثل قصة أبي إسحاق ليس عن الأسود "الجنب يأكل". وفي كتاب الأثرم: لو لم يخالف أبا إسحاق في هذا إلا إبراهيم وحده لكان يكفي وإبراهيم كان أثبت وأعلم بالأسود، ثم وافق إبراهيم عبد الرحمن، ووافقهما أبو سلمة، وعروة عن عائشة، ثم وافق ما صح من ذلك عن عائشة رواية عمر، وما روي عن أبي سعيد، وعمار فتبين أن حديث أبي إسحاق إنما هو وهم، قيل: رَوى هشيم، عن عبد الله، عن عطاء، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام -، مثل ما رواه أبو إسحاق عن الأسود، قال: ورواية عطاء عن عائشة مما لا يحتج به إلا أن يقول: سمعت، ولو قال في هذا: سمعت كانت تلك الأحاديث أقوول، ولقائل أن يقول: قد صرّح جماعة من العلماء بسماعه من عائشة، وخرّج له الشيخان في صحيحها أحاديث صرح في بعضها بسماعه منها, ولم يَرمه أحد بالتدليس فيما علمنا حتى يتوقف في روايته إذا لم يبيّن سماعه، فلا يقدح هذا في حديثه، ويكون سنده على هذا صحيحًا، لاسيّما مع ما يذكر له من الشواهد. وفي "المغني" لابن قدامة: قال أحمد: خالف أبو إسحاق الناسَ فلم يقل أحد: عن الأسود مثل ما قال، فلو أحاله على غير الأسود. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وفي لسان العرب (جرمز): جرمز الرجل: نكص، وقيل: أخطأ.

وقال مسلم في كتاب: "التمييز" (¬1): ذكر الأحاديث التي نقلت على الغلط في متونها، ثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا أبو إسحاق ... فذكره، قال: فهذه الرواية عن أبي إسحاق [خَاطئة] (¬2)، وقد جاء النخعي وعبد الرحمن بخلاف ذلك. فيه نظر، من حيث أنه روى في "صحيحه" عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس، قالا: ثنا زهير فذكر حديث أبي إسحاق دون قوله: "قبل أن يَمسّ ماء"، وقال ابن ماجه عقب روايته هذا الحديث: قال سفيان: ذكرت الحديث -يعني هذا- يومًا فقال لي إسماعيل: شُدَّ هذا الحديث يا فتى بشيءٍ. وأما المصححون فقد قال الدارقطني: يشبه أن يكون الخبران صحيحين؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ربما قدّم الغسل، وربما آخره كما حكى ذلك غُضَيف، وعبد الله بن أبي قيس، وغيرهما عن عائشة، وأن الأسود حفظ ذلك عنها فحفظ أبو إسحاق عنه تأخير الوضوء والغسل، وحفظ إبراهيم وعبد الرحمن تقديم الوضوء على الغسل. وقال البيهقي: طعن الحفاظ في هذه اللفظة، يعني: "قبل أن يَمسّ ماء" وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلس، فرأوها من تدليساته، واحتجوا على ذلك برواية النخعي وعبد الرحمن بن الأسود بخلاف رواية أبي إسحاق، قال أبو بكر: وحديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية وذلك أنه بيّن فيه سماعه من الأسود في رواية زهير عنه، والمدلّس إذا بيّن سماعه ممن روى عنه، وكان ثقة فلا وجه لردّه، ووجهُ الجمع بين الروايتين على وجه يحتمل، وقد جمع بينهما أبو العباس بن سريج فأحسن الجمع، وسئل عنه، وعن حديث عمر: "ينامُ أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ"، فقال: الحكم لهما جميعًا؛ أما حديث عائشة فإنما أرادت أنه كان لا يمسّ ماءً للغسل، وأما حديث عمر: "أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا ¬

_ (¬1) "التمييز" (1/ 181 رقم 40). (¬2) في "الأصل، ك": خاصة، وهو تحريف، والمثبت من كتاب "التمييز".

توضأ أحدكم فليرقد" مفسّر ذكر فيه الوضوء، وبه نأخذ. انتهى. ولو حمل على الاستحباب، والفعل على الجواز لكان حسنًا إذ الفعل لا يدل على الوجوب بمجرده، ويمكن أن يكون الأمران جميعًا وقعا، فالفعل لبيان الاستحباب، والترك لبيان الجواز، وقد أشار إلى هذا ابن قتيبة في كتاب "مختلف الحديث"، ولما ذكره ابن حزم مصححًا له من حديث سفيان عن أبي إسحاق قال: هذا لفظ يدل على مداومته - عليه السلام - لذلك، وهي أحدث الناس عهدًا بمبيته ونومه، جنبًا وطاهرًا. فإن قيل: إن هذا الحديث أخطأ فيه سفيان؛ لأن زهيرا خالفه. قلنا: بل أخطأ بلا شك من خَطَّأَ سفيان بلا دليل، وسفيان أحفظ من زهير بلا شك. انتهى كلامه. وفيه نظر من حيث أن زهيرًا رواه كما رواه سفيان عن أبي إسحاق فيما ذكره مسلم في "التمييز"، ومن حيث أن سفيان لم يتفرد بل قد تابعه غير واحد، منهم شعبة بن الحجاج -ذكره الترمذي- وأبو حنيفة، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أبي خالد -عند الطحاوي- وسليمان بن مهران، وأبو الأحوص -عند ابن ماجه- وحمزة الزيّات -ذكره الطبراني في "الأوْسط"- ثم قالوا: إنا وجدنا لحديث أبي إسحاق شواهد ومتابعين، فممن تابعه: عطاء، والقاسم، وكريب، فيما ذكره أبو إسحاق الحربيّ في كتاب "العلل"، قال: وأحسن الوجوه في ذلك -إن صح حديث أبي إسحاق فيما رواه ووافقه هؤلاء-: أن تكون عائشة أخبرت الأسود أنه كان ربما توضأ، وربما أخر الوضوء والغسل حتى يصبح، فأخبر الأسود إبراهيم أنه كان يتوضأ، وأخبر أبا إسحاق أنه كان يؤخر الغسل، وقد حكى مثل ذلك غضيف، وعبد الله بن أبي قيس، ويحيي بن يَعُمر الصنابحي، عن عائشة، وهذا أحسن وجوهه، قال: ولم يزل المتفقهة من أصحاب الحديث تكلّم في حديث أبي إسحاق، يقولون: إنه حكى عن عائشة ما خالف ما حكاه إبراهيم وعبد الرحمن، وقد وافق إبراهيم

وعبد الرحمن على روايتهما: أبو سلمة، وعروة، وأبو عمر، وذكوان، وقوّى هذا القول رواية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فيما سأل، وأبي سعيد، وعمار، وابن عباس، وجابر، وأم سلمة. انتهى كلامه. وفيه نظر من حيث أن ابن عباس وعمار وأم سلمة حديثهم موافق لما رواه أبو إسحاق. أما حديث [أم]، (¬1) سلمة فرواه أحمد (¬2) بسند جيّد "كان النبي - عليه السلام - يجنب، ثم ينام، ثم ينتبه، ثم ينام". وحديث ابن عباس "خرج النبي - عليه السلام - من الخلاء فأتى بطعام فقالوا: ألا نأتيك بطهُر، فقال: أأصلي فأتطهر؟! ثم تناول عَزقًا فأكل ولم يمسّ ماء" (¬3). قال أبو عمر: صحيح، وفيه دلالة أن الوضوء لا يكون إلا لمن أراد الصلاة. وحديث عمار صححه الترمذي (¬4): "أن النبي - عليه السلام - رخص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ". قال أبو عمر: احتج به أهل الكوفة على أن الجنب لا بأس أن ينام قبل أن يتوضأ، قالوا: معناه: أي لا يتوضأ؛ لأنه في ذلك وردت الرخصة. وقال ابن أبي شيبة (¬5): ثنا شريك، عن إبراهيم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "إذا جامع الرجل ثم أراد أن يعود فلا بأس أن يؤخر الغسل". وقال ابن الحصّار في كتابه "تقريب المدارك على موطأ مالك": رواه عن ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": أبي، وهو وهم أو سبق قلم من المؤلف -رحمه الله- وجاء على الصواب في "مسند أحمد". وانظر الكلام قبله. (¬2) "مسند أحمد" (6/ 298 رقم 26594). (¬3) أخرجه مسلم في "صحيحه" (1/ 283 رقم 374)، وانظر "التمهيد" لابن عبد البر (17/ 43). (¬4) "جامع الترمذي" (2/ 511 رقم 613). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 64 رقم 683).

أبي إسحاق أئمة عدول، وهذه رخصة، ورفق من الله تعالى لا ينبغي أن يُطرح مثل هذا لأجل انفراد رَاويةِ العدل برواية لا تعارض رواية من روى عن الأسود ذكر الوضوء، إذ قد يصح أن يفعل الأمرين في وَقتين، والله أعلم. ثم رجال حديث فهد رجال الصحيح، وأبو غسّان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي شيخ البخاري، وزهير هو ابن معاوية بن [حديج] (¬1)، وأبو إسحاق عمرو. وأخرجه مسلم (¬2): ثنا أحمد بن يونس، قال: نا زهير، قال: نا أبو إسحاق. وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا أبو خثيمة، عن أبي إسحاق، قال: سألت الأسود بن يزيد عما حدثته عائشة عن صلاة رسول الله - عليه السلام -، قالت: "كان ينام أول الليل، ويحيي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب -ولا والله ما قالت: قام- فأفاض عليه الماء -ولا والله ما قالت: اغتسل- وأنا أعلم ما تريد -وإن لم يكن جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلّى" وليس في روايته: "قبل أن يَمسّ ماء". ورواية البيهقي (¬3) نحو رواية الطحاوي، وقال الذهبي: إنما ترك مسلم لمس الماء لأن الحفاظ طعنوا في هذه اللفظة، وتوهموها مأخوذة من غير الأسود، وأن أبا إسحاق ربما دلّس فرأوها من تدليساته. قوله: "كان ينام أول الليل، ويحيى آخره" لما جاء في إحياء آخر الليل من الآثار والفضل، وأنه أسمع وأقرب للإجابة، ثم نومه بعد ذلك ليستريح من تعب القيام، وينشط لصلاة الصبح، والنوم بعد القيام آخر الليل مستحسن مُذهِب لكلل السّهر، وذبول الجسم، وصفرة اللون بسببه، بخلاف إيصال السهر بالصباح، وقد يكون ¬

_ (¬1) "في الأصل، ك": حرب، وهو سبق قلم من المؤلف -رحمه الله-. وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال". (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 510 رقم 739). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 201 رقم 922).

فعل النبي - عليه السلام - هذا في الليالي الطوال. قوله: "ثم إن كانت له حاجة" أرادت عائشة بهذا الكلام الجماع، ولكنها ذكرته بالكناية للأدب. قوله: "ثم ينام قبل أن يمسّ ماء" أرادت به الماء الذي يغتسل به لا الماء الذي يتوضأ. فإن قيل: من أين قلت: إنها أرادت به الماء الذي يغتسل به؟ ولم لا يجوز أن تكون أرادت الماء الذي يتوضأ به؟ قلت: قالوا هذا حتى لا تتضادّ الآثار؛ لأنه قد أخبر في هذا الحديث نفسه أنه إذا كان جنبًا توضأ ثم نام، وكذلك الأحاديث الصحاح عن عائشة وغيرها أنه كان لا ينام إذا كان جنبًا حتى يتوضأ وضوئه للصلاة. فإن قيل: كيف يجوز النوم على الجنابة وقد جاء في حديث علي - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة، ولا كلب، ولا جنب". أخرجه أبو داود (¬1)، والنسائي (¬2)، فما وجه التوفيق بين الحديثين؟. قلت: المراد بالجنب الذي لا تدخل الملائكة بيتًا هو فيه هو الذي يجنب فلا يغتسل، ويتهاون به، ويتخذه عادةً، وأما الجنب الذي لا يتخذ هذا عادة، ولا يترك الاغتسال إلى أن تفوته الصلاة لا يضرّ دخول الملائكة البيت؛ فإنه - عليه السلام - كان ينام وهو جنب، وقال الخطابي: قوله: ولا جنب، ولا جِبْت بكسر الجيم وسكون الباء الموحدة، وبالتاء المثناة من فوق، وجُنب تصحيف. فإن كان هذا صحيحًا فلا اعتراض حينئذ. وقال الصغاني في "العباب": الجبت كلمة تقع على الصنم، والكاهن، ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 58 رقم 227). (¬2) "المجتبى" (1/ 141 رقم 261).

والساحر، ونحو ذلك. وقال ابن عرفة: كل ما عبد من دون الله فهو جبت، وقيل: الجبت والطاغوت: الكهنة والشياطين. وقال سعيد بن جبير: هي كلمة حبشية، وليست من محض العربيّة لاجتماع الجيم والتاء. فإن قيل: فلم تمتنع الملائكة من البيت الذي فيه الجنب؟ قلت: لكون الجنب بعيدًا عن التلاوة والعبادة، وهو متصف بالنجاسة الحكمية، والملائكة يكرهون ذلك، وأيضًا المراد منه الملائكة غير الحفظة؛ لأن الحفظة لا يفارقون بني آدم جنبًا وغيره، والله أعلم. ص: وقد روى ذلك غير أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة: "أن النبي - عليه السلام - كان يتوضأ وضوئه للصلاة". حدثنا ابن مرزوق، قال: أنا بشر بن عُمر، قال: أنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "كان النبي - عليه السلام - إذا أراد أن ينام أو يأكل وهو جنب يتوضأ". ش: أي قد روى الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام أو يأكل غير أبي إسحاق عمرو السَّبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة. ثم بَيَّن ذلك بقوله: "حدثنا ابن مرزوق ... " إلى آخره. وإسناده صحيح. وأخرجه مسلم (¬1): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن عُليّة ووكيع وغندر، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان النبي - عليه السلام - ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 248 رقم 305).

إذا كان جنبًا وأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه" (¬1). فإن قيل: كيف قال الطحاوي: يتوضأ وضوءه للصلاة، وليس في الحديث الذي خرجه إلَّا يتوضأ فقط، وكذا في رواية غيره: "توضأ وضوءه للصلاة". أخرجه النسائي (¬2): أنا حُميد بن مسعده، عن سفيان بن حبيب، عن شعبة ح. وأنا عَمْرو بن علي، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كان النبي - عليه السلام - وقال عَمر وكان رسول الله - عليه السلام - إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ" زاد عمرو في حديثه: "وضوءه للصلاة". ص: ثم روي عن الأسود -عن رأيه- مثل ذلك، حدثنا روح بن الفرج، قال: أنا يوسف بن عدي، قال: نا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: قال الأسود: "إذا أجنب الرجل فأراد أن ينام فليتوضأ". فاستحال عندنا -والله أعلم- أن تكون عائشة - رضي الله عنها - قد حدّثته عن النبي - عليه السلام - أنه كان ينام ولا يمسّ ماء، ثم يأمر هو بعد ذلك بالوضوء، ولكن الحديث في ذلك ما رواه إبراهيم. ش: أي روي عن الأسود بن يزيد، عن اجتهاده ورأيه مثل ما روى عنه إبراهيم، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام -: "أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة" فهذا يدل على أن الصحيح ما رواه إبراهيم عنه لا ما رواه أبو إسحاق عنه؛ لأنه من المحال أن يروي عن عائشة عن النبي - عليه السلام -: "أنه كان ينام ولا يمسّ ماء" ثم يأمر هو بعد ذلك بالوضوء، وذلك أن. الراوي إذا أفتى أو عمل بخلاف ما روى -في غير باب النسخ- يدل ذلك على قلة المبالاة والتهاون بالحديث؛ فيصير به ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل, ك"، والذي في صحيح مسلم -النسخة التي عندي- "وضوءه للصلاة"، وأنكر المؤلف بعد قليل وقوع لفظة وضوءه للصلاة في "صحيح مسلم"!. (¬2) "المجتبى" (1/ 138 رقم 255).

فاسقًا، فلا تقبل روايته أصلًا، وحاشى الأسود عن مثل ذلك، فإنه إمام جليل الشأن كثير العبادة، حتى قيل أنه حج ثمانين حجة، وكان ابنه عبد الرحمن يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وكانوا يستقلون ذلك بالنسبة إلى عبادة والده فإذا كان الأمر كذلك صار الحديث ما رواه إبراهيم النخعي عن الأسود لا ما رواه أبو إسحاق عنه، وهو معنى قوله: "ولكن الحديث من ذلك ما رواه إبراهيم". وإسناد هذا الخبر صحيح، ويوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، وأبو الأحوص سلاّم بن سليم الحنفي، ومغيرة بن مقسم الضبيّ الفقيه الأعمى. ص: وقد روى غير الأسود عن عائشة - رضي الله عنها - ما يوافق ذلك: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس والليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: "كان النبي - عليه السلام - إذا أراد أن ينام وهو جنب يتوضأ وضوءه للصلاة". حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: أنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: أنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى ... فذكر يإسناده مثله. حدثنا ربيعُ المؤذن، قال: نا بشر بن بكر، قال: أخبرني الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا عليُّ بن شيبة، قال: أنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - ... مثله، وزاد: "ويغسل فرجه". حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: نا أسد، قال: أنا ابن لهيعة، قال: أنا أبو الزبير، عن جابر، أن أبا عمرو مولى عائشة أخبره، عن عائشة، عن رسول الله - عليه السلام - ... مثل حديث الزهري عن أبي سلمة.

فهذا غير الأسود قد روى عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - ما يُوافق ما روى إبراهيم، عن الأسود, عن عائشة، عن النبى - عليه السلام -. ش: أي قد روى غير الأسود بن يزيد، عن عائشة ما يوافق ما رواه الأسود عنها من أنه - عليه السلام - إذا أراد أن ينام وهو جنب كان يتوضأ وضوءه للصلاة، فهذا مما يقويّ رواية غير أبي إسحاق عن الأسود، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - أنه كان يتوضأ إذا أراد أن ينام وهو جنب، ثم إنه أخرج ذلك من ستة طرق صحاح، غير أن الطريق السادس فيه عبد الله بن لهيعة؛ فإن فيه مقالًا. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي والليث بن سعيد كلاهما، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عائشة. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، ومحمد بن رمح، قالا: نا الليث. ونا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة - رضي الله عنها -: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا أراد أن ينام وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام". وأخرجه النسائي (¬2) نحوه سواء: عن قتيبة بن سعيد. وابن ماجه (¬3): عن محمَّد بن رمح، عن الليث. والحكمة في وضوئه - عليه السلام - تخفيف بعض الحدث. قال ابن أبي شيبة (¬4): نا ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن شداد بن أوس قال: "إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام فليتوضأ؛ فإنه نصف الجنابة". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 248 رقم 305). (¬2) "المجتبى" (1/ 139 رقم 258). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 193 رقم 584). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 62 رقم 663).

الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي أبي نصر اليمامي ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا أبو نعيم، قال: نا هشام وشيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: "سألت عائشة أكان النبي - عليه السلام - يرقد وهو جنب؟ قالت: نعم ويتوضأ". الثالث: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة. وأخرجه أحمد (¬2): من حديث يحيى، عن أبي سلمة، قال: "سألتُ عائشة هل كان النبي - عليه السلام - يرقد وهو جنب؟ قالت: نعم، ويتوضأ وضوءه للصلاة". الرابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن بشر بن بكر التِّنِّيسي، عن عبد الرحمن ابن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - ... مثل الحديث المذكور. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): ثنا بهلول بن حكيم القرقساني، ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا أراد أن ينام توضأ وضوءه للصلاة". الخامس: عن علي بن شيبة بن الصلت السَدُوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام -، وزاد في روايته: "ويغسل فرجَه". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 109 رقم 282). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 128 رقم 25013). (¬3) "مسند أحمد" (6/ 85 رقم 24599).

السادس: عن ربيع المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله، عن أبي عَمرو ذكوان مولى عائشة، أخبره عن عائشة، عن رسول الله - عليه السلام - ... مثل حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة. ص: وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - من قولها مثل ذلك أيضًا: حدثنا يونس، قاله: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تقول: "إذا أصاب أحدكم المرأة ثم أراد أن ينام، فلا ينام حتى يتوضأ وضوءه للصلاة". حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا يحيي بن سعيد القطان، قال: أنا هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشة - رضي الله عنها - مثله، وزاد: "فإنه لا يدري لعل نفسه تُصابُ في نومه". فمحال أن يكونَ عندَها من رسول الله - عليه السلام - خلافُ هذا، ثم تفتي بهذا، فثبت بما ذكرنا فساد ما روي عن الأسود مما ذكرنا، وثبت ما روي عن إبراهيم، عن الأسود. ش: أي قد روي عن عائشة من قولها عن نفسها وفتواها مثل ما روي عنها عن النبي - عليه السلام - أنه كان يتوضأ إذا أراد أن ينام وهو جنب. وأخرج ذلك عن طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن هشام ابن عروة، عن أبيه عروة، عن عائشة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن عثام بن علي، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "في الرجل تصيبه جنابة من الليل فيريد أن ينام، قالت: يتوضأ أو يتيمم". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 63 رقم 676).

الثاني: عن يزيد بن سنان القزّاز البصري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "إذا أراد أحدكم أن يرقد وهو جنب فليتوضأ؛ فإنه لا يدري لعله يُصابُ في منامه". قوله: "فإنه تعليل لقولها فليتوضأ" وأرادت بقولها "لعل نفسه تصاب" أنه يموت فجأة، أو يقع عليه هدم فيموت، أو يلذعه حيوان، ونحو ذلك من أسباب الموت، وهي كثيرة. قوله: "فمحال" مرفوع على أنه خبر لقوله: "أن يكون" لأن "أن" مصدرية في محل الرفع على الابتداء، والتقدير: كون حدوث هذا عندها محالٌ، فافهم. قوله: "فثبت بما ذكرنا" أي إذا كان الأمر كذلك فثبت بما ذكرنا فساد حديث أبي إسحاق، عن الأسود، وثبت حديث إبراهيم النخعي عن الأسود، عن عائشة. ص: وقد يحتمل أيضًا أن يكون ما أراده أبو إسحاق في قوله: ولا يمسّ ماء يعني الغسل، فإن أبا حنيفة قد روي عنه من هذا شيء: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا معاذ بن فضالة، قال: نا يحيى بن أيوب، عن أبي حنيفة وموسى بن عقبة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، أنها قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يُجامعُ، ثم يَعُود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل" فكان ما ذُكِر أنه - عليه السلام - لم يكن يفعله إذا جامع قبل نومه هو الغسل، فذلك لا ينفي الوضوء. ش: إلى هنا حكم بضعف حديث أبي إسحاق عن الأسود، وبَيَّنَ ذلك بوجوه كثيرة، ثم أشار إلى تأويل حديثه -على تقدير تسليم صحته-: تحريره أن يقال: ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 62 رقم 661).

سلمنا أن ما رواه أبو إسحاق عن الأسود صحيح، ولكن تأويل قوله: "ولا يمسّ ماء" يعني لأجل الغسل لا لأجل الوضوء، وعدم مسّ الماء لأجل الغسل لا ينفي مسه لأجل الوضوء، وقد روي عن أبي حنيفة ما يقوي هذا التأويل، فعل كلا التقديرين يثبت المدعى وهو أن الجنب لا ينبغي له أن ينام إلا بعد أن يتوضأ. وقد قيل: إن المراد به أنه كان في بعض الأوقات لا يَمسّ ماءً أصلًا؛ لبيان الجواز، إذْ لو واظب عليه لَتُوهِّم الوجوبُ. ثم إسناد حديث أبي حنيفة صحيح؛ لأن رجاله ثقات يحتج بهم، ولا يلتفت إلى كلام ابن حزم في تضعيفه هذا الخبر. قوله: "يجامع" مفعوله محذوف، أي يجامع أهله، وأراد بالمجامعة الوطء، على سبيل الكناية. قوله: "ثم يعود" أي إلى الجماع مرة أخرى من غير تخلل بين الجماعين بوضوء، وهو معنى قوله ولا يتوضأ أي بين الجماعين. قوله: " وينام ولا يغتسل" أي على الفور، ولكن نومه قبل الاغتسال لا ينافي وضوءه قبل النوم، فيحمل على هذا حديث أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة في قوله: "لا يمسّ ماء" يعني الغسل، وهو لا ينافي الوضوء. فإن قيل: روى مسلم (¬1) من حديث أبي سعيد: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود، فليتوضأ". ورواه الأربعة (¬2) أيضًا ورواه ابن خزيمة (¬3) بزيادة: "وضوءه للصلاة"، ثم قال: هذه لفظة تفرد بها شعبة، عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما، وهذا ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 249 رقم 308). (¬2) أبو داود (1/ 56 رقم 220)، والترمذي (1/ 261 رقم 141)، والنسائي في "المجتبى" (1/ 142 رقم 262)، وابن ماجه (1/ 193 رقم 587). (¬3) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 109 رقم 220).

يدل على أنه لا بد من الوضوء بين الجماعين، وحديث أبي حنيفة لا يدل على هذا. قلت: هذا الأمر للندب عند الجمهور، والدليل عليه حديث الطواف على ما نذكره، فإذن لا تعارض بين الحديثين؛ لأن حديث أبي حنيفة يبيِّن الجواز، وحديث غيره يبين استحباب الوضوء بين الجماعين، وتعلقت الظاهرية بظاهر الأمر، وقالوا: إنه واجب، وبه قال ابن حبيب المالكي. وقال ابن حزم في "المحلى": والوضوء فرض بين الجماعين، ثم قال: وبإيجاب الوضوء في ذلك قال عمر بن الخطاب، وعطاء، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وابن سيرين. وقال أبو عمر بن عبد البر: ما أعلم أحدًا من أهل العلم أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر، وأما سائر الفقهاء بالأمصار فلا يوجبونه، وأكثرهم يأمرون به، ويستحبونه. قلت: في كلام كل واحد من ابن حزم، وأبي عمر نظر، أما كلام ابن حزم فيعارضه ما أخرجه ابن أبي شيبة (¬1)، ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يجامع الرجل امرأته، ثم يعود قبل أن يتوضأ، قال: وكان ابن سيرين يقول: لا أعلم بذلك بأسًا". وأما كلام أبي عمر فيرده ما حكاه النووي من أن ابن حبيب المالكي يرى بوجوب الوضوء بين الجماعين، على ما ذكرناه. فإن قيل: يعارض ما رواه مسلم وغيره ما رواه ابن عباس أنه - عليه السلام -[قال] (¬2) "إنما أمُرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 79 رقم 873). (¬2) ليست في "الأصل، ك".

أخرجه أبو عوانة في"صحيحه" (¬1). قلت: أجاب بعضهم بأن هذا كله مشروع جائز، فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بالآخر، وأجاب بعضهم بأن المراد من قوله في رواية مسلم: "فليتوضأ" هو الوضوء اللغوي، والدليل عليه حديث [ابن عمر] (¬2) قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا أقول أحدكم أهله فأراد أن يعود فليغسل فرجه". وقال ابن أبي شيبة (¬3)، ثنا عبدة بن سليمان، عن يحيي بن سعيد، عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا أتى أهله ثم أراد أن يعود غسل وجهه وذراعيه". قلت: فيه نظر لأن زيادة ابن خزيمة "وضوءه للصلاة" تنافي هذا الكلام، وأيضًا معنى قوله: "فليتوضأ" الوضوء المعهود؛ لأن المطلق ينصرف إلى الكامل، وحديث ابن عمر الصحيح أنه موقوف عليه، قاله الترمذي عن البخاري (¬4). أما حديث الطواف فما أخرجه البخاري وغيره، فقال البخاري (¬5): حدثنا محمَّد بن بشار، ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، ثنا أنس - رضي الله عنه -: "كان النبي - عليه السلام - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، قلت لأنس: أَوَ كان يُطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطيَ قوة ثلاثين". وقال سعيد، عن قتادة، أن أنسًا حدثهم: "تسع نسوة". ¬

_ (¬1) "مسند أبي عوانة" (1/ 236 رقم 799)، وأخرجه أبو داود (345/ 3 رقم 3760)، الترمذي (4/ 282 رقم 1847)، والنسائي (1/ 85 رقم 132) و"أحمد في مسنده" (1/ 282 رقم 2549) و (1/ 359 رقم 3381) وغيرهم من حديث ابن عباس. (¬2) كذا في "الأصل، ك": والصواب أن هذا الحديث حديث عمر وليس ابنه كما في "سنن البيهقي الكبرى" (7/ 192 رقم 1847)، والترمذي في "العلل" (1/ 61)، و"علل ابن أبي حاتم" (1/ 34 رقم 67)، و"علل الدارقطني" (2/ 240 رقم 242). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 79 رقم 871). (¬4) كذا في "الأصل، ك"، والذي في "علل الترمذي" للقاضي أبي طالب: (1/ 61) قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال هو خطأ، ولا أدري من أبي المستهل، وإنما روى عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان بن ربيعة عن عمر قوله، وهو الصحيح. (¬5) "صحيح البخاري" (1/ 105 رقم 265).

وجاء في صحيح الإسماعيلي: من حديث أبي يعلى، عن أبي موسى، عن معاذ: "قوة أربعين" وفي "الحلية" (¬1) لأبي نعيم، عن مجاهد: "أعطي قوة أربعين رجلًا كل رجل من رجال أهل الجنة". وزعم المهلب أن دورانه - عليه السلام - هذا يحتمل أن يكون في يوم من القسمة ينتهي فيقرع في هذا اليوم لهن كلهن يجمعهّن فيه، ثم يستأنف بعد ذلك. وقيل: يحتمل أن يكون ذلك عند إقباله من سفر حيث لا قسمة تلزم، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك بإذنهن أو بإذن صاحبة النوبة، هذا على قول مَن يرى أن القسم كان عليه واجبًا، وأما من لا يُوجبه فلا يحتاج إلى تأويل. وذكر ابن العربيّ: أن الله خصّ نبيّه - عليه السلام - في النكاح بأشياء، منها أنه أعطاه ساعةً لا يكون لأزواجه فيها حق، يدخل فيها على جميع أزواجه فيفعل ما يُريد بهن، ثم يدخل عند التي يكون الدور لها. وفي "مسلم": عن ابن عباس أن تلك الساعة كانت بعد العصر فلو اشتغل عنها لكانت بعد المغرب وغيره، والله أعلم. ص: وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - عليه السلام - مثل ذلك أيضًا. حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال: أنا محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر: "أن عُمر قال: يا رسول الله، أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم ويتوضأ". ش: أي قد روي عن عبد الله بن عمر، عن النبي - عليه السلام - مثل ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - وعلي بن زيد الفرائضي أبو الحسن الطرسوسي. ومحمد بن كثير أبو يوسف المِصيصي، فيه مقال لكن ابن مَعين صدّقه، وابن حبان وثقه. ¬

_ (¬1) لم أجده في "الحلية"، وعزاه الحافظ في "الفتح" (1/ 378) لأبي نعيم في "صفة الجنة" وهو أشبه بالصواب.

والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو، والزهري محمَّد بن مسلم. وهذا الحديث أخرجه الجماعة على مما يأتي. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: أنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - مثله، وزاد: "وضوئه للصلاة". ش: إسناده حسن جيّد. وأخرجه النسائي (¬1): عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: "يا رسول الله، أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: إذا توضأ". وأخرجه عبد الرزاق (¬2) بهذا الزيادة، ولكن بغير هذا الإسناد عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر سأل النبي - عليه السلام -: "أنامُ وأنا جُنب؟ فقال: توضأ وضوءك للصلاة". ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: أنا سعيدُ بن سفيان الجحدري، قال: أنا ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: إسناده حسن، وابن عون اسمه عبد الله بن عون بن أرطبان البصري. أخرجه ابن ماجه (¬3): نا نصر بن علي الجهضميّ، نا عبد الأعلى، نا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله - عليه السلام -: "أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: أنا وهب بن جرير، قال: أنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مثله، وزادَ: "واغسل ذكرك". ش: إسناده صحيح. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 139 رقم 259). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 282 - رقم 1088). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 193 رقم 585).

وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (¬1): نا شعبة، عن عبد الله بن دينار، سمع ابن عمر، "أن عمر - رضي الله عنه -: سأل النبي - عليه السلام - عن الجنب ينام، فقال: اغسل ذكرك وتوضأ، ثم ارقد". وأخرجه النسائي (¬2): أنا قتيبة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: "ذكر عمر لرسول الله - عليه السلام - أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال رسول الله - عليه السلام -: توضأ واغسل ذكرك، ثم نم". وكذا أخرجه أبو داود (¬3): عن عبد الله بن مسلمة عن مالك ... إلى آخره. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا أبو حذيفة ح. وحدثنا علي بن شيبة، قال: نا أبو نعيم ح. وحدثنا حسين بن نصر، قال: نا الفريايّ. ثم أجمعوا جميعًا فقالوا: عن سفيان، عن عبد الله بن دينار ... فذكروا مثله بإسناده. ش: هذه ثلاث طرق صحاح. الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النَهْدي أحد مشايخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن رسول الله - عليه السلام -. وأخرجه أبو عبد الله العدني في "مسنده": نا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر "أن عمر سأل النبي - عليه السلام - أيرقُد أحدنا وهو جنب؟ قال: إذا أراد أن ينام فليتوضأ، ويطعم إن شاء". ¬

_ (¬1) "مسند الطيالسي" (1/ 256 رقم 1878). (¬2) "المجتبى" (1/ 140 رقم 260). (¬3) "سنن أبي دود" (1/ 57 رقم 221).

الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا الفضل بن دكين، نا سفيان، عن عبد الله بن دينار، سمعت ابن عمر قال: "سأل عمر - رضي الله عنه - رسول الله - عليه السلام - وقال: تصيبني الجنابة من الليل، فأمره أن يغسل ذكره ويتوضأ ويرقد". الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. وأخرجه الدارمي في "مسنده" (¬2): أنا عبد الله بن موسى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: "سأل عمر النبي - عليه السلام - فقال: تصيبني الجنابة من الليل فأمره أن يغسل ذكره ويتوضأ ثم يرقد". قوله: "ثم أجمعوا" أي أبو حذيفة، وأبو نعيم، والفريابي، و"جميعًا" نصب على الحال، أي مجتمعين. ص: حدثنا يونس، قال: نا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن دينار ... فذكر بإسناده مثله. ش: إسناده على شرط الشيخين. وأخرجه البخاري (¬3): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أنه قال: "ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله - عليه السلام - أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله - عليه السلام -: توضأ واغسل ذكرك ثم نَمْ". وأخرجه مسلم (¬4): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 116 رقم 5967). (¬2) "سنن الدارمي" (1/ 212 رقم 756). (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 110 رقم 286). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 249 رقم 306).

وأبو داود (¬1): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك. والنسائي (¬2): عن قتيبة، عن مالك ونحوه. ص: وقد روي عن عمّار بن ياسر، وأبي سعيد، عن النبي - عليه السلام - أيضًا مثل ذلك. حدثنا أبو بكرة، قال: نا مؤملٌ، قال: نا حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن يحيي بن يعمر، عن عمار بن ياسر، قال: "رخصّ رسول الله - عليه السلام - للجنب إذا أراد أن ينام أو يشرب أو يأكل أن يتوضأ وضوءه للصلاة". حدثنا ربيعُ الجيزي، قال: أنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب ونافعُ بن يزيد -نحو ذلك- عن ابن الهَاد، عن عبد الله بن خَبّاب، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: "قلت: يا رسول الله - عليه السلام -، أصيب أهلي وأريد النومَ، قال: توضأ وارقد". فقد تواترت الآثار عن النبي - عليه السلام - في الجنب إذا أراد النوم بما ذكرنا، وقد قال بذلك نفر من الصحابة من بعده، منهم عائشة - رضي الله عنها -، قد ذكرنا ذلك عنها من رأيها فيما تقدم من هذا الباب. ش: أي قد روي عن عمار، وأبي سعيد الخدري مرفوعًا مثل ما روي عن ابن عمر في وضوء الجنب إذا أراد النوم. وإسناد الحديثين صحيح، ومؤمل بن إسماعيل القرشي. وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم شيخ البخاريّ. وابن لهيعة هو عبد الله، فيه مقال ولكنه ذكر متابَعًا. ويحيي بن أيوب الغافقي المصريّ. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 57 رقم 221). (¬2) "المجتبى" (1/ 140 رقم 260).

ونافع بن يزيد الكلاعي المصري روى له الجماعة سوى الترمذي، البخاري مستشهدًا. وابنُ الهاد هو يزيد بن عبد الله بن شداد بن الهاد المدني، روى له المجماعة. وعبد الله بن خباب الأنصاري، روى له الجماعة، وخَبّاب بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة، وفي آخره باء أخرى. وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك، مشهور باسمه وكنيته. وحديث عمار أخرجه أبو داود (¬1): نا موسى بن إسماعيل، قال: نا حماد، قال: أنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - رخّص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ". قال أبو داود: بين يحيى وعمار رجل. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة ... " إلى آخره نحوه، وفي آخره: "أن يتوضأ وضوءه للصلاة" كرواية الطحاوي. وحديث الخدريّ أخرجه ابن ماجه (¬3): نا أبو مروان الدمشقي محمَّد بن عثمان، نا عبد العزيز بن محمَّد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عبد الله بن خبّاب، عن أبي سعيد الخدريّ: "أنه كان تصيبه الجنابة بالليل، فيريد أن ينام: فأمره رسول الله - عليه السلام - أن يتوضأ ثم ينام". قوله: "فقد تواترت الآثار" أي تكاثرت وتتابعت عن النبي - عليه السلام - ولم يرد به التواتر المصطلح عليه. قوله: "نفر" أي جماعة من الصحابة. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 57 رقم 225). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 63 رقم 678). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 193 رقم 586).

قوله: "قد ذكرنا عنها من رأيها" أي عن عائشة، وهو الذي أخرجه عن يونس بن الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، وقد ذكره فيما مضى في هذا الباب. ص: وقد روي ذلك أيضًا عن زَيْد بن ثابت: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابنُ لهيعة، عن ابن هُبَيْرة، عن قييصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، قال: "إذا توضأ الجنب قبل أن ينام باتَ طاهرًا". فهذا زَيدُ بن ثابت يُخبر أنه إذا توضأ قبل أن ينام، ثم نام كان كمن اغتسل قبل أن ينام في الثواب الذي يكتب كمن بات على طهر. وقد ذكرنا في حديث الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة "أن النبى - عليه السلام - كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب توضأ"، وعن عمار بن ياسر ما يُوافق ذلك. ش: أي قد روي الوضوء للجنب الذي يريد النوم أيضًا، عن زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -. ويونس هو ابن عبد الأعلى. وابن وهب هو عبد الله. وكذلك ابن لهيعة هو عبد الله، فيه مقال، وابن هبيرة أيضًا اسمه عبد الله، روى له الجماعة سوى البخاري، وقبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي أبو إسحاق المدني، قال البخاريّ: في حديثه نظر (¬1)، ووثقه ابن حبان. قوله: "بات طاهرًا" أي بات كالطاهر في حصول الثواب بالوضوء الذي توضأ، ¬

_ (¬1) هذا خطأ من المؤلف -رحمه الله-، فإن الذي قال فيه البخاري: "في حديثه نظر" هو قبيصة بن حريث وهو مذكور قبل هذا في كتاب "الكمال" لعبد الغني المقدسي وهو عمدة المؤلف في نقل تراجم أصحاب الكتب الستة كما تبين لي بالاستقراء من عملي في هذا الكتاب، وكتاب "شرح سنن أبي داود" للمؤلف أيضًا. أما قبيصة بن ذؤيب فهو عالم فقيه مشهور قال مكحول: ما رأيت أعلم من قبيصة بن ذؤيب، وقال ابن حبان: كان من فقهاء أهل المدينة وصالحيهم. وقال ابن عبد البر: وكان له فقه وعلم، وله ترجمة حافلة في "تهذيب الكمال" (23/ 487).

وليس المراد أنه يبيت طاهرًا حقيقةً، ولا يطهر حقيقة إلا بالاغتسال، وفيه ترغيب عظيم للجنب الذي يريد النوم أن لا ينام إلا بعد الوضوء. قوله: "وقد ذكرنا في حديث الحكم" أشار بهذا الكلام إلى أنه كما بيّن حكم الجنب إذا أراد النوم هل يتوضأ أم لا، يُريدُ أن يُبيّن حكمه أيضًا إذا أرادَ أن يأكل، وقد كان ذكرَ الأكل في الحديث الذي رواه عن ابن مرزوق، عن بشر بن عمر، عن شعبة، عن الحكم بن عُتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، قالت: "كان النبي - عليه السلام - إذا أرادَ أن ينامَ أو يأكل وهو جنب توضأ"، ومَهّد هذا الكلام حتى يُوطئ عليه الخلاف المذكور فيه بين العلماء. قوله: "وعن عمار بن ياسر ما يوافق ذلك" أي وقد ذكرنا أيضًا عن عمار بن ياسر ما يوافق حديث الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، وهو الذي رواه الآن عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر، قال: "رخّص رسول الله - عليه السلام - للجنب إذا أراد أن ينام أو يشرب أو يأكل أن يتوضأ". روى الطيالسي في "مسنده" (¬1): ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر، قال: "قدمت على أهلي من سفر، فضمخوني بالزعفران، فلما أصبحتُ أتيتُ رسول الله - عليه السلام -، فسلمت عليه فلم يُرحّب بي ولم يَبُش بي، وقال: أذهَبْ فاغِسلْ هذا عنك، فغسلتُه عني فجئته وقد بقي علي منه شيء، فسلمت عليه فلم يُرحّب بي، ولم يَبُشّ بي، وقال: اذهب فاغسل هذا عنك، فغسلته ثم أتيتُ رسول الله - عليه السلام - فسَلّمتُ عليه، فَردّ عليّ السلام ورحّبَ بي، فقال: إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير ولا المتضمّخَ بالزعفران، ولا الجنب، ورخّصَ للجنب إذا أراد أن يأكل أو ينام أن يتوضأ". ¬

_ (¬1) "مسند الطيالسي" (1/ 90 رقم 646).

وأخرجه البيهقي (¬1) من طريق الطيالسي، وأخرج أبو داود (¬2) منه ترخيص الجنب فقط (¬3)، وقد ذكرناه، وكذا الطحاوي كما ذكر. ص: فذهب إلى هذا قومٌ فقالوا: لا ينبغي للجنب أن يطعم حتى يتوضأ. ش: أي إلى ما في حديث الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة من الوضوء للجنب إذا أراد أن يأكل، وأراد بالقوم هؤلاء: داود من الظاهرية، وأحمد بن حنبل، وبعض المالكيّة؛ فإنهم قالوا: لا ينبغي للجنب أن يأكل حتى يتوضأ. قوله: "أن يطعم" من باب عَلِمَ يَعْلَمُ، ومعناه أكل، ومصدره طُعْم بالضم، وأما الطعم بالفتح فهو ما يؤديه الشيء من حلاوة ومرارة وغيرهما. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس أن يطعم وإن لم يتوضأ. ش: أي وخالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيّب، ومجاهدًا، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي، وإسحاق؛ فإنهم قالوا: لا بأس للجنب أن يأكل وإن لم يتوضأ، وقد بَسطنا الكلام فيه في هذا الباب عند قوله: "فذهب قوم إلى هذا". ص: وكان لهم من الحجة في ذلك: أن فهدًا قد حدثنا، قال: حدثنا سُحَيم الحراني -وهو محمَّد بن القاسم- قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: نا يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل كفيّه". ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 203 رقم 928). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 57 رقم 225). (¬3) بل أخرجه كاملًا كرواية الطيالسي مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه، انظر "سنن أبي داود" (4/ 79 رقم 4176).

وقد روى عن عائشة - رضي الله عنها - ما ذكرنا، ورَوي عنها خلافُ ذلك أيضًا مما روَينا عنها أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة، فلما تضادّ ذلك عنها احتمل ذلك عندنا -والله أعلم- أن يكون وضوءه حين كان يتوضأ في الوقت الذى ذكرنا في غير هذا الباب أنّه كان إذا رأى الماء يتكلّم، وكان يتوضأ ليتكلم، فيُسمي ويأكل، ثم نُسِخَ ذلك بغسل كفيه للتنظيف وتركَ الوضوءَ، وكذلك وضوءه - عليه السلام - عند النوم يحتملُ أن يكون كان يَفعلهُ أيضًا لينام على ذكر، ثم نُسِخَ ذلك، فأبيح للجنبُ ذكر الله -عز وجل- فارتفع المعنى الذي له تَوضّأ، وقد روينا في غير هذا الموضع عن ابن عباس - رضي الله عنهما - "أن النبي - عليه السلام - خرج من الخلاء، فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: أأريد الصلاة فأتوضأ؟! ". فأخبر أنه لا يتوضأ إلا للصلاة، ففى ذلك أيضًا نفي الوضوء عن الجنب إذا أراد النوم أو الأكل أو الشرب. ش: أي كان للآخرين من الحجة والبرهان فيما ذهبوا إليه حديث فهد الذي رواه عن عائشة، وقوله: "أن فهدًا" في تأويل المصدر في محل الرفع على أنه اسم "كان" وخبره مقدم، والتقدير: وكان تحديثُ فهدٍ إيانا بإسناده عن عائشة ثبت لهم من الحجة. وإسنادُه حسن، ورجاله ثقات. وسُحَيْم بضم السين وفتح الحاء المهملتين، وسكون الياء آخر الحروف، وهو لقب محمَّد بن القاسم، قال أبو حاتم: صدوق. وأخرجه أبو داود (¬1) ولكن عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة وقال: ثنا محمَّد بن الصباح البَزَّاز، قال: نا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوء الصلاة، وإذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل يديه". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 57 رقم 223).

وقال أبو داود: رواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري كما قال ابن المبارك إلا أنه قال: عن عروة أو عن أبي سلمة. وأخرجه النسائي (¬1)، وابن ماجه (¬2) أيضًا كرواية أبى داود، وليس في روايتهما ذكر الوضوء للجنب إذا أراد النوم. قوله: "وقد روي عن عائشة ما ذكرنا وروي عنها خلاف ذلك أيضًا" أشار بذلك إلى أن الحديث الذي رواه هنا يُضَادِدُ الحديث الذي رواه عنها فيما سلف من أنه - عليه السلام - كان يتوضأ وضوءه للصلاة. ثم أشار إلى وجه التوفيق بينهما بقوله: "فلما تضاد ذلك عنها ... " إلى آخره، وتحريره: أن عائشة - رضي الله عنها - رَوَت عن النبي - عليه السلام - فعلين متضادين، حيث أخبرت في أحدهما: الوضوء كوضوء الصلاة، وفي الآخر الاقتصار على غسل الكفين، وهو وضوء غير تام، فإخبارها، بغسل الكفين بعد أن كانت علمت أنه - عليه السلام - أمر بالوضوء التامّ يدلّ على ثبوت النسخ عندها؛ لأن وضوءه - عليه السلام - كان فيما إذا كان رأى الماء لم يتكلّم، فيتوضأ ليتكلّم، فيسمِّي ويأكل، وغَسْلُ كفيه كان بعدَ ذلك، فاكتفاؤه - عليه السلام - بذلك بعد ذلك يَدلُّ على ثُبوت نسخ الأول. وكذلك وضوءه - عليه السلام - عند النوم كان لينام على ذكر، وذلك حين كانَ ذكر الله مُحرَّمًا على الجنب، ثم نُسخ بحديث عائشة: "كان رسول الله - عليه السلام - يذكر الله على كل أحيانه". أخرجه مسلم (¬3)، وغيره فأبيح للجنب أن يذكر الله تعالى. قوله: "وقد روينا في غير هذا الموضع عن ابن عباس إلى آخره" تأييد لما ذكره من ثبوت النسخ في وضوء الجنب للأكل، بيانُه: "أنه - عليه السلام - لما خرج من الخلاء، فقيل ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 139 رقم 256، 257). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 193 رقم 584). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 282 رقم 373).

له: ألا تتوضأ؟ فقال: أأريد الصلاة فأتوضأ؟! " فأخبر أنه لا يتوضأ إلا لأجل الصلاة، ففيه نفي الوضوء عن الجنب مطلقًا، سواء أراد النومَ أو الأكل أو الشرب، فإذا ارتفع الوجوب، يبقى الندب والاستحباب. ص: ومما يدل على نسخ ذلك أيضًا أن ابن عمر - رضي الله عنهما - قد روى ما ذكرنا "عن النبي - عليه السلام - في جوابه لعمر - رضي الله عنه -، ثم جاء عنه أنه قال بعد النبي - عليه السلام - ما حدثنا به محمد بن خزيمة، قال: أنا حجاج، قال: أنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "إذا أجنب الرجل، وأراد أن يأكل أو يشرب أو ينَام غسل كفَّيه، وتمضمض، واستنشق، وغسل وَجْهه، وذراعيه، وغسل فرجه، ولم يغسل قدميه". فهذا وضوء غير تامّ، وقد عَلِمَ أن النبي - عليه السلام - أمر في ذلك بوضوء تامّ، ولا يكون هذا إلا وقد ثبت النسخ كذلك عنده. ش: أي من جملة ما يدل على نسخ الوضوء التام للجنب إذا أراد أن يأكل: ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "إذا أجنب الرجل ... إلي آخره"، فإن قوله هذا بعد علمه أن النبي - عليه السلام - أمَر بالوضوء التامّ للجنب وذلك في جواب النبي - عليه السلام - لعمر بن الخطاب لما سأله - عليه السلام - "أيرقد أحدنا وهو جنب، قال: نعم؛ إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب" وفي رواية: "وضوءه للصلاة" على ما مَرَّ عن قريب في هذا الباب يدل على ثبوت النسخ عنده؛ لأن الراوي إذا روى شيئًا عن النبي - عليه السلام - أو علمه منه، ثم فعل أو أفتى بخلافه يَدُلّ على أن ذلك قد أنتسخ، إذْ لو لم يثبتا ذلك لما كان له الإقدام على خلافه. ثم إسنادُ ما روي عن ابن عمر صحيح، وحجاج هو ابن المنهال، وحماد هو ابن سلمة، وأيّوب السختياني. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1) [عن] (¬2) إسماعيل بن عليّة، عن أيوب، عن ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 62 رقم 660). (¬2) تكررت في "الأصل".

نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أنه كان إذا أراد أن يأكل أو ينام وهو جنب، غسل وجهَه ويديه، ومسح برأسها". وروى مالك (¬1) عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا أراد أن يطعم أو ينام وهو جنب، غسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم طعم أو نام". ص: وقد روي عن النبي - عليه السلام - في الرجل يجامعُ أهله ثم يريد المعاودة، ما قد حدثنا حسين بن نصر، قال: نا يحيى بن حسان، قال: نا أبو الأحوص، عن عاصم، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أرادَ أن يعود فلا يعود حتى يتوضأ". حدثنا يزيد بن سنان، قال: نا يوسف بن يعقوب، قال: نا شعبة، عن عاصم ... ثم ذكر مثله بإسناده. فقد يجوز أن يكون أمر: بهذا في حال ما كان الجنب لا يستطيع ذكر الله حتى يتوضأ، فأمر بالوضوء ليُسَمّي عند جماعه كما أمرهم النبي - عليه السلام - في غير هذا الحديث، ثم رخص لهم أن يتكلموا بذكر الله وهم جنب، فارتفع ذلك وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها -: "أنه كان يجامع ثم يعود ولا يتوضأ" وقد ذكرنا ذلك في هذا الباب فهذا عندنا نسخ لذلك. ش: ذكر هذا جوابًا عن سؤال مقدَّر تقريره: أن يُقال: إنكم قلتم: إن الجنب ليس عليه وضوء إلى أن يغتسل، وهذا حديث أبي سعيد يخبر أن الجنب إذا أراد أن يعود إلى أهله فلا يعود حتى يتوضأ، فأجاب عنه بقوله فقد يحتمل أن يكون النبي - عليه السلام - أمر بالوضوء للجنب إذا أراد العود حين كان ذكر الله محرمًا عليه بلا وضوء، فأمره بالوضوء لأنه يُسمّي عند جماعه، كما أمر للجنب في غير هذا الحديث أن يتوضأ عند الأكل أو الشرب أو النوم، ثم لَمَّا رخصّ لهم بذكر الله وهم جنب، ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 48 رقم 109).

عُلِمَ أن ما كان من ذلك أولًا قد انتسخ وارتفع؛ لأن الحكم المتأخر ينسخ الحكم المتقدم بلا شك في قضيتين متنافيتين. ثم إنه أخرج الحديث المذكور من طريقين صحيحين ورجاله رجال الصحيح ما خلا حسين بن نصر ويزيد بن سنان. وأبو الأحوص سلاّم بن سُليم الحنفي الكوفي. وعاصم هو ابن سليمان الأحول. وأبو المتوكل الناجي اسمه علي بن داود، وقيل دُؤاد. وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا حفص بن غياث. ونا أبو كريب، قال: أنا ابن أبي زائدة. وحدثني عَمرو الناقد وابن نمير، قالا: ثنا مروان بن معاوية الفزاري، كلهم عن عاصم، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ". زاد أبو بكر في حديثه: "بينهما وضوءًا"، وقال: "ثم أراد أن [يُعاود] (¬2) ". وأخرجه أبو داود (¬3): ثنا عمرو بن عون، قال: نا حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا أتى أحدكم أهله، ثم بدا له أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا". وأخرجه الترمذي (¬4): عن هناد، عن حفص ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 249 رقم 308). (¬2) في "الأصل، ك": يعاوده، والمثبت من "صحيح مسلم". (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 56 رقم 220). (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 261 رقم 141).

والنسائي (¬1): عن الحسين بن حريث، عن سفيان، عن عاصم ... إلى آخره. وابن ماجه (¬2): عن محمَّد بن عبد الملك، عن عبد الواحد بن زياد، عن عاصم ... إلى آخره. قوله: "ثم بدا له" أي ثم ظهر له أن يعاود في الجماع. ص: فإن قال قائل: فقد روي عنه أنه كان يطوف على نسائه، فيغتسل كلما جامع واحدةً منهن، وذكر في ذلك ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: أنا عفان وأبو الوليد، قالا: ثنا حماد بن سلمة ح. وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: أنا يحيى بن حسان، قال: نا حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا طاف على نسائه في يوم، فجعل يغتسل عند هذه وعند هذه، فقيل: يا رسول الله، لو جعلته غسلًا واحدًا، فقال: هذا أزكى وأطهر وأطيب". قيل له: في هذا ما يدلّ على أن ذلك لم يكن على الوجوب لقوله - عليه السلام -: "هذا أزكى وأطهر وأطيب". ش: تحرير السؤال أن يقال: إنكم نفيتم وجوب الوضوء بين الجماعين وادعيتم أن ما كان منه قد انتسخ حكمه فهذا عندنا ما ينافي كلامكم، وهو أن النبي - عليه السلام - كان يطوف على نسائه كلهن في يوم واحد يغتسل عقيب كل جماع، ولا يعاود إلى الأخرى إلا بالطهارة، فهذا يدل على أن الوضوء واجب؛ لأنه - عليه السلام - لما لم يترك في هذه الحالة الطهارة الكبرى فبالطريق الأولى أن لا يترك الطهارة الصغرى. والجواب: أنه - عليه السلام - ما كان إلى هذا على أنه واجب، بل لكونه أزكى أي أمدح إلى الله تعالى وأطهر للبدن، وأطيب للقلب، وليس فيه ما يدل على الوجوب، ويؤيد ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 142 رقم 262). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 193 رقم 587).

ذلك ما روي أنه - عليه السلام - كان يطوف على نسائه بغسل واحد على ما يجيء الآن، ثم إنه أخرج حديث أبي رافع من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم وأبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى أخت أبي رافع، عن أبي رافع مولى النبي - عليه السلام -، واسمه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت، القبطي. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: نا حماد، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع: "أن النبي - عليه السلام - طاف ذات ليلة على نسائه، يغتسل عند هذه، وعند هذه، فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر". والثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن يحيى بن حسان التنيسي، عن حماد ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي لي "سُننه" (¬2): من حديث حماد بن سلمة ... إلى آخره نحوه. فإن قلت: ما حال هذا الحديث؟ قلت: صححه ابن حزم، ويفهم من كلام أبي داود أيضًا أنه صحيح عنده؛ لأنه لما روى حديث أنس الذي رواه مسلم عن مسكين بن بكير، عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس: "أن- النبي - عليه السلام - كان يَطوفُ على نسائه بغسل واحد"، قال: حديث أنس أصح؛ فيفهم منه أن حديث أبي رافع صحيح، ولكن حديث أنس أصح منه (¬3)، فلا يلتفت إلى تضعيف ابن القطان إياه. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 56 رقم 219). (¬2) "السنن الكبرى" (1/ 204 رقم 933). (¬3) في هذا الكلام نظر، فقد يكون حديث أبي رافع ضعيف عنده ولذلك قال؛ حديث أنس أصح منه، وقد يكون الحديثان ضعيفان عنده أيضًا ولكن حديث أنس أخف ضعفًا؛ فقال: =

ص: وقد روي أنه - عليه السلام - طاف على نسائه في غسل واحد: حدثنا يونس بن عبد الأعلى وبحرٌ، قالا: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عيسى بن يونس ح. وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا عيسى، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أنس: "أن النبي - عليه السلام - طاف على نسائه بغسل واحدٍ". حدثنا علي بن شيبة، قال: حدثنا قييصة بن عقبة، قال: أنا سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - عليه السلام - مثله. وحدثنا فهد، قال: نا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان فذكر بإسناده مثله. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، نا هُشَيْم، عن حميد، عن أنس، عن النبي - عليه السلام - مثله. وحدثنا أحمد بن داود، قال: نا سُليْمان بن حَربْ، قال: نا حماد بن سلمة ح. وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس, النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا بقية بن الوليد، عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: ذكر هذا الحديث تأييدًا لقوله: إن غُسله - عليه السلام - عند جماع كل امرأة في طوافه في يوم واحد كان على طريق الاستحباب لا الوجوب، إذا لو كان ذاك واجبًا لفعله دائمًا، وحديث أنس أنه كان يطوف على نسائه بغسل واحد صريح على أن الغسل عند كل جماع ليس بواجب. ¬

_ = حديث أنس أصح منه ومن المعلوم في علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل أن قول العالم: هذا الحديث أصح من هذا، ليس معناه أنه صحيح بل قد يكون الحديثان ضعيفين ولذلك فهم الحافظ ابن حجر أن قول أبي داود هذا طعن في حديث أبي رافع فقال في "تلخيص الحبير" (1/ 141): وهذا الحديث طعن فيه أبو داود فقال حديث أنس أصح منه. وهذا أيضًا غير مسلم.

ثم إنه أخرج حديث أنس من ثمان طرق: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، وبحر بن نصر بن سابق الخولاني، كلاهما عن يحيى بن حسان التنيسي. عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. عن صالح بن أبي الأخضر اليمامي مولى هشام ابن عبد الملك، ضعّفه ابن معين وأبو زرعة، وعن البخاريّ: لين، وعنه: ليس بشيء. عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أنس بن مالك. وأخرجه أبو داود (¬1): من طريق صالح بن أبي الأخضر معلقًا. الثانى: عن إبراهيم بن أبي داود البرلُّسي. عن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري. عن عيسى بن يونس. عن صالح ... إلى آخره. الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت. عن قبيصة بن عقبة شيخ البخاري. عن سفيان الثوري. عن معمر بن راشد. عن قتادة بن دعامة، عن أنس، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - عليه السلام - طاف على نسائه في غسل واحد". الرابع: عن فهد بن سليمان. عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 56 رقم 218). (¬2) "مسند أحمد" (3/ 185 رقم 12948).

وأخرجه ابن ماجه (¬1): عن محمَّد بن المثنى، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي - عليه السلام - كان يطوف على نسائه في غسل واحد". الخامس: عن علي بن شيبة، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ البخاري، عن هشيم بن بشير، عن حميد الطويل، عن أنس، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه ابن أبى شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا هشيم وابنُ علية، عن حميد، عن أنس: "أن النبي - عليه السلام - طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد". السادس: عن أحمد بن داود المكي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه الدارمي في "مسنده" (¬3): أنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس "أن رسول الله - عليه السلام - طاف على نسائه في يوم واحد". السابع: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد. عن عبيد الله بن محمَّد بن حفص بن عمر القرشي التيمي أبي عبد الرحمن البصري المعروف بالعيشي، وبالعايشي، وبابن عائشة. عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬4)، ثنا أبو كامل، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: "أن النبي - عليه السلام - طاف على نسائه جمع في يوم واحد". الثامن: عن إبراهيم بن أبي داود، عن حيوة بن شريح، عن بقية بن الوليد الكلاعي الحمصي، عن شعبة، عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك، عن جده أنس. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 194 رقم 588). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 136 رقم 1561). (¬3) "سنن الدارمي" (1/ 211 رقم 753). (¬4) "مسند أحمد" (3/ 160 رقم 12653).

وأخرجه مسلم (¬1): ثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، قال: نا مسكين -يعني ابن بكير الحذّاء- عن شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس "أن النبي - عليه السلام - كان يطوف على نسائه بغسل واحد". وهذه الطرق كلها صحاح، غير أن في الطريق الأول صالح بن أبي الأخضر فإن فيه مقالا، وقد ذكرناه. قوله: "طاف على نسائه" من طاف حول الشيء إذا دار، وأراد بنسائه جميع نسائه، وهن إحدى عشرة على ما صرّح به البخاري في روايته، وعن سعيد، عن قتادة: "تسع نسوة"، وعن ابن خزيمة: لم يقل أحد من أصحاب قتادة: "إحدى عشرة" إلا معاذ عن أبيه. قلت: الروايتان ليس بينهما خلاف؛ لأن نسوته - عليه السلام - كنّ تسعًا، وريحانة، ومارية سريتان، فسعيد لمح إلى المدخول بهن من الحرائر، وهشام أراد الموطوءات مطلقًا. وقال أبو عبيدة: إن فاطمة بنت شريح، وريحانه زوجتان؛ فحينئذ يصرن إحدى عشرة. وقال ابن حبان: حكى أنس - رضي الله عنه - هذا الفعل منه - عليه السلام - في أول قدومه المدينة، حيث كان تحته تسع نسوة؛ لأن هذا الفعل كان منه مرارًا لا مرةً واحدةً، ولا نعلم أنه كان تزوّج نسائه كلهن في وقت واحد، ولا يستقيم هذا إلا في آخر أمره، حيث اجتمع عنده تسع نسوة، وجاريتان، ولا نعلم أنه اجتمع عنده إحدى عشرة امرأةً بالتزويج، فإنه تزوج بإحدى عشرة أولهن خديجة، ولم يتزوج بعدها حتى ماتت. قلت: لا خلاف أنه - عليه السلام - توفي عن تسع نسوة، وهن عائشة بنت أبي بكر الصديق التَيْميّة، وحفصةُ بنت عمر بن الخطاب العَدوّية، وأم حبيبة رَملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب الأُمَوّية، وزينب بنت جحش الأسدية، وأم سلَمة هِند بنت أبي أمية المخزومية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وسَوَدةُ بنت زمعة ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 249 رقم 309).

العامِرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وصَفِيَّةُ بنت حييّ بن أخطب النضريّة الإسرائيلية الهارُونيّة رضي الله عنهن. وقد اختلفوا في عِدّة أزواج النبي - عليه السلام -، وفي ترتيبهن، وعدة من مات منهن قبله، ومن دخل بها، ومَنْ لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها، ومَنْ عرضت نفسها عليه. فقالوا: أول امرأة تزوجها خديجة بنت خويلد، ثم سودة بنت زمعة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم جويرية، ثم زينب [بنت] (¬1) جحش، ثم زينب بنت خزيمة، ثم ريحانة بنت زيد، ثم أم حبيبة، ثم صفية، ثم ميمونة، وتزوج فاطمة بنت الضحاك، وأسماء بنت النعمان. وفيه اختلاف كثير، إلا أن المتفق عليه: أنهن إحدى عشرة امرأةً: خديجة، وسودة، وعائشة، وحفصة، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وجويرية، وميمونة، وصفيّة. مات منهن في حياته - عليه السلام - خديجة، وزينب بنت خزيمة، ومات رسول الله - عليه السلام - عن الباقيات، وهن تسع كما ذكرنا. ماتت خديجة بمكة قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع، وقيل: بثلاث، وهو الصحيح، وكان لها من العمر خمس وستون سنة، وكانت مدة مقامها مع رسول الله - عليه السلام - خمسًا وعشرين سنة، ودفنت بالحَجُون. وماتت سودة بنت زمعة بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين. وماتت عائشة بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلًا فدفنت بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، وكان يومئذ خليفة مروان على المدينة في أيام معاوية بن أبي سفيان. وماتت حفصة بنت عمر بن الخطاب في شعبان سنة خمس وأربعين، وهي ابنة ستين سنة. ¬

_ (¬1) سقط من "الأصل".

وماتت زينب بنت خزيمة في ربيع الآخر سنة أربع، ودفنت بالبقيع. وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين، ودفنت بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة، وكان عمرها أربعًا وثمانين سنة. وماتت زينب بنت جحش بالمدينة سنة عشرين، ولها ثلاث وخمسون سنة، وصلى عليها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وماتت أم حبيبة بنت أبي سفيان بالمدينة سنة أربع وأربعين. وماتت جويرية بنت الحارث في ربيع الأول سنة ست وخمسين ولها خمس وستون سنة. وماتت ميمونة بنت الحارث بسَرف على عشرة أميال من مكة سنة ست وخمسين، ولها خمس وستون سنة. وماتت صفية بنت حُييّ بالمدينة سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين والله أعلم. ثم يستفاد من هذا الحديث: أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق على الإنسان عند القيام إلى الصلاة، وهذا بالإجماع. فإن قيل: ما يثبت وجوب الغسل؟ قلت: الجنابة مع إرادة القيام إلى الصلاة كما أنه سبب الوضوء الحدث مع إرادة القيام إلى الصلاة، وليست الجنابة وحدها كما هو مذهب بعض الشافعية، وإِلَّا يلزم أن يجب الغسل عقيب الجماع، والحديث ينافي هذا, ولا مجرد إرادة الصلاة وإِلَّا يلزم أن يجب الغسل بدون الجنابة. ويستفاد أيضًا: عدم كراهة كثرة الجماع عند القدرة، وجواز الاكتفاء بغسل واحد عقيب جماع متعدد، وفيه تلويح إلى أن الوضوء بين الجماعين ليس بواجب، وما روي [من] (¬1) الأمر به فمنسوخ، كما قد بيناه مستقصىً. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": عن.

ص: كتاب الصلاة

ص: كتاب الصلاة ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الصلاة، شرع في بيان الصلاة بأنواعها التي هي المشروطة، والشرط مقدم على المشروط، وقدمها على الزكاة، والصوم، وغيرهما لما أنها تالية الإيمان وثانيته في الكتاب والسنة، ولشدة الاحتياج وعمومه إلى تعلمها؛ لكثرة وقوعها ودورانها، بخلاف غيرها من العبادات. وهي في اللغة: من تحريك الصلوين، وهما العظمان الناتئان عند العجيزة، وقيل: من الدعاء. فإن كانت من الأول تكون من الأسماء المغيّرة شرعا المقررة لغةً. وإن كانت من الثاني تكون من الأسماء المنقولة. وفي الشرع: عبارة عن الأركان المعلومة، والأفعال المخصوصة. وقال ابن الأثير: وأصلها في اللغة الدعاء، فسمّيت ببعض أجزائها، وقيل: إن أصلها في اللغة التعظيم، وسمّيت العبادة المخصوصة صلاة لما فيها من تعظيم الربّ انتهى. وقيل: إن أصلها من الاستقامة، تقول: صلّيت العُود إذا قومته، وقيل: من الرحمة، وقيل: من التقرب، من شاة مصلية وهي التي قربّت إلى النار، وقيل: من اللزوم، قال الزجاج: يقال صَلى، واصطلى إذا لزم. وأنكر غير واحدٍ بعض هذه الاشتقاقات؛ لأن "لام" الكلمة في الصلاة "واو"، وفي بعض هذه الأقوال لامها "ياء"؛ فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف. قلت: إن أراد به الاشتقاق الصغير فمسلّم، وإن أراد به الاشتقاق الكبير أو الأكثر، فلا يمتنع ذلك، فافهم. فإن قيل: متى فرضت الصلاة؟ وكيف فرضت؟ ومتى فرض الوضوء؟ وكيف فرض؟

قلت: جاء في "مسند الحارث بن أبي أسامة" (¬1) من حديث أسامة بن زيد "أن جبريل - عليه السلام - أتاه في أول ما أوحي إليه فعلمه الوضوء، والصلاة". ورواه ابن ماجه (¬2) بلفظ "علمني جبريل الوضوء، وذكر الحربي أن الصلاة قبل الإسراء كانت صلاةً قبل غروب الشمس، وصلاةً قبل طلوعها، قال الله تعالى: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} (¬3). وذكر الحكيم أبو عبد الله الترمذي في كتاب الصلاة: إن أول فرض كتب على هذه إلامة: الصلاة، وأهلها مسئولون عنها يوم القيامة في أول جسر من الجسور السبعة، وقال مقاتل: كان فرضها ركعتين ركعتين، وقال القزاز: فرضت الصلاة أولًا ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، وهما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى البردين دخل الجنة" (¬4)، إلى ليلة الإسراء فرضت على الخمس بغير أوقات فكان الرجل يصليها في وقت واحد إن شاء، وإن شاء فرقها، ثم لما هاجر صلاها ركعتين ركعتين بأوقات، ثم زيد في صلاة الحضر، وفرض الوضوء والغسل. انتهى كلامه. وقال أبو عمر: روي عن ابن عباس أن الصلاة فرضت في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وكذلك قال نافع بن جُبير، والحسنُ، وهو قول ابن جريج. وقال ابن حزم: لم يأت قط أثر -يعني صحيحًا- أن الوضوء كان فرضًا بمكة شرفها الله تعالى. ¬

_ (¬1) ذكره الهيثمي في "زوائد مسند الحارث" (1/ 120 رقم 72). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 157 رقم 462). (¬3) في "الأصل": وسبح بحمد ربك، وهو خطأ، ونص الآية في سورة آل عمران، آية (41): {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}. (¬4) متفق عليه من حديث أبي موسى، رواه البخاري (1/ 210 رقم 548)، ومسلم (1/ 440 رقم 635).

قلت: روى الطبراني في "الكبير" (¬1)، والدراقطني (¬2): "أن جبريل - عليه السلام - نزل على رسول الله - عليه السلام - بأعلى مكة فهمز له بعقبه فأنبع الماء، وعلّمه الوضوء". وقال السُّهيلي: الوضوء مكي، ولكنه مدني التلاوة. وفي بعض شروح البخاريّ: وفي بعض الأحاديث أنه - عليه السلام - صلى في أول النبوة عند زوال الشمس. وقال القرطبي وعياض: لا خلاف أن خديجة - رضي الله عنها - صلت مع النبي - عليه السلام - بعد فرض الصلاة، وأنها توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين، والعلماء مجمعون أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، وفي كتاب الزبير بن بكار عن عائشة - رضي الله عنها -: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. انتهى. قلت: لعلها أرادت فرضها ليلة الإسراء. وقيل: إنها توفيت في شوال سنة عشر بعد أبي طالب بثلاثة أيام، وقيل: بخمسة، وقيل: في رمضان قبل الهجرة بأربع سنين. وفي الصحيح (¬3): "فرضت الصلاة بمكة ركعتين ركعتين، فلما هاجر فرضت أربعًا وأقرت صلاة السفر"، وفي رواية: "بعد الهجرة بسنة"، وفي مسند أحمد (¬4): "فرضت ركعتان ركعتان، إلا المغرب فإنها كانت ثلاثًا". وزعم ابن عبد البر أن قول عائشة - رضي الله عنها -: "فرضت" أي قدرت، والفرض في اللّغة التقدير. وزعم السهيلي أن الزيادة تسمّى نسخًا؛ لأن النسخ رفع الحكم، فقد ارتفع حكم ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (5/ 85 رقم 34657). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 111 رقم 1). (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 137 رقم 343) بنحوه من حديث عائشة. وكذا رواه مسلم في "صحيحه" (1/ 487 رقم 685). (¬4) "مسند أحمد" (6/ 272 رقم 26381).

الإجزاء بالركعتين، وأما الزيادة في عدد الصلوات حين أكملت خمسًا بعد أن كانت اثنتن اثنتين فكذلك ارتفع حكم الصلاتين يعني صلاة العشى، وصلاة الإبكار. وفي صحيح البخاري (¬1) عن عائشة - رضي الله عنها -: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر". وذكر أن الصلوات زيدت فيها ركعتان ركعتان، وزيد في المغرب ركعة. فإن قيل: هذا يعارض قوله تعالى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} (¬2) فيدل أن صلاة السفر كانت كاملة؛ إذْ لا يجوز أن يؤمروا بالقصر إلا من شيء تامّ قبل القصر، والدليل على ذلك أنه - عليه السلام - صلى بالناس يوم أنزلت صلاة الخوف بكل طائفة ركعتين ركعتين. قلت: قال الطحاوي -رحمه الله-: لا تعارض بينهما؛ لجواز أن يكون فرض الصلاة كان ركعتين في الحضر والسفر فلما زيد في صلاة الحضر قيل لهم إذا ضربتم في الأرض فصلوا ركعتين مثل الفريضة الأولى. وقال ابن بطال: قال جماعة من العلماء لم يكن على نبينا صلاة مفروضة قبل الإسراء إلا ما كان أُمِرَ به من قيام الليل من غير تحديد ركعات معلومة ولا وقت محصور، وقام المسلمون معه نحو حَوْل حتى شق عليهم، فأنزل الله التخفيف عنهم، قال ابن عباس: لما نزلتَ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} (¬3) كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في رمضان حتى نزل آخرها بعد حول. وزعم ابن عباس، ونافع بن جبير بن مُطعم، وابن جريج: أن الصلاة فرضت أولًا أربعًا أربعًا، وفي السفر ركعتين ركعتين. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 137 رقم 343) بنحوه من حديث عائشة. وكذا رواه مسلم في "صحيحه" (1/ 487 رقم 685). (¬2) سورة النساء، آية رقم [101]. (¬3) سورة المزمل، آية: [1].

وذكر عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": ثنا أسد بن موسى، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: "أن رسول الله - عليه السلام - لما جاء بالخمس صلوات إلى قومه خلّى عنهم حتى إذا زالت الشمس عن بطن السماء نُودي فيهم: الصلاة جامعة. ففزعوا لذلك، فاجتمعوا فصلى بهم الظهر أربع ركعات لا يُعلن فيها بالقراءة، أطال الأولتين، وخفف الأخُرتين، جبريل - عليه السلام - بين يدي النبي - عليه السلام -، ونبي الله بين أيدي الناس يقتدي الناس به، ويقتدي نبيّ الله بجبريل - عليه السلام -، ثم خلّى عنهم حتى إذا تصوبت الشمس وهي بيضاء نقية نودي فيهم: الصلاة جامعة، فاجتمعوا لذلك فصل بعهم العصر أربع ركعات ... " الحديث، وفي المغرب ثلاثًا، وفي العشاء أربعًا كصلاة اليوم، وفي الصبح ركعتين. ثم اعلم أنه لا خلاف أنّ الصلوات الخمس فرضت ليلة المعراج، روى البيهقي من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري أنه قال: "أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل خروجه إلى المدينة بسنة". وعن السدي: فرض رسول الله - عليه السلام - الخمس ببيت المقدس ليلة أُسريَ به قبل مهاجره بستة عشر شهرًا، فعلى قوله يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري يكون في ربيع الأول، وعن جابر وابن عباس - رضي الله عنهم -، قالا: وُلِدَ رسول الله - عليه السلام - عامَ الفِيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه هاجر، وفيه مات" رواه ابن أبي شيبة، قيل: كان الإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب، وقد اختاره الحافظ عبد الغني المقدسي في سيرته. ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهي ليلة الرغائب التي أُحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك. ثم اختلفوا في أن الإسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حِدَةٍ، منهم من زعم أن الإسراء في اليقظة، والمعراج في المنام، وقيل كان الإسراء مرتين مرةً بروحه منامًا، ومرةً بروحه وبَدنه يَقظةً، ومنهم من يدعي تعدد الإسراء في اليقظة أيضًا حتى قال: إنها أربع إسراءات، وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة.

ووفق أبو شامة بين هذه الروايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد، فجعل ثلاث إسراءات مرةً من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السماوات على البراق أيضًا، ومرةً من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات. والله أعلم.

ص: باب: الأذان كيف هو

ص: باب: الأذان كيف هو ش: أي هذا باب في بيان كيفية الأذان، وقدّمه على الأوقات لأنه إعلام، وتلك أَعلام؛ فقدم الإِعلام لِتلك الأَعلام، وهو اسم للتأذين، من آَذَنَ يُؤْذِنُ إيذانًا، وأَذَّنَ يؤذِّن تأذينًا، والمشدد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة. ومعناه الشرعي: إعلام مخصوص في أوقات مخصوصة، وسببه دخول وقت المكتوبة، وفي السنة الأولى من الهجرة شُرع الأذان، ويقال: وفي السنة الثانية من الهجرة، رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاريّ صورة الأذان في النوم، وورد الوحي به، وروى السهيلي بسنده من طريق البزار، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فذكر حديث الإسراء، وفيه: "فخرج ملك من وراء الحجاب، فَأّذَّن بهذا الأذان، وكلما قال كلمة صدقه الله تعالى ثم أخذ الملك بيد محمد - عليه السلام - فقدّمه فأمّ بأهل السماء وفيهم آدم ونوح - عليهم السلام -" ثم قال السهيلي: وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحًا لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء. وقال ابن كثير: فهذا الحديث ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح بل هو منكر تفّرد به زيادُ بن المنذر أبو الجارود، الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية، وهو من المتهمين، ثم لو كان هذا قد سمعه رسول الله - عليه السلام - ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة. ص: حدثنا عليّ بن معبد بن نوح وعلي بن شيبة بن الصلت، قالا: ثنا روح ابن عُبادة القيسي (ح). وحدثنا أبو بكرة بكار بن قتيبة، قال: ثنا أبو عاصم النبيل، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب. قال: أبو عاصم في حديثه: أخبرني أبي وأم عبد الملك [بن أبي محذورة -يعني عن أبي محذورة- قال روح في حديثه: عن أم عبد الملك بن أبي محذورة] (¬1) عن أبي محذورة قال: "علّمني ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك" والمثبت من "شرح معاني الآثار".

رسول الله - عليه السلام - الأذان كما تؤذنون الآن: الله كبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إله الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله كبر، الله كبر، لا إله إلا الله". قال روح في حديثه: أخبرني عثمان هذا الخبر كله عن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنها سمعت ذلك من أبي محذورة. وقال أبو عاصم في حديثه: وأخبرني هذا الخبر كله عثمان بن السائب عن أبيه، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة. حدثنا عليُّ وعليُّ قالا: ثنا روح، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني عبد العزيز ابن عبد الملك بن أبي محذورة، أن عبد الله بن مُحيْريز حدثه -وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة- قال: أخبرني أبو محذورة: "أن رسول الله - عليه السلام - قال له: قم فأذِن بالصلاة، فقمت بين يَدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فألْقيَ عَليّ التأذين هو بنفسه ... " ثم ذكر مثل التأذين الأول في الحديث الأول. ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن علي بن مَعبد بن نوح المصري الصغير، وثقه العجلي وابن حبان. وعلي بن شيبة الصلت السدُوسي المصري وكلاهما نزيلان في العصر، بغداديان في الأصل، يَرْويان عن رَوْح بن عبادة بن العلاء القيسي البصري، روى له الجماعة. وهو يروي عن عبد الملك بن جريج المكي، روى له الجماعة. عن عثمان بن السائب الجمحي المكي مولى أبي محذورة، وثقه ابن حبان. عن أم عبد الملك، ذكرها في "الميزان" فيمن لم تُسمّ، وقال: تفردّ عنها عثمان ابن السائب.

وهي تروي عن أبي محذورة القرشي المكي المؤذن الصحابي، واختلف في اسمه واسم أبيه ونسبه، فقيل اسمه أوس. وقيل: سمرة. وقيل: سلمة. وقيل: سلمان. واسم أبيه مِعْيَر -بكسر الميم وسكون العن وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره راء- وقال أبو عمر: قد ضبطه بعضهم مُعَيَّن -بضم الميم وتشديد الياء وفي آخره نون-. وقيل: عمير بن لَوْدان بن وهب بن سَعْد بن جمح، وقيل غير ذلك. وأخرجه البيهقي (¬1) بأتم منه من حديث روح بن عبادة قال: قال ابن جريج: أخبرني عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة قال: "لما رجع رسول الله - عليه السلام - من حنين، خرجتُ عاشر عشرة من مكة أَطْلُبهم، فسمعتهم يؤذنون [للصلاة] (¬2) فقمنا نؤذن ونستهزئ بهم، فقام النبي - عليه السلام - فقال: لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت، فأرسل إلينا فأذَّنَّا رجالًا رجالًا، فكنت آخرهم، فقال حين أذنت: تعال، فأجلسني بين يديه، فمسح على ناصيتي وبارك عليّ ثلاث مرات، ثم قال: اذهب فأَذِّن عند البيت الحرام. قلت: كيف يا رسول الله - عليه السلام -؟ فعلّمني الأذان كما يؤذن الآن بها: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم -في الأولى من الصبح- الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. وعلمني الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله". قال ابن جريج: أخبرني هذا كله عثمان عن أم عبد الملك أنها سمعت ذلك من أبي محذورة، كذا رواه رَوْحٌ. ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 417 رقم 1824). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن البيهقي".

الطريق الثانى: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن عثمان بن السائب. عن أبيه السائب، وثقه ابن حبان وذكره ابن أبي حاتم فقال: سائب والد عثمان غير منسوب، روى عنه ابنه عثمان، وسكت عنه. وعثمان هذا روى هذا الحديث في رواية أبي عاصم النبيل عن أبيه السائب وعن أم عبد الملك، كلاهما يَرويان عن أبي محذورة. الطريق الثالث: عن علي بن معبد وعلي بن شيبة، وكلاهما عن روح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن عبد الله بن محيريز المكي يتيم أبي محذورة، عن أبي محذورة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬1): نا محمَّد بن بشار، نا أبو عاصم، نا ابن جريج، أخبرني ابن عبد الملك بن أبي محذورة -يعني عبد العزيز- عن ابن محيريز، عن أبي محذورة قال: "ألقي عليَّ رسول الله - عليه السلام - التأذين هو بنفسه، فقال: قل: الله أكبر الله أكبر (¬2)، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيّ على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". وأخرج مسلم (¬3) أيضًا: عن ابن محيريز وفيه التكبير مرتان في أوله والترجيع أيضًا، وقال: حدثني أبو غسان المِسْمَعي مالك بن عبد الواحد وإسحاق بن إبراهيم -قال أبو غسان: ثنا معاذ، وقال إسحاق: أنا معاذ بن هشام صاحب الدستوائي- قال: حدثني أبي، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة: "أن نبي الله - عليه السلام - علمه هذا الأذان: الله أكبر الله أكبر، ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 137 رقم 503). (¬2) كذا "بالأصل، ك" مرتين، وفي "سنن أبي داود" النسخة المطبوعة بتكرار التكبير أربع مرات. (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 287 رقم 379).

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة -مرتين- حي على الفلاح -مرتين-" زاد إسحاق: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". قوله: "الله أكبر" أي أكبر من كل شيء، وقد عرف أن أفعل التفضيل لا تستعمل إلا بأحد الأشياء الثلاثة: الألف واللام، والإضافة، ومن. وقد يُستعمل مجردًا عنها إذا قامت القرينة كقوله تعالى: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} (¬1) أي أخفى من السر، ومنه قوله: الله أكبر. قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله " أصله "أنه" فـ"أن" مخففة من المثقلة و"إِلَّا" بمعنى غير، وأشهد من الشهود وهو الحضور في اللغة، ومعناه هنا من الشهادة، وهي خبر قاطع تقول منه: شهد الرجل على كذا، أي قولهم: أَشْهد بكذا، أي أحلف، والمعنى أخبر قطعًا وجزمًا بأنه لا إله في الوجود غير الله. وكذا معنى قوله: "أشهد أن محمدًا رسول الله" أخبر قطعًا وجزمًا بأن محمدًا رسول الله مرسل من عند الله تعالى. قوله: "حي على الصلاة" أي أسرعوا إليها وهلمّوا وأقبلوا وتَعَالَوا، وهو اسم لفعل الأمر، وفتحت الياء لسكونها وسكون ما قبلها، كما قيل: ليتَ ولعلَّ، والعرب تقول: حي على الثريد، و"الفلاح" النجاة. ص: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: هكذا ينبغى أن يؤذن. ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمَّد بن سيرين، والحسن البصري، ومالكًا، وأهل المدينة؛ فإنهم ذهبوا إلى الحديث المذكور وقالوا: ينبغي أن يؤذن هكذا يعني التكبير في أوله مرتين. ¬

_ (¬1) سورة طه، آية: [7]، ووقع في "الأصل، ك": الله يعلم ...

ص: وخالفهم في ذلك آخرون في موضعين من ذلك: أحدهما ابتداء الأذان، فقالوا: ينبغي أن يقال في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير الفقهاء، وأبا حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابهم؛ فإنهم خالفوا هؤلاء في موضعين: الأول: في ابتداء الأذان، فإن عندهم ابتداء الأذان: الله أكبر، أربع مرات. قال أبو عمر: علّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا محذورة الأذان بمكة عام حنين، فروي عنه فيه تربيع التكبير في أوله، ورُوي عنه فيه تثنيته، والتربيع فيه من رواية الثقات الحفاظ، وهي زيادة يجب قبولها، والعمل عندهم بمكة في آل محذورة بذلك إلى زماننا، وهو في حديث عبد الله بن زيد في قصة المنام، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد. وقال ابن حزم في "المحلى": وأحب الأذان إلينا أذان أهل مكة وهو: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أربع مرات ... إلى آخره، وذكر فيه الترجيح. وأذان المدينة كما وصفنا إلا أنه لا يقول في أول أذانه: الله أكبر الله أكبر إلا مرتين فقط، وأذان أهل الكوفة كأذان أهل مكة إلا أنهم لا يرجعون، وإن أذن مؤذن أذان أهل المدينة أو بأذان أهل الكوفة فحسن. وأما الموضع الثانى: فإن الآخرين افترقوا فرقتين: فرقة خالفوا القوم الأولين، وقالوا: لا ترجيع فيه. وهم أبو حنيفة وأصحابه. وفرقة وافقوهم في الترجيح فقط، وهم الشافعي وأحمد وأصحابهم، على ما يأتي إن شاء الله. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة وعلي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة -واللفظ لأبي بكرة- قالا: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام بن يحيى، قال: ثنا عامر الأحول، قال: ثنا مكحول، أن عبد الله بن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن النبي - عليه السلام - علمه الأذان تسع عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ... " ثم ذكر بقية الأذان على ما في الحديث الأول.

حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: نا همام (ح). وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا محمَّد بن سنان العَوَقي، قال: نا همام (ح). وحدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: نا أبو الوليد الطيالسي وأبو عمر الحَوْضِي، قالا: نا همام ... ثم ذكروا مثله بإسناده. ش: أي احتج الآخرون في قولهم إن التكبير في أول الأذان أربع مرات بحديث أبي محذورة أيضًا. وأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، وعلي بن عبد الرحمن المعروف بِعَلَّان، كلاهما عن عفان بن مسلم الصفار، عن همام بن يحيى البصريّ، عن عامر بن عبد الواحد الأحول البصري، عن مكحول بن زيد الدمشقي، عن عبد الله بن محيريز ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا الحسن بن [علي] (¬2)، نا عفان وسعيد بن عامر والحجاج -والمعنى واحد- قال عفان: نا همام، نا عامر الأحول، حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه الأذان تسعة عشرة كلمة، والإقامة سبعة عشرة كلمة". الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 137 رقم 502). (¬2) في "الأصل، ك": مسلم، وهو خطأ أو تحريف، والمثبت من "سنن أبي داود"، و"تحفة الأشراف" (9/ 285 رقم 12169).

والإقامة: الله كبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدَّاَ رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". كذا في كتابه في حديث أبي محذورة، ويستفاد منه ثلاثة أحكام: الأول: أن التكبير في أول الأذان أربع مرات وهو حجة للجمهور، خلافًا لمالك وأهل المدينة. والثاني: فيه الترجيع، وهو حجة للشافعي ومالك وأحمد. والثالث: فيه الإقامة مثنى مثنى، وهو حجة أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله. الثانى: عن علي بن معبد، عن موسى بن داود بن عبد الله الضبيّ قاضي طرسوس ومصيصة الثقة المصنف، عن همام بن يحيى، عن عامر الأحول، عن مكحول عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة. وأخرجه النسائي (¬1): أنا سُوَيْد بن نَصْر، قال: أنا عبد الله، عن همام بن يحيى، عن عمار بن عبد الواحد، قال: ثنا مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، ثم عَدَّها أبو محذورة تسع عشرة، وسَبع عشرة". الثالث: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد البصري، عن محمَّد بن سنان العَوَقي -بفتح العين والواو، وبالقاف- أحد مشايخ البخاري، عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة. وأخرجه ابن ماجه (¬2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عفان، نا همام بن يحيى، عن عامر الأحول، أن مكحولًا حدثه، أن عبد الله بن محيريز حدثه، أن أبا محذورة ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 4 رقم 630). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 235 رقم 709).

حدثه، قال: "علمني رسول الله - عليه السلام - الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، الأذان: الله أكبر الله أكبر ... إلى آخره". الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وعن أبي عمر حفص بن عمر بن الحارث النَّمُري الحَوْضي، أحد مشايخ البخاري، كلاهما عن همام، عن عامر، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة ... نحوه. وأخرجه الدارمي في "سننه" (¬1) وقال: أنا أبو الوليد الطيالسي وحجاج بن المنهال، قالا: نا حماد، نا همام، نا عامر الأحول- قال حجاج في حديثه: عامر بن عبد الواحد- قال: حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة، حدثه: "أن رسول الله - عليه السلام - علمه الأذان تسعة عشر كلمة، والإقامة سبعة عشر كلمة". ص: قال أبو جعفر: ففيم هذا الأثر أنه يقول في أول الأذان: الله أكبر -أربع مرات- وكان هذا القول عندنا هو أصح القولين في النظر؛ لأنَّا رأينا الأذان منه ما يُردّد في موضعين، ومنه ما لا يُردّد إنما يذكر في موضع واحد، فأما ما يذكر في موضع واحد ولا يردد فالصلاة والفلاح، فذلك يُنادَى بكل واحد منه مرتين. والشهادة تُذكر في موضعين في أول الأذان وفي آخره، فتُثَنّى في أوله، فيقال: أشهد أن لا إله إلا الله -مرتين- ثم تفرد في آخره فيقال: لا إله إلا الله ولا يثنى ذلك. فكان ما يُثنى من الأذان إنما هو على نصف ما هو عليه في الأول منه، وكان التكبير في موضعين في أول الأذان وبعد الفلاح فاجمَعُوا أنه بعد الفلاح يقول: الله أكبر الله أكبر، فبالنظر على ما وصفنا أن يكون ما اختلف فيه مما يُبتدأ [به] (¬2) الأذان ¬

_ (¬1) "سنن الدارمي" (1/ 292 رقم 1197). (¬2) من "شرح معاني الآثار" (1/ 131).

من التكبير أن يكون مِثْلَي ما يثنى به؛ قياسًا ونظرًا على ما [بَيَّنَّا] (¬1) من الشهادة أن لا إله إلا الله، فيكون ما يُبْتَدأ به الأذان من التكبير على ضِعْف ما يثنى به من التكبير، فإذا كان الذي يثنى هو: الله كبر، كان الذي يبتدأ به هو ضعفه الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، فهذا هو النظر الصحيح عندنا، والله أعلم. وهو قول أبي حنيفة وأي يوسف ومحمد رحمهم الله، غير أن أبا يوسف قد روي عنه أيضًا في ذلك مثل القول الأول. ش: أي ففي الأثر الذي رواه عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة أن المؤذن يقول في أول الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر -أربع مرات- وهذا القول هو أصح من القول الذي يقول فيه المؤذن: الله أكبر الله أكبر -مرتين- في النظر والقياس، وهذا كما رأيت ترجيع الطحاوي الرواية التي فيها التكبير من أول الأذان أربع مرات، على الرواية التي فيها التكبير مرتين، بما يقتضيه وجه النظر والقياس، وغيره رجح بأن هذه زيادة من الحفاظ الثقات (فيجب بها العمل) (¬2) وأما بيان وجه النظر فنقول: إن ألفاظ الأذان على أنواع: الأول: يذكر في موضع واحد ويكرر فيه ثم لا يردد، نحو لفظه الصلاة والفلاح، فإن كلا منهما يذكر مرتين في موضع واحد، فهذا في نفسه متكرر ولكن موضعه متحد. الثاني: ما يذكر في موضعين فيُكررّ في موضع ويردد في موضع، نحو لفظ الشهادة، فإن يُكرر في أول الأذان حيث يقال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله -مرتين- ويفرد في آخره حيث يقال: لا إله إلا الله -مرة واحد-. الثالث: ما يذكر في موضعين أيضًا ولكن يُكرر فيهما جميعًا نحو لفظ التكبير، فإنه يذكر في أول الأذان مكررًا، وبعد قوله: حي على الفلاح مكررًا، وهذا القسم ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": بنينا، والمثبت من "شرح معاني الآثار". (¬2) كذا في "الأصل، ك".

هو المتنازع فيه ولكنهم أجمعوا على أنه بعد الفلاح مكرر يقال مرتين: الله أكبر الله أكبر، فبالنظر والقياس ينبغي أن يقال في أول الأذان: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر -أربع مرات- وذلك لأن ما كُرر منه في موضع نحو لفظ الشهادة؛ الذي يُكرر في أول الأذان يكون في الأخير على نصف ما هو عليه في الأول، حيث يقال: لا إله إلا الله مرةً واحدةً، فبالنظر على ذلك ينبغي أن يكون التكبير الذي في الأذان الذي اختلف فيه مثلي ما يثنى به في الأخير على نصف ما هو عليه في الأول كما في لفظ الشهادة، ولو لم يجعل لفظ التكبير في الأول أربع مرات لم يكن التكبير الذي في آخره على النصف منه، فحيمئذ يكون التكبير الذي يُبتدأ به الأذان على ضِعْف ما يُثنَّى به من التكبير في الأخير. فإذا كان الذي يثنى في الأخير: الله أكبر الله أكبر مَرّتين كان الذي يبُدأ به ضِعفه الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر -أربع مرات- فهذا هو النظر الصحيح، فافهم فإنه دقيق. ص: والموضع الذي اختلفوا فيه منه هو التَرْجيع، فذهب قوم إلى الترجيع. ش: هذا هو الموضع الثاني من الموضعين اللذين ذكرهما فيما سلَف بقوله: "وخالفهم في ذلك آخرون في موضعين". وقد قلنا: إن الذين خالفوا أهل المقالة الأولى افترقوا فرقتين: فرقة ذهبت إلى الترجيع بظاهر الأحاديث المذكورة، وأشار إلى، ذلك بقوله: "فذهب قوم إلى الترجيع" وأراد بهم: الشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وآخرون؛ فإنهم قالوا: لا بد من الترجيع وهو أن يرجّع فيرفع صوته بالشهادتين بعد أن خفض بهما. ص: وتركه آخرون. ش: أي وترك الترجيح جماعة آخرون وأراد بهم: أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وزفر، وأهل الكوفة؛ فإنهم قالوا: ليس في الأذان ترجيع.

ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا عبد الله بن داود الخرَيبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أن عبد الله بن زيد الأنصاريّ - رضي الله عنه - رأى رجلًا نزل من السماء عليه ثوبان أخضران -أو بُرْدان أخضران- فقامَ على جِذْمِ حائط، فنادى: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ... " - فذكر الأذان على ما في حديث أبي محذورة، غير أنه لم يذكر الترجيح، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال له: "نِعْمَ ما رأيتَ، عَلِّمْها بلالًا". ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه من ترك الترجيح، بحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي - رضي الله عنه -. ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق، ولكن الحديث مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يَسْمع من عبد الله بن زيد الأنصاري قاله الترمذي وغيره. والخُرَيْبيِ -بضم الخاء المعجمة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف بعدها باء موحدة-: نسْبة إلى الخَرَيْبَة محلة بالبصرة، كان عبد الله بن داود يسكن فيها، وهو أحد الأئمة الحنفية، وكان ثقة عابدًا ناسكًا، روى له الجماعة. والأعمش هو سليمان بن مهران. وأخرجه أبو داود (¬1) بأتمّ منه، نا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت ابن أبي ليلى. ونا ابن المثنى، نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى قال: "أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال: قال: ونا أصحابنا، أن رسول الله - عليه السلام - قال: لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين أو المؤمنين واحدة، حتى لقد هممت أن أبت رجالًا في الدور يُنادون الناس بحين الصلاة وحتى هممت أن آمُر رجالًا يقومون على الآطام يُنادون المسلمين بحين الصلاة، حتى نقسوا أو كادَوا أن يَنقسوا، قال: فجاء رجال من الأنصار، فقال: يا رسول الله، إني لما رجعت -لما ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 138 رقم 506).

رأيت من اهتمامك- رأيتُ رجلًا" كأن عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذن، ثم قَعَد قعدةً ثم قام فقال مثلها إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول الناس- قال ابن المثنى أن تقولوا- لقلت: إني كنت يقظانًا غير نائم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - -وقال ابن المثنى-: لقد أراك الله خيرًا- ولم يَقل عمروٌ: لقدْ- فَمُرْ بلالًا فليؤذن، قال: فقال عمر - رضي الله عنه -: أما إني قد رأيت مثل الذي رأى، ولكني لما سُبِقْتُ استَحْسَنْتُ الحديث". وأخرجه الطبراني في "الكبير" نا عيسى بن محمَّد السمسار الواسطي، نا وهب ابن بقية، نا خالد، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - قال: "اهتمّ رسول الله - عليه السلام - بالأذان حتى همّ أن يَنْقُس، فبينما هو كذلك إذْ جاءه عبد الله بن زيد، قال: يا رسول الله، لولا أني أتهم نفسي لحدثتك أني كنت مستيقظا رأيت رجلًا عليه ثوبان أخضران، قائم على سقف المسجد، ثم نادى بالصلاة الله أكبر الله أكبر، مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم قعد قعدة، ثم قال مثل ما قال، غير أنه قال في آخر ذلك: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فقال: قم فادْع إليك بلالًا فليرفع بها صوته، فألقاها عليه، ثم رفع بها بلالًا صوتَه، فجاء المسلمون سراعًا لا يَروْن إلا أنه فزعًا، ثم جاء عمر - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله، والله لولا أن عبد الله بن زيد سبقني لحدثتك أنه طاف بي ما طاف به". قوله: "بُرْدان" تثنية برد، وهو نوع من الثياب معروف، والجمع أبراد وبُرُود، والبردة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صغر تلبَسه الأعراب، وجمعها بُرُد. قوله: "حِذْم حائط" بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة، وهو أصل الحائط، وأراد به بقية حائط أو قطعة حائط.

قوله: "لقد هممت" من هممت بالشيء أهِمُّه همًّا إذا أردته. ومعنى "أبث" أُفَرِّق، من البَثّ، وهو النشْر. قوله: "في الدور" أي في القبائل. قوله: "بحين الصلاة" أي بوقتها. قوله: "على الآطام" جمع أُطُم -بضم الهمزة والطاء-: وهو بناء مرتفع، وآطام المدينة: أبنيتها المرتفعة، وفي الصحاح: الأُطُم مثل الأجُمُ يخفف ويثقل، والجمع آطام، وهي حصون لأهل المدينة، والواحدة: أَطَمَة، مثل: أَكَمَة. انتهى. ويقال: الآطام جمع إِطام -بكسر الهمزة-: وهو ما ارتفع من البناء. قوله: "حتى نقَسوا" -فتح القاف- من النَقْس: وهو الضرب بالناقوس، وهي خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، والنصاري يُعلمُون بها أوقات صلواتهم. وقال ابن الأعرابيّ: الناقوس يُنظر فيه، أعربيٌّ أم لا؟ قلت: النَقْس هو الضرب بالناقوس يدل على أنه عربي، وزنه فاعول كقَابُوس البَحر، فيكون الألف والواو فيه زائدين. قوله: "أو كادوا أن يَنْقُسوا" بضم القاف لأنه من نقس يَنْقُس، من باب نَصَرَ يَنْصُر. وهو شك من الراوي، والمعنى: أو قَرُبوا من نَقْس الناقوس؛ لأن "كاد" من أفعال المقاربة. قوله: "كان عليه ثوبين أخضرين" وقع كذا في رواية أبي داود، ووقع في رواية غيره: "كان عليه ثوبان أخضران" وهو القياس؛ لأن ثوبان فاعل "كان" وهو اسمه، فيكون مرفوعًا وخبره قوله: "عليه" ووجه رواية أبي داود -إن صحت-: أن تكون "كان" زائدة، وهي التي لا تخل بالمعنى الأصلي، ولا تعمل في شيء أصلًا، ويكون نصب "ثوبين" بالفعل المقدر، والتقدير، رأيت رجلًا، ورأيت عليه ثوبين أخضرين، فقوله: "رأيت" يكون دَالًّا على "رأيت" الثاني المقدر.

قوله: "ثم قعد قعدة" بفتح القاف. قوله: "أما إني"، بفتح الهمزة في "أما" وكسرها في "إني". قوله: "لما سُبقت" على صيغة المجهول، فافهم. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: نا يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: نا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثني أصحاب محمَّد: "أن عبد الله بن زيد الأنصاري - رضي الله عنه - رأى الأذان في المنام، فأتى النبي - عليه السلام - فأخبره، فقال: علّمه بلالًا، فأذن مثنى مثنى". ش: هذا طريق آخر، وهو متصل صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): حدثني وكيع، قال: نا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثنا أصحاب محمَّد - عليه السلام -: "أن عبد الله بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي - عليه السلام - فقال: يا رسول الله - عليه السلام - رأيت في المنام كأن رجلًا قام وعليه بردان أخضران على خذْمة حائط، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة. قال: فسمع ذلك بلال - رضي الله عنه -، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وقعد قعدة". ويستفاد منه أحكام: الأول: أن الأذان ليس فيه ترجيع، وهو حجة على مَنْ رآه. الثاني: أن الإقامة مثنى مثنى وهو حجة على من يقول الإقامة فرادى. والثالث: استحباب الفصل بين الإقامة والشروع في الصلاة، وكذا بين الأذان والإقامة. الرابع: استحباب اتخاذ المؤذن الذي صوته طيب عالي؛ لأنه - عليه السلام - إنما قال لعبد الله: "علمه بلالًا"؛ لكونه حسن الصوت وعَالِيَه. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 185 رقم 2118).

ص: قال أبو جعفر: فهذا عبد الله بن زيد لم يذكر في حديثه الترجيع، فقد خالف أبا محذورة في الترجيع في الأذان، فاحتمل أن يكون الترجيع الذي حكاه أبو محذورة إنما كان لأن أبا محذورة لم يَمدّ بذلك صوته على ما أراد النبى - عليه السلام - منه، فقال له النبي - عليه السلام -: ارجعْ وامدُده صوتك، وهكذا اللفظ بهذا الحديث الذي ذكر فيه، فلما احتمل ذلك وجب النظر؛ لنستخرج من القولين قولًا صحيحًا، فرأينا ما سوى ما اختلفوا فيه من الشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا ترجيعَ فيه، فالنظر على ذلك أن يكون ما اختلفوا فيه من ذلك معطوفًا على ما أجمعوا عليه منه، ويكون إجماعهم أن لا ترجيع في سائر الأذان غير الشهادة يَقْضِي على اختلافهم في الترجيع في الشهادة، وهذا الذي وصفنا وما بيّناه من نفي الترجيع؛ قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله. ش: لما لم يُذكَر الترجيع في حديث عبد الله بن زيد، خالف ذلك حديث أبي محذورة المذكور فيه الترجيع، والأصل في مثل هذا التوفيق بينهما، وأشار إلى التوفيق بقوله: "فاحتمل أن يكون ... " إلى آخره، وهو ظاهر. وقوله: "وهكذا اللفظ بهذا الحديث الذي ذكر فيه" أراد أن لفظ الحديث الذي فيه الترجيع: "ارجع وامدُد صوتك" على ما رواه أبو داود، وقال: نا محمَّد بن بشار، نا أبو عاصم، نا ابن جريج، أخبرني ابن عبد الملك بن أبي محذور -يعني عبد العزيز- عن ابن محيريز، عن أبي محذورة، قال: "ألقي عليّ رسول الله - عليه السلام - التأذين هو بنفسه فقال: قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: ارجعْ فمُدْ من صَوْتك: أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله" انتهى.

وقال صاحب "البدائع" (¬1): الترجيع كان في ابتداء الإِسلام، فإنه روي أنه لما أذّن وكان حديث العهد بالإِسلام قال: الله أكبر الله أكبر أربع مرات بصوتين ومَدّ صوته، فلما بلغ إلى الشهادتين خفض بهما صوته، فقال بعضهم: إنما فعل ذلك مخافة الكفار، وبعضهم قال: إنه جهوريّ الصوت وكان في الجاهلية يجهر بسَبِّ رسول الله - عليه السلام -، فلما بلغ إلى الشهادتين استحيى، وخفض بهما صوته، فدعاه رسول الله - عليه السلام - وعرك أذنه، وقال: ارجع وقل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله ومُدّ بهما صوتك غيظًا للكفار. وقال شمس الأئمة في "مبسوطه" (¬2): وأما حديث أبي محذورة فإنه - عليه السلام - أمر بالتكرار حالة التعليم ليحسن تعلمه، وهو كان عادته فيما يُعلّم أصحابَه، فظنّ أنه أمر بالترجيع وحديث عبد الله بن زيد هو الأصل وليس فيه ترجيع، ولأن المقصود من الأذان قوله: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، ولا ترجيع في هاتين الكلمتين، ففيما سواهما أولى. قلت: أخذ هذا من قول الطحاوي "فرأينا ما سوى ما اختلفوا فيه من الشهادة ... " إلى آخره. قوله: "معطوفًا على ما أجمعوا" أي مصروفًا عليه موجهًا إليه. قوله: "منه" أي من الأذان. قوله: "يقضي" خبر لقوله: "ويكون إجماعهم" فافهم. فإن قيل: كيف يقال: حديث عبد الله بن زيد هو الأصل؛ بل الأصل حديث أبي محذورة؛ فإن فيه تعليم النبي - عليه السلام - بنفسه وفيه الترجيح؟ ¬

_ (¬1) "بدائع الصنائع" (1/ 148). (¬2) "المبسوط" (1/ 128).

قلت: قد روي عن أبي محذورة أيضًا ما ليس فيه الترجيح وهو ما رواه الطبراني فى "الأوسط" (¬1) قال: نا أحمد بن عبد الرحمن، ثنا أبو جعفر النفيلي ثنا إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: سمعت جدّي عبد الملك بن أبي محذورة، أنه سمع أبا محذورة يقول: "ألقي عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأذان حرفًا حرفًا: الله أكبر، الله أكبر، [الله أكبر، الله أكبر] (¬2) أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله ... " إلى، آخره ولم يذكر فيه ترجيعًا. فهذا يعارض سائر الروايات التي فيها الترجيح ويوافق حديث عبد الله بن زيد، فالرجوع إلى المتفق عليه أولى بلا خلاف. ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (2/ 23 رقم 1106). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المعجم الأوسط".

ص: باب: الإقامة، كيف هي؟

ص: باب: الإقامة، كيف هي؟ ش: أي هذا باب في بيان كيفية الإقامة للصلاة، والمناسبة بين البابين ظاهرة جدًّا، وهي إعلام مخصوص للحاضرين، كما أن الأذان إعلام مخصوص للغائبين. ص: حدثنا مُبَشِّرَ بن الحسن بن مُبَشِّر بن مُكَسِّر، قال: نا أبو عامر العقدي، قال: نا شعبة، عن خالد الحذَّاء، عن أي قلابة، عن أنس - رضي الله عنه - قال: "أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". ش: إسناده صحيح، ومبشر بن الحسن أبو بشر البصري، وثقه ابن يونس. وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو، ونسبته إلى عَقَد -فتح العين والقاف- قوم من قيس، وهم صنف من أزد. وأبو قلابة اسمه عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام. وأخرجه البخاري (¬1): نا علي بن عبد الله، نا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا خالد، عن أبي قلابة عن أنس قال: "أُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة". قوله: "أن يشفع الأذان" يعني يأتي به مثنًى، وهذا مجمع عليه اليوم، وحكي في إفراده خلاف عن بعض السلف. قوله: "ويوتر الإقامة" يعني يأتي بها وترًا ولا يثنيها، بخلاف الأذان. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حَرْب، قال: نا شعبة وحماد بن زيد ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا خالد بن عبد الرحمن الخراساني، قال: نا سفيان، عن خالد ... ، ذكر بإسناده مثله. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: نا حجاج بن منهال، قال: نا حماد بن سلمة وحماد بن زيد، عن خالد ... فذكر بإسناده مثله. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 220 رقم 582).

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إبراهيم بن عبد الله الهرويَّ، قال: نا محمَّد بن دينار الطاحي، قال: ثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: "كانوا أرادوا أن يضربوا بالناقوس وأن يرفعوا نارًا لإعلام الصلاة، حتى رأى ذلك الرجل تلك الرؤيا، فَأْمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". حدثنا نَصْر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن مَعْبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو الجزري، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمِرَ بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". ش: هذه ستة طرق أخرى في الحديث المذكور، وهي صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُّسي، عن سليمان بن حرب الواشحي أحد مشايخ البخاري، عن شعبة وحماد بن زيد، كلاهما عن خالد الحَذَّاء، عن أبي قلابة، عن أنس. وأخرجه الدارمي في "سننه" (¬1) وقال: أنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". الثاني: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس. وأخرجه عبد الرزاق (¬2): عن الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة". الثالث: عن محمَّد خزيمة بن راشد، عن الحجاج بن المنهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد، كلاهما عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس. ¬

_ (¬1) "سنن الدارمي" (1/ 291 رقم 1195). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 464 رقم 1795).

وأخرجه مسلم (¬1) وقال: نا خلف بن هشام، قال: ثنا حماد بن زيد. ونا يحيى بن يحيى، قال: أنا إسماعيل بن عَلية، جميعًا عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". الرابع: عن محمَّد بن عيسى بن فليح بن سليمان الخزاعي، عن سعيد بن منصور الخراساني أحد مشايخ مسلم، عن هُشَيْم بن بَشير، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬2) وقال: ثنا أحمد بن عبد الله الوكيل، ثنا الحسن ابن عرفة، ثنا هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمر بلال أَن يشفع الأذان ويوتر الإقامة". الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُّسي، عن إبراهيم بن عبد الله الهروي، أحد مشايخ الترمذي وابن ماجه. عن محمَّد بن دينار الأزدي الطَّاحِي -بالطاء والحاء المهملتين- نسبة إلى طاحية قبيلة من الأزد. عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس. وأخرجه البخاري (¬3) وقال: ثنا محمَّد، قال: أنا عبد الوهاب، قال: أنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: "لما كثر الناس قال: ذكروا أنْ يُعْلِموا وقت الصلاة بشيء يَعْرفونه، فذكورا أن يُورَوْا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأُمر بلال أن يشفع [الأذان] (¬4) وأن يوتر الإقامة". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 286 رقم 378). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 240 رقم 17). (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 220 رقم 581). (¬4) تكررت في "الأصل".

وأخرجه مسلم أيضًا: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا خالدٌ الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: "ذكروا أن يُعلموا وقتَ الصلاة بشيء يَعْرفونه، فذكروا أن يُنوّروا نارًا، ويضربوا ناقوسًا، فأُمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". قوله: "حتى رأى ذلك الرجل" أراد به عبد الله بن زيد الأنصاري. قوله: "أن يُوروا" من أورى النار إذا أوقدها وثلاثيَّه: وَرَى. يقال: وَرَى الزند يَرِي: إذا أخرجت نارُه، وأوْرَاه غيره إذا استخرج نارَه. قوله: "ينوّروا" في رواية مسلم: من التنوير. السادس: عن نصر بن مرزوق، عن علي بن مَعبد بن شداد العَبدي، عن عَبَيْد الله عَمرو الجزريّ، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس. وأخرجه أبو داود (¬1): عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى هذا فقالوا هكذا الإقامة تفرد مرة مرة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: ربيعة، ومالكًا، وأهل المدينة؛ فإنهم قالوا: الإقامة فُرادى كلّها. وقال القاضي عياض: المشهور عن مالك إفراد الإقامة؛ لأنه المعمول به بالمدينة. وقال أبو عمر: قال مالك -في المشهور-: إن الإقامة عشر كلمات، فلا يثني لفظ الإقامة. وهو قول قديم للشافعي، واحتجوا في ذلك بما روي عن أنس، المذكور آنفًا. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 141 رقم 508).

ص: وخالفهم في ذلك آخرون في حرْف من ذلك، فقالوا: إلا قوله: "قد قامت الصلاة" فإنه ينبغي أن يثني ذلك مرتين. ش: أي خالف القوم المذكورين فيما قالوا من إفراد كلمات الإقامة جميعها جماعة آخرون، وأراد بهم: مكحولًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا عُبَيْد؛ فإنهم وافقوا القوم المذكورين في إفراد الإقامة، ولكن خالفوهم في حَرْف منه؛ أي: في طرف منه وهو أن لفظ "قد قامت الصلاة" عندهم مرتين، وعند أولئك القوم مرة واحد كغيرها من ألفاظ الإقامة. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حَرْب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن سماك بن عطية، عن أيوب، عن أن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلَّا الإقامة". وحدثنا محمَّد بن حزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان العَوَقي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس. وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان، قال: ثنا إسماعيل -يعني ابن عُلَيَّة- قال: ثنا خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة". قال إسماعيل: فحدثت به أيوب فقلت له: "وأن يوتر الإقامة" فقال: "إِلَّا الإقامة". ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه من إِفراد ألفاظ الإقامة إلا لفظ الإقامة، بحديث أنس - رضي الله عنه - أيضًا. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم ابن أبي داود البُرُلُّسي، عن سليمان بن حَرْب الواشحي، عن حماد بن زَيْد، عن سماك بن عطية البصري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرْمي، عن أنس.

وأخرجه البخاري (¬1): ثنا سليمان بن حرب، قال: نا حماد بن زيد ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "إلا الإقامه" استثناء من قوله: "ويوتر الإقامة"، والمعنى: ويفرد ألفاظ الإقامة للصلاة إلا لفظ الإقامة وهي "قد قامت الصلاة" فإنها تثنى. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن محمَّد بن سنان العَوَقي نِسبة إلى عَوَقة -بفتح العين المهملة والواو والقاف- من عبد القيس، عن حماد بن سلمة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس. الثالث: عن محمَّد بن خزيمة أيضًا، عن محمَّد بن سنان أيضًا، عن إسماعيل بن عُلَيَّة، عن خالد ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (¬2) وقال: نا علي بن عبد الله، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، نا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمر بلال أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة" قال إسماعيل: فذكرت لأيوب، فقال: "إلا الإقامة". وأخرجه مسلم (¬3) وقال: ثنا خلف بن هشام، قال: ثنا حماد بن زيد. وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا إسماعيل بن عُليَّة، جميعًا عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "أُمِر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة" زاد يحيى في حديثه عن ابن علية: فحدثت به أيوب فقال: "إلا الإقامة". ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير قال: ثنا شعبة، عن أبي جَعْفر الفرّاء، عن مسلم -مؤذنٍ كان لأهل الكوفة- عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرتين والإقامة مرةً مرةً، غير أنه إذا قال: قد قامت الصلاة قالها مَرّتين، فعرفنا أنها الإقامة، فيتوضأ أحدُنا ثم يخرجُ". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 220 رقم 580). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 220 رقم 582). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 286 رقم 378).

ش: إسناده حسن، وأبو جعفر الفراء الكوفي والد عبد الحميد بن أبي جعفر، قيل: اسمه كيْسان، وقيل: سَلْمان، وقيل: زياد وثقه ابن حبان، وأبو داود وروي له. ومسلم مؤذن أهل الكوفة هو مسلم بن المثنى، ويقال: ابن مهران بن المثنى القرشي الكوفي، وثقه أبو زرعة وابن حبان. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا محمَّد بن بشار، نا محمَّد بن جعفر، نا شعبة، قال: سمعتُ أبا جعفر يُحدّث، عن مسلم بن المثنى، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "إنما كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرتين، والإقامة مرةً مرةً، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، فإذا سمعنا الإقامة توضأنا، ثم خرجنا إلى الصلاة" قال شعبة: لم أسمع من أبي جعفر غير هذا الحديث. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا من النظر، فقالوا: قد رأينا الأذان ما كان منه مكررًا لم يثنّ في المرة الثانية، وجعل على النصف مما هو عليه في الابتداء، وكانت الإقامة لا يبتدأ بها، إنما تكون بعد الأذان، فكان النظر على ذلك أن يكون ما فيها مما هو في الأذان غير مثنى، وما فيها مما ليس في الأذان مثنى، فكل الإقامة في الأذان غير "قد قامت الصلاة" فتفرد الإقامة كلها ولا تُثَنّى غير "قد قامت الصلاة" فإنها تكررّ لأنها ليست من الأذان. ش: أي واحتج الآخرون الذين خالفوا القوم المذكورين في حرف من ذلك فيما ذهبوا إليه من وجه النظر والقياس أيضًا، بيانه: أن الإقامة تكون بعد الأذان متابعة له، وفيها شيء من ألفاظ الأذان وشيء من غيرها، وكان ما يكرر في الأذان أولًا يُجَعلُ على النصف آخرًا، فالنظر على ذلك: ينبغيِ أن يكون ما في الإقامة مما هو في الأذان غير مثنى ليجعل على النصف من ذلك، وما فيها مما ليس في الأذان كلفظ: "قد قامت الصلاة" لا يجعل على النصف نحو ذلك؛ لأنها ليست من الأذان حتى تجعل على النصف، فحيئذ تثنى؛ فافهم. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 141 رقم 510).

ص: وخالفهم آخرون في ذلك كله. فقالوا: الإقامة كلها مثنى مثنى مثل الأذان سواء، غير أنه يقال في آخرها: "قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة". ش: أي خالف الطائفتن المذكُورِين جماعة آخرون فيما ذهبوا إليه من إفراد ألفاظ الإقامة كلها، أو إفرادها غير "قد قامت الصلاة" وهم سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومن ذهب إلى مذهبهم من أهل الكوفة، فإنهم قالوا: الإقامة كلها مثنى مثنى مثل الأذان سوء بسواء، غير أنه تزاد في الإقامة بعد الفلاح: "قد قامت الصلاة" مرتين. ص: وقالوا ما ذكرتم عن بلال - رضي الله عنه -، فقد روي عنه خلاف ذلك مما سنذكره إن شاء الله بعد. ش: أي قال هؤلاء الآخرون لأهل المقالتين المذكورتين: ما ذكرتم عن بلال - رضي الله عنه - من أنه أُمر بأن يشُفع الأذان ويوتر الإقامة، فإنه وإن كان قد روي عنه ذلك فقد روي عنه أيضًا خلافه على ما يجيء بيانه، فحينئذ يتعارض خبراه فيرجع حينئذ إلى الأصول وهو على وجوه: الأول: أن مدَّعَانَا يُرجَّح بكثرة الدلائل من الأخبار والآثار الدالة على أن الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان. والثاني: أن قوله: "أُمر بلال" قد يقال فيه: إن الأمر مُبْهم، يحتمل أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل أن يكون غيره، وقد قيل: إن الآمر بذلك أبو بكر - رضي الله عنه -، وقيل: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فحصل فيه احتمالات تدفع الاحتجاج به، مع وجود الآثار الدالة على خلافه. وقال الشيخ محيي الدين النوويّ: إطلاق ذلك ينصرف إلى صاحب الأمر والنهي، وهو رسول الله - عليه السلام -، ومثل هذه اللفظة قول الصحابي: "أمرنا بكذا"، أو "نهينا عن كذا" وأُمر الناس بكذا فكله مرفوع سواء قال الصحابيّ ذلك في حياة رسول الله - عليه السلام - أم بعد وفاته.

قلت: فيه مناقشة؛ لأن من الإطلاق تنشأ الاحتمالات، وقوله: "سواء ... " إلى آخره غير مُسَلَّم؛ لجواز أن يقول الصحابيّ بعد الرسول: "أمرنا بكذا" أو "نهينا عن كذا" ويكون الآمر أو الناهي أحد الخلفاء الراشدين. والثالث: أن بعضهم ادعوا أن حديث أبي محذورة ناسخ لحديث أنسِ - رضي الله عنه - هذا، قالوا: وحديث بلال - رضي الله عنه - إنما كان أول ما شرع الأذان كما دلّ عليه حديث أنس، وحديث أبي محذورة كان عام حنين وبينهما مدّة مديدة، فإن قيل: شرط الناسخ أن يكون أصح سندًا وأقوى في جميع جهات الترجح، وحديث أبي محذورة لا يساوي حديث أنس من جهة واحدة فضلًا عن الجهات كلها. قلت: لا نسلم أن من شرط الناسخ ذلك، بل يكفي فيه أن يكون صحيحًا متأخرًا معارضًا غير ممكن الجمع بينه وبين معارضه، فلو فرضناهما متساويين في الصحة، ووجد ما ذكر من الشرط لثبت النسخ، وأما أنه يشترط أن يكون أرجح من المعارض في الصحة فلا نُسَلِّم، نعم لو كان دونه في الصحة ففيه نظر. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن داود الخريبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أن عبد الله بن زيد رأى رجلًا نزل من السماء عليه ثوبان أخضران أو بردان أخضران فقام على جِذْم حائط، فأذن: الله أكبر الله أكبر، على ما ذكرنا في الباب الأول، "ثم قعد، ثم قام فأقام مثل ذلك، فأتى النبي - عليه السلام - فأخبره، فقال: نِعْمَ ما رأيتَ عَلِّمها بلالًا". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى النيسابوريُّ، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثَنى أصحاب محمَّد - صلى الله عليه وسلم -: "بأن عبد الله بن زيد الأنصاريّ - رضي الله عنه - رأى في المنام الأذان، فأتى النبي - عليه السلام - فأخبره، فقال: علمه بلالًا، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، وقعد قعدة".

حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحابنا ... فذكر نحوه. قال: وقال عبد الله: لولا أني أتهم نفسي لظننت أني رأيت ذلك وأنا يقظان غير نائم، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: وأنا والله لقد طاف بى الذي طاف بعبد الله، فلما رأيته قد سبقني سكَتُّ". ففيِ هذه الآثار: أن بلالًا أذَّنَ بتعليم عبد الله بن زيد بأمر النبي - عليه السلام - إياه بذلك وأقام مثنى بخلاف الحديث الأول. ش: هذا الحديث بثلاث طرقه الصحاح بيان لقوله: "فقد روي عنه خلاف ذلك"؛ لأن فيه أنه أذن بإلقاء عبد الله بن زيد عليه بأمر النبي - عليه السلام - إياه بذلك، وفيه "وأقام مثنى" وهذا يخالف ما رواه أنس من أن بلالًا أُمِر أن يشفع بالأذان ويوتر بالإقامة، فحينئذ لا يتم احتجاج أهل المقالتين بحديث أنس كما ذكرناه عن قريب. ثم إن الطحاوي: أخرج هذا الحديث بعينه بالإسنادين الأولين في باب "الأذان" في بحث الترجيع ولكن في السند الأول زيادة ها هنا، وهي قوله: "ثم قعد ثم قام فأقام مثل ذلك" وفي هذه الزيادة الاحتجاج على الخصم في إفراد الإقامة، فلذلك كرره ها هنا مع ذكر هذه الزيادة. وكذلك في السند الثاني زيادة وهي قوله: "وأقام مثنى مثنى وقعد قعدة" وفيهما دلالة صريحة على أن الإقامة مثل الأذان. وأخرجه ابن حزم (¬1) وقال: ثنا محمَّد بن سعيد بن نُبات، نا عبد الله بن نصر، نا قاسم بن الأصبغ، نا ابن وضاح، نا موسى بن معاوية، نا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمَّد - عليه السلام -: "أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام فأتى النبي - عليه السلام - فأخبره، قال: "علمه بلالًا"، فقام بلالًا فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى" ثم قال: هذا إسناد في غاية الصحة ¬

_ (¬1) "المحلى" (1/ 157 - 158).

من إسناد الكوفيين ثم قال: إنما صح أَنَّ تثنية الإقامة قد نُسخت وإنما هي كانت أول الأمر، والأفضل ما صح من أمر رسول الله - عليه السلام - بلالًا بأن يوترها إلا الإقامة، والصحيح الآخِر أولى بالأخذ مما لا يبلغ درجته. قلت: لو كان حديث بلال ناسخًا لهذا الحديث لما روي عن بلال بعده: "أنه كان يثني الأذان ويثني الإقامة". كما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1) والدارقطنى في "سننه" (1) على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وكيف يُظن ببلال أنه يترك الناسخ ويأتي بالمنسوخ، ولئن سلمنا أن حديثه ناسخ لحديث ابن أبي ليلى ولكن لا نسلم أن حكمه باقٍ؛ لأنه منسوخ أيضًا بحديث أبي محذورة لما أن حديثه كان في أول الأمر، وحديث أبي محذورة كان عام حنين كما ذكرناه آنفًا. قوله: "لولا أنهم نفسي" من الاتهام، وهو الريبة، والمعنى: لولا أني أشك في نفسي، وأصل هذا من الوهم وهو الغلط والسهو ومنه التُهَمَة، وأصلها وَهَمَة، فأبدلت الواو تاءً. قوله: "يقظان" بفتح القاف وكسرها. قوله: "غير نائم" حال أيضًا، تأكيد للحالة الأولى. قوله: "لقد طاف بي" من طاف بالشيء إذا دار حوله. يقال: طُفْتُ أَطُوفُ طَوْفًا وطَوَافًا. ص: ثم قد روي عن بلال - رضي الله عنه - أنه كان بعد النبي - عليه السلام - يؤذن مثنى مثنى ويقيم مثنى مثنى، فدلّ ذلك أيضًا على انتفاء ما روى أنس - رضي الله عنه -. حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن بلال: "أنه كان يثني الأذان، ويُثني الإقامة". ¬

_ (¬1) سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.

حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان، قال: نا شريك (ح). وحدثنا روح بن الفرح، قال: ثنا محمَّد بن سليمان لوين، قال: ثنا شريك، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، قال: "سمعت بلالًا يؤذن مثنى، ويقيم مثنى" فهذا بلال قد روي عنه في الإقامة ما يخالف ما ذكره أنس - رضي الله عنه -. ش: لما بَيَّن ما روي عن بلال من تثنية الإقامة في حياة النبي - عليه السلام - الذي يخالف ما رواه أنس عنه من أنه أُمر بأن يوتر الإقامة، أكدَّ ذلك بما روي عنه أيضًا من أنه كان يثني الإقامة بعد النبي - عليه السلام - أيضًا، مثل ذلك يدلّ على انتفاء ما رواه أنس، وأن العمل على حديث عبد الله بن زيد؛ لأنه هو أصل الأذان والإقامة في تثنية ألفاظهما. فإن قيل: قال ابن حزم: لم يؤذن بلال لأحد بعد رسول الله إلا مرة واحدة بالشام للظهر أو العصر ولم يستتم الأذان فيها. قلت: لا نسلم ذلك؛ لعدم الدليل الصحيح عليه، ولئن سلمنا ذلك فلا يضرّنا؛ لأن النزاع في الإقامة، ولا شك أن بلالًا إذا صلى كان يقيم، وكان يقيم مثنى مثنى وإن كان لا يقيم بنفسه بعد كان يسمع من يقيم، ولو أمر من يقيم بالإفراد أو منع من يقيم مثنى لنُقِل عنه ذلك، فحيث لم ينقل دلّ على أن الإقامة عنده مثنى مثنى، ولم يتغير حكمها عما كان عليه في حديث عبد الله بن زيد الأنصاري - رضي الله عنه -. ثم إنه أخرج ما روي عن بلال -من تثنية الإقامة- من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أحمد بن داود المكي، وثقه ابن يونس. عن يعقوب بن حميد شيخ البخاريّ في كتاب "الأفعال" ووثقه يحيى وابن حبان. عن عبد الرزاق بن همام صاحب "المصنف". عن معمر بن راشد. عن حماد بن أبي سليمان الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتجت به الأربعة. عن إبراهيم النخعي.

عن الأسود بن يزيد النخعي الكوفي. عن بلال ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): أنا معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد: "أن بلالًا كان يثني الأذان، ويثني الإقامة، وإن كان يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير". وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬2): ثنا محمَّد بن إسماعيل الفارسي، ثنا إسحاق ابن إبراهيم، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر ... إلى آخره نحوه. فإن قيل: قال ابن الجوزي في "التحقيق": والأسود لم يدرك بلالًا. قلت: قال صاحب "التنقيح": وفيما قاله نظر؛ وقد روى النسائي للأسود عن بلال - رضي الله عنه - حديثا (¬3). الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد. عن محمَّد بن سنان العَوَقيِ. عن شريك بن عبد الله النخعي. عن عمران بن مسلم المنْقري البصْري القَصِير. عن سويد بن غَفَلة بن عوسجة أبي أمية الكوفي. وأخرجه الحكم (¬4) ثم البيهقي في "الخلافيات" وعلله الحاكم بأنه مرسل، وأن سويدًا لم يدرك أذان بلال، وإقامته في عهد النبي - عليه السلام - وأن شريكا وعمران غير محتج بهما في "الصحيح". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 462 رقم 790). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 242 رقم 34). (¬3) انظر "المجتبى" (2/ 14 رقم 649 - 652) ولفظه: عن الأسود قال: "كان آخر آذان بلال: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". (¬4) انظر: "نصب الراية" (1/ 249).

قلت: سويد أدرك الجاهلية ولم يَر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأدى الزكاة لمصدق رسول الله - عليه السلام -، فهو وإن لم يدرك آذان بلال وإقامته في عهد النبي - عليه السلام - فلا مانع من إدراكه لهما في عهد أبي بكر - رضي الله عنه -؛ فقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره (¬1): "أن بلالًا أذن حياة النبي - عليه السلام -، ثم أذن لأبي بكر - رضي الله عنه - حياته ولم يؤذن لعمر - رضي الله عنه -، فقال له عمر: ما يمنعك أن تؤذن؟ فقال: إني أذنت لرسول الله - عليه السلام - ثم قبض، وأذنت لأبي بكر حتى قبض لأنه كان ولي نعمتي، وقد سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: يا بلال، ليس عمل أفضل من [عملك هذا إلا] (¬2) الجهاد في سبيل الله، فخرج وجاهد". وفى "الخلافيات" للييهقي أيضًا؛ أنه أذن لأبي بكر - رضي الله عنه -. ورواية الطحاوي تصح بالسماع. وأما شريك فإن الحاكم صحح روايته في المستدرك، وأخرج له مسلم متابعة. وعمران بن مسلم وثقه يحيى وأبو حاتم وغيرهما، فلا يعارض ذلك بعدم الاحتجاج بهما في الصحيح. الثالث: عن روح بن الفرح القطان المصري. عن محمَّد بن سليمان بن حبيب المصيصي العلاف، المعروف بلُوَيْن -بضم اللام وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون- شيخ أبي داود والنسائي، ووثقه ابن حبان وغيره. عن شريك النخعي ... إلى آخره. وقد روى الطبراني (¬3) أيضًا بإسناده إلى بلال: "أنه كان يجعل الأذان والإقامة سواء مثنى مثنى، وكان يجعل إصبعيه في أذنيه". ¬

_ (¬1) أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" كما في "المنتخب من مسند عبد بن حميد" (1/ 141 رقم 361) عن ابن أبي شيبة ولم أجده في المصنف، وذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" (1/ 180 - 181). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المنتخب من مسند عبد بن حميد". (¬3) "المعجم الصغير" (2/ 282 رقم 1171).

وأخرجه الدارقطنى في "سننه" (¬1) بإسناده إلى بلال: "أنه كان يؤذن للنبي - عليه السلام - مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى". فإن قيل: ضعّف ابن حبان هذا الحديث بزياد البكائي. قلت: لا يلتفت إلى ذلك؛ لأن أحمد وثقه، وقال أبو زرعة: صدوق، واحتج به مسلم. ص: في حديث أبي محذورة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه الإقامة مثنى مثنى. حدثنا علي بن معبد وعلي بن شيبة، قالا: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، قالت: سمعت أبا محذورة (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب، عن أبيه وأم عبد الملك بن أبي محذورة، أنهما سمعا أبا محذورة يقول: "علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإقامة مثنى مثنى: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". غير أن أبا بكرة يذكر في حديثه "قد قامت الصلاة". حدثنا أبو بكرة وعليّ بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عثمان، قال: ثنا همام، قال: حدثني عامر الأحول، قال: أخبرني مكحول، أن عبد الله بن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله - عليه السلام - علمه الإقامة سبع عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر ... " ثم ذكر مثل حديث روح بن عبادة. حدثنا عليّ بن معبد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا همام (ح). ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 242 رقم 33).

وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن سنان، قال: ثنا همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أي محذورة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد وأبو عمر الحوضيّ، قالا: ثنا همام (ح). وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا همام، قال: ثنا عامر الأحول، قال: ثنا مكحول. أن ابن محيريز حدثه أنه سمع أبا محذورة يقول: "علمني رسول الله - عليه السلام - الإقامة سبع عشرة كلمة". ش: أخرج حديث أبي محذورة هذا ها هنا من سبع طرق فيها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه الإقامة مثنى مثنى. وهذا أيضًا مما يؤيد أن الأصل الذي يرجع إليه: حديث عبد الله بن زيد الأنصاري الذي فيه: الإقامة مثل الأذان مثنى مثنى. الأول: عن علي بن معبد بن نوح وعلي بن شيبة بن الصَلْت، كلاهما عن رَوح بن عبادة، عن عبد الملك بن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، قالت: سمعت أبا محذورة يقول: "علمني رسول الله - عليه السلام - ... إلى آخره". وهذا الإسناد بعينه قد ذكره في أول باب الأذان ولكن فيه: "علّمني رسول الله - عليه السلام - الأذان كما تؤذنون الآذان الله أكبر ... إلى آخره" وها هنا: "علّمني رسول الله - عليه السلام - الإقامة مثنى مثنى ... إلى آخره". وأخرجه النسائي (¬1): عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة وفيه: "وعلّمني الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 7 رقم 633).

الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النَّبِيل الضحاك بن مخلد، عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه، وعن أم عبد الملك كلاهما عن أبي محذورة ... إلى آخره. وهذا أيضًا بعينه قد ذكره في أول باب الأذان. وأخرجه أبو داود (¬1) أيضًا: عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة وفيه: "علّمني الإقامة مرتين مرتين: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". الثالث: عن أبي بكرة بكار وعلي بن عبد الرحمن، كلاهما عن عفان بن مسلم، عن همام بن يحيى، عن عامر بن عبد الواحد الأحول، عن مكحول الدمشقي، أن عبد الله بن محيريز حدثه إلى آخره. وهذا أيضًا بعينه قد ذكره في باب الأذان، ولكن لفظه هناك: "علّمه الأذان تسع عشرة كلمة" وها هنا: "علمه الإقامة سبع عشرة كلمة". وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا الحسن بن علي، ثنا عفان وسعيد بن عامر والحجاج -والمعنى واحد- قال عفان: نا همام، نا عامر الأحول، حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علّمه الأذان تسعة عشر كلمة والإقامة سبعة عشرة كلمة ... " الحديث، وقد ذكرناه بتمامه في باب "الأذان". وأخرجه الترمذى (¬3): نا أبو موسى محمَّد بن المثنى، قال: نا عفان، قال: نا همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة: ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 136 رقم 501). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 137 رقم 502). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 367 رقم 192).

"أن رسول الله - عليه السلام - علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وأبو محذورة اسمُه سَمرة بن مِعْيَره. ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (¬1) ولفظه: "فعلّمه الأذان والإقامة مثنى مثنى. وكذلك رواه ابن حبان في "صحيحه" (¬2)، واعترض البيهقي وقال: هذا الحديث عندي غير محفوظ الوجوه: أحدها: أن مسلمًا لم يخرّجه ولو كان محفوظًا لم يتركه مسلم لأن هذا الحديث قد رواه هشام الدستوائي، عن عامر الأحول دون ذكر الإقامة كما أخرجه مسلم في "صحيحه". والثاني: أن أبا محذورة قد روي عنه خلافه. والثالث: أن هذا الخبر لم يَدُم عليه أبو محذورة ولا أولاده، ولو كان هذا حكمًا ثابتًا لمَا فعلوا بخلافه. وأجاب الشيخ في "الإِمام" بأن عدم تخريج مسلم إياه لا يدلّ على عدم صحته؛ لأن لم يلتزم إخراج كل الصحيح. وعن الثاني: أن تعيين العدد "تسعة عشر وسبعة عشر" ينفي الغلط في العدد، بخلاف غيره من الروايات؛ لأنه قد يقع فيها اختلاف وإسقاط، وأيضًا قد وجدت متابعة لهمام في روايته عن عامر. كما أخرجه الطبراني (¬3): عن سعيد بن أبي عروبة، عن عامر بن عبد الواحد، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة: قال: "عَلَّمني رسول الله - عليه السلام - الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة". ¬

_ (¬1) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 195 رقم 377). (¬2) "صحيح ابن حبان" (4/ 577 رقم 1681). (¬3) "المعجم الكبير" (1/ 170 رقم 6728).

وعن الثالث: أن هذا داخل في باب الترجيح لا في باب التضعيف؛ لأن عمدة التصحيح عدالة الراوي، وترك العمل بالحديث لوجود مأثور أرجح منه لا يلزم منه ضعفه؛ ألا ترى أن الأحاديث المنسوخة يحكم بصحتها إذا كانت روُاتها عدولًا, ولا يعمل بها لوجود الناسخ، وإذا آل الأمرُ إلى الترجيح فقد يختلف الناس. قلت: وله طريق أخر عند أبي داود (¬1) أخرجه: عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب وفيه: "وعلّمني الإقامة مرتين مرتين" ثم ذكرها مفسرا وقد مرّ بيانه. وله طريق عند الطحاوي (¬2) أخرجه: عن شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: "سمعت أبا محذورة يؤذن مثنى مثنى ويقيم مثنى مثنى". قال في "الإِمام": قال ابن معين: عبد العزيز بن رفيع ثقة. الرابع: عن علي بن معبد بن نوح، عن موسى بن داود الضبّي، عن همام بن يحيى، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، عن رسول الله - عليه السلام -. وأخرجه الدارقطني (¬3): ثنا أبو هاشم عبد الغافر بن سلامة الحمصي، ثنا محمَّد ابن عون الحمصي، ثنا موسى بن داود، عن همام، عن عامر الأحول، أن مكحولًا حدّثه، أن ابن محيريز حدّثه، أن أبا محذورة حدّثه، قال: "علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأذان تسعة عشر كلمةً بعد فتح مكة، والإقامة سبعة عشر كلمة". الخامس: عن محمَّد بن راشد، عن محمَّد بن سنان العَوَقي، عن همام بن يحيى، عن عامر بن عبد الواحد الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 136 رقم 501). (¬2) شرح "معاني الآثار" (1/ 136). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 238 رقم 7).

وأخرجه النسائي (¬1): أنا سُويد بن نَصْر، قال: أنا عبد الله، عن همام بن يحيى، عن عامر بن عبد الواحد، قال: ثنا مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، ثم عدّها أبو محذورة تسع عشرة وسبع عشر كلمة". السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُّسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي وأبي عمر حفص بن عُمر الحَوضْي، كلاهما عن همام، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي محذورة يقول: "علّمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإقامة سبع عشرة كلمة". وأخرجه الطبراني (¬2): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال (ح). وثنا محمَّد بن يحيى بن المنذر القزاز، ثنا حفص بن عمر الحوضي (ح). وثنا معاذ بن المثنى، ثنا أبو الوليد الطيالسي (ح). وثنا زكرياء بن حمدويه الصفَّار، ثنا عفان، قالوا: ثنا همام، ثنا عامر الأحول، حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله - عليه السلام - علَّمه الأذان تسعة عشر كلمة، والإقامة سبعة عشر كلمة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والإقامة مثنى مثنى". السابع: عن محمَّد بن خزيمة البصري، عن الحجاج بن منهال الأنْماطي، عن همام، عن عامر، عن مكحول، أن ابن مُحيريز حدثه، أنه سمع أبا محذورة يقول: "علّمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإقامة سبع عشرة كلمةً". ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 4 رقم 630). (¬2) "المعجم الكبير" (7/ 170 رقم 6728).

وأخرجه الدارمي في "سننه" (¬1): أنا أبو الوليد الطيالسي وحجاج بن المنهال، قالا: نا حماد، قال: نا همام، نا عامر الأحول- قال حجاج في حديثه: عامر بن عبد الواحد- قال: حدثني مكحول، أن ابن محيريز حدثه، أن أبا محذورة حدثه: "أن رسول الله - عليه السلام - علمه الأذان تسعة عشر كلمة، والإقامة سبعة عشر كلمة". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فتصحيح معاني هذه الآثار يُوجبُ أن تكون الإقامة مثل الأذان سواءً، على ما ذكرنا؛ لأن بلالًا اختلف عنه فيما أُمِر به من ذلك، ثم ثبت هو من بعد على التثنية في الإقامة بتواتر الآثار في ذلك. ش: أراد بها الآثار المروية عن أبي محذورة فإنها صريحة في أن الإقامة والأذان متساويان. قوله: "لأن بلالًا اختلف عنه فيما أُمِرَ به من ذلك" أي: من أَمر الإقامة، فروي عنه أنه أُمِر بأن يوتر الإقامة، وروى أنه - عليه السلام - علّمه ما رآه عبد الله بن زيد في منامه، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثم بعد ذلك ثبت هو على تثنية الإقامة كما روى عنه الأسود النخعي وسُويد بن غفلة، على مَا مَرَّ مستقصىً. قوله: "بتواتر الآثار" أي بتكاثر الأخبار والروايات فيها على ما ذكر. ص: وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإن قومًا احتجوا في ذلك ممن يقول الإقامة تُفرَدُ مرةً مرةً بالحجة التي ذكرناها لهم في هذا الباب مما يكرر في الأذان ومما لا يكرر، فكانت الحجة عليهم في ذلك: أن الأذان كما ذكروا ما كان منه مما يذكر في موضعين مرّ ثُنِّي في الموضع الأول وأفْرِد في الموضع الآخر، وما كان منه غير مُثنى أفْرِد، وأما الإقامةُ فإنَّها تُفْعلُ بعد انقطاع الأذان، فلها حكم مستقِلٌّ، وقد رأينا ما تُختمُ به الإقامة من قول لا إله إلا الله هو ما يُختْمُ به الأذان من ذلك، فالنظر على ذلك: أن تكون بقية الإقامة على مثل بقية الأذان أيضًا، فكان مما يدخل على هذه الحجة: أنَّا رأينا ما تُخْتَمُ به الإقامةُ لا نِصْفَ له، فيجوز أن يكون المقصود إليه منه هو نصفه إلا ¬

_ (¬1) "سنن الدارمي" (1/ 292 رقم 1197).

أنه لما لم يكن له نصفٌ كان حكمه كحكم سائر الأشياء التي لا تنقسمُ مما إذا وجَب بعضها؛ وجَب بوجُوبه كلُها، فلهذا صَارَ ما يُختم به الأذان والإقامة من قول لا إله إلا الله سواءً، فلم يكن في ذلك دليلٌ لأحَد المعنيين على الآخر، ثم نظرنا في ذلك، فرأيناهم لم يَخْتلفوا أنه في الإقامة بعد الصلاة والفلاح يقولُ: الله أكبر الله أكبر، فيجيء به ها هنا على مثل ما يجيء به في الأذان في هذا الموضع أيضًا, ولا يجيء به على نصف ما هو عليه في الأذان، فلما كان هذا من الإقامة مما له نصفٌ على مثل ما هو عليه في الأذان أيضًا سواء؛ كان ما بقي من الإقامة أيضًا هو على مثل ما هو عليه في الأذان أيضًا، لا يُحذَف من ذلك شيء، فثبتَ بذلك أن الإقامة مثنى مثنى، وهذا قول أبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله. ش: لما قال الخصم فيما مضى: إن الأذان ما كان منه مكررًا لم يثنى في المرة الثانية وجعل على النصف مما هو عليه في الابتداء، وكانت الإقامة لا يبتدأ بها وإنما هي تفعل بعد انقطاع الأذان، وكان النظر على ذلك: أن يكون ما فيها مما هو في الأذان غير مثنى وما فيها مما ليس في الأذان مثنى، فكل الإقامة في الأذان غير "قد قامت الصلاة" فتفرد الإقامة كلها ولا تكرر غير "قد قامت الصلاة" فإنها تكرر لأنها ليست في الأذان. شرع الطحاوي في الجواب عنه بقوله: "إن الأذان كما ذكروا ... " إلى آخره. تحريره: سلَّمنا أن الأذان ما كان منه يذكر في موضعين يثنى في الموضع الأول ويفرد في الموضع الآخر، وما كان فيه غير مثنى أفرد ولكن رأينا ما يختم به الإقامة من قول: "لا إله إلا الله" هو ما يختم به الأذان في ذلك، فالنظر والقياس على ذلك: أن تكون بقية الإقامة مثل بقية الأذان أيضًا، وبقية الأذان مثنى مثنى، فتكون بقية الإقامة مثنى مثنى كذلك. حاصل هذا الكلام: أن الخصم لما نظر في إفراد الإقامة إلى كون ألفاظها على النصف مما كان عليه ألفاظ الأذان، بناء على أن ما يكرر في ألفاظ الأذان يجعل على النصف مما هو عليه في الابتداء، نظرنا نحن في كونها مثنى مثنى مثل

الأذان، إلى كون مساواة آخرها بما كان يختم به الأذان، فإذا ساوت الأذان في إفراد اللفظ فيما يختتم به كل منهما؛ كان النظر والقياس أن تساوي بقيتها بقية الأذان، فثني حينئذ، وفيه نظر من جهة الخصم، أشار إليه بقول: فكان مما يدخل على هذه الحجة، وجه النظر: أن ما تختم به الإقامة هو قول لا إله إلا الله لا نصف له؛ لأنه لا يتجزأ، ويجوز أن يكون المقصود إليه منه أي مما يختم به الأذان هو نصفه؛ لأن النظر أن يكون ما في الإقامة نصف ما في الأذان -على ما تقرر- ولكن لما لم يكن له نصف لعدم التجزء كان حكمه كحكم الأشياء التي لا تتجزأ مما إذا وجبت بعضها وجبت به كلها لعدم التجزأ، فحينئذ تكون مساواة اختتام الإقامة والأذان بقول لا إله إلا الله من أجل هذا المعنى، وهو كونه مما إذا وجب بعضه وجب كله لعدم التجزأة لا لأجل ما ذكرتم من كونها تُختم بما يختم به الأذان، وهو معنى قوله: "فلهذا صار ... " إلى آخره. فحينئذ لم يكن لأحد المعنيين دليل على الآخر؛ فنحتاج حينئذ إلى نظر صحيح في كون الإقامة مثل الأذان، فأشار إليه بقوله: "ثم نظرنا في ذلك ... " إلى آخره، تحريره: أنا رأيناهم أي الأخصام كلهم لا يختلفون أن المُقيمُ يقول في الإقامة بعد الصلاة والفلاح: الله أكبر الله أكبر، مرتين فيجيء به ها هنا -أي في الإقامة- مثل ما يجيء في الأذان، حيث لم يجعله على النصف مما كان هو عليه في الأذان، والحال: أن هذا ما له نصف لأنه لا يتجزأ، ولما جاء على مثل ما هو عليه في الأذان سواء من غير تنصيف كان النظر على ذلك: أن يكون ما بقي من الإقامة من سائر ألفاظها أيضًا على مثل ما هو عليه في الأذان، ولا يحذف من ذلك شيء ولا ينصِّف، فحينئذ ثبت بذلك أن الإقامة مثنى مثنى كما أن الأذان مثنى مثنى. قوله: "سواءً" نصبَ على أنه خبر "كان" الذي في قوله: "فلما كان هذا من الإقامة". وقوله: "كان ما بقي من الإقامة" جواب قوله: "فلما كان" فافهم.

ص: وقد روي ذلك أيضًا عن نفرٍ من أصحاب- عليه السلام -: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمِّع بن جارية، عن عبيد موك سلمة بن الأكوع: "أن سلمة بن الأكوع كان يثني الإقامة". ش: أي قد رُوي ما ذكرنا من تثنية الإقامة أيضًا عن جماعة من الصحابة منهم سلمة بن الأكوع، أخرج عنه: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الحميد ابن صالح بن عجلان البرُجمي الكوفي -وثقه ابن حبان وغيره- عن وكيع بن الجراح الكوفي، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مُجمَّع -بتشديد الميم- ابن جارية -بالجيم- وقيل: إبراهيم بن إسماعيل بن يزيد بن مجمِّع بن جارية الأنصاري، أبي إسحاق المدني، فيه مقال: قال ابن عدي: ومع ضعفه يكتب حديثه. واستشهد به البخاري. عن عبيد مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة بن الأكوع. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن عبيد الله مولى سلمة بن الأكوع: "أن سلمة بن الأكوع كان يثني الإقامة". وأخرجه الدارقطني (¬2) ولكن عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع. قال: ثنا أبو عمر القاضي، ثنا ابن الجنيد، ثنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع: "أنه كان إذا لم يدرك الصلاة مع القوم أذَّن وأقام وثنى الإقامة". ويستفاد منه: أنه لو لم يثبت عنده استقرار الأمر بعد النبي - عليه السلام - على شبه الإقامة لم يأت بها مثنى. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 187 رقم 2178). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 241 رقم 26).

ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان العَوَقِي، قال: نا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: "كان ثوبان - رضي الله عنه - يؤذن مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى". ش: رجاله ثقات، وحماد الثاني هو ابن أبي سليمان، ولكنه منقطع لأن العجلي قال: إبراهيم النخعي لم يحدث عن أحد من أصحاب النبي - عليه السلام - وقد أدرك منهم جماعةً. قلت: إبراهيم ثقة ثبت لو لم يثبت عنده أن ثوبان كان يثني الإقامة لما أخبر به عنه. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن سنان، قال: ثنا شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: "سمعت أبا محذورة يؤذن مثنى، ويقيم مثنى". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات، أما ابن خزيمة فإن ابن يونس وغيره وثقوه. ومحمد بن سنان العوقي روى عنه البخاري، وقال ابن معين: ثقة مأمون. وشريك النخعي وثقه ابن معين فقال: صدوق ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان حسن الحديث. وعبد العزيز بن رفيع روى له الجماعة، وهو أحد مشايخ أبي حنيفة - رضي الله عنه -. وهذا دليل قاطع على أنه ثبت عند أبي محذورة انتساخ حكم إفراد الإقامة، إذ لو كان ثابتا لما كان وسعه أن يأتي إلا بالإفراد، فلما أتى بها مثنى دلّ على أن التثنية هي الأصل فيها، كما كان في أذان عبد الله بن زيد وإقامته. فهذا كما رأيت قد أُخْرج عن ثلاثة من الصحابة أنهم كانوا يثنون الإقامة، وهم: سلمة بن الأكوع، وثوبان، وأبو محذورة. وفي الباب عن عبد الله بن زيد الأنصاري، وعلي بن أبي طالب.

أخرج خبرهما ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كان عبد الله بن زيد الأنصاري مؤذن النبي - عليه السلام - يشفع الأذان والإقامة". نا هشيم (¬2)، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن الهجيع بن قيس: أن عليًّا - رضي الله عنه - كان يقول: [الأذان مثنى والإقامة] (¬3)، وأتى على مؤذن يقيم مرة مرة فقال: ألا جعلتها مثنى، لا أم لك". وأخرج الطبراني في "الكبير" (¬4) وقال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا زكريا ابن يحيى، ثنا زياد بن عبد الله، عن إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: "أذن بلال لرسول الله - عليه السلام - بمنى مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى". وأخرجه الدارقطني (¬5): ثنا محمَّد بن مخلد، ثنا أبو عون محمَّد بن عمرو بن عون ومحمد بن عيسى الواسطيان، قالا: ثنا يحيى بن زكرياء، ثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل، عن إدريس الأودي، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه: "أن بلالًا كان يؤذن للنبي مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى، وقال ابن عون: بصوتين صوتين، وأقام مثل ذلك". فهذا دليل صريح على أن أذان النبي - عليه السلام - وإقامته: مثنى مثنى على الدوام؛ لأن قوله: "كان يؤذن" يدل على ذلك لأن "كان" للاستمرار والدوام، فافهم. ص: وقد روي عن مجاهد في ذلك ما قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا فطر بن خليفة، عن مجاهد: "في الإقامة مرة مرة: إنما هو شيء استخفه الأمراء" فأخبر مجاهد أن ذلك محدث وأن الأصل هو التثنية. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 187 رقم 2139). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 187 رقم 2137). (¬3) كذا في "الأصل، ك"، وفي "المصنف": الأذان والإقامة مثنى. (¬4) "المعجم الكبير" (22/ 101 رقم 246). (¬5) "سنن الدارقطني" (1/ 242 رقم 33).

ش: أي قد روي عن مجاهد بن جبر المكي في إفراد الإقامة أنه ليس له أصل، وأنه مُحْدَث أحدثه الأمراء لأجل الاستخفاف، فهذا مجاهد ينادي بأعلى صوته أن أصل الإقامة التثنية، وأن إفرادها مُحْدَث. ورجال هذا ثقات. وفِطر بكسر الفاء.

ص: باب: قول المؤذن في أذان الصبح الصلاة خير من النوم

ص: باب: قول المؤذن في أذان الصبح الصلاة خير من النوم ش: أي هذا باب في بيان قول المؤذن في أذان الصبح: "الصلاة خير من النوم " بعد "الفلاح" وفي بيان أصله ومشروعيته وحكمه. ص: قال أبو جعفر: كره قوم أن يقال في أذان الصبح: "الصلاةَ خير من النوم" واحتجوا في ذلك بحديث عبد الله بن زيد في الأذان الذي أمره النبي - عليه السلام - بتعليمه إياه بلالًا فأمر بلالًا بالتأذين به. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح، وطاوسًا، والأسود بن يزيد؛ فإنهم كرهوا أن يقال في أذان الصبح: "الصلاة خير من النوم" وهو قول عن الشافعي وإسحاق وقالوا: لم يكن هذا في الأذان الذي أمر به النبي - عليه السلام - لعبد الله بن زيد أن يعلم بلالًا. وقال عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن ابن جريج، قال: أخبرني حسن بن مسلم: "أن رجلًا [سأل] (¬2) طاوسًا وحسن جالس مع القوم، فقال: يا أبا عبد الرحمن، متى قيل: "الصلاة خير من النوم"؟ فقال طاوس: أما إنها لم تُقَلْ على عهد رسُول الله - عليه السلام - ولكن بلالًا سمعها في زمان أبي بكر - رضي الله عنه - بعد وفاة النبي - عليه السلام - يقولها رجل غير مؤذن، فأخذها منه فأذن بها، فلم يمكث أبو بكر إلا قليلًا، حتى إذا كان عمر - رضي الله عنه - قال: لو نهينا بلالًا عن هذا (الذي) (¬3) أحدث وكأنه نسيه، فأذن به الناس حتى اليوم". عبد الرزاق (¬4): عن ابن جريج، قال: "سألت عطاءً: متى قيل: الصلاة خير من النوم؟ قال: لا أدري". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 474 رقم 1827). (¬2) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من مصنف عبد الرزاق. (¬3) في "الأصل، ك": الحديث، وهو تحريف، والمثبت من المصنف. (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 474 رقم 1828).

عبد الرزاق (¬1): عن ابن جريج قال: أخبرني عمر بن حفص: "أن سعدًا أول من قال: الصلاةُ خير من النوم. في خلافة عمر - رضي الله عنه - , فقال عمر: بدعة. ثم تركه، وإن بلالًا لم يؤذن لعمر - رضي الله عنه -". وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن عمران بن أبي الجعد، عن الأسود بن يزيدٌ أنه سمع مؤذنًا يقول في الفجر: الصلاة خير من النوم فقال: لا تَزِيدَنَّ في الأذان ما ليس منه". ص: وخالفهم في ذلك آخرون فاستحبوا أن يقال ذلك في التأذين للصبح بعد "الفلاح"، وكان من الحجة لهم في ذلك: أنه وإن لم يكن ذلك في تأذين عبد الله بن زيد فقد علمه النبي - عليه السلام - أبا محذورة بعد ذلك، وأمره أن يجعله في الأذان للصبح. حدثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عثمان بن السائب، عن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة: "أن النبي - عليه السلام - علمه في الأذان الأول من الصبح: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم". ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، وأبا حنيفة، والشافعي، ومالكًا، وأحمد، وأصحابهم، وجماهير العلماء؛ فإنهم استحسنوا أن يقال ذلك أي قول المؤذن: "الصلاة خير من النوم" في أذان صلاة الصبح، وقالوا: إن لم يكن هذا القول في أذان عبد الله بن زيد فإن النبي - عليه السلام - عَلَّم أبا محذورة أن يقول ذلك في أذان الصبح، وأخرج ذلك عن علي بن معبد ... إلى آخره، وكلهم قد ذُكِرُوا في باب الأذان غير مرة. وأخرجه أبو داود (¬3): ثنا الحسن بن علي، نا أبو عاصم وعبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عثمان بن السائب، أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة نحوه، وفيه: "الصلاة خير من النوم" في الأول من الصبح مرتين. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 474 رقم 1829). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 189 رقم 2166). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 136 رقم 501).

وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (¬1)، وابن حزم (¬2) بإسناده إلى أبي محذورة قال: "كنت أؤذن لرسول الله - عليه السلام - في صلاة الفجر فأقول في الأذان الأول: حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم" وصححه. وأخرج الدارقطني (¬3): عن ابن جريج، عن عثمان بن السائب، عن أبيه وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة، قضية الأذان مطولة، وفيه: "فإذا أذَّنْت بالأولى من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم. مرتين". ص: حدثنا عليّ بن معبد، قال: ثنا الهيثم بن خالد بن يزيد، قال: ثنا أبو بكر ابن عياش، عن عبد العزيز رفيع، قال: سمعت أبا محذورة قال: "كنت غلامًا صيِّتًا، فقال لي رسُول الله - عليه السلام - ... ، قل: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم". فلما عَلَّم رسُول الله - عليه السلام - ذلك أبا محذورة كان ذلك زيادة على ما في حديث عبد الله بن زيد، ووجب استعمالها. ش: إسناده صحيح. وأخرجه الدارقطني (¬4): ثنا أحمد بن العباس البغوي، ثنا عباد بن الوليد أبو بدر، حدثني الحماني، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا عبد العزيز بن رفيع، قال: سمعت أبا محذورة يقول: "كنت غلامًا صيِّتًا، فأذنت بين يدي رسُول الله - عليه السلام - الفجر يوم حنين، فلما بلغت حي على الصلاة حي على الفلاح، قال رسُول الله - عليه السلام -: ألحق فيها: الصلاة خير من النوم". قوله: "صيِّتًا" على وزن ضيّق، صفة مشبهة؛ وأراد به شديد الصوت عالية، يقال: هو صيِّتٌ وصائت، مثل مَيِّت ومائت، وأصله صَيْوت؛ لأنه من الأجوف ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 422 رقم 1832). (¬2) "المحلى" (3/ 151). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 235 رقم 4). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 237 رقم 4).

الواوي، اجتمعت الواو والياء وسُبِقَت [إحداهما] (¬1) بالسكون، فأبدلت "الواو" "ياء" وأدغمت "الياء" في "الياء". وفي الباب عن بلال وأبي هريرة وعائشة - رضي الله عنهم -. أما حديث بلال فعند ابن ماجه (¬2): ثنا (عَمْرو) (¬3) بن رافع، نا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن بلال: "أنه أتى النبي - عليه السلام - يُؤْذنه بصلاة الفجر، فقيل: هو نائم. فقال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، فأُقِرَّت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك". وأخرجه الدارمي أيضًا في "سننه" (¬4). وأما حديث أبي هريرة فعند الطبراني في "الأوسط" (¬5) بإسناده عنه: "أن بلالًا أتى النبي - عليه السلام - عند الأذان في الصبح فوجده نائمًا فناداه: الصلاة خير من النوم. فلم ينكره رسُول الله - عليه السلام -، وأدخله في الأذان، فلا يؤذن لصلاة قبل وقتها غير صلاة الفجر". وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فعند الطبراني أيضًا في "الأوسط" (¬6) بإسناده عنها قالت: "جاء بلال إلى النبي - عليه السلام - يُؤذِنه بصلاة الصبح، فوجده نائمًا، فقال: الصلاة خير من النوم، فأقرت في أذان الصبح". ص: وقد استعمل ذلك أصحاب النبي - عليه السلام - مِنْ بعده. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن محمد بن العجلان، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "كان في الأذان الأول بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم". ¬

_ (¬1) في "الأصل": إحديهما، وهو خلاف الجادة. (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 237 رقم 716). (¬3) في "سنن ابن ماجه" عُمَر، هو تحريف. (¬4) "سنن الدارمي" (1/ 289 رقم 1192). (¬5) "المعجم الأوسط" (4/ 267 رقم 4158). (¬6) "المعجم الأوسط" (7/ 309 رقم 7583).

ش: إسناده صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دُكَيْن. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1) بإسناده إلى الثوري، عن ابن عجلان ... إلى آخره نحوه. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن الثوري، عن محمَّد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يقول في الفجر إذا قال حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم". ص: حدثنا علي بن شيبه، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هُشَيْم (ح). وثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عوْن، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، عن محمَّد بن سيرين، عن أنس قال: "ما كان التثويب إلا في صلاة الغداة، إذا قال المؤذن: حي على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم مرتين". قال أبو جعفر: فهذا ابن عمر وأنس - رضي الله عنهم -، يخبران أن ذلك مما كان المؤذن يؤذن به في أذان الصبح، فثبت بذلك ما ذكرناه، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن رحمهم الله. ش: هذان إسنادان: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن هُشْيم بن بَشير، عن عبد الله بن عون، عن محمَّد بن سيرين، عن أنس. وأخرجه الدارقطني (¬3): ثنا أحمد بن عبد الله الوكيل، ثنا الحسن بن عرفة، ثنا هشيم، عن ابن عون، عن ابن سيرين عن أنس قال: "كان التثويب في صلاة الغداة، إذا قال المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح؛ أن يقول: الصلاة خير من النوم". ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 423 رقم 1837). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 473 رقم 1822). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 243 رقم 39).

الثانى: عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُسي، عن عمرو بن عَوْن، عن هُشيم بن بشير، عن عبد الله بن عون، عن محمَّد بن سيرين، عن أنس نحوه. وأخرج البيهقي في "سننه" (¬1) بإسناده إلى أبي أسامة: ثنا ابن عون، عن محمَّد ابن سيرين، عن أنس قال: "من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". قال الذهبي في مختصر السنن: إسناده صحيح. قوله: "مكان التثويب" الأصل في التثويب أن يجيء الرجل مُسْتَصْرِخًا فَيُلوِّح بثوبه لِيُرى ويشتهر، فسمِّي الدعاء تثويبًا لذلك، وكل داع مُثوِّبٌ، وقيل: إنما سمّي تثويبًا من ثاب يثوب إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فإن المؤذن إذا قال حي على الصلاة فقد دعاهم إليها، فإذا قال بعد: الصلاة خير من النوم فقد رجع إلى كلامٍ معناه المبادرة إليها (¬2)، ومن ذلك تسمّى الثَّيِّب؛ مُصِيبَهَا عائد إليها. وهذا أنس - رضي الله عنه - قد فَسَّر التثويب بقوله: "الصلاة خير من النوم". وقال الترمذي: واختلف أهل العلم في تفسير التثويب فقال بعضهم: أن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم، وهو قول ابن المبارك وأحمد، وقال إسحاق في التثويب غير هذا، قال: التثويب شيء أحدثه الناس بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - , إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح. قال: وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي كرهه أهل العلم، والذي أحدثوه بعد النبي - عليه السلام -، والذي فسّر ابن المبارك وأحمد أن التثويب أن يقول المؤذن في أذان الفجر الصلاة خير من النوم هو قول صحيح، وهو الذي اختاره أهل العلم. ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 423 رقم 1835). (¬2) انظر "النهاية في غريب الحديث" (1/ 226).

وفي "البدائع" (¬1) ذكر محمَّد في كتاب الصلاة: قلت: أرأيت كيف التثويب في صلاة الفجر؟ قال: كان التثويب الأول بعد الأذان: الصلاة خير من النوم، فأحدث الناس هذا التثويب، وهو حسن فسّر التثويب وبيّن وقته، ولم يُبيّن التثويب المحدث ولم يبُين وقته، وفسر ذلك في "الجامع الصغير" وبيّن وقته، فقال: التثويب الذي يَصْنعه الناس بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين حسَنٌ، وإنما سماه مُحْدث؛ لأنه حدث في زمان التابعين، ووصفه بالحُسْن لأنهم استحسنوه. وأما محل التثويب: فمحل الأول: هو صلاة الفجر عند عامة العلماء، وقال الناس بالتثويب في صلاة العشاء أيضًا، وهو أحد قولي الشافعي في القديم، وأنكر التثويب في الحديث. وأما التثويب المحدث فمحله صلاة الفجر أيضًا ووقته بين الأذان والإقامة، وتفسيره أن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح غير أن مشايخنا قالوا: لا بأس بالتثويب المحدث في سائر الصلوات؛ لفرط غلبة الغفلة عَلى الناس في زماننا، وشدة ركونهم إلى الدنيا، وتهاونهم بأمور الدين، فصار سائر الصلوات في زماننا مثل الفجر في زمانهم، فكانت زيادة الإعلام من باب التعاون على البر فكان مستحسنًا, ولهذا قال أبو يوسف: لا أري بأسًا أن يقول المؤذن: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله لاختصاصهم بزيادة شغْل بسبب النظر في أمور الرعية فاحتاجوا إلى زيادة إعلام نظرًا لهم، ثم التثويب في كل بلدة على ما يتعارفونه إما بالتنحنح أو بقوله: الصلاة الصلاة، أو قامت قامت، ونحو ذلك. انتهى. وعند الشافعي ومالك وأحمد: لا تثويب في الفجر يعني التثويب المحدث كما في سائر الصلوات، وقد عرف هذا في الفروع. ¬

_ (¬1) "بدائع الصنائع" (1/ 148).

ص: باب: التأذين للفجر أي وقت هو بعد طلوع الفجر أو قبل ذلك

ص: باب: التأذين للفجر أي وقت هو بعد طلوع الفجر أو قبل ذلك ش: أي: هذا باب في بيان حكم التأذين للفجر هل يكون بعد طلوع الفجر أو قبله؟ ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن بلالًا يُنادِي بليل، فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أم مكتوم". قال ابن شهاب: وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحْتَ أصبحتَ. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن الزهري، عن سالم، عن النبي - عليه السلام - مثله. ولم يذكر ابن عمر - رضي الله عنهما -. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا يزيد قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الزهري فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، قال: قال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله يقول: إن النبي - عليه السلام - قال: "أن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أم مكتوم". حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالِسيُّ، قال: ثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابيه، عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا إبرهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن دينار ... فذكر بإسناده مثله.

حدثنا علي بن شَيْبة، قال: ثنا روح بن عُبادة، قال: ثنا مالكُ وشعبة، عن عبد الله بن دينار، فذكر بإسناد مثله، غير أنه قال: "حتي ينادي بلال أو ابنُ أم مكتوم" شك شعبة. ش: هذه تسع طرق صحاح مَرفوعة غير الطريق الثاني فإنه موقوفٌ على ما نذكره الآن. الأول: عن يزيد بن سنان القزاز البصري، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي -شيخ البخاري ومسلم وأبي داود- عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -، عن النبي - عليه السلام -. وهذا على شرط الشيخين. وأخرجه البخاري (¬1) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "إن بلالًا يؤذن بليل". قوله: "ينادي" أي يؤذن، و"الباء" في "بليل" للظرف، واسم ابن أم مكتوم: عبد الله ويقال: عَمرو -وهو الأكثر- ابن قيس بن زائدة القرشي العامريّ، واسم أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم، وهو ابن خال خديجة بنت خويل - رضي الله عنها -، وابن أم مكتوم هاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي - عليه السلام -، واستخلفه النبي - عليه السلام - على المدينة ثلاث عشرة مرة، وشهد فتح القادسية وقتل شهيدًا بها وكان معه اللواء يومئذٍ. وفي صحيح مسلم (¬2): "وكان لرسول الله - عليه السلام - مؤذنان بلال وابن أم مكتوم" يعني في وقت واحد وإلا فقد كان له - عليه السلام - غيرهما، أذن له أبو محذورة بمكة ورتّبه لأذانها وسعد القرظ أذّن للنبي - عليه السلام - بقباء ثلاث مرات. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 223 رقم 592). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 287 رقم 380).

قوله: "أَصبَحْتَ" أي قاربت الصباح؛ لأن قرب الشيء قد يُعبَّر به عنه. ويستفاد منه أحكام: الأول: استدل به قوم على جواز الأذان في الفجر قبل طلوعه على ما يجيء. الثاني: فيه جواز أذان الأعمى بلا كراهة، وقالت الشافعية: يكره أن يكون الأعمى مؤذنًا وحده، وعند مالك لا يكره، وقال أبو عمر: وفيه جواز أذان الأعمى وذلك عند أهل العلم إذا كان معه مؤذن آخر يهديه إلى الأوقات. وفي "البدائع": البصير أولى من الضرير لأنه لا علم له بدخول الوقت، ومع هذا لو أذّن يجوز؛ لحصول الإعلام بصوته، وإمكان الوقوف على المواقيت من غيره في الجملة. الثالث: فيه جواز اتخاذ المُؤَذِّنَين وإذا جاز اتخاذ اثنين منهم جاز أكثر من ذلك. وقال عياض: يؤذنان مجتمعين أو مفترقين إلا في ضيق الوقت فلا بأس بأذانهم مجتمعين. الرابع: فيه دليل على أن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، لقوله - عليه السلام -: "إن بلالًا ينادي بليل فكلوا" ثم منعهم ذلك عند أذان ابن أم مكتوم، وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده فشذَّ ولم يُعَّرج على قوله، والنهار الذي يجب صيامه: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لا خلاف في ذلك، وعليه إجماع علماء المسلمين. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه مالك في "موطإه" (¬1) عن ابن شهاب، عن سالم، أن رسُول الله - عليه السلام - قال: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ. قال أبو عمر (¬2) هكذا رواه ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 74 رقم 162). (¬2) "التمهيد" لابن عبد البر (10/ 55) مع تقديم وتأخير.

يحيى مرسلًا عن سالم لم يقل فيه: عن أبيه، وتابعه على ذلك أكثر رواة الموطأ، وممن تابعه على ذلك ابن القاسم والشافعي وابن بكير وأبو المصعب وعبد الله بن يوسف التِنِّيْسي ومُصعب الزُبَيْري ومحمد بن الحسن ومحمد بن المبارك الصوري وسَعيد بن عُفير ومَعْن بن عيسى، ووصله جماعة عن مالك فقالوا فيه: عن سالم، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -. وممن رواه هكذا مسندًا: القعنبي وعبد الرزاق وأبو قرة موسى بن طارق ورَوح بن عبادة وعبد الله بن نافع ومطرف وابن أبي أُويس وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن إبراهيم الحُنَيْني ومحمد بن عمر الواقدي وأبو قتادة الحرّاني ومحمد بن حَرْب الأبرش وزهير بن عبَّاد وكامل بن طلحة وابنُ وهب في رواية أحمد بن صالح عنه. وأما أصحاب ابن شهاب فرووه متصلًا مسندًا عن ابن شهاب. الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن عبد الله بن صالح -كاتب الليث- عن الليث بن سعد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله ابن عمر، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه النسائي (¬1): ثنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن النبي - عليه السلام - قال: "إن بلالًا يُؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم". الرابع: عن يزيد بن سنان أيضًا عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (¬2): ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن النبي - عليه السلام - قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم قال: وكان ضريرًا فكان يقال له: أذّنْ فقد أَصْبَحْت". ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 10 رقم 638). (¬2) "مسند الطيالسي" (1/ 250 رقم 1819).

الخامس: عن إبراهيم ابن أبي داود البرُلُّسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار الحمصي، عن محمَّد ابن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه العدني في "مسنده" عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم". السادس: عن الحسن بن عبد الله بن منصور بن حبيب بن إبراهيم الأنطاكي المعروف بالبالِسي، عن محمَّد بن كثير الثقفي الصنعاني، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه عن النبي - عليه السلام -. السابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا عفان، نا شعبة، قال: عبد الله بن دينار أخبرني، قال: سمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم". الثامن: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن عبد الله بن دينار ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (¬2) وقال: أنا قتيبةُ، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم". التاسع: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن رَوْح بن عُبادة القَيْسي، عن مالك ابن أنس وشعبة بن الحجاج إلى آخره. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 73 رقم 5424). (¬2) "المجتبى" (2/ 10 رقم 637).

وأخرج أحمد في "مسنده" (¬1): عن عفان، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن بلال ينادي بليل -أو ابن أم مكتوم ينادي بليل- فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدّد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة - رضي الله عنها -، عن النبي - عليه السلام - مثله، ولم يشك قالت: "ولم يكن بينهما إلا مقدار ما ينزلُ هذا ويَصْعد هذا". ش: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مُسَدّد -شيخ البخاري- عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب، عن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، عن عائشة الصديقة - رضي الله عنها -، عن النبي - عليه السلام - مثله. وأخرجه النسائي (¬2): أنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا حفصٌ، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال. قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويَصْعد هذا". وقد وقع في بعض نسخ النسائي (¬3) "إذا أذن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". وكذا وقع في مسند "الدارمي" (¬4) وقال: أنا إسحاق، أنا عبدة، أنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وعن القاسم، عن عائشة قالت: "كان للنبي - عليه السلام - مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم، فقال رسول الله - عليه السلام -: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 73 رقم 5424) وقد تقدم. (¬2) "المجتبى" (2/ 10 رقم 639). (¬3) كذا هو في نسختي كما في العزو السابق، وكذا هو في "السنن الكبرى" للنسائي (1/ 501 رقم 1603). (¬4) "سنن الدارمي" (1/ 288 رقم 1191).

حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، قال القاسم: وما كان بينهما إلا أن ينزل هذا ويَرْقى هذا". وكذا في "الصحيحين" (¬1) من حديث عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة. وعن نافع، عن ابن عمر قالا: "كان للنبي - عليه السلام - مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم فقال رسُول الله - عليه السلام -: إن بلالًا يَؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. قال القاسم: لم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويَرْقي هذا" وقد وفق بعض المحدثين بين الروايتين فقال: لعلَّ بين بلال وبين ابن أم مكتوم مناوبة بالتقديم والتأخير، يعني بأن يتقدم ابن أم مكتوم على بلال وتارة يتقدم بلال على ابن أم مكتوم وما ذكر في الصحيحين هو الأصح. وقال الذهبي في مختصر سنن البيهقي: مجموع ما ورد في تقديم الأذان قبل الفجر إنما ذلك بزمن يسير لعله لا يبلغ مقدار قراءة الواقعة بل أقل، فبهذا المقدار تحصل فضيلة التقديم لا بأكثر، أما ما يُفْعل في زماننا من أنه يؤذن للفجر أولًا من الثلث الأخير؛ فخلاف السنة لو سُلِّم جوازه. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شعبة, قال: سمعت خُبَيْب بن عبد الرحمن، يحدث عن عمته أَنَيْسة، أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن بلالًا -أو ابن أم مكتوم- ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال -أو ابن أم مكتوم- وكان إذا نزل هذا وأراد هذا أن يصعد تعلقوا به وقالوا: كما أنت حتى نتسحَّر". ش: إسناده صحيح وخُبَيْب -بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة- ابن عبد الرحمن بن خُبَيْب ابن يَسَاف -بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة- الأنصاري الخزرجي، أبو الحارث المدني روى له الجماعة. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 224 رقم 597)، و "صحيح مسلم" (2/ 768 رقم 1092).

وأَنيْسة -بضم الهمزة وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف- بنت خُبَيْب بن يَسَاف الأنصارية الصحابية. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أُنيْسَةَ -وكانت مُصَلِّيةً- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن ابن أم مكتوم -أو بلالًا- يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال -أو ابن أم مكتوم- وما كان إلا أن يؤذن أحدهما حتى يَصْعد الآخر [فنأخذ] (¬2) بيديه فنقول: كما أنت حتى نتسحر". وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬3) من حديث الطيالسي وجماعة، عن شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، حدثتني عمتي أُنَيْسة قالت: كان بلال وابن أم مكتوم يؤذنان للنبي - عليه السلام -، فقال: إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. فكنا نحتبس ابن أم مكتوم عن الأذان فنقول: كما أنت حتى نتسحر، ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا". وأخرجه (¬4) عن أبي الوليد والحوضيّ أيضًا: قالا: ثنا شعبة، عن خُبَيْب، سمعت عمتي أُنَيْسة، أن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن ابن أم مكتوم ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال". ثم قال البيهقي: كذا رواه محمَّد بن أيوب، وقد رواه الكديمي، عن أبي الوليد كالأول. ورواه سليمان بن حرب وجماعة عن شعبة بالشك، فقال سليمان: نا شعبة، حدثني خُبَيْب، سمعت عمتي -وكانت قد حجَّت مع رسُول الله - عليه السلام -- قالت: قال رسُول الله - عليه السلام -: "إن بلالًا يؤذن بليل -أو قال: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل- ... " الحديث، وفيه: "فكنا نتعلق به، نقول: كما أنت حتى نتسحر". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (24/ 191 رقم 481). (¬2) في "الأصل": "فيأخذ"، والمثبت من "المعجم الكبير". (¬3) "السنن الكبرى" (1/ 382 رقم 1666). (¬4) "السنن الكبرى" (1/ 382 رقم 1667).

قال أبو بكر الضُبَعي: فإن صح رواية أبي عمر الحوضيّ وغيره فيجوز أن يكون بين ابن أم مكتوم وبين بلال نُوَبٌ، وإن لم يصح فقد صح من وجوه أن الذي كان يؤذن أولًا بلال - رضي الله عنه -. قوله: "ينادي" أي يؤذن؛ لأن النداء بالصلاة هو الأذان. قوله: "تعلقوا به" أي تعلقت الناسُ به. قوله: "كما أنت" "الكاف" فيه يجوز أن تكون للتعليل ويكون خبر "أنت" محذوفًا والتقدير: تعلقنا بك لأنك لا تصبر حتى نتسحر، كما في قوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} (¬1) أي: لهدايتكم. ويجوز أن تكون على حالها للتشبيه كما هو الأصل في معناها. والمعنى: اصبر لا تؤذن كحالك الآن حتى نتسحر. فإن قيل: كيف يجوز لهم التسحر بإمساك بلال أو ابن أم مكتوم عن الأذان إذا كان الفجر طالعًا؟! قلت: ما كان تعلقهم بأحدهما ليؤخر الأذان حتى يتسحروا وإن كان الفجر طالعًا، بل المراد أن لا يستعجل أحدهما في الصعود عقيب أذان الآخر لأن أحدهما كان يؤذن بليل والآخر يصعد، ولهذا قال في رواية الطحاوي: "كان إذا نزل هذا وأراد هذا أن يصعد تعلقوا به ... ". وفي رواية الطبراني: "وما كان إلى [أن] (¬2) إلى يؤذن أحدهما حتى يصعد الآخر". فحينئذ كان تعلقهم به؛ لأجل استعجاله في الصعود لا لأجل أن يؤخر الأذان عن وقته المستحق حتى يتسحروا. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [198]. (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المعجم الكبير"، وقد تقدم.

ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة ... فذكر مثله بإسناده، وزاد: "وكانت قد حَجَّتْ مع النبي - عليه السلام -"، "ولم يكن بينهما إلا مقدار ما يَصعْد هذا وينزل هذا". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون الواسطي، قال: ثنا هُشَيم، عن منصور بن زاذان، عن خُبَيْب بن عبد الرحمن، عن عمته أُنَيْسة قالت: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا نداء بلال". ش: هذان طريقان آخران صحيحان: أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حفص بن عمرو الحوضيّ (ح). وثنا أبو مسلم الكَشِّي، ثنا سليمان بن حرب، قالا: ثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، قال: سمعت عمتي -وكانت قد حجّت مع النبي - عليه السلام -- قالت: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. وكان يصعد هذا وينزل هذا، فكنا نتعلق به نقول: كما أنت حتى نتسحّر". والآخر: عن إبراهيم بن أبي داود البُرلُّسي، عن عمرو بن عون ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (¬2): أنا يعقوب بن إبراهيم، عن هُشَيم، قال: أبنا منصور، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة قالت: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أذان ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذَّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا" وفي بعض النسخ له: "إذا أذن بلال ... إلى آخره". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (24/ 191 رقم 480). (¬2) "المجتبى" (2/ 10 رقم 639).

ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا روح بن عُبَادة، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت سوادة القشَيْري -وكان إمامهم- قال: سمعت سمرة بن جُنْدب أن رسُول الله - عليه السلام - قال: "لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا اليياض حتى يَبدوُا الفجر أو ينفجر الفجر". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: نا شعبة، عن سوادة القشيري، عن سمرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: [هذان] (¬1) إسنادان صحيحان حَسَنَان ورجالهما ثقات، وسوادة هو ابن حنظلة القُشَيْري البصري إمامُ مسجد بني قشُيْر، والد عبد الله بن سوادة قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات، وروى له مسلم. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2) ثنا محمَّد بن جعفر ورَوْح، قالا: ثنا شعبة، عن شيخ من بني قشير- قال روح: سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله - عليه السلام -: "لا يغرنكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر [الفجر] (¬3) أو يطلع الفجر". وأخرجه مسلم (¬4): من حديث حماد بن زيد، ثنا عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل حتى يستطير هكذا- وحكاه حماد بيده يعني معترضًا". وأخرجه الطبراني (¬5): ثنا يوسف القاضي، نا عمرو بن مرزوق، نا شعبة، عن سوادة بن حنظلة القشيري، قال سمعت سمرة بن جندب أن رسُول الله - عليه السلام - قال: "لا يغرنكم نداء بلال؛ فإن في بصره سوءًا , ولا بياض يُرى بأعلى الشجر" وفي ¬

_ (¬1) في "الأصل": "هذا". (¬2) "مسند أحمد" (5/ 7 رقم 20091). (¬3) ليست في "الأصل"، والمثبت من "مسند أحمد". (¬4) "صحيح مسلم" (2/ 770 رقم 1094). (¬5) "المعجم الكبير" (7/ 236 رقم 6981).

رواية أخرى له (¬1): ثنا يزيد بن هارون، أنا شعبة، سمعت سوادة القشيري، يحدث عن سمرة بن جندب، عن النبي - عليه السلام - قال: "لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير وأومأ بيده (هكذا) (¬2) وأشار يزيد بيده اليمنى". قوله: "ولا يغرنكم نداء بلال" أي أذانه. قوله: "ولا هذا البياض" أي ولا يغرنكم أيضًا هذا البياض، وأراد به: الفجر الكاذب؛ لأنه يبدوا أولًا كذنب السرحان ثم تعقبه الظلمة وهذا لا يخرج به الليل، ولا تحل به الصلاة، فيجوز للصائم حينئذ الأكل والشرب والجماع، وإذا صلى العشاء تكون أداءً. قوله: "حتى يبدوا الفجر" أي: يظهر الفجر وأراد به الفجر الصادق وهو الذي يَبدوا في الأفق وينتشر ضياؤه في العالم، فهذا يدخل به وقت الصبح، ويخرج به حكم الليل. قوله: "أو ينفجر" شكٌ من الراوي أي أو ينشق. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى أن الفجر يؤذن لها قبل دخول وقتها، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار وممن ذهب إلى ذلك أبو يوسف: ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق وداود وابن جرير الطبريَّ وعبد الله بن المبارك؛ فإنهم قالوا: يجوز أن يُؤَذن للفجر قبل دخول وقتها، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار المذكورة، وممن ذهب إلى قولهم هذا: أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنه -. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا ينبغي أن يُؤذن للفجر أيضًا إلا بعد دخول وقتها كما لا يُؤَذنُ لسائر الصلوات إلا بعد دخول وقتها. ¬

_ (¬1) لم أجده في كتب الطبراني، ولكنها بالإسناد عند أحمد في "مسنده" (5/ 18 رقم 20216). (¬2) تكررت في "الأصل".

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وأبا حنيفة ومحمدًا وزفر بن الهزيل؛ فإنهم قالوا: لا يجوز أن يؤذن للفجر أيضًا إلا بعد دخول وقتها كما لا يجوز ذلك في غيرها من الصلوات إلا بعد دخول وقتها، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن ذلك جائزًا إذا كان للمسجد مؤذنان كما كان لرسول الله - عليه السلام -، فأما إذا لم يكن فيه إلا واحد فإنه لا يجوز أن يفعله إلا بعد دخول الوقت، فيحتمل على هذا أنه لم يكن لمسجد رسُول الله - عليه السلام - في الوقت الذي نهى بلالًا حين أذن قبل طلوع الفجر، وأمره أن يعود فينادي: "أَلَا إِن العبد نام"؛ إلا مؤذن واحد وهو بلال، ثم أجازه حين أقام ابن أم مكتوم مؤذنا؛ لأن الحديث في تأذين بلال قبل طلوع الفجر ثابت كما ذكرناه. ص: واحتجوا في ذلك فقالوا: إنما كان أذان بلال الذي كان يؤذن بليل لغير الصلاة، وذكروا ما. حدثنا علي بن معبد وأبو بشر الرَّقيَّ، جميعًا قالا: ثنا شجاع بن الوليد -واللفظ لابن مَعْبدَ- (ح). حدثنا محمَّد بن عمرو بن موسى، قال: حدثني أسباط بن محمَّد (ح). وبما حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا ابن المبارك (ح). وبما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، ثم اجتمعوا جميعًا فقالوا: عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النَهْدي، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَمنعنَّ أَحدَكم أذان بلال من سَحوُره؛ فإنه ينادي -أو يؤذن- ليرجع غائبكم، ولينبه نائمكم، وقال: ليس الفجر -أو الصبح- هكذا وهكذا وجمع إصبعيه وفرقهما" وفي حديث زهير خاصةً: "ورفع زهير يده وخفضها حتى يقول هكذا ومدَّ زهيرٌ يدَيْه عرضًا". فقد أخبر النبي - عليه السلام - أن ذلك النداء كان من بلال لينتبه النائم وليرجع الغائب لا للصلاة.

ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه، وقالوا: الأصل في الأذان أن يكون بعد دخول الوقت لأنه للإعلام به، وقبل دخوله تجهيل وليس بإعلام، فلا يجوز كما في غير الفجر من الصلوات، وأما أذان بلال الذي كان يؤذن بالليل قبل دخول الوقت فلم يكن ذلك لأجل الصلاة، بل إنما كان ذلك لينتبه النائم وليتسحر الصائم وليرجع الغائب، والدليل حديث ابن مسعود، فلم يصح استدلالًا لهم به. وأخرجه عن أربع طرق صحاح: الأول: عن علي بن معبد بن نوح وأبي بشر عبد الملك بن مروان الرَّقي، كلاهما عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، عن سليمان بن بلال القرشي التَيمي، عن أبي عثمان النَهْدي واسمه عبد الرحمن بن ملّ -بفتح الميم وكسرها- الكوفي، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا إسماعيل، عن سليمان، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود قال: قال رسُول الله: "لا يمنعن أحدَكم أذانُ بلال -أو قال: نداء بلال- من سحوره فإنه يؤذن -أو قال: ينادي- ليرجع غائبكم ولينتبه نائمكم ثم ليس أن يقول هكذا أو قال هكذا حتى يقول هكذا". الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس بن عمران المعروف بالسوسيّ، عن أسباط بن محمَّد بن عبد الرحمن الكوفي، عن سليمان التَيْمي، عن أبي عثمان، عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه النسائي (¬2): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، عن النبي - عليه السلام - قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، ليوقظ نائمكم وليرجع قائمكم، وليس أن يقول هكذا -يعني في الصبح". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 435 رقم 4147). (¬2) "المجتبى" (2/ 11 رقم 641).

الثالث: عن نصر بن مرزوق العُتَيقي، عن نُعَيْم بن حماد المروزي، عن عبد الله ابن المبارك، عن سليمان التَيْمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود. وأخرجه الطبراني (¬1): ثنا سليمان بن المعافى بن سليمان، ثنا أبي، ثنا القاسم بن مَعْن، عن سليمان التَيْمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَمْنعنّ أحدَكم من السَحُور أذان بلال فإنه إنما يؤذن لينتبه نائمكم، ويرجع قائمكم، ويَقوُل الفجر هكذا". الرابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النَهْدي، عن زهير بن معاوية، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه البخاري (¬2): ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهيرٌ، قال: ثنا سُليمان التَيْمي، عن أبي عثمان النَهْدي، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - عليه السلام - قال: "لا يمنعن أحدَكم -أو أحدًا منكم- أذانُ بلال من سَحُورِه؛ فإنه يؤذن -أو ينادي- بليل؛ ليرجع قائَمكم، ولينبّه نائمكم، وليس أن يقول: الفجر -أو الصبح- وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا". وقال زهير "بِسَبَّابَتَيْه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله". وأخرجه البخاري (2) في كتاب الصلاة في باب الأذان. وأخرجه مسلم (¬3) في كتاب الصيام في باب صفة الفجر الذي يُحرِّم الأكل على الصائم، وقال: ثنا زهير بن حرب، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يمنعن أحدًا منكم أذان بلال -أو قال: نداء بلال- من سَحُوره؛ فإنه يؤذن -أو قال: يُنادي- ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (10/ 230 رقم 10558). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 24 رقم 596). (¬3) "صحيح مسلم" (2/ 768 رقم 1093).

[بليل] (¬1)، ليرجعَ قائمكم، ويوقظ نائمكم، وقال: ليس بأن يقول هكذا وهكذا، و [ضرب] (¬2) يده ورفعها حتى يقول هكذا وفرج بين إصبَعَيْه". قوله: "أذان بلال" برفع أذانُ لأنه فاعل "لا يمنعن" و"أحَدَكم" منصوب لأنه مفعول. قوله: "من سَحُوره" بفتح السين: اسم ما يُتَسَحّر به من الطعام والشراب، وبالضم المصدر، والفعل نفسه، وأكثر ما يروي بالفتح وقيل: إن الصواب بالضم لأنه بالفتح الطعام، وعدم منع أذان بلال عن الفعل لا عن الطعام، وكذلك الكلام في قوله: "تسحروا فإن في السحور بركة" (¬3) والبركة والأجر والثواب في الفعل لا في الطعام. قوله: "ليرجع غائبكم" كذا في رواية الطحاوي، وهو من الغَيْبة وفي رواية غيره وهي المشهورة: "ليرجع قائمَكم" بنصب الميم من قائمَكم لأنه مفعول "يرجع"، لأن رجع الذي هو ثلاثي متعدي بنفسه ولا يتعدّى، يقال: رجع بنفسه رجوعًا ورجعه غيره، وهذَيل تقول: أرجعه غيرُه، ومعناه: يرده إلى راحته وجمام نفسِه بإعلامه بأذانه السَّحر وقرب الصَباح، وينام غفوة السحر، ونَوْمهْ الفجر المستلذّة المستعان بها على النشاط، وذهاب كسل السهر، وتغيّر اللون، كما كان يفعل النبي - عليه السلام - من نومه بعد صلاته من الليل إذا أذن المؤذن، وقد يكون معنى ذلك ليُكمل ويَسْتعجلَ بقيّة ورْدِه، ويأتي بوتره قبل الفجر. قوله: "ولينتبه نائمكم" أي النائم آخر الليل أو لصلاة الوتر لمن غلبه النوم على ذلك أو معقد الصوم للسحور. قوله: "وجمع إصبعَيْه" يرجع إلى قوله: "هكذا" الأول. ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح مسلم". (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "صحيح مسلم": "صوب". (¬3) متفق عليه من حديث أنس، البخاري (2/ 678 رقم 1823)، ومسلم (2/ 770 رقم 1095).

وقوله: "وفرقهما"إلى هكذا الثاني. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن فيه أن أذان بلال بالليل إنما كان لتنبيه النائم وإرجاع القائم، لا لأجل الصلاة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر هكذا وعَلله بقوله: "فإنه ينادي". وقال القاضي عياض في شرح مسلم: وقد تعلْق أصحاب أبي حنيفة بقوله: "ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم" وقالوا: إنما كان يؤذن للسحور لا للصلاة. وهذا بعيد؛ إذْ لم يختص هذا بشهر رمضان، وإنما أخبر عن عادته في أذانه ولأنه العمل المنقول في سائر الحول بالمدينة، وإليه رجع أبو يوسف حين تحققه، ولأنه لو كان للسَحُور لم يختص بصورة أذان الصلاة. انتهى. قلت: الذي قاله القاضي بعيد؛ لأنهم لم يقولوا بأنه يختص بشهر رمضان، والصوم غير مخصوص برمضان، وكما أن الصائم في رمضان يحتاج إلى الإيقاظ لأجل السحور، فكذلك الصائم في غير رمضان، بل هذا أشد؛ لأن من يُحيي ليالي رمضان أكثر ممن يُحيي ليالي غيره، فعل ما قال إذا كان أذان بلال للصلاة ينبغي أن يجوز أداء صلاة الفجر بذلك الأذان، بل الخصم أيضًا يقول بعدم جوازه، فَعُلِم أن أذان بلال إنما كان لأجل إيقاظ النائم ولإرجاع القائم، فلا يجوز الأذان للصلاة قبل دخول وقتها سواء كان في الفجر أو غيره، فافهم. الثانى: أن فيه حجةً على الاقتداء بثقات المؤذنين وتقليدهم في الوقت والعمل بخبر الواحد في العبادات. الثالث: أن في قوله: "فإن بلالًا يُنادي" وفي رواية غيره "ينادي بليل" دليل على أن ما بعد الفجر ليس من الليل. قال القاضي: وقد يتعلّق بهذه الألفاظ مَن يَرى رأي بعض متقدمي الصحابة في أن تَبَيّين الخيط بعد الفجر ويحتج به مَنْ يَرى إباحة الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر،

وإن كان شاكًّا في طلوعه، وهو قول الكوفيين والأوزاعي وابن حنبل وأبي ثور والشافعي. وقال مالك: لا يأكل، وإن أكل فعليه القضاء. وجملة أصحابنا على الاستحباب، واختلفوا في ذلك إلى طلوع الشمس، وإن كان أجمع أئمة الفتوى بعدهم على أنه لا يجوز الأكل بعد طلوع الفجر، واختلفوا بعد ذلك فيمن طلع عليه الفجر وهو على يقين أنه من الليل وهو يأكل أو يَطأْ فكفّ عنها، هل يُجزئه؟ فقال ابن القاسم: يجزئه في الأكل والجماع. وقال عبد الملك: يجزئه في الأكل ولا يجزئه في الجماع ويقضي فيه، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. الرابع: أن بعضهم استدل بقوله: "ولينبّه نائمكم" على منع الوتر بعد الفجر ولا حجة له فيه، قاله عياض. ص: وقد روي عن عبد الله بن عمر في ذلك أيضًا ما قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا موسى بن إسماعيل المِنْقَري قال: ثنا حماد بن سلمة (ح). وما قد حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذّن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي - عليه السلام - أن يَرْجعَ فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام". فهذا ابن عمر - رضي الله عنهما - يروي عن النبي - عليه السلام - ما ذكرناه وهو قد روى عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم". فثبت بذلك أن ما كان من ندائه قبيل طلوع الفجر -مما كان له مباحًا- هو لغير الصلاة، وأن ما أنكره عليه إذْ فعله قبل الفجر للصلاة. ش: أي قد روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كما ذكرنا: أن أذان بلال لم يكن لأجل الصلاة.

وأراد الطحاوي بهذا تأييد ما ذكره من ذلك؛ لأن أمره - عليه السلام - لبلال بالرجوع والمناداة: "ألا إن العبد نامَ"، أراد به أنه غفل عن الوقت، دليل على [أن] (¬1) أذانه لم يكن واقعًا في محله؛ لكونه قد قصد [به] (¬2) الأذان للصلاة، وأما فيما مضى فلم يكن أذانه للصلاة، وإنما كان لإيقاظ النائم، وإرجاع القائم، فلهذا لم يأمره بالعَوْد والمناداة: "ألا إن العبدَ نام". قوله: "وهو قد روى" أي: والحال أن ابن عمر - رضي الله عنهما - قد روى عن النبي ... إلى آخره. قوله: "فثبت بذلك" أي: بما ذكرنا. قوله: "أن ما كان من ندائه" أي من نداء بلال -أي أذانه- قبل طلوع الفجر. قوله: "مما كان أَبيح له" أي يؤذن؛ إنما كان لغير الصلاة، وأن الذي أنكره النبي - عليه السلام - عليه" أي: على بلال "إذْ فعله" أيْ: حين فعله "قبل طلوع الفجر إنما كان لأجل الصلاة"؛ لأن الأذان للصلاة قبل دخول الوقت لا يجوز. ثم رجال حديث ابن عمر ثقات. وأخرجه أبو داود (¬3): ثنا موسى بن إسماعيل، وداود بن سبيب -المعني- قالا: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي - عليه السلام - أن يَرجع فيُنادي: أَلَا إنَّ العبد نام -زادَ موسى- فرجع فنادىَ: أَلَا إنَّ العبدَ نام". قال أبو داود: هذا الحديث لم يَرْوه عن أيّوب، عن نافع إلا حماد بن سلمة. وقال الترمذي (¬4): وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل"، والسياق يقتضيها. (¬2) تكررت في "الأصل". (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 146 رقم 532). (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 394).

"أن بلالًا أذن بليل فأمره النبي - عليه السلام - أن يُناديَ: ألا إن العبدَ نام". هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى عبيد الله بن عُمر وغيره، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - عليه السلام - قال: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابنُ أم مكتوم"، وروى عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن نافع "أن مؤذنًا لعمر - رضي الله عنه - أذّن بليل، فأمر عمر أن يُعيد الأذان" وهذا لا يصح أيضًا؛ لأنه عن نافع عن عمر منقطع، ولعل حمادَ بن سلمة أراد هذا الحديث، والصحيح روايةُ عبيد الله بن عمر وغير واحدٍ، عن نافع، عن ابن عمر، والزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، أن النبي - عليه السلام - قال: "إن بلالًا يؤذن بليل" قال أبو عيسى: ولو كان حديث حمّاد صحيحًا لم يكن لهذا الحديث معنًى، إذْ قال رسُول الله - عليه السلام -: "إن بلالًا يؤذن بليل" فإنما أمرهم فيما يُستقبل فقال: "إن بلالًا يؤذن بليل" ولو أنه أمره بإعادة الأذان حين أذن قبل طلوع الفجر لم يَقُل: "إن بلالًا يؤذن بليل". قال علي بن المدينيّ: حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - هو خَبرٌ محفوظ وأخطأ فيه حماد بن سلمة. انتهى. وقال البيهقي: وقد تابعه سَعيدُ بن زَرْبي، عن أيوب، ثم أخرجه كذلك، ثم قال: وسعيد بن زَرْبي ضعيف. وقال ابن الجوزي في "التحقيق": وقد تابع حماد بن سلمة عليه سعيد بن زربي، عن أيوب -وكان ضعيفًا-، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال البخاري: عنده عجائب. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال الحاكم: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الثقة، سمعت أبا بكر المطرز يقول: سمعت محمَّد بن يحيى يقول: حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر" شاذٌ غير واقع على القلب وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر - رضي الله عنه -. قلت: العجب من الترمذي وغيره ممن تبعه في هذا الكلام كيف يقول: ولو كان حديث حماد صحيحًا لم يكن لهذا الحديث معنى؟ فهذا الكلام يشُعر

أن ضعف حديث حماد بن سلمة لمخالفة معنى حديث الزهري، عن سالم، عن ابن عمر لا لكون وجود ضعيف أو مُتّهم في رَواته، وهذا الذي ذكره ليس بقادح لصحة الحديث، ومثل هذا واقع جدًّا بين الأحاديث، فيؤدي هذا الكلام إلى تضعيف أكثر الأحاديث "الصحيحة" بل الصواب أن حديث حماد صحيح وليس هو بمخالف لحديث سالم؛ لأن حديث سالم قد قلنا: لأجل إيقاظ النائم، وإرجاع القائم، ولم يكن لأجل الصلاة، فلذلك لم يأمره - عليه السلام - بأن يرجع ويُنادي: "ألا إن العبدَ نام". وأما حديث نافع، عن ابن عمر الذي رواه حماد بن سلمة، عن أيوب، عنه، كان لأجل الصلاة، ولم يقع محله، فلذلك أمره بأن يَعوُد ويُنادي: "ألا إن العبد نام". ومما يُقوي صحة حديث حماد بن سلمة: ما رواه سعيد بن أبي عَرَوبة، عن قتادة، عن أنس - رضي الله عنه -: "أن بلالًا أذن قبل الفجر، فأمره النبي - عليه السلام - أن يَصْعد فينادي: إن العبدَ نام". رواه الدارقطني (¬1) وقال: تفرّد به أبو يوسف، عن سَعيد، وغيرُه يُرْسله، ثم أخرج من طريق عبد الوهاب -يعني الخفاف- عن سعيد، عن قتادة: "أن بلالًا أذن ... " ولم يذكر أنَسًا، ثم قال الدارقطني: والمَرسل أصح. قلت: أبو يوسف وثقه ابن حبان وغيره، وكذلك وثقه البيهقي في باب المستحاضة يغسل عنها أثر الدم، وقد زاد الرفع، فوجب قبول زيادته (¬2)، ومما يقوّي حديث حماد أيضًا حديث حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما - على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ص: وروي عن ابن عمر أيضًا، عن حفصة بنت عمر - رضي الله عنهم - ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا على بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عَمرو، عن عبد الكريم ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 245 رقم 53). (¬2) في اعتبار العلة في الأحاديث المختلف في رفعها ووقفها، أو إرسالها ووصلها خلاف كبير معروف بين المحدثين والفقهاء. وفي اعتبار زيادة الوصل زيادة ثقة وهي مقبولة نظر ليس هذا محله.

الجزريّ، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة بنت عَمر: "أن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أذن المؤذن بالفجر قام فصلى ركعتي الفجر، ثم خرج إلى المسجد وحرّم الطعام، وكان لا يؤذن حتى يصبح". فهذا ابن عمر يُخبر عن حفصة، أنهم كانوا لا يؤذِّنون للصلاة إلا بعد طلوع الفجر، وأَمْرُ النبي - عليه السلام - "أيضًا بلالًا أن يَرْجع فينادي: "ألا إن العبد نام" يدل على أن عادتهم أنهم كانوا لا يَعْرفون أذانًا قبل الفجر، ولو كانوا يعرفون ذلك إذا لما احتاجوا إلى هذا النداء، وأراد به عندنا -والله أعلم بذلك- النداء، إنما هو ليعلمهم أنه في ليل بَعدُ، حتى يُصلّي من آثر منهم أن يُصلّي ولا يُمْسِك عما يُمْسِكُ الصائم عنه. ش: أشار بهذا إلى تأييد ما قاله من أن إنكاره - عليه السلام - على بلال في الحديث الماضي، لكونه قد فعله قبل طلوع الفجر لأجل الصلاة، ألا ترى أن ابن عمر يُخبر عن حفصة كانوا لا يؤذنون لأجل الصلاة إلا بعد طلوع الفجر؟ وأنهم كانوا لا يعرفون أذانًا قبل الفجر لأجل الصلاة؛ إذ لو عرفوا لما احتاجوا إلى النداء في حديث بلال، ويكون أمْرُ النبي - عليه السلام - بلالًا أن يَرجعَ فيُنادي، لأجل أن يُعلمهم أنه في الليل بَعْدُ، وأن الفجر لم يطلع، حتى إن مَن أراد أن يُصلي يصلي، ومن أراد أن يفعل شيئًا مما هو محرّم على الصائم، يَفْعَل ولا يعْدِل عنه. وإسنادُ حديث حفصة صحيح. وأخرجه البيهقي (¬1): من حديث عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما - "أن رسُول الله - عليه السلام - ... " إلى آخره نحوه سواء. ثم قال البيهقي: هذا محمول- إن صح- على الأذان الثاني. وقال الأثرم: رواه الناس عن نافع فلم يذكروا فيه ما ذكره عبد الكريم. ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (2/ 471 رقم 4258).

قلت: هو ثقة ثَبْت، كذا قال أحمد وابن مَعين، وأخرج له الجماعة، ومن كان بهذه المثابة لا يُنكر عليه إذا ذكر ما لم يذكره غيره، وإشكال ينتهي بتأويله، يَدلّ ظاهرًا على جَوْدة سنده. وروى الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن بالأول من صلاة الفجر قام وركع ركعتين". قال الأثرم: ورواه الناس، عن الزهري فلم يذكروا فيه ما ما ذكره الأوزاعي. وأجبت عن ذلك: بأن الأوزاعي من أئمة المسلمين فلا يُعلّل ما ذكره بعدم ذكر غيره. ص: وقد يحتمل أن يكون بلال كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر طلع فيه، ولا يتحقق ذلك لضعف نظره، والدليل على ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن إشكاب (ح). وثنا فهد، قال: ثنا شهاب بن عباد العبدي، قالا: ثنا محمد بن بشْر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يغرنكم أذان بلال؛ فإن في بصره شيئًا" فدلّ ذلك على أن بلال كان يريد الفجر فيُخطئه لضَعْف بصره، فأمرهم رسُول الله - عليه السلام - أن لا يعملوا على أذانه؛ إذْ كان من عادته الخطأ، لضَعَف بصره. ش: هذا وجه آخر في أذان بلال بالليل قبل طلوع الفجر، وهو الذي احتجت به أهل المقالة الأولى في جواز أذان الفجر قبل طلوع الفجر، وهذا ظاهر. وأخرجه من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرُلّسي، عن أحمد بن إشكاب -بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة وفي آخره باء موحدة شيخ البخاري- عن محمَّد بن بشر الأسلمي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس - رضي الله عنه -.

وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا محمَّد بن بشر، سعيدٌ، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يمنعنكم أذان بلال من السَّحُور؛ فإن في بصره شيئًا". الثانى: عن فهد بن سليمان البصري، عن شهاب بن عبّاد -بتشديد الباء الموحدة- العبدي شيخ البخاري ومسلم، عن محمَّد بن بشر الأسلمي ... إلي آخره. ص: وقد حدثنا الربيع بن سليمان الجيزيّ، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن سالم، عن سليمان بن أبي عثمان، أنه حدّثه عن حاتِم بن عَدِيُّ، عن أبي ذرّ، قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لبلال: "إنك تؤذن إذا كان الفجر ساطعًا, وليس ذلك الصبح؛ إنما الصبح هكذا مُعْترضًا". قال أبو جعفر: فأخبر في هذا الأثر أنه كان يؤذن بطلوع ما يرى أنه الفجر وليس هو في الحقيقة بفجر. ش: ذكر هذا تأييدًا للاحتمال المذكور آنفًا، وهو أنه كان يؤذن على ظنّ أنه الصبح الصادق، وليس بصبح صادق، لكونه يخطئ فيه لضعف بصره، وذلك لأنه أَخْبرَ في هذا الحديث أنه كان يؤذن بطلوع ما يرى -أي يظنّ- أنه الفجر، والحال أنه ليس هو في الحقيقة بفجر. وأبو الأسْوَد اسمه النَضر بن عبد الجبار المصري وثقه ابن حبان وغيره. وابن لهيعة هو عبد الله، فيه مقال، وسالم هو ابن غيلان التجيبي المصري، قال النسائي: لا بأس به، ووثقه ابن حبان. وسليمان بن أبي عثمان التجيبي المصري، قال في الميزان: مجهول. وحاتم بن عدي الحمْصي وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: سليمان بن أبي عثمان التجيبي روى عن حاتم بن عدي وروى عنه سالم بن غيلان سمعت أبي يقول ذلك، وسمعته يقول: هؤلاء مجهولون. ¬

_ (¬1) "مسندأحمد" (3/ 140 رقم 1251).

قلت: قال العجلي: حاتم بن عديّ تابعي حمصيّ شامي ثقة. وأبو ذر الغفاريّ اسمه جندب بن جُنادة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1) بأتم منه: نا موسى بن داود، نا ابنُ لهيعة، عن سالم ابن غيلان، عن سليمان بن أبي عثمان، عن حاتم بن عدي الحمصي، عن أبي ذر، أن النبي - عليه السلام - قال لبلال: "أنت يا بلال تؤذن إذا كان الصبح ساطعًا في السماء، فليس ذلك بالصبح؛ إنما الصبح هكذا معترضًا، ثم دعى بسحَوْره فتسحر، وكان يقول: لا تزال أمتي بخير ما أخّروا السحور وعَجّلوا الفطر". قوله: "إذا كان الفجر ساطعًا" أي ظاهرًا كذنب السرحان، وأراد به الفجر الكاذب الذي لا يخرج به حكم الليل ولا تحلّ به صلاة الصبح. قوله: "الصبح" منصوب لأنه خبر "ليس"، وفي رواية: "بالصبح" كما في رواية أحمد. قوله: "معترضًا" حال من قوله: "إنما الصبح" والمعنى: إنما الصبح يحصل حال كونه معترضًا في الأفق، والأولى أن يكون خبر "كان" المحذوف، تقديره: "إنما الصبح يكون معترضًا في الأفق" وأرا به: الصبح الصادق، وهو المنتشر في الآفاق. ص: وقد روينا عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن بلالًا يُنادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم. قالت: ولم يكن بينهما إلا مقدار ما يَصْعد هذا وينزلُ هذا" فلما كان بين أذانَيْهما من القرب ما ذكرنا؛ ثبتَ أنهما كانا يقصدان وقتًّا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال لما ببصره، ويُصيبُه ابن أم مكتوم، لأنه لم يكن يفعله حتى تقول له الجماعة: أصبحتَ، أصبحت. ش: ذكر هذا تأييدًا أيضًا لما قاله من أنَّ بلالًا إنما كان يريد الفجر من أذانه، ولكنه كان يخطئه؛ لما في بصره من الضعف، وذلك لأن قول عائشة - رضي الله عنها -: "ولم يكن ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 172 رقم 21546).

بينهما إلا مقدار ما يَصْعد هذا وينزل هذا" يدلّ على أن المسافة كانت قريبةً جدًّا بين أذانيهما، وأن كلاًّ منهما كان يقصد طلوع الفجر الصادق، إلا أن بلال كان يخطئه لما ببصره من الضعف، وابن مكتوم كان يُصيبُه -وإن كان ضريرًا- لأنه لم يكن يؤذن حتى يقول له الناس: أصبحتَ، أصبحتَ. واختلف في معنى قوله: "أصْبَحتٌ، أَصْبَحتَ". فقيل: معناهُ قاربت الصباح وتلبست به، فأذن، فإنه وقته، وكان يؤذن فيقع أذانه عند طلوع الفجر الصادق. وقيل: هو على ظاهره من ظهور الصباح. والدليل عليه ما جاء في صحيح البخاري (¬1): "لا يؤذن حتى يطلع الفجر". ص: ثم قد روي عن عائشة - رضي الله عنها - من بعد النبي - عليه السلام - ما قد حَدثَنا ابنُ مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: "قلت: يا أمَّ المؤمنين، متى تُوتِرينَ؟ قالَتْ: إذا أذن المؤذن. قال الأسود: وإنما كان يؤذن بعد الصبح". قال أبو جعفر: وهذا تأذينهم في مسجدِ رسُول الله - عليه السلام -؛ لأن الأسود إنما كان سماعه من عائشة بالمدينة، وهي قد سمعت من النبي - عليه السلام - ما قد رويناه عنها، فلم تُنكر عليهم التأذين قبل الفجر، ولا أنكر ذلك غيرُها من أصحاب النبي - عليه السلام -، فدل ذلك على أن مراد بلال بأذانه ذلك الفجر، وأن قول النبي - عليه السلام -: "فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" إنما هو لإصابته طلوع الفجر، فلما رُويت هذه الآثار "أنهم كانوا لا يؤذنون حتى يطلع الفجر" فلما كان ذلك كذلك؛ بطل المعنى الذي ذهب إليه أبو سيف، وإن كان المعنى غير ذلك، وكانوا يؤذنون قبل الفجر على القصد منهم لذلك، فإن حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بيّن أن ذلك التأذين كان لغير الصلاة، وفي تأذِين ابن أم مكتوم بعد طلوع الفجر دليلٌ على ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (2/ 677 رقم 1891) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.

أن ذلك موضع أذان لتلك الصلاة، ولو لم يكن ذلك موضع أذان لها لما أُبيحَ الأذانُ فيها، فلما أبيح ذلك؛ ثبت أن ذلك الوقت وقتُ الأذان لها، واحتمل تَقديمُهم أذانَ بلالٍ قبل ذلك ما ذكرنا. ش: هذا الكلام أيضًا يَنْصَبُّ على قوله: "وقد يحتمل أن يكون بلال قد كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه" تقريره: أن الأسود بن يزيد لما سأل عائشة - رضي الله عنها - عن وقت إيتارها قالت: إذا أذن المؤذن، وأخبر الأسود: أنهم كانوا يؤذنون بعد الصبح، وهكذا كان تأذينهم في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن سماع الأسود من عائشة - رضي الله عنها - كان بالمدينة، وعائشة قد سمعت (من) (¬1) النبي - عليه السلام - يقول: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم" ومع هذا لم تنكر عائشة عليهم التأذين قبل الفجر، ولا أنكر غيرها أيضًا من الصحابة - رضي الله عنهم -؛ فدلّ ذلك أن مراد بلال من أذانه ذلك الذي وقع قبل الفجر هو الفجر، فإذا كان مراده هو الفجر؛ لم يصح الاستدلال بحديثه على جواز الأذان قبل الفجر؛ لأن بلالًا ما قصد أن يؤذن قبل الفحر؛ وإنما كان قصده الفجر، ولكن وقع قبل الفجر لسوء ببصره كما ذكرنا. وأما قول النبي - عليه السلام - "فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" فإنما هو لإصابته طلوع الفجر بإخبار الناس له بقولهم: "أصبحت، أصبحت". بخلاف بلال لخطئه فيه كما ذكرناه. قوله: "فلما رويت هله الآثار" أي الأحاديث التي ذكرت في هذا الباب على ما ذكره، وكان في حديث حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما - "أنهم كانوا لا يؤذنون حتى يطلع الفجر" بطل المعنى الذي ذكره أبو يوسف في تجويزه الأذان قبل طلوع الفجر؛ استدلالًا بحديث بلال الذي مضى ذكره بطرق مختلفة. ¬

_ (¬1) كذا "بالأصل، ك"، ولعلها زائدة على السياق.

وجه بطلان استدلاله: أنه لا يخلوا إما أن يقول: المراد من أذان بلال أنه كان صلاة، فإذا كان للصلاة، يجوز الاستدلال به على جواز تقديم الأذان قبل الوقت في الفجر. فنقول: وإن سلمنا ذلك، ولكن لن نُسلم أنه كان مصيبًا في قصده، ألا ترى كيف ردّه - عليه السلام - بقوله: "لا يغرنكم أذان بلال؛ فإن في بصره شيئًا". وإما أن يقول: إنه كان يؤذن قبل الفجر عمدًا. فنقول: وإن سلمنا أنه كان يؤذن عمدًا قبل الفجر، ولكن لا نسلم إنه كان لأجل الصلاة، بل كان لإيقاظ النائم وإرجاع القائم، بدليل حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - حيث قال: "فإنه ينادي ليُوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم". قوله: "فلما كان ذلك" عطف على "لمَّا" الأولى، وهو قوله: "لما رويت هذه الآثار" وقوله: "فقد بطل المعنى" جواب "لمّا" في الموضعين، وفي بعض النسخ "فإن كان كذلك" موضع "فلما كان كذلك" فعلى هذه النسخة تكون الجملة خبر "فلمّا رويت" فافهم. ورجال حديث الأسود ثقات، وأبو إسحاق اسمه عَمرو بن عبد الله السبَيِعي. وأخرجه البيهقي (¬1): من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود: "سألتُ عائشةَ متى توترين؟ قالت: بين الأذان والإقامة، وما يؤذنون حتى يُصْبحوا" ثم قال البيهقي: وقول الأسود وغيره: "وما يؤذنون حتى يُصْبحوا" فيه نظر؛ فقد روينا أن الأذان الأول كان بالحجاز قبل الصبح، وكأنَّ عائشة - رضي الله عنها - كانت تصليها قبل طلوع الفجر، أو أراد به الأذان الثاني. وعلى ذلك تدل رواية ابن أبي خالد، عن أبي إسحاق قال: "كانت عائشة - رضي الله عنها - توتر فيما بين التثويب والإقامة" فيرجع مذهبها في ذلك كقول عليّ وعبد الله. قلت: مذهب علي وابن عباس - رضي الله عنهم -: أن وقت الوتر يمتدّ إلى بعد طلوع الفجر. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 480 رقم 4308).

