منهج الإمام الدارقطني في نقد الحديث في كتاب العلل

يوسف بن جودة الداودي

مَنْهجُ الإمَامِ الدَّارَقطنِي في نقدِ الحديث في كِتَابِ العِلَّل تأليف أبي عبد الرحمن يوسف بن جودة الدَّاودي

الإهداء

الإهداء أهدي هذا العمل إلى أغلى من أحب في حياتي، إلى من كانا سبباً في وجودي، وربَّياني، وركبا كل سهل وصعب من أجلي، وسهرا على تعليمي ورعايتي صغيراً، وأرى بركة دعائهما كبيراً، إلى والديَّ الكريمين: إلى أبي وأمي رحمهما الله وأدخلهما فسيح جناته، فإنَّه سبحانه ولى ذلك والقادر عليه وهو نعم المولى، ونعم النَّصير.

مقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقدمة إنَّ الحمد لله نَحْمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفِسِنَا وَمِنْ سيئاتِ أعمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِي لَهُ، وَأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وَحَدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَداً عبْدهُ ورسولُهُ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (¬1)، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (¬2)، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (¬3). فالحمدُ للهِ ربِّ العَالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ المرسلين، وإمامِ المتقين، سيدنا محمدٍ وعلى وآله وصحبهِ أجمعين، أحمدُهُ سبحانَهُ علي جميلِ لُطْفِهِ وعظيمِ إكرامِهِ، الموفقُ عبادَهُ لِجَميعِ الخيراتِ في السراءِ والضراءِ، والحمدُ للهِ كَما يَنبغِي لِجَلالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلطَانِهِ القَائلُ سُبْحَانَهُ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} (¬4)، فَهَو سُبحَانَهُ وَحْدَهُ الذي هَدَي وَعَلَّمَ، وَتَفَضَّلَ وَتَكَرَّمَ، وَأَسْبَغَ عَلينَا النِّعَمَ، وَحَفِظَنَا بِرُكْنِهِ الذي لا يُرَامُ، وكَلأنَا بِعزهِ الذي لا يُضَامُ، وأنارَ لنَا السبيلَ وَهَدَانَا إلي الدليلِ. أما بعد: فإنَّهُ من أهمِ العلومِ التي امتاز بها المسلمونَ عن غَيرهِم مِنَ الأممِ، نَقدُ الأخْبارِ وتَقويم التاريخِ، ولقدْ بَرَزَ النُّقادُ والعلماءُ في أولِ عَصرِ تدوين السُنَّةِ الشريفةِ، فَقَامَ جَهابِذَةُ هَذَا العِلْمِ ونقدوا الآثارَ والأخبارَ، وبَذَلُوا في ذلكَ كُلَّ غَالٍ ونفيسٍ، فقاموا ببيانِ مراتبِ الأحاديثِ، والتفريقِ بين الغثِ والثمينِ، وتوضيحِ ما التبسَ منها على النَّاس، وتفنيدِ الباطلِ منها وبيانِ زيفِهِ. ¬

(¬1) سورة آل عمران، آية رقم (102). (¬2) سورة النساء، آية رقم (1). (¬3) سورة الأحزاب، آيات رقم (70، 71). (¬4) سورة الزمر، آية رقم (26).

فَكانَ عِلْمُ عِلَلِ الحديثِ مِنْ أَدَقِّ العُلومِ، وَأعْمَقِهَا ضَرباً، وأَنْفَعِهَا في تَحْقِيقِ المسَائلِ والأحكامِ الشرعيةِ التي عَليهَا مَدَارُ الدِّينِ، وكنتُ منذُ نعومةِ أظفاري أنظُرُ لهؤلاءِ النُّقاد فَأرى جِبَالاً مِنَ العلمِ والفِهْمِ، والحكْمَةِ والنزَاهَةِ في الحكمِ، واستقامةِ المنهجِ، وكنتُ دائماً أسألُ نفسي كيف وصَلَ هؤلاءِ القومُ لمثلِ هَذَا المستوى الرفيعِ من الإتقانِ والدقةِ والأمانةِ في الأحكامِ والأقوالِ التي قَلَّمَا يتصف بها كثيرٌ مِنَ النَّاسِ، كَما قالَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإبِلِ الْمِائَةِ لا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً) (¬1). وبعد أن مرتْ أعوامٌ عديدة من حُضُورِي لمجالسِ العلمِ وِمُدَارسةِ العلومِ على يد المشايخِ والعلماء المعتَبرينَ، تَبيَّنَ لِي أَنَّ هؤلاءِ القومَ رَضُوا من دُنياهُم بالقليلِ، وبذلوا الْمُهجَ، والجهدَ والوقتَ والمالَ في سبيلِ نصرةِ هذا الدين ورفعتِهِ، فَكانَ الجزاءُ من جنس العمل، فأثَابَهُم اللهُ بذلك سِعةَ الحفظِ، ودِقَّةَ الفهمِ، والتوفيقَ والسدادَ في أقوالهِم وأعمالهِم، فنفع الله بهم العبادَ في مشارقِ الأرضِ ومَغَارِبِهَا، واستنارت بهم العُقولُ، وارتوت مِن فيضِ عُلومِهِم القلوبُ، وأذعنتْ من عُمقِ إخْلاصِهِم الصدور، فسَارَ بِفَضْلِهِم الرُّكبانُ، وتعطرتْ بجميلِ شَذَاهُم الأكوان، واستقامت بعبيرِ فيحهِم الأركان، فكان مَثَلُهُم كالبستانِ الذي ملئ بالزهورِ والورودِ والريحانِ، فلا تفتأُ إلا أنْ تجدَ الفَيْحَ الجميلَ، والثمرَ العليلَ، فلمَّا رأيتُ ذلك تعلَّقَ قلبي بهؤلاءِ القومِ، وبما أفاضُوا بهِ من العلومِ ولاسيما علمُ عللَ الحديثِ، وكان كتابُ العللِ للدارقطنيِّ من أكبرِ المصنفاتِ في علمِ نقدِ الأخبار والآثار، وقد وضع فيه الإمامُ الدارقطنيُّ خُلاصَةَ عِلْمِهِ، وأبان العللَ بأسلوبٍ يُجَلِّي العلةَ ويُبرِزُهَا، ويمتازُ كذلكَ عن بقيةِ الكُتبِ المطبوعةِ في هذا الفنِ، ويزيدُ عليها سعةً وشمولاً واستيعاباً وتنظيماً، وقد ذكرَه أجلةُ العلماءِ الكبارِ بأجملِ الثناءِ، ثم ما كان من مكانةِ الإمامِ الدارقطنيِّ في نقدِ الحديثِ، فهُو من كبارِ أئمةِ الحديثِ والنَّقدِ وكان مما دفعني كذلكَ للبحثِ في منهجِ الإمامِ الدارقطنيِّ في كتابهِ العلل، قلةُ الأبحاثِ العلميةِ فيه، والدراساتُ التحليليةُ التي اهتمت بمناهجِ أئمَّةِ النَّقدِ في مُصَنَّفَاتِهِم ¬

(¬1) أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانةِ، برقم (6017).

أهداف البحث

العللَ، وعلى الرغمِ من مكانةِ الدارقطنيِّ وكتابِهِ العلل، لم يحظَ الدارقطنيُّ بدراسةٍ تحليليةٍ علميةٍ لمنهجهِ في التعليلِ مِنْ قبل، ولخفاءِ عِللِ الأحاديثِ على كثيرٍ من النَّاسِ خاصةً أهل العلم، حتى صارَ من أغْمضِ أنواع العلوم وأدقها مسلكًا، ولا يقومُ بِهِ إلا مَنْ منحَهُ اللهُ فَهْمًا وإطلاعًا، وإدراكًا لمراتب الرواة، ومعرفةً ثاقبةً لاختلافِ المرويَّاتِ والرِّجالِ. فكُلُّ هذهِ الأسبابِ وغَيرِهَا قد حجبت أنوار تلك الكنوز والدُّرر الثمينة، وقللت من الانتفاع بها، فرأيتُ أن أُساهِمَ في تذليلِ تلكَ العقباتِ أمامَ طلابِ العلمِ والباحثينَ لفهِمِ مقاصدِ أئمةِ النَّقدِ ومدلولاتِ ألفَاظِهِم في العللِ والرجالِ، والاستفادةِ بأقوالهِم وأحكَامِهِم لتصحيحِ الأحكامِ، وترجيحِ الأقوالِ، وبالأخصِ لمعرفةِ الطريقةِ التي كان يَسلُكَهَا الدارقطنيُّ ومدلولِ ألفاظِهِ في التعليلِ، ليكونَ الباحثُ على بصيرةٍ مِنهَا، وفتحُ البابِ لدراسةِ بقيةِ مناهجِ أئمةِ النَّقدِ. ولا يَشُكُّ مُشْتَغلٌ بهذا الفنِ فضلاً عن بارعٍ فيهِ، بأنَّ معرفةَ عللَ الحديثِ، وأحوالَ الرجالِ، وفِهْمَ مَقَاصِد وألفاظِ أئمة النَّقدِ، بمثابةِ الرأسِ مِنَ الجسدِ في علمِ الحديثِ، وبالنسبةِ لطلبة العلم والباحثين، تعتبر من أهمِ المباحث التي تساعدهُم في التحققِ من صحة الحديث، وبالتالي صحةِ الاستنباطِ، وصحةِ البرهنةِ على الراجحِ من الأقوالِ، لذا كانت دراسةُ منهج الإمام الدارقطني في كتابه العلل من أنفع المباحث التي دُرِستْ في هذا المضمار بفضل الله عزَّ وجلَّ، لإفصاحِها عن غُررٍ عزيزة، وفوائد جليلة لا تكاد تجدها في غيرها، وقد وفِّقتُ بفضل الله تعالى لبيان جانبٍ عظيمٍ من هذه الدرر والفوائد. أهداف البحث: وقد استعرضتُ في هذهِ الدراسةِ جانباً هاماً من أحكامِ الدارقطنيِّ على الأحاديثِ المعلولةِ مثلُ الاضطرابِ، أو التصحيفِ، أو الإدراج، أو النَّكارةِ أو الشذوذِ وغيرها، فقد يكون الحديث مروياً بالمعنى الخطأ عن الثقات - الذين عليهم العمدةُ في المرويَّاتِ مما يوهم صِحتَهُ - فيُحكمُ عليهِ بالصحةِ، ويعتبرُ دليلاً لحكمٍ شرعي، وليس هُو بصحيح بل هو ضعيفٌ معلولٌ، وقد ضربت أمثلةً كثيرة في هذه الدراسة تدل على ما ذكرتُ آنفاً.

منهج البحث

وما هذا البحثُ إلا محاولةً للكشفِ عَنْ منهجِ الإمامِ الدارقطنيِّ، ومعرفةِ الطريقةِ التي كان يَسْلُكَهَا في نقدِهِ للأحاديثِ والآثارِ، ودراسةِ وجوهِ نقدهِ للأخبارِ وتعليلِهَا أو ترجِيحِهَا عن طريقِ السندِ والمتنِ، دراسةً تحليليةً تطبيقيةً لكيفيةِ نَقْد أهلِ الحديثِ للسندِ والمتنِ بخلافِ طريقةِ الملاحدةِ من المستشرقينَ وغَيرهِم، ثم تحليلُ وشرحُ بعض أوجه تعليله للأحاديثِ في سياقِ فهمِهِ لمعاييرِ النَّقدِ، ودراسةِ مصطلحاتِ وألفاظِ الإمامِ الدارقطنيِّ، وأئمةِ النُّقاد والمقارنة بينهم، وفهمُ مقاصدُ عباراتهِم في نَقْدِ الحديثِ، ومعرفةُ معاييرِ الإمامِ الدارقطنيِّ في التعليلِ، وهَلْ هِي مُطَّرِدَةٌ أم لا؟، ومعرفةُ الاتفاقِ أو الاختلافِ بينَهُ وبين النُّقادِ المتقدمينَ. منهج البحث: ولقد سلكتُ في هذا البحثِ عِدةَ محاورٍ لتكوينِ أصلِ هذهِ الدراسةِ، سأجملها فيما يلي: - الأخذُ في الاعتبارِ مجموعةً من أحكامِ وأقوالِ الإمامِ الدارقطنيِّ في العللِ، ودراستِهَا دراسةً تفصيليةً، ومعرفةُ المقاييسِ التي كانَ ينتهجُهَا الإمامُ الدارقطنيِّ. - التحققُ من نصوصِهِ وألفاظِهِ في التعليلِ من أصولِ كتبِهِ، أو من النقلِ الموثوقِ بِهِ. - شرحُ وتحليلُ ألفاظهِ في التعليلِ والترجيحِ، وذلك تبعاً للمعاييرِ والضوابطِ التي كان يسيرُ عليهَا في الحكمِ على الحديثِ بالتعليلِ أو بالترجيحِ. - بيانُ وجْهُ تَعليلِ أو ترجيحِ الدارقطنيِّ للحديثِ، وذِكرُ الأسبابِ التي جعلته يحكمُ بذلكَ، مع التعليقِ أو مناقشةِ ما ذهبَ إليهِ من الأحكامِ. - ضَربُ الأمثلةِ من أَوجُهِ انتقاد الدارقطنيِّ للأحاديثِ، واستخراجُ البراهينِ والحججِ التي استندَ عليهَا في التعليلِ أو الترجيحِ. - الاستشهادُ بقولِ الإمامِ الدارقطنيِّ في غيرِ كتابِ العللِ مِثلُ السؤالاتِ وغيرِهَا لبيانِ برهانِ أو حجةِ ما ذهب إليه في كتابهِ العللَ. - إجراءُ مقارنةٍ بينَهُ وبين غيرِهِ من أئمةِ العللِ لتمييزِ منهجِهِ، واستخراجُ ضوابِطِهِ، وذكرُ معاني ألفاظِ التعليلِ والترجيحِ لمعرفةِ مرادِهِ وما ذَهبَ إليهِ

خطة البحث

- بيانُ العلةِ المصرحِ بها أو المشارِ إليهَا عند غموضِ العلةِ، وشرحُ مرادُ الإمامِ الدارقطنيِّ فيها، ومناقشةُ ذلكَ. - بيانُ منهجُ الدارقطنيِّ في قرائنِ التعليلِ والترجيحِ بين المرويَّاتِ، والمقارنةُ بينَه وبين من سبقَهَ من أئمةِ نقدِ الحديثِ. - لم ألتزمْ تعريفَ كُلِّ الأعلامِ الواردِ ذِكرهُم في البحثِ، حيثُ إنَّ الهدفَ معرفةُ منهجُ الدارقطنيِّ في النقدِ، لذلكَ اقتصرت على التراجمِ التي عليهَا مَدَارِ العللِ في الحديثِ المذكورِ. - تخريجُ الأحاديثِ والآثارِ، وبيانُ وجْهُ المعلولِ في المرويَّاتِ، أو الراجح منها للاحتراز من الخلط بين مرويَّات الحديث الواحد فيُعلَّل كله. - نقلُ كلامِ أهلِّ النقدِ في الرجالِ توثيقاً وتجريحاً، ومناقشةُ ذلكَ. خطة البحث: فجاءتْ الرسالةُ علي مقدمةٍ وتمهيدٍ وأربعةِ أبوابٍ وخاتمةٍ وفهارسٍ علميةٍ. فالمقدمةُ: وفيها أهميةُ البحثِ، وأسبابُ اختيارُهُ، ومنهجُ البحثِ والصعوباتُ التي واجهتني فيه. والتمهيد: ويشتمل على: تعريفِ العلةِ لغةً واصطلاحاً، وتعريفِ معنى النقدِ لغةً واصطلاحاً، وبيانِ مشروعيةِ النقدِ والتعليلِ، وأهميةُ بيانُ علة الأحاديث والأخبار. الباب الأول: الإمام الدارقطني وكتابه العلل. وفيه فصلان. الفصل الأول: ترجمة موجزة للإمام الدارقطني رحمه الله. وفيه: سبعة مباحث.

الفصل الثاني: التعريف بكتاب العلل للإمام الدارقطني. علل الدارقطني (العلل الواردة في الأحاديث النبوية). وفيه: ستةُ مباحث. الباب الثاني: مفهوم العلة وأجناسها وألفاظها عند الإمام الدارقطني: وفيه فصلان. الفصل الأول: مفهوم العلة عند الإمام الدارقطني. وفيه مبحثان. الفصل الثاني: أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون. وفيه: أربعة مباحث. الباب الثالث: ألفاظ التعليل ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني. وفيه ثلاثة فصول. الفصل الأول: الألفاظ الدالة على ضعف الخبر أو عدم ثبوته. وفيه مبحثان. الفصل الثاني: الألفاظ الدالة على الخطأ والوهم والاختلاف. وفيه مبحثان. الفصل الثالث: الألفاظ الدالة على الغرابة والتفرد والترجيح. وفيه مبحثان. الباب الرابع: قرائن التعليل والترجيح عند الإمام الدارقطني. وفيه فصلان. الفصل الأول: قرائن التعليل عند الإمام الدارقطني.

عقبات البحث

وفيه ثلاثةُ مباحث. الفصل الثاني: المتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني. وفيه مبحثان. الخاتمة: وفيها أهم نتائج البحث والتوصيات. الفهارس العلمية. عقبات البحث: وقد لاقيتُ بعضُ الصعوباتِ في أثناءِ دراستي لهذا البحثِ، وربما راجعتُ من أجل معلومة لا تتجاوز سطراً أو سطرين عشرات الكتب للتحقق منها، فإنَّه مما لا ريب فيه أن دراسة منهج نقد الأخبار سنداً ومتناً لعالمٍ، أو ناقدٍ مكثر مثلَ الإمام الدارقطني من الأمور الصعبة بمكان، والتي تحتاج إلى جهدٍ في سبرِ ودراسةِ أقوالِهِ وأحكامِهِ في تعليلِ الأحاديثِ والآثارِ، ودراستِهَا دراسةً تحليليةً لمعرفةِ المعاييرِ التي كان يقيسُ عليهَا أحكَامَهُ، ودراسةِ الأقوالِ التي قَدْ تَخْرُجُ عَنْ نِطَاقِ منهجِهِ، ويمكنُ إجمالُ هذهِ الصِّعَابِ كالآتي: - غموض إجابات السؤالات في بعض الأحيان، فإنَّ النُّقاد غالباً ما يشيرون إلى العلل ولا يصرحون بالقرائن أو بالأسباب التي جعلتهم يحكمون عليها. - تحقيق نصوص وألفاظ الأحاديث والآثار التي في السؤالات وكتب العلل، فإنَّ النُّقادَ غالباً ما يشيرون إلى العلة في الخبر، ولا يأتون بنص الحديث أو الأثر مما يزيد من وقت البحث عن أصول الأخبار، والنقل الموثوق منها. - ذَكَرَ الدارقطني في إجابات السؤالات أوجهاً كثيرةً للحديثِ، وغالبها جانب لا يستهان به إما عن طريق شُيوخِهِ، أو من المصادر التي لا توجد أصلاً، مما جعلني اعتمد بعض السؤالات التي يمكن التحقق منها، وترك السؤالات التي بها أوجهاً كثيرةً ليست في دواوين السنة المشتهرة.

- ذَكَرَ الدارقطنيُّ والنُّقادُ في مواضعٍ ليست بقليلةٍ أعلاماً بمجردِ كُنَاهُم، وقد يُسَمَّى بهذه الكُنية عدد لا بأس به من الرواة، مما يجعل الباحث يبذل كثيراً من التحقيق والتفتيش لتحديد أي الرواة المقصود به في نص الإمام. - قد يُوحِي نص الناقد بأنَّ هناك حديث أو أثر يعارض الحديث المذكور في السؤال، ولا يصرح به أو حتى يشير إليه، مما يجعل تحقيق المسألة من الصعوبة بمكان ولكن تُفْتَح بفضل الله عزَّ وجلَّ. - دراسة الأدلة والبراهين التي جعلت الناقد يحكم بالعلة على الحديث سواء كان ذلك من جهة الإسناد أو المتن، ومعرفة الراجح من المرجوح. - ومن أصعب المهمات الترجيح بين الأوجه المعلة في الخبر الواحد عند وجود علة الاضطراب، لكثرة الوجوه المختلف فيها، ومعرفة البراهين التي استند إليها الدارقطني في ترجيحه لوجهٍ على غيره. - جمع أقوال أهل النقد ومقارنة أقوالهم بأقوال الدارقطني في انتقاده للأخبار وبيان حجة الدارقطني عند الاختلاف إن وجدت ومناقشة ذلك. - الترجيح بين أقوال أئمة النقد في الرجال عند الاختلاف في التوثيق والتجريح وذكر البراهين والحجج التي استندتُ إليها. ولقد أفدت من بعض الدراسات العلمية التي بُحِثَت حول مصنفات الدارقطني، وكذلك استفدت من بعض كُتب العلماء المعاصرين مثل كُتب العلامة المعلمي اليمني، وكُتب العلامة أحمد محمد شاكر، وكُتب شيخنا العلامة محمد عمرو بن عبداللطيف، وقد استفدت كثيراً من مقدمة تحقيق الدكتور محفوظ الرحمن زين الله رحمه الله لكتاب علل الدارقطني، وغَيرِهِم. ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أُقَدِمُ شُكْرِي وَامتِنَانِي إِلِى كُل من قَدَّمَ لِي عَوْنَاً مِنْ الأَسَاتِذَةِ وَالأخْوةِ الكرام فِي إِخْرَاجِ هَذِهِ الدِّرَاسَةِ، وأخص بالذكر: فضيلة الدكتور الشيخ يوسف بن عبدالرحمن المرعشلي - حفظه الله - عضو هيئة التدريس بالجامعة، والمشرف على رسالة الماجستير، فقد نصح فأخلص، وأرشد فأصاب، وأشرف فعلّمَ وأفاد ولم يدخر وسعاً في تقويم

الرسالة وتسديد الأخطاء، فجزاه الله عني خير الجزاء، وإلى الأساتذة الكرام أعضاء لجنة المناقشة على تكرمهم بقبول مناقشة هذا البحث وتقويمه، ... كما أرفع جزيلَ الشكرِ والعرفانِ إلى كلٍّ من: فضيلة الدكتور الشيخ محمد رشيد قباني - حفظه الله - مفتي الجمهورية، ورئيس الجامعة، وفضيلة الدكتور الشيخ أنس طبَّارة - حفظه الله - عميد كلية الشريعة بالجامعة، وفضيلة الدكتور الشيخ علي الطويل - حفظه الله - أمين سر كلية الشريعة بالجامعة، على كل ما قدَّموه لي من مساعدات في اعتماد هذا البحث الجليل، وتذليل الصعاب، اللهم اجعله في موازين حسناتهم، يوم لا ينفع المرء إلا ما قدم من عمل، فهو ولي ذلك والقادر عليه سبحانه. كما أتوجه بشكري العميق، وامتناني العظيم لشيوخي الأفاضل الذين كان لهم الفضل علىَّ- بعد الله عزَّ وجلَّ- في معرفة علم الحديث وأخص بالذكر: فضيلة الشيخ محمد عمرو بن عبداللطيف - رحمه الله وأدخله فسيح جناته -، فإنَّه كان من كبار علماء الحديث في أرض الكنانة، وكذلك فضيلة الشيخ حجازي أبو إسحاق الحويني - حفظه الله -، فقد أفدت كثيراً من أبحاثهما في علوم الحديث، فجزاهم الله عني خير الجزاء. وكما أتوجه بخالص الشكر إلى كُلِّ من قدم لي يد العون والمساعدة من قريب أو بعيد، وجزاهم الله عني كل خير، وجعل ذلك في موازين حسناتهم يوم القيامة، والله ولي التوفيق. وآخر دعوانَا أنِ الحمد لله ربِّ العَالمين، وصَلَّي اللهُ علي النَّبيِّ الأمِّيِّ الذي علَّمَ البشريةَ صلاةً كلما ذَكَرَهُ الذَّاكِرونَ، وغفلَ عَن ذِكْرهِ الغَافِلُونَ، فإنِّي أسأل الله العلي القدير بأسمائه الحسني، وصفاته العلي، وبأني أشهد أن لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد أن يتقبل مني هذا البحث، وأن ينفع به المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأسأله العفو والمغفرة عن تقصيري وعن زلاَّتي، فإنه هو الغفور الرحيم، وأسأله أن يجعل عملي هذا ابتغاء وجهه سبحانه، وأن يجعله ذُخْراً لي يوم الدين، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وإنني سائلٌ أخاً انتفع به أن يدعو الله لي ولوالدي ولمشايخنا ولمن لهم فضلٌ علىَّ، وللمسلمين كافة فهو خير مسئول وبالإجابة جدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

تمهيد

تمهيد ويشتمل على: تعريف العلة لغةً واصطلاحاً والعلاقة بينهما، وتعريف معنى النقد لغة واصطلاحاً، وبيان مشروعية النقد والتعليل، وأهمية بيان علة الأحاديث. تعريف العلة لغة واصطلاحاً: العلة في اللغة: والعلة في اللغة المرض قال الجوهري "لا أعلَّكَ الله " (¬1)، أي لا أصابك الله بعلة أو مرض، ويقول أهل الحديث: " أعلَّه فلان " وقياسه "مُعلٌّ" وهو المشهور، وقال بعضهم معلولٌ، وقد اختلف أهل اللغة فيما هو القياس في تسمية الحديث المعلَّ بعلة: هل هو مُعلٌّ، أم معلول، أم معلَّل؟ فذهب جمعٌ من أئمة اللغة إلى أن القياس أن يقال: "مُعَلُّ" لأنه اسم المفعول من الفعل " أَعَلَّ " (¬2). وأما لفظة " معلول ": فقد اختلف أهل اللغة في جوازه ومنعه فذهب قوم إلى أن أصلها " عَلَّهُ، يَعُلُّهُ، ويَعِلُّهُ " أي يسقيه المرة بعد المرة، ويقال عَلَّت الإبل تَعِلُّ وتعُلُّ إذا شربت الشَّربَةَ الثانية، وقال ابن الصلاح: " ويسميه أهل الحديث المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس العلة والمعلول مرذولٌ عند أهل العربية واللغة " (¬3). ... وقال النووي: " ويسمونه ¬

(¬1) الجوهري: إسماعيل بن حماد، أبو نصر، أصله من فاراب وأقام في نيسابور ومات بها (ت: 393 هـ)، الصَّحاح، دار الكتب العلمية، بيروت، 1999م (ج3/ ص 493)، مادة علل. (¬2) ابن منظور: محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، أبو الفضل (ت: 711 هـ)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، (ج11/ ص 467) مادة علل، والفيروزآبادي: محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم، أبو طاهر، الشيرازي (ت: 817 هـ)، القاموس المحيط، طبعة دار الجيل بيروت، (ج4/ ص 21). (¬3) ابن الصلاح: عثمان بن عبدالرحمن بن عثمان الشهرزوري، أبو عمرو بن الصلاح (ت: 643 هـ)، علوم الحديث المشهور بمقدمة ابن الصلاح، طبعة دار الفكر، بيروت سنة 1969 م (ص 115).

المعلول وهو لحنٌ " (¬1) ونظم الحافظ العراقي (¬2) كلام ابن الصلاح في ألفيته فقال: وَسَمِّ ما بعلَّةٍ مَشْمولُ ... مُعَلّلاً ولا تقل مَعْلُولُ. وأما لفظة معلَّل: بمعنى علَّله بالشيء، إذا ألهاه وشغَله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام، قال السخاوي: أن استعمال لفظ معلَّل على سبيل الاستعارة (¬3). قلتُ: والراجح أن كل هذه الألفاظ صحيحة لأن لها أصولاً ثابتة في العربية فقد ذكر ابن فارس إن لكلمة علَّ أصولاً ثلاثة صحيحة: الأول: الضعف، والثاني: التكرار، والثالث: العائق (4). (¬4) فأما الأول: فبمعنى المرض والضعف، كما يقال علًّ المريض يَعُلُّ علَّةً، وأعلَّهُ الله تعالى فهو مُعَلٌّ، وأما الثاني: فهو " العَلَلُ " والمراد به التكرار، من سقاه الشربة الثانية، وأما الثالث: " معلَّل " بلامين فبمعنى العائق من قولك أعاقه وشغله، أي علله بالشيء ألهاه وشغله به، فصحت جميع الألفاظ من جهة اللغة. وقال ابن سِيدَه في المحكم والمحيط مؤيداً قول المحدثين: " ذهب إليه سيبويه، من قولهم مجنون ومسلول، من أَنَّهُ جاء على جَنَنتُه وسَللْته، وإن لم يستعملا في الكلام، استغنى عنهما بأفْعلْت، قال: " ولذا قالوا: جُنَّ وسُلَّ، فإنما يقولون: جُعل فيه الجنون والسُّلَّ، كما قالوا: ¬

(¬1) النووي: يحيي بن شَرف، أبو زكريا محيي الدين الشافعي (ت: 676 هـ)، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، دار الجنان بيروت الطبعة الأولى سنة 1406 هـ، تحقيق: عبدالله عمر البارودي (ص 36). (¬2) العراقي: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، (ت: 806 هـ)، انظر الزركلي: خير الدين الزركلي، الأعلام، طبعة دار العلم للملايين، بيروت (ج3 / ص 344). (¬3) السخاوي: محمد بن عبد الرحمن بن محمد المصري، شمس الدين أبو الخير (ت: 902 هـ) فتح المغيث، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1403هـ، تحقيق: صلاح محمد عويضة (ج 1/ ص 225). (¬4) ابن فارس: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرًّازي، أبو الحسين (ت: 395 هـ)، معجم مقاييس اللغة، طبعة اتحاد الكُتًّاب العرب، 1423هـ / 2002م، تحقيق عبدالسَّلام محمد هَارُون (ج4 / ص 8 - 9).

العلة في الاصطلاح

حُزِنَ وفُسِل " (¬1). وقد ورد لفظ " معلول " على ألسنة كثير من المحدثين المتقدمين كالبخاري والترمذي والحاكم والدراقطني وابن عدي وابن عبد البر والبيهقي وغيرهم (¬2)، واستعمله المتأخرون كذلك مثل الحافظ ابن حجر وسمى كتاباً له: "الزهر المطلول في الخبر المعلول" وهو من الكتب المفقودة كما ذكره العلامة أحمد شاكر (¬3)، واستعمله السخاوي أيضاً وغيرهم (¬4). قلتُ: فخلاصة الأمر أن لفظة " معلول " صحيحة في اللغة ولاسيما أنَّ لها أصل، ولا شك أن المحدثين كانوا أيضاً مُتَمرِّسين في اللغة، فهم أولى الناس باستعمال الصحيح من اللغة، واستعمالهم هذه اللفظة في الحكم على الحديث الذي طرأت عليه العلة دليل صحة هذا اللفظ عندهم والله أعلم. العلة في الاصطلاح: قال أبو عبد الله الحاكم النيسابوري: " وإنِّما يُعلَّلُ الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، إنَّ حديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علةٌ فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولاً " (5). وتابعه على ذلك الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته فقال: " فالحديث المعلَّل هو: الحديث الذي أُطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن الظاهر السلامة منها، ويتطرق ذلك ¬

(¬1) ابن سِيدَه: علي بن إسماعيل، المعروف بابن سِيدَه الأندلسي، أبو الحسن (ت: 458 هـ)، المحكم والمحيط الأعظم في اللغة، طبع معهد المخطوطات العربية، القاهرة 1999م (ج1/ص 64). (¬2) العراقي، التقيد والإيضاح، طبعة دار الفكر، بيروت، سنة 1969 م (ص117 - 118). (¬3) أحمد بن محمد شاكر، أبو الأشبال (ت: 1377 هـ)، الباعث الحثيث، طبع مكتبة السنة سنة 1415 هـ (ص 91). (¬4) السخاوي: محمد بن عبد الرحمن السخاوي، فتح المغيث (ج1/ ص260). (5) ابن البيع النيسابوري: محمد بن عبد الله بن حمدويه بن نعيم النيسابوري، الشهير بالحاكم، ويعرف بابن البيع، أبو عبد الله (ت: 405)، معرفة علوم الحديث، دار الكتب العلمية، المدينة المنورة، الطبعة الثانية 1397هـ (ص 112).

إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شرط الصحة من حيث الظاهر " (¬1). وقد انتقد غير واحد تعريف ابن الصلاح، ومنهم الدكتور عبدالله بن محمد دمفو فقال: " لكن تعريفه هذا لم يُدخل العلل التي قد تطرأ على متن الحديث دون إسناده " (¬2). قلتُ: وليس هذا بصحيح حيث إن لفظ ابن الصلاح: " أُطلع فيه على علة " تشمل علة الإسناد والمتن معاً، وأما قوله: " ويتطرق ذلك إلى الإسناد "، فهو توضيح لقوله: " مع أنَّ الظاهر السلامة منها "، ولذا لا يوجد في تعريف ابن الصلاح أي ملحظ، فهو في نظري مستقيم. وذكر العلامة الشيخ زكريا الأنصاري تعريف العلة عن الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال: " هو خبر ظاهره السلامة أُطلع فيه بعد التفتيش على قادح " (¬3)، وتابعه الحافظ السخاوي على ذلك (¬4). وقد توسع بعض المحدثين في تعريف العلة في الاصطلاح على غير ذلك فأدخل بعضهم العلل الظاهرة ولم يشترطوا أن تكون العلة خفية، كالانقطاع في الإسناد، والإرسال، والإعضال والتدليس والاضطراب، كل ذلك يُعد عندهم علة كابن وضاح، وابن حزم، وابن العربي، وأبي علي الصدفي وأبي علي الغساني، وأبي محمد الرشاطي، وعبد الحق الإشبيلي، وابن القطان الفاسي وغيرهم (¬5). ¬

(¬1) العراقي، التقيد والإيضاح (ص116). (¬2) عبدالله بن محمد دمفو، مرويات الإمام الزهري المعلة في علل الدارقطني رسالة دكتوراه، مطبوعة بمكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى سنة 1419 هـ (ج1/ ص91). (¬3) السنيكي: زكريا بن محمد الأنصاري المصري أبو يحيي (ت: 926 هـ)، فتح الباقي على ألفية العراقي، دار الكتب العلمية، بيروت، (ج1/ ص 228). (¬4) السخاوي: محمد بن عبد الرحمن، فتح المغيث (ج1/ ص260). (¬5) أبو بكر بن الطيب كافي، منهج الإمام أحمد في التعليل من خلال كتابه العلل، دار ابن حزم بيروت، سنة 1426 هـ، (ص 155 - 156).

ملخص الخلاف في تعريف العلة في الاصطلاح

ملخص الخلاف في تعريف العلة في الاصطلاح: القول الأول: أنَّ العلة عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة في صحة الحديث، سواء كانت في السند أو في المتن وليس منها ما يقدح في ظاهر الإسناد من جرح في الراوي أو انقطاع في السند أو غيره، وهو قول الحاكم أبي عبدالله النيسابوري وابن الصلاح، والحافظ العراقي ومن تبعهم من أهل المشرق. القول الثاني: أنَّ العلة هي كل ما يقدح في الخبر سواء كان خفياً غامضاً أو ظاهراً كالانقطاع أو التدليس أو الجرح في الراوي أو ما شابه ذلك، وهو قول ابن حزم، وعبدالحق الإشبيلي، وأبي علي الغساني وابن العربي المالكي، وعامة المغاربة. والمختار من تعريف العلة في الاصطلاح: وهو القول الأول أي: أنها سبب خفي غامض يقدح في الحديث، وإن كان الظاهر السلامة منه، وهو يدل علي وهم الراوي في روايته، سواء كان الوهم يتعلق بالإسناد أو بالمتن، ويُعلم هذا السبب بجمع الطرق، كما قال ابن المديني: " الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه " (¬1). العلاقة بين المدلول اللغوي والاصطلاحي: تكون العلاقة بينهما على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: وتكون العلة فيه بلفظ " مُعَلٌّ " بمعنى الضعف أو المرض، ووجه مناسبته للمعنى الاصطلاحي أن العلة إذا طرأت على الحديث الذي ظاهره الصحة أعلته فصار ضعيفاً أو مريضاً. ¬

(¬1) الخطيب البغدادي: أحمد بن علي بن ثابت، أبو بكر (ت: 463هـ)، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، طبعة مكتبة المعارف، الرياض، طبعة سنة 1403 هـ، تحقيق: الدكتور محمود الطحان، (ج 2/ص212).

الوجه الثاني: وتكون العلة فيه بلفظ " العَلَلُ " بزيادة لام، بمعنى التكرار ووجه مناسبته للمعنى الاصطلاحي أن العلة تنشأ من إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة ليتبين علته، على ما ذكره بعضهم من لفظة " بعد التفتيش ". الوجه الثالث: وتكون العلة فيه بلفظ " عَلَّلهُ " بمعنى ألهاه وشغله بالشئ ووجه مناسبته للمعنى الاصطلاحي أن الحديث المعلل هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحاً للعمل به. تعريف معنى النقد لغة واصطلاحاً: والنقد في اللغة أصله تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، ومنه تسمية النقود، قال صاحب لسان العرب: " النقْدُ خلافُ النَّسيئة والنقْدُ والتّنْقادُ تمييزُ الدراهِم وإِخراجُ الزَّيْفِ منها، وقد أَنشد سيبويه: تَنْفِي يَداها الحَصَى في كلِّ هاجِرةٍ ... نَفْيَ الدَّنانِيرِ تَنْقادُ الصَّيارِيفِ (¬1). وقال الجوهري: " نَقَدْتُهُ الدراهمَ، ونَقَدْتُ له الدراهمَ، أي أعطيته، فانْتَقَدَها، أي قبضها. ونَقَدْتُ الدراهم وانْتَقَدْتُها، إذا أخرجتَ منها الزَيْفَ. والدرهم نَقْدٌ، أي وازِنٌ جيِّدٌ. وناقَدْتُ فلاناً، إذا ناقشته في الأمر " (¬2).وقال صاحب المحيط في اللغة: " النَّقْدُ: تَمْيِيزُ الدَّرَاهِم. وأخْذُها الانْتِقادُ " (¬3). وقال صاحب تاج العروس: " النَّقْدُ: الجَيِّدُ الوازِنُ من الدَّراهِمِ. ودِرْهمٌ نَقْدٌ. ونُقُودٌ جِيادٌ من المجاز، النَّقْدُ: اخْتِلاسُ النَّظَرِ نَحْوَ الشيْءِ وقد نَقَدَ الرجُلُ الشيْءَ بنَظَرِه ينْقُده نَقْداً ونَقْد " (¬4). ¬

(¬1) ابن منظور، لسان العرب (ج3/ص425). (¬2) الجوهري، الصَّحاح في اللغة (ج5/ص 126)، مادة نقد. (¬3) الصاحب بن عباد: إسماعيل بن عباد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني (ت: 385 هـ)، المحيط في اللغة، طبعة دار عالم الكتب، بيروت، تحقيق محمد بن حسن آل ياسين، (مادة نقد). (¬4) الزَّبيدي: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (ت: 1205)، تاج العروس من جواهر القاموس، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت (مادة نقد).

وقال ابن فارس: " (نقد) النون والقاف والدال أصلٌ صحيح يدلُّ على إبراز شيءٍ وبُروزه ومن الباب نَقْد الدِّرهم، وذلك أن يُكشَف عن حالِهِ في جَودته أو غير ذلك. ودرهمٌ نَقْدٌ: وازِنٌ جيّد، كأنَّه قد كُشِف عن حاله فعُلم " (¬1)، فالنقد كما تبين هو إخراج وتمييز الجيد من الرديء لغة، وهو موافق لمصطلح المحدثين: أي تمييز الحديث الصحيح من الضعيف، وتمييز الأخبار من وجهتين: الأولى من جهة رواته توثيقاً وتجريحاً، والثانية من جهة المروي وهو متن الحديث إقراراً بصلاحيته أو تعليله. بيان مشروعية النقد والتعليل: أخرج البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها: ((أَنَّ رَجُلاً اسْتَاذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ)) (¬2). قال الخطيب البغدادي: " ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: ((بئس رجل العشيرة))، دليل على أن إخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجبه العلم والدين من النصيحة للسائل ليس بغيبة، إذ لو كان ذلك غيبة لما أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد عليه السلام بما ذكر فيه، والله ¬

(¬1) ابن فارس: أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة (ج5/ ص 375). (¬2) البخاري: محمد بن إسماعيل بن المغيرة الجعفي أبو عبد الله البخاري (ت: 256 هـ)، الجامع الصحيح (مع الفتح)، طبعة دار الحديث القاهرة 1424 هـ، كتاب الأدب، باب لم يكن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فاحشاً ولا متفحشاً (ج10/ ص511)، برقم (6032)، ومسلم: مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري أبو الحسين النيسابوري (261 هـ) صحيح مسلم (مع شرح النووي)، طبعة دار الحديث القاهرة، 1422 هـ، كتاب البر والصلة والآداب، باب مدارة من يتقى فحشه (ج8/ص 388)، برقم (2591).

أعلم، أن يبين للناس الحالة المذمومة منه وهي الفحش فيجتنبوها، لا أنه أراد الطعن عليه والثلب له، وكذلك أئمتنا في العلم بهذه الصناعة، إنمَّا أطلقوا الجرح فيمن ليس بعدل لئلا يتغطى أمره على من لا يخبره، فيظنّه من أهل العدالة فيحتج بخبره، والإخبار عن حقيقة الأمر إذا كان على الوجه الذي ذكرناه لا يكون غيبة " (¬1). وأخرج الإمام مسلم في صحيحه: ((عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ثُمَّ قَالَ تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي قَالَتْ فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ انْكِحِي أُسَامَةَ فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ)) (¬2). وقال الخطيب البغدادي: " في هذا الخبر دلالة على أن إجازة الجرح للضعفاء من جهة النصيحة لتُجتنب الرواية عنهم، وليعدل عن الاحتجاج بأخبارهم، لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر في أبي جهم: أنه لا يضع عصاه عن عاتقه وأخبر عن معاوية أنَّه صعلوك لا مال له، عند مشورة استشير فيها، لا تتعدى المستشير كان ذكر العيوب الكامنة في بعض نقلة السنن التي يؤدي السكوت عن إظهارها عنهم وكشفها عليهم إلى تحريم الحلال وتحليل الحرام، وإلى الفساد في شريعة الإسلام، أولى بالجواز وأحق بالإظهار وأما الغيبة التي نهى الله تعالى عنها بقوله عز وجل: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} (¬3) (3) وزجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها بقوله: ¬

(¬1) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت (ص 39). (¬2) مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم (مع شرح النووي)، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، (ج5/ ص 351 - 352)، برقم (1480). (¬3) سورة الحجرات آية رقم (12).

((يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ)) (¬1)، فهي ذكر الرجل عيوب أخيه يقصد بها الوضع منه والتنقيص له والإزراء به فيما لا يعود إلى حكم النصيحة، وإيجاب الديانة من التحذير عن ائتمان الخائن وقبول خبر الفاسق واستماع شهادة الكاذب " (¬2) وقال الإمام مسلم في مقدمة الصحيح كلاماً غاية في الإتقان، وضَّح فيه مشروعية النقد عند علماء الحديث والأثر فقال: " وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمي رواة الحديث وإخْبارِهم عن معايبهم كثير يطول الكتاب بذكره على استقصائه وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهم، وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثما بفعله ذلك غاشا لعوام المسلمين " (¬3). وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: " وذكر ابن المبارك رجلاً فقال: " يكذبُ "، فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمن " تغتاب! "، قال " اسكت "، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل؟ " (¬4). وقال أيضاً: " روي عن ابن عُليَّةَ أنَّه قال في الجرح إن هذا أمانة ليس بغيبة "، وروى أحمد بن مروان المالكي حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: جاء أبو تراب النخشبي إلي أبي فجعل أبي يقول: " فلان ضعيف وفلان ثقة "، فقال أبو تراب: " يا شيخ لا تغتب العلماء " قال: فالتفت ¬

(¬1) أبو داود: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير السجستاني، (ت: 275هـ)، السنن كتاب الأدب، باب الغيبة، طبعة دار الفكر، بيروت، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، (ج2/ص686)، برقم (4880). (¬2) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية (ص 40). (¬3) مسلم بن الحجاج النيسابوري، مقدمة صحيح مسلم (بشرح النووي) (ج1/ ص132). (¬4) ابن رجب: عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالرحمن البغدادي الدمشقي الحنبلي، زين الدين وابن رجب هو لقب جده (ت: 795 هـ)، شرح علل الترمذي، طبعة دار الكلمة للنشر، سنة 1418هـ، المنصورة، مصر (ص 87).

أهمية بيان علة الأحاديث والأخبار

أبي إليه قال: " ويحك! هذا نصيحة، ليس هذا غيبة " (¬1). أهمية بيان علة الأحاديث والأخبار: إنَّ علم نقد الأخبار سنداً ومتناً يعتبر من أهم العلوم التي ساهمت في تقويم تاريخ الإسلام، والبحث في أوجه نقد الأحاديث وتعليلها من أهم المعارف والمباحث التي تُدرس في علم نقد الأخبار والمرويَّات، حيث أنها تكسب الباحث الخبرة والمعرفة، للتمييز بين الصحيح والضعيف، والتي تُؤهِّلهُ للحكم عليها ومدى صلاحيتها للاستشهاد بها في الأقوال والأعمال والأحكام الشرعية، ولخفاء علل الأحاديث على كثير من الناس إلا حذاق هذا الفن، حتى صار من أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهما وإطلاعا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة لاختلاف المرويَّات، لذا قام جهابذة النقاد من المحدثين ببيان علل الأحاديث من اضطراب، أو تصحيف، أو إدارج، أو نكارة أو شذوذ وغيرها، ليسُدُّوا هذه الثغرة عن الأمة، وقد يكون الحديث مروياً بالمعنى الخطأ عن الثقات - الذين عليهم العمدة في المرويَّات مما يوهم صحته - فيُحكم به، ويعتبر دليلاً لحكم شرعي وليس هو بصحيح بل هو ضعيف معلول. فعلى سبيل المثال: قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: " سألتُ أبي عن حديث عبدالرحمن بن مهدي عن زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبدالله قال: ((دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَخْبِرِيني بِمَرَضِ رسُول اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فوصفت له حتى بلغت أنَّ رسول الله صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ خِفْةً فَخَرَجَ يُهَادَى بَينَ رَجُلَينِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَصَلَّى النَّبي صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ أَبي بَكْرٍ قَاعِدَاً وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي)) فقال أبي: " أخطأ عبدالرحمن في هذا الموضع، أو يكون زائدة أخطأ لعبدالرحمن، حدثني أبي قال: حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث، ومعاوية بن عمرو وخالفا عبدالرحمن ¬

(¬1) ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي (ص 88).

والصواب ما قال عبدالصمد ومعاوية " (¬1). قلتُ: ووجه ما أشار إليه الإمام أحمد من الخطأ: أن وكيعاً أو زائدة جعل النَّبي صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يصلي خلف أبي بكر والصواب أنه صلى إلى جنبه، وائتمَّ أبو بكر رضى الله عنه بالنَّبي صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، والنَّاس يأتمون بأبي بكر وقد رجح الإمام أحمد رواية عبدالصمد بن عبدالوارث ورواية معاوية بن عمرو على رواية عبدالرحمن بن مهدي عن زائدة. وقد أخرجه على الصواب الإمام البخاري في صحيحه قال: حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبدالله بن عتبة قال: ((دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَخْبِرِيني بِمَرَضِ رسُول اللهِ صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ... فَأجْلَسَاهُ إِلِي جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ فَجَعَلَ أَبَو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُو يَاتَمُ بِصَلاةِ النَّبي صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاس بِصَلاّةِ أَبِي بَكْرٍ وَالنَّبي صَلَّي اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَاعِدَاً)) (¬2). وأسند فيها روايتي عبدالصمد بن عبدالوارث ومعاوية بن عمرو , وهو الصحيح الراجح. ومثال آخر: قال الإمام الترمذي في العلل الكبير: " حدثنا محمود بن غيلان، ومحمد ابن رافع، قالا: حدثنا عبدالرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع بن خديج، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)). سألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: " هو غير محفوظ، وسألت إسحاق بن منصور عنه فأبى أن يحدث به عن عبدالرزاق، وقال: هو غلط، قلت له: ما علته؟ قال: روى عنه هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبدالله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع ابن خديج، عن النبَّي صلى الله عليه وسلم قال: ((كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ ¬

(¬1) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال، أبو عبدالله (ت:241هـ)، كتاب العلل ومعرفة الرجال طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، ودار الخاني، الرياض، سنة 1407هـ، تحقيق وتخريج: الدكتور وصي الله بن محمد عباس، (ج3 /ص304). (¬2) البخاري: محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام لِيُؤْتَمَّ بِهِ، برقم (687)، وبرقم (5384)، وبرقم (5385).

البَغِي خَبِيثٌ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ)) (¬1) قلتُ: ووجه علة هذا الحديث أنهم اختلفوا على إسناده، فأدخل بعضهم حديث: ((كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث، وثمن الكلب خبيث)) في حديث ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ))، وكان الوهم فيه من معمر بن راشد، وهو ثقة ثبت حيث خالف فيه جمع من الثقات. قال الحافظ البيهقي في السنن: " وخالفهم معمر بن راشد فرواه عن يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم بن عبدالله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع بن خديج قال: قال رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) (¬2). فظهر الوهم في هذا السند إلا أن الحديث ثابت من أوجه وأسانيد أخرى لم تسلم من العلة فقد أعلّوهُ بالإرسال كما أشار إليه الحافظ البيهقي (¬3)، حيث رواه بعضهم مرسلاً وبعضهم موصولاً. ومثال آخر: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت: " ومن الأحاديث التى رواها بعض الرواة بالمعنى الذى وقع له، وحصل من ذلك الغلط لبعض الفقهاء بسببه: ما رواه العلاء بن عبدالرحمن] بن يعقوب الحرقى [، عن أبيه عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كُلُّ صَلاَةٍ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِأمِّ الْكِتَابِ فَهِىَ خِدَاجٌ ...))، ورواه عنه سفيان بن عيينه , وإسماعيل بن جعفر , وروح بن القاسم , وعبدالعزيز الدراوردي , وطائفة من أصحابه , وهكذا رواه عنه شعبة في رواية من حفاظ أصحابه وجمهورهم، وانفرد وهب بن جرير عن شعبة بلفظ: ((لا ¬

(¬1) الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي، أبو عيسى (ت: 279 هـ) علل الترمذي الكبير، رتبه أبي طالب القاضي، طبعة عالم الكتب، بيروت، سنة 1409هـ، تحقيق: السيد صبحي البدري السامرائي ومن معه، (ج1/ص 45 - 46). (¬2) البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، أبو بكر (ت:458 هـ)، السنن الكبرى طبعة مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، سنة 1414 هـ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، (ج4/ص265). (¬3) المصدر السابق (ج4/ ص 266 - 267).

تُجْزِئُ صَلاَة لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)) (¬1)، حتى زعم بعضهم أن الرواية مفسرة للخداج الذي في الحديث وأنه عدم الإجزاء، وهذا لا يتأتًّى إلا لو كان مخرج الحديث مختلفاً، فأما والسند واحد متحد فلا ريب في أنَّه حديث واحد اختلف لفظه، فتكون رواية وهب بن جرير شاذة بالنسبة إلى ألفاظ بقية الرواة، لاتفاقهم دونه على اللفظ الأول ولأنَّه يبعد كلَّ البعد أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه سمعه باللفظين، ثم نقل عنه ذلك، فلم يذكره العلاء لأحد من رواته _ على كثرتهم _ إلا لشعبة، ثمَّ لم يذكره شعبة لأحدٍ من رواته _ على كثرتهم _ إلا لوهب بن جرير " (¬2). قلتُ: ذكر الحافظ البيهقي في السنن الكبري (¬3)، وتبعه الحافظ في النكت (¬4) ... بلفظ: ((كُلُّ صَلاَةٍ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِأمِّ الْكِتَابِ فَهِىَ خِدَاجٌ))، وعزوا الحديث للإمام مسلم ... في صحيحه، وهو وهم منهما رحمهما الله، ولكن ورد هذا اللفظ عند الإمام أحمد في المسند (¬5)، وكذلك في السنن لابن ماجة (¬6) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولكن الحديث عند الإمام مسلم بلفظ: ((مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَا فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ))، من حديث سفيان بن عيينة ¬

(¬1) ابن خزيمة: محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري، أبو بكر، (ت:311هـ) صحيح ابن خزيمة، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، سنة 1390هـ، كتاب الصلاة، باب ذكر الدليل على أن الخداج الذي أعلم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر هو النقص ... ، (ج1/ ص248) حديث رقم (490) .. (¬2) ابن حجر: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين (ت:852 هـ)، النكت على ابن الصلاح، طبعة دار الراية، الرياض، (ج2/ ص806 - 808). (¬3) البيهقي: أحمد بن الحسين بن علي، السنن الكبري (ج2/ ص38). (¬4) ابن حجر: أحمد بن علي، الحافظ أبو الفضل العسقلاني، النكت (ج2/ ص806 - 808). (¬5) أحمد بن حنبل، المسند، دارالبشير، عمان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط (ج2/ 457) (برقم9900). (¬6) ابن ماجه: محمد بن يزيد الربعي القزويني، أبو عبد الله، (ت:273هـ)، السنن طبعة دار الفكر، بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها برقم (832).

عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة (¬1) ومعلوم أن ترجمة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيها كلام من أهل العلم، فقد ذكر خلاصة ذلك العلامة أحمد شاكر كلاماً غاية في التحقيق والإتقان فقال: " فقد اختلف كثيراً في الاحتجاج برواية عمرو عن أبيه عن جده أما عمرو فإنه ثقة من غير خلاف، ولكن أعلَّ بعضهم روايته عن أبيه عن جده بأن الظاهر أن المراد جد عمرو وهو محمد بن عبدالله بن عمرو فتكون أحاديثه مرسلة، ولذلك ذهب الدارقطني إلى التفصيل، ففرق بين أن يفصح بجده أنَّه " عبدالله " فيحتج به، أو لا يفصح فلا يحتج به، وكذلك إن قال: " عن أبيه عن جده سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم " أو نحو هذا مما يدل على أن المراد الصحابي فيحتج به وإلا فلا ". وذهب ابن حبان إلى تفصيل آخر: وهو أنه إن استوعب ذكر آبائه في الرواية احتج به وإن اقتصر على قوله: " عن أبيه عن جده " لم يحتج به. وقد أخرج في صحيحه حديثاً واحداً هكذا: " عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن محمد بن عبدالله بن عمرو عن أبيه مرفوعاً: ((ألاَ أُحَدِثُكُمْ بِأَحَبكُمْ إلىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسَاً يَوْمَ القِيَامَةِ)) (¬2)، الحديث. قال الحافظ العلائي: " ما جاء فيه التصريح برواية محمد عن أبيه في السند فهو شاذ نادر، وقال ابن حبان في الاحتجاج لرأيه برد رواية عمرو عن أبيه عن جده: إن أراد جده عبدالله فشعيب لم يلقه، فيكون منقطعاً، وإن أراد محمداً فلا صحبة له فيكون مرسلاً. ... قال الذهبي في الميزان: " هذا لا شئ، لأن شعيباً ثبت سماعه من عبدالله، وهو الذي رباه حتى قيل: إن محمداً مات في حياة أبيه عبدالله، وكفل شعيباً جده عبدالله، إذا قال عن أبيه عن جده، فإنما يريد بالضمير فيه " جده " إنه عائد إلى شعيب، وصح أيضاً أن شعيب سمع من معاوية وقد مات معاوية قبل عبدالله بن عمرو بسنوات، فلا ينكر له السماع من جده سيما وهو الذي رباه وكفله "، والتحقيق أن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من أصح الأسانيد كما قلنا آنفاً، قال البخاري: " رأيت أحمد بن حنبل ¬

(¬1) مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم (بشرح النووي)، (ج2/ ص336) برقم (395) .. (¬2) الترمذي: محمد بن عيسى بن سورة، السنن، (ج4/ ص370) برقم (2018).

وعلي بن المديني وإسحاق بن رَاهَويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ما تركه أحدٌ من المسلمين. قال البخاري: " من الناس بعدهم؟!. وروى الحسن بن سفيان عن إسحاق بن رَاهَويَهْ قال: " إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثقة، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر". قال النَّووي: " وهذا التشبيه نهاية في الجلالة من مثل إسحاق " (¬1). مما سبق يتبين لنا أن لنقد الأحاديث أهمية كبرى لمعرفة الغث من الثمين منها، وتمييز الصحيح الراجح من الأحكام الشرعية التي عليها مدار الدين، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، وثمة فرق شاسع، وبون عظيم، بين نقد علماء الحديث للأخبار والمرويَّات، وبين أولئك المستشرقين الذين لم يكن لهم هم إلا الطعن في هذه الأخبار والآثار، لتأسيس منهج جديد مخالف لأصول أهل العلم وجهابذة هذا الفن ليكون ذريعة لمن في قلوبهم مرض ليسيروا خلفهم، وينتهجوا مناهجهم، للتشكيك في دين الله، وضرب المصدر الثاني في الإسلام، وفي هذا ما فيه من تنكب الأفهام، والانتكاس عن الجادة، والتسور على الكبار، لكن هيهات هيهات، وشتان بين الثرى والثريا، فإن الله عز وجل حفظ الدين بقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (¬2)، والقرآن ذكرٌ قد دلت عليه آيات كثيرة منها قوله: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} (¬3) والسنة والأحاديث النبوية الشريفة ذكر كذلك فقد قال الله عز وجل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (¬4)، فحفظ الله القرآن والسنة معاً إلى قيام الساعة، ولن ينال هؤلاء من القُرآنِ ولا من السُّنةِ الشريفةِ أبداً، والله سبحانه وتعالى الموفق، فله الحمد والمنَّة. ¬

(¬1) أحمد محمد شاكر من آل أبي العلياء، أبو الأشبال (ت: 1377 هـ)، الباعث الحثيث شرح مختصر علوم الحديث، مكتبة السُّنة، القاهرة 1415 هـ، (ص 284). (¬2) سورة الحجر آية (9). (¬3) سورة الأنبياء آية (50). (¬4) سورة النحل آية (44).

الباب الأول الإمام الدارقطني وكتابه العلل

الباب الأول الإمام الدارقطني وكتابه العلل وفيه فصلان: الفصل الأول: ترجمة موجزة للإمام الدارقطني رحمه الله. وفيه: سبعة مباحث. المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده. المبحث الثاني: نشأته وبداية طلبه للعلم. المبحث الثالث: رحلاته العلمية وشيوخه وتلامذته. المبحث الرابع: منزلته العلمية. المبحث الخامس: وفاته. المبحث السادس: آثاره العلمية. المبحث السابع: دراسات علمية فيه وبعض مؤلفاته. الفصل الثاني: التعريف بكتاب العلل للإمام الدارقطني. علل الدارقطني (العلل الواردة في الأحاديث النبوية). وفيه: ستُ مباحث. المبحث الأول: اسم الكتاب ومؤلفه. المبحث الثاني: قيمة الكتاب العلمية. المبحث الثالث: محتوى الكتاب. المبحث الرابع: مصادر الإمام الدارقطني في الكلام على العلل والرواة. المبحث الخامس: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني في بيان العلل. المبحث السادس: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في العلل على أحد الصحيحين.

الفصل الأول ترجمة موجزة للإمام الدارقطني رحمه الله.

الفصل الأول ترجمة موجزة للإمام الدَّارَقُطْني رحمه الله (¬1). المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده. اسمه ونسبه: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبدالله، أبو الحسن الدَّارَقُطْني - بفتح الدال وبعد الألف راء مفتوحة، ثم قاف مضمومة وبعدها طاء مهملة ساكنة، ثم نون - الشافعي أمير المؤمنين في الحديث، نُسِبَ لدارقطن كانت محلة كبيرة ببغداد (¬2). مولده: ولد في خمس من ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة (306) هجرية في دار قطن ببغداد (¬3). المبحث الثاني: نشأته وبداية طلبه للعلم. طلب العلم منذ نعومة أظفاره، واهتم بالحديث روايةً ودرايةً، فبدأ يتردد على مجالس العلماء والمحدثين وعمره لم يتجاوز العشرة، قال الخطيب البغدادي: " حكى لنا يوسف القَوَّاس كنا نمر إلى البغوي، والدَّارَقُطْني صبي يمشي خلفنا، بيده رغيف وعليه كامخ (¬4)، فدخلنا إلى ابن منيع ومنعناه فقعد على الباب يبكي " (¬5). ¬

(¬1) سبق وأن كتب الدكتور محفوظ الرحمن زين الله السلفي ترجمة للدارقطني في مقدمة تحقيقه لعلل الدارقطني، وكذا الدكتور عبدالله بن محمد دمفو في كتابه مرويات الزهري المعلة وهي رسالة دكتوراه مطبوعة، وقد أفدت منهما وأوجزت، وزدت عليهما أشياء توصلت إليها بالدراسة والاستدراكات والتعقيبات إن وجدت. (¬2) ابن خلكان: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر، أبو العباس شمس الدين (ت: 681 هـ) وفيات الأعيان طبعة دار صادر، بيروت 1994م، تحقيق إحسان عباس (ج3 /ص 298 - 299). (¬3) المصدر السابق، (ج3/ 298). (¬4) الكامَخُ: نوع من الأدْم، لسان العرب مادة كمخ (ج3 / ص 49). (¬5) ابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة الله، أبو الفضل، تاج الأمناء (ت:571هـ) تاريخ دمشق طبعة دار الفكر، بيروت 1419هـ، تحقيق علي شيري (ج43 / ص 98).

المبحث الثالث: رحلاته العلمية وشيوخه وتلامذته.

حضر في بداية طلبه للعلم مجلس الإمام إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءاً كان معه وإسماعيل يملي فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال الدَّارَقُطْني: فهمي للإملاء أحسن من فهمك وأحضر، ثم قال له ذلك الرجل: أتحفظ كم أملى حديثا؟، فقال: إنَّه أملى ثمانية عشر حديثاً إلى الآن، والحديث الأول منها عن فلان، ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئاً، فتعجب الناس منه (¬1). المبحث الثالث: رحلاته العلمية وشيوخه وتلامذته. رحل الإمام الدَّارَقُطْني إلى الكوفة، والبصرة، وواسط، وتَنِّيس، كما ارتحل في كهولته إلى الشام ومصر، وخوزستان، وجاء إلى مكة حاجاً فاستفاد وأفاد، قال الحاكم: دخل الدارقطني الشام ومصر على كبر السن، وحج واستفاد وأفاد (¬2). شيوخه: (¬3) سمع أبو الحسن الدَّارَقُطْني من خلق كثير لا يحصون، والمشايخ الذين روى عنهم في كتاب العلل يربو عددهم على مائتين، منهم: 1 - إبراهيم بن أحمد بن الحسن القرميسيني (ت: 358 هـ). 2 - إبراهيم بن حماد بن إسحاق، أبو إسحاق الأزدي (ت 323 هـ). ¬

(¬1) ابن كثير: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن درع القرشي الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين (ت: 774 هـ)، البداية والنهاية طبعة إحياء التراث العربي، بيروت 1408 هـ، تحقيق على شيري (ج11 / ص362)، وابن عساكر، تاريخ دمشق، (ج43 / ص98). (¬2) الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان، شمس الدين (ت: 748 هـ)، سير أعلام النبلاء طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت 1413 هـ، (ج16 / من ص 499 - 457)، بتصريف. (¬3) محفوظ الرحمن زين الله السلفي في مقدمة تحقيق علل الدارقطني طبعة دار طيبة، الرياض 1405 هـ، (ج1 / ص 13 - 14)، والذهبي، تذكرة الحفَّاظ، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت (ج3/ 821، 832 - 833،839 - 842).

3 - أحمد بن إسحاق بن البهلول، أبو جعفر القاضي (ت 318 هـ). 4 - أحمد بن العباس بن أحمد، أبو الحسن البغوي (ت: 322 هـ). 5 - أحمد بن عبد الله بن محمد، أبو بكر وكيل أبي الصخرة (ت: 325 هـ). 6 - أحمد بن عيسى بن السكن بن فيروز، أبو العباس الشيباني (ت: 323 هـ). 7 - أحمد بن محمد بن سعيد، أبو العباس، ابن عقدة (ت: 323 هـ). 8 - أحمد بن محمد بن عبدالله بن زياد، أبو سهل القطان (ت: 350 هـ). 9 - أحمد بن نصر بن طالب، أبو طالب الحافظ (ت: 323 هـ). 10 - إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصفار (ت: 341 هـ). 11 - حسين بن إسماعيل، أبو عبدالله القاضي المحاملي (ت: 330 هـ). 12 - الحسين بن محمد بن سعيد، أبو عبدالله البزار المعروف بابن المطبقي (ت: 328هـ). 13 - دعلج بن أحمد بن دعلج، أبو إسحاق المعدل (ت: 351 هـ). 14 - عبدالله بن محمد بن زياد، أبو بكر النيسابوري (ت: 324 هـ). 15 - عبدالله بن محمد بن سعيد بن زياد، أبو محمد المقري (ت: 323 هـ). 16 - عبدالله بن محمد بن عبد العزيز، أبو القاسم البغوي (ت 317 هـ). 17 - علي بن عبدالله بن مبشر، أبو الحسن الواسطي (ت: 324 هـ). 18 - القاسم بن إسماعيل، أبو عبيد المحاملي (ت 323 هـ). 19 - محمد بن عبدالله بن إبراهيم، أبو بكر الشافعي (ت: 354 هـ). 20 - محمد بن مخلد بن حفص، أبو عبدالله الدوري العطار (ت: 331 هـ). 21 - يحيى بن محمد بن صاعد، أبو محمد الهاشمي (ت: 318 هـ). 22 - يعقوب بن إبراهيم بن أحمد، أبو بكر البزار (ت: 322 هـ).

تلامذته

تلامذته: (¬1) سمع من الدَّارَقُطْني عدد كثير من الحفاظ والفقهاء وغيرهم، أكتفي بذكر بعضهم: 1 - أحمد بن عبدالله بن أحمد، أبو نعيم الأصبهاني (ت: 430 هـ). 2 - أحمد بن محمد بن غالب، أبو بكر البرقاني (ت: 425 هـ). 3 - تمام بن محمد بن عبيدالله بن جعفر الرازي (ت: 414 هـ). 4 - حمزة بن محمد بن طاهر بن يونس، أبو طاهر الدقاق (ت: 424 هـ). 5 - حمزة بن يوسف بن موسى، أبو القاسم السهمي (ت: 427 هـ). 6 - الحسن بن علي بن محمد بن الحسن بن عبدالله، أبو محمد الجوهري (ت:454 هـ). 7 - عبدالغني بن سعيد الأزدي الحافظ (ت: 409 هـ). 8 - عبد بن أحمد بن محمد، أبو ذر الهروي (ت: 434 هـ). 9 - عبيدالله بن أحمد بن عثمان، أبو القاسم الأزهري (ت: 435 هـ). 10 - محمد بن الحسين بن محمد، أبو عبدالرحمن السلمي (ت: 412 هـ). 11 - محمد بن عبدالله بن محمد، أبو عبدالله الحاكم (ت: 405 هـ). 12 - محمد بن عبد الملك بن بشران، أبو بكر القرشي (ت: 448 هـ). ¬

(¬1) محفوظ الرحمن زين الله السلفي في مقدمة تحقيق علل الدارقطني (ج1 / ص 15)، والذهبي، تذكرة الحفَّاظ (ج3/ 1092 - 1098، 1056 - 1058، 1089 - 1091، 1047 - 1050، 1046 - 1047).

المبحث الرابع: منزلته العلمية.

المبحث الرابع: منزلته العلمية. كان الإمام الدَّارَقُطْني من بحور العلم ومن أئمة الدنيا، اهتم بدراسة علم القراءات، والحديث، واللغة، والفقه، وقد جُمع له الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وهو أول من صنف في علم القراءات، وله فهم ثاقب في الفقه، والاختلاف، والمغازي، وأيام الناس، وغير ذلك، ولقد أثنى عليه كثير من العلماء بما لا يدع مجالاً لأحد للثناء عليه بعدهم، وقد أوردت بعض النصوص بإيجاز غير مخل طلباً للاختصار. ثناء العلماء عليه: قال الحافظ ابن عساكر: " قال أبو عبدالله الحاكم: الحافظ الدَّارَقُطْني رضي الله عنه صار واحد عصره في الحفظ والفهم والورع وإماماً في القُرَّاءِ والنحويين، أول ما دخلت بغداد كان يحضر المجالس وسِنَّه دون الناس وكان أحد الحفاظ، ثم صَحِبنا في رحلتي الثانية وقد زاد على ما كنت شاهدته، وحج شيخنا أبو عبدالله بن أبي ذهل سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وانصرف فكان يصف حفظه وتفرده بالتقدم حتى استنكرت وصفه إلى أن حججت سنة سبع وستين، فلما انصرفت إلى بغداد أقمت بها زيادة على أربعة شهر وكثر اجتماعنا بالليالي والنهار، فصادفته فوق ما كان وصفه الشيخ أبو عبدالله وسألته عن العلل والشيوخ ودونت أجوبته عن سؤالاتي وقد سمعها مني أصحابي " (¬1). ... . فتعقبه الحافظ الذهبي فقال: " وهم الحاكم، فإن الحاكم إنما دخل بغداد سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة، وسن أبي الحسن خمس وثلاثون سنة " (¬2). وقال الحافظ الذهبي: " صنف التصانيف: وسار ذكره في الدنيا، وهو أول من صنف في القراءات، وعقد لها أبواباً قبل فرش الحروف، تلا على أبي الحسين أحمد بن بويان، وأبي بكر ¬

(¬1) ابن عساكر، تاريخ دمشق طبعة دار الفكر بيروت 1419 هـ، (ج 43/ص 97)، والذهبي تذكرة الحفاظ مختصراً (ج3/ 991 - 992). (¬2) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج16/ 450 - 452).

النقاش، وأحمد بن محمد الديباجي، وعلي بن ذؤابة القزاز وغيرهم، وسمع حروف السبعة من أبي بكر بن مجاهد، وتصدر في آخر أيامه للإقراء. وقال الخطيب البغدادي: كان الدَّارَقُطْني فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده وإمام وقته، انتهى إليه العلو في الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال، مع الصدق والثقة، وصحة الاعتقاد، والاضطلاع من علوم سوى الحديث، منها القراءات، فإنه له فيها كتاب مختصر، جمع الأصول في أبواب في أول الكتاب، وسمعت من يعتني بالقراءات يقول: لم يُسبق أبو الحسن إلى طريقته في هذا وصار القراء بعده يسلكون ذلك، قال: ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء، فإن كتابه " السنن " يدل على ذلك، وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، وقيل على غيره ومنها المعرفة بالأدب والشعر" (¬1). وقال الحافظ ابن كثير: " قال أبو عبدالله الحاكم: لم ير الدارقطني مثل نفسه " (¬2). قال الحافظ الذهبي: " وقال الخطيب: قال لي أبو القاسم الأزهري: " كان الدارقطني ذكياً إذا ذوكر شيئا من العلم - أي نوع كان - وُجِد عنده منه نصيب وافر " (¬3). وقال ابن خلكان: " الدارقطني الحافظ المشهور، كان عالماً حافظاً فقيهاً على مذهب الإمام الشافعي أخذ الفقه عن أبي سعيد الإصطخري الفقيه الشافعي ". ... . وقال أيضا: " انفرد بالإمامة في علم الحديث في دهره، ولم ينازعه في ذلك أحد من نظرائه، وتصدر في آخر أيامه للإقراء ببغداد، وكان عارفاً باختلاف الفقهاء ويحفظ كثيراً من دواوين العرب " (¬4). ¬

(¬1) المصدر السابق. (¬2) ابن كثير، البداية والنهاية، (ج11/ 362). (¬3) الذهبي، تذكرة الحفَّاظ (ج3 / ص 993). (¬4) ابن خلكان، وفيات الأعيان (ج3 / ص 297).

المبحث الخامس: وفاته.

وقال الحافظ الذهبي في السير: " كان من بحور العلم ومن أئمة الدنيا، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله مع التقدم في القراءات وطرقها وقوة المشاركة في الفقه والاختلاف والمغازي وأيام الناس وغير ذلك " (¬1). وقال الحافظ ابن كثير: " الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصناعة، وقبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا، سمع الكثير وجمع وصنف وألَّف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل والانتقاد والاعتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام دهره في أسماء الرجال وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحسن التصنيف والتأليف، واتساع الرواية والإطلاع التام في الدراية " (¬2). ... . ... المبحث الخامس: وفاته. توفي الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى في شهر ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وقد اختلف في تحديد اليوم والتاريخ، فقيل توفي يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة وقيل ذي الحجة، سنة خمس وثمانين وثلثمائة ببغداد، وصلى عليه أبو حامد الإسفرائيني الفقيه، ودفن في مقبرة باب الدير، قريب من معروف الكرخي رحمهما الله (¬3). ... وقال الخطيب في ترجمته: حدثني أبو نصر علي بن هبة الله بن ماكولا، قال: رأيت كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة، فقيل لي: ذاك يُدْعى في الجنة الإمام (¬4). وأما ذكر أولاده: فلم تَذْكُر مصنفات التاريخ، ولا التراجم عن أولادهِ شيئاً فيما أعلم، مع كثرة البحث والتنقيب. ¬

(¬1) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج16/ ص 450). (¬2) ابن كثير، البداية والنهاية (ج11/ ص 362). (¬3) وانظر للتفصيل: ابن خلكان، وفيات الأعيان (ج3 /ص 398)، وفي تذكرة الحفَّاظ، (ج 3 /ص995)، وابن كثير، البداية والنهاية (ج11/ ص 317). (¬4) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج16/ ص 457).

المبحث السادس: آثاره العلمية.

المبحث السادس: آثاره العلمية. لقد صنف الإمام الدارقطني في فنون عديدة، منها في الحديث وعلومه وأسماء الرجال والقراءات، والفقه، والعقيدة وكان حسن التصنيف والتأليف، وله مؤلفات قد أحصى الدكتور عبدالله الرحيلي في رسالته: " الإمام الدارقطني وكتابه السنن " مصنفاته الموجودة منها والمفقودة، والمطبوع منها والمخطوط فبلغت ثلاثة وخمسين كتاباً (¬1)، وأحصى الدكتور موفق عبدالقادر في مقدمة تحقيق كتابه المؤتلف والمختلف مصنفات الدارقطني فذكر له اثنين وثمانين مصنفاً (¬2). وأكتفي هنا بذكر بعضها: أولاً المخطوطات: 1. كتاب الأفراد، لا يوجد منه إلا جزءان في دار الكتب الظاهرية، وتوجد صورة منه في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية، ومكتبة المسجد النبوي قسم المخطوطات من مجموع برقم حاسب (8423) وعدد أوراقه 10، بخط نسخي معتاد، عدد الأسطر 17 مقاس 30:41، والمخطوط عليه بعض السماعات وعلى الرسالة سماع ليحيى بن منده سنة 469هـ، وقد رتب أطرافه ابن طاهر القيسراني على مسانيد الصحابة، قدم مسانيد العشرة المبشرين بالجنة، ثم رتبه على حروف المعجم، توجد في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية نسختان مصورتان، إحداهما من دار الكتب المصرية بالقاهرة، وثانيهما من كلية القرويين بفاس، بالمغرب. ¬

(¬1) عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، الإمام الدارقطني وكتابه السنن (رسالة دكتوراه غير منشورة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) ص: 180 - 233 من رسالته). (¬2) موفق عبد القادر، مقدمة المؤتلف والمختلف للدارقطني، طبعة دار الغرب الإسلامي، بيروت سنة 1986م (ج1/ ص 41 - 42).

2. رباعيات أبي بكر الشافعي انتقاء أبي الحسن الدارقطني وهي جزء لطيف جمعه الحافظ الدارقطني من الجزء الرابع والثامن من فوائد الإمام محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن عبد ربه أبو بكر الشافعي المتوفي سنة 354 هـ، من رواية المحاملي عنه، وهي من مخطوطات المكتبة الظاهرية حديث برقم: (359)، ولدي مصورة منها، ولها نسخة مصورة بمكتبة المسجد النبوي الشريف برقم (5219)، وتقع في 30 ورقة، نسخها سليمان بن حمزة بن أحمد المقدسي سنة 690 هـ، نوع الخط نسخ معتاد، وعدد الأسطر (14)، مقاس 26: 19، وقد ووهم الدكتور عبدالله الرحيلي في رسالته للدكتوراه (¬1) فذكر المخطوطة باسم رباعيات الإمام محمد بن إدريس الشافعي وليس كذلك فإنَّه الإمام محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن عبد ربه أبو بكر الشافعي كما تقدم. 3. فوائد أبي علي حامد بن محمد الهروي، انتخاب الدارقطني، وهو من مخطوطات المكتبة الظاهرية تقع في 25 ورقة (5أ _ 30أ) ضمن مجموع رقم (45). 4. كتاب الأسخياء والأجواد، الأصل في مكتبة خدابخش بتنه (بانكيبور) الهند، وتوجد مصورة ورقية في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث، وتقع في 16 ورقة ضمن مجموع رقم (82)، عدد الأسطر 17 مقاس 30: 21، بخط نسخي معتاد، والنسخة بها طمس وسواد كثير لسوء التصوير. 5. أمالي المحاملي تصنيف أبي الحسن الدارقطني، وهو من مخطوطات الظاهرية، وله مصور ورقي في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث ويقع في 3 أوراق (82أ _ 84ب) ضمن مجموع رقم (80)، عدد الأسطر 17 مقاس 42: 30 بخط نسخي معتاد. ¬

(¬1) عبدالله بن ضيف الله الرحيلي، الإمام الدارقطني وكتابه السنن (رسالة دكتوراه غير منشورة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) ص:180 - 233 من رسالته).

6. فضائل الصحابة ومناقبهم، الأصل في المكتبة الظاهرية، وتوجد مصورة منها في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث، وتقع في 13 ورقة (44 - 57) ضمن مجموع رقم 188، عدد الأسطر (18) مقياس 28: 21، الناسخ محمد بن حمزة بن عمر، بخط نسخي جيد، وتوجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية برقم 45950 الحديث وعلومه. 7. الأحاديث التي رواها الإمام مالك عن الزهري، وتوجد مصورة منها في مكتبة المخطوطات بمكتبة المسجد النبوي الشريف، حديث، وتقع في 16 ورقة (28أ-44ب) ضمن مجموع رقم 34 عدد الأسطر (20) مقياس 30: 20، الناسخ عيسى محمد الجير سنة 995هـ بخط نسخي جيد. 8. أحاديث الكناني برواية الصيرفي أبي الحسين محمد، الأصل في مكتبة الأسد الوطنية، من مخطوطات القرن السادس الهجري، عدد أوراقه 13ق، وتوجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية عدد أوراقه 13ق حديث. 9. جزء فيه من أخبار عمرو بن عبيد بن باب البصري المعتزلي وكلامه في القرآن وإظهار بدعته الأصل في المكتبة الظاهرية عدد أوراقه 9 ق، توجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية برقم (23486) عدد أوراقه 9ق، العقائد. 10. معاني الأخبار المسمى بحر الفوائد، الأصل في مكتبة الغازي خسروبيك، سراييفوا البوسنة والهرسك، وتوجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية برقم (6530) الحديث وعلومه. 11. جزء في زواج أبي العاص بن الربيع، الأصل في مكتبة الأسد الوطنية عدد أوراقه 8 ق، توجد مصورة منه في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية بمجموع رقم: (20287/ 17) عدد أوراقه 8 ق (284 - 290)، متون الحديث وشروحها.

ثانيا المطبوعات

12. الأربعون حديثا، الأصل في مكتبة تشستربيتي دبلن ايرلندا عدد أوراقه 39 ق، الناسخ: يونس بن حلاج الحسني، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية بمجموع رقم: (20436/ 3) عدد أوراقه 39ق (136 - 174) متون الحديث وشروحها. 13. حديث أبي عمر محمد بن العباس بن حيويه ـ الجزء (3 , 5 , 6)، مكتبة الأسد الوطنية، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية، عدد أوراقه 6 ق، متون الحديث وشروحها. 14. عشرة أحاديث منتخبة من الجزء (13) من الفوائد المنتقاة في الأموال، الأصل في مكتبة الأسد الوطنية عدد أوراقه 3 ق، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية. 15. الفوائد المنتخبة العوالي، الأصل في مكتبة تشستربيتي دبلن ايرلندا، هي من مخطوطات القرن السادس الهجري، وتوجد مصورة في مكتبة وزارة الأوقاف الكويتية، عدد أوراقه 28 ق، متون الحديث وشروحها. ثانياً المطبوعات: 1. كتاب العلل الواردة في الأحاديث النبوية مطبوع دار طيبة، الرياض عام 1405هـ، وسيأتي ضمن فصل مُنفرد قريباً، وقد لخصه الإمام شمس الدين محمد السخاوي، وسماه: بلوغ الأمل بتلخيص كتاب الدارقطني في العلل (¬1). 2. التتبع والإلزامات: طبعا بتحقيق الشيخ مقبل هادي الوادعي، الناشر: المكتبة السلفية بالمدينة 3. سؤالات أبي عبد الله بن بكير له: مطبوع بدار عمان بالأردن عام 1408هـ. 4. كتاب الضعفاء والمتروكين: المكتب الإسلامي بيروت، سنة 1994م تحقيق محمد الصباغ. ¬

(¬1) إسماعيل بن إبراهيم العظم باشا البغدادي (ت: 1144هـ)، إيضاح المكنون طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، سنة 1314هـ (ج1/ص 195).

المبحث السابع: دراسات علمية حول بعض مؤلفاته.

5. المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال: دار الغرب بيروت سنة 1986م، تحقيق موفق عبدالقادر. 6. ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته: طبع دار الفكر بيروت، وطبع مؤسسة الكتب الثقافية بيروت تحقيق كمال الحوت. 7. الأحاديث التي خولف فيها الإمام مالك: طبع مكتبة الرشد الرياض سنة 1997م، تحقيق: خالد الجزائري. 8. رؤية الله - جل وعلا: مكتبة القرآن القاهرة تحقيق مبروك إسماعيل سنة 2001م 9. الأخوة والأخوات: دار الراية الرياض عام 1413هـ، تحقيق: د. باسم فيصل. 10. فوائد أبي علي محمد الصواف انتقاء الدارقطني: دارالعاصمة بالرياض 1408هـ 11. السنن: مطبوع عدة طبعات. منها طبعة دار المحاسن، القاهرة، سنة 1386هـ تحقيق السيد عبدالله هاشم يماني المدني. 12. سؤالات الحاكم له: مطبوع عدة طبعات. 13. سؤالات السلمي له: طبع دار العلوم، الرياض، تحقيق: د. سليمان آتش. المبحث السابع: دراسات علمية حول بعض مؤلفاته. قام جمع من العلماء بتلخيص بعض مؤلفات الدارقطني وآخرون قاموا بتقديم أطروحات علمية منها: - مرويات الإمام الزهري المعلة في كتاب العلل للدارقطني: رسالة دكتوراه، عبدالله بن حسن دمفو، مطبوعة في مكتبة الرشد، الرياض سنة 1418 هـ. - الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج: لإبراهيم بن محمد أبو مسعود الدمشقي، تحقيق إبراهيم بن علي آل كليب، طبع دار الوراق، الرياض سنة 1419هـ.

- تخريج الأحاديث الضعاف من سنن الدارقطني: لأبي بكر الغساني، تحقيق أشرف بن عبدالمقصود طبع في دار عالم الكتب، الرياض سنة 1411 هـ. - أحاديث أبي إسحاق السبيعي التي ذكر الدارقطني فيها اختلافاً في كتابه العلل: رسالة دكتوراه، د. خالد محمد باسمح، كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية سنة 1423 هـ. - مرويات الإمامين قتادة بن دعامة ويحيي بن أبي كثير المعلة في كتاب العلل: للإمام الدارقطني، رسالة دكتوراه كلية أصول الدين جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية سنة 1424 هـ، عادل عبد الشكور الزرقي. - أحاديث الصفات: طبع بتحقيق الشيخ عبدالله الغنيمان، نشرته مكتبة الدار ثم طبع بتحقيق الدكتور علي ناصر الفقيهي سنة 1403 هجرية. - الرؤية: رسالة سليم الأحمدي في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لنيل درجة الدكتوراه. - سؤالات البرقاني للدارقطني: رسالة خليل حسن حمادي في جامعة الإمام محمد بن سعود لنيل درجة الماجستير سنة 1403 هـ. - تعليقات الدارقطني على المجروحين لابن حبان البستي: تحقيق خليل بن محمد العربي، طبع دار الكتاب الإسلامي سنة 1414هـ. - كتاب الضعفاء والمتركون للدارقطني: رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية، تحقيق عبد الرحيم محمد القشقري سنة 1401هـ.

الفصل الثاني التعريف بكتاب العلل للإمام الدارقطني

الفصل الثاني التعريف بكتاب العلل للإمام الدَّارَقُطْني علل الدارقطني (العلل الواردة في الأحاديث النبوية): سنتعرض في هذا الفصل لدراسة كتاب العلل للدارقطني من جوانب علمية مختلفة من حيث اسمه، ومؤلفه، وقيمة الكتاب العلمية، ومحتوى الكتاب، ومصادر الإمام الدارقطني في الكلام على العلل والرواة، والطريقة التي كان يسلكها في بيان العلل وغير ذلك مما يعين الباحث على الإفادة منه، والأحاديث التي ذكر الدارقطني إنها معلولة وهي في أحد الصحيحين (البخاري أو مسلم). المبحث الأول: اسم الكتاب ومؤلفه: اسم الكتاب: للكتاب اسمان: العلل للدارقطني، والعلل الواردة في الأحاديث النبوية، ويرجع هذا الاختلاف في الاسم إلى تصرف النُّساخ بالاختصار لاسم الكتاب على طرة بعض مجلداته وهذا مشاهد في كثير من المخطوطات والنسخ القديمة، فعلى سبيل المثال: مسمَّي العلل الواردة في الأحاديث النبوية فهو كما ثبت على بداية نسخ الكتاب المخطوطة، فمنها نسخة دار الكتب المصرية، كُتب على المجلد الأول: " المجلد الأول من العلل المورودة في الأحاديث النبوية "، وكُتب على المجلد الرابع منها: العلل الواردة في الأحاديث النبوية وكُتب على المجلد الخامس منها "المجلد الخامس من العلل في الأحاديث " وأما تسميته بالعلل فقد سماه كثير من الأئمة كما سنذكر فيما بعد في أهمية الكتاب. مؤلف الكتاب: نُسب الكتاب للدارقطني ولكن اشترك الإمامان الكرخي والبرقاني في وضع هذا التصنيف فقد قال الخطيب البغدادي: " سألت البرقاني قلت له: هل كان أبو الحسن الدارقطني يملى عليك العلل من حفظه فقال: نعم ثم شرح لي قصة جمع العلل فقال: كان أبو

منصور بن الكرخي يريد أن يصنف مسنداً معلَّلاً فكان يدفع أصوله إلى الدارقطني فيعلم له على الأحاديث المعللة ثم يدفعها أبو منصور إلى الوراقين فينقلون كل حديث منها في رقعة فإذا أردتُ تعليق الدارقطني على الأحاديث نظر فيها أبو الحسن ثم أملى علىَّ الكلام من حفظه فيقول: حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود الحديث الفلاني اتفق فلان وفلان على روايته وخالفهما فلان ويذكر جميع ما في ذلك الحديث فأكتب كلامه في رقعة مفردة وكنت أقول له: لم تنظر قبل إملائك الكلام في الأحاديث؟ فقال: أَتَذَكَّرُ ما في حفظي بنظري، ثم مات أبو منصور والعلل في الرقاع فقلت لأبي الحسن بعد سنين من موته: إني قد عزمت أن أنقل الرقاع إلى الأجزاء وأرتبها على المسند فأذن لي في ذلك وقرأتها عليه من كتابي ونقلها الناس من نسختي ". وقال أيضاً: " قال أبو بكر البرقاني: وكنت أكثر ذكر الدارقطني والثناء عليه بحضرة أبي مسلم بن مهران الحافظ فقال لي أبو مسلم: أراك تفرط في وصفه بالحفظ فتسأله عن حديث الرضراض عن ابن مسعود فجئت إلى أبي الحسن وسألته عنه فقال: ليس هذا من مسائلك وإنما قد وضعت عليه فقلت له: نعم فقال: من الذي وضعك على هذه المسألة؟ فقلت: لا يمكنني أن أسميه فقال: لا أجيبك أو تذكره لي فأخبرته فأملى علىَّ أبو الحسن حديث الرضراض باختلاف وجوهه وذكر خطأ البخاري فيه فألحقته بالعلل ونقلته إليها أو كما قال " (¬1). وقال الخطبيب البغدادي: " فنقل البرقاني كلام الدارقطني ورتبه على المسند وقرأه على أبي الحسن وسمعه الناس بقراءته فهو كتاب "العلل" الذي دونه الناس عن الدارقطني" (¬2). ¬

(¬1) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، (ج5 / ص 249). (¬2) نفس المصدر السابق (ج6 / ص 59).

المبحث الثاني: قيمة الكتاب العلمية

ويتضح مما سبق عدة أمور: 1. نسبة كتاب العلل للدارقطني صحيحة، لأنه هو الذي انتقى الأحاديث المعلولة من أصول الكرخي وتكلم عليها كما يظهر من النص السابق. 2. كتاب العلل مرتب على المسانيد، وقد رتبه الحافظ البرقاني بموافقة الإمام الدارقطني. 3. أحاديث الكتاب جمعت من الأصول التي جمعها الإمام الكرخي، وسؤالات البرقاني. 4. جمع الإمام البرقاني للكتاب وأنه هو الذي يصدر السؤال بكلمة " وسئل " ثم يقول: " فقال "، يقصد بها الدارقطني. المبحث الثاني: قيمة الكتاب العلمية: الكتاب في غاية الإتقان والنَّفاسة، ودرة ثمينة قلما توجد في هذا الفن، وقد وضع فيه الدارقطني خلاصة علمه، وأبان العلل بأسلوبٍ يجلي العلة ويبرزها، ويمتاز كذلك عن بقية الكتب المطبوعة في هذا الفن ويزيد عليها سعة وشمولا واستيعابا وتنظيما، وقد أثنى عليه العلماء بأجمل الثناء: فقال محمد بن أبي نصر الحميدي: " ثلاثة كتب من علوم الحديث يجب التهمم بها: كتاب العلل، وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الدارقطني ... الخ " (¬1). وقال ابن الصلاح عند ذكر كتب علل الحديث: " ومن أجودها كتاب العلل عن أحمد ابن حنبل، وكتاب العلل عن الدارقطني " (¬2). وقال الذهبي: " وإذا شئت أن تبين براعة هذا الإمام الفرد فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك " (¬3). ¬

(¬1) السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، طبعة مكتبة ابن سينا القاهرة (ص 160). (¬2) أبو عمرو بن الصلاح، علوم الحديث المشهور بمقدمة ابن الصلاح (ص 254). (¬3) الذهبي، تذكرة الحفاظ (ج 3 / ص 993 - 994).

