منحة الباري بشرح صحيح البخاري
الأنصاري، زكريا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «لَا يشْكر الله مَنْ لَا يشْكر النَّاسَ» الحمْدُ لله الذِي بِنِعْمَتِه تتمُ الصالحاتُ فإنَّ إِخْرَاج هَذَا الْكتاب بِهَذِهِ الصُّورَة فِي فَتْرَة وجيزة كَانَ ثمرةَ تعاونٍ مَعَ: "مَرْكَز الْفَلاح للبحوث العلمية" لصَاحبه الشَّيْخ خَالِد الرِّبَاط وَالَّذِي عاون فِي الإشراف على هَذَا الْكتاب، بمشاركة الْأُخوة: خَالِد بُكير، وعصام حمدي (فِي الْمُقَابلَة وَالتَّعْلِيق والمراجعات) نَادِي فكري، وَمُحَمّد رَمَضَان (فِي التَّخْرِيج وَالتَّعْلِيق) كَمَا قَامَ بمراجعة متن البُخَارِيّ وَضَبطه: الدكتور جُمُعَة فتحي، وَالْأَخ أَحْمد روبي فجزاهم الله خيرًا وكل من شَارك مَعَهم على مَا بذلوه من جهد وَعون، أسأَل الله أَن يَجْعله فِي ميزَان حسناتهم، إنَّهُ سميع مُجيب. سُلَيْمَان بن دريع العازمي الكويت هَاتِف: 009659532016
منْحَةُ البَارِي بِشَرْح صَحِيح البُخَارِي
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظَة الطَّبعَة الأولى 1426 هـ - 2005 م مكتبة الرشد ناشرون المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - شَارِع الْأَمِير عبد الله بن عبد الرَّحْمَن (طَرِيق الْحجاز) ص. ب: 17522 - الرياض: 11494 - هَاتِف: 4593451 - فاكس: 4573381 Email : [email protected] Website : www.rushd.com * فرع طَرِيق الْملك فَهد: الرياض - هَاتِف: 2051500 - فاكس: 2052301 * فرع مَكَّة المكرمة: هَاتِف: 5585401 - فاكس: 5583506 * فرع الْمَدِينَة المنورة: شَارِع أبي ذَر الْغِفَارِيّ - هَاتِف: 8340600 - فاكس: 8383427 * فرع جدة: ميدان الطائرة - هَاتِف: 6776331 - فاكس: 6776354 * فرع القصيم: بُرَيْدَة - طَرِيق الْمَدِينَة - هَاتِف: 3242214 - فاكس: 3241358 * فرع أَبِهَا: شَارِع الْملك فيصل - تلفاكس: 2317307 * فرع الدمام: شَارِع الْخزَّان - هَاتِف: 8150566 - فاكس: 8418473 وكلاؤنا فِي الْخَارِج * الْقَاهِرَة: مكتبة الرشد - هَاتِف: 2744605 * بيروت: دَار ابْن حزم هَاتِف: 701974 * الْمغرب: الدَّار الْبَيْضَاء - وراقة التَّوْفِيق - هَاتِف: 303162 - فاكس: 303167 * الْيمن: صنعاء - دَار الْآثَار - هَاتِف: 603756 * الْأُرْدُن: عمان - الدَّار الأثرية: 6584092 - جوال: 796841221 * الْبَحْرين: مكتبة الغرباء - هَاتِف: 957833 - 945733 * الإمارات: مكتبة دبي للتوزيع - هَاتِف: 43339998 - فاكس: 43337800 * سوريا: دَار البشائر: 231668 * قطر: مكتبة ابْن الْقيم - هَاتِف: 4863533
مقدمة التحقيق
مقدمة التحقيق إنَّ الحمدَ لله، نَحْمَدُه، ونستعينُه، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ به مِن شرور أنفسِنا، وَمِن سيئاتِ أعمالنا، مَنْ يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِل، فلا هَادِيَ له، وأشْهَدُ أن لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء: 1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70 - 71]. أما بعد فإنَّ الاشتغالَ بخدمةِ السُّنَّةِ المُطهرة مِنْ أفضلِ الأعمال وأعظم القربات التي يقومُ بها المسلم، فصُحبة الحديث صحبةٌ لكلام النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، وأنعم بها من صُحبة، وقد عملتُ منذ سنوات على تحقيق كتاب "جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد" لمؤلفه محمد بن سليمان المغربي، وقد لاقى القبولَ بحمد الله تعالى وأُعد الآن لطبعة جديدة له في حلةٍ قشيبة، ثم اختصرتُ "صحيح الترغيب والترهيب" للشيخ الألباني رحمه الله، ثم أتتني رغبة في العمل على أحد شروح السنة، فوقعتُ على هذا الشرح لصحيح البخاري، وعلى الرغم من شهرة مؤلفه ومكانة الصحيح، إلا أنَّه لم يلق العناية من
المحققين، فقد طُبع منذ نحو مئة عام بالمطبعة الميمنية بمصر (عام 1325 هـ) على هامش "إرشاد الساري" للقسطلاني،، وبهامش هذا الكتاب "شرح مسلم" للنووي، وكانت طباعة حجرية بحرفٍ دقيقٍ، كما أنَّ النسخةَ غير متوفرة أصلا، ولم نجدْها بأي قيمة، ولكن حصلنا على صورةٍ منها من مكتبةٍ خاصة بعد أن فرغنا من ثُلثي الكتاب فأعدنا المقابلة مرةً أخرى عليها، أما مصورات مخطوطات الكتاب فقد حصلنا عليها من دار الكتب المصرية، ومكتبتي جامعة الإمام محمد بن سعود، وجامعة الملك سعود بالرياض، وسيأتي بيان وصفها. ووجدنا في فهارس جامعة القرويين بالمغرب نسحة للكتاب، وقد حاولتُ جاهدًا الحصول عليها فلم يتيسر لي ذلك، فعملنا على ما في أيدينا، ونحن على ثقة أننا قد خدمنا نص الكتاب ليكونَ أقرب لما كتبه المؤلف. ولمَّا كان مثل هذا العمل كبيرًا ويحتاج إلى وقتٍ وجهدٍ مع الحاجة لإخراج غيره، فقد تعاونتُ مع مركز الفلاح للبحوث العلمية بالفيوم بمصرَ لصاحبه الشيخ خالد الرباط في إخراج هذا الكتاب، وذكرتُ أسماءَ مَنْ شاركوا في هذا العمل وذلك للأمانة التي ينبغي أن يتحلى بها طلبة العلم والمحققون. والله تعالى أسأل أنْ يوفقني لخدمة دينه والمساهمة في إظهار كنوز التراث الإسلامي التي لا زالت حبيسة الخزائنِ والمكتبات. وآخر دعوانا أن الحمدُ للهِ رَبِّ العَالمِين. سليمان بن دريع العازمي
ترجمة المؤلف
ترجمة المؤلف اسمه ولقبه وولادته وأسرته: القاضي زكريا محمد بن زكريا الأنصاري، قاضي القضاة زين الدين أبو يحيى السُّنيكي المصري الشافعي ولد بسُنيكة (¬1) في سنة ست وعشرين وثمانمئة، وقيل في سنة ثلاثِ، وقيل أربع وعشرين وثمانمئة، والأول الأرجح. (¬2) وحكى "محمد بن أحمد العلائي الفيومي الأصل القاهري الحنفي" عن الشيخ السُّلَمي أنه كان يومًا بسُنيكة وإذا بامرأةِ تستجيرُ به وتستغيث أن ولدها مات أبوه، وعامل البلد النصراني قبض عليه يرومُ أن يكتبه موضع أبيه في صيد الصقور، فخلصه الشيخ منه، وقال لها: "إن أردتَ خلاصه، فافرغي عنه يشتغلُ ويقرأ بجامع الأزهر، وعليَّ كلفته". فسلمت إليه زكريا، فلا زال يشتغل حتى صارَ إلى ما صارَ إليه. (¬3) وحكى الشيخ زكريا عن فترةِ شبابه التي قضاها بالشغل والدرس دون أن يتعلق قلبه بأحد من الخلق حتى أنه كان يُصاب بالجوع الشديد، فيخرج ليلًا إلى الميضأة، فيغسل ما يجده من قشيراتِ ¬
نشأته
البطيخ، ثم يأكلها، إلى أن قيض الله له شيخًا صالحًا، فكان يأتيه بكل ما يحتاجُ إليه من طعام وشراب وكساء، وظل على هذا عدة سنوات. نشأته: نشأ الأنصاري بسُنيكة يتيمًا، فحفظ القرآن -عند الفقيهين محمد بن ربيع والبرهان الفاقوسي البلبيسي- و"عمدة الأحكام" وبعض "مختصر التبريزي"، ثم رحل إلى القاهرة سنة إحدي وأربعين وثمانمئة. فقطن في الجامع الأزهر، وأتم حفظ المختصر، ثم حفظ المنهاج والألفية النحوية والشاطبية والرائية ونحو النصف من ألفية العراقي في الحديث، ثم رجع إلى بلده. ورحل رحلته الثانية إلى القاهرة وقرأ على مشايخ مصر في مختلف العلوم إلى أن صار عالمًا مبرزًا في النحو واللغة والتفسير والحديث والأصول والقراءات والأدب إلى غير ذلك من العلوم. الأمر الذي أهله لتولي منصب التدريس في عدة مدارس، وتصدى للتدريس في حياة غير واحد من شيوخه، إلى أن رقي منصب قاضي القضاة بعد إلحاح شديد سنة ست وثمانين وثمانمئة في ولاية قايتباي وظل فيه حتى كُف بصره، فعزل بسبب العمى، لكنه ظل متابعًا الاتصال بالعلماء وملازمًا التدريس والإفتاء والتصنيف. (¬1) وحضر الشيخ مبايعة خمسة من السلاطين، وهم الناصر محمد بن قايتباي، وخاله الظاهر قانصوة، والأشرف جان بلاط، والعادل طومان باي، والأشرف الغوري (¬2). ¬
شيوخه
شيوخه: اشتغل الشيخ زكريا الأنصاري في مختلف العلوم المتداولة وبرع فيها، فقرأ القرآن الكريم على جماعة، منهم: - الشيخ رضوان بن محمد بن يوسف بن سلامة بن البهاء، أبو النعيم العقبي الشافعي. "ولد سنة تسع وستين وسبعمئة، كان خيرًا ديّنًا، قرأ العلوم على عدد من شيوخها: العربية والفقه والفرائض والحساب والكلام والتصريف والمعاني والمنطق والبيان. وأقرأ القرآن وتخرج به جمع من الفضلاء، وطار اسمه بمعرفة الأسانيد والشيوخ والمرويات. مات سنة اثنتين وخمسين وثمانمئة. "الكواكب السائرة" 1/ 197، و"الضوء اللامع" 4/ 226، و"شذرات الذهب" 9/ 401. - الشيخ صالح بن عمرو بن رسلان ابن القاضي أبو البقاء سِراج الدين البُلْقيني ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمئة بالقاهرة، حفظ القرآن والعمدة والألفية ومنهاج الأصول، أخذ الفقه عن البرماوي، والأصول عن ابن جماعة، والنحو عن الشنطوفي، والحديث عن ابن العراقي، فكان إمامًا فقيهًا عالمًا، صنف تفسيرًا وشرحًا على البخاري لم يُكمله، وله: "القولُ المفيدُ في اشتراط الترتيب بين كلمتي التوحيد"، و"الخطب"، و"التذكرة" وغيرها. مات سنة 868. "الكواكب السائرة" 1/ 197، و"الضوء اللامع" 3/ 312 - 314، و"شذرات الذهب" 9/ 454. - الشيخ طاهر بن محمد بن علي بن محمد بن مكين الدين، أبو الحسن النويري المالكي: وُلد بعد التسعين وسبعمة، حفظ القرآن على الشرايبي وأخذ العربية عن الصنهاجي وكثيرًا من الفنون عن القاياتي. مات سنة ست وخمسين وثمانمئة. "الكواكب السائرة" 1/ 197، و"الضوء اللامع" 4/ 5 - 6.
- الشيخ نور الدين علي بن محمد بن الإمام فخر الدين البلبيسي الشافعي: ولد سنة سبع عشرة ببلبيس ونشأت فيها، حفظ القرآن عند البرهان الفانوسي، وعرض على جماعة، واشتغل بالخط على الشمس البيشي، واستقل بقضاء الإسكندرية، مات سنة ثمانِ وثمانين وثمانمئة. "الكواكب السائرة" 1/ 197، و"الضوء اللامع" 5/ 300 - 301. وأخذ الشيخ زكريا الفقه عن جماعةٍ منهم: - الشيخ أحمد بن عبد الله بن مفرج بن بدر الدين الغزي الشافعي: توفي بمكة سنة اثنتين وعشرين وثمانمئة. صنف: "البحر المبتغي لمعان ينبغي"، "تراجم رجال البخاري"، و"شرح الألفية لابن مالك"، و"شرح جمع الجوامع للسبكي في الفروع"، "شرح عمدة الأحكام في الحديث"، وغير ذلك. "الكواكب السائرة" 1/ 197، و"شذرات الذهب" 9/ 224 - 225، و"هدية العارفين" 5/ 122 - 123. - الشيخ أحمد بن علي بن محمد الشهاب أبو الفضل الكناني العسقلاني، المعروف بابن حجر: ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمئة بمصر، ونشأ بها يتيمًا، فحفظ القرآن والعمدة وألفية ابن العراقي والحاوي الصغير وهو ابن تسع، وحين بلغ لازم القطان في الفقه والعربية والحساب، ثم اجتمع مع عدد كبير من العلماء، وزادت مصنفاته على مائة وخمسين مات سنة اثنتين وخمسين وثمانمئة. "الكواكب السائرة" 1/ 197، و"الضوء اللامع" 2/ 36 - 40، و"شذرات الذهب" 9/ 395. - الشيخ محمد بن إسمعيل بن أحمد بن يوسف الشمس الونائي الشافعي: ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمئة، حفظ القرآن والعمدة التنبيه والشاطبية وجمع الجوامع وألفية ابن مالك والتلخيص. وأخذ النحو عن
الدماميني وأخذ على البخاري المختصر حتى تقدم في الفنون وصار أحد من يشار إليه بالعلم والعمل وولي قضاء مصر ثم دمشق ثم مصر. واستمر حتى مات سنة ثمان وأربعين وثمانمئة وكان إمامًا علامة فقيهًا أصوليًّا نحويًّا قوي الحافظة أمينًا. "الكواكب السائرة" 1/ 197، و"الضوء اللامع" 7/ 140 - 141، و"شذرات الذهب" 9/ 385. - الشيخ موسى بن أحمد بن موسى بن عبد الله بن سليمان السُبكي القاهري الشافعي: ولد سنة اثنتين وستين وسبعمئة، قرأ القرآن وحفظ العمدة والحاوي والمنهاج والألفية تصدي للإقراء في الفقه وأصوله والعربية وغيرها، وكان إمامًا ثبتًا حجة فيها، مات بالسل سنة أربعين وثمانمئة. "الكواكب السائرة" 1/ 197، و"الضوء اللامع" 10/ 176 - 178، و"شذرات الذهب" 9/ 345. وغيرهم. وأخذ الشيخُ زكريا الأنصاري الحديث عن جماعة منهم: - الشيخ إبراهيم بن صَدَقَة بن إبراهيم بن إسماعيل برهان الدين أبو إسحق بن فتح الدين المقدسي الحنبلي: ولد سنة اثنتين وسبعين وسبعمئة بالقاهرة، نشأ فحفظ القرآن، والعمدة في الحديث وعرض على ابن الملقن والأبناس وأجازوا له، وأجاز له خلق كثير. كان خيرًا ثقة صبورًا على التحدث. مات سنة اثنتين وخمسين وثمائمئة. "الكواكب السائرة" 1/ 198، و "الضوء اللامع" 1/ 55 - 56، و"شذرات الذهب" 9/ 413. - الشيخ أبو العباس أحمد بن رجب بن طيبغا الشافعي، ويُعرف بابن المجدي: ولد سنة سبع وستين وسبعمئة بالقاهرة، حفظ القرآن وبعض المنهاج ثم الحاوي والألفية، وأخذ الفرائض والحساب والعربية وتقدم بذكائه المفرط وصار رأس الناس في أنواع الحساب
والهندسة والهيئة والفرائض، والكافي، والرسالة الكبرى، وزاد المسافر، والقول المفيد في جامع الأصول وغير ذلك كثير. مات سنة خمسين وثمانمئة عن أربع وثمانين سنة. "الكواكب السائرة" 1/ 198، و"الضوء اللامع" 1/ 300 - 302 و"شذرات الذهب" 9/ 390. - الشيخ محمد بن علي القاياتي الشافعي: ولد سنة خمس وثمانين وسبعمئة، حفظ القرآن والمنهاج والألفية والتسهيل، ولم يزل يدأب في العلوم حتى تقدم في الفنون كلها، فكان إمامًا عالمًا تزاحم الناسُ عليه من سائر أرباب الفنون والطوائف والمذاهب. مات سنة خمسين وثمانمئة. "الكواكب السائرة" 1/ 198، "الذيل على رفع الإصر" ص 141، و"شذرات الذهب" 9/ 390. قرأ عليهم وعلى غيرهم السيرة النبوية، والسنن لابن ماجة، ومسندُ الإمام الشافعي، وصحيح مسلم، والسنن الصغري للنسائي، وصحيح البخاري، فأجازه خلق يزيدون على مائة وخمسين ذكرهم في ثبته. وأخذ الشيخ زكريا الأنصاري العربية والأدب والأصول والمعقولات عن شيخ الإسلام: ابن حجر، وعن المحيوي الكافيجي والتقي الحصكفي. - الشيخ أحمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد شهاب الدين أبو الفضل الكناني العسقلاني الشافعي المعروف بابن حجر (¬1). - الشيخ محمد بن سليمان بن مسعود محيي الدين أبو عبد الله الكافيجي، ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمئة. لقي العلماء وأخذ عنهم، ¬
وكان إمامًا في المعقولات كلها: الكلام وأصول اللغة والنحو والتصريف والإعراب. من تصانيفه: شرح قواعد الإعراب، ومختصر في علوم الحديث، ومختصر في علوم التفسير يسمى التيسير. توفي سنة تسع وسبعين وثمانمئة. "بغية الوعاة" 1/ 117 - 118، و"الضوء اللامع" 7/ 259، و"شذرات الذهب" 9/ 488. - الشيخ حسين بن علي بن يوسف بدر الدين الأربلي الحصكفي الشافعي. ولد بحلب سنة خمسين وثمانمئة، حفظ القرآن، والمنهاج للنووي، والإرشاد لابن المقري، ومنهاج البيضاوي، والشاطبية، والكافية، والألفية، وتصريف العزي. من مؤلفاته: وحاشية على شرح المنهاج للمحلي، حاشية على شرح الكافية المتوسط لركن الدين. توفي بحلب سنة خمس وعشرين وتسعمئة. "الكواكب السائرة" 1/ 198، و"الضوء اللامع" 1/ 178 - 180، و"شذرات الذهب" 10/ 189. ولبس الشيخ زكريا الأنصارى الخرقة الصوفية من: الشيخ أبي العباس أحمد بن علي الأتكاوي، مات سنة خمسٍ وأربعين وثمانمئة. "الضوء اللامع"2/ 44. والشيخ أبي حفص عمر بن علي النبتيتي، مات سنة سبعٍ وستين وثمانمئة. "الضوء اللامع" 6/ 108. والشيخ أحمد بن علي الدمياطي الشهير بابن الزلباني. "الضوء اللامع" 6/ 108. وأخذ الطريق عن الشيخ محمد بن عمر الواسطي العمري الشافعي. توفي سنة تسع وأربعين وثمانمئة. "الكواكب السائرة" 1/ 198، و"الضوء اللامع" 8/ 238 - 239، و "شذرات الذهب" 9/ 386.
تلاميذه
تلاميذه: كان لاشتهار الشيخ زكريا الأنصاري بالبراعة في سائر العلوم -من حديثٍ وفقهٍ وأصول- الأثر في جعل الطلاب يقبلون عليه من كل حدب وصوب، فقصدوه بالرحلة من الحجاز والشام، وعمَّر حتى رأى تلاميذه وتلاميذ تلاميذه شيوخ الإسلام. ومن تلاميذه: - الشيخ أبو بكر بن محمد بن يوسف القاري: أخذ عن البرهان بن أبي شريف والقاضي زكريا، وتفقه على الشيخ ابن قاضي عجلون، وكان ممن أخذ عنه شيخ الإسلام شهاب الدين الطيبي، كان محققًا مدققًا عالمًا بالنحو والقراءات والفقه والأصول. توفي سنة خمسٍ وأربعين وتسعمئة. "الكواكب السائرة" 2/ 89 - 90. - الشيخ أحمد بن أحمد بن أحمد بن محمد شيخ الإسلام شهاب الدين ابن حجر الهيتمي المصري المكي الشافعي: ولد سنة إحدي عشرة وتسعمئة. أجازه القاضي زكريا والشيخ عبد الحق، وأخذ الفقه عن الرملي. من مؤلفاته: شرح المنهاج، وشرح الإرشاد، وشرح العباب. وشرح الهمزية للبوصيري، والصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع، وشرح الأربعين النووية، وغيرها. توفي سنة 973. "الكواكب السائرة" 3/ 111 - 112، و"شذرات الذهب" 10/ 541 - 542. - الشيخ أحمد بن أحمد بن حمزة الرملي الأنصاري الشافعي: تلميذ القاضي زكريا، أخذ الفقه عنه وعن طبقة. من مؤلفاته: شرح الزبد لابن أرسلان، وشرح منظومة البيضاوي في النكاح، ورسالة في شروط الإمامة وغيرها. توفي في بضع وسبعين وتسعمئة. "الكواكب السائرة" 3/ 111، و"شذرات الذهب" 9/ 482.
- الشيخ أحمد شهاب الدين الرملي المصري الشافعي: هو أحد الأجلاء من تلاميذ القاضي زكريا الأنصاري، وكان مقدمًا عنده حتى أذن له أن يصلح في مؤلفاته في حياته وبعد مماته، ولم يأذن لأحد سواه. كتب شرحًا عظيمًا على صفوة الزبد في الفقه. أخذ عن الشربيني والغزي، وانتهت إليه الرئاسة في العلوم الشرعية بمصر. توفي سنة 957 هـ. "الكواكب السائرة" 2/ 119 - 120، و"شذرات الذهب" 10/ 454. - الشيخ أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر شهاب الدين الحمصي الدمشقي الشافعي: ولد سنة إحدى وخمسين، أو ثلاث وخمسين وثمانمئة، أخذ العلم عن جماعة من الشاميين والمصريين، فوض القضاء إليه ابن الفرفور، وفوض إليه الشيخ زكريا، وكان يخطب مكانه بقلعة الجبل، وكان الغوري يميل إليه لفصاحته. توفي سنة 934 ص "الكواكب السائرة" 2/ 97، و"شذرات الذهب" 10/ 280. - الشيخ شهاب الدين البرلسي المصري الشافعي الملقب بعميرة: كان عالمًا زاهدًا ورعًا، انتهت إليه الرئاسة في تحقيق المذهب يدرس ويفتي حتى أصيب بالفالج ومات به. "الكواكب السائرة" 2/ 119. - الشيخ الصالح عبد الوهاب بن ذوقا بن موسى الشعرواي المصري الشافعي: قرأ على مشايخ عصره شرح المحلي على جمع الجوامع، وشرح العقائد للتفتازاني، وشرح المقاصد وشرح الفصول، وشرح شذور الذهب والألفية وشرح الشيخ زكريا على الروض، وشرحه للرسالة، وغير ذلك. توفي في حدود السبعين وتسعمئة. "الكواكب السائرة" 3/ 176، و"شذرات الذهب" 10/ 544. - الشيخ علي بن أحمد بن علي بن عبد المهيمن بن حسن بن علي
الشيخ نور الدين الشافعي المعروف بالقرافي: أخذ عن الديلمي والقاضي زكريا والبرهان ابن أبي شريف. مات قبل الثمانين وتسعمئة. "الكواكب السائرة" 3/ 182. - الشيخ محمد بن أحمد بن محمود بن الفرفور الدمشقي الشافعي: ولد سنة خمس وتسعين وثمانمئة. حفظ القرآن والمنهج في الفقه لشيخه زكريا، وجمع الجوامع والألفية. ولي قضاء الشافعية. توفي مسجونًا بقلعة دمشق سنة سبع وثلاثين وتسعمئة. "الكواكب السائرة" 2/ 22 - 23، و"شذرات الذهب" 10/ 314 - 315. - الشيخ محمد بن سلام بن علي الطبلاوي: تلقى العلم عن أجل المشايخ منهم: القاضي زكريا والديملي والسيوطي. انتهت إليه الرئاسة في سائر العلوم بعد موت أقرانه، كان متبحرًا في التفسير والقراءات والفقه والحديث والأصول والمعاني والبيان والطب والمنطق والكلام. توفي سنة ست وستين وتسعمئة. "الكواكب السائرة" 2/ 33 - 34، و"شذرات الذهب" 10/ 506. - الشيخ محمد بن عبد الله بهاء الدين المصري: ولد سنة ثمان وثمانين وثمانمئة، أخذ عن السخاوي والسيوطي والقاضي زكريا والذهبي ودروس بالجامع الأزهر. له مؤلفات في الفرائض. توفي سنة تسعين وتسعمئة. "الكواكب السائرة" 3/ 61. - الشيخ يوسف بن زكريا الشيخ جمال الدين ابن شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري: كان ممن أخذ عنه الشيخ شمس الدين محمد بن الجوخي الشافعي. ربي في نزاهة وطاعة وعدم الخروج من دار والده، وكان ممن جبله الله على الأخلاق الحميدة درس في المدرسة الصالحية بجوار الإمام الشافعي، وحضر على والده شرح رسالة
عبادته وزهده
القشيري وشرح آداب القضاء وآداب البحث وشرح التحرير. توفي سنة سبع وثمانين وتسعمئة. "الكواكب السائرة" 3/ 221. عبادته وزهده: ذكر الغزي في الكواكب السائرة (¬1) شيئًا من ذلك فذكر أنه مع ما كان عليه من الاجتهاد في العلم اشتغالًا واستعمالًا وإفتاءً وتصنيفًا، ومع ما كان عليه من مباشرة القضاء ومهمات الأمور، وكثرة إقبال الدنيا؛ لا يكاد يفتر عن الطاعة ليلًا ونهارًا. ولا يشتغل بما لا يعنيه، وقورًا وهيبًا يصلي النوافل من قيام مع كِبر سنه، ويقول: (لا أعوّد نفسي الكسل)، حتى في حال مرضه كان يصلي النوافل قائمًا، وهو يميل يمينًا وشمالًا، لا يتمالك أن يقف بغير ميل للكبر والمرض فقيل له في ذلك، فقال: يا ولدي، النفس من شأنها الكسل، وأخاف أن تغلبني، وأختم عمري بذلك!!. كان إذا أطال عليه أحد في الكلام يقول له: عجل قد ضيعت علينا الزمان!. كان قليل الأكل، لا يزيد على ثلث رغيف، وكان كثير الصدقة مع إخفائها، وكان له جماعة يرتب لهم من صدقته ما يكفيهم إلى يوم، وإلى جمعة، وإلى شهر!!. كان يبالغ في إخفاء ذلك، حتى كان غالب الناس يعتقدون في الشيخ: قلة الصدقة! وكان إذا جاءه سائل -بعد أن كف بصره- يقول لمن عنده من جماعته هل هنا من أحد؟ فإن قال: لا، أعطاه، وإن قال ¬
عقيدته
له نعم، قال: قال له: يأتينا في غد هذا الوقت. عقيدته: كان الشيخ زكريا الأنصاري مثل كثير من علماء زمانه ومكانه متأثرًا بالمذهب الأشعري في تأويل الأسماء الصفات ظنًّا منه أن هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذا يظهر في شرحه لبعض الأحاديث التي تتناول بعض الصفات مثل حديث نزول الرب في آخر الليل، وصفة النور، وغير ذلك، وقد علقنا علي هذه المواضع تعليقًا موجزًا وأحلنا القاريء إلى موضع بسط هلذا الموضوع في كتب العقائد. وعلى ما بدا لنا فإن مخالفته لعقيدة السلف لم تتعد هذا الباب، ولم يكن من المنكرين لها، فيذكر مثلًا أن مذهب التفويض أسلم، ومذهب التأويل أحكم، وهذا على بطلانه يدل على عدم تعصبه للمذهب. تصوفه: وكما هو الحال في مسألة الصفات فقد كان الشيخ متأثرًا بمتصوفة زمانه كما أن له شرحًا على "الرسالة القشيرية في علم التصوف" وهو أشهر شروح الكتاب. وتقدم في ذكر شيوخه أنه لبس خرقة الصوفية عن بعضهم. قال السخاوي: وكان أحد من كتب في كائنة ابن الفارض، بل هو أحد من عظم ابن عربي واعتقده وسماه وليًّا، وعزلتُه عن ذلك فما كفَّ، وله تهجدٌ وتوجُّدٌ، وصبر واحتمال (¬1). آثاره العلمية: لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري -رحمه الله- كتب ورسائل كثيرة ¬
لم يستقص أحدٌ ممن ترجموا له أسماءها، ولم يحص عدَّها، وأنت واجد عند كل منهم كتابًا، أو أكثر مما أنفرد بذكره، ولست واجدًا عند أحدٍ منهم ثبتًا مستوعبًا لها، ولكن من الصعب العسير الآن أن نجزم بعدد كتبه وأسمائها -لكنها تزيد عن المئة- لأنَّ كثيرين من المؤلفين كانوا يشيرون إلى بعض كتبه دون ذكر أسمائها التي وضعها لها ممَّا جعل للكتاب الواحد اسمين، أو أكثر من اسم، وخلاف ذلك أن الشيخ نفسه كان يضع على الكتاب الواحد شرحين أو شرحًا وحاشية، كما سنرى -إن شاء الله- عند عرض آثاره فالتبست الإشارات إلى تلك الكتب واختلطت على أقلام المترجمين، ومن هنا يظهر لنا أسباب كثرة مؤلفاته، ولعلَّ ذلك يرجع إلى أمرين: الأول: كما أشرنا سابقًا في ترجمته أن الشيخ قرأ وسمع كثيرًا من الكتب على كثير من المشايخ والعلماء، كابن حجرٍ العسقلاني وغيره ممن سبقت الإشارة إليهم؛ إذًا فلا غرابة أن يؤلف الكتب الكثيرة من الفنون المختلفة. الثاني: من الممكن أن يرجع كما قلنا: إن للكتاب الواحد اسمين أو أكثر من اسم، أو وضع لكل كتاب أكثر من شرح وحاشية، وأخيرًا سنورد فيما يلي قائمة بما وقفنا عليه من أسماء آثاره إلي أننا في شكٍّ من أن بعضها مكرر، ولعلَّ مما يساعد على الترجيح أنَّ الرجل كان يضع لكتبه عناوين مسجعةً. (¬1) وكثرة مؤلفاته وتنوعها تدل على سعة إطلاعه، وإنه لم يكن متخصصًا في علم من العلوم بل كان رئيسًا في كل فن أخذًا بزمام سائر ¬
ما وقفنا عليه من أسماء مؤلفاته
العلوم التي ألقت إليه قيادها وكان بحرًا زاخرًا متدفقة أمواج علومه تفسيرًا وحديثًا وفقهًا وأصولًا ولغة ومعاني وبيانًا وبديعًا ومنطقًا وقراءة، وهندسة وهيئة وحكمًا، وطبًّا، وميقاتًا وفرائض، وحسابًا وجبرًا ومقابلة وعروضًا وصرفًا وتصوفًا، بل كان له الباع الطويل والقدم الراسخة في شتى ميادين فروع العلم وأصوله. فجزى الله شيخ الإسلام خير الجزاء وجعل هذه الأعمال في ميزان حسناته ورفعه الله درجة المتقين الأبرار. ما وقفنا عليه من أسماء مؤلفاته: أولًا: المطبوع: 1 - أحكام الدلالة على تحرير الرسالة (¬1): وهو عبارةٌ عن شرح للرسالة القشيريَّة، وهي في علم التصوف، ذكر الشعراني أنَّه قرأها على المؤلف (¬2)، وقال الحنفيُّ: إنَّ الأنصاريَّ شرح رسالة الإمام عبد الكريم بن هوزان القشيريَّ في جزأين، أمَّا اسم الكتاب فلم يذكره سوى البغداديِّ في هدية العارفين، وطبعت الرسالة في القاهرة سنة 1304 هـ. وتقع في أربع وأربعين ومئتي صفحة وبهامشها تقريرات من شرح زكريا الأنصاري. 2 - أسنى المطالب في شرح روض الطالب (¬3): وهو كتابٌ شَرحَ فيه الأنصاري كتاب "الروض" لإسماعيل بن أبي بكر عبد الله المقري: اليمانيَّ الشافعيَّ المشهور بابن المقري. المتوفى ¬
سنة (837 هـ) وقد اختصر ابن المقري. في كتابه "الروض" كتاب "روضة الطالبين وعمدة المتقين" لإمام المحققين المدققين محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة (676 هـ) مختصرًا بـ (الروض) اسم (الروضة) ومجردًا نصّه من الخلاف اختصر الإمام النووي فيه كتاب "فتح العزيز في شرح الوجيز" لعبد الكريم الرافعي وكتاب الرافعي هذا شرحٌ لكتاب "الوجيز" في فروع مذهب الشافعية للإمام أبي حامد الغزالي. قال الشيخ زكريا -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه "أسنى المطالب": هذا ما دعت إليه حاجة المتفهمين للروض في الفقه تأليف الإمام العلامة شرف الدين إسماعيل بن المقري اليمني من شرح يحل ألفاظه ويبين مراده ويذلل صعابه ويكشف لطلابه نقابه مع فوائد لا بدَّ منها، ودقائق لال يستغني الفقيه عنها، على وجه لطيف ومنهج منيف خالٍ من الحشو والتطويل حاوٍ على الدليل والتعليل، وسميته: أسنى المطالب في شرح روض الطالب وطبع هذا الكتاب بمصر بالمطبعة الميمنية عام 1313 هـ وبهامشه حاشية الشيخ أحمد الرملي الكبير (فقه الشافعي) ثم طبع بعد ذلك طبعات مختلفة وقد أثنى على هذا الكتاب السخاوي فقال: شَرَحَ الروضَ شرحًا بليغًا قاضي الشافعية في وقتنا ومحقق الوقت الشيخ زكريا الأنصاري. 3 - الأضواء البهجة في إبراز دقائق المنفرجة (¬1): وهو شرح على المنفرجة، والمنفرجة قصيدة مشهورة مطلعها: اشتدّي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلُك بالفرج ¬
وفي نسبتها خلاف، والأرجح أنها لأبي الفضل يوسف بن محمد بن يوسف التوزري التلمساني المعروف بابن النحوي المتوفى سنة 513 هـ قال صاحب كشف الظنون: المنفرجة لأبي الفضل يوسف بن محمد، وقيل: لأبي الحسن يحيى بن العطار، والأول أرجح. شرحها شيخ الأعلام زكريا الأنصاري وفرغ منها في ذي الحجة سنة 881 هـ وقال: هي قصيدة الإمام التوزري على ما قاله أبو العباس أحمد البجائي شارحها، أو أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الأندلسي القرشي على ما قاله العلامة تاج الدين السبكي. وللإنصاري على المنفرجة شرحان، "الأضواء البهجة" وهو أكبرهما. قال السخاوي: وشرح المنفرجة في مطول ومختصر. وقال الغزي: له شرحا المنفرجة كبير وصغير وسماه بالخلاصة. وطبع في مصر عام 1323 هـ، مطبعة التقدم، ويقع في أربع وأربعين صفحة. وطبع معه كتاب "المنفرجة على المنفرجة" للشيخ عبد الله بن عبد العزيز الصولي مطبعة مصر 1914 - 1332، وتقع في ست وخمسين صفحة. 4 - الإعلام بأحاديث الأحكام (حديث) (¬1). 5 - أقصى الأماني (¬2) (بلاغة) مع شرح فتح منزل المباني. طبع بالقاهرة من دون تاريخ. 6 - بلوغ الأرب شرح شذور الذهب: قام بتحقيقه الباحث: يوسف الحاج أحمد في رسالة دكتوراه بدمشق سنة (1990). ¬
7 - بهجة الحاوي، شرح حاوي الصغير للقزويني، في الفروع. 8 - البهجة الوردية في فروع الفقه. 9 - تحرير تنقيح اللباب (¬1): أوله: "الحمد لله المتفضل الوهاب.". قال: "هذا مختصر تنقيح اللباب ضممت إليه فوائد، وبدلت غير المعتمد عليه، وحذفت منه الخلاف.". مع شرح: تحفة الطلاب، وحاشية تهذيب الطلاب لعبد الله بن حجازي الشرقاوي 1227 - مطبعة القاهرة 1306 - 1316. 10 - تحفة الباري (أو منحة الباري) على صحيح البخاري: وهو كتابنا هذا وسيأتي الكلام عليه. 11 - تحفة الطلاب بشرح تحرير تنقيح اللباب (¬2) (فقه شافعي). أوله: "الحمد لله الذي فقه في دينه من اصطفاه من الأنام.". مطبعة بولاق 1292 والمطبعة اليمنية 1331، وتقع في أربع وأربعين ومئة ورقة. 12 - تعريف الألفاظ الاصطلاحية في العلوم (¬3): طبع بذيل اللؤلؤ المنظوم في روم التعليم الآتي ذكره برقم (57)، مطبعة مصر 1319. 13 - تلخيص الأزهية في أحكام الأدعية لزركشي. 14 - حاشية على تفسير البيضاوي. 15 - حاشية على شرح جمع الجوامع. ¬
16 - حاشية على التلويح. 17 - الحواشي المفهمة في شرح المقدمة للجزري. 18 - خلاصة الفوائد المحمدية في شرح البهجة الوردية (¬1): وضع الشيخ الأنصاري كتابين حول البهجة الوردية، أحدهما: خلاصة الفوائد المحمدية، والثاني: الغرب البهية، والبهجة الوردية: عبارة عن منظومة وضعها الشيخ زين الدين عمر بن مظفر الوردي الشافعي المتوفى سنة 749 هـ نظم بها كتاب الحاوي الصغير في فروع فقه السادة الشافعية ومطلعها: قال الفقير عمر بن الوردي ... الحمد لله أتم الحمد وشرحا الأنصاري كبير وهو "الغرر البهية"، وآخر صغير وهو "الخلاصة". وقال الغزي أن لها شرحين كبير وصغير، وذكر البغدادي الشرحين في هدية العارفين وقد طبعا بالمطبعة الميمنية عام 1318 هـ بالقاهرة. 19 - الدرر السنية في شرح الألفية: وهو شرح الألفية العلامة ابن مالك الأندلسي، ذكره البغدادي في هدية العارفين، وله نسخة خطية في مكتبة الأزهر الشريف وأخرى مخطوطة بجامعة الملك سعود تحت رقم (3338) ومن الجدير بالذكر أن الغزي قال في حديثه عن آثار الأنصاري وما يتعلق بالنحو والتصريف حاشية على ابن المصنف، وشرح الشافية لابن الحاجب كما ذكرناها سابقًا، وشرح شذور الذهب لابن هشام الأنصاري. ¬
20 - الدقائق المحكمة في شرح المقدمة (¬1) وهو عبارة عن شرح للمقدمة الجزرية وهي منظومة في تجويد القرآن للشيخ الإمام والحبر الهمام شيخ الإسلام حافظ عصره أبي الخير محمد بن محمد الجزري طيب الله ثراه وجعل الجنة مأواه، فوضع الشيخ زكريا لهذه المقدمة شرحًا وسمى شرحه: بالدقائق المحكمة في شرح المقدمة، قال الشيخ زكريا الأنصاري في مقدمة شرحه: لما أعتنى بها -أي: بالمقدمة- ذوو الجد والاجتهاد وكانت محتاجة إلي بيان المراد وحوت مع صغر الحجم وحسن الاختصار ما لم يحوه في الفن كثير من الكتب الكبار رأيتُ أن أضع عليها شرحًا يحل ألفاظها ويبين مرادها، ويبرر دقائقها ويقيد مطلقها ويفتح مغلقها وسميته: بالدقائق المحكمة في شرح المقدمة وقد طبع هذا الشرح المطبعة اليمنية 1308، تقع في اثنتين وثلاثين ورقة، وبهامشه المُنَح الفكرية بشرح المقدمة الجزرية، لمُلا علي القاري. كما أنه طبع طبعة حديثة منقحة. 21 - ديوان شعره. 22 - ربُّ البرية بشرح القصيدة الخزرجية. 23 - الزبدة الرائقة في شرح البُردة الفائقة، للبوصيري. 24 - شرح آداب البحث (جدل). 25 - شرح الأربعين النووية. 26 - شرح ألفية العراقي. (حديث) وغالبًا المقصود به "فتح الباقي" الآتي برقم 44. ¬
27 - شرح إيساغوجي (¬1): وهو شرح في علم المنطق، ويشتهر هذا الشرح باسم "المطلع" وهو شرح على مختصر أثير الدين الأبهري المسمَّى إيساغوجي، ذكره الغزي، والبغدادي، وفي معجم المطبوعات العربية، وقد طبع هذا الكتاب مع شرحين آخرين الأول: للمفضَّل الأبهري سماه مطلع شرح إيساغوجي، والثاني: شرح ليوسف الغناوي. أوله: "حمدًا لمن ميز الإنسان بشرف النطق من بين الخلائق، طبع في بولاق سنة 1282 هـ طُبع مع شرحين آخرين الأول للمفضل الأبهري سمّاه مطلع شرح إبساغوجي والثاني شرح ليوسف الغناوي. أوله "حمدًا لمن ميز الإنسان بشرف النطق من بين الخلائق". مطبعة بولاق. 28 - شرح التحرير. 29 - شرح التنقيح ومختصره وشرحه (مختصر أدب القضاء للغزي). 30 - شرح رسالة التوحيد. 31 - شرح الروض. 32 - شرح الشمسية. 33 - شرح صحيح مسلم. 34 - شرح الطوالع في أصول الدين. 36 - شرح القصيدة الخزرجية. 37 - شرح الكفاية لابن الهائم (الفرائض). 38 - شرح مختصر المزني في فروع الفقه الشافعي. ¬
39 - شرح منهاج النووي. 40 - شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول، للبيضاوي. 41 - غاية الوصول إلى شرح لب الأصول (¬1). توجد بأسفل الصحائف حواشي للشيخ محمد الجوهري، وبالهامش متنُ لبّ الأصولِ، له أيضًا. مطبعة مصر 1310 هـ. ويقع في ثمان وسبعين ومئة ورقة. 42 - الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (¬2) (فقه الشافعي). وهو الشرح الكبير، فرغ من تأليفه سنة 867 هـ. أوله "الحمد لله الذي أظهر بهجة دينه القويم". معه حاشية الشيخ عبد الرحمن الشربيني، وبالهامش حاشية ابن القاسم العبادي علي الشرح المذكور مع تقرير الشيخ الشربيني عليها. المطبعة الميمنية 1315 هـ وطُبع طبعة حديثة. 43 - فتح الإله الماجد بإيضاح شرح العقائد: وهو شرح لكتاب العقائد لنجم الدين عمر بن محمد النسفي المتوفى سنة 537 أحد علماء الحنفية الأعلام في الفقه والتفسير والتاريخ وهو غير النسفي المفسر، وكتابه هذا مشهور بالعقائد النسفية وعليه عدة شروح منها: شرح السعد التفتازاني المتوفى سنة 791 هـ وهو الشرح الذي وضع الشيخ الأنصاري شرحه المسمي "فتح الإله الماجد" وقد ذكر هذا الاسم كل من حاجي خليفة في كشف الظنون، والبغدادي في هدية العارفين، وتوجد نسخة خطية منه في المكتبة التيمورية بمصر. ¬
44 - فتح الباقي بشرح ألفية العراقي: وألفية العراقي هي للإمام زين الدين عبد الرحيم بن الحسين أبو الفضل العراقي المتوفى سنة 806 هـ المشهور بالحافظ العراقي وألفيته تعرف بألفية الحديث فقد نظمها ملخصًا فيها كتاب علوم الحديث لابن الصلاح ومطلعها: يقول راجي ربه المقتدر ... عبدُ الرحيمِ بنُ الحسينِ الأثريّ وعلى هذه الألفية شروح كثيرة، منها شرح ناظمها وشرح شيخ السخاوي ومن شروحها المشهورة شرح القاضي العلامة زكريا الأنصاري، وهو شرح مختصر ممزوج سماه "فتح الباقي بشرح ألفية العراقي" فرغ منه -رحمه الله- في رجب سنة 896 هـ. وقد اتهمه الحافظ السخاوي بأنه استمد من شرحه عليها وهي تهمة لا يقوم عليها دليل لما علم مقام الشيخ زكريا من العلم وخضوع العالي والنازل له وكثرة كتبه تبين علمه فكيف تشرئب نفسه إلى عمل طفيف مثل هذا وينسبه لنفسه وهو لغيره إذ التهمة لا تتوجه إلا على من يليق به ذلك وإلا كانت من المهالك. 45 - فتح الجليل ببيان خفي أنوار التنزيل، للبيضاوي (¬1). 46 - فتح رب البرية بشرح القصيدة الخزرجية (¬2): شرح فيه القصيدة الخزرجية في العروض والقافية نظمها ضياء الدين عبد الله بن محمد الخزرجي العروضي الأندلسي الذي نزل الإسكندرية وتوفي فيها قتلًا سنة 626 هـ وسماها: الرامزة في علمي ¬
العروض والقافية، ولكنها عرفت بالخزرجية نسبة إلى ناظمها. شرحها الشيخ زكريا الأنصاري وسمى شرحه "فتح رب البرية .. " وقد طبع بهامش العيون الفاخرة الغامزة على خبايا الرامزة لابن أبي بكر الدماميني، مطبعة مصر سنة 1303 هـ. 47 - فتح الرحمن بشرح رسالة الولي رسلان (¬1): وهو شرح الرسالة الرسلانية في علم التوحيد شرحها الشيخ زكريا وسمى شرحه "فتح الرحمن بشرح رسالة الولي رسلان" كما جاء في "كشف الظنون" وقد جاء ذكر هذا الشرح في الكواكب السائرة بين آثار الشيخ الأنصاري في التصوف، وطبع مع كتاب حل الرموز ومفتاح الكنوز، للعز بن عبد السلام مطبعة مصر سنة 1317 ص ويقع في ست عشرة ورقة. 48 - فتح الرحمن بكشف ما يلتبس من القرآن (¬2): وهو من الكتب النفيسة النادرة فقد بذل فيها المؤلف -رحمه الله- قصارى جهده، لتوضيح ما يتلبس من آيات القرآن الكريم، لبيرز لنا تلك الدرر النفيسة والكنوز الثمنية، وليكشف لنا عن دقائق أسرار القرآن في تعبيره الرفيع، وبيانه المعجز، وذكر فيه آيات القرآن المتشابهة المختلفة بزيادةٍ وتقديم، أو إبدال حرف بآخر مع بيان سبب الاختلاف والتكرار وأورد فيه شيئًا من أسئلة القرآن وأجوبتها، وقد طبع هذا الكتاب أولًا في بولاق على هامش التفسير المسمي: "السراج المنير" للخطيب الشربيني عام 1299 فلم يكن كاملًا، وإنَّما هو لبعض سورٍ كريمة، من ¬
أول سورة البقرة إلى نهاية سورة التوبة، وليس فيه شيء من التحقيق العلمي الذي يرغب فيه أي باحث ثم طبع بالرياض عام 1404 هـ / 1984 م طبعة محققة مع مقدمة عن الأنصاري وآثاره بتحقيق الدكتور عبد السميع محمد أحمد حسنين. وصدرت له طبعة بعد ذلك بعام بتحقيق الأستاذ محمد علي الصابوني، وهي طبعة خالية من مقدمة للتحقيق (¬1). 49 - فتح الرحمن على متن لقطة العجلان (¬2) (أصول). للزركشي، وبالهامش حاشية الشيخ يس على الشرح المذكور، مطبعة النيل 1328 هـ ويقع في سبع وسبعين ورقة. 50 - فتح المبدع في شرح الممتع، لابن الهائم (منظومة في الحساب). 51 - فتح منزل المثاني بشرح أقصى الأماني في البيان والبديع والمعاني: هو كتاب في علوم البلاغة، وهو مختصر تلخيص المفتاح كما جاء في كشف الظنون، وقد عرف حاجي خليفة كتاب فتح المثاني في خلال حديثه عن تلخيص المفتاح فقال: "وللتلخيص مختصرات منها التلخيص المسمي بأقصى الأماني في علم البيان والبديع والمعاني لبعض شراح المطول، أوله: الحمد لله الذي نور بصائر من اصطفاه .. ، ربته على مقدمة، وثلاثة فنون ثم شرحه وسماه فتح منزل المثاني، وأوله: الحمد لله الذي شرح صدورنا .. ، سلك فيها مسلك الإيجاز، وقد عُمد كتاب فتح منزل المثاني في جملة آثار الأنصاري المطبوعة ¬
باسم "فتوح منزل المباني بشرح أقصى الأماني في البيان والمعاني" وهو بتصحيح الشيخ علي المني، والشيخ سالم رضوان العيوني، وكان طبعه في المطبعة الجمالية بمصر سنة 1332 هـ، وتوجد نسخة خطية منه في مكتبة الأزهر الشريف. 52 - فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (¬1): اختصر فيه الأنصاري كتاب "منهاج الطالبين وعمدة المفتين" في فروع مذهب الإمام الشافعي للنووي، وسمى هذا المختصر "منهج الطلاب" ثم عاد وشرح منهج الطلاب، وسمى شرحه "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب" وهو كتاب في الفقه ذكره الغزي حين ذكر آثار الأنصاري، وقال: منها المنهج وشرحه، وجاء في مقدمة على لسان مؤلفه الأنصاري قوله: وبعدُ: فقد كنت أختصرت منهاج الطالبين في الفقه تأليف الإمام حجة الإسلام أبي زكريا يحيى محيي الدين النووي -رحمه الله- في كتاب سميته "منهج الطلاب" وقد سألني بعض الأعزة عليّ من الفضلا، المترددين إليَّ أن أشرحه شرحًا يحل ألفاظه ويجلي حفاظه ويبين مراده، ويتمم مفاده فأجبته إلى ذلك بعون القادر وسميته: "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب" (¬2) وقد طبعا معًا في الميمنية بمصر عام 1332 هـ، وأعيدت طباعته حديثًا - بلا تاريخ- في دار المعرفة بيروت. 53 - الفتحة الإنسية لفلق التحفة القدسية لابن الهائم (¬3) (الفرائض). ¬
54 - فتوح منزل المباني بشرح أقصي الأماني في البيان والبديع والمعاني (¬1)، بتصحيح الشيخ علي المتني، والشيخ سالم رضوان العيوني، مطبعة الجمالية 1332 هـ 1914 م. ويقع في أربع وعشرين ومئة ورقة. 55 - قطعة على مختصر ابن الحاجب. 56 - لب الأصول مختصر جمع الجوامع للسبينكي. 57 - اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم (¬2). مختصر أوله "الحمد لله لذي شرف من وفقه بالعلم والعمل.". ذكر أصناف العلوم وحدودها. بذيله تعريف الألفاظ الأصطلاحية في العلوم. مطبعة الموسوعات عام 1319. يقع في اثنتين وثلاثين ورقة. 58 - مختصر الآداب للبيهقي. 59 - مختصر قرة العين في الفتح والإمالة. 60 - المقصد لتلخيص المرشد (¬3): هو كتاب لخص الشيخ زكريا الأنصاري فيه كتاب "المرشد في الوقف والابتداء" للحافظ العماني المتوفى في حدود 400 هـ كما جاء في كشف الظنون، وله نسخة في جامعة الإمام محمد بن سعود، أوله بعد البسملة: "قال عمدة المحققين .. الحمد لله على آلائه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وأصفيائه وبعد .. " آخره "وليس في الفلق، والنسا وقفٌ حسنٌ نعتمده. تم الكتاب" نسخة موسى بن بكر ¬
القنائي سنة 1146 هـ وطبع في مطبعة بولاق سنة 1280 هـ يقع في اثنتين وأربعين ومئة ورقة، كما طبع في سنة 1290 هـ بالمطبعة العامرة بمصر على هامش كتاب "تنوير المقياس في تفسير ابن عباس" لأبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادي. 61 - الملخص من تلخيص المفتاح (¬1) (بلاغة). أوله: "الحمد لله علي نعمائه، والصلاة على محمد أفضل أنبيائه"، مطبعة بولاق 1305 هـ 62 - المناهج الكافية في شرح الشافية: وهو شرح على الشافية لابن الحاجب في علم التصريف وهو من الشروح الصرفية المهمة، والتي عدت خلاصة ما انتهى إليه المتقدمون، طبع هذا الشرح عام 1310 هـ بالأستانة، لكن هذه الطبعة أقرب ما تكون إلي النسخ الخطية، ولهذا الكتاب نسخة خطية وحيدة في مكتبة الأسد الوطنية بدمشق ثم طبع بعد ذلك كرسالة علمية دكتوراة مقدمة من الباحثة رزان خدّام إلى جامعة تشرين بسوريا سنة 2003 م. (¬2) 63 - منهاج الطلاب، أو المناهج في فقه الإمام الشافعي (¬3). اختصره من منهاج الطالبين وشرحه شرحًا مفيدًا. أوله: "الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.". مطبعة بولاق 1285 هـ أو 1294 هـ ومطبعة الجمالية 1329 هـ. ويقع في سبعة عشرة ومئة صفحة. وطبع بهامش منهاج الطالبين لأبي ¬
زكريا يحيى بن شرف النوري بمطبعة مصر 1305 هـ و 1329 هـ يقع في تسع وثلاثين ومئة ورقة. 64 - منهج الوصول إلى علم الفصول، ومنهج الوصول إلى تخريج الفصول (¬1): وهما شرحان وضعهما الشيخ الأنصاري على كتاب "الفصول المهمة في علم الميراث الأمة"، المشهور بالفصول في الفرائض لابن الهائم أحمد بن محمد المتوفى سنة 815 هـ، وهو صاحب "التحفة القدسية" التي شرحها الأنصاري وسمى شرحها "الفتحة الإنسية" قال السخاوي: إن الشيخ زكريا شرح فصول ابن الهائم، وسماه: "منهج إلى علم الفصول". مزج المتن فيه وشرحه شرحًا آخر سماه: "منهج الوصول إلى تخريج الفصول"، وهو أبسطهما وكذلك قال العيدروسي، وأشار الغزي إلى هذين الشرحين، ولم يسمهما فقال في جملة آثار الأنصاري شرحان على الفصول. 65 - نهاية الهداية في شرح الكفاية: وهذا الكتاب عبارة عن شرح أجوزة كبرى في الفرائض اسمها "الكفاية" لابن الهائم الفقيه الفرضي الرياضي، شرحها الشيخ زكريا رحمه الله. وقد بيَّن فيها أسباب شرحه لهلذه المنظومة، والدوافع إلي ذلك في مقدمة الكتاب فإن كتاب الكفاية المنظوم في علم الفرائض للشيخ الإمام العالم العلامة أبي العباس .. لما كان موشحًا بالمعاني الغزيرة، والقواعد الكثيرة، وقد تداولته الطلبة ليجتنوا من لطيف ثماره ويقتبسوا من ضياء أنواره واشتدت حاجتهم إلى حل مبانيه وإبراز ¬
معانيه، التمس مني بعض الفضلاء شرحًا يفي بالمقصود فأجبته لذلك راجيًا العفو من ربنا المعبود مع ذكر فوائد لا يستغنى عنها، المجد النبيه .. إلخ وقد أوفى بما وعد -رحمه الله- وقد طبع هذا الكتاب طبعة قديمة، وحديثة بتحقيق عبد الرزاق أحمد حسن عبد الرازق: وأصلها رسالة علمية قدمت إلى كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض- طبع دار ابن خزيمة بالرياض سنة 1420 هـ. ثانيًا: الكتب الغير مطبوعة: 66 - الآداب: وهو كتاب علم آداب البحث كما ذكر ذلك صاحب "كشف الظنون" وله شرحٌ عليه يسمى "فتح الوهاب" وقد عدَّه البغداديُّ من آثاره في هدية العارفين، فذكر كتاب "الآداب" على رأسها، ثم أكّد ذلك حين ذكر شرحه "فتح الوهاب" فقال: "فتح الوهاب بشرح الآداب"، والآداب غير كتاب "آداب القاضي" كما ذكره كل من صاحبي "الكشف" و"الهداية". واكتفت طائفة من العلماء بنسبة الشرح إلى الأنصاريِّ؛ فقال الإمام السخاويُّ: "فتح الوهاب" شرح فيه آداب البحث (¬1)، وقال الشعرانيُّ: له "شرح آداب البحث"، وهو نفسه رحمه الله قد أشار إليه في معرض شرحه ولـ"صحيح البخاري". 67 - أدب القاضي- مخطوط يني رقمه 355. (¬2) 68 - الأزهية في أحكام الأدعية. مخطوط الموصل رقمه 212/ 2 / 69. (¬3) ¬
69 - الإعلام والاهتمام لجميع فتاوى شيخ الإسلام. وهو ترتيب المسميات بعد الفروع، مخطوط جوتا 1145. (¬1) 70 - تبيان ما في أحكام النون والتنوين. مخطوط- رامبو 1/ 45 / 9. (¬2) 71 - تحفة الراغبين في بيان أمر الطواعين. مخطوط الإسكندرية فنون 1/ 144. (¬3) 72 - تحفة نجباء العصر في أحكام النون الساكنة والتنوين والمد والقصر. مخطوط أول رقم 7/ 60 (¬4). 73 - تعريفات. وهي عبارة عن تعريفات قصيرة لمصطلحات أصول الدين والفقه مخطوط برلين 3463. (¬5) 74 - تهذيب الدلالة، مخطوط دمشق العمويمة 77/ 167. (¬6) 75 - الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة. مخطوط- القاهرة ثان 2/ 12. (¬7) وعليه شرح: "قرة عيون ذوي الأفهام" للشنواني 1019 هـ. 76 - الدقائق المحكمة. (¬8) مخطوط الإسكندرية- فنون 174/ 190, 20/ 2. ¬
77 - ذكر آيات القرآن والمتشابهات (¬1). 78 - رسالة في البسملة والحمد لله (¬2). 79 - رسالة في تعريف الألفاظ التي يتداولها محققو الصوفية. مخطوط القاهرة أول رقمه 149. (¬3) 80 - عقيدة- مخطوط آصفية (2/ 1318/ 148 - مخطوط جاريت 1/ 181). (¬4) 81 - عماد الرضا بآداب القضاء- مخطوط 1045 في القاهرة 1/ 535. (¬5) 82 - غاية الوصول إلى الأصول- مخطوط- دمشق العمومية 59/ 73. (¬6) 83 - غاية الفصول إلى علم الأصول- مخطوط- رامبو 1/ 267 / 50. (¬7) 84 - الفتوحات الإلهية في نفع أرواح الذات الإنسانية، وهو عبارة عن وصف مختصر للتصوف- مخطوط- برلين 3035/ 6. (¬8) ¬
وفاته
85 - نبذة في بيان الألفاظ المصطلح عليها عند الأصوليين. مخطوط 1/ 300. (¬1) 86 - النجفة العليا (السنية) في الخطب المنبرية- مخطوط- القاهرة أول 149 العملية القاهرة 1281 (¬2). 87 - نهج الطالب لأشرف المطالب. مع شرح تحفة الراغب. مخطوط باريس 1049. (¬3) 89 - هداية المتنسك وكفاية المتسمك (حديث) مخطوط. وفاته: توفي الشيخ زكريا الأنصاري يوم الأربعاء ثالث شهر ذي القعدة سنة ستُ وعشرين وتسعمئة عن مائة وثلاث سنوات، وغُسل في صبيحة يوم الخميس، ولما بلغ ملك الأمراء وفاته أرسل إليه ثوبًا بعلبكيًا وخمسين دينارًا على يد الأمير جالم الحمزاوي، وحضر غسله وتكفينه والصلاة عليه، وأخرجت جنازته من عند المدرسة السابقية، ومشى في جنازته قضاة القضاة وأعيان الناس، وصلوا عليه في سبيل المؤمنين، ونزل ملك الأمراء وصلى عليه بالجامع الأزهر مع العلماء والفضلاء وخلائق لا يُحصون (¬4)، وحُمِل نعشه من سبيل المؤمنين أول ما طلعوا وكانت جنازته حافلة، فلما صلوا عليه توجهوا به إلى مقام الإمام الشافعي رحمة الله عليه بالقرافة الصغرى، ودفن عند الشيخ محمد الخبشاني تجاه قبر الإمام الشافعي. ¬
وقد قيل في رثائه (¬1): لقد عَظمت رَزِيتُنا فنبه ... لها عمرًا ونم جنحَ الليالي فلا زالت ذوو الأقدار تلقى ... من الأيامِ أنواعَ النكالِ وكم جنت المنونُ على رجال ... وجندلت الكماة بلا قتال ودائي ليس يشفيه داء ... وجُرْحي لا يئول إلى أندمال به الأيام قد كانت قصارا ... فويلي مِنْ لياليها الطوال وكان زخيرتي فيها وكنزي ... وكان هدايتي عند الضلال ودق الناس أبواب الفتاوى ... وقد وصلوا إلى باب الصيال بكى العلمُ حتى النحو أضحى ... مع التصريفِ بعدكَ في جدال بكت أوراقُه بيض المواصي ... دمًا ويراعه سمر العوالي وعينُ دواته عمشت وآلت ... يمينًا لا تداوي باكتحال تنكرت المعارفُ في عياني ... وتمييزي غدا في سوء حال وما عوضت من بدل وعطف ... سوى توكيد سقمي واعتلالي فيا قبرًا ثوى فيه تهنى ... فقد حُزْتَ الجميلَ مع الجمال سقاهُ الله عينًا سلسبيلًا ... وأسبغ ما عليه من الظلال وبوأه من الفردوسِ فضلًا ... ورقاه إلى الغرفِ العوالي ¬
كتاب "منحة الباري بشرح صحيح البخاري" أو "تحفة الباري"
كتاب "منحة الباري بشرح صحيح البخاري" أو "تحفة الباري" وهو شرح نفيس كثير الفوائد جدًّا، عمدة الطالب، جذل العبارة، تفرد بأشياء لم يأت بها سابقوه مع أنَّه عبارة عن ملخص لعشرة شروح على الصحيح كما قال الغزي، وهو سفر عظيم في غاية الأهمية للمبتدي، وللمنتهي أيضًا. وذكر الحنفي أنَّه من أجل مؤلفاته وفي الحقيقة فإن هذا السفر المبارك يكشف عن معاني الصحيح، ويبرز عن مبانيه إعرابه كما ذكر مصنفه نفسه في مقدمته، فقال: "قد سنح لي أن أضع على صحيح الإمام الحافظ العالم العلامة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري طيب الله ثراه وجعل الجنة مأواه شرحًا يحل صعابه، ويكشف عن وجه معانيه نقابه، ويبرز عن مبانيه إعرابه ويغني عن غيره طلابه، ضامًّا إليه من الفوائد المستجدات والقواعد المحررات ما تقر به أعين أولي الرغبات راجيًا بذلك جزيل الأجر والثواب من فيض مولانا الأكرم الوهاب وسميته: "منحة الباري بشرح صحيح البخاري". وبالفعل لقد قرّت بهذا الشرح أعيننا فجزى الله صاحبه الأجر والثواب. وقد طُبع هذا الشرح مع إرشاد السَّاري في مصر عام 1326 هـ، وهي طبعة جيدة بالنسبة لوقتها وفيها عناية بالنص، لكن مواضع الخلل والاضطراب في هذه الطبعة عديدة، أضف إلي ذلك خلوها من الضبط والترتيب، وهما من الأشياء التي لا يمكن تجاهلها، وقد اعتمدنا في تحقيقنا هذا على أكثر من نسخة خطية مختلفة مما زاد
اسم الكتاب
في وضوحها وانجلى من نقابها، ونسأل الله أن يتقبل هذا العمل المبارك. اسم الكتاب: تقدم في ترجمة المؤلف أن كتبه يكون لها أحيانًا أكثر من اسم للكتاب الواحد، وهذا هو الحال في كتابنا هذا، فالكتاب له عدة أسماء: منحة الباري بشرح صحيح البخاري: وهو الاسم الموجود على النسخة (أ) ووجدناه أيضًا في فهارس خاصة لمصورات مجموعة من المخطوطات الهندية. تحفة الباري: وهو الاسم الموجود على النسخة (ب) وكذا المطبوعة (م)، وفي "معجم المؤلفين" لكحالة 1/ 733. تحفة القاري بشرح صحيح البخاري: وجدنا هذا الاسم في الفهارس الهندية المذكورة. شرح الجامع الصحيح أو شرح صحيح البخاري، وهو اسم متداول كثيرًا كما في "كشف الظنون" 5/ 374.
عملنا في كتاب المنحة
عملنا في كتاب المنحة 1 - نسخنا الكتاب من النسخ المخطوطة. 2 - قابلنا النص على هذه النسخ مع المطبوع القديم وأثبتنا فروق النسخ. 3 - وضعنا نص "صحيح البخاري" كل حديث قبل شرحه. وقد ضبطنا نص الصحيح بطريقة سنصفها بعد نهاية كلامنا هذا. 4 - ضبطنا الكلمات التي تحتاج إلى ضبط، وميزنا كلام البخاري (في الشرح) بوضعه بين قوسين هكذا ()، وميزنا فروق النسخ التي يذكرها المصنف بوضعها بين أقواس صغيرة هكذا "". 5 - عزونا الأقوال لمصادرها، ووثقنا التراجم والبلدان. 6 - خرجنا الآيات والأحاديث والشعر. 7 - علقنا على ما يحتاج إلى تعليق (وخاصةً المسائل اللغوية، والتي اعتنى بها الدكتور / جمال محمد عبد العزيز المدرس بكلية التربية بالفيوم)، وربما ذكرنا بعض فوائد حديث الباب من شروح مختلفة (ومنها شرح ابن عثيمين على رياض الصالحين) إذا أهمل الشارح الكلام على الحديث. 8 - قمنا بعمل الفهارس اللازمة للكتاب.
عملنا في كتاب صحيح البخاري
عملنا في كتاب صحيح البخاري وهو عمل مستقل تمامًا عن الشرح، قام به الشيخ خالد الرباط والدكتور جمعة فتحي والأخ أحمد روبي، وذلك بغرض خدمة كتاب الصحيح، وقد أخذنا هذا النص ووضعناه مع عملنا في شرح الشيخ الأنصاري، وقد اضطررنا لتعديل بعض الألفاظ الناتجة عن اختلاف النسخ بما يوافق الشرح، إلا أننا لم نفعل ذلك إلا في أضيق الحدود. منهج ضبط متن صحيح البخاري: 1 - تم الاعتماد على الطبعة اليونينية، بالنشرة التي أصدرتها دار طوق النجاة مؤخرًا، مع الاستفادة بالهوامش التي توضح الفروق بين النسخ. كما رجعنا إلى بعض مخطوطات الصحيح عند الحاجة. 2 - رقمنا الأحاديث والأبواب بترقيم الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله. 3 - عزونا كل حديث إلى: - مواضع رواياته (أطرافه) في صحيح البخاري نفسه. - موضعه في صحيح مسلم إن وجد. - موضعه من "فتح الباري" الطبعة السلفية المعتمدة لدى معظم الباحثين. 4 - هذا كله مع ضبط النص بصورة شبه كاملة. والله تعالى نسأل أن يتقبل هذا العمل، وأن يعييننا على خدمة هذا الدين، إنه سميعٌ مجيب الدعاء.
وصف النسخ الخطية
وصف النسخ الخطية 1 - نسخة الإفتاء (أ): واعتمدناها أصلًا في الجزء الذي تمثله. عليها ختم مكتبة الرياض العامة السعودية رقم التسجيل العام 515 والخاص 86، وهي مكتبة الإفتاء وغالب ظننا أنها انتقلت الآن إلى مكتبة الملك فهد بالرياض. وعلى ظهرية النسخة تملك مؤرخ سنة 1271 هـ باسم / عبد الوهاب محمد الحريمي. وختم (وقف الشيخ محمد بن عبد اللطيف) والختم متأخر (حديث). وقد نُسخت في القرن الثالث عشر الهجري تقديرًا. مقاسها 31 × 5.21 سم، وخطها نسخ قريب من الجيد، والمتن بالحمرة، والورقتان الأولتان بأطرافهما تآكل. 608 صفحة (304 ورقة) وعدد الأسطر في الصفحة 29 س وقد حصلنا على مصورتها من مكتبة جامعة الملك سعود. وتبدأ من أول الكتاب وتنتهي بنهاية كتاب المكاتب (حديث 2565). 2 - نسخة دار الكتب المصرية (ب) واعتمدناها أصلًا بعد نهاية (أ) وهي في الدار برقم 138 وتقع في 292 ورقة (584 صفحة) 23 س، وتبدأ من كتاب الحج (حديث 1513) وتنتهي بمناقب الأنصار (حديث 3948). وخطها نسخ واضح لكن ليس بجيد 3 - نسخة أخرى من دار الكتب المصرية (ج) رقم 137 وتقع في 626 ورقة (1252 صفحة) 22 س وتبدأ من حديث 1174 من كتاب الصلاة (التطوع) وتنتهي بحديث (4644)
في التفسير (سورة الأعراف). وعليها وقف (المرحوم الشيخ عبد الحي الشرنبلاتي الحنفي بقناطر السباع بجامع الجنيد) وقناطر السباع هذه موضع بالقاهر القديمة (انظر: المقفي 1/ 744). 4 - نسخة ثالثة (د) من دار الكتب المصرية برقم 139 ولم يتيسر الحصول عليها من الدار فحصلت على مصورتها من مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود: واعتمدناها أصلًا بعد نهاية النسخة (ب). وتقع في 170 ورقة (340 صفحة) 31 س وتبدأ من حديث 31910 (كتاب بدء الخلق) وتنتهي بحديث 6065 (كتاب الأدب). وعليها تملك: (انتقل بالملك الشرعي إلى نوبة الفقير إلى الله تعالي محمد بن علي بن عبد الوهاب العرايشي المالكي). ووقف: (أوقف هذا الكتاب السيد أحمد عبد السلام ومقره بزاوية العربي بالحوادرية). 5 - النسخة (س) مصورة من الأصل المحفوظ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم (3929)، وهي مشتراه من "رضوان دعبول" وتبدأ من حديث (2351) وتنتهي بحديث (7544) وهي بذلك تكملة للنسخة (أ) لكن الناسخ مختلف، وخطها أقرب ما يكون لخط النسخة (ج) وتقع في 364 ورقة مقاس 27 × 18 سم ومسطرتها مختلفة لكنها تتراوح بين 31 إلى 34 س، وعلى ظهريتها كُتب العنوان: الجزء الثاني من تحفة الباري بشرح صحيح البخاري تأليف قاضي القضاة شيخ مشايخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، سيبويه زمانه وفريد عصره وأوانه، زين الدين لسان المتكلمين، حجة المناظرين، محيي سنة سيد المرسلين، زكريا الأنصاري الشافعي،
تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان، وأسكنه بحبوحة الجنان، بمنه وكرمه، والمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء والأموات، آمين آمين آمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين .. وبالهامش تصحيحات وتعليقات، ومتن البخاري بالحمرة. وقد اعتمدناها أصلًا بعد نهاية النسخة (د). 6 - الطبعة الميمنية (م) المطبوعة عام 1326 هـ كحاشية على إرشاد الساري وبالهامش شرح النووي، وفيها خاتمة لرئيس لجنة التصحيح بمطبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر محمد الزهري الغمراوي، وقد أثنى على هذا الشرح قائلا: " .. وهو شرح مرصع بدرر التحقيقات موشى بحلى الكشف عن المدلهمات بعبارات موجزة رائقة، وطريقة سهلة فائقة". واستفدنا منها في بعض المواضع ومنها أكملنا النقص الموجود في نهاية الكتاب في النسخ المخطوطة وهو نحو عشرين حديثًا. وقد وضعنا بعض النماذج من نسخ الكتاب بعد هذا الوصف، وقد نلحق صورًا أخرى في المجلد الأخير من الكتاب، وذلك لأننا استخدمنا قاريء الميكروفيلم مباشرة في النسخ والمقابلة لبعض النسخ ولم يتيسر لنا تصوير نماذج منها أثناء إعداد المقدمة. أخيرا هذا جهدنا نقدمه للقارئ الكريم, فما كان فيه من توفيق وسداد فمن الله سبحانه وتعالى, وما كان فيه من نقص فمن أنفسنا ومن الشيطان, ونسأل الله المغفرة والعفو, والله حسيبنا وعليه التكلان.
نماذج من نسخ الكتاب
ظهرية النسخة (أ) واسم الكتاب فيها: "منحة الباري بشرح صحيح البخاري"
ورقة من النسخة (أ)
ظهرية النسخة (ب) وعليها اسم الكتاب "تحفة الباري"
صفحة من النسخة (ب)
الصفحة الأولى من (ج)
غلاف الملجد الرابع من المطبوع (م)
صفحة من المطبوع (م) وكتاب المنحة (التحفة) في المربع الأسفل
منحة الباري بشرح صحيح البخاري المسمى «تحفة الباري» تأليف شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري المصري الشافعي اعتنى بتحقيقه والتعليق عليه سليمان بن دريع العازمي بالتعاون مع مركز الفلاح للبحوث العلمية [المجلد الأول]
[مقدمة المصنف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال [سيدنا ومولانا وشيخنا وقدوتنا إلى الله تعالى: شيخ مشايخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، سلطان الفقهاء والأصوليين، علم النحاة والمفسرين، رحلة المحدثين] (¬1) سيبويه زمانه، فريد عصره وأوانه، زين الملة والدين لسان المتكلمين حجة الناظرين محيي سُنَّةِ سَيِّدِ المرسلين، أبو يحيى زكريا الأنْصاريّ الشَّافعيّ، تغمده الله برحمته، ونفعنا والمسلمين ببركته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله الذي شَرَحَ صُدُورنَا لشرْحِ مسنوناتِهِ، ووفَّقَ جوارحَنَا للاشتغالِ بطاعتِهِ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شريك له، عَدَدَ معلوماتِهِ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه المؤيَّد بمعجزاته - صلى الله عليه وسلم - وعلى [آله و] (¬2) إخوانه من النبيِّين وآل كلٍّ وسائر الصالحين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يَوْمِ الدِّين، آمين. وبعد: فقد سَنَحَ لي أَنْ [أضع] (¬3) عَلَى صحيحِ الإمامِ الحافظِ العالمِ العلامةِ مُحمد بْنِ إسماعيل البخاريّ، طيَّبَ الله ثراه، وجَعَلَ الجنَّةَ مأْواه ¬
شرحًا يحلُّ صِعَابَهُ ويكشفُ عن وَجْهِ معانيه نِقَابَهُ، ويبرزُ عن مبانيه إعرابَهُ، ويغني عن غيرِهِ طلابَهُ، ضامًّا إليه من الفوائد المستجادات، والقواعدِ المحَّرراتِ ما تَقَرُّ به أعينُ أُولي الرَّغباتِ، راجيًا بذلك جزيلَ الأجرِ والثوابِ من فَيْضِ مولانا الأكرمِ الوهَّابِ، وسميتُه: "مِنْحةُ البارِيّ بِشَرْحِ صَحيح البُخاريّ" والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجههِ الكريمِ، ووسيلةً للفوزِ بجنَّاتِ النعيم.
1 - كتاب بدء الوحي
1 - كتاب بدء الوحي
1 - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قَالَ الشَّيْخُ الإمَامُ الحَافِظُ أبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بْنُ إسماعيل بْنِ إبراهيم بن المُغِيرَةِ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى آمينَ 1 - باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْي إِلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وَقَوْلِ الله جل ذِكْرُهُ {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] [فتح: 1/ 8] قال المصنف رحمه الله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أي: أبتدئ أو أؤلِّفُ؛ إذْ كلُّ فاعلٍ يبدأُ في فعلِه ببسم الله يُضمِرُ ما جعلَ التسميةَ مبدأ له (¬1)، كما أنَّ المسافرَ إذا حلَّ أو ارْتحلَ، فقالَ باسمِ الله كان المعنى: باسم الله أحلُّ، أو بسم الله أرتحل. والباءُ للمصاحبةِ (¬2)؛ ليكونَ ابتداءُ التأليفِ مصاحِبًا لاسم الله تعالى المتبرك بذكره. وقِيلَ: للاستعانةِ، نحو: كتبتُ بالقلمِ. والاسْمُ مشتقٌّ مِنَ السُّموِّ (¬3)، وهو: العُلُوُّ، وقيلَ: مِنَ ¬
الوَسْمِ (¬1)، وهو: العلامة؛ لأنَّ كل ما سمِّي فقد نُوِّهَ باسمه ووُسِمَ و (الله): علَمٌ للذات الواجب الوجود، وأصلُه (¬2): الإله حُذِفَت همزته وعوِّض عنها حرف التعريف، ثم جعل علمًا، وهو عربي عند الأكثرِ (¬3)، وزعمَ البلخيُّ من المعتزلة أنه معرَّب، فقيل: عبري. وقيل: سرياني. و (الرحمن) (¬4) و (الرحيم) (¬5): اسمانِ بنُيا للمبالغةِ من: رَحِمَ، ¬
والرحمة لغةً: رقة القلب تقتضي التفضل، فالتفضل غايتها، وأسماء الله تعالى المأخوذة من نحو ذلك إنما تُؤخذ باعتبارِ الغاية دون المبدأ، والرحمن أبلغُ منَ الرحيم؛ لأنَّ زيادةَ البناء تدلُّ على زيادةِ المعنى، كما في قطع وقطَّع، وفيه: كلام ذكرته مع جوابه في "شرح البهجة". وبدأ كتابَه بالبسملةِ (¬1) اقتداءَ بالكتابِ العزيز، وعملًا بخبر: "كُلُّ أمرِ ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهو أقطعُ". أي: للبركة. ورواه أبو داود وغيرُه، وحسَّنه ابن الصلاح وغيره (¬2). (باب) ساقطٌ من نسخة، وهو لغةً (¬3): ما يتُوصلُ به إلى غيره، ¬
وعرفًا: اسمٌ لجملة مختصة من العلم مشتملة غالبًا على فصول، ويُقرأُ بالتنوين وتركه، وبالوقف عليه على سبيلِ التعداد للأبواب، فعليه: لا إعراب له، وعلى الأولين: خبرٌ لمبتدإ محذوف، لكنه على الثاني: مضاف إلا ما بعده بتقدير مضاف أي: هذا باب جواب (كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) ابتدأ كتابه بذلك؛ لأنَّ الوحي مادة الشريعة إذ قَصْدُه: جمع حديث النبي وهو وحْيٌ. و (كَيْفَ): في محلِّ نصب خبر (كان) إن جُعلت ناقصةً، وحالًا إن جُعلت تامة، وتقديمها واجب؛ لأنها في الأصل للشرط (¬1)، نحو: كيف تصنع أصنع وللاستفهام حقيقة كما هنا، أو تجوزا نحو: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} [البقرة: 28] لأنها فيه بمعنى الإنكار والتعجب وكل مِنَ الشرط والاستفهام له صدرُ الكلامِ / 1 / والضابطُ في إعرابها: أنَّها إنْ وقعَتْ قبل مالا يستغنا عنها فمحلها بحسب الافتقار إليها، ففي نحو: كيف أنت؟ رُفِعَ لأنَّها خبرُ المبتدإ، وفي نحو: كيف تصنعْ أصنعْ، نُصِبَ مفعولًا لتصنع، وفي نحو: كيف كنتَ؟ نصب إن قدرت كان ¬
ناقصةً خبرًا لها، وفي نحو: كيف ظننت زيدًا؟ نصب مفعولًا ثانيًا لظنَّ، وإن وقعت قبل ما ويستغني عنها، نحو: كيف جاء زيد؟ فمحلها: نصب على الحال، وقد تأتى مفعولًا مطلقًا نحو: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] لاقتضاء الكلام ذلك. و (بدءُ): بفتح الباء وسكون الدال وبالهمز مصدر بدأ بمعنى: الابتداء، وبضم الباء والدال وتشديد الواو مصدر بدا بمعنى: ظهر، قيل: والأحسن الأولُ؛ لجَمْعِهِ المعنيين. وقيل بالعكس؛ لأنه الأظهرُ في المقصود. وقال العلامةُ الشمسُ البرماويُّ (¬1): والظاهرُ: أنَّ أحدَهما ¬
لا يستلزمُ الآخر، والمرادُ ببدءِ الوحي: حالُه مع كلِّ ما يتعلقُ بهِ أيَّ تعلقٍ كانَ. فلا يردُّ الاعتراض بأنه لم يتعرض في الحديث لبيان كيفية بدء الوحي فقط. بل لبيان كيفية الوحي على أنه قد تعرض له بعدُ في حديث عائشة، حديث ذكر فيه أن ابتداءه كان رؤيا منام، ولا يضره نقص الترجمة عن المترجم له، إنما يُعاب العكس. و (الوحي) لغةً (¬1): يقال للإعلام بخفاء، وللكتاب، وللمكتوب وللبعث، وللإلهام، وللأمر، وللإيماء، وللإشارة، وللتصويت شيئًا بعد شيء. وشرعًا: الإعلام بالشرع بكتاب، أو رسالة ملك، أو منام، أو إلهام، أو نحوها. وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه أي: الموحى وهو كلام الله المنزَّلُ على النبي - صلى الله عليه وسلم -. والرسول: إنسانٌ أُوحي إليه بشرعٍ وأُمِرَ بتبليغه، فهو أَخصُّ من النبيِّ؛ لأن النبيَّ إنسان أُوحي إليه بشرعٍ وإن لم يؤمر بتبليغه. و (قول الله): بالرفع مبتدأ خبره ما بعده، وبالجر عطفًا على كيف إن أضيف إليها (باب) أي: باب بيان كيف كان بدءُ الوحي، وباب معنى قول الله أو على كان بتقدير مضاف أي: كيف كان نزول قول الله، وإنما قلت: ¬
بتقدير مضاف؛ لأن العطف بدونه [على كان] (¬1) يقتضي أن لكلام الله كيفيةً، ولا كيفيةَ له. وكثيرًا ما يذكر البخاريُّ في الترجمة آيةً فأكثر من القرآن؛ للاستشهاد بها على ما قبلها أو ما بعدها. (جلَّ ذكره) في نسخة: "-عَزَّ وَجَلَّ-". {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} الآية [النساء: 163]. عادةُ البخاري -رحمه الله- أن يضمَّ إلى بعض التراجم والحديث ما يناسبه من قرآن وتفسير له، أو حديثٍ على غير شرطه، أو أثر عن بعض الصحابة، أو عن بعض التابعين، بحسب ما يليق عنده ذلك بالمقام، وأراد بذكر هذه الآية في أوَّلِ هذا الباب؛ الإشارة إلى أن الوَحْي سنة الله تعالى في أنبيائه عليهم السلام، وإلى أن الوَحْي إلى نبيِّنا محمد شبيه بالوحي إلى بقية الأنبياء في أنه وحيُ رسالةٍ لا وَحْيَ إلهام. ولما كان كتابه لجمع وحي السنة، وكان الوَحْيُ لبيان الأحكام الشرعية صدَّره بباب الوحي؛ لأنه مادة الشريعة كما مرَّ ثم بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" الآتي لمناسبته للآية السابقة؛ لأنه أوحي إلى الجميع الأمر بالنية، بقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] والإخلاص: النية، قيل: قدم ذكر نوح لأنه أوَّلُ نبيٍّ أُرسل، أو أوَّلُ نبيٍّ عوقب قومه. 1 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ ¬
اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". [54، 2529، 3898، 5070، 6689، 6953 مسلم: 1907 - فتح: 1/ 9] (حدثنا الحُمَيْدِيُّ) بالتصغير أبو بكر عبد الله بن الزبير مكيّ، منسوب إلى حميد بن أسامة بطن من بني أسد بن عبد العزى بن قصي. (حدثنا سُفْيَان) هو بضمِّ السين أَفْصَحُ من فتحها وكسرها ابن عيينة بن أبي عُمْران الهلالُّي مكيُّ، حدثنا (يَحْيى بنُ سعيد) اسم جدَّه قيس بن عمرو مدني (الأنصاري) نسبة إلى الأنصار جدهم نَصير، كشريف وأشراف، وقيل: ناصر كصاحب وأصحاب، وهو وصف لهم بعد الإسلام وهم قبيلتان الأوس والخزرج / 2 / ابنا حارثة بن ثعلبة (قال: أخبرني محمد بن إبراهيم) اسم جده الحارث، ويحيى ومحمد تابعيَّان (التيميِّ) نسبة لتيم قريش. (أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي) بالمثلثة نسبة إلى ليث بن بكر ذكره ابن منده في الصحابة وغيره في التابعين، (سمعت عمر بن الخطاب) اسم جدّه نفيل أي: سمعته حال كونه (على المنبر) بكسر الميم من النبر: وهو الارتفاع، (قال) في نسخة "يقول" (سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) هو مفعول سمعت (يقول) حال دالة على محذوف مضاف للمفعول أي: سمعت كلامه؛ لأن الذوات لا تسمع، وقيل: مفعول ثانِ لسمعت (¬1)، وأتى به مضارعًا بعد سمع الماضي حكاية لحال وقت السماع، أو لإحضار ذلك في ذهن السامع، وأتى في السند بحدثنا، وأخبرني، وسمعت؛ ليفيد أنها كلها تفيد السماع والاتصال، كما نبه ¬
عليه بعدُ في باب: العلم، وقد بينت ذلك مع زيادةٍ في "شرحِ ألفيةِ العراقيِّ" (¬1). (إنما) مركبة من إنَّ المشددة وما الكافة (¬2). (الأعمال) البدنية أقوالها وأفعالها الصادرة من المؤمنين أي: إنما صحتها منهم كائنة. (بالنيات) في رواية: "بالنية" (¬3)، وفي أخرى: "العمل بالنيات" وفي أخرى: "العمل بالنية" (¬4)، وفي أخرى لابن حبان: "الأعمال بالنيات" (¬5) بحذف إنما، وكلها تفيد الحصر، أما في الأخيرة فبعموم المبتدأ أو خصوص الخبر على حد: صديقى زيد، وأما في البقية فبكلٍ من: إنما وما بعدها، والحصر بإنما بالمنطوق لا بالمفهوم؛ لأنه لو قال: ما له عليَّ إلا دينار كان إقرارًا بالدينار، ولو كان بالمفهوم لم يكن مقرًا لعدم اعتبار المفهوم في الأقارير، ثم الحصر فيما ذكر أكْثَرِيٌّ لا كُليُّ إذ قد يصح العمل بلا نية كالأذان والإقامة (¬6) كما يصح ترك العمل ¬
بدونها، كترك الزنا وإن افتقر حصول الثواب فيه إليها بأن يقصد بتركه امتثال الشرع وإزالة النجاسة من قبيل الترك، والحصر فيها ذكر من حصر المبتدأ في الخبر. والنيةُ لغةً (¬1): القصد، وشرعًا: قصد الشيء مقترنًا بفعله، فإن تراخى عنه كان عزمًا. وقد بسطت الكلام على ذلك في "شرح البهجة" وغيره. (وإنما لكل امرئٍ ما نوى) وكذا لكلِّ امرأةٍ، والحصر في هذا عكس ما قبله؛ لأنه حصر الخبر في المبتدأ إذ المحصور فيه بإنما المؤخر دائمًا والحصر هنا مُفاد بكلٍّ من إنما وتقديم الخبر، ثم المراد من هذه غير المراد من التي قبلها بأن يقال المراد من تلك: حَصْرُ المبتدأ في الخبر ومن الثانية عكسه كما مرَّ، أو أن المراد من تلك: بيان توقف الصحة على النية ومن هذه: بيان توقف الثواب عليها، أو أن تلك لم تفد تعيين العمل بالنية وهذه أفادته؛ لأنه لو نوى صلاة إن كانت فائتة وإلا فهي تطوع لم تجزئه عن فرضه؛ لأنه لم يمحص النية ولم يعين بها شيئًا. (فمن كانت هجرته إلى دنيا) بضم الدال وبالقصر بلا تنوين للتأنيث والعلمية وحكي الكسر والتنوين، وسميت بذلك؛ لدنوها بسبقها على الدار الآخرة، واستشكل استعمالها منكرة؛ لأنها في الأصل مؤنث أدنى، وأدنى أفعل تفضيل فحقها أن تستعمل باللام نحو: الكبرى والحسنى، وأجيب: بأن دنيا خلعت عن الوصفية وأجريت مجرى ما لم يكن وصفًا مما وزنه فُعْلى اسمًا، كرُجْعَى، وبُهْمَى. ¬
(يصيبها) صفة لدنيا. (أو إلى امرأة) في نسخة: "أو امرأة" وخُصَّت بالذكر مع دخولها في دنيا؛ لأنها فتنة عظيمة، فنبه على التحذير منها ففي الحديث: "ما تركت بعدي فتنة أضرَّ على الرجل من النساء" (¬1) ولأنها سبب ورد عليه الحديث وهو الرجل الذي هاجر إلى امرأة لينكحها يقال لها: أم قيس واسمها: قيلة (¬2) (ينكحها) أي: يتزوجها كما في رواية (¬3). (فهجرته إلى ما هاجر إليه) جواب مَنْ (¬4)، وأسقط من روايته هنا تنافى بقية الروايات عقب قوله: نوى، وهو (فمن كانت هجرته إلا الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله). وأبدل (واو فمن كانت هجرته إلى / 3 / دنيا) بفاء. والهجرة فِعْلَة من الهَجْرِ: وهو الترك، والمراد هنا: ترك الوطن إلى غيره؛ لأن المقصود هجرة من هاجر من مكة إلى المدينة وقد وقع قبل هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لذلك هجرة بعض الصحابة للحبشة مرتين، وبالجملة فحكم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام مستمر على التفصيل المذكور في الفقه، وقد تطلق الهجرة، كما في بعض الأحاديث على هَجْرِ ما نهى الله عنه، وعلى هجر المسلم أخاه، وهجر ¬
المرأة في المضجع، وغير ذلك. ومناسبة ذكر الهجرة هنا أنها من قاعدة الأعمال بالنية. وفاء فهجرته: داخلة في جواب (مَن) إن قدرت شرطية وفي خبرها إن قدرت موصولة لتضمنها معنى الشرط، لكن الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر لا بد من تغايرهما وظاهر الكلام هنا اتحادهما، فلا بد من تأويل للتغاير فقيل: تقديره فيما سقط من الحديث. (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) نيةً وقصدًا. (فهجرته إلى الله ورسوله) شرعًا وحكمًا، وقيل: حذف من الثاني الخبر أي: فهجرته إلى الله ورسوله مقبولة، أو صحيحة، وقيل: التقدير فيه: فله ثواب مَنْ هاجر إلى الله ورسوله فأقيم السبب مقام المسبب، وقيل: التقدير فيه: ما عُهد في الذهن. وفي الأول: المشخص في الخارج مثل أنا أبو النجم وشعري شعري (¬1)، أي: شعري الذي سمعتموه هو شعري، أي: [المستقر] (¬2) المعهود في الأذهان، ثم ما ظاهره الاتحاد يقصد به المبالغة إما في التعظيم، كما في قوله: (ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)، وإما في التحقير، كما في قوله: (ومن كانت هجرته إلى ¬
دنيا ... إلخ)، وإنما قال: إلى الله ورسوله، ولم يقل: إليهما. وإن كان الأصل الربطَ بالضمير لكونه أخصر، إما لأن الظاهر استلذاذًا بذكره صريحًا ولذلك لم يأت مثله في الجملة بعده إعراضًا عن تكرار لفظ الدنيا، وإما لئلا يجمع بين اسم الله ورسوله في ضمير، بل يفردان، كما في حديث: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله" (¬1) واعلم أن الجملة الأولى من هذا الحديث تضمنت المدح وهو ظاهرٌ والثانية منه الذم؛ لأن مضمونها خرج في صورة الطالب لفضل الهجرة وباطنه خلاف ظاهره، وأن نية المؤمن خير من عمله، لخبر ورد فيه بذلك؛ ولأن نية الحسنة يثاب عليها بخلاف عملها بلا نية، ولأن النية لكونها بالقلب لا يدخلها رياء، بخلاف الأعمال الظاهرة؛ ولأن القلب أشرف من غيره فكذا فعله؛ وأن هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. قال أبو داود: يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث (¬2): الأعمال بالنيات، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه (¬3)، ولا يكون المؤمن ¬
2 - باب
مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه (¬1)، والحلال بين والحرام بين (¬2). وسيأتي في باب: من استبرأ لدينه ماله بهذا تعلق. 2 - باب 2 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رضي الله عنها - أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ - رضي الله عنه - سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - "أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ -وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ- فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ". قَالَتْ عَائِشَةُ - رضي الله عنها - وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. [3215 - مسلم: 2333 - فتح: 1/ 18] (حدثنا عبد الله بن يوسف) وهو تنِسيُّ المنزل، دمشقي الأصل، و (يوسف) مثلث السين مع الهمز وبتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه. و (أخبرنا مالك) أي: ابن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة. (عن هشام بن عروة) أي: ابن الزبير بن العوام القرشيُّ التابعيُّ. (عن أبيه) هو أبو عبد الله عروة المدنيُّ أحد الفقهاء السبعة. (عن عائشة) بالهمز، وعوام المحدثين يبدلونها ياء. (أم المؤمنين) قال تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] أي: في الاحترام، وتحريم نكاحهن، لا في غيرهما كجواز الخلوة، والمسافرة، والنظر وتحريم ¬
نكاح بناتهن، وإنما قيل لهنَّ: أمهات المؤمنين للتغليب وإلا فلا مانع من أن يقال لهن: أمهات المؤمنات على الراجح (أن الحارث) قد يكتب بدون ألف تخفيفًا. (سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) يحتمل: أن تكون عائشة حضرت ذلك وهو المشهور، فيكون من مسندها وأن يكون الحارث أخبرها بذلك فيكون من مرسل الصحابة وهو محكوم / 4 / بوصله عند الجمهور. (كيف يأتيك الوحي؟) أي: صفته، أو صفة حامله، أو حامله، أو ما هو أعمُّ من ذلك، وبكل تقدير فإسناد الإيمان إلى الوحي مجاز، لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله، (فقال) في نسخةٍ: "قال" بلا فاءٍ (أحيانًا) أي: أوقاتًا، ونصبه على الظرفية وعامله يأتي في قوله: (يأتيني مثل صلصلة الجرس) أي: صوته، والصوت المشبه بذلك قيل: صوت الملَكِ، وقيل صوت حفيف أجنحة الملك، والحكمة في تقدمه: أن يُقْرعَ سَمْعَ النَّبِيِّ الوَحْيُ، فلا يبقى فيه مُتَّسَعٌ لغيره. ولا ينافي تشبيهُ صوتِ الملكِ هُنَا لصلصلةِ الجرسِ تشبيهَهُ بِدَويِّ النحلِ المرويِّ في أبي داود، بلفظ: كنا نسمعُ عنده مثلَ دويِّ النحل (¬1). لأن ذاك بالنسبة إلى الصحابة لبعدهم وهذا بالنسبة إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لقربه. ¬
و (مثل) منصوب نعتًا لمصدر محذوف أي: إتيانًا مثل، أو حال أي: مشابهًا صوته صلصلة الجرس وهو بفتح الراء: الجلجل الذي يُعلَّق في الدواب، قيل: إنما كان ينزل كذلك فيما هو وعيد أو تهديد لا يقال: صوت الجرس مذموم؛ لصحة النهي عنه؛ ولأن الملائكة تنفر عنه، فكيف يشبه به ما يفعله الملك به؛ لأنَّا نقول لا يلزم من تشبيه الشيء بآخر تساويهما في الصفات كلها، بل اشتراكهما في صفةٍ ما، والمقصود به هنا: بيان الجنس، فذكر ما أَلِفَ السامعون سماعه تقريبًا لإفهامهم، والحاصل: أن للصوت جهتين: جهة قوة، وجهة طنين، فمن حيث القوة: وقع التشبيه به، ومن حيث الطنين: وقع التنفير عنه، (وهو) أي: الوحي بصفته المذكورة (أَشَدُّ) أي: أَشَدُّ إتيانه عليَّ. فائدة هذه الشدة المستلزمة للمشقة ما يترتب عليها من زيادة الزُّلْفَى ورفع الدرجات، والجملة حال (¬1). (فَيُفْصَم) بفتح الياء أي: الوحي أو المَلَك، من الفَصم وهو: القطع بلا إبانة، بخلاف القصم بالقاف فإنه: قطع بإبانة. وذكر هنا بالفاء؛ إشارةً إلى أن الوحيَ، أو الملك يعود فكأنه قال: لا انفصال له. ويُروى بضم الياء، بالبناء للفاعل وبالبناء للمفعول، والمراد: قطع الشدة أي: ينجلي ما يغشاني من الكرب والشدة. (وَعَيْتُ) بفتح العين، أي: فهمت، أو حفظت، أو جمعت، وأصله: الوعاء، ومنه: أذن واعية، فاسم الفاعل منه واعٍ، ويقال في المال والمتاع: أوعيت، فاسم الفاعل منه موعٍ (¬2) (يتَمَثَّل) أي: يتصور ¬
لي أي: لأجلي. (المَلَكُ) أي جبريل. (رجلًا) بالنصب على التمييز من النسبة أو على المصدرية أي: مثل رجلٍ، كدِحية، أو على الحالية أي: هيئة رجل، ولا يرد على الأول أن تمييز النسبة لا بد أن يكون محولًا عن الفاعل أو عن المفعول، وذلك غير متأت هنا؛ لأن ذلك أَكْثَرِيٌّ لَا كُلَّيٌّ، بدليل امتلاء الإناءِ ماءً، والملك: واحد الملائكة، والملائك بحذف التاء ولا ينافيه قول الزمخشري (¬1): إن الملائك جمع ملأك على الأصل، كالشمائل جمع شمأل؛ لأن مراده بالأصل، الأصل الثاني: وهو تأخير الهمز عن اللام، والأول: بنى على الأول وهو تقديمه عليها، وأصل ملك: مألك حذفت همزته؛ لكثرة الاستعمال. وتمثله رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه بما يعهد من البشر والملائكة، كما قال المتكلمون: أجسام علوية لطيفة تتشكل بأيّ شكل شاءت. (فَأَعِي) أتى بالفعل هنا مضارعًا، وفيما مرَّ ماضيًا؛ لأن الوعْيَ فيما مرَّ: حصل قبل الفصم ولا يُتصور بعده، وهنا حال المكالمة لا يتصور قبلها، أو أنه فيما مرَّ عند غلبة التلبس بالصفات الملكية، فلما ¬
عاد للحال المعهودة أخبر عن الماضى، وأما هنا فهو على حالته. وحاصل جوابه - صلى الله عليه وسلم - كيفيتان: إحداهما: وهي أشده عليه أن يأتيه الملك في صورته؛ لاشتمالها على ما يخالف طبع البشرية؛ فيحصل له من الشدة والمشقة وغشيان الكرب لثقل ما يلقى إليه أمر عظيم قال تعالى: / 5 / {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5]، وثانيهما: وهي أيسر من الأولى أن يأتيه الملك في صورة بَشَرِ يأنس به، ويكلمه على المعتاد، ووجه الاقتصار عليهما: أن سنة الله تعالى لمَّا جرت أنه لا بد من مناسبة بين القائل والسامع حتى يقع التعليم والتعلم فتلك المناسبة إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية عليه، وهو النوع الأول، أو باتصاف القائل بوصف السامع، وهو النوع الثاني. والكلام في الوحي من جبريل في اليقظة، وإلا فمنه الرؤيا الصادقة، وسماع الكلام القديم كسماع موسى وسماع نبينا عليهما السلام كلامه تعالى منه ووحي تلقِ بالقلب. والوحي من إسرافيل أول البعثة ثلاث سنين، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة (¬1)، ثم وحي جبريل، وكان يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة رجلٍ (¬2)، وفي صورة دحية (¬3)، وفي صورته التي خُلق عليها ¬
مرتين (¬1)، وفي صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر (¬2). (قالت عائشة) أي: وبالإسناد السابق فحذف حرف العطف فيكون مقولها مسندًا، ويحتمل أن يكون من تعاليق البخاري، وتكون النكتة فيه اختلاف التحمل؛ لأنها في الأول: أخبرت عن مسألة الحارث على ما مرَّ، وفي الثاني: عمَّا شاهدته تأييدًا للخبر الأول. (وَلَقدَ) الواو للقسم أي: والله لقد. (ينزل) بالبناء للفاعل ويروى يُنَزَّل بالبناء للمفعول (في اليوم الشديد البرد) الشديد: صفة جرت على غير من هي له؛ لأنه صفة البرد لا اليوم فالإضافة فيه من إضافة الصفة للموصوف. (فيفصم) بفتح الياء وضمها نظير ما مرَّ. (وإن جبينه) هو طرف الجبهة، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة. (لَيَتَفَصَّدُ) بالفاء والصاد المهملة المشددة أي: يسيل، كما يسيل دم الفصد: وهو قطع العرق؛ لإسالته وفي التعبير بيتفصد مبالغة في كثرة العرق. (عَرَقًا) هو الرطوبة التي ترشح من مسام البدن، ونصبه بالتمييز، والمراد: شدة الكرب من ثقل الوحي كما مرَّ ولهذا أكدت عائشة ذلك بقولها: في اليوم الشديد البرد. ¬
3 - باب
3 - باب 3 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ عُقَيْلٍ, عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْوَحْىِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ. فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ "مَا أَنَا بِقَارِئٍ". قَالَ "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ. قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ. فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 1 - 3]. فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي". فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي". فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا, وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ -وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ- فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ, اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى - صلى الله عليه وسلم - يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
- صلى الله عليه وسلم - "أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ ". قَالَ نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ. [3392، 4953، 4955، 4956، 4957، 6982 - مسلم: 160 - فتح: 1/ 22] 4 - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ- فِي حَدِيثِهِ "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيِّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2)} إِلَى قَوْلِهِ: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} [المدثر: 1 - 5] فَحَمِىَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ". تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ "بَوَادِرُهُ". [3238، 4922، 4923، 4924، 4925، 4926، 4954، 6214 - مسلم: 161 - فتح: 1/ 27] (يحيي) قرشيٌّ مخزوميٌّ مصريٌّ. (ابن بُكَيْر) تصغير بكر، وبكير: جد يحيى نسبه البخاريُّ إليه لشهرته، وإلَّا فاسم أبيه: عبد الله. (الليث) بمثلثة وهو ابن سعد بن عبد الرحمن الفهميُّ عالم أهل مصر، وكان حنفيَّ المذهب فيما قاله ابن خلكان، لكن المشهور أنه مجتهد وعن الشافعي أنه قال: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وفي رواية عنه: "ضيعه قومه" وقال يحيى بن بكير: الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك (¬1). (عن عُقَيْل) وهو بالتصغير: ابن خالد بن عقيل مكبر، أو هو قرشيٌّ أمويٌّ. (عن ابن شهاب) هو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريُّ المدنيُّ وهو تابعيٌّ، ونسبه البخاريُّ، ¬
كغيره إلى جده الأصليِّ؛ لشهرته به. (ابن الزبير) بالتصغير. (أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة) رواه في التفسير: "الصادقة" (¬1)، والمراد منهما: الرؤيا التي لا ضغث فيها، ومِنْ (¬2): للتبعيض، ولبيان الجنس، والرؤيا: مصدر كرجعى، وتختص بالمنام عند كثير، كاختصاص الرائي بالقلب، والرؤية بالعين. وفيه: أن رؤيا النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحيٌّ، فوصفها بالصالحة للإيضاح؛ لأن غيرها يُسمَّى حلمًا، كما ورد: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان" (¬3) وإن قيل: الرؤبا أعم من الوحي فيكون الوصف للتخصيص أي: لا السيئة، أو لا الكاذبة، المسمى ذلك بأضغاث أحلام. وصلاحها إما باعتبار صورتها، أو تعبيرها وذلك بأن يُلقِي الله تعالى في قلب النائم الأشياء، كما يخلقها في قلب اليقظان، فتكون في اليقظة، كما في المنام، وتكون علامة على أمور أخرى، كالغيم علامة للمطر، وكانت مدة الرؤيا سنة. انتهى. ¬
وخرج بقوله: (من الوحى) ما زاد من دلائل نبوته من غير وَحْي كتسليم الحجر عليه وما سمعه من بحير الراهب في النوم؛ ذكر لزيادة الإيضاح، أو لدفع تَوَهُّمِ أن المراد بالرؤيا: رؤية العين، رؤيا بلا تنوين، كحُبْلَى. (مثل فلق الصبح) منصوب نعتًا لمصدر محذوف أي: مجيئًا مثل، أو حالًا أي: مشبهة ضياء الصبح. (وفلق الصبح) وكذا فرقة الصبح بفتح أولهما، وثانيهما بمعنى ضيائه. وحكي تسكين اللام، وإنما يقال ذلك لما كان واضحًا بَيّنًا قبل. والفلق: مصدر كالانفلاق والصحيح: أنه معنى مفلوق، وهو اسم للصبح، فأضيف أحدهما للآخرة لاختلاف اللفظين فالإضافة فيه للبيان، وقد جاء الفلق منفردًا عن الصبح، كما في {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: 1] وقيل: لما كان الفلق اسمًا للصبح ويستعمل في غيره أضيف للصبح للتخصيص من إضافة العام للخاص، كما يقال: عين الشيء ونفسه. إنما ابتدئ - صلى الله عليه وسلم - بالرؤيا؛ لئلا يفجأه الملك، ويأتيه بصريح النبوة بغتة فلا تتحملها القوى البشرية، فبُدئ بأوائل خصال النبوة (حبب إليه الخلاء) ببناء (حبب) للمفعول، والخلاء بالمد والقصر، وبالتذكير والتأنيث، وبالصرف وعدمه: الخلوة، بأن يخلو عن غيره بل وعن نفسه بربه، وإنما حببت إليه الخلوة؛ لأن معها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق؛ ليجد الوحيُ منه مكانًا سهلًا لا حزنًا. وفيه: تنبيهٌ على فضل العزلة؛ لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا وتفرغه لله تعالى؛ فيتفجر منه ينابيع الحكمة. (بغار) وهو نقب في الجبل، وجمعه غيران وهو قريب من معنى
الكهف. (حراء) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالمد وحكي فتحها، والقصر وهو مصروف إن أريد المكان، وغير مصروف إن أريد البقعة، كنظائره من أعلام الأمكنة: وهو جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منًى (¬1). (فيتحنث) بحاء مهملة وبمثلثة أي: يتجنب الحنث أي: الإثم، بأن يتعبد، كما يأتي وهو معنى يتحنَّف بالفاء، كما روي كذلك أي: يتبع دين الحنيفة أي: دين إبراهيم - عليه السلام -، والفاء تبدل ثاء. (فيه) أي: في غار حراء، وخصَّ حراء بالتعبد فيه لمزيد فضله على غيره؛ لأنه منزوٍ مجموع للتحنث وينظر منه الكعبة المعظمة، والنظر إليها عبادة، فكان له - صلى الله عليه وسلم - فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتحنث، والنظر إلى الكعبة (وهو) أي: التحنث: التعبد، فسر الزهريُّ بهذه الجملة التحنث مُدْرِجًا لها في الحديث (¬2). ¬
(الليالي) ظرف ليتحنث، وأراد بالليالي ما يشمل الأيام، وغلبها على الأيام؛ لأنها أنسب للخلوة. (ذوات العدد) صفة لليالي منصوب بالكسرة، وأبهم العدد؛ لاختلافه بالنسبة إلى المدد التي يتخللها مجيؤه إلى أهله، وأقل الخلوة ثلاثة أيام، ثم سبعة أيام، ثم شهر، والتعبد المذكور يحتمل أن يكون بشرع الأنبياء قبله على القول بأنه قبل النبوة كان متعبدًا بشرعٍ، إما بشرع إبراهيم، أو نوح، أو موسى، أو عيسى، أو ما ثبت أنه شرع على الخلاف المشهور فيه (قبل) تنازع فيه يخلو ويتحنث. (ينزع) بفتح الياء، وكسر الزاي أي: قبل أن يحنَّ ويشتاق إلى أهله فيرجع إليهم يقال: نزع إلى أهله إذا حنَّ واشتاق إليهم. (ويتزود) بالرفع عطفًا على يتحنث أي: يتخذ الزاد (لذلك) أي: للخلوة وللتعبد. (إلى خديجة) أي: أم المؤمنين. (لمثلها) أي: لمثل الليالي، وتخصيص خديجة بالذكر بعد تعبيره بالأهل؛ للتفسير عن الإبهام، أو للتنبيه على اختصاص التزود بكونه من عندها دون غيرها. (حتى) غاية لمحذوف أي: واستمر ما ذكره إلى أن (جاءه الحق) أي: الوحي، وعبر في كتاب: تعبير الرؤيا (¬1) بقوله: "حتى فجئه" بكسر الجيم من ¬
الفجأة، والمراد: أنه جاء بغتة؛ لأنه لم يكن متوقعًا مجيء الوحي. (فجاءه الملك) أي: جبريل يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، وهو ابن أربعين سنة، والفاء هنا تفسيرية وتفصيلية لما في مدخولها من تفسير وبيان ما قبلها من الإجمال، كما في قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54]. (اقرأ) الأمر به لمجرد التنبيه والتيقظ لما سيلقى إليه، أو للطلب على بابه فيستدل به على تكليف ما لا يطاق في الحال. (ما أنا بقارئ) ما: نافية، أو استفهامية، وما قيل: إنها ليست استفهامية لدخول الباء في خبرها وهي لا تدخل على ما الاستفهامية. رُدَّ بأنها تدخل عليها عند الأخفش (¬1)، وبورود الخبر بصيغة: كيف أقرأ؟ وبصيغة ماذا أقرأ؟ (فغطني) بمعجمه ثم مهملة أي: ضمني وعصرني، ويروى: "فغتني" بالتاء بدل الطاء أي: حبس نفسي. (الجهد) هو بالنصب والرفع مع فتح الجيم وضمها: المشقة، فهو على الأول: مفعول أي: بلغ الغطُّ منَّى الجهْدَ، وعلى الثاني: فاعل أي: بلغ منِّي الجهدُ مبلغَه. (أرسلني) أي: أطلقني. (فغطني الثالثة) الحكمة في غطه: أن يفرغ قلبه عن النظر إلى أمر الدنيا، ويقبل بكليته إلى ما يلقى إليه، وفي تكريره ذلك زيادة في ذلك، ففيه: أن المعلِّم ينبغي أن يحتاط للمتعلم في تنبيهه وإحضار مجامع قلبه وأن لا يضرب متعلِّمًا أكثر من ثلاث ضربات. (فقال اقرأ باسم ربك) أي مفتتحًا به، ولا دلالة في ترك البسملة ¬
هنا على أنها ليست من أوائل السور؛ لأنها وإن لم تنزل حينئذ فنزلت بعد ذلك، كبقية القرآن (¬1). (خلق الإنسان من علق) خصه بالذكر؛ لأنه أشرف المخلوقات، والعلق جمع علقة: وهي الدم المنعقد، وفيما ذكر دليل للجمهور على أن سورة اقرأ باسم ربك أول ما نزل وقول من قال: إن أول ما نزل {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)} عملًا بالرواية الآتية في الباب فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)} محمول على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي. فرجع بها أي بالآيات المقروءة. (يرجف) بضم الجيم: حال من رسول الله أي: يخفق ويضطرب: (فؤاده) أي: قلبه، وقيل: باطنه. (زملوني زملوني) من التزميل وهو التلفيف والتدثير؛ وقال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جارية بسكون الرعدة بالتلفف، والجمع في زملوني للتعظيم، أو لخديجة ومن حضرها، وإلا فالقياس أن يقال: زمليني، لأنه إنما دخل عليها. (الروع) بفتح الراء: الفزع، وهو المراد هنا، وبضمها: النفس وموضع الفزع من القلب. (الخبر) أي ما جرى من مجيء الملك والغظ وغيرهما. (لقد خشيت على نفسي) أي: الموت من شدة الرعب، أو أن لا أطيق حمل أعباء الوحي؛ لما لقيته أولًا عند لقاء الملك وليس معناه الشك في أن ما أتى به من عند الله؛ إذ لا شك عنده إنه من الله، وأكد خشيته باللام، و (قد) (¬2) تنبيهًا على تمكنها من قلبه، وخوفه على نفسه. ¬
(كلَّا) (¬1) نفي ورَدْعٌ عن هذه الخشية أي: لا تقل ذلك، أو لا خوف عليك. (ما يخزيك) بضم الياء، وبالمعجمة، وبزايٍ مكسورة، وبياء من الخزي وهو الفضيحة، والهوان، وفي نسخة: "يحزنك" بفتح الياء، ¬
وبالمهملة، وبزايٍ مضمومة، أو بضم الياء، وبزايٍ مكسورة وبنون فيهما من الحزن, يقال: حزنه، وأحزنه. (أبدًا) نصب على الظرف. (إنك) بكسر الهمزة (¬1) لوقوعها في الابتداء على جملة وقعت جوابًا عن سؤالٍ وهو: هل سبب ذلك الاتصاف بمكارم الأخلاق، أو غيره؟ (لتصل الرحم) أي: لتحسن للأرقارب بالمال، أو بالزيارة، أو بالخدمة، أو بغير ذلك. (تحمل الكلَّ) هو بفتح الكاف وتشديد اللام: من لا يستقل بأمره، أو الثقْل بكسر المثلثة وسكون القاف وفتحها: وهو كل ما يتكلف له أي: إنك لتعين الضعيف وترفع ما عليه من الثقل. (وتكسب المعدوم) بفتح الفوقية أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك وكسب يتعدى بنفسه إلى واحد نحو: كسبت المال، ¬
وإلى اثنين نحو: كسَّبت غيري المال، وما هنا منه، وفي نسخة: "تكسب" بضم الفوقية وصوبه الخطابي وغيره مع ضم الميم وحذف الواو من المعدوم أي: تعطى العائل وترفده (¬1). (وتقري الضيف) بفتح أوَّله. يقال: قريت الضيف قرى بكسر القاف والقصر وقراء بفتحها والمد، وروي: "تقري" بضم أوَّله، والمعنى: تهيء له طعامه ونزله. (نوائب الحق) أي حوادثه، وخرج بالحق نوائب الباطل إذ النوائب تكون في الحق والباطل، قال لبيد: نوائب من خير وشر كلاهما ... فلا الخير ممدود ولا الشر لازبُ أي: لازم، وبالجملة فمعنى كلام خديجة: أنك لا يصيبك مكروه لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق وجميل الصفات، وذكرت أمورًا هي [سبب] (¬2) للسلامة من السوء والمكاره، ففيه: مدح الإنسان في وجهه لمصلحة، وأما حديث "احثوا في وجوه المداحين التراب" (¬3) فذاك في المدح بالباطل، أو المؤدي إلى باطل، وفيه: التأنيس لمن حصل لهم مخافة شيءٍ وذكر أسباب السلامة له، وذلك أبلغ دليل على كمال خديجة وجزالة رأيها، وعظيم فقهها؛ إذ جمعت فيما ذكرته أنواع أصول المكارم؛ لأن الإحسان إما للأقارب، وإما للأجانب، أو ¬
بالبدن، أو بالمال، أو على من لا يستقلُّ بأمره، أو على غيره. (فانطلقت به) أي: مضت به، وعَدَّاه بالباء؛ لأنها انطلقت مصاحبةً له، بخلاف ما لو عُدِّيَ بالهمزة، نحو: أذهبت، فإنه لا يلزم ذلك. (ورقة) بفتحات. (نوفل) بفتح النون والفاء. (العُزى) بضم العين تأنيث أعز: وهي صنم. (ابن عم خديجة) بنصب (ابن) بدلًا من ورقة، أو صفة له، ولا يجوز جره؛ لأنه يصير صفة لعبد العُزى، وليس كذلك ويكتب بالألف لا بدونها؛ لأنه لم يقع بين علمين، وتجتمع معه خديجة في أسد؛ لأنها بنت خويلد بن أسد. (تنصر) بنون أي: صار نصرانيًّا، وترك عبادة الأوثان، وقيل: إنما هو تبصر بموحدة، من البصيرة لكونه في زمن الجاهلية كان متبصرًا. (في الجاهلية) هي ما قبل نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، لما كانوا عليه من الجهل، وقيل: هي زمن الفترة مطلقًا. (الكتاب العبراني) في مسلم كالبخاريِّ في تعبير الرؤيا (الكتاب العربي) (¬1) وصححه الزركشي، لاتفاقهما عليه. (من الإنجيل) هو إفعيل من النجل؛ لأن الأحكام منجولة منه أي: مستخرجة منه، ومنه أنجل فلان ولدًا. (بالعبرانية) متعلق بيكتب أي: يكتب باللغة العبرانية، وهي على الرواية الأولى، وأما على الثانية، "فبالعربية" كما في نسخة، وهي كالعبراني بكسر العين نسبة إلى العبْر بكسرها، وإسكان الموحدة، زيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس، قيل: سميت بذلك؛ لأن الخليل عليه ¬
الصلاة والسلام تكلم بها لما عبر الفرات فارًّا من نمرود والحاصل كما قال النوويُّ: أنه تمكن في دين النصارى وكتابهم، وتصرف حتَّى صار يكتب الإنجيل إن شاء بالعربية، وإن شاء بالعبرانية (¬1)، على الروايتين، قيل: فهم من الحديث أن الإنجيل عبراني، ورُد بأنه ليس كذلك، وإنما هو سرياني، والعبراني إنما هو التوراة. (يا ابن عم) هو ابن عمها حقيقة، ورواه مسلم "أيْ عمِّ" (¬2) وهو مجاز جعلته عمًّا تعظيمًا وتوقيرًا لعادة العرب في خطاب الصغير للكبير. (ابن أخيك) تعني النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، والمعنى: ابن [أخي] (¬3) جدك ففيه: مجاز الحذف، أو مجاز التشبيه؛ لأن جد ورقة الثالث أخو جدِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - الرابع، وإنما عبرت بذلك تعظيمًا له، واستعطافًا له، (الناموس) هو جبريل، وأصله: صاحب سر الخير ضد الجاسوس، يقال: نمست بفتح الميم، أنمس بكسرها أي: كتمت، ونامسته: ساررته. (على موسى) لم يقل على عيسى، مع أن ورقة تنصر تحقيقًا للرسالة؛ لأن نبوة موسى متفقٌ عليها عند أهل الكتابين، بخلاف نبوة عيسى فإن كثيرًا من اليهود ينكرونها؛ ولأن كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحكام، وكذا كتاب نبينا - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف كتاب عيسى فإنه أمثال ومواعظ على أن الزبير بن بكار رواه عيسى. (يا ليتني) يا للتنبيه (¬4) كألا في نحو: ¬
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة أو للنداء والمنادى محذوف أي: يا محمدٌ. (فيها) أي: في مدة النبوة والدعوة. (جذعًا) بفتح الذال المعجمة، وبالنصب: خبر مقدرة (¬1) يؤيده قوله بَعْدُ: يا ليتني أكون حيًّا، أو على الحال من ضمير فيها، وخبر ليت: فيها، أو على أن ليت بمعنى أتمنى فتنصب الجزأين (¬2) نحو: يا ليت أيَّامَ الصبا رواجعًا (¬3)، أو بفعل محذوف أي: جعلت فيها جزعًا، وفي نسخة: "جذع" بالرفع خبر ليت، وفي أخرى: "جذع" بالسكون، والجذع: الصغير من البهائم، واستعير للإنسان أي: يا ليتني كنت شابًّا عند ظهور نبوتك حَتَّى أَقْوى على المبالغة في نصرتك، وإنما ¬
تمنَّى مستحيلًا وهو عود الشباب؛ لأن المستحيل يسوغ تمنيه إذا كان في فعل خير، أو لأن التمني ليس مقصودًا، بل المراد به: التنبيه على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به، أو قاله تحسرًا لتحققه عدم عود الشباب (¬1). (ليتني أكون) في نسخة: "يا ليتني أكون". (إذ يخرجك) إذ بمعنى إذا (¬2)، كما في قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} [مريم: 39] عكس إذا كما في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا} ونكتة الأول تنزيل المستقبل المقطوع بمرفوعه منزل الماضى الواقع أو استحضاره في مشاهدة السامع تعجبًا، أو تعجيبًا، فلذلك قال: "أَوَمُخْرِجِيَّ هم" وهو تعجبا، واستبعادًا، أو مخرجيَّ بتشديد الياء المفتوحة؛ لأن أصله: مخرجوني: فحذفت النون للإضافة فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياءً، وأدغمت، ثم أبدلت الضمة قبل الواو كسرة. و (هم) مبتدأ خبره مخرجيَّ ولا يجوز العكس؛ لأنه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النكرة، والهمزة للاستفهام الإنكاريّ، والواو بعدها مفتوحة للعطف على مقدر أي: أمعاديَّ ومخرجيَّ هم، فالهمزة ¬
واقعة في محلها الأصليِّ من تصديرها الجملة، كما في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا} وخُصَّت بذلك؛ لأنها أصل الاستفهام (¬1)؛ ولأنها حرف واحد، فسقط ما قبل الأصل. أن يجاء بالهمزة بعد العاطف؛ لكونها للاستفهام نظير نحو: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} (¬2)، {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}، {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26)} مع أن التمثيل بكيف تكفرون غير صحيح، إذ لم يتقدمه عاطف، فإنما يصح التمثيل بنحو: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد}. (إِلا عُوْدِيَ) أي: لأن الإخراج عن المألوف موجب لذلك (يومُك) أي: يوم انتشار نبوتك، أو يوم يخرجك قومك. (مؤزرًا) أي: قويًّا بليغًا، من الأزر وهو القوة والعون. (ينشب) بفتح المعجمة أي: يلبث. (ورقة) بالرفع فاعل ينشب. (أن تُوفِّي) بفتح الهمزة بدل اشتمال من ورقة أي: لم تلبث وفاته. (فَتَرَ الوَحْي) أي: احتبس بعد تتابعه في النزول سنتين، وقال ابن إسحاق: ثلاثًا، وقال ورقة في ذلك: فإن يك حقًّا يا خديجة فاعملي ... حديثكِ إيانا فأحمد مرسل وجبرئيل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل قيل: علم بهذا أن ورقة آمن لتصديقه رسالة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ويدل لإيمانه كذلك ما في السير: أنه قال له: أبشر فأنا أشهد أنك الذي بَشَّرَ به ابن مريم، وأنك على مثل ناموسِ موسى، وأنك نبيٌّ مرسل، وأنك ¬
ستأمر بالجهاد وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك، وفي "مستدرك الحاكم": "لا تسبوا ورقة؛ فإني رأيت له جنة أو جنتين" (¬1). (قال ابن شهاب) هو الزهري وصورة هذا تعليق، لكنه متصل، كما ستعلمه، وقاعدة البخاري في مثله: أنه إن كان صحيحًا عنده أتى فيه بصيغة الجزم، كقال أو ضعيفًا أتى فيه بصيغة المبني للمفعول، كقيل ورُويَ، فإن لم تقم قرينة على البناء على سند متقدم فهو مما حذف البخاريُّ سنده فيه لغرض، ككونه معروفًا عن الثقات ونحو ذلك، وربما وصله البخاريُّ في موضعٍ آخر وإن قامت قرينة على ذلك، كما هنا، فهو من المتصل صريحًا، فإن التقدير في قوله: (وأخبرني أبو سلمة) حدثنا يَحيى بن بُكير، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني أبو سلمة، فيكون الأوَّلُ: مما حدَّث به ابن شهاب عن عروة والثاني: مما حدث عن أبي سلمة، قالوا: وفي وأخبرني عاطفة له على ما رواه، أولًا عن عروة، كأنه قال أخبرني عروة بكذا، وأخبرني أبو سلمة بكذا (وهو يُحَدّثُ) حال أي: قال جابر في حال تحديثه. (عن فترة الوَحْي) أي: عن احتباسه عن النزول. (بينا) أصله: بين فأشبعت الفتحة ألفًا، وقد تزاد عليها ما فتصير بينما وهي ظرف زمان لازم الإضافة إلى الجملة الاسمية، كما هنا، وهي تتضمن معنى الشرط، ولذلك احتاجت إلى الجواب، فإن لم يكن في جوابها مفاجاة فهو العامل فيها، وإن كان فيه ذلك كما هنا، وهو الأفصح، فالعامل ¬
معنى المفأجاة، وتحتاج إلى جواب ليتمَّ به المعنى، كما ستعلمه. (إذ) للمفاجأة (¬1) وهل هي ظرف زمان، أو مكان، أو حرف للفاجأة، أو حرف زائد مؤكد، أقوال (¬2). وعلى الظرفية قال ابن جني (¬3): عاملها الفعل الذي بعدها؛ لأنها غير مضافة، وعامل بينا محذوف يفسره الفعل المذكور، وقال الشلوبين: إذ مضافة للجملة ولا يعمل فيها الفعل بعدها؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا في بينا؛ لأن المضاف إليه، لا يعمل فيما قبل المضاف، بل عاملها محذوف يدل عليه الكلام والمعنى أن في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع. (جالس) بالرفع خبر المبتدأ، وهو الملك، ورواه مسلم (¬4) بالنصب حالًا من الملك، والخبر محذوف أي: شاهدٌ أو حاضرٌ. (على كرسيٍّ) بضم الكاف وقد تكسر. (فَرُعِبْتُ) بضم الراء وكسر العين، وفي رواية: بفتح الراء وضم العين أي: فزعتُ. (زَمِّلُوني زملوني) بالتكرار في أكثر النسخ، وفي بعضها مرة، ¬
ورواية مسلم (دثروني) وهو أنسب بقوله فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] أي: يا أيها المتدثر بثيابه، وعن عكرمة: المدثر بالنبوة وأعبائها. (فأنذر) أي حذِّر بالعذاب من لم يؤمن بك، واقتصر على الإنذار؛ لأن التبشير إنما يكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه. (إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] في نسخة: "الآية"، وفسر الرجز هنا بالأوثان؛ لأن الرجز لغةً: العذاب فعبادتها سبب العذاب، وقيل: الرجز: الشرك، وقيل: الذنب، وقيل: الظلم. (فحَمِى الوَحْيُ) أي: كَثُرَ نزوله وازداد، كَحَمِيَتِ الشمس: كَثُرَتْ حرارتها. (وتتابع) في نسخة: "وتواتر" ولم يكتف عن ذلك بحمى؛ لأنه لا يستلزم الاستمرار والدوام والتواتر. (تابعه) أي: يحيى بن بكير. (عبد الله بن يوسف) أي: التِّنِيسيُّ، وكلاهما شيخ البخاريَّ، وكثيرًا ما يذكر البخاريُّ في هذا "الجامع" المتابعات، وهذا أوَّل موضعٍ منها، وتسُمَّى هذه المتابعة تامة؛ لأنه من أول الإسناد إلخ، فإن وقعت لا من الأول سميت ناقصة، كما يأتي في متابعة هلال، ثم النوعان ربما يترك المتابع عليه، كما هنا، وربما يذكر، كما يأتي آخر الباب وتسمى متابعة مقيدة. (أبو صالح) هو عبد الله كاتب الليث، أو هو عبد الغفار بن داود البكريُّ الحرانيُّ أي: وتابع أبو صالح يحيى بن بكير عن الليث (وتابعه) أي: عقيل بن خالد شيخ الليث بقرينة قوله عن الزهريَّ. (هلال بن ردَّاد). (عن الزهري) هو محمد بن مسلم بن شهاب (وقال يونس)
4 - باب
هو ابن يزيد بن مشكان الأَيليّ بفتح الهمزة. (ومَعْمَر) بفتح الميمين وسكون العين: أبو عروة بن أبي عمرو بن راشد الأزديُّ الحرانيُّ (بَوَادِرُه) جمع بادرة: وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان أي: وقال يونس ومعمر في الحديث بدل (يرجف فؤاده) (ترجف بوادره). وفائدة المتابعة: التقوية؛ ولهذا تقع برواية من لا يحتج بحديثه منفردًا. 4 - باب 5 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)} [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)} [القيامة: 16 - 17] قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ, وَتَقْرَأَهُ: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)} [القيامة: 18] قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة: 19] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَهُ. [4927، 4928، 4929، 5044، 7524 - مسلم: 448 - فتح: 1/ 29] (حدثنا) في نسخة: "أخبرنا" (موسى بن إسماعيل) هو أبو سلمة المنقريُّ بكسر الميم وفتح القاف نسبة إلى مِنْقَر أبي عبيد. (أبو عوانة) هو الوضاح بن عبد الله اليَشْكُري بفتح التحتية وضم الكاف. (موسى بن
أبي عائشة) هو أبو الحسن الكوفيُّ الهمدانيُّ بإسكان الميم. (سعيد بن جُبَيْر) بضم الجيم وفتح الموحدة، ابن هشام الكوفيُّ الأسديُّ. (يعالج) أي: لعظم ما يلقاه من القول الثقيل. (شدة) مفعول به ليعالج أو مفعول مطلق أي: معالجة شديدة. (وكان مما يحرك شفتيه) أي: وكان العلاج ناشئًا من تحريك النبيّ - صلى الله عليه وسلم - شفتيه، فمن متعلقة بخبر كان محذوفًا وما مصدرية أو المعنى: وكان النبيُّ مما يحرك شفتيه بجعل الضمير في كان للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، و (ما) بمعنى: من، وكان في مثل ذلك تفيد التكرر والاستمرار. (فأنا أحركها) تقديم أنا على الفعل يشعر بتقوية الفعل، ووقوعه لا محال. (لك) في نسخة: "لكم". (كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحركها) لم يقل فيه، كما قال في الذي بعده (كما رأيت عباس)؛ لأن ابن عباس لم يدرك ذلك، بل صح عنده أنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك؛ لأنه لم يكن وُلِدَ أَوَّلَ البعثة. وقوله: (يحركهما) لا ينافي مفهوم قوله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} من أنه كان يحرك لسانه لا شفتيه لتلازم التحريكين غالبًا؛ أو لأنه كان يحرك الفم المشتمل على اللسان والشفتين، فيصدق على التحريكين وهذا الحديث يسمى بالمسلسل بتحريك الشفتين، لكن في طبقة الصحابة والتابعين لا في من بعدهم، وفيه: أنه يُسَنُّ للمُعَلِّمِ أَنْ يُرِيَ المُتَعَلِّمَ صورةَ الفعل إذا كان فيه زيادة بيان على ذكره بالقول. (فأنزل الله) عطف على كان يعالج فقوله: قال ابن عباس إلى آخره اعتراض بالفاء، كما في قول الشاعر: واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ... أنْ سَوْفَ يَأتى كُلَّمَا قدرَا (وقرآنه) أي: قراءته. (قال) أي: ابن عباس في تفسيره لجَمْعُه الواقع في الآية أن المَعْنَى به: (جَمْعُهُ لك في صدرك) بسكون الميم
وضم العين مصدرًا أي: إنَّ علينا أن نجمعه لك، وفي نسخة: "جَمَعَهُ لك صدرك" - صلى الله عليه وسلم - بحذف (في) فصدرك فاعل و (جَمَعَهُ) وفي أخرى: "جَمَعَهُ" بفتح الميم والعين فعل، وإسناد الجمع للصدر في هاتين الروايتين مجاز بملابسة الظرفية؛ إذ الصدر ظرف الجمع فيكون مثل أنبت الربيعُ البقل. (وَتَقرَأَهُ) عطف على جمعه، أي: أن نجمعه لك، أو أن يجمعه لك صدرك، وأن تقرأ، والمعنى: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يحرك شفتيه بما يسمعه من جبريل قبل إتمامه؛ استعجالًا لحفظه واعتناءً بتلقيه، فقيل له: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ} أي: بالقرآن {لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} في صدرك، وفي معناه قوله: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} ({فَإِذَا قَرَأْنَاهُ}) أي: فإذا فرغ جبريل من قرآته {فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} قال أي: ابن عباس: معناه (فاستمع له) وسقط من نسخةٍ قال. (وأَنْصِتْ) بهمزة قطعٍ مفتوحة من أَنْصَتَ وقد تكسر من نَصَتَ وتحذف في الدرج، ومفاده مفاد استمع فعطفه عليه عطف تفسير. والاستماع افتعال يقتضي تعرفًا؛ لأنه إصغاء بقصد السماع، فهو أبلغ من السماع نحو: كسب واكتسب، ولهذا قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} بلفظ: الاكتساب في الشر، إذ لا بد فيه من السعي، بخلاف الخير {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)}) معناه عند ابن عباس: (ثمَّ إنَّ علينا أنْ تقرأَهُ)، وعنَد غيرِه: بيانُ ما أشكلَ عليكَ منْ معاِنيْه. وفي تَصْدِيرِ ذلكَ بثمَّ المفيدة للتراخي (¬1) دليلٌ على جوازِ تأخير البيان عنْ وقت الخطابِ وهوَ الراجحُ. (قرأَهُ النبيُّ) أيْ: قَرَأَ القُرْآنَ، ¬
5 - باب
وفي نسخةٍ: "قرأَ النبيُّ" بحذفِ الضميرِ. (كَمَا قرأَهُ) أيْ: قرأَ جبريلُ القرآنَ، وفي نسخةٍ: "كمَا قرأَ" بحذفِ الضميرِ، وفي أُخْرى: "كمَا كانَ قرأَ" بزيادةِ كانَ (¬1) وحذفِ الضميرِ. وَمُنَاسَبَةُ هذا الحَدِيثِ لِلْتَرْجَمةِ ما فيه مِنْ بَيَانِ حَالِهِ في ابْتدَاءِ الوَحْيِ. 5 - باب 6 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ" [1902، 3220، 3554، 4997 - مسلم: 2308 - فتح: 1/ 30] (حَدَّثنَا عَبْدانُ) هوَ بفتحِ المهملةِ، وسكونِ الموحدةِ، لَقَبُ عبدِ الله بنِ عثمانَ بن جبلةَ العنكيِّ المروزيِّ. (عبدُ اللهِ) هوَ: ابن المباركِ بنِ واضحِ الحنظليُّ التميميُّ. (ح) مأخوذة من التحويل؛ لأن البخاريَّ تحولَ من مسندٍ إلى آخر وقيل من الحائل بين الشيئين؛ لأنها حالت بين السندين؛ لئلا يظن أنهما واحد، وفي نسخة: بدل (ح) "قال" أي: البخاريُّ: (بشر بن محمد) هو المروزيُّ السختيانيُّ (عن الزهريّ نحوه) في نسخة: "نحوه عن الزهري". (أخبرني) في نسخةٍ: "أخبرنا". (عبيد ¬
الله بن عبد الله) وهو ابن عتبة بن مسعود التابعيُّ. (أجودَ الناسِ) بالنصب خبر كان، مشتق من الجود وهو الكرم والسخاء، أي: كان أسخاهم على الإطلاق. (وكان أجود ما يكون في رمضان) برفع أجود على أنه مبتدأ مضاف إلى ما بعده، بجعل ما مصدرية أي: أجود أكوانه، وفي رمضان: خبره أي: حاصل له، والجملة: خبر كان، واسمها: ضمير النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أو ضمير الشان، أو على أنه اسم كان والخبر محذوف وجوبًا إذ هو، نحو: أخطب ما يكون الأمير قائمًا، وفي رمضان: حال سدَّ مسدَّ الخبرِ، أي: حاصلًا فيه، وبنصبه على أنه: خبر كان، واسمها: ضمير النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وما: ظرفية مصدرية أي: كان أجود مدة كونه في رمضان أي: أجود مما هو في غيره؛ لشرفه لأنه موسم الخير. (حين يلقاه جبريل) حال، فإن جعل ما قبله حالًا فهو من تداخل الحالين؛ لأن الثانية حال من ضمير في الأولى، فهي حال من ذي حال، وإنما كان أجود حين يلقاه؛ لأن في ملاقاته زيادة ترقية له في المقامات، وزيادة اطلاع له على علوم. (فيدارسه القرآن) بالنصب مفعول ثانٍ ليدارسه، كجاذبته الثوب، والفاء عاطفة على يلقاه، والمعنى: أنهما يتناوبان قراءة القرآن، ويحتمل: أنهما يقرآن معًا، والدرس: القراءة بسرعة فائدة ذلك: تعليم جبريل للرسول تجويد اللفظ، وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها، وتعليمها للأمة، كيف يُقرءون تلامذتهم، ورسوخه عنده أتمَّ رسوخ، فلا يتناسَّاه، فيكون ذلك إنجاز وعده تعالى له، حيث قال: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)} [الأعلى: 6]. (فلرسول الله) بفتح اللام الأولى؛ لأنها لام الابتداء تزاد
6 - باب
للتوكيد، أو جواب لقسم مقدر، والفاء للسببية. (المرسلة) بفتح السين، أي: المطلقة، أشار به إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - في الإسراع بالجود، أسرعُ من الريح المرسلة، وإلى عموم النفع بجوده - صلى الله عليه وسلم -، كما تعمُّ الريحُ المرسلةُ جميعَ ما تهبُّ عليهِ. وفي الحديث: جواز المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنوي بالمحسوس؛ ليقرب لفهم سامعه، وتخصيص بعد تخصيص على سبيل الترقي جحما فَضَّلَ أولًا: جودَه مطلقًا على جود الناس كلهم، ثم فَضَّلَ ثانيًا: جوده في رمضان على جوده في غيره، ثم فَضَّلَ ثالثًا: جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جودِهِ في رمضانَ مطلقًا، ثم شبَّهَ جودَه بالريح المرسلةِ. ولما فرغ من بدء الوحي شرع يذكر جملة من أوصاف الموحى إليه الواقعة في بدء الوحي فقال. 6 - باب: 7 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ, أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ, أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا، فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي (¬1)، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلَا ¬
الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ, ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا، قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا القَوْلَ؟، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ:، هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ,
وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ" وَ {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} " [آل عمران: 64]. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ -صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ- سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ, يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ، قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إلا اليَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا
مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلاحِ وَالرُّشْدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ، فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ [51، 2681، 2804، 2941، 2978، 3174، 4553، 5980، 6260، 7196، 7541 - مسلم: 1773 - فتح: 1/ 31] (حدثنا أبو اليمان الحكم) بفتح المهملة، والكاف، وفي نسخة: "حدثنا الحكم"، (أخبرنا شعيب) هو: ابن أبي حمزة، بمهملة، وزاي، القرشيُّ. (عن الزهريِّ) أتي فيه أوَّلًا: بحدثنا، وثانيًا: بأخبرنا، وثالثًا: بعن، ورابعًا: بأخبرني؟ إما للفرق بينها، أو لحكاية الواقع؛ أو لأن الكل جائز، إذا قلنا لا فرق، وهو الأصح. (أبا سفيان) بتثليث السين، يُكْنَى أيضًا: بأبي حنظلة، واسمه: صخر بن حرب، وهو بمهملة وراء، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، جد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. (هِرَقْلُ) بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية، وحُكِيَ فيه "هِرْقِلُ" [بكسر الهاء] (¬1) بسكون الراء، وكسر القاف، ولقبه: قيصر. (في رَكْبِ) جمع راكب، كتجرٍ وتاجر، وقال سيبويه: إنه اسم جمع، كقوم، ودود، والركبُ: أصحابُ الإبلِ ¬
العشرة فما فوقها، قاله الجوهريُّ (¬1). (من قريش) صفة لركب، وقريش: ولد النضر، وقيل: ولد فهد بن مالك ابن النضر، سُمُّوا قريشًا من القرش وهو: الكسب، والجمع؛ لتكسبهم، أو لتجمعهم بعد التفرق، وقيل: سُمُّوا ذلك باسم دابة في البحر من أقوى دوابِّه، تأكلُ ولا تؤكل، وتعلو ولا يُعْلَى عليها، والتصغير فيه للتعظيم، وهو منصرف، على إرادة الحيِّ، و [قد] (¬2) يمنع، على إرادة القبيلة. (تُجَّارًا) بالضم والتشديد بوزن كُفَّار، وبالكسر والتخفيف بوزن كِلَاب، جمع تاجر. (بالشام) بالهمز وبدونه، وبالهمزة مع المد، وهو متعلق بـ "تجارًا" أو بـ (كانوا)، أو صفة بعد صفة لـ (ركب). (مادَّ) بالتشديد، فعلٌ ماضٍ من المفاعلة، يقال: مادَّ الغريمان إذا اتفقا على أجل للدين، وضربا له زمانًا، وهو من المدة أي: القطعة من الزمان، وهذه المدة: هي مدة صلح الحديبية الذي جرى بين النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبين أبي سفيان حاكِي القصة، وكفارِ قريش سنة ستٍّ من الهجرة. (وكفار قريش) عطفه على (أبا سفيان) فهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، وقيل: هو مفعولٌ معه، فالواو بمعنى مع (¬3). ¬
(فأتوه) الفاء فيه فصيحة (¬1)، وهي العاطفة على مقدر أي: أرسل إليه فجاء الرسولُ، فطلب أن يأتوه فأتوه، على حدِّ: {اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ} [الأعراف: 160] أي: فضرب فانفجر. (وهم) أي: هرقل وجماعته، وفي نسخة: "وهو" أي: هرقل، (بإيلياء) بالمد، بوزن: كبرياء، وفي نسخة: بالقصر، وفي أخرى: "إلياء"، بحذف الياء الأولى، بوزن: إعطاء، وحُكِيَ: إيليَّا بتشديد الياء الثانية والقصر ومعناه: بيت الله، والمراد: بيت المقدس. (في مجلسه) حال؛ أي: دعاهم حالة كونه في مجلسه؛ لأن دعا إنما يتعدى بإلى، نحو: {يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [يونس: 25] أي: دعاهم وهو في مجلس ملكه، لا في خلوته. (وحوله) نصب على الظرفية، ويقال فيه: حواليه، وحوليه، وحواله، وهو خبر لقوله: (عظماء الروم) والروم: اسم للجيل المعروف، قال الجوهريُّ: ولد الروم بن عيصو أي: فغلب عليهم اسم أبيهم (¬2)، (ثم دعاهم) عطف على فدعاهم، وليس بتكرار؛ لأن معناه: أنه دعاهم أولًا، فلما حضروا بعيدًا منه وقعت مهلة بقرينة ثم دعاهم ثانيًا؛ ليقربوا منه. (تَرجُمانه) بفتح التاء، وضم الجيم، وقد تضم التاء اتباعًا، وقد ¬
يفتحان، وقد يضم الأول ويفتح الثاني، وفي نسخة: "بترجمانه"، وفي أخرى: "بالترجمان"، وهو: المفسر لغة بلغة، والباء في الأخيرتين زائدة للتوكيد (¬1)، كما في قوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] أو أصلية بتضمين دعا معنى استعان، وإلا فدعا متعد بنفسه. (فقال: أيكم أقرب) الفاء فصيحة، أي: فقال للترجمان قل: أيكم أقرب فقال الترجمان ذلك، وصلة أفعل التفضيل، والمفضل عليه: محذوفان، والتقدير: أيكم أقرب إليه من غيره، ووجه سؤال هرقل ذلك: أن الأقرب إلى النبيِّ أعلمُ بحاله، وأبعد من الكذب في نسبه؛ لئلا يكون قدحًا في نسب نفسه. (فقال) في نسخةٍ: "قال" (قلت) في نسخةٍ: "فقلتُ". (أقربهم نسبًا) في نسخةٍ: "أقربهم به نسبًا". (فقال) نسخة: "قال". (أدنوه) بهمزة قطع مفتوحة؛ أي: قربوه، وأصله: ادنيوا بكسر النون استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان فحذفت الياءُ دون ¬
الواو لأنها علامة الجمع ثم أبدلت كسرة النون ضمة؛ لمناسبتها الواو فصار أدنوه وإنما أمر بإدنائه؛ ليمعن في السؤال، ويشفي غليله عند ظهره؛ ليكون أهون عليهم في تكذيبه؛ لأن مقابلته بذلك في وجهه صعبة. (هذا الرجل) أي: النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، وأشار إليه إشارة القريب؛ لقرب العهد بذكره؛ أو لأنه معهود في أذهانهم. (كذبني) أي: نقل إليَّ الكذب، وهو يتعدى إلى مفعولين، تقول: كذبنيَ الحديثَ، كما في: صدق، قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا} [الفتح: 27] بخلاف كذَّب، وصدَّق بالتشديد، فإنهما يتعديان إلى واحد، وهذا من الغرائب، أن يكون الفعلُ بالتخفيف متعدِّيًا لاثنين، وبالتشديد لواحدٍ (¬1). (يأثروا) بضم المثلثة وكسرها؛ أي: يرووا من أثرت الحديث بالقصر. آثره بالمد أي: رويته عليَّ، بمعنى: عنِّي، والمعنى لولا الحياء من أن رفقتي يروون عنِّي أني كذبت. وهو قبيح فأعاب به. (لكذبت عنه) أي: لأخبرت عنه بكذب لبغضي إياه، وفي نسخة: بدل عنه "عليه". (ثم كان أَوَّل ما سألني عنه أن قال) بنصب أَوَّل: خبرًا لكان، واسمها: أن قال، أو ضمير الشأن بجعل (أن قال) بدلًا من (سألني) ويجوز رفعه: اسمًا لكان، وخبرها: أن قال، واعترض إطلاق جواز النصب والرفع؛ بأن الصواب أن يقال: إن جعلت (ما) نكرة، تعين نصبه على الخبرية؛ لأن أن قال: مؤوَّل بمصدر مضاف إلى الضمير فهو معرفة، فيتعين أن يكون اسم كان، وأَوَّل: خبرها؛ لكونه نكرة، وإن ¬
جعلت (ما) موصولة، جاز الأمران، لكن المختار جعل (أن قال) هو الاسم لكونه أعرف (ذو نسب) التنوين فيه للتعظيم، كقوله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]. (قَطُّ) بفتح القاف، وتشديد الطاء مضمومة على الأشهر، وبضمها مع التشديد ومع التخفيف، وبفتح القاف وتخفيف الطاء ساكنة، أو مضمومة، وهي هنا: ظرف ولا تستعمل إلا في ماضٍ منفيِّ، أو ما في معناه، كالاستفهام هنا فإنه في حكم النفي إذ المعنى: هل قال هذا القول منكم أحد، أولم يقله أحد قط قبله؟ في نسخة: "مثله"، فيكون بدلًا من هذا القول. (من ملك) بكسر الميم، حرف جر، وملك: بكسر اللام، صفة مشبهة، وفي نسخة: بفتح ميم "من" موصولة، أو بفتح أحرف "ملك"، فعل ماض، وفي أخرى: "ملك" بإسقاط من، وكسر لام ملك. (فأشراف النَّاسِ) أي: كِبارُهم، وأهلُ الأحسابِ. (يتَّبعونه) في نسخة: "اتَّبَعُوه". (بل ضعفاؤهم) فيه: تغليبٌ إذ تَبِعه بعضُ الأشرافِ مثلُ العُمرين ممِن أَسْلم قبل سؤالِ هِرَقل. (سخطةً لدينِه) بفتح السينِ أي: كراهةً، ونصبت مفعولًا له، أو حالًا أي: ساخطًا، ويُروى: سُخْطًا بضم السين، وفتحِها، وسكون الخاءِ، ويجوز فتحها مع فتح السين، وخرج بذلك من ارتد مكرها، أولًا لسخطةِ ديِنه، بل لرغبةٍ في غيره لحظ نَفْسانِي. (يغدِر) بدال مهملة مكسورة أي: ينقضِ العهدِ في مدِة صلح الحديبية، أو مدةِ غَيبةِ أبي سفيانَ، وانقطَاع أَخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه. (قال) أي: أبي سفيانَ. (ولم تُمكنّي) بالفوقيةِ، أو التحتية، كلمةُ فيها ثلاثُ لغاتٍ مشهورة، وأطلقَها هنَا على الجملة أي: لم يمكني
جملةَ أُدْخِل فيها شيئًا أنتقصُه به (غير هذه الكلمة) أي: الجملة، وغيرَ: منصوبة صفة لـ (شيئًا)، ومرفوعة صفة لكلمةٍ، وإن كانت غيرَ مضافةٍ إلى معرفةٍ؛ لأنَّها لا تتعرف بالإضافةِ إلَّا عند توسُّطها بين المتغايرين، على ما قاله ابن السراج (¬1)، وهنا ليس كذلك. (فهل قاتلتموه) نَسبَ ابتداء القتال إليهم لا إليه لما اطَّلع عليه من أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يبدأ فرقةً بالقتالِ حتَّى يقاتِلُوه. (قتالكم إياه) هو أفصح من قتالكموه. (قلت) في نسخةِ "قال" (سِجالٌ) بكسر السين: جمع سجل: وهو: الدَّلو الكبيرُ، شبَّه الحربَ بالاستقاءِ؛ لأنَّ المتحاربين كالمستقين: يَستقي هذا دلوًا وهذا دلوًا، فالمرادُ بالسِجالِ: النَّوبُ، وسوِّغَ الإخبار به مع أنَّه جمعٌ عن مفردٍ، وهو الحربُ؛ لأنَّ لامَ الحربِ للجنسِ؛ أي: الحروبُ بيننا وبينه تُشبه السِجالِ: نوبةٌ لنا، ونوبةٌ له، كما فسَّره بقولهِ: (ينالُ منَّا وننالُ منه) أي: يصيبُ منا، ونصيبُ منه. (ماذا) في نسخةٍ: بماذا، وفي أخرى: "فماذا". (ولا تُشركوا) في نسخةٍ: "لا تشركوا"، وهلذه الجملةُ والتي قبلها، والتي بعدها متلازمة والقولُ: بأنَّ الثانيةَ أخصُّ من الأولى؛ لأنَّ ¬
عدَم الإشراكِ أخصُّ من عبادَة الله وهمٌ؛ لأنَّ الأُولى مقيدةٌ بقولهِ وحدَه، وفي الجمل الثلاث مبالغةٌ؛ لأنَّها أشدُّ الأشياءِ على أبي سفيانَ، أو أنَّه فَهِمَ أنَّ هِرَقل من الذين قالوا بالإشراكِ من النصارى، وأرادَ تحريكه، وتنفيره عن دين الإسلِام (بالصلاة) أي: المعهودةُ المفتتحةُ بالتكبيرِ، المختتمةُ بالتسليم، وزاد في نسخةٍ: "والزكاةُ" والصدق: هو القولُ المطابقُ للواقع، وفي نسخةٍ: "والصدقةُ". (والعفافُ) بفتح العينِ، الكفِ عن المحارِم، وخوارم المُروَّة، والصلةُ أي: للأرحام، أو لكلِ قريبٍ، والأَولَى: عُمومُه في كلِ ما أمَر الله به أنْ يوصلَ بالصدقةِ، والبرِّ، والسِلامِ. وفي ذكر الأمرِ بالأربعةِ: تمامُ مكارِم الأخلاقِ؛ لأن الفضيلة إما قولية: وهي الصدق، أو فعلية متعلقةٌ بالله تعالى: وهي الصلاةُ، أو بنفسه: وهي العفة، أو بغيره: وهي الصلةُ. (وكذلك الرسل) أي: يكونون ذوي أنسابٍ شريفة؛ لأنَّ من شَرُف نَسَبُه كان أبعدَ من انتحِال الباطل، وأقربَ لانقيادِ الناسِ إليه. (فقلت) أي: في نفسي. (يَأتسي) بهمزة ساكنةٍ بعد التحتية، أي: يَقتدي، وفي نسخة: "يتأسَّى" بتحتيةٍ، ففوقيةٍ، فهمزةٍ مفتوحةٍ، فسينٍ مفتوحةٍ مشددةٍ. (قلت) في نسخةٍ: "فقلت" (فلو) في نسخةٍ: "لو" (لم يكن ليذر الكذب) لام ليذر الجحود (¬1)، وفائدتُها: تأكيدُ النفي نحو: ¬
{لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: 137]. (وهم أتباعُ الرسل) أي: لأنَّ الأشرافَ يأنفون من تقدم مثلِهم عليهم بخلافِ الضعفاء، فإنَّهم يُسرعون إلى الانقيادِ واتباعِ الحقِّ، وهذا بحسب الغالبِ، كما مرَّ. (أيرتد أحدٌ؟) حكمة هذا السؤال: أنَّ مَن دخلَ على بصيرةٍ في أمرٍ محققٍ لا يرجع، بخلافِ مَن دخلَ في باطلٍ، لا يُقالُ: فقد ارتد بعض من آمن؛ لأنَّا نقولُ: وقوعُ ذلك لم يكن في أوائل الأمرِ، أو ليس لسخطةِ الدِّين، بل لمعنى آخرَ، كحبِّ الرياسةِ. (حين) في نسخةٍ: "حتى". (تخالطُ بشاشته القلوبَ) أي: تخالطُ بشاشةُ الإيمان القلوبَ، فالبشاشةُ: وهي انشراحُ الصدرِ للحق ووضوحُه: فاعلُ تخالط، والقلوب: مفعولٌ به، وفي نسخةٍ: "بشاشة القلوبِ" بنصب بشاشة وإضافته إلى القلوب، أيْ: يخالطُ الإيمانُ بشاشةَ القلوب، ففاعلُ يخالطُ ضميرٌ مستترٌ. (وكذلك الرُّسلُ لا تغدر) لطلبهم الآخرةَ، ومَن طلبها لا يرتكبُ غدرًا، ولا غيره من القبائح، بخلافِ طالبِ الدنيا لا يبالي بذلك. (بما يأمُرُكم) هو مِن القليلِ في إثباتِ ألفِ ما الاستفهاميةِ عِنَد دخول الجارِّ عليها (¬1). (ولا تُشركوا) أدخلَهُ في المأمورِ معَ أنَّه مَنهيٌ، بناءً على أنَّ الأمرَ ¬
بالشيء نهيٌ عَنْ ضدِّهِ. (ويَنْهاكم عَن عبادةِ الأوثانِ). تعرَّض هِرَقلُ لذلك، وإنْ لمْ يقع في لفظِ أبي سفيانَ؛ لأنَّه لازم قوله: (وَحْدَهُ) إلخ، تركَ ذكرَ الصِّلةِ وهي موجودةٌ في كلامِ أبي سفيانَ لدخولها في العفافِ، وترك مِن إعادةِ الأسئلةِ: وهي أحدَ عشرَ إعادة اثنين: وهما: السؤالُ عن القتالِ، وعن كيفيته؛ لأن مقصوده بيان علامات النبوة، وأمرُ القتالِ لا دخل لهُ فيها إلَّا بالنظرِ للعاقبةِ، وهي إذ ذاك مغيبةٌ؛ أو لأنَّ الرَّاويَ اكتفى عن ذلك بما سيذكره في روايةِ أُخرى فذكرها البخاريُّ مع زيادة في الجهادِ، في بابِ: دعاء النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (¬1) (كنتُ أعلمُ) إِلى آخرِه، مأخذه إمَّا من القرائن العقليةِ، أو الأحوالِ العادية، أو الكتب القديمة. (أخلص) أي: أَصِلُ (لتِجَشَّمْتُ) بجيمٍ وشينٍ معجمتينِ أي: تكلفت لِمَا فيه مِن المشقةِ، ورواه في التفسيرِ بلفظِ: (أحببت) (¬2)، والمعنى: لو كنتُ أتيقنُ الوصولَ إليه لتكلفتُ ذلك، لكني أخافُ أنْ يَعوقَني عنه عائقٌ، فأكونُ قدْ تركتُ مُلكيَ، ولمْ أصلْ إلى خدمتهِ، ولا يحكم بإيمانه بذلك، ولا بما يأتي بعدُ؛ لقوله: (بعد قلت) مقالتي آنفًا، أختبر بها شدتكم على دينكم، ولا عذر له في قوله: لتجشمت؛ لأنه قد عرف صدق النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنما سُجَّ بالملك، ورغب في الرياسة، فآثرها على الإسلام. وزعم ابن عبد البرِّ أنه آمن. (ثم دعا) أي: من وُكِّلَ ذلك إليه. ¬
(بكتاب) هو مدعو به، ولذلك عُدِّيَ بالباءِ، والباءُ زائدة، أي: دعا الكتاب على سبيل المجاز، أو ضمَّن دعا معنى اشتغل، ونحوه. (بعث به) أي: أرسله، وفي معناه بعثه، وابتعثه مع، بفتح العين أفصح من سكونها. (دحية) بكسر الدال وفتحها: ابن خليفة بن فروة الكلبيُّ، وهو صحابيٌّ، ومعناه بلغة اليمن: رئيس الجند، وكان من أجمل الناس وجهًا، وهذا هو الحكمة في أن جبريل - عليه السلام - كان يأتي في صورته، وفي نسخة: "بعث به دحية"، بحذف مع. (عظيم بُصْرَي): هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وبُصْرى: بضم الموحدة مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حوران، بفتح الحاء والراء المهملتين (¬1). (من محمد عبد الله) في نسخةٍ: "محمد بن عبد الله" وفي ذكر عبد الله تعريض ببطلان قول النصارى في المسيح: إنه ابن الله. (رسوله) فيه: الترقي من كونه عبد الله إلى كونه رسوله. (عظيم الروم) بالجرِّ بدل من هرقل، وقد يقطع بالرفع والنصب، ولم يقل: ملك الروم؛ لأن فيه تسليمًا لملكه، واتصافه بما لا يستحق، وهو بحق الدين معزول، مع أنه لم يخله من نوع الإكرام في المخاطبة؛ أخذًا بأمرِ الله في تليين القولِ لمن يُدْعَى إلى الحق، كما في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125] الآية. (سلامٌ على مَن اتبع الهُدى) لم يقل: عليكَ؛ لأن الكافرَ لا يُسَلَّمُ عليه. (أما بعدُ) مبني على الضمِّ بِنِية الإضافة (¬2)، أي: بعد ما ذُكِرَ، ¬
و (أما) (¬1) للاستئناف، كما في أوائلِ الكتبِ، لا لتفصيل ما أُجْمِلَ، حتى يحتاج إلى قسيم، كقولك: جاء القوم: أما زيد فأكرمته، وأما عمرو فأهنته. (بدعاية الإسلام) أي: بدعوته، وهي كلمة الشهادة، التي تُدعى بها الأمم، للدخول فيه، فهي شعاره، وهي من دعا يدعو دِعايةً، كشكا يَشْكُو شِكايةً، ويحتمل: أن يراد بالدعوة الإسلام، كشجر الأراك، فالإضافة للبيان، والباء بمعنى إلى، والمعنى: آمرك بكلمة التوحيد. (أَسْلِمْ) بكسر اللام. (تَسْلَمْ) بفتحها. (يُؤتِكَ) بالجزم: جوابًا ثانيًا للأمر، أو بدلًا من الجواب، أو بيانًا له. (مرتين) أي: مرة للإيمان بنبيهم، ومرة للإيمان بنبينا. (توليت) أي: أعرضتَ. (عليك إثم الأَرِيْسيِّين) رويَ بفتح الهمزة، وكسر الراء، وسكون المثناة تحت، ثم ياء مشددة للنسب، ثم علامة جمع السلامة في المذكور وهي: الياء والنون، وبذلك أيضًا، لكن بإبدال الهمزة ياءً، وبه أيضًا، لكن بدون ياء النسب في روايتي الهمزة والياء، وبكسر الهمزة والراءِ المشددة، وياء واحدة بعد السين ومعنى الكلِّ: المزارعون، المعبر عنهم في رواية: "بالأكَّارين"، ويقال: الفلاحون، ويقال: اليهود والنصارى، ويقال: المكاسون، ويعبر عنهم بالعشَّارين، ومعنى الجميع: أن عليك إثم أتباعك، وقدَّم عليك؛ لإفادة الحصر ولا ينافيه قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18]؛ لأن المراد هنا: إثم إضلالِكَ لهم؛ ولأن إثم الوزْرِ لا يتحمله غيرُ الوازرِ، لكن المتسبب للمسببات يتحمل من جهتين: جهة فعله وجهة تسبُّبه. ¬
({يَاأَهْلَ الْكِتَابِ}) [آل عمران: 65] عطف على باسم الله أي: وفيه: ({يَاأَهْلَ الْكِتَابِ}) (تعالوا) أصله: تعاليوا، قلبت الياء ألفًا، لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان، فحذفت الألف (¬1). {أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ}) الآية. تفسير للكلمة، قال النوويُّ: وفي الحديث فوائد: جواز مكاتبة الكفار، ودعائهم إلا الإسلام قبل المقاتلة، وهو واجب إذا لم تبلغهم دعوة الإسلام، وإلا فمستحب، ووجوب العمل بخبر الواحد (¬2)، وإلا لما بعثه مع دحية وحده، واستحباب تصدير الكتب بالبسملة، ولو كان المبعوث إليه كافرًا، وجواز السفر بآية من القرآن ونحوها، إلى بلاد الكفر، والنهيُ عن ذلك يُحمل على النهي عن المسافرة بالقرآن كله أو كثير منه إذا خُشِيَ أن يقع في يد كافر، وجواز مسِّ الجنب والكافر ما فيه قرآن، وغيره، إذا كان غير القرآن أكثر، واستحباب بداءة الكاتب في الرسائلِ بنفسهِ، وأنَّ مَن تَسبب في ضلالٍ أَثِمَ. واستعمالُ (أمَّا بعدُ) في المكاتبةِ، والخطبِ. (فلمَّا قال) أي: هِرَقل. (ما قال) أي: مِن السؤالِ والجوابِ. (الصَّخَب) بفتح الصادِ المهملةِ، والخاء المعجمة: اختلاطُ الأصواتِ، ويقال له السَّخَب، ورُويَ: اللَّخَب، واللّغَط، وهما: بمعنى الصَّخَب. (وأُخْرِجنَا) بالبناءِ للمفعولِ أي: من مجلسهِ. (لقد أَمِرَ) جوابُ قسمٍ محذوفٌ، وأَمِر بفتح الهمزة، وكسر الميم، أي: عَظُمَ. (أَمْر) بسكون الميم أي: شأنُ (ابن أبي كبشةَ) يُريدُ أبو ¬
سفيانَ به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، شبَّههُ بأبي كبشةَ من حيث أن كلًّا منهما خالفَ العرب في عبادة الأوثان؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - عَبَدَ الله تعالى، وأبو كبشةَ [عَبَد الشعرى فجعله ابنًا له تشيبهًا به، وأبو كبشة] (¬1) رجلٌ مِن خذاعةَ، وقيل: هو جَدُّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأُمِّه، وقيل: أبوه من الرَّضَاع، وقيل: جَدُّ جده عبدِ المطلبِ، واسمه: الحارثُ بن عبدِ العزى السَّعْدِي. (إنَّه يخافُه) بكسر الهمزةِ استئنافٌ بيانيٌّ، وبفتحها على أنَّه مفعولٌ له، أو بدلٌ مِن أمرٍ، وبيانٌ له. (بِنَي الأصْفر) همُ: الرومُ سمُّوا بذلك لأن جيشًا مِن الحبشةِ غَلَبَ على ناحيتهم في وقتٍ فوطئُوا نساءَهُم، فولدت أولالًا صفرًا، لسوادِ الحبشةِ، وبياضِ الرُّومِ، وقيل: نسبةً للأصفرِ مِن الرُّومِ ابن [عيصو] (¬2) بن إسحاق - عليه السلام -. (ابن النَّاطُور) بطاءٍ مهملةٍ ومعجمة، حافظ الزرع. (صاحب إيلياء وهرقل أسقفًا) برفع صاحب صفة لابن الناطور، وبنصبه على الاختصاص، أو الحال، واسم كان: ابن الناطور، وخبرها أسقف بوزن أترج، [وفي نسخة: "سُقُفا" بضم السين والقاف وتشديد الفاء، وفي أخرى: "سقفًا" بوزن قفل] (¬3)، وفي أخرى: "سُقفًا" بضم السين وتشديد القاف مكسورة ومعناه في الأخيرة: جعل رئيس النصارى وقاضيهم، وفي البقية رئيسهم وقاضيهم، وهرقل: مجرور بالفتحة؛ عطفًا على إيلياء، [فصاحب إيليا] (¬4) بمعنى: حاكمها، وصاحب هرقل بمعنى: صديقه، ففي صاحب الجمع بين الحقيقة والمجاز، ويعبر عنه بعضهم بعموم المجاز. (نَصَارى الشامِ) سُمُّوا بذلك؛ لنصرةِ بعضِهمِ بعضًا؛ أو لأنهم ¬
نزلوا نَصْرانَ [أو نصرةَ] (¬1) أو ناصرةَ: اسم موضع أو لقوله تعالى: {مَنْ أَنْصَارِي} [الصف: 14]. (يُحَدِّثُ) خبر بعد خبر لكان، وقيل: هو الخبر، وأسقفًا حال (حتى قدم إيلياء) أي: من حمص عند غلبةِ جنوده على جنود فارس وإخراجِهِم. (خبيث النفس) أي: مهمومًا غيرَ نَشِيْطٍ، ولا مُنْبَسِطٍ (بَطارقته) بفتح الباء: جمع بطريق: بكسرها، وهم: قُوَّادُ مُلْكِهِ وخواصُّ دولتِه. (استنكرنا هيئتك) أي: أنكرنَا حالتَكَ لمخالفَتِها لسائرِ الأيَّامِ. (حَزَّاءً) بفتح المهملة، وتشديد الزاى والمد أي: كهَّانا (ينظر في النجوم) تفسير له، ويجوز أن يكونَ نوعًا منه؛ لأن الكِهانةَ أنواع. (سَألُوْهُ) أي؛ عما استنكُرُوْه مِنْهُ. (ملك الختان) بضم الميم وسكون اللام، وبفتحها وكسر اللام، والختان: قطع جلدة فوق الحشفة، والمرادُ: أن هِرَقْل رأى بواسطة رؤيته في النجومِ طائفة أهل ختان [يملكون] (¬2)، فاغتمَّ لذلك؛ لأن النصارى لا تختتن، فالملك ينتقل عنهم إلى أهل الختان. (قد ظهر) أي: بدا، أو غلب. (من هذه الأمَّة) أي: من أهل هذا العصر. (يُهِمُّنَّكَ) بضم أوَّلهِ أي: يُقْلِقُنَّكَ وَيُحْزنْنَّكَ، والمعنى: هو لا أحقر من أن يهتمَّ بهم، أو يبالي بهم. (مدائنُ) بالهمز أفصحُ من تركِهِ، فَهَمْزُهَا على أنها جمعٌ لمدينة بوزن فَعْيِلَة، وَتَرْكُهُ على أنَّها جَمْعٌ لَمْديَنَة بوزن مَفْعَلَة من دَانَ أي: ملك. (أتَيَ) مبنيٌّ للمفعول، وقع جوابًا لبينما، مجردًا من إذ، وإذا الفجائيتين، وهو العامل في بينما؛ لأنه جوابها. (مَلِكُ غَسَّان) هو ¬
صاحب بُصْرى، وهو من ملوكِ اليمنِ، سكنوا الشام وغَسَّان: بفتح الغين المعجمة، ما نزلوا عنده. (اذهبوا به) أي: بالرجلِ، و (به): ساقط من نسخةٍ. (هذا ملك) بضم الميم وسكون اللام: مصدر، وبفتحها وكسر اللام: صفة مشبهة، وفي نسخة: "يملك" فعل مضارع. (قَدْ ظَهَرَ) جملةٌ مستأنفةٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ لهذا. (برومية) بتخفيف الياء، مدينة معروفة بالروم (¬1). (حمص) مدينة بالشام (¬2)، ممنوعة الصرف؛ للعلمية والتأنيث، ومصروفة؛ بسكون الوسط، فهيَ كهِنْد في جواز الوجهين، لكن إن ثبت أنها أعجمية على ما قيل تعين المنع، كجور وماه، عَلَمَي بَلَدَيْنِ. (فلم يَرِمْ) بفتح الياء وكسر الراء، لم يبرح، ولا يكاد يُسْتَعْمَلُ في النفي، يقال: ما رام، ولا يريم، ولم يَرِمْ. (من صاحبه) أي: الذي برومية، واسمه: ضغاطر. (في دَسْكَرَةٍ) أي: في دخولها، وهو بفتح الدال، بناء كالقصر حوله بيوت للخدم والحشم. (ثُمَّ اطَّلَعَ) أي: عليهم؛ ليخاطبهم. (معشر) هم الجمع الذي شأنهم واحد، فالإنس: معشرٌ، والجنُّ: معشرٌ، والأنبياء: معشرٌ. ¬
(الفلاح) الفوز والنجاة. (الرشد) بضمِّ أوَّله، وسكون ثانيه، وبفتحهما: خلاف الغِيّ، فهو إصابة الخير. (فتبايعوا) (¬1) بالجزم: جواب الاستفهام، وهو بمثناة فوقية، فموحدة من البيعة، وفي نسخةٍ: "بفوقيتين" من المتابعة، وفي أخرى: "فنبايع" بنون قبل الموحدة، وفي أخرى: بنونٍ ففوقيةٍ فموحدةٍ. (لهذا) في نسخة: "هذا" بحذف اللام. (فحاصوا) بمهملتين: نفروا. (وأيس) في نسخة: "وَيئِسَ" وهو الأصل، فقلب (¬2)، ومعناه: انقطع طمعه. (آنفًا) بالمد وكسر النون، وقد تقصر أي: قريبًا، ونصبه على الحال. (أختبر شدتكم) أي: أمتحنُ رسوخكم. (آخر شأن هرقل) بنصب آخر: خبر كان، واسمها: ذلك، ويجوز العكس، والمعنى: كان ذلك آخر شأنه في أمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بتلك القصة خاصة، وإلا فقد وقعت له قصص أخرى بعد ذلك، كتجهيزه الجيوش إلى تبوك، ومكاتبة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، له ثانيًا، وإرساله إلا النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بذهبٍ قسمه على أصحابه. (قال محمدٌ) هو البخاريُّ (رواه صالح بن كَيسان ويونس ومعمر) أي: تابع هؤلاء الثلاثة شعيبًا في رواية هذا الحديث. (عن الزُّهْرِيّ) هو المتابع عليه وبذكره تُسَمَّى هذه متابعة مقيدة كما مرَّ، وقد وصل ¬
البخارِيُّ روايةَ صالح من طريق إبراهيم بن سعد، ورواية يونس من طريق الليث في كتاب: الجهاد، ورواية معمر من طريق الليث أيضًا في التفسير (¬1). ¬
2 - كتاب الإيمان
2 - كتاب الإيمان
1 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 2 - كتاب الإيمان 1 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ" وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] وَقَوْلُهُ: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31] وَقَوْلُهُ: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: 124] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} [آل عمران: 173]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] وَالحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ مِنَ الإِيمَانِ " وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: "إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ، وَشَرَائِعَ، وَحُدُودًا، وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ" وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ
قَلْبِي} [البقرة: 260]. وَقَالَ مُعَاذُ: "اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً" وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ" وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {شَرَعَ لَكُمْ} [الشورى: 13]: أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] سَبِيلًا وَسُنَّةً. [فتح: 1/ 45] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كرَّرَها في أكثرِ النسخِ، في كلِّ كتابٍ وإن أغنى ذكرها أوَّل الكتاب؛ لزيادة الاعتناء بالتمسك بالسنة، في الابتداء بها في كلِّ أمرٍ ذي بالٍ. (كتاب الإيمان) الكتابُ لغةً: الضم والجمع، يُقَالُ: كَتَبَ يَكْتُبُ كتَابًا وَكتَابَةً أي: جمع، وَعُرْفًا: اسمٌ لجملةِ مختصةٍ من العلمِ، مشتملةٍ غالبًا على أبواب وفصولٍ. والإيمانُ لغةً: التصديقُ، وشرعًا: تصديق النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيما جَاء به عن ربِّه، بشرط تلفظ القادر بالشهادتين، ولما كان ذكر كيف كان بدء الوحي، كالمقدمة لكتابه لم يذكره بالكتاب، بل بالباب. (وقولُ النبيِّ) بالرفع بالابتداءِ, أو بالجز عطفًا على الإيمان، وفي نسخةِ: "بابُ: قولِ النبيِّ" [وهو واضح] (¬1)، وفي أخرى: "باب: الإيمان وقولِ النبيِّ". (بُنِيَ الإسلامُ على خمسِ) تمامه كما يأتي: "شهادة أن لا إلله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان". وذكر بعض الحديث لغرض جائز، والإسلام لغة: الاستسلام ¬
والانقياد، وشرعًا: تَلَفظُ القادر بالشهادتين، بشرط تصديق النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيما مرَّ. (وهو) أي: كلٌّ من الإيمان والإسلام عند البخاريِّ. (قول وفعل) أي: مع اعتقاد، ويمكن دخوله فيهما (¬1) وأما عِنْدَ غيرِ البخاريِّ، فهو ما قَدَّمْنَاه، وعليه فما هنا محمول على الإيمانِ الكاملِ، وفيه: ردُّ عَلَى المُرْجِئَةِ القائلين: بأنه قول بلا عمل، وفي نسخة: بدل (وفعل) "وعمل". (ويزيدُ وينقصُ) إمَّا باعتبار دخول القول والفعل فيه، أو باعتبار القوة والضعف، أو باعتبار الإجمال والتفصيل، أو باعتبار تعدد المؤمن به. (قال الله تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} إلى آخر ما ذَكَرَهُ من الآياتِ، وغيرها، يَدَلُّ على زيادةِ الإيمانِ. ونقصانُ ثبوتِها يثبتُ النقصَ المقابل لَهَا؛ لأَنَّ كلَّ قابلٍ للزيادةِ قابلٌ للنقصِ ضرورةً، ولا يَخْفَى أَنَّ ذكْرَ ذلِكَ في بابِ: زيادةِ الإيمان ونقصانِه أنسبُ منْ ذكِره هُنَا. (والحبُّ في الله والبغضُ في الله مِن الإيمانِ) هو حديث رواه: البيهقيُّ بلفظ: "أوثقَ عُرى الإيمان: أن تحب في الله، وأن تبغض في الله" (¬2)، وأبو داود بلفظ: "من أحبَّ لله، وأبغضَ لله، ومنع لله، أو أعطى لله] (¬3)، فقد استكمل الإيمان" (¬4) ووجه الدلالة منه: أن الحب والبغض ¬
متفاوتان. و (في) في الحديث للسببية (¬1) أي: لسبب إطاعة الله ومعصيته، والجملة مع الجمل الآتية: عطف على جملة (قال الله تعالى). (عَدي بن عَدي) بفتح العين المهملة، أبو فروة الكندي تابعيٌّ، وقيل: صحابيٌّ. (فرائضَ) أي: أعمالًا مفروضة. (وشرائعَ) أي: عقائد دينية. (وحدودًا) أي: منهيات. (وسُنَنًا) أي: مندوبات. (فإن أعش فَسَأُبَيِّنُهَا) أي: أُوَضِّحُهَا؛ ليفهَمهَا كلُّ أحدٍ، وليس في ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة لعلمه أنهم علموا مقاصدهم؛ لإعلامه لهم بها؛ ولاشتغاله عن التفصيل والإيضاح بما هو أهمُّ من ذلك. (قال إبراهيم: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}) لم يورد هذه الآية مع الآيات السابقة؛ إشعارًا بالتفاوت؛ لأن دلالة تلك على المراد بالتصريح، وهذه باللازم، ووجه الشاهد فيها: أنه إن انضم عين اليقين كان أقوى من انفراد العلم. (اجلس) همزته للوصل (¬2). (نؤمن) جواب الأمر، ووجه الشاهد فيه: أنه كان مؤمنًا، فوجب حمله على الزيادة والتقوية للأدلة، والمقول له الأسودُ بن هلال. ¬
(وقال ابن مسعود: اليقين: الإيمان كلُّه) هذا التعليق من طرفٍ من أثرٍ وصله الطبرانيُّ بسندٍ صحيح، وبقيته: "الصبر: نصف الإيمان" (¬1). ورواه البيهقي مرفوعًا (¬2)، قال شيخنا حافظ العصر الشهاب بن حجر -وهو المراد بإطلاقي شيخنا فيما يأتى-: ولا يصح رفعه. ووجه الشاهد فيه: أن لفظ: نصف يقتضي الزيادة. (حقيقة التقوى) أي: الإيمان كما في رواية (¬3)؛ لأن التقوى وقاية النفس عن الشرك، والتقوى أتت في القرآن لمعان للإيمان، كقوله: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26] وللتقوى، كقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا} [الأعراف: 96] وللطاعة، كقوله: {أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاتَّقُونِ} ولترك المعصية، كقوله: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ} وللإخلاص كقوله: {مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} وللخشية كقوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ}. (حتى يَدَعَ) أي: يترك. (حاكَ) بتخفيف الكاف، أي: تردَّد وهذا ¬
2 - باب: {دعاؤكم} [الفرقان: 77]: إيمانكم
الأثر رواه مسلم مرفوعًا (¬1)، وفيه: دليل أن بعض المؤمنين بلغ حقيقة الإيمان، وبعضهم لم يبلغها، فهو يزيد وينقص. (وقال مجاهد) أي: ابن جبر المفسر. (وإيَّاهُ) أي: نوحًا والمعنى: أن ما تظاهرت عليه آيات الكتاب والسنة من زيادة الإيمان ونقصانه هو شرع الأنبياء كلهم؛ لقوله تعالى: ({شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ}) الآية. سبيلًا وسنة تفسير لقوله تعالى: ({شرعة ومنهاجًا}) ففيه: لفٌّ ونشرُ غيرُ مرتبٍ، وفي نسخةٍ: "سنةً وسبيلًا" فهو مرتبٌ، وآيةُ {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ} دالة على اتحاد شِرعةِ الأنبياء، وذلك في أصولِ الدينِ، وآية {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} دالةٌ على تفريق شرائعهم وذلك في الفروع. 2 - باب: {دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77]: إِيمَانُكُمْ. كذا في أكثر النسخِ، وقال النوويُّ: هو غلطٌ فاحشٌ، وصَوابُهُ: ودعاؤكم إيمانُكمَ بحذف باب؛ لعدمِ مطابقةِ الحديثِ الآتي له؛ ولأنه ترجم قبله بقوله - صلى الله عليه وسلم -: بُنيَ الإسلام على خمس، ولم يذكره فيه بل ذكره بعده وعليه فيكون (دعاؤكم إيمانكم) من قول ابن عباس تفسيرًا للدعاء بالإيمان، قوله تعالى: {لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77] ووجه الاستشهاد فيه: أن الدعاء المفسر بالإيمان يقبل الزيادة والنقص. 8 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". [4514 - مسلم: 16 - فتح: 1/ 49] ¬
(عبيد الله بن موسى) هو ابن باذام بموحدة، وذالٍ معجمةٍ، العَبْسِيُّ بفتح المهملة، وسكون الموحدة، الكوفيُّ. (حنظلة بن أبي سفيان) هو قرشيٌّ، من ذرية صفوان بن أمية الجمحيُّ. (عكرمة بن خالد) هو سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزويُّ. (بُنيَ الإسلامُ) قال النوويُّ: أُدْخِلَ هذا الحديث في هذا الباب، يعني: باب قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: (بُنيَ الإسلام على خمسٍ)؛ ليُبَيِّن أَنَّ الإسلام يُطْلَقُ عَلَى الأفعالِ، وأنَّ الإسلام والإيمانَ قد يكونانِ بمعنى واحدٍ. (عَلَى خَمْسٍ) أي: دَعَائم، أو قَوَائم، وفي نسخةٍ: "عَلَى خَمْسَةٍ" أَي: أَشْيَاءَ، أَوْ أَرْكَانَ، عَلَى أَنَّ دُخُولَ التَّاءِ في العَدَدِ للتَّذْكِيرِ، وَحَذْفَهَا مِنْهُ للتَّأنيثِ، محله: إذا ذُكِرَ المعدودُ، فإنْ حُذِفَ كما هنا جاز الأمرانِ. (شهادة) هو مع ما عطف عليه، مجرورٌ على البدل من خمس بدل كلٌّ من كلٍّ، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، ويجوز نصبه بتقدير أَعْنِي. (أن لا إله إلا الله) أن: فيه مخففة من الثقيلة عطف عليها (وأنَّ محمدًا رسولُ الله) بتشديد أن. (وإقام الصلاة) أصله: إقوام الصلاة، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وحينئذٍ فيعوضُ عنها. التَّاء، فيقُالُ: إقامةٌ أَوْ ذِكْرُ المُضَافِ إلَيْهِ، فَيُقَالُ: إِقامُ الصَّلاةِ، كَما هُنا. (وإِيتَاءِ الزكاة) أَي: إِعْطَائِهَا مُسْتحِقَّهَا. (والَحجِّ) أي: والعُمْرَةِ إلى أن في الحديث التنبيهَ عَلَى جَميع مَا أُمِرَ بالإيمانِ بهِ، كالإِيْمان بُرسُلِ الله، وَمَلَائكَته، وكُتُبِه، والبَعْثِ، وَغَيْرِهِا، فاسْتُغْني بمفتتح الإيمانِ عَنْ ذَلك، كَمَا تَقُولُ: قَرَأْتُ الحَمْدَ، والمراد إلى آخر السُّورةِ. (وصوم رمضان) فيه: دليلٌ لمن جوَّز إطلاقَ رمضانَ مِنْ غَيْر إضافةِ شَهْرٍ إلَيهِ، وَاعلَمْ أَنَّ الإسلامَ مُشَبَّهٌ بِشَيءٍ لَهُ دَعَائم
فذكرَ المُشَبَّه وأسْندَ إليهَ مَا هُو من خَواصِّ المشبه به، وهو البناءُ، ويسَمَّى ذَلِكَ استعارة بالكناية كأنبت الربيعُ البقلَ، ويجوز أنْ تكون الاستعارة تبعيةً، بأنْ شبه ثبات الإسلام على الأمور الخمسة ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثمَّ مرَّتْ الاستعارة منَ المصدرِ إلى الفعلِ، ووجهُ الحصرِ في الخمسة: أنَّ العبادةَ إما قولية وهي الشهادة، أو غير قولية، فإِما تركيٌّ وهو الصوم، أو فعليٌّ، فإما بدنيُّ، وهو الصلاة، أو ماليُّ، وهو الزكاة، أو مركبٌّ منهما وهو الحَجُّ. قال النَّوويُّ: وَحُكْمُ الإِسْلَام في الظَّاهِرِ ثَبُتَ بالشهادَتَيْنِ، وإنَّما أضيفَ إليهما الصلاةُ ونحوهَا، لِكونِها أظهَر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بانحلاله انتهى. فالإسلام الحقيقي يحصل بالشهادتين (¬1) بشرطِ التصديقِ كما مرَّ، والكاملُ يحصلُ بالأمور الخمسة، فإن قيلَ: إذَا كانَ حصولُه بالخمسةِ فهُوَ عَيْنُهَا، والمبني يجب أنْ يكون غير المبنى عَلَيْهِ وأُجِيْبُ: بأنَّ الإسلامَ هو المجموع، والمجموعُ غيرُ كلٍّ منْ أركانهِ، فإنْ قيلَ فالأرَبعةُ لَا تَصِحُّ إلا بالأوَّل فهي المبنية، وهو المبنى عليه، فلا يجوز إدخالهما في سلكٍ واحدٍ، أجيبُ: بأنهُ لا امتناع أنْ يكونَ أمرًا مبنيًّا على أمرٍ، ثمَّ الأمرُ أنْ يكون مبينًا عليهُمَا شيء آخرُ، أو إِنَّ مَعْنَى بناءِ الأَرْبَعَةِ مِنْ جِهَةِ صِحَّتِهِا، وذلك غير معنى بناءِ الإسلام على الخمسِ فإنْ قيلَ: لِمَ لمْ يذكر مع [الخمس] (¬2) الجهادِ؟ أجيبُ بَأنَّهُ: لم يكنْ فرضًا، أو كانَ فرضه فرضَ كفايةٍ، بخلافِ الخمس، فإنَّهَا فرائضُ أعيانٍ. ¬
3 - باب أمور الإيمان
3 - باب أُمُورِ الإِيمَانِ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] [وَقَوْلِهِ]: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] الآيَةَ [فتح: 1/ 50]. (باب: أمور الإيمان) أي: الأمورُ التي هيَ الإيمانُ عنَدهُ فالإِضافةُ بَيَانيَّةٌ، والأمورُ التي للإيمانِ في تحقيقِ حقيقتهِ، فالإضافة بمعنى اللام. (وقول الله) أي: عند البخاريِّ، بالرفع والجرِّ نظير ما مرَّ، وكذا الكلام في قوله بعدُ، في نسخة: "وقوله". ({قَدْ أَفْلَحَ}) والشاهدُ في الآية الأُولى: قصر أصحاب الصفات المذكورة فيها على المتقين في قوله في آخرها: ({وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ}). وفي الثانية: قصر المؤمنين على أصحاب الصفات المذكورة فيها ({قَدْ أَفْلَحَ}) في نسخة: "وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ} " والفلاحُ: الفوز، وهو أربعةٌ: بقاءٌ بلا فناءِ، وغنى بلا فقرِ، وعِزٌّ بلا ذُلٍّ، وعِلْمٌ بلا جهلٍ، فلا كلمة أجمع منها. (الآية) بالنصب بمقدرِ كاقرأ، وبالرفع مبتدأ حُذِفَ خبره أي: تُقْرأُ بتمامها، وبالجرِّ على حذف مضاف أي: اقرأ إلى آخر الآية.
9 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ". [مسلم: 35 - فتح: 1/ 51] (عبد الله ... إلخ) كنيته: أبو جعفر بن محمد بن عبد الله الجُعْفِيُّ المَسْنَديُّ؛ لأنه كان يرغب في الأحاديث المسندة، ويترك المراسيل. (أبو عامر العَقَدى) بالعين المهملة، والقاف المفتوحتين، واسمه: عبد الملك بن عَمْرو البَصْرِيُّ، والعقد: قومٌ منْ قيسِ، وهَمْ بَطْنٌ من الأزد. (سليمان بن بلال) كنيته: أبو محمَّدٍ، أو أبو أيوبَ القرشيُّ. (عبد الله بن دينار) كنيته: أبو عبد الرحمن القرشي. (عن أبي صالح) اسمه: ذكوان السمَّان. (عن أبي هريرة) اختلف في اسمه، واسم أبيه، على نحو ثلاثين قولًا، أصحُّها عند الأكثر: عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسِيُّ اليمنيُّ (¬1). (بضع) بكسر أوَّله أكثر من فتحه، وفي نسخة: "بضعة". ومعناهما: القطعةُ، ثمَّ استعملا في العدد لما بين الثلاثةِ والعشرةِ، وقيلَ: منْ ثلاثةٍ إلى تسعةٍ، وقيلَ: منِ واحدٍ إلى تسعةٍ، وقيلَ: منْ اثنينِ إلى عشرةٍ. (وسِتُّون) في مسلمٍ: "وسبعون" (¬2)، وفي روايةٍ له أيضًا: "وستون أو سبعون" (¬3)، على الشك. ¬
(شعبة) بالضمِّ أي: قطعة، والمرادُ: الخصلة، والشعبة في الأصلِ: غصن الشجرة، فشبَّه الإيمان بشجرة ذات أغصانٍ وشعب، كما شبَّه الإسلام بخباءٍ ذي عمدٍ في خبر: "بُنِيَ الإسلام". والمرادُ مِنَ الحديثِ: شعبُ الإيمانِ الكاملِ، وهوَ التصديقُ والإقرارُ والعملُ، وبيانُ عددِ شعبهِ على رواية: "بضع وسبعون". أن التصديقَ يرجعُ إلى أعمالِ القلب، والإقرار إلى أعمالِ اللسانِ، والعمل إلى أعمالِ البدن. فالأوَّلُ: يتشعبُ إلى ثلاثين شعبةَ: الإيمانِ بالله تعالى، واعتقادِ حدوثِ ما سواهُ، والإيمانِ بملائكتهِ، والإيمان بكتبهِ، والإيمانِ برسله، والإيمان بالقدرِ خيرهِ وشرِّهِ، والإيمانِ باليوم الآخرِ، والوثوقِ بوعدِ الجنةِ والخلودِ فيها، واليقين بوعيدِ النارِ وعذابِها، ومحبةِ الله تعالى، والحبِّ والبغضِ في الله تعالى، ومحبةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والإخلاصِ، والتوبةِ، والخوفِ، والرجاءِ، وتركِ اليأسِ والقنوطِ، والشكرِ، والوفاء بالعهدِ، والصبرِ، والتواضعِ، والرحمةِ، والرضا بالقضاءِ، والتوكلِ، وتركِ العُجْبِ، وترك الحسدِ، وتركِ الحقدِ، وترك الغضبِ، وترك الغشِّ، وتركِ حبِ الدنيا. والثاني: يتشعبُ إلى سبع شعب: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلُّم العلمِ، وتعليمه، والدعاء والذكر، واجتناب اللغو. والثالثُ: يتشعبُ إلى أربعينَ شعبةَ، وهي على ثلاثة أنواع: الأولُ: ما يختصُّ بالأعيان، وهو ست عشرةَ شعبةً: التطهيرُ، وإقامةُ الصلاة، وأداءُ الزكاةِ، والصَّومُ، والحجُّ، والاعتكافُ، والفرارُ بالدينِ، والوفاء بالنذر، والتحري في الإيمانِ، وأداءُ الكفَّارةِ، وسترُ العورةِ، وذبحُ الضحايا، والجودُ، وفكُّ الرقابِ، والصدقُ في
المعاملاتِ، والشهادةُ بالحق. والثاني: ما يختصُّ بالأتباعِ، وهي ستُّ شُعبٍ: التعففُ بالنكاحِ، والقيامُ بحقوقِ العيال، وبرُّ الوالدينِ، وتربيةُ الأولادِ، وصلة الرحم، وطاعة الموالي. والثالثُ: ما يختصُ بالعامةِ، وهي ثماني عشرة شعبةً: القيامُ بالإمرة، ومتابعةُ الجماعةِ، وإطاعةِ أُولي الأمرِ، والإصلاحُ بين الناسِ، والمعاونةُ على البرِّ، والأمرُ بالمعروفِ، وإقامةُ الحدودِ، والجهادُ، وأداءُ الأمانةِ، والقرضُ مع وفائهِ، وإكرامُ الجارِ، وحُسنُ المعاملةِ، وإنفاقُ المالِ في حقِّه، وردُّ السلام، وتشميتُ العاطسِ، وكفُّ الضررِ عن النَّاسِ، واجتنابُ اللَّهو، وإماطةُ الأذى عن الطريق. فهذه سبعٌ وسبعون شعبةً، وإنْ دخلَ في بعضها زيادةٌ، كدخولِ الإيمان بصفاتِ الله تعالى في الإيمان به، وكدخولِ الصَّدقة في الزكاةِ، والعُمرةِ في الحجِ، والحياءِ في حسنِ المعاملة، وإلى الزيادةِ أَشار بقولهِ (والحياء) بالمدِّ: تغيرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يعابُ بِه، وربَّما عُرِّف بأنَّه خُلُقٌ يبعثُ على اجتناب القبيح. (شعبةٌ منَ الإيمانِ) صرَّحَ بذلكَ وإنْ دخلَ فيمَا مرَّ؛ لأنه يمنع صاحبه عن المعاصي، ولأنه كالداعي لسائر الشعب، واستشكل بأن المستحي قد يستحي أن يواجَهَ بالحقِّ، فيترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأجيبُ: بأن ذلك ليس حياءً بل عجزًا ومهابةً [وضعفًا] (¬1) وتسميته حياءً مجاز من مجاز المشابهة. ¬
4 - باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
4 - باب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ. لفظ (باب) يحتمل التنوين، والإضافة إلى الجملة والسكون، وهو ساقط من نسخة. 10 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاويَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [6484 - مسلم: 40 - فتح: 1/ 53] (حدثنا آدم بن أبي إياس) بكسر الهمزة والمثناة التحتية، وآدم كنيته: أبو الحسن، واسم أبي إياس: عبد الرحمن بن محمد. (شعبة) بضم الشين، كنيته: أبو بسطام بن الحجاج بن الورد الأزديُّ. (عبد الله بن أبي السفر) بفتح الفاء، واسمُ أبي السَّفرِ: سعيد بن يحمد، قال النوويُّ: هو بضم الياء وفتح الميم، والغسانيُّ: بضم الياء، وكسر الميم. (وإسماعيل) هو: ابن أبي خالد، واسم أبي خالد: هرمز، وقيل: سعيد، وقيل: كثير البجليُّ. (عن الشعبيِّ) بفتح الشين وسكون العين، أبو عمرو عامر بن شراحيل، نسبة إلى شعبٍ، بطن من همدان: بسكون الميم. (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين وبالواو، وكتبت فيه؛ ليتميز بها عن عُمَرٍ في غيرِ النصب، أما في النصب: فتُميَّز بالألفِ، وهو: عمرو بن العاص بن وائل القرشي، وكنيته: عبد الله أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نصر بضم النون.
(المسلم) أي: الكاملُ، وفيه: تغليبٌ (¬1) لتدخل المسلمة. (من سلم المسلمون من لسانه ويده) أي: من أذاهما، وخُصَّا بالذكر مع أن غيرهما يصدر من الأذى؛ لأن الغالبَ وقوعه منهما، أو أطلق على الكلِّ عملَ اليد واللسان، فيقال في كلِّ عمل: هذا مما عملته اليدُ، واعلم أنَّ ما وقع بحق، كإقامة الحدود والتعازير ليس بإيذاءٍ في الحقيقة، بل استصلاح وطلب سلامة ولو في المآل. (والمهاجر) من الهجرة، وهو الترك. (من هَجَرَ) أي: ترك ما نهى الله عنه من المحرمات والمكروهات، قيل: إنه لما انقطعت الهجرة حزن على فواتها من لم يدركها، فأعلمهم النبيٌّ - صلى الله عليه وسلم -: أن المهاجرَ في الحقيقة منْ هَجَرَ ما نهى الله ورسولهُ عنهُ، وقيل: بل أعلم المهاجرين لئلَّا يتكلوا على الهجرة. (قال أبو عبد الله) أي: البخاريُّ، وهذا ساقط من نسخة. (وقال أبو معاوية ... إلخ) ذكر فيه تعليقين: رجال الأول: أبو معاوية الضرير محمد بن خازم بمعجمتين الكوفيُّ، وداود بن أبي هند دينار، وعامر الشعبي، المتقدم آنفًا. وعبد الله بن عمرو بن العاص، ورجال الثاني: عبد الأعْلى بن عبد الأعلى الساميُّ بسين مهملة، من بني سامة، وداود، وعامر، وعبد الله، المذكورون آنفًا. وأورد البخاريُّ التعليقين للاستشهادِ والمتابعةِ، لا لأصلِ الاستدلالِ لحصولهِ بالروايةِ المتصلةِ، وأراد باولهما: التصريح بسماع الشعبي من عبد الله بن عمرو، وبثانيهما: التنبيه على أن عبد الله الذي أُبْهِمَ فيه هو عبد الله بن عمرو، والذي بُيِّن في الرواية ¬
المتصلةِ، والتعليقُ: حذفُ أوَّلِ الإسناد، أو كلهُ كما وضحتهُ في: "شرحِ ألفية العراقي" (¬1). ¬
5 - باب أي الإسلام أفضل؟
5 - باب أَيُّ الإِسْلام أَفْضَلُ؟ (أي الإسلام أفضل) برفع (أفضل) (¬1) سواءٌ نَوَّنت باب أو سكَّنْتَهُ، أو أضفته إلى ما بعده. 11 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ". [مسلم: 42 - فتح: 1/ 54] (حدثنا سعيدُ بنُ يحيى) كنيةُ سعيد: أبو عثمانَ، وكنية يحيى: أبو أيوب، وفي نسخةٍ: بعد يحيى "ابن سعيد" وهو أنصاري. (حدثنا أبي) هو: يحيى المذكور آنفًا. (أبو بردة) بضم الباء، واسمه: بُرَيْدُ، بالتصغير. (ابن أبي بردة) اسمه: عامر، أو الحارث بن أبي موسى. (قالوا) في رواية: قلتُ (¬2)، ولا منافاة لاحتمال التعدد. (عن أبي موسى) اسمُه: عبُد الله بنُ قيسٍ الأشعريُّ اليمنيُّ. (أيُّ الإسلام) أي: أيُّ خصاله، أو أيُّ ذويه؛ لأن أيَّ لا تضافُ إلَّا إلى متعددٍ؛ ولأنَّ جوابه يدل على أنَّ السؤال عنْ خصلةٍ منه، أو عنْ من تلبس بسلامةِ المسلمين منه، لا عن الإسلامِ نفسه، لكن التقديرَ الأوَّلَ يُحوِّجُ إلى تقديرٍ آخر في الجواب؛ ليطابق السؤال، بأن يقال: خصلةُ من سلم، فالتقديرُ الثاني أَوْلَى لسلامتِه من ذلك. (أفضلُ) أيْ: من غيرِه منْ الخصالِ، أو منْ ذويِّ الإسلامِ؛ لكثرةِ ثوابِه. ¬
6 - باب إطعام الطعام من الإسلام
6 - باب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلامِ. في ضبط باب وسقوطه: ما مرَّ في البابِ السابقِ على ما قبلَهُ، وفي نسخةٍ: بدل من (الإسلام) "من الإيمان". 12 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" [28 - 6236 - مسلم: 39 - فتح: 1/ 55] (حَدَّثنَا عَمْرُو) كنيتهُ: أبو الحسن. (خالد) هو ابن فرُّخ بفتح الفاء وبتشديد الراء المضمومة وفي آخره خاء معجمة الحرانيُّ. (عن بريد) هو أبو رجاء (¬1) بن أبي حبيب. (عن أبي الخير) هو: مَرْثَد، بفتح الميم، والمثلثة بينهما راء ساكنة، ابن عبد الله اليزنيُّ، بفتح التحتية والزاي نسبة إلى يزن بطن من حمير وقيل: موضع (¬2). (أنَّ رجلا) قيل هو أبو ذرٍّ. (سأل النبيَّ) في نسخةٍ: "سألَ رسولَ الله" (أي الإسلام) أي: أيُّ خصاله. (قال) في نسخة: "فقال" (تطعم) أي: الخلق. (الطعام) الشامل للمأكول والمشروب، والفعلُ مُؤَوَّلٌ بمصدر (¬3)، أي: إطعامُه، وإن خلا عن حرفٍ مصدريٍّ على حدِّ: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ} وتسمع بالمُعَيْدِيِّ (¬4) (وتقرأ) بفتح الفوقية ¬
7 - باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
والراء، وبضمها وكسر الراء، أي: تُفشي. (على من عرفت ومن لم تعرف) من المسلمين، وفي هاتين الخصلتين الجمع بين المكارم المالية، والبدنية، ولا ينافي جعل الخير هنا الإطعام وإقراء السلام جعلَ الأفضل فيما مرَّ السلامة من اليد واللسان؛ لأن وقوعهما كان في وقتين، فكان الأفضل في كلٍّ منهما ما أجيبَ به، ولأن المراد بخيرته ما ذكر: التودد والتآلف، وبأفضلية السلامة مما ذكر كثرة الثواب كما مرَّ وإن استلزمت السلامة التودد والتآلف. 7 - باب: مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ. (باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه) في ضبط (باب) وسقوطه ما مرَّ. 13 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ". [مسلم: 45 - فتح: 1/ 56] (حدثنا مُسَدَّدٌ) بضم الميم، وفتح السين والدال المشددة المهملتين: ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل الأسديُّ البصريُّ. ¬
(قال: حدثنا يحيى) هو: ابن سعيد بن فروخ القطان التيميُّ. (عن قتادة) هو: ابن دعامة، بكسر الدال ابن قتادة السدوسيُّ نسبة إلى سدوس جدِّه الأعلَى. (عن أنس) هو ابن مالك بن النضر، بالنون والضاد المعجمة، الأنصاريُّ. (وعن حسين) عطف على (عن شعبة)، وحسين هو: ابن ذكوان المعلم البصريُّ. (قال: حدثنا قتادة) حاصله: أن كلًّا من شعبة وحسين، حَدَّث عن قتادة، وليست طريق حسين معلقةً، بل موصولة، فقد رواها أبو نعيم من طريق إبراهيم الحربيَّ عن مسدد، عن يحيى القطان، عن حسين، عن قتادة، عن أنس، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. (عن أنس) في نسخةٍ: "عن أنس بن مالك". (لا يؤمن أحدكم) في نسخةٍ: "أحدٌ"، وفي أخرى: "عبد" وفي أخرى: الاقتصار على "لا يؤمن"، أي: أحدكم، أي لا يؤمن إيمانًا كاملًا. (حَتَّى يُحِبَّ) بالنصب بأن مضمرة بعد حتَّى، وهي جارة لا عاطفة (¬1)، ولا ابتدائية. (لأخيه) أي: في الإيمان، قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 15]. (مَا يُحِبُّ) أي: مثل ما يحب إذ عينه محال؛ لأنَّهُ لا يكون في محلينِ، والمرادُ: ما يُحِبُ من الخير، كما جاء ذلك صريحًا في رواية ¬
النسائيُّ (¬1)، وذلك من الطاعات، والمباحات، والمحبةُ: إرادةُ ما يعتقدُه خيرًا، وقريب منه قول النوويِّ (¬2): المحبةُ: الميلُ إلى ما يوافقُ المحبَّ، والميلُ: إلى ما يستلذُّهُ بحواسِهِ، كحسنِ الصورةِ، أو لما يستلذُّهُ بعقِلِه، كمحبةِ الفضلِ والجمالِ، أو لإحسانِ غيرهِ إليه، ودفعه المضارَّ عنه، قيلَ: كيف يحصلُ الإيمانُ الكاملُ بالمحبةِ المذكورة؟ معَ أنَّ لَهُ أركانًا أخَر، وأَجِيْبُ: بأنَّ ذكر المحبةِ مبالغةٌ؛ لأنَّهَا الركنُ الأعظمُ نحوَ: "الحجُّ عرفةٌ" (¬3) أو هي مستلزمةٌ لهَا، والمرادُ بالميلِ هنَا الاختيارُ دوَن الطبيعيِّ والقَسْرِيُّ، ومن الإيمان أيضًا أن يبغضَ لأخيهِ ما يبغضُ لنفسهِ، ولمْ يذكرْهُ في الحديث، إمَّا لأنَّ حبَّ الشيء مستلزمٌ لبغضِ نقيضِهِ؛ أوْ لأَنَّ الشخصَ لا يبغضُ شَيئًا لنفسِهِ غَالبًا. ¬
8 - باب: حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان
8 - بَابٌ: حُبُّ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الإِيمَانِ. (باب: حبُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان) في ضبطَ (باب) ما مرَّ. وفي نسخةٍ: "حبُّ الرسولِ". 14 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ". [فتح: 1/ 58] (قال: حدثنا أبو الزناد) وفي نسخةٍ: "أخبرنا أبو الزناد" وهو بكسر الزاي، وبالنون: عبد الله بن ذكوان المدنيُّ القرشيُّ. (عن الأعرج) هو أبو داود، عبد الرحمن بن هرمز التابعيُّ القرشيُّ. (فوالذي) في نسخةٍ: "والذي". (نفسى بيده) أي: بقدرته، إذْ هوَ من المتشابهِ المفوضِ علمُه إلى الله، أو المؤوَّل بما يليقُ قولان: والأول: أسلم، والثاني: أحكم، كتأويل اليد بالقدرة (¬1) ويؤخذ من ¬
الحديثِ: جواز القسم على الأمر المهم للتوكيد، وإن لم يكن ثَمَّ مستحلف، والمقسم عليه هنا قوله: (لا يؤمن أحدكم) أي: إيمانًا كاملًا. (حتى أكونَ أحبَّ إليه) أفعل التفضيل فيه منصوب خبر أكون، وهو بمعنى المفعول، ومع كثرته هو خلاف القياس، إذ القياس أن ¬
يكون بمعنى الفاعل، (من والدِهِ) شامل للأبِّ والأمِّ؛ لأن الوالدَ: من له ولد، أو مقصور على الأب، واكْتُفِيَ بذكرِه عن الأمِّ، كما في قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أي: والبردَ. (وولدِهِ) ذكرًا أو أنثى، ولم يذكر نفسه، بل اقتصر على الوالد والولد؛ لكونهما أعزَّ خلقِ الله على الإنسانِ غالبًا، وربما كانا أعزَّ على ذي اللبِّ من نفسه، وفهم من ذلك بالأَوْلَى أنه يجب أن يكون أحبَّ إليه من غيرهما من الخلق فذكرهما تنبيه وتمثيل، وقد جاء في الرواية الآتية: التعميم والمحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلالٍ: كمحبة الولد للوالدين، ومحبة شفقةٍ: كالعكس، ومحبة استحسان: كمحبتنا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، بل المعاني الثلاثة موجودةٌ في محبتنا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والمراد بها: المحبة الإيمانية، وهي اتباع المحبوب، لا الطبيعية؛ لأنها لا تدخلُ تحت الاختيار، فلا نكلف بها، ومن ثمَّ لم يحكم بإيمان أبي طالب مع حبه للنبي - صلى الله عليه وسلم -. 15 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ح وحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ". [مسلم: 44 - فتح 1/ 58] (حدثنا) في نسخةٍ: "أخبرنا". (يعقوب) كنيته: أبو يوسف. (إبراهيم) وهو: ابن كثير الدورقي. (ابن عُلَيَّة) بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد التحتية، نسبة إلى أمِّه، واسمه: إسماعيل بن إبراهيم بن سهل البصري الأسدي، أسد خزاعة. (صُهَيْبٌ) بالتصغير، هو البناني بضم الموحدة؛ نسبة إلى بُنانة بطن من قريشٍ. (عن أنس) في نسخةٍ: "عن أنس بن مالك". (عن النبيِّ) في نسخةٍ: "قال: قال النبيُّ" ولفظ متنِ هذا السندِ كما
9 - باب حلاوة الإيمان
رواه ابن خزيمةَ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من أهله وماله" (¬1). فقوله: (من أهله وماله) بدل قوله في الحديث السابق والآتي: (من والده وولده) وإن أوهم العطف في قوله (ح وحدثنا آدم) استواء السندين في المتن الآتي. (قال: قال النبيُّ) في نسخة: "قال: قال رسولُ الله". (من والدِه وولدِهِ والناس أجمعين) فيه: عُطِفَ العامُّ على الخاصِّ، والظاهرُ: دخول النفس في الناسِ، وسيأتي التصريح بذكرها في حديث عبد الله بن هشام (¬2). 9 - باب حَلاوَةِ الإِيمَانِ. (باب: حلاوة الإيمان) مراده: أنها من ثمراته، وسقط من نسخة: (باب). 16 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ". [21، 6041، 6941 - مسلم: 43 - فتح: 1/ 60] (حدثنا محمد بن المُثَنَّى) بالمثلثة: ابن عبيد العَنَزِيُّ بفتح العين والنون وبالزاي؛ نسبة إلى عنزة بن أسد، حيٌّ من ربيعة. (عبد الوهاب) ¬
أي: ابن عبد المجيد بن الصلت. (الثقفيُّ) بالمثلثة، نسبة إلى ثقيف. (أيوب) أي: ابن أبي تميمة، واسمه: كيسان السَّختياني، بفتح المهملة؛ نسبة إلى بيع السَّختيان وهو: الجلد. (عن أبي قلابة) بكسر القاف، أي: عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (ثلاث) مبتدأ سوغ الابتداء به -مع أنه نكرة- التنوين (¬1)؛ لأنه للتعظيم، كما في: شرَّ أهرَّ ذا ناب (¬2)؛ أو لأنه عوض عن المضاف إليه أي: ثلاث خصالٍ، وخبره قوله: (من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) أي: نال حسنه باستلذاذ الطاعات عند قوة النفس بالإيمان، وانشراح الصدر له. (أن يكون) بدل من ثلاث، أو خبر مبتدأ محذوف. (أحبَّ) لم يقل: أحبَّا؛ لأن أفعلَ التفضيل إذا استعمل بمن أُفرد دائمًا. (مما سواهما) عَبَّر بـ (ما) لا بـ (من) ليعمَّ العاقل وغيره (¬3)، والمراد بهذا الحب، كما قال العلامة البيضاويُّ: العقليُّ وهو إيثار ما يقتضي العقل رُجْحَانَه ويستدعي اختيارَه وإن كانَ خلافَ هواه، ألا ترى أن المريض يعافُ الدواءَ وينفر عنه طبعُه، ولكنَّه يميل إليه باختيارِه، ويهوى تناولَه ¬
بمقتضى عقلِه؛ لما يعلمُ أن صلاحَه فيه، ولا يعارضُ تثنية الضمير هَنا قصةَ الخطيب، حيثُ قال: ومَنْ يَعْصِهِمَا فقد غوى، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "بئسَ الخطيبُ أنتَ" (¬1) فأمَرَهُ بالإفرادِ، لأنَّ المعتبر هنا المجموعُ المركبُ من المحبتين حتى لا تكفي إحداهما، وفي قصةِ الخطيبِ المعتبرُ كلٌّ منهما؛ إذ كل من العصيانين مستقلٌّ باستلزامِه الغوايةَ؛ ولأن القصد هنا ألا يجاوز، وثَمَّ الإيضاح ولهذا جاء في رواية أبي داود: "ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه" (¬2)؛ لكونه في غير الخطبة. (المرءَ) مفعول يحب. (لا يُحبُّهُ إلا لله) حال من الفاعل، أو المفعول، أو منهما. (يعود في الكفر) أي: إليه، يجعل في بمعنى إلى أو بتضمين يعود معنى مستقر (¬3). وذكر الحلاوة مع أنها من صفات الطعم على التشبيه، ووجه الشبه: الاستلذاذ، وميل القلب إليه، ففي إضافتها إلى الإيمان استعارة بالكناية، حيث شبه الإيمان بما له حلاوة، كالعسل فذكر المشبه وأضاف إليه ما هو من خواصِّ المشبه به، وفي الحديث: إشارة إلى التحلي بأنواع الفضائل من التعظيم لأمر الله، بكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ثم الشفقة عى خلق الله بإخلاص محبته، ثم التخلِّي عن الرذائل بكراهة الكفر وهذا لازم للأوَّلِ، وإن اختلفا مفهومًا. ¬
10 - باب علامة الإيمان حب الأنصار
10 - باب عَلامَةُ الإيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ. 17 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ" [3784 - مسلم: 74 - فتح: 1/ 62] (باب: علامةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصارِ) في ضبط باب: ما مرَّ. (حدثنا أبو الوليد) هو: هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ؛ نسبة إلى بيع الطيالسة. (ابن جبر) بفتح الجيم وإسكان الموحدة. (أنسًا) في نسخة: "أنس بن مالك" - رضي الله عنه -. (آية الإيمان) أي: علامته. (حب الأنصار) جمع نصير، كشريف وأشراف، أو جمع ناصر كصاحب وأصحاب، واللام للعهد أي: أنصار النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين ابتدوا بالبيعة على إعلاء توحيد الله وشريعته، وهم الأوس والخزرج، واستشكل جمع نصير، أو ناصر على أنصار بأنه جمع قلة بوزن أفعال، وهو لا يكون لما فوق العشرة مع أنهم أكثر منها بكثير، وأجيب: بأن القلة والكثرة، إنما يعتبران في نكرات المجموع دون معارفها. (وآية النفاق) هو: إظهار الإيمان، وإبطان الكفر. (بغض الأنصار) صرَّح بذلك تأكيدًا؛ لاقتضاءِ المقاِم ذلك، وقابل الإيمان بالنفاقِ لا بالكفرِ، الذي هو ضدُّه؛ لأَن الكلامَ في الذين ظاهرُهم الإيمانَ وباطنهم الكفَر، فميَّزهم عن ذويِ الإيمانِ الحقيقيِّ، ولا يقتضي الحديثُ أنَّ مَن لَمْ يُحِبَّهُمْ لا يكونَ مؤمنًا؛ لأنَّه لا يلزمُ من عدم العلامَة عدم ما هيَ لهم، نعم: يُقْتضى إنَّ من أبغَضَهُم يكَونُ منافقًا، وإنْ صَدَّق بقلبه؛ لأنَّ مَن أَبْغضهم لكْونهم أنصارَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يكونُ منافقًا.
11 - باب
11 - باب (بابٌ) بالتنوين، والسكون، وهو ساقطٌ من نسخة. 18 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ" فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. [3892، 3893، 3999، 4894، 6784، 6801، 6873، 7055، 7199، 7213، 7468 - مسلم: 1709 - فتح 1/ 64] (عائذ الله) بذالٍ معجمةٍ أي: عائذٌ بالله وهو صحابي (ابن عبد الله) أي: إبراهيمُ الخولاني (عُبَادة) بضم العين. (ابن الصَّامت) أي: ابن قيسٍ الأنصاري الخزرجي، شَهِد بدرًا، خُصت بالذكِر لفضلِها على غيرِها، وإلا فقد شهد غيَرها أيضًا: وهي اسمُ موضعِ بئرٍ حفرها رجلٌ مِن بني النجارِ، اسمه: بدرُ (النقباءِ) جمعُ نقيبٍ، وهو الناظرُ على القوم وعريفُهم، وكانوا اثْنَيْ عشر رجلًا، والمرادُ: نقباءُ الأنْصَارِ الذين تقدموا لبيعةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ليلةَ العقبة بمنى، والواو في (وكان) وفي (وهو) هي: الداخلةُ على الجملة الموصوف بها لتأكيدِ لصوقِ الصفةِ بالموصوفِ (¬1)، وإفادةِ أنَّ اتصافَه بها أمرٌ ثابت، ولا ريبَ أنَّ شهودَ ¬
عبادةَ بدرًا، وكونِه مِن النقباءِ صفتانِ من صفاتِه، وممن صرَّح بهذا المعنى الزمخشريُ في سورِة الحجر في قوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4)} (¬1) [الحجر: 4] (وكان شهد ... إلخ) اعتراض بين أَنّ وخبرها المقدَّرِ وهو أخبر، وقائلُ ذلك يُحتمَل أنْ يكونَ البخُاري، وأنْ يكونَ غيَره من الرواة. (وحوله) بالنصب بالظرفية، ومحلُّه: رُفِعَ خبرًا لما بَعْدَه، ويقالُ فيه أيضًا: حَوْلَيْه وحَوَالَيْه، بفتحِ اللَّام، أي: يحيطونَ بِه. (عِصابة) بكسر العين: ما بين العشرة والأربعين، لا واحدَ لها من لفظهِا، جمعُها: عصائب، ومادتُها: العصب، وهو: الشدُّ؛ لأنَّهم يشدُّ بعضُهم بعضًا، أو العصبُ بمعنى: الإحاطةِ، يقالُ: عصبة، إذا أحاط به، وأشار الراويُّ بذكر ذلك إلى المبالغة في ضبطِ الحديثِ، وأنَّه عن تحقيق وإتقانِ، ولذا ذَكر أنَّ الرَّاوي شهِد بدرًا، وأنَّه أحدُ النقباءِ. (بايعوني) المبايعة: المعاقدةُ والمعاهدةُ، شُبِّهت بعقودِ المالِ؛ لأنَّ كلًّا مِن المتعاقدينِ يُعطي ما عِنْده ما عِند الآخرِ، فمن عند النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الثواب والخيرُ الكثير، ومن عندهم التزامُ الطاعة، وقد تُعرفُ بأنَّها عقدُ الامامِ العهدَ بما يأمرُ الناسَ به. (على ألا تشركوا) أي: على التوحيد وقدَّمه؛ لأنَّه أصلُ الإيمانِ، وأساسُ الإسلام. (شيئًا) عمم به منع الإشراكِ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياقِ النهي، والنهيُ كالنفي. (ولا تقتلوا أولادكم) خصَّهُم بالذكرِ نظرًا للغالب مِن أنَّهم كانوا يَقْتُلون أولادَهُم خشيةَ الإملاقِ؛ ولأن قتلهم فيه قطيعةُ رحمٍ، ¬
والحاصلُ: أنَّ لفظَ الأولادِ لا مفهومَ لهُ؛ لكونه جرى مُجرى الغالبِ، ولكونِه لَقبًا. (ولا تأتون) في نسخةِ: "ولا تأتُوا" (ببهتان) البهتانُ: هو الكذب الذي يُبهِتُ سامعَهُ أي: يدهشُه لفظاعتِه. (تفترونه) أي: تختلقونه. (بين أيديكم، وأرجلِكم) ذُكرتْ مَعَ أنَّها لا مدخَل لها في البهتِ؛ لأنَّ الجناياتِ تضافُ إليها غالبًا، ولأنه يُكنى بها عن الذاتِ، والمعنى: لا تأتوا ببهتانِ مِن قبل أنفسكم؛ ولأنَّ البهتانَ ناشئٌ عن القلب الذي هو بين الأيدي، والأرْجلِ، ثمَّ يبرزُهُ بلسانهِ (في معروفِ) هو ما يُحسن، وهو ما لم يَنْهَ الشارعُ عنه ويقالُ: هُوَ ما عُرِفَ مِن الشارع حسنه نهيًا وأمْرًا، وقُيِّدَ بالمعروفِ تطيبًا لقلوبهمِ، وإلَّا فهو - صلى الله عليه وسلم - لا يأمرُ إلا به، وفيه: التنبيهُ على أنَّه لا يجوزُ طاعةُ مخلوقٍ في معصيةِ، وخص ما ذكر مِن المناهي بالذكرِ بالاهتمام به (فمن وَفى) بالتخفيف، وفي نسخةٍ: "وَفَّى" بالتشديد، ويقالُ فيه أيضًا: أَوفَى، والمعنى: فمَن ثبت منكم على ما بايع عليه. (فأجره على الله) فضلًا وَوَعْدًا بالجنةِ لا وجوبًا، فتعبيرهُ بعلى وبالأجر؛ للمبالغة في تحقق وتوهمِ (من ذلك شيئًا) أي: غير الشرك، و (مِن) للتبعيض (فعوقب) أي: لسبب ما أصاب، والحكمةُ في عطفِ جملةِ (عُوقِبَ في الدنيا) بالفاءَ وجملة (ستره الله) بثمَّ: التنفيرُ عن مواقعة المعصيةِ، فإنَّ السامع إذا عَلِم أن العقوبةَ مفاجئة لإصابةِ السيئةِ وأنَّ الستَر متراخِ، بعثَهُ ذلك على اجتنابِ المعصيةِ وتوقِّيها (¬1). ¬
12 - باب من الدين الفرار من الفتن
(فهو كفَّارةُ له) استُشكل بأنَّ قتل المرتدِّ على ارتدادِه لا يكون كفارةً، وأجيب: بأن الحديث مخصوصٌ بقولهِ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 116]، وحاصل ما ذهبَ إليه أكثرُ الفقهاءِ: أنَّ الحدودَ في غير الشركِ كفارات، وقال قومٌ بالوقفِ لخبر الحاكم: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - "قال: لا أدري الحدودُ كفارةٌ لأهلِها، أمْ لَا" (¬1) وأُجيبُ: بأن خبر الباب أصحُّ إسنادًا، وبأن خبر الحاكم ورد قبل أَنْ يُعلمَ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ثم أعلَمهُ الله أخيرًا به. (فهو إلى الله) أي: مفوَّضٌ إليه. (إن شاء عفا عنه) بفضلهِ، (وإنْ شاء عاقبه) بعدلهِ، ثم أدخلَهُ الجنَّةَ، وفي ذلك ردٌّ على المعتزلةِ في قولهم: إنَّ صاحبَ الكبيرة إذا ماتَ بغيرِ توبةٍ لا يعُفى عنه، وأنه إذا تاب يجب أنْ يُعفا عنه. 12 - باب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ. (باب) بالتنوينُ، والسكونُ، والإضافةُ، إِلى جملةِ (منَ الدينِ الفرارُ منَ الفتنِ) لمْ يقلْ منَ الإيمان مِراعاةً للفظِ الحديثِ، والمرادُ: أنَّ الفرار شعبةٌ منْ شعب الإيمان المعبَّرِ عنهُ بالدينِ إذْ الفرارُ ليسَ بدينٍ. 19 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ" [3300، 3600، 6495، 7088 - فتح 1/ 69] (حدثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمِ واللامِ، ابن قعنب الحارثيُّ. (أبي صَعْصَعَةَ) اسمهُ: عمروُ بنُ زيدٍ بن عوفٍ بنِ مبذولٍ بن ¬
عمروٍ الأنصاريُّ. (عن أبي سعيد) اسمه: سعدُ بنُ مالكِ بنِ سنان الخزرجيُّ. (الخُدْريُّ) بضمِّ المعجمةِ وسكونِ المهملةِ، نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطن مِنَ الأنصار. (يوشك) (¬1) بضمِّ الياءِ، وكسرِ المعجمةِ، وحُكِيَ فتحُها في لغةٍ، أي: يقربُ. (خير مال المسلم غنمًا) برفع خير اسم يكون، ونصب غنمًا خبرًا لها، وفي نسخةٍ: بالعكسِ (¬2)، وجوَّزَ ابن مالكٍ رفعَهما على الابتداء، والخبر، بجعل اسم يكون ضميرَ الشأنِ (¬3). (يتبع) بتشديد الفوقية منِ اتَّبَعَ، ويجوزُ تخفيفُها مسكنةً من تَبع بكسرِ الموحدةِ. (شَعَفَ الجبالِ) بمعجمةٍ فمهملةٍ مفتوحتين جمع شعفة بالفتح، أي: رؤسها. (ومواقع القطر) أي: مواضعَ المطرِ، والمرادُ: بطونُ الأوديةِ والصحاري، وخصَّ المواضعَ المذكورة؛ لما فيهَا من الخلوةِ والسلامةِ من الكدرِ، وخصَّ الغنم؛ لما فيها السكينةِ والبركة، وقد رعاها الأنبياءُ. (يفرُّ بدينهِ) أي: يهربُ بسببه ومعهُ، وجملةُ: (يفرُّ) حالٌ منْ فاعل (يتبع)، أو مَن المسلمِ، في قولهِ: (مالُ المسلم) وجازَ من المضافِ إليه (¬4)؛ لأنَّ المالَ لشدةِ ملابستِهِ لصاحبهِ، كأنه هو؛ أو جزء منه. (من ¬
13 - باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنا أعلمكم بالله"
الفتن) أي: منْ أجلها، لا منْ أجلِ غرضِ دنيويٍّ فالعزلةُ عنَد الفتنةِ ممدوحةٌ، إلا لقادرِ على إزالتها، فتجب الخلطةُ عينًا، أو كفايةً بحسب الإِمكان، واختُلِفَ فيها عند عدمها، فمذهبُ الشافعي: تفضيلُ الخلطةِ؛ لتعلمهِ وتعليمهِ وعبادتهِ وأدبهِ وغير ذلك، فاختار آخرون العزلةَ للسلامةِ المحققةِ فبالخلطة والعزلةِ كمالُ المرءِ، نعم تجب العزلةُ على فقيهٍ لا يسلم دينُه بالخلطةِ، وتجبُ الخلطة على منْ عرفَ الحق فاتَّبَعَهُ والباطلَ فاجتنبهُ، وعلى من جهلَ الحقَّ ليتعَلمهُ. 13 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ". وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225]. باب: ساقطٌ من نسخةِ. (قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -) بالجرِّ على ثبوت باب مضافًا، أو بالرفعِ على سقوطهِ، أو ثبوتهِ ساكنًا، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذا (قولُ النبيِّ) أي: ذكر قوله. (أنا أعلمكم بالله) مقول القول، وفي نسخةِ: بدل (أعلمُكمُ) "أعرفكُم"، والفرقُ بينهما عند كثيرٍ أن العلم: هو الإدراكُ الكليُّ، والمعرفةَ: هي الإدراكُ الجزئيُّ. (وأَنَّ المعرفةَ) بفتح الهمزةِ، عُطِفَ على قولِ النبيِّ. (فعل القلب) فيهِ: أنَّ ¬
محلَّ العلمِ الحادثِ القلبُ، وهو ما دلَّ عليه السمع، وإنْ جازَ عندَ أهلِ السنَّةِ أن يخلقَه الله تعالى في أيِّ جوهرٍ أراد. ({كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}) [البقرة: 225] أي: عزمتْ عليه، ففيه: المؤاخذة بما يستقرُّ مِنْ فِعلِ القلبِ، بخلافِ ما لا يستقرُّ، وعليهِ حملَ خبر "إن الله تجاوزَ عنْ أمتي ما حدَّثتْ به أنفسُها ما لم تتكلَّمْ بهِ أو تعملْ". 20 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا". [فتح: 1/ 70] (حدثنا محمد بن سَلام) بالتخفبفِ أكثرُ منَ التشديدِ، ابن الفرجِ السلميُّ. (قال: أخبرنَا) في نسخةِ: "حدثنا". (عبدة) بسكونِ الباءِ، هو لقبه، واسمهُ: عبدُ الرحمنِ بنُ سليمانَ الكوفيُّ. (بما) في نسخةِ: "ما" (يطيقون) أي: الدوامَ عليهِ. (كهيئتك) أي: كحالتِكَ، وليسَ المرادُ نفيَ تشبيهِ ذواتِهِم - صلى الله عليه وسلم - فلَا بدَّ من تأويل في أحدِ الطرفينِ أي: ليست ذواتنا كهيئتِكَ، أو لسنا كمثلِكَ، أَي: كذاتِكَ، وزيدَ لفظُ الهيئةِ للتأكيدِ، نحوَ: مثلُكَ لا يبخل. ومرادهُمْ بهذا الكلامِ: طلبُ الإذنِ في الزيادة من العبادةِ، والرغبةُ في الخيرِ، كأنهم يقولونَ: أنتَ مغفورٌ لكَ لا تحتاجُ إلى عملٍ، ومعَ ذلكَ أنتَ مواظبٌ على الأعمالِ، فكيفَ بنا وذنوبُنا كثيرةٌ، فردَّ عليهم وقالَ: أنا أولى بالعملِ لأنِّي أعلمُكُمْ وأخشاكُم لله، كما ذكرَهُ بعدُ (قد غفرَ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبكَ وما تأخرَ) قيلَ: معنى الغفرانِ له مع أنَّهُ معصومٌ غفرانُ الذنبِ الذي قبلَ النبوة، أو تركُ الأولى، أو نُسِبَ إليهِ
ذنبُ قومهِ، قالَ العلامةُ البرماويُّ (¬1): وكلها ضعيفة، والصواب: أن معنى الغفرانِ للأنبياءِ: الإحالةُ بينهم وبين الذنوبِ، فلا يصدرُ منهم ذنبٌ؛ لأن الغفرَ: السترُ، فالسترُ: إمَّا بيَن العبدِ والذنبِ، أو بينَ الذنبِ وعقوبتِه، فاللائقُ بالأنبياء الأوَّلُ، وبالأممِ الثاني. (فيغضبُ حتى يُعرفَ) بلفظِ المضارع فِيهما، حكاية عنِ الحالِ الواقعةِ واستحضار تلكَ الصورةِ الواقعةِ للحاضرينَ، وفي نسخةٍ: "فغضبَ حتى عُرِفَ"، بلفظِ الماضي فيهما، و (يعرف)؛ على الأوَّلِ منصوبٌ بأن مضمرةٍ بعد حتى، ويجوز رفعُهُ (¬2) عطفًا على يغضب، ومعنى الغضبِ: السخطُ. (ثم يقولُ) يجوز رفعهُ ونصبُهُ أيضًا، إن عُطِفَ على يعرف، فإن عُطِفَ على يغضب تعيَّنَ رفعُهُ (¬3). (إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) وأشارَ بالأوَّلِ: إلى كمالِهِ - صلى الله عليه وسلم - في القوةِ العمليةِ، وبالثاني: إلى كمالِهِ - صلى الله عليه وسلم - في القوةِ العلميةِ، والتقوى ثلاثُ مراتبَ: وقاية النفس عن الكفر وهو للعامةِ، وعن المعاصي: وهو للخاصةِ، وعمَّا سوى الله: وهو لخواصِّ الخاصةِ، والعلمُ بالله إما بصفاتهِ: وهو المسمَّى بأصولِ الدِّينِ، أو بأحكامهِ: وهو فروعُ الدينِ، أو بكلامهِ: وهو علم القرآنِ وما يتعلقُ بهِ، أو بأفعالِهِ: وهو العلم بحقائقِ أشياءِ العالمِ، ولمَّا جمع - صلى الله عليه وسلم - أنواع التقوى، وأقسامَ ¬
14 - باب: من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان
العلومِ، كان أتقى وأعلمَ على الإطلاقِ، والحديث دليلٌ على الشقِّ الأَولِ من الترجمةِ، والآية دليل على الشقّ الثاني منها، مع أنها لو لم تدلّ، فكثيرًا ما يذكر البخاريُّ ترجمةً، ولم يذكر حديثًا، أو يذكرُ حديثًا لا يطابقها؛ لما قيلَ: إنه ذكر تراجم ليذكر فيها أحاديثَ، فكانَ يذكرُ شيئًا فشيئًا، فماتَ قبلَ أنْ يذكرَ الكلَّ، أو أنَّهُ قصدَ بذلكَ بيان أنهُ لم يثبتْ عنَده حديثٌ يدلُّ عليهِ بشرطهِ. قالَ النوويُّ (¬1): وفي الحديثِ: أنَّ الأَوْلى في العبادةِ القصدُ وملازمةُ ما يمكنُ الدوامُ عليه، وأن الصالحَ لا ينبغي له أن يتركَ الاجتهاد؛ اعتمادًا على صلاحهِ، وأنَّهُ يذكرُ فضلَهُ إذا دعتِ الحاجةُ إلى ذكرِه، لكن ينبغي أن يحرصَ على كتمانها؛ خوفًا من إشاعتها وزوالها، وجوازُ الغضبِ عند ردِّ أمرِ الشارعِ، وأنَّ الصحابةَ كانوا على غايةٍ من الرغبةِ في طاعةِ الله تعالى، والازديادِ من أنواعِ الخير. 14 - بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ. (باب) ساقطٌ من نسخةٍ، (من كرِهَ أن يعودَ في الكفرِ كما يكره أن يلقى في النار) بالجرِّ: على ثبوت باب مضافًا، وبالرفعِ: على سقوطهِ، أو ثبوتهِ ساكنًا، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: "من الإيمان" كما في نسخةٍ. 21 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ يَكْرَهُ ¬
15 - باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال
أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ". [انظر: 16 - مسلم: 43 - فتح: 1/ 72] (حدثنا سليمان بن حرب) بفتحِ المهملةِ وسكونِ الراءِ وبموحدةٍ، ابن بجيلٍ: بفتحِ الموحدةِ وكسرِ الجيمِ، الأزديُّ. (عن أنسٍ) في نسخة: "عن أنسِ بنِ مالكٍ". (ثلاث) أي: ثلاثُ خصالٍ. (من كان) إلى آخرهِ، بدلٌ من ثلاث، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، لَا بُدَّ في الجملِ الثلاثِ من تقدير محذوفٍ، أي: محبةُ من كان ومحبةُ من أحبَّ وكراهةُ من كره، وقد مرَّ الحديثُ آنفًا، وإنِ اختلف بعضُ الفاظِه فيهما، لكن رواةَ السابقِ عن أنسٍ غيرُ رواةِ هذا عنه. 15 - باب تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ. (باب) ساقطٌ من نسخةٍ. (تفاضلُ أهلِ الإيمانِ في الأعمالِ) في إعرابهِ ما مرَّ في سابقيهِ. 22 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ"، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَو الحَيَاةِ -شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَويَةً" قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ". [4581، 4919، 6560، 6574، 7438، 7439 - مسلم: 183 و 184 - فتح: 1/ 72] (حدثنا إسماعيل) هو: ابن أبي أويس بنُ عبد الله الأصبحيُّ المدنيُّ. (عن عمرو بن يحيى) أي: ابن عمارة. (يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ) أي: فيها. (يقول الله تعالى) في نسخةٍ:
"يقولُ الله -عَزَّ وَجَلَّ-" أي: لملائكتهِ. (اخرجوا) بقطع الهمزة (¬1)، وفي نسخةٍ: "أخرجوا من النار". (مثقالُ حبَّةٍ) أي: مقدارها، زائدًا على أصلِ التوحيد، والحبَّةُ: بفتح الحاء واحدةُ الحبِّ من الحنطةِ ونحوها، ويجمعُ أيضًا على حبَّات وحبوب وحباب. (من خَرْدَلٍ) صفة لحبة: وهو نباتٌ معروفٌ، يشبَّهُ بهِ الشيءُ القليلُ البالغُ في القِلَّةِ، والمرادُ: القدرُ الذي لا يكونُ مؤمنًا بأقلِّ منهُ. (من إيمانٍ) صفةٌ لمثقالٍ، وتنوينهُ: للتقليل باعتبار الزيادة على ما يكفي، لا لأن الإيمانَ ببعضِ ما يجبُ الإيمانُ به كافٍ؛ وفي نسخةٍ: "من الإيمان" بالتعريفِ، والمرادُ من قولهِ منُ خَرْدَلٍ: التمثيلُ، فيكونُ عيارًا في المعرفة، لا في الوزنِ حقيقةً؛ لأن الإيمانَ ليس بجسمٍ، بل عرض، فلا يوزن، أو الحقيقة فيوزن الإيمانُ كما صرَّحَ به في خبرِ "وكانَ في قلبهِ من الخير ما يزنُ برة" (¬2)، بناءً على أن الأعراض تجسم فتوزن. (قد اسْوَدُّوا) أي: صاروا سودًا من تأثيرِ النار. (فيلقون) بالبناءِ للمفعولِ. (الحيا) بالقصر: المطر. (أو الحياة) هو: النهر الذي من غمس فيه، حي (شكَّ مالكٌ) أي: في أيهما الرواية، وفي نسخةٍ: "يشكُّ"، وجملةُ شكَّ: اعتراض. (الحِبَّةُ) بكسر الحاءِ: بذر العشب، برفعٍ على حبَّ، كقِرْبةٍ وقرب. (في جانب السيلِ) قيلَ: إذا ألقوا فيهِ هَذه الحبة، وجرى عليها السيلُ، نبتْت في يومٍ وليلةٍ، بخلاف سائر الحبوب (صفراء) ذُكِرَ هذا اللونُ؛ لأنهُ يسرُّ ¬
الناظرينَ؛ ولهذا كان سيِّدَ رياحين الجنةِ الحنَّاءُ، وهو أصفرُ. (ملتويةً) أي: منعطفةً؛ لأن ذلكَ أيضًا يزيد الريحانَ حسنًا، باهتزازه وتميلهِ، فمن في قلبهِ مثقالُ حبةِ من إيمانٍ يخرج نضرًا حسنًا منتشطًا، كخروجِ هذه الريحانةِ من جانبِ السيلِ، فوجهُ التشبيه: متعدد؛ لأنَّ التشبيهَ، وقعَ من حيثُ الإسراع وضعفِ النباتِ والطراوةِ والحسن، و (صفراءُ ملتويةٌ) حالان متداخلتان، أو مترادفتان. (قال وُهَيْبٌ) أي: ابن خالد عجلان الباهليُّ. (حدثنا عمرو) وهو: ابن يحيى المازنيُّ السابق. (الحياةِ) بالجرِّ: على الحكاية، أي: لم يشك، كما شكَّ مالكٌ. (وقال) أي: وهيب، بدل من إيمان. (من خير) وهذا التعليقُ وصلهُ البخاريُّ في الرقاق، فرواه عن موسى بن إسماعيل (¬1)، عن وهيب، عن عمرو، إلى آخر سنده هنا، وفي الحديث: الردُّ على المرجئةِ، في قولهم: لا يضر مع الإيمانِ معصية، وعلى المعتزلة، في قولهم: بتخليدِ أهلِ الكبائرِ في النارِ. 23 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الدِّينَ". [3691، 7008، 7009 - مسلم: 2390 - فتح 1/ 73] (حدثنا محمد بن عبيد الله) أي: ابن محمدِ بن زيدٍ القرشيُّ الأمويُّ. (إبراهيمُ بنُ سعدٍ) أي: ابن إبراهيمَ بن عبدِ الرحمنِ. (عن ¬
صالح) هو: ابن محمد بن كيسان الغفاريُّ. (عن ابن شهاب) هو: الزهريُّ. (عن أبي أمامة) هو: بضمِّ الهمزةِ، أسعد بن سهلٍ، وزادَ في نسخةٍ: "ابن حنيف". (رأيت) من الرؤيا الحلميةِ، ويحتملُ أنه من الرؤيةِ البصرية، أو العملية، فعلى الثاني: يكون (يعرضون عليَّ) أي: يظهرون لي حالًا، وعلى الآخرين: يكون مفعولًا ثانيًا. (قُمُصٌ) بضم القاف مع ضمِّ الميم وسكونها. (الثُّدِيَّ) بضم المثلثة وكسرها، مع كسر الدَّالِ فيهما، وتشديد الياء، جمع ثدي بفتح المثلثة وسكون الدالِ. (ما دون ذلك) أي: لم يبلغ إلى الثدي لقصره، (فما أولت ذلك) التأويل لغة: تفسير الشيءِ بما يأول إليه، والمراد هنا تعبير الرؤيا، وأما التأويل في اصطلاح الأصوليين: فهو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح لدليلٍ يصيرُ به راجحًا. (الدِّينَ) بالنصب، مفعولٌ ثانٍ لـ (أولت) مقدرًا (¬1)، ويجوز رفعه مشاكلةً للمبتدأ، ووجه تأويلِ القميص بالدينِ: أن القميص يسترُ العورةَ، والدينُ يستر من النَّارِ ومن كل مكروه، ولا يلزم من ذلك أفضلية عمر على أبي بكرٍ؛ لأنه لم يحصره في عمرٍ، ولو حصره فأحاديث أفضلية أبي بكر متواترة تواترًا معنويًّا، فلا يعارضها آحادٌ، وأيضًا فالإجماع على أفضلية أبي بكر، وهو قطعيٌّ فلا يعارضه ظنِّيٌّ. وفي الحديث -كما قال النوويُّ- فوائد: أن العمل من الإيمان، وأن الإيمان والدين بمعنى، وتفاضل أهل الإيمان وعظم فضل عمر، وتعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عنها، وثناء العالم على بعض أصحابه؛ حيث لا يخشى فتنة بإعجاب أو نحوه، بل ليعلم بمنزلته ¬
16 - باب الحياء من الإيمان
فيعاملُ بمقتضاها ويقتضي به، ويتخلق بأخلاقه (¬1). 16 - باب الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ. (باب: الحياء من الإيمان) بإضافة باب، وتنوينه، وسكونه. 24 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ". [6118 - مسلم: 36 - فتح: 1/ 74] (أخبرنا) في نسخةِ: "حدثنا". (مالك) في نسخةٍ: "مالك بن أنس". (عن سالم بن عبد الله) إلى ابن عمر بن الخطاب. (يعظ أخاه) أي: في الدين، أو النسب، والوعظ: التذكير بالعواقب، والنصح، وقيل: التخويف والإنذار، وقيل: التذكير بالخير فيما يرقُّ به القلب. (في الحياءِ) أي: في شأنه، ومعناه أنَّه ينهاه عنه، ويخوفه منه. (فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) أي: للرجل زجرًا له. (دعه) أي: اتركه على حيائه، وهو أمرٌ قلَّ استعمالُ ماضيه (¬2)، وعن القليل قراءة (ما وَدَعَكَ) بالتخفيف، وقول الشاعر: ليت شعري عن خليليَّ ما الذي ... عاله في الوعدِ حتى وَدَعَه (فإنَّ الحياءَ من الإيمان) إذ به يكف عن المناهي، وتقدم مع ¬
17 - باب: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5]
تعريف الحياء أنه من الإيمان بلفظ، "والحياءُ شعبة من الإيمان"، لكن ذكر ثم بالتبعية، وهنا بالقصد. 17 - بَابٌ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]. (بَابٌ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}) في بابٍ: ما مرَّ قبله. 25 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ". [مسلم: 22 - فتح: 1/ 75] (عبد الله بن محمد) زاد في نسخةٍ: "المسندي"، بفتح النون وتقدم. (أبو رَوْحٍ) بفتح الراءِ وسكون الواو. (الحَرَمِيُّ) اسم أبي روح، لا نسبة إلى الحَرم، كما تُوهم. (واقد بن محمد) بالقاف، وفي نسخةٍ: "يعني ابن زيد بن عبد الله بن عمر". (أمرتُ) بالبناء للمفعول. (أن) أي: بأن (¬1). (أقاتل الناس) أي: المشركين لخبر النسائي "أمرت أن أقاتل المشركين" (¬2) والمراد بهم: من لا أمان له، فالحديث من العام المخصوص. ¬
18 - باب من قال: إن الإيمان هو العمل
(وأن محمدًا رسول الله) التصديق به يتضمن التصديق بكلِّ ما جاء به، حتى لو كذَّبه في شيء منه كفر وقوتل. (وتقيموا الصلاة) إقامتها: تعديلُ أركانها وإدامتها، (ويؤتوا الزكاة) لا تختص المقاتلة بترك الصلاة والزكاة، بل سائر الواجبات كذلك، فالاقتصار عليهما تعظيمًا لشأنهما؛ أو لأن العبادة إمَّا بدنية، أو مالية، فأشار إلى الأوَّلِ بالصلاة، وإلى الثاني بالزكاة، ولا ينافي ذلك كونَ العبادةِ قد تكون مركبةً من البدنيةِ والمالية، كالحج؛ لأن القضية مانعة خلو. (فإذا فعلوا ذلك) المراد بالفعل: ما يشملُ القول. (عصموا) أي: حفظوا، أي: حقنوا. (دماءهم) جمع دم، وأصله (¬1): دمو، كجمل وجمال. (إلَّا بحق الإسلام) استثناء مفرغ لتضمن عصم معنى النفي، أي: لا يهدر الله دماءهم وأموالهم بعد عصمتها بالإسلام بسبب من الأسباب، إلَّا بحق من حقوق الإسلام، كقتل نفسٍ وترك صلاةٍ، وإضافة حق إلى الإسلام بمعنى: اللام، أو في، أو من. (وحسابهم على الله) أي: يجب وقوعه، لا أنه يجب على الله؛ إذ لا يجب على الله شيءٌ، كما زعمه المعتزلة، والمراد: أنَّ سرائرهم على الله، وأما نحن فنحكم بالظواهر، أي: بمقتضى ظاهرِ أقوالهم، وأفعالهم. 18 - باب مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)} [الزخرف: 72]. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ ¬
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92 - 93]: عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَقَالَ: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ (61)} [الصافات: 61]. (باب: من قال: إن الإيمانَ هو العملُ) المراد بالعمل: ما يشمل القولَ، وعملَ القلب وغيره، فيطابقه ما أورده من الآيات والأحاديث بردِّ كلٍّ إلى ما يدلُّ عليه. (تعالى) في نسخةٍ: "-عَزَّ وَجَلَّ-". (أُورثتموها) ليس المراد الإرث المعروف، وهو: انتقال الحق؛ بموت المورث لوارثه؛ لامتناع حقيقته على الله تعالى، بل إمَّا أن المورث هو الكافر، بمعنى أنه لولا كفره لكان له نصيب من الجنة، فانتقل منه بسبب كفره، الذي هو موت الأرواح إلى المؤمن، أو أنه الله تعالى، فالإرث مجاز عن الإعطاء مجانًا على سبيل التشبيه لهذا الإعطاء بالميراث. (بما كنتم تعملون) قال المفسرون أي: تؤمنون، و (ما) مصدرية، أو موصولة، أي: بعملكم، أو بالذي كنتم تعملونه (¬1)، ولا تنافي الآية حديث "لن يدخلَ أحدكم الجنة بعمله" (¬2)؛ لأن الباءَ في الآية للسبب العاديِّ، وفي الحديث: للسبب الحقيقيِّ؛ أو لأن المثبتَ في الآية دخولُ الجنةِ بالعملِ المقبولِ، والمنفيَّ في الحديث دخولُها بالعمل ¬
المجردِ عن القبول، والقبول إنما هو برحمة الله تعالى، أو المراد بالمثبت في الآية: دخول درجات الجنة بالأعمال، وبالمنفي في الحديث: دخول نفسِ الجنة بها، وإنما هو بفضل الله. (عِدَّةٌ) بكسر العينِ، وتشديد الدَّالِ، أي: عدد قلَّ أو كثر. (تعالى) في نسخةٍ: "-عَزَّ وَجَلَّ-". (عن قول لا إله إلا الله) في نسخةٍ: "من لا إله إلا الله"، وهو في كلٍّ منهما، تفسير لقوله: {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92] فقصر عما كانوا يعملون على التوحيد، قال النوويُّ: الظاهر أنه لا يقصر عليه، بل يعمُّ كلَّ الأعمال التي يتعلق بها التكليف، ولا ينافي الآية قولهُ تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 39]؛ لأن ذلك إمَّا باعتبار محلين؛ لأن للقيامةِ مواقفَ وأزمنةً متعددة، أو لأن المعنى في الثاني: لا يسألون سؤالَ استخبارِ، بل سؤالَ توبيخٍ، أو لا يسألُ عن ذنبه غيره من الإِنسِ والجان، كما قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18]. (لمثلِ هذا) أي: [لنيل] (¬1) مثلِ هذا الفوز العظيم. (فليعمل العاملون) أي: فليؤمن الكافرون والمؤمنون، ومعناه في المؤمنين: طلب الدَّوام، أو الازدياد، ففي ذلك جمعٌ بين الحقيقةِ والمجازِ. 26 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ". [1519 - مسلم: 83 - فتح: 1/ 77] ¬
(حدثنا أحمد بن يونس) [هو أحمد بن عبد الله بن يونس] (¬1) اليربوعيُّ، التميميُّ. (ابن المسيَّب) بفتح التحتيةِ أشهرُ من كسرِها، وكان يكره فتحها، ويقول: سيَّبَ الله من سيَّبني. (سُئل) أبهم السائل: وهو أبو ذرٍّ، كما ذكره في العتقِ (¬2). (أيُّ الأعمالِ أفضلُ) أي: أكثر ثوابًا عند الله. (إيمان بالله) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: [هو، أو مبتدأ خبره محذوف، أي:] (¬3) أفضلُ، ويأتي مثل ذلك في بقيةِ الأقسام. (الجهاد في سبيل الله) أي: القتال؛ لإعلاءِ كلمة الله. (مبرورٌ) أي: مقبولٌ، وعلامةُ القبولِ أن يكون حاله بعد الرجوعِ خيرًا مما قبله، وقيلَ: ما لا رياءَ فيه، وقيلَ: ما لا إثمَ فيه، وقيلَ: ما لا يعقبه معصيةٌ، وأصلُ البرِّ: الطاعة، يقالُ: برَّ حَجُّك وبرَّ الله حجَّك، لازم ومتعد، و (ال) في الجهاد: للجنس (¬4) ليوافق تنكير قسيميه، أو للتعريف؛ لكونه يتكرر، بخلاف قسيميه، فناسبهما التنكير ووقع هنا الجهاد بعد الإيمان، وفي حديثِ أبي ذرٍّ لم يذكرْ الحجَّ (¬5)، بل العتق، وفي حديثِ ¬
19 - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل
ابن مسعودٍ بدأ بالصلاةِ، ثم البرِّ، ثم الجهادِ، وفي الحديث السابق ذكر السلامةَ من اليدِ واللسان (¬1)، وكلها في الصحيح، ولا منافاة؛ إذ اختلاف الأجوبة في ذلك؛ إنما كان لاختلاف الأحوال والأشخاص، ومن ثمَّ لم يذكرْ الصلاةَ والزكاةَ والصيامَ هنا، على أنه قد يقال: أفضلُ الأشياء كذا، أو لا يراد أنه أفضل من جميع الوجوه في جميع الأحوالِ والأشخاصِ، بل في حالٍ دون حالِ، وشخصٍ دون شخصٍ. وأمَّا تقديم الجهادِ على الحجِّ مع أنه فرضُ كفاية، والحجُّ فرض عين؛ فللاحتياج إليه أوَّلَ الإسلام، ولأنه لا يقع إلا فرضًا؛ أو لأن نفعه متعد مع بذل النفس فيه، بخلاف الحجِّ فيهما؛ ولأنه لا يعد في كونه أفضل من الحجّ، وقصارى أمره أن يكون كابتداءِ السلام مع جوابه، فإنه أفضلُ منه، وإن كان سنة وجوابه فرضًا، أو لأنَّ ثمَّ هنا للترتيب الذِّكْرى كما في: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البلد: 17]. 19 - بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلامُ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَكَانَ عَلَى الاسْتِسْلامِ أَو الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]. فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19]. [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ] [آل عمران: 85] ¬
27 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا" فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ" وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [1478 - مسلم: 150 - فتح: 1/ 79] (باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل) (إذا) لمجردِ الوقت لا للاستقبالِ؛ ليوافق قلب المضارع ماضيًا في قولهِ: (لم يكن). و (الاستسلام) الانقيادُ ظاهرًا، وجوابُ (إذا) محذوف، وتقديره: لا ينتفع به في الآخرة. (تعالى) في نسخةٍ: "-عَزَّ وَجَلَّ-". (الأعراب) أهل البدو، ولا واحد له من لفظه. (قل لم تؤمنوا) أي: الإيمان الشرعيُّ، لأنه التصديق بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - مع التلفظ بالشهادتين ركنًا، كما عليه البخاريُّ، وشرطًا، كما عليه غيره. (ولكن قولوا أسلمنا) أي: دخلنا في السلم، وانقدنا، لا بالحقيقة؛ لكونهم كانوا كذلك، وكان نظم الكلام أن يقولوا: لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا أسلمنا، لكن عدل إلى ما قاله؛ ليفيد التصريح بتكذيب دعواهم أنهم آمنوا، وفي الآية حجة على الكرامية، ومن وافقهم من المرجئة، في قولهم: إن الإيمان إقرارٌ باللسان فقط، ويكفي
في الردِّ عليهم الإجماع على كفر المنافقين مع إظهارهم الشهادتين. (فإذا كان) أي: الإسلام. (على الحقيقة فهو على) أي: واردٌ على [(قوله جل ذكره)] (¬1) إلى آخر الآيتين، فالمرادُ بالإسلام فيهما: الإسلام الحقيقيُّ المشتمل على التصديق والتلفظ بالشهادتين، لا الانقياد ظاهرًا، واحتجَّ البخاريُّ بهما، على أن الإسلام الحقيقي هو الدين، وأن الإسلام الحقيقي والإيمان: ما صدقهما واحدٌ؛ لأن الإيمان لو كان غير الإسلام لكان مقبولًا للآية الثانية، فتعين أن يكون صادقًا به، لأن الإيمان هو الدين، والدين هو الإسلام فينتج أن الإيمان هو الإسلام بمعنى: أنه صادق به. (أبي وقَّاص) بتشديد القاف، من الوقص: وهو الكسر، واسم أبي وقاص: مالك. (عن سعد) هو ابن أبي وقاص. (رهطًا) هو من الرجال ما دون العشرة، وقيل: ما دون الأربعين، وجمعه أرهط، وأرهاط. (رجلًا) اسمه: جميل، بالتصغير: ابن سراقة. (هو أعجبهم) أي: أفضلهم وأصلحهم. (إليَّ) أي: عندي. (ما لَكَ عن فلان) أي: أيُّ شيءٍ حصلَ لك حتَّى أعرضت به عنه، فلا تعطيه، وفلان: كناية عن اسم يسمى به المحدث عنه الخاصُّ، ويقال في غير الناسِ: الفلان، والفلانة، بالألف واللام. (لأَراه) بفتح الهمزة أي: أعلمه، وبضمها أي: أظنه، وإن عبر بالعلم في قوله: (ما أعلم منه) إذ العلم يأتي بمعنى الظنِّ، كما في قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] (أوْ مسلمًا) بإسكان ¬
الواو، على الإضراب عن جزم سعد بأنه مؤمن؛ إذ الإيمان يتعلق بالباطن وهو القلب، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى، وليس فيه الحكم بأنه غير مؤمن، على ما زعمه بعضهم إذ ليس فيه إيجاب أنه مؤمن، بل النهي عن القطع بإيمانه لعدم مقتضى القطع، بل فيه إشارة إلى كونه مؤمنًا بقوله. (لأعطي الرجل، وغيره أحبُّ إليه منه) وعليه فمطابقة الحديث للترجمة: إنما هو بإطلاق لفظ الإسلام في مقابلة الحقيقيِّ، من غيرِ تعرض لحال الشخص، والإنكار على سعد إنما على جزمه كما مرَّ، فسقط ما قيل: إن الحديث ليس مطابقًا للترجمة، وإنَّ ردَّه - صلى الله عليه وسلم - على سعد لا فائدة له. (فعدت لمقالتي) أي: رجعت لقولي. (وغيره أحب) جملة حالية. (خشية) مفعول له؛ لقوله أُعطي. (يَكُبَّه) بضم الكاف أي: يلقيه منكوسًا وهو من النوادر أن يكون الرباعي بهمزة لازمًا، والثلاثي بدونها متعديًا، والمعنى: أني أتألف قلب الرجل بالإعطاءِ؛ لضعف إيمانه مخافة كفره، إذا لم يعط، بخلاف من قَويَ إيمانه، وهذا كناية؛ لأن الكبَّ في النار للكفر لازمٌ للكفر مساو له، لا مجاز من إطلاق اللازم على الملزوم لأن المشروط فيه امتناع اجتماع معنى الحقيقة والمجاز بخلاف الكناية، وهنا ليس كذلك؛ إذ لا امتناع في اجتماع الكفرِ والكبِّ كما علم. وفي الحديث -كما قال النوويُّ (¬1) -: جواز الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم، ومرادة الشفيع إذا لم يؤدِّ إلا مفسدة، والأمر التثبت، وترك القطع بما لم يعلم القطع به، وأن الإمام يصرف الأمور في مصالحِ المسلمين، الأهمَ فالأهمَ، وأنَّ المشفوعَ إليه لا عتب عليه إذا ردَّ ¬
20 - باب إفشاء السلام من الإسلام
الشفاعةَ بالمصلحةِ، وأنَّه ينبغي له أنْ يعتذرَ للشافعِ، ويبين له العذرَ في ردِّ شفاعتِه، وأنَّه لا يقطع بالجنةِ لأحدٍ على التعيينِ إلَّا من ثبتتْ فيه كالعشرِة، وأنَّ الإقرارَ باللِّسانِ لا ينفع إلَّا باعتقادِ القلبِ. (ورواه) في نسخةٍ: "رواه"، والمعنى: أنَّ هؤلاء الأربعةُ تابعوا شعيبًا في رواية الحديث. (عن الزهريِّ) ولقول البخاريِّ مثل هذا، كما قال النوويُّ ثلاث فوائدٍ: بيان كثرةِ طرقِه، ومعرفةِ رواتهِ يتبع روايتَه مَنْ يريدُ جمعَ الطرقِ، ونحو ذلك، ودفعُ توهمِ أنَّه لم يروهِ غيرُ المذكورِ في الإسنادِ، (وابن أخي الزهريِّ) اسمه: محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مسلمِ. 20 - باب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ. وقَالَ عَمَّارٌ: ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ. (باب: إفشاءُ السلام من الإسلام) لفظ: (إفشاءِ) ساقطٌ مِن نسخةٍ، وعليها فالسَّلام مرفوعٌ بالابتداءِ، وإفشاءُ السَّلامِ: إذاعتهُ ونشرهُ، (وقال عمَّارُ) كنيته: أبو اليقظان بن ياسرٍ بنِ عامرٍ أحدُ السابقين. (ثلاث) أي: ثلاثُ خصالٍ، أو خصال ثلاث. (فقد جمع الإيمانَ) أي: جاز كمالُه، ولفظ: (فقد) ساقط مِن نسخةِ. (الإنصاف) أي: العدْلُ. (من نفسِك) بألَّا تترك عليك حقًّا إلَّا أديتَهُ، ولا شيئًا مما نهيتَ عنْهُ إلَّا اجتنبتهُ. (بذل السَّلام) أي: الابتداءُ به، كما تقولَ سلامٌ عليكم، والسَّلامُ: مِنْ السلامةِ، كأنَّ المسلمَ يقولُ أنت سالمٌ مِنِّي، وأنا سالمٌ منك، وأمَّا السلامُ اسمًا لله تعالى فمعناهُ: ذوُ السَّلامةِ مما يلحقُ الخلق مِنْ نقص، والسلامُ في قوله عليه
الصلاةُ والسلامُ: بمعنى: التسليم، وسميتِ الجنةُ دارَ السَّلامِ؛ لسلامةِ مَنْ بها مِن الآفاتِ. (للعالم) بفتح اللَّامِ أي: لكلِّ مؤمنٍ عرفتَهُ أو لمْ تعرفْهُ. (والإنفاق مِن الإقتارِ) بكسرِ الهمزةِ أي: في حالةِ الفقر وجَمَعَ عمارُ في كلماته الثلاثِ الخير كلَّه؛ لأنَّك بالأولى: تبلغُ الغايةَ بينك وبين خالقِك، وبينك وبين النَّاسِ، وبالثانيةِ: تحصل مكارمَ الأخلاقِ، واستئلافِ النفوسِ، وبالثالثةِ تحصل غايةَ الكرمِ. قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ}، ولأنَّ خصالَ الخيرِ المتضمنِ للإيمانِ إمَّا ماليةٌ، وهي المشارُ إليها بالثالثةِ، أوْ بدنيةٌ: وهي إمَّا مع الله تعظيمًا لأمره، وهي المشارُ إليها بالأولى، أو مع الناسِ، وهي المشارُ إليها بالثانيةِ، والإنفاقُ شامل لِمَا على العيالِ والأضيافِ وكلِّ نفقةٍ في طاعةِ الله تعالى. 28 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ". [انظر 12 - مسلم: 31 - فتح: 1/ 82] (حدثنا قتيبةُ) تصغير قتبة بكسر القاف وسكونِ التاء، وكنيتُه: أبو رجاءِ بنُ سعيدِ بنِ جميلٍ البغلاني، بفتح الموحَّدِة وسكونِ المعجمةِ نسبة إلى قريةٍ من قرى بلخ. (عن أبي الخيرِ) اسمه: مَرْثَد، بفتح الميم والمثلثة. (أن رجلًا) هو أبو ذر. (أيُّ الإسلامِ) أي: أيُّ خِصالِه. (تُطْعم) أي: أن تُطْعم، وسبق الحديثُ وما فيه وإنما أعاده، كعادته باعتبار ما اشتمل عليه، فإنْ قلتَ لِمَ لَمْ يكتفِ ببابٍ واحدٍ، وأنْ يقولَ ثَمَّ، أو هنا بابُ الإطعامِ،
21 - باب كفران العشير وكفر بعد كفر
والسلامُ من الإسلامِ؟ قلت: لعلَّ عمرو بنَ خالدٍ الراويَّ ثَمَّ ذكره في معرضِ بيانِ أنَّ الإطعامَ مِن الإسلام، وقتيبةُ ذكره هنا في معرض أنَّ السلامَ منْهُ فميزهُما البخاريُّ بذكْرهما في موضعين بترجمتين. 21 - باب كُفْرَانِ العَشِيرِ وكُفْرِ بَعْدَ كُفْرٍ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [304] (باب: كفرانِ العشيرةِ، وكفرٍ بعدَ كفر) بإضافةِ بابٍ وجرِّ كفرٍ عطفًا على كفرانِ، أو رفعِه، كما في نسخةٍ عطفًا على باب. وفي نسخةٍ: "وكفرًا دون كفرِ"، أشار بذلك إلى تفاوت الكفر، بمعنى أنَّ كفرًا أدون من كفرٍ، والكفرُ المطلقُ هو الكفرُ بالله، وما بعْدَه أدون منه، كما أنَّ نحو أَخْذ أموالِ الناسِ بالباطلِ أدون من قتل النفسَ بغيرِ حقٍّ. (والكفرانُ) من الكفر بالفتح: وهو الستر ومن ثمَّ سُمي ضد الإيمانِ كفرًا؛ لأنَّه يستُر الحقَّ، وقيل للزارعِ: كافرٌ لأنَّه يستُر البذرَ، وقد يطلقُ الكفرُ على البراءةِ، كقوله تعالى حكايةً على إبليس: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ} [إبراهيم: 22] أي: برئتُ منه، والكفرُ بالله، كما قال الأزهريُّ -أربعةُ أنواعٍ: كفرُ إنكارٍ: بأن يكفر بقلبه ولسانه، وكفرُ جحودٍ: بأنْ يعترفَ بقلبهِ ولا يقر بلسانهِ، ككفر إبليسِ وبلعام، وكفرُ عناد: بأنْ يعترف بقلبه ويقرُ بلسانهِ ولا يتلفظ بالتوحيد، ككفرِ أبي طالب، وكفرُ نفاقٍ: بأنْ يكفرَ بقلبهِ ويقر بلسانهِ ككفر المنافقِ (¬1). و (العشيرُ) الزوج، سمي عشيرًا بمعنى معاشرٍ، والمعاشرةُ: ¬
المخالطةُ، وقيل الملازمةُ. (فيه) أي: في البابِ. (عن أبي سعيد) في نسخةٍ: "فيه: أبو سعيد"، والمرادُ: أنَّ في الباب روايةَ أبي سعيدٍ الخدريِّ، كما رواه البخاريُّ في الحيضِ، وغيره (¬1) كثيرًا ساقطٌ من نسخةٍ، وفائدة إثباته: بيان تعدد رواية أبي سعيد بذلك. 21 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ" قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: "يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ". [431، 748، 1052، 3202، 5197 - مسلم: 907 - فتح: 1/ 83] (زيدُ بن أَسْلَم) كنيته: أبو أسامةَ مولى عمرَ بنِ الخطَّاب. (قال: قال النبيُّ) في نسخةٍ: "عن النبيِّ". (أُريتُ) بالبناءِ للمفعولِ من الرؤية البصرية. (فإذا أكثرُ أهلها النساءُ) في نسخة: "فرأيتُ أكثر"، وفي أخرى: "ورأيتُ أكثر فأكثر" والنساء على النسخةِ الأولى: مرفوعان على الابتداءِ والخبرِ، وعلى الأخيرتين: منصوبان على أنهما مفعولان لرأيتُ. (يكفرنَ) جملة استئنافية أي: هنَّ يكفرنَ، وهي في الحقيقة جوابُ امرأةٍ قالت: يا رسولَ الله لِمَ كنَّا أكثرَ أهل النارِ (¬2)، وفي نسخةٍ: "بكفرهن" بباء السببيةِ متعلقةٌ بأكثرَ. (العشيرُ) أي: الزوج كما مرَّ، وخص كفْره من بين سائرِ الذنوب لخبر: "لو أمرتُ أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ ¬
لزوجها"، فَقَرَنَ حقَّ الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرتْ المرأةُ حقَّ زوجها وقدْ بلَغ حقُّه عليها هذه الغايةَ كان ذلك دليلًا على تهاونها بحق الله، فلذلك أطلق عليه الكفرُ، لكنه كفرٌ لا يخرج عن الملةِ، وعُدِّيَ الكفرُ بالله بالباء ولم يُعد كفْرُ العشير بها؛ لأنَّ كفرَ العشير لا يتضمنُ معنى الاعترافِ قاله الكرمانيُّ وغيره (¬1). (ويكفرن الإحسان) أي: ولو مع غير العشير، فهذه الجملة أعمُّ مما قبلها، وقيل: ليس كفرانُ العشير لذاته بل لإحسانِه، فالجملةُ كالبيان لِمَا قبلها. (لو أحسنتَ) في نسخةٍ: "إنْ أحسنتَ" فـ (لو) بمعنى: إن في مجرد الشرطية فقط لا بمعناها الأصلي مِنْ أنَّها حرفُ امتناع لامتناع، أو هي من قبيل: "نعم العبدُ صهيبُ لو لم يخفِ الله، لمَ يعصه" (¬2) حتى يكونَ الحكمُ ثابتًا على النقيضين، والطرفُ المسكوتُ عنه أولى من المذكور، والخطابُ في (أحسنتَ) عامٌّ لكلِّ مَنْ يَتَأتَّى أَنْ يكون مخاطبًا فهو مجازٌ، كما في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ} [السجدة: 12]. (الدهرَ) نصب على الظرفية، ومعناه: الأبد، والمراد هنا: دهر الرجل أي: عُمرُه، أو الدهرُ مطلقًا على سبيلِ الفرضِ، مبالغةَ في كفرهنَّ. (شيئًا) تنوينه للتحقيرِ، أو للتقليلِ، أَوْلهما. (قط) بفتح القافِ، وتشديد الطاءِ مضمومةً على الأشهرِ: ظرفُ زمانٍ لاستغراق ما مضى (¬3). ¬
22 - باب المعاصي من أمر الجاهلية
وفي الحديث: وعظ الرئيس والمرءوسَ، وتحريضُه على الطاعةِ، ومراجعةِ المتعلِّم العالمَ فيما قاله إذا لمْ يظهر له معناه، وجواز إطلاق الكفرِ على كفرِ النعمة وجحد الحقِّ، وأنَّه كبيرةٌ عند مَنْ يعرفها بما تُوُعِّدَ عليه، وأنَّ المعاصي تنقص الإيمانَ، ولا تخرج إلى الكفرِ الموجب للخلودِ في النارِ، وأنَّ النارَ مخلوقةٌ الآن، وأنَّ الإيمانَ يزيد بشكرِ نعمةِ العشير فثبت أنَّ الأعمالَ مِن الإيمانِ، ووجه مناسبة هذا الحديثِ للأبواب قبلَه المتعلقُة بالإيمان: أنَّ الكفَر ضدُّ الإيمانِ فالمناسبة بينهما من جهةِ التضادِ. 22 - باب المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إلا بِالشِّرْكِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ" وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]. (باب) ساقطٌ من نسخةٍ. (المعاصي من أمرِ الجاهلية) مبتدأٌ وخبرٌ، والمعاصي: جمعُ معصيةٍ، وهي ترك واجب، أو فعلُ حرامٍ كبيرةً كانت أو صغيرة، والجاهلية: زمانُ الفترةِ قبلَ الإسلامِ، وسُمي بها لكثرةِ الجهالةِ فيه. (ولا يكفر) بفتح التحتية، وسكون الكافِ، وبضمها وفتح الكاف وتشديد الفاءِ المفتوحة (صاحبها بارتكابها) أي: خلافًا لقولِ الخوارجِ: إنَّه بالكبيرة يكفر، ولقولِ المعتزلةِ: إنَّه بين هاتين منزلتين لا مؤمنٍ ولا كافر، والمرادُ بارتكابها: فعلُها لا اعتقادُ حلِّها، إذ اعتقادُ ما هو معلومٌ مِن الدين بالضرورة كفرٌ، وجملةُ: (ولا يكفر) عطفٌ على الجملةِ قبلها فهي داخلَةٌ في الترجمةِ.