وروى البيهقي (¬1) بإسناده عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة: "أن قومًا أتوا عليًّا - رضي الله عنه -، فسألوه عن الوتر. فقال: سألتم عنه أحدًا؟ فقالوا: سألنا أبا موسى، فقال: لا وِتْر بعدَ الأذان. فقال: لقد أَغْرَقَ النزع فأَفْرَط في الفَتْوى، كل شيء ما بينك وبين صلاة الغداة وتر، متى أوترت فحسن". وقال مالك في "موطإه" (¬2): بلغني أن عبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، والقاسم بن محمَّد، وعبد الله بن عامر بن ربيعة قد أوتروا بعد الفجر. ثم قال (¬3): وإنما يُوتِرُ بعد الفجر من نام عن الوتر، ولا ينبغي لأحد أن يتعمد ذلك حتى يضع وتره بعد الفجر. وقال القاضي عياض: وَقت الوتر المتفق عليه عند كافة العلماء ما لم يطلع الفجر، واختلفوا؛ هل يصلي بعد طلوع الفجر إلى أن يُصلي الصبحُ؟ وهل ذاك وقت ضرورة لمن تركها، أو نام عنها، أو نِسيها؟ فذهب جمهورُهم -وهو مشهور قول مالك والشافعي- جواز ذلك مع كراهة تعمده، وأنه وقت ضرورة لها -وحُكيَ عن ابن مسعود وغيره أن وقتها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح- وذهب الكوفيون إلى منع صلاته بعد طلوع الفجر، وقاله جماعة من السلف، وأبو مُصْعب وبعض أصحابنا، وحكاه الخطابي عن مالك، وسيجئ الكلام فيه مستقصًى في باب الوتر إن شاء الله تعالى. ص: ثم اعتبرنا ذلك من طريق النظر؟ لنَسْتَخرجَ من ذلك القولين قولًا صحيحًا، فرأينا سائر الصلوات غير الفجر لا يؤذن لها إلا بعد دخول أوقاتها، واختلفوا في الفجر، فقال قومٌ: التأذين لها قبل الفجر، لا يؤذن لها بعد دخول وقتها. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 479 رقم 4305). (¬2) "موطأ مالك" (1/ 126 رقم 278). (¬3) "موطأ مالك" (1/ 127 رقم 282).

وقال آخرون: بل هو بعد دخول وقتها. فالنظر على ما وصفنا أن يكون الأذان لها كالأذان لغيرها من الصلوات، فلما كان ذلك بعد دخول أوقاتها؛ كان أيضًا في الفجر كذلك، فهذا هو النظر، وهو قول أبي حنيفة ومحمد والثوري رحمهم الله. ش: أي ثم اعتبرنا حكم الأذان قبل الفجر من طريق القياس، وهو ظاهر. قوله: "فقال قوم" أراد بهم الشافعي، ومالكًا، وأحمد، وأبا يوسف، ومن تبعهم في ذلك كما ذكرنا. قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم الثوري، وأبا حنيفة، ومحمدًا، وزفر. قوله: "التأذين لها قبل الفجر" أي التأذين لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر، لا يؤذن لها بعد دخول وقتها وهذا لا يخلو عن النظر؛ لأنهم لم يقولوا: بأن الأذان في الفجر لا بد أن يكون قبل الفجر؛ بل قالوا: إنه إذا أذن قبل الفجر جاز ذلك وأغنى عن الإعادة. ص: حدثني ابن أبي عمران، قال: ثنا علي بن الجَعْد، قال: ثنا سفيان بن سعيد -وقال له رجل: إني أؤذن قبل طلوع الفجر؛ لأكون أول مَنْ يقرع باب السماء بالنداء- فقال سفيان: "لا حتى ينفجر الفجر". ش: أشار بهذا وبما بعده من تقوية وجه النظر من أنه لا يجوز الأذان في الفجر قبل طلوع الفجر الصادق، ألا ترى كيف منع سفيان الثوري هذا الرجل عن الأذان حتى يَنفجر الفجر -أي ينشق الفجر الصادق- وابن أبي عمران هو أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الثقة البغدادي، وثقه ابن يونس وغيرُه. وعليّ بن الجَعْد بن عبيد الجوهري من أصحاب أبي يوسف وأحد مشايخ البخاري وأبي داود. ص: وقد رُوي عن علقمة من هذا شيءٍ؛ حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن الأصبهاني، قال: ثنا شريك، عن علي بن علي، عن إبراهيم قال: "شيّعنا علقمة إلى مكة، فخر بليل، فسمع مؤذنًا يؤذنُ بليل فقال: أما هذا فقد خالف سنة أصحاب

محمَّد - عليه السلام -، لو كان نائمًا لكان خيرًا له، فإذا طلع الفجر أذن" فأخبر علقمةُ أن التأذين قبل طلوع الفجر خلاف لسنة أصحاب محمَّد - صلى الله عليه وسلم -". ش: أي قد روي عن علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي أبي شبل الكوفي في هذا -أي في منع الأذان قبل طلوع الفجر- شيء، وبين ذلك بقوله: حدثنا فهدٌ ... إلى آخره، ورجاله كلهم ثقات، وعلي بن علي بن نجاد اليشكريّ أبو إسماعيل البصري وثقه يحيى وأبو زرعة، وروى له الأربعة، وإبراهيم هو النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة؛ في "مصنفه" (¬1): ثنا شريك، عن علي بن علي، عن إبراهيم إلى آخره نحوه سواء، غير أن لفظه: "فخرجنا بليل". ¬

_ (¬1) "مصنف بن أبي شيبة" (1/ 194 رقم 2224).

ص: باب: الرجلين يؤذن أحدهما ويقيم الآخر

ص: باب: الرجلين يؤذن أحدهما ويقيم الآخر ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجلين اللَذيْن يؤذن أحدُهما ويقيم الآخر هل يجوز أم لا؟ وإذا جاز هل يكره أم لا؟ ص: حدثنا يونُس، قال: أنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، عن زياد بن نعيم أنه سمع زياد بن الحارث الصُدائيّ قال: قال: "أتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما كان أذان الصبح، أمرني فأذنت ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلال ليُقيم فقال رسُول الله - عليه السلام -: إن أخا صُدَاء أذن، ومَن أذن فهو يقيم". حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصَم، عن سفيان، قال: أخبرني عبد الرحمن ابن زياد، زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: أخرج هذا من طريقين، أحدهما: عن يونس بن عبد الأعلى -شيخ مسلم-، عن عبد الله بن وهب المصري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الأفريقي -وثقه أحمد بن صالح، وضعّفه آخرون-، عن زياد بن نعيم هو زياد بن ربيعة بن نُعيم يُنسب أول جدّه الحضرمي المصري وثقه العجلي وابن حبان، عن زياد بن الحارث الصدائي الصحابي، ونسبته إلى صُداء -بضم الصاد- باليمن حي من اليمن وهو يزيد بن حَرْب بن عُلَة بن خالد بن خالد بن مالك بن أدد بن زيد بن مشجب بن غَرِيب بن رند بن كهلان بن سبأ بن مشجُب بن يَعرُب بن قحطان. وأخرجه أبو داود (¬1) ثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن بن زياد، عن زياد بن نعيم الحَضْرمي أنه سمع زياد بن الحارث الصدائي قال: "لما كان أول أذان الصبح أمَرني -يعني النبي - عليه السلام -- فأذنتُ، فجعلتُ أقول: أقيم يا رسُول الله. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 142 رقم 514).

فجعل ينظر في ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: لا. حتى إذا طلع الفجر نزل، فبرز، ثم انصرف إليَّ وقد تلاحق أصحابُه -يعني فتوضأ- فأراد بلالٌ أن يقيم، فقال له نبي الله: إن أخا صُداء هو أذّن، ومن أذّن فهو يُقيم قال: فأقمت". وأخرجه الترمذي (¬1) نا هنّاد، قال: نا عبدة ويعلى بن عُبَيد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الأفريقي، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن زياد بن الحارث الصُدائي قال: "أمر رسول الله - عليه السلام - أن أؤذن في صلاة الفجر، فأذنتُ فأراد بلال أن يقيم فقال رسُول الله: إن أَخَاصُداء قد أذّن، ومَنْ أذّن فهو يُقيم". والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النَبِيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان الثوري إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبريّ، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن زياد بن نُعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي قال: "كنت مع رسُول الله - عليه السلام -، فأمرني فأذنت للفجر، فجاء بلال ليقيم فقال النبي - عليه السلام -: يا بلال إن أخا صداء أذّن، ومن أذن فهو يقيم". قوله:"إن أخا صداء" أراد به زياد بن الحارث. قوله: "أول أذان الصبح" في رواية أبي داود أراد به الأذان الذي يؤذن ليقوم النائم، ويتسحر الصائم. قوله: "فبرز" أي: خرج لقضاء حاجته والوضوء؛ من برز الرجل يَبْرُز بروزًا ولهذا فسّر بقوله: "يعني فتوضأ" ومنه البراز وهو كناية عن قضاء الحاجة وأصله الفضاء المتسع ثم استعير للحدث. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى هذا الحديث فقالوا: لا ينبغي أن يقيم الصلاة غير الذي أذّن لها. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 384 رقم 199). (¬2) "المعجم الكبير" (5/ 263 رقم 5286).

ش: أراد بالقوم هؤلاء الأوزاعي والزهري والشافعي ومالكًا وأحمد؛ فإنهم ذهبوا إلي هذا الحديث وقالوا: لا ينبغي أن يقيم الصلاة إلا الذي أذن لها، وفي فروع الحنابلة: إذا كان في موضع مؤذنان أو أكثر فيُقيم مَن يؤذن أولًا. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس أن يقيم الصلاة غير الذي أذن لها. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم الحسن البصري، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأصحابهم، فإنهم قالو ا: لا بأس أن يقيم الصلاة غير الذي أذن لها. وإليه ذهب الظاهرية، وقال ابن حزم في المحلى: وجائز أن يقيم غير الذي أذّن؛ لأنه لم يأت عن ذلك نهي يصح، والأثر المروي في "إنما يقيم من أذن" إنما جاء من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو هالك. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو أُمّية، قال: ثنا المُعلي بن منصور، قال: أخبرني عبد السلام بن حَرْب، عن أبي العُمَيْس، عن عبد الله بن محمَّد بن عبد الله ابن زيد، عن أبيه، عن جَده "أنه حين أذِن الأذان أَمَرَ النبي - عليه السلام - بلالًا فأذن ثم أمَر عبد الله فأنام". ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن زيد الأنصاري. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو أمية الطرسُوسي محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي، وثقه أبو داود وغيره، وأبو العُمَيس -بضم العين وبالسين المهملتين- اسمه عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، روي له الجماعة، وعبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري الخزرجي. وثقه ابن حبان، وأبوه محمَّد بن عبد الله روى له الجماعة غير البخاري، وجدّه عبد الله بن زيد بن عبد الله الأنصاري الصحابيّ.

وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬1) ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو يحيى بن عبد الرحيم، ثنا معلي بن منصور، قال: أنا عبد السلام بن حرب إلى آخره نحوه، وهذا فيه صريح دلالة على أن الإقامة من غير المؤذن لا تكره والعمل به أولى لأنه صحيح، وحديث الصدائي ضعيف، وقال الترمذي: حديث زياد إنما نعرفه من حديث الأفريقي، والأفريقي هو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره، وقال أحمد: لا أكتب حديث الأفريقي. ص: وبما قد حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن أبي العُمَيْس، عن عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه، عن جده قال: "أتيت رسول الله - عليه السلام - فأخبرتُه كيف رأيت الأذان، فقال: ألقِهنّ على بلال فإنه أنْدى صوتًا منك فلما أذن بلال ندم عبد الله، فأمره النبي - عليه السلام - أن يقيم". ش: أي واحتجوا أيضًا بما قد حدثنا فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (¬2) من حديث عبد السلام بن حرب، عن أبي العُمَيْس إلي آخره نحوه. ثم قال: ويروى عن زيد بن محمَّد بن عبد الله، عن أبيه، عن جده. قوله: "ألقهن": أي: كلمات الأذان. قوله: "أَنْدى صوتًا": أي: أرفع وأعلى. وقيل: أحسن وأعذب، وقيل: أبْعَد، وقيل: هو أفعل من النَدَى -بفتح النون وبالقصر -وهو بمعنى الغاية مثل المدى، والندى أيضًا بعد ذهاب الصوت، و"صوتًا" نصب على التمييز، وفيه أن كان أرفع صوتا وأحسن؛ كان أولى بالأذان لأنه إعلام، فكل من كان الإعلام بصوته أوقع؛ كان به أحق وأخدَر. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 242 رقم 37). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 399 رقم 1739).

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلما تضادّ هذان الحديثان؛ أردنا أن نلتمس حكم هذا الباب من طريق النظر، لنستخرج به من هذين القولين قولًا صحيحًا، فنظرنا في ذلك، فوجدنا الأصل المتفق عليه أنه لا ينبغي أن يؤذن رجلين أذانًا واحدًا، يؤذن كل واحد منهما بعضه، فاحتمل أن يكون الأذان والإقامة كذلك؛ لا يَفْعلهما إلا رجل واحد، واحتمل أن يكونا كالشيئين المقترنين فلا بأس بأن يتولى كل واحد منهما رجلٌ على حدةٍ، فنظرنا في ذلك؛ فرأينا الصلاة لها أسباب تتقدّمها من الدعاء إليها بالأذان، ومن الإقامة لها، هذا في سائر الصلوات، ورأينا الجمعة تتقدمها خطبة لا بدّ منها، فكانت الصلاة متضمنة بالخطبة، وكان مَنْ صلى الجمعة بغير خطبة فصلاته باطلة حتى تكون الخطبة قد تقدمت الصلاة، ورأينا الإِمام لا ينبغي أن يكون هو غير الخطيب؛ لأن كل واحد منهما مضمّن بصاحبه، فكما كان لابدّ منهما؛ لا ينبغي أن يكون القائم بهما إلا رجلًا واحدًا، ورأينا الإقامة جُعلت من أسباب الصلاة أيضًا، وأجمعوا أنه لا بأس أن يتولاها غير الإمام فكما قد كان يتولاها غير الإِمام وهي في الصلاة أقرب منها في الأذن؛ كان لا بأس أنْ يتولاها غير الذي تولى الأذن، فهذا هو النظر وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله. ش: أراد بقوله: "هذان الحديثان": حديث زياد بن الحارث الصدائي، وحديث عبد الله بن زيد الأنصاري. وجه التضاد بينهما ظاهر لأن حديث الصدائي يقتضي أن لا يقيم الصلاة إلا مَنْ يؤذن لها، وحديث عبد الله بن زيد يقتضي العموم، وهذا إنما يكون على تقدير تسليم صحة حديث الصُدائي، وقد قلنا إنه ضعيف، فلا يساوي حديث عبد الله بن زيد فلا يثبت التعارض؛ لأن من شرط التعارض بين الحديثين أن يكونا متساويَيْن في القوة والضَعْف، ثم إن الذي ذكره الطحاوي ليس يُدفع به التضاد بين المتضادّيَن وإنما هو بيان أن النظر والقياس أيضًا يقتضي بأن لا بأس بإقامة غير المؤذن ووجه ذلك ظاهر.

وأراد من قوله: "لها أسباب" وقوله: "جعلت من أسباب الصلاة" العلامات لا الأسباب المصطلح عليها على ما لا يخفى. قوله: "مُضمّن" بتشديد الميم المفتوحة. قوله: "وهي من الصلاة" أي الإقامة من الصلاة أقرب منها من الأذان أي من قرب الأذان وهو ظاهر، فإن قيل: ينبغي أن يكون خبر الصدائي أصلى بالأخذ والعمل لأنه متأخر عن خبر عبد الله بن زيد بلا شك، وكذا قال البيهقي: وإذا صحّ الخبران فخبر الصُدائي أصلى لأنه متأخر. قلت: نسلّم ذلك إذا استوى الخبران، وخبر الصدائي ضعيف فلا يعارض خبر الأنصاري على أنه - عليه السلام - إنما قال: "من أذن فهو يقيم"، تطييبًا لقلب الصدائي؛ لأنه كان حديث عهد بالإسلام؛ لأن قدوم وفد صداء وفيهم زياد بن الحارث الصدائي كان في حجة الوداع، وكان بعثه - عليه السلام - ابن عبادة إلى ناحية اليمن، وأمره أن يطأ صداء كان حين انصرف - عليه السلام - من الجعرانة سنة ثمان، والله أعلم.

ص: باب: ما يستحب للرجل أن يقوله إذا سمع الأذان.

ص: باب: ما يستحب للرجل أن يقوله إذا سمع الأذان. ش: أي هذا باب في بيان ما يستحب للرجل أن يقول عند سماعه الأذان من الألفاظ المأثورة. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك ويونس، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا سمعتم المؤذن -وفي حديث مالك النداء- فقولوا ما يقول- في حديث مالك ما يقول المؤذن ... ". ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح، ويونس الأول هو: ابن عبد الأعلى المصري، والثانى هو: ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهريّ، وأبو سعيد الخدري اسمه سَعد بن مالك، والحديث أخرجه الجماعة. فالبخاري (¬1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء ابن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري أن رسُول الله قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن". ومسلم (¬2): عن يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب إلى آخره نحوه. وأبو داود (¬3): عن عبد الله بن مَسلمة القَعْنبي، عن مالك. والترمذي (¬4): عن قتيبة، عن مالك، عن الزهري إلى آخره نحوه. والنسائي (¬5): عن قتيبة، عن مالك. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 221 رقم 586). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 288 رقم 383). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 199 رقم 522). (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 407 رقم 208). (¬5) "المجتبى" (2/ 23 رقم 673).

وابن ماجه (¬1): عن أبي كُريْب وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن زيد بن الحبُاب، عن مالك، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سمعتم النداء فقولوا كما يقول المؤذن". قولوا: "النداء" أي الأذان، والفرق بينهما أن لفظ الأذان أو التأذين أخصّ من لفظ النداء لغة وشرعًا، والفرق بين الأذان والتأذين: أن التأذين يتناول جميع ما يَصدُر من المؤذن من قول وفعل وهيئة ونية، وأما الأذان فهو حقيقة تعقل بدون ذلك. قوله: "مثل ما يقول" أي مثل قوله، وكلمة ما مَصْدرية، والمثل هو: النظير، يقال: مِثل ومَثل ومَتيل كشِبْه وشَبه وشبيه، فإن قيل ما معنى المماثلة بين الشيئين؟ قلت: أفيدك ها هنا فائدة تنتفع بها في سائر المواضع، واعلم أن معنى مماثلة بين الشيئين ومجانسة ومشابهة ومساواة ومناسبة ومشاكلة ومطابقة وموازاةٍ، أما المماثلة فهي اتحاد الاثنين في النوع كريد وعمرو في الإنسانية، والمجانسة اتحادهما في الجنس كاتحاد الإنسان مع الفرس في الحيوانية، والمشابهة في الكيف كاتحاد الزنجي والهندي في السواد، والمساواة في الكم كاتحاد مقدار مع آخر في القدر، والمناسبة في الإضافة كاتحاد شخص مع آخر في أنهما ابنا شخص أو عبداه، والمشاكلة كاتحاد زيد وعَمرو في أنهما كاتب، والمطابقة في الأطراف كاتحاد جسم مع آخر في النهايات، والموازاة في وضع الأجزاء كاتحاد خطين أو جسّمين في وضع الأجزاء. فإن قيل: ما حكم هذا الأمر؟ قلت: اختلفوا فيه هل هو على الوجوب أو على النَدْب؟ فقال الشيخ محيي الدين النووي -رحمه الله-: يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله لكل من سمعه من متطهر ومحدث وجنب وحائض وغيرهم ممن لا مانع له من الإجابة، فمن أسباب المنع أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله، أو نحوهما، ومنها أن يكون في صلاة، فمن كان في ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 238 رقم 720).

صلاة فريضة أو نافلة وسمع المؤذن لم يوافقه في الصلاة فإذا سلم أتى بمثله، فلو فعله في الصلاة فهل يكره؟ فيه قولان للشافعي، أظهرهما يكره لكن لا تبطل صلاته، فلو قال: حي على الصلاة، أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته إن كان عالمًا بتحريمه لأنه كلام آدمي، ولو سمع الأذان وهو في قراءة وتسبيح ونحوهما قطع ما هو فيه وأتى بمتابعة المؤذن ويتابعه في الإقامة كالأذان إلا أنه يقول في لفظ الإقامة أقامها الله وأدامها، وإذا ثوّب المؤذن في صلاة الصبح فقال: الصلاة خير من النوم، قال سامعه: صدقت وبَرَرْتَ. انتهى. وقال أصحابنا: الإجابة واجبة على السامعين؛ لأن الأمر يدلّ على الوجوب؛ والإجابة أن يقول مثل ما قاله المؤذن إلا قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول مكان قوله "حي على الصلاة": لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومكان قوله "حي على الفلاح": ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ لأن إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وكذا إذا قال المؤذن: "الصلاة خير من النوم". لا يقول السامع مثله ولكن يقول: صدقت وبَرَرْت. وينبغي أن لا يتكلم السامع في حال الأذان والإقامة، ولا يقرأ القرآن ولا يُسلّم، ولا يردّ السلامَ، ولا يشتغل بشيء من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في قراءة القرآن ينبغي أن يقطع القراءة، ويسمع الأذان، ويجيب. وفي "فوائد الرُسْتغفني": لو سمع وهو في المسجد يمضي في قرائته، وإن كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده. وعن الحلواني: لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مجيبًا، ولو كان في المسجد ولم يُجب لا يكون آثمًا ولا تجب الإجابة على مَنْ لا تجب عليه الصلاة، ولا يجيب أيضًا وهو في الصلاة سواء كانت فرضًا أو نفلًا. وقال القاضي عياض: اختلف أصحابنا: هل يحكي المصلي لفظ المؤذن في حالة الفريضة أو النافلة أم لا يحكيه فيهما؟ أم يحكيه في النافلة دون الفريضة؟ على ثلاثة أقوال. انتهى. ثم اختلف أصحابنا هل يقوله عند سماع كل مؤذن أم لأول مؤذن فقط؟ وسئل ظهير الدين عن هذه المسألة فقال: تجب عليه إجابة أذان مسجده بالفعل.

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن يونس، فذكر مثل حديث يونس هذا. ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس أبي عبد الله البصري، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد. فذكر ابن مرزوق مثل حديث يونس بن عبد الأعلى. وأخرجه الدارميّ في "سننه" (¬1) ثنا عثمان بن عمر، أنا يونس، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدريّ أن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول". ص: حدثنا ربيع الجيزيَّ، قال: ثنا أبو زرعة، قال: أخبرني حَيْوة بن شريح، قال. أخبرنا كعب بن علقمة، أنه سمع عبد الرحمن بن جُبَير مولى نافع بن عمرو القرشي، يقول: أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: أنه سمع رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يَقُول، ثم صلوا عليّ، فإن مَنْ صلّى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عَشْرًا، ثم سلوا الله ليَ الوسيلة، فإنها منزل في الجنة لا تنبغي لأحد إلا لعَبْدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله ليَ الوسيلة؛ حَلّت له الشفاعة". ش: إسناده صحيح، وأبو زرعة اسمه وَهْبُ الله بن راشد الحَجري المصري المؤذن، وحَيوةُ بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه الزاهد العابد. وأخرجه مسلم (¬2): ثنا محمَّد بن [سلمة] (¬3) المرادي ثنا عبد الله بن وهب، عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب وغيرهما، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن ¬

_ (¬1) "سنن الدارمي" (1/ 293 رقم 1201). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 288 رقم 384). (¬3) في "الأصل، ك": "مسلمة"، وهو تحريف، والمثبت من "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود".

ابن جُبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا محمَّد بن [سلمة] (¬2)، أنا ابن وهب، عن ابن لهيعة وحَيْوة وسعيد بن أبي أيوب، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (¬3): أنا سُوَيْد بن نصر، قال: أنا عبد الله، عن حيوة بن شريح، أن كعب بن علقمة سمع عبد الرحمن بن جبير مولى نافع بن عمرو القرشي يُحدث أنه سمع عبد الله بن عمرو يَقولُ: سمعْتُ رسُول الله - عليه السلام - إلى آخره نحوه. قوله: "فقولوا مِثْلَ ما يقول" يَقْتَضِي أن نقول مثل ما يقول المؤذن إلي آخره، ولكنه مخصوص بحديث ابن عمرُ - رضي الله عنهما - على ما يأتي إن شاء الله. و"مثل" منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: فقولوا قولًا مثل قول المؤذن، وما مصدريه. قوله: "ثم صلوا علي" أي بعد الفراغ من الإجابة صلَوا عليّ. قوله: "فإنه" أي فإن الشأن، و"الفاء" فيه للتعليل. قوله: "صلاة" أي صلاةً واحدة، ونصبها على الإطلاق. قوله: "بها" أي بمقابلة صلاته الواحدة والباء تجيىء للمقابلة كقولك: أخذت هذا بهذا. قوله: "عشرًا" أي عشر صلوات، لقوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} (¬4) وصلاة الله على عبده رحمته عليه؛ لأن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 199 رقم 523). (¬2) في "الأصل، ك": "مسلمة"، وهو تحريف، والمثبت من "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود". (¬3) "المجتبى" (2/ 25 رقم 678). (¬4) سورة الأنعام، آية: [160].

قوله: "ثم سَلُوا لي الوسيلة" أي: بعد الفراغ من الإجابة والصلاة على النبي - عليه السلام - سلوا الله لأجلي الوسيلة، وهي فعيلة، وتجمع على وسائل ووُسُل وهي في اللغة ما يتقرب به إلى الغير، يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة، وتوسل إليه توسيلة إذا تقرب إليه بعمل، وفسّرها في الحديث بأنها منزل في الجنة، والفاء في قوله: "فإنها منزل" فاء تفسيرية، والمنزل والمنزلة واحد، وهي المنهل والدار. وقوله: "لا ينبغي" من بغَيْته فانبغى أي طلبته، ويقال: انبغى لك أن تفعل كذا أي: طاوعك وانقاد لك فعل كذا. وقوله تعالى: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ} (¬1) أي لا يحصل ولا يتأتى، ولا يُستعمل فيه غير هذين اللفظين، ويقال معنى لا ينبغي: لا يَسهُل ولا يكون. قال ابن أحمر: في رأس خَلقاءَ عنقاء مشرفة ... لا يُبْتَغى دُونها سَهْلٌ ولا جَبَلُ قوله: "أن كون أنا هو" أن مَصدرية ومحله النصب على المفعولية والتقدير: أرجو كوني إياه، أي ذلك العبد. وأنا إما اسم أكون، وليس في أكون شيء، وإما تأكيد لأنا المستكن فيه. وقوله: "هو" ضمير مرفوع وقع موقع الضمير المنصوب، وتقديره أن أكون إياه. قوله: "حلت له الشفاعة" أي: شفاعتي، الألف واللام بدل من المضاف إليه و"حلّت" من حلّ يَحِل بالكسر إذا وجب، ويُحلّ -بالضم- أي ينزل، وقرئ بهما في قوله تعالى: {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} (¬2) واللام في "له" بمعنى على كما وقع في رواية غيره "حلت عليه" لأن الأصل أن يقال: حلّ عليه. ويَستفادُ منه أحكامٌ: وجوب إجابة المؤذن، ووجوب الصلاة على النبي - عليه السلام - بعد الإجابة، ولاسيما قد ذكر النبي - عليه السلام - في الأذان؛ قال الطحاوي أوجب الصلاة عليه - عليه السلام - كلما سمع ¬

_ (¬1) سورة ص، آية: [35]. (¬2) سورة طه، آية: [81].

ذكره وهو المختار عندي أيضًا، والسؤال من الله الوسيلة لأجله - عليه السلام - وإثباتُ الشفاعة ردًّا على المعتزلة، واختصاصه - صلى الله عليه وسلم - بالوسيلة يوم القيامة، وجواز الاستعانة بدعاء الصالحين ولاسيّما في مظانّ الإجابة. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهبُ بن جرير، قال: ثنا شعبة (ح). وحدثنا ابن أبي داود وأحمد بن داود قالا: ثنا أبو الوليد قال: ثنا شعبة، عن ابن بشر، عن أبي المليح، عن عبد الله بن عُتْبةَ، عن أم حبيية - رضي الله عنها - "أن رسُول الله - عليه السلام - كان إذا سمع المؤذن يقول مثل ما يقولُ حتى يُسكُت". ش: هذان إسنادان صحيحان: أحدُهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي بشْر بيان بن بشر الأحمسي البجلي الكوفي، عن أبي المليح بن أسامة الهُذَلي، قيل: اسمُه عامر وقيل: زيد بن أسامة، عن عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان الأموي، عن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين، واسمها رملة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي بشير، عن أبي المليح، عن أم حبيبة، عن النبي - عليه السلام -[كان] (¬2) إذا سمع المؤذن يؤذن قال كما يقول حتى يَسكت. والآخر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلُسي وأحمد بن داود المكي -أحد مشايخ الطبراني أيضًا- كلاهما عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (¬3): ثنا شجاع بن مخلد أبو الفضل، نا [هشيم] (¬4)، أنا أبو بشر، عن أبي المليح بن أسامة، عن عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، حدثتني ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (6/ 326 رقم 26810). (¬2) في "الأصل، ك": "قال"، والمثبت من "المسند". (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 238 رقم 719). (¬4) في "الأصل": "هشام"، والمثبت من "سنن ابن ماجه"، و"تحفة الأشراف" (11/ 108).

عمتي أم حبيبة "أنها سمعت رسُول الله - عليه السلام - في يومها وليلتها فسمع المؤذن يؤذن قال كما يقول المؤذن". ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاريّ، قال: ثنا محمَّد بن عَمرو الليثي، عن أبيه، عن جده قال: نا عند معاوية فأذّن المؤذن فقال: معاويةُ - رضي الله عنه -: سمعت - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل مقالته" أو كما قال. ش: محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاريّ البصري القاضي شيخ البخاري. ومحمد بن عَمرو بن علقمة بن وقاص الليثي أبو عيد الله المدني وثقه النسائي وابن حبان واحتج به الأربعة. وأبوه عمرو بن علقمة وثقه ابن حبان. وجده علقمة بن وقاص الليثي المدني روى له الجماعة. وحديث معاوية هذا روي بألفاظ مختلفة، ولهذا قال أبو عمر: حديث معاوية في هذا الباب مضطرب الألفاظ، بيان ذلك أنه روى مثل ما تقول طائفة، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن من أول الأذان إلى آخره، وهو رواية الطحاويّ، وروي عنه مثل ما تقول طائفة أخرى وهو أن يقول مثل المؤذن في كل شيء إلى قوله: حيّ على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول فيها: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يُتم الأذان. وهو رواية الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن محمَّد بن عمرو، عن أبيه، عن جده قال: "أذن المؤذن عند معاوية فقال: الله أكبر الله أكبر، قال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله فقال: ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (19/ 322 رقم 731).

حيّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال حيّ على الفلاح، قال: لا حَوْل ولا قوة إلا بالله، قال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: هكذا سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول". وروي عنه مثل ما تَقُول طائفة أخرى، وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن في التشهد والتكبير دون سائر الألفاظ. وهو رواية عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن ابن عُيَيْنة، عن مجمع الأنصاري، أنه سمع أبا أمامة بن سهل بن حنيف حين سمع المؤذن كبّر وتشّهد بما تشهّد به، ثم قال: هكذا حدثنا معاوية " أنه سمع رسُول الله - عليه السلام - يَقولُ كما يقول المؤذنُ، فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسُول الله قال: وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم سكت". وروي عنه مثل ما تقول طائفة أخرى؛ وهو أن يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يبلغ: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ بدل كل كلمة منها حاصرتين على حسب ما يقول المؤذن، ثم لا يزيد على ذلك، وليس عليه أن يختم الأذان. وهي رواية البخاري (¬2): ثنا معاذ بن فضالة، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث، قال: حدثني عيسى بن طلحة أنه سمع معاوية يومًا فقال مثله. إلى قوله: "وأشهد أن محمدًا رسول الله". حدثنا (¬3) إسحاق بن راهويه، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام، عن يحيى نحوه. قال يحيى: وحدثني بعض إخواننا أنه قال: "حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال: هكذا أسمعنا نبيكم - صلى الله عليه وسلم -". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 479 رقم 1845). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 222 رقم 587). (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 222 رقم 588).

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فقالوا: ينبغي لمن سمع الأذان أن يَقُولَ كما يقولُ المؤذن حتى يفرغ من أذانه. ش: أراد بالقوم هؤلاء: النخعي والشافعي وأحمد في رواية ومالكًا في أخرى؛ فإنهم قالوا ينبغي لمن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن حتى يفرغ من أذانه واستدلوا على ذلك بالأحاديث المذكور؛، وإليه ذهب أهل الظاهر أيضًا. وقال ابن حزم في "المحلّى": ومن سمع المؤذن فليقل كما يقول المؤذن سواء بسواء من أول الأذان إلى آخره، وسواء كان في غير صلاة أو في صلاة فرض أو نافلة حاش قول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح لا يقولها في الصلاة ويقولها في غير الصلاة، فإذا أتم الصلاة فليقل ذلك، ثم قال: فإذا قال سامع الأذان لا حول ولا قوة إلا بالله مكان حي على الصلاة حي على الفلاح فحسن. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ليس لقوله حي على الصلاة وحي على الفلاح معنى؛ لأن ذلك إنما يقوله المؤذن ليَدْعو به الناس إلي الصلاة وإلى الفلاح والسامع لا يقول من ذلك على جهة دعاء الناس إلى ذلك، إنما يقوله على جهة الذكر، وليس هذا أمن الذكر فينبغي له أن يجعل فكان ذلك ما قد روي في الآثار الأُخَر وهو: لا حول ولا قوة إلا بالله. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد في الأصح، ومالكًا في رواية، فإنهم قالوا: يقول سامع الأذان مثل ما يقول المؤذن إلا في الحَيْعلتين فإنه يقول فيهما: لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي "الجواهر" للمالكية ويؤمر سامع الأذان وينتهي إلى آخر التشهدين في ظاهر المذهب. وقيل: يتمادى إلى آخره ويعوْض عن الحيعلتين بالحوقلة ويحكي التشهد مرةً واحدة في رواية ابن القاسم. وقال الداودي: يعاود التشهد إذا عاوده المؤذن أو قبله بأن كان السامع في صلاة، فروى ابن القاسم أنه يحي في النافلة دون الفريضة.

وروى أبو مصعب أنه يحكي فيهما، وقال ابن وهب: لا بأس فيهما واستحسنه ابن حبيب، وقال سحنون: لا يحكي في واحدة منهما ثم حيث قلنا يحكي فلا يجاوز التشهدين، ولو قال في الصلاة حي على الصلاة فقال أبو محمَّد الأصلي: لا تبطل صلاته لأنه متأول وحكى عبد عن بعض القرويين أن صلاته تبطل وأنه كالمتكلم وحكي ذلك عن القاضي أبي الحسن، ولو أبطأ المؤذن فقال مثل ما يقول أو عجل قبل المؤذن أجزأه ذلك وهو واسع، وفي "حاوي" الحنابلة: ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثله إلا في الحيعلة فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله وفي كلمة الإقامة أقامها الله وأدامها ما دامت السموات والأرض ويقوله التالي ويقضيه المُصلي ويقول المؤذن كسامعه خفية، وقال القاضي عياض في شرح مسلم: واختلف في الحد الذي يحي فيه المؤذن هل إلى التشهدين الأولين أم الآخرين أم إلي آخر الأذان؟ ونقل القولان عن مالك ولكنه في القول الآخر إذا حيعل المؤذن فيقول السامع لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال الشافعي بحكايته في الجميع. وقال بعض أصحابنا بل الترجيع التشهدين وقيل بل لا تلزمه الحكاية إلا في التشهدين أولًا فقط. قلت ما قاله أصحابنا أول، وأقرب إلى العقل لأن قول السامع عند الحيعلتين مثل قول المؤذن يشبه المحاكاة والاستهزاء لأنه ليس معهما على قصد الذكر والثناء وأما قول المؤذن فإنه يدعو بهما الناس إلى الصلاة وإلى الفلاح فحينئذ يقول السامع لا حول ولا قوة إلا بالله كما ورد به في الأحاديث الآخر على ما يجيئ الآن إن شاء الله تعالى. ص: فكان من الحجة لهم في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون قوله "فقولوا مثل ما يقول حتى يَسكن" أي فقولوا مثل ما ابتدأ به الأذان من التكبير وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسُول الله حتى يَسكُت فيكون التكبير والشهادة هما المقصود إليها بقوله: "فقولوا مثل ما يقول" وقد قَصِد إلى ذلك في حديث أبي هريرة. حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا إبراهيم بن محمَّد الشافعي قال: ثنا عبد الله بن رجاء عن عباد بن إسحاق عن ابن شهاب (ح).

وحدثنا أحمد قال: ثنا مُسّدد قال: ثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا تشهد المؤذن فقولوا مثل ما يقول". ش: أشار أولًا إلى الجواب عما تمسكت به أهل المقالة الأولى في وجوب قول السامع مثل قول المؤذن حتى يَسكت، ثم ذكر الأحاديث التي يتمسك بها أهل المقالة الثانية. تحرير الجواب: أنه قد يجوز أن يكون معنى قوله: "فقولوا مثل ما يقول حتى يسكت" فقولوا مثل ما ابتد به من التكبير والشهادتين حتى يسكت فيكون المقصود في قوله: "فقولوا مثل ما يقول" هو التكبير والشهادتين، والدليل على صحة هذا التأويل حديث أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا تشهد المؤذن فقولوا مثل ما يقول" فإنه اقتصر ها هنا على القول بمثل ما يقول المؤذن في الشهادتين. وجواب آخر عن أحاديثهم: أنها مخصوصة بأحاديث عمر بن الخطاب وأبي رافع ومعاوية - رضي الله عنهم - على ما يأتي إن شاء الله تعالى. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من طريقين صحيحين: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن إبراهيم بن محمَّد بن العباس الشافعي المكي ابن عم الإِمام الشافعي وثقه الدارقطني وغيره، عن عبد الله بن رجاء المكي، عن عبّاد بن إسحاق وهو عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله المدني ويسمّى باسمين: عَبَّاد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن إسحاق، وكلاهما واحد، روى له البخاري مستشهدًا. وهو يروي عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو حمد العدنى في "مسنده": ثنا عبد الله بن رجاء، عن عباد بن إسحاق، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال النبي - عليه السلام -: "إذا

قال المؤذن: الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمدًا رسُول الله. فقال: أشهد أن محمدًا رسُول الله. ثم قال: حي على الصلاة. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر. فقال: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. فقال: لا إله إلا الله من قلبهِ؛ دخل الجنة". هذا بيان ما احتجت به أهل المقالة الثانية فيما ذَهبُوا إليه، وقد احتجوا في ذلك بأحاديث منها حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرُلُّسِي، عن إسحاق بن محمَّد بن إسماعيل الفَرْوي المدني، فيه مقال كثير، والفَرْوي -فتح الفاء وسكون الراء- نسبة إلى الجدّ وهو فَروْة جَدّ جدّ إسحاق المذكور، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير المدني روى له الجماعة، عن عمارة بن غزية بن الحارث المازني المدني روى له الجماعة، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، روى له الجماعة، عن أبيه عاصم بن عمر روى له الجماعة، عن جدّه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وأخرجه مسلم (¬1): حدثني إسحاق بن منصور، قال: أنا أبو جعفر محمَّد بن جهضم الثقفي، قال: نا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن خُبَيْب بن عبد الرحمن بن إساف، عن جعفر بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن جدّه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا محمَّد بن المثنى، نا محمَّد بن جهضم، نا إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن حفص بن عاصم بن عمر، عن أبيه، عن جدّه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نحوه. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 289 رقم 385). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 200 رقم 527).

وأخرجه النسائي (¬1) أيضًا نحوه. قوله: "إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله ... " إلى آخره. كل نوع من هذا مثنى كما هو المشروع فاختصر - عليه السلام - من كل نوع على شطره تنبيهًا على باقية قوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله" يجوز فيه خمسة أوجه: الأول: فتحهما بلا تنوين. والثانى: فتح الأول ونصب الثاني منونًا. والثالث: رفعهما منونين. والرابع: فتح الأول وترفع الثاني منونًا. والخامس عكسه. "الحول" الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى قاله ثعلب وغيره، وقال بعضهم: لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته وحكي هذا عن ابن مسعود، وحكى الجوهري: لغةً غربية ضعيفة أن يقال: لا حيل ولا قوة إلا بالله -بالياء- قال: والحول والحيل بمعنى. ويقال في التعبير عن قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله: الحوقلة، قاله الأزهري. وقال الجوهري: الحولقة. فعلى الأول -وهو المشهور- الحاء والواو من الحول والقاف من القوة واللام من اسم الله. وعلى الثاني الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، ومثلها الحَيْعلة والبسملة والحمدلة والهَيْللة والسَبحلة في حي على الصلاة، وحي على الفلاح، وبسم الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله. وقال في كتاب "اليواقيت" وفي غيره: إن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة وهي: بَسْمَل الرجل إذا قال: بسم الله، وسَبحَل إذا قال: سبحان الله، وحَوْقَل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحَيْعَل ¬

_ (¬1) "سنن النسائي الكبرى" (6/ 15 رقم 9868).

إذا قال: حي على الفلاح ويجيء على القياس الحَيْصلة إذا قال: حي على الصلاة ولم يذكر، وحَمْدل: إذا قال الحمد لله، وهَيلل إذا قال: لا إله إلا الله، وجَعْفَل إذا قال: جُعِلْتُ فداك، زاد الثعالبي الطَيْقلة إذا قال: أطال الله والدَمْعزة إذا قال: أدام الله عزك. وقال عياض: قوله الحيصلة على قياس الحيعلة غير صحيح بل الحيعلة تُطلق على حيّ على الفلاح وحيّ على الصلاة كلها حَيْعلة، ولو كان على قياسه في الحيصلة لكان الذي يقال في حي على الفلاح الحَيْفلة -بالفاء- وهذا لم يُقل، وإنما الحيعلة من قولهم حيّ على كذا، فكيف وهو باب مسموع لا يقاس عليه، وانظر إلى قوله: جَعْفَل في جُعِلت فداك لو كان على قياس الحيعلة لقال جَعْلفَ إذ اللام مقدمة على الفاء وكذلك الطيْقلة تكون اللام على القياس قبل الفاء والقاف. قوله: "من قلبه" يتعلق بقوله: "فقال أحدكم" أي قال ذلك خالصًا مخلصًا من قلبه لأن الأصل في القول والفعل الإخلاص. قوله: "دخل الجنة" جواب قوله: "فقال أحدكم" في المعنى، وجزاء ذلك القائل. ص: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا سَعيدُ بن سليمان، عن شريك، عن عاصم بن عبيد الله، عن علي بن حُسين، عن أبي رافع قال: "كان رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع المؤذن قال مثل ما قال، وإذا قال: حي على الصلاة حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله". ش: ابن أبي داود هو إبراهيم البرُلُسي وسعيد بن سليمان الضَبيّ أبو عثمان الواسطي المعروف بسَعْدوَيْه أحد مشايخ البخاري وأبي داود، وشريك هو ابن عبد الله النخعي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات. وعاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، ضعّفه يحيى والجوزجاني، وقال الدارقطني: متروك. وقال العجلي: لا بأس به. وروى له الأربعة.

وعلي بن حُسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - روى له الجماعة. وأبو رافع مولى النبي - عليه السلام - القبطي قيل: اسمُه إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت. وأخرجه النسائي (¬1): عن أبي رافع نحوه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمَّد بن إبراهيم القرشي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله قال: "كنا عند معاوية بن أبي سفيان فأذن المؤذن، فقال: الله أكبر، الله أكبر فقال معاوية: الله أكبر، الله أكبر. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال معاوية: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال: أشهد أن محمدًا رسُول الله. فقال معاوية: أشهد أن محمدًا رسُول الله. حتى بلغ حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله". قال يحيى: وحدثني رجل: "أن معاوية لما قال ذلك قال: هكذا سمعنا نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول". ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي. وأخرجه البخاري (¬2): عن معاذ بن فَضالة، عن هشام، عن يحيى إلى آخره. وقد ذكرنا في الفصل الأول عند حديث معاوية وقد قلنا: إن حديث معاوية روي من وجوه كثيرة. ص: حدثنا أبو بكرة قال: ثنا سعيد بن عامر قال: ثنا محمَّد بن عمرو، عن أبيه، عن جده. أن معاوية قال مثل ذلك ثم قال: "هكذا قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -". ¬

_ (¬1) "سنن النسائي الكبرى" (6/ 15 رقم 9869). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 222 رقم 587).

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أيضًا -يعني داود بن عبد الرحمن- عن عمرو بن يحيى، عن عبد الله بن علقمة قال: "كنت جالسًا إلى جنب معاوية ... " فذكر مثله، ثم قال معاوية: "هكذا سمعت رسُول الله - عليه السلام - يقول". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج، قال: حدثني عمرو بن يحيى الأنصاريّ، أن عيسى بن محمَّد أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص ... فذكره نحوه. ش: هذه ثلاث طرق أخرى ورجالها ثقات: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضُبَعي البصري، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبيه عمرو، عن جده علقمة بن وقاص: "أن معاوية ... ". وأخرجه الدارمي في "سننه" (¬1): أنا سعيد بن عامر، نا محمَّد بن عمرو، عن أبيه، عن جده: "أن معاوية سمع المؤذن قال: الله أكبر الله أكبر. فقال معاوية: الله الله أكبر، الله أكبر. فقال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال معاوية: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال المؤذن: أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال معاوية: أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال المؤذن حيّ على الصلاة. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال المؤذن: حيّ على الفلاح. فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فقال: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم قال: هكذا فعل رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي، عن عمرو بن يحيى بن سعيد المكي، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص الليثي ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "سنن الدارمي" (1/ 294 رقم 1203).

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا أبو حبيب يحيى بن نافع المصري، نا سعيد بن أبي مريم، أنا داود بن عبد الرحمن العطار، حدثني عمرو بن يحيى، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه قال: "كنت جالسًا مع معاوية، فلما أذن المؤذن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال معاوية: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال المؤذن: أشهد أن محمدًا رسول الله. فقال معاوية: أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم قال المؤذن: حي على الصلاة. فقال معاوية: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حي على الفلاح. فقال معاوية: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر الله أكبر. فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. فقال معاوية: لا إله إلا الله، ثم قال معاوية: هكذا سمعت رسُول الله - عليه السلام -". الثالث: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمَّد المِصّيصي الأعور، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عمرو بن يحيى الأنصاري، أن عيسى بن محمَّد أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص ... فذكر نحو المذكور، وقد وقع في النسخ كلها: عيسى بن محمد وهو غلط، والصواب: عيسى بن عمرو، وفي "التكميل" عيسى بن عمرو، ويقال: ابن عُمير حجازي روى عن عبد الله بن علقمة بن وقاص، عن أبيه، عن معاوية في القول كما يقول المؤذن، وعن عمرو ابن يحيى بن عمارة روى له النسائي. وكذا أخرجه البيهقي في "المعرفة" (¬2) وقال: أنا أبو زكريا، وأبو بكر وأبو سعيد، قالوا: ثنا أبو العباس، قال: أنا الربيع قال: أنا الشافعي، قال: أنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: أنا يحيى المازني أن عيسى بن عَمرو أخبره، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص قال: "إني لعِنْدَ معاوية؛ إذ أذن مؤذنٌ، فقال معاوية كما قال مؤذنه، حترل إذا قال: حيّ على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (19/ 321 رقم 730). (¬2) "معرفة السنن والآثار" (1/ 436 رقم 575).

ولما قال: حيّ على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال بعد ذلك مثل ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسُول الله - عليه السلام - يقول ذلك". وكذا أخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1). ص: وقد روي عن النبي - عليه السلام - أيضًا أنه كان يقول عند الأذان ويأمر به ما قد حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن الحكيم بن عبد الله بن قيس، عن عامر بن سعد بن أي وقاص، عن سَعْد - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبد ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبالإِسلام دينًا؛ غُفِر له ذنبه". حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا الليث ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عُفَيْر، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن عبيد اللهَ بن المغيرة، عن الحُكَيْم بن عبد الله بن قيس ... فذكر مثله بإسناده وزاد فيه أنه قال: "من قال حين يسمع المؤذن يتشهد". ش: أشار بهذا الحديث وبالذي بعده أن الذي ينبغي أن يقال عند الأذان ينبغي أن يكون ثناءً وذكرا كما أمر به النبي - عليه السلام - في الأحاديث الآتية، وقول السامع: حي على الصلاة، حي على الفلاح ليس بثناء ولا ذكر ولا دعاء، فينبغي أن لا يقول ذلك، بل يقول عوضه: لا حول ولا قوة إلا بالله كما ذكرنا. ثم إنه أخرج حديث سَعْد بن أبي وقاص -أحد العشرة المبشرة واسم أبي وقاص مالك بن أهيب- من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سَعْد، ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (19/ 321 رقم 730).

عن الحُكَيْم -بضم الحاء المهملة وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف- ابن عبد الله المصري، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا قتُيبة، نا ليث، عن الحُكَيْم بن عبد الله، عن عامر بن سعد بن أبي قاص، عن سعد بن أبي وقاص، عن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من قال حين يسمعُ الأذان أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإِسلام دينًا؛ غفر له ذنبه". قال ابن رمح في روايته: "من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد" ولم يذكر قتيبة: "وأنا". وأخرجه أبو داود (¬2): عن قتيبة بن سعيد نحوه، وفي آخره: "غفر له" فقط، وليس فيه: "ذنبه". وأخرجه النسائي (¬3): عن قتيبة كذلك. وأخرجه الترمذي (¬4) أيضًا: عن قتيبة، عن الليث كذلك. وأخرجه ابن ماجه (¬5): عن محمد بن رمح المصري، عن الليث كذلك. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن يوسف، عن الليث بن سعد، عن الحُكَيْم بن عبد الله، عن عامر بن سعد، عن سعد، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه عبدبن حميد في "مسنده" (¬6): ثنا وهب بن جرير، ثنا ليث بن سعد، عن حُكَيْم بن عبد الله، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 290 رقم 386). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 199 رقم 525). (¬3) "المجتببى" (2/ 26 رقم 679). (¬4) "جامع الترمذي" (1/ 411 رقم 210). (¬5) "سنن ابن ماجه" (1/ 238 رقم 721). (¬6) "المنتخب من مسند عبد بن حميد" (1/ 78 رقم 142).

لا شريك له وأن محمدًا عبد ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمدٍ نبيًّا غفر له ذنبه. فقلت: ما تقدم من ذنبه. فقال: ليس هكذا قال سعد، قال: غُفر له ذنبه". الثالث: عن رَوْح بن الفرج القطان، عن سعيد بن كثير بن عفير أبي عثمان المصري، عن يحيى بن أيوب الغافقي أبي العباس المصري، عن عبيد الله بن المغيرة ابن مُعَقبة، المصري عن الحكيم بن عبد الله، عن عامر بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص ... إلى آخره، وزاد فيه روح بن الفرج أنه قال: "من قال حين يَسمع المؤذن يتشهد: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده ... " إلى آخره. قوله: "ورضيت بالله ربًا" أي قنعتُ به واكتفيتُ به ولم أطلب معه غيره. قوله: "وبالإسلام دينًا" أي رضيت بالإِسلام دينًا بمعنى: لم أسَعْ في غير طريق الإِسلام، ولم أسلك إلا ما يوافق شرع محمد - عليه السلام -، أو لم أتبع غير الإِسلام دينًا. فإني قيل: بماذا انتصب ربًّا ورسولًا ودينًا؟ قلت: يجوز أن يُنصبْن على التمييز، وهو وإن كان الأصل فيه أن يكون فاعلًا في المعنى يجوز أن يكون مفعولًا أيضًا نحو {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} (¬1) ويجوز أن ينصبن علي المفعولية لأن "رضي" إذا عُدي بالباء يتعدى إلى مفعول آخر. فإن قيل: ما المراد من قوله: "دينًا"؟ قلت: المراد من الدين ها هنا التوحيد، وبذلك فسر صاحب "الكشاف" في قوله: تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا} (¬2) بمعنى التوحيد. وأما في الحديث الصحيح عن عمر - رضي الله عنه - قال: "بينما نحن عند رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ... إلى آخره" (¬3). فقد أطلق رسُول الله - عليه السلام - الدين على الإِسلام والإيمان والإحسان بقوله: "إنه جبريل أتاكم ¬

_ (¬1) سورة القمر، آية: [12]. (¬2) سورة آل عمران، آية: [85]. (¬3) أخرجه مسلم (1/ 36 رقم 8)، وأخرجه البخاري (1/ 27 رقم 50) من حديث أبي هريرة.

ليعلمكم دينكم" وإنما علمهم هذه الثلاثة، والحاصل في هذا أن الدين تارةً يطلق على الثلاثة التي سأل عنها جبريل - عليه السلام -، وتارةً يطلق على الإِسلام كما في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (¬1) وبهذا يمنع قول من يقول: بين الآية والحديث معارضة؛ حيث أطلق الدين في الحديث على ثلاثة أشياء، وفي الآية على شيء واحد، واختلاف الإطلاق إما بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز، أو بالتواطئ ففي الحديث أطلق على مجموع الثلاثة؛ وهو أحد مدلولَيْه، وفي الآية أطلق على الإِسلام وحده؛ وهو مسماه الآخر. فإن قيل: لم قال: بالإِسلام ولم يقل: بالإيمان؟ قلت: الإِسلام والإيمان واحد فلا يرد السؤال، والدليل على ذلك قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)} (¬2) والمراد بهما آل لوط - عليه السلام -، فوصفهم تارة بأنهم مؤمنون، وتارة بأنهم مسلمون، فدل على أن الإيمان والإِسلام شيء واحد. قوله: "غفر له ذنبه" جواب قوله: "مَن قال" أي غُفِرَ له ذنوبه ما دون الكبائر، هكذا قالوا، ولكن اللفظ بعمومه يتناول الصغائر والكبائر، نعم يخرج عنه حق العباد لدلائل أخرى، فافهم. ص: حدثنا محمد بن النعمان السَقَطي، قال: ثنا يحيى بن يحيى النيسابوريّ، قال: ثنا أبو عمر البزار. عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يقول إذا سمع النداء فيكبر المنادي فيكبر، ثم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأن محمدًا رسول الله، فيشهد على ذلك ثم يقول: اللهم أعط محمدًا الوسيلة واجعله في الأَعْلين درجته، وفي المصطفين محبته، وفي المقربين ذكره. إلا وجبتْ له شفاعة مني يوم القيامة". ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [3]. (¬2) سورة الذاريات، آية: [35، 36].

ش: يحيى النيسابوري شيخ البخاري ومسلم، وأبو عمر البزار. اسمه حفص ابن سليمان الأسدي ويعرف بحَفَيْص، ضعيف جدًّا حتى كذبه بعضهم، ولكن كان ثبتًا في القراءة، والبَزَّار -بالباء الموحدة المفتوحة وتشديد الزاي المعجمة وفي آخره زاي معجمة- وقيس بن مسلم الجَدَلي العَدْواني أحد مشايخ أبي حنيفة روى له الجماعة، وطارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي. وأخرجه الطبراني (¬1): ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو كريب نا عثمان بن سعيد نا أبو عمر حفص، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يقول حين يسمع النداء بالصلاة فكبّر، فيكبّر ويَشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمد رسُول الله، ثم يقول: اللهم أعط محمدًا الوسيلة والفضيلة، واجعله في الأعلين درجته وفي المَصْطفين محَبتَه وفي المقربين ذكره إلا وجبت له الشفاعة يوم القيامة". قوله: "إذا سمع النداء" أي الأذان. قوله: "الوسيلة" قد فسرها في الحديث أنها منزلة في الجنة، وقد مَرَّ الكلام فيه عن قريب. قوله: "واجعله في الأعلين درجته" أي اجعل له في الأعلين درجته، وهو جمع أعلى وقد علم أن الجمع بالواو والنون، يكون في الصفات والأعلام التي للعقلاء، ولا شك أن "أعلى" ها هنا صفة من يَعقل لأن المراد منهم الأنبياء المقربون والملائكة المقربون - عليه السلام -، فجمع بالواو والنون، تقول: أعلون. كما في قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} (¬2) ثم يكون إعرابه كإعراب سائر المجموع المصحّحة، وهو أن يكون بالواو حالة الرفع، وبالياء حالة النصب والجر. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (10/ 14 رقم 979). (¬2) سورة آل عمران، آية: [139].

فإن قيل: فعلى ما ذكرت تكون درجة النبي - عليه السلام - في جملة درجات الأعلَين فلا يحصل له مزية على غيره. قلت: كلمة "في" ها هنا بمعنى "على" كما في قوله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} (¬1) أي على جذوع النخل والمضاف محذوف، وتقدير الكلام: واجعل له درجته على درجات الأعلين. ويمكن أن يكون هذا جمع أعلى الذي هو المكان الأعلى من غيره، ويكون جمعه كجمع أدْنَون ونحوه، ويكون المعنى حينئذ: اجعل له درجته على الأماكن العالية التي ليس عليها مكان لأحدٍ. فإن قيل: شرط هذا الجمع أن يكون فيه ضمة قبل الواو في حالة الرفع، وكسرة قبل الياء في حالة الجرِّ والنصب، وها هنا ليس كذلك؛ لأن "اللام" من الأعلين مفتوحة، والحال أنه مجرور. قلت: هذا مكسور وحكمه أن تكون الضمة والكسرة مقدرتين في حالتي الجر والنصب في الألف المحذوفة لألتقاء الساكنين، فافهم. قوله: "وفي المصطفين" بفتح الفاء وهو جمع مصطفى فهو أيضًا يكون بالواو حالة الرفع وبالياء حالتي النصب والجر، تقول: جاءني المصطفون، ورأيت المصطفين ومررت بالمصطفين. فالكسرة التي يجب أن تكون قبل الياء في الحالتين مقدرة ها هنا أيضًا كما في الأعلين، والمصطفى المختار، من الصفوة، وأصله مُصْتفى بالتاء ولكنها قلبت طاء لأن "الصاد" من المجهورة و"التاء" من المهموسة فلا يتفقان. وفيه: استحباب هذا الدعاء عند تشهد المؤذن في أذانه، وإثبات الشفاعة ردًّا على من أنكرها، وجواز دعاء أحد لأحد والطلب له من الله تعالى ما يليق له من الفضائل والفواضل. ص: حدثنا عبد الرحمن بن عَمرو الدمشقي، قال: ثنا علي بن عياش، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "كان ¬

_ (¬1) سورة طه، آية: [71].

رسُول الله - عليه السلام - إذا سمع المؤذن قال: اللهم رَبّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة أَعْط محمدًا الوسيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته". ش: إسناده صحيح وعلي بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة ابن مسلم الأَلْهاني الحمصي شيخ البخاري. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا علي بن عياش، ثنا بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، أن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته. حلت له شفاعتي يوم القيامة". وأخرجه أبو داود (¬2): عن أحمد بن حنبل، عن علي بن عياش نحو رواية البخاري، غير أن في روايته "إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة". وأخرجه الترمذي (¬3): عن محمد سهل وإبراهيم بن يعقوب، كلاهما عن علي بن عياش نحو رواية أبي داود. وأخرجه النسائي (¬4): عن عمرو بن منصور، عن علي بن عياش نحوه إلا أنه ليس في روايته: "يوم القيامة". وأخرجه ابن ماجه (¬5): عن محمد يحيى والعباس بن الوليد الدمشقي ومحمد بن أبي الحسين، كلهم عن علي بن عياش نحو رواية النسائي. قوله: "اللهم" معناه: يا الله و"الميم" فيه عوض من "يا" ولذلك لا يجتمعان، فلا يقال: يا اللهم. وهذا بعض خصائص هذا الاسم، كما اختص بالتاء في القسم، ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 222 رقم 589). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 201 رقم 529). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 413 رقم 411). (¬4) "المجتبى" (2/ 62 رقم 680). (¬5) "سنن ابن ماجه" (1/ 239 رقم 722).

وبدخول حرف النداء عليه وفيه "لام" التعريف، وبقطع همزته في يا ألله، وبغير ذلك، قاله الزمخشري. قوله: "ربّ" منصوب على النداء، ويجوز رفعه علي أنه خبر مبتدأ محذوف أي: أنت ربُّ هذه الدعوة، والربّ المربّي المصلح للشأن، واشتقاقه من الربّة وهي نبت يصلح عليه المال يقال: ربّ يَرُبُّ ربّا ورَبَّى يربّي تربية، وأصله رَبَبٌ وهو قول زيد بن علي وسعيد بن أوس. وقال الحسين بن الفضل: هو الثابت لم يزل، مِنْ ربّ بالمكان إذا أقام، وأرض مُربٌ ومِرباب دام بها المطر، وفي اللغة الربُّ: المالك والسيد والصاحب. وقال الواسطي: هو الخالق ابتداء، والمربي غدا والغافر انتهى. وقال الزمخشري: ربّه يربَه فهو رب كما تقول نمّ عليه ينمّ فهو نم، ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل، ولم يطلقوا الرب إلَّا في اللهَ وحده وفي غيره على التقيد بالإضافة كقولهم: ربّ الدار ورب الناقة، ومعنى "رب هذه الدعوة التامة" أي صاحب هذه الدعوة، و"الدَّعوة" بفتح الدال وكذلك كل شيء دعوته، ويريد بالدعوة التامة التوحيد، وقيل لها: تامة؛ لأنه لا نقص فيها ولا عيب، وقيل: وصفها بالتمام لأنها ذكر للهَ ويُدعى بها إلى عبادته وذلك الذي يستحق التمام، وقيل: التامة: الكاملة وكمالها أن لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس، وقيل: معنى التمام: كونها محمية عن النسخ وإلا بدال، باقية إلى يوم القيامة، وقد بسطت الكلام فيه في شرحي للكلم الطيب لابن تيمية -رحمه الله-. قوله: "والصلاة القائمة" أي الدائمة التي لا تغيرها ملة ولا تنسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السموات والأرض. قوله: "الوسيلة" منصوب على المفعولية، وقد مر معناها عن قريب أنها منزلة في الجنة، وقيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هي القرب من اللهَ تعالى.

قوله: "المقام المحمود" أي الذي يحمده القائم فيه وكل من رآه وعرفه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. وقيل: المراد الشفاعة وهي نوع مما يتناوله، وعن ابن عباس: مقامًا يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف فيه على جميع الخلائق؛ تسأل فتُعْطى، وتَشْفَع فَتُشَفَّع، ليس أحد إلا تحت لوائك. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام -: "هو المقام الذي اشفع فيه لأمتي". فإن قيل: قد وعده الله تعالى بالمقام المحمود، وهو لا يخلف الميعاد، فما الفائدة في دعاء الأمُة بذلك؟ قلت: إما لطلب الدوام والثبات، وإما للإشارة إلى جواز دعاء الشخص لغيره والاستعانة بدعائه في حوائجه ولا سيما من الصالحين. قوله: "الذي وعدته" بدل من المقام المحمود، أو منصوب بأعني، أو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وأراد به حكايته لفظ القرآن في قوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} (¬1). ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نُعَيْم الطحان، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن حفصة ابنة أبي كثير عن أمها قالت: علمتني أم سلمة - رضي الله عنها - وقالت: علمني رسُول الله - عليه السلام - قال: "يا أم سلمة إذا كان عند أذان المغرب فقولي: اللهم عند استقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دُعاتك وحضور صلواتك؛ اغفر لي". ش: أبو نعيم اسمه ضرار بن صُرَد التيمي الطحان الكوفي، فيه مقال كثير حتى كذبه يحيى بن معين وتركه النسائي. ¬

_ (¬1) سورة الإسراء، آية: [79].

ومحمد بن فضيل بن غزوان أبو عبد الرحمن الكوفي روى له البخاري والنسائي وابن ماجه. وعبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث أبو شيبة الواسطي فيه مقال كثير، روى له أبو داود والترمذي. وحفصة ابنة أبي كثير مولى أم سلمة ويقال لها: خُميصة، وكذا وقع في رواية للطبراني على ما نذكره، وذكرها ابن حبان في "الثقات"، وأم حفصة لم أدر من هي ولا وقفت على اسمها، ولعل هذا تصحيف، والصحيح عن حفصة بنت أبي كثير، عن أبيها كما وقع هكذا في رواية الترمذي (¬1) حيث قال: ثنا حسين بن علي بن الأسود البغدادي، قال: نا محمد بن فُضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن حفصة بنة أبي كثير، عن أبيها أبي كثير، عن أم سلمة قالت: "علمني رسُول الله - عليه السلام - قال: قولي عند أذان المغرب: اللهم عند استقبال ليلك، وإدبار النهار، وأصوات دُعاتك، وحضور صلواتك، أسألك أن تغفر لي" هذا حديث غريبٌ إنما نعرفه من هذا الوجه، وحفصة بنت أبي كثير لا نَعْرفها ولا أباها. ذكره في الدعوات. وأخرجه أبو داود (¬2): عن أبي كثير مولى أم سلمة، عن أم سلمة، فقال: ثنا في مُؤملَ ابن إهاب، ثنا عبد اللهَ بن الوليد العَدَني، ثنا القاسم بن مَعْن، نا المسعودي، عن أبي كثير مولى أم سلمة، عن أم سلمة قال: "علمني رسُول الله - عليه السلام - أن أقول عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي". وكذا أخرجه الطبراني (¬3) فقال: ثنا الحسن بن إسحاق، ثنا عثمان بن أبي شيبة، وثنا عبيد بن أبي غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا إسحاق بن منصور، نا هريم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي كثير مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: قال لي رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قولي عند أذان المغرب: اللهم عند إقبال ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (5/ 574 رقم 3589). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 201 رقم 530). (¬3) "المعجم الكبير" (23/ 303 رقم 680).

ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلواتك، اغفر لي. وكانت إذا تعارت من الليل تقول: ربّ اغفر وارحم واهد السبيل الأقوم". وله (¬1) من طريق آخر عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خميصة، عن النبي - عليه السلام - نحوه. قلت: خُميصة -بضم الخاء المعجمة وبالصاد المهملة (¬2). قوله: "عند استقبال" ظرف، والعامل فيه قوله: "اغفر لي". قوله: "دعاتك" جمع دل، كقضاة جمع قاضٍ، وإنما أضاف هذه الأشياء إلى الله تعالى وإن كانت جميع الأشياء للهَ تعالى؛ لإظهار فضيلة هذه الأشياء لأن المضاف يكتسي الفضيلة والشرف من المضاف إليه كما في ناقة الله، وإنما حث بالدعاء في هذا الوقت لأنه وقت شريف باعتبار أنه آخر النهار -وهو وقت ارتفاع الأعمال- وأول الليل اللذين هما اثنان من آيات الله تعالى الدالة على وحدانيته وبقائه وَقِدَمِه، وأنه وقت حضور العبادة فيكون أقرب للإجابة. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذه الآثار تدل على أنه إنما أراد بما يقال عند الأذان الذكر، فكل الأذان ذكرٌ غير حي على الصلاة، حي على الفلاح فإنهما دعاء، فما كان من الأذان ذكرًا فينبغي للسامع أن يقوله، وما كان منه دعاء إلى الصلاة فالذكر الذي هو غيره أفضل منه وأولى أن يقال. ش: أراد به الأحاديث التي رواها عن سَعْد وابن مسعود وجابر بن عبد الله وأم سلمة - رضي الله عنهم -، والباقي واضح. ص: وقد قال قوم: قولُ النبي - عليه السلام -: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" على الوجوب. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (23/ 303 رقم 681). (¬2) كذا بالأصل- والصواب- حميضة -بالحاء المهملة والضاد المعجمة- انظر "الإكمال" (2/ 537).

ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وابن وهب من أصحاب مالك والظاهرية، فإنهم قالوا: الأمر ها هنا على الوجوب؛ لأن الأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، ألا ترى أنه يجب عليه قطع القراءة وترك الكلام والسلام ورده وكل عمل غير الإجابة، فهذا أمارة الوجوب، وقد مر التحقيق فيه في هذا الباب. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: ذلك على الاستحباب لا على الوجوب. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: الشافعي ومالكًا وأحمد وجمهور الفقهاء، فإنهم قالوا: الأمر في هذا الباب على الاستحباب دون الوجوب، وهو اختيار الطحاوي أيضًا، فلذلك أقام الحجة لهؤلاء ولم يقل عند انتهاء الباب: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد كما هو عادته في أكثر المواضع. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبيد اللهَ بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن علقمة، عن عبد اللهَ قال: "كنا مع النبي - عليه السلام - في بعض أسفاره، فسمع مناديًا وهو يقولُ: الله أكبر، الله أكبر. فقال النبي - عليه السلام -: على الفطرة: فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسُول الله - عليه السلام -: خرج من النار. قال: فابتدرناه؛ فإذا صاحب ماشية أدركته الصلاة فنادى بها". قال أبو جعفر: فهذا رسُول الله - عليه السلام - قد سمع المنادي ينادي فقال غير ما قال، فدل ذلك أن قوله: "إذا سمعتم المنادي فقولوا مثل الذي يقول" ليس على الإيجاب، وأنه على الاستحباب والنَدْبة إلى الخير وإصابة الفضل، كما قد علم من الدعاء الذي أمرهم أن يقولوه في دُبُر الصلوت وما أشبه ذلك، والله أعلم. ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما قالوه: حديث ابن مسعود؛ فإنه يدل على أن إجابة المؤذن غير واجبة؛ لأنه - عليه السلام - قد سمع ذلك المنادي ولم يقل مثل ما قال المنادي بل قال غير ما قاله، فلو كانت الإجابة واجبة لكان - عليه السلام -

أجابه بمثل ما قال فدل ذلك على أن الأمر في قوله - عليه السلام -: "فقولوا مثل الذي يقول" ليس على الإيجاب، وأنه على الاستحباب وإصابة الفضل كما في سائر الأدعية التي عَلَّمها رسُول الله - عليه السلام - أمته أن يقولوها في أدبار الصلوات وما أشبه ذلك. قلت: فيه نظر لأن الأمر المطلق المجرد عن القرائن يدل على الوجوب ولا سيما قد تأيد ذلك بما روي من الآثار والأخبار في الحث على الإجابة. وقد روي ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن عبد اللهَ قال: "من الجفاء أن تسمع المؤذن ثم لا تقول مثل ما يقول". ولا يكون من الجفاء إلا ترك الواجب، وترك المستحب ليس من الجفاء ولا تاركه جافٍ. وأما حديث ابن مسعود فلا ينافي إجابة الرسول - عليه السلام - لذلك المنادي بمثل ما قال، وترك الراوي ذكره لأنه يمكن أن يكون قد قال مثل ما قال ذلك المنادي ثم قال ما قال، أو قال ما قال ثم أجاب، فتقدمُ ما قال على الإجابة يكون لمصلحة ظهرت له في ذلك الوقت، أو يكون الأمر بالإجابة بعد هذه القضية. قوله: "والنَدبة" بفتح النون: الدعوة، من ندبه الأمر فانتدب له أي دعاه له فأجاب، وأما النُدبة -بضم النون- فهو اسم للنْدب من ندب على الميت إذا بكى عليه وعدّد محاسنه، والنَّدَب -بالتحريك- الخطر والندَبُ أيضًا: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد. قوله: "في دبر الصلوات" أي عقيبها وأدبارها، ودبر كل شىء عقيبه. قوله: "وما أشبه ذلك" أي: من الأدعية التي علمهم النبي - عليه السلام - أن يقولوها عند الصباح والمساء ونزول المطر وهبوب الريح وركوب الدابة ونحو ذلك. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 116 رقم 1326).

ثم إسناد حديث عبد الله بن مسعود صحيح على شرط مسلم، وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك بن نضلة الأشجعي الكوفي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1): من حديث عبد الوهاب بن عطاء، أنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن علقمة، عن ابن مسعود: "بينما نحن مع رسول الله - عليه السلام - في بعض أسفاره إذ سمعنا منادِيًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسُول الله - عليه السلام - ... " إلى آخره نحوه. وأخرج مسلم (¬2): من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: حدثني زُهيْر بن حَرْب، قال: ثنا يحيى -يعني ابن سعيد- عن حماد بن سلمة، قال: نا ثابت، عن أنس بن مالك قال: "كان رسُول الله - عليه السلام - يُغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار. قال: فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسُول الله - عليه السلام -: على الفطرة. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسُول الله - عليه السلام -: حرمتَ من النار. فنظروا فإذا هو راعي معزَى". قوله: "على الفطرة" أي على الإسلام إذ كان الأذان شعارهم، ولهذا كان - عليه السلام - إذا سمع أذانًا أمسك وإلا أغار؛ لأنه كان فرقُ ما بين بلد الكفر وبلد الإسلام. قوله: "خرج من النار" أراد بتوحيده وصحة إيمانه؛ لأن ذلك منج من النار. فإن قيل: كيف يكون مجرد القول بلا إله إلا الله إيمانًا؟ قلت: هو إيمان ثابت في حق المشرك وحق من لم يكن بين المسلمين، أو يخالط المسلمين لا يصير مؤمنًا إلا بالتلفظ بكلمتي الشهادة بل شرط بعضهم التبرئ مما كان عليه من الدين الذي يعتقده. قوله: "فابتدرناه" أي تسارعنا إلى أخذه، وأصله: من بدرتُ إلى الشيء أبْدُر بُدورًا إذا أسرعت إليه، وكذلك بادرتُ، وتبادر القوم: سارعوا، وابتدروا السلاح: تسارعوا إلى أخذه. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 405 رقم 1763) بدون ذكر علقمة. (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 288 رقم 382).

قوله: "فإذا" كلمة مفاجأة تدخل على الجملة وهي ها هنا. قوله: "صاحب ماشية أدركته الصلاة" وهي جملة أسمية، والماشية اسم يقع على الإبل والبقر والغنم وأكثر ما يستعمل في الغنم. ويستفاد منه أحكام: الأول: أن الأذان شعار الإِسلام، وقال عياض: فرض على الكفاية واختلف لفظ مالك وبعض أصحابه في إطلاق الوجوب عليه، فقيل: معناه وجوب السنن المؤكدة كما جاء في الجمعة والوتر وغيرهما، وقيل: هو على ظاهره من الوجوب على الكفاية، إذ معرفة الأوقات فرض وليس كل أحد يقدر على مراعاتها، فقام به بعض الناس عن بعض. وقيل: "سنة" يعني ليس من شرط صحة الصلاة. واختلف المذهب في أذان الجمعة أهو فرض أم سنة، فظاهر قول مالك في "الموطإ" أنه على الوجوب في الجماعات والمساجد. وقال به بعض أصحابنا وأنه فرض على الكفاية وهو قول بعض أصحاب الشافعي وقال الأوزاعي وداود في آخرين: فرض، ولم يفصِّلوا وروى الطبري عن مالك: إن ترك أهل مصر الأذان عامدين أعادوا الصلاة، وذهب بعضهم ومعظمهم أصحابنا أنه سنة. والأول هو الصحيح. انتهى. وقال أحمد: الأذان فرض للصلوات الخمس. وهو قول الإصطخري أيضًا في فروع الحنابلة: الأذان والإقامة فرض كفاية حضرًا لكل صلاة، فرض عين يقاتل أهل البلد على تركهما ويُسنان سفرًا، هذا اختيار أبي بكر والقاضي في "المجرد"، والصحيح: أن لا فرق بين الحاضر والمسافر، والقرية والواحد والجماعة، وعنه يُسنان إلا الأذان المحرِّم للبيع يوم الجمعة. وقال صاحب "البدائع": قد ذكر محمد ما يدل على وجوب الأذان فإنه قال: لو أن أهل بلدة اجتمعوا على ترك الأذان لقاتلتهم عليه ولو تركه واحدٌ ضربته

وحبسته، وإنما يقاتل ويضرب ويحبس على ترك الواجب، وعامة مشايخنا قالوا: إنهما سنتان مؤكدتان. قلت: القولان يتنافيان؛ لأن السنة المؤكدة والواجب سواء، خصوصًا السنة التي هي من شعار الإِسلام فهذا أولى فافهم. الثاني: فيه حجة في استحباب الأذان للمفرد البادي؛ لأن الأذان والإقامة من لوازم الجماعة المسلمة والسفر لم يسقط الجماعة فلا يُسقط ما هو من لوازمها، فإن صلوا بجماعة فأقاموا وتركوا الأذان أجزأهم ولا يكره، ويكره لهم ترك الإقامة بخلاف أهل العصر إذا تركوا الأذان، وذلك لأن السفر سبب الرخصة وقد أثر في سقوط شطر الصلاة، فجاز أن يؤثر في سقوط أحد الأذانين إلا أن الإقامة أكثر ثبوتًا من الأذان فيسقط الأذان دون الإقامة. الثالث: فيه دليل على أن من يقول: لا إله إلا الله لا يُؤَبد في النار، وأن من لا يقوله لا يخرج من النار. الرابع: أن الحكم بحسب الظاهر ولا يكلف إلى معرفة الباطن، ألا ترى أنه - عليه السلام - قال: "على الفطرة" حين سمع المنادي يقول: "الله أكبر، الله أكبر" -أي على الإِسلام كما قلنا- ولم يقل شيئًا غير ذلك. والله أعلم (¬1). ¬

_ (¬1) كتب المؤلف -رحمه الله- هنا: فرغت يمين مؤلفه من تبييضه وتنقيحه ليلة الاثنين الرابع من شهر صفر عام تسعة عشر وثمانمئة بحارة كتامة بمدرسته التي أنشأها فيها، عمرها الله تعالى بذكره، فنسأل اللهَ العظيم أن يرزقنا إتمامه بحرمة محمد - عليه السلام -

ص: باب: مواقيت الصلاة

[(¬1) بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين ص: باب: مواقيت الصلاة ش: أي هذا باب في بيان أحكام مواقيت الصلاة. والمواقيت جمع ميقات بمعنى الوقت، ويقال: المواقيت جمع وقت على غير القياس، والمناسبة بين الأذان وهذا الباب ظاهرة، وقدمه على أحكام الصلاة لأنه سبب لها، فقدمه عليها لتوقف صحتها على معرفة المواقيت. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن سهل بن حنيف، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - (ح). وحدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس (ح). وحدثنا ربيع المؤذن، قال: حدثنا أسيد، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمَّني جبريل - عليه السلام - مرتين عند باب البيت، فصلى بي الظهر حين مالت الشمس، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، وصلى بي الظهر من الغد حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى ¬

_ (¬1) وقع هنا سقط من "الأصل، ك" بمقدار ورقة واستدركتها من "ح" وهي نسخة "أحمد الثالث".

بين المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين مضى ثلث الليل، وصلى بي الغداة عندما أسفر، ثم التفت إليّ فقال: يا محمد، الوقت فيما بين هذين الوقتين، هذا وقت الأنبياء من قبلك". ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي العدوي البصري احتج به الأربعة، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة، هو عبد الرحمن بن الحارث بن عبد اللهَ بن عياش بن أبي ربيعة، واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد اللهَ بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني والد المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث، روى له الأربعة ووثقه ابن حبان، وقال النسائي: ليس بالقوي. وعن يحيى بن معين: صالح. ولما ذكره أبو داود في روايته قال: عن سفيان، حدثني عبد الرحمن بن فلان بن أبي ربيعة. وهو يروي عن حَكيم بن حَكيم -بفتح الحاء فيهما- بن عباد بن سهل بن حنيف الأنصاري المدني، قال ابن سعد: لا يحتجون بحديثه. ووثقه ابن حبان وروى له الأربعة. عن نافع بن جبير بن مطعم المدني، روى له الجماعة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدثني عبد الرحمن ابن فلان بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " [أمَّني جبريل - عليه السلام -]، (¬2) عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 160 رقم 393). (¬2) سقط من "ح"، والمثبت من "سنن أبي داود".

صلى بي الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إليّ فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد اللهَ بن وهب المصري، عن يحيى بن عبد اللهَ بن سالم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، روى له مسلم وأبو داود والنسائي، عن عبد الرحمن بن الحارث -وهو عبد الرحمن بن عبد اللهَ بن أبي ربيعة المدني، تقدم، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. وأخرجه الحكم في "مستدركه" (¬1): أنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، ثنا جدي، ثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، نا عبد العزيز بن محمد، عن عبد الرحمن ابن الحارث، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، عن رسول الله - عليه السلام - نحوه. الثالث: عن ربيع بن سليمان المصري المؤذن صاحب الشافعي وثقه ابن يونس والخطيب، عن أسد بن موسى بن إبراهيم المصري وثقه النسائي وابن يونس، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- واسمه عبد اللهَ بن ذكوان، احتج به الأربعة، عن عبد الرحمن بن الحارث ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (¬2): ثنا هناد بن السري، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عباس بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم، قال: أنا نافع بن جبير بن مطعم، قال: أخبرني ابن عباس - رضي الله عنهما -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمَّني جبريل - عليه السلام -[عند البيت] (¬3) مرتين وصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء ¬

_ (¬1) "مستدرك الحاكم" (1/ 307 رقم 694). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 278 رقم 149). (¬3) ليست في "ح"، والمثبت من "جامع الترمذي".

مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليَّ جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين". فإن قلت: ما حكم هذا الحديث؟ قلت: قال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن. ورواه ابن حبان في "صحيحه" (¬1) والحكم في "مستدركه" (¬2) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه أبو بكر بن أبي خزيمة في "صحيحه" (¬3). وقال ابن عبد البر في "التمهيد": وقد تكلم بعض الناس في حديث ابن عباس هذا بكلام لا وجه له، ورواته كلهم مشهورون بالعلم. وقد أخرجه عبد الرزاق (¬4): عن الثوري وابن أبي سبرة، عن عبد الرحمن بن الحارث بإسناده. وقد أخرجه أيضًا (¬5): عن العمري، عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن ابن عباس نحوه. ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (14/ 112 رقم 6223). (¬2) "مستدرك الحاكم" (1/ 306 رقم 693). (¬3) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 168 رقم 325). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 531 رقم 2028). (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 531 رقم 2029).

قوله: "أمّني جبريل - عليه السلام -" من أممت القوم في الصلاة إمامةً، وائتم به أي اقتدى به. وجبريل - عليه السلام - مَلَكٌ ينزل بالوحي على الأنبياء عليهم السلام وأكثر نزوله كان على نبينا محمد - عليه السلام -، وذكر ابن عديس أن أجود اللغات: جَبْرَئيل مثال جَبْرعِيل، ويقال: جِبْريل، بكسر الجيم والراء من غير همز. قيل: وهي لغة أهل الحجاز، وبها قرأ ابن عامر وأبو عمرو، وجَبْرِيل -بفتح الجيم وكسر الراء- وذكر الزجاج أن بها قرأ أهل الكوفة، وهي لغة تميم وقيس. قال الزجاج: وهو أجود اللغات. ويقال أيضًا: جَبْرَئل -بحذف الياء وإثبات الهمزة وتشديد اللام- بها قرأ يحيى بن يَعْمر، ويقال: جبرين بالنون. وقال الجوهري: ويقال جَبْرئِل مثال جَبْرعِل. وقال ابن جنِّي: وزنه فَعْلِيل والهمزة فيه زائدة. وفي "الروض": وهو اسم سرياني ومعناه: عبد الرحمن أو عبد العزيز. كذا جاء عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا، والوقف أصح، وفي "تفسير عبد بن حميد" الكشِّي الكبير، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة قال: اسم جبريل بالعربية عبد اللهَ، ويقال: عبيد اللهَ، وقال السهيلي، وأكثر الناس على أن آخر الاسم منه هو اسم الله -عز وجل- وهو: إِيل، وقال بعضهم: هذا من الأسماء التي إضافتها مقلوبة كما في الإضافة في كلام العجم يقدمون المضاف إليه على المضاف، فعلى هذا يكون إيل عبارة عن العبد، ويكون أول الاسم عبارة عن اسم من أسماء اللهَ تعالى، وقال: اتفق في اسم جبريل أنه موافق من جهة العربية لمعناه، وإن كان أعجميًا فإن الجبر هو إصلاح ما وَهِيَ، وجبريل موكل بالوحي، وفي الوحي إصلاح ما فسد، وجَبْرُ ما وَهِيَ من الدين، ولم يكن هذا الاسم معروفًا بمكة شرفها اللهَ تعالى ولا بأرض العرب، ولهذا فإن النبي - عليه السلام - لما ذكره لخديجة - رضي الله عنها - انطلقت لتسأل مَن عنده

علم من الكتاب كعدَّاس ونسطور الراهب، فقالا: ندري ندري، ومن أين هذا الاسم بهذه البلاد؟ وذكر أبو موسى المديني في "المغيث" أن في الحديث: يوسف بن إسرائيل اللهَ يعقوب بن إسحاق ذبيح اللهَ بن إبراهيم خليل اللهَ، فأضاف إسرائيل جملةً إلى الله عز وجل، وهذا ينقض الأقوال المتقدمة كلها. وجاء أيضًا جَئِرين بجيم مفتوحة بعدها همزة مكسورة ثم ياء ونون، وجَبرائل بفتح الجيم وهمزة مكسورة وتشديد اللام، وجبرائيل بألف وهمزة بعدها ياء وجبراييل بياءين بعد الألف، وجبريل بهمزة بعد الراء وياء وجبريل بكسر الهمزة وتخفيف اللام مع فتح الجيم والراء، وجبرين بفتح الجيم وكسرها وبدل اللام نون. قوله: "عند باب البيت" أي بحضرة الكعبة، وأطلق البيت على الكعبة لغلبة الاستعمال كما أطلق النجم على الثريا. والصَّعِق على خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب. قوله: "حين مالت الشمس" وميلانها زوالها وانحطاطها عن كبد السماء يسيرًا، وفي رواية غيره: "حين زالت الشمس". قوله: "حين غاب الشفق" وهو البياض المعترض في الأفق عند أبي حنيفة؛ لأنه من أثر النهار، وبه قال زفر وداود والمزني، وهو قول المبرد والفراء، ونقل عن أبي بكر الصديق وعائشة وأبي هريرة ومعاذ وأبي وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي. وقال أبو يوسف ومحمد: هو الحمرة، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد والثوري وابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وشداد ابن أوس وعبادة بن الصامت، وحكي عن مكحول وطاوس. وحكي عن أحمد: أنه البياض في البنيان والحمرة في الصحاري.

وقال بعضهم: اسم الحمرة والبياض جميعًا، إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقانٍ وأبيض ليس بناصع. قوله: "حين حرم الطعام والشراب على الصائم" وهو أول طلوع الفجر الثاني الصادق. قوله: "وصلى في المغرب حين أفطر الصائم" يعني حين غابت الشمس. قوله: "عندما أسفرَ" أي نوَّر. قوله: "الوقتُ" مبتدأ وخبره قوله: "فيما بين هذين الوقتين"، والإشارة إلى وقتي اليوم الأول واليوم الثاني اللذين أمَّ فيهما جبريل النبي - عليه السلام -. ويستنبط منه أحكام: الأول: يستفاد منه أن أول وقت الظهر حين تزول الشمس عن كبد السماء يسيرًا، وهذا لا خلاف فيه لأحد من الأئمة وإنما الخلاف في آخر وقته، فعند أبي حنيفة آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثليه، وهو أول وقت العصر. وقال صاحب "البدائع": أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وأما آخره فلم يذكر في ظاهر الرواية، واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، روى محمد عنه: إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال، والمذكور في الأصل: ولا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين، ولم يتعرض لآخر وقت العصر. وروى الحسن عنه أن آخر وقتها: إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال، وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر والشافعي والحسن. وروى أسد بن عمرو البجلي: إذا صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال خرج وقت الظهر؛ ولا يدخل وقت العصر ما لم يصر ظل كل شيء مثليه. فعلى هذه الرواية يكون بين وقت الظهر والعصر وقت مهمل كما بين الفجر والظهر.

وقال أبو عمر (¬1): واختلفوا في آخر وقت الظهر؛ فقال مالك وأصحابه: إذا صار ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس، وهو أول وقت العصر بلا فصل، وبذلك قال ابن المبارك وجماعة. وقال الثوري (¬2) والحسن بن حَيّ وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية ومحمد بن جرير الطبري: آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله، ثم يدخل وقت العصر، ولم يذكروا فاصلة؛ إلا أن قولهم: ثم يدخل وقت العصر. يدل على فاصلة. وقال أبو حنيفة: آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثليه. انتهى. واستدل هؤلاء بقوله: "فصلى في العصر حين صار ظل كل شي مثله" فدل هذا أن أول وقت العصر هذا، فكان هو آخر وقت الظهر ضرورةً، وقالوا: إن قوله: "وصلى في العصر حين صار ظل كل شيء مثليه" لبيان آخر الوقت، ولم يؤخر الظهر في اليوم الثاني إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، فدل أن آخر وقت الظهر ما ذكرنا. واستدل أبو حنيفة بما أخرجه البخاري (¬3) من حديث ابن عمر قال: قال النبي - عليه السلام -: "مثلكم ومثل أهل الكتاب كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملًا وأقل عطاء؟! قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه مَنْ أشاء". ¬

_ (¬1) "التمهيد" لابن عبد البر (8/ 73). (¬2) "التمهيد" لابن عبد البر (8/ 75). (¬3) "صحيح البخاري" (2/ 791 رقم 2148).

فدل الحديث على أن مدة العصر أقصر من مدة الظهر، وأن ما يكون أقصر أن لو كان الأمر على ما قال أبو حنيفة -رحمه الله-. وقال شمس الأئمة في معنى الحديث: وإنما يكون ذلك أقصر إذا امتدّ وقت الظهر إلى أن يبلغ الظل قامتين، وقال - عليه السلام -: "أبردوا بالظهر؛ فإن شدّة الحر من فيح جهنم" وأشد ما يكون من الحر في ديارهم إذا صار ظل شيء مثله، ولأنَّا عرفنا دخول وقت الظهر بتيقن، ووقع الشك في خروجه إذا صار الظل مثله أو مثليه؟ واليقين لا يزول بالشك، والأوقات ما استقرت على حديث إمامة جبريل - عليه السلام -، ففيه أنه صلى الفجر من اليوم الثاني حين أسفر، والوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس، وفيه أيضًا أنه صلى العشاء في اليوم الثاني حين مضى ثلث الليل والوقت يبقى بعده (¬1)، وأما تأويل إمامة جبريل - عليه السلام -: "صلى الظهر من الغد حتى صار كل شيء مثله" أي قرب منه، وصلى في العصر -في اليوم الأول- حين صار ظل كل شيء مثله أي زاد عليه وهو نظير قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} (¬2). أي قارب بلوغ أجلهن وقال تعالى: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} (¬3). أي تم انقضاء عدتهن. وقال صاحب "البدائع" (¬4): وخبر إمامة جبريل - عليه السلام - منسوخ في الفراغ، فإن المروي أنه - عليه السلام - صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، والإجماع منعقد على تغاير وقتي الظهر والعصر، فكان الحديث منسوخًا في الفراغ. انتهى. ونقل صاحب "المبسوط" (1) عن مالك أنه قال: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر، فإذا مضى بقدر ما يصل فيه أربع ركعات دخل وقت العصر، فكان الوقت مشتركًا بين الظهر والعصر إلى أن يصير الظل قامتين؛ لظاهر حديث إمامة ¬

_ (¬1) انظر "المبسوط" للسرخسي (1/ 143). (¬2) سورة الطلاق، آية: [2]. (¬3) سورة البقرة، آية: [232]. (¬4) "بدائع الصنائع" (1/ 123).

جبريل - عليه السلام - فإنه [ذكر أنه] (¬1) صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى العصر في اليوم الأول، ويرد هذا قوله - عليه السلام -: "لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت صلاة أخرى" وتأويل حديث إمامة جبريل - عليه السلام - ما ذكرناه آنفًا. الثاني: يستفاد منه [أن] (¬2) آخر العصر إلى، غروب الشمس. وعن الشافعي: إذا صار ظل كل شيء مثليه يخرج وقت العصر، ولا يدخل وقت المغرب حتى تغرب الشمس، فيكون بينهما وقت مهمل. وعنه: إذا صار ظل كل شيء مثليه يخرج وقته المستحب، ويبقى أصل الوقت إلى غروب الشمس. وقال أبو عمر (¬3): اختلفوا في أول وقت العصر وآخره؛ فقال مالك: أول وقت العصر إذا كان الظل قامة بعد القدر الذي زالت عليه الشمس، ويستحب لمساجد الجماعات أن يؤخروا ذلك قليلًا. قال: وآخر وقتها أن يكون ظل كل شيء مثليه، هكذا حكايته ابن عبد الحكم وابن القاسم عنه، وهذا عندنا على وقت الاختيار، وذكر ابن وهب عن مالك: أن آخر وقت العصر: غروب الشمس. وقد قال ابن وهب أيضًا عن مالك: وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس. وهذا عندنا أيضًا على أصحاب الضرورات. وقال الشافعي: أول وقتها في الصيف إذا جاوز ظل كل شيء مثله، ومن أَخَّر العصر حتى يجاوز ظل كل شيء مثليه في الصيف أو قدر ذلك في الشتاء فقد فاته [وقت] (¬4) ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك، ح"، والمثبت من "المبسوط". (¬2) تكررت في "الأصل". (¬3) "صحيح البخاري" (2/ 791 رقم 2148). (¬4) ليست في "الأصل، ك، ح"، والمثبت من "التمهيد" (3/ 278).

الاختيار، ولا يجوز أن يقال: قد فاته وقت العصر مطلقًا، كما جاز على الذي أخر الظهر إلى أن جاوز ظل كل شيء مثله. قال: وإنما قلت ذلك؛ لحديث أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام -: "من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها". قال أبو عمر: قول الشافعي ها هنا في وقت الظهر يمنع الاشتراك بينها وبين العصر في ظاهر كلامه، وهو شيء ينقضه ما بنى عليه مذهبه في الحائض تطهر، والمغمى عليه يُفيق، والكافر يسلم، والصبي يحتلم؛ لأنه يوجب على كل واحد منهم إذا أدرك ركعة واحدة قبل الغروب؛ الظهر والعصر جميعًا، وفي بعض أقاويله: إذا أدرك هؤلاء مقدار تكبيرة واحدة قبل الغروب لزمهم الظهر والعصر جميعًا، وكيف يَسوغ لمن هذا مذهبه أن يقول: الظهر يفوت فواتًا صحيحًا بمجاوزة ظل كل شيء مثله أكثر من ذوات العصر بمجاوزة ظل كل شيء مثليه؟! وأما قوله في وقت العصر: إذا جاوز ظل كل شيء مثليه فقد جاوز وقت الاختيار؛ (فهذا أيضًا شيء لا هو ولا غيره من العلماء) (¬1) يقولون: من صلى العصر والشمس بيضاء نَقِيَّة؛ فقد صلاها في وقتها المختار، لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وقول أبي ثور في أول وقت العصر كقول الشافعي، وهو قول داود. وقال أبو عمر: وأما قول الشافعي وأبي ثور في أن وقت العصر لا يدخل إلا أن يزيد الظل على القامة زيادة تظهر فمخالف لحديث إمامة جبريل - عليه السلام -؛ لأن حديث إمامة جبريل - عليه السلام - يقتضي أن يكون آخر وقت الظهر وهو أول وقت العصر بلا فصل، ولكنه مأخوذ من حديث أبي قتادة، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "إنما التفريط على مَنْ لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" وقال أحمد بن حنبل في هذه المسألة مثل قول الشافعي أيضًا فيما حكاه الخرقي عنه، وأما الأثرم فقال: سمعت ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك، ح"، والذي في "التمهيد" لابن عبد البر (3/ 278): "فهذا أيضًا فيه شيء؛ لأن هو وغيره من العلماء".

أبا عبد الله يقول: آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر. قال لي ذلك غير مرة، وسمعته يقول: آخر وقت العصر تغير الشمس. قيل له: ولا تقول بالمثل والمثلين؟ قال: لا؛ هذا أكثر عندي. وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب -وهو قول داود- لكل الناس، معذور وغير معذور، والأفضل عندهما أول الوقت. الثالث: يستفاد منه أن أول وقت المغرب غروب الشمس، وهذا لا خلاف فيه، وأما آخره فقد اختلفوا فيه؛ فقال أصحابنا: حتى يغيب الشفق، وقال الشافعي: وقتها ما يتطهر الإنسان ويؤذن ويقيم ويصلي ثلاث ركعات، حتى لو صلاها بعد ذلك تكون قضاء لا أداءً؛ لحديث إمامة جبريل - عليه السلام - أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد. وقال أبو عمر: الظاهر في قول مالك أن وقت المغرب وقت واحد عند مغيب الشمس، وبهذا تواترت الروايات عنه، إلا أنه قال في "الموطأ": إذا غاب الشفق فقد خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء. وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن حَيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري وداود، واحتجوا بحديث أبي موسى وغيره: "أن النبي - عليه السلام - صلى بالسائل المغرب في اليوم الثاني فأخّر حتى إذا كان عند سقوط الشفق" قالوا: وهذه الآثار أولى من أخبار إمامة جبريل - عليه السلام -؛ لأنها متأخرة بالمدينة، وإمامة جبريل بمكة، والمتأخر أولى من فعله وأمره - عليه السلام -؛ لأنه ناسخ لما قبله. قلت: أجاب صاحب "البدائع" عن حديث إمامة جبريل - عليه السلام - أنه إنما لم يؤخر المغرب عن أول الغروب في اليومين لأن التأخير عن أول الغروب مكروه إلا لعذر، وإنه جاء ليعلمه المباح من الأوقات، ألا ترى أنه لم يؤخر العصر إلى الغروب مع بقاء

الوقت إليه؟! وكذا لم يؤخر العشاء إلى ما بعد ثلث الليل وإن كان ما بعده وقت العشاء بالإجماع. انتهى. وقال أبو عمر: قال الشافعي: في وقت المغرب قولين: أحدهما: إلى آخر الشفق. والآخر: -وهو المشهور عنه-: أن وقتها وقت واحد لا وقت لها إلا حين تجب الشمس. وقال الثوري: وقت المغرب إذا غربت الشمس فإن حبسك عذر [فأخّرتها] (¬1) إلى أن يغيب الشفق في السفر فلا بأس، وكانوا يكرهون تأخيرها. الرابع: يُستفادُ منه أن أول وقت العشاء من حين مغيب الشفق، وهذا لا خلاف فيه بين أصحابنا، وآخره إلى أن يطلع الفجر الصادق. وقال أبو عمر: أجمعوا على أن وقت العشاء الآخرة للمقيم مغيّب الشفق، واختلفوا في آخر وقتها، فالمشهور من مذهب مالك في آخر وقت العشاء في السفر والحضر لغير أصحاب الضرورات: ثلث الليل الأول، ويستحب لأهل مساجد الجماعات أن لا يعجلوا بها في أول وقتها إذا كان ذلك غير مضر بالناس، وتأخيرها قليلًا أفضل، وروى ابن وهب عن مالك: أن وقتها من حين يغيب الشفق إلى أن يطلع الفجر. وهو قول داود. وقال أبو حنيفة وأصحابه: المستحب في وقتها إلى ثلث الليل ويكره تأخيرها إلى نصف الليل، ولا تفوت إلا بطلوع الفجر. وقال الشافعي: آخر وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل، فإذا مضى الليل فقد فاتت. ¬

_ (¬1) في "الأصل": فأخرها، والمثبت من "التمهيد" (8/ 84).

وقال أبو ثور: وقتها من مغيب الشفق إلى نصف الليل. وفي "الحاوي في فروع الحنابلة": وقت العشاء -وهي أربع ركعات- إلى الفجر الثاني، والمستحب تأخيرها إلى الثلث الأول، وعنه -أي عن أحمد-: إلى نصفه -إن سهل على المأمومين- ويحرم بعده بلا عذر في أحد الوجهين، ويكره في الآخر. الخامس: يستفاد منه أن أول وقت الفجر عند طلوع الفجر الصادق؛ لأنه في هذا الوقت يحرم الطعام والشراب على الصائم، وآخره عند طلوع الشمس. وقال أبو عمر: أجمع العلماء على أن وقت صلاة الصبح طلوع الفجر الثاني إذا تيقن طلوعه وهو البياض المنتشر في أفق المشرق الذي لا ظلمة بعده. واختلفوا في آخر وقتها، فذكر ابن وهب عن مالك قال: وقت الصبح من حين يطلع الفجر إلى طلوع الشمس، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه. وكذلك قال الشافعي: آخر وقتها طلوع الشمس لضرورة وغير ضرورة، وهو قول داود وإسحاق. وأما سائر العلماء فجعلوا هذا وقتًا لأصحاب العذر والضرورات، وممن ذهب إلى هذا مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد. وقال ابن القاسم عن مالك: وقت الصبح الإغلاس والنجوم بادية مشتبكة، وآخر وقتها إذا أسفر. السادس: فيه دليل على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يصلون في هذه الأوقات، ولكن لا يلزم أن يكون قد صلى كل منهم في جميع هذه الأوقات والمعنى: أن صلاتهم كانت في هذه الأوقات. السابع: فيه دليل على أن أوقات الصلوات الخمس فيما بين الوقتين اللذين صلى جبريل - عليه السلام - إمامًا بالنبي - عليه السلام - في أولها وآخرها. فإن قيل: فعل هذا ينبغي أن لا يكون الأول والآخر منها وقتًا لها.

قلت: لما صلى في أول الوقت وآخره وُجِدَ بيان منه فعلًا وبقي الاحتياج إلى بيان ما بين الأول والآخر ة فبيَّن بالقول. وجواب آخر: أن هذا بيان للوقت المستحب؛ إذ الأداء في أول الوقت مما يتعسر على الناس ويؤدي أيضًا إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات، فكان المستحب ما بينهما مع قوله - عليه السلام - "خير الأمور أوساطها". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد اللهَ بن يوسف، قال: ثنا عبد اللهَ بن لهيعة، قال: ثنا بكير بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الساعدي، سمع أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمني جبريل - عليه السلام - في الصلاة، فصلى الظهر بي حين زاغت الشمس، وصلى العصر حين فاءت قامة، وصلى المغرب حين غابت الشمس، وصلى العشاء حين غاب الشفق، وصلى الصبح حين طلع الفجر. ثم أمَّني في اليوم الثاني، فصلى الظهر وفيء كل شيء مثله، وصلى العصر والفيء قامتان، وصلى المغرب حين غابت الشمس، وصلى العشاء إلى ثلث الليل الأول، وصلى الصبح حين كادت الشمس أن تطلع، ثم قال: الصلاة فيما بين هذين الوقتين". ش: رجاله ثقات، إلا أن ابن لهيعة فيه مقال. وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا عبد اللهَ بن الحكم، أنا ابن لهيعة، عن بُكير بن عبد اللهَ بن الأشج ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "زاغت" أي مالت، وأصل الزيني العدول، يقال: زَاغَ عن الطريق يَزِيغُ: إذا عدل عنه، ومعنى قوله تعالى: {لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} (¬2) أي لا تمله عن الإيمان. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (6/ 37 رقم 5443). (¬2) سورة آل عمران، آية: [8].

قوله: "فاءت قامة" أراد به حين صار ظل كل شيء مثله. قوله: "وفيء كل شيء" جملة حالية، والفيء: الظل الذي يكون بعد الزوال، وأصل الفيء الرجوع، يقال: فاء يفيء فيئةً إذا رجع، ومنه سُمي الظل؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق. قوله: "والفيء قامتان" أراد به ظل كل شيء مثليه. قوله: "وصلى العشاء إلى ثلث الليل، يجوز أن يكون "إلى" ها هنا بمعنى "في"، أي: صلى في ثلث الليل، ومنه قوله: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} (¬1) أي في يوم القيامة، ويجوز أن يكون على بابها، ومحلها النصب على الحال، أي: وصلى العشاء حال كونه مؤخرًا إلى ثلث الليل، وهذا وقت استحباب، أما وقت الجواز ما لم يطلع الفجر، وهو قول عطاء وطاوس أيضًا، وهو مروي عن ابن عباس. وقال الشافعي ومالك وأحمد: هو وقت الضرورة، والوقت المختار إلى ثلث الليل. ص: وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا الفضل بن موسى السيناني، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا جبريل يعلمكم أمر دينكم ... " ثم ذكر مثله، غير أن قال في العشاء الآخرة: "وصلاها في اليوم الثاني حين ذهبت ساعة من الليل". ش: إسناده صحيح. والسيناني نسبة إلى سينان -بكسر السين المهملة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم نون بعدها ألف ثم نون أخرى- قرية من قرى مرو. وأبو سلمة عبد اللهَ بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر على اختلاف كثير في اسمه. ¬

_ (¬1) سورة النساء، آية: [87]، وسورة الأنعام، آية: [12].

وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬1): ثنا أبو حامد محمد بن هارون، ثنا أبو عثمان الحسين بن حريث المروزي، ثنا الفضل بن موسى السيناني، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هذا جبريل يعلمكم دينكم فصلى ... " ثم ذكر حديث المواقيت، وقال فيه: "ثم صلى المغرب حين غربت الشمس"، وقال في اليوم الثاني: "ثم جاءه من الغد فصلى، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس في وقت واحد". وفي طريق آخر له (¬2): "ثم جاءه الغد فصلى له المغرب لوقت واحد حين غربت الشمس وحلّ فطر الصائم". وفي طريق أخر له (¬3): "أن رسول الله - عليه السلام - حدثهم أن جبريل - عليه السلام - أتاه فصلى الصلوات وقتين وقتين إلا المغرب، قال: فجاءني في المغرب فصل بي ساعة غابت الشمس، ثم جاءني -يعني- من الغد في المغرب فصلى بي ساعة غابت الشمس ولم يغيِّره". قوله: "حين ذهبت ساعة من الليل" معناه: بعد ساعة مضت من غروب الشمس، ولا يجوز أن يكون معناه بعد ساعة من غروب الشمس؛ لأن بعد الغروب إلى وقت العشاء أكثر من ساعة، فافهم. ثم اختلفت الألفاظ في هذا الموضع، ففي رواية ابن عباس وجابر: "ثلث الليل"، وفي حديث أبي هريرة هذا: "ساعة من الليل"، وفي حديث عبد اللهَ بن عمرو: "نصف الليل"، وفي حديث عائشة: "حتى ذهب عامة الليل" أرادات أكثر الليل، والكل بيان وقت الاستحباب، أما وقت الجواز إلى طلوع الفجر. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا عبد اللهَ بن ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 261 رقم 18). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 261 رقم 19). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 261 رقم 20).

الحارث، قال: ثنا ثور بن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "سأل رجل نبي الله هو عن وقت الصلاة، فقال: صلِّ معي، فصلى رسول الله - عليه السلام - الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس، ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق، ثم صلى الصبح فأسفر، ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله، ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثليه، ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق، ثم صلى العشاء، فقال بعضهم: ثلث الليل، وقال بعضهم: شطر الليل". ش: حامد بن يحيى بن هانئ البلخي نزيل طرسوس شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان وغيره، وعبد اللهَ بن الحارث بن عبد الملك القرشي روى له مسلم، وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي أبو خالد الشامي الحمصي روى له الجماعة سوى مسلم، وسليمان بن موسى القرشي الأموي الدمشقي الأسدي روى له الأربعة، قال البخاري: عنده المناكير. وقال النسائي: أحد الفقهاء وليس بالقوي في الحديث. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وهذا الحديث أخرجه خلق كثير بألفاظ مختلفة وأسانيد متغايرة. ولكن أحمد بن حنبل أخرجه في "مسنده" (¬1) نحو رواية الطحاوي: ثنا عبد الله ابن الحارث، حدثني ثور ابن يزيد، عن سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد اللهَ قال: "سأل رجل رسول الله - عليه السلام - عن وقت الصلاة ... " إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "ثم صلى العشاء حين غيبوبة الشفق، ثم صلى الصبح فأسفر". وأخرجه الترمذي (¬2): ثنا أحمد بن محمد بن موسى، قال: أنا عبد اللهَ بن المبارك، ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 351 رقم 14832). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 281 رقم 150).

قال: أنا حسين بن علي بن حسين، قال: أخبرني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله - عليه السلام - قال: "أمَّني جبريل - عليه السلام - ... " فذكر نحو حديث ابن عباس بمعناه، ولم يذكر فيه: "لوقت العصر بالأمس". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وحديث ابن عباس حسن. وقال محمد -يعني البخاري-: أصح شي في المواقيت حديث جابر عن النبي - عليه السلام -. وقال ابن القطان في كتابه: هذا الحديث يجب أن يكون مرسلًا؛ لأن جابرًا لم يذكر من حدَّثه بذلك وجابر لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء؛ لِمَا عُلِمَ أنه أنصاريّ، إنما صحب بالمدينة، ولا يلزم ذلك في حديث أبي هريرة وابن عباس؛ فإنهما رويا إمامة جبريل - عليه السلام - من قول النبي - عليه السلام -. وقال في "الإِمام": هذا إرسالٌ غير ضارّ فيبعد أن يكون جابر - رضي الله عنه - قد سمعه من تابعي غير صحابي. وأخرجه النسائي أيضًا (¬1): ثنا سويد بن نصر، قال: أنا عبد اللهَ، عن حسين بن علي بن حسين، قال: أخبرني وهب بن كيسان، قال: ثنا جابر بن عبد اللهَ قال: "جاء جبريل - عليه السلام - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حين زالت الشمس فقال: قم يا محمد فصلّ الظهر -حين مالت الشمس- ثم مكث حتى إذا كان فيء الرجل مثله جاءه العصر فقال: قم يا محمد فصلِّ العصر، ثم مكث حتى إذا غابت الشمس جاءه فقال: قم يا محمد فصلِّ المغرب، فقام فصلاها حين غابت الشمس سواء، ثم مكث حتى إذا ذهب الشفق جاءه فقال: قم فصلِّ العشاء، فقام فصلاها، ثم جاءه حين سطع الفجر في الصبح فقال: قم يا محمد فصلِّ، فقام فصلى الصبح، ثم جاءه من الغد حين كان فيء الرجل مثله فقال: قم يا محمد فصلِّ، فقام فصلى الظهر، ثم جاءه جبريل - عليه السلام - ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 263 رقم 526).

حين كان فيء الرجل مثليه فقال: قم يا محمد فصلِّ العصر، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتًا واحدًا لم يزل عنه، فقال: قم فصلِّ، فصلى المغرب، ثم جاءه للعشاء حين ذهب ثلث الليل الأول فقال: قم فصلِّ، فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفر جدًّا فقال: قم فصلِّ، فصلى الصبح، فقال: ما بين هذين وقتٌ كله". وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا يوسف بن ناصح، نا قدامة بن شهاب، نا برد، عن عطاء، عن جابر. ونا إسحاق بن إبراهيم الصوَّاف، نا عمرو بن بشر، نا بردٌ، عن عطاء، عن جابر. ونا محمد بن إسماعيل البخاري، نا أيوب بن سليمان، قال: نا أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن صالح بن كيسان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن جابر -واللفظ لفظ برد- عن عطاء، عن جابر: "أن جبريل - عليه السلام - أتى النبي - عليه السلام - حين زالت الشمس فصلى الظهر، ثم أتاه حين صار الظل قامة شخص الرجل، فتقدم جبريل - عليه السلام - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفه والناس خلف رسول الله - عليه السلام - فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس فتقدم جبريل ورسول الله عليهما السلام خلفه والناس خلف رسول الله - عليه السلام - فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله - عليه السلام - خلفه والناس خلف رسول اللهَ - عليه السلام -، وصلى العشاء الآخرة، وأتاه حين سطع الفجر فتقدم جبريل ورسول الله عليهما السلام خلفه والناس خلف رسول الله - عليه السلام - فصلى الغداة. وأتاه من اليوم الثاني حين صار الظل مثل قامة شخص الرجل، فتقدم جبريل ورسول الله عليهما السلام خلفه والناس خلف رسول الله - عليه السلام - فصلى الظهر، ثم أتاه حين صار الظل مثلي شخص الرجل فتقدم جبريل - عليه السلام - ورسول الله - عليه السلام - خلفه والناس خلف رسول الله - عليه السلام - وصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس -لوقت واحد- فتقدم جبريل - عليه السلام - ورسول الله - عليه السلام - خلفه والناس خلف رسول الله - عليه السلام - فصلى المغرب، ثم نمنا وقمنا إلى نحو ثلث الليل فتقدم جبريل - عليه السلام - ورسول الله

- عليه السلام - خلفه والناس خلف رسول الله - عليه السلام - فصلى العشاء الآخرة، ثم أتاه حين أضاء الفجر -أو الصبح- فتقدم جبريل - عليه السلام - ورسول الله - عليه السلام - خلفه والناس خلف رسول الله - عليه السلام - فصلى الصبح ثم قال: ما بين الصلاتين وقت. فسأل رجل رسول الله - عليه السلام - عن الصلاة كما سألتني، فصلى بهم كما صلى بهم جبريل - عليه السلام - ثم قال: أين السائل عن الصلاة؟ ما بين الصلاتين وقت". وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جابر بهذا اللفظ إلا من هذه الوجوه التي ذكرناها، وقد روي عن جابر في ذكر المواقيت وبعض المواقيت بغير هذا اللفظ. ورواه الحكم أيضًا في "مستدركه" (¬1) وابن حبان في "صحيحه" (¬2). قوله: "حين زاغت الشمس" أي: حين مالت عن كبد السماء شيئًا يسيرًا. قوله: "حين كان فيء الإنسان" أي ظله. قوله: "حين وجبت الشمس" أي حين سقطت للغروب، من الوجوب وهو السقوط والوقوع. قوله: "قبل غيبوبة الشفق" أي قبل غيابه، وهي كالديمومة، وسيجيء الكلام في قوله: "قبل غيبوبة الشفق" فإنه معارض لرواية غيره؛ لأن غيره روى: "بعد غيبوبة الشفق". قوله: "شطر الليل" أي نصفه، واستدل الشافعي بأحاديث جابر على أن وقت المغرب وقت واحد، وهو عقيب غروب الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم، فإن أخَّر الدخول في الصلاة عن هذا الوقت أثم وصارت قضاءً. والمحققون من أصحابه رجَّحوا قول الحنفية. وقال النووي: وهو الصحيح. والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه: ¬

_ (¬1) "مستدرك الحاكم" (1/ 310 رقم 704). (¬2) "صحيح ابن حبان" (4/ 335 رقم 1472).

الأول: أنه اقتصر على بيان وقت الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر. والثاني: أن هذا متقدم في أول الأمر بمكة والأحاديث التي رويت بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها. والثالث: أن الأحاديث التي وردت بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشمس أصح إسنادًا من هذه الأحاديث فوجب تقديمها، وتلك الأحاديث هي قوله - عليه السلام -: "فإذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق"، وفي رواية: "وقت المغرب ما يسقط نور الشفق"، وفي رواية: "ما لم يغب الشفق"، وفي رواية: "ما لم يسقط الشفق". وكل هذه في "صحيح مسلم" (¬1). ومما يستفاد منه: أن آخر الأمرين من صلاته - عليه السلام - في الصبح هو الإسفار، فيكون مستحبًّا كما ذهبت إليه أئمتنا. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا همام، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح، قال: أخبرني رجل منهم: "أن رجلًا أتى النبي - عليه السلام - فسأله عن مواقيت الصلاة فأمره أن يشهد الصلاة معه، فصلى الصبح فعجَّل، ثم صلى الظهر فعجَّل، ثم صلى المغرب فعجَّل، ثم صلى العشاء فعجَّل، ثم صلى الصلوات كلها من الغد فأخَّر، ثم قال للرجل: ما بين صلاتين في هذين اليومين وقتٌ كله". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة. والظاهر من قوله: "أخبرني رجل منهم" -أي من الصحابة- جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 426 رقم 612).

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: "مواقيت الصلاة؟ قال: جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فقال: مواقيت الصلاة يا رسول الله؟ قال: احضر في الصلاة اليوم وغدًا، فصلى الظهر حين زاغت الشمس، قال: ثم صلى العصر فعجّلها، ثم صلى المغرب حين دخل الليل حين أفطر الصائم، وأما العتمة فلا أدري متى صلاها. قال غير عطاء: حين غاب الشفق. قال عطاء: ثم صلى الصبح حين طلع الفجر، قال: ثم صلى الظهر من الغد فلم يصلها حتى أبرد. قلت: الإبراد الأول؟ قال: بعد، وبعد ممسيًا، قال: ثم صلى العصر بعد ذلك يؤخرها. قلت: فأي تأخير؟ قال: ممسيًا قبل أن تدخل الشمس صفرة. قال: ثم صلى المغرب حين غاب الشفق. قال: ولا أدري أي وقت صلى العتمة. قال غيره: صلى لثلث الليل. قال عطاء: ثم صلى الصبح حين أسفر، فأسفر بها جدًّا. قلت: أيّ حين؟ قال: قبل حين تفريطها قبل أن يحين طلوع الشمس، ثم قال النبي - عليه السلام -: أين الذي سألني عن وقت الصلاة -يعني- فأتي به فقال - عليه السلام -: أحضرت معي الصلاة اليوم وأمس؟ قال: نعم. قال: فصلها ما بين ذلك. قال: ثم أقبل عليَّ فقال: إني لأظنه كان يصليها فيما بين ذلك -يعني النبي - عليه السلام -". قوله: "أن يشهد الصلاة" أي أن يحضرها؛ لأن معنى الشهود الحضور. قوله: "فصلى الصبح فعجَّل ... " إلى آخره، أراد أنه - عليه السلام - صلى في اليوم الأول الصلوات كلها في أول أوقاتها من غير تأخير، وصلى في اليوم الثاني في آخر وقتها من غير تفريط، وبيَّن فعله - عليه السلام - أول الأوقات وآخرها وبقوله: "ما بين ذلك" حيث قال: "ما بين صلاتيَّ في هذين اليومين وقت كله"، فقوله: "ما بين" مبتدأ وخبره قوله: "وقتٌ كله". ص: حدثنا فهد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: ثنا بدر بن عثمان، قال: حدثني أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - قال: "أتاه سائل فسأله عن مواقيت ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 533 رقم 231).

الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا، فأمر بلالًا فأقام الفجر حين انبثق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا، ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس والقائل يقول: انتصف النهار أو لم، وكان أعلم منهم، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت، ثم أخّر الظهر حتى كان قريبًا من العصر، ثم أخّر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: احمرت الشمس، ثم أخّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخّر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: الوقت فيما بين هذين". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري وغيره، وأبو بكر بن أبي موسى الأشعري اسمه عمرو ويقال: عامر، واسم أبي موسى عبد اللهَ بن قيس الأشعري. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا محمد بن عبد اللهَ بن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا بدر ابن عثمان، قال: ثنا أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن رسول الله - عليه السلام -: "أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئًا، قال: فأقام الفجر ... " إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه النسائي أيضًا (¬2): ثنا عبدة بن عبد الله وأحمد بن سليمان، قالا: ثنا أبو داود، عن بدر بن عثمان، قال: أملى عليّ أبو بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: "أتى النبي - عليه السلام - سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئًا، فأمر بلالًا فأقام بالفجر حين انشق، ثم أمره بالظهر ... " إلى آخره نحوه. قوله: "فأقام بالفجر" أي بصلاة الفجر. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 429 رقم 1614). (¬2) "المجتبى" (1/ 260 رقم 523).

"حين انشق الفجر" أي حين طلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق. قوله: "والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا" جملة اسمية وقعت حالًا. قوله: "فأقام الظهر" أي صلاة الظهر. قوله: "والقائل يقول" أيضًا جملة حالية. قوله: "أو لم" أي: أو لم ينتصف، وقد ذكر النحاة أن لم لا يحذف الفعل منها إلا للضرورة كما قال ابن عمر -وهو ابن هرمة-: احفظ وديعتك التي استودعتها ... يوم الأعارب إن وصلت وإن لم أي: وإن لم توصل، ولكن الحديث يرده؛ لأنه جاء الحذف فيه من غير ضرورة. قوله: "والشمس مرتفعة" جملة حالية أيضًا. قوله: "حين وقعت الشمس" أي: حين سقطت للغروب. قوله: "أو كادت" أي: وكادت تطلع الشمس. قوله: "والقائل يقول" جملة حالية أيضًا. قوله: "حتى كان عند سقوط الشفق" أراد به قريبًا من غروب الشفق؛ لأن عند سقوط الشفق حقيقة يخرج وقت المغرب. قوله: "حتى كان ثلث الليل الأول" برفع الأول؛ لأنه صفة للثلث لا لليل، فافهم. قوله: "فيما بين هذين" أي هذين الوقتين اللذين صلى فيهما في اليومين. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إسماعيل بن سالم، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -: "أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال: صلِّ معنا. قال: فلما زالت الشمس أمر بلالًا فأذن ثم أمره فأقام الظهر ثم أمره فأقام العصر والشمس بيضاء نقية مرتفعة، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء

حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما كان في اليوم الثاني أمره فأذن للظهر فابرد بها فأنعم أن نبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة أخّرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال: وقت صلاتكم فيما بين ما رأيتم". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وإسماعيل بن سالم الصائغ شيخ مسلم وغيره، وبريدة بن الحُصَيب -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين بن عبد اللهَ الأسلمي الصحابي. وأخرجه مسلم (¬1): حدثني زهير بن حرب وعبد الله بن سعيد، كلاهما عن الأزرق -قال زهير: ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق- قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -: "أن رجلًا سأله عن وقت الصلاة، فقال له: صلِّ معنا هذين -يعني اليومين- فلما زالت الشمس أمر بلالًا ... " إلى آخره نحوه رواية الطحاوي سواء. وأخرجه الترمذي (¬2): ثنا أحمد بن منيع والحسن بن الصباح البزار وأحمد بن محمد ابن موسى -المعنى واحد- قالوا: أنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "أتى النبي - عليه السلام - رجل فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: أقم معنا إن شاء الله، فأمر بلالًا فأقام حين طلع الفجر، ثم أمره فأقام حين زالت الشمس فصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر والشمس بيضاء مرتفعة، ثم أمره بالمغرب حين وقع حاجب الشمس، ثم أمره بالعشاء فأقام حين غاب الشفق، ثم أمره من الغد فنوَّر بالفجر، ثم أمره بالظهر فأبرد وأنهم أن يبرد، ثم أمره بالعصر فأقام والشمس آخر وقتها فوق ما كانت، ثم أمره فأخّر المغرب إلى قبيل أن يغيب الشفق، ثم أمره بالعشاء فأقام حين ذهب ثلث ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 428 رقم 613). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 286 رقم 152).

الليل، ثم قال: أين السائل عن مواقيت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا، فقال: مواقيت الصلاة كما بين هذين". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. قال: وقد رواه شعبة، عن علقمة ابن مرثد أيضًا. وأخرجه النسائي: أنا عمرو بن هشام، قال: ثنا مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: "جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - فسأله عن وقت الصلاة فقال: قم معنا هذين اليومين فأمر بلالًا فأقام عند الفجر فصلى الفجر، ثم أمره حين زالت الشمس فصلى الظهر، ثم أمره حين رأى الشمس بيضاء فأقام العصر، ثم أمره حين وقع حاجب الشمس فأقام المغرب، ثم أمره حين غاب الشمس فأقام العشاء، ثم أمره من الغد فنوّر بالفجر، ثم أبرد بالظهر وأنعم أن يبرد، ثم صلى العصر والشمس بيضاء وأخَّر عن ذلك، ثم صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، ثم أمره فأقام العشاء حين ذهب ثلث الليل فصلاها ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ وقت صلاتكم ما بين ما رأيتم". قوله: "والشمس بيضاء" جملة حالية، وأراد ببياضها ونقاوتها: قوة نورها، وذلك إنما يكون قبل الاصفرار. قوله: "فأنعم أن يبرد بها" أراد به أنه أطال الإبراد بها وأخّر الصلاة، من قولهم: أنعم النظر في الشيء إذا أطال التفكر فيه. قوله: "والشمس مرتفعة" جملة حالية أيضًا، أراد به قبل الاصفرار أيضًا، ولكن أخّرها فوق الذي كان في اليوم الأول. قوله: "وقت صلاتكم" كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله: "فيما بين ما رأيتم"، وإنما قال هذا القول لأنه - عليه السلام - بيَّن بفعله أول الأوقات وآخرها، وبيَّن بقوله: "ما بينهما" ليكون بيانًا للجميع بالفعل والقول.

ويستفاد منه أحكام: الأول: علم منه جميع الأوقات أولها وآخرها. الثاني: ذكر بعضهم أن فيه دليلًا على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة؛ لأنه - عليه السلام - أحال ذلك على أن يصلي معه، وقال الباجي: ليس هذا من تأخير البيان الذي يتكلم شيوخنا في جواز تأخيره عن وقت الخطاب بالعبادة إلى وقت الحاجة وهو مذهب الباقلاني والجمهور، ومنعه الأبهري وغيره؛ لأن الخطاب هنا بالصلاة وبيان أحكامها قد تقدم قبل هذا السائل، فلم يسأل إلا عما ثبت بيانه وعرف حكمه، ولا خلاف أن للنبي - عليه السلام - أن يؤخر جواب السائل له عن وقت سؤاله وأن لا يجبه أصلًا، وقد فعل ذلك في مسائل كثيرة، ولا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولم يتكلم الشيوخ في وجه تأخيره - عليه السلام - مع جواز موته قبل التعليم، فقيل: يحتمل أنه أوحي إليه بأن ذلك لا يكون قبل الإعلام؛ لأن العادة غالبًا في مثل هذا، وظاهر الأمر حياته هذين اليومن، واستصحاب حال السلامة وفيه حجة على الشافعي في جعله وقت المغرب وقتًا واحدًا ضيقًا مقدار ما يسع فيه أداء ثلاث ركعات؛ لأنه - عليه السلام - صلى المغرب في اليوم الأول حين غابت الشمس، ثم صلاها في اليوم الثاني قبل أن تغيب فالوقت من غروب الشمس إلى غروب الشفق وقت مديد يسع فيه صلوات كثيرة. ثم اعلم أن الطحاوي أخرج أحاديث هذا الباب عن ستة من الصحابة وهم: ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وجابر بن عبد اللهَ وأبو موسى الأشعري وبريدة ابن الحُصَيْب - رضي الله عنهم -. ولما أخرج الترمذي حديث ابن عباس قال: وفي الباب عن أبي هريرة وبريدة وأبي موسى وأبي مسعود الأنصاري وأبي سعيد وجابر وعمرو بن حزم والبراء وأنس. قلت: وفي الباب عن عبد الله بن عمر أيضًا.

فحديث أبي مسعود - رضي الله عنه - عند الطبراني في "الكبير" (¬1) بإسناد لا بأس به: "أن جبريل - عليه السلام - جاء إلى النبي - عليه السلام - حين دلكت الشمس فقال: يا محمَّد صلِّ العصر، فقام وصلى، ثم أتاه جبريل حين غربت الشمس فقال: يا محمد صلِّ المغرب، فصل، ثم أتاه جبريل حين غاب الشفق وقال: يا محمد قم فصلِّ العشاء، فقام فصلى، ثم أتاه حين انشق الفجر فقال: يا محمد قم فصلِّ الصبح فقام فصلى ثم أتاه الغد وظل كل شيء مثله فقال: يا محمد قم فصلِّ الظهر، فقام فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان ظل كل شيء مثليه فقال: يا محمد صلِّ العصر، فقام فصلى، ثم أتاه حين غربت الشمس وقتًا واحدًا فقال: يا محمد صلِّ المغرب، فقام وصلى، ثم أتاه حين ذهب ساعة من الليل فقال: يا محمد قم فصلِّ، ثم أتاه حين أسفر فقال: يا محمد صلِّ الصبح فقام فصلى ثم قال: ما بين هذين وقت". وأخرجه إسحاق بن راهويه أيضًا في "مسنده". وحديث عمرو بن حزم عند عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن معمر، عن عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه: "أن جبريل - عليه السلام - نزل فصلى بالنبي - عليه السلام - صلاة الظهر- وصلى النبي - عليه السلام - بالناس -حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، ثم صلى العشاء بعد ذلك كأنه يريد ذهاب الشفق، ثم صلى الفجر بغلس حين فجر الفجر. قال: ثم نزل جبريل - عليه السلام - الغد فصلى بالنبي - عليه السلام - وصلى النبي - عليه السلام - بالناس الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس لوقتٍ واحد، ثم صلى العشاء بعد ما ذهب ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (17/ 260 رقم 718). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 534).

هوي من الليل، ثم صلى الفجر بعد ما أسفر بها جدًّا، ثم قال: فيما بين هذين [الوقتين وقت] (¬1) ". وحديث البراء عند أبي يعلى الموصلي في "مسنده" (¬2) بإسناده عن البراء بن عازب قال: "جاء رجل إلى النبي - عليه السلام - يسأله عن مواقيت الصلاة فأمر بلالًا فقدَّم وأخَّر، وقال: الوقت ما بينهما". وحديث أنس - رضي الله عنه - عند الدارقطني في "سننه" (¬3): ثنا أبو طالب أحمد بن نصر ابن طالب، ثنا أبو حمزة إدريس بن يونس بن يناق الفراء، ثنا محمد بن سعيد بن جدار، ثنا جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس - رضي الله عنه -: "أن جبريل - عليه السلام - أتى النبي - عليه السلام - بمكة حين زالت الشمس فأمره أن يؤذن للناس بالصلاة حين فرضت عليهم، فقام جبريل أمام النبي - عليه السلام - وقام الناس خلف رسول الله - عليه السلام - قال: فصلى أربع ركعات لا يجهر فيها بقراءة، يأتم الناس برسول الله - عليه السلام - ويأتم رسول الله - عليه السلام - بجبريل، ثم أمهل حتى إذا دخل وقت العصر صلى بهم أربع ركعات لا يجهر فيهما بالقراءة، يأتم المسلمون برسول الله - عليه السلام - ويأتم رسول الله - عليه السلام - بجبريل - عليه السلام -، ثم أمهل حتى إذا وجبت الشمس صلى بهم ثلاث ركعات يجهر في ركعتين بالقراءة ولا يجهر في الثالثة، ثم أمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل صلى بهم أربع ركعات يجهر في الأوليين بالقراءة ولا يجهر في الآخرين بالقراءة، ثم أمهل حتى إذا طلع الفجر صلى بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة". وحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عند الدارقطني أيضًا (¬4): ثنا ابن الصواف، نا الحسين بن فهو بن حماد البزاز، ثنا الحسن بن حماد سجادة، ثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن عتبة بن مسلم، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لما فرضت ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك، ح"، والمثبت من "مصنف عبد الرزاق". (¬2) "مسند أبي يعلى" (3/ 241 رقم 1679). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 260 رقم 14). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 261 رقم 21).

الصلاة نزل جبريل - عليه السلام - على النبي - عليه السلام - فصلى به الظهر -وذكر المواقيت وقال-: فصلى به المغرب حين غابت الشمس، وقال في اليوم الثاني: فصلى به المغرب حين غابت الشمس". ص: فأما ما روي عن رسول الله - عليه السلام - في هذه الآثار في صلاة الفجر فلم يحتلفوا عنه فيه أنه صلاها في اليوم الأول حين طلع الفجر وهو أول وقتها، وصلاها في اليوم الثاني حين كادت الشمس أن تطلع، وهذا اتفاق المسلمين أن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وآخر وقتها حين تطلع الشمس. ش: لما فرغ عن سوق أحاديث هذا الباب شرع يتكلم فيها مما وقع عليه الاتفاق والاختلاف وفي بيان معاني الأحاديث المذكورة وكيفية استنباط الأحكام منها فقدم الكلام أولًا في الفجر؛ لأنه حكم اتفاقي ليس فيه خلاف ولهذا قال: وهذا اتفاق المسلمين: أن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر أي أول وقت صلاة الفجر حين يطلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق، وقد تكلمنا في هذا الموضع بما فيه الكفاية في معنى حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في أول الباب. ص: وأما ما ذكر عنه في صلاة الظهر فإنه ذكر عنه أنه صلاها حين زالت الشمس، وعلى ذلك اتفاق المسلمين أن ذلك هو أول وقتها، وأما آخر وقتها فإن ابن عباس وأبا سعيد وجابرًا وأبا هريرة - رضي الله عنهم - رووا أنه صلاها في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثله، فاحتمل ذلك على قرب أن يصير ظل كل شيء مثله، وهذا جائز في اللغة، قال الله -عز وجل-: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (¬1) فلم يكن ذلك الإمساك والتسريح مقصودًا به أن يفعل بعد بلوغ الأجل؛ لأنها بعد بلوغ الأجل قد بانت وحرم عليه أن يمسكها، وقد بيَّن الله -عز وجل- في موضع آخر فقال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (¬2)، فأخبر الله -عز وجل- أن لهن بعد بلوغ أجلهن أن ينكحن، فثبت بذلك أن ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [231]. (¬2) سورة البقرة، آية: [232].

ما جعل للأزواج عليهن في الآية الأخرى إنما هو في قرب بلوغ الأجل لا بعد بلوغ الأجل، فكذلك ما روي عمن ذكرنا عن رسول الله - عليه السلام - أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله يحتمل أن يكون على قرب أن يصير ظل كل شيء مثله، فيكون الظل إذا صار مثله قد خرج وقت الظهر، والدليل على ما ذكرنا من ذلك: أن الذين ذكروا هذا عن النبي - عليه السلام - قد ذكروا عنه في هذه الآثار أيضًا أنه صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، ثم قال: "ما بين هذين وقت" فاستحال أن يكون بينهما وقت وقد جمعهما في وقت واحد، ولكن معنى ذلك عندنا -واللهَ أعلم- على ما ذكرنا، وقد دلّ على هذا أيضًا ما في حديث أبي موسى، وذلك أنه قال فيما أخبر عن صلاته - عليه السلام - في اليوم الثاني: "ثم أخَّر الظهر حتى كان قريبًا من العصر، فأخبر أنه إنما صلاها في ذلك اليوم في قرب دخول وقت العصر لا في وقت العصر. فثبت بذلك إذْ أجمعوا في هذه الروايات أن بعد ما يصير ظل كل شيء مثله وقتٌ للعصر؛ أنه محال أن يكون وقتًا للظهر؛ لإخباره أن الوقت الذي لكل صلاة فيما بين صلاتيه في اليومين. وقد دلّ على ذلك أيضًا ما قد حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمَّد بن الفضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وإن آخر وقتها حين يدخل وقت العصر". فثبت بذلك أن دخول وقت العصر بعد خروج وقت الظهر. ش: حاصل هذا الكلام: أنه بيَّن أنه اختار أن وقت الظهر يمتد إلى صيرورة ظل كل شي مثله كما قال به الجمهور خلافًا لأبي حنيفة فيما روى محمد بن الحسن عنه: أنه يمتد إلى صيرورة ظل كل شيء مثليه. بيان ذلك: أن قول ابن عباس وأبي سعيد وجابر وأبي هريرة أنه - عليه السلام - صلاها في اليوم الثاني حين كان ظل كل شي مثله يحتمل أمرين:

الأول: أن يكون قد صلاها بعد إنتهاء ظل كل شيء مثله؛ فيكون وقت صيرورة ظل كل شيء مثله وقتًا للظهر بعد. والثاني: يحتمل أن يكون المراد أنه صلاها على قرب صيرورة ظل كل شيء مثله، فحينئذٍ يخرج وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثله، وهذا ظاهر. ثم أيَّد صحة هذا الاحتمال بقوله: "وهذا جائز في اللغة" يعني ذكر الشيء، والمراد منه: ما يقرب منه لا حقيقة ذلك الشيء، وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (¬1) فإن المراد منه: إذا قربن بلوغ أجلهن وشارفن منتهى عدتهن، وليس المراد حقيقة بلوغ الأجل الذي هو العدة؛ لأن بعد إنتهاء العدة تَبِينُ المرأة عنه ويحرم عليه بعد ذلك إمساكها؛ لأنها غير زوجة له حينئذٍ، وفي غير عدة منه، فلا يبقى له سبيل عليها، فَعُلِمَ أن المراد: إذا شارفن وقربن بلوغ العدة أمسكوهن بمعروف بأن يُرَاجَعْن من غير طلب ضرار بالمراجعة، أو سرحوهن حتى تنقضي عدتهن، وبيَّن من غير ضرار. ثم أكثر ما ذكره من التأويل والتوجيه بثلاثة أشياء: الأول: أن الصحابة - رضي الله عنهم - الذين ذكروا عن النبي - عليه السلام - أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله ثم قال - عليه السلام -: "ما بين هذين وقت"، فمن المحال والمستبعد أن يكون ما بينهما وقت والحال أنه جمعهما في وقت واحد، فَعُلم أن المراد: أنه صلى الظهر في اليوم الثاني على شرف صيرورة ظل كل شيء مثله، وعلى قرب منها. الثاني: أن حديث أبي موسى لا يصح دليلًا على ذلك؛ لأنه أخبر عن صلاته - عليه السلام - في اليوم الثاني بقوله: "ثم أخّر الظهر حتى كان قريبًا من العصر" أنه إنما صلاها في ذلك اليوم في قرب دخول وقت العصر لا في وقت العصر، فثبت بذلك أن ما بعد ذلك صيرورة ظل كل شيء مثله وقت للعصرة فمحال ومستبعد أن يكون ذلك وقتًا للظهر. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [231].

الثالث: أن حديث أبي هريرة يدل على أن وقت العصر بعد خروج وقت الظهر، وقد ثبت في الآثار المذكورة أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، فيكون انتهاء هذا ابتداء وقت العصر، وهذا واضح لمن له فطانة، واللهَ أعلم. ثم إسناد حديث أبي هريرة صحيح. والأعمش هو سليمان، وأبو صالح اسمه ذكوان الزيات. وأخرجه الترمذي (¬1): ثنا هناد، قال: ثنا محمد بن الفضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وان أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وإن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وان أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس". وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (¬2): عن ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام - ... إلى، آخره نحوه. قوله: "إن للصلاة أولًا وآخرًا" معناه أن الصلاة المفروضة تكون في وقت محدد له ابتداء وانتهاء، ولقد بيَّن في هذا الحديث أوائل الصلوات الخمس وأواخرها، غير أنه قال: "وآخر وقتها" أي وقت صلاة الظهر "حين يدخل وقت العصر، وأن أول وقت العصر حين يدخل وقتها"، ولم يبيِّن في ذلك انتهاء وقت الظهر ما هو حتى نعلم ابتداء وقت العصر؛ وذلك لما سبق بيانه. وتقريره عندهم: أنه - عليه السلام - بيَّن ذلك قولًا وفعلًا كما في الآثار المذكورة. قوله: "حين تصفرّ الشمس" أراد به وقت الجواز والضرورة، وإلا فالوقت المستحب في العصر إلى ما قبل اصفرار الشمس. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 283 رقم 151). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 281 رقم 3222).

قوله: "حين يغيب الأفق" أي الشفق، وقد جاء في رواية "حين يغيب الشفق". قوله: "وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل" أراد وقت القضاء والاستحباب وإلا فقد ثبت بالآثار المذكورة أن آخر وقت العشاء إلى أن يطلع الفجر. قوله: "حين يطلع الفجر" أراد به الفجر الثاني وهو الفجر الصادق، والله أعلم. ص: وأما ما ذُكر عنه في صلاة العصر فلم يختلف عنه أنه صلاها في أول يوم في الوقت الذي ذكرنا عنه، فثبت أن ذلك هو أول وقتها، وذكر عنه أنه صلاها في اليوم الثاثي حين صار ظل كل شيء مثليه، ثم قال: "إن الوقت فيما بين هذين" فاحتمل أن يكون ذلك هو آخر وقتها الذي إذا خرج فأتت. واحتمل أن يكون هو الوقت الذي لا ينبغي أن تؤخر الصلاة حتى يخرج، وأن من صلاها بعده -وإن كان قد صلاها في وقتها- مفرط؛ لأنه قد فاته في وقتها ما فيه الفضل، وإن كانت لم تفت بعد، وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "إن الرجل ليصلي الصلاة ولم تفته، وَلَمَا فاته من وقتها خيرٌ له من أهله وماله". فثبت بذلك أن الصلاة في خاص من الوقت أفضل من الصلاة في بقية ذلك الوقت، فيحتمل أن يكون الوقت الذي لا ينبغي أن يؤخر العصر حتى يخرج هذا الوقت الذي صلاها رسول الله - عليه السلام - في اليوم الثاني، وقد دل على ما ذكرنا ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمد بن الفضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها، وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس". ش: أي لم يختلف عن النبي - عليه السلام - أنه صلى صلاة العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله كما مرّ في الآثار المذكورة، فثبت بذلك أن ذلك هو أول وقت العصر، وبقي الكلام في أنه - عليه السلام - صلى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، فهذا يحتمل أمرين:

الأول: أن يكون ذلك هو آخر وقتها الذي إذا خرج هذا فأتت العصر. والثاني: يحتمل أن يكون هو الوقت الذي لا ينبغي أن تؤخر الصلاة إلى حين خروج ذلك الوقت، وأن الذي يصليها بعد ذلك الوقت وإن كان قد صلاها في وقتها مفرط مقصر لما فاته من فضيلة ذلك الوقت وإن كانت لم تفت بعد، ألا ترى إلى ما روي عنه - عليه السلام - أنه قال: "إن الرجل ليصلي الصلاة ولم تفته ... " الحديث، يدل على أن الصلاة في خاص من الوقت أي في جزء معين منه أفضل من الصلاة في بقية ذلك الوقت؟! فيحتمل أن يكون الوقت الذي لا ينبغي أن يؤخر العصر حتى يخرج هذا الوقت هو الذي صلاها رسول الله - عليه السلام - فيه في اليوم الثاني، وإلى هذا ذهبت طائفة فقالوا: لا ينبغي أن يؤخر العصر إلى ما بعد صيرورة ظل كل شي مثليه، وحكى ابن عبد الحكم وابن القاسم عن مالك: أن آخر وقت العصر أن يكون ظل كل شي مثليه، فكأنه لاحظ ما ذكرنا من الاحتمال الأول. وقال أبو عمر: هذا عندنا وقت الاختيار، وقد ذكر ابن وهب عن مالك أنه قال: آخر وقتها غروب الشمس. وقد قال أيضًا ابن وهب عن مالك: وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس. وهذا عندنا أيضًا على أصحاب الضرورات. وقال الشافعي: أول وقتها في الصيف إذا جاوز ظل كل شي مثله بشيء ما كان، ومن أخَّر العصر حتى يجاوز ظل كل شي مثليه في الصيف أو قدر ذلك في الشتاء فقد فاته الاختيار، ولا يجوز أن يقال: قد فاته العصر مطلقًا كما جاز على الذي أخّر الظهر إلى أن جاوز ظل كل شي مثله. قال: وإنما قلت ذلك لحديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام -: "من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدركها" (¬1). قوله: "هذا الوقت الذي صلاها رسول الله - عليه السلام -" خبر لقوله: "فيحتمل أن يكون الوقت الذي لا ينبغي أن يؤخر". قوله: "وقد دلّ على ما ذكرنا" أراد به ما ذكره من قوله: "فثبت أن ذلك أول وقتها"، وما ذكره من قوله: "وأن من صلاها بعده وإن كان قد صلاها في وقتها". ¬

_ (¬1) تقدم.

والحديث الذي ذكره معلقًا أخرجه مالك في "الموطإ" (¬1) موقوفًا: عن يحيى بن سعيد أنه كان يقول: "إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاته وقتها، ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله". قال أبو عمر: هذا موقوف في "الموطأ"، ويستحيل أن يكون مثله رأيًا فكيف وقد روي مرفوعًا بإسناد حسن! رواه ابن أبي ذئب عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام -، كذا قال في "التمهيد" (¬2)، وقد نقل بعضهم عن أبي عمر أنه قال: قد روي هذا الحديث من وجوه ضعيفة عن النبي - عليه السلام - منها عن يحيى بن سعيد، عن يعلى بن مسلم، عن طلق بن حبيب، عن النبي - عليه السلام - مرسل. وطلق ثقة إلا أنه مرجئ، ومالك لا يرضى مذهبه، قال: وقد روي مسندًا إلا انه يدور على يعقوب بن الوليد وهو متروك الحديث، فتأمل ما بين الكلامين من التفاوت. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3) مرسلًا، وقال عبد الرزاق: عن ابن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن يعلى بن مسلم، عن طلق بن حبيب، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إن أحدكم -أو إن الرجل منكم- ليصلي الصلاة وما فاتته ولما فاته من وقتها خير له من مثل أهله وماله". قوله: "لم تفته" يعني لم تكن صلاته فائتة؛ لأنه أداها في وقتها، ولكن ما أداها في وقتها الذي فيه الفضيلة والاستحباب، وهو معنى قوله: "ولما فاته من وقتها" أي: وللذي فاته من فضيلة وقتها هو خير له من أهله وماله. ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 12 رقم 23). والحديث أخرجه علي بن الجعد في "مسنده" مرفوعًا من حديث أبي هريرة (1/ 415 رقم 2835)، وكذا أخرجه أبو الشيخ في "تعظيم قدر الصلاة" (2/ 961 رقم 1043) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ومن حديث طلق بن حبيب (1/ 960 رقم 1041). (¬2) "التمهيد" (24/ 75). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 584 رقم 2225).

قال أبو عمر: هذا يدل على أن أول الوقت أفضل. وقال أيضًا: كان مالك فيما حكى عنه ابن القاسم لا يعجبه قول يحيى بن سعيد هذا، وأظن ذلك -والله أعلم- من أجل قوله - عليه السلام -: "ما بين هذين وقت" فجعل أول الوقت وآخره وقتًا، ولم يقل: أوله أفضل، وكان مالك لا يرول بين أول الوقت ووسطه وآخره من الفضل ما يشبه مصيبة من فاته ذلك بمصيبة من ذهب أهله وماله؛ لأن ذلك إنما ورد في ذهاب الوقت كله، هذا معنى قول مالك، والله أعلم؛ لأن في هذا الحديث أن فوات بعض الوقت كفوات الوقت كله، وهذا لا يقوله أحد من العلماء لا من فضَّل أول الوقت على آخره ولا مَنْ سوَّى بينهما؛ لأن فوات بعض الوقت مباح وفوات كل الوقت لا يجوز ففاعله عاصٍ لله تعالى إذا تعمد ذلك، وليس كذلك من صلى في وسط الوقت وآخره، وإن كان من صلى في أول الوقت أفضل، وتدبر هذا تجده كذلك إن شاء الله تعالى. قوله: "وقد دلّ على ما ذكرنا" أي على ما ذكرنا من قولنا: فثبت بذلك أن الصلاة خاص من الوقت أفضل من الصلاة في بقية ذلك الوقت، بيان ذلك في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وهو قوله - عليه السلام -: "وإن أخّر وقتها حين تصفر الشمس" فإنه يدل على أن الصلاة قبل اصفرار الشمس أفضل من الصلاة في حالة الاصفرار؛ وإن كان كل ذلك وقت العصر، ويدل على أن الذي يصلي في حالة الاصفرار مقصِّرٌ لما فاته من فضيلة الوقت المستحب حين تصفر الشمس. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة هذا عن قريب بهذا الإسناد بعينه، ولكنه قطَّعه لأجل تطبيق الاستدلال على المدعى، وقد ذكرنا أن الترمذي أخرجه بأتم منه فليراجع هناك. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخَصِيب بن ناصح، قال: ثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي - عليه السلام - قال: "وقت العصر ما لم تصفر الشمس".

ش: إسناده صحيح. والخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- وأبو أيوب اسمه يحيى بن مالك، ويقال: حبيب بن مالك العتكي. وأخرجه مسلم بأتم منه (¬1): حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا عبد الصمد، قال: أنا همام، قال: ثنا قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان". واعلم أن ألفاظ هذا الحديث مختلفة، ففي رواية عبد الله بن عَمرو بن العاص هذا "ما لم تصفر الشمس"، وفي رواية أبي هريرة: "حين تصفر الشمس"، وفي "الأم": "إلى أن تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول"، وفي حديث بريدة في الوقتين "أنه صلاها في اليوم الثاني والشمس مرتفعة"، وفي الرواية الأخرى "بيضاء نقية لم تخالطها صفرة"، وفي حديث أبي موسى: "وانصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس"، ومثله في حديث جبريل - عليه السلام -، وفي الأحاديث الأُخر: "مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها". وبحسب هذا الاختلاف اختلف العلماء فيه كما قد ذكرناه، والتحقيق فيه: أن الكل يدل على وقت الاختيار غير قوله: "من أدرك ركعة من العصر ... " الحديث، فإنه محمول على وقت الضرورة. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 426 رقم 612).

عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، قال شعبة: حدثنيه ثلاث مرار، رفعه مرة ولم يرفعه مرتين، فذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح: عن ابن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك ابن عمرو البصري العقدي -بفتح العين المهملة وفتح القاف- نسبة إلى عقد بطن من بجيلة، وقد تكرر ذكره. وأخرجه مسلم أيضًا (¬1): ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثني أبي، قال: نا شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب واسمه يحمل بن مالك الأزدي ويقال: المراغي، والمراغ حي من الأزد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - عليه السلام - قال: "وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم يطلع الفجر". ثنا زهير بن حرب، قال: نا أبو عامر العقدي. وثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا يحيى بن أبي بكير، كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد، وفي حديثهما قال شعبة: رفعه مرةً ولم يرفعه مرتين. ص: ففي هذا الأثر أن آخر وقتها حين تصفر الشمس، وذلك بعد ما يصير الظل قامتين، فدل ذلك أن الوقت الذي قصده النبي - عليه السلام - في الآثار الأُوَل من وقتها هو وقت الفضل لا الوقت الذي إذا خرج فأتت الصلاة بخروجه؛ حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد. ش: أي ففي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص هذا: أن آخر وقت العصر حين تصفر الشمس، وذلك لا يكون إلا بعد ما يصير ظل كل شي مثليه، فدلّ ذلك أن الوقت الذي قصده النبي - عليه السلام - في الأحاديث الأوُل التي تدل ظاهرًا على انتهاء وقت العصر عند إنتهاء صيرورة ظل كل شي مثليه؛ هو وقت الفضيلة والاستحباب لا ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه.

الوقت الذي إذا خرج تقع الصلاة بخروجه فائتة، وإنما قلنا ذلك حتى تتفق تلك الأحاديث مع حديث عبد الله بن عمرو ولا تتضادّ؛ لأن بينهما تضادًّ ظاهرًا لا يخفى، فدفعه بما قلنا يفيد العمل بالأحاديث كلها؛ لأنا حملنا الأحاديث الأول على وقت الفضل والاستحباب لا الوقت الذي إذا خرج فأتت الصلاة بخروجه، وحملنا حديث عبد الله بن عمرو وأمثاله على وقت التفريط الذي إذا صلى فيه يكون أداءً، ولكنه يكون مفرطًا حيث فوّت ما فيه من الفضل والاستحباب. ص: غير أن قومًا ذهبوا إلى أن آخر وقتها غروب الشمس، واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - عليه السلام - قال: "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: [ثنا] (¬1) سعيد، أخبرنا [عن] (1) معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار وبسر بن سعيد وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - مثله. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وليست في "شرح معاني الآثار".

قالوا: فلما كان من أدرك من العصر ما ذكر في هذه الآثار صار مدركًا لها؛ ثبت أن أخر وقتها هو غروب الشمس، وممن قال ذلك: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد -رحمهم الله-. ش: أشار بهذا الإسناد إلى أن مذهب طائفة من الفقهاء أن آخر وقت العصر هو غروب الشمس، وأن الذي يؤخر صلاة العصر عن صيرورة ظل كل شي مثليه غير مفرط. وأراد بالقوم هؤلاء: أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر بن الهذيل ومالكًا في رواية ابن وهب؛ فإنهم قالوا: آخر وقت العصر هو غروب الشمس، واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة وعائشة - رضي الله عنهما -؛ لأنه - عليه السلام - قال: "من أدرك ركعة من العصر أو ركعتين قبل أن تغرب الشمس، صار مدركًا لها". فثبت بذلك أن آخر وقتها هو غروب الشمس؛ لأن معنى قوله - عليه السلام -: "فقد أدرك" أي وجوبها، حتى إذا أدرك الصبي أو أسلم الكافر أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض، تجب عليه صلاة العصر ولو كان الوقت الذي أدركه جزءًا يسيرًا لا يتسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشمس. فإن قلت: قيد في الحديث ركعة فينبغي أن لا يعتبر أقل منها. قلتُ: قيد الركعة في الحديث خرج مخرج الغالب؛ فإن غالب ما يمكن معرفة الإدراك به ركعة ونحوها، حتى قال بعضهم من الشافعية: إنما أراد رسول الله - عليه السلام - بذكر الركعة البعض من الصلاة؛ لأنه قد روي عنه: "من أدرك ركعة من العصر"، و"من أدرك ركعتين من العصر"، و"ومن أدرك سجدة من العصر"، فأشار إلى بعض الصلاة مرة بركعة، ومرة بركعتين، ومرة بسجدة، والتكبيرة في حكم الركعة؛ لأنها بعض الصلاة، فمن أدركها فكأنه أدرك ركعة. فإن قيل: المراد من السجدة: الركعة.

على ما روى مسلم (¬1): حدثني أبو الطاهر وحرملة، كلاهما عن ابن وهب -والسياق لحرملة- قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال: رسول الله [- عليه السلام -] (¬2): "من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها". والسجدة إنما هي الركعة. قلت: قد فسر السجدة بالركعة حرملة، وكذا فسر في "الأم" لأنه يعبر بكل واحد منهما عن الآخر، وأيًّا ما كان فالمراد بعض الصلاة وإدراك شيء منها، وهو يطلق على الركعة والسجدة وما دونها مثل تكييرة الإحرام. وحديث: "من أدرك سجدة" رواه أحمد في "مسنده" (¬3): ثنا معاوية، ثنا زائدة، نا عبد الله بن ذكوان أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "من أدرك قبل طلوع الشمس سجدة فقد أدرك الصلاة ومن أدرك قبل غروب الشمس سجدة فقد أدرك الصلاة". ثم إن الطحاوي -رحمه الله-: أخرج حديث أبي هريرة من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سهيل ابن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان السمان، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (¬4): ثنا وهب، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك من العصر ركعتين أو ركعة قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 424 رقم 609). (¬2) في "الأصل": "صلى الله عليه السلام"، وهو سبق قلم من المصنف -رحمه الله-. (¬3) "مسند أحمد" (2/ 399 رقم 9172). (¬4) "مسند الطيالسي" (1/ 318 رقم 2431).

وأخرجه أحمد (¬1): عن محمد بن جعفر، [عن شعبة] (¬2)، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك، ومن أدرك ركعة أو ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك". الثاني: عن علي بن معبد بن نوح، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن معمر بن راشد، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها". وأخرجه مسلم (¬3): عن عبدبن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحوه. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر -بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة- بن عمر بن الحكم الزهراني، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم القرشي أحد مشايخ أبي حنيفة، عن عطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة زوج النبي - عليه السلام -. وعن بُسْر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- بن سعيد المدني العابد، وعن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 348 رقم 8569). (¬2) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد". (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 424 رقم 608).

وأخرجه البخاري (¬1): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ومسلم (1): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك ... إلى آخره نحوه. والترمذي (¬2): عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك ... إلى آخره. وابن ماجه (¬3): عن محمد بن الصباح، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج يحدثونه، عن أبي هريرة ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (¬4) من حديث ابن عباس عن أبي هريرة: ثنا الحسن بن الربيع، حدثني ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك، ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك". وأما حديث عائشة ل فقد أخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم: عن يونس ابن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه النسائي (¬5): أنا محمد بن رافع، قال: ثنا زكريا بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام - قال: "من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 211 رقم 554). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 353 رقم 186). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 229 رقم 699). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 112 رقم 412). (¬5) "المجتبى" (1/ 273 رقم 551).

وأخرجه ابن ماجه (¬1): ثنا أحمد بن عمرو بن السرح وحرملة بن يحيى، قالا: نا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغيب الشمس فقد أدركها". ويستنبط منه أحكام: الأول: استدل به أبو حنيفة ومن تبعه ممن ذكرناهم أن آخر وقت العصر هو غروب الشمس؛ لأن من أدرك منه ركعة أو ركعتين مدرك له، فإذا كان مدركًا يكون ذلك الوقت من وقت العصر؛ لأن معنى قوله: "فقد أدرك" أدرك وجوبها، حتى إذا أدرك الصبي قبل غروب الشمس، أو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو طهرت الحائض؛ تجب عليه صلاة العصر، ولو كان الوقت الذي أدركه جزءا يسيرًا لا يسع فيه الأداء، وكذلك الحكم قبل طلوع الشمس. وقال زفر: لا تجب ما لم يجد وقتًا يسع فيه الأداء حقيقة. وعن الشافعي قولان فيما إذا أدرك دون ركعة كتكبيرة مثلًا: أحدهما: لا بد منه. والآخر: يلزمه، وهو أصحهما. وقال أبو عمر: قال مالك: إذا طهرت المرأة قبل الغروب فإن كان بقي عليها من النهار قدر ما تصلي فيه خمس ركعات صلت العصر، وإذا طهرت قبل الفجر وكان ما بقي عليها من الليل قدر ما تصلي أربع ركعات -ثلاثًا للمغرب وركعة من العشاء- صلت المغرب والعشاء، وإن لم يبق عليها إلا ما تصلي فيه ثلاث ركعات صلت العشاء، ذكره أشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم وابن وهب عن مالك، وقال ابن وهب: سالت مالكًا عن المرأة تنسى -أو تغفل عن- صلاة الظهر فلا تصليها ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 229 رقم 700).

حتى تغشاها الحيضة قبل غروب الشمس. فقال مالك: لا أرى عليها قضاء للظهر والعصر إلا أن تحيض بعد غروب الشمس. وقال الشافعي وابن عُلية: لو أن امرأة حاضت في أول وقت الظهر بمقدار ما يمكنها فيه صلاة الظهر ولم تكن صلّت؛ لزمها قضاء صلاة الظهر؛ لأن الصلاة تجب بأول الوقت. وقال الشافعي: وإن حاضت وقد مضى من الوقت قدر ما لا يمكنها فيه الصلاة بتمامها لم يجب عليها قضاؤها، كما لو حاضت وهي في الصلاة في أول وقتها لم يكن عليها إعادتها. وقال مالك: من أغمي عليه في وقت صلاة حتى ذهب وقتها، ظهرًا كانت أو عصرًا -فقال: الظهر والعصر وقتها في هذا إلى مغيب الشمس- فلا إعادة عليه، وكذلك المغرب والعشاء وقتهما الليل كله. وقول الليث في المغمى عليه والحائض كقول مالك سواء. وقال مالك: إذا طهرت قبل غروب الشمس فاشتغلت [بالغسل] (¬1) فلم تزل مجتهدة حتى غربت الشمس، لا أرى أن تصلي شيئًا من صلاة النهار. وقالت طائفة من أهل العلم منهم ابن عُلية وهو أحد أقوال الشافعي وهو المشهور عنه [في البويطي] (¬2) وغيره: إذا طهرت الحائض في وقت صلاة [وأخذت] (2) في غسلها فلم تفرغ حتى [خرج] (2) وقت تلك الصلاة وجب عليها قضاء تلك الصلاة؛ لأنها في وقتها غير حائض، وليس فوت، الوقت على الرجل يسقط عنه الصلاة إن اشتغل بوضوء أو غسل حتى فاته الوقت، وكذلك الحائض إذا طهرت. ¬

_ (¬1) سقطت من "الأصل، ك" والمثبت من "التمهيد" (3/ 284). (¬2) طمس في "الأصل، ك" والمثبت من "التمهيد" (3/ 291).

قال الشافعي: وكذلك المغمى عليه يفيق، والنصراني يسلم، قبل غروب الشمس أو قبل طلوع الفجر أو قبل طلوع الشمس. وسئل الأوزاعي عن الحائض تصلي ركعتين ثم تحيض، وكيف إن كانت أخرت الصلاة؟ قال: إن أدركها المحيض في صلاة انصرفت عنها ولا شيء عليها، وإن كانت أخرت الصلاة حتى جاز الوقت فعليها قضاؤها، وإن كانت أخرت الصلاة ولم يذهب الوقت فلا شيء عليها. قال: وإذا طهرت المرأة بعد العصر فأخذت في غسلها فلم تفرغ منه حتى غابت الشمس فلا شيء عليها. ذكره الوليد بن يزيد عن الأوزاعي، وقد ذكرنا عن الشافعي أنه إذا طهرت المرأة قبل مغيب الشمس بركعة أعادت الظهر والعصر، وكذلك إن طهرت قبل الفجر بركعة أعادت المغرب والعشاء، واحتج بقوله - عليه السلام -: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ... " الحديث. وقال الشافعي في هذه المسألة قولان آخران: أحدهما: مثل قول مالك سواء. والقول الآخر قاله في "الكتاب المصري" فقال في المغمى عليه إذا أفاق وقد بقي عليه من النهار قدر ما يكبر فيه تكبيرة الإحرام، أعاد الظهر والعصر ولم يعد ما قبلها لا صبحًا ولا مغربًا ولا عشاءً، قال: فإذا أفاق وقد بقي عليه من الليل قبل أن يطلع الفجر قدر تكبيرة واحدة؛ قضى المغرب والعشاء، فإذا أفاق قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة قضى الصبح، وإذا طلعت الشمس قبل أن يفيق لم يقضها، قال: وكذلك الحائض تطهر، والرجل يسلم، وقال فيمن جُنَّ بأمر لا يكون به عاصيًا فذهب عقله: لا قضاء عليه ومن كان زوال عقله بما يكون به عاصيًا قضى صلاة فاتته في حال زوال عقله، وذلك مثل السكران وشارب السُّمِّ والشيركران عامدَّا لإذهاب عقله.

وقال أبو حنيفة وأصحابه -وهو قول ابن علية-: من طهر من الحُيَّضِ أو بلغ من الصبيان أو أسلم من الكفار؛ لم يكن عليه أن يصلي شيئًا مما فات وقته، وإنما يقضي ما أدرك وقته بمقدار ركعة فما زاد، وهم لا يقولون باشتراك الأوقات لا في صلاتي الليل ولا في صلاتي النهار، ولا يرون لأحد الجمع بين الصلاتين لا لمسافر ولا لمريض في وقت إحداهما، ولا يجوز ذلك عندهم بغير عرفة والمزدلفة، وهو قول حماد بن أبي سليمان في هذه المسألة كقول أبي حنيفة، ذكر غندر، عن شعبة قال: سالت حمادًا عن المرأة تطهر في وقت العصر؟ قال تصلي العصر فقط. وقال أبو حنيفة وأصحابه فيمن أغمي عليه خمس صلوات فأقل منها ثم أفاق: إنه يقضيها، ومن أُغمي عليه كثر من ذلك ثم أفاق لم يقضه. وهو قول الثوري إلا أنه قال: أحب إليَّ أن يقضي، وقال زفر في المغمى عليه يفيق، والحائض تطهير، والنصراني يسلم، والصبي يحتلم: إنه لا يجب على واحد منهم قضاء صلاة إلا بأن يدركوا من وقتها مقدار الصلاة كلها بكمالها، كما لا يجب عليهم من الصيام إلا ما أدركوا وقته بكماله. قال أبو عمر (¬1): قوله - عليه السلام -: "من أدرك ركعة ... " الحديث يرد قول زفر. وقال أحمد بن حنبل: إذا طهرت الحائض أو أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل أن تغرب الشمس؛ صلوا الظهر والعصر، وإن كان ذلك قبل أن يطلع الفجر؛ صلوا المغرب والعشاء. وقال أحمد في المغمى عليه: يقضي الصلوات كلها التي كانت عليه في إغمائه، وهو قول عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ولا فرق عندهم بين النائم والمغمى عليه في أن كل واحد منهما يقضي ما فاته وإن كثر، وهو قول عطاء بن أبي رباح، ورُوي ذلك عن عمار بن ياسر وعمران بن حصين، وروى ابن رستم عن محمد بن الحسن: أن النائم إذا نام كثر من يوم وليلة فلا قضاء عليه. ¬

_ (¬1) "التمهيد" (3/ 288).

قال أبو عمر: لا أعلم أحدًا [قال] (¬1) هذا القول في النائم غير محمد بن الحسن، فإن صح عنه هذا فهو خلاف السنة، لأنه قد ثبت عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها". وأجمعوا أن من نام عن خمس صلوات قضاها، فكذلك في القياس ما زاد عليها. قال أبو عمر: وأصح ما في هذا الباب في المغمى عليه يفيق: أنه لا قضاء عليه لما فاته من وقته، وبه قال ابن شهاب والحسن وابن سيرين وربيعة [و] (¬2) مالك والشافعي [وأبو ثور] (2) وهو مذهب عبد الله بن عمر: من أغمي عليه لم يقض شيئًا مما فات وقته، وهذا القياس عندي، والله أعلم. الثاني: فيه دليل صريح في أن من صلى ركعة من العصر ثم دخل الوقت قبل سلامه لا يُبطل صلاته بل يتمها، وهذا بالإجماع، وأما في الصبح فكذلك عند الشافعي ومالك وأحمد، إلا عند أبي حنيفة فإنه قال: يبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها، وقالت الشافعية: الحديث حجة على أبي حنيفة. ثم نقول: من وقف على ما استند عليه أبو حنيفة عرف أن الحديث ليس بحجة عليه، وعرف أن غير هذا الحديث من الأحاديث حجة عليهم؛ فنقول: لا شك أن الوقت سبب للصلاة وطرف لها، ولكن لا يمكن أن يكون كل الوقت سببًا؛ لأنه لو كان كذلك يلزم تأخير الأداء عن الوقت، فتعين أن دخول بعض الوقت سببًا وهو الجزء الأول لسلامته عن المزاحم، فإن اتصل به الأداء تقررت السببية، وإلا ينتقل إلى الجزء الثاني والثالث والرابع وما بعده إلى أن يتمكن فيه من عقد التجزئة إلى آخر جزء من أجزاء الوقت، ثم هذا الجزء إن كان صحيحًا بحيث لم ينسب إلى النقصان ولم يوصف بالكراهة كما في الفجر وجب عليه كاملًا حتى لو اعترض الفساد في الوقت بطلوع الشمس في صلاة الفجر؛ لأن ما وجب كاملًا لا يتأدى بالناقض؛ كالصوم المنذور المطلق أو صوم القضاء، لا يتأدى في أيام النحر والتشريق، وإن ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل"، والمثبت من "التمهيد" (3/ 289). (¬2) في "الأصل": "بن"، وهو خطأ، والمثبت من "التمهيد" (3/ 290).

كان هذا الجزء ناقصًا بأن صار منسوبًا إلى النقصان كالعصر وقت الإحمرار وجب ناقصًا؛ لأن نقصان السبب مؤثر في نقصان المسبب فيتأدى بصفة النقصان؛ لأنه أُدي كما لزم، كما إذا نذر صوم يوم النحر وأداه فيه، فإذا غربت الشمس في أثناء الصلاة لم تفسد العصر؛ لأن ما بعد الغروب كامل فيتأدى فيه؛ لأن ما وجب ناقصًا يتأدى كاملًا بالطريق الأولى. فإن قيل: يلزم أن يفسد العصر إذا شرع فيه في الجزء الصحيح ومدها إلى أن غربت. قلت: لما كان الوقت متسعًا جاز له شغل كل الوقت، فبعض الفساد الذي يتصل فيه بالعشاء؛ لأن الاحتراز عنه مع الإقبال على الصلاة متعذر، والجواب عن الحديث ما ذكره الطحاوي: أن وروده كان قبل نهيه - عليه السلام - عن الصلاة في الأوقات المكروهة. الثالث: أن المراد من الإدراك: إدراك الوقت، لا أن ركعة من الصلاة من أدركها ذلك الوقت أجزأته من تمام صلاته. قال أبو عمر: هذا إجماع من المسلمين، لا يختلفون في أن هذا المصلي فرضٌ عليه واجب أن يأتي بتمام صلاة الصبح وتمام صلاة العصر. وقال القاضي عياض: لا خلاف أن اللفظ ليس على ظاهره، وأن هذه الركعة تجزئه من الصلاة دون غيرها، وإنما ذلك راجع إلى حكم الصلاة، فقيل: معناه: فضل الجماعة، وهو ظاهر حديث أبي هريرة هذا في رواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وزيادته قوله: "مع الإِمام" وليس هذه الزيادة في حديث مالك عنه، ولا في حديث الأوزاعي وعبد الله بن عمر ومعمر، واختلف فيه عن يونس عنه، ويدل عليه إفراد مالك في التبويب في "الموطإ"، وقد رواه بعضهم عن مالك مفسرًا "فقد أدرك الفضل"، ورواه بعضهم أيضًا عن ابن شهاب، وهذا الفضل لمن تمت له الركعة كما قال، وفي مضمونه أنه لا يحصل بكماله لمن لم

تتحصل له الركعة، وذهب داود وأصحابه في أخرى: أن الحديث في إدراك الوقت؛ فجعلوه بمعنى الحديث الآخر: "من أدرك ركعة من الوقت قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح". وهما حديثان في شيئين لهما حكمان، وفيهما دليل على أن من لم يدرك ركعة فليس بمدرك لفضل تلك الصلاة ولا حكمها مما لزم إمامه من سجود سهو أو انتقال فرضه من اثنتين إلى أربع في الجمعة، أو انتقاله إلى حكم نفسه إن اختلف حالهما من السفر والإقامة، وهذا قول مالك والشافعي -في أحد قوليه- وعامة فقهاء الفتيا وأئمة الحديث. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف وأصحابهما والشافعي أيضًا: أنه بالإحرام يكون مدركًا حكم الصلاة، واتفق هؤلاء على إدراكهم العصر بتكبيرة قبل غروب الشمس، واختلفوا في الظهر، فعند الشافعي -في أحد قوليه-: هو مدرك بالتكبيرة لهما لاشتراكهما في الوقت، وعنه: أنه بتمام القائمة للظهر يكون قاضيًا لها، وهذا الإدراك يكون لمعنيين: أحدهما: أن يكون لمن أخر الصلاة وهو مدرك للأداء بإدراك ركعة، وليس يكون قاضيًا بصلاته بعضها بعد وقتها كمدرك ركعة في صلاة الإِمام، فله في جميعها حكم الإتمام، وقد يحمل الحديث على من كان بصفة المكلفين في هذا الحين فأدرك وجوب الصلاة أو حكمًا من أحكامها في هذا الوقت، فهو مدرك له، وهذا قول مالك وأصحابه في معنى الحديث، وهو الذي عبروا عنهم بأصحاب الأعذار، وذلك: الكافر يسلم، والصغير يبلغ، والحائض تطهير، والمغمى عليه يفيق، والمسافر يقدم ويرحل. وهذه الركعة التي يكون بها مدركًا للأداء والوجوب في الوقت هو قدر ما يكبر فيه للإحرام وقراءة أم القرآن بقراءة معتدلة، ويركع ويرفع، ويسجد سجدتين، ويفصل بينهما، ويطمئن في كل ذلك على من أوجب الطمأنينة، فهذا أقل ما يكون به مدركًا.

وعلى من لا يوجب أم القرآن في كل ركعة: يكفيه تكبيرة الإحرام والوقوف لها، وأشهب لا يراعي إدراك السجود بعد الركعة؛ أخذًا بظاهر الحديث. وأما الركعة التي تدرك بها فضيلة الجماعة: فأن يُكبر لإحرام قائمًا، ثم يركع ويمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه، هذا مذهب مالك وأصحابه وجمهور الفقهاء من أهل الحديث والرأي وجماعة من الصحابة والسلف، ورُوي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة ما لم يدرك الإِمام قائمًا قبل أن يركعها معه، ورُوي معناه عن أشهب من أصحابنا، ورُوي عن جماعة من السلف: أنه متى أحرم والإمام راكع أجزأه، وإن لم يدرك الركوع وركع بعد الإمام -كالناعس- اعتد بالركعة، وقيل: تجزئه وإن رفع الإمام ما لم يرفع الناس، وقيل: تجزئه إن أحرم قبل سجود الإِمام. ص: وكان من حجة من ذهب إلى أن آخر وقتها بلى أن تتغير الشمس: ما قد رُوي عن النبي - عليه السلام - من نهيه عن الصلاة عند غروب الشمس، فمن ذلك: ما قد حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر قال: قال لي عبد الله - رضي الله عنه -: "كنا ننهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ونصف النهار". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا حبَّان بن هلال، قال ثنا همام، عن قتادة، عن محمد -قال أبو جعفر -رحمه الله-: محمد هو ابن سعد بن أي وقاص- عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة إذا طلع قرن الشمس، أو غاب قرن الشمس". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا موسى بن عُلي بن رباح اللخمي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه - قال: "ثلاث ساعات كان النبي - عليه السلام - ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا: حين تطلع

الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب، قال: ثنا الدراوردي، عن هشام ابن عروة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - قال: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، وإذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب". حدثنا محمد بن عمر بن يونس، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر- رضي الله عنهم -، عن رسول الله - عليه السلام - ... مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله - عليه السلام - قال: "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن عبد الله ابن طاوس، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "وهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، إنما نهى رسول الله - عليه السلام - أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها". حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، قال: حدثني أبو يحيى وضمرة بن حبيب وأبو طلحة، عن أبي أمامة الباهلي، قال: حدثني عمرو بن عبسة - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا طلعت الشمس فإنها تطلع بين قرني الشيطان، وهم ساعة صلاة الكفار، فدع الصلاة حتى ترتفع ويذهب شعاعها، ثم الصلاة محضورة مشهودة إلى أن ينتصف النهار، فإنها ساعة تفتح أبواب جهنم وتسجر، فدع الصلاة حتى يفيء الفيء، ثم الصلاة محضورة مشهودة إلى غروب الشمس فصحها تغرب بين قرني الشيطان، وهم ساعة صلاة الكفار". حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن

حرب، قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة يحدث، عن سمرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصلوا عند طلوع الشمس ولا عند غروبها؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان -أو على قرني شيطان- وتغرب بين قرني شيطان- أو على قرني شيطان". قالوا: فلما نهى النبي - عليه السلام - عن الصلاة عند غروب الشمس؛ ثبت أنه ليس بوقت صلاة، وأن وقت العصر يخرج بدخولها. ش: أراد بقوله: "من ذهب ... ". إلى آخره: الشافعي -في قول- وأحمد -في الصحيح عنه- ومالكًا -في المشهور عنه- وجمهور أصحابه، والحسن بن زياد -من أصحاب أبي حنيفة- وإسحاق وداود؛ فإنهم ذهبوا إلى أن آخر وقت العصر إلى تغير الشمس، واختاره الطحاوي أيضًا على ما يفهم من كلامه، واحتجوا في ذلك بما رُوي عن عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمر وعائشة أم المؤمنين وعمرو بن عبسة وسمرة بن جندب - رضي الله عنهم - فإنهم رووا عن النبي - عليه السلام - أنه نهى عن الصلاة عند غروب الشمس، فدل ذلك أن وقت التغير ليس بوقت للعصر، وأن آخر وقته إلى أن تتغير الشمس. أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه بإسناد جيد حسن: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط -بالنون- عن عاصم بن بهدلة أبي بكر المقرئ، عن زر بن حبيش الأسدي الكوفي، عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: "إن الشمس تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، قال: فكنا نُنْهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها". قوله: "كنا نُنْهى" على صيغة المجهول، وهو محمول عند أكثر أهل العلم على أنه ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 134 رقم 7358).

نهي الرسول - عليه السلام - فكذا قول الصحابي: "أمرنا بكذا" محمول على أنه أمر لله ورسوله، وقال قوم: يجب فيه الوقف؛ لأنه لا يؤمن أن يعني بذلك أمر الأئمة والعلماء، والأول أقرب إلى الصواب، وفيه دليل على أن وقت الغروب ووقت الطلوع ليسا بأوقات للصلاة؛ إذ لو كانت أوقاتًا لما نهى النبي - عليه السلام - عن الصلاة فيها. وأما حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان القزاز البصري، عن حبان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن هلال الباهلي البصري، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني، وقد بَيَّن الطحاوي أن المراد من محمد الذي يروي عنه قتادة هو ابن سعد بن أبي وقاص، وقد وقع في بعض النسخ: عن قتادة، عن محمد، عن زيد بن ثابت، فإن صح هذا يكون المراد منه محمد بن سيرين. كما هو كذلك في "مسند أحمد بن حنبل" (¬1): حيث قال: حدثنا عفان، نا همام، نا قتادة، عن ابن سيرين، عن زيد بن ثابت: "أن النبي - عليه السلام - نهى أن يصل إذا طلع قرن الشمس أو غاب قرنها وقال: إنها تطلع بين قرني شيطان أو من بين قرني الشيطان". قوله: "إذا طلع قرن الشمس" أي جانبها وطرفها، وقرن الشيء: ناحيته. وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن ابن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن موسى بن عُلي -بضم العين وفتح اللام- بن رباح اللخمي، عن أبيه عُلي بن رباح بن قصير اللخمي، عن عقبة بن عامر الجهني. وأخرجه مسلم (¬2): ثنا يحيى بن يحيى، ثنا عبد الله بن وهب، عن موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه - يقول: "ثلاث ساعات ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 190 رقم 21704). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 568 رقم 831).

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن أو أن تقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحن يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب". وأخرجه الأربعة (¬1) أيضًا. قوله: "أن نصلي فيها" عامٌّ يتناول جميع الصلوات، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. قوله: (وأن نقبر فيها موتانا" أي وأن ندفن فيها موتانا، هذا ظاهر المعنى ولكنه ليس بمراد؛ إذْ المراد: وأن نصلي عليها للإقبار، على ما يجيء، وهو من قَبَرَ يَقْبُر من باب نَصَرَ يَنْصُر، تقول: قبرته إذا دفنته وأقبرته إذا جعلت له قبرًا. قوله: "بازغة" نصب على الحال عن الشمس، من بزغت الشمس وبزغ القمر وغيرهما إذا طلع، من باب نَصَرَ ينصر. قوله: "قائم الظهيرة" ظهيرة الشمس شدة حرها نصف النهار، ولا يقال في الشتاء ظهيرة وتجمع على الظهائر ومراده: حين يقف الظل، وهو القائم بالظهيرة ولا يظهر له زيادة ولا نقص؛ لأنه قد انتهى نقصه. و"حين تضيف" أي تميل وتجنح للغروب، يقال: ضاف الشيء يضيف بمعنى مال، ومنه اشتق اسم الضيف، ويقال: ضفت الرجل إذا ملت نحوه وكنت له ضيفًا، وأضفته إذا أملته إلى رحلك وقربته. قوله: "تضيف" أصله تتضيف بتائين، فحذفت إحداهما للتخفيف كما في قوله تعالى: {نَارًا تَلَظَّى} (¬2) أصله تتلظى. ¬

_ (¬1) أبو داود (3/ 208 رقم 3192)، والترمذي (3/ 348 رقم 1030)، والنسائي (1/ 275 رقم 560) وابن ماجه (1/ 486 رقم 1519). (¬2) سورة الليل، آية: [14].

ويستفاد منه أحكام: الأول: استدل به أصحابنا أن جميع الصلوات فرضها قضاء وأداء نفلها يكره في هذه الأوقات الثلاثة؛ لعموم قوله - عليه السلام - "أن نصلي فيها" وهو بإطلاقه حجة على الشافعي في تخصيص الفرائض وبمكة وحجة على أبي يوسف في إباحة النفل يوم الجمعة وقت الزوال. وفي "الروضة" للنووي: يجوز في هذه الأوقات قضاء الفرائض والسنن والنوافل التي اتخذها الإنسان وردًا له، وتجوز صلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، وركعتا الطواف، وصلاة الكسوف، ولا يكره فيها صلاة الاستسقاء على الأصح، وعلى الثاني تكره كصلاة الاستخارة وتكره ركعتا الإحرام على الصحيح، فأما تحية المسجد فإن اتفق دخوله لغرض كدرس علم أو اعتكاف أو انتظار صلاة ونحو ذلك لم تكره، وإن دخل لا لحاجة بل ليصلي التحية فوجهان أقيسهما الكراهة انتهى. وبقوله قال أحمد وبقولهما قال مالك، وقال القاضي عياض: وأما الفرائض فلا خلاف في قضاء فرض يومه ومنسيته في هذين الوقتين مالم تطلع الشمس [أو] (¬1) تغرب، فإذا طلعت أو غربت فلا خلاف في قضاء فرض يومه مع طلوعها وغروبها إلا شيء روي عن أبي حنيفة؛ أنه لا يقضي صلاة صبح يومه مع طلوعها وأنها إن طلعت وقد عقد ركعة فسدت عليه، ولا نقوله في الغروب؛ لجواز الصلاة بعد الغروب، وأما منسي غير يومه فجمهور العلماء على صلاتها حينئذ، إلا أن أبا حنيفة لا يجيز قضاءها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وحمل اللفظ على العموم انتهى. ثم إنه إذا صلى النوافل في هذه الأوقات تجوز؛ لأنه أدى كما وجبت؛ لأن النفل يجب بالشروع، وشروعه حصل في الوقت المكروه. ¬

_ (¬1) في "الأصل": "و".

وقال الكرخي: يجوز وأحب إلينا أن يعيده. وقال: الأفضل له أن يقطع ويقضيها في الوقت المباح. فإن قيل: ما الفرق أن الفرائض لا تجوز فيها أصلًا والنوافل تجوز بالكراهة؟ قلت: لأن الصلاة مشروعة بأصلها؛ لوجود أركانها وشرائطا، ولا قبح في أصلها لأنها تعظيم محض لله تعالى والأوقات أيضًا صحيحة بأصلها كسائر الأوقات، ولكن من حيث إنها أوقات فاسدة بوصفها؛ لانتسابها إلى الشيطان صارت الصلاة فلم يسقط فيها ومنها الكامل وهو الفرض بخلاف النفل؛ لأنه أداه كما شُرع لكن مع الكراهة لورود النهي. الثاني: يستفاد منه كراهة الصلاة على الجنازة في هذه الأوقات؛ لأن المراد من قوله "وأن نقبر فيها موتانا" أن يصلي عليهم لأجل الإقبار في هذه الأوقات لأن الدفن فيها غير مكروهة. واختلف العلماء فيه وفي الصلاة على الجنازة، فذهب أكثر أهل العلم إلى كراهة الصلاة على الجنازة في الأوقات المكروهة، وروي ذلك عن ابن عمر، وهو قول عطاء والنخعي والأوزاعي والثوري، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق ومالك، وفي "الجواهر" للمالكية: ولا يجوز فعلها أي فعل الصلاة على الجنازة في وقتي الإسفار والاصفرار، هذا ما لم يُخشى تغيير الميت، فإذا خشي يصلي عليه في جميع الأوقات انتهى. وعند الشافعي لا تكره الصلاة على الجنازة أي ساعة شاء من ليل أو نهار، وكذلك الدفن أي وقت كان من ليل أو نهار، وقول الجماعة أولى؛ لموافقة الحديث. وقال عياض في قوله "فيها موتانا": يحتمل أن المراد بذلك الصلاة عليها حينئذ، ويحتمل أن يكون على ظاهره من الدفن انتهى. فإن قيل: إذا كان المراد من قوله: "وأن نقبر فيها موتانا": أن نصلي عليها في هذه الأوقات، فمن أي قبيل يكون هذا الكلام؟

قلت: هو كناية؛ لأنه ذكر الرديف وأريد المردوف، وقال ابن حزم: ولا يحل دفن الموتى في هذه الساعات، وأما الصلاة عليهم فجائزة فيها للأثر بذلك عمومًا. الثالث: أن قوله - عليه السلام -: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" يعارض هذا الحديث، بيانه: أن هذا نقيض أن تكون هذه الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها وقتًا للقضاء حين ذكر الغاية بقوله: "فإن ذلك وقتها" ويعارضه أيضًا قوله - عليه السلام -: "من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر" بيانه: أن هذا يقتضي أنه لو شرع في صلاة الفجر وطلعت الشمس في خلالها أن لا تفسد صلاته كما ذهب إليه الشافعي. الجواب عن الأول: أنه مخصوص بحديث عقبة، والدليل عليه ما روى أبو هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - حين قفل من غزوة حنين فسار ليلة ... " الحديث وفيه: "فناموا فما أيقظهم إلا حر الشمس". وفي رواية: "انتبهوا وقد بدا حاجب الشمس فاقتادوا رواحلهم شيئًا ثم نزلوا للصلاة". وإنما فعل ذلك لترتفع الشمس، فلو جاز قضاء المكتوبة في حال طلوع الشمس لما أخرها رسول الله - عليه السلام - بعد الانتباه. والجواب عن الثاني: أنه لبيان الوجوب بإدراك جزء من الوقت -قل أو كثر- كما ذكرنا فيما مضى. الرابع: أن حد الارتفاع الذي تباح فيه الصلاة قدر رمح أو رمحين، وقال أبو بكر محمد بن الفضل: مادام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس فالشمس في الطلوع لا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر يباح. وقال الفقيه أبو حفص: يؤتى بطست ويوضع في أرض مستوية فما دامت الشمس تقع في حيطانه فهي في الطلوع فلا تحل الصلاة، وإذا وقعت في وسطه فقد طلعت وحلت صلاته. وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن أبي مصعب أحمد بن أبي بكر واسمه القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني قاضي مدينة رسول الله - عليه السلام - شيخ الجماعة سوى النسائي. عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي منسوب إلى دراورد -بفتح الدال- قرية بخراسان. عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام. عن سالم بن عبد الله. عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه قال: أخبرني ابن عمر- رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها". وقال: حدثني ابن عمر قال: قال: رسول الله - عليه السلام -: "إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب". تابعَهَ عَبْدة. الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي السوسي، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله - عليه السلام -. وأخرجه مسلم (¬2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، وثنا ابن نمير، قال: ثنا أبي، وثنا ابن بشر قالوا جميعًا: ثنا هشام، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 212 رقم 558). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 568 رقم 829).

وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): عن يحيى بن سعيد، عن هشام، نحوه. وأخرج (¬2): عن وكيع، نا هشام، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ابن أنس، عن نافع ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (¬3): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك نحوه. ومسلم (¬4): عن يحيى بن يحيى، عن مالك نحوه. وأحمد في "مسنده" (¬5): عن عبد الرزاق، عن مالك، عن نافع، نحوه. قوله: "لا تحروا" أي لا توخوا أو لا تعمدوا ولا تطلبوا، من التحري في الأشياء وهو القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول. وقال الجوهري: التحري في الأشياء: طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن، وفلان يتحرى الأمر أي يتوخاه ويقصده، وتحرى فلانًا بالمكان: أي تَمَكَّث وقوله: {فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} (¬6) أي توخوا وعمدوا. قوله: "طلوع الشمس" مفعول "لا تحروا" والمعنى لا تتحروا وقت طلوع الشمس بسبب صلاتكم، أي لأجلها، و"الباء" فيها كالباء في قوله: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا} (¬7) وقوله: وليست هي صلة "لا تحروا" لأنها تحتاج إلى فافهم. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 19 رقم 4695). (¬2) "مسند أحمد" (2/ 24 رقم 4772). (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 212 رقم 560). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 567 رقم 828). (¬5) "مسند أحمد" (2/ 33 رقم 4885). (¬6) سورة الجن، آية: [14]. (¬7) سورة البقرة، آية: [554].

قوله: "وإذا بدا" أي ظهر "حاجب الشمس" أي ناحيتها. قوله: "حتى تبرز" أي تظهر، من البروز وهو الظهور، ومعناه حتى ترتفع كما قد وقع هكذا في رواية البخاري. وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة ابن راشد، عن معلى بن أسد العمي أحد مشايخ البخاري، عن وهيب بن خالد العجلاني البصري، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس بن كيسان اليماني، عن عائشة. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا محمد بن حاتم، قال: ثنا بهز بن راشد، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "وهم عمر - رضي الله عنه - إنما نهى رسول الله - عليه السلام - أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها". وأخرجه النسائي (¬2): أنا محمد بن عبد الله بن المبارك، قال: ثنا الفضل بن عنبسة، قال: ثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قالت عائشة: "أوهم عمر - رضي الله عنه - إنما نهى رسول الله - عليه السلام - (قال: لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان) (¬3) ". قولها: "وهم عمر" من الوهم وهو الغلط، من وَهِمْتُ في الحساب -بالكسر- أَوْهَمُ وَهَمًا إذا غلطت فيه وسهوت ووَهَمْت في الشيء -بالفتح- أَهِمُ وَهْمًا إذا يقال أوهم من وأهم في وتوهمت: أي ظننت، وأوهمت الشيء: إذا تركته كله. يقال أوهم من الحساب مائة أي أسقط، وأوهم من صلاته ركعة ثم قول عائشة من الوَهَم الذي يعني الغلط وَهِم بالكسر يُوهَمُ كما ذكرنا. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 571 رقم 833). (¬2) "المجتبى" (1/ 279 رقم 570). (¬3) كذا في "الأصل"، والذي في "سنن النسائي": "أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها".

وفي رواية النسائي: "أوهم عمر" كما ذكرناها إما من أوهمت الشيء أو من وَهِمتُ، وإنما قالت عائشة ذلك لما روته من صلاة النبي - عليه السلام - الركعتين بعد العصر، وقد أخبرت بعلة ذلك وردت الأمر فيها أيضًا إلى أم سلمة وهي التي سألت عن القصة والعلة في صلاتها على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى". فإن قيل ما قال عمر - رضي الله عنه - حتى قالت عائشة - رضي الله عنها -: وهم عمر؟ قلت: قال: "إن رسول الله - عليه السلام - قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس -أو تطلع- وبعد العصر حتى تغرب الشمس، فلما سمعت عائشة بذلك قالت: وهم عمر - رضي الله عنه - إنما نهى رسول الله - عليه السلام - أن يتحرى طلوع الشمس أو غروبها" إنما قالت ذلك لما روته هي من صلاة النبي - عليه السلام - الركعتين بعد العصر كما ذكرنا، وبهذا تمسكت الشافعية أن الصلاة التي لها سبب لا تكره بعد العصر، وكذا يقتضي السنة التي بعد الظهر إذا فأتت تُقضى بعد العصر. والجواب عن ذلك أن صلاته - عليه السلام - الركعتين بعد العصر كان خاصًّا بالنبي - عليه السلام - على ما يجيء الكلام فيه مستقصى إن شاء الله تعالى. وأما حديث عمرو بن عبسة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح ورواة ثقات: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن عبد الله بن وهب المصري، عن معاوية بن صالح بن حدير الحضرمي الحمصي قاضي الأندلس، عن أبي يحيى سليم بن عامر الكلاعي الحمصي، وعن ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي الشامي الحمصي، وعن أبي طلحة نعيم بن زياد الشامي، ثلاثتهم عن أبي أمامة الباهلي الصحابي واسمه صُدَي بن عجلان، عن عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد السلمي الصحابي، وعَبَسة بفتح العين والباء الموحدة والسين المهملة. وأخرجه أبو داود (¬1) بأتم منه: ثنا الربيع بن نافع، نا محمد بن مهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عبسة السلمي؟ أنه ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (2/ 25 رقم 1277).

قال: "قلت: يا رسول الله، أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح، ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيْس رمح أو رمحين؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان وتصلي لها الكفار، ثم صل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى يعدل الرمح ظله، ثم أقصر؛ فإن جهنم تسجر وتفتح أبوابها، فإذا زاغت الشمس فصل ما شئت حتى تصلي العصر ثم أقصر حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وتصلي لها الكفار". وقص حديثًا طويلًا قال العباس: "هكذا حدثني أبو سلام عن أبي أمامة إلا أن أخطئ شيئًا لا أريده فاستغفر الله وأتوب إليه". وأخرجه النسائي (¬1): أخبرني الحسن بن إسماعيل بن سليمان وأيوب بن محمد، قالا: ثنا حجاج بن محمد -قال أيوب: حدثنا، وقال حسين-: أخبرني شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يزيد بن طلق، عن عبد الرحمن البيلماني، عن عمرو بن عبسة قال: "أتيت النبي - عليه السلام - فقلت: يا رسول الله، من أسلم معك؟ قال: حُرٌّ وعبد، قلت: هل من ساعة أقرب إلى الله -عز وجل - من أخرى؟ قال: نعم، جوف الليل الآخر، فصلِّ ما بدا لك حتى تصلي الصبح، ثم انته حتى تطلع الشمس وما دامت -وقال أيوب: فما دامت- كأنها جحفة حتى تنتشر، ثم صلِّ ما بدا لك حتى [يقوم العمود على ظله، ثم انته حتى تنعقد الشمس؛ فإن جهنم تسجر نصف النهار صلِّ ما بدا لك حتى] (¬2) تصلي العصر، ثم انته حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وتطلع بين قرني شيطان". قوله: "فإنها تطلع بين قرني شيطان" اختلفوا فيه على وجوه، فقيل: معناه مقارنة الشيطان الشمس عند دنوها للطلوع والغروب، على معنىل ما روي أن الشيطان يقارنها إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها، وإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها، فإذا ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 283 رقم 584). (¬2) سقط من "الأصل، ك" والمثبت من "المجتبى".

دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك. وقيل: قرنه: قوته، من قولك: أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق له قوى عليه، وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات؛ لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات. وقيل: قرنه: حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس، يقال: هؤلاء قرن: أي نشؤٌ جاءوا بعد قرن مضى، وقيل: إن هذا تمثيل وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم وتشويقه وتزيينه ذلك في قلوبهم وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، فكأنهم لما دافعوها وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس؛ صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها ويدفعه (بأرواقها) (¬1). وفيه وجه آخر: وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه وهما جانبًا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، وقرنًا الرأس فَوْدَاه وجانباه، ومنه سُمي ذو القرنين؛ وذلك لأنه ضرب على جانبي رأسه فلقب به والله أعلم. قلت: يمكن حمل الكلام على حقيقته ويكون المراد: أنه يحاذيها بقرنيه عند غروبها وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويخيل لنفسه وأعوانه إنما يسجدون له فيكون له ولشيعته تسلط. قوله: "وهي ساعة صلاة الكفار" أي ساعة طلوع الشمس هي الساعة التي يصلي الكفار فيها نحو الشمس. ¬

_ (¬1) الأرواق جمع روق، والروق: القرن من كل ذي قرن. انظر: "لسان العرب" (مادة: روق).

قوله: "فدع" أي أترك الصلاة حتى ترتفع الشمس قدر رمح أو رمحن كما حدُّوا الارتفاع به في رواية أبي داود. قوله: "ويذهب شعاعها" شعاع الشمس: ما يُرى من ضوئها عند ذرورها كالقضبان. قوله: "ثم الصلاة محضورة" يعني تحضرها الملائكة وتشهدها. قوله: "وتسجر" أي توقد، واختلف في جهنم، إنه اسم عربي أم أعجمي؟ فقيل: عربي مشتق من الجهومة وهي كراهة المنظر، وقيل: من قولهم بئر جهنام أي عميقة، فعلى هذا لم تصرف؛ للعلمية والتأنيث وقال الأكثرون: هي عجمية معربة، وامتنع صرفها للعلمية والعجمة. قوله: "حتى يفيء الفيء" أي حتى يرجع الظل، أراد حتى يقع الظل الذي يكون بعد الزوال، وسُمي الظل فيئًا لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق، وفي حالة استواء الشمس في كبد السماء لا يتحقق ظل الأشياء، فإذا زالت يظهر. ويستفاد منه أحكام: الأول: فيه حجة على الشافعي في أنه لا يكره النفل الذي له سبب؛ لما في رواية أبي داود: "حتى تصلي الصبح ثم أقصر حتى تطلع الشمس" وذلك لأنه يتناول ماله سبب وما لا سبب له. الثاني: فيه حجة على أبي يوسف والشافعي أيضًا في أنهما لا يكرهان النفل يوم الجمعة حالة الزوال؛ لأن قوله: "فدع الصلاة حتى يفيء الفيء". يتناول كل الصلوات. الثالث: فيه أن الملائكة يحضرون صلاة المؤمنين إذا كانت في غير الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.

الرابع: فيه دليل على أن جهنم مخلوقة؛ خلافًا لمن يقول من المعتزلة إنها لم تخلق بعد. الخامس: فيه دليل على أن وقت الغروب ليس بوقت للعصر؛ إذ لو كان وقتًا لها لما ورد النهي عن الصلاة. وأما حديث سمرة بن جندب فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكّار القاضي، وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن سماك بن حرب الكوفي، عن المهلب بن أبي صفرة الأزدي البصري واسم أبي صفرة: ظالم بن سارق، ويقال غير ذلك. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا الحجاج، ثنا شعبة، عن سماك، سمعت المهلب بن أبي صفرة قال: قال سمرة بن جندب: عن النبي - عليه السلام -: "لا تصلوا حتى تطلع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، ولا حين تغيب؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو داود الطيالسي، نا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة يحدث، عن سمرة بن جندب قال: "نهى رسول الله - عليه السلام - أن يصلى بعد الصبح حتى تطلع الشمس؛ فإنها تطلع على قرني الشيطان". وقال (¬3): ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة يخطب يقول: قال سمرة بن جندب، عن النبي - عليه السلام - قال: "لا تصلوا حين تطلع الشمس ولا حين تسقط؛ فإنها تسقط بين قرني شيطان، وتغيب بين قرني شيطان". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 20 رقم 20239). (¬2) "المعجم الكبير" (7/ 234 رقم 6974). (¬3) "المعجم الكبير" (7/ 234 رقم 6976).

ص: فكان من حجة الآخرين عليهم أنه قد روي في هذا الحديث النهي عن الصلاة عند غروب الشمس وروى في غيره: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر". فكان في ذلك إباحة الدخول في العصر في ذلك الوقت، فجعل النهي في الحديث الأول على غير الذي أبيح في الحديث الآخر حتى لا يتضاد الحديثان، فهذا أولى ما حملت عليه هذه الآثار حتى لا تتضاد. ش: هذا جواب من قبل أبي حنيفة ومن معه عما قال أولئك القوم من الاستدلال بالآثار المذكورة على أن وقت الغروب ليس بوقت للعصر، أي فكان من الدليل والبرهان للجماعة الآخر -وهم أبو حنيفة ومن تبعه- عليهم أي على القوم الذين ذهبوا إلى أن آخر وقت العصر إلى تغير الشمس، بيان ذلك: أن هذه الآثار تقتضي النهي عن الصلاة عند غروب الشمس الذي يلزم منه أن لا يكون هذا الوقت صالحًا للعصر كما ذكرتم، ولكن روي في غيرها ما يدل على أن وقت الغروب وقت للعصر وهو قوله - عليه السلام -: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" فإنه يقتضي أن يكون وقت الغروب وقتًا لصلاة العصر. فهذا كما ترى بينهما تضاد، فإذا حملنا النهي في الآثار الأول على غير الذي أبيح في هذا الحديث، أعني قوله - عليه السلام -: "من أدرك ركعة من العصر" يندفع التضاد. حاصله: أن تلك الأحاديث تكون مخصوصة بهذا الحديث، فيكون وقت الغروب وقتًا للعصر فقط دون غيره من الصلوات. ص: وأما وجه النظر عندنا في ذلك -والله أعلم- فإنا رأينا وقت الظهر الصلوات كلها فيه مباحة، التطوع كله، وقضاء كل صلاة فائته وكذلك ما اتفق عليه أنه وقت العصر ووقت الصبح مباح قضاء الصلوات الفائتات فيه، وإنما نهي عن التطوع خاصة فيه، فكان كل وقت قد اتفق عليه أنه وقت الصلاة من هذه الصلوات كل قد أجمع أن الصلاة الفائتة تقضي فيه، فلما ثبت أن هذه صفة أوقات الصلوات المجمع عليها، وثبت أن غروب الشمس لا تقضى فيه صلاة

فائتة باتفاقهم؛ خرجت بللك صفته من صفة أوقات الصلوات المكتوبات وثبت أن لا يصلى فيه صلاة أصلًا كنصف النهار وطلوع الشمس، وأن نهي النبي - عليه السلام - عند غروب الشمس ناسخ لقوله - عليه السلام - "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر"؛ للدلائل التي شرحناها وبيناها، فهذا هو النظر عندنا، وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله-. ش: أشار بهذا الكلام إلى أن وجه النظر والقياس هو ما ذهب إليه الشافعي ومن تبعه من أن وقت العصر إلى أن تتغير الشمس، وأن وقت الغروب ليس بوقت للعصر، وأن هذا اختياره لنفسه، وقد خالف فيه أبا حنيفة أصحابه، ولذلك قال: فهذا هو النظر عندنا وهو خلاف قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ووجه ما ذكره ظاهر، ولكن قوله: وأن نهي النبي - عليه السلام - عند غروب الشمس ناسخ لقوله - عليه السلام -: "من أدرك من العصر ... " الحديث كيف هذا النسخ؛ بل الذي ذكر غيره أن قوله - عليه السلام -: "من أدرك من العصر ... " الحديث هو الناسخ لأحاديث النهي؛ وذلك لأن هذا متأخر عن أخبار النهي؛ وذلك لأن أبا هريرة هو الذي روى: "من أدرك ركعة من العصر" وهو متأخر وأخبار النهي عن: عمر بن الخطاب، وعمرو بن عبسة، وغيرهما، وإسلامهما قديم، وقد أجيب عن هذا بأن حديث أبي هريرة روي أيضًا عن عائشة وهي متقدمة الإِسلام فحينئذ يندفع الإشكال. قلت: هذا غير مقنع، فلا يتم به التقريب. فإن قيل: على ما ذكره الطحاوي ينبغي أن لا يجوز في حالة الغروب عصر يومه كما لا يجوز عصر أمسه بلا خلاف. قلت: المفهوم من ظاهر كلامه أنه لا يجوز؛ لأنه قال: وثبت أن لا تصلَّ فيه صلاة أصلًا أي في حالة الغروب، وقوله هذا بعمومه يتناول سائر الصلوات، ولكن المذهب جواز عصر يومه؛ لأنه شرع فيه ناقصًا فيجوز له أن يؤدى كاملًا بخلاف عصر أمسه، وأنه حين فات ثبت في ذمته كاملًا، فلا يجوز أن يؤديه ناقصًا.

ص: وأما وقت المغرب فإن في الآثار الأُوَل كلها أنه صلاها عند غروب الشمس، وقد ذهب قوم إلى خلاف ذلك، فقالوا: أول وقت المغرب حين يطلع النجم، واحتجوا في ذلك بما حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، عن خير بن نعيم، عن ابن هبيرة الشيباني، عن أبي تميم الجيشاني، عن أي بصرة الغفاري قال: "صلى رسول الله - عليه السلام - صلاة العصر بالمحمض فقال: إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها؛ فمن حافظ منكم أوتي أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أي حبيب، عن خير بن نعيم الحضرمي ... ثم ذكر مثله بإسناده غير أنه لم يقل: بالمحمض وقال: "لا صلاة بعدها حتى يُرى الشاهد والشاهد: النجم". فقالوا: طلوع النجم هو أول وقتها. ش: أراد بالآثار الأُول: الأحاديث التي سبق ذكرها في أول الباب، وأراد بالقوم هؤلاء: طاوس بن كيسان وعطاء بن أبي رباح ووهب بن منبه؛ فإنهم قالوا: أول وقت المغرب حين طلوع النجم، واحتجوا في ذلك بحديث أبي بصرة الغفاري -بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة- واسمه حميل -بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف- وقيل: جميل -بالجيم- والأول هو الصحيح وحميل بن بصرة -بالباء أيضًا- بن وقاص بن حاجب بن غفار الغفاري الصحابي. وأخرج الطحاوي حديث أبي بصرة من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن خير بن نعيم بن مرة أبي نعيم المصري قاضي مصر وَبَرقة، عن عبد الله بن هبيرة بن أسعد السبائي المصري، نسبته إلى سباء -بفتح السين مقصور مهموز مصروف وغير مصروف- وهو أبو اليمن واسمه عامر ويقال عبد شمس

وكان أول من سَبَا في العرب سباءً والهمزة فيه على هذا ملحقة، وزيدت المدة في النسبة كما يقال في النسبة إلى طيء: طائي، وهو يروي عن أبي تميم واسمه عبد الله ابن مالك الرعيني المصري، ونسبته إلى جيشان -بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة- بن عبدان بن حجر بن ذي وعن الحميري. الثاني: عن علي بن معبد بن نوح، عن يعقوب بن إبراهيم المدني، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، عن محمد ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي المصري، عن خير بن نعيم الحضرمي، عن ابن هبيرة، عن أبي تميم، عن أبي بصرة ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (¬1) أيضًا من طريقين: الأول: عن قتيبة، قال: نا الليث، عن خير بن نعيم الحضرمي، عن ابن هبيرة، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي بصرة الغفاري قال: "صلى بنا رسول الله - عليه السلام - العصر بالمحمض فقال: إن هذه الصلاة عُرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد، والشاهد النجم". وأخرجه النسائي (¬2): عن قتيبة أيضًا نحوه إسنادًا ومتنًا. والثاني: عن زهير بن حرب (1)، عن يعقوب بن إبراهيم إلى آخره. قوله: "بالمحمض" بفتح الميمن وسكون الحاء المهملة وفي آخره ضاد معجمة، وهو الموضع الذي ترعى فيه الإبل الحمض، والحمَض في النبات كالرمث والأثل والطرفاء ونحوها والخلة من النبت ما كان حلوًا: تقول العرب: الخلة: خبز الإبل، والحمَض فاكهتها، ويقال: لحمها، والجمع الحموض، والرمث -بكسر الراء وسكون الميم وفي آخره شاء مثلثة- مرعى من مراعي الإبل، وهو من الحمض. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 568 رقم 829). (¬2) "المجتبى" (1/ 259 رقم 521).

قوله: "أوتي "أي أعطي. قوله: "حتى يطلع الشاهد" قد فسر في الحديث أنه النجم؛ سمى به لأنه يشهد بالليل: أي يحضر ويظهر، ومنه قيل لصلاة المغرب: صلاة الشاهد. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله -: وكان قوله عندنا والله أعلم: "ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد" قد يحتمل أن يكون هذا هو آخر قول النبي - عليه السلام - كما ذكره الليث، ويكون الشاهد هو الليل، ولكن الذي رواه غير الليث تأول أن الشاهد هو النجم، فقال ذلك برأيه لا عن النبي - عليه السلام -، وقد تواترت الآثار عن رسول الله - عليه السلام - أنه كان يصلي المغرب إذا توارت الشمسي بالحجاب. ش: أشار بهذا الجواب عما قال هؤلاء: إن قوله: "ولا صلاة بعدها حتى يُرى الشاهد". لا يخلو إما أن يكون من كلام النبي - عليه السلام - في آخر قوله، أو لم يكن، فإن كان من كلامه كما هو في رواية الليث بن سعد يكون المراد من الشاهد هو الليل، فنحن أيضًا نقول: لا صلاة بعد العصر حتى يدخل الليل؛ لأن دخول الليل بغروب الشمس، وإن لم يكن من كلام النبي - عليه السلام - كما رواه غير الليث، وأول الشاهد بالنجم، فلا يعمل به؛ لأنه ليس من النبي - عليه السلام -، على أن الآثار قد تواترت وتكاثرت أن النبي - عليه السلام - كان يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب أي إذا غابت. فإن قيل: إذا كانت الزيادة عن ثقة؛ يعمل بها. قلت: نعم يعمل بها حينئذ إذا لم تخالفها الآثار الصحيحة، وقد تكاثرت الآثار الصحيحة أنه - عليه السلام - كان يصلي المغرب عقيب غروب الشمس وحث أمته على العجيلة حيث قال: "لا تزال أمتي بخير -أو قال: على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم".

أخرجه أبو داود (¬1)، والحاكم في "مستدركه" (¬2) وقال: صحيح على شرط مسلم. ص: حدثنا فهد، قال ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، عن عمارة، عن أبي عطية قال: "دخلت أنا ومسروق على عائشة - رضي الله عنها - فقال مسروق: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب محمد - عليه السلام - كلاهما لا يألو عن الخير، أما أحدهما فيعجل المغرب ويعجل الأفطار، والآخر يؤخر المغرب حتى تبدو النجوم ويؤخر الإفطار -يعني- فقالت. أيهما كان يعجل الصلاة والإفطار؟ قال: عبد الله، قالت عائشة - رضي الله عنها -: كذلك كان يفعل رسول الله - عليه السلام -". ش: هذا وما بعده من الآثار بيان لقوله: "وقد تواترت الآثار عن رسول الله - عليه السلام - أنه كان يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب". وإسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدًا. والأعمش هو سليمان، وعمارة هو ابن عمير التيمي الكوفي، وأبو عطية الوداعي الهمداني الكوفي اسمه مالك بن أبي حُمْرة -وقيل: مالك بن عامر، وقيل: عمرو- ابن جندب وقيل: غير ذلك والله أعلم. وأخرجه مسلم (¬3): ثنا يحيى بن يحيى وأبو كريب محمد بن العلاء، [قالا] (¬4): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي عطية قال: "دخلت أنا ومسروق على عائشة - رضي الله عنها - فقلنا: يا أم المؤمنين، رجلان من أصحاب محمد - عليه السلام - أحدهما يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، والآخر يؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ قال: قلنا: عبد الله -يعني ابن مسعود- قالت: كذلك كان يصنع رسول الله - عليه السلام -". زاد أبو كريب: "والآخر أبو موسى". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 113 رقم 418). (¬2) "مستدرك الحاكم" (1/ 303 رقم 685). (¬3) "صحيح مسلم" (2/ 771 رقم 1098). (¬4) في "الأصل، ك،: "قال"، والمثبت من "صحيح مسلم".

وأخرجه أبو داود (¬1): عن مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة ... إلى آخره نحو رواية مسلم. وأخرجه الترمذي (¬2): عن هناد، عن أبي معاوية، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (¬3) من طرق متعددة. قوله: "رجلان" مبتدأ تخ - صلى الله عليه وسلم - بالصفة؛ لأن التقدير: رجلان كانا من أصحاب محمد - عليه السلام -. وقوله: "كلاهما" مبتدأ ثان، وخبره قوله: "لا يألو" والجملة خبر المبتدأ الأول، ومعنى لا يألو: لا يقصر من أَلى يألو: إذا قَصَّر وأبطأ. قوله: "حتى تبدو النجوم" أي حتى تظهر. قوله: "يعني: أبا موسى" بيان لقوله: "والآخر يؤخر المغرب" وهو أبو موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس. قوله: "قال: عبد الله" أي قال مسروق: الذي يعجل الصلاة والإفطار هو عبد الله بن مسعود. وفيه: دلالة على أن وقت المغرب عقب غروب الشمس، واستحباب تعجيل الإفطار. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن عروة، قال: أخبرني بشير بن أي مسعود، عن أبي مسعود - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي المغرب إذا وجبت الشمس". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (2/ 305 رقم 2354). (¬2) "جامع الترمذي" (3/ 83 رقم 702). (¬3) "المجتبى" (4/ 143 - 144 رقم 2158 - 2161).

ش: إسناده صحيح ورواته ثقات، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وبشير -بفتح الباء الموحدة وكسر السنن المعجمة- بن أبي مسعود الأنصاري المدني قيل: إنه له صحبة، وذكره في "الكمال" من التابعين، قال: وقيل: إن له صحبة، ولكن لم يثبت سماعه من النبي - عليه السلام -. وأبوه أبو مسعود البدري اسمه عقبة بن عمرو الصحابي من أهل العقبة. وأخرجه الطبراني (¬1) مطولًا: ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح (ح). وثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي، نا يحيى بن بكير، حدثني الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب: "أنهم كانوا على كراسي عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - ومعهم عروة بن الزبير، فدعاه المؤذن لصلاة العصر فأمسى قبل أن يصليها، فلما رجعوا قال عروة بن الزبير: هل شعرت أن جبريل - عليه السلام - نزل على رسول الله - عليه السلام - فصلى معه وأخبره بوقت الصلاة؟ فقال عمر: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فقال عروة عند ذلك: أخبرني بشر بن أبي مسعود الأنصاري، عن أبي مسعود، أنه سمع رسول الله - عليه السلام - يقول: نزل عليَّ جبريل - عليه السلام - فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، فرأيت رسول الله - عليه السلام - يصلي الهاجرة حين تزيغ الشمس وربما أخرها في شدة الحر، والعصر والشمس بيضاء مرتفعة يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب إذا وجبت الشمس، ويصلي العشاء إذا اسود الأفق، ويصلي الصبح بغلس ثم صلاها يومًا فأسفر بها، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله". قوله: "إذا وجبت الشمس" أي إذا سقطت للغروب، من الوجوب وهو السقوط. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (17/ 259 رقم 716).

سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي المغرب إذا وجبت الشمس". ش: إسناده صحيح ورواته رواة الصحيح ما خلا ابن مرزوق، ومحمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -. وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (¬1) بأتم منه: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن يقول: "لما قدم الحجاج بن يوسف كان يؤخر الصلاة، فسألنا جابر بن عبد الله عن وقت الصلاة، فقال: كان رسول الله - عليه السلام - يصلي الظهر بالهجير أو حين تزول، ويصلي العصر والشمس مرتفعة، ويصلي المغرب حين تغرب الشمس، ويصلي العشاء يؤخر أحيانًا ويعجل أحيانًا، إذا اجتمع الناس عَجَّل، وإذا تأخروا أَخَّر، وكان يصلي الصبح بغلس أو قال: كانوا يصلونها بغلس" قال أبو داود: هكذا قال شعبة. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: "كنا نصلي المغرب مع رسول الله - عليه السلام - إذا توارت بالحجاب". ش: إسناده صحيح. وأخرجه البخاري (¬2): ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة قال: "كنا نصلي مع النبي - عليه السلام - المغرب إذا توارت بالحجاب". ومسلم (¬3): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: نا حاتم -وهو ابن أبي إسماعيل- عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب". ¬

_ (¬1) "مسند الطيالسي" (1/ 238 رقم 1722). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 205 رقم 536). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 441 رقم 636).

وأبو داود (¬1): ثنا عمرو بن علي، ثنا صفوان بن عيسى، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: "كان النبي - عليه السلام - يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس إذا غاب حاجبها". والترمذي (¬2): عن قتيبة ... نحو مسلم. وابن ماجه (¬3): نا يعقوب بن حميد بن كاسب، ثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع: "أنه كان يصلي مع النبي - عليه السلام - المغرب إذا توارت بالحجاب". قوله: "إذا توارت بالحجاب" أي استترت، من التواري وهو الاستتار، والحجاب: الأفق، أي إذا غابت الشمس في الأفق واستترت به، ولا يقال: إنه إضمار قبل الذكر، لقيام القرائن على أن المراد بما يوسف بالتواري بالحجاب هو الشمس كما في قوله: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (¬4) ". إذْ قوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ} (¬5) قرينة على أن المراد من قوله: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (1) هو الشمس، مع وجود القرينة الحالية أيضًا. ص: وقد روي ذلك أيضًا عمن بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قد حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة قال: "قال عمر - رضي الله عنه -: صلوا هذه الصلاة -يعني المغرب- والفجاج مسفرة". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 113 رقم 417). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 304 رقم 164). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 225 رقم 688). (¬4) سورة ص، آية: [32]. (¬5) سورة ص، آية: [31].

وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمران ... بإسناده مثله. وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن عمران ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: ثنا محمد بن سيرين، عن المهاجر: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى أبي موسى أن صلِّ المغرب حين تغرب الشمس". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب: "أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أهل الجابية أن صلوا المغرب قبل أن تبدو النجوم". حدثنا فهد، قال: حدثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: ثنا إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صلى عبد الله بأصحابه صلاة المغرب فقام أصحابه يتراءون الشمس، فقال: ما تنظرون؟ فقالوا: ننظر أغابت الشمس، فقال عبد الله: هذا والله الذي لا إله إلا هو وقت هذه الصلاة، ثم قرأ عبد الله {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} (¬1) وأشار بيده إلى المغرب فقال: هذا غسق الليل، وأشار بيده إلى المطلع فقال: هذا دلوك الشمس" قيل: حدثكم عمارة أيضًا قال: نعم. حدثنا روح بن الفرح، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الرحمن بن يزيد: "صلى ابن مسعود - رضي الله عنه - بأصحابه المغرب حين غربت الشمس، ثم قال: هذا -والله الذي لا إله إلا هو- وقت هذه الصلاة". ¬

_ (¬1) سورة الإسراء، آية: [78].

حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: حدثني عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله مثله. حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا المسعودي، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال حين غربت الشمس: "والذي لا إله إلا هو إن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة، ثم قرأ عبد الله تصديق ذلك من كتاب الله -عز وجل-: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} (1) قال: ودلوكها حين تغيب، وغسق الليل: حين تظلم، والصلاة بينهما". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن لبيبة، قال: قال لى أبو هريرة - رضي الله عنه -: "متى غسق الليل؟ قلت: إذا غربت الشمس، قال: فأحدر المغرب في إثرها ثم أحدرها في إثرها". حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: "رأيت عمر وعثمان - رضي الله عنهما - يصليان المغرب في رمضان إذا أبصر إلى الليل الأسود، ثم يفطران بعد". قال أبو جعفر -رحمه الله -: فهؤلاء أصحاب النبي - عليه السلام - لم يختلفوا أن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وهذا هو النظر أيضًا؛ لأنا قد رأينا دخول النهار وقت لصلاة الصبح، فكذلك دخول الليل وقت لصلاة المغرب، وهو قول أبي حنيفة وأيى يوسف ومحمد وعامة الفقهاء -رحمه الله -. ش: أي قد روي ما ذكرنا من أن وقت المغرب عقب غروب الشمس أيضًا عن الصحابة، فأخرج ذلك عن أربعة منهم، وهم: عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وعثمان بن عفان - رضي الله عنهم -. أما أثر عمرا فقد أخرجه من خمس طرق حسان جياد:

الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي نزيل مصر وثقه ابن يونس، عن زهير بن معاوية بن حديج الكوفي أحد أصحاب أبي حنيفة من رجال الجماعة، عن عمران بن مسلم المنقري البَّصري -بالنون- القصير من رجال الجماعة غير ابن ماجه، عن سويد بن غفلة بن عوسجة الكوفي أدرك الجاهلية وقدم المدينة حين فرغت الأيدي من دفن رسول الله - عليه السلام -. وقد روي أنه صلى مع النبي - عليه السلام - والأول أثبت، وهو من رجال الجماعة. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أبو الأحوص، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، قال: قال عمر - رضي الله عنه -: "صلوا هذه الصلاة والفجاج مسفرة، يعني المغرب". قوله: "الفجاج مسفرة" جملة اسمية وقعت حالًا، والفجاج جمع فج، وهي الطريق الواسع منه: "كل فجاج مكة منحر" (¬2). قوله: "مسفرة" أي مضيئة، من أسفر: إذا أضاء وانكشف، وأراد به تعجيل المغرب قبل وقوعه في الغلس. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن عمران بن مسلم، عن سويد بن غفلة، عن عمر - رضي الله عنه -. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن الثوري، عن عمران بن مسلم الجعفي، عن سويد بن غفلة قال: سمعت عمر - رضي الله عنه - يقول: "صلوا هذه الصلاة والفجاج مسفرة، للمغرب". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 289 رقم 3321). (¬2) أخرجه أبو داود في "سننه" (2/ 193 رقم 1937)، و (2/ 297 رقم 2324). وابن ماجه في "سننه" (2/ 1013 رقم 3048) وغيرهما من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -. (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 553 رقم 2092).