وقال الحافظ ابن كثير: " وقد جمع أزمِّة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتاب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله وأكرم مثواه " (¬1). وقال البلقيني: " وأجل كتاب في العلل: كتاب الحافظ ابن المديني، وكذلك كتاب ابن أبي حاتم، وكتاب العلل للخلال، وأجمعها كتاب الحافظ الدارقطني " (¬2). قلتُ: وقد قام الدكتور محفوظ الرحمن بإجراء مقارنة بين علل الدارقطني وكتب الأئمة الآخرين، وأثبت أن أجمعها كتاب الإمام الدارقطني فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابه فإنه بحثٌ نفيسٌ غايةٌ، ولم يسبق إليه (¬3). وقال العراقي في ألفيته: " وعلل وخيرها لأحمدا ... والدارقطني وتواريخ عدا " (¬4). وقال السخاوي: " هو على المسانيد مع أنه أجمعها " (¬5). ¬

(¬1) أحمد محمد شاكر، الباعث الحثيث (ص 91). (¬2) عمر بن رسلان البلقيني (ت: 805 هـ)، محاسن الاصطلاح المطبوع بحاشية مقدمة ابن الصلاح تحقيق د: عائشة عبد الرحمن، دار الكتب المصرية 1974 م (ص 203). (¬3) محفوظ الرحمن زين الله السلفي، مقدمة تحقيق العلل (ج1 / ص 105 - 131). (¬4) العراقي، ألفية الحديث، مع الفتح المغيث للسخاوي (ج2 / ص 311). (¬5) السخاوي، فتح المعيث (ج2 / ص334).

المبحث الثالث: محتوى الكتاب

المبحث الثالث: محتوى الكتاب: ويحتوي كتاب العلل للدارقطني الذي بين أيدينا الآن على حوالي: " 177"، مسنداً تقريباً، تضم أكثر من " 4128 "، سؤالاً (¬1)، وقد اشتملت السؤالات على جميع أنواع العلل المختلفة الخفية والظاهرة، فكان منها المتفق والمفترق، والمدرج، والمضطرب والْمُصَحَّف، الْمُدَلَّس، وما فيه الإرسال والانقطاع والضعف وغيره، وقد رتب مادة الكتاب الحافظ البرقاني على المسانيد بعد موافقة الدارقطني على ذلك كما سبق ذكره، وأن السؤالات التي صُدَّرت بها نصوص الدارقطني في العلل من وضع الحافظ البرقاني، وقد ضمَّ الكتاب السؤالات عن تراجم الرواة، كما ضمَّ السؤالات عن الأحاديث إلا أن الأحاديث كانت الغالب من أصل السؤالات. وكتاب العلل إلى اليوم لم يكتمل بعدُ، حيث إنَّ المصادر التي اعتمد عليها الدكتور محفوظ الرحمن رحمه الله تدل على النقص في أصل الكتاب، فقد أفاد د. محفوظ الرحمن زين الله (¬2) أنَّه: " اعتمد على عشرة نسخ خطية لكن معظمها غير كاملة فبعضها ينقص مجلداً وبعضها ينقص أكثر، وقد يكون المجلد نفسه ناقصاً من أوله أو أثناءه أو آخره، وأكمل هذه الكتب نسخة دار الكتب المصرية التي تقع في خمس مجلدات، ولكنها لم تسلم أيضاً من النقص أو الاضطراب في ترتيبها، فأما المجلدات الأول والثاني والثالث فقد دخلت فيما طبع من الكتاب، وأما المجلد الرابع فقد طبع بعضه، وذكر المحقق أنه اكتفى فيه بالمقابلة على نسختين فقط مما سبق وهما نسخة دار الكتب المصرية، ونسخة " خدا بخش بتنه " القديمة، لأن بقية النسخ إما منقولة عنهما أو لأن النقص كان بعد المجلدين الأول والثاني، وأما المجلد الرابع ¬

(¬1) فقد ذكر الدكتور محفوظ الرحمن رحمه الله، أن كتاب العلل للدارقطني يحتوي - مع نقصه - على "170 " مسندا تضم أكثر من " 3987 " سؤال في مقدمة تحقيق العلل (ج1/ ص5)، وما أثبته هنا، تعقيب عليه بعد التحقيق والدراسة لجميع الكتاب بعد التكملة. (¬2) الدكتور عبدالله بن محمد بن حسن دمفو، مرويات الإمام الزهري المعلة (ج1 / ص 107).

من النسخة المصرية فلا يقابله إلا نسخة المكتبة الناصرية " بلكنو "، وأما المجلد الخامس فتنفرد به النسخة المصرية ". والكتاب طبع في أحد عشر مجلداً، وهو القسم الذي طبعه الدكتور محفوظ الرحمن رحمه الله، ثم قام الشيخ محمد بن صالح الدَّباسي مشكوراً بإتمام بقية التحقيق للمخطوطات المذكورة آنفاً، فخرجت التكملة في خمسة مجلدات مع الفهارس، فيكون إجمالي أجزاء الكتاب ستة عشر جزءاً مع الفهارس. وأخيراً سؤال يطرح نفسه، هل هذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو الذي جمعه البرقاني في حياة الدارقطني أم اعتراه النقص!؟ والجواب: باستقراء النصوص التي وردت في هذه المسألة نجدها تنقسم على قولين: القول الأول: ذهب إليه ابن القطان ومن تبعه، أن الدارقطني لم يكمل الكتاب أصلاً، فقال: " فأما كتاب العلل له - يعني الدارقطني - فإنه لم يذكر فيه ابن عباس، وكذلك جماعة من الصحابة، أراه لم يبلغهم عمله " (¬1). وقال أيضاً: " وذلك أن الدارقطني لم يجعل في كتاب العلل لابن عباس رسماً، ولا ذكر من حديثه إلا ما عرض في باب غيره من الصحابة، إما لم يبلغه عمله وإما لم يتحصل عنده ما يضع في الكتاب المذكور (¬2). واحتج بعضهم بأن كتاب الدارقطني مبني على أصول أبي منصور الكرخي - وهو شيخه - الذي مات ولم يتمه كما ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (¬3). ¬

(¬1) الحافظ علي بن محمد بن عبد الملك أبو الحسن، ابن القطان الفاسي (ت: 628)، بيان الوهم والإيهام طبعة دار طيبة، الرياض، تحقيق د. الحسين آيت سعيد، (ج1/ ص181). (¬2) المصدر السابق، (ج1/ ص192). (¬3) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (ج5 / ص249).

القول الثاني: وهو أنَّ الكتاب قد اعتراه النقص في النسخ المخطوطة التي وصلت إلينا، ولم يكن الكتاب على أصول الكرخي فحسب، وإنما ضم إليه سؤالات البرقاني من أمثلة ذلك ما ورد من حديث الرضراض بن أسعد عن ابن مسعود , كما حكى البرقاني قصة سؤاله للدارقطني عنه كما نقله الخطيب عنه في تاريخه أنه قال: كنت أكثر ذكر الدارقطني والثناء عليه بحضرة أبي مسلم بن مهران الحافظ , فقال لي أبو مسلم: أراك تفرط فى وصفه بالحفظ فتسأله عن حديث الرضراض عن ابن مسعود؟ فجئت الى أبى الحسن وسألته عنه فقال: ليس هذا من مسائلك ... " (¬1). القول الراجح: وهو القول الثاني: أن الكتاب قد اعتراه النقص في النسخ المخطوطة التي وصلت إلينا، ويرجع ذلك إما لخطأ النساخ أو فقدان أجزاء منه، ومن القرائن والشواهد التي تؤيد ذلك عدة نصوص في كتاب العلل للدارقطني، ومنها على سبيل المثال، لا الحصر: القرينة الأولى: ورد في حديث ((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً)) (¬2)، سؤال رقم (3485) قول الدارقطني: " وحديث أبي بن كعب يجئ في مسنده إن شاء الله. " (¬3)، ومعلوم أنَّه ليس هناك مسند لأُبي بن كعب في نسخ الكتاب الذي بين أيدينا، مما يدل على النقصان في النسخة المخطوطة التي وصلت إلينا، وكلام أهل العلم ممن كان له دراسة بهذا المصنف الجليل يدل على ما ذهبنا إليه. ¬

(¬1) المصدر السابق (ج15/ ص260). (¬2) البخاري، الجامع الصحيح (ج10/ ص605)،كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يُكره منه، رقم (6145). والترمذي، السنن (ج5/ص137)، كتاب، باب ما جاء إنَّ من الشعر حكمة، رقم (2844). (¬3) أبو الحسن الدارقطني، علل الدارقطني، تكملة الدَّباسي (ج14 / ص146).

القرينة الثانية: ورد في حديث ((أَلا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ؟)) (¬1)، سؤال رقم (4009) قول الدارقطني: " وقد بينا الخلاف في حديث ابن عباس " (¬2)، وليس في النسخ الموجودة لدينا أثر لمسند ابن عباس منفرداً، ولم نحصل على الخلاف المشار إليه في كتاب العلل بعد طول تفتيش، وقال الدكتور محفوظ الرحمن: " وكما أن مسند ابن عباس لا يوجد في العلل للدارقطني كذلك لا يوجد مسند عبدالله بن عمرو بن العاص مع أنَّه أيضاً من المكثرين، وغاية ما في الأمر أنَّ الدارقطني لم يفرد مسنداً لابن عباس كما عمل لعبدالله بن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وغيرهما، ولكنه يذكر أحاديث ابن عباس في مسانيد أخرى. " (¬3)، وأما قول القائل: ربما كان الخلاف المذكور في حديث ابن عباس مما أُدخل في بعض المسانيد الأخرى، فاحتمال ظاهر البطلان، لأن أحاديث ابن عباس التي وقعت في كتاب العلل الذي بين أيدينا حوالي (116) ستة عشر ومائة حديثٍ تقريباً، وبعد سبر هذه الأحاديث لم نجد الخلاف المذكور آنفاً في الحديث. ومما سبق يتضح لنا عدة أمور ونتائج: 1 - أنَّ النسخ المخطوطة الموجودة بين أيدينا الآن من كتاب العلل وقع بها النقص إجمالاً 2 - وأنَّ مسانيد أبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو بن العاص لا وجود لهما في الكتاب. 3 - وأنَّ مسند ابن عباس لا يوجد منفرداً بل ذكر في مسانيد أخري تبعاً لا أصلاً. 4 - وأنَّ قول قائل أن الدارقطني لم يكمل الكتاب أصلاً، بعيد من واقع الحجة والبرهان. 5 - أنَّ كتاب العلل للدارقطني كتاب حافل كثير الفائدة في بابه. ¬

(¬1) مسلم، صحيح مسلم (مع شرح النووي)،كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ (ج2 / ص288)، رقم (102). (¬2) أبو الحسن الدارقطني، علل الدارقطني، تكملة الدَّباسي (ج15/ ص 260). (¬3) محفوظ الرحمن، مقدمة العلل للدارقطني (ج1/ ص 84).

المبحث الرابع: مصادر الإمام الدارقطني في الكلام على العلل والرواة

المبحث الرابع: مصادر الإمام الدارقطني في الكلام على العلل والرواة: أولاً: المصادر التي صرح بها الدارقطني في كتابه: ذكر الدكتور محفوظ الرحمن المصادر التي صرح بها الدارقطني في كتابه العلل، فأحببت أن أذكرها إتماماً للفائدة، وأذكر بعدها بعض التعليقات والاستدراكات تبعاً، فقال رحمه الله: 1 - كتاب المناسك لعبد الملك بن عبد العزيز بن جريح (ت: 150 هـ). 2 - مصنفات سعيد بن أبي عروبة (ت: 156 أو 157 هـ). 3 - الموطأ للإمام مالك بن أنس (ت: 179 هـ). 4 - الموطأ بروايات: محمد بن الحسن الشيباني (ت: 189 هـ)، عبدالرحمن بن القاسم بن خالد (ت:191 هـ)، عبد الله بن وهب (ت: 197 هـ)، معن بن عيسى الأشجعي (ت: 198 هـ) يحيى بن سعيد القطان (ت: 198 هـ)، محمد بن إدريس الشافعي (ت: 204 هـ)، بشر بن عمر (ت: 209 هـ)، عبدالملك بن عبدالعزيز بن الماجشون (ت: 213 هـ) محمد بن المبارك الصوري (ت: 215 هـ)، عبدالله بن يوسف التنيسي (ت: 218 هـ) عبدالله بن مسلمة بن قعنب القعنبي (ت: 221 هـ)، يحيى بن عبدالله بن بكير ... (ت: 231 هـ)، يحيى بن يحيى الليثي (ت: 234 هـ)، قتيبة بن سعيد (ت: 240 هـ)، أحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهري (ت: 242 هـ)، أيوب بن صالح. 5 - كتاب عبدالوهاب بن عبد المجيد الثقفي (ت: 194هـ)، عن يحيى بن سعيد الأنصاري (ت: 144 هـ). 6 - كتاب الطهارة لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت: 224 هـ). 7 - المسند لعلي بن المديني (ت: 234 هـ). 8 - كتاب أحمد بن منيع (ت: 244 هـ). 9 - الجامع الصحيح لمحمد بن إسماعيل البخاري (ت: 256 هـ).

10 - الصحيح لمسلم بن حجاج (ت: 261 هـ). 11 - كتاب الأدب لإبراهيم بن إسحاق الحربي (ت: 285 هـ). 12 - كتاب الطهارة لإبراهيم بن إسحاق الحربي (ت: 285 هـ). 13 - كتاب أبي بكر محمد بن عبدالله الشافعي (ت: 354 هـ) " (¬1). استدراك: لم يذكر الدكتور محفوظ الرحمن رحمه الله، ثمانية وستين مصدراً تقريباً، وقد صرح الدارقطني بالاستفادة منها، فمنها على سبيل المثال لا الحصر (¬2): 1 - أصل نهشل بن دارم، وهو بن مالك بن حنظلة، من تميم، من عدنان (ت:؟) (¬3) 2 - الجنائز ليزيد بن هارون، وهو بن زاذان بن ثابت الواسطي (ت: 206هـ) (¬4). 3 - العين للخليل بن أحمد، وهو ابن عمرو بن تميم الفراهيدي (ت: 170هـ) (¬5) 4 - كتاب إبراهيم بن نصر الكنديّ، أبو إسحاق الرازي (ت: 280هـ) (¬6). 5 - كتاب أحمد بن محمد بن عبد الكريم، وهو ابن سهل الكاتب، أبو العباس (ت: 270هـ) صاحب كتاب (الخراج) (¬7)،قال ابن خلكان: "لم أعلم من حاله شيئا، وكتابه مشهور، وما ذكرته إلا لأجل كتابه فقد يَتَشَوَّف الواقف عليه إلى معرفة زمانه" (¬8) ¬

(¬1) محفوظ الرحمن زين الله السلفي، مقدمة تحقيق العلل (ج1 / ص 98 - 100) (¬2) فهارس العلل للدارقطني (التكملة)،طبعة دار التدمرية 1428هـ (ج16/ ص 628 - 632). (¬3) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج10 / ص341). (¬4) المصدر السابق (ج12/ص32). (¬5) المصدر السابق (ج5 / ص235). (¬6) المصدر السابق (ج12 /ص400). (¬7) المصدر السابق (ج12/ 337). (¬8) ابن خلكان، وفيات الأعيان (ج1/ ص29).

ثانيا: المصادر التي لم يصرح بها الدارقطني في كتابه

6 - كتاب أزهر، وهو ابن سعد الباهلي بالولاء، أبو بكر السمان (ت: 203هـ) (¬1) 7 - كتاب إسحاق الفروي، ابن محمد بن إسماعيل بن أبي فروة (ت: 226هـ) (¬2). 8 - كتاب الحسن بن أحمد بن صالح السبيعي، الهمداني الحلبي (ت:371هـ) (¬3). 9 _ كتاب الليث، الإمام ابن سعد الفهمي بالولاء، أبو الحارث (ت: 175هـ) (¬4). 10 - كتاب المفضل بن فضالة، ابن عبيد، أبو معاوية، القتباني المصري (ت:181هـ) (¬5). 11 - كتاب خلف بن محمد، وهو كردوس (ت: 216 أو 217 هـ) (¬6). 12 - مسند البزار، هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر (ت: 292 هـ) (¬7). ثانياً: المصادر التي لم يصرح بها الدارقطني في كتابه: ذكر الحافظ الذهبي في السير: " قال أبو بكر البرقاني: كان الدارقطني يملي عليَّ العلل من حفظه. قلت: إن كان كتاب " العلل " الموجود، قد أملاه الدارقطني من حفظه، كما دلت عليه هذه الحكاية، فهذا أمر عظيم، يقضى به للدارقطني أنه أحفظ أهل الدنيا وإن كان قد أملى بعضه من حفظه فهذا ممكن، وقد جَمع قبله كتاب " العلل " علي بن المديني حافظ زمانه " (¬8). وذكر الحافظ البرقاني _عن طريقة إملاء الدارقطني للعلل - قوله: " فإذا أردتُ تعليق الدارقطني على الأحاديث نظر فيها أبو الحسن، ثم أملى عَلَيَّ الكلام من حفظه فيقول: حديث ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج5/ ص187). (¬2) المصدر السابق (ج8/ ص206). (¬3) المصدر السابق (ج1 / ص20). (¬4) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (التكملة)، (ج12 /ص99). (¬5) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج4 /ص295). (¬6) المصدر السابق (ج7 /ص147). (¬7) المصدر السابق (ج10 /ص370). (¬8) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج16 / ص 455).

الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود الحديث الفلاني، اتفق فلان وفلان على روايته، وخالفهما فلان، ويذكر جميع ما في الحديث " (¬1). وقيل للدارقطني: " حديث ابن مخلد عن أحمد بن منصور، عن النضر هل سمعته منه؟ قال: لا أحفظه الساعة وهو حديث باطل، ذهب عبدالرحمن بن مهدي وأبو داود إلي زياد بن ميمون فأنكر عليه هذا الحديث، فقال: اشهدوا علىّ أني رجعتُ عنه " (¬2). قلتُ: ويتضح لنا من النصوص السالفة الذكر أن مصادر الدارقطني في التعليل كالآتي: أولاً: أنَّ الدارقطني كان يعتمد على حفظه الأحاديث المعلولة عن مشايخه، وعلى استحضار الطرق في الحديث، فقد كانوا يتعلمون المعلول من الحديث كما يتعلمون الصحيح السالم من العلل، وهذا معلوم ومشاهد بالاستقراء وبالتواتر. ثانياً: أنَّ الدارقطني اعتمد على بعض مصنفات أئمة الحديث والتي صرح بها كما سبق، واعتمد على مصادر لم يذكرها ربما استفاد منها، ومثال ذلك: كتاب العلل للإمام ابن أبي حاتم الرازي، وكتاب علل الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الإمام الترمذي وغيرهم ممن كانت لهم كتبٌ مشهورة صنفت في العلل قبل الدارقطني، قفد ذكر ابن أبي شيبة اهتمام السلف بكتب أئمة الفن قبلهم فقال:" سمعت علياً _ ابن المديني _ يقول أبو عوانة باع كتابه، سمعت علياً يقول: كنت إذا قدمت الى بغداد منذ أربعين سنه كان الذي يذاكر أحمد بن حنبل فربما اختلفنا في الشيء فنسأل أبا زكريا يحيى بن معين فيقوم فيُخرِّجه" (¬3). وقال الدكتور محفوظ الرحمن في مقدمة العلل: " والحقيقة أن الدارقطني استفاد كثيراً من مشايخه تلقياً ومشافهة ومن مصنفاتهم منهم: محمد بن مخلد، ويحيى بن صاعد، والمحاملي ¬

(¬1) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (ج12 / ص 37). (¬2) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل، (التكملة)، (ج15/ ص9). (¬3) ابن أبي شيبة: محمد بن عثمان، أبو جعفر الكوفي (ت: 239 هـ)، سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني رواية جعفر بن محمد بن الخواص عنه، دار البشائر، بيروت (ص81).

وابن أبي داود، وأبو بكر الشافعي وغيرهم، كما أنه استفاد من مؤلفات المتقدمين - وإن لم يصرح بها - مثل مؤلفات سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وابن المبارك ووكيع، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق، والحميدي، ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وأحمد بن منصور الرمادي، وعمر بن شبَّة، ويعقوب بن شيبة، والترمذي والبزار وغيرهم - ممن يصعب إحصاؤهم - الذين يذكر أسماءهم في الأسانيد التي ساقها في هذا الكتاب، ولا نستطيع أن نحدد، لأنَّه كان يملي العلل من حفظه، فيجوز أن تكون استفادته من مؤلفاتهم، أو مما تلقاه من مشايخه الأفذاذ، والله أعلم " (¬1). قلتُ: والتحقيق أنَّ الدارقطني صرح بأنَّهُ استفاد من كتب حماد بن سلمة، وكذلك من مسند البزار، فأما حماد بن سلمة فقد قال الدارقطني: " ولا يثبت هذا الحديث لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات " (¬2)، وأما البزار فقد قال الدارقطني: " رواه عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وهو الصواب، وحدث به أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في المسند في حديث مالك عن المقبري " (¬3)، وعلى كل حال يمكن حصر احتمالات المصادر التي استفاد منها الدارقطني من كتب الأولين ولم يصرح بها في ثلاثة احتمالات: 1 - احتمال أن الدارقطني كان يحفظ الطرق، وعلة الحديث من مشايخه بالاستيعاب الذي ليس فيه شك فيستحضر الطرق والعلة من الذاكرة والحافظة، ولا ينظر إلى مرجع. 2 - واحتمال أنَّه كان يحفظ لكنه غير مستوعب للطرق في الحديث فينظر في المصادر التي عنده فيستحضر بقية الطرق في الحديث ثم يملي الطرق والعلة بعد ذلك. 3 - واحتمال أنَّه لم يكن يستحضر الطرق والعلة في الحديث، فينظر في المصادر. ¬

(¬1) محفوظ الرحمن زين الله السلفي، مقدمة تحقيق العلل (ج1 / ص 100 - 101). (¬2) أبو الحسن الدارقطني، العلل (ج5 / ص 346). (¬3) المصدر السابق (ج10 / ص 370).

ويدل على ذلك على سبيل المثال لا للحصر عدة قرائن، وإلا فهي كثيرة نذكر منها: القرينة الأولى: أنَّ الدارقطني ذكر حديث " أبي صالح عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ)) (¬1)، فقال الدارقطني: وقال أحمد بن حنبل حدث به ابن جريج عن موسى بن عقبة وفيه وهم والصحيح قول وهيب، وقال وأخشى أن يكون ابن جريج دلسه عن موسى بن عقبة أخذه من بعض الضعفاء عنه، والقول كما قال أحمد " (¬2). قلتُ: والمعلوم أن الدارقطني لم يدرك الإمام أحمد، فإنَّ الإمام أحمد توفي سنة 241 هجرية، وكان مولد الدارقطني سنة 306 هجرية فبينهما رجلين على أقل تقدير، وكون أنَّهما من بغداد، فلا شك أنه استفاد من بعض كتبه، فقد نقل الإمام الدارقطني في العلل ما يقارب ثلاثة وعشرين قولاً للإمام أحمد بن حنبل. والقرينة الثانية: قال الإمام البرقاني: " قلت له فإنَّ البخاري فيما ذكره أبو عيسى عنه حكم بحديث الحسن بن عُبيد الله على حديث الأعمش قال الشيخ - يعني الإمام الدارقطني -: وقول الحسن بن عبيدالله عن قرثع غير مضبوطٍ، لأن الحسن بن عبيدالله ليس بالقوي ولا يقاس بالأعمش وروى هذا الحديث أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله بن مسعود عن أبي بكر وعمر" (¬3). ¬

(¬1) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من المجلس، (ج5/ص 494)، رقم (3433)، ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني عنعنة ابن جريج وهو مدلس. (¬2) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج8 / ص 204). (¬3) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج2 / ص 204).

قلتُ: وهذا الحديث بعينه في كتاب العلل الكبير للترمذي فقد قال: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَاهُ مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ)) (¬1)، سألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث عبدالواحد، عن الحسن بن عبيدالله، قال محمد - يعني البخاري -: والأعمش يروي هذا عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، ولا يذكر فيه قرثعا، وعبد الواحد بن زياد يذكر عن الحسن بن عبيد الله هذا الحديث ويزيد فيه: عن قرثع. قال محمد -يعني البخاري-:وحديث عبدالواحد عندي محفوظ " (¬2). والقرينة الثالثة: قال الإمام البرقاني: "وسئل عن حديث محارب بن دثار عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَبْغَضُ الْحَلاَلِ إِلى اللهِ الطَّلاَقُ)) (¬3). فقال - الدارقطني -: يرويه عبيد بن الوليد الوصَّافي، عن محارب كذلك، ورواه مُعَرَّف ابن واصل، واختلف عنه: فرواه محمد بن خالد الوهبيّ، عن مُعَرَّف، عن محارب، عن ابن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أبو نعيم، عن معرف عن محارب مرسلاً، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم " (¬4). قلتُ: الحديث ضعيف مُعلٌّ بالإرسال، لكون المرسل أصح، وهو بعينه في علل الإمام ابن أبي حاتم قال: " وسألت أبي عن حديث رواه محمد بن خالد الوهبيّ، عن الوصافي عن محارب بن دثار، عن عبدالله بن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أَبْغَضُ الْحَلاَلِ عِندَ اللهِ الطَّلاَقُ))، ورواه أيضاً محمد بن خالد الوهبيّ عن معرف بن واصل عن محارب بن دثار عن عبد الله بن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مثله، قال أبي إنَّما هو محارب عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً (¬5). ¬

(¬1) أخرجه أحمد بن حنبل: المسند، طبعة دار البشير، عمان، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، مسند العشرة المبشرين بالجنة، (ج1/ ص7)، حديث رقم (35)، وهو حديث عبدالواحد المحفوظ. (¬2) الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي، أبو عيسى، كتاب العلل الكبير (حديث رقم 427). (¬3) أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: 275هـ)، السنن، طبعة دار الفكر، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، كتاب الطلاق، باب كراهية الطلاق، (ج1/ ص661) (برقم 2178). (¬4) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل، (التكملة) (ج13 / ص225) سؤال رقم (3123). (¬5) ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن ادريس الحنظلي الرازي (ت: 327 هـ)، كتاب العلل الطبعة الأولى، مطابع الجريسي الرياض سنة 1426 هـ (رقم المسألة 1297).

والقرينة الرابعة: قال الإمام البرقاني في العلل: " سئل عن حديث يروى عن مكحول عن أبي أيوب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوضَأ)) (¬1)، فقال - الدارقطني -: يُروى عن ابن لهيعة، عن إسحاق بن أبي فروة، عن مكحول هكذا، ورواه سعيد بن عبد العزيز والنعمان، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة وهو المحفوظ " (¬2). قلتُ: والحديث بعينه عند الترمذي في العلل الكبير قال: " حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادي، حدثنا أبو مسهر، حدثني الهيثم بن حميد، حدثنا العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوضَأ)). وسألتُ محمداً عن هذا الحديث فقال: مكحول لم يسمع من عنبسة، روى عن رجل، عن عنبسة، عن أم حبيبة: ((مَنْ صَلى فِي يَوْمٍ وَلَيلةَ ثِنْتي عَشَرةَ رَكْعَةَ)). وسألت أبا زُرعة عن حديث أم حبيبة فاستحسنه، ورأيته كأنه يعده محفوظا " (¬3). مما سبق يتضح لنا عدة نتائج هامة: 1 - أنَّ الدارقطني كان واسع الاطلاع والمعرفة، اعتمد على كثير من مصنفات الأولين. 2 - أنَّهُ كان يضم إلى حفظه من مشايخه الخلاف والمتون، حفظ مصنفات أهل الحديث. 3 - أنَّهُ كان دقيق العبارة، مُلمًّا بطرق الحديث، متوسّعاً في التخريج ومعرفة العلل. ¬

(¬1) أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، السنن، كتاب الطهارة، باب باب الوضوء من مس الذكر (ج1/ص95)، برقم (181)، والحديث فيه خلاف مشهور، والراجح فيه ثبوته. (¬2) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج6 / ص 124)، سؤال رقم (1023). (¬3) الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي، أبو عيسى، كتاب العلل الكبير، حديث رقم (37).

المبحث الخامس: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني في بيان العلل

المبحث الخامس: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني في بيان العلل: لم يكن للدارقطني طريقة واحدة يسير عليها في بيان العلل، بل كان ذلك بحسب ما اتفق له في المجلس، فكان يسلك الطريقة التي يراها مناسبة لبيان علة الحديث الذي يُسأل عنه، ولذا اختلفت الطرق التي كان يسلكها على ثلاث طرق، وسوف أجمل هذه الطرق (2): (¬1) أولاً: الطريقة التي كان يسلكها الدارقطني غالباً في بيان العلة: 1 - كان الدارقطني يذكر العلل الموجودة في إسناد الحديث من، الوقف والرفع، أو الاتصال والإرسال، أو الانقطاع والاضطراب أو إبدال راوٍ براوٍ وغيرها من العلل، فمثال علة الموقوف والمرفوع، ما قاله لما سئل عن حديث: " الأغَّر بن سليك عن علي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((وَثَلاَثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ ولا يُحِبُّهُمْ الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ)) (¬2). فقال: يرويه سماك بن حرب واختلف عنه فرواه شعبة عن سماك بن حرب، واختلف عن شعبة فرواه روح بن عبادة، عن شعبة عن سماك وعلي ابن الأقمر عن الأغرَّ بن سليك عن علي ورفعه إلى النَّيي صلى الله عليه وسلم، وخالفه غندر ومسلم بن إبراهيم وغيرهما، فرووه عن شعبة عن سماك عن الأغرَّ ¬

(¬1) سبق وأن أفرد الدكتور محفوظ الرحمن زين الله مبحثاَ عن منهج الدارقطني في أصل كتابه في مقدمة تحقيقه لعلل الدارقطني، وكذا استدراك الدكتور عبد الله بن محمد دمفو في كتابه مرويات الزهري المعلة عليه، وقد أفدت منهما وأوجزت، وزدت عليهما أشياء توصلت إليها بالدراسة والتحليل والسبر، وأيدتُ ذلك بأمثلة. (¬2) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب صفة الجنة، باب ما في كلام الحور العين (ج4/ص698)، برقم (2568)، أخرجه بتمامه. والنَّسائي: أحمد بن شعيب النسائي (ت: 303هـ) في السنن (بشرح السيوطي وحاشية السندي) طبعة دار المعرفة، بيروت، الطبعة الخامسة سنة 1420 هـ كتاب الزكاة، باب ثواب من يعطي (ج5 /ص88)، برقم (2569)، والحديث بهذا الإسناد مُعَلٌّ بالوقف؛ لأن غُنْدَر وهو محمد بن جعفر أثبت من روح بن عباد في شعبة، قال ابن إبي حاتم: "إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غُنْدَر حكم فيما بينهم"- شرح العلل لإبن رجب (ص368).

عن علي موقوفاً، وكذلك رواه أبو الأحوص، عن سماك، عن الأغرَّ، عن علي موقوفاً وهو أصح، حدثناه الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا روح ثنا شعبة، ثنا سماك بن حرب، وعلي بن الأقمر أنهما سمعا الأغرَّ بن سليك يقول: سمعت علياً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال أحدهما: ثلاثة لا يحبهم الله، وقال الآخر: ثلاثة يبغضهم الله ولا يحبهم، الشيخ الزاني، والغني الظلوم، والفقير المختال " (¬1). ومثال علة الموصول والمرسل، قوله لما سئل عن حديث: " أسماء بنت عميس عن أبي بكر حين نفست بمحمد بن أبي بكر فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ ثَّمَ لِتُهِلْ)) (¬2). فقال: حديث يرويه القاسم بن محمد بن أبي بكر واختلف عليه فيه فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن القاسم بن محمد عن أبيه عن أبي بكر قال ذلك سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، وخالفه ابن عيينة ويحيى القطان وغيرهما فقالوا عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب مرسلا " (¬3). ومثال ما وصف بعلةِ الانقطاع، قوله لما سئل عن حديث: " عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه - رضي الله عنهم - أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَقْرَأَهُ {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذَّبُ ...})) (¬4) فقال - الدارقطني -: حدث ابن محمد بن سنان القزاز، عن عثمان بن عمر، عن شعبة عن خالد، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ووهم فيه، وإنما رواه أصحاب شعبة، عن شعبة، عن خالد أنه سمع عبد الرحمن بن أبي بكرة فقط لم يتجاوز به ولم يرفعه والمنقطع أصح " (¬5). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج3 / ص 132)، سؤال رقم (319). (¬2) أخرجه النَّسائي: أحمد بن شعيب النسائي في السنن، كتاب مناسك الحج، باب باب الغُسل للإهلال (ج5/ص136)، برقم (2662)، والحديث ضعيف مُعَلٌّ بالإرسال، لكون المرسل أصح. (¬3) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج1 / ص 270)، سؤال رقم (62). (¬4) أبو داود، السنن كتاب الحروف والقراءات، (ج2/ص432)، برقم (3997)، والحديث ضعيف مُعَلٌّ بالوقف لكون المنقطع أصح من المرفوع، وتمام الآية {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ} سورة الفجر آية 25، وضبطها بفتح الذال مع الشدة، وهي في قراءة الكسائي الكوفي ويعقوب. (¬5) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج7 / ص 159)، سؤال رقم (1271).

ومثال علة الاضطراب، قوله لما سئل عن حديث: " سعيد بن المسيب، عن عمر - رضي الله عنهم - عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَا)). فقال - يعني الدارقطني -: هو حديث يرويه أبي حمزة ميمون، عن سعيد بن المسيب، رواه عنه منصور بن المعتمر والثوري، وعمرو بن أبي قيس، وخلاد الصفار وغيرهم، فقال سيف بن محمد: عن منصور والثوري، عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وقال جرير: عن منصور، عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب، عن بلال. وقيل عن أبي حمزة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، عن بلال. وقال عمرو بن أبي قيس وخلاد: عن أبي حمزة عن سعيد بن المسيب، عن عمر الحديث ... والاضطراب في الإسناد من قِبَلهِ " (¬1). قلتُ: الحديث لم أجده في الكتب الستة من طريق أبي حمزة ميمون، عن سعيد بن المسيب، عن عمر، عن بلال بهذا اللفظ لكن أخرجه الطبراني في الكبير بلفظٍ آخر فقال: " حَدَّثَنَا عُمَرُ بن حَفْصٍ السَّدُوسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بِلالٍ الأَشْعَرِيُّ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بن الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ بِلالٍ، قَالَ: ((كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدِي تَمْرٌ، فَتَغَيَّرَ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى السُّوقِ، فَبِعْتُهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ فَلَمَّا قَرَّبْتُ إِلَيْهِ مِنْهُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا بِلالُ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: مَهْلا، ارْدُدِ الْبَيْعَ، ثُمَّ بِعْ تَمْرًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حِنْطَةٍ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ تَمْرًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلا بِمِثْلٍ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلا بِمِثْلٍ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلا بَاسَ وَاحِدٌ بِعَشَرَةٍ)) " (¬2). ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني الاضطراب في رواية الإسناد: عن عمر، عن بلال مرة، ومرة عن عمر وحده، ومرة عن بلال وحده، وقد حكم الدارقطني أنَّ الاضطراب ¬

(¬1) المصدر السابق (ج2 / ص 158)، سؤال رقم (185). (¬2) أخرجه الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (ت: 260هـ)، المعجم الكبير طبعة مكتبة العلوم والحكم، الموصل سنة 1404هـ، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي (ج1/ص339) برقم (1017)، والحديث ضعيف بهذا اللفظ لاضطرابه كما ذكرنا سالفاً.

من أبي حمزة ميمون (¬1). ومثال علة إبدال راوٍ براوٍ، قوله لما سئل عن حديث: " الحسن عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) (¬2). الحديث، فقال: حدث به أحمد بن عبدالصمد النَّهرواني وهو مشهور لا بأس به عن ابن عيينة، عن أيوب عن الحسن، ووهم فيه وإنَّما رواه ابن عيينة، عن أبي موسى إسرائيل، عن الحسن عن أبي بكرة " (¬3). ومثال آخر كذلك لما سئل عن حديث: " ابن جُوشَن عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - قال رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يَقْضِيَنَّ أَحَدٌ فِي قَضَاءٍ بِقَضَاءَيْنِ وَلاَ يَقْضِي أَحَدٌ بَيْنَ خَصْمَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ)) (¬4). فقال - الدارقطني -: يرويه سفيان بن حسين، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن ابن جُوشَن، وهو عبدالرحمن بن جُوشَن الغطفاني من أصحاب أبي بكرة قاله عيينة بن عبدالرحمن، رواه إبراهيم بن صدقة البصري صاحب سفيان بن حسين عن سفيان بن حسين قيل للشيخ - يعني الدارقطني - فقد قال بعض الناس سفيان بن عيينة بدلاً من سفيان بن حسين، فقال: هذا غلط قبيح " (¬5). ¬

(¬1) وهو حمزة بن أبي حمزة ميمون، الجعفي الجزري من السابعة، كبار أتباع التابعين، متروك، كما في تهذيب التهذيب، طبعة دار الفكر ببيروت، الطبعة الأولى سنة 1404هـ (ج3 / ص25). (¬2) أخرجه البخاري بالإسناد الثاني الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الصلح، باب قول النَّبي للحسن ... ، (ج 5/ ص346)، برقم (2704). وأما الإسناد المعلول الذي من طريق أحمد بن عبدالصمد النَّهرواني عن ابن عيينة، عن أيوب، عن الحسن. فلم أجده بعد طول تفتيش. (¬3) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج7 / ص 161)، سؤال رقم (1275). (¬4) أخرجه النَّسائي في السنن كتاب آداب القضاء، باب النهي عن أن يقضي في قضاء بقضاءين (ج8/ص 638)، برقم (5436)، والحديث صحيح بهذا الإسناد، وأما الإسناد المبدل فيه ابن عيينة بدلاً من سفيان بن حسين فخطأ، لأن من ذكر ابن عيينة لم يسلك الجادة في هذا الإسناد. (¬5) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج7 / ص 167)، سؤال رقم (1281).

2 - كان لا يذكر الأحاديث بالسند، بل يكتفي بذكر ما فيها من علة، ثم يبين الخلاف أو سبب العلة الموجودة في السند أو المتن، ومثال ذلك: قوله في حديث " عبدالله بن سلمة، عن معاذ - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنَّ أَخْوفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُم ثَلاثٌ: جِدَالُ مُنَافِقٌ بالقُرْآنِ، وَزَلَّةُ عَالمٍ، وَدُنيا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ)) (¬1)، فقال- الدارقطني -: يرويه عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن معاذ. ورواه الأعمش: عن عمرو بن مرة مرفوعاً، تفرد به عنه معمر بن زائدة وكان قائد الأعمش عنه، ووقفه شعبة وغيره، عن عمرو بن مرة، عن ابن سلمة عن معاذ والموقوف هو الصحيح " (¬2). 3 - كان إذا انتهى من ذكر الطرق والاختلاف في الإسناد يحكم على الحديث، ويبيّن العلة فيه، ومثال ذلك: قوله: " حديث معاذ حيث بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال له: ((كَيْفَ تَقْضِي؟ فَقَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)). الحديث ... (¬3)، فقال - الدارقطني -: يرويه شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ عن معاذ حدث به، كذلك عن شعبة ويزيد بن هارون ويحيى القطان ووكيع وعفان وعاصم بن علي وغندر، وأرسله عبدالرحمن بن مهدي وأبو الوليد والرصاصي، وعلي بن الجعد، وعمرو بن مرزوق، وقال أبو داود عن شعبة قال مرة عن معاذ وأكثر ما كان يحدثنا عن أصحابنا معاذ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ، وروى عن مسعر عن أبي عون مرسلا والمرسل أصح " (¬4). ¬

(¬1) أخرجه الطبراني: سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الأوسط (ج8/ص307)،برقم (8715). (¬2) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج6 / ص 81)، سؤال رقم (992). (¬3) أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الأحكام، باب ماجاء في القاضي كيف يقضي (ج3 / ص616)، برقم (1327)، والحديث بهذا الإسناد ضعيف مُعَلٌّ بالإرسال. (¬4) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج6 / ص 88 - 89)، سؤال رقم (1001).

4 - كان يذكر الراوي الذي يقع اختلاف الإسناد عنه، ثم يذكر أوجه الخلاف فيه، كما في الأحاديث المذكورة سابقاً. 5 - إذا كان الحديث مداره على بعض المكثرين ذكرهم وذكر الاختلاف في أوجه الرواية عنهم، ومثال ذلك حديث: " شريح بن هانئ، عن علي بن أبي طالب عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فِي المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ)) (¬1)، والحديث مداره على الأعمش وأبي إسحاق السبيعي، فذكر الخلاف، ثم ذكر أوجه الخلاف عن كلٍ منهما. 6 - كان يقتصر في ذكر طبقة رواة الأوجه للرواة المكثرين، أو الطبقة التي دونها إذ العلة لا تخرج عنهما، ومثال ذلك قوله في حديث: " أبى سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((في رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ)) (¬2)، فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه، فرواه سلمة بن كلثوم وهو شامي يهم كثيراً عن الأوزاعي، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ووهم فيه والصحيح عن الزهري عن سالم عن أبيه " (¬3). 7 - غالباً لا يذكر من أخرج الحديث من أصحاب السنن أو المسانيد أو الأجزاء، وهو معلوم بالاستقراء، إذ كان يُشير إلى الخلاف في الحديث المعلول، ثم أوجه الاختلاف عن الرواة ولا يذكر المرجع أو المصدر، بل يكتفي بذكر الطرق والخلاف في الحديث، وقد سبق بيان ذلك في الأمثلة السابقة. ¬

(¬1) المصدر السابق (ج3 / ص 230 - 237)، سؤال رقم (379). (¬2) أخرجه على الوجه الصحيح البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الإيمان (ج1/ ص93)، برقم (24)، وأما الإسناد المعلول فقد أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، طبعة دار الحرمين سنة 1415هـ، تحقيق طارق بن عوض، (ج5/ ص156)، برقم (4932). (¬3) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج8 / ص 23 - 24)، سؤال رقم (1387).

ثانيا: الطريقة التي كان الدارقطني أحيانا ما يسلكها في بيان العلة

ثانياً: الطريقة التي كان الدارقطني أحياناً ما يسلكها في بيان العلة: لم يسلك الدارقطني في الإجابة على المسائل طريقة واحدة بل سلك طُرقاً عدة كثيرة التنوع، وسوف أذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر: 1 - أحياناً إذا كان الحديث عن أكثر من راوٍ يذكرهم، ثم يذكر الاختلاف عنهم، ومثال ذلك قوله لما سئل عن حديث: " عبدالله بن زرير الغافقي، عن علي قال: ((أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَباً بِيَمِينِهِ وَحَرِيرًا بِشِمَالِهِ فَقَالَ هَذَا حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي)) (¬1)، فقال - الدارقطني -: يرويه يزيد بن أبي حبيب واختلف عنه رواه الليث ابن سعد، وعبد الحميد بن جعفر، ومحمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبدالعزيز بن أبي الصعبة، عن أبي أفلح الهمداني عن ابن زرير عن علي، واختلف عن ابن إسحاق فقال: ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي أفلح ولم يذكر بينهما عبدالعزيز ابن أبي الصعبة، ورواه زيد بن أبي أنيسة عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن زرير أسقط من الإسناد رجلين بين ابن أبي الصعبة وأبا أفلح، وقال ابن عيينة عن ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن رجل عن آخر لم يسمهما عن علي، ورواه عمر بن حبيب عن ابن إسحاق بإسناد آخر عن سعيد بن أبي هند، عن عبدالله بن شداد عن عبد الله بن مرة عن علي، ووهم في هذا الإسناد عمر بن حبيب وكان سيء الحفظ والصحيح عن ابن إسحاق قول يزيد بن هارون وجرير عنه لمتابعة عبدالحميد بن جعفر والليث إياهما " (¬2) 2 - وأحياناً يقول: حدث به فلان عن فلان ووهم والصواب كذا وكذا، ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: " عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ ¬

(¬1) أخرجه النَّسائي في السنن، كتاب الزينة، باب تحريم الذهب على الرجال (ج8/ ص539)، برقم (5159)، والحديث صحيح من الوجه الذي أخرجه النَّسائي، فإنه من طريق يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق، وهو ترجيح الدارقطني كما في إجابة السؤال رقم (394) التالي. (¬2) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج3 /ص260 - 262)، سؤال رقم (394).

فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: حدث به إسحاق بن إبراهيم الحنيني، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، ووهم فيه على مالك، والصحيح عن مالك عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد، وكذلك رواه أصحاب الموطأ والحفاظ عن مالك، عن الزهري، وكذلك رواه يونس ومعمر، عن الزهري، عن عطاء ابن يزيد عن أبي سعيد، وخالفهم عبد الرحمن بن إسحاق وهو عبَّاد، فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ولا يصح فيه سعيد، والصحيح ما ذكرنا " (¬2). 3 - وأحياناً يتكلم في الراوي جرحاً وتعديلاً، ومثال ذلك: " حديث عطاء بن يزيد عن أبي أيوب رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ وَجَدَ طِيبًا فَلا عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِهَذَا السِّوَاكِ)) (¬3). فقال - الدارقطني -: يرويه معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب قاله إسحاق بن سليمان الرازي عنه، وهو وهم وإنما رواه الزهري عن عبيد ابن السباق مرسلاً عن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال ذلك مالك بن أنس وغيره، ومعاوية الصدفي ضعيف ¬

(¬1) أخرجه على الوجه الصحيح من طريق الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدرى: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأذان، باب ما يقول إذا سمع المنادي (ج2/ ص107)، برقم (611)، وكذلك أخرجه مسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الصلاة، باب استحاب القول مثل قول المؤذن (ج2/ ص320)، برقم (383)، وأما الوجه الخطأ فأخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الأذان، باب ما يقال إذا أذن المؤذن (ج1/ ص238)، برقم (718)، وأشار الترمذي إليه وقال:"ورواية مالك أصح" - السنن (ج1/ ص407)،برقم (208). (¬2) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج11/ 263 - 265)، سؤال رقم (2275). (¬3) أخرجه الطبراني: المعجم الكبير (ج4/ص149)، برقم (3971)، والحديث ضعيف من هذا الوجه لضعف معاوية بن يحيى الصدفي، ذكره الحافظ في التهذيب (ج10 / ص189)، وخلاصة ذلك: أنَّه ضعيف وما حدث بالشام أحسن مما حدث بالرى، والحديث مُعَلٌّ بالإرسال كذلك.

حدثهم بالرَّي بأحاديث من حفظه وهم فيها على الزهري وأما روايته عن الزُّهري فهي من غير طريق إسحاق مستقيمة يشبه أن يكون من كتابه " (¬1). قلتُ: والحديث فيه إعلالٌ بعلةٍ ظاهرة وهي ضعف معاوية الصدفي، وفيه علة خفية كذلك وهي علة الإرسال، وهذا دليل على أنَّ الدارقطني كان يُعِلُّ الحديث ببعض العلل الظاهرة ليشير إلى علة خفية كما كان يفعل المتقدمين من أهل الحديث، وسوف نبين ذلك بالتفصيل. 4 - وأحيانا يذكر أن فلاناً لقى فلاناً، ولم يسمع منه شيئاً ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: " الحسن عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((أن الله تعالى يقول انظروا إلى عبدي نام ساجدا وروحه عندي)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه عباد بن راشد، عن الحسن عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج6 /ص95)، سؤال رقم (1003). (¬2) أخرجه ابن شاهين: عمر بن أحمد بن عثمان، أبو حفص (ت: 297هـ)، في ناسخ الحديث ومنسوخه، طبع مكتبة المنار الزرقاء، 1408هـ، فقال: "حدثنا محمد بن جعفر بن يزيد المطيري قال: حدثنا حماد بن الحسن، قال: حدثنا حجاج بن نصير، قال: حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نام العبد وهو ساجد يقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي روحه عندي وبدنه ساجداً لي"، (ج1/ص265) برقم (201)، كما ذكره الدارقطني هنا، والحديث رُوي عن أنس كذلك وهو ضعيف، أما قوله: " الحسن لم يسمع من أبي هريرة "، قلتُ: فليس هذا على الإطلاق، والخلاف مشهور بين أهل الحديث، والراجح أنه سمع منه قليل، فإن البخاري قد أخرج في صحيحه من حديث الحسن عن أبي هريرة، ومعلوم شرط البخاري في إثبات السماع، وقد أخرج النَّسائي في السنن، كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع (ج6/ 480)، برقم (3461)، وفيه تصريح أن الحسن سمع من أبي هريرة، فقال النَّسائي: " أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا المخزومي وهو المغيرة بن سلمة قال حدثنا وهيب عن أيوب عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى اللهم عليه وسلم أنه قال: المنتزعات والمختلعات هُنَّ المنافقات قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة ". والحديث ضعيف.

وقال: حزم بن أبي حزم عن الحسن بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت سماع الحسن من أبي هريرة، وقيل للشيخ أبي الحسن - الدارقطني - فقد قال موسى بن هارون إنَّه سمع منه، فقال: شعبة أعلم قال ولم يسمع الحسن من أبي هريرة، وحكي لنا عن محمد بن يحيى الذهلي أنه قال: لم يسمع منه " (¬1). 5 - وأحياناً يذكر اسم الراوي أو كنيته وإذا كان فيه خلاف فيبين وجه الصواب، ومثال ذلك ما قاله لما سئل عن حديث: " عبدالرحمن عن أبي هريرة: ((سَجَدَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري وصفوان بن سليم، فرواه يزيد بن أبي حبيب وعمر بن صبح، عن صفوان بن سليم، عن عبدالرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، وبيَّن نسبه قرة بن عبدالرحمن رواه عن الزهري وصفوان بن سليم، عن عبدالرحمن بن سعد، عن أبي هريرة، ويكنى أبا حميد وليس بعبدالرحمن الأعرج صاحب أبي الزناد؛ لأن ذلك هو عبدالرحمن بن هرمز يكنى أبا داود وهما أعرجان وجميعاً يرويان عن أبي هريرة، وأما عبدالرحمن بن هرمز فإنما يروي هذا الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ))، روى ذلك عنه مالك ومعمر ويونس وغيرهم، عن الزهري حدث به عمر بن شبة، عن أبي عاصم، عن مالك عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة: ((أنَّ النَّبي اللهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ))، ووهم فيه عمر بن شبة وهماً قبيحاً، والصواب عن مالك ما رواه الثقات عنه عن الزهري، عن الأعرج عن أبي هريرة أن عمر سجد ... " (¬3). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج8/ ص 248 - 249)، سؤال رقم (1552). (¬2) أخرجه على الوجه الصحيح مسلم، الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة (ج3/ص81)، برقم (109). (¬3) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج8/ ص 224 - 226)، سؤال رقم (1534).

ثالثا: الطريقة التي كان الدارقطني نادرا ما يسلكها في بيان العلة

ثالثاً: الطريقة التي كان الدارقطني نادراً ما يسلكها في بيان العلة: 1 - لا يذكر أسماء الرواة الذين اختلفوا في الحديث، أو سنده بل يقول: من روى هذا الحديث فقد وهم وقال ما لم يَقُلهُ أحد من أهل العلم، ومثال ذلك ما قاله في حديث: " أنس عن عمر أنَّه سأل عن قوله تعالى: {وفاكهة وأبَّا} فما الأبّ؟ ثم قال هذا لعَمْرُ الله التكلف فخذوا أيها النَّاس بما تبين لكم فيه فما عرفتم فخذوا به وما لم تعرفوا فكِلُوا علمه إلى الله تعالى (¬1). قال - الدارقطني -: من روى هذا الحديث فكِلُوه إلى خالقه فقد وهم، وقال ما لم يقله أحد من أهل العلم بالحديث، فإنه لا يعرف فيه إلا قوله فكِلُوه إلى عالمه، أوكِلوا علمه إلى الله عز وجل أو فدعوه " (¬2). 2 - قد يجمل ذكر بعض الرواة بعبارة من العبارات التي تدل على الإجمال كأن يذكر بعض رواة أحد الأوجه ثم يعقب بقوله: " وغيرهم " أو " آخرين "، ومثال ذلك ما قاله في حديث: " عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن عثمان أن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((اجْتَنِبُوا أُمَّ الْخَبَائِثَ فِإنَّهُ كَانَ رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ...)) الحديث (¬3). ¬

(¬1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1410هـ تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، (ج2/ص242)، برقم (2281)، بلفظ: " أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} (سورة عبس آيةرقم 31)، فكل هذا قد عرفنا فما الأبّ؟ ثم نفض ما كان في يده فقال: هذا لعمر الله التكلف اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ". (¬2) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج2/ص120)، سؤال رقم (153). (¬3) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، (ج5/ص10)، برقم (5586)، من طريق: عمر بن سعيد ابن سريح عن الزهري مرفوعاً، والموقوف أصح لأنَّ كبار الحفاظ عن الزهري قد أوقفه، أمثال: معمر بن راشد، ويونس الأيلي وهما أثبت الناس في الزُّهري، فالحديث بهذا الإسناد مُعَلٌّ بالوقف.

فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، عن أبيه واختلف عنه فأسنده عمر بن سعيد بن سريح عن الزهري، ووقفه يونس ومعمر وشعيب ابن أبي حمزة وغيرهم، عن الزهري والموقوف هو الصواب، وروى هذا الحديث عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحسن بن عمارة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم " (¬1). 3 _ قد يذكر حديثاً ويسوق الاختلاف الذي حصل في إسناده، والحديث في أساسه لا يعتد به لأن متنه منكر فلا فائدة من معرفة نتيجة الاختلاف الذي حصل في الإسناد، ومثال ذلك: " حديث ابن المسيب عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الرِّجْلُ جُبَارٌ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه من رواية سفيان بن حسين عن الزُّهري عنه، فرواه محمد بن يزيد الواسطي وعباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ورواه أبو أمية الطرسوسي، عن بشر بن آدم عن عبَّاد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة جمع بينهما وليس أبو سلمة بمحفوظ في هذا الحديث، حدثنا عبدالله بن محمد البغوي، قال: ثنا داود بن رشيد ثنا عبَّاد بن العوام، ثنا سفيان بن حسين، عن الزُّهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((الرِّجْلُ جُبَارٌ)) " (¬3). قلتُ: وأصل العلة في هذا الحديث هي أن سفيان بن حسين (¬4) روى هذا الحديث من طريق الزهري وهو ضعيف فيه، ثقة فيما عداه، قال الحافظ ابن حجر في التهذيب (ج4/ص96): " قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: ثقة في غير الزُّهري ". ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج3 / ص 41)، سؤال رقم (274). (¬2) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الديات، باب في الدابة تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا (ج2/ ص606)، برقم (4592)، والحديث ضعيف للعلة التي أشرنا إليها، والرَّجْلُ: الدابة تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا. (¬3) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج9 / ص 120 - 121)، سؤال رقم (1670). (¬4) هو سفيان بن حسين بن الحسن، أبو محمد، ويقال: أبو الحسن، الواسطي (ت:153هـ).

المبحث السادس: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في العلل على أحد الصحيحين

المبحث السادس: الأحاديث التي انتقدها الدارقطني في العلل على أحد الصحيحين: سنتعرض في هذا المبحث لبعض نماذج الأحاديث التي انتقدها الإمام الدارقطني في كتابه العلل على صحيح البخاري أو مسلم، ودراسة وتحليل ذلك، ثم نسوق رد الحفاظ والأئمة عليها والراجح فيها، وقد انتقد الدارقطني على البخاري إحدى وتسعين حديثاً على التحقيق فيما استوعبه الحافظ ابن حجر في هدي الساري، منها ما وافقه مسلم على تخريجه (¬1)، وعدة ما اجتمع لنا فيما انتقده الدارقطني على البخاري في كتابه العلل ستةً وثلاثين حديثاً (¬2)، رد غالبها الحافظ ابن حجر العسقلاني، وانتقد على مسلم فيما يربو عن مائتي حديث (¬3)، رد غالبها الإمام محيي الدين يحيي بن زكريا النووي في شرحه لصحيح مسلم، والإمام أبو مسعود الدمشقي في كتابهِ المفيد " الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج ". أولا: الأحاديث التي انتقدها في كتاب العلل وقد أخرجها البخاري في أصل صحيحه: الحديث الأول: قال البخاري في كتاب الطهارة: " حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَاللَّهِ يَقُولُ: ((أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ ¬

(¬1) الحافظ ابن حجر العسقلاني، هدي الساري، طبعة دار الحديث 1998م، القاهرة (ص347). (¬2) انظر المسائل في كتاب العلل مع التكملة أرقام:} (686)، (2050)، (2045)، (2042) (3259)، (719)، (33)، (3825)، (3992)، (1844)، (2063)، (1176)، (526) (2996)، (2031)، (3652)، (2831)، (227)، (538)، (1275)، (2599)، (1118)، (925)، (4128)، (2975)، (3071)، (286)، (145)، (1193)، (1394)، (727)، (2044)، (952)، (2164)، (1703)، (2322) {. (¬3) النووي: شرح صحيح مسلم، طبعة دار الحديث سنة 2001 م، القاهرة (ج1/ص49).

فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ هَذَا رِكْسٌ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُالرَّحْمَنِ)) " (¬1). قال الإمام البرقاني في العلل: " سئل عن حديث الأسود وعلقمة عن عبدالله في النهي عن الحجر والروثة في الاستنجاء، فقال - الدارقطني -: يرويه علقمة وغيره عن عبدالله فرواه عن علقمة عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبدالله، ورواه ليث بن أبي سليم عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود، عن عبدالله حدَّث به عنه كذلك زائدة وعبدالرحيم بن سليمان، وابن فضيل، وعبدالوارث، وأبو الأشهب جعفر بن الحارث وجرير بن عبدالحميد، ورواه زهير عن ليث، فقال: عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه وعبدالرحمن بن يزيد، ورواه جابر الجعفي، ومحمد بن خالد الضبي، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، ورواه أبو إسحاق السبيعي، عن عبدالرحمن بن الأسود، واختلف على أبي إسحاق، والاختلافُ عنه مذكور فيما بعد ... ذكر الخلاف على أبي إسحاق في ذلك: روى هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي واختلف عنه فيه اختلافا شديداً، فرواه زهير بن معاوية وأبو حماد الحنفي وأبو مريم، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله، وتابعهما شريك من رواية الحماني عنه وزكريا بن أبي زائدة من رواية ابنه يحيى عنه، واختلف عن يحيى واختلف عن زكريا وشريك، ورواه يزيد بن عطاء، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه وعلقمة، عن عبدالله، ورواه عمار بن رزيق، وورقاء بن عمر ومعمر بن راشد، وسليمان بن قرم، وإبراهيم الصائغ، وعبدالكبير بن دينار الصائغ، وأبو شيبة وإبراهيم بن عثمان، ومحمد بن جابر، وصباح بن يحيى المزني، وروح بن مسافر عن أبي إسحاق، عن علقمة عن عبد الله. وكذلك رُوي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن علقمة عن عبدالله، وكذلك قال عباد بن ثابت ¬

(¬1) البخاري: الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الوضوء، باب لا يُستنجى بروث، (ج1/ص309)، برقم 156.

القطواني، وخالد العبد عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة عن عبدالله. وكذلك قال إسحاق الأزرق عن شريك، ورواه أبو أحمد الزُّبيري، وعبيد الله بن موسى، وعيسى بن جعفر القاضي الرَّازي، ووكيع بن الجراح، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبدالله. ورواه الحميدي عن ابن عيينة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، وخالفه زيد بن المبارك الصنعاني، ومحمد بن الصباح الجرجرائي وغيرهما، فرووه عن ابن عيينة عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله لم يذكر فيه إسرائيل. وكذلك رواه الفضل بن موسى السناني، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن ابن يزيد عن عبدالله، وخالفه عبدالرحيم بن سليمان، وإسحاق الأزرق، وإسماعيل بن أبان فرووه عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن الأسود عن عبدالله. واختلف عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة في روايته لهذا الحديث عن أبيه، فقال: سهل بن عثمان عن يحيى بن زكريا عن أبيه عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن ولم ينسبه، عن الأسود، عن عبدالله. وقال منجاب: عن يحيى بن زكريا، عن أبيه، عن عبدالرحمن ابن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله. وقيل عن منجاب عن يحيى، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبدالله. فلم يذكر بين أبي إسحاق وبين الأسود أحداً، وروي عن ابني صالح بن حيي، ومالك بن مِغْول، ويوسف بن أبي إسحاق، وحديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأسود عن عبد الله. وكذلك منجاب عن شريك، عن أبي إسحاق عن الأسود، وكذلك قال: سلمة بن رجاء عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن الأسود، واختلف عن يونس بن أبي إسحاق في روايته لهذا الحديث عن أبيه فقال هارون بن عمران، عن يونس، عن أبيه، عن أبي عبيدة، عن عبدالله. وقال الحسن ابن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه عن أبي عبيدة وأبي الأحوص عن عبدالله.

فأشبه أن يكون القولان عن يونس بن أبي إسحاق صحيحين، ورواه أبو سنان سعيد ابن سنان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن عبدالله. فأمَّا حديث زهير بن معاوية ومن تابعه ممن رواه عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله. فحدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، ويعقوب بن إبراهيم البزار قالا: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: ((أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغائط وأَمَرَني أَنْ آتيه بثَلاثَةِ أَحْجَارٍ فَوجَدتُ حَجَرين وَلم أَجِدُ الثَالثَ فَأخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيتُ بهنَّ النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأخَذَ الحجَرَين وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذِهِ رِكْسٌ)) (¬1). وقال الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع: " وأخرج البخاري عن أبي نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق، قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله: ((أتيت النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحجرين وروثة))،أحسنها إسناداً الأول الذي أخرجه البخاري، وفي النفس منه شيء لكثرة الاختلاف عن أبي إسحاق، والله أعلم " (¬2). قلتُ: وخلاصة القول أنَّ وجه انتقاد الإمام الدارقطني لهذا الحديث بسبب الاختلاف الشديد على أبي إسحاق السبيعي كما تقدم، فصار الحديث بهذا الاختلاف مضطرباً عنده، ولم يرجح رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق التي رجحها الإمام البخاري في صحيحه، وقد أعل الحديث غيره بذلك أيضاً، فقال الإمام الترمذي في السنن: " وهذا حديثٌ فيه اضطراب، حدثنا محمد بن بشار العبدي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة بن عبدالله هل تذكر من عبدالله شيئاً؟ قال: لا سألت عبدالله بن عبدالرحمن ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج5 / ص 18 - 39)، سؤال رقم (686) باختصار شديد، وإلا فإنه ذكر الأوجه والطرق المختلفة في هذا الحديث بما يزيد عن سبعين طريقاً في هذا الحديث، فراجعها إن شئت. (¬2) أبو الحسن الدارقطني، الإلزامات والتتبع، طبعة دار الكتب العلمية، تحقيق مقبل بن هادي الوادعي، الطبعة الثانية 1405 هـ (ج1/ ص 229 - 230) باختصار كذلك.

أي الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا؟ فلم يقض فيه بشيء وكأنَّه رأى حديث زهير عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله أشبه ووضعه في كتاب الجامع " (¬1). ثم قال الإمام الترمذي: "وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله؛ لأنَّ إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء وتابعه على ذلك قيس بن الربيع وسمعتُ أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت عبدالرحمن ابن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري، عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنَّه كان يأتي به أتم، قال أبو عيسى: وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأنَّ سماعه منه بآخِرةٍ قال: وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد ابن حنبل يقول إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله السبيعي الهمذاني، وأبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه ولا يعرف اسمه، قال أبو عيسى: وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل وقيس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبدالله؛ لأنَّ إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء وتابعه على ذلك قيس بن الربيع" (¬2) والجواب: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في هدي الساري: " وحكى ابن أبي حاتم، عن أبيه وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل، وكأنَّ الترمذي تبعهما في ذلك والذي يظهر أنَّ الذي رجحه البخاري هو الأرجح، وبيان ذلك أن مجموع كلام الأئمة مشعر بأنَّ الراجح على الروايات كلها إما طريق إسرائيل وهي عن أبي عبيدة عن أبيه. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعا، أو رواية زهير وهي عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن ¬

(¬1) الترمذي: محمد بن عيسى أبو عيسى (ت: 279هـ)، سنن الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في الاستنجاء بحجرين، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، (ج1 / ص 25). (¬2) الترمذي: سنن الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في الاستنجاء بحجرين (ج1/ ص25).

مسعود فيكون متصلا وهو تصرف صحيح؛ لأنَّ الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كانت دعوى الاضطراب في هذا الحديث منتفية؛ لأنَّ الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين: أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح، ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأنَّ الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطريقين المقدم ذكرهما عن زهير وعن إسرائيل، مع أنَّه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير , والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير؛ لأنَّ يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تابع زهيراً، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية يحيى ابن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث بن أبي سليم، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي إسحاق وليث، وإن كان ضعيف الحفظ فإنَّه يعتبر به ويستشهد فيعرف أنَّ له من رواية عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه أصلاً، ثم إن ظاهر سياق زهير يشعر بأنَّ أبا إسحاق كان يرويه أولا عن أبي عبيدة عن أبيه، ثم رجع عن ذلك وصيره عن عبدالرحمن ابن الأسود عن أبيه، فهذا صريح في أن أبا إسحاق كان مستحضرا للسندين جميعا عند إرادة التحديث، ثم اختار طريق عبدالرحمن وأضرب عن طريق أبي عبيدة، فإمَّا أن يكون تذكر أنه لم يسمعه من أبي عبيدة أو كان سمعه منه وحدث به عنه ثم عَرف أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعا، فأعلمهم أن عنده فيه إسناداً متصلاً، أو كان حدث به عن أبي عبيدة مدلساً له ولم يكن سمعه منه، فإن قيل إذا كان أبو إسحاق مدلسا عندكم فلم تحكمون لطريق عبدالرحمن بن الأسود بالاتصال مع إمكان أن يكون دلسه عنه أيضاً، وقد صرح بذلك أبو أيوب سليمان بن داود الشاذكوني فيما حكاه الحاكم في علوم الحديث عنه قال: في قول أبي إسحاق ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبدالرحمن عن أبيه ولم يقل حدثني عبدالرحمن،

وأوهم أنه سمعه منه تدليس، وما سمعت بتدليس أعجب من هذا انتهى كلامه. فالجواب أنَّ هذا هو السبب الحامل لسياق البخاري للطريق الثانية عن إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق التي قال فيها أبو إسحاق: حدثني عبدالرحمن فانتفت ريبة التدليس عن أبي إسحاق في هذا الحديث، وبين حفيده عنه أنَّهُ صرح عن عبدالرحمن بالتحديث، ويتأيد ذلك بأنَّ الإسماعيلي لما أخرج هذا الحديث في مستخرجه على الصحيح من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن زهير استدل بذلك على أنَّ هذا مما لم يدلس فيه أبو إسحاق قال: لأنَّ يحيى بن سعيد لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لشيخه، وكأنَّه عرف هذا بالاستقراء من حال يحيى، والله أعلم. وإذا تقرر ذلك لم يبق لدعوى التعليل عليه مجال؛ لأن روايتي إسرائيل، وزهير لا تعارض بينهما إلا أن رواية زهير أرجح؛ لأنَّها اقتضت الاضطراب عن رواية إسرائيل، ولم تقتض ذلك رواية إسرائيل فترجحت رواية زهير، وأما متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل فإنَّ شريكا القاضي تابع زهيراً، وشريك أوثق من قيس على أنَّ الذي حررناه لا يرد شيئاً من الطريقين إلا أنَّه يوضح قوة طريق زهير واتصالها وتمكنها من الصحة وبعد إعلالها، وبه يظهر نفوذ رأي البخاري وثقوب ذهنه والله أعلم، وقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ما يشهد لصحة حديث ابن مسعود فازداد قوة بذلك، فانظر إلى هذا الحديث كيف حَكم عليه بالمرجوحية مثل: أبي حاتم وأبي زرعة وهما إماما التعليل، وتبعهما الترمذي وتوقف الدارمي وحكم عليه بالتدليس الموجب للانقطاع أبو أيوب الشاذكوني ومع ذلك فتبين بالتنقيب والتتبع التام أنَّ الصواب في الحكم له بالراجحية فما ظنك بما يدعيه من هو دون هؤلاء الحفاظ النُّقاد من العلل، هل يسوغ أن يقبل منهم في حق مثل هذا الإمام مُسلماً؟ كلا والله، والله الموفق " (¬1). قلتُ: وكلام الحافظ ابن حجر غايةٌ في بابه، وكأنه ذهب خالص، ولؤلؤ مرصوص ومحض توفيق من الباري عليه، ليضع الأمر في موضعه الصحيح، وينتظم مع ما أقره أهل ¬

(¬1) ابن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري (ص472 - 473).

العلم، مع أنَّ البخاري كان متقدماً على أهل زمانه في معرفة العلل، فإنهم كانوا لا يختلفون أن الإمام علي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذُّهلي كانا من أعلم الناس بعلل الحديث، وقد أخذ البخاري عنهما، إلى حد قول شيخه ابن المديني لما بلغه أن البخاري يقول: " ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند ابن المديني"، قال: " دعوا قوله فإنَّه ما رأى مثل نفسه " (¬1)، ومعلوم أن مجرد الخلاف لا يعني الاضطراب في الحديث وهذا لا خلاف عليه بين المحدثين، فقد قَالَ الحافظ العراقي: " وإنّما يُسَمَّى مضطرباً إذا تساوتِ الروايتان المختلفتانِ في الصحةِ بحيثُ لم تترجَّحْ إحداهُما على الأخرى، أما إذا ترجحت إحداهما بكون راويها أحفظ، أو أكثر صُحْبَة للمروي عَنْهُ، أو غَيْر ذَلِكَ من وجوه الترجيح؛ فإنَّه لا يطلق عَلَى الوجه الراجح وصف الاضطراب ولا لَهُ حكمه، والحكم حينئذ للوجه الراجح " (¬2). الحديث الثاني: قال البخاري في كتاب الجمعة: " حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ حَدَّثَنَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى)) " (¬3). قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل عن حديث المقبرى عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ اغْتَسَلَ الرَّجُلُ، وَغَسَّلَ رَاسَهُ وَتَطَيبَ وَلَبِسَ مِنْ صَالِح ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلِى الصَّلاَةِ، فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ واسْتَمَعَ مِنَ الإمَامِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَة ثَلاثَة ¬

(¬1) الذهبي، سير أعلام النبلاء، (ج23/ 413). (¬2) الحافظ العراقي، شرح التبصرة والتذكرة، طبعة دار الكتب العلمية سنة 2002 م، تحقيق د. ماهر ياسين الفحل وغيره، (ج1/ص240). (¬3) البخاري: الجامع الصحيح (مع الفتح) كتاب الجمعة، باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة، حديث رقم 910 (ج2/ص451).

أَيَّامٍ)). فقال - يعني الدارقطني -: اختلف فيه على سعيد المقبري، واختلف عنه، فرواه صالح بن كيسان، عن سعيد المقبرى، عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه عبدالله بن سعيد المقبري، واختلف عنه فرواه معارك بن عباد عن عبدالله بن سعيد المقبري، عن أبيه عن جده، عن أبي هريرة، وخالفه زفر بن الهذيل، فرواه: عن عبدالله بن سعيد عن جده وهو أبو سعيد. ورواه ابن جريج عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة وعن عمارة بن عامر الأنصاري، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. ورواه عبيدالله، وعبدالله ابنا عمر، وعمر بن بكر مديني، وأبو أمية بن يعلي الثقفي، كلهم عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وخالفهم محمد بن عجلان، فرواه عن سعيد المقبري عن أبيه، عن عبدالله بن وديعة، عن أبي ذر قاله يحيى القطان وإسماعيل بن عياش عن ابن عجلان، واختلف عن ابن عيينة، فقال الحميدي: عنه عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، أراه عن أبيه، وقال أبو عبيد الله المخزومي، عن ابن عيينة، عن ابن عجلان عن سعيد المقبري، عن ابن وديعة ولم يقل عن أبيه. ورواه ابن أبي ذئب عن المقبري، واختلف عنه، فقال: حماد بن مسعدة، عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن عبد الله ابن وديعة عن سلمان الفارسي، وخالفه عثمان بن عمر، وعبد الله بن نافع وشبابة بن سوار رووه عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبيه عن عبد الله بن وديعة، عن سلمان الفارسي. وكذلك رواه الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبيه، وزاد الضحاك في آخر الحديث قال المقبري: فحدث بذلك عمارة بن عمرو بن حزم وأنا معهم. فقال عمارة: أوهم ابن وديعة، سمعته من سلمان يقول: وزيادة ثلاثة أيام. والحديث عندي حديث ابن أبي ذئب، والضحاك بن عثمان لأن للحديث أصلا محفوظا عن سلمان يرويه أهل الكوفة، ووهم ابن جريج في قوله عن المقبري عن أبي هريرة، وعمارة بن عامر، وإنما أراد عمارة بن عمرو بن حزم كما قال الضحاك بن عثمان" (¬1). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج10 / ص 344 - 350)، سؤال رقم (2045) باختصار.

وقال الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع: " وأخرج البخاري، عَن آدم، عَن ابن أبي ذئب، عَن المقبري، عَن أبيه، عَن ابن وديعة، عَن سلمان، عَن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم في غسل الجمعة، قال: وقد اختلف، عَن ابن أبي ذئب فيه أيضًا. وقال ابن عجلان، عَن سعيد، عَن أبيه، عَن ابن وديعة، عَن أبي ذر وقيل، عَن عُبيد الله، عَن سعيد، عَن أبي هريرة، قاله، عبد الله بن رجاء، وروى الدراوردي، عَن عُبيد الله، عَن سعيد، عَن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ، وقال الضحاك بن عثمان، عَن المقبري، عَن أبي هريرة وقال أبو معشر، عَن المقبري، عَن أبيه، عَن ابن وديعة، عَن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ " (¬1). والجواب: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في هدي الساري: " ورواه البخاري أيضا من حديث ابن المبارك عن ابن أبي ذئب به، وقد اختلف فيه على ابن أبي ذئب أيضا، فقال: أبو علي الحنفي فيما رويناه في مسند الدارمي عنه مثل رواية آدم، وكذا رويناه في صحيح ابن حبان من طريق عثمان بن عمر عن ابن أبي ذئب، ورواه أحمد في مسنده عن أبي النضر وحجاج بن محمد جميعا عن ابن أبي ذئب كذلك وقال: أبو داود الطيالسي في مسنده عن ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن سلمان وهذه رواية شاذة، لأن الجماعة خالفوه؛ ولأنَّ الحديث محفوظ لعبدالله بن وديعة لا لعبيدالله بن عدي، وأما ابن عجلان فلا يقارب ابن أبي ذئب في الحفظ، ولا تعلل رواية ابن أبي ذئب مع إتقانه في الحفظ برواية ابن عجلان مع سوء حفظه، ولو كان ابن عجلان حافظاً لأمكن أن يكون ابن وديعة سمعه من سلمان، ومن أبي ذر فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا. وقد اختار ابن خزيمة في صحيحه هذا الجمع، وأخرج الطريقين معاً: طريق ابن أبي ذئب من مسند سلمان، وطريق ابن عجلان من مسند أبي ذر رضي الله عنهما، وأما أبو معشر فضعيف لا معنى للتعليل بروايته، وأما رواية عبيدالله بن عمر فهو من الحفاظ إلا أنَّهُ اختلف عليه كما ترى فرواية الدراوردي لا تنافي رواية ابن أبي ذئب؛ لأنَّها قصرت عنها فدل على أنَّه لم يضبط إسناده فأرسله، ورواية عبد الله بن رجاء إن كانت محفوظة، فقد سلك الجادة في أحاديث ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، الإلزامات والتتبع (ج1 / ص 206).

المقبري فقال: عن أبي هريرة فيجوز أن يكون للمقبري فيه إسناد آخر، وقد وجدته في صحيح ابن خزيمة من رواية صالح بن كيسان، عن سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة، وإذا تقرر ذلك عرف أنَّ الرواية التي صححها البخاري أتقن الروايات، والله أعلم" (¬1). الحديث الثالث: قال البخاري في كتاب الجمعة: " حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ))، تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ، وَمَالِكٌ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم)) " (¬2). قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل عن حديث سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ)). فقال - يعني الدارقطني -: يرويه ابن عجلان، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، واختلف عنهم، فرواه: أبو عاصم النبيل، وابن عيينة، ويحيى القطان، عن ابن عجلان، عن سعيد عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وخالفهم خالد بن الحارث، فرواه: عن ابن عجلان موقوفاً، وقال ابن عيينة من بينهم في حديثه: لا تسافر المرأة فوق ثلاث، والباقون لم يقرروا وأطلقوا السفر، وأما ابن أبي ذئب فرواه: عنه يحيى القطان، وموسى بن داود، ووكيع بن الجراح، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وخالفهم ابن أبي إياس، فرواه: عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة وكذلك قال: علي بن حرب، عن وكيع، عن ابن أبي ذئب، أما مالك فرواه أصحاب الموطأ عنه، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة منهم: القعنبي، وابن وهب، وأبو مصعب، والشافعي، ومعن، وابن المبارك، وخالفهم عبد الله بن نافع الصائغ، وبشر بن عمر الزهراني، ¬

(¬1) الحافظ ابن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري (ص 476). (¬2) البخاري: الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الطهارة، باب في كم يقصر الصلاة (ج2/ص651)، برقم (1088).

وإسحاق الفزاري رووه عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة، وكذلك روي عن أبي جعفر الثقفي، عن مالك إلا أنه قال فيه: أحسب عن أبيه، وقيل عنه: أحسبه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولا يصح هذا القول. ورواه الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، واختلف عن كثير ابن زيد فرواه أبو علي الحنفي، عن كثير، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وخالفه أبو أحمد الزبيري فرواه: عن كثير، عن سعيد، عن أبي هريرة، ورواه يونس بن عبيد، واختلف عنه، فرواه ابن علية، وأبو همام محمد بن الزبرقان الأهوازي، عن يونس عن رجل من أهل المدينة لم يسمياه، عن المقبري، عن أبي هريرة. وسماه عنبسة بن عبدالواحد، عن يونس فقال: عن محمد رجل من أهل المدينة وقيل عنه: محمد بن زياد ولا يصح، ورواه أبو مروان الغساني، عن يونس فقال: عن محمد بن سعيد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، ووهم في هذا القول، والصحيح قول ابن علية، عن يونس. ورواه سهيل بن أبي صالح، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال فيه: ((لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ بَرِيداً)). ورواه سُهيل بإسنادٍ آخر أيضاً عن أبيه عن أبي هريرة: ((لاَ تُسَافِرُ امْرَأَةٌ بَرِيداً))، فقد وهم على سهيل؛ لأنَّ المحفوظ عن أبي صالح عن أبي هريرة: ((لاَ تُسَافِرُ امرأةٌ ثلاثاً)). كذلك رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أيضاً، واختلف عن الأعمش في الإسناد، فقال: عثام بن علي، ومالك بن سعير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وخالفهما أبو معاوية فقال: عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ... " (¬1). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج10/ ص333 - 339)، سؤال رقم (2042) باختصار

ثانيا: الأحاديث التي انتقدها في كتاب العلل وقد أخرجها مسلم في أصل صحيحه

وقال الإمام الدارقطني في الإلزامات والتتبع: " وأخرجا جميعاً حديث ابن أبي ذئب، عَن سعيد، عَن أبيه، عَن أبي هريرة، عَن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُسَافُرُ وَلَيسَ مَعَهَا مَحْرَمٍ)) الحديث. وزاد مسلم، عَن ليث، عَن سعيد مثله فقال: وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير وسهيل، عَن سعيد، عَن أبي هريرة " (¬1). قلتُ: وخلاصة العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني، أن سعيد المقبري رواه مرة عن أبيه عن أبي هريرة، ومرة عن أبي هريرة ولم يدخل أبيه، فأشكل أن سعيداً لم يحفظ الحديث. الجواب: قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في هدي الساري: "لم يهمل البخاري حكاية هذا الاختلاف بل ذكره عقب حديث بن أبي ذئب، والجواب عن هذا الاختلاف كالجواب في الحديث الثاني فإنَّ سعيداً المقبري سمع من أبيه عن أبي هريرة وسمع من أبي هريرة فلا يكون هذا الاختلاف قادحاً، وقد اختلف فيه على مالك فرواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث بشر بن عمر عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وقال بعده: لم يقل أحد من أصحاب مالك في هذا الحديث عن سعيد عن أبيه غير بشر بن عمر انتهى. وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحه من حديث بشر بن عمر أيضاً وصحح ابن حبان الطريقين معاً، والله أعلم " (¬2). ثانياً: الأحاديث التي انتقدها في كتاب العلل وقد أخرجها مسلم في أصل صحيحهٍ: الحديث الأول: قال الإمام مسلم في صحيحه كتاب الصيام: " وحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ يَعْنِي الْجُعْفِيَّ، عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلاَ تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ)) " (¬3). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، الإلزامات والتتبع (ج1/ص134). (¬2) الحافظ ابن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري (ص478). (¬3) مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم مع شرح النووي، كتاب الصيام باب كراهية صيام يوم الجمعة منفرداً حديث رقم (148) (ج4/ص 274).

قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل عن حديث ابن سيرين عن أبي هريرة: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْرَد يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ)). فقال - يعني الدارقطني -: يرويه عوفٌ الأعرابي، عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قاله هوذة بن خليفة عنه، واختلف عن أيوب السختياني، فرواه الحسن بن عيسى الحربي عن ابن عيينة عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وخالفه عبد الله بن محمد المسور الزهري، فرواه عن ابن عيينة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي الدرداء عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وخالفه الحميدي، فرواه: عن ابن عيينة عن أيوب، عن ابن سيرين مرسلاً عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، واختلف عن ابن عون فرواه المسيب بن شريك عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي الدرداء عن النَّبي صلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ، وغيره يرويه عن ابن عون عن ابن سيرين مرسلاً. أخرجه مسلم في صحيحه ولا يصح، والصواب عن ابن سيرين عن أبي الدرداء وسلمان وهو مرسل عنهما؛ لأنَّ ابن سيرين لم يسمع من واحد منهما " (¬1). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني من جهة الإسناد: أنَّ الإمام مسلم أورد الحديث من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضى الله عنه، والصحيح ما رواه غيره عن ابن سيرين عن أبي الدرداء وسلمان وهو مرسل عنهما، فصار معلولاً بالإرسال. والجواب: قال أبو مسعود الدمشقي: " وحسين الجعفي من الأثبات الحفاظ، وقول معاوية عن زائدة، عن هشام، عن محمد، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومما يقوي حديث حسين، وحديث الصوم فله أصل عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم والبخاري من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة. وقد أخرجا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن صوم يوم الجمعة من حديث جابر، وهذا ما يبين أن الحديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن له أصلاً وإنَّما أراد مسلم إخراج حديث هشام عن ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل (ج10/ 42 - 43)، سؤال رقم (1843).

محمد بن سيرين لتكثر طرق الحديث (¬1). الحديث الثاني: قال الإمام مسلم في كتاب الأيمان: " وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالاَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِ عِيسَى ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ" (1). (¬2) قال الإمام البرقاني في العلل: " وسُئل - الدارقطني - عن حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصَاً لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي ثَمَنٍ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)). فقال - يعني الدارقطني -: يرويه قتادة، واختلف عنه في إسناده ومتنه، فأما الخلاف في إسناده: فإن سعيد بن أبي عروبة، وحجاج بن حجاج، وجرير بن حازم، وأبان العطار، وهماما، وشعبة رووه: عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، وخالفهم الحجاج بن أرطاة رواه: عن قتادة عن موسى بن أنس مكان النضر بن أنس ووهم. وأما هشام الدستوائي فرواه: عن قتادة عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ولم يذكر بينهما أحدا، وأما الخلاف في متنه: فإن سعيد بن أبي عروبة، وحجاج ابن حجاج وأبان العطار، وجرير بن ¬

(¬1) أبو مسعود الدمشقي: محمد بن عبيد (ت: 401هـ)، الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم بن الحجاج طبعة دار الوراق، بيروت سنة 1998م، تحقيق: إبراهيم بن علي بن محمد آل كليب، الحديث الثالث (ص13). (¬2) مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم مع شرح النووي، كتاب الأيمان باب من أعتق شركاً له في عبد حديث رقم (1504) (ج6/ ص 153).

حازم، وحجاج بن أرطاة اتفقوا في متنه، وجعلوا الاستسعاء مدرجاً في حديث النبي صلى الله عليه وسلم , وأما شعبة وهشام فلم يذكرا فيه الاستسعاء بوجه، وأما همام فتابع شعبة وهشاما على متنه، وجعل الاستسعاء من قول قتادة، وفصل بين كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبه أن يكون همام قد حفظه قال ذلك أبو عبد الرحمن المقرئ وهو من الثقات عن همام، ورواه محمد بن كثير وعمرو بن عاصم عن همام فتابعه شعبة على إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه الاستسعاء بوجه " (¬1). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني من جهة الإسناد: أن الإمام مسلم أورد الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، وخالفه هشام الدستوائي فرواه عن قتادة عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة ولم يذكر النضر بن أنس فيه، والجوابُ عن ذلك: فأما ذكرهُ خلاف حجاج بن أرطاة الفقيه فليس بشيء لأنه وصف بقلة الحفظ، والضعف، قال الذهبي في السير: " كان من بحُورِ العلمِ، تُكُلِّمَ فِيْهِ لِبَاوٍ فِيْهِ، وَلتَدليسِه، ولِنَقصٍ قَلِيلٍ فِي حِفْظِه، ولم يُترك " (¬2). وقال الحافظ ابن حجر " قال أبو حاتم: إذا قال حدثنا فهو صالح وليس بالقوي " (¬3). وأما مخالفة هشام الدستوائي فمرجوحة لمخالفته سعيد بن أبي عروبة وهو أوثق الناس في قتادة، قال يحيى بن معين: " سعيد بن أبي عروبة أثبت الناس في قتادة " (¬4)، فتبين أن إخراج مسلم الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة أرجح من غيره وأصوب، فعلم تقدم الإمام مسلم على غيره في معرفة العلل. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل، (ج10/ ص 313 - 317)، سؤال رقم (2031). (¬2) الذهبي، سير أعلام النبلاء (ج13/ص81)، والبَاو: الكبر والتَّعظيم، في النهاية (ج1/ص92). (¬3) ابن حجر العسقلاني، تعريف اهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، طبعة مكتبة المنار، عمان، تحقيق: د. عاصم بن عبدالله القريوتي (ص49). (¬4) ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي (ص 361).

وأما من جهة المتن: فقد اعتبر الدارقطني لفظة " الاستسعاء " (¬1) هذه زيادة مدرجة في المتن من قول قتادة، وما قاله هو الصواب، فقد قال الإمام النووي في شرح مسلم: " قال القاضي عياض: وقال الأصيلى وابن القصار وغيرهما: من أسقط السعاية من الحديث أولى ممن ذكرها , لأنها ليست في الأحاديث الأُخر من رواية ابن عمر وقال ابن عبد البر: الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكروها , وقال غيره: وقد اختلف فيها عن سعيد بن أبى عروبة عن قتاده فتارة ذكرها وتارة لم يذكرها، فدل على أنها ليست عنده من متن الحديث كما قال غيره , وهذا آخر كلام القاضى والله أعلم " (¬2). الحديث الثالث: قال الإمام مسلم في صحيحه كتاب الجمعة: " وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ح وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَسَمِعْتَ أَبَاكَ ((يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَانِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ قُلْتُ نَعَمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ)) " (1). (¬3) قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي بردة عن أبي موسى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ((فِي السَّاعَةِ الَتِي فِي يَومِ الْجُمُعَةِ، وَأَنَّهَا مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإمَامِ إِلِى أَنْ تَنْقَضِي الصَّلاَةَ)). ¬

(¬1) قال الإمام النووي قال العلماء: " ومعنى الاستسعاء فى هذا الحديث أن العبد يكلف الاكتساب والطلب حتى تحصل قيمة نصيب الشريك الآخر , فإذا دفعها إليه عتق , هكذا فسره جمهور القائلين بالاستسعاء، وقال بعضهم: هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق , فعلى هذا تتفق الأحاديث ". (¬2) النووي: محيي الدين بن شرف، شرح صحيح مسلم، باب ذكر سعاية العبد (ج5/ص395). (¬3) مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم مع شرح النووي، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة (ج3 /ص404).