(جاهلية) أي: شيءٌ من أخلاقِ الجاهلية (وقول الله تعالى) في نسخةٍ: "وقال الله" وفي أخرى بدل تعالى: "-عَزَّ وَجَلَّ-" في استدلاله بالحديث والآيةِ على شِقَّي الترجمةِ: لفٌّ ونشرٌ مرتبٌ. ووجه الاستدلال بنفي الغفران على الكفرِ: كونُه يستلزمه عندنا. 30 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ". [2545، 6050 - مسلم: 1661 - فتح: 1/ 84] (عن واصل الأحدب) هو ابن حيان، بفتح المهملة وتشديد التحتية، وفي نسخة: "عن واصل" بدون ذكر الأحدب، وفي أخرى: "عن واصل هو الأحدب". (عن المعرور) بعين وراءين مهملات، وفي نسخة: "عن المعرور بن سويد". (أبا ذر) اسمه: جندب بضم الجيم والدال المهملة، وحكي فتح الدال ابن جنادة بضم الجيم الغفاري. (الربذة) بفتح الموحدة، والذال المعجمة: منزل لحاج العراق على ثلاث مراحل من المدينة. (حُلَّة) بضم المهملة: إزار ورداء ولا يسمَّى حلة حتى يكون ثوبين وسميا بذلك؛ لأنَّ كلًّا منهما يحلُّ على الآخر، فسألته عن ذلك، أي: عن سبب تساويهما في لبس الحلة، وسبب السؤال؛ أن العادة جارية بأن تكون ثيابُ الغلام دون ثياب سيِّدهِ. (ساببت) بموحدتين أي: شاتمتُ، أو شتمتُ. (رجلًا) هو بلال بن حمامة المؤذن. (فعيرته بأمه) أي: نسبته إلى العار بها، وفي رواية:
فقلت له يا ابن السوداء، وكلٌّ منهما بمعنى: ساببته، فهو تفسير له؛ ولهذا عطف عليه بالفاء التفسيرية، كقوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] وفي رواية: أنه لما شكاه بلالٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: "شتمت بلالًا وعيرته بسواد أصلًا قال: نعم، قال: "أحسب أنَّهُ بقيَ فيك شيءٌ من كبر الجاهلية" فألقى أبو ذر خدَّه على التراب ثم قال: لا أرفع خدِّي حتى يطأَ عليه بلالٌ بقدمه (¬1). (أعيرته بأمه) الهمزة فيه: للإنكار التوبيخي (إخوانكم) أي: في الإسلام، أو من جهة أولاد آدم. (خولكم) بفتح المعجمة والواو: جمع خايل، وقد يطلق الخولُ على الواحد، ومعنى الخول: الحشم (¬2)، من التخويل وهو التمليك، وقيل الخول: الخدم، وسمي به؛ لأنهم يتخولون الأمور، أي: يصلحونها، وإخوانكم خوالكم: برفعهما، الأول بأنه خبر مبتدإ محذوف بدليل رواية: هم إخوانكم (¬3)، والثاني بأنه نعت لإخوانكم أو خبر مبتدإٍ محذوف، وبنصبهما، الأول بمحذوف أي: احفظوا إخوانكم، والثاني: بأنه نعت له، قيل القصد: الإخبار عن الخول بالأخوة، لا العكس، وأجيب: بأنه عكس للاهتمام بشأن ¬
الإخوان، أو لحصر الخول في الإخوان؛ لأن تقديم الخبر يفيد الحصر أي: ليس إلا إخوانًا. (جعلهم الله تحت أيديكم) مجاز عن القدرة، أو الملك. أي: وأنتم مالكون لهم، وقادرون عليهم. (فليطعمه) بضم التحتية. (مما يأكل) لم يقل: مما يطعم؛ لدفع توهم أن المراد بالطعم الذوق، وليس مرادًا قطعًا. (وليلبسهم) بضم التحتية. (مما يلبس) بفتحها، والأمر فيه وفيما قبله للاستحباب عند الأكثر. (ولا تكلفوهم) نهي تحريم. (ما يغلبهم) أي: ما تعجز قدرتهم عنه لعظمه، أو صعوبته. (فإن كلفتموهم) أي: ما يغلبهم. (فأعينوهم) أي: بغيرهم. وفي الحديث: النهيُ عن سبِّ العبيد، ومن في معناهم، وتعييرهم بأصولهم، والحث على الإحسان إليهم، والرفق بهم، وبمن في معناهم: من أجير، وخادم، ودابة. وجواز إطلاق الأخ على الرقيق، والمحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بَابُ {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ. (باب): ساقط من نسخةٍ. {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] جمع في اقتتلوا رعاية لآحاد الطائفتين، وثنَّى في بينهما رعاية للفظ الطائفة. (فسماهم مؤمنين) أي: لم يخرج صاحب الكبيرة عن كونه مؤمنًا. 31 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ"، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ" [6875، 7083 - مسلم: 2888 - فتح: 1/ 84] (عبد الرحمن بن المبارك) أي: ابن عبد الله العيشيُّ، بفتح المهملة، وسكون التحتية، وبالشين المعجمة. (حماد بن زيد) أي: ابن درهم الأزديُّ. (ويونس) أي: ابن عبيد بن دينار. (هذا الرجل) هو عليُّ بن أبي طالب، وقيل: عثمان - رضي الله عنه. (أبو بكرة) هو نُفَيْعٌ بالتصغير ابن الحارث، (قلت) في نسخةٍ: "فقلت". (أنصر) أي: أريدُ مكانَا أنصرُ فيه هذا الرجلُ. (فالقاتل والمقتول في النار) أي: يستحقانها، فلا يستلزم خلودهما فيها على ما زعمه المعتزلة، بل ولا دخولها لجواز العفو، ثم هذا حيث لا تأويل سائغ فإن كان كما في اجتهاد الصحابة، فلا يستحقانها، إذ القاتل والمقتول منهما إنما ارتكب ذلك عن اجتهاد، المصيبُ له أجران، والمخطئ له أجر. (فقلت) في نسخة: "قلت". (هذا القاتلُ) أي: هذا حال القاتل في أنه يستحق النار. (فما بال المقتول؟) أي: كيف يستحقها وهو مظلوم؟ (كان حريصًا على قتل صاحبه) فيه: دليل على أنَّ من عزم على معصية بقلبه، ووطَّن نفسه عليها كان آتيًا بمعصيةٍ، فإن فعل ما عزم عليه كانت معصية ثانية، فلا ينافي ذلك خبر: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم" (¬1) وخبر: "إذا همَّ عبدي بسيئة ¬
23 - باب ظلم دون ظلم
فلا تكتبوها عليه" (¬1)؛ لأن المراد بهما: ما مرَّ بفكره ولم يجزم به. 23 - باب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ. (باب: ظلم دون ظلم) دون بمعنى: أدنى أي: بعض الظلم أدنى من بعضٍ منه، أو بمعنى: غير، أي: هو أنواع. 32 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ العَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا} [الأنعام: 82] إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]. [3360، 3428، 3429، 4629، 4776، 6918، 6937 - مسلم: 124 - فتح: 1/ 87] (قال: وحدثني) في نسخة: "قال: ح وحدثني" بزيادة حاء. قال شيخنا حافظ عصره: فإن كانت من المصنف فهي مهملة مأخوذة من التحويل على المختار، وإن كانت من بعض الرواة، فيحتمل أن تكون مهملةً كذلك، وأن تكون معجمة مأخوذة من البخاريِّ لأنها رمزه (¬2) أي: قال البخاريُّ: حدثني. (بشر) في نسخة: "بشر بن خالد" أبو محمد العسكريُّ. (محمد) في نسخة: "محمد بن جعفر". (عن سليمان) هو ابن ¬
24 - باب علامة المنافق
مهران الأعمش. (عن إبراهيم) هو ابن يزيد بن قيس النخعيُّ. (علقمة) هو: ابن قيس بن عبد الله النخعيُّ. (لما نزلت) في نسخة: "قال: لما نزلت". (ولم يلبسوا) بكسر الموحدة، ماضيها: لبس، بفتحها، عكس لبس الثوب يلبسه، والمصدر من الأول: لَبس بفتح اللام، ومن الثاني: لُبس بضمها، والمعنى هنا: لم يخلطوا، والمرادُ: لم يرتدوا، أولم ينافقوا بقرينة قوله: (بظلم) بجعل تنوينه للتعظيم وفهمت الصحابة من وقوع النكرة في سياق النفي، أن المراد: الظلم بمعنى: مجاوزة الحد، مما أشار إليه بقوله: (قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّنَا لم يظلم) وفي نسخةٍ: "لم يظلم نفسه"، وفي أخرى: "النبيُّ" بدل (رسول الله). ولما فهمت الصحابة ذلك وشقَّ عليهم بيَّن الله تعالى أن المراد به خاص، وهو الشرك حيث قال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] وأفاد قوله تعالى في الآية: {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] إن من لبس إيمانه بظلم لا يكون آمنًا ولا مهتديًا، وهو ما فهمه الصحابة، لا يقال: إن العاصي قد يعذب فكيف يكون آمنًا مهتديًا؛ لأنَّا نقول: إنه آمن من التخليد في النار، مهتد إلى طريق الجنة. وفي الحديث: أن المعاصى لا تسمَّى شركًا، وأن درجات الظلم تتفاوت، كما ترجم له، وأنَّ العامَّ يطلقُ ويراد بهِ: الخاصَّ، وأنَّ المفسرَّ يقضي على المجمَل، وأنَّ النكرةَ في سياق النفي تعمُّ. 24 - باب عَلامَةِ المُنَافِقِ. (باب) ساقط من نسخةٍ: (علامة المنافق) في نسخة: "علامات المنافق" بالجمع، والنفاق لغة: مخالفة الظاهر للباطن، فإن كان في
اعتقادِ الإيمان، فهو نفاق الكفر، وإلا فنفاق العمل، وتتفاوت مراتبه، ولفظ: (المنافق) من باب المفاعلة، وأصلها: أن تكون بين اثنين، لكنها من باب خادع، وسافر. 33 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". [2682، 2749، 6095 - مسلم: 59 - فتح: 1/ 89] (سليمان أبو الربيع) هو ابن داود الزهرانيُّ. (إسماعيل بن جعفر) أي: ابن أبي كثير. (عن أبيه) هو مالك جدُّ إمام الأئمة مالك. (آية المنافق) أي: علامته، ولذلك قيلَ لآية القرآن: آية؛ لأنها علامة انقطاع كلامٍ عن كلامٍ، وأخبر عن آية بثلاث، وإن لم يتطابقا إفرادًا وجمعًا؛ باعتبار إرادة الجنس أي: أن كلَّ واحدة منها آية، وأن مجموع الثلاثة هو الآية. (إذا حدَّث ...) إلى آخرِ الخصالِ الثلاثة (¬1)، كلٌّ منها خبر بعد خبرٍ، أو بدل من ثلاث، والثانية منها أخصُّ من الأولى، ونبَّه بذكر الثلاث على ما عداها؛ لأن الدين منحصرٌ في ثلاث: القول، والنية، والفعل، فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد النية بالخلف، إذ الخلف إنما يقدح إذا كان عازمًا عليه، وعلى فساد الفعل بالخيانة، فلا ينافي في ذلك الحديث الآتي بلفظ: "أربعٌ من كن فيه" حيث ذكر فيه: "وإذا عاهد غدر" وأبدل قوله: "إذا وعد أخلف" بإذا خاصم فَجَرَ، إذ ¬
الغدر خيانة، والفجور لازم لها، ثم هذه الخصال قد توجد في مسلم، فتسمية مرتكبها منافقًا، تشبيه له به، أو المراد بالنفاق فيه: نفاق العمل لا الكفر، أو المراد بالنفاق: من غلبت هذه الخصال عليه، واستخف بها، إذ من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا. 34 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ. [2459، 3178 - مسلم: 58 - فتح: 1/ 89] (قبيصة) بفتح القاف، وكسر الموحدة. (ابن عقبة) بضم العين وسكون القاف، وفتح الموحدة: هو ابن محمد أبو عامر. (سفيان) هو ابن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوريُّ. (عبد الله بن مرة) بضم الميم وتشديد الرَّاء، الهْمدانيُّ بسكون الميم. (مسروق) هو ابن الأجدع، بالجيم والمهملتين، ابن مالك الهمداني. (خالصًا) أي: في هذه الخصال فقط، لا في غيرها، أو شديد الشبه بالمنافقين. (خصلة) أي: خلّة، بفتح أولهما. (عاهد) أي: حالف ووافق. (غدر) أي: ترك الوفاء بالعهد. (فجر) أي: مالَ عن الحقِّ، وقال الباطل. (تابعه) أي: سفيان، والمتابعة هنا مقيدة، حيث قال عن الأعمش وناقصة حيث ذكرها من وسط الإسناد لا مِنْ أولهِ ولما ذكر البخاريُّ كتابَ الإيمان المشتمل على أبواب عقَّبَ ذلك بذكر علاماته فقال:
25 - باب قيام ليلة القدر من الإيمان
25 - باب قِيَامُ لَيلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ. (باب) ساقطٌ في نسخةٍ. (قيام ليلة القدر من الإيمان) مبتدأٌ وخبرُه، سميت ليلةُ القدر، لِما تكتب فيها الملائكةُ مِن الأقدارِ والأرزاقِ والآجال في تلك السنةِ، وقيلِ؛ لعظم قدرِها، أو لأنَّ مَنْ أتى فيها بالطاعةِ قدرًا، ولأنَّ للطاعةِ فيها قدرًا زائدًا على غيرها، قال النوويُّ: واختلف في وقتها، فقيل: تنتقلُ في السنةِ، وبذلك يجمعُ بين الأحاديث الدالةِ على اختلافِ أوقاتِها (¬1)، وقيل: إنما تنتقلُ في العشرِ الأخير مْنِ رمضانَ، وقيل: في كلِّهِ، وقيل: معينةٌ لا تنتقلُ في السنةِ كلها، وقيل: في رمضانَ، وقيل: في العشر الأوسط والآخر، وقيل: في الآخرِ فقط، وقيل: في أوتارِه، وقيل: في أشفاعِه، وقيل غيرُ ذلك، ومال الشافعيُّ إلى أنها ليلةُ الحاديِّ أو الثالثِ والعشرين، وشذَّ قومٌ فقالوا: رُفعت؛ لقولهِ - صلى الله عليه وسلم - حين تلاحا رجلانِ فيها: "رُفعت". هذا غلط؛ لأنَّه عقَّبه بقوله: "التمسوها في السبع، أو التسع" (¬2)، فالمراد برفعها: رفع العلم بها. وأجمعَ من يعتدُّ به على وجودهِا، ودوامِها إلى آخرِ الدهرِ، يراها ويتحققها مَن شاءَه الله تعالى في رمضانَ كلَّ سنةٍ. 35 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [37، 38، 1901، 2008، 2009، 2014 - مسلم: 760 - فتح: 1/ 91] ¬
26 - باب الجهاد من الإيمان
(مَنْ يُقِمْ ليلةَ القدرِ) أي: يطع الله تعالى فيها، قيل: ويكفي في ذلك ما يُسمى قيامًا، حتى أنَّ مَنْ أدَّ العشاءَ فقد قام، لكن الظاهرَ من الحديثِ عُرفًا كما قال الكرمانيُّ: أنَّه لا يقال: قام الليةَ إلَّا إذا قام جميعَها، أو أكثرها (¬1). ونصب (ليلةَ القدرِ) بأنَّه مفعولُ به، لا فيه، إذ المعنى: مَنْ يُحيي ليلةَ القدرِ، ويجوزُ نصبُه بأنَّه مفعولُ فيه بمعنى: مَنْ يطعِ الله فيها، وإنمَّا عبَّر بالمضارعِ في الشرطِ في قيامِها، وبالماضي في قيام رمضانَ وصيامِه في البابين الآتيين؛ لأنَّ قيام رمضانَ وصيامه متحققانِ، بخلاف قيام ليلة القدر. (إيمانًا) أي: تصديقًا بأنَّه حقٌّ وطاعةٌ. (واحتسابًا) أي: لوجهه تعالى، لا رياءً، ونصبهما على المفعول له، أو التمييزِ، أو الحالِ بتأويل المصدر باسم المفعولِ. وعليه فهما: حالانِ متداخلانِ، أو مترادفانِ. (غُفر له ما تقدَّم من ذنبهِ) أي: مِنْ صغائرِ ذنوبِه، كما في نظائِره مِنْ غفرانِ الذنوبِ بقرينة التقييدِ في بعضِ الأحاديثِ بما اجتنبت الكبائرُ، والنكتةُ في وقوعِ الجزاءِ ماضيًا مع أنَّه في المستقبل: أنَّه متيقنُ الوقوعِ فضلًا من الله على عباده. وفي الحديث: دلالةٌ على جَعْلِ الأعمالِ إيمانًا؛ لأنَّه جعلَ القيامَ مِنْ الإيمانِ. (ومن ذنبهِ) بيانٌ لمِا تقدَّم. 26 - باب الجهَادُ مِنَ الإِيمَانِ. (باب) ساقطٌ منْ نسخةٍ. (الجَهاد من الإيمان) مبتدأٌ وخبرُ. ¬
36 - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إلا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ" [2787، 2797، 2972، 3123، 7226، 7227، 7457، 7463 - مسلم: 1876 - فتح: 1/ 92] (حَرَميُّ بنُ حفص) هو ابن عمرِ العتكي، بفتح المهملة والفوقيةِ، نسبةً إلى العتيك بنِ الأسْدِ. (عبد الواحدِ) هو ابن زياد العبدي، نسبةً إلى عبد القيس المصريِّ. (عمارة) بضمِ المهملةِ ابن القعقاعِ بن شُبْرمةَ الضبيُّ نسبةً إلى بني ضبة. (أبو زرعةَ بن عمرو) أي: ابن جرير البجليُّ، واسمُ أبي زرعةَ: هرمٌ، أو عبدُ الرحمنِ، أو عمرُ، أو عبدُ الله. (انْتَدَبَ) بنونٍ ساكنةٍ، وفوقيةٍ مفتوحةٍ، ودالٍ مهملةٍ، أي: أجاب لمَّا نُدِبَ، أي: طلب منه. (الله) في نسخةٍ: "الله -عَزَّ وَجَلَّ-" (في سبيله) أي: سبيلِ الله، قيل: أو سبيل مَن خَرَجَ. (إلَّا إيمانٌ بي) في نسخةٍ: "إلَّا الإيمانُ بي" وفي (بي) إلتفاتٌ مِنَ الغيبةِ إلى المتكلم. (أو تصديق) في نسخةٍ: "وتصديقٌ" فأو بمعنى: الواو (¬1)، إذ لا بدَّ من الإيمان بالله، والتصديق برسلِه. ¬
(أن أُرجعَهُ) بفتح الهمزةِ أي: بأن (¬1)، وأُرجعَه مِن الرجعِ، لا من الرجوعِ، إذ الفعلُ منْ الرجعِ متعدِّ، كما هنا، ومِنَ الرجوع لازمٌ. (نال) أي: أصاب وجاء بلفظِ الماضي، لتحقق وعدِ الله تعالى. (مِنْ أجر) أي: فقط إنْ لم يغنموا. (أو غنيمة) أي: إنْ غنموُا، لا ينافي ذلك اجتماعَ الأمرين بجعلِ القضية مانعة خلو. على أنَّ أبا داودَ عطف على ذلك بالواو، لا بـ (أو). (أو أدخله الجنة) عُطف على أُرجعه أي: إنَّ المجاهدَ ينال خيرَا بكل حالٍ، لأنَّه إمَّا أنْ يرجعَ سالمًا بأجرٍ، أو بغنيمةٍ، أو بهما، أو يستشهدَ فيدخل الجنة، والمعنى في وعده بدخول الشهيد لها مع أن كل مِن المؤمنين يدخلها: إنَّ دخولَهُ إمَّا عند موته، كما قال تعالى: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، أو أنَّ المرادَ: دخولهم مع السابقين والمقرَّبين بلا حساب، ولا مؤاخذةٍ بذنوبٍ، بلْ تكفرها الشهادةُ. (ولولا) هي الامتناعية (¬2) أي: امتنع عدم القعود لوجودِ المشقةِ، وسببُ المشقةِ؛ صعوبةُ تخلفهم بعْدَهم، ولا قدرةَ لهم على المسيرِ معه؛ لضيق حالهم. (خَلْفَ سَرِيَّةٍ) بالنصبِ على الظرفيةِ أي: ما قعدت بعد سرية: وهي القطعة من الجيش أي: لا أتخلَّفُ عنها، بلْ أخرجُ معها بنفسي؛ لعظم أجرها. (ولوددتُ) عطف على ما قعدتُ، فكلٌّ ¬
منهما جوابُ لولا. واللام داخلة على الثاني محذوفة من الأول، وكلٌّ من ذكرها وعدمه جائزٌ، لكن الأكثر ذكرها (¬1)، أو هي لام قسم محذوف أي: أحببت. (أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا ... إلخ) بضم الهمزة في كل ما ذكر من (أقتل وأحيا) في نسخةٍ: "أن أقتل" وفي أخرى: "فاقتل" وختم بالقتل مع أن القرار الحياة؛ لأن المراد: الشهادة، فختم بالحال عليها؛ أو لأن الإحياء للجزاء معلوم، فلا حاجة إلى ودادته، و (ثم): للتراخي في الرتبة أحسن من جعلها على تراخي الزمان؛ لأن المتمني حصول مرتبة بعد مرتبة إلى الانتهاء إلى الفردوس الأعلى. وفي الحديث -كما قال النوويُّ-: فضل الجهاد والشهادة، والحث على حسن النية، وشدة شفقته - صلى الله عليه وسلم - على أمته، واستحباب طلب القتل في سبيل الله، وجواز قول الإنسان في الخير: لوددتُ، وتقديم أهم المصلحتين وأن الجهاد فرض كفاية، وتمنِّي الشهادة، وتمنِّي ما لم يمكن في العادة من الخيرات، والسعي في إزالة المكروه، والشفقة على المسلمين (¬2). ¬
27 - باب تطوع قيام رمضان من الإيمان
27 - باب تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ. (باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان) في نسخةٍ: "تطوع شهر رمضان". 37 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [انظر: 35 - مسلم: 759 و 760 - فتح: 1/ 92] (إسماعيل) هو ابن أبي أويس الأصبحي. (عن حميد بن عبد الرحمن) أي: ابن عوف. (من قام) أي: بالطاعة. (رمضان) أي: في لياليه. (من ذنبه) أي: من صغائر ذنوبه، كما مرَّ نظيره. 28 - بَابٌ: صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ. (باب) ساقط من نسخةٍ. (صوم رمضان احتسابًا من الإيمان) مبتدأ وخبرٌ. 38 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [انظر: 35 - مسلم: 759 و 760 - فتح: 1/ 92] (ابن سلام) في نسخةٍ: "محمد بن سلام". (قال: أخبرنا) في نسخةٍ: "قال حدثنا". (محمد بن فضيل) أي: ابن غزوان الضبِّيُّ. (من صام رمضان) أي: فيه بأن صامه كله، أو بعضه عند عجزه، ونيته الصوم لولا العجز. (إيمانًا واحتسابًا ... إلخ) تقدم بيانه.
29 - باب الدين يسر
29 - باب الدِّينُ يُسْرٌ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ". (باب: الدين يسرٌ) المراد بالدين: دين الإسلام؛ لأنه المتبادر، بـ (يُسْر) ذو يسر ليصح حمله على الدين، أو سمِّي الدين يسرًا مبالغة، كقول بعضهم في النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنه الرحمة، مستدلًّا بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء: 107]. (وقول النبيِّ) بالجر عطف على الجملة قبله، بتقدير إضافة بابٍ إليها، وبالرفع عطفٌ عليها بدون هذا التقدير، أو على بابٍ، وخبره على الرفع محذوفٌ، أي: وارد وثابت. (أحب الدين) أي: أحب خصاله، وأحبُّ بمعنى محبوب، لا بمعنى محب. (الحنيفية) أي: الملة المائلة عن الباطلِ إلى الحق. (السمحة) أي: السهلة، والمراد: أنه لا حرج فيها ولا تضييق، بخلاف سائر الأديان، فالمراد بالدين: ملة الإسلام، كما مرت الإشارة إليه، ويحتمل: أن تكون اللام للعهد؛ إشارة إلى ملة إبراهيم، إذ الحنيف عند العرب من كان على ملة إبراهيم؛ لأنه مال عن عبادة الأوثان، وإنما أخبر عن الدين وهو مذكَّرٌ بالحنيفية السمحة وهما مؤنثان لغلبة الاسمية عليهما حتى صارا علمين، أو لأنَّ أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على من أضيف إليه، ويجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له، فإن قلت أفعل التفضيل يقتضي المشاركة، فيلزم أن يكون كل دينٍ محبوبًا لله تعالى، وليس كذلك. قلت: المراد بالدين: الطاعة، أو دين الإسلام لكن بتقدير أَحَبُّ
خصال الدين، كما مرَّ. وخصاله كلها محبوبة لله تعالى، لكن ما كان منها سمحًا سهلًا، فهو أحبُّ إلى الله تعالى. والتعليق المذكور أسنده ابن أبي شيبة، والبخاريُّ في: "الأدب المفرد" (¬1)، وإنما علقه هنا؛ لأنه ليس على شرطه. 31 - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ". [5673، 6463، 7235 - مسلم: 2816 - فتح: 1/ 93] (عبد السلام بن مُطَهَّر) هو بضم الميم وفتح الهاء المشددة. ابن حسام الأزديُّ. (عمر بن علي) أي: ابن عطاء، وعمر وإن كان مدلسًا لكن لروايته شواهد تعضدها. (معن بن محمد) بفتح الميم وسكون العين المهملة، واسم جده: معن أيضًا. (عن سعيد بن أبي سعيد) اسم أبي سعيد: كيسان المقبريُّ، بضم الموحدة نسبة إلى مقبرة بالمدينة، وكان مجاورًا بها. (يسر) أي: ذو يسر كما مرَّ. (ولن يشاد الدين) أيُّ: "أحد" كما في نسخةٍ أي: يغالب، بمعنى: أن الدين يغلب من غالبه أي لا يتعمق فيه أحد ويترك الرفق إلَّا غلبه، وعجز وانقطع عن عمله كله، أو بعضه. (فسددوا) بالمهملة من السداد: وهو التوسط في العمل. (وقاربوا) أي: ¬
30 - باب الصلاة من الإيمان
في العبادة، والمعنى: إن لم تستطيعوا العمل بالأكمل، فاعملوا بما يقرب منه. (وأبشروا) بقطع الهمزة، وكسر الشين من الإبشار، ويجوز لغة وصل الهمزة وضمُّ الشين من البشر، بمعنى الإبشار أي: أبشروا بالثواب على العمل، وإن قل وترك المبشر به للتنبيه على تعظيمه وتفخيمه. (بالغدوة) بضم الغين، وقيل: بفتحها: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. (والروحة) بفتح الراء: ما بين الزوال وغروب الشمس، وقد يقال لما قبل الزوال أيضًا. (الدُّلْجة) بضم الدال المهملة، وسكون اللام: سير آخر الليل، أو الليل كلّه، أما الدَّلجة بالفتح فسير أول الليل. واستعار في الحديث الأوقات الثلاثة، لأوقات النشاط وفراغ القلب للطاعة؛ لأنها أطيب أوقات المسافر، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع. وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنه المداومة من غير مشقة. 30 - باب الصَّلاةُ مِنَ الإِيمَانِ. وَقَوْلُ الله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ. (باب) ساقط من نسخة. (الصلاة من الإيمان) مبتدأ وخبر. (وقول الله) بالجرِّ والرفع نظير ما مرَّ في الباب قبله. (تعالى) في نسخةٍ: "عزَّ وجلَّ". (يعني صلاتكم) بمكة (عند البيت) أي: الحرام، متوجهين إلى بيت المقدس.
40 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إسحق، عَنِ البَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الَمدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجدَادِهِ -أَوْ قَالَ: أَخوَالِهِ- مِنَ الأنصَارِ، وَأنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيتِ الَمقدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهرًا -أَوْ سَبعَةَ عَشَرَ شَهرًا- وَكَانَ يُعجِبُهُ أَن تَكونَ قِبلَتُهُ قِبَلَ البَيتِ، وَأنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةِ صَلَّاهَا صَلَاةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ ممَّن صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهلِ مَسجِدٍ وَهُم رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بالله لَقَدْ صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قِبَلَ مَكُّةَ. فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيتِ، وَكانَتِ اليَهُودُ قَد أَعجبَتهم اِذ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الَمقْدِسِ، وَأَهلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيتِ أَنكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إسحق، عَنِ الَبرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هذا أنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبلَةِ قَبلَ أَن تُحَوَّلَ رِجَال وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدرِ مَا نَقُولُ فِيهِم، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]. [399، 4486، 4492، 7252 - مسلم: 525 - فتح: 1/ 95] (زهير) هو ابن معاوية بن حديج بضم الحاء وفتح الدَّال المهملتين الجعفي. (أبو أسحاق) اسمه: عمرو بن عبد الله بن علي الهمداني. (عن البراء) في نسخة: "عن البراء بن عازب". (أوَّلَ) نصب على الظرفية، لا خبر كان؛ إذ خبرها (نزل) الآتي. (ما قدم) ما مصدرية. (المدنية) من مدن بالمكان إذا قام به، فجمعها مدائن بالهمز أو من دان أي: أطاع، أو من دين أي: ملك، فجمعها مداين بلا همز، ولها أسماء آخر يثرب، وطيبة، وطابة، والدَّار وطيبة؛ لخلوصها من الشرك؛ أو لطيبها لساكنها. (أو قال) الشك من أبي إسحق، وكل من الأمرين صحيح، إذ الجدودة هنا من جهة الأم كالخؤلة، وإطلاق الجدّ والخالِ هنا مجاز؛ لأن هاشمًا جدَّ أبي النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تزوج من الأنصار. (وأنه صلى)
عطف على أن النبيَّ. (قبل بيت المقدس) بكسر القاف وفتح الموحدة أي: جهته، والمقدس بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال مصدر، كالمرجع، أو مكان المقدس وهو الطهر أي: المكان الذي يطهر العابد فيه من الذنوب، أو يطهر العبادة فيه من الأصنام، ويقال: أيضًا بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة ويقال: البيت المقدس على الصفة، والأشهر: بيت المقدس بالإضافة البيانية، كمسجد الجامع. (أو سبعة عشر شهرًا) الشكُّ منَ البرَّاءِ، وجزَم مسلمٌ وغيرُه بالأوَّلِ (¬1)، بعد زمني القدوم والتحويل من الشهرين شهرًا، وجزم الطبرانيُّ وغيره بالثاني (¬2)، بعد الزمنين شهرين وسمِّي زمن الشهر شهر الشهرية عند النَّاس لمحلِّ الحاجةِ إليه. (يعجبه) أي: يحبه. (وأنه أوَّل صلاة) عطف على (أن النبيَّ) أيضًا، وفي نسخة: "وأنَّه صلَّى أوَّلَ صلاةٍ" بذكرِ صلَّى، وهو مقدَّرٌ في الأولى، فصلى المذكور، أو المقدر خبر أنَّ، وأوَّل: مفعوله. (صلاة العصر) بالنصب بدلٌ من أول، ومن رفعهما على الابتداء والخبر، كأنه جعل ضمير أنه للشأن والجملة مفسرةٌ له. (فخرج رجلٌ) هو عباد بفتح العين، هو ابن نهيك بفتح النون وكسر الهاء، وهذا غير عَباد بن بشر الذي أخبر أهل قباء في صلاة ¬
الصبح، كما سيأتي بيانه (على أهل مسجد) هم من بني حارثة، ويعرف المسجد الآن بمسجد القبلتين. (وهم راكعون) أي: في الركوع حقيقة، أو في الصلاة مجازًا، من إطلاق الجزءِ على الكل. (أشهد بالله) أي: أحلفُ به. (لقد صليت) مقولُ القولِ، فجملة أشهد بالله: اعتراضٌ بين القول ومقوله. (مع رسول الله) في نسخة: "مع النَّبيِّ". (قبل مكّة) أي: قبل البيت الذي بها. (كما هم) أي: عليه، فما موصولةٌ، وصلتها: جملة هُمْ عليه (¬1). (قبل البيت) أي: الحرام. (اليهود) هم قوم مُوسَى عليه الصلاة والسلام واشتقاقه: من هاد أي: مال؛ لأنهم مالوا عن دين موسى إلى عبادة العجل، أو من هاد: إذا رجع من خير إلى شرِّ وعكسه؛ لكثرة انتقالاتهم. (أعجبهم إذ كان يصلِّي) فاعل أعجب يحتمل أن يكون ضمير النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وإذ بدل اشتمال منه، وأن يكون إذ يجعلها لمطلق الزمان، أي: زمان كان يصلي لبيت المقدس؛ لأنه كان قبلَتهم، فيعجبهم موافقتها. (وأهل الكتاب) بالرفع عطف على اليهود، وهو من عطف العام على الخاص، فإن أريد بهم النصارى لم يكن العطف من ذلك، وإعجابهم ذلك، ليس لكونه قبلتهم، بل بطريق التبعية لليهود. (أنكروا ذلك) قال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} الآية [البقرة: 142]. (قال زهير) أي: ابن معاوية (أبو إسحق) أي: السبيعيُّ (مات على القبلة) أي: المنسوخة: وهيَ بيت المقدس. (رجال) أي: عشرة، منهم: البراء بن معرور، وأسعد بن زرارة، وعبد الله بن شهاب الزهريُّ. ¬
31 - باب حسن إسلام المرء
(وقتلوا) فائدة ذكر قتلهم: بيان كيفية موتهم؛ إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، لكن في القتل نظرة لأن تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، حتَّى قال شيخنا (¬1): ولم أرَ في شيءٍ من الأخبار أن أحدًا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد، ولم يضبط اسمه؛ لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك. (تعالى) في نسخة: "عزَّ وجلَّ" ({وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}) [البقرة: 143] أبلغ وفيما يضيع لما فيه من نفي إمكان الإضاعة كما أشار إليه الزمخشريُّ (¬2). وفي الحديث كما قال النوويُّ: ندبُ إكرام القادم أقاربه، بالنزول عندهم، والانتقال من حال طاعة إلى أكمل والنُّسخ وأنه لا يثبت في حق أحدٍ حتَّى يبلغه، وجواز الصلاة إلى جهتين كل منهما بدليل حتى لو صلَّى أربعَ ركعات لأربع جهات بالاجتهاد صحَّ (¬3). 31 - باب حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ. (باب) ساقط من نسخة. (حسن إسلام المرء) بالجرِّ على إثبات (باب) مضافًا، وبالرفع على إسقاطه مبتدأ خبره محذوف أي: يكفر الله به عنه كلَّ سيئة كان زلفها، أخذًا من حديث الباب. 41 - قَالَ مَالِكُ: أَخَبرَني زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عطَاءَ بْنَ يَسَارِ أَخبرَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخَبرَهُ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ¬
يُكَفرُ الله عَنْهُ كُل سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا اِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إلا أَنْ يَتَجَاوَزَ الله عَنْهَا". [فتح: 1/ 98] (قال مالك) في نسخةٍ: "وقال مالك" وفي أخرى: "قال: وقال مالك" وبكل تقدير هو تعليق بالجزم فله حكم الصحة على الصحيح. (يقول) أَتَى به مضارعًا، مع المناسب: أن يأتيَ به ماضيًا موافقة لـ (سمع)؛ لغرض الاستحضار، فهو لحكاية حال ماضيه (فحَسُنَ) عطف على أسلم. (يكفر) بالرفع جواب (إذا)، قيل: ويجوز جزمه فتكسر الراء حينئذٍ لالتقاء الساكنين. ويردُّ بأن جزم جواب (إذا) إنما يجوز في الضرورة كما صرَّح به ابن هشام. يقول الشاعر: وَإِذَا تُصْبِكَ خَصَاصَةٌ فَتَحَمَّلِ ... اسْتَعْنِ مَا أغْنَاكَ رَبُّكَ بِالْغِنَى فقول شيخنا (¬1): إن (إذا) لا تجزم أي: في النثر (¬2). (زلفها) بالتخفيف والتشديد أي: "أسلفها" كما عبَّر به في نسخةٍ، وفي نسخةٍ: "أزلفها". (وكان بعد ذلك) أي: بعد حسن إسلامه. (القصاص) بالرفع: اسم كان، على أنها ناقصة، أو فاعل على أنها تامة (¬3)، وأتى بها ماضيًا، مع أن السياق يقتضي أن يأتيَ بها مضارعًا؛ لتحقق الوقوع، كما في {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] والمعنى: كان بعد ¬
ذلك المجازاة في الدنيا وفي الآخرة. (الحسنة بعشر أمثالها) جملة مستأنفة. (إلى سبعمائة ضعف) متعلق بمقدر أي: منتهيًا إلى ذلك، فهو حال والضعف: المثل، وظاهر الحديث: أنَّ التضعيف ينتهي إلى سبعمائة وبه أخذ بعضهم، والأوجه: خلافه؛ لنحو ما رواه البخاريُّ في: الرقاق بلفظ: "كتب الله له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة" (¬1) وأما قوله تعالى في آية: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} [البقرة: 261] {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] فهو وإن احتمل أنه يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء بأن يجعلها سبعمائة، يحتمل أن يضاعف السبعمائة إلى أن يزيد ففضله واسع. (والسيئة بمثلها) أي: بلا زيادة، وذلك فضل من الله تعالى ومن سعة رحمته، كما قال تعالى: {فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا} [الأنعام: 160] والجملة: معطوفة على الجملة قبلها. "إلا أن يتجاوز الله عنها" أي: يعفو عنها. وفيه: ردٌّ على من يقطع لأهل الكبائرِ بالنّار [كالمعتزلة] (¬2). 42 - حَدَّثَنَا إسحق بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِذا أَحْسَنَ أَحَدُكمْ إِسْلامَهُ فَكُل حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا". [مسلم: 129 - فتح: 1/ 100] (حدَّثنا) في نسخةٍ: "حدثني". (إسحق بن منصور) أي: ابن بهرام بكسر الموحدة على ما قال النوويُّ، والمشهور كما قال الكرمانيُّ ¬
32 - باب أحب الدين إلى الله أدومه
وغيره: فتحها. (قال: حدَّثنا) في نسخةٍ: "أخبرنا". (عبد الرازق) هو ابن همام بن نافع الصنعاني. (عن همَّام) بتشديد الميم وفي نسخةٍ: "همَّام بن منبه". (أحدكم) الخطاب للحاضرين، والحكم عامٌّ لهم ولغيرهم باتفاق، ويدخل فيه العبيد والنساء، لكن النزاع في كيفية تناولهن، أهي حقيقة عرفية، أو شرعية، أو مجاز؟ (يعملها) تقييد للإطلاق السابق إذ لا بد من العمل في العشر والإضعاف، بخلاف الهمِّ بالحسنة، وأمَّا الهمِّ بالسيئة فلا بد من الجزم أو العمل. 32 - باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى الله أَدْوَمُهُ. (باب: أحبُّ الدين إلى الله أدومه) في نسخةٍ: "أحبُّ الدين إلى الله -عز جل- أدومه". 43 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخبرَنِي أَبي، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ عَلَيهَا وَعِندَهَا امرأةٌ قَالَ: "مَنْ هذه؟ ". قَالَتْ: فُلَانَةُ. تَذكُرُ مِن صَلَاتِهَا. قَالَ: "مَهْ، عَلَيكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَل الله حَتَّى تَمَلُّوا". وَكَانَ أَحبَّ الدِّين إلَيهِ مَا دامَ عَلَيهِ صَاحِبُه. [1151 - مسلم: 785 - فتح: 1/ 101] (عن هشام) هو: ابن عروة. (قال) جواب ما يقالُ فماذا قال وفي نسخةٍ: "فقال". (فلانةُ) لا ينصرف للتأنيث والعملية؛ لأنه كناية عن كلِّ علمٍ عاقلٍ أنثى (تذكر) بالفوقية، وبالبناء للفاعل، وهو عائشة، وفي نسخةٍ: "يُذكر" بالياء التحتية والبناء للمفعول وهو (من صلاتها) أي: يُذكر كثيرُ من صلاتها فالمدْحُ لها على النسخةِ الأولى: كانِ مِنْ عائشةَ بحضرتِها،
ولعلهَّا أَمَنَتْ عليها الفتنة، فمدحتها في وجهها، وعلى الثانيةِ: من غيرها، وعائشةُ حاكيةٌ له هذا، ولكن رُويَ كانت عندي امرأة، فلما قامتْ، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ هذه يا عائشةُ؟ " قالتْ: يا رسول الله هذه فلانةُ، وهي: أعبدُ أهلِ المدينةِ، وظاهرُه: أنَّ مدحها كان في غيبتها (مَهْ) بفتحِ الميم، وسكونِ الهاءِ: للزَّجْرِ بمعنى: اكْفُفِ. نهاها لله عليه الصلاة والسلام عن مدحِ المرأةِ بما ذُكرت، أو عَنْ تكلفِ عملِ ما لا يُطاق. (عليكم) اسم فعل بمعنى: الزمُوا، عمَّ [الرجال و] (¬1) المؤنثِ؛ تغليبًا لعمومِ الحكمِ في الأمةِ، وإلَّا فالخطابُ للنساءِ. (من الأعمال) أي: من دوامهِا. إلا يملُّ الله حتى تملوا) بفتح الميم فيها من الملالةِ: وهي السَّامةُ والضجرُ، أو تركُ الشيءِ؛ استثقالًا وكراهةً له بعدَ حرصٍ ومحبةٍ فيه، وهي بالمعنيين محالٌ على الله فيحتاجُ في حقهِ تعالى إلى تأويل. وهو كما قال المحققون: مجازٌ؛ لأنَّه تعالى لما كان يقطع ثوابه عمن قطع العمل ملالًا، عبر عن ذلك بالملال على سبيل المشاكلة، وهو في الحقيقة تسمية للشيء باسم سببه. (أحب الدين) أي: أحب الطاعة، أو أحب أعمال الدين (إليه) أي: إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو إلى الله تعالى كما في رواية (¬2)، ولا تنافي بينهما لتلازم حكميهما. وفي الحديث -كما قال النوويُّ-: تسمية الأعمال دينًا، واستعمال المجاز في إطلاق الملل على الله تعالى، وجواز الحلف بلا ¬
33 - باب زيادة الإيمان ونقصانه
استحلاف تفخيمًا للأمر، أو الحث على الطاعة، أو التغير من محذور وقصد المداومة حيث لا مشقة فيه؛ لما فيه من النشاط، فإن مع المشقة قد يترك الكلُّ، أو البعض. 33 - باب زِيادةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ. وَقَوْلِ الله تَعَالَى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31] وَقَالَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ. (باب: زيادة الإيمان ونقصانه) بإضافة باب. (وقول الله) مع اللذين بعده عطف على زيادة الإيمان. (تعالى) في نسخةٍ: "عزَّ وجلَّ". والهدى: دلالة موصلة للبغية، وقيلَ: الدلالة مطلقة، وقوله: ({الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}) [المائدة: 3] دليل على نقص الإيمان؛ لأن ما قبل أحد الضدين قبل الضد الآخر، وإنما لم يقل فيه وقوله، كما في الآية الأولى الدالة على السيادة لصراحة تلك في الزيادة وهذه ليست صريحة في النقصان، ثم النقصان فيهما إنما هو بالنسبة إلى ما تجدد من الحج ونحوه، حتَّى أن من مات قبل نزوله فإيمانه ناقص بالنسبة إليه، وإلا فإيمانه، كغيره كامل في نفسه، فسقط ما قيل: إن الآية تقتضي أن الدين كان ناقصًا قبلُ، وإن من مات من الصحابة كان ناقص الإيمان. 44 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادةُ، عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "يَخرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إلا الله، وَفِي قَلبِهِ وزنُ شَعِيرَةٍ مِن خَيرٍ، وَيَخرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قَالَ: لَا إلله إلا الله، وَفِي قَلبِهِ وَزنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيرٍ، ويخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قَالَ: لَا إله إلا الله، وَفِي قَلبِهِ وزنُ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ". قَالَ أَبُو عَبدِ الله: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادةُ، حَدَّثَنَا أَنَس، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "من
إِيمَانِ". مَكانَ: "مِنْ خَيرِ". [4476، 6565، 7410، 7440، 7509، 7510، 7516 - مسلم: 193 - فتح: 1/ 103] (مسلم بن إبراهيم) كنيته: أبو عمرو البصريُّ الأزديُّ. (هشام) هو ابن عبد الله سندر الربعيُّ، نسبةً إلا ربيعةَ. (يخرج) بالبناء للفاعل من الخروج، وفي نسخة: "يخرج" بالبناء للمفعول من الإخراج. (من قال) أي: بقلبه ولسانه. (لا إله إلا الله) أي: مع قوله: محمد رسول الله بجعل الجزء الأول علمًا على المجموع كـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] علم على السورة كلها، أو كان هذا قبل مشروعية ضم الثاني إليه. (من خير) أي: إيمان، كما في الرواية الأخرى، والمراد بهما: الإيمان بجميع ما جاء به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، والتنكير فيهما للتقليل المرغب في تحصيله؛ لأنه إذا حصل الخروج بأقلِّ ما ينطلق عليه اسم الإيمان، فالبكثير منه أحرى، وفي ذلك استعارة بالكناية، حيث شبه الإيمان وهو معنى بالجسم، ثم أضيف إليه ما هو من لوازم الجسم وهو الوزن. (برة) بضم الباء وتشديد الراء أي: قمحة. (ذرة) بفتح المعجمة وتشديد الراء: أصغر النمل، أو الهباء، الذي يظهر في عين الشمس كرءوس الإبر، أو الساقط من الكفِّ بعد وضعها في التراب ونفضها، وقدَّم الشعيرَ على البُرَّةِ؛ لكونها أكبرَ جرمًا منها، وأخَّر الذرةَ لصغرِها، فهو من باب الترقي في الحكم، وإن كان من باب التنزل في الصورة. وفي الحديثِ: الدلالةُ على زيادة الإيمان ونقصانه، ودخول طائفة من عصاة الموحدين النار، وأن الكبيرة لا يكفر مرتكبها ولا يخلد في النار، وفي نسخة: بدل (ذَرَّة) "ذُرَةٌ" بضم المعجمة وتخفيف
الراء. (قال أبو عبد الله) هو البخاريُّ، وهذا ساقط من نسخة. (قال أبان) في نسخةٍ: "وقال أبان" وهو بفتح الهمزة، وتخفيف الموحدة، بالصرف على أن الهمزة أصلية، فوزنه: فَعَال، وبالمنع على أنها زائدة، فوزنه: أفعل، وأبوه: يزيد العطار البصريُّ، وهذا من تعليقات البخاريّ، نبه به على تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس؛ لأن قتادة مدلس لا يحتج بعنعنته، إلا إذا ثبت سماعه للذي عنعن فيه، وعلي تفسير المتن بقوله: (من إيمان) بدل قوله: (من خير). 45 - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3] قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ» [4407، 4606، 7268 - مسلم: 3017 - فتح: 1/ 105] (الحسن بن الصَّبَّاح) في نسخةٍ: "الحسن بن البزار" بزايٍ ثم راءٍ، وجدُّ الحسن: محمد الواسطيّ. (جعفر بن عون) أي: ابن جعفر المخزوميَّ. (أبو العميس) بالتصغير: الهذليُّ. (قيس بن مسلم) كنيته: أبو عمرو الكوفي [العابد] (¬1). (عن طارق بن شهاب) كنيته: أبو عبد الله بن شهاب بن عبد شمس البجيليُّ الصحابيُّ. (أنَّ رجلًا) هو كعب الأحبار قبل أن يسلم. (آية) مبتدأ سوغ ¬
34 - باب: الزكاة من الإسلام
الابتداء به وصفُه ما بعده، أو بالتعظيم المستفاد من التنوين: أي: آية عظيمة، والخبر: (لو علينا) أي: لو نزلت علينا، أو محذوف مقدم على المبتدأ؛ أي: في كتابكم آية، وعليه: (لو علينا) صفة ثالثة لـ (آية). (معشر اليهود) بالنصب على الاختصاص، بأعني، أو نحوه، والمعشر: الجماعة شأنهم واحد. (لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا) أي: لعظمناه وجعلناه عيدًا لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من كمال الدين. (أي آيةٍ) أي: هي، فالخبر محذوف، ولم يقل: ما تلك الآية؟ لأن السؤال بأي عن تعيين المشارك، والمطلوب تعيين تلك الآية، وما: يسأل بها عن الحقيقة وليس مرادةً هنا. (قال) أي: الرجل {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] أي: بالنصر والإظهار على الأديان، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوقيف على أصول الشرائع. {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] أي: بالهداية، والتوفيق، أو بإكمال الدين، أو بفتح مكّة، وهدم منار الجاهلية. (قال عمر) في نسخةٍ: "فقال" (نزلت فيه) في نسخةٍ: "أنزلتْ فيه". (على النَّبيِّ) في نسخةٍ: "على رسول الله". (بعرفة) بمنع الصرف للعلمية والتأنيث. (يوم جمعة) في نسخةٍ: "يوم الجمعة". 34 - بَابٌ: الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلاَمِ وَقَوْلُهُ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ} [البينة: 5] (باب: الزكاة من الإسلام) في باب: ما مرَّ في نظائره (وقوله) بالجرّ والرفعِ، وفي نسخةٍ: "وقوله - عزَّ وجلَّ - "وفي أخرى: "وقوله سبحانه"، وكل ذلك ساقط من نسخة. (ويقيموا) إلخ عطف على (يعبدوا) من
عطف الخاصِّ على العام. (القيمة) أي: المستقيمة. وفي نسخةٍ: "وقوله تعالى". {وَمَا أُمِرُوا} [البينة: 5] الآية. 46 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَويُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إلا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَصِيَامُ رَمَضَانَ". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إلا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إلا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ". [1891، 2678، 6956 - مسلم: 11 - فتح: 6/ 101] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس الأصبحي. (قال: حدثني) في نسخةٍ: "قال: حدثنا". (أبي سهيل) اسمه: نافع المدني. (عن أبيه) هو مالك بن أبي عامرٍ. (طلحة بن عبيد الله) أي: ابن عثمان القرشي. (جاء رجلٌ) هو ضِمَام بن ثعلبة، أو غيره. (من أهل نجد) هو بفتح النون وسكون الجيم: ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق. (ثائرا الرأس) بالمثلثة أي: متفرق شعر رأسه؛ من عدم الرفاهية وهو بالرفع: صفة لرجل، أو بالنصب: حال ولا تضرُّ إضافته؛ لأنها لفظيةٌ، وإسناده للرأس لإطلاقه على الشعر؛ لأنه أصله، كإطلاق السماءِ على المطر، أو للمبالغة بجعل الرأس كأنها المتفرقة، أو على حذف مضاف؛ أي: شعر الرأس. (نسمع) بفتح نونه، ونون (نفقه) ويروى: بضم التحتية فيهما بالبناءِ للمفعول. (دويُّ صوته) بفتح الدال، وكسر الواو، وشدة الياء،
وحكي: ضم الدال وهو بعد الصوت في الهواء وعلوه أي: شديد، لا يفهم منه شيءٌ، كدويِّ النحل. (حتى دنا) أي: لم نفقه قوله إلى أن قَرُبَ منا، ففقهناه أي: فهمناه. (عن الإسلام) أي: عن فرائضه بعد التوحيد وتصديق النَّبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -، ولذلك لم يذكر له الشهادتين؛ لعلمه - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يسأل عنهما، ويحتمل: أنه ذكرهما ولم يسمع طلحة، أو لم يقل ذلك لشهرته. (إلا أن تطَّوع) بتشديد الطاء والواو، وأصله: تتطوع بتاءين فأدغمت إحداهما بعد قلبها طاءً في الطاءِ، ويجوز تخفيف الطاء على حذفِ إحدى التاءين. والاستثناء منقطع أي: لكن التطوع خير لك، ولا يجب إتمامه بالشروع فيه، صومًا كان، أو غيره، أمَّا الصوم: فلخبر النَّسائيّ وغيره: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان أحيانًا ينوي صوم التطوع ثم يفطر، وأما غيره فبالقياس عليه، وقال بعض العلماء: إنه متصل، فيجب عنده إتمام التطوع بالشروع فيه لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وبالقياس على الحجّ، ويجاب عنه: بأن النهيَ في الآية للتنزيه بقرينة الحديث السابق، والقياس على الحجّ مردودة لامتيازه عن غيره بوجوب المضيّ في فاسده فكيف في صحيحه؟ (قال رسول الله) في نسخة: "فقال رسول الله". (وصيام رمضان) بالرفع عطف على (خمس صلوات) وفي نسخةٍ: "وصوم رمضان". (قال) أي: طلحة. (وذكر له رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم - الزكاة) هذا مقول طلحة، وكان نَسِيَ ما نصَّ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أو التبس عليه فقال ذلك، وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ مشروطة، فإذا التبس عليه يشير في لفظه، إلى ما ينبيءُ عنه، كما فعل الرواي هنا. (أفلح) أي: فازَ وظفَر، وفلاحُه راجعٌ إلى عدمِ النقصِ، مطلقًا،
35 - باب: اتباع الجنائز من الإيمان
وإلى عدمِ الزيادةِ التي لمْ تُشرع، وإنَّما لم يذكر الحجَّ؛ لأنَّه لم يكن فُرِضَ، أو أن الرجل سأل عنْ حالهِ وهو ممن لا يجبُ عليه الحجُّ، أو أنَّ الرواةَ تفاوتوا حفظًا، إذ بعضهم لم يذكر الصومَ، [وبعضهم الزكاة] (¬1) وبعضُهم ذكر صلةَ الرحم، وبعضُهم أداءَ الخمسِ، وبالجملةِ فالزيادةُ يُعْمل بها، إلا إِن تغير إعراب الباقي فيقعُ التعارض، كما هو مقررٌ في محلّه. وفي الحديث: أنَّ السفرَ لطلبِ العلمِ مطلوبٌ، وجوازُ الحلفِ من غير استحلافٍ، ولا ضرورةَ، وأنَّه لا يجبُ صومُ غيرِ رمضانَ، وأنَه لا يجبُ في المال غيرُ الزكاةِ. 35 - بَابٌ: اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ (باب: اتباع الجنائز من الإيمان) في باب: ما مرَّ في نظائرهِ، واتباع: بتشديد التاءِ، والجنائز: جمعُ جنازةِ بفتحِ الجيمِ، وكسرها: الميتُ، وقيل بالفتحِ: للميت، وبالكسر: للنعشِ وعليه الميت. 47 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ" تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ. [1323، 1324، 1325 - مسلم: 945 - فتح: 1/ 108] ¬
(أحمد بن عبد الله بن عليّ المنجوفي) نسبة إلى جَدِّ أبيه منجوف: بفتح الميم، وسكون النونِ، وضمِّ الجيم، وفي آخرهِ فاءٌ، ومعناه: الموسع. (عَوْفٌ) هو ابن أبي جميله بندويه: بفتح الموحدة، وبالنون الساكنة، والدال المهملة المضمومة العبديُّ. (الحسن) أي: البصريُّ. (ومحمد) أي: ابن سيرين. (من اتبع) بتشديد التاء، وفي نسخةٍ: "من تبع"، والمرادُ من اتباعِ الجنازةِ: المشيُ أمامِها للاتَّباعِ؛ ولأن مشيعَها شفيعٌ والشفيعُ: إنَّما يكونُ أمامَ المشفوع له، وقيل: المراد باتباعِهَا: المشيُ وراءِها، وقيلَ: الأمرانِ سواءُ. (معه) أي: مع المسلمِ، وفي نسخةٍ: "معها" أي: مع الجنازةِ. (حتَّى يُصَلَّى عليها، ويفرغ من دفنها) ببنائهِما للفاعلِ، ويجوز بناؤهما للمفعول. (فإنّه يرجع من الإجر بقيراطين ... إلخ) أفاد الحديثُ: أنَّ حصولَ القيراطينِ للتابع مقيدٌ بأن يصلِّي هو عليها، ويتبعها إلى أن يفرغَ من دفنِها، فهو مقيدٌ لبعضِ الأحاديث المطلقةِ، والحاصلُ: أن الصلاةَ يحصل بها قيراطٌ إذا انفردتْ، وبها مع الاتباعِ إلى تمام الدفنِ قيراطان. وأما خبرُ: "من صلَّى على جنازة فله قيراطُ، ومن تبعها حتَّى تُدفنُ فله قيراطانِ" (¬1) فمعناه: فله تمامُ قيراطيِن بالمجموعِ، لكن قد يُقال: يُعارضُ ذلك خبرُ الطبرانيِّ أي: "من تبع جنازةَ حتَّى يقضى دفنها كتب له ثلاثةُ قراريطَ" (¬2) وخبُر السنن الصَّحاحِ المأثورة: "من أوذن بجنازة ¬
فأتى أهلَها فعزَّاهم كتبَ الله له قيراطًا، فإن تبعَها كتب الله له قيراطين فإن صَلَّى عليها كتب الله له ثلاثةَ قراريطَ، فإن شَهِدَ دفنَها كتب الله له أربعةَ قراريطَ" (¬1)، ويجُاب بأنَّ خبَر صحيحِ البخاريِّ لا يقاومه غيره، فعلم أنَّ القيراطين لا يحصلان لمن صلَّى ولم يتبع، ولا لمن صلَّى وذهب إلى القبر وجلس حتَّى جاءت، [وحضر الدفن، أو حضر الدفن] (¬2) ولا لمن حضر الدفن ولم يصلِّ، أو تبعها [ولم يصل] (¬3). والقيراط لغة: نصف دانق، وأصله: قرَّاط، بتشديد الرَّاءِ، بدليلِ جمعهِ على قراريط، فأبدل من أحد حرفيِّ تضعيفه ياءً، كما في دينار، والمراد من القيراطِ هنا: الحصة من جنسِ الأجرِ، فلفظ: القيراطين مبهم، من جهتي الجنس والمقدار، فبين الأولى بقوله: من الأجر، والثانية بقوله: مثل أحد. و (أُحُد) بضمتين، جبل بالمدينة، سُمِّيَ به؛ لتوحُّدِهِ وانقطاعه عن جبالٍ أخرى (¬4)، وقد بسطت الكلام على الحديث بعض البسط في "شرط الأعلام". (تابعه) في نسخةٍ: "قال أبو عبد الله: تابعه" أي: تابع روحًا. (عثمان) هو ابن الهيثم. (المؤذن) أي: بجامع البصرة. (نحوه) بالنصب أي: بمعنى ما مرَّ لا بلفظه. وفي الحديث: الحثُّ على صلاةِ الجنازةِ واتباعها وحضورِ دفنِها والاجتماعِ لها. ¬
36 - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر
36 - بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا» وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: " أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: " مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلاَ أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]. [فتح: 1/ 109] (باب: خوفُ المؤمنِ منْ أَنْ يحبطَ عملُه) لفظُ: (من) ساقطٌ منْ نسخةٍ، و (يحبطُ عملهُ) بفتحِ الموحدةِ بالبناءِ للفاعلِ، والمرادُ: إحباطُ ثوابِ عملهِ بكفرٍ لا بمطلقِ المعصيةِ، إذ ذاكَ قولُ المعتزلةِ. (وهوَ لا يشعرُ) حال. (إبراهيمُ) هو ابن يزيد بنِ شريكِ التَّيميُّ أي: تَيْمُ الرباب بفتح الرَّاءِ. (مكذبًا) بكسر المعجمة أي: مكذبًا لعملي بقولي الذي أعظ به، وبفتحها [أي] (¬1): يكذبني من رأى عملي مخالفًا لقولي، أو ما قاله إبراهيم مع ما بعدَهُ تعليق من البخاريِّ. (ابن أبي مليكة) اسمه: عبدُ الله ابن عبيدِ الله بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة بالتصغير: زهير. (من أصحاب النَّبيِّ) في نسخةٍ: "من أصحابِ رسول الله". (يخافُ) أي: يخشى. (النفاق) أي: في ¬
الأعمالِ، إذ قد يعرضُ للمؤمن في عملهِ ما يشعر به مما يخالفُ الإخلاصَ، ولا يلزمُ منْ خوفِ المذكورينَ ذلك وقوعه منهم - رضي الله عنهم -، وإنَّما خافوُا على سبيل المبالغةِ في الورعِ والتقوى، أو خافُوه لما رأوا من تغيير النَّاسِ بما يعهدُوه، مع عجزهِم عنْ إنكاره، فخافوُا أن يكونوا داهنوا بالسكوتِ. (ما منهم من أحدٍ يقولُ: إنه على إيمانِ جبريلَ وميكائيلَ) أي: لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عروض ما يخالف الإخلاص، كما يجزم بذلك في إيمان جبريل وميكائيل؛ لإنهما معصومانِ. (ويُذكر) بالبناء للمفعول، وإنما لم يذكره بصيغة الجزم، كالذين من قبله؛ لأنه لم يثبت عنده ثبوتهما. (عن الحسن) أي: البصريِّ، وفي نسخة: زيادة "أنه قال". (ما خافه) في نسخة: "وما خافه" وضمير خافه وأمنه؛ للنفاق، وقيل لله تعالى. (ما يحذر) بالبناء للمفعول؛ عطفٌ على خوف، في الترجمة قال البرماوي: ويحتمل عطف على ما يقول ببنائه للفاعل، و (ما) على الثاني: نافية، وعلي الأوَّلِ: مصدرية، وما بين المتعاطفين فيه اعتراض وفصل به بينهما لتعلقهِ بأوَّلهما فقط. (على التقاتل) وفي نسخةٍ: "على النفاق". (لقول الله تعالى) في نسخةٍ: "لقولِ الله - عزَّ وجلَّ - "وفي أخرى: "لقوله -عزَّ وجلَّ -". (وهم يعلمون) حال من فاعل يصرُّوا أي: لم يصرُّوا على قبيح فعلهم عالمين به. 48 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" [6044، 7076 - مسلم 64 - فتح: 1/ 110] (محمد بن عرعرة) بعينين وراءين مهملاتٍ؛ أي: ابن البرند
البصريُّ، والبرند: بكسرِ الموحدةِ والراءِ، وحُكِيَ فتحهما. (زبيد) بالتصغيرِ: ابن الحارثِ بنِ عبدِ الكريمِ الياميِّ. (أبا وائل) بالهمز بعد الألفِ، اسمهُ: شقيق بن سلمةَ الأسديَّ، أسد خزيمةَ. (عن المرجئةِ) نسبة إلى الإرجاءِ: وهو التأخير؛ لأنهم أخَّروا الأعمال على الإيمان، حيثُ زعموا أنَّ مرتكبَ الكبيرةِ غيرُ فاسقٍ، والمعنى: سألتُ أبا وائل عن قول المرجئةِ: إنَّ مرتكبَ الكبيرةِ غيرُ فاسقٍ، أهم مُصِيبُونَ فيه أَم مُخطِئُونَ؟ (عبد الله) هوَ ابن مسعودٍ. (سباب) بكسر السين، مصدر يحتمل أن يكونَ على بابهِ من المفاعلة أن يكونَ بمعتركه: السبِّ أي: الشتم: وهو التكلُّمُ في عرضِ الإنسانِ بما يعيبهُ. (فسوق) أي: خروج عن الطاعة. (وقتاله) يحتمل: أن يكون على بابهِ من المفاعلة، وأن يكونَ بمعنى: القتل. (كفر) لا بمعنى الخروج عن الملَّةِ، أو بمعناه، لكنه قاتل المسلم، أو قتله مستحلًّا لذلك، أو المرادُ: الكفرُ اللغويُّ، وهو الستر؛ لأنه بقتاله له ستَر مالَه عليهِ من حقّ الإعانةِ وكفِّ الأذى، أو عبَّر به مبالغة في التحذير عن ذلك؛ لأنه أغلظُ منَ السبِّ، وإنِ اشترك في الفسق، ولهذا عبَّر فيهِ بالكفرِ وفي السبابِ بالفسوقِ. وفي الحديث: تعظيمُ حقِّ المسلم، والحكمُ على من سبَّهُ بالفسقِ. 49 - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: "إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ" [2023، 6049 - فتح: 1/ 131] (حدَّثنا قتيبة بن سعيد) في نسخةٍ: "هو ابن سعيد". (حميد)
بالتصغير، كنيتهُ: أبو عبيدةَ بنُ أبي حُمَيْدٍ. تير بكسر الفوقية، وسكون التحتية، ومعناه بالعربية: السهم. (عن أنسِ) في نسخةٍ: "عن أنس بن مالكٍ" وفي أخرى: ["حدَّثنا أنس" وفي أخرى] (¬1): "حدثني أنس". (خرج) أي: من الحجرة. (يخبر) استئنافٌ، أو حالٌ مقدرةٌ؛ لأن الإخبارَ منَ الخروجِ. (بليلة القدر) أي: بتعيينها. (فتلاحى) أي: تنازع. (رجلانِ) هما: عبد الله بن أبي حدرد، وكعب بن مالك، كان له على عبد الله دين فطالبه فتنازعا وارتفع صوتهما في المسجد، وقيل: إن البخاريَّ أوردَ هذا الحديثَ في الباب؛ تنبيهًا على أنَّ التلاحي غير المشاغبة؛ لأنَّ التلاحِي: محاورة فليس بفسوقٍ. (لأخبركم بليلةِ القدر) المفعول الأول لأخبر: الضمير، والثاني والثالث سدَّ مسدَّهما قوله: (بليلة القدر) أي: أخبركم بأن ليلة القدرِ هيَ ليلة كذا. (وإنَّه) بكسر الهمزة، عطف على إنِّي. (فَرُفِعَتْ) أي: رفع بيانُها، أو علْمُها من قلبي، بمعنى: أنِّي نسيتها. (وَعَسَى أن يكونَ) أي: رفعها. (خيرًا لكم) فتزيدوا في الاجتهاد في طلبها؛ ليكثر ثوابكم، ولو كانت معينةً لاقتصرتم عليها فقلَّ عملكم. وإنما أمر بطلبها مع أن علمها رفع؛ لأن المرادَ: طلبُ التعبد في مظانِّها، وربما يقع العمل مصادفًا لها، إلا أنه مأمور بطلب العلم بعينها. (التمسوها) أي: اطلبوها، فيه: إشارة إلى أنَّ المرادَ برفعها: رفع علمها، لا رفع وجودِها، وإلا لما أمرهم بطلبها، وفي نسخة: "فالتمسوها". (في السبع والتسعِ والخمسِ) أي: في لياليها بعد العشرين ¬
37 - باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة
من رمضان بقرينة بقيةِ الروايات، وفي نسخةٍ: تقديمُ "التسعِ" على (السبعِ). وفي الحديث: ذمُّ الملاحاةِ والخصومةِ، وأنهما سببا العقوبة العامة بذنب الخاصة، والحثُّ على طلب ليلةِ القدر، ووجهُ مناسبةِ الحديثِ للترجمةِ: ذمُّ التلاحي الذي قد يؤدي صاحبه إلى بطلانِ عمله خصوصًا إذا كان في المسجدِ، وبحضرتِه - صلى الله عليه وسلم -. 37 - بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: "جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ" فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85] (باب: سؤال جبريل للنبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم - عنِ الإيمان ... إلى آخرهِ) بإضافةِ باب. (وعلم الساعةِ) عطف على الإيمانِ والمراد بالساعة: القيامة، سميت بذلك؛ لوقوعها بغتةً؛ أو لسرعة حسابها، والتقدير: وعلم وقتِ الساعةِ، كما يشير إليه قوله بعد: مَتى الساعةُ؛ لأن متى إنما يسأل بها عن الزمان. (وبيان) عطف على سؤالٍ (لهُ)؛ أي: لكل من الأسئلةِ المذكورة، والمراد: ببيانه عفيم لها، تفسيرها كما في الأسئلة الثلاثة الأُوَل، أو حكمًا كما في رابعها؛ لأنه لم يبيِّن وقتَ الساعةِ وإنما بيَّنَ حكمها في قولهِ بعد: (لا يعلمهنَّ إلا الله). (ثم قال) عطف علّى سؤال جبريل النبيَّ، وغير فيه الأسلوب؛ حيثُ عطفَ الجملة الفعليةَ على
الاسم؛ لتغيُّرِ المقصودِ إذ المقصودُ منَ الأوَّلِ: الترجمةُ، ومن الثاني: كيفيةُ الاستدلالِ. (فجعل ذلك كله دينًا) يدخلُ فيهِ اعتقادُ وجودِ الساعةِ، وعدمُ العلمِ بوقتها لغيرِ الله تعالى؛ لأنَّهما منَ الدينِ. (وما بين) الواو فيه وفي قوله: (وقوله تعالى) بمعنى: مع، ويحتمل على بعد عطفهما على سؤال فيكونان من جملة الترجمة وعلي الأوَّلِ فالمعنى: فجعل ذلك كله دينًا مع ما بينَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم. (لوفدِ عبدِ القيسِ) ومعَ ما دلَّ عليهِ قولهُ تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]. (من الإسلام) هو الدين. (لوفد) الوفد: الجماعة المختارة من القوم ليتقدَّموهم للقاء العظماءِ، وأحدهم وافد. (عبد القيس) قبيلةٌ عظيمةٌ من العربِ. 50 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: "الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ". قَالَ: مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: "الإِسْلامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ". قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلا اللَّهُ " ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] الآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: "رُدُّوهُ" فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ [4777 - مسلم 9، 10 - فتح: 1/ 114]
(إسماعيل بن إبراهيم) أي: ابن سهم. (أبو حيَّان) بفتح المهملةِ وتشديد التحتيةِ اسمه: يحيى بن سعيد بن حيَّان التيميُّ؛ نسبة إلى تيمِ الربابِ. (أبي زرعةَ) تقدَّم في باب: الجهادِ من الإيمان (¬1). (بارزًا) أي: ظاهرًا. (للناس). (فأتاه) رجلٌ أي: (جبريل) في صورة رجلٍ، وفي نسخةٍ: "فأتاه جبريل". (أن تؤمن بالله) أي: تصدق بوجوده وصفاته، والسؤال وقع بما، ولا يسأل بها إلا عن الماهية، لكن الظاهر: أنه - صَلَّى الله عليه وسلم - علمَ أنَّ الرجلَ مسألة عن متعلقاتِ الإيمان لا عن حقيقته، وإلا فكان الجوابُ: الإيمانَ التصديقَ، وإنما عرَّف الإيمانَ بذلك؛ لأنَّ المرادَ من المعرَّفِ: الإيمانُ الشرعيُّ، ومن التعريف اللغويِّ حتَّى لا يلزم تعريفُ الشيء بنفسه، وإنما قالَ جبريلُ - عليه السلام - في جوابهِ: صدقتَ، مع أنه لا يقال في جوابِ التعريف؛ لأنَّه لم يقصدْ محض التعريفِ، بل قَصَدَ معهُ الحكم على الإيمان بأنه التصديق بما ذكر؛ ليكونَ فيه معَنى الخبرِ فصحَّ الجوابُ بصدقتَ، أو قصدَ بصدقتَ: التسليمَ والتعريفَ يقبلُه ولا يقبلُ المنعَ؛ لأن المنع: طلبُ الدليل، والدليلُ إنما يتوجه للخبرِ لا للتعريفِ. (وملائكتهُ) جمع ملكٍ، وأصلهُ: ملاكٌ مفعل من الألوكة: بمعنى الرسالةِ، زيدتْ فيه التاءُ، لتأكيدِ مَعْنى الجمعِ، أو لتأنيثِ الجمع، وهمْ: أجسامٌ علويةٌ نورانيةٌ مشكلةٌ مما شاءتْ من الأَشكالِ. والإيمانُ بهم والتصديقُ بوجودهمِ، وبأنهم كما وصفهم الله تعالى: {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26]. (وبلقائِه) أي: بالانتقالِ إلى دار المقر، أو بما يكون بعد البعث عند ¬
الحساب، أو برؤية الله في الآخرةِ. (وبرسلهِ) في نسخةٍ: "ورسله" وفي أخرى: زيادة "وكتبه". (وتؤمن بالبعثِ) أي: من القبورِ، وقيل: المرادُ: بعثةُ الأنبياء، وإنما أعادَ فيهِ تؤمنُ دونَ الثلاثةِ قيلَ: اعتناءَ بشأنهِ. (أن تعبد الله) أي: تطيعه بتذلُّلِ وخضوع وتنطق بالشهادتين (ولا تشركَ به) في نسخةٍ: زيادة "شيئًا". (وتقيمَ الصلاة) أي: "المكتوبة" كما صرَّح به مسلمٌ (¬1). (وتؤديَ الزكاةَ المفروضةَ) خرجَ بالمفروضةِ صدقةَ التطوعِ، فإنها زكاةٌ لغويةٌ، أو المعجَّلة؛ نظرًا لحالِ التعجيلِ، وقيل: ذكرُ المفروضة تأكيدٌ. (وتصوم رمضان) لم يذكر معَ المذكورات الحجَّ؛ إما نسيانًا من الراوي، أو لأنَّه لم يكن فُرِضَ، والأوجهُ: الأوَّلُ، لمجيئه في روايةٍ بلفظ: "وتحجَّ البيت إن أستطعت إليه سبيلًا" (¬2) [وفي رواية ذكر فيها الحج، والاعتمار، والغسل من الجنابة، وإتمام الوضوء، ولأن] (¬3). في رواية ابن منده بسندٍ عَلى شرطِ مسلمٍ: أنَّ الرجلَ جاءَ في آخر عمرِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مع أنَّه لم يذكر الصومَ في روايتهِ، واقتصر في أخرى: عَلى الصلاة والزكاة، وفي أخرى: عَلى الشهادتين، وقد وقع هنا التفريق بين الإيمان والإسلام، فجعلَ الإيمانَ عملَ القلبِ والإسلامَ عملَ الجوارحِ، وفيه: تجوزُ، بلْ هما معًا عبارةٌ عنِ الإيمان والإسلام الكاملين والإيمانُ الحقيقيُّ: هو التصديق بما جاءَ بهِ النَّبيُّ - صَلَّى الله عليه وسلم - بشرطِ ¬
النطقِ بالشهادتينِ، والإسلام حقيقة: عكسُ ذلك كما مرَّ بيانه. (ما الإحسانُ) مبتدأ وخبر، والإحسانُ: الإنعامُ على الغيرِ، أو الإخلاصُ، إذ فيهِ إحسان لنفسه، بعدمِ المرايأةِ. (كأنَّكَ تراه) حال من فاعل تعبد؛ أي: تعبد الله مشبهًا نفسك بمن يراه. (فإنّه يراك) ليس جوابًا للشرطِ؛ لأنَّه ليسَ مسببًا عنه، بل الجوابُ مقدرٌ أي: فإن لم تكن تراه فاعبده، أو فلا تغفلْ فإنَهُ يراكَ. وهذا من جوامعِ كلمهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّهُ شامل لمقامِ المشاهدةِ ومقامِ المراقبة، إذ للعبد في عبادته ثلاث مقامات، وكل منها إحسان، الأول: أن يفعلها على الوجه الذي يسقطها [عنه] (¬1) بأن يفعلها مستوفيًا للشرائط والأركان، الثاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المكاشفة حتَّى كأنّه يرى الله تعالى، وهذا مقامهُ - صلى الله عليه وسلم -، الثالث: أن يفعلها وقد غلبَ عليه أن الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المراقبة. فقوله: (فإن لم تكن تراه) نزولٌ عن مقام المكاشفةِ، إلى مقام المراقبة أي: إن لم تعبُده وأنتَ منْ أهلِ الرُّؤيةِ المعنوية، فاعبده بحيث إنَّه يراك، وإنَّما أخَّر السؤال عن الإحسان؛ لأنَّه صفةُ الفعلِ، أو شرط في صحتهِ، والصفة بعد الموصوفِ، وبيان الشرطِ متأخَّر عن بيانِ المشروط. (ما المسئولُ عنها) لفظُ: (عنها) ساقطٌ منْ نسخةٍ. (بِأعْلَمَ) الباءُ زائدةٌ لتأكيدِ مَعْنَى النفي، والمرادُ: نفيُ عِلْم وقتها، إذ وجودها مقطوع به، وهذا وإن أشعر بالتساوي في العلم بوقتها فليس مرادًا، دائمًا المرادُ: التساوي في نَفْي العلمِ بهِ، وليس السؤال عنها ¬
ليعلمها الحاضرون، كالأسئلةِ السابقةِ، بل لينزجروا عن السؤال عنها، كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ} [الأحزاب: 63] فلمَّا وقع الجوابُ عنها، بأنه لا يعلمها إلا الله كفوا. (أشراطها) جمعُ شرط، بالتحريك أي: علاماتها السابقة عليها، أو مقدماتها لا المقارنة لا المضايقة لها، كطلوعِ الشمس من مغربها، وخروج الدابة (إذا ولدت الأمةُ ربَّها) أي: مالكها وسيدها، وعبَّر في كتاب: التفسير بربتها بتاء التأنيث، علَى معنى التسمية ليشمل الذكر والأنثى، وقيل: كراهية أن يقول: ربها؛ تعظيمًا للفظ الربِّ، وكُنِّي بذلك عن كثرةِ أولادِ السراري، حتَّى تصير الأمُّ كأنها أمةً لابنها من حيث إنها ملكٌ لأبيه، أو لأنَّ الإماءَ يلدنَ الملوكَ فتصير الأمُّ منْ جملةِ الرعايا، والملك سيِّد رعيتهِ، وأنَّ الحالَ يفسدُ بكثرةِ بيعِ أمهاتِ الأولادِ، فيتداولهُنَّ المَّلاك، فيشتري الولدُ أمه وهو لا يشعر. وإطلاق الربِّ هنا على غير الله لا ينافي خبر: "لا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي ومولاي" (¬1) لأنَّ هذا من باب التشديد والمبالغة، أو النَّبيُّ مخصوصٌ به. (إذا تطاول) أي: تفاخر أهلُ الباديةِ في البنيان. (رعاة الإبل) بضمِّ الرَّاء: جمع راعٍ، كقضاةٍ وقاضٍ، وفي نسخةٍ: "رعاءُ الإبلِ" بكسر الراء: جمع راعٍ أيضًا، كتجارٍ وتاجرٍ. (البهمٍ) بضمِّ الموحَّدةِ: جمعٍ أبهم، وهو الأسود، وروي بجرِّ الميمِ؛ صفة للإبلِ، وبرفعها؛ صفة ¬
للرعاةِ أي: الرعاة المبهمون الذين لا يعرفون، فهو جمع بهيم، ومنه أبهم الأمر. (في خمسٍ) أي: وعلم وقت الساعة داخلٌ في جملة خمس، قيل: والحصرُ فيها لكونها المسئول عنها، وإلا فالأمور التي لا يعلمها إلا الله لا حصر لها، أو يقال: إن غير الخمس عائدٌ إليها، وهذا إنما يأتي لو حُصِرَ علمُه فيها، بأن يقول: لا يعلم إلَّا إياها، وليس كذلك، بل الحصر إنما هو لا يعلمهن إلا الله، كما أفاده الحديث بهذا اللفظ، والآية: بتقديم عنده عليهن. (الآية) بالنصبِ: بمقدر كأعني، أو أقرأ، وبالرفع: مبتدأ خبره محذوف أي: الآية مقروءة أو عكسه أي: المقروء الآية، وبالجرِّ أي: إلى الآية أي: مقطعها. (ثم أدبر) أي: الرجل السائل. (فلم يروا شيئًا) مبالغة؛ حيث لم يقل لم يروه، أو لم يروا أحدًا أي: لم يروا عينه ولا أثره. (هذا جبريل) في نسخةٍ: "إن هذا جبريل" وفيه: أنَّ الملك يتمثل لغير النَّبيِّ، وأنَّ غيره يراه قائلًا سامعًا. (يُعَلِّمُ النَّاس) أسند التعليمُ إليهِ وإنْ كانَ سائلًا؛ لأنَّ سؤالَهُ مسبّبٌ في التعليمِ. (أبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (من الإيمان) أي الكامل، وفي الحديث: أن العالم إذا سُئَلَ عما لا يعلم يصرِّحُ بأنَّهُ لا يعلم، ولا ينقصُ ذلك من جلالتِه، بل يدلُّ عَلى ورعهِ وتقواه، وأنَّه يسألُ غيره ليعلم السَّامعون، وبيان عظم الإخلاص والمراقبة وغير ذلك.
38 - باب
38 - باب (باب) بلا ترجمة، بل هو ساقط من نسخةٍ، فالحديث هنا داخل في ترجمةِ البابِ قبله من جهة اشتراكهما في جعل الإيمان دينًا. 51 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، " أَنَّ هِرَقْلَ، قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ، حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ" [انظر: 7 - مسلم: 1773 - فتح: 1/ 125] (إبراهيم بن حمزة) أي: ابن محمد بن مصعب بن عبيد الله بن الزُّبير بن العوام القرشيُّ. (إبراهيم بن سعد) أي: إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. (أبو سفيان) في نسخة: زيادة "ابن حرب". (هل يزيدون؟) استعمل هنا (هل) بمعنى: الهمزة التي عبَّر بها في بابِ: بدء الوحي بقرينةِ تعبيرهِ هنا بِأمِ الدالة عَلى الاتصال بين ما بعدها وما بعد الهمزة، وإن كان الأصلُ في الهمزة طلب تعيين أحد الأمرين وفي (هل) طلب الوجود، على أن كلامَ الزمخشريّ في "المفصل" يدل على أنه إنما يشترط في تقدم أم مطلق الاستفهام. وقيل: هل هنا على أصلها، وأم منقطعة لا متصلة أي: بل ينقصون، ليكون إضرابًا عن سؤالِ الزيادةِ واستفهامًا عن النقصان. (الإيمان) أي: أمره. وقد مرَّ شرحُ الحديث بطوله، ومقصود البخاريِّ هنا: أنَّ هرقل لم يفرقْ بين الإيمان والدين، فسماه مرةً دينًا، وأخرى إيمانًا، وحذف الزائد على ذلك، ومثل ذلك يسمَّى خرمًا، واختلف فيه، فقيل: بالمنع
39 - باب فضل من استبرأ لدينه
مطلقًا، [وقيل: بالجواز مطلقًا] (¬1) والصحيح: جوازه من العالمِ إذا كانَ ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة، وقال الكرمانيُّ وغيره: والظاهر: أن وقوع ذلك هنا من الزهريِّ لا من البخاريِّ؛ لاختلافِ شيوخِ الإسنادين بالنسبة للبخاريّ. ولعلَّ شيخه ابن أبي حمزة لم يذكر في الاستدلال على أن الإيمان إلا هذا القدر، وإنما يقع الخرم لاختلاف المقامات والسياقات، ففيما مرَّ بيانُ كيفية الوحيِّ يقتضي ذكرَ الكلِّ، ومقامُ الاستدلالِ يقتضي الاختصار (¬2). 39 - بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ (باب: فضلُ من استبرأ لدينه) بالهمز أي: طلبُ البراءةِ لأجلِ دينهِ من الذمِّ الشرعي. 52 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الحَلالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلْبُ". [2051 - مسلم: 1599 - فتح: 1/ 126] (أبو نعيم) بضم النون، اسمه: الفضلُ بن دُكين بضم المهملةِ، ¬
وفتح الكاف. (زكريا) هو ابن أبي زائدة: خالدُ بن ميمونٍ الهمداني. (عن عامر) أي: الشعبي. (بيَّن) أي: ظاهرٌ بأدلته المعروفة. (مشبَّهات) بتشديد الموحَّدة المفتوحة، أو المكسورة أي: شُبهت بما لم يتبين حكمه على التعيين، أو شبهت أنفسها بالحلال [والحرام] (¬1) وفي نسخةٍ: "مشتبهات" بمثناة فوقية مفتوحة، وموحدة مكسورة أي: أكتسبت الشبهة من أمرين متعارضين. (لا يعلمها) أي: لا يعلم حكمها (كثير النَّاس) بل انفرد به العلماء، إمَّا بنصٍّ، أو قياسٍ، أو استصحاب، أو غيرها. فإذا تردد الشيءُ بين الحلِّ والحرمة، ولم يكن دليلٌ، اجتهد فيه المجتهد، وألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، فإن لم يظهر له شيءٌ فهل يؤخذ فيه بالحل أو الحرمة أو يوقف؟ ثلاثة مذاهب أوجهها: الأخير؛ إذ الخلاف في ذلك، كالخلاف في الأشياء قبل ورود الشرع فيها، والأصحُّ: عدم الحكم بشيءٍ؛ لأنَّ التكليف عند أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع. (فمن اتقى) أي: احتزر، أو أحذر. (المشبهات) بتشديد الموحدة المفتوحة، أو المكسورة، وفي نسخةٍ: بمثناة فوقية بعد شينٍ ساكنة، وفي أخرى: "الشبهات" بضم الشينِ والموحدة. (استبرأ) أي: حصلَ البراعة لدينهِ من الدَّمِ الشرعيِّ، وصان عرضَه عن كلامِه، وفي نسخةٍ: "قد استبرأ". (لدينهِ وعرضه) الأول: متعلق بالخالق، والثاني: بالمخلوقِ، وفي نسخةٍ: "لعرضه ودينهِ". (في الشبهات) أي: التي أشبهتِ الحرامَ من وجهٍ، والحلالَ من آخرٍ. (كراعٍ) في نسخةٍ: "كراعي" بالياء، وهي خبرُ (مَنْ) إنْ جُعلتْ موصولة، وجوابهُا: إنْ ¬
جُعلتْ شرطيةً [محذوف] (¬1). (الحِمَى) بكسر المهملة وفتح الميم: الموضعُ الذي حماهُ الإمامُ لأمرٍ، ومنع النَّاسَ منه فمن دخله عاقبه، ومن اجتنبه سلم. (يُوشك) بكسر الشينِ، وحُكي فتحُها. أي: يقربُ، وهو صفةٌ، أو استئنافٌ، أو خبرٌ (مَن)، أو جوابُها (يواقعه) أي: يقعُ فيها إذ من كثُر تعاطيهِ الشبهاتِ يصادفُ الحرامَ، وإنْ لم يتعمده فيأثمُ بذلك إذا قصر. (ألا) بالتخفيف: حرف تنبيه، يبتدأ بها، وتدل على صحة ما بعدها، وتكريرُها، كما هنا يدلُّ على تضخيم شأنِ مدخولها وعظمهِ، وذكرُ الواو في مدخولها ثابتٌ في الأربعة التي ذكرهَا وفي نسخةٍ: حذفُها من الثاني: إمَّا لكمالِ الانقطاعِ، والبُعدِ بين حِمى الملوكِ، وحِمى الله تعالى، أو لكمالِ الاتحاد بينهُما؛ لأنَّه لمَّا كان لكل ملكٍ حِمى كان لله تعالى حمى؛ لأنَّه ملكُ الملوكِ، والمناسبةُ بين الأولى والثانية: أن أصلَ الاتقاءِ، والوقوعِ: ما كان بالقلب؛ لأنَّه عمادُ الأمرِ، وملاكُه، والواوُ في الأربعةِ: معطوفةٌ على مقدرٍ أي: ألا إنَّ الأمرَ، كما مرَّ، و (إنَّ إلخ). (محارمه) أي: المعاصي التي حرَّمها، كالزنا، والسرقةِ، وفي ما ذُكر: التمثيلُ والتشبيه للشاهدِ بالغائبِ، وشبه المكلَّف بالراعي، ونفسه بالأنعام، والمشبهاتِ بما حول الحمى، والمحارمُ بالحمى، وتناول المشبهات بالرتع حول الحمى ووجهُ التشبيه: حصولُ العقابِ بعدم الاحتراز عن ذلك، فكما أنَّ الراعي إذا جرَّه رعيُه حول الحمى إلى وقوعهِ في الحمى استحقَّ العقاب بسببِ ذلك. كذلك من أكثر من الشبهات، وتعرَّض لمقدماتها وقع في الحرام، فاستحق العقاب بسبب ¬
ذلك، كما مرَّ. (مضغة) أي: قطعةٌ من اللحم؛ لأنَّها تُمضغ في الفم؛ لصغرها، والمرادُ: تصغيرُ القلبِ بالنسبة إلى ما في الجسدِ مع أنَّ صلاحَه وفساده به. (إذا صلُحت) بفتح اللام أفصحُ من ضمها، وإذا قد تُستعمل للشكِّ كأن كما هنا؛ إذ الصلاحُ غيرُ متحققٍ بقرنيةِ ذكرِ مقابله. (القلب) سمي به؛ لسرعةِ تقلُّبه، أو لأنَّه خالصُ البدن، وخالصُ كلِّ شيءٍ: قلبُه، وهو محلُّ العقلِ، كما قال به جمهورُ المتكلمين لقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] وخالف الحنفية والأطباءُ، فقالوا: إنَّه في الدِّماغِ، محتجين بأنَّه إذا فسد الدماغُ فسد العقلُ. ردَّ بأنَّه لا يلزم من فسادِ العقل بفسادِ الدماغ كونُه فيه، وغايتُهُ: أنَّ الله تعالى أجرى العادة بذلك، وقد أجمعَ العلماءُ على عظم موقع هذا الحديث، وإنه أحدُ الأحاديث الأربعةِ التي عليها مدارُ الإسلام المنظومة في قول بعضهم: عمدةُ الدين عندنا كلماتٌ ... مسنداتٌ من قولِ خير البريَّة اتَّقي الشبهات وازهد ودعْ ... ما ليس يعنيك واعملنَّ نيةً وتقدَّمَ هذا في أوائل الكتاب عنْ أبي داودَ (¬1)، لكنَّه أبدلَ حديثَ الزهدِ بحيث لا يكون المؤمنُ مؤمنًا حتَّى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه. فائدةٌ: قال حجةُ الإسلام الغزاليُّ: السلاطين في زماننا ظلمةٌ، قل ما يأخذون شيئًا على وجهه بحقه، فلا تحلُّ معاملتهم، ولا من يتعلقُ بهم حتَّى القضاة، ولا التجارة في الأسواق التي يعمرونها بغير حقٍّ. واستبراءُ الدينِ والورَع: اجتنابُ الربطِ، والمدارسِ، والقناطرِ التي أنشاؤها بالأموالِ التي لا يُعلم مالكُها. ¬
40 - باب: أداء الخمس من الإيمان
40 - بَابٌ: أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ (باب: أداء الخمس من الإيمان) في باب ما مرَّ في نظائره، و (الخمس) بضم المعجمة، والميم من خمست القوم، أخمسهم، بضم الميم إذا أخذت منهم خمس أموالهم، وأمَّا خمستهم أخمسهم بكسرها فمعناه: إذا كنت خامسهم، أو كفلتهم خمسة بنفسك. 53 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنِ القَوْمُ؟ - أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟ -" قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إلا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ" وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ"، وَرُبَّمَا قَالَ: "المُقَيَّرِ" وَقَالَ: "احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ" [87، 523، 1398، 3095، 3510، 4368، 4369، 6176، 7266، 7556 - مسلم: 17 - فتح: 1/ 129). (عليُّ بن الجعد) بفتح الجيم وسكون العين: ابن عبيد الجوهري. (عن أبي جمرة) بالجيم والراء واسمه: نصر بن عمران الضبعيُّ بضم المعجمة وفتح الموحدة. (كنت أقعد) أتى بالثاني مضارعًا لحكايةِ الحال الماضية؛
استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين. (مع ابن عبَّاس) أي: عنده في زمن [ولايته البصرة من قبل] (¬1) ولاية عليّ بن أبي طالبٍ. (يجلسني) حالٌ، وفي نسخة: "فيجلسني" أي: يرفعني على السرير بعد أن أقعد على غيره، ومن ثَمَّ عُطف على أقعد. (سريره) جمع له أسره وسُررٌ بضمتين، وحُكي فتحُ الرَّاءِ، سمي بذلك؛ لأنَّه مجلس السرور. (أقم عندي) أي: توطَّنْ لتساعدَني بالترجمة عند الأعجميِّ وله أو لتبلغ من لم يسمع. (سهمًا) أي: نصيبًا. (فأقمت معه) أي: عِنْدَه بمكة عبَّر بالمعية المشعرةِ بالمصاحبة؛ مبالغةً. (وفد عبد القيس) كانوا أربعة عشر راكبًا، كبيرهمُ: الأشج، وقيل: أربعين. (أو من الوفد) الشك من أحد الرواةِ. قال شيخُنا: وأظنُّه شعبةً (¬2). (قالوا: ربيعة) أي: ابن نزار بن معد بن عدنان، وإنمَّا قالوا: ربيعة لأنَّ عبد القيس من أولاده، وعبَّر عن البعض بالكلِّ؛ لأنهم بعض ربيعة بقرينة قوله في الصلاة: فقالوا: إنَّ هذا الحيَّ من ربيعة (¬3). (مرحبًا) نصب على المصدر بعامل محذوف وجوبًا أي: صادفت رحبًا؛ أي: سعة فاستأنس، ولا تستوحش. (غير) بالنصب حال من القوم. (أو الوفد) بالجر بدل منه، أو صفة له بجعل (ال) فيهم للجنس. (خزايا) بفتح المعجمة والزايِّ، جمعُ خزيان، كسكارى وسكران، والخزيان: المستحي، وقيل الذليل، وقيل: المفتضح، والمعنى: غير مستحيين لقدومكم بدون حرب يوجب استحياؤكم. (ندامى) جمع ندمان أي: منادم في اللهو، وقيل: جمع نادم، ¬
وكان قياسه نادمين، لكنه جمع على ندامى لمناسبة خزايا تحسينًا، كما في لا دريت ولا تليت، والقياس: ولا تلوت. (في هذا الشهر الحرام)، المراد: الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، أو العهد والمراد: شهر رجب، كما صرَّح به البيهقي (¬1)، وسمّي حرامًا لحرمة القتال فيه، وفي نسخةٍ: "إلا في شهر الحرام" من إضافة العام إلى الخاص، كخاتم فضة. (الحي) هو منزل القبيلة، ثم سميت به اتساعًا؛ لأنَّ بعضهم يحيى ببعض. (مضر) بضم الميم، وفتح المعجمة، غير منصرف للعملية والتأنيث هو ابن نزار بن معد بن عدنان. (بأمرٍ) واحد الأوامر وهو القول الطالب للفعل، أو واحد الأمور، وهو الشأن. (فصلٍ) أي: فاصل، كعدل بمعنى: عادل. أي: يفصل بين الحقِّ والباطل، أو مفصَّل أي: واضح يتضح به المراد. (نخبر) بالجزم، جوابًا للأمر، وبالرفع صفة لأمرٍ. (من وراءنا) أي: من قومنا، أو من البلاد البعيدة، أو الأزمنة المستقبلة، ويروى بكسر ميم من [جارة] (¬2) لـ (وائنا). (وندخل) فيه الوجهان في (نخبر) وروي بحذف الواو، وعليه يتعين الرفع على الاستئناف. (عن الأشربة) أي: عن ظروفها، أو عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة. (بأربع) أي: بخصال أربع. (أمرهم بالإيمان) تفسير لقوله: (فأمرهم بأربع) ومن ثمَّ حذف العاطف. (شهادة) بالجرّ بدل من الإيمان المجرور، وبالرفع خبر مبتدأ ¬
محذوف، وفيه: دليل على اتحاد الإيمان والإسلام عنده؛ لأنَّه فسَّر الإسلام فيما مرَّ بما فسَّر الإيمان هنا. (وأن تعطوا) أتى بالمصدر مؤولًا لا صريحًا؛ للإشعار بالتجدد، بخلاف بقية الأركان فإنها كانت ثابتة. (من المغنم) أي: من الغنيمة؛ لأنَّ خمسها يخمس وأربعة أخماسها للغانمين، واستشكل قوله: (أمرهم بأربع) مع [إنه] (¬1) ذكر خمسة، وأجيب: أنه لم يجعل الشهادة بالتوحيد وبالرسالة من الأربع لعلمهم بها دون البقية، وبأن قوله وأن تعطوا عطف على أربع، وتعقبه الكرمانيُّ بأنه ليس بصحيح؛ لأنَّ البخاريَّ عقد الباب على أنَّ أداء الخمس من الإيمان. فلا بد أن يكون داخلًا تحت أجزاء الإيمان؛ لاقتضاء أحرف العطف ذلك (¬2)، والأول أن يأتي على قراءة شهادة بالرفع لا بالجرِّ. (عن الحنتم) هو بفتح المهملة وسكون النون، وفتح الفوقية، الجرار الخضر، أو الجرار مطلقًا، أو جرار مقيرات الأجواف أي: مطلية بما يسد مسام الخزف. (والدباء) بضم الدال وتشديد الموحدة، القرع أي: وعاء اليقطين اليابس. (والنقير) بفتح النون وكسر القاف، جذع ينقر وسطه وينتبذ فيه. (المزفَّت) بتشديد الفاء ماطُلِيَ بالزفت. (وربما قال) أي: ابن عباس، (المقُيَّر) بدل (المزفت) والمراد بالجميع: الأوعية، والنهي عن الانتباذ فيها؛ لأنَّ الشراب فيها يسرع إليه التخمر فيصير مسكرًا من غير شعور به. ¬
41 - باب: ما جاء إن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى
وهذا كما قال النوويُّ: منسوخ بخبر: "كنت نهيتكم عن الانتباذ فيها؛ لأنَّ الشراب فيها إلا في الأسقية فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ ولا تشربوا مسكرًا" (¬1) خلافًا للإمامين مالك وأحمد. وفي الحديث: استعانة العالم في تفهم الحاضرين، والفهم عنهم، واستحباب قول مرحبًا للزوَّار، وندب العالم إلى إكرام الفاضل، والحث على تبليغ العلم، ووجوب تخميس الغنيمة. 41 - بَابٌ: مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، وَالوُضُوءُ، وَالصَّلاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84] عَلَى نِيَّتِهِ. "نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ" وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ". [1834] 54 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" [انظر: 1 - مسلم: 1907 - فتح: 1/ 135] (باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة) بفتح (أن) فاعل (جاء) ¬
أو على إضمار (من) أي: [من أن الأعمال، وبكسرها على إضمار القول] (¬1) أي: من قول النَّبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم - أن الأعمال وفي نسخةٍ: "أن العمل". (والحسبة) بكسر المهملة أي: الاحتساب، والإخلاص، وهو مع قوله: (ولكلِّ امرئٍ ما نوى) عطف على ما جاء. (فدخل فيه) أي: فيما ذكر، وفي نسخةٍ قبل هذا: "قال أبو عبد الله" أي: البخاريُّ (الإيمان) أي: على رأيه من أنَّه عملٌ كما مرَّ، أمَّا على رأيِ الجمهور من أنَّه: التصديقُ، فلا يحتاجُ إلى نيةِ، كسائرِ أعمالِ القلوبِ. (والأحكام) أي: من المعاملات، والمناكحات، والجراحات، إذ يُشترطُ فيها القصدُ، فلو تُرك كان سبق لسانه إليها لغت، وأمَّا تَرتُّبُ الضمانِ على العاقلةِ، أو على الجياني آخرًا في الخطأ، فمن قبيل ربطِ الأحكامِ بالأسبابِ، كما في ضمانِ إتلافِ الطَّفلِ في مالهِ، ودلوكِ الشَّمسِ، وغيرها من الأحكامِ الوضعية، ومع ذلك فليس ما ذُكر عامًّا؛ إذ بعضُ الأعمال لا حاجةَ فيه إلى نيةٍ، كما مرَّ بيانهُ أوَّلَ الكتابِ وقال الله تعالى: {قُلْ كُلٌّ} [الإسراء: 84] في نسخة: "وقال كلٌّ"، وفي أخرى: "قل كلٌّ". قال البرماويُّ والظاهرُ: أنَّ الجملةَ حالية لا معطوفةٌ على ما سبق. أي: إنَّ هذه الآية أيضًا تدل على أنَّ جميعَ الأعمال على حسبِ النية فهي مقوية لقوله: فدخلَ فيه كذا، وكذا (على نيته) تفسيرًا لشاكلته، بحذف أداةِ التفسير. "ونفقة الرجل" مبتدأ، وفي نسخة: "نفقة الرجل" بلا واو. (ويحتسبها) حالٌ. (صدقة) خبرُ المبتدأ، والجملةُ بحالها ¬
ساقطةٌ من نسخةٍ. (وقال) النَّبيُّ - صَلَّى الله عليه وسلم - (ولكن جهاد ونية) رواه في الحجِّ وغيرِهِ مسندًا بلفظِ: "لا هجرة بعد الفتحِ، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا أستنفرتُم فانفروا" (¬1). (أخبرنا) في نسخةٍ: "حدَّثنا" (الأعمال بالنية ... إلخ). تقدَّم الكلام عليه أوائل الكتاب. (لدنيا) في نسخة: "إلى دنيا". 55 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ". [4006، 5351 - مسلم: 1002 - فتح: 1/ 136] (عن أبي مسعود) اسمه: عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري. (أنفق) حذف مفعوله ليعمَّ القليل والكثير. (على أهله) أي: زوجته وولده، وإن كانت نفقتهما واجبة بشرطها. (يحتسبها) جالس من الفاعل، أو المحذوف. (فهو) أي: الإنفاق، وفي نسخةٍ: "فهي" أي: النفقةُ المفعولةُ. (صدقة) أي: كالصدقة في الثواب لا حقيقة، وإلَّا لحرمت على هاشمي ومُطَّلبي، والصارف له عن الحقيقة الإجماع، ولا يضرُّ في التشبيه كون هذا واجبًا، والصدقة غالبًا تطوع، وبه يجاب عن كون المشبه به دون المشبه، فكيف شبه الواجب بالتطوع؟ فيقال: في التشبيه في أصل الثواب لا من كل وجه. على أنَّ كل تشبيه لا يشترط فيه كون ¬
المشبه دون المشبه به، كما قرر في محله. وفي الحديث: كما قال النوويُّ: الحثُّ على الإخلاص، وإحضار النية في الأعمال، والردُّ على المرجئة في قولهم: الإيمانُ: إقرارٌ باللسانِ فقط، وفي قول: (يحتسبها) دلالة على أنها لا تكون طاعة إلَّا بذلك. 56 - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ" [1295، 2742، 2744، 3936، 4409، 5354، 5659، 5668، 6373، 6733 - مسلم: 1628 - فتح: 1/ 136] - (إنك) الخطابُ لسعدٍ، وقِيْسَ به غيرُه، أو عامٌ كما في قولهِ: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ} [السجدة: 12] (لن) حرف برأسه (¬1). وقيل: أصلُه لا، فأبدِلَ عن ألفهِ نونٌ، أو أصلُه: لا أنْ وحذفت الهمزةُ وسَقطت الألف؛ لالتقاءِ الساكنين. (تبتغي) أي: تطلُبُ. (بها) الباء للمقابلة، أو للسببية، أو بمعنى على، فيوافقُ قولَه في نسخةٍ: "عليها"، (وجه الله) أي: جهتُه، وهذا من المتشابهِ، ففيه: مذهبان التفويضِ، والتأويلِ. (إلَّا أُجرت عليها) في نسخةٍ: "إلَّا أُجرتَ" لا يُقال: كيف وقع الفعل مستثنى لأنَّا؟ نقولُ: لا محذور فيه. إذ مثلُه واقع في الكتابِ، كقولهِ تعالى {وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلا كُتِبَ لَهُمْ} [التوبة: 120]. ¬
42 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"
وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا} [سبأ: 34]، وفي السُّنةِ كقولهِ - صَلَّى الله عليه وسلم -: "لا يبقى أحدٌ منكم إلَّا لُد غير العباسِ" (¬1) وقوله: "ما من شيءٍ أُريتُه إلَّا رأيتُه في منامي" (¬2). لكن مثلُ ذلك مؤولٌ بما يرجعُ إلى أنَّ المستثنى اسمٌ، وتأويلُه في (إلَّا أجرتَ) إلَّا نفقة أُجرتَ عليها. (حتَّى ما تجعل) أي: الذي تجعلُه، وحتَّى عاطفه لاجارة، وما بعدُها منصوبُ المحل. (في في امرأتِك) أي: في فمِها، وفي نسخةٍ: "في فمِ امرأتِك" بالميم، وهي لغة قليلة، والمعنى: حتَّى الذي تجعلُه في فمِ امرأتك فتُؤجرُ عليها، وفيه كما قالَ النوويُّ: إنَّ ما أُريد به وجه الله تعالى يثبت فيه الأجرُ، وإنْ حصل لفاعلِه في ضمِنه حظُّ نفس من لذَّةٍ، أو غيرها، كوضعِ اللقمة في فمِ الزوجةِ، وهو غالبًا لحظِ النفسِ والشهوةِ، فإذا كان هذا فيه الأجرُ، فالأجرُ فيما يرادُ به وجهُ الله فقط أولى (¬3). 42 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 91] ¬
57 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ". [58، 524، 1401، 2157، 2714، 2715، 7204 - مسلم: 56 - فتح: 1/ 137] (باب: قول النَّبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -) كلامٌ إضافي مرفوعٌ على أنَّه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ. (الدينُ النصيحةُ) جملةٌ محلُّها النصبِ بقولِ النَّبيِّ، والنصيحةُ: كلمة جامعة، معناها: حيازةُ الحظِّ للمنصوحِ له، ومعنى الحديثِ: قوامُ الدين ومعظمُه النصيحةُ، كالحجِّ عرفة متعلقٌ بالنصيحة، والنصيحةُ له بأن يؤمنَ به، ويصفَه بما هو أهلُه، ويخضعَ له ظاهرًا وباطنًا، ويجاهد في ردّ العاصين، وحقيقةُ ذلك ترجعُ إلى نصحِ العبدِ بذلك نفسهِ فإنَ الله غنيٌّ عن نصحهِ، وعن العالمين. (ولرسوله) بأن تصدق برسالته، وتؤمن بجميع ما أتى به، ويعظمه، وينصره حيًّا وميِّتًا، ويحيى سنته بتعلمها وتعليمها، ويتخلق بأخلاقه، ويتأدَّب بآدابه، ويحب أهل بيته وأصحابه، وأتباعه وأحبابه. (ولأئمة المسلمين) بإعانتهم على الحق وطاعتِهم فيه، وتنبيهِهم عند الغفلةِ برفقٍ، وسدِّ خلَّتهم، وردِّ القلوب النافرة إليهم. (وعامتهم) بالشفقة عليهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليم ما ينفعهم، وكفِّ وجوه الأذى عنهم إلى غير ذلك. وهذا الحديث: علقه ولم يسنده؛ لكونه ليس على شرطه؛ لأنَّ راويه في أشهر الطرق عن تميم الدَّارميِّ سُهيل بن صالح، وليس من شرطه. (وقوله) عطف على قول النَّبيِّ. (تعالى) في نسخةٍ: "- عزَّ وجلَّ -" وسقط كل منهما من نسخة. (قيس بن أبي حازم) بحاء مهملة وزاي معجمة البجليُّ (بايعت)
أي: عاقدت. (إقام الصلاة وإيتاء الزكاة). اكتفى هنا من الأركان بذكر هذين لأنَّ العبادة بدنية، أو مالية. (والنصح) بالجرِّ عطف على إقام الصلاة. وفي الحديث: تسمية النصح دينًا وإسلامًا؛ لأنَّ الدين يقع على العمل، كما يقع على القول وهو فرض كفاية على قدر الطاقة، فعلى من علم بالمبيع مثلًا عيبًا أن يبينه بائعًا كان، أو أجنبيًّا. 58 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: "وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. [انظر: 57 - مسلم: 56 - فتح: 1/ 139] (أبو النَّعمان) اسمه: محمد بن الفضل الدوسيُّ. (عن زياد بن عِلاقة) بكسر العين المهملة أي: ابن مالك الثعلبيِّ بمثلثة ومهملة. (سمعت جرير بن عبد الله يقول) تقدم الكلام على إعرابه أوَّل الكتاب. (قام) ليسَ هو في حيِّز سمعتُ، وإنما التقديرُ: سمحتُ جريرًا حمد الله فحذف ثم فسر بقوله: (قام ... إلخ) فقام استئناف بيانيٌّ لا محلَّ له. (فحمد الله وأثنى عليه) أي: وصفه بالتحلِّي بصفات الكمال، والتنزه عن النقائص، فالأول؛ إشارة إلى الصفات الوجودية، والثاني: إلى الصفات العدمية. (عليكم) اسم فعل بمعنى: الزموا. (وحده) حال بتأويله بنكرة
أي: واحدًا، أو مصدر وحد يحد، كوجد يجدُ. (والوقار) بفتح الواو أي: الحلم والرزانة. (والسكينة) أي: السكون، أشار بالوقار: إلى مصالح الدين، وبالسكينة: إلى مصالح الدنيا، بعد الأمر باتقاءِ الله وحده. (حتَّى يأتيكم أميرٌ) أي: بدل هذا الذي مات، وحتَّى: غاية للأمرِ بالاتقاءِ وتالييه، ومفهوم الغاية: من أن المأمور به ينتهي بمجيء الأمير ليس مرادًا، بل يلزم عند مجيئه بطريق الأول، إذ شرط اعتبار مفهوم المخالفة، أن لا يعارضه مفهوم الموافقة. (فإنما يأتيكم الآن) أراد بالآن، كما قال شيخنا: تقريب المدة؛ تسهيلًا عليهم؛ لأنَّ معاوية لما بلغه موت المغيرة، كتب إلى نائبه على البصرة وهو زياد أن يسير إلى الكوفة، أميرًا عليها (¬1). ويحتمل أن يراد بالآن: حقيقته، فيكون ذلك الأمير جريرًا نفسه لما روي أن المغيرة استخلف جريرًا على الكوفة عند موته (¬2). (استعفوا) أي: اطلبوا العفو وفي نسخة: "استغفروا". (لأميركم) أي: المتوفى. (فإنّه كان يحبُّ العفو) أي: عن ذنوب النَّاس. (ثم قال) أي: جرير. (أما بعد) تقدم الكلام عليه. (قلت أبايعك) لم يأت بأداة العطف؛ لأنَّه بدل من أتيتُ، أو استئناف، وفي نسخةٍ: "فقلت". (فشرطَ عليَّ) بتشديد الياء؛ أي: الإسلام الذي بايعته عليه، فالفاء تفسيرية. (والنصح) بالجرِّ عطف على الإسلام في قوله: أبايعك على الإسلام، ومثله يسمَّى: بالعطف التلقيني أي: لقَّنَه أن يقول ¬
والنصح، وبالنصبُ عطف على مقدر أي: فشرط الإسلام والنصح. (على هذا) أي: ما ذكر من الإسلام والنصح. (هذا المسجد) أي: مسجد الكوفة، أو المسجد الحرام. (إنِّي لناصح لكم) جواب القسم، وفيه: إشارة إلى أنه وفَّى بما بايع به النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ كلامه عارِ من الأغراض الفاسدة. (ونزل) أي: عن المنبر، أو عن القيام إلى القعود. وفي الحديث: استحباب البيعة وكمال شفقته - صلى الله عليه وسلم - إلى أمته.
3 - كتاب العلم
3 - كتاب العلم
1 - باب فضل العلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 3 - كِتَابُ العِلْمِ 1 - بَابُ فَضْلِ العِلْمِ. وَقَوْلِ الله تَعَالَى: وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11]. وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]. [فتح: 1/ 140] 2 - بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ 59 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: "أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ" قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". [6496 - فتح: 1/ 141] (كتاب العلم) أخره عن الإيمان؛ لأن الإيمان أولُ واجب ولأنه أفضل على الإطلاق، وقدمه على ما بعده؛ لأن مدار ما بعده عليه. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مقدمة في نسخة على كتاب العلم. (باب فضل العلم) لم يذكر لهذه الترجمة حديثًا؛ لما مرَّ أنه إما لكونه ذكر
التراجم وكان يلحق بها الأحاديث فلم يتفق له أن يلحق ببعضها شيئًا؛ أو لأنه لم يثبت عنده في تلك الترجمة بشيءِ أو نحو ذلك، وقوله: (بسم الله ... إلخ) ساقطٌ من نسخةِ. (وقول الله) بالجر عطف على فضل العلم. (تعالى) في نسخةٍ: "عزَّ وجلَّ". (درجات) مفعول (يرفع) ورفعها: كثرة الثواب، وقوله عزَّ وجلَّ: {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] في نسخة: "قل ربّ زدني علمًا". اكتفى البخاريُّ في بيان فضل العلم بذكر الآيتين؛ لأن القرآن قويٌّ بالحجج القاطعة. (باب: من سُئل علمًا وهو مشتغل في حديثه) الجملة الأخيرة: حال. (فأتمَّ) عطفه بالفاءِ على ما قبله؛ لأنه عقبه. (ثم أجاب) عطفه بـ (ثم) لتراخيه. (محمد بن سنان) بكسر السين المهملة وبالتنوين هو: أبو بكر الباهليُّ البصريُّ. (فليح) بالتصغير: لقب له، واسمه: عبد الملك، وكنيته: أبو يحيى [(ح وحدثني) في نسخة: "قال: وحدثنا"] (¬1). (وحدثني أبي) في نسخةٍ: "حدثنا أبي". (هلال بن عليٍّ) يقال له أيضًا: هلال بن ميمون، وهلال بن هلال، وهلال بن أسامة؛ نسبة إلى أحدِ أجدادهِ. (بينما) [بالميم] (¬2) مرَّ بيانُه. (يحدث) خبر المبتدأ، وهو النبيُّ. (القوم) هم الرجال دون النساء، قال تعالى: {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} [الحجرات: 11] ثم قال: {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} [الحجرات: 11]. ¬
وقال الشاعرُ: أقومُّ آل حصنٍ أم نساءُ ... وقد تدخل النساءُ فيه على سبيلِ التبع؛ لأن قوم كل نبيّ رجالٌ ونساءٌ، وجمعه: أقوام، وجمع الجمع: أقاوم. (أعرابيٌّ) واحدٌ الأعراب، والأعراب: سكان البادية، لا واحد له من لفظه، وليس الأعراب جمعًا للعرب، والنسب للعرب: عربيٌّ، وهذا الأعرابيُّ سماه أبو العالية: رفيعًا. (يحدث) في نسخة: "بحديثه" بحرف الجر وزيادة ياء وهاء وفي أخرى: "يحدثه" أي: يحدث القوم الحديث الذي كان فيه. (متى) الساعة) أي: متى زمانها. (فقال بعض القوم ... إلخ) اعتراض بين (فمضى) وبين (حتَّى إذا قضى حديثه). (بل لم يسمع) عطفه على ما قبله، لا يقدح فيه تغاير المتكلمين. ولو سلم أنه يقدح فيه فلم لا يكون الكلُّ من كلام البعض الأول، على طريقة عطف التلقين؟ كأن البعض الآخر قال للبعض الأول: قل بل لم يسمع فقال: بل لم يسمع، أو من كلام البعض الآخر بأن يقدر قبله سمع أي: سمع بل لم يسمع. (قال: أين أراه) بضم الهمزة أي: أظنُّ الراويَ. (قال السائل) وفي نسخة: "أين السائل". (ها) بالمدِّ والقصر حرف تنبيه. (أنا) مبتدأ خبره محذوف أي: السائل. (إذا وُسِّدَ) بتشديد السين أي جعل. وفي الحديث: طلب تعليم السائل والرفق به، وأنه جفا في سؤاله أو جهل، ومراجعته للعالمِ عند عدم فهمه، وإن من آداب المتعلم: ألا يسأل العالمَ ما دام مشتغلًا بحديث، أو غيره.
3 - باب من رفع صوته بالعلم
3 - بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ 60 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا - وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاةُ - وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. [96، 163 - مسلم: 241 - فتح: 1/ 143] (باب: من رفع صوته بالعلم) أي: بكلام يدل عليه، إذ العلم صفة معنوية، لا يتصور رفع الصوت به. (عن أبي بشر) اسمه: جعفر بن إياس اليشكريُّ. (عن يوسف) بتثليث السين مع الهمز وتركه: ابن ماهك بفتح الهاء غير منصرف للعلمية والعجمة؛ لأن ماهك بالفارسية تصغير ماه وهو القمر بالعربي، وقاعدتهم أنهم إذا صغروا الاسم جعلوا في آخره الكاف، وقيل: بكسر الهاء منصرف؛ لملاحظة معنى الصفة، لأن التصغير من الصفات، والصفة لا تجامع العلمية؛ أو لأنه حينئذ اسم فاعل من مهكتُ الشيءَ مهكًا إذا بالغت في سحقهِ، وماهكُ اسم أبي يوسفَ، وقيل: اسمَ أمِّه، وعليه يتعينُ منعُ صرفه للعلمية والتأنيث. (تخلَّف) أي: "عنَّا" كما في نسخة. (في سفرة سافرناها) أي: من مكة إلى المدينة، والهاء مفعول مطلق، نحو: ظننته زيدًا منطلقًا، أي: ظننت الظنَّ. (فأدركنا) بفتح الكاف أي، لحق بنا. (أرهقتنا الصلاة) برفعها فاعل أرهق أي: أدركتنا، وفي نسخةٍ: "أرهقنا" بلا تاء مع رفع الصلاة؛ لأن ثانيها غير حقيقيٌّ وفي أخرى: "أرهقنا الصلاة" بسكون القاف، ونصب الصلاة، أي: أخرناها حتَّى دنا وقتُ ما بعدها، وهذه الصلاة كانت العصر، كما سيأتي في باب:
من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه وفي غيره. (فجعلنا) من أفعال المقاربة هنا، أي: كدنا. (نمسح) أي: نغسل غسلًا خفيفًا، حتَّى يرى كأنه مسح. (على أرجلنا) عبَّر بأرجلنا، وإن كان القياس رجلينا؛ إذ لكل واحدٍ رجلان؛ لأن الغرض مقابلة الجمع بالجمعِ، فيفيد توزيع الأرجل على الرجال، لا يقال: فعليه يكون لكلِّ رجُلٍ رِجْلٌ لأنَّا نقولُ: جنس الرجل يتناول الواحد والاثنين، والعقل يعين المقصود سيما فيما هو محسوس. (ويلٌ) مبتدأ، وهو كلمة عذاب، ويقال: وادٍ في جهنم، وخبر المبتدأ (للأعقاب) أي: ويلٌ لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها وهي: جمع عقِب، بكسر القاف وهو مؤخر القدم، واللام وإن كانت في الأصلِ للاختصاص النافع، وعلى للشرِّ الضار، نحو: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] لكنها استعملت هنا للاختصاصِ أيضًا، كما في قوله: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] وقوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77]. (من النَّار) من: بيانية، أو بمعنى في. (مرتين أو ثلاثًا) شكٌّ من عبد الله بن عمرو. وفي الحديث: التغليظ في الإنكار، والتكرارة للمبالغة، ورفع الصوت في المناظرة بالعلم، ودليل على وجوب غسل الرجلين، وهو الإسباغ لا اللمس بالماء، وأما قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} [المائدة: 6] وإن كان ظاهره على قراءة الجرِّ عطفه على الرءوس، وعلى قراءة النصب عطف على الجار والمجرور، فيجب تأويله بالجرِّ على المجاورة، وبالنصب على العطف على الوجوه، ويجوز عطف قراءة الجز على الرءوس، ويحمل المسح على مسح
4 - باب قول المحدث: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا
الخف أو الغسل الخفيف الذي تسميه العربُ مسحًا، وعبَّر به في الأرجل؛ طلبًا للاقتصاد؛ لأنها مظنة الإسراف لغسلها بالصبِّ عليها وتجعل الباء المقدرة على هذا للإلصاق والحامل على ذلك الجمع بين القراءتين والأخبار الصحيحة الظاهرة في وجوب غسل الرجلين. 4 - بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ: "كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ وَقَالَ شَقِيقٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً وَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَا يَرْوي عَنْ رَبِّهِ وَقَالَ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَا يَرْويهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْويهِ عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ. [فتح: 1/ 144] 61 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ" فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". [62، 72، 131، 2209، 4698، 5444، 5448، 6122، 6144 - مسلم: 2811 - فتح: 1/ 145] (باب: قولُ المحدِّثِ: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا) أي: هل بينها فرق أو الكلُّ واحدٌ، وسقط من نسخة: "وأنبأنا"، ومن أخرى: "وأخبرنا"،
والمراد بالمحدِّث: اللغويُّ: وهو الذي يحدِّثُ غيره، لا الاصطلاحيُّ: وهو العالمُ بحديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (وقالَ لنا الحميديُّ) في نسخة: "وقال الحميديُّ". (واحدًا) أي: الصيغُ الأربعُ بمعنى واحدٍ، في أنَّ ذلك جائزٌ اتفاقًا، كما حكاه القاضيُّ عياضُ (¬1)، وهذا لا ينافي ما يأتي من أرفعية بعضها على بعض، وتقديرُ البخاريّ ما نقله عن الحميديّ مع ما يأتي من التعاليق الثلاثة الآتية في كلامهِ يدل على اختياره له. قال الخطيبُ الأرفعُ: سمعت، ثم حدَّثني، ثم أخبرني، ثم أنبأني (¬2)، وقد بسطتُ الكلامَ على ذلك في "شرحِ ألفيةِ العراقيِّ" (¬3). (وقال ابن مسعود) هذا التعليق وصله في بدء الخلق والغسل وغيرهما (¬4). (الصادق) أي: في نفس الأمرِ وفيما قاله لغيره. (المصدوق) أي: المصدوق بالنسبة لله تعالى وإلى الناسِ، أو إلى ما قاله له غيره وهو جبريل. (وقال شفيق) وصله في الجنائز والتوحيد وغيرهما. (عن عبد الله) أي: ابن مسعود، وإذا أطلق كان هو المراد من بين العبادلة. ¬
(سمعت النبيَّ) في نسخة: "سمعت من النبيِّ". (وقال حذيفة) هو ابن اليمان، وصله في الرقائق (¬1). (وقال أبو العالية) بالمهملة وبالمثناة التحتية، اسمه: رفيع بن مهران الرياحيُّ، بالمثناة التحتية، وقد وصل البخاريُّ هذا التعليق، والتعليق بعده [في التوحيد] (¬2) وأورد الثلاثة هنا تنبيهًا على حكم المعنعن المساوي على الراجح لحكم الصيغ الأربع السابقة. واختلفت النسخ في تعليق (أنسٍ) ففي نسخة: "فيما يرويه عن ربِّه عَزَّ وَجَلَّ" وسقط من أخرى: "فيما" وفي أخرى: بدل (عَزَّ وَجَلَّ) "تبارك وتعالى". (قتيبة) في نسخةٍ: "قتيبة بن سعيد". (وإنها) بكسر الهمزة عطف على (إن من الشجر). (مثل) بفتح الميم والمثلثة وبكسرها وسكون المثلثة، كشبه وشبه لفظًا، ومعنى شبه النخلة بالمسلم، ووجه الشبه بينهما: كثرة خيرهما، أما في النخلة: فدوام ظلها وطيب ثمرها، ووجوده على الدوام، واستعمال خشبها جذعًا وحطبًا وعصيًّا، وورقها: حُصْرًا وأواني وحبالًا، ونواها: علفًا للإبل، وأمَّا في المسلم: فكثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ومواظبة صلواته، وصيامه، وقراءته. (ما هيَ) مبتدأ وخبر في محلِّ ثاني مفعولي حدثوني. (فوقع الناسُ) فَسُرَّ كلُّ واحدٍ بنوع. (البوادي) في نسخة: "البواد" بلا ياء. (فاستحييت) أي: أن أتكلم وعند - صلى الله عليه وسلم - الكبار هيبة منه وتوقيرًا. ¬
5 - باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم
ثم (حدثنا ما هي يا رسولَ الله؟) في نسخة: "حدثنا يا رسول الله" وفي أخرى: "حدثنا يا رسول الله ما هي" وفي حديث استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليختبر أفهامهم وليرغبهم في الفكر وتوقير الكبار، وجواز اللغز مع بيانه ودلالة على فضيلة النخل حيث شبه به الإنسان. 5 - بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ. (باب: طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم) الاختبار: الامتحان. 62 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ" قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". [انظر: 61 - مسلم: 2811 - فتح: 1/ 147] (خالد بن مخلد) بفتح الميم واللام وسكون الخاء. (سليمان) أي: ابن بلال. وأعاد الحديث؛ لإفادة الحكم المترجم عليه؛ ولاختلاف السند، ولنقص بعض أحرف في متن أحدهما، وفائدة ذلك: التأكيد والتنبيه على أنَّ كلًّا من شيخيه في مقام، فقتيبة في مقام التحديث، وخالد في مقام طرح المسألة.
6 - باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: {وقل رب زدني علما} [طه: 114]
6 - بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] القِرَاءَةُ وَالعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ وَرَأَى الحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ: «القِرَاءَةَ جَائِزَةً» وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ " بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ» وَاحْتَجَّ مَالِكٌ: " بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلاَنٌ وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلاَنٌ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: «لاَ بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ» وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ. (باب: ما جاء في العلم، وقول الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] لم يذكر فيه حديثَا لما قدمته في نظيره، مع أنه ساقط من نسخة. (باب) ساقط من نسخة (والقراءة، والعرض على المحدث) على تنازع فيه القراءة والعرض، والعطف للتفسير؛ إذ المراد هنا: عرض القراءة على الشيخ بدليل ما يأتي في الباب لا عرض
المناولة بأن يعرض الطالبُ ما مروي شيخه عليه فيتأمله الشيخ ثم يعيده إليه، ويأذن له في روايته عنه. (ورأى الحسن) أي: البصريُّ. (وسفيان) أي: الثوري. (ومالك) أي: ابن أنس. (واحتج بعضهم) أي: الحميديُّ شيخ البخاريّ وأبو سعيد الحداد. (بحديث ضِمام) بكسر المعجمة. (ابن ثعلبة) بمثلثة، ثمَّ مهملة. (آلله؟) بالاستفهام ورفع الاسم مبتدأ خبره الجملة بعده. (أن تصلِّي) بمثناة فوقية، وفي نسخةٍ: "أن نصلِّيَ" بنون الجمعِ. (الصلوات) في نسخة: "الصلاة". (قال) أي: الحميديُّ، (فهذه قراءة على النبي - صلى الله عليه وسلم -) في نسخةٍ: "فهذه قراءة على العالم". (فأجازوه) أي: أجازَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابهُ، أو قوم ضمام بعد إسلامهم. (واحتج مالك) أي: على جوازِ القراءةِ على المحُدِّثِ. (بالصَّكِّ) بفتح المهملة وتشديد الكاف، الكتابُ يكتبُ فيه إقرارُ المقر، وهوَ فارسيٌّ معرَّبٌ. (يُقرأ) بالبناءِ للمفعول، كالذي بعده، وإنما (ذلك قراءة عليهم) في نسخةٍ: "ويقرأ ذلك قراءة عليهم" أي: فتسوغ الشهادة عليهم، بقولهم: نعم، بعد قراءة المكتوب عليهم مع عدم تلفظهم بما هو مكتوب. قال ابن بطَّال: هلذه حُجَّةٌ قاطعةٌ؛ لأنَّ الإشهادَ أقوى حالًا من الإخبار (¬1). (فيقول) أي: "القارئ" كما في نسخة. (محمد بن سلام) بتخفيف اللام: البيكنديُّ. (عن عوف) هو ابن أبي جميلة الأعرابي. (عن الحسن) أي: البصريِّ. (عبيد الله بن موسى) باذام العبسيُّ. ¬
(إذا قُرِئَ) بالبناء للمفعول، وفي نسخةٍ: "إذا قرأت". وفي أخر: "إذا قرأ" أي: القارئ. (قال) في نسخةٍ: "قال أبو عبد الله" أي: البخاريُّ. (أبا عاصمٍ) هو الضَّحاكُ بنُ مخلد الشيبانيُّ. (سواء) أي: في جواز الرواية، نعم استحبَّ مالكُ القراءة على الشيخ، والجمهور: على أن قراءة الشيخ أرجح من قراءة الطالب عليه. 63 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا. [مسلم: 12 - فتح: 1/ 148] (هو المقبُرِيُّ) سقط من نسخةٍ لفظ: (هو). (ابن أبي نمر) بفتح النون وكسر الميم.
(جلوسٌ) جمع جالس، كركوع جمع راكع. (في المسجد) أي: النبويِّ. (دخل رجلٌ) في نسخةٍ: "إذ دخل رجل". (فأناخه في المسجد) أي: في رحبته، أو ساحته بقرينة رواية أحمد والحاكم: فأناخ بعيره على باب المسجد (¬1). (ثم عقله) بفتح القاف أي: أثنى ساقه على ذراعه، وشدَّهما معًا في وسطِهما. (متكئٌ) بالهمز. (بين ظهرانيهم) بفتح الظاءِ المعجمةِ والنونِ، أي: بينهم. وإقحام لفظ الظهر؛ للدلالة على أن إقامته فيهم للاستظهارِ بهم، وعلى أنَّ ظهرَا منهم قُدَّامَهُ، وظهرَا وراءَهُ، فهو محفوفٌ بهم من جانبيه، وهو مما أريدَ بلفظ التثنيةِ فيه معنى الجمع، والألفُ والنونُ فيهِ للتوكيد في النسبة، كما يقال في النسبة إلى النفسِ نفساني، وتوسع في ثبوت نون التثنية مع الإضافة؛ لأنَّ الأصلَ عدم ثبوتها معها. (الأبيض) المراد بالبياض: المشرب بالحمرة، فلا ينافي ذلك ما يأتي في صفة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه ليسَ بالأبيضِ؛ لأنَّ المنفى ثمَّ البياضُ الخالصُ كلونِ الجصِّ، والمثبتُ هنا بياضٌ نيِّرٌ أَزْهَرُ. (فقال له) أي: للنبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (الرجل) أي: الداخل. (أبنَ عبد المطلب) بفتحِ الهمزةِ للنداءِ بقرينةِ روايةِ أبي داود (¬2) يا ابن ويل بكسرِ الهمزةِ، ونونُ ابن مفتوحةٌ في الوجهين إما على الأوَّلِ فلأنه: منادى مضاف، وإما على الثاني: ¬
فمنصوب بمقدر، كأَعْني أو على حذف حرف النداءِ. (قد أجبتك) أي: سمعتُ كلامك، إذ لم يسبق منه جواب يخبر به، وهو إن شاءَ للإجابة، أو نزل تقريره للصحابة، في الإعلام عنه منزلة الجواب، وإنما لم يجبه بالصريح؛ لأنه أخلَّ برعاية التعظيم والأدب، حيث قال: أيُّكم محمدٌ؟ (فلا تجد عليَّ) بكسر الجيم والجزم على النهي من الموجدة أي: لا تغضب، أما في غير الغضب فلا يقال: موجدة، بل يقال في المطلوب: وجده وجودًا، وفي الضالة: وجدها وَجَدَانًا، وفي الحزن: وجد وَجْدًا، وفي المال: وجد جدةً أي: غنى. (سلْ عمَّا بدا) أي: ظهر. (آلله) بهمزة الاستفهام، والمد والرفع على الابتداء كما مرَّ. (فقال اللهمَّ) في نسخة: "قال اللهمَّ" وميمه عوض من حرف النداءِ فلا يجتمعان إلا شذوذًا، وذلك من خصائص هذا الاسم الشريف، ليتميز نداؤه عن نداءِ غيره، وإنما كان ميمًا، لقربها من حروف العلة، وشُدِّدَتْ، لأنَّها عوضٌ من حرفين. (نعم) هو الجواب فذكر اللهم، للتبرك أو للاستشهاد، في ذلك (بالله) توكيد الصدقة. (قال: أنشدك) بفتح الهمزة، وفي نسخةٍ: "فقال: أنشدك". (أن تصلِّيَ) بتاء الخطاب، وفي نسخة: بنون الجمع وكذا الحكم في (أن تصوم). (الصلوات) في نسخة: "الصلاة". (هذا الشهر) أي: رمضان. (من السنة) أي: من كلِّ سنة، فاللام فيها للجنس، والإشارة لنوع الشهر لا لعينه (فتقسمها) بتاء الخطاب والنصب عطفًا على تأخذ. (فقرائنا) خصهم بالذكر؛ لأنَّهم أغلبُ أصنافِ الزكاةِ، أو ليقابلَ به ذكرَ الأغنياءِ، ولم يذكر الحجَّ، لعدم تكرره، بخلاف المذكورات، أو لأن السائل غيرُ مستطيعٍ له، أولم يكن فُرِضَ إذ ذاك وهو غريب.
7 - باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان
(آمنت بما جئت به) يحتمل أن يكونَ ذلك إخبارًا عن إيمانٍ صادق، رجَّحه القاضي عياضُ (¬1)، وأن يكونَ إنشاءً لإيمانه، ورجَّحه القرطبيُّ (¬2)، والقلبُ إليه أميلُ. (من ورائي) بفتح الميم. (من قومي) بكسرها. (وأنا ضمام بن ثعلبة) فائدةُ ذكرِه: بيانُ شرفِ إيمانه؛ لأنَّه من المشاهيرِ؛ ولأنَّ إيمانَه سببُ إيمانِ قومِه فضُمَّ إليه. (أخو بني سعدِ) تتميمًا لبيان شرفه وقولُه: (وأنا ضمام) إلى آخره ساقطٌ من نسخة. والمراد ببني سعدٍ: بنو سعدِ بن بكر بن هوازن. وفي العرب سعود أُخَرُ، كسعد تميم، وسعد هزيل، وسعد قيس. (رواه) وفي نسخةٍ: "ورواه". (موسى) أي: "ابن إسماعيل" كما في نسخة. (وعليُّ بنُ عبدِ الحميد) أي: ابن مصعب المعني بفتح الميم. وسكون العين المهملة وكسر النون، بعدها ياء نسبةً إلى معن بن مالك. (عن سليمان) في نسخةٍ: "وأخبرنا سليمانُ بن المغيرة". (عن ثابت) أي: البُنَانَيِّ. (بهذا) ساقطٌ من نسخة، وفي أخرى: بدل (بهذا) "بمثلهِ". وفي الحديث: دليلٌ لما قالَهُ العُلَمَاءُ: إِنَّ العَوَامَّ المقلِّدِينَ مؤمنونَ يُكْتَفَى منهم بمجردِ اعتقادِ الحق جزمًا، خلافًا للمعتزلةِ. 7 - بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نَسَخَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إلى ¬
الآفَاقِ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ذَلِكَ جَائِزًا وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: «لاَ تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [فتح: 1/ 153] (باب: ما يذكر في المناولة) أي: المقرونة بالإجازة: بأن يأتيَ الشيخ بأصلِ سماعه فيناوله للطالب ويقول: هذا سماعي جزت لك روايته عني، أما المناولةُ المجرَّدةُ عنِ الإجازةِ فلا تجوزُ الرواية بها على الصحيح. (وكتاب أهل العلم) بالجرِّ عطف على ما، أو على المناولةِ. (إلى البلدانِ) أي: أهلِها، وذكرها مثال فمثلها القُرى والصَّحَاري وغيرُهما، ثم المكاتبة إن قرنت بالإجازةِ جازتِ الروايةُ بها قطعًا وإلا فكذلك على الصحيح، وقد بسطتُ الكلامَ على المناولةِ والمكاتبةِ في "شرحِ ألفيةِ العراقيِّ" (¬1). (وقال أنسٌ) وصله البخاريُّ في فضائل القرآن وغيرها (¬2) وفي نسخة: "وقالَ أنسُ بنُ مالك". (فنسخَ عثمانُ المصاحفَ) أي: أمرَ زيدَ بنَ ثابتٍ، وعبدَ الله بن الزبيرِ، وسعيدَ بن العاصِ، وعبد الرحمن بن الحارثِ بنِ هشامِ بنسخها، أي: كتابتها، وفي نسخة: "عثمان بن عفان". ¬
(فبعث بها إلى الآفاق) مصحفًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وأمسكَ بالمدينة واحدًا، وقيل: آخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة. (ورأى عبد الله بن عمر) أي: ابن عاصم ابن عمر بن الخطاب. (ومالك) وفي نسخة: "ومالك بن أنس". (ذلك) أي: ما ذكر من المناولة والكتابة. (بعض أهل الحجاز) هو الحميديُّ شيخ البخاريِّ، والحجاز: مكة والمدينة وقراهما، كخيبر للمدينة، والطائف لمكة، سميت بذلك؛ لأنها حجزت بين نجد والغور. (في المناولة) أي: في جوازها. (حيث كتب) أي: أمر بالكتابة، أو كتب خرقًا للعادة، وسيأتي في الجهاد أنه كتب بيده. (لأمير السَّرِيَّة) في نسخة: "أمير السَّرِيَّة" وفي أخرى: "لأمير الجيش" وفي أخرى: "إلى أمير الجيش" هو: عبد الله بن جحش، كما في "سيرة ابن إسحاق" (¬1)، و"الطبراني الكبير" (¬2). (ذلك مكان) هو نخلة بين مكة والطائف (¬3). 64 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيِّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ" [2939، 4424، 7264 - فتح: 1/ 154] ¬
(إبراهيمُ بنُ سعدِ) أي: ابن إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ. (بعثَ بكتابهِ رَجُلًا) اسمُه: عبدُ الله بنُ حذافةَ السَّهميُّ. (عظيم البحرين) هو المنذر بن ساوى، بسين مهملة وواو مفتوحة، وعبَّرَ بالعظيمِ دونَ ملك؛ لأنَّهُ لا ملكَ ولا سلطنة لكافرٍ، (والبحرين) بلفظ التثنية: بلد بين البصرة وعمَان (¬1). (فدفعه) عطف على مقدر أي: فذهب إلى عظيم البحرين، ودفعه إليه، ثم بعثه العظيم. (إلى كسرى) وهو بكسر الكاف أَفصح من فتحها، لقب لكلِّ من ملك الفرسَ، كما أن قيصر: لقب لكلِّ من ملك الروم. (فلما قرأه) في نسخة: "فلمَّا قرأ" بحذف الهاءِ، أي: قرأ الكتاب. (مزَّقه) أي: خرَّقه وفرَّقه. (فحسبت) أي: ظننت. (كلَّ ممزق) بفتح الزاي مصدر، كالتمزيق، أي: كلُّ نوعٍ من التمزيق. ووجه الدلالة من الحديث على الترجمة: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقرأ على رسوله الكتاب، بل ناوله له، وأجاز له أن يسند ما فيه عنه، ويقول: هذا كتاب رسول الله. 65 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ. [2938، 3106، 5870، 5870، 5874، 5875، 5877، 5871، 7162 - مسلم: 2012 - فتح: 1/ 155] (أبو الحسن) في نسخةٍ: "أبو الحسن المَرْوَزِيُّ". (أخبرنا عبدُ ¬
8 - باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها
الله) أي: ابن المبارك، وفي نسخةٍ: "حدثنا عبد الله". (عن أنس بن مالك) وفي نسخةٍ: "عن أنس" بدون ابن مالك. (كتب النبيُّ) أي: أمر بالكتابة، أو كتب بنفسه كما مرَّ. (كتابًا) أي: إلى العجم، أو إلى الروم، كما صرَّح بهما في كتاب: اللباس (¬1). (أو أراد أن يكتب) شكٌّ من أنس. (أنهم) أي: الروم، أو العجم على الروايتين. (لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا) أي: خوفًا من كشف أسرارهم. (فاتخذ خاتمًا) بفتح التاءِ وكسرها، ويقال فيه: خاتام، وختَّام وختام، وختم. (في يده) أي: إصبع يده وهو: حال من المضافِ أو المضافِ إليه، (إلى بياضه في يده)، وفيه: قلب إذ الأصل أن الإصبع في الخاتم لا الخاتم في الإصبعِ. وفي الحديثِ: ختم الكتاب، واتخاذ الخاتم من فضة للرجال، ونقشه، ونقش اسم صاحبه، ونقش اسم الله تعالى فيه، وجواز الكتابة، بل يُنْدَبُ ذلك كلُّه. 8 - بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا 66 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: ¬
فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ". [474 - مسلم 2176 - فتح: 1/ 56] (باب: منْ قعدَ حيثُ ينتهي بهِ المجلسُ) أي: حكمُ ذلك من الجوازِ أو الأدبِ أو نحوهِ، ومناسبةُ هذا البابِ لكتابِ العلمِ من جهة أنَّ المراد بالحلقة: حلقة العلم. (ومن رأى ... إلخ) عطف على من قعدَ، (والفرجة) بضمِّ الفاءِ وفتحِها: الخللُ بين الشيئين، ويقالُ: بالضّمِّ ذلك، وبالفتحِ: الراحة من الهم ويقالُ: بتثليثِ الفاء: الراحة من الهم. (والحلقة): بسكونِ اللامِ أشهرُ من فتحها: كلُّ مستديرٍ خالي الوسط، والجمع: [حلق] (¬1) بفتح الحاء واللام، وعبَّر عنها تبعًا للحديث بالحلقة. وفي الترجمة بالمجلس؛ إشارةً إلى أن حكمها واحدٌ. (أبا مُرَّة) اسمه: يزيد. (عقيل) بفتح العين. (أبي واقد) بالقاف، اسمُ الحارثِ بنِ مالكِ أو ابن عوف الصحابي. (في المسجد) أي: النبويّ. (ثلاثة نفرٍ) النفر بفتح الفاءِ عدة رجال من الثلاثة إلى العشرة: وهو اسم جمع تمييز للثلاثة، بمعنى أنَّ الثلاثة نفر، لا أنَّ كلًّا منها نفرٌ، وإلَّا لكان المقبلون تسعة، وليس كذلك، بل كانوا ثلاثة فقط. (فأقبل اثنان) ذكره بعد فاقبل ثلاثة؛ لأنَّ التقدير: فأقبل اثنان منهم؛ أو لأن إقبالَ الثلاثة: إقبالٌ إلى المجلس، أو إلى جهة أهله، وإقبال الاثنين: إقبالٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ¬
(فوقفا على رسول الله) أي: على مجلسه. (وأما الآخر) بفتح الخاءِ، أي: الثاني. (فأدبر) أي: ولَّى. (ذاهبًا) أي: حال كونه ذاهبًا، فذاهبًا حالٌ مقدرة؛ إذ الإدبار لا يستلزمُ الذهابَ فسقط ما قيل: إن معنى "ذاهبًا" استمرَّ في ذهابه، وإلَّا أدبرَ مغنٍ عن "ذاهبًا". (فلمَّا فرغ رسولُ الله) أي: مما كان مشتغلًا به، من تعليم العلم، أو الذكر، أو الخطبة، ونحوها. (ألا) بالتخفيف حرف تنبيه، وفي الكلام طيٌّ، كأنهم قالوا: أخبرنا عنه، فقال (أما أحدهم فأوى ... إلخ). فقوله: (فأوى) بالقصرِ أكثر من المدِّ، أي: لجأ إلى الله، أو إلى مجلس ذكره. ومصدر المقصور: أويا على فعول، ومصدر الممدود: إيواء على إفعال. وقوله (فآواه الله) بالمدِّ أكثر من القصرِ، أي: جازاه بنظيرِ فعله بأن ضمَّه إلى رحمته ورضوانه، وهذا تفسير باللازم؛ إذ معناه الحقيقيُّ وهو الإنزال عند الله مستحيل في حقَّه تعالى، فهو من باب المشاكلة، كما في قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54]، وكذا القول في قوله: (فاستحيا فاستحيا الله منه) وفي قوله: (فأعرض فأعرض الله عنه) إذ الاستحياء: وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يذمُّ به، والإعراض: وهو الألتفات إلى جهة أخرى مستحيلانِ في حقه تعالى. وفي الحديث: أن السنَّةَ: الجلوسُ على وضعِ الحلقة، وأن يجلس الداخلُ حيث ينتهي إليه المجلس، وألا يزاحم الجلاسَ، إن لم يجد فُرْجَةً، وإن الإعراضَ عن مجلس العلم مذموم، وهو محمولٌ على من ذهبَ معرضًا لا لعذر.
9 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رب مبلغ أوعى من سامع"
9 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ" 67 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا"، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ" قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا" فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: "أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ" قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ". [105، 1741، 3197، 4406، 4662، 5550، 7078، 7447 - مسلم: 1679 - فتح: 1/ 157] (باب: قول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعى من سامعٍ) أي: أَفْهَم منهُ لما أقولُ، وفي رُبَّ: سبعونَ لغةً بينتها معَ زيادةٍ في: "شرحِ المنفرجةِ الكبير" وهي حرفٌ لا اسم، خلافًا للكوفيين، لكنها في الأصل للتقليل، وفي الاستعمالِ للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلًا. ومن بخصائصها إذ لم تكفّ بما عن العمل إنها لا تدخل إلَّا على نكرة ظاهرة أو مضمرة، وأن الفعلَ الذي تسلط على مجرورها يجب تأخيره عنها؛ لأنها لإنشاء التكثير أو التقليل ولها صدر الكلام، وفعلها يجيء محذوفًا، وماضيًا في الأكثر، وهو هنا محذوف، كعلمت ولقيت .. ومبلغ بفتح اللام أي: مبلغ إليه، وهو على القول بأن رُبَّ اسم مجموعهما كلام إضافيٌّ مبتدأ وأوعى من سامعٍ خبره، وعلى القولِ بأنها حرفُ محل مبلغ رفعَ بالابتداء وأوعى صفة له والخبر الفعل المحذوف أما إذا ذكر الفعل: فقد يكون محل مجرور رب نصبًا على
المفعولية نحو رب رجلٍ لقيت [وقد يكون محله رفعًا، أو نصبًا نحو: رب رجلٍ لقيته. (ابن عون) اسمه: عبد الله بن أرطبان البصري] (¬1). (ابن أبي بكرة) اسم أبي بكرة: نقيع بن الحارث. (قال) ساقط من نسخةٍ أي: قال أبو بكرة وقد (ذكر النبيُّ) ببنائه للفاعل وهو أبو بكرة وللمفعول وهو النبيُّ فهو منصوب: على الأول، ومرفوع: على الثاني، وقوله: (ذكر النبيّ) حال بقرينة رواية النسائي (¬2)، وذكر بالواو. وقوله: (قعد على بعيره) مقول القول وفي نسخة: "عن أبيه: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قعد على بعيره" وكان ذلك بمنى يوم النحرِ في حجَّةِ الوداعِ وإنما قعد على البعير لحاجته إلى إسماع الناس كلامه، فالنهيُ عن اتخاذ ظهور الدَّوَابِّ سائر، محمولٌ على: ماذا إذا لم تدعُ الحاجة إليه. (وأمسك إنسانٌ بخطامه أو بزمامه) شكٌّ من أبي بكرةَ، والخطام بكسر الخاءِ المعجمة: الزمام، وهو الذي يشدُّ في البُرَة، ثمَّ يشدُّ في طرفه المقودُ، وقد يسمَّى المقودُ: زمامًا، وزممتُ البعير: خطمتُه. والبرى: بضم الموحدة وتخفيف الراءِ، حلقة من صفر تجعل في أَحَدِ جانبي المنخرين، والإنسان المُمْسِك، قيل: بلالٌ، وقيل: عمرو بن خارجة، وقيلَ: أبو بكرةَ، وفائدةُ الإمساكِ: صونُ البعيرِ عن الاضطرابِ والإزعاجِ لراكبهِ. (فقالَ) في نسخةٍ: "قالَ". (سيسميه سوى اسمِه) فيه: إشارةٌ إلى ¬
تفويض الأمورِ إلى الشارعِ. (أليس يوم النحر؟) الاستفهام فيه وفيما بعده للتقرير، كما في قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]. (قلنا بلى) في نسخةٍ: "فقلنا بلى" وبَلَى: حرف مختص بالنفي، ويفيد إبطاله. (فقال: أليس بذي الحجة؟) بكسر الحاء وفتحها، وفي نسخة: "قال" بدل (فقال). (فإن دماءكم ... الخ) أي: انتهاكها؛ لأنَّ الذوات لا تحرم، والأعراض: جمع عرض بكسر العين: وهو موضع المدح والذمِّ من الإنسان وقيل: الحسب. وفي هذا الحديث كما قال النوويُّ: استحباب ضرب الأمثالِ (¬1)، وإلحاق النظير بالنظير قياسًا. (ليبلغ) أمر، وكسرت الغينُ فيهِ لالتقاءِ الساكنين. (الشاهدُ) أي: الحاضرُ في المجلسِ، والمراد: تبليغ تحريم ما ذكر، أو جميع الأحكام. (من هو أوعى له منه) أي: من الشاهدِ، و (منه) صلة أفعل التفضيل، وفصل بينهما بـ (له)؛ لأنه يتوسعُ في الجارِّ والمجرور، كالظرفِ ما لا يتوسع في غيرهما، بل يجوز الفصلُ بينهما بغير ذلك أيضًا، إذا لم يكن أجنبيًّا من كلِّ وجه، كقوله تعالى في قراءةِ ابن عامرٍ: {زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: 137] ببناءِ زين للمفعول ورفع قتل ونصب أولادهم وجرِّ شركائهم، واستنبط من الحديث: أنَّ حامل الحديث يؤخذ منه، وإن كان جاهلًا بمعناه. ¬
10 - باب: العلم قبل القول والعمل
10 - بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ} [محمد: 19] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ "وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ" وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وَقَالَ: {وَمَا يَعْقِلُهَا إلا العَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] وَقَالَ: {هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ " وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: "لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79] " حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ" [فتح: 1/ 159] (باب) ساقطٌ من نسخةٍ. (العلم قبل القولِ والعملِ) أي: يطلب قبلهما؛ إذ الشيءُ يعلم ثم يعملُ به، فهو مقدَّم بالذاتِ وكذا بالشرف؛ لأنه عملُ القلبِ، الذي هو أشرفُ الأعضاءِ، وبيَّن البخاريُّ بالترجمةِ مكانة العلم؛ لئلا يسبق إلى الذهن أن العلم لا ينفع إلا بالعملِ، فبيَّن أنَّه شرطٌ في القولِ والعملِ، مقدم عليهما، لا يعتبران إلا به.
(تعالى) في نسخةٍ: "عَزَّ وَجَلَّ". (فبدأ بالعلم) أي: قبل قوله في الآية: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19] المشار به إلى القولِ والعملِ والخطاب. بقوله: {فَاعْلَمْ} [محمد: 19] وإن كان للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فالمراد: ما يتناولُ أمته، أو هو خاصة والأمر للدوام والثبات، كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب: 1]. أي: دُمْ على التقوى، واثْبَتْ عليها. (وأنَّ العلماء) بفتح الهمزة عطفٌ على قولِ الله، أي: ولأنَّ العلماءَ وبكسرِها على سبيل الاستئنافِ، وقيل على سبيل الحكايةِ (ورثوا) بتشديد الراءِ مفتوحةً، أي: الأنبياءُ، وبتخفيفها مكسورةً أي: العلماءُ. (بحظٍّ وافرٍ) أي: بنصيب كاملٍ من ميراث النبوة. (طريقًا) نكرة ليتناول أنواع الطرقِ الموضلةِ إلى تحصيل العلوم الدينية. (علمًا) نكرة ليتناول القليل، والكثير. (سهَّل الله له) أي: في الآخرة، وفي الدنيا بأن يوفقَهُ للأعمالِ الصالحةِ الموصلة إلى الجنةِ. ({وَمَا يَعْقِلُهَا}) أي: الأمثالُ المضروبةُ، وحسنُها وفائدتُها. (من يردِ الله به خيرًا يفقهه) أي: "يفهِّمه" كما في نسخةٍ. (في الدِّين) علقه هنا ورواه قريبًا مسندًا (¬1). (وإنما العلم بالتعلم) في نسخةٍ: "بالتعليم" وهذا التعليقُ رواه الطبراني، وغيرُه مرفوعًا (¬2)، (وقال أبو ذرٍّ) اسمُه: جُنْدُبُ بنُ جنادةَ. (الصمصامه) بفتح الصادين المهملتينِ: السيفُ الصارمُ. (إلى قفاه) في نسخةٍ: "إلا القفا" وهو مقصورٌ يذكَّرُ ويؤنَّثُ (أُنفِذُ) بضم الهمزة، وكسر ¬
الفاء وبذالٍ معجمةٍ، أي: أُمضي، أو أُبلغ. (من النبيِّ) في نسخةٍ: "من رسولِ الله". (تُجيز) بضم أولهِ وبزايٍ أي: تمرُّ الصمصامةُ. (عليَّ) بتشديد الياء أي: على قفاي، والمعنى. قبل أنْ تقطعُوا رأسيَ. (لأنفذتها) بفتح الهمزةِ، والفاء، وتسكين الذالِ المعجمةِ، ولو هنا لمجردِ الشرط، كـ (إن)، لا لمعناها الأصلي، وهو امتناعُ الثاني لامتناعِ الأوَّلِ، أو هي مثلُ لو لم يخف الله لم يعصه حتى يكونَ الحكمُ ثابتًا في النقيضِ بطريق الأولى. هذا التعليقُ وصلَهُ الدارميُّ وغيره من حديثِ ابن مَرْثدٍ قال: جلستُ إلى أبي ذر والناسُ إليه عند الجمرةِ الوسطى يستفتونه فوقفَ عليه رجلٌ فقال: ألم ينهك أميرُ المؤمنين عنِ الفتوى، فقال: لو وضعتم الصمصامة على هذه الخ (¬1)، وإنما قال أبو ذرٍّ ذلك؛ حرصًا على تعليمِ العلمِ؛ طلبًا للثوابِ، وفي نسخةٍ: عقب لأنفذتُها لقولِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - "ليبلغِ الشاهدُ الغائبَ". (ربَّانيين) جمع ربَّاني، نسبةً إلى الربِ بزيادة الألف والنون، والرَّبَّاني: الكاملُ في العلم والعمل، ووجه النسبةِ: إخلاصهُم للرَّبِّ تعالى. (حلماءَ) جمعُ حليمٍ باللام، والحُلمُ: الطمأنينةُ عند الغضب وفي نسخةٍ: "حكماء" جمع حكيم بالكاف، والحكمةُ: صحةُ القولِ، والقصدِ، والفعل، وقيل: الفقهُ في الدينِ، وقيل: معرفةُ الأشياءِ على ما هي عليه. (فقهاء) في نسخةٍ: "علماءُ" وهذا التعليقُ وصلَهُ الخطيبُ، ¬
11 - باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا
وغيرُه بإسنادٍ حسنٍ. (بصغار العلم قبل كباره) أي: بجزيئات العلِم قبلَ كلياتِه، أو بفروعِه قبل أصولِه، أو بوسائِله قبل مقاصده، أو بما وضح مِن مسائِله قبل ما دقَّ منها. والربَّانيُّ على هذا القولِ منسوبٌ إلى التربية. 11 - بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا. 68 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا" [70، 6411 - مسلم: 2821 - فتح: 1/ 162] (باب: ما كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا) أي: يتباعدوا عنه، و (ما) مصدرية، أي: باب كون النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يتخَّول أصحابه، بخاءٍ معجمة مع لام أو نون، أي: يتعهدهم، وصوَّب بعضهُم أنه بحاءٍ مهملةِ ولامٍ أي: يطلبُ أحوالَهم التي ينشطون فيها للموعظةِ، فيعظهم بها ولا يكثر عليهم فيملوا الموعظة: النصحُ، والتذكير بالعواقبِ، وعطفُ العلمِ على الموعظةِ من عطفِ العامِّ على الخاصِّ. (محمدُ بنُ يوسف) أي: ابن واقدٍ الفريابي. (أخبرنا سفيان) في نسخةٍ: "حدثنا سفيان" وهو الثوريُّ. (كراهة) بالنصب مفعولٌ له أي: لأجلِ كراهةٍ. (السآمة) أي: الملالةُ من الوعظِ. (علينا) أي: لا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وفي نسخةٍ: "كراهيَّهِ". بياءٍ مشددة، وسأم: يتعدى بمِن، وهي محذوفة هنا أي: السآمة من الوعظ، و (علينا) متعلقٌ بالسآمة بتضمينها معنى المشقةِ أي: صفة لها، أي: كراهة السآمةِ الطارئة علينًا، أو حالٌ منها، أي: كراهةُ السآمة حال كونها طارنةً علينا.
12 - باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة
69 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا". [6125 - مسلم 1734 - فتح: 1/ 163] (يحيى) في نسخةٍ: "يحيى بنُ سعيد". (أبو التياح) بفتح المثناة، وتشديدِ التحتية، وبالحاء المهملةِ. اسمه: يزيد بنُ حميدٍ الضبعيُّ. (يسِّروا) من اليُسر، ضدَّ العسر. (ولا تُعسِّروا) ذكر تأكيدًا، وإلَّا فالأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه؛ ولأنَّه لو اقتصر على اليُسرِ صدق على من أتى به مرَّة، وبالعسرِ: بعض أوقاته، فلمَّا قال: ولا تعسروا انتفى التعسير في كل الأوقات. (وبشِّروا) من البشارةِ: وهي الإخبارُ بالخير ضدُّ النذارة. (ولا تنفروا) قابلَ به بشِّروا مع أنَّ ضدَّ البشارةِ: النذارة؛ لأنَّ القصد من النذارةِ: التنفير فصرَّح بالمقصود منها. 12 - بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً 70 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا" [انظر: 68 - مسلم 2821 - فتح: 1/ 163] (باب: من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة) في نسخة: "معلومات" وفي أخرى: "يومًا معلومًا". (عثمان بن أبي شيبة) اسمُ أبي شيبةً: محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أبي عثمانَ العبسيِّ. (جرير) هو ابن عبد الحميدِ الضبي. (منصور) هو ابن المعتمرِ بنِ عبدِ الله. (عبد الله) هو ابن مسعود.
13 - باب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين
(رجلٌ) قال شيخنا: يشبه أن يكون يزيد بن معاوية النخعيَّ (¬1). (لوددتُ) أي: أحببتُ، وهو جوابُ قسمِ محذوفٌ. (أما) بالتخفيفِ: حرفُ تنبيهٍ، أو بمعنا حقًّا. (إنه) بكسر الهمزة: على الأول وبفتحها: على الثاني، والضمير للشان. (أملكم) بضمِّ الهمزة، أي: أوقعكم في الملل. (وإنِّي) بكسر الهمزة، عطف على (إنه) على الأول، واستئنافٌ على الثاني. (علينا) متعلق بمخافة، أو بالسآمة، أو صفة للسآمة، أو جارٌّ منها، كما مرَّ. 13 - بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. 71 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاويَةَ، خَطِيبًا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ". [3116، 3641، 7312، 7460 - مسلم: 1037 - فتح: 1/ 164] (باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه) أي: يُفَهمه، كما مرّ. (في الدين) ساقطٌ من نسخةٍ. (عفير) بضمِّ المهملة وفتح الفاءِ وسكون التحتية. (ابن وهب) بسكون الهاء، اسمه: عبد الله بن وهب [بن مسلم القرشي] (¬2). (عن يونس) أي: ابن يزيد الأيليِّ. (معاوية) أي: ابن أبي سفيان صخر بن حرب. (خطيبًا) حال من معاوية. (النبيُّ) في نسخة: "رسولُ الله". (يرد الله) بضمِّ التحتية مِنَ الإرادةِ، وهو تخصيص أحد طرفي الجائز بالوقوع. ¬
(خيرًا) أي: منفعة ونكره للتعميم؛ لأنه في سياق الشرط أو للتعظيم لاقتضاءِ المقامِ إيَّاه. (وإنما أنا قاسم) الواو للحال من فاعل (يفقهه) أو من مفعوله. أي: وأنا أقسم بينكم بتبليغ الوحي من غير تخصيص. (والله يُعطي) أي: كلَّ واحدٍ منكم منَ الفهم على قدرِ ما تعلقتْ به إرادتُه تعالى فالتفاوت في أفهامكم منه تَعالَى، وتقديم المسند إليه فيما ذكرة للتقوية، أو للاختصاص، أي: الله يعطي لا غيره، والجملة حال، أي: إنما أنا قاسم، في حال إعطاء الله تعالى لا في حالٍ غيره، والحصر في كونه - صلى الله عليه وسلم - قاسمًا: ليس حقيقيًّا إذ له صفات أخر، بل هو إما ردٌّ على من اعتقد أنه يعطي ويقسم، فهو قصر إفراد، أو يعطي ولا يقسم، فقصر قلب. (ولن تزال) فعلٌ ناقصٌ ملازم للنفي، بخلاف زال يزول أي: ذهب، وبخلاف زال يزيل أي: ميز. (على أمرِ الله) أي: على الدين الحق. (حتَّى يأتيَ أمرُ الله) أي: القيامة، إذ لا تكاليف فيها، فالمراد من الدين الحق: التكاليف، أو هو باق على معناه، والغاية لتأكيد التأييد على حدِّ قوله تعالى {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود: 108]. أو هي غاية لقوله: (لا يضرهم) ويكون المعنى حتَّى يأتيَ بلاء الله. (فيضرهم) فسقط ما قيل: إنه يلزم من الحديث أن تكون الأمة يوم القيامة على غير الحقِّ؛ لأن ما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها. وفي الحديث: حجة الإجماع، وفضل العلماء على سائر الناس، وفضل الفقه في الدين على سائر العلوم. وأن هذه الأمة آخر الأمم. وأن عليها تقوم الساعة، وخبر: "لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحد الله
14 - باب الفهم في العلم
الله" (¬1)، وخبر: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" (¬2) فجوابها: أن العموم فيهما أريد به خصوص، من حيث إن أهل الحق منحازون عن غيرهم، أو المعنى: لا تقوم على أحد يوحد الله تعالى إلا بموضع كذا فإن به طائفة على الحق، ولا تقوم إلا على شرار الناس. والمراد كما قال النوويُّ بأمرِ الله: الريح اللينة التي تأتي قرب القيامة فتأخذ روح كلِّ مؤمن ومؤمنة، والخبران المتقدمان على ظاهرهما. 14 - بَابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ. 72 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ"، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". [انظر: 61 - مسلم: 2811 - فقح: 1/ 165] (باب: الفهم في العلم) الفهم: جودة الذهن، والذهن: قوة يتصور بها الصور والمعاني. والعلم: إدراك الشيءِ، فظرفيته للفهم صحيحة؛ لتغايرهما، وفسر الجوهريُّ الفهم: بالعلم (¬3) فلزم ظرفية الشيءِ لنفسه، وأجيب عنه: بأن العلم بمعنى المعلوم. (عليّ) هو ابن عبد الله، أي: المدينيّ، وسقط من نسخة: (هو ابن عبد الله). (ابن أبي نجيح) اسمه: عبد الله، واسم أبي نجيح: ¬
15 - باب الاغتباط في العلم والحكمة
يسار. (مجاهد) أي: ابن جبر، وقيل: ابن جبير، بالتصغير. (إلا المدينة) أي: النبوية. (إلا حديثًا واحدً) هو الحديث الذي ذكره عقبة، وإن اقتصر على الواحدة لعدم نشاطه؛ ولعدم سؤاله، وقيل؛ لأنه كان مستوفيًا للحديث. ورُدَّ بأنه كان من المكثرين. (فأُتِيَ) بضم الهمزة. (بجُمَّار) بضم الجيم وتشديد الميم قلب النخلة وشحمتها. (مثلها كمثل المسلم) بفتح الميم والمثلثة فيهما على المشهور، أي: صفتها العجيبة، كصفة المسلم كما مرَّ، مع زيادة في باب: قول المحدث: حدثنا، وأخبرنا (¬1). (أن أقولَ) أي: في جواب ذلك. (فسكتُ) بضم التاء، أي: حياءً وتعظيمًا للأكابر. (قالَ النبيُّ) في نسخةٍ: "فقال النبيُّ". ووجه مناسبة الحديث للترجمة: أن ابن عمرَ لمَّا ذكر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المسألة عند إحضار الجمَّار إليه، فهم أن المسئول عنه النخلة؛ بقرينة الإتيان بجُمَّارها. 15 - بَابُ الاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ. وَقَالَ عُمَرُ: "تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا". 73 - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا حَسَدَ إلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا". [1409، 7141، 7316 - مسلم 816 - فتح: 1/ 165] ¬
(باب: الاغتباط في العلم والحكمة) الاغتباط: افتعالٌ من الغبطة: وهي تمني مثل ما للمغبوط، من غير زوال عنه [بخلاف الحسد فإنه مع تمني الزوال عنه] (¬1) والحكمة: معرفة الشيء على ما هو عليه، فهو بمعنى: العلم، وعطفه عليه عطف تفسير، إلا أن يفسر أحدهما بما يشملُ الظنَّ، فيكون من عطف العام على الخاص، أو عكسه. (تفقهوا) أي: "تفهموا" كما في نسخة. (قبل أن تسودوا) بضم الفوقية وتشديد الواو المفتوحة، أي: تصيروا سادة فتمنعكم الأنفة من الأخذ عن غيركم فتبقوا جهالًا، وفي نسخة: عقب (تسودوا). "وقال أبو عبد الله" وبعد أن تسودوا: "وقد تعلم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كبر سنهم". (لا حسد) أي: جائز. (إلا في اثنتين) بتاء التأنيث أي: خصلتين. (رجل) بالجرِّ: بدل من اثنتين على حذف مضاف أي: خصلة رجلٍ، وبالنصب بأعني، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف. (فسلط) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "فسلطة" بالبناء للفاعل. (على هلكته) بفتح اللام، أي: هلاكه. (في الحق) أي: لا في التبذير، ووجوه المكاره. (أتاه الله الحكمة) أي: القرآن، أو كلُّ ما منع من الجهل والبقبيح، والاستثناءُ منقطع؛ لأن المستثنى في الحقيقة غبطةٌ، والمستثنى منه حسد، فإن حمل الحسد على الغبطة كان الاستثناء متصلًا، لكن يلزم عليه أن الغبطة حرام في غير المستثنى، وهو باطل، وإنما نكَّر مالًا وعرَّف الحكمة؛ لأن المراد بها: معهود، وهو ما جاء به الشرع. ¬
16 - باب ما ذكر في ذهاب موسى صلى الله عليه وسلم في البحر إلى الخضر
وفي الحديث: الترغيب في التصدق، وتعلم العلم، وأن الغنيَّ إذا قام بشروط المال، وفعل فيه ما يرضي ربه كان أفضل من الفقير العاجز عن ذلك. 16 - بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) [الكهف: 66]. [فتح: 1/ 167] (باب: ما ذكر في ذهاب موسى) أي: ابن عمران. (في البحر إلى الخضرِ) هو بفتح الخاءِ وكسر الضاد المعجمتين أشهر من فتحها، أو كسرها مع سكون الضاد فيهما، لقب له لُقِّبَ به، كما سيأتي في كتاب الأنبياء، أنه جلس على فروة بيضاء فإذا هيَ تهتزُّ من خلفه خضراء (¬1)، والفروة: وجه الأرض، وقيل: نباتٌ مجتمع يابس، وكنيته: أبو العباس، واختلف في اسمه، فقيل: بليا بفتح الموحدة وسكون اللام، وبتحتية، وهو ما اقتصر النوويُّ على نقله، وقيل: إبليا، وقيل: خضرون، وقيل: أحمد، وقيل: عامر، وقيل: إرثا، وقيل: غير ذلك. واختلف فيه، أهو نبيٌّ؟ أو رسولٌ أو وليٌّ أو ملكٌ؟ والصحيح: أنه نبيٌّ، واختلفَ في حياته، والجمهور: على أنه حيُّ إلى يوم القيامة، لشربه من ماءِ الحياة، واختلف في اسم أبيه، فقيل: ملكانُ بفتح الميم وسكون اللام وبالكاف، وقيل: فرعونٌ صاحب موسى، وقيل: مالكٌ أخو إلياس، وقيل: بعضُ من آمن بإبراهيم، وقيل: آدم: عيصو، وقيل: فارس ¬
74 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ " قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ" [78، 122، 2267، 2728، 3278، 3400، 3401، 4725، 4726، 4727، 6672، 7478 - مسلم: 2380 - فتح: 1/ 168] (حدثني) وفي نسخةٍ: "حدثنا". (غُريرٍ الزهري) بضم المعجمة، وبرائين مهملتين، أي: ابن الوليد القرشيُّ. (يعقوبُ بنُ إبراهيم) أي: ابن سعد القرشيُّ. (قال: حدثني) في نسخةٍ: "قال: حدثنا". (حدَّث) في نسخة: "حدَّثه". (تمارى) أي: تنازعا. (والحُرُّ) بضم الحاءِ، وتشديد الراءِ. (الفزاري) نسبةً إلى فزارة بن شيبان. (أُبَيُّ بنُ كعبِ) أي: ابن منذرٍ الأنصاريُّ. (فدعاه) أي: ناداه. (سمعتَ رسولَ الله) في نسخة: "سمعتَ النبيَّ" (في ملإِ) بالقصر أي: جماعة، أو أشراف. (بني إسرائيل) أي:
يعقوب، فإسرائيل: لقبُ يعقوبَ، وبنوه اثنى عشر وهم الأسباط، وسمُّوا به؛ لأنَّ كلًّا منهم ولد قبيلةً، وجميعُ بني إسرائيلَ من هؤلاء المذكورين. (قال موسى) في نسخة: "فقال موسى". (لا) أي: لا أعلم أحدًا أعلمُ مني، وفيه: زيادةٌ تأتي في التفسيرِ (¬1). (فأوحى الله) زاد في نسخةٍ: "عَزَّ وَجَلَّ". (بلى) في نسخةٍ: "بل". (عبدنا) الأصلُ فيه: أنْ يقالَ عبدُ الله، لكن هذا على سبيل الحكاية عن قوله الله تعالى. (خضر) في نسخة: "الخضر"، والمعنى: بلى عبدنا خضرٌ أعلمُ منك بما أعلمته من الغيوب، وحوادثِ القدرةِ مما لا يعلمُ الأنبياءُ منه، إلَّا ما أُعلموا به، وإلَّا فلا ريب أن موسى لله أعلمُ بوظائفِ النبوةِ، وأمورِ الشريعة، وسياسةُ الأمةِ. (آية) أي: علامة لمكانِ الخضرِ، ولقيه حيث قال له الله تعالى: اطلبه على ساحلِ البحرِ عند الصخرة، قال: كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتل فحيث فقدتَه فهو هناك، فقيل: أخذ سمكةً مملوحةً، وقال لفتاه: (إذا فقدت الحوت) فأخبرني، فاضطرب الحوتُ، فوقع في البحر، وقيل: نزلَ على شاطئٍ عين من عينِ الحياةِ، فلمَّا أصابَ السمكةَ رَوْحُ الماء وتردده عاشتْ، وقيل: توضأ يوشع من تلك العينِ، ¬
17 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم علمه الكتاب"
فانتضح الماء على الحوتِ فعاش، ووقع في الماء، وقيل كان الحوتُ مشويًّا، وحياتُه بما ذكر معجزة لموسى، أو الخضرِ عليهما السلامُ. (وكان) في نسخةٍ: "لكان". (يتبع أثر الحوت) بتشديد الفوقيةِ، أي: ينتظرُ فقدانه. (فقال لموسى فتاه) أي: صاحبُه، وهو يوشعُ بنُ نونٍ، وإنَّما قيل: فتاه؛ لأنَّه كان يخدمه، ويَتَّبِعُه، ويأخذُ العلمَ عنه (أرأيت) أي: تنبَّه. (إلى الصخرةِ) هي التي رقد عندها موسى - عليه السلام -أو التي دون نهرِ الزيتِ بالمغربِ. (نسيت الحوت) أي: نسيت تفقُّدَ أمرِه مما جعل أمارةً. (أن أذكره) بدل من هاء أنسانيه. (قال ذلك ما كنا نبغي) أي: قال موسى: فقدانُ الحوتِ: البغيةُ. (فارتدَّا) أي: رجعا (على آثارهما) أي: في الطريق الذي جاءا فيه. (قصصًا) أي: يقصَّان قصصًا، أي: يتبعان آثارهما اتباعًا. (الذي قصَّ الله عَزَّ وَجَلَّ في كتابه) أي: من قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك) [الكهف: 66] ... الخ): ذلك. وفي الحديث: جواز التماري في العلم إذا كان كلٌّ يطلب الحقَّ لا التعنتَ، والرجوعُ إلى قول أهلِ العلمِ عند التنازع، والرغبةُ في المزيد في العلم، والحرصُ عليه، ووجوبُ التواضعِ، فإنه تعالى عاتبه حين لم يردِّ العلَمَ إليه، وأراه من هو أعلم منه، وحمل الزَّادِ، وإعدادُهُ في السفر، وإنَّه لا بأس على العالم أنْ يخدمه المفضولُ. 17 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ". 75 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ" [143، 3756، 7270 - مسلم 2477 - فتح: 1/ 169]
(باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم علِّمه الكتاب) أي: حفِّظه، أو فهمه، وهاء علمه لابن عباس بقرينةٍ الحديثِ الآتي والسابقِ في الباب قبلَه و (الكتابُ): القرآن. (أبو معمر) اسمه: عبدُ الله بنُ أبي الحجاجِ البصريُّ. (عبد الوارث) أي: ابن سعيدٍ بنِ زكوان التيميُّ. (خالد) هو ابنُ مهران. (عكرمة) هو أبو عبد الله المدني. (ضمني رسولُ الله) في نسخة: "ضمني النبيُّ" أي: ضمني إلى نفسهِ، أو صدرهِ. (علمه الكتاب) أي: القرآن، وعلمه هنا بمعنى: عرِّفه، فلا يتعدى إلا إلى مفعولين، وهما هنا: الضمير والكتابُ، ودعوة النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مستجابة، فقد كان ابن عباس بحر العلم وحبر الأمة. وفي الحديث: جواز الضمِّ، أي: المعانقة، وهي جائزة للطفل وللقادم من سفر ونحوه، بلا كراهة ولغيرهما بها، وهذا كلُّه في غير الأمرد: الحسن الوجه، أمَّا فيه فالظاهر كما قال النوويُّ: إنه حرام، وفيه أيضًا: الحثُّ على تعليم القرآن، والدعاء إلى الله تعالى في ذلك. ورواه البخاريُّ في: فضائل الصحابة بلفظ: "علمه الحكمة" (¬1)، وفي الوضوءِ: "فقهه في الدين" (¬2)، وكلٌّ صحيح، فلقد كان ابن عبَّاس عالمًا بكلٍّ منها. ¬
18 - باب: متى يصح سماع الصغير؟
18 - بَابٌ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟ 76 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ". [413، 861، 1857، 4412 - مسلم 504 - فتح: 11/ 171] (باب: متى يصح سماعُ الصغير) في نسخةٍ: "الصبيُّ". (إسماعيل) هو ابن أبي أويس. (أتان) بمثناة أي: أنثى الحمير، ولا يقال: أتانة على المشهورِ، بخلاف حمارة، وهو بالجرِّ بدلٌ من حمار، أو وصفٌ على معنى أنثى، وروي بإضافةِ حمار إلا أتان، أي: حمار هذا النوعِ. (ناهزت) أي: قاربت. (الاحتلام) أي: البلوغُ الشرعيُّ، وهو مشتقٌّ من الحلم بضمِّ اللام: وهو ما يراه النائم، واختلف في سنِّ ابن عبَّاسِ عندِ وفاة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقيلَ: عشر (¬1)، وقيل: ثلاث عشرة (¬2)، وقيل: خمس عشرة (¬3). (بمنى) بالصرفِ وعدمهِ، باعتبارِ كونهِ علمَ المكانِ. أو العقبة، ¬
كما جرى عليه النوويُّ (¬1)، وغيره، واقتصر الجوهريُّ (¬2) على الأوَّل، حيث قال: ومنى: موضع بمكة، وهو مذكر يصرف، وسمِّي منى لما يُمنَى به، أي: يراقُ فيه من الدِّماءِ. (إلى غير جدارٍ) يعني: إلى غير سترة، بقرينة السياق؛ لأن ابن عبَّاس أورده في معرض الاستدلال، على أن المرور بين يدي المصلِّي لا يقطع صلاته، وبقرينة خبر البزار: والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي ليس شيءٌ يستره. (بينَ يدي بعضِ الصفِّ) أي: قدامُه، والصفُّ يحتملُ: الجنس، أي: بعض الصفوفِ، والوحدة أي: بعضُ صفٍّ واحدٍ. (ترتع) أي: تأكل، والجملة: حالٌ من الأتانِ مقدرة؛ لأن الإرسالَ ليسَ حالَ الرتعِ. (ودخلت الصفِّ) في نسخة: "فدخلت في الصفِّ". (ينكر) بفتح الكاف، وأدخل البخاريُّ هذا الحديث في ترجمة سماع الصبيِّ، مع أنه لا سماع فيه، لتنزيل عدم إنكار المرور منزلة السماع حينئذٍ. وفي الحديث: صحة صلاة الصبيِّ، وأن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، والاحتجاج بعدم إنكار النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على جواز نقل الحديث، والركوب إلا صلاة الجماعة، وأن الإمام يصلِّي إلى غير سترة، وصحة تحمل الصغير، وتأديته بعد البلوغ، وكذا شهادته بما تحمله قبل البلوغ، ويلحق به في ذلك العبد، والفاسق، والكافر. ¬
19 - باب الخروج في طلب العلم
77 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: "عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ". [189، 839، 1185، 6354، 6422 - مسلم: 33 سيأتي 657 - فتح: 1/ 172] (حدَّثني محمد) في نسخة: "حدثنا محمد". (أبو مُسْهِرٍ) بوزن مسلم، واسمه: عبد الأعلى بن مسهر الغسَّانيُّ. (حدثني محمد) في نسخةٍ: "حدَّثنا محمدٌ" كنيتُه: أبو عبدِ الله بنُ حَرْبٍ بفتح المهملةِ وسكونِ الراءِ، وبالموحدةِ. (الزبيديُّ) بضمِّ الزايِ وفتحِ الموحدةِ: هوَ أبوُ الهذيلِ محمدُ بن الوليدِ، فالزبيديُّ: لقبُه، وأبو الهذيلِ: كنيتُه، ومحمدٌ: اسمهُ. (محمودِ بنِ الربيعِ) بفتحِ الراءِ وكسرِ الموحدةِ، أي: ابن سراقَة الأنصاريّ. (عَقَلْتُ) بفتح القافِ، أي: عرفتُ أو حفظت. (مجَّها) أي: رمى بها مع نفخٍ. (في وجهي) حال، وضميرُ مجَّها: مفعول مطلق، أو مفعول به. (من دلوٍ) أي: من مائها من بئرٍ كانتْ في دارهم. وفي الحديث: إِباحةُ مجّ الريقِ على الوجهِ لمصلحة، وطهارته، وثبوت الصحبة بذلك، وجواز مداعبة الصغير. 19 - بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ. وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. 78 - حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَاضِي حِمْصَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا
أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ مُوسَى: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ". [انظر: 74 - مسلم 2380 - فتح: 1/ 173] (باب: الخروج في طلبِ العلمِ) أي: السفرُ لتعلمِ العلم. (جابر بن عبد الله) هو الأنصاريُّ، الصحابيُّ، ابن أنيس، مصغر، أي: الجهنيُّ. (في حديث واحد) هو حديث المظالمِ والقصاصِ المرويُّ فيها، وفي الأدب بلفظ: "يحشرُ الله العبادَ فيناديهم بصوت .. إلخ" (¬1)، وقيل: هو: حديث الستر على المسلم المرويُّ بلفظ: "من ستر مؤمنًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة". (ابن خَلِيٍّ) بفتحِ المعجمةِ وكسرِ اللَّامِ المخففةِ لا المشددةِ، كما وقع لبعضهم (قاضي حمصِ) ساقط من نسخةٍ. (قال الأوزاعيُّ) بفتح الهمزة؛ نسبة إلى الأوزاع، قريةِ بقربِ دمشقٍ، أو بطن من حميرٍ (¬2)، أو ¬
20 - باب فضل من علم وعلم
من همدان بسكونِ الميم، أو أوزاع القبائلِ، أي: فرقها، وكنيته أبو عمرو واسمه: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، وقيل كان اسمه: عبد العزيز فسمَّى نفسه عبد الرحمن. (سمعت النبيَّ) في نسخة: "سمعت رسولَ الله". (فقال أتعلم؟) في نسخة: "قال أتعلم؟ " وفي أخرى: "تعلم؟ " بلا همزة، وفي أخرى: "هل تعلم؟ ". (أحدًا أعلم) في نسخة: "أن أحدًا أعلم". (بلى) في نسخة: "بل"، كما مرَّ نظيره. (في البحر) في نسخةٍ: "في الماء". 20 - بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ. 79 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ، قَاعٌ يَعْلُوهُ المَاءُ، وَالصَّفْصَفُ المُسْتَوي مِنَ الأَرْضِ. [مسلم: 2282 - فتح: 1/ 175] (باب: فضل من علم وعلَّم) أي: فضل العالم والمعلم. (حدثنا محمد بن العلاء) بالمهملةِ والمدِّ، أي: ابن كريب بالتصغير، الهمداني: بسكون الميم. (حمَّاد) بفتحِ المهملةِ وتشديد الميمِ. (ابن أسامة) أي: ابن يزيد القرشيُّ.
(من الهُدى) هو الدلالة الموصلة إلى البغية. (والعلم) هو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل متعلقه النقيض، والمراد به هنا: الأدلة الشرعية. (كمثل الغيث) أي: المطر. (نقية) بالنون، أي: طيبة، وفي نسخة: "ثغبة" بالمثلثة وغين معجمة ساكنة وموحدة: وهو مستنقع الماءِ في الجبال والصخور. ورد: بان هذه النسخة غلط من الناقلين، وتصحيف، وإحالة للمعنى؛ لأنه إنما جعلت هذه الطائفة مثلًا لما ينبت، والثغب لا ينبت. (قبلت) بالموحدة من القبول. (قال إسحاق) هو ابن راهويه شيخ البخاريّ، وفي نسخة: "قال أبو عبد الله: قال إسحاق". (وكان منها طائفة قيلت الماء) بتحتية مشددة من القيل: وهو شرب وسط النهار، أي: سقيت الماء فشربته، وهو: المراد بقول الكرمانيّ (¬1)، قالوا معناه أمسكت. وفي نسخة: "قبلت الماء" بموحدة. وقوله: (قال ... إلخ) ساقط هنا من نسخ، بل هو مكتوبٌ فيها آخر الحديث بلفظ: "قال أبو عبد الله: وقال إسحاق .. إلخ". (الكلأ) بالهمز، النبات يابسًا ورطبًا. (والعشب) النبات رطبًا. كالخلا بالمعجمة والقصر فهو من عطف الخاص على العام، والحشيش مختص باليابس. (أجادب) بجيم ودالٍ مهملة، أي: أرضٌ لا تنبت الكلأ وهو جمع جدب أي: قحط على غير قياس، والقياس: جمع جديب، أو جدب، كما قالوا في جمع حسن ومحاسن والقياس: أنه جمع محسن، وفي نسخة: "إخاذات" بهمزة مكسورة وبمعجمتين، جمع: إخاذة: وهي الأرض التي لا تمسك، ويقال: هيَ الغدراء بالدَّالِ. (فنفع الله بها) أي: بالأجادب، وفي نسخة: "به" أي: بما ذكر. ¬
(منها) حال من قوله: (طائفة أخرى) أي: من الأرضِ، وطائفة: مفعول أصاب. (قيعان) بكسر القاف: جمع قاع: وهو الأرض المتسعة الملساء، وقيل: الأرض التي لا تنبت، وهو المراد هنا. (وسقوا) يقال: سقى وأسقى لغتان، وقيل: سقاه: ناوله، وأسقاه: جعل له سقيًا. (فقه) بضمِّ القافِ أجود من كسرها، يقال: فقه بالضمّ: إذا صار الفقه له سجيَّة، وفقه بالكسر: إذا فهم، وفقه بالفتح: إذا سبق غيره إلى الفهم، قاله ابن القطاع وغيره (¬1). (ونفعه) عطفٌ على فقه. (ما بعثني الله به) فاعل نفعه. (لم يرفع بذلك رأسًا) أي: تكبرًا، فلم يلتفت إليه لتكبره. (فعِلمَ وعلَّم) اكتفى بهما عن ذكر الهدى؛ لاستلزامهما إياه، بقرينة المقام. (ولم يقبل هدى الله) اكتفى به عن ذكر العلم؛ لاستلزمه إياه، ولا يخفى ما اشتمل عليه الحديث من بديع التقسيم، ومن [حسن] (¬2) تشبيه كلِّ قسمٍ من الناس في إجابة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقسم من أقسام المطر، إذا نزل على الأرض، لكن المصرح به في الأرض ثلاثة أقسام، وفي الناس قسمانِ: من تحمَّلَ العلم وتفقه فيه شُبِّه بالأرض الطيبة تنبت فانتفعت وانتفع بنباتها الناس، ومن تحمَّلَ ولم يتفقه فيه لعدم الأذهان الثابتة والرسوخ في العلم المؤدي إلا استنباط الأحكام، ¬
21 - باب رفع العلم وظهور الجهل
فهذا قد ينفع الناس فأشبه بالأرض الصلبة لم تنبت ولكن تمسك الماء فيأخذه الناس وينتفعون به، وهذا القسم من الناسِ غير مصرَّح به في الحديث ومن الأرض صرَّح به فيه، ومن لم يتحمَّل ولم يتفقه فيه، كالقيعان التي لا تمسك الماء، بل هي سباخ. فالأول: لمن نفع وانتفع وهم العلماء. والثاني: لمن نفع ولم ينتفع وهم النقلة، والثالث: لمن لم ينفع ولم ينتفع وهم من لا علم له ولا نقل. (الذي أرسلت به) زاد البخاريُّ في نسخة: "قاع يعلوه الماء والصفصف: المستوي من الأرض". قال شيخُنا: وأراد به أن قيعان المذكورة في الحديث جمع قاع (¬1)، وأنها الأرض التي يعلوها الماء، ولا يستقرُّ فيها، وإنما ذكر الصّفصف معه جريًا على عادته في الاعتناءِ بما يقع في الحديث من الألفاظ الواقعة في القرآن وقد يستطرد. 21 - بَابُ رَفْعِ العِلْمِ وَظُهُورِ الجَهْلِ. وقَالَ رَبِيعَةُ: "لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ". 80 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا". [81، 5231، 5577، 6808 - مسلم 2671 - فتح: 1/ 178] ¬
(باب: رفع. العلم وظهور الجهل) أي: الثاني للإيضاح، وإلا فالأول مستلزم له. (وقال ربيعة) أي: ربيعة الرأي، بالهمزة الساكنة: ابن عبد الرحمن المدنيُّ التابعي شيخ الإمام مالك، وإنما قيل له: الرأي؛ لكثرة اشتغاله بالرأي والاجتهاد. (من العلم) أي: الفهم. (أن يضيع نفسه) أي: يترك الاشتغال؛ لئلا يرتفع العلم. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (أشراط الساعة) أي: علاماتها. (أن يرفع العلم) أي: بموت العلماء لا بنزعه من الصدور، بقرينة خبر: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبضه بقبض العلماء" (¬1). (ويثبت) من الثبوت وفي نسخةٍ: "ويبثُّ" بمثله مشددة في آخره من البثِّ: وهو الانتشار، وفي أخرى: "وينبت" بمثناةٍ مخففةٍ في آخره، من النبات. (ويُشرب الخمرُ) بضمِّ أوله، أي: يفشو شربه إذ فشوه: هو العلامة. (ويظهر الزنا) بالقصرِ: بلغة أهل الحجاز وبالمدّ: بلغة أهل نجد، وبالنسبةِ إلى الأول: زنويّ، وإلى الثاني: زنائيّ. 81 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ". [انظر: 80 - مسلم: 2671 - فتح: 1/ 178] ¬
(يحيى) أي: ابن سعيد القطَّان. (عن أنسٍ) في نسخةٍ: "عن أنس بن مالكٍ". (لأحدثنكم) بفتح اللام، جواب قسم محذوف. (حديثًا) قائم مقام المفعول الثاني والثالث لأحدث. (لا يحدثكم أحد) أي: به، قال ذلك؛ إمَّا لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعلمه به، أو لأنه لم يبق من الصحابة حينئذٍ غيره، أو لحثِّه الناسَ على طلبِ العلمِ؛ لِما رأى من تفريطهم فيه. (سمعت) بيان لأحدثنكم، أو بدلٌ منه. (رسول الله) في نسخةٍ: "النبيُّ". (من أشراط الساعة) في نسخة: "أن من أشراط الساعة". (يقلُّ العلم) بكسر القاف، ولا منافاة بينه وبين ما مرَّ من الرفعِ؛ لأن القلة قد يعبر بها عن العدم، أو ذلك باعتبار زمانين: مبدأ الأشراط وانتهائها، ولذلك قال ثم: ويثبت الجهل، وهنا: ويظهر. (ويقل الرجال) أي: لكثرة القتل بسبب الفتن. (لخمسين امرأة) يحتمل إرادة حقيقة هذا العدد، وأن يراد بها كونها مجازًا: عن الكثرة، قال الكرمانيُّ: ولعلَّ السرَّ في ذكر الخمسين؛ أن الأربعة هي كمال نصاب الزوجات، فاعتبر الجمال مع زيادة واحدة عليه؛ ليصير فوق الكمال؛ مبالغة في الكثرة؛ أو لأن الأربعة تؤلف منها العشرة، فيزيد فوق الأصلِ واحد، ثم اعتبر كلُّ واحدٍ منها بعشرة؛ تأكيدًا للكثرة، ومبالغةً فيها (¬1). (القيم الواحد) أي: من يقوم بأمرهنَّ، واللام فيه للعهد، في كون الرجالِ قوَّامين على النساءِ، وللتخصيص لهذه الأمور نكتة وهي كونها مشعرة باختلال الضروريات الخمس الواجب رعايتها في جميع ¬
22 - باب فضل العلم
الأديان، فرفعُ العلمِ مخلٌّ بالدِّين، وشربُ الخمرِ بالعقلِ وبالمالِ، وقلة الرجال بالنفسِ، وظهور الزنا بالنسب. 22 - باب فَضْلِ العِلْم. 82 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ" قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "العِلْمَ". [3681، 7006، 7007، 7027، 7032 - مسلم: 2391 - فتح: 1/ 180] (باب: فضل العلم) أي: زيادته بمعنى كثرته، بخلاف ما مرَّ في كتاب: العلم، فإن المراد به: فضيلته، فلا تكرار. (سعيد بن عفير) بضمِّ العين المهملة وفتح الفاءِ. (حدثني) في نسخة: "حدثنا الليث". (حدثني عقيل) بضمِّ العين وفتح القاف، أي: ابن خالد الأيليُّ، ونسخة: "عن عقيل". (قال: بينا) في نسخةٍ: "يقولُ بينا". (حتَّى إنِّي) بكسر إني؛ لوقوعها بعد حتَّى الابتدائية، وبفتحها بتقديرها جارة. (لأرى) بفتح الهمزة، من الرؤية، وذكر بلفظ المضارع؛ لاستحضار هذه الرؤية للسامعين، واللام فيه للتأكيد. (الرِّي) بكسر الراءِ وفتحها وتشديد الياءِ، وقيل بالكسر: الاسم، وبالفتح: المصدر، وجعله مرئيًّا تنزيلًا له منزلة الجسم. (يخرج) أي: اللبن، أو الرِّيُّ تجوزًا، وهو حال، إن كانت بَصَريَّةً، ومفعولٌ ثان، إن كانت عَلَمِيَّةً. (في أظفاري) في نسخة: "من أظفاري". (ما أولته) أي: عبرته؛ لأن التأويل لغةً: التفسير بما يؤول
23 - باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها
إليه الشيءُ. (العلم) بالنصب: أي: أولته العلم، أي: به، وبالرفع: أي: المؤول به العلم. ووجه تفسير اللبن بالعلم: اشتراكهما في كثرةِ. النفعِ بهما، وكونهما سببًا لصلاح اللبن في الأشباح والعلم في الأرواح. وفي الحديث: منقبة لعمر، وجواز تعبير الرؤيا، ورعاية المناسبة بين التعبير والمعبر عنه. 23 - بَابُ الفُتْيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا. 83 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ" فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ" فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ". [124، 1736، 1738، 1738، 6665 - مسلم: 1306 - فتح: 1/ 180] (باب: الفتيا) من فتى، يفتي، فتا، فهو فتيُّ السنِّ، أي: حديثه، وكلُّ حدثٍ أشْكلَ على أحدٍ طلب من المفتي فيه أمرًا حديثًا، فالفُتْيَا بالضمِّ، كالفتوى بالفتحِ: جواب حديث لأمرٍ حديثٍ. (وهو) أي: المفتي. (واقف) أي: راكب. (على الدابة) في نسخة: "على ظهر الدابة". (وغيرها) من سفينة وأرض وغيرهما، وفي نسخة: "أو غيرها". (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (حجة الوداع) بفتح الحاءِ والواو وكسرهما، والفتح في الوداع على أنه اسم، والكسر فيه على أنه مصدر من المفاعلة.
(بمنى) تقدَّمَ الكلام عليه. (يسألونه) حالٌ من فاعل. (وقف) أو (من الناس)، واستئناف: بيانًا لقلة الوقوف. (فجاءه رجل) في نسخة: "فجاء رجل". (لم أشعر) بضم العين: لم أفطن. (فحلقت) أي: رأسي. (قبل أن أذبح) أي: الهدي. (لا حرج) أي: لا إثم ولا فدية عليك. (فنحرت) في نسخة: "فذبحت" والذبح: في الحلق، والنحر: في اللبة، بفتح اللام وهو موضع القلادة من الصدر، والفاءُ في فحلقت، وفي فنحرت سببية لتسبب كلِّ منهما عن عدم الشعور. (قبل أن أرمي) أي: الجمرة. (قال: أرم) في نسخة: "فقال أرم" (عن شيء) أي: من أعمال يوم العيد: الرمي، والنحر، والحلق، والطواف. (قدم ولا أخر) ببنائهما للمفعول، وحذف من الأول "لا" مع أنها لا تكون في الماضي، إلا مكررة على الفصيح وحسن ذلك هنا أنه في سياق النفي، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [الأحقاف: 9]. (ولا حرج) أي: عليك في تقديم شيءٍ مما ذكر أو تأخيره، فترتيب الأمور المذكورة غير واجب عند الشافعيّ وأحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: واجب يجبر بالدَّم؛ وفسروا (ولا حرج) بلا إثم. وفي الحديث: جواز سؤال العالم راكبًا وماشيًا وواقفًا، وأن الجلوس على الدابة جائز للحاجة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك ليشرف على الناس، ولا يخفى عليهم كلامه.
24 - باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس
24 - بَابُ مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ. 84 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ، قَالَ: "وَلَا حَرَجَ" قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: "وَلَا حَرَجَ". [1721، 1722، 1723، 1734، 6666 - مسلم: 1307 - فتح: 1/ 181] (باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس) يعني: باب بيان المفتي الذي أجاب بإشارة يدِه، أو رأسِه المستفتى عمَّا سألهَ عنه، والفتيا: تقدَّم أنَّها جوابُ المفتي، فهي منصوبةٌ هنا بنزعِ الخافضِ أي: أجاب بالفتيا أي: بطريقها، ويُحتمل: أنَّه أطلقها هنا على السؤالِ، أي: أجاب السؤالَ، أي: سائله، فهي: مفعولُ أجاب بتقديرِ مضافٍ محذوفٍ، (وهيب) بضم الواو: ابن خالدٍ الباهلي (أيوب) أي: السختياني. (فأومأ) بالهمزِ. أي: أشار، وفي نسخةٍ: "قال فأومأ". (قال: لا حرج) بيانٌ لقولهِ: أومأ تنزيلًا للإشارةِ منزلة القولِ، وفي نسخةٍ: "وقال: لا حرج"، وفي أخرى: "ولا حرج". و (قال: حلقت) أي: قال ذلك السائلُ، أو غيره. (فأومأ بيده: ولا حرج) الواو عاطفةٌ على مقدَّر. أي: صحَّ فعلك، ولا حرج. 85 - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ"، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ: "هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ". [1036، 1412، 3608، 3609، 4635، 4636، 6037، 6506، 6935، 7061، 7115، 7121 - مسلم: 157 - فتح: 1/ 182] (المكيُّ بنُ إبراهيم) أي: ابن بشير بفتح الموحدةِ، وكسرِ
المعجمة البلخي. (حنظلة) في نسخة: "حنظلة بنُ أبي سفيان". (عن سالم) هو ابن عبدِ الله بنِ عمر بنِ الخطَّاب. (يقبض) بالبناء للمفعولِ، أي: يرفع بموتِ العلماءِ. (والفتن) في نسخةٍ: "وتظهر الفتنُ". (ويكثر الهرج) بفتح الهاء، وسكونِ الراءِ: الفتنة والاختلاط، وهو بلسان الحبشة: القتلُ كما صرَّح به البخاريُّ في كتابِ: الفتنِ (¬1)، وأشار إليه هنا بقوله: (قيل: يا رسول الله ... إلخ) (فحرَّفها) بتشديد الراءِ: تفسيرًا لقولِه: (فقال: هكذا بيده). (يريد القتلَ) أي: يزيد بالهرج القتلُ، فهو حقيقةٌ فيه، أو مجاز؛ لأنَّه من لازم الهرج. 86 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إلا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي، حَتَّى الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ: أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ - مِثْلَ أَوْ - قَرِيبَ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَو المُوقِنُ - لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ ثَلاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ. وَأَمَّا المُنَافِقُ أَو المُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ". [184، 922، 1053، 1054، 1061، 1235، 1373، 2519، 2520، 7287 - مسلم: 905 - فتح: 1/ 182] ¬
(عن فاطمة) هي بنت المنذر بن الزبير بن العوام. (عن أسماء) بنت أبي بكر. (ما شأن الناس؟) أي: في قيامهم واضطرابهم وفزعهم. (إلى السماء) إلى أن الشمس في السماء أنكسفت، والناس يصلُّون لذلك. (فإذا الناس) أي: بعضهم. (قيام) أي: في صلاة الكسوف، وهو جمع قائم. (سبحان الله) علم على التسبيح، أي: التنزيه، لكنه نُكِّر فأضيف، وهو مفعول مطلق التزم إضمار فعله. فـ (قلت: آية؟) مقدر فيه همزة استفهام، أي: أهيَ علامة لعذاب الناس مقدمة له؟ قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْويفًا} [الإسراء: 59] أو علامة لقرب زمان قيام الساعة. (فقمت) أي: للصلاة. (حتَّى علاني) في نسخة: "تجلَّاني". (الغشي) بفتح الغين المعجمة، مع كسر الشين المعجمة، وتشديد الياءِ أو مع تسكينها وتخفيف الياءِ، بمعنى: الغشاوة: وهي الغطاء، وأصله: مرض معروف يحصل بطول القيام في الحر ونحوه، وفي الطبِّ أنه يعطل القُوى المحركة والحساسة لضعف القلب واجتماع الروح كله إليه. (وأثنى عليه) عطف على حمد الله، وهو من عطف العام على الخاص، أو من عطف الشيء على نفسه؛ لتغاير اللفظين، كما في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] (ما من شيءٍ) أي: ممن يصح رؤيته عقلًا، كرؤية الباري تعالى، أو عرفًا كغيره من الأجرام. (أريته) بضمِّ الهمزة، قال السلمي: يحتمل أنها رؤية عين، بأن كشف الله له عن ذلك، وأزال الحجب المانعة من رؤيته كما كشف له
عن المسجد الأقصى (¬1)، حتَّى وصفه للناس، ويحتمل: أنها رؤية علمٍ ووحي بتعريفه من ذلك تفصيلًا ما لم يكن يعرفه قبل ذلك. (إلا أريته) إلا: استثناءٌ متصلٌ مفرَّغ وكل مُفرَّغٍ متصلٌ، ومعناه: أن ما قبل إلا مفرغ لما بعدها، لأنه مستثنى من كلام غير تام فألغيت فيه إلَّا من حيث العمل، لا من حيث المعنى والتفريغ من الحالِ، أي: لم أكن أريته كائنًا في حالِ من الأحوالِ إلَّا في حالِ رؤيتي إياه، ولذلك جاء في استثناءِ الفعل بهذا التأويل. (مقامي) يحتمل المصدر، والزمان والمكان، وفي نسخة: "مقامي هذا". (حتَّى الجنة والنار) برفعهما: بجعل حتَّى ابتدائيةً، أي: حتَّى الجنة والنار مرئيتان، وبنصبهما بجعلها عاطفةً لهما على مفعول رأيته، وبجرِّهما بجعلها جارةً، كما في: أكلت السمكة حتَّى رأسها، فإن قلتَ: الجرُّ ممتنعٌ لما يلزم عليه من زيادة من مع المعرفة وهو ممتنع، قلتُ: إنما يمتنع حيث لم يقع المجرور تابعًا، إذ يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المبتوع، كما في: رُبَّ شاةٍ وسخلتها. (فأُوحِيَ إلى) ببنائه للمفعول. (وهو أنكم) بفتح الهمزة. (تفتنون) أي: تمتحنون. (مثلَ أو -قريبَ- لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ -من فتنة المسيح الدَّجَّال) بحذف التنوين من مثل، وإثباته في قريبًا، أي: مثلَ فتنة المسيح، أو قريبًا منها، فمثل مضاف، وفي نسخة: "مثل أو قريب" بغير تنوين فيهما. أي: مثل فتنة المسيح أو قريب الشبه منها، فكلاهما مضافٌ، و (من) ساقطة من نسخة وعليها لا يضرُّ الفصلُ بين المضافِ والمضافِ ¬
إليه بـ (لا) أدري إلخ) لأنَّه مؤكد لمعنى الشد، والمؤكد للشيءِ لا يكون أجنبيًّا منه، وكذا على نسخة إثبات من؛ لأن إثباتها بين المضافِ والمضافِ إليه جائز عند جماعة من النحاة، وفي نسخة: "مثلًا أو قريبًا" بالتنوين فيهما، أي: مثلًا من فتنة المسيح أو قريبًا منها، والشكُّ في ذلك وفيما يأتي من فاطمة، وأيّ: مرفوع على الابتداء والخبر (قالت) لأنها استفهامية، علقت أدري عن النصب ومفعول (قالت) محذوف، أي: قالته، وبالنصبِ: مفعول أدري إن جعلت موصولة، أو (قالت) إن جعلت استفهامية، و (المسيح) سمِّي به لمسحه الأرض، أو لأنه ممسوخ العين، و (الدَّجَّال): بالتشديد، من الدَّجَل: وهو الكذب والتمويه، ووصف بالمسيح عيسى بن مريم أيضًا، بمعنى: أنه مسيح في الخير، ووجه الشبه بين فتنة القبرِ والدَّجَّال: الشدة والهول والغمُّ، لكن {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27]. (يقالُ: ما علمُك) بيان و (تفتنون)، والخطاب للمفتون، وأفرد بعد أن قال: (في قبوركم) بالجمع؛ لأنه تفصيلٌ له، أي: كلُّ واحدٍ يقال له ذلك. (بهذا الرجل) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وإنما لم يقل برسول الله لأنه يصير تلقينًا لحجته. (فأما المؤمن أو الموقن) أي: المصدق بنبوته. (بأيهما) في نسخة: "أيهما". (بالبينات) أي: المعجزات الدالة على نبوته. (فأجبنا واتبعنا) في نسخة: "فأجبناه واتبعناه" أي: صدقناه واتبعناه فيما جاء به، فعطف الثاني على الأوَّل من عطف العامِّ على الخاصِّ، أو الأول: يتعلقُ بالعلمِ، والثاني: بالعملِ. (هو محمد) جملة مؤكدة للجملة السابقة، ولو زاد هو رسول الله، لكانت الجملتان مؤكدتين للجملتين السابقتين، وفي نسخةٍ: "وهو
محمد" بالواو. (ثلاثًا) أي: ثلاث مرات. (نمْ صالحًا) أي: منتفعًا بأعمالك، إذ الصلاح كون الشيء في حدِّ الانتفاعِ. (إن كنت) بكسر الهمزة (إن) شرطية، وبفتحها مخففة من الثقيلة أي: أنه الشأن كنت في دار التكليف، ورجَّح البدرُ الدمامينيُّ الفتح (¬1)، بل قال: إنه متعين. (لموقنًا) اللام للفرق بين المخففة والنافية، وهي: مانعة من جواز فتح الهمزة، بجعل (أن) مصدرية، أي: كونك. (وأما المنافق) أي: غير المصدِّقِ بقلبه بنبوته. (أو المرتاب) أي: الشاكُّ. (فقلته) أي: ما كان الناس يقولونه، وفي نسخة: عقب هذا وذكر الحديث وهو أنه يقال: لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارقَ من حديد ضربةً، فيصيح صيحة يسمعها من يليه، غير الثقلين. وفي الحديث: أن الجنة والنار مخلوقتان اليوم، وإثبات عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، وخروج الدجال، وأن الرؤية لا يشترط فيها، ما يشترط عرفًا من مواجهة وخروج شعاعٍ وغيرهما، بل هي أمر يخلقه الله في الرائي، وفيه: أيضًا وقوع رؤية النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ربَّه عَزَّ وَجَلَّ، وإظهار حرف الجرِّ وذكر ما له تعلق بالمضاف بينه وبين المضاف إليه، ¬
25 - باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم، ويخبروا من وراءهم
وسُنِيَّةُ صلاة الكسوف وتطويل القراءة فيها، وأن الغشي لا ينقض الطهر ما دام العقل باقيًا إلا غير ذلك مما لا يخفى. 25 - بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ، وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ. وقَالَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ". [انظر: 628] 87 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "مَنِ الوَفْدُ أَوْ مَنِ القَوْمُ" قَالُوا: رَبِيعَةُ فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى" قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إلا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ" وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ " قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: "النَّقِيرِ" وَرُبَّمَا قَالَ: "المُقَيَّرِ" قَالَ: "احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ". [انظر: 53 - مسلم: 17 - فتح: 1/ 183] (باب: تحريض النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمانَ والعلمَ) التحريض: بالضادِ المعجمة، قيل: وبالمهملة: الحثُّ على الشيءِ. (الحويرث) بالتصغير والمثلثة، ابن حشيش بفتح المهملة، قيل:
26 - باب الرحلة في المسألة النازلة، وتعليم أهله
وبالشين المعجمة المكررة الليثيُّ. (قال لنا النبيُّ) في نسخة: "قال لنا رسول الله". (فعلموهم) في نسخة: "فعظوهم". (من شُقَّة) بضمِّ المعجمة، أي: مسافة. (في شهرٍ حرام) في نسخةٍ: "في شهر الحرام". (يدخل) في نسخةٍ: "وندخل". (هل تدرون) في نسخة: "قال: هل تدرون". (وتعطوا) ينصب بأن مقدرة عطفًا على المصدر وهو شهادة كقوله: لَلبسُ عَبَاءة وتَقرَّ عيني (¬1) ... ........................... (ربما) في نسخة: "وربما". (وأخبروه) في نسخة: "وأخبروا"، وفي أخرى: "وأخبروا به " وتقدم الكلام على الحديثِ استوفى في كتاب: الإيمان (¬2). 26 - بَابُ الرِّحْلَةِ فِي المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ، وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ. 88 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عُزَيْزٍ فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ" فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. [2052، 2640، 2659، 2660، 5104 - فتح: 1/ 184] (باب: الرحلة في المسألة النازلة، وتعليم أهله) الرحلة بكسر الراء: الارتحال، وبفتحها: المرة منه، وبضمها: المرحول إليه، ¬
والفرق بين هذه الترجمة وترجمة الخروج لطلب العلم: أنها ثَمَّ لمطلقه وهنا لمسألةٍ خاصةٍ. (محمد بن مقاتل) زاد في نسخة: "أبو الحسن". (عبد الله) هو ابن المبارك. (ابنة) في نسخة: "بنتًا" واسمها: غنية بفتح المعجمة، وكنيتها: أم يحيى. (لأبي إهاب بن عزيز) بكسر الهمزة وفتح العين المهملة وبالزاي المكررة: ابن قس بن سويد. (ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني) وفي نسخة: "أرضعتيني ولا أخبرتيني" بزيادة مثناة تحتية قبل النون، لا أخبرتني عطف على ما أعلم، وأتى به ماضيًا؛ لأن نفيه باعتبار المضى، وبأعلم: مضارعًا؛ لأن نفيَ العلمِ حاصلٌ في الحال. (بالمدينة) حالٌ من رسولِ الله، لا متعلق بركب. (فسأله) أي: عن حكم هذه النازلة. (فقال رسول الله) في نسخة: "فقال النبيُّ" وفي أخرى: "قال رسول الله". (كيف) ظرف يسأل به عن الحال. (وقد قيل) حالٌ، أي: كيف تباشرها وقد قيل: إنك أخوها من الرضاعة، إذ ذلك بعيد من ذي المروءة. (ففارقها عُقْبَهْ) أي: صورة أو طلقها احتياطًا وورعًا، لا حكمًا. وبثبوتُ الرضاعِ وفسادُ النكاحِ، أي: ليس قول المرأة الواحدة شهادة يجوز بها الحكم، نعم أخذ بظاهره الإمام أحمد في المرضعة، فقال: الرضاع يثبت بشهادة المرضعة وحدها بيمينها (زوجًا غيره) هو ظريب، بضمِّ المعجمة، وفتح الراء آخره موحدة ابن الحارث. وفي الحديث: حرص الصحابة على العلم، وإيثارهم ما يقرب إلى الله تعالى.
27 - باب التناوب في العلم
27 - بَابُ التَّنَاوُبِ فِي العِلْمِ. 89 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: "لَا" فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. [2468، 4913، 4914، 4915، 5911، 5218، 5843، 7256، 7263 - مسلم: 1479 - فتح: 1/ 185] (باب) ساقط من نسخة. (التناوب في العلم) بأن يأخذ هذا العلم مرة ويذكره لهلذا والآخر مرة ويذكره له. (ح) للتحويل أو غيره، كما مرَّ، وفي نسخة: (قال: أبو عبد الله) أي البخاريُّ. (وقال ابن وهب) اسمه: عبد الله. (يونس) هو ابن يزيد الأيليُّ. (وجارٌ لي) برفعه عطف على (أنا) ويجوز نصبه بالمعية، واسمه: عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلانِ، وقيل: أوس بن حوليٍّ: (من الأنصار في بني أمية) أي: من الأنصارِ النازلين، أو الكائنين في قبيلة بني أمية، أي: محلهم. (وهي) أي: القبيلة وفي نسخة: "وهو" أي: المحل. (من عوالي
المدينة) أي: قرى شرقيتها أقربها إلى المدينة إلى المدينة على ميلين، أو ثلاثة أو أربعة، وأبعدها على ثمانية (¬1). (فإذا نزلت جئته) إن جعلت إذا شرطية، فالعامل فيها جئت أو نزلت، أو ظرفية فالعامل فيها جئت. (يوم نوبته) أي: يومًا من أيام نوبته. (فضرب) عطفٌ على مقدر، أي: فسمع اعتزال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوجاته ورجع إلى العوالي، فجاء إلى بابي فضربه. (ففزعت) بكسر الزاي، أي: خفت؛ لكون الضرب على خلافِ العادة، وسيأتي الحديث في التفسير مبسوطًا (¬2). (حدث أمرٌ عظيم) هو اعتزاله أزواجه لكونه مظنة الطلاق، وهو عظيم لاسيما على عمر لأن بنته من زوجاته، وفي رواية: بعد حدث أمر عظيم: طلَّقَ - صلى الله عليه وسلم - نساءه. (فدخلتُ) أي: قال عمر: فجئت من العوالي إلى المدينة فدخلتُ، وفي نسخة: "دخلت" بلا فاءٍ، وفي أخرى: "قال فدخلتُ". (طلقكنَّ) في نسخة: "أطلقكنَّ". (فقلت: الله أكبر) وفي نسخة: "قلت: الله أكبر" تعجبًا من كون الأنصاريّ ظنَّ أن اعتزاله - صلى الله عليه وسلم - نساءه طلاقًا، أو ناشئًا عنه. وفي الحديث: الحرصُ على طلبِ العلمِ، وقبولُ خبرِ الواحد، وإخبارُ الصحابةِ بعضُهم بعضًا بما يسمعُ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وضرب الباب، ودخول الأب على البنت بلا إذن الزوج، والتفتيش عن الأحوال، والسؤال قائمًا. ¬
28 - باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره
28 - بَابُ الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ. 90 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الحَاجَةِ". [702، 704، 6110، 7159 - مسلم: 466 - فتح: 1/ 186] (باب: الغضب) هو: انفعال يحصل من غليان الدم، لشيءٍ دخل في القلب. (في) حالة (الموعظة و) حالة (التعليم إذا رأى) أي: الواعظ، أو المعلم. (ما يكره) أي: يكرهه. (أخبرنا سفيان) في نسخة: "أخبرني سفيان". (ابن أبي خالد) اسمه: إسماعيل البجليُّ. (أبي حازم) بحاءٍ مهملة وزاي الأحمسي. (عن أبي مسعود) اسمه: عقبة بن عمرو. (قال: قال رجل) قال شيخنا في شرحه: لم أقف على تسميته ووهم من زعم أنه حزم بن أبي كعب؛ لأن قضيته كانت مع معاذ لا مع ابن أبي كعب (¬1)، فقوله في المقدمة: إنه حزم بن أبي كعب (¬2) سهوٌ. إلا أكاد أدرك الصلاة) كاد معناه: قارب فمجرده ينبئ عن نفي الفعلِ بعده، ومقرونه بالنافي ينبئ عن وقوع الفعل، كذا قيل، والحقُّ قولُ ابن الحاجب: إنه مع النافي كسائر الأفعال على الأصح، ومقتضاه: أنه مع النافي ينبئُ عن عدم المقاربة، وهو هنا التخلف عن الإدراك، بقرينة رواية: لا تأخر عن الصلاة، فكأنه قال: إني لا أكاد أدرك الصلاة في ¬
الجماعة بل أتأخر عنها من أجل التطويل. (مما يُطولُ بنا فلان) تعليل لعدم الإدراك المفسر بالتأخر عن الجماعة، لا للإدراك، كما قيل وإلا لكان فاسدًا؛ إذ الإطالة تقتضي الإدراك لا عدمه، هكذا أفهم. وقوله: (مما يطول) من التطويل في نسخة: "مما يطيل" من الإطالة. (وفلان) هو معاذ بن جبل. (أشد غضبًا) أي: "منه" كما في نسخة. (إنكم منفِّرُونَ) في نسخة: "إن منكم منفرين" ولم يخاطب المطوِّل على التعيين، بل عمَّمَ خوفَ الخجل عليه، لطفًا منه وشفقةً على عادته. (فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة) ذكر الثلاث؛ لأنها مجمع الأنواع الموجبة للتخفيف، إذ المقتضى: إما في نفسه بحسب ذاته: وهو الضعفُ، أو بحسب العارض: وهو المرض أولًا ولا. (وهو ذو الحاجة)، وفي نسخة: "وذو الحاجة" بالرفع، ووجه بالعطف على محلِّ أسم إنَّ. وفي الحديث: كما قال النوويُّ: جواز التأخر عن الجماعة؛ إذا علم من عادة الإمام أنه يُطَوِّلُ كثيرًا، وجواز ذكر الإنسان بفلان في معرض الشكوى والغضب؛ لما ينكر من أمور الدين، والإنكار على من ارتكب ما نهي عنه وإن كان غير محرَّمٍ، والتعزيز على إطالة الصلاة؛ إذا لم يرض المأمومون به، والاكتفاء فيه بالكلام، والأمر بتخفيف الصلاة (¬1). ¬
91 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ المَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: "اعْرِفْ وكَاءَهَا، أَوْ قَالَ وعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ" قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: "وَمَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا" قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: "لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". [2372، 2427، 2428، 2429، 2436، 2438، 5292، 6112 - مسلم 1722 - فتح: 1/ 186] (أبو عامر) في نسخة: "أبو عامر العقديُّ" وفي أخرى: "أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقديُّ". (المديني) في نسخة: "المدني" قال الجوهري: إذا نسب إلى مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل: مدني، وإلى مدينة المنصور: مديني، وإلى مدائن كسرى (¬1)، مدائني وهذا بعين النسخة الثانية، لكن نقل عن البخاريّ أنَّ المدينيّ من أقام بمدينة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولم يفارقها، والمدني: كان بالمدينة وتحوَّل عنها. (يزيد) بتحتية مفتوحة وزاي مكسورة. (سأله رجل) هو عمير والد مالك، وقيل: بلال المؤذن، وقيل: الجارود، وقيل: زيد بن خالد. (اللُّقطة) بفتح القاف أشهر من سكونها: وهي ما ضاع بسقوط أو غفلة فيجده شخصٌ، وقال الخليل هما بالفتح: اللاقط، وبالسكون: الملقوط، وقال ابن مالك: فيها أربع لغات: هذان، ولقاطة ولقطة بفتح اللام والقاف. ¬
(وكاءها) بالقصر والمدِّ: ما يشد به رأس الصرة، والكيس، ونحوهما. أو قال: أعرف (وعاءها) بالكسر أكثر من الضمِّ: الظرف والشكُّ فيه من زيد، أو من يزيد. (وعفاصها) بكسر المهملة وبالفاءِ: ما يلبس لرأس الظرف وأما الصمام بالمهملة المكسورة: فهو ما يدخلُ في فم الظرف، وإنما أمر بمعرفة ما ذكرة ليعرف صدق مدعيها من كذبه، ولئلا يختلط بماله. (ثمَّ عرفها) أي: وجوبًا للناس بذكر بعض صفاتها. (سنة) ولو مفرقة وغير متصلة بالالتقاء يعرف وإلَّا كلَّ يومٍ طرفي النهار، ثمَّ كلَّ يوم مرة، ثم كلَّ أسبوع، ثمَّ كلَّ شهر. (ربُّها) أي: مالكها. (فَضَالَّةُ الإبل) خبره محذوف، أي: ما حكمه كذلك أم لا؟ وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. (فَغَضِبَ) إنما غضب استقصارًا لعلم السائل وسوء فهمه؛ لأنه لم يراع المعنى المذكور، ولم يتفطن له، فقاس الشيءَ على غير نظيره؛ إذ اللقطة: ما يُخْشَى ضياعُه وتلفه، بخلاف الإبل؛ لقوله بعد (ما لَكَ؟ ولها ... إلخ). (وجنتاه) تثنية وجنة بتثليث الواو، وأُجنة بهمزة مضمومة: وهيَ ما ارتفعَ من الخد. (أو قال: احمرَّ وجهه) الشك من يزيد. (وما لَكَ ولَها؟) في نسخة: "فما لَك" وفي أخرى: "ما لك". وهو استفهام، أي: لم تأخذها؟ (سقاؤها) بكسر السين: الماء، والمراد هنا كما قال شيخنا كغيره: جوفها، لأنها تشرب من الماء ما تكفي به أيامًا (¬1). (وحذاؤها) بكسر المهملة، وبالذَّال المعجمة، والمدِّ: الخفُّ الذي تمشي عليه الإبل. ¬
(تردُ الماء) جملة بيانية لا محلَّ لها. (فذرها) بمعجمة، أي: دعها. (لك) أي: إن تملكتها بعد تعريفها. (ولأخيك) أي: لمالكها إن ظهر، أولملتقطٍ آخر إن لم تلتقطها. (أو للذئب) إن تركتها ولم يظهر مالكها ولا التقطها غيرك، فيأكلها الذئب غالبًا، وفيما قاله إذن في التقاط الغنم للتملُّكِ دون الإبل، نعم إن كانت الإبل في القرى، أو قريب منها جاز التقاطها ولو للتملك؛ لأنها تكون حينئذٍ معرضة للتلفِ. 92 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: "سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ" قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ" فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ" فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. [7291 - مسلم: 2360 - فتح: 1/ 187] (حدثنا محمد) في نسخة: "حدثني محمد". (أبو أسامة) اسمه: جاد بن أسامة الكوفيُّ. (عن بريد) بضمِّ الموحدة. (غضب) أي: لتعنتهم في السؤال وتكلفهم ما لا حاجة لهم فيه. (ثمَّ قال للناس: سلوني) في نسخة: "قال: سلوني عما شئتم" في نسخة: "عمَّ " بلا ألف وهو الأصل؛ إذ يجب حذف ألف ما الاستفهامية إذا جُرَّتْ، وإبقاء الفتحة دليلٌ عليها؛ للفرق بين الاستفهامية والخبر ومن ثمَّ حُذفتْ في نحو: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [عم: 1]، {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43] وثبتت في: {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ} [النور: 14] {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]. وقوله: (سلوني عمَّا شئتم) قيل: محمولٌ على أنه أُوحيَ إليه به؛ إذ لا يعلم ما يسأل عنه من المغيبات إلا بإعلام الله تعالى.
29 - باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث
قال القاضي عياض: وظاهره أنه قال ذلك غضبًا (¬1) انتهى، وإنما قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك هنا وفي الباب الآتي وهو غضبانٌ ومثله غضبه في حكمه للزبير مع قوله: (لا يقضي القاضي وهو غضبان) لأنه - صلى الله عليه وسلم - معصوم فلا يجوز عليه الغلط في الحكم، بخلاف سائر القضاة. [(قال رجل) هو: عبد الله بن حذافة الرسول إلى كسرى] (¬2). (فقام آخر) هو: سعد بن سالم. (فقال: أبوك) في نسخة: "قال: أبوك سالم مولى شيبة" أي: ابن أبي ربيعة، وكان سبب السؤال طعن بعض الناس في نسب بعضهم على عادة الجاهلية. (ما في وجهه) أي: من أثر الغضب، (قال إنَّا نتوبُ إلى الله) أي: مما يوجب غضبك. 29 - بَابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَو المُحَدِّثِ. (باب: من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث) في (برك) استعار من برك البعير بروكًا، أي: استناخ، وكلُّ شيءِ ثبت وقام، فقد برك، ويُسَمَّى هذا المجاز غير مقيد، وهو: أن يكون في حقيقته مقيدًا، فيستعمل في الأعمِّ بلا قيد، كالمشفر وهو موضوع لشفة البعير يستعمل في مطلق الشفة فيقال: زيد غليظ المشفر. 93 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ" ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي" فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا فَسَكَتَ [540، 749، 4621، 6362، 6468، 6486، 7089، 7090، 7091، 7294، 7295 - مسلم: 2359 - فتح: 1/ 187] ¬
30 - باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه
(أخبرنا شعيب) في نسخةٍ: "حدثنا شعيب". (فقال: من أبي؟ فقال: أبوك) في نسخة: "قال: من أبي؟ قال: أبوك". (فبرك عمرُ على ركبتيه) أدبًا وإكرامًا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وشفقة على المسلمين؛ لئلا يؤذوه فيدخلوا في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 57]. وسيأتي في التفسير أنَّ في ذلك نزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} (¬1) الآية [المائدة: 101]. (فسكت) في نسخة قبله لفظ: "ثلاثًا". وفي الحديث: كحديث الباب السابق قبله: فضل فهم عمر وعلمه (¬2)، ووجوب التواضع للعالم، وإنه لا يسأل إلا فيما يحتاج إليه، ومعجزة للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. 30 - بَابُ مَنْ أَعَادَ الحَدِيثَ ثَلاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ. فَقَالَ: "أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ" فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا وَقَالَ: ابْنُ عُمَرَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاثًا؟ " [انظر: 1742] (باب: من أعاد الحديث) أي: في أمور الدين. (ثلاثًا ليفهم عنه) بضمِّ التحتية، وفتح الهاء، وفي نسخة: بكسر الهاء وحذف عنه. (فقال النبيُّ) في نسخة: "وقال النبيُّ" وفي أخرى: "وقول النبيِّ" ¬
بالجرِّ عطف على من أعاد. (ألا) حرف تنبيه يدلُّ على تحقيق ما بعدها، وتأكيده. (وقول الزور) بالرفع عطف على الإشراك في الحديث المشار إليه بذلك وهو "ألا أنبئكم بكبر الكبائر ثلائًا، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئًا فقال: ألا وقولُ الزور" (¬1). والزور بضمِّ الزاي: الكذب والميلُ عن الحقِّ. (فما زال يكررها) أي: جملة ما ذكر، أو شهادة الزور المشار إليه بقول الزور، بل مصرح بها في رواية (¬2). (وقال ابن عمر) قاله في حجة الوداع، وهو موصول في الحدود (¬3). (ثلاثا) أي: ثلاث مرات. 94 - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ "إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثًا". [95، 6244 - فتح: 1/ 188] (عبدةُ) بفتح المهملة وسكون الموحدة، ابن عبد الله الخزاعيُّ. (عبد الصمد) هو: ابن عبد الوارث بن سعيد العنبريُّ. (ثمامة) بضمِّ المثلثة، زاد في نسخة: "ابن عبد الله" أي: ابن أنس بن مالك. (كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا ... إلخ) قال ابن بطَّال: إنما كان يكرر الكلام والسلام (¬4)؛ إذا خشي أن لا يفهمَ عنه، أو لا يسمع سلامُه، أو ¬
أراد الإبلاغ في التعليم، أو الزجر في الموعظة. ويدل لصدر كلامه الحديث الآتي وقوله: (أعادها ثلاثًا) ضمن أعاد قال أي: أعادها قائلًا ثلاثًا إذ لو بقى على معناه لزم قول تلك الكلمة أربع مرات فإن الإعادة ثلاثًا إنما يتحقق به إذ المرة الأولى: لا إعادة فيها. 95 - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَارُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ "إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا". [انظر: 94 - فتح: 1/ 188] (عبدة بن عبد الله) في نسخة: "زيادة الصفَّار" وسقط من أخرى: "ابن عبد الله". (ثُمامة) في نسخةٍ: "ثمامة بن أنس" نسبة لجدّه. 96 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلاَةَ، صَلاَةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا». [انظر: 60 - مسلم: 241 - فتح: 1/ 189] (في سفر سافرناه) في نسخة: "في سفرة سافرناها". (فأدركنا) بفتح الكاف، أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (وقد أرهقنا الصلاةَ) بسكون القاف، ونصب الصلاة، وفي نسخة: "أرهقتنا الصلاة" بفتح القاف، وبتاءٍ ساكنة، ورفع الصلاة. (صلاة العصر) بالرفع أو النصب على البدلية من الصلاة، أو بيان لها. (نمسح على أرجلنا) أي: نغسلها غسلًا خفيفًا. (مرتين أو ثلاثًا) شكٌّ من الراوي.
31 - باب تعليم الرجل أمته وأهله
وتقدم شرح الحديث في باب: من رفع صوته بالعلم (¬1)، وأعاده؛ للتصريح هنا بصلاة العصر؛ ولاختلاف بعض رجال السند؛ لأنه هناك عن النعمان عن أبي عوانة، وهنا عن مسدد عن أبي عوانة. 31 - بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ. (باب: تعليم الرجل أمته وأهله) عطف الأهل على الأمة من عطف العام على الخاص؛ إذ أمة الرجل: من أهل بيته. 97 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلامٍ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ"، ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ. [2544، 2547، 2551، 3011، 3446، 5083 - مسلم: 154 - فتح: 1/ 190] (أخبرنا محمد) في نسخة: "حدثنا محمد هو ابن سلام" وفي أخرى: "حدثني محمد بن سلام". (حدثنا المحاربيُّ) في نسخةٍ: "أخبرنا المحاربيُّ" وهو: بضمِّ الميم، وبالحاءِ المهملة، وكسر الراءِ، وبالموحدة: عبد الرحمن بن محمد بن زياد الكوفيُّ. (صالح بن حيَّان) بفتح المهملة، وتشديد المثناة التحتية، ونسبة صالح إلى جدِّه لشهرته به إذ هو صالح بن مسلم بن حيان، وليس هو صالح بن حيَّان القرشيَّ الضعيف. (قال: قال عامر) أي: قال صالحٌ: ¬
قال عامرٌ، وعامر هو: ابن شرحبيل. (ثلاثة لهم أجران) مبتدأ وخبر. (رجلٌ) بدل تفصيل من ثلاث، أو بدل بعض وهو مع ما عطف عليه بدل كل، أو خبر مبتدأ محذوف. (الكتاب) أي: التوراة والإنجيل، أو الإنجيل فقط على القول بأنَّ النصرانية ناسخة لليهودية، وخرج بالكتاب من لا كتاب له، كالحربيّ. (والعبد المملوك) قيد العبد بكونه مملوكًا، أي: للناس ليخرج غيره؛ لأن كلَّ الناس عبادُ الله، وإنما عرف العبد ونُكِّرَ الرجلُ في الموضعين؛ لأن (ال) فيه للجنس، والمعرف بلام الجنس، كالنكرة في المعنى. (حق الله) أي: من صلاة وصوم وغيرهما. (وحقَّ مواليه) أي: من خدمتهم وجمعه لأنَّ المراد بالعبدِ: جنس العبيد، كما مرَّ وليدخل ما لو كان العبدُ مشتركًا بين موالٍ، فالمولا هنا السيد، ويطلقُ أيضًا على المعتق والعتيق، وابن العمِّ، والناصر، والجار، والحليف، ومن ولي أمرَ غيره، والمراد: ترجيح العبد المؤدي للحقين علىل العبد المؤدي لأحدهما، وإلا فالسيد قد يكون أرجح من العبد لجهات أُخرِ، فإن قيل فالصحابيُّ الذي كان كتابيًّا يلزم أن يزيد أجره على أكابر الصحابة، قيل: خرجوا بالإجماع. (يطؤها) ساقط من نسخة، أي: يطؤها بالفعلِ، أو بالقوَّةِ، بأن يتمكن من وطئها شرعًا. (فأدبها) أي: علمها الأدب، وهو حسن الأحوال والأخلاق. (فأحسن تأديبها ... إلخ) أي: أدبها وعلمها ما ينفعها من غير عنفٍ وضرب، بل بالرفق، وإنما عطف التعليم على التأديب، مع أنه داخل فيه؛ لتعلق التأديب بالمروءات، والتعليم بالشرعيات، وأراد بالأول العرفيَّ أو الدنيويَّ، وبالثاني: الشرعيَّ أو الأخرويَّ.
(ثم أعتقها) عطف أعتق بثم، والبقية بالفاءِ؛ لأن الإعتاق نقلٌ من صنف إلى صنف آخر، ولا يخفى ما بين الصنفين من البعد، بل من الضدية في الأحكام، والمنافاة في الأحوال فناسب لفظًا يدلُّ على التراخي، بخلاف البقية من التأديب والتعليم وأحسنيتهما، والتزوج نظرًا لشدة تشوف النفسِ إليها. (فله) أي: لكلِّ من الثلاثة. (أجران) وخصَّ الثلاثة، مع أن من صام وصلَّى، أو أدى حقَّ الله، وحق والده، له أجران؛ لأن كلًّا من الثلاثة فاعلُ الضدين، بخلاف من ذكر ونحوه. ووجه الضدية في الثالث: الإعتاق منافٍ لجميع ما ذكر معه، وإلا فكان القياسُ: أن يكون له أكثر من أجرين؛ لتعدد مقتضى الأجر من التأديب والتعليم وأحسنيتهما والإعتاق والتزوج، أو المراد: فله أجران ولو مع زيادة. (ثمَّ قال عامر) الشعبيُّ: (أعطيناكها) أي: المسألة أو المقالة، والخطاب لصالح. (من غير شيءٍ) أي: من غير أجرٍ دنيوي. (قد كان يركب) أي: يرحل، وفي نسخة: "وقد كان يركب"، وفي أخرى: "فقد كان يركب". (إلى المدينة) أي: النبوية. ولم يذكر في الحديث الأهل مع أنه مذكور في الترجمة كأنه قاسه على الأمة، وأراد أن يورد فيه حديثًا، فلم يتفق له. وفي قول الشعبيّ ذلك: جواز قول العالم مثله للتحريضِ على العلمِ، وبيان ما كان السلفُ عليه من الرحلة البعيدة في المسألة الواحدة، وفضلُ المدينة؛ لأنها معدن العلم، وكان يرحلُ إليها في طلبه.
32 - باب عظة الإمام النساء وتعليمهن
32 - بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ. (باب: عظة الإمام النساءَ وتعليمهن) أي: أمور الدين، والعظة والموعظة وهي: التذكير بالعواقب، ولفظ: (باب) ساقط من نسخةٍ. 98 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "خَرَجَ وَمَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ، وَبِلالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ: إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [863، 963، 964، 975، 975، 977، 979، 1431، 1449، 4895، 5249، 5880، 5881، 5883، 7325، مسلم: 884 - فتح: 1/ 192] (عطاء) بن أبي رباح: براءٍ مفتوحة، وموحدة مخففة ومهملة آخره القرشيُّ الفهريُّ المكيُّ. (على النبيِّ) في نسخة: "على رسول الله". (أو قال عطاء: أشهد) الشكُّ من أيوب، هل قائل أشهد عطاءٌ أو ابن عبَّاس، وذكر ما قاله في لفظ الشهادة؛ تأكيدًا لتحقيقه؛ وبيانًا لوثوقه بوقوعه، وكذا القولُ في ذكره (على)؛ لأنها تدلُّ على الاستعلاءِ بعلمه بوقوع ذلك. (خرج) أي: من صفوف الرجال، إلا صفوف النساءِ. (ومعه بلال) جملة حالية، وكذا على ما، في نسخة: "معه" بدون واو كقوله تعالى: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36]. (أنه لم يسمع) النساء: حلَّ محل مفعولي ظنَّ، ولفظ: (النساءِ) ساقط من نسخة. (بالصدقة) أي: النفلية. (وأمرهن) بها لما رآهنَّ أكثرَ أهلِ النَّارِ. (القرط) بضمِّ القافِ وسكون الراءِ وطاءٍ مهملة: ما يعلق في
شحمة الأذن، أما الخرص بضمِّ المعجمة فحلقة صغيرة. (وبلال يأخذ في طرف ثوبه) أي: يلقينه؛ ليصرفه - صلى الله عليه وسلم - في مصارفه؛ لأنه يحرم عليه الصدقة. (وقال إسماعيل) أي: ابن علية وفي نسخةٍ: "قال أبو عبد الله وقال إسماعيل". (وقال ابن عبَّاس) في نسخة: "قال ابن عبَّاس" وهو مقول قال إسماعيل، والغرض: أنه رواه لا بلفظ سمعت، وأنه جزم بالشهادة على النبيِّ صلى الله عليه وسلم من غير شكِّ في المشهودِ عليه. وهذا من تعاليق البخاريِّ؛ لأنه لم يدرك إسماعيل ابن علية؛ لأنه مات في عام ولادته. وفي الحديث: أنه يجب على الإمام افتقاد رعيته وتعليمهم، وأن الصدقة تُنَجِّي من النَّار، وأنه يجوز للمرأة العطية من مالها بلا إذن زوجها، وأما نحو خبر "لا يحل لامرأة عطية إلا بإذن زوجها" (¬1) فليس بثابت، وليس سلم فهو محمول على الأولى، والأدب مع أنه لا يقاوم حديث البخاريّ، وفيه أيضًا: استحباب وعظِ النساءِ، وحثهن على الصدقة، وأن الصدقة لا تحتاج إلى إيجاب وقبول، وأن الأصل في الناسِ العقل وفي التصرفات الصحة لعدم سؤاله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. ¬
33 - باب الحرص على الحديث
33 - بَابُ الحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ. (باب: الحرص على الحديث) أي: على تحصيلِ الحديثِ النبويّ. 99 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ". [6570 - فتح: 1/ 193). (عبد العزيز بن عبد الله) ابن يحيى الأويسيّ: (سليمان) أي: ابن بلال. (عمرو بن أبي عمرو) بفتح العين فيهما، أبو عثمان مولى المطلب. (قيل) في نسخة: "قال" أي: أبو هريرة، وهو الصواب. (بشفاعتك) من الشفع وهو: ضمَّ الشيءِ إلى مثله؛ لأن المشفوع له كان فردًا فصار شفعًا بالشافع. (لقد) اللام؛ للتأكيد، أو جواب قسمٍ محذوف. (يا أبا هريرة) في نسخة: "يابا هريرة" بحذف الهمزة تخفيفًا. (يسألني) بالنصب بأن، وبالرفع لوقوع أن بعد الظن، كما في قوله تعالى: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ} [المائدة: 71]. (أوَّلُ) صفة لأحد أو بدلٌ منه، وبالنصبِ على الظرفية، أو الحال. (لمَّا رأيت) أي: رأيته، (من حرصك) من: تبعيضية، أو بيانية، أو معدية. (يوم القيامة) ساقط من نسخة. (من قال) أي: ولو عاصيًا. (لا إلله إلا الله) أي: مع محمد رسول الله. (خالصًا) في نسخة: "مخلصًا" وخرج به المنافق وبما قبله
34 - باب كيف يقبض العلم؟
المشرك، لكن لا سعادة لهما، فأفعل التفضيل ليس على بابه المشاركة، بل معناه: سعيد الناس، أو هو على بابه لكن معناه: أسعد ممن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد بذكر القلب بعده، لأنه معدن الإخلاص، كما في أبصرته عيني وسمعته أذني. (من قلبه) متعلقٌ بـ (خالصًا) أو حال من ضمير قال ذلك ناشئًا من قلبه (أو نفسه) شكٌّ من أبي هريرة، أو من غيره من الرواة. 34 - باب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ؟ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إلا حَدِيثَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: "وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا" حَدَّثَنَا العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: بِذَلِكَ، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، إِلَى قَوْلِهِ: ذَهَابَ العُلَمَاءِ. (باب: كيف يقبض العلم) أي: باب: كيفية قبض العلم، أي رفعه، ولفظ (باب) ساقط من نسخة، (وكتب) في نسخةٍ: "قال" أي: البخاريُّ "وكتب". (عمر بن عبد العزيز) أحد الخلفاء الراشدين، إلى نائبه في الإمرة والقضاءِ على المدينة. (أبي بكر) هو: ابن محمد بن عمرو (بن حزم) أي: الأنصاريِّ. (ما كان) أي: ما وجدته. وفي نسخة: "ما كان عندك " فكان على النسخة الأولى: تامة، وعلى الثانية: ناقصة.