الثالث: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن عمران بن مسلم، عن سويد، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر الحوضي واسمه حفص بن عمر وقد تكرر ذكره، عن يزيد بن إبراهيم التستري البصري، عن محمَّد بن سيرين، عن المهاجر -غير منسوب- ذكره ابن أبي حاتم وقال: المهاجر بصري روى عن عمر بن الخطاب، روى عنه محمد بن سيرين سمعت أبي يقول ذلك، وسكت عنه. قوله: "كتب إلى أبي موسى" وهو عبد الله بن قيس الأشعري - رضي الله عنه - وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - استعمله على الكوفة والبصرة. الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار المصري، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن طارق بن عبد الرحمن البجلي الأحمسي الكوفي من رجال الجماعة، عن سعيد بن المسيب، أن عمر - رضي الله عنه - إلى آخره. وقال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل": رأى سعيد بن المسيب عمر - رضي الله عنه - وسمع منه، وهو من سادات التابعين. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن أبي الأحوص، عن طارق، عن سعيد بن المسيب قال: "كان عمر - رضي الله عنه - يكتب إلى أمراء الأمصار: أن لا تنتظروا بصلاتكم إلى اشتباك النجوم". وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن الثوري، عن طارق بن عبد الرحمن، عن ابن المسيب قال: "كتب عمر بن الخطاب إلى أهل الأمصار: أن لا تكونوا من المسوفين بفطركم، ولا المنتظرين بصلاتكم إلى اشتباك النجوم". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 289 رقم 3322). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 552 رقم 2093).

قوله: "إلى أهل الجابيه" وهي مدينة بالشام، وإليها ينسب باب من أبواب دمشق فيقال: باب الجابية. قدم إليها عمر بن الخطاب، بعد أن فتحها الصحابة أيامه. وأما أثر عبد الله بن مسعود فأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص أحد مشايخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1) بإسناده: عن الأعمش، عن إبراهيم وعمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان ابن مسعود يصلي المغرب ونحن نرى أن الشمس طالعة، قال: فنظرنا يومًا إلى ذلك، فقال: ما تنظرون؟ قالوا: إلى الشمس، فقال عبد الله: هذا والله الذي لا إله إلا هو ميقات هذه الصلاة، ثم قال: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} (¬2) فهذا دلوك الشمس". قوله: "هل حدثكم عمارة أيضًا؟ قال: نعم" أراد أنهم سألوا الأعمش أن أثر ابن مسعود هذا حدثكم به عمارة أيضًا؟ قال: نعم. وأخرجه الطبراني (¬3) بهذا الإسناد: ثنا محمد بن علي الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "صلى عبد الله ذات يوم، فجعل رجل ينظر، هل غابت الشمس؟ فقال: ما تنتظرون؟! هذا والذي لا إلى غيره ميقات هذه الصلاة، فيقول الله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} (1) فهذا دلوك الشمس، وهذا غسق الليل". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 370 رقم 1608). (¬2) سورة الإسراء، آية: [78]. (¬3) "المعجم الكبير" (9/ 231 رقم 9132).

قوله: "يتراءون الشمس" أراد أنهم نظروا إلى الشمس هل غابت أم لا؟ وفسر غيره الدلوك بزوال الشمس، وقال الزمخشري: دلكت الشمس: غربت، وقيل: زالت، وروي عن النبي - عليه السلام -: "أتاني جبريل - عليه السلام - لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر واشتقاقه من الدلك؛ لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها، فإن كان الدلوك: الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر. والغسق: الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء. الثاني: عن روح بن الفرج القطان، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره. وأخرج الطبراني (¬1): ثنا محمد بن علي الصائغ، نا سعيد بن منصور، ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن قال: "كنا مع عبد الله بن مسعود، فلما غربت الشمس قال: هذا والذي لا إله غيره حيث دلكت وحل وقت الصلاة". الثالث: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق [بن] (¬2) الأجدع، عن عبد الله بن مسعود. الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد بن موسى الوهبي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود. قوله: "لميقات هذه الصلاة" أي لوقت هذه الصلاة، وهي صلاة المغرب، و"اللام" فيه للتأكيد، وهي مفتوحة. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (9/ 231 رقم 9133). (¬2) سقط من "الأصل، ك".

قوله: "تصديق ذلك" أي تصديق ما قاله ابن مسعود. قوله: "والصلاة بينهما" أي وقت الصلاة، أي وقت صلاة المغرب بين الدلوك والغسق، أراد: وقت المغرب بين غروب الشمس إلى ظلمة الليل وهي غروب الشفق. وأما أثر أبي هريرة: فأخرجه عن إبراهيم بن داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الطائي الفوزي أبي عمرو الحمصي أحد مشايخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة- بن سليم الشامي الحمصي العنسي -بالنون- فيه خلاف، فضعفه النسائي وابن حبان، ووثقه الفسوي، ولينه أبو حاتم. عن عبد الله بن عثمان بن خثيم القاريّ -بتشديد الياء- المكي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا. عن عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الطائفي الحجازي، وثقه ابن حبان. قوله: "متى غسق الليل" أراد متى يكون الليل في الغسوق؟ يعني في الظلمة من غَسَقَ يَغْسق غسوقًا فهو غاسق إذا أظلم، وأغسق مثله، وأجاب بأن الغسوق يكون بغروب الشمس. قوله: "فأحدر المغرب" أي أسرعها، من حدر إذا أسرع يقال: حدر في قراءته وأذانه يحدر حدرًا، وهو من الحدور ضد الصعود، يتعدى ولا يتعدى. قوله: "في إثرها" أي في عقب غروب الشمس، أراد لا تؤخر صلاة المغرب عن عقب غروب الشمس، وإنما أيد الضمير في "إثرها" وإن كان يرجع إلى الغروب الذي يدل عليه قوله: "إذا غربت الشمس" باعتباره ملاحظة الشمس، أو باعتبار معنى الرؤية فافهم. وأما أثر عثمان - رضي الله عنه - الذي فيه عمر أيضًا، فأخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أسد بن موسى أسد السنة، وثقه ابن يونس.

عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب من رجال الجماعة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني روى له الجماعة. وأخرجه ابن سعد في ترجمة حميد بن عبد الرحمن (¬1) وقال: روى عن مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن: "أن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - كانا يصليان المغرب في رمضان ثم يفطران". ورواه يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد قال: "رأيت عمر وعثمان يصليان" قال محمد بن عمر: وأثبتها عندنا حديث مالك وأن حميد لم يَرَ عمر - رضي الله عنه - ولم يسمع منه شيئًا، وسنُّه وموته يدل على ذلك، ولعله قد سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله، وكان يدخل عليه كما يدخل ولده صغيرًا أو كبيرًا. قوله: "وهذا هو النظر أيضًا" أي كون وقت المغرب عقب الغروب هو النظر والقياس، وهو ظاهر. قوله: "وعامة الفقهاء" نحو الثوري والنخعي والأوزاعي والشافعي ومالك وأحمد وأصحابهم وجماهير الفقهاء من بعدهم -رحمهم الله-. ص: واختلف الناس في خروج وقت المغرب، فقال قوم: إذا غاب الشفق -وهو العمرة- خرج وقتها، وممن قال ذلك: أبو يوسف ومحمد. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الثوري وابن أبي ليلى وطاوسًا ومكحولًا والحسن بن حيّ والأوزاعي والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق وداود بن علي، فإنهم قالوا: الشفق هو الحمرة، ولا يخرج وقت المغرب إلا بخروج الحمرة، وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة، وحكي عن أحمد: أنه البياض في البنيان، والحمرة في ¬

_ (¬1) "الطبقات الكبرى" (5/ 154).

الصحاري. وعن بعضهم: الشفق اسم للحمرة والبياض معًا إلا أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقاني، وأبيض ليس بناصع. ص: وقال آخرون: إذا غاب الشفق -وهو البياض الذي بعد الحمرة- خرج وقتها، وممن قال ذلك: أبو حنيفة - رضي الله عنه -. ش: أي قال جماعة آخرون، وأراد بهم: عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن المبارك والأوزاعي -في رواية- ومالكًا -في رواية- وزفر بن الهذيل وأبا ثور والمبرد والفراء؛ فإنهم قالوا: لا يخرج وقت المغرب حتى يغيب الشفق الأبيض، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعائشة وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وأُبيّ بن كعب وعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهم - وإليه ذهب أبو حنيفة. ص: وكان النظر عندنا في ذلك: أنهم قد أجمعوا أن العمرة التي قبل البياض من وقتها وإنما اختلافهم في البياض الذي بعده، فقال بعضهم: حكمه خلاف حكم العمرة، فنظرنا في ذلك فرأينا الفجر تكون قبله حمرة، ثم يتلوها بياض الفجر، فكانت العمرة والبياض في ذلك وقتًا لصلاة واحدة وهو الفجر، فإذا خرجا خرج وقتها، فالنظر على ذلك: أن يكون البياض والحمرة في المغرب أيضًا وقتًا لصلاة واحدة وحكمهما حكم واحد إذا خرجا خرج وقتا الصلاة اللذان هما وقت لها. ش: ملخص هذا: أن الشفق يطلق على العمرة والبياض كما قال بعض أهل اللغة، فلا يخرج وقت المغرب إلا بذهاب الحمرة والبياض جميعًا، ودل كلامه أيضًا أنه اختار أن يكون خروج المغرب بذهاب العمرة والبياض جميعًا، قياسًا على حمرة الفجر وبياضه، والله أعلم. ص: وأما العشاء الآخرة فإن تلك الآثار كلها فيها أن رسول الله - عليه السلام - صلاها في أول يوم بعد ما غاب الشفق إلا جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - فإنه ذكر أنه صلاها قبل أن يغيب الشفق فيحتمل ذلك عندنا -والله أعلم- أن يكون جابر عني الشفق الذي هو البياض، وعني الآخرون الشفق الذي هو الحمرة، فيكون قد صلاها بعد غيبوبة

الحمرة وقبل غيبوبة البياض حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد [و] (¬1) في ثبوت ما ذكرنا ما يدل على ما قال من قال: إن بعد غيبوبة العمرة وقت للمغرب إلى أن يغيب البياض. ش: هذا عطف على قوله: "وأما وقت المغرب" وأراد بتلك الآثار التي رواها عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وبريدة بن الحصيب وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وغيرهم - رضي الله عنهم - فإنهم كلهم رووا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء الآخرة بعد ما غاب الشفق، إلا جابر بن عبد الله فإنه ذكر أنه صلاها قبل غيبوبة الشفق، فبين الروايتين تعارض وتضاد ظاهرًا، ودفع ذلك أن نقول: إنه يحتمل أن يكون جابر - رضي الله عنه - أراد من الشفق الذي هو البياض، ويكون معنى كلامه أنه صلاها قبل غيبوبة الشفق الأبيض بعد غيبوبة الشفق الأحمر، ويكون غيره أراد من الشفق هو الحمرة، ويكون معنى كلامهم أنه صلاها بعد غيبوبة الشفق الأحمر وقبل غيبوبة الشفق الأبيض، فحينئذ تتفق الروايتان ويرتفع التعارض. قوله: "وفي ثبوت ما ذكرنا ... " إلى آخره إشارة إلى تقوية قول أبي حنيفة أن الشفق هو البياض، وذلك لأنه قد ثبت أنه - عليه السلام - قد صلى العشاء الآخرة في اليوم الأول في كلتا الروايتين بعد غيبوبة الشفق الأحمر، فدل ذلك على أن ما بعد غيبوبة الأحمر وقت للمغرب إلى غيبوبة الأبيض. قوله: "ما يدل" محله الرفع بالابتداء، وخبره قوله "وفي ثبوت ما ذكرنا". قوله: "على ما قال" يتعلق بقوله: "يدل" وقوله: "من قال" في محل الرفع لأنه فاعل "قال" الذي في قوله: "ما قال" فافهم. ص: وأما آخر وقت العشاء الآخرة ة فإن ابن عباس وأبا سعيد وأبا موسى - رضي الله عنهم - ذكروا أن النبي - عليه السلام - أخرها إلى ثلث الليل ثم صلاها، وقال جابر بن ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

عبد الله: صلاها في وقت قال بعضهم: هو ثلث الليل، وقال بعضهم: هو نصف الليل، فأحتمل أن يكون صلاها قبل مضي الليلة فيكون مضي الثلث هو آخر وقتها واحتمل أن يكون صلاها بعد الثلث فيكون قد بقيت بقية من وقتها بعد خروج الثلث، فلما احتمل ذلك نظرنا فيما روي في ذلك. فإذا ربيع المؤذن قد حدثنا، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: أنا محمد بن الفضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "إن للصلاة أولًا وآخرًا، وإن أول وقت العشاء حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإن آخر وقتها حين تطلع الشمس". حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا، الخصيب بن ناصح، قال: ثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - عليه السلام - قال: "وقت العشاء إلى نصف الليل". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو -قال شعبة: حدثنيه ثلاث مرار رفعه مرة ولم يرفعه مرتين- ثم ذكر مثله. فثبت بهذه الآثار أن ما بعد ثلث الليل أيضًا هو وقت من وقت العشاء الآخرة. ش: تحرير هذا أن ابن عباس وأبا سعيد الخدري وأبا موسى الأشعري ذكروا في أحاديثهم أن النبي - عليه السلام - أخر العشاء الآخرة إلى ثلث الليل ثم صلاها، وأن جابر بن عبد الله قال: إنه صلاها في وقت فاختلفوا فيه، فقيل: هو ثلث الليل، وقيل: هو نصف الليل، فاحتمل أن يكون - عليه السلام - صلاها قبل مُضي الثلث فيكون مُضي ثلث الليل هو آخر وقت العشاء، واحتمل أن يكون صلاها بعد الثلث فيكون قد بقيت بقية من ذلك العشاء الآخرة بعد خروج الثلث، فلما احتمل؛ نظرنا، فوجدنا حديث

أبي هريرة: "وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل". يدل على أن ما بعد ثلث الليل أيضًا وقت من وقت العشاء الآخرة وكذلك حديث عبد الله بن عمرو: "وقت العشاء إلى نصف الليل" يدل على ذلك كذلك. هذا حاصل كلامه. قلت: اختلفت الرواية في آخر وقت العشاء الآخرة، ففي حديث عمرو بن العاص: وقتها إلى نصف الليل الأوسط، وفي رواية بريدة: "أنه صلى في اليوم الثاني بعد ما ذهب ثلث الليل". وفي رواية: "عندما ذهب ثلث الليل". ومثله في حديث أبي موسى: "حين كان ثلث الليل". وفي حديث جبريل - عليه السلام -: "حين ذهب ساعة من الليل" وفي رواية ابن عباس: "إلى ثلث الليل". وفي حديث أبي برزة: "بعد هذا إلى نصف الليل أو ثلثه". وقال مرة: "إلى نصف الليل". ومرة: "إلى ثلث الليل". وفي حديث أنس: "بعد هذا شطره". وفي حديث ابن عمر: "حتى ذهب ثلثه". واختلف في الحديث عن جابر، فقيل: إلى شطره، وقيل: إلى ثلثه. وجاء في "الأم": بعد هذا عنه: "إذا اجتمعوا عَجَّلَ وإذا أبطأوا آخَّرَ". وفي حديث عائشة - رضي الله عنها -: "حتى ذهب عامة الليل". واختلف العلماء بحسب هذا فقال عياض: وبالثلث قال مالك والشافعي في قول، وبالنصف قال أصحاب الرأي وأصحاب الحديث والشافعي في قول، وابن حبيب من أصحابنا، وعن النخعي الربع، وهو نحو من قوله في الحديث: "بعد ساعة من الليل" وقيل: وقتها إلى طلوع الفجر، وهو قول داود، وهذا عند مالك وقت الضرورة لها، واختلف في وقت الوجوب وتعيين الخطاب على المصلي في أوقات هذه الصلوات، مذهب المالكية: أن الوجوب يتعلق بأول الوقت وأن الجميع وقت موسع للوجوب، وحكى ابن القصار هذا عن الشافعي، واختار بعض أصحابنا أن وقت الوجوب منه متعين، وإنما يعينه المكلف بفعله، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز التأخير عن أول الوقت لا يبدل وهو العزم، وأجاز غيره تركها بغير بدل -لتوسعه وقتها- إلى أن يبقى من الوقت مقدار ما تفعل فيه فيتعين، وذهب

الشافعي إلى أن وقت الوجوب أوله، وإنما ضرب آخره فصلًا بين الأداء والقضاء، ويُعَارَض هؤلاء بأن التأثيم يتعلق بترك الواجب، ولا يؤثم أحد تارك الصلاة لأول الوقت، وذهب الحنفية إلى أن الوجوب متعلق بآخره، ويُعارَض هؤلاء بالإجماع إلى جواز الصلاة لأول الوقت. وسقوطها عمن صلاها حينئذ ولو كانت لم تجب؛ لم تجزئ كما لا تجزئ قبل الوقت انتهى. قلت: مذهب الحنفية ليس كما ذكره، وإنما عندهم أن الوجوب يتعلق بكل الوقت، ولكن لا يتعين منه إلا الجزء الذي يتصل به الأداء، فإن اتصل الأداء بالجزء الأول كان هو السبب، وإلا تنتقل السببية إلى الجزء الثاني، ثم إلى الثالث، ثم ... وثم ... إلى آخر جزء من أجزاء الوقت بحيث يتمكن من عقد التجزئة فتتعين السببية فيه ضرورة أنه لم يبق من الأجزاء ما يحتمل انتقال السببية إليه فيعتبر حال المكلف في الإسلام والبلوغ والعقل والجنون والسفر والإقامة والطهر والحيض عند ذلك الجزء في حدوث العوارض المذكورة، حتى لو أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أو طهرت الحائض في آخر الجزء تكره الصلاة عندنا خلافًا لزفر فإن عنده تنتقل السببية من جزء إلى جزء إلى أن يتضيق الوقت بحيث يتمكن المكلف من الأداء، حتى لا يجب على هؤلاء شيء عنده ما لم يجدوا وقتًا تسع فيه حقيقة الأداء. ثم حديث أبي هريرة قد ذكره الطحاوي في هذا الباب مرتين غير هذا بهذا الإسناد بعينه، ولكنه قَطَّع حديثه؛ تطبيقًا للدليل على المدعى واقتصارًا عليه، وكذلك ذكر حديث عبد الله بن عمرو في هذا الباب بعينه بهذا الإسناد، وقد بينا رجالهما ومن أخرجهما من أصحاب السنن هناك. ص: وقد روى في ذلك أيضًا ما يدل على ذلك. حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا الحسن بن عمر بن شقيق، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "مكثنا ذات ليلة ننتظر النبي - عليه السلام - لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل -أو

بعده- فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي؛ لصليت بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلاها". ش: أي قد روي أيضًا في كون ما بعد الليل وقتًا من وقت العشاء الآخرة ما يدل عليه، وهو حديث ابن عمر. قوله: "حدثنا" بيان لذلك، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، ومنصور هو ابن المعتمر الكوفي، والحكم هو ابن عتيبة. وأخرجه مسلم (¬1): حدثني زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم -قال إسحاق: أخبرنا، وقال زهير-: حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: "مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله - عليه السلام - لصلاة العشاء الآخرة؛ فخرج حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء. وأخرجه أبو داود (¬2): عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور ... " إلى آخره نحوه. والنسائي (¬3): عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور ... إلى آخره نحوه. وقال البخاري (¬4): ثنا محمود، قال: أنا عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني نافع،: قال ثنا عبد الله بن عمر: "أن رسول الله - عليه السلام - شغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا، ثم رقدنا ثم استيقظنا، ثم خرج علينا ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 442 رقم 639). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 51 رقم 199). (¬3) "المجتبى" (2/ 267 رقم 537). (¬4) "صحيح البخاري" (1/ 208 رقم 545).

النبي - عليه السلام - ثم قال: ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم. وكان ابن عمر لا يبالي أقدمها أم أخرها إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها وكان يرقد قبلها". قوله: "لصلاة العشاء" أي لأجل إقامة صلاة العشاء الآخرة. قوله: "أو بعده" أي أو بعد الثلث وأراد به الثلث الأول منه. قوله: "أشيء شغله" أي منعه عن الخروج في أول وقتها، والهمزة فيه للاستفهام. قوله: "هذه الساعة" إشارة إلى الساعة التي تلي الثلث الأول من الليل. ويستفاد منه: أن ما بعد ثلث الليل الأول وقت من وقت العشاء الآخرة، وأن فيه حجة على من فضل التقديم؛ وذلك لأنه نبه على فضل التأخير بقوله: "لولا أن يثقل" وصرح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، وأنه - عليه السلام - خشى أن يواظب عليه فتفرض عليهم، أو يتوهموا إيجابه؛ فلهذا تركه، كما ترك صلاة التراويح وعلل تركها بخشية إفتراضها والعجز عنها. ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا الحسين بن علي، عن زائدة عن سليمان، عن أبي سفيان، عن جابر - رضي الله عنه - قال: "جهز رسول الله - عليه السلام - جيشًا، حتى إذا انتصف الليل أو بلغ ذلك خرج إلينا، فقال: صلى الناس ورقدوا وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أما إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها". ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا فهدًا، واسم أبي بكر بن أبي شيبة عبد الله، واسم أبي شيبة محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي الحافظ، شيخ الشيخين وأبي داود وابن ماجه. وزائدة هو ابن قدامة، وسليمان هو الأعمش، وأبو سفيان اسمه طلحة بن نافع القرشي الواسطي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن حسين بن علي ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 353 رقم 4069).

وفيه دلالة صريحة على أن ما بعد ثلث الليل وقت من وقت العشاء الآخرة، وفيه حجة لمن يرى تأخير العشاء عن أول وقتها. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عروة، أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أعتم رسول الله - عليه السلام - ليلة بالعتمة حتى ناداه عمر - رضي الله عنه - فقال: نام النساء والصبيان، فخرج النبي - عليه السلام - فقال: ما ينتظرنا أحد من أهل الأرض غيركم، ولا يُصلَّى يومئذ إلا بالمدينة، ثم قال: وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب غسق الليل إلى ثلث الليل". - صلى الله عليه وسلم - ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وأبو اليمان اسمه الحكم بن نافع شيخ البخاري، والزهري هو محمد بن مسلم. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا أيوب بن سليمان، قال: حدثني أبو بكر، عن سليمان، قال صالح بن كيسان: أخبرني ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أعتم رسول الله - عليه السلام - بالعشاء حتى ناداه عمر - رضي الله عنه -: الصلاة، نام النساء والصبيان، فخرج فقال: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، قال: ولا يُصلَّى يومئذ إلا بالمدينة، قال: وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول". وأخرجه مسلم (¬2): ثنا عمرو بن سواد العامري وحرملة بن يحيى، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، أن ابن شهاب أخبره، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي - عليه السلام - قالت: "أعتم رسول الله - عليه السلام - ليلة من الليالي بصلاة العشاء وهي التي تدعى العتمة، فلم يخرج رسول الله - عليه السلام - حتى قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله - عليه السلام -، فقال لأهل المسجد حين ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 208 رقم 544). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 441 رقم 638).

خرج عليهم: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، وذلك قبل أن يفشو الإسلام في الناس". زاد حرملة في روايته: قال ابن شهاب: وذُكر لي أن رسول لله - عليه السلام - قال: "وما كان لكم أن تُبْرِزوا رسول الله - عليه السلام - للصلاة، وذلك حين صاح عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -". وأخرجه النسائي (¬1): أخبرني عمرو بن عثمان، قال: ثنا ابن حِمْير، قال: ثنا ابن أبي عَبْدة، عن الزهري. قال: وأخبرني عمرو بن عثمان، قال: حدثني أبي، عن شعيب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "أعتم رسول الله - عليه السلام - ليلة بالعتمة، فناداه عمر: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله - عليه السلام - فقال: ما ينتظرها غيركم، ولم يُصَلِّ يومئذ إلا بالمدينة- ثم قال: صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل" واللفظ لابن حِمْير. قوله: "أعتم" أي دخل الأول في العتمة، وهي وقت صلاة العشاء، قال الخليل: العتمة هو الثلث الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق، وقد عَتَمَ الليل يَعتم، وعَتْمَتُه: ظلامه. قوله: "غسق الليل" أراد به الشفق، ولهذا جاء في رواية البخاري: "وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول". وكذا في رواية النسائي. وفيه: دلالة على أن ما بعد ثلث الليل وقت من وقت العشاء. وفيه حجة لأبي حنيفة في استحباب التأخير. فإن قيل: هذا لا يدل على أفضلية التأخير لأنه - عليه السلام - أخرها في بعض الأوقات كما في حديث ابن عمر: "مكثنا ذات ليلة" فهذا يدل على أنه لم يكن له عادة، أو يكون لأجل شغل شغله كما في الحديث الآخر: "فلا أدري أشيء شغله في أهله أو غير ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 267 رقم 535).

ذلك". وكما جاء في حديث جابر: "أنه جهز جيشًا". وكما جاء في رواية أخرى: "فخرج ورأسه يقطر ماء". أو يكون إنما أخرها لنوم عليه، أو لشغل آخر من شغل المسلمين. قلت: قوله: "وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أما إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها" دليل صريح على أن التأخير أفضل، ولا يبعد أن يكون النبي - عليه السلام - أخرها لأجل الفضيلة، وقد اتفق له ما اتفق مما ذكر، فافهم. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: أخبرنا حميد الطويل، عن أنس قال: "أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العتمة إلى قريب من شطر الليل، فلما صلى أقبل علينا بوجهه فقال: إن الناس قد صلوا وناموا ورقدوا، ولم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: ثنا ثابت: "أنهم سألوا أنس بن مالك، كان لرسول الله - عليه السلام - خاتم فضة؟ فقال: نعم، ثم قال: أخر العشاء ذات ليلة حتى كاد يذهب شطر الليل، أو إلى شطر الليل ... ثم ذكر مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: أخرجه البخاري (¬1): ثنا عبد الرحيم المحاربي، قال: ثنا زائدة، عن حميد الطويل، عن أنس قال: "أخر النبي - عليه السلام - صلاة العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: قد صلى الناس وناموا، أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها". الثاني: أخرجه مسلم (¬2): حدثني أبو بكر بن نافع العبدي، قال: ثنا بهز بن أسد العمي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت: "أنهم سألوا أنسًا عن خاتم رسول الله - عليه السلام -، فقال: أخر رسول الله - عليه السلام - العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل أو كاد يذهب ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 209 رقم 546). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 443 رقم 640).

شطر الليل، ثم جاء فقال: إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، قال أنس: كأني انظر إلى وبيص خاتمة من فضة ورفع اصبعه اليسرى بالخنصر". قوله: "إلى وبيص" بفتح الواو وكسر الياء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره صاد مهملة، أراد: لمعانه وبريقه. ص: ففي هذه الآثار أنه صلى العشاء بعد ما مضى ثلث الليل؛ فثبت بذلك أن بمضي ثلث الليل لا يخرج به وقتها، ولكن معنى ذلك عندنا -والله أعلم-: أن أفضل وقت العشاء الآخرة التي تُصَلَّى فيه هو من حين يغيب الشفق إلى ثلث الليل، وهو الوقت الذي كان النبي - عليه السلام - يصليها فيه، على ما ذكرنا في حديث عائشة - رضي الله عنها - ثم ما بعد ذلك إلى أن ما يمضي نصف الليل في الفضل دون ذلك؛ حتى لا تتضاد هذه الآثار. ش: أراد بهذه الآثار: التي رواها عن ابن عمر وجابر وعائشة وأنس - رضي الله عنهم - والباقي ظاهر. ص: ثم أردنا أن ننظر، هل بعد خروج نصف الليل من وقتها شيء؟ فنظرنا في ذلك فإذا يونس قد حدثنا، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب وعبد الله بن عمر وأنس بن عياض، عن حميد الطويل، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "أخرّ النبي - عليه السلام - الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم انصرف فأقبل [علينا] (¬1) بوجهه بعد ما صلى بنا، فقال: قد صلى الناس ورقدوا، ولم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها". حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس مثله. ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "إلينا"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس، عن النبي - عليه السلام - مثله. ففي هذه الآثار أنه صلاها بعد مضي نصف الليل، فذلك دليل أنه قد كانت بقيت من وقتها بقية بعد مضي نصف الليل. ش: لما بيَّن فيما مضى أن بمضي ثلث الليل لا يخرج وقت العشاء ثم ذكر أن ثلث الليل هو الوقت الأفضل، وأن ما بعد ذلك إلى أن يمضي نصف الليل أدنى منه في الفضل؛ شرع يبين ها هنا أن بعد ذهاب نصف الليل أيضًا وقت من وقت العشاء؛ إذ حديث أنس يدل على ذلك صريحًا، وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، وعن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -، وعن أنس بن عياض بن ضمرة المدني، ثلاثتهم عن حميد الطويل، عن أنس - رضي الله عنه -. وقد مر أن البخاري (¬1): أخرجه من حديث حميد عن أنس، وفي روايته: "أخر النبي صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى". الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن علي بن معبد بن شداد، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن حميد الطويل، عن أنس. وأخرجه النسائي (¬2): عن علي بن حجر، عن إسماعيل، عن حميد، عن أنس "أنه - عليه السلام - أخر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل ... ". الحديث. الثالث: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن حميد الطويل، عن أنس. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) "المجتبى" (1/ 268 رقم 539).

وأخرجه أحمد (¬1): من حديث حميد، عن أنس: "أنه - عليه السلام - أخر ليلةً العشاء إلى شطر الليل ... " الحديث. ص: وقد روي عنه - عليه السلام - في ذلك أيضًا ما هو أولى من هذا. حدثنا علي بن معبد وأبو بشر الرقي، قالا: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر، أنهما أخبرته عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أنهما قالت: "أعتم النبي - عليه السلام - ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، وقال: إنه لولا أن أشق على أمتي". ففي هذا أنه صلاها بعد مضي أكثر الليل، وأخبر أن ذلك وقت لها، فثبت بتصحيح هذه الآثار أن أول وقت العشاء الآخرة من حين يغيب الشفق إلى أن يمضي الليل كله، ولكنه على أوقات ثلاثة: فأما من حين يدخل وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل فأفضل وقت صليت فيه، وأما من بعد ذلك إلى أن يتم نصف الليل دون ذلك، وأما بعد نصف الليل دون كل ما قبله. ش: أي قد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كون ما بعد نصف الليل وقتًا من وقت العشاء ما هو أولى وأقرب، من حديث أنس - رضي الله عنه - الذي فيه ذكر شطر الليل، وهو حديث عائشة - رضي الله عنها - فإنه يدل على أنس - رضي الله عنه - صلاها بعد ذهاب أكثر الليل؛ لأنها قالت: "حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى". فإن عامة الليل: معظمه وأكثره، ثم إن النبي - عليه السلام - أخبر أن ذلك وقت لها. وأخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن علي بن معبد بن نوح، وعن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، كلاهما عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن المغيرة بن حكيم الصنعاني، عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنها - عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 183 رقم 12903).

وأخرجه مسلم (¬1): حدثني إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن حاتم، كلاهما عن محمد بن بكر. وحدثني هارون بن عبد الله، قال: ثنا حجاج بن محمد. وحدثني حجاج بن الشاعر ومحمد بن نافع، قالا: ثنا عبد الرزاق -وألفاظهم متقاربة- قالوا جميعًا: عن ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن حكيم، عن أم كلثوم بنت أبي بكر أنها أخبرته، عن عائشة قالت: "أعتم رسول الله - عليه السلام - ذات ليلة ... " إلى آخره نحوه سواء، وفي حديث عبد الرزاق: "لولا أن يشق على أمتي ... ". قوله: "أعتم" أي دخل في العتمة، وقد ذكرنا معناه مستوفى عن قريب. قوله: "ذات ليلة" هذا اللفظ وقولهم "ذات يوم" و"ذا يوم" و"ذا ليلة" كلها كناية عن يوم وليلة، والمعنى: أعتم رسول الله - عليه السلام - مدة التي هي ليلة. قوله: "إنه لوقتها" أي إن هذا الوقت لوقت العشاء الآخرة، و"اللام" في "لوقتها" للتأكيد، وهي مفتوحة. قوله: "لولا أن أشق" أي أثقل وأحرج، وجواب "لولا" محذوف يدل عليه: "إنه لوقتها" والتقدير: لولا أن أشق على أمتي لجعلت وقتها هذا الوقت كل وقت، ولكن تركه لوجود المشقة وإنما قلنا كذا لأن "لولا" لانتقاء الثاني لوجود الأول، نحو لولا زيد لهلك عمرو؛ فإن هلاك عمرو منتفٍ لوجود زيد، وكذلك ها هنا وجوب التأخير إلى هذا الوقت منتفٍ لوجود المشقة، وأما "لو" فإنه لانتفاء الثاني لانتفاء الأول، نحو لو جئتني لأكرمتك؛ فإن الإكرام منتفٍ لانتفاء المجيء. فإن قيل: كان ينبغي أن تكون سنية التأخير كنية السواك حيث قال - عليه السلام -: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 442 رقم 638).

رواه الترمذي (¬1)، والنسائي (¬2): وذلك لأن الأمر بالسواك وتأخير العشاء كلاهما منتفيان لوجود المشقة، ومع هذا السواك سنه وتأخير العشاء وكلاهما لوجود المشقة ومع هذا السواك سنة وتأخير العشاء مستحب. قلت: لم تثبت سنية السواك بعد هذا إلا بمواظبته - عليه السلام -، ولولاها لقلنا باستحبابه أيضًا، ولم توجد المواظبة في تأخير العشاء، فلم تثبت السنية فبقي مستحبًا. وجواب آخر: أنه قال في السواك: "لأمرتهم". وهو للوجوب، ولكن امتنع الوجوب لعارض المشقة فيكون سنة، وأما في التأخير فقد قال: "لأخرت" وفعله مطلقًا يدل على الاستحباب أو الوجوب. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 35 رقم 23). (¬2) "المجتبى" (1/ 266).

ص: باب: الجمع بين الصلاتين كيف هو؟

ص: باب: الجمع بين الصلاتين كيف هو؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم كيفية الجمع بين الصلاتين، وهل يجوز ذلك أم لا؟ فإذا جاز كيف يجمع ومتى الجمع؟ ولما كان متعلقًا بالأوقات؛ ذكره عقيب باب الأوقات. ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي قيس الأودي، عن هزيل بن شُرحبيل، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - كان يجمع بين الصلاتين في السفر". ش: محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي وثقه ابن حبان وروى له الترمذي. وأبوه عمران بن محمد بن أبي ليلى الأنصاري ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه. وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبو عبد الرحمن الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، فيه مقال، وكان يحيى بن سعيد يُضعفه، وعن يحيى: ليس بذاك. وقال أبو حاتم: محله الصدق يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: ليس بقوي. وروى له الأربعة. وأبو قيس اسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي -بفتح الهمزة وسكون الواو- نسبة إلى أود بن صعب قبيلة، الكوفي الأعمى روى له الجماعة سوى مسلم. وهُزيل بن شرحبيل -بضم الهاء والشين المعجمة- الأودي الكوفي الأعمى روى له الجماعة سوى مسلم. وأخرجه البزار في "مسنده" (¬1): ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، نا بكر بن عبد الرحمن، قال: نا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن أبي قيس، على الهذيل، عن عبد الله: "أن رسول الله - عليه السلام - جمع بين الصلاتين في السفر". ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (5/ 414 رقم 2046).

وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد، واحتج به الشافعي وآخرون على جواز الجمع بين الصلاتين في السفر على ما يجيء بيانه إن شاء الله بعد. والجواب عنه: أن هذا حديث ضعيف، والصحيح عن عبد الله بن مسعود -ما أخرجه البخاري (¬1) ومسلم (¬2) وأبو داود (¬3) والنسائي (¬4) - قال: "ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بجمعٍ، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها". أو المراد منه: الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا، على ما يجيء إن شاء الله. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي الزبير المكي، عن أبي الطفيل، أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أخبره: "أنهم خرجوا مع النبى - عليه السلام - عام تبوك، فكان رسول الله - عليه السلام - يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء". ش: إسناده صحيح، وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وأبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الصحابي، وأخرجه الجماعة ما خلا البخاري. فمسلم (¬5): عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن زهير، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل عامر، عن معاذ قال: "خرجنا مع رسول الله - عليه السلام - في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا". وأبو داود (¬6): عن القعنبي، عن مالك، عن أبي الزبير المكي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبرهم: "أنهم خرجوا مع رسول الله - عليه السلام - في ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (2/ 406 رقم 1598). (¬2) "صحيح مسلم" (2/ 938 رقم 1289). (¬3) "سنن أبي داود" (2/ 193 رقم 1934). (¬4) "المجتبى" (5/ 260 رقم 3027). (¬5) "صحيح مسلم" (1/ 490 رقم 706). (¬6) "سنن أبي داود" (2/ 4 رقم 126).

غزوة تبوك، فكان رسول الله - عليه السلام - يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الصلاة يومًا ثم خرج وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج وصلى المغرب والعشاء جميعًا". والترمليى (¬1): عن قتيبة، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن معاذ بن جبل: "أن النبي - عليه السلام - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخرّ المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب". والنسائي (¬2): عن محمد بن مسلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وهو يسمع واللفظ له، عن ابن القاسم، قال: حدثني مالك، عن أبي الزبير المكي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن معاذ بن جبل أخبره: "أنهم خرجوا مع رسول الله - عليه السلام - عام تبوك، فكان رسول الله - عليه السلام - يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الظهر يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء". وابن ماجه (¬3): عن علي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل: "أن النبي - عليه السلام - جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في غزوة تبوك في السفر". قوله: "عام تبوك" أراد به غزوة تبوك، وكانت في سنة تسع من الهجرة، وتبوك -بفتح التاء المثناة، وضم الباء الموحدة، وفي آخره كاف- بليدة بين الحجر والشام، وبها عين ونخيل، وقيل: كان أصحاب الأيكة بها. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 438 رقم 553). (¬2) "المجتبى" (1/ 285 رقم 587). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 340 رقم 1070).

قوله: "كان رسول الله يجمع بين الظهر والعصر" يعني كان يؤخر الظهر إلى آخر وقته فيصليها فيه، ثم يصلي العصر في أول وقته، فيكون جامعًا بينهما فعلًا لا وقتًا، وسيجيء مزيد الكلام فيه مستفيض إن شاء الله. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير، قال: حدثنا أبو الطفيل، قال: ثنا معاذ بن جبل ... فذكر مثله قال: "قلت: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته". ش: هذا طريق أخر وهو أيضًا صحيح. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا يحيى بن حبيب، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا قرة بن خالد، قال: ثنا أبو الزبير، قال: ثنا عامر بن واثلة أبو الطفيل، قال: ثنا معاذ بن جبل قال: "جمع رسول الله - عليه السلام - في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يحرج أمته". لوله: "أراد أن لا يحرج" أي أراد النبي - عليه السلام - أن لا يوقع أمته في الحرج، وهو الضيق، وهو من الإحراج. و"أمته" نُصب على المفعولية. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن زيد يحدث، عن ابن عباس قال: "صلى رسول الله - عليه السلام - ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا". حدثنا إسماعيل، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، قال: أنا جابر بن زيد، أنه سمع ابن عباس يقول: "صليت مع النبي - عليه السلام - بالمدينة ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا". قلت لأبي الشعثاء: أظنه أخَّر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 490 رقم 706).

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس أنه قال: "صلى رسول الله - عليه السلام - الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر". حدثنا يزيد بن سفيان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير ... فذكر بإسناده مثله. قلت: "وما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا داود بن قيس الفراء، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس ... مثله، غير أنه قال: "في غير سفر ولا مطر". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد، على عمران بن حدير، عن عبد الله بن شقيق: "أن ابن عباس - رضي الله عنهما - أخَّر صلاة المغرب ذات ليلة، فقال رجل: الصلاة، الصلاة، فقال: لا أم لك، أتعلمنا بالصلاة، وقد كان النبي - عليه السلام - ربما جمع بينهما بالمدينة". ش: هذه سبع طرق عن ابن عباس إلى - رضي الله عنهما - وهي صحاح، ورجالها كلهم ثقات: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن أسد بن موسى أسد السنة، على شعبة بن الحجاج، عن عمرو بن دينار المكي، عن جابر بن زيد الأزدي اليحمدي أبي الشعثاء الجوفي -بالجيم- عن عبد الله بن عباس. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا أبو النعمان، قال: ثنا حماد -هو ابن زيد- على عمرو بن دينار، عن جابر، عن زيد، عن ابن عباس: "أن النبي - عليه السلام - صلى بالمدينة ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 201 رقم 518).

سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة، قال: عسى". وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا سليمان بن حرب ومسدّد، قالا: ثنا حماد، ثنا عمرو بن عون، أنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: "صلى بنا رسول الله - عليه السلام - بالمدينة ثمانيًا وسبعًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء". قوله: "صلى رسول الله - عليه السلام - ثمانيًا جميعًا" أي ثماني ركعات، وأراد بها الظهر والعصر، فإنه جمع بينهما في الحضر، تفسره الرواية الأخرى وهي قوله: "بالمدينة". قوله: "سبعًا جميعًا" أي سبع ركعات، وأراد بها المغرب والعشاء، فإنه جمع بينهما في الحضر أيضًا، والمراد منه أنه جمع بينهما فعلًا لا وقتًا؛ على ما يجيء إن شاء الله. الثاني: عن إسماعيل بن يحيى المزني خال الطحاوي وأكبر أصحاب الشافعي، عن محمد بن إرديس الشافعي الإِمام، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن جابر بن زيد الأزدي، أنه سمع ابن عباس ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (¬2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار ... نحو رواية الطحاوي وليس في لفظه: "بالمدينة". قوله: "قلت لأبي الشعثاء" القائل هو عمرو بن دينار، وأبو الشعثاء كنية جابر ابن زيد، وهذا الكلام يؤيد تأويل الحنفية في قولهم: إنه - عليه السلام - جمع بين الظهرين والعشاءين فعلًا لا وقتًا. فائدة: كل ما قال الشافعي: حدثنا سفيان، المراد منه: هو سفيان بن عيينة؛ لأن الشافعي لم يدرك سفيان الثوري؛ لأن وفاته في سنة خمس وخمسين ومائة، والشافعي مولده في خمسين ومائة، وأما سفيان بن عيينة فإن وفاته في سنة ثمان وتسعين ومائة بمكة. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (2/ 6 رقم 1214). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 491 رقم 705).

الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير محمد بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "صلى بنا رسول الله - عليه السلام - الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوف ولا سفر". ورواه أبو داود (¬2): عن القعنبي، عن مالك ... نحوه، وفي آخره: "قال مالك: أرى ذلك كان في مطر". الرابع: عن يزيد بن سنان، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن قرة بن خالد، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (¬3): ثنا أحمد بن يونس وعون بن سلام جميعًا، عن زهير -قال ابن يونس: ثنا زهير- قال: ثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "صلى لنا رسول الله - عليه السلام - الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، في غير خوف ولا سفر، قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا، لم فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته". وأخرجه أبو داود (¬4) وقال: ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا أبو معاوية، نا الأعمش، عن حبيب، عن سعيد، عن ابن عباس قال: "جمع رسول الله - عليه السلام - الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 489 رقم 705). (¬2) "سنن أبي داود" (2/ 6 رقم 1210). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 490 رقم 705). (¬4) "سنن أبي داود" (2/ 6 رقم 1211).

وأخرجه الترمذي (¬1) والنسائي (¬2) أيضًا. وقال الخطابي: هذا الحديث لا يقول به أكثر العلماء، وإسناده جيد إلا ما تكلموا فيه من أمر حبيب، وكان ابن المنذر يقول به ويحكيه عن غير واحد من أصحاب الحديث، وسمعت أبا بكر القفال يحكيه عن أبي إسحاق المروزي، قال ابن المنذر: ولا معنى يحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار؛ لأن بن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قوله: "أراد أن لا يحرج أمته". وحكي عن ابن سيرين: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شتاء ما لم يتخذه عادة". وتأوله بعضهم على أن يكون ذلك في حال المرض؛ وذلك لما فيه من إرفاق المريض ودفع المشقة، عنه فحمله على ذلك أولى من صرفه إلى من لا عذر له ولا مشقة عليه من الصحيح البدن المنقطع العذر، وقد اختلف الناس في ذلك فرخص عطاء بن أبي رباح للمريض في الجمع بين الصلاتين، وهو قول مالك وأحمد بن حنبل. وقال أصحاب الرأي: يجمع المريض بين الصلاتين، إلا أنهم أباحوا ذلك على شرطهم في جمع المسافر بينهما، ومنع الشافعي من ذلك في الحضر إلا للمطر. قلت: كل تأويل أَوَّلوه في هذا الحديث يرده قول ابن عباس: "أراد أن لا يحرج أمته". ما خلا التأويل الذي أوله الطحاوي على تأخير الأولى آخر وقتها وتقديم الأخرى لأول وقتها على ما تأوله أبو الشعثاء جابر بن زيد وعمرو بن دينار في صحيح مسلم، وقال الترمذي في كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمم على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة. قلت: هذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو منسوخ دلّ الإجماع على نسخه، وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به، فإن ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 355 رقم 187). (¬2) "المجتبى" (1/ 290 رقم 601 - 602).

جماعة ذهبوا إلى العمل بظاهره، وآخرين أوَّلوه كما ذكرنا، والصواب ما قاله الطحاوي -رحمه الله-. الخامس: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمد الأعور، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن الثوري، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "جمع رسول الله - عليه السلام - بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر ولا خوف، قال: قلت لابن عباس: وَلمَ تراه فعل ذلك؟ قال: أراد ألا يُحْرَجَ أحدٌ من أمته". السادس: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن داود بن قيس الفراء، عن صالح بن نبهان مولى التوأمة، عن ابن عباس. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا داود بن قيس الفراء، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس قال: "جمع رسول الله - عليه السلام - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة في غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: أراد التوسعة على أمته". وأخرجه عبد الرزاق (¬3) أيضًا: عن داود بن قيس ... إلى آخره نحوه، ولفظه: "قال: قلت لابن عباس: لم تراه فعل ذلك؟ " والباقي مثله. السابع: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن حماد ابن سلمة، عن عمران بن حُدير السدوسي، عن عبد الله بن شقيق العقيلي أبي عبد الرحمن البصري، أن ابن عباس ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 555 رقم 4435). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 210 رقم 8230). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 555 رقم 4434).

وأخرجه مسلم (¬1): ثنا ابن أبي عمر، ثنا وكيع، ثنا عمران بن حُدَير، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: "قال رجل لابن عباس: الصلاة. فسكت، ثم قال: الصلاة. فسكت، ثم قال: الصلاة. فسكت، ثم قال: لا أمَّ لك أتُعلمنا بالصلاة؟! كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله - عليه السلام -". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن وكيع ... إلى آخره نحوه، وفي آخره: "يعني في السفر". قوله: "لا أم لك" ذم وسب أي أنه لقيط لا تعرف له أم، وقيل: قد تقع مدحًا بمعنى التعجب منه وفيه بعد، وخبر "لا" محذوف، تقديره: لا أم معروفة لك. قوله: "أتعلمنا" والهمزة فيه للاستفهام، وهو من الإعلام ومراده من هذا: نسبته إلى جهله عن سبب تأخيره الصلاة، و"الواو" في قوله: "وقد كان النبي - عليه السلام -" للحال. وهذا أيضًا محمول على تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الصلاة الأخرى في أول وقتها، فيكون الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا. ص: حدثنا يزيد بن سنان وفهد قالا: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني نافع: "أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عجّل السيرَ ذات ليلة، وكان قد اسْتُصْرخ على بعض أهله ابنة أبي عبيد فسار حتى هم الشفق أن يغيب، وأصحابه ينادونه بالصلاة فأبى عليهم، حتى إذا أكثروا عليه قال: إني رأيت رسول الله - عليه السلام - يجمع بين هاتين الصلاتين: المغرب والعشاء، وأنا أجمع بينهما". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا عجل به السفر يجمع بين المغرب والعشاء". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 492 رقم 705). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 210 رقم 8231) ولفظه: "لا أبا لك".

حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السيرُ". حدثنا فهدٌ، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا أبي عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن إسماعيل بن أبي ذؤيب قال: "كنت مع ابن عمر، فلما غربت الشمس هِبنا أن نقول: الصلاة، فسار حتى ذهبت فحمة العشاء، ورأينا بياض الأفق، فنزل وصلى ثلاثا المغرب، واثنتين العشاء، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - عليه السلام - يفعل". ش: هذه أربع طرق رجالها كلهم ثقات: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز وفهد بن سليمان النحاس، كلاهما عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن نافع مولى ابن عمر، أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬1): عن سليمان بن داود العتكي، عن حماد، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر استصرخ على صفية وهو بمكة، فسار حتى غربت الشمس وبدت النجوم، فقال: إن النبي - عليه السلام - كان إذا عجّل به أمر في سفر جمع بين هاتين الصلاتين، فسار حتى غاب الشفق، فنزل فجمع بينهما". وأخرجه الترمذي (¬2): من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي (¬3): من حديث سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، بمعناه أتم منه. وكذا أخرجه البخاري (¬4): عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (2/ 5 رقم 1207). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 441 رقم 555). (¬3) "المجتبى" (1/ 289 رقم 600). (¬4) "البخاري" (1/ 370 رقم 1041).

قوله: "استصرخ" على بناء المجهول يقال: أستصرخ الإنسان إذا أتاه الصارخ، وهو المُصَوِّت يُعْلمه بأمر حادث يستعين به عليه أو ينعي له ميتًا والاستصراخ: الاستغاثة. قوله: "ابنة أبي عبيد" بيان لقوله: "على بعض أهله" واسمها صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفية، أخت المختار بن أبي عبيد الكذاب، رأت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وروت عن عائشة - رضي الله عنها -، روى عنها نافع مولى ابن عمر، وعبد الله ابن دينار، قال أحمد: هي مدنية ثقفية ثقة، روى لها مسلم وأبو داود وابن ماجه وعمرت أزيد من ستين عامًا. قوله: "حتى همَّ الشفق أن يغيب" أي حتى قصد الغيبوبة، أراد به كاد أن يغيب الشفق. وهو أيضًا محمول على أنه أخّر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الصلاة الأخرى في أول وقتها ة فيكون جامعًا بينهما فعلًا لا وقتًا. فإن قيل: كيف تقول: يكون جامعًا بينهما فعلًا لا وقتًا؛ ورواية أبي داود تصرح أنه جمع بينهما بعد غياب الشمس، حيث قال: "فسار حتى غاب الشفق، فنزل" وهذا صريح على أنه جمع بينهما وقتًا لا فعلًا؟! قلت: قد فتح لي جواب من الفيض الإلاهي، وهو أن الشفق لونه أحمر وأبيض كما اختلف الفقهاء فيه والعلماء من الصحابة - رضي الله عنهم - ويحتمل أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق الأحمر، فتكون المغرب في وقتها على قول من يقول: الشفق هو الأبيض، وكذلك العشاء تكون في وقتها على قول من يقول: الشفق هو الأحمر، فيطلق عليه أنه جمع بينهما بعد غياب الشفق. فإن قيل: قد ذكر البيهقي (¬1) في باب الجمع بين الصلاتين في السفر: عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه سار حتى غاب ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (3/ 159 رقم 5303).

الشفق". ثم قال: ورواه معمر، عن أيوب وموسى بن عقبة، عن نافع، وقال في الحديث: "أخّر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هَوِيّ من الليل، ثم نزل وصلى المغرب والعشاء ... " الحديث. قلت: لم يذكر سنده لينظر فيه، وقد أخرجه النسائي (¬1) بخلاف هذا، فقال: أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، نا معمر، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "كان - عليه السلام - إذا جد به أمر -أو جد به السير- جمع بين المغرب والعشاء". وأخرج الدارقطني في "سننه" (¬2): من حديث الثوري، عن عبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر: "كان - عليه السلام - إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء". فإن قيل: قد قال البيهقي: ورواه يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، فذكر أنه سار قريبًا من ربع الليل ثم نزل وصلى. قلت: أسنده في "الخلافيات" من حديث يزيد بن هارون بسنده المذكور، ولفظه: "فسرنا أميالًا ثم نزل فصلى قال يحيى: فحدثني نافع مرة أخرى فقال: "سرنا حتى إذا كان قريبًا من ربع الليل نزل فصلى". فلفظه مضطرب كما ترى، قد روي على وجهين، فاقتصر البيهقي في "السنن" على ما يوافق مقصوده فأفهم. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه مسلم (¬3): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا عجّل به السير جمع بين المغرب والعشاء". ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 289 رقم 599). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 391 رقم 11). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 488 رقم 703).

وأخرجه النسائي (¬1): عن قتيبة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا جَدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء". الثالث: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني -بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام- وقد تكرر ذكره، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر. وأخرجه النسائي (¬2): أنا محمد بن منصور، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت الزهري، قال: أخبرني سالم، عن أبيه قال: "رأيت النبي - عليه السلام - إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء". الرابع: عن فهد بن سليمان أيضًا، عن يحيى بن عبد الحميد أيضًا، عن سفيان ابن عيينة أيضًا، عن عبد الله بن أبي نجيح واسمه يسار المكي، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وقيل: ذؤيب ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (¬3): أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن إسماعيل بن عبد الرحمن شيخ من قريش قال: "صحبت ابن عمر إلى الحمى، فلما غربت الشمس هِبْتُ أن أقول له: الصلاة، فسار حتى ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء، ثم نزل فصلى المغرب ثلاث ركعات، ثم صلى ركعتين على إثرهما، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - عليه السلام - يفعل". قوله: "هبنا" من هاب يَهِيبُ هَيْبَةً. قوله: "فَحْمَة العشاء" أي إقباله وأول سواده، يقال للظلمة التي بين صلاتي العشاء: الفحمة، وللظلمة التي بين العتمة والغداة: العسعسة. قوله: "بياض الأفق" يدل على ما قلنا أنه أخر المغرب إلى آخر وقته، وقدم العشاء في أول وقته، فجمع بينهما فعلًا لا وقتًا. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 289 رقم 598). (¬2) "المجتبى" (1/ 289 رقم 600). (¬3) "المجتبى" (1/ 286 رقم 591).

ص: حدثنا محمد بن خزيمة وابن أبي داود وعمران بن موسى، قالوا: نا الربيع بن يحيى الأُشْنَاني، قال: ثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "جمع النبي - عليه السلام - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة للرُّخص في غير خوف ولا علّة". ش: إسناده صحيح. والربيع بن يحيى أبو الفضل البصري أحد مشايخ البخاري -رحمه الله-. والأُشْناني نسبته إلى بيع الأُشْنان وشرائه، قيل: نسبته إلى قرية أُشنة على غير [القياس] (¬1). وأخرجه ابن جُميع في "معجمه" (¬2): عن أحمد بن زكريا، ثنا هشام بن علي، ثنا الربيع بن يحيى، ثنا سفيان، عن ابن المنكدر، عن جابر: "أن النبي - عليه السلام - جمع بين صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، جمع بينهم في غير علّة ولا سفر للرُّخَص". واحتج به قوم على جواز الجمع بين الصلاتين في الحضر، وأولوه على أنه كان في غير فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم وبأن أن أول وقت العصر دخل فصلاها وهذا باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء، والصواب أنه محمول على أنه أخَّر الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صورة جمع، ولا وجه له غير ذلك. على أن الحديث قد ضعفه قوم؛ قال الحاكم: سألت الدارقطني عن الربيع بن يحيى الأشناني، قال: ليس بالقوي يروي عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر الجمع بين الصلاتين، هذا يسقط مائة ألف حديث. ¬

_ (¬1) حيث إن القياس أن تكون النسبة إلى أُشْنة: أُشْنِي. (¬2) معجم شيوخ ابن جميع (1/ 295 رقم 143).

ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، قال: ثنا نُعيم بن حماد، قال: ثنا عبد العزيز بق محمد الدراوردي، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غربت له الشمس بمكة، فجمع بينهما بسرف، يعني الصلاة". ش: إسناده صحيح، وعلي بن عبد الرحمن المعروف بعلان، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بمصر وهو صدوق. ونعيم بن حماد بن معاوية الفارض الأعور المروزي روى عنه البخاري مقرونًا بغيره، وروى له مسلم في مقدمة كتابه. والدراوردي- بفتح الدال نسبة إلى دراورد قرية بخراسان. وأبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا أحمد بن صالح، ثنا يحيى بن محمد البخاري، نا عبد العزيز بن محمد، عن مالك، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله - عليه السلام - غابت له الشمس بمكة، فجمع بينهما بسَرِف". وأخرجه النسائي (¬2): أنا المؤمل بن إهاب قال: حدثني يحيى بن محمد الجاري، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن مالك بن أنس، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "غابت الشمس ورسول الله - عليه السلام - بمكة، فجمع بين الصلاتين بسَرِف". قوله: "بسرف" بفتح السين وكسر الراء المهملتين وبعدها فاء لا تنصرف؛ للعلمية والتأنيث. وهي موضع من مكة على عشرة أميال وقيل: أقل وأكثر، ووقع في بعض النسخ الصحيحة للنسائي: "بسرق" بالقاف، قال الجوهري: سرق اسم للموضع. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (2/ 7 رقم 1215). (¬2) "المجتبى" (1/ 287 رقم 593).

قوله: "فجمع بينهما" أي بين المغرب والعشاء، دلّ عليه قوله: "غابت الشمس" وهو أيضًا محمول على أنه أخّر الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الأخرى في أول وقتها. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن حفص بن عبيد الله، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بين المغرب والعشاء في السفر". ش: إسناده صحيح، ومسلم بن إبراهيم القصاب البصري أحد مشايخ البخاري وأبي داود. وحفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك. وأخرجه البخاري (¬1): عن حسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك قال: "كان النبي - عليه السلام - يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر". ثم قال البخاري: وتابعه علي بن المبارك وحربٌ، عن يحيى، عن حفص، عن أنس: "جمع النبي - عليه السلام -". قلت: أما حديث علي بن المبارك فأخرجه الإسماعيلي في "صحيحه": أخبرني الحسن بن سفيان، نا محمد بن مثنى، نا عثمان بن عمر، ثنا عليّ يعني -ابن المبارك- عن يحيى، عن حفص، عن أنس: "أن النبي - عليه السلام - كان يجمع بين المغرب والعشاء في سفره". وقال أبو نعيم في "المستخرج": ثنا أبو أحمد، ثنا الحسن بن سفيان ... فذكره. وأما حديث حرب فأخرجه البخاري (1) في كتابه مسندًا، وأخرجه أبو يعلى أيضًا في "مسنده" من حديث معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن حفص بن عبد الله، عن أنس: "كان رسول الله - عليه السلام - يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في السفر". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 373 رقم 1057).

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى أن الظهر والعصر وقتهما واحد، قالوا: ولذلك جمع النبي - عليه السلام - بينهما في وقت إحداهما، وكذلك المغرب والعشاء في قولهم، وقتهما وقت واحد، لا يفوت إحداهما حتى يفوت وقت الأخرى منهما. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوسًا ومجاهدًا وسالم بن عبد الله وإسحاق بن راهويه والشافعي ومالكًا وأحمد وداود وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: وقت الظهر والعصر وقت واحد ولأجل ذلك جمع النبي - عليه السلام - بينهما في وقت إحداهما، وكذلك المغرب والعشاء. وقال أبو عمر (¬1): اختلف الفقهاء في هذا الباب، فروى ابن القاسم عن مالك -وهو رأيه-: لا يجمع المسافر في حج أو عمرة إلا أن يجد به السير أو يخاف فوات أمر فيجمع في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، وكذلك في المغرب والعشاء إلا أن يرتحل عند الزوال فليجمع حينئذ في الرحلة بين الظهر والعصر، ولم يذكر في العشائين الجمع عند الرحيل أول الوقت، وقال سحنون: وهما كالظهر والعصر يجمع بينهما عند الرحيل، قال أبو الفرج: وأصل هذا الباب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء بمزدلفة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سافر وقصر وجمع بينهما كذلك، والجمع أيسر من التقصير، فوجب الجمع بينهما في الوقت الذي جمع بينهما رسول الله - عليه السلام -، وهو قول الشافعي وأصحابه وعطاء بن أبي رباح وسالم بن عبد الله بن عمر وجمهور علماء أهل المدينة وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود في أن يجمع المسافر بين الصلاتين إن شاء في وقت الأولى، وإن شاء في وقت الآخرة، وقال الشافعي وداود وأصحابهما: ليس للمسافر أن يجمع بين الصلاتين ولا يؤخر صلاة عن وقتها إلا بنية الجمع. وقال الطبري: للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين الزوال إلى أن تغيب الشمس، وبين المغرب والعشاء ما بين مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، وقال أحمد بن حنبل: وجه الجمع أن يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر ¬

_ (¬1) "التمهيد" (12/ 196 - 201).

ثم ينزل فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يغيب الشفق ثم يجمع بين المغرب والعشاء، قال: فإن قدّم العصر إلى الظهر والعشاء إلى المغرب فأرجو أن لا يكون به بأس. وقال إسحاق: لا بأس بذلك بلا رجاء. وقال عياض: الجمع بين الصلوات المشتركة في الأوقات يكون تارة سنة وتارة رخصة، فالسنة الجمع بعرفة والمزدلفة، وأما الرخصة فالجمع في المرض والسفر والمطر، فمن تمسك بحديث صلاة النبي - عليه السلام - مع جبريل - عليه السلام -[وقدَّمه] (¬1) ولم ير الجمع في ذلك، ومن خصَّه أثبت جواز الجمع في السفر بالأحاديث الواردة فيه وقاس المرض عليه، فنقول: إذا أُبيح للمسافر الجمع لمشقة السفر فأخرى أن يباح للمريض، وقد قرن الله -تعالى- المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطر والتيمم، وأما الجمع في المطر فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء، وعنه مقولة شاذة: أنه لا يجمع إلا في مسجد رسول الله - عليه السلام - ومذهب المخالف: جواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المطر. وقال أيضًا: وقد اختلف العلماء في الجمع للمسافر مع اتفاقهم على الجمع بعرفة والمزدلفة واتفاقهم على منع الجمع بين الصلوات التي لا اشتراك فيها من العصر والمغرب، والعشاء والصبح والظهر، فرأى الجمع للمسافر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء جماعة السلف والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث، وهو معروف مذهب مالك، واختلف عنه مع القول هل ذلك لمجرد السفر أو حتى يجد به السير أو يخاف فوات أمر، وباشتراط جدّ السير قال الليث والثوري، وباشتراط العدو قال الأوزاعي، وبمجرد السفر قال جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء أصحاب الحديث وأهل الظاهر، وأنه يجمع أي وقت شاء من الأولى والآخرة، وأما في غير السفر فقال مالك بالجمع في المطر بين العشائين ولم يَرَ ذلك مالك في الظهر والعصر، وقال الشافعي بالجمع بينهما في المطر الوابل، وبه قال أبو ثور والطبري، ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك" وهو الأصح، وفي "عمدة القاري": (5/ 54): وقد أَمَّه.

وهو ظاهر قول مالك في "الموطإ"، والطين والظلمة عند مالك كالمطر، وقد جاء عنه ذكر الطين مجردًا. والمرض عند مالك كالسفر وقال ابن قانع: لا يجمع المريض. وقال مالك أيضًا: يجوز الجمع لأجل الخوف، وعن ابن القاسم فيه روايتان، وفي "الحاوي" في فروع الحنابلة: ويجوز الجمع ليلًا لأجل المطر الذي يبل الثياب أو نعله أو بدنه، ولثلج بَرَدٍ وفي الجمع نهارًا روايتان: فإن قدمه لعذر اعتبر وجوده في طرفي الأولى وأول الثانية، وقيل: بل في أولها فقط، وإن أخرّ جمع، ولو انقطع في وقت للثانية صح، وإن زال قبله فلا، وهل يجوز الجمع لِوَحْلٍ وريحٍ شديدة باردة مع ظلمة؟ وقيل بدونهما، ولمن يُصلي وحده أو في المسجد يخرج إليه تحت ساباط أو في كنّ على وجهين، ولمن لا يناله مطر ولا وَحْل الجمع؛ خوف فوت الجماعة. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل كل واحدة من هذه الصلوات وقتها مفرد من وقت غيرها. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي والحسن البصري ومكحولًا ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد وعمرو بن دينار والثوري والأسود وعمر بن عبد العزيز وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل والليث بن سعد ومالكًا -في رواية المدونة قاله ابن بطال- فإنهم قالوا: كل صلاة لها وقت مخصوص لا يشترك بالأخرى، فلا يجوز الجمع إلا في موضعين: عرفة، ومزدلفة وهو قول ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص فيما ذكره ابن شداد في كتابه "دلائل الأحكام" وقول ابن عمر في رواية أبي داود، وأما قول النووي: إن أبا يوسف ومحمدًا خالفا شيخيهما، وأن قولهما كقول الشافعي وأحمد؛ فقد ردّه عليه صاحب "الغاية في شرح الهداية" بأن هذا لا أصل له عنهما وقال عياض: أَبَى أبو حنيفة وحده الجمع للمسافر وحكى كراهته عن ابن سيرين والحسن البصري، وروي عن مالك مثله، وروي عنه كراهيته للرجال دون النساء.

قلت: يرد قوله: "أَبَى أبو حنيفة وحده" مَنْ ذكرنا من الصحابة والتابعين وغيرهم، أن قولهم مثل قوله. ص: وقالوا أمَّا ما رويتموه عن النبي - عليه السلام - من جمعه بين الصلاتين فقد روي عنه كما ذكرتم وليس في ذلك دليل أنه جمع بينهما في وقت إحداهما، فقد يحتمل أن يكون جمعه بينهما كان كما ذكرتم، ويحتمل أن يكون صلى كل واحدة منهما في وقتها كما ظنَّ جابر بن زيد، وقد روي ذلك عن ابن عباس وعمرو بن دينار من بعده. ش: هذا جواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى من الآثار التي فيها الجمع بين الصلاتين، تحريره: أن أهل المقالة الثانية قالوا: أما ما رويتموه عن النبي - عليه السلام - من جمعه بين الصلاتين فإنا نسلم أنه روي عنه - عليه السلام - كما ذكرتم، ولكن ليس فيها دليل قاطع على أنه جمع بينهما في وقت واحدة منهما؛ لأنه يحتمل أن يكون جمعه بينهما كما ذكرتم، ويحتمل أن يكون أخّر الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الأخرى في أول وقتها، فيكون الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا، ويُرَجِّحُ الاحتمال الثاني ظن جابر بن زيد الأزدي أبي الشعثاء حيث ذكره في حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم (¬1) والطحاوي (¬2) أيضًا: "قلت لأبي الشعثاء: أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك" وكل واحد من جابر بن زيد وعمرو بن دينار قد سبق ظنه إلى ما ذكرنا؛ لأن القائل في هذا الحديث لأبي الشعثاء هو عمرو بن دينار كما مضى بيانه فيما قبل، وإليه أشار الطحاوي بقوله: "وقد روي ذلك عن ابن عباس وعمرو بن دينار من بعده". أي: وقد روى عمرو بن دينار من بعد جابر بن زيد مثلما روى جابر بالظن المذكور. وقد روى النسائي (¬3): عن قتيبة، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: "صليت مع النبي - عليه السلام - بالمدينة ثمانيًا جميعًا ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 491 رقم 705). (¬2) "شرح معاني الآثار" (1/ 160). (¬3) "المجتبى" (1/ 286 رقم 589).

وسبعًا جميعًا؛ أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء". فهذا ابن عباس صرح بما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه من أن المراد من جمعه - عليه السلام - بين الصلاتين: أنه أخّر الأول وقدم الثانية، وهذا مما يُؤيد ويُرجح الاحتمال الثاني الذي ذكرناه؛ فحينئذ لم تبق لهم حجة في الآثار المذكورة إلا إذا التزموا بمثل ما التزمنا. وأما الذي رواه أبو داود أنه جمع بينهما بعد غياب الشمس، والذي رواه البيهقي أنه أخّر المغرب بعد ذهاب الشفق حتى ذهب هُوِيّ من الليل، ونحو ذلك فقد مر الجواب عن ذلك مستقصى عن قريب. ص: فقال أهل المقالة الأولى: قد وجدنا في بعض الآثار ما يدل على أن صفة الجمع الذي فعله النبي - عليه السلام - كما قلنا. فذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم بن الفضل، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر - رضي الله عنهما - استُصرخ على صفية ابنة أبي عبيد وهو بمكة فانسل إلى المدينة، فسار حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وكان رجل يصحبه يقول: الصلاة الصلاة. قال: وقال له سالم: الصلاة. فقال: إن رسول الله - عليه السلام - كان إذا عجل به السير في سفر جمع بين هاتين الصلاتين، وإني أريد أن أجمع بينهما، فسار حتى غاب الشفق، ثم نزل فجمع بينهما". وما حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان إذا جدَّ به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد ما يغيب الشفق، ويقول: إن رسول الله - عليه السلام - كان إذا جدّ به السير جمع بينهما". قالوا: ففي هذا دليل على صفة جمعه - عليه السلام - كيف كان. ش: هذه إشارة إلى معارضه من جهة أهل المقالة الأولى، بيانها: أنكم وإن رجحتم صفة جمع النبي - عليه السلام - بين الصلاتين بما ذكرتم، فعندنا أثار تبين صفة الجمع على ما ذكرنا وتمنع ما ذكرتم من الهيئة المذكورة، وهي الآثار التي رويت عن ابن عمر حيث يذكر فيها: فسار حتى غاب الشفق، أو بعد ما يغيب الشفق، أو بعد

غيوب الشفق كما في رواية أبي داود، ففي هذه كلها دليل على أن صفة الجمع على ما قلنا، وأنه جمع فعلًا ووقتًا. ثم إسناد حديث ابن عمر صحيح من الوجهين كليهما، ورجالهما رجال الصحيح ما خلا شيخي الطحاوي، والعارم لقب، واسمه محمد بن الفضل السدوسي، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري، وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -. وقد أخرج الطحاوي الحديث عن قريب من غير هذا الوجه. وأخرجه أبو داود (¬1): عن سليمان بن داود العتكي، عن حماد، عن أيوب، عن نافع ... إلى آخره، وقد ذكرناه هناك. وأخرجه الترمذي (¬2): عن هناد، عن عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه استغيث على بعض أهله فجد به السير، فأخّر المغرب حتى غاب الشفق، ثم نزل فجمع بينهما، ثم أخبرهم أن رسول الله - عليه السلام - كان يفعل ذلك إذا جدّ به السير". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ص: فكان من الحجة عليهم لمخالفيهم أن حديث أيوب الذي قال فيه: "فسار حتى غاب الشفق ثم نزل" كل أصحاب نافع لم يذكروا ذلك لا عبيد الله ولا مالك ولا الليث ولا من قد روينا عنه حديث ابن عمر في هذا الباب، وإنما أخبر بذلك من فعل ابن عمر، وذكر عن النبي - عليه السلام - الجمع ولم يذكر كيف جمع، فأما حديث عبيد الله: "أن رسول الله - عليه السلام - جمع بينهما". ثم ذكر جمع ابن عمر كيف كان وأنه كان بعد ما غاب الشفق، فقد يجوز أن يكون أراد أن صلاة العشاء الآخرة التي بها كان جامعًا بين الصلاتين بعد ما غاب الشفق، وإن كان قد صلى المغرب قبل غييوبة الشفق؛ لأنه لم يكن قط جامعًا بينهما، حتى صلى العشاء الآخرة، فصار بذلك جامعًا بين المغرب والعشاء، وقد روى ذلك غير أيوب مفسرًا على ما قلنا. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (2/ 5 رقم 1207). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 441 رقم 555).

كما حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن أسامة بن زيد، قال: أخبرني نافع: "أن ابن عمر - رضي الله عنهما - جدّ به السير، فلا روحةً لم ينزل إلا لظهر أو لعصر، وأخّر المغرب حتى صرخ به سالم فقال: الصلاة، وصمت ابن عمر حتى إذا كان عند غيبوبة الشفق نزل فجمع بينهما، وقال: رأيت النبي - عليه السلام - يصنع هكذا إذا جدّ به السير". قال أبو جعفر -رحمه الله-: ففي هذا الحديث أن نزوله للمغرب كان قبل أن يغيب الشفق فاحتمل أن يكون قول نافع: "بعد ما غاب الشفق" في حديث أيوب إنما أراد به قربه من غيبوبة الشفق لئلا يتضاد ما روى عنه في ذلك. ش: هذا جواب عن المعارضة المذكورة أي فكان من الحجة على أهل المقالة الأولى للذين خالفوهم فيما ذهبوا إليه؛ وهم أهل المقالة الثانية، بيان ذلك: أن أصحاب نافع مثل عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس والليث بن سعد الذين رووا هذا الحديث عنه لم يذكروا في حديثهم ما ذكره أيوب السختياني عنه من قوله: "فسار حتى غاب الشفق" ولا ذكر ذلك أيضًا من روى هنا غير نافع عن ابن عمر في هذا الباب مثل سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله، ومثل إسماعيل بن أبي ذئب عن عبد الله، وهو معنى قوله: ولا من قد روينا عنه حديث ابن عمر في هذا الباب، وإنما أخبر نافع بذلك عن فعل ابن عمر لا عن فعل النبي - عليه السلام -، وإنما الذي ذكر عن النبي - عليه السلام - أنه جمع بينهما، ولم يذكر كيف جمع، ولو كان ما فعله ابن عمر منقولًا عن فعله النبي - عليه السلام - لكان يتم استدلال الخصم به، فحيث لم يكن منقولًا عن فعله - عليه السلام - لم يتم استدلالهم به، على أن غير أيوب قد روى ذلك مفسرًا، وهو رواية أسامة بن زيد، عن نافع: "أن ابن عمر جد به السير ... " الحديث، وفيه أن نزوله للمغرب كان قبل أن يغيب الشفق، وهو يخالف رواية أيوب عنه. وبينهما تضاد ظاهرًا، فيتعين التوفيق بينهما؛ دفعًا للتضاد، ووجهه أن تحمل رواية أيوب عن نافع: "بعد ما غاب الشفق" على أن المراد به قربه من غيبوبة

الشفق، ومثل هذا يقع في الكلام كثيرًا حتى في كلام الله -عز وجل- كما في قوله تعالى: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} (¬1) فبعد بلوغ الأجل الذي هو العدّة لا يتصور الإمساك؛ لأنها تبين من زوجها حينئذ، وإنما معناه: فإذا شارفن على بلوغ الأجل وقربت منه، وها هنا كذلك بعد ما قرب غياب الشفق، هذا الذي قاله الطحاوي، والذي قلته أنا أيضًا له وجه حسن، وهو أن المراد من قوله: "بعد ما غاب الشفق" هو الشفق الأحمر الذي يكون قبل الأبيض؛ وذلك لأن الشفق نوعان: أحمر، وأبيض، كما هو معروف بين أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وكان نزول ابن عمر - رضي الله عنهما - بعد غياب الشفق الأحمر، ووقت المغرب حينئذ باقٍ، على قول من يقول: الشفق هو الأبيض، فيكون قد صلى المغرب في وقتها، ثم صلى العشاء في أول وقتها على قول من يقول: الشفق هو الأحمر، فيكون جامعًا بين الصلاتين فعلًا لا وقتًا؛ فافهم. فبهذين الجوابين يسقط جميع ما وجَّهه البيهقي في كتبه من أن الجمع بينهما كان بعد غياب الشفق؛ لأن الروايات متعارضة ظاهرًا، فلا يرتفع التعارض إلا بما ذكرنا، ومن جملة ما أورد: حديث جابر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه مضى حتى إذا كان من آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم أقام الصلاة وقد توارى الشفق". ثم قال: وبمعناه رواه فضيل بن غزوان وعطاف بن خالد، عن نافع، وهذا لا يتم به مُدَّعَاه؛ لأنه قال: "حتى إذا كان من آخر الشفق". فالمفهوم منه أنه صلى المغرب قبل غياب الشفق، ثم صلى العشاء وقد توارى الشفق، وهذا بعينه ما ذهبنا إليه من أنه أخّر الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الآخرة في أول وقتها. والذي يؤيد هذا ما رواه أبو داود في "سننه" (¬2): من حديث محمد بن فضيل، عن ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [231]. (¬2) "سنن أبي داود" (2/ 6 رقم 1212).

أبيه، عن نافع وعبد الله بن واقد، وفيه أنه قبل غروب الشفق صلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق وصلى العشاء، وهذا من مما نحتج به عليهم. وقال أبو داود (¬1): حدثنا قتيبة، ثنا عبد الله بن نافع، عن أبي مودود، عن سليمان ابن أبي يحيى، عن ابن عمر قال: "ما جمع رسول الله - عليه السلام - بين المغرب والعشاء قط في سفر إلا مرةً". قال أبو داود: وهذا يروى عن أيوب عن نافع موقوفًا على ابن عمر أنه لم ير ابن عمر جمع بينهما قط إلا بتلك الليلة، يعني ليلة استصرخ على صفية، وروى من حديث مكحول عن نافع: "أنه رأى ابن عمر قبل ذلك مرةً أو مرتين". ومن جملة ما أورد أيضًا: أن عاصم بن محمد رواه عن أخيه عمر بن محمد، عن سالم، عن ابن عمر كرواية الذين رووا عن نافع عن ابن عمر: "أن الجمع بينهما كان بعد غياب الشفق". وهذا أيضًا لا يتم به مُدّعاه؛ لما ذكرنا. على أن النسائي (¬2) روى هذا الحديث: عن سالم، عن ابن عمر، من وجه آخر بخلاف هذا، وقال: أنا عبدة بن عبد الرحيم، قال: أنا ابن شميل، قال: ثنا كثير بن قاروندا قال: "سألنا سالم بن عبد الله عن الصلاة في السفر، فقلنا: أكان عبد الله يجمع بين شيء من الصلوات في السفر؟ قال: لا إلا بجمع، ثم أتيته فقال: كانت عنده صفية، فأرسلت إليه: إني في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فركب وأنا معه، فأسرع السير، حتى حانت الصلاة فقال له المؤذن: الصلاة، يا أبا عبد الرحمن، فسار حتى إذا كان بين (الصلاتين) (¬3) فزل، فقال للمؤذن: أقم، فإذا سلمت من الظهر، فأقم مكانك، فأقام فصلى الظهر ركعتين، ثم سلّم، ثم أقام مكانه فصلى العصر ركعتين، ثم ركب فأسرع السير حتى غابت الشمس، فقال له المؤذن: الصلاة يا أبا عبد الرحمن، فقال: كفعلك الأول، فسار حتى إذا اشتبكت ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (2/ 5 رقم 1209). (¬2) "المجتبى" (1/ 288 رقم 597). (¬3) كذا في "الأصل، ك"، وفي "المجتبى": الوقوف.

النجوم نزل، فقال: أقم، فإذا سلمتُ فأقم، فصلى المغرب ثلاثًا، ثم أقام مكانه فصلى العشاء الآخرة، ثم سلم واحدة تلقاء وجه ثم قال: قال رسول الله - عليه السلام -: إذا حضر أحدكم أمر يخشى فوته فليصل هذه الصلاة". وهذا سند جيد ورجاله ثقات، وإسناد حديث فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني صحيح، ورجاله قد ذكروا غير مرة. ص: وقد روى هذا الحديث غير أسامة عن نافع كما رواه أسامة، كما حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني ابن جابر، قال: ثنا نافع، قال: "خرجت مع عبد الله بن عمر وهو يريد أرضًا له، قال: فنزلنا منزلًا، فأتاه رجل فقال له: إن صفية ابنة أبي عبيد لما بها ولا أظن أن تدركها، فخرج مسرعًا ومعه رجل من قريش، فسرنا حتى إذا غابت الشمس لم نصل الصلاة، وكان عهدي بصاحبي وهو محافظ على الصلاة، فلما أبطأ قلت: الصلاة رحمك الله فما التفت إليَّ ومضى كما هو، حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب ثم العشاء وقد توارت، ثم أقبل علينا فقال: كان رسول الله - عليه السلام - إذا عجل به أمر صنع هكذا". أو كما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا العطاف بن خالد المخزومي، عن نافع قال: "أقبلنا مع ابن عمر حتى إذا كنا ببعض الطرق استصرخ على زوجته ابنة أبي عبيد، فراح مسرعًا حتى غابت الشمس فنودي بالصلاة، فلم ينزل، حتى إذا أمسى ظننت أنه قد نسي فقلت: الصلاة، فسكت حتى إذا كاد الشفق أن يغيب نزل، فصلى المغرب، وغاب الشفق وصلى العشاء، وقال: هكذا كنا نفعل مع النبي - عليه السلام - إذا جدّ بنا السير". ش: أشار بهذا إلى أن اثنان من الثقات تابعا أسامة فيما رواه عن نافع: أحدهما: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي أبو عتبة الشامي الدمشقي الداراني ممن روى لهم الجماعة، أخرج الطحاوي حديثه بإسناد صحيح.

وأخرجه النسائي (¬1) أخبرني محمود بن خالد، قال: ثنا الوليد، قال: ثنا ابن جابر، قال: حدثني نافع، قال: "خرجت مع عبد الله بن عمر في سفر نريد أرضًا له، فأتاه آت فقال: إن صفية بنت أبي عبيد لما بها فانظر أن تدركها، فخرج مسرعًا ومعه رجل من قريش يسايره، وغابت الشمس فلم يصل الصلاة، وكان عهدي به وهو محافظ على الصلاة، فلما أبطأ قلت: الصلاة يرحمك الله، فالتفت إليَّ ومضى، حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء وقد توارى الشفق فصلى بنا، ثم أقبل علينا فقال: إن رسول الله - عليه السلام - كان إذا عجّل به السير صنع هكذا". قوله: "وهو يريد" جملة حالية. قوله: "لِمَا بِهَا" بكسر اللام وتخفيف الميم، في محل الرفع على أنها خبر لـ"إن" في قوله: "إن صفية ابنة أبي عبيد" والمعنى أن صفية هالكة؛ لما بها من الضعف الشديد، ولا أظن أن تدركها وهي بالحياة. قوله: "وقد توارت" أي غاب الشفق. والآخر: العطاف بن خالد بن عبد الله القرشي أبو صفوان المدني، قال يحيى بن معين: ليس به بأس ثقة صالح الحديث. وعن أبي داود: ثقة. روى له الترمذي والنسائي. أخرج الطحاوي حديثه عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، عنه. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬2): ثنا الحسن بن إسماعيل، ثنا أحمد بن منصور، ثنا ابن أبي مريم، ثنا عطاف بن خالد، حدثني نافع قال: "أقبلنا مع ابن عمر صادرين من مكة، حتى إذا كنا ببعض الطريق استصرخ على زوجته صفية، فأسرع ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 287 رقم 595). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 393 رقم 21).

السير، فكان إذا غابت الشمس نزل فصلى المغرب، فلما كان تلك الليلة ظننا أنه نسي الصلاة، فقلنا له: الصلاة، فسار حتى إذا كاد أن يغيب الشفق نزل فصلى، وغاب الشفق ثم قام فصلى العتمة، ثم أقبل علينا فقال: هكذا كنا نصنع مع رسول الله - عليه السلام -". قوله: "استصرخ" على بناء المجهول، وقد فسرناه. قوله: "إذا جدّ بنا السير" من جدّ يَجِدُّ ويَجُدّ بالضم والكسر، وجدّ به الشيء وأجد، والمعنى: إذا أسرع بنا السير، يقال: جدّ في السير إذا اهتم به وأسرع. والمفهوم من الحديثين: أنه صلى المغرب في آخر وقتها، وصلى العشاء في أول وقتها، فيكون الجمع بينهما فعلًا لا وقتًا. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فكل هؤلاء يروي عن نافع أن نزول ابن عمر كان قبل أن يغيب الشفق، فقد ذكرنا احتمال قول أيوب عن نافع: "حتى إذا غاب الشفق" أنه يحتمل قرب غيبوبة الشفق، فأولى الأشياء بنا أن نحمل هذه الروايات كلها على الاتفاق لا على التضاد، فنجعل ما روي عن ابن عمر أن نزوله للمغرب كان بعد ما غاب الشفق، على قرب غيبوبة الشفق إذْ كان قد روي عنه أن نزوله ذلك كان قبل غيبوبة الشفق، ولو تضاد ذلك لكان حديث ابن جابر أولاهما؛ لأن حديث أيوب إنما فيه أنّ رسول الله - عليه السلام - كان يجمع بين الصلاتين، ثم ذكر فعل ابن عمر كيف كان، وفي حديث ابن جابر صفة جمع رسول الله - عليه السلام - كيف كان؛ فهو أولى. ش: أشار بهؤلاء إلى أسامة بن زيد وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر والعطاف بن خالد؛ فإنهم كلهم رووا عن نافع: أن نزول ابن عمر كان قبل أن يغيب الشفق، وأما أيوب السختياني فإنه روى عنه: "فسار حتى غاب الشفق" وقد قال فيما مضى آنفًا: إنه يحتمل أن يكون معناه: فسار حتى قرب غيبوبة الشفق، فبهذا التأويل يندفع التضاد بين الروايات، وهذا أولى؛ لأن حمل الروايات كلها على الاتفاق خير من أن تبقى على التضاد.

فإن قيل: قد روى عن نافع مثل ما روى أيوب عنه: عبيد الله بن عمر العمري وحماد بن زيد وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد الأنصاري وعمر بن محمد بن زيد؛ فإن هؤلاء حفاظ ثقات ولا يقاربهم أسامة بن زيد وابن جابر والعطاف، ورواية الحفاظ أولى بالصواب، وكذا قال البيهقي في "المعرفة" إن محمد بن فضيل عن أبيه وابن جابر وعطاف بن خالد، رووه عن نافع: "صلى قبل غروب الشفق المغرب، ثم انتظر حتى غاب الشفق فصلى العشاء" وهؤلاء خالفوا الأئمة الحفاظ من أصحاب نافع في هذه الرواية، ولا يمكن الجمع بينهما؛ فتترك روايتهم وتؤخذ رواية الحفاظ. قلت: إن كان روى هؤلاء الحفاظ عن نافع أنه سار حتى غاب الشفق؛ فقد روى حفاظ آخرون عن نافع وعن ابن عمر نفسه بخلاف هذا فإن الليث بن سعد روى عن نافع: "فسار حتى همَّ الشفق أن يغيب" وقد مضت روايته فيما مضى. وكذا روى فضيل بن غزوان، عن جرير الضبي، عن نافع: "فسار حتى إذا كاد أن يغيب الشفق". وروايته عند الدارقطني (¬1). وكذا روى إسماعيل بن أبي ذئب: "أنه كان مع ابن عمر، فسار حتى ذهبت فحمة السماء ورأينا بياض الأفق، فنزل يصلي ثلاثًا المغرب، واثنتين العشاء". فهؤلاء حفاظ أيضًا قد رووا أن نزوله لم يكن بعد غياب الشفق، على أن جماعة أخرى من الثقات قد تابعهم في ذلك، مثل: أسامة بن زيد وعطاف بن خالد وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، على مما ذكرناهم، على أن ابن عمر - رضي الله عنهما - لم يُرَ جَمَعَ بين الصلاتين قط إلا ليلة استصرخ على زوجته صفية، كذا قال أبو داود، وفي رواية: فعل ذلك مرة أو مرتين، وزعم عبد الحق الإشبيلي أن فيه وهمًا. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 393 رقم 21).

والصحيح من هذه الروايات رواية النسائي (¬1): عن محمود بن خالد، حدثني الوليد، ثنا ابن جابر -وهو عبد الرحمن بن يزيد- قال: حدثني نافع، قال: خرجت مع عبد الله، فذكر قوله: "حتى إذا كان في آخر الشفق". قال: ويقوي هذه الرواية حديث أنس من عند مسلم (¬2): أن النبي - عليه السلام - إذا عجل به سفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء" انتهى. قلت: حينئذ تُرجح رواية من روى أن نزوله لم يكن إلا قبل غروب الشفق، فسقط كلام البيهقي: "فتترك روايتهم" فَلِمَ تترك روايتهم مع كونها موافقة للأصول ومؤيدة بصفة جمع النبي - عليه السلام -؟! والعمل بروايتهم ورواية وغيرهم بالتأويل المذكور أولى من أن تترك رواية بعضهم ويعمل برواية بعضهم. فإن قيل: تأويل الطحاوي يمشي في رواية من يقول: "فسار حتى نزل بعد غياب الشفق" وكيف يمشي ذلك في رواية من قال: "فسار قريبًا من ربع الليل" وهو رواية يحيى بن سعيد، عن نافع، ورواية موسى بن عقبة عنه: "حتى ذهب هُوِيٌّ من الليل" ورواية عمر بن محمد بن زيد: "فسار حتى إذا كان بعد ما غاب الشفق بساعة نزل" وكذا رواية عبيد الله العمري عن نافع، كل هذه عند البيهقي، وعند ابن خزيمة: "فسرنا حتى كان نصف الليل أو قريبًا من نصفه نزل فصلى". قلت: وإن لم يمش ذلك التأويل في هذه الروايات؛ فالعمل برواية [ابن] (¬3) جابر أولى؛ لأن فيه صفة جمع رسول الله - عليه السلام - كيف كان، وفي رواية هؤلاء صفة جمع ابن عمر غير منقول عن النبي - عليه السلام - فيكون هذا أولى، على أن فيما ذكرتم وهما كما قاله عبد الحق الإشبيلي وأنه نَصَّ على أن الصحيح من الروايات رواية النسائي، وهي ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 287 رقم 595). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 489 رقم 704). (¬3) ليست في "الأصل، ك". وما أثبتناه هو الصواب.

رواية ابن جابر، وإلى ذلك أشار الطحاوي بقوله: "ولو تضاد ذلك لكان حديث ابن جابر أولى". والله أعلم. ص: فإن قالوا: فقد روي عن أنس بن مالك ما قد فسر الجمع كيف كان، فذكروا في ذلك ما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني جابر بن إسماعيل، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ... مثله. يعني "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا عجل به السير يومًا جمع بين الظهر والعصر، وإذا أراد السفر ليلة؛ جمع بين المغرب والعشاء، يؤخر الظهر إلى وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق". قالوا: ففي هذا الحديث أنه صلى الظهر والعصر في وقت العصر، وأنَّ جمعه بينهما كان كذلك. ش: هذا إيراد من أهل المقالة الأولى على أهل المقالة الثانية، بيانه أن يقال: إنكم قلتم: إن صفة الجمع كانت من فعل ابن عمر، وأن صفة جمع النبي - عليه السلام - كانت بتأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الأخرى في أول وقتها، وأنكم أولتم ما روي: "حين غاب الشفق" بالقرب من غيابه. فهذا حديث أنس يبطل تأويلكم، ويبين أن جمع النبي - عليه السلام - بين الظهر والعصر كان في وقت العصر، وأن جمعه بين المغرب والعشاء كان حين يغيب الشفق. وإسناد حديث أنس صحيح على شرط مسلم، وعُقيل -بضم العين وفتح الألف- ابن خالد بن عَقِيل -بالفتح- الأيلي أبو خالد الأموي. وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. وأخرجه مسلم (¬1): حدثني أبو الطاهر وعمرو بن سوَّاد، قالا: أنا ابن وهب، قال: حدثني جابر بن إسماعيل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس، عن ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 489 رقم 704).

النبي - عليه السلام -: "إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق". وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا قتيبة وابن موهب -المعنى- قالا: ثنا المفضل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس؛ أخّر الصلاة إول وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب". نا (¬2) سليمان بن داود المهري، نا ابن وهب، أخبرني جابر بن إسماعيل، عن عقيل ... بهذا الحديث بإسناده، قال: "ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق". ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأصل: أن هذا الحديث قد يحتمل ما ذكروا، وقد يحتمل أن تكون صفة الجمع من كلام الزهري لا عن أنس فإنه قد كان كثيرًا ما يفعل هذا؛ يصل الحديث بكلامه حتى يتوهم أن ذلك في الحديث، وقد يحتمل أن يكون قوله: "إلى أول وقت العصر". إلى قرب أول وقت العصر، فإن كان معناه يقتضي ما صرفناه إليه مما لا يجب أن يكون في وقت العصر، فلا حجة في هذا الحديث للذي تقول: إنه صلاهما في وقت العصر، وإن كان أصل الحديث على أنه صلاهما في وقت العصر، فكان ذلك هو جمعه بينهما، فإنه قد خالفه في ذلك عبد الله بن عمر فيما رويناه عنه عن النبي - عليه السلام -. وخالفته في ذلك عائشة - رضي الله عنها - كما حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن بشر، قال: ثنا المعافى بن عمران، عن مغيرة بن زياد الموصلي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان النبي - عليه السلام - في السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر، ويؤخر المغرب ويقدم العشاء". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (2/ 7 رقم 1218). (¬2) "سنن أبي داود" (2/ 7 رقم 219).

ش: هذا جواب عن الإيراد المذكور، تقريره: أن حديث أنس يحتمل ثلاث وجوه: الأول: أنه يحتمل المعنى الذي ذكره الخصم؛ لأن باب الاحتمال مفتوح. الثاني: يحتمل أن تكون صفة الجمع التي ذكرت فيه من كلام محمد بن مسلم الزهري وليس من كلام أنس؛ فإن من عادة الزهري أنه كثيرًا ما كان يصل الحديث بكلامه حتى يتوهم المتوهم أنه من الحديث، والحال أنه من كلام نفسه. الثالث: أنه يحتمل أن يكون معنى قوله: "إلى أول وقت العصر". إلى قرب أول وقت العصر؛ لأن مثل هذا كثير في الكلام شائع ذائع كما قد ذكرناه. ثم إنا إذا سلمنا أنه من كلام أنس وليس هو من كلام الزهري؛ يبقى معنا الاحتمالان المذكوران، فإن كان المعنى في نفس الأمر على الاحتمال الذي ذكرناه، وهو أن يكون المراد منه قرب أول وقت العصر فلم يبق حينئذ حجة للخصم، ولا اعتراض به على غيره، وإن كان المعنى في نفس الأمر على ما ذكره الخصم، وهو أن يكون - عليه السلام - صلاها في وقت العصر، وأن هذا هو جمعه - عليه السلام - فيعارضه حينئذ حديث عبد الله بن عمر الذي رواه الطحاوي فيما مضى، عن فهد، عن الحماني، عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن نافع ... فذكر الحديث، وفيه: "حتى إذا كان عند غيبوبة الشفق نزل فجمع بينهما، وقال: رأيت النبي - عليه السلام - يصنع هكذا". فإنه يدل على أنه - عليه السلام - أخّر المغرب إلى آخر وقته، وقدم العشاء في أول وقتها. وكذلك يعارضه حديث عائشة، فإنه أيضًا يدل على أنه - عليه السلام - أخّر الظهر إلى آخر وقته، وقدم العصر في أول وقته، وأخّر المغرب إلى آخر وقته، وقدم العشاء في أول وقته، فإذا تعارض الخبران فالمصير إلى خبر ابن عمر وعائشة - رضي الله عنهم - أولى؛ لموافقة الأصول، ولاحتمال حديث أنس ما ذكرنا من الوجهين. وإسناد حديث عائشة حسن جيد، والحسن بن بشر البجلي الكوفي أحد مشايخ البخاري، والمعافى بن عمران الأزدي الفهمي أبو مسعود الموصلي، روى له البخاري وأبو داود والنسائي.

والمغيرة بن زياد أبو هشام البجلي الموصلي، قال وكيع: كان ثقة. وعن أحمد: مضطرب الحديث. وعن ابن معين: ليس به بأس، وعنه: ثقة. وروى له الأربعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن عائشة: "أن النبي - عليه السلام - كان يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجّل العشاء". وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (¬2): أنا وكيع، أنا المغيرة بن زياد ... إلى آخره نحوه، وفي آخره: "في السفر". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: ثم هذا عبد الله بن مسعود أيضًا قد روينا عنه، عن رسول الله - عليه السلام - أنه كان يجمع بين الصلاتين في السفر، ثم قد روي عنه عن النبي - عليه السلام - ما قد حدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا قييصة بن عقبة والفريابي، قالا: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: "ما رأيت رسول الله - عليه السلام - صلى صلاة قط في غير وقتها إلاأنه جمع بين الصلاتين بِجَمْعٍ، وصلى الفجر يومئذ لغير ميقاتها". فثبت بما ذكرنا أن ما عاين من جمع رسول الله - عليه السلام - بين الصلاتين هو بخلاف ما تأوله المخالف لنا؛ فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار المروية في جمع رسول الله - عليه السلام -. ش: أشار بهذا الكلام إلى تأكيد ما قال أهل المقالة الثانية من أن المراد من الجمع بين الصلاتين: أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ويقدم الثانية في أول وقتها، ويجمع بينهما فعلًا لا وقتًا، ألا ترى أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قد روى عن النبي - عليه السلام - أنه كان يجمع بين الصلاتين، ثم روى أنه ما رأى أنه - عليه السلام - قط صلى صلاة في غير وقتها، إلا في موضعين؛ فعلم من ذلك أن معنى قوله: إنه كان يجمع بين الصلاتين؛ مثل ما قال أهل المقالة الثانية، وهو أنه كان يؤخر الأولى إلى آخر وقتها ويقدم الثانية في أول ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 210 رقم 8238). (¬2) "مسند إسحاق بن راهويه" (1 - 3) (3/ 632 رقم 1213).

وقتها إذ لو كان معنى كلامه مثل ما قال أهل المقالة الأولى لكان كلامه متناقضًا؛ لأن بين قوله: كان يجمع بين الصلاتين، وبين قوله: ما رأيت رسول الله - عليه السلام - صلى صلاة قط في غير وقتها؛ منافاة ظاهرة وهنا حوار آخر ذكرناه في أول الباب عند الحديث المذكور. وإسناد حديث ابن مسعود هذا صحيح على شرط البخاري ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا الحسن بن نصر، والفريابي هو محمد بن يوسف شيخ البخاري ونسبته إلى فارياب بليدة بنواحي بلخ ينسب إليها الفريابي والفاريابي، والفيريابي بزيادة الياء. وسفيان هو الثوري، والأعمش هو سليمان. وأخرجه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي. فلفظ البخاري (¬1)، "ما رأيت رسول الله - عليه السلام - صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين، صلاة المغرب والعشاء بجَمْع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها". ولفظ مسلم (¬2) نحوه. ولفظ أبي داود (¬3): "ما رأيت رسول الله - عليه السلام - صلى صلاة إلا لميقاتها إلا بجَمْع، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجَمْع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها". ولفظ النسائي (¬4): "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي الصلاة لوقتها إلا بجَمْع وعرفات". قوله: "بجَمْع" بفتح الجيم وسكون الميم، علم للمزدلفة، سميت به؛ لأن آدم وحواء عليهما السلام لما أُهبطا من الجنة اجتمعا بها. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (2/ 604 رقم 1598). ولفظه: "بغير ميقياتها إلا صلاتين جمع بين". (¬2) "صحيح مسلم" (2/ 938 رقم 1289). (¬3) "سنن أبي داود" (2/ 193 رقم 1934). (¬4) "المجتبى" (5/ 254 رقم 3010). وأخرجه أيضًا بلفظ مسلم (5/ 262 - رقم 3038).

قوله: "لغير ميقاتها" أي في غير وقتها، وأراد أنه صلى الفجر بغلس، أول طلوع الفجر؛ لأجل الوقوف بمزدلفة. والدليل عليه ما رواه مسلم (¬1): من حديث جابر - رضي الله عنه -: "أنه - عليه السلام - أتى المزدلفة فصل بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فرقى عليه، فحمد الله وكبره وهلله، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، ثم وقع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل". ص: وقد ذكر فيها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بين الصلاتين في الحضر في غير خوف كما جمع بينهما في السفر أفيجوز لأحد في الحضر لا في حال خوف ولا علّة أن يؤخر الظهر إلى قرب تغير الشمس ثم يصلي؟ وقد قال رسول الله - عليه السلام - في التفريط في الصلاة ما قد حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، بأن يؤخر الصلاة إلى وقت أخرى". قال أبو جعفر: فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن تأخير الصلاة إلى وقت التي بعدها تفريط، وقد كان قوله ذلك وهو مسافر، فدل ذلك أنه أراد به المسافر والمقيم، فلما كان مُؤَخِّر الصلاة إلى وقت التي بعدها مفرطًا؛ استحال أن يكون النبي - عليه السلام - جمع بين الصلاتين بما كان به مفرطًا، ولكنه جمع بينهما بخلاف ذلك، فصلى كل واحدة منهما في وقتها. ش: هذا أيضًا إشارة إلى تأييد صحّة تأويل أهل المقالة الثانية في صورة الجمع، أي قد ذكر في الآثار المذكورة أنه - عليه السلام - جمع بين الصلاتين في الحضر وليس في خوف ولا علة، كما مرّ في حديث جابر - رضي الله عنه -، ثم إنه هل يجوز لأحد في الحضر وليس في خوف ولا علة أن يؤخر الظهر إلى آخر وقت العصر ثم يجمع بينهما عند تغير الشمس؟ فهذا لم يقل به الخصم أيضًا، فدل ذلك على أن المراد ¬

_ (¬1) تقدم.

من جمع رسول الله - عليه السلام - بين الصلاتين هو الذي ذكره أهل المقالة الثانية، وكيف وقد أطلق - صلى الله عليه وسلم - على من يؤخر صلاة إلى وقت صلاة أخرى مفرّطًا ومقصرًا وإذا كان هذا مفرطًا فمن المحال أن يكون النبي - عليه السلام - جمع بين الصلاتين بصورة يكون فيها مفرطًا، لزم من ذلك أنه - عليه السلام - جمع بينهما بصورة ليس فيها تفريط، وهي الصورة التي ذكرها أهل المقالة الثانية، وهي أن يكون قد صلى كل واحدة منهما في وقتها، غير أنه أخّر الأولى إلى آخر وقتها، وقدّم الثانية في أول وقتها، فيكون جامعًا بين الصلاتين فعلًا لا وقتًا، من غير تفريط ولا تقصير. قوله: "أفيجوز لأحد" الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار. قوله: "وقد قال" جملة وقعت حالًا. وإسناد حديث أبي قتادة صحيح على شرط مسلم، وأبو بكرة: بكار القاضي، وأبو داود: سليمان بن داود الطيالسي، وثابت: هو البناني أبو محمد البصري، وأبو قتادة: الأنصاري، اسمه الحارث بن ربعي. وأخرجه مسلم (¬1) مطولًا: ثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة- قال: نا ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: "خطبنا رسول الله - عليه السلام - فقال: إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء إن شاء الله غدًا، فانطلق الناس لا يلوي أحدٌ على أحدٍ، قال أبو قتادة: فبينما رسول الله - عليه السلام - يسير حتى إبهار الليل وأنا إلى جانبه، قال: فنعس رسول الله - عليه السلام -، فمال عن راحلته، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته، قال: ثم سار حتى تهور الليل مال عن راحلته، فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته، قال: ثم سار حتى إذا كان في آخر الليل مال ميلة هي أشد من الميلتين الأولتين حتى كاد ينجفل، فأتيته فدعمته، فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة، قال: متى كان هذا مسيرك مني؟ قال: قلت: مازال هذا مسيري منذ الليلة، قال: حفظك الله بما حفظت به ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 472 رقم 681).

نبيه، ثم قال: هل ترانا نخفي عن الناس؟ ثم قال: هل ترى من أحدٍ؟ قلت: هذا ركب، ثم قلت: هذا ركب آخر، حتى اجتمعنا فكنا سبعة ركب، قال: فمال رسول الله - عليه السلام - عن الطريق، فوضع رأسه ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا، فكان أول من استيقظ رسول الله - عليه السلام - والشمس في ظهره، قال: فقمنا فزعين، ثم قال: اركبوا، فركبنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء، قال: فتتوضأ ووضوء دون وضوء قال: وبقي فيها شيء من ماء، ثم قال لأبي قتادة: احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ، ثم أذن بلال بالصلاة، وصلى رسول الله - عليه السلام - ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم، وركب رسول الله - عليه السلام - وركبنا معه، قال: فجعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثم قال: أما لكم فيّ أسوةٌ؟ ثم قال: ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصليها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها، ثم قال: ما ترون الناس صنعوا؟ قال: ثم قال: أصبح الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدكم لم يكن ليخَلِّفكم، وقال الناس: إن رسول الله - عليه السلام - بين أيديكم، فإن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا، قال: فانتهينا إلى الناس حين امتد النهار وحمي كل شيء، وهم يقولون: يا رسول الله، هلكنا عطشًا، فقال: لا هلك عليكم، ثم قال: اطلقوا لي غمري، قال: ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله - عليه السلام - يصب وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها، فقال رسول الله - عليه السلام -: أحسنوا الملأ، كلكم سيروى. قال: ففعلوا، فجعل رسول الله - عليه السلام - يصب وأبو قتادة يسقيهم، حتى ما بقى غيري وغير رسول الله - عليه السلام -، قال: ثم صَبّ رسول الله - عليه السلام -، فقال لي: اشرب، قلت: لا أشرب حتى! تشرب أنت يا رسول الله. قال: إن ساقي القوم آخرهم شربًا، قال: فشربت وشرب رسول الله - عليه السلام -. قال: فأتى الناس الماء جامين رواء، قال: فقال عبد الله ابن أبي رباح: إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع؛ إذ قال عمران بن

حصين - رضي الله عنه -: انظر أيها الفتى كيف تحدث، فإني أحد الركب تلك الليلة، قال: فقلت: فأنت أعلم بالحديث. فقال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار، قال: حدث [فأنتم] (¬1) أعلم بحديثكم. قال: فحدثت القوم، فقال عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدًا حفظه كما حفظته". وأخرجه أبو داود (¬2): نا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن أبي رباح الأنصاري، قال: نا أبو قتادة: "أن النبي - عليه السلام - كان في سفر له، فمال رسول الله - عليه السلام - فملت معه، فقال: انظر، قلت: هذا راكب، هذان راكبان، هؤلاء ثلاثة، حتى صرنا سبعة، فقال: احفظوا علينا صلاتنا -يعني صلاة الفجر- فضرب على آذانهم فما أيقظهم إلا حَرُّ الشمس، فقاموا فساروا هنية، ثم نزلوا فتوضئوا، وأذن بلال، فصلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر، وركبوا، [فقال] (¬3) بعضهم لبعض: قد فرطنا في صلاتنا فقال: رسول الله - عليه السلام -: إنه لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت". وأخرجه النسائي (¬4): أنا سويد بن نصر، قال: أنا عبد الله، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في النوم تفريط، إنما التفريط فيمن لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى حين ينتبه لها". وأخرجه ابن ماجه (¬5): ثنا أحمد بن عبدة، أنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: "ذكروا تفريطهم في النوم، فقال: ناموا حتى ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": فأنت، والمثبت من "صحيح مسلم". (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 119 رقم 437). (¬3) في "الأصل، ك": قال. والمثبت من "سنن أبي داود". (¬4) "المجتبى" (1/ 294 رقم 616). (¬5) ابن ماجه (1/ 228 رقم 698).

طلعت الشمس، فقال رسول الله - عليه السلام -: ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسى أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، ولوقتها من الغد، قال عبد الله بن رباح: فسمعني عمران بن الحصين وأنا أُحّدث بالحديث، فقال: يا فتى انظر كيف تحدث، فإني شاهد هذا الحديث مع رسول الله - عليه السلام -، قال: فما أنكر من حديثه شيئًا". قوله: "ليس في النوم تفريط" أي تقصير؛ لأن النوم سبب من أسباب العجز، ورُفِعَ القلم عن النائم حتى يستيقظ. فإن قيل: إذا أتلف النائم برجله أو بيده أو غير ذلك من أعضائه شيئًا يجب ضمانه، فكيف لا يكون مكلفًا؟ قلت: غرامة المتلفات لا يشترط لها التكليف بالإجماع حتى لو أتلف الصبي أو المجنون شيئًا يجب ضمانه في حالهما. قوله: "إنما التفريط في اليقظة" لوجود التقصير من غير عذر، ثم لنشرح مشكلات ما في رواية مسلم لكثير الفائدة: فقوله: "لا يلوي أحد على أحد" أي لا يعطف عليه ولا بقطرة. قوله: "حتى ابهار الليل" أي انتصف، وبهرة كل شيء وسطه، وقيل: ابهار الليل إذا طلعت نجومه واستنارات، والأول أكثر. قوله: "فدعمته" أي أقمت ميله من النوم بأن صرت تحته كالدعامة لما فوقها، حتى اعتدل. قوله: "حتى تهور الليل" يعني ذهب أكثره، قاله الهروي، يقال: تهور الليل وتَوَهَّر إذا ذهب أكثره، كما يتهور البناء. قوله: "حتى كاد ينجفل" أي ينقلب عن دابته ويسقط، يقال: ضربه فجفله، أي ألقاه على الأرض.

قوله: "بميضأة" بكسر الميم، وهي المطهرة الكبيرة يتوضأ فيها، قال ابن الأثير: هي بالقصر، وكسر الميم، وقد تمد، ووزنها مِفْعلة ومِفْعالة، والميم زائدة. قوله: "وضوءًا دون وضوء" أراد به: تخفيف الوضوء، وقيل: معناه وضوءًا دون استنجاء. قوله: "نبأ" أي خبرٌ وشأنٌ. قوله: "يهمس" من الهمس، وهو الكلام الخفي. قوله: "فإذا كان الغد فليصلِّها عند وقتها" وفي رواية أبي داود: "فليصلها حين يذكرها، ومن الغد للوقت" قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بهذه اللفظة وجوبًا أي قوله: "من الغد للوقت"، ويشبه أن يكون الأمر به استحبابًا ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. قوله: "اطلقوا لي غُمَري" قال أبو عبيد: يقال للقعب الصغير: غمر وتَغَمَّرت: أي شربت قليلًا قليلًا، وقال ابن الأثير: "الغمر" بضم الغين المعجمة، وفتح الميم: القدح الصغير "ومعنى" أطلقوا لي غمري": ائتوني به. قوله: "تكابُّوا" أي ازدحموا عليها، وهي تفاعلوا من الكُبَّة بالضم، وهي الجماعة من الناس وغيرهم. قوله: "أحسنوا الملأ" بفتح الميم واللام والهمزة، أي: أحسنوا الخلق، وقال ابن الأثير: وأكثر قراء الحديث يقرءونها: أحسنوا المِلْء: بكسر الميم وسكون اللام، من مَلْءِ الإناء، وليس بشيء. قوله: "جامين" بالجيم، نصب على الحال من الناس، ومعناه مجتمعين، وأصله من الجموم والجمة، هو الاجتماع والكثرة. قوله: "رواء" نصب على الحال أيضًا، ومعناه: ضد العطش، وهو جمع ريان، كما أن العطاش جمع عطشان.

قوله: "فَضُرب على آذانهم" كلمة فصيحة من كلام العرب، معناه أنه حجب الصوت والحسّ عن أن يلجأ آذانهم فينتبهوا، ومن هذا قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} (¬1). فكأنها قد ضرب عليها حجاب. قوله: "هُنَيَّة" أي قليلًا من الزمان، وهي تصغير هنة. قوله: "فرطنا" أي قصرنا. ص: وهذا ابن عباس - رضي الله عنهما - مقد روي عنه، عن رسول الله - عليه السلام - أنه جمع بين الصلاتين، ثم قال ما حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "لا تفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى". فأخبر ابن عباس أن مجيء وقت الصلاة بعد الصلاة التي قبلها فوتٌ لها، فثبت بذلك أن ما علمه من جمع النبي - عليه السلام - بين الصلاتين كان بخلاف صلاته إحداهما في وقت الأخرى. ش: هذا أيضًا إشارة إلى تأييد صحة تأويل أهل المقالة الثانية من صورة جمع المسافر بين الصلاتين، بيانه: أن عبد الله بن عباس روى عن النبي - عليه السلام - أنه جمع بين الصلاتين -كما مرَّ في أول الباب- ثم قال هو: "لا تفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى". فأخبر أن مجيء وقت الصلاة بعد الصلاة التي قبلها فوت للصلاة الأولى، فدل ذلك أن ما علمه من جمع النبي - عليه السلام - بين الصلاتين كان بخلاف صلاته إحداهما في وقت الأخرى، إذْ لو لم يكن كذلك لكان بين روايته عنه - عليه السلام - وبين قوله تضادًّا، فعلمنا أن معنى جمعه - عليه السلام - بين الصلاتين هو: أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ويقدم الثانية في أول وقتها، فيكون جمعه بين الصلاتين فعلًا لا وقتًا. وإسناد أثر ابن عباس صحيح، ورجاله أئمة كبار ثقات، وأبو بكرة بكار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وليث هو ابن أبي سليم. ¬

_ (¬1) سورة الكهف، آية: [11].

قوله: "لا تفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى" قيل: معناه أن بين الصلاتين وقتًا، فإذا لم يخرج ذلك الوقت لا يجيء وقت الصلاة الأخرى، ولا يخرج وقت الصلاة الأولى إلا بخروج ذلك اوقت. وقد صُرِّح بذلك في رواية أخرجها ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن حفص، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "بين كل صلاتن وقت". ص: وقد قال أبو هريرة - رضي الله عنه - مثل ذلك، كما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا قيس وشريك، أنهما سمعا عثمان بن عبد الله بن موهب قال: "سئل أبو هريرة ما التفريط في الصلاة؟ فقال: أن تؤخر حتى يجيء وقت الأخرى". ش: أي: مثل ما قال ابن عباس، وقال أيضًا: إن تأخير الصلاة إلى وصول وقت الأخرى تفريط. وهو أيضًا قد روى عن النبي - عليه السلام - أنه كان يجمع بين الظهر والعصر في سفره إلى تبوك. أخرجه في "الموطإ" (¬2) فدل ذلك أنه قد علم من النبي - عليه السلام - أن جمعه كان على الصفة التي ذكرها أهل المقالة الثانية، إذ لو لم يكن كذلك لكان بين روايته عنه - عليه السلام - وبين قوله هذا تضادًا، فعلم أن جمعه - عليه السلام - بين الصلاتين هو أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها، ويقدم الثانية في أول وقتها، فيكون جمعًا بينهما فعلًا لا وقتًا، كما بيناه. وإسناد أثر أبي هريرة صحيح. وقيس بن الربيع الأسدي وإن كان يحيى قد ضعفه، والجوزجاني أسقطه والنسائي تركه؛ ولكنه ذُكِرَ متابعة لشريك بن عبد الله النخعي، على أن ابن عدي قال: قيس بن الربيع لا بأس به. وقال عفان: ثقة. واحتج به أبو داود والترمذي وابن ماجه. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 294 رقم 3366). (¬2) "الموطأ" (1/ 143 رقم 327).

وأخرجه ابن أبي شيية في "مصنفه" (¬1): عن وكيع، عن سفيان، عن عثمان بن موهب قال: "سمعت أبا هريرة يُسأل عن التفريط في الصلاة، قال: "أن تأخرها حتى يدخل وقت التي بعدها". وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (¬2): عن الثوري، عن عثمان بن موهب قال: "سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - وسأله رجل عن التفريط في الصلاة، فقال: أن تؤخرها إلى وقت التي بعدها، فمن فعل ذلك فقد فرّط". ص: قالوا: وقد دل على ذلك أيضًا ما قد روي عن النبي - عليه السلام - لما سُئل عن مواقيت الصلاة، فصلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى الظهر في اليوم الثاني في ذلك الوقت بعينه، فدل ذلك على أنه وقت لهما جميعًا. قال أبو جعفر: فيقال لهم: ما في هذا حجة توجب ما ذكرتم؛ لأن هذا قد يحتمل أن يكون أريد به أنه - عليه السلام - صلى الظهر في اليوم الثاني في قرب الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، وقد ذكرنا ذلك والحجة فيه في باب مواقيت الصلاة، والدليل على ذلك: قوله - عليه السلام -: "الوقت فيما بين هذين الوقتين". فلو كان كما قاله المخالف لنا إذن لما كان بينهما وقت، أو كان ما قبلهما وما بعدهما وقت كله، ولكن ذلك دليل على أن كل صلاة من تلك الصلوات منفردة بوقت غير وقت غيرها من سائر الصلوات. ش: أي قال أهل المقالة الأولى، وهم الشافعي ومالك وأحمد ومن قال بقولهم: قد دل على ما قلنا من أن وقتي الظهر والعصر واحد ما قد روي عن النبي - عليه السلام - ... إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "فيقال لهم" أي: أهل المقالة الأولى "ما في ما ذكرتم حجة" وبرهان، "توجب" أي تقتضي "ما ذكرتم ... " إلى آخره، وهو أيضًا ظاهر، وقد مرَّ تحقيقه في باب مواقيت الصلاة. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 294 رقم 3370). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 582 رقم 2216).

قوله: "الحجة فيه" بالنصب إما بفعل محذوف أي وذكرنا أيضًا الحجة فيه، وإما على أنه مفعول لقوله: "وقد ذكرنا ذلك" أي وقد ذكر ذلك مع الحجة فيه. قوله: "والدليل على ذلك" أي على ما ذهبنا إليه من أنه - عليه السلام - قد صلى الصلاتين فيما بين هذين الوقتين، بيانه: أن قوله - عليه السلام -: "الوقت فيما بين هذين الوقتين" يقتضي أن يكون ما بين الوقتين اللذين صلى فيهما - عليه السلام - في اليومين المتوالين وقتًا معلومًا متميزًا إذ لو كان كما قال هؤلاء؛ لما كان بين هذين الوقتين وقت، بل وذلك دليل على أن كل صلاة من الصلوات منفردة بوقت، مخصوصة به، لا تشارك غيرها من الصلوات، ويؤيد ذلك أيضًا حديث أبي هريرة: "إن للصلاة أولًا وآخرًا" أراد أن الصلاة محدودة بوقت معين، وأن كل واحدة من الصلوات الخمس تمتاز عن غيرها بوقتها الخاص لها، ولا تشارك صلاة أخرى في وقتها، وحديث ابن عباس أيضًا: "لا تفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى". ص: وحجة أخرى: أن عبد الله بن عباس وأبا هريرة قد رويا ذلك عن النبي - عليه السلام - في مواقيت الصلاة، ثم قالا هما في التفريط في الصلاة: إنه تركها حتى يدخل وقت التي بعدها. فثبت بذلك أن وقت كل صلاة من الصلوات خلاف وقت الصلاة التي بعدها، فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. وأما وجه ذلك من طريق النظر فإنَّا قد رأيناهم أجمعوا أن صلاة الصبح لا ينبغي أن تقدم على وقتها ولا تؤخر عنه، وأن وقتها وقت لها خاصة دون غيرها من الصلوات، والنظر على ذلك أن يكون كذلك سائر الصلوات، كل واحدة منهن منفردة بوقتها دون غيرها؛ فلا ينبغي أن تؤخر عن وقتها، ولا تقدم قبله. ش: أي جواب آخر عما احتجوا به آنفًا: "أن ابن عباس وأبا هريرة - رضي الله عنهم - قد رويا ذلك" أي ما ذكر أنه - عليه السلام - صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، "ثم قالا هما" ابن عباس وأبو هريرة "في التفريط في الصلاة"

حين سُئلا عنه: "إنه تركها" أي أن التفريط: "ترك الصلاة حتى يدخل وقت الصلاة التي بعدها"، فدل ذلك أن المراد: أنه - عليه السلام - صلى الظهر في اليوم الثاني في قرب الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، وثبت بذلك أيضًا أن وقت كل صلاة من الصلوات خلاف وقت الصلاة التي بعدها، وأن كل واحدة منهما متميزة عن غيرها بوقت محدود ومعين، وباقي كلامه غني عن الشرح. ص: فإن اعتل معتل بالصلاة بعرفة وبِجَمْع؛ قيل له: قد رأيناهم قد أجمعوا أن الإمام بعرفة لو صلى الظهر في وقتها كما في سائر الأيام وصلى العصر في وقتها كما في سائر الأيام، وفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء بمزدلفة، فصلى كل واحدة منهما في وقتها كما يصلي في سائر الأيام كان مسيئًا، ولو فعل ذلك وهو مقيم، أو فعله وهو مسافر في غير عرفة وجمع؛ لم يكن مسيئًا، فثبت بذلك أن عرفة وجَمْع مخصوصتان بهذا الحكم، وأن حكم ما سواهما في ذلك بخلاف حكمهما فيه، فثبت بما ذكرناه أن ما روينا عن رسول الله - عليه السلام - من الجمع بين الصلاتين أنه تأخير الأولى وتعجيل الآخرة. ش: هذا اعتراض يَرِدُ على وجه النظر تقريره: أنكم قلتم: إن صلاة الصبح بالإجماع لا تتقدم على وقتها ولا تتأخر، وأن وقتها وقت مخصوص محدود الطرفين لا يشاركها غيرها فيه، والقياس عليها أن تكون سائر الصلوات كذلك، وأن تكون كل صلاة مخصوصة بوقت معين لا تشارك غيرها فيه؟ فما قولكم في الصلاة بعرفات، فإنه يجمع فيها بين الظهر والعصر وأنهما كان في وقت واحد، وكذلك الصلاة بجمع وهو المزدلفة فإنه يجمع فيها؟ وتقرير الجواب: أن الجمع بين الظهرين في عرفات والعشائين في مزدلفة ليس بناء على أن وقت الظهرين وقت واحد، ووقت العشائين وقت واحد، بحيث تشارك الأخرى في ذلك الوقت، وإنما هو مبني على أنه مأمور بالجمع بين الصلاتين في الموضعين المذكورين، وإنما يفعل ذلك امتثالًا للأمر ولأجل الوقوف بعرفة، ولأجل الاشتغال بالإفاضة منها إلى المزدلفة، والدليل على ذلك أن الإِمام بعرفة لو صلى كل واحدة من الظهر والعصر في وقتها المعهود كان جائزًا، ولكنه

مسيئًا لتركه السنة، وكذلك لو صلى كل واحدة من المغرب والعشاء بمزدلفة في وقتها كان جائزًا مع الإساءة. ولو كان الجمع بينهما للمعنى الذي ذكرته لما جازت صلاته، وكذا لو فعل ذلك المُتِمُّ أو المسافر في غير هذين الموضعن لم يكن مسيئًا، فثبت بذلك أن عرفة وجمع مخصوصتان بهذا الحكم، وأن حكم ما سواهما في هذا بخلاف حكمهما فيه. قوله: "فثبت بما ذكرناه ... " إلى آخره نتيجة كلامه الذي ذكره من تصحيح معاني الآثار، والذي ذكره من وجه النظر، أي ثبت بجميع ما ذكرنا في هذا الباب: أن معنى ما روينا عن النبي - عليه السلام - من الجمع بين الصلاتين: أنه أخر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها، وقدم الثانية في أول وقتها، ثم اعلم أن النُّسَخ ها هنا مختلفة من قوله: "قيل له" إلى قوله: "فثبت بما ذكرناه"، وأحسنها وأصوبها ما أثبته وترجمته بالحمرة. قوله: "فإن اعتل معتل" المعتل ها هنا اسم فاعل، ولكنه يشترك في مثل هذه الصيغة اسم الفاعل واسم المفعول، ويحصل الفرق بالقرينة، مثل العلة ونحوها يقال هذا معتل للفاعل، ومعتل فيه للمفعول، وإنما لم يظهر الفرق بين الفاعل والمفعول في مثل هذا لأجل الإدغام، والفرق فيه تقديري؛ لأن ما قبل آخره مكسور في الفاعل، ومفتوح في المفعول، تقول: مُعْتَلِلٌ ومُعْتَلَلٌ عند فك الإدغام وإذا أدغمت إحدى اللامين في الأخرى يزول الفرق الصوري ويبقى التقديري، فافهم. قوله: "إن عرفة وجمع" كلاهما لا ينصرفان؛ للعلمية والتأنيث، أما عرفة فإنه علم للبقعة المشهورة وفيها تأنيث لفظًا ومعنًا. وأما "جمع" فإنه علم للمزدلفة، وفيها تأنيث معنوي؛ لأنه علم للبقعة فلا ينصرفان، فلا يدخلهما الجرّ والتنوين. فإن قيل: قد دخل الجر في قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} (¬1) فما وجهه؟ ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [198].

قلت: لأن التأنيث فيها إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرة، كما في ساعات، فالتي في لفظها ليست للتأنيث وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث، ولا يصح تقدير التاء فيها؛ لأن اختصاص هذه التاء بالجمع المؤنث مانعة من تقديرها، فحينئذ لم يبق فيها إلا العلمية فلم يمنع من دخول التنوين حينئذ، فافهم. ص: وكذلك كان أصحاب النبي - عليه السلام - من بعده يجمعون بينهما. حدثنا محمد بن النعمان السقطي، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا أبو خيثمة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: "وفدت أنا وسعد بن مالك ونحن نبادر الحج، فكان يجمع بين الظهر والعصر، يقدم من هذه ويؤخر من هذه، ويجمع بين المغرب والعشاء، يقدم من هذه ويؤخر من هذه، حتى قدِمنا مكة شرفها الله تعالى". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد، قال: "صحبت عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في حجة، فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء، ويسفر بصلاة الغداة". وجميع ما ذهبنا إليه في هذا الباب، وكيفية الجمع بين الصلاتين؛ قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. ش: أي كما ذكرنا من أن صورة الجمع بين الصلاتين: هي تأخير الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها، كان أصحاب النبي - عليه السلام - من بعده يجمعون كذلك. وقد أخرج عن اثنين من الصحابة: أحدهما: سعد بن مالك، وهو سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أحد العشرة المبشرين بالجنة.

أخرج عنه بإسناد صحيح، عن محمد بن النعمان السقطي، منسوب إلى السقط، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ البخاري ومسلم، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية الجعفي من أكابر أصحاب أبي حنيفة وممن روى لهم الجماعة، عن عاصم بن سليمان الأحول البصري، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مَلّ النهدي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا عبدة، عن عاصم، عن أبي عثمان قال: "خرجت أنا وسعد إلي مكة، فكان يجمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، يؤخر هذه ويعجل من هذه ويصليهما جميعًا، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء ثم يصليهما جميعًا، حتى قدمنا مكة". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن معمر، عن عاصم، عن أبي عثمان النهدي، قال: اصطحبت أنا وسعد بن أبي وقاص من الكوفة إلى مكة، وخرجنا موافدين، فجعل سعدٌ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، يقدم من هذه قليلًا ويؤخر من هذه قليلًا حتى جئنا مكة". والآخر: عبد الله بن مسعود، أخرج عنه بإسناد صحيح، عن فهد، عن عبد الله ابن محمد بن علي بن نفيل النفيلي الحراني أحد مشايخ البخاري وأبي داود، عن زهير ابن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق ... إلى آخره مقتصرًا على الإسفار بالفجر. قوله: "وفدت" من وَفِدَ يَفِدُ فهو وافدٌ، وأوفدته فَوَفَد، يقال: وَفِدَ فلان على الأمير، أي وَرَدَ رسولًا، فهو وافد، والجمع وَفْدٌ مثل صَاحب وصحْبٌ، وجمع ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 210 رقم 8234). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 549 رقم 4406). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 284 رقم 3249).

الوفد: أوفاد ووفود، والاسم الوفادة، ووافدته أنا إلى الأمير أي أرسلته، وإنما أظهر الضمير المرفوع بقوله: "أنا" ليصبح العطف على وفدت، كما عرف في موضعه. قوله: "ونحن نبادر" من المبادرة وهي المسارعة، والله أعلم بالصواب.

ص: باب: الصلاة الوسطه أي الصلوات هي؟

ص: باب: الصلاة الوسطه أي الصلوات هي؟ ش: أي هذا الباب في بيان الصلاة الوسطى آية صلاة هي من بين الصلوات الخمس؟ والوسطى بضم الواو: تأنيث الأوسط بمعنى الفضلى، وأفعل التفضيل لا يُبْهنَى إلا مما يقبل الزيادة والنقص، وكذا فعل التعجب، فلا يجوز زيد أموت للناس، ولا ما أموت زيد؛ لأنه لا يقبل ذلك، وكون الشيء وسطًا بين شيئين لا يقبل الزيادة والنقصان فلا يجوز أن يبنى أنه أفعل التفضيل، فتعين أن يكون الوسطول بمعنى: الفضلى، والمناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على أحكام الصلاة. ص: حدثنا ربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان: "أن رهطًا من قريش اجتمعوا، فمر بهم زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطي، فقال: هي العصر، فقام رجلان إليه منهم فسألاه، فقال: هي الظهر، ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسالاه، فقال: هي الظهر؛ إن رسول الله - عليه السلام - كان يصلي بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله -عز وجل-: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (¬1). فقال النبي - عليه السلام -: "لينتهين رجال؛ أو لأحرقن بيوتهم". حدثنا فهد، قال: نا عمرو بن مرزوق، قال: نا شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، عن الزبرقان، عن عروة، عن زيد بن ثابت قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهجير -أو قال: بالهاجرة- وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، فنزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (1)؛ لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين". ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [238].

حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمد، نا شعبة، عن عمرو بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: "هي الظهر". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن داود بن الحصين، عن ابن اليربوع المخزومي: "أنه سمع زيد بن ثابت يقول ذلك". حدثنا ابن معبد، قال: ثنا المقرئ، عن حيوة وابن لهيعة، قالا: أنا أبو صخر، أنه سمع يزيد بن عبد الله بن قسيط يقول: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت، يقول: "سمعت أبي يقول ذلك". ش: هذه ستة طرق صحاح عن زيد بن ثابت، غير أن الطريق الأول منقطع؛ لأن الزبرقان بن عمرو بن أمية لم يسمع من زيد بن ثابت ولا من أسامة بن زيد، وقد وثقه ابن حبان وغيره، وخالد بن عبد الرحمن الخراساني وثقه يحيى بن معين، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب روى له الجماعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): عن ابن أبي ذئب، عن الزبرقان: "أن رهطًا من قريش مَرَّ بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين [لهم] (¬2) يسألانه عن الصلاة الوسطي ... " إلى آخره نحوه سواء. والرهط من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين ولا يكون فيهم امرأة، لا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط، وأراهط جمع الجمع، والهجير والهاجرة: اشتداد الحر نصف النهار، والقائلة: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، يقال: قَالَ يَقِيل قيلولة فهو قائل، وقال الجوهري: القائلة هي الظهيرة ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 206 رقم 21840). (¬2) في "الأصل، ك": "له"، والمثبت من "مسند أحمد".

يقال: أتانا عند القائلة، وقد تكون بمعنى القيلولة أيضًا، وهي النوم في الظهيرة، يقال: قال يقيل قيلولة وقيلًا ومقيلًا وهو شاذ. قوله: "لينتهين رجال" أي لينتهين عن تضييع هذه الصلاة التي أمرهم الله -عز وجل- بالمحافظة عليها؛ أو لأحرقن بيوتهم. والأصل في مثل هذا الموضع أن يقدر قبل "أو" مصدر وبعدها "أن" ناصبة للفعل، وهما في تأويل مصدر معطوف بـ "أو" على المقدر قبلها. فتقدير هذا الكلام: ليكونن انتهاء منهم عن تضييع هذه الصلاة؛ أو إحراقٌ مني بيوتهم. الطريق الثاني: عن فهد بن سليمان ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، قال: سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت ... إلى آخره نحوه. وأخرجه البخاري أيضًا في "تاريخه الكبير" (¬2). قوله: "وكانت أثقل الصلوات" لكونه - عليه السلام - كان يصليها في قوة الحر، ثم أبرد بعد ذلك، وأمر بالإبراد. قوله: "لأن قبلها صلاتين" وهما الصبح والعشاء، وهما من وجه الليل، "وبعدها صلاتين" وهما العصر والمغرب، وهما من وجه النهار. الثالث: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمد الأعور المصيصي، عن شعبة ... إلى آخره. الرابع: عن ابن مرزوق ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 112 رقم 411). (¬2) "التاريخ الكبير" (3/ 433).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد ابن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت قال: "الصلاة الوسطي صلاة الظهر". الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى البصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن داود بن الحصين، عن عبد الرحمن بن سعيد بن اليربوع المخزومي، عن زيد بن ثابت. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن مالك، عن داود بن الحصين، عن ابن اليربوع، قال: سمعت زيد بن ثابت قال: "هي الظهر". السادس: عن علي بن معبد بن نوح، وفي بعض النسخ عن إبراهيم بن منقذ العصفري عن عبد الله بن يزيد المقري، عن حيوة بن شريح بن صفوان أبي زرعة المصري، وعبد الله بن لهيعة، كلاهما عن أبي صخر بن زياد الخراط المدني، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط بن أسامة بن عمير الليثي المدني الأعرج عن خارجة بن زيد بن ثابت أحد الفقهاء السبعة، عن أبيه زيد بن ثابت. قوله: "يقول ذلك" أي يقول: إن الصلاة الوسطى هي الظهر. وهذا هو المشهور عن زيد بن ثابت، وقال أبو عمر: وهو أثبت ما روي عنه. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا موسى بن ربيعة، عن الوليد بن أي الوليد، عن عبد الرحمن بن أفلح: "أن نفرًا من أصحابه أرسلوه إلى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يسأله عن الصلاة الوسطي، فقال: اقرأ عليهم السلام وأخبرهم: أنا كنا نتحدث أنها التي في إثر الضحى، قال: فردوني إليه الثانية، فقلت: يقرءون عليك السلام ويقولون لك: بين لنا أي صلاة هي؟ فقال: اقرأ عليهم السلام وأخبرهم: أنا كنا نتحدث أنها الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله - عليه السلام - الكعبة. قال: وقد عرفناها، هي الظهر". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 245 رقم 8617). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 577 رقم 2199).

ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وأخرجه الطبري (¬1): ثنا ابن البرقي [قال: ثنا ابن أبي مريم، قال:] (¬2) أنا نافع بن يزيد، حدثني الوليد بن أبي الوليد، أن سلمة مرة حدثه: "أن نفرًا من قريش أرسلوا إلى عبد الله بن عمر يسألونه عن الصلاة الوسطي، فقال له: هي التي على إثر الضحى، فما زادنا إلا عيًّا، بها فمر بهم عبد الرحمن بن أفلح [مولى عبد الله بن عمر] (2) فارسلوه إليه، فقال: هي التي توجه فيها رسول الله - عليه السلام - إلى القبله". وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬3): من حديث موسى بن ربيعة الجمحي، عن الوليد، عن ابن أفلح: "أن نفرًا من الصحابة أرسلوا إلى ابن عمر ... " فذكره، وقال: لا يروى عن ابن أفلح، عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به موسى. قوله: "أن نفرًا" أي جماعة، وهم رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أنفار. قوله: "أنها" أي كنا نتحدث: أن الصلاة الوسطى هي التي تكون في إثر الضحى، أي عقيب صلاة الضحى. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى ما ذكرنا، فقالوا: هي الظهر، واحتجوا في ذلك بما احتج به زيد بن ثابت، على ما ذكرناه في حديث الربيع، وبما رويناه في ذلك عن ابن عمر. شْ: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الله بن شداد وعروة بن الزبير وأبا حنيفة في رواية؛ فإنهم قالوا: الصلاة الوسطي هي صلاة الظهر، وهو قول أسامة بن زيد وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعائشة - رضي الله عنهم -. ¬

_ (¬1) "تفسير الطبري" (2/ 562). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "تفسير الطبري". (¬3) "المعجم الأوسط" (1/ 83 رقم 240).

وقال الطبري: وهو قول ابن عمر وأبي سعيد الخدري على اختلاف عنهما. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه من أن الصلاة الوسطى هي الظهرة بما احتج به زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه - وما احتج به زيد بن ثابت هو الذي رواه عنه بالطرق الستَّة، وقد ذكرناها. قوله: "وبما رويناه" أي واحتجوا أيضًا بما رويناه عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أما حديث زيد بن ثابت فليس فيه عن النبي - عليه السلام - إلا قوله: "لينتهين أقوام، أو لأحرقن عليهم بيوتهم" وأن النبي - عليه السلام - كان يصلي الظهر بالهجير، ولا يجتمع معه إلا الصف والصفان، فأنزل الله هذه الآية، فاستدل هو بذلك على أنها الظهر؛ فهذا قولٌ من زيد بن ثابت ولم يروه عن النبي، وليس في هذه الآية عندنا دليل على ذلك؛ لأنه قد يجوز أن تكون هذه الآية أنزلت للمحافظة على الصلوات كلها، الوسطى وغيرها، ومن المحافظة عليها حضورها حيث تصلى، فقال لهم النبي - عليه السلام - في الصلاة التي يفرطون في حضورها: "لينتهين أقوام أو لأحرقن عليهم بيوتهم" يريد لينهين أقوام عن تضييع هذه الصلاة التي قد أمرهم الله بالمحافظة عليها، أو لأحرقن عليهم بيوت هم، وليس في شيء من ذلك دليل على الصلاة الوسطي أي صلاة هي منهن. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون فيما ذهبوا إليه، وهم جماعة كثيرة منقولة في مخالفيهم، أولئك القوم مختلفون أيضًا فيما بينهم، على ما يجيء مفصلًا إن شاء الله تعالى. قوله: "فقالوا: أما حديث زيد بن ثابت ... " إلى آخره جواب عما احتج به أولئك القوم، ورد لاستدلالهم؛ فإنه لا يصلح لما ذهبوا إليه، ووجه ذلك ظاهر غني عن البيان، وكذلك أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - ليس فيه دليل عن أن النبي - عليه السلام - على أن الصلاة الوسطي هي الظهر، وإنما هو قول ابن عمر - رضي الله عنه - وإخباره عما كانوا يتحدثون أنها الصلاة التي توجه فيها رسول الله - عليه السلام - إلى الكعبة شرفها الله، ثم العلماء ذكروا في هذا الباب عشرين قولًا:

الأول: أن الصلاة الوسطى هي العصر، وهو قول أبي هريرة وعلي بن أبي طالب وابن عباس وأبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وسمرة بن جندب وأم سلمة - رضي الله عنهم -. وقال ابن حزم: ولا يصح عن عليّ ولا عن عائشة غير هذا أصلًا، وهو قول الحسن البصري والزهري وإبراهيم النخعي وابن سيرين وسعيد بن جبير وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ويونس وقتادة والشافعي وأحمد والضحاك بن مزاحم وعبيد بن تميم وزر بن حبيش ومحمد بن السائب ومقاتل وآخرين، وقال أبو الحسن الماوردي، وهو مذهب جمهور التابعين. وقال أبو عمر: هو قول أكثر أهل الأثر. وقال ابن عطية: عليه جمهور الناس. وقال أبو جعفر الطبري: الصواب من ذلك ما تظاهرت به الأخبار من أنها العصر. وقال أبو عمر: وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب. وقال الترمذي: هو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم. قال الماوردي: هذا مذهب الشافعي؛ لصحة الأحاديث فيه. قلت: هو أيضًا قول داود وابن المنذر. الثاني: أنها المغرب؛ وهو قول قبيصة بن ذؤيب، قال أبو عمر: هذا لا أعلمه قاله غير قبيصة. الثالث: أنها العشاء الآخرة؛ وهو قول الماوردي، وزعم البغوي في "شرح السُّنَّة" أن السلف لم ينقل عن أحد منهم هذا القول، قال: وقد ذكره بعض المتأخرين. الرابع: أنها الصبح، وهو قول جابر بن عبد الله ومعاذ بن جبل وابن عباس -في قول- وابن عمر -في قول- وعطاء بن أبي رباح وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس ومالك بن أنس والشافعي -في قول- وقال أبو عمر: وممن قال: الصلاة الوسطى

صلاة الصبح: عبد الله بن عباس وهو أصح ما روي عنه في ذلك، وهو قول طاوس ومالك وأصحابه. وفي بعض شروح البخاري: وهو قول عمر بن الخطاب وابنه وأبي موسى ومعاذ -فيما ذكره البغوي- وعلي بن أبي طالب، قال أبو عمر: ولم يصح عنه ذلك، وصح عن ابن عباس. الخامس: أنها إحدى الصلوات الخمس ولا تعرف بعينها، روي ذلك عن ابن عمر من طريق صحيح؛ قال نافع: سأل ابن عمر رجلٌ عن الصلاة الوسطي، فقال: هي منهن فحافظوا عليهن كلهن" وبنحوه قال الربيع بن خثيم وزيد بن ثابت -في رواية- وشريح القاضي ونافع. السادس: أنها الخمس؛ إذ هي الوسطي من الدين كما قال - عليه السلام -: "بُني الإِسلام على خمس" (¬1) قالت جماعة هي الوسطى من الخمس، روي ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن غنيم فيما ذكره النقاش، وفي كتاب الحافظ أبي الحسن علي بن الفضل، قيل: ذلك لأنها وسط الإِسلام، أي حياده، وكذلك قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. السابع: أنها هي المحافظة على وقتها مع الصلوات، وفي كتاب "التفسير" لابن أبي حاتم: ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا المحاربي وابن فضيل، عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق أنه قال هي المحافظة على وقتها. الثامن: أنها مواقيتها وشروطها وأركانها، وقال مقاتل بن حيان: الوسطى: مواقيتها ووضوءها وتلاوة القرآن فيها والتكبير والركوع والسجود والتشهد والصلاة على النبي - عليه السلام -، فمن فعل ذلك فقد أتمها وحافظ عليها. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا به محمد بن الفضل، ثنا محمد بن علي بن شقيق، أنا محمد بن مزاحم، عن بكر بن معروف، عنه. ¬

_ (¬1) متفق عليه من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، البخاري (1/ 12 رقم 8)، ومسلم (1/ 45 رقم 16).

وذكر أبو الليث السمرقندي في "تفسيره" عن ابن عباس نحوه. التاسع: أنها الجمعة خاصة حكاه أبو الحسن الماوردي وغيره؛ لما اختصت به دون غيرها، وقال ابن سيده في "المحكم": لأنها أفضل الصلوات، ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ، إلا أن يقوله برواية يسندها إلى رسول الله - عليه السلام -. العاشر: أنها الجمعة يوم الجمعة، وفي سائر الأيام الظهر، حكاه أبو جعفر محمد ابن مقسم في تفسيره. الحادي عشر: أنها صلاتان: الصبح والعشاء، وعزاه ابن مقسم في تفسيره لأبي الدرداء؛ لقوله - عليه السلام -: "لو تعلمون ما في العتمة والصبح ... " الحديث (¬1). الثاني عشر: أنها العصر والصبح، وهو قول أبي بكر المالكي الأبهري. الثالث عشر: أنها الجماعة في جميع الصلاة، حكاه الماوردي. الرابع عشر: أنها الوتر. الخامس عشر: أنها صلاة الضحى. السادس عشر: أنها صلات العيدين. السابع عشر: أنها صلاة عيد الفطر. الثامن عشر: أنها صلاة الخوف. التاسع عشر: أنها صلاة عيد الأضحى. العشرون: أنها المتوسطة بين الطول والقصر. وأصحها العصر؛ للأحاديث الصحيحة، والباقي بعضها ضعيف وبعضها غلط، وفي المراد بالصلاة الوسطى ثلاثة أقوال: أحدها: أنها أوسط الصلوات مقدارًا. ¬

_ (¬1) متفق عليه من حديث أبي هريرة، البخاري (1/ 222 رقم 590)، ومسلم (1/ 325 رقم 437).

والثاني: أنها أوسطها محلًا. والثالث: أنها أفضلها، وأوسط كل شيء أفضله فمن قال الوسطي: الفضلى جاز لكل ذي مذهب أن يدعيه، ومن قال: مقدارًا فهي المغرب؛ لأن أقلها ركعتين وأكثرها أربع. ومن قال: محلاًّ ذكر كل أحد مناسبة يوجه لها. ص: وقد قال قوم: إن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا لم يكن لصلاة الظهر، وإنما كان لصلاة الجمعة. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي - عليه السلام - أنه قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أُحَرِّق على قوم يتخلفون عن الجمعة في بيوتهم". فهذا ابن مسعود يخبر أن قول النبي - عليه السلام - ذلك إنما كان للمتخلفين عن الجمعة، ولم يستدل هو بذلك على أن الجمعة هي الصلاة الوسطي، بل قال بغير ذلك، وأنها العصر، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ش: أراد بالقوم: الحسن البصري، وعوف بن مالك، والنخعي. "أن قول رسول الله - عليه السلام - هذا" أي قوله: "لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم" لم يكن لأجل صلاة الظهر حتى يَسْتَدَلّ به على أنها هي الوسطي، وإنما كان لأجل صلاة الجمعة، وقد بَيَّن ذلك عبد الله بن مسعود في حديثه؛ إذ لو كان لصلاة الظهر لكان استدل به على أن الوسطي هي الظهر، وإنما كان ذلك لأجل المتخلفين عن الجمعة، فحينئذ استدلال أهل المقالة الأولى بهذا الحديث على أن الوسطي هي الظهر غير صحيح، ولا استدلال من يستدل به على أنها هي صلاة الجمعة؛ لأن ابن مسعود لم يستدل بذلك على أنها هي الجمعة، بل قال بخلاف ذلك، حيث قال: إنها العصر، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

وإسناد حديث ابن مسعود صحيح على شرط مسلم، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وأبو الأحوص هو عوف بن مالك بن نضلة الجشمي الكوفي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا الفضل بن دكين، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، سمعته منه عن عبد الله: "أن النبي - عليه السلام - قال لقوم يتخلفون ... " إلى آخره نحوه غير أن في لفظه: "ثم أحرق على رجال". وأخرجه البيهقي أيضًا في "سننه" (¬2): من حديث زهير، عن أبي إسحاق نحوه. ص: وقد وافق ابن مسعود على ما قال من ذلك غيره من التابعين، كما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: زعم حميد وغيره عن الحسن قال: "كانت الصلاة التي أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُحرق على أهلها: صلاة الجمعة". ش: أي قد وافق عبد الله بن مسعود على قوله: إن قول النبي - عليه السلام -: "لينتهين رجال أو لأحرقن عليهم بيوتهم" للمتخلفين عن الجمعة؛ غيره من التابعين، وهو الحسن البصري، فإنه قال: "الصلاة التي أراد رسول الله - عليه السلام - أن يحرق على أهلها: صلاة الجمعة". روى ذلك عنه: حميد بن أبي حميد الطويل. أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن حميد. ص: وقد روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - خلاف ذلك أيضًا: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي - عليه السلام - قال: "والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر رجلًا بحطب فَيَحْطِب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مرماتين حسنتين؛ لشهد العشاء". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 48 رقم 5539). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (3/ 56 رقم 4714).

حدثنا ربيع المؤذن، قالا: أنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، ومالك عن أبي الزناد ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني أبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر وصلاة العشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم آخذ شعلًا من نار، وأحرق على من لم يخرج إلى الصلاة بيته". حدثنا ابن مرزوق، قال: حدثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: أنا عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام -: "أنه أخر عشاء الآخرة حتى كان ثلث الليل -أو قربه- ثم جاء وفي الناس رُقَّد وهم عِزُون، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: لو أن رجلًا ندب الناس إلى عِرق أو مِرْمَاتين لأجابوا له، وهم يتخلفون عن هذه الصلاة، لهممت أن أمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أتخلف على أهل هذه الدورة الذين يتخلفون عن هذه الصلاة فأضرمها عليهم بالنيران". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم ... فذكر مثله بإسناده. قال أبو جعفر -رحمه الله -: فهذا أبو هريرة - رضي الله عنه - يخبر أن الصلاة التي قال فيها النبي - عليه السلام - هذا القول هي العشاء، ولم يدل ذلك على أنها الصلاة الوسطي، بل قد روى هو عن النبي - عليه السلام - ذلك مما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. ش: أي وقد روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - خلاف ما روي عن ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود أخبر أن قول النبي - عليه السلام -: "لينتهين رجال، أو لأحرقن بيوتهم" إنما هو لأجل الجمعة؛ قال: وأبو هريرة ذكر أن ذلك إنما هو لأجل صلاة العشاء، ولم يدل ذلك على أنها هي الصلاة الوسطى؛ فحينئذ استدلال أهل المقالة الأولى بهذا الحديث على أن الصلاة الوسطى هي الظهر غير تام، على أن أبا هريرة - رضي الله عنه - روى عن النبي - عليه السلام - خلاف هذا أيضًا، على ما يجيء إن شاء الله تعالى.

ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة عن خمس طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (¬1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ومسلم (¬2): عن عمرو الناقد، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - فقد ناسًا في بعض الصلوات، فقال: لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها، يعني صلاة العشاء". وأبو داود (¬3): عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم انطلق يعني برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". وابن ماجه (¬4): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، نحو رواية أبي داود. قوله: "لقد هممت" أي قصدت. وقوله: "أن آمر" مفعول "لهممت" و"أن" مصدرية. وقوله: "ثم أمر" منصوب عطفًا على "أن آمر" الأول، وكذلك ثم آمر الثالث. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 231 رقم 618). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 451 رقم 651). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 150 رقم 548). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 259 رقم 791).

قوله: "ثم أُخالف" أي آتيهم من خلفهم، أو أخالف ما أظهرت من إقامة الصلاة وأرجع إليهم وآخذهم على غفلة، أو يكون بمعنى: أتخلف عن الصلاة بمعاقبتهم، أو أخالف ظنهم بي في الصلاة بقصدي إليهم. قوله: "فأحرق" من التحريق أو من الإحراق، وفي الأول من المبالغة ما ليس من الثاني. قوله: "عظمًا سمينًا" يريد بضعة اللحم السمين على عظمه، ضربه رسول الله - عليه السلام - مثلًا في التفاهة، كما قال -عز وجل-: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} (¬1) يريد الشيء الكثير ولم يرد القنطار بعينه {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} (1) يريد الشيء الحقير ولم يرد الدينار بعينه. قوله: "أو مِرْمَاتين" يروى بكسر الميم وفتحها، وميمها زائدة، وهي تثنية مرماة، وهي ظلف الشاة. وقيل: ما بين ظلفيها، وقيل: المرماة بالكسر: السهم الصغير الذي يتُعلم به الرمي، وهو أحقر السهام وأرذلها، أي لو دعي إلى أن يعطى سهمين من هذه السهام لأسرع الإجابة. وقال الزمخشري: هذا ليس بوجيه، ويدفعه قوله في الرواية الأخرى: "لو دعى إلى مرماتين أو عرق". وقال أبو عبيد: هذا حرف لا أدري ما وجهه، إلا أنه هكذا يفسر بما بين ظلفي الشاة، يريد به حقارته. ويقال: المرماتان: حديدتان من حدايد كانوا بها وهي ملس كالأسنة، كانوا يثبتونها في الأكوام والأغراض. قوله: "حسنتين" صفة للمرماتين من الحسن والجودة، وإنما وصفهما بالحسن لأنه عطفهما على العظم السمين، ويروى: "جَشِبَتَيْن" بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة وفتح الموحدة، والجَشِب: الغليظ، وفي الحديث: "أنه - عليه السلام - كان يأكل الجَشِب". أي الغليظ الخشن من الطعام، وقيل غير المأدوم، وكل بَشع الطَّعم جشب ويروى خشبتين بفتح الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة، والخَشِبْ اليابس من الخَشَب، بفتحتين. ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [75].

ويستنبط منه أحكام: الأول: استدل به عطاء والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وابن خزيمة وداود: أن الجماعة فرض، وفي "شرح المهذب": قيل: إنه قول الشافعي. وعن أحمد: واجبة وليست بشرط، وقالت الجمهور: ليست بفرض عين، واختلفوا هل هي سُنَّة أم فرض كفاية؟ والمختار عند الشافعي أنها فرض كفاية، وعند عامة مشايخنا واجبة، وقد قال بعض أصحابنا: سنة مؤكدة، وهو قول القدوري أيضًا، وفي "المفيد": الجماعة واجبة، وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة، وفي "شرح خواهر زاده" هي سُنَّة مؤكدة غاية التأكيد. وقيل: فرض كفاية، وهو اختيار الطحاوي والكرخي وغيرهما، وهو قول الشافعي المختار. وقيل: سُنَّه، وفي "الجواهر": عن مالك: سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية. والجواب عن الحديث من وجوه: - الأول: أن هذا في المنافقين ويشهد له قوله: "لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا ... " إلى آخره، وهذه ليست صفة المؤمن لا سيما أكابر المؤمنين وهم الصحابة - رضي الله عنهم - وإذا كان في المنافقين كان التحريق للنفاق لا لترك الجماعة؛ فلا يتم الدليل. - الثاني: أنه - عليه السلام - همّ ولم يفعل. - والثالث: أنه - عليه السلام - لم يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته غير مجزئة؛ وهو موضع البيان. الثاني: فيه دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة مالية، وأجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغالّ من الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما. الثالث: فيه دليل على قتل تارك الصلاة متهاونًا، قاله عياض. قلت: يرد هذا قوله - عليه السلام -: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ... ". الحديث، والحديث محمول على التهديد والتشديد.

الرابع: فيه الإعذار قبل العقوبة بالتهديد بالقول والوعيد. الخامس: فيه جواز أخذ أهل الجنايات والجرائم على غرة والمخالفة إلى منازلهم وبيوتهم. السادس: فيه معرفة يمين رسول الله - عليه السلام -، وأنه كان يخلف على ما يريد بالله، في ذلك رد على قول من يقول: لا يحلف بالله صادقًا ولا كاذبًا، وفي قوله - عليه السلام -: "من كان حالفا فليحلف بالله" كفاية. السابع: أن الصلوات يؤذن لها. الثامن: فيه إجازة إمامة المفضول بحضور الفاضل. التاسع: فيه إباحة عقوبة من تأخر عن شهود الجماعة بغير عذر. العاشر: أن هذه الصلاة التي همّ بتحريقهم للتخلف عنها هي صلاة العشاء؛ ولذلك ذكره الطحاوي ها هنا، وفي رواية: أنها الجمعة، وقد مَرَّ ذكرها، وفي رواية: أنها الصلاة الفرض مطلقًا، والكل له وجه، ولا منافاة بينها والله أعلم. الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وعن مالك كلاهما، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وأخرجه مالك في "موطإه" (¬1): عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مِرْمَاتين حسنتين؛ لشهد العشاء". الثالث: عن فهد بن سليمان الكوفي، عن عمرو بن حفص الكوفي ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 451 رقم 651).

شيخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قاضيها، أحد أصحاب أبي حنيفة، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة، والكل رجال الصحيح ما خلا فهدًا. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب -واللفظ لهما- قالا: أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق -يعني برجال معهم حزم من حطب- إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". قوله: "على المنافقين" وهم الذين كانوا يُظْهِرون الإِسلام ويُبْطِنون الكفر، ويظهرون المحبة لرسول الله - عليه السلام - وفي قلوبهم بغض وعداوة، وقد قيل: إن هذا في حق المؤمنين، ولكن ذكر بهذه العبارة تغليظًا وتشديدًا في التهديد وهذا لا يصح؛ لأنه من المعلوم من حال الصحابة عدم التخلف عنه - عليه السلام - ويشهد على ذلك أنه ورد في بعض الأحاديث "ثم أحرق بيوتًا على من فيها". قوله: "ولو حبوا" نصب بفعل محذوف تقديره: ولو كانوا يحبون حبوًا، والحبو: أن يمشي على يديه وركبتيه أو إسته وحبا البعير: إذا برك أو أبرك ثم زحف من الإعياء، وحبا الصبيّ إذا زحف على إسته. قوله: "شعلا" جمع شعلة النار. قوله: "بيته" مفعول لقوله أحرق. الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة هو ابن أبي النجود الأسدي الكوفي أبو بكر المقرئ أحد مشايخ أبي حنيفة، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي هريرة. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 451 رقم 651).

وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - أخر عشاء الآخرة ... ". آخره نحو رواية الطحاوي سواء. قوله: "أو قربه" بالرفع، عطف على قوله: "ثلث الليل" أي أو قرب ثلث الليل. قوله: "رُقَّدٌ" بضم الراء وفتح القاف المشددة: جمع راقد، كالركَّع جمع راكع، والسُّجَّد جمع ساجد. قوله: "وهم عزون" أي متفرقون، وهو جمع عزة وهي الحلقة المجتمعة من الناس وأصلها عزوة في الواو، وجمعت جمع السلامة على غير قياس في جمع. قوله: "ندب الناس" أي دعاهم. قوله: "إلى عَرْق" بفتح العين وسكون الراء المهملتين، وهو العظم الذي أخذ عنه معظم اللحم، وجمعه عَراق، وهو جمع نادر، يقال: عرقت العظم واعترقته وتعرقته إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك. قوله: "ثم أتخلف" أي آتيهم من خلفهم آخذهم على غفلة وغزة. قوله: "يتخلفون عن هذه الصلاة" أي يتركون الحضور إليها، على معنى أنهم يجعلونها [خلفهم] (¬2). قوله: "فأضرمها" من أضرمت النار إذا أوقتدها وهو بنصب الميم عطفًا على ثم أتخلف فافهم. الخامس: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي شيخ البخاري، عن أبي بكر بن أبي عياش الأسدي الكوفي المقرئ، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 416 رقم 9372). (¬2) في "الأصل": "خلفها".

وأخرجه أحمد في "مسند" (¬1): ثنا أسود بن عامر، نا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "جاء رسول الله - عليه السلام - إلى المسجد، فرآهم عزين متفرقين، قال: فغضب غضبًا شديدا ما رأيناه غضب غضبًا أشد منه، قال: والله لقد هممت أن آمر رجلًا يؤم الناس، ثم أتتبع هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة في دورهم فأحرقها عليهم". ص: وقد وافق أبا هريرة من التابعين على ما قال من ذلك سعيد بن المسيب - رضي الله عنه -. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد، قال: أنا عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - قال: "كانت الصلاة التي أراد النبي - عليه السلام - أن يحرق على من تخلف عنها: صلاة العشاء الآخرة". ش: وافق أبا هريرة سعيد بن المسيب في إخباره أن الصلاة التي قال فيها النبي - عليه السلام -: "ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم" الحديث. هي الصلاة العشاء، ورواة هذا الأثر ثقات. فإبراهيم بن مرزوق وثقه الدارقطني، وعفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد روى الجماعة، وحماد بن سلمة روى له مسلم والأربعة، وعطاء الخراساني روى له الجماعة إلا البخاري، وسعيد بن المسيب من سادات التابعين وأكابرهم. ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله خلاف ذلك كله وأن ذلك القول لم يكن من النبي - عليه السلام - لحال الصلاة، وإنما كان لحال أخرى. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا عبد الله بن لهيعة، قال: ثنا أبو الزبير قال: "سألت جابرًا - رضي الله عنه - أقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لولا شيء لأمرت رجلًا يصلي بالناس ثم لحرقت بيوتًا على ما فيها؟ قال جابر - رضي الله عنه -: إنما قال ذلك من أجل رجل بلغه عنه شيء، فقال: لئن لم ينته لأحرقن عليه بيته على ما فيه". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 377 رقم 8890).

فهذا جابر - رضي الله عنه - يخبر أن ذلك القول من النبي - عليه السلام - إنما كان للمتخلف عما لا ينبغي التخلف [عنه] (¬1) فليس في هذا ولا شيء مما تقدمه الدليل على الصلاة الوسطى ما هي. قال أبو جعفر -رحمه الله -: فلما انتفى بما (ذكره) (¬2) أن يكون فيما روينا عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - في شيء من ذلك دليل؛ رجعنا إلى ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - فإذا ليس فيه حكايته عن النبي - عليه السلام -، وإنما هو من قوله؛ لأنه قال: "هي الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة". ش: أي خلاف ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - من أن حديث التحريق لأجل الجمعة، وخلاف ما روي عن أبي هريرة من أنه لأجل صلاة العشاء الآخرة، بيان ذلك: أن جابرًا - رضي الله عنه - سئل عن حديث التحريق، فقال: لم يكن ذلك من النبي - عليه السلام - لأجل حال الصلاة، وإنما كان ذلك لأجل رجل بلغ النبي - عليه السلام - عنه شيء أوجب ذلك، فحينئذ لم يكن فيما روي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - الذي مضى ذكره في أول الباب دليل على كون الصلاة الوسطى ما هي؟ فإذا كان كذلك يُرجع إلى ما روي عن عبد الله بن عمر وهو قوله: "إنا كنا نتحدث أنها الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله - عليه السلام - إلى الكعبة"، وهو أيضًا لا يدل على شيء من ذلك؛ لأنه ليس فيه حكايته عن النبي - عليه السلام -، وإنما هو إخبار عن قوله؛ لأنه قال من قوله: "إنها الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله - عليه السلام - إلى الكعبة" فحينئذ لم يتم الدليل على مُدَّعي من يَدَّعِي أن الصلاة الوسطي هي الظهر. مُحْتَجًّا بما روي عن زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم -. ورجال حديث جابر ثقات، غير أن في عبد الله بن لهيعة مقالًا، على أن أحمد قد وثقه ومال إليه الطحاوي أيضًا، وأبو الزبير اسمه محمد بن مسلم المكي. وهذا قد أخرجه أسد السنة في "مسنده". ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "عليه"، والمثبت من "شرح معاني الآثار". (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "شرح معاني الآثار": "ذكرناه".

قوله: "أقال" الهمزة فيه للاستفهام، و"اللام" في "لأمرت" للتأكيد فلذلك مفتوحة، وكذا في قوله: "لحرقت" وهو بتشديد الراء، من التحريق، وقوله: "لأحرقن" بضم الهمزة من الإحراق وبنون التأكيد الثقيلة. ص: وقد روي عنه من غير هذا الوجه خلاف ذلك. حدثنا محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان، جميعًا قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني ليث بن سعد. ح وحدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ليث بن سعد، قال: حدثني ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: "الصلاة الوسطى صلاة العصر". قال أبو جعفر -رحمه الله- فلما تضاد ما روي في ذلك عن ابن عمر؛ دلّ هذا أنه لم يكن عنده فيه شيء عن النبي - عليه السلام -، فرجعنا إلى ما روي عن غيره، فإذا أبو بكرة بكار بن قتيبة قد حدثنا، قال: ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن عوف، عن أبي رجاء قال: "صليت خلف ابن عباس - رضي الله عنهما - الغداة، فقنت قبل الركوع، وقال: هذه الصلاة الوسطى". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا قرة، قال: ثنا أبو رجاء، عن ابن عباس قال: "هي صلاة الصبح". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، عن همام، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا، سعيد بن كثير بن عفير، قال: ثنا داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عبد [الله بن] (¬1) المبارك، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: "صليت خلف أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

صلاة الصبح، فقال رجل إلى جنبي من أصحاب النبي - عليه السلام -: هذه الصلاة الوسطى". قال أبو جعفر: فكأن ما ذهب إليه ابن عباس من هذا: قول الله -عز وجل-: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬1) فكان ذلك القنوت عنده هو [قنوت] (¬2) الصبح، فجعل بذلك الصلاة الوسطي هي الصلاة التي فيها القنوت عنده. ش: أي قد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - من غير الوجه المذكور، خلاف ما روي عنه من أن الصلاة الوسطي هي الظهر. حاصل الكلام: أنه روي عنه فيما مفأن الصلاة الوسطي هي الظهر؛ لقوله: "كنا نتحدث أنها الصلاة التي وُجِّه فيها رسول الله - عليه السلام - إلى الكعبة". وروي عنه أيضًا أنه قال: "صلاة الوسطي صلاة العصر" وأخرج ذلك من طريقين صحيحين: أحدهما: عن محمد بن خزيمة بن راشد وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن ليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -. وأخرجه الطبري في "تفسيره" (¬3): ثنا محمد بن عبد الحكم، ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "أنه كان يرى لصلاة العصر فضيلة؛ للذي قاله رسول الله - عليه السلام - فيها، ويرى أنها الصلاة الوسطي". ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [238]. (¬2) في "الأصل، ك": "وقت"، والمثبت من "شرح معاني الآثار". (¬3) "تفسير الطبري" (2/ 555).

والآخر: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن يوسف التنيسي أحد مشايخ البخاري، عن ليث بن سعد ... إلى آخره. وهذا كما قد رأيت قد تضادت روايتا ابن عمر - رضي الله عنهما - في الصلاة الوسطي، فدل ذلك على أنه لم يكن عنده شيء في أمر الصلاة الوسطي عن النبي - عليه السلام -، فحينئذ يتعين الرجوع إلى ما روي عن غيره، فنظرنا في ذلك، فوجدنا روي عن ابن عباس وعن رجال من الصحابة - رضي الله عنهم - أن الصلاة الوسطي هي صلاة الصبح. وأخرج ذلك عن ابن عباس عن أربع طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري وغيره، عن عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي، عن أبي رجاء عمران بن ملحان العطاردي، وقد أدرك أبو رجاء زمن النبي - عليه السلام - ولم يره، وأسلم بعد الفتح وأتى عليه مائة وعشرون سنة أو أكثر، وروى له الجماعة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1) من حديث عوف وأبي الأشهب، عن أبي رجاء العطاردي قال: "صلى بنا ابن عباس الصبح وهو أمير على البصرة، فقنت قبل الركوع، ورفع يديه حتى لو أن رجلًا بين يديه لرأى بياض إبطيه، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: هذه الصلاة التي ذكرها الله في كتابه {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬2) ". وأخرجه الطبري (¬3) أيضًا نحوه. الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن قرة بن خالد السدوسي، عن أبي رجاء عمران بن ملحان، عن ابن عباس ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 461 رقم 2005). (¬2) سورة البقرة، آية: [238]. (¬3) "تفسير الطبري" (2/ 565).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن قرة، قال: ثنا أبو رجاء، قال: "صليت مع ابن عباس الصبح في مسجد البصرة، فقال: هذه الصلاة الوسطي". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن همام بن يحيى، عن قتادة بن دعامة، عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم الضبعي، عن جابر ابن زيد الأزدي اليحمدي أبي الشعثاء، عن ابن عباس. وأخرجه الطبري (¬2): من حديث صالح أبي الخليل، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس أنه قال: "صلاة الوسطي صلاة الفجر". الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري، عن داود بن عبد الرحمن العطار أبي سليمان، عن عمرو بن دينار المكي، عن مجاهد بن جبير المكي، عن ابن عباس ... إلى آخره. وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: الرواية عن ابن عباس في أن الصلاة الوسطى هي صلاة الفجر صحيحة وإن كان روي عنه أيضًا أنها صلاة العصر. وأخرج عن رجل من الصحابة من طريق صحيح عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الله بن المبارك، عن الربيع بن أنس البكري البصري ثم الخراساني، عن أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي قال: "صليت خلف أبي موسى الأشعري" واسمه عبد الله بن قيس. وأخرجه الطبري (¬3): من حديث أبي العالية بطريق صحيح قال: "صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلاة الغداة، فقلت لرجل من الصحابة إلى جنبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 246 رقم 8672). (¬2) "تفسير الطبري" (2/ 564). (¬3) "تفسير الطبري" (2/ 565).

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: "صلينا مع بعض أصحاب النبي - عليه السلام - صلاة الغداة، فلما فرغنا قلت: أي صلاة صلاة الوسطى؟ قال: التي صليت الآن". قوله: "فجعل بذلك" أي جعل ابن عباس بكون القنوت في قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬2) هو قنوت الصبح، والصلاة الوسطول هي الصلاة التي فيها القنوت عنده. ص: وقد خولف ابن عباس في هذه الآية فيم نزلت؟ فحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬3) فأمرنا بالسكوت. حدثنا حسين بن نصر، قال سمعت يزيد بن هارون ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن سفيان في هذه الآية: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (3) فذكر عن منصور، عن مجاهد قال: كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية، فالقنوت: السكوت، والقنوت: الطاعة". حدثنا أبو بشر، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن الليث بن أبي سليم، عن مجاهد "في هذه الآية: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (2) قال: من القنوت الركوع والسجود، وخفض الجناح، وغض البصر من رهبة الله -عز وجل-". حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا محمد بن طلحة، عن ابن عون، عن عامر الشعبي قال: "لو كان القنوت كما تقولون لم يكن للنبي - عليه السلام - منه شيء، إنما القنوت الطاعة، يعني {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} (3) ". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 579 رقم 2208). (¬2) سورة البقرة، آية: [238]. (¬3) سورة الأحزاب، آية: [21].

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو الأشهب، قال: سألت جابر بن زيد عن القنوت، فقال: الصلوات كلها قنوت، أما الذي تصنعون، فما أدري ما هو؟ ". قال أبو جعفر -رحمه الله -: فهذا زيد بن أرقم ومن ذكرنا معه يخبرون أن ذلك القنوت الذي أمروا به في هذه الآية هو السكوت عن الكلام الذي كانوا يتكلمون به فيالصلاة، فخرج بذلك أن يكون في هذه الآية دليل على أن القنوت المذكور فيها هو القنوت المفعول في صلاة الصبح، وقد أنكر قوم أن يكون ابن عباس - رضي الله عنهما - كان يقنت في صلاة الصبح، وقد روينا ذلك بأسانيده في باب: القنوت في صلاة الصبح، فلو كان هذا القنوت المذكور في هذه الآية هو القنوت في صلاة الصبح إذًا لما تركه؛ إذْ كان قد أمر به الكتاب. ش: المخالفون لابن عباس في سبب نزول هذه الآية: زيد بن أرقم من الصحابة، ومجاهد بن جبر والشعبي وجابر بن زيد من التابعين، فإنهم أخبروا أن القنوت المذكور في قوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬1) بصورة الأمر هو السكوت عن الكلام في الصلاة؛ لأنهم كانوا يتكلمون فيها، فدل ذلك أن القنوت المذكور في الآية ليس هو القنوت الذي كان يُفعل في صلاة الصبح فلا يُسمى حينئذٍ بسبب ذلك صلاة الصبح الصلاة الوسطى"، على أن ما روي عن ابن عباس من "أنه قنت في صلاة الصبح، وقال: هذه الصلاة الوسطى، أشار إليه بقوله: "وقد أنكر قوم أن يكون ابن عباس كان يقنت في صلاة الصبح" وأراد بالقوم هؤلاء: عمرو بن ميمون والأسود وسعيد بن جبير وعمران بن الحارث ومجاهد بن جبر، فإنهم قالوا: لم يقنت ابن عباس في الفجر. قال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (1): ثنا وكيع قال: ثنا سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليدة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم -: "أنهما كانا لا يقنتان في الفجر". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 102 رقم 6970).

حدثنا (¬1) هشيم قال: أنا حصين، عن عمران بن الحارث، قال: "صليت مع ابن عباس في داره صلاة الصبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده". حدثنا (¬2) حسين بن علي، عن زائدة، عن منصور، قال: حدثني مجاهد وسعيد ابن جبير: "أن ابن عباس كان لا يقنت في صلاة الفجر وهو إمام". وقال ابن حزم في "المحلى" (¬3): وروينا عن ابن عباس أنه لم يقنت. قوله: "وقد روينا ذلك" أي إنكار قوم أن يكون ابن عباس كان يقنت في الصبح، وسيأتي بيانه في باب: الوتر، إن شاء الله تعالى. قوله: "إذًا لما تركه" جواب قوله: "فلو كان هذا القنوت". قوله: "إذْ كان" تعليل لما قبله، يعني لأن الكتاب قد أمر بالقنوت، وهو قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬4) ولو كان هذا القنوت هو القنوت المفعول في الصبح، لما جاز لابن عباس أن يتركه؛ لأنه أمر الكتاب على هذا التقدير. أما أثر زيد بن أرقم: فقد أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن إسماعيل بن أبي خالد -واسم أبي خالد هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير- عن الحارث بن شبيل بن عوف الأحمسي البجلي الكوفي، عن أبي عمرو إسحاق بن مرار النحوي اللغوي الشيباني الكوفي. وهؤلاء كلهم من رجال الصحيحين ما خلا علي بن شيبة. وأخرجه البخاري (¬5): ثنا إبراهيم بن موسى، أبنا عيسى، عن إسماعيل، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، قال: "قال لي زيد بن أرقم: إن كنا ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 102 رقم 6976). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 103 رقم 6994). (¬3) "المحلى" (4/ 142). (¬4) سورة البقرة، آية: [238]. (¬5) "صحيح البخاري" (1/ 402 رقم 1142).

لنتكلم في الصلاة على عهد النبي - عليه السلام -، فيكلم أحدنا صاحبه لحاجته حتى نزلت {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬1) فأمرنا بالسكوت". ومسلم (¬2): ثنا بحر بن يحيى، قال: أنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: "كُنَّا نتكلم في الصلاة؛ يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة؛ حتى نزلت {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (2) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام". وأبو داود (¬3): محمد بن عيسى، نا هشيم ... إلى آخره نحوه. والترمذي (¬4): ثنا أحمد بن منيع، ثنا هشيم ... إلى آخره، ولفظه: "كنا نتكلم خلف رسول الله - عليه السلام - في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه لحاجته حتى نزلت {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (2) فأمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام". والنسائي (¬5): أنا إسماعيل بن مسعود، ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثني الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: "كان الرجل يكلم صاحبه في الصلاة بالحاجة على عهد رسول الله - عليه السلام -؛ حتى نزلت هذه الآية {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬6) فأمرنا بالسكوت". الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث، عن أبي عمرو، عن زيد بن أرقم. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [238]. (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 383 رقم 539). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 249 رقم 949). (¬4) "جامع الترمذي" (2/ 256 رقم 405). (¬5) "المجتبى" (3/ 18 رقم 1219). (¬6) سورة البقرة، آية: [238].

وأخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (¬1): أنا يزيد بن هارون، أبنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: "كان يكلم أحدنا صاحبه في الصلاة في الحاجة؛ حتى نزلت {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬2) فأمرنا بالسكوت". قوله: "حتى نزلت" مشعر بالتصريح على النسخ، وأن المراد بالقنوت: السكوت؛ لأن حتى للغاية والفاء التي في قوله: "فأمرنا" مشعر بتعليل ما سبق. قوله: "حافظوا" أي واظبوا وداوموا. قوله: "قانتين" نصب على الحال من الضمير الذي في "وَقُومُوا" من القنوت، وهو السكوت ها هنا، ويرد القنوت لمعاني كثيرة: للطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام. ويستفاد منه: أن المصلي يحرم عليه الكلام في الصلاة، وأما ما لا يسمى كلامًا فمن أراد إلحاقه به كان ذلك بطريق القياس، وأجمع العلماء على أن الكلام في الصلاة عامدًا عالمًا بتحريمه لغير مصلحتها ولغير إنقاذ هالك وشبهه؛ مبطلٌ للصلاة. وأما الكلام لمصلحتها فقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد: يبطل الصلاة، وجوزه الأوزاعي وبعض أصحاب مالك وطائفة قليلة، واعتبر الشافعية ظهور حرفين وإن لم يكونا مُفْهِمَيْن، ثم السلام كالكلام عند أبي حنيفة، حتى إذا سُلِّم عليه وهو في الصلاة لا يرد بلفظ ولا بإشارة، وبه قال عطاء والنخعي والثوري، ولكن قالوا: يرده بعد السلام فإن ردّه بلسانه بطلت صلاته عند أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور، وهو مروي عن أبي ذرٍّ وعطاء والنخعي والثوري، وعن أبي حنيفة يرده في نفسه، وعند محمد بعد السلام، وقال أبو يوسف: لا في الحال ولا بعد الفراغ. ¬

_ (¬1) "مسند عبد بن حميد" (1/ 113 رقم 260). (¬2) سورة البقرة، آية: [238].

وقال عياض: قال جماعة من العلماء: يردّ السلام في الصلاة نطقًا، منهم: أبو هريرة وجابر وسعيد بن المسيب والحسن وقتادة وإسحاق، وقال عمر بن عبد العزيز ومالك وجماعة: يرد إشارةً لا نطقًا. وعند الشافعي أنه لا يُسلَّم على المصلي، فإن سُلِّم عليه لم يستحق جوابًا. وعن مالك روايتان: كراهة السلام، والثانية جوازه. فإن قيل: متى كان هذا النسخ؟ قلت: قال ابن حبان: توهم من لم يُحْكم صناعة العلم بأن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة؛ لحديث زيد بن أرقم، وليس كذلك؛ لأن الكلام في الصلاة كان مباحًا إلى أن رجع ابن مسعود من عند النجاشي فوجدوا الإباحة قد نسخت، وكان بالمدينة مصعب بن عمير يُقرئ المسلمين، وكان الكلام بالمدينة مباحًا كما كان بمكة شرفها الله تعالى، فلما نسخ ذلك بمكة تركه الناس بالمدينة، فحكى زيد ذلك الفعل؛ لا أن نسخ الكلام كان بالمدينة". وهو لَعَمْرِي كلام جيد لولا ما في كتاب الترمذي (¬1): عن زيد كنا نتكلم خلف النبي - عليه السلام - يكلم الرجل منَّا صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت ... " وأهل العلم كلهم يقولون: إن سورة البقرة مدنية خصوصًا هذه الآية. وقال الخطابي: نسخ الكلام كان بعد الهجرة بمدة يسيرة وحَمَلَ بعضهم على هذا حديث ابن مسعود على مجيئه في المرة الثانية من الحبشة لا الأولى، وحمل بعضهم حديث زيد على أنه إخبار عن الصحابة المتقدمين كما يقول القائل: قتلناكم وهزمناكم يعنون الآباء والأجداد وردَّ كلام الخطابي بتعذر التاريخ وليس جيدًا؛ لأن في حديث جابر المخرج عند مسلم (¬2): بعثني رسول الله - عليه السلام - في حاجة، ثم أدركته ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 256 رقم 405). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 383 رقم 539).

وهو يصلي فسلمت عليه، فأشار إليَّ، فلما فرغ قال: لِمَ سلمت آنفًا وأنا أصلي؟ فهذا الذي منعني أن أكلمك". وأخرجه أيضًا الأربعة (¬1) وفي لفظ (¬2): "كان ذلك وهو منطلق إلى بني المصطلق". فهذا فيه بيان ما أشكل على من ردَّ كلام الخطابي، وردّ أيضًا لما قاله ابن حبان. فافهم، وسيجيء مزيد الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما أثر مجاهد: فقد أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد قال: "كانوا يتكلمون في الصلاة، ويكلم الرجل أخاه، حتى نزلت هذه الآية: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬4) فقطعوا الكلام، قال: القنوت السكوت، والقنوت: الطاعة".انتهى. وقال ابن الأنباري: القنوت على أربعة أقسام: الصلاة، وطول القيام، وإقامة الطاعة، والسكوت". وقال الجوهري: القنوت الطاعة. وهذا هو الأصل ومنه قوله تعالى: {وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} (¬5) ثم سُمي القيام في الصلاة قنوتًا، وفي الحديث "أفضل الصلاة طول القنوت" (¬6) ومنه قنوت الوتر. ¬

_ (¬1) أبو داود في "سننه" (1/ 313 رقم 949)، والترمذي في "جامعه" (5/ 218 رقم 2986)، والنسائي في "المجتبى" (3/ 18 رقم 1219). (¬2) رواه مسلم في "صحيحه" (1/ 383 رقم 540). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 331 رقم 3574). (¬4) سورة البقرة، آية: [238]. (¬5) سورة الأحزاب، آية: [35]. (¬6) أخرجه مسلم (1/ 520 رقم 756) من حديث جابر - رضي الله عنه -.

الثاني: عن أبي بشر الرقي أيضًا، عن شجاع بن الوليد أبي، عن الليث بن أبي سليم أحد مشايخ أبي حنيفة، عن مجاهد. وأخرجه أبو موسى بن أبي بكر الحافظ: عن إسماعيل بن الفضل، عن منصور بن الحسن، عن محمد بن إبراهيم بن المقرئ ... بإسناده إلى مجاهد نحوه، وهو إسناد جيد. قوله: "خفض الجناح" الخفض ضد الرفع، وأراد به ها هنا السكون والقرار وعدم الالتفات. قوله: "من رهبة الله" أي من خوفه. وأما أثر الشعبي: فأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن يونس بن عبد الله شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن محمد بن طلحة بن مصرف اليامي، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، عن عامر بن شراحيل الشعبي - رضي الله عنه -. وأما أثر جابر بن زيد الأزدي أبي الشعثاء: فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن أبي الأشهب جعفر بن حيان العطاردي قال: "سألت جابر بن زيد ... " إلى آخره. ص: وقد روي عن ابن عباس أن الذي ذُهب إليه في ذلك معنى آخر: حدثنا أحمد بن أبي عمران، قال: ثنا خالد بن خداش المهلبي، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ثور بن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الصلاة الوسطي هي الصبح، تصلى بين سواد الليل وبياض النهار". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا ابن عباس قد أخبر في هذا الحديث أن الذي جعل صلاة الغداة به هي الصلاة الوسطي هذه العلة. ش: أراد أنه روي في الذي ذهب إليه ابن عباس في علة تسمية صلاة الصبح بالصلاة الوسطى، يعني غير المعنى الذي ذكره فيما مضى وهو كون القنوت عنده هو

قنوت الصبح، وأنه هو العلة في تسمية صلاة الصبح الصلاة الوسطي، وهو الذي رواه عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي شيخ الأصحاب في وقته، عن خالد بن خِداش -بكسر الخاء المعجمة، وبالدال المهملة- ابن عجلان الأزدي المهلبي البصري أحد مشايخ مسلم، عن الدراوردي، عن ثور بن يزيد الكلاعي الشامي الحمصي، عن عكرمة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق: عن إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز ابن محمَّد، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: "الصلاة الوسطى صلاة الصبح، تصلى في سواد الليل وبياض من النهار، وهي أكثر الصلوات تفوت من الناس" انتهى. فقد أخبر ابن عباس في هذا أن سبب تسمية صلاة الصبح بالصلاة الوسطى هو كونها تصلى بين سواد الليل وبياض النهار، على معنى أن المغرب والعشاء تصليان في سواد الليل، والظهر والعصر يصليان في بياض النهار، ويصلى الصبح بين ذلك السواد وذلك البياض، فتكون وسطى بهذا الاعتبار، وقد جعل بعضهم العلة في كونها وسطى بكونها منفردة بوقتها لا يشاركها غيرها في الوقت، قاله إسماعيل، وزاد غيره أنها لا يجمع معها غيرها في سفر ولا حضر، وأن رسول الله - عليه السلام - لم يضمها إلى غيرها في وقت واحدٍ. ص: وقد يحتمل أيضًا أن يكون قول الله -عز وجل-: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أراد به: في صلاة الصبح، ويكون ذلك القنوت هو طول القيام، كما قال - صلى الله عليه وسلم - لما سئل: "أي الصلاة أفضل؟ " قال: "طول القنوت" وقد ذكرنا ذلك بأسانيده في موضعه من كتابنا هذا. وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أيضًا أنها قالت: "إنما أُقِرَّت الصبح ركعتين؛ لطول القراءة فيهما"، وقد ذكرنا ذلك أبي بإسناده في غير هذا الموضع.

وقد يحتمل أن يكون قوله -عز وجل- {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أراد به في كل الصلوات، صلاة الوسطي وغيرها. ش: أشار بهذا إلى أن قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} يحتمل معنيين آخرين غير المعنى الذي ذكره ابن عباس فيما مضى. أحدهما: أن يكون أراد به في صلاة الصبح، ولكن يكون المراد من القنوت: طول القيام فيها، كما جاء في حديثٍ حين سئل - عليه السلام -: "أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت". وأخرجه مسلم (¬1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "سئل رسول الله - عليه السلام - أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت". ومعناه: طول القيام، وبه احتج أبو حنيفة والشافعي أن طول القيام في النوافل أفضل من كثرة الركوع والسجود، وقال صاحب "المحيط": طول القيام أفضل من طول الركوع والسجود. واستدل بهذا الحديث. وقال أبو داود (¬2): ثنا أحمد بن حنبل، نا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عثمان بن أبي سليمان، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير، عن عبد الله بن حبشي الخثعمي: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: طول القيام". والاحتمال الآخر: هو أن يراد به القنوت في كل الصلوات، صلاة الوسطى وغيرها. وها هنا احتمالات أُخر: الأول: أن يكون المراد من القنوت في الصلوات كلها ذكر الله -عز وجل-، وقال الزمخشري: القنوت أن تذكر الله قائمًا. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 520 رقم 756). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 422 رقم 1325).

والثاني: أن يكون المراد منه السكوت، كما ذكرنا. الثالث: أن يكون المراد قراءة القنوت في جميع الصلوات، كما ذهب إليه قوم كما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. والرابع: أن يكون المراد الركوع والسجود كما قاله مجاهد - رضي الله عنه -. قوله: "وقد ذكرنا ذلك" أي قوله - عليه السلام - لما سئل: أي الصلاة أفضل؟ وقد ذكره في هذا الكتاب. وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فقد ذكره في غير هذا الموضع مسندًا، وذكره ها هنا معلقًا. وأخرجه البيهقي (¬1): من حديث الشعبي، عن مسروق، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم النبي - عليه السلام - المدينة واطمأن زاد ركعتين غير المغرب؛ لأنها وتر، وصلاة الغداة؛ لطول قراءتها، وكان إذا سافر صلى صلاته الأولى". وفي إسناده بكار بن عبد الله السيريني، وهو واهٍ، قاله الذهبي في "مختصر سنن البيهقي". ص: وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الصلاة الوسطي أنها العصر: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رزين بن عبيد العبدي قال: سمعت ابن عباس يقول: "الصلاة الوسطي صلاة العصر {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ". قال أبو جعفر -رحمه الله-: ولما اختلف عن ابن عباس في ذلك أردنا أن ننظر فيما روي عن غيره. ش: قد مرَّ أنه روي عن ابن عباس أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح، وروي عنه أبي أنها صلاة العصر، ولما اختلفت الرواية عنه في ذلك تعين ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 363 رقم 1579).

الرجوع إلى ما روي عن غيره، ورواة هذا الأثر ثقات، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق الهمداني، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وزر بن عبيد العبدي وثقه ابن حبان ونسبته إلى عبد القيس في ربيعة. ص: وذهب أيضًا من ذهب إلى أنها غير العصر، أنه قد روي عن النبي - عليه السلام - ما يدل على ذلك، فذكروا ما قد حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم ابن سعد، قال: حدثني أبي، عن أبي إسحاق، قال: ثنا أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى عبد الله بن عمر، أن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حدثهما: "أنه كان يكتب المصاحف على عهد أزواج النبي - عليه السلام -، قال: فاستكتبتني حفصة ابنة عمر - رضي الله عنهما -زوج النبي - عليه السلام -- مصحفًا، وقالت لي: إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني فأملها عليك كما حفظتها من النبي - عليه السلام -، قال: فلما بلغتها أتيتها بالورقة التي أكتبها، فقالت: اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي وصلاة العصر". حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع ... مثله عن حفصة، غير أنها لم تذكر عن النبي - عليه السلام -. ش: "من ذهب" فاعل قوله: "وذهب". قوله: "إلى أنها" أي إلى أن الصلاة الوسطى غير العصر، وهذا يشمل من يقول: إنها الصبح، ومن يقول: إنها الظهر، وغيرها ممن يقول غير العصر. قوله: "أنه" في موضع التعليل، أي لأنه قد روي عن النبي - عليه السلام - ما يدل على ذلك، أي على كون الصلاة الوسطي غير العصر، وهو أن إملاء حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - على عمرو بن رافع: "اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي وصلاة العصر" يدل على أن العصر ليست بالصلاة الوسطي، وأنها غير العصر؛ لأنها عطفت على الصلاة الوسطى، فتكون غيرها؛ لاقتضاء العطف المغايرة.

ثم إنه أخرج حديث حفصة من طريقين صحيحين: أولهما: مرفوع، والآخر موقوف. فالأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد القرشي الزهري المدني، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهم - المدني نزيل بغداد، عن محمد بن إسحاق المدني، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - المعروف بالباقر، وعن نافع مولى عبد الله بن عمر، كلاهما عن عمرو بن رافع المدني ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1): بهذا الإسناد بعينه، وفيه مخالفة للرواية السالفة من حديث أحمد بن خالد، ثنا ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي ونافع، كلاهما عن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب قال: "كنت أكتب المصاحف فاستكتبتني حفصة بنت عمر مصحفًا لها، فقالت: أيْ بُنَيّ، إذا انتهيت إلى هذه الآية {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فلا تكتبها حتى تأتيني فأملها عليك كما حفظتها من رسول الله - عليه السلام -، فلما انتهيت إليها حملت الورقة والدواة حتى جئتها، فقالت: اكتب "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة العصر وقومو الله قانتين". وهذا كما ترى مخالف للأول، ونَبَّه الذهبي على أن الرواية الأولى -أعني التي أخرجها الطحاوي- هي الأصح". والثاني: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع ... إلى آخره. وأخرجه مالك في "الموطإ" (¬2): عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع، أنه قال: "كنت أكتب مصحفًا لحفصة أم المؤمنين، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 463 رقم 2010). (¬2) "موطأ مالك" (1/ 139 رقم 314).

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬1) فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليَّ "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع: "أن حفصة زوج النبي - عليه السلام - دفعت مصحفًا إلى مولى لها يكتبه، وقالت. إذا بلغت هذه الآية {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} فآذني فلما بلغها جاءها، فكتبت بيدها {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. وأخرج أيضًا عن داود بن قيس: أنه سمع عبد الله بن رافع يقول: "أمرتني أمّ سلمة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (1) فأخبرني، فأخبرتها، فقالت: اكتب "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين" وكلاهما موقوف. وقال أبو عمر: حديث حفصة هذا قد اخُتلف في رفعه، ومتنه أيضًا، وممن رفعه عن زيد: هشام بن سعد، ورواه سُنيد عن هشيم، وقال فيه: "والصلاة الوسطى صلاة العصر" بغير واو، وهذا خلاف ما روي عنها: "والصلاة الوسطى وصلاة العصر" بالواو. وقال البيهقي: الوقف أثبت من الرفع. قوله: "على عهد أزواج النبي - عليه السلام -" أي على زمنهن وأيامهن. قوله: "استكتبني" من الاستكتاب، وهو طلب الكتابة. قوله: "آذني" بالمد أي أعلمني، من آذن يُؤذن إيذانًا، إذا أعلم. قوله: "فأملت عليّ" أي لقّنت عليّ ما أكتبه. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [238]. (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 568 رقم 2202).

ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة، أنه قال: "أمرتني عائشة - رضي الله عنها - ... " ثم ذكر نحو حديث حفصة من حديث علي بن معبد. ش: أشار بهذا إلى أن حديث حفصة المذكور قد روي أبي عن عائشة مثله، ولهذا قال: نحو حديث حفصة، وإنما قال: من حديث علي بن معبد؛ تنبيهًا على أنه روي مرفوعًا عن عائشة، كما أن حديث حفصة روي مرفوعًا من حديث علي بن معبد. وأخرجه بإسناد صحيح على شرط مسلم، وأبو يونس مولى عائشة وثقه ابن حبان واحتج به مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت على مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال: "أمرتني عائشة أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي في حديث حفصة، غير أن في لفظ مسلم في آخره: "قالت عائشة: سمعتها من رسول الله - عليه السلام - ... ". وأخرجه أبو داود (¬2): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير في "الجامع" (¬3): ثنا قتيبة، عن مالك، وعن الأنصاري، عن معن، عن مالك، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره نحوه. ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي (¬4): عن قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 437 رقم 629). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 112 رقم 410). (¬3) "جامع الترمذي" (5/ 217 رقم 2982). (¬4) "المجتبى" (1/ 236 رقم 472).

وهذا أيضًا قد دل على أن العصر ليست بصلاة الوسطى؛ لأنها عطفت عليها بالواو، والمعطوف غير المعطوف عليه كما ذكرنا، وقال أبو عمر: لم يختلف في حديث عائشة في ثبوت الواو بخلاف حديث حفصة. قلت: فيه نظر؛ لأن ابن حزم ذكره في كتابه (¬1) وقال: وروينا من طريق بن مهدي، عن أبي سهل محمد بن عمرو الأنصاري، عن القاسم، عنها فذكرته بغير واو. وروى أبو بكر بن أبي داود (¬2): صاحب "السنن". وقال: ثنا أحمد بن الحباب، ثنا مكي، ثنا عبد الله -يعني قاضي مصر- عن ابن هبيرة، عن قبيصة بن ذكوان قال: "في مصحف عائشة - رضي الله عنهما -: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر". قلت: وعلى تقدير صحة وجود "الواو" يجاب عنه -أعني عن حديث حفصة الذي فيه الواو بأشياء: منها أن من أثبت "الواو" امرأة، ومسقطها جماعة كثيرة. ومنها موافقة مذهب عائشة لسقوط "الواو". ومنها مخالفة "الواو" للتلاق. ومنها: معارضة رواية حفصة برواية البراء بن عازب؛ على ما يجيء عن قريب. ومنها: أن تكون "الواو" زائدة كما زيدت عند بعضهم في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (¬3). ¬

_ (¬1) "المحلى" (4/ 256). (¬2) "كتاب المصاحف" (1/ 289). (¬3) سورة الأنعام، آية: [75].

وقوله: {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ} (¬1). وقوله: {وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (¬2). وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (¬3). وقال الأخفش في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} (¬4) إن الجواب فتحت. ومنها أن يكون العطف فيه كالعطف في قول الشاعر: إلى الملك القُرْمِ وابنِ الهُمَام ... وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَم فقد وجد العطف ها هنا مع اتحاد الشخص، وعطف الصفات بعضها على بعض موجود في كلام العرب كثير، ويقال: إن العطف ها هنا من باب التخصيص والتفضيل كما في قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} (¬5). وكقوله: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} (¬6). وكقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} (¬7). فإن قيل: قد حصل التخصيص في العطف، وهو قوله: {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} فوجب أن يكون العطف الثاني وهو قوله وصلاة العصر مغايرًا له. قلت: إن العطف الأول كما قلتم، والثاني للتأكيد والبيان لمَّا اختلف اللفظان، كما تقول: جاءني زيد الكريم والعاقل، فتعطف إحدى الصفتين على الأخرى. ¬

_ (¬1) سورة الأنعام، آية: [105]. (¬2) سورة الأحزاب، آية: [40]. (¬3) سورة النساء، آية: [167]. (¬4) سورة الزمر، آية: [73]. (¬5) سورة البقرة، آية: [98]. (¬6) سورة الرحمن، آية: [68]. (¬7) سورة الأحزاب، آية: [7].

ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الملك بن عبد الرحمن، عن أمه أم حميد بنت عبد الرحمن: "أنها سألت عائشة - رضي الله عنها - عن قول الله تعالى: {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} فقالت كنا نقرأها على الحرف الأول على عهد النبي - عليه السلام -: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ". ش: هذا طريق أخر عن عائشة - رضي الله عنها - وهو أيضًا صحيح، عن علي بن معبد بن نوح، عن الحجاج بن محمد الأعور المصيصي، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عبد الملك بن عبد الرحمن، عن أُمِّه أم حميد بنت عبد الرحمن ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن ابن جريج، أخبرني عبد الملك بن عبد الرحمن، عن أمه أم حميد بنت عبد الرحمن قالت: "سألت عائشة أم المؤمنين عن الصلاة الوسطى، فقالت: كنا نقرأها على الحرف الأول على عهد رسول الله - عليه السلام -: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (¬2): وقال: ثنا همام، [نا ابن مفرج] (¬3) نا ابن الأعرابي، نا الديري، نا عبد الرزاق ... إلى آخره. قوله: "على الحرف الأول" أي: على اللغة الأولى، وأرادت بالحرف اللغة، والحرف في الأصل الطرف والجانب، وبه سُمِّي الحرف من حروف الهجاء. قوله: "على عهد النبي - عليه السلام -" أي: على زمنه وأيامه. ص: قالوا: فلما قال الله تعالى فيما ذكر من هذه الآثار، عن النبي - عليه السلام -: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" ثبت بذلك أن الوسطى غير العصر. ¬

_ (¬1) عبد الرزاق في "مصنفه" (1/ 578 رقم 2203). (¬2) "المحلى" (4/ 257). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المحلى" (4/ 257).

ش: أي: قال مَنْ ذهب إلى أنها غير العصر، أراد أنهم احتجوا بهذه القراءة المذكورة في الأحاديث السالفة على أن الصلاة الوسطى غير صلاة العصر، وهذا ظاهر. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: وليس في ذلك عندنا دليل على ما ذكروا؛ لأنه قد يجوز أن تكون العصر مُسمّاة بالعصر ومُسمّاة بالوسطى، فذكرها ها هنا باسمَيْها جميعًا، هذا يجوز لو ثبت ما في تلك الآثار من التلاوة الزائدة على التلاوة التي قامت بها الحجة، مع أن التلاوة التي قامت بها الحجة رافعةٌ لكل ما خالفها. ش: هذا منعٌ لاستدلالهم بما ذكروا؛ بيانه: أن ما ذكروا لا يدل على دعواهم دلالة تامة؛ لأنه يحتمل أن يكون هذا من عطف بعض الصفات على بعض كما ذكرنا الآن في قول الشاعر، وكما في قولك: جاءني زيد الكريم والعاقل. فإن الكريم والعاقل كلاهما من صفات زيد، فإن العطف ها هنا لا يدل على المغايرة، فكذلك قوله: "والصلاة الوسطى وصلاة العصر" من هذا القبيل، على أن هذا التأويل على تقدير ثبوت ما في تلك الآثار المروية عن حفصة وعائشة - رضي الله عنهما - من التلاوة الزائدة وهي: "وصلاة العصر" يعني: لو سلمنا ثبوت هذه التلاوة، فجوابه ما ذكرنا على أنا لا نسلم ذلك؛ لأن التلاوة التي قامت بها الحجة وهي التلاوة المشهورة التي ليس فيها: "وصلاة العصر" قد رفعت كل قراءة خالفتها، فحينئذٍ تكون قراءة "وصلاة العصر" منسوخة، وناسخها حديث البراء بن عازب على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى. ص: وقد روي أن الذي كان في مصحف حفصة - رضي الله عنها - من ذلك غير ما روينا في الآثار الأول، كما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عمرو بن رافع قال: "كان مكتوبًا في مصحف حفصة بنة عمر - رضي الله عنها -: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} "

قال أبو جعفر -رحمه الله-: فقد تبين بهذا ما صرفنا إليه تهويل الآثار الأُوَل من قوله: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر" أنه سمى صلاة العصر بالعصر وبالوسطى؛ فثبتت بهذا قول من ذهب إلى أنها صلاة العصر. ش: أشار بهذا إلى بيان صحة ما ذكره من التأويل لما في حديث حفصة الذي ذكره آنفًا، بيانه: أنه قد روي أن المكتوب في مصحف حفصة كان على هذه الصورة (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وهي صلاة العصر) فقوله: "وهي صلاة العصر" تفسير لقوله: "الصلاة الوسطى" وهذا بعينه عين التأويل المذكور، فثبت بذلك أن صلاة العصر لها اسمان: صلاة العصر، والصلاة الوسطى، فعطف أحدهما على الآخر، ومثل هذا العطف يغني عن البيان والتفسير، ولا يدل على المغايرة، وثبت بذلك أبي قول من ذهب إلى أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وسقط بذلك دليل من يذهب إلى أن الصلاة الوسطى غير العصر. وإسناد الحديث المذكور صحيح ورجاله كلهم ثقات، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. فقد ذكرنا عن قريب أن البيهقي أخرج في "سننه" (¬1): من حديث أحمد بن خالد، عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي ونافع، كلاهما عن عمرو بن رافع، وفيه: اكتب: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى هي صلاة العصر وقوموا لله قانتين". ص: وقد روي عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - في ذلك ما يدل على نسخ ما روي في ذلك عن عائشة وحفصة - رضي الله عنها - كما حدثنا أبو شريح محمد بن زكريا، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا فضيل بن مرزوق، قال: ثنا شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: "نزلت "حافظوا على الصلوات وصلاة العصر" ¬

_ (¬1) تقدم.

فقرأناها على عهد رسول الله - عليه السلام - ما شاء الله، ثم نسخها الله -عز وجل- فأنزل: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (¬1). قال أبو جعفر -رحمه الله-: فأخبر البراء في هذا الحديث أن التلاوة الأولى هي كما روت عائشة وحفصة، وأنه نسخ ذلك التلاوةُ التي قامت بها الحجة، فإن كان قوله الثاني: "والصلاة الوسطى" نسخًا للعصر أن تكون هي الوسطى فذلك نسخ لها، وإن كان نسخًا لتلاوة أحد اسميها وتثبيتًا لاسمها الآخر؛ فإنه قد ثبت أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، فلما احتمل هذا ما ذكرنا، عُدنا إلى ما روي عن النبي - عليه السلام - في ذلك، فحدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شجاع بن الوليد، قال: أنا زائدة بن قدامة، قال: سمعت عاصمًا يحدث، عن زر، عن علي - رضي الله عنه - قال: "قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن العصر حتى كربت الشمس أن تغيب، فقال النبي - عليه السلام -: اللهم املأ قلوب الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى نارًا، واملأ بيوتهم نارًا، واملأ قلوبهم نارًا، قال عليّ - رضي الله عنه -: كنا نرى أنها صلاة الفجر". قال أبو جعفر: فهذا عليّ - رضي الله عنه - قد أخبر أنهم كانوا يرونها قبل قول النبي - عليه السلام - هذا؛ الصبح، حتى سمعوا النبي - عليه السلام - يومئذ يقول هذا، فعلموا بذلك أنها العصر. ش: وجه النسخ ظاهر؛ لأن البراء صرّح به في روايته، ولكن قوله يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (1) نسخًا للعصر عن أن تكون هي الوسطى. والآخر: أن يكون هذا نسخًا لتلاوة أحد اسمي العصر كما قلنا: إن لها اسمين: العصر، والوسطى، فإذا نسخ أحدهما يكون تثبيتًا للآخر، فإذا كان كذلك يثبت أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، ولكن لما احتمل كلامه هذين الوجهين، رجعنا إلى ما روي عن غيره في الصلاة الوسطى، فوجدنا حديث علي - رضي الله عنه - يدل على أن ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [238].

الصلاة الوسطى هي العصر؛ لأنه صرح فيه بذلك؛ فترجح الاحتمال الثاني وسقط الأول، فتكون الوسطى هي العصر وهو المطلوب، فيكون هذا من قبيل نسخ التلاوة وحكمها باق، فافهم. وإسناد حديث البراء صحيح على شرط مسلم، وأبو شريح محمد بن زكريا بن يحيى القضاعي ذكره ابن يونس فيمن ورد إلى مصر وقال: كان رجلًا صالحًا يفهم الحديث ويحفظ. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنا يحيى بن آدم، قال: ثنا الفضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب قال: "نزلت ... " إلى آخره نحوه، وفي آخره: "فقال رجل كان جالسًا عند شقيق له: هي إذن صلاة العصر؟ فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف سماها الله". وكذا إسناد حديث عليّ - رضي الله عنه - صحيح، وعاصم هو بن بهدلة وهو ابن أبي النجود، روى له الجماعة؛ البخاري ومسلم مقرونًا. وزِرّ -بكسر الزاي المعجمة بعدها الراء المشددة- بن حبيش الأسدي أبو مطرف الكوفي روى له الجماعة. وأخرجه البخاري (¬2): في باب غزوة الخندق: ثنا إسحاق، ثنا روح، ثنا هشام، عن محمَّد بن عبيدة، عن عليّ - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - أنه قال يوم الخندق: "ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس". وأخرجه مسلم (¬3): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، عن عبيدة، عن عليّ قال: "لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 438 رقم 630). (¬2) "صحيح البخاري" (3/ 1071 - رقم 2773). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 436 رقم 627).

وأخرجه أبو داود (¬1): نا عثمان بن أبي شيبة، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ويزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد، عن عبيدة، عن عليّ: "أن رسول الله - عليه السلام - قال يوم الخندق: حبسونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا". وأخرجه الترمذي (¬2) في التفسير: ثنا هناد، ثنا عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن عبيدة السلماني، أن عليًّا - رضي الله عنه - بعض حدثه: "أن النبي - عليه السلام - قال يوم الأحزاب: اللهم املأ قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن عليّ، وأبو حسان الأعرج اسمه مسلم. وأخرجه النسائي (¬3): أنا محمد بن عبد الأعلى، قال ثنا، خالد، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني قتادة، عن أبي حسان، عن عبيدة، عن عليّ - رضي الله عنه -، عن النبي - عليه السلام - قال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس". قلت: هؤلاء كلهم أخرجوه من حديث عبيدة عن عليّ - رضي الله عنه -. وكذا أخرجه الدارمي في "سننه" (¬4): وأحمد في "مسنده" (¬5). وأخرجه أحمد (¬6) أيضًا: من حديث زر، عن عليّ كرواية الطحاوي، وقال: نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن جابر، أن عاصم بن بهدلة، قال: سمعت زرًّا ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 165 رقم 409). (¬2) "جامع الترمذي" (5/ 217 رقم 2984). (¬3) "المجتبى" (1/ 236 رقم 473). (¬4) "سنن الدارمي" (1/ 306 رقم 1232). (¬5) "مسند أحمد" (1/ 122 رقم 994). (¬6) "مسند أحمد" (1/ 150 رقم 1287).

يحدث، عن عليّ - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام -: "أنه قال يوم أُحد: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى آبت الشمس؛ ملأ الله قبورهم وبيوتهم وبطونهم نارًا". وهذا كما ترى وقع في روايته: "يوم أُحد". وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده" (¬1): نحو رواية الطحاوي، وقال: ثنا أحمد ابن عبدة الضبي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ، عن عليّ - رضي الله عنه -: أن النبي - عليه السلام - قال يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس؛ ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا" وقال: هذا الحديث روي عن عليّ - رضي الله عنه - من غير وجه. قوله: "قاتلنا الأحزاب" جمع حِزب -بالكسر- وهي الطوائف من الناس، وأراد بها الطوائف الذين جاءوا يوم الخندق، ويوم الخندق هو يوم الأحزاب ويوم بني قريظة، وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، وقيل: في الرابعة، والخندق فارسي معرب، وأصله كندة أي محفور. قوله: "حتى كربت الشمس" بمعنى دنت وقاربت، وهي من أفعال المقاربة كعسى وكاد وأوشك وأخواتها، وكَرَب -بفتح الراء- ومعناه يعني كاد، نص عليه الجوهري وغيره وحُكم خبرها حكم خبر كاد وفي الأكثر تجريده من أنْ ولم يذكر سيبويه فيه غير التجريد، وقد ذكرت ها هنا بـ "أن" نحو "كربت الشمس أن تغيبب" ومعناه قرب غروبها، كما تقول: كادت الشمس تغيب، أي قرب غروبها. قوله: "كنا نُرَى" أي نظن "أن صلاة الوسطى صلاة الفجر" فعلموا في ذلك الوقت أنها هي العصر. فإن قيل: ما الحكمة في جمعه - عليه السلام - في الدعاء عليهم البيوت والقبور. ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (2/ 180 رقم 557).

قلت: ليعم عليهم العذاب في الدنيا والآخرة، وخص - صلى الله عليه وسلم - النار؛ لأنه أكبر أنواع العذاب. ويستفاد منه: جواز الدعاء على أعداء الدين بما شاء من الأدعية، وبيان فضيلة صلاة العصر على غيرها، ألا ترى كيف جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - عليه السلام - قال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله". أخرجه البخاري (¬1) ومسلم (¬2) وأبو داود (¬3). وجاء في حديث أبي المليح: "من ترك صلاة العصر حبط عمله". أخرجه البخاري (¬4). ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن عليّ - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام -: "أنه قعد يوم الخندق، على فُرْضة من فُرَض الخندق ... " ثم ذكر نحوه، إلا أنه لم يذكر قول عليّ - رضي الله عنه -: "كنا نُرَى أنها الصبح". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا الفريايى، عن سفيان، عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، قال: "قلت لعَبِيدَة: سَلْ لنا عليًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله ... " فذكر نحوه وزاد: "كنا نُرَى أنها الفجر حتى سمعت النبي - عليه السلام - يقول هذا". ش: هذان طريقان آخران وهما أيضًا صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، نسبة إلى العَقَد -بفتحتين- قوم من قيس وهم من أزد، وقد تكرر ذكره. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 203 رقم 527). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 435 رقم 626). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 166 رقم 414) (¬4) "صحيح البخاري" (1/ 203 رقم 528).

عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، بالجيم، وتشديد الزاي المعجمة، وفي آخره راء مهملة. عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن يحيى، سمع علئا يقول: قال رسول الله - عليه السلام - يوم الأحزاب وهو قاعد على فرضة من فرض الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس؛ ملأ الله قبورهم وبيوتهم -أو قال: قبورهم وبطونهم نارًا-". الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرِّقي نسبة إلى رَقَّة مدينة بالجزيرة مشهورة، عن محمد بن يوسف الفريابي نسبة إلى فارياب بلدة بنواحي بلخ وقد تكرر ذكره. عن سفيان الثوري، عن عاصم بن أبي النَّجود -بفتح النون وضم الجيم- واسمه بهدلة. عن زر بن حبيش، عن عبيدة -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- ابن عمرو -ويقال: ابن قيس بن عمرو- السَّلْماني -بفتح السين المهملة وسكون اللام- المرادي وسَلْمان بن ناجية بن مراد، وهو مخضرم. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن الثوري، عن عاصم، عن زرّ بن حبيش، قال: "قلت لعبيدة: سل عليًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله فقال: كنا نُرَى أنهما صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول يوم الخندق: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارًا". قوله: "على فرضة" الفُرْضَة: بضم الفاء وسكون الراء وفي آخره ضاد معجمة، وهو ما انحدر من وسط الجبل وجانبه، وفرضة النهر مَشْرَعَته التي يستقى منها، ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 437 رقم 627). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 576 رقم 2192).

وفرضة الخندق ثلمته التي يدخل ويخرج منها، ويجمع على فُرَض بضم الفاء وفتح الراء. قوله: "ملأ الله" جملة دُعَائية، إنشاءً في صورة الإخبار، والمعنى: اللهم املأ قبورهم وبيوتهم نارًا، وهذه الجملة من الجمل التي لا محل لها من الإعراب. ص: حدثنا علي بن معبد قال: ثنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله، عن النبي - عليه السلام - مثله، غير أنه لم يذكر قول عليّ - رضي الله عنه -: "كنا نُرَى أنها الفجر". ش: أشار بهذا إلى أن حديث عليّ - رضي الله عنه - روي أبي عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه من طريقين صحيحين: أحدها: عن عليّ بن معبد بن نوح، عن إسحاق بن منصور السلولي الكوفي، عن محمد بن طلحة بن مصرف اليامي، عن زُبَيْد -بضم الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- ابن الحارث اليامي، عن مرة بن شراحيل الهمداني الكوفي، عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا عون بن سلّام الكوفي، قال: أنا محمد بن طلحة اليامي، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله قال: "حبس المشركون رسول الله - عليه السلام - عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس -أو اصفرت- فقال رسول الله - عليه السلام -: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا. أو حشى الله أجوافهم وقبورهم نارًا". والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن محمد بن طلحة بن مصرف، عن زبيد بن الحارث، عن مرة بن شراحيل، عن ابن مسعود. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 437 رقم 628).

وأخرجه البزار في "مسنده" (¬1): ثنا محمد بن المثنى، نا يزيد بن هارون، نا محمد بن طلحة، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا". وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا معلى بن منصور، قال: ثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أن النبي - عليه السلام - غزا غزوًا فلم يرجع منه حتى مَسَّى لصلاة العصر عن الوقت الذي كان يصلي فيه ... " ثم ذكر نحوه. حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا سعدويه، عن عباد، عن هلال ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: أنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه قال يوم الخندق ... " ثم ذكر مثله. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا ابن عباس يخبر عن النبي - عليه السلام -: أنها صلاة العصر، فكيف يجوز أن يقبل عنه من رأيه ويخالف ذلك. ش: أشار بهذا إلى أنه روي عن ابن عباس أيضًا مثل حما روي عن عليّ وابن مسعود. وأخرجه من ثلاث طرق: الأولان صحيحان والثالث فيه محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى فيه مقال. الأول: عن علي بن معبد بن نوح، عن معلى بن منصور الرازي من أصحاب أبي حنيفة، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن هلال بن خباب -بالخاء المعجمة وبتشديد الباء الموحدة- العبدي، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -. ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (5/ 388 رقم 2022).

وأخرج الطبري في "تفسيره" (¬1): ثنا علي بن مسلم الطوسي، ثنا عباد بن العوام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "حبس المشركون النبي - عليه السلام - عن صلاة العصر في غزاة له حتى تَمَسَّى بها، فقال: اللهم املأ بيوتهم وأجوافهم نارًا كما حبسونا عن الصلاة الوسطى". وفي لفظ: "قال يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس". قوله: "حتى مسى" يعني دخل في المساء، وكذلك أمسى. قوله: "لصلاة العصر" أي لأجل وقت صلاة العصر، و"اللام" تأتي للوقت، وأراد بالوقت الذي تصلى فيه قبل اصفرار الشمس. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعدويه وهو سعد بن سليمان الواسطي، فالمحدثون يقولون سَعْدُويه -بضم الدال وسكون الواو- وعند النحاة هو مثل سيبويه ونفطويه -بفتح الدال والواو-، وكذا الخلاف في زنجويه. وهو يروي عن عباد بن العوام الكلابي أبي سهل الواسطي من رجال الجماعة، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس. الثالث: عن محمد بن علي بن داود المعروف بابن أخت غزال، وثقه ابن يونس. عن محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، وثقه ابن حبان. عن أبيه عمران بن محمد الأنصاري، عن أبيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي فيه مقال، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بجرة -بفتح الباء الموحدة والجيم والراء، ويقال: بضم الباء وسكون الجيم، ويقال: ابن نجدة بالنون والجيم - مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويقال: مولى ابن عباس بلزومه له، روى له الجماعة سوى مسلم. ¬

_ (¬1) "تفسير الطبري" (2/ 569).

وعن سعيد بن جبير، كلاهما عن ابن عباس. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي - عليه السلام - قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارًا". ثم إن حديث ابن عباس هذا يرد ما روي عنه من رأيه من أن الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح، على ما مرّ فيما مضى، وكيف لا يرد هذا وقد روى هو عن النبي - عليه السلام - أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهذا معنى قوله: "فهذا ابن عباس يخبر عن النبي - عليه السلام - ... " إلى آخره. فهذا الحديث كما ترى أخرجه الطحاوي عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وفي الباب عن أم حبيبة، وأم سلمة، وحذيفة، وجابر، وأنس - رضي الله عنهم -. فحديث أم حبيبة عند الطبري (¬2): ثنا ابن المثنى، ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سفيان، عن أبي الضحى، عن شتير بن شكل، عن أم حبيبة - رضي الله عنها - عن النبي - عليه السلام - أنه قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس". وحديث أم سلمة عند الطبراني في "الكبير" (¬3): بإسناده عنها قالت: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارًا". وفي إسناده مسلم الملائي الأعور وهو ضعيف. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (12/ 26 رقم 12368). (¬2) "تفسير الطبري" (2/ 560). (¬3) "المعجم الكبير" (23/ 341 رقم 793).

وحديث حذيفة - رضي الله عنه - عند البزار (¬1): بإسناد صحيح عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا". وحديث جابر - رضي الله عنه - عند البزار: أيضًا بإسناد صحيح (¬2) عنه، أن النبي - عليه السلام - قال يوم الخندق: "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس". وحديث أنس - رضي الله عنه - عند إسماعيل بن أبي زياد الشامي في "تفسيره" من حديث أبان، عن أنس، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "شغلونا عن صلاة العصر التي غفل عنها سليمان بن داود - عليه السلام - حتى توارت بالحجاب". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو مسهر، قال: ثنا صدقة بن خالد، قال: حدثني خالد بن دهقان، قال: أخبرني خالد سَبَلان، عن كهيل بن حرملة النمري، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "أنه أقبل حتى نزل دمشق على آل أبي كلثم الدوسي، فأتى المسجد فجلس في غربيه، فتذاكروا الصلاة الوسطى فاختلفوا فيها، فقال اختلفنا فيها، كما اختلفتم ونحن بفناء بيت رسول الله - عليه السلام - وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس - رضي الله عنه - فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فأتى رسول الله - عليه السلام - وكان جريئًا عليه، فاستأذن فدخل، ثم خرج إلينا، فأخبرنا أنها صلاة العصر". ش: أبو مسهر هو عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى الغساني الدمشقي روى له الجماعة، وصدقة بن خالد القرشي الأموي أبو العباس الدمشقي مولى أم البنين أخت معاوية بن أبي سفيان، روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه. ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (7/ 307 رقم 2906). (¬2) "مسند البزار" (2/ 178 رقم 555).

وخالد بن دهقان -بتثليث الدال- القرشي أبو المغيرة الشامي الدمشقي، وثقه دحيم وابن حبان، وروى له أبو داود. وخالد سبلان هو خالد بن عبد الله بن فرج، يلقب بسبلان -بفتح السين والباء الموحدة- وثقه ابن حبان. وكهيل بن حرملة النمري، وثقه ابن حبان. وأبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي خال: معاوية بن أبي سفيان، له صحبة، وهو أخو أبي حذيفة بن عتبة لأبيه، وأخو مصعب بن عمير لأمه. قيل: اسمه خالد، وقيل: شيبة، وقيل: هشام، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم، أسلم يوم الفتح، وسكن الشام، وتوفي في خلافة عثمان - رضي الله عنه - وكان من زهاد الصحابة - رضي الله عنه -. والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا إبراهيم بن دحيم الدمشقي، ثنا أبي، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، حدثني خالد بن دهقان (ح). وثنا أحمد بن المعلّى الدمشقي وموسى بن سهل أبو عمران الجوني، قالا: ثنا هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد، قال: ثنا خالد بن دهقان، أخبرني خالد سبلان، عن كهيل بن حرملة، عن أبي هريرة: "أنه أقبل حتى نزل على أبي كلثم الدوسي فتذاكروا الصلاة الوسطى فقال: اختلفنا ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء. وأخرجه ابن حبان (¬2): في كتاب "الثقات" في ترجمة كهيل بن حرملة، ثنا محمد ابن الهمداني، ثنا ابن زنجويه، ثنا أبو مسهر، ثنا صدقة بن خالد، قال: ثنا خالد ابن دهقان، ثنا خالد سبلان، عن كهيل بن حرملة النمري قال: "قدم أبو هريرة ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (7/ 301 رقم 7197). (¬2) "الثقات" (5/ 341 رقم 5135).