فقال - الدارقطني -: يرويه مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تفرد به عبد الله بن وهب عنه، وهو صحيح عنه. ورواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي بردة، واختلف عنه: فرواه إسماعيل بن عمرو، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وخالفه النعمان بن عبد السلام فرواه: عن الثوري بهذا الاسناد موقوفا، وخالفهما يحيى القطان، فرواه عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة قوله، وتابعه عمار بن رزيق فرواه: عن أبي إسحاق، عن أبي بردة قوله. وكذلك رواه معاوية بن قرة، ومجالد، عن أبي بردة من قوله، وحديث مخرمة بن بكير أخرجه مسلم في الصحيح والمحفوظ من رواية الآخرين عن أبي بردة قوله غير مرفوع حدثنا أحمد بن محمد بن مسعد الفزاري، قال ثنا عبدالله بن محمد بن زكريا، ثنا إسماعيل ابن عمرو ثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ: ((السَّاعَةُ الَتِي يُرْجَى فَيَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَندَ نُزُولِ الإِمَامِ))، حدثنا أحمد بن محمد بن مسعدة قال: ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن الأصبهاني، قال حدثنا أبو سفيان صالح بن مهران، ثنا النعمان، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: الساعة التي تذكر في الجمعة ما بين نزول الإمام عن منبره إلى دخوله في الصلاة موقوف" (¬1). الجواب: قال الإمام محي الدين النووي في الشرح: " قوله عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال: لم يسنده غير مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة. ورواه جماعة: عن أبي بردة من قوله، ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يرفعه، قال: والصواب أنَّه من قول أبي بردة كذلك. رواه يحيى القطان، عن الثوري، عن أبي إسحاق عن أبي بردة، وتابعه واصل الأحدب، ومجالد روياه، عن أبي بردة من قوله. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني، كتاب العلل، (ج7/ 212 - 213)، سؤال رقم (1297).

وقال النعمان بن عبدالسلام، عن الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه موقوفاً، ولا يثبت قوله عن أبيه، وقال أحمد بن حنبل، عن حماد بن خالد قلتُ لمخرمة: سمعت من أبيك شيئا؟ قال: لا، هذا كلام الدارقطني. وهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين أنَّه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال، وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين أنَّه يحكم بالرفع والاتصال لأنها زيادة ثقة، وقد سبق بيان هذه المسألة واضحا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب وسبق التنبيه على مثل هذا في مواضع أخر بعدها، وقد روينا في سنن البيهقي، عن أحمد بن سلمة قال: ذاكرت مسلم بن الحجاج حديث مخرمة هذا فقال مسلم: هو أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الجمعة " (¬1). قلتُ: وما أشار إليه الإمام النووي من أنَّ الدارقطني يتبع القاعدة المعروفة له، ولأكثر المحدثين أنَّه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال، ليس ذلك على الإطلاق، وليست هي قاعدة مطردة عنده، وإنَّما كان الدارقطني يتبع قرائن ترجح الموقوف أو المرسل، ويرجح أو يُعل تبعاً للمتابعات والشواهد والقرائن، وسوف نفرد له فصلاً كاملاً إن شاء الله لبيان منهجه في قرائن الترجيح. ¬

(¬1) النووي: محيي الدين بن شرف، شرح صحيح مسلم، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة (ج3 /ص 404).

وأختم هذا المبحث المبارك إن شاء الله بكلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في رده على الأحاديث التي انتقدها الدارقطني فقال: " ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب، فإن جميعها وارد من جهة أخرى وهي ما ادعاه الإمام أبو عمر بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه فإن هذه المواضع متنازع في صحتها فلم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب، وقد تعرض لذلك ابن الصلاح في قوله إلا مواضع يسيرة انتقدها عليه الدارقطني وغيره، وقال في مقدمة شرح مسلم له مآخذ عليهما يعني على البخاري ومسلم وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول انتهى وهو احتراز حسن" (¬1). ¬

(¬1) الحافظ ابن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري (ص469).

الباب الثاني العلة وأجناسها عند الإمام الدارقطني

الباب الثاني العلة وأجناسها عند الإمام الدارقطني وفيه فصلان: الفصل الأول: مفهوم العلة عند الإمام الدارقطني. وفيه مبحثان: المبحث الأول: مفهوم العلة من جهة الإسناد. المبحث الثاني: مفهوم العلة من جهة المتن. الفصل الثاني: أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: أجناس العلل التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني. المبحث الثاني: أجناس العلل التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الإمام الدارقطني. المبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون. المبحث الرابع: أجناس العلل الظاهرة.

الفصل الأول مفهوم العلة عند الإمام الدارقطني

الفصل الأول مفهوم العلة عند الإمام الدارقطني سنتعرض في هذا الفصل لمفهوم العلة من جهة الإسناد والمتن عند المحدثين المتقدمين وعلى رأسهم الإمام الدارقطني، ودراسة ومقارنة ذلك بمذهب المتأخرين من المحدثين، فإنَّه مما لا شك فيه أنَّ مفهوم العلَّة عند الإمام الدارقطني لم تختلف كثيراً عن مفهوم العلَّة عند المتقدمين من أئمة الحديث أمثال: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام علي بن المديني، والإمام ابن أبي حاتم الرازي، والإمام أبي زُرْعَة الرَّازي، والإمامين البخاري ومسلم، والإمام الترمذي وغيرهم من المحدثين، فإنَّ مذهبهم في العلة واحد لا يختلف من حكم إمام إلى غيره، بل ينتظم في طريقٍ واحد، وفهمٍ ثاقب للعلل بأنواعها وأجناسها المختلفة التي قد تطرأ على الأحاديث والأخبار. المبحث الأول: مفهوم العلة من جهة الإسناد. مفهوم العلة من جهة الإسناد عند المحدثين المتقدمين يشمل كل ما يطرأ على الإسناد مما يقدح فيه من أسباب الوهم والخطأ، أومن ضعفٍ وجرحٍ في الراوي، مما يدل على عدم حفظ أو ضَبط الراوي لمرويَّاته، وسواء كانت هذه العلة من ثقةٍ معروفٍ بالإتقانِ، أو كانت من ضعيفٍ مجروح بالاتفاقِ، أو كانت هذه العلَّة ظاهرة واضحة جلية، أو كانت خفية غامضة دقيقة، كل ذلك يسمى عندهم علَّة، إلا أن الغالب مما يطلق عليه علَّة عندهم الأسباب الخفية الغامضة، ونرى في كتب أئمة العلل الشيء الكثير مما يدل على ذلك، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقد أطلق بعض المحدثين والفقهاء المتأخرين بعض الألفاظ في مفهوم العلة، مما يوهم خلاف ما بيناه في تعريف مفهوم العلة عند المتقدمين فقالوا: " صحيحٌ معلولٌ " أو " علةٌ غير قادحة "، " وعلةٌ غير مؤثرة "، وما شابه ذلك. فأما لفظة: " صحيحٌ معلولٌ "، فقد ذكر أبو يعلى الخليلي في بيان العلل: " أنَّ الأحاديث المروية عن رسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ على أقسام كثيرة، صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح

مختلف فيه، وشواذ وأفراد، وما أخطأ فيه إمام، وما أخطأ فيه سيء الحفظ يُضعَّف من أجله، وموضوع وضعه من لا دين له ... ، فأما الحديث الصحيح المعلول فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلاً وينفرد به ثقة مسنداً، فالمسند صحيح وحجة، ولا تضره علة الإرسال " (¬1) قلتُ: ثم ضرب بعض الأمثلة التي تبين مقصده، والخلاصةُ في ذلك: أنًّ الحديث قد يُروى مرسلاً، ويروى موصولاً كذلك، لكنَّ الموصول أصح عند النَّظر في القرائن والأدلة، ولم يقصد ما ذهب إليه بعض المتأخرين من الفقهاء من إطلاق الحكم في أنَّ بعض العلل لا تقدح، بل الناظر في الأمثلة التي ضربها تدل على أن مذهبه مثل المتقدمين في أنَّ العلة كلها تقدح في الحديث بلا ريب، إذا ثبتت العلة، أولم يكن ثَمَّ ترجيح بين الرِّوَايات المختلفة. وأما لفظة: " علةٌ غير قادحة "، فقصدهم فيها العلة التي تقدح في الإسناد، ولا تقدح في متن الحديث لثبوت المتن من رواية أخري صحيحة، كما مَثَّل لذلك السيوطي فقال: " وقد يقدح في الإسناد خاصة ويكون المتن صحيحاً، كحديث يعلى بن عبيد عن الثوري عن عمرو بن دينار حديث: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ)) (¬2)، غلط يعلى إنما هو عبدالله ابن دينار ... هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان كأبي نعيم الفضل بن دُكَين، ومحمد ابن يوسف الفريابي، ومخلد بن يزيد وغيرهم " (¬3). ¬

(¬1) أبو يعلى الخليلي: خليل بن عبدالله بن أحمد بن إبراهيم القزويني (ت: 446 هـ)، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، طبع مكتبة الرشد، الرياض الطبعة الأولى 1409هـ، تحقيق: د. محمد سعيد عمر إدريس، (ج1/ 157 - 163). (¬2) أخرجه أحمد في المسند، من طريق سفيان عن عبد الله بن دينار (ج2/ص9)،برقم (4566). (¬3) السيوطي: عبدالرحمن بن أبي بكر الخضري (ت: 910 هـ)، تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، تحقيق: عبدالوهاب عبداللطيف (ج1/ ص254).

فظهر أنَّ العلة قدحت في الإسناد، وإن كان الخطأ هو إبدال ثقة مكان ثقة آخر؛ لأنَّ هذا الخطأ يدل على وهم الراوي وعدم ضبطه لهذا الحديث. وقال ابن الصلاح: " ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر، وقد تقع في متنه ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعاً، كما في التعليل بالإرسال والوقف، وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن " (¬1). وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت: " قوله - يعني ابن الصلاح -: " ثم قد تقع العلة في الإسناد وهو الأكثر وقد تقع في المتن ... " إلى آخره قلت: إذا وقعت العلة في الإسناد قد تقدح، وقد لا تقدح، وإذا قدحت فقد تخصصه وقد تستلزم القدح في السند، وكذا القول في المتن سواء، فعلى هذا يكون للعلة ستة أقسام: 1 - فمثال ما وقعت في الإسناد ولم تَقْدِح مطلقاً: ما يوجد مثلاً من حديث مدلّس بالعنعنة، فإن ذلك عِلَّةٌ تُوجِبُ التوقف عن قبوله، فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة. وكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته، فإنَّ ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينها على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحفُّ الإسناد تبين أنَّ تلك العلة غير قادحة. 2 - ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن: ما مثل به المصنف من إبدال راوٍ ثقة براوٍ ثقة وهو بقسم المقلوب أليق، فإن أبدل راوٍ ضعيف براوٍ ثقة وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن أيضاً، إن لم يكن له طرق أُخرى صحيحة، كما روى يعلى بن عبيد الطَّنَافِسي، عن الثوري، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النَّبِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا))، فغلط يعلى في قوله: عمرو بن دينار إنمَّا هو عبد الله بن دينار، كما رواه الأئمة من أصحاب الثوري، يعني فلا يضر في صحة المتن؛ لأنَّ عبد الله وعَمْراً كلاهما ثقة. ¬

(¬1) العراقي، التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح (ص 117).

3 - تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن، ومن أغمض ذلك أن يكون الضعيف موافقاً للثقة في نعته. ومثال ذلك: ما وقع لأبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي، أحد الثقات عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، وهو من ثقات الشاميين قدم الكوفة، فكتب عنه أهلها، ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك عبدالرحمن بن يزيد بن تميم، وهو من ضعفاء الشاميين، فسمع منه أبو أسامة، وسأله عن اسمه فقال: عبدالرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنَّه ابن جابر فصار يحدِّث عنه وينسبه من قبل نفسه، فيقول: حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة عن ابن جابر، وهما ثقتان فلم يفطن لذلك إلا أهل النقد، فميزوا ذلك ونصوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد. 4 - ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد ولا تَقْدَح فيهما: ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن ردُّ الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها. 5 - ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد: ما يرويه راوٍ بالمعنى الذي ظنَّه يكون خطأ، والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإنَّ ذلك يستلزم القدح في الراوي، فيعلل الإسناد. 6 - ومثال ما وقعت العلة فيه في المتن واستلزمت القدح في الإسناد: ما ذكره المصنف من أحد الألفاظ الواردة في حديث أنس رضي الله عنه وهي قوله: ((لاَيَذْكُرُونَ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ وَلاَ فِي آخِرِهَا)) (¬1)،فإنَّ أصل الحديث في الصحيحين فلفظ البخاري: ((فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ})) (¬2). ¬

(¬1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: (ج3/ 223)، برقم (13361). (¬2) ابن حجر العسقلاني، النكت، طبعة دار الرَّاية، الرياض، (دت)، (ص288).

وأما لفظة: " علةٌ غير مؤثرة "، فالمراد منها أنَّه ثبت أنَّ الراجح فيها صحة الرواية فلم تؤثر هذه العلة على الحديث حيث زالت شبهة أنه معلول، ومثاله قول الإمام الذهبي: " فإن كانت العلة غير مؤثرة، بأن يرويه الثبت على وجه، ويخالفه واه، فليس بمعلول، وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل، فلم يصب؛ لأنَّ الحكم للثبت فإن كان الثبت أرسله مثلاً، والواهي وصله، فلا عبرة بوصله لأمرين: لضعف راويه؛ ولأنَّه معلول بإرسال الثبت له. ثم اعلم أنَّ أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم للأثبات، وإن كان الحديث قد رواه الثبت بإسناد، أو أوقفه، أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات، فإنَّ الواحد قد يغلط، وهنا قد ترجح ظهور غلطه فلا تعليل، والعبرة بالجماعة، وإن تساوى العدد، وإن اختلف الحافظان، ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين منه في كتابيهما، وبالأولى سَوْقُهما لما اختَلَفا في لفظِهِ إذا أمكن. ومن أمثلة اختلاف الحافظين: أن يسمي أحدهما في الإسناد ثقة، ويبدله الآخر بثقة آخر أو يقول أحدهما: عن رجل، ويقول الآخر عن فلان، فيسمي ذلك المبهم، فهذا لا يضر في الصحة، فأمَّا إذا اختلف جماعة فيه، وأتوا به على أقوال عدة، فهذا يوهن الحديث، ويدل على أنَّ راويه لم يتقنه، نعم لو حَدَّثَ به على ثلاثِة أوجهٍ تَرجعُ إلى وجهٍ واحد، فهذا ليس بمُعْتَلّ كأن يقول مالك، عن الزهري، عن ابن المسَّيب، عن ... أبي هريرة ويقول عقيل: عن الزهري، عن أبي سلمة، ويرويه ابن عيينة: عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة معا " (¬1). قلتُ: فأمَّا قولهُ رحمه الله: " وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل، فلم يصب ... "، فليس بصواب؛ لأنَّ ذكر رواية الضعيف من باب ذكر الأوجه التي وردت ¬

(¬1) الذهبي: الموقظة طبعة دار البشائر الإسلامية، بيروت، طبعة سنة1405هـ، (ص52 - 53).

في الحديث لتكون قرائن الترجيح أوسع، فإنَّه مما لا شك فيه عند المحدثين أن الثقة قد يخطئ، كما أن الضعيف قد يصيب، غير أنَّ خطأ الضعيف أكثر من الثقة. والمعيار الذي يُبنى عليه الحكم على خطأ الراوي في الرواية، هو مقارنة المرويَّات والقرائن المرجحة، ومعرفة المخالفة والتفرد، ونحن نرى الكثير من أئمة هذا الشأن يصنعون مثل ما صنع الدارقطني في العلل، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل في كتابه العلل، وابن أبي حاتم في العلل وغيرهم من المحدثين المتقدمين، وهذا المسلك أدق، والله أعلم. ولقد وصف الحافظ ابن رجب طريقتهم في الحكم على التفرد فقال: " وأمَّا أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد -وإن لم يرو الثقات خلافه-: إنَّه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه ". (¬1)، وهذا مما يدل على دقة منهج المحدثين المتقدمين في مفهوم العلة وتعليلهم وتصحيحهم للأحاديث، وسوف أسوق بيان ذلك بالأمثلة والبراهين الدالة عليه: 1. الدليل على أنهم كانوا يعتبرون مخالفة الثقة لمن هو أوثق في إعْلال المرويَّات: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عاصم بن عمر بن الخطاب، عن عمر - رضي الله عنهم - عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في فضل ما يقال عند الأذان. فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبدالرحمن، واختلف عن عمارة، فرواه إسماعيل بن جعفر، عن عمارة، عن خُبَيب، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر - رضي الله عنهم -، فوصل إسناده ورفعه إلى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -، حدث به عنه كذلك إسحاق بن محمد الفروي، ومحمد بن جهضم، ورواه إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، عن خُبَيب بن ¬

(¬1) ابن رجب: شرح علل الترمذي، طبعة دار الكلمة مصر، سنة 1418هـ (ص272 - 273).

عبدالرحمن مرسلاً، عن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم -. ووقفه يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية، عن خُبَيب، وحديث إسماعيل بن جعفر المتصل قد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، وإسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب وإسماعيل بن عياش وقد زاد عليهما وزيادة الثقة مقبولة، والله أعلم " (¬1). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث رواه بعض الثقات متصلاً، ورواه آخرون مرسلاً، والذين رووه متصلاً أوثق ممن أرسلوه. وقد رجح الشيخان المتصل فأخرجاه، وأما قوله وزيادة الثقة مقبولة، فسوف يأتي الحديث عنها ضمن الفصل القادم إن شاء الله تعالى. المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ((إنّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، إِذْ جَاءَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ ...)) الحديث، وفيه فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ ...} (¬2) الحديث. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج2/ 182 - 183) سؤال رقم (205). (¬2) أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب تفسير القرآن، باب وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ... الآية، (ج8/ ص659)، برقم (4817)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، (ج9 / ص134 - 135)، برقم (2775)، والترمذي في السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة حم السجدة، (ج5 / ص375) برقم (3248)، ثلاثتهم من طريق سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود به، وأما الوجه المعلول فقد أخرجه كذلك الترمذي في السنن، كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة حم السجدة، (ج5 / ص375)، برقم (3249)، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير عن عبدالرحمن بن يزيد قال: قال عبدالله نحوه. قلتُ: وهو الإسناد المعلول الذي أشار إليه الدارقطني، والذي أُدخل فيه عبدالرحمن بن يزيد بدلاً من وهب بن ربيعة.

قال - الدارقطني -: يرويه الأعمش واختُلِف عنه، فرواه الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله، وتابعه عبدالله بن بشر الرَّقي، عن الأعمش، ورواه أبو معاوية الضرير، وقطبة بن عبد العزيز، عن الأعمش، عن عمارة عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله. قال قطبة: قلتُ للأعمش أنَّ سفيان الثوري يقول هو وهب بن ربيعة، قال: فأطرق ثم همهم ساعة، ثم رفع رأسه فقال: صدق سفيان هو وهب بن ربيعة، وخالفهم أبو مريم عبدالغفار فرواه: عن الأعمش، عن عمارة، عن زيد ابن وهب الجهني، عن عبدالله. رواه الحسن بن عمارة والمسعودي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله. ووهما فيه، ورواه شعبة، عن الأعمش، عن رجل، عن عبدالله والقول قول سفيان الثوري وعبدالله بن بشر، ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبدالله. حدثنا محمد بن إبراهيم بن نَيْرُوْزٍ، ... وأبو علي محمد ابن سليمان بن علي المالكي بالبصرة قالا: ثنا أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا سفيان الثوري، حدثني الأعمش، عن عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: ((كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَجَاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ قُرَشِيٌّ وَخَتَنَاهُ ثَقَفِيَّانِ أَوْ ثَقَفِيٌّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أَفْهَمْهُ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنَا هَذَا فَقَال الْآخَرُ إِنَّا إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا سَمِعَهُ وَإِذَا لَمْ نَرْفَعْ أَصْوَاتَنَا لَمْ يَسْمَعْهُ فَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ فَقَال عَبْدُاللَّهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلِ اللَّهُ: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ}،حَتَى بَلَغَ {فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ}))] فصلت الآيات: (21 - 23) [. ولفظ ابن نَيْرُوْزٍ: حدثنا محمد بن سليمان المالكي، ومحمد بن إبراهيم بن نَيْرُوْز، قالا: أنبأ أبو موسى محمد بن المثنى، ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبدالله نحوه. تفرد به يحيى القطان، عن سفيان، عن منصور أخرجه البخاري عن عمرو بن علي، عن يحيى. وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن خلاد عن يحيى، حدثنا أبو علي بن الصواف، عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني محمد بن عبدالله ابن نمير، ثنا قبيصة،

عن قطبة، قال: قال رجل للأعمش حين حَدَّثَ بحديث عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله: ((كُنْتُ مُسْتَتِراً)) إنِّ سفيان يحدث به عنك عن وهب بن ربيعة، قال: فهمهم الأعمش ساعة، ثم قال: هو كما قال سفيان " (¬1). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث رواه سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن عبدالله. أدخل فيه وهب بن ربيعة بين عمارة بن عمير وعبدالله بن مسعود. وخالفه أبو معاوية الضرير، فرواه: عن الأعمش، عن عمارة، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله، فأدخل عبدالرحمن بن يزيد بدلاً من وهب بن ربيعة، وخالفه كذلك غيره، وخلاصة الأمر أنَّ أصحاب الأعمش على سبعِ طبقات، وسفيان الثوري من الطبقة الأولى وهو على رأسهم، ثم يأتي أبو معاوية في الطبقة الثالثة، لذا كانت رواية سفيان مقدمة على كلِّ من روى هذا الحديث؛ لأنَّه أوثق الناس في الأعمش، قال الحافظ ابن رجب: " قال ابن أبي حاتم وسمعت أبي يقول: أحفظ أصحاب الأعمش الثوري ". وقال أيضاً: " قال ابن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول: لم يكن أحد أعلم بحديث الأعمش من سفيان الثوري " (¬2). المثال الثالث: قال البرقاني في العلل: " وسُئل - الدارقطني - عن حديث أبي الأسود الديلي، عن عمر - رضي الله عنه - عن النبَّي - صلى الله عليه وسلم -: ((أَيُّمَا رَجُلٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ منْ جِيرَانِهِ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ)) (¬3). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج5 /ص 279 - 280) سؤال رقم (881). (¬2) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص 375). (¬3) أخرجه على الوجه المحفوظ: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، (ج3/ص261)، برقم (1368)، بلفظ " أَيُّمَا مسلم شهد له "، وكذا النسائي في السنن، كتاب الجنائز، باب الثناء، (ج4/ص352)، برقم (1933)، كلاهما من طريق داود بن أبي الفرات، عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود، وأما لفظ " أَيُّمَا رجل" فلم أجده.

فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه عبدالله بن بريدة واختلف عنه: فرواه داود بن أبي الفرات وهو ثقة عن ابن بريدة، واختُلِف عن داود فقال: يعقوب الحضرمي، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ووهم في ذكر يحيى بن يعمر في إسناده لكثرة من خالفه من الثقات الحفاظ عن داود منهم: عفان بن مسلم، وعبدالصمد بن عبدالوارث، وزيد بن الحباب، ويونس بن محمد المؤدب، وأبو عبدالرحمن المقري، وأبو الوليد الطَّيالسي، وشيبان بن فروخ وغيرهم، فإنَّهم رووه عن داود، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود لم يذكروا بينهما أحداً. وكذلك رواه سعيد بن رزين، عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود كرواية الجماعة عن داود. ورواه عمر بن الوليد، عن عبدالله بن بريدة مرسلاً، عن عمر لم يذكر بينهما أحداً. والمحفوظ من ذلك ما رواه عفان ومن تابعه عن داود بن أبي الفرات، وقد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح مثل ما رواه عفان، عن داود، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود، والله أعلم " (¬1). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ يعقوب الحضرمي أدخل في الإسناد يحيى بن يعمر بين عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ وأَبِي الأَسْوَدِ، وهو وهم؛ لأنَّه خالف رواية جماعة من الثقات منهم عفان بن مسلم وغيره، كما أخرجه البخاري فقال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: ((قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَقُلْنَا وَثَلاثَةٌ قَالَ: وَثَلاثَةٌ، فَقُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ: وَاثْنَانِ ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ)). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ ص 248 - 249) سؤال رقم (247).

وفيه ترجيح رواية الثقات على رواية الثقة إذا خالفهم في الإسناد، وأما قوله وأخرجه مسلم فوهم من الدارقطني رحمه الله، فإن مسلم لم يخرج الحديث، وإنَّما أخرجه البخاري في صحيحه، والنَّسائي في السنن كما ذكرنا آنفاً. 2. الدليل على أنَّهم كانوا يعتبرون مخالفة الثقة للضعيف في إعْلال المرويَّات: المثال الأول: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسُئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فَضَلُ العَالمِ عَلَىَ العَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ حُضَر جُوادٍ مِائَةَ عَامٍ)) " (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه فرواه: هشام بن سعد، عن الزهري مرسلاً عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقال مبشر بن إسماعيل، عن عبدالله بن محرر، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمرسل أصح" (¬2). قلتُ: ووجه ذلك أنَّ الحديث مداره على الزهري، رواه عبدالله بن محرر، عن الزهري مرفوعاً، ورواه هشام بن سعد، عن الزهري مرسلاً. وقد رجَّح الدارقطني حديث هشام بن سعد المرسل على مرفوع عبدالله بن محرر وهو ضعيف، فقد قال ابن معين: ليس بثقة وضعفه (¬3)، وقال ابن أبى حاتم: سألت أبا زُرعة عن عبدالله بن محرر؟ , فقال ضعيف الحديث , وامتنع من قراءة حديثه , وضَرَبْنَا عليه، وقال أبو حاتم: متروك الحديث منكر الحديث , ضعيف الحديث ترك حديثه عبدالله بن المبارك (¬4)، أما هشام بن سعد فمختلف فيه ¬

(¬1) أخرجه ابن عدي: عبدالله بن عدي بن محمد أبو أحمد الجرجاني (ت: 365هـ)، الكامل في ضعفاء الرِّجال دار الفكر بيروت، الطبعة الثالثة 1409هـ، تحقيق: يحيى مختار غزاوي (ج3/ص60). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج9/ص267)، برقم (1749). (¬3) ابن عدي:، الكامل في ضعفاء الرِّجال، (ج4 /ص132). (¬4) ابن أبي حاتم: عبدالرحمن بن أبي حاتم بن محمد بن إدريس، أبي محمد الرَّازي (ت: 327هـ) الجرح والتعديل، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الهندية الأولى سنة 1371هـ (ج5/ 176).

والخلاصة أنه حسن الحديث، وأخرج له مسلم متابعات في الصحيح. المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر - رضي الله عنه -، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((إنِّمَا الأَعْمَالُ بِالْنِّياتِ)) الحديث ... ... فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص، عن عمر، وهو حديث صحيح عنه. وحدث بهذا الحديث شيخ من أهل الجزيرة يقال له: سهل بن صقير، عن الدراوردي وابن عيينة وأنس بن عياض، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ووهم على هؤلاء الثلاثة فيه وإنَّما رواه هؤلاء الثلاثة وغيرهم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري لا عن محمد بن عمرو، وإنِّمِا رواه عن محمد بن عمرو بن علقمة الربيع بن زياد الهمداني وحده، ولم يتابع عليه إلا من رواية سهل بن صقير عن هؤلاء الثلاثة، وقد وهم عليه فيه، والصحيح حديث يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، وروى عن حجاج بن أرطاة، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر. قال: ذلك زيد بن بكر بن خنيس، عن حجاج. وروى هذا الحديث مالك بن أنس، واختلف عنه فرواه: عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ولم يتابع عليه، وأمَّا أصحاب مالك الحفاظ عنه فرووه: عن مالك، عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، وهو الصواب. حَدَّثَنَا أبو وهيب يحيى بن موسى، حَدَّثَنَا محمد بن الوليد، قال: ثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول: سمعت محمد بن إبراهيم، يقول: سمعت علقمة بن وقاص الليثي، يقول: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، يقول: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ

وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) " (¬1). قلتُ: انظر كيف ذكر وهم وخطأ سهل بن صقير، وهو أبو الحسن الخلاطي بصري الأصل ضعيف قال فيه الحافظ ابن حجر العسقلاني: " قال ابن عدي: حدثنا عنه القاسم ابن عبدالرحمن الفارقي بأحاديث فيها بعض الإنكار، وسهل ليس بالمشهور وأرجو أنَّه لا يتعمد الكذب، وإنَّما يغلط أو يشتبه عليه الشيء فيرويه، وقال أبو بكر الخطيب: يضع الحديث، وقال ابن ماكولا: فيه ضعف" (¬2). المثال الثالث: قال الإمام ابن أبي حاتم في العلل: " وَسَأَلْتُ أَبِي، وَأَبَا زُرْعَةَ عَنِ الحَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان الثوري، وشريك، عَن الأعمش، عَن الحكم بْن عُتيبة، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي المسح عَلَى الخفين. قَالا: وَرَوَاهُ أَيْضًا عِيسَى بْن يُونُسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وابن نُمير، عَن الأعمش، عَن الحكم عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجرة، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَرَوَاهُ زائدة، عَن الأعمش، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن البراء، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، قلت لَهما: فأيُّ هَذَا الصَّحِيحُ؟ قَالَ أَبِي: الصحيح من حَدِيث الأعمش، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، قُلْتُ لأَبِي: فمن غير حَدِيث الأعمش قَالَ: الصحيح ما يَقُولُ شُعْبَة، وأبان ابْن تغلب، وزيد بْن أَبِي أنيسة أَيْضًا، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، وَقَالَ أَبِي: الثوري، وشعبة أحفظهم. قُلْتُ لأَبِي: فإن ليث بْن أَبِي سليم يُحدّث فيضطرب، يحدث عَنْهُ يَحْيَى بْن يعلى، عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وعن أَبِي بَكْرٍ، وعمر ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص191 - 193)، سؤال رقم (213). (¬2) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج4 /ص223).

فِي المسح. وَرَوَاهُ معتمر، عَنْ لَيْثٍ، عَن الحكم، وحبيب بْن أَبِي ثابت، عَن شريح بْن هانئ، عَن بلال، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الصحيح حَدِيث الأعمش، عَن الحكم، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبٍ، عَن بلال، قَالَ أَبِي وأَبُو زُرْعَةَ: ليث لا يُشْتَغَل بِهِ فِي حَدِيث مثل ذي كثير هُوَ مضطرب الحديث. قُلْتُ لأَبِي زُرْعَةَ: أليس شُعْبَة، وأبان بْن تَغْلِب، وزيد بْن أَبِي أنيسة، يَقُولُونَ عَن الحكم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب؟ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: الأعمش حافظ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وعيسى بْن يُونُسَ، وابن نُمير، وهؤلاء قد حفظوا عَنْهُ، ومن غير حَدِيث الأعمش، والصحيح عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَن بلال، بلا كعب، وَرَوَاهُ منصور، وشعبة، وزيد بْن أبي أُنيسة، وغير واحد، إِنَّمَا قلت من حَدِيث الأعمش " (¬1). قلتُ: والظاهر من كلام ابن أبي حاتم أن رواية ليث بْن أَبِي سليم، معلولة بالاضطراب، على الرغم من أنَّه ضعيف، فقد ذكر الحافظ ابن حجر كلام أهل الحديث فيه، فقال: " قال معاوية بن صالح عن ابن معين: "ضعيف"، إلا أنَّهُ يُكتب حديثه، وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه. وكذا قال عمرو بن علي وابن المثنى وعلي بن المديني، وزاد عن يحيى بن معين: مجالد أحب إلي من ليث وحجاج بن أرطاة، وقال: أبو المعتمر القطيعي كان ابن عيينة يضعف ليث بن أبي سليم " (¬2). ولم يُنظر لكون أنَّه ضعيف، لاحتمال إصابته في الرواية، كما يحتمل خطأ الثقة، ولم يكن أَبُو حَاتِم وأَبُو زُرْعَةَ ليدركا خطأه لمجرد أنَّه ضعيف، بل كان الحكم عليه بعد ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: العلل، طبعة الجريسي، الرياض، 1427هـ، (ص193)، برقم (11). (¬2) ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم أبو بكر، ويقال أبو بكر الكوفي (ت:148)، أخرج له البخاري في التعاليق ومسلم والأربعة في السنن، كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج8 /ص418).

مقارنة مرويَّاته، بغيره ومعرفة الموافقة والمخالفة للثقات الأثبات، ولا يكون ذلك إلا بعد السبر الحثيث لمرويَّات الحديث. المثال الرابع: قال الإمام مسلم في التمييز: " حدثنا زهير بن حرب، ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة قال: كتب إلي موسى بن عقبة يقول: حدثني بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ فِي الْمَسْجِدِ)). قلت لابن لهيعة: مسجد في بيته؟ قال: مسجد الرَّسُول صَلَى اللهُ عَليْهِ وَسَلَّمَ. قال مسلم: وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطؤها في المتن والإسناد جميعا وابن لهيعة الْمُصَحِّفُ في متنه الْمُغَفَّل في إسنادهِ. وإنَّما الحديث: ((أنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَرَ فِي الْمَسْجِدِ بِخُوصَةٍ، أَوْ حَصِيرٍ يُصَلِّي فِيهَا)) (¬1)، وسنذكر صحة الرواية في ذلك إن شاء الله " (¬2). ثم قال أيضاً: " الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب وذكرنا عن عبدالله بن سعيد، عن أبي النضر، وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث، أو عرض عليه، فإذا كان أحد هذين - السماع أو العرض - فخليق أن لا يأتي صاحبه التصحيف القبيح، وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله. وأما الخطأ في ¬

(¬1) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى، (ج10/ص584)، برقم (6113)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، (ج3 / ص325 - 326)، برقم (781)، أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب في فضل التطوع في البيت، (ج1 / ص458)، برقم (1447)، ثلاثتهم من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيدالله، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت به، وغيرهم. (¬2) مسلم بن الحجاج: التمييز (مع منهج النقد عند المحدثين)، طبعة مكتبة الكوثر، الرياض، (ص 187)، حديث رقم (55).

إسناد رواية ابن لهيعة فقوله: كتب إلي موسى ابن عقبة يقول: حدثني بسر بن سعيد وموسى، إنِّما سمع هذا الحديث من أبي النضر يرويه عن بسر بن سعيد" (¬1) قلتُ: ومعلوم أن ابن لهيعة: وهو عبدالله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان بن ربيعة بن ثوبان الحضرمي (ت: 173 - 174هـ)، مختلف في توثيقه وتجريحه (¬2)، والراجح فيه أنَّه ضعيف مختلط، فمن حدث عنه قبل احتراق كتبه (¬3)، فهو صحيح، ومن حدث عنه بعد ذلك فهو ضعيف، والذين حدثوا عنه قبل احتراق كتبه قليل وهم العبادلة عبدالله ابن المبارك، وعبدالله بن وهب، وعبدالله بن يزيد المقرئ، قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي: " وقد سمع منه قبل احتراق كتبه ابن المبارك والمقرئ، كذا قال الفلاس وغيره، وقاله ابن معين في رواية عنه. ومنهم من قال: "حديثه في عمره كله واحد، وهو ضعيف"، وهو المشهور عن يحيى ابن معين، وأنكر أن تكون كتبه احترقت وقال: " لا يحتج به ". وقال أبو زُرعة: " سماع الأوائل والأواخر منه سواء، إلا أن ابن وهب وابن المبارك كانا يتبعان أصوله، وليس ممن يحتج به ". وقال ابن مهدي: " ما أَعْتَدُ بشيءٍ سمعته من حديث ابن لهيعة، إلا سماع ابن المبارك ونحوه ". وروى عن أحمد أنَّه قال: " سماع العبادلة من ابن لهيعة عندي صالح: عبدالله بن وهب ¬

(¬1) مسلم بن الحجاج: التمييز (مع منهج النقد عند المحدثين)، (ص 188)، حديث رقم (57). (¬2) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج5 /ص327). (¬3) قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (ج5/ ص 329): " احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين ومات سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وقال البخاري: عن يحيى بن بكير احترقت كتب ابن لهيعة سنة سبعين ومائة، وكذا قال يحيى بن عثمان بن صالح السهمي عن أبيه، ولكنه قال: لم تحترق بجميعها إنما احترق بعض ما كان يقرأ عليه، وما كتبت كتاب عمارة بن غزية إلا من أصله وقال أبو داود: قال ابن أبي مريم لم تحترق ".

وعبدالله بن يزيد المقرئ، وعبدالله ابن المبارك ". وقال ابن حبان: " سبرت أخباره فرأيته يدلس على أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي، ما دُفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن من حديثه! فوجب التنكيب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من الأخبار المدلسة عن المتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كتبه، لما فيها مما ليس من حديثه " (¬1). 3. الدليل على أنهم كانوا يعتبرون بعض أسباب الجرح الظاهرة في إعْلال المرويَّات: المثال الأول: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث جابر عن أبي بكر - رضي الله عنه -، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ)) " (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن إسماعيل الوساوسي، عن زيد بن الحباب عن عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن شرحبيل، عن جابر، عن أبي بكر عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يتابع عليه الوساوسي هذا ضعيف. وغيره يرويه عن شرحبيل ابن سعد مرسلاً ولا يذكر فيه جابراً ولا أبا بكر" (¬3). قلتُ: وهذا الحديث بعينه في كتاب البحر الزخار مسند البزار قال: " وروى عبدالرحمن بن الغسيل، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر، عن أبي بكر - رضي الله عنه -، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ))، وهذا الحديث إنَّما حدث به رجل كان بالبصرة، عن زيد بن الحباب وكان ¬

(¬1) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص140 - 141). (¬2) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الزَّكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، (ج3 / ص322)، برقم (1417)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الزَّكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، (ج4 / ص109)، برقم (1016)، من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، وغيرهما. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج1 / ص 221 - 222)، سؤال رقم (27).

متهما فيه، يقال: أن ليس له أصل من هذا الوجه فأمسكنا عن ذكره " (¬1). المثال الثاني: قال الإمام البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عمر عن أبي بكر - رضي الله عنهم - عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((وإنَّا لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ)) (¬2) الحديث بطوله. فقال - الدارقطني -: رواه مالك بن أنس وأبو أويس وزياد بن سعد، عن الزهري عن مالك بن أوس، عن عمر، عن أبي بكر حدث به عن مالك كذلك جماعة منهم: بشر بن عمر، وعمرو بن مرزوق، وإسحاق بن محمد الفروي، والهيثم بن حبيب غزوان فأسندوا هذه الألفاظ عن عمر، عن أبي بكر. وغيرهم يرويه عن مالك فيسندها عن عمر عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. وروى هذا الحديث: معمر، وابن أبي عتيق، وشعيب بن أبي حمزه، وأسامة بن زيد وغيرهم، فأسندوا هذه الألفاظ عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذكروا في الحديث عن عمر، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم - أنَّه قال: ((أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَعْمَلُ كَمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -))، ورواه عبدالملك بن عمير، عن الزهري فأسنده عن مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي بكر أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ))، لم يذكر بينهما عمر بن الخطاب ... حدث به عن عبد الملك بن عمير كذلك تَلِيدُ بن سليمان وحده، ولم يكن بالقوي في الحديث - كان يشتم - عثمان بن عفان وأبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما " (¬3). قلتُ: وتَلِيدُ بن سليمان هو المحاربى، أبو سليمان، ويقال أبو إدريس، الكوفى، وهذا رافضي خبيث يشتم الخلفاء الرَّاشدين رضوان الله عليهم، قال المزِّي: " قال أبو داود: رافضى ¬

(¬1) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار (ت: 292)، مسند البزار (حديث رقم 64). (¬2) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح) في مواضع، منها كتاب المغازي، باب حديث بني النّضير، (ج7 / ص378)، برقم (4034)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الجهاد والسير، باب قول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ، منها (ج6 / ص320)، برقم (1759)، وغيرهما. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج1 / ص 168 - 171)، سؤال رقم (6).

خبيث، رجل سوء، يشتم أبا بكر وعمر. قال النَّسائى: ضعيف. ... وقال يعقوب بن سفيان: رافضى خبيث، سمعت عبيد الله بن موسى يقول لابنه محمد: أليس قد قلت لك، لا تكتب حديث تَلِيد هذا. وقال صالح بن محمد الحافظ: كان سيىء الخلق، وكان أصحاب الحديث يسمونه: بَلِيدُ بن سليمان، لا يحتج بحديثه، وليس عنده كبير شىء. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حدثنا تَلِيدُ بن سليمان، وهو عندي كان يكذب " (¬1). والحديث في البحر الزَّخار مسند البزار: " حدثنا محمد بن المثنى قال: نا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال: نا حماد يعني ابن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ". وحدثناه إبراهيم بن زياد قال: نا عبد الوهاب بن عطاء قال: نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر، وعمر رحمة الله عليهما نحوه. وهذا الحديث لا نعلم أحداً، رواه فوصله إلا حماد بن سلمة وعبدالوهاب، وغيرهما يرويه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلاً " (¬2). مما سبق يتضح: أنَّ الدارقطني عند ذكره للمرويَّات الضعيفة كشاهد في الترجيح بين المرويَّات المختلفة، كان يتبع في ذلك منهج المتقدمين من المحدثين النقاد في التعليل وهو أوسع وأدق. وأنَّ مذهب المتأخّرين في مفهوم العلة من جهة الإسناد يختلف عن المتقدمين في عدة أمور: أولاً: أنَّ المتأخّرين لا يعتبرون مخالفة الضعيف علة، لاعتبارهم أنَّ العلة أو الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو مخالفة الثقة للثقات، دون اعتبار لروايَّات الضعفاء مما ضيق ¬

(¬1) المزِّي: جمال الدين يوسف بن عبدالرحمن، أبو الحجاج (ت: 742)، تهذيب الكمال، مؤسسة الرسالة الطبعة الرابعة 1406هـ، تحقيق د. بشار عواد معروف (ج4 / ص 322 - 323). (¬2) أحمد بن عمرو أبو بكر البزار: البحر الزَّخار مسند البزار (حديث رقم 18).

واسعاً، وهو قول الحاكم وابن الصلاح والذهبي وغيرهم، بخلاف النقاد المتقدمين فأنهم يعتبرون في الترجيح بكل الرِّوايات الواردة في الحديث بما في ذلك الضعيفة. ثانياً: أنَّ النقاد المتأخّرين يشترطون في العلة أن تكون خفية غامضة، وهو قول ابن الصلاح، والعراقي، والذهبي وغيرهم، بخلاف النقاد المتقدمين فإنهم كانوا يعتبرون بالعلل كلها الغامضة والظاهرة على السواء. نتائج هامة: - أنَّ النّقاد المتقدمين كانوا يعتبرون بخطأ الضعيف في تعليل الرواية، لمعرفة الراجح من الاختلاف بين المرويّات، بخلاف المتأخرين فإنهم لا يعتبرون برواية الضعيف في التعليل. - أنَّ طريقة المتقدمين أدق وأوسع من طريقة المتأخرين في الترجيح بين المرويَّات التي طرأت عليها العلة، سواء وقع فيها: الخلاف، أو الخطأ في الرواية أو التفرد. - أنَّ منهجهم في معرفة الراجح في الخلاف، أو الاضطراب هو جمع جميع المرويَّات التي رويت في هذا الحديث سواء كانت صحيحة أو ضعيفة من جهة السند. - أنَّ الدارقطني مثل غيره من النقاد المتقدمين، كان يعتبر الأسباب الغامضة والظاهرة في بيان العلة التي قد تطرأ على المرويَّات في الحديث. - العلة في مفهومِ المتقدمين من جهة الإسناد أعم مِنْها عِنْدَ المتأخرين، وَهُوَ أقرب إلى معناها اللغوي والاصطلاحي عند المحدثين.

المبحث الثاني: مفهوم العلة من جهة المتن.

المبحث الثاني: مفهوم العلة من جهة المتن. وأما مفهوم العلة من جهة المتن عند المحدثين المتقدمين، وعلى رأسهم الدارقطني فتشمل كل ما يطرأ على متن أو نص الحديث مما يقدح فيه من أسباب الوهم والخطأ والقلب أو إدخال حديث في حديث، أو اضطراب، أو إدراج وغيره، وكل ذلك داخل في العلة. ولا شك أنَّ النُّقاد المتقدمين كان لهم جهد عظيم في نقد المتن بجانب نقد الإسناد، إلا أنَّ نقد الإسناد كان الأكثر، فأشكل ذلك على المستشرقين ومن تبعهم من المستغربين، أنَّ أهل الحديث: " مجرد نَقَدَة أسانيد ولا اهتمام لهم بنقد المتون "، فلعل هذا المبحث يوضح مدى اهتمامهم البالغ بنقد المتون، وبذلهم الجهد الجهيد لتصفية أحاديث رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مما شابها من الموضوع والباطل، ومما يُفَنِّد هذا القول وغيره في حق أهل الحديث. منهج نقاد أهل الحديث في معرفة علة متن الحديث: ومن الجدير بالذكر أن نسلط الضوء على طريقة أهل الحديث في معرفة علة متون الأحاديث، بخلاف طريقة أهل الأهواء في زماننا، والذين يضعفون متون الأحاديث لمجرد ظنهم أنها مخالفة للعقل كما زعموا، ولله در المُتَنَبّي (¬1) حين قال: وَمَن يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ ... يَجِد مُرّاً بِهِ الماءَ الزُلالا وقال أيضاً: وَكَم مِن عائِبٍ قَولاً صَحيحاً ... وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ (¬2) ¬

(¬1) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، أبو الطيب (ت: 354 هـ)، الشاعر الحكيم، وله الأمثال السائرة والحكم البالغة المبتكرة، وفيات الأعيان (ج1/ 120). (¬2) الواحدي: علي بن أحمد بن محمد بن علي، أبو الحسن (ت:468)، شرح ديوان المتنبي، طبعة دار الرائد العربي، بيروت، تحقيق: ياسين الأيوبي (ص113)، وهي من بحر الوافر.

ولا يشك عاقل فضلاً عن مثقفٍ، أنَّ لكل أهل فن أساليبهم وشروطهم الخاصة، لمعرفة ما هو صحيح عندهم أو ضعيف، فمن أراد نقد الأحاديث فعليه بطريقة القوم لا يخرج عنها، ويجب أن يكون ذا تيقظ وفهم، مع الدين والتقوى والإنصاف، وإلا فلا قيمة لما يقول، ولا يُلْتفَت إليه البتة، وقد أتعب نفسه بلا غاية. كما قال فيهم الإمام الذهبي رحمه الله في تذكرة الحفاظ (¬1): فَدَعْ عَنْكَ الكِتَابَةَ لَسْتَ مِنْها ... وَلَوْ سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بِالْمِدَادِ ولقد أوضح النُّقاد المحدّثون من أين لهم بذلك العلم، في القصة الطويلة التي فيها سؤال الرجل للإمام أبي حاتم: " من أين علمت هذا؟، أخبرك الراوي بأنَّه غلط أو كذب؟!، فقال أبو حاتم: "إنا لم نجازف، ولم نقله إلا بفهم" (¬2). وقال أيضاً: "وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا" (¬3). وقال أبو عبدالله الحاكم: "والحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير" (¬4). وقال الخطيب البغدادي: " السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانتهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط " (¬5). وقال ابن الصلاح رحمه الله: " ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم لغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ¬

(¬1) الذهبي: تذكرة الحفاظ، (ج1/ص4). (¬2) السخاوي: فتح المغيث شرح ألفية الحديث، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1403 هـ، (ج1 / ص 235). (¬3) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل، (ج1/ ص350). (¬4) ابن الصلاح: معرفة علوم الحديث، (ص13). (¬5) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص 117).

أمثلة نقد الدارقطني لمتون الأحاديث

ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه" (¬1). قلتُ: ويتضح من النصوص سالفة الذكر مدى اهتمام النُّقاد ببيان الطرق التي أوصلتهم للحكم على الأحاديث بأنها معلولة، ولم يكن مجرد هاجس عقل أو هوى، وقد أفرد النقاد المتقدّمون مصنفات في نقد المتون، منها على سبيل المثال: عَقَدَ الإمامُ مسلم في كتابه التمييز أبواباً لنقد المتون، وإصلاح غلط المحدثين للإمام الخطابي (ت:388هـ) وللخطيب البغدادي (ت:436هـ): الفصل للوصل المدرج في النقل وغيرهم، ويتجلى ذلك بضرب بعض الأمثلة في طريقة القوم ومناهجهم، وكيف كانوا يكتشفون الخطأ أو الوهم في الرواية؟، ويمكن تحديد المحاور التي كان يُدندن حولها النقاد كالآتي: - معرفة مدى التفرد في الرواية، وترجيح الصحيح منها. - معرفة المخالفة في الرواية، وترجيح الثابت منها. - سبر المتابعات والشواهد والقرائن التي تؤيد ترجيح رواية على أخرى. أمثلة نقد الدارقطني لمتون الأحاديث: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ)) (¬2). ¬

(¬1) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص116). (¬2) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الصلاة ركعة، (ج2 / ص68)، برقم (580)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ، (ج3 / ص112)، برقم (607)، كلاهما من طريق مَالِك، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وأخرجه غيرهما من هذا الوجه، وأخرجه على الوجه المعلول النَّسائي في السنن، كتاب الجمعة، باب من أدرك ركعة من صلاة الجمعة (ج3 / ص125) برقم (1424)، من طريق سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أي أنَّه نفس مخرج الحديث، وبهذا ظهر تقدم الشيخين على غيرهما من أهل الحديث.

فقال - الدارقطني - اختلف فيه على الزهري، فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبيد الله بن عمر ومالك بن أنس، واختلف عنه: فقال خالد بن خداش عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ العَصْرِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ)). وفي هذا الحديث وهم في المتن والإسناد، فأما الإسناد فإنمَّا رواه خالد بن خداش، عن حماد بن زيد، عن مالك بموافقة أصحاب الموطأ، وكذلك رواه ابن عيينة، وابن جُرَيج والوليد بن كثير، وشعيب بن أبي حمزة، وسعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بن أبي عبلة، وثابت بن ثوبان، وأيوب بن عتبة. واختلف عن الأوزاعي: فرواه الحفاظ عنه، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَلاَةِ رَكْعَةً))، وقال محمد بن عبدالله بن ميمون الأسكندراني، عن الوليد عنه: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً)) ووهم في هذا القول، وقال أبو المغيرة، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ووهم في ذكر سعيد. واختلف عن يونس، فرواه ابن المبارك (¬1)، وعبدلله بن رجاء، وابن وهب، والليث ابن سعد، وعثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة على الصواب. وخالفهم عمر بن حبيب، فقال عن يونس بهذا الاسناد: ((مَنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ))، فقال ذلك محمد بن ميمون الخياط عنه، ووهم في ذلك والصواب، ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاةِ ...)). ورواه بقية بن الوليد، عن يونس، فوهم في إسناده ومتنه، فقال عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً))، والصحيح قول ابن المبارك ومن تابعه. ¬

(¬1) هو عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي، (ت:181 هـ) أحد الأئمة الأثبات، قال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة فما رأيت لهم فضلا على ابن المبارك إلا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وغزوهم معه، وقال أبو حاتم: عن إسحاق بن محمد بن ابراهيم المروزي نعى ابن المبارك إلى سفيان بن عيينة، فقال:" لقد كان فقيها عالماً عابداً زاهداً شيخاً شجاعاً شاعراً "، قلتُ: أخرج له أصحاب الكتب الستة، وغيرهم، تهذيب التهذيب (ج5 / ص344 - 338).

واختلف عن معمر فرواه ابن المبارك عن جماعة فيهم معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ ...)). وتابعه عبد الرزاق، عن معمر، وخالفهما وهيب بن خالد في الإسناد دون المتن، فقال عن معمر، عن الزهري، واختلف عن يزيد بن الهاد في إسناده. فرواه: حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ ...)). وتابعه الليث، عن ابن الهاد من رواية يونس المؤدب عنه، وقال ابن بكير، عن الليث عن ابن الهاد، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، ورواه قرة بن عبدالرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وزاد فيه: ((قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الإمَامُ صُلْبَهُ)). ورواه ياسين بن معاذ الزيات، واختلف عنه فقيل عن وكيع، عن ياسين، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً))، وقيل عن وكيع أيضاً، عن سعيد أو أبي سلمة بالشك. وكذلك رواه أسيد بن عاصم، عن بكر بن بكار، وقال الزعفراني، عن بكر، عن ياسين، عن الزهري، عن سعيد وحده بلا شك. وكذلك قال يوسف بن أسباط، عن ياسين وقال الأبيض بن الأغر، عن ياسين، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده. ولم يختلف عن ياسين أنه قال من أدرك من الجمعة، وروي عن الزبيدي، وأسامة بن زيد، وصالح بن أبي الأخضر، وعمر بن قيس عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ...)). وخالفهم الحجاج بن أرطاة في الإسناد دون المتن، وعبدالرزاق بن عمر، ويحيى بن أبي أنيسة، وسليمان بن أبي داود، فقالوا عن الزهري، عن سعيد وحده، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ ...)).

وكذلك قال نوح بن أبي مريم، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، إلا إنَّه أتى بلفظ آخر، فقال: ((مَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ جَالِسَاً قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ أَدْرَكَ أَي الصَّلاةَ وَفَضْلَهَا))، ونوح متروك، ورواه عمر بن حبيب، عن الزهري، عن سعيد " الجمعة ". والصحيح قول عبيدالله بن عمر، ويحيى الأنصاري، ومالك ومن تابعهم على الإسناد والمتن، وحدث معمر بهذا الحديث أيضا، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَمِنَ العَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا)) ... " (¬1). قلتُ: والعلة التي في هذا المثال هي: الوهم في السند والمتن معاً، فأما العلة التي في المتن فهي الاضطراب في لفظ الحديث، فقد رواه جماعة بلفظ: " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ "، وآخرون بلفظ " مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً "، وآخرون بلفظ " مَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ جَالِسَاً قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ أَدْرَكَ "، وقد تعذر الجمع بين الألفاظ. وقد رجح الإمام الدارقطني اللفظ الصحيح المحفوظ من طريق ابن المبارك، وعبدالله بن رجاء، وابن وهب، والليث بن سعد، وعثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: " ((مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاَةِ رَكْعَةً ...))، على الألفاظ الأخرى، وذلك لعدة أدلة وقرائن منها: الأول: أنَّ مدار الحديث على الزهري فرواه عبدالله بن المبارك على الوجه المحفوظ، وتابعه جمع من طريق معمر بن راشد عن الزهري، وتابع معمر الإمام مالك بن أنس، وهما من أثبت الناس في الزهري (¬2)، كما أخرج الشيخان الحديث من طريق مالك عن الزهري، ثم إنَّ الذين خالفهم، قد اشتهر عنهم الخطأ والوهم في الرواية. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج9 / ص 213 - 222)، سؤال رقم (1730). (¬2) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص 346).

الثاني: أنَّ عدد من تابع ابن المبارك من طريق معمر، ومالك، عن الزهري، أكثر ممن خَالَفُهم، فظهر بذلك مدى دقة نقد الدارقطني، وهو يشير إلى علة متن الحديث، ويذكر الأدلة والقرائن بالأسانيد على ما ذهب إليه من الترجيح. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كَانَ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ)). فقال - الدارقطني -: يرويه أبو حصين واختلف عنه فرواه: سلام بن سليمان، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وخالفه أبو بكر بن عياش فرواه: عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس وهو الصحيح. وقال أبو حاتم الرازي: عن أبي غسان، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس. ورواه أبو جعفر الرازي: عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ آخر، وهو: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لَمَا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدكَ))، والصحيح حديث أبي الضحى، عن ابن عباس (¬1). قلتُ: والذي أشار إليه الإمام الدارقطني في نقد هذا المتن أنَّ الصحيح ما رواه أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس موقوفاً، بلفظ " (({حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ})) (¬2)، والألفاظ الأخرى مرفوعة، ولكنها معلولة كما هو واضح من النَّص ونرى أن ما ذهب إليه الدارقطني لم يتفرد به، بل ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج10 / ص 98 - 100)، سؤال رقم (1893). (¬2) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب التفسير القرآن باب {الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} الآية (ج8 / ص264)، برقم (4563).

سبقه إليه البخاري حيث لم يخرج إلا الموقوف وترك المرفوع، على الرغم أن أصل كتابه في المرفوع، والله أعلم. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصَاً لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي ثَمَنٍ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه قتادة، واختلف عنه في إسناده ومتنه. فأما الخلاف في إسناده فإنَّ سعيد بن أبي عَرُوبة، وحجاج بن حجاج، وجرير بن حازم وأبان العطار وهماما، وشعبة رووه: عن قتادة عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. وخالفهم الحجاج بن أرطاة، رواه عن قتادة، عن موسى بن أنس مكان النضر بن أنس ووهم، وأما هشام الدستوائي فرواه: عن قتادة، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، ولم يذكر بينهما أحدا، وأما الخلاف في متنه: فإنَّ سعيد بن أبي عروبة وحجاج بن حجاج وأبان العطار، وجرير بن حازم، وحجاج بن أرطاة اتفقوا في متنه، وجعلوا الاستسعاء مدرجاً في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وأما شعبة وهشام فلم يذكرا فيه الاستسعاء بوجه. وأما همام فتابع شعبة وهشاما على متنه، وجعل الاستسعاء من قول قتادة، وفصل بين كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ويشبه أن يكون همام قد حفظه قال ذلك أبو عبدالرحمن المقرئ، وهو من الثقات عن همام. ورواه محمد بن كثير وعمرو بن عاصم عن همام فتابعه شعبة على إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه الاستسعاء بوجه. " (¬2). ¬

(¬1) أخرجه على الوجه الصحيح: مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم (مع شرح النووي)، كتاب الأيمان باب من أعتق شركاً له في عبد حديث رقم (1504) (ج6/ ص 153). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: كتاب العلل (ج10/ ص313 - 317)، سؤال رقم (2031).

نتائج هامة

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أن لفظة " الاستسعاء " مدرجةٌ في الحديث، وليست من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فصلت الكلام فيها وبينت العلة في الحديث والراجح في الخلاف، وذلك في المبحث السادس من الباب الأول (ص82) من الدراسة فارجع إليها إن شئت. نتائج هامة: - أنَّ كُتُبَ النُّقاد المتقدمين قد احتوت على الكثير من أمثلة نقد المتون، لا كما ادعى المستشرقون، وإنمَّا أتي ذلك من قبل جهلهم بمصنفات أهل الحديث. - أنَّ كثيراً من المسائل العلمية الخاصة بعلل المتون في مصنفات أهل الحديث لم تدرس دراسة علمية دقيقة تحقق الراجح فيها والمرجوح. - أنَّ نسبة ما تكلم فيه الدارقطني من نقد المتون في كتابه العلل لا يقل بحال عن (عشرة في المائة) من مجموع الكتاب. - ولقد ظهرت لي بعض المسائل العلمية أثناء بحثي، ولم تكن من أصل دراستي، وأحببت أن أذكرها لعل غيري يقوم بها: 1 - دراسة وسبر جميع الأحاديث التي تكلم فيها المتقدمون من أهل الحديث في مصنفات العلل فيما يخص نقد المتون وبيان الراجح والمرجوح منها. 2 - دراسة وتخريج الأحاديث المعلولة في الكتب الستة والتي تكلم فيها أئمة العلل والراجح فيها. 3 - دراسة علاقة إعلال الأئمة متون الحديث بعلل الأسانيد من نفس مخرج الحديث. 4 - جمع وسبر أجناس العلل في المتون من مصنفات أهل الحديث في العلل. 5 - تحقيق الراجح من الزيادات في المتون التي وردت في أحاديث الكتب الستة.

الفصل الثاني أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: أجناس العلل التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني. المبحث الثاني: أجناس العلل التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الإمام الدارقطني. المبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون. المبحث الرابع: أجناس العلل الظاهرة.

الفصل الثاني أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون

الفصل الثاني أجناس العلل الخفية والظاهرة في الإسناد والمتون سنتعرض في هذا الفصل لمختلف أجناس العلل الخفية في الإسناد، والتي لا يمكن أن يتعرف عليها الباحث إلا بعد معرفةٍ ثاقبة في علم الرجال، ومقارنة الأسانيد، وتحديد مَدَى اعتبار المخالفة أو التفرد، وجهد جهيد في جمع وسبر الأدلة والبراهين التي ترجح رواية على أخرى، وسوف نسوق أجناس العلل التي ذكرها الإمام أبو عبدالله الحاكم في مصنفه " معرفة علوم الحديث "، ثم أُمثِّل لكل جنس من كتاب العلل للدارقطني، وبعد ذلك نقوم بدراسة وسبر أقوال الإمام الدارقطني في العلل لمعرفة الأنواع التي لم يذكرها الحاكم وهي في كتاب العلل. المبحث الأول: أجناس العلل التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني: في هذا المبحث سوف يتم دراسة أجناس العلل المختلفة التي كان نُقَّاد الحديث يشيرون إليها في أحكامهم على الأحاديث المعلَّلة، ولقد جمع الإمام أبو عبدالله الحاكم من مصنفات أهل الحديث في العلل والسؤالات وغيرها عشرة أجناس للعلل المذكورة في مصنفات أهل العلم على سبيل المثال وليس الحصر. وقد قام جمع من العلماء بعده بذكر هذه العشرة أجناس في مصنفاتهم في علم المصطلح فلم يزيدوا عما ذكره الحاكم من أجناس العلل، فأوهم صنيعهم هذا أنها على سبيل الحصر فمنهم البلقيني في محاسن الاصطلاح (¬1)، والسيوطي في تدريب الراوي (¬2)، والعلامة أحمد شاكر في الباعث الحثيث (¬3)، وأصلُ كلام الحاكم يدل على أنَّ هذه الأجناس، هي مجرد أمثلة ¬

(¬1) البلقيني: سراج الدين عمر بن رُسلان، محاسن الاصطلاح (مع المقدمة)، (ص 198 - 201). (¬2) السيوطي: تدريب الراوي، (ج1 / ص 139 - 140). (¬3) أحمد شاكر: الباعث الحثيث، (ص 95 - 100).

الأجناس التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني في كتاب العلل

لأنواع العلل عند النُّقاد المحدثين، حيث قال: " وبقيت أجناس لم نذكرها وإنَّما جعلناها مثالاً لأحاديث معلولة ليهتدي إليها المتبحر في هذا العلم " (¬1). الأجناس التي ذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني في كتاب العلل الجنس الأول: أن يَكُون السَّند ظاهر الصِّحة , وفيه من لا يُعرف بالسَّماع ممَّن روى عنه، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث روي عن مكحول، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّة ...)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه سليمان التيمي واختلف عنه فرواه: معاذ بن معاذ، عن سليمان التيمي، عن مكحول، عن أبي هريرة. وقيل عنه، عن سليمان التيمي، عن رجل، عن أبي هريرة، ومكحول (¬3) لم يسمع من أبي هريرة " (¬4). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من أنَّ السند ظاهره الصحة هي: عدم سماع مكحول من أبي هريرة - رضي الله عنه -، وحجة الإمام الدارقطني في ذلك أنَّ مكحول وهو الشامي لم يثبت سماعه من أبي هريرة رضي الله عنه على الصحيح الراجح، وقد صرح بذلك الأئمة النقاد ومنهم الترمذي، حيث قال: " ومكحول قد سمع من واثلة بن الأسقع وأنس بن مالك وأبي هند الداري، ويقال إنه لم يسمع من أحد من أصحاب النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إلا من هؤلاء الثلاثة. ومكحول شامي يكنى أبا عبدالله وكان عبداً فأُعتق ". (¬5)، ولقد أعلَّ النُّقاد المحدثون هذا ¬

(¬1) أبو عبدالله الحاكم النيسابوري: معرفة علوم الحديث، (ص 113 - 119). (¬2) أخرجه أبو داود: في السنن، كتاب السنة، باب في القدر، (ج2/ص 634)، بإسناد ضعيف. (¬3) وهو مكحول الشامي أبو عبد الله، ويقال أبو أيوب، ويقال أبو مسلم (ت:100وبضع عشرة هـ)، ثقة فقيه، كثير الإرسال، أخرج له الستة إلا البخاري، تهذيب التهذيب (ج10/ص 258). (¬4) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج8/ص289)، سؤال رقم (1576). (¬5) الترمذي: في السنن (ج4/ص662)، بعد حديث رقم (2506).

الحديث بنفس العلة. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث طاووس، عن معاذ - رضي الله عنه -: ((أنَّه أُتِيَ وَهُو بِالْيَمَنِ بِأَوْقَاصِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَقَالَ: لَمْ يَامُرْنِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِمَا بِشَيْءٍ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه عمرو بن دينار وإبراهيم بن ميسرة. فرواه: ابن عيينة والحسن بن أبي جعفر، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن معاذ. وكذلك رواه ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة. واختلف عن الثوري فرواه: ابن وهب، عن الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن معاذ بن جبل. ورواه وكيع، عن الثوري، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس أنَّ معاذاً لَمَّا أَتَى اليمن قال: لم أُومَرْ فيها بشئ فأرسله، ومن قال عن معاذ فهو أيضا مرسل؛ لأنَّ طاووساً لم يسمع من معاذ " (¬2). قلتُ: ووجه العلة في الحديث التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من صحة السند في الظاهر هي: عدم سماع طاووس (¬3) من معاذ. وحجة الدارقطني في ذلك التاريخ، فبين معاذ وطاووس مفاوز تنقطع بها أعناق الإبل، حيث إنَّ طاووس بن كيسان مات رحمه الله سنة ست ومائة هجرية (106هـ) (¬4)، ومات معاذ بن جبل رضي الله عنه على الراجح سنة ثمان عشر من الهجرة (18هـ) (¬5)، وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة، فظهر أن طاووس لم يدرك معاذ بن ¬

(¬1) أخرجه على الوجه المعلول: الإمام أحمد في المسند، (ج5 / ص230)، برقم (22063)، من طريق حماد بن زيد، ثنا عمرو بن دينار، عن طاووس، عن معاذ بن جبل، بلفظ: " قال لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوقاص البقر شيئا "، والأوقاص هي ما دون الثلاثين منها. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج6 / ص66)، سؤال رقم (984). (¬3) هو طاووس بن كيسان الفارسي، الفقيه، القدوة، عالم اليمن، أبو عبد الرحمن الفارسي، ثم اليمني، الجندي، الحافظ، كان من أبناء الفُرس الذين جهزهم كسرى لأخذ اليمن له، فقيل: هو مولى بحير بن ريسان الحميري، وقيل: بل ولاؤه لهمدان (ت: 105 أو 106هـ) بمكة المكرمة رحمه الله، أنظر الذهبي: سير أعلام النبلاء، (ج9 / ص38). (¬4) الذهبي: سير أعلام النبلاء (ج9/ص45 - 46)، ترجمة رقم (13). (¬5) المصدر السابق: (ج1 / ص409)، ترجمة رقم (86).

جبل، أنظر لدقة الحكم، وسعة العلم. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه -: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا)) الحديث (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالله بن سعيد بن أبي هند واختلف عن نافع فرواه: أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى. ورواه سويد بن عبدالعزيز، عن عبيدالله، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي موسى ووهم فيه في موضعين: في قوله سعيد المقبري، وإنَّما هو سعيد بن أبي هند، وفي تركه نافعاً في الإسناد. ورواه عبدالله بن عمر العُمري، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند عن رجل، عن أبي موسى وهو أشبه بالصواب؛ لأنَّ سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئاً، وقال أسامة ابن زيد، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي مرة مولى عقيل، عن أبي موسى في حديث النَّهي عن اللعب بالنرد، وهو الصحيح. وهذا يقوي قول العُمري، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن رجل والله أعلم " (¬2). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني على الرغم من صحة السند في الظاهر هي: عدم سماع سعيد بن أبي هند (¬3) من أبي موسى، وحجة الإمام الدارقطني التاريخ ¬

(¬1) أخرجه على الوجه الصحيح: الإمام أحمد في المسند، (ج4 / ص392)، برقم (19521)، من طريق سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وبهذا يكون الإسناد ضعيف للجهالة، ولكن الحديث ثابت من أوجه أخري وله شواهد، وأخرجه النَّسائي على الوجه المعلول في السنن، كتاب الزينة، باب تحريم الذهب على الرجال، (ج8 / ص540)، برقم (5163)، من طريق نَافِعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج7 / ص241 - 242)، سؤال رقم (1320). (¬3) هو سعيد بن أبى هند الفزاري مولاهم، مولى سمرة بن جندب (ت:116 هـ)، (وهو والد عبدالله بن سعيد بن أبى هند)، ثقة مشهور بالعلم، أخرج له الستة، وروى البخاري عن رجل عنه وهي من عوالي البخاري، أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي (ج9/ ص7)، ترجمة رقم (6).

حيث أنَّ سعيد بن أبي هند مات رحمه الله سنة ستة عشر ومائة (116هـ)، أو ما بعدها، وأبو موسى الأشعري وهو عبدالله بن قيس مات رضي الله عنه على الراجح من الأقوال سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ عَلَى الصَّحِيْح (¬1)، فكيف سمع سعيد بن أبي هندٍ منه وبينهما هذه المفاوز؟، فظهر أنَّ الأئمة لم يكن قولهم مجرد قول، بل كان معهم براهين ساطعة. الجنس الثاني: أن يَكُونَ الحديث مُرْسلاً من وجه , رواه الثِّقات الحُفَّاظ , ويُسْند من وجهٍ ظاهره الصِّحة. وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي هريرة عن عمر - رضي الله عنهم -، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((أنَّهُ سَأَلَهُ أَنَعْمَلُ فِي شِئٍ نَاتَنِفُهُ أَمْ فِي شَئٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، قَالَ بَلْ فِي شَئٍ فُرِغَ مِنْهُ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه أبو ضمرة بن عياض، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن عمر، وخالفه يحيى القطان رواه عن الأوزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنَّ عمر، لم يذكر أبا هريرة. وكذلك يونس بن يزيد، عن الزهري، ورواه الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر. وخالفهم صالح بن أبي الأخضر، رواه عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر. ورواه عقيل، عن الزهري مرسلاً عن عمر. والمرسل أصح " (¬3). ¬

(¬1) الذهبي: سير أعلام النبلاء، (ج3 /ص350). (¬2) أخرجه: الإمام أحمد في المسند، (ج2 / ص52)، برقم (5140) (ج2 / ص77)، برقم (5481)، الترمذي في السنن، كتاب القدر، باب ما جاء في الشقاء والسعادة، (ج4 / ص445) كلاهما من طريق عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِاللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ به، ولكن إسناده ضعيف لضعف عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ، تهذيب التهذيب (ج5 / ص42). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2 / ص91)، سؤال رقم (134).

قلتُ: وهذا النوع من أنواع العلة يعتمد على مخالفة الثقة الذي أسند الحديث (أي رفعه) جمع من الثقات، أو من هو أوثق منه، وفي هذا المثال نجد أنَّ الدارقطني قد أعل الحديث؛ لأنَّ أبو ضمرة بن عياض وهو من الثقات (¬1)، رواه فأسند الحديث فقال: " عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة "، فأخطأ، وذلك لمخالفته الثقات الذين رووه مرسلاً، منهم يحيى بن سعيد القطان وهو من الحفاظ الأثبات (¬2)، وكذلك خالف يونس بن يزيد وهو الأيلي (¬3)، عن الزهري، وهو من أثبت الناس في الزهري، فأصبح المرسل أصح من المرفوع، وبهذا صار الحديث معلولاً بالإرسال. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عمر بن علي ابن أبي طالب عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الشَّاهِدُ يَرَى مَا لاً يَرَى الْغَائِبُ)) (¬4). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه الثوري، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، فأرسله يحيى القطان، عن الثوري، عن محمد بن عمر، عن جده علي. وأسنده أبو نعيم، عن الثوري، فقال عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه عن علي. واختلف عن أبي نعيم، والمرسل أصح " (¬5). ¬

(¬1) وهو الإمام، المحدث، الصدوق المعمر، بقية المشايخ، أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي، المدني (ت: 200هـ)، أخرج له الستة، أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي، (ج17/ ص87). (¬2) وهو الإمام الكبير، أمير المؤمنين في الحديث، أبو سعيد التميمي مولاهم، البصري، الأحول، القطان، الحافظ (ت: 198هـ)، وهو من كبار نُقاد الحديث وكان لا يحدث إلا عن ثقة، أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي، (ج17 / ص185). (¬3) وهو الإمام، الثقة، المحدث، أبو يزيد الأيلي، مولى معاوية بن أبي سفيان الأموي، وهو أخو أبي علي، وعم عنبسة بن خالد (ت:159هـ)، سير أعلام النبلاء للذهبي (ج11/ص 126). (¬4) أخرجه على الوجه الصحيح المرسل: الإمام أحمد في المسند، (ج1 / ص83)، برقم (628)، من طريق حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثنا محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن علي رضي الله عنه. (¬5) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج4 / ص58)، سؤال رقم (429).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي كالمثال السابق علة الإرسال، حيث أنَّ الحديث أسنده أبو نعيم وهو الفضل بن دكين (¬1) - وهو من الثقات الأثبات - عن الثوري فأخطأ، فرجح الدارقطني المرسل على المسند، وحجته في ذلك أنَّ محمد بن عمر وهو ابن علي بن أبي طالب لم يدرك جده (¬2)، وقد عُلم ذلك بالتصريح وبالتاريخ (¬3) ويضاف إلى ذلك مخالفة أبو نعيم ليحي بن سعيد القطان فرواه مرسلاً كذلك، وهو أثبت الناس في سفيان (¬4)، فأصبح الحديثُ مُعَلاًّ بالإرسالِ. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أُتِيَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بسارق قد سرق شملة فقالوا: يا رسُول الله إن هذا سرق، فقال: " اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ ثُمَّ اتوُنِي بِهِ " فَقَالَ لَهُ: " تُبْ إِلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ "، قَالَ: تُبْتُ، قَالَ: " تَابَ اللهُ عَلَيْكَ ")) (¬5). ¬

(¬1) وهو أبو نعيم الفضل بن دكين التيمي الطلحي الحافظ الكبير، شيخ الإسلام، الفضل بن عمرو ابن حماد بن زهير بن درهم، التيمي، الطلحي، القرشي مولاهم، الكوفي (ت:219هـ)،من الثقات الأثبات وأخرج له الستة، وحدث عنه: البخاري كثيرا، وهو من كبار مشيخته، ويعد ممن أوصل البخاري لأتباع التابعين، بالسند العالي الثلاثي، سير أعلام النبلاء للذهبي (ج19/ ص122). (¬2) وهو محمد بن عمر بن على بن أبى طالب القرشي الهاشمى، أبو عبد الله المدني (وأمه أم عبدالله أسماء بنت عقيل بن أبى طالب) (ت: 130هـ)، هو ثقة روى له أصحاب السنن، تهذيب التهذيب (ج9 / ص321). (¬3) المصدر السابق (ج9 / ص 322). (¬4) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص381). (¬5) أخرجه الحاكم في المستدرك على الوجه المعلول موصولاً (ج4 / ص422)، برقم (8150)، من طريق عبدالعزيز بن محمد، أخبرني يزيد بن خصيفة، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة رضي الله عنه به، وقال صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، قلتُ: لم يخرج مسلم رحمه الله بهذه الترجمة شيء في صحيحه، بل قد أخرج لعبدالعزيز ابن محمد وهو الدراوردي، عن غير يزيد بن خصيفة في الصحيح، فلم يكن على النسق، فانتفى أن يكون على شرط مسلم، ويضاف إلى ذلك إعلال أهل العلم له بالإرسال.

فقال - الدارقطني -: يرويه يزيد بن خصيفة، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة، واختلف عن الدراوردي فرواه: عبدالله بن عبدالوهاب الحجبي ويعقوب الدورقي، عن الدراوردي متصلاً، وخالفهما سريج بن يونس وسعيد بن منصور، فروياه عن الدراوردي مرسلاً، لم يذكرا فيه أبا هريرة. وكذلك رواه ابن عيينة والثوري، وابن جريج وإسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة مرسلاً، ورواه سيف بن محمد، عن الثوري متصلاً، والمرسل أصح (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي كالمثال السابق علة الإرسال، فهذا على الرغم من أنَّ الإسناد ظاهره الصحة، إلا أنَّ الدارقطني رجح أنَّه معلول بالإرسال، وحجته في ذلك أنَّ الذين رووه مرسلاً أوثق ممن رواه متصلاً. الجنس الثالث: أن يَكُون الحديث محفُوظاً عن صحابي , ويروى عن غيره , لاختلاف بلاد رُواته , كرواية المَدنيين عن الكُوفيين. وأصل سبب هذه العلة الخطأ في رواية قومٍ ضُعِّفُوا في رواية قومٍ ليسوا من أهل بلادهم أو لقرائن أو أسباب تقتضي ضعف رواياتهم، مثل رواية إسماعيل بن عياش (¬2)، وهو شامي، فإذا روى عن المدنيين أخطأ، وروايته عن أهل بلده صحيحة، وذلك لأسباب وقرائن ذكرها النُّقاد، وقد يكون العكس مثل رواية أهل البصرة عن معمر بن راشد (¬3) وهو بصري الأصل ضعيفة، فإنَّهُ كان يخطأ بالبصرة، ولكن رواية أهل اليمن عنه صحيحة، وعلى هذا قد يروون ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج10 / ص65 - 66)، سؤال رقم (1871). (¬2) إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة الحمصي (ت: 181هـ)، أخرج له البخاري والأربعة، ثقة في الشاميين، ضعيف فيما عداهم، تهذيب التهذيب (ج1 / ص280 - 284). (¬3) وهو معمر بن راشد الأزدي الحداني مولاهم، أبو عروة بن أبي عمرو البصري، سكن اليمن شهد جنازة الحسن البصري (ت:154هـ)، وأخرج له الستة، ثقة ثبت فاضل، إلا أنَّ في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئاً، وكذا فيما حدث به بالبصرة، تهذيب التهذيب (ج10 / ص218 - 220).

حديثاً محفوظاً عن صحابي، فينسبونه لغيره، وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث نافع، عن بن عمر، عن عمر - رضي الله عنهم - أنَّهُ: ((خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرَأَى حُلَّةٌ سِيَرَاءَ تُبَاعُ ...)) (¬1). فقال - الدارقطني -: رواه القاسم بن يحيى المقدمي، وعلى بن مسهر، وابن نمير وسعيد بن بشير، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وغيرهم يرويه عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ عُمر خرج إلى السوق، فيصير من مسند ابن عمر، وكذلك رواه مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وأصحاب نافع، عن ابن عمر أنَّ عُمر. وكذلك رواه سالم، وعبدالله بن دينار، عن ابن عمر أنَّ عُمر. وهو الصواب. وروى عن ابن سيرين واختلف عنه، فرواه هشام بن حسان وأيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر أنَّ عمر، واختلف عن أيوب فأرسله حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد أنَّ عُمر، لم يذكر ابن عمر. ورواه أبو جميع سالم بن راشد (¬2)، عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنَّ عمر ووهم في ذكر أبي هريرة، وحديث هشام وأيوب أصح" (¬3) ¬

(¬1) أخرجه على الوجه الصحيح البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب اللباس، باب الحرير للنِّساء (ج10 / ص336)، برقم (5841)، من طريق موسى بن إسماعيل قال: حدثني جويرية عن نافع عن عبدالله: أنَّ عُمر رضي الله عنهم به، وغيره، وحلةٌ سِيَرَاء: نوع من البرود يخالطه حرير كالسُّيُور، قاله قال ابن منظور في اللسانِ نقلاً عن ابن الأثير "، (ج4/ص389). (¬2) وهو سالم بن دينار، ويقال: ابن راشد، التميمي، ويقال الهجيمي، أبو جميع القزاز البصري مولى الحارث بن سليم، (ت:؟) من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين، وثقه ابن معين، ولينه أبو زرعة، وخلاصة القول فيه مقبول، كما في تهذيب التهذيب (ج3 / ص 376). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2 / ص11 - 12)، سؤال رقم (85).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي: أنَّ الحديث محفوظ عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ثم أتى أبو جميع سالم بن راشد فرواه عن أبي هريرة وليس هو من مسند أبي هريرة، فكانت هذه الرواية معلولة، وقد رجَّح الدارقطني رواية هشام، وأيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عمر أنَّ عُمر به. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أنس بن مالك عن أبي طلحة - رضي الله عنه -: ((أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرَاً فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْعَلُهَا خَلاَّ؟ قَالَ: لاَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه الثوري وإسرائيل، عن السُّدي، عن أبي هُبَيرة، عن أنس، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وخالفهما قيس فرواه عن السُّدي، عن أبي هبيرة عن أنس، عن أبي طلحة جعله من مسند أبي طلحة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك رواه ليث بن أبي سليم، عن أبي هبيرة يحيى بن عباد، عن أنس عن أبي طلحة والصحيح قول الثوري وإسرائيل (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي أنَّ الحديث محفوظ عن أنس بن مالك رضى الله عنه، وخالفهما قيس وهو ابن ربيع (¬3): فرواه عن السُّدي، عن أبي هبيرة عن أنس، عن أبي طلحة جعله من مسند أبي طلحة، فأخطأ، ولذا رجَّح الدارقطني من رواه من مسند أنس وهو الصحيح. ¬

(¬1) أخرجه على الوجه الصحيح أبو داود: في السنن، كتاب الأشربة، باب ما جاب في الخمر تُخَلَّل، (ج2 / ص351)، برقم (3675). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج6 / ص12 - 13)، سؤال رقم (946). (¬3) قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي من ولد قيس بن الحارث ويقال الحارث بن قيس الأسدي من الطبقة السابعة، من كبار أتباع التابعين (ت: 165 أو166هـ)، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه، خلاصة القول فيه: أنه صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، تهذيب التهذيب (ج8 / ص350 - 353).

الجنس الرَّابع: أن يَكُون محفُوظًا عن صحابي , فيُروى عن تابعي , يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبتهُ. وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة قليلاً من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث جابر بن عبدالله عن أبي قتادة - رضي الله عنهم -: ((أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَبُولُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: كذلك رواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة وليس بمحفوظ. والحديث مشهور عن جابر بن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد عن جابر - رضي الله عنهم -: ((نَهَى رسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلَهَا)) " (¬2). قلتُ: وواضحٌ من كلام الدارقطني أن الحديث لم يثبت عن أبي قتادة، وإنِّما هو محفوظ من حديث جابر بن عبدالله، وأعله الترمذي كذلك بنفس العلة كما ذكرنا. المثال الثاني:: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث طويل فيه فضل من اقتصر على أداء الفرائض دون النوافل. فقال - الدارقطني -: هو حديث اختلف فيه على الزهري، فرواه إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن أبي الطفيل. وخالفه إبراهيم بن زياد القرشي من أهل الجزيرة، فرواه: عن الزهري، عن أنس بن مالك. وخالفهما معمر وغيره، فرووه: عن الزهري مرسلاً وهو ¬

(¬1) أخرجه على الوجه المعلول الترمذي: في السنن، كتاب الطهارة، باب ما جاء من الرخصة في ذلك، (ج1 / ص15)، برقم (10). فقال الترمذي: " وقد روى هذا الحديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة، أنه رأى النبي صلى اللهم عليه وسلم يبول مستقبل القبلة حدثنا بذلك قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، وحديث جابر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أصح من حديث ابن لهيعة وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه ". (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج6 / ص166)، سؤال رقم (1047).

المحفوظ. قال - الدارقطني -: أبي الطفيل (¬1) رأي النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وصحبه، فأما السَّماع فالله أعلم " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي عدم ثبوت سماع أبو الطفيل عامر بن واثلة هذا الحديث من النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رغم أنه رآه، والحجة في ذلك أنَّ أبا الطفيل ليس له تحديث عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ من غير واسطة إلا أحاديث تعد، وبعد سبر أحاديثه في دواوين السنة المشهورة، لم أجد منها إلا ستة أحاديث صحيحة ولا تزيد على ذلك، والله أعلم. وأما الحديث الذي ذكره الإمام الدارقطني فقد أخرجه الإمام أحمد في المسند فقال: "حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ مُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ: ((أَنَّ رَجُلاً مَرَّ عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَلَمَّا جَاوَزَهُمْ، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْغِضُ هَذَا فِي اللَّهِ، فَقَالَ: أَهْلُ الْمَجْلِسِ بِئْسَ وَاللَّهِ مَا قُلْتَ أَمَا وَاللَّهِ لَنُنَبِّئَنَّهُ، قُمْ يَا فُلانُ رَجُلاً مِنْهُمْ فَأَخْبِرْهُ، قَالَ: فَأَدْرَكَهُ رَسُولُهُمْ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ فُلانٌ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا السَّلاَمَ فَلَمَّا جَاوَزْتُهُمْ، أَدْرَكَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فُلانًا قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْغِضُ هَذَا الرَّجُلَ فِي اللَّهِ فَادْعُهُ فَسَلْهُ عَلَى مَا يُبْغِضُنِي، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ فَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ وَقَالَ: قَدْ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِمَ تُبْغِضُهُ؟، قَالَ: أَنَا جَارُهُ وَأَنَا بِهِ خَابِرٌ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ يُصَلِّي صَلاَةً قَطُّ إِلاَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ الَّتِي يُصَلِّيهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، قَالَ: الرَّجُلُ سَلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَآنِي قَطُّ أَخَّرْتُهَا عَنْ وَقْتِهَا؟، أَوْ أَسَاتُ الْوُضُوءَ لَهَا؟، أَوْ أَسَاتُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فِيهَا؟، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لاَ ...)) " الحديث بطوله (¬3). ¬

(¬1) هو عَامِرُ بنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ الكِنَانِيُّ خَاتَمُ مَنْ رَأَى رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا، أخرج له الستة، (ت: 110هـ)، رأى النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وهو في حجة الوداع وهو يستلم الركن بمحجنه، ثم يقبل المحجن، روي عن أبي الطفيل، قال: أدركت من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين، سير أعلاء النبلاء (ج5 / ص 466 - 467). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج7 / ص41 - 42)، سؤال رقم (1197). (¬3) الإمام أحمد: المسند، (ج5 / ص506)، برقم (23854).

وقد أشار الدارقطني أنَّه معلول بعلة عدم سماع أبي الطفيل من النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الحديث، ولم يتفرد الدارقطني بهذا الحكم، بل سبقه إليه عبدالله بن الإمام أحمد فقال: " بلغني أنَّ إبراهيم بن سعد حدث بهذا الحديث من حفظه وقال: عن أبي الطفيل حدث به ابنه يعقوب عن أبيه، فلم يذكر أبا الطفيل فأحسبه وهم، والصحيح رواية يعقوب، والله أعلم " (¬1). الجنس الخامس: أن يكُون رُوِي بالعنعنة , وسقط منه رجل دلَّ عليه طريق أخرى محفوظة. وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث ابن عباس عن عمر - رضي الله عنهم -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ((فِي التَّغْليِظِ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه عمرو بن دينار واختلف عنه، فرواه محمد بن مسلم الطائفي وورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن عمر قصراً بإسنادهِ؛ لأنَّ عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس، وإِنَّما سمعه من ابن أبي مليكة عنه، كذلك رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن عمر، وكذلك رواه أيوب السختياني، وعبد الملك بن جريج، ونافع بن عمر أبو عامر الخزاز، ورباح بن أبي معروف، وعبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس، عن عمر، وهو حديث صحيح من رواية عمرو بن دينار، وأيوب وابن جريج، ونافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة. ¬

(¬1) المصدر السابق، (ج5 / ص506). (¬2) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجنائز، باب قول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يُعذب الميت ببعض بكاء أهله، (ج3 / ص182)، برقم (1286)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، (ج3/ ص501)، برقم (928) كلاهما من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنهم.

حدثنا أبو بكر يعقوب بن إبراهيم البزاز حدثنا الحسن بن عرفة، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبدالله بن أبي مليكة، قال: كنَّا في جنازة أم أبان بنت عثمان فبكى النساء، فقال: ابن عمر لا تبكين فإنَّ بكاء الحي على الميت عذاب للميت فقال: ابن عباس سرنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فلمَّا كنَّا بالبيداء إذا نحن نزول، فقال: عمر أذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال جئت فإذا صهيب مولى ابن جدعان، فقال: مُرْهُ فليلحق بنا، فلمَّا قدمنا المدينة طُعِنَ عمر، فقال: صهيب وأخاه واصاحباه! فقال: عمر مه يا صهيب! إنَّ بكاء الحي على الميت عذاب عليه، فأتيت عائشة فذكرت ذلك لها، فَقَالتْ: رحم الله عمر إنَّما قالَ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ الْكَافِرَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ لَقَدْ قَضَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أن لاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) " (¬1) قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الدارقطني واضحة في عدم ثبوت سماع عمرو بن دينار هذا الحديث من ابن عباس، بل ثبت العكس من وجه صحيح، أنَّه سمعه بواسطة ابن أبي مليكة، فصار معلولاً بهذا الجنس الذي ذكره أبو عبدالله الحاكم، وحجة الدارقطني في ذلك، الرواية التي أوردها عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة به. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن يعقوب، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ لِبُيُوتِكُمْ عُمَّارًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلاَثًا فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَاقْتُلُوهُنَّ)) (¬2). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج2/ص77 - 78)، رقم السؤال (122). (¬2) أخرجه على الوجه المعلول الترمذي: في السنن، كتاب الصيد، باب ما جاء في قتل الحيَّات، (ج4 / ص77)، برقم (1484). ثم قال الإمام الترمذي: " هكذا روى عبيد الله بن عمر هذا الحديث عن صيفي، عن أبي سعيد الخدري وروى مالك بن أنس هذا، عن صيفي، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث قصة، حدثنا بذلك الأنصاري، حدثنا معن، حدثنا مالك وهذا أصح عن حديث عبيد الله بن عمر. وروى محمد ابن عجلان، عن صيفي نحو رواية مالك "، فأيد بذلك حكم الدارقطني على الحديث.