(فاكتبه ... الخ) أمر بكتبه، لأن فيه ضبطًا له وإبقاء، وقد كان الاعتماد إذ ذاك إنما هو على الحفظ، فخاف عمر بن عبد العزيز في رأس المائةِ الأولى، من ذهاب العلم بموت العلماء، فأمر بذلك. (ولا تقبل) بفتح الفوقية والجزم، فلا ناهية، وفي نسخة: بضم التحتية والرفع فلا نافية، فحديث في قوله: (إلا حديث النبيِّ) بالنصب: على الأولى، وبالرفعِ: على الثانية. (وليفشوا العلم، وليجلسوا) بضمِّ التحتية في الأوَّلِ، وفتحها في الثاني، مع سكون اللام وكسرها فيهما، وفي نسخة: بضمِّ التحتية في الأول، وفتحها في الثاني. (حتَّى يعلم) بضمِّ التحتية وفتح العين وتشديد اللام المفتوحة، وفي نسخة: "يعلم" بفتح التحتية وسكون العين، وتخفيف اللام المفتوحة. (من لا يعلم) بفتح أوَّلهِ على البناء للفاعل (يهلك) بفتح أوَّله، وكسر ثالثة، وقد تفتح. (حتَّى يكون سرًّا) أي: خفية، كاتخاذها في الدور دون المساجد ونحوها. 100 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ. [7307 - مسلم: 2673 - فتح: 1/ 194] (حدثنا إسماعيل ... إلخ) في نسخة: "حدثنا العلاء بن عبد الجبَّار إلى قوله: وذهاب العلماءِ". (ينتزعُه) في نسخةٍ: "ينزعه". (بقبض العلماءٍ) أقام فيه الظاهر مقام المضمر؛ تعظيمًا له، كما في قوله تعالى: {اللهُ الصَّمَدُ}
[الإخلاصُ: 2] بعد قول: {اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]. (حتَّى) ابتدائية. (إذا لم يُبق عالمًا) بضم الياءِ وكسر القاف، أي: لم يبق الله عالمًا، وفي نسخة: "لم يبق عالم" بفتح الياء والقافِ، ورفع عالم، فإن قلت: لم يبق للمضيِّ، فكيف وقعت بعد إذا وهيَ للاستقبال؟ قلنا: تعارضا فتساقطا فبقي الفعلُ على أصلهِ مضارعًا، مع أنه لا مانع من ذلك، كما في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} [المنافقون: 1]، و {إذا جاء نصر الله} [النصر: 1]؛ لأن أداة الشرط تقلب الماضي مضارعًا، قيل قد يقال الشرط يقتضي أن اتخاذ رءوس جُهَّالٍ إنما هو حينَ لم يبق عالم، مع أنه يجوز اتخاذهم مع وجودِ العلماءِ، وأجيب: بأنَّ الشرط خرج مخرج الغالب فلا يعملُ بمفهومه. (اتخذ) أصله: ائتخذ فقلبت الهمزة الثانيةُ تاءً، وأدغمت في التاءِ بعدها. (رءوس) بضمِّ الراءِ والهمزة، والتنوين: جمع رأس، وفي نسخة: "رؤساء" بفتح الهمزة والمدّ، جمع رئيس. (فسئلوا) بضمِّ السين. (فضلُّوا) من الضلال، مقابل الهداية، أي: فضلوا في أنفسهم. (وأضلُّوا) أي: غيرَهم. (قال الفِرَبْريُّ) ساقط من نسخة، بل هو مع ما بعده إلى. (نحوه) ساقط من أخرى. وهو بكسر الفاءِ وفتحها، نسبة إلا فربر، قرية من قرى بخارى على طرفِ جيحون (¬1)، وكنيته: أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر وهو أنه سمع من البخاريّ صحيحه مرتين، شاركه في الرواية عن قتيبة بن سعيد، قال شيخنا: وهذا من زيادات الراوي عن البخاريّ في بعض الأساليب، وهي قليلة (¬2). (عبَّاسٌ) بموحدة، وسين مهملة. ¬
35 - باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم؟
(نحوه) أي: نحو حديث مالك. ولا تنافي بين ما هنا وبين حديث: "ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، حتى يأتي أمر الله" (¬1) وأمثالُ ذلك؛ لأن ما هنا بعد إتيان أمرِ الله، إن لم يفسر أمر الله بالقيامة، أو عدم بقاءِ العلماءِ، إنما هو في بعض المواضع، كفي عين بيت المقدسِ مثلًا إن فسرناه بها جمعًا بين الأدلة. وفي الحديث: التحذير من اتخاذ الجهال رءوسًا، وأن الزمان يخلو عن المجتهد، كما قال الجمهور، خلافًا للحنابلة، وأنَّ الله يهب العلم لخلقه ثمَّ ينزعه بلا سبب تعالى أن يسترجع ما وهب من علمه الذي يؤدي إلى معرفته، والإيمان به دائمًا، وإنما يكون قبض العلم بقبض العلماءِ. 35 - بَابٌ: هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِي العِلْمِ؟ (باب: هل يجعل) بالبناء للفاعل، أي: يجعل الإمام (للنساءِ يومًا) وفي نسخة: "يجعل للنساءِ يومٌ" والبناءِ للمفعولِ، ورفعُ يوم. (على حِدة) بكسر الحاءِ، وفتح الدال المهملتين، أي: انفراد في العلمِ، متعلق بيجعل. ¬
101 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: "مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إلا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ" فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: "وَاثْنَتَيْنِ". [1249، 7310 - مسلم: 2633 - فتح: 1/ 195] (ابن الأصبهاني) بفتح الهمزة، أشهر من كسرها، وقد تبدل باؤه فاءً: عبد الرحمن بن عبد الله الكوفيُّ. (قال: قال النساء) قال الأولى ساقطة من نسخة، وفي أخرى: "قالت النساءُ". (فاجعل) أي: صيِّر بمعنى عيِّن. (يومًا) مفعولٌ به، لا مفعولٌ فيه. (من) ابتدائية متعلقة باجعل. (نفسك). أي: اختيارك لا اختيارنا. (لَقِيَهُنَّ) صفةُ "يومًا". (فَوَعَظَهُنَّ) عطف على محذوفٍ، أي: فوَفَّى بوعدهِنَّ ولقيهُنَّ فوعظهُنَّ أي: بأمورٍ دينيةٍ. (ما منْكُنَّ أمرأةٌ) في نسخة: "ما منكن من امرأة" ومنكنَّ: حالٌ مقدمة على ذيها. (إلا كان) خبر امرأة؛ لأنَّ الاستثناء مفرغ، أي: إلا كان تقديمهم. (لها حجابًا) بالنصبِ خبر كان، وفي نسخةٍ: "حجاب" بالرفعِ: فاعلُ (كانَ) بجعلِها تامةً. (فقالت امرأة) اسمها: أم سليم، وقيل: غيرها. (واثنين) في نسخة: "واثنتين" بتاء التأنيث، وهو عطف على ثلاثة، عطف تلقين، أو على مقدر، دل عليه ما قبله، أي: قالت، ومن قدم اثنين؟ قال: ومن قدم اثنين.
36 - باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه
102 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "ثَلاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ". [1250 - مسلم: 2634 - فتح: 1/ 196] (حدثنا محمد) في نسخة: "حدثني محمد". (غندر) هو: محمد بن جعفر البصريُّ. (عن أبي سعيد) في نسخة: "عن أبي سعيد الخدري". (وعن عبد الرحمن) عطف على قوله: أولًا (عن عبد الرحمن)، والحاصل: أن (شعبة) يرويه عن (عبد الرحمن) بإسنادين (عن أبي هريرة قال) في نسخة: "وقال" بواو عطف على مقدر تقديره، كما قال شيخنا مثله، أي: مثل حديث أبي سعيد (¬1). (وقال: ثلاث لم يبلغوا الحنث) بكسر المهملة وبالمثلثة، أي: الإثم، فزاد هذا على الرواية الأولى، والمعنى: أنهم ماتوا قبل البلوغ، فلم يكتب عليهم إثم. 36 - باب مَنْ سَمِعَ شَيئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ. (باب: من سمع شيئًا). زاد في نسخة: "فلم يفهمه" وفي أخرى: "فلم يفهم". (فراجع) أي: راجع من سمعه منه، وفي نسخة: "فراجع في "، وفي أخرى: "فراجعه". (حتى يعرفه) بالنصب بأن مقدرة بعد حتى. 103 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ، إلا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ" قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ ¬
أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] قَالَتْ: فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ". [4939، 6536، 6537 - مسلم: 2876 - فتح: 1/ 196] (سعيد بن أبي مريم) أي: الجمحيَّ، ونسبه لجدِّ أبيه، وإلا فأبوه إنما هو: الحكم بن محمد بن أبي مريم. (نافع مولى ابن عمر) في نسخة: "نافع بن عمر" أي: الجمحي. (كانت لا تسمع) في نسخة: "لا تستمع " وأتى به مضارعًا مع إن كان للماضي؛ استحضارًا للصورة الماضية. (إلا راجعت) استثناء متصل، وراجعت صفة لمحذوف، أي: لا تسمع شيئًا مجهولًا موصوفًا بصفة إلا موصوفًا بأنَّه مرجوع إليه. (وأن النَّبي) عطف على (أن عائشة) وهو من كلام ابن أبي مليكة مرسل ولم يسنده إلى صحابي. (أو ليس) بفتح الواو عطف على مقدر، أي: أكان ذلك، و (ليس) واسم ليس: ضمير الشان، وخبرها: (يقول الله)، أو ليس بمعنى: لا أي: أو لا. (يقولُ الله تعالى) في نسخة: "عَزَّ وَجَلَّ" (يسيرًا) أي: سهلًا لا مناقشة فيه. (ذلك) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب لمؤنث. (نوقش) المناقشة: الاستقصاء في الحساب. (الحساب) بالنصب بنزع الخافض. (يهلك) بكسر اللام أشهر من فتحها، وهو لازم عند الحجازيين، متعدٍ عند تميم، وهو مرويٌّ بالجزم والرفع، لأن الشرط إذا كان ماضيًا، والجواب مضارعًا جاز فيه الوجهان، وفي نسخة: "عذب" بدل يهلك. وفي الحديث: بيان فضل عائشة، وحرصها على التعليم والتحقيق، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتضجَّر من مراجعته، وإثبات الحساب، والعرض والعذاب، وجواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب.
37 - باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب
37 - بَابٌ: لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب) بكسر غين يبلغ لالتقاء الساكنين، وبفتحها بالخفة وبنصب العلم مفعولًا ثانيًا ليبلغ، وبرفع الشاهد فاعلًا له، وبنصب الغائب مفعولًا أولًا ليبلغ، ولفظ: (العلم) ساقط من نسخة. (قاله: ابن عباس) علقه هنا ووصله في الحج بدون لفظ: العلم (¬1). 104 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ: - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ - ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ، أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ " فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. [1832، 4295 - مسلم 1354 - فتح: 1/ 197] (قال: حدثني الليث) في نسخة: "قال: حدثنا الليث"، (سعيد) وفي نسخة: "سعيد بن أبي سعيد" وفي أخرى "سعيد، هو ابن أبي سعيد". (عن أبي شريح) بضم المعجمة، وبحاءٍ مهملةٍ. اسمه: خُويلدٌ ¬
ابنُ عمرِ بنِ صخرٍ الخزاعيُّ. (لعمرو بن سعيد) أي: ابن العاصِ بنِ أميةَ القرشيُّ، قال شيخنُا وغيرُه: وليس بصحابيّ ولا تابعيّ (¬1). (يبعث البعوث) بضمِّ الموحدة: جمع بعث بمعنى: مبعوث، أي: كان عمرو يُرسلُ الجيوشَ إلى مكةَ لقتالِ عبد الله بنِ الزبيرِ؛ لكونه امتنع من مبايعةِ يزيد بنِ معاويةَ، وكان عمرو واليًا بالمدينة الشريفةِ. (ائذن لي أَيُّها الأمير أحدثك) بالجزمِ جوابًا للأمرِ. (قولًا) مفعولٌ ثانٍ لأحدثك. (قام به النبيُّ) في نسخةٍ: "قام به رسولُ الله". (الغد) بالنصبِ على الظرفيةِ أي: غد يومِ الفتحِ. (سمعته أذناي ... إلخ) فيه: تأكيدٌ ومبالغةٌ في تحقيق ما قبله، و (أذناي) أصله: أذنان لي وسقطت النونُ واللام؛ لإضافته لياء المتكلم، وهذه الجملةُ وجملةُ قام به النبيُّ صفتان لقولًا. والمعنى: أنه لم يكن اعتماده على الصوت فقط، بل عليه مع التثبت والمشاهدة. والتاءُ في سمعته وفي أبصرته للتأنيث، لأنَّ كل ما ثُنِّيَ في الإنسانِ من الأعضاءِ، كاليدِ، والعين والأذن فهو مؤنث؛ بخلافِ الأنف والقلب ونحوهما. (حين) ظرفٌ لقام وما بعده (حمد الله وأثنى عليه) بيان لقوله: (تكلَّم به) أي: بالقولِ، والعطفُ في ذلك من عطف العامِ على الخاصّ. (حرَّمها الله) أي: يوم خلق السمواتِ والأرضَ من غير سبب يعزى لأحدٍ، وهذا لا ينافيه حديثُ: "أن إبراهيم - عليه السلام - حرَّم ¬
مكة" (¬1) لأنَّ المرادَ: أنه بلغ حرمَ الله، وأظهره بعد أنْ رفعَ البيتَ إلى السماءِ وقت الطوفانِ، واندرست حرمتها، وإلا فهي محرمةٌ من يومِ خلقِ الله السموات والأرض. (يؤمنُ بالله واليومِ الاخر) إشارة إلى المبْدَأ والمُعَاد، وكل ما يجب الإيمانُ به لا يخرجَ عنهما، وقيد بالمؤمن؛ لأنه الذي ينقادُ للأحكام وينزجرُ، وإلَّا فالكافر أيضًا مخاطبٌ بفروعِ الشريعةِ. (أنْ يسفك) بكسرِ الفاءِ أشهرُ من ضمِّها، والسفكُ: صبُّ الدماء، أشار بذلك إلى القتل (بها) في نسخةٍ: "فيها". (ولا يعضد) بكسرِ الضادِ أشهرُ من ضمها، وزيدت لا للتوكيدِ (شجرة) أي: ذات ساقٍ، سواء أنبتها الآدميُّ أمْ لا. (فإن أحدٌ ترخَّص) برفعِ (أحد) بفعلٍ مقدر يفسره ما بعده، والترخُّص من الرُّخصةِ، وهي ما غيِّر من الحكمِ تخفيفًا لعذرِ مع قيامِ الموجب الأولِ لولا العذر. (لِقتال رسولِ الله) تمسَّك به من قال: فتحت مكةُ عنوةً، جوابه عند القائلِ: فتحتْ صُلحًا: أن المعنى ترخَّص بحل القتالِ؛ لأنَّه أحل له ساعة، ولا يلزم من حل الشيءِ وقوعه. نعم هو - صلى الله عليه وسلم - دخلها متأهبًا للقتال لو احتاج إليه، ولا يعرف أنه - صلى الله عليه وسلم - نصب لهم حربًا فطعن برمحٍ، أو رمى بسهمٍ، أو ضرب بسيفٍ، أو نحو ذلك. وأما قَتْلُه من استحق القتلَ خارج الحرمِ في الحرمِ، فليس من معنى القتالِ في شيءٍ. (وإنما أَذن لي) بفتحِ الهمزةِ وضمِّها. وليس عدولُه عن قوله له التفاتًا؛ لأنَّ السياق في (لقتال رسولِ الله) حكايةُ قولِ المترخِّص. وسياقُ هذا هو: تضمينه جواب المترخِّص، وقضيةُ الالتفاتِ تقتضي اتحادَ السياقِ. ¬
(ساعة) أي: في ساعة من نهارٍ، وهي من طلوعِ الشمسِ إلى العصرِ. وسيأتي ماله بما ذكر تعلق في بابِ: كتابة العلمِ. (ثم عادتْ حرمتُها اليوم) أي: تحريمُها المقابلُ للإباحةِ المفهومةِ من الإذن. (في اليوم) أي: في الزمنِ الحاضرِ، أو في اليوم المعهود. وهو يوم الفتحِ. (كحرمتها بالأمس) أي: الذي قبل يوم الفتحِ. (وليبلِّغ) بسكون اللامِ وكسرِها. (ما قال عمرو) أي: في جوابِك (أنا أعلمُ منك) أي: بمعنى الحديث. والجملةُ معترضةٌ بين القولِ ومقولهِ أعني (لا تعيذُ) وهو خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أي: مكة. وهو: بفوقيةٍ وذالٍ معجمةٍ أي: لا تعصمْ. وفي نسخة: "بتحتية"، وفي أخرى: "إنَّ الحرمَ لا يعيذُ" فضمير تعيذ في الأولى لمكةَ. وفي الثانيةِ للحرمِ، كالثالثةِ. (عاصيًا) أي: بظلمٍ أو نحوه. (ولا فارًّا بدمه) أي: ملتجئًا إلى الحرمِ ملتبسًا بدمِ غير حق خوفًا من القصاصِ. (ولا فارًّا بخربة) أي: بسببِها وهي بفتح المعجمةِ، وسكون الراءِ، وبموحدة: السرقة، وأصلها: سرقة الإبلِ، وفي نسخةٍ: "بخربة" بضمِّ الخاءِ يعني: السرقةَ، فزاد فيها التفسيرَ، وفي نسخةٍ: "بخربة" بضم الخاءِ أي: الفسادَ، وفي أخرى: "بخربة" بكسر المعجمةِ، وسكون الراءِ، وفي أخرى: بجيم مكسورةٍ، وياء تحتية، وفي أخرى: "بجنايةٍ وبلية". وقد حاد عمروُ عن الجواب، وأتى بكلامٍ ظاهره الحقُّ وهو (لا تعيذ ... إلخ) لكنَّه أراد به الباطلَ. فإن أبا شريح الصحابي أنكر عليه بعثَ الخيلِ إلى مكةَ واستباحة حرمتها بنصبِ الحربِ عليها، فأجابه: بأنه لا يمتنع من إقامةِ القصاصِ، وهو الصحيحُ. إلَّا أن ابن الزبير لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيءُ، بل هو
أولى بالخلافةِ من يزيد بن عبد الملك، لأنه بويع قبلَه، وهو صحابيٌّ. وفي الحديثِ: دعايةُ الرفقِ في الإنكار، كما أستأذن عمروُ أبا شريح، وتقديمُ الحمد على المقصود، وشرفُ مكةَ، وإثباتُ القيامةِ، واختصاصُ الرسولِ بخصائص، وجواز النسخ، إذ نسختْ الإباحةُ للرسولِ بالحرمةِ، وجوازُ المجادلة، ومخالفةُ التابعيِّ للصحابيِّ بالاجتهادِ. 105 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ذُكِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ". وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ ذَلِكَ "أَلا هَلْ بَلَّغْتُ" مَرَّتَيْنِ. [انظر: 67 - مسلم 1679 - فتح: 1/ 199] (عبد الله بن عبد الوهاب) هو: ابن محمد الحجبيُّ: بفتح المهملةِ والجيم، وبالموحدةِ. (حمَّاد) أي: ابن زيدِ البصريُّ. (عن أيوب) أي: السختيانيّ. (عن محمد) هو: ابن سيرين. (عن أبي بكرة) اسمُه: عبدُ الرحمن. (ذكر النبيّ) بضم الذالِ، وكسر الكافِ. وفي نسخةِ: بفتحها فالنبيُّ مرفوعٌ على الأولِ، ومنصوبٌ على الثاني. (قال) في نسخة: "فقال" وهو بدل اشتمال من النَّبي بتأويله بالمصدر. (فإن دماءكم) الفاءُ: عاطفةٌ؛ لمدخولها على مثل مقولِ القولِ السابق عليها في باب: (رُبَّ مبلِّغٍ) واقتصر هنا على المعطوفِ؛ لأنه المقصود من بيانِ التبليغ. (قال محمد) أي: ابن سيرين. (وأحسبه) أي: وأظن ابن أبي بكرةَ. (وأعراضكم) بالنصبِ عطفٌ على (دماءكم) والجملةُ بينهما معترضةٌ، والمراد بالعرضِ: الحسبُ، وقيل: الأخلاقُ النفسانيةِ، وظن
38 - باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم
محمدٍ هنا ذلك لا ينافي جزمه به في رواية أخرى لاحتمال تقدم أحدهما على الآخرِ. (عليكم حرام) معلومٌ بالعقلِ أن أموال الشخص لا تُحرَّم عليه فالمراد: أن أموالَ كلِ واحدٌ منكم حرام على غيرهِ، ويؤيده روايةُ: "بينكم" (¬1) بدل عليكم. كان ذلك بيانًا لقوله. (صدق) أي: كان إخبارُه - صلى الله عليه وسلم - بأنه سيقع التبليغُ بعد، فيكون الأمرُ في (ليبلِّغ) بمعنى الخبر؛ لأنَّ التصديقَ إنما يكونُ للخبرِ، لا للأمرِ. (ألا هَلْ بلغت) بتخفيف ألا أي: ألا يا قومِ هل بلغت، أي: امتثلت قولَه تعالى: (بلغ ما أنزل إليك) [المائدة: 67] وهل للاستفهام على أصلِها، أو بمعنى: قد، كما في قولهِ تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} [الإنسان: 1]. (مرتين) متعلقٌ بقال مقدرة أي: قال - صلى الله عليه وسلم -: ألا هل بلغت مرتين. لا أنه قال جميع ما ذكر مرتين؛ لأنَّه لم يثبت، فقوله (كان محمد ... إلخ) اعتراض بين كلامه - صلى الله عليه وسلم -. وفي الحديث: بيانُ حرمةِ مكةَ، وتحريمُ القتل، والغصب، والغيبة، وفيه تكرار الكلام. 38 - بَابُ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (باب: من كذب على النَّبي - صلى الله عليه وسلم -) أي: بابَ بيانِ ذلك. 106 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ، قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَكْذِبُوا ¬
عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ". [مسلم: 1 - فتح: 1/ 199] (عليُّ بنُ الجعدِ) بفتح الجيمِ، وسكون العين، وبالدال المهملتين (منصور) هو ابن المعتمر. (رِبْعي) بكسر الراء وسكونِ الموحدةِ (ابن حراش) بكسر المهملةِ وبالراء الخفيفةِ، والشين المعجمةِ: ابن جحشٍ الغطفانيُّ. (لا تكذبوا عليَّ) الكذبُ: عدمُ مطابقة الخبرِ للواقعِ سواءً طابق الاعتقادَ أم لا، وقيل: عدم مطابقته للاعتقادِ، وقيل: عدمُ مطابقتهِ لهما، ولا فرق بين الكذبِ عليه، والكذب له، فمعنى قوله (عليَّ): نسبةُ الكلامِ إليه كذبًا، سواءُ كان عليه أم له. (فليلج النار) أي: فليدخلها. قيل: الشرطُ سببُ الجزاءِ، فكيف يتصور سببيةِ الكذب للأمر بالولوج؟ وإنَّما هو سببٌ للولوجِ، وأجيب: بأنه سببٌ للازمِ الأَمرِ بالولوجِ، وهو الإلزام به، أو هو الأمرُ، ومعناه الخبرُ، ويؤيده خبرُ مسلمٍ: "من يكذبُ علي يلج النار" (¬1)، والمرادُ كما قال النوويُّ: إنَّ هذا جزاؤه، وقد يُجازى به، وقد يعفو الله عنه، ولا يقطع له بدخولِ النَّارِ، كسائر أصحابِ الكبائرِ غير الكفرِ ثم إن جُوزيَ وأدُخلَ فلا يخلدُ فيها، بل لا بدَّ من خروجه منها بفضلِ الله ورحمتهِ (¬2). 107 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". [فتح: 1/ 200] ¬
(لا أسمعك) في نسخةٍ: "إني لَاسمعك تُحدِّث ... الخ" المعنى: لأسمع تحدثيك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كتحديث فلانٍ وفلانٍ. (أما إني لم أفارقه) بتخفيف ميم أما وهي حرف تنبيه، وبكسر همزة إني، والمرادُ: نفيُ المفارقةِ العرفيةِ. أي: الملازمة حضرًا وسفرًا على عادةِ ملازمةِ الملوكِ، فلا تضرُّ مفارقته له بعض الأحيانِ. (ولكن سمعته يقول) في نسخةٍ: "ولكني" وفي أخرى: "ولكنني" ووجهُ الاستدراكِ: أن من لازم عدمَ المفارقة السماع، ولازم السماعَ التحديث، ولازم ما رواه في الجواب أن لا يحدّث، فبين الملازمتين منافاةٌ، وعبَّر بيقول مع أنَّ المناسبَ لسمعت: قال، لاستحضارِ صورة القولِ للحاضرين، والحكاية عنها. (فليتبوأ) بسكون اللام أشهر من كسرِها أي: فليتخذ مقعدَه. (من النارِ) من بيانية أو ابتدائية، أو بمعنى في، وفي وقوع فليتبوأ جوابًا للشرط ما مرَّ في فليلج النار، أو هو أمرُ تهديدٍ، أو دعاء أي؛ بوأه الله. وفي الحديثِ: أنَّه لا يجوز التحدُّث عنه - صلى الله عليه وسلم - بالشد وغالبِ الظنِّ حتى يتيقن سماعُه. 108 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". [مسلم: 2 - فتح: 1/ 201] (أبو معمر) اسمُه: عبدُ الله بنُ عمرو المنقريُّ. (عبد الوارث) أي: ابنُ سعيد التيمي. (عبد العزيز) أي: ابن صُهيب البصريُّ. (ليمنعني أن أحدثكم ... إلخ) ومعنى كون الحديث الذي ذكره يمنعه من الحديثِ الكثيرِ وإنْ كان لا يمنع الصادقَ أنه قد يجر إلى الوقوعِ في كذبٍ، فإنَّ من حام حول الحمى يوشك أنْ يقع فيه وإنْ لم
يكن بالقصدِ. (كذبًا) نكرة في سياق الشرط، كما في سياقِ النفيّ، فيعمُّ تحريمُ الكذبِ جميعَ أنواعهِ، ولو في النومِ. وقد ذهب الشيخُ أبو محمدِ الجوينيُّ (¬1) إلى كفر من كذب عليه - صلى الله عليه وسلم - متعمدًا وردَّه عليه ولده إمام الحرمين، وقال: إنه من هفواته. 109 - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". [فتح: 1/ 201] (حدثنا المكيّ) في نسخةٍ: "حدثني المكيّ" وفي أخرى: "حدثني مكيّ". (عن سلمة) هو: ابن الأكوع، واسمه: الأكوع سنانُ بنُ عبد الله. (ما لم أقل) أي: أقله، وكقوله: فعله ونحوه. 110 - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". [3539، 6188، 6197، 6993 - مسلم: 3، 2134، 2266 - فتح: 1/ 202] (حدثنا موسى) في نسخةٍ: "حدثني موسى" هو: أبو عوانة. أي: ¬
الوضَّاحُ اليشكريّ (عن أبي حصين) بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين: عثمانُ بن عاصم. (عن أبي صالحٍ) اسمه: ذكوانُ السَّمانُ المدنيُّ. (تسموا) بفتح التاءِ، والسينِ، والميمِ المشددة: أمرٌ بصيغةِ الجمعِ من باب التفعلِ. (باسمي) أي: كمحمدٍ وأحمدَ. (ولا تكتنوا) بفتح التاءين بينَهما كافٌ ساكنةٌ. وفي نسخةٍ: "ولا تكنَّوا" بفتح التاء والكاف وبنون مشددةٍ مفتوحةٍ من باب التفعلِ. (بكنيتي) أي: بأبي القاسم، وتحريمُ التكني به محله فيمن اسمَه محمد، ولو في غير زمنه، لخبر: "من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي. ومن تكنّى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" رواه ابن حبان وصححه، وقال البيهقي: إسناده صحيح (¬1)، والذي نصَّ عليه الشافعيُّ: المنعُ مطلقًا لخبر "الصحيحين": "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي". ورجَّح ابن أبي الدمِ والرافعيُّ الأول بعد نقلهما النصَّ المذكور، وما رجحاه فيه جمع بين الخبرينِ بخلافِ النصّ، وأما تكنيةُ عليٍّ رَضِي الله عَنْهُ ولدَه محمدَ بنَ الحنفيةِ بذلك فرخصةٌ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كما قاله ابن أبي الدمِ. ¬
قال شيخنا: وأما ما رواه أبو داودَ عن عائشةَ قالتْ: جاءت امرأة إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسولَ الله إني قد ولدتُ غلامًا، فسميته محمدًا، وكنيته أبا القاسم، فذُكِرَ لي أنك تكره ذلك. فقال: "ما الذي أحل اسمي وحرَّم كنيتي، أو ما الذي حرّم كنيتي وأحل اسمي" فيشبه أنْ يكونَ قبل النهي؛ لأنَّ حديث النهي أصح. انتهى (¬1). وضعَّف النوويُّ الأول وقال: الأقربُ أن النهي مختصٌّ بحياتهِ - صلى الله عليه وسلم - لما في الحديثِ (¬2) من سبب النهي، وهو أنَّ اليهودَ تكنوا به، وكانوا ينادون يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: لم نعنك. إظهارًا للإيذاءِ وقد زال ذلك المعنى. انتهى. وما قال أنه أقرب أخذًا من سببِ النهي مخالفٌ لقاعدةِ إنَّ العبرة بعمومِ اللفظِ، لا بخصوصِ السببِ، بل الأقرب ما رجحه الرافعيُّ، وقال الأسنويُّ: إنه الصوابُ؛ لما فيه من الجمع بين الخبرينِ السابقين، كما مرَّ. (ومن رآني في المنام فقد رآني) جواب الشرط لازمُ الرؤيةِ، وهو السرورُ لا الرؤية؛ لئلا يتحد الجواب مع الشرط، فيستسر؛ بأنه قد رآني، أو المعنى على التشبيه أي: فكأنَّه رآني في اليقظةِ، ومعنى رؤيته ¬
39 - باب كتابة العلم
قيل: رؤية مثاله لا رؤيةَ شخصهِ، والأقربُ كما قال الكرمانيُّ: ما قيل إنها رؤيته حقيقةً، إذ العقلُ لا يحيلهَا، فلا حاجةَ إلا تأويلها، وأما قولهم فأنه قد يُرى على خلافِ صفته، أو في مكانين، فإنه تغييرٌ في صفاتِه، لا في ذاتِه، فتكونُ ذاتُه مرئيةً وصفاتُه متخيلةً، والرؤيةُ: أمرٌ يخلقها الله في الحيِّ، لا بشرطِ مواجهةٍ ولا تحديقِ بصر، ولا كونَ المرئيّ ظاهرًا، بل الشرط: كونه موجودًا فقط حتى يجوز رؤيةُ أعمى الصينِ بقةَ الأندلسِ، ولم يقُمْ دليلٌ على فناءِ جسمِه - صلى الله عليه وسلم -، بل جاء في الحديثِ ما يقتضي بقاءَهُ (¬1). (لا يتمثل في صورتي) أي: لا يتمثل بها. 39 - باب كتَابَةِ العِلْمِ. (باب: كتابة العلم) أي: بيانها. 111 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: "لَا، إلا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ". [1870، 3047، 3172، 3179، 6755، 6103، 6915، 7300 - مسلم: 1370 - فتح: 1/ 204] (ابن سلام) في نسخةٍ: "محمد بن سلام". (وكيع) هو: ابن الجرَّاح. (عن سفيان) هو: ابن عيينة، أو الثوريُّ، وكلٌّ صحيح، لأنَّ وكيعًا يروي عن كل منهما. (عن مطرف) بضم الميم وتشديد الراءِ المكسورة: ابن طريف بطاءٍ مهملة. (عن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح ¬
الحاءِ المهملةِ. اسمه: وهب بنُ عبد الله السوائيُّ. (قال: قلت لعلى) في نسخةٍ: "لعليّ بن أبي طالب". (هل عندكم؟) خاطب به عليًّا بالجمعِ تعظيمًا؛ أو لإرادته مع أهلِ البيت. (كتاب) أي: مكتوب عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من أسرارِ علم الوحى، خصكم به، كما تزعم الشيعة. (إلا كتاب الله) بالرفع على الاستثناءِ من معمول لا المقدر، وهو استثناءٌ متصلٌ. (أو فهم) مستثنى أيضًا. أي: مفهوم بالاستنباط من فحوى الكلام. (أُعطيه) بالبناءِ للمفعولِ. (أو ما في هذه الصحيفةِ) مستثنى أيضًا. أي: ما في هذه الورقةِ وكانت معلقةً بقبضة سيفه احتياطًا أو استحضارًا، أو لانفراده بسماعها، أو للإشعارِ بأنَّ مصالحَ الدنيا ليست بالسيفِ وحده، بل بالقتلِ، أو الدِّية، أو العفو (وما) في نسخةٍ: "فما". (العقل) أي: الدِّية؛ لأنَّ إبلها تعقل بفناءِ دارِ المستحقِّ والمرادُ: بيان أحكام ذلك. (فكاك) بكسر الفاء وفتحها: ما يفتك به أي: يخلِّص. يقال: فكَّه وأفتكه بمعنى. (الأسير) فعيل بمعنى مأسور من أسره: شدَّه بالإسار وهو القِد. أي: السير من جلدٍ بكسر القاف وبالمهملة؛ لأنهم كانوا يشدون الأسير به، ثم سمي كل مأخوذٍ أسيرًا، وإن لم يشدُّ به. (ولا يقتل مسلم بكافر) في نسخةٍ: "وأن لا يقتل" فالعطف عليها عطف مفرد تقديرًا على مفرد، وعلى الأولى عطف جملة على مفرد، كما في نحو قوله تعالى: {آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] والمعني في الصحيفة حكم العقل، وفكاك الأسير وحرمة قتل المسلم بالكافر، وهو مذهب الشافعي وغيره، وخالفه الحنفية فجوزوا قتله بالذمي تمسكًا بما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قتل مسلمًا بذمي،
وقال: "أنا أكرم من وفى بذمته" (¬1) وأجيب عنه: بأنه ضعيف، ومتروك بالإجماع؛ لأنه روي أن الكافر كان رسولًا فيكون مستأمنًا، وهو لا يقتل به المسلم اتفاقًا وإن صحَّ فمنسوخ؛ لأن ذلك كان قبل فتح مكة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - يوم فتحها في خطبته: "ولا يقتل مؤمن بكافرِ، ولا ذو عهد في عهده" (¬2). 112 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَذَا، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلاَ وَإِنَّهَا ¬
حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلاَنٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ. [2434، 6880 - مسلم: 1355 - فتح: 1/ 205] (عن يحيى): هو: ابن أبي كثير صالح بن المتوكل الطائي. (أن خزاعة) بضم المعجمة وبالزاي حيٌّ من الأزد سميت بذلك؛ لأن الأزد لما خرجوا من مكة وتفرقوا خزعت أي: تخلفت، وأقامت بمكة. (قتلوا رجلًا) اسمه: جندب بن الأكوع الهذلي، واسم قاتله: خراش بن أمية الخزاعي، ففي قوله: قتلوا تجوز حيث عبَّر عن الواحد بالجمع. (بقتيلٍ منهم) أي: من خزاعة، واسم هذا القتيل: أحمس فأخبر بالبناء للمفعول. (راحلته) هي الناقة التي تصلح أن يرحل عليها، ويقال: هي المركوب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى. (حبس عن مكة القتل) بالقاف المفتوحة والمثناة الفوقية. (أو الفيل) بالفاء المكسورة والمثناة التحتية الحيوان المشهور. (قال محمد) في نسخة: "قال أبو عبد الله" أي: البخاري. (واجعلوه) بصيغة الأمر، أي: أنتم، وفي نسخةٍ: "وجعلوا" وفي أخرى: "وجعلوه لما بصيغة الخبر فيهما، وبضمير النصب: في ثانيتهما، أي: وجعل الرواة اللفظ على الشك، كذا قال أبو نعيم: القتل أو الفيل، أي: على الشك، فالشك من أبي نعيم وغيره أي: غير أبي
نعيم. يقول: الفيل بالفاء من غير شك، والمراد بحبس الفيل: حبس أصحابه الذين غزوا مكة به، فمنعها الله عنهم، كما أشار إليه تعالى في القرآن، وفيما قاله البخاري تلويح بأن الجمهور على رواية الفيل بالفاء من غير شك وفي نسخة: بدل (قال محمد ... إلخ) "شك أبو عبد الله"، أي: البخاري، فالشك من البخاري نفسه. (وسلط) بالبناء للمفعول، وهو عطف على حبس عن مكة، وفي نسخة: "وسلط عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمؤمنين" ببناء سلط للفاعل أي: سلط الله. (ألا) بالتخفيف: حرف تنبيه. (وإنها) بكسر الهمزة عطف على مقدر أي: ألا إن الله حبس عن مكة الفيل، (وإنها) في نسخة: "فإنهما". (لم تحل ... إلخ) المراد به: عدم حل القتال فيها في الزمنين ومحله كما قال النووي: في قتال بما يعم كمنجنيق إذا أمكن إصلاح الحال بدونه، وإلا فقتال أهل البغي أو طائفة تحصنت بمكة، جائز فيها، كما نصّ عليه الشافعي والجمهور (¬1)، وفي نسخة: بدل (ولا تحل) "ولم تحل" واستشكل بأن "لم" تقلب المضارع ماضيَا، وبعد الاستقبال، فيتنافيان، وأجيب: بأن المعنى: لم يحكم الله في الماضي بالحل في المستقبل. (ألا وأنها) أي: مكة. (ساعتي هذه) أي: فيها. (حرام) خبر أن وهو في الأصل خبر مكة وجاز الإخبار به عنها مع أنه مذكر وهي مؤنث لأنه مصدر فيجوز الإخبار به عن المؤنث، كغيره. (لا يختلي) أي: لا يجز شوكها أي: غير المؤذي واليابس. ¬
(ولا يعضد) أي: لا يقطع. (شجرها) أي: غير اليابس. (إلا لمنشد) أي: لمعرف اللقطة أما طالبها فناشد فعلم أن التقاطها للتملك حرام، وهو مذهب الشافعي وغيره، وخالف الإمامان مالك وأحمد وغيرهما، فجوزوا التقاطها في الحرم، كغيره. (فمن قتل) بالبناء للمفعول، أي: "فمن قتل له قتيل" كما في نسخة. (فهو بخير النظرين) أي: أفضلهما، وقوله: فهو راجع إلى من قتل له قتيل. (إما أن يعقل) بالبناء للمفعول أي: يعطى العقل وهو الدية. (وإما أن يقاد) بالبناء للمفعول. أي: ينقاد قاتل قتيله أي: يقتص منه، فنائب فاعل يقاد: مضمر، ونائب فاعل يعقل قاتل القتيل، وإن كان في تقريرنا ضميرًا مستترا، ففيه: إقامة الظاهر مقام المضمر مع أنه لا يحتاج مع تقريرنا إلى هذا الظاهر. وجعل بعضهم ذلك من باب التنازع وهو صحيح، لكن مع تعسف زائد، وفي نسخة: بدل (يقاد) "يفاد" بالفاءِ أي: يعطى فداؤه وهو محمولٌ على إعطاء الدية التي لا تتحملها العاقلة، ويعقل على التي تتحملها العاقلة؛ لئلا يلزم التكرار، وفيما ذكر جواز القصاص في الحرم، وهو مذهب الشافعي، فإنكار النَّبي - صلى الله عليه وسلم - على خزاعة ليس لكون القصاص في الحرم بل لجواز أنهم قتلوا غير القاتل على عادة الجاهلية، وفيه بالنظر إلى الجمع بين الأحاديث: أن المستحق مخير بين أن يأخذ حقه بعينه، وأن يعفو على الدية، إذ لم يرد القصاص، وأن يعف مطلقًا وهذا لا يستلزم أن الواجب أحدهما لا بعينه، كما قال به جماعة. (فجاء رجل من أهل اليمن) هو: أبو شاهٍ بشين معجمة وهاء منونة. (وقال: اكتب لي) أي: الخطبة التي سمعتها منك. (لأبي فلان)
أي: لأبي شاه. (فقال رجل من قريش) هو العباس بن عبد المطلب. (إلا الإذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال، وكسر الخاءِ المعجمتين وهو نبت معروف طيب الرائحة، ونصبه على الاستثناءِ وجوز بعضهم رفعه على أنه بدل بعض مما قبله، وكأنه جعل إلا بمعنى غير. (فإننا نجعله في بيوتنا) أي: نسقف به فوق خشبها. (وقبورنا) أي: نسد به فرج لحدها المتخللة بين اللبنات. (فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: إلا الإذخر) قاله اجتهادًا أو أوحي إليه في الحال باستثناء ذلك أو قبله بأنه إن طلب منك أحدٌ استثناء شيءٍ فاستثنه، وفي نسخة: "إلا الإذخر مرتين" فالثانية للتأكيد. وفي الحديث والذي بعده غير ما مرَّ: جواز كتابة العلم خلافًا لمن كرهه محتجًا بخبر مسلم: "لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب غير القرآن فليمحه" (¬1)، قال الكرماني: وكان في ذلك خلاف ثم أجمعوا على الجواز بل على الاستحباب، وحملوا النهي على أنه في حقّ من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة، وحديث أبي شاه على من لا يوثق بحفظه أو كان النهي عند خوف الاختلاط بالقرآن وقد أمن ذلك أو النهي عن كتابة القرآن والحديث في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشبته على القارئ أو النهي للتنزيه أو منسوخ (¬2). وبالجملة فقد كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا حفظه لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونه، وأول من دون الحديث ابن ¬
شهاب الزهريّ على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم أكثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير. 113 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: "مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إلا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ" تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [فتح: 1/ 206] (سفيان) أي: ابن عيينة. (حدثنا عمرو) هو: ابن دينار المكي. (عن أخيه) اسمه: همام بن منبه. (أكثر حديثًا) بنصب أكثر خبر ما، وهو أفعل تفضيل، وجاز وقوع الفاصلة بينه وبين من في قوله: "منِّي"؛ لأنها ليست أجنبية وفي نسخة: "أكثر" بالرفع صفة، أحد (فما) مهملة، و (أحد) مبتدأ وخبره من أصحاب النبي. (إلا ما كان من عبد الله بن عمرو) أي: ابن العاص وإنما قلت الرواية عنه مع كثرة ما حمله؛ لأنه سكن مصر وكان الوار دون إليها قليلًا، وأبو هريرة سكن المدنية، وهي مقصد المسلمين من كلِّ جهة، والاستثناء كما قال الكرماني يحتمل الانقطاع، أي: لكن الذي كان من عبد الله أي: الكتابة لم تكن منِّي، والخبر محذوف بقرينة باقي الكلام، ويحتمل الاتصال؛ نظرًا إلى المعنئ؛ لأن حديثًا وقع تمييزًا، والتمييز كالمحكوم عليه فكأنه قال، ما أجد حديثه أكثر من حديثي، إلا أحاديث حصلت من عبد الله (¬1). (تابعه) أي: وهب بن منبه في روايته هذا الحديث. (معمر عن همام) أي: ابن منبه. ¬
114 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ قَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ" قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ" فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ كِتَابِهِ". [3053، 3168، 4431، 4432، 5669، 7366 - مسلم: 1637 - فتح: 1/ 208] (يحيى بن سليمان) أي: ابن يحيى الجعفي. (عن وهب) هو عبد الله المصري. (يونس) هو: ابن يزيد الأيلي. (عن عبيد الله بن عبد الله) أي: ابن عتبة بن مسعود. (وجعه) أي: الذي توفى فيه. (ائتوني بكتاب) أي: بما من شأنه أنه يكتب فيه، كالكاغد وعظم الكتف، أو بأدوات كتاب: كقلم ودواة فالمراد بالكتاب: الكتابة. (أكتب) بالجزم جواب الأمر ومعنى كتابته مع أنه أميٌّ: أنه يأمر بها، أو أنه يأتي بها؛ لأن الأميَّ من لا يحسن الكتابة لا من لا يقدر عليها، وقد ثبت في الصحيح أنه كتب بيده. (لا تضلوا) بفتح التاءِ وبالجزم، بدل من جواب الأمر، وفي نسخة: "لن تضلوا". (حسبنا) خبر مبتدأ محذوف أي: وهو حسبنا أي: كافينا، فلا نكلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يشق عليه، وهذا تتمة كلام عمر، والأمر في ائتوني للإرشاد والندب، لا للوجوب. وإلا لما ساغ لعمر الاعتراض على أمر الرسول، ولما ترك الرسول الإنكار عليه. (وكثر اللغط) بفتح اللام وبالمعجمة ساكنة، ومفتوحة، أي: الصوت، بسبب اختلاف الصحابة. (قال) في نسخة: "فقال" وفي
40 - باب العلم والعظة بالليل
أخرى: "وقال". (قوموا عنِّي) أي: اذهبوا عنِّي. (إن الرزيئه) بفتح الراءِ وكسر الزاي بياء ساكنة ثم همزة، أي: المصيبة، وكثيرًا ما تقلب الهمزة ياءً وتدغم فيها الياء قبلها. (كل الرزية) بالنصب على التوكيد. (ما حال) أي: حجز. 40 - بَابُ العِلْمِ وَالعِظَةِ بِاللَّيْلِ. 115 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ". [1126، 3599، 5844، 6218، 7069 - فتح: 1/ 210] (باب: العلم والعظة بالليل) في نسخة: "واليقظة بالليل" وفي نسخة: تأخير هذا الباب عن الباب الآتي. (صدقة) هو ابن الفضل المروزي. (عن ابن عيينة) هو سفيان. (عن هند) هي بنت الحارث الفراسية بكسر الفاءِ وبالسين المهملة، وفي نسخة: "عن امرأة". (عن أمّ سلمة) هي من أمهات المؤمنين واسمها: هند بنت سهل بن المغيرة. (وعمرو ويحيى) بالجر عطف على معمر وبالرفع استئناف والمعنى: أن ابن عيينة حدث عن معمر عن الزهريّ أيضًا، لكنه حذف صيغة الأداءِ على عادته، وفي نسخة البخاري: "وعمرو ويحيى" وعمرو هو ابن دينار. (عن هند) في نسخة: "عن امرأة". (استيقظ) أي: تيقظ من النوم. (النبيُّ) في نسخة: "رسول الله". (ذات ليلة) بزيادة ذات للتوكيد،
وقال الزمخشري: هو من إضافة المسمى إلى اسمه. (سبحان الله) بمعنى التنزيه، ضمن هنا معنى التعجب. (ماذا) استفهام ضمن معنى التعجب والتعظيم. (أنزل الليلة) في نسخة: "أنزل الله الليلة". (من الفتن) أي: العذاب، وعبر بها عنه؛ لأنها سببه. (من الخزائن) أي: خزائن الرحمة أخذا من قوله: {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ} [الطور: 37] والمراد: أنه - صلى الله عليه وسلم - أوحي إليه في المنام، أو في اليقظة أنه سيقع بعده فتن، وتفتح لهم الخزائن، وهلذا من معجزاته، فقد وقع بعده الفتن. وفتحت الخزائن من فارس والروم، وغيرهما. (أيقظوا) أي: نبهوا. (صواحب الحجر) في نسخة: "صواحبات الحجر" وهنَّ أزواجه - صلى الله عليه وسلم - والحجر بضم المهملة وفتح الجيم: منازلهن، وخصهن بالذكر؛ لأنهنَ الحاضرات حينئذ. (فَرُبَّ كاسيةٍ في الدنيا) أثوابًا رقيقة لا تمنع إدراك لون البشرة لغير زوجها أو نفسه. (عارية في الآخرة) من الثواب ندبهنَّ بذلك إلى الصدقة، وترك السرف، والاقتصار على أقلّ الكفاية فهو بيان موجب الاستيقاظ، أي: لا ينبغي لهن أن يتغافلن ويعتمدن على كونهن أزواج النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] ورب هنا للتكثير وإن كانت أصلها للتقليل والتحقيق فيها أنها ليست للتقليل دائما خلافًا للأكثرين دلالة للتكثير دائمًا خلافًا لابن درسويه وجماعة بل ترد للتكثير كثيرًا وللتقليل قليلًا، وهي متعلقة وجوبًا بفعلٍ ماضٍ مقدرٍ متأخرٍ، كعرفتها ويجوز في عارية الجر صفة لكاسية المجرورة بربَّ والرفع خبر مبتدأ محذوف.
41 - باب السمر بالعلم
41 - باب السَّمَرِ بِالْعِلْم. (باب: السمر بالعلم) بفتح السين والميم: الحديث بالليل، وفي نسخة: "في العلم" وفي أخرى: "باب في العلم والسمر". 116 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". [564، 601 - مسلم 2537 - فتح: 1/ 211] (حدثني الليث) في نسخة: "حدثنا الليث". (عن عبد الرحمن بن خالد) في نسخة: زيادة "ابن مسافر" وفي أخرى: بعد (حدثني الليث) "حدثه عبد الرحمن". (عن سالم) أي: ابن عبد الله بن عمر. (أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة. (صلى بنا) في نسخة: "لنا". (النبي) في نسخة: "رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". (العشاء) أي صلاة العشاء. (في آخر حياته) أي: قبل موته بشهر. (أرأيتكم) بهمزة استفهام، وتاء الخطاب، والرؤية هنا بصرية، وكم: حرف خطاب بمنزلة تنوين أو تأنيث لا محل له من الإعراب، إذ لو كان ضميرًا لقال أرأيتموكم؟ لأن الخطاب لجمع، والمعنى: أخبروني فهو من إطلاق السبب على المسبب؛ لأن مشاهدة الأشياء طريق إلى الإخبار عنها ففيه: كما قال الزمخشري تجوزان إطلاق الرؤية، وإرادة الإخبار، لأنها سببه، وجعلوا الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب. (ليلتكم) أي: شأن ليلتكم أو خبرهما بما يحدث بعدها. (فإن رأس) في نسخة: "فإن على رأس" وعليها فاسم (إن) ضمير الشأن وخبرها على النسختين (لا يبقى ... إلخ).
(منها) أي: من تلك الليلة. (لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) أي: ممن هو موجود عليها الآن، فخرج من في السماء، كعيسى، ومن في السحاب، كالخضر، ومن في الهوى والنار، كإبليس، ومن يولد بعد. 117 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: "نَامَ الغُلَيِّمُ" أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ. [138، 183، 697، 698، 699، 726، 728، 859، 992، 1198، 4569، 4570، 4571، 4572، 5919، 6215، 6316، 7452 - مسلم: 763 - فتح: 1/ 212] (الحكم) أي: ابن عتينة. (خالتي) لأنها أخت أمه: لبابة الكبرى بنت الحارث. (فصلى العشاء) أي: في المسجد، وفاء فصلى هي التي تدخل بين المجمل والمفصل، كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 226] لا المرتبة لما بعدها على ما قبلها؛ لأن مدخولها كان قبل كونه - صلى الله عليه وسلم - عند ميمونة لا بعده. (نام الغُليم) أي: ابن عباس، والتصغير فيه للشفقة نحو: يا بُني، ونام استفهام حذفت همزته لقرينة المقام، قيل: أو إخبار منه لله لميمونة بنومه. (أو كلمة تشبهها) أي: تشبه كلمة نام الغليم، والشك من ابن عباس، وأراد بالكلمة الكلام على حد كلمة الشهادة. (عن يساره) بفتح الياءِ أشهر من كسرها. (فصلى) في نسخة:
"وصلّى". (ثم صلى ركعتين) فصلهما عن الخمس إما لأنهما بسلام [والخمس بسلام] (¬1) أو لاقتداء ابن عباس به في الخمس فقط. (غطيطه) أي: شخيره: وهو صوت أنفه عند استثقال نومه. (أو خطيطه) هو الممدود من صوت النائم، وقيل هو بمعنى: الغطيط، والشك من ابن عباس. (ثم خرج إلى الصلاة) أي: ولم يتوضأ؛ لأن من خصائصه أن نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه؛ لأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه، ولا يعارضه حديث نومه لله في الوادي إلا أن طلعت الشمس؛ لأن الفجر والشمس إنما يدركان بالعين لا بالقلب. ووجه مناسبة الحديث للترجمة: أن قوله: نام الغليم مع ما جرت به العادة عند اجتماع الأقارب والأضياف من وقوع المؤانسة والإكرام بالتحدث، وحديثه - صلى الله عليه وسلم - لا يخلو عن علم فكان سمرًا بالعلم وأيضًا من عادة البخاري أن يذكر حديثًا لا يدل بنفسه على الترجمة، بل بباقي طرقه فقد جاء في بعض طرق الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يحدث أهله وابن عباس حاضر وحديثه لا يخلو من علمٍ كما مرَّ. وفي الحديث: بيان حذق ابن عباس وفضله على صغر سنه حيث رصد النبي - صلى الله عليه وسلم - طول ليله، وقيل إن أباه أوصاه بذلك ليطلع على عمله بالليل، وفيه: جواز الجماعة في النافلة وجواز المعمل اليسير في الصلاة، وجواز الصلاة خلف من لا ينوي الإمامة، وجواز بيتوتة الأطفال عند المحارم، وإن كانت عند زوجها والإشعار بقسمه عليه السلام بين زوجاته، وجواز التصغير على وجه الشفقة، وبيان أن موقف ¬
42 - باب حفظ العلم
المأموم الواحد عن يمين الإمام وأن صلاة الصبي صحيحة، ونوم الرجل مع امرأته في غير مواقعةٍ بحضرة بعض محارمها ولو كان مميزًا، وجواز الرواية عند الشك بشرط التنبيه عليه وغير ذلك. 42 - باب حِفْظِ العِلْمِ. (باب: حفظ العلم) لفظ: (باب) ساقط من نسخة. 118 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى} [البقرة: 159] إِلَى قَوْلِهِ {الرَّحِيمُ} [البقرة: 160] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ". [119، 2047، 2350، 3648، 7354 - مسلم: 2412 - فتح: 1/ 213] (عبد العزيز بن عبد الله) أي: الأويسي. (أكثر أبو هريرة) أي: من رواية الحديث، وهو حكاية كلام الناس، أو وضع الظاهر موضع المضمر، وإلا لقال: أكثرت. (ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثنا) بقية كلام أبي هريرة، وحذف اللام من جواب (لولا) وهي جائز، والمعنى: لولا أن الله ذمَّ كاتم العلم لما حدثتكم فإن كتمان العلم حرام. (ثم يتلو) بقية كلام الأعرج وذكر المضارع استحضارًا لصورة التلاوة، وفي نسخة: "ثم تلا". (إن إخواننا) ترك فيه العاطف؛ لأنه استئناف، كالتعليل للإكثار؛ جوابًا للسؤال عنه، وإنما لم يقل: إخوانه أي: إخوان أبي هريرة قصدًا للالتفات وجمع الضمير ولم يقل: إخواني قصدًا لإدخال نفسه وغيره
من أهل الصفة، والمراد: أخوة الإسلام. (يشغلهم الصفق) بفتح أوله وثالثه، وحكي بضم أوله وكسر ثالثه وهو غريب، والصفق بسكون الفاء، كناية عن التبايع؛ لأنهم كانوا يضربون فيه يدًا بيد عند المعاقدة. (بالأسواق) أي: فيها والسوق يذكر ويؤنث سمي بذلك لقيام الناس فيه على سوقهم. (العمل في أموالهم) أي: القيام على مصالح زرعهم. (وإن أبا هريرة) عدل عن قوله: و (إني)؛ لقصد الالتفات. (بشبع) بفتح الموحدة أشهر من سكونها، وفي نسخة: "لشبع" باللام بدل الباء، وكلاهما للتعليل، وفي أخرى: "ليشبع بطنه" والمعنى: أنه كان يلازم النبي قانعًا بالقوت لا يتجر ولا يزرع. (ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون) أشار بالأول: إلى المشاهدات، وبالثاني: إل المسموعات، ولا ينافي ذلك ما مرَّ في خبر أبي هريرة: ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر حديثًا عنه منِّي إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب (¬1)؛ لأن عبد الله كان أكثر تحملا وأبا هريرة أكثر رواية. 119 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ؟ قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ" فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ضُمَّهُ" فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ. [انظر: 118 - مسلم: 2492 - فتح: 1/ 215] (أحمد بن أبي بكر) زاد في نسخة: "أبي مصعب" وهو كنية ¬
أحمد، واسم أبي بكر: القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب الزهريّ. (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة القرشي. (قال: قلت: يا رسول الله) في نسخة: "قلت لرسول الله". (أنساه) صفة ثانية لـ (حديثًا)، والنسيان: جهل بعد علم، ويفارق السهو بأنه زوال الحافظة والمدركة، والسهو: زوال عن الحافظة فقط، ويفارق السهو الخطأ بأنه: ما ينتبه صاحبه بأدني تنبيه، والخطأ: ما لا ينتبه به. (ابسط رداءك) تمثيل للمعنى بالمحسوس. (ضمه) مثلث الميم، وقيل: يتعين ضمها لأجل الهاء المضمومة بعدها، وفي نسخة: "ضم" بلا هاء، وأشار بالضمّ إلى ضبط الحديث. (فما نسيت شيئًا) أي: مما سمعته منه، كما في رواية (¬1)، أو من مقالتي هذه، كما في أخرى (¬2)، لكن الرواية الأولى أرجع من حيث المعنى، لأن أبا هريرة نبه بذلك على كثرة محفوظه من الحديث فلا يليق تخصيصه بتلك المقالة، ولأن الثانية: أفراد فرد من العام فلا يخصصه. (بعده). أي: بعد الضمّ، وفي نسخة: "بعد" وهذا من المعجزات الظاهرات حيث رفع - صلى الله عليه وسلم - عن أبي هريرة النسيان الذي هو من لوازم الإنسان. (فغرف بيديه) في نسخة: "فغرف بيده". (فيه) بالإفراد وزيادة فيه أي: في الردأ. ¬
120 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ". [فتح: 1/ 216] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (قال: حدثني) في نسخة: "قال حدثنا". (أخي) هو عبد الحميد بن أبي أويس. (حفظت عن) في نسخة: "حفظت من". (وعاءين) تثنية وعاء بالكسر والمد: وهو الظرف الذي فيه الشيء أطلق المحل على الحال إذ المراد نوعان من العلم، أو أنه لو كتب لكان في وعاء. (فبثثته) بمثلثتين ثم مثناة فوقيه أي: نشرته، وفي نسخة: "فبثثته في الناس". (لقطع) في نسخة: "قطع". (هذا البلعوم) كناية عن القتل وهو بضم الموحدة: مجرى الطعام وهو المريء وفوقه البلعوم وهو مجرى النفس، وقيل البلعوم: الحلقوم، وفي في سخة: زيادة "قال أبو عبد الله" البلعوم: مجرى الطعام، والمراد بالوعاء الأول: ما نشره من علم الأحكام والأخلاق وبالثاني: [ما كتمه] (¬1) من أخبار الفتن وأشراط الساعة، وتضييع حقوق الله تعالى لخبر: "يكون فساد هذا الدين على يدي أغيلمة سفهاء قريش" (¬2) وكان أبو هريرة يقول: لو شئتُ أن أسميهم ¬
43 - باب الإنصات للعلماء
بأسمائهم فخشى على نفسه فلم يصرح، أو ما كتمه من علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بأهل العرفان. قال قائلهم وهو الحسن بن علي: يا رب جوهر علم لو أبوح به ... لقيل في أنت ممن يعبد الوئنا ولاستحلُّ رجال مسلمون دمي ... يرون أقبح ما يأتونه حسنا 43 - باب الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ. (باب: الإنصات للعلماء) هو بكسر الهمزة والسكون والاستماع ولام للعلماء؛ للتعليل، أي: لا قبل ما يقولون. 121 - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ" فَقَالَ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". [4405، 6869، 7080 - مسلم: 65 - فتح: 1/ 217] (حجاج) هو ابن منهال. (عن أبي زرعة) في نسخة: "عن أبي زرعة بن عمرو". (حجة الوداع) بفتح الحاء والواو أكثر من كسرهما سميت به، لأنه - صلى الله عليه وسلم - ودَّع الناس فيها. (استنصت الناس) أي: اطلب إنصاتهم، والإنصات لازم ومتعد، يقالُ أنصته وأنصت له. (لا ترجعوا) أي: لا تتشبهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضًا. ولا تصيرواه (بعدي) أي: بعد موتي أو بعد موقفي هذا. (كفارًا) بالنصب بنزع الخافض على تضمين ترجعوا معنى تتشبهوا، وبالخبرية على تفسير ترجعوا بتصيروا. (يضرب) بالرفع على الاستئناف بيان لترجعوا، أو حال من ضمير ترجعوا، أو صفة لكفار، أو بالجزم جواب لشرط مقدر أي: فإن
44 - باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟ فيكل العلم إلى الله
ترجعوا كفارًا يضرب بعضكم. وفي الحديث: طلب الإنصات لسماع العلم. 44 - بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ العِلْمَ إِلَى اللَّهِ. (باب: ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس) أي: أي شخص من أشخاص الناس أعلم من غيره، وإذا شرطية فالفاء في (فيكل) داخل على الجر والجملة الشرطية بيان لما يستحب أو ظرفية ليستحب، فالفاء تفسيرية على تقدير المضارع مصدرًا أي: ما يستحب عند السؤال، هو الوكول. 122 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ؟ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلاَ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا،
وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ) قَالَ مُوسَى: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى، فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا قَالَ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ، قَالَ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ، فَنَزَعَهُ، فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ قَالَ: لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا - فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا -، فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلاَمٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلاَهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ؟ قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذَا أَوْكَدُ - فَانْطَلَقَا، حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا
فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ الخَضِرُ: بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ " قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا". [انظر: 74 - مسلم: 2380 - فتح: 1/ 217]. (حدثنا عمرو) هو: ابن دينار وفي نسخة: "أخبرنا عمرو". (نَوْفًا) بفتح النون وسكون الواو وبفاءٍ منصرف وهو عربي، ولو سلمنا عجميته فمنصرف أيضًا على الأفصح لسكون وسطه، كنوح ولوط واسم أبي نوفٍ: فضالة البكاليّ بكسر الموحدة وفتحها وتخفيف الكاف، وحكي تشديدها مع فتح الموحدة، منسوب إلى بني بكال بطن من حمير. (أن موسى) أي: صاحب الخضر. (ليس بموسى بني إسرائيل) موسى ممنوع من الصرف؛ للعلمية والعجمة، وإنما أضيف مع أنه علم لتنكيره أي: تأويله بواحد موسى آخر. نون موسى لكونه نكرة فانصرف لزوال علميته، وفي نسخة: بغير تنوين؛ لأنه علم على معين، وهو موسى بن ميشا بكسر الميم وسكون التحتية وبالشين المعجمة. (فقال: كذب عدو الله) خرج مخرج الزجر والتحذير لا القدح في نوف؛ لأن ابن عباس قاله في حال غضبه، وألفاظ الغضب تقع على غير الحقيقة غالبًا، وتكذيبه له؛ لكونه قال غير الواقع ولا يلزم منه تعمده. (حدثنا أُبَيُّ) في نسخة: "حدثني أبي". (فعتب الله عليه) منشأ
العتب تغير النفس، وهو مستحيل في حقه تعالى فيحمل على أنه لم يرض قوله. (لم يرد العلم إليه) في نسخة: "لم يرد العلم إل الله" ويرد مثلث الدال، وجوز الفك أيضًا. (فأوحى الله تعالى إليه أن عبدًا) بفتح الهمزة أي: بأن وبكسرها بتقدير فقال: إن عبدًا، والمراد به: الخضر. (بمجمع البحرين) أي: ملتقى بحري فارس والروم من جهة المشرق، أو بإفريقية. (هو أعلم منك) أي: بشيءِ مخصوص، كما يدل له كلامه بعد، ولا ريب أن موسى أفضل من الخضر، وإن قيل بنبوته لما اختص به من الرسالة وسماع كلام الله. (قال رب) بحذف ياء النداء تخفيفًا، وفي نسخة: "يا رب" بإثباتها، وحذفت فيهما ياء المتكلم، تخفيفًا، واجتزاءً بالكسرة. (وكيف به) أي: كيف الالتقاء، والالتباس به، أي: كيف السبيل إلى لقائه. (حوتًا) أي: سمكة، وقيل: شق سمكة. (وانطلق بفتاه) في نسخة: "وانطلق معه فتاه". (في مكتل) بكسر الميم وفتح الفوقية، الزنبيل: يسع خمسة عشر صاعًا. (فإذا فقدته) بفتح القاف، أي: الحوت. (فانطلق) أي: موسى. (يوشع) عطف بيان لفتاه، وجرَّ بالفتحة، لأنه غير منصرف؛ للعجمة والعلمية، وبالكسرة يجعله منصرفًا، قيل: وهو الأفصح.
(عند الصخرة) أي: التي عند الساحل الموعود بلقي الخضر عنده. (وناما) في نسخة: "فناما" بالفاءِ. (سربًا) أي: ذهابًا، وزاد في سورة الكهف "فأمسك الله عن الحوت جريه الماء فصار عليه مثل الطاق" (¬1). (وكان) أي: ما ذكر من إحياء الحوت المملوح وإمساك جريه الماء حتَّى صار مسلكًا. (بقية ليلتهما ويومها) بجر (يومهما) عطف على (بقية) قال شيخنا: ونبه بعض الحذاق على أنه مقلوب، وأن الصواب: بقية يومها وليلتهما (¬2)، قلت: وهو ما رواه البخاري في التفسير. (غداءنا) بفتح الغين المعجمة، وبالمدِّ: الطعام الذي يؤكلُ أول النهار. (نصبًا) أي: تعبا لَحِقَهُ؛ ليذكر به نسيان الحوت، ولهذا لم يلحقه قبل ذلك. (مسًّا) في نسخة: "شيئًا". (فقال له) في نسخة: "قال له". (أرأيت) أي: أخبرني، كما. (فإني نسيت الحوت) أي: فقدته، أو نسيت ذكره، وزاد في نسخة: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيْطَانُ} ". (قال موسى ذلك) أي: أمر الحوت. ({مَا كُنَّا نَبْغِ}) أي: نطلبه؛ لأنه علامة وجدان المطلوب. ({قصصًا}) بالنصب بمقدر أي: يقصان قصصًا. (رجل) مبتدأ. (مُسجَّى) (¬3) أي: مغطّى، كما يغطى الميت، وهو خبر المبتدأ، أو صفة له، والخبر محذوف أي: نائم. ¬
(وأنَّي بأرضك السلام؟) أي: من أين السلام في هذه الأرض التي لا يعرف فيها السلام؟ (فقال أنا) في نسخة: "قال أنا" (موسى بني إسرائيل) خبر مبتدأ محذوف أي أنت موسى؟ (علمك الله) في نسخة: "علمكه الله" (¬1) (فكلموهم) أي: فكلم موسى والخضر، ويوشع أصحاب السفينة (أن يحملوهما) أي موسى والخضر وترك يوشع لأنه تابع، وإلا فهو محول أيضًا، كما ذكر في نسخة بلفظ: "فحملوهم" وهو نظير قوله تعالى: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: من الآية 117] (¬2). (بغير نول) أي: أجر، ويقال فيه: نوال أيضًا. (عصفور) بضمِّ أوَّله وحكي فتحه، قيل: سمي به؛ لأنه عصى وفرَّ. (ما نقص إلخ) ليس المراد من التشبيه أن علم الله نقص لاستحالة نقصه، بل هو تقريب إلى الأفهام، وقيل: (نَقَصَ) بمعنى أخذ، لأن النقص أخذ خاص، وقيل: (إلا) بمعنى: ولا (¬3) أي: ما نقص علمي وعلمك، ولا ما أخذ هذا العصفور شيئًا من علم الله؛ لأن علم الله لا ينقص بحال، وقيل: العلم هنا بمعنى: المعلوم، كما في: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: ¬
255] ولولا ذلك لما صحَّ التبعيض في قوله: (من علم الله) لأن الصفة القديمة لا يدخلها تبعيض. (فعمد) بفتح الميم. (فنزعه) أي: بفأس. (لتغرق) بضم الفوقية، وكسر الراءِ. (أهلها) (¬1) بالنصب على المفعولية، وفي نسخة: "ليغرق أهلها" بفتح التحتية والراء، ورفع أهلها على الفاعلية. (بما نسيت) زاد في نسخة: "ولا ترهقني من أمري عسرًا". (فكانت الأولى) أي: المسألة الأولى. (نسيانًا) [خبر كان] (¬2) وفي نسخة: "نسيان" بالرفع بجعل اسم كان ضمير الشان، وما بعدها مبتدأ وخبر (¬3)، أو بجعل كان تامة، أو زائدة (¬4). (فانطلقا) أي: بعد خروجهما من السفينة. (فإذا غلام) هو اسم للمولود إلى أن يبلغ. (أقتلت نفسًا) الاستفهام فيه استفهام تقرير. (وهذا أوكد) أي: لزيادة لك. (حتَّى ¬
أتيا) في نسخة: "حتَّى إذا أتيا". (أهل قرية) هي أنطاكية (¬1) وقيل: ناصرة (¬2)، وقيل أُبُلَّة (¬3) بضم الهمزة والموحدة، وتشديد اللام المفتوحة وهي مدينة قرب بصرة وعبادان، وقيل: غير ذلك. (يريد) أي: يشرف؛ لأن الجدار لا إرادة له (¬4). (قال الخضر بيده) أي: أشار بها، وفيه: إطلاق القول على الفعل، وفي نسخة: "فمسحه بيده". (فأقامه) أي: بيده، وقيل: نقضه وبناه، وقيل بعمود عمده به، وفي نسخة: "يريد أن ينقص فأقامه". (فقال موسى) في نسخة: "فقال له موسى". (لو شئت) إنما قال موسى ذلك؛ لأنه في محلِّ اضطرار للتطعم، فاقتضى أن يكتسب لذلك بأخذ الأجرة. (لاتَّخَذْت) بهمزة وصل وتشديد التاءِ من اتّخذ كاتبع، وفي نسخة: "لَتَخذت" أي: لأخذت. (هذا فراق) الإشارة فيه إشارة إلى الفراق الموعود بقوله: (فلا تصاحبني) أو إلى السؤال الثالث أي: هذا الاعتراض سبب الفراق، أو إلى الوقت أي: هذا الوقت وقت الفراق. ¬
45 - باب من سأل، وهو قائم، عالما جالسا
(يرحم الله موسى) إنشاء بلفظ الخبر (¬1). (لوددنا) جواب قسم محذوف. (لو صبر) مؤول بمصدر (¬2) أي: والله لوددنا صبر موسى أي: لأنه لو صبر، لأبصر أعجب الأعاجيب. (يقص) مبني للمفعول. (قال محمد بن يوسف حدثنا به علي بن خشرم حدثنا سفيان بن عينيه بطوله) ساقط من نسخة، وابن خشرم بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين. وفي الحديث -كما قال النووي: ندب الرحلة للعلم، وفضل طَلَبِه، والتردد للسفر، والدب مع العالم، وتأويل ما لم يفهم ظاهره، والاعتذار عند المخالفة، وإثبات كرامات الأولياء، وجواز سؤال الطعام عند الحاجة، والحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه، ودفع أعظم المفسدتين بأخفّهما عند التعارض، وأن ذلك كله كان بوحي فليس لأحد أن يقتل نفسَا؛ لما يتوقعه منها، وفيه: غير ذلك (¬3). 45 - بَابُ مَنْ سَأَلَ، وَهُوَ قَائِمٌ، عَالِمًا جَالِسًا. 123 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ ¬
فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إلا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". [2810، 3126، 7458 - مسلم: 1904 - فتح: 1/ 222] (باب: من سأل، وهو قائم عالمًا) مفعول سأل (¬1). (جالسًا) صفة عالمًا، والمراد بيان جواز السؤال في الحالة المذكورة. (عثمان) أي: ابن أبي شيبة. (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (جرير) أي: بن عبد الحميد. (جاء رجل إلى النبي) ضمن جاء معني أنهى أي: جاء منهيًا حديثه إلي النبي، وإلا فجاء متعد بنفسه (¬2). (غضبًا) هو حالة تحصل عند غليان الدم في القلب؛ لإرادة الانتقام. (حمية) هي المحافظة على الحرم، وقيل: الأنفة والغيرة، وأشار بالغضب إلى مقتضى القوةِ الغضبية وبالحمية إلى مقتضى القوة الشهوانية، أو الغضب؛ لدفع المضرة، والحمية لطلب المنفعة. (قال) أي: أبو موسى أو من دونه، (إلا أنَّه كان قائمًا) استثناء مفرغ أي: لم يرفع إليه لأمرٍ إلا لقيام الرجل. (من قاتل) أجاب بالمقاتل مع أن السؤال عن القتال، إما لأنه يتضمنه ففيه الجواب وزيادة، أو أن القتال في السؤال بمعنى المقاتل، ويكون قد عبَّر بما عن العاقل. (كلمة الله) أي: دعوته إلى الإسلام (فهو في سبيل الله) يدخل فيه من قاتل؛ لطلب ثواب الاخرة، أو رِضَى الله؛ لأنه من إعلاء كلمة الله، ¬
46 - باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار
وحاصل الجواب: أن القتال في سبيل الله قتال منشؤه القوة العقلية لا القوة الغضبية، أو الشهوانية. وفي الحديث -كما قال النووي: أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة، وأن الفضل الوارد في المجاهد مختص بمن قاتل؛ لإعلاء كلمة الله، وإقبال المتكلم على المخاطب (¬1). 46 - بَابُ السُّؤَالِ وَالفُتْيَا عِنْدَ رَمْيِ الجِمَارِ. 124 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ"، قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: "انْحَرْ وَلَا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ". [انظر: 83 - مسلم: 1306 - فتح: 1/ 222] (باب: السؤال) من جهة المُسْتَفْتي. (والفتيا) بضم الفاءِ، والمفتى. (عند رمي الجمار) الكائنة بمنى. (عند الجمرة) أي: جمرة العقبة؛ لأنها المرادة عند الإطلاق. (وهو يُسأل) بالبناء للمفعول (¬2). (قال: ارم) في نسخة: "فقال: ارم". (قال آخر) في نسخة: "فقال آخر"، وفي أخرى: "وقال آخر". ومعنى الحديث: أنه يُسأَلُ عن علم، وهو مشغولٌ بطاعة فيجيب؛ لأنه انتقال الطاعة أخرى. ¬
47 - باب قول الله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85]
47 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] 125 - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ يَا أَبَا القَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، قَالَ: " (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلًا) ". [4721، 7297، 7456، 7462 - مسلم: 2794 - فتح: 1/ 223] قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا. (باب: قول الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] أي: باب بيان سبب نزول ذلك. (قيس بن حفص) أي: ابن القعقاع. (عبد الواحد) أي: ابن زياد البصري. (الأعمش سليمان) زاد في نسخة: "بن مهران". (عن إبراهيم) أي: ابن يزيد النخعي. (عن علقمة) أي: ابن قيس النخعي. (خَرِب) بفتح المعجمة وكسر الراءِ، وبموحدة وفي نسخة: بكسر ثم فتح، ورواه البخاري في موضع آخَر بمهملة ومئلثة (¬1). (وهو يتوكأ) أي: يعتمد (¬2). (على عسيب) بفتح أوله وكسر ثانيه المهملتين أي: عصا من جريد النخل. (بنفر) بفتح الفاءِ: عدة رجال من ثلاثة إلى ¬
عشرة. (لا يجيء) بالرفع على الاستئناف، وبالجزم على جواب النهي نحو: لا تدنو من الأسد تسلم أي: أن لا تَدْنُ، وبالنصب: على معنى: لا تسألوه إرادة أن لا يجيء فيه، والا) زائدة وهذا ماشٍ على مذهب الكوفيين (¬1). (لنسألنَّه) جواب قسم محذوف. (يا أبا القاسم) في نسخة: "يا با القاسم" بحذف الهمزة تخفيفا. (ما الروح) أي: الروح الحيوانية؛ لأنها المرادة عند الإطلاق، وإلا فالروح جاء في التنزيل على معانٍ أخر: هي القرآن، وجبريل، أو مَلَك غيره، وعيسى، وقد روي أن اليهود قالوا لقريش: إن فسَّر الروح فليس بنبي، ولهذا قال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه أي: إن لم يفسره، لأنه يدل على نبوته، وهم يكرهونها. (فلما انجلى عنه) أي: انكشف عنه الكرب الذي كان يغشاه حال الوحى. (فقال) في نسخة: "قال". ({وَيَسْأَلُونَكَ}) في نسخة: " {وَيَسْأَلُونَكَ} " ({مِنْ أَمْرِ رَبِّي}) أي: من وحيه وكلامه، لا من كلام البشر. (وما أوتوا) بصيغة الغائب، في أكثر النسخ، وإن كانت القراءة ¬
48 - باب من ترك بعض الاختيار، مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا في أشد منه
المشهورة: ({أُوتِيتُمْ}) والخطاب فيهما عام، وقيل: لليهود (¬1) ({إلا قَلِيلًا}) استثناء العلم أي: إلا علمًا قليلًا، أو من إلا إيتاء، أي إلا إيتاءً قليلًا، أو من الضمير أي: إلا قليلًا منكم. وفي الحديث: أن من العلم أشياء لم يُطُلِعِ الله عليها نبيًّا ولا غيره. 48 - بَابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاخْتِيَارِ، مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ. 126 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عَائِشَةُ لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ - بِكُفْرٍ، لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ " فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. [1583، 1584، 1585، 1586، 3368، 4484، 7243 - مسلم: 133 - فتح: 1/ 224] (باب: من ترك بعض الاختيار) أي: بعض الشيء المختار. (مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه، فيقعوا) بالنصب بحذف النون عطف على (يقصر). (في أشد منه) أي: من ترك الاختيار، [وفي نسخة: "في أشر منه" بالراء] (¬2) وفي أخرى: "شرٍّ منه" بالراءِ وحذف الهمزة. ¬
(عبيد الله بن موسى) أي: العبسي. (عن إسرائيل) هو ابن يونس. (عن أبي إسحق) أي: السبيعي بفتح المهملة، وكسر الموحدة؛ نسبة إلى سبيع بن سبع. (الأسود) هو يزيد بن قيس النخعي. (ابن الزبير) اسمه: عبد الله. (تسرُّ إليك كثيرًا) في نسخة: "تسر إليك حديثًا كثيرًا". (في الكعبة) أي: في شأنها، وسميت بذلك من الكعوب: وهو النشوز؛ لأنها ناشزة في الأرض، أو من التربيع؛ لأنها مربعة (¬1). (قلت) في نسخة: "فقلت". (لولا قومك حديث عهدهم) بتنوين حديث، خبر عن (قومك)، وبرفع (عهدهم) فاعل بـ (حديث)؛ لأنه صفة مشبهة والخبر بعد (لولا) وإن كان حذفه واجبًا محلُّه إذا كان كونًا عامًّا، أما الخاص فيذكر، كما هنا (¬2)، وفي نسخة: "لولا أن قومك". (قال) ¬
في نسخة: "فقال". (ابن الزبير بكفر) أي: زاد في روايته (بكفر) فالجملة معترضة بين طرفيها (¬1). (باب يدخل الناس) أي: منه. (وباب يخرجون) أي: منه، وفي نسخة: بإثبات "منه" في الثاني، وفي أخرى: "بابًا" بالنصب في الموضعين على البدلية مما قبلهما، أو البيان له. (ففعله) أي: ما ذكر من النقض وجعل البابين. (ابن الزبير) هذه الرابعة من بناء البيت: بنته الملائكة، ثم إبراهيم، ثم قريش في الجاهلية، ثم الرابعة بنية ابن الزبير هذه، ثم الخامسة بنية الحجاج، واستمرَّ. وقد تضمن الحديث معنى ما ترجم له؛ لأن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة فخشي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يظن؛ لأجل قرب عهدهم بالإسلام. أنه غيَّر بناءها، لينفرد بالفخر عليهم. وفي الحديث -كما قال النووي: دليل لقواعد منها: إذا تعارض مصلحة ومفسدة، بُدِيءَ بالأهم من فعل المصلحة وترك المفسدة؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - ترك مصلحة خوف فتنة بعض من أسلم، ومنها فكرُ وليِّ الأمر في مصالحِ رعيتهِ، واجتنابُ ما فيه ضررٌ عليه في دين أو دنيا، إلَّا الأمور الشرعيةِ، كأخذِ الزكاةِ، وإقامةِ الحدودِ. ومنها تألفُ قلوبهمِ (¬2). ¬
49 - باب من خص بالعلم قوما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا
49 - بَابُ مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا. (باب من خصَّ بالَعلمِ قومًا دون قومِ كرَاهية) بتخفيف الياء. (ألا يفهموا) أي: عدم فهمهم، والترجمةُ بذلك قريبةٌ من السابقة، لكنها في الأقوال والسابقة في الأفعالِ. 127 - وَقَالَ عَلِيٌّ: "حَدِّثُوا النَّاسَ، بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ، اللَّهُ وَرَسُولُهُ" حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ. [فتح: 1/ 127] (وقال علي) أي: ابن أبي طالبِ. (حدثوا الناس) أي: كلموهم. (بما يعرفون) أي: يدركون بعقولهمِ، واتركوا ما يشتبه عليهم فهمه. (أن يكذَّب الله ورسولُهُ) بفتح الذالِ المشددةِ، لأنَّ السامعَ لمَّا يفهمه يعتقد استحالتَه جهلًا، فلا يصدق وجوده، فيلزم التكذيب. (عن معروف) في نسخةٍ: "حدثنا به عن معروف". (ابن خَرَّبوذ) بفتح المعجمة، وتشديد الراء، وضمّ الموحدة، وآخره ذالٌ معجمةٌ. (أبي الطفيل) اسمه: عامرٌ بن واثلةَ. (عن علي بذلك) أي: بقوله: (حدثوا الناس إلخ) وأخَّر السندَ هنا عن المتنِ؛ ليميز بين طريقي إسنادِ الحديث والأثر، أو لضعفِ الإسنادِ، بسبب ابن خَزَبُوذِ، أو للتفنن، أو لجوازِ الأمرين؛ ولهذا وقع في بعض النسخِ تقديم السندِ على المتن (¬1). ¬
128 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: "يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ"، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ"، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلاثًا، قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إلا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ"، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا" وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. [129 - مسلم: 32 - فتح: 1/ 226] (حدثنا معاذ) في نسخة: "أخبرنا معاذ". (عن قتادة) أي: ابن دعامة. (ومعاذ رديفه) أي: راكب خلفه، والجملة حال. (على الرحل) متعلق بـ (رديفه) و (الرحل) للبعير، أصغر من القتب. (يا معاذ) بضم معاذة لأنه منادى مفرد، وهو ما اختاره ابن مالك، وبالنصب؛ لأنه مع ما بعده كاسم واحد (¬1)، وهو ما اختاره ابن الحاجب (بن جبل) بالنصب فقط، صفة قال معاذ أو لفظه. (لبيك وسعديك) من المصادر المحذوف فعلها وجوبًا، وثُنِّيا؛ للتوكيد والتكثير (¬2) أي: إقامة على طاعتك بعد إقامة، وإسعادًا بعد إسعاد. (ثلاثا) راجع لقول معاذ، ويحتمل رجوعه لقوله - صلى الله عليه وسلم - أيضًا فيكون ¬
من التنازع. (صدقًا) خرج به شهادة المنافق. (من قلبه) يحتمل تعلقه بـ (صدقًا) فالشهادة لفظية، وبـ (يشهد) (¬1) فالشهادة قلبية، فمعنى الأول: يشهد بلفظه، ويصدق بقلبه، ومعنى الثاني: يشهد بقلبه، ويصدق بلفظه. (إلا حرَّمه) أي: منعه، كما في {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ} [الأنبياء: 95] ومعناه: حرَّم الله النَّار عليه، والاستثناء من أعم عام الصفات، أي: ما أحدٌ يشهد كائنًا بصفة إلا بصفة التحريم، ثم التحريم مقيد بمن أتى بالشهادتين ثم مات ولم يعص بعد إتيانه بهما، أو المراد: تحريم الخلود لا أصل الدخول، وإلا فمعلوم أن عصاة ممن أتى بهما يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بفضل الله تعالى. (أفلا أخبر به؟) العطف على مقدَّر، أي: أقلت ذلك فلا أخبر به؟. (فيستبشروا) بحذف النون (¬2)، جواب الاستفهام، أو النفي (¬3)، وفي نسخة: بإثباتها، أي: فهم يستبشرون (¬4)، والبشارة: الخبر الأول السار الصادق؛ لظهور أثر السرور فيه على البشرة. (إذًا) جواب لمقدر، أي: إن أخبرتهم (¬5) (إذا يتكلوا) بتشديد ¬
الفوقية، وكسر الكاف، أي: يعتمدوا على الشهادة المجردة عن العمل، وفي نسخة: "ينكلوا" بنون ساكنة، وضم الكاف من النكول: وهو الامتناع أي: يمتنعوا عن العمل؛ اعتمادًا على مجرد الشهادة. (عند موته) أي: موت معاذ، أي: قبله، أو موت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي: بعده. (تأثمًا) أي: تجنبًا عن الإثم، أي: إثم كتمان ما أمر الله بتبليغه، حيث قال تعالى {وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] وليس فيه مخالفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ نهيه عفا ذكر مقيد بالاتكال؛ إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام، فلما زال القيد وصاروا حريصين على العبادة لم يبق نهيٌ، أو أن النهي لم يكن للتحريم، أو أنه كان قبل ورود الأمر بالتبليغ، والوعيد على الكتمان، أو المراد: أنه لا يخبر بها العوام؛ لأنه من الأسرار الإلهية، التي لا يجوز كشفها إلَّا للخواص، ولهذا أخبر به - صلى الله عليه وسلم - من يأمن عليه الاتكال، وسلك معاذ ذلك، فلم يخبر به إلا من رآه أهلًا لذلك، ولا يبعد أن نداءه معاذًا ثلاث مرات كان للتوقف في إفشاء هذا السر عليه أيضًا. وقد تضمن الحديث: أن يخصَّ بالعلم قوم فيهم الضبط وصحة الفهم دون غيرهم، وهو مطابق للترجمة. ¬
50 - باب الحياء في العلم
129 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: "مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ"، قَالَ: أَلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا". [انظر: 128 - مسلم 2: 3 - فتح: 1/ 227] (معتمر) هو ابن سليمان بن طرخان. (أنسًا) في نسخة: "أنس بن مالك". (ذكر لي) بالبناءِ للمفعول، ولا يقدح في صحة الحديث عدم تسمية أنس للذاكر؛ لأنَّ المتن ثابت من طريق آخر، وأيضًا فأنس لا يروي إلا عن عدل صحابيٍّ، أو غيره، فلا تضر الجهالة، وأيضًا يغتفر في المتابعة ما لا يغتفر في الأصولِ، ويحتمل أن المحذوف معاذ صاحب القصة. (قال لمعاذ) في نسخة: "لمعاذ بن جبل". (دخل الجنة) أي: ولو بعد دخوله النار. (قال معاذ) في نسخة: "فقال معاذ". (لا) أي: لا تبشرهم. (أخاف أن يتكلوا) استئناف على سبيل التعليل، كأن معاذًا قال لِمَ؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: لأني أخاف أن يعتمدوا على مجرد التوحيد، وفي نسخة: "لا، إني أخاف"، وما ذكر كان قبل نزول الفرائض، أو بالنسبة إلى من أدى حقوق الإسلام. 50 - باب الحَيَاءِ فِي العِلْم. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: "لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ" وَقَالَتْ عَائِشَةُ: "نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ". (باب: الحياء) بالمد. (في العلم)، أي: في تعلمه أي: في بيان حكم ذلك.
(وقال مجاهد) هو ابن جبر التابعي الكبير، والواو استئنافية. (لا يتعلم العلم مستحيي) بإسكان الحاء، وبياءين آخرهما ساكنة، من استحيا يستحيي، بوزن مستفعل، ويجوز فيه: (مستحي) بكسر الحاء، وبياء واحدة: من استحى يستحي بوزن مستفع، ويجوز مستحٍ بغير ياء بوزن مستفٍ. (ولا مستكبر) أي: متكبر، يتعاظم ويستنكف أن يتعلم العلم، وهو أعظم آفات العلم، فالحياءُ هنا مذموم؛ لأنه سببٌ لترك أمرٍ شرعيٍّ. (نساء الأنصار) أي: مؤمنات أهل المدينة. 130 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا رَأَتِ المَاءَ" فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ، تَعْنِي وَجْهَهَا، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا". [282، 3328، 6091، 6121 - مسلم 313 - فتح: 1/ 228] (هشام) في نسخة: "هشام بن عروة". (عن زينب ابنة أمِّ سلمة) في نسخة: "بنت أمِّ سلمة" وأبو زينب: عبد الله بن عبد الأسد المخزومي (¬1). (أمُّ سليم) بضمِّ المهملة، وفتح اللام، بنت ملحان. ¬
(إن الله لا يستحي) بياءين أفصح من واحدة، والاستحياءُ هنا ليس على بابه، بل هو استعارة تبعية تمثيلية أي: إن الله لا يمتنع من بيان الحقِّ، فكذا أنا لا أمتنع من سؤالي كان كان فيه استحياء، وإنما قالت ذلك؛ بَسْطًا لعذرها في ذكر ما تستحي النساءُ من ذكره عادة بحضرة الرجال. (من غسل) بضمِّ الغين وفتحها مصدران، ويقال: هو بالضمِّ اسم للفعل وبالفتح مصدر. (إذا هي احتلمت) أي: رأت في منامها أنها تجامع، وإذا ظرفية (¬1). (قال) في نسخة: "فقال". (النبي) في نسخة: "رسول الله". (إذا رأت الماء) أي: المنيَّ، و (إذا) ظرفية، ويجوز أن تكون شرطية، أي: إذا رأت المنيَّ وجب عليها الغسل، فإن لم تره فلا غسل عليها، وكذا الرجل؛ لأنَّ حكمه على الواحد حكم على الجماعة. (فغطت أم سلمة) الظاهر: أنه من كلام زينب، ويجوز أن يكون من كلام أم سلمة، على وجه الالتفات من باب التجريد (¬2)، كأنها ¬
جردت من نفسها شخصًا فأسندت إليه التغطية، والأصل: فغطيت وجهي. (تعني: وجهها) بالتاء الفوقية، أي: قال عروة، أو غير ذلك. (أو تحتلم؟) العطف على مقدر أي: اتربها المرأة الماء وتحتلم بحذف همزة الاستفهام (¬1). (تربت يمينك) بكسر الراءِ، أي: افتقرت وصارت على التراب، وهي كلمة جارية على ألسنة العرب، لا ¬
يريدون بها الدعاء على المخاطب، بل التحسن في الكلام، فيقال: تربت يمينه، أو يداه كما يقال: قاتل الله فلانًا ما أشجعه، فيقال مثل ذلك في مقام المدح بالشيء، أو الحث عليه. (فبم يشبهها ولدها؟) أصل فبم: (فبما)، حُذفت الألف (¬1)، والمعنى: أن الولد لا يشبه أمه إلا لأنَّ ماءها يغلب ماء الرجل عند الجماع، ومن أمكن منه إنزال الماء عند المجامعة أمكن منه نزول الماء عند الاحتلام. وأراد البخاريُّ بهذا الباب، كما قال ابن بطَّال: بيان أن الحياءَ المانع من طلب العلم مذموم، ولهذا بدأ يقول مجاهد وعائشة، وإذا كان الحياءُ على جهة التوقير والإجلال، فهو حسن، كما فعلت أمُّ سلمَة حين غطت وجهها (¬2). وفي الحديث: أن الحياء لا يمنع من طلب الحقائق، وأن المرأة تحتلم، وإن كان نادرًا منها. 131 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ " فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هِيَ النَّخْلَةُ" قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: "لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا". [انظر: 31 - مسلم: 2811 - فتح: 1/ 229] ¬
51 - باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال
(إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (وهي) في نسخة: "هي". (مثل المسلم) بفتح الميم والمثلثة، وبكسرها وسكون المثلثة (لأن تكون قلتها) بفتح لام (لأن) جواب قسم محذوف، وأتى بمدخولها مضارعًا مع قوله عَقِبه: "قلت لا وهو ماضٍ؛ لأن المعنى: لأن تكون موصوفًا في الحال بهذا القول المصادر في الماضي. (أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا) أي: من حمر النعم وغيرها، وكذا: كناية عن العدد. وفي الحديث: حرص الرجل على ظهور ابنه في العلم على الشيوخ، وسروره بذلك، وأن الابن الموفق أفضل مكاسب الدنيا. 51 - بَابُ مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ. 132 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِيهِ الوُضُوءُ". [178، 296 - مسلم: 303 - فتح: 1/ -230] (باب) ساقط من نسخة. (من استحيا) أن يسأل بنفسه. (فأمر غيره بالسؤال) نيابة عنه. (عبد الله بن داود) أي: الخريبي، بالتصغير نسبة إلى خريبة، بكسر الموحدة، محلة بالبصرة (¬1). (عن منذرٍ الثوري) كنيته أبو ¬
يعلى. (عن محمد بن الحنفية) نسبة إلى أمِّه، واسمها: خولة بنت جعفر الحنفيِّ. (عن علي) في نسخة: "عن علي بن أبي طالب". (مذَّاء) بمعجمة مشددة للمبالغة في كثرة المذيِّ، وهو بسكون المعجمة، وكسرها مع تشديد الياء وتخفيفها: ماء رقيق لزج يخرج عند الملاعبة لا بشهوة وتدفق، وهو في النساءِ أكثر منه في الرجال، يقال: مَذِيَ وأَمذى، ومذي كمنى، وأمنى ومني. (المقداد) في نسخة: "المقداد بن الأسود" وليس بأبيه، وإنما ربَّاه أو حالفه، أو تزوج بأمِّه، فنُسب إليه، وإنما أبوه: ثعلبه البهراني. (فسأله) أي: عن حكم المذي، وقد تخفف همزته فيقال: ساله. (فيه) أي: في المذي. (الوضوء) لا الغسل. وفي الحديث: قبول خبر الواحد (¬1)، وجواز الاستشهاد به في ¬
52 - باب ذكر العلم والفتيا في المسجد
الاستفتاء، واستحباب حسن العشرة من الأصهار، وأن الزوج لا يذكر ما يتعلق بالاستمتاع بحضور أقاربها. 52 - بَابُ ذِكْرِ العِلْمِ وَالفُتْيَا فِي المَسْجِدِ. 133 - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا، قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ" وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [1522، 1525، 1527، 1528، 7344 - مسلم: 1182 - فتح: 1/ 230] (باب: ذكر العلم والفتيا في المسجد) أي: باب جواز ذلك، وإن أدت المباحثة فيه إلى رفع الأصوات، ولفظ: (باب) ساقط من نسخة. (حدثنا قتيبة) في نسخة: "حدثني قتيبة" وفي أخرى زيادة: "ابن سعيد". (نافع) هو ابن سرجس بفتح المهملة، وسكون الراءِ، وكسر الجيم آخره سين مهملة. (في المسجد) أي: النبوي. (أن نهل) الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، والمراد هنا الإحرام مع التلبية. (ذي الحليفة) بضم الحاءِ، وفتح اللام تصغير حلفة: وهي نبت في الماء. (الجحفة) بضم الجيم، وسكون المهملة، وكان اسمها: مهيعة، بفتح الميم، وسكون الهاءِ، ¬
وفتح الياء، فأجحف السيل أهلها أي: أذهبه، فسميت جحفة. (نَجْد) (¬1) هو ما ارتفع من أرض تهامة إلى أرض العراق. (قرن) بفتح القاف، وسكون الراء: جبلٌ مدورٌ أملسُ مطلٌّ على عرفاتِ، وقوله: (يُهِلُّ) في الجميع ظاهره: خبر، والمراد به: الأمر، أي: ليهل. (وقال ابن عمر) عطف من جهة المعنى على لفظ: (عن عبد الله) فالمتعاطفان من كلام نافع. (ويزعمون) عطف على مقدر، وهو قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولابدَّ من هذا التقدير، لأنَّ الواو لا تدخل بين القول والمقول، وفي نسخة: "ويزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال" وهذه الزيادة ثابتة من طريق ابن عباس، فالمراد بالزعم هنا: القول المحقق لا المعنى المشهور. (يلملم) بفتح الياء واللامين، ويقال فيه الملم: جبل من جبال تهامة (¬2)، وهو منصرف: إن أريد به الجبل، وغير منصرف: إن أريد به البقعة. (لم أفقه هذه من رسول الله) أي: لم أفهم، ولم أعرف هذه المقالة من رسول الله، وهذا من شدة تحريه وورعه. ¬
53 - باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله
53 - بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ. (باب: من أجاب السائل بأكثر مما مسألة) لا يخرج بذلك عن قول الأصوليين: يجب مطابقة الجواب للسؤال، إذ ليس المراد بها عدم الزيادة، بل أن يكون الجواب مفيدًا للحكم ولو بزيادة، ولفظ: (باب) ساقط من نسخة. 134 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاويلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَو الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ". [366، 1542، 1838، 1842، 5714، 5803، 5805، 5806، 5847، 5852 - مسلم: 1177 - فتح: 1/ 231] (ابن أبي ذئب) اسمه: محمد بن عبد الرحمن المدني. (وعن الزهريّ) عطف على (عن نافع) وفي نسخة: "والزهري" بالعطف على (نافع) وفي نسخة: "ح" قبل: (وعن الزهري). (ما يلبس) بفتح التحتية والموحدة: مضارع لبس، بكسر الموحدة، عكس لبست عليه الأمر، فإنه بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع، و (ما) مفعول ثانٍ لـ (سأل) وهي موصولة، أو موصوفة، أو استفهامية. (المحرم) أي: بحجَّ أو عمرةٍ، أو بهما. (لا يلبس القميص) بضمِّ السين على أن (لا) نافية، وبكسرها على أنها ناهية. (السراويل) أعجمي عُرِّبَ جاء بلفظ الجمعِ، وهو مفرد يذكر ويؤنث، وجمعه سراويلات، وقيل: سراويل جمع سروالة، ومحل منع لُبْسِهِ: إذا وجد إزارًا وإلَّا فلا منع منه. (البرنس) بضم الموحدة، والنون وسكون الراء: ثوب رأسه ملتزق فيه، وقيل: قلنسوة طويلة.
(ولا ثوبًا) في نسخة: "ثوب" بالرفع على تقدير فعل مبني للمفعول، أي: ولا يُلبس ثوب، وإنما أخرج عن طريق أخواته؛ لأنَّ الطيب حرام على الرجل والمرأة، بخلاف أخواته، فإنها على الرجل فقط. (الورس) بفتح الواو، وسكون الراءِ: نبت أصفر باليمين، يصبغ به. (وليقطعهما) بكسر اللام وسكونها (¬1)، عطف على (فليلبس) لا يقال: القطع إضاعة مال، وهي منهيٌّ عنها؛ لأنا نقول: محل الإضاعة إذا لم تكن لغرض صحيح، ولم يَنْهَ عنها الشارع، وهنا بخلافه فلا إضاعة في الحقيقة، وإنما أجاب - صلى الله عليه وسلم - بما لا يلبس والسؤال كان عما يُلبس؛ لأن غير الملبوس منحصر، بخلاف الملبوس، فَحَصَرَ ما لا يلبس؛ ليعلم أن ما سواه مباح، ففي ذلك جواب وزيادة على أن السائل كان من حقّه أن يسأل عمَّا لا يلبس؛ لأن ما يلبس سائغ بالاستصحاب، فلا يسأل إلا عما حدث فيه [التحريم] (¬2)، ونبه بالقميص والسراويل على تحريم جميع المخيطات، وبالورس والزعفران على تحريم سائر أنواع الطيب. والحكمة في تحريم [لباس] (¬3) ما ذكر بُعدُ المحرم عن الترفة، واتصافه بصفة الخاشع الذليل، وأن يتذكر به الموت، والبعث يوم القيامة للناس حفاة عراة، وفي تحريم الطيب: البُعدُ عن زينة الدنيا وأنه داعٍ إلى الجماع، ولما فرغ من ذكر أحاديث الوحي الذي هو مادة الأَحكام الشرعية، وعقبه بالإيمان، ثم بالعلم شرع في ذكر أحكام ¬
العبادات مرتبًا لذلك على ترتيب خبر "الصحيحين" بعد الشهادتين: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا لا إلله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت، وصوم رمضان" (¬1). فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ¬
4 - كتاب الوضوء
4 - كتاب الوضوء
1 - باب ما جاء في الوضوء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 4 - كِتَابُ الوُضُوءِ (كتاب الوضوءِ) هو بالضم: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يتوضأ به، وحكي في كلٍّ منهما الضم والفتح، وهو مشتق من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة؛ لأن المصلي يتنظف به، فيصير وضيئًا، وفي نسخةٍ: "كتاب الطهارة"، وهي؛ لكونها أَعَمَّ من الوضوء أنسب بالأبواب الآتية، وقدم على الصلاة التي أهم العبادات بعد الشهادتين الوضوء؛ لأنه شرط لها، والشرط مقدم على المشروط طبعًا، فقدم عليه وضعًا. 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ} قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [فتح: 1/ 232] (باب: ما جاء في قول الله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] وفي نسخة: "باب في الوضوء". [وفي أخرى: "باب: ما جاء في الوضوء"] (¬1) و (إلى) في الآية على النسخة ¬
الأولى غاية للغسل، أو لتركه، أو بمعنى مع، وقد بسطت الكلام عليها، وعلى سائر ما يتعلق بالآية في "شرح البهجة" وافتتح الباب بهذه الآية للتبرك، أو لأصالتها في استنباط مسائله، وإن كان حق الدليل أن يؤخر عن المدلول. (قال أبو عبد الله) أي: البخاري. (مرَّةٌ مرَّةٌ) بالرفع خبر أن، وبالنصبِ مفعول مطلق، أي: فرض الوضوء غسل كل عضوٍ مرة، [أو حال ساد مسد الخبر أي: يفعل مرة، كقراءة: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} بالنصب، وتكرار المرة؛ لإرادة التفصيل في أعضاء الوضوء بأن يغسل كل عضوٍ مرة] (¬1) وما تقرر في (مرة مرة)، يأتي في (مرتين مرتين)، وفي (ثلاثًا ثلاثًا) على ما في نسخة أنَّ في أكثر النسخ: "وثلاثًا" بلا تكرار. (ولم يزد على ثلاث) في نسخة: "على ثلاثة" وفي أخرى: "على الثلاث" والزيادة عليها مذمومة، ففي خبر أبي داود وغيره بإسنادٍ جيد: إنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: "من زاد على هذا أو نقص، فقد أساء وظلم" (¬2) أي: ظلم بالزيادة بإتلاف الماءِ لوضعه في غير موضعه، وبالنقص: أي: عن المرة لتركه الواجب بقرينة خبر: "الوضوءِ مرة، ¬
2 - باب: لا تقبل صلاة بغير طهور
ومرتين، وثلاثًا، فمن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ" (¬1) (وكره أهل العلم الإسراف فيه) هو صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي. (وأن يجاوزوا) أي: وكره أهل العلم ان يجاوزوا (فعل النبيِّ) فالمراد بالإسراف: الزيادة في ماءِ مرات الثلاث، لا الزيادة عليها؛ لئلا يلزم التكرار، والكراهة في ذلك كراهة تنزيه عند الشافعي وكثير. 2 - بَابٌ: لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ. (¬2) 135 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تُقْبَلُ صَلاَةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا ¬
هُرَيْرَةَ؟، قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. [6154 - مسلم: 225 - فتح: 1/ 234] (باب: لا تقبل صلاة بغير طهور) في نسخة: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" وهو بالضم الفعل، وهو المراد هنا، وبالفتح: الماء الذي يُتَطَهَّرُ به، والقبول: حصول الثواب على الفعل الصحيح، والصحة: وقوع الفعل مطابقًا للأمر، فكلُّ مقبولٍ صحيح ولا عكس، فالقبول مُستلزم للصحة دون العكس، ونفي الأخص وإن كان لا يستلزم نفي الأعم، لكن المراد بعدم القبول هنا: ما يشمل عدم الصحة؛ ليكون الحديث دليلًا على عدمهما معًا لا على عدم القبول فقط عكس خبر: "من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة" (¬1) إذ قد يصحُّ الفعلُ، ويتخلفُّ القبولُ لمانعٍ. (عبد الرزاق) هو ابن همام. (لا تقبل صلاة من أحدث) في نسخة: "لا يقبل الله صلاةَ من أحدث". (حتَّى يتوضأ) أي: إلى أن يتوضأ، والمراد يتطهر بوضوءٍ، أو غيره، وضمير (يتوضأ) يعود على من أحدث. (حضرموت) بفتح المهملة، وسكون المعجمة، بلد باليمين (¬2)، وقبيلة أيضًا، والجزآن اسمان جُعلا واحدًا، والأول مبنى على الفتح، والثاني معرب، وقيل: مبنيان، وقيل: معربان، قال الزمخشريُّ: فيه ¬
وجهان: منع الصرف للتركيب وإضافة الأول، فيجوز معها صرف الثاني وتركه. (ما الحدث) في نسخة: "فما الحدث". (فُساء) بضم الفاءِ، والمد. (وضُراط) بضم المعجمة وآخِره مهملة، وهما ريح خارج من الدبر، لكن الثاني بصوت، والأول بدونه، والحدث وإن لم ينحصر فيهما، لكن فسره أبو هريرة بهما تنبيهًا بالأخفِّ على الأغلظ؛ أو لأنَّه جواب من سأل عن المصلي يحدث في صلاته بما يغلب، والغائط ونحوه لا يغلبان فيها، أو لأنَّ السائل كان يعلم الإحداث إلا هذين، فإنه يجهل حكمهما، وأبو هريرة يعلم ذلك منه. وفي الحديث: افتقار الصلوات كلَّها للطهارة، ولو جنازةً وعيدًا، أو طوافًا (¬1) لخبر: "الطوافُ بالبيت صلاةُ إلا أنه أُبيح فيه الكلام" (¬2)، واعلم أن آخر الحديث (حتى يتوضأ) وأن ما بعده مدرج ¬
3 - باب فضل الوضوء، والغر المحجلون من آثار الوضوء
فيه (¬1)، والظاهر: أنه من همام. 3 - بَابُ فَضْلِ الوُضُوءِ، وَالغُرُّ المُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ. 136 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ". [مسلم: 246 - فتح: 1/ 235] (باب: فضل الوضوء) بجر (فضل) بالإضافة، وبرفعه بلا إضافة خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا. (والغر المحجلون) بالرفع عطف على (باب) أو على (فضل) إن رفع، أو مبتدأ خبره: (من آثار الوضوءِ) أو محذوف، أي: يفضلون على غيرهم، والجملة معطوفة على (باب) أو ¬
على (فضل) إن رفع، وفي نسخة: "والغر المحجلين" بالجرِّ؛ عطف على (الوضوءِ)، ويجعل "من آثار الوضوءِ" تعليلًا لفضل المحجلين، وواو الوضوءِ (¬1) يجوز ضمُّها وفتحُها؛ لأنَّ الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماءِ، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما. (عن خالد) هو ابن يزيد الإسكندراني. (عن نعيم) بالتصغير. (المجمر) بضم الميم الأولى، وكسر الثانية المخففة من الإجمار، وقيل: بتشديد الثانية، من التجمير. (رقيت) بكسر القافِ، أي: صعدتُ. (ظهر المسجد) أي: النبوي. (فتوضأ، فقال) في نسخة: "وتوضأ، وقال" بالواو، وفي أخرى: "توضأ، قال" بحذفها، وكلٌ منهما جواب سؤال، كأنه قيل: ماذا فعل؟ قال توضأ، قيل: وما قال: قال: كذا، وفي أخرى: "ثم توضأ، فقال"، وفي أخرى: "توضأ، فقال". (سمعت النبيَّ) في نسخة: "سمعت رسول الله" (إنَّ أمتي) أي: أمة الإجابة لا أمة الدعوة، وأصل الأمة: المجتمعون على مقصد واحد، والمراد هنا: المتوضئون منهم. (غرًّا) جمع أغر، والغرة بالضمِّ: بياضٌ في جبهة الفرس فوق الدرهم، شُبِّه به ما يكون لهم من النور في الآخرة، ويقال للأبيض أيضًا، وفلان غرة قومه أي: سيدهم. (محجلين) التحجيل: بياضٌ في قوائم الفرس، أو في ثلاث منها، أو في رجليه قلَّ أو كَثُرَ بعد أن يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين، فلا يسمى ما كان بيد، أو ¬
4 - باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن
يديْنِ، أو رِجلٍ، أو يدٍ ورِجلٍ تحجيلًا إلا بتجوز، وانتصاب "غرًّا محجلين" على الحال، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيًا لـ (يدعون) (¬1) كما يقال: فلان يدعى ليثًا أي: يُسَمَّاهُ. (فمن استطاع) أي: قدر. (أن يطيل غرته فليفعل) قال شيخنا: هو من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -أو من قول أبي هريرة (¬2)، واقتصر في المتن على إطالة الغرَّة؛ لأنه من باب: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} (¬3) [النحل: 81] وخصَّها بالذكر؛ إما لشمولها التحجيل، كما قال به كثير؛ أو لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان. وفي الحديث: استحباب إطالة الغرة والتحجيل، بأن يغسل في الأول مع وجهه من مقدم رأسه وعنقه زائدًا على الجزءِ الواجب وبالثاني ما فوق الواجب من اليدين والرجلين، وغايته استيعاب العضد والساق، وقيل: نصفهما. 4 - بَابُ مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ. 137 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، ح وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ؟ فَقَالَ: "لَا يَنْفَتِلْ - أَوْ لَا يَنْصَرِفْ - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا". [177، 2056 - مسلم: 361 - فتح: 1/ 237] (باب: لا يتوضأ من الشك) أي: لأجله، وفي نسخة: "باب من لا يتوضأ من الشك" والمراد: لا يجب ذلك. ¬
(حدثنا على) هو ابن عبد الله المديني. (عباد بن تميم) أي: ابن زيد الأنصاري. (عن عمِّه) أي: عم عباد، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري. (شكا) ببنائه للفاعل، وهو عبد الله بن زيد، وببنائه للمفعول وهو الرجل، فعليه الرجل مرفوع، والفاعل مجهول، وعلى الأول منصوب مفعول (شكا) والفاعل معلوم، هكذا أفهم. (يخيل) أي: يظن، أو يشتبه. (أن يجد الشيء) أي: الريح، أو نحوه خارجًا من دبره، أو قبله. (لا ينفتل أو ينصرف) بالجزم فيهما على النهي، وبالرفعِ على النفي، قال شيخنا: والشكُّ من الراوي، وكأنه من عليٍّ شيخ البخاريِّ؛ لأن الرواة غيره رووه عن سفيان بلفظ: (لا ينصرف) من غير لفظ: (شكَّ) (¬1)، وفيما قاله ردُّ على من قال: الظاهر أن الشكَّ من عبد الله بن يزيد. (حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) اقتصر على الصوت والريح؛ لوقوعهما جوابًا لمسائل عنهما، وإلا فالحكم لا يختص بهما، والمراد بالسماع والوجدان: التحقق حتَّى لو كان لا يسمع، أو لا يشم كان الحكم كذلك. وهذا الحديث أصل في قاعدة: أن اليقين لا يرفع بالشك كمن تيقَّن النكاح وشكَّ في الطلاق. ¬
5 - باب التخفيف في الوضوء
5 - بَابُ التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوءِ. 138 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ صَلَّى - وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى - " ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا يُخَفِّفُهُ - عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ -، وَقَامَ يُصَلِّي، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ، عَنْ يَسَارِهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ شِمَالِهِ - فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ" قُلْنَا لِعَمْرٍو إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ" قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: "رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمَّ قَرَأَ {إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102]. [انظر: 117 - مسلم 763 - فتح: 1/ 238]. (باب: التخفيف في الوضوءِ) أي: باب جواز ذلك. (حدثنا على) في نسخة: "حدثني على". (سفيان) أي: ابن عينية. (عن عمرو) أي: ابن دينار. (كريب) هو ابن أبي مسلم القرشي. (حتى نفخ) أي: من خيشومه، وهو المسمى غطيطًا. (مرة بعد مرة) قال شيخنا: يعني أن سفيان كان يحدثهم به مختصرًا وصار يحدثهم به مطوَّلًا (¬1). (عن عمرو) أي: ابن دينار. (فقام) في نسخة: "فنام". (في بعض الليل) في نسخة: "من بعض الليل". (شن) بفتح المعجمة وتشديد النون، أي: قربة خلقة. (معلق) في نسخة: "معلقة" أنث فيها الشنُّ باعتبار معناه. ¬
(يخففه عمرو) أي: بالغسل الخفيف مع الإسباغ. (ويقلله) أي: بالاقتصار على مرة واحدة فالتخفيف من باب الكيف، والتقليل من باب الكم، وقوله: "يخففه إلخ" مدرج (¬1) من ابن عينية. (يصلي) في نسخة؛ "فصلَّى". (نحوًا) هي دون مثل، فهي المرادة به في ما عبر به في قوله بعد أبواب: "فقمت فصنعت مثل ما صنع" مع أنه لا يلزم من إطلاق المثلية المساواة من كلِّ وجه، فلا يرد على التعبير أن حقيقة مماثلته - صلى الله عليه وسلم - لا يقدر عليها غيره. (وربما قال سفيان عن شماله) مدرج من ابن المدايني. (ثم أتاه المنادي) أي: المؤذن. (فآذنه) بالمدِّ، أي: أعلمه، وفي نسخة: "يأذنه" بلفظ المضارع بدون الفاءِ، وفي أخرى: "فناداه". (معه) أي: مع المنادي، والإيذان. (قلنا .. إلخ) من كلام سفيان. (ولا ينام قلبه) أي: ليعي الوحي إذا أوحَي إليه في المنام. (رؤيا الأنبياء وحي) رواه مسلم مرفوعًا (¬2). (ثم قرأ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] وجه الاستدلال به: أن الرؤيا لو لم تكن وحيًا، لما جاز لإبراهيم - عليه السلام - الإقدام على ذبح ولده. ¬
6 - باب إسباغ الوضوء
وفي الحديث: أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وإن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وصحة صلاة الصبيِّ، وإتيان المؤذن للإمام فيخرج للصلاة، وندبية صلاة الليل والجماعة في النفل، وأن نومه - صلى الله عليه وسلم - لا ينقض وضوءه، وخبر أنه توضأ بعد النوم محمولٌ على الاحتياط، أو غيره. 6 - بَابُ إِسْبَاغِ الوُضُوءِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "إِسْبَاغُ الوُضُوءِ الإِنْقَاءُ". (باب: إسباغ الوضوءِ) أي: إتمامه. (وقال ابن عمر) في تفسير الإسباغ: (إسباغ الوضوء: الإنقاء) فسره باللازم؛ لاستلزام الإتمام له عادة. 139 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ فَقُلْتُ الصَّلاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "الصَّلاةُ أَمَامَكَ" فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى المَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. [181، 1667، 1669، 1672 - مسلم: 1280 - فتح: 1/ 239] (عن أسامة بن زيد) أي: ابن حارثة الكلبي. (دفع) أي: أفاض. (رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة) أي: من الوقوف بها بعرفات، إذ عرفة: اسم للزمان، وهو تاسع ذي الحجة، وعرفات: اسم لمكان وقوف الحاج، وقيل: هما اسم لمكان الوقوف، فلا حاجة إلى التقدير المذكور.
(بالشعب) (¬1) بكسر المعجمة، وسكون المهملة: الطريق في الجبل المعهود للحاج. (ثم توضأ) أي: بماءِ زمزم. (ولم يسبغ الوضوء) أي: خففه، بالنسبة إلى غالب عاداته؛ لإعجاله الدفع إلى المزدلفة، وفي مسلم: فتوضأ وضوءًا خفيفًا (¬2)، وقيل معناه: توضأ مرة مرة. (فقلت: الصلاة) بالنصب بمقدر (¬3) كالزم، أو أتريد؟ (فقال) في نسخة: "قال". (الصلاة أمامك) مبتدأ وخبر، والمعنى: وقت الصلاة، أو مكانها كائن قدامك. (المزدلفة) هي جمع، سميت بها؛ لأن آدم اجتمع بها مع حواء، وازدلف إليها، أي: دنا منها، وقيل: لأنها يجمع فيها بين الصلاتين، ويزدلف الناس إلى الله بالوقوف فيها (¬4). (فتوضأ) أي: بماءِ زمزم أيضًا. (فأسبغ الوضوء) قيل: إنما أسبغ هذا، وخفف ذاك؛ لأنَّ ذاك لم يرد به الصلاة، بل دوام الطهارة. (فصلّى المغرب) أي: قبل حطِّ الرحال. (أقيمت العشاءُ) بكسر العين، وبالمد، أي: صلاتها. (ولم يصل بينهما) لتحصل الموالاة بينهما، وأما إناخة الأبعر بعرة بينهما فكانت يسيرة. ¬
7 - باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة
7 - بَابُ غَسْلِ الوَجْهِ بِاليَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. 140 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلالٍ يَعْنِي سُلَيْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ "تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَعْنِي اليُسْرَى" ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ. [فتح: 1/ 240] (باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة) (الغرفة) بالفتح: مصدر، وبالضم: المغروف. (محمد بن عبد الرحيم) أي ابن أبي زهير البغدادي. (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (توضأ فغسل ... إلخ) العطف فيه من عطف المفصل، وقد بيَّن كيفية غسل الوجه على وجه الاستئناف بقوله: (أخذ غرفة من ماءٍ إلى آخره). (فمضمض) في نسخة: "فتمضمض بها". (واستنشق) ذكرهما في غسل الوجه وليسا منه؛ لكونهما في الوجه فأعطيا حكمه، والمضمضة: إدخال الماء في الفم، والاستنشاق: إدخاله في الأنف، وقد بسطت الكلام عليهما في "شرح البهجة" لما وغيره، وهما عند الشافعيِّ ومالك سنتانِ في الوضوءِ والغسل، وعند أحمد واجبان فيهما، وعند أبي حنيفة: واجبان في الغسل فقط. (فجعل بها هكذا) بيَّن هكذا بقوله: (أضافها إلى يده الأخرى)
أي: جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا؛ لكونه أمكن في الغسلِ. (فغسل بها) أي: بالغرفة، وفي نسخة "بهما" أي: باليدين. (ثم مسح) أي: ثم بلَّ يده فمسح. (فرش على رجله اليمنى) أي: صب عليها الماء قليلًا قليلًا، والرش: قد يراد به الغسل، كما هنا بقرينة قوله: (حتَّى غسلها) وعبَّر به؛ تنبيهًا على الأحتراز عن الإسراف؛ لأنَّ الرِجل مظنةٌ في غسلها. (فغسل بها رجله يعني: اليسرى) في نسخة: "فغسل بها يعني: رجله اليسرى" قال شيخنا: وقائل يعني اليسرى: زيد بن أسلم، أو من دونه (¬1). (يتوضأ) حكاية حالٍ ماضية، وفي نسخة: "توضأ". وفي الحديث: دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، وهو نَصُّهُ في: "الأم"، وهو يحتمل وجهين: أن يتمضمض منها ثلاثًا أولًا، ثم يستنشق منها كذلك، وأن يتمضمض ثم يستنشق ثم يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا (¬2). وأولى الكيفيات أن يجمع بثلاث غرفات، يمضمض من كلٍّ ثم يستنشق، كما بينته مع زيادة في "شرح الروض" وغيره (¬3). ¬
8 - باب التسمية على كل حال وعند الوقاع
8 - بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوقَاعِ. 141 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَبْلُغُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرُّهُ". [3271، 3283، 5165، 6388، 7396 - مسلم: 1434 - فتح: 1/ 242] (باب: التسمية على كل حالٍ وعند الوقاع) بكسر الواو، أي: الجماع، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ. (عن منصور) هو ابن المعتمر. (يبلغ به) بفتح أوله، وضم ثالثه، أي: يصل ابن عباس بالحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا من كلام كريب، أي: أنه ليس موقوفًا على ابن عباس، بل هو مسند إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإن احتمل أنه بواسطة صحابيٍّ آخر. (أتى أهله) كناية عن الجماع. (جنبنا الشيطان) أي: أبعده عنها. (ما رزقتنا) المراد به: الولد، وإن كان اللفظ أعم، ففيه: أن الولد من الرزق. (فقضي) بالبناء للمفعول أي: قُدِّر. (بينهما) أي: بين الرجل والأهل، وفي نسخة: "بينهم" بالجمع؛ نظرًا إلى معناه في الأهل. (لم يضرُّه) بضم الراءِ على الأفصح أي: لا يكون للشيطان على الولد سلطان، ولا يتخبطه الشيطان بما يضر عقلَه وبدنه، أو لا يطعن فيه عند ولادته. 9 - بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلاءِ. 142 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ" تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ "إِذَا أَتَى الخَلاءَ" وَقَالَ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ "إِذَا دَخَلَ" وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ "إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ". [6322 - مسلم: 375 - فتح: 1/ 242] (باب: ما يقول عند الخلاء) أي: عند دخوله. و (الخلاءُ) بالمد: موضع قضاء الحاجة، وهو المرحاض، والكنيف، والحش، والمرفق، وسُمِّي بالخلاءِ، لأنَّ الإنسان يخلو فيه. (دخل الخلاء) أي: أراد دخوله بقرينه الرواية الآتية في كلامه. (أعوذ بك) أي: ألوذ بك، وألتجئ. (من الخبث) بضم المعجمة والموحدة، وقد تسكن: جمع خبيث (¬1). (والخبائث) جمع خبيثة، أي: من ذكران الشياطين وإناثهم، وخصَّ الخلاء بذلك؛ لأنَّ الشياطين يحضرونه؛ لأنه ينحى فيه ذكر الله. (تابعه) أي: آدم. (ابن عرعرة عن شعبة) فابن عرعرة روى هذا الحديث عن شعبة، كما رواه آدم عنه. (وقال غندر) وهو لقب محمد بن جعفر (عن حماد) أي: ابن سلمة بن دينار الربعي. (وقال سعيد بن زيد .. إلخ) هذه الروايات وإن اختلفت لفظًا متقاربة معنًى ترجع كلُّها إلى الأخيرة، وسكت عما يقوله بعد خروجه، لأنه ليس على شرطه، وإن ¬
كان صحيحًا وهو كما [في] (¬1) رواية: "غفرانك" (¬2)، وفي أخرى: "الحمد لله الذي أذهب عنِّي الأذى وعافاني" (¬3)، وفي أخرى: "الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني، وامسك عليَّ ما ينفعني" (¬4)، وفي أخرى: "الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى علي منفعته، وأذهب عني أذاه" (¬5). ¬
10 - باب وضع الماء عند الخلاء
10 - بَابُ وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلاءِ. 143 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الخَلاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ: "مَنْ وَضَعَ هَذَا فَأُخْبِرَ فَقَالَ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ". [انظر: 75 - مسلم: 2477 - فتح: 1/ 244] (باب: وضع الماء عند الخلاء) أي: ليتوضأ به الخارج منه. (ورقاء) بإسكان الراءِ والمدِّ: ابن عمر اليشكري. (وضوء) بالفتح على الأفصح: ما يتُوضأ به. (قال) أي: بعد خروجه، في نسخة: "فقال". (فأخبر) بالبناء للمفعول، والمخبر له ميمونة؛ لأنه كان في بيتها. (اللهم فقهه) دعا له؛ سرورًا بانتباهه مع صغر سنه إلي وضع الماء عند الخلاءِ، وهو من أمور الدين، ففيه: المكافأة بالدعاءِ لمن أحسن، وخدمة العالم، وأن الأدب فيما ذكر إن يليه الأصاغر، ودلالة على إجابة دعائه - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس؛ لأنه صار فقيها أيُّ (¬1) فقيه. 11 - بَابٌ: لَا تُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، إلا عِنْدَ البِنَاءِ، جِدَارٍ أَوْ نَحْوهِ. 144 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا". [394 - مسلم: 264 - فتح: 1/ 245] ¬
(باب: لا يستقبل) بفتح التحتية وكسر الموحدة، وفي نسخةٍ: هي هذه بضم الفوقية، وفتح الموحدة، وعلى الأولى فلام (يستقبل) مضمومة بجعل لا نافية، ومكسورة (¬1) بجعلها ناهية. (القبلة) بالنصب على الولى، وبالرفع على الثانية. (بغائط أو بولٍ) في نسخة: "بغائط ولا بول" والباءُ ظرفية، والغائط: المكان المطمئن من الأرض، كان يُقصد لقضاءِ الحاجة فيه، ثم كُنِّي به عن العذرة؛ كراهة لذكرها بخاص اسمها فصار حقيقة عرفية غلبت على الحقيقة اللُّغوية. (إلا عند البناء) استثناء من قوله: "لا يستقبل القبلة". (جدار) بدل من البناء، ولا دلالة في حديث الباب على الاستثناء المذكور، وإنَّما له خبر ابن عمر الآتي في الباب بعده، فلو ذكره هنا أولى. (أو نحوه) في نسخة: "أو غيره" أي: كالسواري والأساطين والتلال. (فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره) جعل هنا (لا) ناهية؛ لقرينة قوله: (ولا يولها) بحذف الياءِ، ويجوز رفع الأول (¬2) بجعل (لا) فيه نافية. (شرقوا أو غربوا) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وهذا لأهل المدينة، ومن كانت قبلتهم على سمتهم، أما من قبلته إلى المشرق، أو المغرب، فينحرف إلى الجنوب أو الشمال. ثم هذا الحديث يدل على عموم النهي في الصحاري، والبنيان، وهو مذهب أبي حنيفة وغيره، وخصَّه الشافعيُّ وغيره بالصحاري، لأخبار وردت فيه وسيأتي بعضها، وقد بينتها مع تحرير مذهب الشافعي، وما يستثنى من ذلك في "شرح البهجة" وغيره. ¬
12 - باب من تبرز على لبنتين
12 - بَابُ مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ. 145 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ، وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "عَلَى لَبِنَتَيْنِ، مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ". وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ. قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لاصِقٌ بِالأَرْضِ. [148، 149، 3102 - مسلم 266 - فتح: 1/ 246] (باب: من تبرز) أي: تغوط جالسًا. (على لبنتين) بفتح اللام وكسر الموحدة، وبكسرها وسكون الموحدة: واحدة الطوب النّيء. (حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة في الموضعين. (إذا قعدت على حاجتك) ذكر القعود؛ لكونه غالبًا، وإلا فلا فرق بينه وبين القيام. (بيت المقدس) بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الدال، وبضم الميم، وفتح القاف، وتشديد الدال مفتوحة، الأولى على إرادة المصدر، أو المكان، أي: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة، أو بيت مكان الطهارة، والثانية بمعنى: المطهر، وتطهره: إخلاؤه من الأصنام وإبعاده منها، أو من الذنوب، والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى صفته، كمسجد الجامع. (لقد) جواب قسم محذوف. (ارتقيت) أي: صعدت. (على لبنتين مستقبلًا) وكلٌّ منهما حال من (رسول الله) فالثانية حال مرادفة، أو الثاني حال من ضمير الأولى، فتكون حالًا متداخلة. (لحاجته) أي: لأجلها، أو وقتها. (وقال) أي: ابن عمر مخاطبًا واسعًا. (لعلك من الذين يصلون على أوراكهم) أي: من الجاهلين بالسنة في السجود من
13 - باب خروج النساء إلى البراز
تجافي البطن على الوركين فيه؛ إذ لو كنت ممن يعلمها لعرفت الفرق بين الفضاءِ وغيره، والفرق بين استقبال الكعبة وبيت المقدس. (فقلت) أي: قال واسع. (فقلت لا أدري والله) أي: لا أدري أنا منهم أم لا، ولا أدري السنة في استقبال بيت المقدس. (قال مالك) (¬1) في تفسير الصلاة على الورك. (يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض، يسجد وهو لاصق بالأرض) أي: وصلاته كذلك باطلة. وفي الحديث: أن الصحابة كانوا يختلفون بحسب ما بلغهم من العموم وغيره. 13 - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ. 146 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِعِ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ " فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ"، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَويلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجَابِ [147، 4795، 5237، 6240 - مسلم: 2170 - فتح: 1/ 248] (باب: خروج النساءِ إلى البراز) بفتح الموحدة: الفضاء الواسع من الأرض، ويكنى به عن قضاء الحاجة، أما بكسرها: فهو الغائط، والمبارزة في الحرب. (أزواج النبي) أي: ومنهن عائشة راوية الحديث ¬
بناءً على المرجح من أن المتكلم داخلٌ في عموم كلامه. (إذا تبرزن) أي: خرجن إلى البراز. (المناصع) بفتح الميم والنون وبصاد وعين مهملتين: مواضع خارج المدينة من جهة ناحية البقيع (¬1)، واحدها: منصع من النصوع، وهو الخلوص. (وهو) أي: ما ذكر من المناصع (صعيد) أي: تراب، أو وجه الأرض. (أفيح) بفاء ومهملة، أي: واسع. (احجب نساءك) أي: امنعهن من الخروج من البيوت. (يفعل) أي: ما قاله عمر. (زمعة) بسكون الميم أشهر من فتحها. (عشاء) بكسر العين وبالمد، والمراد به هنا: ما بين المغرب والعتمة، وهو منصوب بدلا من (ليلة). (حرصًا) مفعول له، وعامله (نادى). (ينزل) ببنائه للفاعل وللمفعول. (الحجاب) أي: حكمه. (فأنزل الله آية الحجاب) أي: بين الرجال والنساء، وفي نسخة: "فأنزل الله الحجاب" والمراد بالآية: الجنس، فيشمل آية: {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ} [الأحزاب: 59]: 159]، وآية: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا} [الأحزاب: 53]، وآية: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31]، أو العهد لواحدة من الآيات الثلاث. وفي الحديث: مراجعة الأدنى للأعلى فيما لا يتبين له، وفضل عمر موافقته ربه فيما ذكر، وكلام الرجال مع النساء في الطريق؛ لمصلحة دينية، والإغلاظ في النصيحة؛ لقوله: (قد عرفناك يا سودة) والنصيحة لله ولرسوله لقوله: (احجب نساءك). ¬
147 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ" قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي البَرَازَ. [انظر: 146 - مسلم: 2170 - فتح: 1/ 249] (حدثنا زكريا) هو ابن يحيى بن صالح اللؤلؤي، وفي نسخةٍ: "حدثني زكريا" (أبو أسامة) هو حماد بنُ أسامة الكوفيُّ. (قد أذن) بالبناء للمفعول. أي: أذن الله لنبيه، وفي نسخةٍ: "أذن" بدون قد، وفي أخرى: "أذن النبي". (قال هشام) إمَّا تعليق من البخاري، أو من مقول أبي أسامة. (تعني) أي: عائشة، وفي نسخة: "يعني" أي: النبيَّ. واعلم أنَّ الحديثَ السابقَ في حجابِ البيوت، وهذا ليس فيه، بل في التستر بالجلبابِ بعد نزولِ الحجاب؛ وذلك لأنَّه طرفٌ من حديثِ يأتي بطوله في التفسير (¬1) وحاصله: أن سودةَ خرجت بعد ضرب الحجابِ لحاجتها، وكانت عظيمةَ الجسمِ، فرآها عمر- رضي الله عنه - فقال: يا سودة أَمَا والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين، فرجعت فشكت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يتعشَّى، وأوحى إليه فقال: إنَّه قد أُذن لكُنَّ أنْ تخرجن لحاجتكن. أي: لضرورِة عدم الأخلية في البيوت، فلمَا اتُخِذَتْ فيها الكنفُ منعهن من الخروجِ، إلا لضرورةٍ شرعيةٍ. ¬
14 - باب التبرز في البيوت
14 - بَابُ التَّبَرُّزِ فِي البُيُوتِ. 148 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ. [انظر: 145 - مسلم: 266 - فتح: 1/ 250] (باب: التبرز في البيوت) أي: كيفيته. (حدثنا إبراهيم) في نسخةٍ: "حدثني إبراهيم" (أنس بن عياض) هو أبو ضمرةَ الليثي. (عن عبيد الله) أي: ابن عمر بنُ حفص بن عاصم بن عمر بنُ الخطاب. (فوق ظهر بيت حفصة) في نسخةٍ: "فوق بيتِ حفصةَ"، وفي رواية سبقت: "على ظهرِ بيتٍ لنا" (¬1). ووجه الجمع بين الروايتين: أن يقال: أضاف البيتَ إلى حفصةَ باعتبارِ سكنِها فيه، وأضافه إلى نفسِه باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنه الوارثُ لحفصةَ؛ لكونه شقيقها، ولا حاجب له. (مستدبر القبلة) حالٌ؛ لأن إضافته لفظية، فلم يتعرف بها وفائدةُ ذكره التأكيد، وإلَّا فمستقبل الشامِ في المدينةِ مستدبُر القبلةِ قطعًا. 149 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، أَنَّ عَمَّهُ، وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ "رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِسِ". [انظر: 145 - مسلم 266 - فتح 1/ 250] ¬
15 - باب الاستنجاء بالماء
- باب 141 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، أَنَّ عَمَّهُ، وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ "رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِسِ". [انظر: 145 - مسلم 266 - فتح: 1/ 250] (باب) ساقطٌ من نسخة (يعقوب بن إبراهيم) أي: ابن يوسف الدورقي. (يزيد) أي: ابن هارون. (لقد ظهرتُ) أي: علوتُ، وارتقيتُ. (ذات يومٍ) أي: يومًا، فهو من إضافةِ العامِ إلى الخاصّ، أو من إضافة المسمى إلى اسمه، أي: ظهرتُ في زمانٍ هو مسمى لفظِ اليوم وصاحبه فـ (ذات) توكيد بكل حال. 15 - بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ. 150 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ، وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، أَجِيءُ أَنَا وَغُلامٌ، مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، يَعْنِي يَسْتَنْجِي بِهِ". [151، 152، 217، 500 - مسلم 271 - فتح: 1/ 250] (باب الاستنجاء بالماء) هو إزالةُ الخبث، وهو الأذى عن المخرجين بالحجرِ، كما سيأتي، أو بالماءِ، وهو المذكور هنا، وأصلُه: الإزالةُ، والذهابُ إلى النجوة: وهي ما ارتفع من الأرض، كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي، وقصد البخاريُّ بهذه الترجمة: الردَّ على من كَرِهَ الاستنجاء بالماءِ، وعلى نفي وقوعه عن الشارع - صلى الله عليه وسلم -.
16 - باب من حمل معه الماء لطهوره
(هشام) في نسخة: "هو هشام". (عن أبي معاذ) بضمِّ الميم، وبذالٍ معجمة. (أجيءُ) أي: أجيئه. (وغلام) هو اسمٌ للصبي من ولادته إلى بلوغه. (معنا) بفتح العين أكثر من سكونها (¬1). (إداوة) بكسر الهمزة: المطهرة، والجملة حالٌ، وإن خلت من الواو، على حد: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36]. (من ماء) فيه تجُّوز، لأنه في الحقيقة بيانٌ لما في الإدارة، لا للإدارة، فالمعنى: إداوة مملوءة من ماءٍ، أو إداوةٌ فيها ماء [كما روي كذلك بلفظ: فانطلقت أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء] (¬2) يستنجي به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (يعني) أي: أنس (يستنجي وبه) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. قال الكرماني: والظاهر أنَّ هذا من كلام عطاء (¬3). 16 - بَابُ مَنْ حُمِلَ مَعَهُ المَاءُ لِطُهُورِهِ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: "أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالوسَادِ؟ " ¬
(باب من حمل معه الماء لطهوره) بضم الطاء على الأفصح؛ لأنه اسمٌ للفعل، وفي نسخةٍ: "لطهور" بلا ضمير. (صاحب الفعلين) أي: ابن مسعودٍ؛ لأنَّه كان يُلبس النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نعليه إذا قام، فإذا قعد أدخلهما في ذراعيه. (والطهور) بفتح الطاءِ على الأفصح؛ لأنه اسمٌ لما يتطهر به (والوساد) بكسرِ الواو أي: المخدَّة، ويقال: الوسادة، وإنما قال أبو الدرداء ذلك؛ لأنَّه كان يسكنُ الشامَ، فيقول لأهلِ العراقِ حين يسألونه: لما لا تسألوا عبد الله، وهو بينكم بالعراقِ، وكيف تحتاجون معه، أي: إلى أهلِ الشامِ، أو إلى مثلي؟! 151 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ هُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلامٌ مِنَّا، مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ". [انظر: 150 - مسلم 271 - فتح: 1/ 251] (عن عطاء بن أبي ميمونة) في نسخةٍ: "عن ابن أبي معاذ هو عطاء ابن أبي ميمونة". (سمعت أنسًا) في نسخة: "سمعتُ انس بن مالك". (كان رسول الله) في نسخةٍ: "كان النبي". (إذا خرج) إذا لمحض الظرفية، فلا ينافي خرج الذي للمضي، بخلافِ ما إذا كانت شرطية، فإنَّها للاستقبالِ، إلَّا أن تكون حكايةً للحال الماضيةِ. (منَّا) أي: من الأنصار، كما روي كذلك، أو من قومنا، أو من المسلمين (¬1). وفي الحديث: خدمةُ العالمِ وحملُ ما يحتاجُ إليه، وإنَّ ذلك شرف للمتعلم؛ لأنَّ أبا الدرداء أثنى على ابن مسعود بذلك. ¬
17 - باب حمل العنزة مع الماء في الاستنجاء
17 - بَابُ حَمْلِ العَنَزَةِ مَعَ المَاءِ فِي الاسْتِنْجَاءِ. (باب حمل العَنزة مع الماء في الاستنجاء) (العنزةُ) بفتح النون: أطول من العصا وأقصر من الرمحِ وفي طرفها زجٌّ، أي: سنان من حديد كالرمحِ (¬1)، وتقدم معنى الاستنجاء. 152 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَدْخُلُ الخَلاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ" تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ العَنَزَةُ: عَصًا عَلَيْهِ زُجٌّ. [انظر: 150 - مسلم 271 - فتح: 1/ 252] (كان رسولُ الله) في نسخة: "كان النبيُّ". (يدخل الخلاء) المرادُ به: مكانُ قضاءِ الحاجةِ في الفضاء (وعنزة) بالنصب؛ عطفٌ على (إداوة) والغرض من حملها: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استنجى توضأ، وإذا توضأ صلَّى، فيستتر بها في صلاته، أو يدفعُ بها ما يعرض من الهوام، أو غيرها، أو ينبشُ بها الأرض الصلبة عند قضاء حاجته؛ لئلا يرتد عليه الرشاشُ. (تابعه) أي: محمد بن جعفر. (النضر) بفتح النون وسكون المعجمة: ابن شميل. (شاذان) بمعجمتين: لقبُ الأسود بن عامر، أمَّا متابعة النضر فوصلها النسائيُّ (¬2)، وأمَّا متابعة (شاذان) فوصلها البخاريُ ¬
18 - باب النهي عن الاستنجاء باليمين
في الصلاةِ (¬1). (العنزة: عصا عليه زُجّ) ساقط من أكثر النسخ. 18 - بَابُ النَّهْيِ عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بِاليَمِينِ. 153 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الخَلاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ". [154، 5630 - مسلم 267 - فتح: 1/ 253] (باب النهي عن الاستنجاء باليمين) أي: فلا يستنجي إلَّا باليسارِ؛ لأن اليمينَ لما شرُفَ وعلا، واليسارُ لما خسَّ ودنا. (حدثنا معاذ) في نسخةٍ: "حدثني معاذ". (عن أبيه) هو أبو قتادةَ، واسمه الحارث، أو النعمان، أو عمرو بنُ ربعي الأنصاريُّ (¬2). (فلا يتنفس) بجزمه مع الفعلين بعده على النهي، وبرفعه معهما؛ على النفي بمعنى النهي، والنهي في الثلاثة للتنزيه، وحكمته في الأول ¬
19 - باب: لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال
المبالغةُ في النظافةِ؛ لأنه ربما يخرجُ منه ريق فيخالط المشروب، فيعافه الشارب، وربمَّا تروَّح المشروبُ من بخار ردئ بمعدتهِ فيفسده، فالسُّنَّةُ: أن يبين الإناءَ عن فمهِ ثلاثًا، مع التنفسِ كل مَّرة (¬1)، وحكمته في الأخيرين: تشريفُ اليمنى عن مماسة ما فيه الأذى، وعن استعمالهِا في إزالتِه، وربما يتذكرُ عند تناولِ الطعامِ ما باشرته يدُه من الأذى، فينفر طبُعه عن تناوله. واستُشكل النهيُ عن مسّ الذكرِ، والاستنجاءِ فيه باليمين؛ لأنه إذا استجمر باليسارِ استلزم مسَّ الذكر باليمين، وإذا مسَّ باليسارِ استلزم الاستجمارَ باليمين، وكلاهما منهي عنه، وأجيبُ عن ذلك: بأن يُمرَّ الذكر بيساره على شيءٍ يمسكه بيمينه، وهي قارة، فلا يعدّ مستجمرًا باليمين، ولا مسا للذكرِ بها، فهو كمن صبَّ الماءَ بيمينهِ على يسارهِ في الاستنجاء، ويجوزُ في سين (يمسُّ) ثلاثة أوجه: فتحها لخفته، وكسرُها على الأصلِ في تحريكِ الساكنِ، وفكِ الإدغامِ وحينئذٍ يظهرُ الجزمُ، لزوالِ مانِعه، وهو الإدغام (¬2). 19 - بَابٌ: لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ. 154 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ". [انظر: 153 - مسلم 267 - فتع: 1/ 254] ¬
20 - باب الاستنجاء بالحجارة
(باب لا يمسك) في نسخةٍ: "لا يمس" وفائدةُ هذه الترجمة مع ما تقدَّم معناها في الباب قبله: اختلاف الإسناد مع ما وقع في لفظ المتن من الخلافِ الآتي فيه، وخالف ترجمتي البابين مع اتحادِ مؤدي حديثيهما؛ جريًا على عادته في تعدد التراجم بتعدد الأحكامِ المجموعةِ في الحديثِ الواحدِ، كما هنا. (فلا يأخذنَّ) بنون التوكيد، وفي نسخةٍ: "فلا يأخذ" بحذفها. (ولا يستنج بيمينه، ولا يتنفَّس في الإناء) النهيُ عنهما ليس مقيدًا بما إذا بال. فالجملتانِ معطوفتانِ على الجملةِ الشرطيةِ، لا على جزاء الشرط؛ لئلا يلزم أنَّ النهيَ عن الأمرين مقيّد بما إذا بال مع أنه ليس كذلك. 20 - بَابُ الاسْتِنْجَاءِ بِالحِجَارَةِ. (باب: الاستنجاء بالحجارة) قُيد بها كالحديث؛ جريًا على الغالب، وإلَّا فالاستنجاءُ يحصل بكل طاهرٍ قالعٍ غيرِ محترمٍ، كما هو معلوم في كتب الفقه. 155 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو المَكِّيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لاَ يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا - أَوْ نَحْوَهُ - وَلاَ تَأْتِنِي بِعَظْمٍ، وَلاَ رَوْثٍ، فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ». [3860 - فتح: 1/ 255] (أحمد بن محمد) أي: ابن عونٍ. (أتبعت) بهمزة قطعٍ رباعيًّا، أي: لحقته، وبهمزة وصلٍ خماسيًّا، أي: مشيتُ خلفه، وكذا تبع ثلاثيًّا وهذا ما في "الصحاحِ" (¬1)، ولا ¬
ينافيه قولُ "المحكم": تبع واتَّبع وأتْبع بمعنى؛ لأن اتحاد المعنى بالنظر للمادة، وتفاوته بالنظرِ إلا الصيغة، كنظيره في: وفَّى، وأَوْفى، ووفي (وخرج) حالٌ بتقدير قد (¬1) (فكان) في نسخةٍ: "وكان". (فدنوت) أي: قربتُ منه؛ لأستأنس به كما في رواية، وزاد فيها "فقال: من هذا؟ " فقلت أبو هريرة (¬2). (فقال ابغني) همزة وصلٍ ثلاثيًّا، أي: اطلب لي، وبهمزة قطعٍ رباعيًّا مزيدًا فيه أي: أعني على الطلب. يقال: أبغيتك الشيء، أي: أعنتك على طلبهِ، وفي نسخةٍ: "ابغ لي". (أحجارًا) في نسخة: "حجارةً" (أستنفض) بالرفع صفةً لـ (أحجارًا) أو بالجزم؛ جوابٌ للأمر، وهو بنون وفاءٍ مكسورةٍ، وضادٍ معجمةٍ من النفض: وهو هزُّ الشيء؛ ليطير غباره، والمراد هنا: أستنظف بها، أي: أنظف نفسي بها من الحدثِ، فكنى به عن الاستجمار. (أو نحوه) بالنصب، أي: أو قال نحو هذا القول كأستنجي أو أستنظف، ففيه: جوازُ الرواية بالمعنى، ¬
21 - [باب: لا يستنجى بروث]
والشكُّ فيه من بعض رواته. (ولا تأتني) في نسخةٍ "ولا تأتيني" بياء قبل النون، وفي أخرى: "ولا تأتي" وفي أخرى: "ولا تأت لي" بلامٍ بدل النون. (بعظم ولا روث) أي: لأنهما مطعومان للجن؛ ولأنَّ العظم لزجٌ، فلا يقلع النجاسة، والروث نجس فيزيد ولا يزيل، ويؤخذ مما ذكر: أنَّ ما في معنى الحجرِ من كل طاهرٍ قالعٍ غيرِ محترمٍ يستنجى به، كما مرَّ. (بطرفِ ثيابي) أي: في طرفها. (فوضعتها) في نسخةٍ: "فوضعها". (وأعرضت) في نسخةٍ: "واعترضت". (فلمَّا قضى) أي: حاجته. (أتبعه) أي: المحلّ (بهن) أي: بالأحجار. وفي الحديث: جواز اتباعِ السادات بغيرِ أذنهمِ، واستخدامُ المتبوعِ إياهم، وندبُ الإعراضِ عن قاضي الحاجةِ، وإعدادُ المزيل للاستنجاءِ قبل القعودِ، لئلا يتلوث إذا قام بعد الفراغ لطلبهِا، ومشروعية الاستنجاء. 21 - [بَابٌ: لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ]. 156 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: - لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ - وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: "أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ" وَقَالَ: "هَذَا رِكْسٌ" وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ. [فتح: 1/ 256] (باب لا يُستنجى بروثِ) ببناء (يستنجى) للمفعول، والباب مع ترجمتهِ ساقط من نسخةٍ.
(عن أبي إسحق) اسمه: عمرو بنُ عبد الله السبيعيُّ. (قال) أي: أبو إسحق. (ليس أبو عبيدة) عامر بن عبد الله بنُ مسعود. (ذكره) أي: حدثني به. (ولكن) ذكره لي (عبد الرحمن بن الأسود) أي: لست أرويه عن أبي عبيدة، وإنما أرويه عن عبد الرحمن. (عبد الله) أي: ابن مسعود. (بثلاثة أحجار) فيه دليل على اعتبارِ الثلاثِ، وإلا لما طلبها، صرَّح به في حديثِ مسلم "لا يستنجي أحدُكم بأقلِ من ثلاثةِ أحجارِ" (¬1). (والتمست) أي: طلبت. (فلم أجده) في نسخة: "فلم أجد روثة" أي: روثة حمار، كما رواها ابن خزيمة (¬2). (فأتيته بها) أي: بالثلاثة. (هذا ركس) في نسخة: "هذه ركس" وهو بكسر الراء: الرجيع؛ لرجوعه من حال الطهارة إلى حال النجاسة، ويروى: "رجس" (¬3) بالجيم، أي: نجس، وأخذ بظاهر الحديث جماعة فاكتفوا بدون الثلاث؛ حيث وُجِدَ الإنقاءُ فالمدار عليه لا على العدد،، وأجيب: باحتمال حضور ثالث، لكن لم يعلمه، فطلب الثلاث فلمّا علمه اكتفى بالحجرين معه، وبأنه أمر عبد الله بإحضار ثالث، واكتفى في المسحات الثلاث بأطراف الحجرين عن ثالث. ¬
وأما احتمال مسح المخرجين بالثلاث، فقد يمنع باحتمال: أن الحاجة في أحدهما فقط، وأن مسح الأرض يكفي في القبل، فالثلاثة للدبر. (وقال إبراهيم بن يوسف) أي: ابن إسحاق السبيعي. (عن أبيه) يوسف بن إسحق. (عن أبي إسحق) جد إبراهيم. (حدثني عبد الرحمن) ابن الأسود بن يزيد بالإسناد السابق. وأراد البخاريُّ بهذا التعليق الردَّ على من زعم أن أبا إسحق دلَّس هذا الخبر، وهذه متابعة ناقصة (¬1) ذكرها تعليقًا، وهي ساقطة من نسخة على أن إبراهيم هذا متكلم فيه؛ لكن يغتفر مثله في المتابعة. ¬
22 - باب الوضوء مرة مرة
22 - بَابُ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً. 157 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً مَرَّةً". [فتح: 1/ 258] (باب: الوضوء مرة مرة) أي: لكل عضوٍ. (مرةً مرةً) بنصبهما مفعول مطلق مبين للكمية، أو ظرف، أي: توضأ في زمان واحد. 23 - بَابٌ: الوُضُوءُ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. 158 - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ". [فتح: 1/ 258] (باب: الوضوء مرتين مرتين) أي: لكلِّ عضو. (حدثنا حسين) في نسخة: "الحسين" وفي أخرى: "حدثني حسين". (ابن عيسى) أي: ابن حُمران بضم المهملة. (حدثني فليح) في نسخة: "أخبرنا فليح" واسمه: عبد الملك. (عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم) في نسخة: زيادة "ابن محمد" بين أبي بكر وعمرو. (عن عَبّاد بن تميم) أي: ابن زيد. (عن عبد الله بن زيد) أي: ابن عبد ربه. (مرتين مرتين) في إعرابه: ما مرَّ. 24 - بَابُ: الوُضُوءُ ثَلاثًا ثَلاثًا. 159 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ
ثَلاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [160، 164، 1934، 6433 - مسلم: 226 - فتح: 1/ 259] (باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا) أي: لكلِّ عضوٍ، وفي إعرابه ما مرَّ (¬1). (دعا بإناء) أي: فيه ماء للوضوءِ. (فأفرغ على كفيه) أي: صبَّ عليهما ماءً. (ثلاث مرار) في نسخة: "ثلاث مرات". (فمضمض) أي: أدخل الماء في فيه، وفي نسخة: "فتمضمض". (واستنشق) أي: أدخل الماء في أنفه، وفي نسخة: بدل هذا "واستنثر" أي: أخرج من أنفه، وجمع بينهما في رواية (¬2)، وفي رواية أبي داود وغيره: (فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا) (¬3) والاستنثار: يستلزم الاستنشاق من غير عكس، وهي مأخوذة من النثرة: وهي الأنف، أو طرفه أو الفرجة بين الشاربين على الخلاف فيه، وتقديم المضمضة على الاستنشاق مستحق، وقيل: مستحب. ¬
(إلى المرفقين) تثنية مرفق، بفتح الميم وكسر الفاءِ وبالعكس، وسمي مرفقًا؛ لأنه يرتفق به في الاتكاءِ. (ثم مسح برأسه) زاد أبو داود: ثلاثًا (¬1). (ثم غسل رجليه ثلاث مرات) قال النوويُ: أجمع العلماءُ على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة، وان الثلاث سنة (¬2). وقد جاءت الأحاديثُ بالغسل مرة ومرتين وثلاثة، وبعض الأعضاءِ ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، واختلافها دليلُ جواز الكلِّ، والثلاث هي الكمال، أو يحمل الاختلاف على أن بعض الرواة حفظ، وبعضهم نسي، فيؤخذ بما زاده البقية وتثليث مسح الرأس قال به الشافعي؟ لمجيئه في خبر أبي داود (¬3)، وقياسًا على بقية الأعضاءِ، وأن رواية المسح مرة إنما هي؛ لبيان الجواز. (إلى الكعبين) هما العظمان الناتيان عند مفصل الساق والقدم. (نحو وضوئي هذا) رواه في الرقاق بلفظ: "مثل" (¬4)، وتقدم التنبيه على أن نحو دون مثل، وأن المماثلة لا يشترط فيها المماثلة من كلِّ وجه، فلا يرد على التعبير بالمثل ان وضوءه لا يقدر على مثله أحد. (لا يحدث فيهما نفسه) أي: بشيءٍ من أمور الدنيا، فلا يؤثر حديث نفسه في أمور الآخرة، ولا التفكر في معاني ما يتلوه من القرآن، ولا ما يهجم من الخطرات فيعرض عنه فهو معفوٌّ عنه؛ لعدم كسبه له الملوح له التعبير بـ (يحدث). نعم هو بلا ريب دون من سلم من ذلك، ¬
كما لا يخفى. (غفر له ما تقدم من ذنبه) أي: من الصغائر دون الكبائر صرَّح به في مسلم (¬1)، وفي نسخة: "غفر الله له ما تقدم من ذنبه". 160 - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ، وَلَكِنْ عُرْوَةُ، يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّي الصَّلاةَ، إلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا" قَالَ عُرْوَةُ: "الآيَةَ {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ} [البقرة: 159] [انظر: 159 - مسلم: 227 - فتح 1/ 261] (وعن إبراهيم) أي: ابن سعد، السابق أول الباب وهو معطوف على قوله: (حدثني إبراهيم). (ولكن عروة) أي: ابن الزبير بن العوام. (يحدث عن حمران) هذا استدراك من ابن شهاب، ويعني أن شيخه عطاء وعروة اختلفا في روايتهما عن حمران، فحدث به عطاء على صفة وقد تقدمت، وعروة على صفة وهي ما ذكرها بقوله: (فلما توضأ عثمان ... إلخ) وهو معطوف على محذوف تقديره: عن حمران: أنه رأى عثمان دعا بماء فأفرغ على كفيه إلى ان قال: إلى الكعبين، فلما توضأ قال: (إلا أحدثكم) في نسخة: "لأحدثنكم". (لولا آية) سيأتي بيانها. (ما حدثتكموه) أي: ما كنت حريصًا على تحديثكم به. (لا يتوضأ) في نسخة: "لا يتوضأنَّ" بنون التوكيد الثقيلة. (يحسن) في نسخة: "فيحسن". (إلا غفر له) أي: من الصغائر كما مرَّ. (ما بينه) أي: بين ما صلَّاه بالوضوءِ. (وبين الصلاة) أي: التي تلي ما ¬
صلَّاه بالوضوء. (حتَّى يصليها) أي: يفرغ منها؛ ليشمل غفران صغيرة وقعت فيها، كنظرة محرمة. وتفسير شيخنا له بالشروع فيها مخالف لظاهر اللفظ (¬1)، و (حتَّى) غايةُ لتحصيل المقدر العامل في الظرف، لا للغفران؛ إذ لا غاية له، والتقدير: إلا غفر له الذنب الذي حصل بين الصلاتين. وفائدة ذكره مع علمه مما قبله: دفع احتمال ان المراد: ما بين الوضوء وبين الشروع فيها. (قال عروة: الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا}) [البقرة: 159] زاد في نسخة: {مِنَ الْبَيِّنَاتِ}، وفي أخرى: "الآية" وهذه الآية وإن نزلت في أهل الكتاب عامة لهم ولغيرهم، لما تقرَّر من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وعورض هذا الحديث المقيد للغفران بالصلاة بحديث أبي هريرة: "إذا توضأ العبد خرجت خطاياه" (¬2) الحديث؛ حيث أفاد أن الغفران لا يتقيد بالصلاة، وأجيب باحتمال أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص، فربَّ متوضِّيء يحضره من الخشوع ما يستقل وضوءه بالغفران، وآخر ليس كذلك، فلا يستقل وضوؤه بالغفران إلَّا مع الصلاة الأخرى. ¬
25 - باب الاستنثار في الوضوء
25 - بَابُ الاسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوءِ. ذَكَرَهُ عُثْمَانُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر 159، 185] (باب الاستنثار في الوضوء) تقدم بيانه في الباب السابق ذكره أي: الاستنثار. (عثمان) أي: بن عفان. (وابن عباس) في نسخة: "وعبد الله بن عباس". (عن النبي - صلى الله عليه وسلم -) أي: أن أمر بذلك، كما رواه أبو داود والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا" (¬1). 161 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ". [162 - مسلم: 237 - فتح: 1/ 262] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (يونس) أي: ابن يزيد. (أبو إدريس) أي: عائذ الله الخولاني. (قال: من توضأ) في نسخة: "أنه قال: من توضأ". (فليستنثر) أي: لما فيه من تنقية مجرى النَّفَسِ الذي به تلاوة القرآن؛ ولإزالة ما فيه من الثفل؛ لتصح مجاري الحروف، ولما فيه من طرد الشيطان؛ لخبر البخاري في بدء الخلق: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه" (¬2) والأمر فيه للندب، كما في الاستنشاق، ولخبر الترمذي وحسنه "من توضأ كما ¬
26 - باب الاستجمار وترا
أمر الله" (¬1)، وليس في الآية ذكر الاستنثار. (ومن استجمر) أي: مسح محل النجو بالجمار: وهي الأحجار الصغار. (فليوتر) أي: بثلاث، أو خمس، أو غير ذلك، والواجب عند الشافعي ثلاث، فإن لم ينق بها وجب زيادة، واستحب الإيتار وإن حصل الإنقاء بشفع، وقيل: يجب الإيتار مطلقًا؛ لظاهر هذا الحديث، ورده الجمهور بخبر: "من أستجمر فليوتر من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" (¬2) وحملوا هذا الخبر على الوجوب في الثلاث، وعلى الندب فيما زاد عليه، فالأمر مستعمل في حقيقته ومجازه، وهو جائز عند الشافعي - رضي الله عنه -. 26 - بَابُ الاسْتِجْمَارِ وتْرًا. 162 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ". [انظر: 161 - مسلم: 237، 278 - فتح: 1/ 263] (باب: الاستجمار) أي: بالأحجار. (وترًا) حال. (إذا توضأ) أي: أراد أن يتوضأ. (فليجعل في أنفه) أي: "ماء" كما في نسخة. (ثم لينثر) بمثلثة مضمومة بعد نون ساكنة، وفي نسخة: "ثم لينتثر" بفوقية قبل المثلثة، وأراد به الاستنثار وبما قبله الاستنشاق. (فليوتر) أي: بثلاث، ¬
27 - باب غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين
أو خمس أو سبع، أو غير ذلك كما مرَّ مع زيادة. (استيقظ) أي: تيقظ. (فليغسل يده) أي: ندبًا. (قبل أن يدخلها في وضوئه) بفتح الواو، وفي نسخة: "في الإناءِ" أي: الذي فيه ماء الوضوء. (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) أي: هل لاقت مكانًا طاهرًا أو نجسًا؟ كبثرة أو جرح، والتعليل بذلك جري على الغالب؛ إذ لو نام نهارًا، أو درى أنَّ يده لم تلق نجسًا، كأن لف عليها خرقة، أو شك في نجاستها بلا نوم، ندب غسلها أيضًا، فقد صحَ عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء في حال اليقظة مع تيقن طهارة يده، فندب غسلها بعد النوم، أو بعد الشك بدونه أَوْلى. 27 - بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ. 163 - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا العَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. [انظر 60 - مسلم: 241 - فتح: 1/ 265] (باب: غسل الرجلين) زاد في نسخة: "ولا يمسح على القدمين" (حدثنا موسى) هو ابن إسماعيل التبوذكي، وفي نسخة: "حدثني موسى". (حدثنا أبو عوانة) في نسخة: "أخبرنا أبو عوانة". (يوسف بن ماهك) بكسر الهاء وفتحها منصرفًا وغير منصرفٍ. (في سفرة) أي: من مكة إلى المدينة في حجة الوداع، أو عمرة القضية، وفي نسخة: "في سفرة سافرناها". (فأدركنا) بفتح الكاف أي: لَحِقَ بنا. (وقد أرهقنا) بسكون القافِ أي: أخرنا، وفي نسخة: "أرهقتنا" بفتح القاف وبتاءٍ ساكنة أي: أدركتنا. (العصر) مفعول على
28 - باب المضمضة في الوضوء
النسخة الأولى، وفاعل على الثانية. (ويل) كلمة عذاب، أو وادٍ في جهنم، وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة؛ لأنه دعاء وموصوف بما يأتي. (للأعقاب) أي: لأصحابها. المقصرين في غسلها، والعقب: مؤخر الرجل. (من النار) صفة لـ (ويل) وفيه: ردٌّ على الشيعة القائلين: بأن الواجب المسح؛ أخذًا بظاهر قراءة: (وأرجُلِكم) بالجر؛ إذ لو كان الفرض المسح لما توعد عليه بالنار. 28 - بَابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [انظر 140، 185] (باب: المضمضة في الوضوء) بإضافة (باب) وفي نسخة: "باب المضمضة من الوضوء" بلا إضافة (باب)، وإبدال (في) بـ "مَنَ". (قاله) أي: ما ذكر من المضمضة. (ابن عباس، وعبد الله بن زيد) علق البخاري عنهما، ذلك، وقد أسنده عن ابن عباس قبل في باب: غسل الوجه (¬1)، وعن عبد الله بن زيد بعدُ، في باب: من مضمض واستنشق (¬2). 164 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمْرَانَ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنَائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ ¬
29 - باب غسل الأعقاب
تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، وَقَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [انظر: 159 - مسلم: 226 - فتح: 1/ 266] (أنه رأى عثمان) في نسخة: "عثمان بن عفان". (دعا بوضوء) بفتح الواو أشهر من ضمها. (ثم تمضمض) في نسخة: "ثم مضمض". (ثم مسح برأسه) زاد أبو داود وابن خزيمة ثلاثًا (¬1). (ثم غسل كل رجل) في نسخة: "ثم غسل كل رجله" وفي أخرى: "كل رجليه" وفي أخرى: "كلتا رجليه". (وقال) في نسخة: "ثم قال". (وصلَّى) في نسخة: "ثم صلَّى". (غفر الله له) في نسخة: "غفر له" وتقدم بيان معنى الحديث. 29 - بَابُ غَسْلِ الأَعْقَابِ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ: "يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ". 165 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ المِطْهَرَةِ، قَالَ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِنَّ أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". [مسلم 242 - فتح: 1/ 267] (باب: غسل الأعقاب) أي: وما يلتحق بها مما قد يتساهل في إسباغه من الأعضاء؛ ولهذا قال: (وكان ابن سيرين يغسل موضع ¬
30 - باب غسل الرجلين في النعلين، ولا يمسح على النعلين
الخاتم إذا توضأ) أي: يفرده بالغسل، ومذهب الشافعي وكثير: إن كان الخاتم واسعًا يدخل الماء تحته أجزأ من غير تحريك، وإن كان ضيقًا فليحرك. (وكان يمرُّ بنا) حال من (أبي هريرة) و (يمرُّ بنا) خبر كان. (والناس يتوضئون) حال من اسم (كان) فهي مع الحال السابقة كما قال الكرماني (¬1) حالان متداخلتان، وإن احتمل أن يكونا مترادفتين. (من المطهرة) بفتح الميم أجود من كسرها: الإناء المعد للتطهير. (قال) حالٌ من فاعل سمعتُ، وفي نسخة: "فقال" بالفاءِ التفسيرية؛ لأنها تفسر (قال) المحذوفة بعد قوله: "أبا هريرة" لأن التقدير حينئذٍ: سمعت أبا هريرة قال: وكان يمرُّ بنا إلخ. وهنا احتيج إلى تقدير (قال) لأن الذات لا تسمع حتَّى اعتبر في وقوعها مفعولًا لفعلِ السماع، أن يكون مقيدًا بالقول أو نحوه، كقوله تعالى: {سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي} [آل عمران: 193] فالمراد بسمعت أبا هريرة سمعت قوله. (أسبغوا) بفتح الهمزة من الإسباغ، وهو الإتمام. (أبا القاسم) كنية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (ويل للأعقاب من النار) تقدم بيانه. 30 - بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ. 166 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ ¬
الأَرْكَانِ إلا اليَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْويَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الأَرْكَانُ: فَإِنِّي لَمْ "أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّ إلا اليَمَانِيَّيْنِ"، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ: فَإِنِّي "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا"، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا"، وَأَمَّا الإِهْلالُ: فَإِنِّي "لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ". [1514، 1552، 1609، 2865، 5851، 1554 - مسلم: 1187، 1267 - فتح: 1/ 268] (باب: غسل الرجلين في النعلين) سيأتي بيان ذلك. (ولا يمسح على النعلين) ردَّ به ما رُوي عن علي وغيره من الصحابة أنهم مسحوا على نعالهم ثم صلَّوا، ويمكن تأويله بأنهم مسحوا عليها مع غسل أرجلهم فيها، وأمَّا حديث: مسحهما المروي في أبي داود فضعيف (¬1)، وإن سلم صحته فمؤول بما مرَّ. (عن عبيد بن جريج) بالتصغير فيهما. (رأيتك) يحتمل البصرية والعلمية. (تصنع أربعًا) أي: أربع خصالٍ. (من أصحابك) في نسخة: "من أصحابنا" والمراد: من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. (يصنعها) أي: مجتمعة، وإن كان يصنع بعضها، أو المراد: الأكثر منهم. (إلا اليمانيين) بتخفيف الياءِ، بجعل الألف عوضًا عن إحدى يائي النسب، وبتشديدها في لغة؛ بجعل الألف زائدة، وفي تعبيره بذلك تغليب، وإلا فالذي فيه الحجر الأسود عراقي؛ لأنه إلى جهة العراق ¬
وهما الباقيان على قواعد إبراهيم، ومن ثَمَّ خصَّ الآن بالاستلام حتَّى لو بنى البيت على قواعد إبراهيم، استلمت الأركان كلها اقتداءَ به ولهذا لما ردها ابن الزبير على القواعد استلمها. وظاهر الحديث: انفراد ابن عمر باستلام اليمانيين، وأن غيره كان يستلم الأربعة، لكن اتفق الفقهاء اليوم، كما قال الكرماني وغيره (¬1)، على أن الركنين الشاميين لا يستلمان، وإنما كان الخلاف فيه في العصر الأول بين بعض الصحابة، وبين بعض التابعين، ثم زال الخلاف. (تلبس) بفتح الموحدة. (السبتية) بكسر المهملة، وسكون الموحدة، نسبة إلى السِبْت بالكسر: وهو جلد البقر المدبوغ، وإنما اعترض على ابن عمر في ذلك؛ لأنه لباس أهل النعمة، وإنما كانوا يلبسون النعال بالشعر غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره. (تصبغ) بتثليث الباء، أي: الثياب، وقيل: الشعر. (إذا كنت بمكة إلخ) كان يحتمل أنها ناقصة، أو تامة، و (إذا) في الموضعين تحتمل الشرطية والظرفية، أو الأولى شرطية، والثانية ظرفية، وهو الظاهر. (رأوا الهلال) أي: هلال ذي الحجة، والإهلال لغة: رفع الصوت، وسمي الهلال هلالًا؛ لرفع الصوت عند رؤيته، واصطلاحًا: رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإحرام. (حتى كان يوم التروية) وهو ثامن ذي الحجة، وهو بالرفع فاعل كان فهي تامة، وبالنصب ¬
خبرها فهي ناقصة (¬1)، واسمها: الزمان الدال عليه السياق، وسمي يوم التروية؛ لأنهم يتروون فيه من الماء ما يستعملونه في عرفات شربًا وغيره، وقيل: لرؤية إبراهيم - عليه السلام - رؤيا ذبح ولده في ليلته، وقيل: لأنه تروى أي: تفكر في رؤياه التي رآها، ثم كان قياس ما ذكر من الأمور الأربعة أن يقول هنا. رأيتك لم تهل. (حتَّى كان يوم التروية) فيقال: إنه محذوف، والمذكور دليل عليه أو تجعل الشرطية قائمة مقامه. (ويتوضأ فيها) أي: حال كون النعل في الرجل؛ بأن يغسل غير الرجلين قبل نزعهما من النعلين، ثم الرجلين بعد نزعهما منهما، ثم يدخلهما رطبتين فيهما. (وأمَّا الصفرة، فإني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بها) المراد: صبغ ثيابه لحديث ورد فيه في "سنن أبي داود" وقيل: صبغ شعره لما في "سنن أبي داود" وغيره أيضًا، أنه كان يصفر بها لحيته، وأجاب الأول عن هذا باحتمال: أنه كان يتطيب بها، لا أنه كان يصبغ بها (¬2). (حتَّى تنبعث به راحلته) كناية عن ابتداءِ السير في أفعال الحج وانبعاثها، واستوائها قائمة، والإحرام عند انبعاثها مذهب الشافعي ومالك واحمد، وقال أبو حنيفة: يحرم عقب الصلاة جالسًا، وهو قولٌ عندنا، وقيل يحرم من أول يوم من ذي الحجة، والخلاف في الأفضلية، والراحلة: المركب من الإبل ذكرًا، كان أو أنثى. ¬
31 - باب التيمن في الوضوء والغسل
31 - بَابُ التَّيَمُّنِ فِي الوُضُوءِ وَالغَسْلِ. (باب: التيمن في الوضوءِ والغسل) أي: أخذ الماءِ فيهما باليمين، والوضوء والغسل، بالضمِّ فيهما على الأشهر: الفعل. 167 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا". [1253، 1254، 1255، 1256، 1257، 1258، 1259، 1260، 1261، 1262، 1263 - مسلم: 939 - فتح: 1/ 269] (إسماعيل) أي: ابن علية. (خالد) هو الحذاء. (عن أم عطية) اسمها: نسيبة -بالتصغير- بنت كعب، أو بنت الحارث. (لهن) أي: لأمِّ عطية ومن معها. (في غسل ابنته) أي: زينب. (ومواضع الوضوء) إن جُوِّز العطف على الضمير المجرور (¬1)، فهو دليل التيامن في مواضع الوضوء، وإلا فيؤخذ من عموم ميامنها. ¬
168 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ". [426، 5380، 5854، 5926 - مسلم: 268 - فتح: 1/ 269] (عن مسروق) أي: ابن الأجدع. (يعجبه التيمن) أي: الأخذ باليمين. فيما يأتي ذكره. (في تنعله) أي: لبسه النعل (وترجله) أي: تمشيطه الشعر. (وطهوره) بضمِّ الطاءِ؛ لأن المراد: تطهره. (في شأنه كله) أي: في حاله كله، والمراد: جميع حالاته مما هو من باب التكريم، والتزيين كلُبْسِ السراويل، والخُفِّ وتقليم الأظافر، وقصِّ الشارب، نعم الكفان والخدان والأذنان يطهران دفعة واحدة. أَمَّا ما ليس من غير باب ما ذُكر، كدخول الخلاء، والخروج من المسجد فإنه باليسار، وفي نسخة: "وفي شأنه كله" بواو العطف، وهو من عطف العام على الخاص، ووجه حذف العاطف: (¬1) أنه جائز عند بعضهم حيث دلَّت عليه قرينة، أو أن (ما) بدلٌ مما قبله بدلُ اشتمال، والشرط فيه: أن يكون المبدل منه مشتملًا على الثاني أي: متقاضيًا له بوجه ما، وهنا كذلك، أو هو بدل كلٍّ من بعض (¬2) على ما جوزه ¬
32 - باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة
بعضهم، وعليه قوله: نضر الله أعظمًا دفنوها ... بسجستان (¬1) طلحة الطلحات (¬2) أو يقدر قبله: يعجبه التيمن فتكون الجملة بدلًا من الجملة. وفي الحديث: شرف اليمين على اليسار. 32 - بَابُ التِمَاسِ الوَضُوءِ إِذَا حَانَتِ الصَّلاةُ. (¬3) وَقَالَتْ عَائِشَةُ: "حَضَرَتِ الصُّبْحُ، فَالْتُمِسَ المَاءُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ". (باب: التماس) أي: طلب. (الوَضوء) بفتح الواو على الأشهر. (إذا حانت الصلاة) أي: قَرُبَ وقتها. ¬
(حضرت الصبح) أي: صلاته. (فالتمس) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "فالتمسوا" بالبناء للفاعل، فقوله: (الماء) مرفوع على الأولى، منصوب على الثانية. (فنزل التيمم) أي آيته (¬1). وهذا التعليق وصله البخاري في كتاب: التفسير (¬2). 169 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتْ صَلاةُ العَصْرِ، فَالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ قَالَ: "فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ". [195، 200، 3572، 3573، 3574، 3575 - مسلم: 2279 - فتح: 1/ 271] (رأيت رسول الله) في نسخة: "رأيت النبي". (وحانت صلاة العصر) حال. (فلم يجدوه) أي: الماء، أي: لم يصيبوه، وفي نسخة: "فلم يجدوا" بدون هاء. (فأُتي) بالبناء للمفعول. (بوَضوء) أي: بماء والمراد: بإناء فيه ما يتوضأ به؛ لقوله: (فوضع رسول الله لم - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الإناء يده) أي: اليمنى فيما يظهر، ولفظ: (الإناء) ساقط من نسخة. (منه) أي: من الماء الذي فيه يده المباركة (ينبع) بتثليث الموحدة، أي: يخرج، والجملة حال. (من تحت أصابعه) وفي رواية: "يفور من بين أصابعه" (¬3) وأكثر ¬
33 - باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان
العلماء على أنه كان يخرج من نفس أصابعه، وقيل: كثر الله الماء بنفسه فصار يفور من بين أصابعه لا من نفسها، وكلاهما معجزة ظاهرة. (حتَّى توضئوا من عند آخرهم) حتى: حرف ابتداء دالة على التدريج، و (من) للبيان، أو لانتهاء الغاية (¬1) في لغة، كما قال النووي (¬2). أي: توضأ الناس من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، والشخص الذي هو آخرهم منهم؛ لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة بجعل (عند) لمطلق الظرفية بمعنى في لا لظرفية خاصة بالحضور، فكأنه قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم، وأنسٌ منهم أيضًا، بناءً على الأصح من أن المتكلم يدخل في عموم كلامه. وفي الحديث: استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارة، وطلب الإعانة له عند حاجته [ممن معه ماء فاضل عن حاجته، (¬3)، والرد على من أنكر المعجزة من الملاحدة، واغتراف المتوضِئ من الماء القليل. 33 - بَابُ المَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ. وَكَانَ عَطَاءٌ: "لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الخُيُوطُ وَالحِبَالُ. وَسُؤْرِ الكِلابِ ¬
وَمَمَرِّهَا فِي المَسْجِدِ" وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: "إِذَا وَلَغَ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ" وَقَالَ سُفْيَانُ: "هَذَا الفِقْهُ بِعَيْنِهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] وَهَذَا مَاءٌ، وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ، يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ". [فتح: 1/ 272] (باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان) أي: باب بيان حكمه، أهو طاهر أم لا؟ (وكان عطاء بن أبي رباح لا يرى به) أي: بالانتفاع بشعور الناس التي تحلق بعد غسلها بمنى. (بأسًا) وفي نسخة: "لا يرى بأسًا" بإسقاط به. (أن يتخذ) محله: (¬1) جُر على الأول، بدل من ضمير به، ونصبه على الثانية بدل من (بأسًا). (منها) أي: من الشعور، وفي نسخة: "منه" أي: من الشعر. (الخيوط والحبال) يفترقان بالرقة والغلظ، وأراد البخاري بكلام عطاء: الرد على من نجس شعر الإنسان بانفصاله؛ لاقتضائه تنجس الماء المنفصل معه؛ إذ لو كان نجسًا لما اتخذ منه الخيوط والحبال. (وسؤر الكلاب وممرها في المسجد) بالجرِّ فيهما؛ عطف على الماء في الترجمة، والسؤر بالهمز وبتركه على قلة: بقية مما في الإناء بعد الشرب، وفي نسخة: بعد لفظ: (في المسجد) "وأكلها" بإضافة المصدر إلى الفاعل وأكلها الشيء في المسجد، والمراد بأكلها: محله فيصير المعنى: بيان حكم الماء. . . إلخ، وحكم الثلاثة حكمها عند الشافعي أنها نجسة، لكن محله في السؤر إذا نقص عن قلتين، وفي الممر إذا لم يخل عن رطوبة، وحينئذ لا فرق في تنجسهما، بل في تنجس الثلاثة بين كونها في المسجد وغيره. (قال الزهري) هو: محمد ¬
ابن مسلم بن شهاب، كما مرَّ. (إذا ولغ) أي: "الكلب" كما في نسخة. (في إناء) أي: فيه ماء، وفي نسخة: "في الإناء" أي: الذي فيه ماء. (ليس له) أي: لمريد الوضوء. (وَضوء) بفتح الواو على المشهور. (غيره) بالرفع والنصب أي: غير ما ولغ فيه، والجملة المنفية صفة لإناءٍ على النسخة الأولى، وحال من الإناء على الثانية. (يتوضأ) جواب إذا. (به) أي: بالوضوء، وفي نسخة: "بها" أي: بالمطهرة، أي بالماء الذي فيها، وفي أخرى: "منه". (وقال سفيان) أي: الثوري. (هذا) أي: الحكم بأنه يتوضأ مما ذكر. (الفقه بعينه) أي: هو المستفاد من القرآن، كما أشار إليه بقوله: (يقول الله) وفي نسخة: "لقول الله تعالى": ({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}) [المائدة: 6]؛ لأن قوله (ماء) نكرة في سياق النفي فتعم، وفي نسخة: "فإن لم تجدوا فتيمموا" وهي خلاف التلاوة فهو سبق قلم، أو رواه سفيان بالمعنى، ولعله كان يرى جواز ذلك. (وهذا) أي: ما ذكر، وفي نسخة: "فهذا". (ماء) أي: فتوضأ به، وتنجسه بالولوغ ليس متفقًا عليه (وفي النفس منه شيءٌ) من تتمة كلام سفيان، وإنما قاله مع أنه في القرآن، لعدم ظهور دلالته عليه عنده، أو لوجود معارض من القرآن أو غيره، فالاحتياط ما ذكره بقوله: (يتوضأ به) في نسخة: "منه". (ويتيمم) لأن الماء المشكوك فيه كالعدم، والواو بمعنى: ثم (¬1)؛ لأن التيمم بعد الوضوء قطعًا كذا قيل. ولك أن تقول من قبل الشافعي الشك مُنْتفٍ، لأن ما ولغ فيه الكلب إن بلغ قلتين فطاهر أو لا فنجس، ولو سلم الشك فالقول بأن المشكوك فيه كالعدم يقتضي ¬
الاقتصار على التيمم، وقد يجاب عنه: بأن المشبه لا يلزم أن يكون مساويًا للمشبه به من كلِّ وجه، والقول: بأن التيمم بعد الوضوءِ قطعًا فيه نظر؛ إذ الفرض أن الماء كالعدم. وبذلك علم أن في الجمع بين الوضوءِ والتيمم نظرًا؛ حتى زعم بعضهم: أن الأولى أن يريق ذلك الماء ثم يتيمم. 170 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ "عِنْدَنَا مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنَسٍ" فَقَالَ: لَأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. [171 - فتح: 1/ 273] (إسرائيل) أي: ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي (لعبيدة) بفتح العين، وكسر الموحدة: ابن عمرو، أو ابن قيس بن عمرو السلماني بفتح السين وسكون اللام. (عندنا) أي: شيء، (من شعر النبي) فشيءٌ المقدر مبتدأ خبره: (عندنا) أو لا يقدر شيء، وتجعل (مِنْ) قائمة مقام بعض، فتكون مبتدأ (¬1). (من قبل أنس، أو من قبل أهل أنس) بكسر القاف وفتح الموحدة فيهما، أي: من جهته، أو من جهتهم. (لأن تكون عندي شعرة منه) لام (لأن تكون) لام الابتداء، والمجموع مسبوك بمصدر، وهو مبتدأ خبره: (أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها) أي: من متاعها، وفي نسخة: "أحبُّ إليَّ من كل صفراء وبيضاء" وبكلِّ حالٍ يجوز في (تكون) أن تكون تامة وناقصة بجعل (عندي) خبرها (¬2). ¬
ووجه دلالة ذلك على الترجمة: أنه لو لم يكن الشعر طاهرًا لما حفظه أنس ولما كان عند عبيدة أحبَّ إليه مما ذكر، وإذا كان طاهرًا فالماء الذي يغسل به طاهر. 171 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ". [انظر: 170 - مسلم: 1305 - فتح: 1/ 273] (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (أن رسول الله) في نسخة: "أن النبيَّ". (كان أبو طلحة) هو زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري. (أول من أخذ من شعره) هو محل دليل الترجمة؛ إذا لو لم يكن شعره طاهرًا لما أخذه وأقره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الأصل عموم الأحكام له - صلى الله عليه وسلم - ولغيره حتى تثبت الخصوصية بدليل. [باب إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا] (باب: إذا شرب الكلب في إناءِ أحدكم فليغسله سبعًا) هذا ساقط من نسخة، وعُدِّي فيه (شرب) بفي؛ تبعًا للحديث بتضمين (شرب) معنى: ولغ. 172 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا". [مسلم: 271 - فتح: 1/ 274] (قال: إذا شرب الكلب في) في نسخة: "من" بدل (في) وعليها فلا تحتاج إلى التضمين السابق، وفي ذلك دليلٌ على نجاسة بقية أعضاءِ
الكلب؛ لأن الطهارة إما عن حدث وهو منتفٍ، أو عن نجس وهو المدعي، وإذا كان فمه الذي هو أطيب أجزائه -بل هو أطيب الحيوان نكهة؛ لكثرة ما يلهث- نجسًا فبقيتها أولى، وعلى أنه لا فرق في الكلب بين المعلم وغيره، ولا بين البدوي والحضري، والسبع، كافية مع الترتيب المذكور في مسلم (¬1) للتطهير سواء اتحد الولوغ، أم تعدد من كلب، أو كلاب على الأصح عند الشافعي، ثم محل التنجيس بما ذكر إذا كان الماء دون القلتين، وإلا فلا تنجيس ما لم يتغير. 173 - [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ".] [2363، 2466، 6009 - مسلم: 2244 - فتح: 1/ 278] (إسحق) هو ابن منصور بن إبراهيم الكوسج. (عن أبي صالح) هو ذكوان الزيات. (أن رجلًا) أي: من بني إسرائيل. (يأكل الثرى) بالمثلثة أي: التراب الندي. (يغرف له به) استدلَّ به البخاري على طهارة سؤر الكلب؛ لأن ظاهره أنه سقى الكلب منه. ورُدَّ بأن الاستدلال به مبنيٌّ على أن شرعَ مَنْ قبلنا شرع لنا، وفيه خلاف، ولو قلنا به لكان محله فيما لم ينسخ، ومع التسليم لا يتم الاستدلال به؛ لاحتمال أن يكون صبَّ في شيءٍ فسقاه، أو غسل خفه بعد ذلك؛ أو لم يلبسه (حتى أرواه) أي: جعله ريانًا. (فشكر الله له) أي: أثنى عليه أي: جازاه على ما أولى الكلب من ¬
المعروف. ومحله: في كلب محترم، وعليه يحمل خبر: "في كلِّ كبدٍ حراء أجر" (¬1) قال النووي: المحترم يحصل الثواب بالإحسان إليه لا غير المحترم، كالحربي والكلب العقور، فيمتثل أمر الشارع في قتله (¬2). (فأدخله الجنة) من عطف الخاص على العام، أو الفاء تفسيريه، نحو: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] على تفسير التوبة بقتل النفس. 174 - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كَانَتِ الكِلابُ تَبُولُ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ". [فتح: 1/ 278] (وقال أحمد بن شبيب) بفتح المعجمة وكسر الموحدة: هو ابن سعيد التيميُّ، وفي نسخة قبل هذا الباب: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" ومثبتها هو المسقط مما مرَّ. (يونس) هو: ابن يزيد الأيلي. (في المسجد) أي: النبوي، و (في) تنازع فيها تقبل وتدبر، على معنى أنها متعلقة بأحدهما، أو حال من فاعله. (فلم يكونوا يرشون) في نسخة: "فلم يكن يرشون"، وفي أخرى: "فلم يرشوا"، وفي الأوليين: مبالغة ليست في الثالثة، كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال: 33] حيث لم يقل: وما يعذبهم، وكذا في لفظ: الرش حيث اختاره على لفظ: الغسل؛ لأن ¬
الرش ليس فيه جريان الماء، بخلاف الغسل، فإنه يشترط فيه الجريان، فنفي الرش أبلغ من نفي الغسل، وقوله: (شيئًا) عام؛ لأنه في سياق النفي، وكلُّ ذلك للمبالغة في طهارة سؤر الكلب؛ إذ في مثل هذه الصورة الغالب أن لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد. وأجيب: بأن طهارة المسجد متيقنة، وما ذُكِرَ مشكوك فيه، واليقين لا يُرفع بالشك، ثم إن دلالته لا تعارض دلالة منطوق الحديث الوارد بالغسل من ولوغه. 175 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ" قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ؟ قَالَ: "فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ". [2054، 5475، 5476، 5477، 5483، 5484، 5485، 5486، 5487، 7379 - مسلم 1929 - فتح: 1/ 279] (حفص بن عمر) أي: ابن الحارث بن سَخْبرة النمري. (سألت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -) أي: عن حكم صيد الكلاب. (فقال) في نسخة: "قال". (المعلم) هو: الذي ينزجر بالزجر، ويسترسل بالإرسال ولا يأكل منه، وتكرر ذلك منه مرارًا بحيث يغلب على الظنِّ تأدبه بها ويرجع في ذلك لأهل الخبرة، وقيل: يشترط ثلاث مرات، ولا فرق في ذلك بين الأسود وغيره، خلافًا للإمام أحمد: حيث منع صيد الأسود محتجًا بأنه شيطان. (فقتل) أي: الصيد، وخرج بقتله ما فيه حياة مستقرة، فلا بد من ذكاته. (فإنما سميت على كلبك ولم تسَمِّ على كلبٍ آخر) ظاهره: وجوب التسمية، حتى لو تركها ولو سهوًا لم تحلّ، وهو قول الظاهرية، وقال الحنفية والمالكية: يجوز تركها سهوًا لا عمدًا، واحتجوا
بالحديث، وبقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] وقال الشافعية: إنها سنة فلو تركها عمدًا، أو سهوًا حلَّ، وأجابوا عن ذلك: بحديث البخاري عن عائشة: قلت: يا رسول الله، إن قومًا حديثو عهد بجاهلية أتونا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه، أم لم يذكروا، أنأكل منه أم لا؟ فقال: "اذكروا اسم الله وكلوا" (¬1)، فلو كان واجبًا لما جاز الأكل مع الشك، وأما النهي في حديث ابن حاتم: فمحمول على كراهة التنزيه [كما حمل الأمر في حديث أبي ثعلبة: "ما صدت بكلبك المعلم فاذكر اسم الله] (¬2) ثم كل" (¬3) على الندب، وأما الآية: ففسر الفسق فيها بما أُهل لغير الله به، ووجه بأن قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]، ليس معطوفًا؛ لأن الجملة الأولى: فعلية إنشائية، والثانية: خبرية (¬4)، ولا يجوز أن يكون جوابًا لمكان الواو فتعين كونها حالية، فيتقيد النهي بحال كون الذبح فسقًا، والفسق في الذبيحة يفسر في القرآن بما أُهِلَّ لغير الله به، فتكون الآيةُ دليلًا لنا لا علينا. ¬
34 - باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: من القبل والدبر
34 - بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ الوُضُوءَ إلا مِنَ المَخْرَجَيْنِ: مِنَ القُبُلِ وَالدُّبُرِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ} [النساء: 43] وَقَالَ عَطَاءٌ: - فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ القَمْلَةِ - "يُعِيدُ الوُضُوءَ" وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: "إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلاةِ أَعَادَ الصَّلاةَ وَلَمْ يُعِدِ الوُضُوءَ" وَقَالَ الحَسَنُ: "إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ، أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ" وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "لَا وُضُوءَ إلا مِنْ حَدَثٍ" وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَرَكَعَ، وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلاتِهِ" وَقَالَ الحَسَنُ: "مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ" وَقَالَ طَاوُسٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَطَاءٌ، وَأَهْلُ الحِجَازِ لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلاتِهِ " وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالحَسَنُ: "فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ " (باب: من لم ير الوضوء) أي: واجبًا من مخرج من مخارج البدن، كمخرج الفصد والحجامة. (إلا من المخرجين: القبل والدبر) بجرهما بدل، أو عطف بيان، والقصرُ في ذلك: قصر إفراد أي: الوضوء واجب من الخارج من القبل، أو الدبر دون الخارج من غيرهما من البدن، لا قصر مطلق؛ إذ للوضوء موجبات أخر، كالمسِّ واللَّمس.
(لقوله) في نسخة: "وقول الله تعالى": {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] هو في الأصل: المكان المطمئن من الأرض تُقضى فيه الحاجة، سُمِّي باسمه الخارج؛ للمجاورة، ووجهُ دلالة الآية على القصر الإفرادي: التقييدُ فيها بالغائط. (وقال عطاء) أي: ابن أبي رباح. (فيمن يخرج من دبره الدود، أو من ذكره نحو: القملة) أي: من الأشياء النادرة. (يعيد الوضوء) هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح (¬1) وما قاله هو مذهب الشافعي، وكثير، وقال الإمام مالك: لا وضوء فيه (¬2). (وقال جابر. . . إلخ) وصله الدارقطني (¬3)، وما ذكره هو مذهب الشافعي وكثير أيضًا، وقال أبو حنيفة: يعيد الوضوء أيضًا. (وقال الحسن) أي: البصري. (إن أخذ من شعره. . إلخ) وصل الأولين منه ابن المنذر بإسناد صحيح، والثالث منه ابن أبي شيبة كذلك (¬4)، وما ذكره في الثلاثة هو مذهب الشافعي وغيره على خلافٍ فيه. (أو خلع خفيه) أي: أو أحدهما. (وقال أبو هريرة: لا وضوء إلا من حدث) وهو الناقض للطهارة، وهذا متفق عليه، والمراد: لا وضوء واجب، وإلا فالوضوء يشرع من غير حدث. (ويذكر عن جابر إلخ) تعليق بصيغة التمريض، لنه بعض ¬
حديث وصله ابن خزيمة في "صحيحه" وأبو داود (¬1) (فرمي رجل) هو عباد بن بشر. (فنزفه الدم) بفتح الزاي، أي: خرج منه كثيرًا. (ومضى في صلاته) أي: فلم يقطعها؛ لاشتغاله بحلاوتها عن مرارة ألم الجرح، وفيه ردٌّ على الحنفية القائلين بنقض الوضوءِ إذا سال الدمُ، لكن يشكل عليه الصلاة مع وجود الدم في بدنه، أو ثوبه المستلزم لبطلان الصلاة بالنجاسة. وأجيب: باحتمال عدم إصابة الدَّم لهما، أو إصابة الثوب فقط، ونزعه عنه في الحال، ولم يَسِلْ على بدنه إلا مقدار ما يُعفى عنه. (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم) بكسر الجيم، أي: يصلون فيها، وإن سال دمها بقدر ما يعفى عنه. (وقال طاوس) اسمه: ذكوان بن كيسان اليماني. (ومحمد بن علي) أي: ابن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي التابعي. (وعطاء) أي: ابن أبي رباح. (وأهل الحجاز) أي: كسعيد بن المسيب، وسعيد بن جُبير، والفقهاء السبعة، ومالك، والشافعي، وغيرهم. وهو من عطف العام على الخاص؛ لأن الثلاثة قبله حجازيون أيضًا، وأثر كلٍّ من الثلاثة موصول (ليس في الدم وضوء) أي: وإن سال، خلافًا لأبي حنيفة في السائل. (بثرة) بسكون المثلثة: خراج صغير يخرج في البدن، وفعله: بثر بتثليث المثلثة. (فخرج منها الدم ولم يتوضأ). في نسخة: "دم" وفي أخرى: "الدم فلم" وهذا الأثر وصله ابن ¬
أبي شيبة بإسناد صحيح (¬1). (وبزق) بالزاي، ويقال: بالسين والصاد. (ابن أبي أوفَى) هو عبد الله الصحابي ابن الصحابي. (دمًا) أي: وهو يصلى. (فمضى في صلاته) وصله ابن أبي شيبة بإسناد جيد (¬2) ولا حجة فيه على الشافعي؛ إذ ليس فيه أنه علم في الصلاة بالدمِ، ولا أنه لم يعدها. (وقال ابن عمر، والحسنُ فيمن يحتجم) في نسخة: "فيمن احتجم". (ليس عليه إلا غسل محاجمه) أي: لا الوضوء خلافًا للحنفية، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة (¬3). في نسخة: "ليس عليه غسل محاجمه" بإسقاط إلا، والأُولى هي الشائعة، والمحاجم: جمع محجمة، بفتح الميم: موضع الحجامة هنا لا قارورتها. 176 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي صَلاةٍ مَا كَانَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ مَا لَمْ يُحْدِثْ" فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ يَعْنِي الضَّرْطَةَ. [445، 477، 647، 648، 659، 2119، 3229، 4717 - مسلم: 362 - فتح: 1/ 282] (حدثنا سعيد) في نسخة: "عن سعيد". (قال: قال النبيُّ) في نسخة: "قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". (لا يزال العبد في صلاة) أي: في ثوابها لا حقيقتها، وإلا لامتنع عليه الكلام ¬
ونحوه، ونكر: (صلاة)؛ للتنويع، أي: تلك الصلاة التي ينتظرها (ما كان) في نسخة: "ما دام"، و (ما) مصدرية ظرفية. (ينتظر) خبر كان، أو حال، و (في المسجد): الخبر. (أعجمي) هو من لا يفصح ولا يبين كلامه، ولو كان من العرب، فلا ينافي ما سبق أنه من حضرموت، أما العجمي فنسبة للعجم، وهم خلاف العرب، ففرق بين الأعجمي والعجمي. 177 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا". [انظر: 137 - مسلم: 361 - فتح: 1/ 283] (أبو الوليد) اسمه: هشام بن عبد الملك الطيالسي. (ابن عيينة) في نسخة: "سفيان بن عيينة". (عن عمه) عبد الله بن زيد المازني. (لا ينصرف) أي: المصلي عن صلاته. (حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) تقدم بيانه. 178 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "فِيهِ الوُضُوءُ" وَرَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ. [انظر: 132 - مسلم: 303 - فتح: 1/ 283] (فاستحييت أن أسأل) أي: عن حكم المذي. (المقداد بن الأسود) نسبته إلى الأسود مجاز؛ لكونه تبناه أو حالفه، وإلا فأبوه في الحقيقة: ثعلبة البهراني. (فيه الوضوء) أي: لا الغسل. (ورواه) في نسخة: "رواه". (عن الأعمش) هو: سليمان بن مهران.
179 - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قُلْتُ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ، قَالَ عُثْمَانُ "يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ" قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. [292 - مسلم: 347 - فتح: 1/ 283] (سعد بن حفص) هو أبو محمد الطلحي بمهملتين. (شيبان) هو ابن عبد الرحمن، أبو معاوية النحوي. (عن يحيى) أي: ابن كثير البصري. (عن أبي سلمة) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف التابعي. (قلت) فيه التفات من الغيبة إلى التكلم؛ لقصد حكاية لفظه بعينه، كما قال: أنا الذي سمتني أمي حيدرة (¬1). وكان الأصل أن يقال هنا: قال: وثمَّ سمته أمه. (أرأيت) [أي: أخبرني ومفعوله محذوف، أي: قوله: إنه يتوضأ. (إذ جامع فلم يمن)] (¬2) بضم الياءِ، وسكون الميم، وهو الرواية واللغة الفصيحة، وقد تفتح الباء، وقد تضم، وتفتح الميم، وتشدد النون، فإنه يقال: أمنى ومنى ومنّي بمعنى، والأول أشهر وأفصح. (ويغسل ذكره) أي لتنجسه بالمذي، فيغسل ما تنجس منه عند الشافعي، وجميعه عند مالك. (سمعته) أي: ما ذكر. (فأمروه) أي: أمر الصحابة المُجامعَ الذي لم يمن (بذلك) أي: بأن يتوضأ. وفي الحديث: وجوب الوضوءِ على من جامع ولم يمن لا الغسل، لكنه منسوخ، وقد أجمعت الأمة على وجوب الغسل بعد أن ¬
كان في الصحابة من لا يوجب الغسل إلا بالإنزال، كعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام. 180 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ"، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ" تَابَعَهُ وَهْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ، وَيَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ الوُضُوءُ. [مسلم: 345 - فتح: 1/ 284] (إسحاق) هو ابن منصور، في نسخة: "إسحق بن منصور". (عن الحكم) بفتح الحاءِ والكاف، أي: ابن عتيبة، مصغر عتبة الباب. (إلى رجل) هو على الراجح: عتبان، بكسر المهملة وبالفوقية والموحدة: ابن مالك الأنصاري. (ورأسه) أي: شعر رأسه. (يقطر) أي: ينزل الماء منه قطرة قطرة، وإسناد القطر للرأس مجاز مثل: سال الوادي. (لعلنا) لعلَّ هنا: لإفادة التحقق لا للترجِّي (¬1)، وإلا لما احتاجت لجواب (أعجلناك) أي: عن فراغ حاجتك من الجماع. (فقال) في نسخة: "قال". (نعم) أي: أعجلتني: (أُعجلت) بضم الهمزة وكسر الجيم، وفي نسخة: "عجلت" بضم العين، وكسر الجيم المخففة وفي أخرى: "عجلت" بضم العين، وكسر الجيم المشددة. ¬
(أو قحطت) بضم القاف، وكسر الحاءِ، وفي نسخة: "قحطت" بفتحهما، وفي أخرى: "أقحطت" بفتح الهمزة وضمها على البناء للفاعل، أو المفعول، والإقحاط: عدم إنزال المني، استعارة من قحوط المطر، وهو انحباسه، وقحوط الأرض: وهو عدم إخراجها النبات، ويقالُ: قحط القوم وأقحطوا، بالبناء للفاعل، أو للمفعول، أي: أصابهم القحط، وأو للشك (¬1) من الراوي؛ أو لتنويع، الحكم من النبي - صلى الله عليه وسلم - أي: سواء كان عدم الإنزال بأمر خارج عن ذات الشخص، أو من ذاته. (فعليك الوضوء) بالرفع: مبتدأ وخبر مقدم وبالنصب على المفعولية؛ لأن عليك اسم فعل بمعنى: الزم، والمعنى: فعليك الوضوء لا الغسل، وتقدم أن نفي وجوب الغسل منسوخ. (تابعه) أي: النضر. (وهب) أي: ابن جرير. (قال) أي: وهب. (حدثنا شعبة) في نسخة: "عن شعبة". (قال أبو عبد الله) أي: البخاري، وهذا ساقط من نسخة. (ولم يقل غندر) أي: محمد بن جعفر. (ويحيى) أي: ابن سعيد القطان. (عن شعبة: الوضوء) أي: ولم يقل غندر ويحيى في روايتهما هذا الحديث عن شعبة لفظ: الوضوء، بل قالا: فعليك فقط، كذا ذكره الكرماني (¬2)، وتعقبه شيخنا بأن ذلك مسلم في يحيى، وأما غندر فذكر الوضوء (¬3)، كما أخرجه أحمد وغيره عنه بلفظ: "فلا غسل عليك، عليك الوضوء" (¬4) ¬
35 - باب: الرجل يوضئ صاحبه
35 - بَابٌ: الرَّجُلُ يُوَضِّئُ صَاحِبَهُ. 181 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَفَاضَ مِنْ عَرَفةَ عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: "المُصَلَّى أَمَامَكَ". [انظر: 139 - مسلم 1280 - فتح: 1/ 285] (¬1). (باب: الرجل يوضِّئ صاحبه) ذكر الرجل مثال، فمثله: المرأة، والخنثى. (حدثنا محمد بن سلام) بالتخفيف على الصحيح، وفي نسخة: "حدثني محمد بن سلام"، وفي أخرى: "حدثنا ابن سلام" (عن يحيى) هو: ابن سعيد. (لما أفاض) أي: رجع، أو دفع من عرفة، تقدم بيانه. (قال أسامة) أي: ابن زيد. (ويتوضأ) أي: وهو يتوضأ، فالجملة حال. (فقال) في نسخة: "قال". (المصلَّى) بفتح اللام: مكان الصلاة. (أمامك) أي: قدامك. وفي الحديث: جواز الاستعانة في الوضوء، وهو دليل الترجمة، لكن إن كانت الاستعانة بإحضار الماءِ فلا كراهة ولا خلاف الأولى، أو بغسل الأعضاء فمكروهة، إن لم تكن حاجة، أو بالصب، فالأولى ¬
36 - باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره
تركه في حقنا؛ لأنه ترفه لا يليق بالمتعبد في حقه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يفعله لبيان الجواز. وأما حديث: "أنا لا أستعين في وضوئي بأحد" فقال النووي في "مجموعه": إنه باطل لا أصل له (¬1). 182 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، يُحَدِّثُ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ "جَعَلَ يَصُبُّ المَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ". [203، 206، 363، 388، 2918، 4421، 5798، 5799 - مسلم: 274 - فتح: 1/ 285] (وأن مغيرة) في نسخة: "وأن المغيرة". (جعل) أي: طفق. (يصب الماء عليه) في نسخة: "يصب عليه". (فغسل وجهه. . إلخ) الفاء تفصيلية، وأتى بمدخولها ماضيًا؛ لأنه الأصل، وبما قبلها مضارعًا؛ لحكاية الحال الماضية. (ومسح على الخفين) بين به جواز المسح عليهما دون أحدهما، وعدى (مسح) بعلى دون حرف الإلصاق (¬2)؛ نظرًا إلى معنى الاستعلاء، وأعاد لفظ: (ومسح) دون لفظ: (غسل)؛ لأن المراد: بيان تأسيس قاعدة المسح، بخلاف الغسل، فإنه تكرير لسابق، وهو تقرير حكمه في القرآن. 36 - بَابُ قِرَاءَةِ القُرْآنِ بَعْدَ الحَدَثِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: "لَا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ فِي الحَمَّامِ، وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ" وَقَالَ حَمَّادٌ، عَنْ ¬
إِبْرَاهِيمَ: "إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ، وَإِلَّا فَلَا تُسَلِّمْ". [فتح: 1/ 286] (باب: قراءة القرآن بعد الحدث) أي: الأصغر. (وغيره) أي: غير الحدث من مظانه، كالحمام، وقيل: الضمير عائد على القرآن، أي: وغير القرآن من ذكر وسلام وغيرهما بعد الحدث. (منصور) أي: ابن المعتمر. (عن إبراهيم) أي: ابن يزيد النخعي. (بالقراءة) أي: للقرآن، أو الحديث. (في الحمام) كلام يقتضي عدم كراهة القراءة في الحمام، وهو ما نقله في "أذكاره" عن الأصحاب، وقال أبو حنيفة بكراهته فيه؛ لأن حكمه حكم بيت الخلاء. (وبكتب الرسالة) أي: ولا بأس به والكاتب. (على غير وضوء) وإن كان الغالب في الرسائل قرآن وذكرٌ، وفي نسخة: "ويكتب" بلفظ المضارع. (وقال حماد) أي: ابن سليمان، شيخ أبي حنيفة. (عن إبراهيم) أي: النخعي. (إن كان عليهم) أي: على داخلي الحمام. (إزار) وهي ما يلبس في النصف الأسفل. (فسلِّم) زاد في نسخة: "عليهم". (وإلا) بأن لم يكن عليهم إزار. (فلا تسلم) عليهم إما إهانة لهم؛ لكونهم على بدعة؛ أو لأن في ذلك تلفظًا بالسلام، وفيه: ذكر الله، لأن السلام من أسمائه تعالى؛ أو لأن لفظ: سلام عليكم من القرآن. 183 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ خَالَتُهُ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوسَادَةِ " وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ
العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ". [انظر: 117 - مسلم: 763 - فتح: 1/ 287] (حدثنا إسماعيل) ابن أبي أويس الأصبحي. (فاضطجعتُ) أي: وضعت جنبي بالأرض، وكان الظاهر أن يقول: فاضطجع مناسبة لبات، أو يقول: بت مناسبة لاضطجعت، إلا أنه تفنن في الكلام تفننًا يرجع إلى الالتفات، أو يقدر قال: (فاضطجعت). (في عرض الوسادة) بفتح العين، وحكي: ضمها، والوسادة: المخدة. (حتى إذا انتصف الليلُ) في نسخة: "حتى انتصف الليلُ". (أو قبله) أي: قبل انتصافه، وهو: ظرف لاستيقظ، كإذا إن جُعلت لمجرد الظرفية، أي: استيقظ وقت الانتصاف أو قبله، فإن جُعلت شرطية فمتعلق بفعل مقدر، أو كان قبله. و (استيقط) جواب الشرط، فهو في الأول معطوف على [إذا، وفي الثاني:] (¬1) عامله على: (انتصف الليل). (فجلس) في نسخة: "فجعل". (يمسح) حال على الأول، وخبر على الثاني. (النوم) أي: أثره، وهو: ارتخاء الجفون به؛ لأن النوم لا يمسح، فهو من باب إطلاق المسبب على السبب. (عن وجهه) أي: عن عينيه، فهو من ¬
إطلاق اسم المحل على الحال. (بيده) أراد الجنس، والمراد: بيديه. (العشر الآيات) من إضافة الصفة للموصوف، و (أل) تدخل على العدد المضاف نحو: الثلاثة الأبوب. (الخواتم) جمع خاتمة بالنصب صفة للعشر، وأولها: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 190] (ثم قام إلى شنٍّ معلقة) تقدم بيانه في باب: التخفيف في الوضوء (¬1). (فأحسن وضوءه) أي: أتمه بأن أتى بواجباته ومندوباته، ولا يعارض قوله ثَمَّ: وضوءًا خفيفًا؛ لأنه لا ينافي التخفيف، أو كان ذا في وقت، وذاك في آخر. (بأذني) بضم الذال، وسكونها. (يفتلها) أي: يدلكها، إما تنبيه على الغفلة عن أدب الائتمام، أو إظهار لمحبته. (فصلى. . . إلخ) مجموعه ثلاث عشرة ركعة، منها ركعتان سنة العشاء، والبقية وتر، وذلك تقييد للمطلق في قوله في الباب المذكور: فصلى ما شاء الله. (ثم خرج) أي: من الحجرة إلى المسجد. قيل وفي الحديث: رد على من كره قراءة القرآن للمحدث غير الجنب، ورُدَّ بأنه لا حجة فيه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - وإن نام لا ينام قلبه. ومطابقة الحديث للترجمة: في قراءة القرآن بعد الحدث، مع أن نومه - صلى الله عليه وسلم - لا ينقض وضوءه من حيث ما قيل: أن له - صلى الله عليه وسلم - نومين: نوم تنام فيه عينه فقط، وآخر ينام فيه عينه وقلبه (¬2)، وهو المراد هنا، أو يحمل على أنه أحدث بعد النوم. ¬
37 - باب من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل
37 - بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إلا مِنَ الغَشْيِ المُثْقِلِ (باب: من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل) بضم الميم، وسكون المثلثة، وكسر القاف: صفة للغشي، بفتح الغين وسكون الشين المعجمين، روي بكسر الشين، وتشديد الياء، وبالجملة: هو مرض يعرض من طول التعب والوقوف، وهو إغماء خفيف، فلا ينقض الوضوء إلا إذا كان مثقلًا، ووجه الحصر، مع أن للوضوء أسبابًا أخر: أن الاستثناء مفرغ، فلا بد من تقدير المستثنى منه مناسبًا له، والتقدير: من لم يتوضأ من الغشي إلا من الغشي المثقل أو يقال: هو قصر إفراد ردا على من زعم أن نوعي الغشي ينقض الوضوء، والتقدير: من لم يتوضأ إلا من الغشي المثقل لا من غير المثقل. 184 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ، عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ: أَيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي مَاءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إلا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ مِثْلَ - أَوْ قَرِيبَ مِنْ - فِتْنَةِ الدَّجَّالِ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ، قَالَتْ: أَسْمَاءُ - يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَو المُوقِنُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ: أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا، وَأَمَّا المُنَافِقُ أَو المُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي،
سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ". [انظر: 86 - مسلم: 905 - فتح: 1/ 288] "حدثني مالك" في نسخة: "حدثنا مالك". (عن امرأته فاطمة) هي: بنت المنذر بن الزبير بن العوام. (عن جدتها) في نسخة: "عن جدته" وكل صحيح؛ لأن أسماء جدة لهشام وفاطمة. (خسفت الشمس) بالبناء للفاعل، أي: ذهب ضوْءُها كله، أو بعضه، ويقال: "خسفت" بالنباء للمفعول. "وكسفت" بالنباء لكلٍّ منهما، ويقال ذلك كله في القمر، ويقال فيه وفي الشمس: انخسفا وانكسفا ويقال في الشمس: كسفت وفي القمر خسف، وهي: أجود اللغات (¬1). (وإذا هي) أي: عائشة. (وقالت: سبحان الله!) في نسخة: "فقالت: سبحان الله". (فقلت: آية؟) أي: أهي آية؟ أي: علامة لعذاب ¬
38 - باب مسح الرأس كله
الناس. (فأشارت) أي: برأسها. (أن نعم) في نسخة: "أي نعم" وكلٌّ منهما حرف تفسير. (حتى تجلاني) بالجيم أي: غطاني. (الغشي) أي: من طول نصب الوقوف. (أصب فوق رأسي ماءً) أي: ليدفع الغشي، والظاهر: أنها كانت متوضئة، وأن الغشي غير المثقل؛ لصبها الماء على رأسها الدالّ على حضور حواسها وهو يدل على عدم انتقاض وضوئها، فتحصل مطابقة الحديث للترجمة، في كون الغشي غير المثقل لا ينقض الوضوء. (فلما انصرف) أي: من الصلاة. (إلا قد رأيتهُ) أي: رؤية عين. (حتى الجنة والنار) برفعهما ونصبهما وجرهما، كما مرَّ في باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس (¬1). (في القبور) في نسخة: "في قبوركم". (مثل أو قريبًا من فتنة الدجال) أي: مثل فتنة الدجال، أو قريبًا منها. (بهذا الرجل) أي: النبي - صلى الله عليه وسلم -. (وفيها المؤمن، أو الموقن) أي: بنبوته - صلى الله عليه وسلم -. (بالبينات) أي: الدالة على نبوته. (والهدى) أي: الموصل للمراد. (فيقال: نم) في نسخة: "فيقال له: نَمْ". (فقد علمنا أن كنت) بفتح همزة أن وكسرها، كما مَرَّ مع زيادة في باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس. 38 - بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6]. وَقَالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "المَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا" وَسُئِلَ مَالِكٌ: "أَيُجْزِئُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ؟ ¬
فَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ". (باب: مسح الرأس) أي: في الوضوء. (كله) ساقط من نسخة. (لقول الله تعالى) في نسخة: "سبحانه وتعالى"، وفي أخرى: "عزَّ وجلَّ". ({وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}) [المائدة: 6] أي: امسحوها كلها فالباء زائدة (¬1) عند البخاري، كمالك القائلين بوجوب ذلك. (المرأة بمنزلة الرجل) أي: في مسح رأسها كلِّه، ومثلها الخنثى. (وسُئل مالك) السائل له: إسحاق بن عيسى الصباغ (أيجزئ) بضم أوله من الإجزاء: وهو الداء المكافيء لسقوط التعبد به، وبفتحه من الجزاء: وهو الكفاية. (أن يمسح بعض الرأس؟) في نسخة: "رأسه"، وفي أخرى: "ببعض الرأس". (فاحتج) أي: مالك على أن مسح بعض الرأس لا يجزئ. (بحديث عبد الله بن زيد) المذكور في قوله. 185 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا، قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا، ثُمَّ ¬
غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ". [186، 191، 192، 197، 199 - مسلم: 235 - فتح: 1/ 281] (حدثنا عبد الله بن يوسف) أي: التنيسي. (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (أن رجلًا) هو عمرو بن أبي حسن، كما سيأتي. (وهو) أي: الرجل المفسر بعمرو بن أبي حسن. (جد عمرو بن يحيى) أي: جده مجازًا لا حقيقة؛ لأنه عمُّ أبيه، فسماه جدًّا؛ لأنه في منزلته. (على يديه) في نسخة: "على يده". (فغسل يده) أراد الجنس، والمراد: فغسل يديه، ولفظ: (يده) ساقط من نسخة. (مرتين) رواه مسلم: ثلاثًا (¬1) فهما واقعتان. (ثم مضمض واستنثر ثلاثًا) أي: بثلاث غرفات، وفي نسخة: بدل (استنثر) "استنشق" الأولى تستلزم الثانية، كما مرَّ في باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا (¬2). (إلى المرفقين) في نسخة: "إلى المرافق" وتقدم ضبطه مع زيادة. ثم (بدأ) عطف بيان لقوله: (فأقبل بهما وأدبر): (بمقدم رأسه) بأن وضع يديه عليه، وألصق مسبحته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه. (ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه) مختص بَمنْ له شعر ينقلب، وإلا فلا حاجة إلى الردِّ، فلو ردَّ لم تحسب ثانية؛ لأن الماء صار مستعملًا، وهذا التعليل يقتضي أنه لو ردَّ ماء المرة الثانية حسب ثالثة بناءً على الأصح من أن المستعمل في النفل طهور، إلا أن يقال: السنة كون كل مرة بماءٍ جديد. ¬
39 - باب غسل الرجلين إلى الكعبين
(ثم غسل رجليه) لم يذكر فيه تثليثًا ولا تثنية، إشارة إلى أن الوضوءَ الواحدَ يكون بعض أعضائه بمرة وبعضها بمرتين، وبعضها بثلاث، وإن كان الأكمل تثليثها كلها؛ ففعلها، كما ذكر بيانًا للجواز. 39 - بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الكَعْبَيْنِ (باب: غسل الرجلين إلى الكعبين) أي: في الوضوء. 186 - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ، عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثَلاثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ". [انظر: 185 - مسلم: 235 - فتح: 1/ 294] (عن عمرو) أي: ابن يحيى بن عمارة. (عن أبيه) أي: يحيى بن عمارة. أنه قال: (شهدت) أي: حضرت. (عمرو بن أبي حسن) هو أخو عمارة، وعمُّ يحيى بن عمارة. (بتور) بفتح المثناة الفوقية، وسكون الواو: إناء يُشرب فيه، أو طسْت من صفر، أو حجر، كالإجانة. (فتوضأ لهم) أي: لأجل السائل وأصحابه. (وضوء النبي) أي: مثله. (فأكفأ) بهمزتين أي: أفرغ. (فغسل يديه) في نسخة: "فغسل يده" على إرادة الجنس. (ثلاث) في نسخة: "بثلاث". (غرفات) بفتح الغين والراء، ويجوز ضمهما، وضم الغين وإسكان الراء. (ثم غسل يديه) أي: بالصبِّ من الإناء، أو بأخذ الماء بيده منه بنية الاغتراف. (فمسح رأسه. . . إلى آخره) تقدم بيانه.
40 - باب استعمال فضل وضوء الناس
40 - بَابُ اسْتِعْمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ النَّاسِ. (¬1) وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: "أَهْلَهُ أَنْ يَتَوَضَّئُوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ". (باب: استعمال فضل وضوء الناس) بفتح الواو على المشهور، أي: استعمال فضل الماء الباقي في الإناء بعد الفراغ من الوضوء في التطهير وغيره، كالشرب والطبخ. (أن يتوضئُوا بفضل سواكه) هو: العود الذي يتسوك به في الأشهر، والمراد بفضله: الماء الذي ينقع هو فيه، ليترطب، وبهذا تحصل مطابقة ذلك للترجمة بحمل الوضوء فيها على ما يشمل بعضه. 187 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ، يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ. [376، 495، 499، 501، 633، 634، 3553، 3566، 5786، 5859 - مسلم: 503 - فتح: 1/ 294] (أبا جحيفة) بضم الجيم، وفتح الحاء المهملة: هو وهب بن عبد الله السوائي. (خرج علينا رسول الله) في نسخة: "خرج علينا النبي". (بالهاجرة) هي وسط النهار عند شدة الحرِّ. (الظهر ركعتين، والعصر ركعتين) أي: قصرًا؛ لكونه كان في سفر طويلٍ (بين يديه عنزة) تقدم بيانها. ¬
188 - وَقَالَ أَبُو مُوسَى: دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: "اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا". [196، 4328 - مسلم: 2497 - فتح: 1/ 295] (وقال أبو موسى) هو عبد الله بن قيس الأشعري. (ثم قال لهما) أي: لأبي موسى الراوي، وبلال؛ فإنه كان معه. (اشربا) بهمزة وصل من شرب. (وأفرغا) بهمزة قطع من أفرغ (ونحوركما) جمع نحر، وهو: موضع القلادة من الصدر. وفيما ذكر جواز قصر الرباعية في السفر، وندب نصب العترة، وجواز مج الريق في الماء، وأن المستعمل طاهر خلافًا لأبي حنيفة، وأن لعاب البشر ليس بنجس، وأما النهي عن النفخ في الطعام، فإنما هو؛ لئلا يتقذر الطعام بما يتطاير من اللعاب فيه لا لنجاسته. ثم ما قاله أبو موسى: ذكر استطرادًا، أو تشبيهًا، كالحديث بعده؛ وإذ لا دلالة فيهما على الترجمة. 189 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ "وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ غُلامٌ مِنْ بِئْرِهِمْ" وَقَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ، وَغَيْرِهِ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ "وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ". [انظر 77 - فتح: 1/ 295] (عن صالح) هو ابن كيسان. (قال: أخبرني) في نسخة: "قال: حدثني". (ابن الربيع، بفتح الراءِ، وكسر الموحدة. (قال) أي: ابن شهاب. (وهو) أي: محمود.
(الذي مجَّ) أي: رمى. (رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) أي: من فمه ماء. (في وجهه) مازحه بذلك. (وهو غلام) حال (من بئرهم) أي: بئر محمود وقومه، والذي أخبره به محمود هو قوله: عقلت من النبي - صلى الله عليه وسلم - مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو) (¬1). (عن المسور) بكسر الميم: ابن مخرمة. (وغيره) هو مروان بن الحكم. (يصدق كل واحد منهما) أي: من المسور، ومروان، لا من محمود والمسور، كما وقع لبعضهم. (وإذا توضأ. . . إلخ) يقول: قال عروة. (كادوا) في نسخة: "كانوا". (يقتتلون على وضوئه) بفتح الواو على المشهور، مبالغة منهم في التنافس عليه. - بَابٌ (باب) ساقط من أكثر النسخ. 190 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجَعْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ "فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ". [3540، 3541، 5670، 6352 - مسلم: 2345 - فتح: 1/ 296] (عن الجعد) في نسخة: "عن الجعيد"- بالتصغير: وهو ابن عبد الرحمن بن أوس المدني. (ذهبت) أي: مضت. (بي) أي: صَحِبَتْهُ في الذهاب، بخلاف أذهبتني، فإنه بمعنى أزالتني، وجعلتني ذاهبًا. (خالتي) لم تسم (ابن أختي) اسمها: علبة، بضم المهملة وبسكون اللام وبالموحدة: بنت شريح. ¬
(وجع) بفتح الواو، وكسر الجيم وبالتنوين، وفي نسخة: "وقع" بوزن: (وجع) أي: أصابه وجع في قدميه، أو يشتكي لحم رجليه من الحفاء؛ لغلظ الأرض والحجارة، وفي أخرى: "وقع" -بالفتح- بوزن: ضرب، أي: وقع في المرض. (فمسح رأسي) أي: بيده. (من وضوئه) بفتح الواو على المشهور. (فنظرت إلى خاتم النبوة) قال الكرماني: بكسر التاء أي: فاعل الختم وهو الإتمام والبلوغ إلى الآخر، وبفتحها بمعنى الطابع ومعناه: الشيء الذي هو دليل على أنه لا نبيَّ بعده. قال البيضاويُّ: خاتمُ النبوةِ أثر بين كتفيه نُعِت به في الكتب المتقدمة، وكانت علامةً يُعلم بها أنه النبيُّ الموعودُ؛ صيانةً لنبوته عن تطرقِ القدحِ إليها صيانة الشيءِ المستوثقِ بالختمِ (¬1). انتهى كلامُ الكرماني وما ذكره أولًا: تفسيرٌ لحقيقةِ الخاتم، لكن يحتاجُ إلى فاعل، والفرق بين الختمِ والطابع من حيث الماصدق، وقوله: ومعناه: الشيء إلى آخره تفسيرٌ للمراد به هنا، واستشهد له بكلام البيضاويِّ هذا. وفرقهُ المذكور ينافيه قولُ أئمة اللغة: الفتحُ والكسرُ في الخاتم، كالطابع لغتان بمعنى واحد. (مثل زر الحجلة) بنصب مثل: حالٌ، وبجره: بدلٌ من خاتم، وزر بكسر الزاي، وتشديد الراءِ: واحدُ الأزرار، و (الحجلة) بفتح المهملةِ والجيم: واحدُ حجالِ العروس، وهي بيتٌ كالقبة يزين بالثياب والستورِ والأسرة، ولها أزرارٌ كبارٌ وعُرى، وقيل: الحجلةُ: الطائرُ المعروف، ¬
41 - باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة
وزرها: بيضتها. وقد رُوي: رأيتُ خاتم النبوة، كبيضة الحمامة (¬1)، ورُوي أيضًا: رز، بتقديم الراء على الزاي، والمرادُ منه: البيض. يقالُ أرَزَت الجرادة بفتح الراء، وتشديد الزاي: إذا كبت ذنبها في الأرضِ فباضت. فائدةٌ: الخاتُم وضع على كتفه - صلى الله عليه وسلم - عقب مولدهِ؛ لحديثِ ورد به في "دلائل أبي نُعيم" (¬2) وقيل: وُلد كذلك. 41 - بَابُ مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ (باب: من مضمض واستنشق من غرفة واحدة) في نسخة: بدل (مضمض) "تمضمض". 191 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنَ الإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ - أَوْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ - مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: "هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [انظر: 185 - مسلم: 235 - فتح: 1/ 297] (ثم غسل) أي: فمه. (أو مضمض) شكٌّ من الراوي، قال شيخُنا مع استغرابهِ قول الكرماني: الظاهرُ أن الشكَّ من يحيى (¬3): والظاهرُ أنه من شيخ البخاريّ. وأخرجه مسلم بغير شك ولفظه: ثم أدخل يده ¬
42 - باب مسح الرأس مرة
فاستخرجها فمضمض واستنشق (¬1) (من كفةٍ) بفتح الكاف، وضمها، وبها تأنيثٌ، كغرفة وغرفة. قال ابن بطَّال: ولا يُعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث في الكف (¬2)، وفي نسخةٍ: "من كف"، وفي أخرى: "من غرفة"، وفي أخرى: "مما كفأة" بالهمز. (ففعل ذلك)، أي: ما ذكر من المضمضة والاستنشاق. (فغسل يديه. . . . . إلخ) تقدَّم بيانه في باب: غسل الرجلين إلى الكعبين (¬3)، لكنه حَذف هنا غسل الوجهِ اختصارًا؛ أو قوله: (ثم غسل) أي: وجهه، وتُجعل (أو) في قوله: (أو مضمض) بمعنى: الواو (¬4) وهي لا تدل على الترتيب. 42 - بَابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً (باب: مسح الرأس مرَّة) في نسخةٍ: "مسحة"، وفي أخرى: "مرَّة واحدةً". 192 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسَنٍ، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ ¬
43 - باب وضوء الرجل مع امرأته، وفضل وضوء المرأة
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا، بِثَلاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ" وحَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً. [انظر: 185 - مسلم: 235 - فتح: 1/ 297] (عن وضوء النبِيِّ) في نسخةٍ: "عن وضوء رسول الله". (فدعا بتورٍ من ماءٍ) في نسخةٍ: "فدعا بماءٍ". (فكفأ) في نسخةٍ: "فأكفأ". وفي أخرى: "فكفأه". (ثم أدخل يده فغسل) في نسخةٍ: "ثمَّ أدخل يده في الإناء فغسل". "فأقبل بيده، وأدبر بها" وحد اليد على إرادة الجنس، وفي نسخةٍ: "فأقبل بيديه، وأدبر بهما". (ثم أدخل يده فغسل) في نسخة: "ثمَّ أدخل يده في الإناء". (حدثنا موسى) في نسخةٍ: "وحدثنا موسى". (وهيب) هو ابن خالد الباهليُّ. وتمام هذا الإسناد تقدَّم في بابٍ: غسلِ الرجلين (¬1). (قال مسح) في نسخةٍ: "وقال مسح". (رأسه) في نسخة: "برأسه". وتقدم معنى الحديث. 43 - بَابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَفَضْلِ وَضُوءِ المَرْأَةِ وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالحَمِيمِ وَمِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ. (باب: وضوء الرجلِ مع امرأته) أي: من إناءِ واحدٍ، وفي نسخةٍ: ¬
44 - باب صب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءه على المغمى عليه
"مع المرأة". (وفضل وضوء المرأة) بالجرة عطف على وضوءِ الرجل، والوضوء هنا بفتحِ الواو، وثمَّ بضمها على المشهور فيهما. (بالحميم) أي: بالماءِ المسخَّنِ، فهو فعيل بمعنى مفعول. (ومن بيت نصرانية) أشار به، وبالحميم إلى أنه لا كراهة في التطهر بالماءِ المسخَّن، خلافًا لمجاهد، ولا بما في أواني الكفار، خلافًا لأحمدَ ومن تبعه. وفي نسخةٍ: "بالحميم من بيت نصرانية" وذكر البخاريُّ ذلك استطرادًا، أو تشبيهًا. 193 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا". [فتح: 1/ 298] (عن عبد الله بن عمر) في نسخةٍ: "عن ابن عمر". (كان الرجال والنساء) (ال) فيهما: للجنس لا للاستغراق، كما هو معلوم. (جميعًا) أي: مجتمعين لا متفرقين، وكان ذلك قبل نزول الحجاب، أمَّا بعده فيختص بالزوجات والمحارم. وزاد ابن ماجه في الحديث: من إناءٍ واحدٍ (¬1). ودلالةُ الحديث على الجزءِ الأولِ من الترجمة صريحةٌ، وعلى الثاني: منها التزامٌ. قاله الكرماني (¬2). 44 - بَابُ صَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ (باب: صبِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وضوءه على المغمى عليه) بضم الميم. يُقال: أُغمي عليه بضم الهمزة فهو مُغمى عليه. ويُقالُ: غُمِي عليه بضم ¬
الغين فهو مَغْمِيٌّ عليه (¬1) والإغماء والغشيُ بمعنى، كما مرَّ، وفرِّق بين الجنونِ، والنوم، والإغماء، بأنَّ الجنونَ: زوال العقلِ، والنوم: استتاره، والإغماءَ: انغماره. 194 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي، وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنِ المِيرَاثُ؟ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلالَةٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ. [4577، 5651، 5664، 5676، 6723، 6743، 7309 - مسلم: 1616 - فتح: 1/ 301] (لا أعقلُ) أي: لا أفهم شيئًا. (من وضوئه) بفتح الواو على المشهور أي: من الماءِ الذي توضأ به، أو مما فضُلَ منه. (فعقلت) بفتح القافِ. (لمن الميراث) أي: من ميراثي، ويؤيده قوله في الاعتصام: كيف أصنع في مالي (¬2) (إنما يرثني كلالة) هي على الأصح من الورثة ¬
45 - باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة
غير ولد ولا والد. (فنزلت آية الفرائض) هو قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء: 176] إلى آخر السورة، وقيل: هي آية المواريث مطلقًا. واستنبط من الحديث: فضيلة عيادة الأكابر الأصاغر. 45 - بَابُ الغُسْلِ وَالوُضُوءِ فِي المِخْضَبِ وَالقَدَحِ وَالخَشَبِ وَالحِجَارَةِ (باب: الغسل والوضوء في المخضب) (في) ظرفية على حقيقتها، ويحتمل أن تكون بمعنى: من (¬1)، وهو أنسب بالمعطوفات الآتية، وأن يكون حقيقة في (المخضب) مجازًا في المعطوفات، فيكون ذلك جمعًا بين الحقيقة والمجاز، وهو جائز عند الشافعي - رضي الله تعالى عنه. و (المخضب) بكسر الميم وسكون المعجمة: إجانة لغسل الثياب. (والقدح): إناءٌ يؤكل فيه ويكون من الخشب غالبًا مع ضيقٍ فيه. (والخشب) بفتح الخاءِ والشين المعجمتين وبضمهما وبضم الأول وسكون الثاني والمراد: الإناء منها. (والحجارة) نفيسة كانت، أو غيرها، والمراد: الإناء منها أيضًا، وعطفها مع الخشب على سابقهما من عطف الخاص على العام؛ لأن ¬
(المخضب والقدح) قد يكونان من الخشب أو الحجارة. كما وقع التصريح به في (المخضب) في الحديث الآتي بقوله: "بمخضب من حجارة". 195 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ، "فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ" قُلْنَا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: "ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً". [انظر: 169 - مسلم: 2279 - فتح: 1/ 301] (عبد الله بن منير) بضم الميم وكسر النون، في نسخة: "ابن المنير" بزيادة ال. (حميد) بالتصغير: ابن أبي حميد الطويل. (حضرت الصلاة) أي: صلاة العصر. (فقام من كان قريب الدار إلى أهله) أي: ليحصل الماء للوضوء. (وبَقِي قوم) أي: عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغير وضوء. (فأتي) بالبناءِ للمفعول. (فصغر المخضب) أي: لم يسع بسط الكف فيه. (فتوضأ القوم) أي: الذين بقوا عنده - صلى الله عليه وسلم -. (قلنا)، في نسخة: "فقلنا" وفي أخرى: "قلتُ" وهو من كلام حميد. (كم) أي: نفسًا (¬1). (ثمانين وزيادة) خبر كان المقدرة (¬2). وفي الحديث: معجزة له - صلى الله عليه وسلم -. 196 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ". [انظر: 188 - مسلم: 2497 - فتح: 1/ 302] (دعا بقدح) أي: طلبه. (فغسل يديه ووجهه فيه) أي: في القدح. ¬
(ومَجَّ) أي: صبَّ فيه، ولا دلالة فيه على الوضوء منه ولا الغسل. 197 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: "أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ". [انظر: 185 - مسلم: 235 - فتح: 1/ 302] (أتى) في نسخة: "أتانا". (رسول الله) في نسخة: "النبي". (من صفر) بضم الصاد أكثر من كسرها: ما يتخذ منه الأواني كالنحاس، وتقدم معنى الحديث. (فأقبل به) أي: بالمسح. 198 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، تَخُطُّ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ، بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: " أَتَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ، بَعْدَمَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ» وَأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ تِلْكَ، حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: «أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ». ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ. [664، 665، 671، 683، 687، 712، 713، 716، 2588، 3099، 3384، 4442، 4445، 5714، 7303 - مسلم: 418 - فتح: 1/ 302] (ابن عتبة) زاد في نسخة: "ابن مسعود". (لما ثقل النبي) بضم القاف، أي: أثقله المرض. (أن يمرض)
بضم التحتية، وفتح الراء المشددة، أي: يخدم في مرضه. (فأذِنَّ) بكسر المعجمة، وتشديد النون، أي: الأزواج. (فخرج النبيُّ) أي: من بيت ميمونة على الراجح. (تخط) بضم الخاء المعجمة، أي: تؤثر. (بين عبَّاس) أي: عم النبيِّ، وفي نسخة: "بين العباس" بزيادة ال. (هو عليٌّ) في نسخة: "هو عليُّ بن أبي طالب"، وفي رواية مسلم (¬1): (بين الفضل بن عباس)، وفي أخرى: (بين رجلين: أحدهما أسامة) فكل من الثلاثة أخذ بيده - صلى الله عليه وسلم -، لكن العباس أدومهم لأخذها؛ إكرامًا له، ومن ثمَّ صرَّحت عائشة به وأبهمت الآخر، أو المراد به: عليٌّ، كما بينّه في الحديث. قيل: وإنما أبهمته؛ لما كان عندها منه مما يحصل للبشر مما يكون سببًا في الإعراض عن ذكر اسم الشخص. (وكانت عائشة) هو من مقول عبيد الله لا عبد الله بن عباس. (بيته) في نسخة: "بيتها" أي: عائشة؛ لأنها ساكنة فيه، فإضافة البيت لها مجازًا. (واشتد وجعه) في نسخة: "واشتد به وجعه". (هريقوا) أي: صُبُّوا، في نسخة: "أَهْريقوا" بفتح الهمزة وسكون الهاء، وفي أخرى: "أريقوا"، والهاء في الأولين بدل من همزته. (من سبع قرب) بكسر القاف وفتح الراءِ: جمع قربة، وهي: ما يستقى به. (أوكيتُهنَّ) جمع وكاء: وهو ما يربط به فيم القربة. (أعهد) بفتح الهمزة، أي: أوصي. (وأجلس) في نسخة: "فأجلس" بالفاء وكلاهما مبنيان للمفعول. (في مخضب) أي: إناء من نحاس، كما رواه ¬
46 - باب الوضوء من التور
ابن خزيمة (¬1). (ثم طفقنا) بكسر الفاءِ أكثر من فتحها (¬2) أي: جعلنا. (حتَّى طفق) أي: جعل. (يشير إلينا. . . . . إلخ) وإنما طلب صبَّ الماءِ عليه؛ لأن الماء البارد في بعض الأمراض تُردُّ به القوة، والحكمة في عدم حل أوكية القرب: كونه أبلغ في طهارة الماء وصفائه؛ لعدم مخالطة الأيدي له، وكون القربة تجمع بركة الذكر في شدها وحلها؛ لأنها إنما تؤكأ وتحل على ذكره تعالى غالبًا. وأما عدد السبعِ ففيه: بركة إذ له شأن؛ لوقوعها في كثير من أعداد معاظم الخليقة، وبعض الأمور الشرعية. (ثم خرج إلى الناس) أي: الذين في المسجد، فصلى بهم وخطبهم، كما سيأتي. والمستنبط من الحديث: وجوب القسم عليه - صلى الله عليه وسلم -، وإراقة الماءِ على المريض؛ لقصد الاستشفاءِ به، أي: إذا اقتضاه المرض. 46 - بَابُ الوُضُوءِ مِنَ التَّوْرِ (باب: الوضوء من التور) أي: بيان التوضّئ منه. 199 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الوُضُوءِ، قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَخْبِرْنِيا كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ؟ "فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ ¬
أَدْخَلَ يَدَهُ فَاغْتَرَفَ بِهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَدْبَرَ بِهِ وَأَقْبَلَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ" فَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ. [انظر: 185 - مسلم: 235 - فتح: 1/ 303] (سليمان) أي: ابن بلال. (قال لعبد الله) في نسخة: "فقال لعبد الله". (ثلاث مرار) في نسخة: "ثلاث مرات". (ثلاث مرات) في نسخة: "ثلاث مرار". (ثم أدخل يده فاغترف بها) في نسخة: "ثم أدخل يديه فاغترف بهما". (ثلاث مرات) في نسخة: "ثلاث مرار". (ثم أخذ بيده ماء) في نسخة: "ثم أخذ بيمينه ماء". (فأدبر به) في نسخة: "وأدبر به"، وفي أخرى: "فأدبر بيديه". (فقال: هكذا رأيت النبي) في نسخة: "وقال: هكذا رأيت النبي". 200 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فِيهِ شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ" قَالَ أَنَسٌ: "فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى المَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ" قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ، مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ. [انظر: 169 - مسلم: 2279 - فتح: 4/ 301] (فَأُتَي) بضم الهمزة. (رحراح) بمهملات الأولى: مفتوحة، والثانية: ساكنة، أي: واسع الفم، قريب القعر، ويقال فيه: رحرح بلا ألف، ومثله لا يسع كثيرًا، ففيه: معجزة من معجزاته - صلى الله عليه وسلم -. (شيءٌ) أي: قليل، فتنوينه للتقليل. (ينبع) بتثليث الموحدة. (فحزرت من توضأ) بتقديم الزاي، أي: قدرتهم، فكانوا (ما بين السبعين إلى الثمانين) فـ (ما) مفعول لكان محذوفة، وقيل: حال. وفي رواية حميد السابقة: أنهم كانوا ثمانين وزيادة، وفي حديث جابر في باب: علامات النبوة
47 - باب الوضوء بالمد
في الإسلام: كنَّا خمسة عشرة مائة (¬1)، ولغيره ثم زهاء ثلاثمائة (¬2)، فهي وقائعُ متعددة في أماكن مختلفة، وأحوال متغايرة. 47 - بَابُ الوُضُوءِ بِالْمُدِّ (باب: الوضوء بالمُدِّ) هو بضم الميم: مكيال يسع قدر رطل وثلث عند أهل الحجاز، ورطلين عند أهل العراق. 201 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ، أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ، بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ". [مسلم: 325 - فتح: 1/ 304] (ابن جبر) بفتح الجيم، وسكون الموحدة: عبد الله بن عبد الله بن جبر. (كان النبي - صلى الله عليه وسلم -) في نسخة: "كان رسول الله". (كان يغسل) أي: جسده. (أو كان يغسل) الشك من ابن جبر على الراجح. (بالصَّاع) مكيال يسع خمسة أرطال وثلثا عند أهل الحجاز، وثمانية أرطال عند أهل العراق، وربما زاد - صلى الله عليه وسلم - في غسله على الصَّاع. (إلى خمسة أمداد) وإلى ستة عشر رطلًا، كما رواه البخاريُّ بعد، وربما نقص عنه، فقد اغتسل هو وعائشة من إناءٍ يسع ثلاثة أمداد، كما رواه مسلم (¬3). (و) كان (يتوضأ بالمد) تقدم تفسيره، وربما زاد عليه، أو نقص ¬
48 - باب المسح على الخفين
عنه، فقد توضأ من إناء يسع رطلين، ومن إناءٍ يسعُ ثلثي مُدٍّ، كما رواهما أبو داود (¬1). والجمع بين هذه الروايات، كما نقله النووي عن الشافعي: أنها كانت اغتسالات ووضوءات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله وأقلَّهُ وهو يدلُّ على أنه لا حدَّ لقدر ماء الطهارة (¬2)، وهو كذلك، لكن السنة أخذًا من غالب أحواله - صلى الله عليه وسلم - أن لا ينقص ماءُ الوضوءِ عن مُدٍّ، والغسل عن صاع، وهذا لمن جسده كجسد النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَّا نحيف الجسد وعظيمه، فيُسَنُّ لهما أن يستعملا من الماءِ قدرًا يكون نسبته إلى جسدهما، كنسبة المدِّ والصاعِ إلى جسد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - 48 - بَابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ (باب: المسح على الخفين) هو: بدل من غسل الرجلين في الوضوء. 202 - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ المِصْرِيُّ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ "النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ" وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ، إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدًا حَدَّثَهُ، فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ: نَحْوَهُ. [فتح: 1/ 305] (أصبغ بن الفرج) كنيته: أبو عبد الله بن وهب، اسمه: عبد الله. ¬
(حدثني) في نسخة: "أخبرني". (عمرو) في نسخة: "عمرو بن الحارث". (أبو النضر) بضاد معجمة، واسمه: سالم بن أبي أمية. (عن أبي سلمة) اسمه: عبد الله. (وأن عبد الله) عطف، -كما قاله شيخنا- على قوله: (عن عبد الله بن عمر) (¬1) فهو من كلام أبي سلمة. قال الكرماني: وهو الظاهر، ويحتمل أنه تعليق من البخاري (¬2). (سأل عمر) زاد في نسخة: "بن الخطاب". (عن ذلك) أي: عن مسح النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخفين، وسبب سؤال ابن عمر أياه عن ذلك: أنه أنكر على سعد مسحه على خفيه بالعراق، وسبب إنكاره مع كثرة روايته؛ أنه خفي عليه ما اطلع عليه غيره، أو أنكر عليه مسحه في الحضر، كما هو ظاهر روايةٍ في "الموطأ" (¬3). (إذا حدَّثك شيئًا سعدٌ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا تسأل عنه غيره) فيه: منقبة عظيمة لسعد، ودليل على العمل بخبر الواحد وإن أفاد في الأصل الظن. وأما نهيه عن السؤال فيما حدَّث به سعد من أن السؤال يؤكد الظن فلا ينهى عنه، فمحمول على أن خبر سعد احتف به من القرائن ما يفيد القطع، أو هو كناية عن التصديق، أي: فصدقه، والمصدق لا يسأل غيره. وبالجملة: فقد اتفق العلماء، كما قال ابن بطال على جواز المسح على الخفين خلافًا للخوارج وللشيعة، ويكفي في الرد عليهما صحة ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتواتره على قول جمع من الحفاظ (¬4). (فقال ¬
عمر) عطف على "سأل" المقدر هنا أخذًا من الرواية السابقة. (نحوه) بالنصب، يقال: أي: نحوه. قوله قبل: (إذا حدثك سعدٌ إلخ) فقول عمرو في هذه الرواية المعلقة بمعنى الموصولة السابقة، لا بلفظها. 203 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ المُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ". [انظر: 182 - مسلم: 274 - فتح: 1/ 306] (عمرو بن خالد) أي: ابن فروخ، بفاء مفتوحة، وراء مضمومة مشددة، وخاء معجمة. (الحراني) بفتح المهملة، وتشديد الراءِ، وبنون؛ نسبة إلى حرَّان: مدينة بين دجلة والفرات (¬1). (سعد بن إبراهيم) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف. (أنه خرج لحاجته) أي: في غزوة تبوك، عند صلاة الفجر عند "الموطأ" و"سنن أبي داود" وغيرهما (¬2). (فأتبعه) بهمزة قطع (¬3) وسكون التاء، وبهمزة وصل (¬4) وتشديد التاء. (بإداوة) بكسر الهمزة أي: مطهرة. (فتوضأ) أي: إلَّا رجليه بقرينة قوله: (ومسح على الخفين) أي: على أعلاهما، لا على أسفلهما، ولا حرفهما ولا عقبهما، فيكفي مسمَّى مسح على أعلاه، لكن السنة في مسحه أن يضع يده ¬
اليسرى تحت العقب، واليمنى على ظهر الأصابع، ثم يمر اليمنى إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف الأصابع من تحت مفرجا بين أصابع يديه. وفي الحديث: خدمة السادات بلا إذنه والاستعانة، وقد مرَّ بيانها، وللخُفِّ شروط مذكورة في كتب الفقه (¬1). 204 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ "رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ" وَتَابَعَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، وَأَبَانُ، عَنْ يَحْيَى. [205 - فتح: 1/ 308] (شيبان) هو ابن عبد الرحمن. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (رأى النبيَّ) في نسخة: "رأى رسول الله". (وتابعه) بلا واو، أي: تابع شيبان. (حرب بن شداد) في نسخة: "حرب" فقط. (وأبان) بفتح الهمزة، وبالصرف على أنَّ ألفه أصلية، ووزنه: فعال، وبمنعه على أن الهمزة زائدة، والألف بدلٌ من الياء، ووزنه أفعل، وهو ابن يزيد العطار. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. 205 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ" وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 204 - فتح: 1/ 308] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (عن جعفر بن عمرو) وزاد في نسخة: "ابن أمية". ¬
49 - باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان
(يمسح على عمامته) أي: بعد مسح الناصية، كما رواه مسلم (¬1)، فلا يجوز الاقتصار على العمامة، وأجازه الإمام أحمد، بشرط أن يكون قد اعتمَّ بعد كمال الطهارة، قياسًا على مسح الخفِّ، وهو محجوج بحديث مسلم السابق، وبالإجماع على أنه لا يجوز مسح الوجه في التيمم على حائل، فكذا الرأس، وقياسه على مسح الخفِّ بعيد؛ لأنه يشقُّ نزعه، بخلاف العمامة. (وتابعه) في نسخة: "تابعه" بحذف الواو، أي: تابع الأوزاعي على الرواية السابقة (معمر) أي: ابن راشد. (عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو) بإسقاط (جعفر) الثابت في السابقة بين أبي سلمة وعمرو، وهذا هو السبب في سياق البخاري الإسناد ثانيًا. (رأيت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -) ترك المتن في هذه الرواية؛ اكتفاءً بذكره في السابقة. 49 - بَابُ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ (باب: إذا أدخل رجليه) أي: في الخفين، أي: باب في بيان حكم ذلك. (وهما طاهرتان) أي: عن الحدث. 206 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: "دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ". فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [انظر: 182 - مسلم: 274 - فتح: 1/ 309] (زكريا) ابن أبي زائدة (عن عامر) هو ابن شراحيل. (فأهويت) بفتح الهمزة، أي: أشرت إليه. (دعهما) أي: الخفين، ¬
50 - باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق
أي: اتركهما. (أدخلتهما) أي: الرجلين. (طاهرتين) أي: عن الحدث، وفي نسخةٍ: "وهما طاهرتان". (فمسح عليهما) عطف على مقدر، تقديره: فأحدث. وفي الحديث: خدمة العالم، وأن للخادم أن يقصد إلى ما يعرف من خدمته دون أن يؤمر بها، والفهم عن الإشارة، ورد الجواب عما نشاء من فهمهما، وأن من لبس خفيه على غير طهر لا يمسح عليهما، فلو لبس قبل غسل رجليه، وغسلهما فيه، لم يجز المسح، إلَّا أن ينزعهما من مقرهما ثم يدخلهما فيه، ولو أدخل إحداهما بعد غسلها ثم غسل الأخرى وأدخلها، لم يجز المسح إلا أن ينزع الأولى من مقرها، ثم يدخلها فيه. وسكت عن تأقيت المسح، وأخذ بظاهره الإمام مالك، وقيده بقية الأئمة بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؛ لخبر ابني خزيمة وحِبَّان: أنه - صلى الله عليه وسلم - أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما (¬1). 50 - بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّويقِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [لحمًا]، "فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا". (باب: من لم يتوضأ من لحم الشاه) أي: من أكله، وتَبِعَ في ذكرِ الشَّاةِ الحَدِيثَ وذِكرُها مثال، فغيرها مثلها. (والسويق) أي: تناوله، وهو: ما اتخذ من شعير، أو قمح مقلى، يدقُّ فيكون، كالدقيق، إذا ¬
احتج إلى تناوله خلط بماء، أو لبن، أو زيت ونحوه. (وأكل أبو بكر وعمر وعثمان، - رضي الله عنهم - لحمًا) لفظ: (لحمًا) ساقط من نسخة. (فلم يتوضئُوا) أشار به إلى أن ذلك إجماع سكوتي. 207 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [5404، 5405 - مسلم: 354 - فتح: 1/ 310] (كتف شاة) أي: لحمه. (ثم صلَّى ولم يتوضأ) هذا مذهب الشافعيِّ وأكثر الأئمةِ، وأما حديث مسلم: "الوضوء مما مست النار" (¬1) وحديثه عن جابر بن سمرة: أنتوضأ من لحم الإبل؟ قال: "نعم" (¬2). فأجيب: بحمل الوضوء فيهما على غسل اليد والمضمضة؛ لزيادة دسومة اللحم، وزهومة (¬3) لحم الإبل، أو بأنهما منسوخان بخبر أبي داود، والنسائي، وغيرهما عن جابر (¬4)، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار. لكن ضعف النوويُّ الجوابين؛ لأن الحمل على الوضوءِ الشرعي مقدم على الوضوءِ اللغوي، وترك الوضوء مما مست النار عامٌّ، وخبر الوضوء من لحم الإبل خاص، والخاص مقدَّمٌ على العام (¬5). ¬
قال: وأقرب ما يستروح إليه قول الخلفاء الراشدين، وجماهير الصحابة، وما دلَّ عليه الحديثان، هو القول القديم، وهو وإن كان شاذًّا في المذهب فهو قويٌّ في الدليل. وقد اختاره جماعة من محققي أصحابنا المحدثين، وأنا ممن اعتقد رجحانه. 208 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاةِ، فَأَلْقَى السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [675، 2923، 5408، 5422، 5462 - مسلم: 355 - فنح: 1/ 311] (يحيى بن بكير) نسبة إلى جده؛ لشهرته به، وإلا فأبوه: عبد الله بن بكير. (رأى رسول الله) في نسخة: "رأى النبي". (يحتزُّ) بمهملة وزاي مشددة، أي: يقطع. (من كتف شاة) بفتح الكاف، وبكسر التاء، وبكسر الكاف، وسكون التاءِ، وزاد في الأطعمة من طريق معمر عن الزهري: (يأكل منها) (¬1). (فُدِعي إلى الصلاة) الداعي له بلال، كما في حديث النسائي (¬2). (فألقى السكين) قال في الأطعمة في رواية: (فألقاها، والسكين) أي: ألقى كتف الشاة، والسكين، وهو بكسر السين تذكر وتؤنث، وحكى الكسائي: سكينة. (وصلى) في نسخة: "فصلَّى". وفي الحديث: الاستعجال للصلاة، وأن الشهادة على النفي تقبل ¬
51 - باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ
إذا كان محصورًا، وجواز قطع اللحم بالسكين، وفي النهي عنه: حديث ضعيف في "سنن أبي داود" (¬1)، ولو ثبت، حُمِلَ علَى عدم الحاجة الداعية إلى ذلك؛ لما فيه من التشبيه بالأعاجم وأهل الترفه. 51 - بَابُ مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّويقِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (باب: من مضمض من السويق ولم يتوضأ) تقدم بيان السويق. 209 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ، وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَرَ، "فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إلا بِالسَّويقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى المَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [215، 2981، 4175، 4195، 5384، 5390، 5454، 5455 - فتح: 1/ 312] (بشير) بضمِّ الموحدة، وفتح المعجمة. (سويد بن النعمان) بضم النون، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، ولم يرو عنه غير بشير بن يسار. (عام خيبر) أي: غزوتها، وهي غير منصرفة؛ للعلمية والتأنيث، وسميت باسم رجل من العماليق اسمه: خبير نزلها (¬2). (حتَّى إذا كان) أي: الرسول - صلى الله عليه وسلم - (بالصهباء) بالموحدة والمدِّ. (أدنى خيبر) أي: أسفلها، وهو طرفها مما يلي المدينة. ¬
(فصلَّى) عطف على كان فإذا ظرفية، وفي نسخة: "نزل فصلَّى" فهو عطف على (نزل) وإذا شرطية، فنزل فصلَّى جزاؤها. (بالأزواد) جمع زاد، وهو ما يطعم في السفر. (به) أي: بالسويق: (فَثُرِّيَ) بضم المثلثة، وبالراء المشددة، ويجوز تخفيفها، أي: بُلَّ بالماء لمَّا لحقه من اليبس. (فأكلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكلنا) أي: من السويق، زاد في رواية تأت: (وشربنا) (¬1) أي: من الماء، أو مائع السويق. (فمضمض ومضمضنا) فائدة المضمضة من السويق وإن كان لا دسم له: أن يزول بها ما بقي منه بين الأسنان ونواحي الفم فيشغله تتبعه عن أحواله في الصلاة. وهو يدل على ندب المضمضة بعد تناول الطعام. 210 - وحَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [مسلم: 356 - فتح: 1/ 312] (وحدثنا) في نسخة: "حدثنا" بلا واو. (أكل عندها كتفًا) أي: لحم كتف، ولا مطابقة بين الحديث والترجمة، وقد قالوا: إن وضعه هنا من قلم النساخ، وإن نسخة الفربري التي بخطه: تقديمه إلى الباب السابق. وفي الحديث: إباحة أخذ الزاد في السفر؛ ردًّا على من قال من الصوفية: لا يدخر شيئًا لغده، ونظر الإمام لأهل العسكر عند قلة الأزواد بجمعها؛ ليقوت من لا زاد له. ¬
52 - باب: هل يمضمض من اللبن؟
52 - بَابٌ: هَلْ يُمَضْمِضُ مِنَ اللَّبَنِ؟ (باب: هل يمضمض من اللبن) أي: إذا شربه، وفي نسخة: بدل (تمضمض) "يمضمض". 211 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ، وَقَالَ: "إِنَّ لَهُ دَسَمًا" تَابَعَهُ يُونُسُ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [5609 - مسلم: 358 - فتح: 1/ 313] (عقيل) بضمِّ العين. (فمضمض) زاد مسلم قبله: (ثم دعا بماءٍ) (¬1). (دسمًا) بيانٌ لِعِلَّة المضمضة من اللبن، والدسم: ما يظهر على اللبن من الدهن، ويقاس بذلك ندب المضمضة من كلِّ ما له دسم. (تابعه) أي: تابع عقيلًا. (يونس) أي: ابن يزيد. 53 - بَابُ الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ، أَوِ الخَفْقَةِ وُضُوءًا. (¬2). (باب: الوضوء من النوم) أي: المأخوذ ذلك من مقتضى ¬
الحديث الآتي. (ومن لم ير من النعسة والنعستين، والخفقة وضوءًا) عطف على الوضوء، والنعسة: فتور في الحواس، وتسمى الوسن. والخفقة: تحريك الرأس حال النعاس. 212 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ، حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ". [مسلم: 786 - فتح: 1/ 313] (عن هشام) في نسخة: "عن هشام بن عروة". (إذا نعس) يقال: (نعس) بفتح العين (ينعس) بضمها وفتحها نعسًا ونعاسًا. (فليرقد) أي: بعد تمام صلاته، فرضًا كانت أو نفلًا، فالنعاس سببٌ للنوم، أو للأمر به. (إذا صلَّى وهو ناعس) إن قلت: ما الفرق بين قوله: نعس وهو يصلي، وصلَّى وهو ناعس؟ قلت: هو الفرق بين ضرب قائمًا، وقام ضاربًا، وهو احتمال القيام بلا ضرب في الأول، واحتمال الضرب بلا قيام في الثاني. وإنما اختار في الحديث ذاك ثم وهذا هنا؛ لأن الحال قيد وفضله والقصد في الكلام ما له قيد، فالقصد في الأول: غلبة النعاس لا الصلاة؛ لأنه العلة في الأمر بالرقاد، فهو المقصود الأصلي في التركيب، وفي الثاني: الصلاة لا النعاس؛ لأنها العلة في الاستغفار، ¬
54 - باب الوضوء من غير حدث
فهي المقصود في التركيب، إذ تقدير الكلام: فإن أحدكم إذا صلَّى وهو ناعس يستغفر. (لعله يستغفر) أي: يريد أن يستغفر. (فيسب نفسه) أي: يدعو عليها، وهو بالرفع عطف على ما قبله، وبالنصب جواب لعلَّ (¬1)؛ لأنها كلَيْتَ، وفي نسخة: "يسب" بلا فاءٍ، وهو حال. والترجي في لعل عائدٌ إلى المصلِّي لا إلى المتكلم به، أي: لا يدري أمستغفرٌ أم سابٌّ، مترجيًا للاستغفار وهو في الواقع بضدِّ ذلك. 213 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَنَمْ، حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ". [فتح: 1/ 315] (إذا نعس) أي: "أحدكم" كما في نسخة. (فلينم) أي: بعد تمام صلاته. 54 - بَابُ الوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ. (باب: الوضوء من غير حدث) أي: باب بيان حكمه. 214 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: ح وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ¬
عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ" قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. [فتح: 1/ 315] (حدثنا سفيان) في نسخة: "أخبرنا سفيان". (أنسًا) في نسخة: "أنس بن مالك". (ح) إشارة إلى التحويل، أو الحائل، أو صحَّ، أو الحديث كما مرَّ. (قال) أي: البخاري. (عن سفيان) أي: الثوري. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (لكل صلاة) أي: مفروضة، قيل: ويحتمل شمول النفل أيضًا؛ بناء على التجديد له، ومعلوم أن ذلك في الغالب. (قلت) القائل هو عمرو بن عامر. (يجزيء) بضمِّ الياء: "يكفي " كما في نسخة، يقال: أجزأني الشيء، أي: كفاني، ففعْل النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على جهة الأفضلية؛ لأن الأصل عدم الوجوب، والأمر في آية: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6] المقتضية لوجوب الوضوء كلما قام إلى صلاة، وإن لم يحدث حُمِلَ عَلى أنه للندب، أو له للوجوب؛ إعمالًا للمشترك في معنييه، أو أن الخطاب فيها للمحدثين. 215 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إلا بِالسَّويقِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [انظر: 209 - فتح: 1/ 316] (حدثنا سليمان) أي: "ابن بلال" كما في نسخة، وفي نسخة: "أخبرنا سليمان". (حدثني يحيى) في نسخة: "حدثنا يحيى". (وشربنا) أي: من السويق ومن الماء. (ولم يتوضأ) لا ينافي ما مرَّ في الحديث السابق؛ لأن فعله ثَمَّ كان غالب أحواله كما مرَّ، وهنا لبيان
55 - باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله
الجواز، لا يقال أن ذلك من تعارض النفي والإثبات، فيقدم الإثبات؛ لأنا نقول: إنَّ ذلك في النفي المحصور، وهنا غير محصور. 55 - بَابٌ: مِنَ الكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتِرَ مِنْ بَوْلِهِ. (باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله) الكبائر: جمع كبيرة، وهي ما أوجب حدًّا، أو ما توعد عليه بخصوصه، على ما بينته في غير هذا الكتاب. 216 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ" ثُمَّ قَالَ: "بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ". ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا" أَوْ: "إِلَى أَنْ يَيْبَسَا". [218، 1361، 1378، 6052، 6055 - مسلم: 292 - فتح: 1/ 317] (عثمان) أي: ابن أبي شيبة. (جرير) أي: ابن عبد الحميد. (منصور) أي: ابن المعتمر. (عن مجاهد) أي: ابن جبر. (بحائط) أي: بستان من النخل عليه جدار. (من حيطان المدينة، أو مكة) شكٌّ من جرير، ورواه البخاري في "الأدب المفرد" بلفظ: (من حيطان المدينة) (¬1) بالجزم. (في قبورهما) عبر بالجمع في موضع التثنية لا من اللبس، وإلا فالتثنية في مثله أكثر؛ لأن المضاف إذا لم يكن جزء المضاف إليه فالأكثر التثنية، نحو: سَلَّ الزيدان سيفيهما، ويجوز فيه الجمع إن أمن اللبس، وإن كان جزءه جاز إفراده وجمعه وهو أجود كما ¬
في {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، وجاز تثنيته وهي وإن كانت الأصل، قليلة الاستعمال. (وما يعذبان في كبير) أي: عند الناس؛ لعدم المشقة عليهم في الاحتراز عنه. (ثم قال: بلى) هي إيجابٌ للنفي، أي: بلى لا يعذبان في كبير، أي: عند الله؛ لعظم إثمه، فهو مع ما قبله نظير قوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15]، وفي نسخة: بدل (بلى): "بل". (لا يستتر من بوله) يعني: لا يتنزه عنه، بدليل روايته في نسخة بلفظ: "لا يستبرئ" أي: لا يستفرغ البول جهده بعد فراغه منه. (يمشي بالنميمة) وهي نقل كلام الناس بعضهم لبعض بقصد الإفساد. (كسرتين) بكسر الكاف: تثنية كِسرة، وهي القطعة من الشيءِ المكسور. (لعله أن) شبه لعلَّ بعسى، فقرنها بأن. (عنهما) في نسخة: "عنها"، أي: عن النفس. (ما لم تيبسا) بمثناة فوقية، بالتأنيث؛ باعتبار عود الضمير إلى الكسرتين، وبمثناة تحتية، بالتذكيرة باعتبار عود الضمير إلى العودين؛ لأن الكسرتين عودان، وفي نسخة: "إلا أن ييبسا"، وفي أخرى: "إلى أن ييبسا"، والباءُ في الجميع مفتوحة، من باب: علم، يعلم، وقد تكسر في لغة شاذة. ثم ما ذكر كان بالوحي، كما قاله المازري وردَّه بأنه: لو كان بالوحي لما أتي بحرف الترجي. أجيب عنه: بأن لعل هنا للتعليل (¬1)، أو أنه شفع لهما في ¬
56 - باب ما جاء في غسل البول
التخفيف هذا المدة، وكانا مسلمين؛ إذ لو كانا كافرين لم يدع لهما بتخفيف العذاب، ولا ترجَّاه لهما. 56 - باب مَا جَاءَ فِي غَسْلِ البَوْلِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِ القَبْرِ: "كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ". وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ. (باب: ما جاء في غسل البول) أي: بول الإنسان. (وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لصاحبِ القبرِ) أي: لأجله، أو عنه، فاللامُ للتعليلِ، أو بمعنى: عنه. (كان لا يَسْتَتِرُ) في نسخةٍ: "لا يستبرئُ". (من بولِه). (ولم يَذُكُرْ) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - (سِوى بولِ النَّاس) أخذ البخاريُّ هذا من إضافة البول إلى القبور، والقصد: أنَّ نجاسة البولِ بما ذكر هنا خاصٌّ ببول الناسِ، أما نجاسةُ بولِ سائرِ الحيوانِ، فلها دلائلٌ مذكورةٌ في محلِّها. 217 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ، أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ". [انظر: 150 - مسلم: 271 - فتح: 1/ 321] (حدثنا إسماعيل) في نسخةٍ: "أخبرنا إسماعيل". (كان النبي) في نسخةٍ: "كان رسول الله". (تبرز) أي: خرج إلى البَرَاز بفتح الباءِ، أي: الفضاء الواسع، كنوا به عن قضاءِ الحاجة. ¬
(فيغتسل) في نسخة: "فيغسل" أي: ذكره، وفي أخرى: "فتغسَّل" بفتح الفوقية والغين، والسين المشددة. - باب (باب) بلا ترجمة فهو كالفصلِ من سابقه. 218 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ" ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا" وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثْلَهُ: "يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ". [انظر: 216 - مسلم: 292 - فتح: 1/ 322] (حدثنا محمد) في نسخة: "حدثني محمد". (محمد بن خازم) بخاءٍ معجمة وزايٍ. (ليعذبان) أسند العذاب إلى القبرينِ مجازًا من باب: ذكر المحل وإرادة الحال، أو من باب: حذف المضاف، أي: ليعذب صاحبا القبرين. (لا يستتر) في نسخة: "لا يستبرئ" بالموحدة. (لم فعلت) أي: "هذا" كما في نسخة. (قال ابن المثني) في نسخةٍ: "وقال محمد بن المثني" والغرض من مقوله: أن الأعمش صرَّح في هذا السند بـ (سمعت) وهو مدلس، وعنعنة المدلس لا يعمل بها إلا إذا ثبت السماع من طريق آخر. وعبَّر هنا بـ (قال) رعايةً للفرق بينه وبين حدثني؛ لأن (قال) [أحط رتبة. (مثله) أشار به إلى أنه لم يذكر لفظ] (¬1) الحديث بعينه. ¬
57 - باب ترك النبي صلى الله عليه وسلم والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد
57 - بَابُ تَرْكِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسِ الأَعْرَابِيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ فِي المَسْجِدِ (باب: ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس الأعرابيَّ حتَّى فرغ من بوله في المسجد) أي: النبوي. 219 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: "دَعُوهُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ". [221، 6025 - مسلم: 284 - 285 - فتح: 1/ 322] (أخبرنا إسحاق) أي: ابن عبد الله بن أبي طلحة، وفي نسخةٍ: "حدثنا إسحق". (رأى أعرابيًّا) هو ذو الخويصرة اليماني، أو الأقرع بن حابس التميمي، ووصف الأعرابيَّ بقوله: (يبول في المسجد) فزجره الناس. (فقال: دعوه) أي: اتركوه. (حتَّى إذا فرغ) أي: "من بوله" كما في نسخة، وهذا من كلامِ أنسٍ، و (حتَّى) ابتدائية، و (إذا) شرطية. (فَصَبَّهُ) أي: أمر بصبه، وفي نسخة: "فَصَبَّ". وفي الحديث: تنزيه المسجد من الأقذار، وتطهير الأرض بالصبِّ وإن لم تحفر، خلافًا لأبي حنيفة، وطهارة غسالة النجاسة إذا طهر المحل، ولم يتغير، والرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يظهر استخفافه أو عناده، ودفع أعظم الضررين بأخفهما؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - تركه لئلا يتضرر، والتنجس قد حصل، فاحتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به؛ ولأنه لو قام في أثناء البول؛ لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع من المسجد.