دمشق فنزل على آل أبي كلثم الدوسي، فأتى المسجد فجلس في غربيِّه، فجلسنا إليه، فذكرنا الصلاة الوسطى، وقال أبو هريرة: اختلفنا فيها ... ". إلى آخره نحوه. وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده": وقال: لا نعلم روى أبو هاشم بن عتبة عن النبي - عليه السلام - إلا هذا الحديث وحديثًا آخر، وقال أبو موسى المديني في كتاب "الصحابة": أبو هاشم هذا له حديثان حسنان. قلت: الأول: هو الحديث المذكور. والثاني: هو ما أخرجه البغوي في "معجم الصحابة" (¬1): حدثني جدي، حدثنا عَبِيدة بن حميد، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن سمرة بن سهم، عن أبي هاشم بن عتبة وهو خال معاوية قال: "دخل عليه معاوية يعوده فبكى، فقال: ما يبكيك يا خال أمن وجع يشئزك، أم حرص على الدنيا فقد ذهب؟ فقال: على كل ولكن رسول الله - عليه السلام - عهد إلىَّ عهدًا فوددت أني كنت اتبعته، إن رسول الله - عليه السلام - قال لي: لعلك أن تدرك أموالًا تقسم، فإنما يكفيك من جمع المال خادم ومركبٌ في سبيل الله -عز وجل-، فوجدت فجمعت" انتهى. قوله: "على آل أبي كلثم" ويقال فيه: أبو كلثوم أيضًا و"الدوسي" نسبة إلى دوس قبيلة من اليمن من الأزد، وأبو هريرة أيضًا دوسي. قوله: "بفناء بيت رسول الله - عليه السلام -" فناء الدار بالكسر أمامها وهو الموضع المتسع الذي يرمى فيه ما يخرج من الدار. قوله: "وكان جريئًا" من الجراءة والإقدام على الشيء من غير تجبين. ص: حدثنا بن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن جناب، قال: ثنا يونس، عن ¬

_ (¬1) وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (3/ 443 رقم 15702)، وهناد في "زهده" (1/ 315 رقم 565) كلاهما من طريق الأعمش عن أبي وائل.

محمد بن أبي حميد، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الوسطى: صلاة العصر". ش: إسناده ضعيف ولكن الحديث من غير هذا الوجه صحيح على ما يأتي: وأحمد بن جناب -بالجيم والنون المخففة- بن المغيرة المصيصي أحد مشايخ مسلم وأبي داود. ويونس هو ابن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح. ومحمد بن أبي حميد واسمه إبراهيم الزرقي الأنصاري المدني فيه مقال، ضعفه يحيى، ووهَّاه الجوزجاني، وأنكره البخاري، وروول له الترمذي وابن ماجه. وموسى بن وردان القرشي العامري أبو عمر المصري القاضي، ضعفه يحيى، وقال الدارقطني: لا بأس به. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وأخرجه البيهقي (¬1): بغير هذا الإسناد: من حديث عبد الوهاب بن عطاء، نا سليمان التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "صلاة الوسطى: صلاة العصر". وقال: خالفه غيره، قال يحيى القطان والأنصاري: عن سليمان فوقفه. وأخرجه ابن خزيمة أيضًا في "صحيحه" (¬2). ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، عن قتادة ح وحدثنا علي بن معبد، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن همام بن يحيى، عن ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 460 رقم 2003). (¬2) "صحيح ابن خزيمة" (2/ 290 رقم 1338).

قتادة بن دعامة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الوسطى: صلاة العصر". وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا بهز وعفان، قالا: نا قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن النبي - عليه السلام - قال: "حافظوا على الصلوات -قال عفان- والصلاة الوسطى وسماها لنا أنها صلاة العصر". الثاني: عن علي بن معبد، عن روح بن عبادة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه الترمذي (¬2): ثنا هناد، قال: ثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "صلاة الوسطى: صلاة العصر". وقال: قال محمد بن إسماعيل: قال علي بن المديني: حديث الحسن عن سمرة صحيح وقد سمع منه. قلت: قد مر الكلام فيه مستقصى في باب الاغتسال يوم الجمعة. ص: فهذه آثار قد تواترت وجاءت مجيئًا صحيحًا عن النبي - عليه السلام -: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. ش: أشار به إلى الآثار التي رواها، التي دلت على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. قوله: "قد تواترت" أي تكاثرت وتتابعت، وليس المراد منه التواتر المصطلح عليه عند أهل الأصول، ونبّه بهذا أبي على أن اختياره أبي هو أن الوسطى هي صلاة العصر. ص: وقد قال بذلك أيضًا جلّة من أصحاب رسول الله - عليه السلام -. حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا عفان، قال: ثنا وُهَيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 8 رقم 20103). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 340 رقم 182).

عن أبي بن كعب قال: "صلاة الوسطى هي صلاة العصر". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، عن همام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - مثله. حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا يعقوب بن عباد، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ - رضي الله عنه - مثله. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن لبيبة الطائفي: "أنه سأل أبا هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال: سأقرأ عليك القرآن حتى تعرفها، أليس يقول الله -عز وجل- في كتابه: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (¬1) الظهر {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} (1) المغرب {وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} (¬2) العتمة، ويقول: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (1).الصبح، وقال: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬3) هي العصر هي العصر". ش: أي قد قال بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر أكابر من الصحابة - رضي الله عنهم -. والِجلّة -بكسر الجيم وتشديد اللام- جمع جليل، بمعنى عظيم، وجلَّ كل شيء معظمه. وقد أخرج منهم عن أربعة أنفس وهم: أبي بن كعب، وأبو سعيد الخدري، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة - رضي الله عنهم -. فأما أثر أُبيّ فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن وهيب بن خالد البصري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أُبيّ. ¬

_ (¬1) سورة الإسراء، آية: [78]. (¬2) سورة النور، آية: [58]. (¬3) سورة البقرة، آية: [238].

وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (¬1): عن وهيب، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن أبي بن كعب قال: "صلاة الوسطى صلاة العصر". وأما أثر أبي سعيد الخدري فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري. وأما أثر علي فأخرجه: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن يعقوب بن أبي عباد العبدي البصري، وثقه ابن يونس، عن إبراهيم بن طهمان الخراساني الهروي روى له الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، روى له الجماعة، عن الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي فيه مقال كثير، عن علي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: "صلاة الوسطى صلاة العصر". وقال ابن حزم في "المحلى": لا يصح عن علي - رضي الله عنه - غير هذا. وأما أثر أبي هريرة فأخرجه: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الطائي الفوزي الحمصي، أحد مشايخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي، فيه مقال؛ ضعفه النسائي، ووثقه الفسوي، وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وروى له الأربعة. عن عبد الله بن عثمان بن خثيم القارئ أبي عثمان المكي، روى له الجماعة. البخاري مستشهدًا عن عبد الرحمن بن لبيبة وهو عبد الرحمن بن نافع الطائفي، ولبيبة اسم أمه، ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين. وأخرجه الطبري (¬3) مختصرًا: حدثني المثنى، ثنا سويد، أنا ابن المبارك، عن ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 245 رقم 8623). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 244 رقم 8609). (¬3) "تفسير الطبري" (2/ 554).

معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن ابن لبيبة، عن أبي هريرة: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى؛ ألا وهي العصر، ألا وهي العصر". وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (¬1): مطولًا. قال: وروينا من طريق إسماعيل بن إسحاق، نا علي بن عبد الله -هو ابن المديني- نا بشر بن المفضل، نا عبد الله بن عثمان، عن عبد الرحمن بن نافع: "أن أبا هريرة سئل عن الصلاة الوسطى، فقال للذي سأله: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى، قال: فإني سأقرأها عليك بها القرآن حتى تفهمها، قال الله -عز وجل- ... " إلى آخر ما ذكره الطحاوي. قوله: "لدلوك الشمس: الظهر" أراد أن بدلوك الشمس يدخل وقت الظهر؛ لأن دلوكها زوالها عن كبد السماء، وذلك كما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "أتاني جبريل - عليه السلام - لدلوك الشمس حين زالت الشمس، فصلى بي الظهر". وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "دلوك الشمس: غروبها". رواه الطبراني (¬2): بإسناده عنه. قوله: "إلى غسق الليل المغرب" أراد أن بغسوق الليل يدخل وقت المغرب، والغسق: الظلمة. وروى الطبراني في "الكبير" (¬3): ثنا الحسين بن إسحاق، ثنا يحيى الحماني، ثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "كنا مع عبد الله في طريق مكة، فلما غربت الشمس قال: هذا غسق الليل، ثم أذّن، ثم قال: هذا والله -الذي لا إله إلا هو- وقت هذه الصلاة". قوله: "ثلاث عورات لكم" أراد بثلاث عورات: ثلاثة أحوال، أمر الله فيها بأن يَستأذن العبيد، وقيل: العبيد والإماء، والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار. ¬

_ (¬1) "المحلى" (4/ 258). (¬2) "المعجم الكبير" (9/ 230 رقم 9128). (¬3) "المعجم الكبير" (9/ 232 رقم 9140).

الأولى: قبل صلاة الفجر؛ لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ما يُنَام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة. الثانية: بالظهيرة؛ لأنها وقت وضع الثياب للقائلة. الثالثة: بعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم، وسمى الله كل واحدة من هذه الأحوال عورة؛ لأن الناس يختلّ تسترهم وتحفظهم فيها. والعورة: الخلل. أعور الفارس وأعور المكان، والأعور: المختل العين. قوله: "العتمة" أراد بها وقت صلاة العشاء. قوله: "إن قرأن الفجر" أراد صلاة الفجر، سميت قرآنًا وهو القراءة؛ لأنها ركن، كما سميت ركوعًا وسجودًا وقنوتًا. قوله: "مشهودًا" يعني تشهده ملائكة الليل والنهار، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة، أو من حقه أن يكون مشهودًا بالجماعة الكثيرة. قوله: "هي العصر هي العصر" مكرر، كرره أبو هريرة للتأكيد. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فإن قال قائل: لم سُمِّيت صلاة الوسطى صلاة للعصر؟ قيل له: قد قال الناس في هذا قولين. فقال قوم سميت بذلك لأنها بين صلاتين من صلاة الليل، وبين صلاتين من صلاة النهار. ش: السؤال ظاهر، والجواب عنه شيئان: أحدهما: ما قاله قوم: إنها إنما سميت بذلك لأنها بين صلاتين من صلاة الليل وهما المغرب والعشاء، وبين صلاتين من صلاة النهار وهما صلاة الصبح وصلاة الظهر؛ فهذا الإطلاق باعتبار المحل؛ لأنه لو كان ذلك باعتبار المقدار لكانت المغرب هي الوسطى؛ لأن أقل الصلاة ركعتان وأكثرها أربع، ولو كان باعتبار أن الوسطى هي الفضلى، كان لكل ذي مذهب أن يدعي ذلك، وقد ذكرنا فيه أشياء أخرى فيما مضى.

ص: وقال آخرون في ذلك ما قد حدثني القاسم بن جعفر البصري، قال: سمعت يحيى بن الحكم الكيساني يقول: سمعت أبا عبد الرحمن عبيد الله بن محمد بن عائشة يقول: إن آدم - عليه السلام - لما تيب عليه عند الفجر، صلى ركعتين فصارت الصبح، وفُدِّي إسحاق - عليه السلام - عند الظهر فصلى إبراهيم - عليه السلام - أربعًا فصارت الظهر، وبعث عزير - عليه السلام - فقيل له: كم لبثت؟ فقال: يومًا. فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم، فصلى أربع ركعات فصارت العصر، وقد قيل: غير عزير، وغفر لداود - عليه السلام - عند المغرب، فقام يصلى أربع ركعات، فجهد، فجلس في الثالثة، فصارت المغرب ثلاثًا، وأول من صلى العشاء الآخرة نَبِينُّا - صلى الله عليه وسلم - فلذلك قالوا: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا عندنا معنى صحيح؛ لأن أول الصلوات إن كانت الصبح وآخرها العشاء الآخرة فالوسطى فيما بين الأولى والآخرة وهي العصر؛ فلذلك قلنا: إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهذا قول أبي حنيفة وأتيت يوسف ومحمد - رحمهم الله-. ش: أي قال قوم آخرون في وجه تسمية صلاة العصر الصلاة الوسطى ما قاله أبو عبد الرحمن عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر القرشي التيمي البصري المعروف بابن عائشة وبالعيشي وبالعائشي؛ لأنه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وهو أحد مشايخ أبي داود وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيان، وثقه أبو حاتم، وقال أبو داود: صدوق. وروى له الترمذي والنسائي. روى ذلك عنه يحيى بن الحكم الكيساني الواسطي، قال أبو حاتم الرازي: هو صدوق. وروى عنه أيضًا، وروى عنه القاسم بن جعفر البصري شيخ الطحاوي. قوله: "لما تيب عليه" أي لما تاب الله عليه، يعني لما قبل توبته عند الفجر؛ صلى ركعتين، فصارت تلك الركعتان الصبح، أي صلاة الصبح. قوله: "وفُدِّي إسحاق - عليه السلام - عند الظهر" يعني: جعل له فداء، وهو الكبش الذي

أرسله الله إليه ليذبح عوضًا عنه، وعند الجمهور الذي فُدِّي هو إسماعيل - عليه السلام -، فصلى إبراهيم - عليه السلام - عند ذلك أربعًا، أي أربع ركعات، فصارت الظهر، أي صلاة الظهر. قوله: "وبُعِثَ عزير - عليه السلام -" أي من نومه الذي سلطه الله عليه مائة عام، والأصح أنه مات؛ لقوله تعالى {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ} (¬1) وذلك لما مرّ على بيت المقدس وقد خربها بخت نصر، فقال: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا}، قال ذلك ليعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة، كما طلبه إبراهيم - عليه السلام - فمات ضحى وبُعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس: يومًا، ثم التفت فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم، فلما عاش وقام، صلى أربع ركعات فصارت العصر، أي صلاة العصر. قوله: "وقد قيل: غير عزير" أي قد قيل: إن الذي صلى العصر غير عزير - عليه السلام -، وهو يونس - عليه السلام -، على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. قوله: "وغفر لداود - عليه السلام -" (¬2). وذكر الفارقي في كتاب "البستان": الصلوات الخمس صلاها خمسة من الأنبياء عليهم السلام، فآدم صلى الفجر، وإبراهيم صلى الظهر، ويونس صلى العصر، وعيسى صلى المغرب، وموسى صلى العشاء. وذكر الشيخ الإِمام الفقيه الزاهد أبو علي الحسن بن يحيى البخاري الزندويستي في كتابه "روضة العلماء" قال الفقيه رحمه الله تعالى: سألت أبا الفضل البرهدري، فقلت له: لم كانت الفجر ركعتين والظهر والعصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والعتمة أربعًا؟ فقال: الشرع. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [259]. (¬2) بيَّض له المؤلف -رحمه الله-.

فقلت: زدني، فقال: قالت الحكماء: لأن كل صلاة صلاها نبي من الأنبياء عليهم السلام في وقتها فادخرها الله تعالى لأمه محمد - عليه السلام - لينالوا فضل أولئك الأنبياء. فأما الفجر فإنما كان ركعتين؛ لأن أول من صلاها أبونا آدم - عليه السلام -، ولما أخرج من الجنة أظلمت عليه الدنيا، وجنَّ الليل ولم يكن رآه قبل ذلك، فخاف من ذلك خوفًا شديدًا، فلما أصبح وانشق الفجر صلى ركعتين شكرًا لله تعالى، الأولى منها شكرًا لله لنجاته من ظلمة الليل، والثانية شكرًا لضوء النهار، وكان منه تطوعًا، فأمرنا الله تعالى بذلك ليذهب به عنا ظلمة المعاصي، كما أذهب عنه ظلمة الليل، وينور علينا نور الطاعة كما نور عليه نور النهار. وأما صلاة الظهر أربع ركعات؛ لأن أول من صلاها إبراهيم الخليل - عليه السلام - لما أمر بذبح الولد، ثم نودي {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} (¬1) وكان النداء عند الزوال، ونظر إبراهيم - عليه السلام - إلى الفداء وكان في أربعة أحوال: حال الذبح، فرفعه الله عنه بالفداء. وحال غم الولد؛ فكشف الله عنه ذلك. وحال النداء الذي ناداه الله تعالى وفدا عنه: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (¬2). وحال رضي الله عنه وصلى عند ذلك أربع ركعات كل ركعة شكرا لما صنع من صنائعه، فأمرنا الله تعالى بذلك، فقال: صلوا أربع ركعات الظهر لأوفقكم على ذبح إبليس اللعين، كما وفقت خليلي بذبح الولد، وأنجيكم من الغم كما نجيته، وأفدي لكم من النار كما فديت عنه، وأرضى عنكم كما رضيت عنه. وأما صلاة العصر فأول من صلاها يونس - عليه السلام - حين أنجاه الله تعالى من بطن الحوت، فكان في أربع ظلمات: ظلمة الزلة، وظلمة الماء، وظلمة الليل، وظلمة ¬

_ (¬1) سورة الصافات، آية: [105]. (¬2) سورة الصافات، آية: [107].

بطن الحوت، فكانت نجاته عند العصر، فصلى أربعًا شكرًا لله تعالى تطوعًا منه، ففرض الله علينا، فقال: عبدى، الأصل العصر أربعًا لأنجيك من ظلمة الخطايا كما أنجيته من بطن الحوت، ومن ظلمة القيامة كما أنجيته من ظلمة الماء، ومن ظلمة جهنم كما أنجيته من ظلمة الليل، ومن ظلمة القبر كما أنجيته من ظلمة الزلة. وأما المغرب فأول من صلاها عيسى بن مريم عليهما السلام حين أخبره الله تعالى: أن قومك يدعونني ثالث ثلاثة فصلى حينئذ ثلاث ركعات، وكان بعد غروب الشمس، فالركعة الأولى: لنفي الألوهية عن نفسه، والثانية: لنفيها عن والدته، والثالثة: لإثبات الألوهية لله تعالى، فإذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ} (¬1) قال: فعند ذلك يهون عليه الحساب وتنجيه من النار، وتؤمنه من الفزع الأكبر، فأمرنا الله بها ليهون علينا الحساب، وينجينا من النار كما أنجاه، ويؤمننا من الفزع الأكبر كما فعل به. وأما العتمة فأول من صلاها موسى - عليه السلام -، حين ضل عن الطريق عند خروجه من المدين، وكان في غم المراة، وغم أخيه هارون، وغم عدوه فرعون، وغم أولاده؛ فنجاه الله تعالى من ذلك كله، وسمع مناديًا ينادي: إني أنا ربك يعني هاديك، أجمع بينك وبين أخيك، وأظفرك على عدوك، فلما سمعه وكان وقت العتمة صلى أربع ركعات لكل حالة ركعة، فأمرنا الله تعالى بذلك، فقال: عبدي، صلى العتمة أربعًا لأهديك كما هديته، وأكفيك كما كفيته، وأجمع بينك وبين الأنبياء عليهم السلام والصديقين كما جمعت بينه وبين هارون، فأعطيك الظفر على عدوك إبليس اللعين، كما أعطيته على عدوه فرعون، فلذلك كانت الصلاة في الأوقات مختلفة انتهى. وفيه مسائل: لم سميت الصلاة صلاة؟ أجيب: لأن فيها الدعاء، والصلاة: الدعاء في اللغة. وقيل: لأن فيها الصلاة على الرسول - عليه السلام -، وقيل: لأن تاركها يصلى النار، ¬

_ (¬1) سورة المائدة، آية: [116].

وقيل: لأنها صلة بين العبد وربه، ويقال: لاتصال أركانها بعضها ببعض. ولم وضعت على أعضاء مختلفة؟ أجيب بأنه ورد في الحديث: "خلقتم من سبع ورزقتم من سبع فاسجدوا لله على سبع؛ ليكون شكرًا لها". ولم وضعت على سبعة عشر ركعة؟ أجيب بأن المفاصل سبع عشرة، فأراد بأن يعتق بكل ركعة مفصلًا. ولم وضعت مثنى وثلاث ورباع؟ أجيب بأن الله أراد أن توافق تلك الركعات أجنحة الملائكة ليكونوا مستغفرين للمصلين قاله جعفر الصادق - رضي الله عنه -. وقيل: وضعت ركعتين لأن العبد نصفان: روح وجسد، وثلاثًا: لأن له نفسًا وقلبًا وروحًا، وأربعًا: لأن له أربع طبائع. ولم وضعت في خمسة أوقات؟ أجيب بأن لله تعالى أفعالًا في هذه الأوقات الخمسة ما ليس في غيرها، وأراد من عنده خدمة خاصة في هذه الأوقات. وقيل: لأن أبواب السماء تفتح في هذه الأوقات.

ص: باب: الوقت الذي يصلى فيه الفجر أي وقت هو؟

ص: باب: الوقت الذي يصلى فيه الفجر أي وقت هو؟ ش: أي هذا باب في بيان الوقت المستحب الذي ينبغي أن تصلى فيه صلاة الفجر لفضيلة ذلك الوقت، وأما وقت الجواز فقد مرّ بيانه، والمناسبة بين الأبواب ظاهرة؛ لأن كلها في بيان أحوال الأوقات وأنوعها. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنَّ نساء المؤمنات يصلين مع النبي - عليه السلام - صلاة الصبح متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى أهلهن وما يعرفهن أحدٌ". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم ورجاله رجاله. والزهري محمد بن مسلم. وأخرجه الجماعة، فقال البخاري (¬1): ثنا يحيى بن بكير، قال: أنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة - رضي الله عنها - أخبرته قالت: "كنَّ نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - عليه السلام - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس". وقال مسلم (¬2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب، كلهم عن سفيان -قال عمرو-: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: "أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي - عليه السلام - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن لا يعرفهن أحد". وقال أبو داود (¬3): ثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة - رضي الله عنها - أنهما قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 210 رقم 553). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 445 رقم 645). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 168 رقم 423).

وقال الترمذي (¬1): ثنا قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وقال النسائي (¬2): أنا إسحاق بن إبراهيم قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "إن نساء المؤمنات كُنَّ يصلين الصبح مع النبي - عليه السلام - متلفعات بمروطهن، فيربعن فما يعرفهن أحد من الغلس". وقال ابن ماجه (¬3): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كن نساء المؤمنات يصلين مع النبي - عليه السلام - صلاة الصبح، ثم يرجعن إلى أهلهن، فلا يعرفهن أحد يعني من الغلس". قوله: "كن نساء المؤمنات" من قبيل "أكلوني البراغيث"، وإلا فالقياس يقتضي أن يقال كانت نساء المؤمنات، ونساء المؤمنات كلام إضافي مرفوع؛ لأنه اسم لقوله: "كن" وخبره قوله: "يصلين". فإن قيل: إضافة النساء إلى المؤمنات إضافة الشيء إلى نفسه، وهي لا تجوز. قلت: الإضافة ها هنا كالإضافة في قولهم: رجال القوم أي: مقدموهم وفضلاؤهم، وكذلك المعنى هَا هنا: كُنَّ فاضلات النساء المؤمنات، ويقال: تقديره نساء الأنفس المؤمنات، ويقال: نساء الجماعات المؤمنات، والكل يرجع إلى معنى واحد. قوله: "متلفعات" حال من النساء، أي متجللات بأكسيتهن، قال الأصمعي: التلفع بالثوب: أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهذا اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنه لم يرفع جانبًا منه فيكون فيه فرجة، وهو عند الفقهاء كالاضطباع إلا أنه في ثوب واحد، وعن يعقوب: اللفاع: الثوب تلتفع به المرأة، أي تلتحف به فيغيبها، وعن كراع: وهو الملفع أيضًا، وعن ابن دريد: اللفاع الملحفة أو الكساء. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 287 رقم 153). (¬2) "المجتبى" (1/ 271 رقم 546). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 220 رقم 669).

وقال أبو عمرو: هو الكساء. وعن صاحب "العين": تلفع بثوبه وتلفع الرجل بالشيب، كأنه غطى سواد رأسه ولحيته، وقال عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": التلفع أن يلقي الثوب على رأسه ثم يلتف به، ولا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال الالتفاع مثل الاشتمال، وأمّا التلفف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه، وفي "المحكم": الملفعة: ما يُلْفع به من رداء أو لحاف أو قناع. انتهى. وذكر القزاز أن عمر قال: إن فلانة كانت ترجلني ولم يكن عليها إلاَّ لفاع، قال: فهذا يدل على أن اللفاع غير القناع؛ لأنه نفي أن يكون عليها غيره ومحال أن يكون عليها قناع ولا شيء تلبسه، وفي "المغيث" وقيل: اللفاع: النطع. وقيل: الكساء الغليظ، وفي "الصحاح": لفع رأسه تلفيعًا أي غطاه. قال القاضي: ووقع لبعض رواة "الموطأ" يحيى وغيره: "متلففات" بفائين، وأكثرهم بالفاء والعين، والمعنى متقارب إلا أن التلفع يختص بتغطية الرأس. قوله: "بمروطهن" جمع مِرط -بكسر الميم- قاله الجوهري، وقال القزاز: المرط ملحفة يؤتزر بها، والجمع أمراط ومروط. وقيل: يكون المرط كساء من خزٍّ أو صوف أو كتان. وفي "المحكم" قيل: هو الثوب الأخضر. وفي "مجمع الغرائب" أكسية من شعر أسود، وعن الخليل هي أكسية معلمة. وقال ابن الأعرابي: هو الإزار. وقال النضر بن شميل: لا يكون المرط إلا درعًا وهو من خزٍّ أخضر، ولا يسمى المرط إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء. وفي "شرح الموطأ": هو كساء صوف رقيق خفيف مربع، كن النساء في ذلك الزمان يأتزرن به ويلتففن. قوله: "وما يعرفهن أحد" قيل: يعني أرجال أم نساء؟ قاله الداودي، ويقال ما يعرف أعيانهن أحد.

وقال النووي: وهذا ضعيف؛ لأن المتلفعة في النهار أيضًا لا يُعرف عينها، فلا يبقى في الكلام فائدة. قلت: ليس مراد هذا القائل أن يشخصهن أحد حقيقة التشخص، بل مراده لا يعرفهن أرجال أم نساء أم صبيان أم بنات؟ فهذا أيضًا قريب من كلام الداودي. ص: حدثنا بن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - بمثله، غير أنه قال: "وما يعرف بعضهن بعضًا من الغلس". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة نحوه. غير أنه قال: "وما يعرفن من الغلس". ش: هذه ثلاث طرق أخرى وهي صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي الحمصي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا أبو اليمان، أبنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة، أن عائشة قالت: "لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الفجر، فتشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن سعيد بن منصور الخرساني، عن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة بن يحيى المدني، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق، عن أبيه القاسم بن محمد، عن عائشة ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 146 رقم 365).

وأخرجه البزار في "سننه" (¬1): ثنا عمرو بن علي، نا أبو داود، نا فليح بن سليمان، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كن نساء المؤمنات يصلين مع رسول الله - عليه السلام - صلاة الصبح متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى أهلهن ما يعرفن من الغلس". وهذا الحديث قد روي عن عائشة من غير وجه. وحديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة لا نعلم رواه عنه إلا فليح. قلت: الغلس والغبش والغبس واحد، كل ذلك من بقايا ظلمة الليل، وفي "المحكم" الغلس: ظلام آخر الليل، ويقال: الغَلَس - بفتحتين- بقاء ظلام الليل واختلاطه بضياء الصباح، والغبس قريب منه إلا أنه دونه. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة. وأخرجه أبو داود (¬2): عن القعنبي، عن مالك. والترمذي (1): عن قتيبة، عن مالك، وقد ذكرناهما. ص: حدثنا بن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن عروة بن الزبير، قال: أخبرني بشير بن أبي مسعود، عن أبيه: "أن النبي - عليه السلام - صلى الغداة، فغلس بها، ثم صلاها فأسفر، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى". ش: عبد الله بن صالح كاتب الليث فيه مقال، فقال النسائي: ليس بثقة. ووثقه كثيرون حتى قيل: إن البخاري روى عنه في "الصحيح" ولكنه يدلسه فيقول: حدثنا عبد الله ولا ينسبه وهو هو. ¬

_ (¬1) كذا "بالأصل، ك"، والصواب: "مسنده"، ولم يطبع مسند عائشة بعد. (¬2) تقدم قريبًا.

وبَشير -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة- الأنصاري المدني. قيل: إنه صحب النبي - عليه السلام - ولا يثبت سماعه منه، والأكثرون على أنه تابعي، روى له الجماعة سوى الترمذي. وأبوه أبو مسعود اسمه عقبة بن عمرو البدري الأنصاري الصحابي. وأخرجه أبو داود (¬1) مطولًا وقال: ثنا محمد بن سلمة، نا ابن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب أخبره: "أن عمر بن عبد العزيز كان قاعدًا على المنبر، فأخَّر العصر شيئًا، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل - عليه السلام - قد أخبر محمدًا - عليه السلام - بوقت الصلاة، فقال له عمر: اعلم ما تقول، فقال له عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: نزل جبريل - عليه السلام - فأخبرني بوقت الصلاة، فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صلت معه -يحسب بأصابعه خمس صلوات- فرأيت رسول الله - عليه السلام - صلى الظهر حين نزول الشمس، وربما أخّرها حين يشتد الحر ورأيته يصلي العصر والشمس مرتفعة بيضاء، قبل أن تدخلها الصفراء، فينصرف الرجل من الصلاة فيأتي ذا الحليفة قبل غروب الشمس، ويصلي المغرب حين تسقط الشمس، ويصلي العشاء حين يسود الأفق، وربما أخرها حتى يجتمع الناس، وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬2)، والبيهقي في "سُننه" (¬3): وقد احتج به قوم على أن حكم التغليس مستمر، وأنه سُنَّه مستمرة. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 161 رقم 394). (¬2) "صحيح ابن حبان" (4/ 298 رقم 1449). (¬3) "السنن الكبرى" (1/ 363 رقم 1580).

وقال الحافظ أبو محمد موسى بن حازم في كتاب "الناسخ والمنسوخ": قد اختلف أهل العلم في الإسفار بصلاة الصبح والتغليس بها، فرأى بعضهم الإسفار الأفضل وذهب إلى قوله: "اصبحوا بالصبح" ورآه محكمًا. وزعم الطحاوي أن حديث الإسفار ناسخ لحديث التغليس، وأنهم كانوا يدخلون مغلسين ويخرجون مسفرين، وليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأن حديث التغليس ثابت، وأن النبي - عليه السلام - داوم عليه حتى فارق الدنيا. ثم روى الحديث المذكور وقال: هذا إسناد رواته عن آخرهم ثقات. قلت: يرد هذا ما أخرجه البخاري (¬1)، ومسلم (¬2): عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله - عليه السلام - صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها". قال العلماء: يعني وقتها المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر، وإنما غلس بها جدًّا وتوضحه رواية البخاري: "والفجر حين نزع"، وهذا دليل على أنه - عليه السلام - كان يسفر بالفجر دائمًا، وقلَّما صلاها بغلس، وبه استدل الشيخ في "الإِمام" لأصحابنا، على أن أسامة بن زيد قد تُكُلِّم فيه، فقال أحمد: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي والدارقطني: ليس بقوي. فثبت بهذا أن زعم الطحاوي صحيح، وأن رد الحازمي كلام الطحاوي ردٌّ غير صحيح، والحق أحق أن يتبع. وقد تكلم البيهقي ها هنا كلامًا فيه تحامل على الطحاوي، وسنذكره مع جوابه في موضعه عن قريب إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي (ح). ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (2/ 604 رقم 1598). (¬2) "صحيح مسلم" (2/ 938 رقم 1289).

وحدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني نهيك بن يريم، عن مغيث بن سُمَيّ، قال: "صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح فغلس، فالتفت إلى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فقلت: ما هذا؟! قال: هذه صلاتنا مع رسول الله - عليه السلام - ومع أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فلما قتل عمر - رضي الله عنه - أسفر بها عثمان - رضي الله عنه -". ش: أخرجه من طريقين جيدين: الأول: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب الإِمام محمد بن الحسن الشيباني، عن بشر بن بكر التنيسي أبي عبد الله البجلي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن نَهيك -بفتح النون- بن يَرِيم -بفتح الياء آخر الحروف- الأوزاعي، عن مغيث بن سُمَي الأوزاعي أبي أيوب الشامي. وأخرجه ابن ماجه (¬1): نا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا الوليد بن مسلم، نا الأوزاعي، نا نهيك بن يريم الأوزاعي، ثنا مغيث بن سُمي، قال: "صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلم أقبلت على ابن عمر فقلت: ما هذه الصلاة؟! قال: هذه صلاتنا كانت مع رسول الله - عليه السلام - وأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فلما طعن عمر - رضي الله عنه - أسفر بها عثمان - رضي الله عنه -" الثاني: عن فهد بن سليمان بن يحيى الكوفي، عن محمد بن كثير العبدي شيخ البخاري وأبي داود، عن الأوزاعي ... إلى آخرة. وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (¬2): أنا أبو عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: ثنا محمد بن الفضل العسقلاني، قال: ثنا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثنا نهيك بن يريم، قال: ثنا مغيث بن سمي: "أن ابن الزبير غلس بصلاة الفجر، فأنكرت ذلك، فلما سلم التفت إلى ابن عمر ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 221 رقم 671). (¬2) "معرفة السنن والآثار" (2/ 342 رقم 702).

فقلت: ما هذه الصلاة؟! وهو إلى جانبي، فقال: هذه صلاتنا مع رسول الله - عليه السلام - وأبي بكر وعمر فلما قتل عمر أسفر بها عثمان - رضي الله عنهما -". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس بن مالك وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما - قالا: "تسحرنا مع النبي - عليه السلام - ثم خرجنا إلى الصلاة، قلت: كم بين ذلك؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية". حدثنا محمد بن سليمان الباغندي، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت، مثله. ش: هذان إسنادان صحيحان: أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو القيسي العَقَدي نسبة إلى عَقَد -بفتح العين والقاف- قوم من قيس، عن هشام الدستوائي، عن قتاده، عن أنس. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس، أن زيد بن ثابت حدثه: "أنهم تسحروا مع النبي - عليه السلام -، ثم قاموا إلى الصلاة، قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين -يعني آية-". حدثنا حسن بن صباح (¬2)، سمع روحًا، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن نبي الله - عليه السلام - وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله - عليه السلام - إلى الصلاة وصلى، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 210 رقم 550). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 210 رقم 551).

وأخرجه مسلم (¬1) في كتاب الصوم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع رسول الله - عليه السلام - ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية". وأخرجه الترمذي (¬2) أيضًا في كتاب "الصوم": ثنا يحيى بن موسى، قال: نا أبو داود الطيالسي، قال: نا هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع النبي - عليه السلام - ثم قمنا إلى الصلاة، قال: قلت: كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية". وأخرجه النسائي (¬3) أيضًا في كتاب "الصوم": أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا وكيع، قال: نا هشام، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع رسول الله - عليه السلام - ثم قمنا إلى الصلاة، قال: زعم أن أنسًا القائل: ما كان بين ذلك؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية". ويستفاد منه حكمان: الأول: استحباب تأخير السحور، قال الترمذي: وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، استحبوا تأخير السحور. الثاني: استحباب التغليس بصلاة الصبح، والجواب عنه أن المراد من قوله: "قاموا إلى الصلاة" أو "قمنا، أو "قام" هو القيام إلى الصلاة بتحصيل شروطها لا حقيقة الشروع في الصلاة عقيب فراغهم من السحورة فإنهم ما كانوا يتسحرون إلا قبل طلوع الفجر، وكذا فراغهم عنه قبله، ولا يمكن أن يسرعون في الصلاة عقيبه؛ لأنه يكون قبل الوقت، ولهذا قدَّر زيد بن ثابت الوقت الذي بين فراغهم من السحور وبين قيامهم إلى الصلاة بمقدار قراءة خمسين آية أو ستين آية، وهذا ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (2/ 771 رقم 1097). (¬2) "جامع الترمذي" (3/ 84 رقم 703). (¬3) "المجتبى" بهذا السند (4/ 143 رقم 2155، 2156).

المقدار مقدار جيد، فيكون قيامهم إلى تحصيل شروط الصلاة بعد مضي هذا المقدار، وحنيئذ لا يكون شروعهم في نفس الصلاة إلا في الإسفار؛ لأن بين طلوع الفجر وبين الإسفار مسافة يسيرة؛ ولئن سلمنا أنهم كانوا يسرعون في نفس الصلاة بعد مضي هذا المقدار من حين فراغهم من السحور، فنقول: إنه محمول على ما إذا أراد تطويل القراءة، ونحن نقول أيضًا بأن المستحب في حق من يريد تطويل القراءة في صلاة الصبح أن يبتدئ في أول الوقت، ويختمها بالإسفار، أو يكون هذا في إبتداء الإِسلام حين كانت الجماعة قليلة، فلما قوي الإِسلام وكثر المسلمون، كان النبي - عليه السلام - يسفر بها؛ ليلحق الجماعه بصلاته - عليه السلام -. والطريق الآخر: عن محمد بن سليمان بن الحارث الباغندي، قال الدارقطني: لا بأس به. وقال الخطيب: رواياته كلها مستقيمة؛ فلا أعلم في حديثه منكرًا، ولا أعلم لأي علة ضعَّفه من ضعَّفه، ونسبته إلى باغند -بالباء الموحدة وفتح الغين المعجمة، وسكون النون، والدال المهملة- وهي قرية من قرى واسط ينسب إليها جماعة من العلماء. وهو يروي عن عمرو بن عون بن أوس أبي عثمان الواسطي البزاز، روى له الجماعة. عن هشيم بن بشير روى له الجماعة، عن منصور بن زاذان أبي المغيرة الواسطي روى له الجماعة، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنهما -. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا القاسم بن عيسى الطائي، ثنا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن قتادة، عن أنس، عن زيد بن ثابت قال: "تسحرنا مع رسول الله - عليه السلام - ثم خرجنا فصلينا". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: حدثني سعد ابن إبراهيم، قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن قال: لما قدم الحجاج وجعل ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (5/ 116 رقم 4793).

يؤخر الصلاة، فسألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال: كان رسول - عليه السلام - أو قال: كانوا يصلون الصبح بغلس". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر بن عبد الله قال: "كانوا يصلون الصبح بغلس". ش: هذان إسنادان صحيحان: الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبي إسحاق المدني، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - القرشي الهاشمي، أبي عبد الله المدني من رجال الصحيحين. عن جابر بن عبد الله الأنصاري. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (¬1): ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحسن يقول: "لما قدم الحجاج بن يوسف كان يؤخر الصلاة، فسألنا جابر بن عبد الله عن وقت الصلاة، فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهجير أو حين تزول الشمس، ويصلي العصر والشمس مرتفعة، ويصلي المغرب حين تغرب الشمس، ويصلي العشاء يؤخر أحيانًا ويعجل أحيانًا، إذا اجتمع الناس عَجَّل، وإذا تأخروا أخّر، وكان يصلي الصبح بغلس- أو قال: كانوا يصلونها بغلس". قال أبو داود: وهكذا قال شعبة. وأخرجه البخاري (¬2): ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو هو ابن الحسن بن علي، قال: "سألت جابر بن ¬

_ (¬1) "مسند الطيالسي" (1/ 238 رقم 1722). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 207 رقم 540).

عبد الله عن صلاة النبي - عليه السلام - فقال: كان النبي - عليه السلام - يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عَجَّل، وإذا قلُّوا أخر، والصبح بغلس". وأخرجه مسلم (¬1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا غندر، عن شعبة. وثنا محمد بن مثنى وابن بشار، قالا: نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بعض قال: "لما قدم الحجاج المدينة، فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان رسول - عليه السلام - يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانًا يؤخرها، وأحيانًا يعجل، كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخَّر، والصبح كانوا -أو قال-: كان النبي - عليه السلام - يصليها بغلس". وأخرجه أبو داود (¬2): عن مسلم بن إبراهيم، نحو رواية البخاري، غير أن في رواية أبي داود: "والمغرب إذا غربت الشمس ... " والباقي سواء بسواء. وأخرجه النسائي (¬3): أنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار، قالا: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة ... إلى آخره مثل رواية مسلم، غير أنه لم يذكر الصبح. قوله: "لما قدم الحجاج" أي المدينة كما صرح به في رواية مسلم، والحجاج هو ابن يوسف بن الحكم بن أبي عَقِيل -بالفتح- بن مسعودبن عامر بن معتّب -بالتشديد- بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قَسِيّ -وهو ثقيف- الثقفي، عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان، توفي في رمضان -أو في شوال- سنة خمس وتسعين للهجرة، وعمره ثلاث أو أربع وخمسون سنة. قوله: "عن ذلك" أي عن تأخير الحجاج الصلاة. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 446 رقم 646). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 163 رقم 397). (¬3) "المجتبى" (1/ 264 رقم 527).

قوله: "بغلس" أي في أول الوقت عند اختلاط الظلام بالضياء. والطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمَّد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -. عن جابر بن عبد الله الأنصاري. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي قال: "لما قدم الحجاج المدينة، فسألنا جابر بن عبد الله فقال: كان رسول الله - عليه السلام - ... " إلى آخره نحو رواية مسلم سواء. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا عبد الله بن حسان العنبري، قال: حدثتني جدتاي صفية بنت عُليبة ودحيبة بنت عُليبة، أنهما أخبرتهما قيلة ابنة مخرمة، أنها قدمت على رسول الله - عليه السلام - وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، وقد أقيمت حين شق الفجر، والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تعارف من الظلمة". ش: يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي أبو محمد البصري المقرئ النحوي روى له الجماعة سوى البخاري، الترمذي في "الشمائل". وعبد الله بن حسان التميمي أبو الجنيد العنبري يلقب عتريس، روى له أبو داود والترمذي. وصفية بنت عُليبة -بضم العين المهلة وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة- روى لها أبو داود والترمذي. ودحيبة -بضم الدال وفتح الحاء المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة- بنت عُليبة وثقها ابن حبان. روى لها البخاري في "الأدب" وأبو داود والترمذي، وهي وصفية أختان بنتا عليبة وجدتان لعبد الله بن حسان. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 369 رقم 15011).

وقَيْلة -بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف- بنت مخرمة العنبرية الصحابية وكانت صفية ودحيبة ربيبتي قيلة هذه وكانت قيلة جدة أبيهما. والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1) مطولًا: ثنا أبو مسلم الكشي، ثنا حفص بن عمر أبو عمر البصري الحوضي (ح). وثنا معاذ بن المثنى والفضل بن حباب أبو خليفة، قالا: ثنا عبد الله بن سوَّار بن قدامة بن عنزة العنبري (ح). وثنا يعقوب بن إسحاق المخرمي، ثنا عفان بن مسلم (ح). وثنا محمد بن زكرياء الغلابي، ثنا عبد الله بن رجاء الغداني (ح). وثنا محمد بن هشام بن أبي الدميك المستلمي، نا عبيد الله بن محمد بن عائشة التيمي، قالوا: ثنا عبد الله بن حسان العنبري أبو الجنيد أخو بني كعب العنبري، حدثتني جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة، وكانتا ربيبتي قيلة، أن قيلة بنت مخرمة حدثتهما أنها كانت تحت حبيب بن أزهر أخي ابن جناب، فولدت له النساء، ثم توفي، فانتزع منها بناتها أثوب بن أزهر عمهن، فخرجت تبتغي الصحابة إلى رسول الله - عليه السلام - في أول الإِسلام فبكت جويرية منهن. حديباء قد كانت أخذتها الفرصة، وهي أصغرهن، عليها سبيج لها من صوف فرحمتها فاحتملتها معها فبَيْنا هما ترتكان الجمل إذا انتفجت الأرنب فقالت الحديباء الفصتية: لا والله لا يزال كعبك أعلى من كعب أثوب في هذ الحديث أبدًا ثم لما سنح الثعلب فسمته اسمًا غير الثعلب نَسَبَه عبد الله بن حسان ثم قالت ما قالت في الأرنب فبينما هما ترتكان إذْ برك الجمل وأخذته رعدة فقالت الحديباء الفَصْتية: والله أخذة أثوب، فقلت: واضطررت إليها: ويحكي ما أصنع؟ قا لت: قلبي ثيابك ظهورها لبطونها، وتدحرجي ظهرك لبطنك، وقلبي أحلاس جملك ثم خلعت سبيجها فقلبته وتدحرجت ظهرها لبطنها، فلما فعلتُ ما أمرتني انتفض الجمل، ثم ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (25/ 7 رقم 1).

قام فتفأّج وبال فقالت الحديباء: أعيدي عليك إداتك، ففعلتُ ما أمرتني به، فأعدتها، ثم خرجنا نرتك، فإذا أثوب يسعى على إثرنا بالسيف صَلْتًا فَوَألنا إلى حواء ضخم، فداراه حتى ألقى الجمل إلى رواق البيت الأوسط جمل ذلول، واقتحمت داخله بالجارية وأدركني بالسيف فأصابت، ظبته طائفة من قرون رأسي، وقال: ألقي إليَّ بنت أخي يادفار، فرميت بها إليه، فجعلها على منكبه، فذهب بها، وكنت أعلم به من أهل البيت ومضيت إلى أخت لي ناكح من بني شيبان أبتغي الصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول الإسلام، فبينما أنا عندها ذات ليلة من الليالي تَحْسِب يميني نائمة جاء زوجها من الشام، فقال: وأبيك لقد وجدت لقيلة صاحبًا صاحب صدق، فقالت أختي: من هو؟ قال: حريث بن حسان الشيباني، عاد وافد بكر بن وائل إود رسول الله - عليه السلام - ذا صباح، فقالت أختي: الويل لب، لا تسمع بهذا أختي فتخرج مع أخي بكر بن وائل بين سمع الأرض وبصرها ليس معها من قومها رجل، فقال: لا تذكريه لها فإني غير ذاكر لها، فسمعت ما قالا فعدوت فشددت على جملي، فوجدته غير بعيد، فسألته الصحبة، فقال: نعم وكرامة، وركابه مناخة عنده فخرجت معه صاحب صدق حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بالناس صلاة الغداة وقد أقيمت حين شق الفجر، والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تعارف من ظلمة الليل فصففت مع الرجال، امرأة حديثة عهد بجاهلية، فقال لي الرجل الذي يليني من الصف: امرأة أنت أم رجل؟ فقلت: لا بل امرأة، فقال: إنك قد كدت تفتنيني، فصلي في النساء ورائك وإذا صف من نساء قد حدث عند الحجرات لم أكن رأيته حين دخلت، فكنت فيهن حتى إذا طلعت الشمس دنوت، فجعلت إذا رأيت رجلًا ذا رداء وذا قشرٍ طمح إليه بصري لأرى رسول الله - عليه السلام - فوق الناس، حتى جاء رجل بعد ما ارتفعت الشمس، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله - عليه السلام -: وعليك السلام ورحمة الله، وعليه أسمال مُليَّتين قد كانتا بزعفران، وقد نفضتا، وبيده عُسَيب نخلة مقشوّ غير خوصتين من أعلاه، قاعد القرفصاء، فلما رأيت

رسول الله - عليه السلام - المتخشع في الجلسة أرعدت من الفَرَق فقال له جليسه: يا رسول الله، أرعدت المسكينة. فقال رسول الله - عليه السلام - ولم ينظر إلى وأنا عند ظهره: يا مسكينة، عليك السكينة، فلما قالها رسول الله - عليه السلام -؛ أذهب الله ما كان دخل قلبي من الرعب، وتقدم صاحبي أول رجل حريث بن حسان فبايعه على الإسلام وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله، أكتب بيننا وبين بني تميم بالدهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلا مسافر أو مجاوز، فقال رسول الله - عليه السلام -: اكتب له بالدهناء يا غلام، فلما أمر له بها، شُخِصَ بي، وهي وطني وداري، فقلت: يا رسول الله لم يسألك السوية من الأمر إذْ سألك؛ إنما هذه الدهناء عندها مقيد الجمل، ومرعى الغنم، ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك، فقال: أمسك يا غلام، صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفُتَّان، فلما رأى ذلك حريث أن قد حيل دون كتابه ضرب بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: كنت أنا وأنت كما قال وحتفها تحمل ضأن بأظلافها فقالت: والله ما أعلم أن كنت لدليلًا في الظلماء بذولا لذي الرحل، عفيفًا عن الرفيقة، حتى قدمنا على رسول الله - عليه السلام -، ولكن لا تلمني على أن أسأل حظي إذْ سألت حظك، قال: وما حظك في الدهناء لا أبا لك؟ قلت: مقيد جملي تسأله لجمل امرأتك قال: لا جرم إني أشهد رسول الله - عليه السلام - إني لك أخ وصاحب ما حييت إذا ثنيت على هذا عنده فقلت: إذ بدأتها ولن أضيعها، فقال رسول الله - عليه السلام - أيلام ابن هذه أن يفصِّل الخطة وينتصر من وراء الحجرة، فبكيتُ ثم قلت: قد والله ولدته يا رسول الله حرامًا، فقاتل معك يوم الربذة ثم ذهب يميرني من خيبر فأصابته حماها فمات، فترك عليّ النساء، فقال رسول الله - عليه السلام -: فوالذي نفسي بيده لو لم تكوني مسكينة لجررناك على وجهك -أو لجررت على وجهك شك عبد الله بن حسان أي الحرفين حدثته المرأتان- أتغلب إحداكن صوحبها في الدنيا معروفًا فإذا حال بينه وبين من هو أولى به اسْتُرجع ثم قال: رب آسني ما أمضيت فأعني على ما أبقيتَ، فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبلى فيستعير له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم، ثم كتب لها في قطيعة أديم أحمر

لقيلة والنسوة من بنات قيلة ألا يظلمن حقًّا ولا يكرهن على منكح وكل مؤمن ومسلم لهن نصير، أحْسنَّ ولا تَسئنَ". انتهى. وقد أخرج أبو داود (¬1) قطعة منه في باب إقطاع الأرضين في كتاب الخراج، وقال: ثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل -المعنى واحد- قالا: نا عبد الله ابن حسان العنبري، قال: حدثتني جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة، وكانت جدة أبيهما، أنها أخبرتهما قالت: "قدمنا على رسول الله - عليه السلام -، تقدم صاحبي -تعني حريث بن حسان- وافد بكر بن وائل، فبايعه على الإسلام عليه وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله، اكتب بيننا وبين تميم بالدهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلا مسافر أو مجاوز، فقال: أكتب له يا غلام بالدهناء، فلما رأيته قد أمر له بها شُخِصَ بي، وهي وطني وداري، فقلت له: يا رسول الله، إنه لم يسألك السويّة من الأرض إذ سألك، إنما هذه الدهناء عندها نقيد الجمل، ومرعى الغنم، ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك، فقال: أمسك يا غلام، صدقت المسكينة؛ المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان". وأخرج الترمذي (¬2) قطعة أيضًا في باب "ما جاء في الثوب الأصفر": ثنا عبد بن حميد، قال: ثنا عفان بن مسلم الصفار أبو عثمان قال: ثنا عبد الله بن حسان، أنه حدثته جدتاه صفية بنت عليبة ودحيبة بنت عليبة، حدثتاه عن قيلة بنت مخرمة وكانتا ربيبتيها وكانت قيلة جدة أبيهما أمُّ أمه، أنها قالت: "قدمنا على رسول الله - عليه السلام - ... " فذكرت الحديث بطوله: "حتى جاء رجل وقد ارتفعت الشمس، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله - عليه السلام -: وعليك السلام ورحمة الله، وعليه -تعني النبي - عليه السلام - أسمال مليئتين كانتا بزعفران، وقد نفضتا ومعه عسيب نخلة". قال أبو عيسى: حديث قيلة لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن حسان انتهى. قوله: "فخرجت تبتغي الصحابة" أي تطلبها. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (2/ 193 رقم 3070). (¬2) "جامع الترمذي" (5/ 120 رقم 2814).

قوله: "حديباء" تصغير حدباء، والحَدَب بالتحريك ما ارتفع وغلط من الظهر، وقد يكون في الصدر، وصاحبه: أحدب. قلت: الذي في ظهره: أحدب، والذي في صدره: أقعس. قوله: "أخذتها الفرصة" قال ابن الأثير: أي ريح الحديث، ويقال بالسين، وقال ابن عائشة: الفَرصة ذات الحديث، والفِرصة القطعة من المسك، والفُرصة: الدولة، يقال: أنتهز فرصتك: أي دولتك. قوله: "عليها سُبَيِّج" بضم السين المهملة، وفتح الباء الموحدة، وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره جيم تصغير سبيج كَرَغِيف ورُغَيِّفّ، وهو معرب: شَبِيّ، للقميص بالفارسية، وقيل: معناه ثوب صوف أسود، وقال ابن عائشة: السُّبَيِّج سَمل كساء، وفي "العباب": وقال ابن الأعرابي: السِّيبج -بكسر السين وسكون الياء وفتح الباء الموحدة- قال: وأراه معربًا. قوله: "تُرْتِكان الجمل" أي تحملانه على السير السريع، يقال: رَتَكَ يَرْتِكُ رَتْكًا ورَتَكَانًا، وقال ابن عائشة: الرَتَكان: ضرب من السير. قوله: "إذا انتفجت الأرنب" أي وثبت، وقال ابن عائشة: الانتفاج: السعي. قوله: "الفصية" قال ابن عائشة: الفصية: انقضاء الأمور، قلت: هو بفتح الفاء وسكون الصاد المهملة وفتح الياء آخر الحروف، وأرادت بها الخروج من الضيق إلى السعة، وهو اسم من التفصي. وقال ابن الأثير: أرادت أنها كانت في ضيق وشدة من قبل عمّ بناتها، فخرجت منه إلى السعة والرخاء. قوله: "ثم سنح" قال ابن عائشة: أي ولاك ميامنه، وبعض العرب يجعل مياسره، وهم يتطيرون بأحدهما ويتفاءلون بالآخر. قوله: "أحلاس جملك" جمع حِلْس -بالكسر- وهو الكساء الذي يلي ظهر

البعير، تحت القَتَب. قوله: "فتفاءَّج": أي تفتح. قوله: "صلتًا" أي مجردًا مسلولًا. قوله: "فوألنا" أي لجأنا إلى "حِواء" بكسر الحاء المهملة، وبالمد في آخره، قال ابن الأثير: الحِواء: بيوت مجتمعة من الناس على ماء والجمع: أحوية. قوله: "فأصابت ظبته" أي طَرفُه وحدُّه وأصلها ظُبَوٌ على وزن صُرَدٌ، فحذفت الواو، وعُوِّض منها الهاء. قوله: "طائفة من قرون رأسي" أي قطعة من ذوائب شعري، وكل ضفيرة من ضفائر الشعر قرن. قوله: "يا دفار" أي يا مُنْتنة. قوله: "حين شق الفجر" أي حين طلع، يقال: شق الفجر وانشق إذا طلع، كأنه شق موضع طلوعه وخرج منه. قوله: "والنجوم شابكة في السماء" أي مشتبكة، أرادت أن النجوم ظهرت جميعها واختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها. قوله: "لا تكاد تَعَارَفُ" بفتح التاء وضم الفاء، وأصله تتعارف بتاءين، فحذفت إحداها للتخفيف كما في قوله تعالى: {نَارًا تَلَظَّى} (¬1) أصله: تتلظى. قوله: "ذا رُواء" بضم الراء وبالمد، أي ذا منظر حسن. قوله: "وذا قِشْر" أي ذا لباس والقِشْر اللباس ومنه تسمى الحلة: قشرة. قوله: "طمح إليه بصري" أي امتد وعلا. قوله: "وعليه أسمال" جمع سَمْل، وهو الخَلِق من الثياب، وهو مضاف إلى قوله: ¬

_ (¬1) سورة الليل، آية: [14].

"مُلَيَّتين" تصغير ملائين تثنية ملاءة، وهي الإزار. قوله: "عُسّيِّب نخلة" أي جريدة منها، وهي السعفة، مما لا ينبت عليه الخوص، وقال ابن الأثير: الرواية: "عُسَيِّب نخلة" مصغرًا. قوله: "مقشوّ" أي مقشور عنه خوصه، يقال: قشوت العود إذا قشرته. قوله: "بالدهناء" الدهناء -بفتح الدال تمد وتقصر- موضع ببلاد بني تميم. قوله: "شُخِصَ بي" أي ارتفع بصري. قوله: "علي الفتان" يروى بضم الفاء وفتحها، فبالضم جمع فاتن، أي يعاون أحدهما الآخر على الذين يضلون الناس عن الحق، ويفتنونهم، وبالفتح: هو الشيطان؛ لأنه يفتن الناس عن الدين، وفُتَّان مبالغة فاتن. قوله: "وحتفها تحمل ضأنًا بأظلافها" هذا مثل، وأصله: أن رجلًا كان جائعًا بالبلد القفر، فوجد شاة ولم يكن معه ما يذبحها به، فبحثت الشاة الأرض فظهرت فيها مدية فذبحها بها، فصار مثلًا لكل من أعان على نفسه بسوء تدبيره، والحتف: الموت، والضمير في حتفها يرجع إلى الضأن، وهو جمع ضائن خلاف الماعز، والتقدير: تحمل ضأن حتفها بأظلافها. و"الأظلاف" جمع ظلف وهو للبقرة والشاة والظبي ونحوها، ويجمع على ظلف أيضًا. قوله: "رب آسني" أي اجعل لي أسوة بما تعطني به، قال ابن الأثير: معناه عَزِّني وصَبِّرني، ويروى: أُسْني -بضم الهمزة وسكون السين - أي عَوِّضني، والأوْس العوض. ص: حدثنا أبو أميّة، قال: ثنا ووح بن عبادة والحجاج بن نصير، قالا: ثنا قرة بن خالد السدوسي، قال: ثنا ضرغامة بن عليية بن حرملة العنبري، قال: حدثني أبي، عن جدي قال: "أتيت رسول الله - عليه السلام - في ركوب من الحي، فصلى بنا صلاة الغداة فانصرف وما كاد أعرف وجوه القوم، أي كأنه

بغلس". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال: ثنا قرة، عن ضرغامة بن عليبة، عن أبيه، عن جده، عن النبي - عليه السلام -، مثله. ش: هذان طريقان: أحدهما: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي شيخ النسائي وأبي عوانة الإسفرائيني وأبي حاتم الرازي، قال في "الميزان": محدث رحَّال ثقة. عن روح بن عبادة بن العلاء البصري روى له الجماعة. وعن الحجاج بن نصير الفساطيطي القيسي أبي محمد البصري، فعن أحمد: ضعيف. وكذا عن النسائي، وذكره ابن حبان في "الثقاب" وقال: يخطئ ويهم. كلاهما يرويان عن قرة بن خالد السدوسي أبي محمد البصري روى له الجماعة. عن ضرغامة بن عليبة العنبري وثقه ابن حبان. عن أبيه عليبة بن حرملة العنبري التميمي وثقه ابن حبان. عن جده حرملة بن عبد الله التميمي العنبري الصحابي، وهو جَدُّ حبان بن عاصم لأمه، وجَدُّ صفية ودحيبة ابنتي عليبة لأبيها. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا معاذ بن المثنى، ثنا أبي وعمي عبيد الله بن معاذ، قالا: ثنا أبي، ثنا قرة بن خالد، ثنا ضرغامة بن عليبة بن حرملة، حدثني أبي، عن أبيه قال: "انطلقت في وفد الحي إلى رسول الله - عليه السلام -، فصلى بنا صلاة الصبح، فلما سلم جعلت انظر إلى وجه الذي إلى جنبي، فما أكاد أعرفه من الغلس فقلت: يا رسول الله، أوصني، قال: اتق الله، وإن كنت في القوم فسمعتهم يقولون لك ما يعجبك فأته، وإن سمعتهم يقولون لك ما تكره، فدعه". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (4/ 6 رقم 3476).

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز -بالخاء والزائين المعجمات- وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هارون بن إسماعيل الخزاز فقال: شيخ محله الصدق، كان عنده كتاب عن علي بن المبارك، وكان تاجرًا. عن قرة بن خالد، عن ضرغامة ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (¬1): ثنا قرة بن خالد، ثنا ضرغامة بن عليبة بن حرملة العنبري، عن أبيه عليبة، عن جده حرملة قال: "أتيت رسول الله - عليه السلام - في ركب من الحي، فصلى بنا صلاة الصبح، فجعلت انظر إلى الذي بجنبي فما أكاد أعرفه من الغلس، فلما أردت الرجوع، قلت: أوصني يا رسول الله، قال: اتق الله، وإذا كنت في مجلس فقمت عنهم فسمعتهم يقولون ما يعجبك فأته وإذا سمعتهم يقولون ما تكره فلا تأته". قوله: "في ركوب من الحط" الركوب جمع رَكْب جمع رَاكِب كصَحْب جمع صَاحِب، والراكب في الأصل هو راكب الإبل خاصة، ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة. قوله: "وما أكاد" أي وما أقرب "أعرف"، وذلك لأجل الغلس، وهو ظلمة آخر الليل المختلطة بضياء الصباح. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى هذه الآثار، وقالوا: هكذا يفعل في صلاة الفجر يغلس بها؛ فإنها أفضل من الإسفار بها. ش: أراد بهؤلاء القوم: الأوزاعي والليث وإسحاق بن راهويه والشافعي وأحمد ومالكًا -في الصحيح عنه- وأبا ثور وداود؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الأحاديث المذكورة، وقالوا: التغليس بالفجر أفضل من الإسفار بها، وذكر ابن قدامة عن أحمد: إذا اجتمع المصلون فالتغليس أفضل وإن أخروا فالتأخير أفضل. ¬

_ (¬1) "مسند الطيالسي" (1/ 167 رقم 126).

وقال ابن المنذر: وقد روينا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن الزبير وابن عمر وأبي هريرة أخبارًا تدل على أن التغليس أفضل من تأخيرها. قلت: وسنذكر عن عمر وعلي وعثمان وأبي موسى وابن عمر ما يخالف هذا. وقال ابن حزم: وتعجيل جميع الصلوات في أول أوقاتها، أفضل على كل حال حاشى العتمة؛ فإن تأخيرها إلى آخر وقتها في كل حال وكل زمان أفضل، إلا أن يشق ذلك على الناس فالرفق بهم أولى، وحاشى الظهر للجماعة خاصة في شدة الحر خاصة، فالإبراد بها إلى آخر وقتها أفضل. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل الإسفار بها أفضل من التغليس. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وإبراهيم النخعي وطاوسًا وسعيد بن جبير وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأكثر العراقيين وفقهاء الكوفة وأصحاب ابن مسعود - رضي الله عنهم - فإنهم قالوا: بل الإسفار بالصبح أفضل من التغليس، وقالوا: الإسفار قوة الضوء. وهو أيضًا اختيار ثعلب وغيره من اللغوين، يقال: أسفرت المرأة إذا ألقت خمارها عن وجهها، وأسفر وجهها إذا أضاء، وقال الجوهري: معنى اسفروا بالفجر: أي صلوها مسفرين، ويقال: طولوها إلى الإسفار. وقال ابن طريف: أسفر الليل: انقضى انكشفت ظلمته. وفي "المغيث": أسفر الصبح: انكشف، وفي "الأساس" للزمخشري: وخرجوا في السفر: في بياض الفجر، ورُحْ بنا بسفر: ببياض قبل الليل، وفي المجاز: وجه مسفر: مشرق سرورًا، قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} (¬1)، وفي "المعرب": أسفر الصبح: أضاء، وأسفر بالصلاة أي صلاها بالإسفار، وقال في "المحيط": إذا كانت السماء مُصْحية فالإسفار أفضل إلا للحاج بمزدلفة، فهناك التغليس أفضل، وعمم في "المبسوط" فقال: الإسفار أفضل من التغليس في الأوقات كلها، وقال الطحاوي: ¬

_ (¬1) سورة: عبس، آية: [38].

إن كان من عزمه التطويل يشرع في التغليس ليخرج في الإسفار، قال: وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، وفي كتاب "الأسرار" للدبوسي: لا يباح التأخير لمن ينام في بيته بعد الفجر بل يحضر المسجد لأول الوقت، ثم ينتظر الصلاة، ثم يصلي لآخر الوقت؛ إذ لو صلى لأول الوقت قَلَّ ما يمكنه اللبث والمقام إلى طلوع الشمس فلا ينشغل بعد الفراغ بحديث الدنيا. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: "حجَّ عبد الله، فأمرني علقمة أن ألزمه، فلما كانت ليلة المزدلفة فطلع الفجر، قال: أقم، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن هذه لساعة ما رأيتك تصلي فيها قط، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس من المزدلفة، وصلاة الغداة حين يبزغ الفجر، ورأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك". وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "خرجت مع عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - إلى مكة، فصلى الفجر يوم النحر حين سطع الفجر، ثم قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن هاتين الصلاتين تحولان عن وقتهما في هذا المكان: المغرب، وصلاة الفجر في هذه الساعة". ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه من فضيلة الإسفار بالفجر؛ بحديث عبد الله بن مسعود. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن روح بن الفرج القطان أبي الزنباع المصري، عن عمرو بن خالد ابن فروخ الحنظلي أبي الحسن الجزري الحراني أحد مشايخ البخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين.

عن زهير معاوية بن حديج أبي خيثمة الكوفي أحد أصحاب أبي حنيفة، وعن أحمد: زهير فيما روى من المشايخ ثبت بخٍ بخٍ. روى له الجماعة. عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة. عن عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي أبي بكر الكوفي، ابن أخي علقمة بن قيس، روى له الجماعة ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (¬1): من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن ابن يزيد قال: "خرجت مع عبد الله إلى مكة، ثم قدمنا جَمْعًا فصلى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، وتعشى بينها، ثم صلى الفجر وقائل يقول: طلع، وقائل يقول: لا، ثم قال: إن رسول الله - عليه السلام - قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان، ولا يقدم الناس جمعًا حتى يُعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة، ثم وقف حتى أسفر ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السُنَّة، فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان؟ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة". وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا عفان، ثنا جرير بن حازم، سمعت أبا إسحاق يحدث عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "حججنا مع ابن مسعود في خلافة عثمان - رضي الله عنه - قال: فلما وقفنا بعرفة قال: فلما غربت الشمس، قال ابن مسعود: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن كان قد أصاب فلا أدري كلمة ابن مسعود كانت أسرع أو إفاضة عثمان؟ قال: فأوضع الناس ولم يزد ابن مسعود على العَنَق حتى أتينا جمعًا، فصلى ابن مسعود المغرب، ثم دعى بعشائه فتعشى، ثم قام فصلى العشاء الآخرة، ثم رقد حتى إذا طلع الفجر قام فصلى الغداة، قال: فقلت له: ما كنت تصلي هذه الصلاة هذه الساعة -قال: وكان يسفر بالصلاة- قال: إني رأيت رسول الله - عليه السلام - في هذا اليوم في هذا المكان يصلي في هذه الساعة". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (2/ 604 رقم 1599). (¬2) "مسند أحمد" (1/ 410 رقم 3893).

قوله: "حين يبزغ الفجر" أي حين يطلع يقال: بزغت الشمس، وبزغ القمر، وغيرهما، إذا طلعت، والبزوغ: الطلوع. قوله: "حتى يعتموا" أي حتى يدخلوا في وقت العتمة، وهي العشاء. قوله: "فأوضع الناس" من وضع البعير يضع وضعا، وأوضع راكبه إيضاعًا: إذا حمله على سرعة السير. قوله: "على العَنَق" وهو ضرب من السير، قال الجوهري: العنق ضرب من سير الدابة والإبل، وهو سير مستطرّ، أي ممتد. وهذا يدل على استحباب الإسفار بالفجر؛ لأن عبد الله لما صلى الفجر يومئذ في أول وقته استعجبه عبد الرحمن بن يزيد؛ لأن عهده أنه يسفر بالفجر دائمًا، ولهذا قال: إن هذه لساعة ما رأيتك تصلي فيها قط، وقال ابن مسعود في جوابه: إن رسول الله - عليه السلام - كان لا يصلي هذه الساعة -يعني في أول الفجر- إلا هذه الصلاة -يعني صلاة الصبح- في هذا المكان -يعني في مزدلفة- في هذا اليوم -يعني يوم النحر- فدل ذلك أن رسول الله - عليه السلام - كان لا يصلي الفجر دائمًا إلا في الإسفار إلا في يوم مزدلفة؛ فإنه كان يغلس بها فيها، لتدارك الوقوف، ولا يعارضه حديث أبي مسعود البدري: "أنه - عليه السلام - صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى مات - عليه السلام - لم يعد إلى أن يسفر". من وجهين: الأول: أن في إسناده أسامة بن زيد قد تكلموا فيه، فقال أحمد: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي والدارقطني: ليس بالقوي. فلا يعارض حديث ابن مسعود؛ لكون رجاله ثقاتًا من رجال الصحيحين. الوجه الثاني: أن ابن مسعود أخبر بحال الرسول - عليه السلام - من أبي مسعود؛ لشدة ملازمته رسول الله - عليه السلام -، وكان حامل نعله، ولا يفارقه، وهو أكثر اطلاعًا من غيره في أمور عباداته واختياره الأوقات المستحبة فيها.

فإن قيل: حديث أبي مسعود قد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه، فهلَّا يعارض حديث ابن مسعود. قلت: بلى قد أخرجوه، ولكن البخاري ومسلما لم يذكرا في روايتهما قضية الإسفار مرة، ثم كانت صلاته التغليس حتى مات. فإن قيل: قد قال المنذري: هذه الزيادة في قضية الإسفار رواتها عن آخرهم ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة. قلت: قَدْ مَرَّ جوابه آنفًا: أن فيهم أسامة بن زيد، وقد قيل فيه ما قيل، وقد مر الكلام فيه مرة. الطريق الثاني: ليس من الطحاوي، وإنما هو من أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المقرئ الذي روينا كتاب "معاني الآثار" عنه عن الطحاوي، وهو من زيادات أبي بكر، ولهذا لا يوجد في كثير من النسخ. يروي عن أبي عروبة الحسن بن محمد الحراني الإمام الحافظ. عن عبد الرحمن بن عمرو البجلي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا حسن بن موسى، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، سمعت عبد الرحمن بن يزيد قال: "حج عبد الله بن مسعود، فأمرني علقمة أن ألزمه، فلزمته فكنت معه ... ". فذكر الحديث وفيه: "فلما كان حين طلع الفجر، قال: أقم، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن هذه لساعة ما رأيتك صليت فيها! قال: قال: "إن رسول الله - عليه السلام - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تُحَولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، وصلاة الغداة حين يبزغ الفجر، قال: رأيت رسول الله - عليه السلام - فعل ذلك". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 461 رقم 4399).

الطريق الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي عبد الله محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن بن يزيد ... إلى آخره. وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (¬1): ثنا عبد الرزاق، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "أفضت مع ابن مسعود من عرفه، فلما جاء المزدلفة صلى المغرب والعشاء كل واحدة منهما بأذان وإقامة، وجعل بينهما العَشَاء، ثم نام، فلما قال قائل: طلع الفجر. صلى الفجر، ثم قال: إن رسول الله - عليه السلام - قال: إن هاتين الصلاتين أخرتا عن وقتهما في هذا المكان، أما المغرب فإن الناس لا يأتون ها هنا حتى يُعتموا، وأما الفجر فهذا الحين، ثم وقف، فلما أسفر قال: إن أصاب أمير المؤمنين دفع الآن، قال: فما فرغ عبد الله من كلامه حتى دفع عثمان - رضي الله عنه -". قوله: "تُحولان" أي تنقلان وتصليان في غير وقتها المعهود، وهذا دليل صريح إلى أنه - عليه السلام - كان يسفر بالصبح دائمًا؛ لأنه قال: "وصلاة الفجر في هذه الساعة" يعني ساعة طلوع الفجر، ولو كان يغلس بها دائما كما غلس بها في هذا اليوم لَما قال: "إن هاتين الصلاتين تحولان عن وقتهما" أي عن وقتهما المعهود؛ لأن المعهود في المغرب أن يصلى عقيب غروب الشمس، والمعهود في الصبح أنه كان يصليها عند الإسفار، وإن كان وقتها من بعد طلوع الفجر، ولو لم يكن المعنى ما ذكرنا لخلا كلامه - عليه السلام - عن الفائدة. ص: وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا بشر بن السري، قال: ثنا زكرياء بن إسحاق، عن الوليد بن عبد الله بن أبي سُمَيْرة، قال: حدثني أبو طريف "أنه كان شاهدًا مع النبي - عليه السلام - حصن الطائف، فكان يصلي بنا صلاة البَصَر حتى لو أن إنسانًا رمى بنبله أبصر مواقع نبله". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 449 رقم 4293).

ش: يحيى بن معين -بفتح الميم- بن عون المري الغطفاني أبو زكرياء البغدادي الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، والمشار إليه بين أقرانه، وهو أحد مشايخ البخاري ومسلم وأبي داود وأحمد بن حنبل وأبي يعلى الموصلي وآخرين وبشر بن السري البصري أبو عَمرو الأفوه روى له الجماعة. وزكرياء بن إسحاق المكي روى له الجماعة. والوليد بن عبد الله بن أبي سُمَيْرة. وقيل: ابن سُمَيْر ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين. وأبو طريف مولى عبد الرحمن بن طلحة حجازي، قال عبد الرحمن بن أبي هاشم عن أبيه: أبو طريف روى عن النبي - عليه السلام -، روى عنه الوليد بن عبد الله بن أبي سميرة. وقال أبو عمر في "الاستيعاب": أبو طريف الهذلي سمع النبي - عليه السلام -، يعد في أهل الحجاز، ويقال: إنه تابعي. والحديث أخرجه البغوي (¬1): عن علي بن مسلم، عن يحيى بن معين، عن بشر بن السري ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي متنًا وإسنادًا. وأخرجه البغوي مرة أخرى بلفظ: "حاضرنا مع رسول الله - عليه السلام - حصن الطائف، وصلى بنا صلاة البصر، حتى لو شاء إنسان أبصر مواقع نبله". وأخرجه العسكري في كتاب "الصحابة": ثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمود بن آدم، قال: نا بشر بن السري، قال: ثنا زكرياء بن إسحاق، عن الوليد بن عبد الله بن أبي سميرة، نحوه. غير أن في روايته: "فكان يصلي بنا صلاة المغرب". ¬

_ (¬1) وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 447 رقم 1941).

وكذلك أخرجه ابن الأثير في "معرفة الصحابة" (¬1) وقال: أنا يحيى بن أبي رجاء بإسناده إلى ابن أبي عاصم، قال: ذكر بشر بن طريف، عن أزهر بن القاسم، عن زكرياء بن إسحاق، عن الوليد بن عبد الله بن أبي سميرة، عن أبي طريف أنه قال: "كنت مع النبي - عليه السلام - حين حاصر أهل الطائف، وكان يصلي بنا صلاة المغرب. ولو أن إنسانًا رمى بنبله لأبصر مواقع نبله". قوله: "صلاة البَصَر" بفتح الباء الموحدة والصاد. قيل: هي صلاة المغرب، وروي ذلك عن أحمد أبي أنه قال: صلاة البَصَر: صلاة المغرب. وقيل: صلاة الفجر؛ لأنهما يؤديان وقد اختلط الظلام بالضياء، والبَصَر ها هنا بمعنى الإبصار، يقال: بَصُر به بصرًا، فعل هذا تحمل الروايتان على المعنين، فتحمل رواية الطحاوي على صلاة الفجر؛ لأنه أخرجه دليلًا على استحباب الإسفار بالفجر، وتحمل رواية غيره على صلاة المغرب، فكلتا الروايتين صحيحة، ووقع في بعض نسخ الطحاوي: "صلاة الفجر" موضع "صلاة البصر". ص: وحدثنا يزيد بن مشان، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - يقول: "كان النبي - عليه السلام - يؤخر الفجر كاسمها". ش: إسناده جيد حسن. وسفيان هو الثوري، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل -بفتح العين- بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو محمد المدني، ضعفه النسائي، وقال الترمذي: صدوق. وقال البخاري: مقارب الحديث. وروى له في غير الصحيح. قوله: "كاسمها" أراد أنه كان يصليها عند انفجار الصبح، وهو انفلاقه وانكشافه عند آخر الليل؛ لأن الفجر في آخر الليل كالشفق في أوله، فكما أنه اسم ¬

_ (¬1) "أسد الغابة" (1/ 1200).

لآخر الليل فكذلك كان - عليه السلام - يؤخر صلاة الفجر إلى آخر وقت الفجر، يعني وقت الإسفار. ص: وحدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا سعيد بن عامر الضبعي، قال: ثنا عوف، عن سيار بن سلامة قال: "دخلت مع أي على أبي برزة - رضي الله عنه - فسأله عن صلاة رسول الله - عليه السلام - فقال: كان ينصرف من صلاة الصبح والرجل يعرف وجه جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وعوف هو ابن أبي جميلة العبدي الهجري أبو سهل البصري المعروف بابن الأعرابي، روى له الجماعة. وسيّار بن سلامة الرياحي أبو المنهال البصري، روى له الجماعة. وأبو برزة -بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة بعدها الزاي المعجمة- اسمه نضلة بن عبيد بن برزة الأسلمي - رضي الله عنه -. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، ثنا أبي، ثنا النضر بن شميل، ثنا سيّار بن سلامة، عن أبي برزة قال: "كان رسول الله - عليه السلام - ينصرف من الصبح، فينظر الرجل إلى الجليس الذي كان يعرفه فيعرفه". وأخرج النسائي (¬2) في فضل القراءة: أنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، ثنا يزيد، قال: أنا سليمان التيمي، عن سيّار -يعني ابن سلامة- عن أبي برزة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يقرأ في صلاة الغداة بالستين إلى المائة". ويستفاد منه: استحباب الإسفار بالفجر، وتطويل القراءة فيه. ص: قالوا: ففي هذه الآثار ما يدل على تأخير رسول الله - عليه السلام - إياها، وعلى تنويره بها، وفي حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يصلي في سائر الأيام صلاة ¬

_ (¬1) (...). (¬2) "المجتبى" (2/ 157 رقم 948).

الصبح في خلاف الوقت الذي يصلي فيه بمزدلفة، وأن هذه الصلاة تحول عن وقتها. ش: أي قال الجماعة الآخرون في هذه الأحاديث التي رويت عن عبد الله بن مسعود وأبي طريف وجابر بن عبد الله وأبي برزة ما يدل على أن النبي - عليه السلام - كان يؤخر صلاة الفجر إلى وقت الإسفار والتنوير، وكذلك حديث عبد الله يدل على ذلك؛ لأنه قال: "كان - عليه السلام - يصلي في جميع الأيام صلاة الصبح في خلاف الوقت الذي كان يصليها فيه بمزدلفة، وكان في مزدلفة يصليها في أول الوقت بالغلس" فيكون خلافه الإسفار والتنوير، وقال أيضًا: "إن هذه الصلاة تحول عن وقتها". يعني عن وقتها المعتاد، وهو الإسفار والتنوير؛ فدل أنه - عليه السلام - كان يستمر على الإسفار بها إلا في يوم مزدلفة وهذا ظاهر لا يخفى. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: وليس في شيء من هذه الآثار ولا فيما تقدمها دليل على أن الأفضل من ذلك ما هو؟ لأنه قد يجوز أن يكون - عليه السلام - فعل شيئًا وغيره أفضل منه، على التوسعة منه على أمته، كما توضأ مرة بعد مرة، وكان وضوءه ثلاثًا ثلاثًا أفضل من ذلك، فأردنا أن ننظر فيما روي عنه سوى هذه الآثار هل فيها ما يدل على الفضل في شيء من ذلك؟ فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "أسفروا بالفجر، فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر، أو لأجوركم". وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر". وحدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم بن أبي الناس، قال: حدثني شعبة، عن داود، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "نوروا بالفجر فإنه أعظم للأجر".

ش: أشار بهذا الكلام إلى أن استدلال كل واحد من الفريقين بالأحاديث التي ذكرها كل فريق للاحتجاج لا يتم به؛ وذلك لأنه قد يجوز أن يكون - عليه السلام - فعل التغليس والحال أن الإسفار أفضل، ويجوز أن يكون فعل الإسفار والحال أن التغليس أفضل توسعة بذلك على أمته، كما فعل كذلك في الوضوء حيث توضأ مرة مرة، والحال أن الثلاث كان أفضل، فإذا كان كذلك فلا يتم استدلال بذلك، فيتعين الرجوع إلى غير هذا ليوقف على أي شيء أفضل، فنظرنا في ذلك فوجدنا رافع بن خديج - رضي الله عنه - قد روى عن النبي - عليه السلام -: "أسفروا بالفجر". وفي رواية: "نوروا" وكذا روي عن غيره بصيغة الأمر على ما نذكره إن شاء الله تعالى. فدل ذلك على أن الإسفار أفضل من التغليس؛ فحينئذ يتم استدلال أهل المقالة الثانية، وتقوم حجتهم على ساقها. فإنْ قيل: فعل هذا ينبغي أن يكون الإسفار واجبًا لمقتضى الأوامر فيه. قلت: الأمر إنما يدل على الوجوب إذا كان مطلقًا مجردًا عن القرائن الصارفة إلى غيره، والأوامر التي وردت في الإسفار ليست كذلك، فلا يدل إلا على الاستحباب. ثم إنه أخرج حديث رافع بن خديج من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن على بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن محمد بن عجلان القرشي روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري روى له الجماعة، عن محمود بن لبيد بن عتبة بن رافع الأنصاري ذكره مسلم في التابعين من الطبقة الثانية وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال: له صحبة، قال: وقال أبي: لا يعرف له صحبة. قال أبو عمر: قول البخاري أولى.

والحديث أخرجه الأربعة: فالترمذي (¬1): عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر. لباقون. عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر. ولفظ أبي داود (¬2): "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم أو أعظم للأجر". ولفظ ابن ماجه (¬3): "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم للأجر أو لأجركم". ولفظ النسائي (¬4): "أسفروا بالفجر". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬5) وقال: أنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: ثنا أبو خيثمة، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، عن النبي - عليه السلام - قال: "أصبحوا بالصبح؛ فإنكم كلما أصبحتم بالصبح كان أعظم لأجوركم أو لأجرها". وذكره الطوسي وابن القطان وابن حزم في الصحاح، فقال ابن القطان: طريقه طريق صحيح. وقال الترمذي: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، وقال البغوي: هو حديث حسن. ولما ذكر ابن حزم هذا الحديث في "المحلى" قال: الخبر صحيح، وقال أبو محمد الأزدي: هذا حديث يدور بهذا الإسناد فيما أعلم على عاصم، وهو ثقة عند أبي زرعة وابن معين، وضعفه غيرهما، وقد روي مسند آخر إلى رافع، وحديث عاصم أصح. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 289 رقم 154). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 169 رقم 424). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 221 رقم 672). (¬4) "المجتبى" (1/ 272 رقم 548). (¬5) "صحيح ابن حبان" (4/ 355 رقم 1489).

وحديث رافع من طريق عاصم حسن. وقال ابن القطان: لا أعرف لعاصم مضعِّفًا. ورواه أبو داود من حديث ابن عجلان بدلًا من ابن إسحاق. وجمع بينهما الطبراني (¬1) فقال: نا إبراهيم بن نائلة، نا محمد بن المغيرة، ثنا النعمان، ثنا سفيان، عن محمد بن إسحاق وابن عجلان. وثنا (¬2) محمد بن عبدوس، ثنا إبراهيم بن راشد الأدمي، ثنا معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر، قالوا: ثنا عاصم به. قال: وثنا (¬3) أبو مَعْن، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا شعبة، عن أبي داود، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن رافع. قال: لم يروه عن شعبة إلا آدم وبقية، إلا أن بقية رواه عن شعبة، عن داود البصري، وقيل: إنه داود بن أبي هند. ورواه أبو نعيم في كتاب "الصلاة" (¬4): عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمود به. وهذا الطحاوي أيضًا رواه من حديث ابن عجلان وابن إسحاق، كلاهما عن عاصم، ومن حديث داود بن أبي هند عن زيد بن أسلم عن محمود به. الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (¬5): ثنا هناد، قال: ثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (4/ 250 رقم 4287). (¬2) "المعجم الكبير" (4/ 251 رقم 4291). (¬3) "المعجم الكبير" (4/ 251 رقم 4292)، وهو في "الأوسط" (3/ 334 رقم 3319). (¬4) "فضائل الصلاة" لأبي نعيم الفضل بن دكين (1/ 337 رقم 273). (¬5) "جامع الترمذي" (1/ 289 رقم 154).

عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر". الثالث: عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس عبد الرحمن التميمي شيخ البخاري، عن شعبه بن الحجاج، عن داود بن أبي هند البصري، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثني أبي، ثنا بقية بن الوليد، عن شعبة بن الحجاج، حدثني داود البصري، عن زيد بن أسلم، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، عن النبي - عليه السلام - قال: "أسفروا بصلاة الفجر فإنه أعظم للأجر". فإن قيل: قد قال ابن حزم في "المحلى" (¬2): وهذا الخبر صحيح، إلا أنه لا حجة لهم فيه إذا أضيف إلى الثابت من فعله - عليه السلام - في التغليس، حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن، أو حين يعرف الرجل وجه جليسه الذي كان يعرفه، وإن هذا كان المداوم عليه من عمله - عليه السلام -، وصح أن الإسفار المأمور به إنما هو بأن ينقضي طلوع الفجر ولا يصلي على شك منه. قلت: قد مر أن الثابت من فعله - عليه السلام - في التغليس لا يدل على الأفضلية؛ لأنه يجوز أن يكون غيره أفضل منه وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر؛ لأن قوله: "أعظم للأجر". أفعل التفضيل فيقتضي أجرين أحدهما أكمل من الآخر؛ لأن صيغة أفعل تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين، فحينئذ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل منه، فلو كان الإسفار لأجل تقصي طلوع الفجر لم يكن في وقت التغليس أجر لخروجه عن الوقت. فافهم. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (4/ 251 رقم 429). (¬2) "المحلى" (3/ 189).

فإن قيل: قد قال البيهقي (¬1): رجح الشافعي: حديث عائشة - رضي الله عنها - بأنه أشبه بكتاب الله -عز وجل - الله تعالى يقول: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (¬2) فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة، وأن رسول الله - عليه السلام - لا يأمر بأن تُصلى صلاة في وقت يصليها في غيره، وهذا أشبه بسنن رسول الله - عليه السلام - وذكر حديث (¬3) "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله" وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئًا، والعفو لا يحتمل إلا معنيين: عفو عن تقصير، أو توسعة. والتوسعة تشبه أن يكون الفضل في غيرها إذا لم يؤمر بترك ذلك الغير الذي وُسِّع في خلافه -يريد الوقت الأول- قال: وقد أبان رسول الله - عليه السلام - مثل ما قلنا، وسئل أي الأعمال أفضل؟ فقال:"الصلاة في أول وقتها" وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به. وقال: قال الشافعي في حديث رافع: له وجه يوافق حديث عائشة ولا يخالفه، وذلك أن رسول الله - عليه السلام - لما حضَّ الناس على تقديم الصلاة، وأخبر بالفضل فيها احتمل أن يكون من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر، فقال: "أسفروا بالفجر" حتى يتبين الفجر الآخر معترضًا فأراد - عليه السلام -فيما نرى- الخروج من الشك، حتى يصلي المصلي بعد اليقين بالفجر، فأمرهم بالإسفار أي بالتبين. قلت: المراد بالآية والمحافظة فيها: هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها، وليس فيها دليل على أن أول الوقت أفضل، بل هي دليل لنا؛ لأن الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار في أول الوقت، فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة؛ ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجر، فلا يكون محافظًا للصلاة في وقتها. قوله: "وإن رسول الله - عليه السلام - لا يأمر بأن تصلى صلاة ... " إلى آخره يوهم رد حديث رافع المذكور، وليس هذا بصحيح؛ لأنه ثبت من طريق صحيح عن ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (1/ 472 - 473). (¬2) سورة البقرة، آية: [238]. (¬3) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (1/ 436 رقم 1893)، والدارقطني في "سننه" (1/ 249 رقم 21) من حديث ابن عمر، وأخرجه بنحوه الترمذي (1/ 321 رقم 172).

النبي - عليه السلام - أنه أمر بالإسفار كما مَرَّ ذكره، وقد قلنا أيضًا: إن صلاته - عليه السلام - في الغلس لا يدل على الأفضلية حتى يقال لا يأمر بأن تصلى صلاة في وقت يصليها في غيره. وأما حديث (¬1): "أول الوقت، رضوان الله، وآخره عفو الله" فالمراد من العفو: الفضل، كما في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (¬2) أي الفضل، فكان معنى الحديث -والله أعلم-: أن من أدى الصلاة في أول الوقت فقد نال رضوان الله وأمن من سخطه وعذابه، لامتثاله أمره وأدائه ما وجب عليه، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان، فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك. وأما حديث (¬3): "سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة في أول وقتها" فمعناه أداء الصلوات في أول وقتها أفضل الأعمال، وذكر "أول" ها هنا لأجل الحث والتحضيض والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا فالذي يؤديها في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يؤديها في أوله، فعُلم أن المراد من ذكر الأول الحث والتأكيد في المنع عن الكسل في آدائها وتأخيرها عن وقتها إلى خروجها عنه، لا أن الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع، فحاصل المعنى: الصلاة في وقتها أفضل الأعمال ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول. وأما قوله: وقد قال الشافعي في حديث رافع ... إلى آخره، يرده ويبطل تأويله ¬

_ (¬1) تقدم قريبًا. (¬2) سورة البقرة، آية: [219]. (¬3) أخرجه أبو داود في "السنن" (1/ 169 رقم 426)، وأحمد في "المسند" (6/ 374 رقم 27147)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 302 رقم 680) كلهم من حديث أم فروة، وأخرج البخاري نحوه من حديث ابن مسعود (1/ 197 رقم 504).

ما رواه ابن أبي شيبة (¬1)، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي (¬2) في مسانيدهم والطبراني في "معجمه" (¬3). فقال الطيالسي (3): ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني. وقال الباقون: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، ثنا هُرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، سمعت جدي رافع بن خديج يقول: قال رسول الله - عليه السلام - لبلال: "يا بلال، نوِّر صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار". ورواه بن أبي حاتم في "علله" (¬4) فقال: ثنا هارون بن معروف وغيره، عن أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم بن سليمان، عن هُرَير به. قال: ورواه أبو نعيم، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع، عن هُرَير به. ورواه ابن عدي أيضًا في "الكامل" (¬5): عن أبي إسماعيل المؤدب، وأسند عن ابن معين أنه قال: أبو إسماعيل المؤدب ضعيف. قال ابن عدي: ولم أجد في تضعيفه غير هذا، وله أحاديث غرائب حسان تدل على أنه من أهل الصدق، وهو ممن يكتب حديثه. وحديث آخر يبطل ما قالوا، رواه الإمام (أبو القاسم القاسم بن ثابت) (¬6) السَّرَقُسْطي في كتاب "غريب الحديث": حدثنا موسى بن هارون، ثنا محمد بن الأعلى، ثنا المعتمر، سمعت يبانًا، أنا سعيد، قال: سمعت أنسًا - رضي الله عنه - يقول: ¬

_ (¬1) "مسند ابن أبي شيبة" (1/ 78 رقم 83). (¬2) "مسند الطيالسي" (1/ 129 رقم 961). (¬3) "المعجم الكبير" (4/ 277 رقم 4414) من طريق أبي إسماعيل المؤدب، ثنا هريرة به. (¬4) "علل ابن أبي حاتم" (1/ 139 رقم 385). (¬5) "الكامل" لابن عدي (1/ 250). (¬6) كذا في "الأصل، ك"، ولعل الصواب: أبو القاسم ثابت. انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء" (14/ 562 - 563).

"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصبح حين يفسح البصر" انتهى. قال: يقال: فسح البصر وانفسح إذا رأى الشيء عن بعد، يعني به إسفار الصبح، فحينئذ تأويلهم معنى الإسفار أن يظهر الفجر ويتبين حتى لا يُشَك فيه غير صحيح؛ لأن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار كما ذكره أهل اللغة، وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الفجر، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة. فإن قيل: قد قيل: إن الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة؛ لأن الصبح لا يتبين فيما جدًّا فأمرهم بزيادة التبيّن استظهارًا باليقين في الصلاة. قلت: هذا تخصيص بلا مخ - صلى الله عليه وسلم - وهو باطل. ويرده أيضًا ما أخرجه ابن أبي شيبة (¬1): عن إبراهيم النخعي: "ما اجتمع أصحاب محمد - عليه السلام - على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر". ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا زهير بن عباد، قال: ثنا حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن رجال من قومه من الأنصار من أصحاب النبي - عليه السلام - قالوا: قال النبي - عليه السلام -: "أصبحوا بصلاة الصبح، فما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر". وحدثنا محمد بن هشام، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر، عن رجال من قومه من الأنصار من أصحاب النبي - عليه السلام - قالوا: قال رسول الله - عليه السلام -: "أصبحوا بالصبح. فكلما أصبحتم بها فإنه أعظم للأجر". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن زهير بن عباد الرؤاسي قال الدراقطني: مجهول. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 284 رقم 3256).

قلت: هو ابن عم وكيع بن الجراح كوفي نزل مصر، وحدث عن مالك وحفص بن ميسرة وجماعة، وعنه الحسن بن سفيان وأبو حاتم الرازي وروح بن الفرج وغيرهم، ووثقه جماعة. عن حفص بن ميسرة العقيلي أبي عمر الصنعاني نزيل عسقلان روى له البخاري ومسلم والنسائي ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (¬1): من حديث زيد بن أسلم، عن عاصم بن عمر، عن رجال من قومه من الأنصار، أن النبي - عليه السلام - قال: "ما أصبحتم بالصبح فهو أعظم للأجر". الثاني: عن محمد بن هشام هو محمد بن حميد بن هشام الرُّعَيْني، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد. قوله: "أصبحوا" أمر من الإصباح وهو الإسفار والتنوير. ص: وحدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا أيوب بن سيّار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن أبي بكر الصديق، عن بلال - رضي الله عنهم - عن النبي - عليه السلام -، مثله. ش: أخرج الطبراني (¬2) نحوه: ثنا عبد الرحمن بن سالم الرازي، ثنا الهيثم بن اليمان، ثنا أيوب بن سيّار، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن أبي بكر، عن بلال - رضي الله عنهم - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا بلال، أصبحوا بالصبح؛ فإنه خير لكم". وأخرجه البزار في "مسنده" (¬3) من حديث جابر عن بلال: ثنا محمد بن عبد الرحيم، قال: ثنا شبابة بن سوّار، قال: ثنا أيوب بن سيَّار، عن ابن المنكدر، عن جابر، عن بلال، عن النبي - عليه السلام -: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وقال: ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 479 رقم 1513). (¬2) "المعجم الكبير" (1/ 329 رقم 1016). (¬3) "مسند البزار" (4/ 196 رقم 1357)، وفيه جابر، عن أبي بكر، عن بلال. وقد رواه الطبراني أيضًا في "الكبير" (1/ 351 رقم 1067) من نفس الطريق دون ذكر أبي بكر فيه.

أيوب ليس بالقوي، وقال ابن الجوزي: أيوب بن سيّار أبو سيّار الزهري المدني نزل فيد فعرف بالفيدي يروي عن ابن المنكدر، قال يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال ابن المدني: ضعيف جدًا. وقال يحيى مرة: كذاب. قلت: قال ابن عدي: أظنه مدنيًّا وليست أحاديثه بالمنكرة جدًّا إلا أن الضعف يتبين على رواياته. ولعله عند الطحاوي مَرْضي؛ ولهذا أخرج حديثه في معرض الاستدلال، أو يكون زيادة وتأكيدًا؛ لأن في الباب أحاديث صحيحة كثيرة. فافهم. وهذا كما قد رأيت أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن رافع بن خديج، وعن رجال من الأنصار من الصحابة، وبلال - رضي الله عنهم - وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي برزة الأسلمي وجابر وبلال. قلت: وفي الباب عن قتادة بن النعمان وابن مسعود وأبي هريرة ومحمود بن لبيد وأنس بن مالك وأبي الدرداء وحواء الأنصارية فحديث أبي برزة وجابر وبلال قد ذكر. وحديث قتادة عند البزار والطبراني في "الكبير" من حديث فليح بن سليمان، ثنا عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم لأجركم- أو للأجر". ورجاله ثقات. وحديث ابن مسعود عند الطبراني (¬1): ثنا أحمد بن أبي يحيى الحضرمي، ثنا أحمد بن سهل بن عبد الرحمن الواسطي، ثنا المعلى بن عبد الرحمن، ثنا سفيان الثوري وشعبة، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا نحوه. وحديث أبي هريرة عند ابن حبان في كتاب "الضعفاء" (¬2): من حديث سعيد بن أوس، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا، نحوه. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (10/ 178 رقم 10381). (¬2) "المجروحين" (1/ 324، 325).

وروى البزار في "مسنده" والطبراني في "معجمه" (¬1) بإسنادهما: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "لا تزال أمتي على الفطرة ما أسفروا بصلاة الفجر". وفيه حفص بن سليمان ضعفه ابن معين والبخاري وأبو حاتم وابن حبان ووثقه أحمد في رواية، وضعفه في أخرى. وحديث محمود بن لبيد عند أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر". وعبد الرحمن بن زيد ضعيف. وحديث أنس بن مالك عند البزار: ثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم الأزدي، ثنا خالد بن مخلد، ثنا يزيد بن عبد الملك، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "اسفروا بصلاة الصبح فإنه أعظم للأجر أو أعظم لأجركم". ويزيد بن عبد الملك ضعفه البخاري وأحمد والنسائي وابن عدي، ووثقه ابن معين في رواية وضعفه في أخرى. وحديث أبي الدرداء عند أبي إسحاق (¬3) إبراهيم بن محمد بن عُبيد: ثنا أبو زرعة، نا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا محمد بن شعيب، سمعت سعيد بن سنان يحدث، عن أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، عن النبي - عليه السلام - قال: "أسفروا بالفجر تفقهوا". وحديث حواء الأنصارية عند الطبراني في "الكبير" (¬4): ثنا أحمد بن محمد الجمحي، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني، نا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، ¬

_ (¬1) قال الهيثمي في "المجمع" (2/ 63 رقم 1767): رواه البزار والطبراني في "الكبير" وفيه حفص ابن سليمان ضعفه ابن معين والبخاري وأبو حاتم وابن حبان وقال ابن خراش: كان يضع الحديث ووثقه أحمد في رواية وضعفه في أخرى. (¬2) "مسند أحمد" (5/ 429 رقم 23685). (¬3) انظر "عمدة القاري" (4/ 90). (¬4) "المعجم الكبير" (24/ 222 رقم 563).

عن ابن بجيد الحارثي، عن جدته حواء الأنصارية -وكانت من المبايعات- قالت: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر". وإسحاق بن إبراهيم الحنيني ضعفه النسائي وغيره، وذكره ابن حبان في "الثقات"، والحنيني بضم الحاء، وبعدها نون، ثم ياء آخر الحروف، ثم نون. وابن بُجَيْد بضم الباء الموحدة، وفتح الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وجدته حواء بنت زيد بن السكن، أخت أسماء بنت زيد بن السكن. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: ففي هذه الآثار الأخبار عن موضع الفضل، وأنه التنوير بالفجر، وفي الآثار الأول التي في الفصلين الأولين الإخبار عن الوقت الذي كان يصلي فيه النبي - عليه السلام - أي وقت هو، فقد يجوز أن يكون كان رسول الله - عليه السلام - مرة يغلس، ومرة يسفر على التوسعة، والأفضل من ذلك ما بينه في حديث رافع حتى لا تتضاد الآثار في شيء من ذلك، فهذا وجه ما روي عن النبي - عليه السلام - في هذا الباب. ش: أراد بهذه الآثار: التي رويت عن رافع بن خديج، وعن رجال من الأنصار من الصحابة، وعن بلال - رضي الله عنهم - التي فيها الأمر بالإسفار. قوله: "الإخبار" بكسر الهمزة. قوله: "وأنه التنوير" بيان لقوله: "عن موضع الفضل". قوله: "التي في الفصلين الأولين" أراد بالفصلين فصل أحاديث أهل المقالة الأولى التي فيها الإخبار بالتغليس وفصل أحاديث أهل المقالة الثانية التي فيها الإخبار عن الإسفار؛ فإن كلاًّ من أحاديث الفصلين لا يدل إلا على الوقت الذي كان يصلي فيه النبي - عليه السلام - أي وقت هو، فليس فيها دليل على أفضلية أحدهما؛ لأنه يجوز أن يفعل أحدهما مع كون الآخر أفضل منه؛ توسعة على أمته، كما ذكرناه فيما مضى. وأما بيان الأفضل من الفعلين ففي حديث رافع بن خديج؛ لأنه نص عليه بالأمر، وقد ذكرناه مستقصى، فبهذا التوجيه يرتفع التضاد بين أحاديث الفصلين المذكورين، فافهم.

ص: وأما ما روي عمن بعده في ذلك: فإن محمد بن خزيمة قد حدثنا، قال: ثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت منصور بن المعتمر يحدث، عن إبراهيم النخعي، عن حبان بن الحارث قال: "تسحرنا مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فلما فرغ من السحور أمر المؤذن فأقام الصلاة". قال أبو جعفر -رحمه الله-: ففي هذا الحديث أن عليًّا - رضي الله عنه - دخل في الصلاة عند طلوع الفجر، وليس في ذلك دليل على وقت خروجه منها أي وقت كان؟ فقد يحتمل أن يكون أطال فيها القراءة فأدرك التغليس والتنوير جميعًا، وذلك عندنا حسن. ش: أي أما الآثار التي رويت عن من بعد النبي - عليه السلام - في الباب المتنازع فيه، فإن من جملة ما روي في ذلك: أثر على بن أبي طالب - رضي الله عنه - فإنه يدل على أنه غلس، فاستدل به أهل المقالة الأولى وقالوا: لو لم يكن التغليس أفضل لما بادر علي - رضي الله عنه - إلى إقامة الصلاة من بعد فراغه من السحور، فأجاب الطحاوي عن ذلك بقوله: "قال أبو جعفر ... " إلى آخره، وهو ظاهر. ورجال هذا الأثر ثقات. حِبَّان -بكسر الحاء وتشديد الباء الموحدة- بن الحارث أبو عقيل الكوفي، ذكره ابن حبان في "الثقات". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا جرير، عن منصور، عن شبيب بن غرقدة، عن أبي عَقِيل قال: "تسحرت مع علي - رضي الله عنهم - ثم أمر المؤذن أن يقيم". وأخرجه البيهقي (¬2): ثنا أبو زكرياء وأبو بكر وأبو سعيد، قالوا: ثنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: قال الشافعي: أنا ابن عينية -وفي رواية ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 276 رقم 8930). (¬2) "معرفة السنن والآثار" (1/ 471 رقم 639)، وهو في "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 456 رقم 1985) من طريق أبي زكرياء عن أبي العباس.

أبي سعيد- عن ابن عُينية، عن شبيب بن غرقدة، عن حبان بن الحارث قال: "أتيت عليًّا - رضي الله عنه - وهو معسكر بِدَيْر أبي موسى، فوجدته يطعم، فقال: ادن فكل، فقلت: إني أريد الصوم، قال: وأنا أريده، فدنوت فأكلت، فلما فرغ قال: يا ابن التياح، أقم الصلاة". ص: فأردنا أن ننظر هل روي عنه ما يدل على شيء من ذلك؛ فإذا أبو بشر الرفي قد حدثنا، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه قال: "كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يصلي بنا الفجر، ونحن نتراءى الشمس مخافة أن تكون قد طلعت". فهذا الحديث يخبر عن إنصرافه أنه كان في حال التنوير، فدل ذلك على ما ذكرنا. ش: لما أول ما روي عن علي - رضي الله عنه - من الأثر المذكور بالتأويل المذكور، أتى بأثر آخر روي عنه يدل على صحة ما ذكره من التأويل؛ لأنه كان يخبر فيه أنه كان ينصرف عن صلاته في حال التنوير، فإذن لا يتم استدلال أهل المقالة الأولى بالأثر المذكور، بل يكون هو دليلًا لنا عليهم على ما لا يخفى، وعندي جواب آخر فتح لي من الأنوار الإلهية، وهو أن إقامة علي - رضي الله عنه - الصلاة بعد فراغه من السحور لم يكن لأجل أن التغليس أفضل عنده، وإنما كانت لكونه مشغولًا بأمر العسكر لمصالح العباد، فاستعجل في إقامة الصلاة في أول وقتها ليتفرغ إلى أشغاله، والدليل عليه: رواية البيهقي: "أتيت عليًّا وهو يعسكر بِدَيْر أبي موسى" فكان علي على السفر وتجهيز العسكر، وكان تغليسه لذلك، وكان ربما لو أخر إلى الإسفار لضاعت مصالح المسلمين، ورعاية مصالح المسلمين أولى بل أوجب من رعاية الوقت المستحب، فافهم. وأبو بشر الرقي اسمه عبد الملك بن مروان وقد تكرر ذكره. وشجاع بن الوليد بن قيس السكوني روى له الجماعة، وداود بن يزيد الأودي الزعافري أبو يزيد الكوفي الأعرج، عمّ عبد الله بن إدريس، فيه مقال، فضعفه أحمد ويحيى، وروى له الترمذي وابن ماجه.

وأبوه يزيد بن عبد الرحمن الأودي جد عبد الله بن إدريس، وثقه ابن حبان. وأخرجه بن جرير الطبري: من حديث داود بن يزيد الأودي، عن أبيه قال: "كان علي - رضي الله عنه - يصلي بنا الفجر ونحن نتوقى الشمس مخافة أن تكون قد طلعت". ص: وقد روي عنه أيضًا في ذلك الأمر بالإسفار، كما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن سعيد بن عُبيد، عن علي بن ربيعة، قال: سمعت عليًّا - رضي الله عنه - يقول: يا قنبَرْ أسفر أسفر". وكما حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: ثنا سيف بن هارون البرجمي، عن عبد الملك بن سَلع الهمداني، عن عبد خير قال: "كان علي - رضي الله عنه - ينور بالفجر أحيانًا، ويغلس بها أحيانًا". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فيحتمل تغليسه بها أن يكون تغليسًا يدرك به الإسفار. ش: أي وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أيضًا في الإسفار: الأمر به، وروي عنه أيضًا أنه كان تارة يسفر، وتارة يغلس، فتغليسه يحتمل أن يكون تغليسًا يدرك به الإسفار، وبهذا يحصل التوفيق بين أمره بالإسفار وبين تغليسه بنفسه وإسفاره بنفسه أيضًا، فافهم. فالأول: أخرجه عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن سعيد بن عبيد الطائي أبي الهزيل الكوفي، عن علي بن ربيعة الوالبي أبي المغيرة الكوفي. وهذا إسناد صحيح؛ لأن رواته ثقات. وأخرجه ابن جرير الطبري. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن الثورى، عن سعيد بن عبيد، عن ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 569 رقم 2165).

علي بن ربيعة، قال: "سمعت عليًّا - رضي الله عنه - يقول لمؤذنه: أسفر أسفر يعني صلاة الصبح". وقُنْبر -بضم القاف، وسكون النون، وفتح الباء الموحدة، وقيل: بفتح القاف، وقيل: بضم القاف والباء أيضًا -وهو مولى علي بن أبي طالب، ويقال: كان (كرديًا) (¬1). والثاني: أخرجه عن فهد بن سليمان بن يحيى الكوفي، عن محمد بن سعيد بن سليمان الأصبهاني شيخ البخاري، عن سيف بن هارون البرجمي أبي الورقاء الكوفي، فيه مقال؛ فعن يحيى: ليس بذاك، وقال النسائي والدارقطني: ضعيف. وزاد الدارقطني: متروك. روى له الترمذي وابن ماجه. والبُرْجمي -بضم الباء الموحدة وسكون الراء، وضم الجيم- نسبة إلى أحد البراجم وهم قيس وكلفة وغالب وعمرو، أولاد حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وأكثر أهل الحديث يفتحون الباء. عن عبد الملك بن سَلع الهمداني الكوفي، وثقه ابن حبان وقال: كان ممن يخطئ، ونسبته إلى هَمْدان -بسكون الميم- قبيلة كبيرة. عن عبد خير بن يزيد الهمداني أبي عمارة الكوفي، مخضرم، وثقه العجلي وابن معين. قوله: "قال أبو جعفر:" قد ذكرنا فحوى ما قاله، وعندي جواب آخر في هذا، وهو: أنه إنما كان ينور أحيانا عند فراغه من الاشتغال بأمور الناس فيسفر؛ طلبًا لفضيلة الوقت المستحب التي حث عليها - عليه السلام - بأمره وفعله، وكان يغلس أحيانًا لاشتغاله بأمور الناس مثل تجهيز العساكر أو السفر إلى ناحية، ونحو ذلك، وكان يغلس عند مثل ذلك لئلا يفوت مصالح العباد. ¬

_ (¬1) كذا "بالأصل، ك"، وفي "مغاني الأخيار" (4/ 53) يقال: كردي حتى لا يدري ما يقول. قلت: ولعل الصواب: كَبُرَ حتى لا يدري ما يقول. وهذا هو نص كلام الأزدي كما نقله عنه الذهبي في "الميزان" (3/ 392) فتصحفت على المؤلف -رحمه الله-. والله أعلم.

ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مثل ذلك: كما حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن خرشة بن الحر قال: "كان عمر - رضي الله عنه - ينور بالفجر، ويغلس، ويصلي فيما بين ذلك، ويقرأ سورة يوسف ويونس، وقصار المثاني والمفصل". ش: أي مثل ما روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - روي عن عمر - رضي الله عنه - في الإسفار والتغليس معًا. أخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الكوفى المقرئ، عن أبي حَصين -بفتح الحاء- اسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، عن خرشة -بفتح الخاء المعجمة، وفتح الراء والشين المعجمة- بن حُرٍّ الفزاري مختلف في صحبته، وذكره ابن حبان في التابعين. وأخرجه عبد الرزاق (¬1) بدون ذكر القراءة: عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حَصين، عن خرشة بن الحر قال: "كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يغلس بصلاة الصبح ويسفر، ويصليها بين ذلك" انتهى. معناه أنه تارة كان يسفر بالفجر، وتارة كان يغلس، وتارة كان يصلي بين التغليس والإسفار. قوله: "وقصار المثاني" أراد بالمثاني السور التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصَّل كأن المئين جعلت مبادئ والتي تليها مثاني. قوله: "والمفصل" عطف على قوله: "المثاني" أي فقرأ قصار المفصل، والمفصل السبع السابع؛ سمي به لكثرة فصوله، وهو من سورة "محمد" -وقيل: من "الفتح" وقيل: من "قاف"- إلى آخر القرآن، وقصار المفصل مِنْ "لم يكن" إلى ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 570 رقم 2168).

آخر القرآن، وأوساطه من "والسماء ذات البروج" إلى، "لم يكن" وطواله من سورة "محمد" أو من "الفتح" إلى "والسماء ذات البروج". ص: وقد رويت عنه آثار متواترة تدل على أنه قد كان ينصرف من صلاته مسفرًا: كما قد حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه سمع عبد الله بن عامر يقول: "صلينا وراء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلاة الصبح فقرأ فيها بسورة يوسف وسورة الحج، قراءة بطيئة، فقلت: والله إذًا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر، قال: أجل". وحدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثني محمد بن يوسف، قال: سمعت السائب بن يزيد، قال: "صليت خلف عمر - رضي الله عنه - الصبح، فقرأ بالبقرة، فلما انصرفوا استشرفوا الشمس، فقالوا: طلعت. فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن زيد بن وهب، قال: صلى بنا عمر - رضي الله عنه - صلاة الصبح، فقرأ ببني إسرائيل والكهف، حتى جعلت أنظر إلى جدر المسجد هل طلعت الشمس؟ ". وحدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا مسعر، قال: أخبرني عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهبا قال: "قرأ عمر - رضي الله عنه - في صلاة الصبح بالكهف وبني إسرائيل". وحدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان بن عُيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عامر: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قرأ في الصبح بسورة الكهف وسورة يوسف". وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا بُديل بن ميسرة، عن عبد اللهَ بن شقيق، قال: "صلى بنا الأحنف بن قيس

صلاة الصبح بعاقول الكوفة، فقرأ في الركعة الأول "الكهف" وفي الثانية بسورة "يوسف" قال: وصلى بنا عمر - رضي الله عنه - صلاة الصبح فقرأ بهما فيهما". وحدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "صلى بنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بمكه صلاة الفجر، فقرأ في الركعة الأولى بيوسف حتى بلغ {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} (¬1)، ثمِ ركع فقام، فقرأ في الثانية بالنجم فسجد ثم قام فقرأ: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} (¬2) ورفع صوته بالقراءة، حتى لو كان في الوادي أحد لأسمعه". وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه: "أنه صلى مع عمر - رضي الله عنه - الفجر، فقرأ في الركعة الأولى بيوسف، وفي الثانية بالنجم فسجد". وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا أبي، قال: سمعت الأعمش يحدث، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة قال: "صلى بنا عمر - رضي الله عنه - ... " فذكرمثله. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلما روي ما ذكرنا عن عمر - رضي الله عنه - في حديث عبد الله بن عامر، أن قراءته تلك كانت بطيئة لم يجز -والله أعلم- أن يكون دخوله فيها كان إلا بغلس، ولا خروجه منها كان إلا وقد أسفر إسفارًا شديدًا. ش: أي قد رويت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - آثار متكاثرة، كلها تدل على أنه قد كان ينصرف من صلاته في الصبح في حالة الإسفار؛ وذلك لأن عبد الله بن عامر قد روي عنه أنه قرأ في الصبح بسورة "الكهف" وسورة "يوسف" وأن قراءته كانت بطيئة يعني كان يتأنى فيها ويترسل، ولا يتصور ذلك إلا أن يكون دخوله في ¬

_ (¬1) سورة يوسف، آية: [84]. (¬2) سورة الزلزلة، آية: [1].

الصلاة بغلس، وخروجه إلا بعد الإسفار الشديد؛ لأن قراءة هاتين السورتين مع التأني والتوقف يقتضي ساعة مديدة، وهذا ظاهر حسيًّا ولا يُنكر، فَعُلم من هذا كله أن الإسفار مطلوب مستحب؛ لأن عمر - رضي الله عنه - ما كان يطول في القراءة إلا لينال هذه الفضيلة، ولأن فيه شغل كل الوقت بالعبادة، على أن الأصل أن يكون وقت كل صلاة مشغولًا بصلاته، وأن يشرع المصلي فيها من أوله ويمدها إلى آخره، ولكن الله تعالى رخص لعَبيدِه رحمةً عليهم، أن يصلوا كل صلاة في وقتها في أي جزء كان من ساعاتها بعد أن يُجانبوا التفويت والتفريط. ثم إنه أخرج الآثار المذكورة من تسع طرق صحاح، رجالها كلهم ثقات: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - عن عبد الله بن عامر بن ربيعة العَنْزي -بفتح العين، وسكون النون- مات رسول الله - عليه السلام - وعمره خمس سنين، وروى عنه - عليه السلام -. وأخرجه مالك في "موطإه" (¬1): عن هشام بن عروة ... إلى آخره نحوه سواء. وقال مسلم (¬2): أصحاب هشام بن عروة كلهم يروون هذا الحديث عن هشام بن عروة، قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "صليت خلف عمر - رضي الله عنه -" ولم يقولوا: عن أبيه، كذلك رواه أبو أسامه وحاتم بن إسماعيل ووكيع ابن الجرح، عن هشام بن عروة، وهو الصواب عندي؛ لأنهم جماعة حفاظ. قوله: "فقلت" قائله عروة بن الزبير، وعلى قول مسلم قائله هشام بن عروة. قوله: "لقد كان يقوم حين يطلع الفجر" أي لقد كان عمر بن الخطاب يقوم إلى الصلاة من حين طلوع الفجر؛ وذلك لأن هذه القراءة الطويلة تقتضي وقتًا مديدًا ولا يكون ذلك إلا من حين طلوع الفجر إلى وقت الإسفار جدًّا. ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 82 رقم 183). (¬2) "التمييز" (1/ 220) بنحوه.

الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن محمد بن يوسف بن بنت السائب بن يزيد، من رجال "الصحيحين"، عن السائب بن يزيد بن سعد الأسدي، ويقال: الليثي، ويقال: الهذلي، الصحابي، له ولأبيه صحبة. قوله: "فقرأ بالبقرة" أي بالسورة التي تذكر فيها البقرة. قوله: "استشرفوا الشمس" أي حدَّقوا النظر إليها، وأصل الاستشراف أن تضع يدك على حاجبك، وتنظر كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء، وأصله من الشرف والعلو. كأنه ينظر إليه من موضع مرتفع، فيكون أكثر لإدراكه. قوله: "لو طلعت لم تجدنا غافلين" أي لو طلعت الشمس لم تجدنا في غفلة من العبادة، بل كانت تجدنا في العبادة والطاعة. كما جاء في رواية عبد الرزاق (¬1): "لو طلعت لألفتنا غير غافلين" وهذا يدل جزمًا أن عمر - رضي الله عنه - كان يسفر بالصبح جدًّا بعد أن كان يشرع فيها بالغلس؛ لأن قراءة سورة البقرة تقتضي ساعة مديدة؛ لأنها مائتا آية وسبعة وثمانون آية، ولا سيما قراءة عمر - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ بالترسل والتأني والتفكر في معانيه والتدبر في ألفاظه المعجزة. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري أبي زيد الكوفي الزرَّاد، عن زيد بن وهب الجهني أبي سليمان الكوفي، رحل إلى النبي - عليه السلام -، فقبض وهو في الطريق. وهؤلاء كلهم من رجال الصحيحين وغيرهما ما خلا ابن مرزوق. وأخرجه ابن جرير الطبرى، من حديث زيد بن وهب نحوه. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 115 رقم 2717).

الرابع: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد القطان، عن مسعر بن كدام ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة فى "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب: "أن عمر - رضي الله عنه - قرأ في الفجر "الكهف" و"بني إسرائيل". الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عامر، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن وكيع، عن هشام بن عروة، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: "سمعت عمر - رضي الله عنه - يقرأ في الفجر بسورة يوسف قراءة بطيئة". وقد أسقط في رواية ابن أبي شيبة: عروة بن الزبير بين هشام، وعبد الله بن عامر، وهو الذي نص عليه مسلم أنه هو الصواب، كما ذكرناه عن قريب. السادس: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي أبي عمرو القصاب البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن بُدَيْل بن ميسرة العقيلي البصري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري أنه قال: "صلى بنا الأحنف بن قيس بن معاوية التميمي أبي بحر البصري، والأحنف لقبه، واسمه: الضحاك. وقيل: صخر، أدرك حياة النبي - عليه السلام - ولم يره. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): عن معتمر بن سليمان، عن الزبير بن خريت، عن عبد الله بن شقيق، عن الأحنف قال: "صليت خلف عمر - رضي الله عنه - الغداة، فقرأ بيونس وهود ونحوهما". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 310 رقم 3547) دون ذكر "وبني إسرائيل". (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 310 رقم 3548). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 310 رقم 3546).

قوله: "بعاقول الكوفة" قال في "العُباب": دَيْر العاقول موضع بين المدائن والنعمانية والعاقول من النهر والوادي والرمل: المعوج، وعاقولى اسم الكوفة في التوراة. قوله: "بهما فيهما" أي بالكهف ويوسف، في ركعتي الفجر. السابع: عن روح بن الفرج، عن يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عمرو بن مرة بن عبد الله الكوفي الأعمى، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى ... إلى آخره. وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح ما خلا روحًا. الثامن: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي تيم الرباب، عن أبيه يزيد بن شريك بن طارق التيمي ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، عن عمر بن الخطاب: "أنه قرأ في الفجر بيوسف وركع، ثم قرأ في الثانية بالنجم فسجد، ثم قام فقرأ {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} (¬2) ". التاسع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم بن زيد الجهضمي، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين ابن سَبْرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، قال: "صليت خلف عمر - رضي الله عنه - فقرأ في ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 116 رقم 2724) من طريق الثوري وابن عيينة عن الأعمش ... (¬2) سورة الزلزلة، آية [1]. (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 312 رقم 3564).

الركعة الأول بسورة يوسف، ثم قرأ في الثانية بالنجم، فسجد ثم قام فقرأ {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} (¬1) ثم ركع". ص: وكذلك كان يكتب إلى عماله: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، قال: ثنا محمد بن سيرين، عن المهاجر: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى أبي موسى - رضي الله عنه - أن صلى الفجر بسوادٍ -أو قال: بغلس- وأطل القراءة". وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا ابن عون، عن محمد، عن المهاجر، عن عمر مثله. قال أبو جعفر -رحمه الله-: أفلا تراه يأمرهم أن يكون دخولهم فيها بغلس، وأن يطيلوا القراءة؟! فذلك عندنا إرادة منه أن يدركوا الإسفار. ش: أي مثل ما كان عمر - رضي الله عنه - يفعل من الشروع في صلاة الصبح في الغلس، وتطويل القراءة إلى الإسفار الشديد، كان كذلك يكتب إلى عُمَّاله -بضم العين وتشديد الميم- جمع عامل، وأراد بهم نوابه في بلاد الإِسلام، وكان أبو موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس من جملة نوابه، وكان عمر - رضي الله عنه - استنابه على البصرة، واستعمله عثمان - رضي الله عنه - على الكوفة، توفي بمكان يقال له: الثَّوِيَّة، على ميلين من الكوفة، سنة اثنين وخمسين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: سنه ثنتين وأربعين، وقيل: غير ذلك. وأخرج الأثر المذكور من طريقين حسنين جيدين. الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري، ونسبته إلى حوض داود بن المهدي بن المنصور، محلة ببغداد. عن يزيد بن إبراهيم التسترى البصري، عن محمد بن سيرين، عن المهاجر -غير ¬

_ (¬1) سورة الزلزلة، آية [1].

منسوب- ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: لا أدري من هو، ولا ابن من هو. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: أخبرني المهاجر قال: "قرأت كتاب عمر إلى أبي موسى - رضي الله عنهما - فيه مواقيت الصلوات، فلما انتهى إلى الفجر -أو قال: إلى الغداة- قال: قم فيها بسواد -أو بغلس- وأطل القراءة". قوله: "بسوادٍ" أراد به سواد الصبح بعد طلوع الفجر الثاني، وكذلك الغلس وقد مرَّ غير مرة، أن المراد منه: اختلاط ظلام الليل ببياض النهار. الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، عن محمد بن سيرين، عن المهاجر مثله. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن معمر، عن قتادة، عن أبي العالية، قال: "كتب عمر - رضي الله عنه -: أن صل الصبح إذا طلع الفجر والنجوم مشتبكة بغلس، وأطل القراءة". ص: وكذلك كل من روينا عنه في هذا شيئًا سوى عمر - رضي الله عنه - قد كان ذهب إلى هذا المذهب أيضا. حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: "صلى بنا أبو بكر - رضي الله عنه - صلاة الصبح، فقرأ بسورة إلى عمران، فقالوا: قد كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا ابن لهيعة، قال: ثنا عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي قال: "صلى بنا ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 283 رقم 3235). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 570 رقم 2170).

أبو بكر - رضي الله عنه - صلاة الصبح، فقرأ بسورة البقرة في الركعتين جميعًا، فلما انصرف قال له عمر - رضي الله عنه -: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا أبو بكر - رضي الله عنه - قد دخل فيها في وقت غير الإسفار، ثم مد القراءة فيها حتى خيف عليه طلوع الشمس، وهذا بحضرة أصحاب رسول الله - عليه السلام - وبقرب عهدهم برسول الله - عليه السلام - وبفعله، لا ينكر ذلك عليه منهم منكر؛ فدل ذلك على متابعتهم له، ثم فعل ذلك عمر - رضي الله عنه - من بعده فلم ينكر عليه من حضره منهم؛ فثبت بذلك أن هكذا يفعل في صلاة الفجر، وأن ما علموا من فعل رسول الله - عليه السلام - فغير مخالف لذلك. ش: أي كل من روينا عنه من الصحابة في هذا الباب سوى عمر - رضي الله عنه - قد كانوا يذهبون إلى مذهب عمر - رضي الله عنه - في شروعهم في صلاة الصبح في الغلس، ومدهم القراءة إلى الإسفار الشديد، قصدًا منهم لما قصده عمر - رضي الله عنه -. قوله: "حدثنا سليمان ... " إ إد آخره، بيان لما قبله، وأخرجه عن طريقين: الأول: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة، عن أنس. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن ابن عيينة، عن الزهري، عن أنس: "أن أبا بكر - رضي الله عنه - قرأ في صلاة الصبح بالبقرة، فقال له عمر - رضي الله عنه - حين فرغ: كربت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". وأخرج عبد الرزاق (¬2): عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: "صليت خلف أبي بكر، فاستفتح بسورة آل عمران، فقام إليه عمر فقال: يغفر الله لك، لقد كادت الشمس تطلع قبل أن تسلم، فقال: لو طلعت لألفتنا غير غافلين". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 310 رقم 3545). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 113 رقم 2712).

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب السبائي المصري، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزُّبَيْدي الصحابي، والزُّبَيدي -بضم الزاي وفتح الباء- نسبة إلى زُبَيْد الأكبر، وإليه ترجع قبائل زُبَيْد. قوله: "فهذا أبو بكر اقد دخل فيها -أي في صلاة الصبح ... " إلى آخره غني عن البيان. ص: فإن قال قائل: فما معنى قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: لمغيث بن سمي لما غلس ابن الزبير بالفجر: هذه صلاتنا مع رسول الله - عليه السلام - ومع أبي بكر ومع عمر فلما قتل عمر أسفر بها عثمان - رضي الله عنهم -؟ قيل له: يحتمل أن يكون أراد بذلك وقت الدخول فيها لا وقت الخروج منها حتى يتفق ذلك وما روينا قبله، ويكون قوله: "ثم أسفر بها عثمان" أي ليكون خروجهم في وقت يأمنون فيه، ولا يخافون فيه أن يغتالوا كما اغتيل عمر - رضي الله عنه -. ش: تقرير السؤال: أن قول ابن عمر - رضي الله عنهما - لمغيث حين غلس عبد الله بن الزبيرى - رضي الله عنهما -: هذه صلاتنا مع رسول - عليه السلام - ومع أبي بكر وعمر، وهذا يدل على أن النبي - عليه السلام - ما كان يسفر، ولا أبو بكر من بعده، ولا عمر من بعدهما، وأن الإسفار لم يعمل به إلا عثمان - رضي الله عنه - بعد أن طُعن عمر في صلاة الصبح؛ خوفًا من غفلة الاغتيال، وهذا ينافي ما ذكرتم. وتقرير الجواب: أن قول ابن عمر - رضي الله عنهما - ذلك محمول على أنه أراد به وقت الدخول في صلاة الفجر فقط، ولم يرد به وقت الخروج منها؛ إذ لو لم يكن المعنى على هذا يقع التضاد بين قول ابن عمر وبين ما روي عن غيره، فيما ذُكر في هذا الباب. فإذا حمل قوله على هذا المعنى تتفق الروايات ولا تتضاد، ومعنى قوله: "أسفر بها عثمان" أي أسفر ابتداءً وانتهاء؛ لأنه كان يخاف الغيلة من الأعداء كما اغتيل

عمر - رضي الله عنه - وكان يسفر من الأول بخلاف أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فإنهما كانا يسفران بعد أن كانا يشرعان بغلس، فيكون كلهم متفقين في الخروج عنها في الإسفار، وهو المطلوب. ثم حديث مغيث بن سمي أخرجه الطحاوي في أول هذا الباب في حجج أهل المقالة الأولين. وأخرجه ابن ماجه (¬1) والبيهقي (¬2) في سننيهما. ص: وقد روي عن عثمان - رضي الله عنه - ما يدل أنه كان يدخل فيها بسواد؛ لإطالة القراءة فيها، كما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد وربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، أن الفرافصة بن عمير الحنفي أخبره قال: "ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان بن عفان إياها في الصبح، من كثرة ما كان يرددها". قال أبو جعفر: فهذا يدل أيضًا أنه قد كان يحذو فيها حذو من كان قبله من الدخول فيها بسواد، والخروج منها في حال الإسفار. ش: أي قد روي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أيضًا ما يدل على أنه كان يشرع في صلاة الصبح بالغلس، ويطيل القراءة إلى الإسفار الشديد، كما كان أبو بكر وعمر يفعلانه، فهذا أيضًا يدل على أنه قد كان يحذو فيها أي في صلاة الصبح حَذْو من كان قبله من الصحابة من الدخول فيها بالغلس، والخروج منها في الإسفار، يقال: حَذَا فلانٌ حَذْو فلانٍ أي اقتدى به في طريقته، وكذلك احتذى به: أي اقتدى به، وأصله من حذوت النعل بالنعل حذوًا: إذا قدرت كل واحدة على صاحبتها، يقال: حذو القذة بالقذة. وإسناد الأثر المذكور صحيح. ويحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة، وربيعة ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 221 رقم 671). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 456 رقم 1982).

هو المعروف بالرأي أحد مشايخ مالك وأبي حنيفة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق روى له الجماعة، والفرافصة بفائين وراء خفيفة، وصاد مهملة، إلا أنه عند المحدثين بفتح الفاء الاولى، وقال غيرهم: الفاء الأول مضمومة، وثقه ابن حبان. وأخرجه مالك في "موطأه" (¬1)، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2) ولكن في روايته عن عمر موضع عثمان: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا عبد الله، قال: أخبرني ابن الفرافصة، عن أبيه قال: "تعلمت سورة يوسف خلف عمر - رضي الله عنه - في الصبح". ص: وقد كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ينصرف منها مسفرًا كما حدثنا فهد، قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: حدثني إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد: "أنه كان يصلي مع إمامهم في التيم فيقرأ بهم سورة من المائين، ثم يأتي عبد الله فيجده فى صلاة الفجر". وكما حدثنا أبو الدرداء هاشم بن محمد الأنصاري، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كنا نصلي مع ابن مسعود - رضي الله عنه - فكان يسفر بصلاة الصبح". فقد عقلنا بهذا أن عبد الله كان يسفر، فعلمنا بذلك أن خروجه منها كان حينئذ، ولم يُذكر في هذه الأحاديث دخوله فيها في أى وقت كان؟ فذلك عندنا والله أعلم على مثل ما روي عن غيره من أصحابه. ش: أشار بهذا إلى أن عبد الله بن مسعود أيضًا كان يفعل كما كان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلون من الانصراف عنها مسفرين، ولكن لم يتبين في ذلك دخوله في أي وقت كان؟ فذلك أيضًا محمول على مثل ما روي عن غيره من أنه كان يغلس ويمد القراءة إلى الإسفار الشديد. وأخرج أثره عن طريقين صحيحين: ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 82 رقم 184). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 310 رقم 3549).

الأول: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص الكوفي شيخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق قاضي الكوفة أحد أصحاب أبي حنيفة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن الحارث بن سويد التيمي أبي عائشة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1) بدون ذكر ابن مسعود: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، قال: "كان إمامنا يقرأ بنا في الفجر بالسورة من المائين". قوله: "في التيم" أي في قبيلة التيم، وتيم من قريش رهط أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وهو تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر، وتيم بن غالب بن فهو أيضًا من قريش وهم بنو الأدرم وتيم بن عبد مناة بن آد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وتيم بن قيس بن ثعلبة بن عكابة في بكر، وتيم اللات أيضًا في الخزرج من الأنصار، وهم تيم اللات بن ثعلبة، واسمه النجار، وتيم الله من بكر يقال لهم: اللهازم وهو تيم الله بن ثعلبة بن عكابة، وتيم الله في النمر بن قاسط. قوله: "فيقرأ بهم" أي فيهم بسورة من المائين كسورة آل عمران، والنساء، والمائدة ونحوها. الثاني: عن أبي الدرداء هاشم بن محمَّد الأنصاري مؤذن بيت المقدس، عن آدم بن أبي إياس التميمي العسقلاني شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن قيس النخعي. والكلُّ رجال الصحيح ما خلا هاشمًا. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 311 رقم 3555).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان ابن مسعود - رضي الله عنه - ينور بالفجر". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان عبد الله يسفر بصلاة الغداة". ص: وقد كان يُفعل أيضًا مثل هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حدثنا إسماعيل ابن يحيى المزني، قال: ثنا محمَّد بن إدريس، قال: أنا سفيان، قال: ثنا عثمان بن أبي سليمان، قال: سمعت عراك بن مالك يقول: سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول: "قدمت المدينة ورسول الله - عليه السلام - بخيبر، ورجل من بني غفار يؤم الناس، فسمعته يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى بسورة مريم، وفي الثانية {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} ". وكما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا فضيل بن سليمان، عن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مثله، غير أنه قال: "واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وصليت خلفه". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا سباع بن عرفطة - رضي الله عنه - قد كان في عهد النبي -عليه السلام- باستخلاف النبي -عليه السلام- إياه يصلي بالناس صلاة الصبح هكذا، يطيل فيها القراءة حتى يصيب فيها التغليس والإسفار جميعًا. ش: أي قد كان يفعل أيضًا مثل ما ذُكر من تطويل القراءة في الصبح، الذي يدل على الإسفار على عهد رسول الله - عليه السلام - أي على زمنه وأيامه، كما في حديث أبي هريرة، فإنه أخبر أن سباع بن عرفطة قد كان يصلي بالناس صلاة الصبح باستخلاف النبي - عليه السلام - إياه حين سافر إلى خبير، وكان يقرأ في الركعة الأولى بسورة (مريم)، وفي الثانية بـ (المطففين)، وإنما كان يفعل هكذا حتى يجمع بين التغليس ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 284 رقم 3249). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 568 رقم 2160).

والإسفار، وهو يدل أيضًا على أن عنده علمًا من النبي - عليه السلام - في ذلك. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني أبي إبراهيم صاحب الإِمام الشافعي الفقيه المشهور المقدم في مذهب الشافعي خال الطحاوي، عن محمد بن إدريس الإِمام الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان ابن جبير بن مطعم القرشي النوفلي المكي، عن عراك بن مالك الغفاري المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (¬1): من حديث سفيان بن عيينة، عن عثمان بن أبي سليمان النوفلي، عن عراك بن مالك، سمع أبا هريرة يقول: "قدمت المدينة ورسول الله - عليه السلام - بخيبر، فوجدت رجلًا من غفار يؤم الناس في صلاة الصبح، يقرأ في الركعة الأول. سورة (مريم)، وفي الثانية: (ويل للمطففين) ". قوله: "ورسول الله - عليه السلام - بخيبر" جملة حالية، وكذلك قوله: "ورجل من بني غفار" جملة حالية، وهذا الرجل هو سباع بن عرفطة الغفاري كما فسره في الرواية الثانية، وكانت خيبر في سنة ست على قول الزهري، والصحيح أن ذلك في أول سنة سبع. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن المُقدَّمي -بضم الميم، وفتح الدال المشددة- وهو محمَّد بن أبي بكر بن على بن عطاء بن مقدم شيخ البخاري ومسلم، عن فضيل بن سليمان النميري، عن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه عراك بن مالك الغفاري المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه البيهقي في "سُننه" (¬2): من حديث الدراوردي، حدثني خثيم بن عراك، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: "خرج رسول الله - عليه السلام - فاستخلف سباع بن ¬

_ (¬1) "المحلى" (4/ 105) بلفظ: "يؤم الناس في صلاة المغرب". (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 390 رقم 3828).

عرفطة على المدينة، فقدمت المدينة مهاجرًا، فصليت الصبح وراءه، فقرأ في السجدة الأولى: سورة مريم، وفي الأخرى: ويل للمطففين". وقال الذهبي: إسناده صالح، وسباع بن عرفطة من مشاهير الصحابة. ص: وقد روي أيضًا عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - من هذا شيء كما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا معاوية ابن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير قال: "صلى بنا معاوية الصبح بغلس، فقال أبو الدرداء: أسفروا بهذه الصلاة فإنه أفقه لكم، إنما تريدون أن تخلوا بحوائجكم". فهذا عندنا والله أعلم من أبي الدرداء على إنكاره عليهم ترك المد بالقراءة إلى وقت الإسفار، لا على إنكاره وقت الدخول فيها، فلما كان ما روينا عن أصحاب رسول الله - عليه السلام - وهو الإسفار الذي يكون الانصراف من الصلاة فيه مع ما روينا عنهم من إطالة القراءة في تلك الصلاة؛ ثبت أن الإسفار بصلاة الصبح لا ينبغي لأحد تركه، وإن التغليس لا يفعل إلا ومعه الإسفار، فيكون هذا في أول الصلاة، وهذا في آخرها. ش: أي وقد روي أيضًا عن أبي الدرداء عويمر بن مالك الصحابي - رضي الله عنه - من هذا شيء أي من الإسفار بالصبح، كما في الأثر الذي أخرجه الطحاوي، عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن محمَّد بن المثنى البصري الحافظ شيخ الجماعة، عن عبد الرحمن بن مهدي روى له الجماعة، عن معاوية بن صالح بن حُدير الحمصي قاضي الأندلس روى له الجماعة، البخاري في غير الصحيح، عن أبي الزهراية حدير بن كريب الحمصيى روى له مسلم وأبو داود، عن جبير بن نفير بالتصغير فيهما الحمصي روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح. وأخرجه أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن عبيد مرفوعًا: ثنا أبو زرعة، ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا محمد بن شعيب، سمعت سعيد بن سنان

يحدث، عن أبي الزاهرية، عن أبي الدرداء، عن النبي-عليه السِلام- قال: "أسفروا بالفجر تفقهوا". وقد ذكرناه مرة عن قريب. قوله: "فإنه أفقه لكم" أي الإسفار أبين لكم، والفقه في اللغة الفهم، والبيان لازمه. قوله: "تريدون أن تخلوا بحوائجكم" من خلوت بالشيء خلوة وخلاء إذا اشتغلت به وتفرغت له، ومراده أنكم تستعجلون في الصلاة ولا تطيلون القراءة إلى الإسفار لتختلوا بحوائج الدنيا وتشتغلوا بها، وإنكاره عليهم في هذا لا في دخولهم وقت الغلس، ولو لم يكن عنده علم من إستحباب الإسفار لما أنكر عليهم بذلك؛ فدل ذلك على أن التغليس وحده لا ينبغي أن يفعل وإنما التغليس المستحب هو الذي يكون آخره إسفار فافهم. ص: قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما معنى ما روي عن عائشة - رضي الله عنها -: "أن النساء كن يصلين الصبح مع رسول الله - عليه السلام - ثم ينصرفن وما يعرفن من الغلس". قيل: يحتمل أن يكون هذا قبل أن يؤمر بإطالة القراءة فيها؛ فإنه قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجَّا بن رجاء، قال: ثنا داود -يعني داود بن أبي هند- عن السبيعي، عن مسروق، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أول ما فرضت الصلاة: ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله - عليه السلام - المدينة وصل إلى كل صلاة مثلها، غير المغرب فإنها وتر، وصلاة الصبح؛ لطول قراءتها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى". قال أبو جعفر: فأخبرت عائشة - رضي الله عنها - في هذا الحديث أن رسول الله أن - عليه السلام - كان يصلي قبل أن يتم الصلاة على مثال ما يصلي إذا سافر، وحكم المسافر تخفيف الصلاة، ثم أحكم بعد ذلك فزيد في بعض الصلاة، وأمرنا بإطالة بعضها، فيجوز -والله أعلم- أن يكون ما كان يفعل من تغليسه بها، وانصراف النساء المؤمنات منها ولا يعرفن من الغلس، كان في ذلك الوقت الذي كان يصليها فيه على مثال ما

تصلى فيه الآن في السفر، ثم أُمِرَ بإطالة القراءة فيها، وأن يكون مفعوله في الحضر بخلاف ما يفعل في السفر من إطالة هذه وتخفيف هذه، وقال: "أسفروا بالفجر" أي أطيلوا القراءة فيها, ليس ذلك على أن تدخلوا فيها في آخر وقت الإسفار، ولكن تخرجوا منها في وقت الإسفار. فثبت بذلك نسخ ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - مما ذكرنا، مع ما قد دل على ذلك أيضًا من فعل أصحاب النبي -عليه السِلام- من بعده، في إصابتهم الإسفار في وقت إنصرافهم منها واتفاقهم على ذلك حتى لقد قال إبراهيم النخعي ما قد حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: "ما اجتمع أصحاب محمَّد - عليه السلام - على شيء ما اجتمعوا على التنوير". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فأخبر أنهم قد كانوا اجتمعوا على ذلك، فلا يجوز عندنا -والله أعلم- اجتماعهم على خلاف ما قد كان النبي - عليه السلام - فعله إلا بعد نسخ ذلك، وثبوت خلافه، فالذي ينبغي: الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول الله - عليه السلام - وأصحابه - رضي الله عنهم - هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله-. ش: هذا السؤال وارد على ما تقدم من معنى الإسفار بصلاة الصبح، وهو أن يدخل فيها بالغلس، ويمدها بالقراءة إلى أن ينصرف عنها بالإسفار، تقريره: أن ما ذكرتم ينافيه حديث عائشة - رضي الله عنها -: "أن النساء كن يصلين الصبح ... " إلى آخره؛ لأنه يدل على أنهم كانوا يدخلون فيها بالغلس، ويخرجون منها بالغلس. وتقرير الجواب ملخصًا: أن حديث عائشة - رضي الله عنها - منسوخ بوجهين: الأول: أن عائشة أخبرت في حديثها: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ... " إلى آخره، أن النبي - عليه السلام - كان يصلي قبل أن تتم الصلاة مثل المسافر بتخفيف القراءة، ولما أحكم الأمر وزيدت الصلاة التي زيدت أُمر بإطالة القراءة في صلاة الصبح عوضًا عن الزيادة، كالجمعة قصرت على الركعتين لمكان الخطبة، وذلك

الأمر هو قوله - عليه السلام -: "أسفروا بالفجر". فإن معناه أطيلوا القراءة فيها، حتى تخرجوا منها في وقت الإسفار، وليس معناه ادخلوا فيها في آخر وقت الإسفار، فثبت بذلك نسخ حديث عائشة - رضي الله عنها - وما يضاهيه. الوجه الثاني لبيان النسخ: فعل الصحابة - رضي الله عنهم - وإجماعهم من بعده على الإسفار، بالمعنى الذي ذكرنا؛ فإنهم كانوا يطولون القراءة فيها، ويخرجون مسفرين، ولو لم يعلموا نسخ ذلك لما وسعهم أن يعملوا بخلافه، والدليل على إجماعهم على ذلك ما قاله إبراهيم النخعي: "ما اجتمع أصحاب محمَّد - عليه السلام - على شيء ما اجتمعوا على التنوير" ولو لم يكن النسخ صحيحًا فكيف كان يجوز لأكابر الصحابة - رضي الله عنهم - أن يجتمعوا على الإسفار، مخالفين لما قد كانوا علموا من النبي - عليه السلام - من التغليس في الدخول فيها والخروج عنها، وهذا محال في حقهم؛ لأنهم عالمون بموارد النصوص ومواقع الأحكام، وأما ما شنع الحافظ الحازمي على الطحاوي في هذا الموضع في دعواه النسخ فقد مَرَّ جوابه فيما مضى من هذا الباب بما فيه الكفاية. وشنع البيهقي أيضًا في كتابه "المعرفة" (¬1) وغيره لما تحرك له عرق العصبية، وقال: وقد ذكر الطحاوي الأحاديث التي وردت في تغليس النبي - عليه السلام - ومن بعده من الصحابة بالفجر ثم زعم أنه ليس فيها دليل على الأفضل، وإنما ذلك في حديث رافع، ولم يعلم أن النبي - عليه السلام - لا يداوم إلا على ما هو الأفضل، وكذلك أصحابه من بعده، فخرج من فعل أصحابه فإنهم كانوا يدخلون فيها مغلسين ليطيلوا القراءة، ويخرجون فيها مسفرين؛ فإن النبي - عليه السلام - إنما خرج منها مغلسًا قبل أن يشرع فيها طول القراءة، فاستدل على النسخ بفعلهم ولم يعلم أن بعضهم كانوا يخرجون منها مغلسين كما روينا عنهم، وقال عمرو بن ميمون الأودي: "صليت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلاة الفجر ولو أن ابني مني ثلاثة أذرع لم أعرفه إلا أن يتكلم". ثم احتج بحديث عائشة - رضي الله عنها -: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (1/ 474).

رسول الله - عليه السلام - المدينة، وصل إلى كل صلاة مثلها غير المغرب، فإنها وتر، وصلاة الفجر لطول القراءة فيها" وزعم أن الزيادة في الصلاة والإطالة في القراءة كانتا معًا: وظاهر الحديث يدل على أن الزيادة في الصبح إنما لم تشرع لطول قراءتها المشروع فيها قبلها ثم حمل حديث عائشة - رضي الله عنها - في التغليس على أن ذلك كان قبل أن يشرع فيها طول القراءة، وعائشة - رضي الله عنها - قد أخبرت أن الزيادة في الصلاة كانت حين قدم النبي - عليه السلام - المدينة، وغيرها يقول: حين فرضت قبل قدومه المدينة، وعلى زعمه شرع طول القراءة فيها حين زيد في عدد غيرها، وعائشة إنما حملت حديث التغليس وهي عند النبي - عليه السلام - بالمدينة، وكذلك أم سلمة، وإنما تزوج بها بعد ما هاجرت بسنتين؟ فكيف يكون منسوخًا بحكم تقدم عليه؟! كيف وقد أخبرتنا عن دوام فعله وفعل النساء معه، وروينا عن جابر بن عبد الله الأنصاري في حديث مخرج في "الصحيحين" (¬1): "أن النبي - عليه السلام - كان يصليها بغلس". وفي حديث أبي مسعود الأنصاري: "أن النبي - عليه السلام - صلى الصبح بغلس ثم صلاها يومًا فأسفر بها ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله تعالى". وهذا كله يدل على بطلان النسخ الذي ادعاه الطحاوي في حديث عائشة وغيرها في التغليس، والطريق الصحيح في ذلك: أن تحمل الأحاديث التي وردت في الإخبار عن تغليس النبي - عليه السلام - وبعض أصحابه بالصبح على أنهم فعلوا ما هو الأفضل؛ لأن ذلك كان أكثر فعلهم، ويحمل حديث رافع - رضي الله عنه - على تبيين الفجر باليقن وإن كان يجوز الدخول فيها في الغيم بالاجتهاد قبل التبيين، انتهى. والجواب عن ذلك فصل، فصل. أما قوله: "ولم يعلم أن النبي - عليه السلام - لا يداوم إلا على ما هو الأفضل" قول لم يعلم هو ما قال فيه؛ لأن الطحاوي وأدنى من الطحاوي يعلم أن النبي - عليه السلام - لا يداوم إلا على الأفضل، ولكن من يقول أن النبي - عليه السلام - داوم على التغليس، فإن عارض بحديث ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 205 رقم 535)، ومسلم (1/ 446 رقم 646).

أبي مسعود البدري الذي فيه "وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى، أن يسفر" فجوابه: أن هذا من أسامة بن زيد وهو متكلم فيه فقال أحمد: ليس بشىء. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي والدارقطني: ليس بقوي. ويرده أيضًا ما أخرجه البخاري (¬1)، ومسلم (¬2): عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "ما رأيت رسول الله - عليه السلام - صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصك صلاة الصبح من الغد قبل وقتها". قالت العلماء: يعني قبل وقتها المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل طلوع الفجر، ولم يقل به أحد، وإنما معناه أنه غلس بها جدًّا. وتوضحه رواية البخاري (¬3) و"الفجر حين بزغ" وهذا دليل قاطع على أنه - عليه السلام - كان يسفر بالفجر دائمًا وقلَّما صلاها بغلس فأين البيهقي من هذا المعنى. وأما قوله: "ولم يعلم أن بعضهم كانوا يخرجون منها بغلس" كما روينا عنهم فقول يشبه القول الأول، وكيف لا يعلم وقد روى هو أيضًا مثل ما روى البيهقي: "أنهم كانوا يخرجون منها مغلسين" ولكن لا يضره ذلك ولا يدفع كلامه؛ لأنه قد يجوز أن يكون ذلك منهم مع علمهم أن الإسفار أفضل لأجل التوسعة، أو لأجل عارض قد عرض لهم ومنعهم عن مد الصلاة بتطويل القراءة إلى أن ينصرفوا منها مسفرين، كما ذكر فيما مضى، غاية ما في الباب أن أخبار التغليس التي رويت عن النبي - عليه السلام - وعن الصحابة مِنْ بعده تدل على الإخبار بالوقت الذي صلوا فيه، أي وقت هو وليس فيه شيء يدل على الأفضلية كما يدل حديث رافع - رضي الله عنه -. وأما قوله: "وقال عمرو بن ميمون الأودي" فيعارضه ما روى السائب بن يزيد ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (2/ 604 رقم 1598). (¬2) "صحيح مسلم" (2/ 938 رقم 1289). (¬3) "صحيح البخاري" (2/ 602 رقم 1591).

قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقرأ بالبقرة فلما انصرفوا استشرفوا الشمس، فقالوا: طلعت. فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين". فأين كان البيهقي من هذا الأثر؟! فإن قيل: هذا لا يدل على الأفضلية لأنه أيضًا مجرد إخبار عن الوقت الذي صلى فيه فقط. يقال: كذلك ليس في أثر عمرو بن ميمون ما يدل على الأفضلية؛ لأنه أيضًا مجرد إخبار عن الوقت الذي صلى فيه. وأما قوله: "وزعم أن الزيادة في الصلاة والإطالة في القراءة كانتا معًا وظاهر الحديث يدل على أن الزيادة في الصبح إنما لم تشرع لطول قراءتها المشروع فيها قبلها" فغير مُسَلَّم؛ لأن ظاهر الحديث لا يدل على أن طول القراءة شرع في الصبح قبل الزيادة في غيرها، فأي كلام وأي عبارة تدل على هذا حتى يقول: "ظاهر الحديث يدل على أن الزيادة ... " إلى آخره؟! لأن الدلالة هو فهم المعنى من اللفظ، وليس فيما ذكره فهم هذا المعنى، بل ظاهر الحديث أن لزيادة لما زيدت فيما زيدت من الصلاة، شُرع بعدها طول القراءة في الصبح؛ عوضًا عن الزيادة فافهم. ولم يقل الطحاوي أن الزيادة في الصلاة والإطالة في القراءة كانت معًا، بل كلامه يشعر أن إطالة القراءة في الصبح كانت بعد الزيادة في غيرها بزمان؛ لأنه ذكر الإطالة بكلمة "ثم" التي تدل على التراخي، وهو قوله: "ثم أمر بإطالة القراءة فيها". وبهذا خرج الجواب أيضًا عن قول البيهقي: "فكيف يكون منسوخًا بحكم تقدم عليه". حاصله أنه اعترض على الطحاوي بأنه زعم أن شروع إطالة القراءة في الصبح كان حين زيد في عدد غيرها، وعائشة احتملت حديث التغليس وهي عند النبي - عليه السلام - بالمدينة، فيكون حكم إطالة القراءة متقدمًا على حديث التغليس، والمتقدم كيف يكون ناسخًا للمتأخر؟! قلنا: لا نُسَلم أن إطالة القراءة متقدمة على حديث التغليس بل حديث التغليس،

متقدم على حكم الإطالة، بيان ذلك: أن تغليس النبي - عليه السلام - وانصراف النساء المؤمنات منها ولا يعرفن من الغلس، كان في الوقت الذي كان يصليها - عليه السلام - فيه على مثال ما يصلى فيه الآن في السفر بتخفيف القراءة، ثم أَمَر رسول الله - عليه السلام - بإطالة القراءة بقوله: "أسفروا" أي أطيلوا القراءة بالصبح لتخرجوا منها مسفرين، فحينئذٍ نسخ هذا المتأخر ذلك المتقدم، والله أعلم. وأما قوله: "وروينا عن جابر في حديث مخرج في الصحيحين" فغير دالٍّ على مدعاه؛ لأنه إخبار عن الوقت الذي كان صلى فيه النبي - عليه السلام - أيّ وقت هو؟ وليس فيه شيء يدل على الأفضلية. وأما قوله: "وفي حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -" فقد مَرَّ جوابه الآن مستوفى. وأما قوله: "والطريق الصحيح ... " إلى آخره، طريق غير صحيح؛ لأن الأحاديث التي وردت في الإخبار عن تغليس النبي - عليه السلام - وبعض أصحابه بالصبح ليس فيها ما يدل على الأفضلية، فإن عارضونا في ذلك، بأن أكثر فعلهم يدل على الأفضلية، فعارضناهم بالأوامر التي وردت بالإسفار؛ لأن أقل درجات الأمر تدل على الفضيلة، ولا سيما إذا قارن بها الفعل أيضًا. وأما قوله: "ويحمل حديث رافع على تبيين الفجر باليقين". فمردود؛ لأن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بضياء النهار كما ذكره أهل اللغة وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الفجر؛ فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير. والدليل عليه ما روى ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي، في مسانيدهم، والطبراني في "معجمه" (¬1). فقال الطيالسي: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، وقال الباقون: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني، ثنا هُرَير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، سمعت جدي رافع ابن خديج ¬

_ (¬1) سبق تخريجه.

يقول: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبلال: يا بلال، نوِّر صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار" وقد استوفينا الكلام فيما مضى من هذا الباب. ثم حديث الغلس الذي روته عائشة قد ذكرنا الكلام فيه مستوفى في هذا الباب. وأما حديثها الآخر: فرجاله ثقات، فأبو عمر هو حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، نسبته إلى حوض داود، محلة بالبصرة. ومرجا بن رجاء اليشكري أبو رجاء البصري وثقه أبو زرعة، وعن أبي داود: صالح. وداود بن أبي هند دينار بن عذافر أبو محمَّد البصري، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا. والشعبي هو عامر، ونسبته إلى شعب بطن من همدان. ومسروق بن الأجدع الهمداني أبو عائشة الكوفي، روى له الجماعة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1): من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: "إن أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فلما قدم النبي - عليه السلام - المدينة واطمأن زاد ركعتين غير المغرب؛ لأنها وتر، وصلاة الغداة لطول قراءتها، وكان إذا سافر صلى صلاته الأولى". قوله: "غير المغربِ" بالجر؛ لأنها صفة لقوله: "كل صلاة" وفي الحقيقة استثناء منها ولكن الأصل في "غير" أن تكون صيغة دالة على مخالفة صاحبه بالحقيقة. قوله: "فإنها وتر" تعليل لعدم الزيادة بمثل ما كانت في أول فرضها، بل زيدت فيها ركعة؛ لأنها وتر النهار. قوله: "وصلاة الصبح" بالجرِّ أيضًا عطفًا على قوله غير المغرب، أي وغير صلاة ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 363 رقم 1579).

الصبح؛ لأجل طول القراءة فيها. قوله: "عاد إلى صلاته الأولى" وهي الركعتان في الظهر والعصر والعشاء، فهذا يدل صريحًا على أن الصلاة كانت تصلى ركعتين ركعتين إلى أن قدم النبي - عليه السلام - المدينة، ولم تشرع أربع في ذوات الأربع إلَّا عند قدومه - عليه السلام - إلى المدينة. فإن قيل: روي من حديث يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمَّد، عن أبي مسعود قال: "أتى جبريل النبي - عليه السلام - فقال: قم فصل -وذلك دلوك الشمس حين مالت الشمس- فقام فصلى الظهر أربعًا، ثم أتاه حين كان ظله مثله فقال: قم فصل، فصلى العصر أربعًا، ثم أتاه حين غربت الشمس فقال: قم فصل، فصلى المغرب ثلاثًا، ثم أتاه حين غاب الشفق فقال: قم فصل، فصلى العشاء الآخرة أربعًا، ثم أتاه حين كان الفجر فقال له: قم فصل، فصلى الصبح ركعتين، ثم أتاه من الغد في الظهيرة حين صار ظل كل شيء مثله، فقال: قم فصل، فصلى الظهر أربعًا، ثم أتاه حين صار ظل كل شيء مثليه، فقال: قم فصل، فصلى العصر أربعًا، ثم أتاه الوقت بالأمس حين غربت الشمس فقال: قم فصل، فصلى المغرب ثلاثًا، ثم أتاه بعد أن غاب الشفق وأظلم فقال: قم فصل، فصلى العشاء الآخرة أربعًا، ثم أتاه حين أسفر الفجر فقال: قم فصل، فصلى الصبح ركعتين، ثم قال: ما بين هذين صلاة". أخرجه البيهقي (¬1)، والطبراني في "الكبير" (¬2). فهذا فيه دليل على أن ذلك كان بمكة بعد المعراج، وأن الخمس فرضن حينئذٍ بأعدادهن. قلت: أبو بكر بن محمَّد عن أبي مسعود منقطع، قاله الذهبي وغيره. وأيضًا الثابت عن عائشة في "الصحيح" (¬3) يعارضه وينافيه، فقال البخاري: ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 361 رقم 1575). (¬2) "المعجم الكبير" (17/ 263 رقم 724). (¬3) "صحيح البخاري" (1/ 137 رقم 343).

حدثنا ابن يوسف، عن مالك، عن صالح، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها -: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر". وذكر الداودي أن الصلوات زيد فيها ركعتين ركعتين، وزيد في المغرب ركعة. وقال أبو عمر: ظاهر حديث عائشة العموم، والمراد به الخصوص، ألا ترى أن صلاة المغرب غير داخلة في قولها فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، وكذلك الصبح؟ لأنه معلوم أن الصبح لم يزد فيها ولم ينقص منها، وأنها في الحضر والسفر سواء. قلت: الذي يعلم من حديث عائشة الذي أخرجه البخاري أن فرض الصلاة كان ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، ولكن لم تُعلم الزيادة عليها متى كانت، والحديث الذي أخرجه الطحاوي عن عائشة يبين ما كان مجملًا في حديثها الآخر من أن الزيادة كانت عند مقدم النبي - عليه السلام - المدينة، وقال ابن جرير الطبري: وفي السنة الأولى من الهجرة زيد في صلاة الحضر ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، وذلك بعد مقدم النبي - عليه السلام - المدينة بشهر في ربيع الأول، لمضي اثنتي عشر ليلة منه. ثم أثر إبراهيم النخعي إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة. والقعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب شيخ البخاري ومسلم وأبي داود. والأعمش هو سليمان بن مهران. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال: "ما أجمع أصحاب محمَّد - عليه السلام - على شيء ما أجمعوا على التنوير بالفجر". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 284 رقم 3256).

ص: باب: الوقت الذي يستحب أن تصلى صلاة الظهر فيه

ص: باب: الوقت الذي يستحب أن تصلى صلاة الظهر فيه ش: أي هذا باب في بيان الوقت الذي يستحب أداء الظهر فيه، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: أخبرنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: "كان رسول الله- عليه السلام - يصلي الظهر بالهجير". ش: أبو بكرة بكَّار القاضي، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسمه هشام ابن شعبة، والزبرقان بن عمرو بن أمية الضَمْري، وثقه ابن حبان، ويقال: زبرقان ابن عبد الله بن عمرو بن أمية قاله ابن أبي حاتم. والحديث أخرجه الطحاوي بأتم منه في أول باب الصلاة الوسطى، ولكن عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن خالد بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ذئب، عن الزبرقان، أن أسامة بن زيد ... وقد ذكرنا أن الزبرقان لم يسمع من أسامة. وأخرجه أيضًا: عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عن عمرو بن أبي حكيم، عن الزبرقان، عن عروة، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -. وأخرجه البزار في "مسنده" (¬1): نحو رواية الطحاوي ولكن عن زهرة موضع عروة، وقال: ثنا عمرو بن علي، قال: نا أبو داود، قال: نا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان، عن زهرة قال: "كنا جلوسًا مع أسامة بن زيد في المسجد، فسئل عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول الله - عليه السلام - يصليها بالهجير" ولا نعلم روى زهرة عن أسامة بن فلد إلاَّ هذا الحديث. وأخرجه البيهقي أيضًا في سننه" (¬2): من حديث ابن أبي ذئب، عن الزبرقان بن ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (7/ 70 رقم 2618). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 458 رقم 1993).

عمرو بن أُميَّة، عن زهرة قال: "كنا جلوسًا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة بن زيد فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر؛ كان رسول الله - عليه السلام - يصليها بالهجير". قلت: زهرة هو ابن معبد أبو عقيل المدني، وجده: عبد الله بن هشام من أصحاب النبي - عليه السلام -، قال أحمد: أبو عقيل زهرة بن معبد ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ليس به بأس، مستقيم الحديث، فقلت: يحتج بحديثه؟ فقال: لا بأس به. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: حدثني سعد بن إبراهيم قال: سمعت محمد بن عمرو بن حسن يقول: "سألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان رسول الله - عليه السلام - يصلي الظهر بالهاجرة، أو حين تزول الشمس". ش: إسناده صحيح، ومحمد بن عمرو بن حسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم -، من رجال الصحيحين. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمَّد بن عمرو، وهو ابن الحسن بن علي - رضي الله عنهم - قال: "سألت جابر ابن عبد الله عن صلاة النبي - عليه السلام - فقال: كان النبي - عليه السلام - يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل، وإذا قَلّوا أَخَّر، والصبح بغلس". وأخرجه مسلم (¬2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا غندر، عن شعبة. وثنا محمد بن مثنى وابن بشار، قالا: نا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمَّد بن عمرو بن الحسن بن علي - رضي الله عنهم - قال: "لما قدم الحجاج المدينة، فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان رسول الله - عليه السلام - يصلي الظهر بالهاجرة ... " الحديث. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 207 رقم 540). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 446 رقم 646).

وأخرجه أبو داود (¬1): نحو رواية البخاري سواء وأخرجه النسائي (¬2) أيضًا. وقد ذكرناه في الباب السابق. والهاجرة والهجير: اشتداد الحر نصف النهار. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن سعيد بن الحويرث، عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نصلي مع النبي - عليه السلام - الظهر فيأخذ قبضة من الحصباء أو التراب فأجعلها في كفي، ثم أحولها إلى الكف الآخر، حتى يبرد ثم أضعها في موضع جبيني؛ من شدة الحر". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وأخرجه أبو داود (¬3): ثنا أحمد بن حنبل ومسدد، قالا: ثنا عباد بن عباد، نا محمد بن عمرو، عن سعيد بن الحارث الأنصاري عن جابر بن عبد الله، قال: "كنت أصلي الظهر مع رسول الله - عليه السلام -، فآخذ قبضة من الحصى لتبرد في كفي، أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر". ويستفاد منه: استحباب أداء الظهر في أول وقته كما ذهب إليه قوم، وعلى أنهم كانوا يصلون على الأرض، وأن المسجد ما كان فيه حصر، وأن السجدة على الحصى جائزة، وأن المصلي إذا أمسك في كله شيئًا لا تفسد صلاته. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب قال: "شكونا إلى رسول الله - عليه السلام - حر الرمضاء بالهجير، فما أشكانا". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 163 رقم 397). (¬2) "المجتبى" (1/ 264 رقم 527). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 163 رقم 399).

حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن زياد بن خيثمة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب، مثله. قال أبو إسحاق: فإن كان يعجل الظهر فيشتد عليهم الحر. حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة بن مضرب -أو من هو مثله من أصحابه- قال خباب: "شكونا إلى النبي - عليه السلام - حر الرمضاء فلم يشكنا". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق (ح). وحدثنا أبو أُميَّة، قال: ثنا أبو نعيم ومحمد بن سعيد، قالا: ثنا شريك، عن أبي إسحاق (شيبة). وحدثنا أبو أُميَّة، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن خباب قال: "شكونا إلى النبي - عليه السلام - حَرَّ الرمضاء، فلم يشكنا". ش: هذه ستة طرق صحاح غير أن في الطريق الثالث شكًّا لأبي إسحاق عمن رواه عن خباب: الأول: عن أبي بكرة بكَّار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي البصري، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن سعيد بن وهب الهَمْداني الخيواني -بالخاء المعجمة- عن خباب بن الأرت. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب قال: "شكونا إلى رسول الله - عليه السلام - الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 433 رقم 619).

وأخرجه النسائي (¬1): أنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، قال: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب قال: "شكونا إلى رسول الله - عليه السلام - حَرَّ الرمضاء فلم يشكنا. فقيل لأبي إسحاق: في تعجيلها؟ قال: نعم". قوله: "شكونا" من شكى يشكو، قال: الجوهري، شكوت فلانًا أشكوه شكوًا وشكاية وشَكيَّة وشكاة إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك، فهو مَشْكوٌّ ومَشْكِيٌّ، والاسم الشكوى. قوله: "حَرَّ الرمضاء" مفعول "شكونا" والرمضاء: الرمل، من الرمض وهو شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، ومنه سمي رمضان؛ لأنهم لما نقلوا أسماء المشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام شدة الحر ورمضه، وقيل غير ذلك. قوله: "فلم يُشْكنا" بضم الياء وسكون الشين أي لم يُجب إلينا ولم يُزْل شكوانا، يقال: أشكيت الرجل إذا أزلت شكواه، وإذا حملته على الشكوى. والمعنى أنهم شكوا إليه حَرَّ الشمس وما تصيب أقدامهم منه إذا خرجوا إلى صلاة الظهر، وسألوه تأخيرها قليلًا، فلم يشُكِهم أي لم يجبهم إلى ذلك ولم يُزل شكواهم. وقال ابن الأثير: وهذا الحديث يذكر في مواقيت الصلاة؛ لأجل قول أبي إسحاق -أحد رواته- قيل له: في تعجيلها؟ فقال: نعم. والفقهاء يذكرونه في السجود فإنهم كانوا يضعون أطراف ثيابهم تحت جباههم في السجود من شدة الحر، فنهوا عن ذلك، وأنهم لما شَكَوا إليه ما يجدون من ذلك، لم يفسح لهم أن يسجدوا على أطراف ثيابهم، وقال عياض: وقد قال ثعلب في تأويل قوله: "فلم يشكنا" أي لم يحوجنا إلى الشكوى، ورخص لنا في الإبراد، حكاه عنه القاضي أبو الفرج. الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 247 رقم 497).

السكوني أبي بدر، عن زياد بن خيثمة الجعفي الكوفي عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن سعيد بن وهب، عن خباب. وأخرجه مسلم (¬1) أيضًا: عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب قال: "أتينا رسول الله - عليه السلام - فشكونا إليه حَرَّ الرمضاء فلم يشكنا. قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم. قال: في تعجيلها؟ قال: نعم". قوله: "قال أبو إسحاق" هو عَمرو بن عبد الله السبيعي. قوله: "فإن كان يعجل الظهر" "إن" هذه مخففة من المثقلة، وأصلة: فإنه كان يعجل الظهر، أي أن النبي - عليه السلام - كان يعجل صلاة الظهر، فيشتد الحر على الصحابة. وفي بعض النسخ: "فإنه" على الأصل. الثالث: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص بن غياث النخعي، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب العبدي ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه في "سننه" (¬2): ثنا علي بن محمَّد، ثنا وكيع، نا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب العبدي، عن خباب قال: "شكونا إلى رسول الله - عليه السلام - حر الرمضاء، فلم يشكنا". قوله: "أو من هو مثله" شك من الراوي أراد الأعمش أن أبا إسحاق حدثه عن حارثة بن مضرب أو عن من هو مثل حارثة من أصحاب أبي إسحاق، الظاهر أنه هو سعيد بن وهب؛ لأن أبا إسحاق أخرج هذا الحديث عن خباب بواسطتين: أحدهما: حارثة بن مضرب. والآخر: سعيد بن وهب. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 433 رقم 619). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 222 رقم 675).

الرابع: عن أبي أُميَّة محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن قبيصة بن عقبة بن محمَّد السوائي الكوفي، عن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبيه أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن خباب. وأخرجه البزار (¬1): من حديث يونس، عن أبي إسحاق، ولكن عن سعيد بن وهب. وقال: ثنا الجراح بن مخلد، نا أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد، نا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب قال: "شكونا إلى رسول الله - عليه السلام - الرمضاء فلم يشكنا وكان رسول الله - عليه السلام - يصلي الظهر بالهجير" ولا يعلم روى سعيد بن وهب عن خباب إلَّا هذا الحديث. الخامس: عن أبي أُميَّة أيضًا، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، وعن محمَّد بن سعيد الأصبهاني، كلاهما عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن خباب. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): ثنا أبو حصين القاضي، نا يحيى الحماني، نا شريك، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن خباب قال: "شكونا إلى رسول الله - عليه السلام - الصلاة في الرمضاء، فلم يُشْكِنَا". السادس: عن أبي أُميَّة أيضًا، عن ابن الأصبهاني -وهو محمَّد بن سعيد- عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن خباب نحوه. وأخرجه الطبراني أيضًا (¬3): ثنا أبو حصين القاضي، نا يحيى الحماني، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن خباب قال: "شكونا إلى رسول الله - عليه السلام - الرمضاء، فلم يشكنا". ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (6/ 78 رقم 2134). (¬2) "المعجم الكبير" (4/ 72 رقم 3678). (¬3) "المعجم الكبير" (4/ 72 رقم 3676).

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: نا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن الأسود قال: قالت عائشة - رضي الله عنها -: "ما رأيت أحدًا أشد تعجيلًا لصلاة الظهر من رسول الله - عليه السلام -، ما استثنت أباها ولا عمر - رضي الله عنهما -". ش: أخرجه من طريقين فيهما حكيم بن جبير الأسدي، فيه مقال، فقال أحمد: ليس بشيء. وعن إبراهيم بن يعقوب: كذاب. وقال الدارقطني: متروك. الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة - رضي الله عنها -. وأخرجه التزمذي (¬1): ثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "ما رأيت أحدًا كان أشد تعجيلًا للظهر من رسول الله - عليه السلام - ولا من أبي بكر ولا من عمر - رضي الله عنهما -". قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن. قلت: كأن الترمذي مال في هذا إلى ما قال يحيى بن سعيد: حكيم بن جبير روى عنه الحفاظ، مثل سفيان وزائدة ويونس وابن عُتيبة والأعمش وغيرهم، ولم ير يحيى بحديثه بأسًا؛ فلذلك حسنه الترمذي. الطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره مثله. قوله: "ما استثنت أباها" أي ما استثنت عائشة أباها أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 292 رقم 155). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 285 رقم 3264).

ولا استثنت عمر - رضي الله عنه - عن قولها: "ما رأيت أحدًا" أرادت أن أباها وعمر أيضًا كانا ممن كان أشد تعجيلًا للظهر مثل رسول الله - عليه السلام -. ص: حدثنا أبو بكرة وإبراهيم بن مرزوق، قالا: ثنا سعيد بن عامر قال: ثنا عوف الأعرابي، عن سيار بن سلامة، قال: سمعت أبا برزة يقول: "كان النبي - عليه السلام - يصلي الهجير -الذي يدعونه الظهر- إذا دحضت الشمس". ش: إسناده صحيح، وعوف هو ابن أبي جميلة العبدي المعروف بالأعرابي ولم يكن أعرابيًا، وأبو بزرة اسمه نضلة بن عُبيد. وأخرجه ابن ماجه (¬1): ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد، عن عوف بن أبي جميلة، عن سيار بن سلامة، عن أبي برزة الأسلمي قال: "كان النبي - عليه السلام - يصلي صلاة الهجير -التي تدعونها الظهر- إذا دحضت الشمس". قوله: "دحضت" أي زالت، وأصل الدحض الزَّلْق. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا شعبة، عن حمزة العائذي قال: سمعت أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا نزل منزلًا لم يرتحل منه حتى يصلي الظهر، فقال رجل: ولو كان بنصف النهار؟ فقال ولو كان بنصف النهار". ش: إسناده صحيح، وحمزة بن عمرو العائذي -بالذال المعجمة- أبو عَمرو الضبي، ونسبته إلى عائِذ الله، من ضبه، روى له مسلم وأبو داود والنسائي. وأخرجه أبو داود (¬2) في باب صلاة المسافر: ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن شعبة، حدثني حمزة العائذي رجل من بني ضبة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان رسول الله - عليه السلام - ... " إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) سنن ابن ماجه (1/ 222 رقم 674). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 385 رقم 1205).

وأخرجه النسائي (¬1) في المواقيت: أنا عُبيد الله بن سعيد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني حمزة العائذي، قال: سمعت أنس بن مالك ... إلى آخره نحوه. قوله: "ولو كان بنصف النهار" المراد به أول الوقت، وأول الوقت يطلق عليه نصف النهار، وليس المعنى أنه كان يصلي قبل الزوال، و"الباء" في "بنصف النهار" للظرف. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أخبره: "أن رسول الله - عليه السلام - خرج حين زالت الشمس، فصلى صلاة الظهر". ش: رجاله رجال مسلم كلهم، وابن شهاب محمَّد بن مسلم الزهري. وأخرجه الترمذي (¬2): ثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله - عليه السلام - صلى الظهر حين زالت الشمس". فقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي (¬3): أنا كثير بن عُبيد، قال: ثنا محمَّد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، قال: أخبرني أنس: "أن رسول الله - عليه السلام - خرج حين زاغت الشمس، فصل بهم صلاة الظهر". ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن سليمان بن مهران (ح). ونا ابن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن سليمان عن ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 248 رقم 498). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 294 رقم 156). (¬3) "المجتبى" (1/ 246 رقم 496).

عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: "صليت خلف عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - الظهر حين زالت الشمس، فقال: هذا -والذي لا إله إلَّا هو- وقت هذه الصلاة". ش: أخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن عبد الله بن مرة الخارفي الكوفي، عن مسروق بن الأجدع. وأخرجه الطبراني في الكبير (¬1): ثنا محمَّد بن النضر الأزدي، ثنا معاوية بن عمرو، نا زائدة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: "صلى عبد الله حين زالت الشمس، فقلت لسليمان: الظهر؟ قال: نعم. ثم قال عبد الله: هذا -والذي لا إله إلَّا هو- ميقات هذه الصلاة". الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء بن عمرو البصري شيخ البخاري، عن زائدة بن قدامة، عن سليمان الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: "صلى بنا عبد الله بن مسعود الظهر حين زالت الشمس، ثم قال: هذا -والذي لا إله غيره- وقت هذه الصلاة". فالطحاوي: أخرج أحاديث هذا الفصل عن سبعة أنفس من الصحابة - رضي الله عنهم - وهم: أسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله، وخباب بن الأرت، وعائشة، وأبو برزة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود. وقال الترمذي بعد أن أخرج حديث عائشة: وفي الباب عن جابر، وخباب، ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (9/ 258 رقم 9277). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 285 رقم 3266).

وأبي برزة، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأنس، وجابر بن سمرة، و (أنيس) (¬1). قلت: قد بقي منهم ثلاثة أنفس وهم زيد بن ثابت، وجابر بن سمرة، وأنيس. أما حديث زيد بن ثابت: فأخرجه الطحاوي في أول باب الصلاة الوسطى. وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه ابن ماجه (¬2): ثنا محمد بن بشار، نا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة: "أن النبي - عليه السلام - كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس". وأمَّا حديث أنيس فأخرجه (¬3) .... ص: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا، فاستحبوا تعجيل الظهر في الزمان كله في أول وقتها، واحتجوا في ذلك بما ذكرنا. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث بن سعد والأشهب وجماعة العراقيين فإنهم قالوا: المستحب تعجيل الظهر في أول وقتها في الشتاء والصيف. قال أبو عمر (¬4) -رحمه الله-: قال الليث بن سعد: تصلى الصلوات كلها الظهر وغيرها في أول وقتها، في الشتاء والصيف، فهو أفضل. وهو قول العراقيين، وكذلك قال الشافعي إلَّا أنه استثنى فقال إلَّا أن يكون إمام جماعة يُنْتاب من المواضع البعيدة فإنه يبرد بالظهر، وأما مذهب مالك في ذلك فقد ذكر إسماعيل بن إسحاق وأبو الفرج عمرو بن محمَّد: أن مذهبه في الظهر وحدها أن يبرد بها، وتؤخر في شدة الحر، وسائر الصلوات تصلى في أوائل أوقاتها. وأما ابن القاسم فحكى عن مالك: أن الظهر يصلى إذا فاء الفيئ ذراعًا في الشتاء والصيف للجماعة والمنفرد على ما كتب به عمر - رضي الله عنه - إلى عماله. ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل، ك"، وليس في "جامع الترمذي" (1/ 292 رقم 155). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 221 رقم 673). (¬3) بيض له المصنف -رحمه الله- ولم يذكره الترمذي كما في التعليق السابق. (¬4) "التمهيد" (1/ 98).

وقال ابن عبد الحكم وغيره من أصحابنا: إن معنى ذلك مساجد الجماعات، وأما المنفرد فأول الوقت أولى به. وقال عياض: ذهب مالك إلى أن البادئ في الصلاة في أول أوقاتها أفضل. وعند ابن المواز والقاضي إسماعيل وأبي الفرج: أن الظهر يبرد بها في شدة الحر. وقال الشافعي: تقدم الصلوات للفذ والجماعة في الشتاء والصيف إلا الإِمام الذي ينتاب إليه الناس من بُعْدٍ فيبرد بها في الصيف دون غيره، ولمالك في المدونة استحباب أن يصلى الظهر والعصر والعشاء الآخرة بعد تمكن الوقت وذهاب بعضه. وتأوله أشياخنا على أهل الجماعات، وأما الفرد فأول الوقت أصلى، وتأوله بعضهم أن ذلك للفذ أيضًا, ولم يختلف قوله في المبادرة بالمغرب أول وقتها, ولا قول غيره ممن يقول لها وقت أم وقتان، ولا اختلف قوله بالتغليس في الصبح. قوله: "واحتجوا في ذلك بما ذكرنا" أي احتج هؤلاء القوم في قولهم: "يستحب تعجيل الظهر في الزمان كله" بما ذكرنا من الأحاديث. ص: وخالف في ذلك آخرون، فقالوا: أما في أيام الشتاء فيعجل بها كما ذكرتم، وأما في أيام الصيف فتؤخر حتى يبرد بها. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعةٌ آخرون، وأراد بهم: الثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، ومالكا في الصحيح عنه، وأهل الظاهر؛ فإنهم قالوا: تؤخر الظهر في الصيف عن أول وقتها حتى يبرد بها. وقال الشيخ محيي الدين النووي -رحمه الله-: والصحيح استحباب الإبراد، وهو المنصوص للشافعي، وبه قال جمهور أصحابه؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة فيه المشتملة على فعله والأمر به في مواطن كثيرة، ومن جهة جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم -.

وقال ابن حزم في "المحلى": تعجيل جميع الصلوات أفضل في أول أوقاتها على كل حال؛ حاشى العتمة؛ فإن تأخيرها إلى آخر وقتها في كل حال وكل زمان أفضل، إلا أن يشق ذلك على الناس؛ فالرفق بهم أولى؛ وحاشى الظهر للجماعة خاصة، في شدة الحرِّ خاصةً؛ فالإبراد بها إلى آخر وقتها أفضل. انتهى. وقال عياض: وذهب أهل الظاهر إلى أن أول الوقت وآخره في الفضل سواء؛ وقال به بعض المالكية. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن مهاجر أبي الحسن، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: "كنا مع النبي - عليه السلام - في منزل، فأذن بلال، فقال رسول الله - عليه السلام -: مَهْ يا بلال، ثم أراد أن يؤذن، فقال: مَهْ يا بلال، حتى رأينا فئ التلول، ثم قال رسول الله - عليه السلام -: "إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة إذا اشتد الحر". ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه من استحباب إبراد الظهر في الصيف، بحديث أبي ذر - رضي الله عنه -. أخرجه بإسناد صحيح. ومهاجر أبو الحسن التيمي (¬1) الكوفي الصائغ؛ روى له الجماعة سوى ابن ماجه، وزيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، رحل إلى النبي - عليه السلام - فقُبض وهو في الطريق؛ روى له الجماعة. وأبو ذرٍّ اسمه جُندب بن جنادة. وأخرجه البخاري (¬2): حدثنا ابن بشار، قال: ثنا غندر، قال: ثنا شعبة، عن المهاجر أبي الحسن، سمع زيد بن وهب، عن أبي ذر: "أذن مؤذن النبي - عليه السلام - الظهر، ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "التميمي"، والمثبت من "تهذيب الكمال" (28/ 584)، و"مغاني الأخيار" (5/ 112 رقم 2424). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 199 رقم 511).

فقال: أبرد، أبرد -أو قال: انتظر، انتظر- وقال: شدة الحرِّ من فيح جهنم، فإذا اشتد الحرُّ فأبردوا عن الصلاة، حتى رأينا شيء التلول". وقال (¬1) أيضًا: ثنا آدم بن أبي إياس [قال: حدثنا شعبة] (¬2)، قال: ثنا مهاجر أبو الحسن -مولى لبني تيم الله- قال: سمعت زيد بن وهب، عن أبي ذر الغفاري قال: "كنا مع النبي - عليه السلام - في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي - عليه السلام -: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال له: أبرد، حتى رأينا شيء التلول، فقال النبي - عليه السلام -: إن شدة الحرّ من فيح جهنم؛ فإذا اشتد الحرُّ فأبردوا بالصلاة". وأخرجه مسلم (¬3): حدثني محمَّد بن المثنى، قال: حدثني محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت مهاجرًا أبا الحسن يحدث، أنه سمع زيد بن وهب يحدث، عن أبي ذر قال: "أذن مؤذن رسول الله - عليه السلام - بالظهر، فقال النبي - عليه السلام -: أبرد، أبرد؛ أو قال: انتظر، انتظر ... " إلى آخره نحو رواية البخاري. وأخرجه أبو داود (¬4): نا أبو الوليد الطيالسي، نا شعبة، أخبرني أبو الحسن، قال: سمعت زيد بن وهب يقول: سمعت أبا ذر يقول: "كنا مع النبي - عليه السلام -، فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر، فقال: أبرد، ثم أراد أن يؤذن، فقال: أبرد -مرتين أو ثلاثًا- حتى رأينا شيء التلول، ثم قال: إن شدة الحرِّ من فيح جهنم؛ فإذا اشتد الحرُّ فأبردوا بالصلاة". وأخرجه الترمذي (¬5): ثنا محمود بن غيلان، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: أنبأنا شعبة، عن مهاجر أبي الحسن، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر: "أن رسول الله - عليه السلام - كان في سفر ومعه بلال، فأراد أن يقيم، فقال: أبرد، ثم أراد أن يقيم، فقال ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 199 رقم 514). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح البخاري". (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 431 رقم 616). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 164 رقم 401). (¬5) "جامع الترمذي" (1/ 297 رقم 158).

رسول الله - عليه السلام -: أبرد في الظهر، قال: حتى رأينا فيء التلول، ثم أقام فصلى، فقال رسول الله - عليه السلام - إن شدة الحر من فيح جهنم؛ فأبردوا عن الصلاة". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قوله: "فأذن بلال" أراد به: فأقام؛ لأن الإقامة يطلق عليها الأذان؛ والدليل عليه رواية الترمذي: "فأراد أن يقيم"؛ لأنه - عليه السلام - ما منعه عن الأذان في أول الوقت؛ وإنما منعه عن إقامته الصلاة في شدة الحر، وكذلك المراد من قوله: "فأراد أن يؤذن" معناه: أن يقيم، أو يكون المعنى: فأراد أن يؤذن كما صرح به في رواية أبي داود. قوله: "مَهْ" أي اكفف، ودع الإقامة في هذا الوقت؛ وهذا من أسماء الأفعال كـ"صَهْ" فإن معناه اسكت، وهو يستعمل مع الفرد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحدٍ، ويُنوَّن فيكون نكرةً، ويترك تنوينه فيكون معرفةً. قوله: "حتى رأينا فيء التلول" أي ظلها، والتلول جمع تلّ -بتشديد اللام- ويجمع على تلال أيضًا. قوله: "من فيح جهنم" بفاء مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، وحاء مهملة؛ أي سطوع حرها وانتشاره وغليانها؛ وأصله في كلامهم: السعة والانتشار، ومنه قولهم في الغارة "فيحي فياح"، ومكان أفيح أي واسع، وأرض فيحاء أي واسعة. وللكلام وجهان: حقيقي: وهو أن تكون شدة حر الصيف من وهج حَرِّ جهنم على الحقيقة وروي (¬1) "أن الله تعالى أذن لجهنم في نفسين: نفس في الصيف، ونفس في الشتاء؛ فأشد ما تجدونه من الحرّ في الصيف فهو من نفسها، وأشد ما تجدونه من البرد في الشتاء فهو منها". ومجازي: وهو أن يكون هذا الكلام من باب التشبيه؛ أي كأنه نار جهنم من الحر؛ فاحذروها واجتنبوا ضررها. وقد قيل: روي: "فإن شدة الحر من فتح جهنم" ¬

_ (¬1) تقدم عن قريب.

من فتح الباب، أراد أن جهنم تفتح في ذلك الوقت؛ فتكون شدة الحر من وهج حر جهنم. قوله: "فأبردوا بالصلاة" أراد بها الظهر؛ لأن في شدة الحر لا يكون إلا وقت الظهر؛ ومعناه أخروها عن وقت الهاجرة إلى حين بَرْد النهار، وانكسار وهج الحر. وقال بعض أهل اللغة: أراد صلوها في أول وقتها، وبرد النهار أوله. قلت: هذا تأويل بعيد ينافيه قوله: "حتى رأينا فيء التلول". وقال الخطابي (¬1): ومن تأوله على بردي النهار، فقد خرج عن جملة قول الأمة. قال عياض: مَعْنى "أبردوا بالصلاة" ادخلوا بها في وقت البرد، وهو آخر النهار؛ لأن حال ذلك الوقت بالإضافة إلى حرِّ الهاجرة برد؛ يقال: أبرد الرجل: صار في برد النهار، وأبرد الرجل كذا: وفعله فيه. قوله: "أبردوا عن الصلاة" كما جاء في بعض الروايات: معناه بالصلاة، وعن تأتي بمعنى الباء، كما قيل: "رميت عن القوس"، أي به، كما تأتي الباء بمعنى عن، وقيل في قوله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} (¬2) أي عنه، وقد تكون "عن" ها هنا زائدة، أي أبردوا الصلاة. ويستفاد منه: استحباب تأخير الظهر إلى وقت البرودة في الصيف، وبه استدل أصحابنا على ذلك، وحديث خباب ونحوه منسوخ بحديث الإبراد، على ما يأتي إن شاء الله، ويقال: الإبراد رخصة والتقديم أفضل، واعتمدوا على حديث خباب وحملوا حديث الإبراد على الرخصة والتخفيف في التأخير، وهو قول بعض الشافعية. وأن جهنم مخلوقة اليوم، خلافًا لمن يقول من المعتزلة وغيرهم: إنها لم تخلق بعد. ¬

_ (¬1) "معالم السنن" (1/ 111). (¬2) سورة الفرقان، آية: [59].

وأن شدة حَرِّ الصيف في الدنيا من حَرِّ جهنم. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا أبو صالح، عن أبي سعيد، عن النبى - عليه السلام - مثله. ش: هذان إسنادان صحيحان: الأول: عن فهدبن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة شيخ مسلم وغيره، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- الضرير أحد أصحاب أبي حنيفة، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك. وأخرجه ابن ماجه (¬1): ثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه سواء. الثاني: عن فهد أيضًا، عن عمر بن حفص شيخ البخاري، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي سعيد، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه البخاري (¬2): ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، ثنا أبو صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". تابعه سفيان ويحيى وأبو عوانة، عن الأعمش. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 223 رقم 679). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 199 رقم 513).

ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب أخبره، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا النضر بن عبد الجبار، قال: ثنا نافع بن يزيد، عن ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا ابن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الله بن زيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة، عن رسول - عليه السلام - مثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله - عليه السلام - فذكر نحوه. حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي عبد الله بن وهب، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد وسليمان الأغر، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا كانْ اليوم الحَارّ، فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة.

وعن عوف، عن الحسن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إن شدة الحر من فيح جهنم؛ فأبردوا بالصلاة". ش: هذه تسعة طرق صحاح، ورجالها كلهم ثقات. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وعن سعيد بن المسيب، كلاهما عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا يزيد بن خالد بن موهب الهمداني وقتيبة بن سعيد الثقفي أن الليث حدثهم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي - عليه السلام - قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة -قال ابن موهب: بالصلاة- فإن شدة الحرِّ من فيح جهنم". وأخرجه الترمذي نحوه (¬2): عن قتيبة، عن الليث ... إلى آخره. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬3) نحوه عن محمد بن الحسن بن قتيبة، عن يزيد بن موهب، عن الليث. وهذا الحديث قد روي بطرق مختلفة متعددة، عن أبي هريرة، أخرجه الجماعة (¬4) وأحمد (¬5) والطيالسي (¬6) والعدني والبزار في "مسانيدهم"، والدارمي (¬7) والبيهقي (¬8) والدارقطني في "سننهم"، والطبراني في "معجمه". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 164 رقم 402). (¬2) "جامع الترمذي" (1/ 295 رقم 157). (¬3) "صحيح ابن حبان" (4/ 374 رقم 1507). (¬4) "البخاري" (1/ 199 رقم 512)، و"مسلم" (1/ 430 رقم 615)، و"أبو داود" (1/ 164 رقم 402)، و"الترمذي" (1/ 295 رقم 157)، و"النسائي" (1/ 248 رقم 500)، و"ابن ماجه" (1/ 222 رقم 678). (¬5) "مسند أحمد" (2/ 266 رقم 7602). (¬6) "مسند الطيالسي" (1/ 304 رقم 2302). (¬7) "سنن الدارمي" (1/ 296 رقم 1207). (¬8) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 437 رقم 1899).

الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي المصري الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن النضر بن عبد الجبار بن نُضَيْر -بضم النون، وفتح الضاد المعجمة- أبي الأسود المصري، وثقه ابن حبان وغيره. عن نافع بن يزيد الكلاعي أبي يزيد المصري. عن يزيد بن عبد الله بن الهاد المدني. عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث القرشي التيمي أبي عبد الله المدني. عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف المدني. عن أبي هريرة. وأخرجه البزار في "مسنده": من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "أبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحرَّ من فيح جهنم". وأخرجه مسلم (¬1): من حديث ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قصة النار، وقال: حدثني حرملة بن يحيى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أنا حيوة، قال: حدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "قالت النار: ربِّ أكل بعضي بعضًا؛ فأذن لي أن أتنفس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حرَّ أو حرور فمن نفس جهنم". الثالث: عن محمَّد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم القرشي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 431 رقم 617).

وأخرجه السراج في "مسنده" وقال: ثنا عبيد بن عبد الواحد، ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، ثنا الليث، عن ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله - عليه السلام - يقول: "إذا اشتد الحرُّ فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحرِّ من فيح جهنم". الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي، عن أبي هريرة. وأخرجه مالك في "موطإه" (¬1): عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وعن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا اشتد الحرُّ فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم، وذكر أن النار اشتكت إلى ربها فأذن لها في كل عام بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف". وأخرجه مسلم (¬2): عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك، نحوه. وأخرج ابن حبان في "صحيحه" (¬3): عن [عمر] (¬4) بن سعيد بن سنان، عن أحمد بن أبي بكر، عن مالك، نحوه. ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 16 رقم 28). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 431 رقم 617). (¬3) "صحيح ابن حبان" (4/ 377 رقم 1510). (¬4) في "الأصل، ك": عمرو، وهو خطأ، والمثبت من "صحيح ابن حبان"، وهو عمر بن سعيد ابن أحمد بن سعيد بن سنان، أبو بكر الطائي المنبجي، له ترجمة في "تاريخ دمشق" (45/ 59 - 60).

الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام -. وأخرجه مالك في "موطإه" (¬1): عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا اشتد الحرُّ فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): عن إسحاق، عن مالك، عن أبي الزناد ... " إلى آخره. السادس: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي المصري، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: "كان أبو هريرة - رضي الله عنه - ... " إلى آخره. وأخرجه البزار من حديث الأعرج من غير هذا الوجه، فقال: ثنا محمَّد بن إسماعيل البخاري، نا أيوب بن سليمان بن بلال، ثنا أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أبردوا بصلاة الظهر في شدة الحرِّ؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". السابع: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب الملقب بحشل شيخ مسلم وأبي بكر بن خزيمة وابن جرير الطبري. عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري، عن بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي المدني نزيل مصر، عن بُسْر -بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة- بن سعيد المدني العابد، وعن سليمان الأغر أبي عبد الله المدني، عن أبي هريرة. ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 16 رقم 29). (¬2) "مسند أحمد" (2/ 462 رقم 9957).

وأخرجه مسلم (¬1): حدثني هارون بن سعيد الأيلي وعمرو بن سَوَّاد وأحمد بن عيسى قال عمرو: أخبرنا، وقال الآخران: نا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو، أن بكيرًا حدثه، عن بُسْر بن سعيد وسليمان الأغر، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا كان اليوم الحارّ فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". الثامن: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن منصور ابن شعبة الخراساني، عن هشيم بن بشير السلمي، عن هشام بن حسان القردوسي، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا هشيم، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "شدة الحر من فيح جهنم؛ فأبردوا بالصلاة". وأخرجه البزار أيضًا: ثنا نصر بن علي، نا عبد الله بن علي، عن هشام، عن محمَّد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "أبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". وأخرجه أحمد أيضًا (¬3): عن يزيد بن هارون، نا هشام، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: أبردوا عن الصلاة في الحرِّ؛ فإن شدة الحرِّ من فيح جهنم، أو من فيح أبواب جهنم". التاسع: عن صالح، عن سعيد، عن هشيم، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن الحسن البصري، عن أبي هريرة. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: حدثني أبي، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، عن ثابت بن قيس، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي - عليه السلام -. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 430 رقم 615). (¬2) "مسند أحمد" (2/ 229 رقم 7130). (¬3) "مسند أحمد" (2/ 507 رقم 10600).

وعن أبي زرعة، عن ثابت بن قيس، عن أبي موسى يرفعه قال: "أبردوا بالظهر؛ فإن الذي تجدونه من الحرِّ من فيح جهنم". ش: هذان طريقان: أحدهما: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص شيخ البخاري، عن أبيه حفص بن غياث، عن الحسن بن عبيد الله بن عروة النخعي الكوفي، عن إبراهيم ابن يزيد النخعي الكوفي، عن يزيد بن أوس، وثقه ابن حبان، وقال ابن المديني: مجهول، وذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه. عن ثابت بن قيس النخعي الكوفي، عن أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس. وأخرجه النسائي (¬1): أخبرني إبراهيم بن يعقوب، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي (ح). وثنا إبراهيم بن يعقوب، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا حفص (ح). وأبنا عمرو بن منصور، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، عن ثابت بن قيس، عن أبي موسى يرفعه قال: "أبردوا بالظهر؛ فإن الذي تجدونه من الحر من فيح جهنم". والآخر: عن فهد، عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم النخعي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، عن ثابت بن قيس، عن أبي موسى يرفعه قال: "أبردوا بالظهر ... " إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير": ثنا علي بن عبد العزيز وبشر بن موسى، قالا: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن يزيد بن أوس، عن ثابت بن قيس، عن أبي موسى، عن النبي - عليه السلام -. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 249 رقم 501).

وعن أبي زرعة، عن ثابت بن قيس، عن أبي موسى، رفعه قال: "أبردوا بالظهر؛ فإن الذي تجدونه من الحرِّ من فيح جهنم". انتهى. وأبو زرعة اختلف في اسمه، فقيل: هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل عمرو، وقيل: جرير، روى له الجماعة. وهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن أبي ذر وأبي سعيد وأبي هريرة وأبي موسى، ومن حديث المغيرة أيضًا على ما يأتي. وقال الترمذي (¬1): بعد أن أخرج حديث أبي هريرة: وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي ذر، وابن عمر، والغيرة، والقاسم بن صفوان، عن أبيه، وأبي موسى، وابن عباس، وأنس - رضي الله عنهم -. قلت: وفي الباب عن عمر بن الخطاب، وعائشة أم المؤمنين، وعمرو بن عبسة، وعبد الرحمن بن جارية. فحديث ابن عمر عند ابن ماجه (¬2): ثنا عبد الرحمن بن عمر، نا عبد الوهاب الثقفي، نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "أبردوا بالظهر". وحديث المغيرة عنده أيضًا (¬3): ثنا تميم بن المنتصر الواسطي، نا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن بيان، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة، قال: "كنا نصلي مع رسول الله - عليه السلام - صلاة الظهر بالهاجرة، فقال لنا: أبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". وأخرجه الطحاوي أيضًا على ما يأتي إن شاء الله. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 295 رقم 157). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 223 رقم 681). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 223 رقم 680).

وحديث القاسم بن صفوان عن أبيه عند الطبراني في "الكبير" (¬1)، وأحمد في "مسنده" (¬2): بإسنادهما عن النبي - عليه السلام - قال: "أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". والقاسم بن صفوان وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: القاسم بن صفوان لا يعرف إلا في هذا الحديث. قلت: صفوان هو ابن مخرمة الزهري له صحبة. وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عند البزار: نا محمَّد بن عثمان بن كرامة، نا عبيد الله، نا عمر بن صُهْبَان، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان النبي - عليه السلام - في غزوة يؤخر الظهر حتى يبرد ... " الحديث. وحديث أنس عند النسائي (¬3): أنا عبيد الله بن سعيد، قال: أنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا خالد بن دينار أبو خلدة قال: سمعت أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عَجَّل". وحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عند البزار (¬4): ثنا الفضل بن سهل الكرخي، وأحمد بن الوليد قالا: ثنا محمَّد بن الحسن المخزومي، قال: ثنا أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "أبردوا بالصلاة إذا اشتد الحر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم، وإن جهنم قالت: أكل بعضي بعضًا، فاستأذنت الله في نفسين، فأذن لها، فشدة الحر من فيح جهنم، وشدة البرد من زمهريرها". وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر - رضي الله عنه - إلا من هذا الوجه، ورواه محمَّد بن الحسن، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن جده. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (8/ 71 رقم 7399). (¬2) "مسند أحمد" (4/ 262 رقم 18333). (¬3) "المجتبى" (1/ 248 رقم 499). (¬4) "مسند البزار" (1/ 403، 404 رقم 280).

ومحمد بن الحسن منكر الحديث، وقد احتمل الناس حديثه. وأخرجه أبو يعلى أيضًا في "مسنده" (¬1). وحديث عائشة عند البزار وأبي يعلى (¬2) بإسناد صحيح، عن عائشة أن النبي- عليه السلام - قال: "إن شدة الحرِّ من فيح جهنم، فأبردوا بالصلاة". وحديث عمرو بن عبسة عند الطبراني في "الكبير" (¬3): بإسناد ضعيف، عن النبي - عليه السلام - قال: "أبردوا بصلاة الظهر؛ فإن شدة الحرِّ من فيح جهنم". وحديث عبد الرحمن بن جارية عند الطبراني أيضًا في "الكبير" (¬4) من رواية عبد الكريم بن سليط عنه قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "أبردوا بالظهر". وعبد الكريم بن سليط وثقه ابن حبان. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: ففي هذه الآثار الأمر بالإبراد بالظهر، من شدة الحر، وذلك لا يكون إلا في الصيف، فقد خالف في ذلك ما روي عن النبي - عليه السلام - من تعجيل الظهر في الحر على ما ذكرنا في الآثار الأول، فإن قال قائل: فما دل على أن أحد الأمرين أولى من الآخر؟ قيل له: قد روي أن تعجيل الظهر في الحر قد كان يفعل ثم نُسخ، كما حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن معين، وتميم بن المنتصر، قالا: ثنا إسحاق ابن يوسف الأزرق، قال: ثنا شريك، عن بيان، عن قيس بن أبي حازم، عن ¬

_ (¬1) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 46 رقم 1699): رواه أبو يعلى والبزار وقال: "إن جهنم قالت: أكل بعضي بعضًا" وفيه محمَّد بن الحسن بن زبالة نسب إلى وضع الحديث. (¬2) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 47 رقم 1702): رواه أبو يعلى والبزار ورجاله موثقون. (¬3) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 47 رقم 1703): رواه الطبراني في "الكبير" وفيه سليمان ابن سلمة الخبائري وهو مجمع على ضعفه. (¬4) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 47 رقم 1705): رواه الطبراني في "الكبير" من رواية ابن سليط عنه ولم أجد من ذكر ابن سليط. ورجاله رجال الصحيح.

المغيرة بن شعبة، قال: "صلى بنا النبي - عليه السلام - صلاة الظهر بالهجير، ثم قال: إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة". قال أبو جعفر: فأخبر المغيرة في حديثه هذا أن أمر رسول الله - عليه السلام - بالإبراد بالظهر بعد أن كان يصليها في الحرِّ، فثبت بذلك نسخ تعجيل الظهر في شدة الحرِّ، ووجب استعمال الإبراد في شدة الحرِّ. ش: ملخصه أن الآثار الأول التي فيها تعجيل الظهر في شدة الحرِّ قد انتسخ حكمها، بأمره - عليه السلام - بإبراد الظهر في شدة الحر، والدليل عليه حديث المغيرة بن شعبة؛ فإنه أخبر في حديثه أنه - عليه السلام - أمر بالإبراد بالظهر بعد أن كان يصليها في الحرِّ، والمتأخر ناسخ للمتقدم، وإليه ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف. وقال الترمذي (¬1): معنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحرّ أولى وأشبه بالاتباع، وأما ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد والمشقة على الناس فإن في حديث أبي ذر ما يدل على خلاف ما قال الشافعي، قال أبو ذر: "كنا مع النبي - عليه السلام - في سفر، فأذن بلال في صلاة الظهر، فقال النبي - عليه السلام -: يا بلال، أبرد ثم أبرد". فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنىً؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد، انتهى. ثم رجال حديث المغيرة ثقات، وتميم بن المنتصر بن تميم الهاشمي أبو عبد الله الواسطي شيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير الطبري. وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي القاضي. وبيان هو ابن بشر الأحمسي البجلي الكوفي، روى له الجماعة. وقيس بن أبي حازم واسمه حصين بن عوف البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 295 رقم 157).

روى له الجماعة، قيل: إنه رأى النبي - عليه السلام - وهو يخطب، ولم يثبت، والصحيح أنه هاجر إليه - عليه السلام - ليبايعه فَقُبِضَ وهو في الطريق. والحديث أخرجه ابن ماجه (¬1): عن تميم بن المنتصر ... إلى آخره نحوه، وقد ذكرناه عن قريب. ص: وقد روي عن أنس بن مالك وأبي مسعود - رضي الله عنهما - أن النبي - عليه السلام - كان يعجلها في الشتاء ويؤخرها في الصيف: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني يزيد بن في حبيب، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن شهاب، عن عروة بن الزبير، قال: أخبرني بشير بن في مسعود، عن أبي مسعود: "أنه رأى النبي - عليه السلام - يصلي الظهر حين تزيغ الشمس، وربما أخرها في شدة الحرِّ". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا حرمي بن عمارة، قال: ثنا أبو خلدة، قال: ثنا أنس بن مالك، قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة". وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن ثابت، قال: ثنا أبو خلدة، عن أنس بن مالك قال: "كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان بالشتاء بكَّر بالظهر، وإذا كان بالصيف أبرد بها". قال أبو جعفر -رحمه الله-: هكذا السنة عندنا في صلاة الظهر على ما ذكر أبو مسعود وأنس - رضي الله عنهما - من صلاة رسول الله - عليه السلام -، وليس فيما قدمنا ذكره في الفصل الأول ما يجب به خلاف شيء من هذا؛ لأن حديث أسامة وعائشة وخباب وأبي برزة - رضي الله عنهم - كلهم عندنا منسوخة بحديث المغيرة الذي رويناه في الفصل الأخير. وأما حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في صلاة الظهر حين زالت الشمس وحلفه أن ذلك وقتها، فليس في ذلك الحديث أن ذلك كان منه في الصيف ولا أنه كان منه في ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 223 رقم 680).

الشتاء، ولا دلالة في ذلك على خلاف غيره، وهذا أنس بن مالك فقد روى عنه الزهري أن رسول الله- عليه السلام - صلى الظهر حين زالت الشمس ثم جاء أبو خلدة ففسر عنه أنه كان يصليها في الشتاء معجلًا وفي الصيف مؤخرًا، واحتمل ما روى ابن مسعود، وهو كذلك أيضًا. ش: ذكر حديث أبي مسعود وأنس - رضي الله عنهما - تأكيدًا لما ذكره من نسخ حديث المغيرة الأحاديث التي فيها تعجيل الظهر في شدة الحرّ. وأخرج حديث أبي مسعود -واسمه عقبة بن عمرو الأنصاري المعروف بالبدري- بإسناد صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات. وبَشير -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة- قيل: له صحبة أيضًا. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1) مطولا: ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح (ح). وثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي، نا يحيى بن بكير، حدثني الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن ابن شهاب: "أنهم كانوا على كراسي عمر بن عبد العزيز ومعهم عروة بن الزبير، فدعاه المؤذن لصلاة العصر ... " الحديث ذكرناه بتمامه في أول باب الوقت الذي يصلى فيه الفجر؛ لأن الطحاوي قد ذكر هناك قطعة منه بالإسناد الذي ذكره ها هنا بعينه. وأخرج حديث أنس من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن أبي بكر بن عطاء بن مقدَّم المقدمي -بفتح الدال- شيخ البخاري ومسلم. عن حرمي بن عمارة بن أبي حفصة البصري. عن أبي خلدة -بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام- واسمه خالد بن دينار البصري الخياط. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (17/ 259 رقم 716).

عن أنس بن مالك. وأخرجه النسائي (¬1): أنا عبيد الله بن سعيد، قال: أبنا أبو سعيد مولى بني هاشم، قال: أبنا خالد بن دينار أبو خلدة، قال: سمعت أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجَّل". قوله: "بكَّر" أي أتى الصلاة في أول وقتها، وكل من أسرع إلى شيء فقد بكَّر إليه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن ثابت البصري أبي محمَّد البزار -بالراء المهملة في آخره- عن أبي خلدة، عن أنس. وأخرجه أبو العباس السراج في "مسنده": ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا يحيى بن خليف بن عقبة بصري، عن أبي خلدة، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا كان البرد بكَّر بالصلاة، وإذا كان الحرَّ أخرها". قوله: "قال أبو جعفر .. " إلى آخره، ظاهر عن البيان. قوله: "وأما حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - ... " إلى آخره جواب عمَّا استدلت به أهل المقالة الأولى، من جملة الأحاديث التي ذكرت في الفصل الأول منها حديث مسروق قال: "صليت خلف عبد الله بن مسعود الظهر حين زالت الشمس، فقال: هذا - والذي لا إله إلا هو- وقت هذه الصلاة" وتقرير الجواب: أنه لا دلالة فيه أنه كان ذلك في الصيف، ولا أنه كان في الشتاء، وإنما هو بيان وقت الظهر، ونحن نقول به. وأما الإبراد في الصيف والتعجيل في الشتاء فأمرٌ زائد على ذلك، فلا دلالة له على ذلك، وهذا كحديث الزهري عن أنس: "أن رسول الله - عليه السلام - صلى الظهر حين زالت الشمس"، ثم جاء أبو خلدة خالد بن دينار فسر عن أنس أنه كان يصليها في الشتاء مُعَجِّلًا وفي الصيف مُؤخرًّا، وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - يحتمل هذا الوجه، فلا يتم ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 248 رقم 499).

لهم به استدلال، وعندي جواب آخر أحسن منه، وهو أن ابن مسعود إنما أكد كلامه بيمينه على أن دخول وقت الظهر من زوال الشمس عن كبد السماء، وليس يمينه على أن وقت الظهر هو الوقت الذي صلى فيه الظهر فقط؛ لأن وقت الظهر أكثر من الوقت الذي صلى هو فيه؛ لأنه ينتهي إلى أنه يصير ظل كل شيء مثله أو مثليه على الخلاف، فيكون معنى قوله: "هو وقت الظهر" أي هو وقت دخول الظهر، واستحقاقه، وليس فيه دلالة على استحباب ذلك الجزء من الوقت، فافهم. ص: فإن احتج محتج في تعجيل الظهر بما قد حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سويد بن غفلة، قال: "سمع الحجاج أذانه بالظهر وهو في الجبَّانة، فأرسل إليه، فقال: ما هذه الصلاة؟ فقال: صليت مع أبي بكر، وعمر، وعثمان - رضي الله عنهم - حين زالت الشمس، قال: فصرفه، وقال: لا تؤذن ولا تؤم". قيل له: ليس في هذا الحديث أن الوقت الذي رآهم فيه سويد كان في الصيف فقد يجوز أن يكون كان في الشتاء ويكون حكم الصيف عندهم بخلاف ذلك، والدليل على هذا: أن يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الله ابن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، "أن عمر - رضي الله عنه - قال لأبي محذورة بمكة: كنت بأرض حارة شديدة الحرِّ فأبرد ثم أبرد بالأذان للصلاة". قال أبو جعفر -رحمه الله-: أفلا ترى أن عمر - رضي الله عنه - قد أمر أبا محذورة في هذا الحديث بالإبراد لشدة الحرِّ؟ فأولى الأشياء بنا أن نحمل ما روى عنه سويد على غير خلاف ذلك، فيكون ذلك كان منه في وقت لا حرَّ فيه. ش: وجه الاحتجاج: أن سويد بن غفلة أخبر أنه صلى مع أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - في أول الوقت، فدل على أن التعجيل هو السنة مطلقًا؛ لأنه لو لم يكن السنة لما فعل بها الخلفاء الثلاثة الراشدون. وتقرير الجواب: أنه لا دليل فيه أن الوقت الذي رآهم سويد يصلون فيه كان في الصيف، فيحتمل أن يكون قد كان ذلك في الشتاء، بل هو المراد، والدليل عليه أن

عمر - رضي الله عنه - أمر أبا محذورة مؤذن مكة أن يبرد بالأذان للصلاة في شدة الحرّ فلو لم يكن هذا عند عمر سنة لما أمره بذلك. ثم إسناد أثر سويد صحيح، وابن الأصبهاني هو محمَّد بن سعيد شيخ البخاري. وأبو حَصِين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملة- واسمه عثمان بن عاصم الكوفي، روى له الجماعة. وسويد بن غفلة بن عوسجة الكوفي أدرك الجاهلية، وروي عنه أنه قال: "أنا لِدَة النبي - عليه السلام -؛ ولدت عام الفيل ". قدم المدينة حين نُفِضَت الأيدي من دفن رسول الله - عليه السلام -. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، قال: حدثني ميمون بن مهران: "أن سويد بن غفلة كان يصلي الظهر حين تزول الشمس، فأرسل إليه الحجاج: لا تسبقنا بصلاتنا، فقال سويد: قد صليتها مع أبي بكر وعمر هكذا، والموت أقرب إليَّ من أن أدعها". قوله: "في الجبانة" الجبان والجبانة الصحراء، وتسمى المقابر جبانة أيضًا؛ لأنها تكون في الصحراء، تسمية للشيء بموضعه. قوله: "فصرفه" أي منعه الحجاج عن الأذان والإقامة، والحجاج هو ابن يوسف الثقفي الظالم المشهور، وكان عامل عبد الملك بن مروان على العراق وخراسان، وتوفي سنة خمس وتسعين من الهجرة، وعمره ثلاث -أو أربع- وخمسون سنة. وأما أثر عمر بن الخطاب فأخرجه عن يزيد بن سنان القزاز. عن أبي بكر الحنفي الصغير واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد روى له الجماعة. عن عبد الله بن نافع القرشي، فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف، وعنه: يُكتب حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. روى له ابن ماجه. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 285 رقم 3271).

عن أبيه نافع مولى ابن عمر. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن معمر، عن أيوب ويزيد بن أبي زياد، عن عكرمة بن خالد، قال: "قدم عمر مكة، فأذن له أبو محذورة، فقال له عمر: أما خشيت أن ينخرق مريطاؤك؟! قال: يا أمير المؤمنين قدمتَ فأحببت أن أسمعكم أذاني، فقال له عمر: إن أرضكم معشر أهل تهامة حارَّة، فأبرد ثم أبرد -مرتين أو ثلاثًا- ثم أذن، ثم ثوب" انتهى. وأبو محذورة -بضم الذال المعجمة- اسمه أوس، وقيل: سمرة، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان، واسم أبيه مِعْيرَ -بكسر الميم، وسكون العين، وفتح الياء آخر الحروف، وفي آخره راء- وكان أحسن الناس أذانًا وأنداهم صوتًا، وجعله النبي - عليه السلام - على أذان مكة يوم منصرفه من حنين، فلم يزل يؤذن فيها إلى أن توفي بمكة سنة تسع وخمسين من الهجرة. قوله: "مريطاؤك" المريطاء -بضم الميم، وبالمد- هي الجلدة التي بين السرة والعانة، وهي في الأصل مصغرة مرطاء، وهي الملساء التي لا شعر عليها، وقد تقصر. ص: فإن قال قائل: إن حكم الظهر أن يعجل في سائر الزمان، ولا يؤخر، كما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث خباب وعائشة وجابر وأبي برزة - رضي الله عنه - وإنما كان من النبي - عليه السلام - من أمره إياهم بالإبراد رخصة منه لهم لشدة الحرِّ؛ لأن مسجدهم لم يكن له ظلال، وذَكَر في ذلك ما قد روي عن ميمون بن مهران، فيه كما قد حدثنا فهد، قال: ثنا علي [بن] (¬2) معبد، قال: ثنا أبو المليح الرقي، عن ميمون بن مهران، قال:؛ لا بأس بالصلاة نصف النهار وإنما كانوا يكرهون الصلاة نصف النهارة لأنهم كانوا يصلون بمكة وكانت شديدة الحرِّ ولم يكن لهم ظلال, فقال: ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 545 رقم 2060). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

أبردوا بها. قيل له: هذا الكلام يستحيل؛ لأن هذا لو كان كما ذكرت لما أخرها رسول الله- عليه السلام - وهو في السفر، حيث لا كِنّ ولا ظل على ما في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - ولصلاها حينئذٍ في أول وقتها في غير كنٍّ ولا ظل، فتركه الصلاة حينئذٍ دليل على أن ما كان منه من الأمر بالإبراد ليس لأن يكونوا في شدة الحر في الكِنَّ، ثم يخرجون فيصلون الظهر في حال ذهاب الحرِّ؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لصلاها لا كِنٌ في أول وقتها ولكن ما كان منه - عليه السلام - من هذا القول عندنا -والله أعلم- إيجاب منه أن ذلك هو سنتها، كان الكِنُّ موجودًا أو معدومًا. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله. ش: هذا السؤال يرد على ما ذكر من ثبوت النسخ في حديث خباب ونحوه، على ما مَرَّ ذكره، تقديره أن يقال: لا نُسَلِّم أن حديث الإبراد ناسخ لحديث التعجيل بل حكم التعجيل باقٍ كما في حديث خباب ومن ذكر معه، وإنما كان أمره - عليه السلام - بالإبراد لأجل الرخصة لهم؛ لأجل شدة الحرِّة لأن مسجدهم لم يكن له ظلال وكانوا يتضررون وقت الهاجرة، فرخص لهم بالإبراد لذلك؛ والدليل عليه ما قاله ميمون بن مهران -أبو أيوب الجزري، وثقه أحمد والنسائي وغيرهما- "لا بأس بالصلاة نصف النهار ... " إلى آخره. أخرجه الطحاوي: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي أحد أصحاب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن أبي المليح الرقي واسمه الحسن بن عمرو الفزاري وثقه أحمد وأبو زرعة، ونسبته إلى رَقَّة -بفتح الراء والقاف المشددة- بلدة بالفراتية وهذا أخذه ميمون من سويد بن غفلة، فكل ما أجيب عن قول سويد فهو جواب عن قول ميمون. وتقدير الجواب: أن ما ذكرتم هذا بعيد ومستحيل؛ لأن الأمر لو كان كما ذكرتم لَمَا أخر رسول الله - عليه السلام - الظهر والحال أنه كان في السفر كما مرَّ في حديث أبي ذر "كنا مع رسول الله - عليه السلام - منزل فأذن بلال، فقال رسول الله - عليه السلام -: مه يا بلال ... " الحديث.

وفى رواية الترمذي (¬1): "أن رسول الله - عليه السلام - كان في سفر ومعه بلال، فأراد أن يقيم، فقال: أبرد ... " الحديث. والسفر لا كِنَّ فيه ولا ظلال، ولم يُصلّ رسول الله - عليه السلام - في أول وقتها، بل أخرها, ولو كان الأمر كما ذكرتم لصلاها حينئذٍ في أول الوقت، فظهر من ذلك أن تأخيره - عليه السلام - الظهر حينئذٍ إلى وقت الإبراد لم يكن لأجل أن يكونوا في الكِنّ في شدة الحرِّ ليخرجوا منها ثم يصلوا بعد ذهابها، بل إنما كان ذلك منه - عليه السلام - عزمًا على أنه سنة سواء كان الكِنّ موجودًا أو معدومًا، فيستوي فيه السفر والحضر، وثبت النسخ الذي ادعينا واستمر الحكم على تأخير الظهر في الصيف حتى يبرد بها، والله أعلم. "والكِنّ" بكسر الكاف وتشديد النون السترة والجمع أكنان قال الله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} (¬2)، والأكنة: الأغطية، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} (¬3) والواحدة كنان، وأكننته في نفسي: أسررته، فافهم. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (1/ 297 رقم 158). (¬2) سورة النحل، آية: [81]. (¬3) سورة الأنعام، آية: [25].