فقال - الدارقطني -: حدث به عبيد الله بن عمر، واختلف عنه، فرواه: عبدة بن سليمان، عن عبيدالله بن عمر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، حدث به الحسن بن سهل الحناط، عن عبدة هكذا. وخالفه عبدالله بن نمير، فرواه: عن عبيدالله بن عمر، عن صيفي (¬1)، عن أبي سعيد الخدري، وصيفي لم يسمعه من أبي سعيد. ورواه ابن عيينة عن ابن عجلان فقال: عن صيفي مولى أبي السائب، عن أبي سعيد، وهو وهم، والصواب ما رواه يحيى بن سعيد القطان، والليث بن سعد، عن ابن عجلان عن صيفي، عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وكذلك رواه مالك بن أنس، عن صيفي عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وهو الصواب " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هو الوهم والخطأ الذي وقع فيه عبيدالله بن عمر والحمل فيه عليه كما نبه غير واحد، أنَّه قال: " عن صيفي، عن أبي سعيد "، والصحيح أنَّه رواه بواسطة أبي السائب، عن أبي سعيد، وحجة الدارقطني الرواية التي أوردها عن مالك بن أنس، عن صيفي، عن أبي السائب، عن أبي سعيد، وهي أصح من رواية عبيدالله بن عمر. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث كميل بن زياد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: ((كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ حَثَا بِكَفِّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ ...))، فذكر الحديث، وفيه ¬

(¬1) وهو صيفى بن زياد الأنصارى مولاهم، أبو زياد، ويقال أبو سعيد المدنى (ت:؟)، ثقة من الطبقة الرابعة، التي تلى الوسطى من التابعين، أخرج له (مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي) كما في تهذيب التهذيب (ج4 / ص387). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج11/ ص277 - 279)، رقم السؤال (2283).

أَتَدْرِي مَا حَقُ اللهِ عَلَى العَبْدِ ... "الحديث (¬1) فقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق السبيعي واختلف عنه فرواه إسرائيل، وأبو الأحوص، وعمار بن رزيق، وأبو بكر بن عياش، وأبو أيوب الأفريقي، عن أبي إسحاق، عن كميل، عن أبي هريرة والأول أصح. وروى هذا الحديث عبدالرحمن بن عابس سمعه من كميل بن زياد (¬2)، عن أبي هريرة ويشبه أن يكون أبو إسحاق لم يسمعه من كميل، وإنَّما أخذه عن عبدالرحمن بن عابس عنه " (¬3). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني وهي عدم ثبوت سماع أبي إسحاق وهو السبيعي هذا الحديث من كميل بن زياد مباشرةً، بل أخذه عن عبدالرحمن بن عابس عنه وحجة الدارقطني أنَّ الحديث ثبت من طريق أخرى محفوظة عن عبدالرحمن بن عابس عن كميل بن زياد، وبهذا أعلَّ الحديث. وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة عدة أحاديث أخرى، فمن أراد الرجوع إليها فليرجع من باب الفائدة (¬4). الجنس السَّادس: أن يختلف على رجل بالإسْنَاد وغيره , ويكُون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد. كذا قال أبو عبدالله الحاكم، وهذا كلامٌ غامضٌ إلا أنَّ المثال الذي ضربه أوضح ما قصده في هذه العلة: أنَّ الحديث قد يُروى مرةً بإسنادٍ يُوهِم الاتصال، والصحيح المحفوظ أنَّهُ ¬

(¬1) أخرجه على الوجه المعلول الإمام أحمد: في المسند، (ج2 / ص435)، برقم (8071)، من طريق أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به. (¬2) وهو كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ بن نهيك بن الهيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالك بن النخع، (ت: 82هـ)، ثقة أخرج له النَّسائي، تهذيب التهذيب (ج8 / ص402). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج8/ص282 - 283)، برقم السؤال (1569). (¬4) أبو الحسن الدارقطني: في العلل، أرقام السؤالات:} (155)، (279)، (347)، (404) (407)، (456)، (662)، (766)، (958)، (1012)، (1105)، (1115)، (1373)، (1996) {.

منقطعٌ أو معضلٌ أو مرسلٌ، وهو معنى قوله: " ويكُونُ المحفوظ عنه ما قابل الإسناد " أي أنَّ الصحيح المحفوظ عند الثقات غير المسند. وقد أعل الإمام الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث، نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي بكر بن حزم، عن أبي سعيد - رضي الله عنه -: ((سَأَلُوا رسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: إنَّا لَنَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا شَيْئَاً لأَنْ يَهْوي أَحَدَنَا مِنَ الرُّبَا أَحَبُ إِلَيهِ أَنْ يَتَكَلَّم بِهِ، فَقَالَ: رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه إبراهيم بن سعد عن الزهري، عن يحيى بن عمارة المازني أنَّه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه عنه جماعة من أصحابه. ورواه أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، فزاد فيه رجلا وجعله مسنداً، فقال عن الزهري، عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن، عن عمه، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وعمه عمرو بن أبي حسن وله صحبة ... " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن الزهري، فرواه عنه إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن يحيى بن عمارة المازني أنَّه بلغه عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أي أنَّه غير متصل، وتابعه على هذا الوجه جماعة من أصحاب الزهري، ثم رواه أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد فزاد فيه رجلاً وجعله مسنداً، والمحفوظ خلاف ذلك، وهذا ما رجَّحه الدارقطني لهذا السبب. ¬

(¬1) أخرجه من وجه آخر مجمل مسلم: في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)،كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان، (ج1/ص430)، برقم (133)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج11/ ص352 - 353)، برقم السؤال (2335).

المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر - رضي الله عنه - ((أَنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - كَنَّى الْمُغِيرَةَ أَبَا عِيسَى)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه خالد بن الحارث عن حبيب بن الشهيد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر مسنداً، وخالفه حماد بن سلمة وغيره فرووه عن زيد بن أسلم مرسلاً عن عمر والأشبه قول من أرسله (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن زيد بن أسلم فرواه حبيب بن الشهيد مسنداً، وخالفه حماد بن سلمة فرواه مرسلاً، وتابعه جماعة على المرسل، فرجَّح الدارقطني أنَّ المحفوظ هو المرسل (أي غير المسند). المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبيدة عن علي - رضي الله عنه - قال: كنت عند النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ جيء بهذا الغلام يعني ابن الزبير إلى أبيه وهو عند النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفيه: عن النَّبيِّ صَلَّى - صلى الله عليه وسلم -: ((مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ المِسْلِمِينَ يَمُوتُ بَيْنَهُمَا ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ ...)) الحديث (¬3). ¬

(¬1) أخرجه على الوجه المعلول ابن أبي عاصم: عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، (ت: 287هـ)، في الآحاد والمثاني، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، تحقيق: يحيى مراد، سنة 2003م (ج2 / ص338)، برقم (698)، من طريق حبيب بن الشهيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: دعا عمر رضي الله عنه، نحوه. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج2/ص144)، برقم السؤال (169). (¬3) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب، (ج3 / ص138)، برقم (1248)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، (ج8 / ص430)، برقم (2635)، بألفاظ مختلفة، ليس فيها قصة ابن الزبير.

فقال - الدارقطني -: رواه هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي تفرد به إسحاق بن الضيف (¬1)، عن أبي عاصم، عن هشام متصلاً مسنداً، وأرسله غيره عن هشام، ورواه يونس بن عبيد من رواية عبدالحكيم بن منصور عنه، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن ابن الزبير، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، والمرسل هو الصحيح " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ الحديث اختلف فيه عن هشام بن حسان، أسنده إسحاق بن الضيف فأخطأ، والصحيح أنّهُ مرسل. والفرق بين هذا الجنس وبين الجنس الثاني هو أنَّه أخص منهُ، فإنَّك ترى الجنس الثاني خاص بالمرسل الصحيح، والجنس السادس أعم، فيخص كل انقطاع في الإسناد، سواء كان بالإعضال أو مجرد انقطاع أو إرسال أو بلاغ أو غير ذلك. الجنس السَّابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه، أو تجهيله. وهذا النوع عبارة عن قسمين: القسم الأول: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه: وهذه العلة تنشأ عن خطأ الراوي في تسمية شيخه، وهي كثيرة في كتب العلل، ولا سيما في كتاب العلل للدارقطني، والأمثلة الآتية نصوص من الإجابات سوف توضح نوع هذا القسم: المثال الأول: قال الإمام الدارقطني: " قال ابن بكير: ابن أبي أويس، قال أبو بكر: أخطأ أبو صالح في قوله: ابن أبي أنس، وإنَّما هو ابن أبي أويس، واسمه نافع، عم مالك ابن أنس " (¬3). ¬

(¬1) وهو إسحاق بن الضيف، ويقال إسحاق بن إبراهيم بن الضيف الباهلي، أبو يعقوب العسكري، البصري (نزيل مصر) (ت:؟)، صدوق من الطبقة: الحادية عشر، من أوساط الآخذين عن تبع الأتباع روى له: أبو داود، تهذيب التهذيب (ج1/ص 208). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج4 /ص34 - 35)، برقم السؤال (420). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج10 /ص79)، برقم السؤال (352).

المثال الثاني: قال الإمام الدارقطني: " وقال معمر: عن الزهري، عن عطاء بن يزيد عن أبي سعيد الخدري، وقال ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل لسفيان: إنَّ معمراً يقوله عن عطاء بن يزيد، فقال: أخطأ معمر، قال: ذلك الحميدي عن ابن عيينة. ورواه عباس البحراني، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، وهذا خطأ من عباس " (¬1). المثال الثالث: قال الإمام الدارقطني: " واختلف عن هشام فقيل عنه، عن أبي معاوية عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي بكر، وذكر الشعبي وهم، وإنمَّا هو أبو إسحاق السبيعي، وأما رواية أبي أسامة، عن زكريا ورواية أشعث بن عبدالله عن زكريا فإنهما اتفقا على زكريا، عن أبي إسحاق، عن مسروق بن الأجدع، عن أبي بكر قال ذلك إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن زكريا " (¬2). المثال الرابع: قال الإمام الدارقطني: " وخالفه سفيان بن عيينة فرواه عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث، عن أبي بكر. وقول ابن عيينة أصح على أنَّه قد وهم في قوله سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، وإنما هو عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع (¬3) " (¬4). ¬

(¬1) المصدر السابق، (ج11 /ص284 - 285)، برقم السؤال (2286). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج1 /ص198)، برقم السؤال (17). (¬3) وهو عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع بن عنكثة القرشي المخزومي، أبو محمد المدني (أبوه من مسلمة الفتح)، (ت:؟)، ثقة من الطبقة الثالثة، من الوسطى من التابعين، أخرج له أبو داود، تهذيب التهذيب (ج12/ ص270). (¬4) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج1 /ص273)، برقم السؤال (64).

المثال الخامس: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن عباس عن عمر في المتظاهرين، فقال - الدارقطني -: حدَّث به مرزوق بن أبي الهذيل، عن الزهري فقال: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر، ووهم في نسبه، وإنما هو عبيدالله بن عبدالله بن أبي ثور، كذلك رواه الحفاظ عن الزهري ولهذا الحديث طرق كثيرة عن ابن عباس، عن عمر صحاح " (¬1). قلتُ: وهذا القسم عِلَّته واضحة، وقد وقع في هذه الأخطاء أجِلَّةٌ كبارٌ من الحفاظ والأئمة، ولا ضير فإنَّ جميع البشر بحكم بشريتهم يقع منهم الوهم والخطأ والنسيان، ولكن متى نُضَعِّفُ الضعيف، ونُثْبِت ثقة الثقة؟، لا يكون ذلك إلا بالقرائن والأدلة، ومدى كثرة وقلة المخالفة أو الخطأ أو الوهم أو التفرد عند الراوي، وهذا هو المعيار الذي يدل على ضعف الراوي وعدم حفظه من ثباته وحفظه. القسم الثاني: الاختلاف على رجل في تجهيله: الاختلاف على رجل في تجهيله: وهذه العلة تنشأ عن رواية الحديث من طريق ثابت وفيه رجل مبهم لم يُسَمَّ، ثم يُروى من طريق أخرى فيسمَّى الرجل، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر بعضها: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ ...)) الحديث (¬2). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه ليث بن أبي سليم، واختلف عنه فيه، فرواه ابن جريح، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد شيخ له، عن حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر ¬

(¬1) المصدر السابق، (ج2 /ص83)، برقم السؤال (126). (¬2) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج4 / ص403)، برقم (19622)، من طريق عبدالله بن نمير، ثنا عبدالملك يعنى ابن أبي سليمان العزرمي، عن أبي علي رجل من بنى كاهل، قال خطبنا أبو موسى الأشعري، وهو حديث ضعيف، فيه أبو علي الكاهلي مجهول.

الصديق، خالفه عبد العزيز بن مسلم القسملي، فرواه عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وقال عبدالرحمن بن سليمان بن أبي الجون، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن رفيع، عن معقل بن يسار، عن أبي بكر. وقال أبو إسحاق الفزاري وأبو جعفر الرازي، عن ليث، عن رجل غير مسمَّى، عن معقل، عن أبي بكر. وقال جرير بن عبدالحميد، عن ليث، عن من حدثه، عن معقل ابن يسار عن أبي بكر. وقيل عنه عن ليث، عن شيخ من غنزة، عن معقل، عن أبي بكر. وقال عبدالوارث بن سعيد، عن ليث، قال: حدثني صاحب لي عن معقل، عن أبي بكر وروى هذا الحديث شيبان بن فروخ، عن يحيى بن كثير أبي النضر، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يصح عن إسماعيل ولا عن الثوري، ويحيى بن كثير هذا متروك الحديث " (¬1). المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قوله للجدة: ((مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَسَأَسْألُ النَّاسَ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ...)) الحديث (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه في إسناده: فقال مالك بن أنس عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة (¬3)، عن قبيصة بن ذؤيب وتابعه أبو أويس عن ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج1 /ص273)، برقم السؤال (15). (¬2) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الفرائض، باب ماجاء من ميراث الجدة، (ج4 / ص420)، برقم (2101)، وأبو داود: في السنن، كتاب الفرائض، باب في الجدة، (ج2 / ص136)، برقم (2894)، وابن ماجة: في السنن، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، (ج2 / ص909)، برقم (2724)، ثلاثتهم من طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب به، وهو ضعيف معلول بهذه العلة. (¬3) وهو عثمان بن إسحاق بن خرشة القرشي العامري المدني، وقيل عثمان بن إسحاق بن عبدالله ابن أبى خرشة، (ت:؟)، وثقه ابن معين وابن حبان، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين، أخرج له الأربعة في السنن هذا الحديث فقط، تهذيب التهذيب (ج7 /ص97).

الزهري، وقال ابن عيينة عن الزهري عن رجل لم يسمِّه، عن قبيصة بن ذؤيب، فقوي هذا القول مالك وأبو أويس، ورواه يونس بن زيد وعقيل بن خالد، ومعمر والأوزاعي وأسامة بن زيد الأشعث، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، ويزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، لم يذكروا بينهما أحداً، ويشبه أن يكون الصواب ما قاله مالك وأبو أويس، وأنَّ الزهري لم يسمعه من قبيصة وإنَّما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي: اضطراب ابن شهاب الزهري في الحديث، فإنّه مرةً يسمي عثمان بن إسحاق بن خرشة، ومرة يرويه عن رجل، ومرة يرويه عن قبيصة بن ذؤيب، ثم رجح الدارقطني رواية مالك وأبي أويس، وأنَّ الزهري لم يسمعه من قبيصة وإنَّما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عنه، والله أعلم. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث رُوِيَ عن ابن عثمان، عن عثمان - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَالَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ سَفَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَقَالَ حِينَ يَخْرُجُ بِسْمِ اللَّهِ آمَنْتُ بِاللَّهِ اعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِلاَّ رُزِقَ خَيْرَ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ وَصُرِفَ عَنْهُ شَرَّ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه أبو جعفر الرازي، عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان، عن بن عثمان، عن عثمان، قاله بقية، عن أبي جعفر، وخالفه أبو النضر هاشم ابن القاسم، فرواه عن أبي جعفر، عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان عن رجل، عن عثمان، وتابعه على ذلك خلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، ويشبه أن يكون هذا أصح " (¬3). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج1 /ص249)، برقم السؤال (46). (¬2) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج1 / ص65)، برقم (471)، من طريق أبو جعفر الرازي عن عبدالعزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان، عن رجل، عن عثمان بن عفان به، وهو ضعيف معلول (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج3/ص65 - 66)، برقم السؤال (288).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا أنَّ الحديث رُوِيَ من طريق عن صالح ابن كيسان، عن ابن عثمان، عن عثمان بن عفان، ثم ثبت من طريق أخرى عن صالح ابن كيسان، عن رجل، عن عثمان، وتابعه على ذلك خلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، ثم رجح الدارقطني الطريق الثاني، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة أحاديث أخرى كثيرة، أحببت أن أشير إلى أرقام سؤالاتها لزيادة النفع بها (¬1). الجنس الثَّامن: أن يكُون الرَّاوي عن شخص أدركهُ وسَمعَ منهُ , لكنَّه لم يسمع منهُ أحاديث مُعينة , فإذا رواها عنه بلا واسطة فعِلَّتها أنَّه لم يسمعها منه. وهذه العلة تدخل في معنى التدليس إلا أنها أدق منه، وقد سمّاها الحافظ ابن حجر بالمرسل الخفي، وهي رواية معاصر لم يلق، أو أنها نوع خفي من أنواع التدليس، ولقد حصر الدارقطني جملة من أحاديث قوم لم يسمعوها من شيوخهم، ولقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث قليلة، وسوف نضرب هنا بعض الأمثلة منها: المثال الأول: قال الإمام الدارقطني: " وحدثنا النيسابوري، ثنا أبو الأزهر، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، وثنا أحمد بن عيسى بن السكين، ثنا عبدالله بن سعد قال: ثنا عمر، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق (¬2)، قال: ذكر محمد بن مسلم بن شهاب، قال: حدثني ابن ¬

(¬1) المصدر السابق، أرقام السؤالات} (247)، (248)، (251)، (275)، (295)، (313) (321)، (347)، (357)، (386)، (394)، (401)، (425)، (430)، (442) (516)، (521)، (522)، (581)، (591)، (661)، (662)، (717)، (726)، (758)، (802)، (813)، (876)، (881)، (897)، (930)، (948)، (958)، (1002)، (1004)، (1014)، (1024)، (1027)، (1033)، (1080)، (1081)، (1098)، (1100)، (1103)، (1113)، (1117)، (1124)، (1160)، (1205) {. (¬2) هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني، أبو بكر ويقال أبو عبدالله، القرشي المطلبي مولاهم (نزيل العراق، إمام المغازي)، (ت: 150هـ)، صدوق يُدلس من الطبقة الخامسة، من صغار التابعين، أخرج له الستة، ما عدا البخاري فقد أخرج له تعليقاً، تهذيب التهذيب (ج9/ص34)

أبي أنس، أنَّه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)) (¬1). وفي حديث حجاج عن ابن أبي أنس، قال النيسابوري: أصحاب الحديث يقولون: ابن إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الزهري " (¬2). قلتُ: ومحمد بن إسحاق وهو ابن يسار صاحب السير، سمع من شيخه الزهري أحاديث كثيرة، ولكن لم يسمع هذا الحديث من الزهري، وحجة الدارقطني في ذلك النقل عن أصحاب الحديث كما تقدم، وكون أنَّ ابن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالسماع من ابن شهاب الزهري، والله أعلم. المثال الثاني: قال الإمام الدارقطني: " أخبرنا علي بن الفضل، أخبرنا أبو يحيى البلخي عبدالصمد بن الفضل، أن شداد بن حكيم حدثهم عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما محمد بن علي عن علي - رضي الله عنه -، قال: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ)) (¬3). قال الشيخ - الدارقطني -: كذا قال ¬

(¬1) أخرجه البخاري من وجه آخر صحيح: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (ج6/ ص378)، برقم (3277)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان، (ج4 / ص200)، برقم (1079)، من طريق عُقَيْل بن خالد الأيلي عند البخاري، ويُونُس بن يزيد الأيلي عند مسلم، كلاهما عن ابن شهاب عن ابن أبي أنس أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنهم به. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج10/ ص82)، برقم السؤال (1881). (¬3) أخرجاه من وجه آخر صحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، (ج9 / ص746)، برقم (5523)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب النكاح، باب نكاح المتعة، (ج5 / ص198)، برقم (1407)، من طريق يَحْيَى ابْنُ قَزَعَةَ عند البخاري، ويَحْيَى بْنُ يَحْيَى التميمي الحنظلي عند مسلم، كلاهما عن ابن شهاب، عن عبدالله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب به.

عن يحيى بن سعيد عن الزهري، ويحيى لم يسمع هذا من الزهري، إنَّما سمعه من مالك بن أنس، عن الزهري، قال ذلك عبدالوهاب الثقفي، وإسماعيل بن عياش، وحماد بن زيد " (¬1). قلتُ: ويحيى بن سعيد وهو ابن قيس الأنصاري (¬2)، سمع من شيخه الزهري، إلا أنَّه لم يسمع هذا الحديث بعينه من الزهري، ورجح الدارقطني ذلك لقول جمع من أهل الحديث، وذلك لثبوت سماعه هذا الحديث من مالك بن أنس عن الزهري، كما أخرجه الإمام النَّسائي في السنن فقال: " أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالُوا أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالْحَسَنَ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَخْبَرَاهُ أَنَّ أَبَاهُمَا مُحَمَّدَ ابْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ))، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى يَوْمَ حُنَيْنٍ وَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَهَّابِ مِنْ كِتَابِهِ " (¬3) وهذا دليلٌ على أنَّ كلام أهل الحديث لا يكون بمجرد التخرص بل بالأدلة الثابتة التي لهم فيها عند الله برهان. الجنس التاسع: أن يُروى الحديث بطريقة معروفة مشهورة , ثم يَروي أحد رجالها حديثاً من غير تلك الطريق، فيقع من رواه في الوهم ظناً منه أنَّها الطريقة المشهورة. وأصل هذه العلة: أن يكون هناك إسناد معروف مشهور، لا يختلف الرواة الثقات في هذا الإسناد، ثم يأتي راوٍ فيروي حديثاً ما بالإسناد المشهور وهماً منه أنّه هو الإسناد لهذا الحديث، وليس كذلك بل يكون لهذا الحديث إسناد خاص به مخالف للمشهور أو طريق ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج4/ص117)، برقم السؤال (458). (¬2) هو يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، ويقال يحيى بن سعيد بن قيس بن فَهد ولا يصح، أبو سعيد المدني القاضي الأنصاري النجاري (ت: 144هـ)، ثقة ثبت أخرج له الستة، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين تهذيب التهذيب (ج11/ص194). (¬3) النَّسائي: السنن، كتاب النكاح، باب تحريم المتعة، (ج6/ص436)، برقم (3367).

الجادة أو طريق المجرة، كما يطلق أهل الحديث على الطرق المشهورة للأحاديث، وهو معنى قول الحاكم: " فيقع من رواه من تلك الطريق بناءً على الجادة في الوهم"، ولقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: لما سُئل الإمام الدارقطني عن حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة عن رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: "وأما مالك فرواه أصحاب الموطأ عنه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة منهم: القعنبي، وابن وهب، وأبو مصعب، والشافعي، ومعن وابن المبارك. وخالفهم عبدالله بن نافع الصائغ، وبشر بن عمر الزهراني، وإسحاق الفزاري رووه عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ... ورواه سُهيل بن أبي صالح (¬2)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال فيه: ((لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ بَرِيداً))، ورواه سُهيل بإسناد آخر أيضاً، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ بَرِيداً))، فقد وهم على سُهيل؛ لأنَّ المحفوظ عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلاَثَاً)) " (¬3). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا، ما وقع فيه سُهيل بن أبي صالح من الوهم في إتخاذ الطريق المشهورة (الجادة) على أنها إسناد الحديث، وليس كذلك بل الصحيح ¬

(¬1) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الجمعة، باب في كم يقصر الصلاة، (ج2/ص650)، برقم (1086)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الحج باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، (ج5/ ص112)، برقم (1338). (¬2) سُهيل بن أبى صالح: ذكوان السمان، أبو يزيد المدنى، مولى جويرية بنت الأحمس، (ت: فى خلافة المنصور)، صدوق تغير حفظه بآخرة، من الطبقة السادسة: من الذين عاصروا صغار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج4 / ص231). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج10 /ص 334 - 337)، برقم السؤال (2042).

عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وحجة الدارقطني في ذلك أنَّ الحديث رواه الثقات من أصحاب الإمام مالك وغيرهم: عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ثم ذكر الدارقطني أنَّ سبب وقوع سُهيل في هذا أنَّ المعروف من الإسناد المحفوظ عنده عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فأوهم أنه إسناد الحديث، والله الهادي إلى سواء السبيل. المثال الثاني: ولما سُئل الإمام الدارقطني عن حديث عكرمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أَنَّهُ قَالَ لِعَمَّارٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ)) (¬1). فقال - الدارقطني -:"وهم فيه بعض الرواة، والصحيح عن شعبة، وعن غيره، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري، وهو المحفوظ عن غندر، وعن غيره (¬2). قلتُ: والعلة التى أشار إليها الإمام الدارقطني هنا هي: وهم بعض الرواة في جعل إسناد الحديث الطريق المشهورة (الجادة) عكرمة عن أبي هريرة، بدلاً من الإسناد الصحيح: خالد الحذاء، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخدري، وحجة الدارقطني في ذلك أنَّ عكرمة وهو مولى ابن عباس (¬3)، يروي كثيراً عن أبي هريرة بخلاف روايته عن أبي سعيد الخدري - واسمه سعد بن مالك بن سنان - فإنها تعد قليلة، فوقع الوهم من بعض الرواة بسبب معرفتهم كثرة رواية عكرمة عن أبي هريرة الطريق المشهورة. ¬

(¬1) أخرجاه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الصلاة، بَاب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، (ج1/ص633)، برقم (447)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، بَاب لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الْمَيِّتِ مِنَ الْبَلاءِ، (ج9/ ص266)، برقم (2916)، وغيرهما. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج11/ص127)، برقم السؤال (2167). (¬3) عكرمة القرشي الهاشمي، أبو عبد الله المدني، مولى عبدالله بن عباس (أصله من البربر من أهل المغرب)، (ت: 104هـ)، ثقة ثبت عالم بالتفسير، من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له البخاري والأربعة في السنن، وغيرهم، تهذيب التهذيب (ج7/ص234).

الجنس العاشر: أن يُروى الحديث مرفوعًا من وجه , وموقوفًا من وجه. وأصل هذه العلة أن: يَروي راوٍ الحديث مسنداً موصولاً، ثم يخالفه غيره فيرويه موقوفاً على الصحابي ويكون هو الراجح بين المرويَّات لهذا الحديث، ويسمى عند أهل الحديث مُعلٌّ بالوقف، وقد أعلَّ الإمام الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة منها: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني- عن حديث سلمان الأغر عن أبي سعيد، وأبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إِذَا قَالَ الْعَبْدُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَدَقَ عَبْدِي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ قَالَ صَدَقَ عَبْدِي ...)) (¬1) الحديث. فقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق السبيعي، واختلف عنه، فرواه زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن الأغر مسنداً، وكذلك قال أبو قتيبة والنضر بن شميل: عن شعبة، عن أبي إسحاق مرفوعاً، وروى سعد بن شعبة، عن أبيه بعض هذا الحديث مرفوعاً لم يذكره بتمامه. ورواه معاذ بن معاذ (¬2) عن شعبة موقوفاً، وهو المحفوظ. ورواه عبد الجبار بن العباس وإسحاق بن عبد الله المخولي عن أبي إسحاق مرفوعاً، والموقوف هو الأشبه " (¬3). ¬

(¬1) أخرجه على الوجه المعلول ابن ماجة: في السنن، كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله، (ج2 / ص1246)، برقم (3794)، من طريق أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد به، مسنداً موصولاً. (¬2) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان التميمي العنبري، أبو المثنى البصري القاضي (ت: 196هـ)، ثقة متقن من الطبقة التاسعة، من صغار أتباع التابعين، أخرج له الستة، قال يحي بن سعيد القطان: " كان شعبة يحلف لا يحدث فيستثنيهما، وقال أيضاً سمعت يحيى يقول: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ "، تهذيب التهذيب (ج10 / ص175 - 176). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج11/ص302 - 303)، برقم السؤال (2298).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا، أنَّ الحديث قد رُوي مرفوعاً عن جماعة من طريق شعبة عن أبي إسحاق، ثم رواه معاذ بن معاذ وهو العنبري عن شعبة عن أبي إسحاق، فرجح الدارقطني رواية معاذ بن معاذ على رواية الجماعة بقوله " وهو المحفوظ " وحجته في ذلك أنَّ معاذ بن معاذ العنبري هو أوثق من هؤلاء الجمع في الإمام شعبة بن الحجاج بن الورد، فقد قال ابن عدي: " أصحاب شعبة: معاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث، ويحيى القطان، وغُندر، وأبو داود خامسهم " (¬1)، انظر كيف رجَّح رواية رجلٍ واحدٍ على رواية جماعة خالفوه!، وذلك للأدلة والقرائن سالفة الذكر، فدل ذلك على أنَّ العبرة ليست بعدد من رَوى الحديث ولو كانوا كثرة في جميع الأحوال، بل بقرائن أخرى لها تأثير أقوى في ترجيح المرويَّات، وهي في هذا المثل مدى تَثَبُّتْ ودقة الراوي في شيخه، وهذا المعيار من أدق معايير نقاد الحديث، وبهذا الحكم يكون الحديث قد أُعلَّ بالوقف، لصحة الرواية الموقوفة على المسندة، والله أعلم. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي حازم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنَّ العَبْدَ الْفَاجِرَ إِذَا وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ، قَالَ: يَا وَيْلِه أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي)) (¬2). ¬

(¬1) ابن رجب الحنبلي: في شرح علل الترمذي، (ص 368). (¬2) أخرجه بتمامه النَّسائي: في السنن، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، (ج4/ص 341)، برقم (1907)، من طريق عبدالله بن المبارك، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبدالرحمن بن مهران، أنَّ أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: ((سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا وضع الرجل الصالح على سريره قال: قدموني، قدموني وإذا وضع الرجل يعني السوء على سريره، قال: يا ويلي أين تذهبون بي)) وهو حديث حسن، رواته ثقات إلا عبدالرحمن بن مهران فإنَّه صدوق.

فقال - الدارقطني -: يرويه طلحة بن مصرف، عن أبي حازم حدث به ابن عيينة، واختلف عنه، فرفعه أبو يعلى التوزي محمد بن الصلت (¬1)، عن ابن عيينة، عن مالك ابن مغول، عن طلحة، ووقفه غيره، والموقوف هو المحفوظ. ورواه محمد بن جحادة، وليث بن أبي سليم عن طلحة موقوفاً " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هنا، أنَّ الحديث رواه أبو يعلى التوزي محمد بن الصلت مرفوعاً، ورواه آخرون موقوفاً، ثم رجَّح الدارقطني الموقوف، وحجته في ذلك متابعة محمد بن جحادة وليث بن أبي سليم عن طلحة موقوفاً، ثم أشار إلى أنَّ الوهم في رفعه من أبي يعلى التوزي محمد بن الصلت، لمخالفتة أصحاب طلحة بن مصرف الذين رووه موقوفاً، ولهذا السبب حُكم على هذا الإسناد من هذا المخرج أنَّهُ معلول بالوقف، والله تعالى أعلم. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عبدالله بن باباه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَاوِي إِلَى فِرَاشِهِ: لاَ إِلِهَ إِلاَ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٍ ...)) (¬3). ¬

(¬1) محمد بن الصلت البصرى، أبو يعلى التوزي، أصله من توز، ويقال: توج أيضاً، وهي بلدة من بلاد فارس (ت: 228هـ) على الصحيح قاله البخاري في التاريخ، وهو صدوق يهم من الطبقة العاشرة، أخرج له البخاري في الصحيح، والنَّسائي في السنن، قال أبو حاتم: صدوق كان يملي علينا من حفظه التفسير وغيره وربما وهم، تهذيب التهذيب (ج9/ 207). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج11/ص177)، برقم السؤال (2203). (¬3) أخرجه ابن أبي شيبة على الوجه الصحيح موقوفاً: في المصنف (ج7 /ص46)، برقم (14)، بلفظ: "حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب عن عبد الله بن باباه عن أبي هريرة قال: من قال حين يأوي إلى فراشه " لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان الله وبحمده، الحمد الله، لا إله إلا الله والله أكبر " غفر له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر".

فقال - الدارقطني -: يرويه حبيب بن أبي ثابت، واختلف عنه، فرواه مسعر عن حبيب، واختلف عن مسعر، فرواه إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفارسي، عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبدالله بن باباه (¬1)، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخالفه خلاد بن يحيى وأبو معاوية الضرير ومصعب بن المقدام، رووه عن مسعر موقوفا، وكذلك رواه الثوري والأعمش عن حبيب، وهو المحفوظ موقوف " (¬2). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني، أنَّ الحديث رواه إسماعيل بن محمد ابن إسماعيل الفارسي (¬3)، عن مسعر بن كدام مرفوعاً، وخالفه جمع من الأثبات منهم: خلاد بن يحيى، وأبو معاوية الضرير، ومصعب بن المقدام، فرووه موقوفاً، وكذلك تابع مسعر بن كدام الثوري والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت على روايته موقوفاً، فلذلك رجَّح الإمام الدارقطني الموقوف على المرفوع، وقد أعل الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة في كتابه العلل أشير إلى بعض سؤالاتها في العلل لزيادة النفع بها (¬4). ¬

(¬1) عبدالله بن باباه، ويقال: بابيه، ويقال: بابي، المكي، مولى آل حجير بن أبى إهاب، (ويقال مولى يعلى بن أمية) (ت:؟)، ثقة من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له الستة إلا البخاري، تهذيب التهذيب (ج5/ص133). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج11/ ص43)، برقم السؤال (2115). (¬3) إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن يحيى القرشي الكوفي (ت:؟)، من الطبقة العاشرة كبار الآخذين عن تبع الأتباع، صدوق يهم أخرج ابن ماجة، تهذيب التهذيب (ج1/ص286). (¬4) أبو الحسن الدارقطني: العلل، أرقام السؤالات} (198)، (473)، (490)، (586)، (641)، (642) (691)، (700)، (852)، (853)، (920)، (1085)، (1123)، (1511)، (1518)، (1525)، (1827)، (1895)، (2019)، (2037)، (2115)، (2189)، (2199)، (2203)، (2284)، (2298) {.

المبحث الثاني: الأجناس التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني في كتاب العلل

المبحث الثاني: الأجناس التي لم يذكرها الحاكم وأمثلتها عند الدارقطني في كتاب العلل سنتعرض في هذا المبحث لأجناس العلل الأخرى من جهة الإسناد عند الإمام الدارقطني في كتابه العلل، والتي لم يذكرها أبو عبدالله الحاكم، وهذه الأجناس جاءت نتيجة للسبر ولدراسة الأنواع المختلفة التي في إجابات السؤالات في كتاب العلل، ولا أدعي أنَّي قد حصرت جميع الأجناس في العلل، وإنَّما هي محاولة لبيان منهج الدارقطني في هذه الأجناس الجنس الأول: علة إبدال جزء من الإسناد أو إبدال راوٍ مكان آخر. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة في القراءة خلف الامام (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه فرواه مالك، ومعمر، ويونس والزبيدي، وابن جريج، وعبد الرحمن بن إسحاق، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن عيينة عن الزهري، عن ابن أكيمة (¬2)، عن أبي هريرة، وخالفهم الأوزاعي رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ووهم فيه، وإنَّما هو عن الزهري قال سمعت ابن أكيمة يحدث عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، كذلك قال: يونس وابن عيينة عن الزهري حديثهما، وكذلك روي عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن سعيد عن أبي هريرة ... " (¬3). ¬

(¬1) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الصلاة، بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ، (ج1/ص118) برقم (312)، والنسائي: في السنن، كتاب الافتتاح، تَرْكُ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ، (ج2/ ص478) برقم (918)، وأبو داود: في السنن، كتاب الصلاة، بَاب مَنْ كَرِهَ الْقِرَاءَةَ، (ج1/ ص278)، برقم (826)، ثلاثتهم من طريق عن الزهري، عن ابن أكيمة اللَّيْثِيِّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. (¬2) هو عمارة بن أكيمة الليثى ثم الجندعي، أبو الوليد المدني، وقيل اسمه عمار أو عمرو أو عامر (ت: 101 هـ)، ثقة من الطبقة الثالثة، الوسطي من التابعين، أخرج له الأربعة في السنن، هذا الحديث، وليس له غيره عن الزهري، تهذيب التهذيب (ج7 / ص359). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج9 /ص 55 - 57)، برقم السؤال (1640).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: خطأ الإمام الأوزاعي في رواية هذا الحديث، فإنَّه خالف يونس وابن عيينة في إبدال راوٍ مكان آخر، فقال: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ووهم في ذلك؛ لأنَّ الحديث معروف ومشهور من طريقين عن الزهري، عن ابن أكيمة اللَّيْثِيِّ، عن أبي هريرة، وكذلك عن الزهري، عن ابن أكيمة اللَّيْثِيِّ، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عند الثقات، وكلا الطريقين ثابت عند المحدثين، وحجة الإمام الدارقطني أنَّ يونس وابن عيينة قد رَويا الطريقين عن الزهري، وهما من أثبت الناس في الزهري كما بينَّا من قبل، والله الهادي إلى سواء السبيل. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث الحارث عن علي - رضي الله عنه -: ((أُمِرْتُ بِأَرْبَعٍ أَنْ لاَ يَقْرَبَ الْبَيْتَ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ورواه الثوري، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي ورواه ابن عيينة وأبو شيبة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي هو المحفوظ، حدثنا أحمد ابن محمد بن الجراح، ثنا أحمد بن منصور، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي قال: ((لَمَّا بَعَثَنِي رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم بِبَرَاءَةٍ إِلَى مَكْةَ أَمَرَنِي أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلاَ يَحُجُّ مُشْركٌ بَعَدَ عَامِهِ، وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ)) " (¬2). ¬

(¬1) أخرجه الترمذي بالوجه الصحيح: في السنن، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، (ج5/ص 276) برقم (3092)، من طريق عن أبي إسحق عن زيد بن يثيع قال سألنا علياً نحوه. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج3 / ص164)، برقم السؤال (329).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: إبدال الحارث وهو ابن عبدالله الهمداني الخارفي الأعور وهو متهم بالكذب (¬1)، بدلاً من زيد بن يثيع وهو من الثقات (¬2)، وقد رجح الإمام الدارقطني رواية سفيان بن عيينة وغيره، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي، وحجته في ذلك رواية جمع من الثقات الحديث بهذا الإسناد. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن زياد عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ حَفِظَهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَّارِ)) (¬3). فقال - الدارقطني -: يرويه عمارة بن زاذان، وقد اختلف عنه. فرواه يحيى بن إسحاق السيلحيني عن عمارة بن زاذان عن علي بن الحكم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، ووهم فيه. وإنَّما رواه عمارة بن زاذان عن علي بن الحكم عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة. وكذلك رواه مالك بن دينار، وليث بن أبي سليم، وسعيد بن راشد، والعلاء بن خالد عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المحفوظ. ¬

(¬1) قال ابن حجر العسقلاني: " قال الجوزجاني: سألت علي بن المديني عن عاصم والحارث فقال: مثلك يسأل عن هذا الحارث كذاب"، وذكر عن الشعبي أنه كذبه" تهذيب التهذيب (ج2/ص126). (¬2) هو زيد بن يثيع، ويقال اثيع الهمداني الكوفي، قال العجلي كوفي تابعي ثقة وقال: ابن سعد كان قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، تهذيب التهذيب (ج3/ص 369). (¬3) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب العلم، باب ما جاء في الاستيصاء بمن طلب العلم (ج5 /ص29)، برقم (2649)، وأبو داود في السنن، كتاب العلم، باب كراهية منع العلم، (ج2 /ص 345)، برقم (3658)، كلاهما من طريق علي بن الحكم عن عطاء عن أبي هريرة نحوه.

وكذلك رواه حماد بن سلمة عن علي بن الحكم عن عطاء، وهو المحفوظ " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: إبدال محمد بن زياد (¬2)، بدلاً من عطاء بن أبي رباح (¬3) في الإسناد، وقد رجح الإمام الدارقطني عن عطاء بن أبي رباح، وحجته مخالفة يحيى بن إسحاق السيلحيني وهو ثقة (¬4)، وذلك لرواية جمع من الثقات عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة كما هو واضح في المثال، والله سبحانه الموفق. الجنس الثاني: علة الخطأ في تسمية الصحابي خلاف الصحيح الثابت: وهذه العلة تنشأ عن الوهم والخطأ في اسم الصحابي، ولقد اهتم النقاد بهذا النوع كثيراً وربما يستغرب البعض لماذا كل هذا الاهتمام وجميع الصحابة عدول؟، والجواب: ليس كل التابعين أدرك الصحابة، فإنَّ طاوساً تابعي جليل، لكنه لم يدرك معاذ بن جبل رضي الله عنه كما ذكرنا من قبل، وكذلك ليس كل من أدرك الصحابة سمع منهم، فمثلاً سماع أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود من أبيه غير صحيح على الرغم من أنَّه أدركه، وكذا سلمة بن دينار لم يسمع من أبي هريرة شيئا، والحسن البصري لم يسمع من أسامة ابن زيد شيئاً، فلهذا السبب كان معرفة الصحابي المقصود في الإسناد على غاية من الأهمية للحكم على صحة الحديث فانظر لدقة نظر هؤلاء القوم، وثاقب فهمهم. وقد أعل الدارقطني بهذه العلة جملة من الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث ربعي بن حراش عن عبدالله - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قَالَ ثَلاَثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ، ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج10/ص67 - 68)، برقم السؤال (1872). (¬2) محمد بن زياد القرشي الجمحي مولاهم، أبو الحارث المدني (ت:؟)، من الطبقة الثالثة الوسطى من التابعين، ثقة ثبت أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج9/ص149). (¬3) عطاء بن أبي رباح، واسمه أسلم القرشي مولاهم أبو محمد المكي (114هـ)، حجة إمام كبير الشأن، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج7/ ص179 - 183). (¬4) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج11/ص 155).

وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ صَدَقَةً بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ ...)) (¬1) الحديث فقال - الدارقطني -: يرويه أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن منصور عن ربعي عن ابن مسعود، ووقع في وهم، وليس هذا من حديث ابن مسعود وإنَّما هو من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - ... ، ورواه شعبة عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر، وقال جرير عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان أو غيره عن أبي ذر وهو المحفوظ" (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني الوهم الذي وقع من أبي بكر بن عياش (¬3)، حيث جعل الحديث من رواية ابن مسعود رضي الله عنه، وليس كذلك بل هو من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وحجة الدارقطني في ذلك رواية شعبة عن منصور عن ربعي عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر، والحديث مخرجه واحد، وقد سبق الدارقطني إلى إعلال الحديث الترمذي فقال: " هذا حديث غريب من هذا الوجه وهو غير محفوظ والصحيح ما روى شعبة وغيره عن منصور عن ربعي بن حراش عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بن عياش كثير الغلط " (¬4). المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن غنم عن أبي ذر - رضي الله عنه -، قالَ رسُولُ الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَقُولُ اللهُ: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ ...)) الحديث (¬5). ¬

(¬1) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في كلام الحور العين، (ج4 /ص 697) برقم (2567)، من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن منصور عن ربعي بن حراش عن ابن مسعود، وهو من هذا الوجه ضعيف معلول لأنَّ أبي بكر بن عياش ضعيف في الأعمش. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج5/ص50 - 51)، برقم السؤال (696). (¬3) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي المقريء الحناط، اسمه كنيته (ت: 194هـ)، من الطبقة السابعة كبار أتباع التابعين، ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، أخرج له الستة وأخرج مسلم له في المقدمة، تهذيب التهذيب (ج12/ص31). (¬4) الترمذي: في السنن، (ج4 /ص 697). (¬5) أخرجه من وجه آخر صحيح مسلم: في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، (ج3 / ص182)، برقم (1286)، بلفظٍ مختلف.

فقال - الدارقطني -: يرويه شهر بن حوشب عن عبدالرحمن بن غنم حدَّث به عبدالحميد بن بهرام، وليث بن أبي سليم، وموسى بن المسيب، وسيار وأبو الحكم عن شهر بن حوشب، واختلف عن موسى بن المسيب، فرواه عن منصور بن المعتمر عن شهر بن حوشب، عن ابن غنم عن أبي ذر مسنداً ... ، واختلف عن ليث بن أبي سليم فرواه شيبان، عن ليث عن شهر، وخالفه أبو عصمة نوح بن أبي مريم، فرواه عن ليث عن موسى بن المسيب عن شهر، عن ابن غنم، عن أبي ذر وأبي الدرداء، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. وليس ذكر أبي الدرداء بمحفوظ والله أعلم، قيل للشيخ فإنَّ معتمر بن سليمان يرويه عن أبي جعفر، عن شهر، عن ابن غنم عن أبي ذر مسنداً، من أبو جعفر هذا؟ فقال: هو موسى بن المسيب " (¬1). قلتُ: وواضح من المثال أنَّ الدارقطني قد رجح عدم صحة الرواية التي ذكر فيها أبي الدرداء، وذلك أنَّ الحديث قد رواه جمع من الحفاظ بدون ذكر أبي الدرداء، وإن كانت هذه العلة لا تضر فإنَّ عبدالرحمن بن غنم (¬2) حدث عن أبي الدرداء بأحاديث قليلة وهو شامي مختلف في صحبته، وكان أبو الدارداء رضي الله عنه يقيم في الشام، فهي علة غير مؤثرة في واقع الأمر لهذه القرائن التي ذكرنا. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالله بن الزبير عن الزبير - رضي الله عنهم -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لاَ تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلاً الْمَصَّتَانِ)) (¬3). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج6 / ص249 - 250)، برقم السؤال (1110). (¬2) عبدالرحمن بن غنم الأشعري الشامي (ت: 78 هـ)، من الطبقة الأولى مختلف في صحبته أخرج له الأربعة والبخاري تعليقاً، من كبار فقهاء الشام، تهذيب التهذيب (ج6 /ص225 - 226). (¬3) أخرجه الترمذي بالوجه الصحيح: في السنن، كتاب الرضاع، باب ما جاء لا تحرم المصة ولا المصتان، (ج3/ص455)، رقم (1150)، وأبو داود: في السنن، كتاب النكاح، باب هل يحرم ما دون خمس رضعات، (ج1/ص629)، رقم (2063)، وابن ماجه: في السنن، كتاب النكاح باب لا تحرم المصة ولا المصتان، (ج1/ص624)، رقم (1941)، ثلاثتهم من طريق ابن أبي مليكة عن عبدالله بن الزبير عن عائشة به.

فقال - الدارقطني -: تفرد به محمد بن دينار الطاحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن ابن الزبير، عن الزبير ووهم فيه، وغيره من أصحاب هشام يرويه، عن هشام عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لا يذكرون فيه الزبير ورواه ابن أبي مليكة، عن عبدالله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصحيح لأنَّه زاد وهو المحفوظ عن عائشة " (¬1). قلتُ: وواضح من المثال أنَّ الدارقطني رجَّح الرواية التي فيها عبدالله بن الزبير، عن عائشة، بدون ذكر الزبير، وحجة الدارقطني هي: تفرد محمد بن دينار الطاحي (¬2)، وهو ضعيف لا يحتمل تفرده، وغيره من أصحاب هشام يرويه، عن هشام عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير لا يذكرون فيه الزبير، فكان الحمل عليه من محمد بن دينار الطاحي، ولقد أشرنا من قبل إلى مسألة تفرد الراوي برواية الحديث خلاف أقرانه عن شيخه، ويعتبر التفرد من المعايير التي يقيس عليها النقاد المحدثين مدى حفظ الراوي لمرويَّاته من عدمه، وهنا تفرد محمد بن دينار الطاحي بذكر الزبير في الإسناد فأخطأ، وقد أحصى عليه النقاد أخطاء أخرى تدل على عدم حفظه لمروياته فضعفوه، والله أعلم. الجنس الثالث: علة نقص راوٍ أو زيادة راوٍ في الإسناد. وتنشأ هذه العلة عند رواية بعض الرواة الحديث بإسناد فيه زيادة راوٍ، ثم يرويه البعض الآخر بنقص راوٍ، وهذا الجنس مشهور في كتب العلل، وهو من أخفى أجناس العلل ولا يدركه إلا الجهابذة، وأصل هذه العلة أن يكون للحديث طريقين في أحدهما زيادة راوٍ، والآخر فيه نقص في الإسناد، وقد ترجح الزيادة على النقص أو يرجح النقص على الزيادة وقد يجمع بين الطريقين على أنَّه رواه مرة بواسطة، ومرة من غير واسطة كل ذلك إذا كان للحديث مخرجاً واحداً، وإلا فلا يمكن الجمع مع اختلاف مخرج الحديث. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج4/ص225 - 226)، برقم السؤال (525). (¬2) محمد بن دينار الأزدي ثم الطاحي، أبو بكر بن أبي الفرات البصري، صدوق تغير في آخره، وضعفه الدارقطني، أخرج له أبو داود والترمذي، تهذيب التهذيب (ج9 /ص136 - 138).

ولا يكون الترجيح إلا بالقرائن التي تدل على عدم الوهم أو الخطأ، كمقارنة الزيادة بمرويَّات الثقات الأثبات للحديث، أو عدد من روى الزيادة أو النقص، ولتوضيح هذا النوع سوف نضرب هنا بعض الأمثلة من كتاب العلل: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث علي بن الحسين عن عمر - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَ سَبَبِي وَنَسَبِي)) (¬1). فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه محمد بن إسحاق عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن عمر، وخالف الثوري وابن عيينة ووهيب، وغيرهم فرووه عن جعفر عن أبيه عن عمر ولم يذكروا بينهما جده علي بن الحسين وقولهم هو المحفوظ " (¬2). قلتُ: وواضح من المثال أنَّ الإمام الدارقطني رجَّح الإسناد الناقص على الزيادة، وحجته في ذلك أنَّ محمد بن إسحاق خالف الأثبات منهم الثوري وابن عيينة وغيرهم، فأعلَّ الرواية الزائدة والتي فيها " عن جده وهو علي بن الحسين " بذلك، وقال: " عن جعفر عن أبيه عن عمر ولم يذكروا بينهما جده علي بن الحسين وقولهم هو المحفوظ "، وبهذا يكون الحديث معلٌّ بالانقطاع، لأنَّ جعفر بن محمد لم يلق عمر. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عاصم يقال عاصم بن أبي المشجر الجحدري بصري عن أبي بكرة - رضي الله عنه -: ((أنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَاذِبيِنَ})) (¬3). ¬

(¬1) أخرجه البيهقي على الوجه المعلول: السنن الكبرى في ثلاث مواضع: (ج7 /ص63 - 64) برقم (13171)، وبرقم (13172)، (ج7/ ص114) برقم (13438)، وهو حديث معلول. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج2/ ص190)، برقم السؤال (211). (¬3) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، طبعة دار الفكر، بيروت سنة 1412هـ، (ج7/ص68)، برقم (11607)، وقال الهيثمي: "رواه البزار وفيه عاصم الجحدري وهو قارئ، قال الذهبي قراءته شاذة وفيها ما ينكر، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم ضعف ولم يسمع عاصم من أبي بكرة.

فقال - الدارقطني-: يرويه عبدالله بن حفص أبو محمد الأرطباني عن عاصم عن عبدالله ابن أبي بكرة عن أبيه وغيره يرويه عنه لا يذكر فيه ابن أبي بكرة وهو المحفوظ " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ زيادة ابن أبي بكرة غير محفوظة ممن رووا هذا الحديث، ويعتبر الإسناد الناقص هو المحفوظ، والوهم في الزيادة من عبدالله بن حفص الأرطباني (¬2)، والحمل عليه فيه، وبهذا أعلَّ الحديث حيث إنَّ الإسناد منقطع ما بين عاصم وهو الجحدري، وأبي بكرة وهو نفيع بن الحارث بن كلدة، صحابي جليل رضي الله عنه، والله أعلم. المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن عوف، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -: ((ثَلاَثٌ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلتُ رسُول - صلى الله عليه وسلم - عَنْهَا وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُهُ فِيمَنْ هَذَا الأَمْرَ؟،فَلاَ يُنَازِعُهُ أَهْلَّه، وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلتُهُ هَلْ للأَنْصَارِ فِي هَذا الأَمْرَ شَيءٌ؟ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ سَأَلتُهُ عَنْ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَابْنَةَ الأُخْتِ)) (¬3) فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه شيخ لأهل مصر، يقال له علوان بن داود واختلف عليه فيه، فرواه عنه سعيد بن عفير، عن علوان بن داود عن حميد بن عبدالرحمن ابن عوف عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه عن أبي بكر الصديق، وخالفه الليث بن سعد، فرواه عن علوان، عن صالح بن كيسان بهذا الإسناد إلا أنَّه لم يذكر بين علوان وبين صالح حميد بن عبدالرحمن، فيشبه أن يكون سعيد بن عفير ضبطه عن علوان؛ لأنَّه زاد فيه رجلا، وكان سعيد بن عفير من الحفاظ الثقات" (¬4). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج7/ص165)، برقم السؤال (1278). (¬2) عبدالله بن حفص الأرطباني، أبو حفص البصري (ت:؟)، صدوق من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي، وذكره ابن حبان في الثقات، تهذيب التهذيب (ج5/ص165). (¬3) أخرجه الحاكم: في المستدرك، (ج4 /ص381)، من طريق سعيد بن عفير حدثني علوان بن داود عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن أبيه به. (¬4) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج1/ص182 - 183)، برقم السؤال (9).

قلتُ: وواضح من المثال أنَّ الإمام الدارقطني رجح الزيادة في الإسناد، وهي إدخال حميد بن عبدالرحمن بين علوان وصالح، لأنَّ سعيد بن عفير (¬1) من الحفاظ الثقات. المثال الرابع: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عبيدة عن عبدالله - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إِنَّ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً الْجَنَّةَ وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْواً ...)) (¬2). الحديث فقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش ومنصور، واختلف عن الأعمش، فرواه منصور عن إبراهيم عن عبيدة، عن عبد الله. وكذلك رواه أبو معاوية الضرير، وقتادة بن الفضيل أبو حميد عن الأعمش، ورواه عبدالواحد بن زياد عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة وعبيدة عن عبدالله زاد فيه علقمة قاله عفان عنه وأرجو أن يكون محفوظاً " (¬3). الجنس الرابع: الوهم بإدخال إسناد حديث لمتن حديث آخر بخلاف إسناده. وأصل هذه العلة أنَّ يكون للحديث إسناد محفوظ، فيقع الوهم من الراوي فيدخل إسناد حديث آخر لمتن آخر بخلاف إسناده المحفوظ، وقد وقع ذلك من بعض الثقات الحفاظ، وهذه علة مشهورة في كتب العلل، وقد أعل الإمام الدارقطني في كتابه جملة منها نذكر منها على سبيل المثال: ¬

(¬1) وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري مولاهم، أبو عثمان المصري (ت:226هـ)، وقد ينسب إلى جده، الحافظ الثقة من الطبقة العاشرة، تهذيب التهذيب (ج4/ص66). (¬2) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، (ج13/ص539)، برقم (7511)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الإيمان، باب آخر أهل النار خروجاً، (ج2/ ص42) برقم (186)، كلاهما من طريق منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبدالله بن مسعود نحواً منه، وهو على الوجه الصحيح غير معلول، والله أعلم. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج5/ ص183 - 184)، برقم السؤال (807).

المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث نهار العبدي عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ...)) (¬1). فقال - الدارقطني -: رواه مؤمل بن إسماعيل عن حماد، وحماد ووهيب وسفيان عن يحيى بن سعيد، عن عبدالله بن أبي صعصعة، عن نهار العبدي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ووهم في ذكر نهار العبدي في هذا الحديث، وإنما روى هذا الحديث ابن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد. وحديث نهار إنَّما هو: ((أنَّ الله يسأل العبد يوم القيامة: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟)) (¬2). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي: أنَّ مؤمل بن إسماعيل (¬3)، وَهِمَ فأدخل حديث نهار العَبْدِي: أنَّه سمعه يحدث عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ تُنْكِرُهُ فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ يَا رَبِّ وَثِقْتُ بِكَ وَفَرِقْتُ مِنَ النَّاسِ)) (¬4)، في حديث ابن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: رَسُّولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)) الذي رواه البخاري في صحيحه كما بيينَّا من قبل. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ ¬

(¬1) أخرجه بالوجه الصحيح البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الإيمان، باب من الدين الفرار من الفتن، (ج1/ ص86)، برقم (19). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج11/ص317 - 319)، برقم السؤال (2308). (¬3) مؤمل بن إسماعيل القرشي العدوي أبو عبد الرحمن البصري، مولى آل عمر بن الخطاب (ت: 206هـ)، صدوق سيء الحفظ، من الطبقة التاسعة، تهذيب التهذيب (ج10/ص339 - 340). (¬4) أخرجه بالوجه الصحيح أحمد بن حنبل: في المسند (ج3/ص29)، برقم: (11263).

نَسِيتَ؟ ...)) (¬1). الحديث فقال - الدارقطني -: حدث به عنه أيوب السختياني، عبدالله بن عون، وحميد الطويل، وقتادة، وحبيب بن الشهيد، وسلمة بن علقمة، ويحيى بن عتيق، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، وأشعث بن عبد الملك، ويزيد بن إبراهيم ... وأمَّا ما ذُكر في متنه، فإنَّ كل من رواه عن أيوب وعن غير أيوب عن ابن سيرين قال: إنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال لأصحابه: ((أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْن؟ قَالُوا: نَعَم)). إلا حماد بن زيد، فإنه رواه عن أيوب، وقال فيه: ((فأومئوا نعم)). ثم قال - الدارقطني -: وقال سفيان بن حسين في هذا الحديث: عن ابن سيرين عن أبي هريرة أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلهِ وَسَلَّمَ قال في آخره: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ)) (¬2)، ووهم في هذا القول، وهذا الكلام ليس من حديث ابن سيرين، ولا من حديث أبي هريرة، وإنَّما رواه علقمة، عن عبدالله " (¬3). ¬

(¬1) أخرجه بالوجه الصحيح البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأذان، باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس، (ج2/ ص240)، وبأرقام: (714)، (1227)، (7250). (¬2) أخرجه بالوجه الصحيح البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، (ج1/ ص590)، برقم (401)، من طريق منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: قال: عبدالله بن مسعود، وهو الحديث الذي أشار إليه الدارقطني أن سفيان بن حسين أدخله في حديث أبي هريرة، وتمام حديث عبدالله بن مسعود: ((صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لاَ أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالُوا صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ لَنَبَّاتُكُمْ بِهِ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ)). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج10/ص10 - 13)، برقم السؤال (1819).

الجنس الخامس: عدم وجود الحديث في كتب الراوي له. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي رافع عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((فِي الوضُوءِ بِالْنَبِيذِ)). فقال - الدارقطني -: يرويه أبو سعيد مولى بنى هاشم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود، وتابعه عبد العزيز بن أبي رزمة ولا يثبت هذا الحديث لأنَّه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات وعلي بن زيد ضعيف وأبو رافع لا يثبت سماعه من ابن مسعود ... " (¬1). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي: أنَّ الحديث لا يثبت؛ لأنَّه من رواية حماد بن سلمة وليس في كتبه المصنفات، فدل ذلك أنَّ الحديث لا أصل له. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسُئِل - الدارقطني -: عَن حَدِيثِ المَقبُرِيِّ، عَن أَبِي هُرَيرة - رضي الله عنه -، قال رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلم: مَن كانَت لَهُ عِند أَخِيهِ مَظلِمَةٌ فِي عِرضِهِ أَو مالِهِ فَليَتَحَلَّلهُ قَبل أَن يُؤخَذ مِنهُ لا دِينارٌ ولا دِرهَمٌ، إِن كان لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذ مِنهُ بِقَدرِ مَظلِمَتِهِ وإِلاّ أُخِذَت مِن سَيِّئاتِهِ فَجُعِلَت عَلَيهِ)). فقال - الدارقطني -: يرويه ابن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ورواه مالك بن أنس، واختلف عنه، فرواه إبراهيم بن طهمان وإسماعيل بن عياش، وخالد بن حميد، وصدقة بن عبدالله، وابن وهب، ويحيى القطان ومعنى بن عيسى وابن أبي أويس، وعبد العزيز بن يحيى، عن مالك، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وليس في الموطأ ... حدثنا علي بن مبشر، ثنا أحمد بن سنان القطان، حدثني يحيى بن سعيد القطان عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كانت له مظلمة قبل أخيه في مال أو عرض فليأته فليستحلها منه قبل أن يؤخذ ليس ثم دينار ولا درهم، إن كانت حسنات ¬

(¬1) المصدر السابق، (ج5/ص 345 - 347)، برقم السؤال (940).

أخذت من حسناته فأعطيها هذا، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات هذا فالقي عليه)). حدثنا أبو بكر النيسابوري ثنا صالح بن أحمد بن حنبل ثنا علي بن المديني ثنا يحيى عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. قال علي - يعني المديني -: فذكرته لعبدالرحمن فقال: ليس هو في كتاب مالك ويحيى ابن يحيى، قال علي: فسألت عنه معنىً فقال: هو عند مالك حدثه به ثم تركه " (¬1). قلتُ: ووجه العلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني هي: أنَّ الحديث لا يثبت لأنَّه من رواية مالك وليس في كتابه " الموطأ "، فدل ذلك أنَّ الحديث لا أصل له من رواية مالك. الجنس السادس: علة عدم ثبوت صحة السماع المتوهم من العنعنة. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث علي بن ربيعة الوالبي الأسدي، عن علي - رضي الله عنه - في ركوب الدَّابة، وما يقال عند ذلك؟. فقال - الدارقطني -: حدث به أبو إسحاق السبيعي (¬2)، عن علي بن ربيعة (¬3) رواه، عن أبي إسحاق كذلك منصور بن المعتمر وعمرو بن قيس الملائي، وسفيان الثوري وأبو الأحوص وشريك، وأبو نوفل علي بن سليمان والأجلح بن عبد الله، واختلف عنه فقال مصعب بن سلام، عن الأجلح وأبو يوسف القاضي، عن ليث جميعاً عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ووهما، والصواب ما رواه شيبان، عن الأجلح عن أبي إسحاق عن علي بن ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج10/ 357 - 358)، برقم السؤال (2049). (¬2) هو عمرو بن عبدالله بن عبيد أو على أو ابن أبى شعيرة، الهمداني، أبو إسحاق السبيعي الكوفي (ت:126هـ أو 127هـ)، من كبار الحفاظ الثقات المكثرين الذين تدور عليهم الأحاديث، قال أبو حاتم ثقة وهو أحفظ من أبي إسحاق الشيباني وشبه الزهري في كثرة الرواية، وقد وصف بالتدليس، وأخرج حديثه الستة، وخلق كثير، تهذيب التهذيب (ج8 /ص 56 - 59). (¬3) هو علي بن ربيعة بن نضلة الوالبي الأسدي ويقال البجلي أبو المغيرة الكوفي، (ت: هـ)، قال ابن المغيرة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، تهذيب التهذيب (ج7 /ص281).

ربيعة، وكذلك قال أصحاب أبي إسحاق عنه. وأبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة، يُبِّينُ ذلك ما رواه عبدالرحمن ابن مهدي، عن شعبة قال: قلت لأبي إسحاق سمعته من علي بن ربيعة؟ فقال: حدثني يونس بن خباب عن رجل عنه. وروى هذا الحديث شعيب بن صفوان، عن يونس بن خباب، عن شقيق بن عقبة، عن علي بن ربيعة، ورواه المنهال بن عمر، وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير، عن علي بن ربيعة، فهو من رواية أبي إسحاق مرسلا، وأحسنها إسنادا حديث المنهال بن عمرو، عن علي بن ربيعة، والله أعلم. ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن علي بن ربيعة حدثنا القاضي حسين بن إسماعيل، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الباهلي، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا سفيان، حدثني أبو إسحاق، عن علي بن ربيعة، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلِيْهِ وَسَلَّمَ، قال: ((يَتَعَجْبُ الرَّبُ أَوْ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَ إِذَا قَالَ العَبْدُ: سُبْحَانَكَ الَّلهُمَّ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَ أَنْتَ)) " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من أن السند ظاهره الصحة هي: عدم سماع أبي إسحاق هذا الحديث من علي بن ربيعة، وحجة الإمام الدارقطني في ذلك تصريح أبي إسحاق نفسه بهذا، وهو من أصح الأدلة على عدم السماع. ولقد سبق أبو حاتم الدارقطنيَّ في الحكم على هذا الحديث، فذكر في العلل تصريح أبي إسحاق بعدم السماع من رواية أخرى، فقال ابن أبي حاتم: " سألتُ أبي، عن حديثٍ، رواه الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن علي ابن ربيعة قال: كنت رِدْف على ... ! فقال: حين ركب الحمد لله ثلاثا، سبحان الذي سخر لنا هذا ... ، وذكر الحديث؟ ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج4 / ص 59 - 63)، سؤال رقم (430).

فقال أبي: حدثني أبو زياد القطان عن يحيى بن سعيد قال كنت أعجب من حديث على بن ربيعة: " كنت رديف على "، لأنَّ علىَّ بن ربيعة كان حَدَثاً في عهد على، ومِثْلَهُ أَنكرتُ أن يكونَ رِدْفَ عليَّ، حتى حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة قلت لسفيان سمعه أبو إسحاق من على بن ربيعة؟، فقال: سألتُ أبا إسحاق عنه فقال: حدثنى رجل، عن علي بن ربيعة " (¬1). وبهذه العلة صار الإسناد معلول بعدم السماع وهي علة غاية في الدقة والإتقان، ولا يفطن إليها إلاَّ جهابذة النُّقاد في علل الحديث. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عبدالله بن نجي عن علي - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ تِمْثَالٌ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه الحارث العكلي (¬3)، واختلف عنه فرواه مغيرة بن مقسم وعمارة بن القعقاع واختلف عنهما، عن الحارث العكلي فأما حديث المغيرة فرواه جرير بن عبد الحميد عنه عن الحارث العكلي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن عبدالله بن نجي، وخالفه أبو بكر بن عياش، فرواه عن المغيرة عن الحارث، عن عبدالله بن نجي لم يذكر بينهما أبا زرعة. واختلف عن عمارة بن القعقاع: فرواه عبدالواحد بن زياد عن عمارة، عن الحارث العكلي، عن أبي زرعة عن عبدالله بن نجي حدث به عنه أبو سعيد مولى بني هاشم، ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: العلل (ص 669)، سؤال رقم (799). (¬2) أخرجه أبو داود: في السنن، كتاب اللباس، باب في الصور، (ج2/ ص 471)، برقم (4153) من طريق سهيل يعني ابن أبي صالح عن سعيد بن يسار الأنصاري عن زيد بن خالد الجهني عن أبي طلحة الأنصاري، بلفظ: " لاَ تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ تِمْثَالٌ ". (¬3) الحارث بن يزيد العكلى التيمى الكوفى (ت:؟)، ثقة فقيه من الطبقة السادسة، من الذين عاصروا صغارالتابعين، أخرج له الشيخان، والنسائي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج2/ص142).

وإسحاق بن عمر بن سليط، وقال مسدد، عن عبدالواحد عن عمارة عن أبي زرعة لم يذكر بينهما الحارث، ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن الحارث العكلي عن أبي زرعة، عن عبدالله بن نجي، عن علي وروي، عن أبي إسحاق السبيعي، وجابر الجعفي، عن ابن نجي وهو غريب عنهما، ويقال أن عبدالله بن نجي (¬1) لم يسمع هذا من علي وإنَّما رواه عن أبيه عن علي، وليس بقوي في الحديث " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني على الرغم من أن السند ظاهره الصحة هي: عدم سماع عبدالله بن نجي من علي، وحجة الإمام الدارقطني في ذلك أقوال أهل العلم، قد نقله الحافظ ابن حجر في ترجمة عبدالله بن نجي: " قال البخاري وأبو أحمد بن عدي فيه نظر وقال النسائي: ثقة ... ، قلت: قال ابن معين لم يسمع من علي بينه وبينه أبوه، وقال البزار: سمع هو وأبوه من علي وكناه النَّسائي أبا لقمان " (¬3). الجنس السابع: قلب جزء من الإسناد أو إبدال رُواة مكان رُواة. وتنشأ هذه العلة عند حدوث الوهم أو الخطأ من الراوي فيبدل جزءاً من الإسناد ليس من أصل الإسناد، ويبقى بقية الإسناد بنفس السياق، وهذه العلة من العلل الدقيقة التي لا يتفطن إليها إلا كبار وجهابذة النقاد من أهل العلم، وقد وقع الكثير من هذا النوع في كتب العلل، وعلى رأسهم كتاب العلل للإمام الدارقطني، وهذه أمثلة منه: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: ((سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ ¬

(¬1) عبدالله بن نجى بن سلمة بن حشم بن أسد بن خليبة الحضرمى الكوفى (ت:؟)، صدوق من الطبقة الثالثة، أخرج له الجماعة إلا الترمذي، تهذيب التهذيب (ج6/ص50). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج3/ص257 - 258)، سؤال رقم (393). (¬3) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج6/ص50).

رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان واختلف عنه: فرواه الوليد ابن مسلم، وكثير بن هشام، ويحيى بن عمرو بن عمارة بن راشد أبو الخطاب الليثي عن ابن ثوبان، عن أبيه عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل وخالفهم زيد بن يحيى (¬2): فرواه عن ابن ثوبان واختلف عنه فقال سلمة بن شبيب عنه عن ابن ثوبان عن أبيه عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ لم يذكر في الإسناد مكحولاً، وكذلك قال كثير بن عبيد عن الوليد، عن ابن ثوبان، وقال عباس الترقفي: عن زيد بن يحيى، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن ابن جبير بن نفير، عن أبيه، عن معاذ. لم يذكر في الإسناد مكحولاً ولا مالك بن يخامر، وزاد فيه عبدالرحمن بن جبير، والصحيح قول من قال عن ابن ثوبان، عن مكحول، عن جبير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ " (¬3). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ زيد بن يحيى وهو الخزاعي، أبو عبدالله الدمشقي خالف جمعاً من الثقات منهم الوليد بن مسلم، وكثير بن هشام، ويحيى بن عمرو بن ¬

(¬1) أخرجه الطبراني: في المعجم الكبير (ج20/ص93) برقم (16938)، على الوجه المعلول الذي أشار إليه الدارقطني في المثال من طريق معاوية بن صالح عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن معاذ بن جبل به، وكذلك أخرجه من الوجه الآخر الذي لم يذكر فيه مكحولاً: (ج20/ص106) برقم (16965)، من طريق عبدالرحمن الدمشقي ثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن جبير بن نفير أنَّ مالك بن يخامر حدثهم أنَّ معاذ بن جبل قال لهم به، وكذا أخرجه من الوجه الراجح عند الدارقطني: (ج20/ص107) برقم (16969)، من طريق عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل به. (¬2) زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعى، أبو عبد الله الدمشقى (ت: 207هـ)، ثقة من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، أخرج له الأربعة في السنن إلا الترمذي، تهذيب التهذيب (ج3/ص 369). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج6/ص48 - 49)، سؤال رقم (968).

عمارة بن راشد أبو الخطاب الليثي عن ابن ثوبان، فأبدل جزءاً من الإسناد فقال "عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه" بدلاً من "عن مكحول، عن جبير، عن مالك ابن يخامر"، ثم رجح الدارقطني طريق عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، وذلك لرواية الثقات الحديث بهذا الإسناد وهم أوثق من زيد بن يحيى الخزاعي وأكثر عدداً. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عمر بن ثابت عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه جماعة من الثقات الحفاظ عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب منهم ابن جريح والثوري وعمرو بن الحارث وابن المبارك وإسماعيل ابن جعفر وغيرهم، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه: فرواه حفص بن غياث عن يحيى عن أخيه سعد بن سعيد، وخالفه إسماعيل بن إبراهيم الصائغ، وعبد الملك بن أبي بكر الحضرمي فروياه، عن يحيى بن سعيد عن عمر بن ثابت لم يذكر في إسناده سعد بن سعيد. ورواه إسحاق بن أبي فروة (¬2)، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت، عن البراء ووهم فيه وهماً قبيحاً، والصواب حديث أبي أيوب: حدثنا محمد بن مخلد، قال: ثنا محمد بن علي بن خلف العطار، قال: ثنا عمرو بن عبد الغفار، عن الحسن بن حي وسفيان بن سعيد الثوري، ¬

(¬1) أخرجه بوجه آخر الإمام مسلم: في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعا لرمضان، (ج4/ ص312)، برقم (1164). (¬2) هو إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبى فروة الفروي، القرشي (ت:226هـ)، صدوق من الطبقة العاشرة، من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، أخرج له البخاري والترمذي وابن ماجه كما في تهذيب التهذيب (ج1/ص 217).

عن سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبى أيوب الأنصاري، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ)) " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ إسحاق بن أبي فروة وهو الفروي القرشي، أبدل جزءاً من الإسناد من بعد يحيى بن سعيد الأنصاري فقال "عن عدي بن ثابت، عن البراء"، بدلاً من " عمر بن ثابت عن أبى أيوب الأنصاري"، وقد ذكر الدارقطني فحش هذا الغلط في الإسناد، ثم روي بالإسناد الصحيح الراجح الحديث، وحجته في ذلك الرواية التي ساقها، وكذلك مخالفة إسحاق بن أبي فروة للثقات الحفاظ الذين رووا الحديث عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب منهم ابن جريح والثوري وعمرو بن الحارث وابن المبارك وإسماعيل بن جعفر وغيرهم. الجنس الثامن: شك الراوي في الحديث أو اضطرابه فيما يرويه. وتنشأ هذه العلة بسبب شك الراواي في حديثه، واضطرابه فيه فهو يرويه على أوجه مضطربة لا تصح، وهذه الظاهرة تدل على عدم حفظ الراوي لحديثه، فيعل النقاد الحديث بالاضطراب، وقد وقع هذا من بعض الحفاظ الكبار، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: ((قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ فُلاَنًا يَقُولُ خَيْرًا ذَكَرَ أَنَّكَ أَعْطَيْتَهُ دِينَارَيْنِ، قَالَ: لَكِنْ فُلَانٌ لاَ يَقُولُ ذَلِكَ وَلاَ يُثْنِي بِهِ، لَقَدْ أَعْطَيْتُهُ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْمِائَةِ ...)) (¬2) الحديث. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج6/ص107 - 108)، سؤال رقم (1009). (¬2) أخرجه أحمد بن حنبل بالوجه الأقرب للصواب عنده: في المسند (ج3/ص16)، برقم: (11139)، من طريق أبو بكر - بن عياش - عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري، ثم جاء بمتابعة جرير عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد فذكر نحوه.

فقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش (¬1)، واختلف عنه، فرواه أبو بكر بن عياش عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد. وخالفه زياد البكائي وجرير بن عبد الحميد، فروياه عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد ورواه حبان بن علي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر. وقال أبو كريب: عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وقال عبدالله بن بشر: عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وليس فيها شئ أقطع على صحته، لأنَّ الأعمش اضطرب فيه، وكل من رواه عنه ثقة إلا حبان " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي اضطراب الأعمش في رواية الحديث فإنَّه يرويه مرة عن أبي سعيد الخدري، ومرة يرويه عن جابر بن عبدالله، ومرة يرويه عن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، مما أظهر عدم تثبت الأعمش من الحديث، وقد توقف الدارقطني فلم يحكم بصحة أي الأوجه في الحديث، إلا إنَّه يمكن القول أنَّ الأشبه والأقرب للصواب حديث أبي سعيد الخدري، لوجود متابعات لها أكثر من غيرها، وقد أخرج الإمام أحمد بعض المتابعات كما أشرنا إليها من قبل منها: متابعة جرير عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد، والله أعلم. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قَالَ: ((خَطَبَ عُمَرُ - رضي الله عنه - النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي مِثْلِ مَقَامِي هَذَا فَقَالَ أَحْسِنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبَ)) (¬3) الحديث. ¬

(¬1) هو سليمان بن مهران الأسدى الكاهلي، أبو محمد الكوفى (ت: 148هـ)، ثقة حافظ أحد الأعلام من الطبقة الخامسة، من صغار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج4/ص 195). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج11/ص343)، سؤال رقم (2326). (¬3) أخرجه أحمد بن حنبل بالوجه الأقرب للصواب عنده: في المسند (ج1/ص32)، برقم (177) من طريق جرير عن عبدالملك بن عمير عن جابر بن سمرة وتمامه: ((قَالَ خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي مِثْلِ مَقَامِي هَذَا فَقَالَ أَحْسِنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَحْلِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْيَمِينِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْلَفَ عَلَيْهَا وَيَشْهَدُ عَلَى الشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنَالَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ تَسُرُّهُ حَسَنَتُهُ وَتَسُوءُهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ)).

فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالملك بن عمير (¬1)، واختلف عنه في إسناده فقيل عنه فيه عدة أقاويل: ورواه جرير بن حازم، ومحمد بن شبيب الزهراني، وقرة بن خالد، وجرير بن عبدالحميد، وقيل عن شعبة بن الحجاج فقالوا: عن عبدالملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عن عمر، وخالفهم جماعة ثقات منهم: عبدالله بن المختار، ويونس بن أبي إسحاق، وابنه إسرائيل ومعمر، وعبدالحكيم بن منصور، وحبان ومندل ابنا علي، وسفيان الثوري. وقيل عن شعبة والمسعودي، وداود بن الزبرقان، والحسين بن واقد، والحصين بن واقد شيخ روى عنه، وأبو بكر بن عياش، وقزعة بن سويد، وأبو عوانة فرووه: عن عبدالملك بن عمير، عن عبدالله بن الزبير، عن عمر. ورواه شيبان بن عبدالرحمن وشعيب بن صفوان، وعبيدالله بن عمر الرقى، عن عبدالملك بن عمير عن رجل لم يسم عن عبدالله بن الزبير. وقال عبدالحميد بن موسى، عن عبيدالله بن عمرو، عن عبدالملك، عن مجاهد، عن ابن الزبير، عن عمر ولم يصنع شيئا. وقال عمران هو أخو سفيان بن عيينة عن عبدالملك عن ربعي بن حراش عن عمر. ¬

(¬1) هو عبدالملك بن عمير بن سويد الفرسي اللخمي، أبو عمرو الكوفى (ت: 136هـ)، ثقة الطبقة الرابعة: تلى الوسطى من التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج6/ص 364).

وقال يحيى بن يعلى أبو المحياة، وزهير ومحمد بن ثابت، عن عبدالملك، عن قبيصة بن جابر، عن عمر. وقال حماد بن سلمة والمسعودي، وقيس من رواية محمد بن مصعب عنهم، عن عبدالملك عن رجاء بن حيوة، عن عمر. وقال ابن عيينة، عن عبدالملك، عن رجل لم يسمه، عن عمر. ويشبه أن يكون الاضطراب في هذا الإسناد من عبدالملك بن عمير لكثرة اختلاف الثقات عنه في الإسناد والله أعلم " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي كثرة اضطراب الإسناد ولم يرجح الدارقطني وجهاً على وجهٍ، لتساوي الأوجه في القوة والثبات، ثم جزم أنَّ أصل الاضطراب من عبدالملك بن عمير لكثرة اختلاف الثقات عنه في إسناد الحديث. الجنس التاسع: إنكار المحدث للحديث الذي روي عنه. قال الحافظ ابن كثير: " إذا حدث ثقة عن ثقة بحديث، فأنكر الشيخ سماعه لذلك بالكلية، فاختار ابن الصلاح أنه لا تقبل روايته عنه، بجزمه بإنكاره، ولا يقدح ذلك في عدالة الراوي عنه فيما عداه، بخلاف ما إذا قال: لا أعرف هذا الحديث من سماعي، فإنَّه تقبل روايته عنه. وأما إذا نسيه، فإن الجمهور يقبلونه، ورده بعض الحنفية. كحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ". قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه؟ فلم يعرفه " (¬2). ولم أجد إلا حديثاً واحداً قد أعلَّه الدارقطني في العلل بهذه العلة مع طول بحث وتفتيش: ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص125)، سؤال رقم (155). (¬2) ابن كثير: الباعث الحثيث مختصر علوم الحديث، (ص146).

المثال: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، حدَّث به عنه سليمان بن بلال، واختلف عنه، فرواه القعنبي، وإسماعيل ابن أبي أويس، ويحيى الحماني وزياد بن يونس، وعبدالله بن وهب عن سليمان بن بلال، عن ربيعة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة. وخالفهم أبو بكر بن أبي أويس، وعمران بن أبان، روياه عن سليمان ابن بلال عن سُهيل لم يذكرا فيه ربيعة. والصحيح: عن سليمان بن بلال عن ربيعة، وقد بيَّن ذلك زياد بن يونس في روايته عن سليمان، فقال فيه: قال سليمان: فلقيت سُهيلاً سألته عنه فلم يعرفه، فقلت: حدثني به عنك ربيعة فقال: فحدث به عن ربيعة عني " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ سُهيل بن أبي صالح لما سئل عن الحديث الذي رواه لم يعرفه!، ولا شك أنَّ هذا من قبيل النسيان وليس الإنكار، فهو حديث صحيح لا غبار عليه، ولا يعكر صفوه ذكر النُّقاد له في مصنفات العلل، وله شاهد من حديث جابر بن عبدالله أخرجه الترمذي وابن ماجه (¬3)، وغيرهما كلاهما من طريق محمد بن بشار حدثنا عبدالوهاب حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ))، فدل على أنه ثابت صحيح، والله أعلم. ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه: في السنن، كتاب الأحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين (ج2/ص 793) برقم (2368)، من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج10/ص 139)، سؤال رقم (1929). (¬3) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الأحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد (ج3/ص 628)، برقم (1344)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الأحكام، باب باب القضاء بالشاهد واليمين (ج2/ص 793)، برقم (2369).

الجنس العاشر: علة رواية الحديث عن عدد من الشيوخ بلفظ وسياق واحد. وتنشأ هذه العلة عندما يروي أحد الرواة حديثاً واحداً، ثم يأتي به على سياق واحد، ومعلوم أنَّ الرواة يختلفون في السياق، وهذا يعني أنَّه أدخل الأحاديث المختلفة في سياقٍ واحدٍ، وهذه علامة على عدم الحفظ، وهي من أدق أجناس العلل وأصعبها. وقد أوضح الحافظ ابن رجب هذه الظاهرة فقال: "وقال أبو يعلى الخليلي في كتابه الإرشاد: " ذاكرت بعض الحفاظ قلت: لِمَ لَمْ يُدخل البخاري حماد بن سلمة في الصحيح؟. قال: لأنَّه يجمع بين جماعة من أصحاب أنس، يقول: أخبرنا قتادة، وثابت، وعبدالعزيز بن صهيب عن أنس، وربما يخالف في بعض ذلك. فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد، فيقول: أخبرنا مالك، وعمرو بن الحارث والأوزاعي، ويجمع بين جماعة غيرهم؟!. فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ. ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره" (¬1). وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة - رضي الله عنه -: قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا ...)) (¬2). الحديث. ¬

(¬1) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص453 - 454). (¬2) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الإيمان، باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)، (ج1/ ص107)، برقم (31)، ومسلم، في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، (ج9/ص237)، برقم (2888)، كلاهما من طريق حماد بن زيد حدثنا أيوب ويونس عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن أبي بكرة به، على الوجه الصحيح.

فقال - الدارقطني -: يرويه الحسن البصري عن الأحنف واختلف عنه: فرواه أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وهشام بن حسان، ومعلى بن زياد، عن الحسن عن الأحنف. واختلف عن يونس وهشام: فروي عن حماد بن زيد عنهما عن الحسن عن الأحنف، وخالفه أبو خلف عبدالله بن عيسى، ومحبوب بن الحسن، فرواه عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة. وخالفه أيضاً في روايته عن هشام، وزائدة فروياه عن هشام عن الحسن عن أبي بكرة وكذلك قال أبو الربيع الزهراني عن حماد بن زيد عن هشام، ولعل حماد إنَّما جمع بين أيوب وهشام ويونس في الإسناد على حديثيهما على إسناد حديث أيوب، فذكر فيه الأحنف وهما لا يذكرانه، ورواه قتادة، ومعروف الأعور، وجسر بن فرقد، عن الحسن عن أبي بكرة. ولم يذكروا فيه الأحنف والصحيح حديث أيوب حدث به عنه حماد بن زيد ومعمر" (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ: "حماد بن زيد جمع بين أيوب وهشام ويونس في الإسناد على حديثيهما على إسناد حديث أيوب، فذكر فيه الأحنف وهما لا يذكرانه ". وليس هذا بصحيح فإنَّ البخاري ذكر قرينة جعلت من جمع حماد بن زيد بين أيوب ويونس حديثاً واحداً، بسياقٍ واحدٍ؛ لأنَّ مجلس التحديث كان واحداً فذكرا فيه الأحنف بن قيس مما جعل البخاري يرجح هذا الجمع لحماد بن زيد، والقرينة التي ذكرها البخاري هي قوله: " قال حماد بن زيد فذكرت هذا الحديث لأيوب ويونس بن عبيد وأنا أريد أن يحدثاني به فقالا: إنَّما روى هذا الحديث الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن أبي بكرة. حدثنا سليمان حدثنا حماد بهذا " (¬2). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج7/ص162 - 164)، سؤال رقم (1276). (¬2) البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما، (ج13/ص38)، رقم (7083)، بلفظ: ((إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، ثم قال الحافظ ابن حجر في الفتح بعد ذلك: " يعني أن عمرو بن عبيد أخطأ في حذف الأحنف بين الحسن وأبي بكرة، لكن وافقه قتادة أخرجه النسائي من وجهين عنه عن الحسن عن أبي بكرة، إلا أنه اقتصر على الحديث دون القصة، فكأن الحسن كان يرسله عن أبي بكرة فإذا ذكر القصة أسنده ".

فثبت أنَّ إخراج البخاري ومسلم وغيرهما الإسناد من طريق حماد بن زيد، عن أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن أبي بكرة، بهذا الجمع صحيح لا غبار عليه للقرينة التي ذكرها البخاري في صحيحه. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عمرو بن شرحبيل عن عبدالله - رضي الله عنه -: ((قَالَ رَجُلٌ يَا رسُول اللهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ...)) (¬1). الحديث فقال - الدارقطني -: يرويه منصور عن أبي وائل عن أبي ميسرة عن عبدالله. ورواه الأعمش، واختلف عنه: فرواه الثوري ومعمر، وجرير وعبدالله بن نمير، عن الأعمش عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله. وخالفهم أبو شهاب الحناط وأبو معاوية الضرير وشيبان بن عبدالرحمن فرووه: عن الأعمش، عن أبي وائل عن عبدالله. وكذلك رواه واصل الأحدب واختلف عنه فرواه الثوري وشعبة ومهدي بن ميمون عن واصل عن أبي وائل عن عبدالله. ورواه عبدالرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن واصل، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله، ووهم على الثوري ... ورواه عبدالرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير، فجمعا بين واصل ومنصور والأعمش عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن عبدالله. فيشبه أن يكون الثوري جمع بين الثلاثة لعبدالرحمن، ولابن كثير فجعل إسنادهم واحداً، ولم يذكر بينهم خلافاً وحمل حديث واصل ¬

(¬1) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى (فلا تجعلوا لله أنداداً)، (ج13/ص557)، برقم (7520)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده، (ج1/ ص357)، برقم (86)، كلاهما من طريق جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبدالله - يعني ابن مسعود - به، على الوجه الصحيح.

على حديث الأعمش ومنصور، وفَصَلَهُ يحيى بن سعيد فجعل حديث واصل عن أبي وائل عن عبدالله وهو الصواب؛ لأنَّ شعبة ومهدي بن ميمون روياه عن واصل عن أبي وائل عن عبدالله كما رواه يحيى عن الثوري عنه، والله أعلم " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ: " الوهم الذي وقع فيه سفيان الثوري حيث جمع في هذا الحديث بين رواية ثلاثة وهم: واصل ومنصور والأعمش، ولم يذكر الخلاف بينهم، بل جعل حديث واصل (¬2) مثل حديث الأعمش، ومنصور، ثم رجَّح الدارقطني التفصيل الذي رواه يحيى بن سعيد، والذي لم يُذكر في حديث واصل "عمرو ابن شرحبيل"، وذلك؛ لأنَّ أغلب من رواه من الرواة من طريق واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله بغير ذكر عمرو بن شرحبيل، وهو الصحيح الراجح، والله أعلم. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج5/ص223)، سؤال رقم (834). (¬2) هو واصل بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي (ت: 120هـ)، ثقة ثبت من الطبقة السادسة عاصر صغار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج11/ص 91).

المبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون

المبحث الثالث: أجناس العلل الخفية في المتون: سنتعرض في هذا المبحث لأجناس العلل الخفية في المتون عند الإمام الدارقطني في كتابه العلل، وكان كل ما سبق ذكره من قبيل أجناس العلل التي تخص الإسناد دون المتن، وأما في هذا المبحث فسوف نقوم إن شاء الله بدراسة مجموعة من أجناس العلل الخاصة بالمتون ثم نضرب لها أمثلة تُبيّنها وتظهر المقصود من العلة، ومنهج الدارقطني فيها. الجنس الأول: التصحيف والتحريف في متن الحديث. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني - عن حديث همام بن منبه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((النَّارُ جُبَارٌ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، قال إسحاق بن إبراهيم بن هاني: عن أحمد بن حنبل إنما هو البئر جبار، وأهل صنعاء يكتبون النار بالباء على الإمالة للفظهم، فصحفوا على عبدالرزاق البئر بالنار، والصحيح الْبِئْرُ. قال الشيخ: إسحاق هذا له عن أحمد مسائل وكان ألزم لأحمد من أبيه " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: التصحيف في متن الحديث حيث صحَّفه أهل صنعاء من البئر إلى النار، والرِّوايات كلها تخالف هذا اللفظ، واستدل الدارقطني بقول الإمام أحمد بن حنبل: على أنَّ الصحيح في هذه اللفظة " الْبِئْرُ ". ¬

(¬1) وهو جزء من حديث متفق عليه على الوجه الصحيح بتمامه: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب الزكاة، باب في الركائز الخمس، (ج3/ص414)، برقم (1499)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، (ج6/ ص241)، برقم (1710)،كلاهما من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة مثله. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج11/ص164 - 165)، سؤال رقم (2197).