58 - باب صب الماء على البول في المسجد
58 - باب صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ. (باب: صب الماء على البول في المسجد) أي: النبوي، ومثله غيره من المساجد. 220 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ". [6128 - فتح: 1/ 324] (فتناوله الناس) أي: بألسنتهم لا بأيديِهم. (وهريقوا) تقدم بيانُه. (سَجلًا) بفتح السين أي: دلوًا فيه ماء. (أو ذنوبًا) بفتح المعجمة، أي: دلوًا مملوءًا ماء، وهو مع ما قبله من كلام النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيكون تخييرًا، أو من كلام الراوي فيكون شكًّا منه. (إنما بُعثتم) المبعوث حقيقة: هو النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، لكن لما كانت الصحابة مقتدين به، ومهتدين بهديه سُمُّوا مبعوثين أيضًا، فجمع اللفظ باعتبار ذلك. حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. [مسلم: 284 - فتح: 1/ 324] (عبد الله) بن المبارك. بَابُ: يُهَرِيقُ المَاءَ عَلَى البَوْلِ. (باب: يهرق الماءَ على البول) ساقط من نسخة. وفيها بدله "ح" علامة للتحويل. (حدثنا خالد) في نسخة: "وحدثنا خالد" بواو. (قال: وحدثنا سليمان) أي: ابن بلال، وفي نسخةٍ: "حدثنا سليمان" بلا واو.
59 - باب بول الصبيان
221 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، "فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ". [انظر: 219 - مسلم: 284، 285 - فتح: 1/ 324] (طائفة المسجد) أي: قطعة من أرضه. (فنهاهم) أي: عن زجره. (فأهريق) بهمزةٍ مضمومة، وبفتح الهاء وسكونها، وفي نسخةٍ: "فهريق" بحذف الهمزة، وضمَّ الهاءِ. 59 - باب بَوْلِ الصِّبْيَانِ. (باب: بول الصبيان) بكسر الصاد، وحكي ضمها: جمع صبيٍّ، والجارية: صبية، وجمعها: صبايا. 222 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: "أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ". [5468، 6002، 6355 - مسلم: 286 - فتح: 1/ 325] (عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أُتِيَ) في نسخة: "عن عائشة أم المؤمنين: أُتِيَ". (بصبي) هو الحسين، أو حسن بن علي، أو عبد الله بن الزبير، أو سليمان بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. (فأتبعه) بفتح الهمزة. 223 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، أَنَّهَا "أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ". [5693 - مسلم: 287 - فتح: 1/ 326] (بنت محصن) في نسخة: "ابنة محصن". (في حجره) بكسر الحاءِ وفتحها.
60 - باب البول قائما وقاعدا
60 - بَابُ البَوْلِ قَائِمًا وَقَاعِدًا. (باب: البول قائمًا وقاعدًا) أي: بيان حكمه. 224 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ "أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ". [225، 226، 2471 - مسلم: 273 - فتح: 1/ 328] (حذيفة) أي: ابن اليمان، واسم اليمان: حسيل بمهملتين مصغَّرًا، ويقال: حِسْل. بكسر ثم سكون، العبسيُّ بموحدة. (سُباطة قوم) بضم المهملة: الكناسة التي تطرح بأفنية البيوت، ويقال لها: مزبلة. (فبال قائمًا) أي: لبيان الجواز أو لتداوٍ من مرضٍ، أو لعدم وجوده مكانًا يصلح للقعود، وإن كان مكروهًا في حقِّ غيره كراهة تنزيه لغير حاجة، وجواز بوله في سباطة القوم؛ لأنها ليست ملكًا لهم بل مختصة بهم، أو لأنهم أذنوا لمن أراد ذلك صريحًا، وبالمعنى. قال النوويُّ (¬1): وأظهر الوجوه أنَّهم كانوا يؤثرون ذلك، ولا يكرهونه بل يفرحون به، ومَنْ هذا حاله يجوز البول في أرضه، والأكل من طعامه. وفي الترجمة: ذكر البول قاعدًا، ووجه أخذ جوازه من الحديث: أنه إذا جاز قائمًا فقاعدًا أولى؛ لأنه أمكن. 61 - بَابُ البَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَالتَّسَتُّرِ بِالحَائِطِ. (باب: البول عند صاحبه، والتستر بالحائط) أي: بيان [حكم] (¬2) ¬
62 - باب البول عند سباطة قوم
كلٍّ منهما، وقوله: (صاحبه) أي: صاحب البائل. 225 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: "رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ، فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ". [انظر: 224 - مسلم: 273 - فتح: 1/ 329] (رأيتُني) بضم التاء وهي فاعل، والياء مفعول، وجاز كونهما واحدًا، لأن أفعال القلوب يجوز فيها ذلك. (أنا والنبيَّ) بنصب (النبيَّ) عطفًا على مفعول رأى، وبرفعه عطفًا على (أنا) المذكور للتأكيد. (فانتبذت) بنون فمثناة فوقية، فموحدة، وذالٍ معجمة، أي: ذهبت ناحية، يقال: جلس فلان نبذة بفتح النون وضمها، أي: ناحية. (فأشار إليَّ) أي: برأسه، وفيه: دليل على أنه لم يبعد منه بحيث لا يراه؛ لأنه كان يحرسه. (فقمت عند عقبه) في نسخة: "فقمت عند عقبيه". 62 - بَابُ البَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ (باب: البول عند سباطة قوم) أي: بيان حكمه. 226 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ، وَيَقُولُ: "إِنَّ: بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ: حُذَيْفَةُ لَيْتَهُ أَمْسَكَ "أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا" [انظر: 224 - مسلم: 273 - فتح: 1/ 329] (يشدد في البول) أي: يحتاط في أمره، حتَّى كان يبول في قارورة؛ خوفًا من أن يصيبه شيءٌ من رشاشه. (إنَّ بني إسرائيل) هو
63 - باب غسل الدم
يعقوب بن إسحق، فإسرائيل لقبه. (كان إذا أصاب) أي: البول. (ثوب أحدهم قرضه) بمعجمةٍ، أي: قطع محل البولِ منه بالمِقراض، واسم (كان) ضمير الشأن، وإلا لقال: كانوا. (ليته) أي: ليت أبا موسى. (أمسك) نفسه عن هذا التشديد، أو لسانه عن القول الذي قاله، أو كليهما، وقصده: أن ذلك خلاف السنة. فقد (أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سباطة قوم، فبال قائمًا) لم [يتكلف] (¬1) البول في قارورة. 63 - باب غَسْلِ الدَّمِ. (باب: غسل الدم) أي: دم الحيض، ويقاس به سائر الدماء. 227 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: "تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ". [307 - مسلم: 291 - فتح: 1/ 330] (حدثتني فاطمة) هي زوجة هشام: بنت المنذر بن الزبير. (جاءت امرأةٌ النبيَّ) في نسخةٍ: "إلى النبي " والمرأة: هي أسماء بنت أبي بكر، كما في رواية الشافعي، ولا يبعد أن يبهم الراوي اسم نفسه، وقيل: هي أسماء بنت شكل، وقيل: أسماء بنت يزيد، وصوَّبه جماعة، أتبعتهم في غير هذا الكتاب، والأوجه: ما قدَّمتُه هنا. (أرأيت إحدانا تحيضُ) حال كونها. (في الثوب) ومن ضرورة ذلك غالبًا وُصُول الدم إليه. (كيف تصنع) أي: به، ومعنى: أرأيت بفتح التاء: أخبرني، كما مرَّ بيانه. ¬
(قال) في نسخة: "فقال". (تُحُّته) بضم المهملة، وبالفوقية المشددة، أي: تفرُكُه. (ثم تقرصه بالماء) بفتح الفوقية، وضمِّ الراءِ، والصاد المهملة، أي: تقلعه، بأن تقلع الدمَ منه بالظفرِ، أو بالأصابعِ بمعونةِ الماء، وفي نسخة: "تُقرِّصُه" بضم الفوقية، وكسر الراء المشددة، وضم الصاد المهملة، أي: تقطعه، بأن تزيل الدم عنه بالماء. (وتنضحه) بفتح أوله وثالثه، يعني: تغسله، بأن تصب الماءَ عليه قليلًا قليلًا، وفي نسخة: "ثم تنضحه". (وتصلِّي فيه) في نسخة: "ثم تصلي فيه". وفي الحديث: تعيَّن الماء؛ لإزالة جميع النجاسات دون غيره من المائعات؛ إذ لا فرق بين الدم وغيره، خلافًا لأبي حنيفة حيث جوَّزَ تطهير النجاسة بكلِّ مائعٍ طاهر، وأما خبر عائشة: ما كان لإِحدانا إلا ثوبٌ واحدٌ فإذا أصابه شيءٌ من دم الحيض، قالت بريقها فمصعته بظفرها (¬1). فأجيب عنه: بأنها أرادت بذلك تحليل أثر الدم ثم غسله. 228 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي" - قَالَ: وَقَالَ أَبِي: - "ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ". [306، 320، 325، 331 - مسلم: 333 - فتح: 1/ 331] (حدثنا محمد هو ابن سلام) بتخفيف اللام: البيكندي، وفي نسخةٍ: "حدثنا محمدٌ" وفي أخرى: "حدثنا محمد بن سلام" وفي ¬
64 - باب غسل المني وفركه، وغسل ما يصيب من المرأة
أخرى: "حدثنا محمد يعني: ابن سلام". (حدثنا أبو معاوية) وفي نسخةٍ: "أخبرنا أبو معاوية". (ابنة أبي جبيش) وفي نسخة: "بنت أبي حبيش" واسمه: قيس بن المطلب. (إني امرأةٌ أُستحاض) بضم الهمزة، أي: يستمر بي الدمُ بعد أيامي المعتاد؛ إذ الاستحاضة: دمٌ يخرج من عرقٍ يُسَمَّى بالعاذل بذال معجمة، بخلاف الحيض، فإنه يخرج من قعر الرحم. (أفأدع الصلاة؟) أي: أتركها، والفاء عاطفة على مقدر قبلها، أي: أيكون لي حكم الحائض فأدعُ الصلاة. (لا) أي: لا تدعيها. (إنما ذلكِ) بكسر الكاف؛ لأن الخطاب للمؤنث. (عِرْقٌ) أي: دم عرق، يُسَمَّى بالعاذل كما مرَّ. (وليس بحيض) أي: لأنه يخرج من قعر الرحم، كما مرَّ. (فإذا أقبلت حَيضتُك) بفتح الحاءِ: المرة من الحيض، وبكسرها: الهيئة منه. وصحح النوويُّ الأول (¬1). (فاغسلي عنك الدم) أي: واغتسلي؛ لانقطاع الحيض. (ثم صلِّي) أي صلاة تدركينها. (قال) أي: هشام. (وقال أبي) أي: عروة بن الزبير. (ثم توضَّئي لكلِّ صلاةٍ حتَّى يَجيءَ ذلك الوقت) أي: وقت إقبال الحيض. وفي مسألة الاستحاضة تفاصيلُ معروفةٌ في كتب الفقه. 64 - بَابُ غَسْلِ المَنِيِّ وَفَرْكِهِ، وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنَ المَرْأَةِ (باب: غسل المنيِّ وفركه) أي: دلكه حتَّى يذهب أثره. (وغسل ما يصيب) الثوب وغيره. (من المرأة) أي: من الرطوبة الحاصلة من ¬
فرجها عند مخالطته إياها. 229 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الجَزَرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثَوْبِهِ". [230، 231، 232 - مسلم: 289 - فتح: 1/ 332] (أخبرنا عبدُ الله) أي: "ابنُ المبارك" كما في نسخة. (عمرو بن ميمون) في نسخة: "عمرو بن مهران". (الجزريُّ) نسبة إلى الجزيرة. (كنت أَغْسِلُ الجنابة) أي: أثرها. (من ثوبِ النبيِّ) في نسخةٍ: "من ثوب رسول الله". (فيخرج) أي: من الحجرة. (إلى الصلاة) أي: في المسجد. (وإنَّ بُقَعَ الماءِ في ثوبه) الجملةُ حال و (بُقَع) بضم الموحدة وفتح القاف: جمع بقعة، أي: موضع يخالف لونه ما يليه، ومنه: غرابٌ أبقع. وفي نسخةٍ: بتسكين القاف: جمع بقعة، كتمرة وتمر، ونحوها مما يفرق بين جنسه وواحده بالتاءِ. والغسل في الحديث محمولٌ على الندب، جمعا بينه وبين حديثِ ابنيَّ خزيمة وحِبَّان في صحيحيهما: كانت تحكه وهو يصلِّي (¬1). واكتفى البخاريُّ عن ذكر حديث لفركِ المنيِّ المذكور في الترجمة بالإشارة إليه فيها كعادته، أو كان غرضه ذكر حديث يتعلق به، فلم يتفقْ له، أو لم يجده على شرطه، وأمَّا ما يصيب من رطوبة فرج المرأة، ¬
65 - باب إذا غسل الجنابة أو غيرها فلم يذهب أثره
فاكتفي عن ذكر حديث له بحديث غسل المنيِّ؛ لأنه يختلط بها عند الجماعِ، أو بما سيأتي في آخر كتاب: الغسل. 230 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، ح وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ المَنِيِّ، يُصِيبُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَتْ: "كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ، وَأَثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ" بُقَعُ المَاءِ. [انظر: 229 - مسلم: 289 - فتح: 1/ 332] (حدثنا يزيد) أي: ابن زُريع، أو ابن هارون. (عمرو) أي: ابن ميمون. (عن سليمان) أي: ابن يسار. (قال: سَالْتُ عائشةَ) قال هنا: "سألت" وفي السند السابق: "سمعت" وكلٌّ من السماع والسؤال لا يستلزم الآخر، فجمع بينهما؛ ليدل على صحتهما. (وأثر الغَسْلِ في ثَوْبِهِ) حال. (بُقَعُ المَاءِ) بالرفع، خبرُ مبتدإٍ محذوف، كأنه قيل: ما الأثر الذي في ثوبه؟ فقالت: هو بُقَعُ الماء، ويجوز النصب بفعل محذوف، كأعني، أو أخص. 65 - بَابُ إِذَا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيْرَهَا فَلَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ (باب: إذا غسل الجنابة أو غيرها) كدم الحيض وغيره من النجاسة العينية. (فلم يذهب أثره) أي: أثر ذلك المغسول، وجواب (إذا) محذوف، أي: لا يضر، لطهارة المحل حينئذٍ، ومحله في النجاسة: إذا عسر زوال أثرها من لون، أو ريح، وإلا ضرَّ؛ لبقاءِ المحلِّ على نجاسته.
231 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ المِنْقَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِي الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ، وَأَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ" بُقَعُ المَاءِ. [انظر: 229 - مسلم: 289 - فتح: 1/ 334] (موسى) في نسخة: "موسى بن إسماعيل" وفي أخرى: "موسى المنقري" [بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف، (¬1). (سألت سليمان) في نسخةٍ: "سمعت سليمان". (في الثوب) أي: في حكمه، و (في) على الأولى بمعنى: عن، متعلقة بـ (سألتُ) وعلى الثانية: باقية على معناها، متعلقة بقوله: (قال) والمعنى: سمعته قال في حكم الثوب. (كنت أغسله) أي: أثر الجناية. (وأثر الغسل) أي: مائه. (فيه) أي: في الأثر، أو في الثوب، وهو خبر (أثر) والجملة حال. (بُقَعُ الماء) بالرفع خبر مبتدإٍ محذوف، ويجوز نصبه؛ نظير ما مرَّ في الباب قبله. 232 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا". [انظر: 229 - مسلم: 289 - فتح: 1/ 335] (زهير) أي: ابن معاوية. (من ثوب النبيِّ) في نسخةٍ: "من ثوب رسول الله". (ثم أَرَاه) من قول عائشة، أي: ثم أَرى ثوب النبيِّ، أي: أبصره، فهو نقل للفظها ¬
66 - باب أبوال الإبل، والدواب، والغنم ومرابضها
بعينه، وما قبله نقلٌ عنها بالمعنى. (فيه) أي: في الثوب. (بُقعةً) بدلٌ من مفعول (أراه) فمفعول (أراه) في نية الطرح بقرينة حذفه [في نسخةٍ.] (¬1) فبقي المعني. "ثم أرى في ثوب النبيِّ بقعة" فـ (بُقْعَةً) على النسخة الثانية: مفعول (أرى). (أو بقعًا) عطف على بقعة. والظاهر: أنَّ ذلك من قول عائشة وينزل على حالتين، ويحتمل أن يكون شكًّا أحد من رواته. ووجه أخذ باقي الترجمة، وهو غسل غير الجنابة من الحديث: القياس على الجنابة. 66 - بَابُ أَبْوَالِ الإِبِلِ، وَالدَّوَابِّ، وَالغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي دَارِ البَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ، وَالبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: "هَاهُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ". (باب: أبوال الإبل والدواب والغنم وَمَرابِضِهَا) بفتحِ الميم: جمعُ مربض، بكسر الموحدة وبالمعجمة، من ربض بالمكان يربض، من باب ضرب يضرب: إذا قام به، والمرابض للغنم، كالمعاطن للإبل، وربوضها، كبروك الإبل، ويقال: مربض الغنم. مأواها (والدَّوَابِّ) جمع دابة، وهي لغةً: ما يدبُّ على الأرض، وعُرفًا: لذواتِ الأربع، وهو المراد هنا، وعطفها على الإبل من عطف العام على الخاص، والغنم إذا عطف على الإبل -وهو المشهور- فالمتعاطفان متغايران، أو على الدواب: فهو من عطف الخاص على العامِّ. ¬
(في دار البريد) بفتح الموحدة: منزلٌ بالكوفة ينزل الرسل إذا حضروا من الخلفاءِ إلى الأمراء. وكان أبو موسَى أميرًا على الكوفة من قبل عمر وعثمان. ويطلق البريد على الرسول، وعلى مسافة اثنى عشر ميلًا. (والسِّرْقين) بكسر السين وفتحها، ويقال له: السرجين، بالجيم: روث الدَّوابِّ، وهو بالجرِّ عطفًا على (دار البريد) وبالرفع مبتدأٌ خبره يؤخذ مما بعده. (والبَريَّةُ إلى جَنْبِه) حال، أي: والحال أن البرية إلى جنب أبي موسَى، وهي بفتح الموحدة، وتشديد الراءِ والتحتية: الصحراءُ. (فقال) أي: أبو موسَى. (هَاهُنا، وثم سَوَاءٌ) أي: ذلك والبريةُ مستويان في جواز الصلاة فيهما، أي: لأنَّ ما فيه من الأرواثِ والبولِ طاهرٌ، فلا فرق بينه وبين البرية. وقصد البخاريُّ من هذا التعليق: الاستدلالَ على طهارة بولِ ما يُؤكل، ولا حجة فيه؛ لاحتمال أنَّه صَلَّى على حائل مع أن هذا من فعل أبي موسَى، وقد خالفه غيره من الصحابة فلا يكون في فعلهِ حجةٌ. 233 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ "فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا" فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، "فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ". قَالَ أَبُو قِلابَةَ: "فَهَؤُلاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ". [1501، 3018، 4192، 4193، 4610، 5685، 5686، 5727، 6802، 6803، 6804، 6805، 6899 - مسلم: 1671 - فتح: 1/ 335]
(عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالكٍ". (قدم أُنَاسٌ) بهمزةٍ مضمومةٍ، وفي نسخةٍ: "ناسٌ" بدونها. (من عُكْلٍ) بضم المهملة، وسكون الكاف: قبيلة من تيم الرباب. (أوْ عُرينة) بالتصغير: حي من بجيلة. قال شيخُنُا: والشكُ من حمَّادٍ (¬1). (فَاجْتَووَا المدينة) بجيمٍ وواوين أي: كرهوا الإقامة بها؛ لِما فيها من الوخم، وأصابهم فيها الجوى، وهو داءُ الجوفِ إذا تطاول. (بلقاح) بكسر اللام: جمع لقوح بفتحها: وهي الناقة الحلوب قال ابن سعد: كان عدتها خمسة عشر (¬2). (وأن يشربوا) في محلِّ جرِّ عطف على (لقاح). (فلما صحُّوا) بتشديد الحاء أي: من مرضهم. (راعي النبيِّ) في نسخةٍ: "راعي رسول الله" واسمه: يسار النوبي. (واستاقوا) أي: سا قوا. (النعم) سوقًا عنيفًا، و (النعم) الإبل والبقر والغنم، والمراد هنا: الإبلُ. (فبعث في آثارهم) أي: سرية، وكانت عشرين. (فقطع أيديهم) أي: يدي كلِّ واحد؛ بناءً على أنَّ أقل الجمع اثنان، أو من توزيع الجمع على الجمع، أو من كلِّ واحدٍ يدًا واحدة، وكذا القول في قوله: (وأرجلهم) وفي نسخةٍ: قبل (فقطع) "فأمر" وفي أخرى: "فأمر بقطع أيديهم". (وسُمرتْ أعينهم) بضمِّ السين مع تخفيف الميم، أشهرُ من تشديدها، أي: كحلت بالمسامير المحمية، وقيل: فقئت -كما في رواية مسلم- (¬3). (سملت) باللام فيكونان بمعنىً؛ لقرب مخرج الراءِ ¬
واللام، وإنما فعل بهم ذلك قصاصًا؛ لأنهم فعلوا بالراعي مثلَ ذلك، فليس من المثلة المنهيِّ عنها، وقيل: كان ذلك قبل نزول الحدود، وآية المحاربة. (في الحرَّة) بفتح المهملة والراءِ المشددة: أرض ذات حجارة سود بظاهر المدينة، كأنها أحرقت بالنار. (يستسقون) أي: يطلبون السقي. (فلا يُسْقَوْنَ) المنع من ذلك مع كون الإجماع على سقي من وجب عليه قتله إذا استسقى، إمَّا لأنَّه ليس بأمره - صلى الله عليه وسلم -، أو لأنَّه نهى عن سقيهم لارتدادهم، ففي مسلم: أنهم ارتدوا عن الإسلام، واحتج بالأمر بشربهم البولَ من قال بطهارته أيضًا في بول الإبل، وقياسًا في بول سائر مأكول اللحم. وأجيب: بأنَّ الأمر بذلك محمول على التداوي، وحديث أبي داود: "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" (¬1) محمول على غير الضرورة، وأما خبر مسلم: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في الخمر: "إنها ليست بدواءِ، إنها داء" (¬2) جوابًا لمن سأله عن التداوي بها. فخاصٌّ بالخمر ونحوه من سائر المسكرات؛ لوجوب الحدِّ فيها؛ ولأن شربها يجرُّ إلى مفاسدٍ كثيرةٍ. ¬
67 - باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء
(قال أبو قلابة. . . . . إلخ) قال الكرمانيُّ إن كان من قول أيوب فمسند، وإن كان من قول المؤلف فمن تعاليقه (¬1) وقال شيخنا قوله: (سرقوا) قال أبو قلابة استنباطًا، وبقية كلامه مسند لا موقوف عليه (¬2). 234 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجِدُ، فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ". [428، 429، 1868، 2106، 2771، 2774، 2779، 3932 - مسلم: 524 - فتح: 1/ 341] (أخبرنا أبو التيَّاح) في نسخة: "حدثنا أبو التياح" وفي أخرى زيادة: "يزيد بن حميد". (قبل أن يبنى المسجد) أي: النبويَّ. (في مرابض الغنم) استدل بصلاته فيها على طهارة أبو ال الغنم وأبعارها، وأجيب: باحتمال أنه صلَّى على حائل، أو على مكان طاهرٍ من مرابضها. وفي الحديث: مشروعيةُ الطبِّ والتدواي بأبو ال الإبل وألبانها، وأن كلَّ جسد يُطَبَّبُ بما اعتاد. وقتل الجماعة بالواحد، والمماثلة بالقصاص. 67 - بَابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالمَاءِ. (¬3) وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: "لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ" وَقَالَ حَمَّادٌ: "لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ" وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: "فِي ¬
عِظَامِ المَوْتَى، نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ، يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا " وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: "وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ". [فتح: 1/ 342] (باب: ما يقع من النَّجَاسَاتِ في السمن والماء) أي: بيان حكم ذلك. (لا بأس بالماء) أي: لا حرج في استعماله. (ما لم يغيره) أي: الماء (طعم أو ريح أو لون) أي: طعم ما وقع فيه، أو ريحه، أو لونه، وقضيته: أنه لا فرق بين قليل الماءِ وكثيره، وإليه ذهب بعضهم، ومذهب الشافعي وأحمد: أن محله في الكثير وهو ما بلغ قلتين، أما القليل فينجس بالملاقاة، وإن لم يتغير، كما هو مقرر مع أدلته في كتب الفقه. (وقال حمَّاد) هو ابن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة. (لا بأس بريش الميتة) وقضيته: أنه لا فرق بين تغييره الماء وعدم تغييره له، ولا بين قليل الماءِ وكثيره ومذهب الشافعي خلاف ذلك، كما يعلم مما مرَّ آنفًا. (وقال الزهريُّ في عظم الموتى، نحو الفيل وغيره: أدركت ناسًا ¬
من سلف العلماء، يمتشطون بها) أي: بعظام الموتى، بأن يصنعون مشطًا ويستعملونه. (ويدهنون فيها) بأن يصنعوا منها آنية يجعلون فيها الدهن، ويدهنون به. (لا يرون به بأسًا) فعلم أنه لا بأس بوقوعها في الماء. وقضيته: أنه لا فرق بين عظام الآدمي وغيره، وإن مثل بعظم غيره، ولا بين تغييرها للماء، وعدم تغييرها له، ولا بين قليل الماءِ، وكثيره، ومذهب الشافعي خلاف ذلك. (قال ابن سيرين وإبراهيم) أي: النخعي. (لا بأس بنجارة العاج) بضم النون، وهو ما يخرط من العاج، وهو ناب الفيل، أو عظمه مطلقًا، قيل: ويقال لظهر السلحفاة البحرية أيضًا، وفيما قاله ابن سيرين وإبراهيم ما قدمته آنفًا. 235 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: "أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ". [236، 5538، 5539، 5540 - فتح: 1/ 343] (عن ابن شهاب) أي: "الزهريِّ" كما في نسخة. (عن عبيد الله بن عبد الله) زاد في نسخةٍ: "ابن عتبة بن مسعود". (سُئل عن فأرَةٍ) يحتمل أن يكون السائل ميمونة. (في سمن) أي: جامد، كما دلَّ عليه كلامه بعد، فماتت، كما رواه المؤلف في الذبائح (¬1). 236 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، ¬
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: "خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ" قَالَ مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، مَا لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ. [انظره 23 - فتح: 1/ 343] (حدثنا معن) بفتح الميم وسكون العين، أي: ابن عيسى أبو يحيى القزاز. (فاطرحوه) أي: المأخوذ. (قال معن) من كلام ابن المديني داخلٌ تحت الإسناد السابق. (ما لا أُحْصِيه) بضمِّ الهمزة، أي: لا أضبطه. (يقول) أي: مالك. (عن ابن عباس، عن ميمونة) القصد من ذلك: بيان أن هذا الحديث من مسانيد ميمونة؛ دفعًا لما توهمه بعضهم من أنه من مسانيد ابن عباس، أي: يروي ابن عباس عن ميمونة لا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. 237 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا، إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالعَرْفُ عَرْفُ المِسْكِ". [2803، 5533 - مسلم: 1876 - فتح: 1/ 343] (أحمد بن محمد) أي: ابن موسى المروزي. (حدثنا عبد الله) أي: ابن المبارك، وفي نسخةٍ: "أخبرنا عبد الله". (كُلُّ كَلْمٍ) بفتح الكاف وسكون اللام، أي: جُرح. (يُكْلَمُهُ) بالبناء للمفعول، أي: يُكلمُ به، فحذف الجار وأوصل الضمير بالفعل، وفي نسخةٍ: "كَلْمَة يُكْلَمُها" أي: جراحة. (يكون) أي: الكلم، وفي نسخةٍ: "تكون" بمثناة فوقية. (كهيئتها) أي: كهيئة الكلمة، ويجوز تأنيثُ الكَلْمة أيضًا باعتبار الجراحة. (إذ طُعِنَتْ) أي: حين طعنت، أنث (الكَلْم) مع أنه مذكر؛ لأن أصله: طعن بها، فحذف الجار وأوصل الضمير بالفعل مستترًا. (تفجَّر) بفتح الجيم المشددة، وأصل: تتفجر، فحذفت التاء الأولى تخفيفًا.
68 - باب [البول في] الماء الدائم
(اللون) وفي نسخة: "واللون". (لون الدم) ليشهد لصاحبه بفضله على بذل نفسه. (والعَرْفُ) بفتح العين المهملة وسكون الراءِ، أي: الريح. (عرف المسك) لينتشر في أهل الموقف؛ إظهارًا لفضل الجريح، وفي نسخة: تنكير (الدم) و (المسك). ووجه دخول الحديث في الباب: أن المسكَ طاهرٌ، وأصله: نجسٌ، فإن تغير خرج عن حكمه فكذلك الماء. 68 - باب [الْبَوْلِ فِي] المَاءِ الدَّائِمِ. (¬1) ¬
(باب: البول في الماءِ الدائم) في نسخة: "باب: الماءِ الدائم". وفي أخرى: "باب: لا تبولوا في الماء الدائم". (أخبرنا أبو الزناد) في نسخة: "حدثنا أبو الزناد". (أنَّه سمع) في نسخةٍ: "قال: سمعت" وفي أخرى: "يقول: سمعت". (رسول الله) في نسخةٍ: "النبي". (نحن الآخرون) بكسر الخاءِ، أي: المتأخرون في الدنيا، وهو جمع آخر بالكسر، مقابل أول، أمَّا آخَر بالفتِح: فأفعل تفضيل، بمعنى: مغاير، فهو أعم من آخر بالكسر. (السَّابِقُون) أي: المتقدمون في الآخرة. 238 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ". [876، 896، 2956، 3486، 6624، 6887، 7036، 7495 - مسلم: 855 - فتح: 1/ 345] 239 - وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ". [مسلم: 282 - فتح: 1/ 346] (بإِسْنَادِهِ) أي: بإسناد الحديث السابق. (في الماء الدائم) أي: الراكد، أو الكائن ببئر معينة، كما نصَّ عليهما الشافعيُّ في "البويطي" فهو تفسير للراكد، وفسره البخاريُّ بقوله: (الذي لا يجري) ولا منافاة بينهما. (ثمَّ يغتسل فيه) أي: أو يتوضأ، و (يغتسل) بالرفع على المشهور، وجوَّز ابن مالك جزمه عطفًا على (يبولنَّ) المجزوم محلًا بلا الناهية، ونصبه على إضمار أن؛ إعطاءً لـ (ثم) حكم واو الجمع (¬1). وردَّه النوويُّ بأنه يقتضي أن النهي للجمعِ بينهما، ولم يقله أحد، بل البول ¬
منهيٌّ عنه (¬1). وأجاب ابن دقيق العيد: بأنه لا يلزم أن يدلَّ على الأحكام المتعددة لفظٌ واحد، فيؤخذ النهيُّ عن الجمع بينهما من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر (¬2). وقضية ذكر الراكد المفسر بما مرَّ: أنه لا فرق بين القليل والكثير وهو ظاهر، وإن قيده بعضهم بالقليل، غايته: أن فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ لكون البول في القليل حرامًا، وفي الكثير مكروهًا، وذلك جائز عند الشافعي، وخرج بالذي لا يجري الجاري فلا يكره ذلك فيه؛ لأنه إذا خالطه نجس دفعه الجزءُ الذي يليه فيغلبه فيصير كالمستهلك، بخلاف الراكد. لكن نقل النوويُّ في "مجموعه" وغيره (¬3) عن جماعة: الكراهةَ في القليل منه دون الكثير، ثم قال: وينبغي أن يحرم البولُ في الماءِ القليل مطلقًا؛ لإتلافه. وأجيب عنه: بإمكان طهره بالكثرة، قال: وأما الكثير -يعني: من الجاري- فالأَوْلَى اجتنابُهُ. ووجه ذكر "نحن الآخرون السابقون" مع ما بعده مع أنه ليس في الترجمة: احتمال أن أبا هريرة سمعهما في نسق واحد من النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدث بهما جميعًا، وتبعه البخاريُّ. ¬
69 - باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة، لم تفسد عليه صلاته
69 - بَابُ إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ، لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلاتُهُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: "إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا، وَهُوَ يُصَلِّي، وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صَلاتِهِ" وَقَالَ ابْنُ المُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيُّ: "إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ، أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ، أَوْ تَيَمَّمَ صَلَّى، ثُمَّ أَدْرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ، لَا يُعِيدُ" [فتح: 1/ 348] (باب: إذا أُلقيَ على ظهر المصلي قذرٌ أو جيفة، لم تفسد عليه صلاته) ألقي: مبني للمفعول. وقذر: نائب الفاعل، وهو بفتح المعجمة: الشيء النجس. والجيفة: جيفة الميتة. (وكان) في نسخةٍ: "قال: وكان". (وضعه) أي: ألقاه عنه. (ومضى في صلاته) سكت عن إعادتها، ومذهب الشافعيِّ وأحمد: وجوب إعادتها؛ لندرة ذلك. (وقال ابن المسَيَّب والشعبيُّ: إذا صلَّى) أي: المرء، وفي نسخةٍ: "وكان ابن المسيب والشعبي: إذا صَلَّى" أي: كلٌّ منهما. (وفي ثوبه دم) أي: لم يعلمه. (أو جنابة) أي: أثرها وهو المني. (أو لغير القبلة) باجتهاد أخطأ فيه. (أو تيمم) أي: عند عدمِ الماءِ. (وصلَّى) في نسخة: "فصلَّى". ثم أدرك الماء في وقته) أي: وقت تيممه. (لا يعيد) صلاته، أما في صورة الدم: فمحمول على قلته إن كان من أجنبيِّ، أو على كثرته إن كان من المصلّي، والكثرة في محلِّ الجرح، وأما في صورة الجنابة فلطهارة المنيِّ عند الشافعيِّ، وأما في صورة غير القبلة فهو على مذهب الشافعيِّ في القديم، وأمَّا في الجديد: فتجب الإعادة، وأمَّا في صورة التيمم، فعدم الإعادة فيها هو
مذهب الأربعة، وأكثر السلف. 240 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ قَالَ: ح وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ". ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثُمَّ سَمَّى: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ" - وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْ -، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرْعَى، فِي القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ. [520، 2934، 3185، 3854، 3160 - مسلم: 1794 - فتح: 1/ 341] (عبدان) أي: ابن عثمان. (عن عبد الله) في نسخة: "قال عبد الله". (ح) علامة للتحويل، كما مرَّ، وفي نسخة بدلها. "قال" أي: البخاري. (وحدثني أحمد) في نسخةٍ: "وحدثنا أحمد". (أن عبد الله) في نسخة: "عن عبد الله". (عند البيت) أي: الكعبة. (وأبو جهل) هو عمرو بن هشام
المخزومي، وكانت كنيته: أبا الحكم، فكناه - صلى الله عليه وسلم -: أبا جهل. (وأصحاب له) وهم السبعة المدعوُّ عليهم بَعْدُ. (جلوس) خبر المبتدأ، وهو أبو جهل، وما عطف عليه، وجوز فيه الكرماني (¬1) أنه خبر (أصحاب)، وخبر "أبو جهل" محذوف على حد قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف (¬2) (إن قال) في نسخة: "قال". (بعضهم) وهو أبو جهل؛ -كما في مسلم (¬3) -. (لبعض) زاد مسلم في روايته: "وقد نُحِرَت جَزورٌ بالأمسِ". (بِسَلَى) بفتح السين وخفة اللام، وبالقصر: الجلدةُ التي يخرج منها ولد البهيمة، كالمشيمة للآدميات، ويقال فيهن ذلك أيضًا. (جزور بني فلان) بفتح الجيم: من الإبل، يقع على الذكر والأنثى، وجمعه: جزر. (فانبعث أشقى القوم) هو عقبة بن أبي معيط، أي: بعثته نفسه الخبيثة فانبعث يقال: انبعث في سيره، أي: أسرع فيه، وفي نسخةٍ: ¬
"أشقى قومه" وفي أخرى: "أشقى قوم" بالتنكير، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جهلٍ وهو أشد كفرًا منه وإيذاءً للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم اشتركوا في الكفر والرضا وانفرد هو بالمباشرة، ولهذا قتلوا في الحروب، وقتل هو صَبْرًا. (لا أغني) بضمِّ الهمزة أي: لا أغني في كفِّ شرهم، وفي نسخة: "لا أغيِّر" أي: لا أغير من فعلهم شيئًا. (لو كان لي) في نسخةٍ: "لو كانت لي". (منعة) بفتح النون وسكونها، أي: قوة أو موانع؛ إذا المنعة هي القوة، أو جمع مانع، ككتبة وكاتب، وجواب (لو) محذوف، أي: لو كان لي قوة، أو عشيرة بمكة يمنعونهم مني؛ لأغنيت وكففت شرهم، أو غيرت فعلهم، أو هي للتمني (¬1) فلا تحتاج إلى جواب. (فجعلوا يضحكون) أي: استهزاءً. (ويحيل بعضهم على بعض) أي: ينسب بعضهم فعل ذلك إلى بعض تهكُّمًا. (حتَّى جاءته) في نسخة: "حتَّى جاءت" بلا هاءٍ. (فاطمة) أي: بنت النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. (فطرحت) أي: ما وضعه أشقى القوم، وفي نسخة: "فطرحته" وإنما تمادى في صلاته مع أنَّ ما وُضع عليه نجس؛ لأنه لم يعلم نجاسته، والأصل الطهارة، ولم يعلم هل كانت الصلاة واجبة فتجب إعادتها؟ وإلا فلا تجب، ولو وجبت فالوقت موسع. (فرفع رأسه) في نسخةٍ: "فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه". (ثم قال) أي: بعد تمام صلاته، وفي نسخة: "وقال". (اللهم عليك بقريش) أي: ¬
بإهلاك كفارهم أو من سمَّى منهم بَعْدُ. (ثلاث مراتٍ) ثلث ذلك على عادته في تثليث الدعاءِ وغيره. (إذ دعا) أي: حين دعا. (قال) أي: ابن مسعود. (وكانوا يرون) بفتح أوله، أي: يعتقدون، وبضمه: أي: يظنون. (أن الدعوة) في نسخةٍ: "أن الدعوى". (مستجابة) أي: مجابة، والمراد: أنهم ما اعتقدوا الإجابة إلا من جهة المكان لا من خصوص دعوته - صلى الله عليه وسلم -. (ثم سمَّى) أي: عيَّن في دعائه وبيَّن ما أجمل أولًا. (وعدَّ) أي: النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أو عبد الله بن مسعود، أو عمرو بن ميمون. (الوليد بن عتبة) بالفوقية، ووقع في مسلم: ابن عقبة بالقاف وهو وَهْمُ نبَّه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم (¬1). (فلم نحفظه) بنون، أي: نحن، أو بياء، أي: ابن مسعود، أو عمرو بن ميمون، لكن حفظه غيرهما، وهو عمارة بن الوليد بن المغيرة، كما ذكره البخاري في رواية (¬2). (قال) أي: ابن مسعود. (فوالذي نفسي بيده) في يده. (الذين عدَّ) أي: عدَّهم، وفي نسخة: "الذي عدَّ" أي: الجمع الذي عده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (صرعى) جمع صريع بمعنا: مصروع، وهو حال من مفعول رأى؛ لأنها بصرية. (في القليب) هو البئر قبل أن تطوى. (قَلِيبِ بَدْرٍ) بجرِّه بدلٌ من القليب، ويجوز رفعه ونصبه، وإنما ألقوا في القليب؛ تحقيرًا لشأنهم؛ ولئلا يتأذى الناسُ برائحتهم لا أنه دفن؛ لأن الحربي لا يجب دفنه، ¬
70 - باب البزاق والمخاط ونحوه في الثوب
قيل: كيف ألقوا في القليب والناسُ ينتفعون بمائه؟ وأجيب: بأنه لم يكن فيه ماء، أو كان مهجورًا. وبدر: موضع الغزوة المشهورة على أربع مراحل من المدينة، (¬1) يذكر ويؤنث، وقيل: بدر: بئر كانت لرجل يسمَّى بدرًا سميت باسمه. والقاتل لأبي جهلٍ: ابنا عفراء، ولعتبة: عبيدة بن الحارث [أو حمزة، ولشيبة: حمزة، أو عليُّ، وللوليد: عليُّ، وللأُمية: رجلٌ من الأنصار، أبو معاذُ بن عفراء] (¬2) أو خارجة بن زيد، ولابن أبي معيط: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أو على، أو عاصم بن ثابت، وأمَّا عمارة بن الوليد: فقتله ساحر بسحره بأمر النجاشي. 70 - بَابُ البُزَاقِ وَالمُخَاطِ وَنَحْوهِ فِي الثَّوْبِ قَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ، وَمَرْوَانَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ فَذَكَرَ الحَدِيثَ: "وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً، إلا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ". [انظر: 1694، 1695] (باب: البُزاق) بالزاي أكثر من الصاد والسين، والباء مضمومة في الثلاثة: وهو ما يسيل من الفم. (والمخاط) بضمِّ الميم: ما يسيل من ¬
الأنف. (ونحوه) أي: نحو كلِّ من البزاق والمخاط، كالعرق والنخامة. (في الثوب) تنازع فيه المذكورات قبله، أي: المواقع كلٌّ منها فيه. (ومروان) أي: ابن الحكم، ولد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع منه؛ لأنه خرج طفلًا مع أبيه الحكم إلى الطائفِ حيث نفاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إليها؛ لأنه كان يفشي سره، فكان معه حتَّى استخلف عثمان فردَّه إلى المدينة، وكان إسلام الحكم يوم الفتح، وحينئذٍ فيكون حديث مروان مرسل صحابيٍّ، ذكر تقوية لحديث مسور، فحديث مسور هو الأصل. (خرج النبيُّ) في نسخة: "خرج رسول الله". (زمن حديبية) بتخفيف الياءِ عند الشافعي، وتشديدها عند أكثر المحدثين، وفي نسخة: "زمن الحديبية"، وهي قرية سميت ببئر هناك أو بشجرة حدباء (¬1)، كان تحتها بيعة الرضوان وهي على مرحلة من مكة. (فذكر) أي: حذيفة. (الحديث) أي: الآتي مسندًا في قصة الحديبية. (وما تنخم. . إلخ) قال الكرماني: هو عطف على (خرج) أو على (الحديث) (¬2) والمراد: ما يتنخم مطلقًا، أو على (زمن الحديبية)، والمعنى: ما تنخم في حالٍ من الأحوال إلا حال وقوعها في كفِّ رجلٍ منهم. والنخامة: هي النخاعة بضم النون فيهما: وهما ما يخرج من ¬
الصدر، وزعم النوويُّ (¬1): أنَّ النخامة تخرج من الفم، والنخاعة من الحلق. وقيل: النخامة [: ما يخرج من الصدر، والبلغم: ما ينزل من الدماغ، وقيل: بالعكس. (فدلك بها وجهه وجلده) أي:] (¬2) تبركا به - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمًا له، وأفاد بذلك أن الريق والمخاط ونحوهما طاهرة، فوقوعها في الماء لا ينجسه، فيتوضأ به، وبذلك ناسب ذكره في كتاب: الوضوءِ. ووجه ذكر حديث الحديبية هنا: أن التنخم كان فيها، أو أن الراوي ساق الحديثين معًا، كما مرَّ: "نحن الآخرون السابقون". 241 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «بَزَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَوْبِهِ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: طَوَّلَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [405، 412، 417، 531، 532، 1214 - مسلم: 551 - فتح: 1/ 353] (سفيان) أي الثوري. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (بزق النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في ثوبه) أي: وهو في الصلاة. (طَوَّلَهُ) أي: الحديث، أي: ذكره مطولًا في باب: حك البزاق باليد من المسجد (¬3) وفي نسخة: قبل (طوَّله): "قال أبو عبد الله" أي: البخاريّ. (ابن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم شيخ البخاريِّ. (سمعت أنسًا، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -) أي: يقول مثل هذا الحديث، وفي ذلك تصريح بسماع حميد من أنس، فظهر أن روايته عنه في السند ¬
71 - باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ، ولا المسكر
السابق بعن ليست تدليسًا، كما زعمه بعضهم. وفي الحديث: طهارة النخامة والبزاق، والتبرك بفضلاته - صلى الله عليه وسلم -. 71 - بَابُ لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ، وَلَا المُسْكِرِ وَكَرِهَهُ الحَسَنُ، وَأَبُو العَالِيَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ: "التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ". [فتح: 1/ 353] (باب: لا يجوز الوضوء بالنبيذ) بمعجمة: هو فعيل بمعنى مفعول أي: مطروح، والمراد: الماء المطروح فيه التمر، أو الزبيب سواء أَسْكَرَ أم لا. (ولا المسكر) أي: لبنًا كان أو غيره، وهو عطف على (النبيذ)؛ لأن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه. (وكرهه الحسن) أي: البصريُّ، أي: كره التوضؤ بالنبيذ، وروي عنه: أنه لا بأس به (¬1). فكراهته عنده للتنزيه. (وأبو العالية) هو رفيع بن مهران الرِّياحي بكسر الراءِ، وبالتحتية. (وقال عطاء) أي: ابن أبي رباح. (التيمم أحبُّ إليَّ من الوضوءِ بالنبيذ واللبن) قد يؤخذ منه جواز الوضوءِ بهما وليس مرادًا، وأمَّا خبر الترمذيِّ عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "ماذا في إداوتك؟ " قال: نبيذ، قال: "تمرة طيبة، وماء طهور"، فتوضأ به فصلَّى الفجر (¬2) فأجبت ¬
72 - باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه
عنه: بأن علماء السلف أطبقوا على تضعيفه، ولئن سلم صحته، فهو منسوخ؛ لأَنه كان بمكة، وآيةُ التيممِ نزلتْ بالمدينةِ. 242 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ". [5585، 5586 - مسلم: 2001 - فتح: 1/ 354] (سفيان) أي: ابن عيينة. (قال: حدثنا الزهريُّ) في نسخةٍ: "عن الزهري". (كل شرابٍ أسكر) أي: من شأنِه أنْ يسكر. (فهو حرام) على شاربه وإنْ قلَّ ولم يسكره. فبذلك خرج عن اسم الماء فلا يتوضأ به. 72 - بَابُ غَسْلِ المَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ: "امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي، فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ". (باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه) بنصب الدم، بدل اشتمال، أو بعض من (أباها) أو على الاختصاص، أي: أخص أو أعني، وفي نسخة: "غسل المرأة أباها الدَّمَ من وجهه" وفي أخرى: "غسل المرأةِ الدم عن وجهِ أبيها". (قال أبو العالية) أي: بعد ما وضَّئوه، وبقيت إحدى رجليه، وهو وجيعٌ. ¬
(امسحوا على رجلي، فإنَّها مريضة) أي: من جمرةٍ. ومطابقةُ هذا للترجمة: من جهة أنَّ الاستعانةَ في الوضوء، كهي في إزالة النجاسة. 243 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَسَأَلَهُ النَّاسُ، وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ: بِأَيِّ شَيْءٍ دُوويَ جُرْحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، "كَانَ عَلِيٌّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ". [2903، 2911، 3037، 4075، 5248، 5722 - مسلم: 1790 - فتح: 1/ 354] (حدثنا محمد) أي: ابن سلام. (أخبرنا سفيان) في نسخةٍ: "حدثنا سفيان". (عن أبي حازم) بمهملة وزاي مكسورة: سلمة بن دينار الأعرج. (وسأله الناس) حال، وفي نسخة: "وسألوه الناس" على لغة: أكلوني البراغيث وفي أخرى: "سأله الناس" بدون واو. (ما بيني وبينه أحد) أي: عند السؤال؛ ليكون أدل على صحة سماعه، والجملة اعتراضٌ، أو حالٌ ثانية؛ إما من مفعول سأل فالحالان متداخلتان، أو من مفعول سمع، فهما مترادفتان. (بأي شيء) الباء: بمعنى: عن (¬1) متعلقة بسأل. (دُوويَ) مبني للمفعول وواواه الأولى ساكنة، والثانية مكسورة، وربَّما كتب في نسخة بواو واحدة، فيكون، كداود في الخط. (جُرْحُ النبيِّ) هذا الجرح كان في غزوة أحد. ¬
73 - باب السواك
(فقال) أي: سهلٌ. (ما بقي أحد) أي: من الناس. (أعلم به مني) برفع (أعلم) صفة أَحد، ويجوز نصبه على الحال، والتركيب المذكور يصدق بكونه أعلم من غيره، وبمساواته، لكن المراد الأول، وشاهده استعمال العرف ذلك فيه. (فأحرق، فحشي به جرحه) ببناء الفعلين للمفعول، كما في قوله: أُخِذ حصيرٌ، وأخذ الحصير. ومُحرِقُه وحَشِيْه هو فاطمة - رضي الله عنها - كما ذكره البخاريُّ في الطب (¬1)، وإنما حشته برماد الحصير؛ لأن فيه استمساكًا للدمِ. وإدخال هذا الباب في كتاب: الوضوء على نسخةٍ الترجمة به بالنظر إلى أن المراد بالوضوء معناه اللغوي، وهو الوضاءةُ والحسن ورفع الخبث من ذلك. وأمَّا إدخاله في كتاب: الطهارة على نسخة الترجمة به فظاهر. وفي الحديث: مباشرة المرأة محارمها ومداواتهم، وإباحة التداوي، وابتلاء الأنبياء عليهم السلام، لينالوا جزيل الأجر؛ ولتتأسَّى بهم أُمَّتُهُم؛ وليعلموا أن الأنبياء بَشَرٌ تصيبهم مِحَنُ الدنيا في أجسامهم، وأنَّ المداواة لا تقدح في التوكل. 73 - باب السِّوَاكِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "بِتُّ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَنَّ". [انظر: 117] (باب السواك) هو بالكسر: يطلق على الفعل، وعلى الآلة التي يُتسوك بها، وهو مذكر، وقيل: مؤنث، وهو مأخوذ من ساك إذا دلك، أو من جاءت الإبل تتساوك، أي: تتمايل هزالًا، وهو سنة مطلقًا، ¬
ويتأكد في مواضع كالوضوءِ، وقد بينتها في غير هذا الكتاب. وكماله: أن يمرَّ السواك علي أسنانه، وكراسي أضراسه، وسقف حلقه، إمرارًا لطيفًا. (فاستنَّ) مأخوذ من الاستنان: وهو دَلْكُ الأسنان وحكها بما يجلوها، مأخوذ من السن بكسر السين: وهو دلك الأسنان، أو بفتحها: وهو إمرار ما فيه خشونة علي آخر؛ ليذهبها. وهذا التعليق ساقط من نسخة. 244 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُهُ "يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ أُعْ أُعْ، وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ". [مسلم: 254 - فتح: 1/ 355] (أَبو النعمان) هو محمد بن الفضل. (يقول). أي: النبيُّ، أو السواك، مجازًا. (أع أع) بضم الهمزة، وقيل: بفتحها، والعين مهملة فيهما، وقيل: معجمة، وكلُّ ذلك راجع إلى حكاية صوت النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو صوت السواك مجازًا. (والسواك في فيه) حال. (كأنه) أي: النبيَّ صلى الله عليه وسلم. (يتهوَّع) أي: يتقيأ، يقال: هاع يهوع إذا قاءَ بلا تكلُّف (¬1)، يعني: أن له صوتًا، كصوت المتقيِّئ علي سبيل المبالغة. وللسواك فوائد ذكرتها مع زيادة في غير هذا الكتاب. 245 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ". [889، 1136 - مسلم 255 - فتح: 1/ 356] ¬
74 - باب دفع السواك إلى الأكبر
(عثمان) في نسخةٍ: "عثمان بن أبي شيبة". (يشوصُ فاه) بمعجمةٍ وصادِ مهملة، أي: يُدلكه، أو يغسله، أو يحكُّه. 74 - باب دَفْعِ السِّوَاكِ إِلَى الأَكْبَرِ. (باب: دفع السواك إلى الأكبر) أي: سنًّا. (وقال عفَّان) أي: ابن مسلم الصفَّار. 246 - وَقَالَ عَفَّانُ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَرَانِي أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِي رَجُلانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا " قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ. [مسلم: 2271، 3003 - فتح: 1/ 356] (أراني أتسوك بسواكٍ) بفتح همزة (أراني) أي: أعتقد أني أتسوك، وبضمها أي: أظنُّ ذلك، وكلٌّ منهما إخبارٌ بما رآه في النوم. (فناولتُ السواك) أي: أعطيته. (فقيل لي) القائل له جبريل. (كَبِّر) أي: قَدِّم الأكبر سنًّا. (قال أَبو عبد الله) أي: البخاريّ. (اختصره) أي: الحديث. (نُعيم) بالتصغير: هو ابن حمَّاد. وفي الحديث: تقديم الأكبر في السواك والطعام والشراب والمشي والركوب والكلام وغيرها، نعم إذا ترتب القوم في الجلوس، فالسنة تقديم فالأيمن، كما دل له حديث آخر (¬1). ¬
75 - باب فضل من بات على الوضوء
75 - بَابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُوءِ (باب: من بات على الوضوءِ) في نسخة: "على وضوء". 247 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إلا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ". قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: "لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ". [6311، 6313، 6315، 7488 - مسلم: 2710 - فتح: 1/ 357] (أخبرنا عبد الله) أي: ابن المبارك، وفي نسخة: "حدثنا عبد الله". (سفيان) أي: الثوري. (إذا أتيت مضجعك) بفتح الجيم أي: إذا أردت إتيانه. (فتوضأ) أي: إن كنت علي غير وضوء، وإنما ندب ذلك حينئذٍ؛ لأنه قد تقبض روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالوضوء؛ وليكون أصدق لرؤياه، وأبعد من تلاعب الشيطانِ به في منامه. (ثم اضطجع علي شقك الأيمن) لأنه يمنع الاستغراق في النوم؛ لقلق القلب؛ لكونه في الأيسر فتسرع الإفاقة؛ ليتهجد، أو ليذكر الله، بخلاف اضطجاعه علي الأيسر. (أسلمت وجهي) أي: جعلتُ ذاتي منقادة لك طائعة لحكمك. (وفوضت) أي: رددت. (وألجأت ظهري إليك) أي: أسندته، والمرادُ: توكلت واعتمدت عليك، كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما
يسنده إليه. (رغبة) أي: طمعًا في ثوابك. (ورهبة) أي: خوفًا من عقابك. (إليك) تنازعه (رغبة) و (رهبة) وإن عديت الرهبة بمن، لكنها أجريت هنا مجرى الرغبة تغليبًا، كما في: علفتها تبنًا وماءً باردًا (¬1)، أو فيهما مع ما قبلهما لف ونشر مرتب. (لا ملجأ) بالهمز وقد يخفف. (ولا منجا) بالقصر، ويجوز تنوينه مع حذف ألفه، إن قُدِّر معربًا، وهذا مع ما قبله مثل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيجوز فيه خمسة أوجه: فتح الأول والثاني، ورفعهما، وفتح الأول مع نصب الثاني أو رفعه، ورفع الأول وفتح الثاني. (منك) تنازعه (ملجأ) و (منجا) لأنهما هنا مصدران لا مكانان. وفيه: تغليب المنجا علي الملجأ؛ إذ الملجأ لا يعدى بمن، وكذا القول في إليك؛ إذ المعنى: لا ملجأ منك إلى أحدٍ إلا إليك ولا منجا منك منتهيًا إلى أحد إلا إليك. ¬
(آمنت بكتابك) أي: صدقت به، والمراد بالكتاب: جميع كتب الله تعالى؛ لإضافته إلا معرفة، أو القرآن، لأن الإيمان به يتضمن الإيمان بجميع كتب الله تعالى المنزلة. (على الفطرة) هي دين الإسلام، وقد يطلق على الخلقة نحو: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، وعلى السُّنة نحو: "خمسٌ من الفطرة" (¬1). (واجعلهن من) أي: من هذه الكلمات. (آخر ما تتكلم به) في نسخةٍ: "آخر ما تكلم به" بحذف إحدى التاءين، وفي أخرى: "من آخر ما تتكلم به"، (واجعلهن آخرًا) هو الأكمل، وإلا فلا يمتنع أن يقول بعدهنَّ شيئًا مما شرع من الذكر عند النوم، والفقهاء لا يعدون الذكر كلامًا في باب الإيمان، وإن كان كلامًا لغويًّا. (قال) أي: البراء. (فَرَدَّدْتُها) أي: كررت هذه الكلمات؛ لأحفظهن. (قلت: ورسولك) زاد في نسخة: "الذي أرسلت". (قال) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (لا) أي: لا تقل: ورسولك، بل قل: (وبنبيكَ الذي أرسلت) وجه المنع من ذلك والعدول إلى (نبيك) أنه لو قال: ورسولك؛ لكان تكرارًا مع قوله: أرسلت، وأن ألفاظه - صلى الله عليه وسلم - ينابيع الحكمة، وجوامع الكلم فتتبع، وقيل في توجيهه غير ذلك. وفي الحديث: سنُّ الوضوءِ عند النومِ، والنومُ علي الشقِّ الأيمن، وخَتْمُ عمله بذكر الله تعالى والدعاء. ¬
5 - كتاب الغسل
5 - كتاب الغسل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 5 - كِتَابُ الغُسْلِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43]. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مؤخَّرٌ في نسخة عن قوله: (كتاب: الغسل) وساقط من أخرى. مع إبدال (كتاب) بـ"باب"، والغسل بالفتح: مصدر غسل الشيء غسلًا؛ وبمعنى الاغتسال كقولك: غسل الجمعة مستحب، وبالضمِّ مشترك بينهما وبين الماء الذي يغتسل به
ففيه: علي الأوليين لغتان: الفتح وهو أكثر، والضمُّ وهو ما يستعمله الفقهاء أو أكثرهم، وأما بالكسر: فاسم لما يغتسل به من سِدْرٍ ونحوه. (وقول الله) بالجرِّ عطف على الغسل. (تعالى) في نسخة: "عزَّ وجلَّ". ({جُنُبًا}) يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع على الأفصح؛ لأنه يجري مجرى المصدر، وهي الإجناب، وأريد بها هنا جمع المذكر. (فاطهروا) أي: فاغتسلوا من الجنابة. ({مَرْضَى}) أي: مرضًا يخاف معه من استعمال الماء، محذور في نفسه، أو ما يتبعها وأنتم جنبٌ، أو محدثون. ({أَوْ عَلَى سَفَرٍ}) أي: مسافرين وأنتم جنبٌ، أو محدثون. ({أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}) أي: لمستم بشرتهن ببشرتكم، أو باليد، وألحق بها اللمس بباقي البشرة. ({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}) تتطهرون به للصلاة بعد طلبه، وهذا راجع إلى ما عدا المرضى. ({فَتَيَمَّمُوا}) أي: اقصدوا بعد دخول الوقت. ({صَعِيدًا طَيِّبًا}) أي: ترابًا طاهرًا. ({فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}) أي من المرفقين. ومسح يتعدى بنفسه وبالباء كما هنا. ({مِنْهُ}) أي: من بعض التراب. ({مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ}) أي: بما فرض عليكم من الغسل والوضوء والتيمم. ({مِنْ حَرَجٍ}) أي: ضيق. {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}) أي: من الأحداث والذنوب. {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ}) أي: بيان شرائع الدين ({لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}) نعمة فيزيدها عليكم (وقوله) بالجرِّ عطفٌ علي الغسل أيضًا. ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ}) أي: لا تصلوا. ({وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}) نزلت في جمعٍ من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريمها. ({وَلَا جُنُبًا}) بنصبه علي الحال. ({إِنَّ}
1 - باب الوضوء قبل الغسل
اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا}) يسهل ولا يعسر، ويغفر. كذا ذكر الآيتين بتمامهما في نسخة، وفي أخرى: " ({فَتَيَمَّمُوا} إلى قوله: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} "، وفي أخرى: " {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} الآية) وفي أخرى: " {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ". وفي أخرى: " {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} ". 1 - بَابُ الوُضُوءِ قَبْلَ الغُسْلِ (باب: الوضوء قبل الغسل) قدَّم الوضوءَ على الغسل؛ لفضل أعضاء الوضوء؛ ولأن تقديمه أكمل، قال الرافعي: لا يحتاج هذا الوضوء إلى إفراده بنية؛ لاندراجه في الغسل (¬1). زاد في "الروضة" (¬2): قلت: المختار أنه إن تجردت جنابته عن الحدث نوى بوضوئه سنة الغسل، وإن اجتمعا نوى به رفع الحدث الأصغر. 248 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي المَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ". [262، 272 - مسلم 316 - فتح: 1/ 360] (عن هشام) هو ابن عروة. (إذا اغتسل) أي: أراد أن يغتسل. (كان إذا اغتسل من الجنابة، ¬
بدأ فَغَسَلَ يديه) أتى بها بلفظ الماضي، وبما بعدها بلفظ المضارع، وإن كانت كلها بمعنى المستقبل؛ إشعارًا بالفرق بين ما هو خارج من أفعال الغسل، وما هو داخل فيها، هذا إذا جعلت (إذا) شرطية، وهو الظاهر، فإن جعلت ظرفية فما جاء ماضيًا فعلى أصله، وما جاء مضارعًا فلاستحضار صورته للسامعين. (ثم يتوضأ) في نسخة: "ثم توضأ". (كما يتوضأ للصلاة) ظاهره، أو صريحه: أنه يأتي بالوضوءِ قبل الغسل، وهو الأكمل، وإن حصلت السنة عند الشافعي بإتيانه بعده، وبإتيان بعضهِ قبلَه وبعضِه بعده. (أصول شعره) في نسخةٍ: "أصول الشعر" والحكمة في تخليله: تليينه؛ ليسهل مرور الماءِ عليه، ويكون أبعد من السرف. (ثلاث غرف) جمع غُرفة بالضمِّ: وهي ملءُ الكفِّ من الماءِ، وفي نسخة: "ثلاث غرفات". (ثم يفيض الماء) أي: يسيله. وفي الحديث: استحباب غسل اليدين قبل الغسل، وتثليث الصبِّ، وتخليل الشعر، وجواز إدخال الأصابع في الماء. 249 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: "تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُضُوءهُ لِلصَّلاةِ، غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا، هَذِهِ غُسْلُهُ مِنَ الجَنَابَةِ". [257، 259، 260، 265، 266، 274، 276، 281 - مسلم: 317 - فتح: 1/ 361] (محمد بن يوسف) أي: الفريابيُّ. (سفيان) أي: الثوري. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (غير رجليه) أي: فأخرهما؛ ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، وإن كان الأكمل تقديهما، كما
2 - باب غسل الرجل مع امرأته
مرَّ؛ تحصيلًا للموالاة. (وغسل فرجه) أي: ذكره، وأخَّر غسله من الوضوء، وإن كان الأفضل تقديمه؛ لعدم وجوب تقديمه أو لأن الواو لا تقتضي الترتيب (¬1) أو أنها للحال. (وما أصابه من الأذى) طاهرًا كان كالمنِّي والمُخاط، أو نجسًا بناءً على ما قاله النووي: إن الغسلة الواحدة كافية للنجس والحدث (¬2). (هذه) أي: الأفعال. (غسله) أي: كيفية غسله، وفي نسخة: "هذا غسله". (من الجنابة) أي: من أجلها. 2 - بَابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ (باب: غسل الرجل مع امرأته) أي: من إناءٍ واحد. 250 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الفَرَقُ". [261، 263، 273، 299، 5956، 7339 - مسلم: 319 - فتح: 1/ 363] (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن القرشي. (كنت أغتسل أنا والنبيّ) بنصب النبيِّ على أنه مفعول معه (¬3)، وبرفعه بالعطف علي (أنا) وإن لم يصح أن يكون (أغتسل) عاملا فيه؛ ¬
3 - باب الغسل بالصاع ونحوه
لتغليب المتكلم على الغائب، كتغليب المخاطب على الغائب في قوله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] فيقدر عامل، كما قدر ثَمَّ، وتقديره هنا: ويغتسل النبي، وإنما غلَّب الذكر على الأنثى ثَمَّ؛ لأن آدم أصل في سكنى الجنة، وهنا بالعكس؛ لكون المرأة هي محل الشهوة وحامله على الاغتسال. (من قدح) بدل من إناء، بإعادة الجارِّ، و (من) فيها ابتدائية، وقيل: إن الأولى: ابتدائية، والثانية: بيانية. (يقال له: الفرق) بفتح الراءِ، أشهر من سكونها: ما يسع ثلاثة آصع وقيل: ستة عشر رطلًا. وفي الحديث: جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناءٍ واحد، واستعمال فضل المرأة كعكسه، وهو وإن احتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - يغتسل أولًا، ويترك لها ما بقي، لكنه خلاف الظاهر، وأما خبر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يغتسل الرجل بفضل وضوء الرجل (¬1). فلم يثبت، ولو ثبت فمنسوخ. قاله الخطابي (¬2). 3 - باب الغُسْلِ بِالصَّاعِ وَنَحْوهِ. (باب: الغسل بالصاع) أي: بالماء الذي هو قدر ملء الصاع، وهو يذكر ويؤنث، وتقدم أنه مكيال يسع خمسة أرطال وثلثًا بغدادية. (ونحوه) أي: نحو الصاع، من الأواني التي تسع ما يسع الصاع. ¬
251 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يَقُولُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ، وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَبَهْزٌ، وَالجُدِّيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، "قَدْرِ صَاعٍ". [مسلم: 320 - فتح: 1/ 364] (حدثنا عبد الله) في نسخة: "حدثني عبد الله". (حدثني عبد الصمد) في نسخة: "حدثنا عبد الصمد". (حدثني شعبة) في نسخة: "حدثنا شعبة". (وأخو عائشة) أي: من الرضاع، -كما في مسلم (¬1) -، وهو عبد الله بن يزيد البصريُّ، وقيل: غيره. (عن غسل النبيِّ) في نسخة: "عن غسل رسول الله". (فدعت بإناءٍ) أي: طلبته، والباءُ زائدة. (نحو من صاع) بجرِّ (نحو) صفة لـ (إناء) وفي نسخة: "نحوًا" بالنصب صفة لـ (إناء) باعتبار المحلِّ، أو بإضمارِ أعني. (وبَيْنَنَا وبينها حجاب) أي: ساتر يستر أسافل بدنها مما لا يحلُّ للمحرم النظرُ إليه، أما أعاليه فجائزٌ له النظر إليها؛ ليرى عملها في رأسها وأعالي بدنها، وإلا لم يكن لاغتسالها بحضرة أخيها معنى، وفي فعلها ذلك دلالة علي استحباب التعليم بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس من القول، وأدلُّ عليه. (قال أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (قال) في نسخة: "وقال" بزيادة الواو وبإسقاط: (قال أَبو عبد الله). (وَبَهْزٌ) أي: ابن أسد. (والجُدِّيُّ) ¬
بضمِّ الجيم، وتشديد الدال المكسورة نسبة لجدَّة: ساحل البحر من جهة مكة (¬1)، واسمه: عبد الملك بن إبراهيم. (قدر صاع) بدلٌ من قوله: "نحو من صاع" ففيه الجرُّ والنصب. 252 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ وَأَبُوهُ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنِ الغُسْلِ، فَقَالَ: "يَكْفِيكَ صَاعٌ"، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي، فَقَالَ جَابِرٌ: "كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ" ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ. [255، 256 - مسلم: 329 - فتح: 1/ 365] (حدثنا زهير) أي: ابن معاوية، في نسخة: "أخبرنا زهير". (عن أبي إسحق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي. (أَبو جعفر) هو محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو مشهور بالباقر. (وعنده) أي: عند جابر. (قوم) في نسخةٍ: "قومه". (فسألوه) السائل: أَبو جعفر، وجمعه في الحديث باعتبار من معه. (فقال رجل) هو الحسن بن محمد بن الحنفية: خولة بنت جعفر. (من هو أوفى) أي: أكثر. (شعرًا) بالنصب بالتمييز. (وخيرًا) بالنصب عطفٌ على (من) وبالرفع كما في نسخة عطفٌ على (أوفى)، والمراد بمن اتصف بذلك: النبيُّ صلى الله عليه وسلم. (ثم أمَّنا) أي: جابر كما قال شيخنا (¬2). وفي الحديث: أنه يندب ألا ينقص ماء الغسل عن صاع، وتقدم بيانه. ¬
4 - باب من أفاض على رأسه ثلاثا
253 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ أَخِيرًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ". [مسلم: 322 - فتح: 1/ 366] (أبو نعيم) هو الفضل بن دكين. (من إناء) في نسخة: "في إناءٍ". أوالمراد بالإناء: ما يسع صاعًا فيوافق الترجمة. (يقول أخيرًا) أي: آخر عُمْرِه] (¬1) والمراد: أنه كان مستمرًّا على ذلك إلى آخر عمره، فيكون عنده من مسند ميمونة لا من مسند ابن عباس؛ لأنه لا يطلع على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حال اغتساله معها، فيكون ابن عباس أخذه عنها، لكن صحَّح البخاريُّ عكسه؛ حيث قال (والصحيح ما رواه أَبو نعيم) أي: من أنه من مسند ابن عباس، لا من مسند ميمونة، وهو الذي صحَّحه الدارقطني (¬2). 4 - باب مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا. (باب: مَنْ أفاض) أي: الماء في الغسل. (على رأسه ثلاثًا) أي: ثلاث غرفات. 254 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَمَّا أَنَا ¬
فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلاثًا، وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا". [مسلم: 327 - فتح: 1/ 367] (أما أنا فأفيض) بفتح همزة (أمَّا) وضمَّ همزة (أفيضُ) ولم يعادل بأمَّا أخرى بعدها؛ لأنه ليس بلازم، والمعنى: مهما يكن من شيء (¬1) فأنا أُفيضُ، أو عادل بها تقديرًا، أي: وأمَّا غيري فلا يفيض، أو لا أعلم حاله. (كلتيهما) في نسخة: "كلاهما" بالألف علي لغة، وبلا تاء بالنظر إلى اللفظ دون المعنى، وفي أخرى: "كلتاهما" بالتاء والألف. وفي الحديث: أن الإفاضة ثلاثًا باليدين علي الرأس، ويقاس به سائر البدن. 255 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثًا". [انظر: 252 - مسلم: 329 - فتح: 1/ 367] (حدثني محمد) في نسخةٍ: "حدثنا محمد بن بشار" بفتح الموحدة وبالشين المعجمة. (عن مخول) بكسر الميم وسكون المعجمة، وفي نسخة: "عن مخول" بضم الميم وفتح الخاءِ وتشديد الواو المفتوحة. (عن محمد بن علي) هو أَبو جعفر الباقر. (يفرغ) بضم الياءِ من الإفراغ. (على رأسه ثلاثًا) زاد في نسخةٍ: "أظنه من غسل الجنابة". ¬
256 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَامٍ، حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ، قَالَ: قَالَ لِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَتَانِي ابْنُ عَمِّكَ يُعَرِّضُ بِالحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ. قَالَ: كَيْفَ الغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ؟ فَقُلْتُ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ ثَلاثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ" فَقَالَ لِي الحَسَنُ إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ، فَقُلْتُ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا". [انظر: 252 - مسلم: 329 - فتح: 1/ 368] (معمر بن يحيى) بفتح الميمين، وسكون العين، وفي نسخة: "معمر" بضم الميم الأولى، وتشديد الثانية، بوزن مُحَمَّد. (حدثني أَبو جعفر) في نسخة: "حدثنا أَبو جعفر". (جابر) في نسخة: "ابن عبد الله". (ابن عمّك) أي: ابن عم أبيك ففيه: تجوز. (يعرض بالحسن) التعريض خلاف التصريح، وهو اصطلاحًا: كناية سيقت لموصوفٍ غير مذكور. (ثلاثة أكفٍّ) في نسخة: "ثلاث أكفٍّ" وأكف جمع كف، يذكر ويؤنث فيجوز دخول التاء وتركه، كذا قال شيخنا (¬1)، وكلام الجوهريِّ وغيره يقتضي أنها مؤنثة فقط (¬2) ومن ثمَّ قال الكرماني وغيره: إنما أتي بالتاء مع أن الكف مؤنثة؛ لأن المراد: قدر كفٍّ، ثم ليس المراد أنه يأخذ في كلِّ مرة كفًّا واحدة، بل المراد: أنه يأخذ في كلِّ مرة كفَّين بقرينة قوله (¬3) في الحديث السابق: "وأشار بيديه" ويراد بالكف: الجنس. (ويفيضها) أي: الثلاثة أكف، وفي نسخةٍ: "فيفيضها، بالفاء. (على رأسه) في نسخةٍ: "رأسه" بالنصب، وبدون (علي). (ثُمَّ يفيض) مفعوله محذوف، أي: الماء، ولا يعاد إلى ما مرَّ في المعطوف عليه، ¬
5 - باب الغسل مرة واحدة
وهو ثلاثة أكفٍّ؛ لأن الثلاثة لا تكفي بقية الجسد غالبًا. (إني رجل كثير الشعر) أي: فلا يكفيني هذا القدر فردَّه عليٌّ بقوله: (فقلت .. إلخ). وفي الحديث: ندب تقديم الإفاضة علي الرأس. فإن قلت: السؤال هنا وفي ما مرَّ قبل الباب وقع عن الكيفية؛ لقوله: (كيف) وإن حذفت (ثم) اختصارًا فكيف أجاب بالكمِّ. حيث قال: ثُمَّ يكفيك صاعٌ، وهنا قال: ثلاثة أكفٍّ؟ لا مانع إذ الكيفيات والكميات من عوارض الذوات؛ لأنها أحكام، والأحكام عن عوارض الذوات. والغرض من البعثة: أصالة بيان الأحكام لا الذوات. 5 - باب الغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً. (باب: الغسل مرة واحدة) أي: بيان حكمه. 257 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: "وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ". [انظر: 249 - مسلم: 317، 377 - فتح: 1/ 368] (موسَى) في نسخة: "موسَى بن إسماعيل" أي: التبوذكي. (عبد الواحد) أي: ابن زياد. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (يديه) في نسخة: "يده". (مرتين أو ثلاثًا) الشكُّ من الأعمش، أو من ميمونة. (مذاكيره) جمع ذكر علا غير قياس؛ فرقًا بينه وبين جمع المذكر، خلاف الأنثى، قال الأخفش: إنه جمع لا واحد له من لفظه، كأبابيل، وإنما أتى بصيغة الجمع وهو واحد؛ إشارةً إلى غسل الأنثيين
6 - باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل
وما حوليهما معه، كأنه قيل: كلُّ جزءٍ من هذا المجموع، كذكر في حكم الغسل، أو مذاكير جمع مذكار، لكن أهمل المفرد فاستعمل الجمع. (ثُمَّ أفاض علي جسده) يتناول المرة والأكثر، وبهذا تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة. وفي الحديث: استحباب غسل اليد أولًا، والاستنجاء قبل الغسل وبالشمال، ودلك اليد بالأرض، والمضمضة والاستنشاق. فائدة: قال النوويُّ (¬1): يُسنُّ للمغتسل من نحو إبريق أن يتفطن لدقيقة، وهو أنه إذا استنجا يعيد غسل محلِّ الاستنجاءِ بنية غسل الجنابة؛ لأنه إذا لم يغسل الآن ربما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصح غسله لتركه بعض البدل، فإن تذكر احتاج لمس فرجه فينتقض وضوءه، أو يحتاج إلى تكلف لفِّ خرقة علي يده. 6 - بَابُ مَنْ بَدَأَ بِالحِلابِ أَو الطِّيبِ عِنْدَ الغُسْلِ (باب: من بدأ بالحلاب) بكَسر المهملة، وتخفيف اللام: إناء يسع قدر حلب ناقة، قاله الخطابيُّ (¬2)، وليس هو المحلب الذي يستعمل في غسل الأيدي، قال: وأمَّا بالفتح: فهو الحبُّ الطيب الريح، ويرد على من توهم أن الحلاب: ضرب من الطيب. قوله: "أو الطيب" عند الغسل؛ لأن العطف يقتضي التغاير، يعني: أنه يبدأ تارة بطلب الحلاب، وتارة بطلب الطيب. وقد عقد البخاريُّ الباب لأحد الأمرين فَوَفَّى بذكر أحدهما، وهو الحلاب، وكثيرًا ما يترجم ثُمَّ لا ¬
7 - باب المضمضة والاستنشاق في الجنابة
يذكر في بعضه حديثًا؛ لأمور مرَّ التنبيه عليها، لكن في نسخة: "والطيب" بإسقاط الألف. 258 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم "إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الحِلابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ". [مسلم: 318 - فتح: 1/ 369] (حدثنا محمد) في نسخة: "حدثني محمد". (حدثنا أَبو عاصم) هو الضَّحاك بن مخلد. (عن حنظلة) ابن أبي سفيان. (عن القاسم) أي: ابن محمد بن أبي بكر. (إذا اغتسل) أي: أراد أن يغتسل. (نحو الحلاب) هو قدر كوز يسع ثمانية أرطال، كما قاله البيهقيُّ (¬1) (بكفِّهِ) في نسخةٍ: "بكفيه". (وقال بهما) أي بالكفين، يعني: صبَّ بهما، ففيه: إطلاق القول على الفعل. (على رأسه) في نسخة: "على وسط رأسه". 7 - بَابُ المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ فِي الجَنَابَةِ (باب: المضمضة والاستنشاق) أي: بيانهما (في) الغسل من (الجنابة) يلحقُ بها نحوها، كالحيض. 259 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ قَالَتْ: "صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ ¬
الأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا". [انظر: 249 - مسلم: 317 - فتح: 1/ 371] (غسلًا) بضمِّ الغين، أي: ماء. (ثم قال بيده) يعني: ضرب بها. (الأرض) في نسخة: "على الأرض". (ثُمَّ تمضمض) في نسخة: "ثُمَّ مضمض". (ثم تنحَّى) أي: تحول إلى مكان. (ثم أُتِيَ) بضم الهمزة. (بمنديل) بكسر الميم: مأخوذٌ من الندل: هو الوسخ؛ لأنه يندل منه. (فلم ينتفض بها) في نسخة: "فلم ينفض بها" بحذف التاءِ، وأنث الضمير على معنى: الخرقة؛ لأن المنديل خرقة، وفي حديث عائشة: كانت له خرقة ينتشف بها (¬1). وزاد في نسخة: "قال أَبو عبد الله: يعني: لم يتمسح به". وفي التنشيف في الوضوءِ والغسل أوجه عندنا: يندب تركه، يندب فعله، يكره فعله فيهما، يكره فعله في الوضوءِ دون الغسل، يكره فعله في الصيف دون الشتاء، مباح وتركه وفعله سواء. والأول هو الصحيح عندنا، [واختار النوويُّ في "شرح مسلم" الأخير] (¬2). قال في "المجموع" (¬3): هذا كله إذا لم يكن حاجة كبردٍ، والتصاق نجاسة، وإلا فلا كراهة قطعًا. وفي الحديث: غسل اليدِ والفرج، ودلك اليد بالأرض، والمضمضة والاستنشاق قبل الغسل. ¬
8 - باب مسح اليد بالتراب لتكون أنقى
8 - بَابُ مَسْحِ اليَدِ بِالتُّرَابِ لِتَكُونَ أَنْقَى (باب: مسح اليد بالتراب لتكون أَنقى) بالنون والقاف، أي: أطهر. 260 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الحَائِطَ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ". [انظر: 249 - مسلم: 317 - فتح: 1/ 372] (حدثنا الحميديُّ) وفي نسخة: "حدثني عبد الله بن الزبير الحميديُّ". (سفيان) أي: ابن عيينة. (فغسل إلخ) من عطف المفصل على المجمل؛ لأنه تفسيرٌ لاغتسل، وإلا فغسل الفرج والدلك ليس بعد الغسل، هذا وإن علم حكمه مما قبله فليس بتكرار، لأن غرض البخاريِّ بمثله التقوية والتأكيد واستخراج [روايات] (¬1) الشيوخ؛ مثلًا إن عمرو بن حفص روى الحديث في غرض المضمضة، والاستنشاق في غسل الجنابة، والحميديُّ في معرض مسح اليدِ بالتراب (¬2). 9 - بَابٌ: هَلْ يُدْخِلُ الجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الجَنَابَةِ؟ (¬3) ¬
وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ، وَالبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ وَلَمْ يَغْسِلْهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأْسًا بِمَا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ. [فتح: 1/ 372] (باب: هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر؟)، أي: شيء مستكره من نجاسة وغيرها. (وأدخل ابن عمر والبراء بن عازب يده) أي: أدخل كلٌّ منهما يده، وفي نسخةٍ: "يديهما". (في الطّهور) بالفتح علي المشهور: وهو الماء الذي يتطهر به. (ولم يغسلها) وفي نسخة: "ولم يغسلاهما". (ثم توضأ) وفي نسخة: (ثم توضَّئا) بالتثنية. (بما ينتضح من غسل الجنابة) أي: بما يترشش منه في الماء الذي يغتسل منه؛ لأنه يشقُّ الاحتراز عنه. 261 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ". [انظر: 250 - مسلم: 319، 321 - فتح: 1/ 373] (أخبرنا أفلح) في نسخة: "حدثنا أفلح" وفي أخرى: "أفلح بن حميد". (تختلف أيدينا فيه) أي: إدخالًا وإخراجًا، والجملة: حالٌ من (إناءٍ واحدٍ) أو صفة ثانية لـ (إناء). 262 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ". [انظر: 248 - مسلم: 316 - فتح: 1/ 374] (حمَّاد) أي: ابن زيد. (عن هشام) أي: ابن عروة. (غسل يده) أي: قبل أن يدخلها في الماء.
263 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ" وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. [انظر: 250 - مسلم: 319 - فتح: 1/ 374] (أَبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ. (كنت أغتسل) في نسخة: "قالت: كنت أغتسل". (من إناءٍ واحد من جنابة) في نسخة: "من الجنابة"، و (من) الأولى: ابتدائية، والثانية: سببية (¬1). (وعن عبد الرحمن) عطفٌ على: "عن أبي بكر" فيكون متصلًا لا تعليقًا. (مثله) بالنصب والرفعِ، أي: مثل حديث شعبة، وفي نسخة: "بمثله". 264 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ" زَادَ مُسْلِمٌ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ "مِنَ الجَنَابَةِ". [فتح: 1/ 374] (كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم والمراة) برفع المرأة؛ بالعطف، وبنصبها بالمعية، واللام فيها للجنس. (زاد مسلم) هو ابن إبراهيم الأزديُّ، شيخ المؤلف. (ووهب) زاد في نسخة: "ابن جرير". (عن شعبة) أي: بهذا الإسناد الذي رواه عنه أَبو الوليد. ¬
10 - باب تفريق الغسل والوضوء
10 - بَابُ تَفْرِيقِ الغُسْلِ وَالوُضُوءِ وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وَضُوءُهُ". (باب: تفريق الغسل والوضوء) أي: هل هو جائز أم لا؟ (بعدما جفَّ وضوْءُه) بفتح الواو، أي: الماء الذي توضَّأ به. وفيه: دليلٌ علي عدم وجوب الموالاة بين أعضاءِ الوضوءِ، فبجامع سنيتها القائل بها الشافعيُّ وكثير. 265 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: "وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ". [انظر: 249 - مسلم: 317 - فتح: 1/ 375] (عبد الواحد) أي: ابن زياد. (وضعت لرسول الله) في نسخة: "وضعت للنبيِّ". (ثُم تمضمض) في نسخة: "ثم مضمض". (غسل رأسه) في نسخة: "ثم غسل رأسه". (ثلاثًا) راجع إلى جميع الأفعال السابقة علي القاعدة المعروقة في الأصول. (من مقامه) بفتح الميم: اسم المكان، وهو وإن كان من قام يقوم، فلا يستدلُّ به على أنه - صلى الله عليه وسلم - اغتسل قائمًا؛ لأنَّ الغرفَ يطلقه علي المكان سواء كان قائمًا فيه أم قاعدًا. (فغسل قَدَمَيْهِ) يحتمل أنه غسلهما قبل جفاف ما قبله أو بعده، فلا دلالة فيه على وجوب الموالاة.
11 - باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل
11 - بَابُ مَنْ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فِي الغُسْلِ (باب: من أفرغ بيمينه علي شماله في الغسل) أي باب: بيان كيفية إفراغ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الماء في غسله. وفي نسخةٍ: تقديم هذا الباب على سابقه. 266 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ، قَالَتْ: "وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ" - قَالَ: سُلَيْمَانُ لَا أَدْرِي، أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا؟ - ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالحَائِطِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا". [انظر: 249 - مسلم: 317 - فتح: 1/ 375] (بنت الحارث) في نسخةٍ: "ابنة الحارث". (وسترته) أي: الغسل الذي هو الماء، أي: غطت رأس إنائه. (فصبَّ علي يده) عطفٌ على محذوفٍ، أي: فأراد الاغتسال، فكشف رأس الإناء وأخذ الماءَ فصبَّه على يده، وأراد باليد: الجنس، فتصحُّ إرادة كلتيهما. (قال سليمان) أي: ابن مهران الأعمش. (أذكر) أي: سالم. (الثالثة أم لا؟) لا ينافيه ذكرها بشكٍّ في رواية عبد الواحد عن
12 - باب إذا جامع ثم عاد، ومن دار على نسائه في غسل واحد
الأعمش، ولا ذكرها بلا شك في رواية بن فضيل عن الأعمش؛ لاحتمال أن الأعمش كان يشك ثم تذكرها، فيذكرها تارة للشك، ثم أخرى بالجزم؛ لأن سماع ابن فضيل منه متأخرٌ. (ثم تمضمض) في نسخة: "ثم مضمض". (فغسل قدميه) في نسخة: "وغسل قدميه" بالواو. (فناولته خرقة) أي: لينشف بها جسده. (فقال بيده) يعني: أشاربها. (هكذا) أي: لا أتناولها، بقرينة قولها: (ولم يردها) بضم أوله، من الإرادة. وفي الحديث: خدمة الزوجات للأزواج، وتغطية الماء، وتقديم الاستنجاء وإن جاز تأخيره، والوضوء قبل الغسل، والصبُّ علي اليد دون إدخال، ثم إن كان الإناء واسعًا، وضعه عن يمينه وأخذ منه بيمينه، أو ضيقًا فعن يساره فيصب منه على يمينه، ورده الخرقة هنا والمنديل فيما مرَّ لكونه أولى لا لأنَّه غير مباحٍ، فقد روي عن قيس بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل فأتيناه بملحفة فالتحف بها (¬1). 12 - بَابُ إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ (باب: إذا جامع ثم عاد) في نسخة: "عاود". (ومن دار على نسائه ¬
في غسل واحد) هذه جملة شرطية معطوفة على الأولى، وجواب الشرطين محذوف، أي: هل هو جاز أم لا؟ 267 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا". [270 - مسلم: 1192 - فتح: 1/ 376] (ابن أبي عَدِيٍّ) اسمه: إبراهيم المنتشر، بضم الميم وسكن النون، وفتح الفوقية، وكسر المعجمة. (ذكرته لعائشة) أي: ذكرت لها قول ابن عمر: "ما أحبُّ أن أصبح محرمًا أنضخُ طيبًا ... إلخ" كما سيأتي (¬1). (يرحم الله أبا عبد الرحمن) تريد عبد الله بن عمر في ترحمها له إشعارٌ بأنه سَهَا فيما قاله في شأن النضخ، وغفل عن فعل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. (فيطوف) أي: يدور. (على نسائه) أي: في غسلٍ واحد، وهو كناية عن الجماع. (ينضخ) بخاءٍ معجمة، وفي نسخة: بحاء مهملة، أي يرش فيهما، أو في المهملة، ويفور في المعجمة، ومنه قوله تعالى: {عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: 66] وقيل: بالمعجمة أكثر. (طيبًا) تمييز. 268 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ، مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ" قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ "أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلاثِينَ" وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، إِنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُمْ "تِسْعُ نِسْوَةٍ". [284، 5068، 5215 - مسلم: 309 - فتح: 1/ 377] ¬
(أنس بن مالك) في نسخة: "أنس" فقط. (في الساعة) المراد بها: قدر من الزمان لا ما اصطلح عليه الفلكيون. (والنهار) الواو فيه بمعنى: أو (¬1). (وهن إحدى عشرة) تسع زوجات. ومارية، وريحانة، وأطلق عليهن (نساءه) تغليبًا، وبهذا يجمع بين الحديث وحديث "وهنَّ تسعُ نسوة" أو يحملان على اختلاف الأوقات. وإطلاق نسائه في حديث عائشة: محمول على المقيد بتسعٍ، أو بإحدى عشرة، وإنما جاز وطؤه في ساعة؛ لأنَّ القسم لم يكن واجبًا عليه، كما هو موجه عندنا، أو كان ذلك باستطابتهنَّ، أو الدوران كان في يوم القرعة للقسمة قبل أن يقرع بينهنَّ، أو كان من خصائصه أن الله خصه بجواز دورانه عليهن في ساعة وكانت بعد العصر -كما في مسلم- عن ابن عباس (¬2). (قال) أي: قتادة. (أو كان) بهمزة الاستفهام وبفتح الواو، وهي عاطفة على مقدر أي: أثبت ذلك. (ثلاثين) أي: رجلًا، وفي رواية: "أربعين" (¬3). (تسعة نسوة) برفع تسع؛ لأنه بدل من قوله: "إحدى عشرة". ¬
13 - باب غسل المذي والوضوء منه
13 - بَابُ غَسْلِ المَذْيِ وَالوُضُوءِ مِنْهُ (باب: غسل المذي والوضوءِ منه) أي: من المذي، وهو بفتح الميم، وسكون المعجمة، وتخفيف التحتية، وبكسر المعجمة وتشديد التحتية: ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة، أو تذكر الجماع، أو إرادته. 269 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَ فَقَالَ: "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ". [انظر: 132 - مسلم 303 - فتح: 1/ 379] (زائدة) أي: ابن قدامة. (عن أبي حصين) بفتح الحاءِ وكسر الصاد المهملتين. (عن أبي عبد الرحمن) هو عبد الله بن حبيب. (كنت رجلًا مذَّاءً) فائدة ذكر الموصوف: الدلالة على تعظيمه من حيث أن المذي إنما يغلب على الأقوياء الأصحاء؛ إذ ذكره قد يكون للتعظيم، كرأيت رجلًا صالحًا، وللتحقير، كرأيت رجلًا فاسقًا. (فأمرت رجلًا) هو المقداد بن الأسود، [وروي: أنه أمر عمارًا] (¬1) وروي؛ أنه سأل النبيَّ (¬2)، ويجمع بينهما: بأنه في الأخيرة سأل النبيَّ بواسطة، ففيه: تجوز، وفي الأوليين: أمر عمارًا، ثم المقداد بذلك. ¬
14 - باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب
(لمكان ابنته) أي: فاطمة - رضي الله عنها - أي: استحييت أن أسأله بنفسي عن حكم المذي لذلك. (فسأل) في نسخة: "فسأله". (واغسل ذكرك) أي: ما أصابه من المذي. وعن مالك وأحمد: يغسل ذكره كله؛ لظاهر الحديث، قيل: وهو تعبد، وقيل: لأنه إذا غسله كله تقلَّص، فينقطع خروج المذي. 14 - بَابُ مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ (باب: من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب) أي: في جسده. 270 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: "أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا". [انظر: 267 - مسلم: 1192 - فتح: 1/ 381] (سألت عائشة) أي: عن التطيب قبل الإحرام. (فذكرت) في نسخة: "ذكرتُ". (أصبح) بضمِّ الهمزة. (أنضخ) بالخاءِ المعجمة، وبالحاءِ المهملة. (ثم طاف في نسائه) كناية عن الجماع، ومن لازمه الاغتسال، وقد ذكرت أنها طيبته قبل ذلك، وفي بمعنى: الباءِ (¬1). (ثم أصبح محرمًا) أي: ينضخ طيبًا؛ ليتمَّ الردُّ على ابن عمر؛ وليطابق ترجمة الباب. ¬
15 - باب تخليل الشعر، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه
وفي الحديث: ندب التطيب قبل الإحرام، وجواز رد بعض الصحابة علي بعض، وخدمة الأزواج بعولَتَهُنَّ. 271 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ، فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُحْرِمٌ". [1538، 5918، 5923 - مسلم: 1190 - فتح: 1/ 381] (عن إبراهيم) أي: النخعي. (إلى وبيص) بفتح الواو، وبكسر الموحدة، وبصاد مهملة، أي: بريق. (في مفرق) بفتح الميم، وكسر الراءِ أشهر من فتحها: مكان فَرْقِ الشعر. (النبيِّ) في نسخة: "رسول الله". (وهو محرم) حال. وفي الحديث: أن بقاء أثر الطيب الذي يتطيب به المحرم قبل إحرامه علي بدنه غير مؤثر في إحرامه، ولا موجب عليه كفارة. 15 - بَابُ تَخْلِيلِ الشَّعَرِ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ (باب: تخليل الشعر) أي: في غسل الجنابة. (حتّى إذا ظَنَّ أنه قد أروى بشرته) في ظاهر جلده، وهو هنا ما تحت شعره الذي خلَّله. (أفاض عليه) جواب (إذا) أي: صب الماء علي شعره، وفي نسخة: "أفاض عليها" أي: صبه على بشرته، وفي أخرى: "أفاض" فقط. 272 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ". [انظر: 248 - مسلم: 316 - فتح: 1/ 382]
16 - باب من توضأ في الجنابة، ثم غسل سائر جسده، ولم يعد غسل مواضع الوضوء مرة أخرى
(عبدان) هو عبد الله بن عثمان العتكي. (عبد الله) أي: ابن المبارك. (أخبرنا هشام) في نسخة: "حدثنا هشام". (إذا اغتسل) أي: أراد أن يغتسل. (ثُمَّ اغتسل) أي: أخذ في أفعال الغسل. (ثمَّ يخلل بيده شعره) التخليل في الغسل سُنَّةٌ عندنا، كما في الوضوء، واجب عند المالكية. (أنه قد) الضمير فيه للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وفي نسخةٍ: "أن قد" بتخفيف (أن) واسمها: ضمير الشأن محذوفًا (¬1). (ثلاث مرات) بالنصب على المصدرية؛ لأنه عَدَدُ المصدر، وعَدَدُ المصدر مصدر (¬2). (سائر جسده) أي: باقيه. 273 - وَقَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا". [انظر: 250 - مسلم: 319 - فتح: 1/ 382] (وقالت) أي: عائشة عطفٌ علي قوله في الحديث السابق: "عن عائشة فهو موصول الإسناد. (نغرف) حال، أو استئناف، وفي نسخة: "نغترف" بزيادة تاء قبل الراءِ. (جميعًا) حال أيضًا، أي: نغرف منه حال كوننا جميعًا. 16 - بَابُ مَنْ تَوَضَّأَ فِي الجَنَابَةِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرَى. (¬3). (باب: من توضأ في) غسل (الجنابة، ثم غسل سائر جسده) أي: ¬
باقيه. (لم يعد غسل مواضع الوضوء منه) أي: من جسده. (مرة أخرى) ولفظ: (منه) ساقط من نسخة. 274 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: "وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَو الحَائِطِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ المَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ" قَالَتْ: "فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ". [انظر: 249 - مسلم: 317 - فتح: 1/ 382] (أخبرنا الفضل) في نسخة: "حدثنا الفضل". (عن سالم) أي: ابن أبي الجعد. (وضع) بالبناءِ للفاعلِ، وهو رسول الله، وفي نسخة: "وضع لرسول الله" بالبناء للمفعول وبلام الجرِّ وقوله بعد: (وضوء). منصوبٌ علي الأولى (¬1) ومرفوعٌ على الثانية (¬2). (وضوء الجنابة) بفتح الواو والإضافة، وإنما أضيف إلى الجنابة مع أنه الماء المعد للوضوءِ؛ لأنه أريد به مطلق الماء الذي يتطهر به، فهو مما أطلق فيه المقيد، وأريد به المطلق، ومثله يسمَّى بالمجاز الغير مقيد، كإطلاق المرسن على أنف الإنسان، وفي نسخة: "وضوءٌ للجنابة) بالتنوين ولام الجرِّ مع التعريف، وفي أخرى: "وضوءٌ لجنابة" كذلك، لكن مع التنكير. ¬
(فأكفأ) في نسخةٍ: "فكفأ) أي: قلب. (على يساره) في نسخة: "على شماله". (ضرب يده بالأرض) ضمن ضرب معنى: عفر فعداه بالباء، أو الباء بمعنى: على (¬1) وفي نسخة: "ضرب بيده الأرض". (ثُمَّ تمضمض) في نسخة: "ثُمَّ مضمض". (وذراعيه) أي: مع مرافقيه، والذراع يذكر ويؤنث. (ثُمَّ غسل جسده) أي: ما بقي منه، بقرينة الحديث في الباب السابق. (قالت) أي: ميمونة، وفي نسخة: "قالت عائشة" وهي غلط. (فلم يردها) بضم الياءِ من الإرادة. (ينفض بيده) في نسخة: "ينفض يده". وفيه: أنه لا بأس بنفض اليد بعد الوضوءِ أو الغسل، وفيه: خلافٌ وتناقضٌ فقيل: مكروه، ورجحه الرافعي، في غير "المحرر" وقيل: مباح ورجّحه النووي في "الروضة"، و"المجموع" وقيل: خلاف الأولى، ورجحه النووي في "المنهاج"، وغيره، كالرافعي في "المحرر" قال في "المهمات": وبه الفتوى (¬2)، وقد نقله ابن ¬
كجّ (¬1) عن نصِّ الشافعي. (باب: إذا ذكر) أي: الشخص. وهو (في المسجد) [أنه جنب يخرج] (¬2) في نسخة: "خرج". (كما هو) ما: موصولة، أو موصوفة، وهو مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كالأمر الذي هو عليه من الجنابة، أو كحالة هو عليها من الجنابة، كما في: كن كما أنت عليه (¬3) وجعلها الكرمانيُّ للمقارنة أي: خرج مقارنًا للأمر الذي هو عليه، أو للحالة التي هو عليها (¬4). (ولا يتيمم) خلافًا لمن قال: يتيمم قبل أن يخرج. ¬
17 - باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب، يخرج كما هو، ولا يتيمم
17 - بَابُ إِذَا ذَكَرَ فِي المَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ، يَخْرُجُ كَمَا هُوَ، وَلَا يَتَيَمَّمُ 275 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: "مَكَانَكُمْ" ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ " تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [639، 640 - مسلم: 605 - فتح: 1/ 383] (يونس) أي: ابن يزيد (¬1). (وعُدِّلَتْ الصفوف) أي: سوِّيت. (قيامًا) إما لجمع قائم، كتجار: جمع تاجر فهو: حال، أو مصدر مجرى على حقيقته؛ قهو تمييز أو محمو على معنى اسم الفاعل فهو حال. (فخرج إلينا رسول الله) قضيته: أن خروجه كان بعد قيامهم للصلاة، قيل: ولعله كان مرة أو مرتين؛ لبيان الجواز أو لعذر، فلا ينافي خبر: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتَّى تروني" (¬2). أو لعلَّه كان قبل هذا الخبر. (ذكر) أي: بقلبه، قبل أن يحرم بالصلاة، وفهم أَبو هريرة ذلك بالقرائن، وإلا فالذكر باطن لا ¬
18 - باب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة
يطلع عليه. (فقال لنا) في نسخةٍ: "فأشار بيده". (مكانكم) بالنصب، أي: الزموه. (ورأسه يقطُرُ) أي: من ماء الغسل الكائن بشعر الرأس، فإسناد القطر إلى الرأس من مجاز الحذف، أو من إطلاق المحلّ على الحال مجازًا. (فكبَّر) أي: للإحرام مكتفيًا بالإقامة السابقة، بقرينةِ تعبيره بالفاء، وهو حجة لقول الجمهور: إن الفصل بينهما جائز بالكلام مطلقًا، وبالفعل إذا كان لمصلحة الصلاة، وقيل: يمتنع ويؤوَّل، فكبَّر بأن معناه: كبَّر بعد رعاية ما هو وظيفة للصلاة، كالإقامة، أو يؤول قوله أولًا: أقيمت بغير الإقامة الاصطلاحية. (تابعه) أي: عثمان بن عمرو. (عبد الأعلى) أي: ابن عبد الأعلى الساميُّ بالمهملة. (عن معمر) أي: ابن راشد. (عن الزهريِّ). وهذه متابعة ناقصة، كما عُلم قبلُ. (ورواه الأوزاعيُّ، عن الزهريِّ). تعليق أيضًا، ولم يقل البخاريُّ: وتابعه الأوزاعيُّ؛ لأنه لم ينقل لفظ الحديث بعينه، وإنما رواه بمعناه؛ لأن المفهوم من المتابعة: الإتيان بمثله من غير تفاوت، والرواية أعمُّ، أو هو من التفنن في العبارة، وبه جزم شيخنا، وردَّ الأول (¬1). 18 - بَابُ نَفْضِ اليَدَيْنِ مِنَ الغُسْلِ عَنِ الجَنَابَةِ (باب: نفض اليدين (¬2) من الغسل عن الجنابة) في نسخة: "من الجنابة"، وفي أخرى: "من غسل الجنابة". ¬
19 - باب من بدأ بشق رأسه الأيمن في الغسل
276 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: "وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ". [انظر: 249 - مسلم: 317، 337 - فتح: 1/ 384] (أخبرنا) في نسخة: "حدثنا". (أَبو حمزة) بحاء مهملة وزاي: محمد بن ميمون المروزيُّ السكريُّ، سمِّي به؛ لحلاوة كلامه؛ أو لأنه كان يحمل السكر في كمِّه. (فمضمض) في نسخة: "فتمضمض". وفي الحديث: أن تركه التنشيفَ سنة؛ لإبقاء أثر العبادة، وتقدم بيان الخلاف فيه، وفي النفض وغيره. 19 - بَابُ مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ فِي الغُسْلِ (باب: من بدأ بشقِّ) بكسر المعجمة، أي: بجانب. (رأسه الأيمن في الغسل) بمعنى: الاغتسال. 277 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ، أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقِّهَا الأَيْمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرَى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ". [فتح: 1/ 384] (إذا أصاب) في نسخة: "إذا أصابت". (بيديها) في نسخة: "بيدها" بالإفراد، وفي أخرى: (يدها) بدون الجارِّ، فينصب؛ بنزع
20 - باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة، ومن تستر فالتستر أفضل
الخافض، ويجر؛ بتقدير مضاف، أي: ملء يدها. (فوق رأسها) ظرف لمحذوف، أي: صابَّةً، أو تصبُّ فوق لا لـ (أخذت) لفساده. (ثُمَّ تأخذ بيدها) في نسخة: "يدها" بدون باء الجارِّ، فتنصب بنزع الخافض، وَتجر نظير ما مرَّ. (وبيدها الأخرى علي شقها الأيسر) أي: من الرأس في الشقين. لا الأيمن والأيسر من الشخص. وبذلك يحصل المطابقة بين الحديث والترجمة، وظاهر ذلك: أن الصبَّ بيد واحدة، لكن العادة إنما هي الصبُّ باليدين معًا، فيحمل اليد على الجنس الصادق عليهما. وللحديث حكم الرفع؛ لأن الصحابيَّ إذا قال: كما نفعل فالظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم علي ذلك وتقريره عليه (¬1). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 20 - بَابُ مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ وَقَالَ بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ". (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقط من نسخة. (باب: من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة) في نسخةٍ: "في خلوة" أي: من الناس، وهذا تأكيد لقوله: (وحده) لتلازمهما في المعنى. وكشف العورة للخلوة جائزٌ؛ للحاجة ولغيرها حرام على الأصحِّ، ¬
وعليه يحمل خبر أبي داود: "إذا اغتسل أحدكم فليستتر" (¬1). (ومن تستر) عطفٌ على (من اغتسل) وفي نسخة: "ومن ستر". (فالتستر) في نسخة: "والتستر". (أفضل) أي: من الكشف. (وقال بهز) زاد في نسخةٍ: "ابن حكيم". (عن أبيه) حكيم. (عن جده) أي: معاوية الصحابي. (الله أحقُّ أن يستحيا منه) في نسخة: "الله أحق أن يستتر منه". (من الناس) متعلِّقٌ بأحقِّ. 278 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلا أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ، يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْبًا " فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالحَجَرِ، سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، ضَرْبًا بِالحَجَرِ. [3404، 4799 - مسلم: 339 - فتح: 1/ 385] (إسحق بن نصر) نسبه هنا إلى جَدِّه، وفي محل آخر إلى أبيه إبراهيم. (عبد الرزاق) أي: ابن همَّام. (كانت بنو إسرائيل) أنث (كانت) على رأي من يؤنث المجموع مطلقًا، ولو كان جمع سالم المذكر، كما هنا، وإن كان بنون جمع سلامة على خلاف القياس؛ لتغير مفرده، وأما على رأي من يقول: كلُّ ¬
جمعٍ مؤنثٌ إلا جمع السلامة المذكر؛ فلتأويله بالقبيلة؛ أو لأنه جاء على خلاف القياس. (ينظر بعضهم إلى بعض) إما لجوازه في شرعه، وموسى عليه السلام بختار الخلوة حياءً ومروءةً؛ أو لتساهلهم به مع كونه حرامًا. (وكان موسى) في نسخة: "موسى - صلى الله عليه وسلم -"، وفي أخرى: "موسَى عليه السلام". (أن يغتسلَ معنا) أي: عريانًا. (آدر) بمدِّ الهمزة وفتح المهملة، أي: عظيم الخصيتين منتفخهما. (فذهب مرة يغتسل) أي: ليغتسل. (على حجر) قيل: هو الحجر الذي كان يحمله معه في الأسفار فيضربه فيتفجر منه الماء. (فخرج) في نسخةٍ: "فجَمَح" أي: أسرع، وجرى أشد الجري. (في إثره) بفتح الهمزة والمثلثة، وبكسرها وسكون المثلثة. (ثوبي) مفعول فعل محذوف، أي: رُدّ. (يا حجر) نزَّله منزلةَ من يعقل لِفِعْلهِ فِعْلَهُ فناداه. (فقالوا) في نسخةٍ: "وقالوا". (ما) بمعنَى: ليس. (بموسَى) خبرها. (من بأسِ) اسمها، ومن زائدة. (فطفق) بكسر الفاءِ وفتحها، وفي نسخة: "وطفق" أي شرع. (بالحجر ضربًا) في نسخة: "فطفق يضرب الحجر ضربًا". (فقال أَبو هريرة) هو من تتمة كلام همَّام، فيكون مسندًا. أو من كلام البخاريِّ فيكون تعليقًا، وبالأول جزم شيخنا (¬1). وفي نسخة: "قال أَبو هريرة" بلا فاء. (لندب) بفتح النون والدال المهملة، أي: أثر. (ستة) أي: ستة آثار، وهو مرفوعٌ، بدل أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أو منصوب تمييز أو حال من الضمير المستتر في الحجر. (أو سبعةٌ) شكٌّ من ¬
الراوي. (ضربًا) تمييز. قال النووي: يجوز أن يكون موسَى أراد بضرب الحجر، إظهار المعجزة لقومه بأثر الضرب في الحجر، أو أنه أوحي إليه بذلك، ومشي الحجر بالثوب معجزة أخرى (¬1). وفيه: ما ابتلي به الأنبياء من أذى الجهال، وصبرهم عليه، ونزاهتهم عن نقص الخلْقِ والخُلُق. 279 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ " وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا". [3391، 7493 - فتح: 1/ 387] (وعن أبي هريرة) هو تعليقٌ أيضًا، إلا أنه بصيغة التمريض، كذا قال الكرمانيُّ (¬2). (بينا) أصله: بين أشبعت فتحته ألفًا، والعامل فيه جوابه، وهو قوله بعد: (فخَرَّ) ولا يضر وقوعه بعد الفاءِ؛ لأنَّ المعتمد أن ما بعدها يعمل فيما قبلها؛ ولأن الظرف يتوسع فيه، وإنما لم يؤت بإذا أو بإذ الفجائية، لقيام الفاءِ مقام كلٍّ منهما، كعكسه في قوله: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} الآية [الروم: 36]. (أيوب) أي: النبي المبتلى، واسمه أعجميٌّ. ¬
(جراد من ذهب) الجراد معروف وهو مما يفرق فيه بين الجنس والواحد بالتاء، كتمرة وتمر، فالجراد، كما في "الصحاح" تقع على الذكر والأنثى وليس الجراد بذكر للجرادة؛ إنما هو اسم جنس، كالبقر والبقرة، والتمر والتمرة، والحمام والحمامة، وسمي جرادًا، لأنه يجرد الأرض فيأكل ما عليها (¬1). (يحتثي) [بحاءٍ مهملة ساكنة وفوقية مفتوحة ومثلثة، أي: يأخذ بيده ويرمي في] (¬2) ثوبه. (بلَى) أي: أغنيتني، ولو قيل: نعم لم يجز؛ لأنه كفرٌ، والفرق بينهما: أن (بلى) مختصة بإيجاب النفي [ونعم مقررة] (¬3) لما سبقها، وإنما لم يفرق الفقهاء بينهما في الإقرار؛ لأنه مبنيٌّ على العرف. (لا غنى بي عن بركتك) أي: خيرك، و (غنى) بغير تنوين بُنيَ على أنَّ (لا) لنفي الجنس، وبالتنوين معربُ على أنَّ (لا) بمعنى: ليس ولكن الأول: نص في الاستغراق، والثاني: ظاهر فيه، وخبر لا: يجوز أن يكون: (عن بركتك). وفي الحديث: فضل الغنى على الفقر؛ لأنه سماه بركة. وجواز الاغتسال عريانًا، لأنه تعالى لم يعاتب أيوب عليه، وعاتبه على جمع الجراد. (ورواه إبراهيم) أي: ابن طهمان. (عن صفوان) أي: ابن سليم. (قال: بينا أيوب يغتسل عريانًا) في نسخة: "بينا أيوب" بدون (قال) وهو بدلٌ من ضمير (رواه إبراهيم) السابق في كلامه. قال الكرماني: ولعله إنما أخَّر الإسناد عن المتن؛ لأن له طريقًا آخر، وتركه وذكر الحديث؛ ¬
21 - باب التستر في الغسل عند الناس
تعليقًا لغرض من أغراض التعليقات، ثم قال: (ورواه إبراهيم) إشعارًا بهذا الطريق الآخر، وهو تعليقٌ أيضًا؛ لأن البخاريَّ لم يدرك إبراهيم، لكنه نوع آخر فلا يكون فيه تأخير الإسناد، وكذا لو قلنا: أن (وعن أبي هريرة) من تتمة كلام همَّام، فلا يكون تأخيرًا أيضًا، بل يكون تقوية وتأكيدًا (¬1). 21 - بَابُ التَّسَتُّرِ فِي الغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ (باب التستر في الغسل عند الناس) في نسخة: "عن الناس". 280 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ " فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ. [357، 3171، 6158 - مسلم: 336 - فتح: 1/ 387] (عبد الله بن مسلمة) زاد في نسخة: "ابن قعنب". (عن أبي النضر) بضاد معجمة، اسمه: سالم بن أبي أمية. (مولى أم هانيء) زاد في نسخة: "بنت أبي طالب". (عام الفتح" أي: فتح مكة في رمضان سنة ثمان. (من هذه) لم يقل: من هذا؛ لعلمه أن المحلَّ لا يدخله رجال. (فقلتُ) في نسخة: "قلت". وفي الحديث: جواز الغسل بحضرة المحارم، إذا كان بينهما ساتر من ثوب، أو غيره. ¬
22 - باب إذا احتلمت المرأة
281 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: "سَتَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الحَائِطِ أَو الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ" تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ فُضَيْلٍ فِي السَّتْرِ. [انظر: 249 - مسلم: 317، 337 - فتح: 1/ 387] (عبدان) لقب عبد الله بن عثمان. (عبد الله) أي: ابن المبارك. (أخبرنا سفيان) أي: الثوري، وفي نسخةٍ: "حدثنا سفيان". (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (سترت النبيَّ) في نسخة: "سترت رسول الله". (وما أصابه) أي: من رطوبة فرج المرأة والبول وغيرهما. (بيده على الحائط) في نسخة: "بيده الحائط". (تابعه) أي: سفيان. (أبو عوانة) اسمه: الوضاح. (وابن فضيل) اسمه: محمد. (في الستر) أي: في لفظ: سترت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دون بقية الحديث وفي نسخةٍ: ["في التستر"] (¬1). 22 - بَابُ إِذَا احْتَلَمَتِ المَرْأَةُ (باب: إذا احتلمت المرأة) أي: هل يجب عليها غسل أم لا؟ 282 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا ¬
23 - باب عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس
يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَعَمْ إِذَا رَأَتِ المَاءَ". [انظر: 130 - مسلم: 313 - فتح: 1/ 388] (أم سليم) بضم السين، وفتح اللام، اسمها: سهلة، أو رميلة بنت ملحان، والدة أنس بن مالك. (امرأة أبي طلحة) اسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاريُّ. (لا يستحي من الحقِّ) أي: لا يأمر بالحياء فيه، أو لا يمنع من ذكره قالته؛ تمهيدًا لعذرها في ذكر ما يستحى منه. (نعم إذا رأت الماء) أي: المنيَّ بعد استيقاظها من النوم، والرؤية بصرية، فتتعدى لواحدٍ وهو مذكور، ويحتمل أنها علمية (¬1)، فتتعدى لاثنين ثانيهما محذوف، أي: إذا رأت الماءَ موجودًا. 23 - بَابُ عَرَقِ الجُنُبِ، وَأَنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ (باب: عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس) أي: ولو أجنب. 283 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ" قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ". [285 - مسلم: 371 - فتح: 1/ 390] (يحيى) أي: ابن سعيد القطَّان. (حميد) أي: الطويل. (طريق المدينة) في نسخةٍ: "طرق المدينة". (فانخنست منه) بنون فمعجمة فنون، فمهملة، أي: تأخرت وانقبضت، وفي نسخةٍ: ¬
24 - باب: الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره
"فانخنس" وفي أخرى: "فانجَبسْتُ " بموحدة وجيم، أي: اندفعت، وفي أخرى: "فانتجست" بنون ففوقية فجيم، من النجاسة، أي: اعتقدت نفسي نجسًا. (فذهبت فاغتسلت) وهذا مناسب لنسخة: "فانخنست" وفي نسخةٍ: "فذهب فاغتسل" بلفظ الغيبة من باب النقل عن الراوي بالمعنى، أو من قول أبي هريرة، فيكون من باب التجريد، وهو أنه جرَّد من نفسه شخصًا وأخبر عنه، وهذه النسخة مناسبة لنسخة: (فانخنس). (أين كنت؟) أين: خبر كان (¬1) إن كانت ناقصة، ولا خبر لها إن كانت تامة (¬2). (قال: كنت جنبًا) أجاب به مع أن السؤال إنما كان عن المكان حيث قال: (أين كنت؟) لِمَا فهمه من أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما سأل عن سبب غيبته. (فقال) في نسخةٍ: "قال". (سبحان الله) بالنصب (¬3) بفعل لازم الحذف، وأتى به هنا؛ للتعجب والاستعظام، أي: كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليك. (إن المؤمن) في نسخةٍ؛ "إن المسلم". (لا ينجس) أي: ولو ميتًا أو كافرًا، وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] فالمراد به: نجاسة اعتقادهم أو لأنه يجب أن يتجنب عنهم، كما يتجنب عن الأنجاس. 24 - بَابٌ: الجُنُبُ يَخْرُجُ وَيَمْشِي فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ عَطَاءٌ: "يَحْتَجِمُ الجُنُبُ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ". ¬
(باب: الجنب يخرج) أي: من بيته. (ويمشي في السوق وغيره) أي يجوز له ذلك، كما عليه الجمهور. (وقال عطاءٌ .. إلخ) وجه مطابقته للترجمة: أن الجنب إذا جاز له الخروج من بيته والمشي في السوق وغيره، جاز له ما ذكر في الأثر. 284 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ "يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، فِي اللَّيْلَةِ الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ". [انظر: 268 - مسلم: 309 - فتح: 1/ 311] (عبد الأعلى بن حمَّاد) في نسخةٍ: "عبد الأعلى" فقط. (سعيد) أي: ابن أبي عروبة، وفي نسخة: بدل سعيد، "شعبة". (حدثهم) في نسخةٍ: "حدثه". (أن نبيَّ الله) في نسخة: "أن النبيَّ". (يومئذٍ) أي: حينئذٍ؟ إذ لا يوم لذلك معين. ووجه مطابقته للترجمة: يفهم من قوله (كان يطوف على نسائه) لأن نساءه كان لهنَّ حُجَرٌ متقاربة، فبالضرورة أنه كان يخرج من حجرة إلى أخرى قبل الغسل. 285 - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ"، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ". [انظر: 283 - مسلم: 371 - فتح: 1/ 391] (عياش) بمثناة تحتية مشددة وشين معجمةٍ: ابن الوليد الرقام. (عن بكر) أي: المزني.
25 - باب كينونة الجنب في البيت، إذا توضأ قبل أن يغتسل
(بيدي) في نسخة: "بيميني". (فانسللتُ) أي: خرجتُ، أو ذهبت في خفية، وفي نسخة: "فانسللت منه". (فأتيتُ) في نسخة: "وأتيتُ". (الرحل) بحاء مهملة ساكنة، أي: المسكن، وما يستصحب من الأساس (يا أبا هريرة) في نسخة: "يا أبا هرَّ" بالترخيم. (فقلت له) ما فعلتُ من المجيء للرحل والاغتسال. (سبحان الله با أبا هريرة) في نسخة: "سبحان الله" فقط، وفي نسخة: "سبحان الله يا أبا هر". وتقدم الكلام علي مباحث هذا الحديث آنفا، ومطابقته للترجمة في قوله: (فمشيت معه). وفيه: مصافحة الجنب ومشيه معه مرتفقًا به، وأن الأدب ألا ينصرف عنه حتَّى يعلمه؛ لقوله له: (أين كنت؟) فدلَّ على أنه أحبَّ ألا يفارقه. 25 - بَابُ كَيْنُونَةِ الجُنُبِ فِي البَيْتِ، إِذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ (باب: كينونة الجنب) أي: استقراره. (في البيت) أي: حكم ذلك. (إذا توضأ قبل أن يغتسل) ولفظ: (قبل أن يغتسل) ساقط من نسخة، وهو مع ما قبله ساقط من أخرى. 286 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، وَشَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ " أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْقُدُ وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ". [288 - مسلم: 305 - فتح: 1/ 312] (عن يحيى) في نسخة: "عن يحيى بن كثير". (قال: نعم، ويتوضَّأ) أي: قالت، (نعم) يرقد ويتوضأ. فيتوضأ معطوفٌ على (يرقد) المقدر، والواو لا تقتضي الترتيب، فالمراد: أنه يجمع بين الوضوء والرقاد، مقدمًا الوضوء. ويدلُّ له خبر مسلم: كان إذا
26 - باب نوم الجنب
أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة (¬1). 26 - باب نَوْمِ الجُنُبِ. (باب: نوم الجنب) هذا الباب ساقط من نسخةٍ؛ للاستغناءِ به بالباب الآتي. 287 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ". [289، 290 - مسلم: 306 - فتح: 1/ 392] (حدثنا الليث) في نسخةٍ: "عن الليث". (أيرقد أحدنا) أي: أيجوز له الرقاد. (إذا توضأ أحدكم فليرقد) أي: إن أراد الرقاد فليرقد بعد التوضؤ فالأمر؛ لإباحة الرقود قبل الغسل؛ لقرينة الإجماع علي عدم وجوب الرقود وندبه، والحكمة في الوضوء لما ذكرنا: تخفيف الحدث. 27 - بَابُ الجُنُبِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ (باب: الجنب يتوضأ ثُمَّ ينام) أي: باب بيان ندب الوضوء للجنب، إذا أراد النوم. 288 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ". [انظر: 286 - مسلم: 305 - فتح: 1/ 313] ¬
28 - باب: إذا التقى الختانان
(وتوضأ للصلاة) أي: توضأ، كما يتوضأ للصلاة؛ لأنَّ المراد: ليصلي به؛ لأنَّ الصلاة تمنع قبل الغسل من الجنابة. واستنبط منه: أنَّ غسل الجنابة ليس على الفور بل إنما يتضيق عند القيام إلى الصلاة. 289 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ" [انظر: 287 - مسلم: 306 - فتح: 1/ 393] (جويرية) أي: ابن أسماء بن عبيد الضُّبعَي. (عن عبد الله) في نسخة: "عن ابن عمر". (قال: نعم) في نسخة: "فقال: نعم". 290 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ". [انظر: 287 - مسلم: 306 - فتح: 1/ 393] (أَنَّه تصيبه الجنابةُ) في نسخة: "بأنه تصيبه الجنابة". (فقال له رسول الله) في نسخةٍ: "فقال رسول الله". وفي الحديث: ندب غسل ذَكَر الجنب عند النوم والوضوء. 28 - بَابٌ: إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ (باب: إذا التقى الختانان) أي: باب بيان حكم التقائهما، والختان: اسم مصدر من الختن: وهو القطع، والمراد هنا: موضع القطع من الفرج، وجواب (إذا) محذوف، أي: فقد وجب الغسل.
291 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، ح وحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الغَسْلُ" تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ، مِثْلَهُ وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَخْبَرَنَا الحَسَنُ مِثْلَهُ. [مسلم: 348 - فتح: 1/ 395] (معاذ بن فضالة) بفتح الفاءِ. (إذا جلس) أي: الرجل. (بين شعبها) بضمِّ المعجمة وفتح المهملة جمع شعبة: وهي القطعة من الشيءِ. (الأربع) المراد بها: اليدان والرجلان، واختاره ابن دقيق العيد (¬1). أو الرجلان والفخذان، أو الرجلان والشفران، أو الفخذان والشفران، أو نواحي فرجها الأربع، ورجحه القاضي عياض (¬2). (ثم جهدها) بفتح الجيم والهاءِ أي: بلغ جهده، أو طاقته، وهو كناية عن معالجة الإيلاج، أو الجهد: الجماع أي: جامعها، وإنما كُنِّي بذلك؛ للتنزه عما يفحش ذكره صريحًا. ووجه دلالة الحديث على الترجمة: أن بلوغ الجهد المذكور هو التقاء الختانين، ولهذا روى مسلم: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان" (¬3). وليس المراد بالمس حقيقته؛ لأن ختانها في أعلى الفرج فوق مخرج البول الذي هو فوق مدخل الذكر، ولا يمسه الذكر في الجماع، بل لو مسه بلا مخرج جماع لم يجب الغسل، فالمراد: ¬
تغيب حشفة الذكر، وهو المراد بالتقاء الختانين، المراد به تحاذيهما. (فقد وجب الغسل) أي: على الرجل والمرأة وإن لم يحصل إنزال، فالموجب: غيبوبة الحشفة، والحصر في خبر: "إنما الماءُ من الماءِ" (¬1): أي لا غسل بماءٍ من غير إنزال منيٍّ، منسوخ، لكن قال ابن عباس: ليس بمنسوخ بل المراد به: نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إن لم ينزل، فعلى ما قاله: لا حاجة إلى دعوى نسخه، بل حديث: "إذا التقى الختانان" مقدم عليه؛ لأن دلالته على وجوب الغسل بالمنطوق، ودلالة الحصر عليه بالمفهوم، والمنطوق مقدم على المفهوم [بل قيل: أنه لا يحتج بالمفهوم] (¬2). (تابعه) أي: هشامًا. (مثله) بالنصب بمحذوف، أي: فرويا مثله، أي: مثل حديث الباب، وهو ساقط من نسخةٍ. (وقال موسَى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي شيخ البخاري. (حدثنا أبان) في نسخة: "أخبرنا أبان" وهو مصروف وممنوع الصرف كما مرَّ، ولما روى قتادة أولًا عن الحسن بعن وهو مدلس صرح هنا بالسماع منه حيث قال: (أخبرنا الحسن) وإنما قال البخاريُّ هنا: وقال وثَم: تابعه؛ لأن المتابعة أقوى؛ لأن القول أعمُّ من نقله رواية ومذاكرة. ¬
29 - باب غسل ما يصيب من فرج المرأة
29 - بَابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ المَرْأَةِ (باب: غسل ما يصيب) أي: الرجل. (من فرج المرأة) أي: من رطوبة فرجها. 292 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، قَالَ: يَحْيَى، وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ: عُثْمَانُ: "يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ" قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. قَالَ: يَحْيَى، وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 179 - مسلم: 347 - فتح: 1/ 316] (عن الحسين) زاد في نسخة: "المعلم". (قال يحيى) أي: ابن أبي كثير. (وأخبرني) ذكره بواو؛ إشعارًا بأنه حدثه عن غير ذلك أيضًا. (الجهني) بضم الجيم وفتح الهاءِ؛ نسبة إلى جهينة بن زيد. (فقال: أرأيت) في نسخة: "فقال له: أرأيت" أي: أخبرني، فهو استفهام بمعنى: الأمر؛ لاشتراكهما في الطلب. (قال عثمان) في نسخةٍ: "وقال عثمان". (سمعته) أي: ما أفتيت به من الوضوءِ للصلاة وغسل الذكر. (فأمروه بذلك) أي: بما ذكر منهما، وفي نسخة: "فقالوا مثل ذلك" عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا الإفتاء كان في أول الإسلام ثُمَّ جاءت السُّنة بوجوب الغسل، ثُمَّ أجمعوا عليه. (قال يحيى) ساقط من نسخةٍ.
293 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: "يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "الغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلافِهِمْ". [مسلم: 346 - فتح: 1/ 398] (إذا جامع الرجل المرأة) في نسخةٍ: "امرأته". (يغسل ما مسَّ المرأةَ منه) أي: يغسل العضو الذي مسَّ رطوبة فرج المرأة من أعضائه. (ثُمَّ يتوضأ ويصلي) هو أصرح في الدلالة على ترك الغسل من الحديث السابق. (قال أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (الغسل) بضمِّ الغين، أي: الاغتسال من الإيلاج بدون إنزال. (أحوط) أي: من الاكتفاء بالوضوءِ وغسل الفرج. (وذاك الآخر) بالمذ وكسر الخاءِ، وفي نسخة: "الأخير" بالقصر وبالمثناة التحتية، أي: آخر الأمرين من فعل الشارع، وفي أخرى: بالمدِّ وفتح الخاءِ، أي: الحديث السابق. (إنما) في نسخة: "وإنما". (بينا) في نسخة: "بيناه" (لاختلافهم) أي: لاختلاف الصحابة، ولاختلاف المحدثين، في صحته وعدمها، وفي نسخة: "وإنما بينا اختلافهم" وفي أخرى: "إنما بينا الحديث الآخر لاختلافهم" والماء أنقى، وهذه مناسبة لفتح الخاء. وتقدم أن ما ذكر موجب للغسل مع زيادة.
6 - كتاب الحيض
6 - كتاب الحيض
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 6 - كِتَابُ الحَيْض وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ} [البقرة: 222]- إِلَى قَوْلِهِ - {وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]. [فتح: 1/ 399] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقط من نسخة. (كتاب الحيض) أي: وما يذكر معه من الاستحاضة والنفاس، في نسخةٍ: تقديم هذا علي البسملة، وفي أخرى: بدل (كتاب): "باب" والحيض لغة: السيلان، وشرعًا: دم يخرج من قعر رحم المرأة بعد بلوغها، في أوقات معتادة، بخلاف الاستحاضة: فإنها من عرقٍ فمه بأدنى الرحم، يسمَّى: العاذل بالذال المعجمة. (وقول الله تعالى) بالجرِّ عطفٌ علي الحيض. ({وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ}) أي: الحيض، أي: عن حكمه، وسبب نزول الآية: ما رواه مسلم عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم أخرجوها من البيوت، فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ({وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ}) الآية [البقرة: 222] فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "افعلوا كل شيء إلا النكاح" (¬1) ({فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ}) أي: في الحيض، أو وقته، أو مكانه: وهو الفرج. ¬
1 - باب كيف كان بدء الحيض؟
وهذا اقتصاد بين إفراط اليهود القائلين بإخراجهن من البيوت في زمن الحيض، وتفريط النصارى القائلين بحلِّ جماعهنَّ في زمنه. ({وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}) [البقرة: 222] تأكيد لحكم ما قبله، وبيان لغايته، وهو اغتسالهن بعد الانقطاع. ({فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}) إلخ في نسخة: بدل ما ذكر: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} الآية وفي أخرى: "فاغتسلوا" إلى قوله. " {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} " [البقرة: 222]. 1 - بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الحَيْضِ؟ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ". وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الحَيْضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرُ". [فتح: 1/ 400] (باب: كيف كان بدءُ الحيضِ) أي: ابتداؤه، ويجوز تنوين (باب) وتركه بإضافته، أو بسكونه، فقوله: (وقول النبيِّ) يجوز رفعه وجره. (علي بنات آدَم) أصله: الصلبية، لكن عممه في بنات الولد أيضًا، وإن سفل. (وقال بعضهم) هو عبد الله بن مسعود، وعائشة. (أول) اسم كان. (على بني إسرائيل) خبرها، والمراد: على بنات، أو نساء بني إسرائيل، على حذف مضاف كما في: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]. وهذا أقرب من قول الكرماني: المراد: القبيلة، أو أولاد إسرائيل (¬1). (قال أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ، وهذا ساقط من نسخة. (وحديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم) أي: بأن هذا أمر كتبه الله على بنات ¬
آدم. (أكثر) بمثلثة أي: أشمل من قول بعضهم السابق؛ لأنه يتناول بنات إسرائيل وغيرهنَّ بلا تكلف، وفي نسخةٍ: "أكبر" بموحدة، أي: أوسع. [باب الأَمْرِ بِالنُّفَسَاءِ إِذَا نُفِسْنَ] (باب: الأمر للنفساءِ إذا نفسن) ساقط من نسخة. و (نفسن) بفتح النون أكثر من ضمها أي حضن. قال النووي: الفتح في الحيض أكثر من الضم، وفي الولادة بالعكس (¬1)، لكن قال الهروي: الضم والفتح في الولادة، وأما الحيض فبالفتح لا غير، وفي نسخةٍ: بدل (للنفساء): "للنساء" وفي أخرى: "باب: الأمر بالنفساء إذا نفسن" والمراد بالنفساءِ: الحائض، وبالباء زائدة، أو تقديره الأمر الملتبس بالنفساء، وذكر ضمير نفسن باعتبار الشخص، أو لعدم الإلباس؛ لاختصاص الحيض بالنساءِ، وجمعه على النسخة الأولى باعتبار الجنس. 294 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرَى إلا الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: "مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ" قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ. [305، 316، 317، 319، 328، 1516، 1518، 1556، 1560، 1561، 1562، 1638، 1650، 1709، 1720، 1733، 1757، 1762، 1771، 1772، 1783، 1786، 1787، 1788، 2952، 2984، 4395، 4401، 4408، 5329، 5548، 5559، 6157، 7229 - مسلم: 1211 - فتح: 1/ 400]. ¬
(علي بن عبد الله) في نسخة: "على يعني: ابن عبد الله". (سفيان) أي: ابن عيينة. (قال: سمعت القاسم) أي: "ابن محمد" كما في نسخة، وهو ابن أبي بكر الصديق. (لا نرى) بضم النون، أي: لا نظن، وبفتحها، أي: لا نعتقد ونقصد. (إلا الحج) أي: قصده. (فلمَّا كنا) في نسخة: "فلما كنتم". (بسرف) بفتح المهملة، وكسر الراءِ: موضع على عشرة أميال، أو تسعة، أو سبعة، أو ستة من مكة (¬1)، غير منصرف، للعلمية والتأنيث باعتبار إرادة البقعة، وقد تصرف باعتبار إرادة المكان، كذا قيل، والأقرب استواء الأمرين، أو ترجيح الصرف؛ لأنه الأصل. (قال: مالك) في نسخة: "فقال: مالك". (أنفست؟) نفتح النون، وفي نسخة: بضمها، وتقدم بيانه. (إن هذا) الحيض. (أمر) أي: شأن. (غير) بالنصب. (أن لا تطوفي) أي: أن تطوفي، فـ (لا) زائدة، وإلا فغير عدم الطواف هو نفس الطواف، و (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، و (تطوفي) مجزوم بلا، أي: لا تطوفي ما دمت حائضًا. (وضحَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسائه) أي: بإذنهنَّ. (بالبقر) في نسخة: "بالبقرة" والتاء فيها؛ للفرق كما في تمرة وتمر، كما مرَّ. وفي الحديث: جواز البكاء والتحزن عند حصول مانع العبادة بل يندبان. واشتراط الطهارة في الطواف، وتضحية الزوج عن امرأته، أي: بإذنها، كما مرَّ. ¬
2 - باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله
2 - بَابُ غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ. (باب: غسل الحائض رأس زوجها وترجيله) بالجيم، أي: تسريحه شعر رأسه وتنظيفه. 295 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا حَائِضٌ". [296، 301، 2028، 2029، 2031، 2046، 5925 - مسلم: 297 - فتح: 1/ 401] (حدثنا مالك) في نسخة: "أخبرنا مالك". (أرجل) أي: أسرح شعر (رسول الله) أي: شعر رأسه، فهو من مجاز الحذف، أو من إطلاق المحل على الحال مجازًا. 296 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي المَرْأَةُ وَهِيَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كُلُّ ذَلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: "أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ، تَعْنِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ حَائِضٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ مُجَاورٌ فِي المَسْجِدِ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حَائِضٌ". [انظر: 295 - مسلم: 297 - فتح: 1/ 401] (ابن جريج) نسبة لجدِّه؛ لشهرته به، وإلا فاسمه: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. (أخبرهم) أي: هشامًا ومَنْ في طبقته. (أخبرني هشام) زاد في نسخة: "ابن عروة". (كلُّ ذلك) أي: ما ذكر من الخدمة والدنو. (على) ساقط من نسخة. (هيِّن) بتشديد الياءِ أكثر من تخفيفها، أي: سهل. (وكل ذلك) أي: من ذكر من الحائض والجنب. (تخدمني) الأَوْلى قراءته بالياء التحتية؛ تغليبًا للذكر على المؤنث. (وليس على أحدٍ في ذلك بأس) أي: حرج. (ترجل رسول الله)
3 - باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض
أي: تسرح شعر رأسه، وفي نسخة: "ترجل، تعني: رأس رسول الله". (وهي حائض) لم يقل: حائضة بالتاء لعدم الإلباس؛ لاختصاص الحيض بالنساء، بخلاف ما إذا ألبس، كحاملة ومرضعة، فإنه إن كان المعنى فيها بالفعل أتي بالتاء، أو بالقوة فلا. (حينئذٍ) أي: حين الترجيل. (مجاور) أي: معتكفٌ. (في المسجد) أي: النبويِّ. (يدني لها رأسه) أي: يقربه لها. (حجرتها) بضم المهملة، أي: بيتها. وفي الحديث: ترجيل شعر الرأس، وأن إخراج المعتكف بعضه، كيده ورأسه من المسجد لا يبطل اعتكافه، واستخدام الزوجة في غسلٍ ونحوه برضاها، وألحق عروة الجنابة بالحيض؛ قياسا بجامع الحدث الأكبر، بل هو قياسٌ جليٌّ؛ لأن الاستقذار بالحائض أكثر. 3 - بَابُ قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِي حَجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ: "يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ، فَتَأْتِيهِ بِالْمُصْحَفِ، فَتُمْسِكُهُ بِعِلاقَتِهِ". (باب: قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض) في نسخةٍ: "باب: قراءة القرآن في حجر امرأته" والحجر، بتثليث الحاءِ؛ الحضن، قاله في "القاموس" (¬1). (وقال أَبو وائل) اسمه: شقيق بن سلمة. (إلى أبي رزين) اسمه: مسعود بن مالك الأسديُّ. (فتأتيه" في نسخة: "التأتيه". (بعلاقته) بكسر العين، أي: خيطه الذي يربط به كيسه. وغرض البخاريِّ بذلك: الاستدلال على جواز حمل الحائض ¬
4 - باب من سمى النفاس حيضا
المصحف من غير مسٍّ لكتابته - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل ما فيه من القرآن مع علمه أنهم يمسونه وهم جنب، ومنعه الجمهور؛ لقوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (79)} [الواقعة: 79] حيث صرح فيه بحرمة مَسِّه المفهوم من حرمة حمله بالأولى. 297 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، سَمِعَ زُهَيْرًا، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، أَنَّ أُمَّهُ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَانَ يَتَّكِئُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَ". [7549 - مسلم: 301 - فتح: 1/ 401] (يتكئ في حجري) ضمَّن يتكئ معنى: يتمكن فعدَّاه بفي، أو في بمعني: على (¬1)؛ لأن الاتكاء إنما يتعدى بها، قال تعالى: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه: 18، (ثم يقرأ القرآن) فيه: دلالة على جواز القراءة بقرب موضع النجاسة. 4 - بَابُ مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا (باب: من سمَّى النفاس حيضًا) زاد في نسخة: "والحيض نفاسًا" وهي الموافقة صريحًا؛ لقوله في الحديث الآتي: (أنفست؟) أي: حضت. 298 - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: "أَنُفِسْتِ" قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ. [322، 323، ¬
1929 - مسلم: 296 - فتح: 1/ 402] (المكيُّ) في نسخة: "مكي". (ابنة أمِّ سلمة) في نسخة: "بنت أمِّ سلمة". (مضطجعة) أصله: مضتجعة، قلبت التاءُ طاءً، ويروى مرفوعًا ومنصوبًا. (في خميصة) وهو كساءٌ مربع له علمان. (إذ حضتُ) جواب (بينا). (فانسللتُ) أي: خرجتُ، أو ذهبت في خفية، فعلت ذلك؛ تقذرًا منها أن تضاجعه وهي كذلك؛ أو خشية أن يصيبه من دمها، أو أن يطلب منها استمتاعًا. (حِيَضتي) بكسر الحاء، أي: أخذت ثيابي التي أعددتها؛ لألبسها في حالة الحيض، وبفتحها أي: أخذت ثيابي التي ألبسها زمن الحيض، ويؤيده قولها في نسخة: "حيضي" لكن قال النووي: الكسرُ هو الصحيحُ المشهورُ (¬1) وقال القرطبيُّ: الفتح أرجح (¬2). (قال) في نسخة: "فقال". (أنفست؟) بفتح النون، على الراجح، وبضمها علي المرجوح، أي: حضت. (في الخميلة) باللامِ بدل الصادِ: وهي القطيفة ذات الخمل، وهو الهدب. وفي الحديث: استحباب اتخاذ المرأة ثيابًا للحيض غير ثيابها المعتادة، وجواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع في لحاف واحد. ¬
5 - باب مباشرة الحائض
5 - بَابُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ (باب: مباشرة الحائض) أي: بالتقاءِ بشرتها ببشرة بعلها بغير جماع، وسيأتي لهذا زيادة. 299 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلانَا جُنُبٌ". [انظر: 250 - مسلم: 319 - فتح: 1/ 403] (قبيصة) أي: ابن عقبة. (سفيان) أي: الثوريُّ. (عن منصورٍ) أي: ابن المعتمر. (إبراهيم) أي: النخعي. (عن الأسود) أي: ابن زيد. (أنا والنبي) برفع النبيِّ ونصبه كما مرَّ. (كلانا جُنُبٌ) حال. 300 - وَكَانَ يَأْمُرُنِي، فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ". [302، 2030 - مسلم 293 - فتح: 1/ 403] 301 - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ". [انظر: 295 - مسلم: 297 - فتح: 1/ 403] (وكان) في نسخةٍ: "فكان". (يأمرني) أي: بالاتزار. (فأتزر) بفتح الهمزة وتشديد الفوقية، وأنكره البصريون، وقال الزمخشريُّ: إنه خطأ، وأصله: فأَأتزر بهمزة ساكنةٍ بعد همزة المتكلم بوزن: أفتعل فتقوا لذلك، أو بإبدال الهمزة الثانية ألفًا؛ لوقوعها بعد فتحة لا بالإدغام. والحق جوازه عملًا بمذهب الكوفيين، وبنقل الثقات له عن عائشة؛ إذ قولها حجة؛ لأنها من فصحاء العرب. (فيباشرني) أي: بملاقاة بشرته بشرتها، بلا جماع كما مرَّ، والمباشرة بالملاقاة بالذكر، أو غيره جائزة فيما فوق السرة وتحت الركبة اتفاقًا، وفيما بينهما غير القبل والدبر محرّمة علي الأصح. وقيل: مكروهةٌ، وقيل: إن كان يضبط نفسه عن الفرج جازت وإلا فلا. واختار
النوويُّ من جهة الدليل القول الثاني (¬1)؛ لخبر مسلم: "اصنعوا كلَّ شيءٍ إلا النكاح" (¬2) وحمل خبر أمرها أن تتزر علي الندب واستحسن في "مجموعه" الثالث (¬3). وتقدم ما يؤخذ من الحديث. 302 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَاشِرَهَا " أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟ [انظر: 300 - مسلم: 293 - فتح: 1/ 403] تَابَعَهُ خَالِدٌ، وَجَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ. (حدثنا إسماعيل) في نسخةٍ: "أخبرنا إسماعيل". (خليل) في نسخة: "الخليل". (أَبو إسحق) اسمه: سليمان بن فيروز. (هو الشيباني) بفتح المعجمة، وإنما قال: هو؛ لينبه على أنه من قوله لا من قول الراوي عن إسحاق. ¬
(فأراد رسول الله) في نسخة: "فأراد النبيُّ". (أن تتزر) بتشديد الفوقية، وفي نسخة: "أن تأتزر" بهمزة ساكنة وهي أفصح، كما عُلِمَ مما مرَّ آنفًا. (في فور) بفتح الفاء وسكون الواو وبالراء أي: قوة وشدة، ومنه: فار القدر، أي: قوي واشتدَّ، والمراد: عند ابتداء الحيض، ورواه أَبو داود (¬1): "في فوح" بحاء مهملة. (إربه) بكسر الهمزة وسكون الراء وبموحدة، أي: فرجه، وروي: بفتح الهمزة والراء، أي: حاجته، أي: شهوته، والمعنى: أيكم أضبط لفرجه أو شهوته. (كما كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يملك إربه) فلا يخشى عليه ما يخشى عليكم. (تابعه) أي: عليَّ بن مسهر. (خالدٌ) أي: ابن عبد الله الواسطي. (وجرير) أي: ابن عبد الحميد. 303 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ، تَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا، فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ" وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ. [مسلم: 294 - فتح: 1/ 405] (سمعت ميمونة قالت: كان رسول الله) في نسخة: ["سمعت ميموته تقول: كان رسول الله"] (¬2) وفي أخرى: "سمعت ميمونة قالت: كان النبيُّ). (فاتزرتُ) تقدم ما فيه. (وهي حائض) حالٌ من مفعول (يباشر) أو من مفعول أمر، أو من فاعل اتزر، أو من الثلاثة جميعًا (¬3). ¬
6 - باب ترك الحائض الصوم
(رواه) أي: الحديث، وفي نسخة: "ورواه". (سفيان) أي: الثوريُّ، وقيل: ابن عيينة، وعبَّر برواه دون تابعه؛ لأن الرواية أعمُّ من المتابعة كما مرَّ، فلعلَّه لم يَرْوهِ [متابعةً] (¬1). 6 - بَابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ (باب: ترك الحائض الصوم) أي: في أيام حيضها. 304 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ" فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ"، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ" قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ" قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: "فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا". [1462، 1951، 2658 - مسلم 80 - فتح: 1/ 405] (أخبرنا محمد) في نسخة: "حدثنا محمد". (زيد -هو ابن أسلم-) في نسخة: "زيد" فقط. (خرج رسول الله) أي: من بيته، أو من مسجده. (في أضحى) أي: في عيد أضحى، وهو بفتح الهمزة، وسكون الضاد: جمع أضحاة إحدى أربع لغات في أسمها، ثانيتها وثالثتها: أضحية بضم الهمزة وكسرها مع تخفيف الياءِ، ورابعتها: ضحية بفتح الضاد وتشديد الياءِ، ¬
وأضحى تذكر وتؤنث، وهو منصرف، سميت بذلك؛ لأنها تفعل في الضحى: وهو ارتفاع النهار. (أو فطر) أي: عيد الفطر، والشكُّ من أبي سعيد. (إلى المصلَّى) هو مكان الصلاة. (يا معشر النساءِ) المعشر: كلُّ جماعة أمرهم واحد، وفيه: ردٌّ علي ثعلب؛ حيث خصَّه بالرجال إلا إن أراد بالتخصيص حالة إطلاق المعشر لا تقييده. (أريتكن) بضمِّ الهمزة، أي: أخبرت، وهو متعدٍّ إلى ثلاثة، ثالثها: (أكثر أهل النار) وكانت الرؤية ليلة الإسراء، أو حالة صلاة الكسوف فيها، كما يؤخذ من حديث ابن عبَّاس الآتي في بابها. (فقلن) في نسخة: "قلن". (وبم) الواو عاطفة على مقدر، أي: وما ذنبنا، وقيل: استئنافية، والباء سببية، والميم أصلها: ما الاستفهامية، حذفت ألفها تخفيفًا على القاعدة في مثل ذلك، بخلاف ما الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، والزائدة، فإن ألفها تثبت، نحو: {بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47]، {بِمَا كَسَبُوا} [الكهف: 58] {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} [آل عمران: 79] {فَبِمَا رَحْمَةٍ} [آل عمران: 159]. (تُكْثِرنْ اللَّعْنَ) أي: الدعاء به، وهو الإبعاد من الله، والدعاء به على معين لم يعلم بنص خاتمة أمره بسوءٍ - محرم، بخلاف المعين الذي علم بنص خاتمةِ أمرِه بسوءٍ، كأبي جهل، وغير المعين ممن اتصف بسوءٍ، كالظالمين، والكافرين، فيجوز الدعاء عليهم بذلك. (وَتَكْفُرنَ) من الكفر وهو الستر، وكفر النعمة: سترها. (العشير) أي: المعاشر، وهو الزوج، والخطاب عامٌّ، غلِّبت فيه الحاضرات على الغائبات. و (من ناقصات عقل) صفة لمحذوف، أي: أحدًا،
والعقل: العلم ببعض الضروريات. الذي هو مناط التكليف، وقيل: غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات، وقد بسطت الكلام عليه في "شرح آداب البحث". (أذهب) من الإذهاب على قول سيبويه، يجوز بناء أفعل التفضيل من مزيد الثلاثي وكان القياس أن يقال: أشد إذهابًا. (للبِّ) بضمِّ اللام الثانية، وتشديد الموحدة: العقل الخالص من الشوائب، وسمِّي بذلك؛ لأنه خالص ما في الإنسان من قواه، فكلُّ لبٍّ عقلٌ لا العكس. (الحازم) بحاءٍ مهملة وزاي، أي: الضابط لأمره، وذكره مبالغة في وصفهنَّ بذلك؛ لأن الضابط لأمره إذا كان معهنَّ متصفًا بما ذكر فغيره أولى. (ديننا وعقلنا) في نسخةٍ: "دينها وعقلها". (فذلكِ) بكسر الكاف، عدل إليه عن فذالكن؛ ليفيد العموم لكلِّ مخاطبة. وفي الحديث: كما قال النوريُّ الحثُّ على الصدقة، وأن الحسنات يذهبن السيئات، وأن كفران العشير من الكبائر؛ للتوعد عليه بالنَّار، وجواز إطلاق الكفر على غير الكفريات (¬1)، والمراجعة فيما لا يظهر معناه، وكون شهادة امرأتين بشهادة رجل، وحضورهن مجامع الرجال، لكن بانعزالهن عنهم؛ خوف الفتنة، وخروج الإمام للمصلَّى في العيد، وإنَّ نقص الدين قد يكون مع عدم الإثم، كما أن الكامل ناقصٌ عن الأكمل، وإن لم يكن إثمًا، ثُمَّ إن البخاري خصَّ بالذكر في الترجمة صوم الحائض دون صلاتها، مع أنهما في الحديث؛ لأن تركها للصلاة واضح؛ لافتقارها إلى الطهارة، بخلاف الصوم، فتركها له مع ¬
الحيض تعبد محضٌ فاحتيج إلى ذكره بخلاف الصلاة، وليس المراد بذكر نقص العقل والدين في النساءِ لومهنَّ عليه؛ لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرًا منهن. وهل تثاب على تركها الصوم؛ لأنها مكلفة به، كما يثاب المريض علي النوافل التي كان يفعلها في صحته، وشغل عنها بمرضه؟. قال النوويُّ: الظاهر لا؛ لظاهر الحديث؛ لأن المريض كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها (¬1)، وهي ليست كذلك، بل نيتها ترك الصلاة زمنَ الحيض، وكيف لا وهي حرامٌ عليها. قال الطيبي (¬2): والجواب، أي: بقوله: (تكثرن اللعن ... إلخ) من أسلوب الحكيم؛ لأن (ما رأيت ... إلخ) زيادة، فإن قوله: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير) جواب تامٌّ، فكأنه من باب: الاستتباع؛ إذ الذمُّ بالنقصان استتبع الذمَّ بأمرٍ آخر غريب، وهو كون الرجل الكامل منقادًا للناقصات دينًا وعقلًا. ¬
7 - باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت
7 - بَابٌ: تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إلا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الآيَةَ"، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ "بِالقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا" وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ " وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: "كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الحُيَّضُ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} [آل عمران: 64] " الآيَةَ وَقَالَ عَطَاءٌ: عَنْ جَابِرٍ، حَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ المَنَاسِكَ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي وَقَالَ الحَكَمُ: "إِنِّي لَأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]. (باب: تقضي) أي: تؤدي. (الحائض المناسك كلها) المتعلقة بالحجِّ والعمرة. (إلا الطواف بالبيت) فلا تقضيه؛ لأنه صلاة مخصوصة. (وقال إبراهيم) أي: النخعي. (لا بأس) أي: لا حرج. (أن تقرأ) أي: الحائض. (الآية) هو ما روي عن مالك ومذهب الشافعي والحنفي والحنبلي: التحريم ولو بعض آية؛ لخبر الترمذيِّ: "لا يقرأ الجنبُ ولا الحائضُ شيئًا من القرآن" (¬1) نعم له، ولها إذا انقطع دمها قراءة الفاتحة ¬
في الصلاة عند فقد الطهورين، بل قال النووي بوجوبها. (على كلِّ أحيانه) أي: أزمانه، فيدخل فيه خبر الجنابة. (أن نخرج الحيض) بنون مضمومة، وراء مكسورة ونصب الحيض، وبتاء مفتوحة، وراء مضمومة ورفع الحيض. (ويدعون) في نسخة: "ويدعين". قال صاحب "القاموس" (¬1): دَعَيْتُ لغة في دَعَوْتُ. و {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 64] في نسخة: "يا أهل الكتاب" بلا واو، واستدل بما قاله ابن عبَّاس علي جواز القراءة للجنب؛ لأن الكفَّار جنب، وإنما كتب لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ليقرءُون وذلك يستلزم جواز القراءة، وأجيب: بأن الكتاب اشتمل على غير البسملة والآية، كما لو كتبت بعض القرآن في التفسير فإنه لا يمتنع قراءته ولا مَسُّه عند الجمهور؛ لأنه لا يُقصد منه التلاوة. (وقال عطاء) هو ابن أبي رباح. (فنسكت المناسك) أصل النُّسُك: التعبُّد، وخصَّه العرفُ بمناسك الحج والعمرة "كلها" ساقط من نسخة. (وقال الحكم) بفتح الحاءِ والكاف، أي: ابن عتيبة، بضمِّ العين وفتح الفوقية. (لأذبح وأنا جنب) أي: لأذكر الله في ذبحي حالة كوني جنبًا؛ لأن الذبح يستلزم ذكر الله تعالى عادة وشرعًا. 305 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَذْكُرُ إلا الحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ¬
"مَا يُبْكِيكِ؟ " قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ العَامَ، قَالَ: "لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي". [انظر: 294 - مسلم: 1211 - فتح: 1/ 407] (لا نذكر إلا الحجَّ) أي: لأنهم كانوا يعتقدون امتناع العمرة في أشهر الحجِّ). (طمثتُ) بكسر الميم أشهر من فتحها، وبمثلثة، أي: حضتُ. (لوددت) بكسر الدال وهو جواب قسم محذوف (¬1)، والقسم الذي بعده: هو والله تأكيد المحذوف، أو مفعول وددتُ. (أني) بفتح الهمزة. (لم أحج) أي: لم أقصد الحجَّ هذه السنة؛ لأن قولها ذلك كان قبل فعل شيءٍ من الحجِّ. (فإن ذاك) في نسخة: "فإن ذلك" بلام قبل الكاف (¬2). (شيءٌ كتبه الله على بنات آدم) أي: ليس خاصًّا بكِ، قاله تسلية لها وتخفيفًا لهمِّها. (حتى تطهري) أي؛ طهارة كاملة بانقطاع الحيض والاغتسال؛ لحديث "الطواف بالبيت صلاة" (¬3) فيُشترط له ما يشترط لها. وفي الحديث: مَنْعُ الحائض من الطواف، وصحة أفعال الحجِّ منها غير الطواف، وندب حج الرجل بامرأته. ¬
8 - باب الاستحاضة
8 - باب الاسْتِحَاضَةِ (باب: الاستحاضة) تقدم بيانها، وتفسير الحديث الآتي. 306 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي". [انظر: 228 - مسلم: 333 - فتح: 1/ 409] (عن هشام بن عروة) في نسخة: "هشام" فقط. (فقال رسول الله) في نسخة: "فقال النبيُّ". وفي الحديث: استفتاء من وقعت له مسألةٌ لا يعرف حكمها. وجواز استفتاء المرأة الرجل بنفسها فيما يتعلق بالنساءِ، واستماع صوتها عند الحاجة. 9 - باب غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ. (باب: غسل دم المحيض) في نسخة: "الحيض" وهو المراد بالأولى، وفي أخرى: "الحائض". 307 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ". [انظر: 227 - مسلم: 291 - فتح: 1/ 410] (هشام) زاد في نسخة: "ابن عروة". (عن أسماء بنت أبي بكر) أي: "الصديق" كما في نسخة.
10 - باب اعتكاف المستحاضة
(سألت امرأة) هي أسماء بنت الصديق أبهمت نفسها؛ لغرض صحيح. (أرأيت) استفهام بمعنى: الأمر؛ لاشتراكهما في الطلب، أي: أخبرني، كما مرَّ. (فلتقرصه) بقاف وراء مضمومة، وصاد مهملة، أي: تقلعه بظفرها، أو أصابعها. (ثُمَّ لتنضحه) بكسر الضاد وفتحها، أي: تغسله بماءٍ، وتقدم بيان ذلك. 308 - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ، ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا، فَتَغْسِلُهُ وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ". [فتح: 1/ 410] (أصبغ) بغين معجمة، أي: ابن الفرج. (أخبرني عمرو) في نسخة: "حدثني عمرو". (تقترص الدَّم) بفوقية بعد القاف، وفي نسخةٍ: "تقرص". (عند طهرها) في نسخة: "عند طهره" أي: ثوبها، أي: عند إرادة تطهيره. (فتغسله) بالماء بأطراف أصابعها. (وتنضح) أي: ترش الماء. (علي سائره) أي: جميعه؛ دفعًا للوسوسة. 10 - بَابُ اعْتِكَافِ المُسْتَحَاضَةِ (باب: الاعتكاف) أي: في المسجد. (للمستحاضة) في نسخةٍ: "باب: اعتكاف المستحاضة". 309 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ"، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ، وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ العُصْفُرِ، فَقَالَتْ:
كَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ كَانَتْ فُلانَةُ تَجِدُهُ. [310، 311، 2037 - فتح: 1/ 411] (حدثنا إسحاق بن شاهين) في نسخة: "حدثنا إسحاق الواسطيُّ". (حدثنا خالد) في نسخة: "أخبرنا خالد" وهو الطحان. (عن خالد) أي: ابن مهران، وهو الحذَّاء. (بعض نسائه) هي سودة بنت زمعة، أو رملة أم حبيبة، أو زينب بنت جحش. (وهي مستحاضة) أدخل فيه التاء مع أن الاستحاضة خاصة للنساء؛ للتنبيه على أن الاستحاضة حاصلة لها بالفعلِ لا بالقوة، أو التاء؛ لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، ولا يقالُ في المستحاضة: مستحيضة، وكما يقال في فعلها: استحاضت، وإنما يقال: استحيضت؛ إذ بعض الأفعال لم تستعمل إلا مجهولا (¬1)، كجُنَّ. (الطَّسْتَ) أصلُه: طسَّ، أبدلت إحدى السينين تاءً؛ للاستثقال، فإذا جمع أو صغر رُدَّ إلى الأصل، فيقال: طاس وطيس. (من الدم) متعلِّقٌ بوضعت، ومن ابتدائية أو سببية (¬2). (وزعم) أي: عكرمة، وعبر بزعم؛ إما لمجيئه بمعنى قال، أو لأنه لم يثبت صريح القول بذلك عن عكرمة، بل بقرائن الأحوال، وهذا تعليقٌ من البخاريِّ، أو من تتمة قول خالد الحذاءِ فيكون مسندًا، وهو ¬
11 - باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه؟
عطفٌ في المعنى علي: (عن عكرمة) قال خالد: قال عكرمة، وزعم عكرمة. (كأنَّ) بتشديد النون. (كانت فلانة) هي زينب بنت جحش. (تجده) أي: تجد مثله في زمن استحاضتها. 310 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي". [انظر: 309 - فتح: 1/ 411] (عن خالد) أي: الحذاء. (امرأة من أزواجه) تقدم بيانها آنفًا. (والطست تحتها) بواو الحال، وفي نسخةٍ: بلا واو. وفي الحديث: جواز مكث المستحاضة في المسجد، وجواز اعتكافها وصلاتها فيه، بشرط عدم التلويث في الكلِّ. 311 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، "أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ". [انظر: 309 - فتح: 1/ 411] (معتمر) أي: ابن سليمان. (أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة) تقدم بيانه. 11 - بَابٌ: هَلْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ؟ (باب: هل تصلِّي المرأة في ثوب حاضت فيه) أي: بعد غسل ما أصابه من الدم، أو قبله، وكان مما يُعفى عنه. 312 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "مَا كَانَ لإِحْدَانَا إلا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا". [فتح: 1/ 412] (ابن أبي نجيح) اسمه: عبد الله، واسم أبي نجيح: يسار.
12 - باب: الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض
(لإحدانا) عامٌّ؛ لأن المفرد المضاف من صيغ العموم علي الأصح. (إلَّا ثوب واحد) لا ينافي ما مرَّ من قول أمِّ سلمة: "فأخذت ثياب حيضتي" الدال على تعدد الثوب لجواز أن يكون ما هنا كان في بدء الإسلام، فإنهم كانوا حينئذٍ في شِدَّةٍ وقِلَّة، وما مرَّ كان بعد أن فتح الله الفتوح واتسعت أحوالُهم. (قالت بريقها) من التعبير بالقول عن الفعل، أي: وضعت ريقها عليه. (فقصعته) بقافٍ فمهملتين، أي: دلكته بظفرها وعالجته به، وفي نسخةٍ: "فمصعته" بميم بدل القاف، أي: حكَّته. (بظفرها) بسكون الفاءِ وضمها، والمراد: إنها بعد ذلك غسلته. 12 - بَابٌ: الطِّيبُ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ (باب: الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض) أي: الحيض، وفي نسخة: قبل الباب "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". 313 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: "كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ"، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [1278، 1279، 5340، 5341، 5342، 5343 - مسلم: 138 - فتح: 1/ 413] (أيوب) أي: السختياني. (عن حفصة) أي: بنت سيرين الأنصارية. (قال أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (أو هشام ... إلخ) قال
شيخنا: كأنه -يعني: البخاري- شك في شيخ حمَّاد أو أيوب أو هشام. (أن تحِدَّ) بفوقية، أي: المرأة، وفي نسخةٍ: "نحد" بنون، وكذا القول في (نكتحل) وأخواته، وكلا النسختين من أحدت رباعي، ويقال فيه أيضًا: حدت ثلاثي، ومضارعه: تحد بفتح الفوقية وضمِّ الحاءِ وكسرها: حدادًا فهي حاد، والإحداد: ترك الزينة، وهو واجب على المعتدَّةِ وفاةٍ. (إلا علي زوجها) موافقٌ لنسخة: (تحد) بالفوقية، وفي نسخة: "إلا علي زوج" وهي موافقة لنسخة: "نحد" بالنون. (عشرًا) أي: عشر ليالٍ؛ إذ لو أريد الأيام لقيل: عشرة بالتاءِ، مع أن كلًّا منهما جائزٌ عند حذف المميز كما هنا، وخصت الأربعة الأشهر والعشر بالذكر؛ لأن غالب الحملِ تبين حركته فيها. (ولا نكتحل .. إلخ) برفع الأفعال الثلاثة بالعطف على (ننهى) وبنصبها بالعطف على (نحد) بزيادة لا؛ تأكيدًا لتقدم معنى النفي، وهو النهي. (إلا ثوب عَصْبٍ) بمهملتين مفتوحة فساكنة: برود باليمين يُصبغ غزلها ثم ينسج. (وقد رخص) أي: التطيب. (من محيضها) أي: حيضها. (في نُبذة) بضمِّ النون وفتحها وسكون الموحدة، وذال معجمة، أي: شيءٌ يسير من النبذ: وهو الطرح، أي: يطرح ذلك في النَّار بمقدار ما يقطع عند الطهر الرائحة. (كست) أي: قسط بضم القاف: من عقاقير البحر. (ظفار) بفتح المعجمة والبناء علي الكسر، كحضار: موضع بساحل عدن، أو مدينة باليمن (¬1)، وفي نسخة: "أظفار" بفتح الهمزة ¬
13 - باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض، وكيف تغتسل، وتأخذ فرصة ممسكة، فتتبع [بها] أثر الدم
وسكون المعجمة، قيل: هو شيءٌ من الطيب أسود. (رواه هشام بن حسان) بالصرف وتركه كما مرَّ، وهذا تعليق من البخاريِّ، أو من مقول حمَّاد، فيكون مسندًا. وفي الحديث: أن للحائض ولو مُحدةً أن تدرأ عن غسلها من الحيض رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط؛ لأنها مستقبلة للصلاة، مجالسة للملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم. 13 - بَابُ دَلْكِ المَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ المَحِيضِ، وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ، وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَتَّبِعُ [بها] أَثَرَ الدَّمِ (باب: دَلْكِ المرأة نفسها) أي: بدنها. (إذا تطهرت من المحيض) أي: الحيض. (وكيف تغتسل) عطفٌ علي دَلْكِ المرأة. (وتأخذ) عطفٌ علي (تغتسل). (فرصة) بكسر الفاءِ، وحُكِى تثليثها، وبصاد مهملة، أي: قطعة. (ممسكة) بضمِّ الميم الأولى، وفتح الثانية، وتشديد السين، وفتح الكاف، أي: قطعة من قطن، أو خرقة مطليةْ. (بمسك) وفي نسخة: "من مسك" وهي الموافقة لما في الحديث على ما يأتي فيه، وإن كانت الأولى أقرب معنىً. (فتتبع) في نسخة: "تتبع" بلا فاءٍ، وهي علي النسختين مشددة التاء، أو مخففتها مع ضم الفوقية، أو فتح الموحد. 314 - حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ ¬
تَغْتَسِلُ، قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ، فَتَطَهَّرِي بِهَا" قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: "تَطَهَّرِي بِهَا"، قَالَتْ: كَيْفَ؟، قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، تَطَهَّرِي" فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ، فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. [315، 7357 - مسلم: 332 - فتح: 1/ 414] (يحيى) أي: ابن موسَى البلخيّ، وقيل: ابن جعفر البيكنديُّ. (أنَّ امرأةً) هي أسماء بنت يزيد بن السكن، وقيل: أسماء بنت شَكَل بفتح المعجمة والكاف. (قال: خذي .. إلخ) إنما أجاب بهذا: سؤالها عن الاغتسال؛ لأنه المقصود منه؛ لأنَّ كون الاغتسال إيصال الماءِ إلى الشعرِ والبشرة معلوم لكلِّ أحد، وإنما تسأل عما يختصُّ بغسل الحيض. قال الكرماني: إذا هو جملة حالية لا بيانية، أي: والتقدير: أمرها كيف تغتسل قائلًا: "خذي فرصة من مسك" بكسر الميم (¬1)، ورجحه النووي (¬2)، وهو الموافق لرواية من ذريرة (¬3)، وبفتحها، قال القاضي عياضٌ وغيره: وهي أكثر الروايات، أي: قطعة من جلد (¬4). (سبحان الله) قد مرَّ أنها تقالُ عند التعجب. (فاجتذبتها) بتأخير الباءِ عن الذال، وفي نسخة: بتقديمها عليها. (تَتَبَّعي) أمرٌ من التتبعِ. وهو المرادُ من قولهِ قبلُ: تطهري. (أثر الدم) قال النووي: المراد به عند الفقهاء: الفرج (¬5). وقال غيره: كلُّ موضع أصابه الدم من بدنها، وهو الموافق لنسخة: "تتبعي بها مواضع الدم". وفي الحديث: جواز التسبيح عند التعجب، وحسن خلقه - صلى الله عليه وسلم - ¬
14 - باب غسل المحيض
وعظيم حلمه وحيائه، وأن المرأة تسأل عن أمر حيضها وما تبدأ به. وأن العالم يجيب بالتعريض في الأمور المستورة، وتكرير الجواب؛ لإفهام السائل، وأن لمن في مجلس العالِم أن يفهم السائل ما قاله العالم وهو يسمع، ويكون ذلك بمنزلة قوله حتى يقول فيه: حدثني وأخبرني. ووجه دلالة الحديث على الدلك في الترجمة: أن تتبع الدم يستلزمه، قاله الكرماني (¬1). 14 - باب غَسْلِ المَحِيضِ (باب: غسل المحيض) بفتح الغين، (المحيض) بمعنى: مكان الحيض أو بضمها والمحيض] (¬2) بمعنى: الحيض، والإضافة بمعنى: اللام. 315 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ المَحِيضِ؟ قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِي ثَلاثًا" ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْيَا، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: "تَوَضَّئِي بِهَا" فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا، فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 314 - مسلم: 332 - فتح: 1/ 416] (مسلم) أي: ابن إبراهيم. (أن امرأة) مرَّ بيانها. (ممسكة) بتشديد السين مفتوحة، وفي نسخة: بكسرها. (وتوضَّئي) أي: الوضوء اللغوي، أي: تنظفي. (ثلاثًا) متعلق بقال أو بقالت أوبـ (توضئي)، ومنع الكرمانيُّ الأخيرَ (¬3). وجَّوزه ¬
15 - باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض
شيخنا، وهو ظاهر، ومن ثم تبعته (¬1). (أو قال ... إلخ) شكٌّ من عائشة، وفي نسخة: "وقال" قال شيخنا: والأولى أظهر، قال: ومحل التردد في لفظ: (بها)، هل هو ثابت أولًا؟ أو التردد بينه وبين لفظ: (ثلاثًا) انتهى، ويحتمل أن التردد واقعٌ بين إعراضه عنها، وقوله لها ذلك (¬2). (بما يريد) أي: من التتبع وإزالة الرائحة الكريهة. 15 - بَابُ امْتِشَاطِ المَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ المَحِيضِ (باب: امتشاط المرأة) أي: تسريح شعر رأسها. (عند غسلها من المحيض) أي: الحيض. 316 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ وَلَمْ يَسُقْ الهَدْيَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ"، فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ، فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ. [انظر: 294 - مسلم: 1211 - فتح: 1/ 417] (إبراهيم) أي: ابن سعد. (أهللت) أي: أحرمت، ورفعت صوتي بالتلبية. (ولم يسق الهدي) تاكيدٌ لمن تمتع؛ لأن المتمتع لا يسوقُ هديًا، والهدي بفتح، فسكون، فياء مخففة، أو بكسر الدال وتشديد الياء: ما يهدى لمكة من الأنعام. (فزعمت) عبَّر به دون: قالت؛ لأنها لم تصرح بذلك؛ لأنه مما ¬
يستحى من التصريح به. (إنما كنت تمتعت بعمرة) أي: وأنا حائض، وقولها: (بعمرة) تصريح لما تضمنه التمتع؛ لأنه إحرام بعمرة في أشهر الحج ممن على مسافة القصر من الحرم، ثم يحج من سنته. (انقضي) بقاف، وفي نسخة: بفاء، أي: حلي رأسك، أي: عقد شعره. (ففعلت) أي: فعلت النقض، والامتشاط، والإمساك. (فلما قضيت) أي: أديت الحج، أي: بعد إحرامي به. (أمر) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (عبد الرحمن) أي: أخا عائشة. (ليلة الحصبة) بفتح الحاءِ، وسكون الصاد المهملتين: وهي الليلة التي ينزل بها الحاج في المحصب، وهو المكان الذي نزلوه بعد النفر من منى خارج مكة، وهي الليلة التي بعد أيام التشريق، سميت بذلك؛ لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المحصب، وباتوا فيه، والحصبة والحصباء، والأبطح والبطحاء، والمحصب وخيف بني كنانة ما بين مكة ومنى. (فأعمرني) في نسخة: "فاعتمر بي". (من التنعيم) هو موضع علي فرسخ من مكة عى طريق المدينة (¬1)، فيه مسجد عائشة. (مكان عمرتي التي نسكتُ) أي: أحرمت بها، فيه مسجد عائشة. (مكان عمرتي التي نسكتُ) أي: أحرمت بها، وفي نسخة: "سكت" من السكوت أي: التي تركت أعمالها، وسكتت عنها، وفي أخرى: "شكت" بمعجمة وتاءٍ ساكنة، أي: شكت العمرة من الحيض، من الشكاية، وإطلاق الشاكية عليها؛ كناية عن اختلالها، أو شكت عائشة على طريق الالتفات من ¬
التكلُّمِ إلا الغيبة. ووجه الاستدلال بالحديث للترجمة: أن الامتشاط إذا كان لغسل الإحرام هو سنة فلغسل الحيض الذي هو فرضٌ أولى، والأمر بالنقض مستعمل في حقيقته ومجازه؛ لوجوبه إن لم يصل الماء إلى باطن العقد، وندبه إن وصل، أو محمول على إذا لم يصل؛ لقول الجمهور: لا يجب النقض بل الواجب إيصال الماء لأصول الشعر، أخذًا من حديث أم سلمة: إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: "لا، إنما كان يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات" (¬1) مع أن هذا الحديث محمولٌ على ما إذا وصل الماءُ إلى باطن العقد. قال النووي (¬2): فإن قلت: صحت الروايات عن عائشة أنها قالت: لا نرى إلا الحجَّ ولا نذكر إلا الحج، وخرجنا مهلين بالحجِّ. (¬3) فكيف يجمع بينها وبين قولها: تمتعت بعمرة (¬4)؟ قلت: الحاصل: أنها أحرمت بالحجِّ ثم فسخته إلى عمرة حين أمر الناس بالفسخ، فلما حاضت وتعذَّر عليها إتمام العمرة أمرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالإحرام بالحجِّ، فأحرمت به فصارت مدخلة للحجِّ على العمرة وقارنة؛ لقوله لها: "يسعك طوافك لحجِّك وعمرتك" وقوله لها: "دعي أو أمسكي عن ¬
16 - باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض
عمرتك" ليس المراد: الخروج منها، فإن العمرة والحج لا يخرج منهما إلا بالتحلل، بل المراد: اتركي العمل في العمرة، وإتمامها، ولا يلزم من نقض الرأس والامتشاط إبطالها؛ لجوازهما عندنا حال الإحرام؛ حيث لا ينتفان شعرًا، لكن يكره الامتشاط إلا لعذر وحملوا فعلها ذلك علي أنه كان برأسها أذى، وقيل: المراد بالامتشاط هنا: تسريح الشعر بالأصابع؛ لإيصال ماء الغسل، ويلزم منه نقض الشعر، لا حقيقة الامتشاط، وإنما أمرها بالعمرة بعد الفراغ، وهي كانت قارنة؛ لقصدها عمرة منفردة، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين حيث اعتمرن عمرة منفردة عن حجهنَّ، ولكن أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يطيب نفسها بذلك. قال الكرماني: فكانت عائشة مفردة ثم متمتعة ثم قارنة (¬1). 16 - بَابُ نَقْضِ المَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ المَحِيضِ (باب: نقض المرأة شعرها عند الغسل المحيض) بفتح الغين، والمحيض بمعنى: مكان الحيض، أو بضمِّها والمحيض بمعنى: الحيض والإضافة بمعنى: اللام، كما مرَّ. 317 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلالِ ذِي الحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ" فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ"، فَفَعَلْتُ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ، أَرْسَلَ مَعِي أَخِي ¬
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي قَالَ هِشَامٌ: "وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ". [انظر: 294 - مسلم: 1211 - فتح: 1/ 417] (عبيد بن إسماعيل) أي: ابن محمد الهبَّاري بفتح الهاءِ والباءِ المشددة وبالراء. (خرجنا موافين) أي: مقاربين، أو مشارفين، وكان خروجهم قبله لخمسٍ بقين من ذي القعدة. (فليهلل) أي: فليحرم، وفي نسخة: "فليهلَّ" بالإدغام. (أهديت) أي: سقت الهدي، وإنما كان الهديُ علةً؛ لانتفاء إحرام العمرة، لأن صاحب الهدي لا يجوز له التحلل حتَّى ينحر، ولا ينحر إلا يوم النحر، والمتمتع يتحلل من عمرته قبله، فتنافيا. (فأهل بعضهم بعمرة) أي: صاروا متمتعين. (وأهلَّ بعضهم بحجٍّ) أي: صاروا مفردين. (دعي عمرتك) أي: اتركي أفعالها لا نفسها لما مرَّ. (حتَّى إذا كان ليلة الحصبة) برفع (ليلة) على أن كان تامة، وبنصبها على أنها ناقصة، واسمها: مضمر، أي: الوقت. ووجه دلالة الحديث للترجمة: أن النقض إذا كان لغسل الإحرام وهو سنة فلغسل الحيض الذي هو فرضٌ أولى؛ ولا دلالة في الحديث على أن التمتع أفضل من الإفراد؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك لأجل فسخ الحجِّ إلى العمرة الذي هو خاصٌّ في تلك السنة؛ لمخالفة تحريم الجاهلية العمرة في أشهر الحجِّ، لا التمتع الذي فيه الخلاف وقاله؛ تطيبًا لقلوب أصحابه، وكانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحجِّ إليها؛ لإرادتهم موافقته - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إنما يمنعني من موافقتكم الهدي، ولولاه لوافقتكم. (قال هشام: ولم يكن في شيء من ذلك، هدي ولا صوم ولا صدقة) هذا يحتمل أن يكون تعليقًا، وأن يكون متصلًا بالإسناد
17 - باب: {مخلقة وغير مخلقة}
المذكور. والظاهر الأول قاله الكرماني (¬1)، وقال النووي: ونفي الثلاثة مشكلٌ من حيث إنها كانت قارنة، والقارن يلزمه الدم (¬2). قال الكرماني: لفظ: (الصدقة) يدلُّ على أن المراد لم يكن أحدها من جهة ارتكاب محظورات الإحرام (¬3)، كتطيب، وإزالة شعر، وستر وجه؛ إذ ليس في القرآن إلا الهدي والصوم ثُمَّ قال: وقال القاضي عياض فيه: دليلٌ على أنها كانت في حجِّ مفرد، لا تمتع ولا قران؛ لأن العلماء مجمعون على وجوب الدم فيهما (¬4)، قلت: الإشكال قويٌّ؛ لما مرَّ من أنها كانت مفردة ثُمَّ متمتعة ثُمَّ قارنة، والأقرب في دفعه ما قاله الكرماني (¬5). 17 - بَابُ: {مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} (باب: {مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}) [الحج: 5] أي: هذا باب في بيان قوله - صلى الله عليه وسلم - (فإذا أراد الله أن يقضي خلقه، قال) الملك: مخلقة، وإن لم يرد، قال: وغير مخلقة. والمعنى: مصورة تامة الخلق، أو غير تامة الخلق. قال الكرماني: وغرض البخاريِّ بهذا الباب: أن الحامل لا تحيض على ما قاله الكوفيون قالوا: لأن اشتمال الرحم على الولد يمنع ¬
خروج دم الحيض (¬1). 318 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ، فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ، فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ". [3333، 6595 - مسلم: 2646 - فتح: 1/ 418] (حمَّاد) أي: ابن زيد. (عن عبيد الله بن أبي بكر) أي: (عن أنس بن مالك). (يارب) أصله: ربِّي بسكون الياء وفتحها، حذفت ياء المتكلم، ويجوز فيه أيضًا: يا ربا ويا رباه بهاء، ويا ربُّ بفتح الباءِ وضمها. (نطفة) بالنصب، بمقدر، كصار المنيُّ نطفة، أو جعلته نطفة، وبالرفع؛ خبر مبتدأ محذوف. (علقة) أي: قطعة دمٍ جامد. (مضغة) أي: لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ، وإعرابهما كإعراب نطفة، وليس المراد بالإخبار بذكر الثلاثة أنها تصدر من الملك في وقت واحد، بل في أوقات متعددة. قال الكرماني: فإن قلت: الخبر إما فائدته إعلام المخاطب بمضمونه، أو إعلامه بعلم المتكلم به (¬2)، ويسمَّى الأول: فائدة الخبر، والثانية: لازمها، ولا يتصوران هنا؛ لأن الله علام الغيوب، قلت: ذلك إذا كان الكلام واردًا علي مقتضى الظاهر، أما إذا عدل عن الظاهر فلا يلزم إحداهما، كما في قوله حكاية عن أُمِّ مريم: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} [آل عمران: 36] فالغرض من الإخبار فيما نحن فيه: التماس ¬
إتمام خلقه، والدعاء بإفاضته الصورة الكاملة عليه، أو الاستعلام من ذلك ونحوهما. (يقضي) أي: يتمُّ. (قال) أي: الملك. (أذكرٌ؟) أي: أهو ذكرُ بالرفع؛ خبر مبتدأ محذوف، وجزم الكرمانيُّ بأنه مبتدأ، أي: أذكر هو؟ (¬1)، وفي نسخة: بالنصب أي: أتريد، أو أتخلق ذكرًا؟ وكذا القول في: (شقي وسعيد) وهمزة الاستفهام مقدرة في (شقي) بقرينة أم المتصلة (¬2) في قوله: (أم سعيد)، ومعنى الشقي: العاصي لله، ومعنى السعيد: المطيع له. (فما الرزق) هو ما ينتفع به. (و) ما (الأجل) هو الزمان الذي علم الله أن الشخص يموت فيه، أو مدة حياته؛ لأنه يطلق على المدة وعلى غايتها. (فيكتب) أي: الله بمعنى: فيأمر، أو الملك، وفي نسخة: "فيكتب" بالبناء للمفعول، والكتابة حقيقة، أو مجاز عن التقدير، فإن قلت: التقدير أولى، فكيف قال: (في بطن)؛ قلت: الحاصل في البطن تعلقه بالمحلِّ، ويسمي: قدرا، والأزلي أمرٌ عقليٌّ محض، ويسَمَّى: قضاءً، والبطن: ظرفٌ للكتابة. وقدر روي أن الأربعة تكتب على الجبهة، واعلم أن كتب الأربعة جامع لجميع أحوال الشخص؛ إذ فيه بيان حال المبدإ، وهو خلقه ذكرًا أو أنثى، وحال المعاد وهو السعادة والشقاوة، وما بينهما وهو الأجل، وما يتصرف فيه وهو الرزق. ¬
18 - باب: كيف تهل الحائض بالحج والعمرة؟
18 - بَابٌ: كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ؟ (باب: كيف تهلُّ الحائضُ بالحجِّ والعمرة؟) أي: كيف تحرم بهما والمراد: بيان جواز ذلك، وفي نسخة: تقديم هذا الباب علي سابقه. 319 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يُحِلُّ حَتَّى يُحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ" قَالَتْ: فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إلا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ. [انظر: 294 - مسلم: 1211 - فتح: 1/ 419] (عن عُقيل) بضمِّ العين: ابن خالد بن عقيل بفتحها، الأيلي. (في حجة الوداع) بفتح الحاءِ، والواو وبكسرهما. (ولم يهد) (¬1) بضمِّ الياءِ. (فليحلل) بفتح الياء وكسر اللام؛ لأن الفعل ثلاثي، وفي نسخة: بضم الياء. (حتَّى يُحِلَّ بنحر هديه) بكسر الحاء، أي: في يوم العيد، وفي نسخةٍ: "حتَّى يحل نحر" بحذف الباء، وفي أخرى: "حتى ينحر" لكن المعتمر -وإن ساق هديًا- يتحلل قبل يوم النحر حتى يحرم بالحج، فإن قلت: قد يتحلل الشخص بعد انتصاف ليلة النحر فلمَ جعل ¬
19 - باب إقبال المحيض وإدباره
غايته النحر أو وقته؟ قلت: المراد أن التحلل الكلي المبيح للجماع. (ومن أهل بحجة) في نسخةٍ: "ومن أهل بحج". (يوم عرفة) برفعه علي أن كان تامة، وبنصبه على أنها ناقصة (¬1)، واسمها: مضمر، أي: اليوم. (فأمرني) وفي نسخة: "وأمرني". (وأترك العمرة) أي: أفعالها كما مرَّ. (حتَّى قضيت حَجِّي) في نسخة: "حتَّى قضيت حجتي". (من التنعيم) متعلقٌ باعتمر، و (من) ابتدائية، أو بيانية. 19 - بَابُ إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرَجَةِ فِيهَا الكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ، فَتَقُولُ: "لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ" تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ وَبَلَغَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ، فَقَالَتْ: "مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ". [فتح: 1/ 420] (باب: إقبال المَحِيضِ وإدباره) أي: بيان حكمهما. (كنَّ نساء) برفع نساء؛ بدلٌ من ضمير (كنَّ)، علي لغة: أكلوني البراغيث (¬2) وكان تامة، أو ناقصة، وأنصبه على أنها تامةٌ، أو ناقصةُ ¬
أيضًا] (¬1) لكن على الاختصاص وإن كان نكرة، أي: أعني: نساءً، وتنكيره؛ للتنويع، أي: كان ذلك من نوعٍ من النساءِ لا من كلهنَّ، وخبر كان على أنها ناقصة: (يعثن). والأثر المذكور رواه مالك في "الموطأ" عن علقمة بن أبي علقمة [المدني] (¬2) عن أمه، واسمها: مرجانة مولاة عائشة (¬3). (بالدرجة) بكسر الدال، وفتح الراءِ والجيم وتاء التأنيث: جمع درج بضم الدال وسكون الراء: وهو وعاء كنحو المغازل وفي نسخة: بضم الدال وسكون الراء وبالتاء الفارقة بين اسم الجنس وواحده، كتمرة وتمر. (الكُرْسُفُ) أو نحوه مما حشون به فروجهنَّ؛ ليعرفنَ هل بقي من أثر الحيض أم لا؟. (فتقول) أي: عائشةُ. (حتَّى ترين القصة البيضاء) هي بقافٍ مفتوحة وصاد مهملة مشددة: ماءٌ أبيض يكون آخر الحيض يعرف به نقاء الرحم؛ تشبيهًا بالقصةِ التي هي الجير. (ابنة زيد) الظاهر أنها أم كلثوم؛ لأن لها رواية دون بقية بناته من أمِّ إسحق، وحسنة، وعمرة. (يدعون) أي: يطلبن، فالنون للنسوة، [والواو] (¬4) لام الفعل، وفي نسخة: "يدعين" وتقدم ذلك مع زيادة. (ينظرن إلى الطهر) أي: إلى ما يدلُّ عليه. (وعابت عليهن) أي: دعاءهن بما ذكر، وإنما عابت عليهن ذلك؛ لأن فعلهن وإن كان فيه حرصٌ على الطاعة، لكن فيه حرج، وهو مذموم؛ إذ ليس جوف الليل إلا وقت استراحةٍ. ¬
20 - باب: لا تقضي الحائض الصلاة
320 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ، كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي". [انظر: 228 - مسلم: 333 - فتح: 1/ 421] (عبد الله بن محمد) أي: الجعفي. (سفيان) أي: ابن عيينة. (بنت أبي حبيش) بضمِّ المهملة وفتح الموحدة، وبمعجمة. (تستحاض) بالبناء للمفعول. (ذلكِ) بكسر الكاف. (عرق) بكسر العين، ويسمَّى: العاذل، كما مرَّ. (وليست بالحيضة) بكسر الحاءِ، وفتحها، وهو أظهر. (فاغتسلي) أي: عند احتمال انقطاع الحيض، أمَّا عند عدم احتماله فلا يجب الاغتسال بل غسل ما أصابها من الدم فقط كما مرَّ. وفي الحديث كما قال ابن بطَّال: أن الصفرة والكدرة في زمن الحيض حيضٌ حتَّى ترى الماء الأبيض الذي يدفعه الرحم عند الانقطاع (¬1). 20 - بَابٌ: لَا تَقْضِي الحَائِضُ الصَّلاةَ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَأَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَدَعُ الصَّلاةَ". [انظر: 304 - 1557] (باب: لا تقضي الحائض الصلاة) أي: لا تؤديها زمن الحيض ولا بعده، فالتعبير بعدم القضاء أعمُّ ظاهرًا من التعبير بـ (تدع الصلاة) المذكور في قوله: (وقال جابر ... إلخ). ¬
321 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ، أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ "كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ" أَوْ قَالَتْ: فَلَا نَفْعَلُهُ. [مسلم: 335 - فتح: 1/ 421] (همَّام) بتشديد الميم: ابن يحيى بن دينار. (معاذة) بميم مضمومة وذال معجمة: بنت عبد الله العدوية. (أن امرأة) هي معاذة، أبهمت نفسها؛ لغرض صحيح. (أتجزي) بفتح أوله بلا همزة في آخره، وحكي الهمز، أي: أتقضي. (صلاتها) بالنصب: مفعول تجزي أي: تقضي كما قلنا، وأن فسر تجزيء بتكفي، كانت صلاتها مرفوعة علي الفاعلية لكن رده البرماويُّ، بأنها لم تصلِّ حتَّى تسأل عن الاكتفاء بها، إنما سألت عن لزوم القضاءِ بعد الطهر، ثم قال: أما ضمُّ تاء تجزيَ والهمز من أجزأ الرباعي فلا معنى له هنا. (أحرورية؟) بفتح المهملة وضمِّ الراءِ الأولى؛ نسبة إلى حروراء قرية بقرب الكوفة كان أول اجتماع الخوارج بها، وتعاقدهم، فالمعنى هنا: أخارجيةٌ أنت؟ لأن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف الإجماع، فالاستفهام إنكاريٌّ. (أنتِ) مبتدأ خبره حرورية قدم عليه للحصر، أي: أنتِ لا غير، أو فاعلٌ للوصف، والوصف مبتدأ أغنى عن خبره الفاعل، وفي نسخةٍ: نصب حرورية بفعل مقدر ككنت أو صرت، وأنت حينئذ تأكيد. (مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم) أي: مع وجوده، أو عهده والغرض منه: بيان أنه كان مطلقًا على حالنا من الحيض وتركنا الصلاة في أيامه، ولم يأمرنا بالقضاءِ، ولو كان واجبًا لأمرنا به. (فلا يأمرنا به) أي: بقضاءِ الصلاة.
21 - باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها
(أو قالت: فلا نفعله) الشكُّ من معاذة، والفرق بين وجوب قضائها، [الصوم وعدمه في الصلاة، إنها تتكرر فيشق قضاؤها] (¬1) بخلاف الصوم، فإنه يجب في السنة مرة واحدة، وخطابها بقضائه لا بالأمر الأول وهو الأمر بترك الصوم، بل بأمر جديد، وقيل: خوطبت به وأمرت بتأخيره، كما يخاطب المحدث بالصلاة وإن لم تصح صلاتُه زمن الحدث، ورد بأنه محرَّم عليها فكيف يجب، وبأن الحيض سببٌ لا قدرة لها على إزالته بخلاف الحدث، واستُثْني من نفي قضاء الصلاة ركعتا الطوافِ. 21 - بَابُ النَّوْمِ مَعَ الحَائِضِ وَهِيَ فِي ثِيَابِهَا (باب: النوم مع الحائض وهي في ثيابها) أي: أهو جائزٌ أم لا؟. 322 - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنُفِسْتِ" قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ، قَالَتْ: وَحَدَّثَتْنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ" "وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الجَنَابَةِ". [انظر: 298 - مسلم: 296، 324، 1108 - فتح: 1/ 422] (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (في الخميلة) أي: القطيفة. (قالت) أي: زينب، وظاهره: التعليق، لكن السياق مشعرٌ بأنه داخل تحت الإسناد المذكور. (وحدثتني) عطفٌ على مقدر، وهو مقول القول. (وكنت) عطف على: (أن النبيَّ ... إلخ) أي: وحدثتني بقولها: (وكنت ... إلخ). (من إناء واحد من الجنابة) (من) في الموضعين: متعلقة باغتسل، والأولى: ¬
22 - باب من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر
ابتدائية والثانية: تعليلية، أو كلٌّ منهما ابتدائية (¬1)، لكن الابتداء الأول من معنى، والثاني من معنى، فلم يكونا بمعنى واحدٍ حتَّى يمتنع تعلقهما بعامل واحد، وتقدم شرح الحديث أول الحيض (¬2). 22 - بَابُ مَنِ اتَّخَذَ ثِيَابَ الحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ (باب: من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر) أي: هذا باب في بيان من اتخذ من النساءِ ثيابًا للحيض سوى ثيابها التي تلبسها وهي طاهرة، والمراد: بيان مشروعية اتخاذها. 323 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: "أَنُفِسْتِ"، فَقُلْتُ: نَعَمْ فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ". [انظر: 298 - مسلم: 296 - فتح: 423] (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (حضت) هو العامل في: (بينا) وتقدم شرح الحديث. 23 - بَابُ شُهُودِ الحَائِضِ العِيدَيْنِ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلْنَ المُصَلَّى (باب: شهود الحائض العيدين) أي: صلاتهما. (ودعوة المسلمين) بالنصب عطفٌ على العيدين. (ويعتزلن المصلَّى) حال، والمصلَّى: بضمِّ الميم، وفتح اللام: ¬
مكان الصلاة، جمع الضمير مع عوده لمفرد؛ لإرادة الجنس، كما في: {سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67]. 324 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي العِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ، فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوي الكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى المَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا وَلْتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ"، فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، سَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: بِأَبِي، نَعَمْ، وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إلا قَالَتْ: بِأَبِي، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَخْرُجُ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ، أَو العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ، وَالحُيَّضُ، وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ، وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى"، قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ الحُيَّضُ، فَقَالَتْ: أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وَكَذَا وَكَذَا؟ [351، 971، 974، 980، 981، 1652 - مسلم: 890 - فتح: 1/ 423] (عبد الوهاب) أي: الثقفي. (عن أيوب) أي: السختياني. (عواتقنا) جمع عاتق، أي: شابة بلغت الحلم لم تفارق بيت أهلها إلى زوج، سميت بذلك؛ لأنها عتقت عن خدمة آبائها والخروج في الحوائج. (قصر بني خلف) موضع بالبصرة (¬1). (وكانت أختي) أي: وقالت المرأة المحدثة. (وكانت أختي) ولم تعرف اسم المرأة وأختها. (معه) أي: مع زوجها، أو مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم (في ستٍّ) أي: ستِّ غزوات. (قالت) أي: الأختُ. (الكلمى) جمع كليم، فعيل بمعنى: مفعول. (المرضَى) ¬
فيه ما قلنا في الكلمى. (أن لا تخرج) أي: إلى مصلَّى العيد. (من جلبابها) بكسر الجيم وتكرير الموحدة: ثوب أعرض وأقصر من الخمار، وقيل: ثوب واسعٌ دون الرداءِ، تغطي بها صدرها وظهرها، وقيل: هو الإزار (¬1)، والمعنى: تستر بجلبابها المرأة معها، أو تعيرها جلبابًا لا تحتاج إليه تلبسه، فَمِن على الأول: تبعيضية، وعلى الثاني: زائدة، أو تبعيضية. ويراد: بالجلباب الجنس، ويؤيده رواية الترمذيِّ "من جلابيبها" (¬2). (ولتشهد الخير) أي: مجالسه. (فلمَّا قدمت أم عطية) أي: البصرة. (أسمعت؟) أي بذلك. (بأبي) أي: مفدًا بأبي، ولبعضهم: "بأبا" بإبدال ياء المتكلم ألفًا، ولعضهم: "بيبي" "وبيبا" بقلب الهمزة ياءً فيهما. (ولا تذكره) أي: النبي صلى الله عليه وسلم (سمعته) ليس من تتمة المستثنى. (يخرج العواتقُ، وذوات الخدور) في نسخة: "ذات الخدور" ¬
24 - باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض
بلا واو، وفي أخرى: "تخرج العاتقُ ذات الخدر" وهو بكسر الخاءِ: الستر في جانب البيت، أو هو البيت. (أو العواتق ذوات الخدور) الشَّكُّ من أمِّ عطية. (والحيض) عطفٌ علي العواتق. (يعتزل) في نسخة: "يعتزلن" على لغة: أكلوني البراغيث. (فقلت: الحيض؟) استفهام تعجبي من إخبارها شهود الحائض ما ذكر. (أليس) اسمها: ضمير الشأن، وفي نسخة: "ليس" بحذف الهمزة. (وكذا وكذا) أي: نحو المزدلفة، وصلاة الاستسقاء. وفي الحديث: أن الحائض تذكر الله، وتشهد مجالس الخير للدعاءِ والتأمين؛ رجاء بركة المشهد، لكن لا تدخل المسجد، إعارة الثياب؛ للخروج للطاعات، واشتمال المرأتين في ثوب واحد؛ لضرورة الخروج للطاعة، وغزو النساء ومداوتهنَّ الجرحى وإن لم يكونوا محارم بشرطه، وقبول خبر المرأة، والنقل عن صحابيٍّ لا يعرف، وامتناع خروج النساءِ بدون جلابيب. 24 - بَابُ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلاثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ فِي الحَيْضِ وَالحَمْلِ، فِيمَا يُمْكِنُ مِنَ الحَيْضِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ: "إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ، أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلاثًا فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ" وَقَالَ عَطَاءٌ: "أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ وَبِهِ" قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَقَالَ عَطَاءٌ: "الحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ" وَقَالَ مُعْتَمِرٌ: عَنْ أَبِيهِ: سَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ
عَنِ المَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قُرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: "النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ". [فتح: 1/ 424] (باب: إذا حاضت في شهر) أي: باب بيان حكم الحائض إذا حاضت في شهر واحد. (ثلاث حيض) بكسر الحاءِ وفتح الياء: جمع حيضة. (وما يُصَدَّقُ النساء) عطفٌ على الجملة قبلهن، أي: وبيان ما يصدق فيه النساء في الحيض، أي: مدته، وهو بدلٌ من فيه المقدر قبله. (والحمل) في نسخة: "والحبل" بموحدة مفتوحة. (فيما يمكن من الحيض) أي: من تكراره، وهو متعلقٌ بيصدق. (لقوله تعالى) في نسخة: "لقول الله تعالى". ووجه دلالة الآية على تصديق المرأة فيما ذكر: أنها لو لم تصدق فيه لما كان لإلزامها بعدم الكتمان فائدة، وروى [الطبراني] (¬1) بإسنادٍ حسن: "لا يحلُّ لها إذا كانت حائضًا أن تكتم حيضها ولا إن كانت حاملا أن تكتم حملها" (¬2) (ويذكر) تعليق بصيغة تمرض. (عن علي) أي: ابن أبي طالب. (وشريح) أي: ابن الحارث الكنديِّ. (بطانة أهلها) بكسر الباء، أي: خواصهم. (يُرْضَى دينُه) أي: يكون عدلًا مقبولًا. (أنها حاضت ثلاثًا في شهر، صدقت) هو قول أحمد، وقال أَبو حنيفة: لا تصدق في أقلَّ من شهرين، وقال الثوريُّ وأبو يوسف ومحمد: لا تصدق في أقل من ثلاثين يومًا؛ لأن أقل ¬
الحيض عندهم ثلاثة أيام، وقال الشافعي: لا تصدق في أقلِّ من اثنين وثلاثين يومًا، بأن تطلق وبقي من الطهر لحظة فتحيضُ يومًا وليلة، وتطهر خمسة عشرًا ثم هكذا. (وقال عطاء) ابن أبي رباح. (أقراؤها) جمع قرء بفتح القاف وضمها، والمراد: أقراؤها في زمن العدة. (ما كانت) أي: قبل العدَّة، أي: تصدق عند موافقة عادتها كيف كانت. (وبه) أي: بقول عطاء. (قال إبراهيم) أي: النخعي. (وقال عطاء: الحيضُ يومٌ إلى خمسة عشر) في نسخة: "خمس عشرة" والأُولى أَولى، وأشار بذلك إلى أن أقلَّ الحيضِ: يوم، أي: مع ليلته، وأن أكثره خمسة عشر يومًا أي: بليليها. (وقال معتمر) أي: ابن سليمان بن طرخان. (بعد قرئها) أي: طهرها، والغرض: أن القرء، هل يكون خمسة أيامٍ أم لا؟ قاله الكرماني (¬1)، ورده غيره، بأن ابن سيرين إنما ذكر ذلك في امرأة سألته عمن تحيضُ خمسة أيام، ثَمَّ رأت دمًا زائدًا عليها، كيف يكون حكم الزائد؟ فقال: هي أعلم بذلك، يعني التمييز بين الدمينِ راجعٌ إليها، فيكون المرئي في أيام عادتها حيضًا، وما زاد على ذلك استحاضةً، فليس المراد ببعد قرئها: بعد طهرها، بل بعد حيضها. 325 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ، سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ، فَقَالَ: "لَا إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي". [انظر: 228 - مسلم: 333 - فتح: 1/ 425] ¬
25 - باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض
(ابن أسامة) (¬1) اسمه: حماد بن أسامة. (قالت) بيان السؤال وفي نسخة: "فقالت"، الفاء تفسيرية. (قدر أيام (¬2) التي كنت تحيضين فيها) بدلٌ على أنها كانت معتادة، وتقدم تفسير الحديث. ووجه دلالالته علي الترجمة: أن إطلاق الشارع قدر الأيام صادق بأن يكون في الشهر ثلاث حيض، وأنها مصدقة في الحيض وقدره. 25 - بَابُ الصُّفْرَةِ وَالكُدْرَةِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الحَيْضِ (باب: الصفرة الكدرة في غير أيام الحيض) أَي: بيان أنهما في غير أيام الحيض ليسا بحيضٍ، وألوان الدم ستة: سوادٌ، وحمرةٌ وصفرةٌ وكدرةٌ وخضرةٌ وتربيةٌ بضمِّ الفوقية وسكون الراء: بأن يكون على لون التراب، فالنسبة فيها إليه، وهو نوع من الكدرة، ويقال لها: ترابية. 326 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: "كُنَّا لَا نَعُدُّ الكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا". [فتح: 1/ 426] (إسماعيل) أي: ابن عُلية. (عن محمد) أي: ابن سيرين. (كنا) أي: في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع علمه وتقديره. (لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا) أي: من الحيض، ومحله: إذا كان في غير زمن الحيض، كما جاء في حديث بلفظ: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد ¬
26 - باب عرق الاستحاضة
الغسل شيئًا (¬1) أما في زمنه فهما حيضٌ؛ لعموم خبر: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة" (¬2) وخبر: "حتَّى ترين القصة البيضاء" (¬3). 26 - بَابُ عِرْقِ الاسْتِحَاضَةِ (باب: عرق الاستحاضة) أي: بيان عرقها، وهو بكسر العين يسمَّى: العاذل، كما مرَّ. 327 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَقَالَ: "هَذَا عِرْقٌ" فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ. [مسلم: 334 - فتح: 1/ 426] (الحزامي) بكسر المهملة، وبالزاي الخفيفة. (معن) ابن عيسى بفتح الميم، وسكون العين، أي: القزاز. (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن. (وعن عمرة) عطفٌ على (عن عروة) وعمرة: هي بنت عبد الرحمن. (أمَّ حبيبة) يقال لها: أم حبيب أيضًا بلا هاء، وهي بنت جحش زوج عبد الرحمن بن عوف، ولها أختان يُستحاضان أيضًا: زينب زوج النبيِّ، وحمنة زوج طلحة بن عبد الله. (أن تغتسل) أي: لكلِّ صلاة احتياطًا، أو عند احتمال انقطاع الحيض. (فكانت تغتسل لكلِّ صلاة) محمول على ما مرَّ قبله. ¬
27 - باب المرأة تحيض بعد الإفاضة
27 - بَابُ المَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ (باب: المرأة تحيض بعد الإفاضة) أي: باب في بيان حكم حيض المرأة بعد طواف الإفاضة، ويسمى: طواف الزيارة. 328 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ"، فَقَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَاخْرُجِي". [انظر: 294 - مسلم: 1211 - فتح: 1/ 428] (بنت حُيَي) بضمِّ المهملة، وقد تكسر. (لعلها تحبسنا) أي: عن الخروج من مكة، ولعل هنا، كما قال الكرماني: ليست للترجي بل للاستفهام، أو للتردد، أو للظنِّ وما (¬1) شاكله (¬2). (ألم تكن طافت) أي: طواف الركن. (قالوا) أي: الناس، وحقه: قلن أو قلنا. (بلى) أي: طافت معنا طواف الركن. (فاخرجي) فيه: التفات من الغيبة إلى الخطاب، أي: فقال لصفية: اخرجي، أو قال لعائشة: اخرجي، فإنها توافقك، أو قولي لها: اخرجي، وفي نسخة: "فاخرجن". قال النوويُّ في "شرح مسلم" (¬3): وفي الحديث: دليل لسقوط طواف الوداع عن الحائض، وأن طواف الإفاضة ركن لا بد منه، وأنه لا يسقط عن الحائض ولا غيرها، وقال في موضع آخر منه: إن صفية أمَّ ¬
المؤمنين حاضت قبل طواف الوداع، فلما أراد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الرجوع إلى المدينة، قالت صفية: ولا يمكنني الطواف الآن، وظنت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض فقال لها: "أما كنت طفت يوم النحر، قالت: بلى، قال: يكفيك ذلك" (¬1)؛ لأن طواف الركنِ سقط بفعله، والوداع سقط عنها بحيضها، وبما تقرر عُلِمَ أن خبر: "لا ينفرن أحد حتَّى يكون آخر عهده بالبيت" (¬2) عامٌّ إلا في الحيض، فإنه لا طواف عليهن، وأنه لا يجوز للمحرم أن يخرج من مكة حتَّى يطوف طواف الإفاضة، فإن خرج قبله لم يَجُزْ له أن يحلَّ حتَّى يعود إلى مكة فيطوفه. 329 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ". [1755، 1760 - مسلم: 1328 - فتح: 1/ 428] (وهيب) أي: ابن خالد. (تنفر) بكسر الفاءِ أفصح من ضمِّها. 330 - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: "فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "تَنْفِرُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لَهُنَّ". [1761 - فتح: 1/ 428] (إن رسول الله) هو من تتمة قول ابن عمر. (لَهُنَّ) أي: للحائض، وإنما جمع؛ نظرًا إلى الجنس، وفتوى ابن عمر أولًا بخلاف ذلك؛ إمَّا لأنه نسيَ الحديث؛ أو أنه سمع الحديث بَعْدُ من صحابيٍّ آخر رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجع بعد السماع عن فتواه الذي كان باجتهاد. ¬
28 - باب إذا رأت المستحاضة الطهر
28 - بَابُ إِذَا رَأَتِ المُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَلَوْ سَاعَةً، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ، الصَّلاةُ أَعْظَمُ". (باب: إذا رأت المستحاضة الطهر) أي: باب بيان حكم المستحاضة، إذا رأت الطهر من الحيض. (قال ابن عباس: تغتسل) أي: بعد الطهر من حيضها. (وتصلِّي ولو) كان طهرها (ساعة) في نسخة: "ساعة من نهارٍ، أو ليل لا. (إذا صلَّتْ) (إذا) ظرفية، أو شرطية، وجوابها محذوف دلَّ عليه ما قبلها، أو ما قبلها هو الجواب على مذهب الكوفيين (¬1). (الصلاة أعظم) أي: من وطء الزوج. وفائدة ذكر ذلك: بيان الملازمة بين الصلاة، والوطء، إذا جاءت الصلاة جاز الوطء بالأولى. 331 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَقْبَلَتِ الحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ، فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي". [انظر: 228 - مسلم: 333 - فتح: 1/ 428] (زهير) أي: ابن معاوية. (فدعي) أي: اتركى. 29 - بَابُ الصَّلاَةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا (باب: الصلاة على النفساء) بضمِّ النونِ وفتح الفاءِ والمدِّ، أي: الحديثة العهد بالولادة، والجمع: نفاس، فليس قياسًا لا في ¬
المفرد ولا في الجمع؛ إذ ليس في الكلام فُعَلاء يجمع على فِعال إلا نفساء وعشراء. (وسنتها) أي: النفساء، أي: كيفية الصلاة عليها. 332 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: "أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ وَسَطَهَا". [1331، 1332 - مسلم: 964 - فتح: 1/ 429] (أحمد بن أبي سُرَيْجٍ) بضم المهملة وبالجيم نسبة إلى جَدِّه؛ فإنه ابن عمر بن أبي سريج الصباح بتشديد الموحدة. (شبابة) بفتح المعجمة، وتخفيف الموحدتين، واسمه: مروان بن سوَّار، بفتح المهملة وتشديد الواو. (ابن بريدة) بضم الموحدة وفتح الراء، اسمه: عبد الله بن الحصيب بضم المهملة وإهمال الصاد المفتوحة وبالموحدة: المروزي. (أن امرأة) هي أم كعب الأنصارية. (في بطن) أي: بسبب بطن، أي: ولادة بطن [فالمراد: النفاس] (¬1)، ز (في): سببية (¬2) كما في خبر: "دخلت امرأةٌ النار في هرَّة" (¬3). (وسطها) بسكون السين، وفي نسخة: بفتحها أي: فقام في صلاته عليها محاذيًا وسطها. وفي الحديث: أنَّ الإمام يقف عند عجيزتها، وأنها طاهرة لا يمنع دمها الصلاةَ عليها. ¬
30 - باب
30 - باب. (باب) ساقط من نسخة. 333 - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ اسْمُهُ الوَضَّاحُ، مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا، لَا تُصَلِّي وَهِيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ". [379، 381، 517، 518 - مسلم: 513 - فتح: 1/ 430] (ابن مدرك) بضمِّ الميم، وسكون الدال، وكسر الراء، أي: السدوسي. (من كتابه) فيه: تقوية لما روي عنه، قال أحمد: إذا حدَّث أَبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإن حدث من غير كتابه ربما وهم. (كانت تكون) إحداهما زائدة (¬1)، أو ضمير (كانت) للقصة وضمير (تكون) لميمونة، أو (تكون) بمعنى تصير قاله الكرمانيُّ (¬2). (لا تصلي) صفةٌ لـ (حائضًا) أو خبرٌ لكانت، ويجعل (تكون حائضًا) جملة حالية بتقدير جعل الضمير في (كانت) و (تكون) لميمونة. (مفترشة) أي: منبسطة، يقال افترش الشيء: انبسط، وافترش ذراعيه: بسطهما على الأرضِ. (بحذاء مَسْجِدِ رسول الله) بكسر الحاء المهملة والمدِّ، أي: بإزائه، والمراد بمسجده - صلى الله عليه وسلم -: موضع سجوده من بيته لا مسجده المشهور. (على خمرته) بضمِّ المعجمة وسكون الميم: وهي سجادة صغيرة ¬
تعمل من سعف النخل تنسج بالخيوط بقدر ما يوضع عليه الوجه والكفان، فإن زاد على ذلك فهو حصير. (أصابني) حكاية لفظها، وإلا فكان الأصل أن يقول: أصابها. وفي الحديث: أن الحائض ليست بنجسة، وإلا لما وقع عليها ثوبه في الصلاة. وأن الحائض تترك الصلاة. وأنها تفترش تجاه المصلي، وجواز الصلاة على سعف النخل. تم المجلد الأول بتجزئة التحقيق ويليه المجلد الثاني وأوله: كتاب التيمم الصف: دار الفلاح بالفيوم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «لَا يشْكر الله مَنْ لَا يشْكر النَّاسَ» الحمْدُ لله الذِي بِنِعْمَتِه تتمُ الصالحاتُ فإنَّ إِخْرَاج هَذَا الْكتاب بِهَذِهِ الصُّورَة فِي فَتْرَة وجيزة كَانَ ثمرةَ تعاونٍ مَعَ: "مَرْكَز الْفَلاح للبحوث العلمية" لصَاحبه الشَّيْخ خَالِد الرِّبَاط وَالَّذِي عاون فِي الإشراف على هَذَا الْكتاب، بمشاركة الْأُخوة: خَالِد بُكير، وعصام حمدي (فِي الْمُقَابلَة وَالتَّعْلِيق والمراجعات) نَادِي فكري، وَمُحَمّد رَمَضَان (فِي التَّخْرِيج وَالتَّعْلِيق) كَمَا قَامَ بمراجعة متن البُخَارِيّ وَضَبطه: الدكتور جُمُعَة فتحي، وَالْأَخ أَحْمد روبي فجزاهم الله خيرًا وكل من شَارك مَعَهم على مَا بذلوه من جهد وَعون، أسأَل الله أَن يَجْعله فِي ميزَان حسناتهم، إنَّهُ سميع مُجيب. سُلَيْمَان بن دريع العازمي الكويت هَاتِف: 009659532016
منْحَةُ البَارِي بِشَرْح صَحِيح البُخَارِي [2]
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظَة الطَّبعَة الأولى 1426 - هـ - 2005 م مكتبة الرشد ناشرون المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - شَارِع الْأَمِير عبد الله بن عبد الرَّحْمَن (طَرِيق الْحجاز) ص. ب: 17522 - الرياض: 11494 - هَاتِف: 4593451 - فاكس: 4573381 Email : [email protected] Website : www.rushd.com * فرع طَرِيق الْملك فَهد: الرياض - هَاتِف: 2051500 - فاكس: 2052301 * فرع مَكَّة المكرمة: هَاتِف: 5585401 - فاكس: 5583506 * فرع الْمَدِينَة المنورة: شَارِع أبي ذَر الْغِفَارِيّ - هَاتِف: 8340600 - فاكس: 8383427 * فرع جدة: ميدان الطائرة - هَاتِف: 6776331 - فاكس: 6776354 * فرع القصيم: بُرَيْدَة - طَرِيق الْمَدِينَة - هَاتِف: 3242214 - فاكس: 3241358 * فرع أَبِهَا: شَارِع الْملك فيصل - تلفاكس: 2317307 * فرع الدمام: شَارِع الْخزَّان - هَاتِف: 8150566 - فاكس: 8418473 وكلاؤنا فِي الْخَارِج * الْقَاهِرَة: مكتبة الرشد - هَاتِف: 2744605 * بيروت: دَار ابْن حزم هَاتِف: 701974 * الْمغرب: الدَّار الْبَيْضَاء - وراقة التَّوْفِيق - هَاتِف: 303162 - فاكس: 303167 * الْيمن: صنعاء - دَار الْآثَار - هَاتِف: 603756 * الْأُرْدُن: عمان - الدَّار الأثرية: 6584092 - جوال: 796841221 * الْبَحْرين: مكتبة الغرباء - هَاتِف: 957833 - 945733 * الإمارات: مكتبة دبي للتوزيع - هَاتِف: 43339998 - فاكس: 43337800 * سوريا: دَار البشائر: 231668 * قطر: مكتبة ابْن الْقيم - هَاتِف: 4863533
7 - كتاب التيمم
7 - كتاب التيمم
1 - [باب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 7 - كِتَابُ التَّيَمُّمِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] 1 - [باب]. (كتاب التيمم) في نسخةٍ: تقديم الكتاب علي البسملة، و (التيمم) لغة: القصد، يقال: يممت فلانًا ويممته، وتأممته، وأممته، أي: قصدته، وشرعًا: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط مخصوصة، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وخُصَّت به هذه الأمة. (وقوله تعالى) عطفٌ على التيمم، أي: كتاب بيان التيمم، وبيان قوله تعالى ... إلخ، وفي نسخة: "قول الله عزَّ وجلَّ"، وفي أخرى: "قول الله" بحذف الواو، وهي مبتدأ خبره: {فَلَمْ تَجِدُوا} [المائدة: 43] أي: قول الله في شأن التيمم هذا الآية. 334 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا: أَلا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى
فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي، "فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا"، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ. [336، 3672، 3773، 4583، 4607، 4608، 5164، 5250، 5882، 6844، 6845 - مسلم: 367 - فتح: 1/ 431] (في بعض أسفاره) كان ذلك في غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع، التي كان فيها قصة الإفك. (بالبيداء) بفتح الموحدة، والمدِّ. (أو بذات الجيش) بفتح الجيم وسكون التحتية، وإعجام الشين: هما موضعان بين مكة والمدينة (¬1)، والشكُّ من عائشة رضي الله عنها. (انقطع عقد لي) بكسر العين، أي: قلادة؛ لأنها تعقد وتقلد العنق أي: تعلق فيه. (على التماسه) أي: طلبه. (وليسوا على ماءٍ): وليس معهم ماء، الثاني منهما ساقط هنا من نسخةٍ؛ اكتفاءً بالأول. (ما صنعت عائشة) أي: ما تسببت فيه من إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وألف (ما) ساقطة من نسخة. (فعاتبني أَبو بكر) لم تقل: أبي؛ لأن عتابه لها ينافي الأبوة فنزلته منزلة الأجنبي فذكرته باسمه. (يطعنني) ¬
بضمِّ العين، وحكي فتحها، والأكثر ضمها في الطعن باليد، بخلاف الطعن في النسب فالأكثر فيه فتحها. (في خاصرتي) هي بخاء معجمة وصاد مهملة: الجنب، أو الوسط. (فخذي) بفتح الفاءِ وكسرها مع كسر الخاءِ وسكونها فيهما، وهي جارية في كل ما وسطه حرف حلق من فعل. (أصبح) أي: دخل في الصباح، فهو تام يكتفي بمرفوعه لا ناقص حتى يحتاج إلى خبرٍ. (علي غير ماء) تنازعه قام، وأصبح. (فتيمَّمُوا) بلفظ المضيِّ أي: فتيمم الناس بعد نزول الآية، وبلفظ الأمر على ما هو لفظ الآية ذكره بيانًا، أو بدلًا من آية التيمم. (أُسيد بن الحضير) بالتصغير فيهما، والحضير بحاء مهملة وضاد معجمة، وفي نسخة: "حضير" بدون ال. (ما هي) أي: البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التيمم، والبركة: كثرة الخير. (بأول بركتكم) في نسخةٍ: "أول بركتكم" بلا باء، بالنصب والرفع على لغتي: إعمال (ما) وإهمالها (¬1). (يا آل أبي بكر) الآل: الأهل والعيال أو الأتباع، ولا يستعمل إلا في الأشراف، وإنما قيل: آل فرعون؛ لتصوره بصورة الأشراف، أو لشرفه في قومه عندهم، وفي نسخة: "يال أبي بكر" بحذف الهمزة والألف من الآل؛ تخفيفًا. (الذي كنت عليه) أي: راكبة عليه. (فأصبنا) أي: وجدنا. وفي الحديث: جواز اتخاذ القلائد. والاعتناء بحفظ حقوق المسلمين وأموالهم وإن قلَّت، فقد روي: أن العقد كان ثمنه اثنى عشر ¬
درهمًا. وجواز السفر بالنساء، والنهي عن إضاعة المال. وأن للأب أن يدخل على ابنته وزوجها معها إن علم أنه في غير خلوة مباشرة، وأن له أن يعاتبها في أمر الله ويضربها عليه. ومعاتبة من نسب إلى ذنب. ونسبة الفعل إلى المتسبب فيه. وجواز الإقامة بموضع لا ماء فيه. 335 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ هُوَ العَوَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: ح وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الفَقِيرُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً". [438، 3122 - مسلم: 521 - فتح: 1/ 435] (هشيم) بالتضغير، أي: ابن بشير بالتكبير. (ح) هي حاء التحويل، وهي ساقطة من نسخة. (ابن النضر) بفتح النون وسكون المعجمة: أَبو عثمان البغدادي. (سيار) بفتح المهملة، وتشديد التحتية. (يزيد) هو "ابن صهيب" كما في نسخة. (الفقير) سمِّي به؛ لشكوى فقار ظهره، لا لفقرة من المال. (خمسًا) أي: خمس خصالٍ. (لم يعطهن أحدٌ قبلي) أي: لم تجمع لأحد قبلي. (بالرعب) أي: بالخوف مني. (مسجدًا) أي: مكانًا للسجود. (وطهورًا) بفتح الطاء بمعنى: مطهرًا، فالتراب مطهر وإن لم يرفع حدثًا. (فأيُّمَا) الفاء: سببية، و (أي): شرطية زيد عليها (ما)؛ لزيادة التعميم. (رجل) مجرور من الإضافة. (من أمتي) ساقط من نسخة. (فليصلِّ) أي: بوضوء، أو تيمم، أي: إلا الأماكن المنهي عن الصلاة فيها.
2 - باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا
(وأحلت لي الغنائم) جمع غنيمة: وهي ما حصل من الكفَّار بقهر، وفي نسخة: "المغانم" وهي بمعنى: الغنائم، أما غيره فلا تحلُّ له، إما لأنه لم يجاهد، أو لأنه إذا غنم شيئًا تجيءُ نار تحرقه. (وأعطيت الشفاعة) هي سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير على سبيل التصريح، والمراد بها: الشفاعة العظمى، وهي المراد بالمقام المحمود عامة، تكون في الحشر حتى تفرغ الخلائق إليه - صلى الله عليه وسلم - قال النوويُّ (¬1): الشفاعة خمسٌ، أولها: مختصة بنبينا - صلى الله عليه وسلم -: وهي الإراحة من هول الموقف وطول الوقوف، الثانية: في إدخال قومِ الجنة بغير حساب، الثالثة: لقوم استوجبوا النار، والرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين، والخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها. قال في "الروضة": ويجوز أن يكون خُصَّ بالثالثة والخامسة أيضًا. قال غيره: ومن شفاعاته: أن يشفع لمن مات بالمدينة، وأن يشفع في تخفيف العذاب لمن استحق الخلود [في النار] (¬2) كأبي طالب، وأن يشفع لجماعة من صلحاء المؤمنين فيتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات، وأن يشفع في أطفال المشركين حتَّى يدخلوا الجنة. 2 - بَابُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا (باب: إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا) أي: للطهارة، هل يصلِّي أم لا؟ 336 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ¬
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَوَجَدَهَا، "فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ" فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ، إلا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا. [انظر: 334 - مسلم: 367 - فتح: 1/ 440] (زكريا بن يحيى) أي: ابن صالح اللؤلؤيِّ، أو ابن عمرو الطائيِّ. (استعارت من أسماء) أي: أختها. (فهلكت) أي: ضاعت. (بعث رجلًا) هو أسيد بن حضير، بتصغيرهما. (فوجدها) أي: الرجل، وهو لا ينافي قول عائشة في الباب السابق: فأصبنا العقد تحت البعير؛ لأن قولها: أصبنا عامٌّ، يصدق بها وبمن معها. (فصلَّوا) أي: بغير وضوء، كما صرَّح به في سورة النساءِ (¬1)، فاستدلَّ به علي أن فاقد الطهورين يصلِّي على حاله، وهو وجه الدلالة على مطابقة الحديث للترجمة، وهذه الصلاة واجبة لحرمة الوقت، لكن تجب إعادتها عند الطهر على مذهب الشافعي الجديد، وفي القديم: لا يجب إعادتها؛ لظاهر هذا الحديث؛ إذ لم يذكر فيه الأمر بالإعادة والقضاء، إنما يجب بأمر جديد، ولم يثبت، فلا يجب، وللقائلين بوجوبها أن يجيبوا: بأن الإعادة ليست على الفور ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة. (ذلكِ لكِ) بكسر الكاف فيهما؛ لأنه خطاب لمؤنث. ¬
3 - باب التيمم في الحضر، إذا لم يجد الماء، وخاف فوت الصلاة
وفي الحديث: جواز الإعارة والاستعارة. وجواز السفر بالعارية إذا كان إذن المعير. 3 - بَابُ التَّيَمُّمِ فِي الحَضَرِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ، وَخَافَ فَوْتَ الصَّلاةِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ: وَقَالَ الحَسَنُ: "فِي المَرِيضِ عِنْدَهُ المَاءُ، وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاولُهُ يَتَيَمَّمُ" وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ: "مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ". (باب: حكم التيمم في الحضر). (إذا لم يجد الماء) حسًّا أو شرعًا. (وخاف) في نسخة: "فخاف" وفي أخرى: "أو خاف". (فوت) وقت (الصلاة) فـ (إذا) ظرف للتيمم، أو شرط وجوابها محذوف، دلَّ عليه ما قبله، أي: يتيمم. (وبه) أي: بالتيمم فيما ذكر. (قال عطاء) هو ابن أبي رباح، وبه قال الشافعي، لكن مع القضاء؛ لندرة فقد الماءِ في الحضر، بخلاف السفر، وعليه لا يتقيد ذلك بخوف فوت الوقت. (وقال الحسن) أي: البصريُّ. (في المريض عنده الماء، ولا يجد من يناوله) له (يتيمم) في نسخة: "تيمم" بلفظ الماضي، بخلاف ما إذا وجد من يناوله الماء، لا يتيمم؛ لقدرته على الوضوء، وهذا مذهب الحسن، ومن وافقه، وأما مذهب الشافعي: فلا يتيمم للمرض إلا إذا خاف من الماءِ محذورًا سواء وجد من يناوله الماء أم لا. (بالجرف) بضمِّ الجيم والراء، وقد تسكن: ما تجرفه السيول
وتأكله الأرض، والمراد به هنا: موضعٌ بقرب المدينة، على ثلاثة أميال، وقيل: على فرسخٍ منها من جهة الشمال (¬1). (فحضرت العصر) أي: صلاته. (بمربد النعم) بكسر ميم مربد أكثر من فتحها، وسكون الراءِ، وفتح الموحدة، ودال مهملة: موضع تحبس فيه النعم على ميلين من المدينة (¬2)؛ فلهذا دخل في ترجمة الحضر؛ لأن السفر القصير في حكم الحضر. (فصلَّى) أي: العصر بالتيمم. (مرتفعة) أي: عن الأفق. (فلم يعد) أي: الصلاة. وتقدم أن مذهب الشافعي: وجوب الإعادة على من تيمم في الحضر، وأن السفر القصير في حكمه. قال شيخنا: وظاهر ما ذكر: أن ابن عمر لم يراع في جواز التيمم خروج الوقت؛ لأنه دخل المدينة والشمس مرتفعة، لكن يحتمل أنه ظنَّ أنه لا يصل إليها إلا بعد الغروب، أو تيمم لا عن حدث، وإنما أراد تجديد الوضوء فلم يجد الماء فاقتصر على التيمم بدل الوضوء. قال: وعلى الاحتمال الأخير لا حجة فيما ذكر لمن أسقط الإعادة عن المتيمم في الحضرِ؛ لأنه على هذا الاحتمال لا يجب عليه الإعادة بالاتفاق (¬3). ¬
337 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الجُهَيْمِ الأَنْصَارِيُّ "أَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَحْو بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ". [مسلم: 369 - فتح: 1/ 441] (يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير، كما مرَّ. (حدثنا الليث) في نسخة: "حدثني الليث". (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز، وفي نسخة: "عن حميد الأعرج". (عميرًا) بالتصغير، هو ابن عبد الله الهاشمِي. (عن أبي جهيم) بالتصغير، اسمه: عبد الله. (ابن الصمة) بكسر المهملة، وتشديد الميم: ابن عمر بن عتيك الخزرجي. (فقال أَبو الجهيم) في نسخة: "أَبو جهيم" وفي أخرى: "فقال الأنصاريُّ". (بئر جمل) بفتح الجيم والميم: موضع بالمدينة (¬1). (فلقيه رجل) هو أَبو جهيم، رواي الحديث، أبهم نفسه؛ لغرض. (فلم يرد) بتثليث الدال، كما مرَّ أي: السلام. (على الجدار) أي: ترابه، وإنما تيمم به مع أنه لا يجوز مثله إلا بإذن المالك؛ لأن ذلك الجدار كان مباحًا، أو علم من مالكه الرضا بذلك، واحتج بعضهم بذلك؛ على جواز التيمم علي الحجر؛ لأن حيطان المدينة بحجارة سود، وأجيب: بأن الغالب وجود الغبار على الجدار مع أنه - صلى الله عليه وسلم - حتَّ الجدار بالعصا ثم تيمم، فيحمل المطلق على المقيد. (ويديه) وفي نسخة: "وبيديه". قال النوويُّ: والحديث محمولٌ على أنه - صلى الله عليه وسلم - ¬
4 - باب: المتيمم هل ينفخ فيهما؟
كان عادمًا للماءِ حال التيمم [لامتناع التيمم] (¬1) مع القدرة سواء كان لفرضٍ أو نفل، لكن هذا التيمم لردِّ السلام وهو ذكر، يجوز بلا طهر (¬2). فوجه الاستدلال به للترجمة: أنه إذا تيمم للذكر والطهارة سنة له، فالتيمم للصلاة إذا خاف فوتها ولم يجد ماءً أولى، وقال غيره: خبر المنع من ردِّ السلام بلا وضوء منسوخ بآية الوضوءِ. 4 - بَابٌ: المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا؟ (باب: المتيمم هل ينفخ فيها) أي: في يديه بعد أخذهما التراب. 338 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا" فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [339، 340، 341، 342، 343، 345، 346، 347 - مسلم 368 - فتح: 1/ 343] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (الحكم) بفتح الحاء والكاف: ابن عتيبة. (عن ذَرّ) بذال معجمة مفتوحة، وراء مشددة: ابن عبد الله الهمداني. (أبزى) بفتح الهمزة وسكون الباء وبزاي مقصورًا. (فجاء رجلٌ) أي: من أهل البادية. (أجنبت) أي: صرت جنبًا، وفي نسخة: "جنبت" بضم الجيم وكسر النون. (فلم أصب) بضم ¬
الهمزة، أي: لم أجد. (أما تذكر) الهمزة استفهامية، و (ما) نافية. (أنَّا كنَّا) بتشديد النون، وفي نسخة: "إذ كنَّا" ومحلُّ كلٍّ منهما نصب مفعول بـ (تذكر). (أنا وأنت) تفسير لضمير الجمع في (أنا). (فلم تصلِّ) أي: إمَّا لاعتقاد أن التيمم عن الحدث الأصغر لا الأكبر، وعمَّار قاسه عليه، أو أنه لم يصلِّ؛ لتوقع وصوله للماءِ. (فتمعَّكت) أي: تمرغت في التراب، كأنه لمَّا رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء، وقع على هيئة الوضوء، رأى أن التيمم عن الغسل يقع على هيئة الغسل. (فذكرت ذلك للنبيِّ) لفظ: (ذلك): ساقط من نسخة. (فقال النبيُّ) لفظ: (النبيِّ) ساقط من نسخة. (هكذا) في نسخة: "هذا". (فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه) في نسخة: "فضرب بكفيه". (الأرض) في نسخة: "في الأرض" زيد في روايه: ضربة واحدة ولا دلالة فيها على أن الضربة الواحدة كافية للوجه واليدين؛ لجواز أن يكون ذلك تعليمًا لإتيان كلِّ ما يحصل به التيمم. وقد ثبت في رواية أخرى: التعبير بضربتين. (ونفخ فيها) أي: نفخًا خفيفًا؛ تخفيفًا للتراب، وهو محمولٌ على أنه كان كثيرًا. (وكفيه) أي: "مع ذراعيه ومرفقيه"، كما في رواية: لأبي داود (¬1) وقياسًا على الوضوء. وفي الحديث: جواز الاجتهاد في زمنه - صلى الله عليه وسلم - وهو أصح الأقوال. ¬
5 - باب التيمم للوجه والكفين
وأن مسح الوجه واليدين بدلٌ في الجنابة عن كلِّ البدن، كما أنه في الوضوء بدلٌ عن أعضائه، والأصح: لا تجب الإعادة للصلاة الواقعة بالتمرغ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بها؛ ولأن المتمرغ أتى بمسح الوجه واليدين وزيادة. 5 - بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ (باب: التيمم للوجه والكفين) التيمم: مبتدأ، و"للوجه والكفين" متعلقٌ به، والخبر مقدر أي: مجزيء. 339 - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمَّارٌ: "بِهَذَا وَضَرَبَ - شُعْبَةُ - بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ" وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا، يَقُولُ: عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ الحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ. [انظر: 338 - مسلم: 368 - فتح: 1/ 444] (حجاج) هو ابن منهال. (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عبد الحكم) في نسخة: "أخبرني الحكم". (عن ذر) بفتح المعجمة، أي: ابن عبد الله الهمداني. (عن سعيد بن عبد الرحمن) في نسخة: "عن ابن عبد الرحمن". (قال عمَّار بهذا) أي: بقوله فيما مرَّ (أما تذكر ... إلخ). (وضرب شعبة) من مقول حجاج بن منهال. (أدناهما) أي: قربهما. (من فيه) لينفخ به فيهما. (ثُمَّ مسح وجهه) في نسخة: "ثُمَّ مسح بهما وجهه". (وكفيه) أي: من الذراعين والمرفقين، كما مرَّ. (النضر) بنون ومعجمة، أي: ابن شُمَيْل، وهو من كلام
البخاريِّ، والفرق بين هذا الطريق وطريق حجاج أن الطريق هنا تعليق، وثَمَّ موصول، وأنه هنا بلفظ: (سمعت ذرًا) وثَمَّ بلفظ: (عن ذَرٍّ)، وبينهما فرقٌ. (ابن عبد الرحمن عن أبيه) في نسخة: "عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه" وأفاد هذا الطريق: أن الحكم سمعه من شيخ شيخه سعيد. 340 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: "كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا"، وَقَالَ: "تَفَلَ فِيهِمَا". [انظر: 338 - مسلم: 368 - فتح: 1/ 444] (عن ذَرٍّ) في نسخة: "سمعت ذرًّا". (شهد عمر) أي: حضره. (في سرية) أي: قطعة من الجيش. (وقال: تفل فيهما) أي: بدل قوله: نفخ فيهما والتفل بالمثناة، قال الجوهريُّ: شبية بالبزق (¬1)، وهو أقلُّ منه، أوله: البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ. 341 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: تَمَعَّكْتُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "يَكْفِيكَ الوَجْهَ وَالكَفَّيْنِ". [انظر: 338 - مسلم: 368 - فتح: 1/ 445] (محمد بن كثير) بمثلثة. (عن عبد الرحمن) زاد في نسخة: "ابن أبزى" وقال في أخرى: "عن أبيه". (يكفيك الوجه والكفين) بنصب الوجه؛ مفعول لمقدر أي: أن تمسح (والكفين) بالعطف على (الوجه) في نسخة: "الوجه والكفان" بالعطف على الوجه، وفي أخرى: ¬
6 - باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء
"الوجه" بالرفع بالفاعلية. "والكفين" بالنصب على أنه مفعول معه، أو به لمقدر، وفي أخرى: "واليدين" وروي: "الوجه والكفين" بالجرِّ فيهما، ووجه بأن الأصل يكفيك مسح الوجه فحذف المضاف وبقي المجرور به على ما كان عليه. 342 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ، وَسَاقَ الحَدِيثَ. [انظر: 338 - مسلم: 368 - فتح: 1/ 446] (مسلم) أي: ابن إبراهيم الفراهيدي. (عن ابن عبد الرحمن) اسمه: سعيد، كما قدمه البخاريُّ، وزاد في نسخة: "ابن أبزى". (فقال) في نسخة: "قال". 343 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: "فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ". [انظر: 338 - مسلم: 368 - فتح: 1/ 446] (غندر) هو محمد بن جعفر البصري. 6 - بَابٌ: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ، يَكْفِيهِ مِنَ المَاءِ وَقَالَ الحَسَنُ: "يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ" وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ " وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: "لَا بَأْسَ بِالصَّلاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا". [فتح: 1/ 446] (باب) بالتنوين وعدمه. (الصعيد) مبتدأ. (الطيب) صفته، وأخبر عن المبتدأ بقوله: (وضوء المسلم) ثم بقوله: (يكفيه من الماء) (¬1) عند ¬
عدمه حسًّا، أو شرعًا. ويجوز أن يكون (يكفيه من الماء) استئنافًا؛ بيانًا للجملة قبله. (وقال الحسن) أي: البصريُّ. (يجزئه) الياء والهمز من الإجزاء، وهو الأداء الكافي في سقوط التعبد، وفي نسخة: بفتحها بلا همز، أي: يكفي. (وَأَمَّ ابن عبَّاسٍ وهو متيمم) أي: أم من كان متوضئًا، وهو مذهب الشافعيِّ وغيره، وقال الأوزاعيُّ: لا يؤمُّهم إلا إذا كان أميرًا. (على السبخة) بفتح الموحدة: وهي الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت، وأرض سبخة بكسر الموحدة ذات سباخ، قاله الجوهريُّ (¬1). 344 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً، وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إلا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلانٌ، ثُمَّ فُلانٌ، ثُمَّ فُلانٌ - يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الرَّابِعُ - وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، قَالَ: "لَا ضَيْرَ - أَوْ لَا يَضِيرُ - ارْتَحِلُوا"، فَارْتَحَلَ، فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلاةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: "مَا مَنَعَكَ يَا فُلانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ " قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ"، ¬
ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَلَ فَدَعَا فُلانًا - كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ - وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: "اذْهَبَا، فَابْتَغِيَا المَاءَ" فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ - أَوْ سَطِيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالَا لَهَا: أَيْنَ المَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرُنَا خُلُوفٌ، قَالَا لَهَا: انْطَلِقِي، إِذًا قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَا: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ، قَالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فَانْطَلِقِي، فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ، قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ المَزَادَتَيْنِ - أَوْ سَطِيحَتَيْنِ - وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا وَأَطْلَقَ العَزَالِيَ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ وَكَانَ آخِرُ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ: "اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ"، وَهِيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اجْمَعُوا لَهَا" فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَويقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، قَالَ لَهَا: "تَعْلَمِينَ، مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا"، فَأَتَتْ أَهْلَهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ، قَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلانَةُ، قَالَتْ: العَجَبُ لَقِيَنِي رَجُلانِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ، وَقَالَتْ: بِإِصْبَعَيْهَا الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ - تَعْنِي السَّمَاءَ وَالأَرْضَ - أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلَا يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَوْمًا لِقَوْمِهَا مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلامِ؟ فَأَطَاعُوهَا، فَدَخَلُوا فِي الإِسْلامِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "صَبَأَ: خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ " وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ: "الصَّابِئِينَ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ". [348، 357 - مسلم: 682 - فتح: 1/ 447]
(مسدد) في نسخة: "مسدد بن مسرهد". (حدثني يحيى) في نسخةٍ: "حدثنا يحيى". (أَبو رجاء) هو عمران بن ملحان. (عن عمران) أي: ابن حصين الخزاعي. (كنَّا في سفرة مع النبيِّ) كان ذلك عند رجوعه من خَبْيَر، كما في مسلم (¬1)، أو عند إقبالِه من الحديبية ليلًا، كما في أبي داودَ (¬2)، -أو بطريقِ تبوك كما في "دلائلِ البيهقيِّ" (¬3) -، أو في غزوة جيشِ الأمراء، كما في روايةٍ لأبي داودَ (¬4). (وإنَّا أسرينا) حالٌ، وفي نسخة: "سرينا"، قال الجوهريُّ: تقول: سريتُ وأسريتُ: إذا سرتَ ليلًا (¬5). (ووقعنا وقعةً) أي: نمنا نومةً، كأنَّهم سقطوا عن الحركةِ. (أحلى) خبرُ (لا)، أو صفةٌ لـ (وقع)، والخبرُ محذوفٌ. (منها) أي: من الوقعةِ آخر الليل. (فما) في نسخةٍ: "وما". (وكان) في نسخةٍ: "فكان". (أوَّلَ) بالنصب خبر: (كان). (فلان) اسمها، وهو أَبو بكر الصديقُ. (ثُمَّ عمر بن الخطاب الرابع) برفع (الرابع) صفة لعمر، وفي نسخةٍ: "هو الرابعُ" ¬
أي: من المستيقظين. (لا يُوقظ) بالبناءِ للمفعولِ، وفي نسخةٍ: "لم نوقظه". (ما يحدث له) أي: من الوحيِّ. (ما أصاب الناسُ) أي: من نومِهم عن صلاةِ الصبحِ حتَّى خرج وقتُها وهم علي غير ماءٍ. (جليدًا) بفتح الجيمِ وكسر اللِام من الجلادة: وهي القوةُ والصلابةُ. (بصوتِه) أي: بسببه، وفي نسخةٍ: "لصوتِه" أي: لأجلهِ، وإنَّما استعمل التكبيرة لسلوكِ طريق الأدبِ، والجمعُ بين المصلحتين، وخصَّ التكبيرَ؛ لأَنَّه أصل الدعاءِ إلى الصلاةِ، ولا يشكل الحديث بخبر "إن عيني تنام ولا ينام قلبي" (¬1)؛ لأن القلبَ إنما يدرك الحسيَّات المتعلقة به، الألم والحدث، لا ما يتعلق بالعين؛ لأنها نائمة والقلب يقظان. (قال) في نسخة: "فقال". (لا ضير) أي: لا ضرر يقال: ضاره يضيره، ويضوره. (أو لا يضير) الشكُّ من عوف. (ارتحلوا) أمر بالارتحال. (فارتحل) أي: النبيُّ بمن معه، وفي نسخة: "فارتحلوا". (انفتل) أي: انصرف. (عليك بالصعيد) أي: بالتراب. (فإنه يكفيك) أي: لإباحة الصلاة. (فدعا فلانًا) هو عمران بن حصين. (نسيه عوف) في نسخة: "ونسيه عوف". (ودعا عليًّا) أي: ابن أبي طالب. (فابتغيا) بتاءٍ بعد الموحدة، وفي نسخة: "فابغيا" بحذفها، أي: فاطلبا. (بين مزادتين) تثنية مزادة، بفتح الميم والزاي، وهي الرواية، سميت بذلك؛ لأنه يزاد فيها جلدٌ آخر من غيرها، ولهذا قيل: إنها أكبر ¬
من القربة. (أو سطحيتين) تثنية سطحية، وهي بمعني: المزادة، والشك من الراوي. (عهدي) مبتدأ. (بالماء) متعلقٌ به. (أمس) ظرفٌ له، وهو مبنيٌّ علي الكسر عند الحجازيين، ومعرب غير منصرف؛ للعلمية والعدل عند تميم، فتضم سينه إن جعل خبرًا للمبتدإِ، ويفتح علي الظرفية إن جعل الخبر محذوفًا أي: حاصل، وقيل: الخبر بالماء، و (أمس) ظرف لعامله أي: عهدي ملتبس بالماءِ في أمس. (هلذه الساعة) بدل بعض من كلّ، أي: مثل هذه الساعة، أو ظرف ثانٍ، أي: في مثل هذه الساعة. (ونفرنا) أي: رجالنا. (خلوف) بضم المعجمة: جمع خالف أي: غائب، أو مستق؛ لأن رجال النساء خرجوا للاستقاء، وخلفوهنَّ، وفي نسخة: "خلوفًا" بالنصب، بكان مقدرة. (الصابئ) بالمهمز من صبأ: خرج من دين إلى غيره، كما سيأتي، أو بالياء من صبا يصبي، كرمى يرمي، أو من صبا يصبو، كعلا يعلو إذا مال. واقتصر الجوهريُّ علي الثاني، فقال: صبا يصبو أي: مال إلى الجهل والفتوة (¬1). (تعنين) أي: تريدين. (فانطلقي) أي: معنا إليه. (فجاءا) أي: عليٌّ وعمران. (إلى النبيِّ) في نسخة: "إلى رسول الله". (وحدثاه الحديث) أي: الذي كان بينهما وبينها. (فاستنزلوها عن بعيرها) أي: طلبوا منها النزول عنه، وجمع باعتبار عليٍّ وعمران ومن تبعهما ممن يعينهما. (ففرغ) بالتشديد، وفي نسخة: "فأفرغ". (من أفواه المزادتين) جمع في موضع التثنية (¬2) على حدِّ {فَقَدْ ¬
صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]. (وأوكأ) أي: ربط. (وأطلق الغَزَالي) أي: فتحها، بفتح المهملة والزاي، وكسر اللام، ويجوز فتحها، وفتح الياء جمع عزلاء بإسكان الزاي والمدِّ: وهو فم المزادة الأسفل أي: عروتها التي تخرج منها الماء. (اسقوا) بهمزة وصل: من سقا، وتقصر، أو قطع: من أسقى فتفتح. (فسقى من سقى) في نسخة: "فسقى من شاء". (واستقى من شاء) فرق بينه وبين سقى، بأنه لنفسه، وسقى لغيره من ماشية وغيرها. (آخر ذلك) بالرفع، أو بالنصب: اسم كان أو خبرها، وما بعده خبرها واسمها. (الذي أصابته الجنابة) هو الذي كان معتزلا. (فأفرغه) بقطع الهمزة. (ما يفعل) ببنائه للمفعول، أو للفاعل. (بمائها) إنما استجازوا أخذ مائها؛ لأنها كانت حربية، وبتقدير أن لها عهدًا، فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره بعوض. (وايم الله) بوصل الهمزة، والرفع مبتدأ خبره محذوف أي: قسمي، فايم الله قسم، وأصله: ايمن بضمِّ الميم والنون، حذفت نونه؛ لكثرة الاستعمال وليس لنا همزة وصل تفتح غير هذه قاله الجوهريُّ (¬1). (أقلع) بضمِّ الهمزة، من الإقلاع عن الشيءِ: وهو الكفُّ عنه. (ملأة) بكسر الميم وفتحها، وسكون اللام بعدها همزة، أي: امتلاء. (من بين عجوة) في نسخة: "ما بين عجوة". (ودقيقة وسويقة) بفتح أولهما، وفي نسخة: بضمهما، وتشديد الياء مصغرين. (حتَّى جمعوا لها طعامًا) أي: من الثلاثة المذكورة. (فجعلوه) أي: الطعام، وفي نسخة: "فجعلوها" أي: الثلاثة. (وحملوها) أي: المرأة. ¬
(ووضعوا الثوب) أي: بما فيه. (قال لها) في نسخة: "قالوا لها". (تعلمين) بفتح التاءِ، وسكون العين، وتخفيف اللام، من باب علم، وضبطه شيخنا بفتح التاءِ والعين، وتشديد اللام من باب: تعلم بمعنى: اعلم، والمعنى: اعلمي (¬1). (ما رزئنا) بفتح الراء وكسر الزاي، وقد تفتح، وبعدها همزة ساكنة أي: ما نقصنا. (من مائك شيئًا) أي: فما أخذناه من الماء فما زاده الله وأوجده بقرينة قوله: (ولكن الله هو الذي أسقانا) بهمزة. وفي نسخة: "سقانا" بدونها. (قالوا) في نسخة: "فقالوا"، وفي أخرى: "فقالوا لها". (قالت: العجب) أي: حبسني العجب. (إلى هذا الذي) في نسخة: "إلى هذا الرجل الذي". (من بين) من: بيانية، وإلا فكان المناسب في بدل (من) على أن حروف الجر قد تتقارض (¬2). (وقالت) أي: أشارت. (والسبابة) أي: المسبِّحة. (تعني) أي: المرأة بقولها: (هذه وهذه). (السماء والأرض) يريد أنه أسحر الناس ¬
بين السماء والأرض، أو أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حقًّا ترددت في ذلك مع ميلها إلى الإيمان فوفقها الله للإيمان، فآمنت به. (بعد ذلك) في نسخة: "بعد". (يغيرون) بضمِّ الياء، أكثر من فتحها. (الصرم) بكسر الصاد: أبيات مجتمعة من الناس، وقيل: النفر ينزلون بأهليهم على الماء، والجمع: أصرام وإنما لم يغيروا عليهم وهم كفرة؛ للطمع في إسلامهم بسببها، أو للاستئنافِ، أو لرعاية ذمامها. (ما أرى) بفتح الهمزة، أي: أعلم وبضمها، أي: أظن، وفي نسخة: "ما أدري"، و (ما) بمعنى الذي أي: الذي أعلمه وأعتقده. (أن هؤلاء القوم) بفتح همزة أن، وفي نسخة: بكسرها، بإهمال أرى، ولفظ: (أن) ساقط من نسخة أي: الذي أراهم. (يدعونكم) بفتح الدَّال أي: يتركونكم من الإغارة. (عمدًا) لإسلامكم لا سهوًا منهم، وغفلة عنكم، وخوفًا منكم. (فهل لكم) ترغيب منها لهم. (قال أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (صبا) أي: (خرج من دين إلى غيره وقال أَبو العالية: الصابئين: فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور). أورد البخاريُّ ذلك هنا؛ ليبين به الفرق بين الصابيء المروي في الحديث، والصابي المنسوب لهذه الطائفة. وقوله: (قال أَبو عبد الله ... إلخ) ساقط من نسخة. وفي الحديث: جواز تأخير القضاءِ للصلاة [الفائتة] (¬1) بعذر عن موضع تذكرها؛ حيث لا غفلة عنها ولا استهانة بها. وأن نومه - صلى الله عليه وسلم -، كنوم غيره إلا أنه لا أضغاث فيه؛ لأن رؤيا الأنبياء وحيٌ. والتأدب في ¬
7 - باب: إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، أو خاف العطش، تيمم
إيقاظ الكبير. وأن عمر أجلدُ المسلمين وأصلبُهم في الدين. وأن من حلَّت به فتنة بموضعٍ يخرج منه ويفرُّ بدينه. ومشروعية الجماعة في صلاة الفائتة. ومراعاة ذمام الكافر. وأن العطشان يُقدَّم على الجنب. وجواز الحلف بدون استحلاف، وغير ذلك. 7 - بَابٌ: إِذَا خَافَ الجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ المَرَضَ أَو المَوْتَ، أَوْ خَافَ العَطَشَ، تَيَمَّمَ وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ: "أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ وَتَلا: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ". [فتح: 1/ 454] (باب: إذا خاف الجنب على نفسه المرض) أي: أو زيادته. (أو الموت) من استعماله الماء. (أو خاف العطش) لحيوان محترم، ولو في المستقبل. (تيمم) أي: مع وجود الماء، في نسخة: "يتيمم". (ويذكر) تعليق بصيغة تمريض. (أجنب في ليلة باردة) أي: في غزوة ذات السلاسل. (فتيمم) أي: وصلَّى بأصحابه. (وتلا) في نسخة: "فتلا". ({وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}) [النساء: 29] أي: بإلقائها إلى التهلكة. (فذكر للنبيِّ) بالبناءِ للمفعول، وفي نسخة: "بالبناء للفاعل" مع زيادة ذلك، فذكر عمرو "ذلك للنبيِّ". (فلم يعنف) في نسخة: "فلم يعنفه" أي: عَمْرًا. 345 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لَا يُصَلِّي؟ " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ البَرْدَ قَالَ: هَكَذَا - يَعْنِي تَيَمَّمَ - وَصَلَّى، قَالَ: قُلْتُ: "فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟ " قَالَ: إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ. [انظر: 338 - مسلم: 368 - فتح: 1/ 455]
(محمد هو غندر) في نسخة: "محمد" فقط. (عن شعبة) في نسخة: "حدثنا شعبة" وفي أخرى: "أخبرنا شعبة". (عن سليمان) أي: الأعمش. (إذا لم يجد الماء لا يصلِّي؟) بتحتية في الفعلين، فالضمير للجنب، وفي نسخة: بفوقية فيهما، فالضمير للمخاطب. (قال عبد الله) أي: ابن مسعود، وفي نسخة: "قال عبد الله: نعم" أي: لا يصلِّي. (لو رخصت) أي: أنا. (في هذا) أي: في جواز التيمم للجنب. (يعني: تيمم، وصلَّى) فسر به أَبو موسَى كلام ابن مسعود. (قال) أي: أَبو موسَى. (قلت) أي: لابن مسعود. (فأين قول عمَّار؟) أي: قوله: (لعمر) ابن الخطاب: "كنَّا في سفر فأجنبتُ فتمعكت ... إلخ". (قال) أي: ابن مسعود (إنِّي) في نسخة: "فإنِّي". (لم أر عمر قَنِعَ بقول عمَّار) وإنما لم يقنع به؛ لأنه كان حاضرًا معه في تلك السفرة، ولم يتذكر القصة فارتاب في ذلك، ولم يقنع بقوله. 346 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ المَاءَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَانَ يَكْفِيكَ" قَالَ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ، فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ المَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". [انظر: 338 - مسلم: 368 - فتح: 1/ 455] (عن الأعمش) في نسخة: "حدثنا الأعمش". (عن عبد الله) أي: ابن مسعود.