ص: باب: العصر هل يؤخر أم يعجل؟

ص: باب: العصر هل يؤخر أم يعجل؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم صلاة العصر هل تعجل في أول وقتها أم تؤخر فأيهما أفضل؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا علي بن معبد بن نوح البغدادي، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ثم الظفري، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "سمعته يقول: ما كان أحد أشد تعجيلًا لصلاة العصر من رسول الله - عليه السلام -، إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارًا من مسجد رسول الله - عليه السلام - لأبو لبابة بن عبد المنذر أحد بني عمرو بن عوف وأبو عبس بن جَبْر أحد بني حارثة، دار أبي لبابة بقباء، ودار أبي عبس في بش حارثة، ثم إن كانا ليصليان مع رسول الله - عليه السلام - العصر، ثم يأتيان قومهما وما صلوها؛ لتبكير رسول الله - عليه السلام - بها". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وابن إسحاق هو محمَّد بن إسحاق بن يسار المدني. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬1): ثنا محمَّد بن إسماعيل الفارسي، ثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، ثنا أحمد بن خالد الوهبي، ثنا محمَّد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك: "كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول الله - عليه السلام - دارًا أبو لبابة بن عبد المنذر وأهله بقباء، وأبو عَبْس بن جَبْر ومسكنه في بني حارثة، فكانا يصليان مع رسول الله - عليه السلام -، ثم يأتيان قومهما وما صلوا؛ لتعجيل رسول الله - عليه السلام - بها". وأخرجه الطبراني أيضًا في "الأوسط" (¬2). ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 254 رقم 12). (¬2) "المعجم الأوسط" (8/ 53 رقم 7946).

قوله: "إن كان". "إنْ" هذه مخففة من المثقلة، وأصله إنَّه كان. قوله: "أبعد" مرفوع؛ لأنه اسم كان، وخبره قوله: "لَأَبو لبابة" ودخلت "اللام" فيه للتأكيد، ولهذا جاءت مفتوحة. وقوله: "دارًا" نصب على التمييز. قوله: "أحد بني عمرو" صفة لقوله: "لأبو لبابة" ويجوز أن يكون خبر مبتدإٍ محذوف، أي هو أحد بني عمرو، فحينئذٍ الجملة أيضًا صفة لأبي لبابة وأبو لبابة -بضم اللام- وتخفيف الباء الموحدة ثم ألف وباء أخرى -واسمه رفاعة بن المنذر، وقيل: بشير بن عبد المنذر غلبت عليه كنيته، كان من النقباء، وشهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، وقيل: لم يشهد بدرًا، بل أَمَّره رسول الله - عليه السلام - على المدينة، وضرب له بسهم مع أصحاب بدرٍ، وكانت معه راية بني عمرو بن عوف يوم الفتح، مات في خلافة عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -. قوله: "وأبو عبس" عطف على قوله: "لأَبو لبابة" واسمه عبد الرحمن بن جَبْر بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث الأنصاري الحارثي المدني غلبت عليه كنيته، شهد بدرًا، ومات بالمدينة سنة أربع وثلاثين ودفن بالبقيع وله سبعون سنة، وعَبْس بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وبالسين المهملة. وجَبْر بفتح الجيم، وسكون الباء الموحدة. قوله: "دار أبي لبابة" مبتدأ، وخبره: قوله: "بقباء"، والجملة بيان لقوله: "أبعد رجلين من الأنصار دارًا" وكذلك قوله: "ودار أبي عبس" مبتدأ، وخبره قوله: "في بني حارثة" وقبُاء بضم القاف، وبالباء الموحدة، تمد وتقصر قرية على ميلين من المدينة، وهناك مسجد التقوى. قوله: "ثم إن كانا" "إن" هذه مخففة من المثقلة، وأصله ثم إنه كانا. قوله: "وما صلُّوها" جملة حالية.

قوله: "لتبكير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها" أي لتعجيل رسول الله - عليه السلام - بالعصر، وبه استدل الشافعي وأحمد وإسحاق وعبد الله بن المبارك أن الأفضل تعجيل العصر، وقال الترمذي: وهو الذي اختاره بعض أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام -: منهم عمر وعبد الله بن مسعود وعائشة وأنس وغير واحدٍ من التابعين في تعجيل صلاة العصر، وكرهوا تأخيرها، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال عياض: هذا الحديث وأشباهه حجة للجماعة في أن أول وقت العصر القامة، وأن صلاتها لأول وقتها أفضل، ورد على من خالفهم؛ إذْ لو كان القامتان كما قال أبو حنيفة لما اتفق أن يجدوا بني عمرو يصلون إلا في الاصفرار ولا وصلوا إلى قباء والعوالي إلا بعد سقوط الشمس ونزولها وتغيرها، وكذا قال الشيخ محيي الدين: المراد من هذه الأحاديث المبادرة بصلاة العصر أول وقتها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة والشمس بعدُ لم تتغير بصفرة ونحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ولا يكاد يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة. ثم قال: وفيها دليل لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور؛ أن وقت العصر يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، وقال أبو حنيفة: لا يدخل وقته حتى يصير ظل كل شيء مثليه، وهذه حجة للجماعة عليه مع حديث ابن عباس (¬1) في بيان المواقيت، وحديث جابر (¬2) وغير ذلك. قلت: الجواب من جهة أبي حنيفة أنه - عليه السلام - أمر بالإبراد بالظهر بقوله: "أبردوا بالظهر" يعني صلوها إذا سكنت شدة الحَرِّ، واشتداد الحر في ديارهم يكون وقت صيرورة ظل كل شيء مثله، ولا يفتر الحرُّ إلا بعد المثلين، فإذا تعارضت الأخبار يبض ما كان على ما كان، ووقت الظهر ثابت بيقين فلا يزول بالشك، ووقت ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود في "سننه" (1/ 160 رقم 393)، والترمذي في "جامعه" (1/ 278 رقم 149)، وأحمد في "المسند" (1/ 333 رقم 3081). (¬2) أخرجه الترمذي في "جامعه" (1/ 281 رقم 150)، والنسائي في "المجتبى" (1/ 255 رقم 513)، وأحمد في "المسند" (3/ 330 رقم 14578).

العصر ما كان ثابتًا فلا يدخل بالشك، وأما حديث ابن عباس وجابر وغيرهما فلا يدل على أن لا يكون ما وراء وقت الإمامة وقتًا للظهر ألا ترى أن جبريل - عليه السلام - أَمَّ للفجر في اليوم الثاني حين أسفر والوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس، وكذلك صلى العشاء حين ذهب ثلث الليل والوقت يبقى بعده إلى طلوع الفجر. وأما الجواب عن حديث أنس وما يشابهه محمول على أن ذلك كان في وقت الصيف، أو كان ذلك في وقت مخصوص لعدد، والأفضل عند أصحابنا أن يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية لم يدخلها تغير في الشتاء والصيف جميعًا، قاله في "البدائع" لما روي عنه - عليه السلام -: "كان يؤخر العصر ما دامت بيضاء نقية". أخرجه أبو داود (¬1) وهذا فيه بيان تأخره العصر؛ ولأن في تأخيره تكثير النوافل؛ لأن النافلة بعدها مكروهة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس - رضي الله عنه - قال: "كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك، قال: ثنا مالك بن أنس، قال: حدثني الزهري وإسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك: "أن النبي - عليه السلام - كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلي قباء -قال أحدهما: وهم يصلون، وقال الآخر-: والشمس مرتفعة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد اللهَ بن يوسف، قال: ثنا مالك، عن الزهري، عن أنس (ح). وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: "كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 165 رقم 408).

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العصر، فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة". قال الزهري والعوالي على الميلين والثلاثة -وأحسبه قال: والأربعة-". حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حيّة، فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة". حدثنا ابن خزيمة، قال: أنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن منصور، عن ربعي، قال: ثنا أبو الأبيض، قال: ثنا أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي بنا العصر والشمس بيضاء، ثم أرجع إلى قومي وهم جلوس في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا فصلوا؛ فإن النبي - عليه السلام - قد صلَّى". قال أبو جعفر - عليه السلام -: فقد اخْتُلِفَ عن أنس بن مالك في هذا الحديث، فكان ما روى عاصم بن عمر بن قتادة وإسحاق بن عبد الله وأبو الأبيض عن أنس بن مالك يدل على التعجيل بها؛ لأن في حديثهم أن رسول الله - عليه السلام - كان يصليها، ثم يذهب الذاهب إلى المكان الذي ذكروا فيجدهم لم يصلوا العصر، ونحن نعلم أن أولئك لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فهذا دليل على التعجيل، وأما ما روى الزهري عنه فإنه قال: "كنا نصليها مع النبي - عليه السلام - ثم نأتي العوالي والشمس مرتفعة"، فقد يجوز أن تكون مرتفعة قد اصفرت. فقد اضطرب حديث أنس هذا؛ لأن معنى ما روى الزهري منه بخلاف ما روى إسحاق بن عبد الله، وعاصم بن عمر، وأبو الأبيض عن أنس. ش: أخرج حديث أنس من سبع طرق رواتها كلهم ثقات: إلا أنه مضطرب، وأشار إلى وجه الاضطراب بقوله: "لأن معنى ما روى الزهري منه" أي من أنس "بخلاف ما روى إسحاق بن عبد الله، وعاصم بن عمر، وأبو الأبيض، عن أنس"؛ لأن رواية هؤلاء تدل على التعجيل، ورواية الزهري تدل على التأخير

جدًّا؛ لأن قوله: "والشمس مرتفعة" يجوز أن يكون ارتفاعها هو حالة اصفرارها؛ فإن منع الخصم يعني الاضطراب بالدليل، فجوابه ما ذكرناه. الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري. عن مالك بن أنس. عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة واسمه زيد بن سهل الأنصاري شيخ مالك في "الموطأ" روى له الجماعة. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر". وأخرجه مسلم (¬2): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن إسحاق بن عبد الله ... إلى آخره. قوله: "إلى بني عمرو بن عوف" قال عياض: هم على ثلثي فرسخ من المدينة. قوله: "يصلون العصر" جملة في محل النصب على أنها مفعول ثانٍ لقوله: "فيجدهم". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد أبي عبد الله المروزي الفارض الأعور، عن عبد الله بن المبارك، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم الزهري وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، كلاهما عن أنس. وأخرجه النسائي (¬3): أنا سويد بن نصر، قال: ابنا عبد الله، عن مالك، قال: ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 202 رقم 523). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 433 رقم 621). (¬3) "المجتبى" (1/ 252 رقم 506).

حدثني الزهري وإسحاق بن عبد الله، عن أنس - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فقال أحدهما. فيأتيهم وهم يصلون، وقال الآخر: والشمس مرتفعة". قوله: "قال أحدهما" أي أحد الاثنين من الزهري وإسحاق بن عبد الله. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي أيضًا، عن عبد الله بن يوسف التنيسي، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أنس. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن ابن كتاب، عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب منَّا إلى قبُاء فيأتيهم والشمس مرتفعة". الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن الزهري، عن أنس. وأخرجه مسلم (¬2): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم والشمس مرتفعة". الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد المروزي، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد الأزدي البصري، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أنس بن مالك ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يصلي العصر، فيذهب الذاهب إلى العوالي والشمس مرتفعة. قال الزهري: والعوالي على ميلين أو ثلاثة، قال: وأحسبه قال: وأربعة". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 202 رقم 526). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 433 رقم 621). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 547 رقم 2069).

وقال أبو داود (¬1): ثنا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري قال: "والعوالي على ميلين أو ثلاثة، قال: وأحسبه قال: وأربعة" انتهى. قلت: العوالي جمع عالية، والعوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة، والنسب إليها عُلوي على غير القياس، وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية. قاله ابن الأثير، والذي يظهر من كلام الزهري أن أدناها من المدينة على ميلين، وقال عياض: فسر مالك العوالي بثلاثة أميال من المدينة، قال غيره: وهي مفترقة، فأدناها ميلان، وأبعدها ثمانية أميال. وقال الجوهري: العالية: ما فوق نجد إلى أرض تهامة وإلى ما وراء مكة وهي الحجاز وما والاها، والنسبة إليها عالي، ويقال أيضًا: عُلوي على غير قياس، ويقال: عالى الرجل وأعلى إذا أتى عالية نجد. السادس: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أنس. وأخرجه البخاري (¬2): ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي العمر والشمس مرتفعة حيَّة، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة. وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال ونحوه". وأخرجه مسلم (¬3): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا ليث. ونا محمَّد بن رمح، قال: أنا الليث، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك أنه أخبره: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حيَّة، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتي العوالي والشمس مرتفعة". لم يذكر قتيبة فيأتي العوالي. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 165 رقم 405). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 202 رقم 525). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 433 رقم 621).

وأخرجه أبو داود (¬1): عن قتيبة، عن الليث، نحوه. وكذلك أخرجه النسائي (¬2): عن قتيبة نحوه. وأخرجه ابن ماجه (¬3): عن محمَّد بن رمح، عن الليث، نحوه. السابع: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء بن عمرو الغداني أبي عمرو البصري شيخ البخاري، عن زائدة بن قدامة الكوفي، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حِراش -بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وفي آخره شين معجمة- عن أبي الأبيض العَنْسي الشامي وكنيته اسمه، ويقال: اسمه عيسى، وثقه العجلي، وروى له النسائي. عن أنس بن مالك. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): ثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض، عن أنس قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي العصر والشمس بيضاء محلقة، ثم آتي عشيرتي في جانب المدينة لم يصلوا، فأقول: ما يجلسكم؟! صلوا؛ فقد صلى رسول الله - عليه السلام -". وأخرجه النسائي (¬5): أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا جرير، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي بنا -يعني العصر- والشمس بيضاء محلقة" انتهى. قلت: "مُحلِّقة" بتشديد "اللام" المكسورة من حَلَّق الطائر: ارتفع في طيرانه، وقيل: بفتح "اللام"، وقال ابن الأثير: محلقة: أي مرتفعة، والتحليق: الارتفاع، ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 164 رقم 404). (¬2) "المجتبى" (1/ 252 رقم 507). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 223 رقم 682). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 288 رقم 3298). (¬5) "المجتبى" (1/ 253 رقم 508).

ومنه: حَلَّق الطائر في كبد السماء، أي صَعِد، وحكى الأزهري عن شمر قال: تحليق الشمس من أول النهار: ارتفاعها، وفي آخره انحدارها. ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن غير أنس، فمن ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود وفهد، قالا: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا أبو واقد الليثي، قال: ثنا أبو أروى، قال: "كنت أصلي مع النبي - عليه السلام - العصر بالمدينة، ثم آتي الشجرة ذا الحليفة قبل أن تغرب الشمس، وهي على فرسخين". ففي هذا الحديث أنه كان يسير بعد العصر فرسخين قبل أن تغيب الشمس، فقد يجوز أن يكون ذلك يسير أهل الأقدام، وقد يجوز أن يكون سيرًا على الإبل والدواب، فنظرنا في ذلك، فإذا محمَّد بن إسماعيل بن سالم الصاغ قد حدثنا، قال: ثنا معلى بن أسد وأحمد بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا وهيب، عن أبي واقد، قال: حدثنى أبو أروى، قال: "كنت أصلي العصر مع النبي - عليه السلام -، ثم أمشي إلى ذي الحليفة فآتيهم قبل أن تغيب الشمس". ففي هذا الحديث أنه كان يأتيها مشيًا، وأما قوله: "قبل أن تغرب الشمس" فقد يجوز أن يكون ذلك وقد اصفرت ولم يبق منها إلا أقل قليل. ش: أي قد روي في تعجيل العصر أيضًا عن غير أنس من الصحابة - رضي الله عنهم -. قوله: "فمن ذلك" أي فمما روي عن غير أنس منهم، وهو أبو أروى الدوسي الحجازي. قال الطبراني في "الكبير" (¬1): يقال: اسمه ربيعة، ويقال: عُبيد بن الحارث. أخرج حديثه من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي وفهد بن سليمان، كلاهما عن موسى ابن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي البصري شيخ البخاري وأبي داود. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (22/ 369).

عن وهيب -بالتصغير- بن خالد البصري روى له الجماعة. عن أبي واقد اسمه صالح بن محمد بن زائدة المدني، فيه مقال، فقال يحيى: ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أحمد بن إسحاق، عن وهيب، عن أبي واقد، عن أبي أروى، قال: "كنت أصلي مع رسول الله - عليه السلام - العصر، ثم آتي الشجرة -يعني ذا الحليفة- قبل أن تغيب الشمس". وأخرجه ابن الأثير في "معرفة الصحابة" (¬2): من حديث سليمان بن حرب، عن وهيب ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن محمَّد بن إسماعيل بن سالم الصائغ البغدادي نزيل مكة، شيخ أبي داود وابن أبي حاتم، وثقه ابن حبان. عن معلى بن أسد العَمِّي البصري شيخ البخاري. وعن أحمد بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري شيخ مسلم، كلاهما عن وهيب ابن خالد ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬3): ثنا أبو خليفة الفضل بن الحبُاب، ثنا سليمان ابن حرب، ثنا وهيب بن خالد، عن أبي واقد الليثي، عن أبي أروى قال: "كنت أصلي صلاة العصر مع رسول الله - عليه السلام - ثم آتي ذا الحليفة أمشي فآتيها ولم تغب الشمس". وأخرجه أحمد (¬4)، والبزار (¬5) في "مسنديهما". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 288 رقم 3306). (¬2) "أسد الغابة" (1/ 1136). (¬3) "المعجم الكبير" (22/ 369 رقم 925). (¬4) "مسند أحمد" (4/ 344 رقم 19045). (¬5) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 48 رقم 1707): رواه البزار وأحمد باختصار، والطبراني في "الكبير". وفيه صالح بن محمَّد أبو واقد وثقه أحمد وضعفه يحيى بن معين والدارقطني وجماعة.

قوله: "ثم آتي الشجرة" هي ذو الحليفة، فلذلك أوقع قوله: "ذا الحليفة" بدلًا منها، أو عطف بيان، وكذا فسرها في رواية ابن أبي شيبة بقوله: "يعني ذا الحليفة" وقال القاضي: ذو الحليفة ماء من مياه بني جُشَم، على ستة أميال -وقيل: سبعة- من المدينة، وفسرها في رواية الطحاوي بقوله: "وهي على رأس فرسخين" يعني من المدينة، وكلّ فرسخ ثلاثة أميال، وذكر الرواية الثانية لتفسير ما في الرواية الأولى من قوله: "ثم آتي الشجرة" فإن الإتيان أعم من أن يكون ماشيًا أو راكبًا، وفسر في الثانية بقوله: "ثم أمشي"، وقد زعم من ادعى استحباب تعجيل العصر أن فيه دلالة ظاهرة على أنه - عليه السلام - كان يعجل العصر؛ لأنه ذكر أنه كان يسير بعد صلاته - عليه السلام - فرسخين قبل أن تغيب الشمس. فنقول: قد روى أبو مسعود البدري نحو رواية أبي أروى، وفيه: "وكان يصليها والشمس مرتفعة"، ففيه دليل على أنه كان يؤخرها، على ما يجيء الآن إن شاء الله. ص: وقد روي عن أبي مسعود نحوًا من ذلك؛ حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا الليث بن سعد، عن يريد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد، عن محمد بن شهاب، قال: سمعت عروة بن الزبير يقول: أخبرني بشير بن أبي مسعود، عن أبيه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء مرتفعة، يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال، قبل غروب الشمس". فقد وافق هذا الحديث أيضًا حديث أبي أروى، وزاد فيه: "كان يصليها والشمس مرتفعة". فذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها. ش: أي قد روي عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري الأنصاري ما يشابه حديث أبي أروى الدوسي المذكور آنفًا، وهو ما أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي المصري، عن أسامة بن زيد المدني، عن محمَّد بن

مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن بشير -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة- عن أبيه أبي مسعود ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (¬1) مطولًا، ذكرناه في باب "المواقيت"، وفي باب "الوقت الذي يستحب أن يصلى فيه الظهر"، وكذلك أخرج الطحاوي هذا الحديث المطول مقطعًا بثلاث قطع، قطعة في باب "المواقيت"، وقطعة في باب "وقت الظهر"، وقطعة هَا هنا بحسب موافقة المدعى. ص: وقد روي عن أنس بن مالك أيضًا ما يدل على هذا: حدثنا نصار بن حرب أبو بكر المِسْمَعي البصري، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن أبي الأبيض، عن أنس قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء محلقة". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فقد أخبر أنس في هذا الحديث عن النبي - عليه السلام - أنه كان يصليها والشمس بيضاء محلِّقة؛ فذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها، ثم يكون بين الوقت الذي كان يصليها فيه وبين غروبها مقدار ما كان يسير الرجل إلى ذي الحليفة، أو إلى ما ذكر في هذه الآثار من الأماكن. ش: أي قد روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ما يدل على أنه - عليه السلام - كان يؤخر العصر، وقد بينه بقوله: "قال أبو جعفر ... " إلى آخره، وأخرج ذلك عن نصار بن حرب أبي بكر المِسْمَعي -بكسر الميم- قال ابن دريد: المسمع: أبو قبيلة من العرب يقال لهم: المسامعة كما يقال المهالبة والقحاطبة. عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن أبي الأبيض العَنْسي، عن أنس - رضي الله عنه -. وهذا إسناد صحيح. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (17/ 259 رقم 716).

وأخرجه النسائي (¬1): وقد ذكرناه عن قريب. قوله: "أو إلى ما ذكر في هذه الآثار من الأماكن" يعني من قباء، أو من العوالي، أو من بني عمرو بن عوف. ص: وقد روي عن أنس بن مالك أيضًا في ذلك ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي صدقة مولى أنس، عن أنس: "أنه سئل عن مواقيت الصلاة، فقال: كان رسول الله - عليه السلام - يصلي صلاة العصر ما بين صلاتيكم هاتين". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذلك يحتمل أن يكون أراد بقوله: "فيما بين صلاتيكم هاتين" ما بين صلاة الظهر وصلاة المغرب، فذلك دليل على تأخير العصر، ويحتمل أن يكون أراد فيما بين تعجيلكم وتأخيركم، فذلك دليل على التأخير أيضًا, وليس بالتأخير الشديد، فلما احتمل ذلك ما ذكرنا، وكان في حديث الأبيض عن أنس: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يصليها والشمس بيضاء محلقة" دل ذلك على أنه قد كان يؤخرها. ش: أي قد روي عن أنس أيضًا في ما يدل على أنه - عليه السلام - كان يؤخر العصر غير تأخير شديد، وهو ما أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي صدقة واسمه توبة الأنصاري البصري مولى أنس بن مالك. روى له النسائي وأخرجه (¬2): من حديث شعبة، عن أبي صدقة، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ويصلي العصر بين صلاتيكم هاتين، ويصلي المغرب إذا غربت الشمس، ويصلي العشاء إذا غاب الشفق -قال على إثره-: ويصلي الصبح إلى أن ينفسخ البصر". ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) "المجتبى" (1/ 273 رقم 552).

ورواه أبو أحمد الحاكم في "الكنى": من حديث يزيد بن هارون، أنا شعبة ... فذكره، وفيه: "والفجر من حين يطلع الفجر إلى أن ينفسح البصر". ص: فإن قال قائل: وكيف يكون ذلك كذلك وقد روي عن أنس - رضي الله عنه - في ذم من يؤخر العصر؟ فذكر في ذلك ما قد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه قال: "دخلت على أنس بن مالك بعد الظهر، فقام يصلي العصر، فلما فرغ من صلاته، ذكرنا تعجيل الصلاة -أو ذكرها- فقال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: تلك صلاة المنافقين -قالها ثلاثًا- يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس، وكانت بين قرني شيطان -أو على قرني الشيطان- قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله -عز وجل- فيهن إلا قليلًا". قيل له: قد بيَّن أنس في هذا الحديث التأخير المكروه ما هو، إنما هو التأخير الذي لا يمكن بعده أن يصلي العصر إلا أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا، فأما صلاة يصليها متمكنًا ويذكر الله فيها متمكنًا قبل تغير الشمس، فليس ذلك من الأول في شيء، وأولى بنا في هذه الآثار لما جاءت هذا المجيء أن نحملها ونُخَرِّج وجوهها على الاتفاق، لا على الخلاف والتضاد، فنجعل التأخير المكروه فيها هو ما بينه العلاء عن أنس، ونجعل الوقت المستحب من وقتها أن تصل فيه هو ما بينه أبو الأبيض عن أنس، ووافقه على ذلك أبو مسعود - رضي الله عنه -. ش: أي كيف يكون ما ذكرتم كما ذكرتم أنه يدل على أنه - عليه السلام - قد كان يؤخرها؟ تقرير السؤال: أنه - عليه السلام - ذَمِّ من يؤخر العصر في حديث أنس هذا، وذلك لا يكون إلا في شيء مكروه، فدَلَّ أن تأخير العصر مكروه. وتقرير الجواب: أن حديث أنس هذا وارد في التأخير المكروه، وهو أن تؤخر إلى أن يبقى من الوقت قدر ما يسع فيه أربع ركعات بالضيق بحيث لا يقدر على ذكر الله تعالى فيها إلا شيئًا قليلًا، فهذا هو التأخير المذموم صاحبه، العلوم عليه، وأما الصلاة التي يصليها متمكنًا بسعة في الوقت، ويذكر الله فيها كثيرًا متمكنًا قبل تغير الشمس فليست بمكروهة ولا صاحبها بمذموم عليها، وبهذا يحصل الاتفاق

بين هذه الآثار المذكورة التي فيها تضاد وخلاف ظاهرًا، والعمل بالكل بالتوفيق بينها أولى من العمل ببعضها وترك بعضها، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "وأولى بنا في هذه الآثار ... إلى آخره. وقوله: "أن نحملها" في محل الرفع على الابتداء، و"أن" مصدرية، وخبره قوله: "وأولى بنا" والتقدير: حمل الآثار وتخريج وجوهها على الاتفاق أولى بنا من تركها على الخلاف والتضاد. قوله: "ووافقه على ذلك" أي وافق أنسًا على ما رواه أبو الأبيض عنه؛ أبو مسعود عقبة بن عمرو البدري. ثم إسناد الحديث المذكور صحيح على شرط مسلم. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا يحيى بن أيوب ومحمد بن الصباح وقتيبة وابن حجر، قالوا: أنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن: "أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر، فقمنا فصلينا، فلما انصرفنا قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: تلك صلاة المنافقين، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا". وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه قال: "دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر ... " إلى، آخره نحو رواية الطحاوي سواء. وأخرجه الترمذي (¬3): ثنا علي بن حجر، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء ابن عبد الرحمن: "أنه دخل على أنس بن مالك ... " إلى آخره نحو رواية مسلم. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 434 رقم 622). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 166 رقم 413). (¬3) "جامع الترمذي" (1/ 301 رقم 160).

وأخرجه النسائي (¬1): أنا علي بن حجر [بن] (¬2) إياس بن مقائل بن مشمرج [بن] (¬3) خالد، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا العلاء: "أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة ... " إلى آخره نحو رواية مسلم. قوله: "بعد الظهر" أي بعد صلاة الظهر. قوله: "تلك صلاة المنافقين" إشارة إلى صلاة العصر التي تصلى في اصفرار الشمس، وتؤخر هذا التأخير بلا عذر. قوله: "قالها ثلاثًا" أي قال - عليه السلام - هذه الكلمة ثلاث مرات، أعني قال: "تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين" كما قد وقع مصرّحًا في رواية أبي داود، وإنما كررها ثلاثًا ليكون أبلغ في ذم تأخيرها بلا عذر. قوله: "يجلس أحدهم ... " إلى آخره، بيان هذه الصلاة التي وقع فيها وفي صاحبها الذم. قوله: "بين قرني شيطان" قد مرَّ الكلام فيه مستوفى في باب مواقيت الصلاة. قوله: "فنقرها أربعًا" أي أربع نقرات، أراد بها الركعات الخارجة عن التريث من نَقَرَ الديكُ أو الغرابُ، وهو كناية عن تخفيفها جدًّا بحيث لا يمكث فيها إلا قدر وضع الديك أو الغراب منقاره فيما يريد أكله. قوله: "لا يذكر الله -عز وجل- فيهن إلا قليلًا" صفة لقوله: "أربعًا" وذلك لاستعجاله فيها خوفًا من غروب الشمس، لا بقدر أن يأتي بالقراءة كما ينبغي ولا بالتسبيحات والأدعية على صفاتها، وانتصاب "قليلًا" على أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير: لا يذكر الله فيها إلا ذكر قليلًا. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (1/ 254 رقم 511). (¬2) في "الأصل، ك": ابن أبي، والمثبت من "المجتبى"، ومصادر ترجمته. (¬3) في "الأصل، ك": "عن"، وهو تحريف، والمثبت من "المجتبى"، ومصادر ترجمته.

ص: فإن قال قائل: فقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - ما يدل على التعجيل بها؛ فذكر ما قد حدثنا يونس، عن ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر". وما حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا ابن المنهال, قال: ثنا سفيان، عن الزهري، سمع عروة يحدث، عن عائشة - رضي الله عنه - أنها قالت: "كان النبي - عليه السلام - يصلي صلاة العصر والشمس طالعة في حجرتين". قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك كذلك، وقد أخر العصر لقصر حجرتها، فلم تكن الشمس تنقطع منها إلا بقرب غروبها، فلا دلالة في هذا الحديث على تعجيل العصر. وذكروا في ذلك أيضًا ما حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة (ح). وما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن سيّار بن سلامة، قال: "دخلت مع أبي على أبي برزة - رضي الله عنه - فقال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي العصر، فيرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حيّة". قيل له: قد مضى جوابنا في هذا فيما تقدم من هذا الباب، فلم نجد في هذه الآثار لَمَّا صُحِّحَت وجمعت ما يدل إلا على تأخير العصر، ولم نجد شيئًا منها يدل على تعجيلها إلا ما قد عارضه غيره فاستحببنا بذلك تأخير العصر، إلا أنها تصلي والشمس بيضاء، في وقت يبقى بعده من وقتها مدة قبل تَغَيُّب الشمي، ولو خُلِّينا والنظر لكان تعجيل الصلوات كلها في أوائل أوقاتها أفضل، ولكن اتباع ما روي عن رسول الله - عليه السلام - مما تواترت به الآثار أولى. ش: تقرير السؤال: أن الخصم أورد حديثين يدلان على أفضلية تعجيل العصر. أحدهما: عن عائشة، أخرجه من ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة أم المؤمنين. وأخرجه أبو داود (¬1): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه. والثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج بن منهال، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة. وأخرجه البخاري (¬2): ثنا أبو نعيم، قال: أنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان النبي - عليه السلام - يصلي صلاة العصر والشمس طالعة في حجرتي لم يظهر الفيء بعد". وقال مالك ويحيى بن سعيد وشعيب وابن أبي حفصة: "والشمس قبل أن تظهر". وأخرجه مسلم (¬3) عن ابن أبي شيبة وعمرو الناقد- قال عمرو: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، وفي آخره: وقال أبو بكر: "ولم يظهر الفيء بعد" نحو رواية البخاري. قوله: "في حجرتها" أي في دارها وكلّ ما حُجِّر وأحيط به بالبناء فهو حجرة. قوله: "قبل أن تظهر" أي قبل أن تعلو على السطح، ومنه قوله تعالى: {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} (¬4)، ومنه الحديث الآخر: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" أي عالين، وقال الجعدي: بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَجُدُودوُنَا ... وإِنَّا لَنَبغِي فوقَ ذلكَ مَظْهَرًا أي عُلوًّا. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 165 رقم 407). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 251 رقم 521). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 426 رقم 611). (¬4) سورة الزخرف، آية: [33].

وقيل: معناه قبل أن يرتفع ظلها عن الحجرة، وقيل: قبل أن تزول عنها. والثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أبو كريب، ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي العصر وأن الشمس في قعر حجرتين لم تخرج". وهذا الحديث أخرجه الجماعة (¬1) وأحمد (¬2) والدارمي (¬3) والعدني وأبو يعلى (¬4) وغيرهم بأسانيد مختلفة كلها عن عائشة - رضي الله عنها -. والحديث الآخر: عن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي الصحابي بإسنادين صحيحين: الأول: عن عبد الغني بن أبي عَقِيل -بفتح العين- وهو رفاعة بن عبد الملك الجمحي شيخ أبي داود، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرَّصاصي، عن شعبة بن الحجاج، عن سيار بن سلامة الرياحي أبي المنهال البصري، عن أبي برزة. وأخرجه الطبراني في الكبير: ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال (ح). وثنا يوسف القاضي، ثنا سليمان بن حرب، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن سيار ابن سلامة، عن أبي برزة قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي العصر والشمس حيَّة". والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة، عن سيّار بن سلامة، عن أبي برزة. ¬

_ (¬1) البخاري (1/ 201 رقم 520)، ومسلم (1/ 426 رقم 611)، وأبو داود (1/ 165 رقم 407)، والترمذي (1/ 298 رقم 159)، والنسائي (1/ 252 رقم 505)، وابن ماجه (1/ 223 رقم 683). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 37 رقم 24141). (¬3) "سنن الدارمي" (1/ 285 رقم 1186). (¬4) "مسند أبي يعلى" (7/ 393 رقم 4420).

وأخرجه الطبراني أيضًا: ثنا عمرو بن مرزوق، ثنا شعبة، عن سيار بن سلامة، عن أبي برزة قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يصلي العصر والشمس حيّة". وتقرير الجواب عن حديث عائشة: أنه لا دلالة فيه على تعجيل العصر؛ لأنه يجوز أن يكون - عليه السلام - قد أخَّر العصر والحال أن الشمس في حجرتها؛ لكون حجرتها منخفضة قصير البناء والجدران، فلم تكن الشمس تنقطع عنها إلا قريب الغروب، وهو معنى قوله: "قد يجوز أن يكون ذلك كذلك وقد أخر العصر" أي يجوز أن يكون ما ذكرتم من كون الشمس في حجرتها والحال أنه - عليه السلام - قد أخر صلاة العصر. قوله: "لقصر حجرتها" متعلق بقوله: "أن يكون ذلك" أي كون الشمس في حجرتها لأجل قصر بناء حجرتها. وأما حديث أبي برزة فقد مرَّ جوابه فيما مضى عند حديث أنس وأبي مسعود البدري من أن تكون الشمس مرتفعة ولكن قد اصفرت، وكذلك يكون معنى حديث أبي برزة، "والشمس حيّة" أي مرتفعة ولكن قد خالطتها الصفرة، فحينئذٍ لا يدل الحديث إلا على تأخيره العصر والله أعلم. ثم إن الناظر إذا أمعن نظره في هذه الأحاديث بعد جمعها يجدها قد يدل أكثرها على تأخير العصر، ولا يجد ما يدل على تعجيلها إلا ويجد آخر يعارضه، فالأولى بل المتعين في مثل ذلك أن يعمل بالأكثر ويوفق بين المتعارضين؛ فلذلك استحبوا تأخير العصر، إلا أنها لا تؤخر إلى وقت لا تبقى بعده مدة قبل تغير الشمس، فلو نظر الشخص إلى أصل المعنى لكان تعجيل الصلوات كلها -العصر وغيرها- في أوائل أوقاتها أفضل نقلًا وعقلًا. أما نقلًا: فلما روي عنه - عليه السلام - لما سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة في أول وقتها". أخرجه أبو داود (¬1) وغيره. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 169 رقم 426) وقد تقدم تخريجه.

وأما عقلًا: فلأن التأخير من الكسل، وذم الله تعالى أقوامًا على الكسل فقال: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} (¬1) والتأخير من الكسل، ولكن تواترت الآثار وتكاثرت بالدلالة على تأخير العصر، والظهر في شدة الحرّ، والصبح إلى الإسفار، والعشاء إلى ما قبل ثلث الليل، فوجب اتباعها، والعمل بها فأَعْدل الأمرين، وأشار إلى ذلك بقوله: "ولو خُلِّينا والنظر ... " إلى آخره و"خُلِّينا" على صيغة المجهول، والنظر منصوب على المعيَّة. وقوله: "أولى" خبر لقوله: "اتباع ما روي". ص: وقد روي عن أصحابه من بعده - رضي الله عنهم - ما يدل على ذلك أيضًا. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع: أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى عماله: إنَّ أهَمَّ أمركم عندي: الصلاة، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، صلوا العصر والشمس بيضاء مرتفعة بيضاء نقيّة، قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة". حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا يزيد بن أبي حكيم، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: "كنا مع أبي هريرة - رضي الله عنه -، في جنازة فلم يصل العصر، وسكت حتى راجعناه مرارًا فلم يصل العصر حتى رأينا الشمس على رأس أطول جبل بالمدينة". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: "كان من كان قبلكم أشد تعجيلًا للظهر، وأشد تأخيرًا للعصر منكم". فهذا عمر - رضي الله عنه - يكتب إلى عماله وهم من أصحاب النبي - عليه السلام - يأمرهم بأن يُصلوا العصر والشمس بيضاء مرتفعة، ثم أبو هريرة قد أخرها حتى رآها عكرمة على رأس أطول جبل بالمدينة، ثم إبراهيم يخبر عمن كان قبله يعني من أصحاب النبي - عليه السلام - ¬

_ (¬1) سورة النساء، آية: [142].

وأصحاب عبد الله أنهم كانوا أشد تأخيرًا للعصر ممن بعدهم، فلما جاء هذا من أفعالهم ومن أقوالهم مؤتلفًا على ما ذكرناه، وروي عن النبي - عليه السلام - أنه كان يصليها والشمس مرتفعة، وفي بعض الآثار: "محلقة" وجب التمسك بهذه الأخبار، وترك خلافها، وأن تؤخر العصر حتى لا يكون تأخيرها يُدْخِلُ مُؤخِّرَها إلى الوقت الذي أخبر أنس بن مالك -في حديث العلاء- أن النبي - عليه السلام - قال: "تلك صلاة المنافقين" فإن ذلك الوقت هو الوقت المكروه تأخير صلاة العصر إليه، فأما ما قبله من وقتها مما لم تدخل الشمس فيه صفرة، وكان الرجل يمكنه أن يصلي فيه صلاة العصر، ويذكر الله -عز وجل- فيها متمكنًا ويخرج من الصلاة والشمس كذلك فلا بأس بتأخير العصر بلى ذلك الوقت، فذاك أفضل؛ لما قد تواترت به الآثار عن النبي - عليه السلام -، وعن أصحابه من بعده، ولقد روي عن أبي قلابة أنه قال: "إنما سميت العصر لتُعصَر". حدثنا بذلك صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا خالد، عن أبي قلابة قال: "إنما سميت العصر لتعصر". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فأخبر أبو قلابة أن اسمها هذا إنا هو لأن سبيلها أن تعصر، وهذا الذي استحببناه من تأخير العصر، من غير أن يكون ذلك إلى وقت قد تغيرت فيه الشمس أو دخلتها صفرة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله. ش: أي قد روي عن أصحاب النبي - عليه السلام - من بعده ما يدل على استحباب تأخير العصر، أخرج ذلك عن اثنين من الصحابة وهما عمر بن الخطاب وأبو هريرة، وواحد من التابعين وهو إبراهيم النخعي. أما أثر عمر - رضي الله عنه - فقد أخرجه بإسناد رجاله ثقات ولكنه مرسل؛ لأن نافعًا لم يدرك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وأخرجه مالك في "موطإه" (¬1) بأتم منه، عن نافع مولى عبد الله بن عمر: "أن ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 6 رقم 6).

عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى عُماله: إن أهم أموركم عندي الصلاة، من حَفِظَها وحافظ عليها حَفِظ دينه، ومن ضَيعها فهو لما سواها أضيع، ثم كتب أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعًا إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة قبل غروب الشمس، والمغرب إذا غربت الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، والصبح والنجوم بادية مشتبكة". وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1)، وفي "المعرفة" (¬2): أنا أبو أحمد المهرجاني، قال: أنا أبو بكر بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن إبراهيم، قال: ثنا ابن بكير، قال: ثنا مالك، عن نافع: "أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى عماله ... " إلى آخره نحوه. و"العُمَّال" بضم العين وتشديد الميم: جمع عامل، وأراد نوابه في البلاد من الصحابة. قوله: "من حفظها وحافظ عليها" أراد بحفظها إقامتها بشروطها وسننها وأدابها، وأراد بالمحافظة عليها: أدائها في أوقاتها. قوله: "أضيع" أفعل من الضياع، أي أكثر ضياعًا لغيرها. و"الفرسخ" ثلاثة أميال، والميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع. وأما أثر أبي هريرة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد بن معاوية المروزي شيخ البخاري، عن يزيد بن أبي حكيم [العاني] (¬3) قال أبو حاتم: صالح الحديث، عن الحكم بن أبان العدني أبي عيسى، وثقه ابن معين والعجلي، عن عكرمة المدني مولى ابن عباس. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 445 رقم 1935) من طريق أخرى. (¬2) "معرفة السنن والآثار" (1/ 463 رقم 621). (¬3) كذا في "الأصل، ك"، ولم أجد من نسبه بهذه النسبة إلا المؤلف -رحمه الله-، وكذا فعل في ترجمته من "مغاني الأخبار"، والذي في ترجمته: الكناني العدني وهو من رجال "التهذيب"، فالله أعلم.

ومما يؤيد ما فعله أبو هريرة: ما رواه الدارقطني (¬1): من حديث عبد الواحد بن نافع: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يأمرهم بتأخير العصر" فهذا وإن كان ضعيفًا ولكنه يصلح مؤيدًا لما روي عن أبي هريرة. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن وكيع، عن عمرو بن منبه، عن سوَّار ابن شبيب، عن أبي هريرة: "أنه كان يؤخر العصر حتى أقول: قد اصفرت الشمس". وأما أثر إبراهيم فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو البصري العقدي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: "كان من قبلكم أشد تأخيرًا للعصر منكم". وقد وردت آثار كثيرة في تأخير العصر. قال عبد الرزاق في "مصنفه" (¬4): أنا معمر، عن أيوب، "عن ابن سيرين وأبي قلابة كانا يمسيان بالعصر". عبد الرزاق (¬5): عن معمر، عن خالد الحذاء، أن الحسن وابن سيرين وأبا قلابة كانوا يمسون بالعصر". ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 251 رقم 5). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 288 رقم 3309). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 289 رقم 3312). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 551 رقم 2087). (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 551 رقم 2088).

عبد الرزاق (¬1): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد: "أن ابن مسعود كان يؤخر العصر". وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا وكيع، عن ابن عون، عن أبي عاصم، عن أبي عون: "أن عليًّا - رضي الله عنه - كان يؤخر العصر حتى ترتفع الشمس على الحيطان". ثنا (¬3) وكيع، عن إسماعيل، قال: قال لي إبراهيم: "كان يصلى العصر إذا كان الظل واحدًا وعشرين قدمًا في الشتاء والصيف". قوله: "حتى لا يكون تأخيرها" أي تأخير صلاة العصر. قوله: "يُدخل" بضم الياء من الإدخال. قوله: "مُؤَخِّرَها" بالنصب على أنه مفعول "يُدْخِل" أي مؤخر العصر. قوله: "ولقد روي عن أبي قلابة" ذكره تأكيدًا لما قاله من قوله: "لما قد تواترت به الآثار" عن النبي - عليه السلام - وعن أصحابه من بعده يعني بتأخير العصر. أخرج ذلك بإسناد صحيح: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشر، عن خالد بن مهران الحذاء، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام التابعين، توفي بالشام سنة أربع ومائة. وأخرجه الدارقطني في "سُننه" (¬4): ثنا ابن مخلد، ثنا الحساني، ثنا وكيع، ثنا خارجة بن مصعب، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: "إنما سميت العصر لِتُعْصَر". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 551 رقم 2089). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 288 رقم 3308). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 289 رقم 3317). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 255 رقم 18).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا ابن عُلية، عن خالد، عن أبي قلابة، قال: "إنما سميت العصر لتعصر". وأخرج الدارقطني (¬2) أيضًا عن محمَّد بن الحنفية وطاوس فقال: ثنا محمَّد بن عبد الله بن غيلان، ثنا أبو هشام الرفاعي، ثنا عمي كثير بن محمَّد، ثنا ابن شبرمة، قال: قال محمَّد بن الحنفية: "إنما سميت العصر لتعصر". حدثنا (¬3) القاضي أبو عمر، ثنا الحسن بن أبي الربيع، ثنا أبو عامر، ثنا إبراهيم ابن نافع، عن مصعب بن محمَّد، عن رجل قال: "أخر طاوس العصر جدًّا فقيل له في ذلك، فقال: إنما سميت العصر لتعصر". انتهى. قلت: معنى قولهم: "لتعصر" أي لتؤخر؛ لأن العصر معناه البطء. قال الكسائي: جاء فلان عَصْرًا أي بطيئًا، قاله الجوهري: والعصر: الحبس، يقال: ما عصرك؟ أي ما حبسك؟ والمعنى على هذا: لتحبس عن أول وقتها، فيكون اسمه يدل على ما هو المقصود من مسماه، كما جاء في الأثر عن جابر - رضي الله عنه -. قال ابن أبي شيبة (¬4): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن جابر قال: "الظهر كاسمها، والعصر والشمس بيضاء حيّة، والمغرب كاسمها كنا نصلي مع رسول الله - عليه السلام - المغرب ثم نأتي منازلنا على قدر ميل فنرى مواقع النبل، وكان يعجل بالعشاء ويؤخر بالفجر كاسمها وكان يغلس بها". ص: فإن احتج محتج بالتبكير بها بما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني أبو النجاشي، قال: حدثني رافع بن خديج قال: "كنا نصلي العصر مع النبي - عليه السلام - ثم ننحر الجزور فنقسمه عشر قسم، ثم نطبخ ونأكل لحمًا نضيجًا قبل أن تغيب الشمس". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 289 رقم 3318). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 255 رقم 20). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 255 رقم 21). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 282 رقم 3232).

قيل له: قد يجوز أن يكون كانوا يفعلون ذلك بسرعة عمل، وقد أخرت العصر، فليس في هذا الحديث عندنا حجة على من يرى تأخير العصر، وقد ذكرنا في باب مواقيت الصلاة في حديث بريدة - رضي الله عنه - أن رسول الله - عليه السلام - لما سئل عن مواقيت الصلاة "صلى العصر في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة نقيّة، ثم صلاها في اليوم الثاني والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان أخرها في اليوم الأول". فكان قد أخرها في اليومين جميعًا ولم يعجلها في أول وقتها كما فعل في غيرها؛ فثبت بذلك أن وقت العصر الذي ينبغي أن يصلى فيه، هو ما ذهب إليه من ذهب إلى تأخيرها, لا ما ذهب إليه الآخرون. ش: هذا إيراد من الخصم بالحديث المذكور تقريره أن يقال: إنكم ادعيتم استحباب تأخير العصر، وأقمتم عليها براهن وأجبتم عما جاء من الأخبار الدالة على التعجيل بها فما تقولون في حديث رافع بن خديج؟ فإنه أخبر أنهم كانوا يصلون العصر مع النبي - عليه السلام -، ثم ينحرون الإبل ويقسمون لحمه، ثم يطبخون ذلك، ويأكلون لحمًا نضيجًا مستويًا قبل غروب الشمس؛ فهذا أدلّ دليل على استحباب تعجيل العصر؛ لأن نحر الإبل وسلخه وتقسيم لحمه عشر قسم، ثم طبخه نضيجًا والأكل منه يقتضي ساعة مديدة، فلو كان - عليه السلام - يؤخرها لم تلحق هذه الأشياء بعد صلاته قبل غروب الشمس، وهذا معلوم بالعقل. فأجاب الطحاوي بأنه قد يجوز أن يكون فعلهم هذا كله بالسرعة والاستعجال، والحال أن العصر قد أُخِّرت عن أول وقتها، وهذا أيضًا لا ينكر عقلًا، ألا ترى أن من عادة الملوك ومن يحذو حذوهم إذا اشتهوا أنواعًا من الأطعمة على غير العادة فينهض من يتولى أمر طعامهم من الساعة الراهنة ويذبح غنمًا أو بقرًا أو فرسًا أو طيرًا على حسب الاشتهاء فيجهز منها أنواع الأطعمة ويحضرها بين يدي الملك وكل ذلك في وقت يسير جدًا وذلك بمفعول الآلات والغرض وسرعة العمل، والغرض من ذلك أن هذا أمرٌ لا ينكر لا عقلًا ولا عادة.

وجواب آخر أنه يمكن أن يكون ما أخبره رافع بن خديج لأجل عذر عرض في ذلك اليوم، فلذلك يكون - عليه السلام - قد بَكَّر بالعصر، أو يكون ذلك في أيام الصيف؛ لأن أيامها طويلة. وأخرج الحديث المذكور عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن أبي النجاشي واسمه عطاء بن صهيب الأنصاري مولى رافع بن خديج، من رجال الصحيحين. عن رافع بن خديج. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا محمَّد بن مهران الرازي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن أبي النجاشي، قال: سمعت رافع بن خديج يقول: "كنا نصلي العصر مع رسول الله - عليه السلام -، ثم تنحر الجزور، فتُقْسَمُ عشر قسم، ثم تطبخ فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس". حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عيسى بن يونس وشعيب بن إسحاق الدمشقي، قالا: ثنا الأوزاعي بهذا الإسناد غير أنه قال: "كنا ننحر الجزور على عهد رسول الله - عليه السلام - بعد العصر" ولم يقل: كنا نصلي معه. قوله: "الجزور" بفتح الجيم وهو البعير ذكرًا كان أو أنثى إلا أن اللفظة مؤنثة، تقول: هذه الجزور وإن كان مذكرًا، والجمع جزر وجزائر. ويستفاد منه: أن المستحب في الإبل النحر كما ان المستحب في البقر والغنم الذبح، ويستعمل النحر بمعنى الذبح كما في قول جابر - رضي الله عنه -: "نحرنا الفرس على عهد رسول الله - عليه السلام -" (¬2). والفرس لا تنحر، وإنما هو يذبح، والذبح: قطع اللبة والأوداج، والنحر: الطعن في الصدر. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 435 رقم 625). (¬2) "البخاري" (5/ 2099 رقم 5191)، و"مسلم" (3/ 154 رقم 1942) من قول أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنه -.

قوله: "فثبت بذلك" أي بما قلنا أن وقت العصر الذي ينبغي أن يصل فيه هو ما ذهب إليه من ذهب إلى تأخيرها، وهم من الصحابة: علي وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -، ومن التابعين: محمَّد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وطاوس بن كيسان، وأبو حنيفة - رضي الله عنهم -. ومن بعد التابعين: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وزفر بن الهذيل، وآخرون. قوله: "لا ما ذهب إليه الآخرون" وأراد بهم: عبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وروي ذلك عن أنس وعائشة - رضي الله عنهم -.

ص: باب: رفع اليدين في افتتتاح الصلاة إلى أين يبلغ بهما

ص: باب: رفع اليدين في افتتتاح الصلاة إلى أين يبلغ بهما ش: أي هذا باب في بيان رفع اليدين في أول الصلاة، إلى أين يبلغ بهما وكيف يرفعهما؟ ولما فرغ عن بيان الأوقات بأقسامها وأنواعها شرع في بيان كيفية الشروع في الصلاة، وفي بعض النسخ قال: كتاب الصلاة، ثم قال: باب رفع اليدين، ولا يحتاج إلى ذكر كتاب الصلاة؛ لأنه ذكر مرة على رأس باب الأذان. ص: حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان مولى الزرقيين، قال: "دخل علينا أبو هريرة - رضي الله عنه - فقال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا". ش: إسناده صحيح، وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب أبو الحارث المدني روى له الجماعة، وسعيد بن سمعان الأنصاري الزرقي المدني مولى بني زريق وثقه النسائي وابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا". وأخرجه الترمذي (¬2): ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: نا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًا". وأخرجه النسائي (¬3): أنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، قال: ثنا سعيد بن سمعان، قال: "جاء أبو هريرة إلى مسجد بني زريق، فقال: ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 259 رقم 753). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 6 رقم 240). (¬3) "المجتبى" (2/ 124 رقم 883).

ثلاث كان رسول الله - عليه السلام - يعمل بهن تركهن الناس: كان يرفع يديه في الصلاة مدًّا، ويسكت هنية، ويكبِّر إذا سجد وإذا رفع". قوله: "مدًّا" نصب على أنه صفة لمصدر محذوف، أي رفعًا مدًّا، ويجوز أن يكون بمعنى مادًّا، ويكون حالًا من الضمير الذي في "رفع"، والتقدير: حال كونه مادًّا يديه. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى أن الرجل يرفع يديه إذا افتتح الصلاة مدًّا، ولم يوقتوا في ذلك شيئًا، واحتجوا بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: العراقيين من أصحاب مالك، وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة، ولم يعينوا في ذلك شيئًا من بلوغ اليدين إلى أين تكون؟ ولكن قالوا: يمدها مدًّا بأن تكون رؤس أصابعهما مما يلي السماء صفة النابذ، وقال سحنون من المالكية: يكونان مبسوطتين، بطونهما مما يلي الأرض، وظهورها مما يلي السماء، وهي صفة الزاهد. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ينبغي له أن يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: محمَّد بن سيرين وابن أبي ذئب وسالم بن عبد الله والشافعي ومالكًا وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: السُنَّة أن يرفع المصلي يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وقد نقل ذلك عن عمر وابنه وأبي هريرة، وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - "أنه كان يرفع يديه في الإحرام حذو منكبيه، وفي غيره دون ذلك" (¬1). وقال القاضي عياض: اختلفت الروايات في ذلك؛ ففي رواية: "حتى يحاذي ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود في "السنن" (1/ 256 رقم 742)، ومالك في "الموطأ" (1/ 77 رقم 168)، "مسند الشافعي" (1/ 212 رقم 1023).

منكبيه" وفي أخرى: "حتى يحاذي بهما أذنيه" (¬1) وفي أخرى: "فروع أذنيه" (¬2) وفي أخرى: "فوق أذنيه مدًّا مع رأسه" (¬3)، وفي أخرى: "إلى صدره" (¬4) وبحسب هذه الروايات اختلف العلماء في الاختيار من فعلها، فذهبت عامّة أئمة الفتوى إلى الرواية الأولى، وهي أن يرفعهما حذو منكبيه، وهو أصح قولي مالك وأشهره، والرواية الأخرى عنه إلى صدره، وذهب ابن حبيب إلى رفعهما حذو أذنيه، وقد يجمع بين الأحاديث وبين الروايتين عن مالك بأن يكون بمقابلة أعلى صدره، وكفَّاه حذو منكبيه، وأطراف أصابعهما مع أذنيه، وإلى هذا ذهب بعض مشايخنا، ونحوه للشافعي إلا ذكر الصدر وهو صفة ما جاء في الحديث. وتجتمع الأحاديث إلا في زيادة الرواية الأخرى: "فوق رأسه". وقال بعضهم: هو على التوسعة، وقال أبو عمر: هذه الروايات كلها مشهورة دالّة على التوسعة، ويقال: يرفعها إلى أن يجاوز رأسه، وهو المنقول عن طاوس أيضًا. وبقي الكلام ها هنا من وجوه: الأول: في نفس رفع اليدين قال ابن المنذر: لم يختلفوا أن رسول الله - عليه السلام - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وفي "شرح المهذب": أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح ونقله ابن المنذر، ونقل العبدري عن الزيدية: أنه لا يرفع يديه عند الإحرام، ولا يعتد بهم، وفي فتاوى القفال: أن أبا الحسن أحمد ابن سيّار المروزي قال: إذا لم يرفع يديه لم تصح صلاته؛ لأنها واجبة، فوجب الرفع لها، بخلاف باقي التكبيرات لا يجب الرفع؛ لأنها غير واجبة، وقال النووي: وهذا مردود بإجماع من قبله، وقال ابن حزم: رفع اليدين في أول الصلاة فرض لا تجزئ الصلاة إلا به، وقد روي ذلك عن الأوزاعي. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 122 رقم 879). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 293 رقم 391). (¬3) انظر "التمهيد" لابن عبد البر (9/ 229). (¬4) "شرح معاني الآثار" (1/ 196 رقم 1072).

الثاني: في كيفية الرفع، فقال الطحاوي: يرفع ناشرًا أصابعه مستقبلًا بباطن كفيه إلى القبلة كأنه لمح ما في "الأوسط" (¬1) للطبراني: من حديثه عن محمَّد بن حرب، نا [عمير] (¬2) بن عمران، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "إذا استفتتح الصلاة أحدكم، فليرفع يديه وليستقبل بباطنهما القبلة؛ فإن الله -عز وجل- أمامه". وفي "المحيط": "ولا يفرج بين الأصابع تفريجًا". وقال الماوردي: يجعل باطن كل كف إلى الأخرى. وعن سحنون: زهورهما إلى السماء وبطونهما [إلى] (¬3) الأرض. وعن القابسي: يقيمهما مُحْنَيَيْن شيئًا يسيرًا. ونقل المحاملي عن أصحابهم: يستحب تفريق الأصابع. وقال الغزالي: لا يتكلف ضمًّا ولا تفريقًا، بل يتركهما على هيئتهما. وقال الرافعي: يفرق تفريقًا وسطًا. وفي "المغني" لابن قدامة: يستحب أن يمد أصابعه، ويضم بعضها إلى بعض. الثالث: في حكمة الرفع، فقال ابن بطال: رفعهما تعبد، وقيل: إشارة إلى التوحيد، وقيل: حكمته أن يرى الأصم فيعلم دخوله في الصلاة، والتكبير لإسماع الأعمى فيعلم بدخوله في الصلاة. وقيل: استكانة واستسلام، وكان الأسير إذا غُلب مدَّ يديه علامة لا ستسلامه. ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (8/ 11 رقم 7801). (¬2) في "الأصل، ك": "محمد" وهو تحريف، والمثبت من "المعجم الأوسط"، وعمير بن عمران هو الحنفي له ترجمة في "الكامل" لابن عدي (5/ 70) من رواية محمَّد بن حرب عنه، وقال: حدث بالبواطيل عن الثقات، وخاصة عن ابن جريج، وقال: ولعمير ابن عمران غير ما ذكرت ومقدار ما ذكرت مما رواه عن ابن جريج لا يرويها غيره عن ابن جريج، والضعف بيِّن على حديثه. وقال العقيلي في "الضعفاء الكبير" (3/ 318): في حديثه وهم وغلط وانظر "لسان الميزان" (4/ 380). (¬3) تكررت في "الأصل، ك".

وقيل: هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: هو إشارة إلى طرح الدنيا وراءه. الرابع: الرفع مقارن بالتكبير، أم لا؟ ففي "المبسوط": يرفع ثم يكبر، وقال: وعليه أكثر مشايخنا، وقال جواهر زادة: يرفع مقارنًا للتكبير، وبه قال أحمد، وهو المشهور عن مالك. وفي "شرح المهذب": الصحيح أن يكون ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وانتهاؤه مع انتهائه، وهو المنصوص. وقيل: يرفع بلا تكبير، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين. وقيل: يبتدئ يرفع بلا تكبير، ثم يرسلهما بعد فراغ التكبير، وهو مصحح عند البغوي. وقيل: يبتدئ بهما معًا. وقيل: التكبير مع انتهاء الإرسال. وقيل: يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء. وهذا مصحح عند الرافعي. وفي شرح "المجمع" قال أبو يوسف: يقارن رفع اليدين مع التكبير. وبه قال الطحاوي وبعض الشافعية، وقال أبو حنيفة ومحمد: يقدم الرفع على التكبير. وهو الذي ذكره صاحب "المبسوط"؛ لأن الرفع إشارة إلى نفي الكبرياء عن غير الله، والتكبير إثباتها له، والنفي يقدم على الإثبات. الخامس: رفعهما إذا أراد الركوع، وسيجيء الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. ص: واحتجوا بذلك بما حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفَضْل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن

علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ورفع يديه حذو منكبيه". ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من رفع اليدين إلى المنكبين بحديث علي - رضي الله عنه -. ورجاله ثقات، لكن متن الحديث قد ضعف لكونه روي من وجه أخر عنه، وليس فيه الرفع غير أول الصلاة على ما يجيء إن شاء الله تعالى. وعبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- واسم أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا. وموسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي الأسدي المدني، روى له الجماعة، وعبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي المدني روى له الجماعة، وعبيد الله بن أبي رافع المدني مولى النبي - عليه السلام -. واسم أبي رافع: أسلم، أو إبراهيم، أو ثابت، أو هرمز، روى له الجماعة. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا الحسن بن علي، ثنا سليمان بن داود الهاشمي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -[عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (¬2): "أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وإذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا فرغ من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته، وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين يرفع يديه كذلك وكبّر". ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 257 رقم 744). (¬2) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن أبي داود".

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، عن مالك، عن ابن شهاب، فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاثة طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، وابن نمير، كلهم عن سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وقبل أن يركع، وإذا قام من الركوع، ولا يرفعهما بين السجدتين". وأبو داود (¬2): ثنا أحمد بن حنبل، نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - إذا استفتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع- وقال سفيان مرة: وأذا رفع رأسه. وأكثر ما كان يقول: وبعدما يرفع رأسه، ولا يرفع بين السجدتين". والترمذي (¬3): ثنا قتيبة وابن أبي عمر، قالا: ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع" وزاد ابن أبي عمر في حديثه: "وكان لا يرفع بين السجدتين". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 292 رقم 390). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 249 رقم 721). (¬3) "جامع الترمذي" (2/ 35 رقم 255).

وابن ماجه (¬1): ثنا علي بن [محمَّد] (¬2) وهشام بن عمار وأبو عمر الضرير، قالوا: ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتل يحاذي منكبيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين". الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم ابن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه. وأخرجه ابن وهب في "مسنده". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي (¬3): من طريق الشافعي، عن مالك ... إلى آخره. ثم قال: ورواه بشر بن عمر وغيره عن مالك. قلت: هذا الحديث رواه أناس عن مالك. وأخرجه الجماعة: فالبخاري (¬4): عن محمَّد بن مقاتل، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع ويقول سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود". ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 279 رقم 858). (¬2) في "الأصل، ك": "مسهر" وهو تحريف، والمثبت من "سنن ابن ماجه"، و"تحفة الأشراف" (5/ 369 رقم 6816). وعلي هذا هو ابن محمَّد الطنافسي. (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 68 رقم 2331). (¬4) "صحيح البخاري" (1/ 258 رقم 703).

وأخرجه النسائي (¬1): عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس ... إلى آخره نحو رواية البخاري وبقيَّة الجماعة قد ذكرناهم. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن جابر قال: "رأيت سالم بن عبد الله حين افتتح الصلاة رفع يديه حَذْو منكبيه، فسألته عن ذلك، فقال: رأيت ابن عمر يفعل ذلك، فقال ابن عمر: رأيت النبي - عليه السلام - يفعل ذلك". ش: هذا وجه آخر له، عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة الجذري الرهاوي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن سالم ... " إلى آخره. وهؤلاء ثقات غير أن جابرًا فيه مقال فضعفه يحيى وأبو حاتم، ووثقه آخرون. وأخرجه البيهقي: من حديث محمَّد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت أبي يقول: أنا أبو حمزة، عن سليمان الشيباني، قال: "رأيت سالم بن عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه رفع يديه، فسألته فقال: رأيت ابن عمر يفعله، فقال: رأيت رسول الله - عليه السلام - يفعله". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - عليه السلام - أحدهم أبو قتادة قال: قال أبو حميد: "نا أعلمكم بصلاة رسول الله - عليه السلام -، قالوا: لِمَ؟ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة ولا أقدمنا له صحبة؟ فقال: بلى، قالوا: فأعرض، فقال: كان رسول الله - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، قال: فقالوا جميعًا: صدقت، هكذا كان يصلي". ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكَّار القاضي. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 121 رقم 877).

واسم أبي عاصم الضحاك بن مخلد. وأخرجه أبو داود (¬1) مطولًا: ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد. ونا مسدّد، نا يحيى -وهذا حديث أحمد- أنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر- قال: أخبرني محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - عليه السلام - منهم أبو قتادة، قال أبو حميد: "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - عليه السلام -، قالوا: فَلِمَ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعة ولا أقدمنا له صحبة؟ قال: إلى، قالوا: فاعرض، قال: كان رسول الله - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي منكبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتخ أصابع رجليه إذا سجد، ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بههما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع مثل ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركًا على شقه الأيسر. قالوا: صدقت، هكذا كان يصلي". وأخرجه الترمذي (¬2) أيضًا: ثنا محمَّد بن بشار ومحمد بن المثني، قالا: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: نا عبد الحميد بن جعفر، قال: نا محمَّد بن عمرو بن ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 252 رقم 730). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 105 رقم 304).

عطاء، عن أبي حميد الساعدي، قال: سمعته -وهو في عشرة من أصحاب النبي - عليه السلام - أحدهم أبو قتادة بن ربعي- يقول: "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - عليه السلام -. قالوا: ما كنت أقدمنا له صحبة ولا أكثرنا له إتيانًا، قال: بلى، قالوا: فأعرض، فقال: كان رسول الله - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر ويركع، ثم اعتدل ولم يصوب رأسه ولم يقنع، ووضع يديه على ركبتيه، ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه واعتدل حتى يرجع كل عضو في موضعه معتدلًا، ثم هوى إلى الأرض ساجدًا، ثم قال: الله أكبر، ثم جافى عضديه عن إبطيه، وفتح أصابع رجليه، ثم ثنى رجله اليسرى، وقعد عليها، ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم هوى ساجدًا ثم قال: الله أكبر ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة، ثم صنع كذلك، حتى كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخّر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركًا، ثم سلم". قال: أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه البخاري مختصرًا (¬1): ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا الليث، عن خالد، عن سعيد، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء. ونا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء: "أنه كان جالسًا مع نفرٍ من أصحاب النبي - عليه السلام - فذكرنا صلاة النبي - عليه السلام -، فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - عليه السلام -؛ رأيته إذا كبّر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 284 رقم 794).

سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته". قوله: "في عشرة من أصحاب النبي - عليه السلام - أي بين عشرة، وكلمة "في" تجيء بمعنى بين كما في قوله تعالى،: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} (¬1) أي بين عبادي، ومحلها النصب على الحال، أي سمعته حال كونه جالسًا بين عشرة أنفس من الصحابة منهم أبو قتادة الحارث بن ربعي. قوله: "لِمْ" بتسكين الميم، ومعناه لم تقول هذا القول؟ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة أي اتباعًا، والتبعة -بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الباء- اسم للاتباع، وكذلك التبعة -بضم التاء وسكون الباء، والتباعة بالفتح، وانتصابها على التمييز، وكذلك صحبةً. قوله: "حتى يَقَرّ" من القرار من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ والمعنى حتى يستقر كل عظم في موضعه ويثبت. قوله: "فلا ينصب رأسه" يعني فلا يميلها إلى أسفل، وفي بعض الرواية: "فلا ينصب" من الانصباب. قوله: "ولا يقنع" من الإقناع، يعني لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره. قوله: "ثم يهوي" أي ينزل، ومصدره هُوىً. قوله: "فيجافي" أي يباعد. قوله: "ويثني رجله" من ثنيت الشيء ثَنْيًا إذا عطفته. قوله: "ويفتح" بالخاء المعجمة، أي يضم أصابع رجليه ويغمز موضع المفاصل منها ويثنيها إلى باطن الرجل، فيوجهها نحو القبلة. ¬

_ (¬1) سورة الفجر، آية: [29].

قوله: "متوركًا" حال من الضمير الذي من "قعد" والتورك أن يجلس على إليتيه، وينصب رجله اليمنى، ويخرج اليسرى من تحتها. قوله: "ثم هصر ظهره" بتخفيف الصاد المهملة، أي ثناه وعطفه للركوع، وأصل الهصر: الكسر، وقد هصره واهتصره بمعنى. قوله: "كل فَقَار" بفتح الفاء ثم القاف وفَقَار الظهر خزاته، والواحدة منها فقارة. ص: أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: الرفع في التكبير في افتتاح الصلاة يبلغ به المنكبان ولا يُجاوزان، واحتجوا في ذلك بهله الآثار، فكان ما في حديث أبي هريرة عندنا غير مخالف لهذا؛ لأنه إنما ذكر فيه أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا، فليس في ذلك ذكر المنتهى بذلك المد إليه أيُّ موضع هو؟ قد يجوز أن يكون يبلغ به حذاء المنكبين، وقد يحتمل أيضًا أن يكون ذلك الرفع قبل الصلاة للدعاء، ثم يكبر للصلاة بعد ذلك ويرفع يديه حلاء منكبيه، فيكون حديث أبي هريرة على رفع عند القيام للصلاة للدعاء، وحديث علي وابن عمر على الرفع بعد ذلك عند افتتاح الصلاة؛ حتى لا تتضاد هذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء من ذكرناهم عند قوله: "وخالفهم في ذلك آخرون". فإن قلت: أليس هذا بتكرار؟ قلت: لا؛ لأن المذكور عند قوله: "وخالفهم في ذلك آخرون" هو قوله: "ينبغي له أن يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه" وسكت عن المجاوزة عن المنكبين وبَيَّنَ ها هنا أن مذهب هؤلاء هو الاقتصار على محاذاة المنكبين، ولا يجاوزان عليهما، والمجاوزة عنهما هو مذهب مخالفيهم على ما يجيء. قوله: "يُبْلغ" على صيغة المجهول، و"المنكبان" مفعوله ناب عن الفاعل. وكذا قوله: "ولا يُجاوزان" على صيغة المجهول، وفي بعض النسخ "يبلغ به المنكبين" فيبلغ على صيغة المعلوم، وفاعله "المصلي" والمنكبين مفعوله. قوله: "فكان ما في حديث أبي هريرة ... " إلى آخره إشارة إلى وجه التوفيق بين

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المذكور في أول الباب الذي احتجت به طائفة فقالوا: ينبغي للمصلي أن يرفع يديه مدًّا ولم يعينوا فيه شيئًا، وبين حديثي علي وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - الذين احتج بهما طائفة، فقالوا: يرفع يديه إلى منكبيه ولا يجاوزهما عنهما، فكل من الطائفتين عمل بحديث وترك حديثًا، وأشار الطحاوي إلى أن العمل بالحديثين أولى من العمل بأحدهما وإهمال الآخر، وذلك بالتوفيق بينهما، ووجهه أن يقال: إن في حديث أبي هريرة لم يبين موضع المدِّ، فيجوز أن يكون المراد به أن يبلغ إلى المنكبين، فيكون أحد الحديثين كالتفسير للآخر ولا يكون بينهما تضاد، أو يحمل كل منهما على معنىً، وهو أن حديث أبي هريرة يحمل على رفع يدٍ عند القيام إلى الصلاة لأجل الدعاء وهو معنى قوله: "على رفعٍ عند القيام للصلاة للدعاء" فاللام في الصلاة تتعلق بالقيام، واللام في الدعاء تتعلق برفع، وحديث علي وابن عمر يحمل على رفع يديه مرة أخرى للشروع في الصلاة، فيكون معنى كل من الحديثين في محل غير محل الآخر، فلا يقع بينهما تضاد، لاختلاف المحلين. فافهم. ص: وخالف في ذلك آخرون، فقالوا: ترفع الأيدي في افتتاح الصلاة حتى يحاذى بهما الأذنان. ش: أي خالف الحكم المذكور جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وأبا ميسرة ووهب بن منبه وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد -في رواية- وجماعة من المالكية؛ فإنهم قالوا: ترفع الأيدي في افتتاح الصلاة حتى يحاذي بهما الأذنان، وروي ذلك عن البراء بن عازب ومالك بن الحويرث ووائل بن حجر وأبي حميد الساعدي وأبي جعفر وأبي إسحاق وآخرين. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكر، قال: أنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "كان النبي - عليه السلام - إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبًا من شحمتي أذنيه".

ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث البراء بن عازب. ومؤمل بن إسماعيل القرشي أبو عبد الرحمن البصري، احتج به الأربعة واستشهد به البخاري. وسفيان هو الثوري. ويزيد بن أبي زياد القرشي أبو عبد الله الكوفي فيه مقال، فعن أحمد: لم يكن بالحافظ. وعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ضعيف الحديث. وقال أبو داود: لا أعلم أحدًا ترك حديثه، وغيره أحب إلى منه. قلت: هو احتج به، وكذلك احتج به النسائي (¬1)، والترمذي، وابن ماجه، وروى له مسلم مقرونًا بغيره. وابن أبي ليلى: هو عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار الأنصاري أبو عيسى الكوفي، روى له الجماعة. وأخرجه أبو داود (¬2): نا محمَّد بن الصباح البزاز، قال: نا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود". انتهى. وفيه دلالة صريحة أن النبي - عليه السلام - كان يرفع يديه إذا كبر لافتتاح الصلاة حتى يكون إبهاماه قريبًا من شحمتي أذنيه، ودلت رواية أبي داود على أن رفع اليدين عند الافتتاح فقط. فإن قيل: هذا الحديث ضعفوه، فكيف استدل به الطحاوي للحنفية؟ ¬

_ (¬1) مجرد ذكر أصحاب السنن الأربعة أو أحدهم الراوي في كتبهم لا يعدُّ احتجاجًا منهم به، بل ذكروا في كتبهم كثيرًا من الضعفاء والهلكى، ومَن ضعفوهم في كتبهم الأخرى. والله أعلم. (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 258 رقم 749).

قلت: تضعيفهم إياه إما لنفس يزيد بن أبي زياد وإما لانفراد شريك في رواية أبي داود بزيادة قوله: "ثم لا يعود" فإن كان لنفس يزيد بن أبي زياد حيث نقلوا عن أحمد ويحيى وغيرهما أنه ضعيف كما قلنا، فقد عارض ذلك قول غيرهم، فقال يعقوب بن سفيان الفسوي: يزيد وإن كان قد تكلم فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور والأعمش؛ فهو مقبول القول عدل ثقة، وقال أبو داود: ثبت لا أعلم أحدًا ترك حديثه وغيره أحبّ إليّ منه. وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلَّا أنه في آخر عمره اختلط. ولما ذكره ابن شاهين في كتاب "الثقات" قال: قال أحمد بن صالح: يزيد ثقة، ولا يعجبني قول من تكلم فيه، وخرج ابن خزيمة حديثه في "صحيحه" وقال: صدوق، وكذا قاله ابن حبان، وذكره مسلم فيمن شمله اسم الستر والصدق وتعاطي العلم وخرج حديثه في "صحيحه"، واستشهد به البخاري، والطحاوي أيضًا رضي به، ولو لم يكن عنده ثقة لما احتج به لما ذهب إليه أصحابه. وإن كان لانفراد شريك بهذه الزيادة، فسيجيء الكلام فيه مستقصى في باب التكبير للركوع والتكبير للسجود؛ لأن الطحاوي: أخرج هذا الحديث هناك أيضًا على منوال رواية أبي داود. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - حين يكبر للصلاة يرفع يديه حيال أذنيه". حدثنا صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري، قال: ثنا يوسف ابن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم بن كليب ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن أبي بكرة بكَّار، عن مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كليب روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا.

عن أبيه كليب بن شهاب الجرمي الكوفي، وثقه ابن حبان وأبو زرعة وابن سعد، وروى له الأربعة. عن وائل بن حجر -بالحاء ثم الجيم- الحضرمي أبي هنيدة الكندي الصحابي. وأخرجه الطبراني (¬1): نحوه من حديث سفيان، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن وائل قال: "رأيت النبي - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي أذنيه ... " الحديث، رواه عن بشر بن موسى، عن الحميدي، عن سفيان. وأخرجه الدارقطني (¬2): من حديث جرير، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "رأيت النبي - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة يرفع يديه إلى أذنيه". رواه عن الحسين بن إسماعيل، عن يوسف بن موسى، عن جرير، عن عاصم به. وأخرجه مسلم (¬3): من حديث علقمة بن وائل، عن أبيه: "أنه رأى النبي - عليه السلام - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبَّر -وصف همام- حيال أذنيه ... " الحديث، رواه عن زهير، عن عفان، عن همام، عن محمَّد بن جحادة، عن عبد الجبار بن وائل، عن علقمة به. وأخرجه أبو داود (¬4): عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله - عليه السلام - كيف يصلي؟ قال: فقام رسول الله - عليه السلام - فاستقبل القبلة فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه ... " الحديث. وأخرجه النسائي (¬5): أنا محمَّد بن رافع، قال: ثنا محمَّد بن بشر، قال: ثنا ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (22/ 36 رقم 85). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 292 رقم 14). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 301 رقم 401). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 315 رقم 957). (¬5) "المجتبى" (2/ 123 رقم 882).

فطر بن خليفة، عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه: "أنه رأى النبي - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمة أذنيه". الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن عاصم بن كليب، عن أبيه. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، ثنا أبو الأحوص، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "صليت خلف رسول الله - عليه السلام -، فقلت: لأحفظن صلاة رسول الله - عليه السلام -، فلما افتتح الصلاة كبَّر ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما كبَّر للركوع رفع يديه أيضًا كما رفعهما لتكبير الصلاة، فلما ركع وضع كفيه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه أيضًا، فلما قعد يتشهد افترش رجله اليسرى بالأرض ثم قعد عليها، فوضع كله الأيسر على فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه وجعل حلقة بالإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بالأخرى". ص: حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث، عن رسول الله - عليه السلام -، مثله إلَّا أنه قال: "حتى يحاذي بهما فوق أذنيه". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه مسلم (¬2): ثنا أبو كامل الجحدري، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كبَّر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، فإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (22/ 34 رقم 80). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 293 رقم 391).

وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث، قال: "رأيت النبي - عليه السلام - يرفع يديه إذا كبَّر وإذا رفع رأسه من الركوع حتى يبلغ بهما فروع أذنيه". وأخرجه النسائي (¬2): أنا علي بن حجر، قال: أنا إسماعيل، عن سعيد، عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن مالك بن الحويرث، قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يرفع يديه إذا كبَّر وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع حتى بلغتا فروع أذنيه". ص: حدثنا أبو الحسين الأصبهاني، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا إسماعيل ابن عياش، قال: ثنا عتبة بن أبي حكيم، عن عيسى بن عبد الرحمن العدوي، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد الساعدي: "أنه كان يقول لأصحاب النبي - عليه السلام -: أنا أعلمكم بصلاة النبي - عليه السلام -؛ كان إذا قام إلى الصلاة كبَّر ورفع يديه حذاء وجهه". ش: أبو الحسن هو محمَّد بن عبد الله بن مخلد الأصبهاني، وهشام بن عمار ابن نصير أبو الوليد السلمي الدمشقي شيخ البخاري، وإسماعيل بن عياش -بالياء آخر الحروف، والشين المعجمة- بن سليم الشامي الحمصي، أحد من روى عن أبي حنينة وأكثر، قال الفسوي: ثقة عدل. وقال دحيم: هو في الشاميين غاية وخلَّط عن المدنيين، وقال يحيى: ثقة. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وروى له الأربعة. وعتبة بن أبي حكيم الهمداني أبو العباس الشامي الأزدي الطبراني، قال يحيى: ثقة. وعنه: ضعيف. وقال أبو حاتم: صالح لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له الأربعة. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 257 رقم 745). (¬2) "المجتبى" (2/ 182 رقم 1024).

وعيسى بن عبد الرحمن، الأصح أنه عيسى بن عبد الله بن مالك الدار مولى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال ابن المديني: مجهول. وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داود وابن ماجه والنسائي في "اليوم والليلة". والعباس بن سهل بن سعد الأنصاري الساعدي المدني روى له الجماعة سوى النسائي. وأبو حميد الساعدي الأنصاري قيل: اسمه عبد الرحمن وقيل: المنذر بن سعد. ونسبته إلى بني ساعدة قوم من الخزرج ولهم سقيفة بني ساعدة وهي بمنزلة دارهم. والحديث أخرجه أبو داود (¬1) مطولًا: عن أحمد بن حنبل، عن عبد الملك بن عمرو، عن فليح، عن عباس بن سهل ... إلى آخره، وفيه: قال أبو حميد: "أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - عليه السلام - ... " الحديث. ثم قال (¬2): ثنا عمرو بن عثمان، خبَّرنا بقية، قال: حدثني عتبة، قال: حدثني عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد ... إلى آخره. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلما اختلفت هذه الآثار عن رسول الله - عليه السلام - التي فيها بيان الرفع إلى أي موضع هو، في الموضع الذي انتهى به، وخَرَّجَ حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - الذي بدأنا بذكره أن يكون مضادًا لها؛ أردنا أن ننظر أي هذين المعنيين أولى أن يقال به؟ فإذا فهد بن سليمان قد حدثنا، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: ثنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيته يرفع حذاء أذنيه إذا كبّر وإذا رفع وإذا سجد، فذكر من هذا ما شاء الله، قال: ثم أتيته من العام المقبل وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم فيها، وأشار شريك إلى صدره". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 253 رقم 734). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 253 رقم 735).

فأخبر وائل بن حجر في حديثه هذا أن رفعهم إلى مناكبهم إنما كان لأن أيديهم كانت حينئذٍ في ثيابهم، وأخبر أنهم كانوا يرفعون إذا كانت أيديهم ليست في ثيابهم إلى حذو آذانهم، فأعلمنا روايتيه كلتيهما، فجعلنا الرفع إذا كانت اليدان في الثياب لعلة البرد إلى منتهى ما استطاع الرفع إليه وهو المنكبان، وإذا كانتا باديتين رفعهما إلى الأذنين كما فعل النبي - عليه السلام -، ولم يجز أن يحمل حديث ابن عمر وما أشبهه مما فيه ذكر رفع اليدين إلى المنكبين كان ذلك واليدان باديتان إذ كان قد يجوز أن يكونا كانتا في الثياب، فيكون ذلك مخالفًا لما روى وائل بن حجرة فيتضاد الحديثان، ولكنا نجعلهما على الاتفاق فنجعل حديث ابن عمر على أن ذلك كان من النبي - عليه السلام - ويداه في ثوبه -على ما حكى وائل في حديثه- ونجعل ما رواه وائل عن النبي - عليه السلام - لأ أنه فعله في غير حال البرد من رفعه يديه إلى أذنيه، فيستحب القول به وترك خلافه. وأما ما رويناه عن عليّ - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - في ذلك فهو خطأ، وسنبين ذلك في باب رفع اليدين في الركوع إن شاء الله تعالى. فثبت بتصحيح هذه الآثار ما روى وائل عن النبي - عليه السلام - على ما فصلنا مما فعل في حال البرد وفي غير حال البرد، وهو قول أبي حنيفة وأيى يوسف ومحمد بن الحسن - رضي الله عنه -. ش: ملخصه: أن الأحاديث في هذا الباب رويت على ثلاثة أنواع وبينها تضاد ظاهرًا وهي حديث أبي هريرة الذي فيه رفع اليدين مدًّا، وحديث علي وابن عمر - رضي الله عنهم - الذي فيه رفعهما حذو منكبيه، وحديث البراء ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث - رضي الله عنه - الذي فيه رفعهما إلى الأذنين، وقد بين فيما مضى أن حديث أبي هريرة غير مخالف لحديث ابن عمر، وبقي الكلام بين حديث ابن عمر، وحديث وائل، ومن روى مثله فينبغي أن يُنظر بينهما ويُوفق؛ دفعًا للتضاد، ورفعًا للخلاف بينهما؛ فنظرنا فوجدنا شريك بن عبد الله النخعي القاضي روى عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل ... الحديث، فأخبر وائل فيه أن رفعهم أيديهم إلى مناكبهم إنما كان

لكونها في ثيابهم، وأخبر في حديثه الآخر أنهم كانوا يرفعونها إلى حذو آذانهم إذا لم تكن في ثياب، فحملنا الرفع إلى مناكبهم فيما جاء من الأحاديث على حالة كون الأيدي في الثياب، والرفع إلى آذانهم فيما جاء أيضًا من الأحاديث على حالة كون الأيدي بادية أي ظاهرة، فبذلك يحصل الاتفاق بين الحديثين، ويرفع التضاد، وهذا هو الأصل في تصحيح معاني الآثار. قوله: "فأعلمنا" من الإعلام أي أعلمنا وائل بن حجر روايتيه المتقدمتين. قوله: "باديتين" أي ظاهرتين مكشوفتين. قوله: "كان ذلك واليدان باديتان" الواو في "واليدان" للحال، وهذا تركيب قلق ولابد من التقدير فيه وهو: أن الأصل "أنْ كان ذلك". وأنْ مصدرية، والتقدير لم يجز أن يحمل حديث ابن عمر وما أشبهه مما فيه رفع اليدين إلى المنكبين على كون ذلك والحال أن اليدين باديتان. قوله: "إذ كان قد يجوز" وكلمة "إذا" للتعليل. قوله: "فيكون ذلك" عطف على قوله: "أن يحمل". فافهم. ثم إسناد حديث شريك هذه صحيح. وأخرجه أبو داود: ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "رأيت النبي - عليه السلام - حين افتتح الصلاة رفع يديه حيال أذنيه، قال: ثم أتيتهم فرأيتهم يرفعون أيديهم إلى صدورهم في افتتاح الصلاة وعليهم برانس وأكسية". انتهى. قوله: "الأكسية" جمع كساء. و"البرانس" جمع بُرْنُس -بضم الباء الموحدة وبعد الراء الساكنة نون مضمومة ثم سين مهملة -وهو كل ثوب له رأس ملتزق به، دراعة كانت أو جبة أو غير ذلك، كان يلبسه العباد وأهل الخير، وهو عربي اشتق من "البِرْنس" بكسر الباء وسكون الراء، وهو القطن، والنون زائدة وقيل: إنه غير عربي.

وقال الجوهري: البُرْنُس قلنسوة طويلة، وكان النساك في صدر الإِسلام يلبسونها، وفي "المطالع": قال ابن دريد: البرنس -بضم الباء- نوع من الطيالسة، يلبسه العباد وأهل الخير.

ص: باب: ما يقال في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام

ص: باب: ما يقال في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام ش: أي هذا باب في بيان ما يستحب أن يقول المصلي بعد تكبيرة الافتتاح من الأدعية المأثورة، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا أبو ظفر عبد السلام بن مطهر، قال: ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل كبّر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك, وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلَّا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العلم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه ثم يقرأ". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا جعفر بن سليمان ... فذكر مثله بإسناده غير أنه لم يقل: "ثم يقرأ". ش: هذان طريقان: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي ظفر عبد السلام ... إلى آخره. وعبد السلام هذا شيخ البخاري وأبي داود، قال أبو حاتم: صدوق. وجعفر بن سليمان الضبعي أبو سليمان البصري، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح، وكان ينزل في بني ضبيعة فنسب إليهم. وعلي بن علي بن نجاد بن رفاعة الرفاعي اليشكري أبو إسماعيل البصري، قال أبو زرعة ويحيى: ثقة. وقال النسائي: لا بأس به. وروى له الأربعة. وأبو المتوكل اسمه علي بن داود، وقيل: دواد، روى له الجماعة، والناجي -بالنون والجيم- نسبة إلى بني ناجية بن سامة بن لؤي. وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك.

وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا عبد السلام بن مطهر، ثنا جعفر، عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه الترمذي (¬2): عن محمد بن موسى البصري، عن جعفر بن سليمان الضبعي ... إلى آخره نحوه، غير أنه ليس في روايته: "ثم يقول: لا إله إلَّا الله- ثلاثًا" وقوله: "ثم يقرأ". الثاني: عن فهد، عن الحسن بن الربيع بن سليمان البجلي، قال: أحمد بن عبد الله كوفي ثقة، رجل صالح. وهو شيخ الجماعة. عن جعفر بن سليمان ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (¬3): عن عبيد الله بن فضالة بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان ... إلى آخره، واقتصر على: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): ثنا زيد بن حباب، قال: ثنا جعفر بن سليمان ... إلى آخره نحو رواية النسائي. فإن قلت: ما حكم هذا الحديث؟ قلت: صحيح؛ لأن رجاله ثقات. فإن قلت: تكلم فيه يحيى بن سعيد من جهة علي بن علي، وقال الترمذي: قال أحمد: لا يصح هذا الحديث. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 265 رقم 775). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 9 رقم 242). (¬3) "المجتبى" (2/ 132 رقم 899). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 210 رقم 2410).

قلت: سكوت أبي داود يدل على صحته عنده (¬1)، وعلي بن علي وثقه جماعة كما ذكرنا، فإذا لا مانع لصحته. قوله: "سبحانك اللهم" أي أنزهك يا الله، "وسبحان" علم للتسبيح، كعثمان علم للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره تقديره: أسبح الله سبحانك، بمعنى أسبح تسبيحك، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فَسَدَّ مسدَّه ومعنى التسبيح: التنزيه عما لا يليق به سبحانه وتعالى من الشريك والولد والصاحب والنقائص وسمات الحدث مطلقًا. قوله: "وبحمدك" معطوف على محذوف تقديره: وأحمدك بحمدك، أو تقديره بحمدك سبحتك، ووفقت لذلك. قوله: "وتبارك" تفاعل من البركة وهي الكثرة والاتساع، وتبارك أي بارك، مثل قاتل وتقاتل إلَّا أن فاعل يتعدى، وتفاعل لا يتعدى، ومعناه كثرت بركته في السماوات والأرض؛ إذ به تقوم وبه تستنزل الخيرات، وأوَّلهُ بعضُ أهل التحقيق على أن باسمه تنال البركة والزيادة، ونفى أن يتأول في وصفه معنى الزيادة لأنه ينبئ عن النقصان. قوله: "وتعالى جدك" أي علا وارتفع عظمتك، والجدُّ: العظمة، وينبغي أن تُمدَّ "لام" "تعالى" مدًّا ظاهرًا، وقد سمعت بعض مشايخي: أنه لو قصرها في الصلاة تفسد صلاته. قوله: "من همزه" وهمزه ما يوسوس به، قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} (¬2) وهمزاته خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان، وهي جمع المرة من الهمزة. ¬

_ (¬1) سكوت أبي داود على الحديث لا يدل على صحته كما هو معلوم عند علماء أصول الحديث، فقد قال أبو داود: ما فيه ضعف شديد بَيَّنْتُه، وما سكتُّ عنه فهو صالح. فيؤخذ من هذا أن ما فيه ضعف غير شديد يسكت عنه، وقد سكت على آحاديث كثيرة ضعيفة وواهية والله أعلم. (¬2) سورة المؤمنون، آية: [97].

وقد فسره في بعض روايات الحديث الذي أخرجه أبو داود (¬1)، وغيره (¬2) في الأدعية قال: "نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة" والموتة -بضم الميم وفتح التاء المثناة من فوق-: الجنون؛ وسماه همزًا لأنه جعل من النخس والغمز، وكل شيء دفعته فقد همزته. قوله: "ونفخه" بالخاء المعجمة، وهو الكبير كما قلنا، وهو كناية عما يسوله الإنسان من الاستكبار والخيلاء، فيتعاظم في نفسه، كالذي نفخ فيه، ولهذا قال - عليه السلام - للذي رآه قد استطار غضبًا: "نفخ فيه الشيطان". قوله: "ونفثه" أي نفث الشيطان، وهو الشعرث إنما سمي النفث شعرًا لأنه كالشيء ينفثه الإنسان من فيه كالرقية، ويقال: المراد منه السحر، وهذا أشبه؛ لما شهد له التنزيل قال تعالى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} (¬3). فإن قيل: ما موقع قوله: "من همزه ونفخه ونفثه" مما قبله؟ قلت: الظاهر أنه بدل اشتمال من الشيطان الرجيم، فافهم. ص: حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف التجيبي، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو معاوية، عن حارثة بن محمَّد بن عبد الرحمن، عن عمرة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حذو منكبيه، ثم يكبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا الحسن بن ربيع، قال: ثنا أبو معاوية ... فذكر مثله بإسناده. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 262 رقم 764). (¬2) وأخرجه أحمد في "مسنده" أيضًا (4/ 80 رقم 16785، 16786)، (4/ 82 رقم 16806)، وغيره من حديث نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 84 رقم 2581)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (6/ 17 رقم 29123) من حديث عبد الله بن مسعود. (¬3) سورة الفلق، آية: [4].

ش: هذان طريقان: أحدهما: عن مالك بن عبد الله بن سيف بن شهاب التجيبي، ونسبته إلى تجيب -بضم التاء المثناة من فوق، وكسر الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره باء موحدة- بطن من كندة بن ثور. عن علي بن معبد بن شداد العبدي، وثقه أبو حاتم. عن أبي معاوية الضرير واسمه محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- روول له الجماعة. عن حارثة بن محمَّد بن عبد الرحمن وهو حارثة بن أبي الرجال الأنصاري المدني، فيه مقال، فعن أحمد: ليس بشيء. وعن يحيى: ليس بثقة. وعنه: ضعيف. وقال أبو زرعة: واهي الحديث ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وروى له الترمذي وابن ماجه. عن عمرة بنت عبد الرحمن، وهي جدة حارثة بن محمَّد المذكور، ثقة تابعية، روى لها الجماعة. وأخرجه الترمزي (¬1): ثنا الحسن بن عرفة، ويحيى بن موسى قالا: ثنا أبو معاوية، عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم ... إلى آخره". وأخرجه أبو داود (¬2): من حديث أبي الجوزاء، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم ... " إلى آخره، رواه عن حسين بن عيسى، عن طلق بن غنام، عن عبد السلام بن حرب الملائي، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء به. وأبو الجوزاء -بالجيم، والزاي المعجمة- اسمه أوس بن عبد الله الربعي البصري. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 11 رقم 243). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 265 رقم 776).

الثاني: عن فهد بن سليمان بن يحيى الكوفي، عن الحسن بن ربيع بن سليمان البجلي، عن أبي معاوية ... إلى آخره. وأخرء ابن ماجه (¬1): ثنا علي بن محمَّد وعبد الله بن عمران، قالا: ثنا أبو معاوية، نا حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم ... " إلى آخره. فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟ قلت: قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قِبَل حفظه. وقال أبو داود: هذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روول قصة الصلاة [جماعة عن بديل] (¬2) لم يذكروا فيه شيئًا من هذا. وقد أخرج الحكم في "مستدركه" (¬3): هذا الحديث بالإسنادين جميعًا -أعني بإسناد الطحاوي والترمذي، وبإسناد أبي داود- وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولا أحفظ في قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك، في الصلاة أصح من هذا الحديث، وقد صح عن عمر بن الخطاب أنه كان يقوله. ثم أخرجه (¬4): عن الأعمش، عن الأسود، عن عمر. قال: وقد أسند بعضهم عن عمر ولا يصح عن عمر. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 265 رقم 806). (¬2) في "الأصل، ك": جماعة غير واحد عن بديل، والذي في "سنن أبي داود" (1/ 265 رقم 776): عن بديل جماعة. (¬3) "مستدرك الحاكم" (1/ 360 رقم 859). (¬4) "مستدرك الحاكم" (1/ 361 رقم 860).

وأخرجه مسلم في "صحيحه" (¬1): عن عبدة -وهو ابن أبي لبابة-: "أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". وقال المنذري: وعبدة لا يعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من ابنه عبد الله، ولقال: إنه رأى رؤية. وقال صاحب "التنقيح" وإنما أخرجه مسلم في "صحيحه"؛ لأنه سمعه مع غيره. وقال الدارقطني في كتاب "العلل" (¬2): وقد رواه إسماعيل بن عياش، عن عبد الملك بن حميد بن أبي [غنية] (¬3) عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن عمر، عن النبي - عليه السلام -، وخالفه إبراهيم النخعي، فرواه عن الأسود، عن عمر قوله، وهو الصحيح. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يقول هذا أيضًا إذا افتتح الصلاة: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن عمرو بن ميمون قال: "صلى بنا عمر - رضي الله عنه - بذي الحليفة، فقال: الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود ووهب، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم ... فذكر بإسناده مثله، وزاد: "ولا إله غيرك". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر، مثله. غير أنه لم يقل: "بذي الحليفة". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 299 رقم 399). (¬2) "علل الدارقطني" (2/ 141 رقم 165). (¬3) في "الأصل، ك": "عتبة" وهو تحريف، والمثبت من "علل الدارقطني" ومصادر ترجمته.

حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا محمَّد بن بكر البرساني، قال: أنا سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عمر، مثله وزاد: "يُسمع من يليه". حدثنا أبو بكرة، قال: أنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر، مثله. حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن علقمة والأسود: "أنهما سمعا عمر - رضي الله عنه - كبر فرفع صوته، ثم قال مثل ذلك؛ ليتعلموها". ش: هذه ستة طرق كلها موقوفة صحاح ورجالها ثقات. الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن عمرو بن ميمون الأودي الكوفي المخضرم، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وأخرجه الحكم في "مستدركه" (¬1) كما ذكرناه عن قريب. وكلما أخرجه مسلم (1) بغير هذا الطريق كما مرَّ آنفًا. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، ووهب بن جرير، كلاهما عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عمرو بن ميمون قال: "صلى بنا عمر - رضي الله عنه - بذي الحليفة، فقال: الله أكبر، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك -وزاد أبو بكرة في روايتيه-: ولا إله غيرك". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): بهذه الزيادة، عن غندر، عن شعبة، عن الحكم ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) تقدم عن قريب. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 210 رقم 2400).

الثالث: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الكوفي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب، مثل المذكور وليس فيه ذكر ذي الحليفة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر: "أنه قال حين استفتح الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن محمَّد بن بكر بن عثمان البرساني شيخ أحمد، روى له الجماعة، ونسبته إلى برسان -بضم الباء الوحدة، وسكون الراء- وهي قبيلة من الأزد. عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري. عن أبي معشر زياد بن كليب التميمي الكوفي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة ابن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي، كلاهما عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن هشيم، عن حصين، عن أبي وائل، عن الأسود بن يزيد قال: "رأيت عمر بن الخطاب افتتح الصلاة فكبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك ... " إلى آخره. "يسمعنا". الخامس: عن أبي بكرة بكار، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عمر. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬3): من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "كان عمر - رضي الله عنه - حين افتتح الصلاة كبَّر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 209 رقم 2395). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 208 رقم 2387). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 34 رقم 2180).

السادس: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص شيخ البخاري، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي ... " إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "كان عمر - رضي الله عنه - إذا افتتح الصلاة رفع صوته يسمعنا يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". وأخرج محمَّد في "آثاره" (¬2): عن أبي حنيفة، [عن حماد] (¬3)، عن إبراهيم: "أن ناسًا من أهل البصرة أَتَوْا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يأتوه إلا ليسألوه عن افتتاح الصلاة، قال: فقام فافتتح الصلاة وهم خلفه، ثم جهر فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". قال محمَّد: وبه نأخذ في افتتاح الصلاة، ولكنا لا نرى أن يجهر بذلك الإِمام ولا من خلفه، وإنما جهر عمر - رضي الله عنه - ليعلمهم ما سألوه عنه. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "كان عمر - رضي الله عنه - إذا افتتح الصلاة كبر، ثم قال: سبحانك اللهم ... -إلى آخره- يجهر بهن، قال: وقال: كان إبراهيم لا يجهر بهن". وهذا كما رأيت قد أخرجه الطحاوي، عن ثلاثة من الصحابة: عن أبي سعيد الخدري، وعائشة مرفوعًا، وعن عمر بن الخطاب موقوفًا. وأخرجه الدارقطني (¬5): عنه أيضًا مرفوعًا، ثم قال: الموقوف أصح. وقال الترمذي (¬6): روي عن عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 210 رقم 2404). (¬2) "الآثار" لمحمد بن الحسن (1/ 96 رقم 71). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "الآثار". (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 209 رقم 2388). (¬5) "سنن الدارقطني" (1/ 299 رقم 6). (¬6) "جامع الترمذي" (2/ 9).

قلت: روي أيضًا عن واثلة، وأنس بن مالك، والحكم بن عمير الثمالي. فحديث عبد الله عند الطبراني (¬1): نا محمَّد بن عبد الله الحضرمي، نا أبو كريب، نا فردوس الأشعري، نا مسعود بن سليمان، قال: سمعت الحكم (¬2) يحدث، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك ... " إلى آخره. وحديث واثلة عند الطبراني (¬3) أيضًا: عن مكحول، عن واثلة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يقول إذا افتتح الصلاة ... " نحوه سواء. وحديث أنس عند الدارقطني في "سننه" (¬4): نا أبو محمَّد بن صاعد، نا الحسن ابن علي بن الأسود، نا محمَّد بن الصلت، نا أبو خالد الأحمر، عن حميد، عن أنس قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة كبر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". ثم قال: رجال إسناده كلهم ثقات. وأخرجه الطبراني في كتابه المفرد في "الدعاء" (¬5)، فقال: ثنا أبو عقيل أنس بن مسلم الخولاني، ثنا أبو الأصبغ عبد العزيز بن يحيى، نا مخلد بن يزيد، عن عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا افتتح الصلاة يكبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". ورواه من طريق آخر (¬6) عن أنس نحوه. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (10/ 108 رقم 10117). (¬2) في "الأصل، ك": الحاكم، والمثبت من "المعجم الكبير" للطبراني والحكم هذا هو ابن عتيبة. (¬3) "المعجم الكبير" (22/ 64 رقم 155). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 300 رقم 12). (¬5) "الدعاء" (1/ 173 رقم 505). (¬6) "الدعاء" (1/ 173 رقم 506).

وحديث الحكم بن عمير الثمالي عند الطبراني (¬1): ثنا محمَّد بن إدريس المصيصي والحسين بن إسحاق التستري، قالا: ثنا أحمد بن النعمان الفراء المصيصي، ثنا يحيى بن يعلى الأسلمي، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير الثمالي قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يعلمنا: إذا قمتم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم ولا تخالف آذانكم، ثم قولوا: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وإن لم تزيدوا على التكبير أجزأكم". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: هكذا ينبغي للمصلي أن يقول إذا افتتح الصلاة، ولا يزيد على هذا شيئًا غير التعوذ، إن كان إمامًا أو مصليًا لنفسه. وممن قال ذلك: أبو حنيفة - رضي الله عنه -. ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي والثوري وعلقمة والأسود وإسحاق ابن راهويه وأحمد؛ فإنهم قالوا: ينبغي للمصلي أن يقول إذا افتتح الصلاة: سبحانك اللهم ... إلى آخره، ولا يزيد عليه شيئًا غير التعوذ، سواء كان إمامًا أو منفردًا، وهو معنى قوله: "إن كان إمامًا أو مصليًا لنفسه". وهذا يشعر بأنه إذا كان مأمومًا لا يقولها، وقال صاحب "البدائع": ثم يقول: سبحانك اللهم ... " إلى آخره، سواء كان إمامًا أو مقتديًا أو منفردًا، هكذا ذكر في ظاهر الرواية. وقال ابن حزم في "المحلى": ولا يقولها المؤتم أي لا يقرأ المأموم: وجهت وجهي، وسبحانك اللهم؛ لأن فيها أشياء من القرآن، وقد نهى - عليه السلام - أن يقرأ خلف الإِمام إلا بأم القرآن فقط، فإن دعى بعد قراءة الإِمام [في] (¬2) حال سكتة الإِمام بما روي عن النبي - عليه السلام - فحسن. قوله: "وممن قال ذلك" أي قول ما قاله القوم المذكورون: الإِمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (3/ 218 رقم 3190). (¬2) تكررت في "الأصل".

وهو قول محمَّد أيضًا, ولم يذكره مع أبي حنيفة ولا مع أبي يوسف، والمذكور في كتب أصحابنا: أن محمدًا مع أبي حنيفة في هذه المسألة، وقالا: يستحب للمصلي أن يقول: سبحانك اللهم ... إلى آخره، ولا يزيد عليه، سواء كان إمامًا أو منفردًا، وما روي من الأدعية غير هذا فمحمول على الصلوات النافلة. وقال ابن قدامة: العمل بالأدعية الطويلة متروك؛ فإنا لا نعلم أحدًا يستفتح بالأدعية الطويلة كلها، وإنما يستفتحون بسبحانك اللهم وبحمدك ... إلى آخره، أو بوجهت وجهي ... إلى آخره، وروي عن الشافعي أنه يأتي بالأذكار التي رويت في هذا الباب ولا يزكها, ولا شيئًا منها سواء كان في الفريضة أو في النافلة، والمنقول من المزني: أنه يقول: وجهت وجهي -إلى قوله- من المسلمين. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينبغي له أن يزيد بعد هذا أو يقول قبله ما قد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - فذكروا ما قد حدثنا الحسين بن نصر بن المعارك البغدادي، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عمه، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا افتتح الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء قال: نا عبد العزيز بن أبي سلمة (ح). وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي وعبد الله بن صالح، قالا: ثنا عبد العزيز ابن الماجشون، عن الماجشون وعبد الله بن الفضل، عن الأعرج فذكر بإسناده مثله. وحدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، فذكر بإسناده مثله.

قالوا: فلما جاءت الرواية بهذا وبما قبله استحببنا أن يقولهما المصلي جميعًا. وممن قال بهذا: أبو يوسف -رحمه الله-. ش: أي خالف القوم المذكورين فيما ذهبوا إليه جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي وعطاء بن أبي رباح وطاوس بن كيسان وجماعة الظاهرية؛ فإنهم قالوا: ينبغي له -أي للمصلي- أن يزيد بعد هذا -أي بعد سبحانك اللهم ... إلى آخره، أو يقول قبله- ما قد روي عن علي - رضي الله عنه - وهو: "وجهت وجهي ... " إلى آخره، وهو الذي اختاره الطحاوي، وأبو إسحاق المروزي، وأبو حامد من أصحاب الشافعي. وقال الشافعي: يستفتح بما روي عن علي - رضي الله عنه - وقال في "سنن حرملة": وخالفنا بعض الناس في الافتتاح، فقال: افتتح النبي - عليه السلام - بسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ورواه عن بعض أصحاب النبي - عليه السلام -. وقال مالك: إذا كبر وفرغ من التكبير يقرأ: الحمد لله رب العالمين. وقال ابن حزم في "المحلى": وقال مالك: لا أعرف التوجه، قال علي: ليس من لا يعرف حجة على من يعرف، وقد احتج بعض مقلديه في معارضة ما ذكرنا لما روي عن رسول الله - عليه السلام -: "كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين" وقال علي: وهذا لا حجة لهم فيه، بل هو قولنا؛ لأن استفتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين لا يدخل فيه التوجه؛ لأنه ليس التوجه قراءة، وإنما هو ذكر، فصح أنه - عليه السلام - كان يفتتح الصلاة بالتكبير، ثم يذكر ما قد صح عنه من الذكر، ثم يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين وزيادة العدول لا يجوز ردها. ثم إنه أخرج حديث علي - رضي الله عنه - من أربع طرق صحاح: الأول: عن الحسن بن نصر بن المعارك البغدادي، قال ابن يونس: ثقة ثبت. عن يحيى بن حسان التنيسي أبي زكرياء البصري، روى له الجماعة سوى ابن ماجه.

عن عبد العزيز بن أبي سلمة وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، واسم أبي سلمة ميمون، ويقال: دينار، المدني أبي عبد الله الفقيه، روى له الجماعة. عن عمه يعقوب بن أبي سلمة، أبي يوسف المدني، أخي عبد الله بن أبي سلمة، روى له الجماعة غير البخاري، والماجشون لقب يعقوب المذكور، لقبته بذلك سكينة بنت الحسين بن علي - رضي الله عنه - وجرى هذا اللقب على أهل بيته من بنيه وبني أخيه، وكان يلقى الناس فيقول: جوني جوني، وشوني شوني، فلقب بالماجشون، ويقال: كانت وجنتاه حمراوين، فسمي بالفارسية بالماه كون، فعربه أهل المدينة فقالوا: الماجشون. وهو يروي عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. عن عبيد الله بن أبي رافع أسلم -أو إبراهيم- مولى النبي - عليه السلام -، وقد تكرر ذكره، روى له الجماعة. عن علي بن أبي طالب. وأخرجه الجماعة غير البخاري مطولًا ومختصرًا. فقال مسلم (¬1): ثنا محمَّد بن أبي بكر المقدمي، قال: ثنا يوسف الماجشون، قال: حدثني أبي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - عليه السلام -: "أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلَّا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلَّا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 534 رقم 771).

وإذا ركع قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري، ومُخِّي وعظمي وعصبي. وإذا رفع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد. وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين. ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". الثاني: عن محمَّد بن خزيمة البصري، عن عبد الله بن رجاء الغداني البصري شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الماجشون وهو يعقوب بن أبي سلمة عمّ عبد العزيز، وعن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب القرشي المدني، كلاهما عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا أبو سعيد، نا عبد العزيز بن عبد الله بن الماجشون، ثنا عبد الله بن الفضل ويعقوب بن أبي سلمة الماجشون، كلاهما عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كبر استفتح ثم قال: وجهت وجهي -إلى قوله-: تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك". نحو رواية المسلم. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد بن محمَّد الوهبي الكندي، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، كلاهما عن عبد العزيز بن الماجشون وهو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن الماجشون وهو عمه يعقوب بن ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 94 رقم 729).

أبي سلمة، وعن عبد الله بن الفضل، كلاهما عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب. وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (¬1): ثنا حُمام بن أحمد، نا عباس بن أصبع، نا محمَّد بن عبد الملك بن أيمن، نا أحمد بن زهير بن حرب، حدثني أبي، ثنا عبد الرحمن ابن مهدي، نا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، حدثني عمي- هو يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا كبّر استفتح ثم قال: وجهت ... " إلى آخره نحو رواية أحمد. الرابع: عن الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني، عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. وأخرجه الدارقطني (¬2): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا يوسف بن سعيد، ثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض -إلى قوله-: أستغفرك وأتوب إليك". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن إبراهيم بن محمَّد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عُبيد الله بن أبي رافع، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر، ورفع يديه حذو منكبيه، ثم قال: ¬

_ (¬1) "المحلى" (4/ 95). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 297 رقم 2). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" [2/ 79 رقم 2567].

{وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا} (¬1) الآية وآيتين بعدها إلى المسلمين، ثم يقول: اللهم أنت الملك ... " إلى آخره. قوله: "وجهت" أي قصدت بعبادتي الذي فطر السماوات والأرض أي خلقهما، وقيل: معناه أخلصت ديني وعملي. قوله: "حنيفًا" أي مستقيمًا مخلصًا، وقال أبو عُبيد: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم - عليه السلام -، ويقال: معناه مائلًا إلى الدين الحق وهو الإِسلام، وأصل الحنف الميل، ويكون في الخير والشر، ومنه يصرف إلى ما تقتضيه القرينة، والنسبة إليه: حنيفي، وأما الحنفي بلا ياء فهو الذي ينسب إلى أبي حنيفة في مذهبه، حذف ها هنا الياء ليكون فرقًا بينهما، وانتصابه على أنه حال من الضمير الذي في: "وجهت" أي حال كوني في الحنيفية. قوله: "مسلمًا" حال أيضًا, وليس هذا في رواية مسلم وأبي داود. قوله: "وما أنا من المشركين" بيان للحنيفية وإيضاح لمعناه، والمشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم، ويهودي، ونصراني، ومجوسي، ومرتد، وزنديق وغيرهم. قوله: "إن صلاتي" يعني عبادتي، و"نسكى" يعني تقربي كله، وقيل: وذبحي، وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (¬2) وقيل: صلاتي وحجي. وأصل النسك: العبادة، من النسيكة وهي الفضة المذابة المصفاة من كل خلط، والنسيكة أيضًا كل ما يتقرب به إلى الله -عز وجل-. قوله: "ومحياي ومماتي" أي وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح خالصة لوجهه لا شريك له، وبذلك الإخلاص أمرت في الكتاب، وأنا أول المسلمين. ¬

_ (¬1) الأنعام، آية: [162، 163]. (¬2) الكوثر، آية: [2].

ويقال: "ومحياي ومماتي" أي حياتي وموتي، ويجوز فتح الياء فيهما وإسكانها، والأكثرون على فتح "ياء" محياي وإسكان "ياء" مماتي، والسلام في "لله" لام الإضافة، ولها معنيان: الملك، والاختصاص، وكلاهما مراد ها هنا، والرب: المالك والسيد والمربي والمصلح، فإن وصف الله برب لأنه مالك وسيد، فهو من صفات الذات، وإن وصف به لأنه مدبر خلقه ومربيهم ومصلح لأحوالهم؛ فهو من صفات فعله، ومتى دخلته الألف واللام اختص بالله تعالى، وإذا حذفتا جاز إطلاقه على غيره فيقال: رب المال، ورب الدار، ونحو ذلك. و"العالمون" جمع عَالَم، وليس للعَالَم واحد من لفظه، والعَالَم اسم لما سوى الله تعالى، ويقال: الملائكة والجن والإنس، وزاد أبو عُبيدة: والشياطين، وقيل: بنو آدم خاصة، وقيل: الدنيا وما فيها. ثم هو مشتق من العلامة لأن كل مخلوق علامة على وجود صانعه. وقيل: من العِلْم فعك هذا يختص بالعقلاء، وذكر ابن مالك: أن العالمين اسم جمع لمن يعقل، وليس جمع عالم لأن العالم عامّ والعالمين خاص، ولهذا منع أن يكون الأعراب جمع عرب لأن العرب للحاضرين والبادين، والأعراب خاص بالبادين، وقال الزمخشري: إنما جمع ليشمل كل جنس مما سمي به. فإن قلت: فهو اسم غير صفة، وإنما يجمع بالواو والنون صفات العقلاء، أو ما في حكمها من الأعلام. قلت: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم فيه. قوله: "وأنا أول المسلمين" أي من هذه الأمة قاله قتادة، أو في هذا الزمان قاله الكلبي، أو بروحي قد كنت، كقوله - عليه السلام -: "كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين" (¬1) وفي ¬

_ (¬1) أخرجه الترمذي (5/ 585 رقم 3609)، وأحمد (4/ 66 رقم 16674) بلفظ "وآدم بين الروح والجسد". =

رواية مسلم: "وأنا من المسلمين" بلا "أول". قوله: "قالوا: فلما جاءت الرواية بهذا وبما قبله" أي قال الجماعة الآخرون: لما جاءت الرواية بهذا الدعاء الطويل وهو: "وجهت ... " إلى آخره وبما قبله وهو "سبحانك اللهم، وبحمدك ... " إلى آخره استحببنا أن يقولهما المصلي جميعًا، يعني يجمع بينهما، وقال النووي: وفي هذا الحديث استحباب دعاء الافتتاح في كل الصلوات حتى في النافلة، وهو مذهبنا ومذهب الأكثرين إلَّا أن يكون إمامًا لقوم لا يؤثرون فيها التطويل. وقال ابن الجوزي: كان ذلك في ابتداء الأمر أو في النافلة. وقال الكاساني من أصحابنا: تأويل ذلك أنه كان يقول ذلك في التطوعات والأمر فيها أوسع، وأما الفرائض فلا يزاد فيها على ما اشتهر فيه الذكر، وهو قوله: "سبحانك اللهم ... " إلى آخره، أو كان ذلك في الابتداء ثم نسخ بالآية، وهي قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} (¬1) ذكر الجصاص عن الضحاك عن ابن عمر - رضي الله عنهما - "أنه قول المصلي عند الافتتاح: سبحانك اللهم وبحمدك". وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا هشيم قال: أنا جويبر، عن الضحاك في قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} (1) قال: "حين تقوم إلى الصلاة تقول هؤلاء الكلمات: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". ¬

_ = قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (2/ 238): وأما قوله: "كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين"، فلا أصل له، ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث، فإنه لم يكن بين الماء والطين؛ إذ الطين ماء وتراب، ولكن لما خلق جسد آدم قبل نفخ الروح فيه كتب نبوة محمَّد وقدرها. وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (1/ 521): وأما الذي على الألسنة بلفظ "كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين" فلم نقف عليه بهذا اللفظ، فضلًا عن زيادة "وكنت نبيًّا ولا آدم ولا ماء ولا طين". (¬1) سورة الطور، آية: [48]. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 210 رقم 2402).

قلت: وبهذا سقط سؤال من يقول: كيف قلتم: هذا محمول على النافلة وفي رواية الدارقطني (¬1) وعبد الرزاق (3) قد صرح أنه - عليه السلام - إنما قال ذلك في المكتوبة على ما مرَّ عن قريب، وقال الكاساني: قال أبو يوسف في "الإملاء": يقول مع التسبيح: إني وجهت وجهي ... إلى آخره، ويقول: وأنا من المسلمين، ولا يقول: وأنا أول المسلمين؛ لأنه كذب، وهل تفسد صلاته إذا قال ذلك؟ قال بعضهم: تفسد؛ لأنه أدخل الكذب في الصلاة. وقال بعضهم: لا تفسد لأنه من القرآن. ثم عن أبي يوسف روايتان: في رواية: يقدم التسبيح عليه، وفي رواية: هو بالخيار إن شاء قدم وإن شاء أخر، وهو أحد قولي الشافعي، وفي قول: يفتتح بقوله: وجهت لا بالتسبيح. قلت: أصح مذهب أبي يوسف أن يجمع بينهما، فلذلك قال الطحاوي: "وممن قال بهذا أبو يوسف" أي ممن قال بالجمع بين وجهت والتسبيح: الإِمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري: وهو اختيار الطحاوي أيضًا على ما ذكرنا، وبه أعمل إن شاء الله تعالى. ¬

_ (¬1) تقدم.

ص: باب: قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة

ص: باب: قراءة: بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة ش: أي هذا باب في بيان قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة كيف هي؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأن البسملة في الصلاة بعد قراءة سبحانك اللهم ... إلى آخره، والطحاوي لم يذكر أحكام التعوذ مع أن محله بين قراءة سبحانك اللهم، وبن البسملة؛ لأنه ليس فيه خلاف بين الأئمة الثلاثة أعني أبا حنيفة والشافعي وأحمد، فإنه عندهم سُنَّة، وأما مالك فإنه لا يرى شيئًا من التسبيح والتعوذ والتسمية، بل عنده لما يكبر يشرع بقراءة أم القرآن، وعند الظاهرية التعوذ فرض. وقال ابن حزم في "المحلى" (¬1): فرض على كل مصلي أن يقول إذا قرأ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لابدَّ له في كل ركعة من ذلك؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (¬2). ثم قال: يجب التعوذ بعموم الآية عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها. ثم قال: وروينا (¬3) من طريق معمر، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين: "أنه كان يتعوذ من الشيطان في الصلاة قبل أن يقرأ بأم القرآن، وبعد أن يقرأ أم القرآن". وعن ابن جريج عن عطاء قال: "الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة وغيرها" وبالتعوذ في الصلاة يقول سفيان الثوري والأوزاعي وداود وغيرهم. قلت: قول ابن حزم مخالف لإجماع السلف؛ لأنهم أجمعوا على أن التعوذ سُنَّة والأمر في الآية ليس للوجوب، ثم اختلف القراء في صفة التعوذ؛ فاختيار ¬

_ (¬1) "المحلى" (3/ 247). (¬2) سورة النحل، آية: [98]. (¬3) "المحلى" (3/ 250).

ابن عمرو وعاصم وابن كثير: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، واختيار نافع وابن عامر والكسائي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العلم، واختيار حمزة الزيات: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. وهو قول ابن سيرين، وبكل ذلك ورد الأثر، وإنما يتعوذ المصلي في نفسه إمامًا كان أو منفردًا؛ لأن الجهر بالتعوذ لم ينقل عن النبي - عليه السلام -، والذي روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه جهر بالتعوذ (¬1). تأويله: أنه كان وقع اتفاقًا لا قصدًا، أو كان ليعلم السامعين أن المصلي ينبغي له أن يتعوذ، كما نقل عنه الجهر بثناء الافتتاح فيما قدمنا. وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم قال: "أربع يخفيهن الإِمام: بسم الله الرحمن الرحيم، والاستعاذة، وأمين, وإذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: ربنا لك الحمد". عبد الرزاق (¬3): عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: "خمس يخفيهن الإِمام: سبحانك اللهم وبحمدك، والتعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم، وآمين، واللهم ربنا لك الحمد". ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا الليث بن سعد، قال: أخبرني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم بن المُجْمر، قال: "صليت وراء أبي هريرة فقرأ: بسم الله الرحمن، فلما بلغ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (¬4) قال: آمين. فقال الناس: آمين، ثم يقول إذا سلم: أما والذي نفسي بيده، أني لأشبهكم صلاة برسول الله - عليه السلام -". ش: سعيد بن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف بابن أبي مريم الجمحي أبو محمَّد المصري شيخ البخاري. ¬

_ (¬1) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 214 رقم 2456). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 87 رقم 2596). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 87 رقم 2597). (¬4) سورة الفاتحة، آية: [7].

وخالد بن يزيد المصري أبو عبد الرحيم الإسكندراني، روى له الجماعة. وسعيد بن أبي هلال أبو العلاء المصري، روى له الجماعة. ونعيم بن المجمر هو نعيم بن عبد الله مولى آل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سمي المجمر لأنه كان يجمر المسجد، والمجمر صفة لعبد الله -على الصحيح- وبه جزم ابن حبان، وتدل عليه رواية الطحاوي: نعيم بن المجمر، ويقال: صفة لنعيم، فعل هذا يقال: نعيم المجمر، وقد وقع هكذا في بعض الروايات وقال النووي: ويطلق على ابنه مجازًا، وروى له الجماعة. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬1): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، ثنا أبي وشعيب بن الليث، قالا: ثنا الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر أنه قال: "صليت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى بلغ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (¬2) قال: آمين، وقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس من اثنتين قال: الله أكبر، ثم يقول إذا سلم: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - عليه السلام -". وأخرجه ابن خزيمة، (¬3) وابن حبان (¬4) في "صحيحيهما"، والحكم في "مستدركه" (¬5) وقال: إنه على فرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬6) وقال: إسناد صحيح وله شواهد. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 305 رقم 14). (¬2) سورة الفاتحة، آية: [7]. (¬3) "صحيح ابن خزيمة" (1/ 251 رقم 499). (¬4) "صحيح ابن حبان" (5/ 100 رقم 1797). (¬5) "مستدرك الحاكم" (1/ 357 رقم 849). (¬6) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 46 رقم 2223).

وقال في "الخلافيات": رواته كلهم ثقات مجمع على عدالتهم محتج بهم في "الصحيح". وسيجيء الجواب عن هذا كله إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث النخعي، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - كان يصلي في بيتها: فيقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} (¬1). ش: عمر بن حفص شيخ البخاري، وأبوه حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي القاضي أحد أصحاب أبي حنيفة - رضي الله عنه - روى له الجماعة. وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي روى له الجماعة. وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي أبو بكر المكي الأحول، روى له الجماعة. وأم سلمة زوج النبي - عليه السلام -، واسمها هند بنت أبي أمية حكى. وأخرجه أبو داود في كتاب "الحروف" (¬2): ثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا أبي، قال: نا ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أم سلمة "ذكرت -أو كلمة غيرها- قراءة رسول الله - عليه السلام -: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} يقطع قراءته آية آية". وأخرجه أحمد (¬3): ثنا يحيى بن سعيد الأموي ... إلى آخره نحوه: "أنها سئلت عن قراءة رسول الله - عليه السلام -، فقالت: كان يقطع قراءته آية آية: {بِسْمِ اللَّهِ ¬

_ (¬1) سورة الفاتحة. (¬2) "سنن أبي داود" (2/ 433 رقم 4001). (¬3) "مسند أحمد" (6/ 302 رقم 26625).

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} (1). وأخرجه الدارقطني (¬1): ثنا محمَّد بن القاسم بن زكرياء، ثنا عبَّاد بن يعقوب، ثنا عمر بن هارون. وثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا إبراهيم بن هانئ، ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، ثنا عمر بن هارون البلخي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة: "أن النبي - عليه السلام - كان يقرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} يقطعها آية آية، وعدّها عند الإعراب، وعدَّ بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم تعد عليهم". ورواه الحكم أيضًا (¬2): من طريق عمر بن هارون، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة: "أن رسول الله - عليه السلام - قرأ في الصلاة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فعدها آية {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} آيتين {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثلاث آيات ... " إلى آخره. وأخرجه الطبراني (¬3): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا أبو عُبيد القاسم بن سلام، نا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يقطع قراءته: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 305 رقم 14). (¬2) "مستدرك الحاكم" (1/ 356 رقم 848). (¬3) "المعجم الكبير" (23/ 278 رقم 603).

وأخرجه البيهقي (¬1): أنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنا علي بن عمر الحافظ، قال: ثنا محمَّد بن القاسم بن زكرياء، قال: ثنا عباد بن يعقوب، قال: ثنا عمر بن هارون، (ح). قال: وثنا علي، قال: ثنا عبد الله بن عبد العزيز، قال: ثنا إبراهيم بن هانئ، قال: ثنا محمَّد بن سعيد الأصبهاني، قال: ثنا عمر بن هارون البلخي، عن ابن جريج ... إلى آخره نحو رواية الدارقطني. وروى البيهقي أيضًا (¬2): عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي العباس الأصم، عن محمَّد بن إسحاق الصغاني، عن خالد بن خراش، عن عمر بن هارون، بإسناده هذا: "أن النبي - عليه السلام - قرأ في الصلاة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فعدها آية {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} آيتين {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثلاث آيات {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أربع آيات وقال: هكذا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وجمع خمس أصابعه". وقال البيهقي في كتاب"المعرفة" (¬3): قال البويطي في كتابه: أخبرني غير واحد، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة زوج النبي - عليه السلام -: "أن رسول الله - عليه السلام -كان إذا قرأ بأم القرآن بدأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يعدها آية ثم قرأ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} بعدها ست آيات". ص: فذهب قوم إلى أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من فاتحة الكتاب وأنه ينبغي للمصلي أن يقرأ بها كما يقرأ بفاتحة الكتاب، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء ومجاهدًا وطاوسًا والشافعي وأحمد في رواية؛ فإنهم ذهبوا إلى أن البسملة من الفاتحة، وأنها يجهر بها كما يجهر بالفاتحة حيث ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 45 رقم 2217). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 44 رقم 2214). (¬3) "معرفة السنن والآثار" (1/ 510).

تجهر، واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة وأم سلمة، وقال الترمذي: وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام - منهم أبو هريرة وابن عمر وابن الزبير ومَن بعدهم من التابعين رأوا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وبه يقول الشافعي. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما روي عن أصحاب النبي - عليه السلام -. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: "صليت خلف عمر - رضي الله عنه - فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان أبي يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بما روي عن بعض الصحابة، منهم: عمر - رضي الله عنه -. أخرج أثره عن أبي بكرة بكّار، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الأسدي الكوفي روى له الجماعة، عن عمر بن ذر الهمداني المُرهبي أبي ذر الكوفي، قال يحيى والنسائي والدارقطني: ثقة. وعن أبي داود: كان رأسًا في الإرجاء. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، وكان مرجئًا، لا يحتج بحديثه. روى له الجماعة سوى مسلم. عن أبيه ذر بن عبد الله بن زرارة أبي عمر الكوفي روى له الجماعة، عن سعيد بن عبد الرحمن روى له الجماعة، عن أبيه عبد الرحمن بن أَبزَى الخزاعي، مختلف في صحبته، روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا خالد بن مخلد، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزَى، عن أبيه: "أن عمر - رضي الله عنه - جهر ببسم الله الرحمن الرحيم". وأخرجه البيهقي أيضًا في "الخلافيات". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 362 رقم 4157).

والجواب عنه أنه مخالف للصحيح الثابت عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان لا يجهر، كما رواه أنس، فإن ثبت هذا عن عمر - رضي الله عنه - فيحمل على أنه فعله مرة أو بعض أحيان؛ لأجل التعليم أنها من سنن الصلاة. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: ثنا شريك بن عبد الله، عن عاصم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه جهر بها". ش: رجاله ثقات. وعاصم هو ابن بهدلة أبو بكر المقرئ. وأخرجه البيهقي في كتاب "المعرفة" (¬1): أنا أبو عبد الله الحافظ، قال: ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، قال: ثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أنا عبد الوهاب ابن عطاء، قال: أنا سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه كان يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم". وأخرجه الدارقطني (¬2) مرفوعًا: ثنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن مبشر، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، ثنا معتمر بن سليمان، ثنا إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن أبي خالد، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم". والجواب عنه أنه معارض بما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قراءة الأعراب". وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (¬4): عن الثوري، نحوه. ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (1/ 521 رقم 720). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 304 رقم 8). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 361 رقم 4143). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 89 رقم 2605).

وجواب آخر: أن قوله: "جهر بها" لا يدل على أنه جهر بها وهو في الصلاة، فلا يتم به الدليل، وكذلك قوله: "إنه كان يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم" لا يدل صريحًا على أنه كان في الصلاة، وأما رواية الدارقطني فهي ضعيفة. فقال الأزدي: تكلموا في إسماعيل بن أبي حماد. ولئن سلمنا أنها صحيحة ولكنها لا تدل على أنه كان يجهر بها فلا يتم الدليل. فإن قيل: روى الدارقطني (¬1) أيضًا: عن أبي الصلت الهروي واسمه عبد السلام ابن صالح، ثنا عباد بن العوام، ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان النبي - عليه السلام - يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم". قلت: هذا أضعف من الأول؛ فإن أبا الصلت متروك، قال أبو حاتم: ليس بصدوق عندي. وقال الدارقطني: رافضيٌّ خبيث. فإن قيل: رواه الحكم في "المستدرك" (¬2): عن عبد الله بن عمرو بن حسان، ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". قال الحكم: إسناده صحيح وليس له علة. قلت: غير صحيح ولا صريح، أما كونه غير صريح فلأنه ليس فيه أنه في الصلاة، وأما كونه غير صحيح فإن عبد الله بن عمرو بن حسان كان يضع الحديث، قاله إمام الصنعة علي بن المديني. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: ليس بشيء، كان يكذب. وقال ابن عدي: أحاديثه مقلوبات. فانظر إلى تساهل الحاكم واستهتاره في هذا لأجل إقامة الحجة لما ادعاه. فإن قيل: روى البزار في "مسنده" (¬3): عن المعتمر بن سليمان، ثنا إسماعيل، ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 303 رقم 6). (¬2) "مستدرك الحاكم" (1/ 326 رقم 750). (¬3) قال الهيثمي في "مجمع "الزوائد" (2/ 281 رقم 2633): رواه البزار، ورجاله موثقون.

عن أبي خالد، عن ابن عباس: "أن النبي - عليه السلام - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة". قلت: هذا هو الحديث الذي أخرجه الدارقطني الذي ذكرناه الآن. وأخرجه أبو داود، (¬1) والترمذي (¬2) بهذا الإسناد كلهم قالوا فيه: "كان يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم". وقال الترمذي: ليس إسناده بذاك. وقال أبو داود: حديث ضعيف. ورواه العقيلي في كتابه (¬3) وأعله بإسماعيل هذا، وقال: حديثه غير محفوظ، ويرويه عن مجهول، ولا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند. ورواه ابن عدي (¬4) وقال: حديث غير محفوظ، وأبو خالد مجهول. وقال البزار: وإسماعيل لم يكن بالقوي في الحديث. وله طريق أخر عند الدارقطني (¬5): عن عمر بن حفص المكي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن النبي - عليه السلام - لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم حتى قبض". قلت: هذا لا يجوز الاحتجاج به؛ فإن عمر بن حفص ضعيف، قال ابن الجوزي في "التحقيق": أجمعوا على ترك حديثه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنه -: "أنه كان لا يدع بسم الله الرحمن الرحيم قبل السورة، وبعدها إذا قرأ بسورة أخرى في الصلاة". ¬

_ (¬1) وكذا عزاه إلى أبي داود المزي في "التحفة" (5/ 265)، وقال: حديث "د" في رواية أبي الطيب الأشناني، ولم يذكره أبو القاسم. (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 14 رقم 245). (¬3) "الضعفاء" للعقيلي (1/ 80). (¬4) "الكامل في الضعفاء" (1/ 311). (¬5) "سنن الدارقطني" (1/ 304 رقم 9).

ش: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وابن جريج هو عبد الملك. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع: "أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان لا يدع بسم الله الرحمن الرحيم، يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم". وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (¬2): أنا أبو زكرياء، وأبو بكر وأبو سعيد، قالوا: ثنا أبو العباس، قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي، قال: أنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يدع بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن والسورة التي بعدها". والجواب عنه أنه كان لا يدعها سرًّا, وليس فيه دليل صريح على أنه كان يجهر بها، والحمل على أنه كان يُسرُّ بها أولى لاستفاضة النقل وتواتر الأخبار عن النبي - عليه السلام - وعن الخلفاء الراشدين أنهم كانوا لا يجهرون بها. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو بكر النهشلي، قال: ثنا يزيد الفقير، عن ابن عمر - رضي الله عنه -: "أنه كان يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم". ش: أبو داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبو بكر النهشلي الكوفي قيل: اسمه عبد الله بن قطاف. وقيل: عبد الله بن معاوية بن قطاف. وقيل: وهب ابن قطاف. وقيل: معاوية بن قطاف. قال أحمد ويحيى وأبو داود: ثقة. وروى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. ويزيد الفقير هو يزيد بن صهيب الفقير أبو عثمان الكوفي روى له الجماعة سوى الترمذي. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 90 رقم 2608). (¬2) "معرفة السنن والآثار" (1/ 520 رقم 717).

وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (¬1) وغيره: أنا أبو محمَّد الحسن بن علي بن المؤمل، قال: ثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، قال: ثنا محمَّد بن عبد الوهاب، قال: أنا يعلى بن عُبيد، قال: نا مسعر، عن يزيد الفقير: "أنه سمع ابن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم". والجواب عنه ما ذكرناه الآن. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو زيد الهروي، قال: ثنا شعبة عن الأزرق بن قيس، قال: "صليت خلف ابن الزبير - رضي الله عنه - فسمعته يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} بسم الله الرحمن الرحيم". ش: أبو زيد اسمه سعيد بن الربيع الحرشي العامري وكان يبيع الثياب الهروية فنسب إليها روى له الجماعة. والأزرق بن قيس الحارثي روى له البخاري وأبو داود والنسائي. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا وكيع، عن شعبة، عن الأزرق بن قيس، قال: "سمعت ابن الزبير - رضي الله عنه - قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ الحمد لله رب العالمين، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم". وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬3). الجواب عنه: أن ابن عبد اللهادي قال: إسناده صحيح، ولكنه يحمل على الإعلام، فإن قراءتها سنة فإن الخلفاء الراشدين كانوا يسرون بها، فظن كثير من الناس أن قراءتها بدعة، فجهر بها من جهر بها من الصحابة ليعلموا الناس أن قراءتها سنة لا أنه فعلها دائمًا وقد ذكر ابن المنذر عن ابن الزبير ترك الجهر. ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (1/ 520 رقم 718). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 361 رقم 4154). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 192 رقم 2881).

وكذا يجاب عما أخرجه الخطيب (¬1): عن محمَّد بن أبي السري، عن المعتمر، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني قال: "صليت خلف عبد الله بن الزبير، وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال: ما يمنع أمراؤكم أن يجهروا بها إلَّا الكبر". ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أنا ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس: " {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} (¬2) قال: فاتحة الكتاب ثم قرأ ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم، وقال: هي الآية السابعة، قال: وقرأ عَلَيّ سعيد بن جبير كما قرأ عليه ابن عباس". ش: أبو عاصم النبيل الضحاك مخلد، وابن جريج هو عبد الملك، وأبوه عبد العزيز بن جريج، قال البخاري: لا يتابع على حديثه. ووثقه ابن حبان قال: وروى عن عائشة ولم يسمع منها. وروى له الأربعة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3) بأتم منه: عن ابن جريج، قال: أخبرني أبي، أن سعيد بن جبير أخبره، أن ابن عباس قال: " {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} (2) وأم القرآن، وقرأها عليَّ سعيدٌ كما قرأتها عليك، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة، قال ابن عباس: قد أخرجها الله لكم فما أخرجها لأحدٍ قبلكم. قال عبد الرزاق: قرأها علينا ابن جريج {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} آية {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} آية {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} آية {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} آية {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} إلى آخرها آية". ¬

_ (¬1) انظر "نصب الراية" (1/ 265). (¬2) سورة الحجر، آية: [87]. (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 90 رقم 2609).

وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1): من حديث ابن المبارك، عن ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -في السبع المثاني- قال: هي فاتحة الكتاب، قرأها ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم، سبعًا، قلت لأبي: أخبرك سعيد عن ابن عباس أنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية من كتاب الله؟ قال: نعم، ثم قال: قرأها ابن عباس في الركعتين جميعًا". والجواب عنه أن في إسناده عبد العزيز بن جريج والد عبد الملك، وقد قال البخاري: حديثه لا يتابع عليه، ولئن سلمنا أن حديثه يتابع عليه سيعارضه ما يدل على خلافه، وهو حديث أبي هريرة قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا نهض في الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت". رواه الطحاوي كما يجيء، ومسلم (¬2) أيضًا؛ وهذا دليل صريح على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ إذ لو كانت منها لقرأها في الثانية مع الفاتحة. وهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي لأهل هذه المقالة حديثين عن أبي هريرة وأم سلمة، وآثارًا عن عمر وابن عمر وابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنه - وقد أخرج غيره أيضًا أحاديث مرفوعة عن أبي هريرة أيضًا وعلي وعمار والنعمان بن بشير والحكم بن عمير وأنس ومعاوية - رضي الله عنهم -. أما حديث أبي هريرة فأخرجه الخطيب (¬3): عن أبي أويس -واسمه عبد الله ابن أويس- قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا أَمَّ الناس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 47 رقم 2228). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 419 رقم 599). (¬3) انظر "نصب الراية" (1/ 261)، ومنه ينقل المؤلف رحمه الله كثيرًا ولا يعزوه إليه.

وأخرجه الدارقطني في "سننه"، (¬1) وابن عدي في "الكامل" (¬2) فقالا فيه: "قرأ" عوض "جهر". والجواب عنه: أن هذا غير محتج به؛ لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به، وكيف إذا انفرد بشيء وخالفه فيه من هو أوثق منه مع أنه متكلم فيه؟! فوثقه جماعة وضعفه آخرون، وممن ضعفه: أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم الرازي، وممن وثقه: الدارقطني وأبو زرعة، وقال ابن عدي: يكتب حديثه. فإن قيل: أبو أويس قد أخرج له مسلم في "صحيحه". قلت: صاحبا "الصحيح" إذا أخرجا لمن تُكُلِّم فيه إنما يخرجان بعد انتقائهما من حديثه ما توبع عليه وظهرت شواهده وعلم أن له أصلًا, ولا يخرجان ما تفرد به سيما إذا خالفه الثقات، وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على "الصحيحين" فتساهلوا في استدراكهم، ومن أكثرهم تساهلًا الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك"؛ فإنه يقول: هذا على شرط الشيخين أو أحدهما؛ وفيه هذه العلة، إذ لا يلزم من كون الراوي محتجًّا به في الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث كان يكون ذلك الحديث على شرطه، ولهذا قال ابن دحية في كتابه "العلم المشهور": ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنه كثير الغلط، ظاهر السقط، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده وقلده في ذلك. والمقصود أن حديث أبي أويس هذا لم يترك لكلام الناس فيه، بل لتفرده به ومخالفة الثقات له، وعدم إخراج أصحاب المسانيد والكتب المشهورة والسنن المعروفة. ولرواية مسلم الحديث في "صحيحه" (¬3) من طريقه وليس فيه ذكر البسملة. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 306 رقم 17). (¬2) "الكامل في الضعفاء" (4/ 183). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 296 رقم 395).

فإن قيل: قد جاء من طريق آخر أخرجه الدارقطني (¬1): عن خالد بن إلياس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "علمني جبريل - عليه السلام - الصلاة، فقام فكبر لنا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر به في كل ركعة". قلت: هذا إسناد ساقط؛ فإن خالد بن إلياس مجمع على ضعفه، قال البخاري: عن أحمد أنه منكر الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء ولا يكتب حديثه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال البخاري: ليس بشيء. وقال ابن حبان: روى الموضوعات عن الثقات. وقال الحاكم: روول عن المقبري ومحمد بن المنكدر وهشام بن عروة أحاديث موضوعة. فإن قيل: قد جاء آخر رواه الدارقطني (¬2) أيضًا: عن جعفر بن مكرم، نا أبو بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني نوح بن أبي بلال، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا قرأتم الحمد فاقرءوا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إحدى آياتها". قلت: قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحًا فحدثني عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مثله، ولم يرفعه. فإن قيل: قال عبد الحق في "أحكامه الكبرى": رفع هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر وهو ثقة؛ وثقه ابن معين. قلت: كان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه، ولئن سلمنا رفعه فليس فيه دلالة على الجهر، ولئن سُلِّم فالصواب فيه الوقف كما قال الدارقطني: اختلف فيه على ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 307 رقم 18). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 312 رقم 36).

نوح بن أبي بلال، فرواه عبد الحميد عنه واختلف عنه، فرواه المعافى بن عمران، عن عبد الحميد، عن نوح، عن المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا. ورواه أسامة بن زيد وأبو بكر الحنفي، عن نوح، عن المقبري، عن أبي هريرة موقوفًا، وهو الصواب. فإن قيل: هذا موقوف في حكم المرفوع؛ إذ لا يقول الصحابي: إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلَّا عن توقيف أو دليل قوي ظهر له وحينئذٍ يكون له حكم سائر آيات الفاتحة من الجهر والإسرار. قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي - عليه السلام - يقرأها فظنها من الفاتحة، فقال: إنها إحدى آياتها، ونحن لا ننكر أنها من القرآن، ولكن النزاع في موضعين: أحدهما: أنها آية مستقلة قبل السورة وليست منها؛ جمعًا بين الأدلة، وأبو هريرة لم يخبر عن النبي - عليه السلام - أنه قال: هي إحدى آياتها، وقراءتها قبل الفاتحة لا تدل على ذلك، وإذا جاز أن يكون مستند أبي هريرة قراءة النبي - عليه السلام - لها، وقد ظهر أن ذلك ليس بدليل على محل النزاع، فلا يعارض به أدلتنا الصحيحة الثابتة، وأيضًا فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في "صحيحه" (¬1): من حديث ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحمد لله: هي أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم". ورواه أبو داود، (¬2) والترمذي (¬3) وقال: حسن صحيح. على أن عبد الحميد بن جعفر تكلم فيه، ولكن الثقة قد يغلط والظاهر أنه قد غلط في هذا الحديث والله أعلم. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (4/ 1738 رقم 4427). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 461 رقم 1457). (¬3) "جامع الترمذي" (5/ 297 رقم 3124).

وأما حديث علي وعمار - رضي الله عنهما - فأخرجه الحكم في "مستدركه" (¬1): عن سعيد بن عثمان الخزاز، نا عبد الرحمن بن سعد المؤذن، ثنا فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار: "أن النبي - عليه السلام - كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم". وقال: صحيح الإسناد لا أعلم في رواته منسوبًا إلى الجرح، والجواب عنه ما قال الذهبي في "تنقيح المستدرك": هذا خبر واهٍ كأنه موضوع؛ لأن عبد الرحمن صاحب مناكير، ضعّفه ابن معين، وسعيد إن كان الكريزي فهو ضعيف وإلا فهو مجهول. وعن الحكم رواه البيهقي في "المعرفة" (¬2) بسنده ومتنه، وقال: إسناده ضعيف إلا أنه أمثل من حديث جابر الجعفي. قلت: وفطر بن خليفة قال السعدي: غير ثقة، روى له البخاري مقرونًا بغيره والأربعة، وتصحيح الحاكم لا يعتد به سيما في هذا الموضع؛ فقد عرف تساهله في ذلك، وقال ابن عبد الهادي: هذا حديث باطل ولعله أدخل عليه. وروى الدارقطني هذا الحديث في "سننه" (¬3): عن أسيد بن زيد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي وعمار نحوه، وعمرو بن شمر وجابر الجعفيان كلاهما لا يجوز الاحتجاج به، لكن عمرًا أضعف من جابر، قال الحاكم: عمرو بن شمر كثير الموضوعات عن جابر وغيره. وقال الجوزجاني: عمرو بن شمر زائغ كذاب. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي والدارقطني والأزدي: متروك الحديث. وقال ابن حبان: كان رافضيًا يسب الصحابة وكان يروي الموضوعات عن الثقات لا يحل كتب حديثه إلَّا على جهة التعجب. وأما جابر الجعفي فقال الإِمام أبو حنيفة: ما رأيت كذب من جابر الجعفي، ما أتيته من شيء من رأيي إلَّا أتاني فيه بأثر. وكذبه أيضًا أيوب وزائدة وليث بن أبي سليم والجوزجاني وغيرهم. ¬

_ (¬1) "مستدرك الحاكم" (1/ 439 رقم 1111). (¬2) "معرفة السنن والآثار" (5/ 403 رقم 2001). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 302 رقم 4).

ورواه الدارقطني (¬1) أيضًا: عن عيسى بن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي بن أبي طالب، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كان النبي - عليه السلام - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين جميعًا". والجواب عن هذا: أن عيسى هذا والد أحمد بن عيسى المتهم بوضع حديث ابن عمر، قال ابن حبان والحاكم: روى عن آبائه أحاديث موضوعة، لا يحل الاحتجاج به. فأما حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - فأخرجه الدارقطني في سننه" (¬2): ثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني، ثنا جعفر بن محمَّد بن مروان، ثنا أبو طاهر أحمد بن عيسى، ثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر قال: "صليت خلف النبي - عليه السلام - وأبي بكر وعمر فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم". والجواب عنه: أنه باطل من هذا الوجه، لم يحدث به ابن أبي فديك قط، والمتهم به أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمَّد أبو طاهر القرشي، وقد كذبه الدارقطني أيضًا، وقال الخطيب: سألت الحسن بن محمَّد الخلال عنه فقال: ضعيف. وجعفر بن محمَّد بن مروان ليس مشهورًا بالعدالة وقد تكلم فيه الدارقطني أيضًا وقال: لا يحتج به. وله طريق آخر عند الخطيب (¬3): عن عبادة بن زياد الأسدي، ثنا أبو يونس بن أبي يعفور العبدي، عن المعتمر بن سليمان، عن ابن أبي عُبيدة، عن مسلم بن حبان قال: "صليت خلف ابن عمر، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين، فقيل له، فقال: صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قبض، وخلف أبي بكر - رضي الله عنه - حتى قبض، وخلف عمر - رضي الله عنه - حتى قبض، فكانوا يجهرون بها في السورتين، فلا أدع الجهر بها حتى أموت". ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 302 رقم 2). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 305 رقم 12). (¬3) انظر "نصب الراية" (1/ 263).

قلت: هذا أيضًا باطل، وعبادة بن زياد -بفتح العين- قال أبو حاتم: كان من رؤساء الشيعة. وقال الحافظ محمَّد النيسابوري: هو مجمع على كذبه. وشيخه يونس بن يعفور فيه مقال، ضعفه النسائي وابن معين، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج عندي بما انفرد به. ومسلم ابن حبان غيره معروف. وأما حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه -: فأخرجه الدارقطني (¬1) أيضًا: عن يعقوب ابن يوسف بن زياد الضبي، ثنا أحمد بن حماد الهمداني، عن فطر بن خليفة، عن أبي الضحى، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمَّني جبريل - عليه السلام - عند الكعبة، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". والجواب عنه: أن هذا حديث منكر بل موضوع، ويعقوب بن يوسف الضبي ليس بمشهور، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني، وسكوت الدارقطني والخطيب وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدًّا. وأما حديث الحكم بن عمير: فأخرجه الدارقطني (¬2) أيضًا: ثنا أبو القاسم الحسن بن محمَّد بن بشر الكوفي، ثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الحمار، نا إبراهيم ابن حبيب، ثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي، عن الحكم بن عمير وكان بدريًّا قال: "صليت خلف النبي - عليه السلام - فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الليل وصلاة الغداة وصلاة الجمعة". والجواب عن هذا: أن هذا من الأحاديث الغريبة المنكرة بل هو حديث باطل من وجوه، وهي: أن الحكم ليس بدريًّا ولا في البدريين أحد اسمه الحكم بن عمير، بل لا تعرف له صحبة، فإن موسى بن حبيب الراوي عنه لم يلق صحابيًّا، بل هو مجهول لا يحتج بحديثه، وقال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل": الحكم بن عمير ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 309 رقم 27). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 310 رقم 31).

روى عن النبي - عليه السلام - أحاديث منكرة، لا تذكر سماعًا ولا لقاء، روى عنه ابن أخيه موسى بن أبي حبيب وهو ضعيف الحديث، سمعت أبي يذكر ذلك. وقد ذكر الطبراني في "معجمه الكبير" الحكم بن عمير وقال في نسبته الثمالي: ثم روى له بضعة عشر حديثًا منكرًا، وكلها من رواية موسى بن أبي حبيب عنه (¬1). وروى له ابن عدي في "الكامل" قريبًا من عشرين حديثًا (¬2)، ولم يذكرا فيها هذا الحديث، والراوي عن موسى هو إبراهيم بن إسحاق الصيني الكوفي، قال الدارقطني: متروك الحديث. ويحتمل أن يكون هذا الحديث صنعته؛ فإن الذين رووا نسخة موسى عن الحكم لم يذكروا هذا الحديث فيها، كبقي بن مخلد وابن عدي والطبراني، وإنما رواه -فيما علمنا- الدارقطني ثم الخطيب، ووهم الدارقطني فقال: إبراهيم بن حبيب. وإنما هو إبراهيم بن إسحاق، وتبعه الخطيب وزاد وهمًا ثانيًا، فقال: الضبي -بالضاد المعجمة والباء الموحدة- وإنما هو الصيني -بالصاد المهملة والنون-. وأما حديث أنس - رضي الله عنه - فأخرجه الحكم في "مستدركه"، (¬3) والدارقطني في "سننه" (¬4): من حديث محمَّد بن أبي المتوكل بن أبي السري، قال: "صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها: الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وقال المعتمر: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس، وقال أنس: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله - عليه السلام -". قال الحكم: رواته كلهم ثقات. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (3/ 217). (¬2) "الكامل في الضعفاء" (5/ 250). (¬3) "مستدرك الحاكم" (1/ 358 رقم 854). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 308 رقم 25).

والجواب عن هذا: أن هذا معارض بما رواه ابن خزيمة في "مختصره" (¬1)، والطبراني في "معجمه" (¬2): عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، وأبو بكر، وعمر". و"في الصلاة" زادها ابن خزيمة. ورواه الحكم (¬3) أيضًا من طريق آخر: عن محمَّد بن أبي السري، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، ثنا مالك، عن حميد، عن أنس قال: "صليت خلف النبي - عليه السلام - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - فكلهم كانوا يجهرون بسم الله الرحمن الرحيم" قال الحاكم: وإنما ذكرته شاهدًا. قلت: قال الذهبي في "تنقيح المستدرك": أما استحى الحاكم يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع؟! فأنا أشهد بالله، والله إنه لكذب. وقال ابن عبد الهادي: سقط منه "لا". وروى الخطيب (¬4) أيضًا: عن ابن أبي داود، عن ابن أخي ابن وهب، عن عمه العمري ومالك وابن عيينة، عن حميد، عن أنس: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة". والجواب عنه: ما قاله ابن عبد الهادي سقط منه "لا" كما رواه الباغندي وغيره: عن ابن أخي ابن وهب، هذا هو الصحيح، وأما الجهر فلم يحدث به ابن وهب قط، ويوضحه أن مالكًا رواه في "الموطأ" (¬5): عن حميد، عن أنس قال: "قمت وراء أبي بكر الصديق وعمر وعثمان، فكلهم لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتحوا الصلاة". وقال ابن عبد البر في "التقصي": هكذا رواه جماعة موقوفًا، ورواه ابن ¬

_ (¬1) وهو في "صحيح ابن خزيمة" (1/ 250 رقم 498) من طريق عمران القصير، عن الحسن به. (¬2) "المعجم الكبير" (1/ 255 رقم 739). (¬3) "مستدرك الحاكم" (1/ 359 رقم 855). (¬4) انظر "نصب الراية" (1/ 264). (¬5) "موطأ مالك" (1/ 81 رقم 178).

أخي ابن وهب عن مالك، وابن عُيينة والعمري، عن حميد، عن أنس مرفوعًا، فقال: "إن النبي - عليه السلام - وأبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا يقرءون". قال: وهذا خطأ من ابن أخي ابن وهب في رفعه ذلك عن عمه عن مالك، فصار هذا الذي رواه الخطيب خطأً على خطأٍ، والصواب فيه عدم الرفع، وعدم الجهر. وأما حديث معاوية - رضي الله عنه - فرواه الحكم في "مستدركه" (¬1): عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره، أن أنس بن مالك قال: "صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك الصلاة ولم يكبر حين يهوي فلما سلم ناداه من سمع ذاك من المهاجرين والأنصار ومن كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوى ساجدًا". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ورواه الدارقطني (¬2) وقال: رواته كلهم ثقات، وقد اعتمد الشافعي على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر، وقال الخطيب: هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب. والجواب عنه من وجوه: الأول: أن مداره على عبد الله بن عثمان بن خثيم وهو وإن كان من رجال مسلم لكنه متكلم فيه، أسند ابن عدي إلى ابن معين أنه قال: أحاديثه غير قوية. وقال النسائي: لين الحديث ليس بالقوي فيه. وقال الدارقطني: لينوه. وقال ابن المديني: منكر الحديث. وبالجملة فهو يختلف فيه، فلا يقبل ما تفرد به، مع أنه قد اضطرب في إسناده ومتنه، وهو أيضًا من أسباب الضعف، أما في إسناده فإن ابن خثيم تارة يرويه عن ¬

_ (¬1) "مستدرك الحاكم" (1/ 357 رقم 851) بنحوه. (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 311 رقم 33).

أبي بكر بن حفص عن أنس، وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه، وقد رجح البيهقي الأولى في "المعرفة" لجلالة راويها وهو ابن جريج، ومال الشافعي إلى ترجيح الثانية، ورواه ابن خثيم أيضًا، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده فزاد ذكر الجد، كذلك رواه عنه إسماعيل بن عياش، وهي عند الدارقطني، والأولى، عنده وعند الحاكم، والثانية عند الشافعي. وأما الاضطراب في متنه: فتارة يقول: "صلى فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم حين افتتح القرآن وقرأ بأم الكتاب". كما هو عند الدارقطني (¬1): في رواية إسماعيل بن عياش، وتارة يقول: "فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولا للسورة التي بعدها". كما هو عند الدارقطني (¬2): في رواية ابن جريج، ومثل هذا الاضطراب في السند والمتن مما يوجب ضعف الحديث؛ لأنه مشعر بعدم ضبطه. الوجه الثاني: أن شرط الحديث الثابت ألَّا يكون شاذًّا ولا معللًا، وهذا شاذ معلل؛ فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات عن أنس، وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجًّا به، وهو مخالف لما رواه عن النبي- عليه السلام - وعن خلفائه الراشدين، ولم يعرف أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك، ومما يرد حديث معاوية هذا: أن أنسًا كان مقيمًا بالبصرة، ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد علمناه أن أنسًا كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه. الوجه الثالث: أن مذهب أهل المدينة قديمًا وحديثًا ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلًا، قال عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة: أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلَّا بالحمد لله رب العالمين. وقال عبد الرحمن بن القاسم: ما سمعت القاسم يقرأ بها. وقال عبد الرحمن الأعرج: أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلَّا بالحمد لله رب العالمين. ولا يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 311 رقم 34). (¬2) تقدم قريبًا.

أنه كان يجهر بها، إلَّا شيء يسير، وله محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم؟! هذا باطل. الوجه الرابع: أن معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة كما نقلوه، لكان هذا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم ينقل ذلك عنهم، بل الشاميون كلهم خلفاؤهم وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها، وما روي عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - من الجهر بها فباطل لا أصل له، والأوزاعي إمام الشام، ومذهبه في ذلك مذهب مالك، لا يقرأها سرًّا ولا جهرًا، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية، ومعلوم أن معاوية قد صلى مع النبي - عليه السلام -، فلو سمع النبي - عليه السلام - يجهر بالبسملة لما تركها حتى ينكر عليه رعيته أنه لا يحسن يصلي، وهذه الوجوه من تدبرها علم أن حديث معاوية باطل، ومغير عن وجهه، وقد يتمحل فيه، ويقال: إن كان هذا الإنكار على معاوية محفوظًا فإنما هو إنكار لترك إتمام التكبير لا لترك الجهر بالبسملة، ومعلوم أن ترك إتمام التكبير كان مذهب الخلفاء من بني أمية وأمرائهم على البلاد، حتى إنه كان مذهب عمر بن عبد العزيز، وهو عدم التكبير حين يهوي ساجدًا بعد الركوع، وحين يسجد بعد القعود، وإلَّا فلا وجه لإنكارهم عليه ترك الجهر بالبسملة وهو مذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من أكابر الصحابة، ومذهب أهل المدينة أيضًا، وبالجملة فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عدمهما أو عدم أحدهما، وكيف تكون صحيحة وليست مخرجة في الصحيح ولا المسانيد ولا السنن المشهورة؟! وفي رواتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل الذين لا يوجدون في التواريخ ولا في كتب الجرح والتعديل، كعمرو بن شمر، وجابر الجعفي، وحصين بن مخارق وعمر بن حفص المكي، وعبد الله بن عمرو بن حسان الواقعي، وأبي الصلت الهروي، [وعبد الكريم بن أبي المخارق، وابن أبي علي الأصبهاني] (¬1) الملقب ¬

_ (¬1) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "نصب الراية" (1/ 264). ومنه نقل المؤلف ولم يعزه له، وقد نبهنا على أول النقل، وسننبه -إن شاء الله تعالى- على آخر النقل.

بجراب الكذب، وعمر بن هارون البلخي، وعيسى بن ميمون المدني وآخرين، وكيف يجوز أن يعارض برواية هؤلاء ما رواه البخاري ومسلم في "صحيحهما" (¬1): من حديث أنس الذي رواه عنه غير واحد من الأئمة الأثبات، منهم قتادة الذي كان أحفظ أهل زمانه، ويرويه عنه شعبة الملقب بأمير المؤمنين في الحديث، وتلقاه الأئمة بالقبول، ولم يضعفه أحد بحجة إلَّا من ركب هواه، وحمله فرط التعصب على أن علله باختلاف ألفاظه، مع أنها ليست مختلفة، بل بعضها يصدق بعضًا، وعارضه بمثل حديث ابن عمر الموضوع أو بمثل حديث علي الضعيف، ومتى وصل الأمر إلى مثل هذا فجعل الصحيح ضعيفًا، والضعيف صحيحًا، والمعلل سالما من التعليل، والسالم معللًا؛ سقط الكلام، وهذا ليس بعدل، والله أمر بالعدل، ولكن كل هذا من التعصب الفاسد والغرض الكاسد، وهذا تمشية للباطل، والله يحق الحق ويبطل الباطل، ويكفينا في تضعيف أحاديث الجهر إعراض أصحاب الجوامع الصحيحة والسنن المعروفة والمسانيد المشهورة المعتمد عليها في العلم ومسائل الدين، والبخاري مع شدة تعصبه وفرط تحمله على مذهب أبي حنيفة، لم يودع صحيحه منها حديثًا واحدًا، فالله تعالى يدري ويعلم ما جهد وتعب في تحصيل حديث صحيح في الجهر حتى يخرجه في "صحيحه" فما ظفر به ولو ظفر به ما تركه أصلًا، وكذلك مسلم لم يذكر شيئًا من ذلك، ولم يذكرا في هذا الباب إلَّا حديث أنس الدال على الإخفاء. فإن قيل: إنهما لم يلتزما أن يودعا في صحيحهما كل حديث صحيح، فيكونان قد تركا أحاديث الجهر في جملة ما تركا من الأحاديث الصحيحة. قلت: هذا لا يقوله إلَّا كل سخيف أو مكابر؛ فإن مسألة الجهر بالبسملة من أعلام المسائل ومعضلات الفقه، ومن أكثرها دورانًا في المناظرة وجولانًا في المصنفات، والبخاري كثيرًا ما يتتبع لما يرد على أبي حنيفة من السنة فيذكر الحديث، ثم يُعَرِّض بذكره فيقول: قال رسول الله - عليه السلام - كذا وكذا، ثم يقول: وقال بعض ¬

_ (¬1) البخاري (1/ 295 رقم 710)، ومسلم (1/ 299 رقم 399).

الناس كذا وكذا، يشير به إليه، ويشنع به عليه، وكيف يخلي كتابه من أحاديث الجهر بالبسملة، وهو يقول في أول كتابه: باب الصلاة من الإيمان، ثم يسوق أحاديث الباب، ويقصد الرد على أبي حنيفة قوله: إن الأعمال ليست من الإيمان. مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء؟! ومسألة الجهر يعرفها عوام الناس ورعاعهم، ولو حلف الشخص بالله أيمانًا مؤكدة، إنه لو اطلع على حديث منها موافق لشرطه أو قريب من شرطه لم يخل منه كتابه، ولا كذلك مسلم، ولئن سلمنا فهذا أبو داود والترمذي وابن ماجه مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة والأسانيد الضعيفة لم يخرجوا منها شيئًا، فلولا أنها عندهم واهية بالكلية لما تركوها. وقد تفرد النسائي (¬1) منها بحديث أبي هريرة الذي رواه نعيم المجمر، وهو أقوى ما فيها عندهم، وقد بيَّنَّا ضعفه من وجوه والله أعلم. فإن قيل: أحاديث الجهر تقدم على أحاديث الإخفاء بأشياء: منها: كثرة الراوين فإن أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة أنس بن مالك، وعبد الله بن مغفل، وأحايث الجهر رواها أربعة عشر صحابيًا. ومنها: أن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي، وأحاديث الجهر شهادة على الإثبات، والإثبات مقدم على النفي. ومنها: أن أنسًا قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة. فروى أحمد، (¬2) والدارقطني (¬3) من حديث سعيد بن زيد بن أبي مسلمة قال: "سألت أنسًا كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم أو الحمد لله رب العالمين؟ قال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظ أو ما سألني أحد قبلك. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 134 رقم 905). (¬2) "مسند أحمد" (3/ 190 رقم 12997). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 316 رقم 10).

قال: الدارقطني: إسناده صحيح. قلت: الجواب عن الأول: أن الاعتماد على كثرة الرواة إنما يكون بعد صحة الدليلين، وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح، بخلاف حديث الإخفاء فإنه صحيح صريح ثابت مخرج في الصحيح والمسانيد المعروفة والسنن المشهورة، مع أن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة، وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها لكنها كلها ضعيفة وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه وهو ضعيف، كحديث الطير وحديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" وحديث: "من كنت مولاه فعلي مولاه" بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلَّا ضعفًا، وأحاديث الجهر لم يروها إلَّا الحاكم والدارقطني، فالحاكم عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة بل الموضوعة، والدارقطني قد ملأ كتابه من الأحاديث الضعيفة والغريبة والشاذة والمعللة، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره، وقد حكي أن الدارقطني لما دخل مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر بالبسملة، فصنف فيه جزءًا، فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك، فقال: كل ما روي عن النبي - عليه السلام - في الجهر فليس بصحيح، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف. وعن الثاني: أن هذه الشهادة وإن ظهرت في صورة النفي فمعناها الإثبات، على أن هذا مختلف فيه، فالأكثرون على تقديم الإثبات، وعند البعض هما سواء، وعند البعض النافي مقدم على المثبت، وإليه ذهب الآمدي وغيره. وعن الثالث: أن ما روي من إنكار أنس لا يقاوم ما ثبت عنه خلافه في الصحيح، ويحتمل أن يكون أنس - رضي الله عنه - نسى في تلك الحال لكبره، وقد وقع مثل ذلك كثيرًا كما سئل يومًا عن مسألة، فقال: "عليكم بالحسن فاسألوه؛ فإنه حفظ ونسينا" (¬1) وكم ممن حدث ونسى، ويحتمل أنه سأله عن ذكرها في الصلاة أصلًا، لا عن الجهر بها وإخفائها. ¬

_ (¬1) "الطبقات الكبرى" (7/ 176).

فإن قيل: يجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده، وأنه كان صبيًّا يومئذٍ. قلت: هذا مردود؛ لأنه - عليه السلام - هاجر إلى المدينة، ولأنس يومئذ عشر سنين، ومات وله عشرون سنة، فكيف يتصور أن يصلي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يومًا من الدهر يجهر؟! هذا بعيد، بل مستحيل، ثم قد روى هذا في زمن النبي - عليه السلام - فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر وعمر وكهل في زمن عثمان، مع تقدمه في زمانهم وروايته للحديث، وقد روى أنس قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه". رواه النسائي، (¬1) وابن ماجه، (¬2) وقال النووي في "الخلاصة": إسناده على شرط البخاري ومسلم (¬3). وقد ذهب البعض إلى أن أحاديث الجهر منسوخة لما نبينه إن شاء الله تعالى. ص: وخالفهم في ذلك أخرون فقالوا لا نرى الجهر بها، واختلفوا بعد ذلك فقال بعضهم: يقولها سرًّا، وقال بعضهم: لا يقولها البتة، لا في السر ولا في العلانية. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الأوزاعي والثوري وعبد الله بن المبارك، وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: لا يجهر بالبسملة، ثم اختلفوا بعد ذلك، فقال: بعضهم يقولها سرًّا وأراد بهؤلاء البعض: الثوري وأبا حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق. وقال بعضهم: لا يقولها البتة لا في السر ولا في العلانية، وأراد بهؤلاء البعض: الأوزاعي ومالكًا وابن جرير الطبري. وقال أبو عمر (¬4): قال مالك: لا تقرأ البسملة في الفرض سرًّا ولا جهرًا، وفي ¬

_ (¬1) "سنن النسائي الكبرى" (5/ 84 رقم 8311). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 313 رقم 977). (¬3) هذا آخر ما نقله المؤلف عن الزيلعي في "نصب الراية"، وإن كان لم يعزه إليه، انظر "نصب الراية". (¬4) "التمهيد" (20/ 207).

النافلة إن شاء فعل وإن شاء ترك. وهو قول الطبري، وقال الثوري وأبو حنيفة وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل: تقرأ مع أم القرآن في كل ركعة، إلا ابن أبي ليل قال: إن شاء جهر بها، وإن شاء أخفاها، وقال سائرهم: يخفيها. وقال الشافعي: هي آية من الفاتحة يخفيها إذا أخفى، ويجهر بها إذا جهر، واختلف قوله هل هي آية من كل سورة أم لا؟ على قولين: أحدهما: نعم. وهو قول ابن المبارك. والثاني: لا. وقال أيضًا: أجمعت الأمة أن الفاتحة سبع آيات وقال النبي - عليه السلام -: هي السبع المثاني (¬1)، ثم جاء في هذا الحديث وأشار به إلى حديث أبي هريرة: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... " الحديث (¬2) أنه عدها سبع آيات ليس فيها "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأن {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آية، وهو عدد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة وأكثر القراء، وأما أهل الكوفة من القراء فإنهم عدوا فيها بسم الله الرحمن الرحيم ولم يعدوا {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وأبو عُبيد: هي آية من الفاتحة. وللشافعي قولان: أحدهما: أنها آية من الفاتحة دون غيرها من السور. والقول الآخر: هي آية من أول كل سورة. وكذلك اختلف أصحابه على القولين جميعًا. وأما أصحاب أبي حنيفة فزعموا أنهم لا يحفظون عنه هل هي آية من الفاتحة أم لا، ومذهبه يقتضي أنها ليست آية من فاتحة الكتاب؛ لأنه يسر بها في السر والجهر. وقال داود: هي آية من القرآن في كل موضع وقعت فيه، وليست من السور، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (4/ 1738 رقم 4427)، وأبو داود (1/ 461 رقم 1457)، والترمذي (5/ 297 رقم 3124)، والنسائي (2/ 139 رقم 914). (¬2) أخرجه مسلم (1/ 296 رقم 395)، وأبو داود (1/ 276 رقم 821)، والترمذي (5/ 201 رقم 2953)، والنسائي (2/ 135 رقم 909)، وابن ماجه (2/ 135 رقم 909).

وإنما هي آية مفردة غير ملحقة بالسور، وزعم الرازي: أن مذهب أبي حنيفة هكذا انتهى (¬1). قلت: الصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن؛ لأن الأمة أجمعت أن ما كان مكتوبًا بين الدفتين بقلم الوحي فهو من القرآن، والتسمية كذلك، وكذلك روى المعلى عن محمَّد فقال: قلت لمحمد: التسمية آية من القرآن أم لا؟ فقال: ما بين الدفتين كله قرآن. وكذا روى الجصاص عن محمَّد أنه قال: التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، وللبداية بها تبركًا, وليست بآية من كل واحدة منها، وينبني على هذا أن فرض القراءة في الصلاة يتأدى بها عند أبي حنيفة إذا قرأها على قصد القراءة دون الثناء عند بعض مشايخنا؛ لأنها آية من القرآن، وقال بعضهم: لا يتأدى؛ لأن في كونها آية تامة احتمال، فإنه روي عن الأوزاعي أنه قال: ما أنزل الله في القرآن "بسم الله الرحمن الرحيم" إلا في سورة النمل، وهي وحدها ليست بآية تامة وإنما الآية من قوله: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (¬2) فوقع الشك في كونها آية تامة، فلا يجوز بالشك، وكذا يحرم على الجنُب والحائض والنفساء قراءتها على قصد القرآن، أما على قياس قول الكرخي؛ لأن ما دون الآية يحرم عليهم، وكذا على رواية الطحاوي؛ لاحتمال أنها آية تامة فيحرم عليهم قراءتهاة احتياطيًا، وهذا القول هو قول المحققين من أصحاب أبي حنيفة، وهو قول ابن المبارك وداود وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد. وقالت طائفة: إنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل، وهو قول مالك وبعض الحنفية وبعض الحنابلة. ص: واحتجوا على أهل المقالة الأولى في ذلك بما قد حدثنا الحسين بن نصر، ¬

_ (¬1) هذا آخر كلام ابن عبد البر في "التمهيد" (2/ 207). (¬2) سورة النمل، آية: [30].

قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا عمارة بن القعقاع، قال: ثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، قال: ثنا أبو هريرة قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا نهض في الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت". قالوا: ففي هذا دليل أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست من فاتحة الكتاب، ولو كانت من فاتحة الكتاب لقرأ بها في الثانية كما قرأ فاتحة الكتاب، والذين يستحبون الجهر بها في الركعة الأولى لأنها عندهم من فاتحة الكتاب استحبوا ذلك أيضًا في الثانية، فلما انتفى بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - هذا أن يكون النبي - عليه السلام - قرأ بها في الثانية, انتفى به أيضًا أن يكون قرأ بها في الأولى، فعارض هذا الحديث حديث نعيم بن المُجْمر، وكان هذا أولى منه لاستقامة طريقه، وفضل صحة مجيئه على مجيء حديث نعيم. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون الذين ذهبوا إلى ترك الجهر بالبسملة على أهل المقالة الأولى -وهم الذين ذهبوا إلى الجهر بها في ذلك أي فيما ذهبوا إليه من ترك الجهر- بحديث أبي هريرة، ودلالته على ذلك ظاهرة، وبَيَّنَها بقوله: "قالوا: ففي هذا دليل ... " إلى آخره. وأخرجه عن الحسين بن نصر بن المعارك، عن يحيى بن حسان بن حيان التنيسي البكري، أبي زكرياء البصري، سكن تنيس -بلدة بساحل مصر واليوم خراب- فنسب إليها، روى له الجماعة سوى ابن ماجه. عن عبد الواحد بن زياد العبدي أبي عبيدة البصري، روى له الجماعة. عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي، ابن أخي عبد الله بن شبرمة، روى له الجماعة. عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، روى له الجماعة،

واسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو، وقيل: جرير. وأخرجه مسلم (¬1): وقال: حدثت عن يحيى بن حسان ويونس المؤدب وغيرهما، قالوا: أخبرنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثني عمارة بن القعقاع ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء. قوله: "فعارض هذا الحديث" أي حديث أبي هريرة الذي رواه عنه أبو زرعة حديث نعيم بن المجمر الذي رواه عن أبي هريرة المذكور في أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وأشار بقوله: "وكان هذا أولى منه لاستقامة طريقه" إلى أن حديث نعيم معلول، وهو أن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم بن المجمر من بين أصحاب أبي هريرة، وهم ثمان مائة ما بين صاحب وتابع، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة أنه - عليه السلام - كان يجهر بالبسملة في الصلاة، ألا ترى كيف أعرض صاحبا الصحيح عن ذكر البسملة في حديث أبي هريرة "كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها ... " الحديث (¬2). فإن قيل: نعيم بن المجمر ثقة والزيادة من الثقة مقبولة. قلت (¬3): ليس ذلك مجمعًا عليه بل فيه خلاف مشهور، فمنهم من يقبلها مطلقًا، ومنهم من لا يقبلها، والصحيح التفصيل، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع، فتقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثقة حافظًا ثبتًا، والذي لم يذكرها مثله أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس قوله: "من المسلمين" في صدقة الفطر (¬4) واحتج بها أكثر العلماء، ومن حكم في ذلك حكمًا عامًا فقد غلط، بل كل زيادة لها حكم يخصها، ففي موضع يجزم بصحتها كزيادة مالك، وفي موضع يغلب على الظن صحتها كزيادة سعد بن طارق في حديث: "جعلت لي الأرض مسجدًا ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 419 رقم 599). (¬2) أخرجه البخاري (1/ 276 رقم 770)، ومسلم (1/ 293 رقم 392). (¬3) هذا كلام الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 261). (¬4) أخرجه البخاري (2/ 547 رقم 1433)، ومسلم (2/ 677 رقم 984).

وجعلت تربتها لنا طهورًا" (¬1). وفي موضع نجزم بخطأ الزيادة كزدياة معمر ومن وافقه قوله: "وإن كان في مائعًا فلا تقربوه" (¬2)، وكزيادة عبد الله بن زياد -ذكر البسملة- في حديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين" (¬3) وإن كان معمر ثقة وعبد الله بن زياد ضعيفًا؛ فإن الثقة قد يغلط. وفي موضع يغلب على الظن خطؤها كزيادة معمر في حديث ماعز الصلاة عليه. رواه البخاري في "صحيحه" (¬4): وسئل: هل رواها غير معمر؟ فقال: لا. وقد رواه أصحاب السنن الأربعة (¬5): عن معمر وقال فيه: "ولم يصل عليه". فقد اختلف على معمر في ذلك، والراوي عن معمر هو عبد الرزاق، وقد اختلف عليه أيضًا، والصواب أنه قال: "ولم يصل عليه". وفي موضع يتوقف في الزيادة كما في أحاديث كثيرة، وزيادة نعيم بن المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه؛ بل يغلب على الظن ضعفه، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها لمن قال بالجهر؛ لأنه قال: "فقرأ أو قال: بسم الله الرحمن الرحيم" وذلك أعم من قراءتها سرًا, أو جهرًا، أو إنما هو حجة على من لا يرى قراءتها. فإن قيل: لو كان أبو هريرة أسَّر بالبسملة ثم جهر بالفاتحة لم يعبر عن ذلك نعيم بعبارة واحدة متنَاولة للفاتحة والبسملة تناولًا واحدًا, ولقال: فأسر بالبسملة ثم جهر بالفاتحة، والصلاة كانت جهرية، بدليل تأمينه وتأمين المأمومين. قلنا: ليس الجهر فيه بصريح، ولا ظاهر يوجب الحجة، ومثل هذا لا يقدم على ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (1/ 371 رقم 522). (¬2) أخرجه أبو داود (2/ 392 رقم 3842)، والنسائي (7/ 178 رقم 4260). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 312 رقم 35). (¬4) "صحيح البخاري" (6/ 2500 رقم 6434). (¬5) أبو داود (2/ 553 رقم 4430)، والترمذي (4/ 36 رقم 1429)، والنسائي (4/ 62 رقم 1956). ولم أجده عند ابن ماجه، وما عزاه له المزي في "تحفة الإشراف" (2/ 393 - 394 رقم 2149).

النص الصريح المقتضي للإسرار، ولو أخذ الجهر من هذا الإطلاق لأخذ منه أنها ليست من أم القرآن؛ فإنه قال: "فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ أم القرآن" والعطف يقتضي المغايرة. وجواب آخر عن هذا الحديث: أن قوله: "فقرأ أو قال" ليس بصريح أنه سمعها منه؛ إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيمًا أنه قرأها سرًّا، ويجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه، كما روى عنه من أنواع الاستفتاح وألفاظ الذكر في قيامه وقعوده وركوعه وسجوده، ولم يكن ذلك منه دليلًا على الجهر. وجواب آخر: أن التشبيه لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه، بل يكفي في غالب الأفعال، وذلك يتحقق في التكبير وغيره دون البسملة، فإن التكبير وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة، وكان مقصوده الرد على من تركه، وأما التسمية ففي صحتها عنه نظر، فينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره، ومما يلزمهم على القول بالتشبيه من كل وجه أن يقولوا بالجهر بالتعوذ. لأن الشافعي (¬1) روى: أخبرنا ابن محمَّد الأسلمي، عن ربيعة بن عثمان، عن صالح بن أبي صالح: "أنه سمع أبا هريرة وهو يؤم الناس رافعًا صوته في المكتوبة إذا فرغ من أم القرآن: ربنا إنا نعوذ إلى من الشيطان الرجيم"، فهلّا أخذوا بهذا كما أخذوا بجهر البسملة. مستدلين بما في "الصحيحين" (¬2) عنه: "فما أسمعنا - عليه السلام - أسمعناكم وما أخفانا أخفينا عنكم"، وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة وهو الراوي عن النبي - عليه السلام - قال: "يقول الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قال الله: ¬

_ (¬1) "مسند الشافعي" (1/ 35 رقم 138) بنحوه. (¬2) البخاري (1/ 267 رقم 738)، ومسلم (1/ 297 رقم 396).

أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". أخرجه مسلم في "صحيحه" (¬1): عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ... فذكره. وعن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. وعن ابن جريج عن العلاء بن عبد الرحمن. وهذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة، وإلا لابتدأ بها؛ لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة حتى إنه لم يخل منها بحرف، والحاجة إلى قراءة البسملة أمس ليرتفع الإشكال، وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: حديث العلاء هذا قاطع تعلق المتنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثًا في سقوط البسملة أبين منه، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين. أحدهما: لا (يعتبر) (¬2) بكون هذا الحديث في "صحيح مسلم" فإن العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين، فقال: ليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث، ليس بذاك، هو ضعيف. روي عنه هذه الألفاظ جميعًا، وقال ابن عدي: ليس بالقوي. وقد انفرد بهذا الحديث فلا يحتج به. الثاني: قال: وعلى تقدير صحته فقد جاءت في بعض الروايات عنه ذكر التسمية. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 296 رقم 395). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "نصب الراية" (1/ 261): "يُعْبَأ".

كما أخرجه الدارقطني (¬1): عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي، ونصفها له، يقول عبدي إذا افتتح الصلاة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فيذكرني عبدي، ثم يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فيقول: حمدني عبدي ... " إلى آخره، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة ولكنها مفسرة لحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية. قلت: هذا القائل حمله الجهل وفرط التعصب ورداءة الرأي والفكر. وعلى أنه ترك الحديث الصحيح وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه، وقال: لا (يعتبر) (¬2) بكونه في مسلم مع أنه قد رواه عن العلاء الأئمة الثقات الأثبات كمالك وسفيان بن عيينة وابن جريج وشعيب وعبد العزيز الدراوردي وإسماعيل بن جعفر ومحمد بن إسحاق والوليد بن كثير وغيرهم، والعلاء نفسه ثقة صدوق، وهذه الرواية مما انفرد بها عنه ابن سمعان وهو كذاب، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا في المصنفات المشهورة، ولا المسانيد المعروفة، وإنما رواه الدارقطني في "سننه" التي يروي فيها غرائب الحديث، وقال عمر بن عبد الواحد: سألت مالكًا عند أبي عن ابن سمعان فقال: كان كذابًا. وقال يحيى بن بكير: قال هشام بن عروة فيه: فقد كذب عليَّ وحدث عني بأحاديث لم أحدثه بها. وعن أحمد بن حنبل: متروك الحديث. وسئل ابن معين عنه فقال: كان كذابًا. وقيل لابن إسحاق: إن ابن سمعان يقول: سمعت مجاهدا، فقال: لا إله إلا الله أنا والله أكبر منه، ما رأيت مجاهدًا ولا سمعت منه. وقال ابن حبان: كان يروي عمن لم يره، ويحدث بما لم يسمع. وقال أبو داود: متروك الحديث، وكان من الكذابين. وقال النسائي: متروك. ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) كذا في "الأصل، ك"، وفي "نصب الراية" (1/ 261): "يُعْبَأ".

وكيف يُعل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه" بالحديث الضعيف الذي رواه الدارقطني عن كذاب متروك لا شيء، وهلَّا جعلوا الحديث الصحيح علة للضعيف، ومخالفة أصحاب أبي هريرة الثقات الأثبات لنعيم؛ موجبًا لردِّه، إذ مقتضى العلم أن يعلل الحديث الضعيف بالحديث الصحيح، كما فعلنا نحن والله أعلم. ص: وقالوا: وأما حديث أم سلمة الذي رواه ابن أبي مليكة، قد اختلف الذين رَوَوْه في لفظه، فرواه بعضهم على ما ذكرنا، ورواه آخرون على غير ذلك. حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن عبد الله ابن عبيد الله بن أبي مليكة، عن يعلى: "أنه سأل أم سلمة - رضي الله عنه - عن قراءة النبي - عليه السلام -، فنعتت له قراءة مفسرة حرفًا حرفًا". فقالوا: ففي هذا أن ذكر قراءة بسم الله الرحمن الرحيم من أم سلمة تنعت بذلك قراءة رسول الله - عليه السلام - لسائر القرآن كيف كانت، وليس في ذلك دليل أن رسول الله - عليه السلام - كان يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فمعنى هذا غير معنى حديث ابن جريج، وقد يجوز أيضًا أن يكون تقطيع فاتحة الكتاب الذي في حديث ابن جريج كان من ابن جريج أيضًا حكايته منه للقراءة المفسرة حرفًا حرفًا، التي حكاها الليث عن ابن أبي مليكة، فانتفى بذلك أن يكون في حديث أم سلمة ذلك حجة لأحد. ش: أي قال أهل المقالة الثانية في الجواب عن حديث أم سلمة الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن إسناد هذا الحديث مضطرب؛ لأن بعضهم رواه عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة على ما ذكره الطحاوي في أول الباب في بيان استدلال أهل المقالة الأولى، وبعضهم رواه عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مالك عن أم سلمة، وهذا أصح من الأول.

وقد أشار الترمذي (¬1): إلى ذلك حيث أسنده من حديث يعلى: "أنه سأل أم سلمة عن قراءة النبي - عليه السلام - ... " فذكر الحديث بمعناه. ثم قال: غريب حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث الليث، عن ابن أبي مليكة، عن يعل عن أم سلمة. وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة: "أنه - عليه السلام -كان يقطع قراءته"، وحديث الليث أصح؛ ولأجل ذلك قال الطحاوي في كتاب "الرد على الكرابيسي": لم يسمع ابن أبي مليكة هذا الحديث من أم سلمة، واستدل عليه بهذا الإسناد الذي ذكره ها هنا، فإذا كان الطريق الصحيح هو الذي أخرجه الليث، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى، عن أم سلمة، فليس فيه حجة لهم؛ لأن فيه ذكر قراءة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من أم سلمة نعت منها لقراءة رسول الله - عليه السلام - لسائر القرآن كيف كانت، وليس فيه ما يدل أن رسول الله - عليه السلام - كان يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فحينئذ يكون معناه غير معنى الحديث الذي رواه ابن جريج. وأيضًا فإنه يمكن أن أم سلمة سمعته سرًّا في بيتها لقربها منه، وأيضًا كان قصدها الإخبار بأنه - عليه السلام - كان يرتل قراءته ولا يسردها. قوله: "وقد يجوز أيضًا ... " إلى آخره جواب بطريق التسليم، بيانه: أنا ولو سلمنا أن طريق حديث ابن جريج صحيح، ولكنا لا نسلم أنه يدل على ما ذكرتم؛ لأنه يجوز أن يكون تقطيع فاتحة الكتاب في حديث ابن جريج كان منه حكايته للقراءة المفسرة حرفًا حرفًا، التي حكاها الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة، فحينئذ لا يكون في حديث أم سلمة حجة لأحد مطلقًا، سواء كان من هذا الطريق أو من ذاك الطريق. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (5/ 182 رقم 2923).

وقد ذكرنا أن أبا داود (¬1)، وأحمد (¬2)، والدارقطني (¬3)، والحاكم (¬4)، والطبراني (¬5)، والبيهقي (¬6): رووا هذا الحديث بالطريق الأول كما سردناه عن الكل، وليس في رواية أبي داود وأحمد والطبراني ذكر الصلاة، إنما هو إخبار عن أم سلمة عن ترتيل قراءة النبي - عليه السلام -، وأما رواية الدارقطني والحاكم والبيهقي فمدارها على عمر بن هارون البلخي وهو مجروح تكلم فيه غير واحد من الأئمة، فقال أحمد: لا أروي عنه شيئًا. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المبارك: كذاب. وقال النسائي: متروك الحديث. وسئل عنه ابن المديني فضعفه جدًّا. ونقل ابن الجوزي عن يحيى فقال: كذاب خبيث ليس حديثه بشيء. وقال مرة: كذاب. وقال أبو داود: غير ثقة. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات المعضلات ويدعي شيوخًا لم يرهم. وقال صالح بن محمَّد: كان كذابًا. والبيهقي ذكر حديث يعلى في باب ترتيل القراءة، وتركه في باب الدليل على أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية تامة من الفاتحة؛ لكونه لا يوافق مقصوده، ولأن فيه بيان علة حديثه، والعجب ثم العجب منه روى هذا الحديث عن عمر بن هارون وألان القول فيه، وقال: ورواه عمر بن هارون وليس بالقوي، عن ابن جريج. وذكره في باب لا شفعة فيما ينقل، أنه ضعيف لا يحتج به، وكذلك العجب من الحاكم كيف يودع هذا الحديث الضعيف السقيم في كتابه الذي سماه "صحيحًا"وماذا إلا تحامل وتعصب، والدين لا يقوم بهذا، والحق أحق أن يتبع، وقال الذهبي: في "مختصر سنن البيهقي": هذا خبر منكر شذَّ به ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 463 رقم 1466). (¬2) "مسند أحمد" (6/ 294 رقم 26569). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 307 رقم 21) من طريق ابن جريج. (¬4) "مستدرك الحاكم" (1/ 453 رقم 1165). (¬5) "المعجم الكبير" (23/ 278 رقم 603). (¬6) "سنن البيهقي الكبرى" (3/ 13 رقم 4489).

عمر بن هارون، وقد قال ابن معين وغيره: كذاب. وقال النسائي وغيره: متروك. وأيضًا فإن كان عدها بلسانه في الصلاة فذلك مناف للصلاة، وإن كان بأصابعه فلا يدل على أنها آية من الفاتحة انتهى. ويقال: المحفوظ في هذا الحديث والمشهور: أنه ليس في الصلاة، وإنما قوله: "في الصلاة" زيادة من عمر بن هارون، وقبول الزيادة من ثقة فيه كلام فضلًا عن زيادة كذاب متروك لا شيء، ثم رجال حديث يعلى هذا ثقات، وهو يعلى بن مالك، ويقال: مملك. وثقه ابن حبان. وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بتكبير الابن وتصغير الأب، وأبو مليكة اسمه زهير بن عبد الله المكي الأحول، روى له الجماعة. والحديث أخرجه الترمذي (¬1) كما ذكرنا، وأخرجه أبو داود (1): أيضًا ثنا يزيد ابن خالد بن موهب الرملي، نا الليث، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك: "أنه سأل أم سلمة عن قراءة رسول الله - عليه السلام - وصلاته، فقالت: وما لكم وصلاته، كان يصلي، وينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى، حتى يصبح، ونعتت قراءته، فإذا هي تنعت حرفًا حرفًا". وأخرجه النسائي (¬2) أيضًا. قوله: "تنعت" من النعت، وهو وصف الشيء بما فيه من حسن، ولا يقال في المذموم إلا أن يتكلف متكلف فيقول: نعت سوء. قوله: "حرفًا حرفًا" أي كلمة كلمة، أرادت أنه كان يقرأ بالترتيل والتجويد والتأني ورعاية مخارج الحروف وغير ذلك من أنواع التجويد، وانتصاب "حرفًا حرفا" كانتصاب "درهمًا درهمًا" في قول القائل: خذوا هذا الألف واقتسموا درهمًا درهما. وفي الحقيقة هي حال، ومعناه: اقتسموا حال كونها معدودة بهذا العدد، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) "المجتبى" (3/ 214 رقم 1629).

وذلك لأن غير المشتق يقع حالًا بالتأويل، والمعنى في الحديث: فوصفت قراءة ظاهرة حال كونها معدودة بحرف حرف، و"حرفًا" الثاني كرر للتأكيد، فافهم. ص: وقالوا لهم أيضًا فيما رووه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهم - في قوله {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} (¬1): أما ما ذكرتموه من أنها هي السبع المثاني فإنا لا ننازعكم في ذلك، وأما ما ذكرتموه من أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} منها فقد روي هذا عن ابن عباس كما ذكرتم، وقد رُوي عن غيره ممن روينا عنه في هذا الباب أنه لم يجهر بها ما يدل على خلاف ذلك، ولم يختلفوا جميعًا أن فاتحة الكتاب سبع آيات، فمن جعل {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} منها عدها آية، ومن لم يجعلها منها عد عليهم آية، ولما اختلفوا في ذلك وجب النظر، وسنبين ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ش: أي قال أهل المقالة الثانية لأهل المقالة الأولى في جواب حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس الذي استدلوا به على أن البسملة آية من الفاتحة وأنها يجهر بها حيثما يجهر، بيان ذلك: أن الذي ذكرتم من أن الفاتحة هي السبع المثاني مسلَّم لا نزاع فيه لأحد معكم، ولكن النزاع في أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} هل هي في الفاتحة أم لا؟ فالذي روي عن ابن عباس كما ذكرتم أنها من الفاتحة، ولكن روي عن غيره أنها ليست من الفاتحة؛ إذ لو كانت آية منها لجهر بها كما جهر بالفاتحة، ولما وقع الاختلاف في هذا وجب النظر، ولم يذكر الطحاوي وجه النظر ها هنا وأحاله على موضع آخر والظاهر أنه ذكره في كتابه "الرد على الكرابيسي" وجه النظر في ذلك أنهم اتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات بلا خلاف لأحد، ولكن الخلاف في كيفية العدد، فقراء الكوفيين عدوا البسملة آية منها ولم يعدوا عليهم، وقراء البصريين عدوا عليهم ولم يعدوا البسملة، ثم اتفق كلهم على أن سورة الكوثر مثلًا ثلاث آيات، وسورة الإخلاص أربع آيات، وليس في ذلك خلاف لأحد، فمتى قلنا: إن البسملة آية من أول كل سورة يلزم أن تكون سورة الكوثر أربع آيات، وسورة الإخلاص خمس ¬

_ (¬1) سورة الحجر، آية: [87].

آيات، ولم يقل به أحدة فالنظر على ذلك ينبغي أن لا تعد البسملة آية من الفاتحة أيضًا، قياسًا على غيرها من السور، ويكون كونها سبع آيات من غير البسملة، فعلى هذا الوجه إذا جعلت البسملة من الفاتحة يلزم أن تكون الفاتحة ثمان آيات، ولم يقل به أحد. فإن قيل: إنما عدوا آيات السور سوى البسملة لأنه لا إشكال فيها عندهم. قلت: فحينذ لا يجوز لهم أن يقولوا: سورة الإخلاص أربع آيات، وسورة الكوثر ثلاث آيات، والثلاث والأربع إنما هي بعض السور، ولو كان كذلك لوجب أن يقولوا في الفاتحة: إنها ست آيات. ثم معنى قوله: {سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} (¬1) أي: سبع آيات، وهي الفاتحة، والمثاني: من التثنية وهي التكريرة لأن الفاتحة مما تكرر قراءتها في الصلاة، أو في الثناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى، الواحدة: مثناة أو مُثْنية، صفة الآية. قاله الزمخشري -رحمه الله-. ص: وقد روي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ما قد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا هوذة بن خليفة، عن عوف، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من السبع الطول، وإلى براءة وهم من المئين فقرنتم بينهما، وجعلتموها في السبع الطول ولم تكتبوا بينهما سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقال عثمان - رضي الله عنه -: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينزل عليه الآية، فيقول: اجعلوها في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وتوفي رسول الله - عليه السلام - ولم أسأله عن ذلك، فخفت أن تكون منها، فقرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وجعلتهما من السبع الطول". ¬

_ (¬1) سورة الحجر، آية: [87].

قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا عثمان - رضي الله عنه - يخبر في هذا الحديث أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} لم تكن عنده من السور، وأنه إنما كان يكتبها في فصل السور، وهي غيرهن؛ فهذا خلاف ما ذهب إليه ابن عباس - رضي الله عنهما - من ذلك. ش: أشار بهذا إلى دليل يدل على أن البسملة ليست من أوائل السور، فإذا لم تكن من السور لم تكن من الفاتحة أيضًا؛ لأنها من السور، وهو أيضًا خلاف ما ذهب إليه ابن عباس، وهو الذي أخرجه عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن هوذة بن خليفة بن عبد الله الثقفي البكراوي بن الأشهب البصري، وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. عن عوف بن أبي جميلة العبدي، المعروف بالأعرابي، روى له الجماعة. عن يزيد الفارسي البصري، وقيل: إنه يزيد بن هرمز المدني، والصحيح أنه غيره، وفي بعض النسخ: يزيد الرقاشي، وليس بصحيح؛ لأن يزيد الرقاشي يزيد بن أبان الرقاشي، وهو لم يدرك ابن عباس، وإنما روى عن أنس بن مالك، وكلاهما من أهل البصرة، ويزيد الفارسي أقدم من يزيد الرقاشي، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي. وهذا إسناد صحيح، وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا عمرو بن عون، أنا هشيم، عن عوف، عن يزيد الفارسي، قال: سمعت ابن عباس قال: "قلت لعثمان: ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين، وإلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطول ولم تكتبوا بينهما سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}؟ قال عثمان - رضي الله عنه -: كان النبي - عليه السلام - مما تنزل عليه الآيات، فيدعو بعض من كان يكتب له، ويقول: ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فمن هناك وضعتهما في السبع الطول ولم أكتب بينهما سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 268 رقم 786).

وأخرجه الترمذي (¬1) في أبواب تفسير القرآن وقال: ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي وسهل بن يوسف، قالوا: نا عوف بن أبي جميلة، قال: حدثني يزيد الفارسي، قال: حدثني ابن عباس قال: "قلت لعثمان بن عفان - رضي الله عنهم -: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}؟ ووضعتموهما في السبع الطول، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان - رضي الله عنه -: كان رسول الله - عليه السلام - مما يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعى بعض من كان يكتبه، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وإذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله - عليه السلام - ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} , فوضعتهما في السبع الطول". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عوف، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس - رضي الله عنه -. فهذا عثمان - رضي الله عنه - لو رأى البسملة من السور لكتبها بين الأنفال وبراءة، ولم تكن عنده من السور، وأنه كان إنما كان يكتبها في فصل السور بينها وبين غيرها. فإن قيل: إذا لم تكن آية من أوائل السور، فينبغي أن لا يقال: إنها آية من القرآن بأخبار الآحاد. قلت: ليس الأمر كذلك؛ لأنه ليس على النبي - عليه السلام - توقيف الأمة على مقاطع الآي ومقاديرها, ولم نتعبد بمعرفتها؛ فجاز إثباتها آية بأخبار الآحاد، وأما موضعها من ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (5/ 272 رقم 3086).

السور فهو كإثباتها من القرآن، فسبيله النقل المتواتر ولا يجوز بأخبار الآحاد، ولا بالنظر والمقاييس كسائر السور، وكموضعها في سورة النمل، ألا ترى أنه قد كان يكون من النبي - عليه السلام - توقيف على مواضع الآي كما في رواية ابن عباس عن عثمان في هذا الحديث، ولم يوجد من النبي - عليه السلام - توقيف في سائر الآي على مبادئها ومقاطعها، فثبت أنه غير مفروض علينا مقادير، فإذْ قد ثبت أنها آية، فليست تخلو من أن تكون آية في كل موضع هي مكتوبة فيه من القرآن وإن لم تكن من أوائل السور، أو تكون آية منفردة كررت في هذه المواضع على حسب ما يكتب في أوائل الكتب على جهة التبرك باسم الله تعالى، فالأصلى أن تكون آية في كل موضع هي مكتوبة فيه لنقل الأمة أن جميع ما في المصحف من القرآن، ولم تخص شيئًا منه من غيره، وليس وجودها مكررة في هذه المواضع مخرجها من أن تكون من القرآن، لوجود كثير مثل ذلك مذكور على وجه التكرار، ولا يخرجه ذلك من أن يكون كل واحد آية منه، نحو قوله تعالى: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} (¬1) من سورة البقرة، ومثله في سورة آل عمران (¬2) ونحو قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} (¬3) كل آية منها منفردة في موضعها من القرآن لا على معنى تكرار آية واحدة، وكذلك {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وقول النبي - عليه السلام -: إنها آية يقتضي أن تكون آية في كل موضع ذكرت فيه، والله أعلم. قوله: "أن عمدتم" أي أن قصدتم و"أن" في محل الجر في تأويل المصدر، أي على عمدكم إلى الأنفال. قوله: "وهي من السبع الطُوَال"وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة، و"الطُوَل" بضم الطاء وفتح الواو جمع "الطولى" تأنيث الأطول، مثل الكُبَر في الكبرى وهذا البناء يلزمه الألف واللام أو الإضافة. ¬

_ (¬1) سورة البقرة، آية: [255]. (¬2) سورة آل عمران، آية: [2]. (¬3) سورة الرحمن، آية: [12]، وتكررت فيها.

قوله: "وهي من المئين" أي من السور التي تشتمل على أكثر من مائة آية، والمئون -بكسر الميم-: جمع مائة، وبعضهم يقول: مُؤون -بالضم- وأصل مائة مائي، والهاء عوض الياء. قوله: "وكانت قصتها شبيهة بقصتها" أي قصة براءة كانت شبيهة بقصة الأنفال؛ لأن فيها ذكر العهود وفي براءة نبذها. قوله: "فخفت أن تكون منها" أي أن تكون سورة براءة من الأنفال، فلأجل ذلك وضعها في السبع الطول، ولم يكتب بينهما سطر {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ويقال: تركت البسملة بينهما؛ لأنها نزلت لرفع الأمان، و {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أمان، وقيل: لما اختلفت الصحابة في أنها سورة واحدة، وهي سابعة السبع الطول، أو سورتان فتركت بينهما فرجة ولم تكتب {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. وقيل: لم تكتب البسملة لأنها رحمة، والسورة في المنافقين. ص: وقد جاءت الآثار متواترة عن رسول الله - عليه السلام - وعن أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - أنهم كانوا لا يجهرون بها في الصلاة. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا إسماعيل بن علية، عن الجريري، عن قيس بن عباية، قال: حدثني ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه وقيل ما رأيت رجلًا أشد عليه حدثًا في الإسلام منه، فسمعني وأنا أقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقال: أي بني، إياك والحدث في الإسلام؛ فإني قد صليت مع رسول الله - عليه السلام - وأبي بكر وعثمان - رضي الله عنهم - فلم أسمعها من أحد منهم ولكن إذا قرأت فقل: الحمد لله رب العالمين". ش: أي قد جاءت الأحاديث والأخبار حال كونها متكاثرة مترادفة، عن رسول الله - عليه السلام - وعن أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين - رضي الله عنهم - أنهم كانوا لا يجهرون بالبسملة في الصلاة، فهذا أدل دليل على أن البسملة ليست من الفاتحة، وأنها لا يجهر بها، والحديث يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثًا عن نبيهم - عليه السلام - يتوارثونه خَلَفُهم عن سَلَفِهم، وهذا وجه كاف في المسألة، ولو كان - عليه السلام -

يجهر بها دائمًا لما وقع فيه اختلاف ولا اشتباه، ولكان معلومًا بالاضطرار، ولَمَّا قال أنس: "لم يجهر بها - عليه السلام - ولا خلفاؤه الراشدون" (¬1) ولا قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضًا وسماه "حدثًا" ولَمَّا استمر أهل المدينة في محراب النبي - عليه السلام - على ترك الجهر، فتوارثه آخرهم عن أولهم، وذلك جار عندهم مجرى الصالح والمدَّ بل أبلغ من ذلك؛ لاشتراك جميع المسلمين في الصلاة؛ ولأن الصلاة تتكرر كل يوم وليلة، وكم من إنسان لا يحتاج إلى صاع ولا مدٍّ، ومن يحتاجه يمكث مدة لا يحتاج إليه، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين وأكثر أهل العلم، كانوا يواظبون على خلاف ما كان رسول الله - عليه السلام - يفعله. ثم إنه أخرج الحديث المذكور عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن شيبة الحافظ صاحب "المصنف" و"المسند". عن إسماعيل بن علية وهو إسماعيل بن إبراهيم بن سهم البصري، وعلية اسم أمه، روى له الجماعة. عن سعد بن إياس الجُريري -بضم الجيم وفتح الراء- نسبة إلى جُرَير بن عباد أخي الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وائل، روى له الجماعة. عن قيس بن عَباية -بفتح العين- الحنفي الزماني، قال يحيى: بصري ثقة. وروى له الأربعة. عن ابنٍ لعبد الله بن مغفل ولم يعلم اسمه، ويقال: اسمه يزيد. عن عبد الله بن مغفل الصحابي - رضي الله عنه -. وأخرجه الترمذي (¬2): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا سعيد بن إياس الجريري، عن قيس بن عَبَاية، عن ابن عبد الله بن مغفل قال: "سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال: أي بني، ¬

_ (¬1) تقدم تخريجه. (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 12 رقم 244).

محدث، إياك والحدث- قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله - عليه السلام - كان أبغض إليه الحدث في الإِسلام يعني منه- قال: وقد صليت مع النبي - عليه السلام - ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ". وأخرجه النسائي (¬1): أنا إسماعيل بن مسعود، قال: ثنا خالد، قال: نا عثمان بن غياث، قال: أخبرني أبو نعامة الحنفي، قال: ثنا ابن عبد الله بن مغفل، قال: "كان عبد الله بن مغفل إذا سمع أحدنا يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يقول: صليت خلف رسول الله - عليه السلام - وخلف أبي بكر وخلف عمر - رضي الله عنهما - فما سمعت أحدًا منهم قرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". وأخرجه ابن ماجه (¬2): عن أبي بكر بن أبي شيبة نحو رواية الطحاوي. فإن قلت: ما حكم هذا الحديث؟ قلت: حديث حسن، قال الترمذي عقيب إخراجه: قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام -، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين. فإن قيل: قال النووي في "الخلاصة": وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه كابن خزيمة وابن عبد البر والخطيب، وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول. قلت: رواه أحمد في "مسنده" (¬3): من حديث أبي نعامة، والطبراني في "معجمه" من طريقين: طريق من عبد الله بن بريدة، وطريق من أبي سفيان، فالطرق الثلاثة عن ابن عبد الله بن مغفل. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 135 رقم 908). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 267 رقم 815). (¬3) "مسند أحمد" (4/ 85 رقم 16833).

وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1). وقال الخطيب: عبد الله بن بريدة أشهر من أن يثنى عليه، وأبو سفيان السعدي وإن تُكُلِّم فيه ولكنه يعتبر منه ما تابعه عليه غيره من الثقات، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن مغفل يزيد فحينئذٍ ترتفع الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة الأجلاء عنه، وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالبسملة، وهو إن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عنه درجة الحسن، وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به لا سيما إذا تعددت شواهده وكثرت متابعاته، والذين تكلموا فيه وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن المغفل احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يعلم أنه موضوع، ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث إذْ قال بعد أن رواه في كتاب "المعرفة" من حديث أبي نعامة: تفرد به أبو نعامة قيس بن عباية، وأبو نعامة وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا "الصحيح". قلت: قوله: "تفرد به أبو نعامة" ليس بصحيح، فقد تابعه عبد الله بن بريدة وأبو سفيان السعدي، وقوله: وأبو نعامة وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحب "الصحيح" ليس بلازم في صحة الإسناد، ولئن سلمنا فقد قلنا: إنه حسن والحسن يحتج به (¬2). قوله: "وقل ما رأيت رجلًا" معناه: ورؤيتي قليلة جدًّا في الرجال مثله "أشد عليه الحدث في الإِسلام منه" فتكون "ما" مصدرية، يقال: قَلَّ رجل يفعل كذا إلا زَيْد، معناه ما يفعل إلا زيد، والأصل فيه أن تكتب "ما" متصلة بـ"قَلَّ" كما تكتب كذلك في طالما؛ لأنه لما اختلطت به معنى وتقديرًا اختلطت به خطأ وتصويرًا. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 359 رقم 4128). (¬2) هذا وما قبله نص كلام الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 260).

قوله: "حدثًا" نصب على التمييز، وأراد به الأمر المحدث الذي لم يكن في عصر النبي - عليه السلام - ولا في أيام الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -. قوله: "فسمعني وأنا أقرأ" أي في الصلاة كما وقع هكذا في رواية الترمذي؛ وأيضًا القرينة تدل على ذلك؛ فافهم. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم وسعيد بن عامر، قالا: ثنا سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - وأبا بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "صليت خلف النبي - عليه السلام - وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك أنه قال: "قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم لا يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} إذا افتتح الصلاة". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، عن حميد، عن أنس:؛ أن أبا بكر وعمر- ويُرى حميد أنه قد ذكر النبي - عليه السلام - ... " ثم ذكر نحوه. حدثنا ابن أبي عمران وعلي بن عبد الرحمن، قالا: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا شيبان، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول: "صليت خلف النبي - عليه السلام - وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنه - فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا الأحوص بن جوَّاب، قال: ثنا عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس، قال: "لم يكن رسول الله - عليه السلام - ولا أبو بكر ولا عمر يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا دحيم بن اليتيم، قال: ثنا سويد بن عبد العزيز، عن عمران القصير، عن الحسن، عن أنس: "أن النبي - عليه السلام - وأبا بكر وعمر كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا سليمان بن عبيد الله الرقي، قال: ثنا مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين والحسن، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - عليه السلام - وأبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - يستفتحون بالحمد لله رب العالمين". حدثنا أحمد بن مسعود الخياط المقدسي، قال: ثنا محمَّد بن كثير، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا إبراهيم بن منقذ قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن محمَّد بن نوح أخا بني سعد بن بكر حدثه، عن أنس بن مالك قال: "سمعت رسول الله - عليه السلام - وأبا بكر وعمر يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". ش: هذه عشر طرق صحاح إلا الطريق السابع, فإن فيه سويد بن عبد العزيز قال أحمد: متروك الحديث. وقال يحيى: ليس بشيء. وعنه: ليس بثقة. وقال النسائي: ضعيف. والطريق العاشر فيه عبد الله بن لهيعة وفيه مقال، وبقية الرجال كلهم ثقات. الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، وسعيد بن عامر الضبعي، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري، عن قتادة، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا محمَّد بن بشر، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا قتادة، عن أنس: "أن رسول الله - عليه السلام - وأبا بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 360 رقم 4130).

وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): نا إسماعيل، نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن النبي - عليه السلام - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". وهذا الحديث من أقوى الحجج لمنع الجهر بالبسملة. فإن قيل: قد قال الترمذي: قال الشافعي: إنما متن هذا الحديث: "أن النبي - عليه السلام - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". معناه أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم. قلت: قال الحافظ أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن العربي: هذا تأويل لا يليق بالشافعي لعظيم فقهه، وأنس إنما قال هذا ردا على من يرى قراءة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وكذلك عبد الله بن مغفل كما مضى حديثه عن قريب، ورواية مالك، عن حميد الطويل، عن أنس صريحة في ترك قراءة البسملة حيث قال: فكلهم لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، فهذا يمنع التأويل المذكور ويرده. فإن قيل: أيها الحنفي إذا كانت هذه آية من القرآن عندك، أنزلت للفصل بين السور، كان الواجب أن يجهر بها كالجهر بالقراءة في الصلاة التي يجهر فيها بالقرآن، إذ ليس في الأصول الجهر ببعض القراءة دون بعض في ركعة واحدة. قلت: إذا ثبت أنها لم تكن من الفاتحة، وإنما هي على وجه الابتداء بها تبركًا، جاز أن لا يجهر بها، ألا ترى أن قوله: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (¬2) الآية هو من القرآن، ومن استفتح به الصلاة لا يجهر به مع الجهر بسائر القراءة، كذلك البسملة حالها كحالة. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 101 رقم 12010). (¬2) سورة الأنعام، آية: [79].

الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا ابن المثنى وابن بشار، كلاهما عن غندر -قال ابن المثنى: نا محمد بن جعفر- قال: ثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث، عن أنس قال: "صليت مع رسول الله - عليه السلام - وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". وأخرجه النسائي (¬2): أنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، قال: حدثني عقبة بن خالد، قال: ثنا شعبة وابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: "صليت خلف رسول الله - عليه السلام - وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" (¬3). الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس، وهو موقوف. وأخرجه مالك في "موطئه" (¬4). وقال أبو عمر: هكذا هو في "الموطإ" عند جماعة الرواة فيما علمت موقوفًا، ورواه الوليد بن مسلم، عن مالك مرفوعًا، عن حميد، عن أنس قال: "صليت خلف رسول الله - عليه السلام - وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان لا يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة" وهكذا رواه ابن أخي ابن وهب، عن مالك وابن عيينة والعمري، عن حميد، عن أنس مرفوعًا، وهو خطأ عندهم من ابن أخي ابن وهب في رفعه ذلك عن عمه عن مالك، وأما رواية الوليد بن مسلم فلم يتابع عليها عن مالك. والصواب عن مالك خاصة ما في "الموطإ". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 299 رقم 399). (¬2) "المجتبى" (2/ 135 رقم 907). (¬3) "صحيح ابن حبان" (5/ 3 رقم 1799). (¬4) "موطأ مالك" (1/ 81 رقم 178).

وقد روي هذا الحديث مرفوعًا عن النبي - عليه السلام - من طرق كثيرة بأسانيد صحاح عن أنس من حديث قتادة وثابت البناني وحميد -رحمهم الله-. الرابع: عن فهد بن سليمان بن يحيى الكوفي، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي، عن زهير بن معاوية، عن حميد الطويل، عن أنس: "أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنها -" موقوفًا، ويرى حميد أنه قد ذكر النبي - عليه السلام -، فحينئذ يكون الحديث مرفوعًا. وأخرجه أحمد (¬1): ثنا أبو كامل، ثنا حماد، ثنا قتادة، وثابت وحميد، عن أنس بن مالك: "أن النبي - عليه السلام - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". الخامس: عن أحمد بن أبي عمران الفقيه، وعلي بن عبد الرحمن بن المغيرة، كلاهما عن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري شيخ البخاري وأبي داود واحد أصحاب أبي حنيفة، عن شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي البصري المؤدب، عن قتادة، عن أنس. وأخرجه الدارقطني (¬2): ثنا أبو القاسم عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز البغوي، ثنا علي بن الجعد، ثنا شعبة وشيبان، عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك قال: "صليت خلف النبي - عليه السلام -وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بسم الله الرحمن الرحيم". السادس: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن الأحوص بن جواب الكوفي من رجال مسلم، عن عمار بن رزيق الضبي الكوفي من رجال مسلم أيضًا، عن سليمان الأعمش، عن شعبة، عن ثابت بن أسلم، عن أنس - رضي الله عنه -. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 168 رقم 12737). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 314 رقم 1).

وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا العباس بن عبد العظيم، ثنا أبو الجوَّاب، ثنا عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس: "أن النبي - عليه السلام - وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين". ولا نعلم روى الأعمش عن شعبة غير هذا الحديث ولا نعلم حدث به عن الأعمش إلا عمار بن رزيق. السابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن دحيم -بضم الدال، وفتح الحاء المهملتين، وسكون الياء آخر الحروف- وهو لقب عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، عن سويد بن عبد العزيز بن نمير السلمي الدمشقي، فيه مقال وقد ذكرناه الآن، عن عمران بن مسلم المِنْقري البصري القصير، عن الحسن البصري، عن أنس. وأخرجه الطبراني (¬1): من حديث محمَّد بن أبي السري، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما -". الثامن: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن سليمان بن عبيد الله الرقي أبي أيوب الأنصاري، عن مخلد بن الحسن الأزدي المهلبي أبي محمَّد البصري نزيل المصيصة، عن هشام بن حسان الأزدي القردوسي أبي عبد الله البصري، عن محمَّد بن سيرين والحسن البصري، كلاهما عن أنس بن مالك. وأخرجه ابن الجارود في "مسنده" (¬2) نحوه. التاسع: عن أحمد بن مسعود الخياط، عن محمد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي أبي يوسف نزيل المصيصة، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، عن أنس - رضي الله عنه -. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (1/ 255 رقم 739). (¬2) "المنتقى" لابن الجارود (1/ 55 رقم 182) من طريق قتادة.

وأخرجه مسلم (¬1): عن محمَّد بن مهران، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك، وأشار به إلى ما رواه من حديث قتادة عن أنس قال: قال: "صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها". وأخرجه الدارقطني (¬2): ثنا محمَّد بن عثمان بن ثابت الصيدلاني، ثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك، ثنا هشام بن عمار، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال: "كنا نصلي خلف رسول الله - عليه السلام - وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بأم القرآن فيما يجهر به". العاشر: عن إبراهيم بن منقذ بن إبراهيم العصفري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن محمَّد بن نوح أخي بني سعد بن بكر، عن أنس بن مالك. وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده". ص: حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس، قال: حدثني أسباط بن محمَّد، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن بديل، عن أبي الجوزاء، عن عائشة - رضي الله عنه - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبر، ويفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ويختمها بالتسليم". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وبديل -بضم الباء الموحدة- ابن ميسرة العقيلي البصري، وأبو الجوزاء -بالجيم والزاي المعجمة- أوس بن عبد الله الربعي البصري روى له الجماعة. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 299 رقم 399). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 216 رقم 9).

وأخرجه مسلم (¬1) بأتم منه: ثنا محمَّد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبو خالد -يعني الأحمر- عن حسين المعلم. وثنا إسحاق بن إبراهيم -واللفظ له- قال: أنا عيسى بن يونس، قال: ثنا حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يقول في كل الركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهي عن عقبة الشيطان، وينهي أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم" وفي رواية ابن نمير عن أبي خالد: "وكان ينهى عن عقب الشيطان". وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا مسدد، ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ... " إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "وكان ينهى عن عقب الشيطان، وعن فَرْشة السَّبع ... " والباقي نحوه. وأخرجه ابن ماجه (¬3) مختصرًا. قوله: "يفتتح الصلاة بالتكبير" أي يشرع فيها بقول: الله أكبر، ويشرع في القراءة بسورة الفاتحة. قوله: "بـ الحمدُ لله رب العالمين" برفع الدال على الحكاية، وهي أن يجيء بالقول بعد نقله على استثناء صورته الأولى، كقولك: دعني من تمرتان. في ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 357 رقم 498). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 267 رقم 783). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 267 رقم 812).

جواب من قال: يكفيك تمرتان وبدأت بـ الحمدُ لله، وبدأت بـ {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا} (¬1) ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول: رأيتَ زيدًا؟ من زيدًا. قوله: "لم يشخص" من الإشخاص أي لم يرفع رأسه. قوله: "ولم يصوبه" أي لم يخفضه، من صَوَّب، بالتشديد. قوله: "عن عقبة الشيطان" وهو أن يضع إليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء. وفيه حجة لأبي حنيفة ومالك أن البسملة ليست من الفاتحة، وحجة لأبي حنيفة أنها لا يُجهر بها؛ لأنه صرح أنه - عليه السلام -كان يفتتح الصلاة بالتكبير ثم بفاتحة الكتاب. وقد ثبت (¬2) أنه - عليه السلام - كان له سكتتان: سكتة بعد التكبير وكان فيها البسملة ودعاء الاستفتاح. وفيه إثبات التكبير في أول الصلاة، وقال النووي: وفيه تعيّن لفظ التكبير؛ لأنه ثبت أنه - عليه السلام - كان يفعله، وأنه - عليه السلام - قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وهذا الذي ذكرناه من تعيين التكبير هو قول مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف. قلت: اشتراط التعيين أمر زائد؛ لأن المراد من التكبير التعظيم وبكل لفظ حصل التعظيم يجوز الافتتاح به، ثم إن تكبيرة الافتتاح من أركان الصلاة عندهم، وقال أبو حنيفة وأصحابه من شروطها، وثمرة الخلاف تظهر في جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا يجوز خلافًا لهم، وكذا على الخلاف لو بني التطوع بلا تحريمة يصير شارعًا في الثاني، وكذا على الخلاف إذا كبَّر مقارنًا لزوال الشمس. ¬

_ (¬1) سورة النور، آية: [1]. (¬2) أخرجه أبو داود (1/ 266 رقم 777)، والترمذي (2/ 30 رقم 251)، وابن ماجه (1/ 275 رقم 844)، وأحمد (5/ 15 رقم 20178).