الجنس الثاني: ما كان علته أنَّه لا يشبه كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم. وهذه العلة من أغمض العلل وأصعبها، ولا يطلع على حقيقتها إلا أهل الحذق والمعرفة الدقيقة بهذا العلم الشريف، وقد تكلم عليها ابن القيم في المنار المنيف فقال: " ومنها أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء فضلا عن كلام رسول الله الذي هو وحي يوحى كما قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (¬1)، أي وما نطقه إلا وحي يوحى، فيكون الحديث مما لا يشبه الوحي، بل لا يشبه كلام الصحابة " (¬2) وسوف نضرب بعض الأمثلة لتوضيح هذه العلة. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((المعِدَةُ حَوْضُ البَدَنِ وَالْعُرُوقُ إِليهَا وَارِدَةٌ)) (¬3) فقال - الدارقطني - يرويه يحيى بن عبدالله بن الضحاك البابلتي الحراني، عن إبراهيم بن جريج الرهاوي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. واختلف عنه فرواه أبو فروة الرهاوي عنه، فقال: عن الزهري، عن عروة عن عائشة. وكلاهما وهم لا يصح ولا يعرف هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو من كلام عبدالملك بن سعيد بن أبجر، قيل لأبي الحسن الدارقطني هل سمع زيد بن أبي أنيسة من الزهري فقال: نعم ولم يرو هذا مسندا غير إبراهيم بن جريج، وكان طبيبا فجعل له إسنادا ولم يُسْنِد غير هذا الحديث " (¬4). المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث ابن المسيّب عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((الإحْصَانُ إِحْصَانَانِ إِحْصَانُ عَفَافٍ، وَإحْصَانُ نِكَاحٍ))، فقال ¬

(¬1) سورة النَّجم: الآيات (3، 4). (¬2) ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي (ت: 751هـ)، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، طبع مكتبة المطبوعات الإسلامية، بيروت، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، (ص 61 - 62). (¬3) أخرجه الطبراني: في المعجم الأوسط (ج10/ص48)، برقم (4494)، وفيه عبدالله بن الضحاك البابلتي (ت: 218هـ)، ضعيف أخرج له النسائي، تهذيب التهذيب (ج12/ص 286). (¬4) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج8/ص42 - 43)، سؤال رقم (1401).

- الدارقطني -: يرويه مبشر بن عبيد، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعا، ومبشر متروك الحديث يشبه أن يكون من كلام الزهري، بل هو محفوظ عن عقيل، ومعمر، عن الزهري قوله ورأيه " (¬1). قلتُ: وواضح من العلة التي أشار إليها الدارقطني في المثالين السابقين أنّ المتن في كليهما لا يشبه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عليه نور الوحي، وحجته في الأول أنَّ هذا الكلام ثابت من كلام عبدالملك بن سعيد بن أبجر، وفي حجته في الثاني أنَّه محفوظ من كلام الزهري كما رواه عنه عقيل، ومعمر أنَّه مجرد رأيه وقوله، والله الهادي. الجنس الثالث: ما كان فيه كلام مدرج، ليس من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث جابر بن عبدالله عن عمر رضي الله عنه عن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنْ عِشْتُ لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ)) (¬2). فقال -الدارقطني-: يرويه أبو الزبير ووهب بن منبه عن جابر واختلف عن الزهري فرواه إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة عن الزهري قال: حدثني ابن تدرس وهو أبو الزبير عن جابر عن عمر. وخالفه محمد بن فليح رواه عن موسى بن عقبة عن الزهري قال: قال جابر عن عمر مرسلاً، ورواه أبو أحمد الزبيري عن الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن عمر هذا الحديث وألحق به كلاما آخر أدرجه فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهين أن يسمى رباحاً ونجيحاً، ووهم في إدراجه هذا الكلام عن عمر" (¬3). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني في هذا المتن هي إدراج لفظة: " لأنهين أن يسمى رباحاً ونجيحاً " في آخر الحديث، ولم تثبت من كلام النَّبي صلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ورجح الدارقطني أنها من قول عمر رضى الله عنه، وحجته في ذلك أنَّ الثقات رووه بغير هذه اللفظة، وإنما ثبتت من قول عمر رضى الله عنه، والله أعلم. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج9/ص133)، سؤال رقم (1677). (¬2) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح على شرط مسلم: في المسند، (ج1/ص29)، برقم (201). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص95 - 96)، سؤال رقم (137).

المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي عبدالرحمن السلمي عن عثمان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه علقمة بن مرثد وسعد بن عبيدة، وعبد الملك ابن عمير وسلمة بن كهيل، وعاصم بن بهدلة، والحسن بن عبيدالله، وعبدالكريم وعطاء ابن السائب، واختلف عنه عن أبي عبد الرحمن السلمي، واختلف عن علقمة بن مرثد: فرواه موسى بن قيس الفراء من رواية أبي نعيم عنه، وعمرو بن قيس الملائي ... ورواه الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبدالرحمن، عن عثمان، وقد اختلف عن إسحاق بن سليمان (¬2) فيه: فقال يعلى بن المنهال، عن إسحاق بن سليمان عن الجراح: " وفضل كلام الله على سائر خلقه ... "، أدرجه في كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما هُو من كلام أبي عبدالرحمن السُلَمِي، وبين ذلك إسحاق بن راهويه وغيره في روايتهم عن إسحاق بن سليمان " (¬3). قلتُ: ورجح الدارقطني هنا أنّ لفظة " وفضل كلام الله على سائر خلقه ... "، مدرجة على كلام النّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما هي ثابتة من قول أبي عبدالرحمن السُّلَمِي، وحجته ما رواه إسحاق بن راهويه وغيره في روايتهم عن إسحاق بن سليمان، من عدم إدارج هذه اللفظة في الحديث. الجنس الرابع: ما كانت علته من تغير بزيادة على المتن المحفوظ. وتنشأ هذه العلة عند الوهم أو الخطأ في متن الحديث بزيادة تدخل عليه، ليست من أصل الرواية، بخلاف المحفوظ من مرويَّات الثقات، ولا شك أنَّ هذا النوع مختلف عن ¬

(¬1) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، (ج9/ص85)، برقم (5027)، بغير اللفظة المدرجة. (¬2) هو إسحاق بن سليمان الرازى، أبو يحيى العبدى الكوفي، (ت: 200 هـ وقيل قبلها)، ثقة فاضل، من الطبقة التاسعة صغار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج12/ص 286). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج3/ص53 - 57)، سؤال رقم (283).

النوع الذي قبله وهو المدرج، فإنَّ المدرج قد يكون من أصل الرواية، ولكنه ليس من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما يكون من قول بعض الرواة، وقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث حُصَيْنٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِي اللَّه عَنْه عَلَى الْمِنْبَرِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ((لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ إِلاَّ الْحَدَثُ لاَ أَسْتَحْيِيكُمْ مِمَّا لاَ يَسْتَحْيِي مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَالْحَدَثُ أَنْ يَفْسُوَ أَوْ يَضْرِطَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه أبو سنان ضرار بن مرة (¬2)، واختلف عنه فرواه حبان ومندل ابنا علي، عن أبي سنان، عن حصين المزني، عن علي. وخالفهما أبو بكر بن عياش فرواه: عن أبي سنان، عن الحكم بن عتيبة، عن شريح بن هانئ، عن علي وفي متن الحديث زيادة: إذا توضأ الرجل فهو في صلاة ما لم يحدث ويشبه أن يكون الصحيح قول مندل وحبان والله أعلم، وقال أبو مسعود أحمد بن الفرات في هذا الحديث عن شيخ له عن أبي بكر بن عياش عن أبي سنان عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح عن علي ولم يتابع عليه " (¬3). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنّ أبو بكر بن عياش وهم فزاد في المتن لفظة " إذا توضأ الرجل فهو في صلاة ما لم يحدث "، وهي زيادة ليست من أصل الحديث ولا ¬

(¬1) أخرجه أحمد: في المسند، (ج1/ص138)، برقم (1164) بسندٍ ضعيفٍ لضعف حبان بن علي لكنَّه حسن لغيره لما له من شواهد صحيحة، حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد الخدري غيرهما. (¬2) هو ضرار بن مرة الكوفى، أبو سنان الشيبانى الأكبر (ت: 132 هـ)، ثقة ثبت من العباد الثقات، من الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين، أخرج له مسلم والترمذي والنسائي تهذيب التهذيب (ج4/ص 400 - 401). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج3/ص189 - 190)، سؤال رقم (352).

الرِّواية، وإنَّما هي مجرد خطأ وقع من الرَّاوي، وقد رجح الدارقطني أن هذه الزيادة معلولة، وحجة الدارقطني في ذلك مقارنة المرويَّات الأخرى من نفس مخرج الحديث وهو أبو سنان ضرار بن مرة، ثم إنَّ أبا بكر بن عياش لم يُتابع على هذه الزيادة، وهو ثقة فيه كلامٌ يسير (¬1). المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث مسروق، عن علي - رضي الله عنه -: ((وَمَا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْه)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه الشعبي واختلف عنه: فرواه يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن علي. وخالفه عبدالرحمن بن مهدي وغيره ورووه، عن الثوري، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي لم يذكروا بينهما أحدا، وكذلك رواه أبو شهاب الحناط وعبيدالله الأشجعي، وعبدالله ابن إدريس وابن عيينة وداود بن الزبرقان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي. ورواه هُريم بن سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علي وزاد فيه ألفاظ لم يأت بها غيره، ... عن علي - رضي الله عنه - قال: ((إنْ كُنَّا لَنَرَى أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلى لِسَانِ عُمَر، وإِنْ كُنَّا لَنَرَى أَنَّ شَيطَانَهُ يَخَافُه أَنْ يَجُرَهُ إِلَى مَعْصِيةِ اللهِ تَعَالَى)) " (¬3). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ هُريم بن سفيان (¬4) روي الأثر من طريق إسماعيل، عن الشعبي، عن علي رضي الله عنه، وزاد زيادة ليست من أصل الرواية ولا تصح عن ¬

(¬1) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: " ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح "، تقريب التهذيب، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية سنة 1415هـ، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، (ج2/ص 366). (¬2) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح: في المسند، (ج1/ص106)، برقم (834)، من طريق يحيى بن أيوب الْبَجَلِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ وَهْبٍ السُّوَائِيِّ قَالَ خَطَبَنَا عَلِيٌّ رَضِي اللَّه عَنْه، نحواً منه وبسند صحيح بدون الزيادة المعلولة التي أشار إليها الدارقطني. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج4/ص136 - 139)، سؤال رقم (471). (¬4) هو هُريم بن سفيان البجلي، أبو محمد الكوفى (ت:؟)، من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، صدوق ثقة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج11/ص 29).

الشعبي، ورجح الدارقطني أنها زيادة معلولة وحجته في ذلك أنَّ هُريم بن سفيان خالف جماعة من الأثبات الثقات بهذه الزيادة، والله سبحانه الموفق. الجنس الخامس: ما كانت علَّته دخول متن حديث على متنِ حديثٍ آخر: وهذه العلة تقع عند دخول متن حديث على متن حديث آخر بإسناد معروف عند الثقات ويكون المرجوح في الخلاف هو الحديث المعلول، وهذه علة مشهورة في كتب العلل، وقد أعل الدارقطني أحاديث بهذه العلة نذكر منها مثالاً: المثال: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث عامر الشعبي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أقبل أبو بكر وعمر - رضي الله عنهم - ((فقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) (¬1). الحديث قال - الدارقطني -: يرويه يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي حدث به عنه أبو قتيبة واختلف عنه في متنه: فرواه إبراهيم بن عبدالله بن بشار الواسطي، عن أبي قتيبة بهذا الإسناد، وهذه الألفاظ. وخالفه غير واحد ممن رواه عن أبي قتيبة بهذا الإسناد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى)) (¬2). وكذلك رواه إسرائيل بن يونس عن أبيه يونس عن الشعبي عن أبي هريرة، وهو أصح من الأول " (¬3). ¬

(¬1) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح: في المسند، (ج1/ص80)، برقم (602)، من طريق عبدالله بن عمر اليمامي عن الحسن بن زيد بن حسن حدثني أبي عن أبيه عن على رضي الله عنه. (¬2) أخرجه أحمد: في المسند، في مواضع من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، كلها ضعيفة لا تخلو من مقال، (ج3/ص26،27،72،93،98)، بأرقام: (11222)، (11229)، (11708)، (11900)، (11958) من طرق عن الأعمش عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري بلفظ: ((قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ كَمَا يُرَى الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ فِي الْأُفُقِ مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا)). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج11/ص113 - 114)، سؤال رقم (2156).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ لفظ الحديث: ((إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى)) جاء بإسناد معروف عند الثقات وهو: " عن الشعبي حدث به عنه أبو قتيبة "، فأدخل إبراهيم بن عبدالله بن بشار الواسطي متناً آخر على نفس الإسناد فقال: ((هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ))، فأوهم، وقد رجح الدارقطني أنَّ هذا الإسناد متنه هو: ((إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى))، واستدل الدارقطني بمتابعة إسرائيل بن يونس عن أبيه يونس عن الشعبي عن أبي هريرة: فذكر نفس المتن، والله أعلم. الجنس السادس: ما كان علته أنّه لم يثبت في متنه شيء صحيح مرفوع. وهذه العلة يحكم بها النقاد عند عدم ثبوت صحة متن وإن كثرت رواياته، مثل قولهم: " أصح شيء في هذا الباب "، يعني أنَّ كل ما شابه هذا المتن ضعيف لا يثبت منه شيء، أو قولهم: " لا يثبت فيه شيء "، وقد أعل الدارقطني بعض الأحاديث نذكر منها أمثلة: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث مصعب بن سعد عن سعد - رضي الله عنه -، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ)) (¬1). فقال - الدارقطني - يرويه محمد بن جحادة واختلف عنه فرواه: إسماعيل بن عبدالله ابن زرارة، عن داود بن الزبرقان، عن ابن جحادة، عن يونس بن أبي الحصيب، عن مصعب بن سعد، عن سعد، وخالفه الحسن بن عمر بن شقيق رواه، عن داود بن الزبرقان، عن محمد بن جحاد، عن عبدالأعلى، عن مصعب بن سعد، عن سعد، وجميعاً لا يصح " (¬2). ¬

(¬1) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الصيام، باب ما جاء في كراهية الحجامة للصائم (ح3/ص 144)، برقم (774)، وقال أبو عيسى الترمذي: " قال الشافعي: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه احتجم وهو صائم وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: أفطر الحاجم والمحجوم، ولا أعلم واحداً من هذين الحديثين ثابتا، ولو تَوَقَّى رَجُلٌ الْحِجَامَةَ وهو صائم كان أحب إِلَيَّ ولو احتجم صائم لم أَرَ أن ذلك يفطره ". (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج4 /ص324)، سؤال رقم (595).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ هذا المتن لا يصح فيه شيء، وقد ذكر ذلك جمع من أئمة النقاد، منهم الإمام أحمد، قال الترمذي: " وذكر عن أحمد بن حنبل أنَّه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج، وذكر عن علي بن عبدالله - ابن المديني- أنَّه قال: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس" (¬1). المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمْ الْوَرَعُ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش، واختلف عنه، فرواه مالك بن وابض عن أبي مطيع البلخي، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، وخالفه عبدالله بن عبدالقدوس، ورواه عن الأعمش عن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن حذيفة. وخالفه حمزة الزيات، واختلف عنه: فرواه سعيد بن زكريا المدائني، عن حمزة، عن الأعمش، عن مصعب بن سعد، وقال غيره، عن حمزة، عن الأعمش، عن رجل، عن مصعب بن سعد، عن سعد، وقال المسيب بن شريك، عن الأعمش عن سالم بن [أبي] الجعد عن ثوبان، ولا يصح منها شئ. ثنا عبدالباقي بن قانع قال: ثنا أبو نعيم عبدالرحمن بن قريش ثنا مالك بن وابض ثنا أبو مطيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((فَضْلُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ الْعِبَادَةِ، وَخَيْرُ دِينِكُمْ الْوَرَعُ))، والصحيح أنَّه من قول مطرف بن عبدالله بن الشخير " (¬3). ¬

(¬1) الترمذي: في السنن، (ح3/ص 144)، بعد حديث رقم (774). (¬2) أخرجه الطبراني: في المعجم الأوسط (ج9/ص160)، برقم (4107)، وقال الطبراني: " لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا عبدالله بن عبدالقدوس"، قلتُ: بل قد رواه جمعٌ كما ذكر الدارقطني. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج10/ص145 - 146)، سؤال رقم (1935).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ هذا الحديث لا يثبت متنه ولا يصح مرفوع، بل ثبت أنَّهُ من قول مطرف بن عبدالله بن الشخير رضي الله عنه، وحُجَة الدارقطني في ذلك ضعف كل رواية مرفوعة في هذا المتن، وثبوتها موقوفة. الجنس السابع: ما كان علته تغير بنقص في المتن بخلاف المحفوظ. وتنشأ هذه العلة عندما يقع النقص في الرواية من الراوي بسبب الخطأ أو الوهم، وهي من أدق العلل، ولا يمكن أن يكتشف ذلك النقص إلا بمقارنة المرويَّات المختلفة في الحديث من طرق كثيرة حتى يتمكن الناظر فيها من إدراك النقص الذي حدث في هذه الرواية من عدمه والراجح فيه، وهي علة مشهورة في كتب العلل لا يكاد يخلو منها كتاب، وقد أعل الدارقطني بهذه العلة بعض الأحاديث نذكر بعضها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث حميد عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أَنَّ رَجُلاً أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ، وَقَالَ: هَلَكْتُ ...)) (¬1). الحديث فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه مالك بن أنس، واختلف عنه في متنه: فرواه القعنبي، ومعن، وأصحاب الموطأ عن مالك، وقالوا فيه: أنَّ رجلاً أفطر في رمضان مبهماً. رواه حماد بن مسعدة، والوليد بن مسلم عن مالك فقالا فيه: أفطر بجماع، وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن مالك، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج وأبو أويس، وفليح بن سليمان، وعمر بن عثمان المخزومي، وعبدالله بن أبي بكر ويزيد بن عياض، وشبل بن عباد بهذا الإسناد. ¬

(¬1) أخرجه الإمام أحمد على الوجه الناقص: في المسند، (ج2/ص273)، برقم (7678)، من طريق عبدالرزاق أنا بن جريج وبن بكر قال أنا بن جريج حدثني بن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن أن أبا هريرة حدثه: ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا))، وهو حديث صحيح على شرط الشيحين.

وقالوا فيه: أن رجلا أفطر في رمضان، كما قال أصحاب الموطأ عن مالك، وكذلك قال عمار بن مطر عن إبراهيم بن سعد، وكذلك قال أشهب بن عبد العزيز: عن الليث ابن سعد، ومالك عن الزهري، وقالوا كلهم في أحاديثهم: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خيره بين العتق، أو الصيام، أو الإطعام ورواه نعيم بن حماد عن ابن عيينة، فتابعهم على أن فطره كان مبهما وخالفهم في التخيير. ورواه عن الزهري أكثر منهم عددا بهذا الإسناد، وقالوا فيه: أن فطره كان بجماع، وأنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أمره أن يعتق، فإن لم يجد صام، فإن لم يستطع أطعم " (¬1) قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ جماعة من الرواة رووا هذا الحديث بلفظ: " أنَّ رجلاً أفطر في رمضان "، بدون بيان سبب الفطر، وهم من الثقات الأثبات ورواه آخرون بلفظ: " أنَّ رجلاً أفطر في رمضان بجماع "، بزيادة سبب الفطر، ثم رجح الدارقطني الرواية التي فيها ذكر سبب الفطر، وحُجَّته في ذلك أنَّ الذين رووا الزيادة أكثر ممن رووا النقص، وهذه العلة لا تؤثر على الحديث الذي حدث به النَّقص، وإنِّما يكون هناك زيادة لم تذكر به، وقد يُرجح النقص على الزيادة وذلك تبعاً للقرائن والأدلة على صحة الزيادة أو النقص، والله أعلم. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلاَ يَدْرِي أَصَلّى أَرْبَعَاً أَمْ ثَلاَثاً فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يُسَلِّمَ)) (¬2). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج10/ص223 - 225)، سؤال رقم (1988). (¬2) أخرجه الإمام أحمد على الوجه الناقص: في المسند، (ج2/ص 241)، برقم (7284)، من طريق سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: ((يَاتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فَيَلْبِسُ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ فَلاَ يَدْرِي أَزَادَ أَمْ نَقَصَ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ))، وهو حديث صحيح على شرط الشيحين.

فقال - الدارقطني -: يرويه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة واختلف في متنه: فرواه عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وقال فيه: " وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمَ ". ورواه شيبان وعلي بن المبارك وهشام والأوزاعي وغيرهم عن يحيى، ولم يذكروا فيه التسليم قبل ولا بعد، وكذلك قال الزهري، عن أبي سلمة، ورواه محمد بن إسحاق عن سلمة بن صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال فيه: " ثُمَّ يُسَلّمَ " كما قال عكرمة بن عمار، عن يحيى. وهما ثقتان وزيادة الثقة مقبولة، ورواه فليح بن سليمان عن سلمة بن صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال فيه: " وَلِيُسَلِّمَ ثُمَّ لِيَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ " وهذا خلاف ما رواه ابن إسحاق " (¬1). الجنس الثامن: ما كان علته تغير في بعض ألفاظه مع بقاء السياق: وتنشأ هذه العلة عند تغير في بعض ألفاظ الرواية مع بقاء سياق الحديث كما هو، وقد لا تؤثر هذه العلة على الحكم بصحة الحديث، وإنّما يُبَيّن النقاد اللفظة الراجحة من الغير راجحة، فتكون الراجحة لها الحكم بالصحة على غيرها، وهذه العلة تدل على مدى دقة علماء الحديث واهتمامهم بمتون الحديث إلى هذه الدرجة من الإتقان والدقة، ولقد أعل الدارقطني بعض الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ)) (¬2). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج9/ص279 - 281)، سؤال رقم (1761). (¬2) متفق عليه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب فضائل القرآن باب من لم يتغن بالقرآن، (ج9/ص79)، برقم (5023)، ومسلم في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، (ج3/ ص336)، برقم (792)،كلاهما من طريق ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة نحواً منه.

فقال - الدارقطني -: يرويه يحيى بن أبي كثير، والزهري، وعمرو بن دينار، ومحمد ابن إبراهيم، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. فرواه الأوزاعي واختلف عنه: فقال: هقل بن زياد، والوليد بن مزيد، وأيوب بن خالد ومحمد بن يوسف الفريابي، ومحمد بن شعيب، وابن أبي العشرين، وبشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال: رواه عن الأوزاعي، عن الزهري، وقال ابن أبي العشرين، والوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ... واختلف عن ابن جريج: فرواه أبو أمية الطرسوسي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة: ((أَنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ))، ووقع في إسناده وهم من ابن أمية، وهو قوله سعيد بن المسيب مع أبي سلمة، وفي متنه وهم يقال إنه من أبي عاصم لكثير من رواه عنه كذلك والمحفوظ عن الزهري بهذا الإسناد ما أذن الله لشيء " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ الحديث رواه جماعة من الرواة بلفظ: " مَا أَذِنَ الله لِلنَّبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ... "، ثم رواه أبي عاصم وهو الضحاك ابن مخلد الشيباني النبيل وهو من الثقات الأثبات (¬2)، فأخطأ فيه فقال في أول الحديث: " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ " بدلاً من المحفوظ " مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ "، وليس هذا من حديث الزهري، وحجة الدارقطني في ذلك مقارنة مرويَّات الزهري من طرق أخرى للحديث، ومخالفة الثقات له. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج9/ص238 - 244)، سؤال رقم (1734). (¬2) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج12/ص 128).

المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث زرارة بن أوفى عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: ((لاَ تَصْحَبُ الْمَلاَئِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلاَ جَرَسٌ)) (¬1). فقال- الدارقطني -: يرويه قتادة، واختلف عنه، فرواه عمران القطان، عن قتادة، عن زرارة عن أبي هريرة موقوفا. وخالفه سعيد بن بشير فرواه، عن قتادة، عن زرارة، عن سعد بن هشام، عن عائشة عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. واختلف عن سعيد بن بشير في متنه: فقيل عنه: ((لاَ تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً [فِيهَا] جِلْدُ نَمِرٍ)) قاله الوليد بن المسلم (¬2)، ولا يصح القولان " (¬3). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ الحديث رواه جماعة من الرواة بلفظ: " لاَ تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ "، وهم أثبات ثقات، ثم رواه الوليد ابن المسلم فانقلب عليه اللفظ فقال: " لاَ تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ"، فأخطأ واستدل على خطأه بمخالفة الثقات له، وأنَّ الرواية المحفوظة هي الأولى. الجنس التاسع: ما كان في متنه قلب في لفظة مما يغير المعنى. وهذه العلة تنشأ بسبب قلب أحد الرواة كلمة في الحديث فتغير المعنى، ولا تكون هذه اللفظة محفوظةً عند الثقات، وهي من أدق الأسباب التي تؤدي إلى وجود العلة، وقد أعلّ الدارقطني قليلاً من هذا النوع نذكر مثالاً عليه: ¬

(¬1) أخرجه مسلم على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب اللباس والزينة، باب كراهة الكلب والجرس في السفر، (ج7/ ص346)، برقم (2113) من طريق بشر يعني ابن مُفَضَّلٍ حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة به. (¬2) هو الوليد بن مسلم القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي (ت: 194 أو 195 هـ)، ثقة لكنَّه كثير التدليس، من الطبقة الثامنة، الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج11/ص 133). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج10/ص328 - 329)، سؤال رقم (2039).

المثال: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني-: عن حديث أبي سلمة وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة: ((أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا. الحديث، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه: فرواه محمد بن أبي عتيق، وشعيب وعبيد الله بن أبي زياد، وإسحاق بن راشد والنعمان بن راشد، والموقري، عن الزهري عن أبي بكر وأبي سلمة، عن أبي هريرة واختلف عن معمر: فرواه عبدالأعلى، عن معمر عن الزهري، عنهما عن أبي هريرة ... ورواه مالك في الموطأ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال محمد بن مصعب القرقساني (¬2)، عن مالك، عن الزهري، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أَنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَهُ إِذَا افْتَتَحَ الْصَلاةَ))، ووهم في هذا القول وإنَّما أراد أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلم كان يكبر" (¬3). قلتُ: والعلة المشار إليها أنَّ محمد بن مصعب القرقساني أخطأ فانقلب عليه اللفظ، فقال: " كَانَ يَرْفَعُ يَدَهُ "، بدلاً من لفظة " يُكَبر "، واستدل على خطئه بمخالفة الثقات له في لفظ الحديث، وأنَّ حديث أبي هريرة ليس محفوظ عنهم بهذه اللفظة، والله أعلم. الجنس العاشر: ما كانت علته الشك في ثبوت المتن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الاضطراب فيه. وتقع هذه العلة عند شك الراوي في متن الحديث سواء كان في كل المتن، أو في جزء من ¬

(¬1) أخرجه على الوجه الصحيح: البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)،كتاب الأذان، باب باب يهوي بالتكبير حين يسجد، (ج2/ص336)، برقم (803) من نفس الطريق المذكورة. (¬2) هو محمد بن مصعب بن صدقة القرقساني، أبو عبدالله (ت: 208 هـ)، صدوق من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج9/ص 405). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج9/ص257 - 259)، سؤال رقم (1745).

المتن، مما يدل على عدم تثبت الراوي من الحديث، ونضرب هنا بعض الأمثلة: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث محمد بن المنكدر عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيلِ فَلْيُوقِظِ امْرَأَتَهُ فِإنَّ لمَ تَسْتَيْقِظْ فَلْيَنْضَّحْ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه الثوري واختلف عنه: فرواه أبو عامر العقدي، عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن أبي هريرة، وخالفه عبدالرحمن بن مهدي، رواه عن ابن المنكدر، عمَّن سمع أبا هريرة، وكذلك قال وكيع، وعبد الله بن الوليد العدني، وإبراهيم بن خالد الصنعاني، عن الثوري، وكلهم قال عن الثوري إنَّهُ في شك في رفعه بغير شك، حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين، قال ثنا إسحاق بن زريق، قال ثنا إبراهيم بن خالد، قال ثنا الثوري، عن محمد بن المنكدر، قال حدثني من سمع أبا هريرة يقول ولا أراه إلا رفعه يقول: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُم مِنَ اللَّيلِ فَلْيُوقِظْ أَهْلَهُ فِإنَّ لَمْ تَسْتَيْقِظْ فَلْيَنْضَّحْ وَجْهَهَا بِالْمَاءِ)) (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي الشك في متن الحديث، هل هو مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم أنَّهُ ليس كذلك، وهذه العلة تدل على عدم تثبت الراوي أحياناً من الحديث، ولم يُخَرج أحدٌ من الكتب الستة، ولا التسعة هذا الحديث، وهذه العلَّة بخلاف علَّة اختلاف المرويَّات في الوقف والرفع والترجيح بينهما كما ذكرنا في المبحث السابق، وإنَّما تَخْتَص بالشك في كون المتن مرفوعاً أم لا؟، والله أعلم. ¬

(¬1) أخرجه عبدالرزاق بن همام بن نافع، أبو بكر الصنعاني (ت: 211هـ): في المصنف طبعة إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، (ج3/ص48)، برقم (4739) (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج9/ص13 - 14)، سؤال رقم (1615).

المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: عن حديث عاصم بن ضمرة، عن علي - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ وَالإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْرِّقِ ...)) (¬1)، حديث طويل. فقال - الدارقطني -: يرويه أبو إسحاق واختلف عنه: فرفعه أبو أحمد الزبيري عن الثوري، عن أبي إسحاق علي شك منه في رفعه، ووقفه غيره عن الثوري، ورواه عبدالمجيد عن معمر عن أبي إسحاق مرفوعاً، ورواه زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عاصم والحارث، عن علي، وشك زهير في رفعه كذلك، قال الحسن بن موسى الأشيب، عن زهير، ورواه أبو بدر شجاع بن الوليد، عن أبي إسحاق، عن عاصم والحارث، عن علي فرفعه بغير شك إلا أنَّهُ لم يذكر في حديثه إلا زكاة البقر فقط" (¬2) قلتُ: والعلة المشار إليها هنا هي الشك في متن الحديث، هل هو مرفوع كله أو جزء منه؟، كما رواه زهير وهو ابن معاوية بن حديج الجعفي من الثقات الأثبات (¬3)، فمرة شك في رفع كل المتن، ثم رواه بغير شك في رفعه ولكنَّه لم يذكر فيه إلا جزء زكاة البقر فقط، وتعرف هذه العلة بالتصريح بالشك غالباً كقول الراوي أحسبه عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أو لفظة تدل على الشك أو الاضطراب في ثبوت الحديث مرفوعاً. ويتضح مما سبق: - أنَّ الدارقطني كان غالباً ما يذكر الإسناد الراجح عنده، أو الأقرب للصواب في بداية إجابته للسؤال، ثم يذكر بعد ذلك من خالف في هذا الإسناد، ثم يُبّين الصحيح الراجح عنده من المرويّات في الحديث، ويلتزم هذا الترتيب غالباً. ¬

(¬1) أخرجه أبو داود: في السنن، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، (ج1/ص 492) برقم (1572)، من طريق زهير حدثنا أبو إسحق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه، وفيه شك زهير المذكور هنا في العلل بقوله: " قال زهير أحسبه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ". (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج4/ص73 - 74)، سؤال رقم (438). (¬3) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج3/ص 303).

- أنَّ الدارقطني كان يجزم في بعض الأحيان بعلة الحديث، ثم يرجح الصحيح المحفوظ من المرويَّات، وأحياناً يأتي بالبرهان والحجة، وأحياناً أخرى لا يذكره. - أنَّ الدارقطني كان أحياناً يذكر الخلاف في الحديث المعلول، ثم يذكر احتمال أن تكون أحد المرويَّات أقرب للصواب بقولهِ أنَّ هذا الطريق: " هو الأشبه ". - أنَّه كان أحياناً يصرح ويحدد مصدر الوهم أو الخطأ، أو من كان سبباً في الوهم ويذكر القرينة على ذلك الوهم أو الخطأ، وترجيح الرواية الصحيحة. - أنَّه كان أحياناً يذكر بعض ما حضر له من الشواهد والمتابعات، كبراهين لما ذهب إليه من الترجيح بين المرويَّات المختلف فيها، ويثبت الصحيح منها. - أنَّه كان يذكر علة المتن مع علة الإسناد إن وجد، وأحياناً يذكر علة المتون بدون التعليق على الأسانيد وهو قليل. - أنّه كان أحياناً يبرهن على صحة ما ذهب إليه من المرويَّات عن طريق سوق ما سمعه من شيوخه بإسناده إلى مصنف الكتاب، أو إسناد الحديث عن شيوخه. - أنَّه كان يهتم بالعلل التي قد تطرأ على متون الأحاديث، ويرجح الصحيح منها.

المبحث الرابع: أجناس العلل الظاهرة.

المبحث الرابع: أجناس العلل الظاهرة. سنتعرض في هذا المبحث لأجناس العلل الظاهرة في كتاب العلل للدارقطني، وقد أثبتنا من قبل أنَّ النقاد المتقدمين قد أشاروا في مصنفاتهم إلى العلل الظاهرة كجرح الرواي بالضعف الشديد أو أنَّه متروك أو كذاب، بجانب العلل الخفية إلاَّ أنَّ نسبة الأحاديث التي أعلُّوها بأسباب ظاهرة أقل بكثير من تلك التي أعلَّوها بأسبابٍ خفيةٍ، وقد يكون سبب الإشارة إلى العلة الظاهرة في الحديث للتنبيه على سببٍ خفي لا يطلع عليه إلا أهل الخبرة والمعرفة بالعلل، مثل كون الراوي عن الضعيف من الثقات الأثبات، فقد يُظن أنَّ الضعيف مستقيم الرواية ويخفى حاله، أو كون الراوي الضعيف يشتبه اسمه مع ثقة وغيرها من الأسباب الخفية التي لا يتفطن إليها إلا أهل الخبرة، ولقلة الأحاديث المعلولة بالأسباب الظاهرة ظنَّ قوم أنَّ مفهوم العلّة عند المتقدمين هو ما كان بسبب خفي فحسب وليس كذلك، وسوف نسوق هنا بعض أجناس العلل الظاهرة لإبطال ما ذهبوا إليه. الجنس الأول: ما كان علته هي الضعف في الراوي. والقصد من الضعف في الراوي الدرجة الأولى في جرح الرواة، أي الضعف الذي لا يصل إلى حد الضعف الشديد أو الترك عند الإمام الدارقطني، كالذي يقال عنه: كثير الغلط أو سيئ الحفظ أو لين الحديث، ولقد أعلَّ الدارقطني بهذه العلة أحاديث كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلاَ تَاكُلُوا بِهِ وَلاَ تَسْتَكْثِرُوا بِهِ وَلاَ تَجْفُوا عَنْهُ وَلاَ تَغْلُوا فِيهِ)) (¬1). ¬

(¬1) أخرجه على الوجه الصحيح أحمد: في المسند (ج3/ص 766)، برقم (15574)، من طريق هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي راشد عن عبد الرحمن بن شبل به، وهو صحيح.

فقال - الدارقطني -: يرويه يحيى بن أبي كثير واختلف عنه: فرواه الضحاك بن نبراس البصري وهو ضعيف (¬1)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ووهم فيه والصحيح عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي كثير، عن أبي راشد، عن عبدالرحمن بن شبل عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ " (¬2). قلتُ: والعلةُ الظاهرة المشار إليها في الحديث هي ضعف الضحاك بن نبراس، فقد ضعفه أهل العلم (¬3)، لكن العلة التي قد تخفى على الكثير هي أنَّ الحديث ليس من مسند أبي هريرة إنَّما هو من مسند عبدالرحمن بن شبل رضي الله عنهم. ولذا قال الدارقطني ووهم فيه والصحيح عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي كثير، عن أبي راشد، عن عبدالرحمن بن شبل، لِيُنبه على الوهم والخطأ الذي وقع فيه الضحاك بن نبراس بجانب أنَّه ضعيف، وهذا لعمري غاية في دقة النقد، ولا يفهمه إلا أهل التحقيق، والله أعلم. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث يزيد الأودي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((فِي قَولِهِ تَعَالَى: {مَقَامَاً مَحْمُودَاً}، قَالَ: الشَفَاعَةُ)) (¬4). فقال - الدارقطني -: يرويه وكيع واختلف عنه: فرواه أبو بكر بن أبي شيبة في " المسند " عن وكيع، عن إدريس الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهو غلط، ورواه في موضع آخر، ¬

(¬1) الضحاك بن نبراس الأزدى الجهضمى، أبو الحسن البصري (ت:؟)، لين الحديث من الطبقة السابعة كبار أتباع التابعين، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، تهذيب التهذيب (ج4/ص 399). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج9/ص279)، سؤال رقم (1760). (¬3) قال ابن عدي: عبدالله بن عدي بن عبدالله أبو أحمد الجرجاني، في الكامل في ضعفاء الرجال طبعة دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة 1409هـ -1988م، تحقيق: يحيى مختار غزاوي (ج4/ص97): " قال يحيى - يعني بن معين -: الضحاك بن نبراس ليس بشيء، وقال النسائي: ضحاك بن نبراس متروك الحديث ". (¬4) أخرجه الترمذي: في السنن كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل، (ج5/ ص 303)، برقم (3137)، من طريق وكيع عن داود بن يزيد الزعافري عن أبيه عن أبي هريرة. وهو حديث ضعيف لضعف داود بن يزيد الزعافري، الآية في سورة الإسراء رقم (79).

عن وكيع، عن داود الأودي، عن أبي هريرة، والصواب عن داود، وهو داود بن يزيد بن عبدالرحمن الزعافري وهو ضعيف كوفي (¬1)، وهو الذي روى عن الشعبي عن علي رضي الله عنه أنَّه قال: لا صداق أقل من عشرة دراهم قال الثوري: لقن غياث بن إبراهيم لداود الأودي هذا الحديث فتلقنه فصار حديثاً " (¬2). قلتُ: والعلةُ الظاهرة المشار إليها في هذا الحديث هي ضعف داود بن يزيد الزعافري فقد ضعفه أهل العلم حتى قال ابن المدينى عن يحيى بن سعيد قال سفيان: شعبة يروى عن داود بن يزيد!! تعجباً منه (¬3)، وهو يتعجب، لأنَّ شعبة وهو ابن الجحاج أبو بسطام كان شديد الاحتراز في الرواية عن الضعفاء، وأما العلة التي قد تخفى على الكثير هي: 1 - رواية وكيع عنه، وهو ابن الجراح ثقة مشهور، مما قد يوهم أنَّه مستقيم الرواية، فيصحح حديثه. 2 - وقع في مسند أبي بكر بن شيبة الحديث من طريق وكيع، عن إدريس الأودي عن أبيه، عن أبي هريرة، فتعقبه الدارقطني فقال: "وهو غلط ... والصواب عن داود "، لأنَّ إدريس الأودي وهو أخوه ثقة أخرج له الستة (¬4)، وهو يروي عن أبيه كذلك مما قد يبدو أنَّها متابعة لداود فيصحح الحديث من أجلها وبهذا يعلم فائدة إعلال الحديث بالعلل الظاهرة للتحذير من مثل هذه الأوهام، والتي قد تفسد الاطمئنان إلى الأحاديث الثابتة، وليعلم الغث من السمين. ¬

(¬1) داود بن يزيد بن عبد الرحمن الأودى الزعافرى، أبو يزيد الكوفى الأعرج (ت: 151 هـ)، ضعيف من الطبقة السادسة، الذين عاصروا صغارالتابعين، تهذيب التهذيب (ج3/ص 178). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج8/ص321)، سؤال رقم (1591). (¬3) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج3/ص 178). (¬4) المصدر السابق: (ج1/ص 171).

المثال الثالث: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث سالم، عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنهما، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ قَالَ فِي سُوقٍ مِنَ الأَسْوَاقِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عمرو بن دينار قهرمان (¬2) آل الزبير البصري وكنيته أبو يحيى عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن عمر. واختلف عن عمرو في إسناده رواه: حماد بن زيد، وعمران بن مسلم المنقري، وسماك ابن عطية، وحماد بن سلمة وغيرهم، عن عمرو بن دينار هكذا، واختلف عن هشام بن حسان فرواه عنه: عبدالله بن بكر السهمي فتابع حماد بن زيد ومن تابعه، ورواه فضيل ابن عياض، عن هشام، عن سالم، عن أبيه ولم يذكر عمر، ورواه سويد بن عبدالعزيز عن هشام، عن عمرو، عن ابن عمر، عن عمر موقوفاً ولم يذكر فيه سالماً، ويشبه أن يكون الاضطراب فيه من عمرو بن دينار لأنَّه ضعيف قليل الضبط " (¬3). قلتُ: والعلةُ الظاهرة المشار إليها في هذا الحديث هي ضعف عمرو بن دينار، وهو قهرمان مولى آل الزبير، فقد ضعفه أهل الحديث، والعلة التي قد تخفى على غير أهل الحديث هي: 1 - رواية حماد بن زيد عنه، وهو مشهور من الثقات الأثبات مما يوهم أنَّه مستقيم ... الرواية، فيصحح حديثه. 2 - تشابه اسمه بثقة، وهو عمرو بن دينار الأثرم الجمحي، ولذا نبه عليه حتى يمييز. وبهذا يتبين مدى أهمية ذكر العلل الظاهرة. ¬

(¬1) أخرجه على الوجه المعلول أحمد: في المسند (ج1/ص 47)، برقم (327)، من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار مولى آل الزبير عن سالم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه به، وهو ضعيف. (¬2) عمرو بن دينار البصري، أبو يحيى الأعور، قهرمان آل الزبير، ضعيف من الطبقة السادسة، الذين عاصروا صغارالتابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج8/ص 27). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص48 - 50)، سؤال رقم (101).

الجنس الثاني: ما كان علته هي الضعف الشديد أو الترك للراوي. ويقصد بالضعف الشديد الذي يوصف صاحبه بأنه متروك الحديث، أو بأنه ذاهب الحديث، أو لا شيء، وغيرها من الألفاظ التي تؤدي إلى ثبوت الضعف الشديد في الراوي، وقد أعل الدارقطني بهذه العلة الظاهرة بعض الأحاديث نذكر منها: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث علقمة عن عبدالله - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: ((إِنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إِلَى الْجُمُعَاتِ الأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد، واختلف عنه: فرواه الحسن بن البزار، عن عبدالمجيد عن مروان بن سالم، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبدالله. وخالفه كثير بن عبيد: فرواه عبدالمجيد، عن معمر، عن الأعمش بهذا الإسناد، وخالفهما عبدالصمد بن الفضل فرواه، عن أبيه، عن عبدالمجيد، عن الثوري، عن الأعمش والأول أشبه بالصواب، ومروان بن سالم متروك الحديث " (¬2). قلتُ: والعلةُ الظاهرة المشار إليها في هذا الحديث هي الضعف الشديد في مروان بن سالم وقد تكلم فيه الأئمة فقال الإمام الذهبي: " أحمد وغيره: ليس بثقة، وقال البخارى ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائى: متروك " (¬3). ¬

(¬1) أخرجه ابن ماجه: في السنن كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في التهجير إلى الجمعة، (ج1/ ص 348)، برقم (1094)، من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: خرجت مع عبد الله إلى الجمعة ثم ساق الحديث، والحديث ضعيف، لأنَّ معمر وهو ابن راشد ثقة ثبت، ولكنه ضعيف في الأعمش وهذه من مروياته. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج5/ص137 - 139)، سؤال رقم (773). (¬3) الذهبي: ميزان الاعتدال طبعة دار المعرفة، بيروت، تحقيق: محمد البجاوي، (ج4/ص90).

ولكن قد يخفى أنَّ عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد وهو صدوق يخطئ (¬1)، وقد روى عنه مما يوهم أنّه مستقيم الرواية فيصحح حديثه، والحديث ضعيف جداً لا يثبت مما يكون سبباً في خفاء علته. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث علقمة عن عبدالله - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: ((سَطَعَ نُورٌ فَي الْجَنَّةِ فَرَفَعُوا رُؤوسَهُمْ فَإذَا هُو مِنْ ثَغْرِ حُورٍ أَضْحَكَتْ فِي وَجْهِ زَوْجِهَا)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه حلبس بن محمد بن الكلابي وهو متروك الحديث كوفي عن الثوري، واختلف عنه: فرواه ابن الطباع عيسى بن يوسف بن عيسى، عن حلبس عن الثوري، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله. ورواه محمد بن مهاجر عن حلبس، عن الثوري، عن منصور أو مغيرة، عن أبي وائل عن عبدالله " (¬3). قلتُ: والعلةُ الظاهرة المشار إليها في هذا الحديث هي الضعف الشديد في حلبس بن محمد، وقد تكلم فيه أهل الحديث، والعلة التي قد تخفى هي رواية هذا الضعيف عن سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث مما يوهم صحة الحديث، هذا معنى قولهم: ... " منكر الحديث عن الثقات " في نقد حلبس بن محمد هذا وغيره. فهو احتراز من مثل هؤلاء ليعلم حالهم، مما يرى الناظر المنصف قدر أولئك النقاد الجهابذة، ومدى ما بذلوه لتصفية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من المكذوب عليه. ¬

(¬1) ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب (ج1/ص 612). (¬2) أخرجه ابن عدي: في الكامل في الضعفاء (ج2/ص 457)، ترجمة رقم (567)، وقال: ... " حلبس بن محمد الكلابي وأظن أنه حلبس بن غالب يكنى أبا غالب بصري منكر الحديث عن الثقات" وقال الذهبي في ترجمته: " حديث باطل "، ميزان الاعتدال (ج1/ص 587). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج5/ص169)، سؤال رقم (801).

الجنس الثالث: ما كان علته الانقطاع في سند الحديث. ويقصد بالانقطاع سقوط رواة في الإسناد، ومما لاشك فيه أنَّها علة ظاهرة حيث يظهر الفرق واضحاً بين طبقات الإسناد، وتفاوت كبير بين رجاله، ولكن قد يخفى أحياناً على من ليس له خبرة بالتاريخ ومعرفة الرجال وأحوالهم وشيوخهم وتلاميذهم، ومن تلاقوا منهم ومن لم يتلاقوا وغيرها من أدوات معرفة الانقطاع في الإسناد، فنبه النقاد على مثل هذه العلة لهذه الأسباب، وقد أعل الدارقطني بعض الأحاديث نذكر منها: المثال: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث مسعود بن الحكم الزرقي، عن علي - رضي الله عنه -: ((أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي الْجَنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن نافع بن جبير، عن مسعود بن الحكم، عن علي. قال ذلك الليث بن سعد، وعبدالوهاب الثقفي، ويزيد بن هارون، وخالفهم جرير بن عبدالحميد فرواه عن يحيى بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن نافع بن جبير، عن مسعود ابن الحكم ووهم فيه جرير، ورواه الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن نافع بن جبير، عن علي أسقط من الإسناد رجلين ولم يقم إسناده، والصواب قول الليث بن سعد، ومن تابعه عن يحيى، عن واقد بن عمرو " (¬2). الجنس الرابع: ما كان علته جهالة الراوي في سند الحديث. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: " ثم الجهالة: وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض وصنفوا فيه الموضح، وقد يكون مقلا فلا يكثر الأخذ عنه وصنفوا ¬

(¬1) أخرجه مسلم على الوجه الصحيح المتصل في الجامع الصحيح (مع شرح النووي)، كتاب الجنائز، باب نسخ القيام للجنازة، (ج4/ ص34)، برقم (962) من طريق يحيى بن سعيد عن واقد ابن عمرو بن سعد بن معاذ أنَّه قال: رآني نافع بن جبير ونحن في جنازة قائماً، وقد جلس ينتظر أن توضع الجنازة فقال: لي ما يقيمك فقلت أنتظر أن توضع الجنازة لما يحدث أبو سعيد الخدري فقال: نافع فإنَّ مسعود بن الحكم حدثني عن علي بن أبي طالب أنه قال: ((قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَعَدَ)). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج4/ص127 - 129)، سؤال رقم (466).

فيه الوحدان " (¬1). وقال السيوطي: " قال الخطيب البغدادي: المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء ولا يعرف حديثه إلا من جهة واحدة وأقل ما يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين قال ابن الصلاح: ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة " (¬2). وقد أعلَّ الدارقطني بهذه جملة من الأحاديث نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث المقبري عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: ((لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَلْحَقَتْ بِقَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وأَيُّمَا عَبْدٍ انْتَفَى مِنْ وَلَدَهِ)) (¬3). فقال- الدارقطني -: يرويه موسى بن عبدة الربذي، واختلف عنه: فرواه بكار بن عبدالله بن عبيدة الربذي، عن عمه موسى بن عبدة، عن المقبري عن أبي هريرة. وخالفه زيد بن الحباب، فرواه عن موسى بن عبيدة وأدخل بينه وبين المقبري رجلاً يقال له: يحيى بن حرب وهو رجل مجهول وقوله: زيد بن الحباب أشبه بالصواب " (¬4). قلتُ: والعلةُ الظاهرة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث هي جهالة يحيى بن حرب وهو المدني، وقد بيين أهل العلم أنَّه مجهول، قال الذهبي: " فيه جهالة، ما حدث عنه سوى موسى بن عبيدة ". (¬5)، وأما وما قد يخفي على الكثير كون الراوي عنه زيد ابن الحباب ¬

(¬1) ابن حجر العسقلاني: نخبة الفكر (مع نزهة النظر) طبعة مكتبة التراث، القاهرة، (ص51). (¬2) السيوطي: تدريب الراوي (ج1/ص317). (¬3) أخرجه ابن ماجه: في السنن كتاب الفرائض، باب من أنكر وَلَدَهُ، (ج2/ ص 916)، برقم (2743)، من طريق زيد بن الحباب عن موسى بن عبيدة حدثني يحيى بن حرب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة نحواً منه. والحديث ضعيف بسبب عدة علل منها جهالة يحيى بن حرب. (¬4) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج10/ص375)، سؤال رقم (2062). (¬5) الذهبي: ميزان الاعتدال، (ج4/ص 368).

وهو صدوق (¬1)، مما يوهم أنَّه معروف وروايته مستقيمة، والله أعلم. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث علقمة عن عبدالله - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَقْرَضَ مَرَّتَينِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ أَحَدِهِمَا لَو تَصَدَّقَ بِهِ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه قيس بن رومي كوفي، عن علقمة، عن عبدالله رفعه ورواه سليم بن أذنان، عن علقمة واختلف عنه: فرفعه عطاء بن السائب عنه ووقفه غيره والموقوف أصح، ولا يعرف قيس بن رومي إلا في هذا " (¬3). قلتُ: والعلةُ الظاهرة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث هي جهالة قيس بن رومي فقد قال الذهبي في الميزان: " لا يكاد يعرف، ما حدث عنه سوى سليمان بن يسير ". (¬4)، وقد يخفي أمره لأن جميع رواة الحديث ثقات فنبه عليه حتى لا يصحح حديثه، وقد أعل الدارقطني الحديث بعلتين: 1 - مخالفة الثقات الذين رووه موقوفاً، فأعلَّ الحديث بالوقف. 2 - جهالة قيس بن رومي في الإسناد. الجنس الخامس: ما كان علته أنَّ راويه متهم بالكذب أو بالوضع. قال السيوطي: " الموضوع هو الكذب، المختلق المصنوع وهو شر الضعيف وأقبحه، وتحرم روايته مع العلم به أي بوضعه في أي معنى كان سواء الأحكام والقصص والترغيب وغيرها إلا مبيناً، أي مقروناً ببيان وضعه لحديث مسلم: ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَذَّابَينِ))، وَيُعْرَف الوضع للحديث بإقرار واضعه أنَّه وضعه ... أو معنى إقراره أو قرينة في الراوي أو المروي فقد وضعت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة لفظها ¬

(¬1) ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب، (ج1/ص327). (¬2) أخرجه ابن عدي: في الكامل في الضعفاء (ج4/ص 159)، ترجمة رقم (981). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج5/ص 157)، سؤال رقم (789). (¬4) الذهبي: ميزان الاعتدال، (ج3/ص 396).

ومعانيها " (¬1). المثال الأول: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي رافع، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فِي الْوضُوءِ بَالنَّبِيذِ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: روى عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله بن مسعود والراوي له متروك الحديث، وهو الحسين بن عبيد الله العجلي، عن أبي معاوية كان يضع الحديث على الثقات، وهذا كذب على أبي معاوية وعلى الأعمش " (¬3). قلتُ: والعلةُ الظاهرة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث أنَّ الحسين بن عبيدالله العجلي هذا كذاب يضع الحديث، فقد قال ابن عدي: " والحسين بن عبيدالله العجلي يشبه أن يكون ممن يضع الحديث لأن هذين الحديثين باطلان بأسانيدهما، ولا يبلغ عنهما غيره " (¬4) مما قد يخفى أنَّه يكذب على أبي معاوية، وعلى الأعمش وهما ثقتان أثبات مما يوهم صحة الحديث، أو أنَّ له أصلاً، والله أعلم. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: "وسئل - الدارقطني - عن أحاديث رويت عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسح على الخفين منها: حديث يرويه جرير بن أيوب البجلي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا أَدْخَلَ أَحُدُكُمْ قَدَمَيْهِ طَاهِرَتَينِ فَلْيَمْسَحْ، لِلمُقِيمِ ¬

(¬1) (2) السيوطي: تدريب الراوي (ج2/ص54). (¬2) أخرجه ابن ماجه: في السنن كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء بالنبيذ، (ج1/ ص 135) برقم (384)، من طريق عبدالرزاق عن سفيان عن أبي فزارة العبسي عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن عبد الله بن مسعود نحواً منه، ولا يصح في هذا الباب شيء، فقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمة أبي زيد المخزومي: " قال البخاري: لا يصح حديثه وقال الحاكم أبو أحمد: لا يوقف على صحة "، تهذيب التهذيب (ج12/ص 91). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج5/ص 345)، سؤال رقم (940). (¬4) ابن عدي: في الكامل في الضعفاء (ج2/ص 364)، ترجمة رقم (494).

يَومَاً وَلِلمُسَافِرِ ثَلاَثَاً)) (¬1). فقال - الدارقطني -: هذا باطل عن أبي هريرة، وقد قال أبو نعيم: كان جرير يضع الحديث " (¬2). قلتُ: والعلةُ الظاهرة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث أنَّ جرير بن أيوب البجلي متهم بوضع الحديث (¬3)، مما قد يخفى أنَّه يروي عن أبي زرعة، وهو ابن عمرو ابن جرير بن عبدالله البجلى الكوفى، قيل اسمه هرم وقيل عمرو وقيل غير ذلك، وهو أحد الثقات، وأخرج له الستة، ثم إنَّ أخاه يحيى بن أيوب البجلي ثقة (¬4)، مما يوهم أنَّ للحديث أصلاً، وليس كذلك بل هو باطل، فوجب التنبيه عليه. ويتضح مما سبق: - أنَّ الإمام الدارقطني كان يُعل الأحاديث بالعلل الظاهرة على عدة صور منها: 1 - التعليل بضعف الرواي في الإسناد. 2 - التعليل بكون الراوي للحديث متروكاً أو شديد الضعف. 3 - التعليل بالانقطاع في الإسناد. 4 - التعليل بكون الراوي للحديث مجهولاً. 5 - التعليل بكون الرواي للحديث مُتّهماً بالكذب أو بالوضع. ¬

(¬1) لم أجد من أخرجه مرفوعاً، وإنما أخرج جزءاً منه موقوفاً من كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الإمام مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي (ت:179هـ)، في الموطأ دار القلم، دمشق، الطبعة: الأولى 1413 هـ تحقيق: د. تقي الدين الندوي، (ج1/ص104)، رقم (49). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج8/ص274 - 275)، سؤال رقم (1563). (¬3) قال الذهبي في ميزان الاعتدال (ج1/ص391): " روى عباس عن يحيى: ليس بشيء، وقال أبو نعيم: كان يضع الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك ". (¬4) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج12/ص 98).

- أنَّ الدارقطني وغيره من النقاد المتقدمين كانوا يستخدمون العلل الظاهرة للإشارة إلى علل أخرى خفية قد تخفى على من ليس له خبرة ومعرفة بهذا العلم. - أنَّ الدارقطني أحياناً يتكلم على العلل الخفية والظاهرة في الحديث أو السؤال الواحد، وأحياناً أخرى يتكلم على العلل الخفية بمفردها أو الظاهرة بمفردها. نتائج هامة: - يعتبر كتاب العلل للدارقطني من أوسع المصنفات التي حوت أجناس العلل التي قد تطرأ على الحديث النبوي الشريف، حيث ضم الكلام على أنواع علل أكثر من بقية مصنفات العلل الأخرى مثل: علل الإمام أحمد، وعلل ابن المديني، وعلل الترمذي وغيرهم. - يعتبر الإمام الدارقطني من أوسع نقاد الحديث كلاماً على أوجه العلل المختلفة، وذكر القرائن والشواهد والأدلة على ما ذهب إليه. - أنَّ أجناس العلل التي ذكرها أئمة النقاد في مصنفاتهم، كثيرة ومتنوعة ولم يسبق أن جمعت في مصنف واحد على سبيل الحصر لها، والأمثلة التي توضحها. - أنَّ كتاب العلل للدارقطني الموجود بين أيدينا وما يشمله من التكملة والتي أشرنا إليها من قبل، يحتاج إلى دراسة علمية لضبط أسماء الرواة في الأسانيد، وكذلك ضبط متون الأحاديث بالرجوع إلى مصادرها الأصلية. - وجدت أثناء بحثي أنَّ هناك حاجة لدراسة علمية هامة لم تُسبق في كتاب العلل وهي: سبر جميع الأحاديث التي جزم الدارقطني بأنها معلولة، أو كان الراجح عنده أنها معلولة وتنقيح وتحليل ذلك، ومناقشة الدارقطني فيما ذهب إليه. - أنَّ الدارقطني كان أوسع النقاد الذين تكلموا في علل متون الأحاديث، وأنَّ كتابه قد تضمن الكلام على المتون بجانب الأسانيد، والتحقيق أنَّ الدراسة تبين افتراء المستشرقين على أئمة الحديث، وجبال هذا العلم، بقولهم: " أنهم نَقَدَة أسانيد وحسب "، كما زعموا زوراً وبهتاناً.

- أنَّ نسبة العلل الظاهرة في الإسناد التي ذكرها نقاد الحديث المتقدمين في مصنفاتهم تعد أقل بكثير من العلل الخفية في الإسناد والمتون، وعلى رأسهم الدارقطني في كتابه العلل. وبنهاية هذا المبحث نكون قد أنهينا الباب الثاني من الدراسة بفضل الله عز وجل، ونكون قد عرضنا جانباً كبيراً من أجناس العلل الظاهرة والخفية في الإسناد والمتون، مصنفة تصنيفاً موضعياً، ومدعومة بالأمثلة والنماذج من كلام الإمام الدارقطني وبابتكار لم نسبق إليه بحمد الله وتوفيقه سبحانه، ومما نظن أنَّه سيكون نموذجاً يُحتذى به في دراسة مصنفات العلل الأخرى، والله الموفق لا رب سواه.

الباب الثالث ألفاظ التعليل ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني

الباب الثالث ألفاظ التعليل ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: الألفاظ الدالة على ضعف الخبر أو عدم ثبوته. وفيه مبحثان: المبحث الأول: ألفاظ التضعيف ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني. المبحث الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان ومدلولاتهما عند الإمام الدارقطني. الفصل الثاني: الألفاظ الدالة على الخطأ والوهم والاختلاف. وفيه مبحثان: المبحث الأول: ألفاظ الخطأ والوهم ومدلولهما عند الإمام الدارقطني. المبحث الثاني: ألفاظ المخالفة والنَّكارة ومدلولهما عند المحدثين والإمام الدارقطني. الفصل الثالث: الألفاظ الدالة على الغرابة والتفرد والترجيح. وفيه مبحثان: المبحث الأول: الغرابة والتفرد ومدلولهما عند النُّقاد والإمام الدارقطني. المبحث الثاني: ألفاظ الترجيح ومدلولاتها عند النُّقاد والإمام الدارقطني.

الفصل الأول الألفاظ الدالة على ضعف الخبر أو عدم ثبوته وفيه مبحثان: المبحث الأول: ألفاظ التضعيف ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف الضعف لغةً واصطلاحًا. المطلب الثاني: أهمية كتابة الحديث الضعيف عند النقاد. المطلب الثالث: ألفاظ التضعيف عند الدارقطني في العلل. المبحث الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان ومدلولاتهما عند الإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف الوضع والبطلان لغةً واصطلاحًا. المطلب الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان عند الإمام الدارقطني.

الفصل الأول الألفاظ الدالة على ضعف الخبر أو عدم ثبوته

الفصل الأول الألفاظ الدالة على ضعف الخبر أو عدم ثبوته سنتعرض في هذا الفصل للألفاظ التي تدل على ضعف الرواية أو الخبر عند الإمام الدارقطني، ولقد تنوعت ألفاظ التضعيف للأحاديث المعلولة التي كان يطلقها الدارقطني ليشير إلى درجة ضعفها ولأنها ليست في درجة واحدة من الضعف، وإنَّما هي متفاوتة فمثلاً قوله: " حديث ضعيف غير ثابت "، بخلاف قوله: " فلان ليس بقوي "، بخلاف قوله: " حديث باطل أو موضوع "، فإنَّ بينهما فرق واضح فيما يقصده الدارقطني، ولذا سوف نسوق اللفظ ثم نمثل له كي يفهم مراده ومعناه عند الدارقطني. المبحث الأول: ألفاظ التضعيف ومدلولاتها عند الإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف الضعف لغةً واصطلاحاً. الضعف لغةً: والضعف في اللغة ضد القوة وهو الفُتُور، قال ابن منظور في لسان العرب: " (ضعف) الضَّعْفُ والضُّعْفُ خِلافُ القُوّةِ وقيل الضُّعْفُ بالضم في الجسد والضَّعف بالفتح في الرَّاي والعَقْلِ، وقيل: هما معاً جائزان في كل وجه، وخصّ الأَزهريُّ بذلك أَهل البصرة فقال: هما عند أَهل البصرة سِيَانِ يُسْتعملان معاً في ضعف البدن وضعف الرَّاي، وفي التنزيل: {الله الذي خَلَقَكم من ضُعفٍ ثم جَعَل من بعد ضُعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفاً} (¬1)، وقوله تعالى: {وخُلِق الإنسانُ ضَعِيفاً} (¬2)،أَي يَسْتَمِيلُه هَواه والضَّعَفُ لغة في الضَّعْفِ عن ابن الأَعرابي وأَنشد: ومَنْ يَلْقَ خَيراً يَغْمِزِ الدَّهْر عَظْمَه ... على ضَعَفٍ من حالهِ وفُتُورِ " (¬3). ¬

(¬1) سورة الروم، آية رقم (54). (¬2) سورة النساء، آية رقم (28). (¬3) ابن منظور: لسان العرب (ج9/ص203) مادة (ضعف).

الضعيف في الاصطلاح

الضعيف في الاصطلاح: والضعيف في الاصطلاح: هو كل حديث لم تجتمع فيه شروط الصحة المعروفة لدى أهل الحديث، قال السيوطي: "وهو ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن جمعهما تبعاً لابن الصلاح، وإن قيل إن الاقتصار على الثاني أولى لأنَّ ما لم يجمع صفة الحسن فهو عن صفات الصحيح أبعد " (¬1). ولاشك أنَّ الضعف مراتب كما أشرنا من قبل، وذلك تبعاً للأسباب التي أدت إلى ضعفه، فمن الضعيف ضعف يسير محتمل، وهو ما لم يترجح فيه جانب الرد، ولا جانب القبول فإذا كانت مرتبة الحديث كذلك، فهو يعتبر به؛ لأنَّه يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ، ومن هنا يُعلم سر كتابة أهل العلم والنقاد للأحاديث الضعيفة في مصنفاتهم للاعتبار بها، فربَّ حديث حَكَمَ عليه النُّقاد بالضعف لتفرد سيِّء الحفظ به مثلاً، ولم يكن له شاهد أو متابع يقويه، أو قرينة تدل على أنه ثابت، ثم ظهر له شاهد أو متابع أو قرينة فارتفع من احتمال الضعف إلى الحسن أو الصحة. ومن الضعيف ما ترجح فيه جانب الرد على جانب القبول، كحديث المتروك والضعيف الذي ثبت خطؤه في الحديث، والأحاديث الموضوعة والمكذوبة، وما شابه ذلك، وهذا النوع لا يعتبر به، ولا يصلح كشاهد أو متابع أو قرينة، وخلاصة الأمر أنَّ الضعيف في مفهومه مغاير للمعلول، فلماذا حَكَمَ النُّقادُ المتقدمون على بعض الأحاديث بالضعف في مصنفات العلل؟، وللإجابة على هذا السؤال سوف نوضح العلاقة بين مفهوم الحديث الضعيف، ومفهوم الحديث المعلول. ¬

(¬1) السيوطي: تدريب الراوي (ج1/ 179).

علاقة الحديث الضعيف بالحديث المعلول

علاقة الحديث الضعيف بالحديث المعلول: والجدير بالذكر أنَّ هناك علاقة بين الضعيف والمعلول، وقد سبق بيان مفهوم الحديث المعلول من قبل في التمهيد، وتم الإشارة إلى مفهوم الضعيف ضعفاً محتملاً وغيره، فالضعيف إما أن يكون: 1 - ضعيفاً ضعفاً محتملاً، قد يجبر بمتابعة أو شاهد أو قرينة أخرى. 2 - ضعيفاً ضعفاً راجحاً، وقد ثبت بطلانه، فلا يُعتبر به ولا يصلح كقرينة. وفي المقابل مفهوم المعلول وهو ما ثبت بالقطع خطأ الراوي فيه، فلا يصلح أن يكون قرينة يتقوي بها حديث آخر، ومن هنا يعلم وجه التغاير بين المفهومين، لكن بين الضعيف والمعلول خيط يربطُهما ببعض، وهو أنَّ الحديث المعلول يعد من أنواع الضعيف الذي رجح فيه جانب الرد على جانب القبول، ولذا يمكن القول أنَّ بينهما عموم وخصوص، فكلُّ حديث معلول ضعيف وليس العكس. فإنَّ الضعيف قد يكون محتمل الخطأ ومحتمل الصواب، بخلاف المعلول فهو ما ثبت خطأ الراوي فيه، وكلام النقاد يدل على ما ذهبنا إليه، فهذا صنيع شعبة بن الحجاج في حديث الشُّفعة قال ابن عدي في ترجمة عبدالملك بن أبي سليمان العَرْزمي: " أخبرنا الساجي ومحمد بن أحمد بن الحسين، ثنا عبدالله بن سعيد ثنا، وكيع ثنا شعبة، عن عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر - رضي الله عنه - أن النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ يُنْتَظَرُ وَإِنْ كَانَ غَائِبَاً إِذا كَانَ طَرِيقَهُمَا وَاحِداً)) (¬1). ¬

(¬1) أخرجه البيهقي: في السنن الكبرى (ج6/ص106)، وأصل الضعف في حديث جابر المذكور تفرد عبدالملك بن أبي سليمان العَرْزمي بهذا اللفظ ومخالفته للثقات، ولهذا قال البيهقي: " قال الشافعي في هذا الحديث: سمعنا بعض أهل العلم بالحديث يقول: نخاف أن لا يكون هذا الحديث محفوظاً، قيل له ومن أين قلت؟، قال إنَّما رواه عن جابر بن عبدالله، وقد روى أبو سلمة بن عبدالرحمن عن جابر مفسراً: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الشُفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شُفعة))، وأبو سلمة من الحفاظ، وروى أبو الزبير وهو من الحفاظ عن جابر ما يوافق قول أبى سلمة، ويخالف ما روى عبدالملك بن أبى سليمان.

المطلب الثاني: أهمية كتابة الحديث الضعيف.

وحديث الشُّفعة الذي أُنكر على عبدالملك هو هذا الحديث، وزاد الساجي، قال وكيع: قال لنا شعبة: " لو كان شيئاً يُقويه؟! ". وقال أمية بن خالد: قلتُ لشعبة إنَّك تحدث عن محمد بن عبيدالله العَرْزمي وتدع عبدالملك بن أبي سليمان العَرْزمي وهو حسن الحديث، قال: من حسنها فَرَرْتُ " (¬1). قلتُ: وواضح من كلام الإمام شعبة بن الحجاج أنَّهُ لم يجد لحديث الشفعة متابعاً لعبدالملك بن أبي سليمان العَرْزمي أو شاهداً يقويه، فدل على أنَّ النُّقاد المتقدمين كانوا يعتبرون بالضعيف؛ لأنَّه محتمل أن يكون صحيحاً إذا كان له ما يقويه من وجهٍ آخر. وقال العلامة المعلمي في التنكيل: " أنَّ أئمة الحديث قد يتبين لهم في حديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنَّه ضعيف، وفي حديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنَّه صحيح، والواجب على من دونهم التسليم لهم، وأولى من ذلك إذا كان الراوي وسطاً كالنهشلي وابن أبي الزناد " (¬2). المطلب الثاني: أهمية كتابة الحديث الضعيف. ولقد قام جهابذة هذا الفن بكتابة الحديث الضعيف لأسباب غاية في الأهمية، وقد أجمل أهل العلم في مصنفاتهم هذه الأسباب، وذكروا لنا طريقتهم في ذلك. وما أجمل ما ذكره ابن حبان البستي في المجروحين: ورأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين في زاوية بصنعاء، وهو يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه. فقال أحمد بن حنبل له: تكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة؟!، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في " أبان"، ثم تكتب حديثه على الوجه؟! ¬

(¬1) ابن عدي: الكامل في الضعفاء (ج5/ص302). (¬2) عبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (ت: 1386هـ): التنكيل طبعة المكتب الإسلامي، بيروت (دت)، تحقيق: العلامة ناصر الدين الألباني رحمه الله، (ج2/ص36).

قال: رحمك الله يا أبا عبدالله أكتب هذه الصحيفة عن عبدالرزاق، عن معمر، عن أبان عن أنس، وأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان، فيجعل بدل: " أبان": " ثابتاً "، ويرويها عن معمر، عن ثابت، عن أنس، فأقول له: كذبت، إنَّما هي: " أبان " لا " ثابت" (¬1). وقال ابن عبدالبر في جامع بيان العلم: " قال سفيان الثوري: إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه، حديث أكتبه أريد أن أتخذه ديناً، وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به. وقال الأوزاعي: تعلم ما لا يؤخذ به كما تتعلم ما يؤخذ به " (¬2). وقال النووي في شرح مسلم: " فقد يقال لِمَ حدث هؤلاء الأئمة عن هؤلاء مع علمهم بأنهم لا يحتج بهم؟!، ويجاب عنه بأجوبة: أحدها: أنهم رووها؛ ليعرفوها، وليبينوا ضعفها لئلا يلتبس في وقت عليهم، أو على غيرهم أو يتشككوا في صحتها. الثاني: أنَّ الضعيف يُكتب حديثه ليعتبر به، أو يستشهد به كما قدمناه في فصل المتابعات ولا يحتج به على انفراده. الثالث: أنَّ روايات الراوي الضعيف يكون فيها: الصحيح والضعيف والباطل فيكتبونها، ثم يميز أهل الحديث والإتقان بعض ذلك من بعض وذلك سهل عليهم معروف عندهم وبهذا احتج سفيان الثوري رحمه الله حين نهى عن الرواية عن الكلبي، فقيل له: أنت تروي عنه؟!، فقال: أنا أَعْلمُ صدقه من كذبه. ¬

(¬1) ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد أبى حاتم البُستي (354هـ)، المجروحين طبعة دار المعرفة، بيروت، تحقيق محمود ابراهيم زايد، (ج1/ص31 - 32). (¬2) ابن عبدالبر: يوسف بن عبدالله بن عبد البر القرطبي (ت:463هـ)، جامع بيان العلم وفضله طبعة دار الكتب العلمية، بيروت 2000م، تحقيق: مسعد عبدالحميد السعدني، (ص76).

الرابع: أنهم قد يروون عنهم أحاديث الترغيب والترهيب، وفضائل الأعمال والقصص، وأحاديث الزهد ومكارم الأخلاق، ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلال والحرام، وسائر الأحكام وهذا الضرب من الحديث يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فيه، ورواية ما سوى الموضوع منه والعمل به. لأنَّ أصول ذلك صحيحة مقررة في الشرع معروفة عند أهله، وعلى كل حال فإنَّ الأئمة لا يروون عن الضعفاء شيئاً يحتجون به على انفراده في الأحكام، فإنَّ هذا شيء لا يفعله إمام من أئمة المحدثين، ولا محقق من غيرهم من العلماء. وأمَّا فعل كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم ذلك، واعتمادهم عليه فليس بصواب بل قبيح جداً وذلك لأنَّه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج به، فإنهم متفقون على أنَّه لا يحتج بالضعيف في الأحكام، وإن كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يحجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفاً، أو بسؤال أهل العلم به إن لم يكن عارفاً، والله أعلم " (¬1). وليس الإمام الدارقطني إلا واحداً من هؤلاء النقاد فنجده يروي عن الضعفاء في كتابه السنن والعلل وغيرها ويعتبر بها، وهذه قاعدة عامة عنده، وله أحكام خاصة ببعض الرواة الضعفاء لا يحتج بهم، وسوف نضرب بعض الأمثلة التي تبين منهجه في ذلك: 1 - مثل قوله في عمرو بن دينار: "وهو ضعيف الحديث لا يحتج به " (¬2). 2 - وقوله في سعيد بن عبدالملك بن واقد الحراني:"وسعيد هذا ضعيف لا يحتج به" (¬3). ¬

(¬1) النووي: شرح النووي على صحيح مسلم، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت الطبعة الثانية سنة 1992م، (ج1/ص126). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص50) سؤال رقم (101). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص237) سؤال رقم (241).

3 - وكذلك قوله في: " أيوب بن جابر من أهل اليمامة ضعيف لا يحتج به " (¬1). 4 - وكذلك قوله في حجاج بن أرطاة: " وحجاج لا يحتج به " (¬2). 5 - وكذلك قوله في عبدالله بن لهيعة: " وابن لهيعة لا يحتج به " (¬3). كما أنَّ له أحكاماً لبعض الرواة عن بعض أنها لا يثبت فيها شيء، نذكر منها: 1 - حكمه في ترجمة الحسن البصري: " الحسن عن أبي هريرة، قال: ليس فيها شيء ثابت " (¬4). 2 - حكمه في ترجمة عاصم بن أبي النجود عن عطية عن أبي سعيد: " ولا يصح لعاصم عن عطية شيء " (¬5). 3 - حكمه في ترجمة محمد بن المنكدر عن أبي برزة: " ولا يثبت لابن المنكدر سماع من أبي برزة " (¬6). 4 - حكمه في ترجمة أبو رافع عن ابن مسعود: " وأبو رافع (¬7) لا يثبت سماعه من ابن مسعود " (¬8). ¬

(¬1) المصدر السابق: (ج5/ص160) سؤال رقم (792). (¬2) المصدر السابق: (ج5/ص347) سؤال رقم (940). (¬3) المصدر السابق: أيضاً (ج5/ص347) سؤال رقم (940). (¬4) المصدر السابق: (ج11/ص223) سؤال رقم (2243)، وقال الترمذي: في السنن (ج5/ص61)، حديث رقم (2703): " قال أيوب السختياني ويونس بن عبيد وعلي بن زيد إن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ". (¬5) المصدر السابق: (ج11/ص293) سؤال رقم (2290). (¬6) المصدر السابق: (ج6/ص308) سؤال رقم (1159). (¬7) وهو نفيع، أبي رافع الصائغ المدني، مولى ابنة عمر بن الخطاب مشهور بكنيته (ت:؟)، ثقة ثبت من الطبقة الثانية كبار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج10/ص 420). (¬8) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج5/ص346) سؤال رقم (940).

المطلب الثالث: ألفاظ التضعيف عند الدارقطني في العلل.

المطلب الثالث: ألفاظ التضعيف عند الدارقطني في العلل. لا شك أنَّ النقاد المحدثين كان لهم ألفاظ يستعملونها في الإفصاح عن الضعف الموجود في الرواية، وأنهم كانوا يقصدون به معنىً ما، والجدير بالذكر أنَّ كل إمام كان له ما يخصه من الألفاظ إلا أنهم لا يختلفون في المقصود من مرتبة الضعف المشار إليها في اللفظ. وقد أطلق الإمام الدارقطني بعض الألفاظ التي تدل على الضعف، نأخذ نماذج منها: أولاً: لفظة: " ضعيف ". استخدم الإمام الدارقطني هذه اللفظة في الحكم على بعض الأحاديث نذكر منها مثالاً: المثال: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث مالك بن يخامر، عن معاذ - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((مَا عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا عَظُمَتْ مَؤُنَةُ النَّاسِ عَلَيْهِ فَمَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ تِلْكَ الْمَؤُنَةَ فَقَدْ عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ لِلزَّوَالِ)) (¬1) فقال - الدارقطني -: يرويه ثور بن يزيد واختلف عنه: فرواه محمد بن علاثة (¬2)، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن مالك بن يخامر، عن معاذ. ورواه أحمد بن معدان العبدي، عن ثور، عن خالد، عن معاذ. لم يذكر فيه مالكا، وهو حديث ضعيف غير ثابت " (¬3). قلتُ: والعلة المشار إليها في الحديث أنَّ محمد بن عبدالله بن علاثة أخطأ في إسناد الحديث فأدخل مالك بن يخامر بين خالد بن معدان، ومعاذ، وحجة الدارقطني هي مخالفة أحمد بن معدان العبدي له، فقد ساقه بدون ذكر مالك بن يخامر، فظهر الانقطاع الذي بين خالد بن معدان، ومعاذ بن جبل رضي الله عنه وبينهما مفاوز، وقول الدارقطني هنا ضعيف يعني أنَّ ¬

(¬1) أخرجه البيهقي: في شعب الإيمان طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1410 هـ، تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول، (ج6/ص118) برقم (7664). (¬2) هو محمد بن عبدالله بن علاثة العقيلي الجزري، أبو اليسير الحراني القاضي (ت: 168 هـ)، صدوق يخطئ، قال البخاري: فيه نظر، ووثقه ابن معين وغيره، وقال الدارقطني: متروك، ... وقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به، ميزان الاعتدال (ج3/ص 594). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج6/ص50) سؤال رقم (969).

الحديث من جميع الوجوه ضعيف لا يثبت (¬1)، والله أعلم ثانياً: لفظة: " وهذا إسناد غير ثابت ". استخدم الدارقطني هذا اللفظ في الحكم على الحديث لما سئل عن حديث أبي كبشة الأنْمَاري، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَي مُتَعَمِّدَاً ...)) (¬2)، فذكر الخلاف ثم ساق الحديث بإسناده فقال: حدثنا علي بن مبشر، قال حدثنا إسحاق بن أحمد القاص، قال حدثنا يونس بن عطاء قال ثنا أبو معمر الأصغر، عن أبي معمر الأكبر، عن أبي بكر الصديق عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وهذا إسناد غير ثابت " (¬3). والضعف المشار إليه أنَّ هذا المتن صحيح، ولكنه لم يثبت له إسناد صحيح من مسند أبي بكر الصديق رضى الله عنه، وفرق كبير بين لفظة "حديث ضعيف لا يثبت "، وبين لفظة " إسناد غير ثابت "؛ لأنَّ الأول يدل على ضعف السند والمتن، والثاني يخص الإسناد بعينه دون المتن، لثبوت المتن من أسانيد صحيحة متواترة عن على وأبي هريرة وغيرهما رضى الله عنهم، وقد أخرجه الستة في مصنفاتهم. ثالثاً: لفظة: " وهذا إسناد مقلوب ". مثاله: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث شقيق عن عبدالله - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا والاَهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ)) (¬4). ¬

(¬1) أخرج الشاهد الطبراني في المعجم الأوسط، (ج5/ص228)، برقم (5162) من طريق عبدالله ابن زيد الحمصي قال: حدثنا الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن ابن عمر به. بإسناد ضعيف. (¬2) أخرجه البزار: في مسنده (البحر الزَّخار)، (ج1/ص98)، برقم (67)، بسند ضعيف. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج1/ص 246) سؤال رقم (44). (¬4) أخرجه الترمذي على الوجه الصحيح: في السنن، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل، (ج4/ص 561)، برقم (2322)، وابن ماجه في السنن، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، (ج2/ص 1377)، برقم (4112)، كلاهما من طريق عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان قال: سمعت عطاء بن قرة قال: سمعت عبدالله بن ضمرة، قال: سمعت أبا هريرة به، قال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب "، وهو حديث حسن.

فقال - الدارقطني -: يرويه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان واختلف عنه: فرواه أبو المطرف مغيرة بن مطرف، عن ابن ثوبان، عن عبدة بن أبي لبابة، عن شقيق، عن عبدالله. وهذا إسناد مقلوب وإنَّما رواه ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبدالله بن ضمرة، عن أبي هريرة. وهو الصحيح " (¬1). قلتُ: والعلة المشار إليها في الحديث أنَّ أبا المطرف مغيرة بن مطرف أخطأ فقلب إسناد الحديث عن عبدالرحمن بن ثوبان فجعله من مسند عبدالله بن مسعود بقوله: " عن عبدة بن أبي لبابة، عن شقيق، عن عبدالله "، والصحيح أنَّه من مسند أبي هريرة رضي الله عنه. رابعاً: لفظة: " ليس بقوي ". ومثاله قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث نافع، عن ابن عمر عن عمر - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّينِ))، فساق الدارقطني الخلاف فيه ثم قال: " ورواه خالد بن أبي بكر بن عبيدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ... عن سالم، عن أبيه، عن عمر. وأغرب فيه بألفاظ لم يأت بها غيره، ذكر فيه المسح وقال فيه: على ظهر الْخُفِّ، وذكر في التوقيت ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم، وخالد بن أبي بكر العمري (¬2) هذا ليس بقوي " (¬3). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج5/ص89) سؤال رقم (735). (¬2) هو خالد بن أبى بكر بن عبيدالله بن عبدالله بن عمر بن الخطاب القرشي المدني (ت: 162 هـ)، فيه لين، من الطبقة السابعة كبار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي، قال البخارى: له مناكير، تقريب التهذيب (ج1/ص 255)، الذهبي: ميزان الاعتدال (ج1/ص 628). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص22) سؤال رقم (92).

خامساً: لفظة: " مجهول ". ومثاله: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي أمامة الباهلي عن عمر - رضي الله عنه - أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: ((مَنْ لَبِسَ ثَوْباً، فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي)) (¬1) الحديث. فقال - الدارقطني -: حدث به ياسين الزيات، عن عبيدالله بن زحر، عن القاسم عن أبي أمامة، عن عمر وعبيدالله بن زحر، إنَّما يروي عن علي بن يزيد، عن القاسم ولم يذكره ياسين في الإسناد. ورواه أبو السائب عن وكيع، عن مسعر، عن عبيدالله بن زحر ولم يتابع عليه، وغيره يرويه عن وكيع عن خلاد الصفار، عن عبيدالله بن زحر وهو الصواب. وروى هذا الحديث أصبغ بن زيد عن أبي العلاء عن أبي أمامة، وأبو العلاء هذا مجهول وعبيدالله بن زحر ضعيف والحديث غير ثابت " (¬2). سادساً: لفظة: " لا يصح أو لا يثبت ". المثال الأول: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث حدَّثَ به محمد بن عبدالواحد، ثنا أبو بكر محمد بن السري التَّمار، ثنا عباس الدوري، ثنا أبو داود الحفري، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مصعب بن سعد، عن سعد ابن أبي وقاص - رضي الله عنه -، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَي مُتَعمِّداً فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). ¬

(¬1) أخرجه الترمذي على الوجه الضعيف: في السنن، كتاب الدعوات، بَاب فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، (ج5/ص558)، برقم (3560)، وابن ماجه في السنن، كتاب اللباس، باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديداً، (ج2/ص 1178)، برقم (3557)، كلاهما من طريق يزيد بن هارون قال: حدثنا أصبغ بن زيد، حدثنا أبو العلاء، عن أبي أمامة، بسند ضعيف معلول. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص22) سؤال رقم (160).

فقال - الدارقطني -: هذا لا يصح عن مصعب بن سعد، ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن الثوري، ولعل هذا الشيخ دخل عليه حديث في حديث " (¬1). المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى مَسْجِدٍ أَوْ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ إِلَى بَعِيرٍ فِإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه الأوزاعي واختلف عنه: فرواه رواد بن الجراح، عن الأوزاعي، عن أيوب بن موسى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقيل عن رواد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أيوب بن موسى ولا يصح عن الزهري، وقال بقية عن الأوزاعي، عن رجل من أهل المدينة، عن أبي هريرة موقوفا. والحديث لا يثبت " (¬3). قلتُ: وكل هذه الألفاظ التي سبقت تدل على ضعف الحديث عند الدارقطني، ولا أدعي أنني قد أستوعبت جميع الألفاظ التي تدل على الضعف عند الدارقطني في كتابه العلل وإنَّما هي غالب الألفاظ التي استعملها في تضعيفه للأحاديث، والله أعلم. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج4/ص331) سؤال رقم (603). (¬2) أخرجه أبو داود على الوجه الضعيف: في السنن، كتاب الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصا (ج1/ص 240)، برقم (689)، وابن ماجه في السنن، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، بَاب ما يستر المصلي، (ج1/ص 303)، برقم (943)، كلاهما من طريق أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن جده حريث بن سليم، عن أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَخُطَّ خَطًّا ثُمَّ لا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ))، بإسنادٍ ضعيف لجهالة أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث وجده. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج8/ص50) سؤال رقم (1410).

المبحث الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان ومدلولاتهما عند الإمام الدارقطني.

المبحث الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان ومدلولاتهما عند الإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف الوضع والبطلان لغة واصطلاحاً. أولاً: تعريف الوضع لغةً: وهو ما وضع باليد، أوكان بمعنى ضد الرفع، قال ابن منظور في لسان العرب: " ... (وضع) الوَضْعُ ضدُّ الرفع وضَعَه يَضَعُه وَضْعاً ومَوْضُوعاً ... ، والمواضِعُ معروفة واحدها مَوْضِعٌ واسم المكان المَوْضِعُ والموضَعُ بالفتح الأَخير نادر ... ، والموضَعةُ لغة في الموْضِعِ حكاه اللحياني عن العرب قال يقال: ارْزُنْ في مَوضِعِكَ ومَوْضَعَتِكَ، والوَضْعُ مصدر قولك وَضَعْتُ الشيء من يدي وَضْعاً وموضوعاً، وهو مثل المَعْقُولِ ومَوْضَعاً وإِنه لحَسَنُ الوِضْعةِ أَي الوَضْعِ، والوَضْعُ أَيضاً الموضوعُ " (¬1). ثانياً: تعريف الموضوع في الاصطلاح: وهو ما يغلب على الظن أو يجزم أنَّه حديث كذب مختلق، قال السيوطي: " الموضوع هو الكذب المختلق المصنوع، وهو شر الضعيف وأقبحه، وتحرم روايته مع العلم به أي بوضعه في أي معنى كان سواء الأحكام والقصص والترغيب وغيرها، إلا مبينا أي مقروناً ببيان وضعه لحديث مسلم: ((مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ)) (¬2)، ويعرف الوضع للحديث بإقرار واضعه أنه وضعه " (¬3). وقال الإمام مسلم عن هذا النوع من الأخبار: " إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها مع أنَّ ¬

(¬1) ابن منظور: لسان العرب (ج8/ص396)، مادة (وضع). (¬2) أخرجه مسلم: في الصحيح (مع شرح النووي)، المقدمة، باب وجوب الرواية عن الثقات ترك الكذابين والتحذير من الكذب على رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، (ج1/ص95). (¬3) السيوطي: تدريب الراوي (ج1/ص274).

ثالثا: تعريف البطلان لغة

الأخبار الصحاح من رواية الثقات، وأهل الْقَنَاعَةِ أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع. ولا أحسب كثيراَ ممن يعرج من النَّاس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضِعاف والأسانيد المجهولة، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف، إلا أنَّ الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند العوام، ولأن يقال ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألف من العدد، ومن ذهب في العلم هذا المذهب وسلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه. وكان بأن يسمى جاهلاً أولى من أن ينسب إلى علمٍ" (¬1). ثالثاً: تعريف البطلان لغةً: وهو كل شيء فيه خُسران، نقيض الحق، ويعني الكذب والافتراء كذلك، قال ابن منظور في لسان العرب: " (بطل) بَطَل الشيءُ يَبْطُل بُطْلاً وبُطُولاً، وبُطْلاناً ذهب ضيَاعاً وخُسْراً فهو باطل وأَبْطَله هو، ويقال ذهب دَمُه بُطْلاً أَي هَدَراً، وبَطِل في حديثه بَطَالة وأَبطل هَزَل، والاسم البَطل والباطل نقيض الحق والجمع أَباطيل على غير قياس كأَنه جمع إِبْطال أَو إِبْطِيل هذا مذهب سيبويه. وفي التهذيب: ويجمع الباطل بواطل، قال أَبو حاتم: واحدة الأَباطيل أُبْطُولة، وقال ابن دريد: واحدتها إِبْطالة ودَعْوى باطِلٌ وبَاطِلة عن الزجاج وأَبْطَل جاء بالباطل والبَطَلة السَّحَرة ماخوذ منه، وقد جاء في الحديث ((ولاَ تَسْتَطِيعُهُ البَطَلة)) قيل هم السَّحَرة، ورجل بَطَّال ذو باطل، وقَوْلٌ باطِل بَيِّن البُطُول، وتَبَطَّلوا بينهم تداولوا الباطل، عن اللحياني والتَّبَطُّل فعل البَطَالة وهو اتباع اللهو والجَهالة، وقالوا: بينهم أُبْطُولة يَتَبَطَّلون بها أَي يقولونها ويتداولونها، وأَبْطَلت الشيءَ جعلته باطلاً وأَبْطل فلان جاء بكذب وادَّعى باطلاً، وقوله تعالى: {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} (¬2)، قال: الباطل هنا إِبليس أَراد ذا الباطل أَو صاحب الباطل ¬

(¬1) الإمام مسلم: صحيح مسلم (مع شرح النووي)، المقدمة (ج1/ص132 - 133). (¬2) سورة سَبأ آية رقم (49).