8 - باب: التيمم ضربة
(أرأيت) أي: أخبرني. (يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن مسعود. (إذا أجنب ولم يجد الماء، كيف يصنع؟) في نسخة: "إذا أجنبت فلم تجد الماء، كيف تصنع؟ " ولفظ: (الماء) ساقط من نسخة. (كان يكفيك) أي: مسح الوجه والكفين. (لم يقنع بذلك) أي: "منه" كما في نسخة. (فدعنا) أي: اتركنا. (من قول عمَّار) أي: واقطع النظر عنه. (كيف تصنع بهذه الآية؟) أي: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] فانتقل في المحاججة من دليل فيه خلاف إلى آخر متفقٍ عليه؛ تعجيلًا لقطع خصمه. (فما درى) أي: فلم يعرف. (عبد الله ما يقول) أي: في توجيه الآية على وفق فَتْواه. (فما): استفهامية، ولعلَّ المجلس لم يكن مقتضيًا تطويل المناظرة بين عبد الله وأبي موسَى، وإلا فكان لعبد الله أن يقول: أن المراد من الملامسة في الآية: تلاقي البشرتين بلا جماع، وجعل التيمم بدلًا من الوضوء، فلا يدلُّ على جواز التيمم للجنب. (لأوشك) أي: قرب. (إذا برد) بفتح الراءِ أكثر من ضمها. (فقلت لشقيق) أي: قال الأعمش: فقلت لشقيق. (فإنما كره عبد الله) أي: التيمم للجنب. (لهذا) أي: لأجل احتمال أن يتيمم للبرد. (قال) أي: شقيق، وفي نسخة: "فقال". (نعم) أي: كرهه لذلك. وفي الباب: جواز التيمم للخائف من البرد، أو من العطش. 8 - بَابٌ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ (باب) بالتنوين، وتركه. (التيمم ضربة) مبتدأ وخبر، والمعنى: أن التيمم يحصلُ بضربة على ما يأتي بيانه.
347 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي، فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا، فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ" فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ وَزَادَ يَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ، فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا. وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً"؟ [انظر: 338 - مسلم: 368 - فتح: 1/ 455] (محمد بن سلام) في نسخة: "محمد" فقط. (أخبرنا أَبو معاوية) في نسخة: "حدثنا أَبو معاوية". (أما كان يتيمم ويصلِّي) بهمزة، وفي نسخة: بدونها والهمزة مقحمة، أو مقررة، وعليهما فمدخولها لجواب (لو) بتقدير القول قبل (لو) أي: أتقولون: (لو أن رجلًا ... إلخ) أو استفهامية بتقدير قول قبلها هو جواب (لو) أي: لو أن رجلًا أجنب يقال في حقِّه أما يتيمم؟، ويحتمل أن الجواب على هذا: (فكيف تصنعون) وعلى ما مرَّ فهو جواب ما يقال، فإن قلتم: لا يتيمم وبكلِّ حالٍ، فما نافية قاله
الكرماني (¬1). (في سورة المائدة) قيد بها؛ لأنها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساءِ، لتقدم حكم الوضوء في المائدة؛ ولأنها آخر السور نزولًا. (الصعيد) في نسخة: "بالصعيد". (قلت) أي: لشقيق، فقول بعضهم: إنه مقول شقيق سهوٌ. (وإنما) في نسخة: "فإنما"، (كرهتم هذا) أي: تيمم الجنب. (لذا) أي: لأجل تيمم صاحب البرد. (فقال) في نسخة: "قال". (في الصعيد) في نسخة: "في التراب". (كما تمرغ) بالرفع، وأصله: تتمرغ، فحذفت إحدى التائين والكاف؛ للتشبيه. ومحلها مع مجرورها: نصب على الحال من المصدر المفهوم من الفعل قبله، أو نعت لمصدر محذوف، أي: تمرغًا، كتمرغ الدابة. (بكفه) في نسخة: "بكفيه". (ضربة على الأرض) في غير هذا الطريق: "ضربتان" وهو الأصحُّ المنصوص في مذهب الشافعي. (ثُمَّ نفضها) أي: تخفيفًا للتراب. (ثُمَّ مسح بها) أي: بالضربة. (ظهر كفه) أي: اليمين. (بشماله أو ظهر شماله بكفه) أي: اليمين بالشكِّ في جميع الرويات، نعم هو في رواية أبي داود بغير شكٍّ (¬2). (ثم مسح بهما) أي: بكفيه، وفي نسخة: "بها" أي: بالضربة. (وجهه) ظاهر ما ذكره: الاكتفاء بضربة واحدة، وتقديم مسح الكف ¬
على الوجه، والاكتفاء بظهر كفٍّ واحدة، وعدم مسح الذراعين، ومسح الوجه بالتراب المستعمل في الكفِّ، وليس كذلك، والجواب عن الأول: أنه معارض رواية: الضربتين، وبأن الضربة لم تكن تيممًا، بل تعليمًا لكيفيته، وعن الثاني: بأن (ثُمَّ) في الحديث ليست للترتيب في الزمان، بل الترتيب في الإخبار (¬1) الموافق لخبر: "ابدأوا بما بدأ الله به" (¬2)، وعن الثالث: بالإجماع على عدم الاكتفاء بذلك، وعن الرابع: بأن التيمم بدل الوضوء، فالأنسب أن يكون مثله في استيعاب العضو، وعن الخامس: بما أجنبا به عن الأول. (فقال) في نسخة: "قال". (ألم تر" في نسخة: "أفلم تر". (وزاد) في نسخة: "زاد". (إن رسول الله) في نسخة: "إن النبيَّ". (بعثني أنا وأنت) أكد بالأول: أصالة، والثاني: تبعًا، وهما مرفوعان تأكيدًا للضمير المنصوب، وكان الوجه: إياي وإياك؛ لأن الضمائر تتقارض (¬3). (فأتينا رسول الله) في نسخة: "فأتينا النبيَّ". (هكذا) في نسخة: "هذا". (واحدة) أي: مسحة واحدة، أو ضربة واحدة، وتقدم ما فيه مع جوابه آنفًا. ¬
9 - باب
9 - باب. 348 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الخُزَاعِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ، فَقَالَ: "يَا فُلانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي القَوْمِ؟ " فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". [انظر: 344 - مسلم: 682 - فتح: 1/ 457] (باب) ساقط من نسخة (عبد الله) أي: ابن المبارك. (عوف) هو الأعرابي. (يا فلان) كناية عن اسم الرجل، ويحتمل: أنه - صلى الله عليه وسلم - خاطبه باسمه، وكنَّى عنه الراوي؛ لنسيان اسمه أو لغيره. (ما منعك) في نسخة: (ما يمنعك).
8 - كتاب الصلاة
8 - كتاب الصلاة
1 - باب: كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 8 - كِتَابُ الصَّلاةِ 1 - بَابٌ: كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ فِي الإِسْرَاءِ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، فِي حَدِيثِ هِرَقْلَ، فَقَالَ: يَأْمُرُنَا يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بِالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ". [انظر: 7] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقط من نسخة. (كتاب الصلاة) هي لغة: الدعاء (¬1)، وشرعًا: أقوال وأفعال ¬
مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. (باب: كيف فرضت الصلاة) في نسخة: "كيف فرضت الصلوات". (في الإسراء) أي: ليلته. 349 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ: لِخَازِنِ السَّمَاءِ افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْودَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْودَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْودَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْودَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنِهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ: فَفَتَحَ، - قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ أَنَسٌ - فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ
الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَارِيَّ، كَانَا يَقُولانِ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلامِ"، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ". [1636، 3342 - مسلم: 163 - فتح: 1/ 458] (عن يونس) أي: ابن يزيد. (عن أنس بن مالك) في نسخة: "عن أنس" فقط. (فرج) بضمِّ الفاءِ، وخفة الراء المكسورة، أي: فتح. (عن سقف بيتي) أضافه لنفسه؛ لصدق الإضافة بأدنى ملابسة، وإلا فهو بيت أمِّ هانئ. (فنزل جبريل) أي: من الموضع المفروج في السقف. (ففرج صدري) بالبناء للفاعل، أي: شقه، وفي نسخة: "ففرج عن صدري". والحكمة في شقِّ صدره: زيادة الطمأنينة لما يرى من عظم الملكوت.
(بطست) بفتح الطاء وسكون السين المهملة، وقد تكسر الطاء، وقد تدغم السين في التاء بعد قلبها سينًا، وهي مؤنثة وقد تذكر على معنى الإناء. (من ذهب) لا يقال فيه جواز استعمال آنية الذهب لنا؛ لأنا نقول هذا الاستعمال فعل الملائكة لا فعلنا، أو كان ذلك قبل تحريم آنية الذهب. (ممتلئ) نعت لطست. (حكمة وإيمانًا) جعلا مظروفين للطست، وهما معنيان؛ لأن المراد: أن في الطست شيئًا يحصل به كمالهما فسمِّي بهما؛ لكونه سببًا لهما، أو أن ذلك تمثيل للمعقول بالمحسوس كمجيء الموت في هيئة كبش أملح والحكمة، قال النوويُّ (¬1): هي العلم المتصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحقِّ والعمل به، والصدِّ عن اتباع الهوى والباطل، وقيل: هي النبوة، وقيل: الفهم عن الله تعالى، وفعل الحكمة حكم [بضم الكاف، أي: صار حكيما، وفعل الحكم حكم بالفتح] (¬2) أي: قضى. (ثُمَّ أطبقه) أي: غطاه وجعله مطبقًا. (فعرج بي) أي: صعد بي، وفي نسخة: "فعرج به" على الالتفات، أو التجريد. قال: (جبريل) في نسخة: "قال: هذا جبريل". (أرسل إليه؟) ليس السؤال عن رسالته؛ لاشتهاره في الملكوت، بل عن الإرسال للعروج به، أو كان للاستعجاب بما أنعم الله عليه، والاستبشار بعروجه، وفي نسخة: "أأرسل" بهمزتين مفتوحة فمضمومة، الأولى: للاستفهام، والثانية: ¬
للتعدية، وفي أخرى: "أو أرسل" بواو مفتوحة بين الهمزتي، عاطفة علي مقدر، أي: أحضر وأرسل إليه. (فلمَّا فتح) أي: الخازن. (فإذا رجلٌ) في نسخة: "إذا رجل". (أسودة) أي: أشخاص، جمع سواد، كأزمنة. (قبل يمينه) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي جهته. (مرحبًا) مفعولٌ مطلقٌ، أي: أصبت رحبا لا ضيقًا، وهي كلمة تقال عند تأنيس القادم. (بالنبيِّ الصالح) وصف هنا وفيما يأتي بالصلاح؛ لعمومه لكلِّ وصف حميد، إذ الصالح: هو القائم بحقوق الله، وحقوق العباد. (نسم بنيه) بفتح النون والمهملة، جمع نسمة: وهي نفسُ الإنسان، أي: أرواح بني آدم، واستشكل هذا بما جاء أن أرواح الكفار في سجين، وقيل: في الأرض السابعة، وأرواح المؤمنين في الجنة فوق السماء السابعة، فكيف تجتمع في السماء؟ وأجيب: باحتمال أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فوافق وقت عرضها مرور النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قيل: السماء لا تفتح لأرواح الكفار، كما هو نصُّ القرآن، وأجيب: باحتمال أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكان يكشف له عنهما. (حتَّى عرج بي) في نسخة: "حتَّى عرج به". (قال أنس) في نسخة: "فقال أنس". (ولم يثبت كيف منازلهم) أي: لم يعين أَبو ذر لكلِّ نبيٍّ سماءً، (غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة) نعم عيَّن غيره لكل سماء، ففي "الصحيحين" حديث أنس بن مالك: أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسَى، وفي السابعة: إبراهيم (¬1). ¬
(قال أنس) ظاهره: أن أنسًا لم يسمع من أبي ذرٍّ ما ذكره بقوله: (فلما مرَّ جبريل بالنبيِّ .. إلخ) والباء في بالنبيِّ للمصاحبة، وفي (بإدريس) للإلصاق، وكلٌّ منهما متعلِّقٌ بمرَّ. (والأخ) عبَّر به إدريس تلطفًا وتواضعًا؛ إذ الأنبياء إخوة، والمؤمنون إخوة، وإنما لم يقل: والابن، كما قال آدم؛ لأنه لم يكن من آبائه - صلى الله عليه وسلم -، وقضيته: أن ذلك يأتي في نظائره الآتية. (قال: هذا إدريس) في نسخة: "فقال: هذا إدريس". (ثُمَّ مررت بعيسى) ثُمَّ فيه للترتيب الإخباريِّ لا للترتيب الزمانيِّ (¬1)؛ لاتفاق الروايات على أنَّ المرور بعيسى كان قبل المرور بموسى. (ثمَّ: مررت إبراهيم) تقدم أنه وجده في السادسة، وجمع بينهما بأنه لعله وجده في السادسة، ثم ارتقى إبراهيم إلى السابعة؛ تعظيمًا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ليراه في مكانين، وإن كان الإسراء مرتين، فلا إشكال فيه. (وأبا حبَّةَ) بفتح المهملة، وتشديد الموحدة، وقيل: بتشديد التحتَّيِة، وقيل: بتشديد النون، واسمه: عامر، أو عمرو، أو ثابت، أو مالك. (عرج بي) بالبناءِ للفاعل، وبالبناءِ للمفعولِ. (حتَّى ظهرتُ) أي: علوت. (لمستوى) بفتح الواو، أي: لمصعد: وهو مكان يصعد إليه، أو لمكان مستوي فلامه للعلةِ، أي: علوت لاستعلاء مستوي، وقيل: بمعنى إلى (¬2)، كما في قوله تعالى: {أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: من الآية 5] ¬
أي: إليها وفي نسخة: "بمستوى" بموحدة بدل اللام. (صريف الأقلام) بفتح المهملة، أي: تصويتها، حال كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى مما تنسخه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله أن تكتب لما أراده تعالى من أمره وتدبيره. (قال ابن حزم .. إلخ) قال الكرمانيُّ: الظاهر: أنه مقول ابن شهاب، ويحتمل أن يكون تعليقًا من البخاريِّ، وليس بين أنس وبين رسول الله ذكر [أبي ذرٍّ، ولا بين ابن حزم ورسول الله ذكر] (¬1) ابن عباس وأبي حبة، فهو إما مرسل، وإما تركت الواسطة؛ اعتمادًا على ما تقدم آنفًا (¬2)، واسم ابن حزم: أَبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريُّ. (ففرض الله على أُمَّتي) في نسخة: "ففرض الله -عزَّ وجلَّ- على أمتي". (خمسين صلاة) أي: في كلِّ يوم وليلة. (قال: فارجع إلى ربِّك) أي: إلى الموضع الذي ناجيت فيه ربك، قيل: ما وجه اعتناء موسى عليه السلام بهذه الأمة من بين سائر الأنبياء المذكورين في الحديث؟ وأجيب: بأنه لما قال: يا رب اجعلني من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، لما رأى من كرامتهم على ربهم اعتنى بهم، كما يعتني بالقوم من هو منهم. (ذلك) ساقط من نسخة. (فراجعني) في نسخة: "فراجحت". (فوضع شطرها) في رواية: "فوضع عنِّي عشرًا" (¬3) وفي أخرى عن ثابت: "فحطَّ عني خمسًا" (¬4) وزاد فيها أن التخفيف كان خمسًا خمسًا. قال شيخنا وهي: زيادة معتمدة ¬
يتعين حملُ ما في الروايات عليها (¬1)، أي: أن يقال، كما قال بعضهم، أراد بالشطر: البعض، وبالعشر: وقوعها في دفعتين. (قلت: وضع) في نسخة: "فقلت: وضع". (فقال) في نسخة: "قال". (راجع) في نسخة: "ارجع". (لا تطيق) أي: ذلك. (فرجعت فوضع) في نسخة: "فرجعت فراجعت فوضع). (فقال: هي خمسٌ) أي: بحسب الفعل. (وهي خمسون) أي: بحسب الثواب. قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: من الآية 160] وفي نسخة: "هُنَّ خمسٌ، وهُنَّ خمسون". (لا يُبَدَّلُ القولُ لديَّ) أي: لا يبدل القول بمساواة ثوابِ الخمسِ ثوابَ الخمسين، أو لا يبدل القضاء المبرم لا المعلق، الذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت منه ما يشاء، وأما مراجعة الرسولين ربهما في ذلك؛ فللعلم بأن الأمر ليس علي وجه القطع والإبرام، أو أنهما طلبا ترحُّمَه علي عباده بنسخها. (فقال: راجع ربك) في نسخة: "فقال: ارجع إلى ربِّك". (فقلتُ: استحييتُ" في نسخة: "قلت: استحييتُ"، وفي أخرى: "فقلتُ: قد استحييتُ"، ووجه استحيائه: بأنه لو سأل التخفيف بعد الخمس لكان كأنه سأل رفع الخمس بعينها، لا سيما وقد سمع قوله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: من الآية 29]. وفي الحديث: جوازُ النسخ قبل الفعل، خلافًا للمعتزلة، ولا يشكل بأن النسخ إنما يكون بعد التبليغ، وهنا قبله؛ لأنه هنا بعده بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كُلِّفَ بذلك قطعًا ثُمَّ نسخ بعد أن بلَّغه. (ثُمَّ انطلق بي) بفتح الطاءِ، ولفظُ: (بي) ساقطة من نسخة. (إلى ¬
سدرة المنتهى) هي أعلى السماوات، وفي مسلم (¬1): أنها في السادسة، ويحتمل أن أصلها فيها ومعظمها في السابعة، وسميت سدرة المنتهى؛ لأنَّ علمَ الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحدٌ إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها، وما يصعد من تحتها، أو تنتهي إليها أرواح الشهداء، أو أرواح المؤمنين، فتصلي عليهم الملائكة المقربون. (لا أدري ما هي) هو مثل: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم: 16] في الإبهام؛ للتفخيم والتهويل، وإن كان معلومًا. (حبايل) بمهملة فموحدة فتحتية بعد الألف فلام كذا في جميع الروايات هنا: جمع حبالة، أي: عقود اللؤلؤ، أو قلائده، وذكر الخطابيُّ (¬2) وغيره: أنه تصحيف، وإنما هو، كما في البخاريِّ في أحاديث الأنبياء (¬3) "جنابذ" بجيم فنون بموحدة بعد الألف فذال معجمة: جمع جنبذ، بضمِّ أوله وثالثه: وهو ما ارتفع من الشيء واستدار، كالقبة، والعامَّة بفتح الباء. وفي الحديث: أن أرواح المؤمنين يُصعد بها إلى السماء. وأن أعمال بني آدم الصالحة تسرُّ آدم، والسيئة تسوءُه. والرحب عند اللقاء، وذكر أقرب القرابة؛ لتمام الترحيب. وأن أوامر الله تعالى تكتب بأقلام كثيرة. وأن ما كتبه الله تعالى وأحكمه من آثار معلومة لا يتبدَّل. وجواز النسخ قبل الفعل، كما مرَّ بيانه. والاستشفاع والمراجعة فيه. والحياء من ¬
تكثير الحوائج خشية الضعف عن القيام بشكرها. وأن الجنة في السماء. والاستئذان وقول المستأذن: فلان ولا يقول: أنا؛ تأدبًا ولأنه مبهم. وأن للسماءِ أبوابًا حقيقية تفتح وتغلق، وأن لها حفظَةً. وأنه - صلى الله عليه وسلم - من نسل إبراهيم، ومدح الإنسان في وجهه عند الأمن من الإعجاب ونحوه. وشفقة الوالد على ولده، وسروره بحسن حاله وضد ذلك. وعدم وجوب صلاة الوتر؛ لزيادتها علي الخمس. وأن الجنة والنار مخلوقتان. وأن الإسراء والمعراج واحدٌ؛ لأنه قال: كيف فرضت الصلاة في الإسراء. ثم أورد الحديث وفيه: (ثُمَّ عرج بي إلى السماء) لكن ظاهر كلامه في أحاديث الأنبياء عليهم السلام: أنهما غيران فإنه ترجم للإسراء ترجمة وذكر لها حديثًا، ثُمَّ ترجم للمعراج ترجمة وذكر لها حديثًا. 350 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلاةِ الحَضَرِ". [1090، 3935 - مسلم: 685 - فتح: 1/ 464] (فرض الله) أي: قدر. (الصلاة) أي: الرباعية؛ لأن الثلاثية وتر صلاة النهار. (ركعتين ركعتين) بالنصب علي الحال، وتكريره؛ لإفادة عموم التنبيه؛ إذ لولاه لاحتمل أن المراد ركعتان فقط في السفر والحضر. (فأقرت صلاة السفر) أي: علي الركعتين. وقضيته: أنه لا يجوز الإتمام فيه، كما يقوله الحنفية، وجوابه: أنه مذهب لعائشة قالته عن اجتهاد، وهو معارَضٌ بفعلها حيث أتمت في السفر، وبإفتائها بالإتمام فيه فقوله: (فأقرت صلاة السفر) معناه: لمن أراد الاقتصار عليها جمعًا بين الأخبار.
2 - باب وجوب الصلاة في الثياب
2 - بَابُ وُجُوبِ الصَّلاةِ فِي الثِّيَابِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ " وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ" وَمَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ أَذًى "وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ". [فتح: 1/ 465] (باب: وجوب الصلاة في الثياب) أي: في ساتر العورة، وذكره بلفظ الجمع نحو قولهم: فلان يركب الخيول. (وقول الله) بالجرِّ: عطفٌ على (وجوب الصلاة). {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] أراد بالزينة: ما يستر العورة، وبالمسجد: الصلاة؛ مجازًا في الأول من إطلاق اسم الحال علي المحلِّ، وفي الثاني من إطلاق اسم المحلِّ على الحال. (ومن صلَّى .. إلخ) عطف على وجوب الصلاة أيضًا. (ويذكر عن سلمة بن الأكوع) علَّقه بصيغة التمريض؛ ولذا قال بعد: (وفي إسناده نظرٌ) ووجه النظر من جهة موسَى بن إبراهيم الواقع في إسناده، وهو منكر الحديث (¬1). ¬
(ومن صلَّى .. إلخ) عطفٌ على وجوب الصلاة أيضًا، ومعناه: أن صلاة من صلَّى في الثوب الذي جامع فيه صحيحة. (ما لم ير فيه أذى) أي نجسًا، ولفظ: (ما لم ير فيه أذى) ساقط من نسخة. (وأمر .. إلخ) إن احتج به على اشتراط ستر العورة في الصلاة؛ لأنه إذا كان شرطًا في الطوافِ الذي هو شبهها، فاشتراطه فيها أولَى؛ لأن الطوافَ بالبيت صلاة. 351 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا"، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا. [انظر: 324 - مسلم 890 - فتح: 1/ 466] (عن محمد) أي: ابن سيرين. (أن نخرج) بضمِّ النون وكسر الراء. (الخدور) أي: الستور، وتقدم تفسير الحديث. (مصلاهُنَّ) في نسخة: "مصلاهم". (لتلبسها صاحبتها من جلبابها) يحتمل أن تصيرا في جلباب واحد وأن تعيرها جلبابًا علي حدتها، كما مرَّ في كتاب ¬
3 - باب عقد الإزار على القفا في الصلاة
الحيض (¬1). ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنه إذا طلب اللبس للخروج لجماعة المسلمين، فللصلاة أولَى، ثم ستر العورة واجب مطلقًا في الصلاة وغيرها، وهو مذهب الشافعي، وقيل في الصلاة فقط، ونقل عن أبي حنيفة. (عمران) أي: ابن داور، بفتح الواو. 3 - بَابُ عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلاةِ وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: "صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ". (باب: عقد الإزار على القفا في الصلاة) القفا بالقصر مؤخر العنق، يذكر ويؤنث وجمعه: قُفِيّ، كعُصي، وأقفاء. كأرجاء، وأقف وقفى وقفاء، وجاء: أقفية على غير قياس. (وقال أَبو حازم) بالمهملة والزاي: سلمة بن دينار. (عن سهل) أي: الساعدي. (أزرهم) بضمِّ الهمزة والزاي: جمع إزار، يذكر ويؤنث، ويجمع في القِلّة على أَأْزِرَة، كأخمرة. (عواتقهم) جمع عاتق: وهو موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث. 352 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: "صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى المِشْجَبِ"، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟، فَقَالَ: "إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [353، 361، 370 - مسلم 3008 - فتح: 1/ 467] ¬
(أحمد بن يونس) نسبة إلى جَدِّة، وإلا فهو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله. (من قبل قفاه) أي: من جهته. (علي المشجب) بكسر الميم وسكون المعجمة فجيم فموحدة: عيدان تضم رءُوسها، ويفرج بين قوائمها، يوضع عليها الثياب، والأسقية؛ لتبرد الماء، وهو من تشاجب الأمر: اختلط وتداخل. (ذلك) في نسخة: "هذا". (أحمق) أي: جاهل. (مثلك) صفة له، وإضافته لا تفيده تعريفًا؛ لتوغله في الإبهام، إلا إذا أضيف لما اشتهر بمماثلته، وهنا ليس كذلك. والمراد بجعله إراءة الأحمق غرضًا لفعله: بيان جواز ذلك الفعل، فكأنه قال ذلك، صنعت ذلك؛ ليراني الأحمقُ، فينكر عليَّ بجهله، فأظهر له جوازه وإنما أغلظ عليه بنسبته إلى الحماقة؛ لإنكاره على فعله بقوله: (تصلِّي في إزارٍ واحد) لأن همزة الإنكار فيه مقدرة (¬1). (وأينا) استفهام يفيد النفي، وقصده: بيان إسناد فعله إلى ما تقرر في عهده - صلى الله عليه وسلم -. 353 - حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ". [انظر: 352 - مسلم: 518 - فتح: 1/ 468] (مطرف) بتشديد الراءِ المكسورة: هو ابن عبد الله. (الموالي) في نسخة: "الموال" بحذف الياءِ. (رأيت جابر بن عبد الله .. إلخ) هذه طريقة أخرى لحديث جابر - رضي الله عنه -، وفيها الرفع إلى فعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي أصرح في الرفع من التي قبلها، وبهذا علم وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة. ¬
4 - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به
وفيه: الأخذ بالأيسر مع القدرة على الأكثر؛ توسعة على العامة؛ ليقتدي به. وأن للعالم أن يصف بالحمق من جَهِلَ دِيْنَه، وأنكر عى العلماء ما غاب عنه علمه من السُّنة. 4 - بَابُ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ مُلْتَحِفًا بِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: "فِي حَدِيثِهِ المُلْتَحِفُ المُتَوَشِّحُ: وَهُوَ المُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَهُوَ الاشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ " قَالَ: قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: "التَحَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَوْبٍ وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ". (باب: الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به) أي: متغطيًا به. (في حديثه) أي: الذي رواه في باب: السير (المتوشح) من التوشح، وهو نوع من الاشتمال، قال ابن السكيت: هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثمَّ يعقد طرفيهما على صدره. (بين طرفيه) أي: الثوب. (على عاتقيه) أي: الملتحف. (أمُّ هانئ) اسمها: فاختة بنت أبي طالب. 354 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ". [355، 356 - مسلم: 517 - فتح: 1/ 468] 355 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ "رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ". [انظر: 354 - مسلم: 517 - فتح: 1/ 469]
(عمر بن أبي سلمة) اسم أبي سلمة: عبد الله المخزومي. 356 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ". [انظر: 354 - مسلم: 517 - فتح: 1/ 469] (أَبو أسامة) اسمه: حمَّاد بن أسامة. (في بيت أم سلمة) متعلقٌ بيصلِّي، أو بمشتمل، أو بهما. 357 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ"، فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ"، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلانَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ" قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: وَذَاكَ ضُحًى. [انظر: 280 - مسلم 336 - فتح: 1/ 469] (مرحبًا) أي: لقيت رحبًا وسعة. (يا أمَّ هانئ) بالنداءِ، وربما حذفت همزته تخفيفًا وفي نسخة: "بأمِّ هانئٍ" بباء الجرِّ. (ثمان ركعات) بفتح النون، وفي نسخة: "ثماني" بالياء المفتوحة مع كسر النون، وهو منسوب إلى الثمن؛ لأنه الجزء الذي صيَّر السبعة ثمانية، ثُمَّ فتحوا أوله؛ لأنهم يغيرون في النسب، وحذفوا منه إحدى يائي النسب، وعوضوا منه الألف، فثبتت ياؤه عند الإضافة، كما ثبتت ياء القاضي. (فلما انصرف) أي: من الصلاة. (زعم) أي: ادعى أو قال: (ابن أمي)
تعني: عليًّا - رضي الله عنه - وفي نسخة: "ابن أبي"، ولا تفاوت في المراد؛ لأنها أخت عليٍّ من الأب والأم. (قاتل) اسم فاعل من قتل. (قد أجرته) بالقصر، أي: آمنته، وهو مأخوذ من الجور، فهمزته للسلب أو من الجوار بمعنى: المجاورة. (فلان) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب بدلٌ من (رجلًا) أو من الضمير المنصوب (هبيرة) بالتصغير: ابن عمر المخزوميُّ، ولدت منه أمُّ هانئ قبل إسلامها أولادًا منهم: هانئ، الذي كنيت به، وابنه المذكور هنا يحتمل أنه من أمِّ هانئ، وأنه من غيرها، ونسي الراوي اسمه، فذكره بلفظ: فلان، وسماه الزبير بن بكار، فقال: إنه الحارث بن هشام المخزومي. (قد أجرنا من أجرت) فيه: أن لكلٍّ من المسلمين ولو امرأة أن يؤمِّن كافرًا، كما هو مبين في كتب الفقه. وستر الرجال بالنساءِ المحارم، ومثلهن الزوجات والمملوكات. وجواز السلام من وراء حجاب. 358 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ". [365 - مسلم: 515 - فتح: 1/ 470] (أَوَ لكلكم) بهمزة الاستفهام الإنكاري، وبواو العطف على مقدر أي: أأنت سائل عن مثل هذا الظاهر [والكلكم) ومعناه: لا سؤال عن مثل هذا الظاهر] (¬1) ولا ثوبين لكلكم، فلفظه استخبار، ومعناه إخبار. ¬
5 - باب: إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه
5 - بَابٌ: إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ (باب: إذا صلَّى في الثوب الواحد فليجعل) أي: بعضه. (على عاتقيه) في نسخة: "على عاتقه". (أبو عاصم) أي: الضحَّاك بن مخلد. 359 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ". [انظر: 360 - مسلم: 516 - فتح: 1/ 471] (لا يصلِّي) بالياء فلا نافية، وروي بلا ياء، فلا ناهية، والنهي للتنزيه؛ للإجماع علي الاكتفاء بما يستر العورة. 360 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُهُ - أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ". [انظر: 359 - مسلم: 516 - فتح: 1/ 471] (سمعته) أي: قال يحيى: سمعت عكرمة. (أو كنت سألته) الشكُّ من يحيى، أي: سمعت منه إمَّا لسؤالي منه، أو بغير سؤالى. (أشهد) بلفظ المضارع؛ ذكره؛ تأكيدًا لصدقه. (واحد) ساقط من نسخة. (فليخالف بين طرفيه) فائدة المخالفة: أَلَّا ينظر المصلِّي إلى عورة نفسه إذا ركع، وأن لا يسقط ثوبه إذا ركع، وأنه قد يشتغل بإمساكه؛ ليستر عورته فتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى. 6 - بَابٌ: إِذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا (باب: إذا كان الثوب ضيقًا) أي: ماذا يفعل المصلِّي فيه، و (ضيقًا) بتشديد الياء، ويجوز تخفيفها: صفةٌ مشبهة تدلُّ على الثبوت، بخلاف ضائق.
361 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "مَا السُّرَى يَا جَابِرُ" فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: "مَا هَذَا الاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ"، قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ - يَعْنِي ضَاقَ - قَالَ: "فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ". [انظر: 352 - مسلم: 518، 3010 - فتح: 1/ 472] (يحيى بن صالح) أي: الوحاظي بضم الواو وتخفيف المهملة، وبالظاء المعجمة الحمصي. (وصليت إلى جانبه) (إلى) بمعنى: في (¬1)، أو ضمن (صلَّى) معنى: ضمَّ أو انتهى، فعداه (بإلى). (فلما انصرف) أي: من الصلاة، واستقبال القبلة. (ما السرى) هو بالقصر: سرى الليل، أي: ما سبب سراك؟ (ما هذا الاشتمال) أي: الالتحاف من غير أن تجعل طرفيه على عاتقيك، أو اشتمال الصَّمَّاءِ المنهُّي عنه، وهو أن يخلل نفسه بثوبه، ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يديه إلا من أسفله، فيخاف أن تبدو عورته. (كان ثوبٌ) برفعه على أن كان تامة، وبنصبه على أنها ناقصة، أي: كان المشتمل به ثوبًا، وفي نسخة عقبه "يعني: ضاق"، وفي أخرى: "كان ثوبًا ضيقًا". (فاتزر) بإدغام الهمزة المقلوبة تاءً في ¬
7 - باب الصلاة في الجبة الشامية
التاء، ولا يعارض هذا ما جاء من النهي عن الصلاة في الثوب الواحد متَّزرًا به؛ لأن النهي عنه إنما هو لواجد غيره. وفي الحديث: أن الثوب إذا أمكن الاشتمال به، فلا يتزر به؛ لأنه أَسْتَر للعورة. 362 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَيُقَالُ لِلنِّسَاءِ: "لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَويَ الرِّجَالُ جُلُوسًا". [814، 1215 - مسلم: 441 - فتح: 1/ 473] (سفيان) أي: الثوري، ويحتمل أنه ابن عيينة؛ لأنهما يرويان (عن أبي حازم) وهو بالمهملة، وبالزاي: سلمة بن دينار. (يصلُّون) خبر كان. (عاقدي أزرهم) حال، ويجوز العكس. (ويقال للنساءِ) في نسخة: "وقال" أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (لا ترفعنَّ رءوسكنَّ) أي: من السجود؛ خشية أن يلمحن شيئًا من عورات الرجال عند الرفع. (جلوسًا) جمع جالس، أو مصدر بمعنى: جالسين. 7 - بَابُ الصَّلاةِ فِي الجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ وَقَالَ الحَسَنُ: "فِي الثِّيَابِ يَنْسُجُهَا المَجُوسِيُّ لَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا" وَقَالَ مَعْمَرٌ: "رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ اليَمَنِ مَا صُبِغَ بِالْبَوْلِ" وَصَلَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ". (باب: الصلاة في الجبة الشامية) أي: جواز الصلاة فيها، والجبة جمعها جباب، والشامية: نسبة إلى الشام، والمراد بالجبة الشامية: التي تنسجها الكفار، وكان هذا في غزوة تبوك، أو الشام؛ إذ ذاك دار كفر.
(وقال الحسن) أي: البصري. (ينسجها) بضم السين وكسرها، والجملة صفة ثياب، إذ (ال) فيها للجنس لا للتعريف (¬1)، فلا يضرُّ كون الجملة نكرة. (ينسجها المجوسيُّ) في نسخة: "المجوس" بالجمع. (لم ير بها بأسًا) أي: بلبسها [والصلاة] (¬2) فيها ما لم يتيقن فيها نجاسة. (رأيت الزهري: يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول) أي: في غير الصلاة إن كانت جافة، وفي الصلاة بعد غسلها. (وصلَّى علي في ثوب غير مقصور) أي: خام، والمراد كما قال شيخنا: أنه كان جديدًا لم يغسل (¬3). 363 - حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: "يَا مُغِيرَةُ خُذِ الإِدَاوَةَ"، فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى. [انظر: 182 - مسلم: 274 - فتح: 1/ 473] (يحيى) أي: ابن موسَى البلخيِّ، قاله شيخنا (¬4)، وذكر عن غيره خلافه، وردَّه ثُمَّ قال: (والمعتمد ما قدمناه). (أَبو معاوية) هو محمد بن حازم الضرير، قال شيخنا (¬5) -رادًّا على من زعم أنه غيره-: ولم يختلفوا في أن أبا معاوية [هنا] (¬6) هو: الضرير. (مسلم) أي: ابن صبيح ¬
8 - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها
بضمِّ المهملة: أَبو الضُّحَى العطَّار، خلافًا لمن زعم أنه يحتمل غيره. (خذ الإداوة) أي: المطهرة. (حتَّى توارى) أي: غاب. (فضاقت) أي: الجبة. وفي الحديث: جواز أمر الرئيسِ غيرَه بالخدمة. والستر عن الأعين للحاجة. والإعانة في الوضوء. والمسح علي الخفين. وإخراج اليد من أسفل للحاجة، ولباس الضيقة الكُمِّ ولباس ثياب المشركين. 8 - بَابُ كَرَاهِيَةِ التَّعَرِّي فِي الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا (باب: كراهة التعري في الصلاة) زاد في نسخة: "وغيرها" أي: غير الصلاة. 364 - حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُحَدِّثُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ"، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الحِجَارَةِ، قَالَ: "فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [1582، 3829 - مسلم: 340 - فتح: 1/ 474] (روح) بفتح الراء: ابن عبادة. (ينقل معهم) أي: مع قريش. (للكعبة) أي: لبنائها، وسميت كعبة؛ لارتفاعها، وقال الزهري: لم يكن النبيُّ حينئذٍ بلغ الحلم، وقيل: كان عمره خمسة عشر، وقيل: غير ذلك. (إزاره) في نسخة: "إزار". (لو حللت إزارك) جواب (لو) محذوف، أي: لكان أسهل، أو هي للتَّمنِّي، لا جواب لها. (دون الحجارة) أي: تحتها. (فسقط) أي: النبيُّ. (مغشيًّا عليه) أي: مغمى عليه؛ لانكشاف عورته، وروي: أن
9 - باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء
الملك نزل عليه فشد إزاره. (فما رُئِيَ) بضمِّ الراءِ وكسر الهمزة، ويجوز كسرُ الراء والمدُّ. وفي الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مصونًا عمَّ يستقبح قبل البعثة وبعدها. 9 - بَابُ الصَّلاةِ فِي القَمِيصِ وَالسَّرَاويلِ وَالتُّبَّانِ وَالقَبَاءِ (باب: الصلاة) أي: حكمها من الجواز وعدمه. (في القميص والسراويل) يذكر ويؤنث، ويجمع علي سراويلات. (والتبان) بضمِّ الفوقية، وتشديد الموحدة: سراويل صغيرة كمقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط، تكون للملاحين. (والقباء) بالمدِّ والقصر، سمِّي قباءً؛ لانضمام أطرافه، وجمعه: أقبية. 365 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: "أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ" ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ، فَقَالَ: "إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا"، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ، وَقَمِيصٍ فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاويلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاويلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاويلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ. [انظر: 358 - مسلم: 515 - فتح: 1/ 475] (قام رجل) لم يسمّ. (أو كلكم) تقدم بلفظ: "أو لكلكم" مع بيانه. (ثم سأل رجلٌ) قال شيخنا: لم يسم، ويحتمل أنه ابن مسعود؛ لأنه اختلف هو وأُبي بن كعب في ذلك (¬1)، فقال أبيُّ: الصلاة في الثوب الواحد لا بأس به. وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك، وفي الثياب قلة. ¬
فقام عمر على المنبر فقال: القول ما قال أُبَيُّ، ولم يأل ابن مسعود أي: لم يقصر. (جمع رجلٌ .. إلخ) من تتمة كلام عمر، وأورده مع قوله بصيغة الخبر، ومراده به الأمر، أي: ليجمع وليصل، وحذف الواو من صلَّى؛ لأنه أوقعه موقع البيان لجمع الثياب، و (أو) من متعلقات (صلَّى) مع أنها المناسبة للمراد؛ لإرادة التعداد والرِّدَاء لأعلى البدن، والإزار لأسفله. (قال) أي: أَبو هريرة. (وأحسبه) أي: عمر، أي: أظنُّه، والواو عاطفة على مقدر، أي قال: بقي شيءٌ: من صور ما ذكر (وأحسبه قال). إلخ. 366 - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ وَلَا السَّرَاويلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا وَرْسٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ"، وَعَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ. [انظر: 134 - مسلم: 1177 - فتح: 1/ 476] (فقال) الفاءُ تفسيرية. (ولا يلبس) بفتح الموحدة بلفظ النهي أو النفي، فتكسر سينه أو تضم. (البرنس) بضمِّ الموحدة والنون، وسكون الراء: ثوبٌ خاصٌّ، أو هو القلنسوة. (ولا ثوبًا) روي بالرفع أيضًا بتقدير فعل مبني للمفعول، كما مرَّ بيان حكمه آخر كتاب العلم (¬1). (ورس) هو نبتٌ أصفرُ باليمن، وبما تقرر علم أن الحديث الثاني في المحرم، والأول بعضه في غيره وبعضه مشترك بينهما. (وعن نافع) تعليقٌ، ويحتمل أنه عطفٌ على سالم فيكون متصلًا ¬
10 - باب ما يستر من العورة
(مثله)، بالنصب بمقدر، أي: روى البخاري، أو الزهري عن نافع مثل حديث سالم، ويجوز رفعه بأنه نائبٌ عن الفاعل، أي: وروي عن نافع مثله، أو بأنه مبتدأ خبره: (عن نافع). 10 - بَابُ مَا يَسْتُرُ مِنَ العَوْرَةِ (باب: ما يستر من العورة) أي: في الصلاة أو غيرها، (¬1)، و (ما) مصدرية أو موصولة، و (من) بيانية، و (العورة) (¬2): سوءة الإنسان، وكل ما يستحي منه، وهي عند الشافعي من الرجل: ما بين السُّرَّةِ والركبة، ومن الحرة: ما عدا الوجه والكفين، والخنثى الرقيق كالأمة، والحر كالحرة. 367 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ". [1991، 2144، 2147، 5820، 5822، 6284 - مسلم: 1512 - فتح: 1/ 476] (عن اشتمال الصَّمَّاء) بالمد واشتمالها كما مرَّ، أن يجلل نفسه بثوبه، ولا يرفع شيئًا من جوانبه، ولا يمكنه إخراج يده إلا من أسفله، ¬
فيخاف أن تبدو عورته، وسمِّي صماء؛ لسد المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق (وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيءٌ) ذكر الرجل ووصف الثوب بالوحدة مثال، أو جريٌ على الغالب، والاحتباء: أن يقعد الشخص على إليتيه وينصب ساقيه، ويلف عليهما ثوبًا أو نحوه، وهلذه القعدة تُسَمَّى الحبوة بضمِّ الحاء وكسرها، وكان هذا الاحتباء عادة العرب في أنديتهم، ومجالسهم، وحكمة النهي عنه: خشية كشف الفرج، وإليها أشار بقوله: (ليس على فرجه منه شيء) ولهذا قال الخطَّابي: وهو منهيٌّ عنه، إذا كان كاشفًا عن فرجه (¬1). 368 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ عَنِ اللِّمَاسِ وَالنِّبَاذِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ". [584، 588، 1993، 2145، 2146، 5819، 5821 - مسلم: 1511 - فتح: 1/ 477] (سفيان) أي: الثوري. (عن بيعتين) بفتح الموحدة وكسرها، وهو الأحسن؛ لأن المراد: الهيئة، كالركبة والجلسة. (عن اللِّماس) بكسر اللام، أي: عن جعل لمس الثوب مثلًا بيعًا. (والنباذ) بكسر النون، أي: وعن جعل نبذ الثوب مثلًا بيعًا، وبسط الكلام على البيعتين، يطلب من كتب الفقه. 369 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ، نُؤَذِّنُ بِمِنًى: أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ ¬
مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ " قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٌ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: "لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ". [1622، 3177، 4363، 4655، 4656، 4657 - مسلم: 1347 - فتح: 1/ 477] (إسحاق) أي: ابن إبراهيم، المشهور بابن راهويه. (ابن أخي ابن شهاب) هو محمد بن عبد الله ابن أخي الزهريِّ؛ والزهريُّ: محمد بن مسلم بن شهاب. (تلك الحجة) أي: حجة أبي بكر بالناس قبل حجة الوداع لسنته. (أن لا يحج) بإدغام النون في لا، وفي نسخة: "ألا لا يحج" بأداة الاستفتاح قبل حرف النفي. (بعد العام مشرك) موافقٌ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: من الآية 28] وظاهر ذلك: أن ذلك العام ليس داخلًا في الحكم، قال الكرماني: وهو الظاهر، وتعقب بأنه ينبغي أن يكون داخلًا فيه؛ نظرًا للمعنى (¬1). (ولا يطوف بالبيتِ عريانٌ) فيه إبطالٌ لما كانت الجاهلية عليه من طوافهم عرايا، ففيه دليلٌ على الستر في الطواف. (قال حميد بن عبد الرحمن) يحتمل أن يكون تعليقًا، وأن يكون داخلًا تحت الإسناد، نعم هو مرسل غير صحابيٍّ؛ لأن حميدًا ليس بصحابيّ. (ببراءة) بالفتح علي أنها علمٌ للسورة، أو بالرفع على الحكاية، قال الكرمانيُّ: أو بالجرِّ والتنوين، أي: بسورة براءة (¬2). (قال أَبو هريرة) يحتمل أيضًا أنه تعليقٌ، أو أنه داخلٌ تحت الإسناد. ¬
11 - باب الصلاة بغير رداء
(فأذَّن معنا عليٌّ) بفتح عين (مع) وسكونه. قال الكرمانيُّ: فإن قلت: علي - رضي الله عنه - كان مأمورًا بأذان براءة، فكيف قال: فأذَّن معنا بأنه لا يحج؟ قلتُ: إما لأن ذلك داخلٌ في سورة براءة، وإما أن معناه: أنه أذن فيه أيضًا معنا بعد تأذينه ببراءة (¬1). 11 - بَابُ الصَّلاةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ (باب: الصلاة بغير رداء) أي: بيان حكمها بغير الستر برداء. 370 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي المَوَالِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: وَهُوَ "يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ، وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ"، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ، قَالَ: نَعَمْ، أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الجُهَّالُ مِثْلُكُمْ "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي هَكَذَا". [انظر: 352 - مسلم: 3008 - فتح: 1/ 478] (ملتحفًا) في نسخة: "ملتحفٌ" أي: وهو ملتحف. (ورداؤه موضوع) أي: على الأرض أو على المشجب، أو نحوه. (انصرف) أي: من الصلاة. (يا با عبد الله) كنية جابر، وحذفت همزة (أبا) تخفيفًا (¬2). (الجُهَّال مثلكم) بنصب مثل حالًا، وبرفعه صفة للجُهَّالِ، وإن كان مفردًا؛ لأنه بمعنى: مثيل بوزن فعيل، يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع، وتقدم تفسير الحديث. ¬
12 - باب ما يذكر في الفخذ
12 - بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الفَخِذِ وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرْهَدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الفَخِذُ عَوْرَةٌ" وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: "حَسَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَخِذِهِ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنَ اخْتِلافِهِمْ" وَقَالَ أَبُو مُوسَى: "غَطَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُكْبَتَيْهِ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ" وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: "أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي". [فتح: 1/ 478] (باب: ما يذكر في الفخذ) أي: بيان ما يذكر في حكمه. (ويروى) تعليقٌ بتمريض، لكن أحاديث الثلاثة موصولة، كغالب تعاليق البخاريِّ. (أسند) أي: أحسن إسنادًا من حديث جَرْهَد. (أحوط) أي: أقرب للتقوى. (حتَّى يخرج من اختلافهم) فقد ذهبَ قومٌ إلى أن الفخذ عورة لحديث جَرْهَد وهو المعتمد وآخرون إلى أنه ليس بعورة لحديث أنس، وأجاب عن الأول بأن كشفه - صلى الله عليه وسلم - كان قبل الحكم بأنه عورة، وبأن كشفه إياه لم يكن باختياره، بل بسبب ازدحام النَّاس بدليل مس ركبة أنس فخذ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بل ثبت في رواية أنه لم يكشفه، وإنما انكشف إزاره حين أجرى مركوبه (¬1). (غطَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم ركبته حين دخل عثمان) وجه مطابقته للترجمة: أن حكم بعض الركبة حكم الفخذ. (أنزل الله) أي: قوله تعالى: {لَا يَسْتَوي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ¬
[النساء: من الآية 95] الآية. (أن تَرُضَّ) بضمِّ الراءِ، مبنيًّا للفاعل، وهو ضمير فخذ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو بفتحها؛ مبينًّا للمفعول. (فخذي) منصوب على الأول، مرفوع على الثاني، والرضُّ: الدقُّ، وكلُّ شيءٍ كسرتُه فقد رَضَضْتُهُ. 371 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلاةَ الغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ {فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ} [الصافات: 177] " قَالَهَا ثَلاثًا، قَالَ: وَخَرَجَ القَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ، قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالخَمِيسُ - يَعْنِي الجَيْشَ - قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ، فَجَاءَ دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ، قَالَ: "اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً"، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، لَا تَصْلُحُ إلا لَكَ، قَالَ: "ادْعُوهُ بِهَا" فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا"، قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ، جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرُوسًا، فَقَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ" وَبَسَطَ نِطَعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّويقَ، قَالَ: فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [2944، 2945، 2911، 3367، 3647،
4083، 4084، 4197، 4198، 4199، 4200، 4201، 4211، 4212، 4213، 5085، 5086، 5159، 5169، 5387 ـ 5425، 5528، 6363، 7333، 3085، 3086، 5168، 6185 - مسلم: 1365 بعد حديث 1427 - فتح: 1/ 479] (بغلس) بفتح الغين واللام: ظلمة آخر الليل (¬1). (أَبو طلحة) هو زيد بن سهل زوج أُمِّ أنس. (فأجرى) أي: مركوبه. (زقاق) بضمِّ الزاي، يذكر ويؤنث، وجمعه: أزقة، وزقان بالنون. (ثم حسر) بالبناءِ للمفعول، وهو الإزار، بدليل رواية مسلم: (¬2) فانحسر إزاره. فلا دلالة علي كون الفخذ ليس بعورة، لكن في نسخة: "ثُمَّ حسر الإزار" بالبناء للفاعل، وهو محمول على أن كشفه له عن فخذه كان قبل الحكم بأنه عورة. (عن فخذه) في نسخة: "على فخذه" أي: الإزار الكائن علي فخذه، فلا يتعلق بـ (حسر) إلا أن يقال: حروف الجرِّ ينوب بعضها عن بعض (¬3). (فلما دخل القرية) أي: خيبر، وهو يقتضي أن الزقاق خارجها. ¬
(خربت خيبر) بكسر الراءِ، أي: صارت خرابًا. قاله إخبارًا، فيكون من باب الإخبار بالغيب، أو دعاءً عليهم، أو تفاؤلًا لمَّا رآهم خرجوا بمساحيهم، وهي من آلات الحرب. (بساحة قوم) أي: بناحيتهم، وجمع الساحة: سياح وساحات وسوح. (فقالوا: محمد) أي: جاء محمد أو هذا محمد. (قال عبد العزيز) أي: ابن صهيب. (وقال بعض أصحابنا) هو ثابت البناني. (والخميس) برفعه، أي: زاد بعض أصحاب عبد العزيز لفظ: (والخميس) فمقولهم (محمد والخميس) ويجوز نصبه على أنه مفعولٌ معه (¬1)، وفسر الخميس (يعني: الجيش) سمِّي خميسًا؛ لأنه خمسة أقسام: قلب، وميمنة، وميسرة، ومقدمة، وساقة. (عَنْوة): فتح المهملة، وسكون النون، أي: قهرًا لا صلحًا. (دَحية) بفتح الدال وكسرها. (صفية) بفتح الصاد، قيل: كان اسمها زينب، سميت بعد الاصطفاء بصفية، وقيل: بل اسمها من قبل. (بنت حُيَي) بضم المهملة وكسرها، وتحتية مفتوحة مخففة، فتحتية مشددة، من نسل هارون النبيِّ - عليه السلام -. كانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، قتل بخيبر سنة سبع. (فجاء رجل) لم يسم. (قريظة) بضمِّ أوله، وفتح ثانيه، وبظاء معجمة. (والنضير) بفتح أوله، وضاد معجمة: قبيلتان عظيمتان من يهود خيبر، وإنما أعطاها لدحية قبل القسمة؛ لأن له خمس المغنم، فله أن يعطيه لمن يشاء، وإنما رجع فيها بعد أن وهبها؛ إما لعدم تمام الهبة؛ أو لأنه أَبو المؤمنين، فله الرجوع في هبة الولد، أو أنه اشتراها منه، أو أنه ردها برضاه، أو أنه إنما كان أذن له في جارية من حشو السبي لا من ¬
أفضلهنَّ، فلما رآه أخذ بأنفسهن استرجعها؛ لأنه لم يأذن فيها، ورأى أن في إبقائها له مفسدة، لتميزه بها على باقي الجيش، ولما فيه من انتهاكها، مع مرتبتها. وربما ترتب على ذلك شقاق أو غيره، فكان أخذه لها - صلى الله عليه وسلم - قاطعًا لهذه المفاسد. (فقال له) أي: لأنس (ثابت) أي: البناني. (يا أبا حمزة) بمهملة وزايٍ: كنية أنس. (نفسها) بالنصب. (أعتقها وتزوجها) بيانٌ لقوله: (نفسها)، فالمعنى تزوجها [بلا مهرٍ، أو ليس بيانًا له، فالمعنى: تزوجها] (¬1) وجعل نفسها صداقها وهو من خصائصه. (أم سليم) هي أم أنس. (فأهدتها) أي: زفتها، وفي نسخة: "فهدتها". (عروسًا) يستوي فيه الرجل والمرأة. (نطعًا) قال الزركشيُّ: بنونٍ مكسورةٍ وطاء مفتوحةٍ في أفصحَ لغاتهِ السبع، واقتصر منها الكرماني على أربعةٍ، وقال: والنطع فيه أربع لغات، فتح النون وكسرها، وسكون الطاء، وفتحها، قال: والجمع: نطوع ونطاع (¬2)، [وأنطاع] (¬3) قال غيره: وأنطع. (قال) أي: عبد العزيز. (وأحسبه) أي: أنسًا. (ذكر السويق) أي: قال: وجعل الرجل يجيء بالسويق. (فحاسوا) بمهملتين، أي: خلطوا أو اتخذوا. (حيسًا) بفتح أوله: تمرٌ يخلط بسمن وأقط، وربما عوض بالدقيق عن الأقط. (فكانت) أي: الثلاثة المذكورة. (وليمة رسول الله) بالنصب خبر كان: وهي طعام العرس من الولم، وهو الجمع؛ لاجتماع الزوجين. وفي الحديث -كما قال النووي - (¬4): أنه لا كراهة في تسمية ¬
13 - باب: في كم تصلي المرأة في الثياب؟
صلاة الصبح بصلاة الغداة، وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، والتكبير عند الحرب، وتثليثه. والدعاء بخراب المقصود أخذه على أهله، إن جعل "خربت خيبر" دعاءً، واستحباب الوليمة بعد الدخول، وإدلال الكبير على أصحابه بطلب طعامهم في نحو ذلك، واستحباب مساعدة أصحابه فيه، وأن السنة فيها تحصل بغير اللحم. 13 - بَابٌ: فِي كَمْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي الثِّيَابِ؟ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: "لَوْ وَارَتْ جَسَدَهَا فِي ثَوْبٍ لَأَجَزْتُهُ". (باب: في كم تصلِّي المرأة من الثياب) (كم) استفهامية لها صدر الكلام، مميزها محذوف، أي: كم ثوبًا، ولا يقدح جرُّها بـ (في) في صدارتها؛ لأن الجارَّ والمجرور كلمة واحدة. (لو وارت) أي: سترت. (لأجزته) أي: لقلت بجوازه تبعًا للجمهور. 372 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَقَدْ "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ". [578، 867، 872 - مسلم: 645 - فتح: 1/ 482] (لقد) جواب قسم محذوف. (متلفعات) بالرفع صفة للنساءِ، وبالنصبِ حالٌ منهنَّ، والتَّلَفُّعُ (¬1): التلحف والاشتمال بتغطية الرأس، ¬
14 - باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها
والجسد، وفي نسخة: "متلففات" بفاءين، وهو بمعناه. (بمروطهنَّ) في نسخة: "في مروطهنَّ" وهي: أكسية من صوفٍ أو خزٍّ، وقيل: أردية واسعة (¬1)، واحدها: مرط بكسر الميم. (ما يعرفهنَّ أحد) أي: لبقاءِ ظلمة الليل، أولمبالغتهن في التلحف وفي التغطية. وفي الحديث: جواز صلاة المرأة في ثوب واحد، وهو مذهب الشافعيّ إذا غطَّتْ به جميع بدنها، سوى الوَجه والكفين، وجواز حضور النساء الجماعة مع الرجال. 14 - بَابُ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلامٌ وَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا (باب: إذا صلَّى في ثوب له أَعلام ونظر إلى علمه) أي: الثوب، وفي نسخة: "إلى علمها" أي: الخميصة؛ لذكرها في الحديث، وجواب (إذا) محذوف، أي: هل تكره صلاته، أولًا. ¬
373 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاتِي" وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا، وَأَنَا فِي الصَّلاةِ فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي". [752، 5817 - مسلم: 556 - فتح: 1/ 482] (في خميصة) بفتح المعجمة، وكسر الميم، وبصاد مهملة: كساء أسود، مربعٌ له علمان، أو أعلام سميت بذلك؛ للينها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذ من الخمص، وهو ضمور البطن. (إلى أبي جهم) بفتح الجيم، وسكون الهاء: عامر بن حذيفة العدويُّ القرشيُّ، خصَّ - صلى الله عليه وسلم - بعث الخميصة بأبي جهمٍ؛ لأنه كان وهبها له - صلى الله عليه وسلم -. (بأنبجانية) بهمزةِ قطع تفتح وتكسر، ونونٍ ساكنة، وموحدةٍ تفتح وتكسر، ثم تحتيةٍ تُشدَّد وتُخفَّف: كساءٌ غليظٌ لا علم له، ويقال له: منبجانية بفتح الميم والباء: وهي منسوبة إلى إنبجان، وهو موضع ينسب إليه الثياب المنبجانية (¬1). (ألهتني) أي: شغلتني، من الإلهاء، وثلاثيه لهى الرجل عن الشيء، يلهى عنه: إذا غفل، وهو من باب علم يعلم، وأما لهى يلهو إذا لعب من باب نصر ينصر. (آنفًا) بالمدِّ، أي: قريبًا، ونصبه على الظرفية، واشتقاقه من الائتناف بالشيءِ، أي: الابتداء به. (عن صلاتي) أي: عن كمال الحضور فيها، وتدبر أركانها وأذكارها. (أن تفتنني) بفتح ¬
أوله، وبنونين بعد ثالثه، أي: تشغل قلبي، وفي نسخة: بنون مشددة بدَل النونين. وفي الحديث: الحثُّ على حضور القلب في الصلاة، وترك ما يؤدي إلى شغله عنها، وأن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكرٌ مما ليس متعلقًا بها، وأن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع لا عار عليه في قبولها، وأنه - صلى الله عليه وسلم - جبر قلبه بسؤاله ثوبًا مكانها؛ ليعلم أنه لم يردها عليه استخفافًا ولا كراهة لكسبه، وأن للعالم تكنيةَ مَنْ دونه، وأما بعثه بالخميصة إلى أبي جهمٍ، وطلب إنبجانيته؛ فهو من باب الإدلال عليه؛ لعلمه بأنه يفرح به، ثُمَّ ليس المراد من بعثه - صلى الله عليه وسلم - الخميصة إلى أبي جهم، أن أبا جهمٍ يصلِّي فيها؛ لأنه لم يكن - صلى الله عليه وسلم - يبعث إلى غيره بما يكرهه لنفسه، كما قال لعائشة في الضَّبِّ: "إنَّا لا نتصدَّقُ بما لا نأكل" (¬1) فعلى أبي جهم أن يجتنب ما اجتنبه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فهو كإهداء الحلة لعمر مع تحريم لبسها عليه، لا ليلبسها، بل لينتفع بها ببيعٍ أو غيره (¬2). ¬
15 - باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير، هل تفسد صلاته؟ وما ينهى عن ذلك؟
15 - بَابُ إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أَوْ تَصَاويرَ، هَلْ تَفْسُدُ صَلاتُهُ؟ وَمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ؟ (باب: إن صلَّى في ثوب مصلَّب) بفتح اللام المشددة، أي: منقوش بصور الصلبان. (أو تصاوير) عطفٌ على متعلِّقِ (مصلَّبٍ) أي: في ثوب مصلب بصور الصلبان، أو بتصاوير، أي: تماثيل غير صور الصلبان، وفي نسخة: "أو فيه تصاوير". (هل تفسد صلاته) استفهام علي سبيل الاستفسار، وهو جواب إن (¬1). (وما ينهى) أي: عنه. (من ذلك) أي: مما ذكر من الصلاة في ثوب مصور بصلبان أو غيرها، فالجملة معطوفة على الجملة الشرطية، والمعنى: باب: في حكم إن صلَّى في ثوب مصلب .. إلخ، وفي حكم ما ينهى عنه من الصلاة بحضرة مصور من ثوب، أو ستر، أو جدار، أو بساط، أو غيرها. وفي نسخة: "وما ينهى عن ذلك". 374 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاويرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاتِي". [5959 - فتح: 1/ 484] (عبد الوارث) أي: ابن سعيد. (قرام) بكسر القاف، وخفة الراءِ: ستر رقيق فيه رقم ونقوش. (فإنه) أي: القرام. (لا تزال تصاويره) أي: تصاوير القرام، وفي نسخة: "تصاوير" بغير ضمير، فضمير (فإنه) للشأن. (تعرض) بفتح الفوقية، ¬
16 - باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه
وكسر الراءِ، أي: تلوح، وفي نسخة: "تعرض" بفتح الفوقية والعين والراءِ المشددة، وأصله: تتعرض، فحذفت إحدى التاءين. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: من حيث أنه إذا نهى عن الستر بما فيه التصاوير فعن لُبْسِهِ بالأولَى. 16 - بَابُ مَنْ صَلَّى فِي فَرُّوجِ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ (باب: من صلَّى في فَرُّوج حرير) بفتح الفاءِ، وتشديد الراءِ المضمومة، وتخفيفها، وبالجيم قباء فرُّوج أي: شقَّ من خلفه، وهو مضافٌ إلى حرير فلا يُنَوَّن، أو موصوفٌ به فينون، (ثُمَّ نزعه) ذكره تبعًا للحديث، وإلا فلا حاجة إليه في الترجمة. 375 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ، فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالكَارِهِ لَهُ، وَقَالَ: "لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ". [5801 - مسلم: 2075 - فتح: 1/ 484] (عن أبي الخير) اسمه: مرثد بفتح الميم والمثلثة اليزنيُّ. (أُهْدِيَ إلى النبيِّ) بالبناءِ للمفعول، واسم المُهْدِي: أكيدر بضمِّ الهمزة: ابن عبد الملك. (لا ينبغي هذا للمتقين) أي: عن الكفر: وهم المؤمنون، أو عن المعاصي كلِّها: وهم الصالحون، ولا يدخل في هذا الجمعِ النسوة؛ لأنه حلال لهنَّ، وعلى قولِ من قال: يدخلن؛ خرجن بدليل، ولبسه - صلى الله عليه وسلم - كان قبل التحريم، وليس ذلك من قبيل النسخ؛ لأن حِلَّه كان بالأصل، لا بالشرع. وفي الحديث: تحريم استعمال الحرير على الرجال، أي: إلا لحاجة، كحرب وجرَبٍ، وجواز قبول هدية المشرك للإمام؛ لمصلحة يراها.
17 - باب الصلاة في الثوب الأحمر
17 - بَابُ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الأَحْمَرِ 376 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلالًا أَخَذَ عَنَزَةً، فَرَكَزَهَا وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ العَنَزَةِ". [انظر: 187 - مسلم: 503 - فتح: 1/ 485] (باب: الصلاة في الثوب الأحمر) أي: جوازها فيه. (في قبة حمراء) أي: بالأبطح بمكة. (من أدم) بفتح الهمزة، والدال: جمع أديم: وهو الجلد، أو الجلد الأحمر، أو المدبوغ، واللائق هنا الثاني. (وضوء رسول الله) بفتح الواو على الأشهر، كما مرَّ. (يبتدرون ذلك الوضوء) أي: يتسارعون إليه تبركًا. (عنزة) بفتح العين والنون والزاي: أطول من العصا وأقصر من الرُّمح، وفيها سنان، كسنان الرُّمح (¬1). (في حُلَّةٍ) حالٌ، والحلة بضم الحاءِ: ثوبان: إزارٌ ورداءٌ، وقال ابن الأثير: ولا تُسَمَّى حُلَّة إلا أن تكون ثوبين من جنسٍ واحد، والحلل برود اليمن (¬2). (مشمّرًا) حالٌ أيضًا، وهو بكسر الميم الثانية المشددة، من التشمير: وهو الرفع، والمعنى: رفع الحُلَّةَ إلى أنصاف ساقيه. (صلَّى إلَى العنزةِ بالناسِ ركعتين) أي: صلاة الظهر. ¬
18 - باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب
وفي الحديث: جواز ضرب الخيام والقباب والتبرك بآثار الصالحين، وطهارة الماء المستعمل، ونصب علامة بين يدي المصلِّي، وخدمة السادات، وقصر الصلاة في السفر، والمرور وراء علامة المصلِّي. وجواز لبس الثياب الملونة للناس وللسيد الكبير، والزاهد في الدنيا. والحمرة أشهر الملونات وأجمل الزينة في الدنيا. 18 - بَابُ الصَّلاةِ فِي السُّطُوحِ وَالمِنْبَرِ وَالخَشَبِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجُمْدِ وَالقَنَاطِرِ، وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ" وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ: "عَلَى سَقْفِ المَسْجِدِ بِصَلاةِ الإِمَامِ" وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ: "عَلَى الثَّلْجِ". (باب: الصلاة) أي: جوازها. (في السطوح) المعروفة. (والمنبر) بكسر الميم، من نبرت الشيءَ، إذا رفعته (¬1). (والخشب) بفتحتين، وبضمتين، وعُدِّيَ (صلَّى) إلى المذكورات بـ (في) لمجيئها بمعنى: عَلى كما في: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] أو لتضمين (صلَّى) معنى استعلى (¬2). (قال أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (على الجمد) هو بفتح الجيم ¬
وسكون الميم: ما جمد من الماءِ من شدة البرد، سُمِّي بالمصدر مبالغة. (والقناطر) أي: الجسور المعروفة. (أو فوقها، أو أمامها) أي: بول. (إذا كان بينهما) أي: بين المصلَّى والبول، أو بين القناطر والبول، وهو قيد في أمامها وما قبله، وما قيل أنه قيد في أمامها فقط ممنوع. (على ظهر المسجد) في نسخة: "علي سقف المسجد". (على الثلج) بمثلثة: ما تراكم من الماء، فهو نظير الجمد، بل قال صاحب "المحكم" وغيره: الجمد: الثلج. 377 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ المِنْبَرُ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي، هُوَ مِنْ أَثْلِ الغَابَةِ عَمِلَهُ فُلانٌ مَوْلَى فُلانَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، كَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ، خَلْفَهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى المِنْبَرِ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ"، فَهَذَا شَأْنُهُ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ: "سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، قَالَ: فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بِهَذَا الحَدِيثِ، قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا كَثِيرًا فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ قَالَ: لَا". [448، 917، 2094، 2569 - مسلم: 544 - فتح: 1/ 486] (سفيان) أي: ابن عيينة. (أَبو حازم) بمهملة وزايٍ: سلمة بن دينار. (من الناس) في نسخة: "في الناس" وفي أخرى: "بالناس". (أثل الغابة) بفتح الهمزة، وسكون المثلثة: نوع من الطرفاء، و (الغابة)
بمعجمة وموحدة: موضع قرب المدينة (¬1) من العوالي. (عمل فلان) اسمه على الأشهر: باقوم بموحدة، وقاف، وميم الرومي مولى سعيد بن العاص. (مولى فلانة) اسمها: عائشة، وقيل: ميناء بميم مكسورة وتحتية ساكنة، وقيل: علاثة، وقيل: فكيهة بنت عبيد بن دليم. (وقام عليه) في نسخة: "ورقى عليه). (كَبَّرَ) جواب ما يقال ما عمل بعد استقباله؟ وفي نسخة: "وكبر" بواو العطف على (استقبل)، وفي أخرى: "فكبر" بالفاءِ. (القهقرى) مفعول مطلق بمعنى: الرجوع إلى الخلف، أي: رجع الرجوع الذي يعرف بذلك، فعل ذلك لئلَّا يُوَلِّيَ ظهره القبلة. (حتَّى سجد بالأرض) الباء بمعنى: على (¬2)، أو ضمن (سجد) معنى ألصق، أي: جبهته بالأرض. وفي الحديث: استحباب اتخاذ المنبر، وارتفاع الخطيب عليه، وجواز ارتفاع الإمام علي المأمومين، وأن ارتفاعه عليهم لغرض تعليمهم غير مكروه. وأن العمل اليسير غير مبطلٍ للصلاة، وكان المنبرُ ثلاث مراقٍ، فلعله إنما قام علي الثانية منها، فليس في كلِّ من نزوله وصعوده إلا خطوتان. (قال) في نسخة: "وقال". (أَبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (قال عليُّ بن عبد الله) في نسخة: "قال عليٌّ بنُ المدينيِّ". (قال) أي: أحمد بن ¬
حنبل، وفي نسخة: "فقال". (فإنما) في نسخة: "وإنما". (أردتُ) أي: بسؤالي. (أن النبيَّ .. إلخ). (فلا) في نسخة: "ولا". (بهذا الحديث) أي: بدلالته. (قال) أي: عليُّ بنُ المدينيِّ. (فقلت) أي: لأحمد بن حنبل. (إن سفيان) في نسخة: "فإن سفيان" (بن عيينة كان يسأل) بالبناءِ للمفعول. (فلم) أي: أفلم. (تسمعه منه؟ قال: لا.) صريح في أن أحمد بن حنبل لم يسمع هذا الحديث من ابن عيينة، وقوله: (قال أَبو عبد الله إلى هنا) ساقط من نسخة. 378 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّويلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ فَجُحِشَتْ سَاقُهُ - أَوْ كَتِفُهُ - وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا" وَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا، فَقَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ". [689، 732، 733، 805، 1114، 1911، 2469، 5201، 5289، 6684 - مسلم: 411 - فتح: 1/ 487] (فجحشت) بضمِّ الجيم، وكسر المهملة، أي: خدشت، والخدش: شقُّ الجلد. (أو كتفه) شكٌّ من الراوي، وفي نسخة: "وكتفه" بواو، وفي أخرى: بدل (فجحشت .. إلخ) "فجحش شقه الأيمن" وهي أولى. (وآلى) أي: حلف، لا الإيلاء المحرم المذكور في آية {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [البقرة: 226]. (في مشربة) بفتح الميم وسكون المعجمة وضمِّ الراءِ، أي: غرفة. (من جذوع) في نسخة: "من جذوع النخل". (وهم قيام) حال،
19 - باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد
وقيام: جمع قائم، أو مصدر بمعنى اسم الفاعل. (ليؤتمَّ به) أي: ليقتدي به وتتبع أفعاله. (وإن) في نسخة: "وإذا". (صلَّى قائمًا) مفهومه: وإن صلَّى قاعدًا فصلُّوا قعودًا، وهو محمولٌ على ما إذا كانوا عاجزين عن القيام كالإمام. أو أنه نسخ بصلاتهم في آخر عمره خلفه قيامًا وهو قاعدٌ. (إن الشهر) أي: المحلوف عليه. (تسع وعشرون) أو أن الشهر في ذاته قد يكون تسعًا وعشرين، كما يكون ثلاثين، ووجه مطابقة صلاته في المشربة للترجمة: أن المشربة بمنزلة السطح لما تحتها. وفي الحديث: جواز الحلف على البعد من النساءِ، وعيادةُ نحو من خُدش، والصلاة جالسًا للعجز، ووجوب متابعة الإمام. 19 - بَابُ إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ المُصَلِّي امْرَأَتَهُ إِذَا سَجَدَ (باب: إذا أصاب ثوب المصلِّي أمرأته إذا سجد) جواب (إذا) الأولى محذوف، أي: هل تفسد صلاته أو لا؟ و (إذا) الثانية ظرفية محضة متعلقة بأصاب. 379 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ، قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الخُمْرَةِ". [انظر: 333 - مسلم: 513 - فتح: 1/ 488] (عن عبد الله بن شداد) هو ابن الهاد، ولفظ: (ابن شداد) ساقط من نسخة. (حذاءه) بكسر المهملة وبذال معجمة، وبالنصب على الظرفية. (وأنا نائمة إزاءه) وفي نسخة: "حذاؤه" بالرفع على الخبرية. (وأنا
20 - باب الصلاة على الحصير
حائضٌ) هو وما قبله حالان مترادفتان، أو متداخلتان. (على الخمرة) هو بضمِّ المعجمة: سجادة صغيرة (¬1) من سَعَفٍ، ترمل بخيوط، سميت خمرة؛ لأنها تستر وجه المصلِّي على الأرض، كتسمية الخِمَار لسترة الرأس، والجمع: خُمُر. وفي الحديث: أن بدن الحائض وثوبها طاهران وأن الصلاة لا تبطل بمحاذاة المرأة. 20 - بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الحَصِيرِ (¬2) وَصَلَّى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ: "فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا" وَقَالَ الحَسَنُ: "قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَهَا وَإِلَّا فَقَاعِدًا". (باب: الصلاة على الحصير) أي: حكم الصلاة على الحصير: وهي ما يتخذ من سعف النخل وشبهه قدر طول الرجل، أو أكبر. (وصلَّى جابر) في نسخة: "جابر بن عبد الله". (في السفينة قائمًا) كلٌّ منهما متعلِّقٌ بجابر وأبي سعيد، وفي نسخة: "قيامًا". (وقال ¬
الحسن: تصلِّي قائمًا ما لم تشقّ على أصحابك، تدور معها) أي: مع السفينة، والضمائر في المذكورات للمخاطب، وفي نسخة: للغائب. ولفظ: (تصلي) ساقط من أخرى، وجملة: (تدور) حالٌ. ووجه ذكر الصلاة في السفينة في باب: الصلاة على الحصير: اشتراكهما في أن الصلاة عليهما، صلاة على غير الأرض، وفي دفع ما يتوهم من خبر أبي داود وغيره "ترب وجهك" أن مباشرة الأرض شرط. 380 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ" قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفَفْتُ وَاليَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. [727، 860، 871، 874، 1164 - مسلم: 658 - فتح: 1/ 488] (عبد الله) أي: التنيسيُّ. (عن إسحق بن عبد الله) لفظ: (ابن عبد الله) ساقط من نسخة. (أن جَدَّتُه) أي: جدة إسحق لأبيه، وقيل: جدة أنس. (مليكة) بالتصغير: بنت مالك بن عدي، وهي والدة أمِّ أنس؛ لأن أمه أمُّ سليم، وأمها: مليكة. (فلأصلِّيَ) روي بستة أوجه: بياءٍ مفتوحة ولام مكسورة على أنها لام كي، والفعل منصوب بأن مضمرة (¬1)، واللام متعلِّقَةٌ بقوموا، والفاء زائدة، على رأي الأخفش، وما بعدها خبر مبتدإٍ محذوف، أي: ¬
قيامكم لأن أصلِّيَ لكم، وبذلك أيضًا لكن بياءٍ ساكنة تخفيفًا، وبحذف الياءِ على أن اللام لام الأمر، وبحذف اللام خبر مبتدإٍ محذوف أي: فأنا أصلِّي، وبنون بدل الهمزة، وحذف الياءِ على أن اللام لام الأمر، وبفتح اللام على أنها لام الابتداء، أو جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن قمتم، فوالله لأُصَليَ لكم (¬1). (لكم) أي: لأجلكم، والأمر بالصلاة، قال السهيليُّ: بمعنى الخبر، كقوله: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم: 75] أو هو أمر لهم بالائتمام، لكنه أضافه إلى نفسه؛ لارتباط تعليمهم بفعله. (لُبِسَ) أي: استُعمل. (فنضحته) أي: رششته بالماءِ لتليينه، أو تنظيفه، أو تبريده. (فصففتُ أنا واليتيم) برفع (اليتيم) ونصبه (¬2)، ولفظ (أنا) ساقط من نسخة جريًا على مذهب الكوفيين في جواز العطف على الضمير المستكن. (والعجوز) أي: أمُّ سليم. (فصلَّى لنا) أي: لأجلنا. (ثُمَّ انصرف) أي: من الصلاة، أو من بيتهم. وفي الحديث: إجابة الداعي، ولو لغير وليمة عرسٍ، والأكل من طعامها. وصلاة الجماعة في النفل وفي البيوت، وفي بيت الداعي، وتبركه بها، وتنظيف مكان المصلَّى وتبريده، وقيام الطفل مع الرجل في صفٍّ، وصحة صلاة المميز، وتأخير النساء، وأنها تقف وحدها، إذا لم يكن ثَمَّ امرأة أخرى، وأن الأفضل في نافلة النهار ركعتان، كالليل. ¬
21 - باب الصلاة على الخمرة
21 - بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الخُمْرَةِ (باب: الصلاة على الخمرة) بضمِّ الخاء، كما مرَّ مع بيان معناها. 381 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ، قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الخُمْرَةِ". [انظر: 333 - مسلم: 513 - فتح: 1/ 491] (كان النبيُّ) في نسخة: "كان رسول الله". (يصلِّي على الخمرة) تقدم آنفًا، وإنما أعاده هنا؛ لأنه رواه ثَمَّ عن مسدد مطولًا، وهنا عن أبي الوليد مختصرًا. 22 - بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الفِرَاشِ وَصَلَّى أَنَسٌ "عَلَى فِرَاشِهِ" وَقَالَ أَنَسٌ: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْجُدُ أَحَدُنَا عَلَى ثَوْبِهِ". [انظر: 385] (باب: الصلاة على الفراش) أي: على ما يفرش من ثوب، أو غيره. (وقال أنس) لفظ (أنس) ساقط من نسخة. (فيسجد أحدنا) أي: بعضُنا. (على ثوبه) أي: المنفصل عنه، أو المتصل الذي لا يتحرك بحركته، ومنهم من أجرى الحديث على ظاهره. 382 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلايَ، فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا"، قَالَتْ: وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [383، 384، 508، 511، 512، 513، 514 , 515، 519، 997، 1209، 6276 - مسلم: 512، 744 - فتح: 1/ 491]
(إسماعيل) أي: ابن عبد الله بن أويس المدنيُّ. (عن أبي النضر) بفتح النون وسكون المعجمة، واسمه: سالم. (غمزني) أي: بيده مع حائل. (رجْلَيَّ) بفتح اللام وتشديد الياءِ بالتثنية، وفي نسخة: "رجلِي" بكسر اللام، وتخفيف الياءِ بالإفراد. (بسطتهما) في نسخة: "بسطتها". (قالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح) قالته؛ اعتذارًا عن نومها على تلك الهيئة؛ إذ لو كان ثَمَّ مصابيح لقبضت رجليها عند إرادة السجود، ولَما احتيج إلى الغمز، وأرادت باليوم الوقت. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: قرينة قولها: (أنام) بمساعدة سياق الحديث. 383 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ اعْتِرَاضَ الجَنَازَةِ". [انظر: 382 - مسلم: 512، 744 - فتح: 1/ 492] (عن عُقيل) بضمِّ العين، أي: ابن خالد بن عَقيل بفتحها، وفي نسخة: "حدثني عقيل". (اعتراض الجنازة) بفتح الجيم وكسرها، أي: معترضة أعتراضًا كاعتراض الجنازة، وفيه لفٌّ ونشرٌ مرتبٌ، إذ (على الفراش) متعلقٌ بـ (يصلي)، و (اعتراض) بمعترضة المقدر. 384 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِرَاكٍ، عَنْ عُرْوَةَ، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى الفِرَاشِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ". [انظر: 382 - مسلم: 512، 744 - فتح: 1/ 492] (عن يزيد) أي: ابن أبي حبيب. (عن عراك) بكسر العين، أي: ابن مالك.
23 - باب السجود على الثوب في شدة الحر
(على الفراش الذي ينامان عليه) مقيدٌ لما مرَّ. وفي الأحاديث المذكورة: أن الصلاة إلى النائم لا تكره، وأن المرأة لا تُبطل صلاة من صلَّى إليها، وأن العملَ اليسير في الصلاة غير قادح. 23 - بَابُ السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ وَقَالَ الحَسَنُ: "كَانَ القَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى العِمَامَةِ وَالقَلَنْسُوَةِ وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ". (باب: السجود على الثوب في شدة الحر) أي: أو البرد. (وقال الحسن) أي: البصري. (كان القوم) أي: الصحابة. (على العمامة) بكسر العين. (والقلنسوة) بفتح القافِ والَّلام، وإسكان النون، وضمّ المهملة، وفتح الواو، ويقال: قلنسية بكسر السين، وبياءٍ بدل الواو: وهي من ملابس الرأس، كالبرنس: الذي يغطي به العمائم من الشمس والمطر. (ويداه في كُمّه) أي: ويدا كل منهم في كُمِّهِ، وفي نسخة: "ويديه" أي: ويجعل كل منهم يديه في كمِّه (¬1)، وما ذكر دليلٌ لمن جوز السجود على ساتر من عمامة أو نحوها، والشافعيُّ منع ذلك؛ لخبر الصحيحين: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم (¬2) وقياسًا على عدم أجزاء المسح على الساتر؛ ولأن القصد من السجود التذلُّلُ، وتمامه بكشف الجبهة، لا يقال: كما يجوز السجود على بقية الأعضاءِ بساتر ¬
24 - باب الصلاة في النعال
يجوز على الجبهة كذلك؛ لأنَّا نقول جوازه في بقية الأعضاء ثابت بالإجماع مع أن ذلك معارَض بخبر. "ترب وَجْهَكَ" (¬1). 385 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَالِبٌ القَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ". [542، 1208 - مسلم: 620 - فتح: 1/ 492] (غالب) بمعجمة، أي: ابن خُطَّاف بضم المعجمة وفتحها، وتشديد الطاء. (فيضع أحدنا) أي: بعضنا. (طرف الثوب) أي: المنفصل عنه، أو المتصل الذي لا يتحرك بحركته. 24 - بَابُ الصَّلاةِ فِي النِّعَالِ (باب: الصلاة في النِّعال) أي: عليها، أو بها (¬2)؛ لتعذر الظرفية إن جعلت (في) متعلِّقَةً بـ (الصلاةِ)، فإن جعلت متعلقة بمحذوف صَحَّتِ الظرفية بأن يقال: باب الصلاة والأرجل في النِّعالِ، أي: مستقرة فيها. 386 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الأَزْدِيُّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". [5850 - مسلم 555 - فتح: 1/ 494] ¬
25 - باب الصلاة في الخفاف
(حدثنا آدم بن أبي إياس) لفظ: (ابن أبي إياس) ساقط من نسخة. (أخبرنا أبو مسلمة) في نسخة: "حدثنا أبو مسلمة". (يُصَلِّي في نعليه) فيه ما مرَّ في الترجمة. (قال: نعم) محمول على ما إذا لم يكن في النعلين نجاسة غير معفو عنها. 25 - بَابُ الصَّلاةِ فِي الخِفَافِ (باب: الصلاة في الخفاف) في قوله: (في الخفاف) ما مرَّ (في النعال) السابق في الباب السابق. 387 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ، يُحَدِّثُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ "بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى" فَسُئِلَ، فَقَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا" قَالَ إِبْرَاهِيمُ: "فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ لِأَنَّ جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أَسْلَمَ". [مسلم: 272 - فتح: 1/ 494] (إبراهيم) أي: النخعي. (فَسُئل) بالبناءِ للمفعولِ، أي: فسئل جريرٌ عن المسح على الخفين، والصلاة فيهما، والسائلُ له: همّام، كما في الطبراني (¬1)، لكنه أبهم نفسه؛ لغرض (مثل هذا)، أي: مثل المسح على الخفين، والصلاة فيهما. (فكان) أي: الحديث. (يعجبهم) أي: القوم. (لأن جريرًا كان من آخر من أسلم) لفظ: (كان) ساقط من نسخة، وفي مسلم (¬2): لأن إسلام ¬
26 - باب إذا لم يتم السجود
جرير كان بعد نزول المائدة، ووجه الإعجاب: بقاءُ الحكم في المسح، والصلاة به، فلا نَسْخَ بآية المائدة كما زعمه بعضهم. 388 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: "وَضَّأْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى". [انظر: 182 - مسلم: 274 - فتح: 1/ 495] (إسحاق بن نصر) بصاد مهملة نسبة إلى جدِّه، لشهرته به، وإلَّا فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن مسلم) هو ابن صبيح، بضمِّ الصاد، أو هو البطين، وكلٌّ منهما يروي عن مسروق، والأعمش يروي عن كل منهما. (عن مسروق) أي: ابن الأجدع. (وضَّأتُ النبيَّ) في نسخة: "وضأت رسول الله". 26 - بَابُ إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ 389 - أَخْبَرَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: "مَا صَلَّيْتَ؟ " قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: "لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [791 ,808 فتح: 1/ 495] (باب: إذا لم يُتم السجود) جواب (إذا) محذوف، أي: لم تصح صلاته. (الصلتُ بن محمد) أي: الخاركيُّ بخاءٍ معجمة وراء وكاف؛ نسبة إلى خارك من سواحل البصرة (¬1). (مهديُّ) أي: ابن ميمون الأزديُّ. ¬
27 - باب يبدي ضبعيه ويجافي في السجود
(رأى رجلًا) لم يُسَمّ. (فلما قضى صلاته) أي: فعلها. إما صليت) نفى عنه الصلاة؛ لأنَّ الكلَّ ينتفي بانتفاءِ الجزء، فانتفاء إتمام الركوع أو السجود، يستلزم آنتفاء الركوع أو السجود المستلزم لانتفاء الصلاة. (قال) أي: أبو وائل. (وأحسبه) أي: حذيفة. (قال) أي: للرجل. (لو مُت) بضمِّ الميم، من مات يموت، وبكسرها من مات يمات. (سنة محمد) أي: طريقته الشاملة للفرض والنفل. 27 - بَابُ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ (باب) من السنة. (يُبدي) أي: يظهر. (ضبعيه) تثنية ضبع بسكون الباءِ. وسط العضد، أو ما تحت الإبط، أي: لا يلصق عضديه بجنبيه في السجود. (ويجافي) أي: ويباعد عضديه في السجود، فقوله: "في السجود" تنازعه (يبدي) (ويجافي)، وليست المفاعلة في يجافي) على بابها، كما في قوله تعالى: {وَسَارِعُوا} [آل عمران: من الآية 133] بمعنى: أسرعوا. 390 - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ" وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ نَحْوَهُ. [807، 3564 - مسلم: 495 - فتح: 1/ 496] (حدثنا بكر) في نسخة: "أخبرنا بكر". (مضر) بضم الميم، وفتح المعجمة، غير منصرف؛ للعلمية والعدل كعمر، قيل: أو للعجمة أي: مع العلمية، وتُعُقِّب بأنه لفظٌ عربيٌّ خالصٌ، واستشهد المتعقب بكلام في اللغة، وقد رأيته في كلام الجوهري وغيره (¬1). (عن جعفر) أي: ¬
28 - أبواب استقبال القبلة
المصري، وفي نسخة: (عن جعفر بن ربيعة). (عن عبد الله بن مالك بن بحينة) هي أمُّ عبد الله، لا أمُّ مالكُّ، فهي صفة لعبد الله، لا لمالك، فتحذف ألف (ابن) من الأول [خطًّا (¬1)]؛ لوقوعه بين علمين بلا فاصل بينهما، وتثبت في الثاني؛ لوجود الفاصل، و (مالك) منون. (كان إذا صلَّى) أي: سجد، فهو من إطلاق الكل على الجزء. (فرج) بالتخفيف والتشديد، أي: فتح (بين يديه)، أي: بين جنبيه، والمعنى: فرج يديه عن جنبيه، كما في رواية، وحكمته: أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، وهذا في حق الرجل، أما المرأة فتضم بعضها إلى بعض؛ لأنه أستر لها وأحوط، ومثلها الخنثى. (بياض إبطيه) في نسخة: "بياض إبطه" والإبط يذكر ويؤنث، والمراد: بياضه إن لم يكن ساتر، وبياض ساتره إن كان. (وقال الليث) عطفٌ على (حدثنا بكر). (نحوه) أي: نحو حديث بكر، وعبر بـ (نحوه) لأنه رواه بالتحديث، وبكر بالعنعنة. 28 - أَبْوَابُ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 828] (باب: فضل استقبال القبلة) أي: على غيرها. (يستقبل) أي: المصلِّي. (بأطراف رجليه) أي: برءوس أصابعهما، وفي نسخة: "يستقبل القبلة بأطراف رجليه". (قال) أي: ¬
"قاله" كما في نسخة. (أبو حميد) اسمه على المشهور: عبد الرحمن بن سعيد الساعدي. (عن النبيِّ) تعليق قطعه أبو حميد من حديث طويل يأتي موصولًا من حديثه وقوله. (يستقبل القبلة .. إلخ) ساقط من نسخة. 391 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ المَهْدِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ". [392 , 393 - فتح: 1/ 496] (ابن المهديِّ) بفتح الميم، واسمه: حسان البصري، وفي نسخة: "ابن مهدي". (سياه) بكسر المهملة، وبتحتية وهاء، مصروف، وقيل: ممنوع من الصرف؛ للعلمية والعجمة، ورد: بأنه غير علمٍ في العجمِ، ومعناه: الأسود. (صلَّى صلاتنا) أي: كصلاتنا، المتضمنة للإقرار بالشهادتين. (واستقبل قبلتنا) أفرده بالذكر مع دخوله فيما قبله؛ تعظيمًا لشأن القبلة. (وأكل ذبيحتنا) أي: مذبوحنا، وألحقه التاء، وإن كان فعيل بمعنى: مفعول يستوي فيه المُذكَّر والمؤنث؛ لغلبة الاسمية عليه؛ ولأن استواء الأمرين فيه إنما هو عند ذكر الموصوف. (فذلك) مبتدأ خبره (المسلم) أو (الذي له ذمة الله)، ويكون (المسلم) صفة للمبتدأ، والذمة بكسر المعجقة: الأمان، أو العهد، أو الزمام: وهو الحرمة. (وذمة رسوله) في نسخة: "وذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". (فلا تخفروا) بضمِّ الفوقية، وسكون المعجمة، وكسر الفاءِ، أي: لا تخونوا؛ إذ معنى أخفر: خان، بخلاف خفره، فإن معناه: حمى. (الله) اكتفى بذكره عن ذكر رسوله؛ للزومه له مع تصريحه به قبل. (في ذمته) أي: ذمة الله، أو ذمة المسلم.
وفي الحديث: اشترط استقبال عين القبلة لصلاة القادر، وأن من أظهر شعائر الدين، وتشكل بشمائل أهله، أجري عليه أحكامهم ولم يكشف عن باطن أمره، كغريب عليه زيُ المسلمين يحمل على أنه مسلم حتى يظهر خلافه. 392 - حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّويلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، إلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ". [انظر: 391 - فتح: 1/ 497] (حدثنا نعيم) أي: "ابن حماد"، كما في نسخة، الخزاعيُّ، وفي نسخة: "وحدثنا نعيم". (قال: حدثنا ابن المبارك) اسمه عبد الله، وفي نسخة: "قال ابن المبارك" وفي أخرى: "وقال ابن المبارك" فيكون البخاريُّ علقه عنه. (أن أقاتل الناس) أي: المشركين. (حتَّى يقولوا لا إله إلا الله) أي: مع محمد رسول الله. (وذبحوا ذبيحتنا) أي: ذبحوا مذبوحهم مثل مذبوحنا، وفي إلحاقه التاء للذبيح الذي هو بمعنى المفعول ما مرَّ آنفًا. (حرمت) بفتحِ الحاءِ، وضم الراءِ، وبضم الحاءِ وتشديد الراءِ المكسورة. (وحسابهم على الله) هو على سبيل التشبيه أي: كالواجب على الله في تحقيق الوقوع، وإلا فلا يجب على الله شيءٌ، وكأن الأصل فيه أن يقال: وحسابهم لله، أو إلى الله. 393 - قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ، أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا يُحَرِّمُ دَمَ العَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: "مَنْ
29 - باب قبلة أهل المدينة وأهل الشأم والمشرق
شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهُوَ المُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى المُسْلِمِ". [انظر: 391 - فتح: 1/ 497] (وقال ابن أبي مريم) اسمه: سعيد بن الحكم المصريُّ. (يحيى) أي: ابن أيوب. (حدثنا حميد) أي: الطويل، وفي نسخة: "وقال محمد أي: البخاريُ. قال ابن أبي مريم: حدثني حميد". (علي بن عبد الله) أي: المديني. (قال: يا أبا حمزة) هو كنية أنس، ولفظ: (قال) ساقط من نسخة، وفي أخرى: "فقال: يا أبا حمزة". (وما يحرم) عطفٌ على مقدر، أي: سأله عن شيءٍ وعن ما يحرم، وفي نسخة: "ما يحرم" بلا عاطف. ووجه مطابقة جواب أنس للسؤال عن سبب التحريم ما تضمنه قوله: (من شهد .. إلخ) من شهادة أن لا إله إلا الله، وما عطف عليها. 29 - بَابُ قِبْلَةِ أَهْلِ المَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّأْمِ وَالمَشْرِقِ لَيْسَ فِي المَشْرِقِ وَلَا فِي المَغْرِبِ قِبْلَةٌ" لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا". (باب: قبلة أهل المدينة، وأهل الشام، وقبلة المشرق) أي: والمغرب، وخص المشرق بالذكر؛ لأن أكثر بلادِ الإسلام في جهته، والمراد بالمشرق: مشرق الأرض كلِّها: المدينة والشام وغيرهما، فعطف قبلة المشرق على قبلة أهل المدينة والشام من عطف العام على الخاص، وفي نسخة: "والمشرق" بإسقاط قبلة، وفي أخرى: "وأهل" بدل (وقبلة). (ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة) أراد بهما المصدر، أي: ليس في التشريق والتغريب في المدينة والشام وغيرهما مما هو على
سمتهما قبلة، والجملة استئنافية جواب ما يقال: كيف قبلة المذكورين فأجاب بذلك، يعني: ليسوا عند انحرافهم للتشريق والتغريب متوجهين للقبلة، ولا مستدبرين لها، وإنما أُوِّلَ بذلك؛ لأن ظاهره غير مراد قطعًا. القولِ النبيِّ .. إلخ) محمول على الصحراءِ، كما مر بيانه في كتاب: الوضوءِ (¬1). 394 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا" قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: "فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى"، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ. [انظر: 144 - مسلم: 264 - فتح: 1/ 498] (سفيان) أي: ابن عيينة. (عن عطاء بن يزيد) زاد في نسخة: "الليثي". (ولكن شرقوا أو غربوا) مخصوصٌ بأهل المدينة؛ لأنهم المخاطبون، ومثلهم من هو على سمت المدينة ممن إذا استقبل المشرق، أو المغرب لم يستقبل القبلة، ولم يستدبرها. (وعن الزهريّ) أي: بالإسناد المذكورِ.؟ (عن عطاء قال: سمعتُ أبا أيوبَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلهُ) أي: مثل الحديث السابق. وحاصل ذلك أنَّ سفيان حدَّث به عليًّا مرتين: مرَّةً صرَّح بتحديث الزهريِّ له، وفيه عنعنة عطاء، ومرةً أتى بالعنعنة عن الزهريّ، وبتصريح عطاء بالسماع، وهذا فائدة إعادة السَّند. ¬
30 - باب قول الله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125]
30 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] (باب: قول الله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: من الآية 125] أي: موضع صلاة، أو دعاء. (سفيان) أي: ابن عيينة. 395 - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ العُمْرَةَ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ"، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. [1623، 1627، 1645، 1647، 1793 - مسلم: 1234 - فتح: 1/ 491] (عن رجلٍ) لم يُسَمّ. (العمرة) بالنصبِ أي: طواف العمرة. (ولم يطف) أي: ولم يَسْعَ. (أيأتي امرأته؟) أي: أحل من إحرامِه حتى يجوز له أن يجامعَ. (أسوة) بضم الهمزةِ، وكسرها، أي: قدوة. 396 - وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: "لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ". [1624، 1646، 1714 - فتح: 1/ 499] (لا يقربنَّها) أي: امرأته. 397 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سَيْفٍ يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الكَعْبَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَرَجَ وَأَجِدُ بِلالًا قَائِمًا بَيْنَ البَابَيْنِ، فَسَأَلْتُ بِلالًا، فَقُلْتُ: أَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الكَعْبَةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، رَكْعَتَيْنِ، بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ". [468، 504، 505، 506، 1167، 1598، 1599، 2988، 4289، 4400 - مسلم: 1329 - فتح: 1/ 500] (عن سيف) زاد في نسخة: "يعني: ابن أبي سليمان".
(وأجد) عُدِّل إلى المضارع بعد تعبيره بالماضي (¬1). (فأقبلت) حكايةً للحالِ الماضيةِ، واستحضارًا لتلك الصورة. (بين البابين) أي: مصراعي البابِ؛ إذ الكعبة لم يكن لها حينئذٍ إلا بابٌ واحدٌ، أو أُطلق ذلك باعتبار ما كان من البابين لها في زمن إبراهيم عليه الصلاةُ والسلام، وأنه كان في زمان روايةِ الراوي لها بابان؛ لأنَّ ابن الزبير جعل لها بابين، وفي نسخةِ بدل (البابين) "الناس" ذكر ذلك الكرمانيُّ (¬2). (أَصلَّى؟) في نسخةٍ: "صلَّى" بحذف همزة الآستفهام. (النبيُّ) في نسخةٍ: "رسول الله". (بين الساريتين) أي: الإسطوانتين. (على يساره) أي: الداخل، أو البيت، أو هو من الالتفات، وإلا فالمناسب لقوله: (دخلت) "يسارك"، كما في نسخةٍ. (في وجه الكعبة) أي: في مواجهةِ بابها، وهو مقامُ إبراهيم، وبه تحصل مطابقةُ الترجمة، ويُحتمل أن يكون المعنى: في جهة الكعبة، فيكون من جهة الباب. وفي الحديث: جوازُ الصلاةِ داخل الكعبة، قال النووي: أجمع أهلُ الحديث على الأخذِ برواية بلالٍ؛ لأنَّه مثبتٌ، ومع زيادةِ علم، فوجب ترجيحُ روايته على النافي، كأسامة؛ وسبب نفيه: اشتغاله بالدعاء في ناحيةٍ من نواحي البيت، غير التي كان فيها الرسولُ، وكان بلالُ قريبَا منه، فخفي على أسامةَ؛ لبعده، وجاز له النفيُ عملًا بظنه، أو أنّه - عليه السلام - دخل البيتَ مرتين: مرة صلَّى، مَّرةً دعا ولم يصل (¬3). ¬
31 - باب التوجه نحو القبلة حيث كان
398 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الكَعْبَةِ، وَقَالَ: "هَذِهِ القِبْلَةُ". [1601، 3351، 3352، 4288 - مسلم: 1331 - فتح: 1/ 501] (أخبرنا ابن جُريج) في نسخة: "حدثنا ابن جُريج" ونسبه إلى جدِّه؛ لشهرته به، وإلِّا فهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج. (ولم يصلّ) أي: في البيت، الراوي له ابن عباس، وهو من جملة النافين، ولم يثبت أنَّه دخل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة، فهو مرسل صحابي، وبتقدير: أنَّه دخل، فروايةُ بلال أرجح؛ لما مرَّ آنفًا. (فلما خرج ركع) أي: صلَّى. (في قبل الكعبة) بضم القاف، والموحدة، ويجوزُ إسكانُها أي: ما استقبلك منها، والمرادُ منه: مقام إبراهيم. (هذه) أي: الكعبة هي القبلةُ التي استقر الأمر على استقبالها لا كل الحرم، ولا مكة، ولا المسجد حول الكعبةِ. 31 - بَابُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ القِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَكَبِّرْ". [757] (باب: التوجه في) الصلاة (نحو القبلة) أي: إلى جهتها. (حيث كان) أي: المصلِّي، أي: وجد. (قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: استقبل القبلةَ وكبَّر) بكسر الباء على صيغة الأمر فيها، وفي نسخة: "قام النبيُّ استقبل، فكبَّر" بميم بدل اللَّام، وبفتح الباء على صيغة الماضي في الفعلين، وبالفاء بدل الواو.
399 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144]، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ"، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ، وَهُمُ اليَهُودُ: {مَا وَلَّاهُمْ} [البقرة: 142] عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلاةِ العَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَتَحَرَّفَ القَوْمُ، حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ. [انظر: 40 - مسلم: 525 - فتح: 1/ 502] (عبد الله بن رجاء) أي: الغُداني بضم المعجمة. (إسرائيل) أي: ابن يونس بن أبي إسحاق. (عن أبي إسحاق) أي: عمرو بن عبد الله السبيعي جد إسرائيل. (كان رسول الله) في نسخة: "كان النبيُّ". (صلَّى) أي: بالمدينة. (نحو بيت المقدس) أي: جهته. (أو سبعة عشر شهرًا) الشك من البراء، وقال بعضهم بالأول، وبعضهم بالثاني، وجمع بينهما بأن من قال بالأول: أخذ من شهر القدوم، وشهر التحويل شهرًا، وألغى الأيام الزائدة فيه، ومن قال بالثاني: عدهما معًا، ومن شكَّ تردد فيهما، وذلك أن شهر القدوم ربيع الأول، وشهر التحويل رجب، وكان في نصفه في السنة الثانية على الصحيح، وفيه روايات أخر، ففي واحدة: "ثمانية عشر شهرًا" (¬1)، وفي أخرى: "ثلاثة عشر شهرًا " (¬2)، وفي أخرى: "سنتان". ¬
(أن يوجه) بالبناءِ للمفعول أي: يؤمر بالتوجه عن قبلتهم التي كانوا عليها، هي بيت المقدس. {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة: 142]، أي: الجهات كلها، فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء لا اعتراض عليه. {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)} [البقرة: 142] هو دين الإسلام. (فصلَّى مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - رجل) اسمه: عباد بن بشر أو عباد بن نهيك، وفي نسخة: بدل (رجل) "رجال". (في صلاة العصر نحو بيت المقدس). في نسخة: "في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس" وفي رواية: "في صلاة الصبح" ولا تعارض بين الروايتين؛ لأن الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون في المدينة صلاة العصر، ثم وصل إلى أهل قباء في صبح اليوم الثاني. (فقال) أي: الرجل. (هو يشهد) الأصل: إني أشهد، لكن عبر عن نفسه بذلك، على طريق التجريد أو الالتفات، أو نقل الراوي كلامه بالمعنى. (وأنه) أي: النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي الحديث: قبول خبر الواحد، وجواز النسخ ووقوعه، وأنه لا يثبت في حقّ المكلف حتَّى يبلغه، وجواز الصلاة إلى جهتين بشرطه. 400 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ فَإِذَا أَرَادَ الفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ". [1094، 1099، 1217، 4140 - مسلم: 540، فتح: 1/ 503] ¬
(مسلم) في نسخة: "مسلم بن إبراهيم". (هشام) في نسخة: "هشام بن عبد الله" أي: الدستوائي. (عن جابر) في نسخة: "عن جابر بن عبد الله". (يُصَلِّي) أي: النفل. (على راحلته) هي الناقة التي تصلح لأن ترحل، والمراد بها هنا: الحمار، كما في رواية مسلم وغيره (¬1). (حيث توجهت) أي: الراحلة، زاد في نسخة: "به" والمراد بتوجهها: توجه صاحبها؛ لأن توجهها تابع لتوجهه. 401 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ - فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ"، قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: "إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ". [404، 1226، 6671، 7249 - مسلم: 572 - فتح: 1/ 503] (عثمان) أي: ابن أبي شيبة. (عن منصور) أي: ابن المعتمر. (عن إبراهيم) أي: ابن يزيد النخعي. (قال: قال عبد الله) أي: ابن مسعود، وفي نسخة: "عن عبد الله". (صلَّى النبيُّ) هذه الصلاة، قيل: الظهر، وقيل: العصر، وكلٌّ منهما رواه الطبرانيُّ (¬2). (زاد) أي: النبيُّ، في نسخة: "أزاد؟ " بهمزة ¬
الاستفهام. (أحدث في الصلاة شيءٌ؟) أي: وحيٌ يوجب تغييرها بزيادة أو نقص. (كذا وكذا) كناية عما حدث من زيادة أو نقص. (فثنى) بالتخفيف من الثني، وهو العطف، أي: عطف. (رجله) وفي نسخة: "رجليه" بالتثنية، أي: جلس كجلوس التشهد. (وسجد سجدتين) لم يكن سجوده عملًا بقولهم؛ لأن المصلّي لا يرجع إلى قول غيره، بل لما سألهم بقوله: (وما ذاك؟)، تذكر فسجد، أَوْ أنَّ قول السائل: (أحدث؟) أورثه شكًّا فسجد للشك لا لمجرد إخبارهم. (لنبأتكم) أي: أخبرتكم. (به) أي: بالحادث، وهو ثاني مفاعيل (نبأ) والثالث محذوف (¬1)، وقول الكرماني: إن الثاني والثالث محذوفان، ومن خصائصهما أنهما لا يتفارقان حذفًا وإثباتًا (¬2)، مردود. وفي الحديث أنه كان يجب عليه تبليغ الأحكام إلى الأمة. (إنما أنا بشرٌ مثلكم) أي: بالنسبة إلى الإطلاع على بواطن المخاطبين لا بالنسبة إلى كل شيء فإن له - صلى الله عليه وسلم - أوصافًا أُخَرَ كثيرة. (أَنْسى) بفتح الهمزة، وتخفيف المهملة، وقيل: بضمِّ الهمزة، وتشديد المهملة، قال الزركشي: وهو لا يناسب التشبيه، والنسيانُ لغةً: خلاف الذكر والحفظ، واصطلاحًا: غفلة القلب عن الشيءِ. (فذكروني) أي: في الصلاة بالتسبيح. (فليتحر) أي: فليجتهد بأن يقصد. (الصواب) أي: يأخذ باليقين، وهو البناءُ على الأقل. (فليتم عليه) أي: على ما تيقنه. (ثم ليسلم) أي: وجوبًا فيهما. (ثُمَّ يسجد) ¬
أي: للسهو ندبًا، سواءٌ كان بزيادة أو نقص، أم بهما. (سجدتين) وفي نسخة: "ثُمَّ يسلم" بغير لام الأمر، وفي أخرى: "ثُمَّ ليسجد". وما قيل: إن اقتصاره على سجود السهو يقتضي أن سهوه كان بزيادة؛ إذ لو كان بنقص لتداركه، فكيف قال إبراهيم: لا أدري؛ أجيب عنه: بأنه ليس كل نقصٍ يجب تداركه، بل ذلك في الواجب دون الأبعاض، واعلم أن آخر الحديث يدلُّ على أن سجود السهو بعد السلام، وأَوَّله على عكسه فنشأ خلاف، فقال الشافعي في "الجديد": إنه قبله لفعله - صلى الله عليه وسلم - وأمره به إذ ذاك، وأما سجوده بعدُ فلم يكن عن قصد، وقيل: الخلاف في الأفضل (¬1)، وقال أبو حنيفة: الأفضل بعده مطلقًا، وقال مالك: إنه بعده في الزائد وقبله في الناقص. ودلالة الحديث على الترجمة من قوله: (فثنى رجله واستقبل القبلة ..). وفي الحديث: زيادة على ما مرَّ من من جواز النسخ ووقوعه، ووجوب تبليغه - صلى الله عليه وسلم - الأحكام إلى الأمة، وجواز وقوع السهو من الأنبياء ¬
32 - باب ما جاء في القبلة، ومن لم ير الإعادة على من سها، فصلى إلى غير القبلة
عليهم السلام في الأفعال، لكن لا يقرون عليه، وعليه عامة العلماءِ، وفيه: أن سجود السهو على هيئة سجود الصلاة، وأنه لا يتشهد له، وأنَّ الكلام فيها قليلًا ناسيًا لا يبطلها، وأمر التابع بتذكير المتبوع، وأنَّ البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة، وأنَّ من تحوَّل عن القبلة، أو تكلَّم ساهيًا لا يعيد. 32 - بَابُ مَا جَاءَ فِي القِبْلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا، فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ وَقَدْ سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيِ الظُّهْرِ، وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ ثُمَّ أَتَمَّ مَا بَقِيَ". [انظر: 482] (باب: ما جاء في القبلة) أي: غير ما مرَّ. (ومن لا يرى الإعادة) عطفٌ على إما جاء في القبلة) وفي نسخة: "ومن لم ير الإعادة". (على من سها، فصلى إلى غير القبلة) الفاءُ تفسيرية، أو سببية،. والمسألة في المجتهد في القبلة إذا صلى بالاجتهاد، فتيقن الخطأ في الجهة، فقيل: لا تجب الإعادة؛ لعذره بالاجتهاد، والأظهر وعليه الجمهور: أنها تجب؛ لتيقن الخطأ، وقال مالك: يعيد في الوقت. (في ركعتي الظهر) في نسخة: "في ركعتين من الظهر". (ثُمَّ أتم ما بقي) أي: وهو ركعتان. ووجه ذكره في الترجمة: أنه بإقباله على الناس بوجهه فصلى لغير القبلة سهوًا، فيؤخذ منه بعد تمام صلاته إلى القبلة، أن من اجتهد ولم يصادف القبلة في الجملة لا يعيد.
402 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، " وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاثٍ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَو اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] وَآيَةُ الحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. [4483، 4790، 4116 - مسلم: 2399 - فتح: 1/ 504] وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا بِهَذَا. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (قال: قال عمر) زاد في نسخة: " - رضي الله عنه -. (وافقت ربّي في ثلاث) أي: ثلاث قضايا، ولا ينافي ذلك موافقته له بأكثر من ثلاث، كمنع الصلاة على المنافقين، وعدم الفداءِ في أسارى بدر، وتحريم الخمرة لأن العدد لا ينفي الزائد، أو أن ذلك كان قبل الموافقة في غير الثلاث، ثُمَّ موافقته له فيما ذكر غير موافقته له في جميع أوامره ونواهيه؛ لأن هذه موافقته لربه في أمر النزول، وتلك موافقته لأمر ربه بامتثاله له، والمعنى في الأصل: وافقني ربي، فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكنه راعى الأدب، فأسند الموافقة إلا نفسه لا إلى الرب. (قلتُ) في نسخة: "فقلتُ". (لو اتخذنا) جواب (لو) محذوف، أي: لكان خيرًا، أو هي للتمني (¬1)، فلا تحتاج إلى جواب. (وآية الحجاب) بالرفعِ على الابتداء، أي: وآية الحجاب كذلك، وبالنصب ¬
على الاختصاص، وبالجر عطف على مقدر هو بدلٌ من ثلاث، أي: في ثلاث اتخاذ المصلى، وآية الحجاب وهي آية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} [الأحزاب: 59]. (البَرُّ) بفتح الموحدة: صفة مشبهة، وهو مقابل قوله: (الفاجر) أي: الفاسق. (الغيرة) بفتح الغين المعجمة، وهي: الحمية والأنفة {أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} [التحريم: 5]، لا دلالة فيه على أن في النساءِ خيرًا منهن؛ لأن المعلق بشرط لا يلزم وقوعه، وهذا الحديث دليلٌ للجزءِ الأوَّلِ من الترجمة، والحديث الآتي دليلٌ للجزءِ الثاني منها. (حدثنا ابن أبي مريم) أي: سعيد بن محمد بن الحكم، وفي نسخة: "قال أبو عبد الله: وحدثنا ابن أبي مريم" وفي أخرى: "قال محمد أي: البخاري: وقال ابن أبي مريم" وفي أخرى: "وقال ابن أبي مريم". (حميد) أي: الطويل. (بهذا) أي: بالحديث المذكور سندًا ومتنًا، فهو من رواية أنس عن عمر، لا من رواية أنس عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وفائدة إيراد إسناده ما فيه من التصريح بسماع حميد من أنس فأمن من تدليسه. 403 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ". [4488، 4490، 4491، 4493، 4494، 7251 - مسلم: 526 - فتح: 1/ 506] (مالك بن أنس) في نسخة: "مالك" فقط. (بقباءَ) أي: بمسجد قباء، بالمد والتذكير والصرف على الأشهر في الثلاث. (في صلاة الصبح) مرَّ ما يتعلَّقُ بها. (إذ جاءهم) أي: أهل
قباء، جواب (بينا). (آتٍ) بالمد: هو عبَّاد بن بشر، وقيل: ابن نهيك، وقيل: ابن وهب. (أنزل عليه الليلة قرآن) بالتنكير؛ لأن القصد البعض، وهو قوله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] الآيات، وفي نسخة: "القرآن" والقصد منه ذلك بجعل (ال) للعهد، وفي ذلك، كما قال شيخنا: إطلاق الليلة على بعض اليوم، والليلة التي تليه مجازًا (¬1). (وقد أمر) بالبناءِ للمفعول. (فاستقبلوها) بفتح الباء على أنه خبر، وفي نسخة: بكسرها على أنه أمر. (وكانت وجوههم .. إلخ) تفسير من ابن عمر للتحول المفهوم مما قبله. (فاستداروا إلى الكعبة) أي: بأن تحول الإمام من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخره، لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار، كما هو مكانه لمن يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ثُمَّ تحولت الرجال حتَّى صاروا خلفه، وتحوَّل النساء حتَّى صرن خلف الرجال، واستشكل هذا، لما فيه من العمل الكثير في الصلاة؛ وأجيب: باحتمال وقوعه قبل التحريم، أولم تتوال الخطأ عند التحويل. وفي الحديث: أن الذي يُؤْمَر به - صلى الله عليه وسلم - يلزم أمته ما لم يقم دليل على الخصوصية. 404 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ" قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. [انظر: 401 - مسلم: 572 - فتح: 1/ 507] ¬
33 - باب حك البزاق باليد من المسجد
(إبراهيم) أي: النخعي. (وما ذاك) أي: ما سبب هذا السؤال. (رجليه) في نسخة: "رجله". 33 - بَابُ حَكِّ البُزَاقِ بِاليَدِ مِنَ المَسْجِدِ (باب: حكّ البزاق باليد من المسجد) البزاق بالزاي وبالصاد وبالسين، والأوليان مشهورتان (¬1). (عن أنس) زاد في نسخة: (ابن مالك). 405 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ" ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَصَقَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: "أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا". [انظر: 241 - مسلم: 551 - فتح: 1/ 507] (نخامة) بضمِّ النون: ما يخرج من الصدر، أو من الرأس (¬2). (رُئيَ) بضمِّ الراء، وكسر الهمزة، وفي نسخة: (رئ) بكسر ¬
الراءِ وبالمدِّ والهمز أي: شوهد (في وجهه) أثر المشقة. (فقال) في نسخة: "وقال". (وأنه يناجي ربَّه) جواب (إذا)، ومناجاته لربهِ من جهة إتيانه بالقرآن، والأذكار، ومناجاة ربه له من جهة لازم ذلك، وهو إرادة الخير مجازًا؛ لأن الحقيقة وهي الكلام المحسوس، مستحيلة في حقِّه تعالى، والمناجاة: المسارَّةُ، يقال: ناجيته ونجوته إذا ساررته. (أو أن) بفتح همزة (أن) وكسرها، والشكُّ من الراوي، وفي نسخة: "وأن" بواو العطف. (ربه بينه وبين القبلة) ظاهره: محال، فالمراد -كما يؤخذ من كلام الخطَّابي (¬1) - أن مقصوده من (ربه بينه وبين القبلة) ومثله يجري في قوله بعد: "فإن الله قبل وجهه". (فلا يبزقنَّ) بنون التوكيد الثقيلة، وفي نسخة: "فلا يبزق" والنهيُ فيه للتحريم. (قبل قبلته) بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: جهة قبلته التي عظمها الله تعالى، فلا تقابل بالبزاق المقتضي الاستخاف والاحتقار. (ولكن عن يساره) أي: في غير المسجد لا فيه؛ لشرفه، ولا عن يمينه؛ لأن عن يمينه كاتبَ الحسنات. (أو تحت قدميه) في نسخة: "قدمه" أي: اليسرى، وهي المرادة من الأولى. (أو يفعل هكذا) عطفٌ على المقدر، وبعد حرف الاستدراك، أي: (ولكن ليبزق عن يساره) أو يفعل هكذا. وفيه: البيان بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، ولفظة: (أو) هنا ليست للشك، بل للتخيير بينهما، والحاصل: أنه مخير في المسجد بين بصقه تحت قدمه اليسرى، وبصقه عن يساره بطرف ثوبه، وفي غيره: بين كل منهما، وبين بصقه عن يساره خارج ثوبه. ¬
34 - باب حك المخاط بالحصى من المسجد
406 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ القِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى". [753، 1213، 6111 - مسلم: 547 - فتح: 1/ 509] (في جدار القبلة) في نسخة: "في جدار المسجد". (فإن الله) أي: ثوابه أو عظمته. (قبل وجهه) أي: جهة وجه المصلِّي. 407 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "رَأَى فِي جِدَارِ القِبْلَةِ مُخَاطًا أَوْ بُصَاقًا أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ". [مسلم: 549 - فتح: 1/ 509] (مخاطًا) هو السائل من الأنف. (أو بصاقًا) هو السائل من الفمِ. (أو نخامة) هي ما يخرج من الصدر، أو الرأس كما مرَّ، وهي النخاعة بالعين، وقيل: النخاعة بالعين من الصدر، وبالميم من الرأسِ (¬1). 34 - بَابُ حَكِّ المُخَاطِ بِالحَصَى مِنَ المَسْجِدِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "إِنْ وَطِئْتَ عَلَى قَذَرٍ رَطْبٍ، فَاغْسِلْهُ وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَلَا". (باب: حك المخاط بالحصى) أي: أو بغيره، وفي نسخة: "بالحصباء" (من المسجد) متعلق بـ (حك). (على قذر) بذال معجمة. ما يستقذر من طاهرٍ أو نجس. ¬
35 - باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة
408، 409 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا، فَقَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى". 408 - [410، 416 - مسلم: 548 - فتح: 1/ 509] 409 - [411، 414 - مسلم: 548 - فتح: 1/ 509] (أخبرنا إبراهيم) في نسخة: "حدثنا إبراهيم". (أخبرنا ابن شهاب) في نسخة: "حدثنا ابن شهاب". (وأبا سعيد) هو سعد بن مالك الخدريُّ. (في جدار المسجد) أي: النبويّ. (فحكَّها) في نسخة: "فحتها" بالتاءِ الفوقية بدل الكاف، ومعناهما واحد. (تنخَّم) أي: رمى النخامة. وتقدم تفسير الحديث. 35 - بَابُ لَا يَبْصُقْ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلاةِ (باب: لا يبصق عن يمينه في الصلاة) تقدم بيانه. 410، 411 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي حَائِطِ المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَاةً، فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَتَنَخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى". [انظر: 408، 409 - مسلم: 548 - فتح: 1/ 510] (إذا تنخم أحدكم، فلا يتنخم قبل وجهه .. إلخ) تقدم تفسيره.
36 - باب: ليبزق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى
412 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ". [انظر: 241 - مسلم: 493، 551 - فتح: 1/ 510] (سمعت أنسًا) في نسخة: "أنس بن مالك". (قال النبيُّ) في نسخة: "قال رسول الله". (لا يتفلنَّ) بفوقية، وبضمِّ الفاءِ وكسرها، والتفلُ: شبيه بالبصق، وهو أقلُّ منه. 36 - بَابٌ: لِيَبْزُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى 413 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ". [انظر: 241 - مسلم: 551 - فتح: 1/ 511] (باب: ليبزُق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى) في نسخة: "ليبصق" بالصاد بدل الزاي. (فلا يبزقنَّ بين يديه .. إلخ) تقدّم تفسيره، وتفسير الحديث الآتي، وقيد في ترجمة الباب السابق البصاق بالصلاة، وفي حديثه المقدَّم باليسرى، وأطلقهما هنا، فيحمل المطلق هنا على المقيد ثمَّ. 414 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَبْصَرَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ ثُمَّ "نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى" وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ حُمَيْدًا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ. [انظر: 409 - مسلم: 548 - فتح: 1/ 511] (عليٌّ) في نسخة: "علي بن عبد الله المديني". (حدثنا سفيان)
37 - باب كفارة البزاق في المسجد
أي: ابن عيينة، وفي نسخة: "أخبرنا سفيان". (عن أبي سعيد) في نسخة: "عن أبي هريرة" وهو كما قال شيخنا (¬1). (وهم بحصاة) في نسخة: "بحصى". (أو تحت قدمه) في نسخة: "وتحت قدمه). (حميدًا) هو ابن عبد الرحمن لا الطويل. 37 - بَابُ كَفَّارَةِ البُزَاقِ فِي المَسْجِدِ (باب: كفارة البزاق في المسجد) أي: كفارة خطيئتة. 415 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "البُزَاقُ فِي المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا". [مسلم: 552 - فتح: 1/ 511] (البزاق في المسجد) وإن كان البزاق خارجه. (خطيئة) بالهمز وزن: فعيلة، وربما أسقطت الهمزة وشددت الياء، أي: إثم. (وكفارتها) أي: الخطيئة. (دفنها) أي: دفن سببها وهو البصاق في تراب المسجد إن كان، وإلا فيخرجه، وظاهر الحديث: أن البصاق في المسجد خطيئة وإن أراد دفنه، وهو ظاهر، لكن قيده القاضي عياض بما إذا لم يرده، فإن أراده ودفنه فلا، ولا يخفى ما فيه (¬2)، وأما خبر الطبراني وغيره بإسناد حسن: "من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئةٌ، وإن دفنه فحسنة" (¬3) فظاهره من أن بزاقه إذا دفنه حسنة ليس مرادًا. ¬
38 - باب دفن النخامة في المسجد
38 - بَابُ دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي المَسْجِدِ 416 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاةِ، فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنُهَا". [انظر: 408 - فتح: 1/ 512] (باب: دفن النخامة في المسجد) أي: باب حُكْمِهِ. (إسحاق بن نصر) نسبة إلى جده، وإلا فاسم أبيه: إبراهيم كما مرَّ. (قال: حدثنا) في نسخة: "قال: أخبرنا". (عن معمر) أي: ابن راشد، وفي نسخة: "أخبرنا معمر". (عن همَّام) أي: ابن منبه. (فإنما) في نسخة: "فإنه". (فإن عن يمينه ملكًا) في نسخة: "ملك" على أن يكون اسم إن ضمير الشأن. واعلم أن على يساره ملكًا أيضًا، كما قال تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق: 17]، لكنه في حال الصلاة التي هي أم الحسنات البدنية لا دخل لكاتب السيئة فيها، أو أن لكلِّ أحدٍ قرينًا، وموقفه يساره كما رواه الطبراني (¬1)، فلعلَّ المصلّي إذا تقلَ [عن يساره (¬2)] يقع تفله على قرينه وهو الشيطان، ولا يصيب الملك منه شيء. (فيدفنها) بالنصب؛ جواب الأمر، وبالرفع؛ استئناف، وبالجزم، ¬
39 - باب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه
عكف على الأمر، ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن دفن البصاق، كدفن النخامة؛ لأن حكم البصاق والنخامة واحد، كما مرَّ مع تفسير الحديث. 39 - بَابُ إِذَا بَدَرَهُ البُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ 417 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَحَكَّهَا بِيَدِهِ وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ، أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاتِهِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ، فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ"، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: "أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا". [انظر: 241 - مسلم: 551 - فتح: 1/ 513] (باب: إذا بدره) أي: المصلِّي، أي: غلبه. (البزاق فليأخذ بطرف ثوبه) أو يبصق تحت قدمه، أو عن يسار في غير المسجد. (حميد) أي: الطويل. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك). (فحكها) أي: النخامة، وفي نسخة: "فحكَّه" أي: أثرها، وهو البصاق. (وَرُئي) بضمِّ الراءِ، وهمزة مكسورة فياء مفتوحة، وفي نسخة: (ورئ) بكسر الراءِ فياء ساكنة، فهمزةٍ مفتوحة. (أو رُئي كراهيته لذلك) أي: للتنخم في القبلة، والشكُّ من الراوي. (وشدته) بالرفع عطفٌ على كراهيته، وبالجرِّ عطفٌ على ذلك. (فإنما يناجي ربَّه) أي: بكلامه وذكره، ويناجيه ربه بلازم ذلك من إرادة الخير. (أو ربه بينه وبين قبلته) جملة اسمية عطفت على فعلية (¬1)، وفي نسخة: "بينه وبين القبلة". (قال) ¬
40 - باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة، وذكر القبلة
في نسخة: "فقال". واعترض: بأن الحديث لا مطابقة فيه بينه وبين الترجمة، وأجيب: بأنه أشار إلى ما في بعض طرق الحديث، وهو إن عجلت به بادره فليتفل بثوبه هكذا، ثُمَّ يلوي بعضه على بعضٍ. وفي الحديث: طهارة البزاق، وإكرام القبلة، وتنزيهها، وفضل اليمين على اليسار، وأن على الإمام النظر في أحوال المساجد وتعاهدها، وأن البصق في الصلاة غير مفسدٍ لها. 40 - بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النَّاسَ فِي إِتْمَامِ الصَّلاةِ، وَذِكْرِ القِبْلَةِ (باب: عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة) عظة أصلها وعظ، حذف منه الواو، وعوض عنها الهاء، والوعظ: النصحُ والتذكير بالعواقب. (وذكر القبلة) بالجرِّ عطفٌ على عظة. 418 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا، فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي". [741 - مسلم: 424 - فتح: 1/ 514] (أن رسول الله) في نسخة: "عن النبيِّ" (هل ترون) بفتح التاءِ، والاستفهام للإنكار، أي: أتحسبون؟ (فو الله ما يخفى على خشوعكم) أي: في جميع الصلاة. (ولا ركوعكم) أي: ولا خشوع ركوعكم، فهو من عطفِ الخاصِّ على العام، وأفرده بالذكر اهتمامًا به؛ لكونه أعظم ¬
41 - باب: هل يقال مسجد بني فلان؟
الأركان؛ لأن المسبوق يدرك به الركعة. (إني لأراكم .. إلخ) بدلٌ من (ما يخفى) أو بيان له. 419 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةً، ثُمَّ رَقِيَ المِنْبَرَ، فَقَالَ فِي الصَّلاةِ وَفِي الرُّكُوعِ: "إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ". [742، 6644 - مسلم: 425 - فتح: 1/ 515] (صلَّى بنا) في نسخة: "صلَّى لنا" أي: لأجلنا. (النبيُّ) في نسخة: "رسول الله". (رقي) بكسر القاف، وفتح الياءِ، ويجوز فتح القاف على لغة طيء. (فقال في الصلاة وفي الركوع) الجار متعلقٌ بـ (أراكم) المذكور بعدُ؛ لأن ما في حيز إن لا يتقدم عليها، أو يقال أي: قال في شأن الصلاة والركوع: (إني لأراكم من ورائي كما أراكم) أي: من أمامي، وعطفُ الركوعِ على الصلاةِ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، وأفرده بالذكر لما مرَّ، وإطلاق الرؤية من ورائه يقتضي شموله للصلاة وغيرها، وإن اقتضى السياق أن ذلك في الصلاة فقط. 41 - بَابٌ: هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلانٍ؟ 420 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الحَفْيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ"، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا. [2868، 2869، 2870، 7336 - مسلم: 1870 - فتح: 1/ 515] (باب: هل يقال: مسجد بني فلان) أي: أو لا يقال، والجمهور: على أنه يقال أي: مجازًا أو تعريفًا لا حقيقة، عكس قوله
تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18]. (أضمرت) بضمِّ الهمزة بمعنا: ضمرت، بأن يقلل علفها مدة، وتجلل فيها؛ لتعرق ويجف عرقها؛ ليخفَّ لحمها، وتتقوى على الجري، وكان فرسه - صلى الله عليه وسلم - الذي سابق به يسمَّى السكب بكاف، وكان أغرَّ محجلًا، وهو أول فرسٍ ملكه، وأول فرسٍ غزا عليه. (من الحفياء) بفتح المهملة، وسكون الفاءِ بمد وقصر: موضع بقرب المدينة (¬1). (وأمدها) بفتح الهمزة والميم، أي: غايتها. (ثنية الوداع) بمثلثة: موضع بينه وبين الحفياء خمسة أميال، أو ستة، أو سبعة، وسمِّي بذلك؛ لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها (¬2)، والثنية لغةً: الطريق إلى العقبة. (لم تضمر) بفتح المعجمة وتشديد الميم المفتوحة، أو بسكون المعجمة وتخفيف الميم المفتوحة. (من الثنيّة) أي: ثنية الوداع. (مسجد بني زريق) بزاي مضمومة، وراء مفتوحة، وزاد - صلى الله عليه وسلم - في المسافة للخيل المضمرة؛ لقوَّتها، ونقص فيها لما لم يضمر منها؛ لقصورها عن شأْو المضمرة، ليكون عدلًا منه بين النوعين. (وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها) أي: بالخيل، وهذا الكلام، إما من مقول ابن عمر عن نفسه، كما تقول عن نفسك: العبد فعل ذلك، أو من مقول نافع الراوي عنه. وفي الحديث: مشروعية تضمير الخيل، وتمرينها على الجري، وإعدادها لإعزاز كلمة الله ونصرة دينه، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا ¬
42 - باب القسمة، وتعليق القنو في المسجد
اسْتَطَعْتُمْ} [الأنفال: 60] وجواز إضافة أعمال البرِّ إلى أربابها. 42 - بَابُ القِسْمَةِ، وَتَعْلِيقِ القِنْو فِي المَسْجِدِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "القِنْوُ العِذْقُ وَالاثْنَانِ قِنْوَانِ وَالجَمَاعَةُ أَيْضًا قِنْوَانٌ مِثْلَ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ". (باب: القسمة، وتعليق القنو) بكسر القاف وسكون النون، وسيأتي بيانه. (في المسجد) متعلقٌ بالقسمة. (قال أبو عبد الله -أي: البخاري-: القنو: العذق) بكسر المهملة وسكون المعجمة: الكباسة بشماريخها وبسرها، وأما بفتح العين: فالنخلة. (والاثنان قنوان) بالكسر وترك التنوين. (والجماعة قنوان) أي: بالرفع والتنوين، فتتميز عن المثنى بذلك، كما تتميز عنه بإثبات نون عند إضافته بخلاف المثنى فتحذف، مثل صنو وصنوان، في الحركات والسكنات والتثنية والجمع، وصادهما مكسورة، والصنوان تخرج نخلتان، أو أكثر من أصلٍ واحد، وكلُّ واحدة منهنَّ صنو، والاثنان: صنوان، والجمع: صنوان، وقوله: "قال أبو عبد الله .. إلخ " ساقط من نسخة. 421 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَقَالَ: "انْثُرُوهُ فِي المَسْجِدِ" وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إلا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْطِنِي، فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خُذْ" فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: "لَا" قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا" فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ
يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا" قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: "لَا" فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا - عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ - فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ. [3049، 3156 - فتح: 1/ 516] (البحرين) بلدة بين البصرة وعمان (¬1). (انثروه) بمثلثة أي: صبوه. (فاديت نفسي وفاديت عقيلًا) بفتح العين وكسر القاف، كان ذلك ببدر، حيث كان هو وعقيل ابن أخيه فيه أسيرين. (فحثا) بمهملة فمثلثة، من الحثية وهي ملءُ اليد. (يقلُّه) بضم الياء، أي: يرفعه من أصله. (أُؤمْر) بهمزتين مضمومة فساكنة، فحذفت الثانية للاشتغال، باجتماع همزتين أول الكلمة، فبقي: أمر فحذفت همزة الوصل؛ للاستغناء عنها بتحرك ما بعدها، وفي نسخة: هنا وفيما يأتي: (أأمر) على الأصل. (يرفعه) بياء المضارعة، وبالجزم؛ جواب الأمر، وبالرفع؛ على الاستئناف، وفي نسخة: "برفعه" بموحدة مكسورة وفاءٍ ساكنة. (قال: لا) قاله له؛ تنبيهًا على الاقتصاد في المال، وترك الاستكثار منه. (يرفعه) بالجزم، أي: الرفع كما مرَّ. (على كاهله) هو ما بين كتفيه. (يتبعه) بضمِّ أوله (عجبًا) مفعولٌ مطلقٌ من قبيل ما يجب حذف عامله، ويجوز أن يكون مفعولًا له ليتبعه. (وثَمَّ منها درهم) حال، وظاهره نفي القيام حال ثبوت الدرهم وليس مرادًا، بل المراد: إثبات القيام عند أنتفاء الدرهم، فالحالُ قيدٌ للمنفي لا للنفي فالمجموع منتفٍ بانتفاء القيد لانتفاء المقيد، ولم يذكر ¬
43 - باب من دعا لطعام في المسجد ومن أجاب فيه
حديثًا في تعليق القنو وكأنه كما قيل: أخذه من جواز وضع المال في المسجد؛ بجامع أن كلًّا منهما وضع لأخذ المحتاجين منه، أو أشار به إلى خبر النَّسائيِّ بإسنادٍ قويٍّ: أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج وبيده عصا وقد علق رجل قنو حشف فجعل يطعن في ذلك القنو، ويقول: "لو شاء رب هذه الصدقة لتصدق بأطيب من هذا"ـ (¬1). وفي الحديث: قسم الإمام باجتهاده، وكرمه - صلى الله عليه وسلم -، وزهده في الدنيا، وأنه لم يمنع شيئًا سُئِلَهُ إذا كان عنده. وأن الإمام إذا علم حاجة الناس لا يدخر شيئًا. وأن له أن يترفع عمَّا يُدعى إليه من المهنة والعمل بيده. وأن يمتنع من تكليف ذلك غيره إذا لم يكن له في ذلك حاجة. وفيه: وضع ما الناس مشتركون فيه من صدقة ونحوها في المسجد؛ لأنه لا يُحجب أحد من ذوي الحاجات من دخوله. 43 - بَابُ مَنْ دَعَا لِطَعَامٍ فِي المَسْجِدِ وَمَنْ أَجَابَ فِيهِ (باب: من دعا) بفتح الدال والعين وفي نسخةٍ: بضم الدال وكسر العين. (الطعام) عُدّي دعا باللام؛ لقصد معنى: الاختصاص، فإن قصد معنى: الانتهاء، عُدّي بإلى نحو: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [يونس: 25] أو معنى: الطلب عُدّي بالباء. نحو دعا هرقل بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتختلف صلةُ الفعلِ بحسب اختلاف المعاني المقصودة (في المسجد) متعلق بـ (دعا). (ومن أجاب فيه) أي: في ¬
المسجد، وفي نسخةٍ: "إليه" أي: إلى الطعامِ، وفي أخرى: "منه" أي: من المسجد (ومن) للابتداء. 422 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، سَمِعَ أَنَسًا، قَالَ: وَجَدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ، فَقُمْتُ فَقَالَ لِي: "آرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: "لِطَعَامٍ"، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: "لِمَنْ مَعَهُ قُومُوا، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ". [3578، 5381, 5450، 6688 - مسلم 2040 - فتح: 1/ 517] (إسحاق بن عبد الله) زاد في نسخة: "ابن أبي طلحة". (سمع) في نسخةٍ: "أنه سمع". (أنسًا) في نسخةٍ: "أنسَ بن مالك". (وجدتُ) أي: أصبتُ، وفي نسخةٍ: "قال: وجدتُ". (في المسجد) أي: النبوي. (معه) في نسخةٍ: "ومعه". (أأرسلك) في نسخة: "أرسلك" بدون همزة الاستفهام. (قلت) في نسخةٍ: "فقلت". (فقال) في نسخةٍ: "قال، (لطعام) في نسخةٍ: "للطعام" بالتعريف. (فقال) في نسخةٍ: "قال". (لمن معه) في نسخة: "لمن حوله". (فأنطلق) أي: النبيٍّ، وفي نسخةٍ: "فانطلقوا" أي: النبيُّ ومن معه. وفي الحديث: جوازُ تقديم بعض الخدم بين يدي الإمام ونحوه للحماية، ودعاء الإمامُ للطعام القليل. وأنَّ المدعوَّ إذا علم من حال الداعي أنَّه لا يكره أنْ يَجلب معه غيره وأن الطعام يكفيه، لا بأس أن يجلب معه من حضره. وطعامُ أبي طلحة وإنْ كان قليلًا, لكن علم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنه يكفي من حضر ببركته، وهذا من علامات النبوة.
44 - باب القضاء واللعان في المسجد بين الرجال والنساء
44 - بَابُ القَضَاءِ وَاللِّعَانِ فِي المَسْجِدِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (باب: القضاء واللعان في المسجد) زاد في نسخة: "بين الرجال والنساء" وعطف اللعان على القضاء من عطف الخاص على العام، من حيث أن القضاء يكون في اللعان وغيره. 423 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ "أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلاعَنَا فِي المَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ". [4745، 4746، 5259، 5308، 5309، 654، 7165، 7166، 7304 - مسلم 1492 - فتح: 1/ 518] (يحيى) أي: الختي) بفتح المعجمة، وتشديد الفوقية، وفي نسخةٍ: "يحيى بن موسى". (أخبرنا عبد الرزاق) في نسخة: "حدثنا عبد الرزاق". (أخبرني ابن شهاب) في نسخةٍ: "أخبرنا ابن شهاب". (أن رجلًا) هو عويمرُ بنُ عامر العجلانيُّ، أو هلال بن أميَة، وقيل: غيرهما، وليس بصحيح. (أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا) أي: يزني بها، أي: أخبرني. (أيقتله؟) أم، لا، وجوابُ الاستفهام محذوفٌ، [أي: لا (¬1)] كما عُلم من قوله. (فتلاعنا) أي: الرجل والمرأة، اللعان المذكور في سورة النور، وسُمي بذلك؛ لقول الرجل عليه لعنةُ الله إنْ كان من الكاذبين؛ أو لأنَّ معنى اللعن: الإبعادُ، وكلٌّ منهما يبعد بذلك عن صاحبه، بحيث يحرم النكاحُ بينهما على التأبيد. وفي الحديث: جواز القضاء في المسجد، واللعان فيه بحضرةِ الخلفاء. ¬
45 - باب إذا دخل بيتا يصلي حيث شاء أو حيث أمر ولا يتجسس
45 - بَابُ إِذَا دَخَلَ بَيْتًا يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ أَوْ حَيْثُ أُمِرَ وَلَا يَتَجَسَّسُ (باب: إذا دخل) أي: الرجل. (بيتًا) لغيره بإذنه، فهل (يصلي) فيه. (حيث شاء) اكتفاءً بالإذن العام في الدخول، أو يصلي (حيث أمر) لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - استأذن في موضع الصلاة، ولم يصل حيث شاء، وهذا هو الذي يأتي في الحديث، ويؤيده قوله: (ولا يتجسس) بالجيم، أو بالحاء المهملة، وبالرفع، أو بالجزم، أي: ولا يتفحص موضعًا يصلي فيه، وظاهرٌ أنّه لا تنافي بين القولين؛ لأنَّ له أن يصلي في بيت الداعي في أي موضع شاء؛ لأنَّه دعاه إلى الصلاةِ؛ ليتبرك بمكان صلاته، لكنه سأله عنه؛ ليصلي في المكان الذي يحب الصلاة فيه. 424 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ؟ " قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [425، 667، 686، 840، 838، 1186، 4009، 4010، 5401، 6423، 6938 - مسلم: 33 - فتح: 1/ 518] (عِتبان) بكسر العين وضمها. (إنَّ النبي) في نسخة: "إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. (أن أصلي لك) أضاف الصلاةَ له باعتبار وقوعها في المكان المخصوص به، وإلا فهي لله حقيقةً، وفي أخرى: "أن أصلي من بيتك"، وفي أخرى: "أن أصلي في بيتك". (وصففنا) في نسخة: "فصففنا"ـ بالفاء، وفي أخرى: (وصفَّنا) بتشديد الفاء أي: وجعلنا صفًّا. وفي الحديث: تعيين مصلى في البيت إذا عجز عن المسجد، وجواز الجماعة في البيوت وفي النافلة، وتسوية الصفِّ خلف الإمام، وإتيان الرئيس بيت المرءوس.
46 - باب المساجد في البيوت
46 - بَابُ المَسَاجِدِ فِي البُيُوتِ وَصَلَّى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: "فِي مَسْجِدِهِ فِي دَارِهِ جَمَاعَةً". (باب: المساجد) أي: مواضع السجود. (في البيوت) فالمراد: اتخاذ مواضع الصلاة في البيوت. (في مسجده في داره جماعة) في نسخة: "في مسجد إلخ" وفي أخرى: "في مسجد داره في جماعة". 425 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ" قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ، قَالَ: فَآبَ فِي البَيْتِ، رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ، فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَو ابْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقُلْ ذَلِكَ، أَلا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ " قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى المُنَافِقِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ " قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ
- وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ - وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ، عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ: "فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ". [انظر: 424 - مسلم: 33 - فتح: 1/ 519] (سعيد بن عفير) بالتصغير، نسبته إلى جده، وإلا فاسم أبيه: كثير المصري. (عقيل) بالتصغير ابن خالد الأيلي. (أنكرت بصري) أراد به ضعف بصره، أو عماه. (وأنا أصلّي لقومي) أي: لأجلهم، بمعنى: إني أؤمهم. (كانت الأمطار) أي: وجدت. (سال الوادي) من إطلاق المحلّ على الحال: وهو الماء. (مسجدهم) في نسخة: "المسجد". (فأصلي) بالنصب؛ عطفٌ على آتي أو جواب النفي في قوله: (لم أستطع). (بهم) في نسخة: "لهم". (فتصلي) بالسكون عطفٌ على (تأتي) وبالنصب جواب التمني. (فأتَّخِذُه) بالرفع على الاستئناف، وبالنصب بأن مضمرة جوازًا (¬1)، وأن والفعل في تقدير مصدر معطوف عليها المصدر المؤول من (أنك تأتيني) أي: وددت إتيانك، فصلاتك، فاتخاذي لمكان صلاتك. (مصلى) فما قيل: من أنه منصوب بالعطف على (يصلّي) يكون جوابًا للتمني مردود، كيف ولو أظهرت أن هنا لم يمتنع وهناك يمتنع؟ (سأفعل إن شاء الله) علقه بمشيئة الله تعالى؛ عملًا بآية {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ} [الكهف: 23]، (فغدا رسول الله) في نسخة: "فغدا على رسول الله". (حين) في نسخة: (حتى" بدل (حين) في الموضعين. ¬
(من بيتك) في نسخة: "في بيتك". (فصففنا) في نسخة: (فصفنا). (وحبسناه) أي: منعناه بعد الصلاة عن الرجوع. (على خزيرة) بفتح المعجمة وكسر الزاي: لحم مقطع قطعًا صغارًا طُبخ بماءٍ، يدر عليه بعد النضج من دقيق، فإن عرت من اللحم فعصيدة، وأما الحريرة بمهملتين فدقيقٌ يطبخُ بلبن. (فثاب) بمثلثة، أي: جاء لا رجع؛ لأنه غير مناسب، ولا اجتمع؛ لعطف قوله: "فاجتمعوا عليه" فيلزم عطف الشيء على مرادفه، وهو وإن صحَّ لاختلاف اللفظ لكنه خلاف الأصل. (من أهل الدار) يعني: المحلة. (فقال قائل) ولم يُسَمّ. (ابن الدخيشن أو ابن الدخشن) بضم المهملة وبخاءٍ وشين معجمتين، وبنون فيهما، ويروى: بالميم بدل النون، ويقال في الثاني: الدخشن بكسر الدال والشين. (فقال بعضهم) هو عتبان بن مالك، راوي الحديث. (منافقٌ لا يحب الله ورسوله) أي؛ لكونه يجالس المنافقين ويوادهم. (قد قال: لا إله إلا الله) أي: مع محمد رسول الله. (وجه الله) أي: ذاته. (قال) أي: القائل. (نرى وجهه) أي: توجهه. (إلى المنافقين) تنازعه (وجهه) و (نصيحته)، وغلب فيه وجهه؛ لأن التوجه يعدى بإلى، والنصيحة باللام، أو ضمَّن النصيحة معنى الانتهاء. (قال رسول الله) في نسخة: "فقال رسول الله". (حرم على النَّار) أي: دخولها مؤيَّدًا جمعًا بينه وبين ما ورد من دخول أهل المعصية فيها (قال ابن شهاب) أي: بالسند الماضي. (ثم سألت الحصينى) بمهملتين أولاهما مضمومة، وثانيتهما مفتوحة. وفي نسخةٍ: "ثُمَّ سألت بعد ذلك الحصين". (من سراتهم) بفتح السين، أي: خيارهم. (ابن الربيع) زاد في نسخة: "الأنصاري". (بذلك) أي: بالحديث المذكور.
47 - باب التيمن في دخول المسجد وغيره
وفيه: التخلف عن الجماعة لعذر، والتبرك بمصلَّى الصالحين، والوفاء بالوعد، وصلاة النفل في جماعة بالنهار، وإكرام العلماء بالطعام ونحوه، والتنبيه على أهل الفسق عند السلطان، وأن السلطان يتثبت في مثل ذلك، ويوجه له أجمل الوجوه، وأن الجماعة في الصلاة إذا غاب أحدٌ منهم يسألون عنه، وأنه لا يكفي في الإيمان النطق بلا اعتقاد، واستدعاء المفضول للفاضل، وإمامة الزائر المزور برضاه، وأن نفل النهار ركعتان، واستتباع الإمام والعالم أصحابه، والاستئذان على صاحب المنزل ولو تقدم استدعاؤه، وأن أهل المحلة إذا ورد صالح لمنزل بعضهم يجتمعون لزيارته؛ إكرامًا له واستفادة منه. وأنه لا بأس بملازمة الصلاة في موضع معين من البيت، وأنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد، وإمامة الأعمى. 47 - بَابُ التَّيَمُّنِ فِي دُخُولِ المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: "يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى فَإِذَا خَرَجَ بَدَأَ بِرِجْلِهِ اليُسْرَى". (باب: التيمن) أي: البدأة باليمين. (في دخول المسجد وغيره) أي: من البيوت (يبدأ) أي: في دخول المسجد وغيره. 426 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ". [انظر: 168 - مسلم: 268 - فتح: 1/ 523] (يحب التيمن) أي: البدأة باليمين. (ما استطاع) أي: ما دام مستطيعًا للتيمن بخلاف ما إذا عجز عنه فيتعين غيره (في شأنه) متعلق بـ (يحب) أو بـ (التيمن) أو بهما من باب التنازع. (في طهوره) بضمِّ الطاءِ،
48 - باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد؟
أي: تطهره. (وترجله) بضمِّ الجيم، أي: تمشيط شعره. (وتنعله) بتشديد العين، أي: لبسه النعل، والثلاثةُ أبدالُ مِنْ: (في شأنه) بدل بعض من كلّ، وصرح بها؛ اهتمامًا بها لشرفها. 48 - بَابٌ: هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ؟ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاةِ فِي القُبُورِ وَرَأَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: "القَبْرَ القَبْرَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ". (باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد؟) بالرفع نائب الفاعل في (يتخذ) والاستفهام للتقرير كقوله: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} [الإنسان: 1]. (مكانها) بالنصب هو المفعول الثاني، ويجوز رفعه على إنه نائب الفاعل، ونصب (مساجد) على أنه المفعول الثاني (¬1)]. (لعن الله اليهود؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) سواء نبشت لما فيه من الاستهانة، أو لم تنبش؛ لما فيها من المغالاة في التعظيم، وكلٌّ منهما مذموم، ويلتحق بالأنبياء أتباعهم، بخلاف الكفرة فلا حرج في نبش قبورهم؛ لانتفاء العلتين، وبذلك علم أنه لا تعارض بين نبشه - صلى الله عليه وسلم - قبور المشركين واتخاذ مسجده مكانها، وبين لعنه - صلى الله عليه وسلم - مَنِ اتخذ قبور الأنبياء مساجد. ¬
واقتصر البخاريُّ هنا على اليهود وقال في الجنائز وغيرها: "لعن الله اليهود والنصارى" (¬1) لكن تعليله باتخاذهم مساجد لا يأتي في النصارى؛ لأنهم لا يزعمون نبوة عيسى، ولا موته حتى يكون له قبر، بل يزعمون أنه ابن له تعالى، أو إله، أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة. (وما يكره من الصلاة في القبور) سواءٌ كانت عليها، أم إليها، أم بينها، والجملة عطفٌ على (هل تنبش؟) قال الكرماني عقب هذا: فالترجمة مشتملة على مسألتين: اتخاذ المساجد في مكان القبور، واتخاذها بين القبور، ففي الأول: لا تبقى لصورة القبر أثر بخلافه في الثانية (¬2). (ورأى عمر) أي: "ابن الخطاب - رضي الله عنه - "كما في نسخة. (القبر القبر) بنصبهما على التحذير (¬3) محذوف العامل وجوبًا، أي: اجتنب القبر، وفي نسخة: قرن ذلك بهمزة الاستفهام؛ للإنكار أي: أتصلّي للقبر؟ أي: عنده. (ولم يأمره) أي: ولم يأمر عُمَرُ أنسًا بالإعادة، فصلاته صحيحة، لكن مع الكراهة؛ لكونه صلَّى محاذيًا لنجاسة، وإن كان بينهما حائل. 427 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاويرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا ¬
عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ". [434، 1341 - مسلم 528 - فتح: 1/ 523] (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (عن عائشة) زاد في نسخة: "أم المؤمنين". (أن أم حبيبة) هي رملة بنت أبي سفيان صخر (¬1). (ذكرتا) في نسخة: "ذكرا". (كنيسة) أي: معبدًا للنصارى. (رأينها) بنون الجمع على أن أقل الجمع اثنان، أو على أن معهما غيرهما من النسوة، وفي نسخة: "رأتاها" بمثناة فوقية، وفي أخرى: بياء تحتية. (أولئك) بكسر الكاف؛ لأن الخطاب لمؤنث. (تيك) بكسر الفوقية وبياء ساكنة، وفي نسخة: "تلك" بلام ساكنة، والكاف مكسورة فيهما. (فأولئك) بكسر الكاف أيضًا. (شرار) جمع شر، كخيار جمع خير. وفي الحديث: جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به، وذمُّ فاعل المحرمات، وكراهة الصلاة في المقابر. 428 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى المَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا"، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلا إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ وَفِيهِ ¬
نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إلا خَيْرُ الآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ". [انظر: 234 - مسلم: 524 - فتح: 1/ 524] (عن أبي التياح) بفتح الفوقية والتحتية المشددتين، ثم بالمهملة: يزيد بن حميد الضبعي. (عن أنس) في نسخة: "أنس بن مالك". (فنزل أعلى المدينة) في نسخة: (فنزل في أعلى المدينة". (في حتى) أي: قبيلة. (أربع عشرة) في نسخة: "أربعًا وعشرين" وصوَّب شيخنا الأوَّل (¬1). (النجَّار) بتشديد الجيم: أبو قبيلة من الأنصار. (متقلدي السيوف) بالإضافة، وفي نسخة: "متقلدين السيوف" وتقليدها: جعل نجادها على المنكب، وحكمة مجيئهم كذلك: خوف اليهود؛ وليروه ما أعدوه لنصرته - صلى الله عليه وسلم -. (على راحلته) أي: ناقته القصواء. (ردفه) أي: راكب خلفه. (وملأُ بني النجار) بالهمزة أي: أشرافهم. (حتى ألقى) أي: طرح رحله. (بفناء أبي أيوب) أي: بفناء داره: وهو ما امتد من جوانبها، واسم أبي أيوب: خالد بن زيد الأنصاري. (ويصلِّي) عطفٌ على (يحب) فياؤه ساكنة، أو على معموله فياؤه مفتوحة، وفائدة حبه ذلك: بيان جوازه، وإن كان مكروهًا في حقنا. (في مرابض الغنم) أي: في مأواها، والمفرد: مربض (¬2) بكسر ¬
الباءِ. (وإنه) بكسر الهمزة على الاستئناف، وفي نسخة: بفتحها. (ولا يخفى بعده) أمر بالبناء للفاعل، فضمير (إنه): للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وبالبناء للمفعول، فالضمير للشأن. (المسجد) بكسر الجيم أكثر من فتحها: موضع السجود، والمراد: البيت المهيأ للصلاة فيه (¬1). (إلا ملأ من بني النَّجار) في نسخة: "إلى ملأ بني النَّجار". (ثامنوني) بمثلثة، أي: سموا لي ثمنه وبيعوني به. (بحائطكم) أي: بستانكم. (إلا إلى الله) أي: من الله، وعُدِّيَ (نطلب) بإلى؛ لتضمينه معنا صرف الثمن إليه تعالى. فإطلاق الثمن على الصرف على سبيل المشاكلة و (ثامنوني). (فقال) في نسخة: "قال". (فكان فيه) أي: في الحائط. (ما أقولُ لكم) اسم (كان). (قبور المشركين) بالرفع بدلٌ من (ما أقول) أو بيان له. (وفيه خَرِبٌ) بفتح المعجمة وكسر الراءِ: اسم جنس جمعي واحده: خربة، ككلِم وكلمة، وبكسر المعجمة وفتح الراء، كعنب وعنبة: وهي ما يهدم من الأبنية. ¬
49 - باب الصلاة في مرابض الغنم
(فصفُّوا النخل قبلة المسجد) أي: جهته؛ إذ قبلته -كما سيأتي- كانت في زمانه - صلى الله عليه وسلم - مبنية باللبن ومسقفه بالجريد، وعمده خشب النخل (وجعلوا عضادتيه) أي: عضادتي بابه. (الحجارة) بدل الخشب المعهود؛ لأنَّ عضادتي الباب: هما الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل وشماله وفوقهما العارضة. (يرتجزون) أي: ينشدون الرجز تنشيطًا لنفوسهم؛ ليسهل عليهم العمل. (وهو معهم) حال؛ أي: يرتجز معهم. (وهو يقول: اللهم لا خير إلَّا خير الآخرة .. فاغفر للأنصار والمهاجرة) حال أيضًا، وهو من مشطور الرجز، وفي نسخة: "الأنصار" بدون لام بتضمين (اغفر) معنى استر، واستشكل قوله - صلى الله عليه وسلم - ذلك مع قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [يس: 69] وأجيب: بأن الممتنع عليه - صلى الله عليه وسلم - إنشاء الشعر لا إنشاده، على أن الخليل لم يعد مشطور الرجز شعرًا، بل قيل: إنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك بالتاءِ متحركة فخرج عن وزن الشعر بالكلية. 49 - بَابُ الصَّلاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ (باب: الصلاة في مرابض الغنم) أي: بيان حكمها، وتقدم بيان المرابض. 429 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ: "كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجِدُ". [انظر: 234 - مسلم: 524 - فتح: 1/ 526] (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (ثُمَّ سمعته) أي: قال أبو التياح: ثم سمعت أنسًا، أو قال شعبة:
50 - باب الصلاة في مواضع الإبل
ثُم سمحت أبا التياح. (بعدُ) أي: بعد ذلك القول المطلق. (يقول: كان) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (يصلِّي في مرابض الغنم، قبل أن يُبنى المسجد) أي: النبوي، فقيَّد بالقَبْلِيَّة المفيدة لعدم صلات - صلى الله عليه وسلم - بعد بناء المسجد، نعم ثبت إذنه في ذلك. 50 - بَابُ الصَّلاةِ فِي مَوَاضِعِ الإِبِلِ (باب: الصلاة في مواضع الإبل) أي: باب: بيان حكمه، والمراد: بـ (مواضع الإبل): معاطنها: وهي مباركها للشرب، عللا بعد نهل، وكره الصلاة فيها مالك والشافعي؛ لنفارها السالب للخشوع، أو لكونها خلقت من الشياطين كما واه ابن ماجه (¬1). 430 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ "يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ"، وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ. [507 - مسلم: 502 - فتح: 1/ 527] (أخبرنا سليمان) في نسخة: "حدَّثنا سليمان". (حيان) بفتح المهملة وتشديد التحتية، منصرفٌ وغير منصرفٍ؛ أي؛ ابن خالد الأحمر. (حدَّثنا عبيد الله) في نسخة: "أخبرنا عبد الله". (وقال) في نسخة: "فقال". (يفعله) أي: يصلِّي والبعير في قبلته. ¬
51 - باب من صلى وقدامه تنور أو نار، أو شيء مما يعبد، فأراد به الله
51 - بَابُ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تَنُّورٌ أَوْ نَارٌ، أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُعْبَدُ، فَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ وَأَنَا أُصَلِّي". [فتح: 1/ 527] (باب: من صلَّى وقدامه تنور) هو بفتح الفوقية: ما يتخذ من الطين، ويوضع على جوانب حفيرة يوقد فيها النار إلى أن يحمى، فيخبز فيه، و (التنور) مبتدأ خبره (قدامه) بنصبه على الظرفية، والجملة حال. (أو نار) من عطف العام على الخاص اهتمامًا به؛ لأنَّ عبدتها من المجوس لا يعبدون سواها. (أو شيءٌ مما يعبد) كالأصنام والأوثان. (فأراد) أي: المصلِّي وقدامه شيء مما ذكرنا. (به) أي: بفعله. (الله تعالى) لفظ: (تعالى) ساقط من نسخة، وفي نسخة: "وجه الله تعالى" والمراد: أن صلاته صحيحة، ولا كراهة فيها عند الشافعيِّ ومن وافقه، وكأنه أشار إلى ذلك بقوله: (وقال الزهريُّ ... إلخ). (أنس) في نسخة: "أنس بن مالك). 431 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "أُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَاليَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ". [انظر: 29 - مسلم: 907 - فتح: 1/ 528] (أُريتُ) بضمِّ الهمزة، من رؤية البصر. (النار) أي: الجهنمية. (منظرًا) أي: موضع النظر. (كاليوم) صفة و (منظر) أو لمصدر محذوف أي: رؤية مثل رؤية اليوم. (قط) بتشديد الطاء وتخفيفها ظرف للماضي المنفي، ويقال فيه: قُطُ بضمتين، وأما (قط) بمعنى حسب، فبفتح
52 - باب كراهية الصلاة في المقابر
القاف، وسكون الطاءِ. (أفظع) بالنصب صفة و (منظرًا) وصلة (أفظع) محذوفة أي: منه كالله أكبر، أي: من كل شيءٍ، والفظيع: الشنيع الشديد المجاوز المقدار. وفي الحديث: استحباب صلاة الكسوف، وأن النار مخلوقة اليوم وكذا الجنة. 52 - بَابُ كَرَاهِيَةِ الصَّلاةِ فِي المَقَابِرِ (¬1) 432 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا". [1187 - مسلم: 777 - فتح: 1/ 528] (باب: كراهية الصلاة في المقابر) في نسخة: "كراهة" بدل (كراهية). وكلاهما مصدر كره. (يحيى) أي: القطَّان. (عن عبيد الله) في نسخة: "عن عبيد الله بن عمر". (من صلاتكم) أي: بعضها، وهو مفعول الجعل، وهو هنا متعدٍ ¬
53 - باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب
لواحد كما في {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: من الآية 1] بخلاف ما إذا كان بمعنى التصيير، فإنّه يتعدى لاثنين نحو {جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام: 165] (قبورًا) أي: كالقبور مهجورة من الصلاة شبَّه البيوت التي لا يصلَّى فيها بالقبور التي لا يمكن الموتى من العبادة فيها. 53 - بَابُ الصَّلاةِ فِي مَوَاضِعِ الخَسْفِ وَالعَذَابِ وَيُذْكَرُ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "كَرِهَ الصَّلاةَ بِخَسْفِ بَابِلَ". (باب: الصلاة في مواضع الخسف والعذاب) في نسخة: "موضع" بالإفراد وعطف (العذاب) على (الخسف) من عطف العام على الخاص؛ لأنَّ الخسف من جملة العذاب: وهو المكان المذاهب في الأرض. (بابل) موضعٌ بالعراق قريب من الكوفة، لا ينصرف للعلمية والتأنيث (¬1). 433 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ". [3380، 3381، 4419، 4420، 4702 - مسلم: 2980 - فتح: 1/ 530] (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين) بفتح الذَّال المعجمة؛ أي: ثمود أصحاب الحجر؛ أي: لا تدخلوا ديارهم. (إلا أن تكونوا باكين) شفقة وخوفًا من حلول مثل ذلك. (لا يصيبكم) بالرفع على الاستئناف، ¬
54 - باب الصلاة في البيعة
فإن قلت: كيف يصيب عذابُ الظالمين غيرهم، وقد قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]؟ قلت: لا نسلم امتناع إصابة عذاب الظالم غيره، فقد قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] وأمَّا آية: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ} فمحمولةٌ على عذاب يوم القيامة، ثم لا نسلم أنَّ الذي يدخل موضعهم ولا يتضرع ليس بظالم. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنَّه إذا أمر بالبكاء فيما ذكر دوامًا استلزم أن يكون في الصلاة إذا صلَّى فيها، وهو فيها مكروه، بل لو ظهر منه حرفان أو حرفٌ مفهم أو ممدود بطلت. 54 - بَابُ الصَّلاةِ فِي البِيعَةِ وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ" وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "يُصَلِّي فِي البِيعَةِ إلا بِيعَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ". (باب: الصلاة في البيعة) هي بكسر الباء: معبد النصارى، كالكنائس لليهود، والصوامع للرهبان، والمساجد للمسلمين، ويقال: الكنائس للنصارى أيضًا كالبيعة. (كنائسكم) في نسخة: "كنائسهم" بضمير الغيبة. (التي فيها الصور) محله نصب صفة لـ "كنائسهم" لا لـ (لتماثيل) لأنها الصور، أو على الاختصاص. و (الصور) بالرفع مبتدأ خبره: (فيها) وبالنصب بأعني، وبالجرِّ بدلٌ من التماثيل، أو بيان لها، وفي نسخة: "والصور" بواو العطف على (التماثيل) وسوغه اختلاف اللفظ، وفي أخرى: "الصورة" بدل (الصور).
55 - باب
(إلَّا بيعة فيها تماثيل) أي: فلا يُصلِّي فيها ابن عباس؛ لأنها مأوى الشياطين. 434 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَو الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ". [انظر: 427 - مسلم: 528 - فتح: 1/ 531] (محمد) في نسخة: "محمد بن سلام". (أخبرنا عبدة) في نسخة: "أخبرني عبدة" واسمه: عبد الرحمن بن سليمان. (مارية) بتخفيف الياءِ. (أولئك) بكسر الكاف. (أو الرجل) شكٌّ من الراوي. (تلك) بكسر الكاف، وفي نسخة: "تيك" بياء بدل اللام. وفي الحديث: إشارة إلى كراهة الصلاة فيما ذكر، وفَرَّقَ بينها وبين عدمها في الصلاة إلى ما يعبد من النار، كما مرَّ بأن التصوير حرام بخلاف النار، فإن التحريم ليس فيها بل في عبادتها، وبأن التماثيل تشغل القلب، بخلاف النار. 55 - باب. 435، 436 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. [1330، 1390، 3453، 3454، 4441، 4443، 4444، 5815، 5816 - مسلم: 531، 529 - فتح: 1/ 532]
56 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا"
(باب) ساقط من نسخة. (نزل) بالبناءِ للفاعل، وبالبناءِ للمفعول، والمعنى: لما نزل (برسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم -) أمارة الموت. (طفق) بكسر الفاءِ أكثر من فتحها؛ أي: جعل. (خميصة) كساء له أعلام. (إذا اغتمَّ) أي: تسخن. (وهو كذلك) في حالة الطرح والكشف. (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) بيَّن به سبب لعنهم، واستشكل بأن النصارى ليس لهم إلَّا نبيٌّ واحدٌ، وليس له قبر، وأجيب: بأن الجمع بإزاءِ المجموع من اليهود والنصارى، وهو قريب من التغليب، وبأن المراد بالأنبياء هم وكبراء أتباعه، أو أنه كان فيهم أنبياء أيضًا، لكنهم غير مرسلين كالحواريين. (يحذر ما صنعوا) بيَّن به الراوي حكمة ذكر النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما ذكر في ذلك الوقت. 437 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". [مسلم: 530 - فتح: 1/ 532] (قاتل الله اليهود) أي: قتلهم، أو لعنهم. قال الكرمانيُّ: وخص اليهود بالذكر هنا بخلاف ما تقدم؛ لأنهم استنوا هذا الاتخاذ وابتدءوا به فهم أظلم، أو لأنهم أشدُّ غلوُّا فيه (¬1). 56 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا". (باب: قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا") بفتح الطاءِ على المشهور أي: فيصلِّي على أي جزء كان من أجزائها ويتيمم بترابها. ¬
57 - باب نوم المرأة في المسجد
438 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ هُوَ أَبُو الحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الفَقِيرُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ". [انظر: 335 - مسلم: 521 - فتح: 1/ 533] (لم يعطهنَّ أحدٌ) أي: لم تجمع لأحدٍ. (مسجدًا) أي: موضع سجود في الصلاة وغيرها. (وأَيُّمَا) في نسخة: "فأيُّما". (رجلٍ) مثالٌ، وإلا فالمرأة والخنثى كذلك. (كافة) أي: جميعًا وهو حال. 57 - بَابُ نَوْمِ المَرْأَةِ فِي المَسْجِدِ (باب: نوم المرأة في المسجد وإقامتها فيه) أي: بيان جواز ذلك. 439 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ - أَوْ وَقَعَ مِنْهَا - فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهُوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ، زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: «فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَتْ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ - أَوْ حِفْشٌ -» قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلاَ تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلَّا قَالَتْ: [البحر الطويل] وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا ... أَلاَ إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا مَا شَأْنُكِ، لَا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إلا قُلْتِ هَذَا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الحَدِيثِ. [3835 - فتح: 1/ 533] (عبيد) بضمِّ العين، وفي نسخة: "عبيد الله" وهو اسمه في الأصل. (عن هشام) في نسخة: "عن هشام بن عروة". (أن وليدة) بفتح الواو أي: أمةً لم تسمّ. (فخرجت صبية) لم تسمّ. (لهم) أي: للحيِّ. (وشاح) بكسر الواو، ويقال فيه: إشاح، بكسر الهمزة، وقد تضمُّ الواو والهمزة: وهو ما ينسج من أديم عريضًا، ويرصَّع بالجواهر، تشده المرأة بين عاتقيها وكشحها، ويقال: هو ثوب كالبرد، أو نحوه. (أو وقع منها) شكٌّ من الراوي. (فمرت به) لفظ: (به) ساقط من نسخة. (حُدَيَّاةٌ) بياءٍ مشددة فألف، والأصل: "حديأة" بياء مخففة فهمزة مفتوحة؛ لأنَّه مصغر حدأة بوزن عنبة فأبدلت الهمزة ياءً، وأدغمت الياءُ في الياءِ ثُمَّ أشبعت الفتحة فصارت ألفًا. (فخطفته) بكسر الطاءِ على المشهور. (فالتمسوه) أي: طلبوه وسألوا عنه. (فطفقوا) أي: فجعلوا. (يفتشون) في نسخة: "يفتشوني". (قُبُلَها) أتى فيه بضمير الغيبة؛ لأنَّه من كلام عائشة وإلا فالقياس: قُبُلِي، أو هو من كلام الوليدة؛ على طريق الالتفات، أو التجريد. (زعمتم) مفعولاه محذوفان أي: زعمتموني آخذةً له، أو ما يسدُّ مسدهما؛ أي: إنِّي أخذته. (وهو ذا هو) هو الأول مبتدأ و (ذا) خبره و (هو) الثاني إما خبر بعد خبر، أو تأكيد للأول، أو تأكيد و (ذا) أو بيان له، أو (ذا) مبتدأ ثانٍ وخبره (هو) الثاني، والجملة: خبر المبتدإ الأول، أو خبر (هو) الثاني محذوف؛ أي: حاضر، والجملة: تأكيدٌ للجملة قبلها، أو (ذا) نصب على الاختصاص، أو الأول ضمير
58 - باب نوم الرجال في المسجد
الشأن، وما بعده مفسرة له، و (ذا) إشارة إلى ما ألقته الحُدَيَّاةُ، و (هو) الثاني، عائدٌ إلى (الذي اتهمتموني به) وما صدقهما واحدٌ. (إلى رسول الله) في نسخة: "إلى النَّبيِّ". (فكانت) في نسخة: "فكان". (خباء) بالمدِّ؛ أي: خيمة من صوفِ، أو وبر. (في المسجد) أي: النبويِّ. (أو حفش) بمهملة مكسورة، وفاءِ ساكنة، وشينٍ معجمة أي: بيت صغير، ويطلق أيضًا على وعاء المغازل. (فتحدث) أصله: تتحدث، بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفًا. (تعاجيب) جمع تعجيب، وإن كان مصدرًا؛ لأنَّ المصدر يجمع باعتبار أنواعه، يقال: تعجب به؛ أي: رأى العجب منه، فسقط ما قيل: أنه لا واحد له من لفظه، وفي نسخةٍ: "أعاجيب" بهمزةٍ بدل التاءِ (ألا إنَّه) بتخفيف اللام، وكسر همزة (إنه). وفي الحديث: مبيت من لا مسكن له في المسجد في نحو الخيمة، ولو كان الساكنُ امرأة. والخروج من بلدة جرت فيها فتنة؛ تشاؤمًا بها. 58 - بَابُ نَوْمِ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ وَقَالَ أَبُو قِلابَةَ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا فِي الصُّفَّةِ". [انظر: 233] وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: "كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ الفُقَرَاءَ". (باب: نوم الرجال في المسجد) في نسخة: "نوم الرجل في المسجد" أي: بيان جوازه. (أبو قلابة) هو عبد الله بن زيد. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (من عُكْلٍ) قبيلة من العرب. (في الصُّفَّةِ) هو موضع
مظلل في آخريات المسجدِ النبويِّ، يأوي إليه المساكين. (ابن أبي بكر) زاد في نسخة: "الصِّديق". (أصحابُ الصُّفَّة فقراء) في نسخة: "الفقراء" بالتعريف، وسيأتي قريبًا أنهم كانوا سبعين (¬1). 440 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، "أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [1211، 1156، 3738، 3740، 7015، 7028، 7030 - مسلم: 2479 - فتح: 1/ 535] (يحيى) هو القطَّان. (عبد الله) أي: ابن عمر العمري. (أعزب) أي: لا زوجة له وهي قليلة، وفي نسخة: "عزب" بفتح الزاي، وقيل: بكسرها، وهي اللغة الفصيحة (لا أهل له) مفهومٌ من (أعزب) لكنه ذكره تأكيدًا له، أو أنه أراد بالأهل ما يعمُّ الزوجة والقريب. (في مسجد النَّبيِّ) متعلِّقٌ بـ (ينام). 441 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي البَيْتِ، فَقَالَ: "أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟ " قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ، فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإِنْسَانٍ: "انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟ " فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ فِي المَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُهُ عَنْهُ، وَيَقُولُ: "قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ". [3703، 6204، 6280 - مسلم: 2409 - فتح: 1/ 535] (أين ابن عَمِّك) لم يَقُلْ: أين زوجك، أو عليّ، أو ابن عمِّ أبيك؛ استعطافًا لها على تذكُر القرابة القريبة بينهما؛ لأنَّه فهم أنه جرى بينهما شيءٌ. (قالت) في نسخة: "وقالت" وفي أخرى: "فقالت". (فلم) ¬
في نسخة: "ولم". (يقل) بفتح الياء وكسر القاف: مضارع قَالَ من القيلولة: وهي نوم نصف النهار (¬1)، وفي نسخة: "يُقل" بضمِّ الياءِ. (لإنسان) هو سهل راوي الحديث. (انظر أين هو) لا ينافي قوله في "الأدب": "فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أين ابن عمِّك" قالت: في المسجد. لاحتمال أنه أراد انظر أهو في المسجد كما قالت أو تحوَّل منه. (عن شِقِّه) بكسر الشين أي: جانبه. (أبا تراب) أي: يا أبا تراب. وفي الحديث: الملاطفة بالأصهار، ونوم غير العزب في المسجد. ودخول الوالد بيت ابنته بغير إذن زوجها، والممازحة للغاضب بالتكنية بغير كنيته إذا كان ذلك لا يغضبه، والفضيلة العظمى لعلي. 442 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ". [فتح: 1/ 536] (ابن فضيل) هو محمد بن فضيل بن غزوان. (قال: رأيتُ) في نسخة: "قال: لقد رأيتُ". (سبعين من أهلِ الصُّفَّةِ) هُمْ غير السبعين الذين استشهدوا ببئر معونة؛ لأنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة. (رداء) هو ما يكسو أعالي البدن. (إزار) هو ما يكسو النصف الأسفل. (وإما كساءٌ، قد ربطوا) أي: ربطوه. (فمنها) أي: من الأكسية المفهومة من (كساء). فيكسوه؛ أي: الواحد منهم. ¬
59 - باب الصلاة إذا قدم من سفر
أي: من الأكسية المفهومة من (كساء). فيكسوه؛ أي: الواحد منهم. 59 - بَابُ الصَّلاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ". [انظر: 2757] (باب: الصلاة) أي: سنها في المسجد. (إذا قدم من سفر) أي: قدم الشخص على أهله. 443 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ - قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ قَالَ: ضُحًى - فَقَالَ: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ" وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي. [1801، 2097، 2309، 2385، 2394، 2406، 2470، 2603، 2604، 2718، 2861، 2967، 3087، 3089، 3090، 4052، 5079، 5080، 5243، 5244، 5245، 5246، 5247، 6705، 6387 - مسلم: 715 - فتح: 1/ 537] (أراه) بضمِّ الهمزة أي: أظنُّه. (صلَّى ركعتين) هما للقدوم من السفر، لا تحية للمسجد، لكنها تحصل بهما. (وكان لي عليه دين) أي: زنة أوقية، وفي نسخة: "وكان له عليه دين" وعليها ففي قوله: "فقضاني" التفات. 60 - بَابُ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ (باب: إذا دخل المسجد) في نسخة: "إذا دخل أحدكم المسجد". (فليركع ركعتي) زاد في نسخة: "قبل أن يجلس". 444 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
61 - باب الحدث في المسجد
قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ". [1163 - مسلم: 714 - فتح: 1/ 537] (إذا دخل أحدكم المسجد) أي: وهو متوضِّئ. (فليركع) أي: فليصلِّ ندبًا. (ركعتين) أي: تحية المسجد، فلو جلس شرع تداركهما إن جلس ناسيًا، وقصر الفصل وإلا فلا، ولا تشرع التحية لداخل المسجد الحرام؛ لاشتغاله بالطواف، واندراجها تحت ركعتيه، ولا لمن اشتغل إمامه بالفرض، ولا لمن دخل وقد شرع المؤذن في إقامة الصلاة، أو قرب إقامتها، ولا للخطيب يوم الجمعة عند صعوده المنبر. 61 - بَابُ الحَدَثِ فِي المَسْجِدِ (باب: الحدث الحاصل في المسجد) أهو مكروه أم لا؟ 445 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ". [انظر: 176 - مسلم: 362، 649 - فتح: 1/ 538] (الملائكة) في نسخة: "إن الملائكة". (تصلِّي) أي: تستغفر وتدعو، كما يشير إليها كلامه بعد. (مصلاه) أي: مكان صلاته. (تقول: اللهمَّ اغفر له، اللهم ارحمه) بيان لصلاة الملائكة، والفرق بين المغفرة والرحمة أن المغفرة: ستر الذنوب، والرحمة: إفاضة الإحسان. والحدث في المسجد، كما قال ابن بطَّال: خطيئة، يُحْرَمُ بها المحدث استغفار الملائكة، ودعائهم المرجو بركته، وهو عقابٌ له بما اذاهم به من الرائحة الخبيثة، وخطيئته أشد من خطيئة النخامة في
62 - باب بنيان المسجد
المسجد؛ لأنَّ لتلك كفارة وهو دفنها، بخلاف هذه (¬1). 62 - بَابُ بُنْيَانِ المَسْجِدِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "كَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ" وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ وَقَالَ: "أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ" وَقَالَ أَنَسٌ: "يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لَا يَعْمُرُونَهَا إلا قَلِيلًا" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى". [فتح: 1/ 539] (باب: بنيان المسجد) أي: النبوي؛ أي: بيان [كيفيه] (¬2) بنيانهِ. (من جريد النخل) الجريد: ما جرد عنه الخوص، فإن لم يجرد فسعفٌ. (أكن النَّاس) بفتح الهمزة وكسر الكاف: أمرٌ من أكنَّ الرباعيِّ، أي: اصنع لهم كِنًّا بالكسر: وهو ما يسترهم من الشمس ونحوها، وفي نسخة: "كن" بحذف الهمزة وكسر الكاف، من كنيتُ الشيءَ: سترته، فهو أمر من الثلاثي، وفي أخرى: "كن" بحذف الهمزة وضمّ الكاف على أنه من كنَّه فهو مكنون: أي: صانه فـ (النَّاس) مرفوع. (فتفتن) بفتح الفوقية، من فتن يفتن، وقيل: بضمِّ الفوقية من أفتن، وأنكره الأصمعيُّ. (يتباهون) من المباهاة؛ أي: يتفاخرون. (بها) أي: بالمساجد. (إلا قليلًا) بنصبه، ويجوز رفعه على البدل من ضمير الفاعل ¬
في (يعمرونها). (لتزخرفنها) بفتح لام القسم، وبضم الفاءِ؛ لتدل على واو الضمير المحذوفة عند اتصال نون التأكيد (¬1)، من الزخرفة: وهي الزينة بالذهب ونحوه. (كما زخرفت اليهود والنصارى) أي: كنائسهم وبيَعَهُم. واستنبط من ذلك: كراهة زخرفة المساجد؛ لاشتغال قلب المصلِّي بها أو لصرف المال في غير وجهه، لكن إن وقع ذلك من غير بيت المال على سبيل التعظيم للمساجد فلا بأس به. 446 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ " أَنَّ المَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ: وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّبِنِ وَالجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً: وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ، وَالقَصَّةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ". [فتح: 1/ 540] (يعقوب بن إبراهيم) أي: "ابن سعد" كما زاده في نسخة. (حدثني أبي) في نسخة: "حدثنا أبي". (أن عبد الله) أي: "ابن عمر" كما في نسخة. (أن المسجد) أي: النبويَّ. (على عهد رسول الله) في نسخة: "على عهد النَّبيِّ". (باللبن) بفتح اللام وكسر الموحدة: الطوب النّيُّء. ¬
63 - باب التعاون في بناء المسجد
(وعُمُده) بضمتين وبفتحتين. (وأعاد عمده خشبًا) أي: جددها خشبًا؛ لأنها تلفت. (وبنى جداره بالحجارة المنقوشة) أي: بدل اللبن، وفي نسخة: "بحجارة منقوشة". (والقصة) بفتح القاف والصاد المهملة: الجصُّ بفتح الجيم وكسرها، بلغة أهل الحجاز، وهو الذي يسميه أهل مصر: جيرًا. (وسقفه بالساج) [بفتح السين القاف عطفٌ على (جعل) في نسخة، (¬1): بفتح السين عطف على (عمده) وفي أخرى: بتشديد القاف، والساج بالجيم: ضرب من الشجر يؤتى به من الهند. 63 - بَابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ [وَقَولِ الله - عزَّ وجلَّ -] {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ}. [التوبة: 17 - 18] (باب: التعاون في بناء المسجد) في نسخة: "في بناء المساجد". ({مَا كَانَ}) في نسخة: "وقول الله تعالى: {مَا كَانَ} " وفي أخرى: "وقول الله - عزَّ وجلَّ -: {مَا كَانَ} ". ({أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ}) [التوبة: 17] أي: شيئًا منها، فضلًا عن المسجد الحرام، وقيل: هو المراد، وإنما جمع؛ لأنَّه قبلة المساجد وإمامها فعامره، كعامرها ويدلُّ له قراءة ابن كثير وأبي عمر ويعقوب بالتوحيد. ({شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17] ¬
أي: بإظهار الشرك، وتكذيب الرسول، والمعنى: ما صحَّ لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة بيت الله، وعبادة غيره. ({أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}) أي: التي يفتخرون بها؛ لأنَّ الكفر يذهبُ ثوابها. ({فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] أتى بعسى في قوله ({إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} إلخ؛ إشارة إلى منع المؤمنين المتصفين بما ذكر من الاغترار والاتكال على الأعمال، وإلى ردع الكفار وتوبيخهم بالقطع في زعمهم أنهم مهتدون، فإن المؤمنين مع اتصافهم بما ذكر إيمانهم دائرٌ بين عسى ولعلَّ، فما ظنُّكَ بمن هو أضلُّ من البهائم. وفي نسخة: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} [التوبة: من الآية 17] "، وفي أخرى: ذلك مع زيادة الآية وفي أخرى: " {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} " إلى قوله: {مِنَ الْمُهْتَدِينَ}. 447 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: "وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ" قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ". [2812 - فتح: 1/ 541] (الحذَّاء) بتشديد الذَّال المعجمة. (قال لي ابن عبّاس) أي: عبد الله. (ولابنه) عطف على (لي) والضمير فيه لابن عبّاس. (على) صفة لابنه فهو اسمه، وكنيته: أبو الحسن، وُلد يوم قُتِلَ عليّ بن أبي طالب، فسمِّي باسمه. (انطلقا إلى
أبي سعيد) أي: الخدريِّ. (فاسمعا) في نسخة: "واسمعا". (في حائط) أي: بستان، سمِّي بذلك؛ لأنَّه لا سقف له. (فاحتبى) بحاءٍ مهملة، أي: جمع ظهره وساقيه بنحو عمامة، وقد يحتبي بيديه. (ثم أنشأ) أي: شرع. (حتَّى أتى ذكر) في نسخة: "حتَّى إذا أتى على ذكر". (بناء المسجد) أي: النبويَّ. (عمَّار) أي: ابن ياسر. (فينفض) أتى بصيغة المضارع في موضع الماضي؛ لاستحضاره ذلك في نفس السامع كأنَّه شاهده، وفي نسخة: "فجعل ينفض" وفي أخرى: "فنفض". (ويقول) عطفٌ على (ينفض) وقياس النسخة الثالثة أن يقول: وقال. (ويح) كلمة رحمة لمن وقع في هلكة لا يستحقُّها، كما أن (ويل) كلمة عذاب لمن يستحقه، وهما منصوبان إذا أضيفا بإضمار فعل، وكذا إذا نُكِّرا نحو: ويحًا لزيد وويلًا له، ويجوز: ويحٌ لزيد وويلٌ له، بالرفع على الابتداء. (تقتله الفئة الباغية) ساقط من نسخة. والفئة الباغية في الاصطلاح الفقهي: فرقة خالفت الإمام، بتأويلٍ باطلٍ ظنًّا وبمتبوع مطاع وشوكة يمكنها مقاومته، وهي هنا أصحاب معاوية، الذين قتلوا عمَّارًا في وقعة صفين وهم أهل الشام. (إلى الجنة) أي: إلى سببها وهو الطاعة. (إلى النار) أي: إلى سببها وهو المعصية، قيل: في قاتليه صحابة فكيف جاز لهم أن يدعوه إلى النار، وأجيب: بأنهم يظنون أنهم يدعونه إلى الجنة باجتهادهم، فهم معذورون بظنهم أنهم يدعونه إلى الجنة، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك، فلا لوم عليهم في اتباع ظنهم؛ لأنَّ المجتهد إذا أصاب
64 - باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد
فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر. وفي الحديث: أن التعاون في بناءِ المسجد من أفضل الأعمال؛ لأنَّ أجره يبقى بعد موته، ومثله حفر الآبار، وتحبيس الأموال، وأن العالم يتهيأ للحديث ويجلس له جلسته، وأن العالم يبعث ابنه إلى عالم آخر؛ لأنَّ العلم لا يحوي جميعه أحدٌ، وأن لفاعلِ البرِّ أن يأخذ بالأشقِّ فيه. وفيه: علامة النبوة بإخباره - صَلَّى الله عليه وسلم - بما يكون، واستحباب الاستعاذة من الفتن، وإنْ علم المرءُ أنه يتمسك فيها بالحقِّ؛ لأنها قد تفضي إلى ما لا يظن وقوعه. وفيه: ردٌّ على ما اشتهر ولا أصلَ له. وفيه: "لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين وإصلاح البساتين، وإكرام الرئيس المرءوس" (¬1). 64 - بَابُ الِاسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ المِنْبَرِ وَالمَسْجِدِ (باب: الاستعانة بالنجار والصناع) عطفهم على النجار من عطف ¬
العامِّ على الخاصِّ. (في أعواد المنبر والمسجد) متعلقٌ بـ (الاستعانة). 448 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى امْرَأَةٍ: "مُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ". [انظر: 377 - مسلم: 544 - فتح: 1/ 543] (قتيبة) في نسخة: "قتيبة بن سعيد". (عبد العزيز) أي: ابن أبي حازم. (عن أبي حازم) في نسخة؟ "حدثني أبو حازم". (إلى امرأة) اسمها: عائشة. (أن) مفسرة كأي. (غلامك النجَّار) اسمه: باقوم، أو ميمون، أو مينا، أو قبيصة. (يعمل) بالجزم جواب الأمر. (أعوادًا) أي: منبرًا مركبًا منها. 449 - حَدَّثَنَا خَلَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتِ" فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ. [918، 2095، 3584، 3585 - فتح: 1/ 543] (خلاد) أي: ابن يحيى بن صفوان السلمي. (عن جابر) زاد في نسخة: "ابن عبد الله". (ألا) مركبة من همزة الاستفهام ولا النافية. (إن شئت) جوابه محذوف؛ أي: عملت. (فعملت) أي: أمرت بعمله. وليس في الحديث ما يدلُّ على الشقِّ الثاني من الترجمة، إما اكتفاءً بالنجار، أو أراد أن يذكر حديثًا فلم يتفق له، ثم وجه الجمع بين الحديثين من حيث: أن ظاهرهما التعارض؛ لأنَّ في الأوَّلِ أنه سأل المرأة، وفي الثاني: أنها سألتها إنه يحتمل أنها سألته] (¬1) فلما أبطأ الغلام سألها إتمامه، أو ¬
65 - باب من بنى مسجدا
أرسل إليها؛ ليعرفها صفة ما يصنع الغلام. 65 - بَابُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا 450 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْرًا، حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الخَوْلانِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ - بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ". [مسلم: 533 - فتح: 1/ 544] (باب: من بنى مسجدًا) أي: باب بيان فضله. (حدثني ابن وهب) في نسخة: "حدَّثنا ابن وهب" واسمه: عبد الله. (حديثه) في نسخة "أخبره". (عند قول النَّاس فيه) أي: في عثمان: أي: إنكارهم عليه تغيير المسجد وبناءه بالحجارة المنقوشة والقصة. (إنكم أكثرتم) أي: الكلام في الإنكار عليَّ فيما فعلته. (سمعت النبيَّ) في نسخة: "سمعت رسول الله". (قال بكير) هو مع مقوله مدرج بين الشرط وجزائه. (مثله) أي: في مسمَّى المسجد لا في صفته، فوجه المماثلة مع أن الحسنة بعشر أمثالها: أن ذلك إما قبل نزول آية: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} [الأنعام: 160] أو المثلية بحسب [الكمية، والزيادة بحسب (¬1)] الكيفية، أو أن التقييد بها لا يدل على نفي الزيادة. ¬
66 - باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد
66 - بَابُ يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ 451 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا"؟. [7073، 7074 - مسلم: 2614 - فتح: 1/ 546] (باب) ساقط من نسخة. "يأخذ بنصول النبل إذا مرَّ في المسجد" النبل: بفتح النون وسكون الموحدة: السهام العربية، وفي نسخة: "يأخذ بنصال النبل" وفي أخرى: "يأخذ نصول النبل". (قتيبة) زاد في نسخة: "ابن سعيد". (سفيان) أي: ابن عيينة. (قلت لعمرو) أي: ابن دينار. (أسمعت .. إلخ) لم يذكر جوابه في أكثر النسخ، وذكره في نسخة بقوله: "فقال: نعم". (مرَّ رجلٌ) لم يسم. (في المسجد) [أي: النبوي] (¬1) (ومعه سهام) ي: قد أبدى نصولها. وفي الحديث: جواز إدخال السلاح المساجد، وتعظيم حرمة المسلم، حيث خَشِيَ عليه الصلاة والسلام أن يؤذيَ الداخلُ بالسهام أحدًا. 67 - بَابُ المُرُورِ فِي المَسْجِدِ 452 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ، فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لَا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا". [7075 - مسلم 2615 - فتح: 1/ 547] ¬
68 - باب الشعر في المسجد
(باب: المرور في المسجد) أي: جواز مروره بالسهام إذا أمسك بنصالها. (أو أسواقنا) (أو) للتنويع لا للشكِّ. (على نصالها) زاد في نسخة: "بكفه" وعُدِّيَ (أخذ) بعلى؛ لتضمينه معنى استعلى مبالغة. (لا يعقر) مرفوعٌ على الاستئناف، أو مجزوم جواب الأمر. (بكفِّه) قال الكرمانيُّ: متعلِّقٌ بقوله: (فليأخذ) لا بـ (يعقر) إذ لا يتصور العقر بالكفِّ ولهذا وقع في بعضها لفظ: (بكفه) مقدمًا على لفظ: (لا يعقر) قال ويحتمل أن يراد من الكفِّ: اليد؛ أي: لا يعقر بيده؛ أي: باختياره (مسلمًا) أو يراد منه كف النفس؛ أي: لا يعقر بكفِّه نفسه عن الأخذ؛ أي: لا يجرح بسبب تركه أخذ النصال مسلمًا (¬1). 68 - بَابُ الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ (¬2) 453 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ ¬
الأَنْصَارِيَّ، يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. [3212، 6152 - مسلم: 2485 - فتح: 1/ 548] (باب: الشعر في المسجد) أي: جواز إنشاده فيه. (حسَّان) يصرف ويمنع؛ بناءً على أنه مشتقٌّ من الحسن، أو الحسن (يستشهد أبا هريرة) أي: يطلب منه الشهادة، أو الإخبار فأطلق عليه الشهادة؛ مبالغة في تقوية الخبر، والجملة حالٌ من (حسانٍ). (أنشدك الله) بفتح الهمزة وضمِّ الشين: أي: أسألك بالله. (أجب عن رسول الله) أي: أجب عنه الكفار، إن جعل من إجابة السؤال، وإلا فعدَّاه بمن؛ لتضمينه معنى ادفع، ثُمَّ يحتمل: أن حسَّان نقل ذلك بالمعنى، وكان القياس: أجب عنِّي فعبَّر عنه بذلك؛ تعظيمًا، أو أنه - صلى الله عليه وسلم - نطقَ به كذلك تربية للمهاب، وتقوية لداعي المأمور، كقوله تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: من الآية 159] وقول الخليفة: رسم بكذا. (أيده) أي: قُوِّه. (بروح القدس) أي: جبريل، وجملة: (اللهمَّ أيده بروح القدس) دعاء من النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. (قال أبو هريرة: نعم) أي: سمعته يقول ذلك، قيل: ليس في الحديث أن حسَّان أنشد شعرًا في المسجد، فلا يطابق الترجمة، وأجيب: بأن روايته في بدء الخلق يدلُّ على أن قوله: (أجب عن رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم -) كان في المسجد، وأن حسَّان أنشد فيه ما أجاب به المشركين، ولفظها: مرَّ عمر في المسجد وحسان ينشد فزجره، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خبر منك، ثم التفت
69 - باب أصحاب الحراب في المسجد
إلى أبي هريرة، وقال: أنشدك الله الحديث (¬1). وبذلك عُلم جواز إنشاد الشعر في المساجد، وهو محمولٌ على الشعر الحقِّ. وأما خبر ابن خزيمة: (نَهَى رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم - عن تناشد الأشعار في المساجد (¬2). فضعَّفه جماعةٌ، وبتقدير صحته، هو محمولٌ على الشعر الباطل، كما حمل عليه خبر الصحيحين: "لأنَّ يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا" (¬3) وحمل بعضهم على من يمتلئ قلبه شعرَا حتَّى يغلب على اشتغاله به عن القرآن والذكر، والحاصل: أن إنشاد الشعر جائز بلا كراهة إن كان حقًّا، ومكروه كراهة تحريم إن كان باطلًا، ومكروه كراهة تنزيه إذا غلب عليه اشتغالٌ به عن القرآن والذكر. 69 - بَابُ أَصْحَابِ الحِرَابِ فِي المَسْجِدِ 454 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ". [455، 950، 988، 2907، 3530، 5190، 5236 - ¬
70 - باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد
مسلم: 892 - فتح: 1/ 549] (باب: أصحاب الحراب في المسجد) أي: جواز دخولهم فيه، ونصال حرابهم مشهورة. (عن صالح) في نسخة: "صالح بن كيسان". (يلعبون في المسجد) أي: للتدريب على مواقع الحروب، والاستعداد للعدو، ومن ثَمَّ جاز فعله في المسجد؛ لأنَّه من منافع الدين. (أنظُرُ إلى لعبهم) أي: وآلاتهم دون ذواتهم؛ إذ نظر الأجنبية إلى الأجنبيِّ حرام. 455 - زَادَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ". [انظر: 454 - مسلم: 892 - فتح: 1/ 549] (زاد ابن إبراهيم) في نسخة: "وزاد إبراهيم". (حدَّثنا ابن وهب) في نسخة: "حدثني ابن وهب" وفي أخرى: "حديثه ابن وهب). (يونس) أي: ابن يزيد الأيلي. (بحرابهم) هذه اللفظة هي التي زادها ابن المنذر، وبها تحصل المطابقة بين الترجمة والحديث. 70 - بَابُ ذِكْرِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى المِنْبَرِ فِي المَسْجِدِ (¬1) 456 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، ¬
عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلاءُ لِي، وَقَالَ أَهْلُهَا: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِيَ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا، وَيَكُونُ الوَلاءُ لَنَا - فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ" ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ - وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ - فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا، لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ"، قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ يَحْيَى، وَعَبْدُ الوَهَّابِ: عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، نَحْوَهُ، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ: أَنَّ بَرِيرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ صَعِدَ المِنْبَرَ. [1493، 2155، 2168، 2536، 2560، 2561، 2563، 2564، 2565، 2578، 2717، 2726، 2729، 2735، 5097، 5279، 5284، 5430، 6717، 6751، 6754، 6758، 6760 - مسلم: 1504 - فتح: 1/ 550] (باب: ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد) في نسخة: "على المنبر والمسجد" وعُدِّيَ فيه (ذكر) بـ (على) بالنسبة إلى المسجد؛ لتضمينه معنى الاستعلاء، أو أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، أو هو من باب: علفتها تبنًا وماءً وباردًا (¬1). (سفيان) أي: ابن ¬
عيينة. (عن يحيى) أي ابن سعيد الأنصاري. (عن عمرة) أي: بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. (أتتها بريرة) هي بنت صفوان وفيه التفات؛ إذ الأصل أن تقول: "أتتني" أو القائل عمرة، وحينئذٍ فلا التفات. (تسألها في كتابتها) لم يقل: عن كتابتها؛ لأنَّ السؤال سؤال استعطاء لا استخبار؛ أي: جاءت تستعطيها، أو تستعين في كتابتها، وهي عقد عتق على الرقيق بمال يؤديه في نجمين فأكثر. (أهلك) أي: مواليك، وهو المفعول الأول لـ (أعطيت)، والثاني محذوف؛ أي: ما عليها من النجوم، وهو تسع أواقٍ؛ لخبر الشيخين: "فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواقِ في كل عام أوقية، فأعينيني فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم، ويكون ولاؤك لي فعلت" (¬1) وقيل: المحذوف: ما بقي عليها من النجوم، وهو خمس أواقٍ. ورد بما رواه البُخاريّ في: الشروط في البيع (¬2)، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا. (قال سفيان) أي: ابن عيينة. (ذكرته) أي: ذكرت له؛ أي: للنبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -، فحذف الجار وأوصل الضمير بالفعلِ، والتاء إما مضمومة فيكون من لفظ عائشة، أو ساكنة فيكون من كلام الراوي، أو من كلام عائشة على تجريدها من نفسها ما عادت ضمير الغيبة عليه. (ذلك) أي: ما وقع. فقال النَّبيُّ - صَلَّى الله عليه وسلم - أمَّا بعد (فقال) ساقط من نسخة. (فإن الولاء) في ¬
71 - باب التقاضي والملازمة في المسجد
نسخة: "فإنما الولاء". (فصعد) بكسر العين بدل (ثم قام). إما بال) أي: شأن. (أقوام) كنَّى به عن الفاعل؛ إذ من خلقه العظيم أنه لا يواجه أحدًا بما يكره. (ليست) أي: الشروط، وفي نسخة: "ليس" أي: الاشتراط المفهوم من الشروط. (كتاب الله) أي: في اللوح المحفوظ، أو في حكم الله، يعني: أنها ليست في كتاب الله بواسطة، نحو: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] أو بغير واسطة، كمنصوصات القرآن. (فليس له) أي: فليس ذلك المشروطُ له شرط؛ إذ لا يستحقه. (وإن اشترط مائة مرَّة) ذكره للمبالغة، لا لقصد عين هذا العدد. (قال عليّ) أي: ابن المديني. (قال يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (وعبد الوهاب) أي: ابن عبد المجيد، وفي نسخة: "قال أبو عبد الله: قال يحيى وعبد الوهاب". (عن عمرة) أي: المذكورة. زاد في نسخة: "نحوه" أي: نحو الحديث المذكور. (وقال جعفر .. إلخ) أفاد به التصريح بسماع كل من يحيى وعمرة. (رواه مالك) في نسخة: "ورواه مالك". (ولم يذكر سعد المنبر) في نسخة: "ولم يذكر سعد على المنبر". وفي الحديث: جواز بيع المكاتب إذا عجز نَفْسَهُ، وأنه لا يعتق بمجرد الكتابة. 71 - بَابُ التَّقَاضِي وَالمُلازَمَةِ فِي المَسْجِدِ 457 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي
حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: "يَا كَعْبُ" قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا" وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَيِ الشَّطْرَ، قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "قُمْ فَاقْضِهِ". [471، 2418، 2424، 2706، 2710 - مسلم: 1558 - فتح: 1/ 551] (باب: التقاضي) أي: مطالبة الغريم بقضاءِ الدين. (والملازمة) أي: للغريم لأجل طلب الدين. (في المسجد) تنازعه التقاضي والتلازم. (حدَّثنا عبد الله) في نسخة: "حدثني عبد الله". (يونس) أي: ابن يزيد. (ابن أبي حدرد) بمهملات، مفتوح الأول ساكن الثاني، واسمه: عبد الله بن سلامة الأسلمي. (دينًا) منصوب بنزع الخافض؛ أي: بدين؛ لأنَّ تَفَاعلَ إذا كان من المتعدي إلى مفعولين، كما هنا، لا يتعدى إلَّا إلى مفعولٍ واحد، وهو هنا (ابن أبي حدرد) وكان أوقيتين، كما في الطّبرانيّ (¬1). (في المسجد) أي: النبوي، وهو متعلِّقٌ بـ (تقاضى). (أصواتهما) من باب: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: من الآية 4] أو جمع باعتبار أنواع الصوت. (سجف حجرته) بكسر السين وفتحها وسكون الجيم؛ أي: سترها أو بابها. (لبيك) تثنية للتكثير؛ أي: إقامة على طاعتك بعد إقامة. (الشطر) أي: النصف، وهو: تفسيرٌ لقوله (هذا). (قم) خطابٌ لابن أبي حدرد. وفي الحديث: جواز المخاصمة في المسجد في الحقوق، ¬
72 - باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان
والمطالبة بالديون، والحض على الحظ عن المعسر. والقضاء بالصلح إذا رآه السلطان صلاحًا. وقيام الإشارة مقام النطق إذا فهمت، والملازمة في التقاضي، والشفاعة إلى صاحب الحق. والإصلاح بين الخصمين، وحسن التوسط، وقبول الشفاعة في غير معصية، وإسبال الستور عند الحجرة. ورفع الصوت في المسجد؛ أي: عند الحاجةِ إليه ووقوع سببه فيه، فلا يشكل بخبر: "ولا ترفع فيه الأصوات" (¬1)؛ لأنَّ ذاك بتقدير صحته محله إذا خلي عن ذلك. 72 - بَابُ كَنْسِ المَسْجِدِ وَالتِقَاطِ الخِرَقِ وَالقَذَى وَالعِيدَانِ 458 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَو امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: "أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ - أَوْ قَالَ قَبْرِهَا - فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا" [460، 1337 - مسلم: 956 - فتح: 2/ 522] (باب: كنس المسجد والتقاط الخرق والعيدان والقذى) بالمعجمة: ما يسقط في العين والشراب، وعطفه على ما قبله من عطف العام على الخاص، وزاد في نسخة: "منه" أي: من المسجد. (إنَّ رجلًا) لم يسم. (أو امرأة) اسمها أمُّ محجن، وقيل: محجنة، والشك من أبي هريرة، أو من أبي رافع، أو من ثابت. (كان يقمُّ) بضم القاف أي: يكنس القمامة: وهي الزبالة. (فسأل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -) أي: النَّاس. ¬
73 - باب تحريم تجارة الخمر في المسجد
(عنه) أي: عن حاله. (قال) في نسخة: "فقال". (آذنتموني) بالمدِّ؛ أي: أعلمتموني. (فأتى قبره) في نسخة: "فأتى قبرها". (فصلَّى عليها) في نسخة: "فصلَّى عليه". ووجه دلالة الحديث على التقاط ما ذكر في الترجمة: القياس على الكنس. وفي الحديث: الحضُّ على كنس المساجد؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - حضَّ على الصلاة عليه بعد دفنه لما كان يفعل، وقد روي أنه - صلى الله عليه وسلم - كنس المسجد (¬1)، وفيه السؤال عن الخادم والصديق، وافتقاده إذا غاب، والمكافأة بالدعاء والترحم، والرغبة في شهود جنائز الصالحين، وندب الصلاة على المدفون، والإعلام بالموت، وأنه لا يصلَّى عليه إلَّا عند القبر إذا كان حاضرًا. 73 - بَابُ تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المَسْجِدِ 459 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا، "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَسْجِدِ فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الخَمْرِ". [2084، 2226، 4540، 4541، 4542، 4543 - مسلم: 1580 - فتح: 1/ 553] (باب: تحريم تجارة الخمر) أي: ونحو الخمر كالنبيذ. (في المسجد) متعلِّقٌ بـ (تحريم) لا بـ (تجارة)، والمراد: أن بيان تحريمها كان في المسجد، لا أن تحريمها مختصٌّ به؛ لأنها حرام في المسجد وغيره. ¬
74 - باب الخدم للمسجد
(عن أبي حمزة) بالمهملة والزاي: محمد بن ميمون السكريِّ. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن مسلم) هو ابن صبيح، بضمِّ المهملة، وفتح الموحدة: أبو الضُّحَى الكوفيِّ. (عن مسروق) هو ابن الأجدع الكوفيِّ. (أنزل) في نسخة: "أنزلت" وفي أخرى: "نزلت". (في الربا) بالقصر من ربا يربو زاد، فيكتب بالألف وأجاز الكوفيون كتبه بالياء لكسر أوله، وقد كتب في المصحف بالواو، كالصلاة للتفخيم، وزيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع. (حرم تجارة الخمر) أي: بيعها وشراءها لنجاستها، قال القاضي عياض: تحريم الخمر؛ أي: شربها سابقٌ على آيات الربا (¬1)، فيحتمل أن هذا النهي تأخر عن تحريمها، أو أنه أخبر بتحريم تجارتها مرتين عند تحريمها، وعند نزول آيات الربا توكيدًا، ومبالغة في إشاعته، وربما حضر ثانيًا من لم يحضر أولًا. 74 - بَابُ الخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا لِلْمَسْجِدِ يَخْدُمُهَا". (باب: الخدم) بفتح الخاء والدال جمع خادم. (للمسجد) في نسخة: "في المسجد". (وقال ابن عباس) فيما حكاه الله عن حمنة أم مريم. " {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} [آل عمران: 35] أي: عتيقًا وفي نسخة بعد في بطني: "يعني: محررًا". (للمسجد) أي: الأقصى. ¬
75 - باب الأسير - أو الغريم - يربط في المسجد
(تخدمه) أي: المسجد، وفي نسخة: "تخدمها" أي: المساجد، أو الأرض المقدسة، أو الصخرة. 460 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً - أَوْ رَجُلًا - كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ - وَلَا أُرَاهُ إلا امْرَأَةً - فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهَا". [انظر: 458 - مسلم: 956 - فتح: 1/ 554] (حماد) في نسخة: "حماد بن زيد". (ثابت) [أي: البناني] (¬1). (كانت تقم المسجد) في نسخة: "كان يقم المسجد". (ولا أراه) بضمِّ الهمزة؛ أي: لا أظنه. (على قبره) في نسخة: "على قبرها". وفي أخرى "على قبر". 75 - بَابُ الأَسِيرِ - أَو الغَرِيمِ - يُرْبَطُ فِي المَسْجِدِ 461 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي"، قَالَ رَوْحٌ: "فَرَدَّهُ خَاسِئًا". [1210، 3284، 3423، 3423، 4808 - مسلم 514 - فتح: 1/ 554] (باب: الأسير أو الغريم) (أو) للتنويع، وفي نسخة: "والغريم" بواو العطف. (يربط في المسجد) أي: يباح ربطه فيه. ¬
(أخبرنا روح) أي: ابن عبادة، وفي نسخة: "حدثنا روح". (محمد بن جعفر) هو المشهور بغندر. (إن عفريتا) هو الشديد المبالغ في كل شيءٍ. (من الجنِّ) بيان له. (تفلَّت) أي: تعرض فلتة أي: فجأة. (البارحة) هي أقرب ليلة مضت. (أو كلمة نحوها) أي: نحو (تفلت على البارحة) كقوله في الرواية الآتية آخر الصلاة (¬1): "عرض لي فشد عليَّ". (فأردت) في نسخة: "وأردت". (أن أربطه) بكسر الموحدة. (فتصبحوا) أي: تدخلوا في الصباح، فهي تامة لا تحتاج إلى خبر. (كلكم) بالرفع توكيد للضمير المرفوع. (فذكرت قول أخي) في النبوة. (سليمان) أي: ابن داود. ({قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي} [ص: من الآية 35] مقول قول (أخي) وفي نسخة: "رب هب لي" وفي أخرى: "هب لي" وزاد في أخرى: بعد {من بعدي}: {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: من الآية 35]. (خاسئًا) أي: مطرودًا مبعدًا، ووجه دلالة الحديث على ربط الغريم: القياس على الأسير. وفي الحديث: أن رؤية البشر للجن جائزةٌ، وأما قوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: من الآية 27] فجري على الغالب، أو المنفي رؤيتنا لهم حال رؤيتهم لنا لا مطلقًا، وأن أصحاب سليمان كانوا يرونهم وهو من دلائلِ نبوتهِ، ولولا مشاهدتهم إِيَّاهم لم تقم له الحجَّة عليهم، وأعلم أنهم يتشكلون في صور شتى كصورة الإنس، ¬
76 - باب الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير أيضا في المسجد
والبهائم والحيَّات والعقارب والطير. 76 - بَابُ الاغْتِسَالِ إِذَا أَسْلَمَ، وَرَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضًا فِي المَسْجِدِ وَكَانَ شُرَيْحٌ: "يَأْمُرُ الغَرِيمَ أَنْ يُحْبَسَ إِلَى سَارِيَةِ المَسْجِدِ". (باب: الاغتسال) أي: اغتسال الكافرِ. (إذا أسلم) أي: بعد إسلامه. (وربط الأسير أيضًا) عطفٌ على الاغتسال. (في المسجد) متعلّقٌ بربط الأسير. 462 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. [469، 2422، 2423، 4372 - مسلم: 1764 - فتح: 1/ 555] (وكان شريحٌ) بمعجمة ثمَّ بمهملة آخره: ابن الحارث الكنديُّ. (يأمر الغريم) أي: بالغريم، كما في: أمرتك الخير؛ أي: به. (أن يُحبس) ببنائه للمفعول بدل اشتمال من (الغريم) وفي نسخة: "أن يحبس" بالبناءِ للفاعل؛ أي: يأمر الغريم بأن يحبس نفسه، فعليها الباءُ محذوفةٌ منه لا من (الغريم). (إلى سارية المسجد) تمامه: إلى أن يقوم بما عليه، فإن أعطى الحق، وإلَّا أمر به إلى السجن، و (إلى) بمعنى مع (¬1)، أو ضُمِّن (يحبس) معنى يضم، فَعُدّيَ بـ (إلى)، وإنما ضمَّ إليه ¬
سارية؛ لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها فيرق قلبه إلى الإسلام. وقوله: (وبط الأسير .. إلخ) ساقط من نسخة، بل قوله: (الاغتسال .. إلخ) ساقط من أخرى. (حدَّثنا سعيد) في نسخة: "حدثني سعيد". (أنه) ساقط من نسخة. (سمع أبا هريرة) في نسخة: "حدثني أبو هريرة". (خيلًا) أي: فرسانًا، وكانوا ثلاثين. (نجد) ما ارتفع من تهامة إلى العراق، ومحله في جزيرة العرب، وهي كما قال المدائني: خمسة أقسام تهامة ونجد وحجاز وعروض ويمن (¬1). (ثمامة بن أثال) بضمِّ أولهما، وبمثلثة فيهما. (فربطوه) أي: بأمر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا الحديث من جنس حديث العفريت السابق، لكنه ثَمَّ هَمَّ بربطه ولم يربطه لأمر أجنبيٍّ تقدم بيانه، وهنا أمر به لفوات ذلك الأمر. (فقال: (أطلقوا ثمامة) أمر بذلك تالفًا، أو لما علمه من إيمان قلبه وأنه سيظهره. (إلى نخل) بخاءٍ معجمة؛ أي: بستان، وفي نسخة: ["نجل"] (¬2) بجيم أي: ماءٌ قليل نابع أو جار. (فاغتسل إلخ) فيه مشروعية اغتسال الكافر إذا أسلم، وأن للإمام إطلاقه؛ تألفًا له. ¬
77 - باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم
77 - بَابُ الخَيْمَةِ فِي المَسْجِدِ لِلْمَرْضَى وَغَيْرِهِمْ (باب: الخيمة) أي: جواز نصبها (في المسجد للمرضى وغيرهم) ممن به ألم. 463 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، "فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ فَلَمْ يَرُعْهُمْ" وَفِي المَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، إلا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا، فَمَاتَ فِيهَا. [2813، 3901، 4117، 4122 - مسلم: 1769 - فتح: 1/ 556] (أصيب سعد) هو ابن معاذ سيد الأوس. (في الأكحل) هو عرقٌ في وسط الذراع يفصد ويسمى: عرق الحياة. (وضرب النَّبيُّ - صَلَّى الله عليه وسلم - خيمة) أي: نصبها لسعد. (فلم يرعهم) بالجزم؛ أي: يفزعهم. (إلا الدم) بالرفع فاعل (يرعهم)؛ لأنَّه استثناءٌ مفرغ وما بينهما اعتراض. (يغذو) بمعجمتين: أي: يسيلُ. (جرحه) فاعل (يغذو). (دمًا) تمييز. (فمات فيها) أي: في الخيمة، أو في الجراحة، وفي نسخة: "منها" أي: من الجراحة. وفي الحديث: جواز سكنى المسجد للعذر. وأن للإمام إذا شقَّ عليه النهوض إلى عيادة مريض أن ينقله إلى موضع بقربه؛ ليخفف عليه عيادته فيه.
78 - باب إدخال البعير في المسجد للعلة
78 - بَابُ إِدْخَالِ البَعِيرِ فِي المَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرٍ". [1607] (باب: إدخال البعير في المسجد للعلة) أي: جواز إدخاله فيه للحاجة. 464 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَشْتَكِي قَالَ: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ" فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. [1619، 1626، 1633، 4853 - مسلم: 1276 - فتح: 7/ 557] (عروة) زاد في نسخة: "ابن الزُّبير". (أنِّي أشتكي) أي: أتوجَّع، وهو مفعول (شكوت). (فطفت) أي: راكبةً على البعير. (إلى جنب البيت) أي: منتهيًا إليه، وفائدة ذكر هذا أنه قريب من البيت لا بعيد. (بالطُّور) أي: بسورة الطور، ولهذا لم يقل والطور؛ لأنَّه صار علمًا عليها. 79 - باب. (باب) ذكره بلا ترجمة. 465 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ "أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضِيئَانِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ، مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ". [3639، 3805 - فتح: 1/ 557] (أنس) في نسخة: "أنس بن مالك". (أنَّ رجلين) هما عباد بن بشر، وأسيد بن الحضير. (مظلمة) بكسر
80 - باب الخوخة والممر في المسجد
اللام من أظلم الليل، وقال الفراءُ: ظلم الليل وأظلم بمعنى، وضاءت النار وأضاءت مثله؛ وأضاءته النار يتعدى ولا يتعدى، وقال الزمخشري: بمعنى نوَّر متعدٍّ، وبمعنى لمع غير متعدٍّ، وأما أظلم فيحتمل التعدِّي وعدمه (¬1). (بين أيديهما) أي: قدامهما، وهو مفعول فيه إن كان فعل الإضاءة لازمًا، ومفعول به إن كان متعديًا، وحصول ذلك لهم؛ إكرامًا لهما ببركة نبيهما، وإنما ذكر هذا الحديث في أحكام المساجد؛ لأنَّ الرجلين كانا معه في المسجد فأكرمهما الله بالنور في الدنيا ببركته، وفضل مسجده، وذلك آية له - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث خصَّ أصحابه بمثل هذه الكرامة عند حاجتهم للنور. 80 - بَابُ الخَوْخَةِ وَالمَمَرِّ فِي المَسْجِدِ (باب: الخوخة والممر في المسجد) أي: جواز كونهما فيه. 466 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ"، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ؟ إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ ¬
عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ العَبْدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إلا سُدَّ، إلا بَابُ أَبِي بَكْرٍ". [3654، 3904 - مسلم: 2382 - فتح: 1/ 558] (عن بسر بن سعيد) بضم الموحدة، وسكون المهملة، وهذا ساقط من نسخة، وثابت في أخرى مع واو قبل (عن) إذ كلٌّ من (عبيد بن حنين) و (بسر) يروي عن أبي سعيد. (فاختار ما عند الله) ساقط من نسخة. (فبكى أبو بكر) زاد في نسخة: "الصِّديق". (يبكي) بضمِّ أوله. (إن يكن الله خير عبدًا) في نسخة: "إن يكن لله عبدٌ خير" بجعل (خير) صفة و (عبد). (وإن) بالكسر فيهما، وجواب الشرط قال الكرماني: محذوف يدلُّ عليه السياق (¬1)، أي: فلم يبكي هذا الشيخ؟ وقال بعضهم: مذكور، وهو (فاختار ما عند الله) وفي نسخة: "أن" بالفتح؛ أي: لأجل أن يكن، وسكن (يكن) مع الناصب للوقف، كما قيل به في حديث: "لن تُرعْ" (¬2) حيث سكن العين فيه للوقف، ثم شبه بسكون المجزوم فحذفت الألف قبله، كما تحذف قبل سكون المجزوم. (هو العبد) أي: المخير. (وكان أبو بكرٍ أعلمنا) أي: حيث فهم أن رسول الله - صَلَّى الله عليه وسلم - يفارق الدنيا؛ فبكى حزنًا على فراقه. (فقال) في ¬
نسخة: "قال". (إنَّ أَمَنَّ النَّاسِ) بفتح الميم وتشديد النون: أي: أكثرهم جودًا بنفسه وماله بلا استثابة على ذلك، كما في: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6)} [المدثر: 6] أي: لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت، فليس هو من المن الذي يفسد الصنيعة، فإنّه لا مِنَّةَ عليه - صلى الله عليه وسلم - لأحد، بل منته على جميع الخلق، وفي نسخة: "إن من أمنّ النَّاسِ" وعليها فيؤول؛ لأجل رفع (أبو بكر). بأنَّ "من أمنِّ" صفة لمحذوف؛ أي: إن رجلًا (من أمنِّ) أو يجعل اسم (إن) ضمير الشأن، كما قيل به في حديث: "إن من أشدِّ النَّاسِ عذابًا يوم القيامة المصورون" (¬1) (¬2). "ولو كنت متخذًا خليلًا" في نسخة: "ولو كنت متخذًا من أُمَّتِي خليلًا" والخليل فعيل بمعنى مفعول، وهو كما قال الزمخشريُّ: الخالُّ الذي يخالك؛ أي: يوافقك في خِلالك ويسايرك في طريقتك، من الخلِّ: وهو الطريق في الرملِ، ويسدُّ خللك، كما تسدَّ خلله، وقيل: أصله: الخلة: الانقطاع، فخليل الله: المنقطع إليه، والمعنى هنا: لو كنت منقطعًا إلى غير الله لانقطعت إلى أبي بكر، ولو اتسع قلبي لغير الله لاتسع له، وأما قول بعض الصحابة: سمعت خليلي - صلى الله عليه وسلم -. فانقطاعٌ إلى النَّبيِّ، وذلك انقطاعٌ إلى الله، مع أن البعض هو الذي اتخذ النبيَّ خليلًا، لا أن النبيَّ اتخذه خليلًا. (لاتخذت أبا بكر خليلًا) لفظ: (خليلًا) ساقط من نسخة، وفي أخرى: بدله "يعني: خليلًا". ¬
(ولكن أخوة الإسلام ومودته) أي: أفضل، كما صرح به بعدُ "ولكن خُوَّة الإسلام" بحذف الهمزة مع ضمِّ نون (لكن) وسكونها، والمودة معنى: الخلة؛ أي في الجملة، فنفي الخلة أولًا، وإثبات المودة ثانيًا باعتبار أن الخلة أخصُّ وأعلى مرتبة، فالنفي من حيث خصوصها، والإثبات من حيث العموم، قيل: الصحابة كلُّهم مشتركون مع أبي بكر في أخوة الإسلام، والسياق لبيان أفضليته، وأجيب: بأن المودة الإسلامية معه أفضل منها مع غيره، رُتَبُها متفاوتة بحسب التفاوت في إعلاءِ كلمة الله، وتحصيل كثرة الثواب، فكان أفضل من هذه الحيثية. (لا يبقين في المسجد بابٌ) بالبناء للفاعل، أو بالبناء للمفعول، والنون مشددة للتوكيد، والنهي راجعٌ للمكلفين لا إلى الباب، فكنَّى بعدم البقاء عن عدم الإبقاء؛ لأنَّه لازم له كأنَّه قال: لا تبقوه فلا يبقى، كما في: لا أرينك هاهنا؛ أي: لا تقعد هاهنا فلا أراك. (إلَّا سُدَّ) أي: إلَّا بابًا سُدَّ، فالمحذوف هو المستثنى والفعل صفته، ثم استثنى ثانيًا من هذا قوله (إلا باب أبي بكر) بنصبه على الاستثناء، وبرفعه بدلًا، ولا يعارض ذلك خبر: "سدوا الأبواب إلَّا باب عليٍّ - رضي الله عنه -" لأنه غريب، كما قاله التِّرمذيُّ، بل وهمٌ، كما قاله ابن عساكر (¬1). وفي الحديث: خصوصيةٌ لأبي بكر، حيث تُسدُّ الأبواب إلَّا بابه، وأن المساجد تمنع من التطرق إليها من خوخة، ونحوها إلَّا لحاجة ¬
مهمة، وأن أبا بكرٍ أعلم الصحابة، والحضُّ على اختيار ما عند الله، والزهدُ في الدنيا، وأن على الإمام شكر مَنْ أحسن صحبته ومعونته بنفسه وماله، وأن الخليل فوق الصِّديق والأخ. 467 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا المَسْجِدِ، غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ". [3656، 3657، 6738 - فتح: 1/ 558] (خرج رسول الله) في نسخة: "خرج النبيُّ". (عاصبًا) في نسخة: "عاصب" [أي: وهو عاصبٌ] (¬1). (فحمد الله) أي: على وجود الكمال. (وأثنى عليه) أي: على عدم النقصان. (ثُمَّ قال: إنه) أي: الشأن. (ابن أبي قحافة) بضمِّ القاف، وبحاءٍ مهملة، واسمه: عثمان. (ولكن خلة الإسلام أفضل) أي: فاضلة أو المقصود: أن الخلة بالمعنى السابق أعلى مرتبة وأفضل من كلِّ خلة حتَّى من المحبة، كما عليه الجمهور؛ تمسُّكًا بهذا الحديث، وقيل: المحبة أفضل؛ لأنها صفة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وهو أفضل من الخليل، وقيل: هما سواءٌ. وفي الحديث: جواز الخطبة لغير الجمعة قاعدًا. ¬
81 - باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد
81 - بَابُ الأَبْوَابِ وَالغَلَقِ لِلْكَعْبَةِ وَالمَسَاجِدِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: "يَا عَبْدَ المَلِكِ، لَوْ رَأَيْتَ مَسَاجِدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبْوَابَهَا". (باب: الأبواب والغلق) أي: اتخاذها (للكعبة والمساجد) لصونها عما لا يصلح فيها، ولحفظ ما فيها من الأيدي العادية، والغلق [بفتح اللام]: ما يغلق به الباب. (قال أبو عبد الله) أي: البخاريُّ، وهذا ساقطٌ من نسخة. (وقال لي) في نسخة: "قال لي" بلا واو، وبكلِّ حال هو أحطُّ مرتبةً من (حدَّثني)، و (أخبرني) لأنَّه قد يكون على وجه المذاكرة لا التحميل. (سفيان) أي: ابن عيينة. (ابن أبي مليكة) نسبة إلى جَده، وإلا فهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة. واسم أبي مليكة: زهير بن عبد الله بن جدعان. (لو رأيت .. إلخ) جواب (لو) محذوف، أي: لرأيت عجبًا، أو (لو) للتمني، فلا جواب لها. 468 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ مَكَّةَ فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَفَتَحَ البَابَ فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِلالٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، ثُمَّ أَغْلَقَ البَابَ (¬1)، فَلَبِثَ فِيهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجُوا" قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ بِلالًا فَقَالَ: صَلَّى فِيهِ، فَقُلْتُ: فِي أَيٍّ؟ قَالَ: بَيْنَ الأُسْطُوَانَتَيْنِ، قَالَ: ابْنُ عُمَرَ: فَذَهَبَ عَلَيَّ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى. [انظر 397 - مسلم 1329 - فتح: 1/ 559] ¬
82 - باب دخول المشرك المسجد
(أبو النَّعمان) هو محمد بن الفضل السدوسي. (وقتيبة) في نسخة: "وقتيبة بن سعيد". (حمَّاد) أي: "ابن زيد" كما في نسخة. (وبلال إلخ) خَصَّ بالدخول بلالًا؛ لأنَّه مؤذنه وخادم أمر صلاته. (وأسامة) لأنَّه خادمه فيما يحتاج إليه. (وعثمان) لئلا يتوهم عزله عن سدانة البيت. (ثم أغلق الباب) أي: لئلا يزدحم النَّاس عليه - صَلَّى الله عليه وسلم - و (أغلق) بالبناءِ للمفعول وهو الباب، وفي نسخة: بالبناءِ للفاعل وهو عثمان بن طلحة، ونصب (الباب) على المفعولية. (فبدرت) بمهملة، أي: أسرعتُ. (فسألت بلالًا) أي: عن صلاته - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة. (في أيِّ) بالتنوين أي: "في أي نواحيه"، كما في نسخة. (بين الأُسطوانتين) هو تثنية أُسطوانة [بضم الهمزة] (¬1) ووزنها: أفعوالة، وقيل: فعلوانة، وقيل: أفعلانة. (فذهب) أي: فات. (كم صلَّى) سؤالٌ عن الكمية. وفي الحديث: أن للإمام أن يخصَّ خاصته ببعض ما يستتر به عن النَّاس. 82 - بَابُ دُخُولِ المُشْرِكِ المَسْجِدَ (باب: دخول المشرك المسجد) أي: جواز دخوله فيه. 469 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: "بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ¬
83 - باب رفع الصوت في المساجد
يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ" .. [انظر 462 - مسلم 1764 - فتح: 1/ 560] (خَيْلَا) أي: فرسانًا، وتقدم تفسير الحديث في باب: الاغتسال إذا أسلم (¬1). وفيهما: جواز دخول المشرك المسجد، نعم يمنع عند الشافعيِّ من دخول المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة: 28] بخلاف سائر المساجد، لا يمنع دخوله لها، لكن بعد إذن مسلمٍ له، ومنع مالكٌ من دخوله كلَّ مسجد؛ تعظيمًا لشعائر الله، وقال أبو حنيفة: يدخل المسجد الحرام وغيره. 83 - بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي المَسَاجِدِ (باب: رفع الصوت في المساجد) أي: أهو جائزٌ أم لا؟، وفي نسخة: "في المسجد". 470 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي المَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ، فَجِئْتُهُ بِهِمَا، قَالَ: مَنْ أَنْتُمَا - أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ - قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: "لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [فتح: 1/ 560] ¬
(الجعيد) بالتصغير، ويقال له: الجعد. (ابن خصيفة) نسبة إلى جدِّه، وإلا فهو يزيد بن عبد الله ابن خصيفة بالتصغير. (قائمًا) في نسخة: "نائمًا" بنون بدل القاف، وروي: مضجعًا. (فحصبني) أي: رماني بالحصباء، ومضارعه: يحصب بالكسر. (فإذا عمر بن الخطاب) أي: حاضر، أو واقف. (بهذين) أي: الشخصين، وكانا ثقيفيين. (قال: من) في نسخة: "فقال: من" وفي أخرى: "قال: ممن". (أنتما، أو من أين أنتما؟) قال لهما عمر ذلك؛ ليعلم أنهما إن كانا من أهل البلد، وعَلِمَا أن رفع الصوت بالغط في المسجد غير جائز أدَّبها فَلمَّا علم أنهما من غير البلد عذرهما للجهل. (قالا: من أهل الطائف) أي: بلاد ثقيف. (من أهل البلد) أي: المدينة. (لأوجعتكما) أي: جلدًا. (ترفعان أصواتكما) جواب ما يقال: لم توجعنا؟ وعبر بـ (أصواتكما) دون صوتيكما؛ لأنه الأفصح؛ لكون المضاف جزءًا من المضافِ إليه، كما في {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] (في مسجد رسول الله) في نسخة: "في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ". 471 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "يَا كَعْبُ" قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قُمْ فَاقْضِهِ". [انظر: 457 - مسلم: 1558 - فتح: 1/ 561]
84 - باب الحلق والجلوس في المسجد
(حدثنا أحمد) في نسخة: "حدثنا أحمد بن صالح". (حدثنا ابن وهب) في نسخة: "أخبرنا ابن وهب". (له عليه) في نسخة: "كان له عليه". (حتَّى سمعها) أي: أصواتهما، وفي نسخة: "حتى سمعهما". (يا كعب) بالضمِّ؛ لأنه منادي مفرد (¬1). (ابن مالك) بالنصب: لكونه منادي مضافًا. (قال) في نسخة: "فقال". وتقدم تفسير الحديث، وما يؤخذ منه (¬2). 84 - بَابُ الحِلَقِ وَالجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ (باب: الحلق والجلوس في المسجد) أي: جوازهما فيه، والحلق بكسر الحاء وفتحها مع فتح اللام فيهما، والمراد: حلق الذكر والقرآن ونحوهما. 472 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، مَا تَرَى فِي صَلاةِ اللَّيْلِ، قَالَ: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى" وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ وتْرًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ. [473، 990، 993، 995، 998، 1137 - مسلم: 749، 751 - فتح: 1/ 561] (عن عبيد الله) أي: ابن عمر العمري، وفي نسخة: "حدثنا عبيد الله". (عن ابن عمر) في نسخة: "عن عبد الله بن عمر". ¬
(سأل رجل) لم يُسمّ. (ما ترى) أي: قائلًا له: ما ترى، أي: ما رأيك، أو ما علمك، من: رأى بمعنى علم، والمراد: لازمه، أي: ما حكمك؛ إذ العالم يحكم بعلمه شرعًا. (مثنى مثنى) خبر مبتدإٍ محذوف أي: صلاة الليل، و (مثنى) غير منصرف للعدل والوصف (¬1)، أي: اثنين اثنين، وكرَّره للتوكيد اللفظي. (صلَّى واحدة) أي: ركعة واحدة. (فأوترت) أي: تلك الواحدة. (وأنه) أي: ابن عمر. (آخر صلاتكم وترًا) في نسخة: "آخر صلاتكم بالليل وترًا" والنهار، كالليل عند الجمهور، وعن أبي حنيفة: الأفضل فيها أربع، وعن صاحبيه أبي يوسف ومحمد؛ الأفضل بالليلِ ركعتان وبالنهار أربع. (أمر به) أي: بالوتر، أو بالجعل. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن كونه - صلى الله عليه وسلم - علي المنبر، يدلُّ عادة على جماعة جالسين في المسجد محدقين به، وقد شبه جلوسهم حوله وهو يخطب، بالتحلُّقِ حول العالم مع أنه صرح بالحلقة في رواية تأتي في الحديث الآتي (¬2). 473 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيْفَ صَلاةُ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ" قَالَ الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَجُلًا نَادَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ. [انظر: 472 - مسلم 749 - فتح: 1/ 562] ¬
(حمَّاد) في نسخة: "حماد بن زيد". (فقال) في نسخة: "قال". (توتر) بالرفع، علي الاستئناف، وبالجزم جواب الأمر، وفي نسخة: "توتر لك". (قال الوليد) في نسخة: "وقال الوليد". (أخبرنا مالك) في نسخة: "حدثنا مالك". 474 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا، فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ، فَجَلَسَ وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ: فَأَوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ". [انظر: 66 - مسلم: 2176 - فتح: 1/ 562] (أن أبا مرة) اسمه: يزيد مولى عَقيل بفتح العين. (عن أبي واقد) اسمه: الحارث بن عوف. (بينما رسول الله) في نسخة: "بينما النبي". (فأقبل ثلاثة نفر) جواب (بينما) وفي نسخة: "فأقبل نفر ثلاثة". (فرأى فرجة فجلس) في نسخة: "فرأى فرجة في الحلقة فجلس". (وأما الآخر) بفتح الخاءِ في الموضعين، وهو في أولهما الثاني من النفر، وفي ثانيهما الثالث منهم. (عن الثلاثة) في نسخة: "عن النفر الثلاثة". (فأوى إلى الله) بالقصر على المشهور، أي: لجأ. (فآواه الله) بالمدِّ على المشهور، أي: أنزله به؛ بمعنى أنجاه وأكرمه، فالمراد من إيوائه تعالى واستحيائه وإعراضه لازمها، وهو إرادة إيصال الخير وترك العقاب؛ لأن نسبة الإيواءِ والاستحياءِ والإعراض في حقه تعالى
85 - باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل
محالٌ، فهي من باب المشاكلة، كما في قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: من الآية 116]. والحديث مرَّ في باب: من قعد حيث ينتهي به المجلس من كتاب: العلم (¬1). 85 - بَابُ الاسْتِلْقَاءِ فِي المَسْجِدِ وَمَدِّ الرِّجْلِ (باب: الاستلقاء في المسجد، ومدِّ الرجل) أي: باب جوازهما في المسجد، ولفظ: (ومدِّ الرجل) ساقط من نسخة. 475 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَّهُ "رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَلْقِيًا فِي المَسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى" وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، قَالَ: "كَانَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ يَفْعَلانِ ذَلِكَ". [5969، 6287 - مسلم: 2100 - فتح: 1/ 563] (عن عمِّهِ) هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. (مستلقيًا) حالٌ من (رسول الله). (واضعًا) حالٌ منه أيضًا، فهما حالان مترادفتان، أو من ضمير (مستلقيًا) فهما حالان متداخلتان، فعل - صلى الله عليه وسلم - ذلك: بيانًا لجوازه إذا لم تظهر به عورته، وأما حديث مسلم: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضع الرجل إحدى رجليه علي الأخرى وهو مستلقٍ على ظهره" (¬2) فمنسوخ، أو مقيد بما إذا ظهرت بذلك عورته، فعلم جواز أنواع الاستراحة في المسجد في غير ذلك لما ذكر، وفي غير الانبطاح على ¬
86 - باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس
الوجه: لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه، وقال: إنها "ضجعةٌ يبغضها الله تعالى" (¬1). (وعن ابن شهاب) يحتمل أنه تعليقٌ، وأنه متصلٌ من رواية مالك (¬2). (كان عمر وعثمان يفعلان ذلك) أي: الاستلقاء المذكور، وزاد الحميديُّ عن أبي مسعود: أن أبا بكر كان يفعله وهو يردُّ على من قال: إن الاستلقاء من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -. 86 - بَابُ المَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ وَبِهِ قَالَ: الحَسَنُ، وَأَيُّوبُ، وَمَالِكٌ. (باب: المسجد) أي: حكم بنائه حيث (يكون) بناؤه (في الطريق من غير ضرر بالناس) في نسخة: "الناس". (وبه) أي: بجواز بنائه فيه. (قال الحسن ... إلخ) وعليه الجمهور، وأما ما روي عن عليٍّ وابن عمر من المنع، فسنده ضعيف (¬3). ¬
476 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: "لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إلا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إلا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، طَرَفَيِ النَّهَارِ: بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ". [2138، 2263، 2297، 3905، 4093، 5807، 6079 - فتح: 1/ 563] (عن عقيل) بضمِّ العين: ابن خالد الأيليِ. (أخبرني) في نسخة: "فأخبرني" وفي أخرى: "وأخبرني" وكلاهما عطفٌ على مقدر، أي: أخبرني عروة بكذا. فأخبرني، أو وأخبرني عقب ذلك بهذا. (لم أعقل) أي: لم أعرف. (أبويَّ) أي: أبا بكر وأم رومان، ففيه تغليب كالقمرين (¬1)، وفي نسخة: "أبواي" على لغة بني الحارث في لزوم المثنى الألف كعصا. (يدينان الدين) بكسر الدال، أي: يتدينان بدين الإسلام، فـ (الدين) منصوب بنزع الخافض، يقال: دان بكذا ديانة، وتدين به تدينًا. (ولم يمرّ علينا) أي: على عائشة وأبويها، وفي نسخة: "ولم يمرّ عليهما" أي: على أبويها. (ثُمَّ بدا لأبي بكر) أي: ظهر له رأيٌ. (بفناء داره) بكسر الفاءِ وبالمدِّ، أي: فيما امتد من جوانبها. (لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن) (إذا) ظرفية لـ (يملك)، أو شرطية والجزاء مقدر، دلَّ ¬
87 - باب الصلاة في مسجد السوق
عليه (لا يملك) أو هو لا يملك على مذهب الكوفيين (¬1). (فأفزع) بالزاي. (ذلك) أي: أخاف وقوف الأبناءِ والنساءِ عليه. (أشراف قريش) أي: أن تميل نساؤهم وأبناؤهم إلى دين الإسلام. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: من جهة أنه - صلى الله عليه وسلم - اطلع علي بناء المسجد وأقرَّه عليه وفيه من فضل أبي بكر ما لا يشاركه فيه أحد، وهو تبليغ كتاب الله، وإظهاره مع الخوف، وقدم إسلامه، وتردد النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه طرفي النهار، ورقة قلبه، وغلبة بكائه. 87 - بَابُ الصَّلاةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ (¬2) وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ: "فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ". (باب: الصلاة في مسجد السوق) أي: جوازها فيه وفي نسخة: "في مساجد السوق". (ابن عون) اسمه: عبد الله، ووجه مطابقة ما قاله للترجمة: قياس اتخاذه المسجد في السوق على اتخاذه في الدار، بجامع أن كلًّا منهما محجوب بأصل ما حواه. ¬
477 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "صَلاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلاتِهِ فِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ، وَأَتَى المَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إلا الصَّلاةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي - يَعْنِي عَلَيْهِ المَلائِكَةُ - مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ". [انظر: 176 - مسلم: 649 - فتح: 1/ 564] (أبو معاوية) هو محمد بن حازم الضرير. (عن أبي صالح) اسمه: ذكوان. (صلاة الجميع) في نسخة: "صلاة الجماعة" والمعنى: صلاة الرجل في الجماعة. (تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه (أي: منفردًا. (خمسًا وعشرين درجة) سر التقييد بالأعداد لا يوقف عليه إلا بنور النبوة، قيل: ويحتمل أن يقال في سره: أن عدد الصلاة المفروضة خمسةٌ، فأريد التكثير عليها بتضعيفها بعدد نفسها مبالغة فيها وذلك خمس وعشرون، أو أن الأربعة لمَّا كانت يؤلَّف منها العشرة، ومن العشرات المئات، ومن المئات الألوف، كانت أصل جميع مراتب العدد، فزيد عليها واحد مبالغة ثُمَّ ضعفت بعدد الصلوات الخمس مبالغة أخرى، فصارت خمسًا وعشرين، ولا ينافي هذا الحديث "سبعًا وعشرين" (¬1) إما لأن العدد القليل لا ينفي الكثير، أو أنه أعلم بالقليل، ¬
88 - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره
ثُمَّ أعلم بالكثير فأخبر به، أو أن ذلك مختلف باختلاف المصلين، بحسب كمال الصلاة، ومحافظة هيئتها وخشوعها، وكثرة جماعتها، ونحو ذلك. (فإن أحدكم) في نسخة: "بأن أحدكم" بالموحدة، للمصاحبة، أي: تزيد خمسًا وعشرين درجة مع فضائل أخرى. (فأحسن) أي: الوضوء بإسباغه، ورعاية سننه وآدابه. (لا يريد إلا الصلاة) أي: أو نحوها، كالاعتكاف، واقتصر على الصلاة؛ لأنها أغلب. (خُطوة) بالضمِّ: ما بين القدمين، وبالفتح: المرة الواحدة. (وحَطَّ عنه خطيئة) في نسخة: "وحَطَّ عنه بها خطيئة" وفي أخرى: "أو حَطَّ". (ما كانت تحبسه) أي: الصلاة، وفي نسخة: "ما كان يحبسه" أي: مكثه في المسجد؛ منتظرًا الصلاة. (وتصلِّي -يعني- عليه الملائكة) أي: تستغفر وتطلب الرحمة له، ولفظ: (يعني) ساقطٌ من نسخة، ولفظ: (عليه) ساقط من أخرى. (اللهم .. إلى آخره) بيان للصلاة، أي: قائلين ذلك. (ما لم يؤذ) أي: الملائكة بالحدث. (يحدث) بالجزم بدل من يؤذ، وبالرفع استئناف وفي نسخة: "يحدث فيه"، وفي أخرى: "ما لم يحدث فيه" بإسقاط (يؤذ) والمعنى: ما لم يأت بناقض للوضوء. وقيل: ما لم يتكلَّمْ بكلام الدنيا. 88 - بَابُ تَشْبِيكِ الأَصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ (¬1) (باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره) أي: جواز تشبيكها ¬
فيهما. 478 - و 479 - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، حَدَّثَنَا وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَوْ ابْنِ عَمْرٍو: "شَبَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ". [480 - فتح: 4/ 565] (عن بشر) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة: ابن الفضل الرقاشيُّ. (عاصم) هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. (واقد) بالقاف: ابن محمد بن زيد. (عن ابن عمر) أي: ابن الخطاب. (أو ابن عمرو) أي: ابن العاص، والشكُّ من واقد. 480 - وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي، فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ بِهَذَا". [انظر: 479 - فتح: 1/ 565] (عاصم بن عليٍّ) هو من شيوخ البخاري. (عاصم بن محمد) هو ابن زيد. (واقد) هو أخو عاصم. (عن أبيه) هو محمد بن زيد. (قال عبد الله) أي: ابن عمرو بن العاص. (في حثالة) بضمِّ المهملة، وتخفيف المثلثة، أي: فيمن لا خير فيه. (بهذا) أي: بما مرَّ من التشبيك، وهو صفة للناس، أي: في حثالة من الناس المتصفين باختلاط بعضهم ببعض المفهوم من التشبيك. ¬
وزاد الحميديُّ عن ابن مسعود: "قد مرجت" (¬1) أي: اختلطت. عهودهم وأماناتهم واختلفوا فصاروا هكذا، وشبَّك بين أصابعه، وإنما شبَّك بينها؛ ليمثل لهم هيئة اختلاطهم، من باب تصوير المعقول، وإرادة المحسوس، وهذا الحديث ساقط من أكثر النسخ، وفيه جواز التشبيك، وهو كذلك حتى في الصلاة، لكنه فيها مكروه، وكذلك في غيرها بلا حاجة. 481 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ. [2446، 6026 - مسلم: 2585 - فتح: 1/ 565] (سفيان) أي: الثوري. (عن أبي بردة) في نسخة: "عن بريد" وهو اسمه، وأبو بردة كنيته. (قال: إن المؤمن) في نسخة: "قال: المؤمن". (يشدُّ) في نسخة: "شد" بلفظ الماضي. (وشبك أصابعه) في نسخة: "وشبَّك بين أصابعه". ¬
482 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلاتَيِ العَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: "لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ" فَقَالَ: "أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ" فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. [714، 715، 1227، 1228، 1229، 6051، 7250 - مسلم: 573 - فتح: 1/ 565] (إسحق) أي: ابن منصور. (ابن شميل) في نسخة: "النضر بن شميل". (أخبرنا ابن عون) اسمه: عبد الله، وفي نسخة: "حدثنا ابن عون". (إحدى صلاتي) في نسخة: "صلاة" بالإفراد علي إرادة الجنس. (العشي) بفتح المهملة وتشديد الياء: وهو من الزوال إلى الغروب، وقيل: إلى الفجر، وهذا بالنظر إلى الاستعمال. وقول الجوهريِّ: إنه من صلاة المغرب إلى العتمة بالنظر إلى الوضع، وفي نسخة: "العشاء" بالكسر والمدِّ، وهو وَهْم؛ لما صحَّ أنها الظهر أو
العصر (¬1). (معروضة في المسجد) أي: موضوعة بالعرض، أو مطروحة في ناحيته (على اليسرى) في نسخة: "على يده اليسرى". (خدَّه الأيمن) في نسخة: "يده اليمنى" وفيها تكرار. (السرعان) بفتح السين والراءِ المهملتين، أي: أوائل الناس، وضبطه الأصيلي: بضمِّ السين وإسكان الراءِ. جمع سريع: وهو المسرع للخروج. (قصرت) بفتح أوله على البناءِ للفاعل من قصر يقصر بضمِّ الصاد فيهما، وبضمِّه وكسر ثانيه على البناءِ للمفعول. (فهابا) في نسخة: "فهاباه" أي: خافاه. (أن يكلماه) إجلالًا له. (وفي القوم رجلٌ) هو الخرباق. (في يديه طول، يقال له: ذو اليدين) أي: لطولهما، ويقال له أيضًا: ذو الشمالين؛ لأنه كان يعمل بيديه جميعًا. (قال: يا رسول الله) في نسخة: "فقال: يا رسول الله". (أم قصرت) في ضبطه ما مرَّ آنفًا. (لم أنس) أي: في ظني. (أكما يقول) أي: الأمر كما يقول. (فربما سألوه) أي: ابن سيرين، أسلَّمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد السجود مرة أخرى، أم اكتفى بالسلام الأول؟ (فيقول) في نسخة: "يقول". (نبئت) بضمِّ النون، أي: أخبرتُ، وسبق بيان الحديث وما يتعلَّق به في باب: التوجه نحو القبلة (¬2). ¬
89 - باب: المساجد التي على طرق المدينة، والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم
89 - بَابٌ: المَسَاجِدُ الَّتِي عَلَى طُرُقِ المَدِينَةِ، وَالمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (باب: المساجد التي على طرق المدينة، والمواضع التي صلَّى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -) أي: باب مشروعية الصلاة فيهما، ولفظ: "والمواضع .. إلخ) ساقطٌ من نسخة، وفي أخرى قبل (باب): "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". 483 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا، وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا "وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ". وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ، وَسَأَلْتُ سَالِمًا، فَلَا أَعْلَمُهُ إلا وَافَقَ نَافِعًا فِي الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا إلا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ. [1535، 2336، 7345 - مسلم: 1346 - فتح: 1/ 567] (سالم بن عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب. (وأنَّه) أي: أبا سالم عبد الله. (وحدثني نافع) عطفٌ على (رأيت) فيكون من كلام ابن عقبة، وفي نسخة: قبل (وحدثني) "ح" فهو من كلام البخاري فيكون تعليقًا. (وسألتُ) عطفٌ على (رأيت) أيضًا. (إلا أنهما) أي: سالمًا ونافعًا. (بشرف) بفتح المعجمةِ والراءِ: المكان العالي. (الروحاءِ) بفتح الراء وسكون الواو ثم حاء مهملة، ممدودة: قرية بينها وبين المدينة ستة
وثلاثون ميلًا، وقيل: ثلاثون (¬1). 484 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ الحِزَامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ، وَفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ تَحْتَ سَمُرَةٍ فِي مَوْضِعِ المَسْجِدِ الَّذِي بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ كَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ، فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي عَلَى شَفِيرِ الوَادِي الشَّرْقِيَّةِ، فَعَرَّسَ ثَمَّ حَتَّى يُصْبِحَ لَيْسَ عِنْدَ المَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ وَلَا عَلَى الأَكَمَةِ الَّتِي عَلَيْهَا المَسْجِدُ"، كَانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي بَطْنِهِ كُثُبٌ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَّ يُصَلِّي، فَدَحَا السَّيْلُ فِيهِ بِالْبَطْحَاءِ، حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ المَكَانَ، الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي فِيهِ. [1532، 1533، 1767، 1575، 1576، 1799 - مسلم: 1257 - فتح: 1/ 567] (أن عبد الله) في نسخة: "أن عبد الله بن عمر" وفي أخرى: "أن عبد الله -يعني- ابن عمر". (بذي الحليفة) بضمِّ المهملة، وفتح اللام: الميقات المشهور لأهل المدينة. (تحت سَمُرة) بضمِّ الميم: من شجر الطلح: وهو العظام من الأشجار التي لها شوك، ويقال لها: أم غيلان. (الذي بذي الحليفة) في نسخة: "الذي كان بذي الحليفة". (إذا رجع من غزو، وكان في تلك الطريق) أي: طريق الحديبية، (وكان): صفة لـ (غزو)، وفي نسخة: "غزوة كان" بالتأنيث، فتذكير ضمير (كان) باعتبار تأويلها بسفر، وفي أخرى: "غزوة" وفي أخرى: "غزو وكان" بواو الحال فيهما، قال الكرمانيُّ: فإن قلت: لما ما أخر لفظ: (كان في تلك الطريق) عن ¬
(الحج والعمرة) قلت: لأنهما لم يكونا إلا من تلك (¬1). (من بطن وادٍ) هو وادي العقيق، ولفظ: (من) ساقط من نسخة، وفي أخرى: "من ظهر وادٍ". (بالبطحاءِ) بالمدِّ: مسيل واسع فيه دِقاق الحصى، وكذا الأبطح. (على شفير الوادي) بشين معجمة، أي: طرفه. (الشرقية) صفة لبطحاء. (فعرَّس) بمهملات مع تشديد الراء، أي: نزل آخر الليل للاستراحة، (ثَمَّ) بفتح المثلثة، أي: هناك. (حتَّى يصبح) أي: يدخل في الصباح (ليس) المكان الذي عرَّس فيه. (عند المسجد الذي بحجارة) أي: الذي بُنِيَ بها، أو الذي عندها. (ولا على الأكمة) بفتح الهمزة والكاف: التلُّ، ويجمع على أكم، وهو على أكام، كجبل وجبال، وهو على أكم، ككتاب وكتب، وهو على آكام، كعنق وأعناق. وهو من الغرائب. (كان ثم) استئناف، أي: وكان هناك. (خليج) بفتح المعجمة وكسر اللام: نهر، ويقال: وادٍ عميق. (كُثُب) بكافٍ ومثلثة مضمومتين، جمع كثيب: وهو تلال الرمل. (فدحا السيل فيه) من الدحو: وهو البسط، أو الدفع، وفي نسخة: "قد جاء فيه السيل" بلفظ: "قد" وفعلُ من المجيء وتقديم "فيه" على "السيل"، وهو مقول نافع. 485 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ، " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى حَيْثُ المَسْجِدُ الصَّغِيرُ الَّذِي دُونَ المَسْجِدِ الَّذِي بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْلَمُ المَكَانَ الَّذِي كَانَ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي المَسْجِدِ تُصَلِّي، وَذَلِكَ المَسْجِدُ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ اليُمْنَى، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَسْجِدِ الأَكْبَرِ ¬
رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ". [فتح: 1/ 568] (حيث المسجد) برفع (المسجد) وهو خبر مبتدإِ محذوف؛ لأن (حيث) لا تضاف إلا إلى جملة غالبًا، وفي نسخة: "جنب المسجد" بجيم فنون فموحدة، وجر المسجد. (وقد كان عبد الله يعلم) بفتح أوله وثالثه وسكون ثانية من العلم، وفي نسخة: "يعلم" بضم فسكون فكسر: من الإعلام بمعنى: العلامة، وفي أخرى: "تعلَّم" بفوقية مفتوحة وتشديد اللام كذلك: من التعلم. (الذي كان صلَّى فيه) في نسخة: "الذي صلَّى فيه". (يقول) بيان للجملة قبله، أي: يقول عبد الله المكان الموصوف. (ثَمَّ .. إلخ). 486 - وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ: كَانَ يُصَلِّي إِلَى العِرْقِ الَّذِي عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ، وَذَلِكَ العِرْقُ انْتِهَاءُ طَرَفِهِ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ دُونَ المَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ المُنْصَرَفِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ وَقَدِ ابْتُنِيَ ثَمَّ مَسْجِدٌ، فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ، كَانَ يَتْرُكُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَوَرَاءَهُ، وَيُصَلِّي أَمَامَهُ إِلَى العِرْقِ نَفْسِهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ الرَّوْحَاءِ فَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ المَكَانَ، فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ، وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ بِسَاعَةٍ أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ عَرَّسَ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ. [فتح: 1/ 568] (إلى العِرْقِ) بكسر العين، سكون الراءِ: جبلٌ صغير، وقيل: أرض ملح لا تنبت، وقيل: غير ذلك. (عند منصرف الروحاء) بفتح الراءِ فيهما، أي: عند آخر الروحاء. (انتهاء طرفه) في نسخة: "انتهى طرفه". (دون المسجد) أي: قريب منه. (عبد الله يصلِّي) في نسخة: "عبد الله بن عمر يصلي". (في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره) في نسخة: "وكان يتركه". و (وراءه) عطفٌ على (يساره)، وبالنصب على
الظرفية بتقدير في. (ويصلِّي أمامه) أي: قُدَّام المسجد. (أو من آخر السحر) هو ما بين الفجر الكاذب والصادق، وأراد بآخره: أقلَّ من ساعة، أو الإبهام الصادق بقدرها، وبأقل وبأكثر منها؛ ليغاير المعطوف عليه. 487 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْثَةِ، عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، وَوجَاهَ الطَّرِيقِ فِي مَكَانٍ بَطْحٍ سَهْلٍ، حَتَّى يُفْضِيَ مِنْ أَكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بِمِيلَيْنِ، وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلاهَا، فَانْثَنَى فِي جَوْفِهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ، وَفِي سَاقِهَا كُثُبٌ كَثِيرَةٌ". [فتح: 1/ 568] (تحت سرحة) بفتح السينِ، والحاءِ المهملتين بينهما راءٌ ساكنة، واحدة السرح: وهو شجرٌ عظام، كما مرَّ (¬1). (ضخمة) أي: عظيمة. (دون الرويثة) أي: قريبٌ منها، بضمِّ الراءِ، وبالمثلثة: قرية بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخًا (¬2). (ووجاه الطريق) بكسر الواو، وضمها، أي: مقابلها وهو بالجرِّ عطفٌ على (يمين الطريق)، وبالنصب على الظرفية بتقدير في. (بطح) بكسر الطاء وسكونها، أي: واسع. (حتَّى يفضي) أي: يخرج، وفي نسخة: "حين يفضي". (من أكمة) أي: مكان مرتفع. (دوين) مصغر دون. (بريد الرُّويثة بميلين) بضمِّ الراءِ، وفتح الواو، والبريد بموحدة: المرتب للسفر، والمراد به: موضع البريد، والمعنى بينه وبين المكان الذي ينزل فيه البريد بالرُّويثة ميلان، ويقال: المراد بالبريد: سكة الطريق، ولفظ: (بريد) ساقطٌ من نسخة. (أعلاها) ¬
أي: السرحة. (فانثنى) أي: انعطف. (على ساقٍ) أي: كالبنيان ضيقة من أسفل، متسعة من فوق. (وفي ساقها) أي: تحته. (كثب) بكاف ومثلثة مضمومتين جمع كثيب: وهي تلال الرمل، كما مرَّ (¬1). 488 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ مِنْ وَرَاءِ العَرْجِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ المَسْجِدِ قَبْرَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ، عَلَى القُبُورِ رَضَمٌ مِنْ حِجَارَةٍ، عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ سَلَمَاتِ الطَّرِيقِ بَيْنَ أُولَئِكَ السَّلَمَاتِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ العَرْجِ، بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بِالهَاجِرَةِ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ. [فتح: 1/ 568] (في طرف تلعة) بفتح الفوقية، وسكون اللام، وبمهملة: ما ارتفع من الأرض وما انخفض منها فهو من الأضداد، والمراد هنا الأول؛ إذ الغرض: مسيل الماءِ من فوق إلى أسفل. (العرج) بفتح المهملة، وسكون الراءِ أكثر من فتحها، وبالجيم: قرية بينها وبين الرُّويثة ثلاثة عشر أو أربعة عشر ميلًا (¬2). (هضبة) بفتح الهاء، وسكون المعجمة: جبلٌ منبسط علي وجه الأرض، أو ما طال وارتفع، وانفرد من الجبال. (رضم) بفتح الراءِ، وسكون المعجمة، وفتحها: صخور بعضها فوق بعض. (سلمات الطريق) بفتح السين المهملة، وكسر اللام: صخرات، وفي نسخة: بفتح اللام، جمع سلمة: وهي شجرة يدبغ بورقها الأديم. [(بين أولئك) في نسخةٍ: "من أولئك" فهو في الأولى متعلق بما قبله، أو بما بعده، وفي الثانية متعلق بما بعده] (¬3) (بالهاجرة) هي نصف النهار ¬
عند اشتداد الحرِّ. 489 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عِنْدَ سَرَحَاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى، ذَلِكَ المَسِيلُ لاصِقٌ بِكُرَاعِ هَرْشَى، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ غَلْوَةٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ "يُصَلِّي إِلَى سَرْحَةٍ هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحَاتِ إِلَى الطَّرِيقِ، وَهِيَ أَطْوَلُهُنَّ". [فتح: 1/ 568] (عند سرحات) بفتح السين والراء، أي: شجراتٌ عظام. (مسيل) بفتح الميم، وكسر المهملة: مكانٌ يسيل فيه الماء من علوٍ إلى أسفل. (دون هرشَى) بفتح الهاء، وسكون الراءِ، وفتح الشين المعجمة، وبالقصر: جبلٌ على ملتقى طريق المدينةِ والشام قريب من الجحفةِ (¬1). (بكراع هرشَى) بضم الكاف، أي: بطرفها. (غلوة) بفتح الغين المعجمة: غاية بلوغ السهم، أو أمد جري الفرس، وهي: ثلثا ميل، وقيل: مائة باع. 490 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ فِي المَسِيلِ الَّذِي فِي أَدْنَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ مِنَ الصَّفْرَاوَاتِ يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ المَسِيلِ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إلا رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ". [فتح: 1/ 568] (مر الظهران) بفتح الميم وتشديد الراءِ، وفتح الظاء المعجمة: مكان على أميال من مكة إلى جهة المدينة وهو بطن مر، والعامة تقول: مرو (¬2)، وفي نسخة: "مر ظهران". (قبل المدينة) بكسر القاف ¬
وفتح الموحدة، أي مقابلها. (حين يهبط) في نسخة: "حتَّى يهبط". (من الصفراوات) بفتح المهملةِ، وسكون الفاءِ: الأودية والجبال التي بعد (مر الظهران) وفي نسخة: "من وادي الصفراوات". (ينزل) بمثناة تحتية، وفي نسخة: "تنزل" بالتاءِ الفوقية؛ ليوافق قوله بعد: (وأنت ذاهب). 491 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى، وَيَبِيتُ حَتَّى يُصْبِحَ، يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ". [1553، 1554، 1573، 1574، 1767، 1769 - مسلم: 1259 - فتح: 1/ 568] (بذي طوى) بتثليث الطاءِ: موضع بمكة (¬1)، وفي نسخة: "بذي الطواء" بزيادة "ال" وبالمدِّ. (غليظة) في نسخة: "عظيمة". 492 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَبَلِ الطَّويلِ، نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَجَعَلَ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ المَسْجِدِ، بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، تَدَعُ مِنَ الأَكَمَةِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الفُرْضَتَيْنِ مِنَ الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الكَعْبَةِ". [مسلم: 1260 - فتح: 1/ 569] (وأن عبد الله) في نسخة: "وأن عبد الله بن عمر". (فرضتي الجبل) تثنية فرضة، وهي بضمِّ الفاءِ، وسكون الراء، وفتح المعجمة: ما انحدر من وسطه وجانبه، قاله ابن الأثير (¬2). (الذي ¬
90 - باب سترة الإمام سترة من خلفه
بينه) في نسخة: "الذي كان بينه". (نحو الكعبة) أي: ناحيتها. (فجعل) أي: عبد الله. (أسفل) بالنصب علي الظرفية، أو بالرفع خبر مبتدإٍ محذوف. (عشرة أذرع) في نسخة: "عشر أذرع". (ثم تصلِّي مستقبل الفرضتين ... إلخ) إنما كان ابن عمر يصلِّي في هذه المواضع للتبرك، وهذا لا ينافي ما رُويَ من كراهة أبيه عمر لذلك، بل قال البغويُّ: إن المساجد التي ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى فيها لو نذر أحدٌ الصلاة في شيءٍ منها تعين، كما في المساجد الثلاثة. أَبْوَابُ سُتْرَةِ المُصَلِّي 90 - بَابُ سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ 493 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، "وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ". [انظر: 76 - مسلم: 504 - فتح: 1/ 571] (أبواب: سترة المصلِّي) ساقطٌ من نسخة. (باب: سترة الإمام سترة من خلفه) في نسخة: "سترة لمن خلفه". (أخبرنا مالك) في نسخة: "حدثنا مالك". (أنه قال) في نسخة: "أن عبد الله بن عباس قال". (ناهزت) أي: قاربت. (بمنى) وفي رواية لمسلم: بعرفة (¬1)، وهي ¬
كما قال شيخنا: شاذة (¬1). (إلى غير جدار). ووجه مطابقته للترجمة: أن قوله: (إلى غير جدار) يشعر بأن ثم سترة بغير جدار؛ إذ التقدير: إلى شيءٍ غير جدار، وأن ذلك معلوم من حاله - صلى الله عليه وسلم -، لكن يشكل الأول بما نقل عن الشافعيِّ: أنه فسر (غير جدار) بغير سترة. (وأرسلت) في نسخة: "فأرسلت" بالفاءِ. 494 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ أَمَرَ بِالحَرْبَةِ، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ"، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ. [498، 972، 973 - مسلم: 501 - فتح: 1/ 573] (إسحاق) في نسخة: "إسحاق بن منصور". (أمر) أي: خادمه. (بالحربة) أي: بأخذها. (والناس) بالرفع عطفٌ على فاعل (يصلِّي). (يفعل ذلك) أي: ما ذكر من وضع الحربة والصلاة إليها، أي: لم يكن ذلك مختصًّا بيوم العيد. وفي الحديث: الاحتياط وأخذ آلة دفع الأعداءِ سيما بالسفر، وجواز الاستخدام، وأمر الخادم بالخدمة. 495 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ المَرْأَةُ وَالحِمَارُ". [انظر: 187 - مسلم: 503 - فتح: 1/ 573] ¬
91 - باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة؟
(أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي. (بالبطحاء) هو خارج من مكة، ويقال له: الأبطح. (عنزة) هي أطول من العصا وأقصر من الرُّمح. (ركعتين) حالٌ، أو بدلٌ مما قبله في الموضعين. (بين يديه) أي: أمام العنزة، أي: بينها وبين القبلة لا بينه وبين العنزة. وفي الحديث: أن السترة مندوب إليها، وأن مرور الدواب بين يدي المصلِّي لا يقطع الصلاة، وأما خبر: "يقطع الصلاة الكلبُ والحمار والمرأة" (¬1) فمنسوخ. 91 - بَابُ قَدْرِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ المُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ؟ (باب: قدرُ كَمْ ينبغي أن يكون بين المصلِّي والسترة؟) أي: باب: بيان ذلك. 496 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: "كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ". [7334 - مسلم: 508 - فتح: 1/ 574] (قال: أخبرنا عبد العزيز) في نسخة: "حدثنا عبد العزيز". (أبي حازم) اسمه: سلمة. (عن أبيه) في نسخة: "أخبرني أبي". (عن سهل) ¬
92 - باب الصلاة إلى الحربة
في نسخة: "عن سهل بن سعد". (مصلَّى رسول الله) أي: محل قدميه قائمًا في الصلاة لا محلَّ السجود، وفي نسخة: "مصلَّى النبي". (ممر الشاة) بالرفع، على أن (كان) تامة، أو هو اسم (كان) على أنها ناقصة، والتقدير: قدر ممر و (بين): خبرها، وبالنصب على أنه خبر (كان) واسمها مقدر، أي: نحو قدر المسافة، أو الممر. 497 - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: "كَانَ جِدَارُ المَسْجِدِ عِنْدَ المِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا". [مسلم: 509 - فتح: 1/ 574] (المكِّي) في نسخة: "المكي بن إبراهيم" أي: البلخي. (جدار المسجد) اسم (كان). (عند المنبر) تتمة اسمها، أي: الجدار الذي عند المنبر، وخبرها (ما كادت الشاة تجوزها) بالجيم، وفي نسخة: "أن تجوزها" بزيادة أن، أي: المسافة، وهي ما بين محل قدمي المصلي والجدار، وكاد إذا دخل عليها حرف النفي، تكون منفية، كسائر الأفعال عند كثير، وعند آخرين تكون مثبتة، وهو المراد هنا بقرينة الحديث السابق. 92 - بَابُ الصَّلاةِ إِلَى الحَرْبَةِ (باب: الصلاة إلى الحربة) أي: المركوزة بين يدي المصلِّي: وهو دون الرمح، عريضة النصل. 498 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرْكَزُ لَهُ الحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا". [انظر: 494 - مسلم: 501 - فتح: 1/ 575]
93 - باب الصلاة إلى العنزة
(عن عبد الله) في نسخة: "عن عبد الله بن عمر". (تركز) بالبناءِ للمفعول وأوله بالتحتية، والفوقية، أي: تغرز، ومعنى الحديث يعلم مما مرَّ ومما يأتي. 93 - بَابُ الصَّلاةِ إِلَى العَنَزَةِ (باب: الصلاة إلى العنزة) أي: المركوزة بين يدي المصلِّي، وهي دون الرمح، مدورة النصل، كما في الرمح. 499 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ وَالمَرْأَةُ وَالحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا". [انظر: 187 - مسلم: 503 - فتح: 1/ 575] (آدم) أي: ابن أبي إياس. (قال: خرج) في نسخة: "يقول: خرج". (علينا رسول الله) في نسخة: "علينا النبي". (فصلَّى) في نسخة: "وصلَّى" بالواو. (والمرأة والحمار يمرون) المناسب: يَمُرَّانِ لكن يصحُّ ما قاله بتقدير محذوف، كما أفاده ابن مالك؛ حيث قال: أراد المرأة والحمار وراكبه، فحذف الراكب لدلالة الحمار عليه، ثم غلَّب تذكير الراكب المفهوم على تأنيث المرأة، وذا العقلِ علي الحمارِ، فقال: "يمرون". 500 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلامٌ وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ أَوْ عَصًا أَوْ عَنَزَةٌ، وَمَعَنَا إِدَاوَةٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ". [انظر: 150 - مسلم: 271 - فتح: 1/ 575]
94 - باب السترة بمكة وغيرها
(بزيع) بموحدة مفتوحة، وزايٍ مكسورة، وعين مهملة. (شاذانُ) بشين وذال معجمتين: هو ابن عامر البغدادي. (قال) في نسخة: "يقول". (عُكَّازَةٌ) بضمِّ المهملة، وتشديد الكاف: عصا ذات زُجٍّ. (أو عنزة) في نسخة: بدله "أو غيره " أي: غير ما ذكر من العكازة والعصا. قال شيخنا: وهو تصحيف (¬1). وفي الحديث: الاستنجاءُ بالماء، وخدمة الإمام والعالم. 94 - بَابُ السُّتْرَةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا (باب: السترة) أي: ندبها؛ لدفع المارِّ بين يدي المصلِّي، ولا فرق بين كونه (بمكة وغيرها) أي: من سائر الأمكنة، ونصَّ على مكة؛ لدفع توهم من يتوهم أن البيت كافٍ في السترة للمصلِّي حوله وبينهما الطائفون. 501 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالهَاجِرَةِ، فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً وَتَوَضَّأَ"، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ. [انظر: 187 - مسلم: 503 - فتح: 1/ 576] (ونصب بين يديه عنزة وتوضأ) الواو لا تدلُّ على الترتيب أفلا يشكل ذكر هاتين بعد الصلاة] (¬2). وفيه: التبرك بما يلامس أجساد الصالحين، وطهارة الماءِ المستعمل. ¬
95 - باب الصلاة إلى الأسطوانة
95 - بَابُ الصَّلاةِ إِلَى الأُسْطُوَانَةِ وَقَالَ عُمَرُ: "المُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنَ المُتَحَدِّثِينَ إِلَيْهَا" وَرَأَى عُمَرُ: "رَجُلًا يُصَلِّي بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ، فَأَدْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقَالَ: صَلِّ إِلَيْهَا". (باب: الصلاة إلى الأسطوانة) أي: ندب الصلاة إلى جهتها، وتقدم تفسير الأسطوانة. (المصلون أحق بالسواري) أي: في التستر بها. (من المتحدثين) المستندين إليها؛ لأنهما وإن اشتركا في الحاجة فالمصلِّي أحقُّ؛ لأنه في عبادة. (ورأى عمر) في نسخة: "ورأى ابن عمر". 502 - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ المُصْحَفِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ، قَالَ: فَإِنِّي "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى الصَّلاةَ عِنْدَهَا". [مسلم: 509 - فتح: 1/ 577] (عند المصحف) أي: الذي كان في مسجده - صلى الله عليه وسلم - من عهد عثمان. (أَراك) بفتح الهمزة، أي: أبصرك. (تتحرى) أي: تجتهد وتختار. (رأيت النبي) في نسخة: "رأيت رسول الله". (يتحرى الصلاة عندها) أي: لأنها أولى أن تكون سترة من العنزة. 503 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِبِ»، وَزَادَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [625 - مسلم: 837 - فتح: 1/ 577] (قبيصة) بفتح القاف، وكسر الموحدة: ابن عقبة الكوفيُّ. (سفيان)
96 - باب الصلاة بين السواري في غير جماعة
أي: الثوري. (عن أنسٍ) في نسخة: "عن أنسٍ بن مالك". (لقد رأيت) في نسخة: "لقد أدركت". (يبتدرون السواري) بدال مهملة، أي: يتصارعون إليها. (حتى يخرج) في نسخة: "حين يخرج". 96 - بَابُ الصَّلاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ (باب: الصلاة) أي: فعلها. (بين السواري في غير جماعة) أما فيها، فكره قوم الصلاة بينها؛ لورود النهي الخاصِّ عن الصلاة بينها في الترمذي وغيره (¬1): ولأنه يقطع تسوية الصفوف، والتسوية في الجماعة مطلوبة. 504 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَبِلالٌ فَأَطَالَ، ثُمَّ خَرَجَ وَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ، فَسَأَلْتُ بِلالًا: أَيْنَ صَلَّى؟ قَالَ: بَيْنَ العَمُودَيْنِ المُقَدَّمَيْنِ". [انظر: 397 - مسلم: 1329 - فتح: 1/ 578] (جويرية) [أي: ابن] (¬2) أسماء الضبعي. ¬
(قال: كنت) في نسخة: "قال: وكنت" بالواو. (على أثره) بفتح الهمزة والمثلثة، وبكسرها وسكون المثلثة. (قال) في نسخة: "فقال" (المقدَّمين) في نسخة: "المتقدمين". 505 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الكَعْبَةَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيُّ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلالًا حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى"، وَقَالَ لَنَا: إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَقَالَ: "عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ". [انظر: 397 - مسلم: 1329 - فتح: 1/ 578] (وأسامة) بالنصب عطف على اسم (أن) وبالرفع على فاعل (دخل). (الحجبيُّ) بفتح المهملة، والجيم نسبة إلى حجابة الكعبة. (فأغلقها) أي: عثمان الحَجَبي. (ومكث) بفتح الكاف وضمها. (عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه) لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجملٌ يبينه حديث مالك الآتي: أن عمودين عن يمينه. أو يقال: الأعمدة الثلاثة المتقدمة كانت على سمت واحد، وصلى - صلى الله عليه وسلم - عند الأوسط، أو لم تكن على سمت واحد، بل عمودان متسامتان والثالث على غير سمتهما، ولفظ: (المقدمين) في الحديث السابق مشعر به فتعرض للمسامتين فقط. (وكان البيت يومئذٍ) أي: يوم صلَّى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم تغير وضعه في فتنة ابن الزبير. (على ستة) لفظ: (على) ساقط من نسخة، فنصب (ستة) بنزع الخافض.