وقال ابن المنذر: تنعقد الصلاة بمجرد النيّة بلا تكبير، قال أبو بكر: ولم يقل به غيره، وقال ابن البطال: وذهب جمهور العلماء إلى وجوب تكبيرة الإحرام، وذهبت طائفة إلى أنها سنة، روي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والحكم والزهري والأوزاعي، وقالوا: إن تكبيرة الركوع تجزئ عن تكبيرة الإحرام، وروي عن مالك في المأموم ما يدل على أنه سنة، ولم يختلف قوله في المنفرد والإمام أنها واجبة على كل واحد منها، وأن من نسيها يستأنف الصلاة، وفي "المغني" لابن قدامة: التكبير ركن لا تنعقد الصلاة إلا به، سواء تركه عمدًا أو سهوًا، قال: وهذا قول ربيعة والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور، وحكى أبو الحسن الحنفي الكرخي عن ابن عُلية والأصم كقول الزهري في انعقاد الصلاة بمجرد النيّة بدون التكبير، وقال عبد العزيز بن إبراهيم بن بزيزة: قالت طائفة بوجوب تكبير الصلاة كله، وعكس آخرون فقالوا: كل تكبيرة في الصلاة ليست بواجبة مطلقًا، منهم ابن شهاب وابن المسيب وغيرهما، ثم تكبيرة الإحرام مرة واحدة عند جمهور العلماء، وعند الرافضة ثلاث مرات، وقد ورد ذلك في بعض الأحاديث من حديث أبي إمامة "كان - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث تكبيرات". رواه أبو نعيم الدكيني، عن شريك، عن يعلى بن عطاء، عن رجل، عنه. وفي "العلل" لابن أبي حاتم قال أبي: هذا حديث كذب لا أصل له. وفيه دليل على أن السلام سُنَّة، وقال الخطابي: وفي قولها: "كان يفتتح الصلاة بالتكبير، ويختتمها بالتسليم". دليل على أنهما ركنان من أركان الصلاة، ولا تجزئ إلا بهما. قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن ما من شيء يدل على الفرضية، وفرضية التكبير في أول الصلاة ليس بهذا الحديث بل بقوله: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ}، ولئن سلمنا ذلك فلا يلزم من كون التكبير فرضًا أن يكون التسليم فرضًا مثله.

بدليل حديث الأعرابي (¬1): حيث لم يعلمه - عليه السلام - حين علمه الواجبات، غاية ما في الباب يكون إصابة لفظة السلام واجبة، والله أعلم. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلما تواترت هذه الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - بما ذكرنا، وكان في بعضها أنهم كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، فليس في ذلك دليل على أنهم كانوا لا يذكرون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قبلها؛ لأنه إنما عنى بالقراءة ها هنا قراءة القرآن، فاحتمل أنهم لم يعدوا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قرآنا، وعدوها ذكرًا مثل سبحانك اللهم وبحمدك وما يقال عند افتتاح الصلاة، فكان ما يقرأ من القرآن بعد ذلك ويستفتح بالحمد لله رب العالمين. وفي بعضها: أنهم كانوا لا يجهرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ففي ذلك دليل أنهم كانوا يقولونها من غير طريق الجهر، ولولا ذلك لما كان لذكرهم نفي الجهر معنى؛ فثبت بتصحيح هذه الآثار ترك الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وذكرها سرًّا. ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث والأخبار التي تدل على أن التسمية ليست من الفاتحة، وأنها لا يجهر بها في الصلاة، ولكن لما كان في ألفاظها اختلاف تعرض إلى بيان وجهه، وهو أن قوله على بعض ألفاظها: "كانوا يستفتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وهذه العبارة لا تدل على أنهم كانوا لا يذكرون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قبل قرأة فاتحة الكتاب؛ لأن المراد بالقراءة ها هنا هو قرأة القرآن، فيحتمل أنهم لم يكونوا عدُّوا البسملة قرآنا، وإنما عدوها ذكرا مثل الثناء والاستفتاح، فحينئذ يكون القرآن هو الذي يقرأ بعد ذلك، وفي بعضها أنهم كانوا لا يجهرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وهذا دليل على أنهم كانوا يقولونها سرًّا؛ إذْ لو لم يكن ذلك لخلا الكلام عن الفائدة، وهو ظاهر، ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1/ 263 رقم 724)، ومسلم (1/ 298 رقم 397).

فإذا كان الأمر كذلك وجب أن نقول: إن البسملة يؤتى بها ولكن يسرُّ بها عملًا بما ورد من الألفاظ، وتعلق مالك بظاهر العبارة الأول حيث قال: يشرع في القراءة عقيب التكبير، ولا يشتغل بشيء غير ذلك. وتعلقت الشافعية منهم الخطيب بقوله: "فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين" وضعف ما سواه من العبارات، وهي سبعة ألفاظ رويت بطرق مختلفة عن أنس: الأول (¬1): "كانوا لا يستفتحون القراءة بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". والثاني: "فلم أسمع أحدًا يقول أو يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". الثالث: "فلم يكونوا يقرءون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". الرابع: "فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". الخامس: "فكانوا لا يجهرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". السادس: "فكانوا يسرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". السابع: "فكانوا يستفتحون القراءة بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". وهذا هو الذي تعلق به الخطيب وصححه، وجعل اللفظ المحكم عن أنس، وجعل غيره متشابهًا، وحمله على الافتتاح بالسورة لا بالآية، وهو غير مخالف للألفاظ الباقية بوجه، فكيف يجعل مناقضًا لها فإن حقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية جهرًا وسرًا، فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب ويؤكده قوله في رواية مسلم (1): "لا يذكرون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في أول قراءة ولا في آخرها"، لكنه محمول على نفي الجهر؛ لأن أنسًا - رضي الله عنه - إنما ينفي ما يمكنه العلم بانتقائه؛ فإنه إذا لم يسمع مع القرب، علم أنهم لم يجهروا، وأما كون الإِمام لم يقرأها أصلًا فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن بين التكبير والقراءة سكوت يمكن القراءة فيه سرًّا, ولهذا استدل بحديث أنس هذا على عدم قراءتها أصلًا مَنْ لم ير ها هنا سكوتًا كمالك وغيره ¬

_ (¬1) تقدم.

كما ذكرنا, ولكن ثبت في "الصحيحين" (¬1): عن أبي هريرة أنه قال: "يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: كذا وكذا ... " إلى آخره، وإذا كان له سكوت لم يكن لأنس أن ينفي قراءة البسملة في ذلك السكوت، فيكون نفيه للذكر والاستفتاح والسماع مرادًا به الجهر بذلك، يدل عليه قوله: "فكانوا لا يجهرون"، وقوله: "فلم أسمع أحدًا منهم يجهر" لا تَعَرُّض فيه للقراءة سرًّا ولا على نفيها؛ إذ لا علم لأنس بها حتى يثبتها أو ينفيها, ولذلك قال لمن سأله: "إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه" (¬2)، فإن العلم بالقراءة السريّة إنما يحصل بأخبار أو سماع عن قرب، وليس في الحديث شيء منها، ورواية من روى: "فكانوا يسرون" كأنها مرويّة بالمعنى من لفظ: "لا يجهرون". وأيضًا فحمل الافتتاح بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} على السورة لا الآية مما تستبعده القريحة وتمجه الأفهام الصحيحة؛ لأن هذا من العلم الظاهر الذي يعرفه العام والخاص، كما يعلمون أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، وأن الركوع قبل السجود، والتشهد بعد الجلوس ... إلى غير ذلك، فليس في نقل مثل هذه فائدة فكيف يجوز أن يظن أن أنسًا قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه، وإنما مَثَلُ هذا مَثَلُ من يقول: فكانوا يركعون قبل السجود أو فكانا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاة الظهر والعصر. وأيضًا فلو أريد الافتتاح بالسورة لقيل: كانوا يفتتحون القراءة بأم القرآن، أو بفاتحة الكتاب، أو بسورة الحمد، هذا هو المعروف في تسميتها عندهم. وأما تسميتها بالحمد لله رب العالمين، فلم ينقل عن النبي - عليه السلام - ولا عن الصحابة والتابعين ولا عن أحد يحتج بقوله، وأما تسميتها بالحمد فقط فعرف متأخر، يقولون: فلان قرأ الحمد. وأين هذا من قوله: "فكانوا يفتتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} " فإن هذا لا يجوز أن يراد به السورة إلا بدليل صحيح. ¬

_ (¬1) البخاري (1/ 259 رقم 711)، ومسلم (1/ 419 رقم 598). (¬2) أخرجه أحمد (3/ 166 رقم 12723)، والدارقطني (1/ 216 رقم 10).

فإن قيل: فقد روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس الاستفتاح بأم القرآن، وهذا يدل على إرادة السورة. قلنا: هذا مروي بالمعنى، والصحيح عن الأوزاعي ما رواه مسلم (¬1): عن الوليد بن مسلم، عنه، عن قتادة، عن أنس قال: "صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، لا يذكرون {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في أول قراءة ولا في آخرها". ثم أخرجه مسلم (1): عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك. هكذا رواه مسلم في "صحيحه" عاطفًا له على حديث قتادة، وهذا اللفظ المخرج في الصحيح هو الثابت عن الأوزاعي، واللفظ الآخر -إن كان محفوظًا- فهو مروي بالمعنى، فيجب حمله على الافتتاح بأم القرآن. ورواه الطبراني في "معجمه" (¬2) بهذا الإسناد: "أن النبي - عليه السلام - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يجهرون بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". ص: وقد روي ذلك أيضًا عن علي بن أبي طالب وغيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا أبو بكر ابن عياش، عن أيضًا سعد، عن أبي وائل قال: "كان عمر وعلي - رضي الله عنهما - لا يجهران بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ولا بالتعوذ ولا بآمين". ش: أي قد روي ترك الجهر بالبسملة أيضًا عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - وأخرج خبر علي، عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي ¬

_ (¬1) تقدم. (¬2) انظر "نصب الراية" (1/ 331).

الكوفي المقرئ، قيل: اسمه محمَّد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل غير ذلك، روى له الجماعة. عن أبي سعد البقال واسمه سعيد بن المرزبان الأعور، فيه مقال، عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك النبي - عليه السلام - ولم يره، روى له الجماعة. وأخرجه ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار": أنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد، عن أبي وائل قال: "لم يكن عمر وعلي - رضي الله عنهما - يجهران بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ولا بآمين". وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صليت خلف عمر - رضي الله عنه - سبعين صلاة، فلم يجهر فيها بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". وأخرج (¬2): عن شاذان، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل: "أن عليًّا وعمارًا كانا لا يجهران بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن إسرائيل، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه: "أن عليًّا - رضي الله عنه - كان لا يجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، كان يجهر بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ". ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير ابن معاوية، قال: سمعت عاصمًا، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال: "ذلك فعل الأعراب". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 361 رقم 4148). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 361 رقم 4149). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 88 رقم 2601).

حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أنا شريك ابن عبد الله، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا خلاف ما روينا عن ابن عباس في الفصل الذي قبل هذا. ش: أخرج خبر ابن عباس من طريقين صحيحين: الأول: عن سليمان بن شعيب، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن زهير بن معاوية بن حديج، أحد أصحاب أبي حنيفة، من رجال الجماعة. عن عاصم بن بهدلة. عن عبد الملك بن أبي بشير البصري، وثقه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة والعجلي، وروى له البخاري في الأدب، وأبو داود والترمذي والنسائي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قراءة الأعراب". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن الثوري، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قراءة الأعراب" انتهى. والمعنى نسبة هذا الفعل إلى الجهل، وأنه من أفعال الجهلاء، لكون الغالب على الأعراب الجهل، وحاصله أنه بدعة؛ والدليل عليه: ما روى المغيرة، عن إبراهيم ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 361 رقم 4143). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 89 رقم 2605).

قال: "جهر الإِمام بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في الصلاة بدعة" (¬1). وروى جرير، عن عاصم الأحول، قال: "ذكر لعكرمة الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في الصلاة، فقال: إذن أعرابي". وروى أبو يوسف (¬2): عن أبي حنيفة قال: بلغني عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "الجهر في الصلاة بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أعرابية". وروى حماد بن زيد، عن كثير قال: "سئل الحسن عن الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} في الصلاة، فقال: إنما يفعل ذلك الأعراب". ذكر ذلك كله أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" (¬3). فإن قيل: كيف تقول فيما روى عبد الرزاق (¬4): عن معمر، عن أيوب، عن عمرو بن دينار: "أن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان يفتتح بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". قلت: هذا لا يدل على أنه كان يجهر بها، أو كان ذلك خارج الصلاة، ولا نزاع فيه. وهذا هو الجواب أيضًا عما قاله البيهقي في كتاب "المعرفة" (¬5): بعد أن روى عن عاصم بن بهدلة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه كان يفتتح القراءة بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". وفيه دلالة على خطأ وقع في رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "في قراءة الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قراءة الأعراب". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 360 رقم 4138). (¬2) "الآثار" لأبي يوسف (1/ 112 رقم 105)، ووصله محمَّد بن الحسن في "الآثار" (1/ 109 رقم 81). (¬3) "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 16، 17). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 90 رقم 610). (¬5) "معرفة السنن والآثار" (1/ 521 رقم 720).

وتخطيئه هذا خطأ؛ لأن هذا روي بطريق صحيح عن أبي عاصم، ورواه عاصم بن بهدلة عن عكرمة أيضًا كما رواه عبد الملك بن أبي بشير عنه عن ابن عباس فما الموجب في تخطئة شيء صواب بلا دليل، لأجل تمشية الدعوى الفاسدة؟! ثم إن البيهقي أوَّل كلام ابن عباس هذا بتأويلين فاسدين: الأول: قال: أراد به الجهر الشديد الذي يجاوز الحد. والثاني: أراد أن الأعراب لا يخفى عليهم أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} من القرآن، وأنه يجهر بها، فكيف العلماء وأهل الحَضَر؟! أما الأول: فإن كان الجهر الشديد مكروهًا أو بدعة فأيْش وجه التخصيص بالبسملة؟ فهذا ترجيح بلا مرجح. وأما الثاني: فلا نسلم أن الأعراب كانوا يعلمون أن البسملة من القرآن، فمن أين علموا ذلك مع غلبة الجهل عليهم على أن ابن عباس إنما قال ذلك القول على وجه الإنكار على من يجهر بها، وهذان التأويلان خلاف ما أراده ابن عباس، والله أعلم. وقوله: "فهذا خلاف ما روينا عن ابن عباس ... " إلى آخره، إشارة إلى أن ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس -أنه جهر بها- الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، وهو الذي أخرجه الطحاوي فيما مضى، عن فهد، عن ابن الأصبهاني، عن شريك، عن عاصم، عن سعيد به، معارض بهذه الرواية, فلا يتم بذاك الدليل، وقد مَرَّ الكلام فيه هناك مستوفى. ص: حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، أن سيّار بن عبد الرحمن الصدفي حدثه، عن عبد الرحمن الأعرج قال: "أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ". حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: ثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، مثله.

حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد قال: "لقد أدركت رجالًا من علمائنا ما يقرءون بها". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا يحيى، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: "ما سمعت القاسم يقرأ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ". ش: أشار بهذا إلى ما روي عن جماعة من التابعين من عدم الجهر بالبسملة في الصلاة منهم: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. أخرجه عن إبراهيم بن منقذ بن إبراهيم العصفري، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة -فيه مقال، ولكن الطحاوي يرضى به- عن سيّار بن عبد الرحمن الصدفي المصري وثقه ابن حبان، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ. وروى له أبو داود وابن ماجه، ونسبته إلى الصِدف بكسر الدال وتفتح في النسبة وهو عمرو بن مالك، وقيل: شهال بن دُعمي بن زياد بن حضرموت. ومنهم: عروة بن الزبير بن العوام - رضي الله عنهما -. أخرجه عن إبراهيم، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود وهو النضر -بالضاد المعجمة- بن عبد الجبار راوية ابن لهيعة (¬1)، وثقه ابن حبان وغيره. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه وأبي الزبير: "أنهما كانا لا يجهران". ومنهم: يحيى بن سعيد الأنصاري المدني قاضي المدينة، أخرجه عن روح بن الفرج القطان المصري، عن سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري المصري، وقد ينسب إلى جده، من رجال مسلم. ¬

_ (¬1) كلا بل هو أبو الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي المدني يتيم عروة روى له رواة الجماعة، وأما النضر بن عبد الجبار فبينهما مفاوز، وهو يروي عن ابن لهيعة. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 360 رقم 4139).

عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، روى له الجماعة. عن يحيى بن سعيد الأنصاري. ومنهم: القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم -، أخرجه عن روح أيضًا، عن سعيد بن عفير، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم -. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن من ذكرنا بعده ترك الجهر بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثبت أنها ليست من القرآن، ولو كانت من القرآن لوجب أن يجهر بها كما يجهر بالقرآن سواها ألا ترى أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} التي في النمل يجهر بها كما يجهر بغيرها من القرآن؛ لأنها من القرآن، فلما ثبت أن التي قبل فاتحة الكتاب يخافت بها، ويجهر بما سواها من القرآن؛ ثبت أنها ليست من القرآن، وثبت أن يخافت بها وأن يُسَرُّ، كما يُسَرُّ التعوذ والافتتاح وما أشبههما، وقد رأيناها أيضًا مكعوبة في فواتح السور في المصحف، في فاتحة الكتاب وفي غيرها، وكانت في غير فاتحة الكتاب ليست بأية ثبت أيضًا أنها في فاتحة الكتاب ليست بآية وهذا الذي بَيَّنَّا من نفي {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أن تكون من فاتحة الكتاب، ومن نفي الجهر بها في الصلاة، هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله-. ش: أشار بذلك إلى بيان الحكم الذي ظهر من الأحاديث والآثار المذكورة من ترك الجهر بالبسملة، فبين ذلك بوجهين: الأول: أنه لما ثبت عن رسول الله - عليه السلام -، وعن جماعة من الصحابة من بعده، وجماعة من التابعين من بعدهم ممن ذكروا في هذا الباب؛ ترك الجهر بالبسملة، ثبت أنها ليست من القرآن؛ لأنها لو كانت من القرآن لوجب الجهر بها كما يجهر بالقرآن حين يجهر به، ألا ترى أن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} التي في سورة النمل كيف يجهر بها لأنها من القرآن، فيجهر بها كما يجهر بغيرها من القرآن، وقال أبو بكر بن

العربي: ويكفيك أنها ليست بقرآن الاختلاف فيها، والقرآن لا يختلف فيه، فإن إنكار القرآن كفر. فإن قيل: إذا لم تكن قرآنًا لكان مُدْخلها في القرآن كافرًا. قلت: الاختلاف فيها يمنع من أن تكون آية، ويمنع من تكفير من يعدها من القرآن، فإن الكفر لا يكون إلا بمخالفة النص والإجماع في أبواب العقائد، ولما ثبت أنها ليست من القرآن، وثبت أيضًا أن التي قبل فاتحة الكتاب يخافت بها لكونها ليست من القرآن، فكذلك ينبغي أن يخافت بالبسملة ويسر بها كما يسر بالتي قبل فاتحة الكتاب، كالتعوذ والاستفتاح وما أشبهها من الأدعية التي وردت قراءتها قبلها. الوجه الثاني: أنها لما كانت مكتوبة في فواتح السور في المصحف، في فاتحة الكتاب وفي غيرها، وكانت في غير الفاتحة ليست بآية منها؛ فالنظر على ذلك أن لا تكون البسملة أيضًا من الفاتحة. فإن قيل: نحن نقول: إنها آية من غير الفاتحة فكذلك نقول: إنها آية من الفاتحة. قلت: هذا قول لم يقل به أحد، ولهذا قالوا: وزعم الشافعي أنها آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا القول أحد؛ لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها من الفاتحة أو ليست بآية منها, ولم يعدها أحد آية من سائر السور. فإن قيل: قد نقلوا إلينا جميع ما في المصحف على أنه قرآن، وذلك كافٍ في إثباتها في السور في مواضعها المذكورة في المصحف. قلت: إنما نقلوا إلينا أنها منه، وإنما الكلام بيننا وبينكم في أنها من هذه السور التي هي مكتوبة في أوائلها، ونحن نقول بأنها من القرآن أثبتت هذه المواضع، لا على أنها من السور، وليس إيصالها بالسورة في المصحف وقراءتها معها يوجبان أن تكون منها؛ لأن القرآن كلمه متصل بعضه ببعض.

فإن قيل: قد قلت أولًا بأنها ليست من القرآن، وأقمت عليه برهانًا، ثم تقول ها هنا: ونحن نقول بأنها من القرآن، أثبتت في هذه المواضع لا على أنها من السور. قلت: معنى قولنا: إنها ليست من القرآن: ليست من الفاتحة ولا من آيات كل سورة هي مكتوبة عليها، ومعنى قولنا: إنها من القرآن كونها آية مفردة مستقلة بذاتها أنزلت للفصل بين السور وليست من الفاتحة ولا من أول كل سورة، ولكن الذي يفهم من عبارة الطحاوي وأبي بكر بن العربي أنها ليست من القرآن مطلقًا، وإنما هي لابتداء القراءة والفصل بين السورتين، وأما التي في سورة النمل فلا خلاف فيه لأحد أنها من القرآن، ولكنها ليست بآية كاملة؛ لأن الآية الكاملة من قوله: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} (¬1) إلى آخره. وروي (¬2) أنه - عليه السلام -: كان يكتب في أوائل الكتب: باسمك اللهم حتى نزل {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} (¬3) فكتب بسم الله، ثم نزل قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} (¬4) فكتب فوقه الرحمن، فنزلت قصة سليمان - عليه السلام - فكتبها حينئذٍ". وقال الشعبي ومالك وقتادة وثابت: "إن النبي - عليه السلام - لم يكتب {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} حتى نزلت سورة النمل". والحاصل أن مذهب المحققين أنها من القرآن حيث كتبت، وأنها مع ذلك ليست من السور، بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة، في أول كل سورة كما تلاها النبي - عليه السلام - حين أنزلت عليه {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} (¬5) وهذا قول ¬

_ (¬1) سورة النمل، آية: [30]. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (7/ 261 رقم 35890). (¬3) سورة هود، آية: [41]. (¬4) سورة الإسراء، آية: [110]. (¬5) سورة الكوثر، آية: [1].

ابن المبارك وداود، وهو المنصوص عن أحمد، وبه قالت جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة. قلت: ولذلك قال الشيخ حافظ الدين النسفي: وهي آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، وهذا القول فيه الجمع بين الأدلة، وعن ابن عباس: "كان النبي - عليه السلام - لا يعرف فصل السورة حتى نزل عليه {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. وفي رواية "لا يعرف انقضاء السورة". رواه أبو داود، (¬1) والحاكم (¬2) وقال: إنه على شرط الشيخين وأما تلاوة النبي - عليه السلام - حين أنزلت عليه {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}. فهو ما رواه مسلم، (¬3) وأبو داود، (¬4) والنسائي (¬5): عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "أنزلت عليَّ آنفًا سورة، فقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} حتى ختمها، قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة". فإن قيل: لو لم تكن التسمية من أول كل سورة لما قرأها النبي - عليه السلام - بالكوثر. قلت: لا نسلم أنه يدل على أنها من أول كل سورة، بل يدل على أنها آية مفردة، والدليل على ذلك ما ورد في حديث بدء الوحي: "فجاءه الملك فقال له: اقرأ فقال: ما أنا بقاريء -ثلاث مرات- ثم قال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} " فلو كانت البسملة من أول كل سورة، لقال: اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ بسم ربك. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 269 رقم 788). (¬2) "مستدرك الحاكم" (1/ 355 رقم 845). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 300 رقم 400). (¬4) "سنن أبي داود" (2/ 650 رقم 14747). (¬5) "المجتبى" (2/ 133 رقم 904).

ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أصحاب السنن الأربعة (¬1): عن شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشمي (¬2)، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "إن سورة من القرآن شفعت لرجل حتى غفر له، وهي {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} ". وقال الترمذي: حديث حسن. ورواه أحمد في "مسنده"، (¬3) وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه" وصححه. وعياش الجهني يقال: إنه عياش بن عبد الله، ذكره ابن حبان في "الثقات" ولم يتكلم فيه أحد فيما علمنا, ولو كانت البسملة من أول كل سورة لافتتحها - عليه السلام - بها، والله أعلم (¬4). ... ¬

_ (¬1) أبو داود (1/ 445 رقم 1400)، والترمذي (5/ 164 رقم 2891)، والنسائي في "السنن الكبرى" (6/ 178 رقم 10546)، وابن ماجه (2/ 1244 رقم 3786). (¬2) في "الأصل، ك": "عياش الجهني" وهو تحريف، والمثبت من "السنن" ومصادر ترجمته، و"تحفة الأشراف" (10/ 129 رقم 1355). ونتج عن هذا التحريف أن خفي على المؤلف -رحمه الله- فلم يعرفه بل ظنه آخر، وعباس الجشمي مترجم في "تهذيب الكمال" (14/ 265) وقال المزي: روى له الأربعة، والنسائي في "اليوم والليلة" حديثا واحدًا في فضل {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}. (¬3) "مسند أحمد" (2/ 299 رقم 7962). (¬4) "صحيح ابن حبان" (3/ 67 رقم 787).

ص: باب: القراءة في الظهر والعصر

ص: باب: القراءة في الظهر والعصر ش: أي هذا باب في بيان حكم القراءة في صلاتي الظهر والعصر، والمناسبة بين البابين ظاهرة؛ لأن القراءة في الصلاة تكون عقيب البسملة. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا سعيد وحماد ابنا زيد، عن أبي جهضم موسى بن سالم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: "كنا جلوسًا في فتيان من بني هاشم إلى ابن عباس، فقال له رجل: أكان النبي- عليه السلام - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: لا، قال: فلعله كان يقرأ فيما بينه وبين نفسه؟ -وفي حديث سعيد: قال: لا. وفي حديث حماد: هي شرٌّ من الأول- ثم قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبدًا لله أمره الله -عز وجل- فبلغ والله ما أمره به". ش: رجاله ثقات، وسعيد بن زيد أخو حماد بن زيد روى له مسلم أبو داود والترمذي، وحماد روى له الجماعة. وأبو جهضم موالى آل عباس بن عبد المطلب، وثقه يحيى وأبو زرعة، وروى له الأربعة. وعبد الله بن عبيد الله -بتصغير الأب- ابن عباس بن عبد المطلب، وثقه أبو زرعة والنسائي، وروى له الأربعة. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا مسدد، نا عبد الوارث، عن موسى بن سالم، نا عبد الله بن عبيد الله قال: "دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم فقلنا لشباب منا: سل ابن عباس كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا لا. فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه؟ فقال: خمشًا هذه شر من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بلغ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أنا نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا نُنزي الحمار على الفرس". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 274 رقم 808).

قوله: "كنا جلوسًا" أي جالسين، والجلوس جمع جالس، كالقعود جمع قاعد. قوله: "في فتيان" أي بين فتيان كما في قوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} (¬1) أي بين عبادي، والفتيان جمع فتى وهو الشاب، ولهذا جاء في رواية أبي داود: "في شباب" وهو جمع شاب. قوله: "إلى ابن عباس" أي معه، وكلمة "إلى" تجيء للمصاحبة، كما في قوله تعالى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} (¬2) أي معه. قوله: "أكان النبي- عليه السلام -" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "هي شرّ من الأولى" أي هذه المسألة شر من المسألة الأولى، أو هذه الحالة شر من تلك الحالة، وشرٌّ بمعنى أَشَرّ، وقد عُلِمَ أن خيرًا وشرًّا يستعملان للتفضيل على صنيعيهما. قوله: "خمشًا" دعاء عليه بأن يخمش وجهه أو جلده، كما يقال: جدعًا، وصلبًا، وطعنًا، وقطعًا ونحوها من الدعاء بسوء، وهو منصوب بفعلٍ لا يظهر. قوله: "وأن لا نأكل الصدقة" أراد بها الزكاة. قوله: "وأن لا نُنْزي" من الإنزاء وثلاثيه نِزَأ بالكسر، وقال الجوهري: يقال ذلك في الحافر والظلف والسباع. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت أبا يزيد المدني يحدث، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أنه قيل له: إن ناسًا يقرءون في الظهر والعصر، فقال: لو كان لي عليهم سبيل لقلعت ألسنتهم؛ إن النبي - عليه السلام - قرأ، وكانت قراءته لنا قراءةً، وسكوته لنا سكوتًا". ¬

_ (¬1) سورة الفجر، آية: [29]. (¬2) سورة الصف، آية: [14].

ش: إسناده صحيح، وجرير هو ابن حازم بن زيد أبو النضر البصري، وأبو يزيد المدني روى له البخاري، وسئل أبو زرعة عن اسمه فقال: لا أعلم له اسمًا. والحديث أخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي يزيد المدني، عن عكرمة: "أن رجلًا سأل ابن عباس عن القراءة في الظهر والعصر، فقال: قرأ رسول الله - عليه السلام - في صلوات فنقرأ فيما قرأ فيه، ونسكت فيما سكت، فقلت: كان يقرأ في نفسه. فغضب وقال: أتتهمون رسول الله - عليه السلام -". وهذا الحديث لا نعلمه روي إلا عن ابن عباس بهذا اللفظ، ولا نعلم أحدًا تابع ابن عباس على ما تأوله من ذلك. وأخرجه الطبراني (¬1): عن محمَّد بن محمَّد، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة ... إلى آخره نحوه رواية البزار غير أن في لفظه "أو تتهم رسول الله - عليه السلام -". وأخرجه أحمد (¬2): من حديث إسماعيل، عن أيوب، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: "قرأ رسول الله - عليه السلام - فيما أمر أن يقرأ فيه، وسكت فيما أمر أن يسكت فيه {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (¬3) و {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} " (¬4). ص: فذهب قوم إلى هذه الآثار التي رويناها، وقالوا: لا نرى أن يقرأ أحد في الظهر والعصر البتة. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (11/ 357 رقم 12005). (¬2) "مسند أحمد" (1/ 360 رقم 3399). (¬3) سورة مريم، آية: [64]. (¬4) سورة الأحزاب، آية: [21].

ش: أراد بالقوم هؤلاء: سويد بن غفلة والحسن بن صالح وإبراهيم بن عُلية ومالكًا في رواية؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الآثار التي رويت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وقلدوها، وقالوا: لا قراءة في الظهر والعصر أصلًا. ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في القراءة في الصلاة، فقالت طائفة: القراءة في الصلوات مستحبة غير واجبة، وإليه ذهب الأصم وابن عُلية والحسن بن صالح وابن عُيينة، حتى لو لم يقرأ مع القدرة عليها تجزئه صلاته. وقال الشافعي: فرضٌ في الكل. وقال مالك: فرضٌ في ثلاث ركعات. وقال الحسن: فرضٌ في واحدة. وقال أصحابنا: فرضٌ في الركعتين من غير تعيين. وقال عياض: فذهب جمهور العلماء إلى وجوب أم القرآن للإمام والفذّ في كل ركعة، وهو مشهور قول مالك، وعنه أيضًا: أنها واجبة في كل الصلاة، وهو قول إسحاق، وعنه: أنها إنما تجب في ركعة. قاله المغيرة والحسن، وعنه: أنها لا تجب في شيء من الصلاة وهو أشذ رواياته، وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن أبا حنيفة يشترط أن يقرأ غيرها من القرآن في جلّ الصلاة، وذهب الأوزاعي إلى أنها تجب في نصف الصلاة، وحكي عن مالك. ثم اختلف بعد ذلك من لم يُعيّن قراءة أم القرآن في الصلاة ما يجزئه من غيرها من القرآن؟ بعد إجماعهم على أن لا صلاة إلا بقراءة في الركعتين الأولين إلا ما قاله الشافعي فيمن نسي القراءة في صلاته كلها: تجزئه ويعذر بالنسيان على ما روي عن عمر - رضي الله عنه - (¬1) ولم يصح عنه، وقد أنكره مالك، وروي أن عمر أعاد (¬2)، ثم رجع الشافعي عن هذا. ¬

_ (¬1) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 347 رقم 3678)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 348 رقم 4006). (¬2) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 382 رقم 3794)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 349 رقم 4012).

وقال أبو حنيفة: يجزئ أن يقرأ آية من القرآن. وقال أصحابه: ثلاثًا أو آية طويلة. وقال الطبري: سبع آيات بقدر أم القرآن من آيها وحروفها، وذهب أبو حنيفة إلى أن القراءة في الركعتين الأخريين لا تجب، وقاله الثوري والأوزاعي، وخالفهم الجمهور فأوجبوها على اختلاف مذاهبهم، وحكى ابن المواز عن ابن أبي سلمة وربيعة وعلي بن أبي طالب: أن القراءة في الصلاة ليست من فروضها، وإليه ذهب محمَّد بن أبي، وحكى الداودي عن علي وابن أبي سلمة وطائفة أن فرض القراءة مع الذكر، وأما الناسي فيجزئه القيام والركوع والسجود. وقال أبو عمر (¬1): وأما اختلاف العلماء في هذا الباب، فإن مالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وداود وجمهور أهل العلم قالوا: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وقال ابن خوازبنداد المالكي البصري: وهي عندنا متعينة في كل ركعة قال: ولم يختلف قول مالك أنه من نسيها في ركعة من صلاة أو ركعتين أن صلاته تبطل أصلًا ولا تجزئه، واختلف قوله فيمن تركها ناسيًا في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية، فقال مرة: يعيد الصلاة ولا تجزئه، وهو قول ابن القاسم وروايته واختياره من قول مالك، وقال مرة أخرى: يسجد سجدتي السهو وتجزئه، وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عنه، قال: وقد قيل: إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام، قال: وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: لا تجزئه حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة. وقال أبو حنيفة: والثوري والأوزاعي: إن تركها عامدًا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزاعه على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك، وقال الطبري: يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها. وقال أبو يوسف ومحمد: ثلاث آيات أو آية طويلة كآية الدين، والله أعلم. ¬

_ (¬1) "التمهيد" (20/ 192).

ص: ورَوَوْا ذلك أيضًا عن سويد بن غفلة، كما حدثنا أبو بشر عبد الملك بن مروان الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن زهير بن معاوية، عن الوليد بن قيس قال: "سألت سويد بن غفلة أيقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا". ش: أي روى هؤلاء القوم ترك القراءة في الظهر والعصر أيضًا عن سويد بن غفلة بن عوسجة أبي أمية الكوفي المخضرم، وقد روي أنه صلى مع النبي - عليه السلام - ولم يثبت. وهذا إسناد جيد؛ لأن رجاله ثقات. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا الفضل، عن زهير، عن الوليد بن قيس قال: "سألت سويد بن غفلة، أقرأ خلف الإِمام في الظهر والعصر؟ قال: لا". ص: فقيل لهم: ما لكم فيما روينا عن ابن عباس حجة، وذلك أن ابن عباس قد روي عنه خلاف ذلك: حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لقد حفظت السنة غير أني لا أدري كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في الظهر والعصر أم لا". فهذا ابن عباس قد أخبر في هذا الحديث أنه لم يتحقق عنده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقرأ فيهما وإنما أمر بترك القراءة -فيما تقدمت روايتنا له عنه- لأن رسول الله - عليه السلام - لم يكن يقرأ في ذلك فإذا انتفى أن يكون قد تحقق ذلك عنده عن النبي - عليه السلام - انتفى ما قال من ذلك؛ لأن غيره قد تحقق قراءة رسول الله - عليه السلام - فيهما مما سنذكره في موضعه في هذا الباب إن شاء الله تعالى مع أنه قد روي عن ابن عباس من رأيه ما يدل على خلاف ذلك. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 331 رقم 3796).

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس قال: "اقرأ خلف الإِمام بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر". حدثنا علي، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: سمعت ابن عباس يقول: "لا تُصلي صلاة إلا قرأت فيها ولو بفاتحة الكتاب". حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي وموسى بن إسماعيل، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي العالية البراء قال: "سمعت ابن عباس أو سئل عن القراءة في الظهر والعصر فقال: هو إمامك فاقرأ منه ما قل وما كثر، وليس من القرآن شيء قليل". حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا سعيد بن أي عروبة، عن أبي العالية، قال: "سألت ابن عباس ... فذكر مثله قال: سألت ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال: إني لأستحي أن أصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن أو ما تيسر". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا ابن عباس قد روي عنه من رأيه أن المأموم يقرأ خلف الإِمام في الظهر والعصر، وقد رأينا الإِمام يحمل عن المأموم، ولم نر المأموم يحمل عن الإمام شيئًا، فإذا كان المأموم يقرأ، فالأمام أحرى أن يقرأ، مع ما قد روينا عنه أيضًا من أمره بالقراءة فيهما. ش: أي قيل لهؤلاء القوم المذكورين: ما لكم في ما روينا عن ابن عباس من الآثار المذكورة حجة؛ لأنه قد روي عنه خلاف ذلك، يعني ما يعارضه ويرده، وهو ما رواه الطحاوي عن صالح، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير الواسطي من رجال الجاعة، عن حُصين -بضم الحاء- ابن عبد الرحمن السلمي ابن عم منصور بن المعتمر من رجال الجماعة، عن عكرمة، عن ابن عباس.

وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا زياد بن أبي أيوب، ثنا هشيم، أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "لا أدري كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟ ". انتهى. فقد أخبر في هذا أنه لم يتحقق عنده عدم قراءة رسول الله - عليه السلام - في الظهر والعصر فإذا انتفى تحقق ذلك عنده عن النبي - عليه السلام - انتفى ما قاله أيضًا من ذلك القول؛ لأن غيره من الصحابة قد تحققوا قراءة رسول الله - عليه السلام - في الظهر والعصر، إلى ما يجيء بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى. وقال الخطابي في جواب هذا: إنه وهم من ابن عباس - رضي الله عنهما - لأنه قد ثبت عن النبي - عليه السلام - أن كان يقرأ في الظهر والعصر من طرق كثيرة، كحديث أبي قتادة وخباب بن الأرت وغيرهما. قلت: عندي جواب أحسن من هذا مع رعاية الأدب في حق ابن عباس - رضي الله عنهما - وهو أن ابن عباس استند في هذا أولًا على قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (¬2) وهو مجمل بيَّنه - عليه السلام -بفعله، ثم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬3) والمرئي هو الأفعال دون الأقوال والصلاة اسمًا للفعل في حق الظهر والعصر، وللفعل والقول في حق غيرهما, ولم يبلغ ابن عباس قراءته - عليه السلام - في الظهر والعصر، فلذلك قال في جواب عبد الله بن عبيد الله: لا. فلما بلغه خبر قراءته - عليه السلام -: فيهما، وثبت عنده رجع من ذلك القول. والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 274 رقم 809). (¬2) سورة البقرة، آية: [42] وغيرها. (¬3) أخرجه البخاري (1/ 226 رقم 602). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 318 رقم 3637).

وإسناده صحيح. قوله: "مع أنه قد روي عن ابن عباس من رأيه ما يدل على خلاف ذلك" أي على أن الشأن قد روي عن ابن عباس من رأيه واجتهاده ما يدل على خلاف ذلك القول الذي احتجت به أهل المقالة الأولى. وهو قوله: "أقرأ خلف الإِمام بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر، وقد علم أن الإِمام كان يحمل عن المأموم من غير عكس فإذا كان المأموم يقرأ مع تحمل القراءة عنه غيره فبالأولى أن تجب قراءة الإِمام الذي لا يحمل عنه أحد. ثم إنه أخرج ذلك عن أربع طرق صحاح برجال الثقات: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن إسماعيل بن أبي خالد أبي عبد الله البجلي الكوفي، واسم أبي خالد: هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير. عن العيراز بن حريث العبدي الكوفي. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث العبدي، عن ابن عباس قال: "أقرأ خلف الإِمام بفاتحة الكتاب". قوله: "اقرأ" على صورة الأمر، من قَرَأ يقرأ. الثاني: عن علي بن شيبة أيضًا، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن يونس ابن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله الهمْدَاني السبيعي، عن العيزار بن حريث ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث قال: سمعت ابن عباس يقول: "لا تصلين صلاة حتى تقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ولا تدع أن تقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 329 رقم 3773). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 94 رقم 2628).

الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن عبيد الله بن محمَّد بن حفص القرشي التيمي أبي عبد الرحمن البصري المعروف بأبي عائشة، وعن موسى بن إسماعيل المِنْقري أبي سلمة التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي العالية البراء البصري قيل: اسمه زياد، وقيل: كلثوم، وقيل: أذينة، روى له الشيخان، والبراء -بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء- على وزن فعال، وكان يبري النبل فسمي بذلك. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن معمر، عن أيوب، عن أبي العالية: "سألت ابن عباس، فقال: اقرأ منه ما قلَّ أو كثر وليس من القرآن قليل". قوله: "هو إمامك" أي القراءة أمامك، وذكر الضمير باعتبار القرآن. قوله: "وليس من القرآن شيء قليل" أراد أن كله في القدر سواء، ولا يوصف جزء من القرآن بالقلة؛ لأنها تنبئ عن الحقارة. الرابع: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن سعيد بن أبي عروبة مهران، عن أبي العالية البراء. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي العالية البراء قال: "قلت لابن عمر: أفي كل ركعة أقرأ؟ فقال: إني لأستحي من رب هذا البيت أن لا أقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وما تيسر. وسألت ابن عباس فقال: هو إمامك، فإن شئت فأقلَّ منه، وإن شئت فأكثر". ص: فأما ما روي عن النبي - عليه السلام - خلاف ما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - من ذلك؛ فإن أبا بكرة بكّار بن قتيبة؛ حدثنا، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه أخبره:؛ أن رسول الله - عليه السلام - كان يقرأ في الظهر والعصر، فيسمعنا الآية أحيانًا". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 94 رقم 2626). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 317 رقم 3630).

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - نحوه. حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ بأم القرآن وسورتين معها في الأوليين من صلاة الظهر والعصر ويسمعنا الآية أحيانًا". ش: شرع في بيان ما وعد ببيانه بقوله: "لأن غيره قد تحقق قراءة رسول الله - عليه السلام - فيهما مما سنذكره في موضعه من هذا الباب" وروى ذلك عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم أبو قتادة واسمه الحارث بن ربعي الأنصاري فارس رسول الله - عليه السلام -. وأخرج حديثه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكّار بن قتيبة القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتوائي أبي بكر النصري -بالنون- واسم أبي عبد الله سَنْبر. عن يحيى بن أبي كثير الطائي أبي نصر اليمامي، واسم أبي كثير صالح بن المتوكل. عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا المكي بن إبراهيم، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: "كان النبي - عليه السلام - يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحيانًا". ومسلم (¬2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا همام وأبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره نحوه، وفي آخره "ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 264 رقم 728). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 333 رقم 451).

وأبو داود (¬1): ثنا مسدد، ثنا يحيى، عن هشام بن أبي عبد الله. ونا ابن المثنى، نا ابن أبي عدي، عن الحجاج -وهذا لفظه- عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة -قال ابن المثنى: وأبي سلمة- ثم اتفقا على أبي قتادة قال: "كان النبي - عليه السلام - يصلي بنا يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح". لم يذكر مسدد فاتحة الكتاب وسورة. والنسائي (¬2): أخبرني يحيى بن درست، قال: ثنا أبو إسماعيل، قال: ثنا خالد، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام - قال: "كان يصلي بنا الظهر فيقرأ في الركعتين الأوليين، فيسمعنا الآية كذلك، وكان يطيل الركعة في صلاة الظهر، والركعة الأولى يعني من صلاة الصبح". وابن ماجه (¬3): ثنا بشر بن هلال الصواف، ثنا يزيد بن زريع، نا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ بنا في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر، ويسمعنا الآية أحيانًا". قوله: "في الظهر" أي في صلاة الظهر وصلاة العصر. قوله: "أحيانًا" أي في بعض الأحيان، وهو جمع حين وهو الوقت. وهذا محمول على أنه أراد بيان جواز الجهر في القراءة السرية وأن الإسرار ليس بشرط لصحة الصلاة، بل هو سُنَّة، ويحتمل أن الجهر بالآية كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر. الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 271 رقم 798). (¬2) "المجتبى" (2/ 164 رقم 974). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 271 رقم 829).

وأخرجه النسائي (¬1) أيضًا: أنا عمران بن يزيد بن خالد بن مسلم يعرف بابن أبي جميل الدمشقي، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الله بن سماعة، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني عبد الله بن أبي قتادة، قال: ثنا أبي: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يقرأ بأم القرآن وسورتين في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطيل في الركعة الأولى". الثالث: عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني أبي بكر السكري شيخ أبي داود والنسائي أيضًا، وثقه ابن يونس وابن أبي حاتم. عن الوليد بن مسلم الدمشقي من رجال الجماعة، عن الأوزاعي ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬2): ثنا أبو المغيرة، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: "أن النبي - عليه السلام - كان يقرأ بأم القرآن وسورتين معها في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة العصر، ويسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطول في الركعة الأولى". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن مسلم بن خالد، عن جعفر بن محمَّد، عن الزهري، عن عبد الله بن أبي رافع، عن علي - رضي الله عنه - "أنه كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر بأم القرآن وقرأن، وفي العصر مثل ذلك، وفي الآخريين منهما بأم القرآن، وفي المغرب في الأوليين بأم القرآن وقرآن، وفي الثالثة بأم القرآن" قال عبيد الله: فأراه قد رفعه إلى النبي - عليه السلام -. ش: خطاب بن عثمان الطائي الفوزي أبو عمر الحمصي، شيخ البخاري. وإسماعيل بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة، وبالشين المعجمة- بن سليم الحمصي أبو عتبة العنسي -بالنون- تكلم فيه ناس ولكنه ثقة، قال الفسوي: ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 164 رقم 975). (¬2) "مسند أحمد" (5/ 305 رقم 22650).

تكلم قوم في إسماعيل وهو ثقة عدل، أعلم الناس بحديث الشام، أكثر ما تكلموا فيه قالوا يغرب عن ثقات الحجازيين. قال دحيم: هو في الشاميين غاية، وخلط عن المدنين. وروى له الأربعة. ومسلم بن خالد بن قرقرة، ويقال: ابن جرجة، أبو خالد المكي المعروف بالزنجي شيخ الشافعي، ضعيف قاله يحيى، وعنه: ثقة. وعنه: ليس به بأس. وقال أبو داود: ضعيف. وقال ابن المديني: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. روى له أبو داود وابن ماجه. وجعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - أبو عبد الله المدني الصادق شيخ أبي حنيفة - رضي الله عنه - من ثقات الناس، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح". والزهري هو محمَّد بن مسلم. وعُبيد الله بن أبي رافع المدني مولى النبي - عليه السلام -، واسم أبي رافع: أسلم، أو إبراهيم، أو هرمز، أو ثابت، وقد تكرر ذكره، وسماعه عن علي - رضي الله عنه - صحيح، قاله البيهقي، وكان كاتبًا لعلي - رضي الله عنه -. وأخرجه ابن أبي شيبة؛ وعبد الرزاق في مصنفيهما مختصرًا موقوفًا. فابن أبي شيبة (¬1): عن عبد الأعلى، عن عمه، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقول: "يقرأ الإِمام ومن خلفه في الظهر والعصر في الركعتين الأولين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب". وعبد الرزاق (¬2): عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: "كان -يعني عليًّا - رضي الله عنه -- يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 325 رقم 3726). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 100 رقم 3656).

وكذلك أخرجه الدارقطني في "سننه" والبيهقي في "المعرفة" موقوفًا. فالدارقطني (¬1): عن محمَّد بن مخلد، عن محمد بن إسحاق الصاغاني، عن شاذان، عن شعبة، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن ابن أبي رافع، عن أبيه، عن على: "أنه كان يأمر أو يحب أو يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب خلف الإِمام". والبيهقي (¬2): عن أبي عبد الله الحافظ، عن محمَّد بن أحمد بن حمدان، عن جعفر ابن أحمد بن نصر الحافظ، عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زويع، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي قال: "اقرأ في صلاة الظهر والعصر خلف الإِمام بفاتحة الكتاب وسورة". وكذلك رواه يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، دون ذكر أبيه فيه. قوله: "بأم القرآن" أراد بها فاتحة الكتاب، وسميت بأم القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد، ولها أسامي أخرى كثيرة. قوله: "وقرآن" بالجرِّ عطفًا على قوله: "بأم القرآنِ" وأراد به سورة، ونحوها من آية طويلة أو ثلاث آيات قصار. قوله: "في العصر مثل ذلك" أي مثل ما كان يقرأ في الظهر. قوله: "فأُراه" أي: أرُى عليًّا، أي: أظنه أنه قد رفع الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد أخرجه مرفوعًا. ويستفاد منه: وجوب القراءة في الظهر والعصر، ووجوب ضم السورة إلى الفاتحة والاكتفاء في الركعة الثالثة من المغرب بسورة الفاتحة، وكذلك في الأخريين من الظهر والعصر. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 322 رقم 22). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 168 رقم 2759).

ويستفاد من رواية عبد الرزاق: أن القراءة ليست بواجبة في الأخريين منهما، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، حتى لو سبح فيهما جاز، وكذا لو سكت، ولكنه مكروه. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي - رضي الله عنه -: "أنه كان يقرأ في الأولين ويسبح في الأخريين". وكفى بعلي حجة في هذا. وأخرج أيضًا (¬2): عن جرير، عن منصور وقال: "قلت لإبراهيم: ما نفعل في الركعتين الأخريين من الصلاة؟ قال: سبح وأحمد الله وكبر". وروى محمَّد بن الحسن عن أبي حنيفة: أن القراءة في الأخريين واجبة، حتى لو تركها ساهيًا تلزمه سجدة السهو. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، عن زيد العمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "اجتمع ثلاثون من أصحاب النبي - عليه السلام - فقالوا: تعالوا حتى نقيس قراءة النبي - عليه السلام - فيما لم يجهر فيه من الصلوات، فما اختلف منهم رجلان، فقاسوا قراءته في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر قراءة ثلاثين آية، وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، وفي صلاة العصر في الركعتين الأوليين على قدر النصف من الأوليين في الظهر، وفي الركعتين الأخريين على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور بن زاذان، عن الوليد أبي بشر العنبري، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقوم في الظهر في الركعتين الأوليين في ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 327 رقم 3743). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 327 رقم 3744).

كل ركعة قدر قراءة ثلاثين آية، وفي الأخريين بنصف ذلك، وكان يقوم في العصر في الركعتين الأوليين قدر خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك". حدثنا أحمد بن شعيب، قال: أنا يعقوب بن إبراهيم الدسوقي، قال أنا هشيم، قال: ثنا منصور بن زاذان، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "كنا نحزر قيام رسول الله - عليه السلام - في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الظهر قدر ثلاثين آية قدر سورة السجدة في الركعتين الأوليين، وفي الآخريين على النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين من العصر على النصف من ذلك. ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن زيد بن الحواري العمي البصري قاضي هراة في ولاية قتيبة بن مسلم فيه مقال؛ فعن أحمد: صالح. وعن يحيى: لا شيء. وقال أبو زرعة: ليس بقوي، واهي الحديث، ضعيف. وقال النسائي: ضعيف. وروى له الأربعة، وإنما سمي العمي لأنه كان كلما سئل عن شيء قال: حتى أسأل عمي. عن أبي نضرة -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة- واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي ثم العوقي البصري من رجال الجماعة، غير أن البخاري استشهد به. عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك. وأخرجه ابن ماجه (¬1): نا يحيى بن حكيم، نا أبو داود الطيالسي، نا المسعودي ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "فقاسوا قراءته في الركعة الأولى من الظهر ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 271 رقم 828).

بقدر ثلاثين آية، وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وقاسوا ذلك في العصر على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر". قوله: "تعالوا" أمر من تعالى يتعالى، وهو الارتفاع، يقال: تعالى تعاليًا، تعالَوا -بفتح اللام- تعالى تعاليا تعالين ولا يستعمل منه النهي وغيره، ويقال: قد جاء تعاليتُ وأتعالى. قوله: "وقاسوا ذلك" إشارة إلى القراءة، والتذكر باعتبار القرآن. قوله: "ومن صلاة العصر في الركعتين" إلى آخره أراد أن الذي قرأ في الأوليين من العصر قاسوه فجاء على قدر النصف من الذي كان قرأه في الأوليين من الظهر، وكان الذي قاسوا ما قرأه في الأوليين من الظهر مقدار ثلاثين آية، فيكون الذي قرأه في الأوليين من العصر مقدار خمسة عشر آية. قوله: "وفي الركعتين الأخريين على قدر النصف من الركعتين الأخريين من الظهر، أراد أن الذي قرأ في الركعتين الأخريين من العصر قاسوه فجاء على قدر النصف من الذي كان قرأ به في الأخريين من الظهر، وكان الذي قاسوا ما قرأه في الأخريين من الظهر مقدار خمسة عشر آية، فيكون الذي قرأه في الأخريين من العصر مقدار سبع آيات أو ثماني آيات. قال الذهبي عقيب هذا الحديث: هذا غريب فرد، وهو مشكل، وكيف يكون زمان الأخريين من الظهر في طول الأوليين من العصر؟! وقد استدل به بعض أصحابنا على أنه يقرأ في الأوليين من الظهر ثلاثين آية، وكذا من الصبح؛ لاستوائها في سعة الوقت، وفي العصر يقرأ بخمسة عشر آية. وقال صاحب "الهداية": ويقرأ في الحضر في الفجر بأربعين آية أو خمسين آية سوى فاتحة الكتاب، ويروى: من أربعين إلى ستين، ومن ستين إلى مائة، وبكل ذلك ورد الأثر.

وجه التوفيق: أنه يقرأ بالراغبين مائة وبالكسالى أربعين، وبالأوسط ما بين خمسين إلى ستين. وقيل: ننظر إلى طول الليالي وقصرها، وإلى كثرة الأشغال وقلتها، قال: وفي الظهر مثل ذلك -أي مثل الفجر- وقال في "الأصل": أو دونه لأنه وقت الأشغال فينقص عنه تحررا عن الملال، والعصر والعشاء سواء، يقرأ فيها بأوساط المفصل، وفي المغرب دون ذلك يقرأ فيها بقصار المفصل، والأصل فيه كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنهما -: "أن اقرأ في الفجر والظهر بطوال المفصل، وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل". قلت: هذا بهذا اللفظ غريب لم يثبت. والصحيح ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن وغيره قال: "كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى: أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل". وقال الترمذي (¬2) في باب "القراءة في الصبح": وروي عن عمر: "أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في الصبح بطوال المفصل". ثم قال (¬3) في الباب الذي يليه: وروي عن عمر: "أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في الظهر بأوساط المفصل". ثم قال (¬4) في الباب الذي يليه: وروي عن عمر: "أنه كتب إلى أبي موسى أن أقرأ في المغرب بقصار المفصل". والثاني: عن ابن مرزوق، عن حبان -بفتح الحاء- بن هلال الباهلي البصري، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن منصور بن زاذان الواسطي، عن ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 104 رقم 2672). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 108). (¬3) "جامع الترمذي" (2/ 110). (¬4) "جامع الترمذي" (2/ 112).

الوليد بن مسلم بن شهاب أبي بشر العنبري البصري، عن أبي الصديق الناجي -بالنون والجيم- نسبة إلى ناجية قبيلة واسمه بكر بن عمرو، وقيل: ابن قيس البصري. وهذا إسناد صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا شيبان بن فروخ، قال: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن الوليد أبي بشر، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي - عليه السلام - كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الآخريين قدر خمس عشرة آية -أو قال: نصف ذلك- وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الآخريين قدر نصف ذلك". الثالث: عن أحمد بن شعيب النسائي الحافظ صاحب "السنن" المشهورة، عن يعقوب بن إبراهيم الدروقي، نسبة إلى دورق أراه من بلاد فارس قاله ابن قرقول، وقال الصغاني: دورق حصن على نهر من الأنهار المتشعبة من دجلة، انتقل من البصرة، ودورق بلدة بخوزستان، والدورق مكيال للشراب، وأهل مكة يسمون الجرة ذات العروة التي تقلّ باليد: الدورق، وهو صاحب المسند، وشيخ الجماعة. عن هشيم بن بشير، عن منصور بن زاذان ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا عبد الله بن محمَّد، ثنا هشيم، أنا منصور ... إلى آخره نحوه، مع اختلاف يسير في اللفظ. قوله: "نحزر" من حَزَرْتُ الشيء أحْزُرُه وأحزِرُه -بالضم والكسر- حَزْرًا، أي قدرت وخرصت. وقوله: "سورة السجدة" وهي سورة ألم تنزيل السجدة، وهي مكية، ثلاثون آية عند أهل الكوفة والمدينة، وتسع وعشرون عند أهل البصرة، وثلاثمائة وثمانون كلمة، وألف وخمس مائة وثماني عشر حرفًا. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 334 رقم 452). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 273 رقم 804).

ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمَّد، قال: ثنا حماد، عن سماك، عن جابر بن سمرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج، ونحوهما من السور". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، ويونس بن محمَّد بن مسلم البغدادي، وحماد هو ابن سلمة، وسماك هو ابن حرب الكوفي. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد ... إلى آخره نحوه سواء. والترمذي (¬2): عن أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "وشبههما" موضع: "ونحوهما" وقدم والسماء ذات البروج على الطارق. وقال: حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح. والنسائي (¬3) عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن حماد ... إلى آخره نحو رواية الترمذي. وسورة البروج مكية، وهي اثنتان وعشرون آية، ومائة وتسع كلمات، وأربع مائة وثمان وخمسون حرفًا. وسورة الطارق مكية أيضًا، وهي سبع عشرة آية، وإحدى وستون كلمة، ومائتان وتسع وثلاثون حرفًا. وقد تعلق بعضهم بظاهر الحديث أن تطويل الركعة الثانية على الأولى غير مكروه؛ لأن البروج أطول من الطارق، وهذا فاسدٌ؛ لأن الواو لا تدل على الترتيب بل المراد أنه كان يقرأ في الركعة الأولى البروج، وفي الثانية الطارق، كما صرح به في روايتي الترمذي والنسائي، ومعنى روايتي الطحاوي وأبي داود على هذا، فافهم. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 273 رقم 805). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 110 رقم 307). (¬3) "المجتبى" (2/ 166 رقم 979).

ص: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خشيش، قال: ثنا عارم، قال: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: "قرأ رجل خلف النبي - عليه السلام - في الظهر أو العصر، فلما انصرف قال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ قال رجل: أنا. قال: لقد علمت أن بعضكم قد خالجنيها". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن سعيد بن أتيت عروبة، عن قتادة، أن زرارة حدثهم، عن عمران بن حصين، عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران، عن النبي أن - عليه السلام - مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن ابن خشيش -بضم الخاء وفتح الأولى من الشينين المعجمات بينهما ياء آخر الحروف ساكنة-. عن عارم بالمهملتين، وهو لقب محمَّد بن الفضل السدوسي، عن أبي عوانة الوضاح، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى العامري الحرشي أبي حاجب البصري قاضي البصرة، عن عمران - رضي الله عنه -. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا أبو الوليد الطيالسي. ونا شعبة. ونا محمَّد بن كثير العبدي، أنا شعبة -المعنى- عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين: "أن النبي - عليه السلام - صلى الظهر، فجاء رجل فقرأ خلفه بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} فلما فرغ قال: أيكم قرأ؟ قالوا: رجل، قال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها" انتهى. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 279 رقم 828).

أي: نازعني قراءتها، وقال الخطابي: جاذبنيها، والخلج: الجذب وهذا وقوله: نازعينها سواء، وإنما أنكر عليه مجاذبته إياه في قراءة؛ السورة حتى تداخلت القراءتان وتجاذبتا. قلت: وإنما ذكر من باب المفاعلة ليدل على المشاركة؛ لأن الخلج الجذب بسرعة فنقل إلى المخالجة لتدل على المشاركة، ومنه الخليج وهو نهر يساق من النهر الأعظم إلى موضع؛ لأنه اختلج منه، أي جذب. وقال الخطابي: وأما قراءة الفاتحة فإنه مأمور بها على كل حال إن أمكنه أن يقرأ في السكتتين فعل وإلا قرأ معه لا محالة. قلت: يرده إطلاق الأحاديث المذكورة من هذا وقوله - عليه السلام -: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة". أخرجه بن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1) وغيره. الثاني: عن ابن خزيمة، عن محمَّد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي الفقيه الكبير، عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران. وأخرجه مسلم (¬2): [ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا إسماعيل بن علية] (¬3). (ح) ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى يحدث، عن عمران بن الحصين - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - عليه السلام - صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} فلما ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 313 رقم 3582)، ورواه ابن ماجه في "سننه" (1/ 277 رقم 850)، وأحمد في "مسنده" (3/ 339 رقم 14684)، وغيرهما من حديث جابر، وقال الحافظ في "الدراية" (1/ 162): وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف، وقد قال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب منه، لكن تابعه ابن أبي سليم، قال البيهقي: ولم يتابعهما إلا من هو أضعف منها. وقال في "تلخيص الحبير": وله طرق عن جماعة من الصحابة وكلها معلولة. (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 298 رقم 398). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح مسلم".

انصرف، قال: أيكم قرأ، أو أيكم القارئ؟ قال رجل: أنا، قال: قد علمت أن بعضكم خالجنيها". الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، نا هدبة بن خالد، نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي -الظهر أو العصر- فقال: أيكم قرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؟ فقال رجل: أنا، فقال: قد عرفت أن رجلًا خالجنيها". وأخرجه النسائي (¬2) أيضًا: أبنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين قال: "صلى النبي - عليه السلام - الظهر، فقرأ رجل خلفه بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} فلما صلى قال: من قرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؟ قال رجل: أنا، قال: لقد علمت أن بعضكم قد خالجنيها". وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): ثنا محبوب بن الحسن بن هلال [بن أبي زينب] (¬4) قال: ثنا خالد، عن زرارة بن أوفى القشيري، عن عمران بن حصين قال: "صلى رسول الله - عليه السلام - صلاة الظهر، فلما انصرف قال: أيكم قرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}؟ قال بعض القوم: أنا يا رسول الله، قال: لقد عرفت أن بعضكم خالجنيها". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (18/ 211 رقم 522). (¬2) "المجتبى" (2/ 140 رقم 917). (¬3) "مسند أحمد" (4/ 433 رقم 19902). (¬4) في "الأصل": "نا ابن أبي ذئب"، وهو تحريف، والمثبت من "مسند أحمد".

وأخرجه الدارقطني (¬1): ثنا أحمد بن نصر بن سندويه، نا يوسف بن موسى، نا سلمة بن الفضل، ثنا الحجاج بن أرطأة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين قال: "كان النبي - عليه السلام - يصلي بالناس ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: من ذا الذي يخالجني بسورتهم؟ فنهاهم عن القراءة خلف الإِمام". ولم يقل هكذا غير حجاج وخالفه أصحاب قتادة، منهم: شعبة وسعيد وغيرهما، فلم يذكروا أنه نهاهم عن القراءة، وحجاج لا يحتج به. قلت: قال عثمان الدارمي عن يحيى: حجاج بن أرطاة في قتادة صالح. وقال شعبة: اكتبوا عن حجاج وابن إسحاق؛ فإنهما حافظان، غاية ما في الباب عابوا فيه إرساله، وروى له مسلم مقرونًا بغيره واحتج به الأربعة. ص: حدثنا محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سليمان التيميم، عن في مجلز، عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: -ولم أسمعه منه- "أن النبي - عليه السلام - سجد في صلاة الظهر، قال: فرأى أصحابه أنه قرأ تنزيل السجدة". ش: رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن بحر إلا أنه مرسل؛ لأن [أبا] (¬2) مجلز -وهو لاحق بن حميد السدوسي البصري الأعور- صرح بأنه لم يسمعه من ابن عمر - رضي الله عنهما -. وأخرجه ابن أبي شيبة (¬3) منقطعًا حيث قال: ثنا يزيد بن هارون، قال. أنا التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام -: "أنه قرأ في صلاة الظهر سجدة فسجد، فرأوا أنه قرأ: ألم تنزيل السجدة"، قال: ولم يسمعه التيمي من أبي مجلز. وقد عرف أن المرسل والمنقطع كل منهما لا تقوم به حجة إلا إذا كان له طريق آخر مسند صحيح. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 326 رقم 8). (¬2) في "الأصل، ك": "ابن"، وهو تحريف. (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 381 رقم 4386).

ويستفاد منه: وجوب القراءة في الظهر؛ لأنه - عليه السلام - لو لم يقرأ لما سجد سجدة التلاوة، وإخفاء القراءة فيه، ووجوب سجدة التلاوة في ألم تنزيل السجدة، وأنها إذا وجبت على الإِمام تجب، وأن السجدة الصلاتيَّة تؤدى فيها. ص: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤمنا فيجهر ويخافت، فجهرنا فيما جهر وخافتنا فيما خافت، وسمعته يقول: لا صلاة إلا بقراءة". حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا سهل بن بكّار، قال: ثنا أبو عوانة، عن رقبة، عن عطاء، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "في كل الصلاة قراءة فما أسمعنا رسول الله - عليه السلام - أسمعنكم، وما أخفاه علينا أخفيناه عليكم". حدثنا محمَّد بن النعمان السقطي، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن حبيب المعلم، عن عطاء، عن أبي هريرة مثله. حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول ... فذكر نحوه. حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء ... فذكره مثله بإسناده. حدثنا محمَّد بن بحر بن مطر، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: ثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن أبي هريرة، مثله. ش: هذه ستة طرق عن أبي هريرة: الأول: عن عبد الرحمن بن الجارود أبي بشر الكوفي ثم البغدادي، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار. واسمه باذام العبسي أبي محمَّد الكوفي شيخ البخاري وأحمد. عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، فيه مقال، فعن أحمد: كان يحيى بن سعيد يضعّفه. وعن ابن معين: ليس بذاك. وقال أبو حاتم: محله الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به. وروى له الأربعة.

عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "كان النبي - عليه السلام -يؤمنا، فيجهر ويخافت ... " إلى آخره نحوه سواء. قوله: "فيجهر" أي في بعض الصلوات كالمغرب والعشاء والصبح والجمعة وصلاة العيد. و"يخافت" أي يسر بالقراءة في بعضها كالظهر والعصر، وهو من الخفت وهو ضد الجهر، من خَفَتَ يَخْفِتُ خَفْتَا ويُخَافِت من المُخَافَتة، وهي المفاعلة، ولا يدل على المشاركة؛ لأنه بمعنى الثلاثي كالمسافرة بمعنى السفر، والمسارعة بمعنى الإسراع. قوله: "لا صلاة" أي لا صلاة جائزة أو صحيحة إلا بقراءة القرآن، وهو يتناول سائر الصلوات من الفرائض والنوافل؛ لأن النكرة في موضع النفي تعم. ويستفاد منه: أن بعض الصلوات يجب الإخفاء فيها بالقراءة، وبعضها الجهر بها، وأن كمال الصلاة بالمتابعة، وأن جميع الصلوات لا تجوز إلا بالقراءة ردا على من أنكر وجوبها فيها مطلقًا، أو في الظهر والعصر عند البعض، وأن المراد من القرآن مطلق القراءة سواء كان فاتحة الكتاب أو غيرها. فافهم. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سهل بن بكّار بن بشر الدارمي البصري المكفوف شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن رقبة بن مِصْقلة -بكسر الميم، وسكون الصاد ويقال بالسين- العبدي الكوفي من رجال الجماعة، ابن ماجه في التفسير. عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 121 رقم 2746).

وأخرجه النسائي (¬1): أنا محمَّد بن قدامة، قال: ثنا جرير، عن رقبة، عن عطاء، قال: قال أبو هريرة: "كل صلاة يقرأ فيها، فما أسمعنا رسول الله - عليه السلام - أسمعناكم، وما أخفاها أخفينا منكم". قوله "في كل صلاة قراءة" أي تجب في جميع الصلوات قراءة القرآن، سواء كانت فرضًا أو نفلًا، وسواء كانت مما يجهر بها أو مما يخافت فيها. وقوله في رواية النسائي: "يُقرأ فيها" على صيغة المجهول أي يقرأ القرآن، وروي نقرأ -بالنون- أي: نحن نقرأ؛ فدل الحديث على الجهر والإخفاء، وأجمعت الأمة على الجهر بالقراءة في الصبح، وأولتي المغرب والعشاء، والجمعة، وعلى الإسرار في الظهر والعصر، وثالثة المغرب، وأخريي العشاء. واختلفوا في العيد: فعندنا والشافعي يجهر. وفي الاستسقاء: فعند أبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد: يجهر فيها بالقراءة. وفي الكسوف والخسوف فلا جهر فيهما عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف وأحمد: فيهما الجهر. وقال الشافعي: في الكسوف يسّر، وفي الخسوف يجهر. وأما بقيّة النوافل ففي النهار لا جهر فيها، وفي الليل يتخير. وقال النووي: وفي نوافل الليل قيل: يجهر فيها، وقيل: يخير بين الجهر والإسرار. الثالث: عن محمَّد بن النعمان السقطي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري، عن يزيد بن زريع البصري، عن حبيب بن أبي قريبة المعلم أبي محمَّد البصري، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة. وإسناده على شرط مسلم. وأخرجه مسلم (¬2): ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا يزيد بن زريع، عن حبيب المعلم، عن عطاء، قال: قال أبو هريرة: "في كل صلاة قراءة فما أسمعنا - صلى الله عليه وسلم - ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 163 رقم 969). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 297 رقم 396).

أسمعناكم، وما أخفى منا أخفيناه منكم، فمن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت منه، ومن زاد فهو أفضل". الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عطاء بن أبي رباح. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا مسدد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع أبا هريرة يقول: "في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله - عليه السلام - أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير". الخامس: عن محمَّد بن النعمان، عن عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد أبي بكر الحميدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "في كل صلاة قراءة، فما أسمعناه رسول الله - عليه السلام - أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم، فسمعته يقول: لا صلاة إلا بقراءة". السادس: عن محمَّد بن بحر بن مطر البغدادي، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن حبيب المعلم، عن عطاء، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (¬3): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن قيس بن سعد وعمارة بن ميمون وحبيب، عن عطاء بن أبي رباح، أن أبا هريرة قال: "في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا النبي - عليه السلام - أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفينا عليكم". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 267 رقم 837). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 120 رقم 2743). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 271 رقم 797).

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، قال: أخبرني أبو عبيدة، عن أنس - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - كان يقرأ في الظهر بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ". ش: إسناده صحيح وسعيد بن سليمان هو المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود. وعبَّاد -على وزن فَعَّال بتشديد العين (¬1) - وكذلك العوَّام، روى له الجماعة. وسفيان بن حسين بن حسن الواسطي روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا. وأبو عبيدة ذكره البخاري في "الكنى" المجردة، وقال الحاكم أبو أحمد: خليقًا أن يكون أبو عبيدة حميد الطويل، كناه سفيان بن حسين بكنيته، وخفي ذلك على محمَّد بن إسماعيل البخاري، وقد حدث سفيان هذا عن حميد الطويل. وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: هو حميد الطويل. وأخرجه النسائي (¬2): أنا محمَّد بن شجاع المروذي، قال: ثنا أبو عبيدة، عن عبد الله بن عبيد، قال: سمعت أبا بكر بن النضر، قال: "كنا بالطف عند أنس فصلى بهم الظهر، فلما فرغ قال: إني صليت مع رسول الله - عليه السلام - صلاة الظهر، فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} ". وأخرجه ابن أبي شيبة (¬3): موقوفًا عن حماد بن مسعدة (¬4)، عن حميد قال: "صليت خلف أنس بن مالك الظهر، فقرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} وجعل يسمعنا الآية". ¬

_ (¬1) أي "عين" الفعل، وهي الباء في "عبَّاد"، و "الواو" في "عوَّام". (¬2) "المجتبى" (2/ 163 رقم 972). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 313 رقم 3575). (¬4) في "الأصل، ك" "سعيد" والمثبت من "المصنف" ومصادر ترجمته.

ص: وقد احتج قوم في ذلك أيضًا مع ما ذكرنا بما قد روي عن خباب بن الأرت. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، قال: "قلت لخباب بن الأرت: أكان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قلت: بأي شيء كنتم تعرفون ذلك؟ قال: باضطراب لحيته". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: أنا شريك وأبو معاوية ووكيع، عن الأعمش ... فذكر بإسناده مثله. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلم يكن في هذا دليل عندنا على أنه قد كان يقرأ فيهما؛ لأنه قد يجوز أن تضرب لحيته بتسبيح يسبحه، أو دعاء أو غيره، ولكن الذي حقق القراءة منه في هاتين الصلاتين من قد روينا عنه الإشارة التي في الفصل الذي قبل هذا. ولما ثبت بما ذكرنا عن رسول الله - عليه السلام - تحقيق قراءته في الظهر والعصر، وانتفى ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - مما يخالف ذلك؟ رجعنا إلى النظر بعد ذلك هل نجد فيه ما يدل على صحة أحد القولين اللذين ذكرنا، فاعتبرنا ذلك، فرأينا القيام في الصلاة فرضًا وكذلك الركوع والسجود، وهذا كله من فرض الصلاة وهي به مضمنة لا تجزئ الصلاة إذا ترك شيء من ذلك، وكان ذلك في سائر الصلوات سواء، ورأينا القعود الأول مسنة لا اختلاف فيه فهو في كل الصلوات سواء، ورأينا القعود الأخير فيه اختلاف بين الناس، منهم من يقول: هو فرض، ومنهم من يقول: هو سنة، وكل فريق منهم قد جعل ذلك في كل الصلوات سواء، فكانت هذه الأشياء ما كان منها فرضًا في صلاة فهو فرض في كل الصلوات كذلك، وكان الجهر بالقراءة في صلاة الليل ليس بفرض ولكنه سنة، وليست الصلاة به مضمنة كما كانت مضمنة بالركوع والسجود والقيام، قالك قد ينتفي من بعض الصلوات ويثبت في بعضها، والذي هو فرض والصلاة به مضمنة ولا تجزئ الصلاة إلا

بإصابته إذا كان في بعض الصلوات فرضًا كان في سائرها كذلك، فلما رأينا القراءة في المغرب والعشاء والصبح واجبة في قول هذا المخالف لا بد منها ولا تجزى الصلاة إلا بإصابتها كان كذلك هي في الظهر والعصر، فهذه حجة قاطعة على من ينفي القراءة من الظهر والعصر ممن يراها فرضًا في غيرهما، وأما من لا يرى القراءة من صلب الصلاة فإن الحجة عليه في ذلك: أنا قد رأينا المغرب والعشاء يقرأ في كلتيهما في قوله، ويجهر في الركعتين الأوليين منهما، ويخافت فيما سوى ذلك. فلما كان سنة ما بعد الركعتين الأوليين هي القراءة، ولم تسقط بسقوط الجهر، كان النظر على ذلك: أن تكون كذلك السنة في الظهر والعصر لما سقط الجهر فيهما بالقراءة أن لا تسقط القراءة؛ قياسًا على ما ذكرنا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله. ش: أراد بالقوم هؤلاء: جماعة من أصحاب الأئمة الأربعة، حيث استدلوا على وجوب القراءة في الظهر والعصر بحديث خباب بن الأرت وذلك لأن أبا معمر لما سأل خبابًا: "هل كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال له: نعم. فقال: بأي شيء عرفتم ذلك؟ قال خباب: باضطراب لحيته - صلى الله عليه وسلم -". ولم يرض الطحاوي بهذا الاستدلال، حيث قال: فلم يكن في هذا دليل عندنا على قراءته؛ لاحتمال أن يكون اضطراب لحيته المباركة بالتسبيح أو التهليل أو الدعاء أو بذكر من الأذكار، فلا يتم به الاستدلال مع هذا الاحتمال. هذا ما قاله، ولقائل أن يقول: هذا احتمال بعيد، فلا يضرُّ صحة الاستدلال، وذلك أنه - عليه السلام - قد قال: لا صلاة إلا بقراءة، فكيف يجوز بعد هذا القول أن يترك القراءة ويشتغل بالتسبيح ونحوه، بل الظاهر من الحال هو قراءته - عليه السلام - ولأن المصلي يناجي ربه في صلاته، وقراءة القرآن في حال المناجاة أولى وأجدر من الذكر على ما لا يخفي. قوله: "ولكن الذي حقق": أشار به إلى أن الدليل المرضي عنده في وجوب القراءة في الظهر والعصر هو الأحاديث التي رواها في الفصل الذي قبل هذا، وأراد بها

أحاديث أبي قتادة وأبي سعيد الخدري وجابر بن سمرة وعمران بن حصين وأبي هريرة وأنس بن مالك - رضي الله عنهم -. قوله: "تحقيق قراءته" فاعل لقوله: "ولما ثبت" أي تحقيق قراءة النبي - عليه السلام - في الظهر والعصر، و"انتفى ما روى عن ابن عباس". من قوله: "لا" حين سئل: "هل كان النبي - عليه السلام - يقرأ في الظهر والعصر" الذي مرَّ ذكره في أول الباب، وهو الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، وقد ذكر وجه انتفاء هذا فيما مضى مستقصى. قوله: "مما يخالف ذلك" أي الذي ثبت عنه - عليه السلام - من قراءته في الظهر والعصر. قوله: "رجعنا إلى النظر" أي القياس، وأراد أن القراءة في الظهر والعصر لما ثبتت بالدلائل الصحيحة الواضحة، ثبتت بما يؤكدها ويشدها أيضًا من القياس الصحيح، وهو من قوله: "فاعتبرنا ذلك ... " إلى آخر الباب. ملخص ذلك: أن القيام والركوع والسجود من فروض الصلاة بلا خلاف، وأن الصلاة لا تجزئ إلا بها, وليس ذلك في صلاة مخصوصة بل في سائر الصلوات، والقعود الأول سنة بلا خلاف، وهو أيضًا في سائر الصلوات، والقعود الأخير فيه خلاف فمنهم من يقول: هو فرض وهم: أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأكثر العلماء، ومنهم من يقول: هو سنة وهم: مالك ومن تبعه، وهذا أيضًا في سائر الصلوات، فيقول كل ما كان فرضًا في صلاة، فهو فرض في كل صلاة، فالقراءة في العشاءين والصبح فرض لا خلاف فيه بيننا وبين الخصم؛ لأن كلاًّ منها صلاة، فكذلك في الظهر والعصر فرض؛ لأن كلاًّ منهما صلاة، وكان الجهر بالقراءة في صلاة الليل سنة ليس فرضا كالقيام ونحوه فكما انتفى الوجوب ها هنا وهو بعض الصلاة، وكذلك انتفى عن بعضها الآخر وهو الظهر والعصر، وثبت في البعض الآخر وهو الصبح والأوليان من العشاءين، فهذا الذي ذكرنا من الأثر والقياس حجة قاطعة على من ينفي القراءة من الظهر والعصر، ويوجبها في غيرهما، وأما الحجة على من لا يرى القراءة من صلب الصلاة -يعني من ذات الصلاة- أراد: من لم ير القراءة ركنًا من

أركان الصلاة: أن القراءة يجهر بها في الأوليين من العشاءين في قوله أيضًا: ويخافت فيما سوى ذلك وكان ذلك سنة حيث لم تسقط بسقوط الجهر، فالنظر على ذلك أن تكون السنة كذلك في الظهر والعصر أن لا تسقط القراءة فيهما بسقوط الجهر، فهذا هو وجه القياس والنظر الصحيح والله أعلم. ثم إنه أخرج حديث خباب من طريقين صحيحين على شرط الشيخين: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن قبيصة بن عقبة بن محمَّد السوائي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن سليمان الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرة الأزدي الكوفي. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا محمَّد بن يوسف، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر قال: قلت ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غيرأن في لفظه: "بأي شيء كنتم تعلمون قراءته". وأخرجه أبو داود (¬2): عن مسدد، عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش ... " إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "بم كنتم تعرفون". قوله: "باضطراب لحيته" أي بحركتها، وقد جاء في بعض الروايات لحيَيْه -بفتح اللام وباليائين أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة- وهي تثنية "لحي" بفتح اللام وسكون الحاء، وهي منبت اللحية من الإنسان وغيره. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، وأبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، ووكيع بن الجراح، كلهم عن سليمان الأعمش ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 264 رقم 727). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 272 رقم 801).

وأخرجه ابن أبي شيبة (¬1): أنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر قال: "قلنا لخباب بأي شيء كنتم تعرفون قراءة رسول الله - عليه السلام - في الظهر والعصر؟ قال: باضطراب لحيته". أبو معاوية: "لحييه". وأخرجه ابن ماجه (¬2): ثنا علي بن محمَّد، نا وكيع، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه. ص: وقد روي ذلك عن جماعة من أصحاب النبي - عليه السلام - كما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد وموسى بن إسماعيل، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: "سمعت من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقرأ في الظهر والعصر {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} ". حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا سفيان بن حسين، قال: سمعت الزهري يحدث عن ابن أبي رافع، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "أنه كان يأمر أو يحب أن يقرأ خلف الإِمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة سورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب". حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: حدثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، قال: سمعت أبا مريم الأسدي، يقول: "سمعت ابن مسعود - رضي الله عنه - يقرأ في الظهر". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن حسان، عن جميل بن مرَّة وحكيم: "أنهم دخلوا على مورق العجلي، فصلى بهم الظهر، فقرأ بقاف والذاريات، اسمعهم بعض قراءته، فلما انصرف قال: صليت خلف ابن عمر - رضي الله عنهما - فقرأ بقاف والذاريات فاسمعنا نحو ما أسمعناكم". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 318 رقم 3635). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 270 رقم 826).

حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: ثنا المقرئ، عن حيوة وابن لهيعة، قالا: أنا بكر بن عَمرو، أن عبيد الله بن مقسم أخبره، أن ابن عمر قال له: "إذا صليت وحدك فاقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة سورة، وفي الركعتين الأخريين بأم القرآن، فلقيت زيد بن ثابت وجابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -، فقالا مثل ما قال ابن عمر - رضي الله عنهما -". حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريايى، قال: ثنا سفيان، عن أيوب بن موسى، عن عبيد الله بن مقسم قال: "سألت جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - عن القراءة؛ في الظهر والعصر، فقال: أما أنا فاقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة سورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب". حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني أسامة بن زيد، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله: "أنه سأله كيف تصنعون في صلاتكم التيم لا تجهرون فيها بالقراءة؛ إذا كنتم في بيوتكم؟ فقال: نقرأ في الأوليين من الظهر والعصر في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، ونقرأ في الأخريين بأم القرآن وندعو". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن عبيد الله بن مقسم، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "إذا صليت وحدك شيئًا من الصلوات فاقرأ في الركعتين الأوليين بسورة مع أم القرآن، وفي الأخريين بأم القرآن". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا مسعر بن كدام، قال: حدثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله: "سمعته يقول: يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، قال: وكنا نتحدث أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما فوق ذلك، أو فما أكثر من ذلك".

حدثنا فهد، قال: حدثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن زكرياء، عن عبد الله بن خباب، عن خالد بن عرفطة قال: "سمعت خبابًا يقرأ في الظهر أو العصر إذا زلزلت". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمَّد بن إبراهيم قال: "سمعت هشام بن إسماعيل على منبر النبي - عليه السلام - يقول: قال أبو الدرداء: اقرءوا في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب". ش: أي قد روي فعل القراءة؛ في الظهر والعصر أيضًا عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم -، وأخرج ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله ابن مسعود وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وخباب بن الأرت وأبي الدرداء - رضي الله عنهم -. أما أثر عمر: فأخرجه عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن عبيد الله ابن محمد بن حفص المعروف بأبي عائشة، وعن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مَلّ -بفتح الميم وكسرها- نسبة إلى نهد بن زيد بن ليث بن سُود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، قبيلة كبيرة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا ابن علية، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي عثمان النهدي، قال: "سمعت من عمر - رضي الله عنه - نغمة من "قاف" في صلاة الظهر". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 319 رقم 3644).

وأما أثر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: فأخرجه عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس التيمي -وقيل: التميمي- شيخ البخاري، عن شعبة، عن سفيان بن حسين الواسطي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله ابن أبي رافع، عن أبيه أبي رافع مولى النبي - عليه السلام -، عن علي - رضي الله عنه -. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه الدارقطني (¬1): ثنا إسماعيل بن محمَّد الصفار، ثنا عباس بن محمَّد، ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا شعبة، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن ابن أبي رافع، عن أبيه: "أن عليًّا - رضي الله عنه - كان يأمر أو يقول: اقرأ خلف الإِمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب". وفي رواية (¬2) له: "أقرأ في صلاة الظهر والعصر". وقد ذكرناها فيما مضى عند قوله: "حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن مسلم بن خالد، عن جعفر بن محمَّد، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي - رضي الله عنه - ... " الحديث وهذا الحديث مع إسناده قريب من حديث بكر بن إدريس هذا. وأما أثر ابن مسعود: فأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء اسمه سليم بن أسود الكوفي، عن أبي مريم الأسدي واسمه عبد الله بن زياد الكوفي. وهذا إسناد صحيح. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 322 رقم 21). (¬2) تقدم تخريجه.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا شريك، عن أشعث بن سليم، عن أبي مريم الأسدي، عن عبد الله قال: "صليت إلى جنبه فسمعته يقرأ خلف بعض الأمراء في الظهر والعصر". وأما أثر عبد الله بن عمر فأخرجه من طريقين صحيحين، وعبد الله بن لهيعة مذكور في الطريق الثاني متابعة. الأول: عن أبي بكرة بكار، عن وهب بن جرير، عن هشام بن حسان الأزدي القردوسي، عن جميل بن مرة الشيباني البصري، وثقه النسائي وروى له أبو داود، وعن حكيم -بفتح الحاء- غير منسوب، الظاهر أنه والد المغيرة بن حكيم من التابعين، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه: "أنهما وجماعة دخلوا على مورق العجلي ... " إلى آخره، ومُوَرِّق -بضم الميم وتشديد الراء المكسورة- بن المُشَمْرج -بضم الميم الأولى، وفتح الشين المعجمة، وسكون الميم، وكسر الراء، وفي آخره جيم- العجلي الكوفي ويقال البصري، روي له الجماعة. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن ابن إدريس، عن هشام، عن جميل بن مرة، عن مورق العجلي قال: "صليت خلف ابن عمر الظهر، فقرأ بسورة مريم". وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن معمر، عن قتادة، عن مورق العجلي قال: "كان ابن عمر - رضي الله عنه - يصلي بهم فيقرأ في الظهر بقاف واقتربت". الثاني: عن إبراهيم بن منقذ، عن عبد الله بن يزيد القصير المقرئ، عن حيوة بن شريح أبي زرعة المصري، وعن عبد الله بن لهيعة، كلاهما عن بكر بن عمرو المعافري المصري، إمام جامعها، عن عبيد الله بن مقسم القرشي المدني، عن ابن عمر، وزيد ابن ثابت، وجابر بن عبد الله. أما أثر زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: فقد ذكر في أثر ابن عمر. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 328 رقم 3752). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 313 رقم 3576). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 105 رقم 2679).

وأما أثر جابر بن عبد الله: فأخرجه من أربع طرق صحاح، غير ما ذكره في أثر ابن عمر - رضي الله عنهم -: الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المكي. عن عبيد الله بن مقسم المدني ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن مقسم قال: "سألت جابر بن عبد الله عن القراءة قال: أما أنا فأقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الآخريين بفاتحة الكتاب". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن ابن سعد، عن أسامة بن زيد، عن عبيد الله بن مقسم ... إلى آخره. قوله: "وندعوا" أراد به من الأدعية المأثورة التي تشابه ألفاظ القرآن، نحو: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة" ونحو ذلك. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة ابن بكير بن عبد الله بن الأشج المدني، عن أبيه بكير بن عبد الله، عن عبيد الله بن مقسم ... إلى آخره، وقد ذكرنا أن مخرمة لم يسمع من أبيه. الرابع: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن مسعر بن كدام، عن يزيد بن صهيب الفقير الكوفي، عن جابر - رضي الله عنه -. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا وكيع، عن مسعر، عن يزيد الفقير، ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 101 رقم 2661). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 326 رقم 3728) الشطر الأول منه والشطر الثاني في (1/ 318 رقم 3633).

عن جابر قال: "يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، كنا نتحدث أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد". وأما أثر خباب: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي القاضي، عن زكرياء بن أبي زائدة الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، عن عبد الله بن خباب الأنصاري المدني، عن خالد ابن عرفطة، ويقال: خالد بن عرفجة، قال أبو حاتم: مجهول. وفي "الميزان": خالد بن عرفطة أو عرفجة، تابعي كبير لا يعرف انفرد عنه قتادة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وأما أثر أبي الدرداء واسمه عويمر بن مالك: فأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حرب بن شداد اليشكري البصري، عن يحيى بن أبي كثير الطائي أبي نصر اليمامي، واسم أبي كثير صالح بن المتوكل، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث القرشي المدني، روى له الجماعة، عن هشام بن إسماعيل والي المدينة النبوية الذي ضرب سعيد بن المسيب بالسياط، ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" وقال: هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة المخزومي روى عن أبي الدرداء مرسلًا، روى عنه محمَّد بن يحيى بن حبان ومحمد بن إبراهيم التيمي، سمعت أبي يقول ذلك. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1) منقطعًا معضلًا وقال: ثنا عبد الله بن مبارك، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: "حُدِّثْت أن أبا الدرداء كان يقول: اقرءوا في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب، وفي الركعة الأخيرة من صلاة المغرب وفي الركعتين الآخريين من العشاء بأم الكتاب". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 325 رقم 3725).

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن عمر بن راشد عم يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان: "أن أبا الدرداء كان يقول: اقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر والعشاء الآخرة في كل ركعة بأم القرآن وسورة وفي الركعة الآخرة من المغرب بأم القرآن " انتهى. قلت: لم يذكر خالد سماعًا من أبي الدرداء. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 102 رقم 2664).

ص: باب: القراءة في صلاة المغرب

ص: باب: القراءة في صلاة المغرب ش: أي هذا الباب في بيان أحكام القراءة في صلاة المغرب، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه (ح) وحدثنا يزيد بن مشان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا مالك، قال: أخبرني الزهري، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "سمعت النبي - عليه السلام - يقرأ في المغرب بالطور". حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمَّد بن إدريس، قال: أنا مالك وسفيان، عن ابن شهاب، فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي قال: "سمعت النبي - عليه السلام - يقرأ في المغرب بالطور". وأخرجه البخاري (¬1): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك ... إلى آخره نحوه. ومسلم (¬2): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على ... مالك إلى آخره نحوه. الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن يحيى بن سعيد القطان، عن مالك ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 256 رقم 731). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 338 رقم 463).

وأخرجه أبو داود (¬1): حدثني القعنبي، عن مالك ... إلى آخره. والنسائي (¬2): أخبرنا قتيبة، عن مالك ... إلى آخره. الثالث: عن إسماعيل بن يحيى المزني صاحب الشافعي، عن الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي، عن مالك، وعن سفيان بن عُيينة، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): ثنا سفيان، عن الزهري، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: "سمع النبي - عليه السلام - يقرأ في المغرب بالطور". وأخرجه ابن ماجه (¬4): ثنا محمَّد بن الصباح، أنا سفيان، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "سمعت النبي - عليه السلام - يقرأ في المغرب بالطور". قوله: "بالطور" أي بسورة {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} وهي مكية، وهي تسع وأربعون آية عند أهل الكوفة، وثمان وأربعون عند أهل البصرة، وسبع وأربعون عند أهل المدينة، وثلاثمائة واثني عشر كلمة، وخمسمائة أحرف. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: حدثني بعض إخوتي، عن أبيه، عن جبير بن مطعم: "أنه أتى النبي - عليه السلام - في بدر، قال: فانتهيت إليه وهو يصلي المغرب، فقرأ بالطور، فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن، وذلك قبل أن يسلم". ش: فيه مجهول، وهو قوله: "بعض أخوتي" قيل: هو إما مسور وإما صالح ابنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والظاهر أنه صالح وذكره ابن حبان في "الثقات". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 274 رقم 811). (¬2) "المجتبى" (2/ 169 رقم 987). (¬3) "مسند أحمد" (4/ 80 رقم 16781). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 272 رقم 832).

وسعد بن إبراهيم روى له الجماعة، وأبوه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وثقة النسائي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا عفان ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت بعض أخوتي، عن أبيه، عن جبير بن مطعم: "أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فداء بدر -قال ابن جعفر: في فداء المشركين- وما أسلم يومئذ فدخلت المسجد ورسول الله - عليه السلام - يصلي المغرب، فقرأ بالطور فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن، قال ابن جعفر: فكأنما صدع قلبي [حيث] (¬2) سمعت القرآن". وأخرجه الطبراني (¬3) أيضًا: ثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد، أن ابن شهاب أخبره، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: "أنه جاء في فداء أسارى بدر قال: فوافيت رسول الله - عليه السلام - يقرأ في صلاة المغرب {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} (¬4) قال: فأخذني من قراءته كالكرب، فكان ذلك أول ما سمعت من أمر الإِسلام". قوله: "أتى النبي - عليه السلام - في بدر" أي في فداء أهل بدر كما صرح به في رواية أحمد، وكان جبير يومئذ كافرًا، وأسلم بعد ذلك، فهذا من بدائع الحديث وعجائبه حين سمع جبير هذا الحديث وهو كافر، وحدث عنه وهو مسلم. قوله: "فكأنما صدع قلبي" أي شقَّه وقطَّعه، وأراد به أنه أثر في قلبه، وداخَلَهُ نور الإِسلام ببركة ذلك. قوله: "حين سمعت القرآن" وفي بعض الروايات "حيث سمعت" كما وقع كذلك في إحدى روايات أحمد. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (4/ 83 رقم 16808). (¬2) في "الأصل، ك": حين. والمثبت من "مسند أحمد". (¬3) "المعجم الكبير" (2/ 116 رقم 1498). (¬4) سورة الطور، آية: [1 - 3].

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: "إن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ بالمرسلات عُرفا، فقالت: يا بني، لقد ذكرتني قراءتك هذه السورة أنها لآخر ما سمعت النبي - عليه السلام - يقرأ بها في صلاة المغرب". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري ... فذكر مثله بإسناده. ش: هذان طريقان صحيحان وقد تكرر رجالها والكل رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. وأخرجه الجماعة: فالبخاري (¬1): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. ومسلم (¬2): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأبو داود (¬3): عن القعنبي، عن مالك. والترمذي (¬4): عن هناد، عن عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن أمه أم الفضل قالت: "خرج إلينا رسول الله - عليه السلام - وهو عاصب رأسه في مرضه، فصلى المغرب فقرأ بالمرسلات، فما صلاها بعد حتى لقي الله -عز وجل-". وقال: حديث أم الفضل حديث حسن صحيح. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 265 رقم 729). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 338 رقم 462). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 274 رقم 810). (¬4) "جامع الترمذي" (2/ 112 رقم 308).

والنسائي (¬1): عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن أمه: "أنها سَمِعَت النبي - عليه السلام - يقرأ في المغرب بالمرسلات". وابن ماجه (¬2): عن أبي بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار، كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أمه -قال أبو بكر بن أبي شيبة: هي لبابة-: "أنها سمعت رسول الله - عليه السلام - يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا" انتهى. ولبابة -بضم اللام، وتخفيف الباء الموحدة، وبعد الألف باء أخرى- هو اسم أم الفضل بنت الحارث بن حزن الهلالية، زوج العباس بن عبد المطلب، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي - عليه السلام -. قوله: "يا بني" تصغير [ابن، وهذا تصغير] (¬3) الترحم والشفقة. قوله "قراءتك" مرفوع لأنه فاعل لقوله: "ذكرتني" وهي من التذكير. قوله: "هذه السورة" مفعول المصدر، أعني "قراءتك" والمصدر مضاف إلى فاعله. قوله: "إنها" أي إن {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} وهي مكية إلا قوله -عز وجل-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} (¬4) وهي خمسون آية، ومائة وإحدى وثمانون كلمة، وثمانمائة وستة عشر حرفًا. الثاني: عن ابن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس العبدي البصري شيخ أحمد، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم الزهري ... إلى آخره. وأخرجه الدارمي في "مسنده" (¬5): أنا عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 168 رقم 986). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 272 رقم 831). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "عمدة القاري". (¬4) سورة المرسلات، آية: [48]. (¬5) "سنن الدارمي" (1/ 336 رقم 1294).

عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن أم الفضل: "أنها سمعت النبي - عليه السلام - يقرأ في المغرب بالمرسلات". ص: حدثنا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة، قال: أنا حيوة، قال: أنا أبو الأسود، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: أخبرني زيد بن ثابت، أنه قال لمروان بن الحكم: "يا أبا عبد الملك، ما يحملك أن تقرأ في صلاة المغرب بقل هو الله أحد وسورة أخرى صغيرة؟ قال زيد: فوالله لقد سمعت رسول الله - عليه السلام - يقرأ في صلاة المغرب بأطول الطول وهي ألمص". حدثنا روح بن الفرج، قال: نا سعيد بن عفير، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام، عن أبيه: "أن مروان كان يقرأ في المغرب بسورة يس". قال عروة: قال زيد بن ثابت -أو أبو زيد الأنصاري شك هشام- لمروان: "لم تقصر صلاة المغرب، وكان رسول الله - عليه السلام - يقرأ فيها بأطول الطوليين: الأعراف؟ ". ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن الربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، ونسبته إلى جيزة مصر -بكسر الجيم- بليدة قبالة مقياس مصر من غربي النيل على شطه. عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المؤذن، قال أبو حاتم: محله الصدق ولكن غمزه سعيد بن أبي مريم. عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه الزاهد العابد، روى له الجماعة. عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار بن نُضَيْر -بضم النون وفتح الضاد المعجمة- قال النسائي: ليس به بأس. وعن يحيى: كان راوية عن ابن لهيعة، وكان شيخ صدق.

عن عروة بن الزبير بن العوام، عن زيد بن ثابت الأنصاري الصحابي - رضي الله عنه - أنه قال لمروان وهو ابن الحكم بن أبي العاص، ولد يوم أحد وقيل: يوم الخندق، ولم ير النبي - عليه السلام - لأنه خرج إلى الطائف طفلًا لا يعقل لما نفى النبي - عليه السلام -أباه الحكم (¬1) وكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف عثمان - رضي الله عنه - فردهما واستكتب عثمان مروان وضمه إليه، روى له الجماعة سوى مسلم. وأخرجه النسائي (¬2): أنا محمَّد بن سلمة، قال: ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الأسود، أنه سمع عروة بن الزبير يحدث، عن زيد بن ثابت، أنه قال لمروان: "يا أبا عبد الملك، أتقرأ في المغرب بقل هو الله أحد وإنا أعطيناك الكوثر؟ قال: نعم، قال: [فمحلوفة] (¬3) لقد رأيت رسول الله - عليه السلام - يقرأ فيها بأطول الطوليين ألمص". وقال أبو داود (¬4): نا الحسن بن علي، نا عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: حدثني ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال: "قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد رأيت رسول الله - عليه السلام - يقرأ في المغرب بطولى الطوليين؟ قال: قلت: ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف، قال: وسألت أنا ابن أبي مليكة، فقال لي من قبل نفسه: المائدة والأعراف". وقال البخاري (¬5): ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، قال: "قال زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت النبي - عليه السلام - يقرأ بطولى الطوليين؟ ". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" للطبراني (12/ 148 رقم 12724). (¬2) "المجتبى" (2/ 169 رقم 989). (¬3) في "الأصل، ك": "فحقلوفة"، والمثبت من "المجتبى"، والمحلوفة: هو القَسَم وهو على سبيل إضمار الحلف بالله محلوفة. انظر "لسان العرب" (حلف). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 274 رقم 812). (¬5) "صحيح البخاري" (1/ 265 رقم 730).

قوله: "وسورة أخرى صغيرة" قد فسرها في رواية النسائي بـ {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} (¬1). قوله: "بأطول الطُّوَل" بضم الطاء وفتح الواو، جمع طولى، وهي فُعْلى -بالضم- تأنيث أطول، ككبرى تأنيث أكبر، وأراد بالطُّوَل: المائدة والأنعام والأعراف، وأراد بأطول الطول: الأعراف؛ لأنه فسره بقوله وهي ألمص. فإن قيل: أطول الطول: البقرة؛ لأنها أطول السبع الطول، فكيف يقول: أراد بأطول الطول الأعراف". قلت: لو لم يفسر بقوله: "وهي ألمص" كان الذي يفهم من قوله: "أطول الطول" البقرة، ولكن لا فسره بقوله: "وهي ألمص"، عُرف أن المراد منه سورة الأعراف؛ لأنها أطول الطول بعد البقرة، بيانه: أن البقرة مائتان وثمانون وست آيات، وهي ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وخمس وعشرون ألف حرف وخمسمائة حرف. وسورة آل عمران مائتا آية، وثلاثة آلاف وأربعمائة وإحدى وثمانون كلمة، وأربعة عشر ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرون حرفًا. وسورة النساء مائة وخمس وسبعون آية، وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسة وأربعون كلمة، وستة عشر ألفا وثلاثون حرفًا. وسورة المائدة مائة واثنان وعشرون آية، وألف وثمانمائة كلمة وأربع كلمات، واحد عشر ألفًا وسبعمائة وثلاثة وثلاثون حرفًا. وسورة الأنعام مائة وست وستون آية، وثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة، واثني عشر ألف وأربعمائة واثنان وعشرون حرفًا. ¬

_ (¬1) سورة الكوثر، آية: [1].

والأعراف مائتان وخمس آيات عند أهل البصرة، وست عند أهل الكوفة، وثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة، وأربعة عشر ألف حرف وعشرة أحرف. الثاني: عن روح بن الفرج القطان، عن سعيد بن كثير بن عفير، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار ... إلى آخره. وهؤلاء ثقات إلا أن في ابن لهيعة مقالًا. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا أحمد بن رشدين، نا يحيى بن بكير، ثنا ابن لهيعة، حدثني أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: سمعت زيد بن ثابت يقول: "سمعت رسول الله - عليه السلام - يقرأ في المغرب بأطول الطوليين". وفي "الأطراف" لابن عساكر: "قيل لعروة ما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف ويونس". الثالث: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن المنهال الأنماطي، عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه عروة ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح. قوله: "أو أبو زيد الأنصاري" صحابي لم يدر اسمه، وذكره البغوي في "معجمه" وقال: أبو زيد الأنصاري ولم ينسَب. قوله: "شك هشام" أي هشام بن عروة. قوله: "لم تقصر" بالتشديد، وأراد تخفيف القراءة فيها. قوله: "بأطول الطوليين" يعني بأطول السورتين الطويلتين، وهما الأنعام والأعراف، والطولى مؤنث الأطول. قوله: "الأعراف" بيان لقول: "بأطول الطوليين". ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (5/ 126 رقم 4827).

ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن حميد، عن أنس، عن أم الفضل بنت الحارث قالت: "صلى بنا رسول الله - عليه السلام - في بيته المغرب في ثوب واحد، متوشحًا به، فقرأ والمرسلات، ما صلى بعدها صلاة حتى قبض - عليه السلام -". ش: إسناده صحيح على فرط مسلم، وموسى بن داود الضبي الخلقاني قاضي المصيصة، قال الدراقطني: كان مصنفًا مكثرًا مأمونًا روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. وعبد العزيز هو ابن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وحميد هو الطويل. وأخرجه النسائي (¬1): أنا عمرو بن منصور، قال: نا موسى بن داود، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن حميد، عن أنس، عن أم الفضل بنت الحارث قالت: "صلى بنا رسول الله - عليه السلام - في بيته المغرب، فقرأ المرسلات، ما صلى بعدها صلاة حتى قبض - عليه السلام -". قوله: "متوشحًا"، حال من الرسول - عليه السلام -، والتوشح التغشي، والأصل فيه من الوشاح، وهو شيء ينسج، عريضًا من أديم، وربما رصع بالجوهر والخرز، وتشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها، ويقال فيه: وشاح، وأشاح، وقال الجوهري: ربما قالوا: توشح الرجل بثوبه وبسيفه. وقال: ابن سيده: التوشح أن يتشح بالثوب ثم يخرج طرفه الذي ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى ثم يعقد طرفيهما على صدره، وقد وشحه الثوب. وقال الزهري في حديثه: الملتحف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقه، وهو الاشتمال على منكبيه. قوله: "ما صلى بعدها" أي بعد صلاة المغرب، وهذا يدل على أنه - عليه السلام - قبض بين المغرب والعشاء، ولكن المشهور المنقول عن الجمهور أنه توفي يوم الاثنين لليلتين ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 168 رقم 985).

خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل: ليلة خلت منه، وقال ابن إسحاق: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، في اليوم الذي قدم فيه المدينة، وقال عروة في مغازيه: توفي رسول الله - عليه السلام - وهو في صدر عائشة - رضي الله عنها - وفي يومها يوم الاثنين حين زاغت الشمس لهلال ربيع الأول، وعن الأوزاعي: توفي رسول الله - عليه السلام - يوم الاثنين قبل أن ينشب النهار، ويقال: توفي رسول الله - عليه السلام - حين أشتد الضحى يوم الاثنين، وقيل: عند زوال الشمس، والله أعلم. قلت: المعنى في الحديث أنه ما صلى بعدها صلاة بالجماعة، أو ما صلى بعدها صلاة مغرب أخرى؛ لأنه - عليه السلام - لم يلحق إلى المغرب الأخرى فقبض - عليه السلام -، فافهم. ص: فزعم قوم أنهم يأخذون بهذه الآثار ويقلدونها. ش: أراد بالقوم هؤلاء: حميدًا وعروة بن الزبير وابنه هشامًا والشافعي والظاهرية؛ فإنهم أخذوا بهذه الأحاديث المذكورة وتقلدوها وقالوا: الأحسن أن يقرأ المصلي في المغرب بالسور التي قرأها - عليه السلام - نحو الأعراف والطور والمرسلات ونحوها وقال الترمذي: ذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات. وقال الشافعي: لا أكره بل أستحب أن يقرأ بهذه السور في صلاة المغرب. وقال ابن حزم في "المحلى": ولو أنه قرأ في المغرب بالأعراف أو المائدة أو الطور أو المرسلات فحسن. ص: وخالفهم في قولهم هذا أخرون، فقالوا: لا ينبغي أن يقرأ في صلاة المغرب إلا بقصار المفصل. ش: أي خالف القوم المذكورين في قولهم الذي ذهبوا إليه جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي والثوري وعبد الله بن المبارك وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكا وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: المستحب أن يقرأ في صلاة المغرب من قصار المفصل.

وقال الترمذي: وعلى هذا العمل عند أهل العلم. والمفصل: السبع السابع، سمي به لكثرة فصوله، وهو من سورة محمَّد -وقيل: من الفتح، وقيل: من قاف- إلى آخر القرآن، وقصار المفصل من: لم يكن، إلى آخر القرآن. وأوساطه من: والسماء ذات البروج إلى: لم يكن، فافهم. ص: وقالوا قد يحوز أن يكون يريد بقوله قرأ بالطور: قرأ ببعضها، وذلك جائز في اللغة، يقال: هذا فلان يقرأ القرآن إذا كان يقرأ منه شيئًا، ويحتمل "قرأ بالطور" قرأ بكلها، فنظرنا في ذلك هل يروى فيه شيء يدل على أحد التأويلين؟ فإذا صالح بن عبد الرحمن وابن أبي داود قد حدثانا، قالا: حدثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن الزهري، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: "قدمت المدينة على عهد النبي - عليه السلام - لأكلمه في أسارى بدر، فانتهيت إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة المغرب، فسمعته يقول: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} (¬1) فكأنما صدع قلبي، فلما فرغ كلمته فيهم، فقال: شيخ، لو كان أتاني لشفعته فيهم يعني أباه مطعم بن عدي". فهذا هشيم قد روى هذا الحديث عن الزهري، فبين القصة على وجهها، وأخبر أن الذي سمعه من النبي - عليه السلام - هو قوله -عز وجل-: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} (1) فبين هذا أن قوله في الحديث الأول: "قرأ بالطور" إنما هو ما سمعه يقرأه منها, وليس لفظ جبير إلا ما روى هشيم؛ لأنه ساق القصة على وجهها، فصار ما حكى فيها عن النبي - عليه السلام - هو قراءته {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} (1) خاصة. وأما حديث مالك -رحمه الله-: فمختصر من هذا وكذلك حديث زيد بن ثابت في قوله لمروان: "لقد سمعت رسول الله - عليه السلام - يقرأ فيها بأطول الطول: ألمص". يجوز أن يكون ذلك على قراءته ببعضها. ¬

_ (¬1) سورة الطور، آية: [7].

ش: أي قال الجماعة الآخرون، وأشار به إلى الجواب عما استدل به أهل المقالة الأولى, بيانه: أن قوله: "قرأ بالطور، يحتمل أمرين: الأول: أن يكون أراد به بعض الطور، من قبل ذكر الكل دارادة الجزء، وهذا شائع ذائغ في كلام العرب، وذلك كما يقال: فلان يقرأ القرآن إذا كان يقرأ منه شيئًا، وفلان يحيى الليل إذا كان يحيى بعضه، وفلان ينفق ماله في سبيل الله إذا كان ينفق بعضه. وأن يكون على حقيقته بأن يكون قرأ بالطور كلها فإذا كان هذا اللفظ دائرًا بين الاحتمالين وجب أن ينظر فيه هل يوجد شيء من الآثار يؤكد أحد الاحتمالين ويُعلم أن المراد أحدهما فنظرنا فيه، فوجدنا حديث جبير بن مطعم الذي رواه هشيم عن الزهري، قد دل على أن المراد من حديث جبير في الروايات السابقة هو بعض السورة؛ لأن هشيمًا بين في روايته هذه القصة على وجهها، وأخبر أن الذي سمعه جبير بن مطعم هو هذا المقدار من سورة الطور، وهو قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} (¬1) خاصة، هذا الجواب أن الرواية التي رواها سعد بن إبراهيم. عن بعض إخوته عن أبيه جبير بن مطعم. وأما الجواب عن رواية مالك، عن الزهري، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن أبيه؛ فهو أنه مختصر من حديث سعد بن إبراهيم. وأما الجواب عن حديث زيد بن ثابت؛ فهو مثل الجواب المذكور أولًا، وهو أن يكون المراد بعض السورة كما ذكرنا، وكذلك الجواب عن حديث أم الفضل المذكور، ولم يذكر الطحاوي الجواب عنه. قلت: فيه نظر من وجهين: الأول: أن حديث هشيم لا يدل على المدعى؛ لأنه يجوز أن يكون انتهاء جبير بن مطعم إلى النبي - عليه السلام - وهو يقرأ: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} (1) وقد كان - عليه السلام - قد قرأ من أول السورة إلى هذا الموضع في غيبة جبير، وكان انتهاؤه إليه عند إنتهاء ¬

_ (¬1) سورة الطور، آية: [7].

النبي - عليه السلام - إلى هذه الآية، وأنه قد كمل السورة بعده بحضرته، ولم يذكر جبير من الآيات التي قد أدركها إلا هذه الآية وهي قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} (¬1) إما لأنه أول آية قد أدركها، داما لأن هذه الآية هي التي قد صدعت قلبه لكونها تخبر عن وقوع عذاب الله تعالى بلا ريب. والثاني: أن إنكار زيد بن ثابت أو أبي زيد الأنصاري على مروان بن الحكم حين قرأ بسورة يس بقوله: "لم تقصر صلاة المغرب وكان رسول الله - عليه السلام - يقرأ فيها بأطول الطوليين الأعراف؟ ". فلو لم يكن مراده الأعراف بتمامه لما وقع الإنكار في محله، مع أن مروان قد كان قرأ بسورة يس. والجواب الصحيح: أن يقال: إنه - عليه السلام - قد فعل هذا أحيانًا إما لبيان جواز الإطالة في المغرب، وإما لأنه قد علم أن من وراءه في ذلك الوقت ما كان يشتي ذلك عليهم، وإما لبيان أن الأمر على السعة، وأنه لا حد معلومًا في قراءة صلاة من الصلوات، وأن ذلك يفعل بحسب حال الوقت وبحسب حال المصلي، وقال القاضي عياض: وما ورد من إطالته - عليه السلام - في بعض الصلوات فإنه قد ورد ما يعارضه، وهو قوله - عليه السلام -: "إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة" (¬2). وهذا أمر منه - عليه السلام - بالتخفيف، وإشارة للتعليل؛ فيبطل تطرق الاحتمال إليه، وهذا وقول جابر بن سمرة: "وكانت صلاته بعد تخفيفًا" وحدث أنس بنحوه يقضي على جميع مختلف الآثار، وأنه هو الذي شرعه - عليه السلام - للأئمة، وهو موضع البيان، وما خالفه من فعله فبحسب زوال العلة وهي السفر، وكون الصائم ورائه أو المتعجل، أو ضيق الوقت ونحو ذلك، على أنه - عليه السلام - كان يخفف الصلاة لسماع بكاء الصبي انتهى. ¬

_ (¬1) سورة الطور، آية: [7]. (¬2) متفق عليه من حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -، البخاري (1/ 248 رقم 670)، ومسلم (1/ 340 رقم 466).

وقد أكد بعضهم صحة ما ذكره الطحاوي من التأويل المذكور بما روي عن أنس قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي - عليه السلام -، ثم يرمي أحدنا فيرى موقع نبله" (¬1) وفي رواية غيره: "وهم يبصرون موقع النبل على قدر ثلثي ميل" (¬2) فلما كان هذا المقدار وقت انصراف رسول الله - عليه السلام -من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك وقد قرأ فيها الأعراف ولا نصفها ولا ثلثها. قلت: هذا ما ذكره الطحاوي على ما يجيء الآن، ولكن فيه نظرة لأن حديث أنس لا يدل على أنه - عليه السلام - كان دائمًا يصلي المغرب نحو ما ذكره حتى يصحح به التأويل المذكور، بل فعل النبي - عليه السلام - في هذا مختلف، وكذلك الروايات عنه مختلفة في تطويله القراءة فيها أحيانًا وتخفيفه أحيانًا، وكل ذلك كان ليدل على سعة الأمر، وأنه لا حد في قراءة لصلاة من الصلوات لا يتعدى، وأنه - عليه السلام - كان يفعل كل ذلك بحسب حال من وراءه وبحسب وقته من ابتداء الصلاة أول الوقت، إذْ يمكنه، أو الأعذار الحادثة فيه فافهم. ثم إسناد حديث هشيم صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا صالحًا وإبراهيم ابن أبي داود. وأخرجه الطبراني (¬3): ثنا علي بن عبد العزيز، نا أبو عبيد، نا هشيم، ثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، قال هشيم: ولا أظن إلا قد سمعته من الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير قال: "أتيت النبي - عليه السلام - لأكلمه في أسارى بدر فوافيته وهو يصلي بأصحابه المغرب أو العشاء، فسمعته وهو يقول أو يقرأ وقد خرج صوته من المسجد {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ} (¬4) فكأنما صدع قلبي". ¬

_ (¬1) أخرجه أبو داود (1/ 167 رقم 416)، وأحمد (3/ 189 رقم 12987). (¬2) "شرح معاني الآثار" (1/ 213 رقم 1169) عن بعض بني سلمة. (¬3) "المعجم الكبير" (2/ 116 رقم 1499). (¬4) سورة الطور، آية: [7 - 8].

قوله: "على عهد النبي - عليه السلام -" أي على زمنه وأيامه، وكان قدومه مع أسارى بدر كافرًا يومئذ وأسلم بعد ذلك قبل عام خيبر، وقيل: يوم الفتح، قاله في "التهذيب". قوله: "فقال شيخ" أي فقال - عليه السلام -: لو أتاني شيخ أراد به أباه مطعم بن عدي بن نوفل، وكانت له يد عند رسول الله - عليه السلام - وهي أنه كان أجار رسول الله - عليه السلام - لما قدم من الطائف حين دعى ثقيفًا إلى الإِسلام، وكان أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبها قريش على بني هاشم وبني المطلب، وإياه عنى أبو طالب بقوله: أمطعمُ إنَّ القومَ ساموكَ خُطَّة ... وإني متى أُوكَل فلستُ بوائلِ وكانت وفاة المطعم قبل بدر بنحو سبعة أشهر. قوله: "لشفعته" أي لقبلت شفاعته فيهم، لما قلنا من كون يد له عند النبي - عليه السلام -. ص: ومما يدل أيضًا على صحة هذا التأويل: أن محمَّد بن خزيمة قد حدثنا، قال: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري: "أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن موسى وموسى بن إسماعيل، قالا: ثنا حماد، قال: أنا ثابت، عن أنس قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي - عليه السلام - ثم يرمي أحدنا فيرى موقع نبله". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر (ح) وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن أبي عوانة وهشيم، عن أبي بشر، عن علي بن بلال، قال: "صليت مع نفر من أصحاب النبي - عليه السلام - من الأنصار فحدثوني أنهم كانوا يصلون مع رسول الله - عليه السلام - المغرب، ثم ينطلقون يرتمون لا يخفى عليهم موقع سهامهم، حتى يأتوا ديارهم وهي أقصى المدينة في بني سَلِمَة".

حدثنا أحمد بن مسعود، قال: ثنا محمَّد بن كثير، عن الأوزعي، عن الزهري، عن بعض بني سَلِمَة: "أنهم كانوا يصلون مع النبي - عليه السلام - المغرب، ثم ينصرفون إلى أهليهم وهم يبصرون موقع النبل على قدر ثلثي ميل". حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نصلي مع النبي - عليه السلام -المغرب، ثم نأتي بني سَلِمَة وانا لنبصر مواقع النبل". قالوا: فلما كان هذا وقت انصراف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاة المغرب استحال أن يكون ذلك وقد قرأ فيها الأعراف ولا نصفها. ش: أي ومن الذي يدل أيضًا على صحة هذا التأويل -وهو الذي ذكره أن المراد من السورة بعض السورة من إطلاق الكل وإرادة الجزء-: حديث جابر وأنس ونفر من أصحاب النبي - عليه السلام - وبعض بني سَلِمَة من الصحابة؛ لأنه ذكر في أحاديثهم أنهم كانوا يرمون بالسهام بعد انصرافهم من صلاة المغرب مع النبي - عليه السلام - وإن أحدهم يرى مواقع نبله على قدر ثلثي ميل، فإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون ذلك وقد قرأ - عليه السلام - فيها -أي في صلاة المغرب- الأعراف كلها أو نصفها؛ فدل أن المراد: بعضها كما قلنا. أما حديث جابر: فأخرجه من طريقين غير متواليين، ولو كانا متواليين لكان أحسن على ما لا يخفى. الأول: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا هناد بن السري، ثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر: "أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون". انتهى.

أي يرتمون بالسهام، يقال: انتضل القوم وتناضلوا أي رموا للسبق، وناضله إذا راماه، وفلان يناضل عن فلان إذا رامى عنه ودفع عنه. الثاني: عن الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب واسمه هشام بن شعبة أبي الحارث المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم الكناني ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه أحمد، (¬1) والبزار، وأبو يعلى (¬2) في "مسانيدهم" بأسانيد مختلفة: عن جابر قال: "كنا نصلي مع الرسول - عليه السلام - المغرب، ثم نرجع إلى منازلنا وهي ميل وأنا أبصر مواقع النبل". وفي إسنادهم عبد الله بن محمَّد بن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به ولكن الترمذي وثقه، واحتج به أحمد وغيره. وأما حديث أنس - رضي الله عنه -: فأخرجه من طريقين أيضًا صحيحين: الأول: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار شيخ البخاري، وعن موسى بن إسماعيل المنقري أبي سلمة التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن ثابت بن أسلم البناني، عن أنس. وأخرجه أبو داود (¬3): ثنا داود بن شبيب، نا حماد، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي - عليه السلام - ثم نرمي فيرى أحدنا موضع نبله "انتهي. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 369 رقم 15013). (¬2) "مسند أبي يعلى" (4/ 79 رقم 2104). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 167 رقم 416).

قلت: النبل السهام العربية ولا واحد لها من لفظها، فلا يقال: نبلة، وإنما يقال: سهم ونشابة. الثاني: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس. وأخرجه السراج في "مسنده": عن هناد، عن قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: "كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون، فيرون موقع نبلهم". وأما حديث نفر من الصحابة: فأخرجه من طريقين: الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن سهل بن بكار الدارمي شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي عونة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن علي بن بلال راوي المراسيل والمقاطع كذا قال ابن حبان بعد أن ذكره في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": علي بن بلال، وقال بعضهم: حسان بن بلال، قال: صليت مع نفر من الأنصار المغرب، فقالوا: كنا نصلي مع النبي - عليه السلام - ثم ننطلق فنترامى في بني سَلِمَة". سمعت أبي يقول ذلك. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح وهشيم بن بشير، كلاهما عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن علي بن بلال. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1) بإسناد حسن: عن علي بن بلال، عن ناس من الأنصار قالوا: "كنا نصلي مع رسول الله - عليه السلام - المغرب، ثم ننصرف فنترامى حتى نأتي ديارنا فما تخفى علينا مواقع سهامنا". وأما حديث بعض بني سلمة: فأخرجه عن أحمد بن مسعود الخياط شيخ الطبراني أيضًا، عن محمَّد بن كثير بن أبي عطاء الصنعاني فيه مقال يختلف فيه، عن ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (4/ 36 رقم 16462).

عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن بعض بني سلمة ... إلى آخره. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن معمر وابن جريج، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك أخبره: "أن رجالًا من بني سلمة كانوا يشهدون المغرب مع رسول الله - عليه السلام - فينصرفون إلى أهليهم وهم يبصرون مواقع النبل". وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (¬2): عن حسين بن علي، عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن رجل -قال: من أبناء النقباء- عن أبيه قال: "كنا نصلي المغرب مع رسول الله - عليه السلام - ثم نرجع إلى رحالنا وأحدنا يبصر مواقع النبل". قال: قلت للزهري: فكم كانت منازلهم من المدينة؟ قال: ثلثي ميل. انتهى. قلت: ابن كعب اسمه عبد الله بن كعب، وبني سَلِمَة -بكسر اللام- من الأنصار حيث وقع. ص: وقد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله قال: "صلى معاذ - رضي الله عنه - بأصحابه المغرب، فافتتح بسورة البقرة أو النساء، فصل رجل ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل، فأتى النبي - عليه السلام -، فذكر ذلك له، فقال رسول الله - عليه السلام -: أفاتن أنت يا معاذ؟! - قالها مرتين- لو قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها؛ فإنه يصلي خلفك ذو الحاجة والضعيف والصغير والكبير". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: أنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن محارب بن دثار، عن جابر، عن النبي - عليه السلام - نحوه. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (1/ 511 رقم 2090). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 290 رقم 3329).

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: "هي العتمة". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: "كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي - عليه السلام - ثم يرجع فيؤمنا، فأخر رسول الله - عليه السلام - العشاء ذات ليلة، فصلى معه معاذ ثم جاء ليؤمنا، فافتتح سورة البقرة، فلما رأى ذلك رجل من القوم تنحى ناحية فصلى وحده، فقلنا: ما لك يا فلان أنافقت؟ فقال: ما نافقت ولآتين رسول الله - عليه السلام - فلأخبرنه، فأتى رسول الله - عليه السلام - فقال: يا رسول الله، إن معاذًا يصلي معك ثم يرجع فيؤمنا، وإنك أخرت العشاء البارحة وصك معك، ثم جاء فتقدم ليؤم معنا، فافتتح بسورة البقرة فلما رأيت ذلك تنحيت فصليت وحدي أي رسول الله، إنما نحن أصحاب نواضح، إنما نعمل بأجرائنا، فقال رسول الله - عليه السلام -: أفتان أنت يا معاذ -مرتين- اقرأ بسورة كذا، اقرأ بسورة كذا، أقرأ بسور قصار من المفصل -لا أجدها- فقلنا لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا، عن جابر، أن رسول الله - عليه السلام - قال له: اقرأ بسورة والليل إذا يغشى، والشمس وضحاها، والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، فقال عمرو بن دينار: هو نحو هذا". قالوا: فقد أنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قراءته بهم سورة البقرة، وقال له: أفتان أنت يا معاذ؟ وأمره بالسور التي ذكرناها من المفصل، فإن كانت تلك الصلاة هي صلاة المغرب فقد ضاد هذا الحديث حديث زيد بن ثابت وما ذكرناه معه في أول هذا الباب، وإن كانت هي صلاة العشاء الآخرة فكره رسول الله - عليه السلام - أن يقرأ فيها بما ذكرنا مع سعة وقتها؛ فإن صلاة المغرب مع ضيق وقتها أحرى أن تكون تلك القراءة فيها مكروهة. ش: ذكر حديث معاذ - رضي الله عنه - من ثلاث وجوه تأكيدًا لما ذهب إليه أهل المقالة الثانية من استحباب تخفيف القراءة في صلاة المغرب، ألا ترى أنه - عليه السلام - أنكر على

معاذ قراءة سورة البقرة في صلاته معهم، ونسبه إلى الفتنة وتنفير الناس عن الجماعة، وأمره بأن يقرأ بالسور القصيرة من سور المفصل، وهو معنى قوله: "قالوا: فقد أنكر، أي قال أهل المقالة الثانية ... إلى آخره. قوله: "فإن كانت تلك الصلاة" أي الصلاة التي صلاها معاذ معهم وقرأ فيها بسورة البقرة هي صلاة المغرب، فقد ضاد هذا الحديث حديث زيد بن ثابت وحديث جبير بن مطعم وحديث أم الفضل ونحوها مما يشابهها؛ لأن أحاديث هؤلاء تقتضي أن يكون المستحب قراءة السور الطويلة نحو السور التي ذكرت في أحاديثهم، وهذا الحديث يقتضي كراهة ذلك، فبينهما تضاد، هذا الذي ذكره. وفيه نظر؛ لأن أحاديث هؤلاء إذا كانت محمولة على بيان امتداد وقت المغرب من غروب الشمس إلى غروب الشفق الأبيض أو الأحمر على الاختلاف أو على حسب من وراءه الراغبين لذلك، وهذا الحديث إذا كان محمولًا على ضيق الوقت إن كانت الصلاة مغربًا وعلى حسب من وراءه من أصحاب الأعذار والحاجات، وإذا كانت الصلاة عشاء، فلا تضاد ولا تنافي فافهم. قوله: "وإن كانت هي صلاة العشاء" أي وإن كانت صلاة التي صلاها معاذ هي صلاة العشاء الآخرة، فقد كره - عليه السلام - أن يقرأ بنحو سورة البقرة مع سعة وقت العشاء، فإذا كان كذلك ففي صلاة المغرب مع ضيق وقتها أحرى وأصلى أن تكون القراءة الطويلة مكروهة. فإن قيل: قد صرح في الحديث أن تلك الصلاة كانت صلاة العشاء فمن أين هذا الترديد؟ قلت: كما صرح بأنها صلاة العشاء في حديث عمرو بن دينار عن جابر، فكذلك صرح في حديث محارب بن دثار عن جابر بأنها صلاة المغرب، ولكن عمرو بن في ينار المكي صرح في روايته أنها صلاة العشاء حيث أخرج الطحاوي ذلك عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن عمرو بن دينار قال: "هي العتمة" انتهى، أي: العشاء.

فإن قيل: قد روى أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا سفيان، عن عمرو، سمعه من جابر: "كان معاذ يصلي مع رسول الله - عليه السلام - ثم يرجع فيؤمنا- وقال مرة: ثم يرجع فيصلي بقومه -فأخر النبي - عليه السلام -- قال مرة: الصلاة، وقال مرة: العشاء- فصلى معاذ مع النبي - عليه السلام - ثم جاء قومه فقرأ البقرة، فاعتزل رجل من القوم فصلى فقيل: نافقت يا فلان؟ قال: ما نافقت فأتى النبي - عليه السلام -، فقال: إن معاذًا يصلي معك ثم يرجع فيؤمنا يا رسول الله، إنما نحن أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا، وإنه جاء يؤمنا فقرأ بسورة البقرة، فقال: يا معاذ، أفتان أنت؟! اقرأ بكذا وكذا قال أبو الزبير: بسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، فذكرنا لعمرو فقال: أراه قد ذكره". وأخرجه أبو داود في "سننه" (¬2): عن أحمد بن حنبل. وهذا عمرو بن دينار يقول فيه بالترديد حيث قال: "فأخر النبي - عليه السلام - قال مرة: الصلاة، وقال مرة: العشاء". وقوله: "الصلاة" أعمّ من أن تكون مغربًا أو عشاء. قلت: الترديد في اللفظ فقط، ولا ترديد في المعنى، فإن مراده من قوله: "الصلاة" هو العشاء الآخرة؛ وذلك لأن تأخير المغرب مكروه، ولم ينقل أنه - عليه السلام - أخرها، وها هنا قد أراد بقوله: "فأخر الصلاة" أي العشاء؛ فافهم. أما الوجه الأول: فقد أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: "صلى معاذ ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح. ومحارب بن دثار بن كردوس السدوسي أبو كردوس الكوفي قاضيها. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 308 رقم 14346). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 269 رقم 790).

وأخرجه البخاري (¬1): ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا محارب بن دثار، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لا أقبل رجل بناضحين، وقد جنح الليل، فوافق معاذًا يصلي، فترك ناضحه، وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه، فأتى النبي - عليه السلام - فشكى إليه معاذًا، فقال النبي - عليه السلام -: يا معاذ أفتان أنت -أو أفاتن ثلاث مرار- فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة". الثاني: عن روح بن الفرج، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي والد سفيان الثوري، عن محارب بن دثار، عن جابر. وأخرجه البزار في "مسنده" من وجوه، وفي أحدها: ثنا إبراهيم بن بشار، نا داود بن عمرو، نا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن محارب بن دثار، عن جابر. وفي أحدها: عن شعبة، عن محارب ثم قال: واللفظ لفظ حديث شعبة، قال: "أقبل رجل من الأنصار معه ناضحان له، ومعاذ يصلي المغرب، فدخل معه في الصلاة، فاستفتح معاذ بالبقرة أو النساء -محارب الذي يشك- فلما رأى الرجل ذلك صلى ثم خرج، فبلغ الرجل أن معاذًا ينال منه، فذكر ذلك للنبي - عليه السلام -، فقال: أفتان يا معاذ، أفتان يا معاذ -أو فاتن فاتن فاتن- فلولا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها ونحوهما؛ يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة -أحسب محاربًا الذي يشك في الضعيف-". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 249 رقم 673).

الثالث: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي شيخ أبي داود، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (¬1): حدثني [محمد] (¬2) بن عباد، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر قال: "كان معاذ يصلي مع النبي - عليه السلام - ثم يأتي فيؤم قومه، فصلى ليلة مع النبي - عليه السلام - العشاء ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف، فقالوا له: نافقت يا فلان، قال: لا والله ولآتين رسول الله - عليه السلام - فلأخبرنه فأتى رسول الله - عليه السلام - فقال: يا رسول الله، إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذًا صلى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله - عليه السلام - على معاذ فقال: يا معاذ، أفتان أنت؟! اقرأ بكذا وكذا". قال سفيان: قلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: "اقرأ والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى" فقال عمرو نحو هذا. قوله: "فصلى رجل" قيل: هو حزم بن أبي كعب، وقيل: حرام بن ملحان، وقيل: حازم، وقيل: سليم. قوله: "فبلغ ذلك معاذًا"، أي بلغ انصراف الرجل المذكور عن صلاة معاذ وصلاته وحده. قوله: "فبلغ ذلك الرجل" أي فبلغ قول معاذ: "إنه منافق" الرجل المذكور. قوله: "فأتى النبي - عليه السلام -" أي فأتى الرجل المذكور النبي - عليه السلام - "فذكر ذلك" أي ما قاله معاذ في حقه. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 339 رقم 465). (¬2) في "الأصل، ك": معاذ. وفي "صحيح مسلم"، و"تحفة الأشراف" (2/ 256 رقم 2533): محمَّد بن عباد. ومحمد بن عباد هو ابن الزبرقان المكي وهو يروي عن سفيان. انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" وهو الأظهر هنا. ويوجد في شيوخ مسلم: محمَّد بن معاذ بن عباد العنبري وهو يروي عن سفيان أيضًا.

قوله: "أفاتن" أي أمنفِّر عن الدين وصادٌّ عنه، والهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار، وهذا زجر له عن تطويله الصلاة على ذوي الحاجات والضعفاء. قوله: "قالها مرتين" أي قال- عليه السلام - تلك الكلمة مرتين، أراد أنه قال: أفاتن أنت يا معاذ، أفاتن أنت يا معاذ. قوله: "لو قرأت بسبح اسم ربك الأعلى ... " إلى آخره، جواب "لو" محذوف، أي لو قرأت بهذه السورة كانت تكفي أو تجزئ أو نحو ذلك. قوله: "فإنه يصلي" الفاء للتعليل، والضمير للشأن. قوله: "أقبل رجل بناضحين" الرجل هو الذي ذكرناه، والناضح هو البعير الذي يستقى عليه، والأنثى: ناضحة، والجمع: نواضح، سميت بذلك لنضحها الماء باستقائها، والنضح: الرش. قوله: "وقد جنح الليل" الواو للحال، يقال: جنح الليل إذا قبل والشمس تغيب. قوله: "نال منه" أي أصاب منه، أراد: تكلم في حقه بما يسوؤه. قوله: "تنحى ناحية" أي تجنب الناس وصار في ناحية وحده. قوله: "أنافقت" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "أي رسول الله" أي: يا رسول الله وقد علم أن حروف النداء ثمانية، وهي "يا"، و"أيا"، و"هيا"، و"أي" و"الهمزة"، و"وا"، و"آ"، و"آي". و"يا " هي أم الباب؛ لأنها ينادى بها البعيد والقريب والمندوب وغيره و"أيا" مثل "يا" إلا أنها لا تستعمل إلا والمنادى مذكور و"هيا" مثل "أيا"؛ لأن مائها مبدلة من الهمزة و"أي" بفتح الهمزة وسكون الياء بوزن "كَيْ"، و"الهمزة" نحو: أَزيد أقبل، فهذه الخمسة حروف النداء عند البصريين، وزاد الكوفيون "آ"، و"آي" تقول: آزيد، وآي زيد، وأما "وا" فتستعمل في الندبة، وهي: نداء المتفجع عليه، أو المتوجع منه، نحو: وازيداه، واظهراه.

قوله: "أصحاب نواضح" أي: أصحاب عمل وتعب. قوله: "بأجرائنا" جمع أجير. قوله: "من المفصل" وهو السُّبع السابع من القرآن، سمي به لكثرة فصوله، وقد مرَّ مرة. قوله "فقلنا لعمر" القائل هو سفيان الثوري، وعمرو هو ابن دينار المكي، وأبو الزبير هو محمَّد بن مسلم بن تدرس المكيز ويستفاد من هذه الأحاديث: استحباب تخفيف القراءة في صلاة المغرب، وكراهية تطويلها, ولا سيما في حق الإِمام الذي يصلي وراءه قوم ضعفاء أو كسالى، أو يكون إمام مسجد شارع، وفي مثل هذا يكره في سائر الصلوات. وجواز قول من يقول سورة البقرة وسورة النساء وسورة المائدة ونحوها، ومنعه بعض السلف وزعم أنه لا يقال إلا: السورة التي تذكر فيها البقرة ونحوها، والحديث الصحيح حجة عليه. ووجوب الإنكار على من ارتكب ما ينهى عنه وإن كان مكروهًا غير محرم. وجواز الاكتفاء بالكلام في التعزير. والأمر بتخفيف الصلاة والتعزير على إطالتها إذا لم ترض الجماعة. وفيه جواز إمامة المتنفل بالمفترض وهو الذي تعلق به الشافعي، وسيجيء الجواب عن ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. ص: وقد روي عن النبي - عليه السلام - فيما كان يقرأ به في العشاء الآخرة نحو من هذا. حدثنا أحمد بن عبد المؤمن الخراساني، قال: ثنا علي بن الحسن بن شفيق، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، وأشباهها من السور".

ش: إسناده صحيح، وأحمد بن عبد المؤمن وثقه ابن يونس وابن الجوزي، وعلي بن الحسن شيخ البخاري وغيره، والحسن بن واقد المروزي أبو عبد الله قاضي مرو روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وعبد الله بن بريدة أبو سهل المروزي روى له الجماعة، وأبوه بريدة بن الحصيب بن عبد الله الصحابي. وأخرجه الترمذي (¬1): ثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا حسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في العشاء الآخرة بالشمس وضحاها، ونحوها من السور" وقال: حديث بريدة حديث حسن. وأخرجه النسائي (¬2): عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبيه، عن الحسن بن واقد ... إلى آخره نحوه. ص: فإن قال قائل: فهل روي عن النبي - عليه السلام - أنه قرأ في المغرب بقصار المفصل؟ قيل له: نعم. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله - عليه السلام - قرأ في المغرب بالتين والزيتون". حدثنا يحيى بن إسماعيل أبو زكريا البغدادي، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا الضحاك بن عثمان، قال: حدثني بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في المغرب بقصار المفصل". حدثنا روح بن الفرج، قال: حدثنا أبو مصعب، قال: أنا المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، عن الضحاك، عن بكير، عن سليمان، عن أبي هريرة قال: "ما رأيت ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 114 رقم 309). (¬2) "المجتبى" (2/ 173 رقم 999).

أحدًا أشبه صلاة بصلاة رسول الله - عليه السلام - من فلان، قال بكير: فسألت سليمان -وكان قد أدرك ذلك الرجل- فقال: كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل". حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا عثمان بن مِكْتَل، عن الضحاك ... ثم ذكر بإسناده مثله. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا أبو هريرة - رضي الله عنه - قد أخبر عن النبي - عليه السلام - أنه كان يقرأ في صلاة المغرب بقصار المفصل، فإن حملنا حديث جبير وما رويناه معه من الآثار على ما حمله عليه المخالف لنا؛ تضادت تلك الآثار وحديث أبي هريرة هذا، وإن حملناها على ما ذكرنا ائتلفت هي وهذا الحديث، وأولى بنا أن نحمل الآثار على الاتفاق لا على التضاد؛ فثبت بما ذكرنا أن ما ينبغي أن يقرأ به في صلاة المغرب هو قصار المفصل، وهذا قول أبي حنيفة وأيى يوسف ومحمد رحمهم الله. ش: أخرج في جواب السائل، عن اثنين من الصحابة - رضي الله عنهم -: أحدهما: عبد الله بن عمر، أخرج حديثه عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن يعقوب بن حميد بن كاسب نزيل مكة شيخ البخاري في أفعال العباد وشيخ ابن ماجه في "سننه"، فيه مقال؛ فعن يحيى: ليس بشيء. وعنه: ضعيف. وعن النسائي: ليس بشيء. ووثقه ابن حبان ويحيى في رواية. عن وكيع بن الجراح، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، عن جابر بن يزيد الجعفي الكوفي، فيه مقال كثير. عن عامر بن شراحيل الشعبي، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - قرأ في المغرب بالتين والزيتون". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 314 رقم 3592) ولكن من مسند عبد الله بن يزيد، وليس عبد الله بن عمر، وكذا ذكره الحافظ ابن حجر في "المطالب العالية" (1/ 209 رقم 488) بتحقيقنا وعزاه =

والآخر: أبو هريرة - رضي الله عنه - أخرج حديثه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يحيى بن إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي شيبة صاحب "المصنف" و"المسند"، عن زيد بن الحباب -بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة- العكلي الكوفي من رجال مسلم والأربعة، عن الضحاك بن عثمان بن عبد الله الأسدي الحزامي المدني الكبير من رجال مسلم والأربعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي المدني نزيل مصر من رجال الجماعة، عن سليمان بن يسار الهلالي أبي أيوب مولى ميمونة زوج النبي - عليه السلام -أخي عطاء بن يسار- من رجال الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده". الثاني: عن روح بن الفرج القطان شيخ الطبراني أيضًا عن أبي مصعب أحمد بن أبي بكر واسمه القاسم بن الحارث الزهري المدني الفقيه قاضي مدينة الرسول - عليه السلام - وشيخ الجماعة سوى النسائي، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني، وثقه يعقوب بن شيبة وروى له أبو داود وابن ماجه، عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار ... إلى آخره. ¬

_ = لأبي بكر بن أبي شيبة في "مسنده" وكذا فعل البوصيري في "إتحاف الخيرة" (2/ 175 رقم 1282) بتحقيقنا أيضًا. وكذا أخرجه عبد بن حميد في "مسنده" كما في المنتخب من مسند عبد بن حميد (1/ 178 رقم 493) من طريق إسرائيل عن جابر، عن عامر، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري به. وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 297) وعزاه لعبد الله بن يزيد، وقال: رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه جابر الجعفي، وثقه شعبة وسفيان وضعفه بقية الأئمة. فهذا كما رأيت أن المحفوظ من رواية عبد الله بن يزيد الأنصاري وليس من رواية عبد الله بن عمر. فلعل هذا وهم من الطحاوي: وتبعه عليه العيني -رحمه الله-: هنا وكذا فعل في "عمدة القاري" (6/ 25) فقال: وروى الطحاوي من حديث عبد الله بن عمر "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالتين والزيتون" وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وفي سنده مقال. ولم ينتبه أنه من مسند عبد الله بن يزيد وليس ابن عمر كما قدمنا.

وأخرجه النسائي (¬1): أنا عبيد الله بن سعيد، قال: ثنا عبد الله بن الحارث، عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - عليه السلام - من فلان، فصلينا وراء ذلك الإنسان، فكان يطول الأوليين من الظهر ويخفف في الآخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وبأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬2): ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا الضحاك بن عثمان، حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، ثنا سليمان بن يسار، أنه سمع أبا هريرة يقول: "ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله - عليه السلام - من فلان -أميرًا كان بالمدينة- قال سليمان: فصليت أنا وراءه، فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الآخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل" انتهى. قوله: "من فلان" قيل: هو عمرو بن سَلِمَة الجرمي أبو بُريد، أدرك النبي - عليه السلام -، وكان يؤم قومه على عهد رسول الله - عليه السلام - لأنه كان أكثرهم حفظًا للقرآن، وسَلِمَة بكسر اللام، وبُريد -بضم الباء الموحدة، وفتح الراء- وفي رواية ابن حبان: "من فلان أميرًا كان بالمدينة" كما ذكرنا. الثالث: عن علي بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة القرشي المخزومي أبي الحسن الكوفي ثم المصري المعروف بعلَّان، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عثمان بن مِكْتَل بكسر الميم، وسكون الكاف وفتح التاء المثناة من فوق، عن الضحاك، عن بكير ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 167 رقم 983). (¬2) "صحيح ابن حبان" (5/ 145 رقم 1837).

وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬1)، ولكن من طريق النسائي. قوله: "فإن حملنا حديث جبير ... " إلى آخره ظاهر ولكن فيه ما فيه؛ وذلك لأنا إذا حملنا الأحاديث على اختلاف الأوقات والحالات كما ذكرنا فيما مضى لا يلزم التضاد ولا التنافي، فافهم. ص: وقد روي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن علي بن زيد بن جدعان، عن زرارة بن أوقى قال: "أقرأني أبو موسى كتاب عمر - رضي الله عنه - إليه: اقرأ في المغرب بآخر المفصل". ش: أي قد روي عن عمر بن الخطاب مثل ما روى أبو هريرة عن النبي - عليه السلام - أنه كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل، وبن ذلك بقوله: "حدثنا ... " إلى آخره وابن الأصبهاني هو محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، وشريك هو ابن عبد الله النخعي ثقة كبير، وعلي بن زيد بن جدعان ليس بقوي قاله أبو زرعة وأحمد، وعن يحيى: ليس بحجة. وعن أبي حاتم: ليس بقوى، يكتب حديثه ولا يحتج به، وكان ضريرًا وكان يتشيع، وزرارة بن أوفى العامري قاضي البصرة، من التابعين الثقات، ومات وهو ساجد، وأبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس وكان عمر - رضي الله عنه - استعمله على الكوفة والبصرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا شريك، عن علي بن زيد، عن زرارة بن أوفي قال: "أقرأني أبو موسى كتاب عمر - رضي الله عنه - أن اقرأ بالناس في المغرب بآخر المفصل" انتهى. وآخر المفصل من {لَم يَكُنِ} إلى آخر القرآن. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 193 رقم 3836). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 314 رقم 3594).

وروى عبد الرزاق (¬1): عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: "صلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلاة المغرب فقرأ في الركعة الأولى بالتين والزيتون وطور سينين، وفي الركعة الأخرى ألم تر، ولإيلاف قريش". وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن الحصين وأبي بكر الصديق - رضي الله عنهم -. فأثر ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا أبو داود الطيالسي، عن قرة، عن النزال بن عمار، قال: حدثني أبو عثمان النهدي، قال: "صلى بنا ابن مسعود - رضي الله عنه - المغرب، فقرأ قل هو الله أحد، فوددت أنه كان قرأ سورة البقرة من حسن صوته". وأخرجه أبو داود، (¬3) والبيهقي (¬4) أيضًا. وأثر ابن العباس أخرجه ابن أبي شيبة (¬5) أيضًا: ثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عقرب، عن ابن عباس قال: "سمعته يقرأ في المغرب إذا جاء نصر الله والفتح". وأثر عمران بن الحصين أخرجه ابن أبي شيبة (¬6) أيضًا: ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قال: "كان عمران بن الحصين يقرأ في المغرب إذا زلزلت والعاديات". وأثر أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬7): عن مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، أن عبادة بن نُسَي أخبره، أنه سمع قيس بن ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 109 رقم 2697). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 314 رقم 3595). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 275 رقم 815). (¬4) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 391 رقم 3838). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 315 رقم 3597). (¬6) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 315 رقم 3601). (¬7) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 109 رقم 2698).

الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي: "أنه صلى وراء أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل، ثم قرأ في الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه الآية {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} حتى {الْوَهَّابُ} " (¬1) انتهى. وعن مكحول (¬2): "أن قراءته هذه الآية في الركعة الثالثة كانت على سبيل الدعاء". وروي نحو ذلك من التابعين أيضًا: فقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا وكيع، عن إسماعيل بن عبد الملك، قال: "سمعت سعيد بن جبير يقرأ في المغرب مرة: تنبئ أخبارها، ومرة {تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} ". ثنا (¬4) وكيع، عن ربيع قال: "كان الحسن يقرأ في المغرب إذا زلزلت والعاديات لا يدعها". ثنا (¬5) زيد بن الحباب، عن الضحاك بن عثمان قال: "رأيت عمر بن عبد العزيز يقرأ في المغرب بقصار المفصل". ثنا (¬6) وكيع، عن محل قال: "سمعت إبراهيم يقرأ في الركعة الأولى من المغرب بـ إيلاف قريش". وأخرج البيهقي في "سننه" (¬7): من حديث هشام بن عروة: "أن أباه كان يقرأ في المغرب بنحوٍ مما تقرءون والعاديات ونحوها من السور". والله تعالى أعلم. ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [8]. (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 110 رقم 2699). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 315 رقم 3602). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 315 رقم 3604). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 315 رقم 3607). (¬6) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 315 رقم 3603). (¬7) "سنن البيهقي الكبير" (2/ 392 رقم 3839).

ص: باب: القراءة خلف الإمام

ص: باب: القراءة خلف الإمام ش: أي هذا باب في بيان حكم قراءة المقتدي خلف الإِمام، وجه المناسبة بين الأبواب ظاهرة؛ لأن كلها مشتمل على أحكام القراءة في الصلاة. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا محمَّد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الفجر فتعايَتْ عليه القراءة، فلما سلم قال: "أتقرءون خلفي؟ " قلنا: نعم يا رسول الله، قال: "فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". ش: رجاله ثقات، ومكحول بن زيد الشامي أحد مشايخ أبي حنيفة والأوزاعي والزهري، ومحمود بن الربيع بن سراقة الخزرجي الأنصاري، يكنى أبا نعيم، ويقال: أبا محمَّد، عقل عن النبي - عليه السلام - مَجّه مَجَّها في وجهه من دلو من بئر في دارهم وهو ابن خمس سنين، وهو ختن عبادة بن الصامت - رضي الله عنها -. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا يزيد، أنا محمَّد بن إسحاق، عن مكحول عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الغداة، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني لأراكم تقرءون وراء إمامكم، قلنا: نعم، والله يا رسول الله إناّ لنفعل هذا، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، ثنا محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره نحو رواية أحمد، غير أن في لفظه: "كنا خلف النبي - عليه السلام - في صلاة الفجر". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 316 رقم 22746). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 277 رقم 823).

وأخرجه الترمذي (¬1): ثنا هناد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق، عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: "صلى رسول الله - عليه السلام - الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني أراكم تقرءون وراء إمامكم، قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها". قوله: "فتعايت" أي صعبت عليه القراءة وثقلت، وأصله من العيِّ وهو خلاف البيان، يقال: أعيى عليه الأمر وتَعَيىَّ وتَعَايَى كلها بمعنى واحد. قوله: "فلا تفعلوا" قال الخطابي: يحتمل أن يكون أراد بالنهي ما زاد في القراءة على الفاتحة، ويحتمل أن يكون نهاهم عن الهذَّ وهو السرعة كما جاء في رواية أبي داود وأحمد، أراد يَهِذُّ القرآن هذًّا فيسرع فيه من غير تفكر ولا ترتيل، كما في قراءة الشعر، ونصبه على المصدر، وقيل: أراد بالهذِّ الجهر بالقراءة، وكانوا يلبِّسون عليه - عليه السلام - قراءته بالجهر. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا محمَّد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: أنا محمَّد بن إسحاق ... فدكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان رجالهما ثقات: الأول: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي المدني، عن أبيه عباد بن عبد الله، عن عائشة. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 116 رقم 311).

وأخرجه ابن ماجه (¬1): ثنا الفضل بن يعقوب الجزري، ثنا عبد الأعلى، عن محمَّد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد ... إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن يزيد بن هارون ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بفتح الحاء- بن هلال الباهلي، عن يزيد بن زريع، عن محمَّد بن إسحاق ... إلى آخره. قوله: "بأم القرآن" أراد بها فاتحة الكتاب، سميت بها لأنها فاتحة القرآن كما سميت مكة أم القرى لأنها أصلها، أو سميت بها لأنها عَلامَتهُ قال الشاعر: على رَأسِهِ أُمٌّ لنا يقتدى بها ... جماعَ أمورٍ لا يعَاصي له أمرًا (¬3) وقيل: إنها مقدمه، والأم العمر الماضي لتقدمه، قال الشاعر: إذا كانت الخمسون أمك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب (¬4) وقيل: لتمامها في الفضل. ومن أسمائها (¬5): السبع المثاني، والوافية، والكافية، والأساس، والشافية، والكنز، والصلاة، وسورة تعلم المسألة، وسورة الواقعة، وسورة الحمد، والشكر، والدعاء، والفاتحة، وأول القرآن. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 274 رقم 840). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 317 رقم 3620). (¬3) هكذا وقع هذا البيت في "الأصل، ك"، وقائل هذا البيت هو ذو الرمة، ونص البيت من ديوانه: عَلى رَأْسِهِ أمٌّ له يهتدي بها ... جِماعَ أُمورٍ لا يُعاصي لَهَا أمرًا (¬4) القائل هو الحسن بن عمرو الإباضي، وهو شاعر من شعراء الخوارج، ووقع في "الحماسة البصرية": (السبعون أمك)، بدلًا من (الخمسون أمك)، ويدل عليه البيت الذي يلي هذا البيت في القصيدة: وإِنِ امرَءًا قد سارَ سبعين حِجَّةً ... إلى منهلٍ من وردِهِ لقريبٌ (¬5) كتب في "الأصل" حاشية نصها: فائدة في أسماء فاتحة الكتاب.

وهي مكيّة. وقيل: مدنية ومكية؛ لأنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى، وهي سبع آيات بالاتفاق إلا أن منهم من عد {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس وقد ذكرناه، وسبع وعشرون كلمة، ومائة واثنان وأربعون حرفًا. قوله: "فهي خِداج" بكسر الخاء أي ذات خِداج، وهو النقصان، أو يكون وصفها بالمصدر مبالغة، من خَدَجَت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخَلْقِ، وأخدجته إذا ولدته ناقصًا وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذي الثدية: مخدج اليد، أي: ناقصها. ص: حدثنا يونس، قال: أنا عبد الله بن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول قال: رسول الله - عليه السلام -: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خدل، فهي خداج، غير تمام، فقلت: يا أبا هريرة، إني أكون أحيانًا وراء الإِمام، قال: اقرأها يا فارسي في نفسك". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وسعيد بن عامر، قالا: ثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا أبو غسان، قال: ثنا العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام -، مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي المدني، عن أبي السائب الأنصاري مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة ... إلى آخره.

وأخرجه أبو داود (¬1): عن القعنبي، عن مالك ... إلى آخره نحوه مع زيادة بعد قوله: "يا فارسي" وهي: "فإني سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: قال الله -عز وجل-: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ... " الحديث، ذكرنا تمامه في باب القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم. وأخرجه مسلم (¬2): عن قتيبة بن سعيد، عن مالك نحوه. وأخرجه أيضًا (2) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. وأخرجه النسائي (¬3): عن قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، وسعيد بن عامر الضبعي، كلاهما عن شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمَّد بن المثنى، ثنا محمَّد بن جعفر، ثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن أبي مريم الجمحي المصري شيخ البخاري، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وروى عن العلاء أيضًا ورقاء والدراوردي وعبد الملك بن جريج. فحديث ورقاء أخرجه الطيالسي (¬4): عنه، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: "كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 276 رقم 821). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 296 رقم 395). (¬3) "المجتبى" (2/ 135 رقم 909). (¬4) "مسند الطيالسي" (1/ 334 رقم 2561).

وحديث الدراوردي أخرجه الحديث في "مسنده": عنه، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه. وحديث ابن جريج أخرجه ابن ماجه (¬1): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، عن ابن جريج، عن العلاء بن عبد الرحمن، أن أبا السائب أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - عليه السلام - ... إلى آخره نحوه. قوله: "اقرأها يا فارسي" خطاب لأبي السائب، قال: محيي الدين النووي: ومما يؤيد وجوب قراءة الفاتحة على المأموم قول أبي هريرة هذا، ومعناه اقرأها سرًّا بحيث تُسمع نفسك. قلت: هذا لا يدل على الوجوب؛ لأن المأموم مأمور بالإنصات؛ لقوله تعالى: {وَأَنْصِتُوا} (¬2) والإنصات: الإصغاء، والقراءة سرًّا بحيث يسمع نفسه تخل بالإنصات، فحينئذ يحمل ذلك على أن المراد: تدبر ذلك وتفكره، ولئن سلمنا القراءة حقيقة فلا نسلم أنه يدل على الوجوب، على أن بعض أصحابنا استحسنوا ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات، ومنهم من استحسنها في غير الجهرية ومنهم من رأى ذلك إذا كان الإِمام لحَّانًا. قوله: "قسمت الصلاة" المراد منها الفاتحة، وقد ذكرنا أن من جملة أسماء الفاتحة: الصلاة، سميت بها لأنها تقرأ دائمًا في سائر الصلوات. وقال النووي: فيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة، سميت بذلك لأنها لا تصلح الصلاة إلا بها، كقوله - عليه السلام -: "الحج عرفة". قلت: لا نسلم أن يلزم من تسميتها صلاة وجوبها بعينها؛ لأن تسميتها بذلك باعتبار أنها تقرأ في سائر الصلوات لا باعتبار أنها فرض بعينها, ولا يلزم من قراءتها في سائر الصلوات فرضيتها كالتسمية والتحميد ونحوهما فإن صلاة لا تخلو عن شيء ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 273 رقم 838). (¬2) سورة الأعراف، آية: [204].

من ذلك، وليس ذاك بفرض، وقياسه على قوله: "الحج عرفة" ليس بصحيح؛ لأن معنى هذا الكلام: معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، وليست المعرفة بعينها عبارة عن الحج؛ لأن المعرفة لا تخلو إما أن تكون اسمًا لليوم المعهود، أو للموضع المعهود، وكل منهما ليس بحج ولا داخل في أركان الحج؛ فافهم. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب إلى هذه الآثار قوم، وأوجبوا بها القراءة خلف الإِمام فى سائر الصلوات بفاتحة الكتاب. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، وداود؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الآثار المذكورة وأوجبوا بها أي بالآثار المذكورة القراءة خلف الإِمام في جميع الصلوات بفاتحة الكتاب، و"الباء" فيه تتعلق بقوله: "القراءة" فافهم. وقال ابن العربي في "أحكام القرآن": ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: يقرأ إذا أسر الإِمام خاصة قاله ابن القاسم. الثاني: قال ابن وهب وأشهب في كتاب محمَّد: لا يقرأ. الثالث: قال محمَّد بن عبد الحكم: يقرأها خلف الإِمام؛ فإن لم يفعل أجزأه كأنه رأى ذلك مستحبًّا، والأصح عندي وجوب قراءتها فيما أسر، وتحريمها فيما جهر إذا سمع قراءة الإمام لما فيه من فرض الإنصات له والاستماع لقراءته فإن كان منه في مقام بعيد فهو بمنزلة صلاة السر. وقال أبو عمر في "التمهيد": لم يختلف قول مالك أنه من نسيها -أي الفاتحة- في ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل أصلًا. ولا تجزئه، واختلف قوله فيمن تركها ناسيًا في ركعة من الصلاة الرباعية أو الثلاثية، فقال مرة: يعيد الصلاة ولا تجزئه، وهو قول ابن القاسم وروايته واختياره من قول مالك، وقال مرة أخرى: يسجد سجدتي السهو وتجزئه، وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عنه. قال: وقد قيل: إنه يعيد تلك الركعة، ويسجد للسهو بعد السلام.

قال: وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: لا تجزئه حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة. وقال ابن قدامة في "المغنى": قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة، وركن من أركانها، لا تصح إلا بها في المشهور عن أحمد، نقله عنه الجماعة، وهو قول مالك والشافعي، وروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وروي عن أحمد رواية أخرى: أنها لا تتعين، وتجزئ قراءة آية من القرآن من أي موضع كان، وهذا قول أبي حنيفة. وقال ابن حزم في "المحلى": وقراءة أم القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة، إمامًا كان أو مأمومًا، والفرض والتطوع سواء، والرجال والنساء سواء. ص: وخالفهم ذلك آخرون، فقالوا: لا نرى أن يقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلوات بفاتحة الكتاب ولا بغيرها. ش: أي خالف القوم المذكورين فيما قالوا جماعةٌ آخرون، وأراد بهم الثوريَّ، والأوزاعيَّ -في رواية- وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وأحمد -في رواية-، وعبد الله بن وهب، وأشهب المالكي؛ فإنهم قالوا: لا يقرأ المؤتم خلف الإِمام في شيء من الصلوات بفاتحة الكاتب ولا بغيرها. وقال عياض: وذهب الكوفيون إلى ترك قراءة المأموم في كل حال، وهو قول أشهب، وابن وهب من أصحابنا، وعامّة أصحاب مالك، وابن المسيب في جماعة من التابعين وغيرهم. وفقهاء الحجاز والشام على أنه لا يقرأ معه فيما جهر به وإن لم يسمعه، ويقرأ فيما أَسَرَّ الإِمام، ووافقهم أحمد، إلا أنه قال: يقرأ إذا لم يسمعه في الجهر، وذهب أكثر هؤلاء إلى أن القراءة خلف الإِمام غير واجبة إلا داود وأحمد وأصحاب الحديث، فجعلوا قراءة أم القرآن للمأموم فيما أسر فيه إمامه فرضًا، واختلف النقل عن

المذهب فيها بالسنة والاستحباب، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن المأموم لا يترك قراءة أم القرآن على كل حال، وإليه رجع الشافعي وأكثر أصحابه. انتهى. وقال الطبري: يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها، والله أعلم. ص: وكان من الحجة لهم عليهم في ذلك أن حديثي أبي هريرة وعائشة - رضي الله عنهما - اللذين رووهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ" ليس في ذلك دليل على أنه أراد بذلك الصلاة التي تكون وراء الإِمام، فقد يجوز أن يكون أراد بذلك أن تكون الصلاة التي لا إمام فيها للمصلي، وأخرج من ذلك المأموم بقوله - عليه السلام -: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة"، فجعل المأموم في حكم من قرأ بقراءة إمامه، وكان المأموم بذلك خارجا من قوله - عليه السلام - كل من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فصلاته خداج، وقد رأينا أبا الدرداء - رضي الله عنه - قد سمع من النبي - عليه السلام - في ذلك مثل هذا، فلم يكن ذلك عنده على المأموم. كما حدثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثني معاوية بن صالح (ح) وكما حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: حدثني محمَّد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا معوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، في كل الصلاة قرآن؟ قال: نعم، فقال رجل من الأنصار: وجبت. قال: وقال لي أبو الدرداء: أُرَى أن الإِمام إذا أم القوم فقد كفاهم". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذه أبو الدرداء قد سمع من النبي - عليه السلام - في كل الصلاة قرآن، فقال رجل من الأنصار: وجبت. فلم ينكر ذلك رسول الله - عليه السلام - من قول الأنصاري، ثم قال أبو الدرداء: بعدُ من رأيه ما قال، وكان ذلك عنده على من

يصلي وحده، وعلى الإِمام، لا على المأمومين فقد خالف ذلك رأي أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ذلك على المأموم مع الإِمام، فانتفى بذلك أن يكون في ذلك حجة لأحد الفريقين على صاحبه. ش: أي وكان من الدليل والبرهان للجماعة الآخرين على أولئك القوم المذكورين في ذلك، أي فيما استدلوا بحديثي أبي هريرة وعائشة على وجوب قراءة فاتحة الكتاب خلف الإِمام: أنه ليس فيهما دليل على أن يكون المراد هو الصلاة التي يكون وراء الإِمام، فقد يجوز أن يكون المراد بذلك هو الصلاة التي لا إمام فيها للمصلي، ويخرج من ذلك المأموم بحديث آخر، وهو ما رواه جابر - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "من كان له إمام، فقراءة الأمام له قراءة" (¬1) فقد خص هذا الحديث عموم ذاك الحديث. الحاصل: أن أهل المقالة الأولى قالوا: إن قوله - عليه السلام -: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" عام؛ لأن لفظ "كل" إذا أضيف إلى النكرة يقتضي عموم الأفراد، فالمعنى كل واحد واحد من أفراد الصلاة لم يقرأ فيه بأم القرآن فهو خداج، فيتناول بعمومه صلاة المأموم، وأجاب أهل المقالة الثانية عن ذلك: أن هذا عام مخصوص، فخرج منه حكم المأموم، فبقي حديث أبي هريرة وعائشة مقصورين على الإِمام والمنفرد، ثم إن الطحاوي -رحمه الله-: أيد كلامه بما رواه عن أبي الدرداء، وذلك أنه قد سمع عن النبي - عليه السلام -: "في كل الصلاة قرآن؟ قال: نعم. فقال رجل من الأنصار: وجبت" أي القراءة في جميع الصلوات، فلم ينكر ذلك رسول الله - عليه السلام - عليه، ثم قال أبو الدرداء بعد ذلك من رأيه: "أُرَى أن الإِمام إذا أم القوم فقد كفاهم" أي عن ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه في "السنن" (1/ 277 رقم 850)، وأحمد في "المسند" (3/ 339 رقم 14684)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 160 رقم 2724). وقال الحافظ في "التلخيص" (1/ 232): مشهور من حديث جابر وله طرق عن جماعة من الصحابة وكلها معلولة.

القراءة، وإنما قال ذلك إما بناء على ما سبق له من العلم بقوله - عليه السلام -: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة" (¬1)، وإما قال ذلك بطريق الاجتهاد لما أن الإِمام ضامن لصلاة القوم، ومن ضمانه أن يتحمل عنهم القراءة، فصار معنى الحديث عنده على من يصلي وحده وعلى الإِمام، لا على المأموم ولا يقال هذا رأيًا في مقابلة النص؛ لأنا نقول: إنه لم يصدر ذلك عن أبي الدرداء إلا بعد علمه وجزمه بأن مراد النبي - عليه السلام - من قوله: "كل صلاة لم يقرأ فيها ... " الحديث، صلاة من لا إمام له، فإذا كان الأمر كذلك فقد خالف رأي أبي الدرداء رأي أبي هريرة أن ذلك على المأموم مع الإِمام، وذلك قوله: "اقرأها يا فارسي في نفسك" فإذا اختلف الرأيان في الحديث المذكور لم يبق فيه حجة لأحد، ثم إذا حملنا قول أبي هريرة: "اقرأها يا فارسي في نفسك" على معنى تَدَبَّر ذلك وتذكره في نفسك، يتفق رأيه مع رأي أبي الدرداء، ويرتفع الخلاف، ويعمل بالحديثين كليهما. وأما الجواب عن قول من استدل بحديث أبي هريرة على فرضية قراءة فاتحة الكتاب فهو أن يقال: إن الاستدلال كذلك فاسد؛ لأن قوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (¬2) يقتضي قراءة مطلق القرآن، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص بخبر الواحد، وذا لا يجوز؛ لأنه نسخ، ولأنه روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اخرج فناد في المدينة أنه لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد". رواه أبو داود (¬3) والطبراني في "الأوسط" (¬4) وروي عنه أيضًا: "أمرني رسول الله - عليه السلام - أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد". ¬

_ (¬1) انظر السابق. (¬2) سورة المزمل، آية: [20]. (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 276 رقم 819). (¬4) وأخرجه إسحاق بن راهويه (1/ 179 رقم 126)، وابن حبان في "صحيحه" (5/ 94 رقم 1791).

رواه أبو داود (¬1). فإن دلت إحدى الروايتين على عدم جواز الصلاة إلا بفاتحة الكتاب دلت الأخرى على جوازها بلا فاتحة الكتاب، فيعمل بالحديثين ولا نهمل أحدهما بأن نقول بفرضية مطلق القراءة، وبوجوب قراءة فاتحة الكتاب، وهذا هو العدل في باب إعمال الأخبار. وأيضًا فإن قوله: "فما زاد" دلالة على فرضية ما زاد على الفاتحة، وليس ذاك مذهب الخصم. وجواب آخر: أن الحكم يثبت بقدر دليله، وخبر الواحد ليس قطعيًّا فلا تثبت به الفرضية، نعم يثبت به الوجوب، ونحن نقول به، فإن كان الخصم يقول: الواجب والفرض عندي سواء، فنقول حينئذ: النزاع لفظي. وجواب آخر: أن قوله: "خداج" قد ذكرنا أن معناه: ناقص، ونحن نقول أيضًا: إن المصلي إذا لم يقرأ فاتحة الكتاب تكون صلاته ناقصة، وأما الاستدلال به على أنها تكون باطلةً باطلٌ؛ لأن معنى الخداج لا ينبئ عن ذلك بل قوله في الحديث: "غير تمام" يرد هذا؛ فإن عدم كونها تمامًا لا يستلزم البطلان، وهذا ظاهر. فإن قيل: هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول فصارت كالمشهور، وبالمشهور تثبت الفرضية. قلت: سلمنا إذا لم يعارضه دليل آخر، فالله تعالى نص بقوله: {مَا تَيَسَّرَ} فمتى عيَّنَا الفاتحة فرضًا ينقلب اليسر عسرًا، وهو خلاف النص فيرد، فافهم. ثم إنه أخرج حديث أبي الدرداء من طريقين صحيحين: الأول: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني أبي عبد الله المصري وثقه ابن يونس، عن عبد الله بن وهب من رجال الجماعة، عن معاوية بن صالح بن حدير الحمصي قاضي الأندلس من رجال مسلم والأربعة، عن أبي الزاهرية الحمصي واسمه حدير بن كريب من رجال مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، عن كثير بن مرة الحضرمي ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 276 رقم 820).

الرهاوي أبي شجرة الحمصي الشامي من رجال الأربعة، قال العجلي: تابعي شامي ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. عن أبي الدرداء واسمه عويمر بن مالك - رضي الله عنه -. وأخرجه الدارقطني (¬1): ثنا ابن [مخلد] (¬2)، ثنا شعيب بن أيوب وغيره، قالوا: ثنا زيد بن الحباب، ثنا معاوية بن صالح، ثنا أبو الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: "سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم، فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فقال رسول الله - عليه السلام لي -وكنت أقرب القوم إليه-: ما أُرَى الإِمام إذا أمّ القوم إلا قد كفاهم". كذا قال، والصواب: "فقال أبو الدرداء: ما أُرَى الإِمام إذا أمّ القوم إلا قد كفاهم". وأخرجه الدارقطني (¬3): أيضًا عن بحر بن نصر شيخ الطحاوي، وقال: حدثنا عبد الملك بن أحمد الدقاق، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب، حدثني معاوية بهذا، وقال: قال أبو الدرداء: يا كثير، ما أرى الإِمام إلا قد كفاهم. الثاني: عن أحمد بن داود بن موسى المكي، عن محمَّد بن المثنى بن عبيد أبي موسى البصري الحافظ المعروف بالزمن شيخ الجماعة، عن عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري أبي سعيد اللؤلؤي البصري من رجال الجماعة، عن معاوية بن صالح ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (¬4): أنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا زيد بن حباب، قال: ثنا معاوية بن صالح، قال: حدثني أبو الزاهرية، قال: حدثني كثير بن مرة الحضرمي، عن أبي الدرداء سمعه يقول: "سئل رسول - عليه السلام - أفي كل صلاة ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 332 رقم 29). (¬2) في "الأصل، ك": "خالد" وهو تحريف، والمثبت من "سنن الدارقطني". وقد ذكر المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة شعيب بن أيوب فيمن روى عنه: محمَّد بن مخلد الدوري. (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 333 رقم 30). (¬4) "المجتبى" (2/ 142 رقم 923).

قراءة؟ قال: نعم، قال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إليّ وكنت أقرب القوم منه، فقال: ما أُرَى الإِمام إذا أمّ القوم إلَّا قد كفاهم". قال أبو عبد الرحمن: هذا عن رسول الله - عليه السلام - خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء، ولم يقرأ هذا مع الكتاب. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (¬1) ولكن من غير هذا الطريق: ثنا علي بن محمَّد، نا إسحاق بن سليمان، نا معاوية بن يحيى، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: "سأله رجال فقال: أقرأ والإمام يقرأ؟ قال: سأل رجل النبي - عليه السلام - أفي كل الصلاة قراءة؟ فقال رسول الله - عليه السلام -: نعم، فقال رجل من القوم: وجب هذا". ص: وأما حديث عبادة - رضي الله عنه - فقد بين الأمر، فأخبر عن رسول الله - عليه السلام - أنه أمر المأمومين بالقراءة خلف الإِمام بفاتحة الكتاب، فأردنا أن ننظر هل ضاد ذلك غيرُهُ أم لا؟ فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفًا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله - عليه السلام -: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - عليه السلام - فيما جهر به رسول الله - عليه السلام - بالقراءة في الصلوات حين سمعوا ذلك منه". حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي، عن الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - نحوه، غير أنه قال: "فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرءون". ش: هذا جواب عن حديث عبادة المذكور في أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى في وجوب القراءة بأم الكتاب خلف الإِمام في سائر الصلوات، بيانه: ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 274، 275 رقم 842).

أن حديث أبي هريرة هذا يعارضه؛ لأنه يصرح بانتهاء الناس عن القراءة مع رسول الله - عليه السلام - فيما جهر به رسول الله - عليه السلام - بالقراءة من الصلوات، وحديث عبادة أخبر أنه أمر المأمومين بالقراءة خلفه بفاتحة الكتاب مطلقًا، فبينهما تعارض ظاهرًا في حكم القراءة في الجهرية، وحديث أبي هريرة الآخر الذي يأتي عن قريب وهو قوله: "فإذا قرأ فأنصتوا" يعارضه مطلقًا، سواء كان في الجهرية أو في السرية، وكذلك أحاديث ابن مسعود وجابر وابن عمر وأنس بن مالك كلها تعارض حديث عبادة على ما يأتي مفصلًا، فإذا ثبت التعارض يجب الرجوع في أخذ الحكم إلى طريق النظر، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وجواب آخر: أن قوله - عليه السلام - "لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب" في حديث عبادة يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يؤمروا بالإنصات عند قراءة القرآن، فلما نزل قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} (¬1) بطلت القراءة خلف الإِمام، وقد وردت أخبار في أن هذه الآية نزلت في القراءة خلف الإِمام. والدليل على ما قلنا: ما أخرجه البيهقي (¬2): عن مجاهد قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في الصلاة فسمع قراءة فتى من الأنصار، فنزل: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وأخرج عن الإِمام أحمد (¬3) قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة. ويحتمل أن يكون ذلك بطريق تحصيل الفضيلة والكمال لا الوجوب للأحاديث التي وردت في منع المقتدي عن القراءة. وقوله: "فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" معناه لا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بها، ونحن نقول أيضًا بذلك، ولكن هذا في حق الإِمام والمنفرد، وأما المقتدي فليس عليه ذلك أصلًا. ¬

_ (¬1) سورة الأعراف، آية: [204]. (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 155 رقم 2706). (¬3) انظر: "نصب الراية" (2/ 10) وهذا الأثرم خرجه أبو داود في سؤالاته للإمام أحمد (ص 48).

فإن قالوا: المقتدي مصلٍّ، وكل فصل تجب عليه القراءة، فالمقتدي تجب عليه القراءة. قلنا: المقتدي أيضًا قارئ؛ لأن قراءة إمامه قراءته وليست صلاة المقتدي صلاة بلا قراءة، بل صلاته صلاة بقراءة. وقال الخطابي: هذا الحديث يصرح بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلى خلف الإِمام، سواء جهر الإِمام بالقراءة أو خافت بها. وإسناده جيد لا طعن فيه. قلت: فيما ذكرنا جواب عما قاله، ولو كان الحديث عليهم لأعلُّوه بمحمد بن إسحاق كما هو عادة البيهقي وأمثاله، فلما صار لهم جعلوا إسناده جيدا لا طعن فيه، نعم لا طعن فيه ولكن محمله ما ذكرناه، فافهم. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة هذا من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - انصرف من صلاة ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه الترمذي (¬2): نا الأنصاري، قال: نا معن، قال: نا مالك بن أنس، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (¬3): أنا قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 278 رقم 826). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 118 رقم 312). (¬3) "المجتبى" (2/ 140 رقم 919).

فإن قيل: كيف تقول طريقه صحيح وقد قال: البيهقي: في صحة هذا الحديث نظر؛ لأن راويه ابن أكيمة الليثي رجل مجهول لم يحدث إلَّا بهذا الحديث وحده، ولم يحدث عنه غير الزهري؟ قلت: أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه" (¬1)، وحسنه الترمذي، وقال: اسمه عمارة، ويقال: عمرو، وقيل: اسمه عامر، وقيل: يزيد، وقيل: عباد، وكنيته أبو الوليد الحجازي، وقال ابن حبان في "صحيحه": اسمه عمرو، وهو وأخوه عمر ثقتان. وقال ابن معين: روى عنه محمَّد بن عمرو وغيره. وحسبك برواية ابن شهاب عنه، وأبو داود لما أخرج حديثه لم يتعرض له بشيء، وذلك دليل على حسنه عنده كما عرف (¬2). وفي "الكمال" لعبد الغني: روى عن ابن أكيمة: مالك، ومحمد بن عمرو. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صحيح الحديث، حديثه مقبول. وفي "التمهيد": كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب وهو يصغي إلى حديثه، وبحديثه قال هو وابن شهاب، وذلك دليل على جلالته عندهم وثقته، وهذا كله ينفي الجهالة. الثاني: عن حسين بن نمر بن المعارك، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ... إلى آخره. وهذا على شرط الصحيح. وأخرجه البزار: ثنا محمد بن مسكين، نا بشر بن بكر، نا الأوزاعي، حدثني محمَّد بن مسلم الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: "قرأ ناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاةٍ جَهَرَ فيها ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (5/ 157 رقم 1849). (¬2) الذي قاله أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: ما سكت عنه فهو صالح، وما فيه ضعف شديد بينته. فالذي يؤخذ من هذا القول أن أبو داود قد يسكت على أحاديث فيها ضعف غير شديد وأنه يتكلم على ما فيه ضعف شديد فقط. وهذا معنى "صالح" عنده.

بالقراءة، فلما قضى رسول الله - عليه السلام - صلاته أقبل عليهم فقال: "هل قرأ منكم معي أحد آنفًا"؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ ". وهذا الحديث رواه ابن عيينة، ومعمر، وجماعة من أصحاب الزهري، عن الزهري، عن ابن أكيمة، عن أبي هريرة وهو الصواب. وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث، عن سعيد بن المسيب، وأخطأ في إسناده، ورواه ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن الأعرج عن ابن بحينة، عن النبي - عليه السلام -. فأخطأ في إسناده. قوله: "ما لي أنازع القرآن" بصيغة المجهول، ونصب القرآن، ومعناه: ما لي إذا أداخل في القراءة وأغالب عليها؟ وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة والمداولة، ومنه منازعة الكأس في المُدَام. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحسين بن عبد الأول الأحول، قال: ثنا أبو خالد سليمان بن حيان، قال: ثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا قرأ فانصتوا". ش: ابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي، والحسن بن عبد الأول الكوفي الأحول وثقه ابن حبان، وأبو خالد سليمان بن حيان -بفتح الحاء، وتشديد الياء آخر الحروف- الأزدي الكوفي المعروف بأبي خالد الأحمر روى له الجماعة، ومحمد بن عجلان المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وزيد بن أسلم القرشي أبو أسامة المدني الفقيه مولى عمر بن الخطاب وشيخ أبي حنيفة روى له الجماعة، وأبو صالح ذكوان الزيات روى له الجماعة.

وأخرجه أبو داود (¬1): نا محمَّد بن آدم، نا أبو خالد، عن ابن عجلان ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "ليؤتم به" بهذا الخبر، وزاد: "وإذا قرأ فأنصتوا". وأخرجه النسائي (¬2): أنا الجارود بن المعاذ الترمذي، قال: ثنا أبو خالد ... إلى آخره، ولفظه: "ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد". أنا (¬3) محمَّد بن عبد الله بن المبارك، قال: ثنا محمَّد بن سعد الأنصاري، قال: حدثني محمَّد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): ثنا أبو خالد ... إلى آخره، ولفظه بعد قوله: "فأنصتوا" "وإذا قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا". وأخرجه ابن ماجه في "سُنَنه" (¬5): عن ابن أبي شيبة نحوه. وهذا حجة صريحة -في أن المقتدى لا يجب عليه أن يقرأ خلف الإِمام أصلًا- على الشافعي في جميع الصلوات، وعلى مالك في الظهر والعصر. فإن قيل: قد قال أبو داود عقيب إخراجه هذا الحديث: وهذه الزيادة "إذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم من أبي خالد عندنا. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 220 رقم 604) وقال أبو داود عقبه: هذه الزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد. (¬2) "المجتبى" (2/ 141 رقم 921). (¬3) "المجتبى" (2/ 142 رقم 922). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 115 رقم 7137). (¬5) "سنن ابن ماجه" (1/ 276 رقم 846).

وقال البيهقي في "المعرفة" (¬1) بعد أن روى هذا الحديث: أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث؛ أبو داود وأبو حاتم وابن معين والحاكم والدارقطني، وقالوا: إنها ليست بمحفوظة. وأسند عن ابن معين في "سننه الكبير" (¬2): قال في حديث ابن عجلان: "وإذا قرأ فأنصتوا" قال: ليس بشيء. وكذا قال الدارقطني (¬3): في حديث أبي موسى الأشعري: "وإذا قرأ الإِمام فأنصتوا" وقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ عنه، منهم هشام الدستوائي وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة، ولم يقل أحد منهم: "وإذا قرأ فأنصتوا" قال: إجماعهم يدل على وهمه. وعن أبي حاتم: ليست هذه الكلمة محفوظة، إنما هي من تخاليط ابن عجلان. قلت: في هذا كله نظر، أما ابن عجلان فإنه وثقه العجلي، وفي "الكمال" لعبد الغني: ثقة كثير الحديث، وذكر الدارقطني أن مسلما أخرج له في "صحيحه" فهذا زيادة ثقة، وقد تابعه عليها خارجة بن مصعب ويحيى بن العلاء. كما ذكره البيهقي في "سننه الكبير" (¬4). وأما أبو خالد فإنه ثقة أخرج له الجماعة، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت وكيعًا عنه فقال: وأبو خالد ممن يسأل عنه؟! وقال أبو هشام الرفاعي: ثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين، ومع هذا فلم ينفرد بهذه الزيادة. فقد أخرج النسائي (¬5) كما ذكرنا هذا الحديث بهذه الزيادة من طريق محمَّد بن سعد الأنصاري، ومحمد بن سعد ثقة وثقه يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله المخرمي والنسائي، فقد تابع ابن سعد هذا أبا خالد، وتابعه أيضًا إسماعيل بن أبان. ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (2/ 46 - 47). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 156 رقم 2714). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 330 رقم 16، 17). (¬4) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 157 رقم 2715). (¬5) تقدم.

كما أخرجه البيهقي في "سننه" (¬1). وبهذا ظهر أن الوهم ليس من أبي خالد كما زعم أبو داود، وقد ذكر المنذري في "مختصره" كلام أبي داود ورد عليه بنحو ما قلنا، وابن خزيمة صحح حديث ابن عجلان. ويؤكد هذا ما يوجد في بعض نسخ مسلم (¬2) هذه الزيادة عقيب هذا الحديث، وقال أبو إسحاق صاحب مسلم: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في حديث جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن أبي غلاب، عن حطان، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قرأ الإِمام فأنصتوا ... " الحديث. أخرجه ابن ماجه (¬3) والبيهقي (¬4) وغيرهما (¬5)، قال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟! وقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة تقول هذا صحيح يعني "وإذا قرأ فأنصتوا"؟ فقال: هو عندي صحيح، فقال: لم لا تضعه ها هنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه. فقد صحح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري ومن حديث أبي هريرة، وذكر أبو عمر في "التمهيد" بسنده عن ابن حنبل أنه صحح الحديثين يعني حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة هذا، وأيضًا هذه الزيادة من ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، والعجب من أبي داود أنه نسب الوهم إلى أبي خالد وهو ثقة بلا شك، ولم ينسبه إلى ابن عجلان وفيه كلام؛ فافهم. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 156 رقم 2713). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 303 رقم 404). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 276 رقم 847). (¬4) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 155 رقم 2709). (¬5) أخرجه أحمد في "المسند" (4/ 415 رقم 19738)، والدارقطني في "السنن" (1/ 330 رقم 17)، وأبو يعلى في "المسند" (13/ 255 رقم 7326).

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، قال: ثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كانوا يقرءون خلف النبي - عليه السلام -، فقال: خلطتم عليَّ القراءة". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك بن نضلة الأشجعي الكوفي. وأخرجه ابن أبي شيية في "مصنفه" (¬1): ثنا محمَّد بن عبد الله الأسدي، عن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كنا نقرأ خلف النبي - عليه السلام -، فقال: خلطتم عليَّ القرآن". وأخرجه البزار في "مسنده" (¬2): ثنا محمَّد بن بشار وعمرو بن علي، قالا: ثنا أبو أحمد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. قوله: "خلطتم" من التخليط وهو التخبيط. ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن يعقوب، عن النعمان -وهو أبو حنيفة- عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، أن النبي - عليه السلام - قال: "من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن النبي - عليه السلام - مثله، ولم يذكر جابرًا. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن رجل من أهل البصرة، عن النبي - عليه السلام - نحوه. حدثنا أبو أمية، قال: ثنا إسحاق بن منصور السلولي، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن جابر وليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - عليه السلام - مثله. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 330 رقم 3778). (¬2) "مسند البزار" (5/ 440 رقم 2078، 2079).

حدثنا ابن أبي داود وفهد، قالا: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا الحسن ابن صالح، عن جابر -يعني الجعفي- عن أي الزبير، عن جابر عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: هذه خمس طرق: الأول: مسند صحيح ورجاله ثقات، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب أبو عبد الله المصري، بحشل ابن أخي عبد الله بن وهب، شيخ مسلم، وأبي حاتم، وابن خزيمة، وابن جرير الطبري وغيرهم، وعمه عبد الله بن وهب روى له الجماعة، والليث بن سعد المصري روى له الجماعة، ويعقوب هو أبو يوسف القاضي أكبر أصحاب أبي حنيفة، قال ابن معين: كان ثقة عدلًا صدوق، وقال ابن المديني: كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات". والنعمان هو ابن ثابت الكوفي الإِمام الأعظم أبو حنيفة صاحب المذهب. وموسى بن أبي عائشة الهمداني الكوفي روى له الجماعة، وعبد الله بن شداد بن الهاد أبو الوليد المدني روى له الجماعة. فإن قلت: كيف تقول مسند صحيح وقد قال الدارقطني (¬1): ثنا علي بن عبد الله بن مبشر، ثنا محمَّد بن حرب الواسطي، ثنا إسحاق الأزرق، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان. وقال أيضًا (¬2): حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، ثنا يوسف بن يعقوب بن أبي الأزهر التيمي، ثنا عبيد بن يعيش، ثنا يونس بن بكير، ثنا أبو حنيفة والحسن ابن عمارة بهذا، الحسن بن عمارة متروك الحديث، وروى هذا الحديث سفيان ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 323 رقم 1). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 325 رقم 5).

الثوري، وشعبة، وإسرائيل، وشريك، وأبو خالد الدالاني، وأبو الأحوص، وسفيان بن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد مرسلًا عن النبي - عليه السلام -، وهو الصواب. قلت: قد ظهر لك من هذا تحامل الدارقطني على أبي حنيفة وتعصبه الفاسد فمن أين له ولأمثاله تضعيف إمام قد بلغ علمه حيث ما بلغ الإِسلام، وانتشر مذهبه في الآفاق، وأطبقت الخاصة والعامة من السلف والخلف على زهده وورعه وقوة تمكنه في الدين، وقد تقلد مذهبه وأثنى عليه من هو أكبر منه ومن أمثاله عند الله تعالى وعند الناس كسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، والليث بن سعد، ويحيى القطان، وأضرابهم، ووثقه من هم أعرف بهذا الشأن وأتقن في الحفظ والضبط والتبيان كيحيى بن معين، وابن عيينة، وشعبة، وعبد الرزاق، والشافعي، ومالك، وأحمد، وغيرهم من الأئمة الأجلاء الأثبات، والأكابر الثقات، ولكن صدق الشاعر حيث يقول: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا شأوه ... والقوم أعداء له وخصوم وفي المثل السائر: البحر لا يكدره وقوع الذباب، ولا ينجسه ولوغ الكلاب. على أن حديث جابر هذا له طرق متعددة، وإن كان بعضها مدخولًا ولكن يشد بعضها بعضًا. وقد أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1) بسند صحيح وقال: ثنا مالك بن إسماعيل، عن حسن بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل من كان له إمام فقراءة له قراءة". وهذا سند صحيح يؤكد صحة رواية أبي حنيفة مسندًا، وكذا رواه أبو نعيم: عن الحسن بن صالح، عن أبي الزبير كذا في أطراف المزي (¬2). ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 331 رقم 3802). (¬2) "تحفة الأشراف" (2/ 291 رقم 2675).

فإن قيل: هذا منقطع؛ لأن جابرًا الجعفيَّ بين الحسن وأبي الزبير. قلت: أبو الزبير محمَّد بن مسلم توفي سنة ثمان وعشرين ومائة، قاله الترمذي وغيره، والحسن بن صالح ولد سنة مائة وتوفي سنة تسعة وستين ومائة وسماعه من أبي الزبير ممكن، ومذهب الجمهور أن من أمكن لقاؤه لشخص وروى عنه فروايته محمولة على الاتصال، فيحمل عك أن الحسن سمعه من أبي الزبير مرة بلا واسطة، ومرة أخرى بواسطة الجعفي فافهم. الثاني: مرسل، عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عائشة الكوفي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد المدني التابعي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي قال: "صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر -أو العصر- فجعل رجل يقرأ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورجل ينهاه، فلما صلى قال: يا رسول الله، كنت أقرأ وكان هذا ينهاني، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمام فإن قراءة الأمام له قراءة". وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (¬2): عن شريك وجرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له إمام فقراءته له قراءة". الثالث: فيه مجهول، عن أبي بكرة بكار أيضًا، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، عن رجل من أهل البصرة، عن النبي - عليه السلام - قال: "من كان له إمام فقراء الأمام له قراءة ". وقد ذكر الدارقطني أن إسرائيل أيضًا روى هذا الحديث عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد، مرسلًا. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 136 رقم 2797). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 330 رقم 3779).

الرابع: مسند صحيح، عن أبي أميّة محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن إسحاق بن منصور السلولي أبي عبد الرحمن الكوفي، عن الحسن بن صالح، عن جابر بن يزيد الجعفي، وليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر بن عبد الله، الأنصاري - رضي الله عنه -. فإن قيل: كيف تقول: هذا صحيح. وقد قال الدارقطني (¬1): ثنا محمَّد بن مخلد، قال: ثنا محمَّد بن سعد العوفي، ثنا إسحاق بن منصور ويحيى بن أبي بكير، عن الحسن بن صالح، عن ليث بن أبي سليم وجابر، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي - عليه السلام - قال: "من كان له إمام فقراءته له قراءة". جابر وليث ضعيفان؟ قلت: ليث هذا روى عنه الأئمة الكبار كالثوري وشريك وشعبة وفضيل بن عياض وحفص بن غياث والإمام أبو حنيفة، واستشهد به البخاري في الصحيح وروى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتجت به الأربعة، وجابر بن يزيد وإن كان ضعيفًا فيما زعمه فقد ذكر متابعة، على أنَّا قد ذكرنا أن هذا رُوي من طريق الحسن بن صالح بإسناد صحيح. الخامس: مسند أيضًا، وفيه جابر بن يزيد الجعفي وهو مختلف فيه، عن إبراهيم ابن أبي داود البرلسي، وفهد بن سليمان الكوفي كلاهما، عن أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن الحسن بن صالح، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه الدارقطني (¬2): ثنا محمَّد بن مخلد، ثنا العباس بن محمَّد، ثنا أبو نعيم، ثنا الحسن بن صالح، عن جابر، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - عليه السلام - مثله. ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 331 رقم 20). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 331 رقم 21).

وأخرجه البيهقي (¬1) أيضًا. قلت: هذا الطريق ينبغي أن يكون صحيحًا؛ لأنا قد ذكرنا أن الحسن بن صالح قد روى عن أبي الزبير من غير واسطة جابر الجعفي. كما مَرَّيْ رواية ابن أبي شيبة (¬2)؛ فحينئذ لا يبقى كلام في صحة هذا الحديث، وإسناده على ما لا يخفى، ولهذا المعنى ذكره الطحاوي بطرق مختلفة. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا ابن حيّ، عن جابر، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مثله. ش: أشار بهذا إلى أن الحديث المروي عن جابر رُوي عن عبد الله بن عمر أيضًا، وفيه تأكيد لصحة الحديث. أخرجه عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن الحسن بن صالح بن حيّ الكوفي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - مثل الحديث المذكور. وأخرج الدارقطني في "سننه" (¬3): عن محمَّد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان له إمام فقراءته له قراءة". قال الدارقطني: محمَّد بن الفضل متروك. ثم أخرجه (¬4): عن خارجة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا أنه قال في القراءة خلف الإِمام: "تكفيك قراءة الإِمام". قال: وهو الصواب. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 160 رقم 2774). (¬2) تقدم. (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 325 رقم 6). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 402 رقم 2) ولكن بلفظ: "من صلى خلف إمام فإن قراءة الإِمام له قراءة". وأما اللفظ المذكور، فهو لفظ الحديث الذي بعده (1/ 402 رقم 3).

قلت: رواه مالك في "الموطأ" (¬1): عن نافع، عن ابن عمر قال: "إذا صلى أحدكم خلف الإِمام فحسبه قراءة الإِمام، وإذا صلى وحده فليقرأ، قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإِمام". ص: حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا يحيى بن سلام، قال: أنا مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من صلى ركعة فلم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا وراء الإمام". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن وهب بن كيسان، عن جابر، مثله، ولم يذكر النبي - عليه السلام -. حدثنا محمَّد بن علي بن داود البغدادي وفهد بن سليمان, قالا: ثنا إسماعيل ابن بنت السدي، قال: ثنا مالك ... فذكر هذا الحديث مثله بإسناده قال: فقلت لمالك: أرفعه؟ فقال: خذوا برجله. ش: هذه ثلاث طرق: الأول: مرفوع، أخرجه عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة التميمي أبي زكرياء البصري، عن مالك بن أنس، عن وهب بن كيسان القرشي أبي نعيم المدني المعلم من رجال الجماعة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬2): ثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا بحر بن نصر، ثنا يحيى بن سلام، نا مالك بن أنس، ثنا وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، أن النبي - عليه السلام - قال: "كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج، إلا أن يكون وراء إمام". يحيى بن سلام ضعيف، والصواب موقوف. ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 86 رقم 192). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 327 رقم 9).

قلت: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: شيخ مصري، وقع إلى مصر، صدوق. قوله: "فلم يصل" يعني: لم يكن مصليًا، يعني: لا تكون صلاته صلاة إلَّا إذا كان وراء الإِمام؛ فإنه حينئذ إذا ترك أم القرآن لا يضره ذلك، وتكون صلاته صحيحة، وليس المعنى أن صلاته تبطل إذا لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فيما إذا لم يكن وراء الإِمام، بدليل قوله: فهي خداج؛ لأن معناه فهي ناقصة، ولا يلزم من النقصان البطلان كما ذكرنا. الثاني: موقوف، عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن وهب، عن جابر موقوفًا عليه. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن مالك، عن وهب بن كيسان، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "من صلى ركعة فلم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل؛ إلا مع الإِمام". وأخرجه الدارقطني (¬2): عن أبي بكر، عن يونس، عن ابن وهب ... إلى آخره نحوه. وكذلك في "موطأ" يحيى بن يحيى عن مالك (¬3). الثالث: أيضًا موقوف، عن محمَّد بن علي بن داود البغدادي وفهد بن سليمان، كلاهما عن إسماعيل بن موسى ابن بنت السدي الفزاري الكوفي شيخ أبي داود والترمذي وابن ماجه وأبي يعلى الموصلي وابن خزيمة قال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن عدي: إنما أنكروا عليه الغلو في التشيع فأما في الرواية فقد احتمله الناس. قوله: "خذوا برجله" كناية عن إنكار مالك الرفع في الحديث المذكور، وتنبيه على أن الصواب هو الموقوف. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 121 رقم 2745). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 327 رقم 10). (¬3) "موطأ مالك" (1/ 84 رقم 187).

ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أقبل بوجهه، فقال: أتقرءون والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فسألهم ثلاثًا، فقالوا: إنا لنفعل هذا، فقال: لا تفعلوا". ش: إسناده صحيح على يشترط البخاري، وأيوب هو السختياني وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام. فإن قيل: كيف تقول: صحيح. وقد أخرجه البيهقي في "سننه" (¬1): من حديث عبيد الله بن عمرو، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، أن النبي - عليه السلام - لما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: أتقرءون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فقال لهم ثلاث مرات، فقال قائل -أو قائلون-: إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه". ثم قال: هذا الحديث منكر، تفرد به عبيد الله، ورواه حماد بن سلمة عن أيوب فلم يذكر أنسًا. وقال البخاري في "تاريخه" (¬2): ثنا مؤمل، نا ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا. قال ابن علية، عن الحذاء، قلت لأبي قلابة: من حدثك به؟ قال: محمَّد بن أبي عائشة مولى لِبَني أمية. وأخرجه عبد الرزاق (¬3): عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: أتقرءون خلفي وأنا أقرأ؟ قال: فسكتوا حتى سألهم ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فلا تفعلوا ذلكم، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه سرًّا". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 166 رقم 2750). (¬2) "التاريخ الكبير" (1/ 207). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 127 رقم 2765).

عبد الرزاق (¬1): عن الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمَّد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب محمَّد - عليه السلام - قال: قال النبي - عليه السلام -: "لعلكم تقرءون والإمام يقرأ؟ مرتين أو ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسول الله إنا لنفعل، قال: فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب". قلت: أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬2): من حديث أبي قلابة، عن أنس، ثم قال: سمعه من أنس وسمعه من ابن أبي عائشة؛ فالطريقان محفوظان (¬3). ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فقد بيَّنَّا بما ذكرنا عن النبي - عليه السلام - خلاف ما روى عبادة - رضي الله عنه - فلما اختلفت هذه الآثار المروية في ذلك التمسنا حكمه من طريق النظر؛ فرأيناهم جميعًا لا يختلفون في الرجل يافي الأمام وهو راكع أنه يكبر ويركع معه، ويعتد بتلك الركعة وإن لم يقرأ فيها شيئًا، فلما أجزأه ذلك في حال خوفه فوت الركعة احتمل أن يكون إنما أجزأه ذلك لمكان الضرورة، واحتمل أن يكون إنما أجزأه ذلك لأن القراءة خلف الإِمام ليست عليه فرضًا، فاعتبرنا ذلك، فرأيناهم لا يختلفون أن من جاء إلى الأمام وهو ركع فركع قبل أن يدخل في الصلاة بتكبر كان منه؛ أن ذلك لا يجزئه وإن كان إنما تركه لحال الضرورة وخوف ذوات الركعة، وكان لا بُدَّ له من قومة في حال الضرورة وغير حال الضرورة، فهذه صفات الفرائض التي لا بد منها في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة إلا بإصابتها؛ فلما كانت القراءة مخالفة لذلك وساقطة في حال الضرورة كانت من غير جنس ذلك، فكانت في النظر أيضًا ساقطة في غير حال الضرورة، فهذا هو النظر في هذا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله-. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 127 رقم 2766). (¬2) "صحيح ابن حبان" (5/ 162 رقم 1852). (¬3) قال البخاري في "تاريخه" (1/ 207): "وقال عبيد الله بن عمرو: عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يصح أنس".

ش: قد ذكر فيما مضى أن حديث عبادة بيَّن فيه أنه - عليه السلام - أمر المأمومين بالقراءة خلفه بالفاتحة، وأن حديث أبي هريرة يضاده، وكذلك حديث آخرين من الصحابة كما ذكره مفصلًا، ثم لما اختلفت هذه الأحاديث في هذا الباب تعيَّن التماس حكمه من طريق النظر والقياس، ووجه ملخصًا: أن الرجل إذا أدرك الإِمام وهو راكع فإنه يكبر ويركع وتُغْني تلك الركعة عن القيام مع عدم القراءة فيه، ولكن يحتمل أن يكون جواز ذلك إما للضرورة، وإما لعدم وجوب القراءة خلف الإِمام، فاعتبرنا ذلك، فوجدنا الرجل إذا أدرك الإِمام وهو راكع، فركع قبل أن يدخل في الصلاة بتكبير حصل منه، أنه لا يجوز، وإن كان تركه القوم للضرورة -وهي خوف فوت الركعة- وعلم من ذلك أن لا بد له من قومة مطلقًا، ووجدنا القراءة مخالفة لهذا الحكم وساقطة في حال الضرورة، وصارت من خلاف جنس هذا، فالنظر على ذلك أن تكون القراءة ساقطة في غير حال الضرورة، فافهم. ص: فإن قال قائل: فقد روي عن نفر من أصحاب النبي - عليه السلام - أنهم كانوا يقرءون خلف الإِمام ويأمرون بذلك، فذكروا ما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو إسحاق الشيباني، عن جواب بن عبيد الله التيمي، قال: ثنا يزيد بن شريك أبو إبراهيم التيمي، قال: "سألت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن القراءة خلف الإِمام، فقال لي: اقرأ، قلت: وإن كنت خلفك؟ قال: وإن كنت خلفي، قلت: وإن قرأت؟ قال: وإن قرأت". حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو بشر، عن مجاهد، قال: "سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ خلف الإِمام في صلاة الظهر من سورة مريم". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن حصين، قال: سمعت مجاهدًا يقول: "صليت مع عبد الله بن عمرو الظهر والعصر، فكان يقرأ خلف الإمام".

قيل له: قد روي هذا عمن ذكرت وقد روي عن غيرهم من أصحاب النبي - عليه السلام - خلاف ذلك. حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو نعيم، قال: سمعت محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ومر على دار ابن الأصبهاني فقال: حدثني صاحب هذه الدار -وكان قد قرأ على أبي: عبد الرحمن- عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، قال: قال لي علي - رضي الله عنه -: "من قرأ خلف الإِمام فليس على الفطرة". حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: "أنصت للقراءة؛ فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإِمام". حدثنا مبشر بن الحسن البصري، قال: ثنا أبو عامر -أو أبو جابر قال أبو جعفر: أنا أشك- عن شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله ... فذكر مثله. حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ... فذكر نحوه. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "ليت الذي يقرأ خلف الإِمام ملئ فوه ترابًا". حدثنا الحسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن الزبير، عن إبراهيم، عن علقمة ... فذكر مثله. حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن عبيد الله بن مقسم: أنه سأل عبد الله ابن عمر وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله، فقالوا: لا تقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلوات".

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن عبد الله ابن الأشج، عن أبيه، عن عبيد الله بن مقسم، قال: سمعت جابر بن عبد الله ... فذكر مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت سمعه يقول: "لا يقرأ المؤتم خلف الإِمام في شيء من الصلوات". حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير -قال أبو جعفر: وهو إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير- عن يزيد بن قسيط، عن عطاء ابن يسار، عن زيد ... فذكر مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح الحراني، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي جمرة قال: "قلت لابن عباس: أقرأ والإمام بين يدي؟ فقال: لا". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن نافع: "أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل هل يقرأ أحد خلف الإِمام؟ يقول: إذا صلى أحدكم خلف الإِمام فحسبه قراءة الإِمام، قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإِمام". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "تكفيك قراءة الإمام". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهؤلاء جماعة من أصحاب النبي - عليه السلام - قد أجمعوا على ترك القراءة خلف الإِمام، وقد وافقهم على ذلك ما قد روي عن النبي - عليه السلام - مما قدمنا ذكره، وشهد لهم النظر الذي قد ذكرنا؛ فذلك أولى مما قد خالفه والله أعلم. ش: أورد أهل المقالة الأولى على أهل المقالة الثانية بأن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يقرءون خلف الإِمام ويأمرون بها, ولو لم يكن ذلك واجبًا لما قرأوا ولا أمروا، وذكر الطحاوي ذلك عن اثنين من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم -.

أما أثر عمر - رضي الله عنه - فأخرجه: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن أبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني الكوفي، عن جَوَّاب -بفتح الجيم، وتشديد الواو، وفي آخره باء موحدة- بن عبيد الله التيمي الكوفي. عن يزيد بن شريك بن طارق التيمي تيم الرباب الكوفي والد إبراهيم التيمي قال: سألت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن هشيم، عن الشيباني ... إلى آخره نحوه سواء. وأما أثر عبد اللهَ بن عمرو فأخرجه من طريقين: أحدهما: عن صالح بن عبد الرحمن أيضًا، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس -وهو ابن أبي وحشية- اليشكري الواسطي، عن مجاهد بن جبر المكي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): عن هشيم ... إلى آخره نحوه. والآخر: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، عن مجاهد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا هشيم، قال: أنا حصين قال: "صليت إلى جنب عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: فسمعته يقرأ خلف الإِمام، قال: فلقيت مجاهدًا فذكرت له ذلك، قال: فقال مجاهد: سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ خلف الإِمام". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 327 رقم 3748). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 327 رقم 3749). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 327 رقم 3750).

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن ابن عيينة، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: "سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يقرأ في الظهر والعصر مع الإِمام، فسألت إبراهيم، فقال: لا تقرأ إلا أن (تَتَّهم) (¬2) الإمام، وسألت مجاهدًا، فقال: قد سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ". وأخرجه البيهقي (¬3) أيضًا: من حديث هشيم، عن حصين قال: "صليت إلى جنب عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فسمعته يقرأ خلف الإِمام، فلقيت مجاهدًا فذكرت له ذلك، فقال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقرأ خلف الإِمام في الظهر من سورة مريم". قوله: "قيل له" أي قيل لهذا القائل: نعم قد روي هذا عمن ذكرت من الصحابة، ولكن روي عن غيرهم من الصحابة أيضًا خلاف ذلك، وهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، فهؤلاء ستة من أجلاء الصحابة روي عنهم خلاف ما رُوي عن عمر وعبد الله بن عمرو، وأنهم اتفقوا على ترك القراءة خلف الإِمام مع ما وافقهم في ذلك ما روي عن النبي - عليه السلام - من ترك القراءة خلف الإِمام، وهو الذي رواه أبو الدرداء وأبو هريرة، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، فإنهم كلهم قد رووا عن النبي - عليه السلام - ما يوافق أقوال هؤلاء الصحابة على ما مرَّ ذكره مستقصى، ومع شهادة وجه النظر والقياس الذي قد ذكر عن قريب، فبمثل هذا يترك ما روي عن غيرهم من الخلاف، وقد ذكر بعض أصحابنا أن منع المقتدي عن القراءة مأثور عن ثمانين من كبار الصحابة، منهم: علي والعبادلة وقد ذكر غير الطحاوي أيضًا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 130 رقم 2775). (¬2) كذا في "الأصل، ك"، و"التمهيد" لابن عبد البر (11/ 36)، وفي "المصنف": يَهِم. (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 169 رقم 2769).

وقال عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): أخبرني موسى بن عقبة: "أن رسول الله - عليه السلام - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا ينهون عن القراءة خلف الإِمام". وأخرج عن داود بن قيس، عن محمَّد بن بجاد، عن موسى بن سعد بن أبي وقاص، قال: ذكر لي أن سعد بن أبي وقاص قال: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه حجر". قلت: بجاد بكسر الباء الموحدة وبالجيم، وقال ابن ماكولا: بجاد بن موسى بن سعد بن أبي وقاص روى حديثه ابنه محمَّد بن بجاد وآخرون. أما أثر علي بن أي طالب - رضي الله عنه -: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي الأحول شيخ البخاري، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه القاضي، فيه مقال، فعن يحيى: ليس بذاك. وقال العجلي: كان فقيهًا صاحب سنة صادقًا جائز الحديث. روى له الأربعة. عن عبد الرحمن بن عبد الله بن الأصبهاني من رجال الجماعة، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، قال أبو حاتم: منكر الحديث. يروي عن أبيه عن علي - رضي الله عنه - وها هنا روى عن علي بدون واسطة. وكذا رواه الدارقطني في "سننه" (¬2): ثنا عثمان بن أحمد الدقاق، ثنا محمَّد بن الفضل بن سلمة، ثنا أحمد بن يونس، ثنا عمرو بن عبد الغفار وأبو شهاب والحسن بن صالح، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله، أن عليًّا - رضي الله عنه - قال: "إنما يقرأ خلف الإِمام من ليس على الفطرة". فإن قيل: قال البيهقي (¬3): هذا ضعيف لا يسوي ذكره. قلت: قد أُخرج هذا من طرق متعددة. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 139 رقم 2810). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 332 رقم 26). (¬3) "السنن الكبرى" (2/ 168).

فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن محمَّد بن سليمان الأصبهاني، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى، عن علي - رضي الله عنه -: "من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة". ومحمد بن سليمان الأصبهاني قال الذهبي: صدوق. وأخرج له الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقواه ابن حبان، وباقي السند على شرط الصحيح، وقد جاء لمحمد بن الأصبهاني متابعة. فروى الدارقطني في "سننه" (¬2): ثنا أحمد بن محمَّد بن سعيد، ثنا الحسين بن عبد الرحمن بن محمَّد الأزدي، ثنا عمى عبد العزيز بن محمَّد، ثنا قيس، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن عبد الله بن أبي ليلى قال: قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة". وأخرجه الدارقطني (¬3) أيضًا: عن المختار بن عبد الله، عن أبيه، عن علي - رضي الله عنه -. وقال: ثنا بدر بن الهيثم القاضي، ثنا محمَّد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا وكيع، عن علي بن صالح، عن ابن الأصبهاني، عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى، عن أبيه، قال: قال علي - رضي الله عنه -: "من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة". وأخرجه أيضًا (¬4): عن عمار، عن عبد الله بن أبي ليلى، عن علي - رضي الله عنه -. ثنا أحمد بن يحيى بن المنذر من أصل كتاب أبيه، ثنا أبي، ثنا قيس، عن عمار الدهني، عن عبد الله بن أبي ليلى، قال: قال علي - رضي الله عنه -: "من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬5): عن داود بن قيس، عن محمَّد بن عجلان، قال: قال علي - رضي الله عنه -: "من قرأ مع الإِمام فليس على الفطر". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 330 رقم 3781). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 332 رقم 24). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 331 رقم 22). (¬4) "سنن الدارقطني" (1/ 332 رقم 25). (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 138 رقم 2806).

قال: وقال ابن مسعود: ملئ فوه ترابًا. قال: وقال عمر بن الخطاب: وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه حجر". وقال صاحب "التمهيد": ثبت عن علي وسعد وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - أنه لا قراءة مع الإِمام لا فيما أسر ولا فيما جهر. قوله: "وكان قد قرأ على أبي: عبد الرحمن" القائل بهذا القول هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أي: كان عبد الرحمن بن الأصبهاني قد قرأ على أبي وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى. فقوله: "عبد الرحمن" عطف بيان لقوله: "أبي" وليس المجموع كنية لشخص، فافهم فإنه موضع التوهم. وقوله: "عن المختار" يتعلق بقوله: "حدثني صاحب هذه الدار" أي صاحب هذه الدار الذي هو عبد الرحمن بن الأصبهاني الذي قرأ على والدي عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثني عن المختار بن عبد الله بن أبي ليلى. قوله: "فليس على الفطرة" أراد ليس على دين الإِسلام، يعني ليس على شرائط الدين، أو معناه: ليس على السنة كما في قوله: "عشر من الفطرة" (¬1) أي من السنة يعني سنن الأنبياء عليهم السلام التي أُمرنا أن نقتدي بهم فيها، فانظر إلى هذا الوعيد العظيم في الذي يقرأ خلف الإِمام، ولو ثبت عند علي - رضي الله عنه - من النبي - عليه السلام - وجوب القراءة خلف الإِمام لما قال بهذا القول (¬2). ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 223 رقم 261). (¬2) هذا إن ثبت الأثر عن علي، فقد قال البخاري في "القراءة خلف الإِمام" (ص2): وهذا لا يصح؛ لأنه لا يعرف المختار ولا يدرى أنه سمعه من أبيه أم لا، وأبوه من علي، ولا يحتج أهل الحديث بمثله. وقال الذهبي في "الميزان" في ترجمة عبد الله بن أبي ليلى: لا يعرف، والخبر منكر. وقال ابن حبان في "المجروحين" (2/ 5): وهذا شيء لا أصل له عن علي ... وابن أبي ليلى هذا رجل =

وأما أثر عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فأخرجه من أربع طرق ثلاثتها صحاح والرابع فيه حديج بن معاوية فيه مقال: الأول: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان وغيره. عن وهيب بن خالد بن عجلان البصري، عن منصور بن المعتمر الكوفي، عن أبي وائل شقيق بن سلمة أدرك النبي - عليه السلام - ولم يره، وهؤلاء روى لهم الجماعة. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن الثوري، عن منصور، عن أبي وائل قال: "جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن، أقرأ خلف الإِمام؟ قال: أنصت للقرآن؛ فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإِمام". وأخرجه الطبراني (¬2): عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق، به. قوله: "أنصت" أي اسكت، من أَنْصَتَ يُنْصِت إنصاتًا إذا سكت سكوت مستمع وقد نَصَتَ أيضًا، وأنصَتُّه إذا أسكتُّه فهو لازم ومتعدٍّ. وقوله: "فإن في الصلاة شغلًا" أي اشتغالًا عن غيرها، أراد أنه يجب أن يكون على حضور وسكون، فمتى قرأ خلف الإِمام ترك ذلك الحضور والسكون. قوله: "وسيكفيك ذلك الإمامُ" أشار به إلى القرآن، أي يكفيك الإِمام القراءة، أراد أن قراءته تغني عن قراءتك، و"الإمامُ" مرفوع؛ لأنه فاعل "سيكفيك"، و"ذلكَ" في محل النصب على المفعولية. ¬

_ = مجهول، ما أعلم له شيئًا يرويه عن علي غير هذا الحرف المنكر، الذي يشهد إجماع للسلمين قاطبة ببطلانه ... إلخ. وانظر ترجمة المختار بن عبد الله بن أبي ليلى من "لسان الميزان" (6/ 6). (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 138 رقم 2803). (¬2) "المعجم الكبير" (9/ 264 رقم 9311).

الثاني: عن مبشر بن الحسن بن مبشر القيسي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي، أو أبي جابر محمَّد بن عبد الملك الأزدي، والشك فيه من الطحاوي، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن عبد الله. وأخرجه البيهقي (¬1) من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان وشعبة، عن منصور، عن أبي وائل: "أن رجلًا سأل ابن مسعود عن القراءة خلف الإِمام، فقال: أنصت للقرآن؛ فإن في الصلاة شغلًا وسيكفيك ذاك الإِمام"، وقال البيهقي: وإنما يقال: أنصت لما يسمع. قلت: جاء عن ابن مسعود أنه لا قراءة خلف الإِمام مطلقًا كما قد ذكرناه. الثالث: عن روح بن الفرح القطان، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن منصور ... إلى آخره. وأخرجه ابن شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن أبي وائل قال: "جاء رجل إلى عبد الله فقال: اقرأ خلف الإِمام؟ فقال له عبد الله: إن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإِمام". الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن حديج -بضم الحاء المهملة- بن معاوية بن حديج بن الرُّحَيل الكوفي أخي زهير بن معاوية، فيه مقال؛ فعن يحيى بن معين: ليس بشيء، وعن النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: محله الصدق. عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن علقمة بن قيس النخعي، عن عبد الله بن مسعود ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 160 رقم 2726). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 330 رقم 3780).

واعلم أن قضية التراب والحجر قد رويت عن أربعة من عظماء الصحابة وأكابرهم وهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - وقد ذكرنا ذلك كله. قوله: "ليت الذي" أي: ليت الرجل الذي، أو: ليت المصلي الذي، أو ليت المقتدي الذي يقرأ القرآن خلف الإِمام، و"ليت" كلمة تمني، والتمني: ما لا مطمع في وقوعه، كقولك: ليت الشباب يعود. قوله: "مُلئ" على صيغة المجهول، و"فوه" مرفوع بإسناده إليه، و"ترابًا" نصب على المفعولية. وأخرج الطحاوي هذا أيضًا مقتصرًا على علقمة بن قيس: عن الحسن بن نصر ابن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي الهمداني الكوفي قاضي الري، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس قال: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام ملئ فوه- قال: أحسبه قال: ترابًا أو رضفًا". وكذا روي عن الأسود أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا ابن علية، عن أيوب وابن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: قال الأسود: "لأن أعض على جمرة أحب إليَّ من أن أقرأ خلف الإِمام أعلم أنه يقرأ". ثنا (¬3) هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن وبرة، عن الأسود بن يزيد أنه قال: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام ملئ فوه ترابًا". وأخرج عبد الرزاق (¬4): عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 139 رقم 2808). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 330 رقم 3785). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 331 رقم 3789). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 139 رقم 2809) ولكن من طريق معمر، قال: وأخبرني رجل عن الأسود به، وأما بالإسناد المذكور فرواه (2/ 138 رقم 2807) بلفظ: "ملئ فاه ترابًا"، والله أعلم.

قال: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام إذا جهر، عض على جمرهّ". وأما أثر عبد الله بن عمر فأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه الزاهد العابد، عن بكر بن عمرو المعافري المصري إمام جامعها، عن عبيد الله بن مقسم القرشي المدني ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح عك فرط مسلم، وهذا مخرج عن ثلاثة من الصحابة وهم: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله؛ فإنهم قالوا: لا يقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلوات. وأخرج عبد الرزاق (¬1): عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم: "أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان ينهى عن القراءة خلف الإمام". وأخرج (¬2): عن الثوري، عن ابن ذكوان، عن زيد بن ثابت، وابن عمر "كانا لا يقرآن خلف الإِمام". وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): عن وكيع، عن الضحاك بن عثمان، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر، قال: "لا تقرأ خلف الإِمام". وعن (¬4) وكيع أيضًا، عن الضحاك بن عثمان، عن عبد الله بن يزيد، عن ابن ثوبان، عن زيد بن ثابت، قال: "لا تقرأ خلف الإِمام إن جهر ولا إن خافت". وعن (¬5) وكيع أيضًا، عن عمر بن محمَّد، عن موسى بن سعد، عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ خلف الإِمام فلا صلاة له". ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 140 رقم 2814). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 140 رقم 2815). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 330 رقم 3786). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 331 رقم 3787). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 331 رقم 3788).

الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح في غاية الصحة وأخرجه يحيى بن يحيى في "موطئه" عن مالك (¬1) إلى آخره نحوه. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر .. إلى آخره. وهذا أيضًا صحيح في غاية الصحة وأخرج البيهقي (¬2) معارضًا لهذا: من حديث الجريري، عن أبي الأزهر قال: "سئل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن القراءة خلف الإِمام فقال: إني لأستحي من رب هذه البنية أن أصلي صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن". قلت: هذه معارضة باطلة؛ فإن إسناد ما ذكره منقطع، والصحيح عن ابن عمر عدم وجوب القراءة خلف الإِمام. وقد أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم: "أن ابن عمر كان ينهى عن القراءة خلف الإِمام". وأخرج (¬4) أيضًا: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: "نهى رسول الله - عليه السلام - عن القراءة خلف الإِمام، قال: وأخبرني أشياخنا أن عليًّا قال: من قرأ خلف الإِمام فلا صلاة له". وأخرج أيضًا: عن ابن جريج قال: أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول: "إذا كنت مع الإِمام فحسبك قراءة الإِمام". ¬

_ (¬1) "موطأ مالك" (1/ 86 رقم 192). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 161 رقم 2728). (¬3) تقدم. (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 139 رقم 2810).

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع وأنس بن سيرين، قالا: قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: "تكفيك قراءة الإِمام". وأما أثر جابر بن عبد الله: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج أبي المسور المدني من رجال مسلم، عن أبيه بكير بن عبد الله من رجال الجماعة، عن عبيد الله بن مقسم المدني، عن جابر. وهذا إسناد صحيح. فإن قيل: قال أحمد: مخرمة لم يسمع من أبيه شيئًا. وكذا قال يحيى بن معين، وقال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر. قلت: قال معن بن عيسى: مخرمة سمع من أبيه. وقال مالك: قلت لمخرمة: ما حدثت عن أبيك سمعته منه؟ فحلف بالله لقد سمعته. وأما أثر زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مخرمة، عن أبيه بكير بن عبد الله، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن داود بن قيس، قال: أخبرني عمر بن محمَّد بن زيد بن عمر بن الخطاب، قال: حدثني موسى بن سعيد، عن زيد بن ثابت قال: "من قرأ مع الإِمام فلا صلاة له". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد، عن إسماعيل بن جعفر ابن أبي كثير، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 330 رقم 3784). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (21/ 137 رقم 2802).