رابعا: تعريف الباطل في الاصطلاح

وهو إِبليس " (¬1). وبهذا يدور معنى الباطل في اللغة حول الفساد، والسقوط، والخسران، أو المخالفة للحق. رابعاً: تعريف الباطل في الاصطلاح: لم أجد تعريفاً في كتب المصطلح يعرف البطلان، ولكن قد أطلقه جمع من النقاد المحدثين في مصنفاتهم للدلالة على الخبر المكذوب، أو ما لا أصل له أو موضوع، وقد يقصدون به كل حديث ساقط لا أصل له، أو أنَّه مغاير لحقيقة الصحة، كاختلاف الألفاظ التي تغير المعنى، وغيرها من العلل التي تطرأ على الحديث فتجعله نقيض الحق، فهو أقرب للمعنى اللغوي للبطلان فهو الخبر الساقط، المخالف للحق والصحة، والله أعلم. المطلب الثاني: ألفاظ الوضع والبطلان عند الإمام الدارقطني. وقد أطلق الإمام الدارقطني بعض الألفاظ التي تدل على الوضع والبطلان وهي قليلة، نذكر نماذج منها: أولاً: لفظة: " كان يضع أو يكذب ". أطلق الإمام الدارقطني هذا اللفظ على حديث واحد لما سُئل عن حديث أبي رافع عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((في الوضوء بالنبيذ)) (¬2)، فقال: "والراوي له متروك الحديث وهو الحسين بن عبيدالله العجلي عن أبي معاوية كان يضع الحديث على الثقات، وهذا كذب على أبي معاوية وعلى الأعمش " (¬3). ثانياً: لفظة: " قال ما لم يقله أحد من أهل العلم ". وقد أطلق الإمام الدارقطني هذه اللفظة على حديث واحد لما سُئل عن حديث أنس، ¬

(¬1) ابن منظور: لسان العرب (ج11/ص56)، مادة (بطل). (¬2) سبق تخريجه: صفحة 204 من هذه الدراسة. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج5/ص 346) سؤال رقم (940).

ثالثا: لفظة: " ليس هذا بشيء ".

عن عمر - رضي الله عنه -: ((أنَّه سَألَ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: {وَفَاكِهَةً وَأَبَّا} (¬1)، فَمَا الأبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: هَذَا لَعَمْرُ اللهِ التَّكَلّف، فَخُذُوا أَيْهُا النَّاسُ بِمَا تَبَيَّنَ لَكُمْ فِيهِ فَمَا عَرَفْتُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لَمْ تَعْرِفُوا فَكِلُوا عِلْمَهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى))، فقال - الدارقطني -: " من روى هذا الحديث فكِلوه إلى خالقه فقد وهم وقال ما لم يقله أحد من أهل العلم بالحديث فإنه لا يعرف فيه إلا قوله فكِلوه إلى عالمه أي كِلُوا عِلْمَهُ إلى الله عز وجل أو فدعوه " (¬2). ثالثاً: لفظة: " ليس هذا بشيء ". وقد ذكر الإمام الدارقطني هذه اللفظة في حديث واحد لما سُئل عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى تَكَونَ خُصُومَتُهُم فَي رَبِّهِمْ)) (¬3). فقال - الدارقطني -: "يرويه أبو قلابة (¬4)، عن حسين بن حفص، عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، ووهم فيه، وإنَّما روي عن الثوري هذا الحديث من حديث منذر الثوري عن محمد ابن الحنفية من قوله غير مرفوع. ثنا محمد بن محمود بن محمد بواسط، ثنا أبو قلابة عبدالملك بن محمد، ثنا حسين بن حفص، ثنا سفيان الثوري، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى تَكَونَ خُصُومَتُهُم فَي رَبِّهِمْ))، قال أبو قلابة: فذكرت ذلك لعلي بن المديني فقال: ليس هذا بشئ، إنَّما الحديث حديث ابن الحنفية: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى تَكَونَ خُصُومَتُهُم فَي رَبِّهِمْ)) " (¬5). ¬

(¬1) سورة عَبَسَ آية رقم (31). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص 120)، سؤال رقم (153). (¬3) لم يخرجه إلا الدارقطني: في العلل (ج10/ص167)، سؤال رقم (1959)، وقد فتشت عنه طويلاً فلم أجده. (¬4) هو عبدالملك بن محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالملك الرَّقاشي، أبو قلابة البصري (ت: 276 هـ)، صدوق يخطىء تغير حفظه لما سكن بغداد، من الطبقة الحادية عشر، أوساط الآخذين عن تبع الأتباع، أخرج له ابن ماجه، تقريب التهذيب (ج1/ص 619). (¬5) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج10/ص167)، سؤال رقم (1959).

رابعا: لفظة: " وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد ".

رابعاً: لفظة: " وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد ". وقد ذكر الإمام الدارقطني هذه اللفظة في حديث واحد لما سُئل عن حديث يزيد بن شُريكٍ، عن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((عَلَى قَسِيمِ النَّارِ يَدْخُلُ أَوْلِيَاؤُهُ الْجَنَّةَ، وَأَعْدَاؤُهُ النَّارَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: " حَدَّثنا الشّافِعِيُّ أَبُو بَكرٍ (¬2)، قال: حَدَّثنا مُحَمد بن عُمَر القَبَلِيُّ، قال: حَدَّثنا مُحَمد بن عُمَر القَبَلِيُّ، قال: حَدَّثنا مُحَمد بن هاشِمٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثنا عُبَيدالله ذَلِك، قال الشَّيخُ: وهَذا الحَدِيثُ باطِلٌ بِهَذا الإِسنادِ، ومِن دُونِ عُبَيدِالله ضُعَفاءٌ، القَبَلِيُّ ضَعِيفٌ جِدًّا، وإِنَّما رَوَى هَذا الحَدِيث الأَعمَشُ، عَن مُوسَى بنِ طَرِيفٍ عَن عَبايَة، عَن عَلِيٍّ - رضي الله عنه - " (¬3). قلتُ: والعلة التي في هذا الحديث أنَّه اجتمع فيه ضعيفان محمد بن هاشم الثقفي ... ومحمد بن عمر القبلي، بخلاف نكارة المتن لذا حكم عليه الدارقطني بالبطلان، وقوله: " بهذا الإسناد " حكمٌ دقيق، فهناك فرق بين الحكم على الإسناد أو المتن، والحكم على الحديث ككل، فإنَّ الحكم على الإسناد يخص الإسناد فقط، وقد يثبت المتن بإسناد آخر صحيح، وأما الحكم على الحديث بالبطلان يخص الإسناد والمتن معاً. خامساً: لفظة: " هذا باطل عن فلان ". وقد ذكر الإمام الدارقطني هذه اللفظة في حديث واحد لما سُئل عن أحاديث رويت عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين منها: حديث يرويه جرير بن أيوب البجلي، عن ¬

(¬1) لم يخرجه إلا الدارقطني: في العلل (ج6/ص273)، سؤال رقم (1132)، وقد فتشت عنه طويلاً فلم أجده. (¬2) هو محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد ربه (ت354هـ)، محدث، ثقة، من أهل جبل (قرب واسط)، وقام برحلة طويلة في طلب الحديث انتهت باستقراره ووفاته في بغداد، وله مُصنّفات جليلة الأعلام للزركلي (ج6/ص 224)، قلت: وقد اشتبه اسمه مع الإمام محمد بن إدريس الشافعي على بعض المحققين، وأمره واضح؛ لأنَّ الدارقطني لم يدرك الإمام الشافعي أصلاً. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج6/ص273)، سؤال رقم (1132).

سادسا: لفظة: " وكلها باطلة ".

أبي زرعة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إِذَا أَدْخَلَ أَحُدُكُمْ قَدَمَيْهِ طَاهِرَتَينِ فَلْيَمْسَحْ، لِلمُقِيمِ يَوماً وَلِلمُسَافِرِ ثَلاَثاً)) (¬1). فقال - الدارقطني-: هذا باطل عن أبي هريرة، وقد قال أبو نعيم: كان جرير يضع الحديث " (¬2). قلتُ: والعلة التي في هذا الحديث من جرير بن أيوب البجلى قال الذهبي: " الكوفي مشهور بالضعف، روى عباس عن يحيى - يعني ابن معين -: " ليس بشيء ". وروى عبدالله بن الدورقى، عن يحيى: " ليس بذاك ". وقال أبو نعيم: " كان يضع الحديث ". قال البخاري: " منكر الحديث ". وقال النسائي: " متروك " (¬3). سادساً: لفظة: " وكلها باطلة ". وقد ذكر الإمام الدارقطني هذه اللفظة في حديثٍ واحدٍ لما سُئل عن حديث يرويه أبان ابن عبدالله البجلي وكان ضعيفاً، عن مولى لأبي هريرة - رضي الله عنه - في المسح على الخفين مرفوعاً فقال: " وأبان ضعيف، وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر وكلها باطلة، ولا يصح عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم في المسح " (¬4). ويتضح مما سبق: - أنَّ الإمام الدارقطني كان يستعمل ألفاظاً للدلالة على ضعف الحديث وهي: 1 - لفظة: " ضعيف ". 2 - لفظة: " وهذا إسناد غير ثابت ". ¬

(¬1) سبق تخريجه: صفحة رقم (208) من هذه الدراسة. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج8/ص275)، سؤال رقم (1563). (¬3) الذهبي: ميزان الاعتدال (ج1/ص391). (¬4) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج8/ص276)، سؤال رقم (1563).

3 - لفظة: " وهذا إسناد مقلوب ". 4 - لفظة: " ليس بقوي ". 5 - لفظة: " مجهول ". 6 - لفظة: " لا يصح أو لا يثبت ". - وأنَّ الدارقطني وغيره من النقاد المتقدمين كانوا يستخدمون بعض هذه الألفاظ للإشارة إلى علة الضعف في الأحاديث والأخبار. - وأنَّ الدارقطني كان يذكر الضعف في الحديث ويبين السبب الذي من أجله كان ضعيفاً، ونادراً ما يذكر لفظ الحكم بدون السبب. - وأنَّ الإمام الدارقطني كان يستعمل ألفاظاً للدلالة على بطلان الأخبار وهي: 1 - لفظة: " كان يضع أو يكذب ". 2 - لفظة: " قال ما لم يقله أحد من أهل العلم ". 3 - لفظة: " ليس هذا بشيء ". 4 - لفظة: " وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد ". 5 - لفظة: " هذا باطل عن فلان ". 6 - لفظة: " وكلها باطلة ".

نستنج أن

نستنج أنَّ: - الأحكام التي ذكرها الدارقطني على الأخبار والأحاديث الضعيفة في العلل أكثر من الأحكام على الأحاديث الباطلة والموضوعة. - وأنَّ نسبة كلام الدارقطني على الرجال في الأحاديث الضعيفة، والباطلة والموضوعة أكبر من نسبة كلامه في الحكم على الحديث ككل أو الخبر جملة. - وأنَّ الدارقطني كان يستعمل الألفاظ التي كان النُّقاد المتقدمون يستعملونها للدلالة على ضعف أو بطلان الحديث أو الخبر.

الفصل الثاني الألفاظ الدالة على الخطأ والوهم والاختلاف وفيه مبحثان: المبحث الأول: ألفاظ الخطأ والوهم ومدلولهما عند الإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف الخطأ والوهم لغةً. المطلب الثاني: لفظا الخطأ والوهم عند الدارقطني في العلل. المبحث الثاني: ألفاظ المخالفة والنَّكارة ومدلولهما عند المحدثين والإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف المخالفة لغة. المطلب الثاني: مفهوم المخالفة عند المحدثين والإمام الدارقطني. المطلب الثالث: ألفاظ المخالفة التي استعملها الإمام الدارقطني لبيان العلل. المطلب الرابع: تعريف النَّكارة لغة. المطلب الخامس: مفهوم النَّكارة وألفاظها عند المحدثين والإمام الدارقطني.

الفصل الثاني الألفاظ الدالة على الخطأ والوهم والاختلاف

الفصل الثاني الألفاظ الدالة على الخطأ والوهم والاختلاف سنتعرض في هذا الفصل للألفاظ التي تدل على الخطأ والوهم والاختلاف في الرواية أو الخبر عند الإمام الدارقطني، ولقد تنوعت ألفاظ الحكم على الخطأ والوهم والاختلاف، وذلك تباعاً للعلة التي طرأت على الخبر من زيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال راوٍ براوٍ، أو كلمة بكلمة، أو إسنادٍ في إسناد، أو تصحيف أو تحريف، أو رواية بالمعنى أفسدت معنى الحديث أو غير ذلك من الأسباب، ولتوضيح ذلك سوف نضرب بعض الأمثلة التي استعملها النُّقاد والدارقطني لهذه الألفاظ للدلالة على الخطأ والوهم. المبحث الأول: ألفاظ الخطأ والوهم ومدلولهما عند الإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف الخطأ والوهم لغةً. أولاً: تعريف الخطأ لغةً. وهو خلاف الصواب والصحيح، قال ابن منظور في لسان العرب: " (خطأ) الخَطَأُ والخَطاءُ ضدُّ الصواب، وقد أَخْطَأَ، وفي التنزيل: {وَلَيسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ} (¬1)، عدَّاه بالباء؛ لأَنَّه في معنى عَثَرْتُم أَو غَلِطْتُم وقول رؤْبة: يا رَبِّ إِنْ أَخْطَاتُ أَو نَسِيتُ ... فأَنتَ لا تَنْسَى ولا تمُوتُ معناه أَي إِنْ أَخْطَاتُ أَو نسِيتُ فاعْفُ عني لنَقْصِي وفَضْلِك وقد يُمدُّ الخَطَأُ، وقُرئَ بهما قوله تعالى: {ومَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً} (¬2)، وأَخْطَأَ وتَخَطَّأَ بمعنى، ولا تقل أَخْطَيْتُ وبعضهم يقوله وأَخْطَأَه ... والخَطَأُ ما لم يُتَعَمَّدْ ... ، هو ضد العَمْد، وهو أَن تَقْتُلَ إنساناً بفعلك من غير أَنْ تَقْصِدَ قَتْلَه، أَو لا تَقْصِد ضرْبه بما قَتَلْتَه به، وقد تكرّر ذكر الخَطَإِ والخَطِيئةِ في الحديث. ¬

(¬1) سورة الأحزاب، آية رقم (5). (¬2) سورة النساء، آية رقم (92).

ثانيا: تعريف الوهم لغة.

وأَخْطَأَ يُخْطِئُ إِذا سَلَكَ سَبيلَ الخَطَإِ عَمْداً وسَهْواً ويقال خَطِئَ بمعنى أَخْطَأَ ... ، والخاطِئُ من تعمَّد لما لا ينبغي، وتقول لأَن تُخْطِئ في العلم أَيسَرُ من أَن تُخْطِئ في الدِّين ويقال قد خَطِئْتُ إِذا أَثِمْت فأَنا أَخْطَأُ وأَنا خاطِئٌ، قال المُنْذِري: سمعتُ أَبا الهَيْثَم يقول: خَطِئْتُ لما صَنَعه عَمْداً وهو الذَّنْب، وأَخْطَاتُ لما صَنعه خَطَأً غير عمد، قال: والخَطَأُ مهموز مقصور اسم من أَخْطَاتُ خَطَأً وإِخْطاءً، قال وخَطِئتُ خِطْأً بكسر الخاء مقصور إِذا أَثِمْت وأَنشد: عِبادُك يَخْطَؤنَ وأَنتَ رَبٌّ ... كَرِيمٌ لا تَلِيقُ بِكَ الذُّمُومُ " (¬1). ثانياً: تعريف الوهم لغةً. وهو ما التبس من الأمر فذهل عنه الذهن، فأخطأ فيه المرء وجه الصواب، والخطأ السهو كذلك، وفي حديث عبدالله بن مسعود موقوفاً عند النسائي: ((مَنْ أَوْهَمَ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يَفْرُغُ وَهُوَ جَالِسٌ)) (¬2). وقال ابن منظور في لسان العرب: " (وهم) الوَهْمُ من خَطَراتِ القلب والجمع أَوْهامٌ وللقلب وَهْمٌ وتَوَهَّمَ الشيءَ تخيَّله وتمثَّلَه كان في الوجود أَو لم يكن، وقال تَوهَّمْتُ الشيءَ وتفَرَّسْتُه وتَوسَّمْتُه وتَبَيَّنْتُه بمعنى واحد قال زهير في معنى التوَهُّم: فَلاياً عَرَفْتُ الدار بعدَ تَوهُّمِ. ويقال تَوَهَّمْت فيَّ كذا وكذا، وأَوْهَمْت الشيء إذا أَغفَلْته، ويقال وَهِمْتُ في كذا وكذا أي غلِطْتُ، وأَوْهَمْتُ الشيءَ تركتُه كلَّه أُوهِمُ ... ، قال الأَصمعي: أَوْهَمَ إذا أَسقَط وَوَهِمَ إذا غَلِط ... ، الأَصلُ أَوْهَمُ بالفتح والواوِ فكُسِرت الهمزةُ لأَنَّ قوماً من العرب يكسِرون مُسْتقبَل فَعِل، فيقولون: اعْلَمُ وتَعْلَم فلمَّا كسر همزة أوْهَمُ انقلبت الواوُ ياءً ووَهَمَ إليه يَهِمُ وَهْماً ذَهب وهْمُه إليه ووَهَمَ في الصلاة وَهْماً ووهِمَ كلاهما سَهَا ووَهِمْتُ في الصلاة سَهَوْتُ " (¬3). ¬

(¬1) ابن منظور: لسان العرب (ج1/ص65)، مادة (خطأ) بتصريف يسير. (¬2) أخرجه النَّسائي: في السنن، كتاب السهو، بَابُ التَّحَرِّي، (ج3/ص 34)، برقم (1244). (¬3) ابن منظور: لسان العرب (ج12/ص643)، مادة (وهم)، بتصريف يسير.

المطلب الثاني: ألفاظ الخطأ والوهم عند الدارقطني في العلل.

ونرى من تعريف الخطأ وتعريف الوهم التقارب بين اللفظين، أو الترادف بينهما وقد استعملهما النُّقاد المحدثين بمعنى واحد، فقد جمع الخطيب البغدادي بينهما فقال: " باب ترك الاحتجاج بمن كثر غلطه وكان الوهم غالبا على روايته " (¬1). وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة إسحاق بن الصباح الكندي: " ضعفه يحيى والدارقطني وغيرهما، وقال ابن حبان: كان كثير الوهم فاحش الخطأ " (¬2). المطلب الثاني: ألفاظ الخطأ والوهم عند الدارقطني في العلل. أولاً: لفظتا " الخطأ والوهم مجتمعة ": وقد ذكر الإمام الدارقطني هذين اللفظين في حديثٍ واحدٍ لما سُئل عن حديث نهار العبدي، عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟!، فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ يَا رَبِّ رَجَوْتُكَ وَفَرِقْتُ مِنَ النَّاسِ)) (¬3). فقال- الدارقطني -: " يرويه عنه أبو طوالة، عبدالله بن عبدالرحمن بن معمر بن حزم حدث به عنه سليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، وهشام بن سعد، وإسماعيل بن عياش وأبو عمير الحارث بن عمير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه: فرواه عبد الوهاب الثقفي، وابن عيينة (عنه)، عن أبي طوالة، عن نهار عن أبي سعيد. وحدث به الباغندي (¬4)، عن عبدالله بن محمد الزهري، عن ابن عيينة، عن يحيى بن ¬

(¬1) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية، (ص143). (¬2) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج12/ص643). (¬3) أخرجه على الوجه الصحيح ابن ماجه: في السنن، كتاب الفتن، باب قوله تعالى: {يَأيُّهَا الْذِّينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، (ج2/ص 1332)، رقم (4017). (¬4) هو أبو ذر أحمد بن أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان بن الباغندي (ت: 326هـ)، ثقة حافظ. قاله الذهبي: في سير أعلام النبلاء (15/ 269 - 268).

ثانيا: لفظة " الخطأ "

سعيد، فقال: عن أبي طوالة، عن أبيه، عن أبي سعيد، ووهم في قوله، والصواب حديث نهار العبدي. وأحسب أنَّ الوهم من الباغندي لا ممن فوقه؛ لأنَّ شيخ الباغندي من الثقات قليل الخطأ " (¬1). ثانياً: لفظة " الخطأ ": وقد استعمل هذه اللفظة النُّقاد والإمام الدارقطني بكثرة، نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عروة بن الزبير، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لحسان بن ثابت - رضي الله عنه -: ((أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري، واختلف عنه: فرواه عبدالأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن حسان بن ثابت وأبي هريرة. ورواه شعيب بن أبي حمزة وصالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وحسان بن ثابت. ورواه ابن عيينة عن الزهري وحسان. ورواه إسماعيل بن أمية، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وحده، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي آخره قال ابن شهاب: وقال حسان لأبي هريرة: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم أيده بروح القدس؟ قال: نعم فصار الزهري، عن أبي هريرة مرسل، وحديث عبدالأعلى (¬3)، عن ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج11/ص317)، سؤال رقم (2307). (¬2) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، (ج6/ ص345 - 346)، برقم (3212)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، (ج8/ ص283)، برقم (2485)، كلاهما من طريق الزهري عن سعيد يعني ابن المسيب عن أبي هريرة نحواً منه. (¬3) وهو عبدالأعلى بن عبدالأعلى بن محمد، وقيل ابن شراحيل، القرشي البصري السامي، أبو محمد، (ت: 189 هـ)، ثقة من الطبقة الثامنة الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الستة، كما في تقريب التهذيب (ج1/ص551).

معمر خطأ، وهو محفوظ، عن الزهري، عن سعيد، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة " (¬1). قلتُ: والعلة المشار إليها هي خطأ عبدالأعلى، وهو أبو همام ابن عبدالأعلى البصري في إسناد الحديث، حيث أدخل في الإسناد عروة بين الزهري، وحسان بن ثابت، وأبي هريرة رضي الله عنهما، والمحفوظ الصحيح خلاف ذلك، فهو عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كما رواه الشيخان تماماً، فظهر أنَّ دلالة لفظة: " خطأ " عند الدارقطني يقصد بها ما هو خلاف الصواب، أي أنَّ لها نفس المعني اللغوي عند أهل اللغة كما أوضحنا من قبل في هذا البحث. المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسُئل - الدارقطني - عن حديث عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: ((نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري عنه واختلف عنه: فرواه يونس، وإسحاق بن راشد وصفوان بن سليم، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبي سعيد. ورواه الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، وعطاء بن يزيد، عن أبي سعيد. قال ذلك الوليد بن مزيد، عن الأوزاعي، وقال عمر بن عبدالواحد: عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد مرسلاً. والصحيح حديث عبيدالله بن عبدالله. وقال معمر: عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري، وقال ابن عيينة: عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أبي سعيد، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقيل لسفيان: إنَّ معمراً يقوله عن عطاء بن يزيد، فقال: أخطأ معمر، قال ذلك الحميدي عن ابن عيينة " (¬3). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج11/ص111 - 113)، سؤال رقم (2155). (¬2) أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأشربة، باب اختناث الأسقية (ج10/ ص102)، برقم (5625)، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: " اِخْتِنَاث: وَهُوَ الانْطِوَاء وَالتَّكَسُّر وَالانْثِنَاء ". أي كسرها، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، (ج7/ ص209)، برقم (2023). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج11/ص283 - 285)، سؤال رقم (2286).

وقد استعمل النُّقاد غير الدارقطني لفظة الخطأ بكثرة في مصنفات العلل؛ للدلالة على نفس المعنى الذي قصده الدارقطني وسوف نضرب بعض الأمثلة لبعض النُّقاد المحدثين في مصنفاتهم العلل لإثبات ذلك: المثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " سأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ مِحْجَلٍ أَوْ مِحْجَنٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِنَّ الصَّعِيدَ كَافِيكَ وَلَوْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سَنِينَ، فَإِذَا أَصَبْتَ الْمَاءَ فَأَصِبْهُ بَشَرَتَكَ)) (¬1). قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: هَذَا خَطَأٌ، أَخْطَأَ فِيهِ قَبِيصَةُ، إِنَّمَا هُوَ أَبُو قِلابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " (¬2). وقد وافق أبو زُرْعَةَ الرَّازي الإمام الدارقطني في حكمه على هذا الحديث، فقال لما سُئِلَ عن حديث عمرو بن بُجْدَانَ، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((التَّيَمُّمُ طُهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَو إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ، وَأَمَرَهُ بَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ الْجَنَابَةِ)) (¬3). فقال - الدارقطني -: "يرويه أبو قلابة، عن عمرو بن بُجْدَانَ واختلف عنه: فرواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدَانَ، عن أبي ذر، ولم يختلف أصحاب خالد عنه. ورواه أبو أيوب السختياني، عن أبي قلابة. واختلف عنه فرواه: مخلد بن يزيد، عن الثوري، عن أيوب وخالد، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدَانَ، عن أبي ذر، وأحسبه حمل حديث أيوب على حديث خالد؛ لأنَّ أيوب يرويه ¬

(¬1) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج5/ص146)، برقم (21342)، من طريق أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر حديث طويل في آخره: " ((إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّ بَشَرَتَكَ)) "، بإسناد ضعيف، لوجود رجل مبهم. (¬2) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص185)، مسألة رقم (1). (¬3) سبق تخريجه فيما سبق، في هامش الصفحة السابقة رقم (2).

عن أبي قلابة عن رجل لم يسمه عن أبي ذر. ورواه عبدالرزاق، عن الثوري عنهما فضبطه وبين قول كل واحد منهما من صاحبه وأتى بالصواب، وتابعه على ذلك إبراهيم بن خالد، عن الثوري، عن أيوب وخالد وبين قول كل واحد على الصواب، ورواه أبو أحمد الزبيري، وعبدالغفار بن الحسن جميعاً عن الثوري، عن أيوب، عن أبي قلابة عن أبي ذر مرسلاً " (¬1). المثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: سئل أبي عن حديث الفريابي، عن إسرائيل، عن زيد بن جبير الجشمي قال: حدثني عروة بن جميل، عن أبيه. قال أبي: هو خطأ إنما هو جروة بن جميل، وقال وكيع قال: إسرائيل جروة بن جميل قال وكيع: وقال شريك: جروة بن جميل وهو الصحيح (¬2). المثال الثالث: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: " حدثني أبي قال: حدثنا وكيع عن سلمة، عن الضحاك، قال: المكاء التصفيق، والتصدية الصفير. حدثنا أبي قال: حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سلمة بن نبيط، عن أبيه، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: المكاء الصفير. قال أبي أخطأ وكيع وأصاب أبو نعيم " (¬3) قلتُ: والعلة المشار إليها هي خطأ وكيع، وهو ابن الجراح بن مليح الكوفي في تفسير قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}، فقال: المكاء التصفيق، وخالفه أبو نعيم وهو الفضل بن دُكَين أحد الحفاظ الأعلام (¬4)، فقال: ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج6/ ص252 - 254)، سؤال رقم (1113). (¬2) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال رواية عبدالله بن أحمد، طبعة المكتب الإسلامي، الرياض سنة 1408هـ، تحقيق: وصي الله عباس، (ج3/ ص57)، سؤال رقم (4155). (¬3) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج2/ ص77 - 78)، رقم (1602، 1603). (¬4) ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب، (ج2/ص11)، الآية في سورة الأنفال رقم (35).

ثالثا: لفظة " الوهم "

المكاء الصفير. فظهر مقصود النُّقاد والدارقطني من لفظة الخطأ كما أوضحنا. ثالثاً: لفظة " الوهم ": وقد استعمل النُّقاد والإمام الدارقطني هذه اللفظة، كثيراً في مصنفاتهم العلل نذكر منها على سبيل المثال: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث ربعي عن علي - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: حدث به عبدالرحمن بن أبي حماد المقري، واسم أبي حماد شكيل وهو من كبار أصحاب حمزة، وأبي بكر بن عياش في القراءة، عن شريك عن منصور، ووهم فيه، والصواب عن منصور، عن ربعي، عن أبي مسعود الأنصاري. وقال: إبراهيم بن سعد، عن الثوري عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة. ووهم أيضا وقال: أبو مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة، وحديث أبي مسعود هو الصواب " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي: الوهم الذي وقع فيه كُلٌّ من عبدالرحمن ابن أبي حماد المقري، وإبراهيم بن سعد، وهو ابن أبي وقاص، الزهري القرشي (¬3)، فأما الأول فأدخل في الإسناد شريك، وهو ابن عبدالله بن أبي شريك الكوفي، وأما الثاني فعجل الحديث ¬

(¬1) أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الأدب، باب إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ، (ج10/ ص589)، برقم (6129). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج11/ص ج3/ص198)، سؤال رقم (358). (¬3) وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني، (ت: بعد المائة هـ)، ثقة، من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له الشيخان، والنَّسائي، وابن ماجه، تقريب التهذيب (ج1/ص56).

من مسند حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وإنَّما هو من مسند أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، ورجّح الدارقطني أنَّ الصواب ما رواه أبو مالك الأشجعي (¬1) لأنَّه أثبت من الاثنين، فظهر معنى الوهم عند الدارقطني أنَّه الخطأ، وعدم التثبت من الرواية. المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، واختلف عنه: فروي عن محمد بن عبدالله الرازي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، عن خلاس عن أبي رافع، عن أبي هريرة. وخالفهما علي بن المديني، فرواه عن خالد بن الحارث، عن سعيد عن قتادة، وهو الصواب. ورواه إسماعيل بن سعيد الكسائي، عن روح، عن شعبة، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي هريرة، لم أر فيه أبا رافع. وهو وهم في موضعين في تركه أبا رافع وفي قوله: شعبة وإنَّما رواه روح، عن سعيد. وكذلك رواه يزيد بن زريع، وعمرو بن محمد بن أبي رزين، وإسحاق الأزرق، وعباد بن وهيب، عن سعيد، وهو الصحيح " (¬3) ¬

(¬1) وهو سعد بن طارق بن أشيم، أبو مالك الأشجعى الكوفى، (ت: 140 هـ تقريبا)، ثقة، من الطبقة الرابعة، الطبقة التي تلي الوسطي من التابعين، أخرج له الجماعة إلا البخاري تعليقاً، تقريب التهذيب (ج1/ص 344). (¬2) أخرجه أبو داود على الوجه الصحيح: في السنن، كتاب الأقضية، باب الرجلين يَدَّعِيَانِ شيئاً وليست لهما بَيِّنَةٌ (ج2/ص 335)، برقم (3618)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الأحكام باب الرجلان يَدَّعِيَانِ (ج2/ص 780)، برقم (2329)، كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة نحواً منه. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ح11/ص206 - 207)، سؤال رقم (2225).

وقد استعمل النُّقاد غير الدارقطني لفظة الوهم بكثرة في مصنفاتهم العلل، للدلالة على نفس المعنى الذي قصده الدارقطني وسوف نضرب بعض الأمثلة من مصنفات النُّقاد المحدثين في مصنفاتهم العلل لإثبات ذلك: المثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ، رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَسْتَكْ)) " (¬1) فَقَالا - يعني أَبَا حَاتِمٍ وَأَبَا زُرْعَةَ -: هَذَا وَهْمٌ، إِنَّمَا هُوَ الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفٌ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ... ، قُلْتُ لَهُمَا: فَالْوَهْمُ مِمَّنْ هُوَ؟ قَالا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا. قُلْتُ - ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ -: يَعْنِيَانِ إِمَّا مِنْ عُثْمَانَ، وَإِمَّا مِنْ شَرِيك " (¬2). المثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: " سألت أبي عن حديث عمَّار بن محمد بن أخت سفيان، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء - رضي الله عنه - في قوله عز وجل: {انظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} (¬3)، قال نضجه حين ينضج. قال أبي: ليس هذا من حديث أبي إسحاق، هذا يأكل! كأنَّه أنكره من حديث عمَّار أنَّه وهم، والحديث حدثنا به إبراهيم الهروي (¬4). المثال الثالث: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: سألت أبي عن حديث حدثناه الفضل بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنه - ¬

(¬1) أخرجه ابن أبي شيبة على الوجه الصحيح موقوفاً: في المصنف، (ج1/ص 196) برقم (18)، من طريق أبو معاوية، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي به. (¬2) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص208 - 209)، مسألة رقم (32). (¬3) سورة الأنعام، آية رقم (99). (¬4) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج3/ ص387)، رقم (5704، 5705).

المبحث الثاني: ألفاظ المخالفة والنكارة ومدلولهما عند المحدثين والإمام الدارقطني.

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاً يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ)) (¬1) فقال أبي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني أنَّه وهم من إسماعيل بن عياش (¬2). قلتُ: ووجه العلة التي ذكرها الإمام أحمد أنَّ إسماعيل بن عياش قد وهم في هذا الحديث أي أنَّه أخطأ فيه، وذلك بسبب أنَّ إسماعيل بن عياش ضعيف في غير الشاميين، وموسى ابن عقبة مدني، وبقية الإسناد: "نافع عن ابن عمر" مدني كذلك. المبحث الثاني: ألفاظ المخالفة والنَّكارة ومدلولهما عند المحدثين والإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف المخالفة لغة. المخالفة، والخلاف، والاختلاف في اللغة بمعنى واحد وهو المُضادّةُ، ويُخالِفُ كثيرُ الخِلافِ، ومنه قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (¬3)، ومنه العصيان ومخالفة الأمر، قال ابن منظور في لسان العرب: " وخالفه إلى الشيء عَصاه إليه أَو قصَده بعدما نهاه عنه وهو من ذلك، وفي التنزيل العزيز: {ومَا أُريدُ أَن أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} (¬4)، قال الأَصمعي: خَلَفَ فلان بعَقِبي وذلك إذا ما فارَقَه على أَمْر ثم جاء من ورائه فجعَل شيئاً آخر بعد فِراقِه. ¬

(¬1) أخرجه الترمذي على الوجه المعلول: في السنن، كتاب الطهارة، باب الجنب والحائض أنهما لا يقرأن القرآن، (ج1/ص 236) برقم (131)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، (ج1/ص 196) برقم (596) كلاهما من طريق إسماعيل بن عياش حدثنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، وقال الترمذي " حديث ابن عمر حديث لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش ". قلت: وهو حديث ضعيف معلول؛ لأنَّ إسماعيل بن عياش كما ذكرنا ضعيف في غير الشاميين، والإسناد هنا مدني. (¬2) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج3/ص381)، رقم (5675). (¬3) سورة يونس، آية رقم (19). (¬4) سورة هود، آية رقم (88).

المطلب الثاني: مفهوم المخالفة عند المحدثين والإمام الدارقطني.

وقال الكسائي: هما خِلْفَتانِ وحكي لها ولَدانِ خِلْفانِ وخِلْفتانِ وله عَبدان خِلْفان إذا كان أَحدهما طويلاً والآخر قصيراً، أَو كان أَحدهما أَبيضَ والآخر أَسود، وله أَمتان خِلْفان والجمع من كل ذلك أَخْلافٌ وخِلْفةٌ " (¬1). المطلب الثاني: مفهوم المخالفة عند المحدثين والإمام الدارقطني. ومفهوم المخالفة من أهم مفاهيم النقد عند المحدثين، وقد استعمله النُّقاد بكثرة مما يدل على أهمية اللفظ عندهم، وسوف نحاول في هذا المطلب تقريب هذا المفهوم؛ كي يسهل على الباحثين إدراك وفهم المسائل في مصنفات العلل. والمخالفة عند المحدثين هي التغير الذي يطرأ على الإسناد أو المتن من قبل رواة الحديث، ولها أنواع كثيرة حصرها المحققون من الأئمة، وكل نوع من المخالفة يطرأ على الإسناد أو المتن يختلف به الحكم على الحديث تبعاً لنوع المخالفة التي في الإسناد أو المتن. وتنشأ المخالفة عندما يروي راوٍ حديثاً عن شيخه، ثم يرويه راوٍ غيره فيخالفه في الإسناد أو يخالفه في المتن عن شيخه كذلك، فإن كان الراوي الأول أحفظ وأتقن من الثاني لم تضره المخالفة، إن كان ممن لم يبلغ في الحفظ والإتقان هذه المكانة، وكانت المخالفة مما يؤثر في الرواية، ترجح لدى النُّقاد جانب الراوي المخالف، وتصبح المخالفة قادحة في روايته ويحكم عليها بأنها مُعلَّة بهذه المخالفة. ولقد أجمل الحافظ ابن حجر العسقلاني في "نخبة الفكر" أنواع المخالفة وبين مفهوم كل نوع فقال: " ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق: فمدرج الإسناد، أو بدمج موقوف بمرفوع: فمدرج المتن، أو بتقديم أو تأخير: فالمقلوب، أو بزيادة راو: فالمزيد في متصل الأسانيد. أو بإبداله ولا مرجح: فالمضطرب - وقد يقع الإبدال عمدا امتحاناً -، أو بتغيير مع بقاء السياق: فالمصحف والمحرف، ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم ¬

(¬1) ابن منظور: لسان العرب (ج9/ص83)، مادة (خلف).

بما يحيل المعاني " (¬1). ثم قام بشرح هذه الأنواع شرحاً وافياً في " نزهة النظر " غاية في الدقة والبيان فأحببت أن أثبتها هنا لما لها من فائدة عظيمة، فقال: " ثمَّ المُخالفَةُ إِنْ كانتْ واقعةً بسببِ تَغْييرِ السِّياقِ أي: سياقِ الإسنادِ فالواقعُ فيهِ ذلك التَّغييرُ هو مُدْرَجُ الإِسْنادِ، وهو أَقسامٌ: الأوَّلُ: أَنْ يَرْوِيَ جماعةٌ الحديثَ بأَسانيدَ مُختلفةٍ، فيرويهِ عنهُم راوٍ، فيَجْمَعُ الكُلَّ على إِسنادٍ واحِدٍ مِن تلكَ الأسانيدِ، ولا يُبَيِّنُ الاختلافَ. والثَّاني: أَنْ يكونَ المتنُ عندَ راوٍ إِلاَّ طَرفاً منهُ، فإِنَّه عندَه بإِسنادٍ آخَرَ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامّاً بالإِسنادِ الأوَّلِ. ومنهُ أَنْ يسمَعَ الحديثَ مِن شيخِهِ إِلاَّ طرفاً منهُ فيسمَعَهُ عَن شيخِهِ بواسطةٍ، فيرويهِ راوٍ عنهُ تامّاً بحَذْفِ الواسِطةِ. الثَّالِثُ: أَنْ يكونَ عندَ الرَّاوي متْنانِ مُخْتَلِفان بإِسنادينِ مختلفينِ، فيرويهِما راوٍ عنهُ مُقتَصِراً على أَحدِ الإِسنادينِ، أَو يروي أَحَدَ الحَديثينِ بإِسنادِهِ الخاصِّ بهِ، لكنْ يزيدُ فيهِ مِن المَتْنِ الآخَرِ ما ليسَ في المَتْنِ الأوَّلِ. الرَّابعُ: أَنْ يسوقَ الرَّاوي الإِسنادَ، فيَعْرِضُ لهُ عارِضٌ، فيقولُ له كلاماً مِن قِبَلِ نفسِهِ فيظنُّ بعضُ مَن سَمِعَهُ أَنَّ ذلكَ الكلامَ هُو متنُ ذلكَ الإسنادِ، فيَرويهِ عنهُ كذلك. هذهِ أَقسامُ مُدْرَجِ الإِسنادِ. وأَمَّا مُدْرَجُ المَتْنِ، فهُو أَنْ يَقَعَ في المتنِ كلامٌ ليسَ منهُ، فتارةً يكونُ في أَوَّلِه، وتارةً يكون في أَثنائِه، وتارةً يكون في آخِرِهِ وهو الأكثرُ؛ لأنَّهُ يقعُ بعطفِ جُملةٍ على جُملةٍ، أو بِدَمْجِ مَوْقوفٍ مِن كلامِ الصَّحابةِ أَو مَنْ بعْدَهُم بِمَرْفوعٍ مِن كلامِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِن غيرِ فصلٍ، فهذا هُو مُدْرَجُ المَتْنِ. ويُدْرَكُ الإِدراجُ: بوُرودِ روايةٍ مُفَصِّلةٍ للقَدْرِ المُدْرَجِ مِمَّا أُدْرِجَ فيهِ. أَو بالتَّنصيصِ على ذلك مِن ¬

(¬1) ابن حجر العسقلاني: متن نخبة الفكر (مع نزهة النظر) (ص72).

الرَّاوي، أَو مِن بعضِ الأئمَّةِ المُطَّلعينَ. أو باستحالَةِ كونِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ ذلك. وقد صنَّفَ الخَطيبُ في المُدْرَجِ كتاباً، ولخَّصْتُهُ وزدتُ عليهِ قدْرَ ما ذكَرَ مرَّتينِ أَو أَكثرَ وللهِ الحمدُ. أَوْ إِنْ كانَتِ المُخالفةُ بِتَقْدِيمٍ أَو تَاخيرٍ؛ أي: في الأسماءِ كَمُرَّةَ بنِ كعبٍ، وكَعبِ بنِ مُرَّةَ؛ لأنَّ اسمَ أَحدِهِما اسمُ أَبي الآخَرِ؛ فهذا هو المَقْلوبُ، وللخطيبِ فيهِ كتابُ يُسمى رافعِ الارْتِيابِ في المقلوب من الأسماء والأنساب. وقد يَقَعُ القلبُ في المتنِ أَيضاً؛ ويصير كحديثِ أَبي هُريرةَ رضي الله تعالى عنه عندَ مُسلمٍ في السَّبعةِ الَّذينَ يُظِلُّهُم اللهُ تحتَ ظلِّ عَرْشِهِ، ففيهِ: ((رَجلٌ تصدَّقَ بصدَقةٍ أَخْفاها حتَّى لا تَعْلَمَ يمينُهُ ما تُنْفِقُ شِمالُهُ))، فهذا ممَّا انْقَلَبَ على أَحدِ الرُّواةِ، وإِنَّما هو: ... ((حتَّى لا تعْلَمَ شِمالُه ما تُنْفِقُ يمينُهُ))؛ كما في الصَّحيحينِ. أَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بِزيادةِ راوٍ في أَثناءِ الإِسنادِ، ومَن لم يَزِدْها أَتقَنُ ممَّن زادَها، فهذا هُو المَزيدُ في مُتَّصِلِ الأَسانِيدِ. وشرطُهُ أَنْ يقعَ التَّصريحُ بالسَّماعِ في مَوْضِعِ الزِّيادةِ وإِلاَّ فمتى كانَ مُعَنْعَناً - مثلاً - ترجَّحَتِ الزِّيادةُ. أَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بِإِبْدَالِهِ؛ أي: الراوي، ولا مُرَجِّحَ لإِحدى الرِّوايتينِ على الأخرى فهذا هو المُضْطَرِبُ، وهو يقعُ في الإِسنادِ غالباً، وقد يقعُ في المتْن. لكنْ قلَّ أَنْ يَحْكُمَ المحدِّثُ على الحديثِ بالاضطرابِ بالنِّسبةِ إلى الاختلافِ في المَتْنِ دونَ الإِسنادِ. وقد يَقَعُ الإِبدالُ عَمْداً لمَن يُرادُ اخْتِبارُ حِفْظِهِ امتحاناً مِن فاعِلِهِ كما وقعَ للبُخاريِّ والعُقَيْليِّ وغيرِهِما، وشَرْطهُ أَنْ لا يُستمرَّ عليهِ، بل ينتهي بانْتهاءِ الحاجةِ. فلو وَقَعَ الإِبدالُ عمداً لا لمصلحةٍ بل للإِغرابِ مثلاً فهو مِن أَقسامِ الموضوعِ، ولو وقعَ غَلَطاً فهُو مِن المقلوبِ أو المُعَلَّلِ. أَوْ إِنْ كانتِ المُخالفةُ بتَغْييرِ حرفٍ أَو حُروفٍ مَعَ بَقاءِ صورةِ الخَطِّ في السِّياقِ. فإِنْ كانَ ذلك بالنِّسبةِ إِلى النَّقْطِ فالمُصَحَّفُ. وَإِنْ كانَ بالنِّسبةِ إلى الشَّكْلِ فالمُحَرَّفُ، ومعرفةُ هذا النَّوعِ

المطلب الثالث: ألفاظ المخالفة التي استعملها الإمام الدارقطني لبيان العلل.

مُهمَّةٌ. وقد صنَّف فيهِ: العَسْكَريُّ، والدَّارَقُطنِيُّ، وغيرُهما. وأَكثرُ ما يقعُ في المُتونِ، وقد يقعُ في الأسماءِ الَّتي في الأسانيدِ. ولا يَجُوزُ تَعَمُّدُ تَغْييرِ صورَةِ المَتْنِ مُطلقاً، ولا الاختصارُ منه بالنَّقْصِ ولا إِبْدالُ اللَّفْظِ المُرادِفِ باللَّفْظِ والمُرادِفِ لهُ إِلاَّ لِعالمٍ بمَدْلولاتِ الألْفاظِ وبِما يُحيلُ المَعاني " (¬1). المطلب الثالث: ألفاظ المخالفة التي استعملها الإمام الدارقطني لبيان العلل. سنحاول في هذا المطلب بيان بعض الألفاظ التي كان يطلقها الدارقطني لتحديد أنواع المخالفة التي قد تطرأ على الإسناد أو المتن، وبالتالي الحكم على الحديث بالعلة التي رجحت أنَّه معلول بسبب هذه المخالفة. أولاً: لفظة " خالفه الثقات الحفاظ في إسناده ": المثال: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي الأسود الديلي عن عمر - رضي الله عنه -، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّمَا رجُلٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ جِيرَانِه بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه عبدالله بن بريدة واختلف عنه: فرواه داود بن أبي الفرات وهو ثقة، عن ابن بريدة، واختلف عن داود، فقال: يعقوب الحضرمي عنه عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ووهم في ذكر يحيى بن يعمر في إسناده لكثرة من خالفه من الثقات الحفاظ، عن داود منهم عفان بن مسلم، وعبدالصمد بن عبدالوارث، وزيد بن الحباب، ويونس بن محمد المؤدب، وأبو عبدالرحمن المقري، وأبو الوليد الطيالسي، وشيبان بن فروخ وغيرهم، فإنَّهم رووه عن داود عن ابن بريدة، عن أبي الأسود لم يذكروا بينهما أحدا. وكذلك رواه سعيد بن رزين، عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود، كرواية ¬

(¬1) ابن حجر العسقلاني: نُزْهَةِ النَّظَر في تَوْضِيحِ نُخْبَةِ الفِكَر في مُصْطَلحِ أَهلِ الأثَر، طبعة المكتبة العصرية، بيروت 1421هـ، تحقيق عبدالكريم الفضيلي (ص72 - 75). (¬2) سبق تخريجه في صفحة (93) من الدراسة.

ثانيا: لفظة " خالفه فأدرج في متن الحديث "

الجماعة عن داود، ورواه عمر ابن الوليد الشني، عن عبدالله بن بريدة مرسلاً، عن عمر لم يذكر بينهما أحدا " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي المخالفة التي من نوع: " مدرج الإسناد "، وهو النوع الأول الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعريف المخالفة. ثانياً: لفظة " خالفه فأدرج في متن الحديث ": مثاله: قد ذكره الدارقطني في حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: " ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصَاً لَهُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي ثَمَنٍ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ))، فقال: " وأما الخلاف في متنه: فإنَّ سعيد بن أبي عروبة، وحجاج بن حجاج، وأبان العطار، وجرير بن حازم، وحجاج بن أرطاة اتفقوا في متنه وجعلوا الاستسعاء مدرجاً في حديث النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، وأما شعبة وهشام فلم يذكرا فيه الاستسعاء بوجه. وأما همام فتابع شعبة وهشاما على متنه، وجعل الاستسعاء من قول قتادة، وفصل بين كلام النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويشبه أن يكون همام قد حفظه قال ذلك أبو عبدالرحمن المقرئ، وهو من الثقات عن همام. ورواه محمد بن كثير، وعمرو بن عاصم، عن همام فتابعه شعبة على إسناده ومتنه، ولم يذكر فيه الاستسعاء بوجه. " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هنا هي المخالفة التي من نوع: " مدرج المتن " وهو النوع الثاني الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعريف المخالفة. ثالثاً: لفظة " اختلف عنه: ووهم في ذلك إنَّما أراد كذا، بدل كذا ": ومثاله: قد ذكره الدارقطني في حديث أبي سلمة وأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث ابن هشام، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص247 - 248)، سؤال رقم (247). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج10/ ص313 - 317)، سؤال رقم (2031).

رابعا: لفظة " خالفه فزاد زيادة الثقة "

يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا. الحديث، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: " يرويه الزهري واختلف عنه: فرواه محمد بن أبي عتيق، وشعيب، وعبيدالله بن أبي زياد، وإسحاق بن راشد، والنعمان بن راشد، والموقري، عن الزهري، عن أبي بكر، وأبي سلمة، عن أبي هريرة ... ورواه مالك في الموطأ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال محمد بن مصعب القرقساني (¬2)، عن مالك، عن الزهري، عن أبى سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أَنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَهُ إِذَا افْتَتَحَ الْصَلاةَ))، ووهم في هذا القول وإنَّما أراد أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلم كان يكبر" (¬3). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي المخالفة التي من نوع: " المقلوب "، وهو النوع الثالث الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعريف المخالفة، أي أنَّه انقلب على الراوي اللفظ فقال: " كَانَ يَرْفَعُ يَدَهُ "، بدلاً من " كَانَ يُكَبِّرُ "، ويسمى هذا مقلوب المتن، وأما التقديم أو التأخير في السند يسمى مقلوب الإسناد، والله أعلم. رابعاً: لفظة " خالفه فزاد زيادة الثقة ": المثال: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي الصديق الناجي عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنهما قَالَ: ((رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الذَّيْلِ شِبْرًا ثُمَّ ¬

(¬1) سبق تخريجه في صفحة (194) من الدراسة. (¬2) هو محمد بن مصعب بن صدقة القرقسانى، أبو عبد الله (ت: 208 هـ)، صدوق من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج9/ص 405). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج9/ص257 - 259)، سؤال رقم (1745)، وقد سبق التعليق على السؤال وتخريج الحديث في صفحة (185 - 186) من الدراسة.

اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا ...)) (¬1). الحديث فقال - الدارقطني -: هو الحديث رواه مسعود بن سعد الجعفي، عن مطرف، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن عمر. وتابعه سابق الرقي، عن مطرف، وخالفهما شريك القاضي فرواه، عن مطرف وأسنده عن ابن عمر، ولم يذكر عمر وتابعه سفيان الثوري فرواه، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. ولم يذكر فيه عمر، وكذلك روي عن إسماعيل بن أبى خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن ابن عمر، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. ومطرف من الاثبات، وقد اتفق عنه رجلان ثقتان فأسنده عن عمر، ولولا أنَّ الثوري خالفه فرواه عن زيد العمي، فلم يذكر فيه عمر، لكان القول قول من أسند عن عمر؛ لأنَّه زاد وزيادة الثقة مقبولة، والله أعلم " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي المخالفة التي من نوع: " المزيد في متصل الأسانيد "، وهو النوع الرابع الذي أشار إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تعريف المخالفة. وقد استعمل النُّقاد المحدِّثون غير الدارقطني لفظة المخالفة في مصنفات العلل؛ للدلالة على نفس المعنى الذي قصده الدارقطني، إلا أنَّ الدارقطني كان يستعملها أكثر، وسوف نضرب بعض الأمثلة لبعض النُّقاد المحدثين في مصنفاتهم العلل لإثبات ذلك: المثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ حَاتِمُ ابْنُ وَرْدَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ ¬

(¬1) أخرجه أبو داود: في السنن، كتاب اللباس، باب في قدر الذيل، (ج 2/ص 463) برقم (4119)، من طريق سفيان أخبرني زَيْدٌ الْعَمِّيُّ عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر رضى الله عنه بمثله، بإسناد ضعيف لضعف زَيْدَ الْعَمِّيُّ، كما في تهذيب التهذيب (ج3/ص 352). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص75)، سؤال رقم (120).

فَلْيُعِدْ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ انْكَفَأَ إِلَى كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَذَبَحَهُمَا، وَانْكَفَأَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ فَتَوَزَّعُوهَا)). قَالَ أَبِي: الْكَلامُ الأَوَّلُ تَابَعَهُ عَلَيْهِ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَقِصَّةُ ذَبْحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْكَبْشَيْنِ الأَمْلَحَيْنِ، فَإِنَّ عَبْدَالْوَهَّابِ الثَّقَفَيَّ خَالَفَهُ، فَقَالَ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. قُلْتُ: فَأَيُّهُمَا أَشْبَهُ؟ قَالَ: حَدِيثُ عَبْدِ الْوَهَّابِ أَشْبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (¬1). المثال الثاني: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: "وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ: اخْتُلِفَ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ فِيهِ، فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ عُمَارَةَ ابْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَحُجْرَتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ)). وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ زَيْدٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ)). قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: حَدِيثُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَصَحُّ عِنْدِي " (¬2). المثال الثالث: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: " حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبدالحميد بن جعفر، قال حدثني: يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج، عن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال: قال: رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((إنَّه لَيسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِي إِلاَ يُؤْذَنُ لَهُ مَعَ كُلِّ فَجْرٍ، يَدْعُو بَدَعْوتَينِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ خَوَّلَتَني مَنْ خَوَّلَتَني مِنْ بَنِي آدَمَ فَاجْعَلْنِي مِنْ أَحَبِ أَهْلِهِ إِلَيهِ أَوْ أَحْبِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إِلَيهِ)). سمعت أبي يقول: خالفه عمرو بن الحارث فقال: عن يزيد، عن عبدالرحمن بن شماسة، قال أبي وقال الليث، عن بن شماسة أيضاً " (¬3). ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص1125 - 1126)، سؤال رقم (1602). (¬2) المصدر السابق: (ص1753)، سؤال رقم (2694). (¬3) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج3/ص404)، مسألة رقم (5777).

المطلب الرابع: تعريف النكارة لغة.

المطلب الرابع: تعريف النَّكارة لغة. والنَّكارة من النكرة وهي ضد المعرفة، أو أمرٌ خلاف ما هو معروف من الصحة في الشيء، قال تعالى: {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}] سورة يوسف آية (58) [، أو ما كان مستقبحاً من الشرع، أو قبح بين الناس، كما في قوله تعالى: {وَلَتكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون}] سورة آل عمرآن آية (104) [، فدل على أنَّ المنكر في لغة العرب الشيء المجهول الذي لا يعرف، وكذلك الشيء المستقبح شرعاً أو عرفاً، وقد ذكر أهل اللغة هذه المعاني. فقال ابن منظور في لسان العرب: " والنَّكِرَةُ إِنكارك الشيء وهو نقيض المعرفة والنَّكِرَةُ خلاف المعرفة، ونَكِرَ الأَمرَ نَكِيراً وأَنْكَرَه إِنْكاراً، ونُكْراً جهله، قال ابن سيده والصحيح أَنَّ الإِنكار المصدر والنُّكْر الاسم، ويقال أَنْكَرْتُ الشيء، وأَنا أُنْكِرُه إِنكاراً، ونَكِرْتُه مثله قال الأَعشى: وأَنْكَرَتْني وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادثِ إِلا الشَّيْبَ والصَّلَعا وفي التنزيل العزيز: {نَكِرَهُمْ وأَوْجَسَ منهم خِيفَةً}] سورة هود آية (70) [، ولا يستعمل نَكِرَ في غابر ولا أَمْرٍ ولا نهي، نَكِرْتُ الرجلَ بالكسر نُكْراً ونُكُوراً وأَنْكَرْتُه واسْتَنْكَرْتُه كله بمعنى ابن سيده واسْتَنْكَرَه وتَناكَرَه كلاهما كنَكِرَه. والإِنْكارُ الاستفهام عما يُنْكِرُه، وذلك إِذا أَنْكَرْتَ أَن تُثْبِتَ رَايَ السائل على ما ذَكَرَ أَو تُنْكِرَ أَن يكون رايه على خلاف ما ذكر، والاسْتِنْكارُ استفهامك أَمراً تُنْكِرُه، واللازمُ من فعْلِ النُّكْرِ المُنْكَرِ نَكُرَ نَكارَةً والمُنْكَرُ من الأَمر خلاف المعروف، وقد تكرر في الحديث الإِنْكارُ والمُنْكَرُ وهو ضد المعروف، وكلُّ ما قبحه الشرع، وحَرَّمَهُ وكرهه فهو مُنْكَرٌ ونَكِرَه يَنْكرُه نَكَراً فهو مَنْكُورٌ، واسْتَنْكَرَه فهو مُسْتَنْكَرٌ، والجمع مَناكِيرُ عن سيبويه، قال: وإِنَّما أَذكُرُ مثل هذا الجمع لأَن حكم مثله أَن الجمع بالواو والنون في المذكر وبالأَلف والتاء في المؤنث والنُّكْرُ والنَّكْراءُ ممدود المُنْكَرُ وفي التنزيل العزيز: {لَقَدْ جِئْتَ شَيئَاً نُكْراً} " (¬1). ¬

(¬1) ابن منظور: لسان العرب (ج5/ص232)، مادة (نكر).

المطلب الخامس: مفهوم النكارة وألفاظها عند المحدثين والإمام الدارقطني.

المطلب الخامس: مفهوم النَّكارة وألفاظها عند المحدثين والإمام الدارقطني. ومفهوم المنكر في مصطلح المحدثين هو المفهوم نفسه في اللغة، إذ يعني كل خبر غير معروف عند الحفاظ الأثبات، مستنكر ومستقبح لديهم، وهذا قد يكون لعدة أسباب في الخبر مثل: كونه خطأ غير صواب، أو أنَّه وهم، أو كذب مختلق كل ذلك منكر عندهم، ولكن لفظة المنكر من الألفاظ التي أطلقت على أنواع عديدة من العلل منها ما رواه الضعيف، وما أخطأ فيه الثقة، وغير ذلك مثل علة الشذوذ، فهل هذا يصح، ويدخل في معناه أم لا؟. وللجواب عن ذلك سوف نذكر أقوال أهل الحديث ومناقشة أقوالهم، وبيان الراجح منه. نقول بعون الله: أنّه قد فرَّق قوم بين المنكر والشاذ، فقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في نزهة النظر: " فإِنْ خُولِفَ أي الراوي بأرْجَحَ منهُ؛ لمزيدِ ضَبْطٍ أَوْ كثرةِ عدَدٍ أَو غيرِ ذلك مِن وُجوهِ التَّرجيحاتِ، فالرَّاجِحُ يقالُ لهُ: المَحْفوظُ. ومُقابِلُهُ - وهو المرجوحُ - يُقالُ لهُ: الشَّاذُّ. مثالُ ذلك: ما رواهُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَه مِن طريقِ ابنِ عُيَيْنَةَ عن عَمْرو بنِ دينارٍ، عن عَوْسَجة، عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رجُلاً تُوُفِّي في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ، ولم يَدَعْ وارِثاً إِلاَّ مولىً هو أَعتقَهُ ... الحديثَ. وتابَعَ ابنَ عُيَيْنَةَ على وَصْلِهِ ابنُ جُريجٍ وغيرُه. وخالفَهُم حمَّادُ بنُ زَيْدٍ، فرواهُ عَنْ عَمْرو ابنِ دينارٍ، عَن عَوْسَجَةَ ولم يَذْكُرِ حديث ابنَ عباسٍ. قال أبو حاتمٍ: المَحفوظُ حديثُ ابنِ عُيَيْنَةَ. أهـ كلامُه. حمَّادُ بنُ زيدٍ مِن أَهلِ العدالةِ والضَّبطِ، ومعَ ذلك رجَّحَ أبو حاتمٍ روايةَ مَن هُم أَكثرُ عدداً منهُ. وعُرِفَ مِن هذا التَّقريرِ أَنَّ: الشَّاذَّ: ما رواهُ المقْبولُ مُخالِفاً لِمَنْ هُو أَوْلَى مِنهُ. وهذا هُو المُعْتَمَدُ في تعريفِ الشاذِّ بحَسَبِ الاصْطِلاحِ. وَإِنْ وَقَعَتِ المُخالفةُ لهُ معَ الضَّعْفِ؛ فالرَّاجِحُ يُقالُ لهُ: المَعْروفُ، ومُقابِلُهُ يُقالُ لهُ: المُنْكَرُ. مثالُه: ما رواهُ ابنُ أَبي حاتمٍ مِن طريقِ حُبَيِّبِ بنِ حَبيبٍ - وهو أَخو حَمزَةَ بنِ حَبيبٍ الزَّيَّاتِ المُقرئِ - عن أَبي إِسحاقَ، عن العَيْزارِ بنِ حُريثٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، عن النَّبي صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ،

قالَ: ((مَن أَقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ وحَجَّ البيتَ وصامَ وقَرَى الضَّيْفَ؛ دَخَلَ الجنَّةَ)). قالَ أَبو حاتمٍ: وهُو مُنْكَرٌ؛ لأَنَّ غيرَه مِن الثِّقاتِ رواهُ عن أَبي إِسحاقَ مَوقوفاً، وهُو المَعروفُ. وعُرِفَ بهذا أَنَّ بينَ الشَّاذِّ والمُنْكَرِ عُموماً وخُصوصاً مِن وَجْهٍ؛ لأنَّ بينَهُما اجْتِماعاً في اشْتِراطِ المُخالفَةِ، وافْتراقاً في أَنَّ الشَّاذَّ راويهِ ثقةٌ أو صدوقٌ، والمُنْكَرَ رَاويهِ ضعيفٌ. وقد غَفَلَ مَن سَوَّى بينَهُما، واللهُ أَعلمُ " (¬1). وقال السيوطي في تدريب الراوي: " قد علم مما تقدم بل من تصريح كلام ابن الصلاح أن الشاذ والمنكر بمعنى، وقال شيخ الإسلام: إنَّ الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة، ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف، قال: وقد غفل من سَوَّى بينهما. ثم مثل المنكر بما رواه ابن أبي حاتم من طريق حُبَيّبٍ (بضم الحاء المهملة وتشديد التحتية بين موحدتين أولاهما مفتوحة)، ابن حَبِيب (بفتح المهملة بوزن كَرِيم) أخى حمزة الزَّيات عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: ((مَنْ أَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَحَّجَ، وَصَامَ وَقَرَى الْضَيفَ دَخَلَ الْجَنَّةَ)). قال أبو حاتم: هو منكر؛ لأنَّ غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفاً. وهو المعروف فحينئذ فالحديث لا مخالفة فيه، وراويه متهم بالكذب بأن لا يروي إلا من جهته وهو مخالف للقواعد المعلومة أو عرف به في غير الحديث النَّبوي " (¬2). قلتُ: ونرى أنَّ المنكر عند المتقدمين يطلق على كل ما هو مستنكر من الأخبار سواء كانت من رواية ضعيف، أو من رواية متروك الحديث فيما يرويه من الأحاديث الواهية، كما أنَّهم أحياناً يطلقون ذلك على المستنكر من الخطأ أو الوهم مما قد يقع فيه الثقات. ¬

(¬1) ابن حجر العسقلاني: نُزْهَةِ النَّظَر في تَوْضِيحِ نُخْبَةِ الفِكَر في مُصْطَلحِ أَهلِ الأثَر، (ص51 - 53). (¬2) السيوطي: تدريب الراوي (ج1/ص 240).

نماذج من الضعفاء الذين استنكر النُّقاد والإمام الدارقطني رواياتهم: المثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((الْحُجَّاجُ، وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللهِ، إِنْ سَأَلُوا أُعْطُوا، وَإِنْ دَعَوْا أُجِيبُوا وَإِنْ أَنْفَقُوا أُخْلِفَ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ مَا أَهَلَّ مِنْ مُهِلٍّ، وَلا كَبَّرَ مِنْ مُكَبِّرٍ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ، إِلا أَهَلَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ بِتَكْبِيرِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ مِنْهُمَا الصَّوْتُ))، فَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ " (¬1). قلتُ: قد أنكر الإمام أبي حاتم هذا الحديث وهو من رواية مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ (¬2) وقد ضعفه الأئمة، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: " قال عبدالله بن أحمد عن أبيه: "أحاديثه مناكير"، وقال الدُّوري عن ابن معين: "ضعيف ليس حديثه بشيء"، وقال الجوزجاني: "واهي الحديث ضعيف"، وقال البخاري: "منكر الحديث"، وقال النَّسائي: "ليس بثقة"، وقال أبو زرعة: "ضعيف الحديث" (¬3)، ولذا أُطلق عليه حديث منكر. المثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: " سمعت أبي يقول حدثنا بحديث الشُّفعة حديث عبدالملك عن عطاء عن جابر عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. وقال هذا حديث منكر " (¬4). قلتُ: قد أنكر الإمام أحمد بن حنبل هذا الحديث، كما أنكره شعبة بن الحجاج بن الورد، وهو من رواية عبدالملك وهو ابن أبي سليمان العَرْزمي ضعيف، وقد ترجمنا له من قبل (¬5)، ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص716)، سؤال رقم (894). (¬2) هو محمد بن أبى حميد إبراهيم الأنصاري الزرقي، أبو إبراهيم المدنى (ت:؟)، ضعيف من كبار أتباع التابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج9/ص116). (¬3) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج9/ص116). (¬4) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج2/ص281)، مسألة رقم (2256). (¬5) سبق تخريجه في صفحة (213) من الدراسة.

والحديث خطأ؛ لذا حكم الإمام أحمد بن حنبل عليه بالنَّكارة. المثال الثالث: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي صالح عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يُؤَذِّنْ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الهَا)). فقال - الدارقطني -: يرويه علي بن جميل، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش كذلك قال: وعلي بن جميل ضعيف، ويقال إنَّ الصحيح من ذلك أنَّه من قول الأعمش، حدثناه عبدالله بن سليمان بن الاشعث، ثنا علي بن جميل الرقي، قال: كنا نمشي مع عيسى بن يونس فجاء رجل ظننت أنَّه كان حايكاً، فأذن فقال: " الا أكبر"، فقال عيسى بن يونس، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((لا يؤذّن لكم من يدغمُ الها، قلنا فكيف يقول؟ قال يقول أشهد أن لا إله إلا اللا أشهد أنَّ محمدا رسول" اللا "))، قال أبو بكر بن أبي داود: هذا حديث منكر، وإنَّما مر الأعمش برجل يؤذن يدغم الها، فقال: لا يؤذّن لكم من يدغمُ الها " (¬1). نماذج من الثقات الذين استنكر النُّقاد والإمام الدارقطني رواياتهم: المثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو (¬2)، عَنِ ابْن شِهَابٍ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ رضي الله عنها: ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: إِذَا رَأَيْتِ الدَّمَ الأَسْوَدَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاةِ، وَإِذَا كَانَ الأَحْمَرَ فَتَوَضَّئِي)) (¬3). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج8/ص175)، سؤال رقم (1492). (¬2) وهو محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي المدني (ت:؟)، ثقة من الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغارالتابعين، أخرج له الشيخان وأبو داود والنّسائي، تهذيب التهذيب (ج9/ص 330). (¬3) أخرجه أبو داود على الوجه المعلول: في السنن، كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، (ج1 /ص 125) برقم (286)، من طريق محمد بن أبي عدي عن محمد يعني ابن عمرو قال حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش به بتمامه.

فَقَالَ أَبِي: لَمْ يُتَابَعْ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ مُنْكَرٌ " (¬1). قلتُ: قد أنكر الإمام أبي حاتم هذا الحديث على مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وهو ابن حلحلة الديلي، ثقة قد أخرج له الشيخان، وعلى الرغم من ذلك، فقد وُصِفَت روايته بأنها مُنكرة، أي أنَّه أخطأ في هذه الرواية ولم يُتَابعه أحدٌ عليها فصارت مُنكرة. المثال الثاني: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي، وَأَبَا زُرْعَةَ، عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ (¬2)، عَنْ عَثَّامٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((كَانَ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ)). قَالا: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ هَذَا رَوَاهُ جَرِيرٌ هَكَذَا وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ مُنْكَرٌ (¬3). قلتُ: قد أنكر الإمام أبو زُرْعَةَ هذا الحديث، وهو من رواية يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، ثقة أخرج له البخاري في صحيحه، وعلى الرغم من ذلك فقد وُصِفَت روايته بأنها منكرة، أي إنها غلط فحكم عليها بالضعف والنَّكارة لذلك، والله أعلم. المثال الثالث: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: " حدثني أبي قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري قال: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَومَ الفِطْرِ فَيُكَبِّرَ مِنْ حِينِ يَخْرُجَ مِنْ بَيتِهِ حَتَى يَاتِي الْمُصَلَّى، فَإِذَا قَضَى الصَّلاَةَ قَطَعَ التَّكْبِيرَ، قَالَ: وَأَمَّا الأضْحَى فَكَانَ ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص266)، سؤال رقم (117). (¬2) وهو يوسف بن عدي بن زريق بن إسماعيل ويقال ابن الصلت بن بسطام التيمي، ثقة من الطبقة العاشرة الآخذين عن تبع الأتباع، أخرج له البخاري والنَّسائي، تهذيب التهذيب (ج11/ص 367). (¬3) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص317)، سؤال رقم (197).

يُكَبِّرَ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ يَوَمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلاَةِ الظُّهْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)) (¬1). قال أبي هذا حديث منكر، ثم قال: دخل شعبة على ابن أبي ذئب فنهاه أن يحدث به وقال: لا تحدث بهذا وأنكره شعبة " (¬2). قلتُ: قد أنكر الإمام أحمد بن حنبل هذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب وهو محمد ابن عبدالرحمن بن المغيرة (¬3)، وهو ثقة أحد الأعلام، تبعاً لإنكار شعبة عليه هذا الحديث، ونهي ابن أبي ذئب عن أن يحدث به؛ لأنَّه خطأ، وهذا الحديث لم يخرجه أحد من الكتب الستة، فدل ذلك على أنَّ القوم كانوا يطلقون لفظة المنكر على الأحاديث التي أخطأ فيها الثقات كذلك. ¬

(¬1) أخرجه ابن أبي شيبة على الوجه المعلول: في المصنف (ج2/ص71)، من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري به، ولاشك أنَّه ضعيف مقطوع، وذكره الإمام مالك مختصراً في الموطأ (رواية يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ) (ج1/ص 329)، برقم (1204)، فقال: "الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ وَأَوَّلُ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الإِمَامِ وَالنَّاسُ مَعَهُ دُبُرَ صَلاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَآخِرُ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ وَالنَّاسُ مَعَهُ دُبُرَ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثُمَّ يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ ". (¬2) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج2/ص 310)، مسألة رقم (2376). (¬3) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبى ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني (ت: 158 هـ)، ثقة فقيه فاضل، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج9/ص 270).

نتائج هامة: - أنَّ أئمة النقد قد يتبين لهم في الحديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنَّه ضعيف وفي الحديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنَّه صحيح. - استعمل النُّقادُ المحدِّثون غير الدارقطني لفظة المخالفة في مصنفات العلل، للدلالة على نفس المعنى الذي قصده الدارقطني، إلا أنَّ الدارقطني كان أكثر استعمالاً لها. - أنَّ لفظة المنكر عند النُّقاد المتقدمين من الألفاظ التي أطلقت على أنواع عديدة من العلل منها ما رواه الضعيف، وما أخطأ فيه الثقة، وغير ذلك من علل المخالفة. - يوجد فرق واضح بين قول النُّقاد والدارقطني في الراوي أنه: " روى المناكير " وبين قولهم " أحاديثه مناكير "، فإنَّ اللفظ الأول لا يعني أنَّ صاحبه ضعيف بل قد يكون ثقة وروى عن الضعفاء، والثاني يعني أنَّ صاحبه قد يكون ضعيفاً. - أنَّ مفهوم النَّكارة عند المتقدمين يختلف عن المتأخرين، فإنَّهم يعتبرون الحديث المنكر هو الذي رواه الضعيف مخالفاً للثقة، وأمَّا إذا خالف الثقة غيره من الثقات فهو شاذ عندهم، وهذا بخلاف النُّقاد المتقدمين، فإنهم يطلقون النَّكارة على كل ما هو مستنكر من الأخبار سواء كانت من رواية ضعيف، أو متروك الحديث فيما يرويه من الأحاديث الواهية، كما أنَّهم أحياناً يطلقون ذلك على المستنكر من الخطأ أو الوهم مما قد يقع فيه الثقات.

الفصل الثالث الألفاظ الدالة على الغرابة والتفرد والترجيح وفيه مبحثان: المبحث الأول: الغرابة والتفرد ومدلولهما عند النُّقاد والإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف الغرابة والتفرد لغةً. المطلب الثاني: لفظا الغرابة والتفرد عند النُّقاد والدارقطني في العلل. المبحث الثاني: ألفاظ الترجيح ومدلولاتها عند النُّقاد والإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف الترجيح لغةً. المطلب الثاني: ألفاظ الترجيح عند النُّقاد والدارقطني في العلل.

الفصل الثالث الألفاظ الدالة على الغرابة والتفرد والترجيح

الفصل الثالث الألفاظ الدالة على الغرابة والتفرد والترجيح سنتعرض في هذا الفصل للألفاظ التي تدل على: الغرابة والتفرد والترجيح بين الرِّوايات المختلفة، ولقد تنوعت ألفاظ الغرابة والتفرد والترجيح، تبعاً للعلة التي قد تطرأ على الخبر مثل تفرد الراوي بحديث شيخه دون غيره من الأقران، وغير ذلك من الأسباب التي تؤدي للعلة، ولتوضيح ذلك سوف نضرب بعض الأمثلة التي استعملها النُّقاد والدارقطني لهذه الألفاظ؛ للدَّلالة على الغرابة والتفرد والترجيح. المبحث الأول: الغرابة والتفرد ومدلولهما عند النُّقاد والإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف الغرابة والتفرد لغةً. أولاً: تعريف الغرابة لغةً. الغرابة والاغتراب بمعنى البعد، والبعد أصله من الإشارة إلى الجهة البعيدة المغرب، ويقال على الذي سافر فأبعد السفر غريب، وجمعه غُربَاء، وقال ابن منظور في لسان العرب: " غَرْبةٌ نائِيَةٌ وأَغْرَبَ القومُ انْتَوَوْا وشَاوٌ مُغَرِّبٌ ومُغَرَّبٌ بفتح الراءِ بعيد، قال الكميت: عَهْدَك من أُولَى الشَّبِيبةِ تَطْلُبُ ... على دُبُرٍ هيهاتَ شَاوٌ مُغَرِّب ويقال اغْرُبْ عني أَي تباعَدْ، ومنه الحديث أَنه أَمَرَ بتَغْريبِ الزاني التغريبُ النفيُ عن البلد الذي وَقَعَتِ الجِنايةُ فيه، يقال أَغرَبْتُه وغَرَّبْتُه إِذا نَحَّيْتَه وأَبْعَدْتَه والتَّغَرُّبُ البُعْدُ. وفي الحديث: ((أَن رَجُلاً قال له إِنَّ امرأَتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِس، فقال: غرِّبْها))، أَي أَبْعِدْها يريدُ الطلاق وغَرَّبَت الكلابُ أَمْعَنَتْ في طلب الصيد وغَرَّبه وغَرَّبَ عليه تَرَكه بُعْداً والغُرْبةُ والغُرْب النُّزوحُ عن الوَطَن والاغْتِرابُ قال المُتَلَمِّسُ: أَلا أَبْلِغا أَفناءَ سَعدِ بن مالكٍ ... رِسالةَ مَن قد صار في الغُرْبِ جانِبُهْ

ثانيا: تعريف التفرد لغة.

والاغْتِرابُ والتغرُّب كذلك تقول منه تَغَرَّبَ واغْتَرَبَ، وقد غَرَّبه الدهرُ ورجل غُرُب بضم الغين والراء، وغريبٌ بعيد عن وَطَنِه الجمع غُرَباء والأُنثى غَريبة قال: إِذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بسُحْرةٍ ... سُهَيْلٌ أَذاعَتْ غَزْلَها في الغَرائبِ أَي فَرَّقَتْه بينهنّ وذلك أَن أَكثر من يَغْزِل بالأُجرة إِنَّما هي غريبةٌ، وفي الحديث أَنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: سُئِلَ عن الغُرباء، فقال: الذين يُحْيُونَ ما أَماتَ الناسُ من سُنَّتِي، وفي حديث آخر: ((كَمَا بَدأَ فطوبَى للغُرباءِ))، أَي إِنَّه كان في أَوّلِ أَمْرِه كالغريبِ الوحيدِ الذي لا أَهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ وسيعودُ غريباً كما كان أَي يَقِلُّ المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغُرباء فطُوبى للغُرَباء أَي الجنةُ لأُولئك المسلمين الذين كانوا في أَوّل الإِسلام ويكونون في آخره، وإِنَّما خَصَّهم بها لصبْرهم على أَذى الكفار أَوَّلاً وآخِراً ولُزومهم دينَ الإِسلام. وفي حديث آخر ((أُمَّتِي كالمطر لا يُدْرَى أَوَّلُها خير أَو آخِرُها))، قال: وليس شيءٌ من هذه الأُحاديث مخالفاً للآخر، وإِنَّما أَراد أَن أَهلَ الإِسلام حين بَدأَ كانوا قليلاً وهم في آخر الزمان يَقِلُّون إِلاَّ أَنهم خيارٌ " (¬1). ثانياً: تعريف التفرد لغةً. والتفرد من الفرد وهو الله عز وجل الفرد الصمد، تفرد بالخلق والأمر، قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (¬2)، الفرد الواحد وجمعه أفراد وفرادى، وقال ابن منظور في لسان العرب: " والفرد أَيضاً الذي لا نظير له، والجمع أَفراد يقال شيء فَرْدٌ وفَرَدٌ وفَرِدٌ وفُرُدٌ وفارِدٌ والمُفْرَدُ ثورُ الوَحْشِ، وفي قصيدة كعب: تَرْمِي الغُيوبَ بَعَيْنَي مُفْرَدٍ لَهِقٍ، المفرد ثور الوحش شبَّه به الناقة، وثور فُرُدٌ وفارِدٌ وفَرَدٌ وفَرِدٌ وفَرِيد كله بمعنى مُنْفَرِدٍ وسِدْرَةٌ فارِدَةٌ انفردت عن سائر السِّدْر، وفي الحديث ((لا تُعَدُّ فارِدَتُكُم))، يعني الزائدة على الفريضة أَي لا تضم إِلى غيرها فتعد معها وتُحْسَب، وفي حديث أَبي بكر فمنكم المُزْدَلِفُ ¬

(¬1) ابن منظور: لسان العرب (ج1/ص635 - 637)، مادة (غرب). (¬2) سورة الأعراف آية رقم (54).

المطلب الثاني: لفظا الغرابة والتفرد عند النقاد والدارقطني في العلل.

صاحِب العِمامة الفَرْدَة، إِنما قيل له ذلك لأَنه كان إِذا ركب لم يَعْتَمّ معه غيرُه إِجلالاً له، وفي الحديث ((جاءه رجل يشكو رجلاً من الأَنصار شَجَّه فقال: يا خَيْرَ مَنْ يَمْشي بِنَعْلٍ فَرْدِ أَوْهَبَه لِنَهْدَةٍ ونَهْدِ)) " (¬1). المطلب الثاني: لفظا الغرابة والتفرد عند النُّقاد والدارقطني في العلل. ومفهوم الغرابة والتفرد في مصطلح أهل الحديث المتقدمين قريب من المعنى اللغوي إلى حد بعيد، فهم يطلقون الغرابة على الحديث الذي أبعد به الراوي عن بقية الأقران، فلم يشاركهم فيه، فأتى بما لم يسمعوا من شيوخهم، ويرجع قبول النُّقاد للتفرد أو الغرابة تبعاً لطبقة الراوي ومقدار تفرده: فكلما تأخرت طبقة الراوي لا يقبل منه التفرد، فالتفرد في طبقة التابعين أقرب للقبول، وممكن حدوثه كذلك في طبقة أتباع التابعين، وفي هذه الطبقة أقل من التي قبلها، وإمكانية التفرد في طبقة أتباع الأتباع أقل، وأما طبقة غيرهم فلا يكاد يُقبل تفرد أحد فيها عند النُّقاد المتقدمين. والغريب قد يطلق عندهم على الصحيح، والحسن، والضعيف، والكذب الموضوع، فإنهم كانوا يطلقون الغريب على الأحاديث التي ليست لها أصل أو ليس لها إسناد، أو أنّه غلط، قال الخطيب البَغدَادِي في الكفاية: " عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون غريب الكلام وغريب الحديث " (¬2)، وقال أيضاً: "قال أحمد بن حنبل: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة فاعلم أنَّه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة وسفيان، فإذا سمعتهم يقولون هذا لا شيء فاعلم أنَّه حديث صحيح " (¬3). ¬

(¬1) ابن منظور: لسان العرب (ج3/ص331)، مادة (فرد). (¬2) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية (ص 141). (¬3) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية (ص 142).

وقال الإمام أبو داود: " والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه الناس، والفخر بها أنه مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم " (¬1). وكما أنَّهم كانوا يطلقون الغريب على الصحيح، كما فعل الإمام الترمذي في كتابه "السنن"، وهو مشهور عنه تقسيم الغريب إلى صحيح وحسن وضعيف، وقال الخليل بن عبدالله بن أحمد الخليلي: " حديث عمرو بن دينار في الرقية روى عنه أقرانه، والكبار من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: ((قُلْتُ يَا رسُول اللهِ إنَّ بَنِي جَعْفَرَ تُصِيبُهُم الْعَينُ فَاسْتَرْقِي لَهُم، فَقَالَ: نَعَم))، وهذا مما يتفرد به عمرو وهو صحيح غريب " (¬2). وقال الحافظ العراقي في التقييد والإيضاح: " قوله وينقسم الغريب أيضاً من وجه آخر فمنه ما هو غريب متناً وإسناداً، ومنه ما هو غريب إسناداً لا متناً، ثم قال: ولا أرى هذا النوع ينعكس، فلا يوجد إذاً ما هو غريب متناً وليس غريباً إسناداً، إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرد به فرواه عنه عدد كثيرون، فإنَّهُ يصير غريبا مشهوراً، وغريباً متناً، وغير غريب إسناداً، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد فإنَّ إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول متصف بالشهرة في طرفه الآخر كحديث: ((إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ)). استبعد المصنف وجود حديث غريب متناً لا إسناداً إلا بالنسبة إلى طرفي الإسناد وأثبت أبو الفتح اليعمري هذا القسم مطلقاً من غير حمل له على ما ذكره المصنف فقال في شرح الترمذى: " الغريب على أقسام: غريب سنداً ومتناً، ومتناً لا سنداً، وسنداً لا متناً وغريب بعض السند فقط، وغريب بعض المتن فقط. ¬

(¬1) سليمان بن الأشعث أبو داود: رسالة أبي داود إلى أهل مكة وغيرهم في وصف سننه، طبعة دار العربية، بيروت، تحقيق: محمد الصباغ، (ص29). (¬2) الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي: الإرشاد في معرفة علماء الحديث (ج1/ص 329).

أولا: لفظة " تفرد به فلان ".

ثم أشار إلى أنه أخذ ذلك من كلام محمد بن طاهر المقدسى فإنَّه قَسَّم الغرايب والأفراد إلى خمسة أنواع خامسها أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم، وسنن يتفرد بالعمل بها أهل مصر لا يعمل بها في غير مصرهم " (¬1). فهذه النصوص السالفة الذكر تبين مفهوم الغريب والفرد عند النُّقاد المتقدمين وعلى رأسهم الدارقطني، فإنَّ مفهومه للحديث الغريب لا يختلف عنهم، وسوف نضرب هنا بعض الأمثلة لتوضيح بعض ألفاظ التفرد والغرابة عند النُّقاد والدارقطني: أولا: لفظة " تفرد به فلان ". لقد أكثر الدارقطني من هذه اللفظة؛ للدلالة على علة التفرد أو الغرابة، وغالباً ما تكون الإشارة إلى الإسناد دون المتن. وقد أطلق الدارقطني هذه اللفظة في العلل على ما تفرد به الضعيف والمتروك، كما أطلقها على المستور والصدوق والثقة، وذلك في حوالي مئة وسبعة (107) موضعاً في كتابه العلل، وسوف نضرب بعض الأمثلة منها: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث عثمان بن عفان، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أَنَّهُ سَأَلَهُ مَا نَجَاةُ هَذَا الأَمْرِ؟)) (¬2). فقال - الدارقطني -: وروى هذا الحديث زيد بن أبي أنيسة (¬3)، بإسناد متصل، عن عثمان فرواه عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن أبان بن عثمان، عن عثمان، عن أبي بكر، تفرد به زيد بن ¬

(¬1) العراقي: التقييد والإيضاح (ص273). (¬2) أخرجه أحمد: في المسند (ج1/ص6)، برقم (20)، من طريق الزهري قال أخبرني رجل من الأنصار من أهل الفقه أنه سمع عثمان بن عفان عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم بتمامه نحواً منه. (¬3) زيد بن أبى أنيسة: زيد الجزرى، أبو أسامة الرهاوي الغنوي (كوفى الأصل)، (ت: 119 هـ، وقيل 124 هـ)، من الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين، ثقة له أفراد، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج3/ص 343).

أبي أنيسة عن ابن عقيل، ولا نعلم حدث به عن زيد بن أبي أنيسة غير أبي عبدالرحيم خالد بن أبي يزيد، وهو إسناد متصل حسن، إلا أنَّ ابن عقيل ليس بالقوي " (¬1). قلتُ: قد أعلَّ الإمام الدارقطني هذا الحديث بعلتين التفرد، وضعف عبدالله بن محمد ابن عقيل (¬2)، أما علة التفرد فهي بسبب أنَّ زيد بن أبي أنيسة كثير التفرد، وهو من الطبقة السادسة، والتي لا يحتمل كثرة التفرد فيها، والله أعلم. المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: " وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن عمر عن عمر - رضي الله عنهم - أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)) (¬3). فقال - الدارقطني -: تفرد به همام (¬4)، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عمر، عن عمر - رضي الله عنه -، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وهو الصواب، وعند أبي سلمة بن عبدالرحمن، فهذه أحاديث منها هذا ومنها ما رواه الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة - رضي الله عنه - ((أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)) ". ومنها ما يرويه محمد بن عمرو أيضا، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ((أنَّ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نهى عن الدباء والحنتم والنقير، وقال: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ))، وكلها محفوظة عن أبي سلمة ومن أحاديث ابن عباس، عن عمر، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - " (¬5). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج1/ص174)، سؤال رقم (7). (¬2) الذهبي: ميزان الاعتدال (ج2/ص484). (¬3) أخرجه أحمد: في المسند (ج2/ص104)، برقم (5820)، من طريق همام حدثنا محمد بن عمرو، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن ابن عمر - رضي الله عنه - حدثه به بتمامه، وهو حديث صحيح. (¬4) همام بن يحيى بن دينار العوذي المحلمي، أبو عبدالله (ت: 164 أو 165 هـ)، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، ثقة ربما وهم، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج11/ص 60). (¬5) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص77)، سؤال رقم (121).

قلتُ: قد أشار الإمام الدارقطني في هذا الحديث إلى أنَّ تفرد همام وهو ابن يحيى بن دينار العوذي، لم تضر بل روايته هي الصواب من حديث محمد بن عمرو. وذلك للشواهد الصحيحة له، والتي ذكرها بعد ذلك، ثم قال وكلها محفوظة عن أبي سلمة، فدل ذلك أنَّ التفرد لا يعني بالضرورة الضعف بل قد يعني الصحة، والله أعلم. وقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظة التفرد للدلالة على الغرابة في الأخبار، ولكنهم لم يطلقوها إلا على أحاديث قليلة بخلاف الدارقطني فإنَّه قد أكثر من إطلاقها، وسوف نضرب بعض الأمثلة التي توضح ذلك: المثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَمِعْتُ أَبِي، وَذَكَرَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: ((قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ تَنْزِلُ بِالْخِيفِ؟، قَالَ: وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ لَنَا مَنْزِلا؟)). فَقَالَ أَبِي: قَدْ تَفَرَّدَ الزُّهْرِيُّ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ " (¬1). قلتُ: قد أطلق أبو حاتم لفظة التفرد وعنى بها الغرابة في أربع مواضع (¬2)، لا خامس لها في كتاب العلل، فدل على قلة استعماله للفظ. المثال الثاني: قَالَ الإمام الترمذي في العلل الكبير: " فسألتُ مُحمداً - يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: حديث أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أصح ما جاء في كراهية بيع الولاء وهبته. ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص701)، سؤال رقم (860). (¬2) المصدر السابق: انظر إلى أرقام السؤالات:} (860)، (1073)، (1258)، (2611) {.