97 - باب
(وقال إسماعيل) أي: ابن أبي أويس، وفي نسخة: "قال لنا إسماعيل". (وقال عمودين) في نسخة: "فقال عمودين". 97 - باب (باب) ساقط من نسخة، وعلى ثبوته إنما فصل به بين ما بين قبله وبين حديثه الآتي؛ لأنه ليس صريحًا في الصلاة بين الأُسطوانتين، لكنها المرادة بدليل بقية الأحاديث. 506 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ "إِذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ، وَجَعَلَ البَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ، فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ، صَلَّى يَتَوَخَّى المَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلالٌ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهِ"، قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِنَا بَأْسٌ إِنْ صَلَّى فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيْتِ شَاءَ. [انظر: 397 - مسلم: 1329 - فتح: 1/ 571] (حدثنا إبراهيم) في نسخة: "حدثني إبراهيم". (أبو ضمرة) اسمه: أنس بن عياض. (أن عبد الله) في نسخة: "أن عبد الله بن عمر". (قبل وجهه) أي: مقابله. (قريبًا) بالنصب خبر (يكون) واسمها مقدر أي: القدر، أو المكان، وفي نسخة بالرفع اسمها. (وبين الجدار) خبرها. (من ثلاثة أذرع) في نسخة: "من ثلاث أذرع". (يتوخَّى) أي: يتحرى ويقصد. (على أحدنا) في نسخة: "على أحد". (إن صلَّى) بكسر الهمزة. وبلفظ الماضي، وفي نسخة: بفتحها وبلفظ المضارع أي: من أن يصلّي.
98 - باب الصلاة إلى الراحلة، والبعير والشجر والرحل
98 - بَابُ الصَّلاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ، وَالبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ (باب: الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرَّحل) الراحلة: هي الناقة التي تصلح لأن ترحل، وقيل: المركب من الإبل ذكرًا كان، أو أنثى، والبعير: هو من الإبل، كالإنسان من الناس، ولا يقال له: بعير لغة إلا إن دخل في الخامسة، والرَّحْلُ بفتح الراءِ وبالمهملة: الكور، وهو أصغر من القتب: وهو رحل صغير علي قدر السنام، قاله الجوهري. 507 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ "كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا"، قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ؟ قَالَ: "كَانَ يَأْخُذُ هَذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ، فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ - أَوْ قَالَ مُؤَخَّرِهِ -" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْعَلُهُ". [انظر: 430 - فتح: 1/ 580] (عن عبيد الله) زاد في نسخة: "ابن عمر". (يعرض راحلته) بضمِّ التحتية، وتشديد الراءِ، أي: يجعلها عرضًا، وفي نسخة: بفتح التحتية، وسكون العين وضم الراءِ. (قلت) من قول نافع. (أفرأيت) في نسخة: "أرأيت". (إذا هبَّت الركاب) أي: هاجت الإبل، ماذا يفعل المصلِّي؟ (يأخذ الرحلَ) في نسخة: "يأخذ هذا الرحلَ". (فيُعَدِّلُهُ) بضمِّ الياءِ، وفتح العين، وتشديد الدَّال: من التعديل، وهو تقويم الشيء، وضبطه شيخنا بفتح التحتية وسكون العين وكسر الدال، أي: يقيمه تلقاء وجهه (¬1). ¬
99 - باب الصلاة إلى السرير
(إلى آخرته) بفتح الهمزة والمعجمة، والراءِ بلا مدٍّ ويجوز المدُّ مع كسر الخاءِ. (أو قال مؤخره) بضم الميم وفتح الخاءِ بلا همز، وفي نسخة: بالهمز. (وكان ابن عمر يفعله) أي: ما ذكر من التعريض والتعديل. 99 - بَابُ الصَّلاةِ إِلَى السَّرِيرِ (باب: الصلاة إلى السرير) في نسخة: "على السرير" فقوله: (إلى السرير) أي: إلى حافته وهو عليه، وهو لا ينافي روايته في باب الاستئذان كان يُصلِّي والسرير بينه وبين القبلة (¬1) فهي المراد، وحافة السرير بينه وبين القبلة، أو أن ذلك تعددٌ منه. 508 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعَدَلْتُمُونَا بِالكَلْبِ وَالحِمَارِ "لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ، فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ، فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي". [انظر: 382 - مسلم: 512، 344 - فتح: 1/ 581] (عن منصور) أي: ابن المعتمر. (عن إبراهيم) أي: ابن يزيد النخعي. (عن الأسود) أي: ابن يزيد النخعي. (أعدلتمونا) بهمزة الإنكار، أي: لِمَ عدلتمونا؟ (بالكلب والحمار) قالت ذلك حين قالوا بحضرتها: "يقطع الصلاةَ الكلبُ والحمار والمرأة". (لقد) في نسخة: "ولقد". (رأيتني) بضمِّ الفوقية، أي: لقد أبصرت نفسي. (أسنحه) بفتح الهمزة، وسكون المهملة، ¬
100 - باب: يرد المصلي من مر بين يديه
وكسر النون وفتحها، ومهملة بعدها، أي: أكره أن أستقبله ببدني في صلاته، وفي نسخة: بضمِّ الهمزة، وفتح المهملة، وتشديد النون المكسورة، ومهملة بعدها، وفي أخرى: بضم فسكون فكسر. (فأنسل) عطفٌ على (أكره)، أي: أخرج بخفية أو رفق. 100 - بَابٌ: يَرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ: فِي التَّشَهُّدِ وَفِي الكَعْبَةِ، وَقَالَ: "إِنْ أَبَى إلا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ". (باب: يردُّ المصلِّي) ندبًا. (من مرَّ بين يديه) كان آدميًّا، أو غيره. (وردَّ ابن عمر) أي: مَنْ مرَّ بين يديه، وهو عمرو بن دينار. (وفي الكعبة) عطفٌ على مقدر، أي: ردَّه في التشهد في غير الكعبة وفي الكعبة أو على (في التشهد) أي: يجمع بين الأمرين فيكون الرَّدُّ في حالة واحدة، وذكر (التشهد) مثال، أو كني به عن الصلاة، وخصت الكعبة بالذكر؛ لدفع توهم اعتقاده بقطع الدفع فيها لكثرة الزحام بها، وفي نسخة: "الركعة" بدل (الكعبة). (إِنْ أَبَى) أي: المارُّ، أي: امتنع من رجوعه عن المرور. (إلا أن تقاتله) بفوقية مضمومة، أي: أيها المصلِّي. (فقاتله) بصيغة الأمر، وفي نسخة: "قاتله" بلا فاءٍ على قلة (¬1)، وفي أخرى: ¬
"بصيغة الماضي" على الالتفات. 509 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ العَدَويُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إلا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ". [3274 - مسلم: 505 - فتح: 1/ 581] (أبو معمر) هو عبد الله بن معمر. (عبد الوارث) أي: ابن سعيد بن ذكوان العنبري. (يونس) أي: ابن عبيد بن دينار. (عن أبي صالح) ذكوان السمان. (ح) ساقطٌ من نسخة، وهي حاء التحويل. (آدم) في نسخة: "آدم بن أبي إياس". (فأراد شابٌ) قيل: هو الوليد بن عقبة، وقيل: غيره. (فلم يجد مساغًا) أي: طريقًا يمكنه المرور منها. (من الأولى) أي: من المرَّة، أو الدفعة الأولى. (فنال من أبي سعيد) أي: أصاب من عرضه. (مروان) أي: ابن الحكم الأمويُّ. (ما لكَ؟) مبتدأ وخبر. (ولابن أخيك) عطفٌ على (لكَ)، والمراد: أخوة الإسلام،
101 - باب إثم المار بين يدي المصلي
وإنما لم يقل: ولأخيك: لأنه شابٌ أصغر منه. (فليدفعه) أي: بالإشارة، ولطيف الدفع. (فليقاتله) أي: بالأفعال القليلة وهو بمكانه، فإن أدى دفعه إلى قتله لم يلزمه شيءٌ. (فإنما هو شيطان) أي: فعله فعل شيطان، أو هو شيطان؛ لأنه متمرد، ولو كان من الإنس، أو أن معه شيطانًا، هو الحاملُ له على فعله، والحصرُ للمبالغة في ذلك. وفي الحديث: أنه يقال لمن فتن شخصًا في دينه شيطان، وإن لم يكن شيطانًا حقيقة. وأن الدفع إنما هو بالأسهل فالأسهل. وأن المنازعات لا بد فيها من الرفع للحاكم. ولا ينتقم الخصمُ لنفسه. وأن رواية العدل مقبولة ولو انتفع بها. وأنه يحرم المرور بين المصلِّي وسترته. ومحله عند الشافعية: إذا كان بينهما ثلاثة أذرع فأقل. والسنة في السترة: أن يكون ثلثي ذراعٍ فأكثر، وأن لا يصمد إليها المصلِّي بأن يجعلها قبالة أحد جانبيه. 101 - بَابُ إِثْمِ المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي (باب: إثم المار بين يدي المصلي). أي: بيان إثمه. 510 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ: مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي، أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً. [مسلم: 507 - فتح: 1/ 584] (عن أبي النضر) بسكون المعجمة: سالم بن أبي أمية. (بُسْر) بضم
102 - باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي
الموحدة، وسكون المهملة. (إلى أبي جهيم) اسمه: عبد الله. (ماذا عليه؟) زاد في نسخة: "من الإثم"، وما: استفهامية، وهي مبتدأ، وذا خبره، وهو اسم إشارة، أو موصول وهو الأولى؛ لافتقاره إلى ما بعده، والجملةُ سادة مسدَّ مفعولي يعلم، وقد علَّق عمله بالاستفهام، وأبهم الأمر؛ ليدلَّ على الفخامة، وجواب لو محذوف، أي: لو يعلم ذلك لوقف، ولو وقف لكان خيرًا له، فقوله: (لكان أن يقف أربعين خيرًا له) جواب لو المحذوفة لا المذكورة، وفي نسخة: "خيرٌ" بالرفع اسم كان وخبرها ما قبله، وفي "صحيح بن حبان" (¬1) عن أبي هريرة: بدل (أربعين) "مائة عام" والظاهر: أن ذكر العدد مثال، والغرض منه المبالغة، ووجه التقييد بالأربعين: بأن كمال كل طورٍ بأربعين، كأطوار النطفة، فإن كلَّ طورٍ منها بأربعين يومًا، وكمال عقل الإنسان بأربعين سنة. (أقال:) بهمزة الاستفهام، وفي نسخة: "قال" بدونها، والقائل: بشر بن سعيد، قيل: أو النبي - صلى الله عليه وسلم -. 102 - بَابُ اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ صَاحِبَهُ أَوْ غَيْرَهُ فِي صَلاتِهِ وَهُوَ يُصَلِّي وَكَرِهَ عُثْمَانُ: "أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي" وَإِنَّمَا هَذَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: ¬
"مَا بَالَيْتُ إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلاةَ الرَّجُلِ". [فتح: 1/ 586] (باب: استقبال الرجل صاحبه، أو غيره في صلاته وهو يصلّي). أي: بيان كراهة ذلك، وفي نسخة: "استقبال الرجل وهو يصلّي" وهي أَوْلَى؛ لسلامتها عن تكرار ذكر الصلاة، وقوله: (أو غيره) ليس له كبير معنى. (¬1). (أن يُستقبل) مبني للمفعول. (وإنما هذا) أي: وإنما يكره استقبال المصلّي. (إذا اشتغل) أي: المستقبل. (به) أي: بالمصلِّي، أي: بالنظر إليه؛ لأنه يمنعه [من] (¬2) الخشوع وحضور القلب. (فأما إذا لم يشتغل) أي: به. (ما باليت) أي: بالاستقبال. (إن الرجل) بكسر الهمزة؛ على الاستئناف؛ لعلة عدم المبالاة. 511 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ يَعْنِي ابْنَ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ، فَقَالُوا: يَقْطَعُهَا الكَلْبُ وَالحِمَارُ وَالمَرْأَةُ، قَالَتْ: لَقَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلابًا، "لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِي الحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ، فَأَنْسَلُّ انْسِلالًا" وَعَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ¬
103 - باب الصلاة خلف النائم
الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ. [انظر: 382 - مسلم: 512، 744 - فتح: 1/ 587] (ابن خليل) في نسخة: "ابن الخليل". (حدثنا علي) في نسخة: "أخبرنا علي". (عن مسلم) زاد في نسخة: "يعني: ابن صبيح" بالتصغير. (فقالوا) في نسخة: "وقالوا". (قالت) في نسخة: "فقالت". (جعلتمونا كلابًا) أي: كالكلاب في قطع الصلاة. (¬1) (لقد رأيت) أي: أبصرت. (النبي) في نسخة: "رسول الله". (فأكره) في نسخة: "وأكره". (وعن الأعمش) عطف على قوله أولًا: (عن الأعمش). (نحوه) أي: نحو الحديث السابق، وهو بالنصب مفعول أخبرنا. 103 - بَابُ الصَّلاةِ خَلْفَ النَّائِمِ (باب: الصلاة خلف النائم) [أي: جوازها] (¬2). 512 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ". [انظر: 382 - مسلم: ¬
104 - باب التطوع خلف المرأة
512، 744 - فتح: 1/ 587] (يحيى) أي: القطَّان. (معترضة) خبر بعد خبر. (يوتر) أي: يصلّي الوتر. (فأوترت) أي: معه. والحديث دلَّ على جواز الصلاة خلف النائمة بلا كراهة، فجوازها خلف النائم مفهوم بالأولى، فحصلت المطابقة بينه وبين الترجمة، ومن كرهها محتجًّا بخوف ما يحدث من النائم فيشغل المصلي، أو يضحكه فتفسد صلاته، محجوج بالحديث المذكور، وأما خبر أبي داود: "لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث" (¬1) أي: مع غيره، فإسناده ضعيف. وفي الحديث: استحباب إيقاظ النائم للطاعة، وأن الوتر قد يكون بعد النوم. 104 - بَابُ التَّطَوُّعِ خَلْفَ المَرْأَةِ (باب: التطوع خلف المرأة) أي: جوازه. 513 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا قَالَتْ: "كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا"، قَالَتْ: وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [انظر: 382 - مسلم: 512، 744 - فتح: 1/ 588] ¬
105 - باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء
(فإذا سجد) أي: أراد السجود. ووجه مطابقة الحديث للتطوع في الترجمة: أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يصلي الفرض في المسجد. ووجه مطابقته له خلف المرأة وهي نائمة: أن السنة للنائم أن يستقبل القبلة، والغالب من حال عائشة - رضي الله عنها - أنها لا تتركها، وتقدم تفسير الحديث في باب: الصلاة على الفراش وعلى غيره (¬1). 105 - بَابُ مَنْ قَالَ: لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيْءٌ (باب: من قال لا يقطع الصلاة شيءٌ) أي: من فعل غيرِ المصلِّي. 514 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، ح قَالَ: الأَعْمَشُ، وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ الكَلْبُ وَالحِمَارُ وَالمَرْأَةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلابِ، وَاللَّهِ "لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً، فَتَبْدُو لِي الحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ، فَأُوذِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ". [انظر: 382 - مسلم: 512، 744 - فتح: 1/ 588] (عمر بن حفص) زاد في نسخة: "ابن غياث". (قال: حدثنا إبراهيم) في نسخة: "عن إبراهيم". (قال الأعمش) أي: بسنده السابق. (ما) مبتدأ. (يقطع الصلاة) صلة (ما). (الكلب) خبر المبتدإ، والجملة نائب فاعل (¬2) في (ذكر) أو (ما) هو النائب، فالكلب بدلُ منه. ¬
(رأيت النبي) في نسخة: "رأيت رسول الله". (وإني) في نسخة: "وأنا". (على السرير) هو واللذان بعده ثلاثة أخبار مترادفة، أو خبران وحال، أو حالان وخبر، فقوله: (مضطجعة) بالرفع، وفي نسخة: بالنصب فالأولان خبران أو أحدهما خبر والآخر حال، ثم الحالان إما متداخلتان أو مترادفتان. (فتبدو) أي: تظهر. (فأكره أن أجلس) أي: مستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (فأوذيَ) بالنصب عطفُ على (أجلس) وبالرفع عطفٌ علي (فأكره). ووجه مطابقة الحديث لعموم [شيء] (¬1) في الترجمة: أن المرأة إذا لم تقطع الصلاة مع أن النفوس جبلت على الاشتغال بها، فغيرها من الكلب والحمار وغيرهما كذلك بل أولى، وما ذكر من عدم قطع شيءٍ من المذكورات هو المعتمد الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وأما خبر مسلم: "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود" (¬2)، فمؤول بقطع الخشوع لا بالخروج من الصلاة، أو منسوخ بالأحاديث المذكورة، ويؤيد ذلك قوله فيما مرَّ: "فليدفعه" و "فليقاتله" (¬3) فإنه حكم فيه بالدفع والقتال، لا انقطاع الصلاة. 515 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنِ الصَّلاةِ، يَقْطَعُهَا شَيْءٌ فَقَالَ لَا يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، أَخْبَرَنِي ¬
106 - باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: "لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ". [انظر: 382 - مسلم: 512، 744 - فتح: 1/ 590] (إسحاق) أي: ابن راهويه الحنظلي، وفي نسخة: "إسحاق بن إبراهيم" وهو المعروف بابن راهويه. (أخبرنا يعقوب) في نسخة: "حدثنا يعقوب". (ابن إبراهيم) زاد في نسخة: "ابن سعد". (حدثني) في نسخة: "حدثنا". (ابن أخي ابن شهاب) هو محمد بن عبد الله بن مسلم. (عمه) هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. (قال) في نسخة: "فقال". (لا يقطعها شيءٌ) مخصوص بالفعل القليل، أو المراد: لا يقطعها شيءٌ من الثلاثة التي وقع النزاع فيها. (أخبرني) من تتمة مقول ابن شهاب. (على فراش) متعلقٌ بـ (يقوم)، أو بـ (يصلي)، وفي نسخة: "عن فراش"، فيتعلق بـ (يقوم). 106 - بَابُ إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ فِي الصَّلاةِ (باب: إذا حمل جارية صغيرة علي عنقه) أي: لا تفسد صلاته، وزاد في نسخة: "في الصلاة". 516 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِأَبِي العَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا". [5996 - مسلم: 543 - فتح: 1/ 590]
(أخبرنا مالك) في نسخة: "حدثنا مالك". (وهو حاملُ أمامة) بالإضافة، وفي نسخة: بالتنوين، ونصب (أمامة) باسم الفاعل (¬1): لأنه حكاية حالٍ ماضية نحو: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} [الكهف: 18]، ويظهر أثر الوجهين في (بنت زينب) فتفتح، أو تكسر بالاعتبارين، و (أمامة) بضمِّ الهمزة، تزوجها عليٌّ بعد فاطمة (¬2). (بنت رسول الله) في نسخة: "ابنة رسول الله". (ولأبي العاص) عطفٌ على (زينب) بإعادة اللام المقدرة فيها؛ إذ المعنى: بنت لزينب ولأبي العاص، واسمه: مقسم، بكسر الميم وفتح السين، أو لقيط، أو القاسم، أو مهشم، أو هشيم، أو ياسر، أقوال [وابن ربيعة] الذي رواه غيره ابن الربيع. (ابن عبد شمس) نسبة لجده؛ لشهرته به، وإلا فهو] (¬3). ابن عبد العزي بن عبد شمس. وكان حمله - صلى الله عليه وسلم - لأمامة على عنقة (¬4)، كما ¬
ذكره في الترجمة، ورواه مسلم وغيره (¬1). [وروي على رقبته] (¬2). (فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها) فعل ذلك؛ لبيان الجواز، وهو محمولُ عندنا علي العمل القليل، أو الكثير المتفرق. ودعوى نسخ ذلك بخبر: "إن في الصلاة لشُغُلا" (¬3) مردودةُ؛ لأن الخبر كان قبل الهجرة، وقصة أمامة كانت بعدها بمدة طويلة، وكانت في الفرض، ودعوى أنها كانت في النفل مردودة بأخبار، كخبر مسلم: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤم الناسَ، وأمامة على عاتقه" (¬4)، وخبر ابن بكار: أنها كانت في ¬
107 - باب إذا صلى إلى فراش فيه حائض
صلاة الصبح (¬1). 107 - بَابُ إِذَا صَلَّى إِلَى فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضٌ (باب: إذا صلّى إلى فراش فيه حائض) أَي: صحت صلاته، ولا كراهة. 517 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الهَادِ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحَارِثِ، قَالَتْ: "كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي". [انظر: 333 - مسلم: 513 - فتح: 1/ 593] (هشيم) أي: ابن بسر، بضمِّ الموحدة، وسكون المهملة الواسطيّ. (عن الشيباني) اسمه: سليمان وكنيته: أبو إسحق. (حيال) بكسر المهملة، وفتح التحتية، أي: حذاء. 518 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ، تَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ نَائِمَةٌ، فَإِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي ثَوْبُهُ وَأَنَا حَائِضٌ" وَزَادَ مُسَدَّدٌ، عَنْ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: 333 - مسلم: 513 - فتح: 1/ 593] (سمعت ميمونة) كانت خالته. (أصابني ثوبه) في نسخة: (أصابني ثيابه" وفي أخرى: "أصابتني ثيابه". (وأنا حائض) قيل القياس: حائضة؛ لأنه إذا أريد حدوث الفعل كان بالتاءِ وهو المراد هنا، وأجيب: بأن المراد: الحكم على الحائض من حيث هي. ¬
108 - باب: هل يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد؟
108 - بَابٌ: هَلْ يَغْمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عِنْدَ السُّجُودِ لِكَيْ يَسْجُدَ؟ (باب: هل يغمز الرجل امرأته في السجود لكي يسجد) أي: هل يجوز ذلك، أو لا؟ 519 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا القَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالكَلْبِ وَالحِمَارِ "لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيَّ، فَقَبَضْتُهُمَا". [انظر: 382 - مسلم: 512، 744 - فتح: 1/ 513] (القاسم) هو ابن محمد بن أبي بكر. (بئسما) ما: نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس، والمخصوص بالذم محذوف أي: عدلكم. (لقد رأيتني) فيه اتحاد الفاعل والمفعول، وهو جائز في الفعل القلبي، لكن استشكل بمنع حذف أحد مفعوليه، وجوابه ما قال الزمحشري في {وَلَا تَحْسَبَنَّ} الآية [آل عمران: 169] إن حذف أحد المفعولين جائز؛ لأنه مبتدأ في الأصل، ولا ينافيه ما في "الكشاف" (¬1) وغيره من المنع؛ لما رُوي عنه: إذا كان الفاعل والمفعولان عبارة عن شيءٍ واحد في المعنى جاز الحذف، فأمكن الجمع بينهما، بأن القول بالحذف فيما إذا اتحد الفاعل والمفعول، والقول بعدمه فيما إذا اختلفا، قاله الكرماني (¬2). ومرَّ تفسير الحديث في ¬
109 - باب المرأة تطرح عن المصلي، شيئا من الأذى
باب: الصلاة علي الفراش (¬1). 109 - بَابُ المَرْأَةِ تَطْرَحُ عَنِ المُصَلِّي، شَيْئًا مِنَ الأَذَى (باب: المرأة تطرح على المصلي شيئًا من الأذى) أي: باب بيان ذلك. 520 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّورَمَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا المُرَائِي أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلانٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلاهَا، فَيَجِيءُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلامُ - وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ -، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ، قَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ"، ثُمَّ سَمَّى: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَعُمَارَةَ بْنِ الوَلِيدِ" قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ القَلِيبِ لَعْنَةً". [انظر: 240 - مسلم: 1794 - فتح: 1/ 594] ¬
(السورماري) ساقط من نسخة، وهو بضم المهملة، وفتح الراء الأولى، وفي نسخة: "السرماري" بتثليث المهملة، وحذف الواو، وسكون الراء الأولى؛ نسبة إلى سرمار (¬1) قرية من قرى بخارى (¬2). (إسرائيل) أي: ابن يونس بن إسحاق السبيعي (عن أبي إسحق) اسمه: عمر بن عبد الله. (عن عبد الله) أي: ابن مسعود. (بينما) العامل فيه. معنى المفاجأة في (إذ) المذكورة بعد، لا الفعل الذي هو (يصلي)؛ لأنه حال من رسول الله المضاف إليه، قاله الكرماني (¬3)، وظاهره: أن (رسول الله) مجرور بالإضافة، والظاهر أن المضاف إليه (بين) هو الجملة الاسمية، فيكون (رسول الله) مرفوعًا بالابتداء، و (ما) زائدة على كلِّ حالٍ. (وجمعُ قريشٍ) بالإضافة، وهي بمعنى: من، أي: جمع من قريش. (جزور آل بني فلان) أي: منحورهم: وهو من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهي تؤنث، قاله الجوهري (¬4). (فيعمد) بكسر الميم، أي: يقصد، وهو مرفوع، وفي نسخة: منصوب جوابًا للاستفهام. (وسلاها) بفتح المهملة، والقصر: وعاء جنينها. (فانبعث) أي: انتهض. (أشقاهم) هو عقبة بن أبي معيط. (فانطلق منطلق) قال شيخنا: يحتمل أنه ابن مسعود (¬5). (جويرية) أي: صغيرة السنِّ. (رسول الله) في ¬
نسخة: "النبيَّ". (عليك بقريش) أي: أهلكهم، والمراد: كفارهم. (بعمرو بن هشام) هو أبو جهل، فرعون زمانه (¬1). (قال عبد الله) أي: ابن مسعود. (صرعى يوم بدر) أي: إلا عمارة بن الوليد، فإنه لم يحضر بدرًا، وإنما تُوفي بجزيرة بأرض الحبشة. (ثم سحبوا) أي: إلا عمارة بن الوليد. (قليب بدر) هو البئر قبل أن تطوى، وهو بالجر بدلُ من القليب قبله، ويجوز رفعه بتقدير هو، ونصبه بتقدير أعني. (قال رسول الله) في نسخة: "قال النبي". (وأتبع) بالبناءِ للمفعول، وفي نسخة: "وأَتبع" بالبناء للفاعل، وهو فيهما إخبار من النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الله أتبعهم اللعنة، أي: كما أنهم مقتولون في الدنيا، فهم مطرودون في الآخرة عن رحمة الله تعالى، وفي أخرى: "وأتْبعْ" بلفظ الأمر، عطف علي (عليك بقريشٍ) أي: قال في حياتهم: أهلكهم، وفي مماتهم أتبعهم لعنة. (أصحاب) بالرفع: على النسخة الأولئ، والنصب: على الأخريين، ومرَّ ما في الحديث من المباحث في باب: إذا أُلْقيَ على ظهر المصلي قذر (¬2). وفي الحديث: جواز الدعاءِ على أهل الكفر إذا آذوا المؤمنين ولم يرُجَ إسلامهم. ¬
1 - باب مواقيت الصلاة وفضلها
[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] 9 - كِتَابُ المَوَاقِيتِ 1 - بَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ وَفَضْلِهَا وَقَوْلِهِ: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] مُوَقَّتًا وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ". (كتاب: المواقيت) في نسخة: "باب: مواقيت الصلاة": جمع ميقات، وهو الوقت المضروب لفعلها. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) زاد عقبها في نسخةٍ: "باب: مواقيت الصلاة وفضلها" وقدم البسملة في أخرى على ما قبلها، وذكر في أخرى: "باب: مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ" [وفي أخرى: "باب: مواقيت الصلاة وفضلها"]، (¬1) بدونِ بسملةٍ فيهما. (وَقَوْلِهِ) عطف على المواقيت في النسخةِ الأولى، وعلى مواقيتِ الصلاة في غيرها، وفي نسخة: "وقوله عزَّ وجلَّ". {مَوْقُوتًا} [النساء: 103] زاد في نسخة: "موقتًا" (وقَّتَه) بالتشديدِ تفسير لـ (موقوتًا) أي: لموقتًا، أي: حَدَد الصلاةَ بأوقاتٍ. 521 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى ¬
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "بِهَذَا أُمِرْتُ"، فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ، أَوَأَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتَ الصَّلاةِ؟ قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ. [3221، 4007 - مسلم: 610 - فتح: 2/ 3] (أَخَّرَ الصلَاةَ) أي: صلاة العصر، أي: أخرها عن وقتها المختار لا عن وقتها الجائز. (وهو بالعراق) أي: عراقُ العرب، وهو من عبادان للموصل طولًا، ومن القادسية لحلوان عرضًا، وفي رواية في "الموطأ": "وهو بالكُوفة" (¬1) وهي من العراق، فالتعبير بها أخص من التعبير به. (أليس) اسمها: ضمير الشأن مُفسَّر بما بعدها، ويجوز ألست، بجعل اسمها ضمير المخاطب. (نَزَلَ) أي: صبيحة ليلة الإسراء المفروض فيها الصلاة. (فصلى) زاد في نسخةٍ: "برسولِ الله". (ثم صَلَّى، فَصَلَّى) عطف في صلاة جبريل. بـ (ثم): لأنها متراخيةٌ عمَّا قبلها، وفي صلاة النبي بالفاءِ؛ لأنها متعقبة لصلاة جبريل. (بهذا) أي: بأداءِ الصلاة في هذه الأوقات. (أُمِرْتُ) بضمِّ التاءِ، أي: أن أصلى بك، وبفتحها أي: شرع لك. (فقال عُمَرُ لِعُرْوَةَ: أعْلَمْ) بصيغة الأمر للتنبيه، على استبعاد ما قاله عروةُ. (ما) أي: الذي. (أو إِن) بفتحِ الواو؛ للعطف على مقدر، والهمزةُ للاستفهامِ، وإن بالكسر على الاستئناف، وإن صحب استفهامًا، و (أن) بالفتح، بتقدير: أو علمت. (هو أَقَامَ) في نسخةٍ: "هو الذي أَقام". (- صلى الله عليه وسلم -) في نسخة: "صلى الله عليهما". (وَقْتَ) في نسخة: "وُقُوت"، وفي أخرى: "مَواقيت". (كَذَلِك) في نسخةٍ: "وكَذَلِكَ". ¬
2 - باب قول الله تعالى: {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين} [الروم: 31]
(بشير) بفتح الموحدة، وكسر المعجمة. (قال عروة) مقول ابن شهاب، قيل: أو تعليق من البخاري. 522 - قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي العَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ". [544، 545، 546، 3103 - مسلم: 611 - فتح: 2/ -6] (والشمسُ في حجرتها) أي: عائشة، وسميت بذلك؛ لمنعها الداخل من الوصول إليها. (قبل أن تظهر) أي: تعلو من حجرتها، إلى أعالي الدار. وفي الحديث: المبادرة بالصلاة أول الوقت. وإنكار العلماء على الأمراء ما يخالف السنة. ومراجعة العالم؛ لطلب البيان. والرجوع عند التنازع إلا السنة. وأن الحجة في الحديث المسند دون المقطوع. ولا يعارض الحديث حديث إمامة جبريل له - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيءٍ مثليه (¬1): لأن ذاك وقع بيانًا للجواز. 2 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ} [الروم: 31]. (باب: قول الله تعالى) لفظ: (قول الله تعالى) ساقط من نسخة. ({مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} أي: راجعين إليه، وقيل: منقطعين إليه. {وَاتَّقُوهُ} أي: خافوه، وراقبوه. {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} أي: بل من الموحدين المخلصين له عبادة، وهذه الآية مما احتج به من يرى تكفير ¬
تارك الصلاة؛ لما يقتضيه مفهومها، لكن المراد أن تركها من أفعال المشركين، فورد النهي عن التشبه بهم. 523 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: إِنَّا مِنْ هَذَا الحَيِّ مِنْ رَبِيعَةَ وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إلا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، فَقَالَ: "آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنْ: الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ". [انظر: 53 - مسلم: 17 - فتح: 2/ 7] (هو ابن عَبَّادٍ) في نسخة: "وهُوُ ابن عَبَّاد". (عن أبي جَمْرَةَ) بجيم وراء، اسمه: نصر بن عمران البصري. (هذا الحي) بالنصب على الاختصاص، وفي نسخة: "من هذا الحي". (من ربيعة) خبر إن [في قوله (إنَّا)] (¬1). وقوله: (إلا في الشهر الحرام) هو رجب، كما رواه البيهقي (¬2)، وقيل: المراد: الجنس، فيشمل الأربعة الحرم. (نأخذه) بالرفع على الاستئناف، لا بالجزم، جوابًا للأمر: لقوله بعده: (وندعو)؛ لأنه معطوف عليه. (بأربع) أي: من الخصال. (الإيمان بالله) بالجر، بدل من أربع، وبالرفع: خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب بأعني. (ثم فسرها) أي: كلمة الإيمان، أي: فسرها لهم بقوله: (شهادة أن لا إله إلا الله ... إلخ). (والصوم) ذكر في ¬
3 - باب البيعة على إقام الصلاة
باب: أداء الخمس من الإيمان (¬1)، فتركه هنا إغفال من الرواة، لا لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقله أصلا. قاله ابن الصلاح (¬2)، وأما الحج فلم يكن فرض إذ ذاك. (وأنهاكم) في نسخة: "وأنها" ومر ضبط الحديث وتفسيره، في باب: أداء الخمس من الإيمان. ووجه مطابقته للترجمة: اقتران نفي الشرك، وهو التوحيد بإقامة الصلاة، ووجه مناسبة ذكر نهيه - صلى الله عليه وسلم - للوفد عن النبذ في الظروف المذكورة في الحديث، وأمره لهم بأداء الخمس مع أمره لهم بالإيمان وما معه: أنهم كانوا يكثرون النبذ في الظروف المذكورة، ويخاف منهم الغلول في الفيء فعرفهم ما يهمهم، ويخشى منهم مواقعته. 3 - بَابُ البَيْعَةِ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ (باب: البيعة على إقام الصلاة) في نسخة: "على إقامة الصلاة" قال ابن الأثير: البيعة: عبارة عن المعاقدة على الإسلام والمعاهدة، كأن كل واحدِ منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره (¬3). 524 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ". [انظر: 57 - مسلم: 56 - فتح: 2/ 7). (إسماعيل) أي: ابن أبي خالد. (قيس) أي: ابن أبي حازم البجلي. ¬
4 - باب: الصلاة كفارة
(بايعت رسول الله) في نسخة: "بايعت النبي". (والنصح لكل مسلم) خصَّ جريرًا بالنصيحة؛ لأنه كان سيد بجيلة وقائدهم، فأرشده إلى النصيحة؛ لأن حاجته إليها أمس، بخلاف وفد عبد القيس؛ حيث خصهم بأداء الخمس؛ لكونهم أهل محاربة مع من يليهم من كفار مضز، فذكر لكل قوم أهم ما يحتاجون إليه، ويخاف عليهم من جهته، ومرت مباحث الحديث في باب: الدين النصيحة (¬1). 4 - بَابٌ: الصَّلاةُ كَفَّارَةٌ (باب: الصلاة كفارة) في نسخة: "باب: تكفير الصلاة" أي: لصغائر الذنوب. 525 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الفِتْنَةِ، قُلْتُ أَنَا كَمَا قَالَهُ: قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ، قُلْتُ: "فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ"، قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا، قُلْنَا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: البَابُ عُمَرُ. [1435، 1895، 3586، 7096 - مسلم: 144، فتح: 2/ 8] (شقيق) هو أبو وائل بن سلمة الأسدي. (سمعت حذيفة) في نسخة: "حدثني حذيفة". ¬
(قول رسول الله) في نسخة: "قول النبي". (في الفتنة) هي الحيرة والبلية. (قلت أنا) أي: أحفظه. (كما قاله) أي: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأتى بالكاف، مع أنَّ مدخولَها عينُ قولِه؛ لأنه نقله بالمعنى، فاللفظ مثل لفظه بأداء ذلك المعنى، أو الكاف زائدة، قاله الكرماني (¬1). (إنك عليه) أي: على قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (أو عليها) أي: على مقالته. (لجريء) أي: جسور. (فتنة الرجل في أهله) أي: بأنه ياتي من أجلهم ما لا يحل. (وماله) أي: بأن يأخذه من غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفه. (وولده) أي: لفرط المحبة والشغل به عن كثير من الخيرات. (وجاره) أي: بأن يتمنى مثل حاله أي: إن كان متسعًا مع الزوال. (يكفرها) أي: الفتنة المفصلة بما مر. (الصلاة. إلخ) أي: تكفر الصغائر؛ لخبر "الصلاة إن الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر" (¬2). (ولكن الفتنة) بالنصب أي: ولكن أريد الفتنة العظيمة. (التي تموج) أي: تضطرب. (بابًا) في نسخة: "لبابًا". (إذًا) جواب وجزاء (¬3)، أي: إذا يكسر. (لا يغلق أبدًا) إذ الإغلاق ¬
إنما يكون في الصحيح لا في المكسور، ويغلق بالنصب بإذًا (¬1)، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف. قلنا أي: لحذيفة. (كما أن دون الغدِ الليلة) أي: كما يعلم أن الليلة أقرب من الغدِ، وإنما علم عمر أنه الباب؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان على حراء هو والعمران وعثمان، فقال: "إنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان" (¬2). (ليس بالأغاليط): جمع أغلوطة بضم الهمزة، وهو ما يغلط به، قال النووي: معناه: حدثه حذيفة صدقًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا عن اجتهاد رأيٍ ونحوه (¬3). وحاصله: أن عمر كان هو الحائل بين الفتنة والإسلام فإذا مات دخلت. (فهبنا) أي: قال شقيق: فهبنا، أي: خفنا. (أن نسأل حذيفة) أي: عن الباب. (مسروقًا) أي: ابن الأجدع. (فقال) أي: مسروق. (الباب عمر) لا ينافيه قوله قبلُ: (إن بينك وبينها بابًا)، لأن المراد بقوله: (بينك) أي: بين زمانك وزمان الفتنة وجود حياتك، وعلم حذيفة ذلك مستندًا إلى الرسول لله بقرينة السؤال والجواب. ¬
526 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: "لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ". [4687 - مسلم: 2763 - فتح: 2/ 8] (ابن زريع) بضم الزاي وفتح الراء. (سليمان) أي: ابن طرخان. (عن أبي عثمان النهدي) هو عبد الرحمن بن مل، بتثليث الميم، وتشديد اللام. (أن رجلًا) هو أبو اليسر بفتح التحتية والمهملة: ابن عمرو الأنصاري. (طرفي النهار) أي: الغداة والعشي، والظهر والعصر. (وزلفًا من الليل) أي: وساعات منه قريبة من النهار (¬1)، فإنه من أزلفه إذا قربه، وقيل: صلاة المغرب والعشاء (¬2)، وقيل: صلاة العشاء (¬3)، وهو معطوف على طرفي النهار، وقيل: على الصلاة. ({إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}) [هود: 114] أي: يكفرنها، والمراد بالحسنات: الصلوات الخمس، كما عليه أكثر المفسرين، وقال مجاهد: هو قول العبد: سبحان الله، الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر (¬4). ¬
5 - باب فضل الصلاة لوقتها
5 - بَابُ فَضْلِ الصَّلاةِ لِوَقْتِهَا (باب: فضل الصلاة لوقتها) أي: في وقتها. 527 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ الوَلِيدُ بْنُ العَيْزَارِ: أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ - هَذِهِ الدَّارِ وَأَشَارَ إِلَى دَارِ - عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ" قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَو اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. [2782، 5970، 7534 - مسلم: 85 - فتح: 2/ 9] (قال: الوليد بن العيزار أخبرني) فاعل (قال) ضمير شعبة، الوليد مبتدأ، خبره: (أخبرني). (وأشار) أي: أبو عمرو الشيباني. (إلى دار عبد الله) أي: ابن مسعود. (الصلاة على وقتها) عبر هنا بعلى، وفي الترجمة باللام، وهما متغايران؛ لأن اللام لاستقبال الوقت، أو بمعنى: في؛ لأن الوقت ظرف لها، كقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] أي: فيه، وعلى للاستعلاء على الوقت، والتمكن من أداء الصلاة، أي: في [أي] (¬1) جزء كان من أجزائه فوجه مطابقة الحديث للترجمة: أنَّ اللام قد تأتي بمعنى: علي بناء على مذهب الكوفيين من تقارض الحروف، كقوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} [الإسراء: 107] أي: عليها، وقوله: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] أي: عليه. (ثم أي) أي: بالتشديد بالتنوين، وأشار بـ (ثم) إلى تراخي السؤال الثاني، لكن في الرتبة لا الزمان. (قال: بر الوالدين) في نسخة: "ثم بر الوالدين". (والجهاد في سبيل الله) أي: لإعلاء كلمة الله، "ظهار شعائر ¬
6 - باب: الصلوات الخمس كفارة
الإسلام بالنفس المال. (حدثني بهن) أي: بالثلاثة المذكورة، والجمع بين هذا الحديث وأحاديث: إطعام الطعام خير أعمال الإسلام (¬1)، وأفضل أعماله أن يسلم المسلمون من يده ولسانه (¬2)، وأحب العمل إلى الله أدومه (¬3) وغير ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجيب كلامًا يوافقه ويليق به، أو بحسب الوقت، أو الحال، وقد تعارضت النصوص على تفضيل الصلاة على الصداقة، نعم إن عرضت حالة تقتضي المواساة لمضطر كانت الصدقة أفضل من الصلاة، وقِسْ على ذلك غيرها. وفي الحديث: تفضيل بعض أعمال البر على بعض، وفضلُ بر الوالدين. 6 - بَابٌ: الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَةٌ (باب: الصلوات الخمس كفارة) للخطايا إذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها، في نسخة: "كفارات" وما بعدها ساقط من أخرى. 528 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ: ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ " قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: "فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا". [مسلم: 667 - فتح: 2/ 11] (قال: حدثني) في نسخة: "قال: حدثنا". (عن يزيد) أي: "ابن عبد الله" كما في نسخة، وفي أخرى: "عن يزيد يعني: ابن عبد الله بن الهاد". ¬
(أرأيتم) بهمزة الاستفهام التقريري، أي: أخبروني، وفي نسخة: "أرأيتكم". "كم" حرف لا محل له من الإعراب، وسبق مع زيادة في باب: السمر في العلم (¬1). (لو أنَّ) أي: لو ثبت أن (¬2)؛ لأن (لو) لا تدخل إلا على فعل. وجوابها محذوف: لما بقي الدرن. (نهرًا) بفتح الهاء، وسكونها: وهو ما بين حافتي الوادي، سمي بذلك لسعته؛ ولذلك سمي اليوم بالنهار لسعة ضوئه. (خمسًا) أي: خمس مرات. (ما) استفهامية في موضع نصب بـ (يُبقي) الآتي، وقدم عليه؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام. (تقول) أي: أيها السامع، فالمخاطب عام، فيناسب خطاب الجماعة بقوله: "أرأيتم" وجرى القول مجرى الظن، فيتعدى إلى مفعولين: الأول: ذلك، والثاني: (يُبقي) بضم أوله وكسر ثانيه، أي: يبقي شيئًا. (من درنه) بفتح الراء: وسخه. (قال) أي: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (فذلك مثل الصلاة) جواب شرط محذوف (¬3)، أي: إذا علمتم ذلك، وفائدة التمثيل: التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس، حيث شبه حال المقترف لبعض الذنوب المحافظ على أداء الصلوات الخمس بحال المغتسل في نهرٍ على باب داره كل يوم خمس مرات، بجامع أن كلًّا منهما يزول بفعله الأقذار وهي الذنوب في الأول، والأوساخ في الثاني. (بها) أي: بالصلوات، وفي نسخة: "به" أي: بأدائها. (الخطايا) أي: الصغائر. ¬
7 - باب تضييع الصلاة عن وقتها
7 - بَابُ تَضْيِيعِ الصَّلاةِ عَنْ وَقْتِهَا (باب: تضييع الصلاة) في نسخة: "باب: في تضييع الصلاة". (عن وقتها) أي: تأخيرها إلى أن يخرج وقتها، ولفظ (باب) مع الترجمة ساقط من نسخة. 529 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلانَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قِيلَ: الصَّلاةُ؟ قَالَ: أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا"؟ [فتح: 2/ 13] (مهدي) أي: ابن ميمون. (غيلان) أي: ابن جرير المعولي، بفتح الميم والواو؛ نسبة إلى المعاول: بطن من أزد. (قال) أي: أنس لما أخر الحجاج الصلاة. (ما أعرف شيئًا .. إلخ). (قيل) أي: قال له أبو رافع. (الصلاة) أي: هي شيء مما كان في عهده - صلى الله عليه وسلم -، وهي باقية. (قال) أي: أنس في الجواب. (أليس ضيعتم ما ضيعتم فيها) أي: في الصلاة، واسم ليس ضمير الشأن، وضيعتم بمعجمة وتحتية مشددة في الموضعين، من التضيع، وفي نسخة: "قد ضيعتم"بزيادة (قد) وفي أخرى: بمهملة ونون مخففة من الصيع، والأُولى أوْلَى بالترجمة. والمراد أنهم أخروها عن وقتها بالكلية، وقيل: عن وقتها المستحب، ورده شيخنا: بأنه مخالف للترجمة، وللواقع (¬1)، فقد صح أنَّ الحجاجَ وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها (¬2). ¬
8 - باب: المصلي يناجي ربه عز وجل
530 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الحَدَّادُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، أَخِي عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: "لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إلا هَذِهِ الصَّلاةَ وَهَذِهِ الصَّلاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ" وَقَالَ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ البُرْسَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ نَحْوَهُ. [فتح: 2/ 13] (عن عثمان بن أبي روَّادَ أخي عبد العزيز) زاد في نسخة: "ابن أبي روَّاد" وعبر في نسخة: بـ "أخو" بدل (أخي). (بدمشق) بكسر الدال وفتح الميم. (أدركت) أي: في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إلا هذه الصلاة) بالنصب على الاستثناءِ، أو بدل من (شيئًا). (بكر) أي: "ابن خلف" كما في نسخة. (البرساني) [بضم الموحدة، وسكون الراء، وبالسين المهملة، وبالنون: الواسطي] (¬1). 8 - بَابٌ: المُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (باب: المصلي يناجي ربه عزَّ وجلَّ) أي: يخاطبه. 531 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى" وَقَالَ سَعِيدٌ: عَنْ قَتَادَةَ، "لَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ" وَقَالَ شُعْبَةُ: "لَا يَبْزُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ" وَقَالَ حُمَيْدٌ: عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَبْزُقْ فِي القِبْلَةِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ". [انظر: 241 - مسلم: 551 - فتح: 2/ 14] ¬
9 - باب الإبراد بالظهر في شدة الحر
(هشام) هو ابن أبي عبد الله الدستوائي. (عن قتادة) أي: ابن دعامة. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (يناجي ربه) زاد في نسخة: "عزَّ وجلَّ". (يتفلن) بضم الفاء وبكسرها، وإن أنكر بعضهم الضم. (وقال سعيد إلخ) هذه تعاليق أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا موقوفات. 532 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كَالكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ". [انظر: 241، 822 - مسلم: 493، 551 - فتح: 2/ 15] (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (قال: اعتدلوا) في نسخة: "أنه قال: اعتدلوا". (في السجود) أي: بوضع أكُفكُم فيه على الأرض، ورفع مرافقكم عنها وعن أجنابكم، ورفع بطونكم عن أفخاذكم؛ لأن ذلك أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى. (ولا يبسط) بالجزم على النهي، أي: المصلي، وفي نسخة: "ولا يبسط أحدكم ذراعيه كالكلب" إذ في ذلك إشعار بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها. (فلا يبزقن) بنون التوكيد الثقيلة، وفي نسخة: "فلا يبزق" بدونها. (فإنه) في نسخة: "فإنما" ومر تفسير الحديث (¬1). 9 - بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ (باب: الإبراد بالظهَر في شدة الحر) أي: بيان الأمر بالإبراد، ¬
وحقيقته: الدخول في البرد والباء للتعدية، والمعنى: إدخال الصلاة في البرد. 533 - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ". [536 - مسلم: 615، 617 - فتح: 2/ 15] (أيوب بن سليمان) زاد في نسخة: "ابن بلال". (حدثنا أبو بكر) هو عبد الحميد بن أبي أويس الأصبحي، وفي نسخة: "حدثني أبو بكر". (عن سليمان) أي: ابن أبي بلال. (وغيره) قال شيخنا: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن فيما أظن (¬1). (ونافع) بالرفع؛ عطف على الأعرج. (أنهما) أي: أبا هريرة وابن عمر. (حدثاه) أي: حدَّثا مَنْ حدَّث ابن كيسان، ويحتمل أن ضمير (أنهما) للأعرج ونافع، وضمير (حدثاه) لابن كيسان [وفي نسخة: "حدثا" بلا ضمير] (¬2). ([فأبردوا بالصلاة]) (¬3) [أي: أخروها حين يبرد النهار] (¬4) وفي نسخة: "فأبردوا عن الصلاة" فعن بمعنى: الباء (¬5) كرميت عن القوس، أو ضمن (أبردوا) معنى التأخير، والأمر للندب، والصارف له عن ¬
الوجوب الإجماع، ومحل الندب إذا أراد الصلاة بمسجد الجماعة ولا ظل للحيطان والوقت حارٌّ، كما أشار إليه بقوله: (فإن شدة الحر من فيح جهنم) أي: من سطوع حرَّها وثورانه. والحكمة في الإبراد: دفع المشقة عن المصلِّي، إذ شدة الحرِّ تذهب الخشوع، ولا ينافي هذا الحديثُ وما وافقه حديث خباب: "شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حر الرمداءِ فلم يشكنا. (¬1) أي: لم يزل شكوانا؛ لأن الإبراد رخصة والتقديم عزيمة فعمل بكل منهما، أو حديث خباب منسوخ بأحاديث الإبراد. 535 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُهَاجِرِ أَبِي الحَسَنِ، سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ، فَقَالَ: "أَبْرِدْ أَبْرِدْ" أَوْ قَالَ: "انْتَظِرِ انْتَظِرْ" وَقَالَ: "شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ" حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ. [539، 629، 3258 - مسلم: 616 - فتح: 2/ 18] (ابن بشار) في نسخة: "محمد بن بشار". (غندر) اسمه: محمد بن جعفر. (المهاجر) ال فيه زائدة، كهي في العباس (¬2). (عن أبي ذر) اسمه: جندب بن جنادة الغفاري. ¬
(أذَّن مؤذّن النبيِّ) هو بلال، والمراد ما صرح به في الباب الآتي: أنه أراد أن يؤذن، أي: يقيم لما سيأتي. (الظهر) بالنصب بنزع الخافض باءً أو لامًا. (فقال: أبرد أبرد) أي: بالإقامة لا بالأذان؛ لأنه إنما هو للوقت لا للصلاة على الراجح، ويؤيد ذلك خبر الترمذيّ: فأراد بلال أن يقيم (¬1). (حتَّى رأينا) متعلق بـ (قال)، أي: كان يقول ذلك إلى أن رأينا، أو بالإبراد. (فَيْءَ التُّلُولِ) بضم الفوقية واللام المخففة: جمع تل، وهو ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل، أو نحوهما، والفيءُ (¬2): ما بعد الزوال، والظل أعمُّ منه، ووقت الظهر لا بد فيه من فيء، والمراد به: ما يؤذن عنده، وهو الحادث للشاخص في زمن، والزائد عليه في الغالب، وفي نسخة: "فيِّء" بياءٍ مشددة، وغاية الإبراد: أن يصير الظلُّ ذراعًا بعد ظلِّ الزوال، أو ربع قامة، أو ثلثها، أو نصفها، أو يختلف باختلاف الأوقات أقوال. 536 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَدِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ". [انظر: 533 - مسلم: 615، 617 - فتح: 2/ 18] ¬
(عليُّ بن عبد الله) وزاد في نسخة: "ابن المديني". (سفيان) أي: ابن عيينة. (عن الزهري) هو محمد بن مسلم بن شهاب. 538 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" تَابَعَهُ سُفْيَانُ، وَيَحْيَى، وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. [3260 - مسلم: 617 - فتح: 2/ 18] (اشتكت النار إلى ربها .. إلخ) إسناد ما ذكر فيه إلى النار حقيقة بأن خلق الله لها إدراكًا وتمييزًا ونطقًا، وقيل: مجاز على جهة تشبيه لسان الحال بلسان المقال، كقوله: شكا إليَّ جملي طول السَّرى ... مهلًا رويدًا فكلانا مبتلى فشكواها مجازٌ عن غليانها، وأكل بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها، وبنفسها مجازٌ عن خروج ما يبرز منها، قال النوويُّ: والصواب الأول؛ إذ لا مانع من الحقيقة (¬1). (نفس في الشتاءِ، ونفس في الصيف) بجرهما على البدلية، أو البيان من نفسين، ويجوز رفعهما ونصبهما (¬2). (أشد) بالجر بدل أو بيان، وبالرفع خبر مبتدإِ محذوف، وصرَّح به في نسخة بلفظ فهو أشد، أو مبتدأ محذوف الخبر كما صرَّح به النسائي في رواية بلفظ: "فأشدُّ ما تجدون من البرد من برد جهنم، وأشد ما تجدون من الحر من حز جهنم" (¬3). (من الزمهرير) والمراد به: شدةُ البردِ، ولا مانع من حصوله من نفس النارِ؛ لأن المراد من النارِ: محلُّها، وفيه طبقة زمهريريَّة؛ ولأنَّ النار عبارةٌ عن جهنم، وقد ورد: أن ¬
10 - باب الإبراد بالظهر في السفر
في بعض زواياها نارًا، وفي أخرى الزمهرير (¬1)، فلا منافاة في الجمع بينهما فيها. 538 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" تَابَعَهُ سُفْيَانُ، وَيَحْيَى، وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. [3259 - فتح: 2/ 18] (عمر بن حفص) زاد في نسخة: "ابن غياث". (قال: حدثنا الأعمش) في نسخة: "عن الأعمش". (أبردوا بالظهر" خرج به غيرها، ولو جمعةً؛ لأنَّ الناسَ مأمورون بالتبكير إليها فلا يتأذَّون بالحرّ، وما في "الصحيحين" من أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يبرد بها بيانٌ للجواز فيها مع عِظَمها (¬2). (تابعه) في نسخة: "وتابعه"، أي: تابع حفص بن غياث في لفظ: (أبردوا بالظهر). (سفيان) أي: الثوري. (ويحيى) أي: ابن سعيد القطان. (وأبو عوانة) أي: الوضَّاح بن عبد الله. 10 - بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ (باب: الإبراد بالظهر في السفر) أي: إذا كان المسافر نازلًا. 539 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الحَسَنِ مَوْلَى لِبَنِي تَيْمِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ، ¬
11 - باب: وقت الظهر عند الزوال
قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَبْرِدْ" ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ" حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " (تَتَفَيَّأُ) تَتَمَيَّلُ". [انظر: 535 - مسلم: 616 - فتح: 2/ 20] (آدم) في نسخة: "آدم بن أبي إياس". (مولى لبني تيم الله) في نسخة: "مولى بني تيم الله". (مع النبيّ) في نسخة: "مع رسول الله". (وقال ابن عباس) في نسخة: "قال محمد: قال ابن عباس" ومحمد: هو البخاري. (تتفيَّأ) في قوله تعالى {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ} [النحل: 48] معناه: تتميل، وفي نسخة: "تفيَّأ: تميَّل"، وفي أخرى: "تفيأ: تميل". 11 - بَابٌ: وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَقَالَ جَابِرٌ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالهَاجِرَةِ". [نظر: 560] (باب: وقت الظهر عند الزوال) (¬1) هو ميلُ الشمس إلى جهة المغرب. و (باب) منون في نسخة، ومضاف إلى الجملة في أخرى. (بالهاجرة) هي وقت اشتداد الحر في نصفِ النهارِ. 540 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إلا أَخْبَرْتُكُمْ، مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا". ¬
فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي البُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي"، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ" ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي" فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالخَيْرِ وَالشَّرِّ". [انظر: 93 - مسلم: 2359 - فتح: 2/ 21) (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) هو ابن أبي حمزة بمهملة وزاي. (زاغت) أي: مالت. (فصلَّى الظهر) أي: أول وقتها وهذا لا ينافي حديث الإبراد؛ لاحتمال أن يكون هذا في وقتٍ ليس بحارٍّ؛ أو لأنَّ ذاك ثبت بالقول والفعلِ، وهذا بالفعلِ فقط، أو ذاك ناسخٌ لهذا. (فقام على المنبر) أي: لينكر على قومٍ من المنافقين بَلَغَهُ عنهم أنهم يسألونه ويعجزونه عن بعض ما يسألونه عنه. (فلا) في نسخة: "لا". (أخبرتكم) أي: أخبركم به، فأوقع الماضي موضع المستقبل؛ إشارة إلى أنه كالواقع لتحققه. (في مقامي هذا) لفظ: (هذا) ساقطٌ من نسخة. (في البكاءِ) بالمدِّ: رفع الصوت في البكاءِ، وبالقصر: خروج الدموع وسبب بكائهم [سماعهم] (¬1) أهوال يوم القيامة والأمور العظام، أو خوفهم من نزول العقاب المعهود في الأمم السابقة عند إيذائهم رسلهم. (سلوني) في نسخة: "سلوا". (فقال: رضينا) في نسخة: "قال: رضينا". (عرضت عليَّ الجنةُ والنارُ) أي: نصبتا، أو مثلتا لي. (آنفًا) بالمدِّ والنصب على الظرفية، أي: قريبًا، وتقدم. (في عرض هذا الحائط) بضمِّ العين المهملة، أي: جانبه. (فلم أر كالخير والشرِّ) أي ما ¬
أبصرت مثل الخير الذي في الجنة، والشر الذي في النارِ، أو ما أبصرت شيئًا مثل الطاعة والمعصية في سبب دخولهما. 541 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو المِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى المَدِينَةِ، رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ - وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ " وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: لَقِيتُهُ مَرَّةً، فَقَالَ: "أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ". [547، 568، 599، 771 - مسلم: 461، 647 - فتح: 2/ 22] (عن أبي المنهال) في نسخة: "حدثنا أبو المنهال" بكسر الميم واسمه: سيار بن سلامة. (كان النبيُّ) في نسخة: "قال: كان النبيُّ". (ما بين الستين) أي: من آيات القرآن. (إلى المائة) أي: ما بين الستين والمائة، وإنما أتى بإلى التي للانتهاء، ولم يقل: والمائة الذي هو حق التعبير؛ ليبين من أنها لا تدخل إلا على متعدد؛ لأن التقدير: وما بين الستين وفوقها إلى المائة، فإلى غاية الفوقية؛ لدلالة الكلام على ذلك. (وأحدنا) مبتدأ. (يذهب) خبره، أو حال. (إلا أقصى المدينة) أي: آخرها. (رجع) حالٌ، أو خبر المبتدإِ بتقدير أن. (يذهب) حال، أو هما خبران، أو هو عطفٌ علا (يذهب) والتقدير: "ورجع" كما في نسخة، ورجع بمعنى: "يرجع" كما في نسخة بلفظ: "ويرجع" وفي أخرى: "ثُم يرجع" أي: إلى أقصى المدينة لا إلى المسجد، كذا قال الكرمِاني وغيره (¬1)، وأنت خبير بأنه ليس لذكر (رجع) بعد يذهب (كبير) ¬
معنى، وإن جعل حالًا منتظرة، أو تفسيرًا لـ (يذهب)؛ لأنه محض تكرار وإن كان فيه تأكيد، وإنما يسلم منه لو جعل [الرجوع] (¬1) من أقصى المدينة إلى المسجد، كما يلوح له نسخة (ثم يرجع) لكن حديث عوف الآتي يقتضي أنه من المسجد إلى أقصى المدينة، وفيه السلامة مما ذكر حيث حذف (يذهب)، فقال: ويصلي العصر، ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة. (والشمس حيَّة) أي: بيضاء لم يتغير لونها ولا ضوؤها. (ونسيت) من قول أبي المنهال. (ما قال) أي: ما قاله أبو بَرْزَةَ. (ولا يبالي) عطف على (يصلي) أي: كان - صلى الله عليه وسلم - يصلي ولا يبالي بما ذكر. (ثم قال) أي: أبو المنهال. (إلى شطر الليل) أي: نصفه، والأصحُّ المختار: أن وقت الاختيار إلا ثلث الليل، أما وقت الجواز فممتد إلى طلوع الفجرِ، كما بَيَّنْتُهُ بأدلته في "شرح البهجة" وغيره (¬2)، وأما مفهوم (لا يبالي) يبالي من أنه يبالي بعد الثلث، أو النصف، فلأنَّ مبالاته - صلى الله عليه وسلم - تكون بترك الأفضل. (وقال معاذ) هو ابن معاذ بن نصر العنبري. (ثم لقيته) أي: أبا المنهال. ¬
12 - باب تأخير الظهر إلى العصر
542 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي غَالِبٌ القَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالظَّهَائِرِ، فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الحَرِّ". [انظر: 385 - مسلم: 620 - فتح: 2/ 22] (محمد -يعني- ابن مقاتل) لفظ: (يعني) ساقظ من نسخة، وفي أخرى: "يعني: ابن معاذ" لكنه غير معروفي في مشايخ البخاري. (أخبرنا عبد الله) في نسخة: "حدثنا عبد الله" وهو ابن المبارك الحنظليُّ. (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (خالد بن عبد الرحمن) أي: ابن بكير السلميّ [البصريُ] (¬1)، ولم يذكر في "الجامع" إلا في هذا الموضع. (بالظهائر) أي: في وقتها وهي جمع ظهيرة وهي الهاجرة، وأراد بها الظهر، وجمعها بالنظرِ إلى تعدُّدِ الأيام. (فسجدنا على ثيابنا) عطف على مقدَّر، أي: فرشنا ثيابنا فسجدنا عليها، وفي نسخة: "سجدنا عليها" بلا فاء، ومحلُّه عند الشافعي: في ثياب منفصلةٍ عن المصلي، ولا تتحرك بحركته. (اتقاء الحرِّ) أي: الوقاية أي: وقاية لأنفسنا من الحرِّ أي: احترازًا منه. 12 - بَابُ تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى العَصْرِ (باب: تأخير الظهر إلى العصر) المناسب للحديث: باب: صلاة الظهر مع العصرِ، والمغرب مع العشاءِ، ففي التعبير بما قاله تجوِّز وقصور وإيهام جواز الجمع بالمطر تأخيرًا مع أنَّه ممتنع عند الشافعي في ¬
13 - باب وقت العصر
الجديد، ولعل البخاري يرى جوازه، وتاويل ذلك: بأنه فرغ من الأولى فدخل وقت الثانية فصلاها عقبها خلاف الظاهرِ. 543 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا: الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ"، فَقَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ، قَالَ: عَسَى. [562، 1174 - مسلم: 705 - فتح: 2/ 23] (أبو النعمان) هو محمد بن الفضل. (عن عمرو بن دينار) في نسخة: "هو ابن دينار". (سبعًا) أي: سبع ركعات جمعًا بين المغرب والعشاءِ. (وثمانيًا) أي: جمعًا بين الظهر والعصر، ففي قوله: (الظهر والعصر، والمغرب والعشاء) لفٌّ ونشر غير مرتب، والألفاظُ الأربعة منصوبة على البدلِ، أو البيان، أو الاختصاص، أو بنزع الخافض، أي: للظهر إلخ. (فقال أيوب) في نسخة: "قال أيوب" وهو السختياني. (لعلّه) أي: التأخير. (في ليلة) أي: مع يومها، بقرينة ذكر الظهر والعصر. (مطيرة) أي: كثيرة المطر. (قال: عسى) أي: قال جابر: عسى أن تكون مطيرة. 13 - بَابُ وَقْتِ العَصْرِ وَقَالَ أَبُو أُسامَةَ، عَنْ هِشَامٍ: مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا. (باب: وقت العصر) أي: بيان وقته الذي صلى فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (من قعر حجرتها) يعني: وقت العصر الذي صلَّى فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، مقيدٌ بما إذا لم تخرج الشمس من حجرة عائشة. 544 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي العَصْرَ، وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا" وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ: "مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا". [انظر: 522 - مسلم: 611 - فتح: 2/ 25]
(عن هشام) أي: ابن عروة. (من حجرتها) أي: صحن بيتها، وهو من باب التجريد كأنها جرَّدت امرأة وأثبتت لها حجرة، وأخبرت بما أخبرت به، وإلا فالقياس التعبير بحجرتي، والمراد بالشمس: ضوؤها، لا عينها. 545 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى العَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا". [انظر: 522 - مسلم: 611 - فتح: 2/ 25] (لم يظهر الفيءُ) أي: في الموضع الذي كانت الشمسُ فيه. (من حجرتها) فمن متعلقة بمحذوف. 546 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يُصَلِّي صَلاةَ العَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِي حُجْرَتِي لَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ بَعْدُ"، وَقَالَ مَالِكٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ: "وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ". [مسلم: 611 - فتح: 2/ 25] (أخبرنا ابن عيينة) في نسخة: "حدثنا ابن عيينة". (والشمسُ طالعة) أي: ظاهرة. (بعدُ) مبنيٌّ على الضم لنيَّةِ الإضافة. (وقال مالك) في نسخة: "قال مالك" وفي أخرى: "قال أبو عبد الله: وقال مالك". (وشعيب) أي: ابن أبي حمزة. (وابن أبي حفصة) هو محمد بن أبي ميسرة البصريُّ. 547 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: "كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ، الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى، حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ،
وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ - وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ، الَّتِي تَدْعُونَهَا العَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ". [انظر: 541 - مسلم: 461 - فتح: 2/ 26] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (على أبي برزة) هو نضلة بن عبيد. (الهجير) أي: الهاجرة، وفي نسخة: "الهجيرة" وهي وقت شدة الحرِّ، والمراد: صلاة الظهر، وسميت بصلاة الهجير؛ لأن وقتها يدخل حينئذٍ (وهي التي تدعونها الأولى) سميت أولى؛ لأنها أول صلاة صليت في إمامة جبريل. (تدحض الشمس) أي: تزولُ عن وسط السماءِ إلى جهة الغرب. (إلى رحله) أي: منزله (في أقصى المدينة). [صفة لرحله] (¬1). (وكان) في نسخة: "فكان". (يؤخر العشاء) في نسخة: "يؤخر من العشاءِ". (العتمة) بفتح الفوقية: من عتم، أي: أظلم، وهي من الليل، بعد غيبة الشفق (¬2). (والحديث) أي: الدنيويَّ لا الدينيَّ. (وكان ينفتل) أي: ينصرف من الصلاة، أو يلتفت إلى المأمومين. (من صلاة الغداة) أي: الصبح. (ويقرأ) أي: في الصبح. ¬
548 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ العَصْرَ". [550، 551، 7329 - مسلم: 621 - فتح: 2/ 26] (إلى بني عمرو) أي: منازلهم: وهي على ميلين من المدينة. (فيجدهم يصلون العصر) كان - صلى الله عليه وسلم - يعجل أول الوقت، وإنما كان بنو عمرو يؤخرون عن أول الوقت؛ لاشتغالهم في زرعهم وحوائطهم، ثم بعد فراغهم يتأهبون للصلاة بالطهارة وغيرها فتتأخر صلاتهم إلى وسط الوقت. 549 - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ، يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي العَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَا هَذِهِ الصَّلاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: "العَصْرُ، وَهَذِهِ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ". [مسلم: 623 - فتح: 2/ 26] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (ابن حُنيف) بالتصغير. (أبا أمامة) هو بضم الهمزة: سعد بن سهل بن حنيف. (دخلنا على أنس) أي: في داره بجنب المسجد النبوي. (يا عم) بحذف الياءِ من عميِّ قال له ذلك؛ توقيرًا أو إكرامًا، وإلا فليس هو عَمّه. (قال) أي: أنس. (هي العصر إلخ) الحديث صريح في التعجيل بالعصر أول وقتها، كغيرها من بقية الصلوات، وإنما أخر عمر بن عبد العزيز الظهر إلى آخر وقتها حتى كانت صلاة أنس [العصر] (¬1) عقبها (¬2)، إمَّا على عادة الأمراء قبله قبل أن تبلغه السُّنَّةُ في التعجيل، أو أخَّر لعذرٍ. ¬
- باب وَقْتِ العَصْرِ 550 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى العَوَالِي، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ" وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوهِ. [انظر: 548 - مسلم: 621 - فتح: 2/ 28] (باب: وقت العصر) ساقط من نسخة، وهو تكرار محض. (كان رسول الله) في نسخة: "كان النبيُّ". (فيذهب الذاهب) يريد أنس نفسه؛ للتصريح به في روايةٍ في النسائي، فهو تجريد، وإلا فالقياس: فأذهب (¬1). (العوالي) [أي: التي حول المدينة من القرى جهة نجد. (فيأتيهم) أي: فيأتي الذاهب أهل العوالي (والشمس مرتفعة) أي: دون الارتفاع الأولى. (وبعض العوالي .. إلخ)] (¬2) من كلام البخاري، أو مدرج من كلام أنس، أو الزهريّ. (أو نحوه) أي: نحو ما ذكره من الأميال الأربعة، وإلا فكان الأولى: أو نحوها. وفي الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يبادر بصلاة العصر في أول وقتها كغيرها؛ لأنه لا يمكن أن يذهب الذاهب أربعة أميالٍ والشمس لم تتغير إلا إذا صلى حين صار ظل الشيءِ مثله، ولا يكاد يحصل ذلك إلا في الأيام الطويلة. 551 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ". [انظر: 548 - مسلم: 621 - فتح: 2/ 28] ¬
14 - باب إثم من فاتته العصر
(إلى قباء) وهي من العوالي، على ثلاثة أميالٍ من المدينة (¬1)، والأفصح فيها: الصرف والتذكير والمدُّ، ويجوز مقابلها. (فيأتيهم) أي: أهل قباء ومر تفسير الحديث وما قبله. 14 - بَابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ العَصْرُ (باب: إثم من فاتته العصَرَ) أي: بلا عذر. 552 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الَّذِي تَفُوتُهُ صَلاةُ العَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ". [مسلم: 626 - فتح: 2/ 30] (عن ابن عمر) في نسخة: "عن عبد الله بن عمر". (الذي تفوته صلاة العصر) في نسخة: "الذي تفوته العصر". (كأنما) في نسخة: "فكأنَّما". (وتر) بالبناءِ للمفعول وهو ضمير يعود إلى الذي فاتته العصر. (أهله وماله) بالنصب مفعول ثانٍ، أي: فكأنه نقصهما فصار وترًا لا أهل له ولا مال، وبالرفع على أنهما نائبا الفاعل، وعلى الأول فـ (وتر) يتعدى إلى مفعولين، وإلى ذلك أشار البخاري بقوله: "قال أبو عبد الله" كما في نسخة "يتركم" أي: في قوله تعالى: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] أي: لن ينقصكم أعمالكم، ثُم أشار بقوله: (وترت الرجل إذا قتلتُ له قتيلًا وأخذت له مالًا) إلى أن (وتر) يتعدى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهو يؤيد رواية الرفع، وفي نسخة: "وأخذت ماله" وخصت صلاة العصر بذلك؛ لاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها، أو أنه خرج جوابًا لسائلٍ عنها، أو لأنه نبَّه بها على غيرها، وخضت بالذكرة لأنها تأتي والناس في وقت تعبهم من أعمالهم ¬
15 - باب من ترك العصر
وحرصهم على تمام أشغالهم. قال ابن المنير كغيره: والحقُّ أن الله تعالى يخصُّ ما يشاءُ من الصلوات بما يشاء من الفضائل. 15 - بَابُ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ (باب: من ترك العصر) أي: إثم من تركها عمدًا. 553 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَبِي المَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلاةِ العَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ". [594 - فتح: 2/ 31] (حدثنا هشام) في نسخة: "أخبرنا هشام". (حدثنا يحيى) في نسخة: "أخبرنا يحيى". (عن أبي قلابة) هو عبد الله بن زيد. (عن أبي المليح) هو عامر بن أسامة الهذلي. (مع بُرَيْدَة) أي: ابن الحصيب الأسلمي. (في يوم ذي غيم) إنَّما خصَّ يوم الغيم بالذكر؛ لأنَّه مظنةُ التأخير؛ إذ ربَّما يشتبه عليه الحال فيخرج الوقت بغروب الشمس. (بكِّروا) أي: أسرعوا. (من ترك صلاة العصر) أي: عمدًا. (فقد حبط عمله) بكسر الباءِ أي: بطل ثواب عمله، أورده على سبيل التغليظ، أو فكانَّما حبط عمله، ولفظ: (فقد) ساقطٌ من نسخة. 16 - بَابُ فَضْلِ صَلاةِ العَصْرِ (باب: فضل صلاة العصر) أي: على بقية الصلوات؛ لكونها الوسطى عند الأكثرين. 554 - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاويَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ -
فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا" ثُمَّ قَرَأَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ} [ق: 39]، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: "افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ". [573، 4851، 7434، 7435، 7436 - مسلم: 633 - فتح: 2/ 33] (الحميدى) هو عبد الله بن الزبير. (إسماعيل) أي: ابن أبي خالد. (عن قيس) هو ابن أبي حازم البجلي. (عن جرير) في نسخة: "عن جرير بن عبد الله" [أي: البجلي] (¬1). (مع النبي) في نسخة: "عند النبي". (ليلة) بالنصب على الظرفية. (يعني) أي: بالقمر. (البدر) وكانت هلذه الليلة ليلة البدر، كما في مسلم (¬2)، ولفظ: (يعني البدر) ساقظ من نسخة. (كما ترون هذا القمر) معنى التشبيه: أن ذلك محقق بلا مشقةٍ ولا خفاءِ، كرؤية القمرِ فهو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي. (لا تضامون) بضم الفوقية، وتخفيف الميم، أي: لا ينالكم ضيمٌ في رؤيته أي: تعب، أو ظلم، فيراه بعضكم دون بعضٍ، ورُويَ بفتح الفوقية وتشديد الميم من الضم، وأصله: تتضامون حذفت إحدى التاءين، أي: لا تتزاحمون كما يفعله الناس في رؤية الشيءِ الخفي. (لا تغلبوا) بالبناءِ للمفعولِ، أي: لا تتركوا الاستعداد لقطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة بنومٍ وشغلٍ مانعٍ. (عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) أي: عن صلاة العصر والفجر. (فافعلوا) أي: ترك المغلوبية التي لازمها فعل الصلاة، كأنه قال: صلُّوا الصلاتين في هذين الوقتين. ¬
(ثم قرأ) أي: النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو جرير الصحابى، فيكون مقوله على الثاني مدرجًا. (وسبِّح) في نسخة: "فسبح". {قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] قيد بهذين الوقتين؛ لزيادة فضليهما على غيرهما كاجتماع الملائكة ورفع الأعمال فيهما، وكانقسام الأرزاق في الأول. (إسماعيل) أي: ابن أبي خالد. (لا تفوتنكم) أي: الصلاة، وهذا من كلام إسماعيل تفسيرٌ لما هو المقصود من (افعلوا). وفي الحديث: أن رؤية الله تعالى ممكنة يراه المؤمنون في الآخرة، كما هو مذهب أهل السنة، وزيادة شرف المصلين والصلاتين؛ لتعاقب الملائكة فيهما ولما في وقت الصبح من لذاذة النوم، والقيام فيه أشق على النفس، ووقت العصرِ وقت الفراغ والصناعات وإتمام الوظائف، فإذا أوظب عليهما كانت مواظبته على غيرهما أولى. 555 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الفَجْرِ وَصَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ". [3223، 7429، 7486 - مسلم: 632 - فتح: 2/ 33] (يتعاقبون) أي: يعقب طائفةٌ طائفةً بالإتيان، وقيل: معناه: يذهبون ويرجعون. (ملائكة) بالرفع على أنه بدل من الضمير في (يتعاقبون)، أو بيان له، لا أنه فاعل، والواو علامة [الفاعل] (¬1)؛ لأن تلك لغة بني الحارث، وتعرف بلغة أكلوني البراغيث (¬2). (ويجتمعون في ¬
الفجر وصلاة العصر) اجتماعهم لا ينافي تعاقبهم، لأن التعاقب يصدق مع الاجتماع كهذا، وبدونه كتعاقب الضدين، أو المراد باجتماعهم: اجتماعهم في الصلاة جماعة، وبالتعاقب: التعاقب خارجها. (ثم يعرج الذين باتوا فيكم) ذكر الذين باتوا دون الذين ظلُّوا؛ إما للاكتفاءِ بذكر أحد المثلين عن الآخرة أو لأن طرفي النهار يعلم من طرفي الليلِ أو لأنَّ الليلَ مظنة المعصية والراحة، فلمَّا لم يعصوا فيه، واشتغلوا بالطاعة فالنهار أولى؛ أو لأنه استعمل بات في أقام مجازًا، فيشمل الليل والنَّهار. (فيسألهم) أي: "ربهم" كما في نسخة أي: يسألهم، طلبًا لتعريفهم ذلك، أو تعبدًا بهم كما تعبدهم بكتب أعمالهم وهو عالم بها. (وهو أعلم) أي: من الملائكة. (بهم) أي: بالمؤمنين، والملائكة هم الحفظة، وقيل: غيرهم. (وأتيناهم ... إلخ) زائد على الجواب عن سؤال (كيف تركتم؟) لإظهار فضل المؤمنين والحرص ¬
17 - باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب
على ذكر ما يوجب مغفرتهم فإنها وظيفتهم. وفي الحديث: أن ملائكة الليل لا يزالون حافظين العباد إلى الصبح. 17 - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ الغُرُوبِ (باب: من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب) أي: فليتم صلاته، وفي نسخة: "قبل المغرب". 556 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاةِ العَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلاتَهُ". (¬1) [579، 580 - مسلم: 607، 608 - فتح: 2/ 37] (أبو نعيم) هو الفضل بن دكين. (قال: حدثنا) في نسخة: "قال: أخبرنا". (عن يحيى) في نسخة: "عن يحيى ابن أبي كثير". (عن أبي سلمة) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. (إذا أدرك أحدكم سجدة) أي: ركعة، وإنما هي تتمُّ بسجودها. ¬
(قبل أن تغرب) في نسخة: "قبل أن تغيب". (فليتم صلاته) أي: أداء على الأصح في الموضعين. 557 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ، فَعَمِلُوا إِلَى صَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا القُرْآنَ، فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ: أَهْلُ الكِتَابَيْنِ: أَيْ رَبَّنَا، أَعْطَيْتَ هَؤُلاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ". [2268، 2269، 3459، 5021، 7467، 7533 - فتح: 2/ 38]. (ابن عبد الله) أي: "الأويسي" كما في نسخة. (حدثني إبراهيم) أي: "ابن سعد" كما في نسخة، وفي أخرى: "حدثنا إبراهيم". (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس) ظاهره: أن بقاء هذه الأمة وقع في زمن الأمم السالفة وليس مرادًا، وإنما معناه: أن نسبة مدة هذه الأمة إلى مدة من تقدم من الأمم مثل ما بين صلاة العصر وغروب الشمس إلا بقية النهار، فكأنه قال: إنما بقاؤكم بالنسبة إلى ما سلف إلخ فجعل (في) بمعنى: إلى وحذف ما تعلقت به وهو النسبة، كما حذف ما تعلقت به (إلى) وما أضيف إليه (بين). إذ التقدير: كما بين أجزاء وقت صلاة العصر المنتهية إلى غروب الشمس. (أوتي) أي: أعطي. (فعملوا) أي: "بها". كما في نسخة. (عجزوا)
بفتح الجيم وكسرها، وفي نسخة: "ثم عجزوا". (قيراطًا قيراطًا) أصله: قرَّاط بالتشديد: وهو نصف دانق، والمرادُ به هنا: النصيب وكرره لأنَّ القسمةَ على متعدد، والأول مفعول ثانٍ لـ (أعطوا)، وقيراطًا الثاني توكيدٌ، أو هما حال، والمفعول الثاني محذوف أي: أعطوا أجرهم حال كونه قيراطًا قيراطًا [أي] (¬1) متساويين. (فعملوا إلى صلاة العصر) أي: فعملوا به من نصف النهار إلا صلاة العصر. (أهل الكتابين) اليهود والنصارى، وفي نسخة: "أهل الكتاب". (أي ربنا) (أي) حرف نداء، أي: يا ربنا. (هل ظلمتكم؟) أي: هل نقصتكم، وفي نسخة: لا أظلمتكم؟ " بهمزة بدل هل. (فهو) أي: كلما أعطيه من الثواب. 558 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا، يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلاةِ العَصْرِ، قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ". [2271 - فتح: 2/ 38] (أبو كريب) محمد بن العلاء. (أبو أسامة) اسمه: حمَّاد. (بريد) بضم الموحدة: ابن عبد الله بن أبي بردة. (عن أبي بردة) اسمه: عامر. (مثل المسلمين) المثل في الأصل بمعنى النظير، ثم استعير لكل حالٍ، أو قضية، أو صفة لها شأن وفيها غرابة؛ لإرادة زيادة التوضيح والتقرير لأنه أوقع في القلب وأقمع للخصم الألد، يريك المتخيل ¬
18 - باب وقت المغرب
محققًا، والمعقول محسوسًا. (كمثل رجلٍ استأجر قوفا يعملون له عملًا إلى الليل) هذا ممثل به، وما قبله مثل، فالمثل مضروب للأمة مع نبيهم، والممثل به الأُجراء مع من أستاجر. (فقال: أكملوا) بهمزة قطع، وفي نسخة: "فقال اعملوا" بهمزة وصل حذفت في الوصل. (كان حين صلاة العصر)، بنصب (حين) خبر كان، أي: كان الزمان زمان الصلاة، وبالرفع على أن كان تامة. (قالوا لك ما عملنا) أي: لا حاجة لنا فيه. (واستكملوا أجر الفريقين) أي: اليهود والنصارى. ففي هذا الحديث لم يأخذوا شيئًا، وفي الذي قبله: أخذوا قيراطًا قيراطًا وهو محمول على من مات قبل التبديل، وما هنا محمول على من بدَّل وكفر بالنبي الذي بعد نبيه. 18 - بَابُ وَقْتِ المَغْرِبِ وَقَالَ عَطَاءٌ: "يَجْمَعُ المَرِيضُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ". (باب: وقت المغرب) أي: بيان وقته الذيَ صلى فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (وقال عطاء: يجمع المريض بين المغرب والعشاءِ) جرى عليه الإمام أحمد وغيره، والمشهور عند الشافعي وغيره المنع. 559 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ صُهَيْبٌ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، يَقُولُ: "كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ". [مسلم: 637 - فتح: 2/ 40] (حدثنا الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمر. (قال: حدثنا) في نسخة: "قال: حدثني". (أبو النجاشي مولى رافع بن خديج) هو عطاء بن صهيب. لفظ: (ابن خديج مولى رافع بن خديج) ساقط من أخرى،
وفي أخرى: "حدثني أبو النجاشيِّ". (قال: سمعت رافع بن خديج [يقول] (¬1): كنا نصلي المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أي: في أول الوقت بقرينة كلامه بعد، وأما الأخبار الدالة على التأخير لقرب سقوط الشفق فلبيان الجواز (¬2). (ليبصر) بفتح اللام وضم الياءِ. 560 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: قَدِمَ الحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا - أَوْ كَانَ - النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ". [565 - مسلم: 646 - فتح 2/ 41] (عن سعد) أي: "ابن إبراهيم" كما في نسخة، وإبراهيم: هو ابن عبد الرحمن بن عوف. (قدم الحجاج) بفتح الحاءِ، أي: ابن يوسف الثقفي أي: قدم المدينة واليًا من قبل عبد الملك بن مروان. (نقية) أي: صافية بلا تغير. (وجبت) أي: غابت، وأصل الوجوب السقوط. (أحيانًا وأحيانًا) أي: أحيانًا يعجلها، وأحيانًا يؤخرها. (كانوا أو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلسٍ) الشكُّ من الراوي عن جابر، والمراد بهما واحد؟ لأنهم كانوا يصلُّون معه، فإمَّا أن يعود الضمير للكل، أَوله - صلى الله عليه وسلم - وهم تبع له. (وبغلسٍ) بفتح اللام: ظلمة آخر الليل (¬3). ¬
19 - باب من كره أن يقال للمغرب: العشاء
561 - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالحِجَابِ". [مسلم: 636 - فتح: 2/ 41] (توارت بالحجاب) أي: غربت الشمس، شبه غروبها بتواري المخبأة بحجابها. 562 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعًا جَمِيعًا وَثَمَانِيًا جَمِيعًا". [انظر: 543 - مسلم: 705 - فتح: 2/ 41] (عن ابن عباس) في نسخة: "عن عبد الله بن عباس". (سبعًا) أي: سبع ركعات. (جميعًا) أي: بين المغرب والعشاءِ. (وثمانيًا) في نسخة: "وثماني" وفي أخرى: "وثمانية". (جميعًا) أي: بين الظهر والعصر. 19 - بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ: العِشَاءُ 563 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ المُزَنِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاتِكُمُ المَغْرِبِ" قَالَ الأَعْرَابُ: وَتَقُولُ: هِيَ العِشَاءُ. [فتح: 2/ 43] (عبد الوارث) أي: ابن سعيد بن ذكوان. (عن الحسين) أي: ابن ¬
20 - باب ذكر العشاء والعتمة، ومن رآه واسعا
ذكوان. (ابن بريدة) بضمِّ الموحدة، واسمه: عبد الله بن حصيب، فبريدة اسم أمه أو لقب أبيه. (حدثني عبد الله) أي: ابن مغفل، بالغين المعجمة. (أن النبي) في نسخة: "أن رسول الله". (لا يغلبنكم) بالتحتية، وفي نسخة: بالفوقية. (الأعراب) هم سكَّان البوادي. (صلاتكم المغرب) بجر المغرب صفةٌ لصلاتكم، وبالرفع خبر مبتدإٍ محذوف، وبالنصب بأعني، والمعنى: لا تتبعوا الأعراب في تسميتهم المغرب عشاء؛ لأن الله سماها مغربًا، وتسمية الله أولى من تسميتهم، والسرُّ في النهي: خوف الاشتباه على غيرهم من المسلمين، والنهي للتنزيه لا للتحريم. (قال) أي: عبد الله المزني. (ويقول) بالتحتية، وفي نسخة: بالفوقية. (هي) أي: المغرب. 20 - بَابُ ذِكْرِ العِشَاءِ وَالعَتَمَةِ، وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ العِشَاءُ وَالفَجْرُ" وَقَالَ: "لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالفَجْرِ" قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "وَالاخْتِيَارُ: أَنْ يَقُولَ العِشَاءُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشَاءِ} [النور: 58] " وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: "كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ صَلاةِ العِشَاءِ فَأَعْتَمَ بِهَا" وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ: "أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالعِشَاءِ" وَقَالَ بَعْضُهُمْ، عَنْ
عَائِشَةَ: "أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالعَتَمَةِ" وَقَالَ جَابِرٌ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي العِشَاءَ" وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ العِشَاءَ" وَقَالَ أَنَسٌ: "أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العِشَاءَ الآخِرَةَ" وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ". [انظر: 543، 1091، 1674 - فتح: 2/ 44] (باب: ذكر العشاءِ والعتمة) بفتحات، هي العشاء، وعطفها عليها؛ لتغايرهما لفظًا، وفي نسخة: "أو العتمة". (ومن رآه) أي: التعبير بالعتمة عن العشاءِ. (واسعًا) أي: جائزًا، والمراد: وذكر أن ذلك واسعٌ. (قال أبو هريرة) في نسخة: "وقال أبو هريرة". (أثقل الصلاة على المنافقين العشاءُ والفجر) أي: لأن وقتهما وقت راحة البدن. (وقال) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أو أبو هريرة عنه. (لو يعلمون ما في العتمة والفجر) فسمى - صلى الله عليه وسلم - العشاءَ تارة بالعشاءِ، وتارة بالعتمة، وجواب (لو) محذوف أي: لأتوهما ولو حَبْوًا. (قال أبو عبد الله) أي: البخاري. (والاختيار أن يقول: العشاء؛ لقوله تعالى) في نسخة: "لقول الله تعالى". (ويذكر) بضم الياء، وإنَّما ذكره بصيغة التمريض مع أنَّه صحيح؛ لأنَّه ذكره بالمعنى. (فأعتم بها) أي: أخَّرها حتَّى اشتدت ظلمةُ الليل. 564 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَالِمٌ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً صَلاةَ العِشَاءِ، وَهِيَ
21 - باب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا
الَّتِي يَدْعُو النَّاسُ العَتَمَةَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". [انظر: 116 مسلم: 2527 - فتح: 2/ 45] (عبدان) اسمه: عبد الله بن عثمان المروزي. (عبد الله) أي: ابن المبارك. (صلَّى لنا رسولُ الله) في نسخة: "صلَّى لنا النبي". (وهي التي يدعو الناس) أي: يدعونها الناس. (العتمة) فيه إشعار بغلبة هلذه التسمية عند الناس الذين لم يبلغهم النهي. (ثم انصرف) أي: من الصلاة. (أرأيتم) في نسخة: "أريتكم"، أي: أخبروني. (لا يبقى) فيه، أو عنده. وتقدم بيان الحديث في باب: السمر في العلم (¬1). 21 - بَابُ وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا (باب: وقت العشاءِ، إذا اجتمع الناس أو تأخروا) أي: بيان وقتها الذي فضَّلها فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -. 565 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو هُوَ ابْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ". [انظر: 560 - مسلم: 646 - فتح: 2/ 47] (هو ابن الحسن بن علي) وفي نسخة: "وهو" بزيادة واو، ولفظ: (ابن علي) ساقطٌ من نسخة. (سألنا) في نسخة: "سألتُ". (فقال) في نسخة: "قال". (كان ¬
22 - باب فضل العشاء
يصلي) في نسخة: "كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (إذا وجبت) أي: غابت الشمس. (إذا كثر الناسُ عجل، وإذا قلُّوا أخر) جرى عليه كثيرٌ من الشافعية وغيرهم، والأصح عند الشافعية: أن التعجيل أول الوقت أفضل. ومرَّ بسط ذلك. 22 - بَابُ فَضْلِ العِشَاءِ (باب: فضل العشاءِ) أي: فضل صلاتها، أي: انتظارها. 566 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ، فَقَالَ لِأَهْلِ المَسْجِدِ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرَكُمْ". [569، 862، 864 - مسلم: 638 - فتح: 2/ 47] (أعتم بالعشاءِ) أي: أخر صلاتها. (قبل أن يفشو الإسلام) أي: يظهر في غير المدينة. (نام النساء والصبيان) أي: الحاضرون في المسجد، وخصهم بالذكر دون الرجال؛ لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم. (ما ينتظرها) أي: الصلاة. (أحد من أهل الأرضِ غيركم) وذلك إما لأنه لا يصلِّي حينئذٍ إلا بالمدينة، أو أن سائر الأقوام ليس في دينهم صلاة في هذا الوقت، و (غيركم) بالرفع صفة لأحد وإن كان نكرة؛ لأن غير لا تتعرف بالإضافة إلى معرفة؛ لتوغلها في الإبهام، إلا إذا أضيفت لما اشتهر بالمغايرة، أو بدل منه، ويجوز النصب على الاستثناء. 567 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ
بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ صَلاةِ العِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَصْحَابِي، وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلاةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ، قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: "عَلَى رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ" أَوْ قَالَ: "مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ" لَا يَدْرِي أَيَّ الكَلِمَتَيْنِ قَالَ، قَالَ أَبُو مُوسَى فَرَجَعْنَا، فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [مسلم 641 - فتح: 2/ 47] (أخبرنا أبو أسامة) في نسخة: "حدثنا أبو أسامة"، واسمه: حمَّاد. (بريد) بضم الموحدة: ابن عبد الله بن أبي بردة. (نزولًا) خبر كان، وهو جمع نازل، كشهود وشاهد. (في بقيع) بفتح الموحدة، قال الجوهريُّ: موضع فيه أروم الشجر من دروب شتى (¬1). (بطحان) بضم الموحدة وسكون المهملة: وادٍ بالمدينة لا ينصرف (¬2)، قال القاضي عياض: هذه رواية المحدثين، وأهل اللغة: بفتح الموحدة بكسر الطاء (¬3). (نفر) أي: عدة رجالٍ من ثلاثة إلى عشرة. (في بعض أمره) هو تجهيز جيش كما في "معجم الطبراني". (ابهارَّ الليل) بسكون الموحدة، وتشديد الراءِ أي: انتصف، وقيل: ذهب معظمه. (على رِسلكم) بكسر الراء أكثر من فتحها، أي: تأنيكم. (أبشروا) بهمزة قطع وبهمزة وصل، يقال: أبشر، وبشر بالتخفيف، وبشز بالتشديد بمعنى. (إن) بالكسر على الاستئناف، وبالفتح بتقدير ¬
23 - باب ما يكره من النوم قبل العشاء
بإن، وقول شيخنا: إنه وهم فيه نظر (¬1)، وفي نسخة: "فإن" بالفاءِ. (من نعمة الله عليكم) خبر إنَّ، واسمها: (أنه إلخ) بفتح أن، وقُدِّمَ عليه الخبرة للاختصاص، والمعنى: أن من نعمة الله عليكم انفرادكم بهذه العبادة، وبهذا ظهر فضل العشاءِ، وبه يحصل مطابقة الحديث للترجمة. (لا يدري) بالتحتية، وفي نسخة: "لا أدري". (فرحى) جمع فرحان، كسكرى وسكران، فلا حاجة إلى ما قيل: إنَّه جمع فريح على غير قياس، أو مؤنث أفرح للجماعة، وهو قبله نحو الرجال فعلت، وفي نسخة: "فرحا" بفتح الراءِ، وفي أخرى: "فرحنا" بكسر الراء فيهما. (بما سمعنا) بيان لسبب فرحهم، وهو ما بشرهم به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. وفي الباب: جواز الحديث بعد العشاءِ، وجواز تأخيرها إذا علم قوة القوم على الانتظار؛ لأنَّ المنتظرَ للصلاة كالذي فيها. 23 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ (باب: ما يكره من النوم قبل العشاءِ) أي: بيان كراهة النوم قبل صلاة العشاءِ. 568 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا". [انظر: 541 - مسلم: 647 - فتح: 2/ 49] (محمد بن سلام) بتخفيف اللام، ولفظ: (ابن سلام) ساقطٌ من نسخة. (أخبرنا عبد الوهاب) في نسخة: "حدثنا عبد الوهاب" أي: ابن عبد المجيد بن الصلت. (خالد) أي: ابن مهران. (الحذَّاء) بفتح ¬
24 - باب النوم قبل العشاء لمن غلب
المهملة، وتشديد المعجمة. (عن أبي المنهال) هو سيَّار بن سلامة الرياحي، بكسر الراءِ وبالتحتية. (عن أبي برزة) بفتح الموحدة وسكون الراءِ، وفتح الزاي، اسمه: نضلة بن عبيد الأسلميُّ. (كان يكره النوم قبل العشاءِ) لأنَّه يعرضها للفوات باستغراق النوم أو لتفويت الجماعة تكاسلًا. (والحديث بعدها) أي: فيما لا مصلحة فيه في الدين؛ خوف السهر وغلبة النوم بعده، فيفوت قيام الليل أو الذكر فيه أو عن الصبح، أو الكسل عن العمل بالئهار في مصالح الدنيا وحقوق الدين، أما ما فيه مصلحة الدين كعلم وحكايات الصالحين، ومؤانسة الضيف والعروس، والأمر بالمعروف فلا كراهة فيه. 24 - بَابُ النَّوْمِ قَبْلَ العِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ (باب: النوم قبل العشاء) أي: عدم كراهته قبلها. (لمن غلب) بالبناءِ للمفعول، أي: لمن غلبه النوم. 569 - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: الصَّلاةَ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ، فَقَالَ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ"، قَالَ: وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إلا بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. [انظر: 566 - مسلم: 638 - فتح: 2/ 41] (أيوب بن سليمان) زاد في نسخة: "هو ابن بلال". (أبو بكر) هو عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي. (عن سليمان) زاد في نسخة: "هو ابن بلال". (قال صالح) في نسخة: "قال: حدثنا صالح".
(الصلاة) بالنصب على الإغراءِ. (قال) أي: الراوي وهي عائشة. (ولا تصلَّى) بضمِّ الفوقية وفتح اللام المشددة أي: العشاءُ، وفي نسخة: بضمِّ التحتية، أي: ولا يصلى. (يومئذٍ إلا بالمدينة) أي: لأنَّ الإسلام لم يبلغ غيرها حينئذٍ. (وكانوا) أي: النبيُّ وأصحابه، وفي نسخة: "قال: وكانوا". (فيما بين أن يغيب الشفق) في نسخة: "فيما بين مغيب الشفق" أي: الأحمر، كما هو في اللغة. (إلى ثلث الليل الأول) بالجر صفة و (ثلث) وفي ذلك حذف؛ لأجل بين وتقدم بيانه. وفي الحديث: تذكير الإمام واعتذاره لهم عند تأخيره الصلاة. 570 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ يَعْنِي ابْنَ غَيْلانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ غَيْرُكُمْ" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: "لَا يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا، إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا". [مسلم: 639 - فتح: 2/ 50] (محمود) زاد في نسخة: "يعني: ابن غيلان". (أخبرنا عبد الرزاق) في نسخة: "حدثنا عبد الرزاق" أي: ابن همام بن نافع الحميري. (أخبرني ابن جريج) في نسخة: "أخبرنا ابن جريح" أي: عبد الملك. (حدثنا عبد الله) في نسخة: "حدثني عبد الله". (شُغل) بالبناءِ للمفعول. (عنها) أي: عن العشاءِ. (حتَّى رقدنا في المسجد) أي: قعودًا ممكنين المقعدة، أو مضطجعين غير نائمين. (ثم استيقظنا) أي: من النوم الذي لا ينقض الوضوءِ، أو من الغَفْلَةِ، إذ لفظ: الاستيقاظ يقال: للأعم من النوم ومن السِّنَةِ والغفلة. (وكان يرقد)
في نسخة: "وقد كان يرقد". (قبلها) أي: قبل صلاة العشاءِ، وحملوه على ما إذا لم يخش غلبة النوم عن وقتها. وفيه: أنَّ كراهةَ النوم قبلها للتنزيه لا للتحريم. 571 - وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ، حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَقَالَ: الصَّلاةَ - قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا" فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ، كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ، ثُمَّ ضَمَّهَا يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ، مِمَّا يَلِي الوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ، وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطُشُ إلا كَذَلِكَ، وَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا". [7239 - مسلم: 642 - فتح: 2/ 50] (قلت لعطاء) أي: ابن أبي رباح، لا ابن يسار، كما وقع لبعضهم. (فقال) أي: عطاء لابن جريج، وفي نسخة: "وقال". (قال عطاء) في نسخة: "فقال عطاء". (فخرج نبيُّ الله) في نسخة: "فخرج النبيُّ" وفي أخرى: "فخرج رسول الله". (ماء) بالنصب تمييز محوَّلٌ عن الفاعل (¬1)، وأصله: يقطر ماءُ رأسه. (لأمرتهم أن يصلوها هكذا) أي: في هذا الوقت، وفي نسخة: "كذا". (أنبأه) أي: أخبره. (فبدَّد) أي: فرق. (على قرن الرأس) أي: جانبه. (ثم ضمها) أي: أصابعه، ولمسلمٍ: ثم ¬
صبها (¬1) بمهملة فموحدة، قال القاضي وهو الصواب فإنه يصف عصر الماء من الشغر باليد (¬2). (حتَّى مست إبهامه طرف الأذن) برفع إبهامه على الفاعلية ونصب (طرف) على المفعولية، وفي نسخة: [إبهاميه] [بالتثنية] (¬3) بالنصب على المفعولية، ورفع (طرف) على الفاعلية، وأنث (مست) المسند و (طرف) المذكرة لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه (¬4). (على الصدغ) بضم الصاد. (لا يقصر) بقافٍ فمهملة مشددة مكسورة: من التقصير أي: لا يبطئ وفي نسخة: "لا يعصر" بمهملة ساكنة مع فتح أوَّله وكسر ثالثه، قال شيخنا: والصواب الأول (¬5). (ولا يبطش) أي: ولا يستعجل. (إلا كذلك) أي: الأمثل ما ذكر من التبديد، وما بعده. (لأمرتهم) أي: أمر إيجاب. (أن يصلُّوا) في نسخة: "أن يصلُّوها". (هكذا) أي: في هذا الوقت، أو بعد الغسل. ¬
25 - باب وقت العشاء إلى نصف الليل
25 - بَابُ وَقْتِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا". [انظر: 541] (باب: وقت العشاءِ إلى نصف الليل) أي: بيان وقته الاختياريِّ على أحد الرأيين فيه (يستحب تأخيرها) أي: إلى نصف الليل، بقرينة ما بعده. 572 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ المُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّويلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: "قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا"، وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ". [600، 661، 847، 5869 - مسلم: 640 - فتح: 2/ 51] (عبد الرحيم) أي: ابن عبد الرحمن بن محمد. (عن زائدة) هو ابن قدامة. (عن أنس) زاد في نسخة: "ابن مالك". (صلَّى الناسُ) أي: المعهودون. (أما) بالتخفيف للتنبيه. (ما انتظرتموها) أي: مدة انتظاركم إياها. (وزاد ابن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن [أبي مريم بن] (¬1) الجمحي. (حميد) أي: الطويل. (سمع أنسًا قال: كأني أنظر) في نسخة: "سمع أنس بن مالك قال: كأني أنظر". (وبيص خاتمه) بفتح الواو وكسر الموحدة، وبصاد مهملة، أي: بريقه ولمعانه. (ليلتئذٍ) أي: ليلة إذ أخَّرَ العشاء، والتنوين عوض من المضاف إليه. ¬
26 - باب فضل صلاة الفجر
وظاهر الحديث: أنّ وقت العشاءِ يخرج بالنصف، والجمهور: على أنه وقت الأختيار، وقيل: وقت الاختيار [إلى الثلث، وجمع بينهما بأن المراد بالثلث أول أبتداء وقت الاختيار] (¬1) وبالنصف آخر انتهائه، وأما وقت الجواز فإلى طلوع الفجر لخبر: "ليس في النوم نفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيءُ وقت الصلاة الأخرى" (¬2) وهذا في غير الصبح، أما فيها فوقتها إلى طلوع الشمس؛ لمفهوم خبر: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" (¬3). 26 - بَابُ فَضْلِ صَلاَةِ الفَجْرِ (باب: فضل صلاة الفجر) زاد في نسخة: "والحديث" قال الكرماني: ولم تظهر مناسبة ذكره هنا، قال: وقد يقالُ: الغرض منه: ¬
باب كذا، وباب الحديث الوارد في فضل صلاة الفجر (¬1). 573 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ - أَوْ لَا تُضَاهُونَ - فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا" ثُمَّ قَالَ: "وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا" [طه: 130] (¬2) [انظر: 554 - مسلم: 633 - فتح: 2/ 52] (قال جرير) في نسخة: "قال: قال جرير"، وفي أخرى: "قال: قال لي جرير". (لا تضامون) بضم الفوقية، وتخفيف الميم، أي: لا ينالكم ضيمٌ، وفي نسخة: بفتح الفوقية، وتشديد الميم أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض، وتقدم ذلك. (أوْ لا تضاهون) من المضاهاة، أي: لا يشتبه عليكم ولا ترتابوا، وفي نسخة: "أو قال: لا تضاهون". (فافعلوا) أي: ترك المغلوبية اللازم له الإتيان بالصلاة، كأنه قال: فصلُّوا. (فسبح) في نسخة: {فَسَبِّحْ} ولفظ: القرآن وسبح بالواو. 574 - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ ¬
27 - باب وقت الفجر
الجَنَّةَ"، وَقَالَ ابْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ بِهَذَا، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ. [مسلم: 635 - فتح: 2/ 52] (البردين) بفتح الموحدة، وسكون الراءِ: صلاة الفجر والعصر؛ لأنهما في بردي النهار وهما طرفاه حين يطيب الهواء، وتذهب سورة الحرِّ. (دخل الجنة) أي: من غير سبق عذاب، أو بعده. مفهومه: أن من لم يصلهما لا يدخل وهو محمول على المستحل لتركهما، وأتى بـ (دخل) دون يدخل؛ لأنَّ متحقق الوقوع، كالواقع. (ابن رجاء) هو عبد الله البصري. (حدثنا همام) في نسخة: "أخبرنا همام". (إسحاق) أي: ابن منصور بن بهرام. (عن حَبَّان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة: ابن هلال الباهلي. 27 - بَابُ وَقْتِ الفَجْرِ (باب: وقت الفجر) أي: بيانه. 575 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، حَدَّثَهُ: "أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ"، يَعْنِي آيَةً. ح. [1921 - مسلم: 1097 - فتح: 2/ 53] (عن أنس) زاد في نسخة: "ابن مالك". (حدثه) في نسخة: "حدثهم"، أي: أنسًا وأصحابه. (أنهم) أي: زيدًا وأصحابه. (تسحروا) أي: أكلوا السحور: وهو ما يؤكل في السحر. (كم بينهما؟) في نسخة: "كم كان بينهما؟ ". 576 - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ: "تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلاةِ، فَصَلَّى"، قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ: "قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً". [1134 - فتح: 2/ 54] (حسن بن صبَّاح) في نسخة: "الحسن بن الصبَّاح". (روحًا) في نسخة: "روح بن عبادة". (سعيد) هو ابن أبي عروبة. (عن أنس بن مالك) لفظ: (ابن مالك) ساقط من نسخة. (تسحرا) في نسخة: "تسحَّروا" أي: النبي وأصحابه. (فصلى) أي: النبي، في نسخة: "فصليا" أي: النبي وزيد، وفي أخرى: "فصلينا" بلفظ التكلم. (قلت لأنس) في نسخة: "قلنا لأنس". 577 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، يَقُولُ: "كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي، أَنْ أُدْرِكَ صَلاةَ الفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [1920 - فتح: 2/ 54] (عن أخيه) هو عبد الحميد بن أبي أويس يكنى: أبا بكر. (عن سليمان) أي: ابن بلال. (عن أبي حازم) هو سلمة بن دينار الأعرج. (ثم يكون) بتحتية، وفي نسخة: بفوقية. (سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله) برفع (سرعة) فاعل كان، أو اسمها، فكان إمَّا تامة و (بي) متعلِّق بـ (سرعة)، أو ناقصة وخبرها (بي)، أو (أن أدرك) إذ التقدير: لأن أدرك، وبنصبها خبر كان، واسمها ضمير يرجع إلى ما يدلُّ عليه لفظ السرعة، أي: تكون السرعة سرعة حاصلة بي لإدراك الصلاة. 578 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: "كُنَّ نِسَاءُ المُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ الفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلاةَ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الغَلَسِ". [انظر: 372 - مسلم: 645 - فتح: 2/ 54]
(يحيى بن بكير) نسبة لجدِّه، وإلا فهو يحيى بن عبد الله بن بكير. (أخبرنا الليث) في نسخة: "حدثنا الليث". (كُنَّ) في نسخة: "كنَّا". (نساء المؤمنات) جرى فيه على لغة بني الحارث (¬1)، أو النون في (كنَّ) ضمير و (نساء) بدل منه، أو بيان، وإضافة (نساء) لـ (لمؤمنات) مؤَوَّل بنساء الأنفس المؤمنات، أو الجماعة المؤمنات؛ لئلَّا يلزم إضافة الشيءِ لنفسه، كذا قيل، والأولى أن يقال: إنه من إضافة الأعمِّ إلى الأخصِّ، كمسجد الجامع. وقيل: نساء هنا بمعنى الفاضلات، أي: فاضلات المؤمنات، كما يقالُ: رجال القوم، أي: فضلاؤهم. (يشهدن) أي: يحضرن. (متلفعات) أي: متلحفات. (بمروطهن) جمع مرط بكسر الميم: وهو كساءٌ من صوف (¬2)، أو خز يؤتزر به. (ثم ينقلبن) أي: يرجعن. (لا يعرفهنَّ أحدٌ) أي: أنساءٌ أم رجالٌ؟ (من الغلس) (من) تعليلية أي: لأجل، ولا ينافي هذا ما مرَّ أنه كان ينفتل عن صلاة الغداة حين يعرف الرجلُ جليسه؛ لأن ذاك إخبارٌ عن رؤية جليسه وهذا عن رؤية النساءِ من بُعْدٍ. وفي الحديث: حضور النساءِ الجماعة في المسجد أي: حيث لم تخش فتنة عليهنَّ أو بهنَّ، وندب التبكير بالصبح الدَّالُّ عليه أيضًا خبر ابن مسعود: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لأول وقتها" (¬3) وأمَّا خبر: "أسفروا بالفجر لأنه أفضل الأجر" (¬4) فمؤوَّلٌ بأنَّ الإسفار أن يتضح الفجر ولا يشك في طلوعه. ¬
28 - باب من أدرك من الفجر ركعة
28 - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الفَجْرِ رَكْعَةً (باب: من أدرك من الفجر) أي: من صلاته. (ركعة) أي: فليتم صلاته. 579 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنِ الأَعْرَجِ يُحَدِّثُونَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ". [انظر: 556 - مسلم: 608، 607 - فتح: 2/ 56] (يحدثونه) أي: يحدث الثلاثةُ زيد بن أسلم. (من الصبح) أي: من فعل صلاتها. (ركعة قبل أن تطلع الشمس) أي: وركعة بعد طلوعها. (فقد أدرك الصبح) أي: أداءً، أو المراد: من أدرك من وقت الصبح قدر ركعة فقد أدرك وقت وجوبها، حتى لو بلغ الصبيُّ، أو أفاق المجنون، أو المغمى عليه، أو أسلم الكافر، أو طهرت الحائض وبقي من الوقت قدر ركعة وجبت الصلاة، وإما بدون ركعة من تكبيرة فأكثر، فللشافعي فيه قولان: أصحهما تجب أيضًا؛ لأنه أدرك ما يسع ركنًا، فالاقتصار في الحديث على ركعة جريٌ على الغالب مما يمكن إدراك معرفته وذلك كالركعة دون التكبيرة ونحوها. (ومن أدرك ركعة من العصر إلخ) عرف تفسيره مما مر آنفًا في باب: من ¬
29 - باب من أدرك من الصلاة ركعة
أدرك ركعة من العصر قبل الغروب (¬1). 29 - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاةِ رَكْعَةً (باب: من أدرك من الصلاة ركعة) أي: فقد أدرك الصلاة، وفرَّق بين هذه الترجمة والسابقة: بان تلك في إدراك الفجر خاصة، وهذه في الصلاة مطلقًا مع اختلاف سنديهما. 580 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ". [انظر: 566 - مسلم: 607، 608 - فتح: 2/ 57] (فقد أدرك الصلاة) أي: حكمها من كونها أداء، وإلا فمعلوم أنها لا تحصل بإدراك ركعة، وأما إدراك فضيلة الجماعة فتحصل بالركعة، وبدونها ما لم يسلم، وأمَّا فعل بعضها في الحضرِ أو في السفرِ، فيجب به الإتمام سواء الركعة ودونها. 30 - بَابُ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ (باب: الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس) أي: بيان حكمها حينئذٍ. 581 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ". [مسلم: 826 - فتح: 2/ 58] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، ¬
سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ بِهَذَا. (عن أبي العالية) اسمه: رفيع الرياحي. (شهد عندي) أي: أخبرني. (نهى عن الصلاة) أي: التي لا سبب لها متقدم، أو مقارن. (بعد الصبح) أي: بعد صلاته. (حتى تشرق) بفتح الفوقية، وضمِّ الراءِ أي: تطلع، وبضمها وكسر الراءِ أي: تضيءُ وترتفع، والأول أوفق برواية: "حتَّى تطلع" الآتية (¬1). (وبعد العصر) أي: بعد صلاتها، وكما تكره الصلاة بعد الصلاتين، تكره أيضًا من الطلوع إلى الارتفاع كرمح، ومن الاستواءِ إلى الزوال في غير يوم الجمعة، ومن الاصفرار إلى الغروب، وإلى ذلك أشار الرافعيُّ بقوله: ربما انقسم النهيُ الواحد إلى متعلِّقٍ بالفعل، وإلى متعلِّقِ بالزمان، وقد بسطت الكلام عليه في "شرح البهجة" وغيره (¬2). (بهذا) أي: بهذا الحديث، أي: بمعناه. 582 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَحَرَّوْا بِصَلاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا". [585، 598، 1629، 3273 - مسلم: 828 - فتح: 2/ 58] (هشام) أي: ابن عروة. (لا تحرَّوا) أصله: لا تتحروا، بتاءين، أي: لا تقصدوا، نهيٌ عن التشبه بقوم كانوا يتحرون طلوع الشمس وغروبها، فيسجدون لها عبادةً من دون الله. ¬
31 - باب: لا تتحرى الصلاة قبل غروب الشمس
583 - وَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى تَغِيبَ" تَابَعَهُ عَبْدَةُ. [3272 - مسلم: 829 - فتح: 2/ 58] (وقال: حدثني) في نسخة: "قال: وحدثني". (حاجب الشمس) أي: طرفها الذي يبدو عند الطلوع. (تابعه عبدة) أي: ابن سليمان، وفي نسخة: "قال محمد: تابعه عبدة". 584 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ صَلاتَيْنِ: نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَعَنْ الاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَنِ المُنَابَذَةِ، وَالمُلامَسَةِ". [انظر: 368 - مسلم: 825، 1511 - فتح: 2/ 58] (عن أبي أسامة) هو حماد بن أسامة. (عن عبيد الله) أي: ابن حفص العمري. (عن حفص بن عاصم) أي: ابن عمر بن الخطاب. (عن بيعتين، ولبستين) بكسر الباء واللام؛ نظرًا للهيئة، وبفتحهما؛ نظرًا للمرة. (الصَّمَاء) بالصاد المهملة والمدِّ، وتقدم تفسيره. (يفضي بفرجه) في نسخة: "يفضي فرجه". (والمنابذة) بذال معجمة بأن يجعل النبذ بيعًا. (والملامسة) بأن يلمس ثوبًا مطويًا، ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه. 31 - بَابٌ: لاَ تُتَحَرَّى الصَّلاَةُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (باب: لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس) في نسخة: "لا
تُتحرى" بالبناءِ للمفعول ورفع الصلاة، وفي أخرى: "لا تتحروا الصلاة". 585 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ، فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا". [انظر: 582 - مسلم: 828 - فتح: 2/ 60] (لا يتحرى) خبر بمعنى النهي. (فيصلي) بالنصب جواب النهي، المراد من (لا يتحرى) نحو: ما تأتينا فتحدثنا، فالمراد: النهيُ عن التحزي والصلاة معًا. وجوَّز بعضهم الجزم على العطف، أي: لا يتحرَّ ولا يصل، والرفع على القطع، أي: فهو يصلي. 586 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الجُنْدَعِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ". [1188، 1197، 1864، 1192، 1195 - مسلم: 827 - فتح: 1/ 61] (أخبرني عطاءُ) في نسخة: "حدثني عطاء" وفي أخرى: "حدثنا عطاء". (الجندِعيُّ) بضئم الجيم، وإسكان النون، وفتح الدَّال وضمها، وإهمال العين. (لا صلاة) أي: صحيحة. 587 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: «إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلاَةً لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا»، يَعْنِي: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ. [3766 - فتح: 2/ 61]
32 - باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر
(محمد بن أبان) بفتح الهمزة، وخفة الموحدة: هو أبو بكر حمدويه البلخي، وقيل: هو الواسطيُّ. (غندر) هو محمد بن جعفر. (معاوية) أي: ابن أبي سفيان. (يصليها) أي: الصلاة، وفي نسخة: "يصليهما" أي: الركعتين. (عنهما) في نسخة: "عنها" ولا يناسبها التفسير بقوله: (يعني ... إلخ) ونفي معاوية رؤيته أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصلِّها معارضٌ بإثبات غيره أنه كان يصلّيها (¬1)، والمثبت مقدَّم على النافي. 588 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلاتَيْنِ: بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ". [انظر 368 - مسلم: 825 - فتح: 2/ 61] (عبدة) أي: ابن سليمان. (عن خبيب) بضمِّ المعجمة، أي: ابن عبد الرحمن. (حتَّى تطلع الشمس) أي: وترتفع كرمحٍ أخذًا من الأحاديث الدَّالة عليه. (حتَّى تغرب الشمس) لفظ: (الشمس) ساقطٌ من نسخة. 32 - بَابُ مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلاةَ إلا بَعْدَ العَصْرِ وَالفَجْرِ رَوَاهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ. [انظر: 581، 5869، 368] ¬
33 - باب: ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها
(باب: من لم يكره الصلاة إلا بعد العصرِ والفجر)، لفظ: (والفجر) ساقطٌ من نسخة، والحصرُ فيما ذكر صحيح، بالنظر إلى أن متعلّق النهي الفعلُ لا الوقت، وإلا انتقض بالكراهة عند الاستواءِ في غير يوم الجمعة. (رواه) أي: عدم الكراهة. 589 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: "أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ: لَا أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا". [انظر: 582 - مسلم: 828 - فتح: 2/ 62] (أبو النعمان) هو محمد بن الفضل السدوسيُّ. (كما رأيت أصحابي يصلُّون) أي: وأقرهم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أراد إجماعهم بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - لأن الإجماع لا ينعقد في حياته لأن قوله أو فعله هو الحُجةُ القاطعة. (لا أنهى) بفتح الهمزةِ والهاءِ. (أحدًا يصلّي بليلٍ ولا نهار) في نسخة: "أو نهار" وفي أخرى: "ونهار". (أن لا تحروْا) أصله: أن لا تتحروا، كما مر. 33 - بَابٌ: مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ مِنَ الفَوَائِتِ وَنَحْوهَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ كُرَيْبٌ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ، [انظر: 1233 - فتح: 2/ 63] وَقَالَ: "شَغَلَنِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ". [1233 - فتح: 2/ 63] (باب: ما يصلى) بفتح اللام. (بعد العصر من الفوائت ونحوها) كرواتب الفرائض، وصلاة الجنازة. (وقال كريب) في نسخة: "قال أبو عبد الله: وقال كريب". (عن أمّ سلمة: صلّى النبيُّ) في نسخة: "عن أمّ سلمة، قالت: صلّى النبيُّ".
590 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ، سَمِعَ عَائِشَةَ، قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ، مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ، وَمَا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلاةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلاتِهِ قَاعِدًا - تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ - "وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا، وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي المَسْجِدِ، مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمْ". [591، 592، 593، 1631 - مسلم: 835 - فتح: 4/ 62] (والذي) قسم أي: والله الذي. (ذهب به) في نسخة: "ذهب بنفسه" أي: توفاه، تعني: النبي - صلى الله عليه وسلم -. (حتَّى ثقل) بضم القاف. (مخافة أن يثقل) بضم التحتية وفتح المثلثة وكسر القاف المشددة، أي: مخافة التثقيل. (ما يخفف عنهم) بالبناءِ للفاعلِ، ويجوز بناؤه للمفعول، وفي نسخة: "خفف عنهم" بصيغة الماضي. 591 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَتْ عَائِشَةُ: ابْنَ أُخْتِي "مَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ عِنْدِي قَطُّ". [انظر: 510 - مسلم: 835 - فتح: 2/ 64] (هشام) أي: ابن عروة. (قالت عائشة: ابن أختي) بكسر الهمزة أي: يا ابن أختي بحذف حرف النداءِ، وفي نسخة: "ابن أختي" بفتح الهمزة، بجعلها حرف نداء؛ لأن أمَّ عروة هي أسماء بنت أبي بكر. (ما ترك النبي) في نسخة: "ما ترك رسول الله". (السجدتين) من باب: إطلاق البعض على الكل أي: الركعتين بأربع سجدات. 592 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلانِيَةً: رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العَصْرِ". [انظر: 590 - مسلم: 835 - فتح: 2/ 64]
34 - باب التبكير بالصلاة في يوم غيم
(ركعتان) أي: صلاتان؛ لأنه فسرهما فيما يأتي بأربع ركعات. (لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعهما سرًّا ولا علانية) لفظ: (سرًّا ولا علانية) ساقطٌ من نسخة. (ركعتان قبل الصبح) أي: قبل صلاته. 593 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: رَأَيْتُ الأَسْوَدَ، وَمَسْرُوقًا، شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ العَصْرِ، إلا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ". [انظر: 590 - مسلم: 835 - فتح: 2/ 64] (عن أبي إسحق) هو عمرو السبيعيُّ. (الأسود) هو ابن يزيد النخعيِّ. (ومسروقًا) هو ابن الأجدع. (شهدا على عائشة) أي: أخبرا عنها. (ما كان النبيُّ) في نسخة: "وما كان النبيُّ". (إلا صلَّى) استثناءٌ مفرغ، أي: ما كان يأتيني بوجه، أو بحالة إلا بهذا الوجه، أو الحالة. وهذا لا ينافي حديث النهي عن الصلاة بعد العصر (¬1)؛ إذ ذاك فيما لا سبب له وهذا له سبب، وهو قضاءُ فائتة الظهر، وكان إذا فعل شيئًا داوم عليه (¬2). 34 - بَابُ التَّبْكِيرِ بِالصَّلاةِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ (باب: التبكير) أي: المبادرة. (بالصلاة في يوم غيم) أي: خوفًا من فواتها، وفي نسخة: "في يوم الغيم". 594 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي ¬
35 - باب الأذان بعد ذهاب الوقت
كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، أَنَّ أَبَا المَلِيحِ حَدَّثَهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِالصَّلاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلاةَ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ". [انظر: 553 - فتح: 2/ 66] (أن أبا المليح) هو عامر بن أسامة، في نسخة: "أنَّ أبا مليح". (بريدة) بضمِّ الباءِ: هو ابن الحصيب، بضمِّ الحاءِ وفتح الصادِ المهملتين. (حبط عمله) في نسخة: "فقد حبط عمله" أي: ثواب عمله، أو المراد: من تركها مستحلًا للترك. 35 - بَابُ الأَذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ (باب: الأذان بعد ذهاب الوقت) أي: حكمه، ولفظ: (ذهاب) ساقطٌ من نسخة. 595 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، فَقَالَ: بَعْضُ القَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلاةِ" قَالَ بِلالٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا، وَأَسْنَدَ بِلالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا بِلالُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ " قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلالُ، قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلاةِ" فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ، قَامَ فَصَلَّى. [7471 - مسلم: 681 - فتح 2/ 66] (حُصين) بضمِّ أولهِ: هو ابن عبد الرحمن الواسطيُّ. (مع أنس) في نسخة: "مع رسول الله". (بعض القوم) قيل: هو عمر. (لو عرست بنا يا رسول الله) أي: لو
36 - باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت
نزلت بنا آخر الليل فاسترحنا، وجواب (لو) محذوف، أي: لكان أسهلَ علينا، أو هي للتمني فلا جواب لها. (أخافُ أن تناموا عن الصلاة) أي: فمن يوقظنا. (قال بلال) في نسخة: "فقال بلال". (فاضطجعوا) بلفظ الماضي، أو الأمر. (فغلبته) في نسخة: "فغلبت". (أين ما قلت؟) أي: أين الوفاء بقولك: (أنا أوقظكم)؟ (قبض أرواحكم عن أبدانكم) بأن قطع تعلُّقها عنها وتصرفها فيها ظاهرًا، لا باطنًا. (فأذن بالناس) بتشديد الذال وبالقصر، وفي نسخة: بالمدِّ والتشديد، وفي أخرى: "فآذن للناس" بالمذ وتخفيف الذال، وفي أخرى: بالقصر وتشديدها مع إسقاط الموحدة. (فتوضأ) أي: النبي. (وابياضتْ) بتشديد المعجمة بعد الألف أي: صفت، صانما أخرها حتَّى ارتفعت الشمس؛ ليتأهب الناسُ لها، وقيل: ليخرج وقت الكراهة. وفي الحديث: سن الأذان للفائتة نعم لو كان عليه فوائت، وقضاها متوالية، فعند الشافعية: يؤذن للأولى فقط، ويقيم لكل منهما. 36 - بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ (باب: من صلى بالناسِ جماعة) أي: صلاة فائتة. 596 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا" فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ. [598، 641، 945، 4112 - مسلم: 631 - فتح: 2/ 68] (عن يحيى) أي: ابن كثير. (ما كدتُ) بكسر الكاف أكثر من
37 - باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، ولا يعيد إلا تلك الصلاة
ضمِّها. (حتَّى كادت الشمس تغرب) أي: ما صليت حتَّى غربت الشمس؛ لأن كاد إذ تجردت من النفي كان معناها إثباتًا، وإلا كان معناها نفيًا؛ لأن قولك: كاد زيذ يقوم معناه: إثبات قرب القيام، وقولك: ما كاد زيدٌ يقوم معناه: نفي قرب القيام، فكاد هنا دخل عليها النفي، فصار معناها نفي قربِ الصلاةِ. وقوله: (حتى كادت الشمس تغرب) حال من النفي، فالمعنى: ما صليت حال قرب الغروب أي: بل بعده. (بطحان) بضم الموحدة، وسكون الطاءِ، أو بالفتح والكسر: وادٍ بالمدينة. (فصلى العصر بعد ما غربت الشمس) أي: صلاها جماعة، أخذًا من حديث طويل فيطابق الحديث الترجمة. وفيه: جواز سبِّ الكفار، والحلف بدون استحلاف بل هو كما قال النوويُّ (¬1) مستحبٌّ؛ لمصلحة توكيد الأمر، أو زيادة طمأنينة أو نفي توهم نسيان أو غير ذلك من المصالح، وإنما حلف النبيُّ؛ تطيبًا لقلب عمر لمَّا شقَّ عليه تأخيرها، وسبب سبِّ عمرَ كفَّار قريش؛ أنهم كانوا سببًا لاشتغال المسلمين بحفر الخندق، والذي هو سبب لفوات صلاتهم. 37 - بَابُ مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ، وَلَا يُعِيدُ إلا تِلْكَ الصَّلاةَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "مَنْ تَرَكَ صَلاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً، لَمْ يُعِدْ إلا تِلْكَ الصَّلاةَ الوَاحِدَةَ". ¬
(باب: من نسي صلاة) أي: حتَّى خرج وقتها. (فليصلِّ إذا ذكرها) في نسخة: "إذا ذكر" أي: تلك الصلاة. (ولا يعيد) بإثبات الياء، فـ (لا) نافية، وفي نسخة: "ولا يعد" بحذفها، فـ (لا) ناهية أي: ولا يقضي إلا تلك الصلاة وإن طال الزمن، ردَّ بذلك على من قال: إنّه لو لم يعد الفائتة حتَّى أدَّى خمس صلوات بعدها وجب عليه إعادتها مع إعادة الخمس بعدها، وقوى الأول بقوله: (وقال إبراهيم) أي: النخعيُّ. (من ترك صلاة ... إلخ). 597 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إلا ذَلِكَ {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] "، قَالَ مُوسَى: قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَعْدُ: "وَأَقِمِ الصَّلاةَ للذِّكْرَى"، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ حَبَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ. [مسلم: 684 - فتح: 2/ 70] (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (فليصل) في نسخة: "فليصلي" بياء. (إذا ذكرها) في نسخة: "إذا ذكر" أي: تلك الصلاة. (لا كفارة لها) أي: لا خصلة تكفرها. (إلا ذلك) أي: قضاؤها. {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] دليل القضاء أي: فليصلها؛ لقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} أي: لتذكرني بها، وفي نسخة هنا وفيما يأتي: "أقم الصلاة للذكرى" بلامين وفتح الراءِ وألف بعدها مقصورة مصدر ذكر، والأمر في الآية لموسى عليه الصلاة والسلام، فنبه نبيُّنا بتلاوتها على أن هذا شرعٌ لنا أيضًا. (موسى) أي: ابن إسماعيل. (سمعته) أي: قتادة. (يقول بعد) أي: بعد زمان رواية الحديث أي: لم يكن نقل الحديث وتلاوة الآية معًا.
38 - باب قضاء الصلاة، الأولى فالأولى
(وقال حَبَّان) بفتح المهملة، وتشديد الموحدة أي: ابن هلال، وفي نسخة: "قال أبو عبد الله: وقال حَبَّان". (حدثنا قتادة) وفي نسخة: "أخبرنا قتادة". وفائدة ذكر البخاريِّ هذا التعليق: إزالة وهم تدليس قتادة حيث عبَّر فيه بـ (حدثنا) وفي الأول بـ (عن). 38 - بَابُ قَضَاءِ الصَّلاةِ، الأُولَى فَالأُولَى (باب: قضاء الصلوات) في نسخة: "الصلاة". (الأولى فالأولى) أي: استحباب ذلك. 598 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى القَطَّانُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: "جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ، وَقَالَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ، قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ". [انظر: 596 - مسلم: 631 - فتح: 2/ 72] (يحيى) في نسخة: "يحيى القطان". (عن هشام) في نسخة: "حدثنا هشام". (حدثنا يحيى) في نسخة: "حدثني يحيى". (عن جابر) أي: "ابن عبد الله" كما في نسخة. (قال) في نسخة: "فقال". (حتَّى غربت) أي: "الشمس" كما في نسخة. وتقدم شرح الحديث آنفًا. 39 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ (باب: ما يكره من السمر) أي: حديث الليل المباح. (بعد العشاء) زاد في نسخة: "السامر" من السمر والجمع: السمَّار، والسامر هاهنا في موضع الجمع، أي: المسامر المذكور في قوله تعالى:
40 - باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء
{سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون: 67] مشتق من السمر بفتح الميم وسكونها، والجمع: السمار بضم السين وتشديد الميم، والسامر هاهنا، أي: في الآية في موضع الجمع كما مرَّ، وأصل السمر: ضوء لون القمر؛ لأنهم كانوا يتحدثون فيه. 599 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو المِنْهَالِ، قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: حَدِّثْنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ؟ قَالَ: "كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ - وَهِيَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى - حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ - قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ، قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الغَدَاةِ، حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ". [انظر: 541 - مسلم: 461، 647 - فتح: 2/ 72] (يحيى) أي: ابن القطان. (قال: كان) في نسخة: "فقال: كان". (يصلِّي الهجير) أي: الظهر. (تدحض الشمس) أي: تزول عن وسط السماءِ إلى جهة المغرب. (ما قال في المغرب) في نسخة: "ما قال لي في المغرب". وتقدَّم تفسير الحديث في باب: وقت الظهر عند الزوال (¬1). 40 - بَابُ السَّمَرِ فِي الفِقْهِ وَالخَيْرِ بَعْدَ العِشَاءِ (باب: السَّمر في الفقه والخير بعد العشاء) خصَّ الفقه بالذكر وإن دخل في الخير؛ تنبيهًا على عظم قدره. 600 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ ¬
خَالِدٍ، قَالَ: انْتَظَرْنَا الحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلاءِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: انْتَظَرْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا، فَقَالَ: "أَلا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ - قَالَ الحَسَنُ - وَإِنَّ القَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الخَيْرَ" قَالَ قُرَّةُ: هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 572 - مسلم: 640 - فتح: 2/ 73] (عبد الله بن صباح) بتشديد الموحدة وفي نسخة: "عبد الله بن الصباح" بزيادة (ال). (أبو علي) هو عبيد الله بن عبد المجيد. (وراث) بمثلثة، أي: أبطأ علينا والجملة حال. (حتَّى قريبًا) أي: حتَّى كان الزمان قريبًا، وفي نسخة: "قربنا" بلفظ الفعل. (من قيامه) أي: قيام الحسن من النوم؛ لأجل التهجد، أو من المسجد؛ لأجل النوم. (فجاء فقال) في نسخة: "وقال" بالواو. (دعانا جيراننا هؤلاء) أي: قال ذلك؛ معتذرًا عن تخلفه عن القعود معهم على عادته في المسجدِ؛ لأخذ العلمِ عنه. (ثُم قال) أي: الحسن. (قال أنس) في نسخة: "قال أنس بن مالك". (نظرنا) في نسخة: "انتظرنا". (ذات ليلة) أي: في ليلة وإضافة (ذات) إليها من إضافة المسمى إلى اسمه. (حتَّى كان شطر الليلِ يبلغه) برفع شطر على أن كان تامَّة أو ناقصةٌ، وخبرها (يبلغه)، وبنصبه على أنه خبر كان، واسمها مقدر أي: الوقت و (يبلغه) استئناف، أو تأكيد كما هو كذلك بجعل كان تامة. (لم تزالوا) في نسخة: "لن تزالوا". (في صلاة) أي: في ثوابها. (وإنَّ القوم) في نسخة: "وقال الحسن: وإنَّ القوم". (بخير) في نسخة: "في خير" أي: عمَّم الحسنُ الحكمَ في كلِّ خير، فيشمل الصلاة
وغيرها. (قال قُرَّةُ) أي: ابن خالد. (هو) أي: مقول الحسن وهو: (إن القوم لا يزالون ... إلخ). (من حديث أنس) أي: من جملة مروياته. 601 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ، لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ" فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ" يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ. [انظر: 116 - مسلم: 2537 - فتح: 2/ 73] (شعيب) هو ابن أبي حمزة الحِمْصي. (وأبو بكر بن أبي حثمة) بفتح المهملة، وسكون المثلثة، نسبة إلى جدِّه، لشهرته به، وإلا فهو أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة. (أرأيتكم) استفهام تعجبي، والمعنى: أخبروني، كما مرَّ. (ليلتكم هذه) مفعول أرى، وجواب الاستفهام محذوف، أي: فاحفظوها واحفظوا تاريخها. (فإنَّ رأس مائة) في نسخة: "فإنَّ رأس مائة سنة". (لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد) أي: ممن ترونه، أو تعرفونه، أو (ال) في (الأرض) للعهد أي: أرضي التي نشأت بها وبعثت منها. (فوهل الناسُ) بفتح الواو مع فتح الهاء وكسرها، أي: غلطوا وذهب وهمهم إلى خلاف الصواب. (في مقالة رسول الله) في نسخة: "من مقالة رسول الله" وفي أخرى: "في مقالة النبي". (إلى ما يتحدثون) متعلِّق بـ (وهل). (في هذه) في نسخة: "من هذه". (الأحاديث عن مائة سنة) فكان بعضهم يقول: تقوم الساعة عند
41 - باب السمر مع الضيف والأهل
انقضاء مائة سنة، فردَّ عليه [علي بن أبي طالب، فبين] (¬1) ابن عمر مراد الرسول في هذا الحديث فقال: (وإنما قال النبي ... إلخ). وتقدم ذلك في باب: السمر في العلم (¬2)، وفيما ذكر علم من أعلام النبوة، فقد استقرئ ذلك فكان آخر من مات من الصحابة الموجودين عند مقالته - صلى الله عليه وسلم - أبو الطفيل عامر بن واثلة، فإنه مات على رأس المائة من مقالته - صلى الله عليه وسلم -. 41 - بَابُ السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالأَهْلِ (باب: السمر مع الأهل والضيف) في نسخة: "مع الضيف والأهل" وهو شامل للزوجة والأولاد والعيال وبين هذا الباب وما قبله عموم وخصوص من وجه؛ لأن هذا خاص بالسمر مع الضيف والأهل، عام لصدقه بالجائز المستوي الطرفين وغيره، وذاك خاص بالسمر في الخير، عامٌّ لصدقه بالسمر مع الأهل والضيف وغيرهما. 602 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ، كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ" وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي - فَلَا أَدْرِي قَالَ: وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ - بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ - قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى ¬
تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ، مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا - قَالَ: يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا - وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاثِ مَرَّاتٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي يَمِينَهُ - ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ. [3581، 6140، 6141 - مسلم: 2057 - فتح: 2/ 75] (أبو النعمان) هو محمد بن الفضل السدوسي. (أبو عثمان) هو عبد الرحمن بن مل النهديُّ. (أناسًا) بهمزة مضمومة، وفي نسخة: "ناسًا" بحذفها. (وأن النبي) بفتح همزة (أن)؛ عطفًا على: (أن أصحاب الصفة). (فليذهب بثالث) أي: من أهل الصفة، وكذا ما بعده. (وإنَّ أربع) في نسخة: "أربعة". وهو بالرفع أي: كان عنده طعام أربع فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وبالجر؛ على حذف المضاف، وإبقاء عمله، كما حكى يونس عن العرب: مررت برجل صالح، وإن لا صالح فطالح أي: وإن لا أمرُّ بصالح فقد مررت بطالح، وكذا يقرر في خامس (أو سادس)، أي: مع الخامس، والمعنى: فليذهب بخامس، أو بخامس وسادس فهو من عطف مفرد على مفرد بهذا المعنى، ويحتمل أن يكون معناه: وإن كان عنده طعام خمسٍ فليذهب بسادس، فيكون من عطف جملة على جملة.
(وأن أبا بكر) بفتح همزة (أنَّ) عطف على (أن أصحاب الصفة) وبكسرها على الاستئناف. (جاء بثلاثة) أي: من أهل الصفة. (فانطلق) في نسخة: "وانطلق". (بعشرة) أي: من أهل الصفة. (قال) أي: عبد الرحمن. (فهو) أي: الشأن. (أنا) مبتدأ خبره محذوف، أي: في الدار. (أبي وأمي) عطفٌ على (أنا)، وفي نسخة: "أنا وأبي" وفي أخرى: "أنا وأمي". (فلا أدري) من كلام أبي عثمان. (قال) أي: عبد الرحمن، وفي نسخة: "ولا أدري هل قال". (وامرأتي) هي: أميمة بنت عدي بن قيس السهميُّ. (وخادم) عطفٌ على (أمي)، أو على (امرأتي). (وهو أقرب بيننا) ظرف لخادم، أو لمحذوف أي: مشترك. (وبين بيت أبي بكر) في نسخة: "بين بيتنا وبيت أبي بكر"، وفي أخرى: "بين بيتنا وبين بيت أبي بكر. (تعشَّى) أي: أكل العشاء، بفتح العين: وهو طعام آخر النهار. (ثم لبث) أي: في داره. (حيث) في نسخة: "حتَّى" وفي أخرى: "حين". (صُليتِ العشاء) بالبناء للمفعول. (ثم رجع) أي: أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. (فلبث) أي: عنده. (امرأته) هي أم رومان: زينب بنت بَهمان بفتح الموحدة. (وما حبسك) في نسخة: "ما حبسك". (أو قالت: ضيفك) أفردتهم مع أنهم ثلاثة؛ لإرادة الجنس. (أوما عشيتهم؟) في نسخة: "أوما عشيتيهم؟ " بياءِ تولَّدت من إشباع حركة التاء، والواو مفتوحة للعطف على مقدر. (قد عرضوا) بالبناءِ للمفعول أي: عرض الطعام على الأضياف، فحذف الجار وأوصل الفعل، وفي نسخة: "عرضوا" بالبناء للفاعل أي: عرض الولد والزوجة والخادم على الأضياف.
(قال) أي: عبد الرحمن. (فاختبأت أنا) أي: خوفًا من أبي ومن شتمه. (فقال) أي: أبو بكر. (يا غنثر) بضمِّ المعجمة وسكون النون، وفتح المثلثة وضمها أي: يا ثقيل، أو يا جاهل، أو يا دنيء، أو يا لئيم. (فَجَدَّعَ) بجيم ودال مهملة مشددة، أي: دعا بالجدع: وهو قطع الأنف، أو الأذن، أو الشفة، أو نحو ذلك. (وسمث) أي: سبَّ ولده؛ ظنًّا منه أنه فرط في الأضياف. (لا هنيئًا) قاله تأديبًا لهم حيث لم يكتفوا بولده ومن معه، وقيل: بل هو خبر أي: إنَّكم لم تهنئوا بالطعام في وقته (وأيم الله) أي: قسمي، وهو بهمزة وصل، وقد تقطع. (إلا ربا) أي: زاد الطعام. (من أسفلها) أي: اللقمة. (أكثر) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، ويجوز النصب صفة لمصدر محذوف أي: زيادة أكثر. (منها) أي: من اللقمة. (حتى شبعوا) في نسخة: "قال: وشبعوا" وفي أخرى: "قال: فشبعوا". (وصارت) أي: الأطعمة. (أكثر) بمثلثة، وفي نسخة: بموحدة. (فإذا هي) أي: الأطعمة، أو الجفنة. (كما هي) أي: على حالها الأول لم تنقص شيئًا. (أو أكثر) بمثلثة، وفي نسخة: بموحدة. (منها) ساقطٌ من نسخة. (يا أخت بني فِراس) بكسر الفاءِ، وخفة الراءِ، وبالمهملة. قال النووي: معناه: يا من هي من بني فراس أي: وذلك لأنها بنت الحارث بن غنم الفراسية (¬1)، وقال الكرمانيُّ: هي بنت عبد دهمان بضمِّ المهملة وسكون الهاءِ أحد بني فراس بن مالك بن كنانة (¬2). (ما هذا؟) استفهام، في نسخة: "ما هذه" وهو استفهام عن حال الأطعمة. ¬
(لا وقرة عيني) بالجرِّ على القسم تريد به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو قسم بالمخلوق، أو المراد: وخالق قرة عيني، و (لا) زائدة أو نافية لمحذوف أي: لا شيء غير ما أقول وهو قرة عيني، وقرة العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان لأن العين تقرُّ ببلوغ الأمنية، قال الأصمعي: أقر الله عينه أبرد دمعه؛ لأن دمع الفرح بارد، ودمع الحزن حارٌّ، لكن تُعُقِّب: بأن كلَّ دمعٍ حارُّ. (بثلاث مرات) في نسخة: "بثلاث مرار" وهذا كرامة من كرامات الصديق. (ذلك) بكسر الكاف وفتحها باعتبار أنَّ الخطاب كان للمرأة، أو للابن. (ثُم أكل منها لقمة) فائدته مع قوله فيما مر (أكل) دفع إيهام أنه أكل أكثر من لقمة، فإنما خالف يمينه لخبر: "فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" (¬1) أو كان مراده: لا أطعمه معكم، أو في هذه الساعة، أو عند الغضب، والكفارة على أحد هلذه الثلاثة مندوبة، أو واجبة. (فأصبحت) أي: الأطعمة. (عنده) أي: عند النبي - صلى الله عليه وسلم -. (عقد) أي: عهد مهادنة. (ففرقنا) الفاءُ فصيحة (¬2)، أي: فجاءوا إلى المدينة (ففرقنا)، أي: ميزَّنَا أو جعلنا منهم. (اثني عشر رجلًا) أي: مع كل فرقة كما يعلم مما يأتي، وفي نسخة: "اثنا عشر" بالألف على ¬
لغة: من يجعل المثني، كالمقصور في أحواله الثلاثة (¬1)، وفي أخرى: "فعرفنا" بعين مهملة وراءٍ مشددة وفاءٍ أي: جعلنا منهم اثني عشر رجلًا، أي: عَرِّيفًا مع كل فرقة، وفي أخرى: "فقرينا" بقاف وراء مخففة، وتحتية من القرى: بمعنى الضيافة. أي: ضيفنا منهم اثنى عشر رجلًا بأن جعلناهم عرفاء. (مع كل رجلٍ منهم) أي: من الاثنى عشر. (أناس) أي: فرقة. (الله أعلم) أي: بعددها كما أشار إليه بقوله: (كم مع كل رجل؟) أي: "منهم" كما في نسخة، والمعنى: كم رجل من الطوائف مع كل رجلٍ من الاثنى عشر؟ مميز (كم) محذوف. (فأكلوا منها) من الأطعمة. (أجمعون أو كما قال) أي: عبد الرحمن، والشك من أبي عثمان. وفي الحديث: الأكل من طعامٍ ظهرت بركته، وإهداء ما يُرجى بركته لأهل الفضل، وفضيلة الإيثار والمواساة، وتوزع الأضياف إذا كثروا، وإثبات كرامات الأولياء، وجواز الاختفاء من الوالد عند الخوف من تقصير، والدعاء بالتجديع ونحوه على الأولاد، وترك المجماعة لعذر، وحمل المشقة على نفسه لإكرام الضيف (¬2)، والاجتهاد في دفع المشقة، وتطييب القلوب، وجواز ادخار الطعام للغدِ. ¬
10 - كتاب الأذان
10 - كتاب الأذان
1 - باب بدء الأذان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 10 - كِتَابُ الأَذَانِ 1 - بَابُ بَدْءِ الأَذَانِ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُؤًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)، وَقَوْلُهُ {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ} [الجمعة: 9]. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقطٌ من نسخة. (كتاب الأذان) ساقط من أخرى، وفي أخرى بدله: "أبواب الأذان" وهو بمعجمة لغة: الإعلام (¬1)، وشرعًا: إعلامٌ بدخول أوقات الصلوات الخمس بكلمات مخصوصة. (باب: بَدْء الأذان) أي: بيان ابتدائه، وفي أخرى: "كتاب بدء الأذان" بدون باب. (وقوله عزَّ وجلَّ) بالجرِّ عطفٌ على (بَدْء)، وبالرفع عطف على (باب)، وفي نسخة: "وقول الله عزَّ وجلَّ". {وَإِذَا نَادَيْتُمْ} [المائدة: 58] ¬
({إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ} [الجمعة: 9] اللام للاختصاص. {مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ}) زاد في نسخة: "الآية". 603 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى "فَأُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ". [605، 606، 607، 3457 - مسلم: 378 - فتح: 2/ 77] (عبدُ الوارث) هو ابن سعيد بن ذكوان. (حدثنا خالد) زاد في نسخة: "الحذاء". (عن أبي قلابة) هو عبد الله بن يزيد. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (والناقوس) هو ما يضرب به النصارى لصلاتهم، وهو خشبة طويلة تضرب بأصغرَ منها، وسيأتي الحديث مبسوطًا في الباب الآتي. (أمر بلال) بالضمِّ أي: أمره النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه الآمر الناهي. (أن يشفع الأذان) يعني يأتي بمعظم ألفاظه مثنى، إذ التكبير في أوَّله أربع، ولا إله إلا الله في آخره مفرد. (وأن يوتر الإقامة) وهي إعلامٌ بالشروع في الصلاة بألفاظ مخصوصة (¬1)، والمرادُ بإيتارها: أن يأتيَ بمعظم ألفاظها مفردًا، إذ التكبير في أوَّلها اثنان، ولفظ: (الإقامة) في أثنائها كذلك كما صرَّح به في الباب الآتي، وإنَّما كرر لفظها؛ لأنَّه المقصود فيها، وأما تكرير التكبير فهو تثنيةٌ صورةً لكنه مفرد حكمًا، ولذلك يستحب أن يقال ¬
اللفظان بنفس واحد، وإنما ثُنِّي الأذان؛ لأنه إعلام للغائبين، وأفردت الإقامة؛ لأنها إعلام للحاضرين. 604 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا بِلالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاةِ". [مسلم: 377 - فتح: 2/ 77] (عبد الرزاق) أي: ابن همَّام. (فيتحينون الصلاة) بحاءٍ مهملة، وتحتية مشددة، ثم نون، من الحين: وهو الوقت أي: يقدرون أحيانها، ليأتوا إليها في أوقاتها، وفي نسخة: "فيتحينون للصلاة". (ليس ينادى لها) بفتح الدال، قال ابن مالك: هو شاهد على جواز استعمال ليس حرفًا لا اسم لها، ولا خبر، ويحتمل: أن اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبر (¬1). (فتكلَّمُوا) أي: الصحابة. (اتخذوا) بكسر الخاءِ. (بل بوقًا) بضمِّ الباءِ. (مثل قرن اليهود) أي: الذي ينفخ فيه، ولا ينافي هذا ما مرَّ من كون النار لليهود لجواز أن لهم الأمرين. (أَوَلا تبعثون؟) بهمزة الاستفهام، والوا وللعطف على مقدر أي: أتقولون بموافقتهم ولا تبعثون؟ (رجلًا) زاد في نسخة: "منكم". وفي الحديث: منقبة عظيمةٌ لعمرَ في إصابته الصواب، والتشاور في ¬
2 - باب: الأذان مثنى مثنى
الأمور المهمة، وأن كلًّا يقول ما عنده؛ ليفعل صاحب الأمر ما فيه المصلحة. 2 - بَابٌ: الأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى (باب: الأذان مثنى مثنى) أي: اثنين اثنين، ولفظ: (مثنى) الثاني ساقط من نسخة. 605 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ، إلا الإِقَامَةَ". [انظر: 603 - مسلم: 378 - فتح: 2/ 82] (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (قال: أمر) في نسخة: "قال: قال أمر". (وأن يوتر) في نسخة: "ويوتر". (إلا الإقامة) أي: لفظها وهي قد قامت الصلاة، فإنه تشفع. 606 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ" قَالَ: "ذَكَرُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا فَأُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ". [انظر: 603 - مسلم: 378 - فتح: 2/ 82] (حدثنا محمد) في نسخة: "حدثني محمد" وزاد في أخرى: "هو ابن سلام". (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا" وفي أخرى: "قال: حدثني". (عبد الوهاب) زاد في نسخة: "الثقفي". (قال أخبرنا خالد) في نسخة: "قال حدثنا خالد". (عن أبي قلابة) هو عبد الله بن زيد. (قال: لما كثر الناس قال: ذكروا) جواب لمَّا: "ذكروا"، ولفظ: "قال" قبله زائد؛ لتأكيد (قال) الأولى. (أن يعلموا) بضمِّ الياءِ وسكون العين. (يوروا) أي: يوقدوا ويشعلوا من أوريت النار أشعلتها. وليس في هذا الحديث حجة لمن أفرد الإقامة حيث لم يستثنها، لأن المطلق يحمل على المقيد وهو باقي الأحاديث .......
3 - باب: الإقامة واحدة، إلا قوله قد قامت الصلاة
3 - بَابٌ: الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ، إلا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ (باب: الإقامة واحدة) أي: ألفاظها فرادى. (إلا قوله: قد قامت الصلاة) فلا يكون واحدًا، بل مثنى. 607 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ" قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُ لِأَيُّوبَ، فَقَالَ: "إلا الإِقَامَةَ". [انظر: 603 - مسلم: 378 - فتح: 3/ 83] (علي بن عبد الله) أي: بن جعفر المديني. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (فذكرت) في نسخة: "فذكرته" أي: حديث خالد. (فقال: (إلا الإقامة) أي: زاد أيوب في آخر الحديث هذا الاستثناء، وهو ثقة، وزيادة الثقة مقبولة (¬1)، ففيها: رد على من قال: إن لفظ الإقامة لا يشفع. ¬
4 - باب فضل التأذين
4 - بَابُ فَضْلِ التَّأْذِينِ (باب: فضل التأذين) أي: الأذان. 608 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْويبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى". [1222، 1231، 1232، 3285 - مسلم: 389 - فتح: 2/ 84] (أن رسولَ الله) في نسخة: "أن النبي". (له ضراط) يشغل نفسه به عن سماع الأذان، والجملة حال وإن لم يكن بواو؛ اكتفاءً بالضمير (¬1) كما في {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] وفي نسخة: "وله ضراط" بالواو. (حتى لا يسمع) أي: كي لا يسمع التأذين؛ لما اشتمل عليه من قواعد الدين وإظهار شرائع الإسلام. (فإذا قَضى النداءَ) أي: الأذان، وهو بالنصب: إن قُرِئ (قضى) بالبناءِ للفاعلِ، وبالرفع: إن قرئ بالبناءِ للمفعول والفاعل على الأول ضمير يرجع إلى المؤذن، وما ذكر من أن التأذين والأذان والنداء واحد هو بالنظر للمراد، وإلا فالنداءُ أعمُّ من الأذان والتأذين. والأذان أعمُّ من التأذين؛ لأن التأذين تفعيل يشمل جميع ما يصدر من المؤذن، من قولٍ وفعلٍ وهيئةٍ ونيةٍ، والأذان يفعل بدون الثلاثة الأخيرة. (حتى إذا ثوب بالصلاة) أي: أقام لها، بمعنى شرع في إقامتها. (قضى التثويب) بالبناءِ ¬
5 - باب رفع الصوت بالنداء
للفاعل وللمفعول. (حتَّى يخطر) بكسر الطاء، أي: يوسوس، وبضمها: أي: يمرُّ. (اذكر كذا اذكر كذا) في نسخة: "اذكر كذا أو اذكر كذا". (لما لم يكن يذكر) أي: لشيءٍ لم يكن يذكره في غير الصلاة. (حتى يظل الرجل) بفتح الظاءِ المعجمة أي: يصير، وفي نسخة: "حتى يضِلَّ" بكسر الضاد المعجمة، أي: ينسى، وترك هنا ذكر الضراط؛ اكتفاءً بذكره فيما مر. ومطابقة الحديث للترجمة: من حيث هروب الشيطان من الأذان، إذ لو لم يكن له فضل يتأذى منه الشيطان لم يهرب منه، ومن حصول هذا الفضل للتأذين يحصلُ أيضًا للمؤذن؛ لأنه الآتي به. 5 - بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا". (باب: رفع الصوت بالنداءِ) أي: ثواب رفعه بالأذان. (وقال عمر بن عبد العزيز) أي: لمؤذنه. (أنَّ أذانًا سمحًا) بسكون الميم، أي: سهلًا، أي: بلا نغمات وتطريب. 609 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ: "لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إلا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [3296، 7548 - فتح: 2/ 87].
6 - باب ما يحقن بالأذان من الدماء
(والبادية) هي الصحراء التي لا عمارة فيها. (في غنمك) أي: معها، ففي للمصاحبة (¬1) نحو: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} [الأعراف: 38]. (أو باديتك) في نسخة: "وباديتك" بغير شك. (بالصلاة) في نسخة: "للصلاة". (مدى صوت المؤذن) أي: غايته. (ولا شيءٌ) أي: من حيوان، أو جماد بأن يخلق الله تعالى فيه إدراكًا، والعطف فيه من عطف العائم على الخاصِّ. (إلا شهد له) في نسخة: "إلا يشهد له" والمراد: أنَّه يشهدُ له بالفضل وعلو الدرجة. (سمعته) أي: سمعت قوله، (فإنه لا يسمع .. إلخ)، فيكون ما قبله موقوفًا. (من رسول الله) في نسخة: "من النبيِّ". وفي الحديث: نَدْبُ الأذان للمنفرد، وأن يؤذِّنَ على مكان مرتفع؛ ليكون أبعد لذهاب الصوت، وأنَّ اتخاذ الغنم والمقام بالبادية من فعل السلفِ الصالح، وأنَّ الجنَ يسمعون أصوات بني آدم، وأن بعض الخلق يشهد لبعض يوم القيامة. 6 - بَابُ مَا يُحْقَنُ بِالأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ (باب: ما يحقن بالأذان من الدماء) أي: ما يمنع به منها. 610 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا، لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ، وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، ¬
وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ، قَالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ {فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ} ". [انظر: 371 - مسلم: 1365 - فتح: 2/ 89] (حدثنا قتيبة) في نسخة: "حدثني قتيبة" وفي أخرى: "قتيبة بن سعيد". (عن أنس بن مالك) في نسخة: "عن أنس". (أن النبيَّ) في نسخة: "عن النبيِّ". (كان) في نسخة: "أنه كان". (لم يكن يغزو) بواو بعد الزاي، وفي نسخة: "يغز" بدونها من الغزو فيهما، وذكر الواو في (يغزو) في الأولى على لغة (¬1)، وحذفها منه في الثانية: على أنَّه بدل من يكن، وفي أخرى: "يغير" بتحتية قبل الراءِ، وفي أخرى: "يغر" بدونها، من الإغارة فيهما، وفي أخرى: "يغز" بسكون الغين من الإغزاءِ، وفي أخرى: "يَعْدُدا بالدال من العدو. (أغار) أي: هجم على العدو من غير علم منهم. (قال) أي: أنس. (إليهم) أي: إلى أهل خيبر (بمكاتلهم) أي: قففهم. (ومساحيهم) أي: مجارفهم الحديد. (قالوا) في نسخة: "قال" أي: قائلهم. (محمد) أي: جاء محمد. (والخميس) أي: الجيش وهو برفع؛ عطف على (محمد)، وبالنصب؛ مفعول معه، وفي نسخة بدل (الخميس) "والجيش"، وسُمِّي بالخميس؛ لأنَّ له قلبًا وميمنةً، وميسرةً، ومقدمةً، وساقةً كما مرَّ. (قال: الله أكبر، الله أكبر، خربت خيبر) قاله بوحي، أو تفاؤلًا بما في أيديهم من آلة الهدم (بساحة قوم) أي: بفنائهم، وأصل الفناءٍ: الفضاءُ بين المنازل، أو في جوانبها، قال الجوهري: فناء الدار: ما امتدَّ من ¬
7 - باب ما يقول إذا سمع المنادي
جوانبها (¬1). (فساء صباح المنذرين) أي: فبئس الصباحُ صباحُهم، وإنَّما حقن الدم بالأذان؛ لأنَّ فيه الشهادتين. وفي الحديث: جوازُ الإرداف على الدابَّة المطيقة، والتكبير عند اللقاءِ بالعدوّ، والاستشهاد بالقرآن، لا في نحو ضرب الأمثال، وأنَّ الإغارة على العدو يستحب أن تكون أول النهارة لأنه وقت غفلتهم، بخلاف ملاقاة الجيوش، وأنَّ النطقَ بالشهادتين إسلامٌ. 7 - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ المُنَادِي (باب: ما يقول) أي: الشخص. (إذا سمع المنادي) أي: المؤذن. 611 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ". [مسلم: 383 - فتح: 2/ 90] (أخبرنا مالك) في نسخة: "حدثنا مالك". (إذا سمعتم النداء) أي: الأذان. (فقولوا مثل ما يقول المؤذن) بأن يقول السامع عقب كلّ كلمةٍ مثلَها، فإن لم يجبه حتَّى فرغ نُدِبَ له التداركُ إن لم يَطُلِ الفصل، كما بحثه النووي في "مجموعه" (¬2)، وقوله: (مثل ما يقول المؤذن) مثله ما يقول المقيم، واستثني من ذلك الحيعلتان (¬3) فيقولُ بدل كل منهما: (لا حول ولا قوة إلا بالله) كما يعلم مما يأتي. ¬
والتثويب في الصبح فيقولُ في كلّ من كلمتيه صدقت وبررت، والإقامة: وهي قد قامت الصلاة فيقول في كلّ من كلمتيهما: (أقامها الله وأدامها). وقاضي الحاجة، والمجامع، والمصلّي فلا يجيبون، نعم يُندب للمصلي أن يجيب بعد فراغه إن قَصُرَ الفصل، والظاهر: أنَّ قاضي الحاجة والمجامع في هذا، كالمصلّي. 612 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاويَةَ يَوْمًا، فَقَالَ مِثْلَهُ، إِلَى قَوْلِهِ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى - نَحْوَهُ. [613، 914 - فتح: 2/ 90] (هشام) أي: الداستوائي. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (عن محمد) في نسخة: "حدثنا محمد". (سمع معاوية) أي: ابن أبي سفيان. (يومًا) زاد في نسخة: "وسمع المؤذن" والمعنى: أن عيسى بن طلحة سمع معاوية وقد سمع المؤذن. (فقال مثله) أي: مثل قول المؤذن. (إلى قوله: وأشهد أن محمدًا رسول الله) أمَّا ما بعده فلا يقول مثله مطلقًا، بل يقول في الحيعلتين والتثويب ما مرَّ آنفًا، وفي الباقي مثل قوله، و (واو) و (أشهد): زائدة. (إسحق بن راهويه) لفظ: "ابن راهويه" ساقط من نسخة. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (نحوه) أي: نحو الحديث السابق. ¬
613 - قَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، قَالَ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ"، وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ. [انظر: 612 - فتح: 2/ 92] (وحدثني بعض إخواننا) قيل: هو الأوزاعي، وقيل: علقمة بن وقاص. (أنه) أي: بعض إخواننا. (قال: لما قال) أي: المؤذن. (حَيَّ على الصلاة) أي: هلم إليها. (قال) أي: معاوية. إلا حول ولا قوةَ إلا بالله) لم يذكر حكم (حَي على الفلاح) اكتفاءً بذكر حكم (حَيَّ علَى الصلاة) والفلاح: الفوز والنجاة والبقاء (¬1)، والمعنى: اقبلوا على سبب الفوز والنجاة من النار والبقاء في الجنة، والحول: الحركة، أي: لا حول إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، ويقال في التعبير عن ذلك: الحولقة والحوقلة. (وقال) أي: معاوية، وفي نسخة: "قال" وإنما لم يجب السامع في الحيعلتين؛ لأن معناهما: الدعاءُ إلى الصلاة، ولا معنى لقول السامع ذلك؛ لأن دعاء الناسِ إلى الصلاة سرًّا لا فائدة له، ¬
8 - باب الدعاء عند النداء
بل يجعل مكانه الحولقة؛ لأنَّها كنز من كنوز الجنة، فعوضها السامع عمَّا يفوته من ثواب الحيعلتين. 8 - بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ (باب: الدعاء عند النداء) أي: الأذان. 614 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ". [4719 - فتح: 2/ 94] (حين يسمع) أي: حين يفرغ من سماع أذانه. (الدعوة) بفتح الدَّال وكسرها: ما يدعى إليه، ويقال بفتحها: الدعاء إلى الطعام، وبكسرها في النسب، وبضمها في الحرب، والمراد بها هنا: ألفاظ الأذان التي يُدعى بها إلا الصلاةِ. (التامَّة) وصفت بالتمام، لما مرَّ من أنها جامعةٌ للعقائد بتمامها. (والصلاة القائمة) أي: التي ستقام. (الوسيلة) منزلة في الجنة (¬1). (والفضيلة) هي المرتبة الزائدة على الخلق. (مقامًا) مفعولٌ به لابعثه، بتضمينه معنى: أعطه، أو مفعول فيه، أي: أقمه في مقام محمود، أو حال، أي: ابعثه ذا مقام محمود. ونكر مع أنَّه معين لأنَّه أفخم، كأنه قيل: مقامًا أي: مقام محمود بكل لسان، والأكثر على أن المراد ¬
9 - باب الاستهام في الأذان
بالمقام المحمود: الشفاعة (¬1)، وقيل: إجلاسه على العرش (¬2)، وقيل: على الكرسي، وفائدة الدعاء له بذلك مع أن الله وعده به وهو لا يخلف الميعاد: طلب الدوام والإشارة إلى ندب دعاء الشخص لغيره. (محمودًا) أي: مقامًا يحمده فيه الأولون والآخرون. (الذي وعدته) بقوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} وهو منصوب على البدل من (مقامًا)، أو على المدح، أو مرفوع بتقدير هو. (له) أي: عليه. (شفاعتي) سواءٌ كان القائل صالحًا أم طالحًا، فالشفاعة تكون؛ لزيادة الثواب، وإسقاط العقاب، ففيه: حجة على المعتزلة حيث خصصوها بالصالح؛ لزيادة الثواب. 9 - بَابُ الاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ وَيُذْكَرُ: "أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ". (باب: الاستهام في الأذان) أي: الاقتراع فيه، أي: في منصبه؛ ليتقدم إليه من خرجت قرعته. (فأقرع بينهم سعد) أي: سعد بن أبي وقاص، وكان ذلك عند فتح القادسية في خلافة عمر بن الخطاب، وكان سعدٌ يومئذٍ أميرًا على الناس، والقادسية: قرية على طريق الحاج على مرحلة من الكوفة. ¬
615 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا". [654، 721، 3689 - مسلم: 437 - فتح: 2/ 96] (عن سُمي) بضم المهملة، وفتح الميم، وتشديد التحتية. (عن أبي صالح) الزيات. (لو يعلم الناس) وضع المضارع موضع الماضي؛ ليفيد استمرار العلم. (ما في النداءِ والصف الأول) مفعول (يعلم)، وأبهم فيه الفضيلة؛ ليفيد ضربًا من المبالغة، وإنَّه مما لا يدخل تحت الوصف. (لا يجدون) في نسخة: "لم يجدوا"، وفي أخرى: "لا يجدوا" بحذف النون، وهو ثابت لغةً، وإن كان قليلًا (¬1). (إلا أن يستهموا) أي يقترعوا. ¬
(عليه) أي: على كل من الأذانِ والصف. (لاستهموا) أي: عليه، والمعنى: أنهم لو علموا فضيلة الأذان والصف الأول وعظيم جزائها ثم لا يجدون طريقًا يحصلونهما به؛ لضيق الوقت، أو لكونه لا يؤذِّن للمسجد إلا واحد لاقترعوا في تحصيلهما وأتى بثُمَّ؛ ليفيد تراخي رتبة الاستهام عن العلم. (ما في التهجير) أي: التبكير بكلِّ صَلاة، ولا يعارضه بالنسبة إلى الظهر الإبراد به؛ لأنَّه تأخير قليل، والتهجير يمتد إلى قرب العصر. (ولو يعلمون ما في العتمة والصبح) العتمة: صلاة العشاء أي: لو يعلمون ما في ثواب أدائها. (لأتوهما ولو حبوًا) أي: ولو كانوا حابين، من حبي الصبي إذا مشى على أربع، أي: يديه ورجليه، ويقال: يديه وركبتيه، ويقال: إذا مشى على يديه واسته. وفي الحديث: الحث على منصب الأذان والصفِّ الأول، والتهجير للصلاة والعتمة والصبح لما فيها من الفضائل؛ ولما في العتمة والصبح من المشقة على النفوس، وفيه: مشروعيةُ القرعة، وتسمية العشاء عتمة، وإن ورد النهيُ عنها (¬1)، فهذا لبيان أنَّ النهيَ ليسَ ¬
10 - باب الكلام في الأذان
للتحريم، فهوَ؛ لبيانِ الجواز، أو لدفعِ توهمِ أن يراد بالعشاءِ المغرب؛ لأنَّهم كانوا يسمونها عشاء فيفسدُ بذلك المعنى. فاستعمل العتمة التي لا يشكون فيهَا دفعًا لأعظم المفسدتين بأخفِّهما. 10 - بَابُ الكَلامِ فِي الأَذَانِ وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ وَقَالَ الحَسَنُ: "لَا بَأْسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهُوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ". (باب: الكلام في الأذان) أي: جوازه فيه. (سليمان بن صرد) بضمِّ الصادِ، وفتح الراءِ، وبدالٍ مهملة، وكنيته: سليمان أبو المطرف. (لا بأس أن يضحك). وجه مطابقته للترجمة: أنه إذا جاز الضحك في الأذان والإقامة، فجواز الكلام فيهما أولى 616 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَعَبْدِ الحَمِيدِ، صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، وَعَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ "الصَّلاةُ فِي الرِّحَالِ"، فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: "فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ". [668، 901 - مسلم: 699 - فتح: 2/ 97] (حمَّاد) أي: ابن زيد. (عن أيوب) أي: السختياني. (وعبد الحميد) أي: ابن دينار. (في يوم ردغٍ) بالإضافة وبدونها (¬1)، بجعل (ردغ) صفة ليوم أي: ¬
11 - باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره
يوم ذي ردغ، وهو بفتح الراءِ، وسكون الدَّال المهملة أو فتحها، وإعجام الغين أي: وحل شديد، وفي نسخة: "رزغ" بزاي بدل الدَّال، أي: غيم بارد، أو مطر. (فلما بلغ المؤذن حيَّ على الصلاة) أي: أراد أن يقولها. (أن ينادي: الصلاةَ) بنصبها بمحذوف أي: صلُّوا أو أدُّوا، ويجوز رفعها مبتدأ خبره (في الرحال) أي: المنازل، والمرادُ: أن يأتي بذلك بدل الحيعليتن، إما في محلهما وإما بعده كما قاله النوويُّ قال: والأمران جائزان -كما نص عليهما الشافعيُّ- لكن بعده أحسن؛ ليتمَّ نظم الأذان (¬1). (فنظر القومُ بعضهم إلى بعض) أي: كأنهم أنكروا تغيير الأذان، وتبديل الحيعليتن بذلك. (من هو خير منه) أي: من ابن عباس، وفي نسخة: "مني" وفي أخرى: "منهم" أي: من المؤذن والقوم (وإنها) أي: الجمعة، كما دلَّ عليه (خَطَبَنَا). (عزمةٌ) بسكون الزاي، أي: واجبة، فلو قال المؤذن: حَيّ على الصلاةِ لتكلفتم المجيء إليها، ولحقتكم المشقة. وفي الحديث: جواز التخلف عن الجمعة؛ لعذر، وتخفيف أمر الجماعة في المطر أو نحوه. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنه لمَّا جازت الزيادة المذكورة في الأذان للحاجة إليها، دلَّ ذلك على جواز الكلام في الأذان لمن يحتاج إليه. 11 - بَابُ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ (باب: أذان الأعَمى إذا كان له من يخبره) أي: بدخول الوقت. ¬
12 - باب الأذان بعد الفجر
617 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. [620، 623، 1918، 2656، 7248 - مسلم: 1092 - فتح: 2/ 99] (حتى ينادي) أي: إلى أن يؤذن. (ابن أم مكتوم) هو: عمرو، أو عبد الله بن قيس بن زائدة، وأُمُّ مكتوم، اسمها: عاتكة بنت عبد الله المخزومية. (قال: وكان) في نسخة: "ثم قال: فكان". (أصبحت أصبحت) أي: دخلت في الصباح، فهي تامة تكتفي بمرفوعها. وكررها؛ للتأكيد. وفي الحديث: الوصف بالعيب لتعريف أو مصلحة، واتخاذ مؤذنَيْنِ للصبح، يؤذن أحدهما قبل الفجر والآخر بعده، وأن أذان الأعمى لا يكره إذا كان معه بصير، وجواز نسبة الرجل لأمه إذا كان يعرف بها، وتكرار اللفظ؛ للتأكيد، وتكنية المرأة، والأذان قبل الوقت في الصبح، والأكل ونحوه إلى الفجر، واعتماد صوت المؤذن، واستحباب السحور وتأخيره. 12 - بَابُ الأَذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ (باب: الأذان بعد الفجر) أي: بعد طلوعه. (إذا اعتكف المؤذن للصبح) أي: مكث وجلس ينتظر؛ الصبح ليؤذن، وفي نسخة: "اعتكف وأذن المؤذن" فعليها ضمير (اعتكف) راجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي أخرى: "إذا أذن المؤذن". (وبدا) بغيرهم، أي: ظهر والواو للحال. (صلَّى) جواب (إذا)، أي: صلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -
13 - باب الأذان قبل الفجر
618 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ، "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلاةُ". [626، 994، 1123، 1159، 1160، 1161، 1168، 1169، 1170، 1171، 6310 - مسلم: 724 - فتح: 2/ 101] (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير (عن أبي سلمة) هو ابن عبد الرحمن بن عوف. (عن عائشة كان) في نسخة: "عن عائشة قالت: كان" وفي أخرى: "أنَّها قالت: كان". 619 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، "كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ" [انظر: 617 - مسلم: 1092 - فتح: 2/ 101] (أخبرنا مالك) في نسخة: "حدثنا مالك". (أن بلالًا ينادي) أي: "يؤذن" كما في نسخة. (حتى ينادي ابن أم مكتوم). قيل: لا مطابقة بين الترجمة والحديث؛ إذ لو كان أذانه بعد الفجر لما جاز الأكل إلى أذانه. وأجيب: بأن أذانه كان علامة على أن الأكل صار حرامًا. 13 - باب الأذانِ قَبْلَ الفَجْرِ. (باب: الأذان قبل الفجر) أي: هل هو مشروع أولًا؟ وبتقدير أنه مشروع هل يكتفي به أولًا؟ 621 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلالٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ - لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ - أَو الصُّبْحُ -" وَقَالَ
بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: "بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ". [5298، 7247 - مسلم: 1093 - فتح: 2/ 103] (أحمد بن يونس) نسبة لجدّه، وإلا فهو أحمد بن عبد الله بن قيس. (زهير) هو ابن معاوية الجعفي. (أو أحدًا) والشكُّ من الروي. (ليرجع) بفتح التحتية، وكسر الجيم المخففة من الرجع، أي: الرد، أو من الرجوع. (قائمكم) برفعه بالفاعلية على الثاني، وبنصبه بالمفعولية على الأول، والفاعل ضمير الأذان. [أي: ليرد الأذان متهجدكم؛ لينام لحظة؛ ليصبح نشيطًا ويتسحر إن أراد الصيام] (¬1) (ولينبه) أي: يوقظ. (نائمكم) أي: ليتأهب للصلاة بالغسل ونحوه. (وليس) من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. (أن يقول) بالخطاب وبالغيبة، خبر ليس واسمها (الفجر أو الصبح) على الشكّ من الراوي، أي: وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ليس الفجر، أو الصبح أن يقول الشخص هكذا. (وقال) أي: وأشار. (بأصابعه) في نسخة: "بإصبعه". (ورفعها) في نسخة: "بأصبعيه ورفعهما" (إلى فوق) بالضمِّ على البناء، وفي نسخة: "إلى فوقٍ" بالجرِّ والتنوين. (وطأطأ) أي: خفض أصابعه. (إلى أسفل) بالضم وبالنصب؛ لأنَّه غير منصرف، وأشار بذلك إلى الفجر الكاذب، وهو الضوء [المستطيل] (¬2) من العلو إلى السفل ثم يذهب وتعقبه ظلمة، ثم يطلع الفجر الصادق، وإليه أشار بقوله: حتَّى يقول أي: يظهر. (هكذا) وأشار إلى تفسيره بقوله. (وقال زهير) أي: أشار. (بسبابتيه، إحداهما فوق الأخرى، ثم مدَّهما عن يمينه وشماله) ظاهره: أنه مدَّهما ¬
مجتمعين يمينًا ويسارًا، لكن قال شيخنا: كأنه جمع بين إصبعيه ثم فرقهما ليحكي صفة الفجر الصادق؛ لأنه يطلع معترضًا، ثم يعود الأفق ذاهبًا يمينًا وشمالًا، وما قاله من التعليل لا يقتضي تفريقهما، وسمي صادقًا؛ لأنه يصدق عن الصبح ويبينه (¬1). 622، 623 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ح وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى المَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ بِلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". حديث 622 - [1919 - مسلم: 1092 - فتح: 2/ 104] حديث 623 - [انظر 617 - مسلم: 1092 - فتح: 2/ 104] (حدثنا إسحق) في نسخة: "حدثني إسحق" وهو إسحق بن إبراهيم بن راهويه، وقيل: إسحق بن منصور الكوسج. وقيل إسحق بن نصر السعدي. (أبو أسامة) اسمه: حماد. (قال: عبيد الله) أي: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. (حدثنا) في نسخة: "أخبرنا". (عن القاسم بن محمد) أي: ابن أبي بكر الصديق. (وعن نافع) عطفٌ على عن القاسم، وربما كتب فيه (ح) للتحويل. (أن النبيَّ) في نسخة: "أن رسول الله" (ح) للتحويل. (قال) أي: البخاريُّ. (يوسف بن عيسى المروزي) لفظ: (المروزي) ساقط من نسخة. (الفضل) في نسخة: "الفضل بن موسى"، وفي أخرى: "الفضل يعني بن موسى". (حتَّى يؤذن) في نسخة: "حتى ينادي". ¬
14 - باب: كم بين الأذان والإقامة، ومن ينتظر الإقامة؟
14 - بَابٌ: كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَنْ يَنْتَظِرُ الإِقَامَةَ؟ (باب: كم بين الأذان والإقامة) أي: بيان كم ساعة أو نحوها بين الأذان والإقامة، (و) بيان حكم من ينتظر إقامة الصلاة وهذا ساقط من نسخة اكتفاء عنه بترجمة الباب الآتي. 624 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الجُرَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ، ثَلاثًا لِمَنْ شَاءَ". [627 - مسلم: 838 - فتح: 2/ 106] (إسحق) أي: ابن شاهين. (خالد) أي: عبد الله الطحان. (الجريري) بضم الجيم، أي: سعيد بن إياس. (بين كل أذانين صلاة) أي: صلاة نفلٍ، والمراد بهما: الأذان والإقامة ففيه: تغليب، وإنَّما لم يجز ذلك على ظاهره؛ لأنَّ الصلاة بين الأذانين مفروضةٌ، والخبر ناطقٌ بالتخيير؛ لقوله بعد: "لمن شاء". (ثلاثًا) أي: قال ذلك ثلاث مرَّات. 625 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ"، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ: عَنْ شُعْبَةَ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلا قَلِيلٌ. [انظر: 503 - مسلم: 837 - فتح: 2/ 106] (إذا أذَّن المؤذِّن) أي: للمغرب، كما صرَّح به في نسخة بلفظ: "إذا أخذ المؤذن في أذان المغرب". (يبتدرون السواري) أي: يتسارعون إليها، ويستبقون للاستتار بها ممن يمرُّ بين أيديهم؛ لكونهم يصلُّون فرادى. (حتَّى يخرج النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أي: من بيته إليهم. (وهم كذلك) أي:
15 - باب من انتظر الإقامة
في الابتدار والانتظار، وفي نسخة: "وهي كذلك" أي: كما يقال: الرجال فعلت. (ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء) أي: زمن كثير يسع أكثر من صلاة نافلة، أخذًا من مفهوم التقييد بعد بالقليل، فلا ينافي ما هنا الحديث السابق، مع أنّ ما هنا نافٍ، وما سبق مثبت. والمثبت مقدم على النافي، أو ما هنا قول أنس، وما سبق قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مقدم على قول سائر الناس، وقد اختلف في صلاة الركعتين قبل المغرب، فقيل: جائزة، وقيل: بدعة ولأصحابنا وجهان: أشهرهما لا يندب، وأصحهما يندب. (قال عثمان) في نسخة: "قال أبو عبد الله: وقال عثمان". (جبلة) بفتح الجيم وتالييها: ابن أبي داود. (وأبو داود) أي: سليمان الطيالسي. (لم يكن بينهما إلا قليل) تقييد لما سبق كما مرَّ بيانه. 15 - بَابُ مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ (باب: من انتظر الإقامة) يعني: بيان فَضيلة انتظار إقامة الصلاة بعد سماع الأذان. 626 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلاةِ الفَجْرِ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ". [انظر: 619 - مسلم: 724، 736 - فتح: 2/ 109] (أخبرنا شعيب) في نسخة: "حدثنا شعيب" أي: ابن أبي حمرة. (أخبرني عروة) في نسخة: "أخبرنا عروة". (إذا سكت) بفوقية من السكوت، وبموحدة من السكب: وهو
16 - باب: بين كل أذانين صلاة لمن شاء
الصبُّ والإفراغ. (المؤذن بالأولى) أي: بالمناداة الأولى؛ إذ الثانية هي الإقامة، أو بالساعة الأولى، أو الباء متعلِّقة بالمؤذن أوبـ (سكت)، وهي بمعنى عن إن علقت بـ (سكت) بالفوقية، وزائدة إن علقت بـ (سكب) بالموحدة، إذ أصله من سكب الماء وهو صبه، أي: صب الأذان وأفرغه في الآذان. (قام) جواب (إذا)، أي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (فركع) في نسخة: "يركع". (يستبين) بموحدة ونون، وفي نسخة: "يستنير" بنون وراء، وفي أخرى: "يستيقن" بقاف ونون. (ثم اضطجع) أي: في بيته. (على شقِّه الأيمن) إنَّما أعتمده؛ لئلا يستغرق في النوم إذ القلب في الشقِّ الأيسر، فبالنوم عليه يسكن ويستريح فيستغرق في النوم، ولأنه أسهل لانحدار الثفل إلى أسفل، فيصير سببًا لدغدغة قضاء الحاجة، فينتبه بسرعة. وفي الحديث: استحبابُ تخفيف سنة الفجر، والاضطجاع على الأيمن عند النوم، وإتيان المؤذن للإمام الراتب، وإعلامه بحضور الصلاة. 16 - بَابٌ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ لِمَنْ شَاءَ (باب: بين كلِّ أذانين صلاة لمن شاء) تقدم بيان ذلك. 627 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ"، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ". [انظر: 624 - مسلم: 838 - فتح: 2/ 110] (قال: حدثنا) في نسخة: "قال: أخبرنا". (مغَفَّل) بفتح المعجمة، والفاءِ المشددة.
17 - باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد
(بين كل أذانين صلاة) في نسخة: "بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة" مرتين. (ثُمَّ قال في الثالثة: (لمن شاء) لا يتقيد قوله: "لمن شاء" بالثالثة، بل يجري في الأوليين أيضًا بقرينة قوله في باب: كم بين الأذان والإقامة (¬1) بين كل أذانين صلاة ثلاثًا لمن شاء. 17 - بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ (باب: من قال ليؤذن في السفر مؤذِّنٌ واحدٌ) أي: بيان ندب كون المؤذن واحدًا في الصبح وغيرها، وذكر السفر مثال تبع فيه ما ذكره في الباب الآتي، وإلا فالحضر كذلك، والتأذين جماعة إنما أحدثه بنو أمية. 628 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا، قَالَ: "ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ". [630، 631، 658، 685، 815، 819، 2848، 6008، 7246 - مسلم: 674 - فتح: 2/ 110] (أيوب) أي: السختياني. (عن أبي قلابة) هو عبد الله بن زيد. (أتيت) في نسخة: "قال: أتيت". (قومي) هم بنو ليث بن بكر. (رحيمًا) أي: بالمؤمنين. (رفيقًا) أي: بهم، وهو بفاءٍ ثم قاف من الرفق، وفي نسخة: "رقيقًا" بقافين من الرقة، أي: رقيق القلب. (إلى ¬
18 - باب الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة، والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع
أهالينا) في نسخة: "إلى أهلينا"، والأهل من النوادر، حيث جمع بالواو والنون فيقال: أهلون وبالألف والتاء فيقال: الأهلات، وتكسيرًا فيقال: أهالى. (وليؤمَّكم أكبركم) أي: سنًّا في الإسلام، وإنما قدم مع أن الأفقه، ثم الأقرأ، ثم الأورع مقدمون عليه؛ لأنَّ النفر مكثوا عنده - صلى الله عليه وسلم - نحو عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه عادة، فلم يبق ما يقدم إلا به السنُّ. وهذا مستحبٌّ، فالصارف للأمر عن الوجوب الإجماعُ. وفي الحديث: الحث على الأذان والجماعة، وتقديم الأسنِّ عند الاستواءِ فيما مر، واستدل به على تفضيلِ الإمامةِ على الأذان؛ لقوله في الأذان: (أحدكم) وفي الإمامة: (أكبركم). 18 - بَابُ الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ، إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً، وَالإِقَامَةِ، وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ: الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ، فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوِ المَطِيرَةِ. (باب: الأذان للمسافر) أي: بيان حكمه، وفي نسخة: "للمسافرين". (إذا كانوا جماعة، والإقامة) بالجرِّ عطفٌ على الأذان. (وكذلك) أي: الأذان. (بعرفة) هي على المشهور: الزمان وهو تاسع ذي الحجة، لكن المراد هنا: مكان الوقوف. (وجمع) بالجر عطفٌ على عرفة وهو مزدلفة، وسمى جمعًا؛ لاجتماع الناس إليها ليلة العيد. (وقولِ المؤذنِ) بالجر عطفٌ على الأذان. (الصلاة) بالنصب أي: أدُّوها، وبالرفع: أي: مبتدأ خبره (في الرحال) أي: المنازل. (أو المطيرة) بفتح الميم فعيلة من. المطر، أي: فيها فحذفت صلتها، وإسناد
المطر إلى الليلة مجاز، وأو للتنويع لا للشكِّ. 629 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ المُهَاجِرِ أَبِي الحَسَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ"، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ"، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ" حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ". [انظر: 535 - مسلم: 616 - فتح: 2/ 111] (ساوى الظلُّ التلول) أي: صار الظل مساوي التل، أي: مثله (رجلان) هما: مالك بنُ الحويرث الراويُّ، ورفيقه الآتي في باب: سفر الاثنين. 630 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، قَالَ: أَتَى رَجُلانِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا، فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا". [انظر: 628 - مسلم: 674 - فتح: 2/ 111] (خرجتما) أي: للسفر (فأذنا) لا بأن تؤذنا معًا، بل بأنْ يؤذن أحدكما لقوله في الباب السابق: "فليؤذن لكم أحدكم" (¬1)، وقد يخاطب الواحد بلفظِ التثنية كما يخاطب بلفظ الجمع، كقوله في الأوَّل: قفا نبك (¬2). وقوله تعالى في الثاني: {وَإذ قَتَلْتُم} [البقرة: 72] (ثمَّ أقيما) فيه: ما مرَّ في فأذنا. (ثم ليؤمَّكما) بكسر اللام وسكونها، وبفتح الميم وضمها. ¬
631 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا - أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا - سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا - وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ". [انظر: 628 - مسلم: 674 - فتح: 2/ 111] (عبد الوهاب) أي: ابن عبد المجيد البصري. (مالك) أي: ابن الحويرث. (أتينا إلى النبيِّ) في نسخةٍ "قال: أتيتُ النبيَّ". (شببة) جمعُ شابٍّ (متقاربون) أي: في السن. (عشرين يومًا) أي: بلياليها. (رفيقًا) من الرفق، وفي نسخة: "رقيقًا" من الرقة. (أو قد اشتقنا) شكٌّ من الراوي، في نسخةٍ: "وقد اشتقنا" بواو العطف. (قال: ارجعوا) في نسخةٍ: "فقال: ارجعوا". (إلى أهليكم) في نسخةٍ: "إلى أهاليكم" (وعلِّموهم) أي: شرائع الإسلام. (ومرُوهم) أي: بما أمرتكم به. (أو لا أحفظها) شكٌّ من الراوي. 632 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ: أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ: "أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ" فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ، أَو المَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ. [666 - مسلم: 697 - فتح: 2/ 112] (أخبرنا يحيى) أي: القطَّان، وفي نسخةٍ: "حدثنا يحيى". (بِضَجْنَانَ) بضادٍ معجمةٍ مفتوحةٍ، وجيم ساكنةٍ، نونين بينهما ألفٌ جبلٌ على بريدين من مكة. (فأخبرنا) في نسخة: "وأخبرنا".
19 - باب: هل يتتبع المؤذن فاه ها هنا وها هنا، وهل يلتفت في الأذان؟
(أن رسول الله) في نسخةٍ: "أنَّ النبي". (إثره) بكسر الهمزة، وسكون المثلثة، وبفتحهما: ما بقي من رسم الشيءِ، والمراد هنا: عقب فراغ الأذان، وتقدم في باب الكلام في الأذان أنه يقول حين بلوغه: حي على الصلاة (¬1)، ولا منافاة بينهما لما مر، ثم إن الأمرين جائزان. 633 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ ثُمَّ خَرَجَ بِلالٌ بِالعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَبْطَحِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ". [انظر: 187 - مسلم: 503 - فتح: 2/ 112]. (إسحق) في نسخةٍ: "إسحق بن منصور". (أبي جحيفة) اسمه: وهب بنُ عبد الله. (بالأبطح) مكان معروف بظاهر مكة (¬2). (فآذنه) بالمدّ أي: أعلمه. (ثم خرج) في نسخةٍ: "ثم أخرج" بهمزةٍ مضمومة. 19 - بَابٌ: هَلْ يَتَتَبَّعُ المُؤَذِّنُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ؟ وَيُذْكَرُ عَنْ بِلالٍ: "أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ" وَكَانَ ابْنُ ¬
عُمَرَ: "لَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ" وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: "لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ" وَقَالَ عَطَاءٌ: "الوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ" وَقَالَتْ عَائِشَةُ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ". (باب: هل يتتبع) في نسخةٍ: "يتبع" بضم أوله، وسكون ثانية، وكسر ثالثه. (المؤذن) بالرفع: فاعل مما قبله. (فاه) مفعول، وفي نسخةٍ: "المؤذن" بالنصب مفعول، والفاعلُ: مقدَّر أي: يتبع الشخصُ المؤذنُ، و (فاه) بدلٌ من المؤذن. (ها هنا وههنا) يمينًا وشمالا وعطفٌ على هل تتبع قوله. (وهل يلتفت) أي: المؤذن (في) الحيعلتين في الأذان يمينًا وشمالا، و (هل) في الموضعين بمعنى قد (¬1)، كما في قوله تعالى {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ} [الإنسان: 1]. (ويُذكر) بالبناء للمفعول. (أنَّه جعل إصبعيه) أي: أنملتي إصبعيه (¬2) المسبحتين. (في أذنيه) ليعَينه ذلك على زيادةِ رفع صوته، أو ليكون علامةً يعرف بها مَنْ به صَمَمٌ، أو بَعُدَ عن المؤذن أنَّه يؤذن. (وكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه) أي: أنملتيهما (في أذنيه) ويؤخذ منه مع ما قبله: أنَّ ميل البخاريُّ إلى عدم ¬
20 - باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة
جعلهما في أذنيه، حيث عبَّر فيه بصيغة الجزم، وفي جعلهما في أذنيه بصيغة التمريض. (إبراهيم) أي: النخعي. (لا بأسَ أن يؤذن على غير وضوء) لكنَّه مكروه عندنا. (عطاء) أي: ابن أبي رباح. (الوضوء) أي: للأذان (حقٌّ) أي: ثابت بالشرع (سنَّة) أي: في الأذان. (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله على كل أحيانه) أي: سواء كان على وضوءٍ أم لا؛ لأن الأذان ذكر فلا يشترط له الوضوء، كما لا يشترط له توجه القبلة. 634 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، "أَنَّهُ رَأَى بِلالًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ". [انظر: 187 - مسلم: 503 - فتح 2/ 114] (سفيان) أي: الثوريُّ. (بالأذان) أي: فيه. وفي الحديث: الالتفات في الأذان، ومحله: في الحيعلتين وهو برأسه لا بصدره، فيبدأ باليمين في قوله: حيّ على الصلاة مرتين، ثم بالشمالِ بقوله: حي على الفلاح مرتين. وحكمة ذلك: تفهم الناس بالإسماع. 20 - بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: فَاتَتْنَا الصَّلاةُ وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ: "فَاتَتْنَا الصَّلاةُ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَمْ نُدْرِكْ" وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَحُّ". (باب: قول الرجل: فاتتنا الصلاة) أي: هل يُكره، أو لا؟. (وكره ابن سيرين أنْ يقول: فاتتنا وليقل: لم ندرك) في نسخةٍ: "ولكن ليقل: لم تدرك" ووجه كراهية ذلك: نسبة الفوات إلى الصلاة،
بخلاف لم ندرك فإنَّه منسوبٌ إلى المصلي، وردَّ البخاري على ابن سيرين بقوله: (وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -) أي: كما في قوله بعد وما فاتكم (أصح) أي: صحيح بالنسبة إلا قول ابن سيرين فإنه غيرُ صحيحٍ؛ لمخالفته النص. 635 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ؟ " قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاةِ؟ قَالَ: "فَلَا تَفْعَلُوا إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". [مسلم: 603 - فتح: 2/ 116]. (أبو نعيم) هو الفضلُ بن دكين. (شيبان) أي: ابن عبد الرحمن النحوي. (يحيى) هو ابن أبي كثير. (مع النبي) في نسخةٍ: "مع رسول الله". (جلبة الرجال) بفتحاتٍ أي: أصوات حركاتِهم وكلامِهم وعجلتهم، وفي نسخةٍ: "جلبة رجال". (ما شأنكم) بالهمز وتركه أي: حالكم. (فلا تفعلوا) في نسخةٍ "لا تفعلوا" أي: لا تستعجلوا، وعبَّر بلفظ: (تفعلوا)؛ مبالغةً في النهي عنه. (فعليكم بالسكينة) أي: بالتأني والهينة، وفي نسخةٍ: "عليكم السكينة" بالنصب، وهو الأصل، كما في قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105] أي: الزموها، وفي أخرى: بالرفع مبتدأ، أو عليكم: خبره، فالباءُ على الأولى زائدةٌ؛ لضعف العامل. (فما أدركتم) أي: مع الإمام من الصلاة (فصلوا) أي: مع الإمام. (وما فاتكم) أي: منها (فأتموا) أي: فأتموه وحدكم. وفيه: دليل للشافعية أن ما يفعله مع الإمام أوّل صلاته، وما يأتي به بعد آخرها؛ لأن الإتمام لا يكون إلا للآخر.
21 - باب لا يسعى إلى الصلاة، وليأت بالسكينة والوقار
21 - بَابُ لَا يَسْعَى إِلَى الصَّلاةِ، وَلْيَأْتِ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ وَقَالَ: "مَا أَدْرَكْتُمْ، فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" قَالَهُ أَبُو قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [نظر 635] (باب: لا يسعى) أي لا يسرع بالحركات. (إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار) ساقطٌ من نسخةٍ، وفي أخرى: "وليأتها"، وفي أخرى: "باب: ما أدركتم فصلوا"، وفي أخرى: "باب: فليأتها بالسكينة والوقار"، والسكينةُ: التأني في الحركات، واجتنابُ العبث، والوقارُ: الهيبةُ كغض البصر، خفضِ الصوت، وعدم الالتفات، أو الكلمتان بمعنى واحد، والثاني: مؤكد للأول. (وقال) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. 636 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". [908 - مسلم: 602 - فتح: 2/ 117] (آدم) أي: ابن أبي إياس (وعن الزهريِّ) عطفٌ على (حدثنا الزهريُّ). (فامشوا) أي: فامضوا (بالسكينة والوقار) تقدَّم بيانهما، وذكر الإقامة في قوله (إذا سمعتم الإقامة) تنبيه على غيرها؛ لأنه إذا أمر بالسكينة والوقار مع سماع الإقامة فمع غيره أولى. وحكمة التقييد بها: أن المسرع يصل إليها وقد انتهك فلا يتم خشوعه في التلاوة وغيرها. (ولا تسرعوا) أي: بالحركات ولو خفتم فوات تكبيرةٍ فإنَّكم في حكم المصلين المخاطبين بالخشوع والإجلال
والخضوع، فالمقصودُ من الصلاة حاصلٌ لكم، وإن لم تدركوا منها شيئًا. (فأتموا) في نسخةٍ: "فاقضوا" وبها استدل الحنفيةُ على أنَّ ما أدركه المأمومُ مع الإمامِ هو آخر صلاته حتى يسن له الجهر، وقراءة السورة مع الفاتحة في الركعتين الأخرتين اللتين أتى بهما منفردًا، وأجاب عنه الشافعيةُ: بأنَّ القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبًا يطلق أيضًا على الأداء كقوله تعالى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة: 10] فتحمل رواية: (فاقضوا) (¬1) على الأداء، واستدل ¬
22 - باب: متى يقوم الناس، إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟
بعضهم بقوله: (وما فاتكم فأتموا)، على أن من أدرك الإمامَ راكعًا لم تحسب له تلك الركعة؛ لأنه قد فاته القيام والقراءة، والجمهور على أنه مدرك لها لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكرة حيث أسرع، وركع دون الصف: "زادك الله حرصًا ولا تعد" (¬1) ولم يأمره بإعادة تلك الركعة. 22 - بَابٌ: مَتَى يَقُومُ النَّاسُ، إِذَا رَأَوُا الْإِمَامَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ؟ (باب: متى يقوم الناس) أي: الطالبون للصَلاة جماعة. (إذا رأوا الإمام عند الإقامة) لا يخفى أنه مع ذكر هذا لا معنى لذكر (متى) إذ المقصودُ: بيان قيامهم، (إذا رأوا الإمام عند الإقامة) إلا أن يقال: إن (متى) بمعنى: قد (¬2)، كما أن هل تكون بمعناها وتكون قد للتحقيق. 637 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي". [638، 909 - مسلم: 604 - فتح: 2/ 119] (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (فلا تقوموا حتى تروني) أي: خرجت: لَئَلا يطولَ عليهم القيام؛ ولأنه قد يعرض له ما يؤخره، وأما خبر مسلم: أقيمت الصلاة فقمنا فعدَّلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3)، فورد؛ لبيان ¬
23 - باب: لا يسعى إلى الصلاة مستعجلا، وليقم بالسكينة والوقار
الجواز، أو كان ذلك لعذر، أو قبل ورود خبر الباب، واختُلِفَ في وقت القيام إلى الصلاة، فقال الشافعي: عند الفراغ من الإقامة للخبر المذكور، وعن مالك: أولها، وعن أبي حنيفة: عند حيَّ على الصلاة، وعند أحمد: عند قد قامت الصلاة. 23 - بَابٌ: لَا يَسْعَى إِلَى الصَّلاةِ مُسْتَعْجِلًا، وَلْيَقُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ (باب: لا يسعى إلى الصلاة ولا يقوم إليها مستعجلًا، وليقم بالسكينة والوقار) ولفظ: (ولا يقوم إليها) ساقطٌ من نسخة، وفي أخرى: بدل قوله: (لا يسعى) "لا يقوم". 638 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ". [تَابَعَهُ عَليُّ بْنُ الُمبَارَكِ]. [انظر: 637 - مسلم: 604 - فتح: 2/ 120] (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (قال رسول الله) في نسخة: "قال النبي". (وعليكم بالسكينة) في نسخة: "وعليكم السكينة". ومرَّ الحديث آنفًا. (تابعه) أي: شيبان عن يحيى. (عليُّ بن المبارك)، وهذه المتابعة ساقطة من نسخة. 24 - بَابٌ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ؟ 639 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: "عَلَى مَكَانِكُمْ" فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ. [انظر: 275 - مسلم: 605 - فتح: 2/ 121] (باب: هل) أي: قد. (يخرج) أي: الشخصُ. (من المسجد) أي: من بعد إقامة الصلاة. (لعلة) ولا ينافيه خبرُ مسلم عن أبي هريرة في رجلٍ خرج من المسجد بعد الأذان؛ لأن ذاك مخصوصٌ بمن لا حاجة له لخبر ورد فيه (¬1). (أن رسول الله) في نسخة: "أن النبي". (خرج) أي: من الحجرة. (وقد أقيمت الصلاة) أي: بإذنه، أو بعلمهم بالقرائن خروجه. (وعدِّلت الصفوف) أي: سُوِّيَت. (انتظرنا) جملة حالية، وجواب (إذا) (انصرف) أي: إلى الحجرة قبل أن يكبر. (قال) في نسخة: "وقال". (على مكانكم) أي: اثبتوا عليه. (على هيئتنا) بفتح الهاء، وسكون التحتية، وهمزة مفتوحة، أي: الصورة التي كنَّا عليها، وفي نسخة: "هيئتنا" بكسر الهاء، وسكون التحتية، ونون مفتوحة، أي: الرفق الذي كنا عليه. (ينطف) بكسر المهملة، وضمها، أي: يقطر. (ماءً) تمييز. (وقد اغتسل) أي: من جنابة نسي أن يغتسل منها. وفي الحديث: تعديل الصفوف، وجواز النسيان على الأنبياء في العبادات، وطهارة الماء المستعمل، وأنَّ بين الإقامة والصلاة مهلةً للضرورة بقدرها من انصرافهِ وغسلهِ ومجيئهِ، وجواز انتظارهم قيامًا بقدر ما ذكروا، ومرَّ فوائدٌ أخرى في باب: إذا ذكر في المسجد أنه جنب من كتاب: الغسل (¬2). ¬
25 - باب: إذا قال الإمام: مكانكم حتى رجع انتظروه
25 - بَابٌ: إِذَا قَالَ الإِمَامُ: مَكَانَكُمْ حَتَّى رَجَعَ انْتَظَرُوهُ (باب: إذا قال الإمام للجماعة مكانكم) أي: الزموه. (حتَّى رجع) في نسخة: "أرجع" وفي أخرى: "نرجع" بنون وفي أخرى: "يرجع" بتحتية. (انتظروه) جواب إذا. 640 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَقَدَّمَ، وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: "عَلَى مَكَانِكُمْ" فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِهِمْ. [انظر: 275 - مسلم: 605 - فتح: 2/ 122] (إسحق) أي: ابن منصور. (حدثنا محمد) في نسخة: "أخبرنا محمد". (فخرج) أي: بعد الإقامة. (وهو جنب) أي: في نفس الأمر، فلمَّا قام في مصلاه ذكر أنه جنب. (فقال) في نسخة: "ثم قال". (فاغتسل) في نسخة: "واغتسل". (فصلَّى بهم) أي: من غير إعادة الإقامةِ. 26 - بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا صَلَّيْنَا (باب: قول الرجل ما صلينا) في نسخة: "قول الرجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما صلينا). 641 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ: مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا" فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بُطْحَانَ
27 - باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة
وَأَنَا مَعَهُ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى - يَعْنِي العَصْرَ - بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ. [انظر: 596 - مسلم: 631 - فتح: 2/ 123] (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (يا رسول الله، والله ما كدتُ) لفظ: (والله) ساقطٌ: من نسخة. (وذلك) أي: الوقت الذي خاطب فيه عمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. (بعدما أفطر الصائم) أي: بعد الغروب، فالمراد باليوم في قوله: (جاء عمر يوم الخندق): الوقت. (ثم صلَّى العصر) في نسخة: "ثم صلَّى -يعني- العصر" وتقدم تفسير الحديث في باب: من يصلي بالناس جماعة (¬1). ووجه مطابقته للترجمة: أن ما كدتُ أصلي بمعنى: ما صليت بحسب الاستعمال. 27 - بَابُ الإِمَامِ تَعْرِضُ لَهُ الحَاجَةُ بَعْدَ الإِقَامَةِ (باب: الإمام تعرض) بكسر الراء، أي: تظهر. (له الحاجة بعد الإقامة) أي: بيان حكم عروضها حينئذٍ من أنه يباح له التشاغل بها، قبل الدخول في الصلاة. 642 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ المَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ حَتَّى نَامَ القَوْمُ". [643، 6292 - مسلم: 376 - فتح: 2/ 124] (عبد الوارث) أي: ابن سعيد. (عن عبد العزيز بن صهيب) في نسخة: "عبد العزيز هو ابن صهيب". (عن أنس) زاد في نسخة: "ابن مالك". ¬
28 - باب الكلام إذا أقيمت الصلاة
(أقيمت الصلاة) أي: العشاء. (يناجي) أي: يحدِّث. (رجلا) لم يُسَمّ. (في جانب المسجد) أي: النبوي، وفي نسخة: "إلى جانب المسجد". (حتَّى نام القوم) أي: نعسوا، والمراد: بعضهم. وفي الحديث: جواز الكلام بعد الإقامة. 28 - بَابُ الكَلامِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ (باب: الكلام إذا أقيمت الصلاة) ساقطٌ من نسخة. 643 - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، قَالَ: سَأَلْتُ ثَابِتًا البُنَانِيَّ - عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلاةُ - فَحَدَّثَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَحَبَسَهُ بَعْدَ مَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ". [انظر: 642 - مسلم: 376 - فتح: 2/ 124] (عيَّاش) بفتح المهملة، وتشديد التحتية والشين المعجمة. (فحبسه) أي: منعه من فعل الصلاة بتكلُّمِه معه حتَّى نعس بعض القوم. 29 - بَابُ وُجُوبِ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وَقَالَ الحَسَنُ: "إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا". (باب: وجوب صلاة الجماعة) أي: وجوبها عينًا، كما في الجمعة، أو كفاية كما في الصلوات الخمس. (وقال الحسن) أي: البصريُّ. (في الجماعة) في نسخة: "في جماعة". (شفقةً عليه) لفظ: (عليه) ساقط من نسخة. (لم يُطعها) لأن
طاعة الوالدين إنَّما تجب حيث لا معصية فيها، وترك الجماعة معصية عند الحسن. وخصَّ العشاءَ مع أنَّ غيرها مثلها؛ لأنَّها من أثقل الصلاة على المنافقين (¬1)، مع كون وقتها مظنة الخوف، وخص الأُمَّ مع أنَّ الأب مثلها؛ لأنَّها أكثر شفقةً منه على الأولاد. 644 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ، فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ، أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ العِشَاءَ". [657، 2420، 7224 - مسلم: 651 - فتح: 2/ 125] (والذي نفسي بيده) أي: بتقديره وتدبيره. (لقد هممت) أي: قصدت. (فيحطب) أي: يجمع، وهو بالنصب عطفٌ على ما قبله وكذا بقية الأفعال بعده، وفي نسخة: "فيحتطب" وفي أخرى: "فيتحطب" وفي أخرى: "ليتحطب" بالنصبِ فيهما بلام كي. وبالجزم كذلك بلام الأمر، وفي أخرى: "يتحطب" بضمِّ التحتية، وفتح الفوقية، وفي أخرى: "فيحطب" بتشديد الطاءِ، وفي أخرى: "يتحطب" بضم التحتية، وفتح الفوقية، وتشديد الطاءِ. (ثم أخالف إلى رجال) أي: أخالف المشتغلين بالصلاة قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرجوا إليها. (فأحرق عليهم بيوتهم) بالنار عقوبة لهم. (والذي نفسي بيده) أعاده مبالغةً في التهديد. (عَرْقًا) بفتح المهملة، وسكون الراءِ، وبالقاف مفرد عراق بضمها، وهي كما قال الأزهريُّ: العظام التي يؤخذ منها هبر ¬
اللحم، ويبقى عليها لحوم رقيقة طيبة (¬1). (أو مرماتين) بكسر الميم وفتحها، تثنية مرماة: ظلف الشاة أو ما بين ظلفيها من اللحم. (حسنتين) أي: جيدتين، قال البغويُّ: الحسن: العظم الذي في المرفق مما يلي البطن، والقبيح: العظم الذي في المرفق مما يلي الكف (¬2)، وكل منهما عارٍ من اللحم أي: الكثير والمعنى: توبيخ المنافقين بأن أحدهم يجيب إلى ما هذه صفته في الحقارة، وعدم النفع، ولا يجيب إلى الصلاة، أو أنه يشهد الجماعة للحقير من الدنيا، ولا يشهدها لفضل الله، ووصف العرق بالسمن، والمرماتين بالحسن، ليكون ثَم باعثٌ نفساني يبعثُ على تحصيلهما. وفي الحديث: تقديم التهديد والوعيد على العقوبة، وسرُّه أن المفسدةَ إذا ارتفعت بالأهون من الزواجر اكتُفِيَ به عن الأعلى منها. وفيه: جواز العقوبة بالنَّار، وكان ذلك أوَّل الأمر، لكن قام الإجماع بعده على المنع منه، وفيه أن الإمام، إذا عرض له شغل يستخلف من يصلِّي بالناس. واحتجَّ بالحديث على أن الجماعة فرض عين في غير الجمعة، وأجاب القائلُ بأنها فرض كفاية: بأن المتخلفين كانوا منافقين وسياق الحديث يقتضيه فهمه بتحريقهم إنما كان؛ لنفاقهم لا لتركهم الجماعة، وبأنَّه لم يحرقهم بل هم بتحريقهم وتركه ولو كانت فرضَ عينٍ لما تركه، ذكره النوويُّ (¬3). ¬
30 - باب فضل صلاة الجماعة
30 - بَابُ فَضْلِ صَلاةِ الجَمَاعَةِ وَكَانَ الأَسْوَدُ: "إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ" وَجَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: "إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى جَمَاعَةً". (باب: فضل الجماعة) أي: فضل صلاتها على صلاة الفذّ. (الأسود) هو ابن يزيد النخعي. (وجاء أنس) في نسخة: "وجاء أنس بن مالك". (إلى مسجدٍ) هو مسجد بني ثعلبة. (صُلِّي فيه) بالبناءِ للمفعول. (فأذَّن) أي: بدون رفع صوته؛ لئلا يلتبس برفعه دخول وقت صلاة أخرى. 645 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً". [649 - مسلم: 650 - فتح: 2/ 131] (عن عبد الله بن عمر) في نسخة: "عن ابن عمر". (تفضل) بفتح أوله، وسكون الفاء، وضمّ ثالثهِ. (الفذّ) بفتح الفاء، وتشديد المعجمة، أي: المنفرد. 646 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "صَلاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً". [فتح: 2/ 131] (أخبرنا الليث) في نسخة: "حدثنا الليث". (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله، ونسبه إلى جدِّه؛ لشهرته به. (ابن خَبَّاب) بفتح المعجمة، وتشديد الموحدة. (بخمس) في نسخة: "خمسًا". وهذا الحديث ساقطٌ من نسخة.
وجمع بينه وبين سابقه بأنَّ ذكرَ القليل لا ينفي الكثير، بناء على أن مفهوم العدد غير معتبر، وبأنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر بالخمس، ثم أعلمه الله بالزيادة، فأخبر بالسبع وبأن ذلك بالنظر لقرب المسجد وبعده، أو بحال المصلِّي كان يكون أعلم أو أخشع، أو الخمس بالسرِّيَّة، والسبع بالجهرية. والحكمة في هذا العدد: إمَّا في الخمس والعشرين فمن جهة أن عدد المكتوبات خمس، فأريد المبالغة في تكثيرها فضربت في مثلها، وأما في السبع والعشرين فمن جهة ركعات الفرائض ورواتبها المؤكدة. 647 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَلاةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لَا يُخْرِجُهُ إلا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً، إلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاةَ". [انظر: 176 - مسلم: 362، 649 - فتح: 2/ 131] (عبد الواحدِ) أي: ابن زياد العبديِّ. (حدثنا الأعمش) هو سليمان بن مهران، وفي نسخة: "أخبرنا الأعمش". (في الجماعة) في نسخة: "في جماعة". (تُضعَّفُ) بضمِّ الفوقية، وتشديد العين المفتوحة، أي: تزاد. (في بيته وسوقه) أي: منفردًا. (خمسًا) في نسخة: "خمسةٌ". (ضعفًا) في رواية: "جزءًا" (¬1) والمعنى ¬
31 - باب فضل صلاة الفجر في جماعة
واحد. (وذلك) أي: التضعيف، أي: سببه (أنه: إذا ... إلخ). (لم يخط) بفتح التحتية وضمِّ الطاء. (خطوة) بفتح الخاءِ، اسمُ للمرة، أمَّا بضمها: فاسم لما بين القدمين. (في مصلاه) أي: في المكان الذي صلى فيه وهو المسجد، حتَّى لو انتقل من المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد إلى مكان آخر منه، كان كالماكث في محل صلاته منه. (اللهم صلِّ عليه) أي: قائلين ذلك. (لا يزال أحدكم في صلاة) أي: في ثوابها. واستنبط من الحديث: أفضلية الصلاة على سائر العبادات. 31 - بَابُ فَضْلِ صَلاةِ الفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ (باب: فضل صلاة الفجر في جماعة) في نسخة: "الجماعة" وفي أخرى: "باب فضل الفجر". 648 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "تَفْضُلُ صَلاةُ الجَمِيعِ صَلاةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ، بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] انظر: 176 - مسلم: 362، 649 - فتح: 2/ 137] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (صلاة الجميع) أي: الجماعة. (بخمس) في نسخة: "بخمسة". (ويجتمع) في نسخة: "تجتمع". (ملائكة الليل وملائكة النهار) لأنها في وقت صعود ملائكة الليل لعمله، ومجيء ملائكة النهار لضبط عمله. (ثم يقول أبو هريرة) مستشهدًا لذلك. {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]
في نسخة: "وقرآن الفجرِ إن قرآن الفجر" وقرآن الفجرِ: كناية عن صلاة الفجر؛ لاستلزام الصلاة القرآن. (كان مشهودًا) أي: للملائكة. 649 - قَالَ شُعَيْبٌ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: "تَفْضُلُهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً". [انظر: 645 - مسلم: 650 - فتح: 2/ 137] (قال شعيب) أي: ابن أبي حمزة. 650 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ، تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ فَقَالَ: "وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا إلا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا". [فتح: 2/ 137] (أمَّ الدرداء) هي: هجيمة الصغرى التابِعيَّة، لا الكبرى الصحابِيَّة، التي اسمها: خيرة (¬1). (فقال) في نسخة: "قال". (من أمةِ محمدٍ) في نسخة: "من أمرِ أمةِ محمدٍ" وفي أخرى: "من محمدٍ" أي: من شريعتهِ. 651 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاةِ أَبْعَدُهُمْ، فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي، ثُمَّ يَنَامُ". [مسلم: 662 - فتح: 2/ 137] (عن أبي بردة) هو عامر، وقيل: الحارث. (عن أبي موسى) في نسخة: "عن أبي موسى الأشعري" واسمه: عبد الله بن قيس. (فأبعدهم) الفاء للاستمرار، نحو: الأمثل فالأمثل -كما قاله ¬
32 - باب فضل التهجير إلى الظهر
الكرماني (¬1) -. (مَمْشًى) تميز أي: مكانًا يمشي فيه، والمراد: أبعدهم مسافة إلى المسجد؛ لكثرة الخطا إليه، المشتملة على المشقة، ومن ثَمَّ حصلت المطابقة بين الحديث والترجمة؛ لأن سبب أعظمية الأجر في الصلاة بُعْدُ الممشى للمشقة، وفي صلاة الفجر زيادة بمفارقة النومة المشتهاة طبعًا، مع مصادفة الظلمة أحيانًا. (أعظم أجرًا من الذي يصلي) أي: في وقت الاختيار وحده، أو مع الإمام من غير انتظار. (ثم ينام) أي: كما أن بعد المكان مؤثر في زيادة الأجر، كذلك طول الزمان للمشقة التي في ضمن الانتظار. 32 - بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ (باب: فضل التهجير إلى الصلاة) أي: التبكير إليها، وهو المبادرة إليها أوَّلَ الوقت، في نسخة: بدل الصلاة: "الظهر". 652 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ". [2472 - مسلم: 1914 - فتح: 2/ 139] (حدثنا) في نسخة: "حدثني". (قتيبة) في نسخة: "قتيبة بن سعيد". (عن سُمَيٍّ) بضم السين، وفتح الميم. (أبي بكر) في نسخة: "أبي بكر بن عبد الرحمن" أي: ابن الحارث هشام بن المغيرة القرشي. (بينما) أصله: بين فأشبعت فتحة النون فصارت ألفا، وزيدت فيه الميم. (فأخَّره) أي: عن الطريق، وفي نسخة: "فأخذه". (فشكر الله له). أي: رضي فعله وقبله منه، وأثنى عليه. ¬
653 - ثُمَّ قَالَ: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". وَقَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلا أَنْ يَسْتَهِمُوا لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ". [720، 2829، 5733 انظر: 615 - مسلم: 437، 1914 - فتح: 2/ 139] (الشهداء) جمع شهيد، سُمّيَ بذلك؛ لأن روحه شهدت أي: حضرت دار السلام عند موته، وروح غيره دائمًا تشهدها يوم القيامة، أو لأن الله تعالى يشهد له بالجنة، أو لأن ملائكة الرحمن يشهدونه؛ أو لأنه شهد ما أعده الله له من الكرامةِ، أو لغير ذلك (خمسة) في نسخة: "خمس". (المطعون) أي: الذي يموت في الطاعون. (والمبطون) أي: يموت بداءِ بطنه، كإسهالٍ واستسقاء. (والغريق) أي: في الماء. (وصاحب الهدم) الذي مات تحته. (والشهيد) أي: القتيل (في سبيل الله) الذي حكمه ألا يغسل ولا يصلى عليه، فالأخير حقيقة والأربعة قبله مجاز، فجمع في لفظ واحد بين حقيقة ومجاز، وهو جائز عند الشافعي، ومن منع يحمله على معنى مجازي يشمل الأمرين، فالأربعة شهداء في الثواب، كثواب الشهيد ويقال لهم شهداء الآخرة، والذي في سبيل الله شهيد الدنيا والآخرة، وأمَّا شهيد الدنيا فقط: فمن قتل مدبرًا، أو من غلَّ في الغنيمة، أو قاتل لغرض آخر، لا لإعلاءِ كلمة الله، واستشكل بالتعبير بالشهيد في سبيل الله، مع قوله: (الشهداء خمس) فإنه يلزم منه حملُ الشيءِ على نفسه، فكأنه قال: الشهيد شهيد. وأجيب بأنه من باب: أنا أبو النجم وشعري شعري (¬1)، أو معنى ¬
33 - باب احتساب الآثار
الشهيد: [القتيل] (¬1) كما مرَّ، وزيد على الخمسة موت الغريب، والشريق، ومن أكله السبع، والمرأة تموت بالطلق، ومن يموت عشقًا فعفَّ وكتمه، وصاحب ذات الجنب، والحريق. (إلا أن يستهموا لاستهموا عليه) في نسخة: "إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه" وتقدم تفسير الحديث. 654 - وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا". [انظر: 615 - مسلم: 437 - فتح: 2/ 139] 33 - بابُ احْتِسَابِ الآثَارِ (باب: احتساب الآثار) أي: الخَطوات إلى الصَّلاة. 655 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ أَلا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ" وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي قَوْلِهِ: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12]، قَالَ: "خُطَاهُمْ". [656، 1887 - فتح: 2/ 139] (عبد الوهاب) أي: ابن عبد المجيد الثقفي. [حدثنا حميد) أي: الطويل، وفي نسخةٍ: "حدثني حميد". (عن أنس) في نسخةِ: "عن أنس بن مالك". (يا بني سلمة) بفتح السين، وكسر اللام: بطن من الأنصارِ. (ألا تحتسبون آثاركم؟) أي: ألا تعدون خطاكم عند مشيكم إلى المسجدِ، فإنَّ في كلِّ خطوة إليه درجةً، خاطبهم بذلك حين أرادوا النقلة إلى قرب المسجدِ، كما صرَّح به بعد. ¬
(وقال مجاهد في) تفسير (قوله: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}) [يس: 12]. (قال: خطاهم) (قال) الثانية زائدة في نسخةِ، (وقال مجاهد: خطاهم: آثار المشي بأرجلهم في الأرض) وفي أخرى: "قال مجاهد: وخطاهم: آثارهم يعني: المشي بأرجلهم في الأرض" (¬1). 656 - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ: أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْرُوا المَدِينَةَ، فَقَالَ: "أَلا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ" قَالَ مُجَاهِدٌ: "خُطَاهُمْ آثَارُهُمْ، أَنْ يُمْشَى فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ". [انظر: 655 - فتح: 2/ 139] (حدثتا ابن أبي مريم) نسبةً إلى جد له؛ لشهرته به، وإلا فهو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم. (حميد) أي: الطَّويل. (حدثني أنس) في نسخة: "عن أنس". (من النبيّ) أي: من مسجده. (قال) أي: أنس (فكره رسولُ الله) في نسخةٍ: "فكره النبيُّ". (أن يُعْرُوا المدينة) بضم التحتية، وسكون المهملة، وضم الرَّاء أي: يخلوها، وفي نسخةٍ: "أن يُعْرو منازلهم" وهو المراد من الأولى، رغبهم بذلك فيما عند الله من الأجرِ على نقل الخطوات إلا المسجد. (أن يُمشى) بضم أوله، وفتح ثالثه، وفي نسخةٍ: "أن يمشى"، وفي أخرى: "المشي"، وأشار البخاري بهذا التعليق المسوق مرتين إلى أن قصة بني سلمة كانت سببَ نزول هذه الآية. ¬
34 - باب فضل العشاء في الجماعة
34 - بابُ فَضْلِ العِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ (باب: فضل صلاة العشاء في الجماعة) لفظ: (صلاة) ساقطٌ من نسخةٍ. 657 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ صَلاةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ المُؤَذِّنَ، فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ بَعْدُ". [انظر: 644 - مسلم: 651 - فتح: 2/ 141] (الأعمش) هو سليمان بنُ مهران. (أبو صالح) هو ذكوانُ السمان. (ليس صلاةٌ أثقل) بنصب أثقل: خبر ليس، واسمها: (صلاة) وفي نسخةٍ: "ليس أثقل" بجعل اسم ليس ضميرًا يعود إلى الصلاة المفهومة من السياق (على المنافقين) أطلق عليهم النفاق مبالغةً في التهديدة لكونهم لا يحضرون الجماعة، ويصلون في بيوتهم فرادى من غير عذرٍ (من الفجر) في نسخةٍ: للمن صلاة الفجر والعشاء" خصَّهما بذلك؛ لأنَّ وقت الأولى وقت لذة النَّوم، والثانيةُ وقت سكونٍ واستراحة. (ولو حبوًا) تقدَّم بيانه في باب: الاستهام في الأذانِ (لقد) في نسخةٍ: "ولقد" (يؤم) بالرفع، وبقيةُ الأفعال بالنصب (شعلا) بفتح العين، جمع شعلة من النار، وبضمها جمع شعيلة: وهي الفتيلةُ فيها زيت كصحيفةٍ وصحف. (فأحرق) بفتح الحاء، وتشديد الراء، وفي نسخةٍ: "فأحْرق" بسكون الحاء. (بعد) أي: بعد أنْ يسمع النداء إلى الصلاة، وفي نسخةٍ: بدل (بعد) "يقدر" أي: لا يخرج إلى الصلاة حال كونه يقدر على خروجه لها.