وأخرجه البيهقي (¬1): من حديث إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن ابن قسيط، عن عطاء بن يسار، أنه أخبره: "أنه سأل زيد بن ثابت عن القراءة مع الإِمام، فقال: لا قراءة مع الإِمام في شيء". قال البيهقي: هذا محمول على جهر الإِمام. قلت: لا نسلم ذلك؛ لعدم القرينة على ذلك، وقوله: "لا قراءة" نكرة في موضع النفي فتعمَّ. وأما أثر ابن عباس - رضي الله عنهما -: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي صالح الحراني واسمه عبد الغفار بن داود أحد أصحاب أبي حنيفة، وقال ابن ماكولا: كان ثقة ثبتًا فقيهًا على مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه -. عن حماد بن سلمة، عن أبي جمرة -بالجيم والراء المهملة- الضبعي واسمه نصر بن عمران بن عاصم من رجال الجماعة. وهذا إسناد صحيح. فإن قيل: روي عن ابن عباس خلاف هذا. فقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا حفص، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "لا تدع أن تقرأ خلف الإِمام بفاتحة الكتاب جهر أو لا". قلت: ما رواه الطحاوي أصح إسنادًا من هذا، فلا يعارض به؛ فإن ليث بن أبي سليم متكلم فيه. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 163 رقم 2738). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 328 رقم 3755).

ص: باب: الخفض في الصلاة هل فيه تكبير؟

ص: باب: الخفض في الصلاة هل فيه تكبير؟ ش: أي هذا باب في بيان أن الخفض في الصلاة هل يكبر فيه أم لا؟ والخفض ضد الرفع، وأراد به الانخفاض إلى الركوع هل فيه تكبير أم لا؟ والمناسبة بينه وبين ما قبله من الأبواب ظاهرة؛ لأن هذه الحالة بعد حالة القراءة وعقيب الفراغ منها. ص: حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، قال: ثنا يحيى بن حماد، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أنه صلى مع رسول الله - عليه السلام - وكان لا يتم التكبير". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن مرزوق، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان: أحدهما: عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي نزيل مصر، وثقه ابن يونس. عن زهير بن حرب بن شداد الحرشي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا حافظًا متقنًا. عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني البصري ختن أبي عوانة، روى له الجماعة أبو داود في غير "السنن". عن شعبة، عن الحسن بن عمران العسقلاني، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: شيخ. روى له أبو داود. عن ابن عبد الرحمن بن أبزى إما عبد الله بن عبد الرحمن وإما سعيد بن عبد الرحمن، وقال أبو داود الطيالسي: الأصح هو سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى. وسعيد هذا روى له الجماعة. وأما عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى فقد وثقه ابن حبان وروى له أبو داود والنسائي، وعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مختلف في صحبته، ذكره ابن حبان في

التابعين من كتاب "الثقات" وقال البخاري: له صحبة. وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي - عليه السلام - وصلى خلفه. وهذا الحديث يشهد لأبي حاتم والظاهر أنه صحابي كما قاله الجمهور، ولذلك سكت عنه الطحاوي. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا محمَّد بن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا أبو داود، ثنا شعبة ... إلى آخره نحوه. والآخر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي (¬2) وقال: قال عمرو بن مرزوق: ثنا شعبة، عن الحسن بن عمران، عن ابن عبد الرحمن، عن أبيه: "أنه صل مع النبي - عليه السلام - فكان لا يتم التكبير". فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟ قلت: قالوا: إنه ضعيف ومعلول بالحسن بن عمران، قال الطبري: هو مجهول لا يجوز الاحتجاج به. وقال البخاري في "تاريخه" (¬3): عن أبي داود الطيالسي: هذا عندنا باطل. فإن قيل: أخرج أبو داود هذا الحديث وسكت عنه، وذلك دليل الصحة عنده كما هو عادته. وكللك أخرجه أبو عمر بن عبد البر وسكت عنه وقال (¬4): ثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: ثنا قاسم بن أصبغ، قال: ثنا محمَّد بن عبد السلام، قال: ثنا بندار، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، عن الحسن بن عمران، قال: سمعت سعيد بن ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 282 رقم 837). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 68 رقم 2330). (¬3) "التاريخ الكبير" (2/ 300). (¬4) "التمهيد" (7/ 84).

عبد الرحمن بن أبزى يحدث عن أبيه: "أنه صلى خلف النبي - عليه السلام - فلم يكن يتم التكبير، كان لا يكبر إذا خفض". وكذلك الطحاوي سكت عنه غير أنه قال: الآثار المروية عن رسول الله - عليه السلام - في التكبير في كل خفض ورفع أظهر من حديث عبد الرحمن بن أبزى وأكثر تواترًا. وهذه العبارة تدل على أنه ليس بضعيف عنده. قلت: ولئن سلمنا أنه غير ضعيف، وأنه حسن أو جيد، ولكنه محمول على أنه - عليه السلام - تركه مرة لبيان الجواز، أو يكون قد كان - عليه السلام - كبر ولم يسمع الراوي تكبيره، قاله البيهقي، وتأوله الكرخي على حذفه، وذلك نقصان صفة لا نقصان عدد، وأجاب الطحاوي عنه أن الآثار المتواترة على خلافه، وأن العمل على غيره، كما يجيء إن شاء الله تعالى. قوله: "وكان لا يتم التكبير" معناه إذا رفع رأسه من الركوع وأراد أن يسجد لم يكبر، وإذا قام من السجود لم يكبر، قاله أبو داود، وذكر في "مختصر السنن": يريد لا يأتي بالتكبير في الانتقالات كلها، إنما يأتي في بعضها. ولكن تبويب الطحاوي بهذا يدل على أن معناه: كان لا يكبر إذا خفض كما هو مصرح في رواية ابن عبد البر؛ فافهم. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى هذا، فكانوا لا يكبرون في الصلاة إذا خفضوا، ويكبرون إذا رفعوا، وكذلك كانت بنو أميّة تفعل. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمر بن عبد العزيز ومحمد بن سيرين والقاسم وسالم ابن عبد الله وسعيد بن جبير وقتادة؛ فإنهم ذهبوا إلى هذا الأثر وكانوا لا يكبرون في الصلاة إذا خفضوا. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أبو داود، عن شعبة، عن الحسن بن عمران: "أن عمر بن عبد العزيز كان لا يتم التكبير". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 218 رقم 2498).

حدثنا (¬1) يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر قال: "صليت خلف القاسم وسالم فكانا لا يتمان التكبير". حدثنا (¬2) غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة قال: "صليت مع سعيد بن جبير فكان لا يتم التكبير". ويحكى هذا عن ابن عمر، وقال ابن بطال: كان ابن عمر ينقص التكبير. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا عبدة بن سليمان، عن مسعر، عن يزيد الفقير قال: "كان ابن عمر ينقص التكبير في الصلاة، قال مسعر: إذا انحط بعد الركوع للسجود لم يكبر، فإذا أراد أن يسجد الثانية لم يكبر". ويحكى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيضًا. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (¬4): عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي الوليد، قال: أخبرني شعبة بن الحجاج، عن رجل، عن ابن أبزى، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أمهم فلم يكبر هذا التكبير". ويحكى عن ابن عباس أيضًا. وأخرج عبد الرزاق (¬5): عن ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد قال: "صليت مع ابن عباس بالبصرة فلم يكبر هذا التكبير بالرفع والخفض". قلت: المشهور عن هؤلاء الصحابة التكبير في الخفض والرفع، وروايات هؤلاء محمولة على أنهم قد تركوه أحيانًا؛ بيانًا للجواز، أو الراوي لم يسمع ذلك منهم لخفاء الصوت. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 218 رقم 2501). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 218 رقم 2503). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 218 رقم 2504). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 66 رقم 2513). (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 65 رقم 2510) من طريق ابن جريج عن عمرو به بنحوه.

قوله: "وكذلك كانت بنو أمية تفعل" أي كانوا يتركون التكبير في الخفض، وهم مثل معاوية وزياد وعمر بن عبد العزيز. قال ابن أبي شيبة (¬1): حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: "أول من نقص التكبير زياد. وقال الطبري: "إن أبا هريرة سئل: من أول من ترك التكبير إذا رفع رأسه وإذا وضعه؟ قال: معاوية". وقال أبو عبد الله العدني في "مسنده": حدثنا بشر بن السري، ثنا إسرائيل، عن ثوير، عن أبيه، عن عبد الله قال: "أول من نقص التكبير الوليد بن عقبة، فقال عبد الله: نقصوها نقصهم الله، فقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر كلما ركع، وكلما سجد، وكلما رفع رأسه". ص: وخالفهم في ذلك آخرون فكبروا في الخفض والرفع جميعًا، وذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله - عليه السلام -. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح والحسن البصري ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والثوري والأوزاعي وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وأصحابهم وغيرهم من عوام العلماء؛ فإنهم رأوا التكبير في الخفض والرفع جميعًا، وذهبوا في ذلك إلى ما تواترت وتكاثرت به الآثار عن النبي - عليه السلام -، ويحكى ذلك عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر وقيس بن عبادة وغيرهم. ثم اختلفوا في تكبيرات الصلاة غير تكبيرة الإحرام هل هي سنة أو واجبة؟ فقال قوم: هي سنة، قال ابن المنذر: وبه قال أبو بكر الصديق وعمر وجابر وقيس بن عبادة والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأبو حنيفة، ونقله ابن بطال أيضًا عن عثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير ومكحول والنخعي وأبي ثور. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 218 رقم 2500).

وقالت الظاهرية وأحمد في رواية: كلها واجب. وقال أبو عمر: قد قال قوم من أهل العلم: إن التكبير إنما هو إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة، وليس بسُنَّة إلا في الجماعة، فأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر، وقد قال ابن القاسم: فمن نسي ثلاث تكبيرات فصاعدًا من صلاته وحده: أنه يسجد قبل السلام، فإن لم يفعل أعاد، وخالفه أصبغ وعبد الله بن عبد الحكم فقالا: لا إعادة على من نسي التكبير كله في صلاته إذا كان قد كبر لإحرامه، وإنما عليه سجدتا السهو، فإن لم يسجدهما فلا حرج، وعلى هذا القول فقهاء الأمصار وأئمة الفتوى، وهو الذي ذهب إليه أبو بكر الأبهري، قال: وأهل الظاهر كلهم يأمرون به ويفعلونه، فإن تركه تارك عندهم بعد أن يحرم لم تفسد صلاته؛ لأنه ليس عندهم من فرائض الصلاة. قلت: قال ابن حزم في "المحلى": والتكبير للركوع فرض، وقول: سبحان ربي العظيم في الركوع فرض، والقيام إثر الركوع فرض لمن قدر عليه حتى يعتدل قائمًا، وقول: "سمع الله لمن حمده" عند القيام من الوكوع فرض، فإن كان مأمومًا ففرض عليه أن يقول بعد ذلك: "ربنا لك الحمد"، أو "ولك الحمد"، وليس هذا فرضًا على إمام ولا فذّ، فإن قالاه كان حسنًا وسُنَّه، والتكبير لكل سجدة منهما فرض، وقول: سبحان ربي الأعلى في كل سجدة فرض، ووضع الجبهة واليدين والأنف والركبتين وصدور القدمين على ما هو قائم عليه فيما أبيح له التصرف عليه فرض كل ذلك، والجلوس بين السجدتين فرض، والطمأنينة فيه فرض، والتكبير له فرض، لا تجزئ صلاة لأحد من أن يدع من هذا كله عامدًا؛ فإن لم يأت به ناسيًا ألغى ذلك وأتى به كما أُمر ثم سجد للسهو فإن عجز عن شيء منه لجهل أو عذر مانع سقط عنه، وتمت صلاته. انتهى.

وقال أبو عمر (¬1): قال إسحاق بن منصور، سمعت أحمد بن حنبل يقول: "يروى عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده" قال أحمد: وأحب إليَّ أن يكبر إذا صلى وحده في الفرض، وأما في التطوع فلا. قال أبو عمر: لا يحكي أحمد عن ابن عمر إلا ما صح عنده، وأما ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع". فيدل ظاهره عك أنه كذلك كان يفعل إمامًا وغير إمام. وقال السفاقسي: واختلفوا فيمن ترك التكبير في الصلاة، فقال ابن القاسم: من أسقط ثلاث تكبيرات فأكثر أو التكبير كله سوى تكبيرة الإحرام سجد قبل السلام، وإن لم يسجد قبل السلام سجد بعده، وإن لم يسجد حتى طال بطلت صلاته، وفي "الموضحة": وإن نمصي تكبيرين سجد قبل أن يسلم، فإن لم يسجد لم تبطل صلاته، وإن ترك تكبيرة واحدة اختلف هل عليه سجود أم لا؟ فقال ابن عبد الحكم وأصبغ: ليس على من ترك التكبير سوى السجود، فإن لم يفعل حتى تباعد فلا شيء عليه. وقال أصحابنا: لا يجب السجود بترك الأذكار كالثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود وتسبيحاتها. وفي "شرح المهذب": لو ترك التكبير عمدًا أو سهوًا حتى ركع، لم يأت به لفوات محله. والله أعلم. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله قال: "أنا رأيت رسول الله - عليه السلام - يكبر في كل وضع ورفع". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن زهير ... فذكر بإسناده مثله، قال: "ورأيت أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - يفعلان ذلك". ش: شرع يبين ما ذكره من قوله: "وذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله - عليه السلام -" منها ما رواه عبد الله بن مسعود. ¬

_ (¬1) "التمهيد" (7/ 83).

وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن زهير بن معاوية بن حديج أحد أصحاب أبي حنيفة ومن رجال الجماعة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه الأسود، وعن علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي عم الأسود بن يزيد، والكل من رجال الجماعة. وأخرجه الدارمي في "مسنده" (¬1): أنا أبو الوليد الطيالسي، ثنا أبو خيثمة، ثنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعن علقمة، عن عبد الله قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يكبر في كل رفع ووضع وقيام وقعود". وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده" (¬2): ثنا عمرو بن علي، قال: ثنا معاذ بن معاذ وأبو داود، قالا: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله: "أن النبي - عليه السلام - كان يكبر في كل خفض ورفع، ويسلم عن يمينه وعن يساره. الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني أبي بدر، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعن علقمة، كلاهما عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه الترمذي (¬3): نا قتيبة، قال: نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة والأسود، عن عبد الله قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يكبر في كل خفص ورفع وقيام وقعود، وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما". قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن مسعود حديث حسن صحيح. ¬

_ (¬1) "سنن الدارمي" (1/ 316 رقم 1249). (¬2) "مسند البزار" (5/ 48 رقم 1609). (¬3) "جامع الترمذي" (2/ 33 رقم 253).

وأخرجه النسائي (¬1) أيضًا: أنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أبنا الفضل بن دكين ويحيى بن آدم، قالا: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبد الله قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود، ويسلم عن يمينه وعن شماله: السلام عليكم ورحمة الله - عليه السلام - يُرى بياض خده، قال: ورأيت أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - يفعلان ذلك". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، قال: ثنا عطاء بن السائب، قال: حدثني سالم البراد- قال: وكان عندي أوثق من نفسي- قال: قال أبو مسعود البدري: "ألا أصلي لكم صلاة رسول الله - عليه السلام -؟ فصلى بنا أربع ركعات يكبر فيهن كلما خفض ورفع، وقال: هكذا رأيت رسول اللهَ - عليه السلام - صلى". ش: إسناده صحيح، وعفان بن مسلم بن عبد الله الصفار أبو عثمان البصري شيخ البخاري، وهمام بن يحيى العوذي أبو بكر البصري روى له الجماعة، وعطاء بن السائب بن مالك أبو زيد الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، وعن أحمد: ثقة ثقة، رجل صالح. روى له البخاري حديثًا واحدًا متابعة والأربعة. وسالم أبو عبد الله الكوفي وثقه يحيى بن معين وابن حبان وغيرهما، والبراد فعال -بالتشديد- من البرد لقب سالم، وأبو مسعود البدري اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، ثنا همام، عن عطاء بن السائب، حدثني سالم البراد -وكان أوثق عندي من نفسي- قال: "قال لنا أبو مسعود البدري: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله - عليه السلام -؟ فلما ركع وضع كفيه على ركبتيه وفرق بين أصابعه وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه، وكبر وسجد وجافى عن إبطيه حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر فاستوى قاعدًا على ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 230 رقم 1142). (¬2) "المعجم الكبير" (17/ 240 رقم 668).

مقعدته حتى استقر كل شيء منه، فصلى أربع ركعات، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - عليه السلام - يصلي، أو هكذا كانت صلاة رسول الله - عليه السلام -". وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (¬1): ثنا يحيى بن حماد، نا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب، ثنا سالم البراد قال: "دخلنا على أبي مسعود الأنصاري، فسألناه عن الصلاة، فقال: ألا أصلي بكم كما كان رسول الله - عليه السلام - يصلي؟ قال: فقام فكبر ورفع يديه، ثم ركع فوضع كفيه عك ركبتيه وجافى بين إبطيه، قال: ثم قام حتى استقلَّ كل شيء منه، ثم سجد فوضع كفيه وجافى بين إبطيه، ثم رفع رأسه حتى أستقلَّ كل شيء، ثم صلى أربع ركعات هكذا". قوله: "أَلا" حرف تنبيه ينبه السامع على ما يأتي. قوله: "كلما خفض ورفع" أي كلما خفض رأسه للسجود وكلما رفعها. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا عبد العزيز بن مختار، قال: ثنا عبد الله الداناج، قال: ثنا عكرمة قال: "صلى بنا أبو هريرة - رضي الله عنه - فكان يكبر إذا رفع وإذا خفض، فأتيت ابن عباس فأخبرته بذلك، فقال: أوليس ذلك سنة أن القاسم - عليه السلام -؟! ". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو بشر، عن عكرمة، مثله ولم يذكر أبا هريرة. ش: هذان طريقان رجالهما ثقات: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد العزيز بن مختار الأنصاري أبي إسحاق الدباغ البصري من رجال الجماعة، عن عبد الله بن فيروز الداناج البصري روى له الجماعة سوى الترمذي، والداناج معرب داناه، وهو العالم بالفارسية. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 274 رقم 22413).

ورواه أحمد في "مسنده"، (¬1) والطبراني في "معجمه" (¬2): من طريق عبد الله الداناج المذكور فيه. قوله "أوليس ذلك" الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري، ومعناه تلك صلاة رسول الله - عليه السلام - لأن نفي النفي إثبات. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس الواسطي، عن عكرمة نحوه، ولم يذكر فيه أبا هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا هشيم، بن بشير، عن أبي بشر, عن عكرمة نحوه, "رأيت رجلًا يصلي عند المقام، يكبر في كل خفض ورفع، قال: فأتيت ابن عباس - رضي الله عنهما - فأخبرته بذلك فقال لي ابن عباس: أوليس تلك صلاة رسول الله - عليه السلام -؟! لا أمَّ لعكرمة". وقال البخاري (¬4): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: أنا همام، عن قتادة، عن عكرمة قال: "صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك، سنة أبي القاسم - عليه السلام -". ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبو إسحاق، عن الأسود بن يزيد، قال: قال أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه -: "ذكرنا علي - رضي الله عنه - صلاة كلنا نصليها مع النبي - عليه السلام - إما نسيناها وإما تركناها عمدًا، يكبر كلما خفض وكلما رفع وكلما سجد". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا سعيد بن أبو عروبة (ح) ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (1/ 250 رقم 2257). (¬2) "المعجم الكبير" (11/ 333 رقم 11918). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 218 رقم 2495). (¬4) "صحيح البخاري" (1/ 272 رقم 755).

وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا كبر الإِمام وسجد فكبروا واسجدوا". ش: هذه ثلاث طرق رجالها كلهم رجال الصحيحين ما خلا ربيعًا وأسدًا وابن مرزوق: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن الأسود بن يزيد النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم، عن أبي موسى قال: "صلى بنا علي - رضي الله عنه - يوم الجمل صلاة ذكرنا بها صلاة رسول الله - عليه السلام - فإما أن نكون نسيناها وإما أن نكون تركناها عمدًا؛ يكبر في كل رفع وخفض، وقيام وقعود، ويسلم عن يمينه ويساره". قوله: "ذكرنا" بالتشديد من التذكير و"عليٌّ" مرفوع ة لأنه فاعله و"صلاة" مفعوله. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي أبي محمَّد البصري، عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي أبي النضر البصري، عن قتادة، عن يونس بن جبير الباهلي أبي غلاب البصري، عن حِطَّان -بكسر الحاء، وتشديد الطاء المهملتين- أبي عبد الله الرقاشي -بفتح الراء وتخفيف القاف- نسبة إلى رقاش بنت ضبيعة أم ولد شيبان بن ذهل. وهو يروي عن أبي موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 217 رقم 2491).

وأخرجه مسلم (¬1): ثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري ومحمد بن عبد الملك الأموي واللفظ لأبي كامل، قالوا: ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: "صليت مع أبي موسى صلاة، فلما كان عند القعدة، قال رجل من القوم: أقرت الصلاة بالبر والزكاة، قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم، انصرف فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأرم القوم، ثم قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرم القوم، فقال: لعلك يا حطان قلتها؟ قال: ما قلتها, ولقد رهبت أن تبكعني بها، فقال رجل من القوم: أنا قلتها ولم أرد بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟! إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، إذا قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإِمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله - عليه السلام -: فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع الله لكم؛ فإن الله تعالى قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإِمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، فقال رسول الله - عليه السلام -: فتلك بتلك، وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن عفان بن مسلم الصفار، عن همام بن يحيى، عن قتادة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (¬2): عن عمرو بن عون، عن أبي عوانة، عن قتادة. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 303 رقم 404). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 319 رقم 972).

وعن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي قال: "صلى بنا أبو موسى ... " الحديث. وأخرجه النسائي (¬1): عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، أن الأشعري قال: "إن رسول الله - عليه السلام - خطبنا فعلمنا سنتنا وبيَّن لنا صلاتنا ... " الحديث. وأخرجه ابن ماجه (¬2): عن جميل بن الحسن، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة. وعن عبد الرحمن بن عمرو، عن ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، وهشام بن أبي عبد الله، عن قتادة -وهذا حديث عبد الرحمن- عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، عن أبي موسى الأشعري: "أن رسول الله - عليه السلام - خطبنا وبين لنا سنتنا ... " الحديث. قوله: "فأرم القوم" قال ابن الأثير: الرواية المشهورة "أَرَمَّ" بالراء المهملة وتشديد الميم، معناه أمسكوا عن الكلام وسكتوا ولم يجيبوا، يقال: أرمّ فهو مرمّ، ويروى "أزم القوم" -بفتح الزاي المعجمة- ومعناه أيضًا أمسكوا عن الكلام، كما يمسك الصائم عن الطعام ومنه سميت الحمية أزمًا. قوله: "أن تبكعني بها" من بكعت الرجل بكعًا إذا استقبلته بما يكره. قوله: "فتلك بتلك" معناه أن الدعوى معلقة بتلك الكلمة أو مضمنة بها، أعني بالدعوى: قراءة الإِمام {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} السورة، وأعني بالكلمة: قوله: "آمين". قوله: "فتلك" مبتدأ وخبره "بتلك" الثاني، ومتعلقه محذوف كما قدرنا. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 241 رقم 1172). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 291 رقم 901).

قوله: "يسمع الله لكم" أي يستجيب لكم، والسماع كناية عن الإجابة؛ فافهم. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني عبد الرحمن الأصم، قال: سمعت أنسًا يقول: "كان رسول الله - عليه السلام - وأبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - يتمون التكبير، يكبرون إذا سجدوا إذا رفعوا، وإذا قاموا من الركعة". حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم وأبو حذيفة، عن سفيان، عن عبد الرحمن الأصم ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: أحدهما: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري ونسبته لعمل القوارير أو بيعها، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن الأصم من رجال مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الرحمن الأصم، عن أنس قال: "كان النبي - عليه السلام - وأبو بكر وعمر وعثمان لا ينقصون التكبير". وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (¬2): عن الثوري، عن عبد الرحمن الأصم، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله - عليه السلام - وأبو بكر وعمر وعثمان يثبتون التكبير إذا رفعوا وإذا وضعوا". والآخر: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك ابن مخلد، وأبي حذيفة النهدي واسمه موسى بن مسعود شيخ البخاري، كلاهما عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن الأصم. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 216 رقم 2477). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 64 رقم 2501).

وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الرحمن الأصم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان رسول الله - عليه السلام - وأبو بكر وعمر لا ينقصون التكبير". ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة: "أن أبا هريرة - رضي الله عنه - كان يصلي لهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله - عليه السلام -". حدثنا ابن مرزوق، قال: أنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت النعمان بن راشد يحدث، عن الزهري، عن أبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن: "أن أبا هريرة كان يصلي لهم المكتوبة ... " فذكر مثله. حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة نحوه. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يكبر كلما سجد ورفع". حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال: حدثني يحيى، أن أبا سلمة قال: "رأيت أبا هريرة يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع، فقلت: يا أبا هريرة، ما هذه الصلاة؟! فقال: إنها لصلاة رسول الله - عليه السلام -". ش: هذه خمس طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمد بن مسلم شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، والكل رجال الصحيح.

وأخرجه البخاري (¬1): ثنا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أنه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع، وإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - عليه السلام -". وأخرجه النسائي (¬2): عن قتيبة بن سعيد، عن مالك ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن النعمان بن راشد الجزري الرقي مولى بني أمية، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المدني أحد الفقهاء السبعة، عن أبي هريرة. وأخرجه أبو داود (¬3) بأتم منه: ثنا عمرو بن عثمان، نا أبي وبقية، عن شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة: "أن أبا هريرة - رضي الله عنه - كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، فيكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في اثنتين، فيفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله - عليه السلام -، وإن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا". ففيه إثبات التكبير في كل خفض ورفع إلا في رفعه من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده، وهذا مجمع عليه اليوم، ففي كل صلاة ثنائية إحدى عشرة تكبيرة، وهي: تكبيرة الإحرام، وخمس في كل ركعة، وفي الثلاثية سبع عشرة، وهي: تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وخمس في كل ركعة، وفي الرباعية ثنتان وعشرون، ففي المكتوبات الخمس أربع وتسعون تكبيرة. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 272 رقم 752). (¬2) "المجتبى" (2/ 235 رقم 1155). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 281 رقم 836).

الثالث: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن محمَّد بن عبد الرحمن ابن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، كان يسكن المقبرة فنسب إليها. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، نا أبو داود، نا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: "والله إني لأعلمكم بصلاة رسول الله - عليه السلام -، كان رسول الله - عليه السلام - إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، وكان يكبر إذا نهض وإذا خفض وإذا رفع". الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان الأنصاري المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، نا أبو عاصم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يرفع يديه إذا دخل الصلاة مدًّا، وكان يسكت قبل القراءة يسأل الله من فضله، ويكبر إذا خفض وإذا رفع". الخامس: عن محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا محمَّد بن مهران الرازي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة: "أن أبا هريرة كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع، فقلنا: يا أبا هريرة، ما هذا التكبير؟! فقال: إنها لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 293 رقم 392).

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فكانت هذه الآثار المروية عن رسول الله - عليه السلام - في التكبر في كل خفض ورفع أظهر من حديث عبد الرحمن بن أبزى، وأكثر تواترًا، وقد عمل بها من بعد رسول الله - عليه السلام - أبو بكر وعمر وعلي -رضوان الله عليهم- وتواتر بها العمل إلى يومنا هذا، لا ينكر ذلك منكر، ولا يدفعه دافع، ثم النظر يشهد له أيضًا، وذلك أنا رأينا الدخول في الصلاة يكون بالتكبير، ثم الخروج من الركوع والسجود يكونان أيضًا بالتكبر، وكذلك القيام من القعود يكون أيضًا بالتكبر، فكان ما ذكرنا من تغير الأحوال من حال إلى حال قد أُجمع أن فيه تكبيرًا، فكان النظر على ذلك أيضًا أن يكون تغير الأحوال أيضًا من القيام إلى الركوع وإلى السجود فيه أيضًا تكبير؛ قياسًا عك ما ذكرنا من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله-. ش: أراد بالآثار المرويّه: الأحاديث التي أخرجها عن عبد الله بن مسعود وأبي مسعود البدري وأبي هريرة وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك - رضي الله عنهم - وأشار إلى ترجيحها على حديث عبد الرحمن بن أبزى الذي احتج به أهل المقالة الأولى بأوجه أربعة: الأول: أن هذه أظهر من حديث ابن أبزى في صحة الأسانيد وإتقان الرواة، وأنها أكثر تواترًا وأشد اشتهارًا بين الخاصة والعامّة، وقد عرف أن من جملة أسباب الترجيح كثرة عدد الرواة وشهرة المروي، حتى إذا كان أحد الخبرين يرويه واحد والآخر يرويه اثنان، فالذي يرويه اثنان أولى بالعمل به، واستدلوا على ذلك بمسألة كتاب الاستحسان في الخبر بطهارة الماء ونجاسته، وحل الطعام وحرمته، أنه إذا كان المخبر بأحد الأمرين اثنين، وبالآخر واحدًا، فإنه يؤخذ بخبر الاثنين؛ وهذا لأن خبر المثنى حجة تامة في باب الشهادات، بخلاف خبر الواحد، فطمأنينة القلب إلى خبر المثنى أكثر، وقد اشتهر عن الصحابة - رضي الله عنهم - الاعتماد على خبر المثنى دون الواحد.

الثاني: أنه قد عمل بهذه الآثار من بعد رسول الله - عليه السلام - أبو بكر وعمر وعلي - رضي الله عنهم - وكفى بهم قدوة، وكذلك عمل بها غيرهم من الصحابة مثل عثمان -كما وقع في رواية ابن أبي شيبة- وأبي هريرة وأنس وأبي موسى الأشعري وأبي مسعود البدري وعبد الله بن مسعود وغيرهم - رضي الله عنهم -. الثالث: أنه قد تواتر بها العمل إلى يومنا هذا من غير نكبيرِ منكر، ولا ردِّ رادٍّ، فصار كالإجماع. الرابع: أنه يشهد له النظر والقياس، بيانه: أن الدخول في الصلاة يكون بالتكبير وكذلك الخروج من الركوع والسجود والقيام من القعود، فكل ذلك بالتكبير بلا خلاف فيه؛ فكان النظر والقياس عك ذلك أن تكون بالتكبير أيضًا حالة الانتقال من القيام إلى الركوع وإلى السجود، والجامع: وجود تغير الأحوال من حال إلى حال في كل واحدة من هذه الحالات.

ص: باب: التكبير للركوع والتكبير للسجود والرفع من الركوع هل في ذلك رفع أم لا؟

ص: باب: التكبير للركوع والتكبير للسجود والرفع من الركوع هل في ذلك رفع أم لا؟ ش: أي هذا باب في بيان التكبير لأجل الركوع والتكبير لأجل السجود، وفي بيان حالة رفع الرأس من الركوع هل فيهما رفع اليدين أم لا؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته إذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا فرغ ورفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر". ش: هذا أخرجه أبو جعفر: بعينه بهذا الإسناد في باب: رفع اليدين في افتتاح الصلاة، ولكن إلى قوله: "حذو منكبيه" وقطعه للتبويب. وأخرجه الأربعة (¬1) وقد ذكرناه هناك. قوله: "إذا قضى قراءته" أي: إذا فرغ منها. قوله: "ويصنعه" أي يصنع رفع اليدين. قوله: "وهو قاعد" جملة وقعت حالًا. قوله: "وإذا قام من السجدتين" يعني الركعتين؛ قاله في "الإِمام"، وقال النووي في "الخلاصة": وقع في لفظ أبي داود: "السجدتين" وفي لفظ الترمذي "الركعتين" والمراد بالسجدتين: الركعتان. ¬

_ (¬1) تقدم.

وقال الخطابي: أما ما روي في حديث علي أنه كان يرفع يديه عند القيام من السجدتين، فلست أعلم أحدًا من الفقهاء ذهب إليه، وإن صح الحديث فالقول به واجب. انتهى. قلت: الحديث صحيح، قال الترمذي: حسن صحيح، ووهم الخطابي في ذلك لكونه لم يقف على طريق الحديث، ولكن يجيء الجواب عنه إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت النبى - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع، ولا يرفع بين السجدتين". ش: هذا أيضًا أخرجه بعينه بهذا الإسناد في باب: رفع اليدين في افتتاح الصلاة، ولكن إلى قوله: "حتى يحاذي بهما منكبيه" والأئمة الستة أخرجوه (¬1) وقد ذكرناه هناك. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: "أن النبى - عليه السلام - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وكان لا يفعل ذلك بين السجدتين". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مالك ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد، عن جابر قال: "رأيت سالم بن عبد الله رفع يديه حذاء منكبيه في الصلاة ثلاث مرات: حين افتتح الصلاة، وحين ركع، وحين رفع رأسه، قال جابر: فسألت سالمًا عن ذلك، فقال: رأيت ابن عمر يفعل ذلك، وقال ابن عمر: رأيت النبى - عليه السلام - يفعل ذلك". ¬

_ (¬1) تقدم.

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - عليه السلام - أحدهم أبو قتادة قال: قال أبو حميد: "أنا أعلمكم بصلاة النبي - عليه السلام -، قالوا: لم؛ فوالله ما كنت أكثرنا له تبعة، ولا أقدمنا له صحبة؟! فقال: بلى، قالوا: فأعرض، قال: كان رسول الله - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر، ثم يقرأ، ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فإذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم صنع مثل ذلك في بقية صلاته، قال: فقالوا جميعًا: صدقت هكذا كان يصلي". ش: هذه الأسانيد كلها بعينها قد مرت هناك ولكن مقتصرة على رفع اليدين حذو المنكبين عند الافتتاح، وقد ذكرنا هناك من أخرجها من الأئمة، وتقطيعها للتبويب. وزيد هو ابن أبي أنيسة الجزري أبو أسامة الرهاوي من رجال الجماعة، وجابر هو ابن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي فيه كلام كثير. ومما يستفاد منها: استحباب الجمع للإمام بين التسميع والتحميد، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد. وأنه لا يرفع يديه بين السجدتين، وبه أخذ الجمهور، وقد ذهبت طائفة إلى الرفع في السجود أيضًا. لما روى أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن حميد، عن أنس: "أن النبي - عليه السلام - كان يرفع يديه في الركوع والسجود". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 213 رقم 2434).

ويستفاد من حديث أبي حميد: أن الإِمام يقتصر على التسميع، وإليه ذهب أبو حنيفة. وسنية تكبيرات الانتقالات. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد وأبو أُسيد وسهل بن سعد فذكروا صلاة رسول الله - عليه السلام -، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة النبي - عليه السلام -، إن رسول الله - عليه السلام - كان إذا قام رفع يديه، ثم رفع يديه حين يكبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه". ش: إسناده صحيح، وأبو عامر اسمه عبد الملك بن عمرو، وقد تكرر ذكر نسبته إلى عَقَد بفتحتين صنف من الأزد. وعباس بن سهل بن سعد الأنصاري روى له الجماعة سوى النسائي، وأبو حميد -بضم الحاء- قيل اسمه عبد الرحمن، وقيل: المنذر بن سعد الساعدي الأنصاري المدني الصحابي، وأبو أسيد بضم الهمزة اسمه مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي الصحابي، وسهل بن سعد بن مالك الأنصاري الساعدي أبو يحيى المدني الصحابي. وأخرجه الدارمي في "سننه" (¬1): أنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا أبو عامر العقدي، نا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل قال: "اجتمع محمَّد بن مسلمة وأبو أسيد وأبو حميد وسهل بن سعد، فذكروا صلاة رسول الله - عليه السلام -، قال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - عليه السلام -، إن رسول الله - عليه السلام - قام فكبر ورفع يديه، ثم رفع يديه حين كبر للركوع، ثم ركع ووضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه، ولم يصوب رأسه ولم يقنعه". وأخرجه أبو داود من وجوه كثيرة وأخرجه من هذا الوجه أيضًا وليس فيه ذكر رفع اليدين عند الركوع وقال (¬2): ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الملك بن عمرو، قال: ¬

_ (¬1) "سنن الدارمي" (1/ 341 رقم 1307). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 253 رقم 734).

أخبرني فليح، قال: حدثني عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله - عليه السلام - فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - عليه السلام -، فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، وقال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه، ثم رفع رأسه حتى رجع كل عظم في موضعه، حتى فرغ، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته، ووضع كله اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبعه". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "رأيت النبي - عليه السلام - حين يكبر للصلاة وحين يركع وحين يرفع رأسه من الركوع يرفع يديه حيال أذنيه". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس المعروف بالسوسي، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - إذا ركع وإذا رفع رأسه من ركوعه يرفع يديه حتى يحاذي بهما فوق أذنيه". ش: هذه الأسانيد ذكرت هناك بعينها ولكن متونها مقتصرة على رفع اليدين عند الافتتاح، وها هنا ذكرها لرفع اليدين حين يركع وحين يرفع رأسه من الركوع. ورجالها كلهم ثقات وأبو الأحوص سلام بن سليم الكوفي. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد".

ش: سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، وإسماعيل بن عياش بن سليم الشامي فيه مقال، قال النسائي: ضعيف. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. وقال الفسوي: تكلم قوم فيه وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام، أكثر ما تكلموا فيه قالوا: يغرب عن ثقات الحجازين. وروى له الأربعة. وصالح من رجال الجماعة، وكذلك عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. وأخره ابن ماجه (¬1): ثنا عثمان بن أبي شيبة وهشام بن عمار، قالا: ثنا إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - يرفع يديه في الصلاة حذو منكبيه حين يفتتح الصلاة وحين يركع وحين يسجد". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى هذه الآثار، وأوجبوا الرفع عند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند النهوض إلى القيام من القعود في الصلاة كلها. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح وطاوسًا ومجاهدًا والقاسم بن محمَّد وسالمًا وقتادة ومكحولًا وسعيد بن جبير وعبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا عبيد وأبا ثور وابن جرير الطبري ومالكًا في رواية؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الآثار المذكورة، وأوجبوا الرفع أي رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع، وعند القيام من القعود إلى الركعة الثالثة، وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأبي سعيد الخدري وابن عباس وأنس وابن الزبير. وقال البخاري (¬2): روي عن تسعة عشر نفرًا من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع منهم: أبو قتادة وأبو أسيد ومحمد بن مسلمة وسهل بن ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 279 رقم 860). (¬2) "جزء رفع اليدين" للبخاري (1/ 2).

سعد وعبد الله بن عمر وابن عباس وأنس وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو وعبد الله ابن الزبير ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث وأبو موسى الأشعري وأبو حميد الساعدي. وزاد البيهقي (¬1): أبا بكر الصديق وعمر وعليًّا وجابرًا وعقبة بن عامر وزيد بن ثابت وعبد الله بن جابر البياضي وأبا سعيد وأبا عبيدة وابن مسعود وأبي بن كعب وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف والحسين بن علي وسلمان الفارسي وبريدة وعمارًا وأبا أمامة وعمير بن قتادة الليثي وأبا مسعود وعائشة وأعرابيًّا له صحبة. وزاد ابن حزم (¬2): أم الدرداء والنعمان بن عياش، قال: ورويناه أيضًا عن عبد الرحمن بن سابط والحسن وسالم والقاسم وعطاء ومجاهد وابن سيرين ونافع وقتادة والحسن بن مسلم وابن أبي نجيح وعمرو بن دينار ومكحول والمعتمر ويحيى القطان وابن مهدي وابن علية وابن المبارك وابن وهب ومحمد بن نصر المروزي وابن جرير الطبري وابن المنذر والربيع ومحمد بن الحكم وابن نمير وابن المديني وابن معين وابن هارون في آخرين، وهو رواية أشهب وابن وهب وأبي المصعب وغيرهم عن مالك: أنه كان يرفع يديه على حديث ابن عمر إلى أن مات، وبه قال الأوزاعي وابن عيينة والشافعي وجماعة أهل الحديث. وذكر ابن عسكر في "تاريخه" (¬3): عن أبي حازم سلمة الأعرج القاضي قال: "أدركت ألفًا من الصحابة كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع". ¬

_ (¬1) انظر "سنن البيهقي الكبرى" باب رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه. (2/ 68) وما بعدها. (¬2) انظر "المحلى" (4/ 89) وما بعدها. (¬3) "تاريخ دمشق" (22/ 24). وأسند بعده عن ابن أبي حازم أنه قال: من حدثك أن أبي سمع من أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - غير سهل بن سعد فقد كذب، وانظر "جامع التحصيل" (1/ 187 رقم 255)، و"تهذيب الكمال" (11/ 275).

ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا نرى الرفع إلا في التكبيرة الأولى. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي وابن أبي ليلى وعلقمة بن قيس والأسود بن يزيد وعامر الشعبي وأبا إسحاق السبيعي وسفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل وخيثمة وقيسًا والمغيرة ووكيعًا وعاصم بن كليب ومالكًا -في رواية- وابن القاسم وأكثر المالكية وأهل الكوفة. قال الترمذي (¬1): وبه يقول غير واحد من أصحاب النبي - عليه السلام - والتابعين وهو قول سفيان وأهل الكوفة. واختلف عن مالك في رفع اليدين في الصلاة فروى الوليد بن مسلم وعبد الله بن وهب عن مالك: أنه كان يرى رفع اليدين في الصلاة. وروى الشافعي، عن مالك: أنه كان لا يرفع. وقال أشرت الدين بن نجيب الكاساني في "البدائع" (¬2): وروي عن ابن عباس أنه قال: إن العشرة الذين شهد لهم رسول الله - عليه السلام - بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا لافتتاح الصلاة. قلت: وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وذكر غيره أيضًا عبد الله بن مسعود وجابر بن سمرة والبراء بن عازب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبا سعيد الخدري، وقول الترمذي يدل على هذا. ص: واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري، قال: ثنا يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 40). (¬2) "بدائع الصنائع" (1/ 484).

عازب قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبًا من شحمتي أذنيه ثم لا يعود". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا خالد، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن البراء، عن النبي - عليه السلام - نحوه. حدثنا محمَّد بن النعمان السقطي، قال: ثنا يحيى يحيى، قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه. وعن الحكم (¬1)، عن ابن أبي ليلى، عن البراء، عن النبي - عليه السلام - نحوه. ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - وأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي العدوي أبي عبد الرحمن البصري نزيل مكة، وشيخ أحمد وإسحاق وابن المديني وبندار، وثقه يحيى بن معين وابن حبان، واستشهد به البخاري، واحتج به الأربعة أبو داود في القدر. عن سفيان الثوري، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي أبي عبد الله الكوفي، تكلموا فيه، وسيجيء الكلام فيه. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى من رجال الجماعة، عن البراء - رضي الله عنه -. وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا محمَّد بن الصباح البزاز، قال: ثنا شريك، عن يزيد ¬

_ (¬1) كذا في "الأصل"، و"ك": وعن الحكم بالإضافة وعليه شرح المؤلف، وهو كذلك في "مصنف ابن أبي شيبة" كما سيأتي، وعند أبي داود في "سننه": عن الحكم بدون الواو، وكذا هو في "تحفة الأشراف" (2/ 29 رقم 1786) ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يروي عن أخيه ويروي عن الحكم كما في ترجمته من "تهذيب الكمال" وأما أخوه عيسى فقد شكك المزي في روايته عن الحكم كما في ترجمته من "تهذيب الكمال" (22/ 630) فقال: إن كان محفوظًا. (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 258 رقم 749).

ابن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه، ثم لا يعود". الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون الواسطي، عن خالد بن عبد الله الواسطي، كلاهما من رجال الجماعة، عن محمَّد بن أبي ليلى فيه مقال، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن وثقه أبو حاتم وغيره، عن أبيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا حسين بن عبد الرحمن، أنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - رفع يديه حين افتتح الصلاة، ثم لم يرفعهما حتى انصرف". الثالث: عن محمد بن النعمان السقطي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن وكيع، عن محمَّد بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، وعن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم وعيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، ثم لا يرفعهما حتى يفرغ". فإن قلت: قال أبو داود (¬3): روى هذا الحديث هشيم وخالد وابن إدريس عن يزيد بن أبي زياد ولم يذكروا: "ثم لا يعود" وقال الخطابي: لم يقل أحد في هذا: "ثم لا يعود" غير شريك، وقال أبو عمر في "التمهيد": تفرد به يزيد، ورواه عنه الحفاظ فلم يذكر واحد منهم قوله: "ثم لا يعود". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 259 رقم 752). (¬2) المصنف ابن أبي شيبه (1/ 213 رقم 2440). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 258).

وقال البزار: لا يصح حديث يزيد في رفع اليدين "ثم لا يعود". وقال عباس الدوري (¬1) عن يحيى: ليس هو بصحيح الإسناد. وقال البيهقي (¬2) عن أحمد: هذا حديث واهي قد كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يذكر فيه: "ثم لا يعود". فلما لقن أخذه فكان يذكره فيه. وقال جماعة: إن يزيد كان تغير بأخرة وصار يتلقن، واحتجوا على ذلك بأنه أنكر الزيادة. كما أخرجه الدارقطني (¬3): عن علي بن عاصم، ثنا محمد بن أبي ليلى، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "رأيت النبي - عليه السلام - حين قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حتى ساوى بهما أذنيه، فقلت: أخبرني ابن أبي ليلى أنك قلت: "ثم لم يعد" قال: لا أحفظ هذا. ثم عاود به فقال: لا أحفظه. وقال البيهقي: سمعت الحاكم أبا عبد الله يقول: يزيد بن أبي زياد كان يذكر بالحفظ، فلما كبر ساء حفظه، وكان يقلب الأسانيد ويزيد في المتون ولا يميز. قلت: يعارض قول أبي داود قول ابن عدي في "الكامل" (¬4): رواه هشيم وشريك وجماعة معهما عن يزيد بإسناده وقالوا فيه "ثم لم يعد" فظهر أن شريكًا لم يتفرد برواية هذه الزيادة فسقط بذلك أيضًا كلام الخطابي: لم يقل أحد في هذا: "ثم لا يعود" غير شريك؛ لأن شريكًا قد توبع عليها. كما أخرجه الدارقطني (¬5): عن إسماعيل بن زكرياء، ثنا يزيد بن أبي زياد به نحوه. ¬

_ (¬1) "تاريخ ابن معين رواية الدوري" (3/ 264 رقم 1239). (¬2) "معرفة السنن والآثار" (1/ 548). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 294 رقم 24). (¬4) "الكامل في الضعفاء" (7/ 276). (¬5) "سنن الدارقطني" (1/ 293 رقم 21).

وأخرجه البيهقي في "الخلافيات": من طريق النضر بن شميل، عن إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بلفظ: "رفع يديه حذو أذنيه ثم لم يعد". وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬1): من حديث حفص بن عمر، ثنا حمزة الزيات كذلك، وقال: لم يروه عنه إلا حفص، تفرد به محمَّد بن حرب. فإن قالوا: تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف. قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأن عيسى بن عبد الرحمن رواه أيضًا عن ابن أبي ليلى كذلك، فلذلك أخرجه الطحاوي إشارة إلى أن يزيد قد توبع في هذا، وأما إذا نظرنا في حال يزيد نجده ثقة، فقال العجلي: هو جائز الحديث. وقال يعقوب بن سفيان الفسوي: يزيد وإن كان قد تكلم فيه لتغيره فهو على العدالة والثقة وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور والأعمش فهو مقبول القول عدل ثقة. وقال أبو داود: ثبت لا أعلم أحدًا ترك حديثه وغيره أحب إليَّ منه. وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلا أنه اختلط في آخر عمره. ولما ذكره ابن شاهين في كتاب "الثقات" قال: قال أحمد بن صالح: يزيد ثقة ولا يعجبني قول من تكلم فيه. وخرج ابن خزيمة حديثه في "صحيحه". وقال الساجي: صدوق. وكذا قال ابن حبان، وذكره مسلم فيمن شمله اسم الستر والصدق وتعاطي العلم وخرج حديثه في "صحيحه"، واستشهد به البخاري. فلما كانت حاله بهذه المثابة جاز أن يحمل أمره على أنه حدث ببعض الحديث تارة وبجملته أخرى، أو يكون قد نسى أولًا ثم تذكر، فإن ادعوا المعارضة برواية إبراهيم بن بشار عن سفيان، ثنا يزيد بن أبي زياد بمكة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة يرفع يديه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع" قال سفيان: فلما قدمت الكوفة سمعته يقول: "يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود". فظننتهم لقنوه. ¬

_ (¬1) "المعجم الأوسط" (2/ 84 رقم 1325).

رواه الحاكم، ثم البيهقي (¬1) عنه. قال الحاكم: لا أعلم ساق هذا المتن بهذه الزيادة عن سفيان بن عيينة غير إبراهيم بن بشار الرمادي، وهو ثقة في الطبقة الأولى من أصحاب ابن عيينة، جالس ابن عيينة نيفًا وأربعين سنة. ورواه البخاري في كتابه في "رفع اليدين" (¬2): حدثنا الحميدي، ثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، بمثل لفظ الحاكم. قال البخاري: وكذلك رواه الحفاظ ممن سمع يزيد قديمًا منهم شعبة والثوري وزهير، وليس فيه "ثم لم يعد". قلنا: هذا لا يتجه؛ لأنه لم يرو هذا المتن جهذه الزيادة غير إبراهيم بن بشار، كذا حكاه الشيخ في "الإمام" عن الحاكم، وابن بشار قال فيه النسائي: ليس بالقوي. وذمه أحمد ذمًّا شديدًا، وقال ابن معين: ليس بشيء لم يكن يكتب عند سفيان، وما رأيت في يده قلمًا قط، وكان يُملي على الناس ما لم يقله سفيان. ورماه البخاري وابن الجارود بالوهم، فجائز أن يكون قد وهم في هذا والله أعلم. وقال ابن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: كان يملي على الخراسانية ما لم يقل ابن عيينة، فقلت له: أما تتقي الله؟! تملي عليهم ما لم يسمعوا؟! وذمه في ذلك ذمًّا شديدًا. وقال الأزدي: هو صدوق لكنه يهم في الحديث بعد الحديث. فإن قلت: قال ابن قدامة في "المغني": حديث يزيد بن أبي زياد ضعيف، قال الحميدي وغيره: يزيد بن أبي [زياد] (¬3) ساء حفظه في آخر عمره وخلط. ثم لو صح لكان الترجيح لأحاديثنا أولى بخمسة أوجه: أحدها: أنها أصح إسنادًا وأعدل رواة، فالحق إلى قولهم أقرب. الثاني: أنها أكثر رواة فظن الصدق في قولهم أقوى والغلط منهم أبعد. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 77 رقم 2361). (¬2) "جزء رفع اليدين للبخاري" (1/ 33 رقم 32). (¬3) في "الأصل" و"ك": "سفيان" وهو تحريف، والمثبت من "المغني" (2/ 174).

الثالث: أنهم مثبتون والمثبت يخبر عن شيء شاهده ورآه، فقدله يجب تقديمه لزيادة علمه، والنافي لم ير شيئًا فلا يؤخذ بقوله وكذلك قدمنا قول الجارح على المعدل. الرابع: أنهم فصَّلوا في روايتهم ونصُّوا في الرفع على الحالتين المختلف فيهما والمخالف لهم عمم روايته المختلف فيه وغيره، فيجب تقديم أحاديثنا؛ لنصها وخصوصها عك أحاديثهم العامّة التي لا نص فيها كما يقدم الخاص على العام، والنص على الظاهر المحتمل. الخامس: أن أحاديثنا عمل بها السلف من الصحابة والتابعين، فيدل ذلك على قوتها. قلت: يدفع الوجه الأول: حديث ابن مسعود على ما يأتي؛ فإنه أيضًا حديث صحيح نص عليه الترمذي وغيره. وأما الوجه الثاني: ولئن سلمنا أن كثرة عدد الرواة لها تأثير في باب الترجيح ولكن هذا إنما يكون فيما إذا كان راوي الخبر واحدًا، وراوي الخبر الذي يعارضه اثنان أو أكثر؛ فالذي نحن فيه إنما روي عن جماعة وهم عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب وابن عباس وابن عمر وعباد بن الزبير - رضي الله عنهم - فحينئذ تتساوى الأخبار في ظن الصدق بقولهم في القوة وبعد الغلط. وأما الوجه الثالث؛ فلا نسلم أن خبر المثبت يقدم على خبر النافي مطلقًا؛ لأنه كما أنه يستدل به على صدق الراوي في الخبر الموجب للإثبات، فكذلك يستدل به بعينه على صدق الراوي في الخبر الموجب للنفي، والتحقيق في هذا الموضع أن خبر النفي إذا كان عن دليل يوجب العلم به يتساوى مع المثبت وتتحقق المعارضة بينهما، ثم يجب طلب المخلص بعد ذلك، فإن كان لا عن دليل يوجب العلم به فحينئذ يقدم خبر المثبت، وذلك كما في حديث بلال - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - لم يصل في الكعبة"

مع حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أنه - عليه السلام - صلى فيها عام الفتح" (¬1) فإنهم اتفقوا أنه - عليه السلام - ما دخلها يومئذ إلا مرة، ومن أخبر أنه لم يصل فيها فإنه لم يعتمد دليلًا موجبًا للعلم؛ لأنه لم يعاين صلاته فيها، والآخر عاين ذلك، فكان المثبت أولى من النافي، وأما الذي نحن فيه فالنفي فيه عن دليل يوجب العلم به ة لأن ابن مسعود - رضي الله عنه - شاهد النبي - عليه السلام - وعاينه أنه رفع يديه في أول تكبيرة ثم لم يعد، وقول ابن عمر أيضًا إثبات عن دليل يوجب العلم، فحينذ يتساويان في القوة والضعف، فكيف يرجح الإثبات على النفي؟! فافهم فإنه موضع دقيق قَلَّ من يتعرض إليه، ولولا الفيض الإلهي لما قدرنا عليه. وأما الوجه الرابع: فنقول كما أن الخاص موجب للحكم فيما تناوله قطعًا، فكذلك العام موجب للحكم فيما تناوله قطعًا، وكل واحد من الحديثين نص، فكيف يقال والنص يقدم على الظاهر المحتمل؟! وأما الوجه الخامس: فنقول أيضًا: أحاديثنا عمل بها السلف من الصحابة والتابعين، فقد قال: الترمذي بعد أن أخرج حديث ابن مسعود: وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام - والتابعين. وقد قلنا: إنه مذهب العشرة المبشرة بالجنة وقد رويت آثار كثيرة من الصحابة والتابعين تدل على أنهم عملوا بأحاديثنا كما سنذكر أكثرها إن شاء الله تعالى. ثم اعلم أن حديث عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب فقد أخرجها الطحاوي ها هنا. ¬

_ (¬1) رواه البخاري (1/ 155 رقم 388)، ومسلم (2/ 966 رقم 1329): "أن ابن عمر سأل بلالًا: أصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة؟ قال: نعم". وأما الذي أنكر صلاته بالكعبة فهو ابن عباس كما رواه البخاري في "صحيحه" (1/ 155 رقم 389)، ومسلم في "صحيحه" (2/ 968 رقم 1331). والله أعلم.

وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني في "معجمه" (¬1): ثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، نا محمَّد بن عمران، حدثني أبي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس عن النبي - عليه السلام - قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: حين تفتتح الصلاة، وحين تدخل المسجد الحرام فتنظر إلى البيت، وحين تقوم على الصفا، وحين تقوم على المروة، وحين تقف مع الناس عشيّة عرفة، وبجمع، والمقامين حين ترمي الجمرة". ورواه البخاري معلقًا في كتابه المفرد "في رفع اليدين" (¬2) ثم قال: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها. فهو مرسل وغير محفوظ؛ لأن أصحاب نافع خالفوا، وأيضًا فهم قد خالفوا هذا الحديث ولم يعتمدوا عليه في تكبيرات العيدين وتكبير القنوت. والجواب: أن قول شعبة مجرد دعوى، ولئن سلمنا فمرسل الثقات مقبول يحتج به، وكونهم لم يعتمدوا عليه في تكبيرات العيدين وتكبير القنوت لا يوجب المخالفة؛ لأن الحديث لا يدل على الحصر. صرواه البزار في "مسنده" أيضًا: ثنا أبو كريب محمَّد بن العلاء، نا عبد الرحمن بن محمَّد المحاربي، ثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - قال: "ترفع الأيدي في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، وعند الحجر" ثم قال: وهذا حديث رواه غير واحد موقوفًا، وابن أبي ليلى لم يكن بالحافظ، وإنما قال: "ترفع الأيدي لما ولم يقل: لا ترفع الأيدي إلا في هذه المواضع انتهى. قلت: رواه موقوفًا ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا ابن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "ترفع الأيدي في سبع مواطن: إذا قام إلى ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (11/ 385 رقم 12072). (¬2) "جزء رفع اليدين للبخاري" (1/ 78 رقم 77). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 214 رقم 2450).

الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وفي جمع، وعند الجمار". قال الشيخ في "الإِمام": ورواه الحاكم ثم البيهقي بإسناده عن المحاربي، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس. وعن نافع عن ابن عمر قالا: قال رسول الله - عليه السلام -: "ترفع الأيدي في سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين". وأما حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - فأخرجه البيهقي في "الخلافيات": عن عبد الله بن عون الخزاز، ثنا مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "أن النبي - عليه السلام - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود". قال البيهقي: قال الحاكم: هذا باطل موضوع، ولا يجوز أن يذكر إلا على سبيل القدح؛ فقد روينا بالأسانيد الصحيحة عن مالك بخلاف هذا ولم يذكر الدارقطني هذا في غرائب حديث مالك. قلت: هذا أيضًا مجرد دعوى من الحاكم؛ لأنه لم يبين وجه البطلان ما هو، ولا يلزم من عدم ذكر الدارقطني هذا في غرائب حديث مالك أن يكون هذا باطلًا، فافهم. الخراز بالخاء المعجمة بعدها راء ثم زاي. وأما حديث عباد فأخرجه البيهقي أيضًا في "الخلافيات": أنا أبو عبد الله الحافظ، عن أبي العباس محمَّد بن يعقوب، عن محمَّد بن إسحاق، عن الحسن بن الربيع، عن حفص بن غياث، عن محمَّد بن يحيى، عن عباد بن الزبير: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول الصلاة ثم لم يرفعهما في شيء حتى يفرغ". قال الشيخ في "الإِمام": عباد هذا تابعي، فهو مرسل. قلت: قد قلنا: إن مرسل الثقات مقبول محتج به. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي - عليه السلام -: "أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود".

حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا وكيع، عن سفيان ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان إسنادان صحيحان ورجالهما رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود البرلسي ومحمد بن النعمان. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا وكيع، عن سفيان، عن عاصم يعني ابن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، قال: قال عبد الله بن مسعود: "ألا أصلي بكم صلاة رسول الله - عليه السلام -؟ قال: فصلى فلم يرفع يديه إلَّا مرة". وأخرجه الترمذي (¬2): عن هناد، عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "إلا في أول مرة". وأحْرجه النسائي (¬3): عن محمود بن غيلان، عن وكيع ... إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة في"مصنفه" (¬4): عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. وكذا العدني أخرجه في "مسنده": عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره. فإن قيل: قد اعترض على هذا الحديث من ثلاثة أوجه: الأول: ما رواه الترمذي (¬5) بسنده: عن ابن المبارك قال: لم يثبت عندي حديث ابن مسعود: "أنه - عليه السلام - لم يرفع يديه إلا في أول مرة". وثبت حديث ابن عمر: "أنه رفع عند الركوع، وعند الرفع، وعند القيام من الركعتين" (¬6). ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 258 رقم 748). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 40 رقم 257). (¬3) "المجتبى" (2/ 195 رقم 1058). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 213 رقم 2441). (¬5) "جامع الترمذي" (2/ 36). (¬6) رواه البخاري (1/ 258 رقم 706).

ورواه الدارقطني (¬1)، ثم البيهقي (¬2) في "سننيهما"، وذكره المنذري في مختصره للسنن. الثاني: مما قال المنذري: قال غير ابن المبارك: إن عبد الرحمن لم يسمع من علقمة. الثالث: ما قال الحاكم: عاصم بن كليب لم يخرج حديثه في "الصحيح" وكان يختصر الأخبار فيؤديها بالمعنى وإن لفظة "ثم لا يعود" في الرواية الأخرى غير محفوظة في الخبر، نقل البيهقي في "سننه" عن الحاكم هكذا. قلت: أما الجواب عن الأول: أن عدم ثبوت الخبر عند ابن المبارك لا يمنع ثبوته عند غيره، فقد قال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام - والتابعين، وهو قول سفيان وأهل الكوفة انتهى. ولو لم يثبت هذا الخبر عند سفيان لما عمل به، وصححه ابن حزم في "المحلى" وهو يدور على عاصم بن كليب، وقد وثقه ابن معين، وأخرج له مسلم. فلا نسأل عنه للاتفاق على الاحتجاج به. وأما الجواب عن الثاني: أن قول المنذري غير قادح؛ فإنه عن رجل مجهول، وهو قول عجيب لأنه تعليل بقول رجل مجهول شهد على النفي وقال الشيخ في "الإِمام": وقد تتبعت هذا القائل فلم أجده، ولا ذكره ابن أبي حاتم في "مراسيله" وإنما ذكره في كتاب "الجرح والتعديل" فقال: وعبد الرحمن بن الأسود أُدخل على عائشة وهو صغير ولم يسمع منها، وروى عن أبيه وعلقمة. ولم يقل: إنه مرسل، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: إنه مات في سنة تسعة وتسعين. فكان سنه سن إبراهيم النخعي، فإذا كان سنه سن إبراهيم فما المانع من سماعه من علقمة، مع الاتفاق على سماع النخعي منه، ومع هذا كله فقد صرح الخطيب في كتاب ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 293 رقم 20). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 79 رقم 2365).

"المتفق والمفترق" في ترجمة عبد الرحمن هذا أنه سمع أباه وعلقمة، وكذا قال في "الكمال": سمع عائشة زوج النبي - عليه السلام -، وأباه، وعلقمة بن قيس. وأما الجواب عن الثالث: وهو تضعيف الحاكم عاصمًا، فقد قلنا: إن ابن معين وثقه، وأنه من رجال الصحيح، وقول الحاكم: إن حديثه لم يخرج في "الصحيح" غير صحيح؛ فقد أخرج له مسلم حديثه عن أبي بردة، عن علي في "الهدي" (¬1)، وحديثه عنه عن علي: "نهاني رسول الله - عليه السلام - أن أجعل خاتمي في هذه والتي تليها" (¬2) وغير ذلك (¬3) أيضًا، فليس من شرط الصحيح التخريج عن كل عدل، وقد أخرج هو في مستدركه عن جماعة لم يخرج لهم في "الصحيح" وقال: هو على شرط الشيخين، وإن أراد بقوله لم يخرج حديثه في "الصحيح" أي هذا الحديث فليس ذاك بعلة، وإلا لفسد عليه مقصوده كله من "المستدرك". والحاصل أن رجال هذا الحديث على شرط مسلم، فالحديث حينئذ صحيح، والدور على تضعيفه لا يفيد. فإن قيل: قال البيهقي (¬4): روى هذا الحديث عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب فذكر فيه رفع يديه حين كبر في الابتداء، فلم يتعرض للرفع ولا لتركه بعد ذلك، وذكر تطبيق يديه بين فخذيه، وقد يكون رفعهما فلم ينقله كما لم ينقل سائر سنن الصلاة، وقد يكون ذلك في الابتداء قبل أن يشرع رفع اليدين في الركوع، ثم صار التطبيق منسوخًا، وصار الأمر في السنة إلى رفع اليدين عند الركوع ورفع الرأس منه فخفي جميعًا على عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (4/ 2090 رقم 2725). (¬2) "صحيح مسلم" (3/ 1659 رقم 2078). (¬3) انظر "صحيح مسلم" (4/ 2292 رقم 2992). (¬4) "معرفة السنن والآثار" (1/ 551 - 552).

قلت: هذا رد لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في الاقتصار على الرفع مرة لمجرد احتمال بعيدة؛ ولا يلزم من نسخ التطبيق نسخ الاقتصار على الرفع في التكبيرة الأولى، وقد جاء لحديثه هذا شاهد جيد. وهو ما أخرجه البيهقي (¬1) أيضًا: من حديث محمد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود: "صليت خلف النبي - عليه السلام - وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة". فإن قيل: قال الدارقطني (¬2): تفرد به محمَّد بن جابر وكان ضعيفًا، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا، عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي - عليه السلام -، وهو الصواب. قلت: ذكر ابن عدي أن إسحاق -يعني ابن إسرائيل- كان يفضل محمَّد بن جابر على جماعة شيوخ هم أفضل منه وأوثق، وقد روى عنه من الكبار مثل: أيوب وابن عون وهشام بن حسان والسفيانين وشعبة وغيرهم، ولولا أنه في ذلك المحل لم يرو عنه مثل هؤلاء والذين هم دونهم، وقد خالف في أحاديث، ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه. وقال الفلاس: صدوق. وأدخله ابن حبان في "الثقات". وحماد بن أبي سليمان روى له الجماعة إلا البخاري، ووثقه يحيى القطان وأحمد بن عبد الله العجلي، وقال شعبة: كان صدوق اللسان. وإذا تعارض الوصل مع الإرسال والرفع مع الوقف فالحكم عند أكثرهم للواصل والرافع لأنهما زادا والزيادة من الثقة مقبولة والله أعلم (¬3). وأما حديث عبد الله بن إدريس الذي ذكره البيهقي. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 79 رقم 2365). (¬2) "سنن الدارقطني" (1/ 295 رقم 25). (¬3) قد تقدم التنبيه على خطأ هذا المذهب عند المحققين من المحدثين مرارًا.

فقد أخرجه البزار في "مسنده" (¬1): ثنا عبد الله بن سعيد ومحمد بن العباس الضبعي، قالا: نا عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله قال: "ألا أريكم صلاة رسول الله - عليه السلام -؟ فكبر ورفع يديه حين افتتح الصلاة، فلما ركع طبق يديه وجعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله - عليه السلام -". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة، قال: "قلت لأبراهيم: حديث وأئل أنه رأى النبي - عليه السلام - يرفع يديه إذا افتتح الصلاة إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا خالد بن عبد الله، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن مرة قال: "دخلت مسجد حضرموت فإذا علقمة بن وائل يحدث عن أبيه: أن رسول الله - عليه السلام - كان يرفع يديه قبل الركوع وبعده، فذكرت ذلك لإبراهيم، فغضب وقال: رأه هو ولم يره ابن مسعود ولا أصحابه؟! ". ش: هذان إسنادان صحيحان؛ لأن مؤملًا وثقه أحمد وغيره، وقد ذكرناه عن قريب، وسفيان هو الثوري، والمغيرة هو ابن مقسم الضبي، وإبراهيم هو النخعي وكلاهما من رجال الجماعة، ووائل هو ابن حجر الصحابي. ومسدد بن مسرهد شيخ البخاري، وخالد بن عبد الله الطحان الواسطي، وحصين -بضم الحاء- بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، وعمرو بن مرة بن عبد الله المرادي الجملي الكوفي الأعمى، وعلقمة بن وائل بن حجر الحضرمي الكندي الكوفي، والكل من رجال الجماعة. فإن قيل: كيف تقول: هذان إسنادان صحيحان وفيهما الانقطاع؟ لأن إبراهيم النخعي لم يدرك عبد الله بن مسعود. ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (5/ 46 رقم 1608).

قلت: عن قريب يجيء الجواب عن ذلك، فتجده متصلًا في المعنى، وإنما ذكر الطحاوي هذا جوابًا لمن يزعم أن ابن مسعود يجوز عليه أن يكون قد نسي الرفع في غير التكبيرة الأول كما نسي في التطبيق فخفي عليه نسخه؛ وذلك لأن من رأى فعلًا من النبي - عليه السلام - خمسين مرة أو أقل منه كيف ينساه والحال أنهم كانوا محتاطين في أمور دينهم ولا سيما في أمر الصلوات لتكررها خمس مرات في اليوم والليلة ومثل ابن مسعود الذي كان يلازم النبي - عليه السلام - في غالب أوقاته لا يخفى عليه ذلك، فلذلك غضب إبراهيم النخعي لمَّا قال له عمرو بن مرة ما قال وبالغ في جواب المغيرة حيث قال: "إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك -أي رفع اليدين عند رفع الرأس من الركوع- فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك"، وهذا كله إنكار من إبراهيم لرفع اليدين من غير تكبيرة الافتتاح، وقال إبراهيم أيضًا لعلقمة بن وائل: "ما أرى أباك رأى رسول الله - عليه السلام - إلا ذلك اليوم الواحد فحفظ ذلك، وعبد الله لم يحفظ ذلك منه؟! ثم قال إبراهيم: إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة". روى ذلك الدارقطني، (¬1) ثم البيهقي (¬2) في "سننيهما": من حديث جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: دخلنا على إبراهيم، فحدثه عمرو بن مرة قال: صلينا في مسجد الحضرميين، فحدثني علقمة بن وائل، عن أبيه: "أنه رأى رسول الله - عليه السلام - يرفع يديه حين يفتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا سجد، فقال إبراهيم: ما أرى أباك ... إلى آخر ما ذكرناه. وأخرجه أيضًا أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (¬3) ولفظه: "أحفظ وائل ونسي ابن مسعود - رضي الله عنه -؟! ". وقال صاحب "التنقيح": قال الفقيه أبو بكر بن إسحاق، هذه علة لا تستوي سماعهما؛ لأن رفع اليدين قد صح عن النبي - عليه السلام - ثم الخلفاء الراشدين ثم الصحابة ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (1/ 291 رقم 13). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 81 رقم 2369). (¬3) انظر "نصب الراية" (1/ 397)، و"الدراية في تخريج أحاديث الهداية" (1/ 151).

والتابعين، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب، قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف فيه المسلمون بعد، وهي المعوذتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق، ونسي كيفية قيام الاثنين خلف الإِمام، ونسي مالم يختلف العلماء فيه: أن النبي - عليه السلام - صلى الصبح يوم النحر في وقتها، ونسي كيفية جمع النبي - عليه السلام - بعرفة، ونسي مالم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف كان يقرأ النبي - عليه السلام - {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} (¬1) وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة، كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين انتهى؟! والجواب عن ذلك. أما قوله: "لأن رفع اليدين قد صح عن النبي - عليه السلام -، فنقول قد صح أيضًا تركه. كما في رواية الترمذي (¬2) وقال: حديث حسن صحيح. وأما قوله: "ثم الخلفاء الراشدين" فممنوع إذ قد صح عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - خلاف ذلك كما نذكره إن شاء الله تعالى، والذي روي عن عمر - رضي الله عنه - في الرفع في الركوع والرفع منه ذكره البيهقي بسنده، وفيه من هو مستضعف ولهذا قال (¬3): ورويناه عن أبي بكر وعمر، وذكر جماعة، ولم يذكره بلفظ الصحة كما فعل ابن إسحاق المذكور، وذكر في الجوهر النقي: ولم أجد أحدًا ذكر عثمان - رضي الله عنه - في جملة من كان يرفع يديه في الركوع والرفع منه. وأما قوله: "ثم الصحابة والتابعين" فغير صحيح أيضًا، فإن من الصحابة من قصر الرفع على تكبيرة الافتتاح، وهم الذين ذكرناهم فيما مضي. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): ثنا وكيع، عن أبي بكر بن عبد الله بن قطاف ¬

_ (¬1) سورة الليل، آية: [3]. (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 40 رقم 257) وقال: حديث حسن. (¬3) انظر "الجوهر النقي بذيل سنن البيهقي" (2/ 80). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبه" (1/ 213 رقم 2442).

النهشلي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: "أن عليًا - رضي الله عنه - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود". ثنا (¬1) أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: "ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح الصلاة". ثنا (¬2) ابن آدم، عن حسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صليت مع عمر - رضي الله عنه - فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة قال عبد الملك: ورأيت الشعبي وإبراهيم وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم إلا حين يفتتحون الصلاة". انتهى. ويرد قوله أيضًا ما روي عن جماعة من التابعين أنهم كانوا لا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الافتتاح لا غير كالأسود وعلقمة وإبراهيم وخيثمة وقيس بن أبي حازم والشعبي وأبي إسحاق وغيرهم. ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3) بأسانيد جيدة، وروي ذلك أيضًا بسند صحيح عن أصحاب علي وعبد الله - رضي الله عنهم - وناهيك بهم. وأما قوله: "وليس في نسيان ابن مسعود ... " إلى آخره، فدعوى لا دليل عليها، ولا طريق إلى معرفة أن ابن مسعود علم ذلك ثم نسيه، والأدب في هذه الصورة التي نسبه فيها إلى النسيان أن يقال: "لم يبلغه" كما فعل غيره من العلماء. قوله: "ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق" غير وارد على منهج الأدب، ولا نسلم أنه نسي ذلك بل إنما نقول: إنه لم يبلغه ذلك. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 214 رقم 2452). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 214 رقم 2454). (¬3) انظر "مصنف ابن أبي شيبة" (باب: من كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود) (1/ 213) وما بعدها.

قوله: "ونسي كيفية الاثنين خلف الإمام" أراد به ما روي أنه صلى بالأسود وعلقمة فجعلهما عن يمينه ويساره (¬1)، وقد اعتذر ابن سيرين عن ذلك بأن المسجد كان ضيفا، ذكره البيهقي (¬2) في باب: المأموم يخالف السنة في الموقف. قوله: "ونسي أنه - عليه السلام - صلى الصبح في يوم النحر في وقتها" ليس بجيدٍ؛ إذ في "صحيح البخاري" (¬3) وغيره عن ابن مسعود: "أنه - عليه السلام - صلى الصبح يومئذ بغلس". فما نسي أنه صلاها في وقتها، بل أراد أنه صلاها في غير وقتها المعتاد، وهو الإسفار وقد تبين ذلك بما في "صحيح البخاري" (3) من حديثه: "فلما كان حين يطلع الفجر قال: إن النبي - عليه السلام - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان في هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان يحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس، والفجر حين يبزغ الفجر". وقوله: "ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد ... " إلى آخره، أراد بذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال: "هيئت عظام ابن آدم للسجود، فاسجدوا حتى بالمرافق (¬4) إلا أن عبارة ابن إسحاق ركيكة، والصواب أن يقال: من كراهية وضع المرفق والساعد. وقوله: "ونسي كيف كان يقرأ النبي - عليه السلام - {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} ليس كذلك؛ لأنه ذكر في "المحتسب" لابن جني: قرأ: والذكر والأنثى بغير ما قرأ النبي - عليه السلام - وعلي وابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم -. وفي "الصحيحين" (¬5): أن أبا الدرداء قال: "والله لقد أقرأنيها رسول الله - عليه السلام -". ¬

_ (¬1) أخرجه مسلم (1/ 378 رقم 534). (¬2) "السنن الكبير" (3/ 99 رقم 4954). (¬3) تقدم. (¬4) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 232 رقم 2658)، والشافعي في "الأم" (7/ 296). (¬5) البخاري (3/ 1368 رقم 3532)، ومسلم (1/ 565 رقم 824) واللفظ للبخاري.

فثبت أن ابن مسعود لم ينفرد بذلك، ولم يصح قوله: "أنه نسي كيف كان النبي - عليه السلام - يقرؤها" وإنما سمعها على وجه آخر فأداها كما سمعها (¬1). وقوله في أول كلامه: "لا يسوي" لفظة عاميّة، والصواب أن يقال: لا يساوي، وفي "الصحاح": قال الفرّاء: هذا الشيء لا يساوي كذا, ولم يعرف: يسوي كذا، وهذا لا يساويه أي لا يعادله. ص: فكان هذا ما احتج به أهل هذا القول لقولهم مما رويناه عن النبي - عليه السلام -، فكان من حجة مخالفهم عليهم في ذلك أن قال مع ما رويناه نحن: تواتر الآثار وصحة أسانيدها واستقامتها، فقولنا أولى من قولكم. ش: أي فكان ما ذكرنا من حديث البراء وابن مسعود هو الذي احتج به أهل هذا القول وهم الجماعة الآخرون الذين خالفوا أهل المقالة الأولى في رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه. قوله: "فكان من حجة مخالفهم عليهم في ذلك" أي فكان من حجة مخالف أهل المقالة الثانية عليهم -أي على أهل المقالة الثانية- في ذلك أي فيما خالفوا إياهم في رفع اليدين في الموضعين المذكورين، وأشار بهذا الكلام إلى أن أهل المقالة الأولى لو قالوا: نعم رويتم ما رويتم من حديثي البراء وابن مسعود، ولكن أحاديثنا أصلى بالعمل من أحاديثكم لتواترها -يعني لورودها متكاثرة- ولصحة أسانيدها واستقامة طرقها بمثل هذا يقع الترجيح. قوله: "أن قال" "أن" هذه مفتوحة مصدرية في محل الرفع؛ لأنها اسم كان. وقوله: "من حجة مخالفهم" خبرها. وقوله: "تواتر الآثار" كلام إضافي مرفوع بالابتداء. وقوله: "مع ما رويناه" مقدمًا خبره، والجملة مقول القول. ¬

_ (¬1) إلى هنا انتهى النقل من "الجوهر النقي" بحروفه (2/ 80 - 82) ولم يعزه المؤلف له.

قوله: "وصحةُ أسانيدها" بالرفع عطف عليه، وكذا قوله: "واستقامتها" فافهم. ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك ما سنبينه إن شاء الله تعالى: أما ما روي في ذلك عن علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن أبي الزناد الذي بدأنا بذكره في أول هذا الباب: فإن أبا بكرة قد حدثنا، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا أبو بكر النهشلي، قال: ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه: "أن عليًّا - رضي الله عنه - كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو بكر النهشلي، عن عاصم، عن أبيه -وكان من أصحاب علي - رضي الله عنه - عن علي مثله. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فحديث عاصم بن كليب هذا قد دل على أن حديث ابن أبي الزناد الذي رويناه في الفصل الأول من هذا الباب على أحد وجهين: إما أن يكون سقيمًا في نفسه ولا يكون في ذكر الرفع أصلًا كما قد رواه غيره: فإن ابن خزيمة حدثنا، قال: ثنا عبد الله بن رجاء (ح) وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح وأحمد بن خالد الوهبي، قالوا: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل ... ثم ذكروا مثل حديث ابن أبي الزناد في إسناده ومتنه ولم يذكروا الرفع في شيء من ذلك. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فإن كان هذا هو المحفوظ، وحديث ابن أبي الزناد خطأ، فقد ارتفع بذلك أن يجب لكم بحديث خطأ حجة، وإن كان ما روى ابن أبي الزناد صحيحًا لأنه زاد على ما روى غيره فإن عليًا - رضي الله عنه - لم يكن ليرى النبي - عليه السلام - يرفع ثم يترك هو الرفع بعده، وإلا قد ثبت عنده نسخ الرفع، فحديث علي - رضي الله عنه - إذا صح ففيه أكبر الحجة لقول من لا يرى الرفع. ش: أي فكان من الحجة والبرهان على أهل المقالة الأولى فيما قالوا: أحاديثنا أولى، لصحة أسانيدها واستقامة طرقها. وأحاديثهم هي التي رواها علي بن

أبي طالب وعبد الله بن عمر ووائل بن حجر - رضي الله عنهم - فشرع يجيب عن ذلك جميعه ردًّا لما ادعوا من أولوية العمل بها لصحتها واستقامتها، فقال: أما ما روي عن علي - رضي الله عنه - وهو الذي رواه عنه عبيد الله بن أبي رافع المذكور في أول الباب، بيان ذلك: أن عليًّا - رضي الله عنه - وإن كان قد روي عنه ما يدل على رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه، فقد روي عنه أيضًا ما ينافي ذلك ويعارضه فإن عاصم بن كليب روى عن أبيه: "أن عليًّا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد" فهذا يدل على أنه لا رفع لليدين إلا عند تكبيرة الإحرام، ويدل أيضًا على أن حديث عبيد الله بن أبي رافع عنه الذي رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد على وجهين: إما أن يكون سقيمًا في نفسه ولا يكون في ذكر الرفع أصلًا كما قد رواه غير ابن أبي الزناد مثل حديث ابن أبي الزناد في الإسناد والمتن، وليس فيه الرفع في شيء من ذلك، وهو الحديث الذي رواه عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي كما نبينه عن قريب. فإن كان هذا محفوظًا يكون حديث ابن أبي الزناد خطأ بالضرورة، فحينئذ لا تقوم حجة بحديث خطإٍ في نفسه. وإما أن يكون ما رواه ابن أبي الزناد صحيحًا بحيث أنه زاد على ما روى غيره، فحينئذ يكون منسوخًا. لأن عليًّا - رضي الله عنه - لا يجوز له أن يرى النبي - عليه السلام - يرفع، ثم يترك هو الرفع بعده، ولا يجوز له ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ الرفع في غير تكبيرة الإحرام؛ لأن هذا هو حسن الظن بالصحابة، وهو أن يحمل مثل هذا على أنه علم انتساخ حكم الحديث فلذلك عمل أو أفتى بخلافه ومتى ما لم يحمل على هذا الوجه يلزم من ذلك إما أن يكون ذلك عن غفلة ونسيان، وإما أن يكون على وجه قلة المبالاة والتهاون بالحديث وكل واحد منهما محال في حق الصحابة؛ لأن في الأول شهادة مغفل وشهادة المغفل لا تكون حجة فكذلك خبره، وفي الثاني يلزم الفسق والفاسق لا تقبل روايته أصلًا، والصحابة - رضي الله عنهم - منزهون عن هذه الأشياء،

فظهر لنا أن الصحابي الراوي لحديث إذا ظهر منه المخالفة قولًا أو فعلًا يدل ذلك على أنه قد ثبت عنده النسخ فعمل بخلافه أو أفتى بخلافه. ثم إسناد حديث عاصم بن كليب صحيح من وجهين اللذين أخرجهما على شرط مسلم. وأبو أحمد اسمه محمَّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي روى له الجماعة، وأبو بكر النهشلي الكوفي قيل: اسمه عبد الله بن قطاف، وقيل: عبد الله بن معاوية ابن قطاف، وقيل: وهب بن قطاف، وقيل: معاوية بن قطاف، روى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وعاصم بن كليب بن شهاب الجرمي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وأبوه كليب بن شهاب بن المجنون الجرمى قال أبو زرعة: ثقة. وكذا قال ابن سعد وابن حبان، واحتج به الأربعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن أبي بكر بن عبد الله بن قطاف النهشلي، عن عاصم بن كليب، عن أبيه: "أن عليًّا - رضي الله عنه - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود". انتهى. وفيه رد على ما حكى البيهقي (¬2): عن الشافعي أنه قال: ولا يثبت عن علي وابن مسعود أنهما كانا لا يرفعان أيديهما إلا في تكبيرة الإحرام. فإن قيل: روى البيهقي (2) حديث عاصم بن كليب عن علي - رضي الله عنه - ثم قال: قال الدارمي: فهذا روي من هذا الطريق الواهي، وقد روى الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي - رضي الله عنه -: "أنه رأى النبي - عليه السلام - يرفعهما عند الركوع وبعدما يرفع رأسه من الركوع" (¬3). ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 213 رقم 2442)، وقد تقدم قريبًا. (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 80 رقم 2367). (¬3) أخرجه أبو داود في "السنن" (1/ 261 رقم 761)، والترمذي في "الجامع" (5/ 478 رقم 3423)، وابن ماجه في "السنن" (1/ 280 رقم 864)، وأحمد في "المسند" (1/ 93 رقم 717).

فليس الظن بعلي - رضي الله عنه - أنه يختار فعله على فعل النبي - رضي الله عنه -, ولكن ليس أبو بكر النهشلي ممن يحتج بروايته أو تثبت به سنة لم يأت بها غيره. قلت: كيف يكون هذا الطريق واهيًا ورجاله ثقات؟! فقد رواه عن النهشلي جماعة من الثقات: ابن مهدي وأحمد بن يونس وغيرهما، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه كما ذكرناه، والنهشلي أخرج له مسلم وغيره كما ذكرنا، ووثقه ابن حنبل وابن معين وقال أبو حاتم: شيخ صالح يكتب حديثه. وقال الذهبي في كتابه: رجل صالح تكلم فيه ابن حبان بلا وجه، وبقية الرواة ثقات أيضًا وقد ذكرناه. وقال الطحاوي (¬1) في كتابه "الرد على الكرابيسي ": الصحيح مما كان عليه علي بعد النبي - رضي الله عنه - ترك الرفع في شيء من الصلاة غير التكبيرة الأولى. فكيف يكون هذا الطريق واهيًا؟! بل الطريق الواهي هو ما رواه ابن أبي رافع، عن علي - رضي الله عنه - لأن في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد وفيه مقال كما ذكرناه. وقوله: "فليس الظن بعلي - رضي الله عنه - ... " إلى آخره لخصمه أن يعكسه ويجعل فعله بعد النبي - رضي الله عنه - دليلًا على نسخ ما تقدم, إذ لا يظن به أنه يخالف فعله - رضي الله عنه - إلا بعد ثبوت نسخه عنده كما بيناه. ثم حديث عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أخرجه من طريقين: الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن صالح، وأحمد بن خالد الوهبي، كلاهما عن عبد العزيز ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) هذا الكلام وما بعده هو نص كلام ابن التركماني في "الجوهر النقي" كما في ذيل "السنن الكبرى" للبيهقي (2/ 79).

وكلا الطريقين ذكرهما في باب ما يقال في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام، وقد ذكرنا هناك أن هذا الحديث أخرجه مسلم، (¬1) وأبو داود، (¬2) والنسائي، (¬3) وابن ماجه (¬4) مطولًا ومختصرًا. قوله: "فحديث علي - رضي الله عنه - إذا صحح ففيه أكبر الحجة لقول من لا يرى الرفع" أي رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام، وأراد بهذا الحديث هو الحديث الذي رواه عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة كبر ... " إلى آخره، وإنما قال: هو أكبر الحجة لأنا وجدنا عبيد الله بن أبي رافع قد روي عنه هذان الحديثان أعني أحدهما: ما رواه ابن أبي الزناد، والآخر ما رواه عبد العزيز بن أبي سلمة ففي حديث ابن أبي الزناد زيادة ليست في حديث ابن أبي سلمة، وهي رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه، فنظرنا فيهما فوجدنا حديث ابن أبي سلمة أرجح وأقوى من حديث ابن أبي الزناد لأن حديث ابن أبي سلمة أخرجه مسلم وغيره كما ذكرنا، وحديث ابن أبي الزناد لم يخرجه مسلم ولا البخاري وإنما أخرجه الأربعة، على أن ابن أبي الزناد متكلم فيه، فقال أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال عمرو بن علي: تركه ابن مهدي. ولئن سلمنا صحة حديث ابن أبي الزناد فإنه يلزم الخصم أن يقول به، والحال أنه لم يقل به؛ لأن فيه الرفع عند القيام من السجدتين، والخصم لا يرى بذلك. واعلم أن كلمة "إذا" في قوله: "إذا صح" ليست للشرط؛ لأن صحة حديث علي الذي رواه ابن أبي سلمة لا يشك فيها بل لمجرد الظرفية فافهم. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 534 رقم 771). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 260 رقم 760). (¬3) "المجتبى" (2/ 129 رقم 897). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 280 رقم 864).

ص: وأما حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - فإنه قد روي عنه ما قد ذكرناه عن النبي - عليه السلام - ثم روي من فعله بعد النبي - عليه السلام - خلاف ذلك، كما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: "صليت خلف ابن عمر - رضي الله عنهما - فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا ابن عمر قد رأى النبي - عليه السلام - يرفع، ثم قد ترك هو الرفع بعد النبي - عليه السلام -، ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما قد كان رأى النبي - عليه السلام - فعله، وقامت الحجة عليهم بذلك. ش: هذا جواب عن حديث ابن عمر الذي هو إحدى حجج أهل المقالة الأولى، وهو الحديث الذي رواه الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: "رأيت النبي - عليه السلام - إذا افتتح الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعدما يرفع، ولا يرفع بين السجدتين". وهذا حديث أخرجه الجماعة، (¬1) وهو حديث صحيح بلا خلاف، ولكنه منسوخ، والدليل عليه ما رواه مجاهد أنه قال: "صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة". وقد ذكرنا عن قريب أن الراوي إذا عمل بخلاف ما روى أو أفتى بخلافه دل ذلك على انتساخ الحكم الأول عنده وإلا لم يكن له المخالفة. وأخرجه الطحاوي بإسناد صحيح على شرط الشيخين: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي شيخ الشيخين وغيرهما، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الكوفي المقرئ، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، عن مجاهد بن جبر المكي. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري (1/ 258 رقم 705)، ومسلم (1/ 292 رقم 390)، وأبو داود (1/ 249 رقم 721)، والترمذي (2/ 35 رقم 255)، والنسائي (2/ 121 رقم 876)، وابن ماجه (1/ 279 رقم 858).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد قال: "ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح". ص: فإن قال: قائل: هذا حديث منكر. قيل له: وما دَلَّك على ذلك؟ فلن تجدك إلى ذلك سبيلًا، فإن قال: إن طاوسًا قد ذكر أنه رأى ابن عمر يفعل ما يوافق ما روي عنه عن النبي - عليه السلام - من ذلك. قيل لهم: فقد ذكر ذلك طاوسٌ، وقد خالفه مجاهد، فقد يجوز أن يكون ابن عمر - رضي الله عنهما - فعل ما رواه طاوسٌ، يفعله قبل أن تقوم عنده الحجة بنسخه، ثم قامت عنده الحجة بنسخه فتركه وفعل ما ذكره عنه مجاهد وهكذا ينبغي أن يحمل ما روي عنهم وينفى عنهم الوهم حتى يتحقق ذلك، وإلا سقط أكثر الروايات. ش: هذا اعتراض من جهة الخصم على دعوى النسخ في حديث ابن عمر، بيانه أن يقال: لا نسلم أن يكون خبر مجاهد دليلًا على انتساخ ذلك الحديث؛ لأنه منكر لأنه مخالف لما ثبت في "الصحيح" ولما رواه الحفاظ الكبار، فأجاب عنه بقوله: وما دلَّك على ذلك؟ أي على كونه منكرًا، فلن تجد إلى ذلك أي إلى إثبات كونه منكرًا سبيلًا، أراد أن هذا مجرد دعوى بأنه منكر فلا تقبل، فلا ترد علينا، ثم قال: فإن قال -أي الخصم-: إن طاوسًا قد ذكر أنه رأى ابن عمر يفعل ما روي عنه عن النبي - عليه السلام - من ذلك، أي من رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس منه. وقد روى البيهقي في "سننه" (¬2): من حديث شعبة، عن الحكم، قال: "رأيت طاوسًا كبر فرفع يديه حذو منكبيه عند التكبير، وعند ركوعه، وعند رفع رأسه من الركوع، فسألت رجلًا من أصحابه فقال: إنه يحدث به عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي - عليه السلام -. قيل لهم -أي للخصم وهم أهل المقالة الأولى-: سلمنا أنه قد ذكره طاوس، ولكنه قد خالفه مجاهد فتحققت المنافاة بين كلاميهما، فتعين التوفيق ¬

_ (¬1) تقدم. (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 74 رقم 2351).

لنفي الوهم عنهم، وإن لم يفعل ذلك تسقط أكثر الروايات؛ لأنه يلزم أن تكون أحد الراويين منسوبًا إلى غفلة أو قلة مبالاة لروايته، وكل واحد منهما مسقط لعدالته وناف لخبره، فيحتاج حينئذ إلى التوفيق، والتوفيق ها هنا بين خبري مجاهد وطاوس ما ذكره بقوله: فقد يجوز ... إلى آخره، وهو ظاهر لا يخفي. ص: وأما حديث وائل فقد ضاده إبراهيم بما ذكره عن عبد اللهَ أنه لم يكن رأى النبي - عليه السلام - فعل ما ذكر، فعبد الله أقدم صحبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفهم بأفعاله من وائل وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يليه المهاجرون ليحفظوا عنه كما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا حميد، عن أنس قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد الله بن بكر ... فذكر بإسناده مثله وقال أيضًا: "ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنا سليمان، قال: "سمعت عمارة بن عمير يحدث، عن أبي معمر، عن أبي مسعود الأنصاري قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقول: ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، عن إياس بن قتادة، عن قيس بن عباد، قال: قال لي أبي بن كعب: قال لنا رسول الله - عليه السلام -: "كونوا في الصف الذي يليني". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فعبد الله من أولئك الذين كانوا يقربون من رسول الله - عليه السلام - ليَعْلَموا أفعاله في الصلاة كيف هي؛ ليعلِّموا الناس ذلك، فما حكوا من ذلك فهو أولى مما جاء به من كان أبعد منه منهم في الصلاة. فإن قالوا: ما ذكرتموه عن إبراهيم عن عبد الله غير متصل.

قيل لهم: إن إبراهيم كان إذا أرسل عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده، وتواتر الرواية به عن عبد الله؛ قد قال له الأعمش: إذا حدثتني فأسند، قال: إذا قلت لك قال عبد الله فلم أقل ذلك حتى حدثني جماعة عنه، فإذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي حدثني. حدثنا بذلك إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب أو بشر بن عمر -قال أبو جعفر -رحمه الله-: أنا أشك- عن شعبة، عن الأعمش بذلك. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فأخبر أن ما أرسله عن عبد الله فمخرجه عنده أصح من مخرج ما يرويه عن رجل بعينه عن عبد الله وكذلك هذا الذي أرسله عن عبد الله لم يرسله إلا ومخرجه عنده أصح من مخرج ما يرويه عن رجل بعينه عن عبد الله ومع ذلك قد رويناه متصلًا من حديث عبد الرحمن بن الأسود، وكذلك كان عبد الله يفعل في سائر صلاته. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إبراهيم قال: "كان عبد الله لا يرفع يديه في شيء من الصلوات إلا في الافتتاح". ش: هذا جواب عن حديث وائل بن حجر: "رأيت رسول الله - عليه السلام - حين يكبر للصلاة وحين يركع وحن يرفع رأسه من الركوع يرفع يديه حيال أذنيه" بيانه أن خبر وائل بن حجر هذا يضاده ما رواه إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود: "أنه لم يكن رأى النبي - عليه السلام - فعل ما ذكر -يعني من رفع اليدين- في غير تكبيرة الإحرام"، ثم أشار إلى ترجيح خبر ابن مسعود على خبر وائل بقوله: "فعبد الله أقدم صحبة لرسول الله - عليه السلام -" لأنه أسلم بمكة قديمًا، وكان عاشر العشرة ممن أسلم من الصحابة عند مبعث النبي - عليه السلام - وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله - عليه السلام - وهو صاحب نعل رسول الله - عليه السلام -، كان يُلبسه إيّاها إذا قام، فإذا

جلس أدخلها في ذراعه وكان كثير الولوج عليه - عليه السلام -، وقال له رسول الله - عليه السلام -: "إذنك علي أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي" (¬1). والسواد: السرار. ووائل بن حجر أسلم في المدينة في. سنة تسع من الهجرة وبين إسلاميهما اثنان وعشرون سنة، فحينئذ يحفظ ابن مسعود عن النبي - عليه السلام - ما لا يحفظه وائل وأمثاله، وابن مسعود أفهم بأفعال النبي - عليه السلام - وأكثر تحقيقًا لها ولهذا قال إبراهيم للمغيرة حين قال: "إن وائلًا حدث أنه رأى النبي - عليه السلام - يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع": "إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك"، والحال أن رسول الله - عليه السلام - كان يحب أن يليه المهاجرون في الصلاة ليحفظوا عنه أفعال الصلاة ويعلموها الناس، ولا شك أن عبد الله من المهاجرين القدماء وممن كان يليه - عليه السلام -، فيكون حفظه أفعال النبي - عليه السلام - وفهمه إياها أقوى من حفظ وائل وفهمه الذي كان ممن يتأخر عنهم في الصلاة وغيرها، فإذا كان كذلك يكون ما حكوا عن عبد الله أقوى مما حكوه عن وائل وأمثاله، ثم أشار إلى الاعتراض من جهة الخصم بقوله "فإن قالوا: ما ذكرتموه عن إبراهيم عن عبد الله غيره متصل" بيانه: أن خبر وائل بن حجر متصل، وخبر إبراهيم عن عبد الله منقطع، فكيف يضاده ويعارضه؟ وشرط التضاد والمعارضة المساواة بين الخبرين، فالمنقطع بمعزل عن المتصل فلا يضاده ولا يعارضه، بيان الانقطاع: أن إبراهيم لم يدرك عبد الله؛ لأن عبد الله توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة بالمدينة وقيل بالكوفة. ومولد إبراهيم سنة خمسين كما صرح به ابن حبان، وقال الكلاباذي: سنة ثمان وثلاثين. والله أعلم. وأجاب عنه بقوله: "قيل لهم إن إبراهيم ... إلى أخره" بيانه أن إبراهيم: كان من عادته أنه إذا أرسل حديثًا عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده من الرواة عنه، وبعد تكاثر الروايات عنه؛ ألا ترى أن سليمان بن مهران الأعمش لما قال له: إذا ¬

_ (¬1) أخرجه ابن ماجه (1/ 49 رقم 139)، وأحمد (1/ 388 رقم 3684).

حدثني فأسند، قال له في جوابه: إذا قلت لك: قال عبد الله، فلم أقل لك ذلك حتى حدثني جماعة من الثقات عنه أي عن عبد الله وإذا قلت: حدثني فلان عن عبد الله يعني بتعيين الراوي عنه، فهو الذي حدثني بعينه وخصوصه فقط فأخبر أن ما أرسله عن عبد الله مخرجه أصح عنده من الذي يخبره عن فلان عنه؛ لأن في الأول يكون الخبر عنده ثابتًا من روايات جماعة بخلاف الثاني فإنه خبر واحد، ولا شك أن خبر الجماعة أولى وأقوى من خبر الواحد (¬1). قوله: "حدثنا بذلك إبراهيم" أي حدثنا بما ذكرنا من أن إبراهيم إذا أرسل عن عبد الله ... إلى آخره. إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، أو بشر بن عمر الزهراني، والشك فيه من الطحاوي لا من إبراهيم بن مرزوق، فلذلك قال: قال أبو جعفر: وأنا أشك، يعني بين وهب وبشر بن عمر، هل كان من رواية إبراهيم بن مرزوق، عن وهب، عن شعبة، أو عن وبشر بن عمر، عن شعبة، عن سليمان الأعمش. وهؤلاء كلهم ثقات. فهذا الذي ذكره كان بطريق التسليم، ثم أجاب بطريق المنع بقوله: "ومع ذلك قد رويناه متصلًا" بيانه أن يقال: لا نسلم أن خبر ابن مسعود منقطع بالكلية، فإنا قد رويناه متصلًا من حديث عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي - عليه السلام - "أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود"، على أنا نقول: إن حديث إبراهيم عن عبد الله وإن كان منقطعًا بحسب الظاهر فهو متصل معنًى ¬

_ (¬1) قال البخاري في جزء "القراءة خلف الإمام" في حديث إبراهيم عن عبد الله: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام ملئ فوه نتنًا"، قال: هذا مرسل لا يحتج به. ونقل مغلطاي في "الإعلام شرح سنن ابن ماجه" (4/ ق 87/ ب) عن الشافعي قال: وأصل قولنا: إن إبراهيم لو روى عن علي وعبد الله لم يقبل منه؛ لأنه لم يلق واحدًا منهما. وقال الذهبي في "الميزان" (1/ 75): استقر الأمر على أن إبراهيم حجة، وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس ذلك بحجة.

بالطريق الذين ذكرناه، ثم أكد كون خبر ابن مسعود بأنه أولى بالعمل من خبر من يروي رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام بقوله: "وكذلك كان عبد الله يفعل في سائر صلاته". أي من الاقتصار في رفع اليدين على أول الصلاة؛ وذلك لأنه لو لم يثبت عنده أن آخر الأمر من النبي - عليه السلام - الاكتفاء برفع اليدين في أول الصلاة لما كان هو أيضًا يكتفي بذلك في سائر الصلوات؛ إذ لو ثبت عن النبي - عليه السلام - الرفع في غير أول الصلاة لما وسع عبد الله مخالفته، وهذا ظاهر لا يخفى. وأخرج ذلك بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ الشيخين، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن حصين بن عبد الرحمن، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره. وأخرجه ابن شيبة في "مصنفه" (¬1): عن أبي الأحوص ... إلى آخره نحوه. قوله: "إلا في الافتتاح" أي في افتتاح الصلاة، وأراد به: عند التكبيرة الأولى فقط. فإن قيل: كيف تقول هذا إسناد صحيح وهو منقطع؛ لأن إبراهيم ما أدرك عبد الله كما ذكرنا؟ قلت: قد مر الجواب عن قريب، وبقي الكلام في حديث أنس وأبي مسعود الأنصاري وأبي بن كعب - رضي الله عنهم -. أما حديث أنس - رضي الله عنه - فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن علي بن معبد بن نوح الصغير البغدادي نزيل مصر شيخ النسائي أيضًا، عن عبد الله بن بكر السهمي البصري، عن حميد بن أبي حميد الطويل البصري، عن أنس. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 213 رقم 2443).

وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): عن ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يحب أن يليه في الصلاة المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عبد الله بن بكر، عن حميد، عن أنس. وأخرجه ابن ماجه (¬2): ثنا نصر بن علي الجهضمي، ثنا عبد الوهاب، ثنا حميد، عن أنس قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يحب أن يليه المهاجرون والأنصار ليأخذوا عنه". قوله: "يحب أن يليه" أي يقرب منه المهاجرون والأنصار، من الولي وهو القرب، والمراد منه: في الصلاة، كما صرح به في رواية أحمد. قوله: "ليحفظوا عنه" أي عن النبي - عليه السلام - أحكام الصلاة؛ لأن كل ما قرب الرجل من الإِمام يكون أكثر مشاهدة لأحوال إمامه بخلاف من يكون بعيدًا عنه فإنه لا يشاهد منه ما يشاهده من يليه. وأما حديث أبي مسعود الأنصاري -واسمه عقبة بن عمرو- فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة بن الحجاج، عن سليمان الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي الكوفي، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة الكوفي، وهؤلاء كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق. وأخرجه مسلم (¬3): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن إدريس وأبو معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وليلني منكم أولوا الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلوخهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا". ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 205 رقم 13157). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 313 رقم 977). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 323 رقم 432).

وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا ابن كثير، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وأخرجه النسائي (¬2): أنا بشر بن خالد العسكري، قال: ثنا [غندر] (¬3) عن شعبة، عن سليمان، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: "كان رسول الله يمسح عواتقنا ويقول ... " إلى آخر ما رواه مسلم. وأخرجه ابن ماجه (¬4): ثنا محمد بن الصباح، أنا سفيان بن عيينة، عن الأعمش ... إلى آخره نحو رواية مسلم. قوله: "ليلني" بكسر اللامين وتخفيف النون من غير ياء قبل النون، من ولي يلي، أصله يولي حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة فصار يلي وأمر الغائب منه: ليل؛ لأن الياء تسقط للجزم، وأمر الحاضر لي مثل قِي على وزن عِي قال محي الدين النووي: ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التأكيد. قلت: القاعدة: أن النون الموكدة إذا دخلت الناقص تعود الياء والواو المحذوفتان فيصير ليليني منكم. "أولوا الأحلام" أي: العقلاء، وقيل: البالغون، والأحلام جمع حُلْم -بضم الحاء وسكون اللام- وهو ما يراه النائم، تقول: حَلَم -بالفتح- واحتلم وتقول حلمت بكذا وحلمته أيضًا، ولكن غلب استعماله فيما يراه النائم من دلالة البلوغ، فكان المراد ها هنا: ليلني البالغون وذكر في الفائق: "أمر معاذًا أن يأخذ من كل حالم دينارًا" قيل: المراد مَنْ بلغ وقت الحلم حلم أو لم يحلم. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 237 رقم 674). (¬2) "المجتبى" (2/ 90 رقم 812). (¬3) في "الأصل، ك": "عبدة" وهو تحريف، والمثبت من "المجتبى", و"تحفة الأشراف" (7/ 333 رقم 9994). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 312 رقم 976).

قوله: "والنهى" بضم النون جمع نُهية -بضم النون وسكون الهاء- وهي العقل ويقال: بفتح النون أيضًا لأنه ينهى صاحبه عن الرذائل، وكذلك العقل لعقله وهو مأخوذ من عقال البعير، وكذلك الحكمة من حَكْم البعير، وهي حديدة لجامها التي تمنعها عن العدول عن الاستقامة، وقيل: أولوا النهى؛ لأنه ينتهي إلى رأيهم واختياراتهم لعقلهم، ويقال رجل نهٍ ونهي، من قوم نَهِين. وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون النهى مصدرًا كالهدى وأن يكون جمعًا كالظُّلَم، قال: والنهى معناه في اللغة الثبات والحبس، ومنه النِّهى والنَّهى -بكسر النون وفتحها- والتنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع، قال الواحدي: فيرجع القولان في اشتقاق النهية إلى قول واحد وهو الحبس، فالنهية هي التي تنهى وتحبس عن القبائح. قلت: التنهية -بفتح التاء المثناة من فوق وسكون النون وكسر الهاء وفتح الياء آخر الحروف- وقال في الصحاح: تنهية الوادي حيث ينتهي إليه الماء من حروفه والجمع: التناهي. فإن قيل: ما وجه هذا العطف؟ قلت: إن فسر "أولوا الأحلام" بالعقلاء يكون عطف قوله: "والنهى" على "الأحلام" للتأكيد؛ لأن المعنى واحد وإن اختلف اللفظ، وإن فسر "أولوا الأحلام" بالبالغين يكون المعنى: ليقرب مني البالغون العقلاء. فإن قيل: ما وجه تخصيصهم بذلك؟ قلت: لاستخلافه إن احتاج ولتبليغ ما سمعوه منه، وضبط ما يُحَدِّثُ عنه، والتنبيه على سهو إن وقع؛ ولأنهم أحق بالتقدم، وليقتدي بهم من بعدهم، وكذا ينبغي لسائر الأئمة الاقتداء بسيرته - عليه السلام - في كل حال من جموع الصلاة، ومجالس العلم والذكر، ومجالس الرأي ومعارك القتال. قوله: "ثم الذين يلونهم" معناه الذين يقربون منهم في هذا الوصف، وبه استدل أصحابنا في ترتيب الصفوف، فقال صاحب "الهداية": ويصف الرجال ثم الصبيان

ثم النساء ثم ذكر الحديث، وبه استدل صاحب "الهداية" أن محاذاة المرأة الرجل وهما مشتركان في صلاة تفسد صلاة الرجل. فإن قيل: كيف تثبت الفرضية بهذا وهو خبر الآحاد؟ قلنا: إنه من المشاهير فتثبت به فرضية تمييز مقام المرأة من مقام الرجل، وتجوز به الزيادة على الكتاب، وقال صاحب "الأسرار": إن لم تثبت فروض الصلاة بخبر الواحد، ففروض الجماعة تثبت؛ لأن أصل الجماعة ثبت بالسنة، فافهم. وأما حديث أبي بن كعب - رضي الله عنه - فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا: عن أبي بكرة بكّار القاضي، وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن أبي جمرة -بالجيم والراء المهملة- واسمه نصر بن عمران الضبعي من رجال الجماعة، عن إياس بن قتادة البصري وثقه ابن حبان، عن قيس بن عُباد -بضم العين وتخفيف الباء الموحدة- القيسي الضبعي البصري روى له الجماعة غير الترمذي، عن أبي بن كعب الأنصاري - رضي الله عنه -. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا سليمان بن داود ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن أبي جمرة، سمعت إياس بن قتادة يحدث، عن قيس بن عُباد قال: "أتيت المدينة للقيّ أصحاب محمَّد - عليه السلام -, ولم يكن فيهم رجل ألقاه أحب إليَّ من أُبَيّ، فأقيمت الصلاة وخرج عمر مع أصحاب رسول الله - عليه السلام -، فقمت في الصف الأول، فجاء رجل فنظر في وجوه القوم فعرفهم غيري، فنحاني وقام في مكاني، فما عقلت صلاتي، فلما صلى قال: يا بني، لا يسوءك الله؛ فإني لم آتك الذي [أتيتك] (¬2) بجهالة ولكن رسول الله - عليه السلام - قال لنا: كونوا في الصف الذي يليني، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك ... " الحديث. ص: وقد روي مثل ذلك أيضًا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (5/ 140 رقم 21301). (¬2) في "الأصل، ك": "أتيت"، والمثبت من "مسند أحمد".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا يحيى بن أدم، عن الحسن بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر، عن الزبير بن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود، قال: ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان ذلك". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا عمر - رضي الله عنه - لم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى في هذا الحديث، وهو حديث صحيح لأن الحسن بن عياش وإن كان هذا الحديث إنما دار عليه فإنه ثقة حجة، قد ذكر ذلك يحيى بن معين وغيره. قال أبو جعفر -رحمه الله-: أَفتَرى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خفي عليه أن النبي - عليه السلام - كان يرفع يديه في الركوع والسجود، وعلم ذلك من هو دونه، أو مَنْ هو معه يراه يفعل غير ما رأى رسول الله - عليه السلام - يفعل ثم لا ينكر ذلك عليه، هذا عندنا محال، وفعل عمر - رضي الله عنه - هذا وترك أصحاب رسول الله - عليه السلام - إياه على ذلك، دليل صحيح أن ذلك هو الحق الذي لا ينبغي لأحد خلافه. ش: أي قد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيضًا مثل ما روي عن عبد الله بن مسعود في اقتصار رفع اليدين على تكبيرة الإحرام. أخرجه: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن يحيى بن أدم بن سليمان القرشي الكوفي، عن الحسن بن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة والشين المعجمة- بن سالم الكوفي أخي أبي بكر بن عياش، عن عبد الملك بن أبجر هو عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر الهمداني الكوفي، عن الزبير بن عدي الهمداني اليامي الكوفي قاضي الري، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن ابن آدم، عن حسن بن عياش ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "صليت مع عمر بن الخطاب فلم يرفع يديه في شيء من ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 214 رقم 2454).

صلاته إلا حين افتتح الصلاة. قال عبد الملك: ورأيت الشعبي وإبراهيم وأبا إسحاق لا يرفعون أيديهم إلا حين يفتتحون الصلاة". وفيه ردّ لما قاله البيهقي (¬1): وروينا رفع اليدين عند الافتتاح وعند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع عن أبي بكر الصديق وعمر الخطاب - رضي الله عنهما -. لأن هذا حديث صحيح نص عليه الطحاوي بقوله وهو حديث صحيح. إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام وإنما قال ذلك لأن رجاله كلهم ثقات، وأما يحيى بن عبد الحميد الحماني فإن ابن معين وثقه، وعنه: صدوق مشهور ما بالكوفة مثل ابن الحماني ما يقال فيه إلا من حسد. وكفى به شاهدًا، وأما ابن أدم وعبد الملك والزبير بن عدي وإبراهيم والأسود فمن رجال الصحيحين والأربعة غير أن عبد الملك من رجال مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وأما حسن بن عياش فإن الطحاوي شهد فيه بأنه ثقة حجة، وكفى به شاهدًا، وهو من رجال مسلم والترمذي والنسائي، وباقي الكلام ظاهر. ص: وأما ما رَوَوْه عن أبي هريرة من ذلك فإنما هو من حديث إسماعيل بن عياش عن صالح بن كيسان، وهم لا يجعلون إسماعيل فيما روى عن غير الشاميين حجة، فكيف يحتجون على خصمهم بما لو احتج بمثله عليهم لم يسوغوه إياه. ش: هذا جواب عن حديث أبي هريرة الذي رواه الأعرج عنه: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد"، بيانه أن في إسناد هذا الحديث إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي، وهؤلاء الذين يذهبون إلى هذا الحديث لا يجعلون إسماعيل هذا حجة فيما يرويه عن غير الشاميين وإنما يجعلونه حجة إذا روى عن الشاميين، فكيف يحتجون به ها هنا والحال أنه رواه عن ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (1/ 547).

صالح بن كيسان المدني، وقال دحيم: إسماعيل في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين. وقال الفسوي: يغرب عن ثقات الحجازيين. وقال يحيى بن معين: إسماعيل بن عياش ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فأن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن حيان: كثير الخطأ في حديثه، فخرج عن حد الاحتجاج به. وقال ابن خزيمة: لا يحتج به. قوله: "بما لو احتج" أي بالذي لو احتج الخصم "بمثله" أي بمثل هذا الحديث "عليهم" أي على الذين ذهبوا إلى حديث إسماعيل هذا "يسوغوه إياه" أي لم يجوزوا الاحتجاج "إياه" أي الخصم؛ فافهم. ص: وأما حديث أنس بن مالك فهم يزعمون أنه خطأ، وأنه لم يرفعه أحد إلا عبد الوهاب الثقفي خاصة، والحفاظ يوقفونه على أنس - رضي الله عنه -. ش: هذا جواب عن حديث أنس بن مالك الذي رواه حميد عنه: "أن النبي - عليه السلام - كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع". وبيانه: أن هذا الحديث عند الحفاظ موقوف على أنس ولم يرفعه أحد عن أنس إلا عبد الوهاب الثقفي خاصة، وعبد الوهاب هذا طعن فيه أبو حاتم، فلا يحتج بروايته، ولا سيما إذا أنفرد فيما لم يتابعه عليه أحد. ص: وأما حديث عبد الحميد بن جعفر فإنهم يضعفون عبد الحميد ولا يقيمون به حجة، فكيف يحتجون به في مثل هذا؟! ومع ذلك فإن محمَّد بن عمرو بن عطاء لم يسمع ذلك الحديث من أبي حميد ولا ممن ذكر معه في ذلك الحديث، بينهما رجل مجهول , وقد ذكر ذلك العطاف بن خالد عنه عن رجل، وأنا أذكر ذلك في باب: الجلوس في الصلاة من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى. وحديث أبي عاصم عن عبد الحميد هذا ففيه: "فقالوا جميعًا: صدقت". فليس يقول ذلك أحد غير أبي عاصم.

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا هشيم (ح) وحدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا القواريري، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا عبد الحميد ... فذكراه بإسناده ولم يقولا: "فقالوا جميعًا صدقت". وهكذا رواه غير عبد الحميد وأنا ذاكر ذلك في باب: الجلوس في الصلاة. فما نرى كشف هذه الآثار يوجب لما وقف على حقائقها وكشف مخارجها إلا ترك الرفع في الركوع. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فما أردت بشيء من ذلك تضعيف أحد من أهل العلم، وما هذا بمذهبي، ولكني أردت تبيان ظلم الخصم لنا. ش: هذا جواب عن حديث عبد الحميد بن جعفر، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - عليه السلام - ... الحديث. بيانه: أن عبد الحميد بن جعفر ضعيف عندهم , لأن الثوري كان يضعفه، فإذا كان ضعيفًا عندهم فكيف يحتجون به في مثل هذا الموضع في معرض الاحتجاج على خصمهم؟! وفي "الجوهر النقي": عبد الحميد مطعون في حديثه، كذا قال يحيى بن سعيد، وهو إمام الناس في مثل هذا الباب. قوله: "ومع ذلك فإن محمَّد بن عمرو ... " إلى آخره جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: لا نسلم أن عبد الحميد ضعيف؛ فإنه من رجال صحيح مسلم، واحتج به الأربعة، واستشهد به البخاري في "الصحيح"، وعن أحمد: ثقة ليس به بأس. وعن يحيى كذلك، وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وتقدير الجواب: أنا وإن سلمنا أنه مثل ما ذكرتم، ولكن الحديث معلول بجهة أخرى، وهو أن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي حميد الساعدي، ولا ممن ذكر معه في هذا الحديث مثل أبي قتادة وغيره، وذلك لأن سنَّه

لا يحتمل ذلك لأن أبا قتادة قتل مع علي - رضي الله عنه - وصلى عليه عليّ، كذا قال الهيثم بن عدي، وقال ابن عبد البر: هو الصحيح، وقيل: توفي بالكوفة سنه ثمان وثلاثين. ومحمد بن عمرو بن عطاء توفي في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكانت خلافته في سنة خمس وعشرين ومائة، ولهذا قال ابن حزم: ولعله وهم فيه- يعني عبد الحميد. فإن قيل: قال البيهقي في كتاب "المعرفة" (¬1): أما تضعيف الطحاوي لعبد الحميد فمردود؛ لأن يحيى بن معين وثقه في جميع الروايات عنه، وكذلك أحمد بن حنبل، واحتج به مسلم في "صحيحه". وأما ما ذكره من انقطاعه فليس بصحيح، فقد حكم البخاري في "تاريخه" بأنه سمع أبا حميد وأبا قتادة وابن عباس. وقوله: "قتل مع علي" رواية شاذة رواها الشعبي، والصحيح الذي أجمع عليه أهل التاريخ: أنه بقي إلى سنة أربع وخمسين، ونقله عن الترمذي والواقدي والليث وابن منده، ثم قال: وإنما اعتمد الشافعي في حديث أبي حميد برواية إسحاق بن عبد الله، عن عباس بن سهل، عن أبي حميد، ومن سماه من الصحابة، وأكده برواية فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل عنهم فالإعراض عن هذا والاشتغال بغيره ليس من شأن من يريد متابعة السنة. قلت: أما قوله: "أما تضعيف الطحاوي لعبد الحميد مردود" فهو مردود لما ذكرنا عن يحيى بن سعيد والثوري، وذكره ابن الجوزي في كتاب "الضعفاء والمتروكين" فقال: كان يحيى بن سعيد القطان يضعفه، وكان الثوري يحمل عليه ويضعفه، وقال يحيى بن سعيد: كان سفيان يضعفه من أجل القدر على أن الطحاوي قد نسب تضعيفه إليهم ولم يضعفه من عنده، ولو كان ضعفه من عنده لكان مقبولًا أيضًا؛ لأنه إن لم يكن من أهل ذلك فمن يكون. ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (1/ 557 - 561).

وأما قوله: "وأما ما ذكره من انقطاعه فليس بصحيح ... " إلى آخره فمجرد تشنيع وتعصب محض؛ لأن الطحاوي لم يقل هذا من عند نفسه، بل إنما حكم بأن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع من أبي حميد ولم ير أبا قتادة لعدم إحتمال سنة ذلك؛ لأنه قتل مع علي - رضي الله عنه - وصلى عليه عليٌّ، وهو قول الإمام عامر الشعبي الحجة في هذا الباب، وقول الهيثم بن عدي، ولهذا قال ابن عبد البر: هو الصحيح. وفي "الكمال" قال: وقيل توفي سنة ثمان وثلاثين، فكيف يقول البيهقي: هذه رواية شاذة؟! فلم لا يجوز أن تكون رواية البخاري شاذة؟ بل هي شاذة بلا شك؛ لأن قوله لا يرجح على قول الشعبي والهيثم بن عدي. قوله "بينهما رجل مجهول" أي بين محمَّد بن عمرو بن عطاء وبن أبي حميد، وأشار بهذا إلى أنه منقطع، وأنه مضطرب السند والمتن؛ لأن العطاف بن خالد رواه فأدخل بينه يعني بين محمد بن عمرو بن عطاء وبين النفر من الصحابة رجلًا مجهولًا، والعطاف وثقه ابن معين، وعنه قال: صالح. وعنه: ليس به بأس. وقال أحمد: من أهل مكة ثقة صحيح الحديث. والدليل على أن بينهما واسطة: أن أبا حاتم بن حبان أخرج هذا الحديث في "صحيحه" (¬1): من طريق عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن عباس بن سهل الساعدي: "أنه كان في مجلس فيه أبوه وأبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي ... " الحديث وذكر المزي ومحمد بن طاهر المقدسي في "أطرافهما": أن أبا داود أخرجه من هذا الطريق. وأخرجه البيهقي (¬2): في باب السجود على اليدين والركبتين من طريق الحسن بن الحرّ، حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن مالك، عن عياش -أو عباس بن سهل- ... الحديث. ثم قال: وروى ¬

_ (¬1) "صحيح ابن حبان" (5/ 180 رقم 1866). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 101 رقم 2475).

عتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس بن سهل، عن أبي حميد. لم يذكر محمدًا في إسناده. وقال البيهقي (¬1) في باب: القعود على الرجل اليسرى بين السجدتين: وقد قيل في إسناده: عن عيسى بن عبد الله، سمعه عن عباس بن سهل، أنه حضر أبا حميد ثم في رواية عبد الحميد أيضًا: "أنه رفع عند القيام من الركعتين". وهذا يلزم الإِمام الشافعي، وفيها أيضًا التورك في الجلسة الثانية. وفي رواية عباس بن سهل التي ذكرها البيهقي (¬2) بعد هذه الرواية خلاف هذه، ولفظها: "حتى فرغ ثم جلس فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدر اليمنى على قبلته" فظهر بهذا أن الحديث مضطرب الإسناد والمتن والله أعلم. قوله: "وأنا أذكر ذلك" أي كون رجل مجهول بين محمَّد بن عمرو بن عطاء، وبين أبي حميد، وقد ذكر ذلك: في باب الجلوس في الصلاة (¬3) بقوله: حدثنا فهد بن سليمان ويحيى بن عثمان، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا يحيى وسعيد بن أبي مريم، قالا: ثنا عطاف بن خالد، قال: حدثني محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: حدثني رجل: "أنه وجد عشرة من أصحاب النبي - عليه السلام - جلوسًا ... " الحديث. قوله: "وحديث أبي عاصم عن عبد الحميد" [أي حديث] (¬4) أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد بن جعفر هذا ففي آخره: "فقالوا جميعًا: صدقت، هكذا كان يصلي" وليس ذاك في غير رواية أبي عاصم، وبيّن ذلك بقوله: حدثنا على بن شيبة ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 118). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 128 رقم 2603). (¬3) "شرح معاني الآثار" (1/ 259). (¬4) "تكررت في الأصل".

وأخرجه من طريقين: الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمَّد بن عمرو. والثاني: عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى الفقيه البغدادي، عن عبيد الله ابن عمر القواريري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الحميد بن جعفر، عن محمَّد بن عمرو فذكر كل منهما الحديث بإسناده ولم يقولا: "فقالوا جميعًا: صدقت" فدل ذلك على أن حديث عبد الحميد مضطرب. قوله: "وكذا رواه غير عبد الحميد" أي من غير لفظة، "فقالوا جميعًا: صدقت" وسيجيء هذا في باب: الجلوس في الصلاة، فلذلك قال: وأنا ذاكر ذلك في باب الجلوس في الصلاة. قوله: "فما نرى كشف هذه الآثار" أي الأحاديث التي رويت في هذا الباب على اختلاف المتون والأسانيد "يوجب لما وقف" أي حين وقف على حقائقها وكشف مخارجها إلا ترك رفع اليدين في الركوع. وقوله: "يوجب" جملة في محل النصب على أنها مفعول ثان لقوله "فما نرى". قوله: "تبيان ظلم الخصم لنا" بكسر التاء، على وزن تِفْعال، اسم للتبيين، قال الجوهري: التبيان مصدر وهو شاذ؛ لأن المصادر إنما تجئ على التَّفْعال -بفتح التاء- مثل التذكار والتكرار والتوكاف ولم تجيء على الكسر إلا حرفان، وهما التبيان والتلقاء. ص: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر: فإنهم قد اجمعوا أن التكبيرة الأولى معها رفع وأن التكبيرة بين السجدتين لا رفع معها، واختلفوا في تكبيرة النهوض وتكبيرة الركوع، فقال قوم: حكمهما حكم تكبيرة الافتتاح وفيهما الرفع كما فيها الرفع. وقال آخرون: حكمها حكم التكبيرة بين السجدتين ولا رفع فيهما كما لا رفع فيها، وقد رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة لا تجزى الصلاة إلا

بإصابتها، ورأينا التكبيرة بين السجدتين ليست كذلك؛ لأنه لو تركها تارك لم تفسد عليه صلاته، ورأينا تكبيرة الركوع وتكبيرة النهوض ليستا من صلب الصلاة؛ لأنه لو تركها تارك لم تفسد عليه صلاته وهما من سننها، فلما كانتا من سنن الصلاة، كما التكبير بين السجدتين من سنن الصلاة، كانتا كهي في أن لا رفع فيهما كما لا رفع فيها؛ فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى-. ش: ملخص وجهه النظر والقياس: أن تكبيرة الإحرام فرض فيها الرفع، والتكبيرة بين السجدتين سنة وليس فيها الرفع، وتكبيرة النهوض والركوع اختلف في حكمهما هل فيهما رفع أم لا، فالقياس أن يكون حكمهما في الرفع وعدمه كحكم التكبيرة بين السجدتين؛ للعلة الجامعة، وهي كون الكل سنة لا كحكم تكبيرة الإحرام؛ لعدم العلة الجامعة. قوله: "فإنهم أجمعوا" أي فان الخصوم أجمعوا، وليس المراد منه إجماع العلماء كلهم؛ لأن الرفع مع التكبيرة بين السجدتين مذهب جماعة من الصحابة والتابعين. وقد قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يرفع يديه إذا رفع رأسه من السجدة الأولى". ثنا (¬2) ابن علية، عن أيوب، قال: "رأيت نافعًا وطاوسًا يرفعان أيديهما بين السجدتين". ثنا (¬3) يزيد بن هارون، عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين: "أنهما كانا يرفعان أيديهما بين السجدتين". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 243 رقم 2796). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 243 رقم 2797). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة (1/ 243 رقم 2798).

ثنا (¬1) ابن علية، عن أيوب قال: "رأيته يفعله". قوله: "فقال قوم" أراد بهم من ذكرناهم فيما مضى، وهم: الحسن وسالم وعطاء ومجاهد وابن سيرين والشافعي وأحمد وإسحاق. قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وهم: الثوري وابن أبي ليلى والنخعي والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك في رواية ابن القاسم. قوله: "وقد رأينا تكبيرة الافتتاح من صلب الصلاة" هذا اللفظ يشعر بأنها من أركان الصلاة، وليست كذلك عند أبي حنيفة، بل هي من الشروط، واحتج بقوله تعالى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} (¬2) والفاء للعطف، والمعطوف غير المعطوف عليه، وعند الشافعي ومالك وأحمد هي من أركان الصلاة، والفرض أعم من الشرط والركن. فإن قيل: فما فائدة هذا الخلاف؟ قلت: في جواز بناء النفل على تحريمة الفرض، فعندنا يجوز، خلافًا لهم. وفي بناء التطوع على الفرض بلا تحريمة جديدة فعندنا يصير شارعًا في الثاني خلافًا لهم. وفيما إذا كبر مقارنًا لزوال الشمس. قوله: "كانتا كهي" أي كانت تكبيرة الركوع وتكبيرة النهوض "كهي" أي كالتكبيرة بين السجدتين. ص: ولقد حدثني ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش قال: "ما رأيت فقيهًا قط يفعله، يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى". ش: أراد بهذا تأكيد ما قاله من قوله: "فما نرى كشف هذه الآثار يوجب لَمَّا وقف على حقائقها وكشف مخارجها إلا ترك الرفع في الركوع" وتأكيد ما بينه من ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 243 رقم 2799). (¬2) سورة الأعلى، آية: [15].

وجهه النظر، إذا لو لم يقتضي الأمر من كشف الآثار والأخبار ووجه النظر والقياس ترك الرفع في غير التكبيرة الأولى لما ترك الفقهاء من التابعين وغيرهم الرفع في الركوع وعند رفع الرأس منه، وبين تركهم إياه بقوله: ولقد حدثني إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي شيخ البخاري، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط -بالنون- المقرئ، أخي الحسن بن عياش -رحمهم الله-.

ص: باب: التطبيق في الركوع

ص: باب: التطبيق في الركوع ش: أي هذا باب في بيان حكم التطبيق في الركوع، وهو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهد، وهو مذهب ابن مسعود - رضي الله عنه - كما يجيء إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى العبسي، قال: أنا إسرائيل بن يونس، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود: "أنهما دخلا على عبد الله فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقالا: نعم، فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا فطبق، ثم طبق بيديه فجعلهما بين فخديه، فلما صلى قال: هكذا فعل النبي - عليه السلام -". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا إسرئيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة والأسود أنهما كانا مع عبد الله ... ثم ذكر نحوه. حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن الأسود قال: "دخلت أنا وعلقمة على عبد الله، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا نعم، فقال: فصلوا، فصلى بنا فلم يأمرنا بأذان ولا بإقامة، فقمنا خلفه فقدمنا، فقام أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فلما ركع وضع يديه بين رجليه وحنا، قال: وضرب يدي عن ركبتي وقال: هكذا، وأشار بيده، فلما صلى قال: إذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فقدموا أحدكم، فإذا ركع أحدكم فليفعل هكذا، وطبق يديه، ثم ليفترش ذراعيه بين فخذيه، فكأني أنظر إلى أصابع النبي - صلى الله عليه وسلم -". ش: هذه ثلاث طرق صحاح ورجالها كلهم رجال الجماعة غير علي بن شيبة وفهد بن سليمان.

وعُبيد الله بن موسى بتصغير العبد، ونسبته إلى عبس -بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وفي آخره سين مهملة- ابن بغيض بن ريث بن غطفان قبيلة مشهورة. والأعمش هو سليمان بن مهران. فكالطريق الأول: أخرجه مسلم (¬1): حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود: "أنهما دخلا على عبد الله، فقال: أصلي من خلفكم؟ قالا: نعم. فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخديه، فلما صلى قال: هكذا فعل رسول الله - عليه السلام -". وأخرجه البزار في "مسنده" (¬2): عن محمَّد بن عثمان بن كرامة، عن عبيد الله بن موسى ... إلى آخره نحوه. وكالطريق الثاني: أخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (¬3): عن أسود، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ابن الأسود، عن علقمة والأسود: "أنهما كانا مع ابن مسعود، فحضرت الصلاة فتأخر علقمة والأسود، فأخذ ابن مسعود بأيديهما [فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ثم ركعا فوضعا أيديهما] (¬4) على ركبهما فضرب أيديهما، ثم طبق بين يديه وشبك وجعلهما بين فخذيه، قال: رأيت النبي - عليه السلام - فعله". وكالطريق الثالث: أخرجه مسلم (1): ثنا محمَّد بن العلاء الهمداني أبو كريب، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة قالا: "أتينا ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 378 رقم 534). (¬2) "مسند البزار" (4/ 301 رقم 1479). (¬3) "مسند أحمد" (1/ 413 رقم 3927). (¬4) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "مسند أحمد".

عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا. فقال: فقدموا فصلوا، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، قال: فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا، قال: فضرب أيدينا، وطبّق بين كفيه ثم أدخلهما بين فخديه، قال: فلما صلى قال: إنه سيكون عليكم إمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ويخنقونها إلى شرق الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه على فخذيه وَلْيُحْن، وليطبق بين كفيه فكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله - عليه السلام - فأراهم". قوله: "أصلى هؤلاء" الهمزة فيه للاستفهام، فأراد بهؤلاء الأمير والتابعين له. قوله: "فقام بينهما" أي فقام ابن مسعود بين علقمة والأسود. قوله: "فطبق" من التطبيق وهو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهد. قوله: "صلوا" فيه: جواز إقامة الجماعة في البيوت، لكن لا يسقط بها فرض الكفاية إذا قلنا: إنها فرض كفاية، بل لا بد من إظهارها، وإنما اقتصر عبد الله بن مسعود على فعلها في البيت؛ لأن الفرض كان سقط بفعل الأمير وعامة الناس وإن أخروها إلى آخر الوقت. قوله: "فلم يأمرنا بأذان ولا بإقامة" فيه: جواز صلاة المرء الفريضة في بيته بلا أذان ولا إقامة، وهذا مذهب ابن مسعود وبعض السلف من أصحابه، أنه لا يشرع الأذان والإقامة لمن يصلي وحده في البلد الذي يؤذن فيه وتقام الصلاة بالجماعة العظمى، بل يكفي أذانهم وإقامتهم. قال القاضي عياض: اختلف الناس فيمن صلى وحده أو في بيته هل تجزئه إقامة أهل العصر وأذانهم؟ فذهب بعض السلف من أصحاب ابن مسعود وغيرهم إلى أن

له أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وذهب عامة الفقهاء إلى أنه يقيم ولا تجزئه إقامة أهل العصر ولا يؤذن، واستحب ابن المنذر أن يؤذن ويقيم، وذهب ابن سيرين والنخعي إلى الإقامة إلا صلاة الفجر فإنه يؤذن ويقيم لها خاصة. قوله: "وحَنَى" بفتح الحاء المهملة والنون، من حَنَى يَحْنُو، وحَنَى ويَحْنِي، يقال: حنى ظهره إذا عطفه، ويقال جَنَأَ بفتح الجيم والنون وبالهمزة في آخره، من جَنَأَ الرجل على الشيء إذا أكب عليه، وهما متقاربان. قال ابن الأثير: والذي قرأناه في كتاب مسلم: بالجيم، وفي كتاب الحميدي: بالحاء. قلت: أراد بالذي في مسلم هو قوله: "وليحن وليطبق" وقد مر آنفًا. قال عياض: "وليحن"، كذا رواية أكثر شيوخنا بالحاء المهملة وكسر النون، وعند الطبري: "فليجنأ" بالجيم وفتح النون وبهمز آخره، وكلاهما صحيح المعنى، وهو من الانعطاف والانحناء في الركوع، وهو تعقف الصلب يقال: جَنَأَ على الشيء يجنؤ جنوءًا وجَنَأَ يجنئ إجناء، ووقع هذا الحرف عند العذري "وليجنُ" بضم النون، وهو بمعناه، يقال: جنوت العود وجنيته إذا عطفته. قوله: "ويخنقونها" أي يضيقون وقتها ويتركون أذانها إلى اصفرار الشمس، يقال: هم في خناق من كذا أي في ضيق. قوله: "إلى شرق الموتى" أراد به اصفرار الشمس عند غروبها؛ لأن الشمس في هذا الوقت إنما تلبث قليلًا ثم تغيب، فشبه ما بقي من وقت تلك الصلاة التي يؤخروخها ببقاء من شرق بريقه إلى أن يخرج نفسه، من قولهم: شرق الميت بريقه إذا غُصَّ به. قوله: "سبحة" أي نافلة وتطوعًا. ومما يستفاد منها: أن الإمام إذا كان معه اثنان يقيم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهو مذهب ابن مسعود، وبه قال: علقمة والأسود، وخالفهم في ذلك

جميع العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفًّا، وأجمعوا إذا كان ثلاثة أنهم يقفون وراءه. وأما الواحد فإنه يقف عن يمين الإمام عند العلماء كافة، ونقل جماعة الإجماع فيه، ونقل عياض عن ابن المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظن أنه يصح عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه حديث ابن عباس، وكيف كان، فَهُم اليوم مجمعون على أنه يقف عن يمينه. ص: فذهب قوم إلى هذا واحتجوا بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأسود وعلقمة وإبراهيم النخعيين وأبا عُبيدة، فإنهم ذهبوا إلى التطبيق، واحتجوا بهذا الحديث، أي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، وهو مذهبه أيضًا. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينبغي له إذا ركع أن يضع يديه على ركبتيه شبه القابض عليهما، ويفرق بين أصابعه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وابن سيرين والحسن البصري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: بل ينبغي للمصلي ... إلى آخره، وهو المحكي عن عمر وابن عمر وعلى وسعد - رضي الله عنهم -. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام - والتابعين ومن بعدهم، لا اختلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون، والتطبيق منسوخ عند أهل العلم. ص: واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: أنا بشر بن عمر وحبان بن هلال، قالا: ثنا شعبة، قال: أخبرني أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي، عن أبي عبد الرحمن قال: قال عمر - رضي الله عنه -: "أمسوا فقد سنت لكم الركب".

ش: أي أحتج الآخرون فيما ذهبوا إليه -من وضع اليدين على الركبتين شبه القابض وتفريق الأصابع- بحديث عمر - رضي الله عنه -. وأخرجه بإسناد صحيح، وحبّان: بفتح الحاء، وتشديد الباء الموحدة. وأبو حَصين: بفتح الحاء وكسر الصاد. وأبو عبد الرحمن السلمى اسمه عبد الله بن حبيب بن ربيّعة -بالتصغير- الكوفي القارئ ولأبيه صحبة روى له الجماعة. وأخرجه الترمذي (¬1): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: أنا أبو حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال لنا عمر بن الخطاب: "إن الركب سُنَّت لكم، فخذوا بالركب". قال أبو عيسى: حديث عمر حديث حسن صحيح. وأحْرجه النسائي (¬2): أنا سويد بن نصر، قال: أبنا عبد الله، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر - رضي الله عنه -: "إنما السنة الأخذ بالركب". وفي رواية له (¬3): سُنّت لكم الركب، فأمسكوا بالركب". قوله: "أمسّوا" أمر من الإمساس، والمعنى: أمسّوا أيديكم ركبكم. "فقد سُنت لكم الركب" يعني سُنّ إمساسها والأخذ بها، وصورة الأخذ ما ذكره الطحاوي. وفي "المغني" لابن قدامة: قال أحمد: ينبغي له إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه ويسوي ظهره ولا يرفع رأسه ولا ينكسه. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 42 رقم 258). (¬2) "المجتبى" (2/ 185 رقم 1035). (¬3) "المجتبى" (2/ 185 رقم 1034).

ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام، قال: ثنا عطاء بن السائب، قال: ثنا سالم البراّد -قال: وكان عندي أوثق من نفسي- قال: "قال لنا أبو مسعود البدري: ألا أريكم صلاة رسول الله -عليه السلام؟ -فذكر حديثًا طويلًا- قال: ثم ركع فوضع كفيه على ركبتيه، وفضلت أصابعه على ساقيه". حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا فليح بن سليمان، عن عباس بن سهل قال: "اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة -فيما يظن ابن مرزوق- فذكروا صلاة رسول الله - عليه السلام - فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة النبي - عليه السلام -، كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النعي - عليه السلام - أحدهم أبو قتادة ... فذكر مثله. قال: "فقالوا جميعًا: صدقت". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عديّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وأئل بن حجر قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - إذا ركع وضع يديه على ركبتيه". ش: هذه الأسانيد بعينها قد مرت الإسناد الأول في باب: الخفض في الصلاة هل فيه تكبير. والبقية في باب: التكبير للركوع. غير أنه زاد في الأول: "فوضع كفيه على ركبتيه ... " إلى آخره. وفي الثاني: قوله "ومحمد بن مسلمة فيما يظن ابن مرزوق". وقوله: "كان إذا ركع وضع يديه ... " إلى آخره. وفي الرابع: قوله: "إذا ركع وضع يديه على ركبتيه".

وأبو عامر العقدي اسمه عبد الملك بن عمرو، ونسبته إلى عَقَد -بفتحتين- صنف من الأزد، ومحمد بن مسلمة -بالميمن في مسلمة- بن سلمة -بالميم الواحدة- بن خالد أبو عبد الله الأنصاري، شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله - عليه السلام -، وقيل: إنه هو الذي استخلفه - عليه السلام - على المدينة عام تبوك. وأبو عاصم النبيل اسمه الضحاك بن مخلد، وأبو الأحوص اسمه سلام بن سليم الكوفي. قوله: "وفضلة أصابعه" أي وضع فضلة أصابعه أراد أنه - عليه السلام - ألقم بكفيه ركبتيه، ووضع ما زاد من أصابعه. "على ساقيه"، والمراد منه طرف الساق الفوقاني؛ لأن ما بعد عين الركبة من حد الساق؛ فافهم. ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو زرعة، قال: أنا حيوة، قال: سمعت ابن عجلان يحدث، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: "اشتكى الناس إلى النبي - عليه السلام - التفرج في الصلاة، فقال - عليه السلام -: استعينوا بالركب". ش: إسناده صحيح، وأبو زرعة وهب الله بن راشد الحجري المصري المؤذن، وحيوة بن شريح بن صفوان بن مالك التجيبي المصري، وابن عجلان هو محمَّد بن عجلان المدني، وسُمَيّ القرشي المدني روى له الجماعة، وأبو صالح ذكوان الزيات. وأخرجه أبو داود (¬1) في باب: رخصة افتراش اليدين في السجدة: ثنا قتيبة بن سعيد، نا الليث، عن ابن عجلان، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "اشتكي أصحاب النبي - عليه السلام - مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 300 رقم 902).

وأخرجه الترمذي (¬1) في الاعتماد في السجود: ثنا قتيبة ... إلى آخره نحوه. غير أن لفظه: "اشتكى بعض أصحاب النبي - عليه السلام - إلى النبي - عليه السلام - مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: استعينوا بالركب". قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - إلا من هذا الوجه من حديث الليث عن ابن عجلان، وقد رواه سفيان بن عيينة وغير واحد عن سمي، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي - عليه السلام - نحو هذا وكأن رواية هؤلاء أصح من رواية الليث. انتهى. قلت: هذا مرسل وقال البخاري: هذا بإرساله أصح. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (¬2): من حديث ابن عُيينة، عن سُمي، عن النعمان بن أبي عياش قال: "شكوا إلى رسول الله - عليه السلام - الاعتماد والادعام في الصلاة، فرخص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه على ركبتيه أو فخذيه". انتهى. قلت: النعمان بن أبي عياش الزرقي الأنصاري من التابعين، روى عن عبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله، وعن يحيى: أنه ثقة. فإن قلت: لم يستدل أحد غير الطحاوي بهذا الحديث على وضع الأيدي على الركب في الركوع، فهذا أبو داود والترمذي بوباه لما ذكرنا، ومحمد بن عجلان فسر قوله: "استعينوا بالركب" وقال: معناه أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود وأعيى. قلت: قوله - عليه السلام -: "استعينوا بالركب" أعم من أن يكون في الركوع أو في السجود، أي استعينوا بأخذ الركب، والمعنى بوضع الأيدي على الركب. قوله: "اشتكى الناس" من شَكى يَشْكُو يقال: شَكَوْتُ فلانًا اشْكُوه شكوًا وشِكاية وشَكِيَّة وشَكَاة. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 77 رقم 286). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 117 رقم 2554).

وقوله: "التفرج" مفعوله؛ وأراد به الانفراج. فإن قلت: قد سكت الترمذي عن هذا، فكيف قلت: إنه صحيح؟ قلت: الحديث أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، والحكم في "مستدركه"، (¬1) وقال: صحيح على شرط مسلم. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فكانت هذه الآثار معارضة للأثر الأول ومعها من التواتر ما ليس معه، فأردنا أن ننظر هل في شيء من الآثار ما يدل على نسخ أحد الأمرين بصاحبه؟ فاعتبرنا ذلك فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا شعبة، عن أبي يعفور، قال: سمعت مصعب بن سعد يقول: "صليت إلى جنب أبي، فجعلت يديّ بين ركبتي فضرب يدي وقال: يا بنيّ، إنا كنا نفعل هذا فأُمرنا أن نضرب بالأكف على الركبة". حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي يعفور ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن مصعب بن سعد، قال: "صليت مع سعد، فلما أردت الركوع طبقت، فنهاني عنه وقال: كنا نفعله حتى نهينا عنه". فقد ثبت بما ذكرنا نسخ التطبيق، وأنه كان متقدمًا لما فعله رسول الله - عليه السلام - من وضع اليدين على الركبتين. ش: أي كانت الأحاديث التي فيها وضع اليدين على الركبتين في الركوع معارضة للحديث الأول، وهو الذي فيه التطبيق، و"معها" أي مع تلك الأحاديث "من التواتر" أي من كثرة الرواية وتلقي الأئمة بالقبول والأخذ بها "ما ليس معه" أي مع حديث التطبيق، فإذا كان الأمر كذلك يتعين طلب المخلص وهو على وجوه كما عرف في موضعه منها: طلب المخلص من حيث التاريخ، وهو أن يعلم بالدليل ¬

_ (¬1) "مستدرك الحاكم" (1/ 352 رقم 834).

التاريخ بين النصين المتعارضين، فيكون المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، فنظرنا ها هنا، فوجدنا قول سعد بن أبي وقاص يدل على أن حديث التطبيق منسوخ؛ لأنه صرح بقوله: "إنا كنا نفعل هذا، فأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب" وفي لفظة: "كنا نفعله حتى نهينا عنه" وهذا صريح في النسخ، وأما ابن مسعود - رضي الله عنه - فلعله لم يبلغه خبر النسخ، فلذلك لم يترك التطبيق، وأما من عمل به من أصحابه فأنهم اتبعوه في ذلك وتقلدوه. ثم أنه أخرج حديث سعد من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن شعبة، عن أبي يعفور واسمه واقد ولقبه وقدان العبدي الكوفي وهو أبو يعفور الكبير روى له الجماعة، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري أبي زرارة المدني روى له الجماعة، عن أبيه سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة بالجنة. وأخرجه الجماعة، فالبخاري (¬1): عن أبي الوليد، عن شعبة ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفى ثم وضعتهما بين فخذيَّ، فنهاني أبي وقال: كنا نفعله فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب". ومسلم (¬2): عن ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد قال: "ركعت فقلت بيدي هكذا يعني طبق بههما ووضعهما بين فخذيه فقال أبي: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بالركب". وأبو داود (¬3): عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن أبي يعفور، عن مصعب بن سعد قال: "صليت إلى جنب أبي فجعلت يديّ بين ركبتيّ، فنهاني عن ذلك، فعدت ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 273 رقم 757). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 380 رقم 535). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 291 رقم 867).

فقال: لا تصنع هذا؛ فإنا كنا نفعله فنهينا عن ذلك، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب". والترمذي (¬1): عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن أبي يعفور، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد: "كنا نفعل ذلك فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع الأكف على الركب". والنسائي (¬2): عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد قال: "ركعت فطبقت، فقال أبي: إن هذا شيء كنا نفعله ثم ارتفعنا إلى الركب". وابن ماجه (¬3): عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن محمَّد بن بشر، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد قال: "ركعت إلى جنب أبي فطبقت فضرب يدي وقال: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا أن نرفع إلى الركب" انتهى. وقد علم أن قول الصحابي: كنا نفعل، وأمرنا، ونهينا محمول على أنه أمر لله ولرسوله، ونهي عن الله ورسوله؛ لأن الصحابي إنما يقصد الاحتجاج به لإثبات شرع وتحليل وتحريم، وحكم يجب كونه مشروعًا. الثاني: عن الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (¬4) أيضًا: ثنا قتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري -واللفظ لقتيبة- قالا: نا أبو عوانة، عن أبي يعفور، عن مصعب بن سعد قال: "صليت إلى جنب أبي، قال: فجعلت يديَّ بين ركبتيَّ، فقال لي أبي: اضرب ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 44 رقم 259). (¬2) "المجتبى" (2/ 185 رقم 1033). (¬3) "سنن ابن ماجه" (1/ 283 رقم 873). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 380 رقم 535).

يكفيك على ركبيتك، قال: ثم فعلت ذلك مرة أخرى، فضرب يدي وقال: إنا نهينا عن هذا، وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب". وأخرجه النسائي في (¬1) أيضًا: عن قتيبة، عن أبي عوانة .. إلى آخوه نحوه. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ... إلى آخره. وأخرجه البزار في "مسنده" (¬2): عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الزبير بن عندي، عن مصعب، عن أبيه نحوه. ص: ثم التمسنا حكم ذلك من طريق النظر كيف هو، فرأينا التطبيق فيه التقاء اليدين، ورأينا وضع اليدين على الركبتين فيه تفريقهما فأردنا أن ننظر في أحكام أشكال ذلك في الصلاة كيف هو، فرأينا السنة جاءت عن النبي - عليه السلام - بالتجافي في الركوع والسجود، وأجمع المسلمون على ذلك، فكان ذلك من تفريق الأعضاء، وكان من قام في الصلاة أُمر أن يراوح بين قدميه، وقد روي ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وهو الذي روى التطبيق، فلما رأينا تفريق الأعضاء في هذا بعضها من بعض أولى من إلصاق بعضها ببعض، واختلفوا في إلصاقها وتفريقها في الركوع؛ كان النظر على ذلك: أن يكون ما اختلفوا فيه من ذلك معطوفًا على ما أجمعوا عليه منه، فيكون كما كان التفريق فيما ذكرنا أفضل، يكون في سائر الأعضاء كذلك. ش: أي ثم طلبنا حكم وضع اليدين على الركبتين من طريق النظر والقياس، وهو ظاهر. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 185 رقم 1032). (¬2) "مسند البزار" (3/ 365 رقم 1165).

قوله: "في أحكام أشكال ذلك" أي: أمثال ذلك، والأشكال -بفتح الهمزة- جمع شكل، وشكل الشيء: ما يشاكله، أي يماثله. قوله: "بالتجافي في الركوع" أي تباعد العضدين عن الجنبين، وأصله من الجفاء: وهو البعد عن الشيء، يقال: جفاه إذا بعد عنه، وأجفاه إذا أبعده. قوله: "أن يراوح بين قدميه" يعني أن يعتمد على إحداهما مرة، وعلى الآخرى مرة، ليوُصل الراحة إلى كل منهما، وأصله من الروْح بمعنى الراحة، ثم الأمر بالمراوحة بين القدمين. هو ما رواه النسائي (¬1) بإسناده: عن ابن مسعود: "رأى رجلًا يصلي قد صفّ بين قدميه، فقال: خالفت السنة، لو راوحت بينهما كان أفضل". وفي رواية أخرى (¬2): "أخطأ السُنَّه لو راوح بينهما كان أعجب إليّ". وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا شريك، عن أبي إسحاق، قال: "رأيت عمرو بن ميمون يراوح بين قدميه في الصلاة". ثنا (¬4) وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: "رأيت عمرو بن ميمون يراوح بين قدميه، يضع هذه على هذه وهذه على هذه". ثنا (¬5) يزيد بن هارون، عن هشام قال: "كان ابن سيرين يراوح بين قدميه في الصلاة". قوله: "وقد روي ذلك" أي الأمر بالمراوحة بين القدمين قد روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وقد ذكرناه الآن. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 128 رقم 892). (¬2) "المجتبى" (2/ 128 رقم 893). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 109 رقم 7064). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 109 رقم 7065). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 110 رقم 7067).

قوله: "وهو روى ذلك" أي والحال أن ابن مسعود هو الذي روى التطبيق. قوله: "معطوفًا" أي مصروفًا وموجهًا "على ما أجمعوا عليها". قوله: "أفضلَ" بالنصب، خبر لقوله: "كما كان التفريق فيما ذكرنا". وقوله: "يكون في سائر الأعضاء" أي يكون التقدير في سائر الأعضاء أفضلَ كذلك، وفي بعض النسخ: "في سائر الأشياء" والأول أصح. ص: وقد روي في التجافي في السجود: ما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا سجد يُرى بياض إبطيه". ش: أي قد روي في إبعاد العضدين عن الجنبين في حالة السجدة حديث ابن عباس. أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن التميمي الذي يحدث عن ابن عباس بالتفسير واسمه أربد، وقيل: أربده -بالهاء- وكان يجالس ابن عباس، لم يرو عنه غير أبي إسحاق، روى له أبو داود، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، ثنا زهير، نا أبو إسحاق، عن التميمي الذي يحدث بالتفسير عن ابن عباس قال: "أتيت النبي - عليه السلام - من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجخّ قد فرج يديه". قوله: "مُجخّ" بضم الميم وبعدها جيم مفتوحة وخاء معجمة مشددة، وروي: "كان إذا صلى جَخّ" بفتح الجيم وبعدها خاء معجمة مشددة، أي فتح عضديه عن جانبيه وجافاهما عنهما، ويروى جخَّى بالياء وهو مثل جخ، وقال بعضهم: "كان إذا صلى جخّ" أي تحول من مكان إلى مكان. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 299 رقم 899).

وروى البزار: "كان النبي - عليه السلام - إذا صلى جخى" قال: وقال النضر بن شميل: جخى: لا يتمدد في ركوعه ولا سجود. وقال الحاكم (¬1): صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهو معدود في أفراد النضر بن شميل. ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا كثير بن هشام وأبو نعيم، قالا: ثنا جعفر بن برقان، قال: حدثني يزيد بن الأصم، عن ميمونة زوج النبي - عليه السلام - قالت: "كان النبي - عليه السلام - إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن الصباح، قال: ثنا إسماعيل بن زكرياء، عن جعفر بن برقان وعبد الله بن عبد الله بن الأصم، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة بنحوه. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن كثير بن هشام الكلابي أبي سهل الرقي نزيل بغداد شيخ أحمد وروى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، وعن أبي نعيم الفضل بن دكين الملائي الكوفي شيخ البخاري، كلاهما عن جعفر بن برقان الكلابي أبي عبد الله الجزري الرقي روى له الجماعة البخاري في "الأدب"، عن يزيد بن الأصم -واسم الأصم عمرو- الكوفي نزيل الرقة قال ابن أبي حاتم: ابن أخت ميمونة - رضي الله عنها - روى له الجماعة البخاري في "الأدب"، عن ميمونة بنت الحارث - رضي الله عنها -. وأخرجه مسلم (¬2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم -واللفظ لعمرو، قال إسحاق: أنا، وقال الآخرون: ثنا وكيع، قال: أنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة بنت الحارث ¬

_ (¬1) "مستدرك الحاكم" (1/ 351 رقم 828). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 357 رقم 497).

قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد جافى حتى يرى من خلفه وضح إبطيه". قال وكيع: يعني بياضهما. قوله: "حتى يرى" على صيغة المعلوم، وفاعله قوله: "مَنْ خلفه" و"وضح إبطيه" بالنصب مفعوله، ويجوز أن يكون "يُرى" على صيغة المجهول ويكون "وضح إبطيه" مرفوعًا بالاستناد إليه، ويكون "مِنْ" من قوله: "مِنْ خلفه" حرف جر. فافهم. والوضح: البياض من كل شيء وقد فسره وكيع في رواية مسلم، وقال ابن الأثير: أي البياض الذي تحتهما وذلك للمبالغة في رفعهما وتجافيهما عن الجنبين. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن الصباح الدولابي أبي جعفر البغدادي البزاز صاحب السنن، شيخ الشيخين وأبي داود وأحمد وأبي يعلى. عن إسماعيل بن زكرياء الخلقاني أبي زياد الكوفي، عن جعفر بن برقان الرقي، وعن عبد الله بن عبد الله بن الأصم أبي سليمان البكائي، كلاهما عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة - رضي الله عنها -. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا سفيان، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمه يزيد بن الأصم، عن ميمونة: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا سجد جافى بين يديه حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر تحت يديه مرت". وأخرجه مسلم (¬2) أيضًا: ثنا يحيى بن يحيى وابن أبي عمر، قالا جميعًا: عن سفيان، قال يحيى: أنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه يزيد بن الأصم، عن ميمونة قالت: "كان النبي - عليه السلام - إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 299 رقم 898). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 357 رقم 496)

واعلم أنه قد وقع في إسناد أبي داود ومسلم جميعًا: عبيد الله بن عبد الله بن الأصم -بتصغير الابن وتكبير الأب- ووقع في رواية الطحاوي كلاهما بالتكبير، وقال النووي: هكذا وقع في بعض الأصول عبيد الله بن عبد الله بن الأصم -بتصغير الأول- في روايتي مسلم، وفي بعض الروايات عبد الله مكبر في الموضعين، وفي أكثرها بالتكبير في الرواية الأولى والتصغير في الثانية، وكله صحيح؛ فعبد الله وعبيد الله أخوان، وهما ابنا عبد الله بن الأصم، وكلاهما روى عن عمه يزيد بن الأصم. ووقع في سنن النسائي (¬1) اختلاف في الرواة عن النسائي، بعضهم رواه بالتكبير وبعضهم بالتصغير. ورواه البيهقي في "سننه" (¬2) من رواية ابن عيينة بالتصغير، ومن رواية الفزاري (¬3) بالتكبير. وكذا رواه أبو داود، (¬4) وابن ماجه (¬5) في سننيهما" من رواية ابن عيينة بالتكبير، ولم يذكرا رواية الفزاري. قلت: النسخ المضبوطة لأبي داود: عبيد الله بن عبد الله بالتصغير من رواية سفيان بن عُيينة، ولكن الذي ذكره محيي الدين النووي أنه بالتكبير من رواية سفيان، وأما الذي بالتصغير فهو من رواية مروان الفزاري وأبو داود لم يخرج من روايته. قوله: "بهمة" واحد البهم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع البهم: بهام بكسر الباء، وقال الجوهري: البهمة من أولاد الضأن خاصة، ويطلق على الذكر والأنثى قال: والسخال أولاد المعزى. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 213 رقم 1109). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 114 رقم 2536). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 114 رقم 2537) عن عبيد الله بالتصغير. (¬4) تقدم. (¬5) "سنن ابن ماجه" (1/ 285 رقم 880) بالتصغير.

والحديث أخرجه الحكم في "مستدركه"، (¬1) والطبراني في "معجمه" (¬2): وقالا فيه: "بهمية" بتصغير بهمة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن بحر، قال: ثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا سجد جافى حتى يُرى بياض إبطيه أو حتى أرى بياض إبطيه". ش: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن بحر بن بَرِّيّ القطان أبي الحسن البغدادي شيخ أبي داود والبخاري في التعليقات، عن هشام بن يوسف الصنعاني قاضي صنعاء روى له الجماعة سوى مسلم، عن معمر بن راشد الأزدي روى له الجماعة، عن منصور بن المعتمر روى له الجماعة، عن سالم بن أبي الجعد واسمه رافع الأشجعي الكوفي روى له الجماعة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه -. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا سجد جافى يعني جافى يديه عن جنبيه". وهذا الحديث لا نعلم أحد رواه عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن جابر إلا معمر. قوله: "أو حتى أرى" شك من الرواي. ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا يحيى بن إسحاق، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن المغيرة، قال: حدثني أبو الهيثم، قال: سمعت أبا سعيد يقول: "كأني انظر إلى بياض كشحي رسول الله - عليه السلام - وهو ساجد". ش: أبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي ويحيى بن إسحاق البجلي أبو زكرياء السيلحيني روى له الجماعة سوى البخاري، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال، ¬

_ (¬1) "مستدرك الحاكم" (1/ 352 رقم 831). (¬2) "المعجم الكبير" (23/ 436 رقم 1055).

وعبيد الله بن المغيرة بن معيقيب السبائي أبو المغيرة المصري روى له الترمذي وابن ماجه، قال أبو حاتم: صدوق. وأبو الهيثم سليمان بن عمرو بن عبد المصري روى له الأربعة ووثقه ابن معين وابن حبان. وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك. و"الكَشح" بفتح الكاف الخصر، وقال الجوهري: الكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، والكَشَح بالتحريك: دإء يصيب الإنسان في كشحه، فيكون قوله "وهو ساجد" جملة اسمية حالية. ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا يحيى الحماني، قال: ثنا شريك، عن أبي إسحاق قال: "رأيت البراء إذا سجد خَوَّى ورفع عجيزته، وقال: هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل". ش: أبو أمية محمَّد بن مسلم، ويحيى بن عبد الحميد الحماني وثقه ابن معين، وعنه: صدوق مشهور ما بالكوفة مثله، ما يقال فيه إلا من حسد. ونسبته إلى حِمَّان -بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم- قبيلة من تميم. وشريك هو ابن عبد الله النخعي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، والبراء هو ابن عازب الصحابي. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا الربيع بن نافع أبو توبة، ثنا شريك، عن أبي إسحاق قال: "وصف لنا البراء بن عازب فوضع يديه واعتمد على ركبتيه، ورفع عجيزته وقال: هكذا كان رسول الله - عليه السلام - يسجد". وأخرجه النسائي (¬2): أنا علي بن حجر المروزي، قال: أنا شريك، عن أبي إسحاق مال: "وصف لنا البراء السجود، فوضع يديه بالأرض ورفع عجيزته، وقال: هكذا رأيت النبي - عليه السلام - يفعل". ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 299 رقم 896). (¬2) "المجتبى" (2/ 212 رقم 1104).

قوله: "خوَّى" بالخاء المعجمة وتشديد الواو، أي جافى بطنه عن الأرض، ورفعها وجافى عضديه عن جنبيه حتى يخوي ما بين ذلك، قال الجوهري: خَوَّى البعير تخوية إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه وكذلك الرجل في سجوده، والطائر إذا أرسل جناحيه. وجاء في رواية أخرى رواها النسائي (¬1): عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي، عن النضر بن شميل، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن البراء: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى جخى". انتهى. قلت: يقال: جخى وجخ أيضًا: إذا فتح عضديه في السجود ورفع بطنه عن الأرض، قاله المطرزي. قوله: "ورفع عجيزته" العجيزة العجز، وهي للمرأة خاصة، فاستعارها للرجل، والعجز مؤخر الشيء. ص: حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن بحينة أنه حدثه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد فرج بين ذراعيه وبين جنبيه حتى يُرى بياض إبطيه". ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن شيبة. وأبو صالح عبد الله بن صالح، ويحيى بن أيوب الغافقي المصري، وجعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي أبو شرحبيل المصري، وعبد الله بن بحينة هو عبد الله بن مالك بن القشيب الأزدي الصحابي وبحينة أمه وهي بنت الأرت وهو الحارث بن المطلب بن عبد مناف. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 212 رقم 1105).

وأخرجه البخاري (¬1): ثنا يحيى بن بكير، قال: حدثني بكر بن مضر، عن جعفر، عن ابن هرمز، عن عبد الله بن مالك بن بحينة: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه". وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة نحوه. وأخرجه مسلم (¬2): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا بكر هو ابن مضر ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (¬3): عن قتيبة أيضًا نحوه. قوله: "ابن بحينة" في رواية البخاري ومسلم صفة لعبد الله أو بدل منه لا صفة لمالك، ولا له تعلق منه، فافهم؛ لأنا قلنا: إن بحينة اسم أمه، وشهرته باسم أمه ص: حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن نافع، عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم الكعبي، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله - عليه السلام - وهو يصلي، فنظرت إلى عفرة إبطيه -يعني بياض إبطيه- وهو ساجد". ش: إسناده حسن، ويونس هو ابن عبد الأعلى، وعبد الله بن نافع الصائغ القرشي أبو محمَّد الكوفي روى له الجماعة البخاري في "الأدب" وداود بن قيس الفراء الدباغ أبو سليمان المدني روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، وعبيد الله بن عبد الله بن أقرم بن زيد الخزاعي وثقه النسائي وروى له والترمذي وابن ماجه، وأبوه عبد الله بن أقرم الخزاعي الصحابي يكنى أبا معبد روى عن النبي - عليه السلام - هذا الحديث فقط روى عنه ابنه عبيد الله المذكور. وأخرجه الترمذي (¬4): ثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم الخزاعي، عن أبيه قال: "كنت مع أبي بالقاع ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 152 رقم 383). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 356 رقم 495). (¬3) "المجتبى" (2/ 212 رقم 1106). (¬4) "جامع الترمذي" (2/ 62 رقم 274).

من نمرة فمرت ركبة فإذا رسول الله - عليه السلام - قام يصلي، قال: فكنت أنظر إلي عفرتي إبطيه إذا سجد وأرى بياضه". وقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن أقرم حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث داود بن قيس، ولا يعرف لعبد الله بن أقرم عن النبي - عليه السلام - غير هذا الحديث. وأخرجه النسائي (¬1): أنا علي بن حجر، قال: أبنا إسماعيل، قال: ثنا داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم، عن أبيه قال: "صليت مع رسول الله - عليه السلام - فكنت أرى عفرة إبطيه إذا سجد". وأخرجه ابن ماجه (¬2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا وكيع، عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم الخزاعي، عن أبيه قال: "كنت مع أبي بالقاع من نمرة، فمر بنا ركب فأناخوا في ناحية الطريق فقال لي أبي: كن في بهمك حتى آتي هؤلاء القوم وأُسائلهم، قال: فخرج وجئت يعني دنوت، فإذا رسول الله - عليه السلام -، فحضرت الصلاة فصليت معهم، فكنت انظر إلى عفرتي إبطي رسول الله - عليه السلام - كلما سجد". قوله: "إلى عفرة إبطيه العفرة بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفر الأرض وهو وجهها، ومنه "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء" (¬3). قوله: "بالقاع" وهو مكان مستو واسع في وطأة من الأرض، يطؤه ماء السماء فيمسكه ويستوي نباته. قوله: "من نَمِرة" بفتح النون وكسر الميم، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم بعرفات. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 213 رقم 1108). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 285 رقم 881). (¬3) متفق عليه من حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه -، البخاري (5/ 2390 رقم 6156)، ومسلم (4/ 2150 رقم 2790).

قوله: "فمرت رَكَبة" بفتح الكاف وهم أقل من الركب، والركب اسم من أسماء الجمع كنفر ورهط، وقيل: هو جمع راكب كصاحب وصَحْب، والراكب في الأصل هو راكب الإبل خاصة، ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة، وجمع الرَّكَبَة -بالتحريك-: الرَّكَبَات. قوله: "في بهمك" البهم بفتح الباء الموحدة جمع بَهْمة وهي ولد الضأن الذكر والأنثى، وجمع البهم بِهَام -بالكسر- وأولاد المعزى السخال فإذا اجتمعا أطلق عليها البهم والبهام. ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني نافع بن يزيد، قال: أخبرني خالد بن يزيد، عن عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن أبي هريرة أنه قال: "كأني انظر إلى بياض كشحي رسول الله - عليه السلام - وهو ساجد". ش: إسناده حسن، وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن سالم المعروف بابن أبي مريم أبو محمَّد المصري شيخ البخاري، ونافع بن يزيد أبو يزيد المصري روى له الجماعة إلا الترمذي، وخالد بن يزيد ويقال: ابن أبي يزيد وهو الصواب، قال يحيى: لا بأس به. روى له ابن ماجه. وعبيد الله بن المغيرة بن معيقيب السبائي المصري، قال أبو حاتم: صدوق. وروى له الترمذي وابن ماجه. وأبو الهيثم اسمه سليمان بن عمرو بن عبد المصري، وثقه ابن معين، وروى له الأربعة. وقد مر تفسير "الكشح". قوله: "وهو ساجد" جملة حالية. ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود، قال: ثنا أبو نعيم وصفان، قالا: ثنا عباد بن راشد، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثني أحمر صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن كنا لنأوي لرسول الله - عليه السلام - مما يجافي يديه عن جنبيه إذا سجد".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم وأبو عامر، عن عباد بن ميسرة، عن الحسن قال: أخبرني أحمر صاحب النبي - عليه السلام - مثله. ش: هذان طريقان: الأول: عن محمَّد بن علي بن داود أبي بكر البغدادي المعروف بابن أخت غزال، وثقه ابن يونس، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، وصفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد، كلاهما عن عباد بن راشد التميمي البصري البزاز، فيه مقال؛ فعن أحمد: شيخ ثقة صدوق صالح. وعن يحيى: ضعيف. وعنه: صالح. وعن أبي داود: ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له البخاري مقرونًا بغيره وأبو داود والنسائي وابن ماجه. عن الحسن هو البصري، عن أحمر بن جري -بفتح الجيم وكسر الراء- وقيل: بالتصغير، وقيل: حَرِي بالحاء المهملة، وقيل: جَزْء -بفتح الجيم وسكون الزاي وفي آخره همزة- وأحمر هذا له صحبة ولم يرو عنه غير الحسن البصري، روى عن النبي - عليه السلام - هذا الحديث لا غير. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا مسلم بن إبراهيم، نا عباد بن راشد، ثنا الحسن، نا أحمر بن جزء صاحب رسول الله - عليه السلام -: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى نأوي له". وأخرجه ابن ماجه (¬2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، نا عباد بن راشد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬3): وقال الذهبي في "مختصره": هذا التجافي منه - عليه السلام - كان لأنه كان إمامًا لا يزحمه أحد، فأما إذا كان الصف قصيًّا فهو أولى بهم من تحللهم فمع التراص لا يمكنهم التجافي. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 300 رقم 900). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 287 رقم 886). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 115 رقم 2543).

قوله: "إن كنا" "إن " هذه مخففة من المثقلة. قوله: "لنأوي" اللام فيه للتأكيد، ومعناه نرقّ له ونرثى يقال أويت للرجل آوي له إذا أصابه شيء فرثيت له. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد وأبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، كلاهما عن عباد بن ميسرة المنقري البصري، وعن أحمد: ضعيف، وعن يحيى: لا بأس به، عن الحسن البصري. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (¬1): أنا أبو موسى، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا عباد بن راشد، قال: سمعت الحسن يقول: حدثنا أحمر صاحب رسول الله - عليه السلام - قال: "إن كنا لنأوي لرسول الله - عليه السلام - مما يجافي يديه عن جنبيه إذا سجد". وأخرجه الطبراني (¬2) نحوه. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلما كانت السنة فيما ذكرنا تفريق الأعضاء لا إلصاقها؛ كانت فيما ذكرنا أيضًا كذلك؛ فثبت بثبوت النسخ الذي ذكرنا، وبالنسخ الذي وصفنا انتقاء التطبيق، ووجوب وضع اليدين على الركبتين. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله. ش: أراد من قوله فيما ذكره: ما ذكره من أحاديث ابن عباس وميمونة وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري والبراء بن عازب وعبد الله بن بحينة وعبد الله بن أقرم وأبي هريرة وأحمر بن جَرِي - رضي الله عنهم - في التجافي في السجود، وأراد بقوله: "كانت فيما ذكرنا أيضًا" ما ذكره من وضع اليدين على الركبتين؛ لأن فيه أيضًا تفريق الأعضاء بخلاف التطبيق؛ لأن فيه إلصاق اليدين. ¬

_ (¬1) "مسند أبي يعلى" (3/ 123 رقم 1552). (¬2) "المعجم الكبير" (1/ 279 رقم 813).

وإيرادُه أحاديث هؤلاء الصحابة في هذا الباب؛ لأجل المعنى الذي ذكره. قوله: "وهذا" أي وضع اليدين على الركبتين هو قول أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد، وهو قول مالك والشافعي وأحمد أيضًا وأصحابهم، وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، كما ذكرناه مستقصى والله أعلم.

ص: باب: مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزئ أقل منه

ص: باب: مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزئ أقل منه ش: أي هذا باب في بيان مقدار الركوع ومقدار السجود في الصلاة وحدُّهما الذي لا يجزئ أن يفعل بأقل منه، والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن الخراساني، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، عن النبي - عليه السلام - أنه قال: "إذا قال أحدكم في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا؛ فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا قال في سجوده: سبحان رب الأعلى ثلاثًا؛ فقد تم سجوده وذلك أدناه". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا ابن أبي ذئب ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان إسنادان فيهما انقطاع على ما يأتي؛ لأن عون بن عبد الله لم يدرك عبد الله. قال أبو داود: هذا مرسل؛ عونٌ لم يدرك عبد الله. وقال البخاري في "تاريخه الكبير" (¬1)، وأحمد فيما حكاه الخلال والطوسي في "أحكامه": هذا منقطع. وقال الترمذي: ليس إسناده بمتصل؛ عون بن عبد الله لم يلق ابن مسعود - رضي الله عنه -. وخالد بن عبد الرحمن وثقه يحيى، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به. روى له أبو داود والنسائي. وابن أبي ذئب هو محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب. واسمه هشام بن شعبة المدني روى له الجماعة. وإسحاق بن يزيد الهذلي المدني وثقه ابن حبان. ¬

_ (¬1) "التاريخ الكبير" (1/ 32 - 33) وقال: لا يصح.

وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الفقيه الكوفي روى له الجماعة غير البخاري. وأبو بكرة بكّار القاضي، وأبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو وقد تكرر ذكره. فكالطريق الأول أخرجه الترمذي (¬1): ثنا علي بن حجر، أنا عيسى بن يونس، عن ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود، أن النبي - عليه السلام - قال: "إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات ... " إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن ماجه (¬2): ثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، ثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب ... إلى آخره نحوه غير أن لفظه: "إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، فإذا فعل ذلك فقد تم ركوعه، وإذا سجد أحدكم فليقل في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، فإذا فعل ذلك فقد تم سجوده، وذلك أدناه". وكالطريق الثاني: أخرجه أبو داود (¬3): ثنا عبد الملك بن مروان الأهوازي، نا أبو عامر وأبو داود، عن ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه". قوله: "وذلك أدناه" أي أدنى الكمال، كذا نقل عن الشافعي، وقال صاحب الهداية: أي أدنى كمال الجمع، وقال بعض أصحابنا: أي أدنى كمال السنة. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 46 رقم 261). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 287 رقم 890). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 296 رقم 886).

قلت: كل هذا لا يفهم من التركيب، والذي يقتضيه التركيب: أن يكون الضمير في أدناه راجعًا إلى القول الذي يدل عليه قوله: "إذا قال أحدكم" ومعناه: قوله ذلك -يعني ثلاث مرات- أدنى القول، وأكثره ليس له حد معلوم إلى خمس أو سبع أو تسع، أوتارًا بحسب حال المصلين والزمان، وأقله محدود بثلاث ولا ينبغي أن ينقص عنه. ص: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: هذا مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزى أقل منه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: إسحاق وداود وأحمد -في المشهور- وسائر الظاهرية؛ فإنهم قالوا: مقدار الركوع والسجود الذي لا يجزئ أقل منه هو القدر الذي أن يقول فيه: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى كل واحد ثلاث مرات. واحتجوا في ذلك بحديث ابن مسعود المذكور، وإنما قالوا بذلك؛ لأن القول بذلك في الركوع والسجود فرض عندهم، فمن ضرورة هذا يكون فرض الركوع والسجود مقدرًا بهذا المقدار. وفي "المغني" لابن قدامة: والمشهور عن أحمد أن تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع والسجود، وقول سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: رب اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول: واجب، وهو قول إسحاق وداود. وقال ابن حزم في "المحلى": والتكبير للركوع فرض، وقول سبحان ربي العظيم في الركوع فرض، والتكبير لكل سجدة فرض، وقول سبحان ربي الأعلى فرض في كل سجدة، ثم قال: وبإيجاب وفرض هذا قال أحمد بن حنبل وأبو سليمان وغيرهما. قلت: لكن الفرض عند أحمد هو أن يقول مرة واحدة، والزيادة عليها فضيلة. قال في مغنيهم: ويقول سبحان ربي العظيم ثلاثًا وهو أدنى الكمال، وإن قال مرة واحدة أجزأه، وقال أحمد في رسالته: جاء الحديث عن الحسن البصري أنه قال:

"التسبيح التام سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث" وقال القاضي: الكامل في التسبيح إن كان منفردًا ما لا يخرجه إلى السهو، وفي حق الإِمام ما لا يشق على المأمومين، ويحتمل أن يكون الكمال عشر تسبيحات لأن أنسًا - رضي الله عنه - روى أن النبي - عليه السلام - كان يصلي كصلاة عمر بن عبد العزيز فحزروا ذلك بعشر تسبيحات. قلت: حديث أنس رواه أبو داود (¬1) ولفظه: "ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - عليه السلام - أشبه صلاة برسول الله - عليه السلام - من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات". وقال القاضي: قال بعض أصحابنا: الكمال أن يسبح مثل قيامه، وإن قال: سبحان ربي العظيم وبحمده فلا بأس، وروي عن أحمد أنه قال: أما أنا فلا أقول: وبحمده، وحكى ذلك ابن المنذر عن الشافعي وأصحاب الرأي. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: مقدار الركوع أن يركع حتى يستوي راكعًا، ومقدار السجود أن يسجد حتى يطمئن ساجدًا؛ فهذا مقدار الركوع والسجود الذي لابد منه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وعبد الله بن وهب وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: مقدار الركوع أن يركع حتى يستوي راكعًا، ومقدار السجود أن يسجد حتى يطمئن ساجد، وهذا المقدار الذي لا بد منه ولا تتم الصلاة إلا به. ثم إن الطحاوي: لم ينصب ها هنا خلافًا بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف كما هو المذكور في كتب أصحابنا مثل "الهداية و"المبسوط" و"المحيط" وغيرها؛ فإنهم قالوا فيها: الطمأنينة في الركوع والسجود فرض عند أبي يوسف والشافعي، ثم احتجوا لها بحديث أبي هريرة ورفاعة بن رافع الآتي ذكره ها هنا عن قريب (¬2)، ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 297 رقم 888). (¬2) سيأتي.

وذكروا عن أبي حنيفة ومحمد أنهما قالا: إنها واجبة وليست بفرض، حتى قال في "الخلاصة": إنها سنة عندهما، وقالوا: لأن الركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض لغة، فتتعلق الركينة بالأدنى منهما، وقالوا أيضًا: قوله تعالى {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (¬1) أمر بالركوع والسجود وهما لفظان خاصان يراد بهما الانحناء والانخفاض، فيتأدى ذلك بأدنى ما ينطبق عليه من ذلك، وافتراض الطمأنينة فيهما بخبر الواحد زيادة على مطلق النص، وهو نسخ وذا لا يجوز، وأجابوا عن الحديث الذي احتج به أبو يوسف والشافعي: أن في آخره: "وما انتقصت من ذلك فإنما ينقص من صلاتك". على ما يجيء في الحديث عن قريب؛ وأنه أطلق اسم الصلاة على التي ليست فها الطمأنينة، ولو كانت باطلة لما سماها صلاة؛ لأن الباطلة ليست بصلاة، وأيضًا وصفها بالنقص فدل أنها صحيحة ولكنها ناقصة، وكذا يأول، ويكون المراد من الحديث نفي الكمال لا نفي ذات الصلاة، فهذا ما قالوه، ولكن القول ما قال الطحاوي؛ لأنه أعلم الناس بمذاهب العلماء وخلافياتهم. إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام ص: واحتجوا في ذلك بما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي، قال: حدثني سليمان بن بلال، قال: حدثني شريك بن أبي نمر، عن علي بن يحيى، عن عمّه رفاعة بن رافع: "أن النبي - عليه السلام - كان جالسًا في المسجد، فدخل رجل فصلى والنبي - عليه السلام - ينظر إليه، فقال: إذا قمت في صلاتك فكبر ثم أقرأ إن كان معك قرآن فإن لم يكن معك قرآن فأحمد الله وكبر وهلل، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم قم حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسًا، فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من ذلك فإنما تنقصه من صلاتك". ¬

_ (¬1) سورة الحج، آية: [77].

حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع، عن رسول الله - عليه السلام - نحوه. ش: هذا طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي شيخ البخاري، ونسبته إلى وُحاظة -بضم الواو، وتخفيف الحاء المهملة، والظاء المعجمة- ابن سعد بن عوف بن مالك. عن سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني روى له الجماعة، عن شريك بن أبي نمر -وهو شريك بن عبد الله بن أبي نمر- القرشي أبي عبد الله المدني، روى له الجماعة الترمذي في "الشمائل". عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان المدني روى له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه. عن عمه رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان الزرقي، شهد بدرًا هو وأبوه، وكان أبوه نقيبًا. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن عمه: "أن رجلًا دخل المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس فصلى، فأمره رسول الله - عليه السلام - فأعاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: يا رسول الله ما ألوت -بعد مرتين أو ثلاثًا- أن أتم صلاتي فقال رسول الله - عليه السلام -: إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 288 رقم 857) ذكره مختصرًا ولفظه: "أن دخل المسجد ... " فذكر نحوه- أي نحو حديث أبي هريرة الذي قبله. وأما بهذا اللفظ فأخرجه الطبراني في "الكبير" (5/ 38 رقم 4526) من طريق حجاج عن حماد به، وانظر "تحفة الأشراف" (3/ 169 رقم 3604).

مواضعه، ثم يقول: الله أكبر، ثم يحمد الله ويثني عليه ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يكبر فيركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يكبر ويسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، فإذا لم يفعل ذلك لم تتم صلاته". وقال الحافظ زكي الدين المنذري في "مختصر السنن": والمحفوظ فيه: علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع. انتهى. وإنما قال ذلك كذلك لأنه رفاعة هذا ليس بعم علي بن يحيى وإنما هو عم أبيه؛ لأن خلادًا ورفاعة أخوين ابنا رافع، ويحيى هو ابن خلاد فيكون رفاعة عم يحيى، وعلي هو ابن يحيى، فيكون رفاعة عم أبيه. فافهم. وبهذا أخرجه النسائي (¬1): أنا محمَّد بن عبد الله بن يزيد أبو يحيى بمكة وهو بصريّ، قال: ثنا أبي قال: ثنا همام قال: ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أن علي بن يحيى بن خلاد بن مالك بن رافع بن مالك، حدثه عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع قال: "بينما رسول الله - عليه السلام - جالس ونحن حوله إذ دخل رجل فأتى القبلة فصلى، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله - عليه السلام - وعلى القوم، فقال له رسول الله - عليه السلام -: وعليك، اذهب فصل فإنك لم تصل. فذهب فصلى فجعل رسول الله - عليه السلام - يرمق صلاته، ولا ندري ما يعيب منها، فلما قضى صلاته جاء فسلم على رسول الله - عليه السلام - وعلى القوم فقال له رسول الله - عليه السلام -: اذهب فصل فإنك لم تصل، فأعادها مرتين أو ثلاثًا فقال الرجل: يا رسول الله ما عبت في صلاتي؟ فقال رسول الله - عليه السلام -: إنها لن تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله -عز وجل-، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويحمده ويمجده، وقال همام: وسمعته يقول: ويحمد الله ويمجده ويكبره قال: فكلاهما قد سمعته يقول، قال: ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 225 رقم 1136).

وأذن له فيه، ثم يكبر ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده ثم يستوي قائمًا حتلى يقيم صلبه، ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه -وقد سمعته يقول: جبهته- حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ويكبر فيرفع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته، ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد حتلى يمكن وجهه ويسترخي، فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته". وأخرجه أبو داود (¬1) أيضًا: ثنا الحسن بن علي، ثنا هشام بن عبد الملك، والحجاج بن المنهال، قالا: ثنا همام، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع ... الحديث. الطريق الثاني: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل بن أبي كثير هو إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني قارئ أهل المدينة، عن يحيى بن علي بن يحعرول بن خلاد الزرقي الأنصاري المدني وثقه ابن حبان، عن أبيه علي بن يحيى بن خلاد روى له البخاري، عن جده يحيى بن خلاد بن رافع بن مالك بن العجلان الزرقي الأنصاري المدني قيل: إنه ولد على عهد النبي - عليه السلام - فحنكه وقال: "لأسمينه اسمًا لم يسم به بعد يحيى بن زكرياء عليهما السلام، فسماه يحيى". (¬2) روى له الجماعة سوى مسلم. عن رفاعة بن رافع وهو عم يحيى المذكور. وأخرجه الترمذي (¬3): ثنا علي بن حجر، قال: أنا إسماعيل بن جعفر، عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع: "أن رسول الله - عليه السلام - بينما هو جالس في المسجد يومًا قال رفاعة: ونحن معه إذ جاءه رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته، ثم انصرف فسلم على النبي - عليه السلام -، فقال ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 288 رقم 858). (¬2) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (8/ 269)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (5/ 72). (¬3) "جامع الترمذي" (2/ 100 رقم 302).

النبي - عليه السلام -: وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل ففعل ذلك مرتين أو ثلاثًا كل ذلك يأتي النبي - عليه السلام - فيسلم على النبي - عليه السلام -، فيقول النبي - عليه السلام -: وعليك فارجع فصل فإنك لم تصل، فخاف الناس وكَبُرَ عليهم أن يكون مَنْ أخف صلاته لم يصل، فقال الرجل في آخر ذلك: فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فقال: أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم أيضًا، فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وبره وهلله، ثم اركع فاطمئن راكعًا، ثم اعتدل قائمًا، ثم اسجد واعتدل ساجدًا، ثم اجلس فاطمئن جالسًا، ثم قم؛ فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك". وأخرجه أبو داود (¬1) أيضًا: ثنا عباد بن موسى الختلي، ثنا إسماعيل يعني ابن جعفر، قال: أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة بن رافع: "أن رسول الله - عليه السلام - ... " فقص هذا الحديث قال فيه: "فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم، ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به وإلا فأحمد الله وبره وهلله، قال فيه: وإن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتك". ويستفاد منه فوائد: أن الشروع في الصلاة لا يكون إلا بتكبير وهو فرض بلا خلاف، وقراءة القرآن وهي أيضًا فرض، وفيه دليل صريح على أن الفرض مطلق القراءة، وهو حجة لأبي حنيفة على عدم فرضية قراءة الفاتحة؛ إذ لو كانت فرضًا لأمره - عليه السلام - لأن المقام مقام التعليم، وأن العاجز عن قراءة القرآن يحمد الله ويكبره ويهلله عوض القراءة فإنه يجزئه، ثم العجز عن القراءة أعم من أن يكون لمعنى في طبيعته أو لعذرآخر وأيا ما كان العاجز عن القرآن يجوز له أن يصلي بالأدعية ونحوها. وفي "المغني" لابن قدامة: فإن لم يحسن القراءة بالعربية لزمه التعلم، فإن لم يفعل مع القدرة عليه لم تصح صلاته، فإن لم يقدر أو خشى ذوات الوقت وعرف من ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 289 رقم 861).

الفاتحة آية كررها سبعًا، قال القاضي: لا يجزئه غير ذلك؛ لأن الآية منها أقرب إليها من غيرها، وكذلك إن أحسن منها أكثر من ذلك كرره بقدره، وإن عوف بعض آية لم يلزمه تكرارها وعدل إلي غيرها، ويجب أن يقرأ بعدد آياتها، وهل يعتبر أن يكون في عدد حروفها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعتبر، والثاني: يلزمه ذلك، فإن لم يحسن شيئًا من القرآن ولا أمكنه التعلم قبل خروج الوقت لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولا تلزمه الزيادة على هذه، وعن بعض الشافعية: يزيد عليها كلمتين حتى يكون مقام سبع آيات ولا يصح ذلك. انتهى. قلت: هذا كله على أصلهم أن قراءة الفاتحة فرض عندهم، وأما على أصل الحنفية: أنه يقرأ ما تيسر له من القرآن، فإن عجز عن ذلك بالكلية يدعو بما شَابَهَ ألفاظ القرآن فإن فرضنا أنه لا يقدر على إتيان شيء من الأدعية يصلي هكذا ولا يلزمه غير ذلك، وفيه بيان مقدار الركوع الذي لا بد منه، وهو أن يطمئن راكعًا. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (¬1): ثنا وكيع، عن الأعمش، عن من سمع محمَّد بن علي يقول: "يجزئه من الركوع إذا وضع يديه على ركبتيه، ومن السجود إذا وضع جبهته على الأرض". ثنا (¬2) ابن علية، عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: "يجزئ من الركوع إذا أمكن يديه من ركبتيه، ومن السجود إذا أمكن جبهته من الأرض". وفيه بيان مقدار السجود الذي لا بد منه، وهو أن يطمئن جالسًا. فإن قيل: لم يبين في هذا الحديث بعض الواجبات كالنية، والقعدة الأخيرة، وترتيب الأركان، وكذا بعض الأفعال المختلف في وجوبها كالتشهد في الأخير، والصلاة على النبي - عليه السلام -، وإصابة لفظة السلام. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 225 رقم 2579). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 225 رقم 2581).

قلت: لعل هذه الأشياء كانت معلومة عند هذا الرجل فلذلك لم يبينها؛ فافهم. ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - نحوه. ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين وأخرجه الجماعة غير النسائي: فالبخاري (¬1): عن مسدد، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: ثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - دخل المسجد، فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي - عليه السلام -، فرد النبي - عليه السلام - عليه السلام، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل فصلى ثم جاء فسلم على النبي - عليه السلام -، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فصل ثم جاء فسلم على النب - عليه السلام -، فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل -ثلاثًا- فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". ومسلم (¬2): عن محمَّد بن المثنى، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله ... إلي آخره نحوه. وأبو داود (¬3): عن القعنبي، عن أنس، يعني: ابن عياض. قال: ونا ابن المثني، قال: حدثني ابن سعيد، عن عبيد الله -وهذا لفظ ابن المثني- قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد ... " الحديث نحوه. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 274 رقم 760). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 298 رقم 397). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 278 رقم 856).

والترمذي (¬1): عن محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد القطان، قال: أنا عبيد الله بن عمر، قال: أخبرني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد ... " الحديث نحوه. وابن ماجه (¬2): عن ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة: "أن رجلًا دخل المسجد فصلى، ورسول الله - عليه السلام - في ناحية المسجد، فجاء فسلم، فقال: وعليك فأرجع فصل فإنك لم تصل ... " الحديث. قوله: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" ينافي فرضية قراءة فاتحة الكتاب؛ إذ لو كانت فرضًا لأمره النبي - عليه السلام - بذلك، بل هو صريح في الدلالة على أن الفرض مطلق القراءة كما هو مذهب أبي حنيفة، وقال الخطابي: قوله: "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" ظاهره الإطلاق والتخيير، والمراد منه فاتحة الكتاب لمن أحسنها لا يجزئه غيرها، بدليل قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهذا في الإطلاق كقوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} (¬3) ثم كان أقل ما يجزئ من الهدي معينًا معلوم المقدار ببيان السنة، وهو الشاة. قلت: يريد الخطابي أن يتخذ لمذهبه دليلًا على حسب اختياره بكلام ينقض آخره أوله حيث اعترف أولًا أن ظاهر هذا الكلام الإطلاق والتخيير وحكم المطلق أن يجري على إطلاقه، وكيف يكون المراد منه فاتحة الكتاب وليس فيه الاحتمال. وقوله: "وهذا في الإطلاق كقوله تعالى ... " إلى آخره فاسد؛ لأن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم، وهو يتناول الإبل والبقر والغنم، وأقل ما يجزئ شاة، فيكون مرادًا بالسنة بخلاف قوله: "ما تيسر معك من القرآن" فإنه ليس كذلك، فإنه يتناول كل ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 103 رقم 303). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 336 رقم 1060). (¬3) سورة البقرة، آية: [196].

ما يطلق عليه اسم القرآن، فيتناول الفاتحة وغيرها، ثم تخصيصه بالفاتحة من غير مخصص ترجيح بلا مرجح، وهو باطل، ولا يجوز أن يكون قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" مخصصًا؛ لأنه ينافي معنى اليسر فينقلب الى عسر، وهو باطل. قوله: "ثم افعل ذلك" أي ما ذكرنا من الهيئات في صلاتك كلها. وقال الخطابي: وفيه دلالة على أن يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة. وقال أصحاب الرأي: إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخريين قرأ، وإن شاء أن يسبح سبح وإن لم يقرأ فيهما شيئًا أجزأه، ورووا فيه عن علي بن أبي طالب أنه قال: "يقرأ الأولين ويسبح في الأخريين" (¬1) من طريق الحارث عنه، وقد تكلم الناس في الحديث قديمًا، وممن طعن فيه الشعبي ورماه بالكذب، وتركه أصحاب الصحيح، ولو صح عن عليّ - رضي الله عنه - لم يكن حجة؛ لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك منهم: أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة - رضي الله عنهم - وغيرهم، وسنة رسول الله - عليه السلام - أولى ما اتبع، بل قد ثبت عن عليّ - رضي الله عنه - من طريق عبيد الله بن أبي رافع: "أنه كان يأمر أن يقرأ في الأولين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب" (¬2). قلت: وإن دل قوله ذلك على أن يقرأ في كل ركعة، فقد دل غيره أن القراءة في الأولين قراءة في الأخريين، بدليل ما روي عن جابر بن سمرة قال: "شكى أهل الكوفة سعدًا ... " الحديث (¬3)، وفيه: "واحذف في الأخريين" أي احذف القراءة في الأخريين، وتفسيره بقولهم: أقصر الصلاة ولا أحذفها؛ كلها خلاف الظاهر، وقوله: "لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه" غير مسلَّم؛ لأنه روي عن ابن مسعود مثله. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 327 رقم 3743). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 325 رقم 3726). (¬3) أخرجه البخاري (1/ 262 رقم 722)، ومسلم (1/ 334 رقم 453).

على ما روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن علي وعبد الله: "أنهما قالا: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين". وكذا روي عن عائشة، وكذا روي عن إبراهيم (¬2) والأسود (¬3). وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (¬4): عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن أبي رافع قال: "كان عليًّا - رضي الله عنه - يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة، ولا يقرأ في الأخريين". وهذا إسناد صحيح، وينافي قول الخطابي: "بل قد ثبت عن عليّ - رضي الله عنه - من طريق عبيد الله ... " إلى آخره. وفي "التهذيب" لابن جرير الطبري: وقال حماد: عن إبراهيم، عن ابن مسعود: "أنه كان لا يقرأ في الركعتين الآخريين من الظهر والعصر شيئًا". وقال هلال بن سنان: "صليت إلى جنب عبد الله بن يزيد، فسمعته يسبح". وروى منصور، عن جرير، عن إبراهيم قال: "ليس في الركعتين الآخريين من المكتوبة قراءة، سبح الله واذكر الله". وقال سفيان الثوري: اقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الآخرين بفاتحة الكتاب -أو سبح فيهما بقدر الفاتحة-أيُّ ذلك فعلت أجزاك، وإن سبح في الآخرين أحب إليّ". والله أعلم. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذين الحديثين بالفرض الذي لا بد منه ولا تتم الصلاة إلا به ما هو، فعلمنا أن ما سوى ذلك إنما أريد به أدنى ما يبتغى به الفضل، وإن كان ذلك الحديث -الذي ذلك فيه منقطعًا- غير ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 327 رقم 3742). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 327 رقم 3745). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 327 رقم 3746). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 100 رقم 2656).

مكافئ لهذين الحديثين في إسنادهما، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد- رحمهم الله. ش: أراد بهذين الحديثين: الحديث رواه رفاعة بن رافع، والحديث الذي رواه أبو هريرة؛ فإن فيهما أخبر بمقدار الفرض في الركوع والسجود الذين لا بد منه ولا تتم الصلاة إلا به، فعلمنا من ذلك أن ما سوى ذلك من الأحاديث نحو حديث ابن مسعود الذي احتج به أهل المقالة الأولى وأمثاله إنما يراد بها طلب الفضيلة والكمال. قوله: "وإن كان ذلك الحديث" أراد به حديث ابن مسعود الذي ذكر في أول الباب، و"الواو" في "وإن" للحال، و"إنْ" مخففة من المثقلة، والتقدير: والحال أنه أي أن الشأن "كان ذلك الحديث" أي حديث ابن مسعود "الذي ذلك فيه" أي في الحديث، وذلك إشارة إلى قوله: "أدنى ما يبتغى به الفضل" أي أدنى ما يطلب به الفضيلة والكمال. قوله: "منقطعًا" حال من الحديث. وقوله: "غير مكافئ" بنصب "غير"؛ لأنه خبر "كان" أي غير مماثل ولا نظير لهذين الحديثين، أعني حديثي رفاعة وأبي هريرة في قوة إسنادهما. الحاصل: أنه أجاب عن حديث ابن مسعود بثلاثة أجوبة. أشار إلى الجواب الأول بقوله: "إنما أريد به أدنى ما يبتغى الفضل". وإلى الثاني: بقوله "منقطعًا" لأن حديث ابن مسعود منقطع كما ذكرنا هناك؛ لأن راويه هو عون بن عبد الله عن ابن مسعود، وعون لم يلق ابن مسعود؛ فإذا كان منقطعًا فلا تقوم به الحجة. وإلى الثالث: بقوله: "غير مكافئ لهذين الحديثين في إسنادهما" حاصله: ولئن سلمنا عدم الانقطاع؛ فإنه لا يماثل حديثي رفاعة وأبي هريرة لقوة إسنادهما واستقامة مخرجهما؛ وذلك لأنا قد ذكرنا أن حديث أبي هريرة أخرجه الشيخان

وغيرهما، وحديث رفاعة مخرج على شرط البخاري، وحديث ابن مسعود ليس كذلك، فلا يعارضهما، وتعين الحكم لحديثي رفاعة وأبي هريرة. فافهم. قوله: "وهذا قول أبي حنيفة ... " إلى آخره أي ما ذكرنا من أن مقدار الركوع: أن يركع حتى يستوي راكعًا، ومقدار السجود: أن يسجد حتى يطمئن ساجدا. هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقد ذكرنا أن الطحاوي لم ينصب بينهم خلافًا كما قد نصبه غيره من المتأخرين والله تعالى أعلم.

ص: باب: ما ينبغي أن يقال في الركوع والسجود

ص: باب: ما ينبغي أن يقال في الركوع والسجود ش: أي هذا باب في بيان ما ينبغي أن يدعى به من الأدعية في حالة الركوع وحالة السجود. ص: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو راكع: اللهم لك ركعت وبك أمنت ولك أسلمت وأنت ربي، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي لله رب العالمين -عز وجل-، ويقول في سجوده: اللهم لك سجدت ولك أسلمت، وأنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء (ح) وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي وعبد الله بن صالح، قالوا: أخبرنا عبد العزيز بن الماجشون، عن الماجشون وعبد الله بن الفضل، عن الأعرج ... فذكروا بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: قد ذكرها الطحاوي بعينها في باب: ما يقال في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام ولكنه اقتصر هناك في المتن على: "وجهت وجهي" لأجل التبويب. وقد ذكرنا أنه أخرجه الجماعة -غير البخاري- مختصرًا ومطولًا (¬1). والوهبي هو أحمد بن خالد بن محمَّد الكندي، واستوفينا الكلام هناك في الماجشون، والمراد من الماجشون الثاني هو يعقوب بن أبي سلمة عم عبد العزيز المذكور، وهم أهل بيت يلقبون بالماجشون. ¬

_ (¬1) تقدم.

قوله: "وهو راكع" جملة اسمية حالية. قوله: "اللهم لك ركعت" يعني يا الله ركعت لأجلك، وتأخير الفعل للاختصاص، والركوع: الميلان والخرور، يقال: ركعت النخلة إذا مالت، وقد يذكر ويراد به الصلاة، من إطلاق اسم الجزء على الكل. قوله: "وبك أمنت" أي صدقت. قوله: "وبك أسلمت" أي انقدت وأطعت. قوله: "خشع لك سمعي" أي خشي وخضع، وخشوع السمع والبصر والمخ والعظم والعصب كالخضوع في البدن. فإن قيل: كيف يتصور الخشوع من هذه الأشياء؟ قلت: ذكر الخشوع وأراد به الانقياد والطاعة، فيكون هذا من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم. فإن قيل: ما وجه تخصيص السمع والبصر من بين الحواس، وتخصيص المخ والعظم والعصب من بين سائر أجزاء البدن. قلت: أما تخصيص السمع والبصر فلأنهما أعظم الحواس وأكثرها فعلًا وأقواها عملًا وأمسها حاجة؛ ولأن أكثر الآفات للمصلي بهما؛ فإذا خشعتا قلَّت الوساوس الشيطانية. وأما تخصيص المخ والعظم والعصب؛ فلأن ما في أقصى قعر البدن المخ، ثم العظم ثم العصب؛ لأن المخ يمسكه العظم، والعظم يمسكه العصب، وسائر أجزاء البدن مركبة عليها، فهذه عمدُ بِنْية الحيوان وأطنابها، وأيضًا العصب خزانة الأرواح النفسانية، واللحم والشحم غادٍ ورائح، فإذا حصل الانقياد والطاعة عن هذه فالذي يتركب عليها بالطريق الأولى. فإن قيل: ما معنى انقياد هذه الأشياء؟

قلت: أما انقياد السمع فالمراد به: قبول سماع الحق والإعراض عن سماع الباطل. وأما انقياد البصر فالمراد به: صرف نظره إلي كل ما ليس فيه حرمة والاعتبار به في المشاهدات العلوية والسفلية. وأما انقياد المخ والعظم والعصب فالراد به: انقياد باطنه كانقياد ظاهره؛ لأن الباطن إذا لم يوافق الظاهر لا يكون انقياد الظاهر مفيدًا معتبرًا، وانقياد الباطن عبارة عن تصفيته عن دنس الشرك والنفاق وتزيينه بالإخلاص والعلم والحكمة، وترك الغل والغش والحقد والحسد والظنون والأوهام الفاسدة ونحو ذلك من الأشياء التي تخبث الباطن. وانقياد الظاهر عبارة عن استعمال الجوارح بالعبادات كل جارحة بما تخصها من العبادة التي وضعت لها. فإن قيل: ما وجه ارتباط قوله: "خشع لك سمعي" بما قبله، وما وجه ترك العاطف بين الجملتين. قلت: كأن هذا وقع بيانًا لقوله: "ولك أسلمت" فلذلك ترك العاطف؛ لأن معنى لك أسلمت: انقدت وأطعت، ومعنرل خشع سمعي ... إلى آخره: الانقياد والإطاعة كما قررناه، فكأنه - عليه السلام - بين نوعي الانقياد والإطاعة بقوله: "خشع سمعي ... " إلى آخره بعد الإجمال، فقوله: "خشع سمعي وبصري" بيان الانقياد الظاهر، وقوله: "مخي وعظمي وعصبي" بيان الانقياد الباطن، فهذه الأسئلة والأجوبة لاحت لي في هذا الموضع من الفيض الإلهي والسر الرحماني، فلله المنة والحمد. قوله: "وشق سمعه وبصره" من الشَّق بفتح الشين أي فلق وفتح، والشِّق بكسر الشين نصف الشيء، واستدل الزهري بهذا على أن الأذنين من الوجه، والجواب

عنه: أن المراد بالوجه جملة الذات كقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} (¬1) ويؤيد هذا أن السجود يقع بأعضاء أخر مع الوجه، وأيضًا: أن الشيء يضاف إلى ما يجاوره كما يقال: بساتين البلد. قوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (¬2) أي المقدرين والمصورين، ومعنى "تبارك": تعالى وتعاظم، من البركة. ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الئه بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا ركع قال: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت أنت ربي، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين". ش: هذا طريق آخر فيه، وهو أيضًا صحيح، وأبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي وابن جريج هو عبد الملك. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): عن روح، عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "وما استقلت به" من قولهم: استقل بالشيء إذا استبد به، ويقال: استقله يستقله إذا رفعه وحمله، وكذلك أقل الشيء يقله. ص: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: أنا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن عليَّ كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهيت أن أقرأ وأنا راكع أو ساجد، ¬

_ (¬1) سورة القصص، آية: [88]. (¬2) سورة المؤمنون، آية: [14]. (¬3) "مسند أحمد" (1/ 119 رقم 960).

فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم". ش: عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي المعروف بابن عائشة شيخ أحمد وأبي داود، وثقه ابن حبان، وقال: أبو داود صدوق. روى له الترمذي والنسائي. وعبد الواحد بن زياد العبدي أبو عبيدة البصري روى له الجماعة، وعبد الرحمن ابن إسحاق بن الحارث أبو شيبة الواسطي ابن أخت النعمان بن سعد الأنصاري، فيه مقال، قال أبو داود والنسائي وابن حبان: ضعيف. وعن أحمد: ليس بشيء. وقال أبو بكر بن خزيمة: لا يحتج بحديثه. روى له أبو داود والترمذي. والنعمان بن سعد بن حبتة، ويقال: ابن حبتر الأنصاري، قال أبو حاتم: لم يرو عنه غير ابن أخته عبد الرحمن بن إسحاق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وروى له الترمذي. وأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (¬1): حدثني سويد بن سعيد سنة ستة وعشرين ومائتين، أنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي - رضي الله عنه - قال: "سأله رجل أقرأ في الركوع والسجود؟ فقال: قال رسول الله - عليه السلام -: إني نهيت أن أقرأ في الركوع والسجود، فإذا ركعتم فعظموا الله، وإذا سجدتم فاجتهدوا في المسألة؛ فقمن أن يستجاب لكم". وأخرجه البزار أيضًا في "مسنده" (¬2): ثنا أبو كامل، ثنا عبد الواحد بن زياد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرج مسلم (¬3): عن أبي الطاهر وحرملة، قالا: أنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله بن حنين أن أباه حدثه، أنه سمع ¬

_ (¬1) عبد الله في "زوائده على مسند أحمد" (1/ 155 رقم 1336). (¬2) "مسند البزار" (2/ 278 رقم 697). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 348 رقم 480).

علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: "نهاني رسول الله - عليه السلام - أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا"، وفي لفظ له: "نهاني رسول الله - عليه السلام - عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد"، وفي لفظ: عن ابن عباس، عن عليّ - رضي الله عنه - قال: "نهاني حِبي أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا". وفي لفظ: عن ابن عباس، عن علي - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - كلهم قالوا: "نهاني عن قرأءة القرآن وأنا راكع" ولم يذكروا في روايتهم النهي عنها في السجود، كما ذكر الزهري وزيد بن أسلم والوليد بن كثير وداود بن قيس. وفي لفظ: عن ابن عباس أنه قال: "نهيت أن أقرأ وأنا راكع" لا يذكر في الإسناد علي - رضي الله عنه -. وأخرجه أبو داود، (¬1) والنسائي (¬2) أيضًا. قوله: "نهيت" على صيغة المجهول. قوله: "أن أقرأ "أن مصدرية، أي نهيت عن قراءة القرآن. قوله: "وأنا راكع" جملة اسمية حالية. قوله: "أو ساجد" أي أو أنا ساجد وهي أيضًا حال. قوله: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب" أراد به تعظيم الله تعالى بذكر الأدعية التي فيها تعظيم الله وتمجيده. قوله: "فقمن" بفتح القاف، وكسر الميم وفتحها لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومن كسر فهو وصف شيء يثنى ويجمع، وفيه لغة ثالثة: "قمين" لما بزيادة الياء وكسر الميم، ومعناه حقيق وجدير. فإن قيل: ما إعراب هذه الجملة؟ قلت: "أن" في قوله "أن يستجاب لكم" مصدرية، والتقدير الاستجابة لكم، وهي في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "قمن" أي الاستجابة لكم في هذه ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (2/ 445 رقم 4045). (¬2) "المجتبى" (2/ 217 رقم 1119).

الحالة حقيق وجدير، ويجوز أن يكون ارتفاع "أن يستجابُ" على الفاعلية لكونه مستندًا إلى الصفة وهو "قمن" بكسر الميم، فافهم. ويستفاد منه أحكام: الأول: فيه دلالة صريحة على النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. فإن قيل: ما الحكمة في ذلك؟ قلت: الذي يلوح لنا في هذا المقام هو أن النبي - عليه السلام - أخبر الأمة عن انقطاع الوحي بوفاته، ونبههم على جلالة قدر ما هو تارك فيهم من الوحي المنزل، وهو الكتاب العزيز الذي لم يؤت نبي مثله بقرينة مستكنة في صيغة النهي؛ وذلك أن الركوع والسجود من باب الخضوع وأمارات التذلل من العباد لجلالة وجه الله الكريم فنهى أن يقرأ الكتاب الكريم الذي عظم شأنه وارتفع محلّه عند هيئة موضوعة للخضوع والتذلل ليتبين لأصلي العلم معنى الكتاب العزيز، وتتكشف لذوي البصائر حقيقة القرآن الكريم. فإن قيل: إذا قرأ المصلي القرآن في ركوعه وسجوده هل تبطل صلاته أم لا؟ قلت: لا تبطل عند أبي حنيفة مطلقًا سواء قرأ عامدًا أو ناسيًا، ولكن في الناسي تجب سجدتا السهو وقال النووي: فلو قرأ في الركوع أو السعير الفاتحة كره ولم تبطل صلاته، وإن قرأ الفاتحة ففيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: أنه كغير الفاتحة فيكره ولا تبطل صلاته، والثاني: يحرم وتبطل صلاته، هذا إذا كان عمدًا، فإن قرأ سهوًا لم يكره، وسواء قرأ عمدًا أو سهوًا يسجد للسهو عند الشافعي. وفي "المغني" لابن قدامة: ويكره أن يقرأ القرآن في الركوع والسجود، ثم ذكر الحديث المذكور. الثاني: استدل مالك به وبأمثاله على كراهة القراءة في الركوع والسجود، وكراهة الدعاء أيضًا في الركوع، ولكن أباحه في السجود، وذهب إسحاق وأهل الظاهر إلى

وجوب الذكر فيهما دون تعيين، وأنه يعيد الصلاة من تركه؛ لأنه إنما أخلى موضعهما من القراءة ليكون محلًا للذكر والدعاء، وفيه نظر على ما لا يخفى الثالث: فيه دلالة على أن الركوع والسجود محل للأدعية وتعظيم الله تعالى، وأن السجود محل للمسألة، وعن هذا قال أصحابنا: يستحب أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ويكرر كل واحدة منهما ثلاث مرات، ويقتصر على هذا عندنا في الفرائض سواء كان إمامًا أو مقتديًا أو منفردًا فإن ضم إليه ما جاء من الأدعية المأثورة فلا بأس به إذا كان في التطوع. الرابع: فيه حجة لمن ذهب من أهل الأصول إلى أن خطاب النبي - عليه السلام - خصوصًا يتناول أمته وإن اقتضى من طريق اللغة تخصيصه، وذلك للأمر بالاقتداء به إلا ما دل دليل على تخصيصه به. ص: حدثنا أحمد بن الحسن بن القاسم الكوفي، قال: سمعت ابن عيينة يقول: حدثني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كشف رسول الله - عليه السلام - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر - رضي الله عنه -" ثم ذكر مثله. ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا أحمد بن الحسن. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: أنا سفيان بن عيينة، قال: أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "كشف رسول الله - عليه السلام - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: يأيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 348 رقم 479).

ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم". وأخرجه أبو داود (¬1): عن مسدد، عن سفيان، عن سليمان ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (¬2): أنا علي بن حجر المروزي، قال: أبنا إسماعيل هو ابن جعفر، قال: ثنا سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، عن أبيه، عن عبد الله بن عباس قال: "كشف رسول الله - عليه السلام - الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه، فقال: اللهم بلغت ثلاث مرات، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له، ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود فإذا ركعتم فعظموا ربكم وإذا سجدتم فاجتهدوا [في الدعاء] (¬3)، فإنه قمن أن يستجاب لكم. قوله: "الستارة" بكسر السين، وهو: الستر الذي يكون على باب البيت والدار. قوله: "والناس صفوف" جملة حالية، وكذا قوله: "خلف أبي بكر". قوله: "إنه" أي إن الشأن. قوله: "من مبشرات النبوة" جمع مبشرة، وهي الأمور المبشرة بالنبوة كصدق الرؤيا، ورؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة، ثم صار بغلبة الاستعمال كالاسم، واشتقاقها من البشارة، والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، من بَشَّرتُ الرجلَ أبشره -بالضم- بَشْرًا وبشُورًا من البشرى، وكذلك الإبشار والتبشير، ثلاث لغات، والاسم: البشارة، والبشارة بالكسر والضم، والنبوة من النبأ وهو الخبر تقول: نَبَأَ، ونَبَّأَ، وأَنْبَأَ، أي: أخبر، ومنه أخذ النبي؛ لأنه أنْبأ عن الله تعالى، وهو فعيل بمنى فاعل. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 294 رقم 876). (¬2) "المجتبى" (2/ 217 رقم 1120). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "المجتبى".

قوله: "إلا الرؤيا" وهي مقصورة مهموزة، ويجوز ترك همزها كنظائرها، من رأى في منامه رؤيا على وزن فُعْلى، والمراد "بالصالحة" صحتها أو حسن ظاهرها. قوله: "راكعًا أو ساجدًا" حالان من الضمير الذي في: "أن اقرأ". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يكثر أن يقول في ركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك، فاغفر لي فإنك أنت التواب". ش: إسناده صحيح، وسفيان هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر وأبو الضحى مسلم بن صُبيح -بضم الصاد، وفتح الباء الموحدة- الهمداني الكوفي العطاردي روى له الجماعة. ومسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي روى له الجماعة. وأخرجه الجماعة غير الترمذي بألفاظ مختلفة وأسانيد متغايرة: فقال البخاري (¬1): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان النبي - عليه السلام - يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". وقال مسلم (¬2): ثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم. قال زهير: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن". وفي لفظ له: "كان رسول الله - عليه السلام - يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك، قالت: قلت: يا رسول الله، ما هذه الكلمات ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 274 رقم 761). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 350 رقم 484).

التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ... إلى آخر السورة". وفي لفظ آخر له قالت: "ما رأيت النبي - عليه السلام - منذ نزل عليه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)} (¬1) يصلي صلاة إلا دعا أو قال فيها: سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي". وفي لفظ آخر قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - يكثر من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟! قال: أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} (1) فتح مكة {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} انتهى. وفي تفسير مقاتل (¬2): عاش رسول الله - عليه السلام - بعد نزولها ستين يومًا. وذكر القرطبي (¬3) وغيره أنها نزلت بمنى أيام التشريق في حجة الوداع. وقال أبو داود (¬4): ثنا عثمان بن أبي شيبة، نا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى ... إلى آخره نحو رواية البخاري، وفي آخره: "يتأول القرآن". وقال النسائي (¬5): أنا سويد بن نصر، قال: أبنا عبد الله، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى ... إلى آخره نحو رواية أبي داود. ¬

_ (¬1) سورة النصر. (¬2) "تفسير مقاتل" (4/ 245). (¬3) "تفسير القرطبي" (20/ 213). (¬4) "سنن أبي دواد" (1/ 294 رقم 877). (¬5) "المجتبى" (2/ 219 رقم 1122).

وقال ابن ماجه (¬1): ثنا محمَّد بن الصباح، أنا جرير، عن منصور ... إلى آخره نحوه. قوله: "يتأول القرآن" يعني يعمل ما أمر به في قول الله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (¬2). ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير وبشر بن عمر الزهراني (حَ) وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قالوا: ثنا شعبة، عن منصور ... فذكروا بإسناده مثله. حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الكناسي، قال: ثنا سفيان، عن منصور ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق أخرى في الحديث المذكور وهي أيضًا صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار، عن وهب بن جرير وبشر بن عمر الزهراني البصري، كلاهما عن شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى عن مسروق، عن عائشة. وقد ذكرنا أن البخاري أخرجه من طريق شعبة عن منصور. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده". والضمير في "قالوا" يرجع إلى وهب وبشر وأبي داود وكذلك في قوله "فذكروا". الثالث: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن محمَّد بن عبد الله بن كناسة الكوفي المعروف بالكناسي وبابن كناسة، وهو لقب أبيه عبد الله بن عبد الأعلى، وثقه يحيى وأبو داود والعجلي، روى له النسائي. ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 287 رقم 889). (¬2) سورة النصر.

وهو يروي عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة - رضي الله عنها -. وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - عليه السلام - مما يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن". وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن الثوري، عن منصور ... إلى آخره نحوه، وفي آخره بعد قول: "يتأول القرآن: يعني {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ". ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة - رضي الله عنها -: "أن النبي - عليه السلام - كان يقول في ركوعه وسجوده، سبوح قدوس رب الملائكة والروح". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة ... فذكر مثله بإسناده. ش: هذان طريقان صحيحان ويحيى بن سعيد هو القطان، ومطرف بن عبد الله بن الشخير والكل رجال الصحيح ما خلا شيخي الطحاوي. فكالأول أخرجه مسلم (¬2): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمَّد بن بشر، قال: نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عائشة نبأته: "أن رسول الله - عليه السلام - ... " إلى آخره نحوه. وكالثاني أخرجه النسائي (¬3): أنا بندار محمَّد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان وابن أبي عدي، قالا: ثنا شعبة، عن قتادة ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 155 رقم 2878). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 353 رقم 487). (¬3) "المجتبى" (2/ 224 رقم 1134).

وقال أبو داود (¬1): ثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن قتادة، عن مطرف، عن عائشة ... إلى آخره نحوه. قوله: "سبوح قدوس" يرويان بالضم والفتح، والفتح أقيس، والضم أكثر استعمالًا، وقال الخطابي: لم يأت من الأسماء على فُعَّول -بضم الفاء- إلا سبوح وقدوس وقد يفتحان كسَفُّود، وكَلُّوب، وقال ثعلب: كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر، وكذلك الروح، وقال أبو الحسن الهنائي: ومعنى سبوح قدوس: تسبيح وتقديس وتعظيم، ويقال: القدوس: الطاهر من العيب. وقال ابن فارس وغيره: معنى السبوح: المسبح أي المبرأ من النقائض والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية، ومعنى القدوس: المقدس أي المطهَّر من كل ما لا يليق بالخالق. وقال الهروي: قيل: القدوس: المبارك. قوله: "رب الملائكة والروح" قيل: الروح: ملك عظيم، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة، وقيل: يحتمل أن يكون جبريل - عليه السلام -، وقيل: الروح صنف من الملائكة، وقيل: يحتمل أن يراد الروح الذي به قوام كل حيّ، أي ربّ الملائكة ورب الروح. فإن قيل: ما موقع قوله: "سبوح قدوس" من الإعراب؟ قلت: هما خبرا مبتدأ محذوف تقديره ركوعي وسجودي لمن هو سبوح قدوس، وقال القاضي عياض: وقيل فيه: سبوحًا قدوسًا على تقدير أسبح سبوحًا أو أذكر أو أعظم أو أعبد أو نحو ذلك. ص: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا الفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "فقدت النبي - عليه السلام - ذات ليلة، فظننت أنه أتى جارية فالتمسته بيدي فوقعت يدي على صدور قدميه وهو ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 293 رقم 872).

ساجد يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت ك ما أثنيت على نفسك". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن عائشة - رضي الله عنها - قالت ... ثم ذكر مثله. حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني عمارة بن غزية، قال: سمعت أبا النضر يقول: سمعت عروة يقول: قالت عائشة ... ثم ذكر مثله إلا أنه لم يذكر قوله: "لا أحصي ثناء عليك" وزاد "أثني عليك لا أبلغ كل ما فيك". ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي وشيخ أبي داود والنسائي، عن أسد بن موسى وثقه أبو حاتم، عن الفرج بن فضالة بن النعمان أبي فضالة الشامي الحمصي، فيه مقال، فعن يحيى والنسائي: ضعيف. وعن أحمد: ثقة. وعن يحيى: ليس به بأس. وعنه: صالح. وعن البخاري ومسلم: فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد منكر الحديث. وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، حديثه عن يحيى بن سعيد فيه إنكار، وهو في غيره أحسن حالًا، وروايته عن ثابت لا تصح. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. يروي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، عن عائشة - رضي الله عنها -. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره، وهو مرسل؛ لأن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي لم يسمع عائشة. قال أبو عمر في "التمهيد": وهذا الحديث مرسل في "الموطأ" عند جماعة الرواة، لم يختلفوا عن مالك في ذلك.