حدثنا محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن سليم، عن عبيدالله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَعَنْ هِبَتِهِ)) (¬1). قال أبو عيسى: والصحيح، عن عبدالله بن دينار، وعبدالله بن دينار قد تفرد بهذا الحديث عن ابن عمر، ويحيى بن سليم أخطأ في حديثه " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها البخاري في هذا الحديث هي غايةٌ في الدقةِ والإتقان، فإنَّه قال عن هذا الحديث: " أصح ما جاء في كراهية بيع الولاء وهبته"، وهذا يعني أنَّ جميع أسانيد هذا الحديث ضعيفة إذا كان مخرجها أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أو غيرها، ثم أفصح الترمذي عن مراد البخاري في إعلال الحديث، وهو أنَّ جميع الأسانيد لهذا الحديث ضعيفة إلا إسناد واحد فقط صحيح، وهو ما كان من طريق عبدالله بن دينار، عن ابن عمر - رضي الله عنه -، ومما يؤيد ذلك أنَّ الإمام مسلم قال عقب إخراجه لهذا الحديث: " النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِاللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " (¬3)، فدل ذلك على أنَّ الحديث لا يصح إلا من طريق عبدالله بن دينار فقط. وقد أطلق الترمذي لفظة التفرد وعنى بها الغرابة في خمس مواضع في كتابه العلل الكبير. ¬

(¬1) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب العتق، بَاب بَيْعِ الْوَلاَءِ وَهِبَتِهِ، (ج5/ ص187)، برقم (2535)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي) كتاب العتق، بَاب النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلاَءِ وَهِبَتِهِ، (ج5/ ص407)، برقم (1506)، كلاهما على الوجه الصحيح من طريق عبدالله بن دينار سمعت ابن عمر رضي الله عنهما به. (¬2) الترمذي: ترتيب العلل الكبير (أبو طالب القاضي) (ج1/ص66). (¬3) الإمام مسلم: الجامع الصحيح (بشرح النووي)، (ج5/ ص407)، برقم (1506).

ثانيا: لفظة " غريب ".

ثانيا: لفظة " غريب ". لقد أطلق الدارقطني هذه اللفظة على عدد قليل في كتاب العلل، وقد أَحْصَيتُه فوجدته في حوالي سبعةَ عَشر (17) موضعاً لا غير (¬1)، وقصد بها الدلالة على علة التفرد أو الغرابة، وكل ما أشار إليه كان في غرابة الإسناد وليس المتن، وسنضرب بعض الأمثلة لتوضيح ذلك: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث مسروق عن عبدالله عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ مِنَّا مِنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجيُوبَ)) (¬2) فقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش، عن عبدالله بن مرة، عن مسروق حدث به عنه شعبة، وزائدة، وأبو عوانة، وعلي بن مسهر، وعبدالله بن إدريس، وأبو معاوية، ووكيع، وعيسى بن يونس، وأبو أسامة، وجرير، وعبدالله بن داود، ومحمد بن ربيعة وحبان بن علي، وأسباط بن محمد، ومحمد بن عبيد، وابن نمير، وجعفر بن عون ... وروى هذا الحديث أيضا موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن مسروق وهو غريب عنه تفرد به محمد بن جعفر بن أبي كثير عنه " (¬3). المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} وَ {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ})) (¬4). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل: انظر إلى أرقام السؤالات:} (13)، (96)، (124)، (309) (385)، (393)، (494)، (501)، (682)، (857)، (868)، (1010)، (1431)، (1533)، (1555)، (1646)، (2293) ... . { (¬2) أخرجه أحمد: في المسند (ج1/ص465)، برقم (3658)، من طريق محمد بن جعفر ثنا شعبة عن سليمان قال سمعت عبدالله بن مرة عن مسروق عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه به. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج5/ص 248)، سؤال رقم (857). (¬4) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح: في المسند (ج2/ص655)، برقم (9939)، من طريق سفيان - يعني ابن عيينة- عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة به، بإسناد صحيح.

فقال - الدارقطني -: يرويه عمر بن عبدالعزيز واختلف عنه: فرواه ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبدالعزيز، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة. وكذلك روي عن الثوري وهو غريب عنه، قاله أحمد بن عُبيد، عن أبي أحمد الزبيري عنه، وكذلك روي عن مالك، عن يحيى قاله أبو يحيى بن أبي ميسرة، عن محمد بن حرب، عن مالك. ورواه محمد بن قيس القاضي، عن عمر بن عبدالعزيز، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة " (¬1). وقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظة الغرابة كذلك للدلالة على التفرد، وقد أطلقوها على أحاديث قليلة أيضاً، وسوف نضرب بعض الأمثلة من مصنفاتهم التي توضح ذلك: المثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ مَرْوَانُ الطَّاطَرِيُّ (¬2)، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ((أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ)) (¬3). فَقَالَ أَبِي -يعني أَبِي حَاتِمٍ-: هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ حَسَنِ ابْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ يَزِيدَ الرِّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ أَبِي: هَذَا الصَّحِيحُ، وَكُنَّا نَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ غَرِيبٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَنَا عِلَّتُهُ: تَرَكَ مِنَ الإِسْنَادِ نَفْسَيْنِ، وَجَعَلَ مُوسَى، عَنْ أَنَسٍ " (¬4). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج6/ص66)، سؤال رقم (1646). (¬2) هو مروان بن محمد بن حسان (ت: 210 هـ)، ثقة، تهذيب التهذيب (ج1/ص142). (¬3) أخرجه ابن أبي شيبة على الوجه المعلول: في المصنف (ج8/ص422)، من طريق حسن بن صالح عن موسى بن أبي عائشة، عن رجل، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، بدون ذكر زيادة: " بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ "، ولا شك أنه بهذا الإسناد ضعيف لوجود رجل مبهم بالإسناد. (¬4) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص244)، سؤال رقم (84).

قلتُ: وقول الإمام أبي حاتم: " هَذَا الصَّحِيحُ "، لا يعني أنَّ الإسناد صحيح بل قصده أنَّ الإسناد محفوظ على هذا السياق الثاني، وليس على السياق الأول، والذي ظنَّ أبو حاتم أنَّه غريب، ثم تبين له العلة فيه، والخطأ محمول على مَرْوَان الطَّاطَرِي، وقد أشار إلى ذلك الإمام أبي حاتم في العلل (¬1)، فتبين أنَّ الغرابة قد تعني عندهم عدم استقامة الحديث، فإنِّه من غير المعقول رواية مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَنَسٍ، فإنَّ بينهما مفاوز فمُوسَى ابْنِ أَبِي عَائِشَةَ لم يدرك أَنَسٍ، ولم يَرْوِ عن أحد من الصحابة، ولم يذكر الإمام أبي حاتم لفظة " غريب " في علله إلا في حوالي أربعة عشر (14) موضعاً (¬2). المثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: " حدثني أبي فقال: حدثنا هُشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: ((أنَّ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِي تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ، وَمَعَهَا جَوَارٍ، فَقَالَ لَهَا: مَا هَذَا يَا عَائِشَةَ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ خَيلُ سُلَيْمَانَ، قَالَ فَجَعَلَ يَضْحَكُ مِنْ قَوْلِهَا)) (¬3). سمعت أبي يقول: غريب لم نسمعه من غير هُشيم، عن يحيى بن سعيد " (¬4). قلتُ: وقول الإمام أحمد: " غريب لم نسمعه من غير هُشيم "، إشارة لتفرد هُشيم وهو ابن بشير الواسطي بالحديث عن يحيى بن سعيد وهو الأنصاري، ولم يذكر الإمام أحمد في كتابه العلل لفظة " غريب " إلا على أربع أحاديث فقط (¬5). ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص198)، سؤال رقم (16). (¬2) المصدر السابق: انظر إلى أرقام السؤالات:} (223)، (288)، (411)، (904) (964)، (1001)، (1401)، (1793)، (1850)، (1851)، (1936)، (2261)، (2434) { (¬3) أخرجه أحمد: في المسند (ج6/ص233)، برقم (26003)، من طريق محمد بن بشر قال: ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة نحواً منه، ولكن بغير زيادة: " فَقَالَ لَهَا: مَا هَذَا يَا عَائِشَةَ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ خَيلُ سُلَيْمَانَ، قَالَ فَجَعَلَ يَضْحَكُ مِنْ قَوْلِهَا "، بإسناد صحيح. (¬4) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج2/ص277)، مسألة رقم (2242). (¬5) المصدر السابق: انظر إلى أرقام السؤالات:} (2228)، (2242)، (4077)، (4326). {

المبحث الثاني: ألفاظ الترجيح ومدلولاتها عند النقاد والإمام الدارقطني.

المبحث الثاني: ألفاظ الترجيح ومدلولاتها عند النُّقاد والإمام الدارقطني. المطلب الأول: تعريف الترجيح لغةً. الترجيح في اللغة من رجح، وهو تغليب كفة شيء على شيء، ومنه رجحان الميزان، والراجح هو الأعلى، والمرجوح هو الأدنى، قال ابن منظور: " (رجح) الرَّاجِحُ الوازِنُ ورَجَحَ الشيء بيده رَزنشه، ونَظر ما ثِقْلُه وأَرْجَحَ الميزانَ أَي أَثقله حتى مال وأَرْجَحْتُ لفلان ورَجَّحْت تَرْجيحاً إِذا أَعطيته راجِحاً، ورَجَح الشيءُ يَرْجَحُ ويَرْجِحُ ويَرْجُحُ رُجوحاً ورَجَحاناً ورُجْحاناً، ورَجَح الميزان يَرْجَحُ ويَرْجِحُ ويَرْجُحُ رُجْحاناً مال، ويقال زِنْ وأَرْجِحْ وأَعْطِ راجِحاً ورَجَحَ في مجلِسه يَرْجُح ثَقُل فلم يَخِفَّ، وهو مَثَل والرَّجَاحة الحِلم على المَثَل أَيضاً وهم ممن يصفون الحِلم بالثِّقَل كما يصفون ضده بالخِفَّة والعَجَل، وقوم رُجَّحٌ ورُجُحٌ ومَراجِيحُ ومَراجِحُ حُلَماءُ، قال الأَعشى: من شَبابٍ تَراهُمُ غَيرَ مِيلٍ ... وكُهولاً مَراجِحاً أَحْلاما واحدهم مِرْجَحٌ ومِرْجاح وقيل لا واحد للمَراجِح ولا المَراجِيح من لفظها، والحِلْمُ الراجِحُ الذي يَزِنْ بصاحبه فلا يُخِفُّه شيء، وناوَانا قوماً فَرَجَحْناهم أَي كنا أَوْزَنَ منهم، وأَحلم وراجَحْته فَرَجَحْته أَي كنتُ أَرْزَنَ منه، قال الجوهري: وقوم مَراجِيحُ في الحِلم، وأَرْجَحَ الرجلَ أَعطاه راجِحاً " (¬1). المطلب الثاني: ألفاظ الترجيح عند النُّقاد والدارقطني في العلل. ومفهوم الترجيح عند النُّقاد المحدثين هو قريب من المعنى اللغوي، فهو يعني رجحان كفة رواية على رواية في القوة والثبات والصحة، فالراجح الصحيح من المرويَّات، والرواية المعلولة تسمى مرجوحة، ودراسة ألفاظ الترجيح من أهم المهمات للباحث لمعرفة الفرق بينها ¬

(¬1) ابن منظور: لسان العرب (ج2/ص445)، مادة (رجح).

أولا: ألفاظ: "وهو الصحيح" أو "والصحيح من ذلك " أو"والصحيح قول فلان".

ومقصود النُّقاد منها، فإنَّ كل لفظ يشير إلى مفهوم معين قصده الناقد، ولقد تنوعت ألفاظ الترجيح عند النُّقاد والدارقطني بطريقة كبيرة في مصنفات العلل، وسوف نضرب بعض الأمثلة لتوضيح ذلك: أولاً: ألفاظ: "وهو الصحيح" أو "والصحيح من ذلك " أو"والصحيح قول فلان". لقد أطلق الدارقطني هذه الألفاظ على مرويَّات كثيرة في كتابه العلل بلغت حوالي مئة وعشر (110) موضعاً للفظة "وهو الصحيح"، وبلغت ثلاثةً وعشرين (23) موضعاً للفظة "الصحيح من ذلك"، وبلغت تسعةً وخمسين (59) موضعاً للفظة "والصحيح قول فلان"، وقصده فيها إثبات صحة الرواية المذكورة، وضعف أو إعلال الرواية الثانية المقابلة لها، وسوف نضرب بعض الأمثلة: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث عمرو بن حريث، عن عمر - رضي الله عنه -، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: ((لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا)) (¬1). فقال - الدارقطني - يرويه إسماعيل بن أبي خالد عنه أسنده خلاد بن يحيى، عن الثوري عن إسماعيل رفعه إلى النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ووقفه غيره عن الثوري، وكذلك رواه يحيى القطان، وأبو معاوية، وأبو أسامة وغيرهم، عن إسماعيل موقوفاً وهو الصحيح. حدثنا يعقوب بن إبراهيم البزاز، وأحمد بن عبدالله الوكيل، قالا: ثنا عمر بن شبة، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيل، قال: ثنا عمرو بن حريث، قال: قال عمر - رضي الله عنه - لرجل وسمعه ينشد يا فلان لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرَّجُلَ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا " (¬2). ¬

(¬1) أخرجه البزار بالوجه المعلول: في المسند (البحر الزَّخار)، (ج1/ص323) برقم (250)، من طريق خلاد بن يحيى قال: نا سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن حريث، عن عمر بن الخطاب به، وقال البزار: " وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن إسماعيل، عن عمرو بن حريث، عن عمر موقوفاً، ولا نعلم أسنده إلا خلاد بن يحيى". (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص 189)، سؤال رقم (210).

قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث أنَّ خلاد بن يحيى أخطأ فرفع حديث عمر بن خطاب رضي الله عنه، وغيره رواه عن الثوري موقوفاً من قوله، ومتن الحديث المرفوع صحيح متفق عليه من مسند أبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الْخُدْري رضى الله عنهم مرفوعاً، والحديث الموقوف هو الصحيح الذي قصده الدارقطني، ولذا لم يخرج أحد من أصحاب الكتب الحديث من هذا الوجه. المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((مَعَ الْغُلاَمِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى)) (¬1). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عبدالله بن المختار (¬2)، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. إنَّهُ وهم فيه، والصحيح من ذلك ما رواه أصحاب ابن سيرين الحفاظ عنه منهم: أيوب السختياني، وهشام، وقتادة، ويحيى ابن عتيق وغيرهم، عن محمد بن سيرين، عن سلمان بن عامر الضبي، عن النبي صلى الله عليه وسلم " (¬3). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني في هذا الحديث أنَّ عبدالله بن المختار وهو البصري أخطأ في حديث أبي هريرة فسلك الجادة فيه (عن ابن سيرين عن أبي هريرة)، فخالف الأثبات من أصحاب ابن سيرين، فإنهم رووه عن سلمان بن عامر الضبي وليس عن أبي هريرة، وبهذا يُعلم سر عدم إخراج أصحاب الكتب الستة لهذا الحديث من مسند أبي هريرة، وإخراج الجميع له من مسند سلمان بن عامر الضبي. ¬

(¬1) أخرجه على الوجه المعلول الحاكم: في المستدرك (ج4/ص 266)، برقم (7593)، من طريق جرير بن حازم، عن عبدالله بن المختار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه به، وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي، قلتُ: ولا يخفى أنَّ حديث أبي هريرة معلول بحديث سلمان بن عامر الضبي كما أشار إليه الدارقطني هنا. (¬2) هو عبدالله بن المختار البصري (ت:؟)، ثقة، من الطبقة السابعة، من كبار أتباع التابعين، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج6/ص21). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج8/ص127)، سؤال رقم (1452).

المثال الثالث: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث حفصة، عن عمر - رضي الله عنه - أنَّه كان يقول: اللَّهُمَّ قَتْلاً فِي سَبِيلِكَ، وَوَفَاةً فِي بَلَدِ نَبِيكَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ أنَّى يَكُونُ هَذَا؟، فَقَالَ: يَاتِي اللهُ بِهِ إِذَا شَاءَ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه زيد بن أسلم واختلف عنه: فرواه روح بن القاسم، وحفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أمه، عن حفصة. ورواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن حفصة. والصحيح قول من قال: عن أمه " (¬2). وقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظ "وهو الصحيح " للدلالة على المعني السابق نفسه، على أحاديث قليلة، مثل الإمام أحمد في العلل لم يذكر اللفظة إلا في موضعين هما: الموضع الأول: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: " حدثني أبو سعيد قال سمعت أبا أسامة يقول: قال عبيدالله، عن نافع قتل عمر وله سبع وخمسون، قال: أبو عبدالرحمن هذا الصحيح في قتل عمر " (¬3). الموضع الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: سئل عن حديث الفريابي عن إسرائيل عن زيد بن جبير الجشمي قال: حدثني عروة بن جميل، عن أبيه. قال أبي: هو خطأ إنَّما هو جروة بن جميل، وقال وكيع، قال إسرائيل: جروة بن جميل، قال وكيع، وقال شريك جروة بن جميل، وهو الصحيح " (¬4). وقد استعمل هذه الألفاظ كذلك الإمام أبو حاتم في العلل؛ للدلالة على المعني السابق نفسه، ولكنه أطلقها بكثرة حتي بلغت لفظة " وهو الصحيح " تسعةً وسبعين (79) موضعاً، ¬

(¬1) أخرجه الطبراني على الوجه الصحيح: في المعجم الأوسط (ج6/ص358)، برقم (2902)، من طريق عن زيد بن أسلم، عن أمه، عن حفصة ابنة عمر قالت: سمعت عمر به. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص140)، سؤال رقم (163). (¬3) الإمام أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج3/ص 493)، مسألة رقم (6115). (¬4) المصدر السابق، (ج3/ص58)، مسألة رقم (4155).

ثانيا: لفظة " وهو الصواب ".

ولفظة " والصحيح " بلغت اثنين وتسعين (92) موضعاً، نضرب بعض الأمثلة: المثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ أَبُو عَاصِم، عَن قُرَّة، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا ولغَ الكلبُ فِي الإناء))، قَالَ أَبِي: كَذَا رَوَاهُ أَبُو عَاصِم، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ علي عَنْهُ، وَأَخْطَأَ فِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، قَالَ: وَأَخْبَرَنَا قُرَّة، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: ((إِذَا ولغ الكلب فِي الإناء))، قَالَ أَبِي: والصحيح ما يرويه أَبُو نُعَيْم " (¬1). المثال الثاني: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ شيبان النحوي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَن أم بَكْر، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي المستحاضة، فَقَالَ أَبِي: هُوَ وهم، والصحيح ما يَقُولُ الأوْزَاعِيّ، ومعاوية بْن سلم، فَقَالا: عَن أمِّ بَكْر، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وقد اختلفوا عَلَى شيبان، فَقَالَ أَبُو نُعَيْم، عَن أم بَكْر، وَقَالَ الْحُسَيْن المروذي: عَن أم أَبِي بَكْر " (¬2). المثال الثالث: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَمِعْتُ أَبِي، وَذَكَرَ حَدِيثًا: رَوَاهُ مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((لَوْلا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي، لَفَرَضْتُ السِّوَاكَ، وَلأَخَّرْتُ صَلاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ)). قَالَ أَبِي: هَذَا خَطَأٌ، رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ " (¬3). ثانياً: لفظة " وهو الصواب ". قد أطلق الدارقطني هذه اللفظة على مرويَّات كثيرة جداً في كتابه العلل بلغت حوالي مائتين وتسعة وثلاثين (239) موضعاً، وقصد بها إصلاح الخطأ الذي وقع من الراوي، وتقرير خطأ الرواية الثانية المقابلة لها، وسوف نضرب بعض الأمثلة منها: ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص205)، سؤال رقم (27). (¬2) المصدر السابق (ص266 - 267)، سؤال رقم (118). (¬3) المصدر السابق (ص206)، سؤال رقم (29).

المثال الأول: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا، بِغَيْرِ حِسَابٍ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه أبو قتيبة، عن المسعودي، عن بكير بن الأخنس، عن أبي بكر الصديق مرسلا، وغيره يروي، عن المسعودي، عن بكير بن الأخنس، عن رجل لم يسمه، عن أبي بكر، وهو الصواب " (¬2). المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن جده أبي بكر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ((السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ)). فقال - الدارقطني -: يرويه حماد بن سلمة، عن بن أبي عتيق، عن أبيه، عن أبي بكر وخالفهم جماعة من أهل الحجاز، وغيرهم فرووه، عن ابن أبي عتيق، عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب " (¬3). وقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظ "وهو الصواب "؛ للدلالة على تصحيح الخطأ الذي وقع فيه الراوي، وأطلقوها على أحاديث قليلة في مصنفاتهم، فمنهم أبو حاتم في العلل مثلاً، وقد ذكر هذه اللفظة في حوالي خمسة عشر (15) موضعاً نأخذ منها أمثلة: المثال الأول: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ السَّائِبِ: ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم صَلَّى بِالنَّاسِ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ)). ¬

(¬1) أخرجه أحمد على الوجه الصحيح: في المسند (ج4/ص553)، برقم (19998)، من حديث عمران بن حصين بإسناد صحيح. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج1/ص286)، سؤال رقم (75). (¬3) المصدر السابق: (ج1/ص277)، سؤال رقم (69).

ثالثا: لفظة " فلان أثبت من فلان ".

قَالَ أَبِي: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ سُفْيَانَ، وَعَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو الْعَامِرِيِّ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ أَبِي: لَمْ يَضْبِطِ ابْنُ عُيَيْنَةَ ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِذَا حَدَّثَ عَنِ الصِّغَارِ كَثِيرًا مَا يُخْطِئُ " (¬1). المثال الثاني: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِالْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُحَرَّمُ)). قَالَ أَبِي: أَخْطَأَ فِيهِ عُبَيْدٌ، الصَّوَابُ: مَا رَوَاهُ زَائِدَةُ، وَغَيْرُهُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَمِنْهُمْ مِنْ يُرْسِلُهُ، يَقُولُ: حُمَيْدٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحِيحُ مُتَّصِلٌ: حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ " (¬2). ثالثاً: لفظة " فلان أثبت من فلان ". أطلق الدارقطني هذه اللفظة على مرويَّات قليلة جدا في كتابه العلل، فقد بلغت موضعين فقط، وقصد بها تقديم الراوي المذكور على غيره في الحكم عند المخالفة، وتقرير خطأ الراوي الثاني إذا خالفه، وسوف نذكرهما هنا: الموضع الأول: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث ابن عباس عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهم -: ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَسَ كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّا)) (¬3). ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص339 - 340)، سؤال رقم (232). (¬2) المصدر السابق: (ص636)، سؤال رقم (751). (¬3) أخرجه البزار: في مسنده (البحر الزخار)، (ج1/ص170)، برقم (220) نحواً منه.

فقال - الدارقطني -: يرويه حسام بن مصك، عن ابن سيرين، عن ابن عباس، عن أبي بكر قاله موسى بن داود، وزيد بن الحباب عنه، وخالفه أيوب السختياني، وهشام ابن حسان، وأشعث بن سوار وغيرهم، فرووه عن ابن سيرين، عن ابن عباس عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ولم يذكروا فيه أبا بكر، وهم أثبت من حسام والقول قولهم " (¬1) والموضع الثاني: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث عمرو بن ميمون، عن عمر - رضي الله عنه - أنَّه قَالَ: ((يَا رسُول اللهِ أَلاَ تَتَّخِذُ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَاتَخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى} (¬2)). فقال - الدارقطني -: هو حديث رواه زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق واختلف عنه فرواه علي بن مسهر، عن زكريا عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر وخالفه أبو أسامة فرواه عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل، عن عمر. والله أعلم بالصواب ورواه زهير عن أبي إسحاق، عن طلحة بن مصرف مرسلاً، عن عمر ويشبه أن يكون قول زهير هو المحفوظ؛ لأنَّ زهير أثبت من زكريا في أبي إسحاق " (¬3). وقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظ " فلان أثبت من فلان " للدلالة على تقدم الراوي المذكور على غيره في الحكم عند المخالفة، وقد أطلقوها على أحاديث قليلة في مصنفاتهم فمنهم الإمام أحمد بن حنبل في العلل مثلاً، وقد ذكر هذه اللفظة في حوالي (17) موضعاً نأخذ منها أمثلة: المثال الأول: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: سمعت أبي يقول: ذكرنا عند وكيع بن الجراح أحاديث يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، فقلت: هذا يروي عنه خمسة أحاديث فجعل يذكر ذلك. قال أبي: لم يسمعها هذه أحاديث معروفة لم يسمعها سمعت أبي يقول سعد بن إبراهيم أثبت من عمر بن أبي سلمة خمسين مرة " (¬4). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج1/ص218)، سؤال رقم (21). (¬2) سورة البقرة آية رقم (125). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص186)، سؤال رقم (208). (¬4) أحمد بن حنبل: العلل ومعرفة الرجال، (ج2/ص 162)، مسألة رقم (1874،1875).

رابعا: لفظة " وهو الأشبه بالصواب ".

المثال الثاني: قال عبدالله - ابن أحمد بن حنبل -: حدثني أبي قال: حدثنا عفان قال أخبرنا حماد بن سلمة، قال أخبرنا عاصم بن بهدله، وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: ((أَنَّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمَاً)) قال أبي: منصور والأعمش أثبت من حماد وعاصم (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام أحمد في هذا الحديث: مخالفة حماد بن أبي سليمان لرواية منصور وهو ابن المعتمر، وقوله أثبت منه تدل على تقديم رواية منصور على حماد ابن أبي سليمان، وكذلك الأعمش وهو سليمان بن مهران الإمام على عاصم بن بهدله. رابعاً: لفظة " وهو الأشبه بالصواب ". أطلق الدارقطني هذه اللفظة على مرويَّات قليلة جداً في كتابه العلل، بلغت حوالي ثلاثة أحاديث، وقصد بها أنَّ الرواية المذكورة أقرب للصواب من غيرها، وتقرير احتمال خطأ الرواية الثانية بدون جزم بذلك، وسوف نذكر منها هذه الأمثلة لتوضيح ذلك: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه، عن علي - رضي الله عنهم -: ((أنَّه بعثه رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَذَّنَ النَّاسَ بِالْحَجِ الأَكْبَرِ، فَقَالَ عَلِيٌ: ألاَّ لاَ يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مُسْلِمٌ، وَمَنْ كَانَتْ بَينَهُ وَبَينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةٌ فَأَجَلُهُ إِلِى مُدَّتِهِ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه ابن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي وخالفه المضاء بن الجارود فرواه: عن هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن المحرر بن أبي هريرة، عن أبيه، عن علي. وكذلك رواه مغيرة، والشيباني، عن الشعبي، عن ¬

(¬1) المصدر السابق، (ج3/ص 121)، مسألة رقم (4511، 4512). (¬2) أخرجه الإمام أحمد: في المسند (ج1/ص3)، برقم (4)، من طريق وكيع قال: قال إسرائيل قال: أبو إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن أبي بكر نحواً منه، بإسناد ضعيف لضعف زيد بن يثيع.

المحرر، عن أبيه، عن علي. وهو الأشبه بالصواب " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني في هذا الحديث هي مخالفة ابن فضيل وهو محمد بن فضيل بن غزوان (¬2) لجمع من الرواة، فرواه عن إسماعيل بن أبي خالد، فأسقط من الإسناد المحرر بن أبي هريرة، وأبيه، وغيره رووه على الصواب كما يرجِّح الدارقطني رواية الجماعة بإثبات المحرر بن أبي هريرة، وأبيه. المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث عروة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف وكيف صلاتهم؟. فقال - الدارقطني -: اختلف فيه على عروة فرواه: محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة عن أبي هريرة، قاله يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير وخالفه أبو الأسود محمد بن عبدالرحمن فرواه، عن عروة، عن مروان بن الحكم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، وهو الأشبه بالصواب " (¬3). وقد استعمل النُّقاد المتقدمون لفظ " وهو الأشبه بالصواب " أو ما كان في معناه مثل " أرى كذا والله أعلم بالصواب " للدلالة على أنَّ الرواية المذكورة أقرب للصواب من غيرها، وتقرير احتمال خطأ الرواية الثانية بدون جزم لذلك، وقد أطلقوها على أحاديث قليلة جداً في مصنفاتهم، وسوف نأخذ مثلاً أبا حاتم في كتابه العلل: المثال الثالث: قال عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ الطَّائِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: ((لَمَّا نَزَلَتْ {ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ} اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج3/ص131)، سؤال رقم (318). (¬2) ابن فضيل بن غزوان الضبي (ت:295هـ)، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج9/ص359). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج9/ص52)، سؤال رقم (1637).

خامسا: لفظة " أحسنها إسنادا ".

{ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ} (¬1)، يَقُولُ: نِصْفٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَنِصْفٌ مِنَ الآخِرِينَ)). قَالَ أَبِي - يعني أبا حاتم -: مُحَمَّدٌ الطَّائِيُّ هَذَا أَبُو عَمْرٍو وَالِدُ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِيمَا أَرَى وَرَوَاهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِيهِ شَرِيكٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّهُمَا الصَّوَابُ " (¬2). خامساً: لفظة " أحسنها إسناداً ". أطلق الدارقطني هذه اللفظة على مرويَّات قليلة جداً في كتابه العلل، بلغت حوالي ثلاثة أحاديث، وقصد بها أنَّ الرواية المذكورة أفضل من جهة الإسناد من غيرها، وقد تكون ضعيفة، وتقرير أنَّ الأسانيد الأخرى أضعف، وأقل في الجودة من الإسناد الأول، وسوف نذكر منها هذه الأمثلة لتوضيح ذلك: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث أم الدرداء عن أبي الدرداء - رضي الله عنهم -: ((قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في قَولِهِ تَعَالَى: {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} (¬3) يُلْقَى عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعِ ... الحديث في صفةِ أَهْلِ النَّارِ)). فقال - الدارقطني -: يرويه الأعمش واختلف عنه: فرواه قطبة بن عبدالعزيز (¬4)، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخالفه عبد السلام بن حرب فرواه: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن شهر، عن أم الدرداء ولم يجاوز به ولم يسنده، وخالفه زائدة فرواه: عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن شهر، عن أبي الدرداء موقوفاً ولم يذكر أم الدرداء، ولم يسنده غير قطبة وهو صالح ¬

(¬1) سورة الواقعة آية رقم (14،13). (¬2) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص1189 - 1190)، سؤال رقم (1706). (¬3) سورة المؤمنون آية رقم (106). (¬4) وهو قطبة بن عبدالعزيز بن سياه الأسدي الحماني الكوفي (ت:؟)، صدوق من الطبقة الثامنة من الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الستة إلا البخاري، تهذيب التهذيب (ج8/ص 338).

الحديث، فان كان حفظه فهو أحسنها إسناداً " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الإمام الدارقطني في هذا الحديث هي: رواية قوم له موقوفاً، ثم خالفهم قطبة بن عبدالعزيز فرواه مسنداً أي موصولاً، ولم يسنده غيره، فرجَّح الإمام الدارقطني الرواية الموصولة؛ لأنها أحسن وأقوى إسناداً من غيرها. المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني - عن حديث عثمان بن عفان، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لاَ يَقُولُهَا عَبْدٌ حَقًّا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه قتادة واختلف عنه: فرواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مسلم بن يسار، عن حمران، عن عثمان، عن عمر. قال ذلك عبدالوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد، وخالفه خالد بن الحارث، عن سعيد فرواه عنه، عن قتادة، عن حمران، وكذلك رواه أيوب أبو العلاء، عن قتادة، عن حمران وحديث عبدالوهاب بن عطاء أحسنها إسناداً " (¬3). ولم أجد كثيراً من النُّقاد المتقدمين يستعملون هذه اللفظة إلا قليل، منهم الإمام البزار في مسنده (البحر الزَّخار)، وقد ذكرها في أربعة عشر (14) موضعاً، وسوف نورد هنا له مثالاً: المثال قال الإمام البزار: " حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (¬4) (3)، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج6/ص 220)، سؤال رقم (1086). (¬2) أخرجه الإمام أحمد: في المسند (ج1/ص63)، برقم (447)، من طريق عبدالوهاب الخفاف ثنا سعيد عن قتادة عن مسلم بن يسار عن حمران بن أبان أن عثمان بن عفان رضي الله عنه نحواً منه. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج2/ص7)، سؤال رقم (82). (¬4) سورة المائدة: آية رقم (105).

إِنَّ أُمَّتِي إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَاخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ يُوشِكُوا أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ وَجْهٍ أَعْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلاَ أَحْسَنَ إِسْنَادًا مِنْهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُعْتَمِرُ وَشُعْبَةُ " (¬1). وبنهاية هذا الحديث نكون قد انتهينا من الباب الثالث من الدراسة بفضل اللهِ وَمعُونتهِ. ¬

(¬1) أخرجه البزار: في مسنده (البحر الزخار)، (ج1/ص88)، برقم (65).

الباب الرابع قرائن التعليل والترجيح عند الإمام الدارقطني

الباب الرابع قرائن التعليل والترجيح عند الإمام الدارقطني وفيه فصلان: الفصل الأول: قرائن التعليل عند الإمام الدارقطني. وفيه: ثلاث مباحث. المبحث الأول: دلائل العلة. المبحث الثاني: قرائن التعليل الإسنادية. المبحث الثالث: قرائن التعليل المتنية. الفصل الثاني: المتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني. وفيه: مبحثان. المبحث الأول: المتابعات وأثرها في الترجيح. المبحث الثاني: القرائن وأثرها في الترجيح.

الفصل الأول قرائن التعليل عند الإمام الدارقطني وفيه ثلاث مباحث: المبحث الأول: دلائل العلة. المطلب الأول: التفرد ودلالته كقرينة عند النُّقاد والدارقطني. المطلب الثاني: المخالفة ودلالتها كقرينة عند النُّقاد والدارقطني. المبحث الثاني: قرائن التعليل الإسنادية. المطلب الأول: قرينة ضعف الثقة في بعض شيوخه الثقات. المطلب الثاني: قرينة ضعف الثقة في بعض البلدان. المطلب الثالث: قرينة ضعف الثقة في بعض الأحوال. المبحث الثالث: قرائن التعليل المتنية. المطلب الأول: قرينة مخالفة الحديث للسُنّة الثابتة المشهورة. المطلب الثاني: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه كلام النبوة. المطلب الثالث: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه حديث فلان.

الفصل الأول قرائن التعليل عند الإمام الدارقطني

الفصل الأول قرائن التعليل عند الإمام الدارقطني تمهيد: أهمية معرفة قرائن التعليل إنَّ دراسة قَرائن التعليل عند نقاد الحديث لمن أهم المهمات للباحث في علل الحديث فهي بمثابة العصب للجسد في معرفة العلل، وبها يعرف مقاصد أئمة التعليل في نقد الأخبار، فإن النَّاقد لا يحكم على الحديث بعلة إلا بعد التتبع الحثيث لمرويَّات الراوة، ثم معرفة ظروف تحمُّلهم وأدائهم للمرويَّات، ومقارنتها بغيرها من الروايات الثابتة، لاستخراج ما طرأ على الأخبار من الوهم والخطأ، أو تعمد التحريف وغيره من العلل. ولا يتأتى ذلك إلا لمن طالت ممارسته لدراسة الأسانيد ومعرفة الرجال وأحوالهم، والخبرة في سبر الأخبار، والغوص في بحار علم العلل، وهؤلاء قليل من أهل الحديث لصعوبة الوصول لهذه المرتبة من العلم والخبرة والمعرفة، فالجهابذةُ النُّقادُ العارفون بعللِ الحديثِ أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث، وأوَّل من اشتهر في الكلام في نقد الحديث ابنُ سيرين، ثم خَلفه أيوب السختياني، وأخَذَ ذلك عنه شعبةُ، وأخذ عَنْ شعبة: يحيى القطان وابن مهدي، وأخذ عنهما: أحمدُ وعلى بنُ المديني وابنُ معين، وأخذ عنهم مثل: البخاريّ وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتم. قال الحافظ ابن رجب في شرح العلل: " قال أبو حاتم: وجرى بيني وبين أبي زُرعة يوماً تمييز الحديث ومعرفته، فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها، وكنت أذكر أحاديث خطأ وعللها، وخطأ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتم قل من يفهم هذا، ما أعز هذا!، إذا رفعت هذا عن واحد واثنين، فما أقل ما تجد من يحسن هذا! " (¬1). ¬

(¬1) الحافظ ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص195).

وقال ابن رجب أيضاً: " وذكر أبو حاتم شيئاً من معرفة الرجال فقال: ذهب الذي كان يحسن هذا - يعني أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا بالعراق أحد يحسن هذا! " (¬1). وَقَالَ الحافظ العلائيُّ: " وهذا الفنُ أغمضُ أنواعِ الحديثِ، وأدقها مسلكاً، ولا يقومُ بهِ إلاّ مَنْ منحه اللهُ فهماً غايصاً، واطلاعاً حاوياً، وإدراكاً لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلاَّ أفراد أئمة هذا الشأنِ وحُذَّاقهم كابنِ المدينيّ، والبخاريّ، وأبي زرعة، وأبي حاتم وأمثالهم " (¬2). وقَالَ الحافظ ابن رجب في فتح الباري بعد ذكره حديث: " مِن رواية أبي إسحاق، عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كَانَ النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلاَ يَمَسُّ مَاءً)) (¬3). وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث مِن السلف على إنكاره على أبي إسحاق، مِنهُم: إسماعيل بنِ أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأحمد بنِ حنبل، وأبو بكر ابنِ أبي شيبة، ومسلم بنِ حجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزجاني، والترمذي، والدارقطني ... وأمّا الفقهاء المتأخرون: فكثيرٌ منهم نظر إلى ثقةِ رجالهِ فظنَّ صحته، وهؤلاء يظنون أنَّ كلَّ حديثٍ رواه ثقة فهو صحيحٌ، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث " (¬4) ¬

(¬1) الحافظ ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص195). (¬2) الحافظ ابن حجر العسقلاني: النكت على كتاب ابن الصلاح (ج2/ ص377). (¬3) أخرجه الترمذي على الوجه المعلول: في السنن، كتاب الطهارة، باب ما جاء في الجنب ينام قبل أن يغتسل (ج1/ص202)، برقم (118)، وقال الترمذي: " وقد روى غير واحد عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنَّه كان يتوضأ قبل أن ينام))، وهذا أصح من حديث أبي إسحاق عن الأسود وقد روى عن أبي إسحق هذا الحديث شعبة والثوري وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق ". (¬4) الحافظ ابن رجب: فتح الباري، طبعة مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، الطبعة الأولى سنة 1417هـ، تحقيق: محمد عوض المنفوش وجماعة، (ج1/ 362 - 363).

وقد لخص علماء الحديث الطرق التي كان أئمة العلل يَسْلُكُونها لمعرفة علة الحديث، فقال الخطيب البغدادي: " السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانتهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط " (¬1). وقال ابن الصلاح رحمه الله: " ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم لغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه" (¬2). قلتُ: فهذه النصوص ترشد إلى الطرق التي كان الأئمة يعتبرونها في معرفة العلل، وقد لخصها ابن الصلاح في التفرد والمخالفة، مع قرائن تنضم إلى ذلك، ومما لا شك فيه أنَّ هذه القرائن كثيرة ومتنوعة، وليس لها قاعدة ثابتة، وغير منحصرة، وقد اجتهد جهابذة أهل الحديث في بيان قرائن التعليل الإسنادية والمتنية في مصنفات متفرقة، ولم أرَ من جمع مصنفاً فيه بيان القرائن التي اعتمد عليها أئمة التعليل، إلا إشارات قليلة في مصنفات أهل الحديث مثل: الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح علل الترمذي، وفتح الباري له، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت وفتح الباري له، والإمام ابن القيم وشيخه الإمام ابن تيمية في بعض مصنفاتهم، فظهر أنَّ دراسة قرائن التعليل والتمثيل لها من كلام أئمة النقد لمن أهم الأبحاث التي يمكن تحقيقها في هذا العلم؛ لأنَّ كتب العلل لا تذكر القرائن في غالب الأحيان، ولا تذكرها إلا بعبارات دقيقة لا يَفْهَمها إلا أصحاب هذا الشأن، وسوف أجتهد في تناول بعض قرائن التعليل في هذا الفصل إن شاء الله تعالى التي كان أئمة التعليل يستعملونها لمعرفة وتحديد العلل في الأخبار، وعلى رأسهم الإمام الدارقطني، نتلمس فيها منهجه وطريقته، والله الموفق لا رب سواه. ¬

(¬1) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص 117). (¬2) نفس المصدر: (ص116).

المبحث الأول: دلائل العلة.

المبحث الأول: دلائل العلة. المطلب الأول: التفرد ودلالته كقرينة عند النُّقاد والدارقطني. التفرد من أهم الدلائل على العلة عند النُّقاد المتقدمين وعلى رأسهم الدارقطني، ولقد وصف الحافظ ابن رجب كيفية استعمال المتقدمين لدلالة التفرد فقال: " وأمَّا أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد - وإن لم يرو الثقات خلافه -: إنَّه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه " (¬1). فالتفرد ليس علةٌ في ذاته، وإنَّما يدل عَلَى وجود خللٍ ما في الخبر أو الرواية، وقد يحدث ذلك من الثقة أوالضعيف على السواء، قَالَ الإمام مُسْلِم بن الحجاج: " فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كَانَ من أحفظ الناس وأشدهم توقياً وإتقاناً لما يحفظ وينقل - إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله " (¬2). وَقَالَ الترمذي: " وإنَّما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنَّه لَمْ يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم " (¬3). ثمَّ ساق الترمذي أمثلة من الروايَّات التي تبرهن عَلَى تفاوت أهل العلم في الحفظ، وتفاضلهم في الضبط وقلة الخطأ، ثُمَّ قَالَ: " والكلام في هَذَا والرواية عَنْ أهل العلم تكثر وإنما بيّنا شيئاً مِنْهُ عَلَى الاختصار ليُستدل بِهِ عَلَى منازل أهل العلم وتفاضل بعضهم عَلَى بعض في الحفظ والإتقان، ومن تُكلمَ فِيْهِ من أهل العلم لأي شيء تُكلمَ فِيْهِ " (¬4). ¬

(¬1) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص272 - 273). (¬2) الإمام مسلم: التمييز، (ص 124). (¬3) الإمام الترمذي: علل الترمذي الصغير آخر جامعه، (ج6/ص240). (¬4) المصدر السابق، (ج6/ص244).

والتفرد بالنسبة للثقة المشهور بالحفظ، وقلة الخطأ في مرويَّاته لا تضر، وقد أشار الإمام مسلم في صحيحه إلى هذه القاعدة فقال: " هَذَا الْحَرْفُ (يَعْنِي وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ)، لاَ يَرْوِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَلِلزُّهْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ " (¬1). ولقد أكثر الإمام الدارقطني التعليل بالتفرد للدلالة على الخلل في الأخبار، فهو يسوق الطرق والخلاف ومن روى الحديث، ثُمَّ يشير إلى تفرد بعض الرواة في الرواية ولم يشاركه فيها أحد، ويطلق لفظة التفرد كما ذكرنا من قبل على رواية الثقة والضعيف، وليس كل تفرد عنده يُعِلّ الحديث، وأحياناً يصرح ويرجح الصواب كقوله: " تفرد به فلان، وغيره يرويه كذا، وهو الصواب "، وأحياناً أخرى لا يصرح بذلك، وسوف نضرب هنا بعض الأمثلة لتوضيح ذلك: أولاً: النماذج التي صرح بها الدارقطني بالتعليل بالتفرد: النوع الأول: ما تفرد به الثقة وأُعِلَّ بها: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: وسئل - الدارقطني -: " عن حديث شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر رضي الله عنه: ((رَأَى رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاتَيِنِ تَنْتَطِحَان ...)). فقال: تفرد به أبو داود (¬2)، عن شعبة، ولا يثبت عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه عن أبي ذر: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث" (¬3) ¬

(¬1) الإمام مسلم: الجامع الصَّحِيْح (مع شرح النووي)، كتاب الإيمان، باب من حلف باللات والعزى، (ج6/ص119 - 120)، بعد حديث رقم (1647). (¬2) وهو سليمان بن داود بن الجارود، أبو داود الطيالسي البصري (ت:204 هـ)، من الطبقة التاسعة، ثقة حافظ، أخرج له الستة إلا البخاري تعليقاً، تهذيب التهذيب (ج4/ص160). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج6/ص 272)، سؤال رقم (1131).

قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي: تفرَّد أبي داود الطيالسي بهذا الحديث عن شعبه ولم يشاركه أحد في شيخه - وهو ثقة حافظ - ولا يقبل هذا وشعبة وهو ابن الحجاج إمام مكثر، وله أصحاب معرفون أثبات مقدمون على أبي داود الطيالسي، مثل: غُنْدر محمد بن جعفر وهو أثبت الناس في شعبة (¬1)، ثُمَّ معاذ بن معاذ وهو العنبري وغيرهم، إذ لو كان هذا الحديث محفوظاً عن شعبة لرواه هؤلاء، ولما تركه أصحابه المعروفون بالإتقان، فَعُلِمَ خطأ أبي داود الطيالسي في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: وسئل - الدارقطني -: " عن حديث أبي الأسود الدؤلي، عن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ أَحْسَنَ مَا غُيِّرَ بِهِ الشَّيْبُ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه عبدالله بن بريدة واختلف عنه: فرواه سعيد الجريري عن عبدالله بن بريدة، عن أبي الأسود، عن أبي ذر. تفرد به معمر بن راشد عنه وأغرب به ورواه الأجلح بن عبدالله بن بريدة، واختلف عنه: فرواه الثوري، وعليّ بن صالح، ويحيى القطان، وزهير بن معاوية، وعبدالرحمن بن مغراء أبو زهير، وغيرهم عن الأجلح، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود، عن أبي ذر. ورواه أبو حنيفة، عن الأجلح، واختلف عنه: فرواه المقري، عن أبي حنيفة، عن أبي حجية وهو أجلح، عن ابن بريدة، عن أبي الأسود، عن أبي ذر. وكذلك رواه محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة، وغيره يرويه عن أبي حنيفة، عن أبي حجية، عن أبي الأسود لم يذكر بينهما ابن بريدة، ورواه ابن عيينة، عن عبدالرحمن المسعودي، عن الأجلح، فقال: ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم والصواب قول من قال: عن أبي الأسود ¬

(¬1) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص367 - 368). (¬2) أخرجه الترمذي على الوجه الصواب: في السنن، كتاب اللباس، باب الخضاب، (ج4/ص 232)، برقم (1753)، من طريق الأجلح عن عبدالله بن بريدة عن أبي الأسود عن أبي ذر به، وقال الترمذي: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ".

عن أبي ذر " (¬1). المثال الثالث: قال البرقاني في العلل: وسئل - الدارقطني -: " عن حديث علقمة، عن عبدالله - رضي الله عنه - كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمَاً)). فقال - الدارقطني -: تفرد به يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية (¬2)، عن الأعمش عن إبراهيم، ووهم فيه حدث به إسحاق بن موسى الأنصاري، وأبو بكر بن أبي شيبة عنه كذلك، وخالفهما زياد بن أيوب فرواه، عن ابن أبي غنية، عن الأعمش، عن إبراهيم وكذلك رواه أصحاب الأعمش عنه وهو صحيح " (¬3). قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي: تفرد يحيى بن عبدالملك بن أبي غنية بهذا الحديث دون سائر أصحاب الأعمش الأثبات، بل وقد خالفوه في الحديث، فهذا دليل على الوهم والخطأ الذي وقع في روايته، وهذه قاعدة مطردة، ويظهر هنا واضحاً تصريح الدارقطني وتعليله الحديث بدلالة التفرد. النوع الثاني: ما تفرد به الضعيف: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: وسئل - الدارقطني -: " عن حديث جابر بن عبدالله عن أبي بكر - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبَحْرِ، فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)) (¬4). فقال - الدارقطني -: هو حديث تفرد به عبدالعزيز بن أبي ثابت الزهري، وهو عبدالعزيز بن عمران بن عمر بن عبدالرحمن بن عوف مديني ضعيف الحديث، رواه عن إسحاق بن ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج6/ص277 - 279)، سؤال رقم (1136). (¬2) وهو يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبى غنية الخزاعي، أبو زكريا الكوفي (ت: مائة وبضع وثمانون هـ) صدوق، من الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، تهذيب التهذيب (ج6/ص 349). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج5/ص 137)، سؤال رقم (772). (¬4) أخرجه أحمد: في المسند، (ج3/ص373)، برقم (15054)، من طريق إسحاق بن حازم عن أبي مقسم قال: أبي يعني عبيدالله بن مقسم عن جابر بن عبدالله مرفوعاً نحواً به.

حازم الزيات، عن وهب بن كيسان، عن جابر، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. وإسحاق بن حازم هذا شيخ مديني ليس بالقوي، وقد اختلف عنه في إسناد هذا الحديث، فرواه أبو القاسم بن أبي الزناد، عن إسحاق بن حازم، عن عبيدالله بن مقسم عن جابر، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. ولم يذكر فيه أبا بكر حدث به عنه كذلك أحمد بن حنبل، وقد روى هذا الحديث عن أبي بكر الصديق موقوفاً من قوله غير مرفوع إلى النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ من رواية صحيحة عنه. حدث به عبيدالله بن عمر عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل عن أبي بكر قوله. ورواه ابن زاطيا (¬1)، عن شيخ له من حديث عبيدالله بن عمر، عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل، عن أبي بكر، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ووهم في رفعه والموقوف أصح" (¬2). قلتُ: قرينة التعليل في المثال السابق واضحة وهي ضعف راويه، والتفرد كذلك، من عبدالعزيز بن أبي ثابت الزهري (¬3) وهو متروك، والجدير بالذكر أنَّ الإمام الدارقطني متوسع في ذكر العلل الموجودة في الحديث، وكثرة الطرق للحديث مما يجعل كتاب العلل من أفضل الكتب التي تكلمت في هذا الفن، والله أعلم. ثانياً: النماذج التي لم يصرح بها الدارقطني بالتعليل بالتفرد ولكنه أشار إليها: المثال الأول: قال البرقاني في العلل: "وسئل - الدارقطني -: عن حديث عمرو بن حريث المخزومي، عن أبي بكر - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ ...)) (¬4). ¬

(¬1) وهو أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ إِسْحَاقَ بنِ عِيْسَى بنَ زَاطِيَا المُخَرِّمِيُّ البَغْدَادِيُّ (ت: 306هـ) المحدث قال أَبُو بَكْرٍ بنُ السُّنِّي: " لاَ بَاسَ بِهِ "، سير أعلام النبلاء (ج14/ص254). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج1/ص220 - 221)، سؤال رقم (26). (¬3) هو عبدالعزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف القرشي، يعرف بابن أبى ثابت، (ت: 197 هـ)، متروك، أخرج له الترمذي، تهذيب التهذيب (ج6/ص 312). (¬4) أخرجه أحمد على الوجه المعلول: في المسند، (ج1/ص4)، من طريق روح قال ثنا بن أبي عروبة عن أبي التياح عن المغيرة بن سبيع عن عمرو بن حريث عن أبي بكر الصديق به، وتمامه " أَنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا خُرَاسَانُ يَتَّبِعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ".

فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه أبو التياح عن المغيرة بن سبيع عن عمرو بن حريث حدث به عبد الله بن شوذب عن أبي التياح ورواه سعيد بن أبي عروبة عن أبي التياح تفرد به روح بن عبادة عن سعيد، ويقال إن سعيد بن أبي عروبة إنما سمعه من عبدالله بن شوذب عن أبي التياح، ودلسه عنه وأسقط اسمه من الإسناد ... وأصحها إسناداً حديث ابن شوذب عن أبي التياح، وروى عن الحسن بن دينار فيه إسناد آخر عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن أبي بكر موقوفا ولا يثبت عن قتادة " (¬1). قلتُ: وقرينة التعليل التي أشار إليها الدارقطني تفرد روح بن عبادة (¬2)، عن سعيد بن أبي عروبة بالحديث، ولم يشاركه فيه كبار تلامذة ابن أبي عروبة مثل: يزيد بن زُرَيْع وهو أثبت الناس في سعيد ابن أبي عروبة (¬3)، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد، وغيرهم، وإنَّما يأتي روح بن عبادة بعدهم في المرتبة، فكيف يتفرد بحديث عن ابن أبي عروبة دون هؤلاء الأثبات؟، وقد أشرنا إلى هذه القاعدة من قبل، فظهر بذلك قرينة التعليل التي اعتمد عليها الدارقطني ولم يصرح بها، والله تعالى أعلى وأعلم. المثال الثاني: قال البرقاني في العلل: وسئل - الدارقطني -: " عن حديث عروة بن الزبير عن سعيد بن زيد - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ)) (¬4). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج1/ص 275)، سؤال رقم (68). (¬2) هو روح بن عبادة بن العلاء بن حسان بن عمرو بن مرثد القيسي، أبو محمد البصري (ت: 205 أو 207 هـ)، ثقة فاضل له تصانيف، الطبقة التاسعة من صغار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج3/ص 253). (¬3) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص396). (¬4) أخرجه أبو داود على الوجه المعلول: في السنن كتاب الخراج والإمارة والفيء، بَاب فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ، (ج2/ص 194)، برقم (3073)، من طريق عبد الوهاب - يعني الثقفي - حدثنا أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد به.

فقال - الدارقطني -: يرويه أيوب السختياني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، تفرد عبدالوهاب الثقفي عنه (¬1)، واختلف فيه على هشام بن عروة فرواه الثوري، عن هشام، عن أبيه، قال: حدثني من لا أتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه جرير بن عبدالحميد، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك بن أنس، وعبدالله بن إدريس، ويحيى بن سعيد الأموي، عن هشام، عن أبيه مرسلاً. وروى عن الزُّهري عن عروة، عن عائشة. قاله سويد بن عبدالعزيز، عن سفيان بن حسين ... " (¬2) قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي تفرد عبدالوهاب وهو ابن الصلت أبو محمد البصري، برواية هذا الحديث عن أيوب السختياني. ولم يشاركه فيه الأثبات من أصحاب أيوب السختياني مثل: حماد بن زيد وهو أثبت الناس فيه (¬3)، وإسماعيل ابن عُلية وعبدالوارث، بل قال ابن معين: " عبدالوارث مثل حماد، وهو أحب إلىَّ في أيوب من الثقفي وابن عيينة " (¬4)، وقد أشار البزار إلى علة هذا الإسناد، فقال بعد أن ساق حديث عبدالوهاب الثقفي: "وهذا الحديث قد رواه جماعة، عن هشام بن عروة، عن أبيه مرسلاً، ولا نحفظ أحداً، قال: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد إلا عبدالوهاب، عن أيوب " (¬5)، وبهذا يُعلم وجه التساهل فيمن صحح هذا الإسناد مثل العلامة الألباني رحمه الله في صحيح أبي داود (¬6). ¬

(¬1) وهو عبدالوهاب بن عبدالمجيد بن الصلت الثقفي (ت: 194 هـ)، ثقة تغير، من الطبقة الثامنة من الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج6/ص 397). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج4/ص 414)، سؤال رقم (665). (¬3) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص365). (¬4) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص367). (¬5) البزار: في المسند (البحر الزَّخار)، (ج4/ص55)، برقم (1121). (¬6) الألباني: محمد بن ناصر الدين الألباني (ت: 1420هـ)، صحيح أبي داود (باختصار السند) طبعة مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، (ج2/ص594)، برقم (2638).

وقد ثبت موقوفاً من قول عمر - رضي الله عنه -، وأشار إلى ذلك البخاري تعليقاً فقال: " وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه - مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ وَيُرْوَى فِيهِ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" (¬1). فظهر صواب من أعلّ هذا الإسناد بدلالة التفرد، بخلاف من صححه، فإنه نظر لثقة رواته، وجاء بمتابعات لا تصلح لأن تكون شاهداً يُعتَضد به هذا الحديث، فحكم بصحته، وقد صحح قوم أحاديث كثيرة بهذه الطريقة، وهي في واقع أمرها إما معلولة أو شاذة تبعاً لحكم كبار النُّقاد عليها وسوف نوضح ذلك في النماذج التالية. نموذج من تعليل النُقاد بدلالة قرينة التفرد: لقد أكثر النُّقاد التعليل بالتفرد للدلالة على الخلل في الحديث، وأطلقوا لفظة التفرد على رواية الثقة والضعيف على السواء، أو قولهم: "لم يروه عن فلان إلا فلان، وغيرها من الألفاظ التي تدل على التفرد، وسوف نضرب مثالاً يوضح ذلك من مصنفاتهم: قَالَ ابن عَدى في الكامل: " قال البخاري: سمعت أحمد بن حفص السعدي يقول: قيل لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه (يعني وهو حاضر) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلاَ يَصَوْمَ أَحَدٌ حَتَّى يَصَوْمَ رَمَضَانُ)) (¬2). ¬

(¬1) البخاري: الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الحرث والمزارعة، بَاب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا (ج5/ص22)، قال الحافظ في الفتح: " وَصَلَهُ مَالِك فِي " الْمُوَطَّأ " عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ مِثْله، وَرَوَيْنَا فِي " الْخَرَاج لِيَحْيَى بْن آدَم " سَبَب ذَلِكَ فَقَالَ: " حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِم عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّاس يَتَحَجَّرُونَ - يَعْنِي الْأَرْض - عَلَى عَهْد عُمَر - رضي الله عنه -، قَالَ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فَهِيَ لَهُ، قَالَ يَحْيَى: كَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلهَا لَهُ بِمُجَرَّدِ التَّحْجِير حَتَّى يُحْيِيهَا ". (¬2) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان، (ج3/ص 115)، برقم (738)، وأبو داود: في السنن، كتاب الصوم، باب في كراهية ذلك، (ج1/ص 713)، برقم (2337)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الصوم، باب ما جاء في النهي عن أن يتقدم رمضان بصوم إلا من صام صوما فوافقه، (ج1/ص 528)، برقم (1651)، ثلاثتهم وغيرهم من طريق الْعَلاَءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نحواً منه.

قَالَ: ذَاكَ أي ضَعِيفٌ، ثم قال: حديث العلاء كان يرويه وكيع عنه أبي العميس، عن العلاء وابن مهدي فكان يرويه ثم تركه، قيل عن من كان يرويه؟، قال: عن زهير ثم قال: ((إنَّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ)) " (¬1). وقَالَ أَبو دَاود: " وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لاَ يُحَدِّثُ بِهِ قُلْتُ: لأَحْمَدَ لِمَ قَالَ؛ لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ))، وَقَالَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلاَفَهُ. قال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه " (¬2). وقال الحافظ ابن رجب: فى لطائف المعارف: " صححه الترمذى، وابن حبان، والحاكم، والطحاوى، وابن عبد البر، وتكلم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا هو حديث منكر، منهم عبدالرحمن بن مهدى، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازى، والأثرم وقال الإمام أحمد: "لم يرو العلاء حديثاً أنكر منه، ورده بحديث لاتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين ". وقال الأثرم: " الأحاديث كلها تخالفهُ ". ثم قال ابن رجب: " فصار الحديث شاذاً مخالفاً للأحاديث الصحيحة، وقال الطحاوى منسوخ وحكى الإجماع على ترك العمل به، وأكثر العلماء على أنَّه لا يعمل به " (¬3). وقال الحافظ ابن حجر العسقلانى: " قال أبو داود: سهيل أعلى عندنا من العلاء، أنكروا على العلاء صيام شعبان يعنى حديث إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" (¬4). وقَالَ المنَاوي فى فيض القدير: " وقال الترمذي حسن صحيح وتبعه المؤلف فرمز لحسنه، وتعقبه المغلطاي لقول أحمد: هو غير محفوظ، وفي سنن البيهقي عن أبي داود عن أحمد منكر، ¬

(¬1) ابن عدي: في الكامل في ضعفاء الرجال، (ج3/ص218)، ترجمة رقم (714). (¬2) أبو داود: في السنن، كتاب الصوم باب في كراهية ذلك، (ج1/ص 713)، برقم (2337). (¬3) ابن رجب: لطائف المعارف، طبعة دار الفتح القديمة، القاهرة (دت)، (ص142). (¬4) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، (ج8/ص166)، ترجمة رقم (336).

وقال ابن حجر وكان ابن مهدي يتوقاه " (¬1). ثُمَّ وجدتُ عند الطبراني مُتابِعاً للعَلاءِ بن عَبْدالرَّحمن عن أبيه، فقال: ((حَدَّثَنَا أحمد بن مُحَمَّد بن نافع، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبيدالله بن عَبْدالله المنكدري، حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن جده، عن عَبْدالرحمن بن يعقوب الحرقي، عن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ: ((إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانٌ فَأَفْطِرُوا)). قَالَ الطبراني عقبه: " لَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيْث عن مُحَمَّد بن المنكدر إلا ابنه المنكدر، تفرد بِهِ ابنه: عَبْدالله " (¬2). وهَذَه المتابعة لا يعتبر بها؛ لجهالة شيخ الطبراني، وَهُوَ: أحمد بن مُحَمَّد بن نافع، قال الذهبي في الميزان: " لا أدري مَنْ ذا؟ ذكره ابن الجوزي مرة وَقَالَ: اتهموه. كَذَا قَالَ لَمْ يزد " (¬3). وعبدالله بن المنكدر، قَالَ الذهبي: "فِيْهِ جهالة، وأتى بخبر منكر" (¬4). قلتُ: وقد تكلف بعض النَّاس الجمع بين هذا الحديث والأحاديث المعارضة له، ولايصح الجمع بين الروايات، وقد ثبت خطأ العلاء بن عبدالرحمن (¬5) فيه، وطالما أنَّ هناك اختلافاً شاذاً من فرد عن الجماعة، وإن كان ثقة، بل العبرة بثبوت الرواية أولاً، ثم الجمع بين الرويات إن أمكن ذلك، وإلا فالترجيح، وكما قالوا قديماً أثبت العرش ثم انقش. ¬

(¬1) المناوي: محمد عبد الرؤوف بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (ت: 1031هـ)، فيض القدير، طبعة دار الكتب العلمية بيروت، سنة 1415هـ، تحقيق: أحمد عبدالسلام (ج1/ص391). (¬2) الطبراني: المعجم الأوسط، (ج2/ص 264)، رقم (1936). (¬3) الذهبي: ميزان الاعتدال، (ج1/ص146)، ترجمة رقم (568). (¬4) المصدر السابق، (ج2/ص 508)، ترجمة رقم (4627). (¬5) العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، أبو شبل المدني (ت: مائة وبضع وثلاثون هـ)، صدوق ربما وهم، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين، أخرج له الستة إلا البخاري فقد أخرج له في جزء القراءة خلف الإمام، تهذيب التهذيب (ج8/ص 166)، ترجمة رقم (336).

المطلب الثاني: المخالفة ودلالتها كقرينة عند النقاد والدارقطني.

نتائج هامة: - بمقارنة منهج الدارقطني في التعليل بالتفرد، بمنهج النُّقاد المتقدمين نجد أنَّ الدارقطني كان ينهج الأسلوب والمسلك الذي سلكه القوم، إلا أنه كان أوسع في جمع الطرق والشواهد والمتابعات، وكان لا يخرج عن منهج النُّقاد المتقدمين. - من الملاحظ أنَّ غالب التفردات الْمُعلّة وقعت في الطبقات المتأخرة، كأصحاب الطبقة الثامنة: كعبدالوهاب بن الصلت الثقفي وغيره، وأصحاب الطبقة التاسعة كروح بن عبادة وغيره، والتفردات في الطبقات المتقدمة قليلة بالنسبة للمتأخرة. المطلب الثاني: المخالفة ودلالتها كقرينة عند النُّقاد والدارقطني. المخالفة من أهم الدلائل القوية على العلة عند النُّقاد المتقدمين وعلى رأسهم الدارقطني، ولقد أكثر النُّقاد من استعمال المخالفة للدلالة على الخلل الذي طرأ على المرويَّات، ولا شك أن لها ضابطاً وصوراً مختلفة، وسوف أجتهد لتوضيح ضابطها وصورها المختلفة، والمخالفة تكثر كلما كان المروي عنه مكثر، والعكس صحيح، تقل عندما تقل الرواية. ضابط المخالفة: وضابط المخالفة هو اتحاد المخرج في إسناد الحديث، أي أنَّ مدار الحديث واحد، قال ابن الصلاح: " وينبغي في التعارض أن يكون المخرج واحداً، وإلا فتعدد الوجوه المختلفة طرقاً مستقلة " (¬1). وقال الحافظ في الفتح بعد حديث: " ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ)). قَوْله: (صَعِدَ أُحُدًا). هُوَ الْجَبَل الْمَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ وَلأَبِي يَعْلَى مِنْ وَجْه آخَر عَنْ سَعِيد " حِرَاء " وَالأَوَّل أَصَحّ، وَلَوْلا اِتِّحَاد الْمَخْرَج لَجَوَّزْتُ تَعَدُّد الْقِصَّة، ثُمَّ ظَهَرَ ¬

(¬1) الحافظ العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص117).

لِي أَنَّ الاخْتِلَاف فِيهِ مِنْ سَعِيد، فَإِنِّي وَجَدْته فِي مُسْنَد الْحَارِث ابْن أَبِي أُسَامَة عَنْ رَوْح بْن عُبَادَة عَنْ سَعِيد فَقَالَ فِيهِ: " أُحُدًا أَوْ حِرَاء " بِالشَّكِّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيث بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ " حِرَاء " وَإِسْنَاده صَحِيح " (¬1). صور المخالفة عند النقاد المتقدمين وعلى رأسهم الدارقطني: وصور المخالفة تقع على أشكال متعددة وليس لها شكل محدد، فمنها ما يؤثر في صحة الخبر، ومنها لا يؤثر فيه، ولقد أجمل الإمام مسلم في كتابه التمييز صور المخالفة التي قد تطرأ على الأخبار، فقال: " فاعلم - أرشدك الله - إن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث، إذا هم اختلفوا فيه، من جهتين: أحدهما: أن ينقل الناقل حديثاً بإسناد، فينسب رجلاً مشهوراً بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم كنعمان بن راشد حيث حدث عن الزهري، فقال: عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة. ومعلوم عند عوام أهل العلم أن اسم أبي الطفيل: عامر لا عمرو. وكما حدث مالك ابن أنس عن الزهري فقال: عن عباد - وهو من ولد المغيرة بن شعبة- وإنَّما هو عباد ابن زياد بن أبي سفيان. معروف النسب عند أهل النسب وليس من المغيرة بسبيل. وكرواية معمر حين قال: عن عمر بن محمد بن عمرو بن مطعم، وإنَّما هو عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، خطأ لا شك عند نساب قريش وغيرهم ممن عرف أنسابهم. ولم يكن لجبير أخ يعرف بعمرو. وكنحو ما وصفت من هذه الجهة من خطأ الأسانيد فموجود في متون الأحاديث مما يعرف خطأه السامع الفهم حين يرد على سمعه. ¬

(¬1) الحافظ ابن حجر العسقلاني: فتح الباري (ج7/ص44)، تحت رقم (3675).

وكذلك نحو رواية بعضهم حيث صحّف، فقال: ((نَهَى النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَحّير، أَرَادَ النَّجَشْ)). وكما روى آخر، فقال: ((إنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ثَلاَثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحِرْفَةِ وَكَذَا وَكَذَا، أَرَادَ: مُلْحِداً فِي الْحَرَامِ)). وكرواية الآخر، إذ قال: ((نَهَى رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُتَخَذْ الرُّوحَ عَرَضَاً أراد: الرُّوحَ غَرَضَاً. فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد، ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ، وعارفوه في الناس أكثر. والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري، أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى مَنْ وصفنا من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظاً، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم. وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ، وخطأ المحدثين في الروايات ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك إن شاء الله " (¬1). قلتُ: فوضح لنا صور المخالفة بين الواحد والجماعة، لا سيما الزيادة والنقص، فليس كل مخالفة تَدُلُ على علةٍ في الحديث، فقد تكون هناك مسوغات مقبولة للمخالفة كحدوث الاختلاف بالزيادة أو النقصان: كالاختلاف بين الوصل والإرسال، أو بين الرفع والوقف، ثم تساوي الفريقين في الرواية من جهة الضبط والعدد، وكان هذا الراوي الْمُختلف عليه إمامٌ واسع الرواية، فيُحتمل أن يكون هذا الحديث عنده من جميع هذه الوجوه؛ لأنَّهُ حافظ وشيوخه كثيرون فتكون هذه الروايَّات كلها صحيحة عنه. ¬

(¬1) الإمام مسلم: التمييز، (170 - 172).

وقال الحافظ ابن حجر: "واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح والحسن أن لا يكون شاذاً ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والمنقول عن أئمة المحدثين المتقدمين: كابن مهدي ويحيى القطان وأحمد وابن معين وابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة، وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك " (¬1). قلتُ: وقصد الحافظ ابن حجر أنَّ حكم قبول زيادة الثقة عند النُّقاد المتقدمين ليست مطلقةٌ، كما فعل بعض المتأخرين، بل تكون تبعاً للقرائن التي تؤيد قبولها أو ردها، فيعتبر النُّقاد اختلاف الوجوه عن الشيخ دليل على اضطراب حفظه، إلا إذا قامت قرينة من غير الروايات عنه تُرَجِحُ أحد هذه الوجوه، فإذا وجدنا ما يدل على صحة أحد هذه الوجوه من دليل خارجي، غير روايات هذا الرجل حكمنا به، وإن لم نجد: نحكم بالاضطراب على هذه الرواية، وقد دل على خطئه هو مخالفته للرواة الثقات. وقال العلامة المعلمي اليماني في التنكيل: " فالاضطراب الضار أن يكون الحديث حجة على أحد الوجهين مثلاً دون الآخر، ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتد بحيث يدل أن الراوي مضطرب، الذي مدار الحديث عليه لم يضبط " (¬2). أولاً: نموذج المخالفة التي لا تؤثر على صحة الحديث ولا تُعِلَّه: وكما ذكرنا من قبل أنَّ بعض الخلاف قد لا يؤثر على صحة الحديث، وبرهان ذلك ما قرره الدارقطني في حكمه على حديث عَلِيٍّ في حكم بول الغلام والجارية. ¬

(¬1) الحافظ ابن حجر العسقلاني: نزهة النظر شرح نخبة الفكر (ص49 - 50). (¬2) المعلمي: التنكيل (ج2/ص7).

قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: عن حديث أبي الأسود الدؤلي عن علي - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَيُصَبُّ عَلَى بَوْلِ الْغُلاَمِ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه رفعه هشام بن أبي عبدالله من رواية ابنه معاذ، وعبدالصمد بن عبدالوارث، عن هشام ووقفه غيرهما، عن هشام. وكذلك رواه سعيد بن أبي عروبة، وهمام، عن قتادة موقوفا، والله أعلم " (¬2). وقال الإمام التِّرْمِذِي: " رفع هشام الدستوائي هَذَا الحَدِيْث عن قتادة وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، وَلَمْ يرفعه " (¬3). قال البزار: " هَذَا الحَدِيْث لا نعلمه يروى عن النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا من هَذَا الوجه بهذا الإسناد، وإنَّما أسنده معاذ بن هشام، عن أبيه، وَقَدْ رَواهُ غَيْر معاذ بن هشام عن قتادة، عن أبي حرب، عن أبيه، عن عَلِيّ - رضي الله عنه -، موقوفاً " (¬4). قلتُ: وقول البزار تفرد معاذ بن هشام بالرفع لَيْسَ بصَحِيْحٍ، فقَدْ تُوبِعَ معاذٌ - رضي الله عنه - على رفعه، تابعه عَبْدالصمد بن عَبْدالوارث عِنْدَ الإمام أحمد في المسند (¬5)، وبهذا يتبين لك دقة الدَّارَقُطْنِيّ حِيْنَ قال: يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، رفعه هشام بن أبي عَبْدالله من رِوَايَة ابنه معاذ وعبدالصمد بن عَبْدالوارث، عن هشام، ووقفه غيرهما عن هشام " (¬6). ¬

(¬1) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الجمعة، باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع، (ج2/ص 509)، برقم (610)، ابن ماجه: في السنن، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم، (ج1/ص 174)، برقم (525)، كلاهما من الطريق نفسه. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج4/ص 184 - 185)، سؤال رقم (495). (¬3) الترمذي: السنن، (ج2/ص 509)، برقم (610). (¬4) البزار: في مسنده (البحر الزَّخار)، (ج2/ 295). (¬5) الإمام أحمد: في المسند (ج1/ص137)، برقم (1149). (¬6) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج4/ص 184 - 185)، سؤال رقم (495).

ولا شك أنَّ الدَّارَقُطْنِيّ كان أجمع لطرق الخلاف في علل الحديث من غيره من الأئمة، وعلى الرغم من ذلك لمَّا نظَرَ في علل حديث الزّهري للذُّهْلِيّ قَالَ: " من أحبَّ أن ينظرَ ويعرفَ قصورَ علمهِ عن علم السلف فلينظرْ في علل حديث الزهري لمحمد بن يحيى " (¬1) ونقل صاحب عون المعبود عن المنذري قَالَ: " قَالَ البُخَارِيّ: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه وهشام يرفعه، وَهُوَ حافظ " (¬2). وقَالَ الحافظ ابن حجر في التلخيص: " إسناده صَحِيْح إلا أَنَّهُ اختلف في رفعه ووقفه، وَفِي وصله وإرساله، وَقَدْ رجح البُخَارِيّ صحته، وكذا الدَّارَقُطْنِيّ " (¬3). قلتُ: فهذه الرِّوَايَة الموقوفة (¬4) قد صَحّحها الأئمة، ونقل الحافظ ابن حجر عن البُخَارِيّ والدارقطني كما سبق، أنَّ الرِّوَايَةَ المرفوعة صحيحة أيضاً، وهذا يدل عَلَى أن الحَدِيْث إذا صَحَّ رفعه ووقفه، فإن الحكم عندهم للرفع، وَلاَ تضر الرِّوَايَة الموقوفة إلا إذا قامت قرائن تدل عَلَى أن الرفع خطأ، والله تعالى أعلى وأعلم. ثانياً: نموذج المخالفة التي تؤثر على صحة الحديث وتُعِلَّه: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: عن حديث القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى بردة - رضي الله عنه -، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلاَ تَسْكَرُوا)) (¬5). ¬

(¬1) الدارقطني: سؤالات أبي عبدالرحمن السلمي، طبعة دار العلوم، الرياض، تحقيق: سليمان آتش، (ص 28)، سؤال رقم (352). (¬2) محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب (ت:1329هـ): عون المعبود شرح سنن أبي داود، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1415هـ، (ج2/ص28). (¬3) الحافظ ابن حجر العسقلاني: التلخيص الحبير، طبعة المكتبة العلمية، الرياض (ج1/ص187). (¬4) أخرجها عَبْدالرزاق: في المصنف (ج1/ص381)، (1488)، من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب قال: يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام ما لم يطعم. (¬5) أخرجه النَّسائي: في السنن، كتاب الأشربة، ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر، (ج8/ص 722)، برقم (5693).

فقال - الدارقطني -: يرويه أَبُو الأَحْوَصِ، عن سِمَاكٍ، عن القاسم، عن أبيه، عن أَبِي بُرْدَةَ، واختلف عن أَبِي الأَحْوَصِ، فقال عنه سعيد بن سليمان، عن سماك عن أبي بردة عن أبيه، ووهم فيه على أبي الأحوص (¬1)، ووهم فيه أبو الأحوص على سِمَاكٍ أيضاً وإنَّما روى هذا الحديث سماك عن القاسم عن ابن بردة عن أبيه، ووهم أيضا في متنه، في قوله ولا تسكروا، والمحفوظ عن سِمَاكٍ أنَّه قال: وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي خطأ أَبِي الأَحْوَصِ - وهو ثقة من رجال الشيخين - في سند ومتن الحديث؛ لأن الحديث غير معروف عن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ بهذا الإسناد والمتن، والمحفوظ عن سِمَاك خلافه، ولم يتفرد الدارقطني بإعلال الحديث بل أعلَّه جمع من النُّقاد المتقدمين بالعلةِ نفسها منهم: أَبَو زُرْعَةَ، والنسائي، وبرهان ذلك: قَالَ عبدالرَّحمن بن أبي حاتم: وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ: أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ، وَلا تَسْكَرُوا)). قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: فوَهِمَ أَبُو الأَحْوَصِ، فَقَالَ: عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَلَبَ مِنَ الإِسْنَادِ مَوْضِعًا، وَصَحَّفَ فِي مَوْضِعٍ أَمَّا الْقَلْبُ: فَقَوْلُهُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، أَرَادَ: عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، ثُمَّ احْتَاجَ أَنْ يَقُولَ: ابْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه -، فَقَلَبَ الإِسْنَادَ بِأَسْرِهِ وَأَفْحَشَ فِي الْخَطَأ، وَأَفْحَشُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَشْنَعُ تَصْحِيفُهُ فِي مَتْنِهِ: ((اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلا تَسْكَرُوا)). وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَبُو سِنَانٍ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، وَزُبَيْدٌ الْيَامِيُّ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، وَسِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وسلمة بن كهيل كلهم عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((نَهَيْتُكُمْ عَنْ ¬

(¬1) هو سلام بن سليم الحنفى مولاهم، أبو الأحوص الكوفي (ت: 179 هـ)، ثقة متقن، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج4/ص 248). (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج6/ص26)، سؤال رقم (955).

زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلا فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ، وَلا تَشْرَبُوا مُسْكِراً)). وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ، قَالَ: ((وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ وَلَمْ يَقُلْ أَحُدٌ مِنْهُمْ: وَلا تَسْكَرُوا)). وَقَدْ بَانَ وَهْمُ حَدِيثِ أَبِي الأَحْوَصِ، مِنَ اتِّفَاقِ هَؤُلاءِ الْمُسَمَّى عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ خِلافِهِ " (¬1). وقال النَّسائي بعد هذا الحديث: " وَهَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ غَلِطَ فِيهِ أَبُو الأَحْوَصِ سَلاَّمُ بْنُ سُلَيْمٍ لاَ نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَابَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ وَسِمَاكٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَكَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كَانَ أَبُو الأَحْوَصِ يُخْطِئُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَالَفَهُ شَرِيكٌ فِي إِسْنَادِهِ وَفِي لَفْظِهِ " (¬2). قلتُ: وواضح أنَّ الإمامين أَبَا زُرْعَةَ والنَّسائي حكما نفس حكم الإمام الدارقطني على الحديث لم يتغير من إمام إلى غيره، وهو الإعلال بعلة مخالفة أبي الأَحْوَصِ جمعاً ممن رواه عن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، منهم شَرِيك بن عبدالله كما أشار إليها الإمام أحمد، والله الموفق. نتيجة هامة: - بمقارنة منهج الدارقطني في التعليل بالمخالفة، بمنهج النُّقاد المتقدمين نجد أنَّ الدارقطني كان ينهج الأسلوب والمسلك الذي سلكه النُّقاد المتقدمون، إلا أنَّه كان أوسع في جمع الطرق، وبيان العلة والترجيح بين المرويَّات من غيره. ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص1094)، برقم (1549). (¬2) النَّسائي: في السنن، كتاب الأشربة، ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر، (ج8/ص 722)، بعد حديث رقم (5693).

المبحث الثاني: قرائن التعليل الإسنادية.

المبحث الثاني: قرائن التعليل الإسنادية. وقرائن التعليل الإسنادية هي الأدلة والبراهين التي يستند إليها أئمة النُّقاد في تعليل الأحاديث من جهة الإسناد، من حيث أحوال رجاله الخاصة والعامة، وما يطرأ على الإسناد من أنواع الخلل، كالانقطاع، والتدليس، والضعف وغيرها من أسباب الطعن في الإسناد، وسوف أجتهد في هذا المبحث لتوضيح بعض هذه الأدلة والبراهين التي كان الدارقطني والنُّقاد يستندون عليها في كلامهم على الأحاديث المعلولة. المطلب الأول: قرينة ضعف الثقة في بعض شيوخه الثقات. وهذه القرينة من أدق الأدلة التي كان الدارقطني يستند عليها، وكذلك الأئمة النُّقاد في تعليلهم للأحاديث، وتظهر هذه القرينة عندما يروي أحد الثقات أحاديث عن شيوخه الثقات كذلك ولكنها تكون ضعيفة من هذا الطريق؛ لأسباب قد تكون في الراوي أو في شيخه، وسوف نضرب بعد الأمثلة التي تُظْهِر وتُوضح هذه الأدلة: المثال الأول: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: " عن حديث المقبري عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن عجلان، واختلف عنه، فرواه روح بن القاسم والليث بن سعد، وأبو عاصم النبيل، والمفضل بن فضالة، وبشر بن المفضل، وجرير، وابن جريج عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. وخالفهم الوليد بن مسلم، وصفوان بن عيسى روياه، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة. ¬

(¬1) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الاستئذان والآداب، باب التسليم عند القيام وعند القعود (ج5/ص 62)، برقم (2706)، وأبو داود: في السنن، كتاب الأدب، باب في السلام إذا قام، (ج2/ص 774)، برقم (5208) من طريق ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة نحواً منه.

ورواه هشام بن حسان، عن محمد بن عجلان (¬1) عن أبيه، عن أبي هريرة، والصواب قول من قال: عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. وكذلك رواه يعقوب بن زيد الأنصاري، عن المقبري، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني هي خطأ الوليد بن مسلم، وصفوان بن عيسى فقد رويا الحديث عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة. والصحيح الراجح كما رواه الحفاظ عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وأصل قرينة العلة هنا أنَّ ابن عجلان اختلط عليه أحاديث أبي هريرة التي سمعها من سعيد المقبري. قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: " قال أبي: بلغني عن يحيى بن سعيد قال لم يقف ابن عجلان يعني على حديث سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة فتركها فكان يقول سعيد المقبري، عن أبي هريرة ترك أباه " (¬3). وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: " قال البخاري في ترجمة ابن عجلان في الضعفاء: قال لي علي بن أبي الوزير، عن مالك: إنه ذكر ابن عجلان، فذكر خبراً. وقال البخاري: قال يحيي القطان: لا أعلم إلا أني سمعت ابن عجلان يقول: كان سعيد المقبرى يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن رجل، عن أبي هريرة، فاختلط فجعلهما عن أبي هريرة. كذا في نسختي بالضعفاء للبخاري " (¬4). ¬

(¬1) هو محمد بن عجلان القرشي، أبو عبد الله المدني (ت: 148 هـ)، صدوق، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في الشواهد، والأربعة في السنن، تهذيب التهذيب (ج9/ص 303)، قال الحافظ ابن حجر: " اختلطت عليه أحاديث أبى هريرة ". (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج10/ص389 - 390)، سؤال رقم (2074). (¬3) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال (ج1/ص350)، (658). (¬4) الذهبي: ميزان الاعتدال (ج3/ص645).

قال ابن رجب: " قال أبو عيسى- يعني الترمذي -: وإنما تكلم يحيى بن سعيد القطان عندنا في رواية محمد بن عجلان عن سعيد المقبري: حدثنا أبوبكر، عن علي بن عبد الله قال: قال يحيى بن سعيد، قال محمد بن عجلان: أحاديث سعيد المقبري بعضها عن سعيد عن أبي هريرة، وبعضها عن سعيد عن رجل عن أبي هريرة، فاختلطت عليَّ فصّيرتها عن سعيد عن أبي هريرة. وإنما تكلم يحيى بن سعيد عندنا في ابن عجلان لهذا. وقد روى يحيى عن ابن عجلان الكثير " (¬1). وقال أيضاً: "قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: كان يحيى بن سعيد لا يرضى محمد بن عجلان. قال: وسمعت يحيى بن سعيد يقول: لو جرّبت من أروى عنه لم أرو إلا عن قليل!. قال: وفي كتاب علي بن المديني قال يحيى بن سعيد: قال ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة، فاختلط عليّ فجعلته عن أبي هريرة، قال يحيى: سمعته منه أو حدثته عنه، ولا أعلم إلا أني سمعته منه. وقال أحمد: كان ثقة إلا أنه اختلط عليه حديث المقبري: كان عن رجل جعل يصيره عن أبي هريرة " (¬2). قلتُ: ولم يقتصر الاختلاط الذي حدث في حديث ابن عجلان على أحاديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، بل تجاوز ذلك إلى أحاديث سعيد المقبري عن شيوخه الأخرين عن أبي هريرة، وبرهان ذلك: ما رواه النَّسائي من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ وَمِنْ دُعَاءٍ لاَ يُرْفَع)) (¬3). ¬

(¬1) ابن رجب: شرح العلل للترمذي (ص131 - 132). (¬2) المصدر السابق: (ص133). (¬3) أخرجه النَّسائي: في السنن، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من دعاء لا يسمع، (ج8/ص 680)، برقم (5551)، من طريق ابن عجلان، عن سعيد المقبري، أبي هريرة به.

قال النَّسائي عقب هذا الحديث: " سَعِيدٌ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَلْ سَمِعَهُ مِنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " (¬1). المثال الثاني: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: " عن حديث ابن المسيب عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الرِّجْلُ جُبَارٌ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه الزهري واختلف عنه من رواية سفيان بن حسين عن الزهري عنه، فرواه محمد بن يزيد الواسطي وعباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ورواه أبو أمية الطرسوسي، عن بشر بن آدم عن عبَّاد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة جمع بينهما. وليس أبو سلمة بمحفوظ في هذا الحديث، حدثنا عبدالله بن محمد البغوي، قال: ثنا داود بن رشيد ثنا عبَّاد بن العوام، ثنا سفيان بن حسين، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الرِّجْلُ جُبَارٌ)) " (¬3). قلتُ: وأصلُ قرينة العلة التي استند عليها الدارقطني في هذا الحديث هي أنَّ سفيان بن حسين (¬4) روى هذا الحديث من طريق الزهري وهو ضعيف فيه، ثقة فيما عداه، وقال الدارقطني في السنن: " لم يتابع سفيان بن حسين على قوله: "الرِّجْلُ جُبَارٌ " وهو وهم؛ لأنَّ الثقات الذين قدمنا أحاديثهم خالفوه، ولم يَذكُروا ذلك " (¬5). ¬

(¬1) النَّسائي: في السنن، (ج8/ص 680)، بعد حديث رقم (5551). (¬2) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الديات، باب في الدابة تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا (ج2/ ص606)، برقم (4592)، والحديث ضعيف للعلة التي أشرنا إليها، والرَّجْلُ: الدابة تَنْفَحُ بِرِجْلِهَا. (¬3) أبو الحسن الدارقطني، كناب العلل (ج9 / ص 120 - 121)، سؤال رقم (1670). (¬4) هو سفيان بن حسين بن الحسن، أبو محمد، ويقال: أبو الحسن، الواسطي (ت:153هـ)، ثقة في غير الزهري، أخرج له الستة إلا البخاري في التعاليق، تهذيب التهذيب (ج4/ 96). (¬5) أبو الحسن الدارقطني: السنن، طبعة دار المحاسن، القاهرة، سنة1386هـ تحقيق: السيد عبدالله هاشم يماني المدني، (ج3/ص 152).

المطلب الثاني: قرينة ضعف الثقة في بعض البلدان.

وقال المزي في تحفة الأشراف: " وقال النَّسائي: سفيان بن حسين في الزهري ضعيف وفي غيره لا بأس به " (¬1). وقال ابن حبان: "يروى عن الزهري المقلوبات وإذا روى عن غيره أشبه حديثه حديث الأثبات، وذاك أنَّ صحيفة الزهري اختلطت عليه فكان يأتي بها على التوهم، فالإنصاف في أمره تنكب ما روى عن الزهري، والاحتجاج بما روى عن غيره " (¬2). وقال ابن عدي في الكامل: " هو في غير الزهري صالح الحديث كما قال ابن معين، ومن الزهري يروي عنه أشياء خالف فيها الناس من باب المتون ومن الأسانيد (¬3). وقال الحافظ ابن حجر: " قال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: ثقة في غير الزهري " (¬4). قلتُ: فظهر أنَّ قرينة ضعف الثقة في بعض شيوخه الثقات من أهم القرائن التي كان يعتمد عليها النُّقاد في كلامهم على الأحاديث وتعليلها، مما قد يفيد الباحث في تتبع هذه القرائن ومعرفة الأسباب والمعايير التي بنى عليها النُّقاد أحكامهم في الأحاديث المعلولة. المطلب الثاني: قرينة ضعف الثقة في بعض البلدان. وهذه القرينة من الأدلة المهمة التي كان الدارقطني يَسْتَنِد عليها، وكذلك الأئمة النُّقاد في تعليلهم للأحاديث، وهذه القرينة تظهر عندما يروي أحد الثقات أحاديث قوم أو بلد معين، وهو غير حافظ لحديثهم، ويرجع ذلك لأسباب قد تطرأ على الراوي أو مرويَّاته، مثل إسماعيل بن عياش وهو شامي إذا حدث عن الشاميين كان صحيحاً، وإذا حدث عن غيرهم كان ضعيفاً، ومثل معمر بن راشد البصري ضعيف في أهل الكوفة والبصرة، وخالد بن مخلد ¬

(¬1) يوسف بن عبدالرحمن بن الزكي المزي (ت:742هـ): تحفة الأشراف، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت سنة 1403هـ، تحقيق: عبدالصمد شرف الدين، (ج13/ص 375). (¬2) ابن حبان: المجروحين (ج1/ص358). (¬3) ابن عدي: الكامل في الضعفاء (ج3/ص 415). (¬4) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج4/ 96).

القَطَواني صحيح في أهل المدينة، ضعيف في غيرها (¬1)، وهكذا تكون هذه المؤشرات دلالات واضحة لتعليل الحديث، وسوف نأخذ نموذج يوضح ذلك: المثال: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: " عن حديث الأسود، عن عمر - رضي الله عنه -: ((كَانَ رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يرويه إسماعيل بن عياش (¬3)، عن عبدالملك بن حميد بن أبي غنية عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وخالفه إبراهيم النخعي رواه، عن الأسود، عن عمر قوله غير مرفوع، وهو الصحيح" (¬4). قلتُ: وقرينة العلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنَّ إسماعيل بن عياش روى هذا الحديث عن عبدالملك بن حميد بن أبي غنية وهو كوفي (¬5)، وإسماعيل بن عياش ضعيف في غير الشاميين، كما قال جمع من أئمة النقد، وقد نقل ذلك الحافظ ابن رجب في شرح العلل فقال: " إذا حدث عن الشاميين فحديثه عنهم جيد وإذا حدث عن غيرهم فحديثه مضطرب، هذا مضمون ما قاله الأئمة فيه، منهم أحمد، ويحيى، والبخاري، وأبو زُرْعَةَ " (¬6). ¬

(¬1) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص420 - 421). (¬2) هو إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة الحمصي (ت: 181 أو 182 هـ)، صدوق فى روايته عن أهل بلده، مخلط فى غيرهم، أخرج له الأربعة، تهذيب التهذيب (ج1/ص 280). (¬3) أخرجه الدارقطني: في السنن، (ج1/ص299 - 300)، من طريق الأسود عن عمر موقوفاً. (¬4) أبو الحسن الدارقطني، كناب العلل (ج2/ص141 - 142)، سؤال رقم (165). (¬5) هو عبدالملك بن حميد بن أبى غنية الخزاعي الكوفي (ت:؟)، ثقة من الطبقة السابعة، من كبار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج6/ ص 349). (¬6) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص420).