35 - باب: اثنان فما فوقهما جماعة
35 - بابٌ: اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ (باب: اثنان فما فوقهما جماعة) أي: فلا يختص فضلها بما فوقهما. 658 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا". [انظر: 628 - مسلم: 674 - فتح: 2/ 142] (خالد) في نسخةٍ: "خالد الحذاء". (أنه قال) أي: لرجلين أتياه يريدان السفر. (إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأَقِيما) أي: فليؤذن وليقم أحدُكُما، كما مر بيانه. (ثم ليؤمكما أكبركما) فيه مع ما قبله: صحت الجماعة لإمامٍ ومأمومٍ واحدٍ، وتقديم الصلاة في أوَّل الوقت. 36 - بابُ مَنْ جَلَسَ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ وَفَضْلِ المَسَاجِدِ (باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة) أي: باب بيان فضل جلوس الشخص في المسجد؛ لانتظاره الصلاة في جماعة. (وفضل المساجد) بالجر عطفٌ على من جلس، والمرادُ: بيان فضلها. 659 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إلا الصَّلاةُ". [انظر: 176 - مسلم: 362، 649 - فتح: 2/ 142] (عن أبي الزناد) هو عبدُ الله بن ذكوان القرشي (عن الأُعرج) هو
عبدُ الرحمن بن هرمز. (تصلي) أي: تستغفر، وعبَّر بـ "تصلي"؛ ليناسب الجزاء العمل. (ما لم يحدث) أي: بأن يأتي بناقضٍ للوضوء، أو بفاحشٍ من قولٍ، أو فعلٍ. (اللهم أغفر له) بيانٌ لصلاة الملائكة عليه. أي: قائلين ذلك. (لا يزال) في نسخةٍ: "ولا يزال" (في صلاة) أي: في ثوابها. (ما دامت الصلاة تحبسه) في نسخةٍ: "ما كانت الصلاة تحبسه". 660 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ". [1423، 6479، 6806 - مسلم: 1031 - فتح: 2/ 143] (محمد بن بشار) زاد في نسخة: "بندار" وهو لقب محمد. (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (خُبيب) بضم المعجمة. (سبعة يظلهم الله في ظله) لم يرد أن ذلك محصورٌ في السبعة؛ لورود أزيد منها، كرجلٍ تعلَّم القرآن في صغره ويتلوه في كبره (¬1)، ورجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة، ورجلٍ إنْ تكلم تكلم بعلمٍ، وإن سكت سكت عن حلم (¬2) ورجلٍ تاجر اشترى وباع فلم يقل ¬
إلَّا حقًّا (¬1)، ورجلٍ أَنْظَرَ معسرًا، أو وضع له (¬2). وإضافة الظلِّ إلى الله تعالى إضافة تشريف، كناقة الله؛ لأنه تعالى منزهٌ عن الظلِّ؛ لأنه من خواص الأجسام، فالمرادُ: ظل عرشه كما ورد في حديثٍ. (العادل) أي: واضعُ كلِّ شيءٍ موضعه، وقدِّم على ما بعده لعموم نفعه. (وشاب) لأنَّ عبادته أشق؛ لغلبة شهوته وكثرة الدواعي له على طاعة الهوى. (معلَّق) في نسخةٍ: "متعلق" (في المساجد) أي: بها أي: مشتد حبه لهما، وكني به عن انتظار أوقات الصلاة، فلا يصلي صلاةً في المسجد، ويخرج منه إلا وهو ينتظر أخرى ليصليها فيه. (تحابا في الله) أي: لأجله لا لغرضٍ دنيوي (اجتمعا عليه) أي: بقلوبهما، وفي نسخةٍ: "اجتمعا" (على ذلك) أي: على الحبِّ في الله. (طلبته) أي: إلى الزنا بها (ذات) في نسخةٍ: "امرأة ذات". (منصب) أي: نسب شريف. (وجمال) لأنَّ الرغبة في مثلها أشد، فالصبر عنها -مع أنها طالبة للزنا-؛ لخوف الله تعالى من أكمل المراتب في الطاعة (فقال) أي: لها؛ زجرًا عن الفاحشة (إني أخاف الله) زاد في نسخةٍ: "رب العالمين". (تصدَّق) أي: تطوعًا (أخفى) حال، وفي نسخةٍ: "وأخفى" بواو العطف، وفي أخرى: "إخفاء" بكسر الهمزة والمدِّ؛ نعتٌ لمحذوفٍ أي: صدقة إخفاء (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) ذكر للمبالغة في إخفاء الصدقة، و (تعلم) بالرفع نحو: مرض حتى لا يرجونه، وبالنصب ¬
نحو: سرت حتى تغيب الشمس، وضرب المثل باليمين والشمال؛ لقرب كلِّ منهما من الأخرى، أو لتلازمهما. أي: لو قدّر أن الشمال رجل مستيقظ لما علم صدقة اليمنى، للمبالغة في الإخفاء. (ذكر الله) أي: بلسانه أو قلبه. (خاليًا) أي: من الخلق؛ لأنَّ في ذلك الإخلاص والبعدُ من الرياء. (ففاضت عيناه) أي: من الدَّمع، وأسند الفيض إلى العين مع أنها لا تفيض؛ لأن الفائض هو الدمعُ؛ مبالغةً كأنَّه هي الفائض. ثم إنَّ كلًّا من هذه الأقسام يأتي في الرجل والمرأة وإن عبَّر بلفظ: الرجلِ، وذكر في مناسبة السبعة أنَّ الطاعة، إمَّا بين العبد وبين الله، أو بينه وبين الخلق. والأوَّل إمَّا باللسان: وهو من فاضت عيناه، أو بقلبه: وهو من تعلق قلبه بالمساجد، أو بجميع البدن: وهو من نشأ في عبادة الله. والثاني: إمَّا عام وهو العدل، أو خاصٌّ وهو إمَّا من جهة النفس، وهو التحابب في الله، أو البدن وهو من طلبته امرأة ذات منصب وجمال، أو المال وهو من تصدَّق وأخفى. ولا ينحصر ما ذكر في السبعة فقد ورد منه: ومن أنظر معسرًا أو وضع له (¬1)، ومن أوفى دينَ الغارم (¬2)، ومن ¬
37 - باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح
أعان مكاتبًا، ومن صدق في تجارته (¬1)، ومن حسن خلقه (¬2)، وغير ذلك. 661 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلاةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَقَالَ: "صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا" قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ. [انظر: 572 - مسلم: 640 - فتح: 2/ 148] (أنس) في نسخةٍ: "أنسُ بن مالك". (فكأني) في نسخةٍ: "وكأني". (وبيص خاتمه) أي: بريقه، كما مرَّ مع تفسير الحديث في باب: وقت العشاء إلى نصف الليل (¬3). 37 - بابُ فَضْلِ مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَمَنْ رَاحَ (باب: فضل من غدا إلى المسجد ومَن راح) أي: إليه، وفي نسخةٍ: "ومن خرج"، وفي أخرى: "ومن يخرج". والغدو والرواح: بغدوة، والرواح: الرجوع بالعشي وقد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقًا كما هنا. 662 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ". [مسلم 669 - فتح: 2/ 148] ¬
38 - باب: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة
(مطرِّف) براءٍ مشددة مكسورة، وفي نسخةٍ: "المطرف". (وراح) في نسخةٍ: "أو راح" (أعدَّ الله له) أي: هيأ له. (نزله) بضم النون والزاي، وقد تسكن أي: مكانًا ينزله. (من الجنة) في نسخةٍ: "نزلًا في الجنة" (كلما غدا أو راح) أي: إلى المسجد. 38 - بابٌ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلَا صَلاةَ إلا المَكْتُوبَةَ (باب: إذا أقيمت الصلاة) أي: شرع في الإقامة لها. (فلا صلاة) أي: كاملة (إلا المكتوبة) وهي: التي أقيم لها. 663 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَالَ: ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ ابْنُ بُحَيْنَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاثَ بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الصُّبْحَ أَرْبَعًا، الصُّبْحَ أَرْبَعًا" تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، وَمُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ فِي مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ. [مسلم: 711 - فتح: 2/ 148] (عن عبد الله بن مالك بن بحينة) بتنوين مالك، وزيادة كتابة ألف قبل ابن بحينة؛ لأنه صفة لعبد الله لا لمالك، فبحينة: اسم أم عبد الله، واسم أبي مالك: القشب بقافٍ مكسورة، فمعجمة ساكنة، فموحدة. (برجل) هو عبد الله الراوي، ولا يعارضه عند ابن حبان أنه ابن
عباس (¬1)؛ لأنهما واقعتان. (قال) أي: البخاري. (عبد الرحمن) زاد في نسخة: "يعني ابن بشر" بكسر الموحدة، وسكون المعجمة: ابن الحكم النيسابوري. (أخبرني سعد) في نسخة: "حدثني سعد". (يقال له مالك بن بحينة) كذا قال شعبة وتابعه جماعة، لكن حَكَم جمعٌ من الحفاظ، كابن معين، والنسائي وغيرهما بوهم شعبة في ذلك في أن بحينة أم عبد الله لا مالك، وفي أن الصحبةَ والروايةَ عن النبي لعبد الله لا لمالك. (رأى رجلًا) هو الرجل الأول، وقد عرفت ما فيه. (لاث به الناس) بمثلثة، أي: أحاطوا به (فقال) في نسخة: "قال". (الصبح) بالنصب، أي: أتصلي، وبالرفعِ، أي: الصبح تصلِّي. (أربعًا) بدل من الصبح إن نُصب، أو حال منه إن رُفع، وهمزة الصبح للإنكار التوبيخيِّ، والمراد: أن الصبح إذا أقيم لها لا يصلَّى غيرها. والحكمة فيه: أن تتفرغ للفريضة من أولها حتى لا تفوته فضيلةُ الإحرام مع الإمام، وأما زيادة "إلا ركعتي الفجر" في خبر: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر" (¬2) فلا أصلَ لها -كما ¬
39 - باب: حد المريض أن يشهد الجماعة
قاله البيهقيُّ (¬1) - وإن صحَّت فمحمولة على الجواز. (تابعه) أي: بهزًا. (عن شعبة عن مالك) لفظ: (عن شعبة) ساقط من نسخة. (ابن إسحق) هو محمد صاحب المغازي. (حمَّاد) هو ابن سلمة لا ابن زيد. والغرض من هذين الطريقين أنهما اختلفا في الرواية عن عبد الله، وعن والده مالك. 39 - بَابٌ: حَدُّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ (باب: حد المريض أن يشهد الجماعة) روى الأكثر (حد) بالمهملة ومعناه: الحدُّ الذي يُحدُّ له حتَّى إذا جاوزه لم يشرع له شهود الجماعة، وقيل: معناه: الحدَّةُ والحرصُ على شهودها، ورواه الأقل بالجيم (¬2)، ومعناه: اجتهاد المريض لشهود الجماعة. 664 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَذَكَرْنَا المُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا، قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَأُذِّنَ فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ ¬
بِالنَّاسِ" فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: "إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى فَوَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنَ الوَجَعِ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَكَانَكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ، قِيلَ لِلْأَعْمَشِ: وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَبُوبَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلاتِهِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: بِرَأْسِهِ نَعَمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ بَعْضَهُ، وَزَادَ أَبُو مُعَاويَةَ جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا. [انظر: 198 - مسلم: 418 - فتح: 2/ 151] (عمر بن حفص) زاد في نسخة: "ابن غياث". (حدثني أبي) في نسخة: "حدثنا أبي". (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن إبراهيم) أي: النخعي. (قال الأسود) هو ابن زيد بن قيس النخعي. (كنَّا) في نسخة: "عن الأسود قال: كنَّا". (والتعظيم) بالنصبِ عطف على المواظبة. (مرض رسول الله) في نسخة: "مرض النبيُّ". (فحضرت الصلاة) عطف على (مرض). (فأُذن) بالبناءِ للمفعول، وفي نسخة: "وأُذن" بالواو، وفي أخرى: "فأوذن" من آذن بالمدِّ، أي: أعلم. (فقال) عطف على جواب (لمَّا) المقدَّر، أي: "لمَّا مرض رسول الله .... إلخ" أراد أن يستخلف أبا بكر فقال (مروا أبا بكر فليصل) بسكون اللام الأولى، وفي نسخة: "فليصل" بكسرها، وزيادة ياء مفتوحة في آخره. واستدل بذلك: على أن الأمرَ بالأمرِ بالشيءِ يكون أمرًا به، وأجاب المانعون: بأن المعنى: بلَّغوا أبا بكرِ قولي فليصل. وفصل النزاع كما قال شيخُنا: إن المانع إن أراد أنه ليس أمرًا حقيقة فمسلم، وإن أراد أنه لا يستلزمه فمردود (¬1). (فقيل له) أي: فقالت عائشة له. (أسيف) بوزن فعيلٍ بمعنى فاعل من الأسف أي: شديد ¬
الحزن رقيق القلب سريع البكاء. (مقامك) في نسخة: "في مقامك". (فأعادوا) أي: عادت عائشة، ومن معها (له) تلك المقالة. (صواحب يوسف) أي: مثلهنَّ في إظهار خلاف ما في الباطن، فإن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها؛ لكونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها أن لا يتشاءم الناس به وهذا مثل زليخا، استدعت النسوة، وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، وغرضها أن ينظرن إلى حسن يوسف، ويعذرنها في محبته. (فليصل) تقدم ما فيه. (بالناس) في نسخةٍ: "للناس". (فصلى) في نسخة: "يصلي". (يُهادى) بالبناءِ للمفعول، أي: يمشي به (خفة). ظاهره: أنه وجدها في تلك الصلاة، ويحتمل أنه وجدها بعدُ، وفي رواية: فصلَّى أبو بكر تلك الأيام. (¬1) ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد من نفسه خفةً، فعليها لا يتعين أن تكون الخفةُ في تلك الصلاة، وهي العشاء على الراجح. (بين) أي: يهادي بين. (رجلين) أي: العباس وعلي، أو أسامة بن زيد والفضل بن عباس، معتمدًا عليهما، متمايلًا في مشيه من شدة الضعف (أَنْظُرُ رجليه) في نسخة: "أنظر إلى رجليه". (تخطَّان الأرض) أي: يجرهما عليها غير معتمد عليهما، ولفظ: "الأرض" ساقط من نسخة. (فأومأ إليه النبي) أي: ولم ينطق له إما لضعف صوته أو لأن مخاطبةَ من في الصلاة بالإيماءِ أولى من النطق، ولفظ: "النبي" ساقطٌ من نسخة. (أن مكانك) بفتح الهمزة، وسكون النون، ونصب مكانك، أي: ¬
أن الزم مكانك، فأن مفسرة (إلى جنبه) أي: الأيسر كما يأتي. (فقيل) في نسخة: "قيل". (وكان) في نسخة: "فكان". (والنَّاس يصلُّون بصلاة أبي بكر) أي: بصوته الدَّالِّ على فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أنَّهم مقتدون به؛ لئلَّا يلزم الاقتداء بمأموم، ولفظ: "يصلُّون" ساقط من نسخة. وعُلم من الحديث أنَّ الإمام هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن روى الترمذيُّ وغيره: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى خلف أبي بكر (¬1)، فمن العلماء من رجَّح الأول، ومنهم من رجَّح الثاني، فيحتمل أنهما واقعتان. (رواه) أي: الحديث المذكور، وفي نسخة: "ورواه". (بعضه) بدل من ضمير رواه. (وكان) في نسخة: "فكان". وفي الحدبث: جواز الأخذ بالشدة دون الرخصة؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يمكنه التخلُّف للمرض. وأنه يجوز أن يقتدى بإمام فيفارقه ويقتدى بآخر، وإنشاء القدوةِ في أثناء الصلاة. وجوازُ المرض على الأنبياء؛ ليكثر الأجر ولتسلية الناس بهم، ولئلا تفتتن النَّاسُ بهم فيعبدوهم. ومعاودة وليِّ الأمر على وجه العرض والمشاورة فيما يظهر لهم أنَّه مصلحة. وجواز الاسْتخلافِ، وفضل أبي بكر وترجيحه على سائر الصحابة، وأنه أحقُّ بالخلافة، واتباع صوت المبلغ، والالتفات في الصلاة، وملازمة الأدب مع الكبار، وخرق الإمام الصفَّ للحاجة، واقتداء المصلِّي بمن يُحرم بعده؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنَّما أحرم بعد إحرام أبي بكر، وصلاة القائم خلف القاعد. ¬
40 - باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله
وفيه: الحجة على من قال: إن الإمام إذا صلى قاعدًا يصلُّون خلفه قعودًا؛ لأن هذا آخر عهده - صلى الله عليه وسلم -. 665 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: "لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ بَيْنَ العَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ" قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي: وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [انظر: 198 - مسلم: 418 - فتح: 2/ 152] (أخبرنا هشام) في نسخة: "حدثنا هشام". (عن معمر) أي: ابن راشد. (لما ثقل النبي) بمثلثةٍ مفتوحةٍ، وقافٍ مضمومة، أي: ركضت أعضاؤه عن خفة الحركات، وفي نسخة: "لما ثقل رسول الله". (وكان) في نسخة: "فكان". (بين العباس) في نسخة: "بين عباس" و (رجل) في نسخة: "وبين رجل" وسيأتي أنه علي - رضي الله عنه - وتقدم الخلافُ في ذلك آنفًا. (فذكرت ذلك) لفظ: (ذلك) ساقط من نسخة. 40 - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي المَطَرِ وَالعِلَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي رَحْلِهِ (بابُ) بالتنوين، أو بالوقف. (الرخصة) مبتدأ. (في المطر والعلَّة) أي: بسببهما، وعطف العلة على المطر من عطف الخاصِّ على العام. والمراد بها: ما يمنع من الحضور، كالمرض، والخوف من ظالم، والريح العاصف بالليل، والوحل الشديد. (أن يصلِّي في رحله) أي: في منزله وهو خبر المبتدأ. 666 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ،
أَذَّنَ بِالصَّلاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ، يَقُولُ: "أَلا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ". [انظر: 632 - مسلم: 697 - فتح: 2/ 156] (أخبرنا مالك) في نسخة: "حدثنا مالك". (أنَّ ابن عمرَ أذَّن) في نسخة: "عن ابن عمر أنه أذن". (في ليلة ذات برد وريح .. إلخ). المراد: البرد الشديد، ومثله الحر الشديد بجامع المشقة، وسواء كانا كالمطر ليلًا أم نهارًا، وخصُّوا الريح العاصف بالليل؛ لعظم مشقتها فيه دون النهار. وقاس ابن عمر الريح على المطر المذكور في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بجامع المشقة فيهما. 667 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ، وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلَّى، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ؟ " فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 424 - مسلم: 33 - فتح: 2/ 157] (إسماعيل) هو ابن أبي أويس. (أنها) أي: القصة تكون تامة. (ضرير البصر) أي: ناقصه. قال ابن عبد البر: ثم عمَى بعد ذلك (¬1)، يقال للناقص ضرير البصر، فإن أُعْمِيَ أطلق عليه: ضرير من غير تقييد بالبصر، وذكر عتبان الثلاثة: الظلمة والسيل، ونقص البصر، وإن كان كلُّ واحدٍ منها كافيًا في العذر عن الجماعة؛ ليبين كثرة موانعه، وأنه حريصٌ على الجماعة. (مكانًا) نصب ¬
41 - باب: هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟
بنزع الخافض. (اتخذه) بالجزم جواب الأمر، وبالرفع صفة لـ (مكانًا)، كما في {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي} [مريم: 5 - 6]. وفي الحديث: إمامة الأعمى، والتماس دخول الأكابر منزل الأصاغر، واتخاذ موضع معين من البيت مصلى وغير ذلك، نعم قيل: في الاستدلال به على ترك الجماعة بالعذر نظر إنَّما هو لتركها في المسجد لا مطلقًا. وأجيب: بأنه استاذنه على الانفراد وغيره، وإلَّا لقال له: لا يصحُّ لك في مصلَّاك صلاة حتَّى يصلِّي معك غيرك. 41 - بَابٌ: هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ؟ وَهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ؟ (باب: هل يصلِّي الإمام بمن حضر؟) أي: من ذوي الأعذار المرخصة للتخلُّفِ عن الجماعة. (وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟) أي: بمن حضر منهم، و (هل) في الموضعين بمعنى قد (¬1)، كما في {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ}. 668 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الحَارِثِ، قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ، فَأَمَرَ المُؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، قَالَ: قُلْ: "الصَّلاةُ فِي الرِّحَالِ"، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا، فَقَالَ: كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا، "إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي"، - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّهَا عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ. وَعَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ¬
"كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُمْ فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ". [انظر: 616 - مسلم: 699 - فتح: 2/ 157] (عبد الله بن عبد الوهاب) زاد في نسخة: "الحجبي" بفتح المهملة والجيم، نسبة لحجابةِ الكعبةِ. (عبد الحميد) أي: ابن دينار. (ردغ) براءٍ فدالٍ مهملة فغين معجمة. وفي نسخة: (رزغ) بزايٍ بدل الدَّالِ، ومعناها واحد: وهو طين رقيق. (الصلاة) بالرفع مبتدأ خبره (في الرحال) أي: رخصة فيها، وبالنصب بمقدر، أي: الزموها، والأمر فيه للإباحة لا للندب. (كأنهم) في نسخة: "فكأنهم". (أنكروا) أي: ذلك. (يعني النبي) في نسخة: "يعني رسول الله". (إنها) أي: الجمعة. (عزمة) أي: واجبة (وإنِّي) مع هذا (كرهتُ أن أحرجكم) أي: أُؤَثِّمَكم، وأضيق عليكم، وفي نسخة: "أخرجكم" بمعجمة بدل المهملة. (وعن حماد) عطفٌ علَى "حدثنا حماد". (عن عاصم) أي: الأحول. (نحوه) أي: نحو الحديث المذكور. (أُؤَثّمَكُم) بهمزة. مضمومة، ثم أخرى مفتوحة، من التأثيم، أو بهمزة مضمومة وواو مضارع آثمه بالمدّ من الإيثام، والمعنى فيهما واحد، وهو أوقعكم في الإثم. (فتجيئون) بثبوت النون، عطفًا على (أؤثمكم)، لكن على لغة من يرفع الفعل بعد أن، أو خبر مبتدأ محذوف أي: فأنتم تجيئون، وبحذفها عطفًا على (أؤثمكم) لكن على اللغة [من يرفع الفعل بعد أن، أو هو خبر لمبتدأ محذوف أي: فأنتم تجيئون، وبحذفها عطف على (أؤثمكم)
على اللغة] (¬1) المشهورة. (تدوسون) أي: تطئون، ويجوز حذف نونه بالعطف على (أؤثمكم) على اللغة السابقة. 669 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، فَقَالَ: جَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، "فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ". [813، 836، 2016، 2018، 2027، 2036، 2040 - مسلم: 1167 - فتح: 2/ 157] (مسلم) في نسخة: "مسلم بن إبراهيم " (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (سألت أبا سعيد) أي: عن ليلة القدر. (سال السقف) مجاز، كسال الوادي. ووجه دلالة الحديث على صدر الترجمة: أنَّ العادة أن يوم المطر يتخلَّفُ بعض الناس عن الجماعة، فتكون صلاة الإمام بمن حضر فقط. 670 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ مَعَكَ، وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا، "فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرًا، وَنَضَحَ طَرَفَ الحَصِيرِ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الجَارُودِ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّاهَا إلا يَوْمَئِذٍ. [1179، 6080 - فتح: 2/ 157] (أنس بن سيرين) هو أخو محمد بن سيرين. (أنسًا) في نسخة: "أنس بن مالك". ¬
42 - باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة
(قال رجل) قيل: هو عتبان بن مالك. (ضخمًا) أي: سمينًا، وأشار به إلى علَّةِ تخلفه. (رجل من الجارود) اسمه: عبد الحميد بن المنذر بن الجارود العبديِّ. (لأنس) في نسخة: "لأنس بن مالك". (ما رأيته صلاها إلَّا يومئذٍ) نفي رؤيته لا يستلزم نفيَّ فعلها قبل فهو كقول عائشة - رضي الله عنها - (ما رأيته - صلى الله عليه وسلم - يصليها). وأما قولها في رواية: كان يصليها أربعًا (¬1) فالمثبت فعله لها لا رؤيتها له، بأن أثبته بإخباره، أو إخبار غيره. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: من جهة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي بسائر الحاضرين عند غيبة الرجل الضخم. 42 - بَابٌ: إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: "يَبْدَأُ بِالعَشَاءِ" وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: "مِنْ فِقْهِ المَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ". (باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة) أي: فابدءُوا بالطعام. (بالعَشَاء) بفتح العين والمدِّ خلاف الغداء. (من فقهِ المرءِ إقبالُهُ على حاجته) أي: على قضائِها، وهي أعمُّ من الطعام. 671 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ". [5465 - مسلم: 558 - فتح: 2/ 159] ¬
672 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاةَ المَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ". [5463 - مسلم: 557 - فتح: 2/ 159] (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (فابدءوا بالعشاءِ) أي: ندبا إذا اتسع الوقت. (ولا تعجلوا) بفتح الفوقية والجيم، وفي نسخة: بضم الفوقية وفتح الجيم أي: مبنيًّا للمفعول، من الثلاثي فيهما، وفي أخرى: بضم الفوقية، وكسر الجيم، من الرباعي. 673 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: "يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ". [674، 5465 - مسلم: 559 - فتح: 2/ 159] (عن أبي أسامة) هو حمَّاد. (وأقيمت الصلاة) أي: صلاة المغرب؛ لقوله في رواية: "فابدءوا به قبل أن تصلُّوا المغرب" (¬1) فاللَّام للعهد، وقيل: كلُّ صلاة، واللام للاستغراق، وهي أولى؛ نظرًا للعلة، وهي خوف ترك الخشوع في الصلاة. (ولا يعجل) أي: أحدكم. (حتَّى يفرغ منه) أي: من العشاءِ. (وإنَّه سمع) في نسخة: "وإنَّه ليسمع" والواو للحال. ¬
43 - باب: إذا دعي الإمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل
674 - وَقَالَ زُهَيْرٌ، وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، فَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ"، رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ "وَوَهْبٌ مَدِينِيٌّ". [انظر: 673 - مسلم: 559 - فتح: 2/ 159] (زهير) أي: ابن معاويةَ الجعفي. (رواه إبراهيمُ) زاد في نسخةٍ قبله: "قال أبو عبدِ الله". (مدينيٌّ) في نسخةٍ: "مدني". وفي الباب: دليل على تقديمِ فضيلةِ الخشوعِ في الصلاةِ على فضيلةِ أولِ الوقتِ. 43 - بَابٌ: إِذَا دُعِيَ الإِمَامُ إِلَى الصَّلاةِ وَبِيَدِهِ مَا يَأْكُلُ (باب: إذا دُعِيَ الإمامُ إلى الصلاةِ وبيدهِ ما يأكل) أي: وقامَ إليها لم يحتج إلى وضوءٍ. 675 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ أَبَاهُ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاةِ، فَقَامَ، فَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [انظر: 208 - مسلم: 355 - فتح: 2/ 162] (إبراهيمُ) أي: ابن سعدِ بن إبراهيم بن عبد الرحمنِ بن عوف الزهري. (عن صالحٍ) أي: ابن كيسانَ. (ذراعًا) أي: من شاةٍ. (يحتزُّ) بمهملة وزاي، أي: يقطعُ. (منها) أي: من لحمِها بسكين. (فَطَرَح السِّكِّيَن، فصلى) قطعَ الأكلَ للصلاةِ مع أنه أمر غيرهَ بتقديمِ الأكل؛ إما لأنه قضَى حاجته من الأكلِ، أو لأنه أخذ في خاصةِ
44 - باب: من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج
نفسهِ بالعزيمةِ، وفي أمر غيرهِ بالرخصةِ؛ لأنَّ غيره لا يقوى على مدافعةِ الشهوةِ قوته. وفي الحديث: ردٌّ على الظاهريةِ القائلينَ بأنَّه لا يجوزُ صلاةُ من حضرَ الطعام بين يديه. 44 - بَابٌ: مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَخَرَجَ (باب: من كان في حاجةِ أهله فأقيمتِ الصلاة فخرج) أي: بابُ ندبِ خروجِ من كانَ في حاجة أهلهِ إلى الصلاةِ. 676 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: "كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ". [5363، 6039 - فتح: 2/ 162] (شعبة) أي: ابن الحجاجِ. (الحكم) أي: ابن عتيبةَ: مصغر العتبة. (عن إبراهيمَ) أي: النخعي. (عن الأسودِ) أي: ابن يزيدَ النخعي. (كان يكون) فائدة تكرير الكونِ: استمرارُه - صلى الله عليه وسلم - على مهنةِ أهلهِ، واسم (كانَ) ضمير والشأنِ، واسمُ (يكون) ضميرُ النبي - صلى الله عليه وسلم -. (في مهنةِ أهله) بفتح الميمِ، وكسرِها، مع سكونِ الهاءِ فيهما، وفتحها في الأولِ، وفي نسخةٍ: "في مهنةِ بيت أهله" وإضافةُ البيتِ فيها إلى أهلهِ؛ لملابسةِ السكنى وإلا فالبيتُ له - صلى الله عليه وسلم -. (تعني) أي: عائشةُ. (بمهنةِ أهلهِ) خدمةِ أهلهِ بالنصبِ على الأصلِ، وبالجر؛ على الحكاية. (فإذا حضرتِ الصلاةُ) أي: وقتها، بأن سمعَ المؤذن، كما في رواية (¬1). ¬
45 - باب: من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته
وفي الحديث: أنَّ الأئمة يتولون أمورَهم بأنفسِهم، وأنه من فعل الصالحين. 45 - بَابٌ: مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ إلا أَنْ يُعَلِّمَهُمْ صَلاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّتَهُ (باب: من صلى بالناسِ وهو لا يريدُ إلَّا أن يعلمهم صلاة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وسنتَه). أي: باب بيان صلاةِ من صلى بهم؛ ليعلمهم صلاةَ النبي. (وسنتَه) أي: طريقته. 677 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ - فِي مَسْجِدِنَا هَذَا - فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لِأَبِي قِلابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا، قَالَ: وَكَانَ شَيْخًا، "يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى". [802، 818، 824 - فتح: 2/ 163] (وهيب) أي: ابن خالدٍ. (أيوبُ) أي: ابن أبي تميمةَ السختياني. (عن أبي قلابة) هو عبدُ الله بنُ زيد. (في مسجدنا هذا) أي: مسجد البصرةِ. (فقالَ) في نسخة: "قال". (بكم) في نسخة: "لكم" أي: لأجلِكم (وما أريدُ الصلاةَ) أي: فقط لأنه ليسَ وقت فرضِها أي: لأني صلَّيت، ولكن أريدُ مع الصلاةِ أن أعلمكم صلاةَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهي عبادةٌ من حيثُ تعليم الشريعة، وأشارَ إلى ما ذكرَ بقولهِ: (أُصَلِّي): أي: هذه الصلاةَ. (كيفَ) مفعولُ فعلٍ مقدر أي: لأريكم كيف (رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي) لكن كيفية الرؤيةِ لا يمكنُ أن يريهم إيَّاها، فالمرادُ: لازمها وهو كيفيةُ صلاته - صلى الله عليه وسلم -. (مِثلَ
46 - باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة
شيخنا هذا) أي: مثل صلاتِه، واسمه: عمرو بن سلمةَ، بكسر اللام، كما سيأتي في باب: المكثُ بين السجدتينِ (¬1). (وكان شيخنا) في نسخةٍ: "وكانَ الشيخُ". (في الركعةِ) متعلقٌ بالسجودِ لا ينهض وإلَّا لقال: من الركعة وهو خبرٌ لمبتدأ محذوف أي: هذا الجلوسُ كان فيها، أو أنَّ في بمعنى: من (¬2). والغرض: بيان ندبية جلوس الاستراحةِ، وفيه أيضًا: جوازُ تعليمِ الصلاة عِملا وعيانًا، كما فعلَ جبريلُ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - (¬3). 46 - بَابٌ: أَهْلُ العِلْمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ (باب: أهل العلمِ والفضلِ أَحقُّ بالإمامةِ) أي: من غيرهم. 678 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" فَعَادَتْ، فَقَالَ: "مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ" فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [3385 - مسلم: 420 - فتح: 2/ 164] (حدَّثنا إسحاق) في نسخةٍ: "حدثني إسحق". ونسبَ إلى جدِّهِ؛ لشهرتهِ بهِ، وإلَّا فهو ابن إبراهيمَ بن إسحق. (حسين) هو ابن عليِّ بنُ ¬
الوليدِ الجعفي. (عن زائدةَ) أي: ابن قدامةَ. (فلْيصل) بسكونِ اللامِ الأولى، وفي نسخة: بكسرِها وزيادةِ ياءٍ مفتوحة في آخرهِ فيها وفي الاثنيين بعدها. (مروا أبا بكرٍ) في نسخةٍ: "مري أبا بكرٍ". (الرسولُ) هو بلالٌ كما يأتي. (بالناسِ) في نسخةٍ: "للناسِ" أي: لأجلِهم. 679 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ" قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَهْ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ" فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا. [انظر: 198 - مسلم: 418 - فتح: 2/ 164] (فقالتْ) في نسخةٍ: "قالتْ". (للناسِ) في نسخةٍ: "بالناسِ". (مَهْ) اسمُ فعل مبني على السكونِ، زجر بمعنى: اكففي. (إنكنَّ) في نسخةٍ: "فإنكنَّ" وسبق تفسيرُ الحديثِ وما قبلَه (¬1). 680 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ - وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ - أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلاةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتْرَ الحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَكَصَ ¬
أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجٌ إِلَى الصَّلاةِ "فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ". [681، 754، 1205، 4448 - مسلم: 419 - فتح: 2/ 164] (تبع النبي) أي: في العقائدِ والأقوالِ والأخلاقِ. (وخدمَه) أي: عشر سنين. (يصلي بهم) في نسخةٍ: "يصلي لهم". (كان يومَ الاثنين) برفع يومٍ على أنَّ كان تامة، وبنصبه على أنَّها ناقصةٌ وهو خبرُها. (ينظرُ إلينا) في نسخةٍ: "فنظرَ إليها". (ورقة مصحف) بتثليث الميم، ووجه التشبيهِ: حسنُ الوجه وصفاءُ البشرةِ والجمالُ البارعِ. (يضحك) حالُ، وفي نسخةٍ: "فضحكَ" أي: فُسر فرحًا باجتماعهم على الصلاةِ واتفاقِ كلمتِهم، وإقامةِ شريعتهِ؛ ولهذَا استنارَ وجهُه الكريمُ. (فَهَهَمْنا) أي: قصدنا (أنْ نفتتَن) بأن نخرج من الصلاة. (فنكَصَ) أي: رجعَ (ليصلَ الصفَّ) أي: ليصلَ إليهِ (فتوفي) في نسخةٍ: "وتوفي ". 681 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثًا"، فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بِالحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَضَحَ لَنَا، فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ". [انظر: 680 - مسلم: 419 - فتح: 2/ 164] (عن أنسٍ) في نسخة: "عن أنسِ بن مالكِ". (ثلاثًا) أي: ثلاثةَ أيامٍ. (يتقدَّمُ) في نسخةٍ: "فتقدَّمَ". (فقالَ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجابِ) الذي على بابِ الحجرةِ أي: فأخذَهُ فأقامَ القولَ مقام الفعلِ. (وَضَحَ) أي: ظَهَرَ. (ما رأينَا) في نسخةٍ: "ما نظرنَا". (أن يتقدَّمَ) أي: بالتقدمِ. (فلم يُقدر عليهِ) بضم الياءِ، وفتحِ الدالِ، أو بنونٍ مفتوحةٍ، وكسرِ الدالِ.
وفي الحديث: أنَّ أبا بكرِ خليفةٌ في الصلاةِ إلى موتِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يُعزل كما زعمتِ الشيعةُ أنه عزل بخروجِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقدُّمه وتخلف أبي بكر، وفيما قبله: أنَّ الخطوةَ والخطوتين لا تبطلُ الصلاةَ -قاله الكرمانيُّ (¬1). 682 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلاةِ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ البُكَاءُ، قَالَ: "مُرُوهُ فَيُصَلِّي" فَعَاوَدَتْهُ، قَالَ: "مُرُوهُ فَيُصَلِّي، إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ" تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى الكَلْبِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ عُقَيْلٌ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [فتح: 2/ 165] (وحدَّثنا ابن وهب) هو عبد الله، وفي نسخةٍ: "حدَّثني ابن وهبِ". (يونس) هو ابن يزيد الأيليُّ. (في الصلاةِ) أي: في شأنِها. (فقالَ: مروا) في نسخة: "قالَ: مروا". (فعاودته) أي: عائشةُ، وفي نسخةٍ: "فعاودنَهُ" أي: عائشة ومن معها. (قالَ: مروه) في نسخة: (فقالَ: مروه". (إنكنَّ) في نسخةٍ: "فإنكنَّ". (تابعه) أي: تابع يونسَ. (الزبيديُّ) بضمِّ الزاي وفتحِ الموحدةِ: محمدُ بنُ الوليدِ الحمصي. (وقال عقيلٌ) بضمِّ المهملةِ: أي: ابن خالدِ الأيليُّ. (عن حمزةَ) وهو ابن عبدِ الله بنُ عمرَ بن الخطابِ. ¬
47 - باب من قام إلى جنب الإمام لعلة
47 - بَابُ مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ (باب: من قامَ) أي: من المصلينَ (إلَى جنب الإمام لعلة) به اقتضتْ ذلك. 683 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَال: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: "أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ"، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، قَال عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ: "أَنْ كَمَا أَنْتَ"، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ". [انظر: 198 - مسلم: 418 - فتح: 2/ 166] (حدثنا ابن نمير) في نسخة: "أخبرنا ابن نمير" واسمُه: عبدُ الله. (في نفسهِ) في نسخة: "من نفسهِ" (استأخر) أي: تأخَّر، وزادَ في نسخة: "إليهِ". (كما أنتَ) ما موصولة، و (أنت) مبتدأٌ خبره محذوفٌ أي: عليه، أو فيهِ، والكاف للتشبيهِ. أي: كن مشابهًا لما أنت عليه، أي: يكون حالك في المستقبل مشابهًا لحالك في الماضي، أو الكاف زائدة. أي: الزم الذي أنت عليه وهو الإمامة. (حَذَاء أبي بكر) بذال معجمة أي: محازيا له من جهة الجنب بحيث لم يتقدم بعقبه عليه. (والناس يصلون) لفظ (يصلون) ساقط من نسخة، ومرَّ تفسير الحديث (¬1). 48 - بَابُ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ، فَجَاءَ الإِمَامُ الأَوَّلُ، فَتَأَخَّرَ الأَوَّلُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ، جَازَتْ صَلاَتُهُ ¬
(باب: من دخل ليؤم، فجاء الإمام الأول) أي: الراتب فتأخر الأول أي: النائب عن الراتب فهو أول في هذه الصلاة، وذاك أول في كونه راتبا، وقول النحاة: إنَّ المعرفة المعاودة عين الأول، محله: حيث لا قرينة، وهنا قرينة، وفي نسخةٍ: "فتأخر الآخر" (أولم يتأخر جازت صلاته فيه) أي: في كلٍّ من التأخر وعدمه فيه. (عائشة) أي: ما روته حيث دوّن الأول في الباب السابق بلفظ: (فلما رآه استأخر) (¬1) والثاني في باب حد المريض بلفظ (فأراد أبو بكر أن يتأخر إلخ) (¬2). 684 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ المُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَال: أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ؟ قَال: نَعَمْ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ فِي الصَّلاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ التَفَتَ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ"، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ" فَقَال أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ، مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ التُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ". [1201، 1204، 1218، 1234، 2690، 2693، 7190 - مسلم: 421 - فتح: 2/ 167] (عن أبي حازم) اسمه: سلمة. ¬
49 - باب: إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم
(ذهب) أي: بعد أن صلى الظهر. (فحانت الصلاة) أي: صلاة العصر. (فأقيم) بالرفع: خبر مبتدأ محذوف أي: فأنا أقيم، وبالنصب: جواب الاستفهام قبله. (فصلَّى أبو بكر) أي: دخل في الصلاة. (فتخلَّص) أي: من شق الصفوف. (على ما أمره) في نسخةٍ: "على ما أمر". (من ذلك) أي: من الوجاهة في الدِّين. (إذًا) أي: حين. (لابن أبي قحافة) بضم القاف: وهو عثمان بن عامر، أسلم في الفتح، ولم يقل: لي ولا لأبي بكر؛ لقصد التحقير لنفسه والاستصغار لمرتبته بالنسبة للنبي - صلى الله عليه وسلم -. (من رابه شيءٌ) أي: رأى منه ما يريبه فيكرهه، قاله الجوهريُّ، وفي نسخةٍ: "من نابه شيءٌ" أي: أصابه. (فليسبح) أي: بأن يقول: سبحان الله. (التفت) بالبناء للمفعول. وفي الحديث: الإصلاح بين الناس، وأنَّ المسبوقَ يدخل في الصَّف، وأنَّ المصلي لا يلتفت إلا لشدةِ حاجة، وتعظيمُ الأفضل وتقديمه، وإظهار الاستصغار عند الأكابر، ورفع اليدين بالدعاء، وأنَّ التابع إذا أمره المتبوع بشيء يفهم منه إكرامَه به، لا يجب عليه فعله، ولا يكون بتركه مخالفا للأمرِ، بل أدبا، وأنَّ المؤذن هو الذي يقيم. وجواز خرق الإمام الصفوف، وانتظار الإمام ما لم يخش فوات الوقت الفاضل، وشكر الله على الوجاهة في الدين كما مر، وغير ذلك. 49 - بَابٌ: إِذَا اسْتَوَوْا فِي القِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ (باب: إذا استووا) أي: الحاضرون للصلاة. (في القراءة فليؤمهم أكبرهم). أي: سنًّا في الإسلام كما مرَّ. 685 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، قَال: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ، فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ
50 - باب إذا زار الإمام قوما فأمهم
نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا فَقَال: "لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلادِكُمْ، فَعَلَّمْتُمُوهُمْ مُرُوهُمْ، فَلْيُصَلُّوا صَلاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ". [انظر: 628 - مسلم: 674 - فتح: 2/ 170] (لو رجعتم) جواب (لو) محذوف. أي: لكان خيرا لكم، أو هي للتمني فلا جواب لها (فعلمتموهم) أي: دينهم وهو عطف على (رجعتم). (مروهم) استئنافٌ، كأنه قيل: ماذا نعلمهم؟ فقال: مروهم بالطاعات كذا وكذا، والأمر بها مستلزم للتعليم، ويجوز أن يكون جوابا لـ (لو) بجعلها بمعنى إذا، ومر تفسير الحديث (¬1). 50 - بَابُ إِذَا زَارَ الإِمَامُ قَوْمًا فَأَمَّهُمْ (باب: إذا زار الإمام قومًا فأمهم) أي: في الصلاة بإذنهم له، فهو جائز. 686 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَال: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصارِيَّ، قَال: اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَذِنْتُ لَهُ فَقَال: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ " فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا. [انظر: 424 - مسلم: 33 - فتح: 2/ 172] (أخبرنا عبد الله) أي: ابن المبارك، وفي نسخةٍ: "حدثنا عبد الله". (مُعَمر) أي: ابن راشد. (استأذن النبيُّ) وفي نسخةٍ: "استأذن على النبي". (وصففنا) بفائين ¬
51 - باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به
مفتوحة، فساكنة، فـ (نا) فاعل (¬1) وفي نسخةٍ: "وصفنا" بفاءٍ مشددةٍ، فـ (نا) مفعول (¬2) والفاعلُ ضميرٌ يعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. (وسلمنا) في نسخةٍ: "فسلَّمنا". 51 - بَابٌ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهُوَ جَالِسٌ. [انظر: 98] وَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ: "إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الإِمَامِ يَعُودُ، فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ، ثُمَّ يَتْبَعُ الإِمَامَ" وَقَال الحَسَنُ: "فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ، يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الأُولَى بِسُجُودِهَا، وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ: يَسْجُدُ". (باب: إنما جعل الإمام) اللام فيه للجنس، أو للعهد الذهني، والمعنى: إنما جعل للناس إمامٌ للصلاة. (ليؤتم به) أي: يقتدى به فيها. (وهو جالس) أي: والناس خلفه قياما، ولم يأمرهم بالجلوس، فهو كالذي بعده مخصصٌ؛ لعموم خبر: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (¬3) الموافق له الترجمة. (إذا رفع) أي: من الركوع أو السجود. (يعود. . . . إلخ) إنما يعود إذا لم يرفع الإمام رأسه، وإلا فلا يعود، وسبقه بركنٍ بلا ¬
عذر لا يضر وإن كان حرامًا. (فيمن يركع مع الإمام ركعتين) أي: ركوعين. (ولا يقدر على السجود فيهما) لنحو زحمة. (يسجد للركعة الآخرة) في نسخةٍ: "الأخيرة". (سجدتين ثم يقضي) أي: يؤدي الركعة الأولى بسجودِها، إنما لم يقل الثانية؛ لاتصالِ الركوع الثاني بالأوَّل، ثم ما ذكره وجهٌ عند الشافعيَّة. والأصح: أنه يحسب ركوعه الأول [فركعته] (¬1) ملفقة من ركوع الأولى، وسجودِ الثانية. (وفيمن نسي سجدة حتى قام يسجد) أي: ويطرحُ القيامَ الذي صلى بغير نظم الصلاة. 687 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَال: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَال: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ". قَالتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَال: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ" قَالتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَال: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَال: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ"، فَقَعَدَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَال: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ لِصَلاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَال أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا -: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَال لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ¬
أَحَدُهُمَا العَبَّاسُ لِصَلاةِ الظُّهْرِ وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، قَال: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، قَال: فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ يَأْتَمُّ بِصَلاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ، قَال عُبَيْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَلا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال: هَاتِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ قَال: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ العَبَّاسِ قُلْتُ: لَا، قَال: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [انظر: 198 - مسلم: 418 - فتح: 2/ 172] (أحمد بن يونس) نسبة لجده لشهرته به، وإلا فهو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي. (زائده) أي: ابن قدامة البكري. (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) لفظ: (بن عتبة): ساقطٌ من نسخةٍ. (ألا) بالتخفيف للعرض والافتتاح. (قلنا: لا، هم) في نسخةٍ: "فقلنا: لا هم"، وفي أخرى: "فقلنا: لا يا رسول الله، وهم". (ضعوا لي) في نسخةٍ: "هنا" وفيما يأتي (ضعوني) بالنون، فعليها (ماء) نُصب بنزع الخافض، أو بـ (ضعوني) بتضمينه معنى: آتوني بالمد. (في المخضب) بكسر الميم، وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين المركن: وهو الإجانة. (ففعلنا) أي: ما أمر به. (فاغتسل) في نسخةٍ: "فقعد فاغتسل". (فذهب) في نسخةٍ: "ثم ذهب". (لينوء) بالمد والهمز أي: ليقوم. (فأغمى عليه) أُخذ منه: جواز الإغماء على الأنبياء؛ لأنه إنَّما يعطل الحس والحركة، فهو مرضٌ، بخلاف الجنون؛ لأنه يزيل العقلَ فهو نقصٌ. (فقلنا) في نسخةٍ: "قلنا". (عكوف) أي: جمع عاكف أي: مجتمعون. (ينتظرون النبيَّ) في نسخةٍ: "ينتظرون رسول الله". (لصلاة العشاء الآخرة) كأنَّ الراوي فسر الصلاة المسئول عنها في قوله: (أصلى الناس؟) أي: الصلاة المسئول عنها هي العشاء الآخرة.
(فقال أبو بكر وكان رجلًا رقيقًا: يا عمر، صلِّ بالناس) قال ذلك؛ تواضعًا، أو لأنه فهم أنَّ أمر الرسول فيما ذكر ليس للإيجاب، أو للعذر المذكور. (أنت أحقُّ بذلك) أي: لفضيلتك، أو لأمر الرسول إياك، ففيه: الثناء في الوجه لمن أُمن عليه الإعجاب والفتنة. (تلك الأيام) أي: أيام مرضه - صلى الله عليه وسلم -. (فخرج) في نسخةٍ: "وخرج". (لصلاة الظهر) فيه مع تصريح الشافعيِّ بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصل بالناس في مرض موته إلا في هذه الصلاة التي صلى فيها قاعدًا فقط: ردٌّ على من زعم أنها الصبح. (قال) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. (للعباس وللآخر: أجلساني إلخ). (وهو قائمٌ) في نسخةٍ: "وهو يأتم". (بصلاة النبي) في نسخةٍ: "بصلاة رسول الله". (قال عبيد الله) في نسخةٍ: "وقال عبيد الله". (عن مرض النبيِّ) في نسخةٍ: "عن مرض رسول الله". (هاتِ) بالكسر، وقد تشبع وبه يُردُّ على من زعم: أنها اسم فاعل؛ لأنَّ الضمائر المباشرة لا تدخل إلا على الأفعال. (وهو عليُّ) في نسخةٍ: "وهو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ". 688 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا". [1113، 1236، 5658 - مسلم: 412 - فتح: 2/ 173] (صلى رسول الله) في نسخةٍ: "صلى النبيّ". (شاكٍ) بالتخفيف، وأصله: شاكي استثقلت الضمة على الياء فحذفت، وفي نسخةٍ: "شاكي" أي: موجع من فك قدميه بسبب سقوطه عن فرسه. (فأشار
إليهم) في نسخةٍ: "فأشار عليهم". (وإذا رفع فارفعوا) زاد في نسخةٍ: "وإذا قال: سمع الله لمن حمد، فقولوا: ربنا ولك الحمدُ" وفي أخرى: "لك الحمدُ" بلا واو. 689 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا، فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ " قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَال الحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ: "إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا" بهُوَ فِي مَرَضِهِ القَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ، مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 378 - مسلم: 411 - فتح: 2/ 173] (فصُرع) بضم الصاد، وكسر الراء، أي: سقط. (فجحش) أي: خدش (فإذا) في نسخةٍ: "وإذا". (صلَّى قائمًا فصلوا قيامًا) ساقطٌ من نسخةٍ. (أجمعون) تأكيد لضمير (صلوا) وفي نسخةٍ: "أجمعين" بالنصب حال. أي: جلوسًا مجتمعين، أو تأكيد لـ (جلوسًا)، أو لمضمر مقدَّرٍ منصوب، أي: أعنيكم أجمعين. (قال أبو عبد الله) ساقطٌ من نسخةٍ. (الحميديُّ) هو عبد الله بن الزبير. (قوله: "إذا صلَّى جالسًا فصلوا جلوسًا") هو في مرضه القديم في نسخةٍ: بدل ما ذكر: "قال الحميدي: هذا منسوخٌ" لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى في مرضه الذي مات فيه (والناس خلفه قيامًا). [بنصب قيامًا] (¬1) على ¬
52 - باب: متى يسجد من خلف الإمام؟
الحال من المبتدأ وهو: الناس، أو من الضمير فيما تعلق به الخبر، إذ المعنى: والناس يصلون خلفه وفي نسخةٍ: "قيام" بالرفع خبر ثان (من فعل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -) في نسخةٍ: "من فعل رسول الله". 52 - بابٌ: مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ؟ قَال أَنَسٌ: "فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا". [انظر: 378] (باب: متى يسجد مَنْ خلف الإمام) أي: بيان وقت سجوده بعد الرفع من الركوع أو السجدة الأولى. (قال أنس: فإذا سجد فاسجدوا) في نسخةٍ: "وقال أنس عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إذا سجد فاسجدوا". 690 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، قَال: حَدَّثَنِي البَرَاءُ - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ -، قَال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ". حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، نَحْوَهُ بِهَذَا. [747، 811 - مسلم: 474 - فتح: 2/ 181] (عن سفيان) أي: الثوري. (أبو إسحق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي. (حدثني البراء) في نسخة: "حدثنا البراء بن عازب". (وهو غير كذوب) الضمير لعبد الله من كلام أبي إسحق فيه، لا البراء من كلام عبد الله فيه؛ لأنَّ البراء صحابيٌّ لا يحتاج إلى تزكية، كغيره من بقية الصحابة، كذا قيل، ورُدَّ بأن عبد الله صحابيٌّ أيضًا، وبأن المراد بما ذكر: تقوية الحديث، والمبالغة في تمكينه من النفس، لا
53 - باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام
التزكية التي تكون في مشكوكِ فيه ثم المراد بذلك بقرينة السياق: نفي مطلق الكذب الذي هو المطلوب، لا نفي المبالغة فيه على ما يقتضيه صيغة: فعول. (ساجدًا) حال. (ثم نقع سجودًا بعده) أي: حيث يتأخر ابتداء فعلهم عن ابتداء فعله ويتقدم ابتداء فعلهم على فراغه من السجود. (حدثنا أبو نعيم) هو الفضل بن دكين، وفي نسخة: "قال: وحدثنا أبو نعيم". (سفيان) أي: الثوري. (عن أبي إسحق) أي: السبيعي. (نحوه) أي: نحو الحديث. (بهذا) أي: بهذا الإسناد، و (هذا) ساقط من نسخة. وهو مع قوله: "حدثنا أبو نعيم. . . . إلخ" ساقطٌ من أخرى. 53 - بَابُ إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ (باب: إثم من رفع رأسه) أي: من الركوع أو السجود أو منهما. (قبل الإمام) أي: قبل رفع رأسه من ذلك. 691 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - أَوْ: لَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ". [مسلم: 427 - فتح: 2/ 182] (سمعت) في نسخة: "قال: سمعت". (أما يخشى. . . . إلخ) الشكُّ فيه من الراوي، و (أَمَا) و (أَلَا) بتخفيفهما: حرفا استفتاح، وفي نسخة: "أو لا" بدل: (أو ألا). (أن يجعل الله رأسه إلخ) شكٌّ فيه من الراوي، وخصَّ
54 - باب إمامة العبد والمولى
الرأس؛ لأنها التي جنت، وجعلها رأس حمار هو باقٍ على ظاهره؛ إذ لا مانع عند الأكثرين من وقوع المسخ في هذه الأمة، وقيل: مجاز عن البلادة الموصوف بها الحمار. ثم الحديث يقتضي تحريم ذلك للتوعدِ عليه بالمسخ وهو كذلك، وإن لم يبطل الصلاة كما جزم به النووي (¬1). 54 - بَابُ إِمَامَةِ العَبْدِ وَالمَوْلَى وَكَانَتْ عَائِشَةُ: "يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ المُصْحَفِ" وَوَلَدِ البَغِيِّ وَالأَعْرَابِيِّ، وَالغُلامِ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ " لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ". (باب: إمامة العبد والمولى) أي: العتيق، وفي نسخة: "والموالي". (وكانت) في نسخة: "وكان" وهي شاذة. (ذَكْوان) بفتح المعجمة وسكون الكاف. (من المصحف) أي: بأن ينظر فيه ويقرأ منه، ولم يقترن به ما يبطل الصلاة، وعطف على العبد مدخولات الواوات في قوله: (وولد البغيِّ) بتشديد الياءِ: الزانية. (والأعرابيّ) بياء النسب إلى الجمع؛ لأنه صار علمًا فهو كالمفرد، والأعراب: سكان البادية. (والغلام) أي: المميز الذي لم يحتلم أو لم يبلغ، فلا تكره إمامة الثلاثة، كما لا تكره إمامة العبد إن لم يصدر منهم فعل منكر، ومن كرهها نظر في الأول إلى فعل أبويه، وفي الثاني إلى غلبة جهله بحدود الصلاة، وفي الثالث إلى الغالب من عدم تحفظ الصبي عما يطلب في الصلاة، ثم علَّل جواز إمامة من ذكر [بالأقرأ] (¬2) ¬
المذكورة بقوله: (لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله") أي: من المذكورين وغيرهم. والمراد بالأقرأ: الأكثر قرآنا. (ولا يمنع العبد من الجماعة بغير علة)، أي: حاجة للسيد، وفي نسخة: "لغير علة". وقوله: (يمنع. . . . إلخ) ساقط من أخرى. 692 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَال: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَال: "لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ - مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ - قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا". [7175 - فتح: 2/ 184] (عن ابن عمر) في نسخة: "عن عبد الله بن عمر". (العصبة) بالنصب على الظرفية. لـ (قدم) وهو بفتح العين المهملة، وضمِّها مع سكون الصاد المهملة فيهما. (موضع) بالرفع خبر مبتدإٍ محذوف كما عرف، وفي نسخة: "موضعًا" بالنصب بدلٌ من العصبة، أو بيانٌ لها. (بقباء) مذكر مصروفٌ ممدودٌ على المَشهور. (كان يؤمهم سالم) هو اسم كان. (أبي حذيفة) هو هشام، وقيل: مهشم بن عتبة بضمِّ المهملة وسكون الفوقية: ابن ربيعة. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: إمامة سالم بهم، فإنها كانت قبل عتقه. 693 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ". [696، 7142 - فتح: 2/ 184] (يحيى) هو ابن سعيد القطان. (حدثني أبو التيَّاحِ) في نسخة: "حدثنا أبو التياح" وهو يزيد بن حميد الضبعي. (عن أنس) في نسخة: "أنس بن مالك".
55 - باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه
(كأن رأسه زبيبة) أي: في شدة السواد، أو في صغر الرأس كما هو معروفٌ في الحبشة، وفسر الكرمانيُّ الزبيبة بجبة من العنب يابسة سوداء، ثم قال: وهذا تمثيل في الحقارة وسماجة الصورة، وعدم الاعتداد بها (¬1). ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن العبد إذا صار واليًا بشوكة يقدم في إمامة الصَّلاة، أو أنه إذا أمر بطاعته أمر بالصلاة خلفه. 55 - بَابُ إِذَا لَمْ يُتِمَّ الإِمَامُ وَأَتَمَّ مَنْ خَلْفَهُ (باب: إذا لم يُتم الإمام) أي: الصلاة. (وأتمَّ من خلفه) جواب (إذا) محذوف، أي: لا يضرهم ذلك، وفي نسخة: "أتمَّ من خلفه" بغير واو فهو جواب (إذا). 694 - حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى الأَشْيَبُ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ". [فتح: 2/ 187] (الأشيب) بهمزة مفتوحة، فمعجمة ساكنة، فتحتية مفتوحة، فموحدة. (حدثنا عبد الرحمن) في نسخة: "حدثني عبد الرحمن". (يصلُّون) أي: الأئمة. (لكم) أي: لأجلكم. (فإن أصابوا) أي: في الأركان والشروط والسنن. (فلكم) أي: ثواب صلاتكم كما أنَّ لهم ثواب صلاتهم. (وإن أخطئوا) أي: ارتكبوا الخطيئة في صلاتهم كأن صلَّوا محدثين. (فلكم) أي: ثواب صلاتكم. (وعليهم) أي: عقاب أخطائهم؛ لأن على تستعملُ في الشرِّ، واللَّام في الخير. ¬
56 - باب إمامة المفتون والمبتدع
56 - بَابُ إِمَامَةِ المَفْتُونِ وَالمُبْتَدِعِ (¬1). وَقَال الحَسَنُ: "صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ". (باب) جواز (إمامة المفتون) أي: من فتن بذهاب عقله وماله فضلَّ عن الحقِّ. (والمبتدع) أيُّ بدعة قبيحةٍ تخالف الكتاب والسنة والإجماع. (وعليه بدعته) أي: إثمها. 695 - قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَال لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، - وَهُوَ مَحْصُورٌ - فَقَال: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ، وَنَتَحَرَّجُ؟ فَقَال: "الصَّلاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ" وَقَال الزُّبَيْدِيُّ، قَال: الزُّهْرِيُّ: "لَا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ المُخَنَّثِ إلا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا". [فتح: 2/ 188] (وقال أبو عبد الله) أي: البخاريُّ، وفي نسخة: "وقال محمد بن إسماعيل" وكلٌّ منهما ساقطٌ من أخرى. (وقال لنا محمد) أي: مذاكرة لا تحملًا وإلا لقال: حدثنا. (عن حميد) بالتصغير. (خيار) بكسر المعجمة وتخفيف التحتية، وفي نسخة: "الخيار". (محصور) أي: محبوس في الدَّار ممنوع من الأمور. (إمامُ عامة) بالإضافة، أي: إمام جماعةٍ. ¬
(ما ترى) بفوقية، أي: من خروج الخوارج عليك وحبسك في دارك، وفي نسخة: بنون. (ويصلي لنا) أي: نزل بك ما ترى، والحالة أنه يؤمناه (إمامُ فتنة) أي: رئيسها الذي حصر عثمان واختلف فيه، فقيل: إنه عبد الرحمن بن عُديسٍ البلوي (¬1)، وقيل: كنانة بن بِشر (¬2)، قال شيخنا: وهو المراد هنا، انتهى (¬3). وقول عبيد الله: (ويصلِّي لنا إمامُ فتنة) أي: في الجملة، وإلَّا فقد صلى بهم غيره كعلي، وأبي أمامة بن سهل، وأبي أيوبَ الأنصاري بإذن عثمان وهو محصور. (ونتحرج) أي: نتأثم بمتابعته. (الزُّبيدى) بضمِّ الزاي: محمد بن الوليد الشامي. (أن يُصلَّى) بضمِّ التحتية وفتح اللام. (خلف المخنث) بكسر النون أفصح وأشهر من فتحها، وقيل الكسر أفصح والفتح أشهر: وهو من يتخلَّق بخلق النساءِ، والمذموم منه من يتكلفه ويتصنعه لا من به ذلك خِلْقة؛ وذلك لأن الإمامة لأهل الفضل، والمخنث مفتونٌ؛ لتشبهه بالنساءِ كالمبتدع، فإن كلا مفتون في طائفته فكرهت إمامته. (إلا من ضرورة لا بد منها) كخوف، أو ثوران فتنة فيُصلَّى خلفه. 696 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرٍّ: "اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ". [انظر: 693 - فتح: 2/ 188] ¬
57 - باب: يقوم عن يمين الإمام، بحذائه سواء إذا كانا اثنين
(حدثنا محمد) في نسخة: (حدثني محمد). (غندر) هو محمد بن جعفر. (عن أبي التياح) هو يزيد بن حميد. (ولو لحبشيٍّ) أي: ولو كانت الطاعة لحبشي. (كأنَّ رأسَه زبيبة) تقدَّم. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن هذه الصفة لا تكون غالبا إلا لمن هو غاية في الجهل مفتون بنفسه. 57 - بَابٌ: يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ، بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ (باب: يقوم) أي: الشخصُ. 697 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، قَال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالتِي مَيْمُونَةَ " فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَجِئْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ - أَوْ قَال: خَطِيطَهُ - ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ". [انظر: 117 - فتح: 2/ 190] (عن يمين الإمام بحذائه) بمهملة مكسورة، وذال معجمة، وألف ممدودة، أي: بإزائه، وفي نسخة: "يقوم بحذاء الإمام عن يمينه". (سواء) أي: مساويًا، لكن يندب تخلف المأموم قليلا، والمعنى: باب حكم من يقوم .. إلخ حتى قيل: النسخة باب من يقوم بإضافة باب إلى من. (ثم جاء) أي: من المسجد إلى منزله. (فجئت) الفاءُ فصيحة، أي: قام من النوم، فتوضأ، فأحرم بالصلاة فجئت. (غطيطه) هو بغين معجمة: صوت يسمع من تردد النفس، كهيئة صوت المخنوق. (أو قال: خطيطه) بخاء معجمة: وهو الغطيط، أو قريب منه.
58 - باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام، فحوله الإمام إلى يمينه، لم تفسد صلاتهما
(ثم خرج إلى الصلاة) أي: صلاة الصبح فصلَّى ولم يتوضأ؛ لأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه (¬1). 58 - بَابٌ: إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، فَحَوَّلَهُ الإِمَامُ إِلَى يَمِينِهِ، لَمْ تَفْسُدْ صَلاتُهُمَا (باب: إذا قام الرجل) في نسخة: "إذا قام رجل". (عن يسار الإمام، فحوَّله إلى يمينه) في نسخة: "عن يمينه" وفي أخرى: "على يمينه". (لم تفسد صلاتهما) أي: الإمام والمأموم، وفي نسخة: "لم تفسد صلاته" أي: المأموم، أو أحدٌ منهما. 698 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ "فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ" قَال عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا، فَقَال: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ. [انظر: 117 - مسلم: 763 - فتح: 2/ 191] (حدثنا أحمد) أي: ابن صالح. (ابن وهب) هو عبد الله. (عمرو) أي: ابنُ الحارث المصريُّ. (قال: نمتُ) في نسخة: "قال: بتُّ". (فتوضأ) الفاء فصيحة، أي: نام - صلى الله عليه وسلم -، ثم قام من نومه فتوضأ. (فخرج) أي: من بيته إلى المسجد. (بكير) هو ابن عبد الله الأشج. ¬
59 - باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم، ثم جاء قوم فأمهم
59 - بَابُ إِذَا لَمْ يَنْو الإِمَامُ أَنْ يَؤُمَّ، ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ (باب: إذا لم يَنْو الإمام ثم جاء قوم فأمهم) في نسخة: "فجاء قومٌ فأمهم" وجواب (إذا) محذوف، أي: صحتْ صلاة الجميع. 699 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَال: بِتُّ عِنْدَ خَالتِي "فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ". [انظر: 117 - مسلم: 763 - فتح: 2/ 192] (عند خالتي) زاد في نسخة: "ميمونة". (فأقامني) في نسخة: "وأقامني" وتقدم تفسير الحديث (¬1). 60 - بَابُ إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ، وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ، فَخَرَجَ فَصَلَّى (باب: إذا طول الإمام) أي: صلاته. (وكان للرجل) أي: المأموم. (حاجة فخرج) أي: من الصلاة، أو من القدوة. (فصلى) أي: وحده صحَّتْ صلاته، في نسخة: "وصلَّى" بالواو. 700 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: "أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ". [701، 705، 711، 6106 - مسلم: 465 - فتح: 2/ 192] (مسلم) في نسخة: "مسلم بن إبراهيم". (عن عمرو) أي: ابن دينار. ¬
(يصلِّي مع النبيِّ) أي: العشاء. (قال) أي: البخاريُّ، وهو ساقط من نسخة. (فيؤمُّ قومه) أي: بتلك الصلاة. 701 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَال: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، قَال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ، فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "فَتَّانٌ، فَتَّانٌ، فَتَّانٌ" ثَلاثَ مِرَارٍ - أَوْ قَال: "فَاتِنًا، فَاتِنًا، فَاتِنًا" - وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ، قَال عَمْرٌو: لَا أَحْفَظُهُمَا. [انظر: 700 - مسلم: 465 - فتح: 2/ 192] (فصلى) أي: معاذ بهم. (العشاء) في رواية: (المغرب) (¬1) وحمل على ما بعد الواقعة. (بالبقرة) أي: ابتدأ بقراءتها، وفي نسخة: "البقرة". (فانصرف الرجل) (ال) للجنس أيُّ رجل واسمه: حزم بمهملة وزايٍ: ابن أبي بن كعب، أو حرام: بمهملة وراء: ابن مِلْحَان بكسر الميم خال أنس، أو سَلْم: بفتح أوله، وسكون اللام: ابن الحارث. (فكأن معاذا يتناول منه) بفوقية أي: بسوء، وفي نسخة: "فقال" وفي أخرى: "فكان معاذ ينال" بتحتية، وحذف الواو. (فبلغ) أي: ذلك. (فتان) خبر مبتدإٍ ¬
محذوف، أي: أنت منفرٌ عن الدين صاد عنه. (ثلاث مرات) في نسخةٍ: "ثلاث مرار". (أو قال: فاتنًا، فاتنًا، فاتنًا) بالنصب بتكون محذوفة، وفي نسخةٍ: "أو قال: فاتن، فاتن، فاتن" بالرفع، والشكُّ من جابر. (فأمره بسورتين من المُفَصَّل) يؤمُّ بهما قومه، وأوَّلُ المفصَّل: الحجرات، وقيل: القتال، وقيل: الفتح، وقيل: ق، وطواله: قيل إلى عمَّ، وأوساطه: منها إلى الضحى، وقصاره: منها إلى آخر القرآن، وقيل طواله: إلى الصفِّ، وأوساطه: منها إلى الانشقاق، وقصاره: منها إلى الأخير، وسمي مُفَصَّلا؛ لكثرة الفصول فيه، وقيل: لقلة المنسوخ فيه. (ولا أحفظهما) أي: السورتين، كأن عمرًا قال ذلك في حال تحديثه لشعبة، وإلَّا فقد ورد عنه في تحديثه لغير شعبة أنه قال: إنهما: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)}، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)} مرة (¬1)، أخرى (¬2). وفي الحديث: جواز صلاة الفرض خلف المنتفل، وأنه يقال البقرة أي: السورة التي يذكر فيها البقرة، وإنكار ما يكره، وتخفيف الصلاة، والتعذير بالكلام. ¬
61 - باب تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الركوع والسجود
61 - بَابُ تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي القِيَامِ، وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (باب: تخفيف الإمام في القيام) خصَّ التخفيف بالقيام؛ لأنه مظنة التطويل. (وإتمام الركوع والسجود) أي: باب: طلب ذلك. 702 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَال: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: سَمِعْتُ قَيْسًا، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا، قَال: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَال: "إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ". [انظر: 90 - مسلم: 466 - فتح: 2/ 197] (أحمد بن يونس) نسبة لجده؛ لشهرته به، وإلَّا فهو أحمد بن عبد الله بن يونس كما مرَّ. (إسماعيل) أي: ابن خالد. (قيسًا) هو ابن أبي حازم. (أبو مسعود) هو عقبة بن عمرو البدريِّ. (أن رجلا) لم يسم (لأتأخَّرُ عن صلاة الغداة) أي: لا أحضرها مع الجماعة. (فأيكم ما صلَّى) بزيادة (ما) لتوكيد الشمول، والمعنى: أيُّ واحدٍ منكم. (فليتجوز) أي: فليخفف، وهو جواب الشرط. (فإن فيهم إلخ) علة للأمر بالتجوز، والمراد بالضعيف: ما يشمل المريض وضعيف الخِلْقَة، وبالكبير: كبير السن، وبذي الحاجة: ما يشملهما، وغيرهما: كالصغير والحامل والمرضع وعابر السبيل، فعطفه على ما قبله من عطف العامِّ على الخاصِّ. 62 - بَابٌ: إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ (باب: إذا صلَّى لنفسه) أي: وحده. (فليطوِّل ما شاء) لانتفاء العلة السابقة.
63 - باب من شكا إمامه إذا طول
703 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ". [مسلم: 467 - فتح: 2/ 199] (إذا صلى أحدكم للناس) أي: إمامًا لهم، أو لثوابهم الحاصل من الجماعة. (فإن فيهم) في نسخة: "فإن منهم". (الضعيف) أي: ضعيف الخلقة. (والسقيم) أي: المريض. (والكبير) أي: سنًّا كما مرَّ مع زيادة. (فليطول ما شاء) أي: في القراءة، والركوع، والسجود وإن خرج الوقت على الأصح؛ لأنه مشتغل بها. وأمَّا خبر النهي عن إخراجها عن وقتها (¬1) فهو فيما إذا أخَّر الشروع فيها إلى أن خرج وقتها، أو ضاق عنها. 63 - بَابُ مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ وَقَال أَبُو أُسَيْدٍ: "طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَيَّ". (باب: من شكا إمامه إذا طول) أي: عليه في الصلاة. (أبو أسيد) بضمِّ الهمزة، وفتح السين، وفي نسخة: بفتحها وكسر السين: مالك بن ربيعة. (يا بنُيَّ) اسمه. المنذر. 704 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَال: قَال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلاةِ فِي الفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلانٌ فِيهَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ ¬
فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ". [انظر: 90 - مسلم: 466 - فتح: 2/ 200] (سفيان) أي: الثوريُّ. (قال رجل) لم يسم، (فلان) هو: معاذ، أو أُبي بن كعب. (فيها) أي: في صلاة الفجر. (في موضع) في نسخة: "في موعظة". (منفرين) في نسخة: "لمنفرين". واعلم أن التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيءُ خفيفًا بالنسبة للإمام [لكنه ثقيل] (¬1) بالنسبة إلى عادة آخرين فيتبع في ذلك العادة. 705 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، قَال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، قَال: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ - أَو النِّسَاءِ - فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَال مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ" - أَوْ "أَفَاتِنٌ" - ثَلاثَ مِرَارٍ: "فَلَوْلا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَةِ" أَحْسِبُ هَذَا فِي الحَدِيثِ، قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، وَمِسْعَرٌ، وَالشَّيْبَانِيُّ، قَال عَمْرٌو، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ، قَرَأَ مُعَاذٌ فِي العِشَاءِ بِالْبَقَرَةِ، وَتَابَعَهُ الأَعْمَشُ، عَنْ مُحَارِبٍ. [انظر: 700 - مسلم: 465 - فتح: 2/ 200] (أقبل رجل) لم يسم. (بناضحين) تثنية ناضح: وهو البعير الذي يسقى عليه (فوافق معاذا يصلِّي) أي: صلاة العشاء. (فترك ناضحه) في ¬
64 - [باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها]
نسخة: "فبرك ناضحه". (فقرأ) أي: معاذ. (سورة البقرة أو النساء) الشكُّ من مُحارب. (نال منه) أي: ذكره بسوء. (أفتان) مبتدأ. (أنت) فاعل سدَّ مسد الخبر، أو (أنت) مبتدأ خبره (فتان). (أو أفاتن) الشكُّ من محارب أيضًا، وفي نسخة: "فاتن" بلا همزة، وفي أخرى: "أفاتنٌ أنت". (ثلاث مرار) في نسخة: "ثلاث مرات". (فلولا) أي: فهلا. ({سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)}) [الأعلى: 1] ({وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)}) [الشمس: 1] ({وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)}) [الليل: 1] أي: ونحوها من قصار المفصَّل. (أحسب) أي: قال شعبة -قيل: أو محارب- أحسب، أي: قوله: (فإنه يصلِّي إلخ). (في الحديث) وفي نسخة: "أحسب هذا في الحديث". (تابعه) أي: شعبة، وفي نسخة: "قال أبو عبد الله وتابعه سعيد بن مسروق" هو والد سفيان الثوري. (ومسعر) بكسر الميم: هو ابن كدام. (والشيباني) هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز. (قال عمرو) أي: ابن دينار. (وعبيد الله بن مقسم) بكسر الميم. (وأبو الزبير) بضمِّ الزاي: هو محمد بن مسلم. (قرأ معاذ في العشاء بالبقرة) أي من غير شكٍّ. (وتابعه) أي: شعبة. (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن محارب) أي: ابن دثار. 64 - [بَابُ الإِيجَازِ فِي الصَّلاَةِ وَإِكْمَالِهَا] (باب: الإيجاز في الصلاة وإكمالها) أي: التخفيف فيها مع إكمال أركانها. فالإيجاز ضد الإطناب، والإكمال ضد النقص، و (باب) مع ما
65 - باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي
بعده ساقط من أخرى. 706 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوجِزُ الصَّلاةَ وَيُكْمِلُهَا". [708 - مسلم: 469 - فتح: 2/ 201] (أبو معمر) هو عبد الله بن عمر المقعد (¬1). (عبد العزيز) أي: ابن صهيب. (عن أنس) في نسخة: "أنس بن مالك". (يوجز الصلاة ويكملها) أي: بأن يأتي بأقل ما يمكن من الأركان، والأبعاض، والهيئات. 65 - بَابُ مَنْ أَخَفَّ الصَّلاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِيِّ (باب: من أخفَّ الصلاة عند بكاء الصبي) أي: باب بيان تخفيف الصلاة عند ذلك. 707 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَال: أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَال: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ" تَابَعَهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَبَقِيَّةُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. [868 - فتح: 2/ 201] (إبراهيم) أي: ابن موسى، في نسخة: "هو الفراء". (أخبرنا الوليد) في نسخة: "حدثنا الوليد". (الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو. (أريد أن أطوِّل فيها) حال بقرينة قوله في رواية: "تأتي وأنا أريد ¬
إطالتها" أو معطوف بعاطف مقدر بقرينة قوله في رواية أخرى: "تأتي فأريد إطالتها". (تابعه) أي: الوليد. (بشر بن بكر) بكسر باء (بشر)، وفتح باء (بكر). (وابن المبارك) أي: عبد الله. (وبقية) أي: ابن الوليد الكلاغِيِّ بفتح الكاف وتخفيف اللام. 708 - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، قَال: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: "مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلاةً، وَلَا أَتَمَّ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ". [انظر: 706 - مسلم: 469 - فتح: 2/ 201] (حدثنا شريك) في نسخة: "حدثني شريك". (أنس بن مالك) في نسخة: "أنسا". (ما صلَّيت وراء إمام قطُّ أخفَّ صلاةً) بنصب صلاة؛ على التمييز [لـ (أخف)، (¬1)، وأخف صفة لـ (إمام). (وإن كان) (إن) هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وما بعدها خبر. (مخافة) مفعول له. (تفتن) بالبناءِ للمفعول من فَتَن، أو فُتِن، وفي نسخة: "تفتتنَّ" بزيادة تاء، وفي أخرى: "تفتَّن" بتشديد التاءِ، فالصيغة إما من الفعل، أو الإفعال، أو الافتعال، أو التفعيل، وفي نسخة: "تفتن" بالبناءِ للفاعل، وهو ضمير يرجع إلى الإطالة المفهومة من السياق فعليها. (أمه) منصوبة على المفعولية، وعلى الأول بأنواعها مرفوعة؛ نيابة عن الفاعل. ¬
709 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَال: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ". [710 - مسلم: 470 - فتح: 2/ 202] (سعيد) أي: ابن أبي عروبة. (قال: حدثنا قتادة) أي: ابن دعامة، وفي نسخة: "عن قتادة". (حدثه) في نسخة: "حدث". (أنَّ النبيَّ) وفي نسخة: "أن نبي الله". (من شدةِ وَجْدِ أمِّه) أي: حزنها. 710 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلاةِ، فَأُرِيدُ إِطَالتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ" وَقَال مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ. [انظر: 709 - مسلم: 470 - فتح: 2/ 202] (قال: حدثنا) في نسخة: "قال: حدثني". (ابن أبي عَدِي) اسمه: محمد، واسم أبيه: إبراهيم. (عن سعيد) أي: ابن أبي عروبة. (عن أنس بن مالك) في نسخة: "عن أنس". (مما أعلم) في نسخة: "لما أعلم"، وذكر الأمِّ خرج مخرج الغالب؛ إذ مثلها من قام مقامها. وفي الحديث: أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيءٍ مستحب لا يلزمه الوفاء به، خلافًا لبعضهم. (وقال موسى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي. (أبان) أي: ابن يزيد العطار. (مثله) أي: مثل الحديث، وهو ساقط من نسخة، وفائدة هذا التعليق: بيان سماع قتادة له من أنس.
66 - باب إذا صلى ثم أم قوما
66 - بَابُ إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَمَّ قَوْمًا (باب: إذا صلَّى) أي: رجل مع الإمام. (ثم أمَّ قومًا) أي: صحت صلاته وصلاتهم. 711 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَانِ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: "كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ، فَيُصَلِّي بِهِمْ". [انظر: 700 - مسلم: 465 - فتح: 2/ 203] (وأبو النعمان) هو محمد بن الفضل السدوسي. (عن أيوب) أي: السختياني. (عن جابر) زاد في نسخة: "ابن عبد الله". (قال: كان معاذ .. إلخ) مرَّ تفسيره (¬1). 67 - بَابُ مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ (باب: من أسمع الناس تكبير الإمام) أي: ندب إسماعهِم تكبيره. 712 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، قَال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاهُ بِلالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلاةِ، فَقَال: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ"، قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى القِرَاءَةِ، فَقَال: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ"، فَقُلْتُ: مِثْلَهُ، فَقَال فِي الثَّالِثَةِ أَو الرَّابِعَةِ: "إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ"، فَصَلَّى وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ الأَرْضَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ تَابَعَهُ مُحَاضِرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. [انظر: 198 - مسلم: 418 - فتح: 2/ 203] ¬
68 - باب: الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم
(أتاه يؤذنه) بضمِّ الياء، وسكون الواو، أي: يعلمه، وفي نسخة: "أتاه بلال يؤذنه". (فليصلِّ) زاد في نسخة: هنا وفي نظيره الآتي "بالناس". (أسيفٌ) أي: شديد الحزن رقيق القلب سريع البكاء. (إن يقم مقامك يبكي) بإثبات ياء (يبكي) إجراء للمعتل مجرى الصحيح، وبحذفها على الأصل. (قال: مروا) في نسخة: "فقال: مروا". (فليصل) في نسخة: هنا وفي نظيره الآتي: "فليصلي" بياء. (فقلت) في نسخة: "قلت". (بين رجلين) أي: العباسِ وعلي، أو علي والفضلِ، وقال النوويُّ: إنهما قضيتان، فخروجه من بيت ميمونة لعائشة كان بين علي والفضلِ، ومن بيت عائشة إلى المسجد كان بين العباسِ وعلي (¬1). ومرَّ تفسير الحديث. (تابعه) أي: عبد الله بن داود. (محاضر) بميم مضمومة وحاءٍ مهملة وضادٍ معجمة: هو الهمدانيُّ. 68 - بَابٌ: الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ". (باب: الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم) أي: على لوجه الآتي بيانه. (وليأتم بكم من بعدكم) أي: من سائر الصفوف أي: يستدلون بأفعالكم على أفعالي، وليس المراد أن المأموم يقتدي به غيره. ¬
713 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِلالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلاةِ، فَقَال: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَال: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ" فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، قَال: "إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ" فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلاهُ يَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ، حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ، ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [انظر: 198 - مسلم: 418 - فتح: 2/ 204] (حدثنا قتيبة) في نسخة: "حدثني قتيبة" وفي أخرى: "قتيبةُ بن سعيد". (أن يصلِّي) في نسخة: "فيصلي". (متى يقم) في نسخة: "متى يقوم" [بإهمال (متى) حملًا على إذا، كما جزم بإذا حملًا على متى في قوله: وإذا تصبك خصاصة فتحمل. (لا يسمع) بضم التحتية وفي نسخة: "لم يسمع". (فلو أمرت) لو شرطية، وجوابها محذوف، أو للتمني فلا جواب لها. (يصلي) في نسخة: "أن يصلي". (متى يقم) في نسخة: "متى يقوم"] (¬1) وفي أخرى: "متى ما يقم" بزيادة ما. (لا يسمع) في نسخة: "لم يسمع". (قال: إنكنَّ) في نسخة: "فقال: إنكنَّ". (أن ¬
69 - باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس؟
يصلِّي) في نسخة: "يصلّي". (يخطَّان) بتحتية، وفي نسخة: "تخطان" بفوقية. (فجاء) في نسخة: "فجاءه". (رسول الله) في نسخة: "النبيُّ". (مقتدون) في نسخة: "يقتدون"، ومرَّ تفسير الحديث (¬1). 69 - بَابٌ: هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ إِذَا شَكَّ بِقَوْلِ النَّاسِ؟ (باب: هل يأخذ الإمام إذا شَكَّ بقول الناس؟) كما قال الحنفية أو لا كما قال الشافعية، وفي نسخة: "هل يأخذ الإمام بقول الناس إذا شكَّ من اثنتين؟ " أي: ركعتين من صلاة الظهر. 714 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَال لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ" فَقَال النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. [انظر: 482 - مسلم: 573 - فتح: 2/ 205] (ذو اليدين) اسمه: الخرباق. (فقال رسول الله) أي: للحاضرين. (فصلى اثنتين أخريين). ظاهر الحديث: أنه أخذ بقول الحاضرين، والشافعي حمله على أنه تذكر بعد قولهم، ويؤيده خبر أبي داود عن أبي هريرة قال: "ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله" (¬2). 715 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، فَقِيلَ: صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ، ¬
70 - باب إذا بكى الإمام في الصلاة
فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ". [انظر: 482 - مسلم: 573 - فتح: 2/ 205] (أبو الوليد) اسمه: هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ. (عن أبي سلمة) زاد في نسخة: "ابن عبد الرحمن". (صلى النبي) في نسخة: "صلَّى رسول الله". (فصليت) في نسخة: "قد صليت". ومر تفسير الحديث وما قبله (¬1). 70 - بَابُ إِذَا بَكَى الإِمَامُ فِي الصَّلاةِ وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ، وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]. (باب: إذا بكى الإمام في الصلاة) أي: هل تفسد صلاته أم لا؟ (نشيج عمر) بفتح النون، وكسر الشين المعجمة، أي: بكاءه. (يقرأ) في نسخة: "فقرأ". {وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] زاد في نسخة: "الآية". 716 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال فِي مَرَضِهِ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ" قَالتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ، فَقَال: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ" قَالتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَهْ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ ¬
71 - باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها
يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ" قَالتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا. [انظر: 198 - مسلم: 418 - فتح: 2/ 206] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس الأصبحيّ. (قال: حدثنا) في نسخة: "قال: حدثني". (يصلِّي) بياء بالرفع [على: الاستئناف] (¬1) أو بالجزمِ جوابًا للأمرِ إجراءً للمعتلِّ مجرى الصحيح، وفي نسخة: "يصلِّ" بالجزم بحذفِ الياءِ، وفي أخرى: "فليصل" بالفاءِ وبالجزم بحذف الياءِ، وفي نسخة: "فليصلّ بالناس" وفي أخرى: "للناس" وفي (يصلّي) ما مرَّ آنفًا (¬2). (فقالت عائشة لحفصة) في نسخة: "فقلت لحفصة". (إن أبا بكر) زاد في نسخة: "رجل أسيف". (في مقامك) لفظ: (في) ساقط من نسخة. (من البكاء) في نسخة: "في البكاء" أي: بسببه. (ففعلت) أي: القول المذكور. (مه) كلمة زجر، كما مرَّ. (قالت) في نسخة: "فقالت". ومرَّ تفسير الحديث. 71 - بَابُ تَسْويَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا (باب: تسوية الصفوف عند الإقامة) أي: للصلاة. (وبعدها) أي: وبعد الإقامة قبل الشروع في الصلاة. 717 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، قَال: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الجَعْدِ، قَال: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ". [مسلم: 436 - فتح: 2/ 206] ¬
(أخبرني عمرو) وفي نسخة: "حدثني عمرو". (لَتُسَونَّ) أصله: لتسوون، بضم الواو الأولى، وسكون الثانية، ونون الجمع، فلما دخلت عليه نون التوكيد الثقيلة حذفت نون الجمع لتوالي الأمثال، ثم واو الجمع لالتقاء الساكنَيْن، وفي نسخة: "تسَووُن" بفتح الواو الأولى، وضم الثانية، فلما دخلت عليه نون التوكيد حذفت نون الرفع لما مرَّ، والجملة: جواب قسم. (أو ليخالفنَّ الله) أي: ليوقعن الله المخالفة. (بين وجوهكم) بتحويلها عن مواضعها إن لم يقيموا الصفوف، فالجزاء من جنس العمل، أو ليوقعَنَّ العداوة والبغضاء بينكم؛ إذ مخالفة الظاهر سبب لاختلاف الباطن. ورواه أبو داود وغيره بلفظ: "أو ليخالفن الله بين قلوبكم. ." (¬1) والوعيد في الحديث على عدم التسوية للتغليظ لا للتحريم، فهو نظير ما مرَّ من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام "أن يجعل الله رأسه رأس حمار" (¬2). 718 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَال حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي". [719، 725 - مسلم: 434 - فتح: 2/ 207] ¬
72 - باب إقبال الإمام على الناس، عند تسوية الصفوف
(عن عبد العزيز) زاد في نسخة: "ابن صهيب". (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (أقيموا الصفوف) أي: سوُّوها. (أراكم خلف ظهري) أي: رؤية عين، بأن خلق الله له إدراكًا من خلفه، أو من عينهِ فيرى من غير مقابلة؛ لأنها لا تشترط في الرؤية عند أهل السنة، فبصره لمن خلفه من خرق العادات. 72 - بَابُ إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ، عِنْدَ تَسْويَةِ الصُّفُوفِ (باب: إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف) لينظر أَهُمْ غير مستوين، فيأمرهم بالتسوية. 719 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَال: حَدَّثَنَا مُعَاويَةُ بْنُ عَمْرٍو، قَال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، قَال: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّويلُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَال: أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهِهِ، فَقَال: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي". [انظر: 718 - مسلم: 434 - فتح: 2/ 208] (أنس) في نسخة: "أنس بن مالك". (أقيموا صفوفكم) أي: سوُّوها. (وتراصُّوا) بضمِّ المهملة المشددة، أي: تضامُّوا وتلاصقوا حتَّى يتصل ما بينكم، ومنه: {كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]. (من وراءِ ظهري) أي: من خلفي، بأن خلق الله له إدراكًا من خلفه، كما يشعر به التعبير بـ (من) الابتدائية، فمبدأ الرؤية من خلفه، وعلى رواية عدم (من) السابقة يحتمل ذلك، ويحتمل أنها رؤية بالعين المعهودة كما مرَّ، وفي نسخة: "من وراء ظهري" الحديث.
73 - باب الصف الأول
73 - بَابُ الصَّفِّ الأَوَّلِ (باب: الصَّفِّ الأَوَّلِ) أي: بيان فضيلته. 720 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الشُّهَدَاءُ: الغَرِقُ، وَالمَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالهَدِمُ". [انظر: 653 - مسلم: 1914 - فتح: 2/ 208] (أبو عاصم) اسمه: الضحاك. (عن سُمَيٍّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن. (أبي صالح) هو: ذكوان السمان. (الغرق) بكسر الراءِ، أي: الغريق. (والمبطون) هو ذو الإسهال ونحوه. (والهدم) بكسر الدال أي: الذي يموت تحت الهَدْمِ. 721 - وَقَال: "وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ المُقَدَّمِ لاسْتَهَمُوا". [انظر: 615 - مسلم: 437 - فتح: 2/ 208] (وقال: ولو) في نسخة: "وقال: لو". (التهجير) أي: التبكير. (لاستبقوا) أي: "إليه" كما في نسخة. (ما في العتمة والصبح) أي: ما في صلاتهما، (المقدم) في نسخة: "الأول" (لاستهموا) أي: لاقترعوا عليه لما فيه من الفضيلة كالسبقِ لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والصف المقدم يتناول الصف الثاني بالنسبة إلى الثالث، وكذا الثالث بالنسبة إلى الرابع، وهكذا، بخلاف رواية الصف الأول الذي هو المراد (¬1). ¬
74 - باب: إقامة الصف من تمام الصلاة
74 - بَابٌ: إِقَامَةُ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ (باب: إقامة الصفِّ من تمام الصلاة) إذ تَرْكُ إقامته المفوِّتُ لأجْرِها مفوِّت لتمامِ أَجْرِ الصَّلاةِ. 722 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاةِ". [734 - مسلم: 414، 417، 435 - فتح: 2/ 208] (عبد الله بن محمد) أي: المسندي. (عبد الرزاق) أي: ابن همام الصنعاني. (معمر) أي: ابن راشد. (عن همام) أي: "ابن منبه" كما في نسخة. (سمع الله لمن حمده) أي: أجاب دعاءه. (ربنا لك الحمد) في نسخة: "ربنا ولك الحمد" والمعنى: قولوه بعدما هو معروف من قوله: سمع الله لمن حمده. (فصلُّوا جلوسًا أجمعون) في نسخة: "أجمعين" وتقدم بيانه أنه منسوخ. (من حسن الصلاة) هذه مبيّنة لرواية: "من تمام الصلاة" (¬1) إذ المعنى: أنها سنة فيها لا جزءٌ منها؛ لأن حسن الشيء زائدٌ على تمامه. 723 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْويَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاةِ". [مسلم: 433 - فتح: 2/ 209] ¬
75 - باب إثم من لم يتم الصفوف
(عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك). (فإن تسوية الصفوف) في نسخة: "فإن تسوية الصفِّ". 75 - بَابُ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ (باب: إثم من لم يتم الصفوف) في نسخة: "إثم من لم يتم الصفَّ" وفي أخرى: "إثم من لم يقم الصفوف" وميم (يتم) مفتوحة للتخفيف، أو مكسورة على الأصل في التقاءِ الساكنين. 724 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، قَال: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَال: أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَال: "مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إلا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ" وَقَال عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ: عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ المَدِينَةَ بِهَذَا. [فتح: 2/ 209] (أخبرنا الفضل) في نسخة: "حدثنا الفضلُ" (عن بشير) بضمِّ الموحدة وفتح المعجمة. (ابن يسار) بفتح التحتية، وتخفيف المهملة. (ما أنكرتَ منَّا) لفظ: "منَّا" ساقط من نسخة. (يوم) قال الزركشيُّ: يجوز فيه الرفعُ والنصبُ والجرُّ. (ما أنكرتُ شيئًا إلَّا أنكم لا تقيمونَ الصفوف) أي: فإني أكرهه، قال ذلك أنس؟ تغليظًا وتحريضًا على إقامة الصفوف، وإلَّا فإقامتها سنةٌ على المشهورِ، وعليه فلا يطابق ذلك الترجمةَ، ويحتملُ أن البخاريَّ اختار الوجوب أخذًا من قوله: "سوُّوا" (¬1) ومن عموم قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬2) ومن ورود ¬
76 - باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف
الوعيد على تركه (¬1) فإنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب وعليه فالمطابقة ظاهرة. (عقبة) هو أخو سعيد المذكورِ قبله. (بهذا) أي: بالمذكورِ قبله، والفرقُ بينهما أن الأوَّلَ: روى فيه بشير عن أنس، والثاني: روى فيه أنه شاهد الحال نفسه. 76 - بَابُ إِلْزَاقِ المَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ وَالقَدَمِ بِالقَدَمِ فِي الصَّفِّ وَقَال النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ: "رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ". (باب: إلزاق المنكبِ بالمنكب، والقدمِ بالقدمِ) أي: ندب ذلك. (رأيت الرجل منَّا يُلزق) بضَمِّ الياء. (كعبه بكعب صاحبه) هو بعض حديث رواه أبو داود (¬2). والكعب: هو العظم الناتئ بين الساق والقدم. 725 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَال: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي، وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ، وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ". [انظر: 718 - مسلم: 434 - فتح: 2/ 211] (عمرو بن خالد) في نسخة: "عمرو، وهو ابن خالد". (عن أنس) أي: "ابن مالك"، كما في نسخة. ¬
77 - باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام، وحوله الإمام، خلفه إلى يمينه تمت صلاته
(وكان أحدنا إلخ) هو قول أنس، وأراد به المبالغة في تسوية الصف، وسد خُلَلِهِ؛ ليمتنع الشيطان من دخوله الفُرَجَ، وقد ورد الأمر بذلك في خبر أبي داود وغيره، بلفظ: "أقيموا صفوفكم، وحازوا بين المناكب وسدوا الخُلَلَ، ولا تَذرُوا فرجات الشيطان، ومن وصَلَ صفًّا وصَلَهُ الله، ومن قَطَعَ صفا قَطَعَهُ الله -عزَّ وجلَّ -" (¬1). 77 - بَابٌ: إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، وَحَوَّلَهُ الإِمَامُ، خَلْفَهُ إِلَى يَمِينِهِ تَمَّتْ صَلاتُهُ (باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام، وحوَّله الإمام خلفه إلى يمينه، تمت صلاته) أي: المأمومِ، أو الإمام، أو كل منهما، وهو أَوْلَى. 726 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى وَرَقَدَ، فَجَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ". [انظر: 117 - مسلم: 763 - فتح: 2/ 211] (داود) أي: ابن عبد الرحمن العطَّار. (ذات ليلة) أي: في ليلة، و (ذات) مقحمة، وهو من إضافة المسمى إلى اسمه. (فجاءه) في نسخة: "فجاء". (وصلَّى) في نسخة: ¬
78 - باب: المرأة وحدها تكون صفا
"فصلَّى" وفي أخرى: "يصلي" بلفظ المضارع، ومرَّ بيان الحديث في باب: السمر بالعلم (¬1). 78 - بَابٌ: المَرْأَةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا (باب: المرأة وحدها تكون صفًّا) أي: في حكم صفٍّ؛ لأنها لا تقف مع الرجال، وإلا فالصف يقتضي تعددا. 727 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: "صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ، فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا". [انظر: 380 - مسلم: 658 - فتح: 2/ 212] (سفيان) أي: ابن عيينة. (عن إسحق) أي: ابن عبد الله بن طلحة. (ويتيم) هو ضميرة بن أبي ضُميرة، بضمِّ المعجمة: الصحابيُّ ابن الصحابيِّ. (أمُّ سُليم) عطف بيان لـ (أمي) واسمها: سهلة، أو رميثة، أو رميلة، أو الغميصاء، أو الرميصاء، زوجة أبي طلحة، ومرَّ بيان الحديث في باب: الصلاة على الحصير (¬2). وأخذ منه صحة صلاة المنفرد خلف الصف، وفيها خلافٌ، فقيل: بعدم صحتها لخبر الطبراني: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلِّي خلف الصف وحده، فقال: "أعد الصلاة" (¬3) والجمهور على صحتها، وأجابوا عن الخبر بحمل الإعادة فيه على الندب جمعًا بين الدليلين. ¬
79 - باب ميمنة المسجد والإمام
79 - بَابُ مَيْمَنَةِ المَسْجِدِ وَالإِمَامِ 728 - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدِي - أَوْ بِعَضُدِي - حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَقَال بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي". [انظر: 117 - مسلم: 763 - فتح: 2/ 213] (موسى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي. (عاصم) أي: ابن سليمان الأحول. (عن الشعبي) هو عامر بن شراحيل. (وقال بيده) أي: أشار بها. (من ورائي) أي: من وراء ابن عباس، وفي نسخة: "من ورائه لا وهي كما قال شيخنا أوجه (¬1)، ومرَّ بيان الحديث (¬2). 80 - بَابُ إِذَا كَانَ بَيْنَ الإِمَامِ وَبَيْنَ القَوْمِ حَائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ وَقَال الحَسَنُ: "لَا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ نَهْرٌ" وَقَال أَبُو مِجْلَزٍ: "يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ إِذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ". (باب: إذا كان بين الإمام وبين القوم) أي: المقتدين به. (حائط أو سترة) لا يضرّ ذلك مطلقًا عند بعضهم، وبشرط أن يجمعهما نحو مسجد، ويعلم المأموم بصلاة الإمام عند الشافعية. ¬
(نهر) أي: وإن أحوج إلى سباحة، وفي نسخة: "نهير" بالتصغير. (أبو مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم، اسمه: لاحق بن حميد بن سعيد. (يأتمُّ) أي: الشخص. (أو جدار) إذا جمعهما نحو مسجد، كما مرَّ. (إذا سمع تكبير الإمام) أي: أو مبلغ عنه، وبَسْطُ ذلك يُطلب من كتب الفقه. 729 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ - أَوْ ثَلاثًا - حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَال: "إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلاةُ اللَّيْلِ". [730، 924، 1129، 2011، 2012، 5861 - مسلم: 761 - فتح: 2/ 213] (حدثنا محمد) أي: "ابن سلام" كما في نسخة، وفي أخرى: "حدثني محمد" ولام (سلام) مخففة على الراجح. (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (عَبدةُ) بفتح العين، وسكون الموحدة، أي: ابن سليمان الكوفي. (عن عمرة) أي: بنت عبد الرحمن الأنصارية. (كان يصلي من الليل في حجرته) أي: في حجرة بيته، أو حجرته التي احتجرها في المسجد بالحصير. (أناس) في نسخة هنا وفيما يأتي: "ناسٌ". (بصلاته) أي: ملتبسين، أو مقتدين بها. (فأصبحوا) أي: دخلوا في الصباح فهي تامة. (ليلة الثانية) أي: ليلة الغداة الثانية، وفي نسخة: "الليلة الثانية". (ذلك) أي: الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم -. (أو ثلاثة) في نسخة: "أو ثلاثا". (حتَّى إذا كان) أي: الوقت. (فلم يخرج) أي إلى الموضع المعهود الذي صلَّى فيه تلك الليالي. (تكتب) أي: تفرض.
81 - باب صلاة الليل
(عليكم صلاة الليل) زيادة على الفرائض الخمس، ولا يعارضه قوله في ليلة الإسراء: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ} فإن ذلك المراد به النقص عن الخمس بقرينة السياق، أو أن الزيادة تجب من جهة وجوب الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - لا من جهة إنشاء فرض زائد على الخمس، كما يوجب الرجل على نفسهِ صلاةَ نَذرٍ، ولا يدل على زيادة فرض فيما فرض في الأصل. 81 - بَابُ صَلاةِ اللَّيْلِ (باب: صلاة الليل) أي: جماعة ليناسب الأبواب السابقة؛ لأنها في إقامة الصفوف، وهي إنما تكون بجماعة، أما صلاة الليل لا بقيد الجماعة، فقد أفرد لها البخاريُّ كتابًا بعدُ. 730 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ، يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ، فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ". [انظر: 729 - مسلم: 761، 782 - فتح: 2/ 214] (ابن أبي فديك) نسبة إلى جَدٍّ له أعْلَى، وإلَّا فهو محمد بن إسماعيل بن أبي مسلم بن أبي فديك، بضم الفاءِ، وفتح المهملة: دينار الديلمي، وفي نسخة: "ابن أبي الفديك". (ابن أبي ذئب) نسبة لجَدٍّ له أعلى، وإلا فهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام المدني. (المقبري) بفتح الميم وضم الموحدة وكسرها، وقد تفتح نسبة إلى المقبرة؛ لمجاورته لها، واسمه: سعيد بن أبي سعيد. (يبسطه) أي: يفرشه، وفي نسخة: "يبتسط" بفوقية بعد الموحدة وكسر السين. (ويحتجره) براء أي: يتخذه حجرةً، وفي نسخة: بالزاي أي: يجعله حاجزًا بينه وبين غيره.
(فثاب) بمثلثة، وموحدة، أي: اجتمع، وجاء وفي نسخة: "فثار" برَاءٍ بدل الموحدة من الثوران: وهو الهيجان، أي: ارتفع أو قام. (فصفُّوا) في نسخة: "وصفُّوا". 731 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ حُجْرَةً - قَال: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَال مِنْ حَصِيرٍ - فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَال: "قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاةِ صَلاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلا المَكْتُوبَةَ" قَال عَفَّانُ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى، سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، عَنْ بُسْرٍ، عَنْ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [6113، 7290 - مسلم: 781 - فتح: 2/ 214] (وهيب) أي: ابن خالد. (بسر) بضم الموحدة، وسكون المهملة. (حجرة) براءٍ، وفي نسخة: "بزاي". (جعل) أي: طفق. (عرفت) في نسخة: "علمت". (صنيعكم) في نسخة: "صنعكم" بضمِّ الصَّادِ وسكون النونِ، أي: حرصكم على صلاة التراويح. (فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم) أي: النوافل التي لم تشرع فيها الجماعة. (إلَّا المكتوبة) أي: أو ما شرع فيه جماعة، كالعيد والتراويح فإن فعلها في المسجد أفضل منها في البيت، وأخذ بظاهر الحديث مالك فقال: صلاة التراويح في البيت أفضل منها في المسجد. وأجاب غيره: بأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال ذلك خشية أن تفرض عليهم، وبعد وفاته أمن ذلك، وهذا جواب أيضًا عن صلاة العيد ونحوها. وفي الحديث: جواز الاقتداء بمن لم ينو الاقتداء، [فإن نوى] (¬1) ¬
82 - باب إيجاب التكبير، وافتتاح الصلاة
بعد اقتدائهم به حصلت له فضيلة الجماعة، وإلَّا فلا، وأنَّ الكبير إذا فعلَ شيئًا خلاف ما يتوقعه أتباعه يذكر لهم عذره وحكمته، وجواز النفلِ في المسجد، والجماعة في غير المكتوبة، وترك بعض الصالحِ لخوف مفسدة هي أعظم، وشفقته على الأمة. (وقال عفَّان) أي: ابن مسلم بن عبد الله الباهليِّ. (موسى) أي: ابن عقبة. (سمعت أبا النَّضرِ) أي: ابن أبي أمية. (عن بسر) أي: ابن سعيد. (عن زيد) أي: ابن ثابت .. وهذا الطريق ساقط من نسخة. وفائدة ذكره: بيان سماع موسى له من النضر، ولما فرغ البخاريُّ من بيان أحكام الجماعة وما يتعلَّق بها، شرع في بيان صفة الصلاة وما يتعلَّقُ بها، فقال: 82 - بَابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ، وَافْتِتَاحِ الصَّلاةِ (باب: إيجاب التكبير للإحرام وافتتاح الصلاة) أي: به، والواو بمعنى مع، أو للعطف على إيجاب، وفي نسخة قبل (باب): "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أبواب: صفة الصلاة". 732 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ - قَال أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَال لَمَّا سَلَّمَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ". [انظر: 378 - مسلم: 411 - فتح: 2/ 216] (فإذا صلَّى قائمًا فصلوا قيامًا) لم يذكره في الحديثين بعده وإنما ذكر فيهما: (فإذا كبر فكبروا) فهو مقدر هنا، والمقدر كالملفوظ به، وبتقديره هنا يحصل مطابقة الحديث للجزء الأول من الترجمة ويلزم منه
مطابقته للجزء الثاني منها؛ لأن التكبير أوَّل الصلاة لا يكون إلَّا عند الافتتاح، وبذلك سقط ما قيل: إنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة. وقد وجهه الكرماني بما فيه تكلف زائدٌ، ثم قال: وقد يقال: عادةُ البخاريِّ أن يذكر مع الحديث المناسب للترجمة ما يناسب ذلك الحديث وإن لم يناسب الترجمة (¬1). 733 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَال: خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ، فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَال: "إِنَّمَا الإِمَامُ - أَوْ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ - لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا". [انظر: 378 - مسلم: 411 - فتح: 2/ 216] (قتيبة بن سعيد) لفظ: (ابن سعيد) ساقط من نسخة. (حدثنا الليث) في نسخة: "حدثنا ليثٌ". (فجحش) أي: خُدِشَ. (ربنا لك الحمد) في نسخة: "ربنا ولك الحمد" أي: حمدناك ولك الحمد، فتفيد الواو أن الحمد ذكر مرتين. وظاهر الحديث: وجوب ذلك، لكن صرف الأمر فيه عن الوجوب إجماع من يعتد به، وتقدم ما يتعلق بأحاديثِ البابِ. 734 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ". [انظر: 722 - مسلم: 414، 417 - فتح: 2/ 216] ¬
83 - باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء
83 - باب رَفْعِ اليَديْنِ فِي التَّكْبيرَةِ الأُولَى مَعَ الافتِتَاح سَوَاءً. (باب: رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح) أي: للصلاة. (سواء) حال، أي: حال كون رفع اليدين مع الافتتاح متساويين. وفي الترجمة قصورٌ عمَّا في الحديث؛ إذ فيه الرفعُ في غير التكبيرة الأولى، كما يأتي. 735 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ". [736، 738، 739 - مسلم: 390 - فتح: 2/ 218] (حذو منكبيه) أي: مقابلهما. (رفعهما) جواب (إذا) في قوله: (وإذا رفع). (كذلك) أي: حذو منكبيه، والسنة في الرفع مقارنة ابتدائه لابتداءِ التكبير وانتهائه لانتهائه كما صححه النوويُّ في "مجموعه" (¬1). وصحَّح في "الروضة" كأصلها في انتهاء الرفع لتكبيرة الإحرام: أنه لا حدَّ له (¬2) وقيل: غير ذلك، كما هو مبسوطٌ في كتب الفقه، ودليل سن مقارنةِ ابتداءِ الرفع لابتداءِ التكبير خبر الباب. وأمَّا خبر مسلم في رواية أنه رفعهما ثم كبَّر (¬3) وفي أخرى: أنه كبر ثم رفع يديه (¬4) فمحمولٌ على بيان الجواز جمعًا بين الأدلة. (وكان لا يفعل ذلك) أي: الرفعَ. (في السجود) أي: لا في ابتدائه ولا في الرفعِ منه. ¬
84 - باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع
84 - بَابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ إِذَا كَبَّرَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ (باب: رفع اليدين إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع) أي: رأسه من الركوع. 736 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ". [انظر: 735 - مسلم: 390 - فتح: 2/ 219] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (يونس) هو ابن يزيد الأيلي. (إذا قام في الصلاة) قال الكرماني: أي: شرع فيها، وهو غير قام إليها، وقام لها، ولا يخفى الفرق بين الثلاث (¬1). وتقدم بيان الحديث (¬2). 737 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الحُوَيْرِثِ "إِذَا صَلَّى كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ"، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ هَكَذَا. [مسلم: 391 - فتح: 2/ 219] (خالد بن عبد الله) هو الطحان. (عن خالد) هو الحذاء. (إذا أراد أن يركع) ذكر الإرادة في الركوع؛ لأن الرفع فيه عندها بخلاف رفعهما في غيره. (وحدث .. إلخ) الجملة حال لا عطف على (رأى)؛ لأن المحدث: مالك، والرائي: أبو قلابة. ¬
85 - باب: إلى أين يرفع يديه؟
85 - بَابٌ: إِلَى أَيْنَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ؟ وَقَال أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: "رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ". [828] (باب: إلى أين يرفع يديه؟) أي: بيان ما يرفع إليه المصلِّي يديه في الأحوالِ الآتيةِ. (أبو حميد) هو عبد الرحمن بن سعيد الساعديُّ. (في أصحابه) يحتمل أنه قاله بينهم، وأنه من جملتهم وكلهم قائلون، والمراد به: لأصحاب الصحابة. (حذو منكبيه) في رواية أخرى: حتِّى يحاذي بهما أذنيه (¬1)، وفي أخرى: حتّى يحاذي فروع أذنيه (¬2) فجمع الشافعيُّ بأنه: رفع يديه حذو منكبيه بحيث يحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه أي: أعلاهما، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، والمنكب: مجمع عظم العضد والكتف. 738 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلاةِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى 5 يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَعَلَ مِثْلَهُ، وَقَال: رَبَّنَا وَلَكَ ¬
86 - باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين
الحَمْدُ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ، وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ". [انظر: 735 - مسلم: 390 - فتح: 2/ 221] (رأيت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -) إلى آخره تقدم بيانه. 86 - بَابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ (باب: رفع اليدين إذا قام من الركعتين) بعد التشهد الأوَّل. 739 - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ " إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ"، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مُخْتَصَرًا. [انظر: 735 - مسلم: 390 - فتح: 2/ 222] (عيَّاش) أي: ابن الوليد الرقام. (عبد الأعلى) هو ابن عبد الأعلى الساميُّ، بمهملة. (دخل في الصلاة) أي: أراد الدخول فيها. (ورفع ذلك) أي: الرفع المذكور. (ابن طهمان) اسمه: إبراهيم. 87 - بَابُ وَضْعِ اليُمْنَى عَلَى اليُسْرَى فِي الصَّلاَةِ (باب: وضع) اليد (اليمنى على اليسرى في الصلاة) أي في محل القراءة منها، بأن يقبض الكوع مع بعض الرسغ بيمناه تحت الصدر وفوق [السرة] (¬1) الرسغ: المفصل بين الساعد والكف. ¬
88 - باب الخشوع في الصلاة
740 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَال: "كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِي الصَّلاةِ" قَال أَبُو حَازِمٍ لَا أَعْلَمُهُ إلا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال إِسْمَاعِيلُ: يُنْمَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ يَنْمِي. [فتح: 2/ 224] (أن يضع) بأن يضع. (لا أعلمه) أي: الأمر. (ينمي) بالبناءِ للفاعل أي: يسند. (قال إسماعيل يُنمى) بالبناء للمفعول (ولم يقل) أبو حازم: ينمي بالبناء للفاعل حتى يكون هو الذي نمَّاه. 88 - بَابُ الخُشُوعِ فِي الصَّلاةِ (باب: الخشوع في الصلاة) لفظ: "باب" ساقط من نسخة، والخشوع قلبي وبدني، فالأوَّل: خشية القلب، والثاني: سكون البدن، والمراد هنا: مجموعهما. 741 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا، وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ، وَإِنِّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي". [انظر: 418 - مسلم: 424 - فتح: 2/ 225] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (هل ترون؟) استفهامٌ إنكاري. (قبلتي) أي: مقابلتي بمعنى: مواجهتي، أي: لا تظنوا مواجهتي هاهنا فقط، أو المعنى: لا تروا قصدي ورؤيتي طرف القبلة فقط، والله لأراكم من غيرها أيضًا، وسبق بيان ذلك في باب: تسوية الصفوف (¬1). ¬
89 - باب ما يقول بعد التكبير
742 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَال: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي - وَرُبَّمَا قَال: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي - إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ". [انظر: 419 - مسلم: 425 - فتح: 2/ 225] (غندر) هو محمد بن جعفر البصريُّ. (أقيموا) أي: "أتموا" كما في رواية (¬1). (من بعدي) أي: من خلفي .. ومرَّ بيان الحديث (¬2). 89 - بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ (باب: ما يقرأ بعد التكبير) أي: للإحرام، وفي نسخة: "باب: ما يقول بعد التكبير". 743 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاةَ بِ {الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالمِينَ} [الفاتحة: 2] ". [مسلم: 399 - فتح: 2/ 226] (يفتتحون الصلاة) أي: قراءتها، أو أطلق الصلاة على القراءة، فهو مجاز حذفٍ، أو استعارة (بـ {الْحَمْدُ}) بضمِّ الدال على الحكاية، ولا دلالة فيه على ترك البسملة؛ لأن المراد الافتتاح بالفاتحة قبل السورة، وهذا اسمها، كما يقال: يفتتح بالبقرة، أي: بسورتها، فلا تعرض فيه لكون البسملة منها أولًا، ولكن قامت الأدلة للشافعيِّ ¬
على إثباتها، كما بينتها في غير هذا الكتابِـ (¬1). 744 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَال: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً - قَال أَحْسِبُهُ قَال: هُنَيَّةً - فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَال: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالبَرَدِ". [مسلم: 598 - فتح: 2/ 227] (أبو زرعة) هو ابن عمرو بن جرير البجلي، واسمه: هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو. (يسكت) من السكوت، وقيل: يسكت بضمِّ الياءِ من الإسكات [فالهمزة للصيرورة، كأغد البعير، أي: صار ذا غدةٍ فمعناه هنا: صار ذا سكوت قال الجوهري: يقال تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قيل: اسكت. (إسكاتة) من الإسكات] (¬2) أو من السكوت فيكون من المصادر الشاذة، كأتيته إتيانًا، والقياس: أَتْية، والمراد منه السكوت عن الجهرِ لا عن الكلام مطلقًا لما سيأتي. (قال هُنيَّة) أي: بدل (إسكاتة) قاله الكرمانيُّ (¬3). قال شيخنا: وليس بواضح، بل الظاهر: أنه شكَّ، هل وصف الإسكاتة بكونها هنية أم لا؟ وهي ¬
بالنون بلفظ: التصغير، وبتشديد الياءِ عند الأكثر وبالهمز عند الأقل، وإن زعم بعضهم أنه بالهمز خطأ وأصله هنوة أي: قليل الزمان، فلما صُغِّرت صارت هنيوة، فاجتمعت واو وياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياءً. ثم أدغمت. وفي نسخة: "هنيهة" بقلب الياءِ الثانية هاءً (¬1). (بأبي) متعلِّقٌ باسم، أو فعلٍ محذوف؛ لكثرة الاستعمال، أي: أنت مَفدِيٌّ، أو فديتك بأبي. (إسكاتك) بالنصب بنزع الخافض. (ما تقول؟) في محلِّ النصب بفعل مقدر، أي: أسألك ما تقول في إسكاتك؟ ولا تنافي بين السكوت والقولِ فيه؛ لأن المراد به ترك الجهر لا ترك الكلام أصلًا. (باعد) أي: ابعد، وعبَّر بالمفاعلة مبالغة، (وبين خطاياي) كرر (بين)؛ لأنَّ العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض (¬2)، وأصل خطايا: خطايئ. فعند سيبويه: أبدلت الياء همزة؛ لوقوعها بعد الألف فاجتمعت ¬
همزتان، فأبدلت الثانية ياء، ثم قلبت ألفًا، وكانت الهمزة بين ألفين، فأبدلت ياءً. وعند الخليل: قدمت الهمزة، ثم فعل بهما ذلك. والخِطيء بالكسر: الذنب. (كما باعدت بين المشرق والمغرب) ما: مصدرية، والكاف للتشبيه، ويرجع الشبه أن التقاء المشرق والمغرب لمَّا كان مستحيلا، شبه بُعد الذنب عنه ببعد المشرق عن المغرب. (من الدنسِ) أي: الوسخ. (بالماء والثلج والبرد) جمع بينها؛ مبالغة في التطهير، وخصَّها بالذكر؛ لأنها منزلة من السماءِ؛ ولأنها لبرودتها أسرع لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم؛ لأنها سبب لها، فعبَّر عن إطفاء حرارتها بذلك، وبالغ فيه باستعمال المبردات، وبرودة الماء مأخوذة من وصفه بها في خبر مسلم (¬1). وأما حكمة الدعوات الثلاثة: فللإشارة إلى غفران ما يقع في الأزمنة الثلاثة، فالمباعدةُ للمستقبلِ، والتنقيةُ للحالِ، والغسلُ للماضي، ثُمَّ الدعاء بما ذكر صدر عنه - صلى الله عليه وسلم -؛ مبالغة في إظهار العبودية، وإلَّا فهو معصومٌ، وقيل: قاله؛ تعليمًا لأمته. ¬
90 - باب
وفي الحديث: ندب الدعاءِ بين التكبير والقراءة، وما كانت الصحابة عليه من المحافظة على تتبع أحوال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حركاته وسكناته، وإسراره وإعلانه. 90 - باب (باب) ساقطٌ من نسخة، وعليها فمناسبة الحديث للترجمة في قوله: (فقام فأطال القيام)؛ لأن إطالته اشتملت على الدعاءِ، وقراءة القرآن، وقد علم أن الدعاءَ عقب الافتتاح قبل الشروع في القراءة يصدق عليه باب: ما يقول بعد التكبير. 745 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَال: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلاةَ الكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَال القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَال القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَال السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَال السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَال القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَال القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَال الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ، فَأَطَال السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَأَطَال السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَال: "قَدْ دَنَتْ مِنِّي الجَنَّةُ، حَتَّى لَو اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا، لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ، وَأَنَا مَعَهُمْ؟ فَإِذَا امْرَأَةٌ - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَال - تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لَا أَطْعَمَتْهَا، وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ - قَال نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَال: مِنْ خَشِيشِ - أَوْ خَشَاشِ الأَرْضِ". [2364 - فتح: 2/ 231] (ابن أبي مريم) نسبة إلى جَدٍّ له أعلى؛ لشهرته به، وإلَّا فهو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم. (ابن أبي مليكة) نسبة إلى جده؛ لشهرته به، وإلَّا فهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة، واسم أبي
91 - باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة
مليكة. زهير بن عبد الله التميمي. (لو اجترأت) من الجرأة: وهي الجسارة، وإنما قال ذلك؛ لأنه لم يكن مأذونًا له من عند الله بأخذه. (قِطاف) بكسر القاف جمع قِطف بكسرها: وهو العنقود، ويجمع أيضًا على قطوف، قال تعالى: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)} [الحاقة: 23]. (أَوَ أنا معهم؟) بهمزة الاستفهام، والواو عاطفة على مقدرٍ، كما مرَّ في نظيره، وفي نسخة: بلا همزة وهي مقدرة. (فإذا امرأة) (إذا) للمفاجآت (¬1). (حسبت أنه قال) جملة معترضة، وضمير (أنه) للنبي - صلى الله عليه وسلم -، أو لابن أبي مليكة، فضمير (حسبت) على الأول لأبي هريرة وعلى الثاني لنافع. (لا أطعمتها) في نسخة: "لا هي أطعمتها". (من خشيش أو خشاش) في نسخة: "من خشيش أو خشاش الأرض" وهو بخاءٍ معجمة مفتوحة فيهما، وقيل: مكسورة في الثاني: حشرات الأرض وهوامها، وبسط الكلام على كيفية صلاة الكسوف يطلب من كتب الفقه. وفي الحديث: أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وأن تعذيب الحيوان غير جائز، وأن المظلوم من الحيوان يسلط يوم القيامة على ظالمه. 91 - بَابُ رَفْعِ البَصَرِ إِلَى الإِمَامِ فِي الصَّلاةِ وَقَالتْ عَائِشَةُ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلاةِ الكُسُوفِ: "فَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ". [انظر: 1044 - فتح: 2/ 231] ¬
(باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة) أي: حيث احتيج إلى بصره كأن ينظر إليه هل أحرم أم لا؟ وإلَّا فالسنة عند الشافعي أن ينظر المصلِّي إلى محلِّ سجوده. (رأيت) في نسخة: "فرأيت" عطف على المذكور في حديث صلاة الكسوف المطوَّل. (يحطم) -بكسر الطاء- أي: يكسر، أو يأكل، والحُطَمَةُ: من أسماء النار؛ لأنها تحطم ما يلقى. 746 - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَال: قُلْنَا لِخَبَّابٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟، قَال: نَعَمْ، قُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَال: "بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ". [760، 761، 777 - فتح: 2/ 232] (موسى) أي: ابن إسماعيل المنقري. (عبد الواحد) أي: "ابن زياد" كما في نسخة. (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن أبي معمر) هو عبد الله بن سخبرة بفتح المهملة وسكون الجيم. (خبَّاب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة: ابن الأرت بمثناة مشددة. (يقرأ) أي: غير الفاتحة إذ لا شكَّ في قراءتها عند الشافعيِّ. (قلنا) في نسخة: "فقلنا" (بم) [أي: بما] (¬1) فحذفت الألف؛ تخفيفًا (¬2). (ذاك) في نسخة: "ذلك" أي: قراءته. (باضطراب لحيته) بكسر اللام، أي: بحركتها، واللحية: مجمع الشعر النابت على الخدين والذقن، وفي رواية: لحييه (¬3) بفتح اللام تثنية لَحي بفتحها وهو منبت اللحية. ¬
747 - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، يَخْطُبُ قَال: حَدَّثَنَا البَرَاءُ - وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ - أَنَّهُمْ كَانُوا "إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ". [انظر: 690 - مسلم: 474 - فتح: 2/ 232] (حجاج) هو ابن منهال. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (أبو إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي. (حدثنا البراء) في نسخة: "أخبرنا البراء". (وكان غير كذوب) في نسخة: "وهو غير كذوب". (مع رسول الله) في نسخة: "مع النبيِّ". (حتَّى يرونه) بثبوت نونه على أنه للحال، وفي نسخة: بحذفها على أنه للاستقبال. 748 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، قَال: "إِنِّي أُرِيتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا". [انظر: 29 - مسلم: 907 - فتح: 2/ 232] (إسماعيل) هو ابن أبي أويس. (خسفت الشمس) استعمل خسفت في الشمس، وهو: صحيح، وإن كان الأجود استعماله في القمر، واستعمال كسفت بكاف في الشمس، كما مرَّ. (فصلى) أي: صلاة الكسوف. (قالوا) في نسخة: "فقالوا". (تناولت) في نسخة: "تناول" مضارعًا حذفت منه إحدى التاءين. (تكعكعت) أي: تأخرت ورجعت وراءك. (قال) في نسخة: "فقال". (أريت) بضمِّ الهمزة، وفي نسخة: "رأيت". (ولو أخذته) يدل على أنه لم يأخذه، فيجب تأويل تناولت بأنه أراد تناوله لنفسه ولم يأخذه لهم وعلى الأول أنه لم يأخذه؛ لأنه من طعام الجنة وهو لا يغني
ولا يؤكل في الدنيا إلَّا ما يغني. واختصر في هذه الرواية الجواب عن التأخر، وذكره في سائر الروايات، وأنه لدُنُو نار جهنم. (لأكلتم) في نسخة: "لأكلت". 749 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَال: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، قَال: حَدَّثَنَا هِلالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ رَقِيَ المِنْبَرَ، فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ المَسْجِدِ، ثُمَّ قَال: "لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلاةَ الجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَاليَوْمِ فِي الخَيْرِ وَالشَّرِّ" ثَلاثًا. [انظر: 93 - مسلم: 2359 - فتح: 2/ 232] (فليح) أي: ابن سليمان بن المغيرة. (هلال بن عليٍّ) يقال له أيضًا: هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال، وهلال بن أسامة الفهري. (أنس بن مالك) لفظ: (ابن مالك) ساقط من نسخة. (صلَّى لنا) في نسخة: "صلَّى بنا". (ثم رقي) بكسر القاف، أي: صعد بكسر العين. (بيديه) في نسخة: "بيده". (قبل) بكسر أوله وفتح ثانيه، أي: جهة. (لقد رأيت الآن) هو ظرفٌ بمعنى الوقت الحاضر لا اللحظة الحاضرة التي لا تنقسم، ولا يشكل بأن (رأى) و (صلَّى) الآتي للماضي فكيف يجامعان الحال؛ لأنَّ قد تقربهما للحال. (منذ صليت) قال الكرماني: يجوز في (منذ) أن يكون حرفا، وأن يكون اسمًا (¬1)، وهو ¬
92 - باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة
مبتدأ وما بعده خبر، والزمان مقدر قبل صليت (¬1)، وقال الزجاج بعكس ذلك. (ممثلتين) أي: صورتين. (في قبلة هذا الجدار) أي: في جهتها. (كاليوم) الكاف في محلِّ نصب، أي: فلم أر منظرًا مثلَ منظرى اليوم. (في الخير والشرّ) أي: في أحوالهما. (ثلاثًا) أي: قال ذلك ثلاث مرات. ومطابقة الأحاديث الأُوَل للترجمة: ظاهرة، ووجها في الأخير: أن فيه رفع بصر الإمام إلى الشيءِ فناسب رفع بيان بصر المأموم إلا الإمام؛ ليشتركا في رفع البصر في الصلاة؛ وليعلم المأموم أحوال إمامه فيتبعه فيها. 92 - بَابُ رَفْعِ البَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلاةِ (باب: رفع البصر إلى السماءِ في الصلاة) أي: كراهته فيها؛ لأنه ينافي الخشوع الذي هو السكون. 750 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، قَال: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاتِهِمْ"، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَال: "لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ". [فتح: 2/ 233] (أخبرنا يحيى) في نسخة: "حدثنا يحيى". (ابن أبي عروبة) اسمه سعيد، واسم أبيه: مهران. (حدثهم) في نسخة: "حدثه". (ما بال أقوام) أي: ما حالهم، وأبهم الرافع؛ لئلَّا ينكسر خاطره؛ لأنَّ النصيحة على رءوس الأشهاد فضيحة. (في ذلك) أي: في ¬
93 - باب الالتفات في الصلاة
النهي عن رفع البصر إلى السماءِ. (لينتُهنَّ) جواب قسم محذوف، وهو بفتح التحتية، وضمِّ الهاء بالبناءِ للفاعل، والأصل لتنهوننَّ، وفي نسخة: "لينتهين" بضمِّ التحتية وفتح الهاءِ بالبناء للمفعول. (عن ذلك) أي: عن رفع البصر إلى السماءِ في الصلاة. (أو قال لتخطفَنَّ) بضمِّ الفوقية، وفتح الفاءِ، بالبناءِ للمفعول، وأو للتخيير: تهديدٌ أو هو خبرٌ بمعنى النهي والمعنى: ليكوننَّ منكم الانتهاءُ عن رفع البصر إلى السماء، أو خطف الأبصار عند رفعها من الله تعالى. والحاصل: أن رفعها مكروه، وإنما لم يحرم للإجماع على عدم الحرمة، أما رفع البصر إلى السماء في غير الصلاة لدعاء ونحوه فجوزه الأكثرون، كما قاله (¬1) القاضي عياض؛ لأن السماء قبلة الدعاءِ، كالكعبة قبلة الصلاة، وكرهه آخرون. 93 - بَابُ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاةِ (باب: الالتفات في الصلاة) أي: كراهته؛ لمنافاة الخشوع. 751 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، قَال: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلاةِ؟ فَقَال: "هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ". [3291 - فتح: 2/ 234] (أبو الأحوص) هو سلَّام بتشديد اللام بن سليم بضمِّ السين. (أشعث) هو ابن سليم بضمِّ السين المحاربي. (مسروق) أي: ابن الأجدع الهمداني. ¬
94 - باب: هل يلتفت لأمر ينزل به، أو يرى شيئا، أو بصاقا في القبلة؟!
(اختلاس) هو الاختطاف بسرعة. (يختلسه) في نسخة: "يختلس" والمعنى: أن من التفت في الصلاة ذهب خشوعه فاستعير لذهابه اختلاس الشيطان والمراد بالالتفات: تحويل الشيطان الرأس يمينا وشمالا لا تحويل الصدر، إذ ذاك يبطل الصلاة. 752 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ، فَقَال: "شَغَلَتْنِي أَعْلامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ". [انظر: 373 - مسلم: 556 - فتح: 2/ 234] (سفيان) أي: ابن عيينة. (في خميصة) أي: كساء أسود مربع. (لها أعلام) وقيل: علمان. (شغلتني) في نسخة: "شغلني". (اذهبوا بها) في نسخة: "به". (أبي جهم) في نسخة: "أبي جهيم". (بأنبجانية) بفتح الهمزة وكسر الموحدة وتشديد التحتية، وفي نسخة: "بأنبجانيته" بضمير أبي جهم، وهو المراد من الأولى ويحتمل تعميمها، وتقدم بيان الحديث في باب: إذا صلَّى في ثوب له أعلام (¬1). 94 - بَابٌ: هَلْ يَلْتَفِتُ لِأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ، أَوْ يَرَى شَيْئًا، أَوْ بُصَاقًا فِي القِبْلَةِ؟! وَقَال سَهْلٌ: "التَفَتَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَرَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [انظر: 684] (باب: هل يلتفت لأمر ينزل به) كأن يخاف من سقوط جدار، أو قصد حية، أو سبع له، (أو) أي: أو هل (يرى شيئًا) في القبلة، أو عن ¬
يمينه، أو عن يساره. (أو) يرى (بصاقًا في القبلة) وجواب (هل) محذوف تقديره: نعم، أي: يفعل ذلك للحاجة. (وقال سهل) أي: ابن سعد. (فرأى النبيَّ) في نسخة: "فرأى رسول الله". 753 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَال: رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ وَهُوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَال حِينَ انْصَرَفَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلاةِ" رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ. [انظر: 406 - مسلم: 547 - فتح: 2/ 235] (حدثنا) في نسخة: "حدثني". (قتيبة بن سعيد) لفظ: "ابن سعيد" ساقط من نسخة. (ليث) في نسخة: "الليث". (أنه رأى) في نسخة: "أنه قال رأى". (فحتَّها) بمثناة فوقية، أي: حكَّها وأزالها، وهو محمولٌ على العمل اليسير؛ لئلَّا تبطل صلاته. (فإن الله قبل وجهه) أي: مطلع عليه كأنه مقابل لوجهه، ومرَّ بيان الحديث (¬1). (ابن أبي روَّاد) بتشديد الواو، اسمه: عبد العزيز، واسم أبيه: ميمون مولى أبي المهلب. 754 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَال: بَيْنَمَا المُسْلِمُونَ فِي صَلاةِ الفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ، فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الخُرُوجَ ¬
95 - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت
وَهَمَّ المُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلاتِهِمْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ، فَأَرْخَى السِّتْرَ وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ". [انظر: 680 - مسلم: 419 - فتح: 2/ 235] (عقيل) بضمِّ العين، أي: ابن خالد الأيلي. (لم يفجأهم) هو العامل في بينما. (كشف) حال. (فتبسم) عطف على نظر. (يضحك) حال مؤكدة أي: غير منتقلة، أو حال مقدرة، قاله الكرماني وغيره (¬1). (ونكص) أي: رجع. (ليصلَ له) أي: لنفسه، ويصل من الوصول لا من الوصل، واللام زائدة، أي: ليوصل نفسه. (الصف) بنصبه بنزع الخافض، أي: إلى الصف. (وظن) في نسخة: "فظن" بالفاءِ السببية، أي: نكص أبو بكر بسبب ظنه. (أنه) أي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - (يريد الخروج) أي: إلى الصلاة. (وهم المسلمون) أي: قصدوا. (أن يفتتنوا) أي: يقعوا في الفتنة، أي: فساد الصلاة فرحًا به - صلى الله عليه وسلم - (أن أتمَّوا) أي: بِأن أئموا، ولفظ: (أن) ساقط من نسخة. 95 - بَابُ وُجُوبِ القِرَاءَةِ لِلْإِمَامِ وَالمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ. 755 - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَال: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَال: يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَال أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ "فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاةَ العِشَاءِ، فَأَرْكُدُ فِي ¬
الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ"، قَال: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إلا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَال: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّويَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ، قَال سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، قَال عَبْدُ المَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ، قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ (¬1). [758، 770 - مسلم: 453 - فتح: 2/ 236] (باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم) في الصلوات كلِّها، في الحضر والسفر، (وما يجهر فيها وما يخافت) أي: وباب الصلاة التي يجهر ويسر فيها. (موسى) أي: ابن إسماعيل. (أبو عوانة) اسمه: الوضاح بتشديد الضاد المعجمة ابن عبد الله اليشكري. (شكا أهل الكوفة) (¬2) أي: بعضهم وسميت كوفة؛ لاستدارتها من ¬
قولهم للرمل المستدير كوفًا؛ وقيل: لأن ترابها يخالطه حصى، وكل ما كان كذلك يسمى كوفة. (فشكوا) أي: سعدًا، فالفاء تفسيرية عَطَفتْ ما بعدها على (شكا أهلُ الكوفة سعدًا) وما بينهما اعتراض. (فأرسل إليه) أي: بأن يحضر فحضر، لذلك خاطبه بما يقتضي أنه حاضر. (فقال: يا أبا إسحق) هو كنية سعد كُنِّي به؛ لأنه أكبر أولاده، وهذا تعظيم من عمر له. وفيه إشارة إلى أنه لم تقدح فيه الشكوى عنده. (أمَّا) بتشديد الميم قسيمها محذوف، أي: أمَّا أنا (والله فإني كنت أصلِّي بهم صلاة رسول الله) وأمَّا هم فقالوا ما قالوا، والفاء بمدخولها جواب (أما)، وهو دالٌّ على جواب القسم، وكان القياس تأخير القسم عن الفاءِ، لكنه لمَّا لم يكن أجنبيًّا عن مدخولها جاز تقديمه عليها. (أخرم) بفتح الهمزة، وكسر الراء، أي: أنقص. وحُكِيَ ضمُّ الهمزة. (صلاة العشاءِ) قال الكرمانيُّ: لعله خصَّ صلاة العشاءِ بالذكر؛ لكونهم شكوه فيها؛ أو لأنها في وقت الراحةِ، فغيرها من باب أولى (¬1). وقال شيخنا ما حاصله: كذا هنا بكسر العين والمدّ، وفي الباب الآتي في أكثر النسخ: (صلاتي العشيِّ) (¬2) بالتثنية، وفتح العين والياء المشددة، ورواه جمع كذلك، وهو الأرجح، والمراد بالصلاتين: الظهر والعصر. قال: ولا يبعد أن تقع التثنية في الممدود ويراد بهما: المغرب والعشاء، لكن يعكر عليه قوله في الأخريين؛ إذ المغرب إنما لها أخرى واحدة (¬3). (فإنِّي) في نسخة: "إنِّي". (فأركُدُ) بضمِّ الكاف، ¬
أي: فأمكثُ، والمراد: أُطَوِّلُ (وأخفُّ) بضمِّ الهمزة، وفي نسخة: "وأخفف" وفي أخرى: "فأحذف" بفتح الهمزة وسكون المهملة وبذال معجمة، أي: أحذف التطويل. (ذلك) في نسخة: "ذاك" وهو: مبتدأ خبره (الظنُّ بك) أي: ما نقول هو الذي يظنُّ بك. (رجل) هو محمد بن مسلمة. (أو رجال) شكٌّ من الراوي. (سأل) حال مقدرة. (عنه) أي: عن سعد وفي نسخة: "فسأل عنه" بالعطف على مقدر أي: فأرسل رجلًا إلى الكوفة فانتهى إليها فسأل عنه، واقتصر على سؤال الرجل؛ اكتفاءً، وإلا فكان الأصل أن يقال: فسأل، أو يسألون عنه، أو المعنى: يسأل كلٌّ منهم. (ولم) في نسخة: "فلم". (يدع) أي: يترك. (لبني عبسٍ) بفتح العين وسكون الموحدة: قبيلة من قيس. (قال) في نسخة: "فقال". (أبا سعدة) بفتح السين وسكون العين المهملتين. (أما) قسيمها محذوف، أي: أمَّا نحن. (إذ نشدتنا) أي: سألتنا بالله فنقول كذا، وأما غيرنا: فأثنى عليه. (فإن سعدا كان لا يسير) لفظ (كان) ساقطٌ من نسخة. (بالسرية) بتخفيف الراءِ: قطعة من الجيش، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيءِ السريِّ النفيس، والباء للمصاحبة. (في القضية) أي: الحكومة والقضاء. (أما والله) بتخفيف الميم حرف استفتاح. (لأَدْعُوَنَّ) أي: عليك. (رياءً وسمعة) أي: ليراه الناسُ ويسمعونه، ويشهرون ذلك عنه؛ ليكون له بذلك ذكر. (فَأطِلْ عمره) أي: بأن يُردَّ إلى أرذل العمر، وينتكس في الخلقِ؛ نقمة لا نعمة. (وعرِّضه للفتن) أي: اجعله عرضة لها، وفي نسخة: "وعرضه بالفتن" وإنما ساغ لسعد أن يدعو على أسامة مع أنه مسلم؛ لأنه ظلمه بالافتراء عليه. والحكمة في دعواته الثلاث: أن أسامة
نفى عنه الفضائل الثلاث التي هي أصول الفضائل، وهي: الشجاعة التي هي القوة الغضبية حيث قال: لا يسير بالسرية والعفة التي هي كمال القوة الشهوانية حيث قال لا يقسم بالسوية. والحكمة: التي هي كمال القوة العقلية حيث قال ولا يعدل في القضية. والثلاثة تتعلَّقُ بالنفس والمال والدين، فقابلها سعد بثلاث مثلها، فدعى عليه بما يتعلَّق بالنفس، وهو طول العمر، وبما يتعلَّق بالمال وهو الفقر، وبما يتعلَّق بالدين وهو الوقوع في الفتن. (وكان) أي: الرجل المفتون، وفي نسخة: "فكان". (إذا سئل) أي: عن حال نفسه. (شيخ) أي: أنا شيخ. (كبير) أي: بالدعوة الأولى. (مفتون) أي: بالثالثة، واكتفى عن الثانية بعموم قوله: (أصابتني دعوة سعد) فإنها تعمُّ الثلاث. (فأنا) في نسخة: "وأنا". (في الطريق) في نسخة: "في الطرق". (يغمزهنَّ) أي: يعصر أعضاءهنَّ بأصابعه. وفيه: إشارة إلى الفتنة والفقر؛ إذا لو كان غنيًّا لما احتاج إلى ذلك. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن قوله: (فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أخرم عنها) يدل على جميع ما فيها؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يترك القراءة والجهر والسر في محلهما في الصلاة في حضر ولا سفر، وهو بقرينة الحديث الآتي وغيره يدلُّ على وجوب القراءة في الصلاة، وعلى ندب الجهر والسر في محلهما بناءً على استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وهو ما عليه الشافعيُّ. وفي الحديث: أن من سُعِيَ به من الولاة يسأل عنه الإمام في موضع عمله أهل الفضل منه، وأنَّ الإمام يعزل من شكي منه وإن كُذِبَ عليه إن رآه مصلحة؛ لئلَّا يُبْقي عليهم أميرًا وفيهم من يكرهه؛ خوفًا من إساءةٍ في العاقبة، وخطاب الرجل بمدحه في وجهه إذا لم يخف منه فتنة بإعجاب ونحوه.
756 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ". [مسلم: 394 - فتح: 2/ 236] (سفيان) أي: ابن عيينة. (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). سميت بذلك؛ لافتتاحه بها، وضمن (يقرأ) معنى: يبدأ، فعداه بالباءِ، أو هي للاستعانة. ودلالته على صدر الترجمة ظاهرة. 757 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَدَّ وَقَال: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ثَلاثًا، فَقَال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَال: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا". [793، 6251، 6252، 6667 - مسلم: 397 - فتح: 2/ 237] (يحيى) أي: [ابن سعيد] (¬1) القطَّان. (فدخل رجلٌ) اسمه: خلاد جَدُّ يحيى بن عبد الله بن خلَّاد. (ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن) أي: وهو الفاتحة للخبر السابق. قال النوويُّ: ما تيسر محمول على الفاتحة، أو على ما زاد عليها بعدها، أو على من عجز عنها، وإنما لم يذكر له بقية الواجبات، كالسجدة الثانية، والنية، والقعود في التشهد الأخير؛ ¬
96 - باب القراءة في الظهر
لأنها كانت معلومة عند السائل (¬1). 758 - [حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَال: قَال سَعْدٌ: "كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صَلاتَيِ العَشِيِّ لَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ" فَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ]. [انظر: 755 - مسلم: 453 - فتح: 2/ 237] 96 - بَابُ القِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ (باب: القراءة في الظهر) أي: وغيرها مما يأتي. 759 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي العَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ". [762، 776، 778، 779 - مسلم: 451 - فتح: 2/ 243] (سفيان) أي: ابن عيينة. (صلاتي العشي) في نسخة: "صلاة العشاء" ومرَّ الكلامُ على ذلك في الباب السابق (¬2). (أبو نعيم) هو الفضل بن دكين. (شيبان) أي: ابن عبد الرحمن. (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (الأوليين) تثنية أولى. (وسورتين) أي: في كلِّ ركعة سورة. (يُطَولُ) من التطويل (في الأولى) أي: في الركعة الأولى. (ويقصر في ¬
97 - باب القراءة في العصر
الثانية) أي: لئلَّا يحصلَ بتطويلها مع تطويل الأولى مَلَلُ. (يسمع الآية) في نسخة: "يسمعنا الآية". (أحيانًا) يدل على تكرر ذلك منه. 760 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَال: حَدَّثَنَا أَبِي، قَال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَال: سَأَلْنَا خَبَّابًا أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟ قَال: نَعَمْ، قُلْنَا: بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ؟ قَال: "بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ". [انظر: 746 - فتح: 2/ 244] (عمروُ بنُ حفصٍ) أي: ابن غياث. وفي الحديث: الإسرار في الظهر والعصر، وأن الجهر في السِّرية جائز، لكنه مكروه لنا، وأنه لا سجود للسهو على من فعل ذلك سواء كان - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك عمدًا؛ لبيان الجواز أم بلا قصد؛ لاستغراقه في التدبر، ويقاس بذلك حكم الإسرار في الجهرية. وفيه: أن قراءة سورة أفضل من قراءة بعض طويلة، وان كان أطول منها. 97 - بَابُ القِرَاءَةِ فِي العَصْرِ (باب: القراءة في العصر) وغيرها مما يأتي. 761 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَال: قُلْتُ لِخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ: أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ؟ قَال: "بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ". [انظر: 746 - فتح: 2/ 245] (قلت) في نسخة: "قلنا". 762 - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ
98 - باب القراءة في المغرب
بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَسُورَةٍ سُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا". [انظر: 759 - مسلم: 451 - فتح: 2/ 246] (هشام) أي: الدستوائي. (وسورة سورة) أي: وكان يقرأ فيما ذكر بسورة سورة، وكرره ليفيد التوزيع على الركعات، أي: يقرأ في كل ركعة من ركعتيها سورة، ومرَّ بيان حديثي الباب في الباب السابق (¬1). 98 - بَابُ القِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ (باب: القراءة في المغرب) أي: وغيرها مما يأتي. قال شيخنا والمراد: تقديرها لا إثباتها؛ لكونها جهرية، بخلاف ما تقدَّم في باب: القراءة في الظهر من أن المراد: إثباتها (¬2). 763 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَال: إِنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ: {وَالمُرْسَلاتِ عُرْفًا} [المرسلات: 1] فَقَالتْ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ "هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فِي المَغْرِبِ". [4429 - مسلم: 462 - فتح: 2/ 246] (أمَّ الفضلِ) اسمها لُبابة بنت الحارث: أمَّ عبد الله بن عباس، وإنما لم يقل: أمي؛ لشهرتها بذلك. (سمعته) فيه التفات، إذ القياس أن يقول: سمعتني. (فقالت) في نسخة: "قلت". (بُنَيَّ) تصغير ابن، وهو تصغير شفقة. ¬
(ذكرتني) بتشديد الكاف، وفي نسخة: بتخفيفها. (بقراءتك) بكسر القاف، وفتح الراءِ، وبالتاءِ، في نسخة: بضمِّ القاف، وسكون الراءِ وبالنون. (بهذه السورة) تنازع فيه "ذكَّرتني" و"قراءتك". (أنها) أي: هذه السورة. (لآخر ما سمعت) في نسخة: "لآخر ما سمعته". (من رسول الله) هذه الصلاة كانت في بيته - صلى الله عليه وسلم -، كما رواه البخاريُّ بعد عن أمِّ الفضل بلفظ: قالت: سمعت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا ثم ما صلَّى [إمامًا] (¬1) لنا بعد حتَّى قبضه الله (¬2)، ولا يشمل بخبر الترمذيِّ: أن أمَّ الفضل قالت: خرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاصبُ رأسه في مرضه فصلَّى المغرب فقرأ بالمرسلات (¬3)؛ لأن قولها خرج إلينا محمول على أنه خرج من مكانه الذي كان راقدًا فيه إلى من في البيت فصلَّى، بهم وأما ما مرَّ في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به (¬4) من أن الصلاة التي صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه في مرض موته كانت الظهر فكانت في المسجد. (يقرأ بها في المغرب) إمَّا حال فيحتمل سماعها منه، أو استئناف فلا يحتمل ذلك. 764 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، قَال: قَال لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: "مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ ¬
بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ؟! [فتح: 2/ 246] (أبو عاصم) هو الضحاك بن مخلد بفتح الميم. (عن ابن جريج) اسمه: عبد الملك. (ابن أبي مليكة) نسبة إلى جَدِّه؛ لشهرته به، وإلَّا فاسمه: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة بضمِّ الميم واسمه: زهير بن عبد الله الأحول. (ما لك؟) استفهامٌ إنكاريٌّ. (بقصار المفصل) في نسخة: "بقصارٍ" بالتنوين عوضٌ عن المضاف إليه، وهو المفصَّل، ومرَّ بيانه. (وقد سمعت) بضمِّ التاءِ. (بطولَى الطولَيَيْنِ) أي: بأطولِ السورتين الطويلتين بعد البقرة، وإلا لقال: طولى الطوَلِ فدَل على أنه أراد الأطول بعدها وهو الأعراف؛ لورودها في الحديث، والأخرى: الأنعام، أو المائدة، أو يونس. قال شيخنا: والمحفوظ منها الأنعام، واعترض ما ذكر بأن الأطولَ بعد البقرة النساءُ لا الأعراف، ورد بأن الأعرافَ أكثر آياتٍ، وإن كانت النساءُ أكثر كلمات وحروفٍ وفيه نظرٌ؛ لأن الوصفَ إنما وقع بالطُّول لا بالأكبر، ولا ريب أن النساءَ أطول، وإن كانت أقلُّ آياتٍ. و (طولَى)، تأنيث أطول ككبرى تأنيث أكبر، و (الطوليين) تثنية طولى وفي نسخة: "بطول الطوليين" بلام فقط في المضاف (¬1). واستدل بالحديثين: على امتداد وقت المغرب، وعلى ندب القراءة فيها بغير قصار المفصل وسيأتي الكلام عليه في الباب الآتي. ¬
99 - باب الجهر في المغرب
99 - بَابُ الجَهْرِ فِي المَغْرِبِ (باب: الجهر في المغرب) أي: سنُّ الجهرَ بالقراءة في صلاة المغرب. 765 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَرَأَ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ". [3050، 4023، 4854 - مسلم: 463 - فتح: 2/ 247] (ابن شهاب) هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهريُّ. (قرأ) في نسخة: "يقرأ". (بالطور) أي: بسورتها، عُلِمَ بهذا مع ما مر أن البخاريَّ ذكر في القراءة في المغرب ثلاث سورٍ (¬1) مختلفة المقادير؛ لأن الأعراف من السبع الطوال مطلقًا، والطور من طوال المفصل، والمرسلات من أوساطه، وقراءة كل منها جائزة بلا كراهة، لكن السنةَ عند الشافعي سنُّ القراءةِ فيها بقصار المفصل؛ لأنها الغالبة من فعله - صلى الله عليه وسلم -، وأما قراءته بغيرها فلبيان الجواز، أو لعلمهِ بعدم المشقةِ على المأمومين. 100 - بَابُ الجَهْرِ فِي العِشَاءِ (باب: الجهر في العشاءِ) أي: سنُّ الجهر بالقراءةِ في صلاة العشاءِ. 766 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَال: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَال: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ، فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: قَال: "سَجَدْتُ خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا ¬
101 - باب القراءة في العشاء بالسجدة
حَتَّى أَلْقَاهُ". [768، 1074، 1078 - مسلم: 578 - فتح: 2/ 250] (معتمر) أي: ابن سليمان بن طرخان. (بكر) أي: ابن عبد الله المزنيِّ. (فقلت له) أي: سألته عن حكم السجدة. (أسجد بها) أي: بالسجدة أي: بتلاوة آيتها، فالباءُ: سببية (¬1)، أو في سورتها فالباءُ: بمعنى: في (¬2). (حتَّى ألقاه) أي: رسول الله، والمعنَى: حتَّى أموت. 767 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، قَال: سَمِعْتُ البَرَاءَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ فَقَرَأَ فِي العِشَاءِ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ: بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ". [769، 4952، 7546 - مسلم: 464 - فتح: 2/ 250] (أبو الوليد): اسمه: هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ. (شعبة) هو ابن الحجاج. (عدي) أي: ابن ثابت. (بالتين): أي بسورة التين، وفي الرواية الآتية: "والتين" (¬3) على الحكاية، وإنما قرأ في العشاءِ بقصارِ المفصلِ؛ لكونهِ كان مسافرا، وحديث أبي هريرة السابق محمول على الحضر فلذلك قرأ فيها بأوساط المفصل. 101 - بَابُ القِرَاءَةِ فِي العِشَاءِ بِالسَّجْدَةِ (باب: القراءة في العشاءِ بالسجدة) أي: بالسورة التي ¬
102 - باب القراءة في العشاء
فيها سجدة التلاوة. 768 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَال: حَدَّثَنِي التَّيْمِيُّ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَال: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ، فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، فَسَجَدَ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَال: "سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ". [انظر: 766 - مسلم: 578 - فتح: 2/ 250] (التيمي) هو سليمان بن طرخان. (عن بكر) أي: ابن عبد الله المزني. (أسجدُ فيها) في نسخة: "أسجدُ بها". ومرَّ تفسير الحديث في الباب قبله (¬1). 102 - بَابُ القِرَاءَةِ فِي العِشَاءِ (باب: القراءة في العشاءِ) أي: بسورة {وَالتِّينِ}. 769 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، قَال: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قَال: حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، سَمِعَ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَقْرَأُ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فِي العِشَاءِ، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ أَوْ قِرَاءَةً". [انظر: 767 - مسلم: 464 - فتح: 2/ 251] (مسعر) أي: ابن كدام الكوفيُّ. (أو قراءة) شكٌّ من الراوي، وكرر الحديث؛ لاختلاف بعض الرواة فيه [ولما فيه من الزيادة] (¬2) هنا وهي قوله: "وما سمعت أحدًا .. إلخ". ¬
103 - باب يطول في الأوليين ويحذف في الأخريين
103 - بَابُ يُطَوِّلُ فِي الأُولَيَيْنِ وَيَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ (باب: يطوِّل في الأوليين، ويحذف في الآخريين) أي: من الرباعيات، كما هو ظاهر حديث الباب، وقد تقدم الكلام عليه في باب: وجوب القراءة مطوَّلًا (¬1) وإنما ذكر بعضه هنا؛ للاختلاف في الإسناد وبعض المتن، ثم بالعنعنة عن (جابر) وهنا بالسماع عنه. 770 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، قَال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ، قَال: قَال عُمَرُ لِسَعْدٍ: لَقَدْ شَكَوْكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الصَّلاةِ، قَال: "أَمَّا أَنَا، فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" قَال: صَدَقْتَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ أَوْ ظَنِّي بِكَ. [انظر: 755 - مسلم: 453 - فتح 2/ 251] (ولا آلو) بالمدِّ، أي: لا أقصر. (أو ظنِّي بك) شك من الراوي. 104 - بَابُ القِرَاءَةِ فِي الفَجْرِ وَقَالتْ أُمُّ سَلَمَةَ: "قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالطُّورِ". (باب: القراءة في الفجر) أي: في صلاته. 771 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلامَةَ، قَال: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ، فَقَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ، وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى المَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَال فِي المَغْرِبِ - وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ العِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ، فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ - أَوْ إِحْدَاهُمَا - مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى ¬
المِائَةِ". [انظر: 541 - مسلم: 461، 647 - فتح 2/ 251] (عن وقت الصلاة) في نسخة: "عن وقت الصلوات" وهي الأنسب بالحديث. (ما بين الستين) أي: وما بعدها من الآيات. (إلى المائة) أي: منها. 772 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: "فِي كُلِّ صَلاةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ القُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ". [مسلم: 396 - فتح 2/ 251] (ابن جريج) هو عبد الملك. (عطاء) أي: ابن أبي رباح. (في كلِّ صلاة) متعلِّقٌ بقوله: (تُقْرَأ) بالبناءِ للمفعول أي: يقرأ فيها، وفي نسخة: بالبناء للفاعل، وهو ضمير النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي أخرى: "نقرأ" بنون، فالفاعل ضمير النبيِّ ومن معه، فالقراءة واجبة في كلِّ صلاة جهرًا، أو سرًّا، فما جهر به - صلى الله عليه وسلم - جهرنا به، وما أسر به أسررنا به. (فما أسمعنا) بفتح العين. (وإن لم تزد) بتاء الخطاب. (أمّ القرآن) هي الفاتحة سميت بذلك؛ لاشتمالها على معاني القرآن؛ أو لأنها أوَّلُ القرآن، كأمّ القرى لمكة؛ لأنها أول الأرض وأصلها. (أجزأت) أي: الصلاة، وفي الحديث: أن الصلاة بغير الفاتحة لا تجزأ، واستحباب السورة بعدها، وهو مذهبنا. ووجه الدلالة منه مع أنه قول صحابي أنه من باب الإجماع السكوتيِّ حيث لم ينكر ذلك أحدٌ على أبي هريرة، وأن مثل ذلك إنما يقال: بتوقيف إذ ليس للرأي فيه مجالٌ (¬1). ¬
105 - باب الجهر بقراءة صلاة الفجر
105 - بَابُ الجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلاةِ الفَجْرِ وَقَالتْ أُمُّ سَلَمَةَ: "طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، وَيَقْرَأُ بِالطُّورِ". [انظر: 464] (باب: الجهر بقراءة صلاة الفجر) في نسخة: "بقراءة صلاة الصبح". (طفت) أي: بالكعبة. (يصلي) أي: الصبحَ. (ويقرأ) في نسخة: (يقرأ) بلا واو. ¬
773 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَال بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إلا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَال بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَال بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ، فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن: 2]، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ} [الجن: 1] وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ". [4921 - مسلم: 449 - فتح: 64] (عن أبي بشر) زاد في نسخة: "هو ابن أبي وحشية" واسم أبي وحشية: إياس. (عن ابن عباس) في نسخة: "عن عبد الله بن عباس". (عامدين) أي: قاصدين. (سوق عكاظ) (¬1) بضمِّ المهملة، وتخفيف الكاف، وبظاءٍ معجمة، بالصرف وعدمه، وسوق يذكر ويؤنث، وإضافته إلى عكاظ من إضافة العام؛ لأنَّ عكاظ كما قال الجوهريُّ: سوق بناحية مكة يجتمعون بها شهرًا في كلِّ سنة يتبايعون، ويتناشدون الأشعار فلمَّا جاء الإسلام هدم ذلك (¬2)؛ وسُمِّيَ سوقا؛ ¬
لسوق الناسِ إليه بضائعهم؛ أو لقيام الناسِ فيه على سوقهم. (وقد حيل) أي: حجز. (الشهب) بضمِّ الهاءِ، جمع شهاب: وهي شعلة نار ساطعة ككوكب ينقضُّ. (فاضربوا) أي: سيروا. (مشارق الأرض ومغاربها) أي: فيهما. (فانظروا) في نسخة: "وانظروا". (ما هذا الذي) في نسخة: "ما الذي" (أولئك) أي: الجن، وعدتهم تسعةٌ، كما في "مستدرك الحاكم" (¬1). (تِهامة) بكسر التحتية (¬2): وهي مكة، وقيل: كلما نزل من نجد من بلاد الحجاز؛ لشدة الحرِّ، من التهم، وهو شدة الحرِّ وركود الريح. (بنخلة) بفتح النون وسكون الخاءِ، غير منصرف، للعلمية والتأنيث، موضوع على ليلة من مكة، بينها وبين الطائف (¬3). (استمعوا له) أي: سمعوه بقصد وإصغاء. (وقالوا) في نسخة: "قالوا" بلا واو وفي أخرى: "فقالوا" بالفاءِ. (عجبًا) مصدر وُصِفَ به القرآن مبالغة. ({قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ}) [الجن: 1] زاد في نسخة: " {أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} " وهذا الحديث مرسل صحابي (¬4)؛ لأن ابن عباس لم يرفعه ولا هو مدرك للقصة. وفيه: ¬
مشروعية الجماعة في صلاة السفر، ووجود الجنِّ. 774 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَال: "قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أُمِرَ وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] ". [فتح: 2/ 253] (إسماعيل) أي: ابن أبي عُلية. (أيوب) أي: السختياني. (قرأ) أي: جهر. (وسكت) أي: أسرَّ. (فيما أمر) بالبناء للمفعول في الموضعين. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] أي: تاركًا لبيان أفعال الصلاة وهو مجاز من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ إذ نسيان الشيءِ المستحيل نسبته إليه تعالى مستلزم لتركه، وهذا المجاز كناية عند الأصوليين لا عند البيانيين، إذ شرطها عندهم إمكان إرادة المعنى الأصلي، ومساواة اللازم للملزوم، وكلاهما ممنوع، أما الأول: فلما مرَّ، وأما الثاني: فلأن الترك لا يستلزم النسيان. ومعنى الآية: أنه لو شاء أن ينزل بيان أحوال الصلاة حتى يكون قرآنا يُتْلَى لفعل، ولم يترك ذلك نسيانًا، بل وكل الأمر لبيان الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم أمر بالاقتداءِ بفعله بقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ} [الأحزاب: 21] أي: قدوة. ¬
106 - باب الجمع بين السورتين في الركعة، والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة
106 - بَابُ الجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ، وَالقِرَاءَةِ بِالخَوَاتِيمِ، وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ، وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، "قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُؤْمِنُونَ فِي الصُّبْحِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى، وَهَارُونَ - أَوْ ذِكْرُ عِيسَى - أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ" وَقَرَأَ عُمَرُ: فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ البَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المَثَانِي وَقَرَأَ الأَحْنَفُ: بِالكَهْفِ فِي الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ -أَوْ يُونُسَ- وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصُّبْحَ بِهِمَا وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ المُفَصَّلِ وَقَال قَتَادَةُ: "فِيمَنْ يَقْرَأُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ كُلٌّ كِتَابُ اللَّهِ". (باب: الجمع بين السورتين في الركعة) في نسخة: "في ركعة". (والقراءة بالخواتيم) في نسخة: (بالخواتم) بحذف الياءِ. (وبسورة قبل سورة، وبأول سورة) أي: باب بيان حكم الأمور الأربعة، وهي الجمع بين سورتين في ركعة، والقراءة بالخواتيم أي: الأواخر، وقراءة سورة في الركعة الثانية قبل التي قرأ بها فيما قبلها، والقراءة بأوَّلِ سورة. ومطابقة الحديث لغير القراءة بالخواتيم ظاهرة، وأما مطابقته لها: فيؤخذ من قول قتادة: (كل كتاب الله). (المؤمنين) في نسخة: "المؤمنون" بالرفع على الحكاية. (ذكر موسى وهارون) أي آية: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ} [المؤمنون: 45] (أو ذكر عيسى) شكٌّ من الراوي، أي أو آية: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] (وذكر) مرفوع ومنصوب. (سعلة) بضمِّ السين المهملة، وفتحها. (المثاني) قيل: ما لم يبلغ مائة آية، وقيل: ما عدا السبع الطوال إلى المفصل، وسُمِّي جميع القرآن مثاني؛ لاقتران آية
الرحمة بآية العذاب، وأما قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر: 87] فالمراد به: سورة الفاتحة. (الأحنف) أي: ابن قيس بن معد يكرب الكنديُّ الصحابي. (بالكهف في الأولى، وفي الثانية بيوسف) أي: من صلاة الصبح. (أو يونس) شك من الراوي. (وذكر) أي: الأحنف. (بأربعين آية من الأنفال) أي: في الركعة الأولى، وروي فافتتح الأنفال حتى بلغ (ونعم النصير) (¬1) [الأنفال: 40] وهو رأس الأربعين آية. (من المفصل) تقدم بيانه. (سورة) في نسخة: "بسورة" بباء في المواضع الثلاثة. (في ركعتين) في نسخة: "في الركعتين". (أو يردد) أي: يكرر وهو: زائدٌ على الترجمة. (كلٌّ) أي: كلُّ ذلك (كتابُ الله) أي: فعلى أي وجه يقرأ لا كراهة فيه. 774 - م - وَقَال عُبَيْدُ اللَّهِ: عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ: بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا، وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى فَقَال: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوهُ الخَبَرَ، فَقَال: "يَا فُلانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ ¬
بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ" فَقَال: إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَال: "حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الجَنَّةَ". [فتح: 2/ 255] (عبيد الله) أي: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. (عن ثابت) أي: البناني. (عن أنس) زاد في نسخة: "ابن مالك". (كان رجل) اسمه: كلثوم، بضمِّ الكاف ابن هِدم بكسر الهاء. (وكان) في نسخة: "فكان". (افتتح سورة) أي: أراد أن يفتتح بها. (يقرأ به) في نسخة: "يقرأ بها". (افتتح) جواب كلَّما. (معها) أي: مع {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} [الإخلاص: 1]. (وكان يصنع ذلك) أي: ما ذكر من الافتتاح بسورة الإخلاص ثم بسورة معها. (فقالوا) في نسخة: "وقالوا". (لا ترى أنها تجزئك) بضمِّ أوَّله مع الهمز من الإجزاء، وفي نسخة: بفتح الأولى من جزئ، أي: لا ترى أنها تكفيك. (بأخرى) وفي نسخة "بالأخرى". (فإما أن تقرأ بها) في نسخة: "فإما تقرأ بها". (وإما أن تدعها) أي: تتركها. (بأخرى) أي: غير {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}. (يرون أنه) في نسخة: "يرونه". (وكرهوا أن يؤمهم غيره) أي: لكونه من أفضلهم؛ أو لأنه - صلى الله عليه وسلم - هو الذي قرره. (الخبر) أي: المذكور، فاللام للعهد. (ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك) أي: بأن تقرأ سورة الإخلاص فقط، أو غيرها فقط، وليس فيما قاله أصحابه من التخيير أمرٌ لكنه لازم له، فهو مجازٌ من إطلاقِ الملزوم وإرادة اللازم. (وما يحملك على قراءة هذه السورة) أي: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}. (فقال) أي: الرجل. (إني أحبها) أي: قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} هذا جوابٌ عن السؤال الثاني صريحا، وعن الأول لزومًا
بانضمام شيءٍ آخر، وهو إقامة السنة المعهودة في الصلاة، فكأنه قال أقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} لمحبتي، وأقرأ سورة أخرى؛ إقامة للسنة، كما هو المعهود في الصلاة، وإنما لم يكن قوله: (إني أحبها) جوابًا عن الأوَّل أيضًا بدون انضمام ما ذكر؛ لأن محبتها لا تمنع أن يقرأ بها فقط، وهم إنما خيروه بين قراءتها فقط، وقراءة غيرها فقط. (فقال: حبُّكَ إياها أدخلك الجنة) فيه الرضا بفعل الرجل، وإنما عبَّر بالماضي وإن كان دخول الجنة مستقبلًا؛ لتحقق وقوعِه. 775 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَال: قَرَأْتُ المُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَال: "هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ المُفَصَّلِ، سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ". [4996، 5043 - مسلم: 822 - فتح: 2/ 255] (عن عمر) في نسخة: "حدثنا عمر". (جاء رجل) هو: نهيك بفتح النون: ابن سنان البجليُّ. (فقال) أي: ابن مسعود للرجل منكرًا عليه عدم التدبر وترك الترتيل. (هذ) بفتح الهاء وتشديد المعجمة، أي: أتهذُّه (هذ) أي: إسراعًا. (كهذِّ الشِّعر) أي: كالإسراع فيه وإنما قاله؛ لأن تلك الصفة كانت عادتهم في إنشاد الشعر. (لقد عرفت النظائر) أي: السور المتقاربة في الطولِ والقصر، أو المتماثلة في المعاني كالمواعظ والحكم والقصص. (التي كان النبيُّ) في نسخة: "التي كان رسول الله". (يقرن) يفتح أوَّلهِ وضمِّ الراءِ، ويجوز كسرها. (فذكر) أي: ابن مسعود. (عشرين سورة من المفصَّل سورتين) أي: كل سورتين. (في ركعة) وهي -كما في "سنن أبي داود"- الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، والواقعة ونون في ركعة، وسأل
107 - باب: يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب
والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعمَّ والمرسلات في ركعة، والدخان والتكوير في ركعة (¬1). وعلى هذا ترتيب تأليف مصحف ابن مسعود دون مصحف عثمان في عدِّ الدخان من المفصَّل؛ تجوز؛ لأنها ليست منه حقيقة. 107 - بَابٌ: يَقْرَأُ فِي الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ (باب: يقرأ) أي: المصلّي. (في الأخريين) من الرباعية. (بفاتحة الكتاب) أي: فقط وحكم الأخيرة من المغرب كذلك، وسكت عنها؛ رعاية للحديث، وكان الأولى: أن يزيد في الترجمة: (وفي الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين) رعاية للحديث. 776 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي العَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ". [انظر: 759 - مسلم: 451 - فتح: 2/ 260] (همام) أي: ابن يحيى. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (وسورتين) في كل ركعة منهما بسورة. (ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية) بتشديد الواو من التطويل، وفي نسخة: "ما لا يطيل" بياء مخففة من الإطالة، وفي أخرى: "بما لا يطيل" بموحدة، ووقع في أخرى: "مما" بميم، و (ما) تجوز أن تكون نكرة ¬
108 - باب من خافت القراءة في الظهر والعصر
موصوفة، أي: تطويلًا لا يطيل في الثانية، وأن تكون مصدرية، أي: غير إطالته في الثانية فهي مع ما في حيزها صفة لمصدر محذوف. (وهكذا) أي: يقرأ في الأوليين بالفاتحة وسورة، وفي الأخريين بها فقط ويطول في الأولى. (في العصر) أي: في صلاته. (وهكذا) أي: يطيل في الركعة الأولى. (في الصبح) فالتشبيه الواقع في الصبح في تطويل القراءة بعد الفاتحة في الأولى فقط، بخلاف التشبيه الواقع في العصر فإنَّه أعمُّ، كما تقَّدم. وفي الحديث: حجة للقول بوجوب الفاتحة، ويؤيده التعبير بكان المشعرة بالاستمرار مع قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلِّي" (¬1). 108 - بَابُ مَنْ خَافَتَ القِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ (باب: من خافت) أي: أسر (القراءة في الظهر والعصر) في نسخة: "بالقراءة". 777 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قُلْتُ لِخَبَّابٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟ قَال: نَعَمْ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ؟ قَال: "بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ". [انظر: 746 - فتح: 2/ 261] (جرير) أي: ابن عبد الحميد. (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن أبي معمر) هو عبد الله بن سخبرة. قال: قلت) في نسخة: "قال: قلنا". (يقرأ في الظهر والعصر) أي: غير الفاتحة. وتقدم بيان الحديث في باب: رفع البصر إلى الإمام (¬2). ¬
109 - باب إذا أسمع الإمام الآية
109 - بَابُ إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةَ (باب: إذا أسمع الإمام الآية) أي: إذا أَسْمَعَهَا للمأمومين لا يضرُّ، وفي نسخة: "إذا سمَّع" بتشديد الميم. 778 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الكِتَابِ وَسُورَةٍ مَعَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ وَصَلاةِ العَصْرِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا وَكَانَ يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى". [انظر: 759 - مسلم: 451 - فتح: 2/ 261] (حدثنا الأوزاعيُّ) هو عبد الرحمن بن عمرو، وفي نسخة: "حدثني الأوزاعيُّ". (حدثني عبد الله بن أبي قتادة) في نسخة: "عن عبد الله بن أبي قتادة". (يطيل) في نسخة: "يطوِّل". 110 - بَابُ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى (باب: يطوِّل في الركعة الأولى) أي: من جميع الصلوات. 779 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ". [انظر: 759 - مسلم: 451 - فتح 2/ 261] (هشام) أي: الدستوائي. (كان يطوِّل في الركعة الأولى .. إلخ) هذا الحديث، وحديث الباب الذي قبله سبقا بشرحهما فيما قبلهما من الأبواب (¬1). ¬
111 - باب جهر الإمام بالتأمين
111 - بَابُ جَهْرِ الإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ وَقَال عَطَاءٌ: "آمِينَ دُعَاءٌ" أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَمَنْ وَرَاءَهُ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "يُنَادِي الإِمَامَ لَا تَفُتْنِي بِآمِينَ" وَقَال نَافِعٌ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدَعُهُ وَيَحُضُّهُمْ وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَيْرًا". (باب: جهر الإمام بالتأمين) في نسخة: "بآمين" أي: عقب قراءته الفاتحة في الصلاة الجهرية، والتامين مصدر أمَّن بالتشديد، أي: قال آمين. (وقال عطاء) أي: ابن أبي رباح. (آمين دعاءٌ) معناه: اللهم استجب، وهو بالمدِّ والقصرِ وتخفيف الميم مبني على الفتح؛ لاجتماع ساكنين نحو: كيف، وما حكى من تشديد ميمه فخطأ، وحكيت الإمالة مع المدِّ. (أَمَّن ابن الزبير) من مقول عطاء. (حتَّى إن) بكسر الهمزة. (للمسجد) أي: لأهله. (للجّةً) بلامين، الأولى للابتداءِ، أي: لأصواتًا مرتفعًا، وفي نسخة: "لجلبة" بجيم فلامٍ فموحدةٍ، أي: لأصواتًا مختلطةً، وفي أخرى: "لرجَّةً" براء بدل اللام، وهو بمعنى لجةِ. (ينادي الإمام) أي: يقول له. جواب قبل إحرامه بالصلاة. (لا تفتني) أي: "لا تسبقني"، كما في نسخة. (بآمين) كان أبو هريرة يؤذِّن لمروان، ومروان يحرم قبل فراغ أبي هريرة فقال له: لا تحرم في الصلاة حتَّى أفرغ من الإقامة؛ لئلا تفوتني بقراءة أم القرآن فيفوتني التأمين به. (لا يدعه) أي: التأمين، أي: لا يتركه. (ويحضهم) بمهملة، ثُمَّ معجمة. (وسمعت منه) أي: من ابن عمر. (في ذلك) أي: في التأمين. (خيرًا) بتحتية ساكنة، أي: فضلًا وثوابًا، وفي نسخة: بموحدة مفتوحة أي: خبرًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
780 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ، فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ - وَقَال ابْنُ شِهَابٍ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: آمِينَ". [781، 782، 4475، 4602 - مسلم: 410 - فتح: 2/ 262] (أخبرنا مالك) في نسخة: "حدثنا مالك". (أن النبيَّ) في نسخة: "أن رسول الله". (إذا أذن الإمام) إذا أراد أن يؤذن. (فأمِّنوُا) قضية ذلك: أن الإمام إذا لم يؤمن لا يؤمن المأموم وهو وجه، والأصح خلافه. (فإنه) أي: الشأن. (من وافق تأمينه تأمين الملائكة) أي: وافقه في القول والزمان، والمراد بالملائكة: جميعهم؛ لأنَّ اللام الداخلة على الجمع تفيد الاستغراق، بأن يقول لها الحاضرون من الحفظة ومَنْ فوقهم حتَّى ينتهي إلى الملأ الأعلى، وقيل المراد: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون منهم. إذا قلنا: إنهم غير الحفظة (¬1). قال شيخنا: والذي يظهر أن المراد بهم: من يشهد تلك الصلاة منهم ممن في الأرض، أو في السماءِ (¬2)، وأطال في الاستدلال له. (غفر له ما تقدم من ذنبه) أي: من الصغائر، وزاد بعضهم "وما تأخر" وهي كما قال شيخنا: زيادة شاذة، و (من) للبيان لا للتبعيض. (وقال ابن شهاب ..) إلخ بيَّن به أن المراد بقوله في الحديث: (إذا أمَّن) حقيقة التأمين، لا ما أُوِّل به من قراءة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ} إلخ وهو وإن كان مرسلًا فقد اعتضد بما يقويه. وفي الحديث ندب التأمين مطلقًا، والجهر به في الجهرية، والردُّ ¬
112 - باب فضل التأمين
على الإمامية في قولهم: إن التأمين يبطل الصلاة؛ لأنه ليس بقرآن ولا ذكر، ويردُّ بأنه دعاءٌ وهو لا يُبْطِل الصلاة. 112 - بَابُ فَضْلِ التَّأْمِينِ (باب: فضل التأمين) أي: فضل الإتيان بآمين. 781 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا قَال أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالتِ المَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [انظر: 780 - مسلم: 410 - فتح: 2/ 266] (عنْ أبي الزناد) هو عبد الله بن ذكوان. (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز. (إذا قال أحدكم: آمين) فيه: أن التأمين سنة لكلِّ إمام ومأموم ومنفرد ولو في غير الصلاة، ولا يتعين تقييده بخبر مسلم: "إذا قال أحدكم في صلاته: آمين" (¬1)، كما قيل به بل يجري كل منهما على مقتضاه ويوافق حديث الباب حديث مسند الإمام أحمد: "إذا أمَّن القارئ فأمنوا" (¬2). (في السماء) فيه، أن ما ذكر في الملائكة لا يختص بالحفظة كما مر. (إحداهما الأخرى) أي: كلمة تأمين أحدكم، وكلمة تأمين الملائكة. ¬
113 - باب جهر المأموم بالتأمين
113 - بَابُ جَهْرِ المَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ (باب: جهر المأموم بالتأمين) في نسخة: "باب: جهر الإمام بآمين" وفي أخرى: "بالتأمين". 782 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا قَال الإِمَامُ: {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُعَيْمٌ المُجْمِرُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [انظر: 780 - مسلم: 410 - فتح: 2/ 126] (عن أبي صالح) زاد في نسخة: "السمان" واسمه: ذكوان. (فقولوا: آمين) أي: موافقة للإمام في قولها، ويدل على أن الإمام قالها. قوله: (فإنه من وافق قوله ..) إلخ؛ لأن الفاء تعليليةُ، فلولا أن المراد إذا قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] ثُمّ أمَّن: فقولوا آمين كالملائكة، لم يصح تعليله بمدخولها. (تابعه) أي: سُمَيًّا. 114 - بَابُ إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ (باب: إذا ركع دون الصف) أي: قبل وصوله إليه جاز مع الكراهة. 783 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنِ الأَعْلَمِ وَهُوَ زِيَادٌ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ". [فتح: 2/ 267]
115 - باب إتمام التكبير في الركوع
(همَّام) أي: ابن يحيى. (الأعلم) قيل له ذلك؛ لأنه كان مشقوقُ الشفة السفلة أو العليا. (وهو زياد) أي: ابن حسان بن قرةٍ. (عن الحسن) أي: البصري. (عن أبي بكرة) هو نفيع بن الحارث بن كلدة. (فذكر) أي: ما فعله من الركوع دون الصف. (زادك الله حرصًا) أي: على الخير. (ولا تعد) أي: إلى الركوع دون الصف منفردًا والنهي للتنزيه لا للتحريم، وإلَّا لأمره بالإعادة. وأما خبر أبي داود وغيره: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يصلّي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة، (¬1) فمحمولٌ على الندب، وما زاده ابن خزيمة فيه من قوله: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" (¬2) فمحمولٌ على أنه لا صلاة كاملة كما في خبر "لا وضوءَ لمن لم يسم الله" (¬3). 115 - بَابُ إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 787] فِيهِ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ. [انظر: 677] ¬
(باب: إتمام التكبير في الركوع) أي: بمدِّه من الانتقال من محل القراءة إلى الركوع، وأما خبر أبي داود: عن عبد الرحمن بن أبزى قال: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يتم التكبير فباطل (¬1)، وبتقدير صحته، فهو بيان للجواز، أو المراد أنه لم يتم الجهرية، أولم يمده، وإنما خص الركوع هنا والسجود في الباب الآتي بذلك (¬2)؛ لأنهما أعظم أركان الصلاة، وإلا فغيرهما كذلك، كما صرح به في أحاديث البابين. (قاله) أي: الإتمام، وفي نسخة: "قال" وفي أخرى: "وقال" أي: ذلك (فيه) أي: في الباب (مالك بن الحويرث) أي: حديثه الآتي في باب: المكث بين السجدتين (¬3). 784 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي العَلاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَال: صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْبَصْرَةِ فَقَال: "ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ وَكُلَّمَا وَضَعَ" [786، 826 - مسلم: 393 - فتح: 2/ 269] (إسحق) أي: ابن شاهين (حدثنا) في نسخة: "أخبرنا". (خالد) أي: ابن عبد الله الطحان. (عن الجريري) بضم الجيم، وفتح الراء الأولى: سعد بن إياس. (عن أبي العلاء) هو يزيد بن عبد الله بن الشخير (عن مطرِّف) هو أخو أبي العلاء. (بالبصرة) (¬4) بتثليث الباء، والأشهر الفتح. قال السمعاني: يقال ¬
116 - باب إتمام التكبير في السجود
لها: قبة الإسلام، وخزانة العرب (¬1). (قال: صلى) أي: قال عمران: إنه صلى، أو قال مطرف: إنه أي: عمران بن حصين صلى. (فقال) أي: عمران بن حصين، وفي بعض ذلك التفات، وما قررته من التفاسير يعلم من الحديث الأول من الباب الآتي. (ذكرنا) بتشديد الكاف. (هذا الرجل) أي: على - رضي الله عنه -. (صلاة) في نسخة: "بصلاة". (فذكر) أي: عمران (أنه) أي: عليًّا، أو النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يكبر كلما ركع) خص عمومه بخبر: "سمع الله لمن حمد" (¬2) عند الاعتدال. 785 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ "يُصَلِّي بِهِمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ، وَرَفَعَ"، فَإِذَا انْصَرَفَ، قَال: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [789، 795، 803 - مسلم: 392 - فتح: 2/ 269] (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن. (بهم) في نسخة: "لهم". (إني لأشبهكم صلاة برسول الله) أي: في تكبير الانتقالات وإتمامها. 116 - بَابُ إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي السُّجُودِ (باب: إتمام التكبير في السجود) أي: بأن يبتدئ به من الانتقال من القيام إلى السجود. 786 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، "فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ"، فَلَمَّا ¬
117 - باب التكبير إذا قام من السجود
قَضَى الصَّلاةَ أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَقَال: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَال: لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [انظر: 784 - مسلم: 393 - فتح: 2/ 271] (وإذا رفع رأسه) أي: من السجود. (قضى الصلاة) أي: فرغ منها. (قد ذكرني) في نسخةٍ: "لقد ذكرني". (هذا) أي: علي. (أو قال) شك من الرواي. 787 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَال: رَأَيْتُ رَجُلًا عِنْدَ المَقَامِ، "يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَإِذَا قَامَ وَإِذَا وَضَعَ"، فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: أَوَلَيْسَ تِلْكَ صَلاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا أُمَّ لَكَ؟! [788 - فتح: 2/ 271] (هشيم) أي: ابن بشير السلمي. (رجلًا) أي: هو أبو هريرة. (يكبر) في نسخة: "فكبر" بفاء على صيغة الماضي. (قال) في نسخة: "فقال". (أو ليس تلك صلاة النبي؟) استفهام إنكار للإنكار المفهوم من قوله: (فأخبرت ابن عباس) فيكون إثباتًا؛ لأن نفي النفي إثبات. (لا أُمَّ لك) كلمة ذم، ذمَّ بها ابن عباس عكرمة حيث جهل هذه السنة. 117 - بَابُ التَّكْبِيرِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ (باب: التكبير إذا قام من السجود) أي: باب: بيان حكمه. 788 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ، «فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً»، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ، فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ «سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ. [انظر: 787 - فتح: 2/ 272] (أخبرنا همام) في نسخة: "حدثنا همام" أي: ابن يحيى.
(صليت خلف شيخ) هو: أبو هريرة (فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة) هذا في الرباعية؛ لأن الصلاة كانت الظهر، أما في الثلاثية: فسبع عشرة، وأما في الثنائية: فإحدى عشرة، ففي الصلوات الخمس أربع وتسعون تكبيرة. (أنه) أي: الشيخ (أحمق) أي: قليل العقل. (فقال) في نسخة: "قال". (ثكلتك أمك) بمثلثة مفتوحة، وكافٍ مكسورة، أي: فقدتك. (سنة أبي القاسم) خبر مبتدإٍ محذوف، أي: هذا الذي فعله الشيخ، ويجوز النصب بفعل مقدر، أو استحق عكرمة الدعاء بما ذكر؛ لكونه نسب أبا هريرة إلى الحمق الذي هو غاية الجهل، وهو برئ منه. (وقال موسى) في نسخة: "قال موسى" أي: ابن إسماعيل التبوذكي المذكور في السند، يريد أنه روى عن أبان كما روى عن همام، فهو متصل إلا أن الأول بالعنعنة، وهذا بلفظ: حدثنا، مع زيادة تصريح قتادة بالتحديث عن عكرمة. (أبان) أي: ابن يزيد العطار. 789 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ " قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: "وَلَكَ الحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ". [انظر: 785 - مسلم: 392 - فتح: 2/ 272] (يحيى بن بُكير) نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا فهو: يحيى بن عبد الله بن بُكير. (عن عقيل) أي: ابن خالد الأيلي. (من الركعة) في نسخة: "من الركوع". (قال أبو عبد الله بن صالح
118 - باب وضع الأكف على الركب في الركوع
عن الليث: ولك الحمد) ساقط من نسخة، والواو زائدة، أو عاطفة على مقدر، أي: ربنا حمدناك ولك الحمد (حين يهوي)، بكسر الواو مضارع هوى بفتحها، أي: سقط إلى أسفل. وفيه: التكبير لكل انتقال غير القيام من الركوع، وهذا الحديث مفسِّر، لما سبق من قوله: (كان يكبر في كل خفض ورفع). 118 - بَابُ وَضْعِ الأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ وَقَال أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: "أَمْكَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ". [انظر: 828] (باب: وضع الأكف على الركب في الركوع) أي: باب: بيان وضعها على الركب في حالة الركوع. (أبو حميد) بالتصغير هو: عبد الرحمن الساعدي، وقيل: غيره. (في أصحابه) أي: في حضورهم (أمكن النبي .. إلخ) أي: مكن يديه من ركبتيه في الركوع. 790 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، قَال: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ، يَقُولُ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي، وَقَال: كُنَّا نَفْعَلُهُ، "فَنُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِينَا عَلَى الرُّكَبِ". [مسلم: 535 - فتح: 2/ 273] (أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي (عن أبي يعفور) بتحتية، فعين مهملة، ففاء، فراء، اسمه: وقدان بواو مفتوحة، فقاف ساكنة، فدال مهملة. (نفعله) أي: التطبيق. (فنهينا عنه) أي: فهو ناسخ لذلك. (وأمرنا) بضم الهمزة، أي: أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه الآمر. (أيدينا) أي: أكفنا.
119 - باب إذا لم يتم الركوع
(على الركب) شبه القابض عليها مع تفريق الأصابع للقبلة. 119 - بَابُ إِذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ (باب: إذا لم يتم) أي: المصلي (الركوع) يعيد صلاته تامة. 791 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَال: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، قَال: رَأَى حُذَيْفَةُ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، قَال: "مَا صَلَّيْتَ وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا". [انظر: 389 - فتح: 2/ 274] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن سليمان) أي: ابن مهران. (رجلًا) لم يسم. (قال) أي: حذيفة، وفي نسخة: "فقال". (ما صليت) نفي للحقيقة؛ لأنها تنتفي بانتفاء جزئها، وهو هنا الطمأنينة. (ولو مت) أي: على هذه الحالة. (مت على غير الفطرة) أي: الملة، أو السنة كما في خبر: "خمس من الفطرة" (¬1). وبَّخه على سوء فعله؛ ليرتدع. لا أن المراد: أن ترك الطمأنينة مخرج له من الدين (التي فطر الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -) أي: "عليها"، كما في نسخة. 120 - بَابُ اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرُّكُوعِ وَقَال أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: "رَكَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ". [828 - فتح: 2/ 275] (باب: استواء الظهر في الركوع) أي: بأن لم يرفع فيه المصلي رأسه ولم يخفضه. ¬
121 - باب حد إتمام الركوع والاعتدال فيه والطمأنينة
(وقال أبو حميد) أي: الساعدي (في أصحابه) أي: في حضورهم. (هصر ظهره) أي: أماله، وفي نسخة: "حنى ظهره"، والمراد: أنه أماله، ثم بعد انتهائه إلى حد الركوع سواه، كما ورد في رواية لأبي داود (¬1). [121 - بَابُ حَدِّ إِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالاعْتِدَالِ فِيهِ وَالطُّمَأْنِينَةِ] [فتح: 2/ 275] (باب: حد إتمام الركوع والاعتدال فيه والاطمأنينة) ساقط من نسخة، وعلى ثبوته في النسخة: (والطمانينة) بضم الطاء، وهي أكثر استعمالًا، وفي نسخةٍ: حذف (باب) وزيادة واو بدله، وأراد بالاعتدال في الركوع: تسوية الظهر فيه. 792 - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ المُحَبَّرِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: أَخْبَرَنِي الحَكَمُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ، قَال: "كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، مَا خَلا القِيَامَ وَالقُعُودَ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ". [801، 820 - مسلم: 471 - فتح: 2/ 276] (بدل بن المحبَّر) بفتح الدال المهملة، وضم الميم، وفتح الحاء المهملة، والموحدة المشددة. (شعبة) أي: ابن الحجاج (الحكم) أي: ابن عتيبة. (عن ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن الأنصاري (عن البراء) أي: "ابن عازب" كما في نسخة. ¬
122 - باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يتم ركوعه بالإعادة
(وبين السجدتين) أي: وجلوسه بينهما. (وإذا رفع) أي: "رأسه" كما في نسخة. يعني: واعتداله من وقت رفع رأسه من الركوع. (فإذا) لمجرد الزمان منسلخًا عن الاستقبال. (ما خلا القيام) أي: قيام القراءة (والقعود) أي: قعود التشهد، والاستثناء فيهما منقطع. (قريبًا) خبر كان. (من السواء) بفتح السين، والمد من المساواة، والمعنى: كان جميع أفعال صلاته قريبًا من السواء ما خلا القيام والقعود، فإنه كان يطولهما. وفيه: إشعار بالتفاوت والزيادة على أصل حقيقة الأركان. ووجه مطابقة الحديث لترجمة من جهة أنه دل على تسوية الركوع والمعطوفات عليه. [122 - بَابُ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ بِالإِعَادَةِ] (باب: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة) أَي: لصلاته. 793 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ السَّلامَ، فَقَال: "ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ثَلاثًا، فَقَال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، قَال: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا". [انظر: 757 - مسلم: 397 - فتح: 2/ 276] (أخبرني) في نسخة: "حدثنا". (عبيد الله) أي: ابن عمر العمري. (ثلاثًا) تنازعه (صلى)، (وجاء)، (وسلم) (ورد)، (وقال)، وإنما
123 - باب الدعاء في الركوع
لم يعلمه أولًا؛ لأن التعليم بعد تكرار الخطأ أثبت منه قبله، وقيل: تأديبًا له؛ لأنه لم يسأل واكتفى بعلم نفسه، وليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن وقت الصلاة كان فيه سعة. (فما) في نسخة: "ما". (قال) في نسخة: "فقال". (ما تيسر) في نسخة: "بما تيسر" والمراد به: الفاتحة بقرينة رواية ابن حبان وغيره "ثم اقرأ بأم القرآن ثم آقرأ بما شئت" (¬1) ومرَّ شرح الحديث في باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم (¬2). 123 - بَابُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ (باب: الدعاء في الركوع) وخصَّ الركوع بالدعاء دون التسبيح مع أن الحديث واحد، والتسبيح فيه مقدم عليه؛ قصدًا للرد على من كره الدعاء في الركوع، وأما التسبيح فمتفق عليه. 794 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي". [817، 4293، 4967، 4968 - مسلم 484 - فتح: 2/ 281] ¬
124 - باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع
(عن منصور) أي: ابن المعتمر بن عبد الله بن رُبَّيعة بضم الراء وتشديد الباء المفتوحة. (عن أبي الضحى) هو مسلم بن صبيح بالتصغير. (عن مسروق) أي: ابن الأجدع. (كان النبي) في نسخة: "كان رسول الله". (سبحانك) سبحان علم على التسبيح، أي: التنزيه عن النقائص، وإنما أضيف بتقدير تنكيره، ونصب بفعل محذوف لزومًا، أي: سبحت. (وبحمدك) أي: وسبحت بحمدك أي: بتوفيقك وهدايتك لا بحولي وقوتي والواو فيه للحال، أو لعطف جملة على جملة، والإضافة فيه إما للفاعل، والمراد: من الحمد لازمه، وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية، أو للمفعول ومعناه: وسبحت ملتبسًا بحمدي لك. (اللهم اغفر لي) سأل المغفرة مع كونه معصومًا؛ لبيان الافتقار والإذعان، وإظهار العبودية، والشكر، وطلب الدوام، أو لأنه كان عن ترك الأولى، أو لأن مراده: تعليم أمته، بل الدعاء نفسه عبادة وهو مأمور به في قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ}. 124 - بَابُ مَا يَقُولُ الإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ (باب: ما يقول الإمَام ومن خلفه إذا رفع) أي: كل منهما. (رأسه من الركوع) لكنه لم يذكر في الباب ما يدل على من يقول من خلفه اكتفاءً بخبر: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (¬1)، وخبر: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬2). ¬
795 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ". [انظر: 785 - مسلم: 392 - فتح: 2/ 282] (ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب: هشام (قال: اللهم ربنا) أي: يا الله يا ربنا، ففيه: تكرير النداء؛ للمبالغة، وفي رواية: "قال: ربنا" (¬1) بحذف اللهم. (ولك الحمد) بإثبات الواو، وفي رواية: "لك الحمد" بحذفها قال النووي (¬2): ولا ترجيح لإحداهما على الأخرى. وقال ابن دقيق العيد: كأنَّ إثباتها دال على معنى زائد؛ لأن التقدير: ربنا استجب ولك الحمد، أي: فيشتمل على معنى الدعاء، ومعنى الخبر (¬3) [(إذا ركع وإذا رفع رأسه) أي: من السجود.] (¬4). (يكبر) أي: فيهما، وعبر فيهما بالمضارع، وفيما بعد بالماضي وهو (قال) للتفنن، وتقدم شرح الحديث في باب: التكبير إذا قام من السجود (¬5). ¬
125 - باب فضل اللهم ربنا لك الحمد
125 - بَابُ فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ (باب: فضل اللهم ربنا لك الحمد) في نسخة هنا، وفي الحديث: (ولك الحمد) بالواو، وتقدم الكلام على ما يتعلق بها. 796 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا قَال الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [3228 - مسلم: 409 - فتح: 2/ 283] وقوله: (فقولوا: ربنا ولك الحمد) أي: مع ما علمتموه من سمع الله لمن حمده لعلمهم بقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وإنما خصَّ (ربنا لك الحمد) بالذكر؛ لأنهم كانوا لا يسمعونه غالبًا، ويسمعون (سمع الله لمن حمده) وأخذ بعض الأئمة بظاهر الحديث، فاقتصروا على (ربنا لك الحمد). 126 - باب (باب) ساقط من نسخة كالترجمة، وفي نسخة: "باب القنوت". 797 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالةَ، قَال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: لَأُقَرِّبَنَّ صَلاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ، وَصَلاةِ العِشَاءِ، وَصَلاةِ الصُّبْحِ، بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الكُفَّارَ". [مسلم: 676 - فتح: 2/ 284] (هشام) أي: الدستوائي (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن. (لأقربن صلاة النبي) أي: لأقرب صلاته إليكم، أو لأقربكم إلى صلاته، أي: لأرينكم إياها، وفي نسخة: "إني لأقربكم صلاة برسول الله". (فكان) بالفاء التفسيرية، وفي نسخة:
"وكان" بواو (الأخرة) بضم الهمزة، وسكون الخاء، وفي نسخة: "الآخرة" (بعدما يقول: سمع الله لمن حمده). فيه: القنوت بعد الركوع في الاعتدال، وقال مالك: يقنت قبله دائمًا. (ويلعن الكفار) أي: من غير تعيين، بخلاف أعيانهم لا يجوز إلَّا لمن علم بالنصوص أنه مات كافرًا كابي لهب، وإنما كان يلعنهم مع أن لعنهم تنفير لهم عن الإيمان؛ لأنه كان قبل نزول: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية، فلما نزل نسخ به القنوت، وممن روى القنوت عبد الله بن عمر (¬1)، ثم أخبر بعدُ أن الله تعالى نسخ ذلك حين أنزل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الآية، وهذا في قنوت غير الصبح، أما قنوته فباقٍ على سنيته، خلافًا لأبي حنيفة وأحمد لما صح عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يترك فيه حتى فارق الدنيا (¬2). 798 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كَانَ القُنُوتُ فِي المَغْرِبِ وَالفَجْرِ". [1004 - فتح: 2/ 284] (عبد الله بن أبي الأسود) نسبه إلى جد أبيه؛ لشهرته به، وإلا فهو: عبد الله بن محمد بن حميد بن أبي الأسود. (إسماعيل) أي: ابن علية. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". ¬
799 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُجْمِرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ، قَال: "كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَال رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَال: "مَنِ المُتَكَلِّمُ" قَال: أَنَا، قَال: "رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ". [فتح: 284] (المجمر) بضم الميم الأولى، وكسر الثانية. (يومًا فصلى) في نسخة: "نصلي يومًا" أي: المغرب. (وراء النبي) في نسخة: "وراء رسول الله". (فلما رفع رأسه) أي: شرع في رفعه. (من الركعة) أي: من الركوع. (قال) في نسخة: "فقال". (رجل) زاد في نسخة: "وراءه" واسم الرجل رفاعة بن رافع راوي الحديث، وإنما أبهم نفسه قصدًا لإخفاء عمله. (ربنا ولك الحمد) تقدم بيانه في نظيره، وأبدل رفاعة بن يحيى في روايته الآتية. (ربنا ولك الحمد) بقوله: (الحمد لله). (حمدًا) منصوب بمقدر، ودل عليه (ولك الحمد). (طيبًا) أي: خالصًا عن الرياء والسمعة. (مباركًا فيه) أي: كثير الخير، زاد رفاعة بن يحيى فيما رواه عنه النسائي، وغيره: مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى (¬1). فقوله: (مباركًا عليه) الظاهر: أنه تأكيد للأول، ¬
وقيل: الأول: بمعنى الزيادة، والثاني: بمعنى البقاء. (من المتكلم؟) أي: بهذه الكلمات، زاد رفاعة بن يحيى في الصلاة: "فلم يتكلم أحد ثم قالها الثالثة، فقال رفاعة بن رافع: أنا، قال: "كيف قلت" قال: قلت: الحمد لله حمدًا (¬1) فذكره. واستشكل تأخير رفاعة إجابة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى كرر سؤاله ثلاثًا، مع أن إجابته واجبة عليه، بل وعلى من سمع كلام رفاعة، فإنه لم يسأل المتكلم وحده. وأجيب: أنه لما لم يعين واحدًا لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم، ولا من واحد بعينه، فكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك؛ خشية أن يبدو في حقه شيء ظنًّا منهم أنه أخطأ فيما فعل ورجوا أن يقع العفو عنه. (بِضعًا) بكسر الباء أكثر من فتحها، وفي نسخة: "بضعة" والبضع: ما بين الثلاث والتسع، وفي قوله: "بضعًا وثلاثين" رد على من زعم -كالجوهري- أن البضع يختص بما دون العشرين (¬2). والحكمة في اختصاص العدد المذكور بهذا الذكر على رواية الكتاب: أن عدد حروفه مطابق للعدد المذكور، وهو: أربعة وثلاثون حرفًا، الصادق به ¬
127 - باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع
بضع وثلاثون لا ثلاثة وثلاثون، كما قيل: وأمَّا على رواية النسائي، وغيره فالحروف تزيد على البضع والثلاثين. (أيُّهم) بالرفع مبتدأ خبره: (يكتبها) ويجوز نصبه بتقدير ينظرون (أيهم يكتبها) وأي موصولة عند سيبويه، والتقدير: يبتدرون الذي يكتبها، واستفهامية عند غيره، والتقدير: مقول فيهم أيهم يكتبها (أول) بالضم على البناء، وبالنصب على الحال، وهو غير منصرف. وفي الحديث: التحميد والذكر لله، وجواز رفع الصوت بذلك في المساجد. 127 - بَابُ الطُّمَأْنِينَةِ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَقَال أَبُو حُمَيْدٍ: "رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَوَى جَالِسًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ". [انظر: 828] (باب: الاطمأنينة) بكسر الهمزة قبل الطاء الساكنة، في نسخة: "الطمأنينة" بضم الطاء، بغير همز. (حين يرفع رأسه من الركوع) خصَّ ذلك بالركوع تبعًا للأحاديث الآتية، وإلا فهو غير مختص به. (أبو حميد) أي: الساعدي. (رفع النبي) أي: رأسه من الركوع. (واستوى) أي: قائمًا فتحصل مطابقته للترجمة، في نسخة: "واستوى جالسًا" فتفوت المطابقة، وفي أخرى: "فاستوى" بالفاء. (حتى يعود كل فقَارٍ مكانه) بفتح الفاء، وخِفة القاف: تحوزات الظهر وهي: مفاصله، والواحدة: فقارة، وفي نسخة: "كل فقارة". 800 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، قَال: كَانَ أَنَسٌ يَنْعَتُ لَنَا صَلاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، " فَكَانَ يُصَلِّي وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ نَسِيَ". [821 - مسلم: 472 - فتح: 2/ 287]
(أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن ثابت) أي: البناني. (كان أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخة. (ينعت) أي: يصف. (فإذا) في نسخة: "وإذا" بالواو. (قد نسي) أي: أنس وجوب الهوي إلى السجود، أو أنه في صلاة. 801 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُجُودُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ". [انظر: 792 - مسلم: 471 - فتح: 2/ 288] (عن الحكم) أي: ابن عتيبة. (وإذا رفع) أي: "رأسه" كما في نسخة، وقد سبق شرح الحديث في باب: حد إتمام الركوع والاعتدال (¬1). 802 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَال: كَانَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلاةٍ، "فَقَامَ فَأَمْكَنَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَبَ هُنَيَّةً"، قَال: فَصَلَّى بِنَا صَلاةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِي بُرَيْدٍ، وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ: "إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ نَهَضَ". [انظر: 677 - فتح: 2/ 288] (فإن كان) في نسخة: "وإن قام". (وذاك) أي: الفعل (وقت صلاة) في نسخة: "وقت الصلاة". (فامكن القيام) أي: أمكنه. (فأنصت) بهمزة قطع وفوقية في آخره أي: سكت فلم يُكبر للهوي في الحال، وفي نسخة: "فانصبَّ" بهمزة وصل، وموحدة مشددة في آخره كأنه كنى عن رجوع أعضائه من الإنحاء إلى القيام بالانصباب، وفي ¬
128 - باب: يهوي بالتكبير حين يسجد
نسخة: "فانتصب قائمًا" وهي أوضح من اللتين قبلها. (هنية) بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد التحتية أي: قليلًا، فلم يُكبر للهوي في الحال. (قال) أي: أبو قلابة. (فصلى بنا) أي: مالك (ابن بُريد) بضم الموحدة، وفتح الراء المهملة: كُنية شيخنا، واسمه: عمرو بن سلمة، بكسر اللام الجرمي، وفي نسخة: "ابن يزيد" بتحتية مفتوحة، وزاي مكسورة، أي: غير منصرف. (استوى قاعدًا) أي: للاستراحة، وسبق شرح الحديث في باب: من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم (¬1). 128 - بَابٌ: يَهْوي بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ وَقَال نَافِعٌ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ". (باب: يهوي بالتكبير حين يسجد) بفتح أول (يهوي)، وضمه، وكسر ثالثه، أي: يهبط. (نافع) أي: مولى ابن عمر (يضع يديه) أي: كفيه (قبل ركبتيه) هو مذهب مالك، واحتج له بخبر أبي داود وغيره بإسناد جيد: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك، كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" (¬2). ومذهب الثلاثة وفاقًا للجمهور: يضع ركبتيه قبل يديه؛ ¬
لأنها أقرب إلى الأرض، واحتج له بخبر أبي داود وغيره، وحسنه الترمذي عن أبي هريرة قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد وضع ركبتيه قبل يديه. قال الخطابي: وهو أثبت من خبر تقديم اليدين، وأرفق بالمصلي، وأحسن في الشكل، ورأي العين (¬1). ووجه مطابقة الأثر للترجمة: من جهة اشتمالها عليه؛ لأنها في الهوي بالتكبير إلى السجود، والهوي: فعل، والتكبير: قول، فالأثر يدل على الفعل، والحديث الآتي يدل عليه وعلى القول. 803 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، " كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلاةٍ مِنَ المَكْتُوبَةِ، وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الجُلُوسِ فِي الاثْنَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلاةِ"، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ ¬
كَانَتْ هَذِهِ لَصَلاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. [انظر: 785 - مسلم: 392 - فتح: 2/ 290] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (حدثنا شعيب) في نسخة: "أخبرنا شعيب بن أبي حمزة". (يهوي) بفتح الياء، وكسر الواو، وفي نسخة: بضم الياء. (إن كانت) بكسر همزة إن المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. 804 - قَالا: وَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ " وَأَهْلُ المَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ. [1006، 2932، 3386، 4560، 4598، 6200، 6393، 6940 - مسلم: 675 - فتح: 2/ 290] (قالا) أي: أبو بكر، وأبو سلمة. (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) أي: يقول في رفعه من الركوع: (سمع الله لمن حمده)، وفي اعتداله: (ربنا ولك الحمد). (يدعو) خبر ثان لكان، أو حال من ضمير يقول، أو عطف بدون ذكر حرف العطف، وفي نسخة: "ثم يدعو". (لرجال) أي: من المسلمين (أنج) بهمزة قطع (الوليد بن الوليد) أي: ابن عقبة، هو أخو خالد بن الوليد، وقد أسر يوم بدر كافرًا، فلما فُدي أسلم، فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفدى؟ فقال: كرهت أن يُظن بي أني أسلمت جذعًا، فحبس بمكة، ثم أفلت من إسارهم؛ بدعائه - صلى الله عليه وسلم - ولحق به - صلى الله عليه وسلم - (¬1). (وسلمة بن هشام) بفتح اللام هو: أخو أبي جهل [بن هشام. (وعياش بن أبي وبيعة) ¬
بفتح المهملة وتشديد التحتية: وهو أخو أبي جهل] (¬1) لأمه وكل من هؤلاء الذين دعا لهم - صلى الله عليه وسلم - نجوا من أسر الكفار ببركة دعائه - صلى الله عليه وسلم -. (والمستضعفين من المؤمنين) من عطف العام على الخاص. (اللهم اشدد) بهمزة وصل في اشدد. (وطأتك) بفتح الواو وسكون المهملة، وفتح الهمزة: البأس والعقوبة، من الوطء وهو: شدة الاعتماد على الرجل (مضر) بضم الميم، وفتح المعجمة، غير منصرف أي: ابن نزار، والمراد: القبيلة. (واجعلها) أي: وطأتك، أو الأيام الدال عليها سنين، أو نفس السنين، وإن تأخر لفظًا، كما في قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} بجامع أن كلًّا من الضميرين مخبر عنه بخبر يفسره. (كسني يوسف) أي: في القحط، وامتداد زمن المحنة، وغاية الشدة. وفي الحديث: إثبات القنوت، وأنه بعد الرفع من الركوع، وأن تسمية من يدعى له، أو عليه لا تبطل الصلاة. 805 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، غَيْرَ مَرَّةٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَرَسٍ - وَرُبَّمَا قَال سُفْيَانُ: مِنْ فَرَسٍ - فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَقَعَدْنَا - وَقَال سُفْيَانُ مَرَّةً: صَلَّيْنَا قُعُودًا - فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا " قَال سُفْيَانُ: كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَال: لَقَدْ حَفِظَ كَذَا، قَال الزُّهْرِيُّ: وَلَكَ الحَمْدُ حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ، قَال ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَنَا عِنْدَهُ، فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ. [انظر 378 - مسلم، 411 - فتح: 2/ 290] ¬
(سفيان) أي: ابن عيينه. (وربما) أصلها للتقليل، لكنها تستعمل للتكثير كثيرًا، كما مرَّ. (قال سفيان) لفظ: (سفيان) ساقط من نسخة. (من) أي: بدل عن. (قعودًا) حال، أو مفعول له. (وقعدنا) في نسخة: "فقعدنا" بالفاء. (قعودًا) مصدر، أو جمع قاعد، وقد سبق أن ذلك نسخ بصلاتهم قيامًا في مرض موته - صلى الله عليه وسلم - خلفه قاعدًا. (كذا جاء به معمر) أي: أكذا فهمزة الاستفهام مقدرة، وفي نسخة قبل كذا: "قال سفيان" أي: قال سفيان سائلًا مِنْ ابن المديني، أرواه معمر مثل الذي رويته أنا، فقال ابن المديني: (قلت نعم) أي: رواه مثل ما رويته. (قال) أي: سفيان (لقد حفظ) أي: معمر عن الزهري متقنًا (كذا قال الزهري) أي: كما قال معمر. (ولك الحمد) أي: بالواو، وهو بيان لقوله، (كذا قال) أي: حفظ، وأراد سفيان بالاستفهام المذكور: تقرير روايته برواية معمر له، وفيه تحسين حفظه. (حفظت) في نسخة: "وحفظت"، أي: قال سفيان: (حفظت من الزهري) أنه قال: (فجحش من شقه الأيمن) بزيادة من. (قال ابن جريج) نسبة إلى جده؛ لشهرته به، وإلا فهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. (وأنا كنت عنده) أي: عند الزهري، فقال: (فجحش ساقه الأيمن) بلفظ: الساق بدل الشق، فقوله: (وأنا عنده) قال الكرماني وهو معطوف على مقدر، أو حال من فاعل (قال) مقدرًا، أي: قال الزهري. (وأنا عنده) فهو مقول ابن جريج قال: ويحتمل أن يكون مقول سفيان، والضمير لابن جريج (¬1) قال شيخنا: وهذا أقرب إلى الصواب، ومقول ابن جريج هو (فجحش .. إلخ) (¬2). ¬
129 - باب فضل السجود
129 - بَابُ فَضْلِ السُّجُودِ (باب: فضل السجود) أي: بيان فضله. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. 806 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَال: "هَلْ تُمَارُونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَال: "فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ" قَالُوا: لَا، قَال: "فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ القَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إلا الرُّسُلُ، وَكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَال: "فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللَّهُ المَلائِكَةَ: أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إلا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، قَدْ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ،
مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الجَنَّةِ، رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَال: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ وَالمِيثَاقَ، أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ وَالمِيثَاقَ، أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ، قَال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَال اللَّهُ تَعَالى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ " قَال أَبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "قَال اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ"، قَال أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا قَوْلَهُ: "لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ" قَال أَبُو سَعِيدٍ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ". [6573، 7437 - مسلم: 495 - فتح: 2/ 294] (هل نرى) أي: نبصر (هل تمارون) هو ونظيره الآتي بضم التاء، والراء من المماراة، وهي المجادلة، وفي نسخةٍ: "هل تمارون" بفتح التاء والراء، وأصله: تتمارون، حذفت إحدى تائيه أي: هل تشكون (في الشمس) في نسخة: "في رؤية الشمس" (قالوا: لا) زاد في نسخة:
"يا رسول الله". (كذلك) أي: بلا مرية ظاهرًا جليًّا ولا يلزم منه المشابهة في الجهة والمقابلة، وخروج الشعاع؛ لأنها أمورٌ لازمة للرؤية عادة لا عقلًا. (فيقول) أي: الله تعالى، أو القائل. (فليتبع) بتشديد الفوقية، وكسر الموحدة، وفي نسخة: "فليتبعه" بضمير المفعول مع التشديد والكسر، أو التخفيف والفتح. (الطواغيت) جمع طاغوت أي: الصنم أو الساحر، أو غير ذلك. (هذه الأمة فيها منافقوها) أي: يستترون بها، كما كانوا في الدنيا واتبعوها، فلما انكشفت لهم الحقيقة لعلهم ينتفعون بذلك {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 13]. (فيأتيهم الله) أي: يظهر لهم في غير صفته التي يعرفونها. (من الصفات) أي: تعبدهم بها في الدنيا امتحانا منه؛ ليقع التمييز بينهم وبين غيرهم ممَّن يعبد غيره تعالى (فيقول: أنا ربكم) فيستعيذون بالله منه؛ لأنه لم يظهر لهم بالصفات التي يعرفونها، بل بما استأثر بعلمه تعالى. (حتى يأتينا ربنا) أي: يظهر لنا. (فيأتيهم الله) أي: يظهر لهم متجليًا بصفاته المعروفة عندهم. (فيقول: أنا ربكم) كرر ذلك؛ لأن ظهوره في الأول ظهور غير واضحٍ؛ لبقاء بعض الحجب، وفي الثاني ظهور واضح، أو لأنه أبهم أولًا ثم فسر ثانيًا بزيادة بيان (فيضرب) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "ويضرب" بالواو. (الصراط) هو جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر، وأحد من السيف يمر عليه الناس كلهم. (بين ظهراني جهنم) بفتح الظاء أي: في ظهرها أي: وسطها، فزيدت الألف والنون؛ للمبالغة، والياء؛ لصحة دخول بين على متعدد، وقيل: لفظ: (ظهراني) مقحم. (يجوز) من جاز، وفي نسخةٍ: "يجيز" من أجاز، أي: فأكون أول من يمر بأمته على الصراط، أو يقطعه.
(ولا يتكلم يومئذٍ أحدٌ إلا الرسل) أي: لشدة الهول، والمراد: لا يتكلم أحد حين الجواز، وإلا فيتكلم الناس في مواطن في القيامة، وتجادل كل نفسٍ عن نفسها. (وكلام الرسل يؤمئذ: اللهم سلم، سلم) أي: شفقة منهم على الخلق ورحمة. (كلاليب) جمع كَلُّوب بفتح الكاف، وضم اللام المشددة: وهو حديدة [مفتوحة] (¬1) معطوفة الرأس يعلق فيها اللحم، ويقال لها أيضًا: كلاب، بضم الكاف. (السعدان) بفتح أوله: نبت له شوك عظيم من كل الجوانب. مثل الحَسَك (¬2).، وهو أجود مراعي الإبل. (فإنها) أي: الكلاليب. (لا يعلم قدر عظمها إلا الله) في نسخة: لالا يعلم ما قدر عظمها إلا الله" بزيادة ما للتأكيد، أو بجعلها استفهامية، ورفع (قدر) مبتدأ خبره ما. (تخطف) بفتح الطاء أفصح من كسرها، وفي نسخةٍ: "فتخطف" بالفاء، أي: تأخذ. (بأعمالهم) أي: بسببها (من يوبق) بالبناء للمفعول، أي: يهلك. (من يخردل) بالبناء للمفعول، بخاء معجمة ودال مهملة، أي: يقطع صغارًا، كالخردل، وفي نسخة: بالجيم من الجردلة، وهي: الأشراف على الهلاك. (من أهل النار) أي: الداخلين فيها وهو المؤمنون؛ إذا الكافر لا ينجو منها أبدًا. (أثر ¬
السجود) أي: محله وهو الأعضاء السبعة، أو الجبهة خاصة لخبر مسلم: "إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم" (¬1). (امتحشوا) بالبناء للفاعل وفي نسخة: بالبناء للمفعول أي: احترقوا، أو اسودوا. (فيصب عليهم) بالبناء للمفعول. (ماء الحياة) هو الذي من شرب منه أو صُب عليه لم يمت أبدا. (الحبة) بكسر المهملة: بذور الصحراء ما ليس بقوت. (في حميل السيل) فتح الحاء المهملة: ما جاء به السيل من طين ونحوه، شبه به؛ لأنه شبه نباتهم بنبات الحبة في حميل السيل؛ لسرعة نباتهما فيه. (ثم يفرغ الله) الإسناد فيه مجازي؛ لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فالمراد: ثم يتم الله الحكم بين العباد بالثواب والعقاب. (ويبقى رجل) هو جهينة (دخولا) تمييز، أو حال بتأويله بداخلا. (مقبلًا) حال، وفي نسخة: "مقبل" بالرفع خبر مبتدإٍ محذوف (عن النار) في نسخة: "من النار" (قد) في نسخة: "فقد". (قشبني ريحها) أي: سمني وأهلكني، وكل مسموم قشيب أي: صار ريحها، كالسم في أنفي. (ذكاؤها) بمعجمة مفتوحة وبالمد أي: لهبها واشتعالها، وفي نسخة: "ذكاها" بالقصر، قال النوويُّ: وهو الأشهر في اللغة (¬2). (عسيت) بفتح السين وكسرها مع فتح التاء فيهما. (إن فعل) بالبناء للمفعول. (ذلك) أي: الصرف الدال عليه كلامه الآتي. (ما شاء) في نسخة: "ما يشاء". (من عهد) أي: يمين. (بهجتها) أي: حسنها، وجملة: (رأى بهجتها) بدل من (أقبل به على الجنة). ¬
(سكت .. إلخ) جواب (إذا)، وفي نسخةٍ: "فسكت" بالفاء، فجواب (إذا) محذوف أي: تحير، أو سكت، والفاء: تفسيرية (أليس) أسمها: ضمير الشأن (والميثاق) في نسخةٍ: "والمواثيق". (لا أكون) في نسخةٍ: "لا أكونن" أي: لا تجعلني (أشقى خلقك) أي: كافرًا، وقيل: الألف زائدة، والمعنى: إذا أبقيتني على هذه الحالة، ولا تدخلني الجنة لأكونن أشقى خلقك. (فما عسيت) ما استفهامية، أو نافية على ما يأتي (إن أعطيت ذلك) أي: التقديم إلى باب الجنة، والجملة: اعتراض بين اسم عسى وخبرها، وهو (أن تسأل غيره) وفي نسخة: "أن لا تسأل غيره" بزيادة (لا)، فهي بجعل (ما) استفهامية زائدة، كما في {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ}، وبجعلها نافية أصلية، ونفي النفي إثبات أي: عسيت أن تسأل غيره، وإنما قال تعالى ذلك، وهو عالم بما كان، وما يكون؛ إظهارًا لما عهد من بني آدم من نقض العهد، وأنتم أحق بأن يقال لهم ذلك فمعنى عسى راجع للمخاطب، لا الله تعالى. (لا أسأل) في نسخة: "لا أسألك". (فرأى زهرتها) عطف على (بلغ بابها). (من النضرة) بنون مفتوحة، وضاد معجمة ساكنة أي: البهجة. (فيسكت) الفاء تفسيرية، وجواب (إذا) محذوف أي: تحير أو سكت، كما في نظيره، وسكوته عن السؤال كما قال الكلاباذي (¬1).: ¬
حياء من ربه، وهو تعالى يحب سؤاله فيباسطه بقوله: (لعلك إن أعطيت هذا تسأل غيره) وهذه حالة المقصر، فكيف حالة المطيع؟ وليس نقض هذا العبد عهده جهلًا منه، ولا قلة مبالاة، بل علمًا منه أن نقضه أولى من الوفاء به؛ لأن سؤاله ربه أولى من إبراره قسمه؛ لعلمه بقوله - صلى الله عليه وسلم - "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير" (¬1). (ويحك) نصب بفعل محذوف أي الزم، وهو كلمة رحمة، كما أن ويلك: كلمة عذاب، وقيل: هما بمعنى واحد. (ما أغدرك) صيغة تعجب من الغدر، وهو: ترك الوفاء. (قد أعطيت) بالبناء للفاعل. (العهد والميثاق). في نسخة: "العهود والميثاق". (غير الذي أعطيت) بالبناء للمفعول. (فيضحك الله عزَّ وجلَّ منه) لفظ: (منه) ساقط من نسخة. والمراد بضحكه تعالى: لازمه، وهو رضاه، وإرادته الخير. (انقطع) في نسخة: "انقطعت"، زاد في نسخة: "تمن". (من كذا وكذا) أي: من أمانيك التي كانت لك قبل أن أذكرك بها. (أَقْبل يُذكِّرُهُ رَبُّه) بدل من (قال الله .. إلخ)، والمعنى: يذكره الأماني، وقوله: (ربُّه) تنازعه الفعلان قبله، (الأماني): جمع أمنية، ¬
130 - باب يبدي ضبعيه ويجافي في السجود
بتشديد الياء فيهما. (لك ذلك) أي: ما سألته من الأماني (ومثله معه) الواو حالية، ومدخولها جملة من مبتدإٍ وخبر، أو عاطفة ومدخولها مفرد وهو مثله، و (معه) حال منه. (ذلك لك) في نسخة: "لك ذلك". (وعشرة أمثاله) لا تنافي بين الروايتين؛ لاحتمال أن مؤدي الأولى كان أولًا، ثم تكرم الله بالزيادة، فأخبر بها - صلى الله عليه وسلم -، ولم يسمعها أبو هريرة. وفي الحديث: إثباتُ الرؤيةِ لله تعالى، وفضيلة السجود، وأن الصلاة أفضل الأعمال؛ لما فيها من السجود، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "أقرب مما يكون العبد من ربه إذا سجد" (¬1) وأنه تعالى أكرم الأكرمين، وأن كلًّا من الصراط والجنة، والنار، والحشر، والنشر، والسؤال حق. 130 - بَابُ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ (باب: يبدي) أي: يظهر الرجل في صلاته. (ضبعيه) بفتح أوله، وسكون ثانية، وحكي ضمه، أي: عضديه. (ويجافي) أي: يباعد بطنه (في السجود) تنازعه الفعلان قبله. 807 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ" وَقَال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، نَحْوَهُ. [انظر: 390 - مسلم: 495 - فتح: 2/ 294] (يحيى بن بكير) نسبة إلى جده، لشهرته به، وإلا فهو "يحيى بن عبد الله بن بكير" كما في نسخة. ¬
131 - باب يستقبل بأطراف رجليه القبلة
(حدثني بكر) في نسخة: "حدثنا بكر". (عن جعفر) أي: ابن ربيعة. (عن ابن هرمز) هو عبد الرحمن الأعرج (ابن بُحينة) صفة لعبد الله لا لمالك؛ فيكتب (ابن) بألف وبنون (مالك) كما مرَّ. (فرج بين يديه) أي: نحى كل يدٍ عن الجنب الذي يليها. (حتى يبدو بياض إبطيه) لأن ذلك أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان. 131 - بَابُ يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ قَالهُ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 828 - فتح: 2/ 295] (باب: يستقبل) أي: المصلي في سجوده. (بأطراف رجليه القبلة) أي: بأن يقيم قدميه على بطون أصابعهما. (قاله) أي: الاستقبال المذكور (أبو حميد) أي: "الساعدي" كما في نسخةٍ، وهذا الباب والذي قبله ساقطان من نسخة. 132 - بَابُ إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ (باب: إذا لم يتم) أي: المصلي. (السجود) أي: لم تصح صلاته، وفي نسخةٍ: "سجوده". واقتصاره على السجود قاصر عما أفاده الحديث الآتي من الركوع والسجود. 808 - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ، وَلَا سُجُودَهُ فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَال لَهُ حُذَيْفَةُ: "مَا صَلَّيْتَ؟ " قَال: وَأَحْسِبُهُ قَال: "وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [انظر: 389 - فتح: 2/ 295]
133 - باب السجود على سبعة أعظم
(مهدي) أي: "ابن ميمون" كما في نسخةٍ. (عن واصل) أي: الأحدب. (عن أبي وائل) بالهمز هو شقيق بن سلمة. (قضى صلاته) أي: أدَّاها (قال) أبو وائل. (وأحسب) أي: حذيفة، وفي نسخة: "فأحسبه" بالفاء (ولو) في نسخةٍ بلا واو. (مت) أي: وأنت على صلاتك هذه. (مت) في نسخة: "لمت". (على غير سنة محمد) أي: غير طريقته. 133 - بَابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ (باب: السجود على سبعة أعظم) أي: أعضاء. 809 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " أُمِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا: الجَبْهَةِ، وَاليَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ". [810، 812، 815، 816 - مسلم: 490 - فتح: 2/ 215] (قبيصة) أي: ابن عقبة بن عامر الكوفي. (سفيان) أي: الثوري. (عن طاوس) أي: ابن كيسان. (عن ابن عباس: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -) بالبناء للمفعول، وفي نسخةٍ: "عن ابن عباس أنه قال: أمر النبي". (على سبعة أعضاء) في نسخة: "على سبعة أعظم" وعبَّر فيها، كما في الترجمة بسبعة أعظم، فسمى كل واحدٍ فيها عظمًا باعتبار الجملة، وإن اشتمل كل منها على عظام، فهو من باب تسمية الكل باسم البعض. (لا يكف) أي: يضم وهو بالنصب عطف على (يسجد). (شعرًا ولا ثوبًا) الأمر بعدم كفهما؛ للندب، وإن الأمر بالسجود على الأعضاء السبعة للوجوب. والأمر في الحديث مستعمل في
معنيين، وذلك جائز عند الشافعي. والحكمة في عدم كف الشعر والثوب: إنهما يسجدان معه، أو أنه إذا ضمهما بان رفعهما عن الأرض أشبه المتكبر. (الجبهة) هي وما عطف عليها بالجر عطف بيان لسبعة أعضاء، وما بينهما اعتراض، والمراد باليدين: الكفان. 810 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا". (عن عمرو) أي: ابن دينار (عن طاوس) أي: ابن كيسان. (أُمرنا) بالبناء للمفعول أي: أنا وأمتي. 811 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ، حَدَّثَنَا البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، - وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ -، قَال: "كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ". [انظر: 690 - مسلم: 474 - فتح: 2/ 295] (إسرائيل) أي: ابن يونس، (عن أبي إسحق) أبو عمرو بن عبد الله الكوفي الخطمي، بفتح الخاء المعجمة، وهو ساقط من نسخة. (لم يحن) بفتح الياء، وكسر النون وضمها. (أحد منا ظهره) أي: إلى السجود، وفي نسخةٍ: "أحدنا". (حتى يضع النبي - صلى الله عليه وسلم - جبهته على الأرض) خصَّ الجبهةَ بالذكر؛ لاستلزام وضعها وضع بقية السبعة غالبًا، أو لأنها أدخل في الوجوب من البقية؛ ولذا لم يختلف في وجوب السجود عليها، واختلف في بقية السبعة، ويجب عندنا كشف الجبهة دون البقية، ويكتفي في الجيمع بوضع بعض كلٍّ منهما.
134 - باب السجود على الأنف
134 - بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ (باب: السجود على الأنف) أي: بيان حكمه. 812 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَاليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ القَدَمَيْنِ وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ". [انظر: 809 - مسلم: 490 - فتح: 2/ 297] (معلى) في نسخةٍ: "المعلَّى". (وَهَيبٌ) أي: ابن خالدٍ الباهلي. (وأشار) أي: النبي - صلى الله عليه وسلم - (بيده على أنفه) على بمعنى: "إلى" كما عبر بها في نسخة، أو ضمن (أشار) معنى: أمر فعداه بعلى، ويؤيده ما رواه النسائي بلفظ: ووضع يده على جبهته وأمرها على أنفه (¬1). والسجود عليه عندنا مستحبٌّ لا واجب؛ ولهذا عبَّر فيه بالإشارة، وأما خبر: "من لم يلصق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد لم تجز صلاته" فضعيف (¬2)، ¬
135 - باب السجود على الأنف، والسجود على الطين
وقوله: (وأشار .. إلخ) اعتراض بين المتعاطفين. (ولا نَكْفِتَ) بكسر الفاء، وبالنصب، أي: لا نضم، فهو بمعنى: ولا نكف، فهو من كفت الشيء: ضممه إلى نفسه. وفي الحديث: وجوب السجود على الأعضاء السبعة، وندبه على الأنف، كما مرَّ. 135 - بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ، وَالسُّجُودِ عَلَى الطِّينِ (باب: السجود على الأنف في الطين) في نسخة: "باب: السجود على الأنف، والسجود على الطين" والأولى أولى؛ دفعًا للتكرار. 813 - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَال: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَال: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ فَقُلْتُ: أَلا تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثُ، فَخَرَجَ، فَقَال: قُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ، قَال: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَال: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَال: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَال: "مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي وتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ" وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزَعَةٌ، فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ. [انظر: 669 - مسلم: 1167 - فتح: 2/ 298] (موسى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي. (همام) هو ابن يحيى. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف.
(ألا تخرج بنا إلى النخل) لفظ: (بنا) ساقط من نسخةٍ (نتحدث) بالجزم جواب الأمر المفاد مما قبله، وبالرفع والجملة حال. (فخرج، فقال) في نسخة: "فخرج، قال" بلا فاء. (اعتكف رسول) في نسخةٍ: "اعتكف النبي" (عشر الأول) بالإضافة، وضم الهمزة، وتخفيف الواو، وفي نسخة: "العشر الأول" وفي أخرى: "الأول" بدون ذكر ما قبله، وبفتح الهمزة، وتشديد الواو. (فاعتكف العشر الأوسط) أي: لياليه. (فاعتكفنا) في نسخةٍ: "واعتكف" بالواو. (فقام) في نسخةٍ: "ثم قام". (مع النبي) فيه: التفات؛ إذ القياس معي. (فليرجع) أي: إلى الاعتكاف. (أريت) بالبناء لمفعول من الرؤية العلمية، وفي نسخةٍ: "رأيت" من الرؤية العلمية، أو من الرؤية البصرية (ليلة القدر) أي: علامتها، وهي السجود في الماء والطين. (نُسِّيتها) بضم النون، وتشديد السين المكسورة، وفي نسخةٍ: "أنسيتها" بضم الهمزة، وفي أخرى: "نسيتها" بفتح النون وكسر السين المخففة، والمراد: أنه نسي تعيينها. (وأنها في العشر الأواخر) جمع آخرة، قال الطيبي: وصف العشرين الأولين بالإفراد، والأخير بالجمع؛ لأن كلَّ ليلةٍ منه يتصور أنها ليلة القدر بخلاف ذينك. (في وتر) بكسر الواو وفتحها، وهو بدل من قوله: (في العشر الأواخر) (وإني رأيت) من الرؤية العلمية. (شيئًا) أي: من السحاب (قزعة) بقاف، وزاي ومهملة مفتوحات، وقد تسكن الزاي، والجمع قزع، وهو: قطع من السحاب رقيقة، وقيل: هو السحاب المتفرق. (فأمطرنا) بالبناء للمفعول (الطين والماء). في نسخةٍ: "الماء والطين" (على جبهة رسول الله) في نسخةٍ: "على جبهة النبي". (وأرنبته) بالجر؛ عطفٌ على جبهة
136 - باب عقد الثياب وشدها، ومن ضم إليه ثوبه، إذا خاف أن تنكشف عورته
النبي، وهو بفتح الهمزة، وسكون الراء، وفتح النون، وبالموحدة: طرف الأنف. (تصديق رؤياه) بالرفع؛ خبر مبتدإِ محذوف أي: أثر الطين والماء على الجبهة والأرنبة، تصديق رؤياه، وتأويلها: وهو محمولٌ على أنه كان يسيرًا لا يمنع مباشرة الجبهة المصلى. وفي الحديث: أن رؤيا الأنبياء حق، وطلب الخلوة في المحادثة؛ لأنها أجمع للضبط في الأخذ عن الشيخ، وموافقة الرئيس في الطاعة، وأن ليلة القدر غير معينة. والحكمة فيه: تعظيم سائر الليالي، وأن السجود على الجبهة واجبٌ، وإلا لصانها عن لصق الطين والملوث لها، واستحباب ترك الإسراع إلى نفض ما يصيب جبهة الساجد من أثر الأرض وغبارها. 136 - بَابُ عَقْدِ الثِّيَابِ وَشَدِّهَا، وَمَنْ ضَمَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، إِذَا خَافَ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ (باب: عَقْدِ الثِّياب وشدها عند الصلاة) وعطف شد على (عقد) عطف تفسير، أو هو أعم منه وعطفٌ على (عقد) مدخول الواو في قوله: (ومن ضم إليه ثوبه) أي: في الصلاة. (إذا خاف) في نسخةٍ: "مخافة" (أن تنكشف عورته) فيها. 814 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَال: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ عَاقِدُوا أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: "لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَويَ الرِّجَالُ جُلُوسًا". [انظر: 362 - مسلم: 441 - فتح: 2/ 298] (سُفْيَانُ) أي: الثوريُّ (عن ابن أبي حازم) بحاء مهملة: سلمة بن دينار.
137 - باب لا يكف شعرا
(وهم) مبتدأ (عاقدوا) خبره، وفي نسخةٍ: "عاقدي" إما خبر كان محذوف، أي: كانوا عاقدي، والجملة خبر المبتدأ، وإما حال، وخبر المبتدأ محذوف، أي: وهم مؤتزرون حال كونهم عاقدي (أزرهم) بضمتين جمع إزار. (من الصغر) أي من أجل صغر أزرهم. (على رقابهم) متعلقٌ بعاقدي أُزُرهم (جلوسًا) أي: الجالسين، نهى النساء أن يرفعن رؤوسهن قبل الرجال؛ خوفًا أن يقع بصرهن على عوراتهم، ففيه: الاحتياط في ستر العورة. 137 - بَابُ لَا يَكُفُّ شَعَرًا (باب: لا يَكُفُّ شعرًا) بضم الفاء، وفتحها، ورجَّح شيخنا الأول (¬1)، واقتصاره على الشعر قاصرٌ على ما أفاده الحديث الآتي من الشعر والثوبِ. 815 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَال: "أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا يَكُفَّ ثَوْبَهُ وَلَا شَعَرَهُ". [انظر: 809 - مسلم: 490 - فتح: 2/ 299] (أبو النُّعمان) هو محمد بن الفضل السدوسي (وهو: ابن زيد) لفظ: (وهو) ساقط من نسخةٍ، وفي أخرى: "هو ابن زيد" بلا واو. (أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - .. إلخ) مرَّ بيانه في باب: السجود على سبعة أعظم. 138 - بَابُ لاَ يَكُفُّ ثَوْبَهُ فِي الصَّلاَةِ (باب: لا يكف ثوبه في الصلاة) تقدم ضبط يكف في الباب قبله. ¬
139 - باب التسبيح والدعاء في السجود
816 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ، لَا أَكُفُّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا". [انظر: 809 - مسلم: 490 - فتح: 2/ 299] (ابن إسماعيل) ساقط من نسخةٍ. (أبو عوانة) أي: الوضاح اليشكري. (عن عمرو) أي: ابن دينار. (على سبعة) في نسخة: "على سبعة أعظم" وهو بيان الحديث، وفيه زيادة على الترجمة. 139 - بَابُ التَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ (باب: التسبيح والدعاء) أي: من المصلي. (في السجود) تنازعه العاملان قبله. 817 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَال: حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ، عَنْ مُسْلِمٍ هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ. [انظر: 794 - مسلم: 484 - فتح: 2/ 299] (مسدَّد) أي: ابن مسرهد. (يحيى) أي: القطان. (عن سفيان) أي: الثوري. (منصور) أي: "ابن المعتمر" كما في نسخةٍ. (عن مسلم) أي: "ابن صبيح [أبي الضحى" كما في نسخة] (¬1). (اللهم ربنا) جملة معترضة بين (سبحانك) وبين قوله: (وبحمدك) والواو فيه للحال أي: وأسبحك ملتبسًا بحمدي لك من أجل توفيقك لي للتسبيح ونحوه، أو لعطف الجملة على الجملة، أي: أسبحك، ¬
140 - باب المكث بين السجدتين
وألتبس بحمدك. (يتأول القرآن) أي: يعمل بما أمر به في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3] أي: سبح بنفس الحمد؛ لما تضمنه الحمد من معنى التسبيح الذي هو التنزيه، فيكفي في الامتثال الأمر بالتسبيح الاقتصار على الحمد، أو المراد: فسبح ملتبسًا بالحمد، فلا يتمثل حتى يجمعهما، وهو الظاهر، ذكر ذلك شيخُنا (¬1)، وقوله (حتى يجمعهما) أي: التسبيح والتحميد. 140 - بَابُ المُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (باب: المكث بين السجدتين) في نسخةٍ: "بين السجود". 818 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ الحُوَيْرِثِ، قَال لِأَصْحَابِهِ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ صَلاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَال: وَذَاكَ فِي غَيْرِ حِينِ صَلاةٍ، فَقَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ هُنَيَّةً، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ هُنَيَّةً، فَصَلَّى صَلاةَ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ شَيْخِنَا هَذَا، قَال أَيُّوبُ: كَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ أَرَهُمْ يَفْعَلُونَهُ كَانَ يَقْعُدُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ. [انظر: 677 - فتح: 2/ 300] (حماد) أي: "ابن زيد" كما في نسخة. (عن أبي قلابة) هو عبد الله بن زيد [الجرميّ] (¬2). (صلاة رسول الله) في نسخةٍ: "صلاة النبي" (وذاك) أي: الإنباء (في غير حين صلاة) أي: في غير وقت صلاة من الصلوات المفروضة. (فقام) أي: مالك (هنية) بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد التحتية أي: قليلًا، كما مرَّ (ثم رفع رأسه) أي: من السجود. (هنية) هذا محل الترجمة. (وصلى) أي: قال أبو قِلابة: (فصلى) مالك (صلاة عمرو بن ¬
سلمة) بكسر اللام (شيخنا هذا) بالجرِ عطفُ بيان لـ (عمرو) وفي نسخة: "صلاة شيخنا هذا عمرو بن سلمة". (وكان) أي: عمرو. (يقعد) أي: للاستراحة. (في الثالثة والرابعة) أي: فيما بينهما، وفي نسخةٍ: "أو الرابعة" بالشك أي: في آخر الثالثة، أو بدء الرابعة. 819 - قَال: فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ، فَقَال: "لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ صَلُّوا صَلاةَ كَذَا، فِي حِينِ كَذَا صَلُّوا صَلاةَ كَذَا، فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ". [انظر: 628 - مسلم: 674 - فتح: 2/ 300] (قال) أي: مالك. (فأتينا) عطف على مقدر، أي: أسلمنا فأتينا، أي: فأتى بعضنا. (فأقمنا عنده) أي: "شهرًا" كما في نسخة. (لو) بمعنى: إذا. (أو أن أهليكم) في نسخةٍ: "أهاليكم" (صلوا صلاة كذا) في نسخةٍ: "وصلوا" بواو العطف في الجملة الثانية، ومرَّ تفسير الحديث (¬1). 820 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ البَرَاءِ، قَال: "كَانَ سُجُودُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُكُوعُهُ وَقُعُودُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ". [انظر: 792 - مسلم: 471 - فتح: 2/ 300] (الزبيري) بضم الزاي، وفتح الموحدة. (مسعر) أي: ابن كدام (عن الحكم) أي: ابن عتيبة. (قريبًا من السواء) بالمد، أي: من المساواة كما مرَّ. 821 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ، كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا - قَال ثَابِتٌ: ¬
141 - باب لا يفترش ذراعيه في السجود
كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَصْنَعُ شَيْئًا لَمْ أَرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسِيَ". [انظر: 800 - مسلم: 472 - فتح: 2/ 301] (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (لا آلو) بالمد أي: لا أقصر. (كان أنس) في نسخة: "كان أنس بن مالك". (نَسِى) بالفتح والتخفيف، أو بالضم والتشديد، كما مر. وفي الحديث: استحباب تطويل المكث في الاعتدال، وبين السجدتين ولكن المشهور عند الشافعي أنهما ركنان قصيران. 141 - بَابُ لَا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ وَقَال أَبُو حُمَيْدٍ: "سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا". (باب: لا يفترش ذراعيه في السجود) بجزم (يفترش) على النهي، وبضمها على النفي وهو بمعنى: النهي. (ووضع يديه) أي: كفيه على الأرض. (غير مفترش) أي: لذراعيه بأن نصبهما. (ولا قابضمها) أي: كفيه، بأن لا يقبض أصابعهما في السجود، أو ذراعيه بأن يجافيهما عن جنبيه، ويسمي الفقهاءُ ذلك التخوية. 822 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الكَلْبِ". [انظر: 532 - مسلم: 493 - فتح: 2/ 301] (حدثنا شبعة) في نسخة: "أخبرنا شعبة". (قتاة) أي: ابن دعامة.
142 - باب من استوى قاعدا في وتر من صلاته ثم نهض
(اعتدلوا في السجود) أي: كونوا متوسطين فيه بين الافتراش والقبض. (ولا يبسط) بتحتية فموحدة ساكنة فسين مضمومة، وفي نسخة: "ولا ينبسط" بنون ساكنة بعد التحتية، فموحدة مفتوحة، فسين مكسورة، وفي نسخةٍ: "ولا يبتسط" بموحدة ساكنة بعد التحتية، فمثناة فوقية مفتوحة، فسين مكسورة. (انبساط الكلب) بنون ساكنة، فموحدة مكسورة على النسخة الأولى والثانية، لكنه في الأولى: مصدر مطاوع، بسط، يبسط، وفي نسخةٍ: "ابتساط" بموحدة ساكنة، ففوقيةٍ مكسورة على الثالثة. وحكمة النَّهي عن ذلك: أن تركه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف، وأبعد من هيئة الكسالى؛ إذ المنبسط كذلك يشعر بالتهاون بالصلاة. 142 - بَابُ مَنِ اسْتَوَى قَاعِدًا فِي وتْرٍ مِنْ صَلاتِهِ ثُمَّ نَهَضَ (باب: من استوى قاعدًا) أي: للاستراحة (في وتر) أي: في الركعة الأولى، أو الثالثة. (من صلاته، ثم نهض) أي: للقيام. 823 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَال: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، قَال: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ اللَّيْثِيُّ، أَنَّهُ "رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وتْرٍ مِنْ صَلاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَويَ قَاعِدًا". [فتح: 2/ 302] (هشيم) بضم الهاء أي: ابن بشير بفتح الموحدة. (عن أبي قلابة) هو: عبد الله بن زيد الجرمي. (أخبرنا مالك) في نسخةٍ: "أخبرني مالك". (لم ينهض) أي: إلى القيام. (حتى يستوي قاعدًا) أي: للاستراحة. فالجلوس لها سنة، كما قال به الشافعي. وأما تركه - صلى الله عليه وسلم -
143 - باب: كيف يعتمد على الأرض إذا قام من الركعة؟
حديث رواه أبو داود، وغيره (¬1)، فبيان للجواز. 143 - بَابٌ: كَيْفَ يَعْتَمِدُ عَلَى الأَرْضِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَةِ؟ (باب: كيف يعتمد) أي: المصلي. (على الأرض إذا قام من الركعة) أي: من ركعة إلى أخرى، وفي نسخةٍ: "من الركعتين" أي: والأولى، والثانية، وهي قاصرة. 824 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَال: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ، فَصَلَّى بِنَا فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، فَقَال: إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلاةَ، وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، قَال أَيُّوبُ: فَقُلْتُ لِأَبِي قِلابَةَ: وَكَيْفَ كَانَتْ صَلاتُهُ؟ قَال: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنَا هَذَا - يَعْنِي عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ - قَال أَيُّوبُ: وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْخُ "يُتِمُّ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ عَنِ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ قَامَ". [انظر: 677 - فتح: 2/ 303] (قال حدثنا) في نسخةٍ: "أخبرنا" (وهيب) أي: ابن خالد. (فقال) في نسخةٍ: "قال" (وما أريد الصلاة) أي: صلاة واجبة عليَّ (ولكن) في نسخةٍ: "لكن" بلا واو، وفي أخرى: "ولكنني". (رأيت النبي) في نسخةٍ: "رأيت رسول الله". (قال أيوب) أي: السختياني. (يتم التكبير) أي: يكبر عند كل انتقال غير الاعتدال، أو ¬
144 - باب يكبر وهو ينهض من السجدتين
كان يمده من أول الانتقال .. إلخ. (وإذا) في نسخة: "فإذا" بالفاء (عن السجدة) في نسخةٍ: "في السجدة" وفي أخرى: "من السجدة". ووجه مطابقة الحديث للترجمة التي هي لبيان كيفية الاعتماد مع أن الذي في الحديث نفس الاعتماد، لا كيفيته: لأنه تضمن كيفية، وهي أنه يجلس أولًا، ثم يعتمد، ثم يقوم. 144 - بَابُ يُكَبِّرُ وَهُوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: "يُكَبِّرُ فِي نَهْضَتِهِ". (باب: يكبر) أي: المصلي. (وهو ينهض من السجدتين) أي: من الجلوس بعد سجدتي الركعة الثانية. (وكان ابن الزبير) أي: عبد الله. (من نهضته) أي: من الجلوس المذكور. 825 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَال: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، قَال: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ "فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ" وَقَال: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [فتح: 2/ 303] (فليح) اسمه: عبد الملك، و (فليح) لقبه فغلب على اسمه، وشهر به. (فجهر) أي: أبو سعيد. (وحين رفع) أي: "رأسه" كما في نسخةٍ. (هكذا رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -) أي: يصلي. وفي الحديث: ندب الجهر بالتكبيرات، وأن التكبير للقيام مقارن للفعل كغيره. 826 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَال: حَدَّثَنَا غَيْلانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، قَال: صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ، صَلاةً خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي
145 - باب سنة الجلوس في التشهد
طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، "فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ"، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ عِمْرَانُ بِيَدِي، فَقَال: لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَال: لَقَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [انظر: 784 - مسلم: 393 - فتح 2/ 303] (عن مطرف) هو عبد الله بن الشخير العامري. (وعمران) أي: ابن حصين. (وإذا نهض من الركعتين) أي: الأوليين بعد التشهد. (بيدي) بكسر الدال (صلى بنا هذا) أي: علي. (أو قال) عطف على (لقد صلى بنا) وهو شكٌّ من مُطَرَّف، ومرَّ شرح الحديث في باب: إتمام التكبير (¬1). 145 - بَابُ سُنَّةِ الجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: "تَجْلِسُ فِي صَلاتِهَا جِلْسَةَ الرَّجُلِ وَكَانَتْ فَقِيهَةً". (باب: سنة الجلوس) أي: هيئته. (في التشهد) أي: الأول والثاني. (جلسة الرجل) بكسر الجيم؛ لأن المراد: الهيئة أي: كجلسته في الافتراش في التشهد الأول، والتورك في الثاني. وهذا التعليق وصله البخاري في "تاريخه الصغير" عن مكحول (¬2). (وكانت فقيهة) من كلام مكحول، لا من كلام البخاري، كما زعمه مغلطاي، وابن الملقن، نبه على ذلك شيخنا (¬3). ¬
827 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلاةِ إِذَا جَلَسَ، فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَقَال: "إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ اليُمْنَى وَتَثْنِيَ اليُسْرَى"، فَقُلْتُ: إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقَال: إِنَّ رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلانِي. [فتح: 2/ 305] (عن عبد الرحمن بن القاسم) أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق. (عن عبد الله بن عبد الله) أي: ابن عمر بن الخطاب. (وقال) في نسخةٍ: "قال"، وفي أخرى: "فقال". (وتثني) بفتح أوله، أي: تعطف (اليسرى) أي: وتجلس عليها (إنك تفعل ذلك؟) أي: التربع. (إن رجلي) بتشديد الياء تثنية رجل، وفي نسخةٍ: "إن رجلاي" بألف على إجراء المثنى مجرى المقصور، أو أن (إن) بمعنى: نعم فعليه قوله: (رجلاي) أي: (لا تحملاني) بتخفيف النون، وتشديدها: استئناف بياني. 828 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، وَحَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْنَا صَلاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى، وَنَصَبَ اليُمْنَى، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرَى، وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ" وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ،
وَيَزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَلْحَلَةَ، وَابْنُ حَلْحَلَةَ مِنْ ابْنِ عَطَاءٍ، قَال أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: كُلُّ فَقَارٍ، وَقَال ابْنُ المُبَارَكِ: عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، قَال: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ، كُلُّ فَقَارٍ. [فتح: 2/ 305] (عن خالد) أي: ابن يزيد الجمحي. (عن سعيد) زاد في نسخةٍ: "هو ابن أبي هلال". (حلحلة) بفتح المهملتين الديلي. (وحدثنا) في نسخةِ: " ح وحدثنا " وفي أخرى: "قال: حدثني" أي: قال يحيى بن بكير حدثني. (مع نفر) في نسخةٍ: "في نفر" وهو اسم جمع من الرجال ما بين الثلاثة والعشرة، لكن في "سنن أبي داود" و"صحيح ابن خزيمة" أنهم كانوا عشرة (¬1). (من أصحاب النبي) في نسخةٍ: "من أصحاب رسول الله" فيهم أبو قتادة بن ربعي، وأبو أسيد الساعدي، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، وأبو هريرة. (فقال أبو حميد) أي: عبد الرحمن، أو المنذر (لصلاة رسول الله) في نسخةٍ "لصلاة النبي". (حذاء منكبيه) في نسخة: "حذو منكبيه". (هصر ظهره) أي: أماله مع استوائه مع رقبته من غير تقويس (مكانه) في نسخة: "إلى مكانه" (غير مفترش ولا قابضهما) مرَّ شرحه في باب: لا يفترش ذراعيه في السجود (¬2). (فإذا جلس في الركعتين) أي: الأوليين. ¬
(جلس على رجله اليسرى؛ ونصب اليمنى) هذا هو الافتراش (قدم رجله اليسرى) أي: إلى جهة يمينه. (ونصب الأخرى وقعد قعدته) هذا هو التورك وفيما ذكر دليل للشافعية في أن جلوس التشهد الأخير مغاير للأول، والحكمة في ذلك: أنه أقرب إلى عدم اشتباه الركعات، وأن الأول يعقبه حركة، بخلاف الثاني، وأن المسبوق إذا رأى جلوس إمامه علم ما سبقه به. (ويزيد من محمد بن حلحلة) في نسخةٍ: "ويزيد بن محمد، محمد بن حلحل" بزيادة ابن محمد، وإسقاط (من)، وفي أخرى: "ويزيد محمدًا" أو في أخرى: "يزيد سمع من محمد بن حلحلة" ولفظ: (وسمع الليث) إلى آخر قوله: (من ابن عطاء) ساقط من نسخةٍ. وفي ذكره فائدة: وهي بيان أن المعنعنَ هنا سماع بالتصريح. (وقال) في نسخةٍ: "قال". (أبو صالح) هو كاتب الليث، لا عبد الغفار البكري كما زعمه بعضهم. (كل فقار) يعني: وافق أبو صالح يحيى عن الليث في ذلك بدون ضمير، ورواه ابن المبارك بالضمير، أو بتاء التأنيث عن اختلاف فيه، وعن ابن السكن أن هذه الرواية بكسر الفاء. قال البرماوي (¬1): وهي أقرب إلى الصوب، قال: وحكي عن الأصيلي أنها بتقديم القاف على الفاء، وهو التصحيفٌ. (أن محمد بن عمرو) زاد في نسخةٍ: (ابن حلحلة). (كل فقار) أي: بدون ضمير، أو بتاء تأنيث أيضًا، في نسخةٍ: "كل فقاره" واختلف في ضبطه، فقيل: بهاء الضمير، وقيل: بهاء التأنيث. ¬
146 - باب من لم ير التشهد الأول واجبا لأن النبي صلى الله عليه وسلم: "قام من الركعتين ولم يرجع"
146 - بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاجِبًا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَرْجِعْ" (باب: من لم ير التشهد الأول واجبًا) هو ما عليه الشافعي وكثير. (ولم يرجع) أي: إلى التشهد، ولو كان واجبًا؛ لرجع. 829 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ، مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ - وَقَال مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ - وَهُوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمُ الظَّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ". [830، 1224، 1225، 1230، 6670 - مسلم: 570 - فتح: 2/ 309] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (قال: أخبرني) في نسخةٍ: "قال حدثنا". (شعيب) هو ابن أبي حمزة (دينار مولى بني عبد المطلب) نسبه لجد مواليه الأعلى. (وقال) أي: الزهريّ. (مرة مولى ربيعة بن الحارث) نسبه هنا لمولاه الحقيقي، فلا ينافي ما قبله. (بحينة) اسم أم عبد الله، كما مرَّ (وهو) أي ابن بحينة. (من أزد شنوءة) بفتح الهمزة، وسكون الزاي، وقال مهملة، وفتح الشين، وضم النون، وبالمد، وفتح الهمزة: قبيلة مشهورة. (وهو حليف لبني عبد مناف) بالحاء المهملة؛ لأن جده حالف المطلب بن عبد مناف (وكان من أصحاب النبي) مقول عبد الرحمن بن هرمز. (لم يجلس) في نسخةٍ: "ولم يجلس"، والجملة حال. (حتى إذا قضى الصلاة) أي: فرغ منها (كبر) جواب إذا. وفي الحديث: تبعية المأمومين الإمام في تركة الجلوس للتشهد الأول حيث يقوم، وأن سجود السهو قبل السلام ومرَّ بيانه.
147 - باب التشهد في الأولى
147 - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الأُولَى (باب: التشهد في الأولى) أي: مشروعيته في الجلسة الأولى من الثلاثية والرباعية. 830 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَال: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ، فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ". [انظر: 829 - مسلم: 570 - فتح: 2/ 310] (قتيبة بن سعيد) لفظ: (ابن سعيد) ساقط من نسخةٍ. (قال: حدثنا) في نسخةٍ: "قال: أخبرنا". (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز. (وعليه جلوس) أي: للتشهد الأول. 148 - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الآخِرَةِ (باب: التشهد في الآخرة) أي: وجوبه في الجلسة الآخرة من الصلاة. 831 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَال: قَال عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْنَا: السَّلامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ السَّلامُ عَلَى فُلانٍ وَفُلانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". [835، 1202، 6230، 6265، 6328، 7381 - مسلم: 402 - فتح: 2/ 311] (أبو نعيم) هو الفضل بن دكين. (الأعمش) هو: سليمان بن مهران
(شقيق بن سلمة) بفتح اللام، وكنيته: أبو وائل. (عبد الله) أي: ابن مسعود (- رضي الله عنه -). (قلنا: السلام على جبريل .. إلخ" فيه: اختصار. ثبت في رواية يحيى المذكورة. وهو: (قلنا: السلام على الله في عباده) وهذه الزيادة حسن الرد عليهم بقوله: (فقال: إن الله هو السلام) معناه: السالم من سمات الحدوث، أو المسلم عباده من المهالك، أو المسلم عليهم في الجنة، أو أن كل سلام ورحمةِ له ومنه، وهو مالكهما ومعطيهما فكيف يدعى له بهما، وهو المدعو، فأمر المصلين أن يصرفوهما إلى الخلق؛ لحاجتهم إليهما، وهو غني عنهما. (فإذا صلى أحدكم) يعني جلس في صلاته للتشهد (فليقل) أي: ندبًا في الأول، ووجوبًا في الثاني عند الشافعي. ففيه: استعمال اللفظ في معنييه، أو في حقيقته ومجازه، وذلك بقرينة الأخبار الدالة على ذلك. (التحيات لله) جمع تحية وهي السلام، أو البقاء، أو الملك، أو السلامة من الآفات، وجمعت؛ لأن الملوك كان كل واحدٍ منهم يحييه أصحابه بتحية مخصوصة، فقيل: جميعها لله تعالى، وهو المستحق لها حقيقة، والمراد: التحيات التي يعظم بها، وإلا فكانت العرب، كما قال الخطابي: تحيي الملوك بكلمات مخصوصة، نحو: أبيت اللعن، ونحو: أنعم صباحًا، المعجم تحييهم بما معناه: ألف سنة، وقيل: عشرة آلاف سنة، وكلٌّ منهما لا يصلح للثناء عليه تعالى به، فلا يعظم بها (¬1). (والصلوات) أي: الخمس وغيرها، وقيل: الدعوات، وقيل الرحمة، أي: كلها لله؛ لأنه المتفضل بها. (والطيبات) أي: الكلمات التي تصلح ¬
للثناء عليه تعالى بها، أي: كلها لله فالواو: وفي (والصلوات والطيبات) عاطفة لهما على التحيات، فالعطف فيهما من عطف المفردات، أو كل منهما مبتدأ حذف خبره، فهو من عطف الجمل، وأشار بالتحيات: إلى العبادات القولية [وبالصلوات: إلى العبادات الفعلية] (¬1) وبالطيباب: إلى العبادات المالية. (السلام عليك) السلام: اسم من أسمائه تعالى تقديره: الله (عليك) أي: حفيظ، أو المراد: السلامة من المكاره، أو السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء، أو الذي سلمه الله عليك ليلة المعراج، وإنما قال: (عليك) بالخطاب مع أن السياق يقتضي الغيبة، لاتباع لفظ الرسول حين علم الحاضرين من أصحابه؛ وليناسب قوله: (أيها النبي) فلا فرق في الخطاب بين زمنه، وما بعده، وفي رواية صححها شيخنا: فلما قبض .. قلنا السلام على النبي (¬2). ففيها المغايرة بين زمنه، وما بعده فكل جائز، لكن الأول أولى؛ لمَّا مر ولكثرة أخباره. (السلام) أي: الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء (علينا) أراد به: المصلي نفسه، والحاضرين معه، وحذف -ال- من السلام في الموضعين، كما قال النووي: جائز (¬3)، لكن المعرف أفضل، وأمَّا سلام التحليل فتعريفه واجب على الأصح؛ لأنه لم ينقل إلا معرفًا؛ ولأنه عائد إلى ما تقدم ذكره في التشهد، فينبغي تعريفه. (وعلى عباد الله) من عطف العام على الخاص أي: القائمين بحقوق الله، وحقوق العباد. (فإنكم إذا قلتموها) ¬
149 - باب الدعاء قبل السلام
أي: هذه الكلمة. (أصابت كل عبد إلخ) فيه: مع ما قبله أن الجمع المحلى باللام للإستغراق والتفرقة في مدلول جمعي القلة والكثرة، إنما هي عند تنكيرهما، وقوله: (فإنكم إذا قلتموها .. إلخ) اعتراض. (عبده ورسوله) أفاد أنه يكفي ذلك في التشهد، ولكن الأفضل أن يقول بدله رسول الله وأما الاقتصار على رسوله بدون عبد، فلا يكفي، كما أوضحته في "شرح البهجة" وغيره (¬1). 149 - بَابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلامِ (باب: الدعاء قبل السلام) أي: بعد التشهد، والصلاة على محمد وآله، وفي نسخةٍ: "قبل التسليم". 832 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْبَرَتْهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا، وَفِتْنَةِ المَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ " فَقَال لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ، فَقَال: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ". (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -) ساقطٌ من نسخةٍ. (في الصلاة) أي: في آخرها، قبل السلام، وبعد التشهد. (المسيح)، سُمي به، لأن إحدى عينيه ممسوحة؛ أو لأن الخير مسح منه فهو فعيل بمعنى: مفعول؛ أو لأنه يمسح الأرض أي: يقطعها في أيام معدودة فهو بمعنى: فاعل. ¬
(الدجال) قيده به؛ ليمتاز عن عيسى - عليه السلام -. من الدجل وهو الخلط سمي به؛ لكثرة خلط الباطل بالحق، أو من دجل أي: كذب، والدجال: الكذاب، وأما تسمية عيسى المسيح: فلأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهةٍ لا برأ أو لأنه كان أمسح الرجل لا أخمص له، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بدهن. وعن بعضهم أن الدجال مسيخ بخاء معجمة، لكن ينسب إلى التصحيف. (من فتنة المحيا) بفتح الميم أي: مما يعرض للإنسان في حياته من الآفتان أي: الابتلاء بالدنيا، والشهوات، والجهالات. (وفتنة الممات) أي: ما يفتن به عند الموت في أمر الخاتمة، وبعده في أمر السؤال، وذْكر فتنتي المحيا والممات من ذكر عام بعد خاص، بطريق اللف والنشر غير المرتب؛ إذ فتنة المحيا أعم من فتنة الدجال، وفتنة الممات أعم من عذاب القبر. (من المأثم) أي: مما يأثم به الإنسان، أو من الإثم نفسه. (والمغرم) أي: الدين فيما لا يجوز، أو فيما يجوز، لكن عجز عن وفائه فإما دين احتاجه وهو قادر على أدائه فلا استعاذة منه، واستعاذته - صلى الله عليه وسلم - مما ذكر؛ تعليم لأمته، وإلا فهو معصومٌ من ذلك. أو إنه سلك به مسلك التواضع، وإظهار العبودية، والخوف منه، والافتقار إليه، وإنما استعاذ من فتنة الدجال مع أنه لم يدركه؛ لأن فائدته، كما علم تعليم أمته؛ لينتشر خبره بينهم جيلًا بعد جيل حتى لا يلتبس كفره عند خروجه على من يدركه. وإنما استعاذ من عذاب القبر، وفتنة المسيح الدجال، والمأثم، والمغرم مع أنها داخلة في فتنة المحيا والممات؛ لعظم شأنها، وكثرة شرها.