وهو يُسند من حديث الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة من طرق صحاح ثابتة. الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري، شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن مريم بن غزية بن الحارث المدني، عن أبي النضر -بالضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي التيمي المدني، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة - رضي الله عنها -. وهذا إسناد صحيح وهذا الحديث روي عن عائشة من غير وجه. فأخرجه مسلم (¬1): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن عائشة قالت: "فقدت رسول الله - عليه السلام - ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". وأخرجه أبو داود (¬2): عن محمَّد بن سليمان الأنباري، عن عبدة، عن عبيد الله، عن محمَّد بن يحيى بن حبان ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (¬3): عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عائشة قالت: "فقدت رسول الله - عليه السلام - ذات ليلة، فوجدته وهو ساجد، وصدور قدميه نحو القبلة، وهو يقول ... " إلى آخره نحوه. وهو مرسل كما ذكرنا. وكذا أخرجه مالك في "موطئه" (¬4): عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عائشة. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 352 رقم 486). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 295 رقم 879). (¬3) "المجتبى" (2/ 222 رقم 1130). (¬4) "موطأ مالك" (1/ 214 رقم 499).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن عبيدة بن حميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن عائشة قالت: "طلبت رسول الله - عليه السلام - ليلة فلم أجده، قالت: فظننت أنه أتى بعض جواريه -أو نسائه- قالت: فرأيته وهو ساجد وهو يقول: اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت". وهذا أيضًا مرسل؛ لأن إبراهيم النخعي لم يسمع عائشة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن معمر، عن عمران: "أن عائشة قامت ذات ليلة تلتمس النبي - عليه السلام - في جوف الليل، قالت: فوقعت يدها على بطن قدم النبي - عليه السلام - وهو ساجد وهو يقول: سبحان ربي ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك". قوله: "فقدت" ويروى: "افتقدت" وهما لغتان بمعنًى. قوله: "وهو ساجد" جملة حالية، وكذا قوله: "يقول". قوله: "اللهم ... " إلى آخره قال الخطابي: فيه معنى لطيف، وذلك أنه استعاذ بالله وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضى والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمعاقبة فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له، وهو الله سبحانه وتعالى استعاذ به منه لا غير، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب في حق عبادته والثناء عليه. قوله: "لا أحصى ثناء عليك أي لا أطيقه ولا آتي عليه، وقيل: لا أحيط به، وقيل معناه: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء عليك بها وإن اجتهدت في الثناء عليك. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (6/ 30 رقم 29237). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (2/ 156 رقم 2881).

قوله: "أنت كما أثنيت على نفسك" اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته وردَّ ثنائه إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين، فوكل ذلك إلى الله تعالى المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، وكما أنه لا نهاية لصفاف لا نهاية للثناء عليه؛ لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل ثناء أثني به عليه وإن كثر وإن طال وبولغ فيه فقدر الله أعظم وسلطانه أيُّ وصفاته أكبر وأكثر وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. وفي هذا الحديث دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إلى الله تعالى كما يضاف إليه الخير لقوله: أعوذ من سخطك، ومن عقوبتك. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سُمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وأخره، وعلانيته وسره". ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال مسلم وغيره، وأبو صالح ذكوان الزيات. وأخرجه مسلم (¬1): حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبد الأعلى، قالا: أنا ابن وهب ... إلى آخره نحوه. وهذا الحديث قد شارك فيه الطحاوي مسلمًا في رجاله ومتنه جميعًا، وشيخ كل منهما فيه يونس بن عبد الأعلى المصري. وأخرجه أبو داود (¬2) أيضًا: عن أحمد بن صالح وابن السرح، كلاهما عن ابن وهب ... إلى آخره. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 350 رقم 483). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 294 رقم 878).

قوله: "دقه" بكسر الدال: أي قليله، وهو مصدر في الأصل، من دق الشيء إذا لطف. و"جله" بكسر الجيم ... أي كثيره، وهو أيضًا في الأصل مصدر، من جلَّ الشيء إذا عظم. قوله: "دقه وجله ... " إلى آخره: تفصيل بعد إجمال؛ لأنه لما قال: "اغفر لي ذنبي كله" فقد تناول جميع ذنوبه مجملًا ثم فصَّله بقوله: كذا وكذا وفائدته: أن التفصيل بعد الإجمال أوقع وآكد وانتصاب "دقه" على أنه بدل من قوله: "ذنبي" و"جله ... " إلى آخره عطف عليه. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا معاوية بن صالح، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سُمي موك أبي بكر، عن أبي صالح، عن أتيت هريرة، عن رسول الله - عليه السلام - أنه قال: "أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء". ش: هذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا هارون بن معروف وعمرو بن سواد، قالا: ثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السرح ومحمد بن سلمة، قالوا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث ... إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (¬3): عن محمَّد بن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو ... إلى آخره نحوه. قوله: "أقرب ما يكون" معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه وفضله. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 350 رقم 482). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 294 رقم 875). (¬3) "المجتبى" (2/ 226 رقم 1137).

وقوله: "أقرب ما يكون" مبتدأ حُذف خبره لسدِّ الحال وهو قوله: "وهو ساجد" مسدَّه، مثل قولهم: أحب ما يكون الأمير وهو قائم، وعلم من ذلك خطأ من زعم أن الواو في قوله: "وهو ساجد" زائدة؛ لأنه خبر لقوله: "أقرب" وتحقيق الكلام ها هنا أن "ما" في "ما يكون" مصدرية، والفعل الذي بعدها بمعنى المصدر، وهو بمعنى الجمع هنا لأن أفعل التفضيل يجب أن تكون بعض ما أضيف هو إليه، فتقديره أقرب أكوان العبد من أنه حاصل إذا كان وهو ساجد، ثم حذف الخبر أعني "حاصل"؛ لأن حذف متعلقات الظروف شائع كثير، ثم حذف الظرف أعني إذا كان لدلالة الحال عليه؛ لأن الحال يدل على الوقت والزمان، فالحال يدل على الظرف والظرف على الخبر، فالحال على الخبر لأن الدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء. فإن قيل: ما معنى كون العبد أقرب إلى الله حالة السجود من بين سائر أحواله؟ قلت: لأنه في حالة تدل على غاية تذلل واعتراف بعبودية نفسه وربوبية ربه، فكانت مظنة الإجابة فلذلك أمر - عليه السلام - بإكثار الدعاء في السجود، بقوله "فأكثروا الدعاء" أي في حالة السجود، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث أن السجود أفضل من القيام، ومذهب أبي حنيفة أن طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود، وبه قال الشافعي؛ لقوله - عليه السلام -: "أفضل الصلاة: طول القنوت". رواه مسلم (¬1). ومعناه: القيام. وقال محيي الدين النووي: وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: أن تطويل السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل، حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة، وممن قال بتفصيل تطويل السجود: ابن عمر - رضي الله عنهما -. والمذهب الثاني: مذهب الشافعي وجماعة أن تطويل القيام أفضل؛ لما ذكرنا. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 520 رقم 756).

والمذهب الثالث: أنهما سواء. وتوقف أحمد بن حنبل في المسألة ولم يتعرض فيها بشيء، وقال إسحاق بن راهويه: أما في النهار فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما بالليل فتطويل القيام إلا أن يكون للرجل جزء بالليل يأتي عليه فتكثير الركوع والسجود أفضل. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فذهب قوم إلى أنه لا بأس أن يدعو الرجل في ركوعه وسجوده بما أحب، وليس في ذلك عندهم شيء مؤقت، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي وأحمد وإسحاق وداود، فإنهم قالوا: يدعوا المصلي بما شاء من الأدعية المذكورة في الأحاديث السابقة في صلاته، سواء كانت فرضًا أو نفلًا. وقال ابن قدامة في "المغني": ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، وإن زاد دعاء مأثورًا أو ذكرًا، ثم ذكر مثل الأدعية في هذا الباب فحسن؛ لأن النبي - عليه السلام - قاله. وقال البيهقي: وقال الشافعي: يسبح كما أمر النبي - عليه السلام - في حديث عقبة، ويقول كما قال في حديث علي - رضي الله عنه -. قلت: حديث عقبة يأتي عن قريب، وحديث عليّ مرَّ في أول الباب. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا ينبغي له أن يزيد في ركوعه على "سبحان ربي العظيم" يرددها ما أحب، ولا ينبغي له أن ينقص في ذلك عن ثلاث مرات، ولا ينبغي له أن يزيد في سجوده على "سبحان ربي الأعلى" يرددها ما أحب، ولا ينبغي له أن ينقص في ذلك عن ثلاث مرات. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: إبراهيم النخعي والحسن البصريّ وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: السنة للمصلي أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وذلك أدناه، وفي

سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، وذلك أدناه، ولا ينبغي له أن يزيد على ذلك شيئًا" وهو المنقول أيضًا عن عليّ وابن مسعود وحذيفة وعقبة بن عامر - رضي الله عنهم - وذكر الطحاوي في شرحه "للمختصر" يسبح الإِمام ثلاثًا، وقيل: أربعًا ليتمكن المقتدي من الثلاث، وقال الماوردي: أدنى الكمال ثلاث، والكمال إحدى عشرة أو تسع، وأوسطه خمس. وفي بعض شروح "الهداية": إن زاد على الثلاث حتى ينتهي إلى أثنى عشرة فهو أفضل عند الإِمام وعندهما إلى سبع. وقوله: "يرددها" أي يردد كلمة "سبحان ربي العظيم"، أراد أنه يكررها ما شاء فوق الثلاث، غير أنه إذا كان إمامًا لا يزيد على الثلاث إلا مقدار مالًا تحصل المشقة على القوم. قوله: "ولا ينبغي له أن يزيد" هذا في الفرائض، وأما في النوافل فلا بأس به؛ لأن باب النفل أوسع. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر الغافقي، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: "نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (¬1) قال النبي - عليه السلام -: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (¬2) قال النبي - عليه السلام -: اجعلوها في سجودكم". حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي، قال: حدثني موسى بن أيوب الغافقي ... فذكر بإسناده مثله ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن عبد الرحمن بن الجارود البغدادي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ القصير، شيخ البخاري، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن عمه إياس بن عامر الغافقي ثم المناري -ومنار بطن من غافق- وثقه ابن حبان وغيره. ¬

_ (¬1) سورة الواقعة، آية: [74، 96]، وسورة الحاقة، آية: [52]. (¬2) سورة الأعلى، آية: [1].

عن عقبة بن عامر الجهني الصحابي. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا الربيع بن نافع أبو توبة، وموسى بن إسماعيل -المعنى- قالا: ثنا ابن المبارك، عن موسى -قال أبو سلمة: موسى بن أيوب- عن عمه، عن عقبة بن عامر ... إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه (¬2)، والحكم في "مستدركه" (¬3). الثاني: عن أحمد بن عبد الرحمن المعروف ببحشل المصري، عن عمه عبد الله بن وهب، عن موسى بن أيوب ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (¬4): ثنا عمرو بن رافع البجلي، نا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن أيوب الغافقي، قال: سمعت عمي إياس بن عامر يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول ... إلى آخره نحوه. واستدلت به الظاهرية على أن قول سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى في الركوع والسجود فرض؛ للأمر بذلك. قلئا: الأمر ليس للوجوب؛ بقرينة أنه - عليه السلام - لما عَلَّم الأعرابي أركان الصلاة لم يأمره بذلك. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني يحيى بن أيوب، قال: ثنا موسى بن أيوب، عن إياس بن عامر، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ... فذكر مثله. ش: إسناده صحيح، وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي ثقة، وثقه ابن يونس، ويحيى بن أيوب المصري الغافقي روى له الجماعة. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 292 رقم 869). (¬2) "صحيح ابن حبان" (5/ 225 رقم 1898). (¬3) "مستدرك الحاكم" (1/ 347 رقم 818). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 287 رقم 887).

ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: وكان من الحجة لهم أيضًا: أنه قد يجوز أن يكون ما كان من النبي - عليه السلام - في الآثار الأول إنما كان قبل نزول الآيتين اللتين ذكرتا في حديث عقبة - رضي الله عنه - فلما نزلتا أمرهم النبي - عليه السلام - بما أمر به من ذلك، وكان أمره ناسخًا لما قد تقدم من فعله. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه: "أنه قد يجوز ... " إلى آخره، وهذا ظاهر، وهذا في الحقيقة جواب عن الآثار المتقدمة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى. فإن قيل: ما وجه هذا النسخ، والنسخ لا يكون إلا فيما يعلم بالتاريخ فيما بين النصين، فيكون المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم، وأيضًا قوله: "قد يجوز أن يكون ... " إلي آخره احتمال، وقد نص أهل الأصول، أن النسخ لا يثبت بالاحتمال؟ قلت: قد تكون دلالة التاريخ تقوم مقام التاريخ عينه، كما إذا كان أحد النصين موجبًا للحظر والآخر موجبًا للإباحة، ففي مثل هذا يثبت النسخ بدلالة التاريخ, وهو أن النص الموجب للحظر يكون متأخرًا عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى؛ وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة، من ضرورة ذلك يعلم أن الموجب للحظر طارئ عليه متأخر عنه، فيكون ناسخًا له بدلالة التاريخ، وكذلك فيما نحن فيه؛ لأن أمره - عليه السلام - بقوله: "اجعلوها في ركوعكم، اجعلوها في سجودكم" تقييد بعد إطلاق، وتخصيص بعد تعميم، فيكون ذلك رفعًا لما كان من فعله، وهذا هو النسخ، وهذا الذي لاح لي في هذا المقام من الأنوار الربانية والأسرار الرحمانية. ص: وقد روي عن رسول الله - عليه السلام - أيضًا أنه كان يقول في ركوعه وسجوده ما أمر به في حديث عقبة كما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر وبشر بن عمر، قالا: ثنا شعبة، عن سليمان، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد، عن صلة بن زفر، عن حذيفة: "أنه صلى مع رسول الله - عليه السلام - ذات ليلة، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى".

حدثنا فهد، قال: ثنا سحيم الحراني، قال: ثنا حفص بن غياث، عن مجالد، عن الشعبي، عن صلة، عن حذيفة قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا". ش: لما بين احتجاج أهل المقالة الثانية بما أمر به في حديث عقبة بن عامر وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنها -، بين أيضًا ما فعله - عليه السلام - بنفسه مما أمر به، فيكون ما احتج به هؤلاء أقوى لما فيه من قول الرسول - عليه السلام - وفعله، وما احتج به أهل المقالة الأولى هو فعله فقط، ولا شك أن فعله إذا اجتمع مع قوله يكون أقوى وآكد، وهذا في نفس الأمر جواب أخر عن احتجاج أهل المقالة الأولى. وأخرج حديث حذيفة من طريقين: الأول: صحيح على شرط مسلم، عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي، وبشر بن عمر الزهراني، كلاهما عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن سعد بن عبيدة السلمي أبي حمزة الكوفي، عن المستورد بن الأحنف الكوفي، عن صلة بن زفر العبسي الكوفي، عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -. وأخرجه الأربعة؛ فأبو داود (¬1): عن حفص بن عمر، عن شعبة، قال: قلت لسليمان: أدعو في الصلاة إذا مررت بآية تخوف؟ فحدثني عن سعد بن عبيدة، عن مستورد، عن صلة بن زفر، عن حذيفة: "أنه صلى مع رسول الله - عليه السلام -، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما مر بآية رحمة إلا وقف عندها فسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها فتعوذ". والترمذي (¬2): عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 292 رقم 871). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 48 رقم 262).

والنسائي (¬1): عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد، عن صلة، عن حذيفة قال: "صليت مع رسول الله - عليه السلام - ذات ليلة، فاستفتح سورة البقرة فقرأ بمائة آية، قلت: يركع، فمضى، قلت: يختمها في الركعتين، فمضى، فقلت: يختمها ثم يركع، فمضى حتى قرأ سورة النساء، ثم آل عمران، ثم ركع نحوًا من قيامه، يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وأطال القيام، ثم سجد فأطال السجود، يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، لا يمر بآية تخويف أو تعظيم لله إلا ذكره". وابن ماجه (¬2): عن محمَّد بن رمح المصري، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأزهر، عن حذيفة بن اليمان: "أنه سمع رسول الله - عليه السلام - يقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وإذا سجد: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن القاسم الحراني المعروف بسحيم، عن حفص بن غياث، عن مجالد بن سعيد الكوفي، فيه مقال؛ فعن يحيى بن سعيد القطان: في نفسي منه شيء. وعن أحمد: ليس بشيء؛ يرفع حديثا كثيرًا لا يعرفه الناس. وعن يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه. وعن أبي حاتم: ليس بقوي الحديث. عن عامر الشعبي، عن صلة بن زفر، عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬3): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، ثنا عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 224 رقم 1133). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 287 رقم 888). (¬3) "سنن الدارقطني" (1/ 341 رقم 1).

صلة، عن حذيفة: "أن النبي - عليه السلام - كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثًا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا". انتهى. قلت: قوله: "وبحمده" زيادة في رواية الدارقطني، قال أبو داود: أخاف أن لا تكون محفوظة. وفي "المغني": روى أحمد بن نصر، عن أحمد بن حنبل، أنه سئل عن تسبيح الركوع والسجود، سبحان ربي العظيم أعجب إليك أو سبحان ربي العظيم وبحمده؟ فقال: قد جاء هذا وجاء هذا، وما أدفع منه شيئًا. وروي عن أحمد أنه قال: أما أنا فلا أقول: "وبحمده". وقيل: يحتمل أن أحمد قال ذلك؛ لأن هذه الزيادة من رواية ابن أبي ليلى وهو ضعيف عنده، وحكى ابن المنذر هذا عن الشافعي أيضًا وعن أصحاب الرأي. ص: فهذا أيضًا قد دلّ على ما ذكرنا من وقوفه على دعاء بعينه في الركوع والسجود. ش: أشار بهذا إلى حديث حذيفة - رضي الله عنه - أي هذا أيضًا قد دل على أن النبي - عليه السلام - قد وقف في الركوع والسجود على دعاء معين، وهو قوله: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، فحينئذٍ فلا يتعدى عليه، ولا ينقص من ثلاث مرات، وأن كل ما ورد في غيره من الأدعية فمحمول على النوافل. ص: وقال آخرون: أما الركوع فلا يزاد فيه على تعظيم الرب، وأما السجود فيجتهد فيه في الدعاء، واحتجوا في ذلك بحديثي علي وابن عباس - رضي الله عنهم - اللذين ذكرناهما في الفصل الأول. ش: أي قال جماعة آخرون، وأراد بهم: عبد الله بن المبارك ومالكًا ومن تبعهما من الفقهاء؛ فإنهم ذهبوا إلى حديثي علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس المذكورين في أول الباب، وقالوا: أما الركوع فلا يزاد فيه على تعظيم الرب على معنى لا يدعى فيه، ولكن يذكر الله تعالى بأنواع التعظيم، وأما السجود فيجتهد فيه في الدعاء.

قال القاضي عياض: ذهب مالك إلى قوله - عليه السلام -: "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء ... ". الحديث، وكره القراءة في الركوع وكره الدعاء في الركوع، وأباحه في السجود اتباعًا للحديث. وفي "الأحكام" لابن بزيزة: وروينا عن ابن المبارك أنه قال: "إنه لَيُعْوِزني الملح للقدر، فأدعو الله به في سجودي في الصلاة". ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك أنهم قد جعلوا قول النبي - عليه السلام -: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" ناسخًا لما قد تقدم من أفعاله قبل ذلك في الأحاديث الأُول، فيحتمل أن يكون أمره بالتعظيم في الركوع لما نزلت عليه {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (¬1) وأباح الدعاء في السجود بما أحبوا قبل أن تنزل عليهم: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (¬2) فلما نزل عليه ذلك أمرهم بأن ينتهوا إليه في سجودهم -على ما في حديث عقبة- ولا يزيدون عليه، فصار ذلك ناسخًا لما قد تقدم منه قبل ذلك، كما كان الذي أمرهم به في الركوع عند نزول {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} ناسخًا لما كان منه قبل ذلك. ش: أي فكان من الحجة على الآخرين الذين قالوا: "لا يزاد في الركوع على تعظيم الرب ... " إلى، آخره، وأراد بهذا: الجواب عما قالوا والرد عليهم. بيانه: أن هؤلاء قد جعلوا قوله - عليه السلام -: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" ناسخًا لما كان النبي - عليه السلام - يفعله قبل ذلك مما ذكر في الأحاديث التي مضى ذكرها في أول الباب، وذلك نحو قوله: "اللهم لك ركعت وبك آمنت ... " إلى آخره، هذا وجه استدلالهم فيما ذهبوا إليه، ومنع ذلك الطحاوي وبين وجهه حيث قال: "فيحتمل أن يكون أمره بالتعظيم في الركوع ... " إلى آخره بيانه: أن أمره - عليه السلام - بالتعظيم في الركوع بقوله: "أما الركوع فعظموا فيه الرب" يحتمل أن يكون حين نزلت عليه ¬

_ (¬1) سورة الوا قعة، آية: [74، 96]، وسورة الحاقة، آية: [52]. (¬2) سورة الأعلى، آية: [1].

{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (¬1) فيكون القائل في ركوعه: سبحان ربي العظيم معظمًا لربه في ركوعه، وكان الدعاء في السجود مباحًا لهم بأي شيء دعوا وبأي دعاء شاءوا قبل نزول قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} بقتضى ما ورد عنه - عليه السلام - في ذلك، فلما نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (¬2) أمرهم بأن يقولوا ذلك في سجودهم، ويقتصرون عليه ولا يزيدون شيئًا؛ لما في حديث عقبة بن عامر الجهني، فيصير هذا ناسخًا لما كان منه قبل ذلك مما كان يقوله ويدعو به في سجوده، كما كان الذي أمرهم به في الركوع عند نزول قوله {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} ناسخًا لما كان منه قبل ذلك، وجه النسخ في هذا قد بيناه عن قريب. ص: فإن قال قائل: إنما كان ذلك من النبي - عليه السلام - بقرب وفاته لأن في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: كشف النبي - عليه السلام - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر - رضي الله عنه -. قيل له: فهل في الحديث أن تلك الصلاة هي الصلاة التي توفي رسول الله - عليه السلام - بعقبها، أو أن تلك المرضة هي مرضته التيم توفي فيها، ليس في الحديث منها شيء، فقد يجوز أن تكون هي الصلاة التي توفي بعقبها، ويجوز أن تكون صلاة غيرها وقد صح بعدها، فإن كانت هيم الصلاة التي توفي بعدها فقد يجوز أن تكون {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} نزلت عليه بعد ذلك قبل وفاته، وإن كانت تلك الصلاة متقدمة لذلك فهو أحرى يجوز أن يكون بعدها. ش: تقرير السؤال أن يقال: إن قوله - عليه السلام -: "فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم". كان بقرب موته - عليه السلام - بدليل قول ابن عباس - رضي الله عنهما -: "كشف النبي - عليه السلام - الستارة ... " الحديث، فإذا كان الأمر كذلك؛ يكون هذا متأخرًا، فكيف يكون منسوخًا؟. ¬

_ (¬1) سورة الواقعة، آية: [74، 96]، وسورة الحاقة، آية: [52]. (¬2) سورة الأعلى، آية: [1].

وتقرير الجواب أن يقال: ليس في الحديث ما يدل على أن تلك الصلاة التي خرج إليها رسول الله - عليه السلام - بعد كشف الستارة هي الصلاة التي توفي رسول الله - عليه السلام - عقيبها، وليس فيه أيضًا أن مرضته الستلا تلك هي المرضة التي توفي فيها رسول الله - عليه السلام -، ولكن يحتمل أن تكون هي الصلاة التي توفي عقبها، ويحتمل أن لا يكون ذلك، بل قد صح بعدها - عليه السلام -، فإن كانت هي الصلاة التي توفي عقبها، فقد يحتمل أن يكون قوله {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} نزل عليه بعد ذلك قبل وفاته، وإن كانت تلك الصلاة متقدمة فبالطريق الأولى أن يكون ذلك. فعلى كلا التقديرين يثبت النسخ، والله أعلم. وقد شنع البيهقي في كتابه "المعرفة" (¬1) في هذا المقام على الطحاوي، وقال: روى الطحاوي ما روينا ها هنا، وفي كتاب "السنن" من الأحاديث فيما يقال في الركوع والسجود، ثم ادعي نسخها بحديث عقبة بن عامر الجهني؛ فكأنه عرض بقلبه حديث سليمان بن سحيم بإسناده عن ابن عباس، في الأمر بالدعاء في السجود، وأن ذلك كان من النبي - عليه السلام - مرض موته حين كشف الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر - رضي الله عنه - فقال: "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له" ثم ذكر ما روينا في إسناد الشافعي، فتحير في الجواب عنه، فأتى بكلام بارد، فقال: يجوز أن تكون {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (¬2) نزلت عليه بعد ذلك قبل وفاته، ولم يعلم أن هذا القول صدر من النبي - عليه السلام - غداة يوم الاثنين، والناس صفوف خلف أبي بكر - رضي الله عنه - في صلاة الصبح، كما دل عليه حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - (¬3)، وهو اليوم الذي توفي فيه، وقد روينا في الحديث الثابت (¬4): عن النعمان بن بشير: "أن النبي - عليه السلام - كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (1/ 568). (¬2) سورة الأعلى. (¬3) "أخرجه مسلم" (1/ 315 رقم 419). (¬4) أخرجه مسلم (2/ 598 رقم 878).

حديث الغاشية، وإذا اجتمعا في يوم واحد يقرأ بهما". وقد روينا (¬1) عن سمرة بن جندب قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في العيدين {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} (¬2) " وفي رواية أخرى (¬3): "في صلاة الجمعة" وفي هذا دلالة على أن {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} كان قد نزل قبل ذلك بزمان كثير، وروينا عن البراء بن عازب في الحديث الطويل (¬4) في هجرة النبي - عليه السلام - قال: "فما قدم يعني رسول الله - عليه السلام - المدينة حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور من المفصل. وروينا في حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه (¬5) - في قصة من خرج في صلاته حين افتتح سورة البقرة أن النبي - عليه السلام - أمره أن يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحو ذلك، وكان هذا أيضًا قبل مرضه بكثير، وقد تحير صاحب هذه المقالة في خبر معاذ، وصار أمره إلى أن حمله في مسألة "الفريضة خلف التطوع" على أن ذلك كان في وقت تصلى فيه الفريضة الواحدة في يوم واحد مرتين وذلك في زعمه في أول الإسلام، فنزول {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} عنده إذن في تلك المسألة في أول الإسلام، وفي هذه المسألة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله - عليه السلام -، ليستقيم قوله في الموضعين، وهذا شأن من يسوي الأخبار على مذهبه، ويجعل مذهبه أصلًا، وأحاديث رسول الله - عليه السلام - تبعًا، والله المستعان، ومشهور فيما بين أهل التفسير أن سورة سبح اسم ربك الأعلى، وسورة الواقعة والحاقة اللتين فيهما {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} نزلن بمكة وهو فيما رويناه عن الحسن البصري وعكرمة وغيرهما فكيف استجاز هذا الشيخ ادعاء نسخ ما ورد في ¬

_ (¬1) أخرجه النسائي في "الكبرى" (1/ 547 رقم 1774)، وأحمد (5/ 7 رقم 20092)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 294 رقم 5989). (¬2) سورة الغاشية. (¬3) أخرجها أبو داود (1/ 362 رقم 1125)، والنسائي (3/ 111 رقم 1422)، وأحمد (5/ 13 رقم 20162). (¬4) أخرجه البخاري (3/ 1428 رقم 3710). (¬5) تقدم

حديث ابن عباس من قول النبي - عليه السلام - وأمره بالدعاء في السجود في مرض موته بما نزل قبله بدهر طويل بالتوهم والله أعلم. قلت: قول البيهقي: "فأتى بكلام بارد ... " إلى آخره تشنيع بارد صادر عن أريحية تعصب؛ لأن الطحاوي إنما قال: قد يجوز أن تكون هي الصلاة التي توفي بعقبها إلى آخره في حديث ابن عباس؛ لأن حديث ابن عباس ساكت عن بيان وفاته - عليه السلام - في مرضه ذلك أو في يومه الذي قال فيه ذلك، وإنما بيانه ذلك جاء في حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - وهو ما رواه مسلم وغيره. فقال مسلم (¬1): حدثني عمرو الناقد وحسن الحلواني وعبد بن حميد -قال عبد: أخبرني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد، قال: فحدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك: "أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان يصلي لهم في وجع رسول الله - عليه السلام - الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله - عليه السلام - ستر الحجرة، فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله - عليه السلام - ضاحكًا، فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله - عليه السلام - ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله - عليه السلام - خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله - عليه السلام - بيده: أن أتموا صلاتكم، قال: ثم دخل رسول الله - عليه السلام - فأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله - عليه السلام - من يومه ذلك". انتهى. فهذا ليس فيه ما قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديثه من قوله: "أما الركوع فعظموا فيه الرب ... " إلى آخره، ولا فيه ما في حديث أنس من بيان وفاته - عليه السلام - في ذلك اليوم؛ فعلمنا أن الحديثين متغايران فمن أين يورد البيهقي عليه ويقول: ولم يعلم أن هذا القول صدر من النبي - عليه السلام - غداة يوم الاثنين والناس صفوف خلف أبي بكر في صلاة الصبح كما دل عليه حديث أنس - رضي الله عنه - فلا نسلم دلالة حديث أنس على أن ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 315 رقم 419) وقد تقدم.

قضية حديث ابن عباس بعينها هي ابن حديث أنس، فلم لا يجوز أن يكون حديث ابن عباس قبل ذلك بزمان، فما المانع من ذلك وكلام الطحاوي مبني على هذا الاحتمال، ثم روايته عن النعمان بن بشير وغيره مما يدل على أن سبح اسم ربك الأعلى، وسبح اسم ربك العظيم، قد نزلتا قبل ذلك بزمان لا يضر الطحاوي، ولا ينافي كلامه؛ لأن حديث ابن عباس إذا كان محتملًا أن يكون قبل حديث أنس، يكون محتملًا أيضًا أن يكون قبله بزمان طويل، فحينئذ يكون نزول الآيتين بعد حديثه قبل وفاته - عليه السلام - بمدة طويلة. فإن قيل: سلمنا ما ذكرت هذا, ولكن ما تقول في قوله: "ومشهور بين أهل التفسير أن سورة سبح اسم ربك الأعلى، وسورة الواقعة والحاقة اللتين فيهما قوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} نزلن بمكة، فإذا كان كذلك يكون نزول هاتين الآيتين قديمًا، ولا شك أن حديث ابن عباس مدني، فكيف يكون منسوخًا بنص متقدم قبله بدهر طويل؟ قلت: يجوز أن تكون السور المذكورة مكية والآيتين مدنيتين، أو يكون الناسخ لذلك هو قوله - عليه السلام -: اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم, لا نفس الآيتين المتقدمتين في النزول. فإن قيل: قوله - عليه السلام -: "اجعلوها في ركوعكم واجعلوها في سجودكم" إنما كان عند نزول الآيتين فيكون هذا أيضًا متقدمًا. قلت: يمكن أن يكون قوله - عليه السلام - ذلك بعد نزول الآيتين بزمان، بل الظاهر هذا أنه بعد نزولهما بمدة، والدليل عليه أن عقبة بن عامر الجهني راوي هذا الحديث أسلم بالمدينة، والآيتان على ما قال البيهقي: مكيتان، فكيف يكون قوله - عليه السلام - ذلك حين نزول الآيتين؟ وكيف تصح أخبار عقبة بذلك والحال أنه لم يكن حاضرًا وقت نزول الآيتين، ولا كان مسلمًا حينئذٍ؟! فعلمنا أن قوله - عليه السلام - بذلك كان متأخرًا حتى أخبر به عقبة، فإذا كان متأخرًا يكون ناسخًا لما كان من فعله - عليه السلام - مما كان يدعو به في

الركوع والسجود، على ما ذكرنا، ثم الدليل على أن عقبة أسلم بالمدينة ما قاله ابن الأثير في "معرفة الصحابة" (¬1) روى عنه أبو عُشانة أنه قال: "قدم رسول الله - عليه السلام - المدينة وأنا في غنم لي أرعاها، فتركتها ثم ذهبت إليه، فقلت: تبايعني يا رسول الله، قال: فمن أنت؟ فأخبرته فقال: أيهما أحب إليك؛ تبايعني بيعة أعرابية أو بيعة هجرة؟ قلت: بيعة هجرة، فبايعني" (¬2). فإن قيل: يجوز أن يكون عقبة - رضي الله عنه - حاكيًا للحديث المذكور عمن سمعه من الصحابة من غير حضور منه على ذلك. قلت: صرح في حديثه بقوله: "لما نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} (¬3) قال لنا رسول الله - عليه السلام -: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (¬4) قال لنا رسول الله - عليه السلام -: اجعلوها في سجودكم" (¬5) فهذا يرد هذا الاحتمال على ما لا يخفى، ولما طرق سمعي ما نقلته من البيهقي وحطه على الطحاوي صَعُب ذلك شديدًا لا لأجل أنه من أكابر أئمة أصحابنا ولا لأجل أني متعصب له، وإنما ذلك لأجل تعصبه عليه بغير طريق وحطه عليه بغير وجه في غير موضع من كتابه، ولم أجد أحدًا أجاب عنه، ففكرت فيه ساعة مديدة، فلم يفتح لي شيء، ثم صليت على سيد الخلق نبينا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - عشر مرات، فكأن ما ذكرته قد صُبَّ في خلدي دفعة واحدة فجرى ذلك على جناني ثم جرى ببناني على البيان، ولله الحمد والمنة، على هذا الفضل والإحسان. ¬

_ (¬1) "أسد الغابة" (1/ 775). (¬2) وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبري" (17/ 304 رقم 839). (¬3) سورة الواقعة، آية: [74، 96]، وسورة الحاقة، آية: [52]. (¬4) سورة الأعلى، آية: [1]. (¬5) أخرجه ابن ماجه (1/ 287 رقم 887) , وأحمد (4/ 155 رقم 17450)، والبيهقي (2/ 86 رقم 2388).

ص: فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار، وأما وجه ذلك من طريق النظر: فإنا قد رأينا مواضع في الصلاة فيها ذكر، فمن ذلك التكبير للدخول في الصلاة، ومن ذلك التكبر للركوع والسجود والقيام من القعود، فكان ذلك التكبير تكبيرًا قد وقف العباد عليه وعلموه، ولم يجعل لهم أن يجاوزوه بلى غيره، ومن ذلك ما يشهدون به في القعود، فقد علموه ووقفوا عليه ولم يجعل لهم أن يأتوا مكانه بذكر غيره؛ لأن رجلًا لو قال مكان قوله: الله أكبر: الله أعظم أو الله أجل. كان في ذلك مسيئًا، ولو تشهد رجل بلفظ مخالف للفظ التشهد الذي جاءت به الآثار عن رسول الله - عليه السلام - وأصحابه كان في ذلك مسيئًا، وكان بعد فراغه من التشهد الأخير قد أبيح له من الدعاء ما أحب، فقيل له فيما روى ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب"، فكان قد وقف في كل ذكر على ذكر بعينه ولم يجعل له مجاوزته بلى ما أحب، إلا ما وقف عليه من ذلك، وإن استوى ذلك في المعنى، فلما كان في الركوع والسجود قد أجمع على أن فيهما ذكرًا، ولم يجمع أنه أبيح له فيهما كل الذكر، كان النظر على ذلك أن يكون ذلك الذكر كسائر الذكر في صلاته من تكبيره، وتشهده، وقوله: سمع الله لمن حمده، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد، ويكون ذلك قولًا خاصًّا لا ينبغي لأحد مجاوزته إلى غيره، كما لا ينبغي له في سائر الذكر الذي في الصلاة، ولا يكون له مجاوزة ذلك إلى غيره إلا بتوقيف من الرسول - عليه السلام -، له على ذلك؛ فثبت بذلك قول الذين وقتوا في ذلك ذكرًا خاصًّا وهم الذين ذهبوا بلى حديث عقبة - رضي الله عنه - ما فصل فيه من القول في الركوع والسجود، وهذا قول أبي حنيفة وأي يوسف ومحمد رحمهم الله. ش: خلاص هذا أن الصلاة فيها أذكار متعينة لم يُجعل للمصلي أن يتعداها إلى غيرها، كتكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع والسجود، والتشهد؛ فإن هذه أذكار متعينة، حترل لو أقول بذكر يشابه واحدًا من ذلك في معناه، يكون مسيئًا وإن كان لا تفسد به صلاته، وفيها ذكر غير متعين كالأدعية بعد الفراغ من التشهد الأخير، بتخيير له من الشارع بقوله: "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب". ولما كان الإجماع على

أن في الركوع والسجود ذكرًا, ولكن لم يجمع على أنه يأتي فيهما بكل الذكر، لعدم التوقيف فيه؛ فكان النظر والقياس على ذلك أن يكون ذكرهما كسائر الأذكار المتعينة، نحو التكبير والتشهد والتسميع والتحميد، ويكون ذلك قولًا خاصًّا لا ينبغي لأحد مجاوزته إلى غيره، كما ليس له ذلك فيما ذكرنا من الأذكار إلا ما فيه توقيف من الرسول - عليه السلام -. قوله: "قد وقف العباد عليه" جملة وقعت صفة لقوله: "تكبيرًا". قوله: "كان في ذلك مسيئًا" لعدم إتيانه بما أتى به الشرع، ولكن لا تفسد صلاته لما ذكرنا. قوله: "فقيل له" أي قيل للمصلى فيما روي عن عبد الله بن مسعود، ويأتي ذلك عن قريب إن شاء الله تعالى. قوله: "فثبت بذلك" نتيجة ما قبله من الكلام. قوله: "الذين وقتوا" أي عينوا. قوله: "على ما فصل فيه" أي ميز وبين، والله أعلم. ص: فإن قال قائل: وأين جعل للمصلي أن يقول بعد التشهد ما أحب؟ قيل له: في حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حدثنا بذلك أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن شقيق، عن عبد الله قال: "كنا نقول خلف رسول الله - عليه السلام - إذا جلسنا في الصلاة: السلام على الله وعلى عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فقال رسول الله - عليه السلام -: إن الله -عز وجل- هو السلام، فلا تقولوا هكذا، ولكن قولوا ... " فذكر التشهد على ما ذكرناه في غير هذا الموضع عن ابن مسعود، قال: "ثم ليتخير أحدكم بعد ذلك أطيب الكلام أو ما أحب من الكلام". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كنا لا ندري ما نقول بين كل ركعتين غير أن

نسبح ونكبر ونحمد ربنا -عز وجل-، وإن محمدًا - عليه السلام - أوتي فواتح الكلم وجوامعه -أو قال: وخواتمه- فقال: إذا قعدتم في الركعتين فقولوا -فذكر التشهد- ثم يتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به ربه -عز وجل-". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا الفضيل بن عياض، عن منصور بن المعتمر، عن شقيق، عن عبد الله، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله، غير أنه قال: "ثم ليختر من الكلام بعدُ ما شاء" فابيح له ها هنا أن يختار من الدعاء ما أحب؛ لأن ما سواه من الصلاة بخلافه من ذلك ما ذكرنا من التكبر في مواضعه ومن التشهد في موضعه ومن الاستفتاح في موضعه، ومن التسليم في موضعه؛ فجعل ذلك ذكرا خاصًّا غير متعدٍّ إلى غيره، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك الذكر في الركوع والسجود ذكرًا خاصًّا لا يتعدى إلى غيره، والله أعلم. ش: لما قال: فيما قبل هذا عن قريب؛ فقيل له: فيما روى ابن مسعود عن النبي - عليه السلام -: "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب" بين ذلك ها هنا بتخريجه الحديث. فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني البصري، عن أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي أدرك النبي - عليه السلام - ولم يره. وهؤلاء كلهم رجال الصحيحين ما خلا أبا بكرة. وأخرجه الجماعة، فقال البخاري (¬1): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن الأعمش، حدثني شقيق، عن عبد الله قال: "كنا إذا كنا مع النبي - عليه السلام - في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - عليه السلام -: لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 287 رقم 800).

فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخهير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به". وقال مسلم (¬1): ثنا زهير به بن حرب وعثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم- قال إسحاق: أنا، وقال الآخران:- ثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله - عليه السلام -: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين -فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ثم يتخير من المسألة ما شاء". وفي لفظ (1): "أو أحب". وقال أبو داود (¬2): نا مسدد، ثنا يحيى ... إلى آخره نحو رواية البخاري، غير أن فيه: "كنا إذا جلسنا مع رسول الله - عليه السلام - في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده". وزيادة لفظ: "صالح" بعد قوله: "كل عبد". والباقي مثله سواء. وقال الترمذي (¬3): ثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: "علَّمنا رسول الله - عليه السلام - إذا قعدنا في الركعتين أن نقول: التحيات لله والصلوات ... " إلى آخره، وليس في روايته: "ثم ليتخير أحدكم". وقال النسائي (¬4): أنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن الأشجعي ... إلى آخره نحو رواية الترمذي. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 301 رقم 402). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 318 رقم 968). (¬3) "جامع الترمذي" (2/ 81 رقم 289). (¬4) "المجتبى" (2/ 237 رقم 1162).

وقال أيضًا (¬1): أنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمَّد، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق يحدث، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين غير أن نسبح ونكبر ونحمد ربنا، وإن محمدًا - عليه السلام - عُلِّم فواتح الخير وخواتمه، فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله ... " إلى آخره "وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع الله -عز وجل-". وقال ابن ماجه (¬2): نا محمَّد بن عبد الله بن نمير، نا أبي، نا الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود. (ح) وثنا أبو بكر بن خلاد الباهلي، نا يحيى بن سعيد، نا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: "كنا إذا صلينا مع النبي - عليه السلام - قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل وميكائيل، وعلى فلان وفلان -يعنون الملائكة- فسمعنا رسول الله - عليه السلام - نقول ذلك، فقال: إن الله هو السلام، فإذا جلستم فقولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين- فإنه إذا قال ذلك أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض- أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله". الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي الأحوص عوف بن مالك الكوفي، عن عبد الله ... إلى آخره. وأخرج النسائي (¬3) نحوه كما ذكرناه آنفًا. الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي وشيخ أبي داود والنسائي وابن ماجه، عن أسد بن موسى، عن الفضيل بن عياض الزاهد المشهور، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود. ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 238 رقم 1163). (¬2) "سنن ابن ماجه" (1/ 290 رقم 899). (¬3) تقدم.

وأخرجه الطبراني (¬1): ثنا عبدان بن أحمد، نا إسماعيل بن زكرياء الكوفي، ثنا فضيل بن عياض، عن الأعمش ومنصور، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله ... الحديث. وأخرجه من وجوه كثيرة. قوله: "السلام على الله " مقول القول، والألف والسلام فيه لاستغراق الجنس، أي كل واحدٍ واحدٍ من أفراد السلام على الله وقد بين - عليه السلام - أن السلام اسم من أسماء الله تعالى ومعناه: السالم من النقائض وسمات الحدث، ومن الشريك والند، وقيل: بمعنى المسلم لأوليائه، وقيل: المسلم عليهم. قوله: "السلام على فلان وفلان" يعنون بهم الملائكة كما صرح به في رواية ابن ماجه. قوله: "على ما ذكرناه في غير هذا الموضع" أراد به: باب التشهد في الصلاة كيف هو على ما يجيء. قوله: "أو ما أحب من الكلام" شك من الراوي فلأجل هذا اللفظ أخرج هذا الحديث ها هنا، وإلا فموضعه باب التشهد على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وهذا فيه دليل صريح على أن الدعاء بعد التشهد غير مؤقت، وذلك لأن الشارع خيره في ذلك، حتى ذهب الشافعي إلى أنه يجوز له أن يدعو بما شاء من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثمًا، وقال أصحابنا: لا يجوز إلا الدعوات المأثورة الواردة في القرآن أو السنة؛ لأن الدعاء من أمور الدنيا مثل قوله: اللهم زوجني فلانة، أو ارزقني ألف دينار من كلام الناس، وقد صح في الحديث أن أهذه، (¬2) الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس، وسيجيء تحقيق الكلام في هذا الحديث في بابه إن شاء الله تعالى. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (10/ 41 رقم 9889). (¬2) تكررت في "الأصل، ك".

قوله: "أوتي فواتح الكلم" الفواتح جمع فاتحة، وأراد بها ما يسّر الله له من البلاغة والفصاحة والوصول إلى غوامض المعاني وبدائع الحكم ومحاسن العبارات والألفاظ التي لم تفتح على غيره وتعذرت، وهذا كما في قوله في الحديث الآخر: "أتيت مفاتيح -وفي رواية: مفاتح- الكلم" (¬1). قوله: "وجوامعه" جمع جامعة أي كلمة جامعة، وأراد بها القرآن الذي جمع الله بلطفه في الألفاظ اليسيرة معاني كثيرة. قوله: "وخواتمة" جمع خاتمة، وأراد بها ما يختم به الكلام على حسن الاختتام بعد انتهاء المقاصد، بأبلغ العبارات، وأكمل الإشارات، وأوضح الدلالات. قوله: "فأبيح له ها هنا" أي في التشهد في آخر الصلاة، والباقي ظاهر. ¬

_ (¬1) أخرجه البخاري في "صحيحه" (6/ 2568 رقم 6597) بلفظ: "أعطيت مفاتيح ... ".

ص: باب: الإمام يقول سمع الله لمن حمده هل ينبغي له أنا يقول بعدها: ربنا لك الحمد أم لا؟

ص: باب: الإمام يقول سمع الله لمن حمده هل ينبغي له أنا يقول بعدها: ربنا لك الحمد أم لا؟ ش: أي هذا باب في بيان أن الإِمام هل يجمع بين سمع الله لمن حمده وبين ربنا لك الحمد، أم يكتفي على قوله: سمع الله لمن حمده؟ ومعنى سمع الله: أجاب، وهذا مجاز عن الإجابة، والهاء فيه للسكتة والاستراحة، لا للكناية حتى لا يجوز فيه إلا الوقف، ونصّ في "فتاوى المناقبي": أنه إذا حرك الهاء تفسد صلاته و"ربنا" منصوب على أنه منادى حذف حرف النداء منه، والواو في "ربنا ولك الحمد" قيل: إنها زائدة، وقيل: عاطفة، تقديره: ربنا حمدناك ولك الحمد، وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن هذه "الواو" فقال: هي زائدة، ومذهب أبي حنيفة حذف الواو، كما وقع في حديث عبد الله بن أبي أوفى الذي أخرجه مسلم وغيره كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وقال صاحب "المحيط": اللهم ربنا لك الحمد أفضل؛ لزيادة الثناء، وعن أبي حفص: لا فرق بين قوله: "لك، وبين قوله: "ولك" وعند الشافعي يأتي "الواو" ولو أسقطها جاز. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام وأبو عوانة وأبان، عن قتادة، عن يونس بن جُبير، عن حطان بن عبد الله، عن أي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: "علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة فقال: إذا بر الإمام فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم، فإن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده". حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق جميعًا، قالا: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ... فذكر بإسناده مثله.

ش: هذان إسنادان صحيحان، ذكرهما الطحاوي بعينهما في باب: الخفض في الصلاة هل فيه تكبير؟ غير أنه اقتصر هناك في متن الإسناد الأول على قوله: "إذا كبر الإِمام وسجد فكبروا واسجدوا" وزاد هنا البقية، مع زيادته في نفس الإسناد: أبا عوانة الوضاح اليشكري وأبان بن يزيد العطار، وكذا زاد ها هنا في نفس الإسناد الثاني: أبا بكرة بكّار القاضي، وقد ذكرنا هناك أن هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه مطولًا ومختصرًا (¬1). قوله: "يسمع الله لكم" أي يستجيب لكم، كما يقال: السلطان سمع كلام فلان، أي أجاب إلى كلامه. ويستفاد منه أحكام: الأول: استدل به أبو حنيفة على أن المقتدي يكبر مقارنًا لتكبير الإمام لا يتقدم ولا يتأخر؛ لقوله إذا كبر الإِمام فكبروا؛ لأن "الفاء" للحال، وقال أبو يوسف ومحمد: والأفضل أن يكبر بعد فراغ الإِمام من التكبير؛ لأن "الفاء" للتعقيب، وإن كبر مع الإِمام أجزأه عند محمد -رواية واحدة- وقد أساء، وكذلك في أصح الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية: لا يصير شارعًا، ثم ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله كاقتران حركة الخاتم والإصبع، والبعدية على قولهما أن يوصل "ألف" الله بـ"راء" أكبر. وقال شيخ الإسلام جواهر زاده: قول أبي حنيفة أدق وأجود وقولهما أرفق وأحوط. ثم قيل: الخلاف في الجواز، والفتوى أنه في الأفضلية، وقول الشافعي كقولهما، وقال الماوردي: إن شرع في تكبير الإحرام قبل فراغ الإِمام منها لم تنعقد صلاته، ¬

_ (¬1) تقدم.

ويركع بعد شروع الإِمام في الركوع، فإن قارنه أو سابقه فقد أساء، ولا تبطل صلاته، فإن سلم قبل إمامه بطلت صلاته إلا أن ينوي المفارقة ففيه خلاف مشهور. الثاني: أن "الفاء" في قوله: "فاركعوا" وفي قوله: "فاسجدوا" تدل على التعقيب وتدل على أن المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإِمام بالركوع والسجود، حتى إذا سبقه فيهما ولم يلحقه الإِمام فسدت صلاته. الثالث: فيه فرضية التكبير -أعني تكبيرة الافتتاح- وفرضية الركوع والسجود بقوله: "فكبروا"، "فاركعوا"، "فاسجدوا" لأنها أوامر تدل على الوجوب. فإن قيل: هلَّا توجب التحميد لقوله: "فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد" وهو أيضًا أمر، وما الفرق بين الأمرين؟ قلت: قامت قرينة على عدم الوجوب ها هنا، وهي أن النبي - عليه السلام - لما علَّم الأعرابي أركان الصلاة لم يأمره أن يقول: ربنا لك الحمد، ولا سمع الله لمن حمده، فدل ذلك على أنهما من سنن الصلاة. الرابع: فيه أن الإِمام يكتفي بالتسميع، وبه قال أبو حنيفة على ما يجيء عن قريب إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت أبا علقمة يحدث، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - نحوه، غير أنه لم يذكر قوله: "سمع الله لكم ... " إلى آخر الحديث. حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - مثله. حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن مصعب بن محمَّد القرشي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام - مثله.

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". ش: هذه أربع طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء العامري الطائفي، عن أبي علقمة المصري مولى بني هاشم، ويقال مولى عبد الله بن عباس، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة (ح) ونا عبيد الله بن معاذ -واللفظ له- قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن يعلى وهو ابن عطاء، سمع أبا علقمة، سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - عليه السلام -: "إنما جعل الإِمام جُنَّة فإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإذا وافق قول أهل الأرض قول أهل السماء غفر له ما تقدم من ذنبه". الثاني: عن أبي بكرة أيضًا وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن سعيد بن عامر الضبعي، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام -. وأخرجه الدارمي في "سُننه" (¬2): أنا يزيد بن هارون، أنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال: سمع الله لمن ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 310 رقم 416). (¬2) "سنن الدارمي" (1/ 343 رقم 1311).

حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون". الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح البصري نزيل مصر، عن وهيب بن خالد البصري، عن مصعب بن محمد بن شرحبيل المكي، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة نحوه. وأخرجه أبو داود (¬1): ثنا سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم -المعنى- عن وهيب، عن مصعب بن محمَّد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد -قال مسلم: ولك الحمد- وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون". الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي هريرة. وهؤلاء كلهم رجال "الصحيح". وأخرجه الجماعة غير ابن ماجه: فالبخاري (¬2): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. ومسلم (¬3): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وأبو داود (¬4): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك. ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 220 رقم 603). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 274 رقم 763). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 306 رقم 409). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 285 رقم 848).

والترمذي (¬1): عن إسحاق بن موسى، عن معن، عن مالك، وليس في روايته "اللهم". والنسائي (¬2): عن قتيبة، عن مالك نحو رواية الترمذي. قوله: "فإنه" أي فإن الشأن. قوله: "من وافق قوله قول الملائكة" يعني في قوله "آمين" في زمن واحد، وقيل: الموافقة بالصفة من الإخلاص والخشوع، وقيل: موافقته إياهم: دعاؤه للمؤمنين كدعاء الملائكة لهم، وقيل: الموافقة: الإجابة، أي فمن استجيب له كما يستجاب لهم، وهو بعيد. وقيل: هي إشارة إلى الحفظة وشهودها الصلاة مع المؤمنين، فنُؤمِّن إذا أمن الإمام، فمن فعل فعلهم وحضر حضورهم الصلاة، وقال قولهم؛ غفر له. والقول الأول أولى. وقال الخطابي: وفيه دلالة على أن الملائكة يقولون مع المصلي هذا القول، ويستغفرون ويحضرون بالدعاء والذكر. ص: فذهب قوم إلى أن هذه الآثار قد دلتهم على ما يقول الإمام والمأموم جميعًا، وأن قول النبي - عليه السلام -: "سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد" دليل على أن سمع الله لمن حمده يقولها الإمام دون المأموم، وأن "ربنا لك الحمد" يقولها المأموم دون الإمام، وممن ذهب إلى هذا القول أبو حنيفة - رضي الله عنه -. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث بن سعد ومالكًا وعبد الله بن وهب وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: إن الإمام يكتفي بالتسميع، والمأموم بالتحميد فقط، وممن ذهب إلى، هذا القول: الإمام أبو حنيفة، وذلك لأن الآثار المذكورة دلت على ذلك، كذلك لأنه - عليه السلام - قسم، والقسمة تنافي الشركة. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 55 رقم 267). (¬2) "المجتبى" (2/ 196 رقم 1063).

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقول المأموم: ربنا ولك الحمد خاصة، وقالوا: ليس في قول النبي - عليه السلام -: "وإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" دليل على أن ذلك يقوله الإمام دون غيره، ولو كان ذلك كذلك؛ لاستحال أن يقولها من ليس بمأموم. فقد رأيناكم تجمعون على أن المصلي وحده يقولها مع قوله: "سمع الله لمن حمده"؛ فكما كان من يصلي وحده يقولها وليس بمأموم، ولم ينف ذلك ما ذكرنا من قول رسول الله - عليه السلام -؛ كان الإمام أيضًا يقولها كذلك، ولا ينف ذلك ما ذكرنا من قول رسول الله - عليه السلام -. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي وابن سيرين وأبا بردة والشافعي وإسحاق وابن المنذر وأبا يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد في المشهور؛ فإنهم قالوا: بل يجمع الإمام بين التسميع والتحميد. وإليه ذهبت الظاهرية أيضًا. وفي "المغني" لابن قدامة: وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: ابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة - رضي الله عنهم -. قوله: "ثم يقول المأموم: ربنا ولك الحمد خاصةً" يعني لا يجمع بينه وبين "سمع الله لمن حمده"؛ وفيه خلاف الشافعي. وقال الترمذي في "جامعه": وقال ابن سيرين وغيره: يقول من خلف الإمام: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" مثل ما يقول الإمام؛ وبه يقول الشافعي وإسحاق. قلت: وهو قول ابن نافع وعيسى من أصحاب مالك، ويروى عن مالك أيضًا، وإليه ذهبت الظاهرية أيضًا.

وقال صاحب "المغني" (¬1): قال ابن سيرين وأبو بردة وأبو يوسف ومحمد والشافعي وإسحاق: يقول المأموم ذلك كالإمام. انتهى. قلت: عَدُّهُ أبايوسف ومحمدًا منهم ليس بصحيح؛ فإن مذهبهما كمذهب الجمهور: أن المأموم يقتصر على التحميد ولا يجمع بينهما. قوله: "وقالوا" أي قال الآخرون؛ هذا جواب عما استدل به أهل المقالة الأولى بالآثار المذكورة على أن التسميع لا يقوله الإمام دون المأموم وهو ظاهر. قوله: فقد رأينكم تجمعون على أن المصلي وحده يقولها مع قوله: "سمع الله لمن حمده" أي يقول: "ربنا لك الحمد" مع "سمع الله من حمده" وفيه كلام؛ فقال صاحب "البدائع": وإن كان منفردًا يأتي بالتسميع في ظاهر الرواية, وكذا بالتحميد عندهم، وعن أبي حنيفة روايتان: روى المعلى، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة أنه قال: يأتي بالتسميع دون التحميد. وإليه ذهب الشيخ أبو القاسم الصفار والشيخ أبو بكر الأعمش، وروى الحسن، عن أبي حنيفة: أنه يجمع بينهما. وذكر في بعض النوادر عنه: أنه يأتي بالتحميد لا غير. وفي "الجامع الصغير" ما يدل عليه؛ فإن أبا يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن الرجل يرفع رأسه من الركوع في الفريضة يقول: اللهم اغفر لي؟ قال: يقول: ربنا لك الحمد، ويسكت. وما أراد به الإمام لأنه لا يأتي بالتحميد عنده؛ فكان المراد به المنفرد. وجه هذه الرواية: أن التسميع ترغيب في التحميد، وليس معه من يرغبه، والإنسان لا يرغِّب نفسه؛ فكانت حاجته إلى التحميد لا غير. وجه رواية المعلى: أن التحميد يقع في حالة القومة وهي مسنونة، وسنة الذكر تختص بالفرائض والواجبات كالتشهد في القعدة الأولى؛ ولهذا لم يشرع في القعدة بين السجدتين. ¬

_ (¬1) "المغني" (1/ 583).

وجه رواية الحسن: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما في حديث عائشة - رضي الله عنها - ولا محمل له سوى حالة الانفراد؛ ولهذا كان عمل الأمة على هذا؛ وما كان الله ليجمع أمة محمد - عليه السلام - على ضلالة. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن عبدالله بن الفضل، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، عن النبي - عليه السلام -: "كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد". ش: أي احتج الآخرون في قولهم: إن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد؛ بحديث علي بن أبي طالب هذا. ولكن الاحتجاج به غير تام؛ لأنه ليس فيه دلالة على أنه - عليه السلام - كان يقول ذلك وهو إمام، والدعوى لا تقوم إلا بحجة تامة على ما يذكره الطحاوي عن قريب. وهذا الإسناد بعينه مذكور في أول باب "رفع اليدين في افتتاح الصلاة، ولكن متن الحديث هناك: "كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة ورفع يديه حذو منكبيه". ثم أعاد هذا الإسناد بعينه في أول باب "التكبير للركوع " وزاد في المتن على ما ذكرنا: "ويصنع مثل ذلك -إذا قضى قراءته- إذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا فرغ ورفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من الصلاة وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر". ثم أعاد هذا الإسناد بعينه في أول باب "ما ينبغي أن يقال في الركوع والسجود" ومتن الحديث هناك: "كان رسول الله - عليه السلام - يقول وهو راكع: اللهم لك ركعت -إلى قوله-: فتبارك الله أحسن الخالقين". فكل ذلك حديث واحد، وتقطيعه إياه بحسب التبويب.

وقد ذكرنا في باب "رفع اليدين في افتتاح الصلاة" أن أبا داود أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد. وأخرج الترمذي (¬1): عن محمود بن غيلان، قال: نا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، قال: حدثني عمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد". قال أبو عيسى: حديث علي حديث حسن صحيح. قوله: "ملء السماوات" بنصب الهمزة ورفعها، والنصب أشهر، وهو الذي اختاره ابن خالويه ورجحه، وأطنب في الاستدلال له، وجوز الرفع على أنه مرجوح. وحكي عن الزجاج: أنه يتعين الرفع، ولا يجوز غيره، وبالغ في إنكار النصب. قلت: أما انتصابه: فعلى أنه صفة لمصدر محذوف، أي: حمدًا ملء السماوات والأرض، وأما الرفع: فعك أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ملء السموات والأرض، ثم المِلء -بكسر الميم-: ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، والمَلْء -بالفتح- مصدر ملأت الإناء فهو مملوء، ودلو مَلأَى على فَعْلى، وكوز ملآن ماءً، والعامة تقول: مَلِيء ماءً. وها هنا بكسر الميم. وفيه: إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود؛ فإنه - عليه السلام - حمده ملء السماوات والأرض وهذه نهاية أقدام السابقين، وهذا تمثيل وتقريب، والكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد حتى لو خمدر أن تكون تلك الكلمات أجسامًا تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها ما يملأ السماوات والأرض. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 53 رقم 266).

قوله: "وملء ما شئت من شيء بعد" إشارة إلى أن حمد الله أعز من أن يحترزه الحسبان أو يكتنفه الزمان والمكان، فأحال الأمر على المشيئة، وليس وراء ذلك الحمد منتهىً، ولم ينته أحد من خلق الله في الحمد مبلغه ومنتهاه؛ وبهذه الرتبة استحق أن يسمى أحمد؛ لأنه كان أحمد من سواه. وقوله: "بعدُ" مبني على الضم؛ لأنه قطع عن الإضافة فبني على الضم. واحتج الشافعي به على أن المصلي يقول هذا سواء كان في المكتوبة أو التطوع. وقال الترمذي عقيب ذكره هذا الحديث: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي، قال: يقول هذا في المكتوبة والتطوع، وقال بعض أهل الكوفة: يقول هذا في صلاة التطوع ولا يقولها في صلاة المكتوبة. قلت: وبه قال أحمد. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: إسناده صحيح. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا هشيم بن بشير، قال: أنا هشام بن حسان، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وأخرجه أيضًا (1) مقتصرًا على قوله: "وملء ما شئت من شيء بعد" كرواية الطحاوي. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 347 رقم 478).

وكذا أخرجه النسائي (¬1): عن أبي داود سليمان بن سيف الحراني، عن سعيد بن عامر، عن هشام بن حسان ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: حدثني عبيد -هو ابن الحسن- قال: سمعت ابن أبي أوفى يحدث، عن النبي - عليه السلام - مثله. ش: هو أيضًا صحيح، وأبو بكرة بكار، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، وابن أبي أودنئ هو عبد الله بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى علقمة بن خالد الأسلمي، له ولأبيه صحبة. وأخرجه مسلم (¬2): ثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قالا: نا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة، عن عبيد بن الحسن قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يدعو بهذا الدعاء: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد". وأخرجه أبو داود (¬3): ثنا محمَّد بن عيسى، ثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية ووكيع ومحمد بن عبيد، كلهم عن الأعمش، عن عبيد بن الحسن، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: "كان النبي - عليه السلام - إذا رفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد". وأخرجه ابن ماجه (¬4): عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن وكيع، عن الأعمش ... إلى آخره نحو رواية أبي داود. ص: حدثنا مالك بن عبد الله بن سيف، قال: ثنا عبد الله بن يوسف الدمشقي، قال: أنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن عطية بن قيس الكلاعي، عن قزعة بن ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 198 رقم 1066). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 346 رقم 476). (¬3) "سنن أبي داود" (1/ 284 رقم 878). (¬4) "سنن ابن ماجه" (1/ 284 رقم 878).

يحيى، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، عن النبي - عليه السلام - مثله، وزاد: "أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا نازع لما أعطيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". ش: إسناده صحيح، وعبد الله بن يوسف شيخ البخاري، وسعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي أبو عبد العزيز الدمشقي فقيه أهل الشام ومفتيهم بعد الأوزاعي، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح. وعطية بن قيس الكلاعي أبو يحيى الحمصي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا بحديث واحد. وقزعة بن يحيى أبو الغادية البصري، روى له الجماعة، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: أنا مروان بن محمَّد الدمشقي، قال: ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله - عليه السلام - إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبدٌ، اللهم لا ما نع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وأخرجه أبو داود (¬2): ثنا مؤمل بن الفضل الحراني، نا الوليد. وثنا محمود بن خالد، ثنا أبو مسهر، وثنا ابن السرح، نا بشر بن بكر. ونا محمد بن محمد بن مصعب، نا عبد الله بن يوسف، كلهم عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يقول -حين يقول سمع الله لمن حمده-: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء -قال مؤمل: ملء السموات- وملء الأرض وملء ما شئت من شيء ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 347 رقم 477). (¬2) "سنن أبي داود" (1/ 285 رقم 847).

بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت -زاد محمود: ولا معطي لما منعت، ثم اتفقا- ولا ينفع ذا الجد منك الجد". قال بشر: "ربنا لك الحمد". لم يقل محمود: "اللهم" قال: "ربنا ولك الحمد". وأخرجه النسائي (¬1): أنا عمرو بن هشام أبو أمية الحراني، قال: ثنا مخلد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قزعة بن يحيى، عن أبي سعيد، أن رسول الله - عليه السلام - كان يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا نازع لما أعطيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". قوله: "أهل الثناء والمجد" وهو منصوب على النداء، والمعنى: يا أهل الثناء والمجد. وهو المشهور، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أنت أهل الثناء، و"الثناء" الوصف الجميل والمدح، و"المجد" العظمة ونهاية الشرف. قال القاضي عياض: ووقع في رواية ابن ماهان: "أهل الثناء والحمد" وله وجه، ولكن المشهور الصحيح هو الأول. قوله: "أحق ما قال العبد، وكلنا" هكذا هو الراوية المشهورة "أحق" بالألف، "وكلنا" بالواو ولكن وقع في رواية النسائي: "حق" بدون الألف، ووقع في بعض روايات النسائي: "خير ما قال العبد". وقال بعض الأفاضل: هو الصحيح. ووقع في كتب الفقه: "حق ما قال العبد كلنا" (¬2) بحذف "الألف" و"الواو"، ¬

_ (¬1) "السنن الكبرى" (1/ 224 رقم 655) بهذا اللفظ، وهو في "المجتبى" (2/ 198 رقم 1068) مع اختلاف في بعض ألفاظه. (¬2) وهكذا رواه النسائي في "السنن الكبرى" (1/ 224 رقم 655). وقال الحافظ ابن حجر في "تلخيص الحبير" (1/ 244): وقع في كتاب "المهذب" ما وقع هنا بإسقاط الألف من "أحق" وبإسقاط الواو من "وكلنا"، وتعقبه النووي بأن الذي عند المحدثين بإثباتها، كذا قال، وهو في "سنن النسائي" بحذفها أيضًا. انتهى.

فهذا غير معروف من حيث الرواية، وإن كان معناه صحيحًا، والرواية المعروفة المشهورة: "أحق ما قال العبد وكلنا" ومعناه: أحق قول العبد "لا نازع لما أعطيت" فيكون ارتفاع "أحق" على الابتداء وخبره قوله: "لا نازع". قوله: "وكلنا لك عبد" جملة معترضة بينهما، وتقدير الكلام: أحق قول العبد: لا نازع لما أعطيت، أو"لا مانع لما أعطيت" وكلنا لك عبد فيجب أن نقوله. وفائدة الاعتراض: الاهتمام به وارتباطه بالكلام السابق، ونظيره في القرآن: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} (¬1) الآية فإن قوله: {وَلَهُ الْحَمْدُ} اعتراض بين قوله: {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} و {وَعَشِيًّا} والجملة المعترضة لا محل لها من الأعراب وقد عرف ذلك في موضعه. فإن قيل: ما وجه كون هذا أحق ما يقوله العبد؟ قلت: لأن فيه التفويض إلى الله تعالى والإذعان له والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن الخير والشر منه. قوله: "لا نازع لما أعطيت" كذا في رواية النسائي أيضًا كما ذكرناها، وفي رواية غيرهما: "لا مانع لما أعطيت" وكلاهما معنى واحد. قوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" أي لا ينفع ذا الغنى، منك غناه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك، أو معناه: لا يُسْلِمه من عذابك غناه. و"الجد" في اللغة: الحظ والسعادة والغنى، ومنه: "تعالى جدُّك". أي: علا جلالك وعظمتك. والمشهور فيه فتح الجيم، هكذا ضبطه العلماء المتقدمون والمتأخرون. وقال ابن عبد البّر: ومنهم من رواه بالكسر، وقال أبو جعفر الطبري: هو بالفتح. قال: وقاله الشيباني بالكسر. قال: وهذا خلاف ما عرفه أهل النقل. قال: ولا نعلم من قاله غيره، وضَعّف الطبريّ ومن بعده الكسر. ¬

_ (¬1) سورة الروم، آية: [17 - 18].

قالوا: ومعناه على ضعفه الاجتهاد، أي: لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، إنما ينفعه وينجيه رحمتك. وقيل: المراد: ذا الجد والسعي التام في الحرص على الدنيا. وقيل: معناه: الإسراع في الهرب، أي: لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هروبه فإنه في قبضتك وسلطانك. فإن قيل: بيَّن لي إعراب هذا الكلام؟ قلت: "ذا الجد" منصوب على أنه مفعول "لا ينفع"، وكلمة "من" في قوله: "منك" للبدل كما في قوله تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} (¬1) أي: بدل طاعة الله، أو بدل رحمة الله. وكما في قوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} (¬2) أي بدل الآخرة. وقوله: {لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} (¬3) أي: بدلكم؛ لأن الملائكة لا تكون من الإنس. وقال أبو حيان: إثبات البدلية لـ "مِنْ" فيه خلاف، وأصحابنا ينكرونه، وغيرهم قد أثبته، وزعم أنها تأتي لمعنى البدل، واستدل بالآيات التي تَلَوْنَا وبقول الشاعر: [أخذوا] (¬4) المخاضَ من الفصيل غُلُبَّة ... ظلما ويكتبُ للأميرِ أفِيلا أي: بدل الفصيل -وهو ولد الناقة إذا فُصل عن أمّه- والجمع فصلان، والمخاض ما تمت له سنة وطعنت في الثانية، وغُلُبَّةَّ -بضم الغين المعجمة واللام وتشديد الباء الموحدة المفتوحة -وهو مصدر من غلب يغلب وكذلك غُلُبّى وغَلاَبِية وغَلْبا وغَلَبَا بتسكين اللام وتحريكها، وغلَبةً ومَغْلبةً، والأفيل -بفتح الهمزة وكسر ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [10]. (¬2) سورة التوبة، آية: [38]. (¬3) سورة الزخرف، آية: [60]. (¬4) في "الأصل، ك": "أخذ"، والمثبت من "ديوان الراعي النميري" و"خزانة الأدب".

الفاء- ابن المخاض وابن اللبون، ويجوز أن تكون "من" في الحديث بمعنى "عند" والمعنى: لا ينفع ذا الغنئ عندك غناه. قلت: يجوز أن تكون "من" على حالها للابتداء، ويكون المعنى: لا ينفع ذا الغنى من ابتداء نقمتك أو من ابتداء عذابك غناه. ويقال: ضمّن "ينفع" معنى "يمنع" ومتى علقت "من" بالجد انعكس المعنى. وأما ارتفاع قوله: "الجدُّ" فعلى أنه فاعل قوله: "لا ينفع" ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا شريك، عن أبي عمر، عن أبي جُحَيفة قال: "ذُكِرت الجدود عند النبي - عليه السلام -، فقال بعض القوم: جد فلان في الإبل. وقال بعضهم: في الخيل. فسكت النبي - عليه السلام -، فلما قام يصلي فرفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجدُّ". ش: سعيد بن سليمان الضبّي أبو عثمان الواسطي المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود. وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي ثقة، وأبو عمر المنبهّي النخعي الكوفي، ذكره ابن أبي حاتم في الكنى ولم يُسمّه، وسكت عنه. وأبو جُحَيفة السوائي الصحابي اسمه وهب بن عبد الله. وأخرجه ابن ماجه (¬1): ثنا إسماعيل بن موسى السُدي، ثنا شريك، عن أبي عمر، قال: سمعت أبا جحيفة يقول: "ذكرت الجدود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة، فقال رجل: جد فلان في الخيل. وقال آخر: جد فلان في الإبل. وقال آخر: جد فلان في الغنم. وقال آخر: جد فلان في الرقيق. فلما قضى رسول الله - عليه السلام - ¬

_ (¬1) "سنن ابن ماجه" (1/ 284 رقم 879).

صلاته، ورفع رأسه من آخر ركعة قال: اللهم ربنا لك الحمد ... " إلى آخره نحوه، وفي آخره: "وطوّل رسول الله - عليه السلام - صوته بالجدّ ليعلموا أنه ليس كما يقولون". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن يحيى بن أبي بكير، عن شريك ... إلى آخره نحوه. وهذا الحديث كما قد رأيته أخرجه الطحاوي عن خمسة من الصحابة وهم: علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبي سعيد الخدري، وأبي جحيفة السوائي. ولما أخرج الترمذي (¬2) حديث علي - رضي الله عنه - قال: وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وابن أبي أوفى، وأبي جحيفة، وأبي سعيد (¬3).انتهى. وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - (¬4). ص: فليس في هذه الآثار أنه كان يقول ذلك وهو إمامٌ، ولا فيها ما يدل على شيء من ذاك، غير أنه قد ثبتَ بها أن مَنْ صلى وحده يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. فاردنا أن ننظر هل روي عن النبي - عليه السلام - ما يدل على حكم الإمام في ذلك كيف هو؟ وهل يقول في ذلك ما يقول مَنْ يصلي وحده أم لا؟ فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا ابنُ وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة أنهما سمعاه يقولُ: "كان ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (1/ 222 رقم 2550). (¬2) "جامع الترمذي" (2/ 53 رقم 266). (¬3) وروي أيضًا من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - كما في "المعجم الكبير" للطبراني (10/ 168 رقم 10348)، و"الدعاء" للطبراني (1/ 185 رقم 555)، وكذا روي عن عائشة كما في "الدعاء" (1/ 187 رقم 569). (¬4) بيَّض له المؤلف -رحمه الله-، وانظر "تلخيص الحبير" (1/ 244).

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمدُ، اللهم أنج الوليد بن الوليد ... " ثم ذكر الحديث. فقد يجوز أن يكون قال ذلك لأنه من القنوت، ثم تركه بعدُ لمّا ترك القنوت، فرجعنا إلى غير هذا الحديث هل فيه دلالة على شيء مما ذكرنا؟ فإذا ربيعٌ المؤذنُ قد حدّثنا قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابنُ أبي ذئب، عن المَقْبُري، عن أبي هريرة أنه قال: "أنا أشبهكم صلاة برسول الله - عليه السلام -؛ كان إذا قال: سمع الله لمن حمده قال: ربنا لك الحمد". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وَهْب، قال: أخبرني يونسُ، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كُسفت الشمس في حياة رسول الله - عليه السلام -، فصلى بالناس، فلما رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمدُ". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: ثنا مالك بن أنس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا قام من الركوع قال: ذلك". ففي هذه الآثار ما يدلُّ على أن الإمام يقول من ذلك مثل ما يقول مَنْ صلى وحده؛ لأن في حديث عائشة - رضي الله عنها - رسول الله - عليه السلام - قال ذلك وهو يصلي بالناس، وفي حديث أبي هريرة: "أنا أشبَهكُم صلاة برسول الله - عليه السلام - .... " ثم ذكر ذلك، فأخبر أن ما فعل من ذلك هو ما كان رسول الله - عليه السلام - يفعله في صلاته لا يَفْعل غيرهَ. وفي حديث ابن عمر ما ذكرنا عنه من ذلك، وهو أيضًا إخبار عن صفة صلاته كيف كانت فلما ثبت عنه أنه كان يقول -وهو إمام- إذا رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثبت أن هكذا ينبغي للإمام أن يفعل ذلك، اتباعًا لما قد ثبت عن رسول الله - عليه السلام - في ذلك، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار.

وأما من طريق النظر فإنهم قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك. فأردنا أن ننظر في الأمام هل حكمه في ذلك حكم من يصلي وحده أم لا؟ فوجدنا الإمام يفعل في كل صلاته من التكبر والقراءة والقيام والقعود والتشهد مثل ما يفعل مَنْ يصلي وحده، ووجدنا أحكامه فيما يطرأ عليه في صلاته كأحكام من يصلي وحده فيما يطرأ عليه في صلاته في الأشياء التي توجب فسادها وما يُوجب سجود السهو فيها وغير ذلك؛ فكان الإمام ومن يصلي وحده في ذلك سواء بخلاف المأموم، فلما ثبت باتفاقهم أن المصلي وحده يقول بعد قول سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد. ثبت أيضًا أن الإمام يقولها بعد قوله: سمع الله لمن حمده. فهذا هو وجه النظر أيضًا في هله الباب، فبهذا نأخذ، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وأما أبو حنيفة فكان يذهب في ذلك إلى القول الأول والله أعلم. ش: قد ذكرنا أن الاستدلال بهذه الأحاديث المذكورة لا يتم؛ لأنه ليس فيها أنه - عليه السلام - كان يقول ذلك -أي: ربنا لك الحمد- مع قوله: سمع الله لمن حمده. والحال أنه إمام، ولا فيها ما يدل على شيء من ذلك، أي من الجمع بين التسميع والتحميد، غير أن هذه الآثار تُبَيّن أن من صلى وحده منفردًا يجمع بينهما، فإذا كان كذلك يجب الرجوع إلى حديث يتم به الاستدلال، فنظرنا في ذلك فوجدنا أحاديث أبي هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - تدل على أن الإمام يقول من ذلك -أي من الجمع بين التحميد والتسميع- مثل ما يقول المنفرد، وهو معنى قوله: "ففي هذه الآثار ما يدل على أن الإمام يقول من ذلك ... " إلى آخره. وذلك أن في حديث عائشة يصرّحُ بأن رسول الله - عليه السلام - قال ذلك وهو يصلّي بالناس، وفي حديث ابن عمر كذلك، وفي حديث أبي هريرة أَخْبَر أن ما كان يفعله من الجمع بين التحميد والتسميع هو ما كان يفعله رسول الله - عليه السلام -، فثبت بهذا أَنْ ما يفعله الإِمام كذلك؛ اتباعًا لما ثبت في الأحاديث المذكورة، وهو معنى قوله: "ثبتَ أَنْ هكذا ينبغي للإمام" و"أنْ" هذه مخففة من المثقلة، وهي في محل الرفع على أنه فاعل "ثبت".

قوله: "فهذا حكم هلما الباب" أي هذا الذي ذكرنا حكم هذا الباب من طريق الأحاديث، "وأما من طريق النظر" والقياس "فإنهم قد أجمعوا ... " إلى آخره. وهو ظاهر، ولكن في قوله: "قد أجمعوا فيمن يصلي وحده على أنه يقول ذلك" بحثٌ؛ فإن صاحب "المغني" نقل عن أحمد: أنه لا يجمع المنفرد بين التحميد والتسميع. قال: فإنه قال في رواية إسحاق في الرجل يصلي وحده، فإذا قال: سمع الله لمن حمده. قال: ربنا ولك الحمد. فقال: إنما هذا للإمام جمعهما وليس هذا لأحد سوى الإمام. ووجهه أن الخبر لم يرد به في حقه، فلم يشرع له كقول سمع الله لمن حمده في حق المأموم قوله: "وأما أبو حنيفة فكان يذهب" وفي بعض النسخ: "وأما أبو حنيفة ومالك فكانا يذهبان في ذلك إلى القول الأول" والله أعلم. ثم إنه أخرج عن أبي هريرة حديثين صحيحين: أحدهما: لا يتم به الاستدلال أيضًا على ما نقوله عن قريب، وهو الذي أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (¬1) بهذا الإسناد بعينه: عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: "كان رسول الله - عليه السلام - يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم يقول وهو قائم: ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 466 رقم 675).

اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وَطأتُك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلًا وذكران، وعُصَيّة عَصت الله ورسوله". ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}. وأخرجه البخاري (¬1) بأطول منه: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو سلمة ابن عبد الرحمن: "أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده. ثم يقول: ربنا ولك الحمد. قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر. حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر [حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر، (¬2) حين يقوم من الجلوس في الاثنتين، ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله - عليه السلام - إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا". قالا: وقال أبو هريرة: "وكان رسول الله - عليه السلام - حين يرفع رأسه يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف. وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له". ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 276 رقم 770). (¬2) سقط من "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح البخاري".

وأما بيان عدم تمام الاستدلال به فهو قوله: "فقد يجوز أن يكون قال ذلك لأنه من القنوت ثم تركه بعد" أي: ثم ترك الجمع بين التسميع والتحميد بعد ذلك لما ترك القنوت، فحينئذ لا يتم به الاستدلال لأجل هذا الاحتمال. والذي يتم به الاستدلال هو الحديث الثاني لأبي هريرة، وهو الذي خرّجه عن ربيع بن سليمان المؤذن المصري صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى أسد السنة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحارث بن المغيرة بن أبي ذئب المدني، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا آدم، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: "كان النبي - عليه السلام - إذا قال: سمع الله لمن حمده. قال: اللهم ربنا ولك الحمد ... " الحديث. فهذا صريح على أنه - عليه السلام - كان يجمع بين التسميع والتحميد، لا لعلة قنوت ولا لغيره. ولقائل أن يقول: يمكن أن يكون هذا من النبي - عليه السلام - وهو منفرد، على أن أبا حنيفة قد حمله على حالة الانفراد. قلت: يمكن أن يقال: محاكاة أبي هريرة هي الصلاة المطلقة، والمطلق ينصرف إلى الكامل، وهو الصلاة مع الجماعة. وأما حديث عائشة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح على شرط مسلم جميع رجاله، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وأخرجه مسلم (¬2): عن حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس. وحدثني أبو الطاهر ومحمد بن سلمة المرادي، قالا: ثنا ابن وهب، عن ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 274 رقم 762). (¬2) "صحيح مسلم" (2/ 618 رقم 901).

يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - عليه السلام - قالت: "خسفت الشمس في حياة رسول الله - عليه السلام -، فخرج رسول الله - عليه السلام - إلى المسجد، فقام وكبّر وصفّ الناس وراءه، فاقترأ رسول الله - عليه السلام - قراءة طويلة، ثم كبّر فركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ... " الحديث. وأخرجه أبو داود (¬1) وقال: نا ابن السَرْح، نا ابن وهب. ونا محمَّد بن سلمة المرادي، نا ابن وهب ... إلى آخره نحو رواية مسلم. وأخرجه بقية الجماعة على ما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى (¬2). وهذا أيضًا فيه الجمع بين التحميد والتسميع، ولكن لأبي حنيفة أن يقول هذا أيضًا يجوز أن يكون كالقنوت، فعله ثم تركه. وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكّار القاضي، عن إبراهيم بن أبي الوزير -وهو إبراهيم بن عمر بن مَطرف الهاشمي المكي- أبي إسحاق ابن أبي الوزير. عن مالك بن أنس، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبيه عبد الله: "أن رسول الله - عليه السلام - ... " إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطئه" (¬3) ولفظه: "إن رسول الله - عليه السلام - كان إذا افتتح الصلاة يَرفع يدَيْه حَذْو منكبَيْه، فإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود". وأما معنى الأحاديث: ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 378 رقم 1180). (¬2) سيأتي. (¬3) "موطأ مالك" (75/ 1 رقم 163).

فقوله: "اللهم أنج الوليد بن الوليد" وفي رواية أبي داود "نجَّ" والوليد هو أخو خالد بن الوليد، أُسِرَ يوم بدر كافرًا ففُدِيَ بأربعة آلاف درهم ولما افتُدِيَ أسلم فحبَسوه بمكة فكان رسول الله - عليه السلام - يدعو له. وسلمة بن هشام هو أخو أبي جهل بن هشام، وكان من خيار الصحابة - رضي الله عنهم -، واحتُبِس بمكة وعُذِّب في الله، وكان رسول الله - عليه السلام - يدعو له. وعياش بن أبي ربيعة -واسم أبي ربيعة عمرو- بن المغيرة وهو أخو أبي جهل لأمه وابن عمه، وهو أخو عبد الله بن أبي ربيعة، كان إسلامه قديما قبل أن يدخل رسول الله - عليه السلام - دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، وولد بها ابنه عبد الله، ثم عادإ لى مكة، وهاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، ولما هاجر إلى المدينة قدم عليه أخواه لأمه: أبو جهل، والحارث، ابنا هشام، فذكرا له أن أمه قد حلفت أن لا تدخل رأسها دهن ولا تستظل حتى تراه، فرجع معهما فأوثقاه وحبساه بمكة، وكان رسول الله - عليه السلام - يدعو له، وقتل عياش يوم اليرموك. وقيل: مات بمكة. قاله الطبري. قوله: "وطأتك" الوطأة -بفتح الواو وسكون الطاء بعدها همزة- هي: البأس، والمعنى ها هنا: الإيقاع بهم والعقوبة لهم، وتكون الوطأة بالقدم وبالقوائم وبالخيل. قوله: "كسني يوسف" أصله سنين، سقطت النون للإضافة، ومعنى سنين يوسف: الجدب والقحط، وهي السبع الشداد التي أصابتهم. و"لحيان": أبو قبيلة، وهو لحيان بن هذيل بن مُدْركة، ذكره الجوهري في باب لحا، فيدل هذا أن النون فيه زائدة. و"رعل": و"رعْلة" جميعًا قبيلة باليمن، وقيل: هم من سليم، قاله ابن سيده، وفي الصحاح: رِعل -بالكسر- وذكران قبيلتان من سُليم.

وقال ابن دُريد: رِعل من الرِعْلة، وهي النخلة الطويلة، والجمع رِعال. وهو رد لما قاله ابن التين: ضُبط بفتح الراء، والمعروف أنه بكسرها، وهو في ضبط أهل اللغة بفتحها. وقال الرُشاطي: هو رعل بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن غيلان بن مضر. وقال ابن دحية في "المولد": ولا أعلم في رِعل وعُصَيّة صاحبًا له رواية صحيحة عن النبي - عليه السلام -. و"عُصَيّة" هو ابن خفاف بن امرئ القيس بن بُهثة بن سُلَيم، ذكره أبو علي الهجري في "نوادره" والله أعلم.

ص: باب: القنوت في صلاة الفجر

ص: باب: القنوت في صلاة الفجر ش: أي هذا باب في بيان أحكام القنوت في صلاة الفجر وغيرها من الصلوات، والقنوت ها هنا: الدعاء، وهو يرد بمعاني متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت والدعاء، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. ولما كان الباب السابق في حكم التسميع والتحميد وكان من جملة أحاديثه حديث أبي هريرة الذي فيه القنوت بعد قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. وكان ذلك في صلاة الفجر؛ ناسب أن يذكر عقيبه حكم القنوت في الفجر؛ فافهم. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة، ويكبر ويرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيانًا ورعلًا وبهوان، وعصيَّة عصت الله ورسوله". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا صلى العشاء الآخرة فرفع رأسه من الركوع قال: اللهم أنج الوليد ... " ثم ذكر مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: قال أبو هريرة: "لأريَنَّكم صلاة رسول الله - عليه السلام - أو كلمة نحوها- فكان إذا رفع رأسه من الركوع وقال: سمع الله لمن حمده. دعا للمؤمنين ولعن الكافرين".

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله - عليه السلام -: "أنه كان إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قال: اللهم أنج الوليد ... ثم ذكر مثل حديث أبي بكرة عن أبي داود. حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة مثله. قال أبو هريرة: وأصبح ذات يوم ولم يدعُ لهم، فذكرت ذلك فقالوا: أوما تراهم قد قدموا؟ ". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، قال: ثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت بعد الركوع، وربما قال إذا قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد: اللهم أنج الوليد ... " ثم كر مثله، غير أنه لم يذكر قول أبي هريرة - رضي الله عنه -: "فأصبح ذات يوم فلم يدع لهم ... إلى أخر الحديث. وزاد: "قال: يجهر به، وكان يقول في بعض صلاته: اللهم العن فلانًا وفلانًا -أحياء من العرب- فأنزل الله -عز وجل-: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (¬1) ". ش: هذه ستة طرق صحاح: الأول: قد أخرجه بعينه في آخر الباب الذي قبله، ولكن اقتصر هناك وذكر إلى قوله: "اللهم أنج الوليد بن الوليد" وذكرنا هناك أن مسلمًا (¬2) أخرجه بهذا الإسناد، وأن البخاري (2) أبي أخرجه. ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [128]. (¬2) تقدم.

الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: "أن النبي - عليه السلام - كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة من صلاة العشاء الآخرة قنت وقال: اللهم نجِّ الوليد بن الوليد، اللهم نجِّ سلمة بن هشام، اللهم نجِّ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نجّ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف". الثالث: هو عين الإسناد الثاني غير أن المتن مختلف. وأخرجه البخاري (¬2): ثنا معاذ بن فضالة، قال: ثنا هشام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "لأقربن صلاة النبي - عليه السلام -، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده؛ فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكافرين". وأخرجه مسلم (¬3): ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره نحوه، وليس في لفظه: "بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده". وأخرجه أبو داود (¬4): ثنا داود بن أمية، نا معاذ -يعني ابن هشام- حدثني أبي، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره نحو رواية مسلم. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (2/ 521 رقم 10764). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 275 رقم 764). (¬3) "صحيح مسلم" (1/ 468 رقم 676). (¬4) "سنن أبي داود" (1/ 456 رقم 1440).

قوله: "لأرينكم" اللام فيه مفتوحة لأنها للتأكيد، وأرينكم بنون التأكيد من الإراءة، و"صلاة رسول الله - عليه السلام -" بالنصب مفعوله الثاني. قوله: "أو كلمة نحوها" شك من الراوي، أي نحو لفظة: "لأرينكم" وهي نحو قوله: "لأقربن بكم" كما في رواية البخاري (¬1) وغيره (¬2)، من التقريب ومعناه: لآتينكم بما يُشْبهها وما يقرب منها. وفي رواية للنسائي (¬3): "إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله - عليه السلام -". الرابع: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي شيخ أحمد، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (¬4): حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا حسين بن محمَّد، قال: ثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة أخبره: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما هو يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده. ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نجّ عياش بن أبي ربيعة .... " الحديث. الخامس: عن محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مثله إلى أخره. وأخرجه مسلم (¬5): ثنا محمَّد بن مهران الرازي، ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - حدثهم: "أن ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 275 رقم 764). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 468 رقم 676). (¬3) "المجتبى" (2/ 235 رقم 1156). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 467 رقم 675). (¬5) "صحيح مسلم" (1/ 466 رقم 675).

النبي - عليه السلام - قنت بعد الركعة في صلاة شهرًا إذا قال: سمع الله لمن حمده. يقول في قنوته: اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم نجّ سلمة بن هشام، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف. قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الدعاء بعدُ، فقلت: أرى رسولَ الله - عليه السلام - قد ترك الدعاء لهم. قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا؟ ". وأخرجه أبو داود (¬1) نحوه. قوله: "أوَما تراهم" الهمزة فيه للاستفهام، والضمير يرجع إلى الذين كان - عليه السلام - يدعو لهم، وهم الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة قوله: "قد قدموا" أي خلصوا من أسر الكفار بمكة وقدموا إلى رسول الله - عليه السلام -، وإنما كان - عليه السلام - يقنت لأجلهم، فلما خلصوا وقدموا ترك الدعاء. السادس: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أبي، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، كلاهما عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (¬2): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن سعد، ثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال -إذا قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد-: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 457 رقم 1442). (¬2) "صحيح البخاري" (4/ 1661 رقم 4284).

على مضر واجعلها سنين كسني يوسف -يجهر بذلك- وكان يقول في بعض صلاته -في صلاة الفجر-: اللهم العن فلانًا وفلانًا -لأحياء من العرب- حتى أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} " (¬1). قوله: "اللهم أنج الوليد" مقول لقوله: "وربما قال". وقوله: "سمع الله لمن حمده" مقول لقوله: "إذا قال". قوله: "أحياءَ" بالنصب عطف بيان لقوله: "فلانًا وفلانًا". قوله: "ليس لك من الأمر شيء" يعني أن الله تعالى هو مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهداتهم. وقال الزمخشري: وقيل: انتصاب "يتوب" بإضمار "أن" و"أن يتوب" في حكم اسم معطوف بأوْ على "الأمر" أو على قوله: "شيء" أي: ليس لك من أمرهم شيء أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم. أو: ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذبهم. وقيل: "أو" بمعنى "إلا أن" كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي. على معنى: ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفّى منهم. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن مهديّ، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الصبح حين رفع رأسه من الركوع، قال: ربنا ولك الحمد -في الركعة الأخيرة- ثم قال: اللهم العن فلانا وفلانا، على ناس من المنافقين فأنزل الله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (1). ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [128].

ش: إسناده صحيح. وأخرجه البخاري (¬1): ثنا يحيى بن عبد الله السلمي، أنا عبد الله، أنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه "أنه سمع رسول الله - عليه السلام - إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول: اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعدما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} إلى قوله: {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} ". وأخرجه النسائي (¬2): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي. وأخرجه الترمذي (¬3) أيضًا. ص: حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا سلمة بن رجاء، قال: ثنا محمَّد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عبد الله بن كعب، عن عبدالرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما - قال: "كان النبي - عليه السلام - إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: اللهم أنج ... " ثم ذكر مثل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في أول هذا الباب، وزاد: "أنزل الله -عز وجل- {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} قال: فما دعا رسول الله - عليه السلام - بدعاء على أحد بعد". ش: إسناده حسن، ورجاله ثقات، والمقدمي هو محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي، شيخ البخاري ومسلم. وأخرجه (¬4): ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (4/ 1493 رقم 3842). (¬2) "المجتبى" (2/ 203 رقم 1078). (¬3) لم أجده، ولم يعزه المزي في "تحفة الأشراف" (5/ 394 رقم 6939) إلا للبخاري والنسائي. (¬4) بيض له المؤلف رحمه الله.

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمرو ابن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - حدثه: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يقنت في الصبح والمغرب". ش: إسناده صحيح. وابن أبي ليلى هو عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا محمَّد بن المثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (¬2): عن أبي الوليد ومسلم بن إبراهيم وحفص بن عمر، وعن أبي معاذ، عن أبيه، كلهم، عن شعبة ... إلى آخره نحوه. والترمذي (¬3): عن قتيبة ومحمد بن المثنى، عن محمَّد بن جعفر ... إلى، آخره، نحو رواية مسلم. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يقنت في الصبح والمغرب". ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح. وأبو نعيم الفضل بن دكين. وأخرجه مسلم (1): ثنا ابن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان ... إلى آخره نحوه. ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 470 رقم 678). (¬2) "سنن أبي داود" (2/ 67 رقم 1441). (¬3) "سنن الترمذي" (2/ 251 رقم 401).

وأخرجه النسائي (¬1): أنا عبيد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن، عن سفيان وشعبة، عن عمرو بن مرة ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن داود، قال: نا أحمد بن يونس، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن نُصَير، عن أي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثين يومًا". ش: رجاله ثقات. وابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي. وأحمد بن يونس الكوفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود. وأبو بكر بن عياش المقرئ روى له الجماعة. ونُصَير -بضم النون وفتح الصاد المهملة- ابن أبي الأشعث الأسدي الكوفي، وثقه أبو زرعة وأبو حاتم. وأبو حمزة -بالحاء والزاي المعجمة- اسمه محمَّد بن ميمون المروزي السكري، روي له الجماعة (¬2). وإبراهيم هو النخعي. وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا داود بن رشيد، ثنا حسان بن إبراهيم، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "ما قنت رسول الله - عليه السلام - قط في صلاة الغداة إلا ثلاثين يومًا يدعو على نجد من بني سليم، ثم تركه". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمد بن بشر العبدي، قال: ثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خفاف، عن خفاف بن إيماء قال: "ركع رسول الله - عليه السلام - ثم رفع رأسه ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 202 رقم 1076). (¬2) هذا وهم، ولعل الصواب: أبو حمزة ميمون الأعور القصاب الكوفي، فهو الذي يروي عن إبراهيم النخعي، ويروي عنه نصير بن أبي الأشعث. وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال" (29/ 238).

فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعُصَيَّة عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان اللهم العن رعلًا وذكوان، الله أكبر ثم خر ساجدًا". ش: إسناده صحيح. و"خُفَاف" -بضم الخاء وتخفيف الفاء الأولى- ابن إيماء -بفتح الهمزة وبكسرها وسكون الياء آخر الحروف، وبالمد، وقيل: هو بالفتح مقصور- ابن رحضة -بفتح الراء والحاء المهملتين، وفتح الضاد المعجمة- الغفاري الصحابي. وأخرجه مسلم (¬1): من حديث يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر، على ما يأتي عن قريب. وأحمد في "مسنده" (¬2): ثنا يزيد بن هارون، أنا محمَّد بن إسحاق، عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خُفاف أنه قال: قال خفاف بن أيماء: "ركع رسول الله - عليه السلام - ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله؛ اللهم العن بني لحيان، والعن رعلًا وذكوان، ثم كبر ووقع ساجدًا، قال خُفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك". قوله: "فقال: غفار" هو غفار بن مُليل -بضم الميم، وفتح اللام- ابن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة من إلياس بن مضر. وأسلم هو ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن مضر، وتفسير البواقي قد مرَّ عن قريب. ص: حدثنا محمَّد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الكثيري المديني، قال: ثنا إسماعيل ابن أبي أويس، قال: حدثني عبد العزيز بن محمَّد، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن خالد بن عبد الله بن حرملة المُدْلجي، عن الحارث بن خفاف بن إيماء بن رَحَضَة الغفاري، عن خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة، عن رسول الله - عليه السلام - مثله، غير أنه ¬

_ (¬1) صحيح مسلم (1/ 470 رقم 679) وسيأتي. (¬2) "مسند أحمد" (4/ 57 رقم).

لم يذكر أنه لما خر ساجدًا قال: الله أكبر وزاد: "قال خفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك". حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير، عن محمَّد بن عمرو ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان آخران وهما صحيحان أيضًا: الأول: عن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن كثير ابن الصلت أبي عبد الرحمن الكثيري المديني، قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بالمدينة ومحله الصدق. عن إسماعيل بن أبي أويس الأصبحي المدني شيخ البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه. عن عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن محمَّد بن عمرو ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (¬1): ثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر- قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني محمَّد -وهو ابن عمرو- عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خُفاف أنه قال: قال خفاف بن إيماء: "ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان، والعن رعلًا وذكوان ثم وقع ساجدًا، قال خفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن محمَّد بن عمرو ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي (¬2): من حديث إسماعيل بن جعفر، عن محمَّد بن عمرو، عن خالد بن عبد الله بن حرملة، عن الحارث بن خُفاف أنه قال: قال خفاف بن إيماء: ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 470 رقم 679). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 208 رقم 2950).

"ركع رسول الله - عليه السلام - ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان ورعلًا وذكوان، ثم خَرَّ ساجدًا، قال خالد: فجعلت لعنة الكفرة لأجل ذلك". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: نا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمَّد قال: "سئل أنس - رضي الله عنه -: أقنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر؟ فقال: نعم، فقيل له -أو فقلت له-: قبل الركوع أو بعده؟ قال: بعد الركوع يسيرًا". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عمرو ابن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: "صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته، وصليت خلف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فلم يزل يقنت في صلاة الغداة حتى فارقته". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحاظي، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس - رضي الله عنه -: "أن النبي - عليه السلام - قنت شهرًا، يدعو على عصية وذكوان ورعلًا ولحيان". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أنس قال: إنما قنت رسول الله - عليه السلام - بعد الركوع شهرًا، قال: قلت: فكيف القنوت؟ قال: قبل الركوع". حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن عاصم قال: "سألت أنس بن مالك عن القنوت قبل الركوع أو بعد الركوع؟ فقال: لا، بل قبل الركوع، فقلت: إن ناسا يزعمون أن رسول الله - عليه السلام - قنت بعد الركوع، قال: إنما قنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يقال لهم: القراء". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا شاذ بن فياض، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس أنه قال: "كان القنوت في الفجر والمغرب". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن

سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس بن مالك قال: "قنت النبي - عليه السلام - شهرًا يدعو على رعل وذكوان". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا الحارث بن عبيد، قال: ثنا حنظلة السدوسي، عن أنس بن مالك قال: "كان من قنوت النبي - عليه السلام -: واجعل قلوبهم على قلوب نساء كوافر". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: "كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا؟ فقال: ما زال رسول الله - عليه السلام - يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن مروان الأصفر قال: "سألت أنسًا أقنت عمر - رضي الله عنه -؟ فقال: قد قنت من هو خير من عمر". حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا أبو بكر، عن حميد، عن أنس قال: "قنت رسول الله - عليه السلام - عشرين يومًا". حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي، قال: ثنا الهيثم بن جَمِيل، قال: ثنا أبو هلال الراسبي، عن حنظلة السدوسي، عن أنس بن مالك قال: "رأيت النبي - عليه السلام - في صلاة الصبح يكبر حتى إذا فرغ كبرّ فركع، ثم رفع رأسه فسجد، ثم قام في الثانية فقرأ حتى إذا فرغ كبر فركع، ثم رفع رأسه فدعا". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا همام، عن إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدثني أنس بن مالك قال: "دعا رسول الله - عليه السلام - ثلاثين صباحًا على رعل وذكوان وعصية الدين عصوا الله ورسوله". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس قال: "قنت النبي - عليه السلام - شهرًا بعد الركوع يدعو على حي من أحياء العرب، ثم تركه". ش: هذه أربعة عشر طريقًا عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -.

الأول: على شرط البخاري، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين. وأخرجه البخاري (¬1): عن مسدد ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "في الصبح" موضع: "في صلاة الغداة"، وليس فيه: "أو فقلت له". وأخرجه مسلم (¬2): عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل، عن أيوب، عن محمَّد قال: "قلت لأنس: هل قنت رسول الله - عليه السلام - في صلاة الصبح؟ قال: نعم بعد الركوع يسيًرا". الثاني: عن إبراهيم أيضًا، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو المِنْقري المقعد البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد أبي عبيدة البصري من رجال الجماعة، عن عمرو بن عبيد بن ناب -ويقال: ابن كيسان- البصري شيخ القدرية والمعتزلة، فعن يحيى: ليس بشيء. وقال عمرو بن علي: متروك الحديث صاحب بدعة. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. روي له أبو داود في "القدر"، وابن ماجه في "التفسير". عن الحسن البصري، عن أنس. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬3): ثنا الحسن بن إسماعيل، نا أحمد بن محمَّد بن عيسى، ثنا أبو معمر، ثنا عبد الوارث ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن إبراهيم أيضًا، عن يحيى بن صالح الوحاظي شيخ البخاري، ونسبته إلى وُحاظة -بضم الواو، وبالحاء المهملة، والظاء المعجمة- ابن سعد بن عوف بن عدي، عن سعيد بن بشير -بفتح الباء- الأزدي النصري -بالنون: ضعفه يحيى بن معين، وعنه: ليس بشيء. وعن النسائي: ضعيف. وقال ابن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي في الحديث، روى عن قتادة المنكرات. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (1/ 340 رقم 956). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 468 رقم 677). (¬3) "سنن الدارقطني" (2/ 40 رقم 12).

وأخرجه النسائي (¬1) من حديث قتادة بإسناد صحيح: أخبرنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة. وهشام، عن قتادة، عن أنس: "أن رسول الله - عليه السلام - قنت شهرًا، قال شعبة: لعن رجالا، وقال هشام يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه بعد الركوع" هذا قول هشام. وقال شعبة، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي - عليه السلام - قنت شهرًا يلعن رعلًا وذكوان ولحيان". وأخرجه مسلم (¬2): ثنا عمرو الناقد، قال: ثنا الأسود بن عامر، قال: أنا شعبة، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي - عليه السلام - قنت شهرا يلعن رعلًا وذكوان وعصية عصوا الله ورسوله". الرابع: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن قبيصة بن عقبة السوائي أبي عامر الكوفي شيخ البخاري وأحمد، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن أنس. وأخرجه البيهقي (¬3): من حديث سفيان، عن عاصم، عن أنس قال: "إنما قنت النبي - عليه السلام - شهرًا، فقلت: كيف القنوت؟ قال: بعد الركوع". انتهى. وقوله: "بعد الركوع"، مخالف لما رواه الطحاوي من قوله: "قال: قبل الركوع" ورواية الطحاوي أصح. ويشهد لذلك ما رواه مسلم (¬4): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: ثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أنس قال: "سألته عن القنوت، قبل الركوع أو بعد الركوع؟ فقال: قبل الركوع، قال: قلت: فإن ناسًا يزعمون أن رسول الله - عليه السلام - قنت ¬

_ (¬1) "المجتبى" (2/ 203 رقم 1077). (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 469 رقم 677). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 208 رقم 2951). (¬4) "صحيح مسلم" (1/ 469 رقم 677).

بعد الركوع، فقال: إنما قنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يقال لهم القراء". وسيجيء مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى. الخامس: عن محمَّد بن عمرو بن يونس التغلبي السنوسي، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن عاصم الأحول ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (¬1) كما ذكرنا. وأخرجه البخاري (¬2) أيضًا: ثنا مسدد، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا عاصم قال: "سألت أنس بن مالك عن القنوت، فقال: قد كان القنوت، [قلت] (¬3): قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت: بعد الركوع، فقال: كذب، إنما قنت رسول الله - عليه السلام - بعد الركوع شهرًا، أرُاه كان بعث قومًا يقال لهم: القراء، زهاء سبعين رجلًا إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله - عليه السلام - عهد، فقنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا يدعو عليهم". قوله: "يدعو على أناس ... إلى آخره" وقصته: أنه كان في سرية بئر معونة، وقد كانت في صفر في سنة أربع من الهجرة، وأغرب مكحول حيث قال: إنها كانت بعد الخندق. وقال ابن إسحاق: فأقام رسول الله - عليه السلام -، يعني بعد أحد بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أُحد، وقال موسى بن عقبة: وكان أمير القوم المنذر بن عمرو، ويقال: مرثد بن أبي مرثد. وعن أنس بن مالك قال: "بعث النبي - عليه السلام - سبعين رجلًا لحاجة يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم: رعل وذكوان، عند بئر يقال لها: بئر ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 469 رقم 677). (¬2) "صحيح البخاري" (1/ 340 رقم 957). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من صحيح البخاري.

معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة النبي - عليه السلام -، فقتلوهم، فدعا النبي - عليه السلام - شهرًا عليهم في صلاة الغداة، وذاك بدء القنوت، وما كان يقنت". رواه البخاري (¬1) ومسلم (¬2). وروى البخاري (¬3) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله - عليه السلام - على عدوهم، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة، قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي - عليه السلام - فقنت شهرًا يدعون في الصبح على أحياء من العرب؛ على رعل وعصية وبني لحيان". السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن شاذ بن فياض اليشكري أبي عبيدة البصري واسمه هلال، وشاذ لقب عليه، ومعناه بالفارسية فرح، قال أبو حاتم: صدوق ثقة. روى عنه أبو داود. وأخرجه البخاري (¬4): ثنا مسدد، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أنس قال: "كان القنوت في المغرب والفجر". السابع: عن إبراهيم أيضًا، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن زائدة ابن قدامة، عن سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي مجلز لاحق بن حميد، عن أنس. وهذا صحيح على شرط الشيخين. ¬

_ (¬1) "صحيح البخاري" (4/ 15 رقم 3860). (¬2) "صحيح مسلم" (3/ 1511 رقم 677). (¬3) "صحيح البخاري" (4/ 1500 رقم 3862). (¬4) "صحيح البخاري" (1/ 340 رقم 959).

وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬1): ثنا معاذ بن معاذ أبو المثنى، نا سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس بن مالك قال: "قنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان". الثامن: عن إبراهيم بن مرزوق، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب شيخ البخاري وأبي داود، عن الحارث بن عبيد الإيادي أبي قدامة البصري مؤذن مسجد البرتي، من رجال مسلم والأربعة، عن حنظلة بن عبد الله السدوسي أبي عبد الرحيم البصري، فيه مقال، فعن أحمد: ضعيف الحديث. وعنه: منكر الحديث. وعن يحيى: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بقويّ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له الترمذي وابن ماجه حديثا واحدًا. قوله: "قلوبهم" أي قلوب الكفار. و"الكوافر" جمع كافرة، وإنما خص قلب الكافرة؛ لأنه أبعد من قبول الحق، وأقرب إلى الضلال والطغيان. التاسع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن أبي جعفر الرازي قيل: اسمه عيسى بن أبي عيسى، وأبو عيسى اسمه ماهان، وقيل: اسمه عيسى بن ماهان، وقيل: اسمه عيسى بن عبد الله بن ماهان، وعن أحمد: ليس بقوي في الحديث. وعنه: صالح الحديث. وعن يحيى: كان ثقة. وعنه: يكتب حديثه، ولكنه يخطئ. وقال أبو زرعة: شيخ يهم كثيرًا. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن خراش: صدوق سيء الحفظ. وروى له الأربعة. عن الربيع بن أنس البكري، قال العجلي: بصري صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وروى له الأربعة. ¬

_ (¬1) "مسند أحمد" (3/ 204 رقم 13142).

وأخرجه الدارقطني في "سننه" (¬1): ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أحمد بن منصور وأحمد بن محمَّد بن عيسى، قالا: ثنا أبو نعيم، نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: كنت جالسا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا، فقال: ما زال رسول الله - عليه السلام - يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا. وأخرجه البيهقي في "سننه" (¬2) وقال: قال الحكم: إسناده صحيح ثقة رواته. قلت: كيف يكون صحيحًا وفيه أبو جعفر الرازي؟ وفيه مقال كما ذكرنا, ولكن عند الحاكم أمر الصحيح هين، وهو في هذا الباب مجازف جدًّا، وأمر البيهقي أعجب منه حيث سكت عن هذا لكونه موافقا مذهبه. العاشر: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن سليمان بن حرب بن بُجَيد الأزدي الواشحي البصري شيخ البخاري، عن شعبة، عن مروان الأصفر أبي خلف البصري من رجال الشيخين وأبي داود والترمذي. وأخرج الحازمي في "الناسخ والمنسوخ" (¬3) من حديث محمَّد قال: سألت أنسًا: "أقنت عمر في صلاة الصبح؟ فقال: قنت من هو خير منه، النبي - صلى الله عليه وسلم -". الحادي عشر: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر بن عياش المقرئ، عن حميد الطويل، عن أنس. وقد اختلف في عدد الأيام التي قنت فيها رسول الله - عليه السلام - ففي رواية النسائي والبخاري ومسلم: "إنما قنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا يدعو على أناس وفي رواية البزار من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن حميد الطويل قال: "قتل من الأنصار يوم بئر معونة سبعون رجلًا، فكان رسول الله - عليه السلام - يدعو على من قتلهم خمسة عشر يومًا في الصلاة بعد الركوع". ¬

_ (¬1) "سنن الدارقطني" (2/ 39 رقم 11). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 201 رقم 2927). (¬3) ورواه أبو يعلى في "مسند" (5/ 219 رقم 2834). من طريق محمَّد بن سيرين به.

وكذا في رواية السراج: من حديث المعتمر، عن حميد، يحدث عن أنس: "فدعا النبي - عليه السلام - على قتلة القراء خمسة عشر يومًا" وقال: هذا لفظ حديث المعتمر. ورواه إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، عن حميد: "فدعا عليهم أيامًا". وفي كتاب "القنوت" لأبي القاسم بن مندة من حديث أنس: "دعا على قتلة القراء تسعة وعشرين ليلة". وفي رواية عن أنس: "ثلاثين صباحًا" على ما يأتي إن شاء الله تعالى. الثاني عشر: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي بن حبيب بن إبراهيم أبي علي الأنطاكي المعروف بالبالسي نسبة إلى بالس مدينة على شط الفرات الغربي، وهي أول مدن الشام من الفرات، ومن شرقيها الرقة. عن الهيثم بن جميل البغدادي أبي سهل الحافظ، نزيل أنطاكية، قال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال الدارقطني: ثقة حافظ. روى له ابن ماجه. عن أبي هلال محمَّد بن سليم الرازي، روى له البخاري مستشهدًا والأربعة، وعن يحيى: صدوق. وعنه: ليس به بأس. وقال النسائي: ليس بالقوي. عن حنظلة بن عبد الله السدوسي. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1) مختصرًا: عن عثمان، عن مطر، عن حنظلة، أنه سمع أنسًا - رضي الله عنه - يقول: "قنت رسول الله - عليه السلام - في الفجر بعد الركوع". قوله: "فدعا" أراد به القنوت؛ لأن القنوت هو الدعاء. الثالث عشر: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء أبي عمرو البصري شيخ البخاري، عن همام بن يحيى بن دينار أبي بكر البصري، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري المدني. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (3/ 110 رقم 4965).

وأخرجه مسلم (¬1): عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "دعا رسول الله - عليه السلام - على الذين قَتَلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا، يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله، قال أنس - رضي الله عنه -: أنزل الله -عز وجل- في الذين قتُلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه حتى نسخ بعد: أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا رضي عنا ورضينا عنه". الرابع عشر: عن فهد، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه البخاري (¬2): ثنا مسلم، ثنا هشام، ثنا قتادة، عن أنس قال: "قنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب". وأخرجه أحمد في "مسنده" (¬3): عن يحيى، عن هشام ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. ص: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى إثبات القنوت في صلاة الفجر، ثم افترقوا فرقتين فقالت فرقة منهم: هو بعد الركوع، وقالت فرقة منهم: هو قبل الركوع، وممن قال ذلك منهم: ابن أبي ليلى، ومالك بن أنس. كما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: سمعت مالكا يقول: الذي آخذ به في خاصة نفسي: القنوت في الفجر قبل الركوع. ش: أراد بالقوم هؤلاء: ابن سيرين، وابن أبي ليلى ومالكا والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم ذهبوا إلى إثبات القنوت في صلاة الفجر، وإليه ذهب الظاهرية، ثم افترقوا أي هؤلاء القوم فرقتين، فقالت فرقة منهم، وهم: الشافعي وأحمد وإسحاق ¬

_ (¬1) "صحيح مسلم" (1/ 468 رقم 677). (¬2) "صحيح البخاري" (4/ 150 رقم 3861). (¬3) "مسند أحمد" (3/ 115 رقم 12171).

والظاهرية: هو -أي القنوت- بعد الركوع، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي في قول. وقالت فرقة منهم- وهم مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأحمد في رواية: هو -أي القنوت- قبل الركوع وكذلك مذهب أبي حنيفة أنه قبل الركوع ولكن في الوتر خاصة، وهو مذهب عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، والبراء بن عازب، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، وعَبِيدة السلماني، وحميد الطويل، وعبد الله بن المبارك، حكى ذلك ابن المنذر. وحكي أيضًا التخيير قبل الركوع وبعده عن أنس، وأيوب بن أبي تميمة، وأحمد بن حنبل، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: أختار القنوت بعد الركوع؛ لأن كل شيء ثبت عن النبي - عليه السلام - في القنوت إنما هو في الفجر لما يرفع رأسه من الركوع، وقنوت الوتر أختاره بعد الركوع، ولم يصح عن النبي - عليه السلام - في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء. وقال أبو داود: قال أحمد: كل ما روى البصريون عن عمر في القنوت، فهو بعد الركوع، وروى الكوفيون قبل الركوع. وقال الترمذي: وقال أحمد وإسحاق لا يقنت في الفجر إلا عند نازلة تنزل بالمسلمين، فإذا نزلت نازلة فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين. وقال سفيان الثوري: إن قنت في الفجر فحسن، وإن لم يقنت فحسن، وأختار أن لا يقنت، ولم ير ابن المبارك القنوت في الفجر. وقال ابن حزم في "المحلى": والقنوت فعل حسن، وهو بعد الركوع في آخر ركعة من كل صلاة فرض الصبح وغير الصبح، وفي الوتر، فمن تركه فلا شيء عليه، ويدعو لمن شاء ويسميهم بأسمائهم إن أحب، وإن قال ذلك قبل الركوع لم تبطل صلاته بذلك.

ص: وكان مِن حجة مَن ذهب منهم إلى أنه بعد الركوع: ما ذكرناه عن أبي هريرة وابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهم -. وكانت الحجة عليهم للفريق الآخر: ما ذكرناه في حديث سفيان، عن عاصم، عن أنس: "أن رسول الله - عليه السلام - إنما قنت بعد الركوع شهرًا، وإنما القنوت قبل الركوع". ش: أشار بذلك إلى استدلال كل واحدة من الفرقتين من القوم المذكورين. وهو أن استدلال الفرقة الأولى: ما رواه سعيد بن المسيب وأبو سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا أراد أن يدعو لأحد أو يدعو على أحد قنت بعد الركوع". وما رواه سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - وقد مَرَّ. وما رواه عبد الله بن كعب، عن عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهم -. واستدلال الفرقة الثانية هو ما رواه عاصم الأحول، عن أنس - رضي الله عنه -: "إنما قنت رسول الله - عليه السلام - بعد الركوع شهرًا قال: قلت: فكيف -أي الوقت-؟ قال: قبل الركوع". أشار إلى هذا بقوله: "وكانت الحجة عليهم" أي على أهل المقالة الأولى- وهم الفرقة الأولى للفريق الآخر وهم أهل المقالة الثانية. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا نرى القنوت في صلاة الفجر أصلا قبل الركوع ولا بعده. ش: أي خالف القوم المذكورين -وهم الفرقتان المذكورتان- جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك والشعبي وطاوسًا وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهدًا وأبا حنيفة والليث بن سعد وأبا يوسف ومحمدًا وأشهب من المالكية؛ فإنهم قالوا: لا قنوت في الفجر أصلًا لا قبل الركوع ولا بعده.

ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن هذه الآثار المروية في القنوت قد رويت على ما ذكرنا، فكان أحد من روي ذلك عنه عبد الله بن مسعود، قد روينا عنه فيها: "أن النبي - عليه السلام - قنت ثلاثين يوما" فكان قد ثبت عنده قنوت رسول الله - عليه السلام - وعلمه. ثم وجدنا عنه ما قد حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا شريك، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "لم يقنت النبي - عليه السلام - إلا شهرًا، لم يقنت قبله ولا بعده". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا أبو معشر -يعني البراء- قال: ثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا يدعو على عصية وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت"، وكان ابن مسعود لا يقنت في صلاة الغداة. قال أبو جعفر: فهذا عبد الله بن مسعود يخبر أن قنوت النبي - عليه السلام - الذي كان، إنما كان من أجل مَن كان يدعو عليه، وأنه قد كان ترك ذلك فصار القنوت عنده منسوخًا، فلم يكن هو من بعد رسول الله - عليه السلام - يقنت. ش: أي وكان من الحجة والبرهان للجماعة الأخرى فيما ذهبوا إليه من ترك القنوت في صلاة الفجر أصلًا، لا قبل الركوع ولا بعده، أن هذه الأحاديث المروية وهي أحاديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وخُفاف بن أَيْماء والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، قد رويت على ما ذكرنا من القنوت في الفجر. وتقرير الكلام أن يقال: إنا لا ننازع أن هذه الأحاديث قد رويت على نحو ما ذكرنا, ولكن كل واحد له معنى، ومعاني الكل ترجع إلى معنى واحد، وهو انتساخ القنوت في الفجر، بيان ذلك: أن أحد الرواة في ذلك عبد الله بن مسعود؛ لأنه قد روى عنه علقمة أنه قال: "قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثين [يوما] (¬1) ". ثم روى عنه علقمة أيضا أنه قال: "لم يقنت النبي - عليه السلام - إلا شهرًا، لم يقنت قبله ولا بعده". ¬

_ (¬1) تكررت في "الأصل".

وأخرجه الطحاوي عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل الكوفي شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي حمزة -بالحاء المهملة، والزاي المعجمة- محمَّد بن ميمون السكري، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عنه. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البزار في (¬1) "مسنده": ثنا يوسف بن موسى، ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا شريك ... إلى آخره نحوه. وروى علقمة عنه أيضًا أنه قال: "قنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا يدعو على عصية وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت، وكان ابن مسعود لا يقنت في صلاة الغداة". أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي شيخ الأربعة، عن أبي معشر يوسف بن يزيد العطار البصري البَرَّاء -بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء المهملة- سمي به لأنه كان يري النبل، وقيل: كان يبري العود، عن أبي حمزة محمَّد بن ميمون (¬2) ... إلى آخره. وهذا أيضا إسناد صحيح. وأخرجه السراج في "مسنده": ثنا داود بن رشيد، نا حسان بن إبراهيم، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "ما قنت النبي - عليه السلام - قط في صلاة الغداة إلا ثلاثين ليلة، يدعو على نجد من بني سليم، ثم تركه بعد". فهذا عبد الله - رضي الله عنه - يخبر أن قنوت النبي - عليه السلام - الذي كان يقنت إنما كان لأجل من كان يدعو عليه، وأنه قد كان ترك ذلك، يدل عليه قوله: "فلما ظهر عليهم" أي فلما غلب عليهم وانتصر ترك القنوت، فدل ذلك على انتساخ ما كان منه من القنوت؛ ¬

_ (¬1) "مسند البزار" (5/ 15 رقم 1569). (¬2) تقدم قريبًا أن الصواب: أبو حمزة ميمون الأعور القصاب الكوفي.

لأن الحكم ينتهي بانتهاء علته، ولذلك كان ابن مسعود - رضي الله عنه - لم يقنت من بعد رسول الله - عليه السلام - في صلاة الفجر. وقال الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن علقمة والأسود: "أن ابن مسعود كان لا يقنت في صلاة الغداة". وهذا إسناد صحيح في غاية الصحة. وقال أيضا (¬2): ثنا فضيل بن محمَّد الملطي، ثنا أبو نعيم، نا أبو العميس، حدثني عبد الرحمن بن الأسود قال: "كان عبد الله لا يقنت في صلاة الغداة، وإذا قنت في الوتر قبل الركعة". ثنا (¬3) محمَّد بن النضر الأزدي، نا معاوية بن عمرو، نا زائدة، ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن إبراهيم قال: "لم يكن عبد الله بن مسعود يقنت في صلاة الغداة". ثنا (¬4) علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد، عن أبي حمزة، عن ابن مسعود: "أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع، ولا يقنت في صلاة الفجر". انتهى. فهذا كله دليل على ثبوت نسخ القنوت في الفجر عنده، إذْ لو لم يثبت لما وسعه تركه على ما لا يخفى. فإن قيل: يمكن أن يكون القنوت خفي عليه كما خفي عليه وضع الأيدي على الركب في الركوع، حتى ثبت على القول بالتطبيق إلى أن مات. قلت: كيف يخفى عليه ذلك؟ والحال أنه قد روى أنه - عليه السلام - قنت، ولو لم يكن يرو شيئًا فيه لأمكن ذلك كما في مسألة التطبيق، فإنه ما روى عنه - عليه السلام - غير التطبيق، وما ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (9/ 284 رقم 9429). (¬2) "المعجم الكبير" (9/ 284 رقم 9430). (¬3) "المعجم الكبير" (9/ 284 رقم 9431). (¬4) "المعجم الكبير" (9/ 284 رقم 3294).

روى غيره من غير التطبيق لم يبلغه، بخلاف مسألة القنوت، بل علم ذلك من الرسول - عليه السلام - وروى عنه، ثم علم انتساخه. وقد روى أبو حنيفة أيضًا في "مسنده" (¬1): عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "لم يقنت رسول الله - عليه السلام - إلا شهرًا، حارب حيًّا من المشركين، فقنت يدعو عليهم". وفي "المحلى" (¬2): وروينا عن ابن عباس أنه لم يقنت. وعن عبد الرزاق، عن معمر أن الزهري كان يقول: "من أين أخذ الناس القنوت؟! وتعجب، إنما قنت رسول الله - عليه السلام - أيامًا ثم ترك ذلك" قال أبو محمَّد: فهذا الزهري جهل القنوت ورآه منسوخًا. وقال ابن أبي نجيح: "سألت سالمًا هل كان عمر يقنت في صلاة الصبح؟ قال: لا إنما هو شيء أحدثه الناس". وفي "المنتقى" لابن عبد البر: عن ابن عمر وطاوس: "القنوت في الفجر بدعة". ص: وكان أحد من روى ذلك أيضًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، ثم قد أخبر هو أن الله تعالى نسخ ذلك حين أنزل على النبي - عليه السلام - {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (¬3) فصار ذلك عند ابن عمر منسوخًا أيضا، فلم يكن هو يقنت بعد رسول الله - عليه السلام -، وكان ينكر على من يقنت. كما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا قتادة، عن أبي مجلز قال: "صليت خلف ابن عمر الصبح فلم يقنت، فقلت الكِبَر يمنعك؟ فقال: ما أحفظه عن أحد من أصحاب". ¬

_ (¬1) "مسند أبي حنيفة" (1/ 82). (¬2) "المحلى" (4/ 142). (¬3) سورة آل عمران، آية: [128].

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب ومؤمل بن إسماعيل، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن أبي الشعثاء قال: "سألت ابن عمر - رضي الله عنها - عن القنوت، فقال: ما شهدت وما رأيت" في حديث وهب، وفي حديث مؤمل: "ولا رأيت أحدًا يفعله". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زائدة، عن الأشعث، عن أبيه قال: "سئل ابن عمر عن القنوت، فقال: وما القنوت؟! قال: إذا فرغ الإِمام من القراءة في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح قام يدعو، قال: ما رأيت أحدًا يفعله، وإني لأظنكم معاشر أهل العراق تفعلونه". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زائدة، عن منصور، عن تميم بن سلمة قال: "سئل ابن عمر عن القنوت ... " فذكر مثله، إلا أنه قال: "ما رأيت ولا علمت". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فوجه ما روي عن ابن عمر في هذا الباب: أنه رأى النبي - عليه السلام - إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة قنت، حتى أنزل الله -عز وجل- عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} فترك لذلك القنوت الذي كان يقنته، وسأله أبو مجلز فقال: الكِبَر يمنعك من القنوت؟ فقال: ما أحفظه عن أحد من أصحابي -يعني عن أحد من أصحاب النبي - عليه السلام -- أي أنهم لم يفعلوه بعد ترك رسول الله - عليه السلام - إياه، وسأله أبو الشعثاء عن القنوت، وسأله ابن عمر عن ذلك ما هو؟ فأخبره أن الإِمام إذا فرغ من القراءة في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح قام يدعو، فقال: ما رأيت أحدًا يفعله؛ لأن ما كان هو علمه من قنوت النبي - عليه السلام - إنما كان الدعاء بعد الركوع، وأما قبل الركوع فلم يره منه ولا من غيره، فأنكر ذلك من أجله، فقد ثبت بما روينا عنه نسخ قنوت رسول الله - عليه السلام - بعد الركوع، ونفي القنوت قبل الركوع أصلا، وأن النبي - عليه السلام - لم يكن يفعله، ولا خلفاؤه - رضي الله عنهم - من بعده.

ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي - عليه السلام - عبد الله بن عمر، يعني روى أنه قنت في الصبح، ثم أخبر أن ذلك انتسخ حين أُنزل عليه - عليه السلام - قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (¬1) الآية، بيان ذلك على وجهين: الأول: أنه روى عن النبي - عليه السلام - أنه كان يقنت بعد الركوع في الركعة الثانية من صلاة الفجر، وشاهد ذلك عن النبي - عليه السلام - ورآه، ثم رأى بعده أنه - عليه السلام - ترك ذلك القنوت الذي كان يقنته حين أنزل الله تعالى عليه - عليه السلام -: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية، وليس ذلك إلا نسخ ذلك الحكم. فإن قيل: لعل ذلك خفي على ابن عمر كما خفي عليه المسح على الخفين؛ حيث لم ير ذلك. قلت: كيف يخفى ذلك عليه، والحال أنه روى عن النبي - عليه السلام - أنه قنت؟! بخلاف المسح على الخفين فإنه لم يرو فيه شيئًا، ولعل رواية غيره فيه لم تبلغه، وهذا الكلام قد قاله البيهقي أيضًا حيث قال في "سننه": وهذه سنة خفيت على ابن عمر، وهذا بعيد بل مستحيل في حق ابن عمر - رضي الله عنهما -؛ لأنه مع كثرة مجالسته مع النبي - عليه السلام - وشدة ملازمته كيف ينسى ذلك أو يغفل عنه؟! ولئن سلمنا أنه خفي عليه ما كان من النبي - عليه السلام - ولكن لا نسلم أنه خفي عليه ما كان من أبيه عمر - رضي الله عنه -، فإنه لما سأله أبو مجلز عن قنوت عمر - رضي الله عنه -، فقال: "ما رأيته ولا شهدته". وقال الشعبي: "كان عبد الله لا يقنت، ولو قنت عمر - رضي الله عنه - لقنت عبد الله، وعبد الله يقول: لو سلك الناس واديًا وشعبًا وسلك عمر واديًا وشعبًا لسلكت وادي عمر وشعبه". وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا ابن إدريس، عن أبي مالك، عن أبيه قال: "قلت له: صليت خلف رسول الله - عليه السلام - وأبي بكر وعمر وعثمان، أفكانوا يقنتون؟ ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [128]. (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 101 رقم 6963).

فقال: لا يا بني، هي محدثة. ثنا وكيع (¬1)، قال: ثنا محمد بن قيس، عن عامر الجهني "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان لا يقنت في الفجر، وقال عامر: ما كان القنوت حتى جاء أهل الشام". ثنا وكيع (¬2)، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: "لم يقنت أبو بكر ولا عمر في الفجر". فإن قيل: قال ابن حزم (¬3): قال بعض الناس: الدليل على نسخ القنوت ما رويتموه من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: "أنه سمع رسول الله - عليه السلام - حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة قال: اللهم العن فلانا وفلانا -دعا على ناس من المنافقين- فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (¬4) الآية. قال علي: هذا حجة في إثبات القنوت؛ لأنه ليس فيه نهي عنه، وهذا حجة في بطلان قول من قال: إن ابن عمر جهل القنوت، ولعل ابن عمر إنما أنكر القنوت في الفجر قبل الركوع، فهو موضع إنكار. قلت: ابن حزم حفظ شيئًا وغابت عنه أشياء؛ لأن قوله: "هذا حجة في إثبات القنوت" ليس على الإطلاق في معناه أنه حجة في إثبات ما كان من القنوت أولًا، وحجة أيضا على انتساخ ذلك، فأول النص حجة في إثباته، وآخره وهو نزول الآية حجة في انتساخه، فابن حزم أخذ الجانب الواحد وجعله حجة مطلقا، وترك الجانب الذي عليه وعلى أمثاله ممن يرى بالقنوت في صلاة الفجر، وقوله: "وهذا ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 103 رقم 6983). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 104 رقم 6997). (¬3) "المحلى" (4/ 144). (¬4) سورة آل عمران، آية: [128].

حجة في بطلان قول من قال ... إلى آخره" ليس كذلك؛ لأن مراد من يقول: "إن ابن عمر جهل القنوت" القنوت الذي كان يفعله بعض الناس من بعد النبي - عليه السلام - حيث قال لما سئل عنه: "ما شعرت" وليس مراده أنه جهل القنوت المنسوخ الذي فعله - عليه السلام - شهرًا ثم تركه، فإنه هو الذي رواه كما روى غيره، فكيف يجهل بشيء قد رواه وعلمه؟!. الوجه الثاني في بيان النسخ: أن ترك ابن عمر - رضي الله عنهما - القنوت في الصبح بعد روايته دليل على أنه قد انتسخ ذلك إذ لو كان حكمه باقيا لا تركه؛ لأن عمل الراوي بخلاف روايته يدل على أن ما رواه منسوخ؛ إذ إقدامه على ذلك بالترك يدل على ذلك كما علم ذلك في موضعه، وأيضًا فإنه - رضي الله عنه - أنكر على من كان يقنت، ولو كان حكمه باقيا غير منسوخ لا وسعه الإنكار. ثم الآثار التي أخرجها عن ابن عمر أربعة: الأول: عن ابن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة بن دعامة، عن أبي مجلز لاحق بن حميد. وهذا إسناد صحيح في غاية الصحة؛ لأن رجاله رجال الجماعة ما خلا ابن مرزوق. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1): ثنا عثمان بن عمر الضبي، ثنا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز قال: "صليت خلف ابن عمر فلم يقنت، فقلت: ما منعك من القنوت؟ فقال: إني لا أحفظ عن أحد من أصحابي". وأخرجه ابن جرير الطبري "في تهذيب الآثار" (¬2) نحوه، من حديث شعبة، عن قتادة. ¬

_ (¬1) ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/ 137)، وقال: رواه الطبراني في "الكبير"، ورجاله ثقات. (¬2) "تهذيب الآثار" (6/ 218 رقم 2725).

قوله: "الكِبَر" بكسر الكاف وفتح الباء، أراد إنك لم تقنت في الصبح؛ لأجل كونك شيخًا كبيرًا؟ قوله: "ما أحفظه" أي القنوت في صلاة الصبح. "عن أحد من أصحابي" أراد بهم أصحاب النبي - عليه السلام -، وعني بذلك أنهم لم يكونوا يفعلونه بعد ترك النبي - عليه السلام - إياه فكيف أفعله أنا؟ الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير البصري، ومؤمل بن إسماعيل القرشي البصري، كلاهما عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن أبي الشعثاء سليم بن الأسود بن حنظلة المحاربي الكوفي. وهذا أيضًا إسناد صحيح في غاية الصحة. وأخرجه ابن جرير الطبري في "التهذيب" (¬1) نحوه. الثالث: عن أبي بكرة أيضا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن زائدة بن قدامة، عن الأشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه أبي الشعثاء سليم. وهذا أيضا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن سليم أبي الشعثاء المحاربي قال: "سألت ابن عمر عن القنوت في الفجر، فقال: فأي شيء القنوت؟ قلت: يقوم الرجل ساعة بعد القراءة، قال ابن عمر: ما شعرت". الرابع: عن أبي بكرة أيضا، عن أبي داود سليمان أيضا، عن زائدة أيضا، عن تميم بن سلمة السلمي الكوفي، وثقه يحيى والنسائي، واستشهد به البخاري، وروى له الباقون سوى الترمذي. وهذا أيضا إسناد صحيح. ¬

_ (¬1) "تهذيب الآثار" (6/ 183 رقم 2690). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 102 رقم 6969).

وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا هشيم، قال: أنا ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال: قال ابن عمر - رضي الله عنهما - في قنوت الصبح: "ما شهدت، وما علمت". ص: وكان أحد من روي عنه القنوت عن النبي - عليه السلام -: عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما -، فأخبر في حديثه الذي روينا عنه بأن رسول الله - عليه السلام - دعا على من كان يدعو عليه، وأن الله تعالى نسخ ذلك بقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (¬2) الآية، ففي ذلك أيضًا وجوب ترك القنوت في الفجر. ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح عن النبي - عليه السلام -: عبد الرحمن بن أبي بكر؛ فإنه روى "أنه - عليه السلام - كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة قال: اللهم أنج الوليد ... " الحديث، ثم أخبر في آخر حديثه: "فما دعا رسول الله - عليه السلام - بدعاء على أحد بعد ذلك بعد نزول قوله تعالى {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية". فهذا أيضًا يدل على أن ما كان منه - عليه السلام - قد انتسخ. فإن قيل: يحتمل أن يكون معنى قوله: "فما دعا رسول الله - عليه السلام - بدعاء على أحد بعد" يعني ترك اللعن على أحد، كما أخرجه البيهقي (¬3): عن عبد الرحمن بن مهدي في قول أنس - رضي الله عنه -: "قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه" قال: إنما ترك اللعن. قلت: جاء عن الزهري مصرحًا: أن الراد منه ترك القنوت مطلقًا. كما روى عبد الرزاق في "مصنفه" (¬4): عن معمر، عن الزهري كان يقول: "من أين أخذ الناس القنوت؟! " وتعجب. ويقول: "إنما قنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا ثم ترك ذلك". ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 102 رقم 6977). (¬2) سورة آل عمران، آية: [128]. (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 201 رقم 2924). (¬4) "مصنف عبد الرزاق" (3/ 105 رقم 4945).

ص: وكان أحد من روي عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك أيضًا: خفاف بن إيماء، فذكر عن رسول الله - عليه السلام -: "أنه لما رفع رأسه من الركوع قال: أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان ومن ذكر معهم. ففي هذا الحديث لعن من لعن رسول الله - عليه السلام - في حديثي ابن عمر وعبد الرحمن بن أي بكر - رضي الله عنهم -، وقد أخبرا هما في حديثهما أن رسول الله - عليه السلام - ترك ذلك حين أُنزل عليه الآية التي ذكرنا، ففي حديثيهما النسخ لما في حديث خفاف بن إيماء وفي ذلك وجوب ترك القنوت أيضًا. ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي - عليه السلام - خفاف بن إيماء، هذا جواب عن حديثه. بيان ذلك أن حديثه أيضا منسوخ؛ وذلك لأن الذين لعنهم رسول الله - عليه السلام - في حديثه هم الذين لعنهم في حديثي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهم -، فالقضية واحدة، وقد أخبر عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر كلاهما في حديثيهما أن رسول الله - عليه السلام - ترك ذلك حين نزلت عليه الآية، وهي قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (¬1) الآية، فيكون هذا الترك أيضًا في حديث خفاف بن إيماء لاتحاد القضية، فيكون حديثه منسوخًا بانتساخ حديثي ابن عمر، وابن أبي بكر - رضي الله عنهم -. قوله: "وقد أخبرا هما" أي قد أخبر ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر. وقوله: "هما" ضمير مرفوع وقع تأكيدا للضمير المستكن في قوله، "أخبرا". فافهم. ص: وكان أحد من روى ذلك عنه أيضا البراء بن عازب، فروى عنه: "أن النبي - عليه السلام - كان يقنت في الفجر والمغرب، ولم يخبر بقنوته ذلك ما هو، فقد يجوز أن ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [128].

يكون ذلك هو القنوت الذي رواه ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنه -، ومن روى ذلك معهما، ثم نسخ ذلك بهذه الآية أيضًا، وقد قرن في هذا الحديث بين المغرب والفجر، فذكر أن رسول الله - عليه السلام - كان يقنت فيهما، ففي إجماع مخالفنا لنا على أن ما كان يفعله في المغرب من ذلك منسوخا ليس لأحد بعده أن يفعله دليل على أن ما كان يفعله في الفجر أيضا كذلك. ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي - عليه السلام -: البراء بن عازب، هذا جواب عن حديثه. بيان ذلك أنه منسوخ أيضا؛ لأن البراء أخبر في حديثه أنه - عليه السلام - كان يقنت في صلاة الفجر وصلاة المغرب، ولكن لم يبين ما كان قنوته، ولماذا كان؟ فيحتمل أن يكون ذلك هو القنوت الذي رواه عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهم - ومن روى ذلك معهما -أي مع عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر- مثل أبي هريرة وأنس بن مالك - رضي الله عنهما -؛ فيكون منسوخًا بما نسخ به حديثهما وهو قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (¬1) الآية. قوله: "وقد قرن في هذا الحديث بين المغرب و [الفجر] (¬2) ... " إلى آخره جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: سلمنا ما ذكرتم من النسخ إذا كان المراد من القنوت في حديث البراء هو القنوت في حديثي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهم -، وأما إذا كان المراد غير ذلك القنوت، فلا نسلم نسخه في صلاة الصبح. وتقرير الجواب: أن الخصم أجمع معنا على أن قنوته - عليه السلام - في صلاة المغرب انتسخ، حتى لا يجوز لأحد أن يفعله بعد النبي - عليه السلام -، فهذا دليل على أن قنوته - عليه السلام - في صلاة الصبح أيضا منسوخ، وإلا فيلزم التحكم والترجيح بلا مرجع وهو باطل. ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [128]. (¬2) في "الأصل": "العشاء"، والمثبت من "ك"، وحاشية "الأصل".

وأيضًا فإنه قد روي عن البراء: "أن النبي - عليه السلام - كان لا يصلي صلاة إلا قنت فيها". رواه ابن حزم (¬1) وقال: ثنا حُمام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، نا محمَّد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا أبو عبد الله الكابُلي، نا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا محمَّد بن أنس، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب - رضي الله عنه -. فهذا منسوخ بإجماع الخصم حترل لا يجوز أن يقنت أحد في الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، فيكون حكم الصبح كذلك وإلا يلزم التحكم كما ذكرنا. قوله: "دليل" مبتدأ وخبره قوله: "ففي إجماع مخالفنا لنا"، وأراد من هذا المخالف: من يرى بالقنوت في الصبح. قوله: "منسوخا" نصب على أنه خبر كان. وقوله: "ليس لأحد بعده أن يفعله" صفة لقوله: "منسوخا" أي بعد النبي - عليه السلام -. ص: وكان أحد من روي عنه عن رسول الله - عليه السلام - أيضا القنوت في الفجر: أنس بن مالك، فروى عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك: "أن رسول الله - عليه السلام - لم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقه". فأثبت في هذا الحديث القنوت في صلاة الغداة وأن ذلك لم ينسخ. وقد روي عنه من وجوه خلاف ذلك، فروى أيوب، عن محمَّد بن سيرين قال: "سئل أنس: أقنت النبي - عليه السلام - في صلاة الصبح؟ فقال: نعم، فقيل: قبل الركوع أو بعده؟ فقال: بعد الركوع يسيرًا". وروى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه أنه قال: "قنت النبي - عليه السلام - ثلاثين صباحًا، يدعو على رعل وذكوان". وروى قتادة عنه نحوا من ذلك. ¬

_ (¬1) "المحلى" (4/ 139).

وقد روى عنه حميد: "أن النبي - عليه السلام - إنما قنت عشرين يومًا" فهؤلاء كلهم قد أخبروا عنه بخلاف ما روى عمرو، عن الحسن. وروى عنه عاصم إنكار القنوت بعد الركوع أصلًا، وأن النبي - عليه السلام - إنما فعل ذلك شهرًا, ولكن القنوت قبل الركوع، يضاد ذلك أيضًا ما روى عَمرو بن عبيد وخالفه، فلم يجز لأحد أن يحتج في حديث أنس بأحد الوجهين مما روي عن أنس؛ لأن لخصمه أن يحتج عليه بما روي عن أنس مما يخالف ذلك. وأما قوله: ولكن القنوت قبل الركوع فلم يذكر ذلك عن النبي - عليه السلام -، فقد يجوز أن يكون ذلك أخذه عمن بعده أو رأيا رآه، فقد رأى غيره من أصحاب النبي - عليه السلام - خلاف ذلك، فلا يكون قوله أولى من قول من خالفه إلا بحجة تبين لنا. ش: أي كان أحد من روى القنوت في الصبح أيضا عن النبي - عليه السلام -: أنس بن مالك - رضي الله عنه -، هذا جواب ما روي عن أنس - رضي الله عنه -، بيانه: أنه لا يصلح حجة لأحد من الخصوم؛ لأن الرواية عنه في ذلك مضطربة، فروى عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، عن أنس: "أن رسول الله - عليه السلام - لم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقه". وروى عنه محمَّد بن سيرين: "أنه - عليه السلام - كان يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع يسيرًا" ولم يذكر فيه حتى فارقه، وروى عنه إسحاق بن عبد الله: "أنه قنت النبي - عليه السلام - ثلاثين صباحًا"، فهذا مقيد بالمدة المذكورة، وكذلك روى قتادة عنه، وروى عنه حميد الطويل: "أن النبي - عليه السلام - إنما قنت عشرين يوما" فهذا أيضا مقيد بمدة أقل من تلك المدة. وروى البزار عن حميد عن أنس: "خمسة عشر يومًا" وقد ذكرناه، وفي رواية لابن مندة: "تسعة وعشرين ليلة" وقد ذكرناها أيضا، وروى عنه عاصم الأحول إنكار القنوت بعد الركوع أصلًا، وأن النبي - عليه السلام -، إنما فعل ذلك شهرًا، ولكن القنوت قبل الركوع. فهذه روايات كما ترى مضطربة مختلفة، وفي بعضها تضاد؛ لأن رواية عاصم الأحول تضاد رواية عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله: "لم يزل يقنت بعد الركوع

في صلاة الغداة" فحينئذ لم يجز لأحد أن يحتج في حديث أنس بأحد الوجهين -بالنفي أو الإثبات- لأن لأحد الخصمين أن يحتج على الآخر بما يحتج به من خلاف ما يحتج به. على أنه قد روى عن أنس أيضا ما يدل على أن القنوت في الصبح منسوخ. وهو ما رواه أبو داود (¬1): ثنا أبو الوليد، نا حماد بن سلمة، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك: "أن النبي - عليه السلام - قنت شهرًا ثم تركه". فقوله: "ثم تركه" يدل على أن القنوت في الفرائض ثم نسخ. فإن قيل: قد قال الخطابي: معنى قوله: "ثم تركه" أي ترك الدعاء على هؤلاء القبائل المذكورة في الأحاديث في هذا الباب، أو ترك القنوت في الصلوات الأربع، ولم يتركه في صلاة الفجر. قلت: لا ينبغي أن يصدر مثل هذا الكلام عن مثل الخطابي، فإنه كلام متحكم متعصب، فإن الضمير في تركه يرجع إلى القنوت الذي يدل عليه قوله: "قنت" لما وهو عام يتناول جميع القنوت في جميع الصلوات، وتخصيص الفجر من بينها -بلا دليل يدل عليه- باطل. وقوله: "أي ترك الدعاء" لا يصح أيضا؛ لأن الدعاء لم يمض ذكره في هذا الحديث، ولئن سلمنا؛ فالدعاء ها هنا هو عين القنوت، وما ثم شيء غيره، فيكون قد ترك القنوت، والترك بعد العمل نسخ. فافهم. وقوله: "وأما قوله: ولكن القنوت قبل الر كوع ... " إلى آخره إشارة إلى أن أنسًا - رضي الله عنه - لم يثبت عنده شيءٌ من القنوت قبل الركوع؛ لأن قوله: ولكن القنوت قبل الركوع ليس عن النبي - عليه السلام - , لأنه لم يذكر ذلك عنه - عليه السلام -، فيجوز أن يكون قد أخذ ذلك عن أحد من الصحابة، أو يكون ذلك رأيًا رآه باجتهاده، فإن كان ذلك رأيا ة فقد رأى غيره من الصحابة خلاف ذلك، وهو أن يكون بعد الركوع "فلا ¬

_ (¬1) "سنن أبي داود" (1/ 458 رقم 1445).

يكون قول أنس أولى وأرجح من قول غيره إلا بحجة تبين جهة الرجحان والأولوية، وإن كان عن أحد من الصحابة، فقد روي عن غيره خلافه فلا تقوم به حجة. فافهم. ص: فإن قال قائل: قد روى أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: "كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت النبي - عليه السلام - شهرًا، فقال: ما زال رسول الله - عليه السلام - يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا". قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك القنوت هو القنوت الذي رواه عمرو، عن الحسن، عن أنس، فإن كان ذلك كذلك فقد ضاده ما قد ذكرناه، ويجوز أن يكون ذلك القنوت قبل الركوع الذي ذكره أنس في حديث عاصم، فلم يثبت لنا عن أنس عن النبي - عليه السلام - في القنوت قبل الركوع شيء، وقد ثبت عنه النسخ للقنوت بعد الركوع. ش: أخرج الطحاوي حديث أبي جعفر الرازي فيما مضى عن قريب، عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: "كنت جالسًا عند أنس بن مالك، فقيل له: إنما قنت رسول الله - عليه السلام - شهرًا، فقال: مازال رسول الله - عليه السلام - يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا". تقرير السؤال: أن هذا الحديث صريح على أن القنوت في الصبح لم ينسخ، وأنه باق حكمه، وهو ظاهر. وتقرير الجواب أن يقال: إن قوله: ما زال رسول الله - عليه السلام - يقنت في صلاة الغداة، يحتمل أن يكون أريد به القنوت الذي رواه عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري، عن أنس: "أن رسول الله - عليه السلام - لم يزل يقنت بعد الركوع حتى فارقه"، فحينئذ يعارضه ويضاددُهُ ما رواه غيره كإسحاق بن عبد الله: "أنه قنت ثلاثين صباحًا"، وحميد: "أنه إنما قنت عشرين يومًا"، فإذا كان كذلك لا تقوم به حجة لما ذكرنا، ويحتمل أن يكون المراد من القنوت هو القنوت قبل الركوع الذي ذكره أنس في حديث عاصم الأحول.

وقد قلنا إنه لم يثبت عن أنس عن النبي - عليه السلام - في القنوت قبل الركوع شيء، وأما القنوت الذي بعد الركوع فقد ثبت عنه النسخ فيه. والله أعلم. على أنَّا نقول: إن بعضهم قد ضعف هذا الحديث وعلله بأبي جعفر هذا؛ فإن فيه مقالا كما قد ذكرناه فيما مضى عن قريب. فإن قيل: قال النووي في "الخلاصة": صححه الحاكم في كتابه "المستدرك" وقال حديث صحيح، ورواته كلهم ثقات. وعن الحاكم أخرجه البيهقي في "المعرفة" بسنده ومتنه وسكت عنه. قلت: قال صاحب "التنقيح على التحقيق": "هذا الحديث أجود أحاديثهم"، وذكر جماعة وثقوا أبا جعفر الرازي، وله طريق في كتاب "القنوت" لأبي موسى المديني، قال: "وإن صح فهو محمول على أنه ما زال يقنت في النوازل، أو على أنه ما زال يطول في الصلاة، فإن القنوت لفظ مشترك بين الطاعة والقيام والخشوع والسكوت وغير ذلك، قال الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} (¬1) وقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَآءَ اللَّيْلِ} (¬2)، قال: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ} (¬3)، وقال: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي} (¬4)، وقال: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (¬5). وقال: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} (¬6). وفي الحديث: "أفضل الصلاة طول القنوت". وضعفه ابن الجوزي في كتاب "التحقيق"، وفي "العلل المتناهية" قال: "هذا حديث لا يصح؛ فإن أبا جعفر الرازي اسمه عيسى بن ماهان، قال ابن المديني: كان يخلط. وقال يحيى: كان يخطئ. وقال أحمد: ليس بالقوي في الحديث". وقال ¬

_ (¬1) سورة النحل، آية: [120]. (¬2) سورة الزمر، آية: [9]. (¬3) سورة الأحزاب، آية: [31]. (¬4) سورة آل عمران، آية: [43]. (¬5) سورة البقرة، آية: [238]. (¬6) سورة البقرة، آية: [116].

ابن الجوزي: وقد أورد الخطيب في كتابه الذي صنفه في القنوت أحاديث أظهر فيها تعصبه فمنها: ما أخرجه عن دينار بن عبد الله خادم أنس بن مالك، عن أنس قال: "ما زال رسول الله - عليه السلام - يقنت في صلاة الصبح حتى مات"، قال: وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاجه به وقاحة عظيمة، وعصبية باردة، وقلة دين؛ لأنه يعلم أنه باطل، قال ابن حبان: دينار يروي عن أنس أشياء موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح فيها. فواعجبا للخطيب؛ أما سمع في الصحيح: "من حدث عني حديثا، وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". وهل مثله إلا كمثل من أنفق بهرجًا ودلسه، فإن أكثر الناس لا يعرفون الصحيح من السقيم، وإنما يظهر ذلك للنقاد، فإذا أورد الحديث محدث واحتج به حافظ لم يقع في النفوس إلا أنه صحيح. ومن نظر في كتابه الذي صنفه في القنوت، وكتابه الذي صنفه في الجهر بالبسملة، واحتجاجه بالأحاديث التي يعلم بطلانها؛ اطلع على عصبيته وقلة دينه، ثم ذكر له أحاديث أخرى كلها عن أنس أن النبي - عليه السلام - لم يزل يقنت في الصبح حتى مات، وطعن في أسانيدها. فإن قيل: ذكره البيهقي في "سننه" أيضا ثم قال: قال الحاكم صحيح، وقال في "المعرفة": وله شواهد عن أنس ذكرناها في "السنن". قلت: قد تحقق بينهم مجازفة الحاكم في التصحيح، والعجب من البيهقي أيضا سكوته عن ذلك وإقراره عليه، وليس ذلك إلا من آثار العصبية الفاسدة. وأما الشواهد التي ذكرها فهي ما أخرجه في "سننه" (¬1): من حديث الغضائري، ثنا عثمان بن السماك، نا أبوقلابة، نا قريش بن أنس، نا إسماعيل المكي، وعَمرو بن عبيد، عن الحسن عن أنس قال: "قنت رسول الله - عليه السلام - وأبو بكر وعمر وعثمان -وأحسبه ذكر رابعًا- حتى فارقتهم" رواه عبد الوارث عن عمرو بن عبيد فقال: "في صلاة الغداة". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 202 رقم 2928).

ومن حديث خليد بن دعلج (¬1)، عن قتادة، عن أنس: "صليت خلف النبي - عليه السلام - فقنت، وخلف عمر فقنت، وخلف عثمان فقنت". ومن حديث يحيى القطان (¬2): ثنا العوام بن حمزة قال: "سألت أبا عثمان عن القنوت في الصبح، قال: بعد الركوع، قلت: عمن؟ قال: عن أبي بكر وعمر وعثمان". ومن حديث ابن عيينة (¬3)، عن مخارق، عن طارق قال: "صليت خلف عمر الصبح فقنت"، وعن عبيد بن عمير قال: "سمعت عمر - رضي الله عنه - يقنت بمكة في الفجر" رواه ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عنه. ومن حديث شعبة (¬4)، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود: "صليت خلف عمر في السفر والحضر، فما كان يقنت إلا في صلاة الفجردا رواه غندر وابن الجعد هكذا، وقال آدم، عن شعبة: "فكان يقنت في الركعة الثانية من الفجر، ولا يقنت في سائر صلاته". انتهى. قلت: أما حديث الغضائري ففيه إسماعيل المكي، وعمرو بن عبيد، فهو صرح في "سننه": فإنا لا نحتج بهما. وأما حديث خليد بن دعلج فإن [خليدًا] (¬5) لا يصلح للاستشهاد به؛ لأن أحمد وابن معين والدارقطني ضعفوه، وقال ابن معين مرة: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. ولم يخرج له أحد من الستة، وفي "الميزان": عده الدارقطني من المتروكين. ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 202 رقم 2929). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 202 رقم 2930). (¬3) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 203 رقم 2931). (¬4) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 203 رقم 2932). (¬5) في "الأصل، ك": "دعلجًا"، وهو سبق قلم من المؤلف، فإن هذه الأقوال الآتية إنما هي في خليد لا دعلج.

ثم إن المستغرب من حديث أنس المتقدم قوله: "ما زال يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا" وليس هذا في حديث خليد بن دعلج، وإنما فيه أنه - عليه السلام - قنت، وذلك معروف، وإنما المستغرب دوامه حتى فارق الدنيا، فعك تقدير صلاحية خليد للاستشهاد به، كيف يشهد حديثه لحديث أنس؟!. وأما حديث يحيى القطان فإنه قال: إسناده حسن، وكيف يكون إسناده حسنًا، وفيه العوام بن حمزة، وقد قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: له أحاديث مناكير؟!. فإن قيل: رواية يحيى بن سعيد عنه دلت على ثقته عنده. قلت: ما ذكرناه يدل على ضعفه، والجرح مقدم على التعديل. وقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): عن حفص بن غياث، عن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: "يا أبت، صليت خلف النبي - عليه السلام - وخلف أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - فما رأيت أحذا منهم يقنت؟ فقال: يا بني هي محدثة". ورواه أيضًا عن ابن إدريس، عن أبي مالك بمعناه. والسندان صحيحان، فالأخذ بذلك أولى مما رواه العوام. وحديث أبي مالك أخرجه البيهقي أيضًا في باب: من لم ير القنوت في الصبح. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬2)، ولفظه: "صليت خلف النبي - عليه السلام - فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف عليّ فلم يقنت، ثم قال: يا بني إنها بدعة". وأما حديث طارق وحديث عبيد بن عمير فإن البيهقي قال: فإنها روايات صحيحة موصولة، وكيف تكون صحيحة؟! فإن في أسانيدها محمَّد بن ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 101 رقم 6961). (¬2) "صحيح ابن حبان" (5/ 328 رقم 1989).

الحسن البربهاري: قال ابن الجوزي في كتابه: قال البرقاني: كان كذابا. وقال الدارقطني: خلط الجيد بالرديء فأفسده. وفيها يحيى بن سليم الطائفي: قال البيهقي في باب من كره أكل: الطائفي كثير الوهم سيء الحفظ. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الرازي: لا يحتج به. فظهر من هذا أنها ليست بروايات صحيحة، بل المروي عن عمر - رضي الله عنه - بالأسانيد الصحيحة أنه لم يقنت فيها كما ذكرنا الآن في رواية أبي مالك الأشجعي. وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون: "أنهما صليا خلف عمر الفجر، فلم يقنت". وأخرجه البيهقي (¬2) أيضًا في باب: من لم ير السجود في ترك القنوت، من حديث سفيان بسنده المذكور. وقال ابن أبي شيبة (¬3) أيضًا: ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم: "أن الأسود وعمرو بن ميمون صليا خلف عمر الفجر، فلم يقنت". وقال أيضًا (¬4): نا وكيع، ثنا ابن أبي خالد، عن أبي الضحى، عن سعيد بن جبير: "أن عمر - رضي الله عنه - كان لا يقنت في الفجر". ورواه عبد الرزاق (¬5): عن ابن عيينة، عن ابن أبي خالد. وهذه أسانيد صحيحة. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 101 رقم 6965). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 350 رقم 3695). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 101 رقم 6964). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 102 رقم 6972). (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (3/ 106 رقم 4956).

وأما حديث شعبة (¬1)، عن حماد، عن إبراهيم، فقد قال البيهقي: فيه دليل على اختصار وقع في الحديث الذي أتى فساق سنده: عن منصور، عن إبراهيم، أن الأسود وعمرو بن ميمون قالا: "صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت"، ثم قال: منصور وإن كان أوثق وأحفظ من حماد بن أبي سليمان، فرواية حماد في هذا توافق المذهب المشهور عن عمر في القنوت. قلت: لما انتفع البيهقي برواية حماد ها هنا ذكر ما يدل على حفظه وثقته؛ لأنه إذا كان منصور أحفظ وأوثق منه كان هو في نفسه حافظًا ثقة، وخالف ذلك في باب: الزنا لا يحرم الحلال، وضعفه، وليست رواية منصور مختصرة من رواية حماد، بل معارضة لها، ومع جلالة منصور تابعه على روايته الأعمش. فرواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬2): عن الثوري، عن منصور والأعمش ... فذكره كذلك، وتابعه أيضًا الحسن بن عبيد الله كما تقدم عن قريب. وقد روي عن حماد ما هو موافق لرواية منصور. فذكر عبد الرزاق (¬3): عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود قالا: "صلى عمر زمانا لم يقنت". وفي "التهذيب" (¬4) لابن جرير الطبري: روى شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صليت مع عمر في السفر والحضر ما لا أحصي، فكان لا يقنت". وروى أبو حنيفة في "مسنده" (¬5): عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة قال: "ما قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا قنت علي حتى حارب أهل الشام، فكان يقنت". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 350 رقم 3695). (¬2) "مصنف عبد الرزاق" (3/ 106 رقم 4948). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (3/ 105 رقم 4947). (¬4) "تهذيب الآثار" (6/ 177 رقم 2684). (¬5) "مسند أبي حنيفة" (1/ 83).

وفي "مسنده" (¬1) أيضًا: عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صحبت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سنين، فلم أره قانتا في صلاة الفجر". واعلم أن عندي جوابا آخر عن حديث أبي جعفر الرازي. وهو أنه معارض بما رواه الطبراني في "معجمه" (¬2): ثنا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، ثنا شيبان بن فروخ، نا غالب بن فرقد الطحان قال: "كنت عند أنس بن مالك شهرين، فلم يقنت في صلاة الغداة". وروى محمَّد بن الحسن في كتابه "الآثار" (¬3): أنا أبو حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي قال: "لم يرالنبي - عليه السلام - قانتا في الفجر حتى فارق الدنيا". ص: وكان أبوهريرة أحد من روى عن النبي - عليه السلام - أيضًا القنوت في الفجر، فذلك القنوت هو دعاء لقوم ودعاء على آخرين، وفي حديثه أن النبي - عليه السلام - ترك ذلك حين أنزل الله عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (¬4) الآية. ش: هذا جواب عن حديث أبي هريرة المذكور فيما مضى في معرض استدلال أهل المقالة الأولى، بيانه أن أبا هريرة روى عن النبي - عليه السلام - القنوت في الفجر، وذلك القنوت هو الدعاء لقوم والدعاء على آخرين. فالأول: هو قوله - عليه السلام -: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة". والثاني: هو قوله: "اللهم العن فلانا وفلانا، أحياء من العرب"، ثم روى أن النبي - عليه السلام - ترك ذلك حيث قال في حديثه: "وأصبح ذات يوم ولم يدع لهم، ¬

_ (¬1) "مسند أبي حنيفة" (1/ 83). (¬2) "المعجم الكبير" (1/ 245 رقم 693). (¬3) "الآثار" (1/ 277 رقم 213). (¬4) سورة آل عمران، الآية: [128].

فذكرت ذلك، فقال: أو ما تراهم قد قدموا؟ " فهذا يدل على أن ما كان منه قد انتسخ حكمه وزال. ص: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون هذا هكذا وقد كان أبو هريرة بعد النبي - عليه السلام - يقنت في الصبح؟ فذكر ما قد حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف (ح). وما قد حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قالا: ثنا بكر بن مضر , عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج قال: "كان أبو هريرة يقنت في صلاة الصبح". قال: فدل ذلك على أن المنسوخ عند أبي هريرة إنما هو الدعاء على من دعا عليه النبي - عليه السلام - فأما القنوت الذي كان مع ذلك فلا. قيل له: إن يونس بن يزيد قد روى عن الزهري في حديث القنوت الذي ذكرناه في أول هذا الباب ما قد حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب ... فذكر ذلك الحديث بطوله، ثم قال فيه: "قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك حين أنزل عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية، فصار ذكر نزول هذه الآية الذي كان به النسخ من كلام الزهري، لا مما رواه عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة، فقد يحتمل أن يكون نزول هذه الآية لم يكن أبو هريرة علمه، فكان يعمل على ما علم من فعل رسول الله - عليه السلام - وقنوته إلى أن مات؛ لأن الحجة لم تثبت عنده بخلاف ذلك، وعلم عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنه - أن نزول هذه الآية كان ناسخا لما كان النبي - عليه السلام - يفعل، فانتهيا إلى ذلك، وتركا به المنسوخ المتقدم". ش: هذا سؤال من جهة الخصم، تقريره أن يقال: لا نسلم أن المنسوخ على الكيفية التي ذكرتم؛ لأن أبا هريرة قد قنت في صلاة الصبح بعد النبي - عليه السلام -, ولو كان النسخ على نحو ما ذكرتم لما ساغ لأبي هريرة أن يقنت بعده - عليه السلام - مع علمه بالمنسوخ، بل إنما كان المنسوخ عند أبي هريرة هو الدعاء على من كان - عليه السلام - يدعو

عليه، فأما القنوت الذي كان مع ذلك فلم ينسخ ولم يرتفع حكمه، فلهذا قنت أبو هريرة بعده. ثم إنه أخرج أثر أبي هريرة الذي فيه أمر قنوته من وجهين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن يوسف التنيسي المصري شيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمَّد المصري مولى ربيعة بن شرحبيل ابن حسنة الكندي، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل المصري، عن عبد الرحمن الأعرج. وأخرجه عبد الرزاق (¬1): عن عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أنه كان يقنت في صلاة الصبح". الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني أيضا، عن يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي أبي زكرياء المصري، عن بكر بن مضر ... إلى آخره. وتقرير الجواب: أن يقال: إن يونس بن يزيد الأيلي قد روى عن محمَّد بن مسلم الزهري في حديث القنوت الذي ذكر في أول الباب، وفيه: "ثم بلغنا أنه ترك ذلك حين أنزل عليه {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (¬2) الآية، فدل ذلك على النسخ، ولكن ذكر نزول هذه الآية الذي حصل به النسخ، من كلام الزهري لا مما رواه عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فإذا كان كذلك، فقد يحتمل أن يكون نزول هذه الآية لم يقف عليه أبو هريرة ولا أحاط به علمه، فلذلك عمل بما كان علمه من فعل النبي - عليه السلام - وقنوته إلى أن مات؛ وذلك لأن الحجة لم تثبت عنده بخلاف ذلك، فإذا لم تثبت فكيف يترك ما قد علمه من النبي - عليه السلام -؟. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (3/ 115 رقم 4981). (¬2) سورة آل عمران، آية: [128].

ألا ترى أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهم -، لما علما بنزول الآية، وعلما أنه ناسخ للذي كان النبي - عليه السلام - يفعله انتهيا إلى ذلك، وتركا ما قد علماه من فعل النبي - عليه السلام - المتقدم المنسوخ. واعلم أن الطحاوي أخرج حديث الزهري هذا فيما سبق في موضعين. الأول: في أواخر باب: الإِمام يقول: سمع الله لمن حمده، فقال: ثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة أنهما سمعاه يقول: "كان رسول الله - عليه السلام - حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة يكبر ويرفع رأسه من الركوع، يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد ... " الحديث. الثاني: في أول هذا الباب بهذا الإسناد بعينه، وزاد فيه: "وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين ... " الحديث، ولم يذكر في الموضعين قول الزهري: "ثم بلغنا أنه ترك ذلك حين أنزل عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (¬1) الآية". وإنما ذكره ها هنا ,ولكن الجميع بإسناد واحد، وقطعه للتبويب. وأخرجه مسلم (¬2) وقال: حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أخهما سمعا أبا هريرة يقول: "كان رسول الله - عليه السلام - يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلًا وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله، ثم بلغنا أنه ترك ذلك ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [128]. (¬2) "صحيح مسلم" (1/ 466 رقم 675).

لما أنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (¬1). ص: وحجة أخرى أن في حديث ابن إيماء: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين رفع رأسه من الركوع: غفار غفر الله لها -حتى ذكر ما ذكر في حديثه- ثم قال: الله أكبر وخر ساجدًا". فثبت بذلك أن جميع ما كان يقوله هو ما ترك بنزول تلك الآية، وما كان يدعو به مع ذلك من دعائه للأسرى الذين كانوا بمكة، ثم ترك ذلك عندما قدموا، وقد روى أبو هريرة أيضًا في حديث يحيى بن أبي كثير الذي قد رويناه فيما تقدم منا في هذا الباب عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة يذكر القنوت، وفيه: قال أبو هريرة: "وأصبح ذات يوم ولم يدع لهم، فذكرت ذلك، فقال: أوما تراهم قد قدموا؟ " ففي ذلك أن رسول الله - عليه السلام - كان يقول ذلك الحديث في العشاء الآخرة كما كان يقول في الصبح، وقد أجمعوا أن ذلك منسوخ في صلاة العشاء بكماله لا إلى قنوت غيره، فالفجر أيضًا في النسخ كذلك. ش: هذا جواب آخر عن السؤال المذكور، تقريره أن يقال: إن في حديث خُفاف بن إيماء الذي مر ذكره في هذا الباب أن رسول الله - عليه السلام - دعا لقوم ودعا على آخرين، ثم قال: الله أكبر وخر ساجدًا وأن جميع ذلك ترك بنزول الآية المذكورة، حتى الدعاء الذي كان يدعو به للأسرى الذين كانوا بمكة، فحين ما قدموا ترك ذلك، وقد صرح بذلك في الحديث الذي رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "وأصبح ذات يوم ولم يدع لهم، فذكرت ذلك، فقال: أوَما تراهم قد قدموا" وفي هذا الحديث أيضًا كان يقول ذلك القنوت في صلاة العشاء الآخرة، كما كان يقوله في الصبح، وقد أجمع الخصم معنا أن ذلك منسوخ في صلاة العشاء بكماله لا إلى قنوت غيره، فإذا كان هذا منسوخًا، فكذلك يكون القنوت الذي في الفجر منسوخًا بكماله لا إلى قنوت غيره. ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [128].

وقولهم: المنسوخ ليس القنوت كله بل إنما كان الدعاء على من دعا عليه أو له، وأما القنوت الذي كان معه باق في الصبح؛ تحكم وتخصيص بلا مخصص وهو باطل، ولئن سلمنا بقاء القنوت وانتساخ الدعاء فلم يختص بذلك الصبح؟ فهلا يقنت في العشاء أيضًا؟ فتخصيص الصبح وترك العشاء تحكم بلا دليل، وأما قنوت أبي هريرة بعد النبي - عليه السلام - فلما ذكرناه عن قريب، على أن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - لم يكونوا يقنتون في الصبح على ما يجيء، وليس فعل أبي هريرة بأولى وأحق من فعلهم. ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلما كشفنا وجوه هذه الآثار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في القنوت، فلم نجد ما يدل على وجوبه الآن في صلاة الفجر، لم نُأْمر به فيها؟ وأمرنا بتركه مع أن بعض أصحاب النبي - عليه السلام - قد أنكره أصلًا، كما حدثنا علي بن معبد وحسين بن نصر وعلي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، قال: أنا أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق، قال: قلت لأبي: "يا أبه، إنك قد صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر، وخلف عمر، وخلف عثمان، وخلف علي ها هنا بالكوفة قريبا من خمس سنين، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بني، محدث". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فلسنا نقول: إنه محدث على أنه لم يكن، وقد كان، ولكنه قد كان بعده ما قد رويناه في هذا الباب قبله. ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها في هذا الباب. قوله: "لم نُأْمر" جواب قوله "فلما" وهو على صيغة لمجهول، وكذلك قوله: "وأُمِرْنا" على صيغة المجهول، أي لم نؤمر بالقنوت في صلاة الصبح، وأمرنا بترك القنوت. قوله: "مع أن بعض أصحاب النبي - عليه السلام - قد أنكره أصلًا" تأكيد لقوله: "فلم نجد ما يدل على وجوبه الآن في صلاة الفجر" أي قد أنكر القنوت في الصبح أصلًا، وأراد بهذا البعض الذي أنكر القنوت أصلًا: هو طارق بن أشيم الصحابي، فإن ابنه سعد بن طارق لما سأله عنه، قال: "أي بني" أي يا بني "محدث" أي إن القنوت في

صلاة الصبح محدث، وليس معناه أنه لم يكن ثم كان، ولكن معناه أنه كان في زمن النبي - عليه السلام - مدة، ثم انتسخ، ثم أحدثوه بعده - عليه السلام -، فلذلك قال: يا بني محدث، وكذا فسره ابن حبان في روايته: "بدعة" أي ابتدع به بعد النبي - عليه السلام - بعد أن كان قد ارتفع حكمه وانتسخ. وأخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عن علي بن معبدبن نوح المصري، وحسين ابن نصر بن المعارك البغدادي، وعلي بن شيبة بن الصلت السدوسي، ثلاثتهم عن يزيد بن هارون الواسطي روى له الجماعة، عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن أبيه طارق. وأخرجه الترمذي (¬1): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي قال: "قلت لأبي: يا أبه، إنك قد صليت خلف رسول الله - عليه السلام -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - ها هنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، كانوا يقنتون؟ قال: أي بني، محدث". وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" (¬2)، ولفظه: "صليت خلف النبي - عليه السلام - فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر - رضي الله عنه - فلم يقنت، وصليت خلف عمر - رضي الله عنه - فلم يقنت، وصليت خلف عثمان - رضي الله عنه - فلم يقنت، وصليت خلف علي - رضي الله عنه - فلم يقنت، ثم قال: يا بني، إنها بدعة". وكذا أخرجه النسائي في "سننه" (¬3): عن قتيبة، عن خلف، عن أبي مالك الأشجعي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4)، وقد ذكرناه. ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 252 رقم 402). (¬2) "صحيح ابن حبان" (5/ 328 رقم 1989). (¬3) "المجتبى" (2/ 204 رقم 1080). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 101 رقم 6963).

وممن أنكر القنوت من الصحابة: عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - حيث قال: "ما القنوت؟ وما رأيت أحدًا يفعله" حين سأله أبو الشعثاء عنه، وقد مر ذكره مستوفى عن قريب. وروى ابن عبد البر عن ابن عمر وطاوس: أن القنوت في الفجر بدعة، وكان ممن ينكره من التابعين أيضًا: الزهري، ويحيى الأنصاري، وإبراهيم النخعي- رحمهم الله. ص: فلما لم يثبت لنا القنوت عن النبي - عليه السلام - رجعنا إلى ما روي عن أصحابه في ذلك، فإذا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري قد حدثنا، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: "صليت خلف عمر - رضي الله عنه - صلاة الغداة، فقنت فيها بعد الركوع، وقال في قنوته: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم الثالث نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق". وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين، عن ذر بن عبد الله الهمداني، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، عن أبيه: "أنه صلى خلف عمر - رضي الله عنه - ففعل مثل ذلك إلا أنه قال: ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونخشى عذابك الجد". وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبدة بن أتيت لبابة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أن عمر - رضي الله عنه - قنت في صلاة الغداة قبل الركوع بالسورتين". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن عمر - رضي الله عنه -: "أنه كان يقنت في صلاة الصبح بسورتين: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد".

وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أبي رافع، قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلاة الصبح، فقرأ بالأحزاب، فسمعت قنوته وأنا في آخر الصفوف". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان (ح). وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، كلاهما عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلاة الصبح، فلما فرغ من القراءة في الركعة الثانية، كبر ثم قنت، ثم كبر فركع". وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن مخارق ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين: "أن سعيد بن المسيب ذكر له قول ابن عمر - رضي الله عنهما - في القنوت، فقال: أما إنه قد قنت مع أبيه، ولكنه نسي". ش: لما لم يثبت القنوت في صلاة الصبح عن النبي - عليه السلام - بعد كشف وجوه الأحاديث المروية فيه، وجب الرجوع فيه إلى ما روي عن الصحابة - رضي الله عنهم -، لنعلم هل القنوت في الصبح ثابت أم لا؟ وهل يجب فعله أم لا؟ فرجعنا في ذلك، فوجدنا قد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قد قنت في صلاة الصبح بعد الركوع، ووجدنا أيضًا قد روي عنه أنه كان لا يقنت فيها، فبين الأمرين مخالفة وتضاد، ولكن يحتمل أن يكون كل واحد من الأمرين في وقت وحاله. فنظرنا في ذلك، فوجدنا أنه قد كان يقنت إذا حارب، وإذا لم يحارب لم يقنت. فعلمنا أن معنى الذي كان يقنت أنه إذا كان يحارب كان يدعو على أعدائه، ويستعين بالله عليهم ويستنصره، كما كان رسول الله - عليه السلام - فعل لما قتلوا القراء من

أصحابه، وقد روي أيضًا عن علي - رضي الله عنه - ما روي عن عمر - رضي الله عنه -، فإذا كان الأمر كذلك يكون كل ما روي عن الصحابة من القنوت في صلاة الصبح يكون محمولا على حالة المحاربة. ألا ترى أتى روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقنت في صلاة المغرب أيضًا، والخصم لا يقول بالقنوت فيها، فعلمنا أنه كان يفعل ذلك حالة المحاربة، وسيجىء تحقيق الكلام في هذا إن شاء الله تعالى. ثم انه أخرج ما روي من قنوت عمر في الصبح من تسع طرق: الأول: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، فيه مقال، وكان يحيى بن سعيد يضعفه، وعن أحمد: كان سيء الحفظ مضطرب الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: محله الصدق. وروى له الأربعة. عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع بن ليث الليثي أبي عاصم المكي قاضي أهل مكة، روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا هشيم، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عبيد بن عمير قال: "صليت خلف عمر بن الخطاب الغداة فقال في القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونزك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار مُلْحِق". الثاني: عن صالح أيضًا، عن سعيد بن منصور أيضًا، عن هشيم أيضًا، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن ذر بن عبد الله الهمداني، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، عن أبيه عبد الرحمن بن أبزى الصحابي. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 106 رقم 7027).

وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه: "أنه صل خلف عمر - رضي الله عنه - فصنع مثل ذلك". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن عبدة بن أبي لبابة الأسدي الغاضري، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه البيهقي (¬2) مفسرًا: من حديث الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه قال: "صليت خلف عمر - رضي الله عنه - صلاة الصبح، فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع من يكفرك". ثم قال البيهقي: كذا قال: قبل الركوع، وهو وإن كان إسنادا صحيحًا فرواة قنوت عمر بعد الركوع أكثر، وهم: أبو رافع، وعبيد بن عمير، وأبو عثمان النهدي، وزيد بن وهب، والعدد أولى بالحفظ من الواحد. قلت: لم يذكر لرواية هؤلاء سندًا إلا لرواية عبيد بن عمير خاصة، وقد روي عنه وعن زيد بن وهب خلاف ذلك. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 106 رقم 7028). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 210 رقم 3963).

قال ابن أبي شيبة (¬1): أنا هشيم، ثنا يزيد بن أبي زياد، ثنا زيد بن وهب: "أن عمر - رضي الله عنه - قنت في الصبح قبل الركوع". وأخرج أيضًا (¬2): عن أبي عثمان، عنه: "أنه قنت قبل الركوع". وأخرج أيضًا (¬3): من طريقين عن عبيد بن عمير عنه. وأخرج أيضًا (¬4): عن أبي معقل: "أن عمر وعليا وأبا موسى قنتوا في الفجر قبل الركوع". فليس الراوي عن عمر أنه قنت قبل الركوع واحدًا كما زعم، بل هم خمسة، الواحد ذكره البيهقي، والأربعة ذكرهم ابن أبي شيبة، وهؤلاء أكثر مما ذكرهم البيهقي، فهم أولى بالحفظ. الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بَجَرَة -بباء موحدة وجيم وراء مفتوحات- وقيل: نجدة -بالنون والجيم- مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، وقيل له: مولى ابن عباس؛ للزومه إياه. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬5): عن رجل، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن عمر - رضي الله عنه - كان يقنت في الفجر بسورتين". الخامس: عن أبي بكرة بكار أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي رافع مولى النبي - عليه السلام - واسمه أسلم أو إبراهيم، وقد تكرر ذكره. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 105 رقم 7018). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 105 رقم 7019). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 105 رقم 7021 - 7022). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 105 رقم 7016). (¬5) "مصنف عبد الرزاق" (3/ 112 رقم 4972).

وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (¬1): من حديث قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع: "أن عمر - رضي الله عنه - كان يقنت في صلاة الصبح". السادس: عن أبي بكرة أيضًا، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي البصري، عن سفيان الثوري، عن مخارق بن خليفة بن جابر، ويقال: مخارق بن عبد الله بن جابر، ويقال: مخارق بن عبد الرحمن الأحمسي الكوفي، عن طارق بن شهاب الأحمسي الصحابي - رضي الله عنه -. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البيهقي (¬2): من حديث سفيان بن عيينة، عن مخارق، عن طارق قال: "صليت خلف عمر الصبح، فقنت". السابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن مخارق، عن طارق. وهذا أيضًا إسناد صحيح. الثامن: عن أبي بكرة بكار، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن مخارق بن خليفة، عن طارق بن شهاب. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3): عن الثوري، عن مخارق، عن طارق بن شهاب: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صلى الصبح، فلما فرغ من القراءة كبر، ثم قنت، ثم كبر حين ركع". التاسع: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، عن محمد بن سيرين. ¬

_ (¬1) "معرفة السنن والآثار" (2/ 80 رقم 968). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 203 رقم 2931). (¬3) "مصنف عبد الرزاق" (3/ 109 رقم 4959).

وهذا أيضًا إسناد صحيح. قوله: "اللهم" يعني يا الله، والسين في "نستعينك" و"نستغفرك" للطلب. قوله: "ونخلع" مِنْ خلع ثوبه ونعله. قوله: "ونترك" كالتفسير له، والفعلان تنازعا في قوله: "من يفجرك" أي من يعصيك ويخالفك. قوله: "ونحفد" بالحاء والدال المهملتين ومعناه نسرع في العمل والخدمة، وهو من باب حَفَدَ يَحْفدُ كضَرَبَ يَضْرِبُ، قال الجوهري: الحفد: السرعة تقول: حفد البعير والظليم حَفْدا وحَفْدَانًا وهو تدارك السير، وبعير حَفَّاد، ومنه الدعاء: "وإليك نسعى ونحفد" واحفدته: حملته على الحَفْدِ والإسراع. قوله: "ملحق" بالرفع خبر إن، روي بكسر [الحاء] (¬1) وفتحها. قوله: "بالسورتين" أراد بها قوله: "اللهم إنا نستعينك" إلى قوله: "وفترك من يفجرك"، وقوله: "اللهم إياك نعبد" إلى قوله: "إن عذابك بالكفار ملحق"، وكانتا سورتين من القرآن فنسختا، والله أعلم. وبه استحسن أصحابنا أن يقول المصلي في وتره هذا الذي روي عن عمر - رضي الله عنه -. وقال في "المبسوط": ليس في الوتر دعاء موقت سوى قوله: "اللهم إنا نستعينك ... " إلى آخره، والصحابة اتفقوا على هذا في القنوت. وعن إبراهيم بسند صحيح: "ليس في قنوت الوتر شيء موقت، إنما هو دعاء واستغفار". وفي "البدائع": وأما دعاء القنوت فليس في القنوت دعاء موقت، كذا ذكر الكرخي في كتاب الصلاة؛ لأنه روي عن الصحابة أدعية مختلفة في حال القنوت، ولأن الموقت من الدعاء يجري على لسان الداعي من غير احتياجه إلى إحضار قلبه، ¬

_ (¬1) في "الأصل، ك": "اللام"، وأظنه سبق قلم من المؤلف رحمه الله، والمثبت هو الموافق كما في المعاجم، فإن "اللام" ساكنة في كلا الحالتين. والله أعلم.

وصدق الرغبة منه إلى الله تعالى، فيبعد عن الإجابة، ولأنه لا يوقت في القراءة بشيء من الصلوات ففي دعاء القنوت أصلى وقد روي عن محمَّد أنه قال: التوقيت في الدعاء يُذهب رقة القلب، وقال بعض مشايخنا: المراد في قوله: "ليس في القنوت دعاء موقت ما سوى قوله: "اللهم إنا نستعينك"؛ لأن الصحابة اتفقوا على هذا في القنوت، فالأولى، أن يقرأه، ولو قرأ غيره جاز، ولو قرأ معه غيره كان حسنًا، والأصلى أن يقرأ معه ما علَّم رسول الله - عليه السلام - الحسن بن علي في قنوته: اللهم اهدني فيمن هديت ... إلى آخره". ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: فقد روي عن عمر - رضي الله عنه - ما ذكرنا، وروي عنه خلاف ذلك. فحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود: "أن عمر - رضي الله عنه - كان لا يقنت في صلاة الصبح". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود وعمرو بن ميمون، قالا: "صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود ومسروق أنهم قالوا: "كنا نصلي خلف عمر - رضي الله عنه - الفجر فلم يقنت". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود ومسروق أنهم قالوا: "كنا نصلي خلف عمر - رضي الله عنه -، نحفظ ركوعه وسجوده، ولا نحفظ قيام ساعة، يعنون القنوت". حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود وعمرو بن ميمون، قالا: "صلينا خلف عمر - رضي الله عنه -، فلم يقنت في الفجر".

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت إبراهيم، يحدث عن عمرو بن ميمون، نحوه. قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا خلاف ما روي عنه في الآثار الأول، فاحتمل أن يكون قد كان فعل كل واحد من الأمرين في وقت. فنظرنا في ذلك، فإذا يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا مسعر بن كدام، قال: حدثني عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب قال: "ربما قنت عمر". فأخبر زيد بما ذكرنا، أنه كان ربما قنت وربما لم يقنت، فأردنا أن ننظر في المعنى الذي له كان يقنت ما هو؟ فإذا ابن أبي عمران قد حدثنا، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن أبي شهاب الحناط، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "كان عمر - رضي الله عنه - إذا حارب يدعو على أعدائه ويستعين الله عليهم ويستنصره كما كان رسول الله - عليه السلام - فعل لما قتل من قتل من أصحابه، حتى أنزل الله -عز وجل- {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (¬1)، قال عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما -: فما دعا رسول الله - عليه السلام - على أحد بعد". فكانت هذه الآية -عند عبد الرحمن وعند عبد الله بن عمر، ومن وافقهما على ما كانا يقولانه في ذلك- نسخ للدعاء بعد ذلك في الصلاة على أحد، ولم تكن عند عمر - رضي الله عنه - بناسخة ما كان قبل القتال، وإنما نسخت عنده الدعاء في حال عدم القتال، إلا أنه قد ثبت بذلك بطلان قول من يرى الدوام على القنوت في صلاة الفجر. فهذا وجه ما روي عن عمر في هذا الباب. ¬

_ (¬1) سورة آل عمران، آية: [128].

ش: لما روى ما روى عن عمر من القنوت في صلاة الصبح؛ شرع يروي ما روي عنه خلافه ليوفق بينهما. وأخرج أثر الخلاف من ستة طرق: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1): عن الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود نحوه. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة ... إلى آخره. وهو أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه البيهقي (¬2): من حديث الفضيل، عن منصور، عن إبراهيم، أن الأسود وعمرو بن ميمون، قالا: "صلينا خلف عمر الفجر فلم يقنت". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الحميد بن صالح، عن أبي شهاب واسمه عبد ربه بن نافع الكناني الحفاظ الكوفي وهو الأصغر، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة والأسود ومسروق بن الأجدع. وهذا أيضًا إسناد صحيح. الرابع: عن أبي بكرة بكار، عن عبد الحميد بن صالح بن عجلان البرجمي الكوفي؛ قال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن حبان: ثقة. عن أبي شهاب المذكور ... إلى آخره نحوه. وهذا أيضًا إسناد صحيح. ¬

_ (¬1) "مصنف عبد الرزاق" (3/ 106 رقم 4949). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 204 رقم 2934).

قوله: "ولا نحفظ قيام ساعة" المراد من هذا الكلام إنكار هؤلاء قنوت عمر - رضي الله عنه - في الفجر؛ لأنه لو قنت لما خفي عليهم، ولكانوا يحفظونه كما كانوا يحفظون ركوعه وسجوده. الخامس: عن فهد بن سليمان الكوفي، عن علي بن معبد ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون: "أنهما صليا خلف عمر - رضي الله عنه - الفجر فلم يقنت". السادس: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم: "أن الأسود وعمرو بن ميمون صليا خلف عمر الفجر فلم يقنت". وأخرج ابن جرير الطبري في "التهذيب" (¬3): من حديث شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صليت مع عمر - رضي الله عنه - في السفر والحضر ما لا أحصي، فكان لا يقنت في الصبح". فهذه الآثار كلها تخالف الآثار الأُول، فاحتمل أن يكون قد فعل كل واحد من القنوت وتركه في وقت، يعني ربما كان قنت، وربما كان ترك، وأخرج ما يدل على ذلك عن يزيد بن سنان القزاز البصري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن مسعر بن كدام بن ظهير الكوفي، عن عبد الملك بن ميسرة الهلالي العامري الكوفي الزراد، عن زيد بن وهب الجهني الكوفي، رحل إلى النبي - عليه السلام - فقبض وهو في الطريق. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 101 رقم 6965). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 101 رقم 6964). (¬3) "تهذيب الآثار" (6/ 177 رقم 2684).

وهذا إسناد صحيح، والكل من رجال الجماعة ما خلا يزيد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، قال: ثنا مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن زيد بن وهب قال: "ربما قنت عمر في صلاة الفجر".انتهى. فهذا يدل على أنه كان يقنت مرة ويترك مرة، ولكن ينبغي أن ننظر في المعنى الذي كان يقنت حين يقنت لأجله، ولماذا كان؟ فنظرنا فإذا أسود بن يزيد قد روى عنه: إذا حارب قنت وإذا لم يحارب لم يقنت، فعلمنا أن المعنى الذي كان يقنت لأجله هو وقت المحاربة، كان يدعو على أعدائه ويستعين بالله عليهم ويستنصره، كما كان رسول الله - عليه السلام - فعل ذلك لما بلغه أن القراء الذين أرسلهم إلى بئر معونة قد قتلوا، وكانوا سبعين رجلًا -وفي "مسند السراج": كانوا أربعين، وفي "المعجم": ثلاثون: ستة وعشرون من الأنصار، وأربعة من المهاجرين- وكان رسول الله - عليه السلام - أمّر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي الذي يقال له: المعتق ليموت، فخرج عليهم عامر بن الطفيل فقتلوا جميعًا غير عمرو بن أمية الضمري وكعب بن زيد. وكانت هذه السرية في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة، وكان السبب في ذلك: أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر الكلابي ملاعب الأسنة قدم فأهدى للنبي - عليه السلام - فلم يقبل منه، وعرض عليه الإِسلام فلم يسلم، وقال: لو بعثت معي نفرا من أصحابك إلى قومي لرجوت أن يجيبوا دعوتك، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، قال: أنا لهم جار إن تعرض لهم أحد، فبعث معه القراء، فجرى ما ذكرناه. "وبئر معونة": ماء لبني عامر بن صعصعة على أربع مراحل من المدينة. ثم إنه - عليه السلام - لم يزل يدعو عليهم في صلاته حتى أنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (¬2) الآية حتى كف عنه وتركه كما ذكرناه مستقصى. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 104 رقم 7006). (¬2) سورة آل عمران، آية: [128].

وقال عبد الرحمن بن أبي بكر "فما دعا رسول الله - عليه السلام - على أحد بعد ذلك". فكانت هذه الآية عند عبد الرحمن بن أبي بكر وعند عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - ناسخة للدعاء على أحد في الصلاة مطلقا، وكذا عند من يذهب إلى قولهما في ذلك، ولم يكن عند عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نسخها إلا مقيدًا بغير حالة المحاربة، فكان النسخ عنده في حال عدم القتال، وعلى كل التقدير يثبت بذلك بطلان قول من يرى الدوام على القنوت في صلاة الفجر، أما عند عبد الرحمن وابن عمر فَلِكَوْن النسخ عاما عندهم. وأما عند عمر - رضي الله عنه - فلكونه مخصوصا بغير حالة الحرب، وكلا المذهبين يدل على بطلان رؤية الدوام على القنوت في الفجر. ثم إنه أخرج ما روي عن الأسود بإسناد صحيح، عن أحمد بن أبي عمران موسى بن عيسى البغدادي الفقيه؛ وثقه ابن يونس. عن سعيد بن سليمان الواسطي المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي شهاب الحناظ -بالنون- بياع الحنطة، واسمه موسى بن نافع الأسدي، وهو أبو شهاب الكبير روى له البخاري ومسلم والنسائي، وأبو شهاب الأصغر الحفاظ أيضًا مر عن قريب، وأبو شهاب الكبير يروي عن الإمام أبي حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي. عن حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري الكوفي الفقيه الثقة، مشهور احتج به الأربعة، وروى له مسلم مقرونا بغيره، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي. وأخرجه أبو حنيفة في "مسنده". وأخرج أيضًا (¬1): عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة قال: "ما قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي حتى حارب أهل الشام فكان يقنت". ¬

_ (¬1) "مسند أبي حنيفة" (1/ 83).

وأخرج أيضًا: عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود قال: "صحبت عمر بن الخطاب سنين، فلم أره قانتا في صلاة الفجر". وأخرجه محمَّد بن الحسن في "آثاره" (¬1): عن أبي حنيفة نحوه. ص: وأما علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فروي عنه في ذلك ما قد حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي - رضي الله عنه -: "أنه كان يقنت في صلاة الصبح قبل الركوع". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وأبو داود، قالا: ثنا شعبة (ح). وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبونعيم، قال: ثنا سفيان، كلاهما عن أبي حصين، عن عبد الله بن معقل -في حديث سفيان- قال: "كان عليّ وأبو موسى - رضي الله عنهما - يقنتان في صلاة الغداة -وفي حديث شعبة- فقنت بنا عليٌّ وأبو موسى". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عبيد بن حسن، قال: سمعت ابن معقل يقول: "صليت خلف علي - رضي الله عنه - الصبح فقنت". فقد يجوز أن يكون علي - رضي الله عنه - كان يرى القنوت في صلاة الصبح في سائر الدهر، ويجوز أن يكون فعل ذلك في وقت خاص للمعنى الذي كان عمر - رضي الله عنه - فعله من أجله، فنظرنا في ذلك فإذا روح بن الفرج قد حدثنا، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "كان عبد الله لا يقنت في الفجر، وأول من قنت فيها عليّ - رضي الله عنه -، وكانوا يرون أنه إنما فعل ذلك؛ لأنه كان محاربا". حدثنا فهد، قال: ثنا مُحرز بن هشام، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "إنما كان علي يقنت ها هنا؛ لأنه كان محاربًا، فكان يدعو على أعدائه في القنوت ¬

_ (¬1) "الآثار" (1/ 278 رقم 214).

في الفجر والمغرب. فثبت بما ذكرنا أن مذهب علي - رضي الله عنه - في القنوت هو مذهب عمر - رضي الله عنه - الذي وصفنا، ولم يكن عليٌّ - رضي الله عنه - يقصد بذلك إلى الفجر خاصة؛ لأنه قد كان يفعل ذلك في المغرب، فيما ذكر إبراهيم - رضي الله عنه -. حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، قال: حدثني حصين بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الرحمن بن معقل يقول: "صليت خلف علي - رضي الله عنه - المغرب فقنت ودعا". فكل قد أجمع أن المغرب لا يقنت فيها إذا لم تكن حرب، وأن عليًّا - رضي الله عنه - إنما قنت فيها من أجل الحرب، فقنوته في الفجر أيضًا عندنا كذلك. ش: لما كان الخصم استدل أيضًا -فيما ذهب إليه من القنوت في الفجر- بما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقنت في الصبح، ذكره ثم أجاب عنه بما ذكره، وهو ظاهر. وأخرج ما روي عنه من أربع طرق صحاح: الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب بن رُبَيعة -بالتصغير- السلمي الكوفي، ولأبيه صحبة، وأبو عبد الرحمن روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا هشيم ... إلى آخره. وفيه حجة لأصحابنا: أن القنوت فيما يقنت قبل الركوع. فإن قيل: روى البيهقي في "سننه" (¬2): من حديث يزيد بن أبي زياد، سمعت أشياخنا يحدثون: "أن عليا - رضي الله عنه - كان يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع". قلت: يزيد بن أبي زياد ضعيف، وحكى البيهقي نفسه تضعيفه عن ابن معين في باب "رفع اليدين عنوإلافتتاح خاصة"، ثم إنه روى عن الأشياخ وهم مجهولون، والذي رواه الطحاوي وابن أبي شيبة أولى. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 105 رقم 7020). (¬2) "سنن البيهقي الكبرى" (2/ 108 رقم 2955).

الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي، كلاهما عن شعبة، عن أبي حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد- عثمان بن عاصم بن حُصَير -بالتصغير- الأسدي الكوفي. عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني قال: "قنت بنا ... " إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده": عن شعبة ... إلى آخره. الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن أبي حصين ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن معقل قال: "قنت في الفجر رجلان من أصحاب النبي - عليه السلام -: علي وأبو موسي". وقال البيهقي: هذا عن علي صحيح مشهور. قلت: الجواب عنه ما ذكره الطحاوي، وأيضًا هذا الأثر مضطرب. فإن ابن حبان أخرج في "صحيحه" (¬2): عن أبي مالك، [عن أبيه] (¬3): "أنه صلى خلف علي - رضي الله عنه - فلم يقنت". قوله: "كلاهما عن أبي حصين" أي شعبة وسفيان كلاهما رويا عن أبي حصين. الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبيد بن حسن المزني الكوفي، عن عبد الله بن معقل بن مقرن. وأخرج ما رواه إبراهيم النخعي الذي يدل على أن قنوت علي إنما كان للمحاربة عن طريقين رجالهما ثقات: ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 104 رقم 7002). (¬2) "صحيح ابن حبان" (5/ 328 رقم 1989). (¬3) ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "صحيح" ابن حبان.

الأول: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي الكوفي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي، عن مغيرة بن مقسم الضبي الكوفي الفقيه الأعمى، عن إبراهيم النخعي. وأخرج محمَّد بن الحسن في "آثاره" (¬1): عن أبي حنيفة عن حماد، عن إبراهيم: "أن أهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي، قنت يدعو على معاوية حين حاربه". وأخرج ابن حزم في "المحلى" (¬2): من طريق ابن المجالد عن أبيه، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة والأسود، قالا: "ما قنت رسول الله - عليه السلام - في شيء من الصلوات إلا إذا حارب، فإنه كان يقنت في الصلوات كلهن، ولا قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان حتى ماتوا، ولا قنت علي - رضي الله عنه - حتى حارب أهل الشام، فكان يقنت في الصلوات كلهن، وكان معاوية يقنت أيضًا، يدعو كل واحد منهما على صاحبه". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن مُحرز بن هشام، عن جرير بن حازم، عن مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي. وأخرج ما رواه عبد الرحمن بن معقل الذي يدل على أن عليًّا كان يقنت في المغرب أيضًا عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن معقل -بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف- ابن مقرِّن المزني الكوفي ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا شريك، عن حصين، عن عبد الرحمن بن معقل، قال: "صليت خلف علي - رضي الله عنه - المغرب فقنت". ¬

_ (¬1) "الآثار" (1/ 278 رقم 214). (¬2) "المحلى" (4/ 145). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 109 رقم 7057).

ص: وأما عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - فروي عنه ما قد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن عوف، عن أبي رجاء، عن ابن عباس قال: "صليت معه الفجر فقنت قبل الركوع". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عوف ... فذكر بإسناده مثله، وزاد: "وقال: هذه الصلاة الوسطى". قال أبو جعفر -رحمه الله-: فقد يجوز أيضًا في أمر ابن عباس في ذلك ما جاز في أمر علي - رضي الله عنه -، فنظرنا هل روي عنه خلاف هذا؟ فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري، عن واقد، عن سعيد بن جبير قال: "صليت خلف ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - فكانا لا يقنتان في صلاة الصبح". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن منصور، قال: أنا مجاهد، أو سعيد بن جبير: "أن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان لا يقنت في صلاة الفجر". حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن عمران بن الحارث، قال: "صليت خلف ابن عباس في داره الصبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: أخبرني عمران بن الحارث السلمي قال: "صليت خلف ابن عباس الصبح، فلم يقنت". فكان الذي يروي عنه القنوت هو أبو رجاء إنما كان ذلك وهو بالبصرة واليا عليها لعلي - رضي الله عنه -، وكان أحد من يروي عنه بخلاف ذلك سعيد بن جبير، وإنما كانت صلاته بعد ذلك بمكة، وكانت صلاته في ذلك مذهب عمر وعلي - رضي الله عنهما -، فكان الذين قد روينا عنهم القنوت في الفجر إنما كان ذلك منهم للعارض الذي ذكرنا، فقنتوا فيها وفي غيرها من الصلوات، وتركوا ذلك في حال عدم ذلك العارض.

ش: لما استدل الخصم أيضًا بما روي عن ابن عباس من قنوته في الصبح، ذكره ثم أجاب عنه بما ملخصه: أن قنوت ابن عباس - رضي الله عنهما - يجوز أن يكون كقنوت علي -يعني لأجل الحراب- كان يدعو على الأعداء، على أنه قد روى عنه سعيد بن جبير وعمران بن الحارث عدم القنوت أصلًا، والذي روى عنه القنوت هو أبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي، وكان ذلك لما كان ابن عباس بالبصرة واليا عليها من جهة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، والذي روى عنه سعيد بن جبير كان بمكة بعد ذلك، فدل أن ما كان منه من القنوت في الصبح إنما كان لأجل العارض وهو الحرب، فكل من روي عنه من الصحابة من القنوت في الصبح فمحمول على هذا العارض، والدليل على صحة هذا: أن بعضهم كان يقنت أيضًا في غير الصبح، وقد ذكرنا عن قريب أن ابن حزم روى أن عليًّا - رضي الله عنه - كان يقنت في الصلوات كلهن، وكان ذلك حين كان يحارب أهل الشام، فهذا كله يدل على بطلان قول من يرى القنوت في الصبح دائمًا. وقد أخرج ما روي عن قنوته من طريقين صحيحين: الأول: عن علي بن شيبة، عن قبيصة بن عقبة بن محمَّد السوائي الكوفي، عن سفيان الثوري، عن عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي، عن أبي رجاء عمران بن ملحان، أدرك زمان النبي - عليه السلام - ولم يره، وأسلم بعد الفتح وأتى عليه مائة وعشرون سنة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنف" (¬1): ثنا هشيم، عن عوف، عن أبي رجاء، قال: "رأيت ابن عباس يمد ضَبعيه في قنوت صلاة الغداة إذ كان بالبصرة". الثاني: أخرجه الطحاوي بعينه في باب: الصلاة الوسطى. وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 104 رقم 7004).

وأخرجه البيهقي (¬1) مطولًا وقد ذكرناه هناك. وأخرج ما روي عن عدم قنوته من أربع طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن واقد الخياط أبي عبد الله مولى زيد بن خليد، وثقه ابن حبان، عن سعيد بن جبير. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - "أنهما كانا لا يقنتان في الفجر". الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء ... إلى آخره. وهؤلاء قد تكرروا جدًّا. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬3): ثنا الحسن بن علي، عن زائدة، عن منصور، قال: حدثني مجاهد وسعيد بن جبير: "أن ابن عباس كان لا يقنت في صلاة الفجر". الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن عمران بن الحارث السلمي أبي الحكم الكوفي، روى له مسلم والنسائي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬4): ثنا هشيم، قال: أنا حصين، عن عمران بن الحارث قال: "صليت مع ابن عباس في داره الصبح، فلم يقنت قبل الركوع ولا بعده". ¬

_ (¬1) "سنن البيهقي الكبرى" (1/ 461 رقم 2006). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 102 رقم 6970). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 103 رقم 6995). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 102 رقم 6976).

الرابع: عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن ... إلى آخره. وأخرجه الطيالسي في "مسنده". ص: وقد روينا عن آخرين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك القنوت في سائر الدهور. فمن ذلك: ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال: "كان عبد الله لا يقنت في صلاة الصبح". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا المسعودي، قال: ثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: "كان ابن مسعود لا يقنت في شيء من الصلوات إلا الوتر، فإنه كان يقنت قبل الركعة". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال: "كان عبد الله لا يقنت في صلاة الصبح". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا المسعودي ... فذكر مثل حديث أبي بكرة، عن أبي داود، عن المسعودي، بإسناده. حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا ابن المبارك، عن فضيل بن غزوان، عن الحارث العكلي، عن علقمة بن قيس قال: "لقيت أبا الدرداء - رضي الله عنه - بالشام فسألته عن القنوت فلم يعرفه". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا يقنت في شيء من الصلوات". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا محمَّد بن مسلم الطائفي، قال: ثنا عمرو بن دينار قال: "كان عبد الله بن الزبير يصلي بنا الصبح بمكة فلا يقنت".

ش: أي قد رويخا عن جماعة آخرين من الصحابة - رضي الله عنهم - ترك القنوت أصلًا في سائر الأزمان، لا في الحرب ولا في غيرها، وهم أربعة أنفس ها هنا: عبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهم -. أما أثر ابن مسعود فأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن علقمة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس: "أن ابن مسعود لم يكن يقنت في الفجر". الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (¬2): ثنا فضيل بن محمَّد الملطي، ثنا أبو نعيم، ثنا أبو العميس، حدثني عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: "كان عبد الله لا يقنت في صلاة الغداة، إذا قنت قنت في الوتر قبل الركعة". الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو البصري العقدي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله ... إلى، آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1): ثنا وكيع، عن الثوري ... إلى آخره نحوه. الرابع: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد الرحمن ابن عبد الله المسعودي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه. ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 101 رقم 6967). (¬2) "المعجم الكبير" (9/ 238 رقم 9166).

وأخرج الطبراني في "الكبير" (¬1): عن علي بن عبد العزيز عن حجاج بن المنهال، عن حماد، عن أبي حمزة، عن ابن مسعود: "أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع ولا يقنت في صلاة الفجر". وأخرج محمَّد بن الحسن في "آثاره" (¬2): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود كان يقنت السنة كلها في الوتر قبل الركوع" قال محمَّد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. وأخرج أيضًا (¬3): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود لم يقنت هو ولا أحد من أصحابه حتى فارق الدنيا- يعني في صلاة الفجر". وأما أثر أبي الدرداء عويمر بن مالك - رضي الله عنه - فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الكوفي الحماني؛ وثقه يحيى وغيره، عن عبد الله بن المبارك، عن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي، عن الحارث بن يزيد العكلي روى له مسلم، عن علقمة بن قيس. قوله: "فلم يعرفه" أي لم يعهده في الصبح عن النبي - عليه السلام - ولا عن الصحابة، ونظير هذا ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - لما سأله أبو الشعثاء عن القنوت في الفجر: "ما شعرت أن أحدًا يفعله" رواه عبد الرزاق وغيره، وقد مرّ. وأما أثر عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر. والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن مالك، عن نافع. ¬

_ (¬1) "المعجم الكبير" (9/ 284 رقم 9432). (¬2) "الآثار" (1/ 272 رقم 209). (¬3) "الآثار" (1/ 275 رقم 211).

وأما أثر عبد الله بن الزبير بن العوام - رضي الله عنهما - فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم بن محمَّد بن سالم المعروف بابن أبي مريم الجمحي المصري شيخ البخاري. عن محمَّد بن مسلم بن سوسن الطائفي، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عمرو بن دينار المكي روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬1): ثنا روح بن عبادة، عن زكرياء بن إسحاق، قال: حدثني عمرو بن دينار: "أن ابن الزبير - رضي الله عنهما - صلى بهم الصبح فلم يقنت". ص: فهذا عبد الله بن مسعود لم يكن يقنت في دهره كله، وقد كان المسلمون في قتال عدوهم في كل ولاية عمر - رضي الله عنه -، أو في أكثرها، فلم يكن يقنت لذلك، وهذا أبو الدرداء ينكر القنوت، وابن الزبير لا يفعله، وقد كان محاربًا حينئذ لأنَّا لم نكن نعلم أم الناس إلا في وقت ما كان الأمر صار إليه. فقد خالف هؤلاء عمر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - فيما ذهبوا إليه من القنوت في حال المحاربة بعد ثبوت زوال القنوت في حال عدم المحاربة، فلما اختلفوا في ذلك، وجب كشف ذلك من طريق النظر لنستخرج من المعنيين معنى صحيحًا، فكان ما قد روينا عنهم أنهم قنتّوا فيه من الصلوات لذلك الصبح والمغرب خلا ما روينا عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه كان يقنت في صلاة العشاء" فإن ذلك يحتمل أيضًا أن تكون هي المغرب، ويحتمل أن تكون هي العشاء الآخرة، ولم نعلم عن أحد منهم أنه قنت في ظهر ولا عصر في حال حرب ولا غيره، فلما كانت هاتان الصلاتان لا قنوت فيهما في حال الحرب ولا في حال عدم الحرب، وكان الفجر والمغرب والعشاء لا قنوت فيهن في حال عدم الحرب؛ ثبت أن لا قنوت ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 102 رقم 6971).

فيهن في حال الحرب أيضًا، وقد رأينا الوتر فيها القنوت عند أكثر الفقهاء في سائر الدهر، وعند خاصٍّ منهم في ليلة النصف من شهر رمضان خاصة، فكانوا جميعًا إنما يقنتون لتلك الصلاة خاصة لا لحرب ولا لغيره. فلما انتفى أن يكون القنوت فيما سواها يجب لعلة الصلاة خاصة، لا لعلة غيرها، انتفى أن تكون تجب لمعنى سوى ذلك. فثبت بما ذكرنا أنه لا ينبغي القنوت في الفجر في حال حرب ولا غيره، قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا من ذلك، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله. ش: ملخص هذا: أن هؤلاء الأربعة من الصحابة - رضي الله عنهم - لم يكونوا يقنتون في صلاة الصبح. أما ابن مسعود فإنه لم يكن يقنت أصلًا في جميع دهره، والحال أن المسلمين كانوا في قتال عدوهم في كل ولايات عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أو في أكثرها، وذلك لأن أكثر البلاد فتحت في أيامه كالشام ومصر وأكثر العراق، ولم تزل عساكره تجول يمينا وشمالا, ولو كان ابن مسعود يرى القنوت في أيام الحرب لكان قنت، فحيث ترك أصلًا، دَلَّ على أن حكمه مرفوع. وأما ابن عمر فكذلك لم يكن يفعله حترل روى ابن عبد البر عنه: "أنه كان يقول: القنوت في الفجر بدعة". وأما أبو الدرداء فإنه أنكره بالكلية. وأما ابن الزبير فإنه لم يكن يفعله، والحال أنه كان محاربا؛ لأنه لم يؤم الناس إلا حين صار الأمر إليه، وذلك حين ادعى الخلافة في مكة، وبويع له في جمادى الأول سنة أربع وستين بمكة، واستبد بأمرها، ثم انتشرف بيعته في الحجاز واليمن والعراق والمشرق والمغرب، وبعض بلاد الشام، وكانت أيامه تسع سنين وعشرة أيام، وقتل يوم الثلاثاء السابع عشر من جمادى الأولى أو الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وعن مالك وغيره: أن مقتله كان على رأس ثنتين وسبعين، وكان سنه يوم قتل اثنتن وسبعين سنة.

فهؤلاء قد خالفوا عمر وعليًّا وابن عباس - رضي الله عنهم - فيما ذهبوا إليه من القنوت في حال المحاربة، مع اتفاقهم كلهم على زوال حكمه في حال عدم المحاربة، فإذا كان اختلافهم في حال المحاربة؛ وجب كشف ذلك من طريق النظر والقياس، وهو ظاهر. قوله: "قنتوا فيه من الصلوات لذلك" أي لأجل الحرب. قوله: "الصبح" بالنصب؛ لأنه خبر كان في قوله: "فكان ما قد روينا". قوله: "والمغرب" عطف عليه قوله: "فإن ذلك يحتمل أيضًا ... إلى آخره"؛ لأن لفظ العشاء مشترك بين صلاة المغرب التي تسمى العشاء الأولى، وصلاة العشاء التي تسمى العشاء الآخرة، فإذا كان مشتركا بين المعنيين يحتمل أن يراد به أحد المعنيين عند الإطلاق. قوله: "ولم نعلم عن أحد منهم أنه قنت في ظهر ولا عصر" فيه نظر؛ لأنا قد ذكرنا أن ابن حزم قد أخرج عن علي: "أنه كان يقنت في الصلوات كلهن، وكان معاوية يقنت أيضًا كذلك يدعو كل واحد منهما على صاحبه". وروى السراج في "مسنده": ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا عبد الصمد، ثنا ثابت، ثنا هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "قنت النبي - عليه السلام - شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة، يدعو على رعل وذكوان وعصية، ويؤمِّن من خلفه". وقال ابن حزم في "المحلى" (¬1): ثنا حُمام بن أحمد، ثنا عباس بن أصبغ، نا محمَّد ابن عبد الملك بن أيمن، نا أبو عبد الله الكابُلي، نا إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا محمَّد بن أنس، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب: "أن النبي - عليه السلام - كان لا يصلي صلاة إلا قنت فيها". ¬

_ (¬1) "المحلى" (4/ 139).

قوله: "وقد رأينا الوتر فيها القنوت عند أكثر الفقهاء" وأراد بهم: إبراهيم النخعي، وعلقمة، وحماد بن أبي سليمان، والأسود بن يزيد، وسعيد بن جبير، وأبا حنيفة وأصحابه، والثوري، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق؛ فإن هؤلاء كلهم يرون القنوت في الوتر قبل الركوع، وهو مذهب ابن مسعود وابن عمر وعلي بن أبي طالب والبراء بن عازب والحسن بن علي - رضي الله عنهم -. وقال الترمذي (¬1): ثنا قتيبة، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: قال الحسن بن علي - رضي الله عنهم -: "علمني رسول الله - عليه السلام - كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، ولا نعرف عن النبي - عليه السلام - في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا. واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر، فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق. انتهى. قلت: أبو الحوراء -بالحاء والراء المهملتين- اسمه ربيعة بن شيبان. وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (¬2): ثنا هشيم، قال: أنا منصور، عن الحارث العكلي، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد: "أن عمر - رضي الله عنه - قنت في الوتر قبل الركوع". ثنا (¬3) شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبيه: "أن عليًّا - رضي الله عنه - كان يقنت في الوتر بعد الركوع". ¬

_ (¬1) "جامع الترمذي" (2/ 328 رقم 464). (¬2) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 96 رقم 6900). (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 96 رقم 6901).

ثنا (¬1) حفص، عن ليث، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه: "أن [عبد الله] (¬2) - رضي الله عنه - كان يوتر فيقنت قبل الركوع". ثنا (¬3) هشيم، قال: أنا مغيرة، عن إبراهيم قال: "كان يقول في قنوت الوتر قبل الركوع إذا فرغ من القراءة ... ". ثنا (¬4) ابن نمير، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير: "أنه كان يقنت في الوتر قبل الركوع". ثنا (¬5) يزيد بن هارون، عن هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة: "أن ابن مسعود وأصحاب النبي - عليه السلام - كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع". وقال السراج في "مسنده": ثنا أبو كريب، ثنا محمَّد بن بشر، عن العلاء بن صالح، ثنا زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أنه سأله عن القنوت في الوتر، فقال: ثنا البراء بن عازب قال: سنة ماضية". وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (¬6)، ولكن قال: هذا وهم إنما هو الفجر. فإن قيل: هل روي عن النبي - عليه السلام - أنه قنت في الوتر قبل الركوع؟ قلت: نعم، فقال الدارقطني (¬7): ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، ثنا علي بن خشرم، ثنا عيسى بن يونس، عن فطر عن زبيد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يوتر بثلاث: ¬

_ (¬1) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 96 رقم 6903) ولكن عن عبد الله. (¬2) في "الأصل، ك "عليًّا"، وهو سبق قلم من المؤلف رحمه الله، والمثبث من "المصنف". (¬3) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 96 رقم 6909). (¬4) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 96 رقم 6910). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 97 رقم 6911). (¬6) "صحيح ابن خزيمة" (2/ 153 رقم 1097). (¬7) "سنن الدارقطني" (2/ 31 رقم 2).

بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} (¬1)، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} (¬2)، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (¬3)، ويقنت قبل الركوع، فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يمد بها صوته، في الأخيرة يقول: رب الملائكة والروح". ثنا (¬4) الحسن بن يحيى بن عياش، ثنا الحسن بن محمَّد الزعفراني، ثنا يزيد بن هارون، أنا أبان بن أبي عياش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "بت مع رسول الله - عليه السلام - لأنظر كيف يقنت في وتره؟ فقنت قبل الركوع، ثم بعثت أمي أم عبد، فقلت: بيتي مع نسائه فانظري كيف يقنت في وتره؟ فأتتني فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع". ثم قال الدارقطني: أبان متروك. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (¬5): عن يزيد بن هارون، عن أبان ... إلى آخره، نحوه. وقال الدارقطني (¬6): ثنا عبد الصمد بن علي، ثنا عبد الله بن غنام، ثنا عقبة بن مكرم، ثنا يونس بن بكير، ثنا عمرو بن شمر، عن سلام، عن سويد بن غفلة قال: "سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - رضي الله عنهم - يقولون: قنت رسول الله - عليه السلام - في آخر الوتر وكانوا يفعلون ذلك". وقال ابن ماجه (¬7): ثنا علي بن ميمون الرقي، ثنا مخلد بن يزيد، عن سفيان، عن زُبَيْد اليامي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبي بن كعب: "أن رسول الله - عليه السلام - كان يوتر فيقنت قبل الركوع". ¬

_ (¬1) سورة الأعلى، آية: [1]. (¬2) سورة الكافرون، آية: [1]. (¬3) سورة الإخلاص، آية: [1]. (¬4) "سنن الدارقطني" (2/ 31 رقم 4). (¬5) "مصنف ابن أبي شيبة" (2/ 97 رقم 6912). (¬6) "سنن الدارقطني" (2/ 32 رقم 6). (¬7) "سنن ابن ماجه" (1/ 374 رقم 1182).

قلت: هذا سند صحيح، وسيجيء مزيد الكلام فيه في بابه إن شاء الله تعالى. قوله: "وعند خاص منهم" أي وعند قوم مخصوصين من الفقهاء: القنوت في ليلة النصف من شهر رمضان خاصة، وأراد بهم: الشافعي، ومالكا في رواية ابن نافع عنه، وأحمد في وجه، وقال الترمذي: وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "أنه كان لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، وكان يقنت بعد الركوع". وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وبه يقول الشافعي وأحمد. وفي "الروضة" للنووي: ولنا وجه يقنت في جميع شهر رمضان، ووجه أنه يقنت في جميع السنة، والصحيح اختصاص النصف الأخير من رمضان، وهو نص الشافعي -رحمه الله-. وفي "الجواهر" للمالكية: والمشهور أنه لا يقنت في النصف الأخير من رمضان، وهو قول ابن القاسم. وفي "الحاوي" في فقه أحمد: وأقله أي أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، يسلم في كل ركعتين، ويوتر بركعة، وإن سرد عشرًا وجلس ثم أوتر بالأخيرة وتحيَّا وسلم صح مع ترك السنة، وأدنى الكمال ثلاث بتسليمتين أو سردًا بسلام كالمغرب، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة "سبح"، وفي الثانية "الكافرون"، وفي الثالثة "الإخلاص" يقنت فيها بعد الركوع، ويجوز قبله، ويرفع يديه ويقول: اللهم إنا نستعينك ... إلى آخره.

ص: باب: ما يبدأ بوضعه في السجود اليدين أو الركبتين

ص: باب: ما يبدأ بوضعه في السجود اليدين أو الركبتين ش: أي هذا باب في بيان ما يبدأ المصلي في سجوده بوضع اليدين أولا أم الركبتين ثم اليدين؟ قوله: "اليدين" منصوب بفعل محذوف، أي هل يضع اليدين أولا أو يضع الركبتين أولا، ويجوز أن يكون مفعولا للمصدر المضاف إلى فاعله، أعني قوله: "بوضعه". وقوله: "في السجود" معترض بين الفاعل والمفعول. والمناسبة بين البابين من حيث إن هذا الحكم يتعقب الركوع والقنوت في صلاة الفجر على مذهب من يرى القنوت بعد الركوع. فافهم. ص: حدثنا عليّ بن عبد الرحمن بن محمَّد بن المغيرة، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا الدراوردي، عن عبيدالله بن