وقال ابن حبان في المجروحين: " عن ابن أبى شيبة قال: سمعت يحيى بن معين وذكر عنده إسماعيل بن عياش فقال: كان ثقة فيما يروى عن أصحابه أهل الشام، وما روى عن غيرهم يخلط فيه " (¬1). وقال الذهبي في الميزان: " وقال البخاري: إذا حَدَّث عَنْ أَهْلِ بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر " (¬2). وقد أشار كذلك النُّقاد المتقدمون في مصنفاتهم لهذه القاعدة الخاصة بحديث إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عَيَّاشٍ في غير بلده، فقال عبدالرَّحمن بن أبِي حاتم: " وَسَمِعْتُ أَبِي، وَذَكَرَ حَدِيثَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه -، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((لا يَقْرَا الْجُنُبُ وَلا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ)) (¬3). فَقَالَ أَبِي: هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ (¬4). قلتُ: وقرينة العلة التي أشار إليها الدارقطني هي أنَّ إسماعيل بن عياش روى هذا الحديث عن مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وهو مدني (¬5)، وقد سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث فأنكره فقال: " سألت مُحمدًا عن حديث إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله: ((لا تَقْرَا الْحَائِضُ ولا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ))، فقال لا أعرفه من حديث ابن عقبة وإسماعيل بن عياش منكر الحديث عن أهل الحجاز وأهل العراق " (¬6). ¬

(¬1) ابن حبان البُستي: المجروحين (ج1/ص125). (¬2) الذهبي: ميزان الاعتدال (ج1/ص241)، ترجمة رقم (923). (¬3) أخرجه ابن ماجه على الوجه المعلول: في السنن، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، (ج1/ص 236) برقم (131)، من الطريق نفسها. (¬4) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص265)، رقم (116). (¬5) موسى بن عقبة بن أبى عياش القرشي، أبو محمد المدني (ت:141 هـ)، ثقة، من الطبقة الخامسة من صغار التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج10/ ص321). (¬6) الترمذي: ترتيب علل الترمذي الكبير (ج1/ص19).

المطلب الثالث: قرينة ضعف الثقة في بعض الأحوال.

وقد أيَّد هذا الحكم الإمام أحمد لما سئل عن الحديث نفسه، فقال عَبْدُاللهِ بْن أحمد بن حنبل: " سَألت أبِي عَنْ حديث حدثناه الفضل بن زياد الذي يقال له الطسي، قال حدثنا إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يَقْرَا الْجُنُبُ وَلا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ)). فَقَالَ أَبِي: هذا باطل أنكره على إسماعيل بن عياش، يعني أنَّه وهم من إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ " (¬1). قلتُ: فظهر بذلك مدى أهمية ودقة قرينة ضعف الثقة في بعض البلدان، وكيف كان النُّقادُ يعتمدون على التعليل بها، ولاشك أنَّ معرفة ذلك للباحث في مناهج المتقدمين من أهم المهمات للوقوف على القرائن المعتمدة عند أهل النقد. المطلب الثالث: قرينة ضعف الثقة في بعض الأحوال. وهذه القرينة من أدق وأهم الأدلة التي كان الدارقطني يستند عليها، وكذلك الأئمة النُّقاد في تعليلهم للأحاديث، وتحدث هذه القرينة عندما يكون الراوي الثقة قوياً وثبتاً في الرواية في أحوال معينة دون غيرها، كالمختلطين لهم أحكام من روى عنهم قبل الاختلاط ومن روى عنهم في زمن الاختلاط، أو كمن احترقت كتبه له حكمان كذلك، وغيرها من الأحوال التي قد تدل على خلل في الراوي أو المرويَّات، ولذا اهتم المؤرخون بمثل هذه الأحداث وأَرَّخُوا لها، ليتمكن النُّقاد من معرفة أحوال الرجال وبالتالي الحكم على الأحاديث والآثار، وسوف أجتهد في توضيح ذلك بضرب الأمثلة الآتية: المثال الأول: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: " عن حديث روي عن أبي عبدالرحمن السلمي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ ذَكَرَ الله عَزَّ وَجَلَّ فِي نَفْسِهِ ذَكَرَهُ اللهُ فِي ¬

(¬1) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج3/ص381)، سؤال رقم (5675).

نَفْسِهِ، وَمَنْ ذَكَرَ اللهَ فِي مَلأ)) (¬1)، الحديث وفيه تقرب إلى الله ... الحديث. فقال - الدارقطني -: يرويه عطاء بن السائب، واختلف عنه فرواه جرير، عن عطاء عن أبي عبدالرحمن، عن أبي هريرة، وخالفه حماد بن سلمة، فرواه عن عطاء بن السائب عن سلمان الأغر (¬2)، عن أبي هريرة. هذا من عطاء بن السائب؛ لأنَّه اختلط في آخر عمره " (¬3). قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي: اختلاط عطاء بن السائب في آخر عمره، وثبت أنَّ جرير، وحماد بن سلمة سمع منه بآخرٍ، وأبو عبدالرحمن وهو عبد الله ابن حبيب السلمي، ولم يرجح الدارقطني رواية جرير وهو ابن عبدالحميد بن قرط، ولا رواية حماد بن سلمة؛ لأن جرير وحماد سمعا من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، قال أبو سعيد العلائي: " وذكر العقيلي أن حماد بن سلمة ممن سمع منه بعد الاختلاط. قال ابن القطان: وكذلك جرير وخالد بن عبد الله وابن علية وعلي بن عاصم وبالجملة أهل البصرة فإنَّ أحاديثهم عنه مما سمع بعد الاختلاط لأنَّه قدم عليهم في آخرة عمره" (¬4) وقال أيضاً: " وثقه أحمد بن حنبل مطلقاً، وأحمد بن عبدالله العجلي وقال: من سمع منه بأخرةٍ فهو مضطرب الحديث. منهم: هشيم، وخالد بن عبدالله " (¬5). ¬

(¬1) أخرجه أبو عبدالله الحاكم: في المستدرك (ج4/ص275)، برقم (7625)، من طريق جرير، عن عطاء، عن أبي عبدالرحمن، عن أبي هريرة وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي في التلخيص، قلتُ: بل ليس بصحيح؛ فإنَّ جرير ممن سمع منه بآخرة عمره. (¬2) هو سلمان الأغر، أبو عبد الله المدني، مولى جهينة (ت:؟)، ثقة من الطبقة الثالثة، الوسطى من التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج4/ ص122). (¬3) أبو الحسن الدارقطني، كناب العلل (ج8/ص287 - 288)، سؤال رقم (1574). (¬4) العلائي: خليل بن كيكلدي بن عبدالله، صلاح الدين أبو سعيد العلائي (ت:761 هـ)، المختلطين، طبعة مكتبة الخانجي، بالقاهرة سنة 1996م، (ص28) ترجمة رقم (33). (¬5) المصدر السابق: (ص28) ترجمة رقم (33).

المثال الثاني: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -:" عن حديث روي عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة: ((لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة عنه، واختلف عنه فرواه مسعر عنه موقوفاً، واختلف عن المسعودي فرفعه عنه قوم، ووقفه وكيع عنه، وقيل عن ابن عيينة عن مسعر مرفوعاً ولا يثبت " (¬2). قلتُ: وقرينة العلة التي أشار إليها الدارقطني هي: أنّ المسعودي وهو عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة الكوفي (¬3)، اختلط قبل موته، وكان ممن سمع منه قبل الاختلاط وكيع ابن الجراح، فالقوم الذين رفعوا الحديث عن المسعودي أخطئوا في رفعه، وقد رجَّح الدارقطني الموقوف. قَالَ عبدُاللهِ بن أحمد بن حنبل: " سمعت أبي يقول سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديما وأبو نعيم أيضا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة فسماعه جيد " (¬4). وقال ابن رجب في ترجمة المسعودي: " وأما يزيد بن هارون وحجاج ومن سمع منه ببغداد في الاختلاط إلا من سمع منه بالكوفة يعني أن سماع من سمع منه بالكوفة صحيح، ¬

(¬1) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله، (ج4/ص 171)، برقم (1633)، وقال: " حديث حسن صحيح "، وأخرجه غيره. (¬2) أبو الحسن الدارقطني، كناب العلل (ج8/ص336)، سؤال رقم (1606). (¬3) عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود الكوفي (ت: 160 وقيل 165 هـ)، صدوق اختلط قبل موته، وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الأربعة والبخاري تعليقاً، تهذيب التهذيب (ج6/ ص190). (¬4) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج1/ص 325)، سؤال رقم (575).

ومن سمع منه ببغداد كيزيد بن هارون، وحجاج فهو بعد الاختلاط " (¬1). ولقد علّل النُّقاد قبل الدارقطني أحاديث بعلة تغير الأحوال منهم الأئمة: أحمد بن حنبل والبخاري، والترمذي وغيرهم في مصنفاتهم، وسنضرب بعضاً منها على سبيل المثال: المثال الأول: قَالَ الترمذي: "حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد الرزاق عن مَعْمر عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - قال: ((كَانَ لِنَعِلِ رسُول اللهِ قِبَالاَنِ (¬2)) (¬3). سألت مُحمدًا - يعني البخاري -: عن هذا الحديث فلم يعرفه، قال: قلتُ كيف صالح مولى التوأمة (¬4)؟، قال: قد اختلط في آخر أمره من سمع منه قديماً سماعه مقارب وابن أبي ذئب ما أرى أنه سمع منه قديماً يروي عنه مناكير " (¬5). قلتُ: والعلة التي صرح بها البخاري وهي اختلاط صالح مولى التوأمة في آخر أمره، وقد رواه عنه ابن أبي ذئب وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط، فصار هذا الإسناد معلول بهذه العلة، وإلا فمتن الحديث صحيح أخرجه البخاري وأصحاب السنن، والله الموفق. المثال الثاني: قال البزار: " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ، رَجُلٍ مِنْهُمْ، عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالأُذُنِ. ¬

(¬1) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص399 - 400). (¬2) أَي زِماما القِبال: وهو السير الذي يكون بين الإِصبعين، لسان العرب (ج11/ص 534). (¬3) أخرجه الطبراني على الوجه المعلول: في المعجم الكبير (ج1/ص219)، برقم (596). (¬4) صالح بن نبهان، أبو محمد المدني، مولى التوأمة (ت: 125 أو 126 هـ)، صدوق اختلط، من الطبقة الرابعة، أخرج له الأربعة إلا النَّسائي، تهذيب التهذيب (ج4/ ص 355). (¬5) الترمذي: ترتيب علل الترمذي الكبير (ج1/ص107).

قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: نَعَمِ الْعَضَبُ النِّصْفُ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ" (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها البزار هي اختلاط سعيد بن أبي عروبة قبل موته، وقد ثبت أنَّ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ سمع منه بعد الاختلاط، قال الحافظ ابن رجب: " قال أبو نعيم الفضل بن دُكَين: كتبت عن سعيد، جاء ابن أبي عدي إلى ابن أبي عروبة بآخره يعني وهو مختلط " (¬2). وقد أرَّخ الإمام أحمد لتاريخ الاختلاط فقَالَ عبدُاللهِ بن أحمد: " قال أبي ومن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل الهزيمة فسماعه جيد ومن سمع بعد الهزيمة (¬3)، كأن أبي ضعفهم. فقلت له: كان سعيد اختلط؟ قال: نعم، ثم قال من سمع منه بالكوفة مثل محمد بن بشر، وعبدة فهو جيد، ثم قال قدم سعيد الكوفة مرتين قبل الهزيمة " (¬4). قلتُ: وليس كل من اختلط أو تغير حاله أرَّخ له النُّقاد، بل يوجد بعض ممن طرأ على حاله الاختلاط أو التغير، ولم يحدد النُّقاد تاريخ ذلك التغير، إلا إنَّ لهم مؤشرات أخري يعتمدون عليها لتحديد من سمع قبل الاختلاط، ومن سمع بعده، وبنهاية هذا المطلب ينتهي مبحث القرائن الإسنادية، يظهر لنا أهمية معرفة أحوال الرواة عند الدارقطني والنُّقاد المتقدمين، والله الموفق. ¬

(¬1) الإمام البزار: المسند (البحر الزَّخار)، (ج1/ص496)، رقم (875). (¬2) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص397). (¬3) قال الإمام أحمد: في العلل ومعرفة الرجال (ج1/ص 163) "وكانت الهزيمة في سنة خمس وأربعين ومائة "، قلتُ: فيكون بداية الاختلاط من سنة (145هـ)، فمن سمع بعدها فلا يثبت حديثه، ومن سمع من سعيد بن أبي عروبة قبلها فحديثه صحيح مقبول. (¬4) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج1/ص 163)، سؤال رقم (86).

نتائج هامة: - بمقارنة منهج الدارقطني في استعمال القرائن الإسنادية بغيره من أئمة النقد المتقدمين نجده لا يختلف كثيراً عنهم، فإنَّه كثيراً ما كان يستند للقرائن والدلائل التي كان النُّقاد يستعملونها في إعلال المرويَّات من جهة الإسناد. - ولا شك أنَّ قرائن التعليل الإسنادية كثيرة ومتعددة، ولا يمكن حصرها إلا بعد جهد كبير وسبر لأقوال الأئمة النُّقاد، ودراسة الدلائل التي كانوا يستندون عليها ولم أرَ أنَّ أحداً جمع مثل هذا في مصنف واحد، والله أعلم. - إنَّ دراسة أحوال الرواة من أهم الوسائل والدلالات لمعرفة العلل الكامنة في الآثار والأخبار، ولقد اهتم النُّقاد بتحقيق وتحديد أنواع الخلل الذي قد يطرأ على الرواة والمرويّات، لاستخراج الأدلة على بطلان الأخبار الضعيفة والمكذوبة.

المبحث الثالث: قرائن التعليل المتنية.

المبحث الثالث: قرائن التعليل المتنية. وقرائن التعليل المتنية هي الأدلة والبراهين التي كان يستند إليها أئمة النُّقاد في تعليل الأحاديث من جهة المتن، ولقد اهتم النُّقاد بالكلام على علل متون الأحاديث كاهتمامهم بعلل الإسناد، ولم يقتصر اهتمامهم على فحص الأسانيد ودراستها، بل تجاوز ذلك إلى دراسة المتون ونقدها، واستخراج الدلالات على ضعف المتن ونكارته تبعاً لقواعد ثابتة وقرائن، بخلاف زعم المستشرقين الذين قالوا: أنَّ نُّقاد الحديث لا يهتمون بنقد المتون، وسوف نثبت بالأدلة الواضحة إن شاء الله فساد هذا الزعم، والله هو الهادي سبحانه. المطلب الأول: قرينة مخالفة الحديث للسُنّة الثابتة المشهورة. لقد اهتم النُّقاد بقرينة مخالفة الحديث للسنة الصحيحة الثابتة المتفق عليها بين الأئمة، ولقد أعلّ الدارقطني بهذه القرينة جملة أحاديث نذكر منها بعض الأمثلة: المثال الأول: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: عن حديث القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى بردة - رضي الله عنه -، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلاَ تَسْكَرُوا)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه أَبُو الأَحْوَصِ، عن سِمَاكٍ، عن القاسم، عن أبيه، عن أَبِي بُرْدَةَ، واختلف عن أَبِي الأَحْوَصِ، فقال عنه سعيد بن سليمان، عن سماك عن أبي بردة عن أبيه، ووهم فيه على أبي الأحوص (¬2)، ووهم فيه أبو الأحوص على سِمَاكٍ أيضاً وإنَّما روى هذا الحديث سماك عن القاسم عن ابن بردة عن أبيه، ووهم أيضاً في متنه، في قوله ولا تسكروا، والمحفوظ عن سِمَاكٍ أنَّه قال: وكل مسكر حرام " (¬3). ¬

(¬1) أخرجه النَّسائي: في السنن، كتاب الأشربة، ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر، (ج8/ص 722)، برقم (5693). (¬2) هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم، أبو الأحوص الكوفي (ت: 179 هـ)، ثقة متقن، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج4/ص 248). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج6/ص26)، سؤال رقم (955).

قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي مخالفة أَبِي الأَحْوَصِ الثقات في متن الحديث؛ لأنَّ الحديث غير معروف عن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ بهذا الإسناد والمتن، والمحفوظ عن سِمَاك أنَّه قال: وكل مسكر حرام، فخالف المشهور الثابت من الأحاديث، وهذه القرينة كثيراً ما يعلّ بها النُّقاد الأحاديث، وهي من أظهر القرائن، والله أعلم. المثال الثاني: قَالَ الدارقطني في العلل: " وحدَّثَ الحسن بن بسطام الأيلي من حفظه عن ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد فخلط في متنه. قال: عن يحيى بن سعيد، عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((جَاءَكُم أَوْ أَظَلَكُمْ شَهْرُ رَمَضّانَ افْتَرَضَ اللهُ عَلَيكُمْ صِيَامَهُ، وَسَنَنْتُ عَلَيكُمْ قِيَامَهُ فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ ...)) الحديث حَدَّثَنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، قال: حدثنا محمد بن منصور الطوسي والعباس بن محمد قالا: ثنا إبراهيم بن أبي العباس، قال: أخبرنا أبو أويس، عن الزهري أخبرني أبو سلمة وحميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنَّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (¬1) " (¬2). قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني هي مخالفة المتن المعلول لمتن الحديث المتفق عليه: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))، وهو المحفوظ عن الثقات، وبهذه القرينة أُعلّ الحديث. وقد أعلَّ النُّقاد بدلالة هذه القرينة جملة من الأحاديث نذكر منها بعض النماذج: ¬

(¬1) متفق عليه: أخرجه البخاري في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان (ج4/ص292)، برقم (2009)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي)، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، (ج3/ص295)، برقم (759)، كلاهما من طريق مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة به. (¬2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج9/ص231)، سؤال رقم (1731).

المثال الأول: قَالَ صَالِحُ بْنُ أحمد بن حنبل: " قال: حدثني أبي، قال: أنبأنا الوليد ابن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة - رضي الله عنه -: ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ)) (¬1). قال أبي - يعني أحمد بن حنبل - فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن مهدي فذكر، عن ابن المبارك، عن ثور، قال: حدثت عن رجاء، عن كاتب المغيرة، ولم يذكر المغيرة، قال أبي: ولا أرى الحديث يثبت وقد روى عن سعد وأنس أنهما مسحا أعلى الخفين" (¬2). قال الترمذي: "وَهَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ لَمْ يُسْنِدْهُ عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح؛ لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء بن حيوة قال: حدثت عن كاتب المغيرة مرسل عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْمُغِيرَةُ - رضي الله عنه - " (¬3). قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الإمام أحمد هي مخالفة المتن المعلول للمتن المتفق عليه من حديث المغيرة في مسح أعلى الخفين وليس أسفله، فظهرت علة الحديث. المثال الثاني: قَالَ ابن عَدى في الكامل: " قال البخاري: فذكر نحوَ هذا الكلام سمعت أحمد بن حفص السعدي يقول: قيل لأحمد بن حنبل رحمة الله عليه (يعني وهو حاضر) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَلاَ يَصَوْمَ أَحَدٌ حَتَّى يَصَوْمَ رَمَضَانُ)) (¬4). ¬

(¬1) أخرجه الترمذي على الوجه المعلول: في السنن، كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين أعلاه وأسفله (ج1/ص 162)، برقم (97)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الطهارة، باب في المسح أعلى الخف وأسفله، (ج1/ص 183)، برقم (550)، بإسناد ضعيف. (¬2) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد (ج2/ص135). (¬3) الترمذي: السنن (ج1/ص 162)، بعد حديث رقم (97). (¬4) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان، (ج3/ص 115)، برقم (738)، وأبو داود: في السنن، كتاب الصوم، باب في كراهية ذلك، (ج1/ص 713)، برقم (2337)، وابن ماجه: في السنن، كتاب الصوم، باب ما جاء في النهي عن أن يتقدم رمضان بصوم إلا من صام صوما فوافقه، (ج1/ص 528)، برقم (1651)، ثلاثتهم وغيرهم من طريق الْعَلاَءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نحواً منه.

المطلب الثاني: قرينة أن الحديث لا يشبه كلام النبوة.

قَالَ: ذَاكَ أي ضَعِيفٌ، ثم قال: حديث العلاء كان يرويه وكيع عن أبي العميس، عن العلاء، وابن مهدي فكان يرويه ثم تركه، قيل عن من كان يرويه؟، قال: عن زهير ثم قال: ((إنَّ رسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ)) " (¬1). وقَالَ أَبو دَاود: " وَكَانَ عَبْدُالرَّحْمَنِ - يعني ابن مهدي - لاَ يُحَدِّثُ بِهِ قُلْتُ: لأَحْمَدَ لِمَ قَالَ لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ))، وَقَالَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلاَفَهُ. قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الإمام ابن مهدي وهي مخالفة المتن المعلول لمتن الحديث الثابت المشهور: ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ))، فوضحت كيفية إعلال الأئمة بهذه القرينة، وهي من أقوى الدلائل التي كانوا يستندون إليها في إعلال المرويَّات من جهة المتن، ولقد أكثر الأئمة النُّقاد من استعمال هذه القرينة في مصنفات العلل، وصرحوا بها في مواضع ليست بقليلة، فظهر بوضوح بطلان قول المستشرقين السالف الذكر. المطلب الثاني: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه كلام النبوة. لقد اهتم النُّقاد بقرينة عدم مشابهة الحديث أو الخبر كلام النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وهذه القرينة لا تأتي إلا بعد طولِ باعٍ في معرفة الحديث وأهله، وتمييز قول النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ من قول غيره، فإنهم إذا وجدوا حديثاً لا يشبه كلام النّبُوةِ، وكان ظاهر الإسناد الصحة حكموا عليه بالبطلان، أو بالنكارة، أو ذكروا له علة ما كعدم السماع أو غيرها من العلل التي غالباً ما يكون الخلل منها في الحديث. قال ابن رجب في شرح العلل: ومن ذلك: أنهم يعرفون الكلام الذي يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، من الكلام الذي لا يشبه كلامه. ¬

(¬1) ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال، (ج3/ص218)، ترجمة رقم (714).

قال ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه: " تُعْلَم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون مثله كلام النّبُوةِ، ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم " (¬1). ولقد أعلّ الدارقطني بهذه القرينة أحاديث قليلة نذكر نموذجاً منها: المثال: قَالَ البرقاني في العلل وسئل - الدارقطني -: " عن حديث ابن المسيب، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النَّّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((قَالَ مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يَامَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَا بَاسَ بِهِ وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ قَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ)) (¬2). فقال - الدارقطني -: يَرْوِيه سَعِيد بْن بَشِير، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ، فَرَوَاهُ عُبَيْد بْن شَرِيك عَنْ هِشَام بْن عَمَّار عَنْ الْوَلِيد عَنْهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، وَوَهَمَ فِي قَوْله قَتَادَةُ، فَغَيْره يَرْوِيه عَنْ هشام فَيَقُول: عَنْ الزُّهْرِيِّ، بَدَل قَتَادَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَحْمُود بْن خَالِد وَغَيْره عَنْ الْوَلِيد. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ الْمَحْفُوظ قيل للشيخ أبي الحسن فَإِنَّ الْحُسَيْن بْن السَّمَيْدَع رَوَاهُ عَنْ مُوسَى بْن أَيُّوب عَنْ الْوَلِيد عَنْ سَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ الزُّهْرِيِّ؟ فَقَالَ: غَلَط، بَلْ هُوَ اِبْن بَشِير " (¬3). وقال ابن أبي حاتم في العلل: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ؛ رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((أَيُّمَا رَجُلٍ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ يَامَنُ أَنْ يَسْبِقَ)). قَالَ أَبِي - يعني أبي حاتم -: هَذَا خَطَأٌ، لَمْ يَعْمَلْ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ بِشَيْءٍ، لا يشبه أن يكون عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وأحسن أحواله أن يكون عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قوله، وقد رَوَاهُ يَحْيَى بْن سَعِيد، ¬

(¬1) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص496). (¬2) أخرجه الإمام أحمد: في المسند (ج2/ص505) برقم (10564) من طريق سفيان بن حسين عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به، والحديث ضعيف معلول. (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج9/ص161)، سؤال رقم (1692).

المطلب الثالث: قرينة أن الحديث لا يشبه حديث فلان.

عَنْ سَعِيد قوله " (¬1). قلتُ: والعلة التي أشار إليها الدارقطني قد صرح بها أبو حاتم: فقال: "، لا يشبه أن يكون عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم "، وقد ذكر الدارقطني رواية سفيان بن حسين عن الزهري وأنها المحفوظة أي المشهورة بين الحفاظ، ولا يعني أنها صحيحة بل أشار إلى وجه العلة في الحديث من هذه الجهة، وهي أنَّ الطريق الأخرى ضعيفة وغير مشهورة. فإنَّ أهل العلم يضعفون سفيان بن حسين في الزهري كما سبق بيانه، وهي قرينة العلة التي أعلَّ بها الدارقطني الحديث، وطريق ابن بشير ضعيفة، فقد قال ابن معين في سعيد بن بشير: " ليس بشئ "، وضعفه أحمد والنَّسائي، وقال ابن نُمَيرٍ: "منكر الحديث ليس بشئ" (¬2)، فدل ذلك على أنَّ الحديث معلول ولا يصح من الوجهين، والله أعلم. المطلب الثالث: قرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه حديث فلان. وهذه القرينة من أشهر وأقوى القرائن والدلالات التي اعتمد عليها الدارقطني والنُّقاد في تعليل الأحاديث، وقد أثبت التاريخ بهذه القرينة أروع القصص مما يدل على اصطفاء الله لهذه الأمة، فحفظ الله الدين بهؤلاء الأفذاذ الذين قلَّ أن يجود بهم الزمان، فكانوا كالجبال الشُّمِ في حفظهم وإتقانهم لمتون حديث رسُول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابنُ رجب: قاعدةٌ مهمةٌ: حُذّاق النقادِ من الحفّاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فَهْمٌ خاصٌ يفهمون به أنَّ هذا الحديثَ يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديثَ بذلكَ، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره، وإنّما يرجعُ فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم، كما سبق ذكره في غير موضع " (¬3). ¬

(¬1) ابن أبي حاتم: كتاب العلل (ص1525)، رقم (2249). (¬2) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج4/ص9). (¬3) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص488).

ولقد أعلّ الدارقطني بهذه القرينة أحاديث قليلة نذكر منها بعض الأمثلة: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الرِّكَازُ الذَّهَبُ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ)) (¬1). فقال - الدارقطني -: يَرويه حبان بن علي (¬2)، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهو وهم؛ لأنَّ هذا ليس من حديث الأعمش ولا من حديث أبي صالح، وإنَّما يرويه رجل مجهول عن آخر عن أبي هريرة " (¬3). المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)) (¬4). فقال - الدارقطني -: هو حديث يرويه عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. ووهم فيه، وتابعه على ذلك أشعث بن عبد الملك الحمراني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة من رواية صلة بن سليمان عنه، وأشعث من الثقات الحفاظ ولكن صلة ضعيف الحديث، وكذلك روي عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وسلمة من الثقات الحفاظ لم يرو عنه غير محمد بن أبي الشمال ولم يكن بالقوي، وكلها وهم على ابن سيرين؛ لأنَّ هذا ليس من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة؛ لأنَّ أيوب ¬

(¬1) أخرجه أبو يعلى الموصلي من وجه آخر: في المسند طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1998م (ج6/ص 356)، برقم (6474)، من طريق عبدالله بن سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة به. (¬2) هو حبان بن على العنزي، الكوفي (ت:271هـ) ضعيف، تهذيب التهذيب (ج2/ص 151). (¬3) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج10/ص123)، سؤال رقم (1911). (¬4) أخرجه الإمام أحمد على وجه آخر صحيح: في المسند (ج2/ص390)، برقم (7707)، من طريق عبدالرزاق قال: قال معمر أخبرني الزهري عن بن المسيب عن أبي هريرة نحواً منه، وقال في لفظه: " لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ يَعْنِي الْوُرُودَ "، بَدَلاً من " أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ ".

السختياني، وهشام بن حسان، ويحيى بن عتيق وغيرهم من الحفاظ الأثبات رووه عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني مرسلاً، عن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (¬1) قلتُ: وقرينة العلة التي صرح بها الدارقطني في هذا المثال أنّ الحديث ليس من حديث محمد بن سيرين، والبرهان أنَّه محفوظ عند الثقات الأثبات برواية غيره، وإنَّما رواه ابن سيرين، عن عبيدة السلماني مرسلاً، فظهر استعمال الدارقطني لقرينة أنَّ الحديثَ لا يشبه حديث فلان. ولقد أعلّ النُّقاد المتقدمون بهذه القرينة جملة أحاديث نذكر منها بعض الأمثلة: المثال الأول: قال عَبْدُاللهِ بن أحمد بن حنبل: " سمعته يقول سعد بن سنان تركت حديثه ويقال سنان بن سعد حديثه حديث مضطرب، وسمعته مرة أخرى يقول يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه أحاديث أنس " (¬2). قال ابن رجب تعليقاً على نص الإمام أحمد: " ومراده أنَّ الأحاديث التي يرويها عن أنس مرفوعة، إنَّما تشبه كلام الحسن البصري أو مراسيله. وقال الجوزجاني: " أحاديثه واهية لا تشبه أحاديث النَّاس عن أنس " (¬3). المثال الثاني: قال عبدالله بنِ أحمد: " سمعتُ رَجُلاً يقولُ ليحيى- ابن معين -: تحفظُ عن عبدِالرزاق، عن مَعْمَر، عن أبي إسحَاق، عن عَاصِم بنِ ضَمْرةَ، عن علي - رضي الله عنه -، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أَنَّه مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ))؟ فَقَالَ: باطلٌ، ما حدّثَ به مَعْمَر قَط. سمعتُ يحيى - ابن معين - يقول: عَليهِ مائةُ بَدَنة مُقلدة مُجَللة إنْ كَانَ مَعْمَر حَدّثَ بهذا قَط، هذا باطل، ولو حدّثَ بهذا عبدُالرزاق كَانَ حَلالَ الدّم، مَنْ حدّثَ بهذا عن عبد الرزاق؟، قالوا له: فلانٌ. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل (ج8/ص124 - 125)، سؤال رقم (1450) (¬2) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج2/ص 517)، سؤالات رقم (3409، 3410). (¬3) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص489).

قالَ أبو عبدالرحمن - عبدالله بن أحمد بن حنبل -: وهذا الحديثُ يَرْوونَهُ عن إسرائيلَ عن عَمْرو بنِ خَالد، عن زَيد بنِ علي، عن آبائه، عن علي: ((أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ)) وعَمْرو بنُ خَالد لا يسوي حديثه شيئاً " (¬1). المثال الثالث: قال البرذعي قال لي أبو زرعة: " خالد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما ". قال: وقال لي أبو حاتم: ... " أخاف أن يكون بعضها مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان " (¬2). قال ابن رجب شارحاً قول أبي حاتم: " ومعنى ذلك أنَّه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان فوجده يشبهه، ولا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهم فخاف أن يكون أخذا حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان ودلساه عن شيوخهما " (¬3). وبنهاية هذا المبحث نكون قد انتهينا من الفصل الأول من الباب الرابع بفضل الله ومعونته سبحانه وتعالى، وبهذا نكون قد استعرضنا بعض قرائن التعليل الدقيقة، والدلالات التي كان نقاد الحديث يستعملونها في إعلال المرويَّات، ولا يشك عاقل فضلاً عن عالم بأمور هذا الشأن أنَّ هناك ثَمَّ قرائن تعليل أخرى كثيرة لم تذكر في هذا الفصل، وأظن أنها لو جُمِعَت بمفردها لكانت عدة مجلدات كبيرة، وإنَّما اجْتَهَدتُ في استخراج منهج الدارقطني منها مقارناً بمنهج النقاد المتقدمين؛ لنلتمس طريقة القوم في استعمالهم للدلائل والأسباب التي بنوا عليها أحكامهم في تعليل الأخبار. ¬

(¬1) الإمام أحمد: العلل ومعرفة الرجال، (ج3/ص16)، سؤالات رقم (3944،3945). (¬2) أبو زرعة عبيدالله بن عبد الكريم بن يزيد الرازي (ت: 264 هـ): الضعفاء وأجوبة أبي زُرْعَة الرَّازي على سؤالات البرذعي، طبعة الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى سنة 1402هـ، (ج2/ص 362). (¬3) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص492 - 493).

نتائج هامة: - بمقارنة منهج الدارقطني في استعماله قرائن التعليل المتنية، بمنهج النُّقاد المتقدمين نجد أنّ الدارقطني كان ينهج الأسلوب والمسلك الذي سلكه القوم، إلا أنه كان يصرح بالعلَّة أحياناً ويُرجح، وكان لا يخرج عن منهج النُّقاد المتقدمين. - من الملاحظ أنَّ غالب النُّقاد يستعملون قرائن التعليل المتنية، للدلالة على سببٍ قادح في الحديث، وبيان بطلانه من جهة المتن وإن كان ظاهر السند الصحة. - المستقرئ لمنهج النُّقاد المتقدمين يجد منهم غاية في الإتقان والمعرفة، ودقة الأمانة العلمية، لإثبات الرواية الصحيحة وإن جاءت من الضعيف، وفي المقابل تقرير الوهم أو الخطأ في الرواية وإن جاءت من الحفاظ الكبار.

الفصل الثاني المتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني وفيه: مبحثان. المبحث الأول: المتابعات وأثرها في الترجيح. المطلب الأول: تعريف المتابعات لغة واصطلاحاً. المطلب الثاني: أثر المتابعات في الترجيح عند النُّقاد والإمام الدرقطني. المبحث الثاني: القرائن وأثرها في الترجيح. المطلب الأول: قرائن الترجيح بالأحفظ. المطلب الثاني: قرينة الترجيح بالأقوى والأثبت في الشيوخ. المطلب الثالث: قرائن الترجيح بتحديد التاريخ.

الفصل الثاني المتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني

الفصل الثاني المتابعات والقرائن وأثرهما في الترجيح عند الإمام الدارقطني تمهيد إنَّ دراسة قَرائن االترجيح عند النُّقاد المتقدمين من أهم المباحث في علل الحديث، فهي بمثابة الثمرة الناضجة من الشجرة الطيبة في معرفة العلل، وبها يعرف مصير الأخبار، وهي الدلائل التي يرجح بها النُّقاد بين المرويَّات، فيعرف الغث من السمين، ولا يخفى على أحد أهمية معرفة تلك القرائن، كالمتابعات والشواهد وغيرهما، وقد فرَّق قوم من أهل العلم بينهما فخصوا الشاهد بمجيئ الحديث من جهة صحابي آخر، والمتابعة بما يأتي من جهة غير الصحابة. قال الحافظ ابن حجر: " وخَصَّ قومٌ المُتابعةَ بما حَصَلَ باللَّفظِ، سواءٌ كانَ مِن روايةِ ذلك الصَّحابيِّ أَم لا، والشاهدَ بما حصلَ بالمَعنى كذلك. وقد تُطْلَقُ المُتابعةُ على الشَّاهدِ وبالعكسِ، والأمرُ فيهِ سَهْلٌ " (¬1). وحقيقة الأمر أنَّ غالب استعمال النُّقاد المتقدمون للفظةِ "المتابعة" على كل هذه المعاني، ولا فرق بين المتابعة والشاهد عندهم كما فعل المتأخرون، بل قد يطلقون المتابعة على الشاهد والعكس، ولا شك أنَّ هناك ثَمَّ قرائن ترجيح أخرى كثيرة استعملها النُّقاد في ترجيح المرويَّات، ولذا سأُحَاول في هذا الفصل استعراض بعض هذه القرائن التي كان الدارقطني والنُّقاد المتقدمون يستعملونها، وبيان أثرها في الترجيح عندهم بالأمثلة التطبيقية والله الموفق سبحانه لا رب سواه. ¬

(¬1) ابن حجر العسقلاني: نزهة النظر شرح نخبة الفكر، (ص55).

المبحث الأول: المتابعات وأثرها في الترجيح.

المبحث الأول: المتابعات وأثرها في الترجيح. المطلب الأول: تعريف المتابعات لغةً واصطلاحاً وحكمها: أولاً: تعريف المتابعة لغة: والمتابعة من تَتَبُّعِ الشئ بمعنى: اتَّبَعْت وتَبِعْت تَبَعاً وتَباعةً، قال ابن منظور في اللسان: " (تبع) تَبِعَ الشيءَ تَبَعاً وتَباعاً في الأَفعال وتَبِعْتُ الشيءَ تُبوعاً سِرْت في إِثْرِه واتَّبَعَه وأَتْبَعَه وتتَبَّعه قَفاه وتَطلَّبه مُتَّبعاً له، وكذلك تتَبَّعه وتتَبَّعْته تتَبُّعاً، قال القُطامي: وخَيْرُ الأَمْرِ ما اسْتَقْبَلْتَ منه ... وليس بأَن تتَبَّعَه اتِّباعا وضَع الإتِّباعَ موضع التتبُّعِ مجازاً، قال: سيبويه تتَبَّعَه اتِّباعاً لأَن تتَبَّعْت في معنى: اتَّبَعْت وتَبِعْت القوم تَبَعاً وتَباعةً بالفتح إِذا مشيت خلفهم، أَو مَرُّوا بك فمضَيْتَ معهم، وفي حديث الدعاء: ((تابِعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم عَلَى الْخَيْرَاتِ))، أَي اجْعَلْنا نَتَّبِعُهم على ما هم عليه والتِّباعةُ مثل التَّبعةِ والتِّبعةِ. قَالَ الشَّاعِرُ: أَكَلَت حَنِيفةُ رَبَّها زَمَنَ التقَحُّمِ والمَجاعهْ ... لم يَحْذَرُوا من ربِّهم سُوء العَواقِبِ والتِّباعهْ لأَنهم كانوا قد اتخذوا إِلهاً من حَيْسٍ فعَبَدُوه زَماناً ثم أَصابتهم مَجاعة فأَكلوه وأَتْبَعه الشيءَ جعله له تابعاً وقيل أَتبَعَ الرجلَ سبقه فلَحِقَه وتَبِعَه تَبَعاً واتَّبَعه مرَّ به فمضَى معه. وفي التنزيل في صفة ذي القَرْنَيْنِ: {ثُمَّ اتَّبَع سَبَبَاً} بتشديد التاء ومعناها تَبِعَ وكان أَبو عمرو بن العلاء يقرؤُها بتشديد التاء وهي قراءة أَهل المدينة، وكان الكسائي يقرؤُها {ثُمَّ أَتبع سَبَبَاً} بقطع الأَلف أَي لَحِقَ وأَدْرك " (¬1). ¬

(¬1) ابن منظور: لسان العرب، (ج8/ص27)، مادة (تبع).

ثانيا: تعريف المتابعة اصطلاحا وحكمها

ثانياً: تعريف المتابعة اصطلاحاً وحكمها: ومعنى المتابعة في الاصطلاح مطابق لمعناها في اللغة، وهي موافقة الراوي برواية الحديث عن شيخه، أي مشاركة الراوي في شيخِهِ، بنقل الحديث نفسه أو معناه، ولا يشترط في المتابعة ثقة الْمُتَابع، بل تُقْبَل حتى ولو كان ضعيفاً ضعفاً مُحتملاً. قال ابن الصلاح: " ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده بل يكون معدوداً في الضعفاء. وفي كتاب البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به " (¬1). وقال الحافظ ابن حجر: " وَما تقدَّم ذِكرُه مِن الفَرْدِ النِّسْبِيِّ؛ إِنْ وُجِدَ - بعدَ ظَنِّ كونِه فَرْداً - قد وافَقَهُ غيرُهُ، فهُو المُتابِعُ، بكسرِ الباءِ الموحَّدةِ. والمُتابَعَةُ على مراتِبَ: لأنَّها إِنْ حَصَلَتْ للرَّاوي نفسِهِ؛ فهِي التَّامَّةُ. وإِنْ حَصَلَتْ لشيخِهِ فمَنْ فوقَهُ؛ فهِيَ القاصِرةُ. ويُستفادُ منها التَّقويةُ " (¬2). وقال ابن الصلاح في معرفةُ الاعتبار والمُتَابعات والشَّوَاهد: " هذه أُمور يتداولها أهل الحديث يتعرَّفُونَ بها حال الحديث ينظرون هل تفرَّد به رَاويه أم لا؟، وهل هو معروف أو لا؟. وذكر أبو حاتم محمد بن حبان التميمي الحافظ رحمه الله أنَّ طريق الاعتبار في الأخبار مثاله أن يَرْوي حمَّاد بن سلمة حديثًا لم يُتَابع عليه , عن أيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هُرَيْرة عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ , فيُنْظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيُّوب عن ابن سِيرين فإن وجد علم أنَّ للخبر أصلاً يرجع إليه، وإن لم يُوجد , فثقة غيرُ ابن سِيرين عن أبي هُرَيْرة , وإلاَّ فصَحَابي غير أبي هُرَيْرة - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أي ذلكَ وُجِدَ عُلِمَ أنَّ لهُ أصْلاً يُرجع إليه , وإلاَّ فلا " (¬3). ¬

(¬1) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص110) (¬2) ابن حجر العسقلاني: نزهة النظر، (ص53 - 54). (¬3) العراقي: التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، (ص109).

قلتُ: وما ذكره ابن الصلاح في مقدمته عن ابن حبان يُظهر منهج النُّقاد المتقدمين وكيفية اعتبارهم بالمتابعات والشواهد، مما يثبت أنَّ نظرتهم للمرويَّات كانت شاملة المتن والسند على السواء، وليس كل شاهد أو متابعة تقبل، ولكن يجب أن يتوفر بها شروط منها: صحة سند هذه المتابعة إلى المتابع، وأن لا تكون معلولة أو ثبت خطأ الراوي فيها وغيرها من الدلائل التي تبين أنَّ لهذه المتابعة أصل حتى يعتد بها، ولقد أسرف الناس في هذا العصر بالاعتداد بأي متابعة كانت، ويطيرون بها كل مطار، وظنَّ هؤلاء أنَّ قواعد هذا الفن مطردة مثل الرياضيات، فهم يطبقون القاعدة على كل أثر وخبر، فهم يحسبون كل سوادٍ تمرة، وكل بياضٍ لبن. وليس كذلك فإنَّ لكل حديث ظروفاً خاصةً تختلف عن الآخر، ولقد سبق بيان أنَّ النُّقاد المتقدمين لم يكن لهم قاعدة مطردة في ذلك، يستعملونها دائماً في نقد المرويَّات، بل كان لهم في كل حديث فهم خاص، ونقد مختلف تبعاً لحال الرواية والمروي. كما بيَّن ذلك الإمام مُسْلِم في التمييز، فقال: " فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا - وإن كَانَ من أحفظ الناس وأشدهم توقياً وإتقاناً لما يحفظ وينقل إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله " (¬1). وَقَالَ الترمذي: " وإنَّما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنَّه لَمْ يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم " (¬2). وكذلك قول ابن رجب: " وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه " (¬3). ¬

(¬1) الإمام مسلم: التمييز، (ص 124). (¬2) الإمام الترمذي: علل الترمذي الصغير آخر جامعه، (ج6/ص240). (¬3) ابن رجب: شرح علل الترمذي، (ص272 - 273).

المطلب الثاني: أثر المتابعات في الترجيح عند النقاد والإمام الدرقطني

المطلب الثاني: أثر المتابعات في الترجيح عند النُّقاد والإمام الدرقطني: لا يخفى على مشتغلٍ بهذا الفن فضلاً على الباحث في علوم الحديث الأهمية البالغة للمتابعات والشواهد في الترجيح بين الروايات المختلفة، ولقد كان أهل الحديث وجهابذة النُّقاد يتهافتون على تلك المتابعات والشواهد؛ وكأنها اللؤلؤ والمرجان، حيث يتقوى بها الحديث المحتمل الضعف، أو تفرد راوٍ عن شيخه لا يحتمل، وخلافه من الأسباب التي قد يحتاج إليها النَّاقد للترجيح، ومعرفة الصواب في هذه المرويَّات، فلا يحتاج إليها إلا عند الحاجة. ولقد بذل أهل الحديث كل غالٍ ونفيسٍ للحصول على تلك المتابعة أو ذلك الشاهد الذي يترجح به كفة رواية على رواية، أو زوال شبهة الخطأ والوهم عن رواية راوٍ، أو ترجيح زيادة متن على نقصانه، وغيرها من أساليب الترجيح بين المرويَّات المختلفة وسوف نضرب بعض الأمثلة التي توضح استعمالهم للمتابعة في الترجيح، والله الموفق. المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث نعيم بن ربيعة، عن عمر - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ((حين جاءه رجل يسأله عن قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}، فقال عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلاَءِ لِلْجَنَّةِ ...)) (¬1) فقال - الدارقطني -: يرويه زيد بن أبي أنيسة عن عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد ابن الخطاب، عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة، عن عمر. حدث عنه كذلك يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي وجود إسناده ووصله. وخالفه مالك بن أنس فرواه، عن زيد بن أبي أنيسة، ¬

(¬1) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب تفسير القرآن، باب سورة الأعراف، (ج5/ص266)، برقم (3075)، وأبو داود: في السنن، كتاب السنة، باب في القدر، (ج2/ص639)، برقم (4703)، كلاهما من طريق زيد بن أبي أنيسة أنَّ عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أنَّ عمر بن الخطاب به تاماً، الآية في سورة الأعراف رقم (172).

ولم يذكر في الإسناد نعيم بن ربيعة وأرسله، عن مسلم بن يسار عن عمر. وحديث يزيد بن سنان متصل وهو أولى بالصواب والله أعلم، وقد تابعه عمر بن جعثم فرواه عن زيد بن أبي أنيسة كذلك قاله بقية بن الوليد عنه " (¬1). قلتُ: هذا الحديث يرويه زيد بن أبي أنيسة، واختلف عليه في الإسناد على وجهين: 1. رواه عنه يزيد بن سنان (¬2) مسنداً موصولاً، أي: عن مسلم بن يسار، عن نعيم ابن ربيعة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 2. ورواه عنه مالك بن أنس لم يذكر في الإسناد نعيم بن ربيعة بين مسلم بن يسار، ... وعمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم رجح الدارقطني أنَّ الأولى بالصواب الوجه الثاني من رواية يزيد بن سنان، بسبب متابعة عُمر بن جُعْثُم وهو القرشي الحمصي (¬3) ليزيد بن سنان في شيخه زيد بن أبي أنيسة متابعة تامة (¬4). وبهذا الترجيح أعلَّ الدارقطني الحديث، حيث إنَّ الوجه الأول فيه علتان: ضَعْف يزيد ابن سنان، والانقطاع بين مسلم بن يسار، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد أشار إلى ذلك الإمام الترمذي فقال: " هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ ومسلم بن يسار لَمْ يَسْمَعْ من عمر وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج2/ص221 - 223)، سؤال رقم (235). (¬2) هو يزيد بن سنان بن يزيد التميمي الجزري، أبو فروة الرهاوي (ت:155هـ)، ضعفه أحمد، وقال: أبو حاتم محله الصدق، وقال البخاري: مقارب الحديث، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج11/ص 293)، قلتُ: ومثلُ هذا ضعفه محتمل يتقوى بمتابعة غيره له. (¬3) قال الحافظ ابن حجر: مقبول تقريب التهذيب (ج1/ص713)، قلتُ: يعني عند المتابعة. (¬4) أخرج هذه المتابعة أبو داود: في السنن كتاب السنة، باب في القدر، (ج2/ص639)، برقم (4703)، من طريق بقية قال: حدثني عُمر بن جُعْثُم القُرشي قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبدالحميد بن عبدالرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال كنت عند عمر بن الخطاب به.

في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رَجُلاً مَجْهُولاً " (¬1). وأما الوجه الثاني الموصول ففيه نعيم بن ربيعة (¬2) مجهول لم يرو عنه إلا مسلم بن يسار الجهني، ولم يوثقه إلا ابن حبان، فظهر صنيع الدارقطني بهذه المتابعة كقرينة ترجيح لإثبات صواب الوجه الثاني وبالتالي علة الحديث، والله الموفق سبحانه. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد - رضي الله عنه -، عن النَّبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لاَ يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ حَزَنٍ وَلاَ نَصَبٍ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ عَنهُ مِنْ خَطَايَاهُ)) (¬3). فقال - الدارقطني -: يرويه محمد بن عمرو عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، حدث به عنه الوليد بن كثير ومحمد بن إسحاق وأسامة بن زيد، واختلف عنه، فرواه يحيى القطان ووكيع وعبيد الله بن موسى وغيرهم عن أسامة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. رواه عبدالله بن وهب عن أسامة فقال: عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، زاد في الإسناد محمد بن عمرو بن حلحلة. ووهم فيه، والصحيح قول يحيى القطان ومن تابعه. وكذلك رواه إسماعيل بن جعفر وعقيل بن خالد، وعيسى بن عبد الله العدوي، وليث ابن أبي سليم عن محمد بن عمرو عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وهو الصواب. ¬

(¬1) الترمذي: في السنن، كتاب تفسير القرآن، باب سورة الأعراف، (ج5/ص266)، بعد حديث رقم (3075). (¬2) هو نعيم بن ربيعة الأزدي (ت:؟)، من الطبقة الثانية من كبار التابعين، أخرج له أبو داود هذا الحديث، روى عنه مسلم بن يسار، ولم يوثقه إلا ابن حبان، تهذيب التهذيب (ج 10/ص 413). (¬3) متفق عليه: أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض (ج10/ص120)، برقم (5641،5642)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي)، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، (ج8/ص372)، برقم (2573)، نحواً منه.

وفي حديث الوليد بن كثير عن أبي هريرة وأبي سعيد جميعاً " (¬1). قلتُ: هذا الحديث يرويه مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، واختلف عليه علي وجهين: 1. رواه عنه جماعة منهم يحيى القطان ووكيع وعبيدالله بن موسى، فقالوا: عن أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. 2. ورواه عنه عبدالله بن وهب، فقال: عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، زاد في الإسناد محمد بن عمرو بن حلحلة. ثُمَّ رَجَّح الدارقطني الوجه الأول، حيث فيه جمع كثير تابع بعضهم بعضاً، وعلى رأسهم يحيى القطان وهو إمام ثبت، وقد تابعه جمع منهم وكيع، وعبيدالله بن موسى وغيرهم، فصارت زيادة محمد بن عمرو بن حلحلة في الإسناد هذا خطأ من عبدالله بن وهب، وأصل هذا الوهم أنَّ الحديث له إسناد أخر صحيح فيه رواية مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أخرجه البخاري كما أشرنا سالفاً، فاختلط ذلك على عبدالله بن وهب، والله أعلم، وعلى كلٍّ فقد ظهر كيف استفاد الدارقطني بالمتابعات في ترجيح الرواية الصحيحة. وقد استعمل الأئمة النُّقاد المتابعات في ترجيح المرويَّات وسنضرب هنا بعض الأمثلة منها: قال ابن أبي حاتم في العلل: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو: ((أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَدَّثَهُم ذَاتَ لَيْلَةٍ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يَقُمْ فِيهَا إِلاَ إِلَى عُظْمِ صَلاَةٍ)) (¬2). ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج11/ص251 - 252)، سؤال رقم (2268). (¬2) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج4/ص437)، برقم (19938)، وهي متابعة هشام الدستوائي من طريق معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي حسان عن عبد الله بن عمرو به.

قَالَ أَبِي: يروي هَذَا الحديث أَبُو هلال (¬1)، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حسان (¬2)، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حصين عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وحديث عَبْدِاللهِ ابْنِ عَمْرو أشبه؛ لأنّهُ قد تابعه هشام الدستوائي، وعمرو بن الحرث " (¬3). قلتُ: وأصلُ العلةِ التي أشار إليها أبو حاتم هي: أنَّ أبا هلال روى الحديث من طريق حَسَنِ بْنُ مُوسَى، وَعَفَّانَ قَالاَ: أَنْبَأَنَا أَبُو هِلاَلٍ، قَالَ عَفَّانُ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، وَقَالَ حَسَنٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَن أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُنَا عَامَّةَ لَيْلِهِ عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ لاَ يَقُومُ إِلاَ لِعُظْمِ صَلاَةٍ)) (¬4). وقد خالفه سَعِيدُ بْنِ بَشِيرٍ (¬5) في الإسناد فقال: عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ومعلوم أنَّ أبا هلال صدوق فيه لين، وسَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ قد ضعفه أحمد ووثقه آخرون، فكأنَّ الوجهين متساويان في الدرجة والمرتبة، فلا يمكن ترجيح أحد الأوجه إلا أنَّ يأتي متابع لأحدٍ منهما، ثُمَّ جاء هشام الدستوائي (¬6) فتابع سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حسان عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو أخرجه الإمام أحمد كذلك كما ذكرنا سالفاً، فظهر أنَّ الوجه الأول مرجوح، والثاني راجح، وهو ما رجحه أبو حاتم بقوله: " وحديث عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرو أشبه؛ لأنّهُ قد ¬

(¬1) وهو محمد بن سليم، أبو هلال الرَّاسبي البصري (ت: 167 هـ)، صدوق فيه لين، من الطبقة السادسة، أخرج له الأربعة في السنن والبخاري تعليقاً، تهذيب التهذيب (ج 9/ص 173). (¬2) وهو مسلم بن عبدالله، أبو حسان الأعرج الأحرد، البصري (ت: 130 هـ)، صدوق رمى برأي الخوارج، أخرج له الستة إلا البخاري تعليقاً، تهذيب التهذيب (ج 12/ص 63). (¬3) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص467)، سؤال رقم (451). (¬4) أخرجه الإمام أحمد: في المسند، (ج4/ص554)، برقم (20004). (¬5) سبق ترجمته، تهذيب التهذيب (ج 4/ص 8). (¬6) وهو هشام بن أبى عبد الله: سنبر الدستوائي، أبو بكر البصري، الربعي وقيل الجحدري (ت: 154 هـ)، ثقة ثبت من الطبقة السابعة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج 11/ص 40).

تابعه هشام الدستوائي، وعمرو بن الحرث". وذلك؛ لأنَّ هشام الدستوائي أوثق من أبي هلال. المثال الثاني: قال البخاري في الجامع الصحيح: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ حَدَّثَنَا شَاذَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِالْعَزِيزِ. قال الحافظ في الفتح: " وَكَأَنَّ البُخَارِي أَرَادَ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَة إثبات الطريق إلى عبدالعزيز ابن أبي سلمة؛ لأَنَّ عَبَّاسًا الدَّوْرِيّ رَوَى هذا الحديث عن شَاذَان فَقَالَ: " عَنْ الْفَرَج بْن فَضَالَة عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ نَافِع " فَكَأَنَّ لِشَاذَان فِيهِ شَيْخَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ " (¬1). قلتُ: وهذا دأب البخاري في جامعه كله، فإنَّهُ يأتي بالرواية التي قد تكون فيها شبهة عدم السماع مثلاً، ثم يأتي بمتابعة ليثبت السماع على مذهبه المشهور، وقد أخذ البخاري هذا عن شيوخه منهم شيخ شيوخه يحيى بن سعيد القطان، فإنَّه كان ينكر على همام بن يحيى العَوْذِي حديثه فلمَّا تابعه معاذ بن هشام الدستوائي سكت عنه، نقل هذا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فقال: " قال: عمر بن شبة قال: سمعت عفان يقول: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه، فلمَّا قدم معاذ بن هشام نظرنا في كتبه فوجدناه يوافق هماما في كثير مما كان يحيى ينكره عليه فكف يحيى بعد عنه " (¬2) فظهر لك كيف كان منهج الأئمة النُّقاد في استعمال المتابعة وأثرها في ترجيح المرويَّات، لم يختلف فيهم أحد في طريقة الترجيح بالمتابعات، والله أعلم. ¬

(¬1) البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان (ج7/ص67 - 68)، بعد حديث برقم (3697). (¬2) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل (ج9/ 108).

المثال الثالث: قال الحافظ ابن حجر في النكت: " ومن ذلك ما رواه من طريق هشيم عن يزيد بن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلْيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالْمَاءُ لَهُ طِيبٌ)) (¬1). قال - يعني الترمذي -: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. قلتُ - ابن حجر -: وهشيم موصوف بالتدليس، لكن تابعه عنده أبو يحيى التيمي. وللمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره رضي الله تعالى عنهم " (¬2). قلتُ: وهكذا قوى الحافظ ابن حجر الحديث الضعيف بسبب عنعنة هشيم وهو ابن بشير أبو معاوية السُلمي (¬3)، وهو ثقة ثبت كثير التدليس، بمتابعة أبي يحيى التيمي (¬4) وهو ضعيف، فظهر لك أثر المتابعة في تقوية الحديث عند النُّقاد وهو مسلك اتخذه أهل الحديث على اختلاف مذاهبهم. وبنهاية هذا المطلب ينتهي مبحث المتابعات وأثرها في الترجيح، وقد ظهر جلياً أثر المتابعات في الترجيح عند الدارقطني والنُّقاد المتقدمين، وأنَّ منهج النُّقاد في تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد واحد لم يختلف من إمام لغيره، وقد ظهر لك أنَّ الدارقطني وغيره من النُّقاد كانت نظرتهم للحديث في النقد شمولية من جهتي السند والمتن على السواء، وليس من جانب الإسناد ورجاله فحسب. ¬

(¬1) أخرجه الترمذي: في السنن، كتاب الجمعة، باب ما جاء في السواك والطيب يوم الجمعة (ج2/ص 407)، برقم (528) قال الترمذي: " حديث البراء حَدِيثٌ حَسَنٌ ورواية هشيم أحسن من رواية إسمعيل بن إبراهيم التيمي وإسمعيل بن إبراهيم التيمي يضعف في الحديث ". (¬2) الحافظ ابن حجر العسقلاني: النكت الظراف، (ج1/ص77). (¬3) هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية (ت: 183 هـ)، ثقة ثبت كثير التدليس من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج11 /ص 53). (¬4) إسماعيل بن إبراهيم الأحول، أبو يحيى التيمي الكوفي (ت:؟)، ضعيف من الطبقة الثامنة من الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له الترمذي وابن ماجه، تهذيب التهذيب (ج1/ص 245 - 246).

المبحث الثاني: القرائن وأثرها في الترجيح.

المبحث الثاني: القرائن وأثرها في الترجيح. المطلب الأول: قرائن الترجيح بالأحفظ: سبق وأن ذكرنا أنَّ منهج الدارقطني والنُّقاد في ترجيح المرويَّات قد يكون بقرينة الأحفظ للرواية والمتقن لها، وتعد هذه القرينة من أشهر القرائن التي كان يستعملها النُّقاد للدلالة على صحة الرواية، أو إعلال وجه من الوجوه، أو ترجيح زيادة على نقصان أو العكس وغيرها، والجدير بالذكر أنَّ هذه القرائن متعددة وكلها تدل على أنَّ الراوي قد حفظ الحديث وضبطه، فمثلاً كونه أعلم الناس بحديث فلان، أو أنَّ في حديثه قصة يسردها قبل المتن كسبب رواية الحديث وهكذا، فإنَّ هناك عدة قرائن تدل دلالة واضحة وقوية على أنَّ الراوي قد حفظ ذلك المروي، وضبطه ضبطاً لا شك فيه، وسنعرض هنا بعض النماذج التي توضح كيفية استعمال الدارقطني والنُّقاد لهذه القرينة في الترجيح: المثال الأول: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث المقبري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَحُدَّهَا وَلاَ يُعَيِّرْهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدَهَا، ثُمَّ لِيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ " (¬1). فقال - الدارقطني -: يرويه عبيدالله بن عمر، واختلف عنه، فرواه معتمر بن سليمان، وأبو أسامة، وعبدالله بن نمير عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة. واختلف عن محمد بن عبيد الطنافسي، فرواه عنه جماعة، فقالوا: عن عبيدالله عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة بمتابعة الأموي، ورواه آخرون بمتابعة معتمر ومن وافقه، لم يذكروا فيه أبا سعيد المقبري. وكذلك رواه عبدالعزيز بن جريج، وأيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية، وأسامة بن زيد، ¬

(¬1) متفق عليه: أخرجه البخاري على الوجه الصحيح في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب البيوع، باب بيع العبد الزاني (ج4/ص425)، برقم (2152)، ومسلم في الجامع الصحيح (بشرح النووي)، كتاب الحدود، باب رجم اليهود، وأهل الذمة في الزنا، (ج6/ص226)، برقم (1703)، كلاهما عن اللَّيْثُ بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة نحواً منه.

وعبدالرحمن بن إسحاق، وابن أبي ذئب، ومحمد بن عجلان، وعبدالله بن عمر العمري وأبو معشر. وخالفهم اللَّيْثُ بن سعد وهو أحفظ الجماعة عن المقبري. ورواه عن المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وهو المحفوظ؛ لأنَّ الليث بن سعد ضبط عن المقبري ما رواه عن أبي هريرة، وما رواه عن أبيه عن أبي هريرة " (¬1). قلتُ: هذا الحديث مداره على سعيد بن أبي سعيد المقبري كيسان، واختلف عليه علي وجهين: 1. رواه عنه جماعة ثقات أثبات منهم ابن جريج، وإسماعيل بن أمية (¬2)، وابن أبي ذئب وغيرهم، فقالوا: عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة مرفوعاً، لم يذكروا فيه أبا سعيد المقبري. 2. وخالفهم اللَّيْثُ بن سعد (¬3) فرواه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً. ثُمَّ رَجَّح الدارقطني الوجه الثاني، حيث إنَّ اللَّيْثُ بن سعد أحفظ الناس بحديث سعيد ابن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة، وقد ضبط ما رواه سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، وما رواه عن أبيه عن أبي هريرة، وهذه قرينة الأحفظ للحديث، فعلى الرغم من أنَّ جمعاً من ثقات قد خالفوه، كانت روايةُ اللَّيْثِ بن سعد هي الصواب ورواية غيره خطأ، مما يظهر أمانة ودقة الدارقطني في ترجيحه بين المرويَّات، ومن هنا يُعلم سر إخراج البخاري ومسلم للحديث من طريق اللَّيْثِ بن سعد، وليس من طريق غيره بسبب العلة التي ذكرها ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج10/ص378)، سؤال رقم (2063). (¬2) إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي (ت: 144 هـ)، ثقة ثبت، من الطبقة السادسة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج1/ص 247). (¬3) اللَّيْثُ بن سعد بن عبدالرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري (ت: 175 هـ)، ثقة ثبت فقيه إمام، من الطبقة السابعة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج8/ص 412).

الدارقطني هنا في بقية الأوجه الأخرى، وهو الخطأ الذي طرأ على الإسناد فيها بإسقاط أبي سعيد المقبري من الإسناد، والله هو الهادي إلى سواء السبيل. المثال الثاني: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث الأحنف بن قيس عن أبي بكرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا)) (¬1). فقال - يعني الدارقطني -: يرويه الحسن البصري عن الأحنف واختلف عنه فرواه أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وهشام بن حسان، ومعلى بن زياد عن الحسن عنه واختلف عن يونس وهشام فروي، عن حماد بن زيد عنهما، عن الحسن عن الأحنف، وخالفه أبو خلف عبدالله بن عيسى ومحبوب بن الحسن فرواه عن يونس عن الحسن عن أبي بكرة، وخالفه أيضا في روايته عن هشام الثوري وزائدة، فروياه عن هشام عن الحسن عن أبي بكرة، وكذلك قال أبو الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد عن هشام. ولعل حماد إنَّما جمع بين أيوب وهشام ويونس في الإسناد على حديثيهما على إسناد حديث أيوب فذكر فيه الأحنف وهما لا يذكرانه، ورواه قتادة ومعروف الأعور، وجسر ابن فرقد عن الحسن عن أبي بكرة. ولم يذكروا فيه الأحنف، والصحيح حديث أيوب حدث به عنه حماد بن زيد ومعمر " (¬2). قلتُ: ومن القرائن التي جعلت حديث أيوب الذي حدث به حماد بن زيد، ومعمر بن راشد راجحاً ومحفوظاً أنَّ حديث أيوب فيه قصة سؤال الأحنف بن قيس أبي بكرة رضى الله عنه، وهي ¬

(¬1) أخرجه البخاري على الوجه الصحيح: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب الديات، باب قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا ...}، (ج12/ص226)، رقم (6875)، بلفظ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)). (2) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج7 / ص 162 - 164)، سؤال رقم (1276). (¬2) ابن حجر العسقلاني: هدي الساري (مقدمة فتح الباري)، (ص 490).

دليل على أنَّ صاحب الرواية قد حفظ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: " إذا كان في الحديث قصة دل على أن راويه حفظه، والله أعلم " (¬1). لقد رجَّح النُّقاد المتقدمون بهذه القرائن عدة أحاديث نذكر منها نموذجاً علي سبيل المثال: قال ابن أبي حاتم في العلل: " سألتُ أبي وأبا زُرْعَةَ، عن حديثٍ، رواه يحيى بن آدم عن الحسن بن عياش، عن ابن أَبْجَر عن الأسود عن عمر: ((أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيهِ فِي أَوْلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لاَ يَعُودُ))، هل هو صحيح؟ أو يَرْفَعُهُ حديث الثوري عن الزبير بن عدي عن إِبراهيم عن الأسود عن عمر: ((أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيهِ فِي افْتِتَاحِ الْصَّلاَةِ حَتَى تَبْلغُا مِنْكَبَيهِ)) فقط؟، فقالا سفيان أحفظ، وقال أبو زُرْعَةَ هذا أصح، يعنى حديث سفيان عن الزبير ابن عدي عن إِبراهيم عن الأسود عن عمر " (¬2). قلتُ: والعلة التي أشار إليها ابن أبي حاتم هنا هي الأثر ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من طريق الحسن بن عياش (¬3) وهو ثقة بلفظ: " أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيهِ فِي أَوْلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لاَ يَعُودُ "، وهذا مخالف الأحاديث الصحيحة الواردة في رفع اليدين عند الركوع وبعده. وقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر الرواية: " قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فهذا عمر لم يكن يرفع يَدَيْهِ أَيْضًا إلاَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، فَإِنَّ مَدَارَهُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَهُوَ ثقة حجة ذكر ذلك يحيى بن معين عنه انتهى، وَاعْتَرَضَهُ الْحَاكِمُ: بِأَنَّ هذه رواية شاذة لا يقوم بها حجة ولا تعارض بها الأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَنْ طَاوُسٍ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ ¬

(¬1) (¬2) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص 354 - 355)، مسالة رقم (256). (¬3) الحسن بن عياش بن سالم الأسدي مولاهم الكوفي (ت: 172 هـ) (أخو أبى بكر بن عياش)، صدوق، من الطبقة الثامنة، من الوسطى من أتباع التابعين، أخرج له: مسلم والترمذي والنَّسائي، تهذيب التهذيب (ج2/ص 270).

المطلب الثاني: قرينة الترجيح بالأقوى والأثبت في الشيوخ

يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ، وروى هذا الحديث سفيان الثوري عن الزبير بن عدي به ولم يذكر فيه: لَمْ يَعُدْ، ثم رواه الحاكم وعنه البيهقي بسنده عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرِ، انْتَهَى. " (¬1). فقول أبي حاتم وأبي زُرْعَةَ: " سفيان أحفظ "، يدل على أنَّهما رجحا رواية سفيان الثوري عن الزبير بن عدي به ولم يذكر فيه: " لَمْ يَعُدْ "، واعتبرت هذه اللفظة معلولة كما أشار إلي شذوذها الحاكم في النص السابق، مما يظهر كيف كان الأئمة النُّقاد يستدلون بقرينة الأحفظ للرواية من غيره، وقد تكلف قوم الجمع والرواية خطأ في الأصل فلا يصح الجمع بين ما هو ثابت صحيح، وبين رواية لم تثبت، والله أعلم. المطلب الثاني: قرينة الترجيح بالأقوى والأثبت في الشيوخ: تعتبر قرينة الترجيح بالأقوى في الشيخ من أهم وأشهر القرائن التي اعتمد عليها الدارقطني والنُّقاد المتقدمين في الترجيح بين المرويَّات؛ وذلك لأنَّ الرواة ليسوا على مرتبة واحدة في الضبط والإتقان عن الشيخ ولاسيما إذا كان الشيخ مكثراً، فالرواةُ يتفاوتون في ملازمة الشيخ، فمنهم من يلازم الشيخ مدة طويلة، وقد سمع الحديث مرراً واستوعب حديثه، ومنهم من لم يسمع الحديث إلا مرة واحدة، ولم يلازم الشيخ إلا مدة يسيرة، لذا اهتم النُّقاد بهذه القرينة في الترجيح وأثبتوا طبقات الرواة عن الشيوخ والمفاضلة بينهم. وقد قَسَّم النُّقاد الرواة عن الزهري مثلاً إلي خمسِ طبقاتٍ، قال الحافظ أبو بكر الحازمي: " وهو أن نعلم مثلا أنَّ أصحاب الزهري على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة وهو مقصد البخاري، والطبقة الثانية شاركت الأولى في التثبت إلا أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة ¬

(¬1) عبدالله بن يوسف أبو محمد الحنفي الزيلعي (ت: 707): نصب الراية لأحاديث الهداية، طبعة دار الحديث، مصر، سنة 1357هـ، تحقيق: محمد يوسف البنوري، (ج1/ص294).

للزهري حتى كان فيهم من يزامله في السفر ويلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزهري إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الأولى وهم شرط مسلم. ثُمَّ ذكر الثالثة والرابعة والخامسة وهي ضعيفة. ثم مثل لطبقات الرواة فقال: الطبقة الأولى: بيونس بن يزيد، وعقيل بن خالد الأيليين، ومالك بن أنس، وسفيان ابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة. والطبقة الثانية بالأوزاعي، والليث بن سعد، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر، وابن أبي ذئب. والطبقة الثالثة نحو جعفر بن برقان، وسفيان بن حسين، وإسحاق بن يحيى الكلبي. والطبقة الرابعة نحو زمعة بن صالح، ومعاوية بن يحيى الصدفي، والمثنى بن الصباح. والطبقة الخامسة نحو عبدالقدوس بن حبيب، والحكم بن عبدالله الأيلي، ومحمد بن سعيد المصلوب " (¬1). وقال ابن رجب في شرح العلل للترمذي: " أصحاب ثابت البُناني: وفيهم كثرة، وهم ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: الثقات: كشعبة، وحماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة، وحماد بن سلمة ومعمر. وأثبت هؤلاء كلهم في ثابت حماد بن سلمة، كذا قال أحمد في رواية ابن هانئ: " ما أحد روى عن ثابت أثبت من حماد بن سلمة ". وقال ابن معين: " حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني ". وقال أيضاً: " حماد بن سلمة أعلم الناس بثابت، ومن خالف حماد بن سلمة في ثابت فالقول قول حماد ". ¬

(¬1) محمد بن موسى أبي بكر الحازمي: شروط الأئمة الخمسة، طبعة مكتبة القدس، القاهرة، (ص43)، وابن حجر العسقلاني: هدي الساري (ص12).

وقال ابن المديني: " لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم من بعده سليمان بن المغيرة، ثم من بعده حماد بن زيد، وهي صحاح "، يعني أحاديث هؤلاء الثلاثة عن ثابت. وقال أبو حاتم الرَّزاي: " حماد بن سلمة في ثابت وعلي بن زيد أحب إلىّ من همام، وهو أحفظ الناس، وأعلم بحديثهما، بيَّن خطأ الناس ". يعني أن من خالف حماداً في حديث ثابت وعلي بن زيد قدم قول حماد عليه، وحكم بالخطأ على مخالفه. وحكى مسلم في كتاب التمييز: " إجماع أهل المعرفة على أنَّ حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت، وحكى ذلك عن يحيى القطان، وابن معين وأحمد وغيرهم من أهل المعرفة. وقال الدارقطني: " حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت ". الطبقة الثانية: الشيوخ: مثل الحكم بن عطية وقد ذكر أحمد الحكم بن عطية فقال: " هؤلاء الشيوخ يخطئون على ثابت "، وذكر للحكم بن عطية عن ثابت عن أنس أحاديث مناكير. وقال أيضاً: " سهيل ابن حزم يروي عن ثابت منكرات ". وقال في عمارة بن زاذان: " يروي عن ثابت أحاديث مناكير، ثم قال: هؤلاء الشيوخ رووا عن ثابت، وكان ثابت جل حديثه عن أنس، فحملوا أحاديثه عن أنس، قال: ويوسف بن عبدة يروي عن حميد وثابت أحاديث مناكير بالتوهم، ليس هي عندي من حديث حميد ولا ثابت " انتهى. ومنهم حماد بن يحيى الأبح: له أوهام عن ثابت، منها حديثه عنه وعن أنس مرفوعاً حديث: " مثل أمتي مثل المطر ". والصواب عن ثابت عن الحسن مرسلاً، كذا رواه حماد بن سلمة عن ثابت، وقد تقدم هذا الحديث في كتاب الأمثال. الطبقة الثالثة: الضعفاء والمتركون: وفيهم كثرة، كيوسف بن عطية الصفّار. قال ابن هاني: قال أحمد: " كان حماد ثبتاً في حديث ثابت البناني، وبعده سليمان بن المغيرة،

وكان ثابت يحيلون عليه في حديث أنس، وكل شيء لثابت روي عنه يقولون: ثابت عن أنس ". وقال أحمد في رواية أبي طالب: " أهل المدينة إذا كان الحديث غلطاً يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما ". ومراد أحمد بهذا كثرة من يروي عن ابن المنكدر من ضعفاء أهل المدينة، وكثرة من يروي عن ثابت من ضعفاء أهل البصرة، وسيء الحفظ والمجهولين منهم، فإنَّه كثرت الرواية عن ثابت من هذا الضرب فوقعت المنكرات في حديثه، وإنَّما أتي من جهة من روى عنه من هؤلاء، وذكر هذا المعنى ابن عدي وغيره " (¬1). قلتُ: قد ذكرت هذه النصوص على طولها لما لها من أهمية بالغة في فهم مراتب وطبقات الرواة وتفاضلهم في شيوخهم، وبيان أنَّ الدارقطني والنُّقاد المتقدمين كانت نظرتهم فاحصة ودقيقة للرواة والمرويَّات، وقامت على أسس قوية بنوا عليها أحكامهم في الترجيح بين الروايات التي يطرأ عليها الخلاف أو التفرد وغيرهما، ولم يكن مجرد تخرص أو اتباع للأهواء، ولا شك أنَّ هذه النصوص قد أظهرت لك أهمية قرينة الأثبت في الشيوخ من غيره. ولقد استعمل الدارقطني هذه القرينة في جملة أحاديث، وسوف نضرب نموذجاً تطبيقياً منها لتوضيح منهجه: المثال: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث الأسود بن يزيد عن عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ: ((لا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ - يعني فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ- فَجَعَلَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ)) (¬2). ¬

(¬1) ابن رجب: شرح علل الترمذي (ص358 - 361). (¬2) أخرجه عبدالله بن عبدالرحمن أبو محمد الدارمي (ت: 255هـ): في السنن، طبعة دارالكتب العلمية، بيروت سنة 1996م، تحقيق محمد بن عبدالعزيز الخالدي، كتاب الطلاق، باب فى المطلقة ثلاثا ألها السكنى والنفقة أم لا؟، (ج2/ص81)، برقم (2329).

فقال - الدارقطني -: رواه أشعث بن سوار عن الحكم، وحماد، عن إبراهيم، عن الأسود. ورواه الْمُحَارِبِيُّ عن الأَعْمَشِ عن إبراهيم عن الأسود. ورواه أبو أحمد الزُّبَيْرِيُّ عن عمار بن رزيق عن أبي إسحاق عن الأسود، وليست هذه اللفظة التي ذكرت فيه محفوظة وهي قوله: " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا "؛ لأنَّ جماعة من الثقات رووه عن الأعمش، عن إبراهيم عن الأسود أنَّ عمر قال: ((لاَ نُجِيزُ فِي دِينِنَا قَوْلَ امْرَأَةٍ))، وَلَمْ يَقُولُوا فِيهِ وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا. وكذلك رواه يحيى بن آدم وهو أحفظ من أبي أحمد الزُّبَيْرِيُّ وأثبت منه عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عمر لم يقل فيه " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا "، وهو الصواب. وكذلك رواه أبو كريب ومحمد بن عبد الله بن نُمَيرٍ، عن حفص بن غياث، عن الأعمش. وخالفهم طلق بن غنام فرواه عن حفص، عن الأعمش فقال فِيهِ: " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا "، ووهم على حفص في ذلك؛ لأنَّ محمد بن عبدالله بن نُمَيرٍ، وأبا كريب أحفظ منه وأثبت، روياه عن حفص عن الأعمش ولم يذكرا ذلك والله أعلم " (¬1). قلتُ: هذا الأثر مداره على الأَعْمَشِ وأبي إسْحَاقٍ، واختلف في متنه علي وجهين: الوجه الأول: من قال لفظة: " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا ". 1. رواه من طريق الأَعْمَشِ جماعة منهم: الْمُحَارِبِيُّ (¬2)، وطلق بن غنام (¬3)، عن حفص بن غياث عنه. ¬

(¬1) أبو الحسن الدارقطني: العلل، (ج2/ص140 - 141)، سؤال رقم (164). (¬2) وهو عبدالرحمن بن محمد بن زياد الْمُحَارِبِيُّ، أبو محمد الكوفي (ت: 195 هـ)، لا بأس به وكان يدلس قاله أحمد، من الطبقة التاسعة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج6/ص 238). (¬3) طلق بن غنام بن طلق بن معاوية النخعي، أبو محمد الكوفي (ت: 211 هـ)، ثقة، من الطبقة العاشرة، أخرج له الستة إلا مسلم، تهذيب التهذيب (ج5/ص 29).

2. ورواه من طريق أبي إسحاق السبيعي: أبو أحمد الزُّبَيْرِيُّ (¬1)، عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق السبيعي. الوجه الثاني: من لم يقل لفظة: " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا ". 1. رواه من طريق الأعمش جماعة منهم: أبو كريب (¬2)، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيرٍ عن حفص بن غياث عنه. 2. ورواه من طريق أبي إسحاق السبيعي: يحيى بن آدم (¬3)، عن عمار بن رزيق (¬4)، عن أبي إسحاق السبيعي. ثُمَّ صرح الدارقطني بترجيح الوجه الثاني؛ لأنَّ من رواه من طريق الأعمش هما: أبو كريب، وابن نُمَيرٍ وهما أثبت في حفص بن غياث من طلق بن غنام، وأما من رواه من طريق أبي إسحاق: يحيى بن آدم وهو أثبت وأقوى في عمار بن رزيق من أبي أحمد الزُّبَيْرِيُّ، وبهذا رجح الدارقطني شذوذ لفظة: " وَسَنَّةَ نَبِيِّنَا "، وأنها زيادة معلولة؛ لأنَّ من لم يرو اللفظة أوثق وأقوى في شيخه ممن روى اللفظة، والله الموفق. ولقد استعمل النُّقاد المتقدمون هذه القرينة كذلك في جملة أحاديث، وسوف نضرب نموذجاً تطبيقياً منها لتوضيح منهجهم: ¬

(¬1) وهو محمد بن عبدالله بن الزبير بن عمر بن درهم، أبو أحمد الزُّبَيْرِيُّ الكوفي (ت:203 هـ) ثقة ثبت، إلا أنه قد يخطىء فى حديث الثوري، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج9/ص 227). (¬2) وهو محمد بن العلاء بن كريب الهمداني، أبو كريب الكوفي (ت: 247 هـ)، ثقة حافظ، من الطبقة العاشرة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج9/ص 342). (¬3) يحيى بن آدم بن سليمان القرشي الأموي، أبو زكريا الكوفي (ت: 203 هـ)، ثقة حافظ فاضل، من الطبقة التاسعة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج11/ص 154). (¬4) عمار بن رزيق، الضبي ويقال التميمي، أبو الأحوص الكوفي (ت: 159 هـ)، لا بأس به، من الطبقة الثامنة، أخرج له (مسلم، أبو داود، النسائي، ابن ماجه)، تهذيب التهذيب (ج7/ص 350).

قال البخاري في التاريخ الكبير: " سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ البصري سمع، منه شعبة، وحماد ابن زيد، قال ابن أبي الأسود حدثنا ابن عيينة: كان سَلَمَةُ أحفظ لحديث محمد (¬1) من خالد (¬2)، وكان ابن عون يزيد اللفظ فيغلب، يقال التميمي أبو بشر " (¬3). قلتُ: ولهذا أخرج البخاري في صحيحه حديثاً واحداً في الأصول (¬4) من طريق خالد الحذاء عن محمد بن سيرين، وأخرج من طريق سَلَمَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ عن ابن سيرين أحاديث عدة في الأصول، مما يوضح أثر قرينة ترجيح أحاديث سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ في ابن سيرين، عند البخاري في اختياره الصحيح، والله تعالى أعلى وأعلم. وقال ابن أبي حاتم في العلل: " وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ مَرَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُنَاجِي جِبْرِيلَ ... ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ (¬5). قَالَ أَبِي - أبو حاتم -: وَرَوَى الزُّبَيْدِيُّ، فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِالرَّحْمَنِ، أَنَّ حَارِثَةَ مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ... مُرْسَلٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، الزُّبَيْدِيُّ (¬6) أَحْفَظُ مِنْ مَعْمَرٍ، فَقِيلَ لأَبِي: الزُّبَيْدِيُّ أَحْفَظُ مِنْ مَعْمَرٍ؟ قَالَ: أَتْقَنُ مِنْ مَعْمَرٍ فِي الزُّهْرِيِّ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ سَمِعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ إِمْلاءً، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الرَّصَافَةِ فَسَمِعَ أَيْضًا مِنْهُ " (¬7). ¬

(¬1) محمد بن سيرين، أبو بكر البصري (ت:110هـ) ثقة ثبت، تهذيب التهذيب (ج9/ص 190). (¬2) خالد بن مهران الحذاء، أبو المنازل البصري، ثقة يرسل، تهذيب التهذيب (ج3/ص 104). (¬3) الإمام البخاري: التاريخ الكبير، (ج4/ص82)، في ترجمة رقم (2034) (¬4) أخرجه البخاري: في الجامع الصحيح (مع الفتح)، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، (ج6/ص394)، رقم (3305). (¬5) أخرجه الإمام أحمد على وجه آخر صحيح: في المسند، (ج4/ص17)، برقم (16264). (¬6) سبق ترجمته: (ص355)، رقم (3) في الهامش. (¬7) ابن أبي حاتم: كتاب العلل، (ص1707)، سؤال رقم (2609).

المطلب الثالث: قرائن الترجيح بتحديد التاريخ

قلتُ: هذا الحديث مداره على الزُّهْرِيِّ، واختلف عنه على وجهين: 1. رواه مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ مسنداً. 2. ورواه الزُّبَيْدِيُّ، فَقَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِالرَّحْمَنِ مُرْسَلاً. تُمَّ رجح أبو حاتم الوجه الثاني؛ لأنَّ الزُّبَيْدِيُّ أوثق من مَعْمَرٍ في الزُّهْرِيِّ، فصار الحديث معلولاً بالإرسال بعد هذا الترجيح، وبهذا ظهر لك أنَّ الدارقطني والنقاد المتقدمين كانوا يستعملون هذه القرينة في الترجيح بين المرويَّات، ومنهجهم فيها. المطلب الثالث: قرائن الترجيح بتحديد التاريخ: إنَّ معرفة السير والتواريخ وزمن الغزوات من أهم أنواع القرائن التي اعتمد عليها النُّقاد في ترجيح الصحيح من الباطل، ولقد سَطَّرَ لنا التاريخ لهم أروع المثل في دقة التحقيق، وثقابة الفهم، مما لا يدع شكاً أنَّ الله قد قيد لهذه الأمة أولئك النفر من جهابذة النُّقاد ليرسموا لنا الطريق الصحيح، والمنهج القويم في معرفة الصحيح من السقيم، ولا أدل على ذلك من أنهم كانوا يكتشفون بتحديد التاريخ زيف الأخبار، وتمييز ما هو خطأ ووهم محض، أو كذب وافتراء، ولهم في كل حكم على الحديث قرينة يستندون إليها تثبت صحة قولهم، ودقة منهجهم. وما أروع ما حكاه الحسينِ المروزيُّ فقال: " سمعتُ عبدالرحمن بن مهديّ يقولُ: كنتُ عند أبي عَوانةَ فَحدَّثَ بحديثِ الأعمش، فقلتُ: ليس هذا من حديثك، فقال: لا تفعل يا أبا سعيد، هو عندي مكتوب، قلت: فهاته، قال: يا سلامة هاتِ الدَّرْج (¬1) فأخرجه فنظر فيه، فإذا ليس الحديث فيه، فقال: صدقتَ يا أبا سعيد، صدقتَ يا أبا سعيد، ومَنْ أينَ أُتيتُ بهِ؟ قلتُ: ذُوكِّرتَ بهِ وأنت شابٌ فعَلَقَ بِقَلبك فظننتَ أنَّك سمعتَهُ " (¬2). ¬

(¬1) الدَّرْجُ: بتشديد الدال وسكون الراء، الذي يكتب فيه، كما في لسان العرب (ج2/ص269). (¬2) ابن جبان البستي: المجروحين (ج1/ص54).

ومن ذلك أيضاً قول الخطيب البغدادي: " كان للعباس ابن يقال له تمام إلا أنَّه لم يسمع من النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ شيئاً، كان له يوم قبض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ستة أشهر " (¬1). ومن ذلك أيضاً ما رواه الدارقطني في غرائب مالك: " من طريق علي بن نصر الجهضمي، قال: قالوا لأبي عاصم إنهم يخالفونك في حديث مالك في الشفعة، فلا يذكرون أبا هريرة، فقال هاتوا من سمعه من مالك في الوقت الذي سمعته منه، إنما كان قدم علينا أبو جعفر مكة، فاجتمع الناس إليه وسألوه أن يأمر مالكًا أن يحدثهم فأمره فسمعته في ذلك الوقت، قال علي بن نصر: وكان ذلك في حياة ابن جريج؛ لأنَّ أبا عاصم خرج من مكة إلى البصرة في حياة ابن جريج، أو حيث مات ابن جريج، ثم لم يعد إلى مكة حتى مات، وهذا يدل على أن أبا عاصم (¬2) مكي تحول إلى البصرة " (¬3). ولقد رجح بهذه القرينة الدارقطني أحاديث قليلة نذكر منها نموذجاً: المثال: قال الإمام البرقاني: " وسئل - الدارقطني -: " عن حديث عبدالرحمن بن أبي ليلى عن معاذ قال: ((كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُبِقَ الرَّجُلُ بِبَعْضِ صَلاَتِهِ سَأَلَهُمْ فَأَوْمَئُوا إِلَيْهِ بِالَّذِي سُبِقَ بِهِ مِنَ الصَّلاَةِ فَيَبْدَأُ فَيَقْضِي مَا سُبِقَ ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ فِي صَلاَتِهِمْ، فَجَاءَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَالْقَوْمُ قُعُودٌ فِي صَلاَتِهِمْ فَقَعَدَ فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَامَ فَقَضَى مَا كَانَ سُبِقَ بِهِ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْنَعُوا كَمَا صَنَعَ مُعَاذٌ)) (¬4). فقال - الدارقطني -: يرويه حصين وعمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى واختلف عنهما فرواه إبراهيم بن طهمان، وعبد العزيز بن مسلم، ومحمد بن جابر وشريك، عن حصين عن ابن أبي ¬

(¬1) الخطيب البغدادي: موضح أوهام الجمع والتفريق (ج2/ص285). (¬2) وهو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني أبو عاصم النبيل (ت: 212 هـ)، ثقة ثبت، من الطبقة التاسعة، أخرج له الستة، تهذيب التهذيب (ج4/ص 395). (¬3) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب (ج4/ص397). (¬4) أخرجه الإمام أحمد: في المسند (ج5/ص233)، برقم (22086).

ليلى عن معاذ، وخالفهم شعبة، والثوري، وجرير بن عبدالحميد فرووه، عن حصين، عن ابن أبي ليلى مرسلا ... والمرسل أصح قيل له: فحديث حجاج، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن أشياخهم، عن معاذ قول آخر. فقال: قال ذلك إبراهيم بن الزبرقان عنه، وخالفه أبو خالد الأحمر فقال عن حجاج، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ. حدثنا بذلك المحاملي قال: ثنا هارون بن إسحاق قال: ثنا أبو خالد الأحمر بذلك. قيل فصح سماع عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ قال فيه نظر؛ لأنَّ معاذاً قديم الوفاة مات في طاعون عمواس وله نيف وثلاثون سنة " (¬1). قلتُ: وخلاصة العلة التي أشار إليها الدارقطني أنَّ هذا الحديث مداره على عبدالرحمن ابن أبي ليلى، وقد رواه عنه حصين وعمرو بن مرة واختلف عنهما على وجهين: رواه جماعة مسنداً منهم: إبراهيم بن طهمان، وعبدالعزيز بن مسلم، ورواه جماعة آخرون مرسلاً منهم: شعبة، والثوري، فرجَّح الدارقطني المرسل على المسند؛ لأنَّ عبدالرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذاً بدلالة معرفة التاريخ، فصار الحديث بذلك معلّ بالإرسال، فظهر لك أهمية معرفة التاريخ في الترجيح بين المرويَّات، وتحقيق الصواب منها، والله الموفق لا رب سواه. ولقد رجَّح بهذه القرينة كذلك النًّقاد المتقدمون أحاديث قليلة نذكر منها نموذجاً: قال الإمام البزار في المسند: " حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