(قائل) هو عائشة رضي الله عنها كما في النَّسائيِّ (¬1). (ما أكثر ما تستعيذ من المغرم) في محل نصب بأكثر، أي: ما أكثر استعاذتك منه. (إذا غرم حدث فكذب). (حدث) جواب (إذا) وفاء (فكذب) تفسيرية. (ووعد) عطف على (حدث). (فأخلف) فاؤه تفسيرية، وفي نسخة: "وإذا وعد أخلف". قال محمد بن يوسف -أي: ابن مطر الفربري- حكاية عن البخاري: سمعت خلف بن عامر يقول في المسيح: بفتح الميم، وتخفيف السين، والمسيح بكسر الميم، وتشديد السين، ليس بينهما فرق، وهما واحد -أي: في اللفظ- أحدهما أي: أحد اللفظين عيسى - عليه السلام -، والآخر: الدجال، لا اختصاص لأحدهما بأحد اللفظين، لكن إذا أريد الدجال قيد به كما مر، وفي "سنن أبي داود" (¬2): أن المشدد: الدجال، والمخفف: عيسى، ومرَّ وجه تسميتهما بالمسيح آنفًا. وقوله: (قال محمد بن يوسف .. إلخ) ساقط من نسخةٍ. 833 - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ فِي صَلاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. [انظر: 832 - مسلم: 587، 589 - فتح: 2/ 317] (عروة) أي: "ابن الزبير" كما في نسخةٍ. ¬
150 - باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب
834 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ قَال لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي، قَال: "قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ". [6326، 7387، 7388 - مسلم: 2705 - فتح: 2/ 317] (عن أبي الخير) هو مرثد بمثلثة: ابن عبد الله اليزني، بفتح التحتية والزاي وكسر النون: بطن من حمير. (في صلاتي) أي: في آخرها كما مرَّ. (ظلمت نفسي) أي: بارتكاب ما يوجب العقوبة (كثيرًا) بالمثلثة، وفي نسخة "كبيرًا" بالموحدة. (مغفرة) نكرة؛ للتعظيم أي: عظيمة، لا يدرك كنهها، وزاد ذلك بقوله: (من عندك)؛ لأن الذي من عنده لا يحيط به وصف الواصفين أي: اغفر لي مغفرة تتفضل بها على لا تسبب لي فيها بعمل ولا غيره. (إنَّك أنت الغفور الرحيم) قابل اغفر بالغفور، وارحم بالرحيم. 150 - بَابُ مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ (باب: ما يتخير) بضم أوله ويجوز فتحه. (من الدعاءِ بعد التشهد) قبل السلام. (وليس بواجب) بل مستحبٌ، في نسخة الباب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". 835 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلاةِ، قُلْنَا: السَّلامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلامُ عَلَى فُلانٍ وَفُلانٍ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقُولُوا السَّلامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ
151 - باب من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى
أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو". [انظر: 831 - مسلم: 402 - فتح: 2/ 320] (يحيى) أي: القطان. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (شقيق) هو أبو وائل. (عن عبد الله) أي: ابن مسعود. (ولكن قولوا) لفظ: (قولوا) ساقط من نسخةٍ (إذا قلتم ذلك) لفظ: (ذلك) ساقط من نسخةٍ. (يتخير) في نسخةٍ: "ليتخير". (من الدعاء) أي: الجائز (أعجبه) أي: أحسنه، وهو شاملٌ للمأثور وغيره، سواء تعلق بالآخرة كقوله: اللهم أدخلني الجنة، أم بالدنيا كقوله: اللهم ارزقني زوجة جميلة، ودرا هم جزيلة. وبذلك أخذ الشافعية، والمالكية، وقصره الحنفية على المأثور، وما يشبه ألفاظُ القرآن، ومر شرح الحديث في باب: التشهد في الآخرة (¬1). 151 - بَابُ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ حَتَّى صَلَّى [قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَأَيْتُ الحُمَيْدِيَّ: يَحْتَجُّ بِهَذَا الحَدِيثِ أَنْ لَا يَمْسَحَ الجَبْهَةَ فِي الصَّلاةِ]. (باب: من لم يمسح جبهته وأنفه) أي: من الطين (حتى صلى) أي: فلما صلى مسحه. (قال أبو عبد الله) أي: البخاري. (رأيت الحميدي) هو عبد الله بن الزبير. (يحتج بهذا الحديث) أي: الآتي. ¬
152 - باب التسليم
(على أن لا يمسح .. إلخ) وقوله: (قال أبو عبد الله .. إلخ) ساقط من نسخةٍ. 836 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَال: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَقَال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ". [انظر: 669 - مسلم: 1167 - فتح: 2/ 322] (هشام) أي: الدستوائي (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف. (سألت أبا سعيد) عن ليلة القدر (حتى رأيت أثر الطين في جبهته) أي: ولم يمسحه في الصلاة، وهو محمول على أثر خفيف لا يمنع مباشرة جبهة المصلي كما مرَّ، وإنما لم يمسحه؛ لتصديق رؤياه؛ ليراه الناس، فيستدل به على عين تلك؛ أو لأن ترك المسح أولى؛ لأن المسح عمل، وإن كان قليلًا. 152 - بَابُ التَّسْلِيمِ (باب: التسليم) أي: آخر الصلاة. 837 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ" قَال ابْنُ شِهَابٍ: "فَأُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ". [849، 850 - فتح 2/ 322] (قام النساء) أي: لينصرفن. (حتى يقضي) حتى بمعنى: "حين" كما عبر بها في نسخة أي: يتم. (تسليمه) أي: الأول، والثاني. (فأرى) بضم الهمزة، أي: أظن. (والله أعلم) اعتراض. (لكي ينفذ النساء) بفتح
153 - باب يسلم حين يسلم الإمام
التحتية وبضم الفاء وبمعجمة أي: لكي يخرجن. (قبل أن يدركهن) في نسخةٍ: "قبل أن يدركهم" نزل فيها الإناث منزلة الذكور. 153 - بَابُ يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الإِمَامُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "يَسْتَحِبُّ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ أَنْ يُسَلِّمَ مَنْ خَلْفَهُ". (باب: يسلم) أي: المأموم. (حين يسلم الإمام) قضيته، كالحديث الآتي: أن يقارنه في السلام الحينية الآتية، كبقية الأركان إلا تكبيرة الإحرام، وكأن البخاري يميل إلى أنه يسن له أن يسلم عقب سلام الإمام، فاحتج له بقوله: (وكان ابن عمر .. إلخ) والسنة عند الشافعي: أن سلام المأموم يكون عقب تسليمتي الإمام. 838 - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، قَال: "صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ". (حبان بن موسى) بكسر المهملة، أي: المروزي. (عبد الله) أي: ابن المبارك المروزي. (معمر) أي: ابن راشد البصري. (محمود بن الربيع) لفظ: (ابن الربيع) ساقطٌ من نسخة، وفي أخرى: "محمود هو ابن الربيع". (عتبان) بكسر العين، أي: "ابن مالك"، كما في نسخة. (فسلمنا حين سلم) أي: معه، بحيث كان ابتداء سلامهم بعد ابتداء سلامه وقبل فراغه منه، ويجوز أن يراد أن ابتداء سلامهم بعد سلامه. 154 - بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ رَدَّ السَّلاَمِ عَلَى الإِمَامِ وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلاَةِ
(باب: من لم يردَّ) في نسخةٍ: "من لم يردد" وفي أخرى: "من لم ير السلام على الإمام" أي: بتسليمة ثالثة بين التسليمتين، (واكتفى) عنها بتسليم الصلاة، وهو التسليمتان؛ لشموله لها. إذ السنة في تسليمه للصلاة أن ينوي الردَّ على الإمام كغيره، وأشار بذلك إلى الرد على من لم يكتف بذلك. 839 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ: "عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَ فِي دَارِهِمْ". (عبدان) لقبه، واسمه: عبد الله بن عثمان بن جبلة الأسدي. (عبد الله) أي: ابن المبارك. (عن الزهريّ) هو محمد بن مسلم بن شهاب (وزعم) أي: وقال، فالمراد بالزعم هنا: القول المحقق؛ لأنه اللائق بالمقام، إن كان كثيرًا يطلق على الكذب، أو المشكوك فيه. (عقل) بفتح القاف، أي: علم (كان) أي: الدلو، وفي نسخة: "كانت" الدلو يذكر ويؤنث، وهو الأكثر وعليه اقتصر الجوهري في قوله: دلوت الدلو: نزعتها، وأدليتها: أرسلتها في البئر (¬1). 840 - قَال: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصارِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ، قَال: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ، فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَال: "أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَال: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ "، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. [انظر: 424 - مسلم: 33 - فتح: 2/ 323] ¬
155 - باب الذكر بعد الصلاة
(ثم أحد بني سالم) بالنصب عطف على (الأنصاري) أو على (عتبان) أي: وسمعت أيضًا (أحد بني سالم)، فيكون السماع من اثنين، والظاهر حينئذٍ أن هذا المبهم هو: الحصين بن محمد الأنصاري، نبه على ذلك مع زيادة الكرماني (¬1). (فلوددت) أي: فوالله لوددت (أتخذه) بالرفع وبالجزم جواب للتمني المفاد من وودت، وفي نسخة: "حتى أتخذه". (بعدما اشتد النهار) أي: ارتفع بارتفاع شمسه (فاستأذن النبي) أي: في الدخول لبيتي. (فأشار إليه) فيه التفات إذ السياق يقتضى أن يقال: فأشرت إليه، وهو الموافق لرواية سبقت وجزم الكرماني بأنه لا التفات فيه، حيث قال: فأشار أي: النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المكان الذي هو المكان المحبوب في (أن يصلِّي فيه) ويحتمل: أن من للتبعيض، ولا ينافي ما سبق من قوله: (فأشرت) لاحتمال أن كلا من النبي، وعتبان أشارا (¬2). انتهى ملخصًا. فعليه يكون في ذلك معجزة له - صلى الله عليه وسلم - حيث أشار إلى المكان الذي كان مراد عتبان أن يصلي فيه. (فصففنا) في نسخةٍ: "وصففنا" بالواو. 155 - بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلاَةِ (باب: الذكر بعد الصلاة) أي: المكتوبة. (إسحاق بن نصر) نسبه إلى جده؛ لشهرته، وإلا فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر. (قال: حدثنا) في نسخةٍ: "قال: أخبرنا". (عبد الرزاق) ¬
أي ابن همام. (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز. (عمرو) أي: ابن دينار. (أن أبا معبد) هو نافذ مولى ابن عباس (أن رفع الصوت بالذكر) أي: بعد انقضاء صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. (على عهد النبي) في نسخةٍ: "على عهد رسول الله" أي: على زمنه. (كنت أعلم) أي: أعرف، كما عبر به في الحديث الآتي، وإن كان الأكثر على أن العلم: يستعمل في الكليات، والمعرفة: في الجزئيات. (بذلك) أي برفع الصوت، وهو جائز، لكن الأولى عند الجمهور: استحباب عدم الجهر وحمل الرفع في الحديث على أنه كان لتعليم الحاضرين صفة الذكر. 841 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَخْبَرَهُ: "أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ، بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: "كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ". [842 - مسلم: 583 - فتح: 2/ 324] (علي بن عبد الله) أي: المديني، ولفظ: (ابن عبد الله) ساقطٌ من نسخةٍ. (سفيان) أي: ابن عيينة. (بالتكبير) أي: بعد انقضاء صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعبَّر هنا (بالتكبير) وهو من باب التعبير عن الكل بالبعض، وإلا فهو أخص من تعبيره قبل الذكر. (قال علي) أي: ابن المديني، وفي نسخة: "وقال علي" بالواو، وفي أخرى: "حدثنا علي". (سفيان) أي: ابن عيينة. (أصدق) أفعل تفضيل، والتفضيل فيه: باعتبار تفاوت أفراد الخبر، وإلا فنفس الصدق
لا يتفاوت. (واسمه نافذ) بفاء فذال معجمة على الأصح. 843 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: جَاءَ الفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلا، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، قَال: "أَلا أُحَدِّثُكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ إلا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ"، فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا، فَقَال بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَال: تَقُولُ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ". [6329 - مسلم 595 - فتح: 2/ 325] (معتمر) أي: ابن سليمان بن طرخان وفي نسخة: "المعتمر". (عن عبيد الله) أي: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. (عن سمي) أي: مولى أبي بكر بن عبد الرحمن. (عن أبي صالح) هو ذكوان السمان. (الدثور) بمهملة مضمومة فمثلثة، جمع دثر بفتح أوله وسكون ثانيه: وهو المال الكثير، وقيل: هو الكثير من كل شيء. (من الأموال) بيان للدثور. (بالدرجات العلى) أي: في الجنة والعلى جمع علياء مؤنث الأعلى (المقيم) أي: الدائم. (فضل أموال) بالإضافة، وفي نسخة: "فضل من أموال" وفي أخرى: "فضل من الأموال". (قال) في نسخةٍ: "فقال" أي: النبي - صلى الله عليه وسلم - (بما) أي: بشيء، وفي نسخة: "بأمر" (إن أخذتم) زاد في نسخةٍ: "به".
(من سبقكم) أي: من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بما ذكرتم. (وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه) وفي نسخة: "بين ظهرانيهم" اعتبر في الأولى لفظ: من، وفي الثانية: معناها، والمعنى: من أنت بينهم ولا ينافي قوله: (وكنتم خير) قوله: (أدركتم) الذي ظاهره المساوة؛ لأنَّا نمنع أن الإدراك قاصر على المساواة، فقد يوجد مع الإدراك بزيادة. (إلا من عمل مثله) أي: إلا الغني الذي يسبح، فإنه خير منكم، أو مثلكم، لكن الاستثناء إذا عاد على كل من الجملتين قبله على قاعدة الشافعي لزم أن يكون الأغنياء أفضل؛ إذ معناه: إن أخذتم أدركتم (إلا من عمل مثله)، فإنكم لا تدركون، واستشكل مساواة هذا الذكر؛ لفضل التقرب بالمال مع شدة المشقة فيه من الجهاد ونحوه. وأجيب: بأنه لا يلزم أن يكون الثواب على قدر المشقة مطلقًا، بل يجوز أن يفوق الذكر مع سهولته الأعمال الشاقة، وإن ورد أفضل العبادات آخرها؛ لأن الشهادتين مع سهولتهما أفضل من سائر العبادات، ولأن في الإخلاص في الذكر من المشقة لا سيما الحمد في حال الفقر ما يصير الذكر به أعظم الأعمال. (تسبحون وتحمدون وتكبرون) بدأ بالتسبيح؛ لتضمنه نفي النقائص عنه تعالى، ثم التحميد؛ لتضمنه إثبات الكمال له، ثم بالتكبير، لإفادته أنه أكبر من كل شيء. (خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين) تنازع فيه الأعمال الثلاثة قبله، والمراد بالصلاة: المكتوبة. (فاختلفنا) أي: أنا، ومن حضرني، هل كل الثلاثة ثلاثًا وثلاثين؟ أو كل من الأوليين ثلاثًا وثلاثين، والأخير أربعًا وثلاثين؟ الدال عليه قوله: (فقال بعضنا .. إلخ). (فرجعت) أي: قال سُمي: فرجعت إليه أي: إلى أبي صالح، فالضمير في قوله: (فاختلفنا) لسمي أيضًا، ومن حضره، ويحتمل أن يكون لأبي
هريرة، ومن حضره من الصحابة، وعليه فيكون الضمير في (فرجعت) له أيضًا، وفي (إليه) للنبي - صلى الله عليه وسلم - فالقائل: (ويكبر أربعًا وثلاثين) على الأول: بعض من حضر سميًّا، وعلى الثاني: بعض الصحابة، والأول أقرب؛ لوروده في مسلم (¬1) (فقال) أي: أبو صالح على الأول، أو النبي على الثاني. (حتى يكون منهن كلهن ثلاثًا وثلاثين) أي: مع زيادة (الله أكبر) مرة، فليجامع الرواية السابقة، والعدد فيما ذكر للجميع، لا للمجموع على الراجح وإفراد كل من الثلاثة أولى من جمعها، وثواب العدد المذكور يحصل وإن زاد عليه؛ لأنه أتى بالمنصوص عليه، فلا تضره الزيادة المستقلة، وقد اختلفت الروايات في عدد الأذكار الثلاثة، ففي رواية ما مرن وفي أخرى: "إحدى عشر" (¬2)، [وفي أخرى: "عشرًا"] (¬3) وفي أخرى: "ستًّا" وفي أخرى: "مرة واحدة" (¬4) وهذا الاختلاف يجوز أن يكون بسبب أن ما ذكر صدر في أوقات متعددة، أو أنه ورد على سبيل التخيير، أو أنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. 844 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ، كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَال: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاويَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ ¬
لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" وَقَال شُعْبَةُ: عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا، وَعَنِ الحَكَمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ وَرَّادٍ، بِهَذَا، وَقَال الحَسَنُ: "الجَدُّ: غِنًى". [1477، 2408, 5975، 6330 , 6473، 6615، 7292 - مسلم: 593 - فتح: 2/ 325] (سفيان) أي: الثَّوريُّ (كاتب المغيرة) بالإضافة، وفي نسخة: "كاتب للمغيرة". (أملى علي المغيرة بن شعبة) لفظ: (ابن شعبة) ساقط من نسخةٍ. (دبر) بضم الدال، والموحدة، وقد تسكن، أي: عقب. (لا إله إلا الله) بالرفع خبر لا، أو بدل الضمير المستتر في خبرها المقدر، أو من اسم لا باعتبار محله. (وحده) حال، أي: منفردًا. (لا شريك له) تأكيد لـ (وحده). (له الملك) أي: التصرف في الأمور كلها. (ولا معطي لما منعت) حذفه عبد بن حميد من "مسنده"، وذكر بدل "ولا راد لما قضيت" (¬1)، (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) بفتح الجيم فيهما أي: ولا ينفع في الآخرة صاحب الغنى بدل غناك، غناه فمن للبدل، كقوله تعالى {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} [التوبة: 38] أي: بدلها، والجد بمعنى: الغنى، أو الحظ. (عن عبد الملك) أي: "ابن عمير"، كما في نسخةٍ. (بهذا) أي: بالحديث السابق، و (عن الحكم) عطف على (عن عبد الملك). (مخيمرة) بضم الميم، وفتح المعجمة (وقال الحسن) أي: ¬
156 - باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم
البصري (جدُّ: غني) مبتدأ وخبره، وترك تنوين (جدُّ) على الحكاية من قوله تعالى {وَأَنَّهُ تَعَالى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن: 3] وفي نسخةٍ: "الجدُّ: غني" وبالجملة فالغنى تفسير للجدِّ، وعادة البخاري إذا وقع في الحديث لفظة غريبة ووقع مثلها في القرآن، يحكي قول أهل التفسير فيها وهذا منها، والتعليق المذكور ساقط من نسخة. ومقدم على تعليق الحكم في أخرى، وكل جائز لكن الأولى تأخيره، كما ذكر بسلامته من جعله اعتراضًا بين المتعاطفين وإن كان جائزًا. 156 - بَابُ يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ (باب: يستقبل الإمام الناس) أَي: بوجهه (إذا سلم) أي: من الصلاة. 845 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ". [1143، 1386، 2085، 2791، 3236، 3354، 4674، 6096، 7074 - مسلم: 2275 - فتح: 2/ 333] (أبو رجاء) بالمد هو عمران بن عمير العطاردي (سمرة بن جندب) بضم الميم والجيم، مع ضم الدال وفتحها. (أقبل علينا بوجهه) حكمته: تعريف الداخل أن الصلاة انقضت؛ إذ لو استمر الإمام على حاله؛ لأوهم أنه فيها. 846 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَال: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَال رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، قَال: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَال: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَال: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ ". [1038، 4147، 7503 - مسلم: 71 - فتح: 2/ 333] (حدثنا) في نسخةٍ: بدله: "قال". (عبد الله بن مسلمة) بفتح الميم، أي: القعنبي. (صلى لنا) أي: لأجلنا. (رسول الله) في نسخةٍ: "النبي". (بالحديبية) بتخفيف التحتية الثانية عند بعض المحققين، وبتشديدها عند أكثر المحدثين سميت ببئر هناك على نحو مرحلة من مكة أو أكثر. (أثر) بفتح الهمزة والمثلثة، أو بالكسر فالسكون. (سماء كانت) أي: السماء، والمراد بها: المطر (من الليلة) في نسخةٍ: "من الليل" ومن ابتدئية، أو بمعنى: في. (هل تدرون .. إلخ) الاستفهام فيه استفهام تنبيه (قال) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - (قال الله تعالى: أصبح من عبادي) الإضافة للملك فتفيد العموم؛ بدليل التقسيم في قوله: (مؤمن بي وكافر) والمراد: الكفر الحقيقي؛ لمقابلته بالإيمان إذا اعتقد أن الفعل للكوكب، أو كفر النعمة: إذا اعتقد أن الله خالقه، وظهور الكوكب وقته وعلامته. (مطرنا بنوء كذا وكذا) أي: بطلوع الكوكب أو بمغيبه، أو بالكوكب نفسه، فالإضافة في الأوليين على أصلها، وعلى الثالث من إضافة العام إلى الخاص، يقال: ناء الكوكب نوءًا إذا طلع، أو غاب، فالنوء مصدر لا كوكب، فتسمية الكوكب به من تسمية الفاعل بالمصدر. (وكذا) كلمة مركبة من كلمتين يُكْنَى بها عن العدد فقوله: (بنوء كذا) معناه على الأولين ظاهر، وعلى الثالث معناه: بكوكب الدبران مثلًا، وبيان أصل
ذلك أن ثمانية وعشرين نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة، وهي المعروفة بمنازل القمر، يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة نجم منها في المغرب مع طلوع مقابله في المشرق، فكانوا ينسبون المطر للغارب، وقال الأصمعي (¬1): للطالع. (ومؤمن بالكوكب) الواو ساقط من نسخةٍ. 847 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، قَال: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَال: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ". [انظر: 572 - مسلم: 640 - فتح: 2/ 334] (عبد الله) أي: "ابن منير" كما في نسخةٍ، ومنير بضم الميم من أنار، وفي أخرى: "ابن المنير" بالألف واللام (يزيد). أي: "ابن ¬
157 - باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام
هارون" كما في نسخةٍ. (حميد) بضم المهملة (عن أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخةٍ. (أخر رسول الله) في نسخةٍ: "أخر النبي". والحديث مرَّ في باب: وقت العشاء إلى نصف الليل (¬1). 157 - بَابُ مُكْثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلامِ (باب: مكث الإمام في مصلاه بعد السلام) أي: كان الصلاة. 848 - وَقَال لَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ: "يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ وَفَعَلَهُ القَاسِمُ" وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَفَعَهُ "لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ وَلَمْ يَصِحَّ". [فتح: 2/ 334] (وقال لنا آدم) لم يقل: حدثنا؛ لأنه ذكر ما قاله له مذاكرة، لا تحميلًا، فهو أحط رتبة وكثيرًا ما يفعل ذلك. (حدثنا) في نسخةٍ: "أخبرنا". (كان ابن عمر يصلي) أي: النفل. (الفريضة) في نسخةٍ: "فريضة". (وفعله) أي: ما ذكر عن صلاة النفل في موضع الفرض. (القاسم) أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق. (ويذكر) بالبناء للمفعول وهو (رفعه) هو مصدر مضاف للفاعل، وهو ضمير أبي هريرة، ومقول المصدر: (لا يتطوع الإمام في مكانه) أي: الذي صلى فيه الفرض، وفي نسخة: "رفعه" بفتحات، فهو جملة في محل الحال من أبي هريرة، والضمير فيه للحديث، ونائب الفاعل في يذكر (لا يتطوع .. إلخ) إلى حالة كون أبي ¬
هريرة رفع الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويجوز على هذه النسخة أن يكون نائب الفاعل (عن أبي هريرة). (ولا يتطوع .. إلخ) بدل من ضمير (رفعه)، ولم يصح هذا أي: الحديث؛ لضعف إسناده؛ إذ فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وقائل ذلك البخاري. 849 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا" قَال ابْنُ شِهَابٍ: "فَنُرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ". [انظر: 837 - فتح: 2/ 334] (أبو الوليد) أي: "هشام بن عبد الملك" كما في نسخةٍ. (هند) بالصرف وعدمه، وهو أولى. (قال ابن شهاب) أي: الزهريّ. (فنُرى) بضم النون أي: فنظن. (والله أعلم) أن مكثه كان (لكي ينفذ) بمعجمة، أي: يخرج. (من ينصرف من النساء) ومر شرح الحديث (¬1). 850 - وَقَال ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، قَال: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ: أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ، قَال: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا - قَالتْ: "كَانَ يُسَلِّمُ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَقَال ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ، وَقَال عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ، وَقَال الزُّبَيْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ: أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ الحَارِثِ القُرَشِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ - وَكَانَتْ تَحْتَ مَعْبَدِ بْنِ المِقْدَادِ، وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَال شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَتْنِي هِنْدُ ¬
158 - باب من صلى بالناس، فذكر حاجة فتخطاهم
القُرَشِيَّةُ، وَقَال ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ الفِرَاسِيَّةِ، وَقَال اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، حَدَّثَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 837 - فتح: 2/ 344] (قال: أخبرني) في نسخةٍ: "قال: حدثني". (بنت الحارث) في نسخةٍ: "ابنة الحارث". (الفراسية) بكسر الفاء، وخفة الراء، وإهمال السين، وتشديد التحتية: نسبة إلى بني فراس بطن من كنانة. (وكانت من صواحباتها) أي: صواحبات هند، وهو جمع صواحب، فهو جمع الجمع، لا جمع المفرد، وهو صاحبة كما زعمه بعضُهم. (وقال ابن وهب) أي: عبد الله (عن يونس) أي: ابن يزيد. (الفراسية) في نسخةٍ هنا. وفيما يأتي: "القرشية" نسبة إلى قريش، ولا منافاة بينهما؛ لأن كنانة جماع بني فراس وقريش. (وقال الزبيدي) بضم الزاي، وفتح الموحدة: محمد بين الوليد. (أن هند) في نسخةٍ: "أن هندًا" بالصرف. (معبد بن المقداد) أي: ابن الأسود الكندي الصحابي. (وهو) أي: معبد. (ابن أبي عتيق) هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. (حدثه عن ابن شهاب) في نسخةٍ: "حدثه ابن شهاب". (أن آمرأة) هي هند المذكورة، وفي نسخةٍ: "أن امرأة". 158 - بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ، فَذَكَرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ (باب: من صلَّى بالناس، فذكر حاجة فتخطاهم) أي: عقب سلامه من غير مكث. 851 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَال: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، قَال: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ، قَال: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ
159 - باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال
العَصْرَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَال: "ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ". (محمد بن عبيد) أي: "ابن ميمون"، كما في نسخةٍ. (ابن أبي مُلَيْكَة) اسمه: عبد الله [(عن عقبة)] (¬1) أي: ابن الحارث النوفلي. (ثم قام) في نسخةٍ: "قام" (فتخطى) بغير همز (ففزع الناس) بكسر الزاي، أي: خافوا. (عليهم) في نسخةٍ: "إليهم". (أنهم أعجبوا). في نسخةٍ: "أنهم قد عجبوا". (ذكرت شيئًا من تبر) روي: "ذكرت تبرًا من الصدقة" (¬2) والتبر بكسر المثناة هو: الذهب غير المضروب. (بقسمته) بكسر القاف، والمثناة الفوقية، وفي نسخةٍ: "بقسمه" بفتح القاف من غير فوقية. وفي الحديث: أن للإمام أن ينصرف متى شاء قبل انصراف الناس، وأن التخطي لما لا غنى عنه مباحٌ، وأن من وجب عليه فرضًا، فالأفضل مبادرته إليه. 159 - بَابُ الانْفِتَالِ وَالانْصِرَافِ عَنِ اليَمِينِ وَالشِّمَالِ وَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: "يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، وَيَعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى - أَوْ مَنْ يَعْمِدُ - الانْفِتَال عَنْ يَمِينِهِ". ¬
(باب: الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال) أي: انفتال الإمام، وانصرافه عن يمينه وشماله. (وكان أنس) زاد في نسخةٍ: "أنس بن مالك". (يتوخى) أي: يقصد ويتحرى. (أو من تعمد) شك من الراوي. (تعمد) بتفح الفوقية، الميم المشددة، وفي نسخة: "يعمد" بفتح التحتية، وكسر الميم، وكذا في أخرى لكن بحذف (من)، ولا ينافي ما عابه أنس ما حكاه عن السدي في مسلم (¬1) لما سأله: كيف أنصرف إذا صليت عن يميني أو عن يساري؟ من قوله: (أكثر ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينصرف عن يمينه)؛ لأن أنسًا إنما عاب من يعتقد تحتم انصرافه عن يمينه، وإلا فالأمران جائزان، لكن الانصراف عن اليمين أفضل؛ لأنه الأكثر من فعله - صلى الله عليه وسلم -. 852 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَال: قَال عَبْدُ اللَّهِ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إلا عَنْ يَمِينِهِ "لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ". [مسلم: 707 - فتح: 2/ 377] (قال: حدثنا) في نسخةٍ "قال: أخبرنا". (عن سليمان) أي: ابن مهران الأعمش. (عن الأسود) أي: ابن يزيد النخعي. (عبد الله) أي: ابن مسعود. (لا يجعل) في نسخةٍ: "لا يجعلن". (يرى) بفتح أوله أي: يعتقد، ويجوز ضمه أي: يظن، وهو بيان لما قبله، أو استئناف بياني كأنه قيل: كيف يجعل للشيطان شيئًا من صلاته؟ (فقال: أن يرى .. إلخ). (أن حقًّا ¬
160 - باب ما جاء في الثوم الني والبصل والكراث
عليه أن لا ينصرف) مفعول (يرى)، و (أن ينصرف) خبر (إن) (وحقًّا) اسمها، وفي نسخةٍ: "أن بالتخفيف على أنها مصدرية، أو مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن و (حقًّا): مفعول مطلق بفعل مقدر من جنسه، و (أن لا ينصرف) فاعلُ الفعلِ المقدر. 160 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النِّيِّ وَالبَصَلِ وَالكُرَّاثِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَو البَصَلَ مِنَ الجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا". (باب: ما جاء في الثوم) بمثلثة مضمومة. (النيئ) بنون مكسورة، فمثناة تحتية، فهمزةٍ ممدودًا، وقد تدغم. (والبصل والكراث) بمثلثة، والمراد: بيان ما جاء في أكل ما ذكر. (وقول) بالجر: عطف على (ما جاء) وهو مع ما بعده ذكره البخاري بمعنى الحديث لا بلفظه. 853 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي الثُّومَ - فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا". [4215، 4217، 4218، 5521، 5522 - مسلم: 561 - فتح: 2/ 339] (يحيى) أي: القطان. (عن عبيد الله) أي: ابن عمر العمري. (من أكل من هذه الشجرة) مبتدأ، أو شرط خبره، أو جواب قوله بعد: (فلا يقربن مسجدنا) (يعني: الثوم) قال شيخنا: يحتمل أن يكون قائله عبيد الله، قال: وإطلاق الشجر على الثوم مجاز؛ لأن المعروف في اللغة أن الشجر ما كان له ساق، وما لا ساق له يقال له: نجم، ومن أهل اللغة من قال: كل ما ينبت له أرومة، أي: أصل في الأرض يخلف
ما قطع منه فهو شجر، وإلا فهو نجم. ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوص، فكل نجم شجر من غير عكس، كالشجر والنخل: فكل نخل شجر من غير عكس (¬1). انتهى. (فلا يقربن) بفتح الراء، والموحدة، وتشديد النون. (مسجدنا) أي: المكان المعد للصلاة. 854 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ الثُّومَ - فَلَا يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا" قُلْتُ: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَال: مَا أُرَاهُ يَعْنِي إلا نِيئَهُ، وَقَال مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ: عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، "إلا نَتْنَهُ". وَقَال أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أُتِيَ بِبَدْرٍ - وَقَال ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خَضِرَاتٌ - وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ، وَأَبُو صَفْوَانَ، عَنْ يُونُسَ، قِصَّةَ القِدْرِ فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ فِي الحَدِيثِ. [855، 5452، 7359 - مسلم: 564 - فتح: 2/ 339] (أبو عاصم) أي: الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، وقد روى عنه بواسطة، كما هنا. (ابن جريج) هو: عبد الملك (عطاء) هو ابن أبي رباح. (يريد الثوم) قال شيخنا: يحتمل أن قائله: ابن جريج (¬2). (فلا يغشانا) بألف؛ إجراء للمعتل مجرى الصحيح، أو هي ألف إشباع، أو لا نافية بمعنى: الناهية وفي نسخةٍ: "يغشنا" بحذف الألف على الأصل. (في مساجدنا) في نسخةٍ: "في مسجدنا". (قال) مقول عطاء والمقول له جابر، قاله الكرماني، وغيره (¬3)، وقال شيخنا مع ذكره ذلك: أظن القائل ابن جريج، والمقول له عطاء، وفي "مصنف عبد ¬
الرزاق" (¬1) ما يرشد إلى ذلك (¬2) (ما يعني) أي: النبي - صلى الله عليه وسلم -، أي: يقصد. (به) أي: بالثوم، أنيأ أم نضيجًا (فقال) أي: جابر. (ما أراه) بضم الهمزة، أي: ما أظنه (يعني) يقصد (إلا نيئه) بكسر النون، وبالمد، والهمز (مخلد) بفتح الميم، وسكون المعجمة، وفتح اللام. (عن ابن جريج) هو عبد الملك (نتنه) بفتح النونين، وسكون الفوفية بينهما: الرائحة الكريهة. 855 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، زَعَمَ عَطَاءٌ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، فَلْيَعْتَزِلْنَا - أَوْ قَال: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا - وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ " وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ البُقُولِ، فَقَال: "قَرِّبُوهَا". إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَال: "كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي". وَقَال أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ بَعْدَ حَدِيثِ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابِ، وَهْوَ يُثبِتُ قَوْلَ يونُسَ. [انظر: 854 - مسلم: 564 - فتح: 2/ 339] (سعيد بن عفير) نسبة إلى جده؛ لشهرته به، وإلا فهو سعيد بن كثير بن عفير. (ابن وهب) هو عبد الله المصري. (عن يونس) أي: ابن يزيد. (زعم عطاء) أي: قال؛ لأنه المراد هنا بزعم، كما في قوله بعد: (أن جابر بن عبد الله زعم) وفي نسخة بدل: (زعم عطاء)، "عن عطاء". (أو قال فليعتزل) شك من الزهريّ وفي نسخة: "أو فليعتزل". (وليقعد) في نسخةٍ: "أو ليقعد". (وأن النبي) عطف على (أن النبي أتي ¬
بقدرٍ) بضم الهمزة، وكسر القاف، والقدر: ما يطبخ فيه، يذكر ويؤنث، والتأنيث أشهر. (خضرات) بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين، وفي نسخة: "خضرات" بضم الخاء، وفتح الضاد: جمع خضرة، ويجوز مع ضم الخاء ضم الضاد، وتسكينها. (من بقول) أي: مطبوخة. (فوجد لها ريحًا) أي: لكون رائحتها لم تزل بالطبخ. (فسأل) أي: عن سبب الريح (فأخبر) بالبناء للمفعول. (بما فيها) أي: في القدر من البقول. (قال) في نسخةٍ: "فقال". (قربوها) أي: القدر، أو الحضرات، أو البقول (إلى بعض أصحابه) [رواية بالمعنى وإلا لقال: بعض أصحابي، فلعله قال لفلان وفلان من بعض أصحابه] (¬1) أو أن فيه محذوفًا، أو مشيرًا إلى بعض أصحابه. قال شيخنا: والمراد بالبعض: أبو أيوب الأنصاري (¬2)، ففي صحيح مسلم، من حديث أبي أيوب في قصة نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه: فكان يصنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعامًا فإذا جيئ به إليه أي: بعد أن يأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - منه، سأل عن موضع أصابع النبي - صلى الله عليه وسلم - فصنع ذلك مرة فقيل له: لم يأكل وكان الطعام فيه ثوم فقال: أحرام هو يا سول الله؟ قال: "لا ولكن أكرهه" (¬3). (قال) في نسخةٍ: "فقال". (من لا تناجي) أي: من الملائكة. ففيه: أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وأن النهي؛ للتنزيه لا ¬
للتحريم؛ لأنه قال له: (كُل). (وقال أحمد بن صالح) هو شيخ البخاري. (عن ابن وهب) هو عبد الله (أتي) بضم الهمزة (ببدر) بفتح الموحدة، وسكون الدال، والمراد: أن أبا صالح خالف سعيدًا في إبداله القدر بالبدر، ووافقه في باقي الحديث. (يعني) أي: جابر. (طبقا) شبهه بالبدر، وهو القمر عند كماله؛ لاستدارته، ورجح بعضهم هذه الرواية على رواية قدر (¬1)؛ لتفسير ابن وهب البدر بالطبق، فدلَّ على أنه حدَّث به كذلك. (ولم يذكر الليث) أي: ابن سعد. (وأبو صفوان) أي: عبد الله بن سعيد. (عن يونس) أي: ابن يزيد. (فلا أدري) قائله البخاري. (هو من قول الزهريّ) أي: مدرجا. (أو في الحديث) أي: أو هو مروي في الحديث. 856 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، قَال: سَأَلَ رَجُلٌ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: مَا سَمِعْتَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الثُّومِ؟ فَقَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا - أَوْ: لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا -". [5451 - مسلم: 562 - فتح: 2 / 339] (أبو معمر) هو: عبد الله المقعد. (عبد الوارث) أي: ابن سعيد العنبري. (عن عبد العزيز) أي: ابن صهيب البناني. (قال سأل رجل) لم يسم (أنسًا) في نسخةٍ: "أنس بن مالك" (ما سمعت) بفتح التاء (في الثوم) في نسخةٍ قبله: "يذكر" وفي أخرى: "يقول". ¬
161 - باب وضوء الصبيان، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور، وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز، وصفوفهم؟
161 - بَابُ وُضُوءِ الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الغُسْلُ وَالطُّهُورُ، وَحُضُورِهِمُ الجَمَاعَةَ وَالعِيدَيْنِ وَالجَنَائِزَ، وَصُفُوفِهِمْ؟ (باب: وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل) بضم الغين عليه الأشهر. (والطهور) بضم الطاء كذلك، وهو من عطف العام عليه الخاص. (وحضورهم) بالجر؛ عطف على (وضوء). (الجماعة) بالنصب بحضور (والعيدين والجنائز) عطفٌ على (الجماعة) (وصفوفهم) بالجر عطف على (وضوء). 857 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَال: حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيَّ، قَال: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، قَال: أَخْبَرَنِي مَنْ "مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَأَمَّهُمْ وَصَفُّوا عَلَيْهِ"، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو مَنْ حَدَّثَكَ، فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ. (ابن المثنى) في نسخةٍ: "محمد بن المثنى". (حدثني غندر) هو محمد بن جعفر البصري وفي نسخةٍ: "حدثنا غندر". (شعبة) أي: ابن الحجاج. (سليمان) أي: ابن أبي سليمان فيروز. (سمعت الشعبي) اسمه: عامر. (من مَرَّ مع النبي؟) أي: من الصحابة، وهو: ابن عباس، كما سماه الشعبي بعد. (على قبرٍ) بالتنوين. (منبوذ) بمعجمة: لقب لـ (قبر) أي: قبر منفرد عن القبور، وفي نسخة: "قبر منبوذ" بالإضافة، أي: قبر لقيط. (وصفوا عليه) أي: على القبر، وفي نسخة: "وصفوا خلفه" أي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ". ففيه: الصلاة على الميت بعد دفنه، وفيه على رواية الإضافة: أن اللقيط في بلاد الإسلام له حكمُ المسلمين في الصلاة عليه وغيرها. (يا أبا عمرو) وهو كنية الشعبي (فقال) في نسخةٍ: "قال".
وفي الحديث مع ما مرَّ: أن ابن عباس حضر صلاة الجماعة على الجنازة وصف معهم، ولا يكون إلا بطهرٍ، ولم يكن إذ ذاك بالغًا، فهو مطابق لغالب الترجمة. 858 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". [879، 880، 895، 2665 - مسلم: 846 - فتح: 2/ 344] (سفيان) أي: ابن عيينة. (ابن سليم) بضم المهملة، وفتح اللام. (واجب) أي: كالواجب في التأكيد. (محتلم) أي: بالغٌ، فوقت إيجاب الغسل على الصبي بلوغه. وهو مطابق لقوله في الترجمة، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور. 859 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَال: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: بِتُّ عِنْدَ خَالتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، "قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ جِدًّا -، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ، فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، فَأَتَاهُ المُنَادِي يَأْذَنُهُ بِالصَّلاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ" قُلْنَا لِعَمْرٍو: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ" قَال عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: "إِنَّ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ثُمَّ قَرَأَ: {إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] ". [انظر: 117 - مسلم: 763 - فتح: 2/ 344] (أخبرنا) في نسخةٍ: "حدثنا". (سفيان) أي: ابن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار.
(من شن) بفتح المعجمة، أي: قربةٍ خلقة. (معلق) ذكره باعتبار الجلد، أو السقاء. (يخففه عمرو، ويقلله جدًّا) الأول من باب الكيف، والثاني من باب الكم، كما مر بسطه في باب: التخفيف في الوضوء (¬1). (فتوضأت نحوًا مما توضأ فيه) مطابقة لأول الترجمة؛ لأن ابن عباس حين وضوئه هذا كان صغيرًا. (المنادي) في نسخةٍ: "المؤذن". (يأذنه) بفتح لياء، فهمزة ساكنة، فمعجمة مكسورة، أو مفتوحة، وفي نسخةٍ: "يؤذنه" بضم الياء، فهمزة ساكنة أي: يعلمه، وفي أخرى: "فآذنه" بفاء، فهمزة مفتوحة ممدودة، مضمومة فذال معجمة مفتوحة أي: أعلمه. (قلنا) في نسخة: "فقلنا". (إن رؤيا الأنبياء وهي) لفظ: (إن) ساقط، ومرَّ شرح الحديث في باب: التخفيف في الوضوء (¬2). 860 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَال: "قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ"، فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاليَتِيمُ مَعِي وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ. [انظر: 380، مسلم: 658، فتح: 2/ 345] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (أن جدته) أي: جدة إسحاق لأبيه، وقيل: جدة أنس كما مرَّ في باب: الصلاة على الحصير (¬3). (واليتيم معي) اسمه: ضميرة بن سعيد الحميري. ¬
861 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَال: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، "وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ". [انظر: 76 - مسلم: 504 - فتح: 2/ 345] (حمار أتان .. إلخ) مرَّ شرحه في باب: متى يصح سماع الصغير؟ (¬1) 862 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَال عَيَّاشٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي العِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: قَدْ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ غَيْرُكُمْ"، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي غَيْرَ أَهْلِ المَدِينَةِ. [انظر: 566 - مسلم: 638 - فتح: 2/ 345] (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (أعتم النبي) في نسخةٍ: "أعتم رسول الله"، أي: أخر العشاء حتى اشتدت، (عتمة الليل) أي: ظلمته. (حدثنا معمر) في نسخةٍ: "أخبرنا معمر". (ناداه) في نسخةٍ: "حتى نادى". (غيركم) بالرفع والنصب. (ولم يكن أحد) لفظ: (أحد) ساقط من نسخةٍ، ومطابقته للترجمة في قوله: (والصبيان) لأن المراد: الصبيان الحاضرون للصلاة مع الجماعة. 863 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال لَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ ¬
162 - باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس
الخُرُوجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَال: نَعَمْ، وَلَوْلا مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ - يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ - "أَتَى العَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُهْوي بِيَدِهَا إِلَى حَلْقِهَا، تُلْقِي فِي ثَوْبِ بِلالٍ، ثُمَّ أَتَى هُوَ وَبِلالٌ البَيْتَ". [انظر: 98 - مسلم: 884 - فتح: 2/ 345] (يحيى) أي: القطان. (سفيان) أي: الثَّوريُّ. (سمعت) في نسخةٍ: "قال: سمعت". (قال له رجل) لم يسمَّ، وفي نسخة: "وقال له رجل" بالواو. (شهدت) بفتح التاء، والاستفهام مقدر أي: أحضرت (الخروج) لصلاة العيد، ومصلاه؟ (ولولا مكاني) أي: قربي. (منه) أي: من النبي - صلى الله عليه وسلم - (أتى) أي: النبي - صلى الله عليه وسلم - (العلم) بفتح العين، واللام، أي: الراية، أو العلامة. (وذكَّرهنَّ) بتشديد الكاف. (تُهْوي بيدها) بضم أوله من الرباعي، وبفتحه من الثلاثي، أي: تميلها، أو تمدها. (في حلقها) بفتح الحاء، وكسرها، مع فتح اللام فيهما جمع حلقة: وهي الخاتم لا فصَّ له، أو القرط، وفي نسخة: "إلى حلقها" بفتح الحاء، وسكون اللام: [المحل] (¬1) الذي يعلق فيه ذلك. (تُلقي) أي: ترمي (البيت) في نسخةٍ: "إلى البيت". ومطابقة لبعض الترجمة في قوله: (ما شهدته) يعني: من صغره، ومرَّ شرح الحديث في باب: عظة الإمام (¬2). 162 - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى المَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ وَالغَلَسِ (باب: خروج النساء إلى المساجد) أي: لصلاة. (بالليل ¬
والغلس) متعلق بالخروج. (والغلس) بفتح الغين، واللام: ظلمة آخر الليل. 864 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالعَتَمَةِ، حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غَيْرُكُمْ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ" وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إلا بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ العَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. [انظر: 566 - مسلم: 638 - فتح: 2/ 347] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) أي: أبطأ. (بالعتمة) بفتحات أي: بالعشاء، ومرَّ شرح لحديث (¬1). 865 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسْجِدِ، فَأْذَنُوا لَهُنَّ" تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. [873، 899، 900، 5238 - مسلم: 442 - فتح: 2/ 347] (عن حنظلة) أي: ابن أبي سفيان الأسود الجمحي. (بالليل) أي: لا بالنهار، وعليه يحمل خبر: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) (¬2) ففيه: أنهن لا يمنعن مما فيه مصلحتهن، لكن إذا لم يخف فتنة لا عليهن، ولا بهن، وذلك هو الأغلب في ذلك الزمان. ¬
163 - باب انتظار الناس قيام الإمام العالم
163 - باب انتِظَارِ الناسِ قِيَامَ الإِمَامِ العَالِم. (باب: انتظار الناس قيام الإمام العالم) ساقطٌ من أَكثر النسخ. 866 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْبَرَتْهَا: "أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ المَكْتُوبَةِ، قُمْنَ وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَامَ الرِّجَالُ". [فتح: 2/ -349] (يونس) أي: ابن يزيد. (من صلى) أي: وثبت من صلى معه (من الرجال ما شاء الله) أي: لينتظروا قيامه، وبهذا طابق الحديث الترجمة. 867 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ". [انظر: 372 - مسلم: 645 - فتح: 2/ 349] (إن كان) إن: هي المخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن (فينصرف النساء) أي: ويثبت الرجال؛ لينتظروا قيامه - صلى الله عليه وسلم -؛ للانصراف وبه طابق الحديث الترجمة أيضًا. (متلفعات) التلفع: مثل اللفاع: وهو ما يغطي الوجه، ويلتحف به. (بمروطهن) بضم الميم جمع مرط بكسرها: وهو كساء يؤتزر به. 868 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ، قَال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ". [انظر: 707 - فتح: 2/ 349]
164 - باب صلاة النساء خلف الرجال
(محمد بن مسكين) زاد في نسخة: (يعني: ابن تميلة" (بشر) أي: ابن أبي بكر، كما في نسخةٍ (أخبرنا الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو، وفي نسخة: "حدثنا الأوزاعي". (كراهية) في نسخةٍ: "مخافة". ولا مطابقة في هذا الحديث، والحديث الآتي لترجمة الباب، بل لترجمة ما قبله. 869 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" قُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَوَمُنِعْنَ؟ قَالتْ: نَعَمْ. [مسلم: 445 - فتح: 2/ 349] (ما أحدث النساء) أي: من قلة مبالاتهن بما يجب من الحياء ونحوه. (لمنعهن) أي: "المسجد" كما في نسخةٍ، أو "المساجد" كما في أخرى. (قلت لعمرة) قائله: يحيى بن سعيد (أو منعن؟) بهمزة الاستفهام وواو العطف، وبناء الفعل للمفعول، والضمير فيه لنساء بني إسرائيل. 164 - بَابُ صَلاةِ النِّسَاءِ خَلْفَ الرِّجَالِ (باب: صلاة النساء خلف الرجال) أي: جوازها. 870 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، قَال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ"، قَال: نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ، قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ. [875 - فتح: 2/ 350] (قزعة) بقاف، وزاي ومهملة، مفتوحات. (قال) أي: الزهريّ
165 - باب سرعة انصراف النساء من الصبح وقلة مقامهن في المسجد
(نرى) بفتح النون أي: نعتقد، وبضمها أي: نظن (أن ذلك) أي: المكث. (أن يدركهن الرجال) في نسخةٍ: "أن يدركهن أحد من الرجال". 871 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ وَأُمّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا". [انظر: 380 - مسلم: 658 - فتح: 2/ 351] (ابن عيينة) في نسخةٍ: "سفيان بن عيينة". (عن إسحاق) أي: "ابن عبد الله" كما في نسخةٍ (عن أنس) في نسخةٍ: "ابن مالك". (أم سليم) في نسخةٍ: "أم سلمة". (ويتيم) عطف على الضمير المرفوع المتصل في (قمت) بلا تأكيد على مذهب الكوفيين، واسمه: ضميره كما مرَّ. 165 - بَابُ سُرْعَةِ انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِي المَسْجِدِ (باب: سرعة انصراف النساء من الصبح، وقلة مقامهن في المسجد) أي: خوفًا من أن يعرفن؛ بسبب انتشار الضوء إذا مكثن. (مقام) بضم الميم من أقام، وبفتحها من قام. 873 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ - أَوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا -". [انظر: 372 - مسلم 645 - فتح: 2/ 351] (فليح) أي: ابن سليمان المدني. (فينصرفن نساء المؤمنين) بإثبات نون الإناث على لغة أكلوني البراغيث، أو بجعل (نساء) بدل من النون،
166 - باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد
وفي نسخة: "نساء المؤمنات" أي: نساء الأنفس المؤمنات، أو هو من إضافة العام إلى الخاص كشجر أراك، أو المراد: نساء فاضلات. (أو لا يعرف) في نسخةٍ: "أو لا يعرفن" بإثبات نون الإناث على اللغة السابقة. 166 - بَابُ اسْتِئْذَانِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا بِالخُرُوجِ إِلَى المَسْجِدِ (باب: استئذان المرأة) زوجها (بالخروج إلى المسجد) أي: في الخروج إليه للصلاة فيه. 875 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْنَعْهَا". [انظر: 865 - مسلم: 442 - فتح: 2/ 351] (عن معمر) أي: ابن راشد. (إذا استأذنت امرأة أحدكم) أي: في أن تخرج إلى الصلاة في المسجد، أو نحوه. - باب صَلَاةِ النِّسَاءِ خَلْفَ الرِّجَالِ. 874 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَال: حَدثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَن إسحاق، عَنْ أَنَسٍ قَال: صَلَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - في بَيتِ أُمِّ سُلَيمٍ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. [انظر: 380 - مسلم: 658 - فتح 2/ 352] 875 - حَدثَنَا يحيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدَ بِنْتِ الحارِثِ، عَن أُمِّ سَلَمَةَ قَالت: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقضِي تَسْلِيمَهُ، وَهُوَ يَمْكُثُ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالتْ: نُرى -والله أَعْلَمُ- أَن ذَلِكَ كَانَ لِكَي يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدرِكَهُنَّ الرِّجَالُ. [فتح: 352]
11 - كتاب الجمعة
11 - كتاب الجمعة
1 - باب فرض الجمعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الجمعة 1 - باب فَرْضِ الجُمُعَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9]. (كتاب الجمعة) ساقط من نسخةٍ، والجمعة: بضم الميم مخففة أشهر من فتحها وسكونها وكسرها وتشديدها، وتاؤه ليست للتأنيث؛ لأن اليوم مذكر، بل للمبالغة، كما في علَّامة. {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ساقط من نسخة، وفي أخرى: "فَاسْعَوْا" إلى قوله: "تعلمون". ({فَاسْعَوْا} فامضوا)، ساقط من نسخة. واعلم أن الجمعة فرض الوقت، والظهر بدل عنها، وقيل: عكسه، وقيل: الفرض أحدهما. 876 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ، حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ اليَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ". [انظر: 238 - مسلم: 855 - فتح: 2/ 354]
(أبو الزناد) هو عبد الله بن ذكوان. (الآخرون) أي: في الزمان في الدنيا. (السابقون) أي: أهل الكتاب، وغيرهم منزلة. (بيد) بفتح الموحدة، وسكون التحتية، وفتح المهملة قال أبو عبيد: بمعنى: غير، وبمعنى: على، وبمعنى: من أجل (¬1). قال الكرماني: وكله صحيح هنا (¬2). انتهى. وكون (بيد) بمعنى: غير، أي: في الاستثناء، وإن كانت لا تستعمل إلا منصوبة على الاستثناء المنقطع، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم. (أوتوا الكتاب) أي: التوراة والإنجيل. (ثم هذا) أي: يوم الجمعة. (يومهم الذي فرض) أي: تعظيمه بالإجتماع فيه، وفي نسخة: "الذي فرض الله". (عليهم) أي: وعلينا. (فاختلفوا فيه) أي: هل يتعين، أو يسوغ إبداله بغيره؟ فاجتهدوا في ذلك فأخطأوا. (فهدانا الله له) إما بنصه عليه؛ لاحتمال أنه - صلى الله عليه وسلم - علمه بالوحي بمكة، ولم يتمكن من إقامتها بها؛ ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة، أو بالاجتهاد، كما يدل له ما رواه عبد الرزاق مرسلًا بإسناد صحيح، عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن تترك الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك [فهلم] (¬3) فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر الله تعالى، ونصلي، ونشكره فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم [يومئذٍ] (¬4)، وأنزل الله تعالى {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] ¬
2 - باب فضل الغسل يوم الجمعة، وهل على الصبي شهود يوم الجمعة، أو على النساء؟
الآية (¬1). والحكمة في اختيارهم يوم الجمعة: وقوع خلق آدم وسائر الموجودات فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب أن يشتغل بها فيه. (فالناس لنا فيه) لفظ: (فيه) ساقط من نسخة. (تبع) جمع: تابع، كخدم وخادم. (اليهود) أي: تعبدهم. (غدًا) أي: يوم السبت. (والنصارى) أي تعبدهم. (بعد غدٍ) أي: يوم الأحد، وإنما قدر تعبدهم؛ ليصح الإخبار عنهم بالزمان؛ إذ لا يصح أن يخبر به عن الجثة، واختارت اليهود السبت؛ لزعمهم أنه يوم فرغ الله فيه من خلق الخلق، قالوا: فنحن نستريح فيه من العمل، ونشغله بالعبادة والشكر، والنصارى الأحد؛ لأنه أول يوم بدأ الله فيه يخلق الخلق فاستحق التعظيم (¬2). 2 - بَابُ فَضْلِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الجُمُعَةِ، أَوْ عَلَى النِّسَاءِ؟ 877 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ". [894، 919 - مسلم: 844 - فتح: 2/ 356] (عن نافع) أي: مولى ابن عمر. (عن عبد الله بن عمر) في نسخة: "عن ابن عمر". (إذا جاء أحدكم الجمعة) أي: أراد المجيء إليها رجلًا كان، أو امرأة، وذكر المجيء جري على الغالب، وإلا فالحكم شامل للمقيم بالجامع. ¬
878 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، قَال: أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَال: إِنِّي شُغِلْتُ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ، فَقَال: وَالوُضُوءُ أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ"؟! [882 - مسلم: 845 - فتح: 2/ 356] (محمد بن أسماء) [لفظ: (ابن أسماء)] (¬1) ساقط من نسخة. (حدثنا جويرية) أي: "ابن أسماء" كما في نسخة، وفي أخرى: "أخبرنا جويرية". (إذ دخل رجلٌ) جواب (بينما) والرجل هو عثمان بن عفان (¬2)، وفي أخرى: "إذ جاء رجل". (أية ساعة) هو كأي ساعة بلا تاء، يقال: أي امرأة، وأية امرأة جاءتك؛ والاستفهام للإنكار ذكره؛ لينبه به على ساعة التبكير التي رغب فيها، وليرتدع مَنْ هو دونه أي: لم تأخرت عن هذه الساعة؟! (قال: إني شغلت) بالبناء للمفعول، قال الجوهري: يقال: شغلت عنك واشتغلت (¬3). (فلم أنقلب) أي: فلم أرجع. (فلم أزد أن توضأت) في نسخة: "على أن توضأت" أي: فلم أشتغل بشيء بعد أن سمعت النداء إلا ¬
3 - باب الطيب للجمعة
بالوضوء. (فقال: والوضوء أيضًا؟!) إنكار آخر، بهمزة مقدرة، وهو بالنصب أي: أتتوضأ الوضوء فقط، وبالرفع مبتدأ خبره محذوف، أي: والوضوء تقتصر عليه. (وأيضًا) مصدر آض يئيض أي: رجع، والمعنى: ألم يكفك أن أخرت الوقت، وفوت فضيلة السبق حتى أتبعته بترك الغسل والقناعة بالوضوء. 879 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". [انظر: 858 - مسلم: 846 - فتح: 2/ 357] (غسل يوم الجمعة واجب) أي: كالواجب في تأكيد الندبية، أو واجب في الاختيار، ومكارم الأخلاق، والنظافة، لا في الحكم؛ لخبر الترمذي وحسنه: "من توضأ يوم الجمعة، فيها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل" (¬1)؛ ولأن الغسل لو كان واجبًا لما تركه عثمان، ولرده عمر ليغتسل. (على كل محتلم) أي: بالغ. وفي أحاديث هذا الباب: أن الخطيب يخطب قائمًا، وجواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الخطبة، والإنكار على مخالف السنة، وإن كان كبير القدر، والاعتذار إلى ولاة الأمور. 3 - بَابُ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ (باب: الطيب يوم الجمعة) أَي: التطيب فيه، وفي نسخة: ¬
"الطيب للجمعة". 880 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَال: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكرِ بْنِ المُنكَدِرِ، قَال: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ، قَال: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَال: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ" قَال عَمْرٌو: "أَمَّا الغُسْلُ، فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا، وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الحَدِيثِ" [انظر: 858 - مسلم: 846 - فتح: 2/ 364] قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "هُوَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَلَمْ يُسَمَّ أَبُو بَكْرٍ هَذَا" رَوَاهُ عَنْهُ بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلالٍ وَعِدَّةٌ، "وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ يُكْنَى بِأَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ". (علي) أي: ابن المديني، وفي نسخة: "علي بن عبد الله بن جعفر". (حدثنا حرمي) في نسخة: "أخبرنا حرمي". (قال: أشهد) عبر به للتأكيد. (محتلم) أي: بالغ؛ لأن المراد حقيقته، وهو نزول المني، فإن ذاك موجب للغسل في يوم الجمعة وغيرها، وخص الاحتلام بالذكر؛ لأنه أكثر ما يبلغ به الذكور، كما خص بها الحيض في خبر: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (¬1) ¬
4 - باب فضل الجمعة
لأن الحيض أكثر ما يبلغ به الإناث. (وأن يستن) عطف على الجملة السابقة، والمراد: دلك الأسنان بالسواك. (إن وجد) راجع إلى الأمر قبله. (فأشهد أنه واجب) أي: كالواجب كما مرَّ، وهو مقيد بمن يريد حضور الجمعة كما مرَّ (¬1)، وقيل: لا يتقيد بذلك، وقيل: مقيد بمن تلزمه الجمعة. (قال أبو عبد الله) أي: البخاري. (هو) أي: أبو بكر بن المنكدر. (أخو محمد بن المنكدر) لكنه أصغر منه. (ولم يسم أبو بكر هذا) أي: بغير كنيته؛ بخلاف أخيه الأكبر، فإنه وإن كني بأبي بكر، لكن سمي محمدًا، واشتهر به. (رواه) أي: الحديث المذكور عنه أي: عن أبي بكر بن المنكدر (بكير بن الأشج، وسعيد بن أبي هلال، وعدة، وكان محمد بن المنكدر يكنى بأبي بكر، وأبي عبد الله) بخلاف أخيه لم يكنَّ إلَّا بأبي بكر. وقوله: (قال أبو عبد الله إلى هنا) ساقط من نسخة. 4 - بَابُ فَضْلِ الجُمُعَةِ (باب: فضل الجمعة) أي: فضل يومها وصلاتهما. 881 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلائِكَةُ ¬
يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ". [مسلم: 850 - فتح: 2/ 366] (غسل الجنابة) بالنصب صفة لمصدر محذوف أي: غسلًا، كغسل الجنابة في الكيفية، لا في الحكم. (ثم راح) أي: ذهب في (الساعة الأولى) وهي على الأصح: من طلوع الفجر. (فكأنما قرب بدنة) أي: ذكرًا أو أنثى، فالتاء للوحدة. (كبشًا أقرن) وصفه بالأقرن؛ لأنه أكمل وأحسن صورة؛ ولأن قرنه ينتفع به. (دجاجة) بفتح الدال أفصح من كسرها وضمها؛ والمراد بالساعات: من أول النهار، لا الساعات الفلكية الأربعة والعشرون، وهو قول الشافعي، وعليه جرى النووي في "الروضة" كأصلها حيث قال: وليس المراد بالساعات الفلكية، بل ترتيب الدرجات، وفصل السابق على من يليه؛ لئلا يستوي في الفضيلة رجلان جاءا في طرفي ساعة (¬1). لكن قال في "شرحي المهذب" و "مسلم" بل المراد: الفلكية، لكن بدنة الأول أكمل من بدنة الأخير، وبدنة المتوسط متوسطة، كما في درجات صلاة الجمع الكثير والقليل، ثم ندب التبكير محله: في المأموم (¬2). أما الإمام فيندب له التأخير إلا وقت الخطبة؛ اتباعًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه. قاله الماوردي، ونقله في "شرح المهذب" عن المتولي، وأقره. (حضرت الملائكة) أي: الذين وظيفتهم كتابة حاضري الجمعة، وما تشمل عليه من ذكر وغيره، وهم غير الحفظة. (يستمعون الذكر) أي: الخطبة. وفي الحديث: فضل الاغتسال، وفضل التبكير، وأن الفضل المذكور إنما يحصل لمن جمعهما، ولو تعارض الغسل والتبكير، ¬
5 - باب
فمراعاة الغسل، كما قاله الزركشي أولى؛ لأنه مختلف في وجوبه، ولأن نفعه متعدٍّ إلا غيره، بخلاف التبكير. 5 - باب. (باب) لم يذكر ترجمة؛ فهو كالفصل من سابقه. 882 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فَقَال عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلاةِ؟ فَقَال الرَّجُلُ: مَا هُوَ إلا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ، فَقَال: أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ"؟! [انظر: 878 - مسلم: 845 - فتح: 2/ 370] (عن يحيى) أي: "ابن أبي كثير" كما في نسخة. (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، واسمه: عبد الله، أو إسماعيل. (إذ دخل رجل) هو: عثمان بن عفان. (فقال عمر) أي: "ابن الخطاب - رضي الله عنه - "كما في نسخة. (ما هو) أي: الاحتباس. (إلا إن سمعت النداء) لفظ: (إن) ساقط من نسخة. (يقول) في نسخة: "قال"، ومرَّ شرح الحديث (¬1). 6 - بَابُ الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ (باب: الدهن للجمعة) بفتح الدال: مصدر، وبضمها: اسم بتقدير، باب: استعمال الدهن. 883 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي ¬
أَبِي، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى". [910 - فتح: 2/ 370] 884 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال طَاوُسٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "اغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ" قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا الغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِي. [885 - مسلم: 848 - فتح: 2/ 370] (حدثنا أبن أبي ذئب) نسبة لجده الأعلى، وإلا فهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب: هشام القرشي. (قال: أخبرني) هو كيسان المقبري. (ابن وديعة) اسمه: عبد الله الأنصاري. (من طهر) نكره للمبالغة في التنظيف، فيشمل قصَّ الشارب، وقلم الظفر، وحلق العانة، وتنظيف الثياب، وفي نسخة: "من الطهر" بالتعريف. و (من) بيانية. (ويدهن) بتشديد الدال أي: يطلي بالدهن رأسه ولحيته؛ ليزيل شعثهما به. (أو يمس من طيب بيته) أي: إن لم يجد دهنًا، أو (أو) بمعن: الواو، وبها عبر في نسخة، فهي للتفصيل، وأضاف الدهن في الأول، والطيب في الثاني إلى ما ذكره إشارة إلى أن السنة [إتخاذهما] (¬1) في البيت، ويجعل استعماله لهما عادة. (ثم يخرج) أي: إلى المسجد. (فلا يفرق بين اثنين) كناية عن التبكير؛ لأنه يكون إذا بكر لا يتخطى رقاب الناس. (ما كتب له) أي: فرض له من ¬
صلاة الجمعة. (أو ما قدر له) فرضًا أو نفلا. (ثم ينصت) بضم أوله من أنصت أي: سكت، وبفتحه من نصت بمعناه، ويجيء أنصت أيضًا متعديًا فيقال: أنصته. (إذا تكلم الإمام) شرع في الخطبة. (ما بينه) أي: بين يوم الجمعة الحاضرة. (وبين الجمعة الأخرى) أي: الماضية أو المستقبلة، فـ (الأخرى) تأنيث الآخر بفتح الخاء لا بكسرها، والمغفرة كما تكون للماضي تكون للمستقبل، بأن يعفى عنه إذا وقع، قال تعالى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] لكن في رواية عن ابن خزيمة "ما بينه وبين الجمعة التي قبلها" (¬1) وجرى عليه شيخنا (¬2)، وعلى الأول الكرماني وهو أقعد (¬3)، وما وقع في هذه الرواية خرج مخرج الغالب من استعمال (غفر) في الماضي، والمراد: غفران الصغائر لما في رواية لابن ماجه: "ما لم تغش الكبائر" (¬4) أي: فإنها إذا غشيت لا تكفر، فغشيانها مانع من التكفير لها، وذلك جار على قاعدة: إنه إذا اجتمع المانع والمقتضي قدم المانع، وليس المراد: أن تكفير الصغائر بالمذكورات متوقف على اجتناب الكبائر إذ اجتنابها بمجرده يكفر به الصغائر، كما نطق به القرآن في قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] أي: صغائركم، ولا يلزم من ذلك أن لا يكفرها إلا اجتناب الكبائر، فإن لم ¬
يكن للمرء صغائر كفر عنه بمقدار ذلك [من الكبائر، فإن لم يكن له كبائر أعطى من الثواب بمقدار ذلك] (¬1)، وهو جار في جميع ما ورد في نظائر ذلك، فإن قلت: لزم من جعل الصغائر مُكَفَّرة بالمذكورات عند اجتناب الكبائر اجتماع سببين على مسبب واحد وهو ممتنع، قلت: لا مانع من ذلك في الأسباب المفرقة؛ لأنها علامات لا مؤثرات، كما في اجتماع أسباب الحدث، وما هنا كذلك. [(قال طاوس) هو ابن كيسان الحميريُّ، واسمه: ذكوان وطاوس لقبه] (¬2). (اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم) ذكر الثاني من عطف الخاص على العام، أو المراد به: التنظيف من الأذى. (والدهن) المستعمل في الرأس (من الطيب) (من): للتبعيض، وهي مع مجرورها قائمة مقام المفعول أي: استعملوا بعض الطيب. (قال ابن عباس) أي: في جوابه عن قول طاوس (ذكروا ... إلخ). (أما الغسل فنعم) أي: قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - (وأما الطيب فلا أدري) أي: فلا أعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قاله، أو لا. 885 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَال: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَال: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ"، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ فَقَال: لَا أَعْلَمُهُ. [انظر: 884 - مسلم: 848 - فتح: 2/ 371] (إبراهيم بن موسى) أي: ابن يزيد التميمي. (هشام) أي: ابن يوسف الصنعاني. (أن ابن جريج) اسمه: عبد الملك. ¬
7 - باب يلبس أحسن ما يجد
7 - بَابُ يَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ (باب: يلبس) أي: منْ يريدُ المجيءَ إلى الجمعة. (أحسن ما يجد) أي: ما يجده مما يلبس. 886 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَو اشْتَرَيْتَ هَذِهِ، فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ" ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهَا حُلَّةً، فَقَال عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا" فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا. [948، 2104، 2612، 2619، 373] (قال: أخبرنا مالك) في نسخة: "عن مالك". (حلَّة سيراء) بكسر السين المهملة، وفتح التحتية والمدِّ، أي: بردٌ من حريرٍ، وسميت: سيراء؛ لما فيها من الخطوطِ التي تشبه السيورَ، وأهلُ العربيةِ على إضافةِ حلةٍ لسيراء، وأكثرُ المحدِّثين على تنوينه، بجعلِ سيراءَ صفةً أو بدلًا، والحلةُ لا تكون إلا منْ ثوبين. (لو اشتريت) جوابُ (لو) محذوفٌ أي: لكان حسنًا، أو هي للتمني، فلا جواب لها. (من لا خلاق له) أي: من لا حظَّ، ولا نصيبَ له من الخير. (فقال عمر) أي: (ابن الخطاب له) كما في نسخةِ. "عُطارِد" بضم المهملة، وكسر الراء وهو ابن حاجبٍ التميميُّ، قَدَمَ في وفد بني تميم، وأسلم وله صحبة، وكان يعِرضُ الحللَ بالسوق؛ للبيع، فأضيفتْ إليه الحلةُ لذلك. (ما قلت؟) أي: من قوله: (إنما يلبس هذه من لا خلاقَ له). (لم أكسكها لتلبسها) أي: بل لتنتفعَ بها. (أخًا له)
8 - باب السواك يوم الجمعة
أي: من أمِّه، واسمه: عثمانُ بنُ حكيمٍ، قاله المنذريُّ، وقيل: هو أخو أخيه: زيدُ بنُ الخطَّابِ لأمِّه أسماءً بنتِ وهبٍ، وقيل: أخوه من الرِّضاع، وقوله: (له): صفة لـ (أخا) أي: أخا كائنًا له بمكةَ (مشركًا) بنصبه صفة ثانية لـ (أخًا) فإن قلت: كيف كساها عُمر له مع أنه مكلفٌ بفروع الشريعة، قلت: لا يلزمُ من كسوتها له لبسه لها، كما مرَّت الإشارة إليه. وفي الحديث: تحريمُ الحرير، وهو محمولٌ على الرجال دونَ النساء؛ لأخبارٍ وردت في إباحته لهن (¬1)، وفيه إباحةُ هديته، واستحبابُ لبس أحسن الثياب يوم الجمعة، وعند لقاءِ الوفود وصلةُ الأقارب، وإن كانوا كفارًا. 8 - بَابُ السِّوَاكِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَقَال أَبُو سَعِيدٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَسْتَنُّ". [انظر: 858] (باب: السواكِ يوم الجمعةِ) أي: استعماله فيه، والسواكُ مذكَّرٌ، وحُكيَ تأنيثُه، لكن أنكره الأزهريُّ (¬2). (يستن) مشتقٌّ من الاستنان، وهو دلكُ الأسنان بالسواك. ¬
887 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ". [7240 - مسلم: 252 - فتح: 2/ 374] (لولا أن أشقَّ) محل: (أنْ أشقَّ) رفعٌ بالابتداء، والخبر محذوف وجوبًا أي: لولا المشقةُ موجودةٌ أي: لولا مخافة وجودها، أو (على الناس) شكٌّ من الراوي وفي نسخة: "لولا أن أشق على الناس لأمرتهم بالسواك" أي: أمرُ إيجاب مع كلِّ صلاةٍ, فرضًا أو نفلًا، جمعةً أو غيرها. 888 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحَابِ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ". [فتح: 2/ 374] (أبو معمر) هو عبدُ الله بنُ عمرو بن أبي الحجاج، واسمه: ميسرة. (عبد الوارث) أي: ابن سعيدٍ. (ابن الحبحاب) أي: سعيدُ بن الحبحاب، بفتح المهملتين بينهم موحدة ساكنة، وهو ساقط من نسخة. (أكثرت عليكم) أي: بالغت معكم في استعمال السواك، وفي نسخة: "أُكْثِرتْ عليكم" بالبناء للمفعول، أي: بولغت من عند الله في ذلك. 889 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ". [انظر: 245 - مسلم: 255 - فتح: 2/ 375] (سفيان) أي: الثوريُّ. (عن منصور) أي: ابن المعتمر. (وحصين) بضم المهملة، أي: ابن عبدِ الرحمنِ. (عن أبي وائل) هو شقيقُ بن سلمةَ. (عن حذيفة) أي: ابن اليمان.
9 - باب من تسوك بسواك غيره
(يشوص فاه) أي: يغسله ويدلكه. ووجه دلالته على الترجمة: أنه إذا شرع السواك ليلًا لتجمُّل الباطن فللجمعةِ أحرى؛ لمشروعيةِ التجمل لها ظاهرًا وباطنًا. 9 - بَابُ مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ (باب: من تسوك بسواك غيره) أي: بيان مشروعيةِ تسوكِ الشخص بسواك غيرهِ برضاه. 890 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ، قَال: قَال هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَصَمْتُهُ، ثُمَّ مَضَغْتُهُ "فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَنَّ بِهِ وَهُوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِي". [1389، 3100، 3774، 4438، 4446، 4449، 4450، 4451، 5217، 6510 - مسلم: 2443 - فتح: 2/ 377] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (دخل) أي: إلى حجرتي في مرض النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (فَقَصَمْتُهُ) بقاف فمهملة أي: كسرته وأبنت منه الموضع الذي كان يستنَّ به، وما يلقى منه يسمى: قصامة، يقال: لو سألني قصامةَ سواكٍ ما أعطيته، وفي نسخة: بفاء بدل القاف، والفصم: الكسرُ من غير إبانةٍ، وفي أخرى: بقاف فمعجمةٍ، أي: مضغته بأسناني، ولينتُه، والقضم: الأكلُ بأطراف الأسنان. (مستندًا) أي: معتمدًا، وفي نسخةٍ: "مستسند". وفي الحديث: طهارة ريق ابن آدم، وجوازُ الدخول في بيت المحارم.
10 - باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة
10 - بَابُ مَا يُقْرَأُ فِي صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ (باب: ما يُقرأ في صلاةِ الفجر) ببناء (يقرأ) للمفعول، وللفاعل. (يوم الجمعة) ساقط من نسخة. 891 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ الأَعْرَجُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ". [1068 - مسلم: 880 - فتح: 2/ 377] (أبو نعيم) في نسخةٍ: "محمد بن يوسف أي: الفريابي" وفي أخرى: "محمد بن يوسف وأبو نعيم كلاهما عن سفيان" أي: الثوري. (هو ابن هرمز) لفظ: (هو) ساقطٌ من نسخةٍ. (الأعرج) ساقطٌ من نسخةٍ. (في الفجر يوم الجمعة) في نسخةٍ: "في الجمعة في صلاة الفجر". ({الم (1) تَنْزِيلُ}) بضم (تنزيل) على الحكاية، ومحلُّه: نصبٌ على أنه عطفُ بيانٍ مفعول. (السجدة) بنصبها، عطفُ بيانٍ و (تنزيل) باعتبار محله. و ({هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ}) زاد في نسخةٍ: " {حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} [الإنسان: 1] " أي: يقرأ السورةَ الأولى في الركعةِ الأولى، والثانيةَ في الثانيةِ، ولفظ: (السجدة) ساقطة من نسخةٍ. والحكمةُ في قراءتهما يومَ الجمعةِ: الإشارةُ إلى ما فيها من ذكرِ آدمَ، وأحوالِ يوم القيامةِ؛ لأنَّ الأول: كان يومَ الجمعةِ، والثاني: يكون كذلك.
11 - باب الجمعة في القرى والمدن
11 - بَابُ الجُمُعَةِ فِي القُرَى وَالمُدُنِ (باب: الجمعةِ) أي: حكم صلاتها. (في القرى، والمدن) بسكون الدال وضمها: جمعُ مدينةٍ، وفي نسخةٍ: "والمدائن" قيل: بالهمز إنْ كان من: مَدَنَ بالمكان أي: أقام به، وبدونه إذا كان من: دَيَنَ أي: ملك. 892 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَال: "إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ". [4371 - فتح: 2/ 379] (حدثنا محمد) في نسخةٍ: "حدثني محمد". (العقدي)، بفتح العين والقاف؛ نسبةً إلى العقد: قومٌ من قيسٍ. (عن أبي جمرة) بالجيم هو: نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنُ عصام. (الضبعي) بمعجمةٍ مضمومةٍ، فموحدةٍ مفتوحةٍ، فعينٍ مهملةٍ؛ نسبةً إلى ضُبيعة: حيٌ من بكر بنِ وائلٍ. (جمعت) بضم الجيم، وتشديد الميم المكسورة. (عبد القيس) قبيلةٌ كانوا ينزلون (البحرين) موضعٌ قريبٌ من عمان بقربِ القطيف والأحساء (¬1). (بجواثى) بجيم مضمومة، وواو مخففة، وقد تهمز، ومثلثةٍ مفتوحةٍ: قريةٌ من قُرى عبدِ القيسِ (¬2). 893 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَرْوَزِيُّ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ¬
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ" وَزَادَ اللَّيْثُ، قَال يُونُسُ: كَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ، وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي القُرَى: هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ؟ - وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ - فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ، وَأَنَا أَسْمَعُ: يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" قَال: - وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَال - "وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". [2409، 2554، 2558، 2751، 5188، 5200، 7138 - مسلم: 1829 - فتح: 2/ 380] (المروزي) ساقط من نسخة. (عبد الله) أي: ابن المبارك (يونس) أي: ابن يزيدٍ الأَيْلِيُّ. (قال: أخبرنا) في نسخةٍ: "قال: أخبرني". (قال: سمعت رسول الله) في نسخةٍ: "قال: إنَّ رسولَ الله". (كلُّكم راعٍ) أي: حافظٌ يُصلحُ ما هو تحت نظرِه. (قال يونسُ) أي: ابن يزيدٍ. (رزيق) بتقديم الراء المضمومةِ على الزاي المفتوحة. (ابن حُكيم) بالتصغير. (بوادي القُرى) هو من أعمال المدينة. (يعملها) أي: يزرعها. (على أَيْلَة) بفتح الهمزة، وسكون التحتية، وفتح اللام كانت مدينة ذات قلعةٍ، وهي الآنَ خرابٌ، ينزلُ بها حجاج مصرَ (¬1). والمراد، كما قال الكرمانيُّ: أن رزيقًا سأل ابن شهابٍ عن إقامةِ الجمعة في الأرض التي كان مشغولًا بزراعتها، والعملِ فيها، لا في أيلة؛ لأنها بلدٌ لا يسأل [عنها]. (فكتب ابن شهابٍ) أي: بخطِّهِ. (وأنا أسمع) حال. (يأمره) حال أيضًا، فهما حالان مترادفتان. (يخبره) حال ¬
من فاعل (يأمره) فهي و (يأمر) حالان متداخلتان، نعم المكتوبُ هو الحديثُ، والمسموعُ هو المأمورُ به، قاله الكرمانيُّ (¬1)، وقال شيخنا بعد ذكره ذلك: والذي يظهر أنَّ المكتوبَ عينُ المسموعِ، وهو الأمرُ والحديثُ معًا (¬2). (يقول: سمعت) في نسخةٍ: "قال: سمعت". (وكلكم مسئول عن رعيته) أي: في الآخرة، ولفظ: (كلكم) ساقط من نسخةٍ. (الإمام راعٍ) أي: فيمن وُلِّي عليهم، يقيم فيهم الأحكامَ على سننِ الشرع، وهذا موضعُ الترجمة؛ لأنَّه لما كان رزيق عاملًا من جهة الإمام على الطائفةِ التي ذكرها فكان عليه أنْ يراعيَ حقوقهم، ومنها إقامة الجمعةِ، فيجب عليهم إقامتها، وإنْ كان في قريةٍ. (والرجل راعٍ في أهله) يوفِّيهم حقهم من النفقةِ، والكسوةِ، والعشرةِ. (وهو مسؤلٌ عن رعيته) لفظ: (هو) ساقط من نسخة. (والمرأةُ راعية في بيت زوجها) بحسن تدبيرها في المعيشة، والنصحِ له، والأمانةِ في ماله، وحفظِ عياله، وأضيافه، ونفسها. (والخادمُ راعٍ في مال سيده) يحفظه، ويقوم بما يستحقه من خدمته. (قال) أي: ابن عمر، أو سالم، أو يونس. (أن قد قال) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، و (أنْ) مخففة من الثقيلة، وفي نسخة: "أنه قال". (والرجلُ راعٍ في مالِ أبيه) يحفظه، ويدبر مصلحته. (ومسئول عن رعيته)، في نسخةٍ: "وهو مسئول". (فكلكم راعٍ، ومسئول عن رعيته) في نسخة: "وكلكم راعٍ، ومسؤول عن رعيته" وفي أخرى: "فكلكم راعٍ، فكلُّكم مسئولٌ عن رعيته". ¬
12 - باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم؟
وفي الحديث نكتة: وهي أنه عمَّم أولًا، ثم خصَّ ثانيًا، قسَّم الخصوصيةَ إلا جهة الرجل، وجهة المرأة، وجهة الخادم، وجهة النسب، ثم عمَّم آخرًا بقوله: (وكلُّكم راعٍ ... إلخ) تأكيدًا لبيان الحكم أولًا، وآخرًا، وفيه: رد العجزِ على الصدرِ. 12 - بَابُ هَلْ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ غُسْلٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ؟ وَقَال ابْنُ عُمَرَ: "إِنَّمَا الغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الجُمُعَةُ". [فتح: 2/ 381] (باب: هل) في نسخة: "وهل"، (على من لم) في نسخة: "على من لا". (يشهد الجمعة) بكسر الدال على النسخة الأولى، وبضمها على الثانية، أي: هل على من لم يشهدها (غسل) كما هو على من يحضرها، وبين من لم يشهدها بقوله: (من النساء والصبيان وغيرهم) أي: كالعبد، والمسافر، والمسجون، والمريض، والأعمى. 894 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ". [انظر: 877 - مسلم: 844 - فتح: 2/ 382] (قال أخبرنا) في نسخةٍ: "قال حدثنا". (شعيب) أي ابن أبي حمزة. (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) خرج به من لم يجئها، فلا يسنُ له الغسلُ بناءً على الأصحِّ من أنَّ الغسلَ للصلاة لا لليوم. 895 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". [انظر: 858 - مسلم: 846 - فتح: 2/ 382]
(غسل [يوم] (¬1) الجمعة واجبٌ على كلِّ محتلم) (¬2). مَرَّ شرحه (¬3). ¬
896 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ فَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى فَسَكَتَ. [انظر: 238 - مسلم: 855 - فتح: 2/ 382] (قال: حدثنا ابن طاوس) اسمه: عبد الله، وفي نسخة: "حدثني ابن طاوس" وفي أخرى: "عن ابن طاوس". (وأوتيناه) في نسخة: "وأوتينا" بلا ضمير. (فغدًا) سبق إعرابه، وشرح الحديث (¬1)، وفي نسخة: "فغد" بالرفع مبتدأ، والمسوغُ له تقدير إضافته أي: غد يومَ الجمعةِ. 897 - ثُمَّ قَال: "حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ". [898 ,3487 - مسلم: 849 - فتح: 2/ 382] (حق) في نسخة: "فحق". 898 - رَوَاهُ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِلَّهِ تَعَالى عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ، أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا". [انظر: 897 - مسلم: 849 - فتح: 2/ 382] (رواه) أي: الحديث المذكور (قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -) في نسخة: "قال رسولُ الله". ¬
13 - باب
[13 - باب] 899 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "ائْذَنُوا لِلنِّسَاءِ بِاللَّيْلِ إِلَى المَسَاجِدِ". [انظر: 865 - مسلم: 442 - فتح 2/ 382] (شبابة) أي: الفزاريُّ. (ورقاء) بالمدِّ أي: ابن عمرَ المدائنيُّ. (ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد) عُلِم منه بمفهوم الموافقةِ أنهم يأذنون لهن بالموافقة بالنهار أيضًا؛ لأن الليل مظنةُ الفتنةِ تقديمًا لمفهوم الموافقةِ على مفهومِ المخالفةِ بل (الليل) لقبٌ فلا مفهومَ له أصلًا. 900 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلاةَ الصُّبْحِ وَالعِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ فِي المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ؟ قَالتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَال: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ". [انظر: 865 - مسلم: 442 - فتح: 2/ 382] (عن نافع) في نسخةٍ: "أخبرنا نافع". (كانت امرأة لعمرَ) هي عاتكةُ بنتُ زيدِ بنُ عمرو بن نفيلٍ. (فقيل لها ... إلخ) قائل ذلك لها -كما قاله الإمامُ أحمدُ وغيُره- عمرُ نفسُه، فهو من باب التجريد، وعليه فيكون الحديثُ من مسندِ عمر (¬1). (وما يمنعه) في نسخةٍ: "فما يمنعه". ووجهُ مطابقةِ الحديثِ للترجمة: أنَّ النساءَ لهنّ شهودُ الجمعةِ وأنَّ من شهدها يغتسل، وامرأة عمر كانت تشهدها. ¬
14 - باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر
14 - بَابُ الرُّخْصَةِ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الجُمُعَةَ فِي المَطَرِ (باب: الرخصة إن لم يحضر) بتحتية، وبالبناء للفاعل، أو بفوقية وبالبناء للمفعول، و (إنْ) بالكسر: شرطية، وبالفتح بتقدير في أي: الرخصةُ في إن لم يحضرْ. (الجمعة) بالنصب على النسخةِ الأولى، وبالرفع على الثانية. (في المطر) متعلق بالرخصة إنْ كسرت (إنْ) وبدلٌ من (مالها) إنْ فتحتْ، وفي نسخة: "لمن" بدل (إن). 901 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَارِثِ ابْنُ عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَال: ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، قُلْ: "صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ"، فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قَال: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الجُمْعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ. [انظر: 616 - مسلم: 699 - فتح: 2/ 384] (إسماعيل) أي: ابن عُلَّية. (عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين) قيل: ليسِ ابن عمِّه، وإنما كان زوجَ بنتِ سيرينَ، فهو صهرُه لا ابن عمه، وأجاب عنه شيخُنا بأنَّه لا مانع أن يكون بين سيرين والحارث أخوة من الرِّضاع، ونحوهِ (¬1)، وأنت خبير بأنَّ هذا إنما يجدي لو تركت لفظة (ابن). (صلُّوا في رحالِكم) أي: بدل الحيعلتين مع إتمام الأذان. (قال: فعله) في نسخةٍ: "فقال: فعله". (أنَّ الجمعةَ عزمةٌ). بفتح العين، وسكون الزاي، أي: واجبةٌ، فلو أتى المؤذنُ بالحيعلتين لأتى من سمع إلى الجمعةِ فيتأذى بالمطرِ. (أُحرجكم) بضم الهمزة، وسكون الحاء المهملة من الحرجِ، وهو الإثمُ، وفي نسخةٍ: "أخرجكم" من الخروج. ¬
15 - باب من أين تؤتى الجمعة، وعلى من تجب؟
(والدحض) بفتح الدال، وسكون الحاء المهملتين، وضاد معجمةٍ، وقد تفتح الحاء أي: الزلق، ومرَّ شرحُ الحديثِ في باب: الكلامِ في الأذان (¬1). 15 - بَابُ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الجُمُعَةُ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَقَال عَطَاءٌ: "إِذَا كُنْتَ فِي قَرْيَةٍ جَامِعَةٍ فَنُودِيَ بِالصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَشْهَدَهَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ تَسْمَعْهُ" وَكَانَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، "فِي قَصْرِهِ أَحْيَانًا يُجَمِّعُ وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ وَهُوَ بِالزَّاويَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ". وَكَانَ أَنَسٌ - رضي الله عنه - فِي قَصْرِهِ أَحْيَانًا يُجَمِّعُ وَأَحْيَانًا لَا يُجَمِّعُ، وَهْوَ بِالزَّاويةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ. (باب: من أين تؤتى الجمعة، وعلى من تجب). (أين) استفهامٌ عن المكان الذي يؤتى منه إلى الجمعةِ. (لقول الله .. إلخ) استدل به على وجوبِ الإتيانِ إلى الجمعةِ على من علم الأذانَ لها. (عطاء) أي: ابن رباح. (فنودي) في نسخةٍ: "نودي" بلا فاء (أو لم تسمعه) أي: لا يُشْترطُ سماعُك له بل يكفي علمك به. (وهو) أي: القصر. (بالزاوية) موضعٌ بظاهرِ البصرة (¬2). (على فرسخين) أي منها، فكان أنسُ يرى أنَّ التجميع ليس بواجبٍ لبعد المسافةِ. ¬
902 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالتْ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَالعَوَالِيِّ، فَيَأْتُونَ فِي الغُبَارِ يُصِيبُهُمُ الغُبَارُ وَالعَرَقُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمُ العَرَقُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْسَانٌ مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا". [903، 2071 - مسلم: 847 - فتح: 2/ 385] (أحمد) أي: "ابن صالح" كما في نسخةٍ. (قال أخبرني) في نسخة: "قال أخبرنا". (ينتابون الجمعة) بتحتية مفتوحة، فنون ساكنة أي: يحضرونها. (نوبًا) وفي نسخة: "يتناوبون" بتحتيةٍ، ففوقيةٍ، فنونٍ مفتوحات، وفي أخرى: "يوم الجمعة" بزيادة "يوم". (والعوالي) جمعُ عالية: مواضع وقرى قربَ المدينةِ من جهةِ المشرقِ، وأدناها ثلاثةُ أميالٍ، أو أربعةُ، وأبعدها ثمانية (¬1). (في الغبار) في نسخة: "في العباء" بمهملةٍ مفتوحةٍ وبالمدِّ: جمعُ عباءةٍ وعباية. (يصيبهم الغبار والعرق) حال. (إنسان) في نسخة: "أناس". (لو أنكم) أي: لو ثبت أنكم، وجواب (لو) محذوف، أي: لكان حسنًا، أو هي للتمني، فلا جواب لها. (ليومَّكم) أي: فيه. وفي الحديث: رفقُ العالمِ بالمتعلم، واستحبابُ التنظيف، لمجالسة أهل الخير، واجتنابُ أذى المسلم، وحرصُ الصحابة على امتثال الأمرِ، ولو شق عليهم. ¬
16 - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس
16 - بَابُ وَقْتُ الجُمُعَةِ إِذَا زَالتِ الشَّمْسُ وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. (باب: وقت الجمعة) يدخل إذا زالت الشمسُ من كبدِ السماء. (وكذلك يروى) في نسخةٍ: "ويذكر عن عمر إلخ" قال بما قاله هؤلاء أكثر الصحابة، وإنما اقتصر على هؤلاء؛ لما قيل: إنه نقل عنهم خلاف ذلك. 903 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالتْ: قَالتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ، رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ: لَو اغْتَسَلْتُمْ". [انظر: 902 - مسلم: 847 - فتح: 2/ 386] (عبدان) هو عبدُ الله بنُ عثمان بن جبلةَ. (عبد الله) أي: ابن المبارك. (أخبرنا يحيى) في نسخةٍ: "حدثنا يحيى". (عمرة) أي: بنت عبدِ الرحمنِ الأنصاريَّةُ. (مهنة أنفسهم) بفتح حروف (مهنة) جمعُ ماهنٍ، ككتبة وكاتب أي: خدمة أنفسهم [وفي نسخة: "مِهنه " بكسر الميم وسكون الهاء مصدر، أي: ذوي] (¬1). (في هيئتهم) أي: من العرقِ المتغير بسبب جَهْدِ أنفسِهم في المهنةِ. (لو اغتسلتم) جواب (لو) محذوف، أي: لكان حسنًا، أو هي للتمني، فلا جواب لها. 904 - حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَال: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ¬
17 - باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة
كَانَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ". [فتح: 2/ 386] (سُريج) بمهملة مضمومة وجيم. (تميل) أي: تزول، فأولُ وقتِ الجمعة الزوالُ، وخالف الإمامُ أحمدُ، فجوزها قبلَه. (عن أنس) في نسخة: "عن أنس بن مالك". (يبكر بالجمعة) أي: بصلاتها مع خطبتها، تعلق به أحمدُ، لكن التبكيرَ شاملٌ لما قبل طلوع الشمسِ مع إنه لا يقولُ به، بل يجوِّزُها قبيلَ الزوالِ، فالمنعُ في أول النهار اتفاقٌ. فإذا تعذَّر أنْ يكون التبكيرُ بكرة، دلَّ على أنَّ المرادَ به المبادرةُ من الزوالِ. قال الجوهري: كل من بادر إلى شيءٍ، فقد بكر إليه (¬1) أي وقتٍ كان كأنْ يقال: بكروا بصلاةِ المغرب. 905 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: "كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ وَنَقِيلُ بَعْدَ الجُمُعَةِ". [940 - فتح: 2/ 387] (ونقيل) بفتح أوله: مضارعُ قال قيلولةً، أي: ننام بعد الجمعة؛ عوضًا عن القيلولة عقبَ الزوالِ الذي صليت فيه الجمعة؛ إذ من عادتهم في الحرِّ أنهم يقيلون ثم يصلوُّن الظهرَ؛ لندب الإبراد. 17 - بَابُ إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ يَوْمَ الجُمُعَةِ (باب: إذا اشتد الحرُّ يوم الجمعة) أي: هل يُبردُ بصلاتها، كصلاةِ الظهر، أولًا. 906 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَال: ¬
حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَدَّ البَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاةِ"، يَعْنِي الجُمُعَةَ، قَال يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ، فَقَال: بِالصَّلاةِ وَلَمْ يَذْكُرِ الجُمُعَةَ، وَقَال بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، قَال: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الجُمُعَةَ، ثُمَّ قَال لِأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ؟ [فتح: 2/ 388] (أبو خلدةَ) بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام وفتحها (هو) في نسخةٍ: "وهو خالدُ بنُ دينار" وقال الغسَّاني: لم يروي له البخاريُّ غيرَ هذا الحديث. (بكّر بالصلاة) يعني: الجمعة أي: في الحرِّ يبرد، كما في الظهر، لكن الأحاديثَ تدلُّ على أنَّ التفرقةَ في الظهر، وأنَّ التبكيرَ مطلقًا في الجمعة؛ لشدةِ الخطر في فواتها ولأنَّ الناسَ مأمورون بالتبكير فيها قبلَ شدةِ الحرِّ، وهذا ما عليه الشافعيُّ، وكثير. (قال يونس) في نسخةٍ: "وقال يونس". (وقال) في نسخة: "فقال". (بالصلاة) أي: من غير تقييدها بالجمعة، وهو الأوفقُ بما مرَّ من أنَّه لا إبرادَ في الجمعة. (صلى بنا أميرٌ) هو: الحكمُ بنُ أبي عقيل الثقفيُّ. (باب: المشي إلى الجمعة) أي: إلى صلاتها. (وقول الله) بالجر عطفٌ على المشي ({فَاسْعَوا}) المراد بالسعيِّ هنا: المضى لا العدو، كما يعلم مما يأتي. نعم إنْ ضاق الوقتُ ندب العدو، بل قال المحبُّ الطبريُّ: أنه يجب إذا لم يدرك الجمعةَ إلا به. (ومن قال .. إلخ) [محل جر] (¬1) عطف على المشي، والمعنى: بيانُ تفسير من فسَّر السعيَ إلى ¬
18 - باب المشي إلى الجمعة
الجمعة بالعمل لها (¬1)، والذهاب إليها (¬2) لقوله تعالى: {وَسَعَىَ لَهَا} أي: للآخرة {سَعْيَهَا} أي: عملها من الإتيان بالأوامرِ، والانتهاءِ عن النواهي (يحرم البيع) أي: ونحوه من العقود التي فيها تشاغلٌ عن السعي إلى الجمعة. (حينئذ) أي: حين نُودي لها، فالبيعُ حينئذ حرام، لكن لا يمنع انعقادَ الصلاةِ؛ لأنَّ النهيَ لا يختصُّ به، كالصلاة في مغصوب. (وقال عطاء) أي: ابن أبي رباح. (إذا أذَّنَ المؤذنُ يومَ الجمعة وهو مسافرٌ، فعليه أنْ يشهد) أي: الجمعة، وهذا على سبيل الندب، أو محمول على ما إذا اتفق حضور المسافر في محلٍّ تُقام فيه الجمعةُ وسمع فيه النداءَ. 18 - بَابُ المَشْيِ إِلَى الجُمُعَةِ وَقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَمَنْ قَال: السَّعْيُ العَمَلُ وَالذَّهَابُ، لِقَوْلِهِ تَعَالى: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "يَحْرُمُ البَيْعُ حِينَئِذٍ" وَقَال عَطَاءٌ: "تَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا" وَقَال إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: "إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ". ¬
907 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الأَنْصَارِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ، قَال: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ، فَقَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ". [2811 - فتح: 2/ 390] (يزيد بن أبي مريم) أي: "الأنصاري" كما في نسخةٍ. (أبو عبسٍ) بفتح المهملة وسكون الموحدة هو عبدُ الرحمنِ بنُ جَبْر بفتح الجيم، وسكون الموحدة. (سمعتُ النبيَّ) في نسخةٍ: "سمعت رسولَ الله". (سبيل الله) اسمُ جنسٍ مضافٌ يفيد العمومَ، فيشمل الجمعةَ. 908 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَال: الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ح وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". [انظر: 636 - مسلم: 602 - فتح: 2/ 390] (ابن أبي ذئب) اسمه: محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ. (عن سعيد) أي: ابن المسيَّب. (وأبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن. (تسعون) حالٌ، والمرادُ بالسعي هنا: الإسراعُ، أي: لا تأتوا الصلاةَ وأنتم مسروعون لما يلحقُ الساعي من التعبِ المنافي للخشوع المطلوب فيها. (عليكم) في نسخة: "وعليكم". (السكينة) بالرفع مبتدأَ خبره ما قبله، بالنصب على الإغراء أي: الزموا السكينة، أي: التأنِّي. (فما أدركتم) أي: مع الإمام. (فصلُّوا وما فاتكم فأتموا). فيه: أنَّ ما يدركه المرءُ من باقي صلاةِ الإمام وهو أولُ صلاته؛
19 - باب: لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة
لأنَّ إتمام الشيءِ إنما يكون بناء على ما سبقه، ومرَّ شرحُ الحديث في باب: قولِ الرجل: فاتتنا الصلاة (¬1). 909 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو قُتَيْبَةَ، قَال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ - لَا أَعْلَمُهُ إلا - عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ". [انظر: 637 - مسلم: 604 - فتح: 2/ 390] (قال: حدثني) في نسخةٍ: "قال: حدثنا". (أبو قتيبة) اسمه: مسلم، بفتح أوله، وسكون ثانيه ابن قتيبة. (عليّ بن المبارك) أي: الهنائي، بضم المهملة، وتخفيف النون، والمدِّ. (قال أبو عبد الله) أي: البخاريُّ. (لا أعلمه) أي: نقل عبدُ الله بنُ أبي قتادة هذا الحديثَ (إلا عن أبيه) أي: أبي عبد الله وهو أبو قتادة. وقوله: (قال: أبو عبد الله .. إلخ) ساقطُ من نسخةٍ ([عن النبي] (¬2) إلى آخره .. إلخ) مرَّ شرحه (¬3). 19 - بَابٌ: لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ (باب: لا) ناهية، أو نافية بمعنى الناهية (يفرق) بالجزم على الأول، وبالرفع على الثاني أي: لا يفرق داخل المسجد (بين اثنين يوم الجمعة) خصَّ يومها تبعًا للحديث، وإلا فلا فرق بينه وبين غيره. 910 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، حَدَّثَنَا سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ ¬
20 - باب: لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد في مكانه
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى". [انظر: 883 - فتح: 2/ 392] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (قال: أخبرنا) في نسخةٍ: "قال: حدثنا". (ابن أبي ذئب) هو محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ. (عن أبيه) هو أبو سعيد كيسان. (عن ابن وديعة) اسمه: عبدُ الله. (عن سلمان) في نسخةٍ: "حدثنا سلمان". (فلم يفرق) في نسخةٍ: "ولم يفرق" بالواو، مرَّ شرحُ الحديثِ في باب: الدُّهنِ للجمعة (¬1). 20 - بَابٌ: لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ فِي مَكَانِهِ (باب: لا يقيم الرجلُ أخاه يومَ الجمعةِ ويقعدُ في مكانه). (لا) نافية بمعنى الناهية، و (يقعد) بالرفع عطف على (يقيم)، أو هو حالٌ، والتقدير: وهو يقعد، فعلى الأول: كل من الإقامةِ والقعودِ منهيٌ عنه، وعلى الثاني: النهيُ عن الجمع بينهما حتى لو أقامه ولم يقعد لم يرتكب النهي. 911 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ قَال: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، قَال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَال: سَمِعْتُ نَافِعًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ، وَيَجْلِسَ فِيهِ"، قُلْتُ لِنَافِعٍ: الجُمُعَةَ؟ قَال: الجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا. [6269، 6270 - مسلم: 2177 - فتح: 2/ 393] ¬
21 - باب الأذان يوم الجمعة
(محمد) زاد في نسخةٍ: "هو ابن سلام البيكندي" بتخفيف اللام على الأصحِّ. (أنْ يقيمَ الرجلُ أخاه) في نسخةٍ: "أنْ يقيمَ الرجلُ الرجلَ". (قلت لنافع: الجمعةَ؛ قال الجمعةَ وغيرَها) بنصب الثلاثة بنزع الخافض، وبرفعها: الأول: خبر مبتدأ محذوف، والثاني: بأنه مبتدأ، والثالث: بالعطف عليه، والخبر محذوف، أي: الجمعةُ وغيرُها متساويان في النهي، وجوز بعضُهم الجرُّ بفي مقدرة، والنهيُ فيما ذُكر للتحريم. 21 - بَابُ الأَذَانِ يَوْمَ الجُمُعَةِ (باب: الأذانِ يوم الجمعة) أي: وقت مشروعيته فيه. 912 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَال: "كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "الزَّوْرَاءُ: مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ بِالْمَدِينَةِ". [913، 915، 916 - فتح: 2/ 393] (كان النداء) أي: المذكور في القرآن. (أوله) بالرفع بدلٌ من اسم (كان) وخبرُها: (إذا جلس .. إلخ). (فلما كان عثمان) كان تامة، وفا علها: (عثمان)، أو ناقصة، واسمها: (عثمان) وخبرها محذوفٌ أي خليفة. (وكثر الناسُ) أي: المسلمون بالمدينة. (زاد النداء الثالث) عند دخولِ الوقتِ، وسمَّاه ابن خزيمةَ في روايته الأَولَ (¬1)، ولا منافاةَ؛ لأنهَّ ¬
22 - باب المؤذن الواحد يوم الجمعة
أولٌ باعتبار الوجود , ثالثٌ باعتبار زيادته على الثاني، والثالثُ هو المسمى بالإقامةِ، فتسميتها بالأذان تغليبٌ. (على الزوراء) بفتح الزاي، وسكون الواو، وبالراء، وبالمدِّ. (قال أبو عبد الله) أي: البخاريُّ: الزوراء: موضعٌ بالسوق بالمدينة (¬1). وقيل: مرتفعٌ كالمنارة، وقيل: حجرٌ كبير عند باب المسجد، وقوله (قال أبو عبد الله ... إلخ) ساقط من نسخةٍ. 22 - بَابُ المُؤَذِّنِ الوَاحِدِ يَوْمَ الجُمُعَةِ (باب: المؤذن الواحد يوم الجمعة) أي: بيان مشروعية كون المؤذن فيه واحدًا. 913 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ المَاجِشُونُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، "أَنَّ الَّذِي زَادَ التَّأْذِينَ الثَّالِثَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ كَثُرَ أَهْلُ المَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنٌ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ" يَعْنِي عَلَى المِنْبَرِ. [انظر: 912 - فتح: 2/ 395] (عبد العزيز بن أبي سلمة) نسبةً لجده؛ لشهرته به، وإلا فهو عبدُ العزيز بنُ عبد الله بنُ أبي سلَمةَ، بفتح اللام. (الماجشون) بكسر الجيم وفتحها فمعجمةٍ مضمومةٍ. (ولم يكن للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مؤذن غيرَ واحدٍ) أي: يؤذن يوم الجمعةِ، وإلا فله بلالٌ، وابنُ أم مكتوم، وسعدُ القرظ (¬2). ¬
23 - باب: يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء
و (غير) بالنصب؛ خبر (يكن) وبالرفع صفة لـ (مؤذن)، وبما ذكر علم أنَّ أذانَ الجماعةِ معًا غيرُ مندوب، بل نصَّ الشافعيُّ على كراهته. (يعني على المنبر) لفظ: (يعني) ساقطٌ من نسخة. 23 - بَابٌ: يُجِيبُ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ (باب يجيب الإمام المؤذنَ وهو على المنبرِ إذا سمع النداءَ) أي: الأذان، وفي نسخةٍ: بدل (يجيب) "يؤذن" سماه أذانا؛ لكونه بلفظه. 914 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَال: سَمِعْتُ مُعَاويَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى المِنْبَرِ، أَذَّنَ المُؤَذِّنُ، قَال: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قَال مُعَاويَةُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ"، قَال: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، فَقَال مُعَاويَةُ: "وَأَنَا"، فَقَال: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَال مُعَاويَةُ: "وَأَنَا"، فَلَمَّا أَنْ قَضَى التَّأْذِينَ، قَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا المَجْلِسِ، "حِينَ أَذَّنَ المُؤَذِّنُ، يَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالتِي". [انظر: 612 - فتح: 2/ 396] (حدثنا ابن مقاتل) في نسخة: "أخبرنا محمدُ بنُ مقاتلٍ". (عبد الله) أي: ابن المبارك. (حنيف) بالتصغير. (عن أبي أمامة) بضم الهمزة: أسعد. (قال: الله أكبر الله أكبر) في نسخةٍ: "فقال: الله أكبر الله أكبر". (قال معاوية) في نسخةٍ: "فقال معاوية". (قال: أشهدُ) في نسخةٍ: ¬
24 - باب الجلوس على المنبر عند التأذين
"فقال: أشهد". (فقال معاويةُ) في نسخةٍ: "قال معاويةُ". (وأنا) أي: أشهدُ به، أو أقولُ مثله فيه أنَّ مثل ذلك إجابة. (قال: أشهدُ أنَّ محمدًا) في نسخةٍ: "فقال: أشهدُ أنَّ محمدًا". (فقال معاويةُ) في نسخةٍ: "قال معاويةُ". (فلما أنْ قضى) أي: فرغ، و (أنْ) زائدة، وفي نسخةٍ: "فلما قضى"، وفي أخرى: "فلما أنْ أنقضى" فقوله: (التأذين) مرفوعٌ على هذه ومنصوبٌ على الأوّلين. 24 - بَابُ الجُلُوسِ عَلَى المِنْبَرِ عِنْدَ التَّأْذِينِ (باب: الجلوس على المنبر عند التأذين) أي: مشروعية جلوسِ الخطيبِ على المنبرِ قبلَ الخطبةِ عند التأذين. 915 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ "التَّأْذِينَ الثَّانِيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ كَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ، وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ". [انظر: 912 - فتح: 2/ 396] (عن عقيل) بالتصغير أي: ابن خالد. (أنَّ التأذين الثاني) هو ثانٍ بالنظر إلى الأذان المشروع في زمن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثالث بالنظر إليه وإلى الإقامة كما مرَّ. (عثمان) أي: "ابن عفان" كما في نسخة. 25 - بَابُ التَّأْذِينِ عِنْدَ الخُطْبَةِ (باب: التأذين عند الخطبة) أي: عند إرادتها. 916 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: "إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ، يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
26 - باب الخطبة على المنبر
عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَثُرُوا، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ". [انظر: 912 - فتح 2/ 396] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (يونس) أي: ابن يزيد. (عثمان) أي: "ابن عفان"، كما في نسخة. (فثبت الأمرُ) أي: الأذان والإقامة في سائرِ الأمصارِ. 26 - بَابُ الخُطْبَةِ عَلَى المِنْبَرِ وَقَال أَنَسٌ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ". [انظر: 93] (باب: الخطبة) أي: مشروعيتها (على المنبر) بكسر الميم، فيندب فعلها عليه، فإن لم يكن منبر، فعلى مرتفع؛ فإنه أبلغ في الإعلام، فإن تعذر استند إلى خشبة، أو نحوها. 917 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيُّ القُرَشِيُّ الإِسْكَنْدَرَانِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ رِجَالًا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، وَقَدْ امْتَرَوْا فِي المِنْبَرِ مِمَّ عُودُهُ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مِمَّا هُوَ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى فُلانَةَ - امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - "مُرِي غُلامَكِ النَّجَّارَ، أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ" فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى، فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاتِي". [انظر: 377 - مسلم: 544 - فتح: 2/ 397] (قتيبة بن سعيد) لفظ: (ابن سعيد) ساقطٌ من نسخةٍ. (القاري)
بقاف، مشددة في آخره نسبةً إلى القارة قبيلة. (أبو حازم) بمهملة وزاي، اسمه: سملةُ الأعرجُ. (أن رجالًا) لم يسموا. (امتروا) أي: تجادلوا، أو شكوا من المماراة: وهي المجادلةُ، أو من المرية، وهي: الشكُّ. (عن ذلك) أي: عن الممترى فيه. (مما هو) بثبوت ألف ما الاستفهامية المجرورة على قلة، والكثير حذفها. (ولقد رأيته .. إلخ) فائدةُ زيادته على السؤالِ مع التأكيد باللام وقد إعلامُهم بقوة معرفتِه لما سألوه عنه. (فلانة امرأة) زاد في نسخةٍ: "من الأنصار". (قد سمَّاها سهلٌ) لم أقف على تسميته لها، وفي اسمها خلاف (¬1) مرَّ بيانه مع زيادة في باب: الصلاةِ في السطوح والمنبر. (من ¬
طرفاء) بفتح المهملة، والمدِّ: شجرٌ، قال سيبوية: واحدٌ وجمعٌ. (الغابة) موضعٌ من عوالي المدينة من جهةِ الشام (¬1). (فأرسلتْ إلى رسولِ الله) أي: تعلمه أنَّ غلامَها فرغ من عملِ الأعواد. (صلى عليها) أي: على الأعوادِ بعد الخطبة. (وكبَّر) أي: للإحرِام. (وهو عليها) ذكر التكبير؛ تأكيدًا لدخوله في إطلاق: (صلَّى) وزاد في نسخةٍ: "فقرأ". (ثم نزل القَهْقَرى) أي: رجع على خلفه بعد اعتداله محافظةً على التوجه للقبلةِ. (فسجد في أصل المنبر) أي: على الأرض، إلى جنب الدرجة السفلى. (فلما فرغ) أي: من الصلاة. (إنما صنعت هذا) أي: الإتيانَ بصلاتي على الوجه المذكور. (لتأتموا) أي: بي (ولتعلموا صلاتي) بكسر اللام، وفتح الفوقية والعين أي: لتتعلموها، فحُذفتْ إحدى التاءين تخفيفًا. وفي الحديث: جوازُ العملِ في الصلاة، ومحلُّه في اليسيرِ والكثيرِ المتفرق. وفيه: جوازُ تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وارتفاعُ الإمام على المأمومين. ومشروعيةُ الخطبة على المنبر، واتخاذُ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدةِ الخطيب وسماعِ كلامه. 918 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَال: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَنَسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: "كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ المِنْبَرُ سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أَصْوَاتِ العِشَارِ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ" قَال سُلَيْمَانُ: عَنْ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. [انظر: 449 - فتح: 2/ 397] ¬
27 - باب الخطبة قائما
(سعيد بن أبي مريم) نسبةً إلى [جده أعلى] (¬1)؛ لشهرته به، وإلا فهو سعيدُ بنُ الحكمِ بنُ محمدِ بنُ سالمِ بنُ أبي مريمَ الجمحيُّ. (ابن أنس) نسبةً إلى جده؛ لشهرته به، وإلا فهو حفصُ بنُ عبدِ الله بنُ أنسٍ. (كان جذع) أي: من جذوع النخلِ. (يقوم إليه) في نسخةٍ: "يقوم عليه". (النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -) في نسخة: "رسول الله". (فلما وضع المنبر) أي: لأجل الخطبةِ، وهو موضعُ الترجمةِ. (العِشار) بكسر العين: جمع عشراء كنفساء: وهي الناقةُ التي أَتتْ عليها من حينِ حملت عشرةُ أشهرٍ، وفيه: معجزةٌ عظيمةٌ، وهي حنينُ الجذعِ. (قال سليمان) هو ابن بلال، وفي نسخةٍ: "وقال سليمان" بالواو. (عن يحيى) أي: ابن سعيد. (جابرًا) في نسخةٍ: "جابر بن عبد الله". 919 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَال: "مَنْ جَاءَ إِلَى الجُمُعَةِ، فَلْيَغْتَسِلْ". [انظر: 877 - مسلم: 844 - فتح: 2/ 397] (آدم بن أبي إياس) لفظُ: (ابن أبي إياس) ساقطٌ من نسخةٍ. (ابن أبي ذئب) هو محمدُ بنُ عبدِ الرحمن. (عن سالم) هو ابن عبد الله بن عمرَ بنُ الخطاب. (من جاء إلى الجمعة فليغتسل) مرَّ شرحُه. 27 - بَابُ الخُطْبَةِ قَائِمًا وَقَال أَنَسٌ: "بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ قَائِمًا". [انظر: 932] (باب: الخطبة قائمًا) أي: مشروعية إتيان الخطيبِ بها قائمًا. (يخطب قائمًا) فيه: مطابقةُ الترجمةِ. ¬
28 - باب: يستقبل الإمام القوم، واستقبال الناس الإمام إذا خطب
920 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ القَوَارِيرِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، قَال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ، ثُمَّ يَقُومُ كَمَا تَفْعَلُونَ الآنَ". [928 - مسلم: 861 - فتح: 2/ 401] (القواريري) نسبةً إلى عملها. (عبد الله بن عمر) لفظُ: (ابن عمر) ساقطٌ من نسخة. (ثم يقعد) أي: بعد الخطبةِ الأولى. (ثم يقوم) أي: للثانية، وواظب على ذلك. وفيه: مع خبر "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬1): وجوبُ الجلسةِ بين الخطبتين، والقيامِ فيهما، أما الجلسة قبلهما فلم تثبت مواظبته عليها. 28 - بَابٌ: يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ القَوْمَ، وَاسْتِقْبَالِ النَّاسِ الإِمَامَ إِذَا خَطَبَ وَاسْتَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ الإِمَامَ. (باب: يستقبل الإمام القوم واستقبال الناس الإمام إذا خطب) الظرفُ تنازع فيه العاملان قبله، وفي نسخةٍ: "باب: استقبال الناس الإمام إذا خطب". وحكمةُ استقباله لهم: أنَّه المعروفُ في التخاطب، وأنَّ خلافه قبيحٌ، وحكمةُ استقبالهم له: أنهم يتفرغون لسماع وعظه، وتدبرِ كلامه، والاستقبالان مستحبان، لا واجبان كما في الأذان. ¬
29 - باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد
921 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالةَ، قَال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَال: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ". [1465، 2842، 6427 - مسلم: 1052 - فتح: 2/ 402] (هشام) أي: الدستوائي. (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (هلال) ابن أبي ميمونه؛ نسبة إلى جدٍّ له أعلى؛ لشهرته به، وإلا فهو هلال بن علي بن أسامة. 29 - بَابُ مَنْ قَال فِي الخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ: أَمَّا بَعْدُ رَوَاهُ عِكْرِمَةُ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (باب: من قال في الخطبة بعد الثناء) أي: على الله تعالى. (أما بعد) أي: فقد أتى بالسنة، والمراد من قال ذلك: النبي - صلى الله عليه وسلم -. 922 - وَقَال مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَال: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَال: أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، قُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ، قَالتْ: فَأَطَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِدًّا حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، وَإِلَى جَنْبِي قِرْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَفَتَحْتُهَا، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِي، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ" قَالتْ: - وَلَغَطَ نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْكَفَأْتُ إِلَيْهِنَّ لِأُسَكِّتَهُنَّ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا قَال؟ قَالتْ: قَال -: "مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إلا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ، مِثْلَ - أَوْ قَرِيبَ مِنْ - فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ - أَوْ قَال: المُوقِنُ شَكَّ هِشَامٌ - فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ،
هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَآمَنَّا وَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا وَصَدَّقْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ، وَأَمَّا المُنَافِقُ - أَوْ قَال: المُرْتَابُ، شَكَّ هِشَامٌ - فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ " قَال هِشَامٌ: فَلَقَدْ قَالتْ لِي فَاطِمَةُ فَأَوْعَيْتُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا يُغَلِّظُ عَلَيْهِ. [انظر: 86 - مسلم: 905 - فتح: 2/ 402] (وقال محمود) هو ابن غيلان شيخُ البخاري. (أبو أسامة) هو حمادُ بن أسامة الليثيُّ. (بنت أبي بكر) أي: "الصديق" كما في نسخةٍ. (قلت) في نسخة: "فقلت". (ما شأنُ الناسِ) أي: فزعين. (فأشارت برأسها إلى السماء) أي: إلى أنَّ الشمسَ فيها انكسفت. (والناس يصلون) لذلك. (فقلت: آية؟) أي: أهذه علامة لتخويف الناس؟ (فأطال) أي: صلاة الكسوف. (حتى تجلَّاني) أي: علاني. (الغشي) بفتح الغين، وسكون الشين المعجمتين، وياءٍ مخففة. (وقد تجلَّتْ الشمس) أي: انكشفت. (وحمد الله) في نسخةٍ: "فحمد الله". (ولغط) بفتح الغين أكثر من كسرها من اللغط، وهو الأصواتُ المختلفةُ، كما مرَّ. (فانكفأتُ) أي: ملت بوجهي ورجعتُ. (ما من شيء) (ما) نافية و (من) زائدة و (شيء) أسم (ما). (أُريته) بضمِّ الهمزة، وكسر الراءِ. (إلا قد) في نسخةٍ: "إلا وقد رأيته لا رؤيته يحتمل أن تكون بصرية، وأنْ تكون علميَّةً. (حتى) ابتدائية، أو جارة، أو عاطفة على هاء (رأيته) فقوله: (الجنة) مرفوع بالابتداء، أو مجرور، أو منصوب. (والنار) عطف على (الجنة) والتقديرُ في الأول: الجنةُ والنارُ مرئيتان؛ إذ لو جعلت فيه مبتدأ ثانيا كانت مع ما قبلها جملتين، والتقدير: الجنة مرئية، والنار كذلك. (وإنه قد أوحي إلى) بكسر الهمزة الأولى، وضمِّ الثانية، والجملةُ معطوفة على جملة: (ما من شيءٍ). (تفتنون) أي: تمتحنون.
(مثل أو قريب) بلا تنوين فيهما، ولا ألف، وفي نسخةٍ: "أو قريبًا" بتنوين وألف. (يؤتى أحدُكم) بيان لـ (تفتنون). (فيقال له) أي: للمفتون. (ما علمك بهذا الرجل؟) يعني: النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - (شكَّ هشام) أي: ابن عروة. (بالبينات) أي: المعجزات. (نعلم إن كنت لتؤمن به) بكسر همزة (إن) وهي مخففةٌ من الثقيلةِ، واسمها ضميرُ الشأنِ أي: إنَّ الشأنَ كنت، واللام فارقة بين المخففةِ والنافيةِ، وفي نسخةٍ: "لمؤمنًا به". (فقلت) في نسخة: "فقلته". (فاطمة) أي: بنت المنذر. (فأوعيته) أي: أدخلته وعاء قلبي، وفي نسخة: "وعيته". 923 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَال: سَمِعْتُ الحَسَنَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمَالٍ - أَوْ سَبْيٍ - فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ" فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْرَ النَّعَمِ، تَابَعَهُ يُونُسُ. [3145، 7535 - فتح: 2/ 403] (الحسن) أي: البصري. (عمرو بن تغلب) بفوقيةٍ مفتوحة فمعجمةٍ ساكنة فلامٍ مكسورة غيرُ مصروفٍ. (أو سبي) في نسخة: "أو بسبي" بزيادة موحدةٍ، وفي أخرى: "أو بشيء" بموحدة فمعجمة فهمزة. (ثم أثنى) في نسخةٍ: "وأثنى". (أدع) أي: اترك. (ولكن) في نسخة: "ولكني". (من الجزع) بالتحريك ضدُّ الصبرِ. (والهلع) بالتحريك أيضًا أشد الجزع. (فوالله ... إلخ) مقول عمرو بن تغلب. وباء (بكلمة رسول الله) للبدل. (تابعه يونس) ساقط من نسخةٍ.
924 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّوْا بِصَلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: تَابَعَهُ يُونُسُ. [انظر: 729 - مسلم: 761، 782 - فتح: 2/ 403] (خرج ذات ليلة) في نسخة: "خرج ليلة". (فأصبح الناس) أي: دخلوا في الصباح، [فأصبح تامة] (¬1) لا تحتاج إلى خبر. (فاجتمع) أي: في الليلة الثانية. (أنْ تفرض عليكم) أي: صلاةُ الليلِ. (فتعجزوا) بكسر الجيم. [(تابعه) أي: عقيلًا (يونس) أي: ابن يزيد الأيلي، وزاد في نسخة قبل تابعه "قال أبو عبد الله" أي: البخاري. 925 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلاةِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ" تَابَعَهُ أَبُو مُعَاويَةَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال: "أَمَّا بَعْدُ"، تَابَعَهُ العَدَنِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ فِي "أَمَّا بَعْدُ". [1500، 2597، 6636، 6979، 7174، 7197 - مسلم: 1832 - فتح: 2/ 404] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (عن أبي حميد) هو عبد الرحمن. (أما بعدُ) أي: فإني استعمل الرجل منكم إلى آخره، كما سيأتي في الزكاة وغيرها] (¬2). ¬
(تابعه) أي: الزهري. (أبو معاوية) هو محمدُ بنُ خازم، بمعجمة وزاي. (وأبو أسامة) هو حمادُ بنُ أسامة. (عن هشام) هو ابن عروة. (عن أبي حميد) أي: "الساعدي" كما في نسخة. (تابعه العدني) هو محمد بن يحيى (عن سفيان) أي: ابن عينه. (في "أما بعد") أي: فقط لا في تمام الحديث وهذا ساقط من نسخة. 926 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ" تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [3110، 3714، 3729، 3767، 5230، 5278 - مسلم: 2449 - فتح: 2/ 404] (ابن حسين) في نسخة: "ابن الحسين" أي: ابن علي بن أبي طالب. (يقول: أما بعد) هو طرف من حديث المسور الآتي في المناقب. (الزبيدي) بالتصغير، هو محمد بن الوليد. 927 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ الغَسِيلِ، قَال: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المِنْبَرَ، وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ، قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: "أَيُّهَا النَّاسُ إِلَيَّ"، فَثَابُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ، يَقِلُّونَ وَيَكْثُرُ النَّاسُ، فَمَنْ وَلِيَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِّهِمْ". [3628، 3800 - فتح: 2/ 404] (ابن الغسيل) هو عبدُ الرحمنِ بنُ عبد الله بنُ حنظلةَ، غسيل الملائكة؛ لما استشهد بأحد جنبًا. (متعطفًا) أي: مرتديًا، يقال: تعطَّفَ
30 - باب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة
بالعِطاف أي: ارتدى بالرداء. (ملحفة) بكسر الميم، أي: إزارًا كبيرًا. (منكبيه) بالتثنية، وفتح الميم، وفي نسخةٍ: "منكبه" بالإفراد. (دسمة) بفتح أوله، أي: سوداء، وقيل: غبرة فيها سوادٌ. (إليَّ) أي: تقربوا إليَّ. (فثابوا) بمثلثة، أي: اجتمعوا. (يقلون ويكثر الناس) هو من إخباره - صلى الله عليه وسلم - بالمغيبات، فقد قلت الأنصارُ، وكثر الناسُ، كما قال: (فليقبل) أي: الحسنة. (ويتجاوز) بالجزم عطفٌ على (فليقبل). (عن مسيئهم) بالهمزِ، وقد تبدلُ ياءً مشددةً، والمعنى: وليعف عنهم السيئةَ في غيرِ الحدودِ. 30 - بَابُ القَعْدَةِ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ (باب: القعدة بين الخطبتين) أي: بيان حكمها. 928 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، قَال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا". [انظر: 920 - مسلم: 861 - فتح: 2/ 406] (عبيد الله بن عمر) لفظ: (ابن عمر) ساقطٌ من نسخةٍ. (عبد الله بن عمر) لفظ: (ابن عمر) ساقطٌ من نسخة أيضًا. (كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - .. إلخ) مرَّ شرحُه. 31 - بَابُ الاسْتِمَاعِ إِلَى الخُطْبَةِ (باب: الاستماع) أي: الإصغاء. (إلى الخطبة) أي: خطبتي يوم الجمعة. 929 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وَقَفَتِ المَلائِكَةُ
32 - باب: إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب، أمره أن يصلي ركعتين
عَلَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ المُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ". [3211 - مسلم: 850 - فتح: 2/ 407] (ابن أبي ذئب) هو محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ. (عن أبي عبد الله) هو سلمانُ الجهنيُّ. (الأغر) لقبه. (ومثل) مبتدأ أي: وصفة. (المهجر) بضم الميم، وتشديد الجيم المكسورة أي: المبكر، وخبر المبتدإِ: (كمثل الذي يهدي) بضم الياء، أي: يقربُ. (ثمَّ كالذي يهدي بقرة) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والتقديرُ: ثمَّ الثاني كـ (الذي يهدي بقرة) وليس معطوفًا على الخبر الأول؛ لئلا يقعا معًا مع عدم اجتماعهما خبرا عن واحد، وهو ممتنعٌ، وكذا يقدَّر في الثلاثة الآتية، بأنْ يقال في أولها: ثمَّ الثالث، وفي ثانيها: ثمَّ الرابع، وفي ثالثها: ثم الخامس. (طووا) أي: الملائكة. (ويستمعون الذكر) أي: الخطبة، وفي استماع الملائكةِ للخطبةِ حضٌّ على استماعها، وهو سنةٌ، وإنْ كان سماعُها واجبا، كما بينت ذلك في: "شرح البهجة" وغيره (¬1). 32 - بَابٌ: إِذَا رَأَى الإِمَامُ رَجُلًا جَاءَ وَهُوَ يَخْطُبُ، أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ (باب: إذا رأى الإمامُ رجلا جاء وهو يخطب) أي: للجمعة. (أمره أن يصلي ركعتين) جواب (إذا). ¬
33 - باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين
930 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَال: "أَصَلَّيْتَ يَا فُلانُ؟ " قَال: لَا، قَال: "قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ". [931، 1166 - مسلم: 875 - فتح: 2/ 407] (جابر بن عبد الله) لفظُ: (ابن عبد الله) ساقط من نسخة. (جاء رجل) هو سليكُ الغطفاني. (يخطب الناس) لفظُ: (الناس) ساقطٌ من نسخةٍ. (أصليت) بهمزة الاستفهام، وفي نسخة: "صليت" بحذفها. (قال: لا) في نسخةٍ: "فقال: لا". (فاركع ركعتين) لفظُ: (ركعتين) ساقطٌ من نسخةٍ، وفي أخرى: "فصل ركعتين". وفي الحديث: ندبُ تحيةِ المسجدِ للداخل -حال الخطبةِ- وجوازُ الكلامِ فيها. 33 - بَابُ مَنْ جَاءَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (باب: من جاء والإمام يخطب يصلِّي ركعتين خفيفتين) أي: تحيةَ المسجد. 931 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا، قَال: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَقَال: "أَصَلَّيْتَ؟ " قَال: لَا، قَال: "قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ". [انظر: 930 - مسلم: 875 - فتح: 2/ 412] (سفيان) أي: ابن عيينة. (عن عمرو) أي: ابن دينار. (أصليت) بهمزة الاستفهام، وفي نسخةٍ: "صليت" بدونها. (قال: فصلِّ) في نسخةٍ: "قال: قم فصل"، ومرَّ شرحُ الحديث.
34 - باب رفع اليدين في الخطبة
34 - بَابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ فِي الخُطْبَةِ (باب: رفعِ اليدين في الخطبة) أي: في الدعاءِ فيها. 932 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ يُونُسَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَال: "بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ قَامَ رَجُلٌ، فَقَال يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَ الكُرَاعُ، وَهَلَكَ الشَّاءُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا". [933، 1013، 1014، 1015، 1016، 1017، 1018، 1019، 1021، 1029، 1033، 3582، 6093، 6342 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 412] (عن عبد العزيز) أي: "ابن صهيب" كما في نسخةٍ. (وعن يونس) أي: ابن عبيد. (عن ثابت عن أنس). الواو في (وعن) عاطفةٌ لما بعدها على (عن عبد العزيز) والتقديرُ: وحدثنا مسددٌ قال: حدثنا حمادُ، عن يونسَ، عن ثابت، عن أنس. (يومَ الجمعة) في نسخةٍ: "يوم جمعة". (قام رجل) قيل: هو مرة بنُ كعبٍ، وقيل: العباسُ، وقيل: أبو سفيانَ، وردت الثلاثةُ بخبر أنس الآتي: إنه (أعرابي) ولا يُقال لأحدٍ من الثلاثة أعرابي. (الكُراع) بالضم: اسم لما يجمع من الخيل. (وهلك الشاء) في نسخة: "هلكت الشاء" بلا واو، أي: الغنم، و (الشاء) جمعُ شاةٍ، وأصلُها: شاهةُ؛ لأن تصغيرها: شويهة، جمعُها في القلة: شياهٌ. (فمد يديه) بالتثنية، وفي نسخةٍ: "فمد يده" بالإفراد، وبين بمدهما هنا أنَّه المرادُ برفعهما في الباب الآتي، لا رفعهما كما في تكبير الصلاة. 35 - بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ (باب: الاستسقاءِ في الخطبة يوم الجمعة) أي طلب السقيا فيها أي: المطر.
933 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَال يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَ المَالُ وَجَاعَ العِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَال الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الغَدِ وَبَعْدَ الغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ - أَوْ قَال: غَيْرُهُ - فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ وَغَرِقَ المَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَال: "اللَّهُمَّ حَوَاليْنَا وَلَا عَلَيْنَا" فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إلا انْفَرَجَتْ، وَصَارَتِ المَدِينَةُ مِثْلَ الجَوْبَةِ، وَسَال الوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إلا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. [انظر: 932 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 413] (الوليد) أي: "ابن مسلم"، كما في نسخةٍ. (أبو عمرو) اسمه: عبدُ الرحمن، وفي نسخةٍ: "أبو عمرو الأوزاعي"؛ نسبةً إلى الأوزاع: قبائلُ شتى، أو بطن من ذي الكلاع من اليمن. (سنة) أي: شدة وجدب. (على عهدِ النبي) في نسخةٍ: "على عهد رسولِ الله" أي: زمنه. (أعرابي) لا يُعرف اسمُه، كما عُلم مما مرَّ. (هلك المال) أي: الحيوانُ؛ لفقد ما يرعاه. (وجاع العيالُ) أي: لعدم وجود ما يقتاتون به من الأقوات المفقودةِ بحبسِ المطرِ. (قزعة) بفتحات، أي: قطعة من سحاب. (ما وضعهما) أي: يديه، وفي نسخةٍ: "ما وضعها" أي: يده. (ثار السحاب) بمثلثة أي: هاج وانتشر. (يتحادر) أي: ينزلُ ويقطر. (ومن الغد) (من) للتبعيض، أو بمعنى: في. (وبعد الغد) في نسخةٍ: "ومن بعد الغد". (حتى الجمعة) بالجرِّ، والنصبِ، والرفع، كما مرَّ نظيرُه في باب: من قال في الخطبةِ بعد
36 - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب
الثناءِ: أمَّا بعدُ. (قام) في نسخة: "فقام". (فقال: اللهم) لفظ: (فقال) ساقط من نسخة. (حوالينا) بفتح اللام أي: أنزل المطرَ [أو أمطر] (¬1) حوالينا. (ولا علينا) أراد بذلك: ما عدا الأبنية. (إلا انفرجت) أي: انكشفت، أو تدورتْ، كما يدور جيب القميص. (مثل الجوبة) بفتح الجيمِ، وسكونِ الواو، وفتحِ الموحدةِ أي: مثل الفرجةِ في السحاب، أو مثل الترسِ أي: خرجنا والغيمُ والسحابُ محيطان بأكنافِ المدينةِ. (وسال الوادي) أي: سال المطرُ فيه. (قناة) بالرفع بدل من الوادي غيرُ منصرف للتأنيثِ والعلمية؛ لأنه اسمٌ لوادٍ معين من أوديةِ المدينةِ (¬2). (بالجود) بفتح الجيم، وسكون الواو أي: بالمطر الغزيرِ. وفي الحديث: الضراعةُ برفع اليدين، ومعجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بإجابة دعائه متصلا به، والأدبُ في الدعاء؛ حيث سأل رفعَ ضررهِ، ولم يسأل رفعه بالكليةِ، وسؤالُ بقائه في مواضع الحاجةِ، وطلبُ انقطاع المطر عن المنازل إذا تضررت به. 36 - بَابُ الإِنْصَاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ وَإِذَا قَال لِصَاحِبِهِ: أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا وَقَال سَلْمَانُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ". [فتح: 2/ 413] (باب: الإنصات يوم الجمعة، والإمام يخطب وإذا قال لصاحبه) أي: وهو يتكلمُ. (أنصت فقد لغى) أي: قال اللغو: وهو الكلامُ ¬
الساقطُ الباطلُ. وقولُه: (وإذا قال لصاحبه .. إلخ) من جملةِ الترجمة. وقولُه: (لصاحبه) أي: لجليسه، وإنما سماه صاحبَا له؛ لا لأنه صاحبهُ في الخطابِ، والجلوسِ. والإنصات: السكوتُ؛ للاستماع. والاستماعُ: الإصغاءُ إلى المسموع، فهما وإنْ تلازما فمختلفان مفهومًا؛ ولهذا أفرد البخاريُّ لكل منهما ترجمة. (ينصت) بضمِّ أوله من أنصتَ، وبفتحه من نصتَ أي: سكتَ، والأفصحُ الضمُّ، وفي نسخةٍ: "وينصت" بواو. 934 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ". [مسلم: 851 - فتح: 2/ 414] (عن عقيل) بضم العين، أي: ابن خالد الأَيلْي. (لغوت) من لغى، يلغو، لغوا، ومثله: لغي بالكسر يلغي لغى، ويروى: "لغيت"، قال النووي: وهي ظاهر القرآن في {وَالْغَوْا فِيهِ} إذا لو كان من: لغى يلغو لقال: والغُو، بضم الغين (¬1). وفي الحديث: النهيُ عن جميع الكلامِ حال الخطبة، والتنبيه بهذا على ما سواه؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروفِ إذا كان لغوا، فغيرُه أولى، وبكل حال جمعته صحيحة، وأما خبرُ الإمامِ أحمدَ "ومن قال: صهٍ، فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له" (¬2) فمحمولٌ على نفيِ الكمالِ، جمعًا بين الأدلة. ¬
37 - باب الساعة التي في يوم الجمعة
37 - بَابُ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ (باب: الساعةِ في يومِ الجمعةِ) أي: التي يستجاب فيها الدعاءُ يوم الجمعة. 935 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَال: "فِيهِ سَاعَةٌ، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالى شَيْئًا، إلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ" وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا. [5294، 6400 - مسلم: 852 - فتح: 2/ 415] (فيه ساعة) أبهمها هنا كليلة القدر، والاسمُ الأعظمُ؛ حتى تتوفر الدواعي على مراقبة ساعةِ ذلك اليوم، لكنها ثبتتْ في أخبارٍ أُخر أرجحها: خبرُ مسلمٍ: أنها ما بين أنْ يجلسَ الإمامُ على المنبرِ إلى أنْ تُقضى الصلاةَ (¬1). وقيل: هي آخرُ ساعةٍ من يوم الجمعةِ. وقيل: عندَ الزوال. وقيل: من العصرِ إلى المغربِ، وقيل: غيرُ ذلك، والصحيحُ الأول وبه جُزم النووي. (وهو قائم) حال. (يصلي) حال ثانية. (يسأل الله) حال ثالثة، والثلاثةُ متداخلة أو مترادفة، وذكر (قائم) جريٌ على الغالب، إذ غيره مثله، أو (قائم) معناه: ملازم، فلا حاجةَ ¬
38 - باب: إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة، فصلاة الإمام ومن بقي جائزة
إلى ذلك. (يقللها) أي: يخفها، فهي لحظة لطيفة بين جلوس الإمامِ على المنبر، وانقضاءِ الصلاة. قال شيخُنا: فإن قيل: ظاهرُ الحديثِ حصولُ الإجابة لكل داع بالشرط المتقدم، مع أنَّ الزمانَ يختلف باختلافِ البلاد، والمصلي، وساعةُ الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف يتفقُ مع الاختلاف؟. أجيب: باحتمال أنْ تكون ساعة متعلقةٌ بفعل كلِّ مصلٍّ، كما قيل نظيره في ساعةِ الكراهة، ولعل هذا فائدةُ جعل الوقت الممتد مظنةً لها، وإن كانت خفيفةً. انتهى (¬1). 38 - بَابٌ: إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإِمَامِ فِي صَلاةِ الجُمُعَةِ، فَصَلاةُ الإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ (باب: إذا نفر الناسُ عن الإمامِ فصلاةُ الإمام ومن بقي) معه (جائزة) في نسخةٍ بدل (جائزة): "تامة". وشرطُ ذلك عند الشافعي: وجودُ من تنعقد بهم الجمعةُ، ولو برجوعِ بعضِ النافرين قبلَ طولِ الفصل، وهم أربعون بالإمام، كما يُعلم ذلك من أخبارٍ أُخر؛ ولأنَّ الأمةَ أجمعت على اشتراط العدد؛ فلا تصحُّ الجمعةُ إلا بعدد ثبتَ به توقيف، وقد ثبت جوازُها بأربعين، وثبت: "صلوا كما رأيتموني أُصلي" (¬2)، ولم يثبت صلاتُه لها بأقلِّ من ذلك فلا يصحُّ بأقل منه. والمرادُ بالصلاةِ هنا: الخطبةُ أخذًا مما يأتي. 936 - حَدَّثَنَا مُعَاويَةُ بْنُ عَمْرٍو، قَال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ ¬
أَبِي الجَعْدِ، قَال: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: "بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] ". (زائدة) أي: ابن قدامة. (حصين) بالتصغير أي: ابن عبد الرحمن الواسطيُّ. (بينما) بميم، وفي نسخةٍ: "بينا" بحذفها. (نحن نصلّي) أي: الجمعة أي: ننتظرها، جمعًا بينه وبين خبر مسلمٍ: ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب (¬1) وهو من تسمية الشيء بما قاربه. قال شيخُنا: ويؤيده استدلال ابن مسعودٍ على القيام في الخطبة بالآية المذكورة (¬2). (إذ أقبلت عير) جواب (بينما). (والعير) بكسر العين: الإبل؛ لأنها تعير أي: تذهب وتجيء. (تحمل طعامًا) أي: من الشام، لدحيةَ الكلبيّ، أو لعبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، كما جاء كل منهما في رواية، وجمع بينهما بأنَّ التجارةَ كانت لعبد الرحمن بن عوفٍ، وكان دحيةُ سفيرًا فيها، أو بأنهما كانا مشتركين. (فالتفتوا) أي: انصرفوا، وكان ذلك قبل نزولِ آية {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} [النور: 37]. (إلا اثنا عشر) بالألف على أنه استثناءٌ مفرغٌ، وفي نسخة: "إلا اثني عشر" بالياء، قيل: على أنْ يكون الاستثناءُ من الضمير في (بَقيَ) العائدُ إلى المصلّي، أو على أنه بني كثلاثةَ عشَر إلى أو أجراها على ما ينصب به وهو الياء، وقد احتج به مالكٌ على انعقاد الجمعةِ باثني عشر، وأجيب: باحتمال أنهم رجعوا، ¬
39 - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها
أو رجع منهم تمامُ أربعين قبل طولَ الفصل، فأتم بهم الجمعةَ. (أو لهوًا) هو: الطبلُ الذي كان يُضربُ به؛ لقدوم التجارة فرحا؛ بقدومها وإعلامًا به. ({انْفَضُّوا إِلَيْهَا}) أي: إلى رؤية التجارة، أو اللهو، أو إلى التجارة، وحذفه (من اللهو) اكتفاءً بذكره في التجارة، أو لأنَّ اللهوَ لم يكن مقصودًا لذاته، بل تبعا للتجارة. 39 - بَابُ الصَّلاةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا (باب: الصلاةِ بعد الجمعةِ وقبلها) قدم بعدها على (قبلها) مع أن (قبلها) مقدَّم؛ لتصريح الحديث بعدها دون (قبلها). 937 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ". [1165، 1172، 1180 - مسلم: 729، 882 - فتح: 2/ 425] (عن عبد (¬1) الله بن عمر) لفظُ: (ابن عمر) ساقطٌ من نسخةٍ. (حتى ينصرفَ) أي: إلى بيته. ففيه: أنَّ صلاة النفل في الخلوة أولى، ولم يذكر في الحديث صلاةً قبل الجمعة؛ ولأنه قاسها على الظهر، ويستدلُّ له بعموم خبر ابن حبان في "صحيحه": "ما من صلاةٍ مفروضةٍ إلا وبين يديها ركعتان" (¬2). 40 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] ¬
(باب: قول الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ}) أي: صلاةُ الجمعةِ، أي: أديتموها. ({فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}) أي: للتصرف في حوائجكم. (وابتغوا) أي: اطلبوا الرزقَ. (من فضلِ الله) أي: رزقه. والأمرُ في الموضعين للإباحة بعد الحظر. 938 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَال: "كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ تَجْعَلُ عَلَى أَرْبِعَاءَ فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا سِلْقًا، فَكَانَتْ إِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ، فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ، وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ، فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا، فَنَلْعَقُهُ وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ". [939، 941، 2349، 5403، 6248، 6279 - مسلم: 859 - فتح: 2/ 427] (حدثنا سعيد) في نسخةٍ: "حدثني سعيد". (أبو غسان) هو محمدُ بنُ مطرٍ. (أبو حازم) هو سلمةُ بنُ دينار. (عن سهل بن سعد) لفظُ: (ابن سعد) ساقطٌ من نسخةٍ. (امرأة) لم تسم. (تجعل) بجيم وعين، وفي نسخةٍ: "تحقل" بحاء وقاف أي: تزرع. (أربعاء) بكسر الموحدة والمدّ جمع ربيع: وهو النهرُ الصغيرُ الذي يسقي المزارعَ، وقيل: حافتُه. (مزرعة) بفتح الراء، أفصحُ من ضمّها وكسرها. (سلقا) بكسر السين، وبالنصب مفعول (تجعل)، أو (تحقل) على النسختين، وفي نسخة: "سلق" بالرفع على أنه مفعول ما لم يسم فاعلُه بجعل الفعلين المذكورين مبنيين للمفعول. (قبضة) بضم القاف، وفتحها، وكلامُ الجوهري صريح في أن الضم أكثر (¬1). (تطحنها) حال من (قبضة) وفي نسخةٍ: "تطبخها" ¬
بموحدةٍ وخاء معجمة من الطبخ. (عرقه) بفتح العين وسكون الراء المهملتين فقاف فهاء ضمير اللحمُ الذي عليه العظم أي: كانت أصولُ السلق عوضَ اللحمِ، يقال: عرقت العظمَ عرقًا: إذا أكلتُ ما عليه من اللحم، وفي نسخة: "غرقهَ" بفتح المعجمة وكسر الراء، وبعد القاف هاء تأنيث، يعني: أنَّ لسلق يغرق في المرقةِ؛ لشدة نضجه، وفي أخرى: "غرفه" بغين معجمةٍ مفتوحة، فراءٍ ساكنة، ففاءٍ فهاء ضمير، أي: مرقُه الذي يُغرف، وقال الزركشيُّ: وليس بشيءٍ. (فنلعقه) بفتح العين: من لَعِقَ يلعق، من باب: علم يعلم. (وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك) أي: نلعق ما هيأته لنا. ومطابقته للترجمةِ من حيث: إنهم كانوا بعد انصرافهم من الجمعة يبتغون ما كانت تلك المرأة تهيئه من أصول السلق. 939 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ، بِهَذَا، وَقَال: "مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلا بَعْدَ الجُمُعَةِ". [انظر: 938 - مسلم: 859 - فتح: 2/ 427] (ابن أبي حازم) اسمه: عبد العزيز. (بهذا) أي: بهذا الحديث. (نقيل) أي: نستريح نصف النهار. (ولا نتغدى) بدال مهملة، وتمسك الإمامُ أحمدُ بالحديث لجوازِ صلاةِ الجمعة قبلَ الزوال، وأجيب: بأن المرادَ بأنَّ قيلولتهم، وغداءَهم عوضٌ عما فاتهم، فالغداء عمَّا فات من أولِ النهار، والقيلولةُ عما فات من وقتِ المبادرة بالجمعة عقبَ الزوالِ.
41 - باب القائلة بعد الجمعة
41 - بَابُ القَائِلَةِ بَعْدَ الجُمُعَةِ (باب: القائلة بعد الجمعة) أي: الاستراحة بعدها، وإنْ لم يكن معها نوم. 940 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ الكُوفِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: "كُنَّا نُبَكِّرُ إِلَى الجُمُعَةِ، ثُمَّ نَقِيلُ". [انظر: 905 - فتح: 2/ 428] (الشيباني) في نسخةٍ: "الكوفي ". (عن حُميد) أي: ابن أبي حُميد الطويلُ. (قال: سمعت أنسًا يقول) في نسخةٍ: "عن أنس قال". (إلى الجمعة) في نسخةٍ: "يوم الجمعة" وكل منهما متعلق بـ (نبكر). 941 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَال: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجُمُعَةَ، ثُمَّ تَكُونُ القَائِلَةُ". [انظر: 938 - مسلم: 859 - فتح: 2/ 428] (عن سهل) أي: "ابن سعد"، كما في نسخة. (ثم تكون القائلة) أي: توجد، ومرَّ شرحُ الحديث.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «لَا يشْكر الله مَنْ لَا يشْكر النَّاسَ» الحمْدُ لله الذِي بِنِعْمَتِه تتمُ الصالحاتُ فإنَّ إِخْرَاج هَذَا الْكتاب بِهَذِهِ الصُّورَة فِي فَتْرَة وجيزة كَانَ ثمرةَ تعاونٍ مَعَ: "مَرْكَز الْفَلاح للبحوث العلمية" لصَاحبه الشَّيْخ خَالِد الرِّبَاط وَالَّذِي عاون فِي الإشراف على هَذَا الْكتاب، بمشاركة الْأُخوة: خَالِد بُكير، وعصام حمدي (فِي الْمُقَابلَة وَالتَّعْلِيق والمراجعات) نَادِي فكري، وَمُحَمّد رَمَضَان (فِي التَّخْرِيج وَالتَّعْلِيق) كَمَا قَامَ بمراجعة متن البُخَارِيّ وَضَبطه: الدكتور جُمُعَة فتحي، وَالْأَخ أَحْمد روبي فجزاهم الله خيرًا وكل من شَارك مَعَهم على مَا بذلوه من جهد وَعون، أسأَل الله أَن يَجْعله فِي ميزَان حسناتهم، إنَّهُ سميع مُجيب. سُلَيْمَان بن دريع العازمي الكويت هَاتِف: 009659532016
منْحَةُ البَارِي بِشَرْح صَحِيح البُخَارِي [3]
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظَة الطَّبعَة الأولى 1426 - هـ - 2005 م مكتبة الرشد ناشرون المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - شَارِع الْأَمِير عبد الله بن عبد الرَّحْمَن (طَرِيق الْحجاز) ص. ب: 17522 - الرياض: 11494 - هَاتِف: 4593451 - فاكس: 4573381 Email : [email protected] Website : www.rushd.com * فرع طَرِيق الْملك فَهد: الرياض - هَاتِف: 2051500 - فاكس: 2052301 * فرع مَكَّة المكرمة: هَاتِف: 5585401 - فاكس: 5583506 * فرع الْمَدِينَة المنورة: شَارِع أبي ذَر الْغِفَارِيّ - هَاتِف: 8340600 - فاكس: 8383427 * فرع جدة: ميدان الطائرة - هَاتِف: 6776331 - فاكس: 6776354 * فرع القصيم: بُرَيْدَة - طَرِيق الْمَدِينَة - هَاتِف: 3242214 - فاكس: 3241358 * فرع أَبِهَا: شَارِع الْملك فيصل - تلفاكس: 2317307 * فرع الدمام: شَارِع الْخزَّان - هَاتِف: 8150566 - فاكس: 8418473 وكلاؤنا فِي الْخَارِج * الْقَاهِرَة: مكتبة الرشد - هَاتِف: 2744605 * بيروت: دَار ابْن حزم هَاتِف: 701974 * الْمغرب: الدَّار الْبَيْضَاء - وراقة التَّوْفِيق - هَاتِف: 303162 - فاكس: 303167 * الْيمن: صنعاء - دَار الْآثَار - هَاتِف: 603756 * الْأُرْدُن: عمان - الدَّار الأثرية: 6584092 - جوال: 796841221 * الْبَحْرين: مكتبة الغرباء - هَاتِف: 957833 - 945733 * الإمارات: مكتبة دبي للتوزيع - هَاتِف: 43339998 - فاكس: 43337800 * سوريا: دَار البشائر: 231668 * قطر: مكتبة ابْن الْقيم - هَاتِف: 4863533
12 - كتاب صلاة الخوف
12 - كتاب صلاة الخوف
1 - باب صلاة الخوف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 12 - كتَابُ صَلَاةِ الخَوْفِ 1 - باب صَلَاةِ الخَوْفِ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا، وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ، وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ، فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ، وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ، وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ، وَخُذُوا حِذْرَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 102] (باب: صلاة الخوف) في نسخةٍ: "أبواب صلاة الخوف" وفي أخرى: "كتاب: صلاة الخوف" وهي أحسن. (وقولِ الله) بالجر عطف على (صلاة الخوف) وفي نسخةٍ: "قال الله" وذكر كل منهما الآيتان بلفظيهما، وفي نسخة: "وقول الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} إلى قوله: {عَذَابًا مُهِينًا} " وسقط منها في أخرى " {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} " وذكر في أخرى الآية الأولى، ومن الثانية إلى قوله: "معك" ثمَّ قال: "إلى قوله: {عَذَابًا مُهِينًا} " وتفسيرُ الآيتين، وفقههما يُطلب من كتبِ التفسير والفقه. 942 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ - يَعْنِي صَلاةَ الخَوْفِ - قَال: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، "فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ". [943، 4132، 4133، 4535 - مسلم: 839 - فتح: 2/ 429] (أبو اليمان) هو الحكمُ بنُ نافع. (شعيب) هو ابن أبي حمزةَ. (قال) أي: شعيب. (سألته) أي: الزهري. (قال) أي: الزهري، وفي نسخةٍ: "فقال". (سالم) هو ابن عبد الله بنُ عمر. (مع رسول الله) في نسخةٍ: "مع النبي". (قِبل نجد) بكسر القاف، أي: جهة، وكانت هذه الغزوةُ، غزوةُ ذات الرقاع (¬1). (فوازينا) بالزاي، ¬
2 - باب صلاة الخوف رجالا وركبانا راجل قائم
أي: قابلنا وحاذينا. (فصففنا لهم) في نسخةٍ: "فصاففناهم". (فقامت طائفةٌ معه) أي: "تصلي" كما في نسخة. (فركع) ولصلاة الخوفِ أنواع، وتفصيلاتٌ ذكرتها مع المختار منها في "شرح البهجة" وغيرهِ (¬1). 2 - بَابُ صَلاةِ الخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا رَاجِلٌ قَائِمٌ (باب: صلاةِ الخوف رجالا وركبانا) أي: عند الاختلاط، وشدةِ الخوف. (راجل: قائم) بيَّن به أن راجلا مفرد رجال، وأنَّ المرادَ به: القائمُ؛ أخذًا من قوله في الحديث: (فليصلوا قيامًا وركبانًا). لكن المرادَ بالقائم الماشي، فلو أُبدل (قائم) بماشٍ لكان أولى بقوله: (وركبانا) وتفسير الرجال بالمشاة في نحو قوله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا}. 943 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا، وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا". [انظر: 942 - مسلم: 839 - فتح: 2/ 431] (حدثني) في نسخةٍ: "حدثنا أبي". (ابن جريج) هو عبدُ الملكِ بنُ عبد العزيز. (نحوًا من قول مجاهد .. إلخ) قال الكرماني: معناه: أنَّ نافعًا روى عن ابن عمر نحوًا مما روى مجاهد أيضًا عن ابن عمر، والمرويُّ المشتركُ بينهما هو: (إذا اختلطوا قيامًا)، أو هو مع لفظ: (وإنْ كانوا .. إلخ) ثم قال: ومفهوم كلامِ ابن بطال: أنَّ ابن عمر قال مثل قول ¬
3 - باب يحرس بعضهم بعضا في صلاة الخوف
مجاهد، وأن قولهما مثلان في الصورتين أي: في الاختلاط، وفي الأكثرية، وأنَّ الذي زاد هو ابن عمر لا نافع (¬1)، ونقل شيخنا ذلك، وصوَّب قولَ ابن بطال، ثم قال: والحاصلُ: ما رواه ابن عمرَ ومجاهد حديثان: مرفوع، وموقوف، وقد يروى كله أو بعضُه موقوفًا عليه أيضًا، والموقوفُ من قول مجاهد لم يروه عن أحد، ولم أعرف من أين وقع للكرماني أنَّ مجاهدا روى هذا الحديث عن ابن عمر (¬2)، وأطال في ذلك مع زيادةٍ، وقوله: (إذا اختلطوا) مقولُ قول مجاهد. و (قيامًا) حال من فاعل (اختلطوا) وجواب (إذا) محذوف أي: فصلاتُهم بالإيماء، كما دلَّ عليه رواية الإسماعيلي عن مجاهد (¬3) (إذا اختلطوا) فإنما هو الإشارة بالرأس. 3 - بَابُ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي صَلاةِ الخَوْفِ (باب: يحرس بعضهم بعضا في صلاة الخوف) أي: إذا كان العدو في جهة القبلة. 944 - حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ مَعَهُ، ثُمَّ سَجَدَ ¬
4 - باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو
وَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ، فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ وَأَتَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلاةٍ، وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا". [فتح: 2/ 433] (حيوة) بفتح المهملة وسكون التحتية وفتح الواو. (ابن شريح) بضم المعجمة، وفتح الراء، وبحاء مهملة. (عن الزبيدي) هو محمدُ بن الوليد، وفي نسخةٍ: "حدثنا الزبيدي". (وقام) في نسخة: "فقام". (وركع ناسٌ منهم) أي: "معه" كما في نسخةٍ. (ثم قام للثانية) في نسخة: "ثم قام الثانية" أي: إليها. (وأتت الطائفةُ الأخرى) أي: التي لم تركعُ ولم تسجدْ معه في الركعةِ الأولى، وهذا فيما إذا كان العدو في جهة القبلة، كما مرَّ وهذه صلاتهُ - صلى الله عليه وسلم -[بعسفان] (¬1) (في صلاة) في نسخة: "في الصلاة" والحديث صادق بأنْ تركعَ وتسجدَ الطائفةُ التي تليه - صلى الله عليه وسلم - معه في الركعة الأولى، والثانيةُ في الثانية، وبالعكس مع تحول كلٌّ منهما إلى مكان الأخرى، وقد بسطتُ الكلام على ذلك في "شرح البهجة" وغيره (¬2). 4 - بَابُ الصَّلاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الحُصُونِ وَلِقَاءِ العَدُوِّ وَقَال الأَوْزَاعِيُّ: "إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ القِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا، فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً ¬
وَسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لَا يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ، وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا" وَبِهِ قَال مَكْحُولٌ " وَقَال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: "حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إلا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا، وَقَال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". (باب: الصلاة عند مناهضة الحصون) أي: مقاومة من فيها، يقال: ناهضَّتُه، أي: قاومتُه، وتناهض القومُ في الحرب: إذا نهض كلُّ فريقٍ إلى صاحبه. (ولقاء العدو) بالجر عطف على (مناهضة) من عطفِ العامِّ على الخاصِّ. (وقال الأوزاعي) اسمه: عبدُ الرحمن. (تهيأ الفتح) أي: قَرُبَ وقوعُه. (ولم يقدروا على الصلاة) أي: على إتمامها أفعالا. (صلوا إيماء) أي: مومئين. (كل امرئ لنفسه) أي: بالإيماء منفردا. (حتى ينكشفَ القتالُ) أي: وإنْ لم يأمنوا. (أو يأمنوا) أي: وإن لم ينكشفَ القتالُ بأنْ زادت قوتهم، أو مُدُّوا بعددٍ وبذلك صحَّ كون الأمن قسيم الانكشاف. (فإن لم يقدروا) أي: على صلاةِ ركعتين بالفعل، أو بالإيماء. (صلوا ركعة أو سجدتين) أي: بالفعل إنْ قدروا، وإلا فبالإيماء، وهذا مذهبُ الأوزاعي. والجمهور: على أنَّه لا بد من ركعتين بالفعل، أو بالإيماء. (فإن لم يقدروا) أي: على صلاةِ ركعتين وسجدتين بالفعل، أو بالإيماء، وهذا ساقطٌ من نسخةٍ. (لا يجزيهم التكبير) خلافًا لمن قال: بأنه يجزئ. (ويؤخرونها) أي: الصلاة. (حتى يأمنوا) أي: الأمان التام. (وبه) أي: وبقول الأوزاعي. (قال مكحول) أي: الدمشقيُّ
التابعيُّ. (وقال أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخةٍ. (حضرت عند مناهضة) في نسخةٍ: "حضرت مناهضة" (حصن تستر) بفوقيتين أولاهما: مضمومة، والثانية: مفتوحة بينهما مهملة ساكنة: مدينةٌ مشهورةٌ من كور الأهواز بخورستان (¬1). (واشتد اشتعال القتال) شبه القتال بالنارِ، وهو استعارةٌ بالكناية. (فلم يقدروا على الصلاة) أي: لعجزهم عن الوضوء من شدةِ القتال، أو من النزول، أو الإيماء. (وقال أنس) في نسخةٍ: "فقال أنس"، وفي أخرى: "قال أنس". (بتلك) الباء للبدليَّة، وفي نسخةٍ: "من تلك" فمن بمعنى الباء، كعكسه في قوله تعالى: {يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}. (الدنيا ومن فيها) أي: مما يتعلقُ بها، كالمعاملات. (لا بالآخرة) كالصلوات. 945 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ البُخَارِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ" قَال: فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ بَعْدَهَا. [انظر: 596 - مسلم: 631 - فتح: 2/ 434] (يحيى) أي: "ابن جعفر البخاري"، كما في نسخة. (وكيع) بفتح الواو، وكسر الكاف. (علي بن مبارك) في نسخةٍ: "علي بن المبارك". (عن أبي سلمة) بفتح اللام: ابن عبد الرحمن. (يوم الخندق) أي: يومَ وقعته لما تحزبت الأحزابُ، وذلك سنةُ أربعٍ. (فجعل يسب كفارَ قريش)؛ لتسببهم في اشتغال المؤمنين عن ¬
5 - باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء
الصلاة حتى فاتت. (حتى كادت الشمسُ أنْ تغيبَ) لفظة: (أنْ) ساقطة من نسخةٍ، وهي جارية على الأكثر من تجريد خبر كاد من أنْ، وظاهرُ قول عمرِ ذلك: أنه صلَّى العصرَ قبل الغروب، والذي صرح به في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما صلاها أي: مع بقيةَ أصحابهِ بعد الغروبِ، وتأخيرها كان قبل صلاةِ الخوف، ثم نسخِ، أو نسيانا، أو عمدا؛ لتعذر الطهارة، أو الإيماء للشغلِ بالقتال. (بطحان) بضم الموحدة، وقد سبق استيفاء شرح الحديث في باب: من صلى بالناسِ جماعة بعد ذهاب الوقت. 5 - بَابُ صَلاةِ الطَّالِبِ وَالمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً وَقَال الوَلِيدُ: ذَكَرْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ صَلاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، فَقَال: "كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الفَوْتُ" وَاحْتَجَّ الوَلِيدُ: بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ". (باب: صلاةِ الطالب) أي: للعدو. (والمطلوب) أي: منه. (راكبًا أو إيماءً) أي: مومئًا، وفي نسخةٍ: "قائما" وفي أخرى: "أو قائما" والبخاريُّ أطلق حكم صلاة الطالب. وفيه خلاف وتفصيل، فقد قال ابن بطال: اتفقوا على صلاة المطلوب راكبًا، فاختلفوا في الطالب: فمنعه الشافعي، وأحمدَ (¬1)، وقال مالك: يصلي راكبًا حيث توجه إذا خاف فوتَ العدو إنْ نزل. (وقال الوليد) أي: ابن مسلم. (ذكرت للأوزاعي) أي: عبد الرحمن بن عمرو. بضم المعجمة، وفتح الراء وإسكان المهملة وكسر الموحدة. (ابن السمط) بكسر المهملة، وسكونِ الميم، ¬
وضبطه ابن الأثير بفتحِ فكسر (¬1). (فقال) في نسخةٍ: "قال". (كذلك الأمرِ) أي: الشأن، والكاف زائدة، أو للتشبيه، فالأمرُ على الثاني مبتدأ، وما قبله خبره، وعلى الأولِ بالعكس أي: أداءُ الصلاةِ من الراكبِ مومئًا هو الشأنُ. (إذا تخوَّف الفوتَ) أي: فوت الوقت، أو العدو، أو النفس، وهو بالنصبِ إنْ بُني (تخوف) للفاعل وبالرفع إنْ بُني للمفعول، وزاد في نسخةٍ: "في الوقت". (واحتج الوليد) أي: لمذهب الأوزاعي في صورة الطالب. (بقول النبي .. إلخ) أي: لأنه (- صلى الله عليه وسلم -) لم يُعنِّف مَنْ صلاها راكبًا بالإيماء أو لأنه لم يعنِّف على تأخيرها عن وقتها، فصلاةُ الطالب في الوقتِ بالإيماء راكبًا أولى من تأخيرها عنه. والحاصلُ: أنَّ وجهَ الاستدلال من الحديث: صريح على الأولِ. وبمفهوم الأول على الثاني. - باب 946 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، قَال: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ" فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَال بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. [4119 - مسلم: 1770 - فتح: 2/ 436] (باب) ساقط من نسخة. (جويرية) مصغر جارية أي: ابن أسماء، وهو عم عبدُ الله الراوي عنه. ¬
(من الأحزاب) أي: في غزوة الخندق. (لا يصلين) بنون التوكيدِ الثقيلةِ. (أحد العصر) استشكل بقول مسلمٍ: "أحد الظهر" (¬1) وأجيب: بأنَّ ذلك كان بعد دخولِ وقتِ الظهر، فقيل لمن صلاها بالمدينة: لا تصليَ العصر، ولمن لم يصلها: لا تصلي الظهرَ. (إلا في بني قريظة) بضم القاف. وفتح الراء والظاء المعجمة: فرقة من اليهود. (بعضهم العصر) بنصب الأول ورفع الثاني، وضمير (بعضهم) راجع لـ (أحد) وأما ضميرُ (بعضهم) في الثاني، والثالث فراجع إلى (بعضهم) الأول. (فقال) في نسخةٍ: "وقال". (لا نصلي حتى نأتيها) أي: عملًا بظاهر قوله: (لا يُصلينَّ .. إلخ). (وقال بعضهم: بل نصلي) أي: نظرًا إلى المعنى لا إلى ظاهر اللفظ، وفي نسخة: "بل نصل" بحذف الياء؛ تخفيفًا، نحو: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر: 4]. (لم يرد منا ذلك) ببناء (يرد) للمفعول، أو للفاعل، والمعنى أن المرادَ من قوله: (لا يصلينَّ أحد .. إلخ) لازمه: هو الاستعجالُ في الذهاب لبني قريظةَ، لا حقيقة ترك الصلاةِ، كأنه قال: أدُّوا الصلاة في بني قريظةَ إلا أنْ يدركَكُم وقتُها قبل أنْ تصلوا إليهم. فجمعوا بين دليلي وجوب الصلاة في الوقت، ووجوب الإسراع فصلوا ركبانًا بالإيماء. (فلم يعنف) أي: فلم يعير. (واحدًا) في نسخة: "أحدًا". قال النووي: لا احتجاج بذلك على إصابة كل مجتهد؛ لأنه لم يصرح بإصابتهما، بل ترك التعنيف، ولا خلاف أن المجتهد لا يعنف، ولو أخطأ، إذا بذل وسعه (¬2)، وأما اختلافهما فسببه تعارض الأدلة عندهما، فالصلاة مأمور بها في الوقت، والمفهوم من (لا يصلين .. إلخ) المبادرة إلى بني قريظة، فأخذ بالأول: من صلى لخوف فوات الوقت، وبالثاني: مَنْ أخَّر. ¬
6 - باب التكبير والغلس بالصبح، والصلاة عند الإغارة والحرب
6 - بَابُ التَّكْبِيرِ وَالغَلَسِ بِالصُّبْحِ، وَالصَّلاةِ عِنْدَ الإِغَارَةِ وَالحَرْبِ (باب: التبكير) بموحدة قبل الكاف، من بكر إذا بادر، وفي نسخة: "التكبير" بموحدة بعد الكاف، أي: قول: الله أكبر. (الغلس) هو ظلمة آخر الليل كما مرَّ. (التغليس بالصبح والصلاة) العطف فيه وفيما قبله: للتفسير. (عند الإغارة) أي: الهجوم على العدو غفلة. (والحرب) أي: قتال الكفار، ولو بلا إغارة. 947 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ رَكِبَ فَقَال: "اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ: {فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ} [الصافات: 177] " فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ - قَال: وَالخَمِيسُ الجَيْشُ - فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَتَلَ المُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا " فَقَال عَبْدُ العَزِيزِ، لِثَابِتٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: مَا أَمْهَرَهَا؟ قَال: أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا، فَتَبَسَّمَ. [انظر: 371 - مسلم: 1365 - فتح: 2/ 438] (حماد) أي: "ابن زيد" كما في نسخة. (عن أنس بن مالك) لفظ: (مالك) ساقط من نسخة. (صلى الصبح) أي: بخيبر (بغلس) أي: في أول وقتها على عادته أي: لأجل مبادرته إلى ركوبه للقتال. (خربت خيبر) قاله ثقة بوعد الله تعالى له بقوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)} [الصافات: 171] الآيات. (بساحة قوم) أي: بفنائهم. ({فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ}) أي: فبئس صباح المنذرين صباحهم. (في السكك) بكسر السين: جمع سكة أي: في أزقة خيبر. (محمد) أي: جاء، أو هذا محمد (والخميس) بالرفع عطف على (محمد) وبالنصب على أنه مفعول معه. (قال) أي:
أنس. (والخميس الجيش) سمي خميسًا؛ لانقسامه كما مرَّ إلى خمسة: ميمنة، وميسرة، وقلب، ومقدمة، وساقة. (فقتل المقاتلة) أي: النفوس. (المقاتلة) بكسر الفوقية. (سبى الذراري) بذال معجمة، وياء مشددة، وقد تخفف جمع ذرية: وهي الولد، والمراد بـ (الذراري): غير المقاتلة، ولو نساء بدليل قوله: (فصارت صفية لدحية الكلبي) حيث أعطاها له النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل القسمة؛ لأن له صفي المغنم يعطيه لمن شاء. (وصارت) أي: فصارت، أو ثم صارت. (لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -) استرجعها من دحية برضاه، أو اشتراها منه، أو إنه إنما كان أذن له في جارية من حشو السبي لا من أفضلهن، فلما رآه أخذ أنفسهن نسبًا، وشرفًا، وجمالا استرجعها؛ لأنه لم يأذن له فيها، ورأى أن في إبقائها مفسدة؛ لتميزه بها عن بقية الجيش؛ ولما فيه من انتهاكها مع مرتبتها، وربما ترتب على ذلك شقاق، فكان أخذها لنفسه - صلى الله عليه وسلم - قاطعًا لهذه المفاسد. (عتقها) في نسخة: "عتقتها" بزيادة فوقية بعد القاف المفتوحة. (أنت) في نسخة: "أأنت" بذكر همزة الاستفهام. (أنسًا) في نسخة: "أنس بن مالك". (ما أمهرها) في نسخة: "ما مهرها" وهي لغتان، وفائدة سؤاله عن ذلك مع علمه به من قوله: (جعل عتقها صداقها): التأكيد، أو التثبيت في الرواية، وغاير بينهما لفظًا للتوسعة في التعبير. (قال: أمهرها نفسها) أي: أعتقها وتزوجها بلا مهر، وهو من خصائصه. وفي الحديث: ندب التكبير عند الإشراف على المدن والقرى؛ إظهارًا لدين الله تعالى، وتنزيهًا له عن كل ما نسبه إليه أعداؤه. والتفاؤل بخراب خيبر؛ لسعادة المسلمين، وقد مرَّ ذلك في باب: ما يذكر في الفخذ.
13 - كتاب العيدين
13 - كتاب العيدين
1 - باب: في العيدين والتجمل فيه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [13 - كِتابُ العِيدَيْنِ] 1 - بَابٌ: فِي العِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلِ فِيهِ (كتاب: العيدين) أي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وهذا ساقط من نسخة، وفي أخرى بدله: "أبواب العيدين" واقتصر في أخرى على قوله: "باب: في العيدين"، وفي أخرى: تقديم هذا على البسملة، وفي أخرى: "باب: ما جاء في العيدين والتجمل فيه" أي: في كل من العيدين، وفي نسخة: "والتجمل فيهما". 948 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَال: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَخَذَهَا، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالوُفُودِ، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلاقَ لَهُ" فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّكَ قُلْتَ: "إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلاقَ لَهُ" وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ الجُبَّةِ، فَقَال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ". [انظر: 886 - مسلم: 2068 - فتح: 2/ 439] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) هو ابن أبي حمزة. (أخذ عمر) وفي نسخة: "وجد عمر". قال شيخنا: وهو أوجه. قال الكرماني: الأول بأنه أراد ملزوم الأخذ -وهو الشراء- وفيه نظر؛
2 - باب الحراب والدرق يوم العيد
لأنه لم يقع منه ذلك فلعله أراد السوم (¬1). (من إستبرق) هو غليظ الديباج، وهو المتخذ من الإبريسم. (تباع) في محل نصب صفة لـ (جبة). (فأتى رسول الله) في نسخة: "فأتى بها رسول الله". (ابتع هذه تجمل بها) بجزم الفعلين، ثانيهما جواب الأول، وفي نسخة: "ابتاع .. إلخ" بإشباع فتحة التاء فصار بعدها ألف، وفي أخرى: "أبتاع .. إلخ" بهمزة الاستفهام ممدودة ومقصورة، برفع الفعلين، أو جزم الثاني؛ جوابًا للاستفهام بمعنى: إن عمر استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبتاعها؛ ليتجمل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأصل (تجمل) تتجمل فحذفت إحدى التاءين. (للعيد) سبق في الجمعة، في رواية نافع (للجمعة) ولعل ابن عمر ذكرهما معا، فأخذ كل راوٍ عنه واحدًا منهما. (من لا خلاق له) أي: من لا نصيب له في الجنة، وهذا خرج مخرج التغليظ، وإلا فالمؤمن العاصي لا بد من دخوله الجنة، فله نصيب منها. والحديث وإن شمل النساء لكنهنَّ خرجن بدليل. (تبيعها وتصيب بها) أي: بثمنها، وفي نسخة: "تصيب بها" وفي أخرى: "أو تصيب بها" فـ (أو) بمعنى الواو، أو للتقسيم، وعليه فمعنى المتعاطفين: تبيعها؛ لتنتفع بثمنها، أو تجعلها لبعض نسائك مثلًا. 2 - بَابُ الحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَوْمَ العِيدِ (باب: الحراب والدَّرَق) أَي: إباحتها (يوم العيد) للسرور به. 949 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَسَدِيَّ، حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ ¬
أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي وَقَال: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَال: "دَعْهُمَا"، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. [انظر: 952، 987، 2906، 3529، 3931 - مسلم: 892 - فتح: 2/ 440] (أحمد) أي: "ابن عيسى" كما في نسخة. واسم أبي عيسى: حسان التستري، وفي نسخة: "أحمد بن صالح". (ابن وهب) هو عبد الله المصري. (عمرو) أي: ابن الحارث. (علي رسول الله) في نسخة: "علي النبي". (بغناء) بكسر الغين، وبالمد. (بعاث) بضم الموحدة، وخفة المهملة، والمثلثة، غير مصروف على الأشهر، قيل: موضع من المدينة على ليلتين، وقيل: هو حصن للأوس [وقيل: هو موضع] (¬1) في ديار بني قريظة، فيه أموال لهم، قال شيخنا: ولا منافاة بين القولين (¬2). (وحول وجهه) أي: إعراضًا عن ذلك، لأن مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء إليه، لكن عدم إنكاره يدل على جواز مثله؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يقر على باطل فيقتصر على ما ورد فيه. (فانتهرني) أي: زجرني؛ لتقريري الجاريتين على فعلهما وروي: (فانتهرهما) أي: الجاريتين. (مزمارة الشيطان) بكسر الميم وتاء التأنيث: صوت فيه صفير، وفيه: استفهام مقدر، وإنما أنكر أبو بكر لما تقرر عنده من تحريم اللهو والغناء مطلقًا، ولم يعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - أقرهن على هذا القدر اليسير، لكونه دخل فوجده مضطجعًا، فظنه نائمًا. (دعهما) أي: الجاريتين، وفي نسخة: "دعها" أي: عائشة، وعلل ذلك في رواية: بأنه يوم عيد (¬3) أي: يوم سرور، وفرح شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر في ¬
الأعراس. (فلما غفل) بفتح الفاء على الأكثر أي: ترك أبو بكر الانتهار وسهى عنه. (فخرجنا) في نسخة: "خرجنا" بلا فاء بدل مما قبله، أو استئناف. 950 - وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ، يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا قَال: "تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ " فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ" حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَال: "حَسْبُكِ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَال: "فَاذْهَبِي". [انظر: 454 - مسلم: 892 - فتح: 2/ 440] (وكان) أي: اليوم. (يوم عيد) هو من مقول عائشة. قال شيخنا، وهذا حديث آخر، وقد جمعهما بعض الرواة، وأفردهما بعضهم (¬1). (يلعب السودان) في نسخة: "يلعب فيه السودان". (سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -) في نسخة: "سألت رسول الله" أي: التمست منه النظر إلى اللعب. (خدي على خده) جملة اسمية حالية، لكن الزمخشري مرة يقول: إنها بلا واو فصيح، ومرة يضعفه. وتحقيقه، كما قال الكرماني: إن صلح موضعها مفرد ففصيح نحو: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] أي: معادين، وإلا فلا، وهذا مقدر متلاصقين (وهو يقول) أي: للسودان، منشطًا لهم. (دونكم) إغراء والمغرى به محذوف دلَّ عليه الحال أي: دونكم اللعب أي: الزموا ما أنتم فيه. (يا بني أرفدة) بفتح الهمزة، وسكون الراء وكسر الفاء، وقد تفتح، قال شيخنا: قيل هو لقب للحبشة، وقيل: اسم جنس، وقيل: اسم جدهم الأكبر، وقيل: المعنى يا بني الإماء. (مللت) بكسر اللام أي: سئمت. (حسبك) أي: أحسبك؟ والاستفهام ¬
3 - باب سنة العيدين لأهل الإسلام
مقدر أي: كافيك هذا القدر. وفي الحديث: جواز اللعب بالسلاح على طريق التدريب للحرب والتنشيط له، وما كان له - صلى الله عليه وسلم - من حسن الخلق ومعاشرة الأهل، والتمكين مما لا حرج فيه كالغناء، واستماعه وإن كان مكروهين لنا -عند الشافعي وكثير- وجواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى أبدانهم، أو نظر المرأة لوجه الأجنبي حرام باتفاق -إن كان بشهوة- وعلى الأصح إن كان بدونها، وقيل: غير ذلك قبل نزول آية: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ} وقيل: قبل بلوغها. 3 - بَابُ سُنَّةِ العِيدَيْنِ لِأَهْلِ الإِسْلامِ (باب: الدعاء في العيدين) في نسخة: "باب: سنة العيدين لأهل الإسلام" وفي أخرى: "باب: في العيد". 951 - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: أَخْبَرَنِي زُبَيْدٌ، قَال: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ البَرَاءِ، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَقَال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا". [955، 965، 968، 976، 983، 5545، 5556، 5557، 5560، 5563، 6673 - مسلم: 1961 - فتح: 2/ 445] (حجاج) أي: ابن منهال السلمي. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (زبيد) بضم الزاي، هو ابن الحارث اليامي. (الشعبي) هو عامر بن شراحيل. (من يومنا) في نسخة: "في يومنا". (أن نصلي) أي: أول ما نبدأ به في هذا اليوم الصلاة التي بدأنا بها. (ثم نرجع) بالنصب عطف على (نصلي)، وبالرفع؛ خبر مبتدإِ محذوف أي: نحن. (فننحر) بالنصب،
4 - باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج
والرفع. (فمن فعل) أي: بدأ بالصلاة، ثم رجع، فنحر. 952 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَال أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا". [انظر: 949 - مسلم: 892 - فتح: 2/ 445] (أبو أسامة) هو حماد بن أسامة. (عن هشام) هو ابن عروة بن الزبير. (بما) في نسخة: "مما". (تقاولت الأنصار) أي: قاله بعضهم لبعض من فخر، أو هجاء. (يوم بعاث) مر بيانه في الباب السابق. (وليستا بمغنيتين) أي بغناء محرم من تكسر، وتهيج، وتشويق بما فيه تصريح، أو تعريض بالفواحش، فعائشة نفت عنهما الغناء بمعناه المحرم، وأثبتته لهما بمعناه الجائز من رفع الصوت، والترنم، والحداء. (مزامير الشيطان) بالرفع بالإبتداء، وفي نسخة: "بمزامير الشيطان" أي: أتشتغلون بها. (وهذا عيدنا) أي: وإظهار السرور فيه من شعائر الإسلام، واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء، وإن لم تكن مملوكة، وظاهره: أن محله إذا لم يقترن بمحرم. 4 - بَابُ الأَكْلِ يَوْمَ الفِطْرِ قَبْلَ الخُرُوجِ (باب: الأكل يوم) عيد (الفطر قبل الخروج) أي: إلى المصلى لصلاة العيد. 953 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَال: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
5 - باب الأكل يوم النحر
لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ" وَقَال مُرَجَّأُ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "وَيَأْكُلُهُنَّ وتْرًا". (حدثنا سعيد) في نسخة: "أخبرنا سعيد". (هشيم) هو ابن بشير، بالتصغير فيهما. (عن أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخة. (حتى يأكل تمرات) الشرب، كالأكل، وترك ذلك مكره، كما نص عليه الشافعي، ونقله عنه النووي في "مجموعه" وخص التمر؛ لما فيه من تقوية النظر الذي يضعفه الصوم، ويرق القلب، وإنما سن الأكل قبل الصلاة في عيد الفطر، وبعدها في عيد الأضحى؛ ليتميز وقت الصوم عن الفطر، وليس قبل النحر صيام يحتاج لتمييزه (¬1). (مرجى) بضم الميم، وتشديد الجيم مفتوحة بوزن معلى، وفي نسخة: "مرجأ" (¬2) بهمزة في آخره. (ابن رجاء) بالمد. (عبيد الله) أي: "ابن أبي بكر" كما في نسخة. (قال حدثني أنس .. إلخ) أشار بقوله: (وترًا) إلى الوحدانية، وزاد ابن حبان: ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا (¬3)، وفائدة ذكر البخاري لهذا التعليق: تصريح عبيد الله فيه بالتحديث عن أنس. 5 - بَابُ الأَكْلِ يَوْمَ النَّحْرِ (باب: الأكل يوم عيد النحر) أي: بعد الصلاة. 954 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَلْيُعِدْ"، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَال: هَذَا يَوْمٌ ¬
يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ، وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقَهُ، قَال: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا. [984، 5546، 5549، 5561 - مسلم: 1962 - فتح: 2/ 447] (إسماعيل) أي: ابن علية. (أيوب) أي: السختياني [(عن محمد) أي: "ابن سيرين" كما في نسخة. (قبل الصلاة) أي: صلاة العيد] (¬1). (من جيرانه) بكسر الجيم: جمع جار (وعندي جذعة) أي: من المعز، وهي بفتح الجيم والذال المعجمة، التي طعنت في السنة الثانية. (وهي أحب إلي من شاتي لحم) أي: بطيب لحمها، أو سمنها، أو لزيادة ثمنها. (فلا) أي: قال أنس: فلا (أدري أبلغت الرخصة) أي: في تضحية الجذعة. (من سواه) أي: الرجل، فيعم الحكم جميع المكلفين. (أم لا) فيختص به، وكأن أنسًا لم يبلغه خبر "الصحيحين": "لا تذبحوا إلا مُسنَّةً" (¬2) أي: وهي التي لها سنان. 955 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَال: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ الصَّلاةِ وَلَا نُسُكَ لَهُ"، فَقَال أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ البَرَاءِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاةَ، قَال: "شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ" قَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا لَنَا جَذَعَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ ¬
مِنْ شَاتَيْنِ، أَفَتَجْزِي عَنِّي؟ قَال: "نَعَمْ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ". [انظر: 951 - مسلم: 1961 - فتح: 2/ 447] (عثمان) أي: ابن أبي شيبة: إبراهيم بن عثمان العبسي. (جرير) أي: ابن عبد الحميد الضبي. (عن منصور) هو ابن المعتمر. (ونسك) بفتح النون والسين. (نسكنا) بضمهما أي: وضحى مثل ضحيتنا، والنسك في الأصل: يقال لكل طاعة، وقيل لثعلب: هل الصوم نسك؟ قال: كل حق لله نسك. (فإنه) أي: النسك. (قبل الصلاة) ظاهر ذلك اتحاد الجزاء والشرط، فيؤول الجزاء: بأن المراد لازمه، أي: فهي غير مجزئة، أو فلا نسك له، ويكون قوله: (ولا نسك له) كالبيان له، ثم قال شيخنا عقب هذا: كذا في الأصول بإثبات الواو، وحذفها النسفي وهو أوجه (¬1) قال: ويمكن توجيه إثباتها بتقدير لا تجزئ، ولا نسك، وهو قريب من حديث: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله" انتهى (¬2). (أبو بردة) اسمه: هانئ بنون فهمزة. (ابن نيار) بكسر النون. (أن تكون شاتي أول ما يذبح) بنصب (أول) خبر كان، واسمها: (شاتي) وبرفعه على عكس ذلك، وفي نسخة بدل (ما): "شاة" وكلاهما ساقط من أخرى وعليها، فـ (أول) بالرفع، أو بالنصب على ما مرَّ، أو بالضم، أو بالفتح على البناء، أما ما في الضم: فعلى قاعدة الظروف المقطوعة، كقبل، وبعد، وأما في الفتح: فعلى إضافة (أول) إلى الجملة بعده. (شاة لحم) أي: لا أضحية. (قال: يا رسول الله). في نسخة: "فقال: يا رسول الله". (عناقًا) بفتح العين: الأنثى من المعز. (فتجزيء) بفتح الفوقية، وبغير همز كما ¬
6 - باب الخروج إلى المصلى بغير منبر
في قوله: {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} [لقمان: 33] وجوز بعضهم ضم الفوقية، والهمز من: أجزأ. وفي الحديث: أن جذعة المعز لا تجزئ وهو اتفاق، فإجزاؤها عن أبي بردة من خصائصه، كما خص خزيمة بقيام شهادته مقام شهادة شاهدين، وغير ذلك. 6 - بَابُ الخُرُوجِ إِلَى المُصَلَّى بِغَيْرِ مِنْبَرٍ (باب: الخروج إلى المصلى) بالصحراء لصلاة العيدين. (بغير منبر) أي: بغير نصب منبر للخطبة. 956 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ" قَال أَبُو سَعِيدٍ: "فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ - وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ - فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أَتَيْنَا المُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ، فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلاةِ"، فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ، فَقَال أَبَا سَعِيدٍ: "قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ"، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ، فَقَال: "إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلاةِ، فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلاةِ". [مسلم: 889 - فتح 2/ 448] (زيد) أي: "ابن أسلم" كما في نسخة. (كان رسول الله) في نسخة: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم -". (يخرج يوم) عيد (الفطر ويوم) عيد (الأضحى إلى المصلى) أي: في الصحراء. فصلاة
العيدين فيه أفضل منها في المسجد لا المسجد الحرام، وبيت المقدس فهي فيهما عند الشافعي أفضل؛ لشرفهما واتساعهما، وكذا لو اتسع في محل مسجد، أو حصل عذر كمطر، وثلج. (فأول شيء يبدأ به) برفع (أول) مبتدأ خبره (الصلاة)، ويجوز عكسه، بل هو أولى؛ لأن الصلاة معرفة و (أول) نكرة وإن تخصص بما بعده. (فيقوم مقابل الناس) أي: مواجها لهم (فيعظهم) أي: يخوفهم. (ويوصيهم) أي: بم ينبغي الوصية به. (فإن) في نسخة: "وإن". (كان يريد أن يقطع بعثًا) بمثلثة أي: أن يخرج مبعوثًا من الجيش وغيره. (ثم ينصرف) أي: إلى المدينة. (قال) في نسخة: "فقال". (على ذلك) أي: على الابتداء بالصلاة قبل الخطبة. (مع مروان) أي: ابن الحكم. (إذا منبر بناه كثير بن الصلت) (منبر) مبتدأ خبره (بناه)، أو مقدر أي: هناك، و (بناه) حال، والعامل في (لمَّا) و (إذا)، كما قال الكرماني: معنى المفاجأة التي في (إذا) أي: فاجأنا مكان المنبر زمان الإتيان، وقيل: (إذا) حرف لا يحتاج على عامل. (فجبذت) بذال معجمة وفي نسخة: "فجبذته". (ثبوبه) أي: ليبدأ بالصلاة على العادة. قال الجوهري: جبذت الشيء مثل جذبته مقلوب منه (¬1). (غيرتم) أي: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تقديم الصلاة على الخطبة. (ما أعلم) أي: الذي أعلمه. (والله خير مما لا أعلم) أي: لأن الذي أعلمه طريق الرسول وخلفائه، فـ (خير) خبر (ما أعلم) والقسم معترض بينهما. (فقال) أي: مروان معتذرا عما فعله. (إن الناس .. إلخ). وفي الحديث: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإن كان المنكر عليه واليًا، والإنكار باليد حيث أمكن، فلا يكفي اللسان، ¬
7 - باب المشي والركوب إلى العيد، والصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة
وصحة الصلاة بعد الخطبة، وإن لم يعتد بالخطبة حينئذٍ عند الشافعي، وأن المغير لما ذكر مروان، وقيل: زياد، وقيل: معاوية المستخلف لهما، وقيل: عثمان بن عفان، والفرق بين خطبتي العيد والجمعة: أن خطبة الجمعة واجبة، فلو أخرت لكانت ربما انتشروا قبل سماعها، فيقدح في الصلاة، وأيضًا الجمعة لا تؤدى إلا جماعة، فقدمت الخطبة ليتلاحق الناس. 7 - بَابُ المَشْيِ وَالرُّكُوبِ إِلَى العِيدِ، وَالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ (باب: المشي والركوب إلى العيد) أي: لصلاته، وفي نسخة: "إلى العيدين". (الصلاة قبل الخطبة) ساقط من نسخة. (بغير أذان) أي: قبل الخطبة. (ولا إقامة) أي: للصلاة. 957 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَال: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي الأَضْحَى وَالفِطْرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلاةِ". [963 - مسلم: 888 - فتح 2/ 451] (أنس) أي: "ابن عياض" كما في نسخة. (عن عبيد الله) أي: ابن حفص بن عاصم بن عمر. 958 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَال: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ". [961، 978 - مسلم: 885 - فتح: 2/ 451] (هشام) هو ابن يوسف الصنعاني. (أن ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز. (أنه) الضمير للشأن. (لم يكن) اسم (يكن) ضمير الشأن مقدر، أو
خبرها (يؤذن) بالبناء للمفعول، وفي خبر لمسلم، عن جابر قال: لا أذان للصلاة يوم العيد، ولا إقامة، ولا شيء (¬1). واحتج به جماعة على أنه لا يسن أن يقال قبلها: الصلاة جامعة. واحتج الشافعي على سن ذلك بما رواه عن الزهري، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر المؤذن، فيقول: الصلاة جامعة. وهو وإن كان مرسلًا، فقد اعتضد بالقياس على صلاة الكسوف (¬2)؛ لثبوته فيها كما سيأتي. وفي الحديث: أن السنة في صلاة العيدين أن لا يؤذن لها ولا يقام، وبعضهم أحدث الأذان، فقيل: أول من أحدثه معاوية، وقيل: زياد. (وإنَّما) في نسخة: بلا واو، وفي أخرى: "وأما" و (عن جابر بن عبد الله قال) أي: عطاء. (سمعته) أي: جابرًا. (يقول .. إلخ) وقوله: (قال: سمعته يقول) ساقط من نسخة. 959 - قَال: وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ مَا بُويِعَ لَهُ "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِالصَّلاةِ يَوْمَ الفِطْرِ، إِنَّمَا الخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلاةِ". [960 - مسلم: 886 - فتح: 2/ 23] 960 - وأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالا: "لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الأَضْحَى". [انظر: 959 - مسلم: 886 - فتح: 2/ 451] 961 - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ، فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلالٍ، وَبِلالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً" قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ: أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ فَيُذَكِّرَهُنَّ حِينَ يَفْرُغُ؟ قَال: "إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ ¬
8 - باب الخطبة بعد العيد
عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يَفْعَلُوا". [انظر: 958 - مسلم: 885 - فتح: 2/ 451] (نزل) ضمنه معنى: انتقل، أو انصرف، وإلا فقد مر أنه لم يخطب للعيد على مرتفع حتى ينزل عنه. (يتوكأ على يد بلال) أي: يعتمد عليها، وفيه: إشارة على مشروعية المشي والركوب لمن احتاج إليه. وفي الاتكاء على اليد تخفيف عن مشقة المشي، كما في الركوب، فتحصل بذلك مطابقة الحديث لأول الترجمة. (أترى) بفتح التاء. (حقًّا) مفعوله للثاني، قدم على الأول، وهو (أن يأتي .. إلخ) للاهتمام (وما) نافية، أو استفهامية. 8 - بَابُ الخُطْبَةِ بَعْدَ العِيدِ (باب: الخطبة بعد العيد) أي: بعد صلاته، وهذه ترجمة تقدمت في نسخة، لكن أعادها؛ لمزيد الاعتناء بها. 962 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَال: "شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَكُلُّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الخُطْبَةِ". [انظر: 98 - مسلم: 884 - فتح 2/ 453] (أبو عاصم) هو الضحاك بن مخلد. (عن طاوس) هو ابن كيسان. 963 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ". [انظر: 957 - مسلم: 888 - فتح: 2/ 453] 964 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ تُلْقِي
المَرْأَةُ خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا". [انظر: 98 - مسلم: 884 - فتح: 2/ 453] (أبو أسامة) هو حماد بن أسامة. (كان رسول الله) في نسخة: "كان النبي". (خرصها) بضم المعجمة، وقد تكسر: الحلقة من ذهب، أو فضة. (وسخابها) بمهملة مكسورة، ثم معجمة، وقد تبدل السين صادًا: قلادة تتخذ من مسك وغيره، ليس فيها من الجوهر شيء، وقيل: هو خيط فهي خرزن وجمعه: سخب، ككتاب، وكتب، وسمي بذلك؛ لتصوت خرزه عند الحركة من السخب: وهو اختلاط الأصوات. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن أمر الناس بذلك كأنه من تتمة الخطبة. 965 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ، قَال: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِي شَيْءٍ" فَقَال رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ، فَقَال: "اجْعَلْهُ مَكَانَهُ وَلَنْ تُوفِيَ أَوْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ". [انظر: 951 - مسلم: 1961 - فتح: 2/ 453] (زبيد) بضم الزاي أي: ابن الحارث اليامي. (الشعبي) هو عامر بن شراحيل. (ومن نحر) استعمل النحر فيما يشمل الذبح، وإلَّا فالمشهور أن النحر في الإبل، والذبح في غيرها. (فقال) في نسخة: "قال". (اجعله مكانه) ذكر الضميرين مع عودهما لمؤنثين بتأويلهما بذي سنة،
9 - باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم
وذي سنتين أي: باعتبار المذبوح. (توفي) بضم الفوقية، وسكون الواو، وكسر الفاء مخففة، وفي نسخة: "توفِّي" بضم الفوقية وفتح الواو وكسر الفاء مشددة. (أو تجزي) بفتح الفوقية، وترك الهمز، أي: تقضي، أو بالضم والهمز أي: تكفي، ومرَّ شرح أحاديث الباب. 9 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ حَمْلِ السِّلاحِ فِي العِيدِ وَالحَرَمِ وَقَال الحَسَنُ: "نُهُوا أَنْ يَحْمِلُوا السِّلاحَ يَوْمَ عِيدٍ إلا أَنْ يَخَافُوا عَدُوًّا". (باب: ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم) هذا، كما قال شيخنا: فيمن حمله بطرًا، أو أشرًا، ولم يأمن من إيذاء الناس به (¬1)، فلا ينافي ما مرَّ في باب الحراب والدرق يوم العيد (¬2)؛ لأن ذلك فيمن حمله للتدريب، والإدمان لأجل الجهاد، وأمن من إيذاء الناس به. (نهوا) بضم النون والهاء، وأصله: نهيوا، استثقلت الضمة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها بعد سلب حركتها، ثم حذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين. (يوم عيد) وفي نسخة: "يوم العيد". 966 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى أَبُو السُّكَيْنِ، قَال: حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَال: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ فِي أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ، فَنَزَعْتُهَا وَذَلِكَ بِمِنًى، فَبَلَغَ الحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ، فَقَال الحَجَّاجُ: لَوْ نَعْلَمُ مَنْ أَصَابَكَ، فَقَال ابْنُ عُمَرَ: ¬
"أَنْتَ أَصَبْتَنِي" قَال: وَكَيْفَ؟ قَال: "حَمَلْتَ السِّلاحَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ، وَأَدْخَلْتَ السِّلاحَ الحَرَمَ وَلَمْ يَكُنِ السِّلاحُ يُدْخَلُ الحَرَمَ". [967 - فتح: 2/ 454] (المحاربي) بضم الميم: عبد الرحمن بن محمد. (ابن سُوقة) بضم السين، وسكون الواو، وفتح القاف. (أخمص) بإسكان المعجمة، وفتح الميم: ما دخل في باطن القدم فلم يصب الأرض عند المشي. (فلزقت) بكسر الزاي. (فنزعتها) أنث الضمير مع عوده إلى السنان، وهو مذكر باعتبار إرادة الحديدة، أو السلاح؛ لأنه مؤنث، أو هو راجع إلى القدم، فيكون من باب القلب، كما في: أدخلت الخف في الرجل. (وذلك) أي: وقوع الإصابة. (فجاء) في نسخة: "فجعل" وهو من أفعال المقاربة، وخبره (يعوده) أي: ابن عمر. (لو نعلم) جواب (لو) محذوف أي: لجازيناه، أو هي للتمني فلا جواب لها. (من أصابك) في نسخة: "ما أصابك". (أصبتني) نسب الفعل إليه؛ لأنه أمر به رجلا معه حربة يقال: أنها مسمومة، فلصق الرجل به، فأمر الحربة على قدمه، فمرض فيها أيامًا، ثم مات. (حملت السلاح) أي: أمرت بحمله (في يوم) أي: في يوم عيد. (وأدخلت السلاح الحرم) في نسخة: "وأدخلت السلاح في الحرم" أي: فخالفت السنة في الزمان والمكان. وفيه: أن منى من الحرم. 967 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَال: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: دَخَلَ الحَجَّاجُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَال: كَيْفَ هُوَ؟ فَقَال: صَالِحٌ، فَقَال: مَنْ أَصَابَكَ؟ قَال: "أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلاحِ فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ" يَعْنِي الحَجَّاجَ. [انظر: 966 - فتح: 2/ 455] (فقال) في نسخة: "قال".
10 - باب التبكير إلى العيد
10 - بَابُ التَّبْكِيرِ إِلَى العِيدِ وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ: "إِنْ كُنَّا فَرَغْنَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيحِ". (باب: التبكير) بتقديم الباء على الكاف، وفي نسخة: "باب التكبير" بتقديم الكاف عليها. (للعيد) أي: لصلاته. (إن) هي المخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن. (كنا فرغنا) خبرها، قيل: صوابه: لقد فرغنا. (وذلك) أي: وقت الفراغ. (حين التسبيح) أي: حين صلاة الضحى، أو حين صلاة العيد؛ لأنها سبحة وقته، أي: نافلته. 968 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ، قَال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، قَال: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ"، فَقَامَ خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ قَال: "اجْعَلْهَا مَكَانَهَا - أَوْ قَال: اذْبَحْهَا - وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ". [انظر: 951 - مسلم 1961 - فتح: 2/ 456] (فإنما هو .. إلخ) في نسخة: "فإنها لحم". (أنا ذبحت) في نسخة: "إني ذبحت". (قال) في نسخة: "فقال". (أو قال: اذبحها) شك من الراوي. ومطابقة الحديث للترجمة: من حيث أن الابتداء بالصلاة يوم العيد، والمبادرة إليها قبل الاشتغال بكل شيء غير التأهب لها، ومن لوازم ذلك التبكير إليها. ومرَّ شرح الحديث في باب: الأكل يوم النحر.
11 - باب فضل العمل في أيام التشريق
11 - بَابُ فَضْلِ العَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ: أَيَّامُ العَشْرِ، وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: "يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا" وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ. (باب: فضل العمل في أيام التشريق) وهي الثلاثة بعد يوم العيد، سميت بذلك؛ لأن لحوم الأضاحي كانت تشرق فيها بمنى أي: تقدَّد، ويبرز بها للشمس، وقيل: يوم العيد من أيام التشريق، فتكون أيامه أربعة، وعلى الأول إنَّما لم يسم يوم النحر منها؛ لأن له اسمًا خاصًّا وهو يوم النحر، وإلا فالمعنى السابق لها يشمله. ({واذكرو الله في أيام معلومات}) في نسخة: " {ويذكروا الله في أيام معدودات} " وفي أخرى: "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات" وهذه موافقة لما في الحج، واللاتي قبلها لا يوافق شيء منها التلاوة؛ إذ الأولى في البقرة بلفظ: معدودات، لا معلومات، لكن ابن عباس لم يرد التلاوة، وإنما مراده تفسير المعلومات، والمعدودات، فقال: الأيام المعلومات: أيام عشر ذي الحجة. (والأيام المعدودات أيام التشريق) هي الحادي عشر: المسمى بيوم القر بفتح القاف؛ لأن الحجاج يقرون فيه بمنى، والثاني عشر المسمى بيوم النفر الأول؛ لأن من تعجل ينفر فيه، والثالث عشر المسمى بيوم النفر الثاني، ويقال للثلاثة: أيام منى؛ لأن غالب الحجاج يقيمون فيها بمنى. (وكان ابن عمر، وأبو هريرة .. إلخ) اعترض بأن هذا لا يناسب
الترجمة بالعمل في أيام التشريق، وأجاب الكرماني: بأن عادة البخاري أن يضيف إلى الترجمة ما له أدنى ملابسة استطرادًا أي: وهي مساواة أيام العشر لأيام التشريق فيما يقع فيهما من أعمال الحج. (وكبر محمَّد بن علي) أي: ابن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر. (خلف النافلة) أي: الواقعة في يوم عرفة، وما بعده إلى عصر آخر أيام التشريق على ما يأتي بيانه، مع بيان أن الفريضة، كالنافلة في الباب الآتي. 969 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: "مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟ " قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ؟ قَال: "وَلَا الجِهَادُ، إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ". [فتح: 2/ 457] (عن سليمان) أي: الأعمش. (ما العمل) أي: التكبير، وغيره من أعمال الحج. (في أيام) في نسخة: "في أيام العشر". (أفضل منها) أي: من الأعمال المفهومة من العمل. (في هذه) أي: أيام التشريق، فالعمل مبتدأ. (وفي أيام) متعلق به و (أفضل) خبر المبتدإِ، و (منها) تتعلق بـ (أفضل)، والضمير للعمل بتقدير الأعمال، كما في: {أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ}، وقضية ذلك: نفي أفضلية العمل في أيام العشر على العمل في أيام التشريق أفضل منه في غيرها، وإن صدق لغة بتساويهما، وسر ذلك: أن العبادة في أوقات الغفلة أفضل من غيرها، وأيام التشريق أيام غفلة غالبًا، فصار للعابد فيها مزيد فضل على العابد في غيرها، كمن قام في جوف الليل، وأكثر الناس نيام، كذا قيل أخذًا من الرواية المذكورة، لكنها شاذة كما قال شيخنا، قال: هو معارض بالمنقول، فقد رواه الحافظ أبو ذر في نسخة من
البخاري بلفظ: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر" (¬1) وكذا رواه جمع منهم أبو داود الطيالسي، والدرامي، وابن ماجه (¬2)؛ بهذا ظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب: أيام عشر ذي الحجة، لكنه استشكل على ترجمة البخاري بأيام التشريق، وأجيب: بأن الشيء يشرف بمجاورته للشريف وأيام التشريق تلي أيام العشر، وقد ثبت بذلك فضل أيام العشر فثبت به فضل أيام التشريق، وبأن عشر ذي الحجة إنما شرف؛ لوقوع أعمال الحج فيه، وبقية أعمال الحج تقع في أيام التشريق، فصارت مشتركة معها في أصل الفضل، وأنت خبير بأن الجواب بذلك إنما يقتضي إلحاق أيام التشريق بأيام العشر في الفضل، لكن الترجمة تقتضي تفضيل أيام التشريق على أيام العشر، والمنقول يقتضي العكس، وعليه: فإذا كان العمل في أيام العشر أفضل منه في أيام غيره، لزم منه أن تكون أيام العشر أفضل من غيرها من أيام السنة وأيد ذلك بما رواه البزار وغيره مرفوعًا: "أفضل الدينا أيام العشر" وبأن أيام العشر تشتمل على يوم عرفة، وقد روي أنه أفضل أيام الدنيا. والأيام يتبعها الليالي، وزعم بعضهم: أن ليالي عشر رمضان أفضل من ليالي العشر؛ لاشتمالها على ليلة القدر، واستبعده الحافظ ¬
ابن رجب بخبر: "قيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر" (¬1) وبأن عشر رمضان أفضل بليلة واحدة، وهذا جميع لياليه متساوية في الفضل. هذا والتحقيق ما قيل: أن العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشره ليلة لا يفضل عليها غيرها, لقوله تعالى {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)} [القدر: 3]. (ولا الجهاد) زاد في نسخة: "في سبيل الله". (إلا رجل) في نسخة: "إلا من" وكل منهما على حذف مضاف أي: إلا جهاد رجل، أو من (خرج يخاطر .. إلى آخره) فهو أفضل من غيره، أو مساوٍ له، و (يخاطر) من المخاطرة، وهي ارتكاب ما فيه خطر. (بنفسه وماله فلم يرجع بشيء) أي: منهما إن قتل شهيدًا، أو من ماله إن رجع سالمًا، فعلى الأول النفي راجع إلى القيد والمقيد معًا، وعلى الثاني إلى القيد فقط. ¬
12 - باب التكبير أيام منى، وإذا غدا إلى عرفة
12 - بَابُ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى، وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، "يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ "يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ، وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا" وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ: "تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ" وَكُنَّ "النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ". (باب: التكبير أيام منى) وهو يوم العيد، والثلاثة بعده. (وإذا غدا إلى عرفة) أي: للوقوف بها، والمعنى: باب بيان حكم الأمرين. (وكان عمر) في نسخة: "وكان ابن عمر". (في قبته) هي بيت صغير من الخيام مستدير، وهي من بيوت العرب. (حتى ترتج منى) بتشديد الجيم، أي: تضطرب، وتتحرك؛ مبالغة في رفع الأصوات. (تكبيرًا) [بالنصب] (¬1) على التعليل أي: لأجل التكبير. (وعلى فراشه) في نسخة: "وعلى فرشه" بالجمع. (وفي فسطاطه) هو بيت من شعر، ويقال فيه: فستاط، وفساط بقلب التاء سينًا، وإدغامها مع ضم الفاء وكسرها، فهذه لست لغات. (تلك الأيام) وفي نسخة: "وتلك الأيام" وكررها؛ للتوكيد والمبالغة. (وكن النساء) جاء على لغة: أكلوني البراغيث، وفي نسخة: ¬
"وكان النساء". (يكبرن .. إلخ) أي: (خلف الصلوات) فريضة كانت أو نافلة، مؤداة، أو مقضية، ولو منذورة، والصحيح عند الشافعية: أن الحاج يكبر من ظهر يوم النحر، وغيره، ومن صبح عرفة إلى عقب عصر أيام التشريق، وعليه العمل كما قاله النووي، قال في "الروضة": وهو الأظهر عند المحققين (¬1) لكن صحح في "المنهاج" كأصله: أن غير الحاج، كالحاج، فيكبر من ظهر يوم يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق. 970 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، قَال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ، قَال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ، كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَال: "كَانَ يُلَبِّي المُلَبِّي، لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ، فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ". [1659 - مسلم: 1285 - فتح: 2/ 461] (أنسًا) في نسخة: "أنس بن مالك". (غاديان) أي: سائران. (كان) اسمها: ضمير الشأن. (لا ينكر عليه) بالبناء للمفعول، أو للفاعل في الموضعين، وعلى الثاني: وضمير (ينكر) فيهما للنبي - صلى الله عليه وسلم -. 971 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَال: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالتْ: "كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ العِيدِ حَتَّى نُخْرِجَ البِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ وَطُهْرَتَهُ". [انظر: 324 - مسلم: 890 - فتح: 2/ 461] (حدثنا محمَّد) أي: ابن يحيى الذهلي بضم المهملة، وسكون الهاء، قاله الكرماني، وفي نسخة: "حدثنا عمر بن حفص" بإسقاط ¬
13 - باب الصلاة إلى الحربة يوم العيد
(محمَّد) قال شيخنا: وقد حدَّث البخاري عن عمر بالكثير بلا واسطة، وربما أدخلها أحيانًا، والراجح سقوطها في هذا الإسناد؛ وبذلك جزم أبو نعيم في "المستخرج" (¬1). (عن عاصم) هو ابن سليمان الأحول. (عن حفصة) أي: بنت سيرين. (أن نخرج) بنون مضمومة، وراء مكسورة، أو بفوقية مفتوحة، وراء مضمومة. (البكر) بالنصب بالمفعولية على الأول، وبالرفع بالفاعلية على الثاني. (من خدرها) بكسر المعجمة، وسكون المهملة أي: سترها، وفي نسخة: "من خدرتها" بتاء التأنيث. (حتى يخرج الحيض) في ضبطهما ما مرَّ في ضبط اللذين قبلهما. و (حتى) غاية للغاية قبلها، أو معطوفة عليها بواو مقدرة. (طهرته) بضم الطاء أي: طهارته من الذنوب. وفي الحديث: ندب التكبير في عيدي الفطر والأضحى، والأضحى وجه مطابقته لترجمة: أما للعيد فظاهر، وأما لأيام التشريق فبقياسها على العيد بجامع أن كلًّا منهما من الأيام المشهورة، وحكمة التكبير فيها: الإشارة إلى رفع ما كان عليه الجاهلية من الذبح لطواغيتهم، وأن الذبح إنما هو لله تعالى وحده. 13 - بَابُ الصَّلاَةِ إِلَى الحَرْبَةِ يَوْمَ العِيدِ (باب: الصلاة إلى الحربة) زاد في نسخة: "يوم العيد". (والحربة) دون الرمح العريض: النصل. ¬
14 - باب حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد
972 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تُرْكَزُ الحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ، ثُمَّ يُصَلِّي". [انظر: 494 - مسلم: 501 - فتح: 2/ 463] (حدثنا محمَّد) في نسخة: "حدثني محمَّد". (عبد الوهاب) أي: ابن عبد المجيد الثقفي. (تركز) أي: تغرز، وزاد في نسخة: "له" ومرَّ شرح الحديث في باب: سترة الإِمام سترة لمن خلفه. 14 - بَابُ حَمْلِ العَنَزَةِ أَو الحَرْبَةِ بَيْنَ يَدَيِ الإِمَامِ يَوْمَ العِيدِ (باب: حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد) والعنزة بفتحات: أقصر من الرمح في طرفها زج كما مرَّ. وقوله: (أو الحربة) زائد على الحديث الآتي، وهي مقيسة على العنزة. 973 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ الحِزَامِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ، قَال: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْدُو إِلَى المُصَلَّى وَالعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ، وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا". [انظر: 494 - مسلم: 501 - فتح: 2/ 463] (إبراهيم بن المنذر) في نسخة: "الحزامي" بمهملة مكسورة وزاي. (الوليد) أي: ابن مسلم. (أبو عمرو) زاد في نسخة: "الأوزاعي"، واسمه: عبد الرحمن. (قال: أخبرني) في نسخة: "قال: حدثني". (بالمصلى بين يديه) لفظ: (بين يديه) ساقط من نسخة. (فيصلي إليها) ساقط من نسخة، و (يصلي) بتحتية، وفي نسخة: بنون، وفي أخرى: "فصلى" بصيغة الماضي.
15 - باب خروج النساء والحيض إلى المصلى
15 - بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ وَالحُيَّضِ إِلَى المُصَلَّى (باب: خروج النساء والحيض إلى المصلى) أي: يوم العيد. (والحيض) بواو العطف، من عطف الخاص على العام، وفي نسخة: بحذفها، وفي نسخة: "باب: خروج الحيض". 974 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالتْ: "أَمَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ نُخْرِجَ العَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ" وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنَحْوهِ - وَزَادَ فِي حَدِيثِ - حَفْصَةَ، قَال: أَوْ قَالتْ: "العَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ، وَيَعْتَزِلْنَ الحُيَّضُ المُصَلَّى". [انظر: 324 - مسلم: 890 - فتح: 2/ 463] (حماد) أي: "ابن زيد" كما في نسخة. (عن أيوب) أي: السختياني. (عن محمَّد) وابن سيرين. (عن أم عطية) هي نسيبة بنت كعب. (أمرنا) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "أمرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم -". (العواتق) جمع عاتق، سميت به؛ لأنها عتقت عن الخدمة، أو عن قهر أبويها. (ذوات) بكسر التاء علامة النصب، وفي نسخة: "وذوات" بواو. (الخدور) [أي: الستور. (قال) أي: أيوب. (أو قالت) أي: حفصة. (العواتق وذوات الخدور)] (¬1) الشك من أيوب في أنها قالت: (ذوات) بدون واو العطف، و (أذوات) بها. (ويعتزلن الحيض) بإثبات النون على لغة: أكلوني البراغيث، وفي نسخة: بحذفها على الأصل. (واعتزالهن المصلى) واجب إن كان مسجدًا، ومندوب إن كان غيره، وإنما أمر باعتزالهن؛ لئلا يلزم الاختلاف بين الناس عن صلاة بعضهم، وترك الصلاة لبعضهم؛ أو لئلا يتنجس الموضع بدمهن أو يتأذوى به غيرهن. ¬
16 - باب خروج الصبيان إلى المصلى
16 - بَابُ خُرُوجِ الصِّبْيَانِ إِلَى المُصَلَّى (باب: خروج الصبيان إلى المصلى) أي: في العيد مع الناس، وإن لم يصلوا. 975 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَال: "خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ". [انظر: 98 - مسلم: 884 - فتح: 2/ 464] (عمرو بن عباس) في نسخة: "عمرو بن العباس". (عن عبد الرحمن) أي: ابن مهدي بن هشام الأزدي. (سفيان) أي: الثوري. (عن عبد الرحمن) أي: "ابن عابس"، كما في نسخة. (أو أضحى) الشك من ابن عباس، أو من عبد الرحمن بن عابس. (فوعظهن وذكرهن) العطف للتفسير، أو للتوكيد، وفي نسخة: "فذكرهن" بالفاء. وفي الحديث: الصلاة قبل الخطبة. ووجه مطابقتة للترجمة: أن ابن عباس كان صغيرًا؛ لأنه عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ابن ثلاث عشر سنة. 17 - بَابُ اسْتِقْبَالِ الإِمَامِ النَّاسَ فِي خُطْبَةِ العِيدِ قَال أَبُو سَعِيدٍ: قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَابِلَ النَّاسِ. [انظر: 304] (باب: استقبال الإِمام الناس في خطبة العيد) أي: عيد النحر والفطر، وإن اقتصر في الحديث على النحر. (قال أبو سعيد) في نسخة: "وقال أبو سعيد". 976 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ، قَال: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أَضْحًى إِلَى البَقِيعِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ
18 - باب العلم الذي بالمصلى
عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، وَقَال: "إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا، أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلاةِ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ" فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ؟ قَال: "اذْبَحْهَا، وَلَا تَفِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ". [انظر: 951 - مسلم: 1961 - فتح: 2/ 465] (يوم أضحى) في نسخة: "يوم الأضحى". (فإنما هو) في نسخة: "فإنه". (فقام رجل) هو أبو برزة بن نيار كما مرَّ. (ولا تفي) في نسخة: "ولا تغني" وسبق شرح الحديث. 18 - بَابُ العَلَمِ الَّذِي بِالْمُصَلَّى (باب: العلم الذي بالمصلى). لفظ: (الذي) ساقط من نسخة، و (العلم) بفتح العين واللام: ما يجعل علامة بالمصلى؛ ليعرف بها. 977 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ، قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قِيلَ لَهُ: أَشَهِدْتَ العِيدَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَال: "نَعَمْ، وَلَوْلا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ حَتَّى أَتَى العَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلالٌ، فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلالٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلالٌ إِلَى بَيْتِهِ". [انظر: 98 - مسلم: 884 - فتح: 2/ 465] (يحيى) أي: القطان، وفي نسخة: "يحيى بن سعيد". (عن سفيان) أي: الثوري، وفي نسخة: "حدثنا سفيان". (قيل له) في نسخة: "وقيل له" بواو الحال. (أشهدت العيد؟) أي: صلاته. (ولولا مكاني من الصغر ما شهدته) فيه: تقديم وتأخير وحذف، أي: ولولا منزلتي منه - صلى الله عليه وسلم - لم أحضر العيد؛ لأجل صغري، فالصغر علة
19 - باب موعظة الإمام النساء يوم العيد
لعدم الحضور. وقال شيخنا بعد ذكره ذلك: ويمكن حمله على ظاهره بأن يريد بشهوده: ما وقع من وعظ النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء؛ لأن الصغر يقتضي أن يغتفر له الحضور معهن، بخلاف الكبير (¬1). (يهوين) بضم أوله أي: يومين، وفي نسخة: "يهوين" بفتحها. (يقذفنه) حال أي: يرمين ما تصدقن به. ومرّ شرح الحديث في آخر كتاب: الصلاة (¬2). 19 - بَابُ مَوْعِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ يَوْمَ العِيدِ (باب: موعظة الإِمام النساء يوم العيد) أي: بعد فراغ خطبته. 978 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ، فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلالٍ، وَبِلالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ الصَّدَقَةَ" قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الفِطْرِ، قَال: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ حِينَئِذٍ، تُلْقِي فَتَخَهَا، وَيُلْقِينَ، قُلْتُ: أَتُرَى حَقًّا عَلَى الإِمَامِ ذَلِكَ، وَيُذَكِّرُهُنَّ؟ قَال: إِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ؟. [انظر: 958 - مسلم: 885 - فتح: 2/ 466] (حدثنا إسحاق) في نسخة: "حدثني إسحاق". (عبد الرزاق) أي: ابن همام. (قال: حدثنا) في نسخة: "قال: أخبرنا". (ابن جريج) أي: ابن عبد الملك بن عبد العزيز. (الصدقة) في نسخة: "صدقة". (زكاة يوم الفطر؟) أي: أكانت زكاة يوم الفطر؟ وفي نسخة: بالرفع أي: أهي زكاة الفطر؟ (ولكن صدقة) بالنصب أي: ولكن كانت صدقة، ويجوز الرفع أي: ولكن هي ¬
صدقة. (تلقي) أي: النساء، أو المرأة. (فتخها) بفتحات، وفي نسخة: "فتختها" بزيادة تاء التأنيث، وسيأتي في كلامه تفسير الفتح. (ويلقين) أي: كل نوع من حليهن، وكرر الإلقاء، لإفادة العموم. (أترى؟) بضم التاء: أتظن؟ (ويذكرهن) في نسخة: "يذكرهن" بلا واو، وفي أخرى: "يأتيهن ويذكرهن". 979 - قَال ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: شَهِدْتُ الفِطْرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُصَلُّونَهَا قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ يُخْطَبُ بَعْدُ، خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ مَعَهُ بِلالٌ، فَقَال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} [الممتحنة: 12] الآيَةَ، ثُمَّ قَال حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: "آنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ " قَالتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا: نَعَمْ، - لَا يَدْرِي حَسَنٌ مَنْ هِيَ - قَال: "فَتَصَدَّقْنَ" فَبَسَطَ بِلالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَال: "هَلُمَّ، لَكُنَّ فِدَاءٌ أَبِي وَأُمِّي" فَيُلْقِينَ الفَتَخَ وَالخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلالٍ قَال عَبْدُ الرَّزَّاقِ: "الفَتَخُ: الخَوَاتِيمُ العِظَامُ كَانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ". (قال ابن جريج). (الحسن) في نسخة: "حسن". (طاوس) وابن كيسان. (شهدت الفطر) أي: صلاته. (يصلونها) أي: صلاة الفطر. (يخطب) بالبناء للفاعل أي: كل منهم، وبالبناء للمفعول. (بعد) بالضم أي: بعد الصلاة. (خرج النبي) قيل: أصله: وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي نسخة: "بعد خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - " أي: بعد الوقت الذي كان يخرج فيه. (يجلس) بضم أوله، وإسكان ثانيه: من الإجلاس، وفي نسخة: بالضم، والفتح، وكسر ثالثه مشددًا: من التجليس. (بيده) أي: يشير بها إلى أمرهم بالجلوس؛ لينتظروه حتى يفرغ من وعظه، ثم ينصروفوا جميعًا.
20 - باب إذا لم يكن لها جلباب في العيد
(فقال) أي: النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني: تلا {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} إلخ وفي مسلم: فتلى هذه حتى فرغ منها. (منها) أي: من قراءة الآية. (وذلك) بكسر الكاف، وهي واقعة موقع كن، إذ الأصل: ذلكن. (قالت) في نسخة: "فقالت". (لا يدري حسن) أي: ابن مسلم راوي الحديث. (من هي) قيل: أسماء بنت يزيد. (فتصدقن) الفاء سببية، أو واقعة في جواب شرط محذوف أي: إن كنتن على ذلك فتصدقن. (ثم قال) أي: بلال. (هلم) أي: يا نسوة والمعنى: تعالين وتقربن، وهو لازم، كما هنا وكما في قوله تعالى: {هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب: 18]، ومتعد نحو: هلم الثوب أي: قربه، وهو عند الحجازيين بلفظ واحد، يستوي فيه المفرد والمذكر، وغيرهما، وبنو تميم يقولون: هلم، هلما، هلموا، إلخ. (لكن) متعلق بقوله: (فداء) بكسر الفاء مع المدِّ، والكسر، وبفتحها مع القصر فقط، وهو مرفوع خبر لقوله: (أبي وأمي) أي: أبي وأمي مفديان (لكن). (كانت في الجاهلية) قال ثعلب: إنهن كن يلبسنها في أصابع أرجلهن. 20 - بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ فِي العِيدِ (باب: إذا لم يكن لها جلباب في العيد) أي: فتلبسها صاحبتها من جلبابها، وهو ثوب أقصر وأعرض من الخمار، وقيل: المقنعة، وقيل: ثوب واسع يغطي صدرها وظهرها، وقيل: الإزار والخمار، وقيل: غير ذلك. 980 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَال: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، قَالتْ: كُنَّا نَمْنَعُ جَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ يَوْمَ العِيدِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ، فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَأَتَيْتُهَا، فَحَدَّثَتْ أَنَّ زَوْجَ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، فَكَانَتْ أُخْتُهَا مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، فَقَالتْ: فَكُنَّا نَقُومُ عَلَى المَرْضَى،
وَنُدَاوي الكَلْمَى، فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ فَقَال: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، فَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ" قَالتْ حَفْصَةُ: فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ أَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ فِي كَذَا وَكَذَا؟ قَالتْ: نَعَمْ بِأَبِي، وَقَلَّمَا ذَكَرَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا قَالتْ: بِأَبِي قَال: "لِيَخْرُجِ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ - أَوْ قَال: العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ، شَكَّ أَيُّوبُ - وَالحُيَّضُ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى، وَلْيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ " قَالتْ: فَقُلْتُ لَهَا: الحُيَّضُ؟ قَالتْ: نَعَمْ، أَلَيْسَ الحَائِضُ تَشْهَدُ عَرَفَاتٍ، وَتَشْهَدُ كَذَا، وَتَشْهَدُ كَذَا؟ [انظر: 324 - مسلم: 890 - فتح: 2/ 469] (أبو معمر) هو عبد الله. (عبد الوارث) وابن سعيد التميمي. (أيوب) أي: السختياني. (أن يخرجن يوم العيد) أي: للمصلى. (امرأة) لم تسم. (أن زوج أختها) لم يعرف اسمه. (فكانت أختها معه) أي: مع زوجها، أو مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. (فقالت) أي: الأخت، وفي نسخة: "قالت". (الكلمى) بفتح الكاف، وسكون اللام، جمع كليم أي: جريح. (على إحدانا) في نسخة: "أعلى إحدانا؟ بهمزة الاستفهام. (بأس) أي: حرج. (لتلبسها) بالجزم أي: عارية من جلبابها، أي: من جنسه، أو هو من باب المبالغة أي: يخرجن ولو اثنتان في جلباب. وفيه: تأكيد خروجهن للعيد؛ لأنه إذا أمر من لا جلباب لها، فمن لها جلباب أولى. (أسمعت) أي من النبي - صلى الله عليه وسلم -. (في كذا) زاد في نسخة: "وكذا". (قالت) في نسخة: "فقالت". (بأبي) أي: أفديه - صلى الله عليه وسلم - بأبي، وفي نسخة: في الموضعين "بأبا" بإبدال الياء ألفًا (ليخرج) بالجزم، وفي نسخة: "ليخرجن" على لغة: أكلوني البراغيث، وفاعل (يخرج). (العواتق) مرَّ بيانه. (ذوات الخدور) أي: الستور، وفي نسخة: "وذوات الخدور" بواو. (أو قال: العواتق وذوات) في نسخة: "العواتق
21 - باب اعتزال الحيض المصلى
وذات" بالإفراد. (شك أيوب) أي: هل هو بواو العطف، أو لا. (قالت: نعم) في نسخة: "فقالت: نعم" ومرَّ شرح الحديث في باب: خروج النساء إلى العيدين. 21 - بَابُ اعْتِزَالِ الحُيَّضِ المُصَلَّى (باب: اعتزال الحيض المصلى) هذا بعض ما تضمنه الحديث في الباب السابق وكأنه أعاده؛ للاهتمام به. 981 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَال: قَالتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: "أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنُخْرِجَ الحُيَّضَ، وَالعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ - قَال ابْنُ عَوْنٍ: أَو العَوَاتِقَ ذَوَاتِ الخُدُورِ - فَأَمَّا الحُيَّضُ: فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلَّاهُمْ". [انظر: 324 - مسلم: 890 - فتح: 2/ 470] (ابن أبي عدي) هو محمَّد بن إبراهيم. (عن ابن عون) هو عبد الله. (عن محمَّد) هو ابن سيرين. (أن نخرج) بفتح النون، وضم الراء. (فنخرج) بضم النون، وكسر الراء من الإخراج. (قال) في نسخة: "وقال". (أو العواتق ذوات الخدور" شك (ابن عون)، هل هو بواو العطف، أو لا كما شك أيوب في الباب السابق. 22 - بَابُ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمُصَلَّى (باب: النحر والذبح بالمصلى يوم العيد) النحر: للإبل في اللبة والذبح لغيرها في الحلق، وجمع بينهما بواو العطف وإن عبر في الحديث الآتي بأو المقتضية للترددة ليفيد اشتراكهما في الحكم، وأنه لا يمتنع أن يجمع يوم النحر بين النسكين: أحدهما: مما ينحر، والآخر: ما يذبح.
23 - باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد، وإذا سئل الإمام عن شيء وهو يخطب
982 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَال: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْحَرُ، أَوْ يَذْبَحُ بِالْمُصَلَّى". [1710، 1711، 5551، 5552 - فتح: 2/ 471] (كان ينحر أو يذبح بالمصلى) أي: للإعلام بذبح الإِمام، ليترتب عليه ذبح الناس؛ ولأن الأضحية من القرب العامة فإظهارها أفضل؛ لأن فيه إحياء لسنتها. 23 - بَابُ كَلامِ الإِمَامِ وَالنَّاسِ فِي خُطْبَةِ العِيدِ، وَإِذَا سُئِلَ الإِمَامُ عَنْ شَيْءٍ وَهُوَ يَخْطُبُ (باب: كلام الإِمام، والناس) بالجر عطف على الإِمام (في خطبة العيد، وإذا سئل الإِمام عن شيء) أي: من أمر الدين (وهو يخطب) أي: يجيب السائل، والمعنى: باب بيان حكم ذلك. 983 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، قَال: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَال: "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، وَنَسَكَ نُسْكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ"، فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، فَتَعَجَّلْتُ، وَأَكَلْتُ، وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي، وَجِيرَانِي فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ" قَال: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ جَذَعَةٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَهَلْ تَجْزِي عَنِّي؟ قَال: "نَعَمْ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ". [انظر: 951 - مسلم: 1961 - فتح: 2/ 471] (أبو الأحوص) هو سلام بن سليم. (فقال) في نسخة: "قال". (ونسك نسكنا) أي: قرب قرباننا (عناق جذعة) بالإضافة وفي نسخة: "عناقًا جذعة". (هي) في نسخة: "لهي".
(ولن تجزي عن أحد بعدك) مرَّ شرحه (¬1). 984 - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَال: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَأَمَرَ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ أَنْ يُعِيدَ ذَبْحَهُ"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِيرَانٌ لِي - إِمَّا قَال: بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَإِمَّا قَال: بِهِمْ فَقْرٌ - وَإِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ الصَّلاةِ، وَعِنْدِي عَنَاقٌ لِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، "فَرَخَّصَ لَهُ فِيهَا". [انظر: 954 - مسلم: 1962 - فتح: 2/ 471] (عن حماد بن زيد) في نسخة: "عن حماد وابن زيد". (أيوب) أي: السختياني. (عن محمَّد) وابن سيرين (أن أنس بن مالك قال: إن رسول الله) في نسخة: "عن أنس بن مالك أن رسول الله". (ذبحة) بكسر المعجمة أي: مذبوحة، وبفتحها مصدر. (فقام رجل) هو أبو بردة (جيران) بكسر الجيم مبتدأ (لي) صفته، وخبره. (إما قال: بهم خصاصة) أي؛ جوع (وإما قال: فقر). في نسخة: "وإما قال: بهم فقر". 985 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ جُنْدَبٍ، قَال: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ، فَقَال: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ". [5500، 5562، 6674، 7400 - مسلم: 1960 - فتح: 2/ 472] (مسلم) هو ابن إبراهيم. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن الأسود) أي ابن قيس العبدي. (عن جندب) بفتح الدال، وضمها، ابن عبد الله البجلي. (فقال) في نسخة: "وقال". (بسم الله) الباء بمعنى اللام، ¬
24 - باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد
والاسم مقحم أي: لله، أو فيه تأويل، أو إضمار أي: بسنة الله، أو متبركًا باسمه، والجمهور على أن الأضحية سنة؛ لخبر مسلم: "من رأى هلال ذي الحجة فأراد أن يضحي؛ فليمسك من شعره، وأظفاره" (¬1) وأوجبها أبو حنيفة على المقيم بالمصر المالك للنصاب. 24 - بَابُ مَنْ خَالفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ العِيدِ (باب: من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد) أي: باب بيان حكم من خالف الطريق التي توجه منها يوم العيد إلى المصلى إذا رجع. 986 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلامٍ، قَال: أَخْبَرَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالفَ الطَّرِيقَ" تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ فُلَيْحٍ، وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ: عَنْ فُلَيْحٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ. [فتح: 2/ 472] (محمَّد) "هو ابن سهل" كما في نسخة (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (تميلة) بمثناة فوقية مضمومة (عن جابر قال) في نسخة: "عن جابر بن عبد الله قال". (إذا كان ... إلخ) كان تامة تكتفي بمرفوعها، وفي نسخة: "إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق الذي ذهب فيه". وحكمة مخالفته الطريق: شمول بركته أهل الطريقين، أو أنه يستفتى فيهما، أو أن يدعو لأهل ¬
قبورهما، أو أن تشهد له الطريقان، وأهلهما، أو أن يتصدق على فقرائهما، أو أن يزداد غيظ المنافقين، أو أن لا تكثر الرحمة، أو أن يشاع ذكر الله، أو أنه يتحر عن كيد الكفار، أو أن يقصد أطولهما لتكثير الخطى، فيزيد الثواب، وأقصرهما رجوعًا؛ لأن الذهاب أفضل منه، ويندب لمن شاركه - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر ذلك، وكذا لمن لم يشاركه في الأظهر تأسيًا به - صلى الله عليه وسلم -. (تابعه) أي: أبا تميلة: يونس بن محمَّد (عن فليح، عن سعيد) في نسخة: "وقال محمَّد بن الصلت، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة"، وبهذه النسخة ظهر مخالفة حديث أبي هريرة لرواية جابر في السند (¬1) وحديث جابر أصح أي من حديث أبي هريرة، وإن اشتركا في الصحة، قال شيخنا بعد ذكره ذلك: والذي يغلب على الظن أن الاختلاف فيه من فليح، فلعل شيخه سمعه من جابر، وعن أبي هريرة ويقوي ذلك اختلاف اللفظين (¬2)، وقد رجح عند البخاري أنه عن جابر، وخالفه أبو مسعود والبيهقي (¬3)، فرجحا أنه عن أبي هريرة، ولم يظهر ¬
لي في ذلك ترجيح. انتهى (¬1). ¬
25 - باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين
25 - بَابٌ: إِذَا فَاتَهُ العِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ، وَمَنْ كَانَ فِي البُيُوتِ وَالقُرَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلامِ" وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلاهُمْ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاويَةِ فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ، وَصَلَّى كَصَلاةِ أَهْلِ المِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ وَقَال عِكْرِمَةُ: "أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي العِيدِ، يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ" وَقَال عَطَاءٌ: "إِذَا فَاتَهُ العِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ". (باب: إذا فاته العيد) أي: صلاته (يصلي ركعتين) أي: كهيئتهما مع الإِمام، وخالفت الحنفية، فخيرته بين ركعتين على الأصل، وبين أربعٍ؛ لخبر ابن مسعود بإسناد صحيح: "من فاته العيد مع الإِمام، ¬
فليصل أربعًا" (¬1) لكن الجمهور على خلافه. (وكذلك النساء) أي: اللاتي لم يحضرن المصلى مع الإِمام. (ومن كان في البيوت) أي: ممن لم يحضرها معه من غير النساء. (والقرى) أي: وكذلك من كان في القرى, ولم يحضر، وأشار بقوله: (ومن كان في البيوت والقرى) إلى مخالفة ما روي عن علي: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصرٍ جامع (¬2). (هذا) أي: ما ذكر من ركعتي العيد عندنا. (أهل الإِسلام) بنصب أهل على الاختصاص، أو على النداء بـ "يا"، وبها صرح، كما في نسخة. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: ما في هذا من الإشارة إلى الركعتين، وعمم بقوله: (أهل الإِسلام) من كان مع الإِمام ممن لم يكن معه من النساء، وأهل القرى، وغيرهم. (مولاهم) أي: مولى أنس، وأصحابه، وفي نسخة: "مولاه" أي: مولى أنس. (ابن أبي عتبة) بنصب (ابن) بدل من مولى، أو عطف بيان و (عتبة) بضم العين، وسكون الفوقية، وفتح الموحدة، وفي نسخة: "غنية" بمعجمة مفتوحة، ونون مكسورة، وتحتية مشددة. (بالزاوية) موضع على فرسخين من البصرة (¬3)، كان بها قصرٌ، ¬
وأرضٌ لأنس. (فجمع) بتخفيف الميم. (وقال عطاء) في نسخة: "وكان عطاء" (إذا فاته) أي: المصلى على النسخة الأولى، وعطاء على الثانية. (العيد) أي: صلاته. 987 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنَى تُدَفِّفَانِ، وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، فَقَال: "دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ، وَتِلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى"،. [انظر: 949 - مسلم: 892 - فتح: 2/ 47] (عُقيل) بالتصغير: وابن خالد الأيلي. (متغشٍ) أي: مستتر، وفي نسخة: "متغشي" بياء (فانتهرهما) أي: زجرهما (فإنها) أي: هذه أيام. (أيام عيد وتلك الأيام، أيام منى) أضاف الأيام إلى زمانها أولًا، ثم إلى مكانها ثانيًا. 988 - وَقَالتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَعْهُمْ أَمْنًا بَنِي أَرْفِدَةَ" يَعْنِي مِنَ الأَمْنِ. [انظر: 454 - مسلم: 892 - فتح: 2/ 474] (فزجرهم) قال الكرماني: أي: أبو بكر (¬1)، قلت: وفي نسخة: "فزجرهم عمر". قال شيخنا: وقد ثبت بلفظ عمر في طرق أخرى (¬2). (أمنًا) بسكون الميم والنصب على المصدر أي: ائتمنوا أمنا، أو بنزع الخافض، أي: اتركهم للأمن أي: لأنا أمناهم أو على الحال أي: آمنين. ¬
26 - باب الصلاة قبل العيد وبعدها
(بني أرفدة) بالنصب بنداء محذوف، أو على الاختصاص، ثم فسر الأمن بقوله: (يعني من الأمن) ضد الخوف، لا الأمان الذي هو للكفار. 26 - بَابُ الصَّلاةِ قَبْلَ العِيدِ وَبَعْدَهَا وَقَال أَبُو المُعَلَّى: سَمِعْتُ سَعِيدًا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "كَرِهَ الصَّلاةَ قَبْلَ العِيدِ". (باب: الصلاة قبل العيد) أي: صلاته. (وبعدها) أي: هل يجوز قبلها، أو بعدها، أولًا. (أبو المعلى) أي: يحيى بن ميمون العطار، أو يحيى بن دينار. (سعيدًا) وابن جبير. 989 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَال: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَمَعَهُ بِلالٌ". [انظر: 98 - مسلم: 884 - فتح: 2/ 476] (فصلى ركعتين) أي: صلاة العيد. (لم يصل قبلها ولا بعدها) أي: صلاة الركعتين، وفي نسخة: "لم يصل قبلهما ولا بعدهما" أي: الركعتين. وعند الشافعية: يكره للإمام بعد الحضور التنفل قبلها وبعدها؛ لما فيه من اشتغاله بغير الأهم، ولمخالفته فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه صلى عقب حضوره، وخطب عقب صلاته، وأما المأموم فلا يكره له ذلك قبلها مطلقًا, ولا بعدها إن لم يسمع الخطبة، بخلاف من يسمعها لإعراضه عن الخطيب بالكلية.
14 - كتاب الوتر
14 - كتاب الوتر
1 - باب ما جاء في الوتر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 14 - كتاب الوِتْرِ 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الوِتْرِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقطٌ من نسخة، وموجودة ومؤخرة في أخرى عن قوله: (باب: ما جاء في الوتر) بفتح الواو وكسرها، وفي أخرى بدل هذا: "أبواب الوتر" مع تأخير البسملة في نسخة، وتقديمهما في أخرى، وفي أخرى: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، باب الوتر" وهو عند الشافعية سنة؛ لخبر: هل عليَّ غيرها، قال: "لا إلا أن تطوع" (¬1) واجبٌ عند الحنفية؛ لخبر أبي داود "الوتر حق على كل مسلم" (¬2). وأجيب: بأن قوله حقٌّ ليس بمعنى: الواجب في عرف الشارع، ولو بمعناه، فالصارف عن ظاهره خبر: هل عليَّ السابق، وقوله تعالى: {وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} إذا لو وجب لم يكن للصلوات وسطى، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "إن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" (¬3). ¬
990 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلاةِ اللَّيْلِ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: "صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى". [انظر: 472 - مسلم: 749 - فتح: 2/ 477] (أخبرنا) مالك) في نسخة: "حدثنا مالك". (أن رجلًا) قيل: وابن عمر، وقيل: هو من أهل البادية (¬1)، ولا تنافي؛ لاحتمال تعدد السائل. (سأل رسول الله) في نسخة: "سأل النبي". (عن صلاة الليل) أي: عن كيفيتها. (صلاة الليل) أي: نافلته (مثنى، مثنى) بلا تنوين؛ لأنه غير مصروف؛ للعدل والوصف، وتكريره؛ للتأكيد، ونافلة النهار عند الشافعية، كنافلة الليل في أنها مثنى، وذكر الليل لا مفهوم له؛ لأنه لقبٌ. (فإذا خشي أحدكم الصبح) أي: ذوات صلاة الصبح. (توتر له ما قد صلى فيه) لأن أقل الوتر ركعة، وأنها تكون مفصولة بالتسليم مما قبلها، وبه قال الأئمة الثلاثة، خلافًا لأبي حنفية فيهما. وفيه: التسليم من كل ركعتين. 991 - وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ: "كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الوتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ". [فتح: 2/ 477] (كان يسلم ... إلخ) ظاهره: أنه كان يصلي الوتر موصولًا، وإلا فإن عرضت له حاجة فصل، ثم أتى بما بقي. 992 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ¬
كُرَيْبٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالتُهُ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ وسَادَةٍ "وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ - أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ - فَاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي"، فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبهِ، "فَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ". [انظر: 117 - مسلم: 763 - فتح: 2/ 477] (عن مالك) أي: "ابن أنس" كما في نسخة. (عن كريب) أي: ابن أبي مسلم الهاشمي. (في عرض وسادة) بفتح العين، وقد تضم. (أو قريبًا) أي: صار الليل قريبًا. (منه) أي: من الانتصاف. (يمسح النوم) أي: أثره. (عشر آيات من آل عمران) أي: من {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ} إلى آخرها (شن معلقة) أنث وصف الشن بتأويله بالقربة. (قمت) في نسخة: "وقمت" بالواو. (يفتلها) أي: يدلكها؛ ليوقظه ويؤنسه، ومرَّ شرح الحديث في باب: السمر بالعلم (¬1). 993 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ القَاسِمِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ، فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا صَلَّيْتَ" قَال القَاسِمُ: "وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلاثٍ، وَإِنَّ كُلًّا لَوَاسِعٌ أَرْجُو أَنْ لَا ¬
يَكُونَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَأْسٌ". [انظر: 472 - مسلم: 741 - فتح: 2/ 477] (ابن وهب) في نسخة: "عبد الله بن وهب". (عمرو) أي: "ابن الحارث" كما في نسخة. (قال: قال النبي) في نسخة: "قال: قال رسول الله". (أرجو) في نسخة: "وأرجو" بواو. 994 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ، أَخْبَرَتْهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلاتَهُ - تَعْنِي بِاللَّيْلِ - فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلصَّلاةِ". [انظر: 619 - مسلم: 736 - فتح: 2/ 478] (عن عروة) في نسخة: "قال: حدثني عروة". (كان يصلي إحدى عشرة ركعة) وهي أكثر الوتر عند الشافعي؛ لهذا الحديث، ولقول عائشة: ما كان - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان، ولا غيره على إحدى عشرة ركعة (¬1) فلا تصح الزيادة عليها. قال الأكثرون: ولا ينافي ذلك ما علم من خبر ابن عباس السابق أنها ثلاثة عشرة؛ لأنه مؤول أن فيه ركعتي سنة العشاء. قال النووي: وهو تأويل ضعيف مباعد للأخبار (¬2). قال السبكي: وأنا أقطع بحل الإيتار بذلك، وصحته، لكني أحب الاقتصار على إحدى عشرة فأقل؛ لأنه غالب أحواله - صلى الله عليه وسلم -. (ثم يضطجع على شقه الأيمن) أي: لأنه كان يحب التيمن، وقيل: لئلا ¬
2 - باب ساعات الوتر
يستغرق في النوم؛ لأن القلب في اليسار، ففي النوم عليه راحة له، فيستغرق فيه، وقضية الحديث: تأخير الاضطجاع عن سنة الفجر، ولا ينافيه ما في خبر ابن عباس السابق من أنه قبلها؛ لجواز فعل الأمرين جميعًا في يوم، ومتفرقين في يومين (للصلاة) في نسخة: "بالصلاة". 2 - بَابُ سَاعَاتِ الوتْرِ قَال أَبُو هُرَيْرَةَ: "أَوْصَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالوتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ". (باب: ساعات الوتر) أي: أوقاته. (أوصاني النبي) في نسخة: "أوصاني رسول الله". (بالوتر قبل النوم) محمول على من لم يشق بتيقظه آخر الليل؛ جمعًا بينه وبين خبر: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" (¬1). 995 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَال: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، قَال: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الغَدَاةِ أُطِيلُ فِيهِمَا القِرَاءَةَ، فَقَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ، وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الغَدَاةِ، وَكَأَنَّ الأَذَانَ بِأُذُنَيْهِ" قَال حَمَّادٌ: أَيْ سُرْعَةً. [انظر: 472 - مسلم: 749 - فتح: 2/ 486] (أبو النعمان) هو محمَّد بن الفضل السدوسي. (أرأيت؟) بهمزة الاستفهام أي: أخبرني. (قبل صلاة الغداة) أي: الصبح. (أطيل) بهمزة الاستفهام مقدرة، وفي نسخة: "نطيل" بنون، وفي أخرى: "أطيل" بالبناء للمفعول، وفي أخرى: "يطيل" بتحتية أي: المصلي. ¬
3 - باب إيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم أهله بالوتر
(فقال) في نسخة: "قال". (من الليل) في نسخة: "بالليل". (ويصلي الركعتين) في نسخة: "ويصلي ركعتين". (وكأن) بالتشديد (الأذان) أي: الإقامة (بأذنيه) بضم الذال، وإسكانها، والجملة حال من فاعل يصلي، والمعنى: أنه كان يسرع بالقراءة في الركعتين، وهو معنى قوله: قال حماد (أي: سرعة) في نسخة: "أي: بسرعة". 996 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَال: حَدَّثَنَا أَبِي، قَال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَال: حَدَّثَنِي مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: "كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَانْتَهَى وتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ". [مسلم: 745 - فتح: 2/ 486] (سليمان) أي: ابن مهران، وفي نسخة: بدل سليمان: "الأعمش". (مسلم) هو أبو الضحى الكوفي (عن مسروق) أي: ابن عبد الرحمن الكوفي. (كل الليل) بالنصب بالظرفية لقوله: (أوتر) بالرفع مبتدأ خبره جملة: أوتر بتقدير كل الليل أوتر فيه رسول الله، ثم المراد منه: أنه أوتر جميع الليالي، أو في جميع ساعات الليل أي: إما أن يراد به جزئيات الليل، أو أجزاؤه، ووقته: بين صلاة العشاء، وطلوع الفجر. 3 - بَابُ إِيقَاظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَهُ بِالوتْرِ (باب: إيقاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - أهله بالوتر) في نسخة: "للوتر". 997 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي، فَأَوْتَرْتُ". [انظر: 382 - مسلم: 512، 744 - فتح: 2/ 487] (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (هشام) أي: ابن عروة.
4 - باب: ليجعل آخر صلاته وترا
(معترضة) بالنصب حال، وبالرفع صفة. (فأوترت) الفاء فصيحة فقمت وتوضأت وأوترت. وفي الحديث: امتثال قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} وأن الوتر بعد النوم، وتأكيد أمر الوتر. 4 - بَابٌ: لِيَجْعَلْ آخِرَ صَلاتِهِ وتْرًا (باب: ليجعل آخر صلاته وترًا) للحديث الآتي. 998 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وتْرًا" [انظر: 472 - مسلم: 751 - فتح: 2/ 488] (عبيد الله) أي: ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر (عن عبد الله) في نسخة: "عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما". (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) حكمته: أن أول صلاة الليل المغرب، وهي وتر، فناسب أن يكون آخرها وترًا، والأمر؛ للندب بقرينة صلاة الليل تهجدًا، فإنها غير واجبة اتفاقًا، فكذا آخرها، وأما خبر أبي داود "من لم يوتر فليس منا" (¬1) فمعناه: ليس على سنتنا. 5 - بَابُ الوتْرِ عَلَى الدَّابَّةِ (باب: الوتر على الدابة) أي: صلاته عليها. 999 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ ¬
6 - باب الوتر في السفر
الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَال: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَال سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ، فَنَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، فَقَال عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَال: "فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى البَعِيرِ". [1000، 1095، 1096، 1098، 1105 - مسلم: 700 - فتح: 2/ 488] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (خشيت الصبح) أي: دخول وقته. (إسوة) بكسر الهمزة، وضمها أي: قدوة. (كان يوتر على البعير) احتج به على أبي حنيفة في إيجابه الوتر، إذا لو كان واجبًا لما صلاه راكبًا [واستشكل بأن الوتر كان واجبًا عليه - صلى الله عليه وسلم - فكيف صلاه راكبًا] (¬1). وأجيب: باحتمال الخصوصية؛ كخصوصية وجوبه عليه، وبأنه يشرع للأمة بما يليق بالسنة في حقهم: يصلي على الراحلة كذلك، وهو في نفسه واجب عليه، فاحتمل الركوب فيه؛ لمصلحة التشريع. 6 - بَابُ الوتْرِ فِي السَّفَرِ (باب: الوتر في السفر) أي: على راحتله. 1000 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلاةَ اللَّيْلِ، إلا الفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ". [انظر: 999 - مسلم: 700 - فتح: 2/ 489] ¬
7 - باب القنوت قبل الركوع وبعده
(حيث توجهت به) أي: فيصير صوب سفره قبلته (صلاة الليل) مفعول يصلي (إلا الفرائض) استثناء منقطع بمعنى: لكن، أي: [لكن الفرائض] (¬1) لم يكن يصليها على الراحلة، وتعبيره بالفرائض جرى على غير المشهور من أن أقل الجمع اثنان، إذ الواجب في صلاة الليل المغرب والعشاء فقط، وقيل المراد بالفراض: ما يعم الليلية والنهارية أي: فيكون جمعها على المشهور. 7 - بَابُ القُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ (باب: القنوت قبل الركوع وبعده) أي: في الصلوات كلها لنازلة. 1001 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَال: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَقَنَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّبْحِ؟ قَال: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؟ قَال: "بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا". [1002، 1003، 1300، 2801، 2814، 3064، 3170، 4088، 4089، 4090، 4092، 4094، 4095، 4096، 6394، 7341 - مسلم: 677 - فتح: 2/ 489] (عن أيوب) أي: السختياني. (عن محمَّد) أي: "ابن سيرين" كما في نسخة، وفي أخرى: "عن ابن سيرين". (أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخة. (فقيل: أوقنت) في نسخة: "فقيل له: أوقنت" وفي أخرى: "فقيل: أقنت" وفي أخرى: "أوقلت له: أوقنت". (يسيرًا) أي: شهرًا، كما في الرواية الآتية. 1002 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، قَال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ القُنُوتِ، فَقَال: قَدْ كَانَ القُنُوتُ قُلْتُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ ¬
بَعْدَهُ؟ قَال: قَبْلَهُ، قَال: فَإِنَّ فُلانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَقَال: "كَذَبَ إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا، أُرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمْ القُرَّاءُ، زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا، إِلَى قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ، فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ". [انظر: 1001 - مسلم: 677 - فتح: 2/ 489] (عبد الواحد) أي: "ابن زياد" كما في نسخة. (قد كان القنوت) أي: مشروعًا. (قال: فإن فلانًا) في نسخة: "قال: قلت: فإن فلانًا". قال شيخنا: لم أقف على اسمه، ويحتمل أنه محمَّد بن سيرين (¬1) (أخبرني عنك، قلت) في نسخة: "أخبرني عنك أنك قلت". (فقال: كذب) إن قيل: كيف احتج الشافعية على أن القنوت بعد الركوع بحديث أنس المذكور، وقد قال الأصوليون: إذا كذَّب الأصلُ الفرعَ لا يعمل به. قلنا: لم يُكذِّب أنسٌ محمدَ بن سيرين، بل كَذَّب فلانًا الذي ذكره عاصم، ولعله غيرُ محمَّد، قاله الكرماني (¬2)، وفيه: إبعاد كذا قاله شيخنا آنفًا (¬3). (إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع شهرًا) أي: في الصلوات كلها، وإلا فقنوت الصبح بعد الركوع مستمر عند الشافعي، فمعنى الحصر المذكور: أنه لم يقنت إلَّا شهرًا في جميع الصلوات بعد الركوع، بل في الصبح فقط، فلا تنافي بين كلامي الشافعي. وقنوته في - صلى الله عليه وسلم - شهرًا كان على قتلة القراء؛ لكونها نازلة (أراه) أي: [بضم الهمزة] (¬4) ¬
أظنه وهو مقول أنس (يقال لهم) في نسخة: "يقال لها" بتأنيث ضمير القوم؛ باعتبار أنهم طائفة. (القراء) هم طائفة كانوا من أورع الناس، نزلوا الصفة؛ يتعلمون القرآن، فبعثهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل نجد؛ ليدعوهم إلى الإِسلام، ويقرؤا عليهم القرآن، فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء وهم رعلٌ وذكران وعصية، فقاتلوهم، فقتلوهم، ولم ينج منهم إلا كعب بن زيد الأنصاري (¬1). (زهاء) بضم الزاي، وخفة الهاء، والمدِّ، أي: مقدار. (دون) أي: غير (أولئك) أي: المبعوث إليهم. 1003 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: "قَنَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ". [انظر: 1001 - مسلم: 677 - فتح: 2/ 409] (أخبرنا أحمد) في نسخة: "حدثنا أحمد" (ابن يونس) نسبة إلى جده؛ لشهرته به، وإلا فهو عبد الله بن يونس. (زائدة) أي: ابن قدامة. (عن التيمي) هو سليمان بن طرخان (عن أبي مجلز) بكسر الميم، وقد تفتح، هو لاحق بن حميد السدوسي. (عن أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخة. (على رعل) بكسر الراء وسكون العين المهملتين. (ذكوان) بفتح الذال المعجمة، وسكون الكاف آخره نون، غير منصرف: قبيلتان من سليم. 1004 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: "كَانَ القُنُوتُ فِي المَغْرِبِ وَالفَجْرِ". [فتح: 2/ 490] ¬
(إسماعيل) أي: ابن عليه. (قال: حدثنا) في نسخة: "قال: أخبرنا" (خالد) أي: الحذاء. (عن أبي قلابة) هو عبد الله بن زيد الجرمي (عن أنس) أي: "ابن مالك"، كما في نسخة. (في المغرب والفجر) أي: لأنهما في طرفي النهار؛ لزيادة شرف وقتيهما، فكان تارة يقنت فيهما، وتارة في جميع الصلوات؛ حرصًا على إجابة الدعاء حتى نزل {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} فتركه إلا في الصبح؛ لخبر أنس: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا (¬1)، وقد يقال: أن أحاديث هذا الباب ليس فيها ذكر الوتر، فما وجه ذكرها في باب الوتر؟، ووجه شيخنا بأنه ثبت أن المغرب وتر النهار (¬2)، فإذا ثبت فيها ثبت في وتر الليل؛ بجامع ما بينهما من الوترية (¬3). ¬
15 - كتاب الاستسقاء
15 - كتاب الاستسقاء
1 - باب الاستسقاء وخروج النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [15 - أَبْوَابُ الاسْتِسْقَاءِ] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقط من نسخة (أبواب الاستسقاء) كذلك، وفي نسخة بدله: "كتاب الاستسقاء" وفي نسخة تأخير البسملة عن (أبواب الاستسقاء). 1 - بَابُ الاسْتِسْقَاءِ وَخُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الاسْتِسْقَاءِ (باب: الاستسقاء) ساقط من نسخة، والاستقاء: طلب إنزال المطر من الله تعالى بالتضرع، وهو ثلاثة أنواع: أدناها: الاستقاء بالدعاء خاليا عما يأتي. وأوسطها: الاستقاء بالدعاء بعد صلاة، أو في خطبة جمعة، أو نحوها. وأفضلها: الاستقاء بصلاة وخطبة. 1005 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَال: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ". [1001، 1012، 1023، 1024، 1025، 1026، 1027، 1028، 6343 - مسلم: 894 - فتح: 2/ 492] (أبو نعيم) هو الفضل بن دكين. (سفيان) أي: الثوري. (عبد الله بن أبي بكر) أي: ابن محمَّد بن عمرو بن حزم. (عن عمه) هو عبد الله بن زيد بن عاصم. (خرج النبي) أي: إلى الصحراء. (وحوَّل ردءاه) أي: عند استقباله في أثناء الاستسقاء.
2 - باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلها عليهم سنين كسني يوسف"
2 - بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ" (باب: دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) لفظ: (عليهم) ساقط من نسخة، وهو مع (سنين) ساقط من أخرى، و (سنين) جمع سنة شذوذًا بتغيير مفرده من الفتح إلى الكسر، وكونه غير علم عاقل ومخالفته مجموع السلامة في جواز إعرابه بثلاثة أوجه: بالحروف، وبالحركات على النون منونًا، وغير منون منصرفًا، وغير منصرف، وسني يوسف هي: السبع المجدبة، وأضيفت إليه؛ لأنه الذي قام بأمور الناس فيها. 1006 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ: وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا وَأَسْلَمُ سَالمَهَا اللَّهُ " قَال ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: عَنْ أَبِيهِ، هَذَا كُلُّهُ فِي الصُّبْحِ. [انظر: 804 - مسلم: 675، 2515 - فتح: 2/ 492] (قتيبة وابن سعيد (عن أبي الزناد) هو عبد الله بن ذكوان. (أنج) بكسر الجيم بعد همزة القطع، وهو للتعدية، يقال: نجا فلان، وأنجيته. (أنج المستضعفين من المؤمنين) من ذكر العام بعد الخاص. (وطأتك) بفتح الواو أي: شدة عقوبتك، ومعناها لغة: الدوس بالقدم. (على مضر) أي: على كفار قريش أولاد مضر. (اجعلها) أي: الوطأة، أو السنين، أو الأيام. (كسني يوسف) أي: في بلوغ غاية الشدة (غفار) بكسر الغين، وخفة الفاء، أبو قبيلة من كنانة. (وأسلم) بالهمز واللام: قبيلة من خزاعة. (سالمها الله) من المسالمة:
وهي ترك الحرب، أو بمعنى: سلمها، وإنما خصَّ هاتين القبيلتين بالدعاء؛ لأن غفارًا أسلموا قديمًا، وأسلم سالموه - صلى الله عليه وسلم -. (ابن أبي الزناد) اسمه: عبد الرحمن (هذا) أي: الدعاء المذكور. (كله) كان (في الصبح) أي: قنوته، ومرَّ شرح الحديث في باب: يهوي بالتكبير حين يسجد (¬1). 1007 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَال حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَال: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَال: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًا، قَال: "اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ"، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ وَالجِيَفَ، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الجُوعِ، فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَال: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ، قَال اللَّهُ تَعَالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان: 10] إِلَى قَوْلِهِ {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى، إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: 16] " فَالْبَطْشَةُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ وَالبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ". [1020، 4693، 4767، 4774، 4809، 4820، 4821، 4822، 4823، 4824، 4825 - مسلم: 2798 - فتح: 2/ 492] (جرير) أي: ابن عبد الحميد. (عن منصور) أي: ابن المعتمر. (عن أبي الضحى) هو مسلم بن صبيح العطار. (عن مسروق) أي: ابن الأجدع الهمذاني. (عبد الله) أي: ابن مسعود. (إدبارًا) أي: عن الإِسلام. (اللهم سبعًا) أي: ابعث، أو سلط عليهم سبعًا، وفي نسخة: "سبع" بالرفع خبر مبتدإٍ محذوف أي: مطلوبي فيهم سبعٌ. (سنة) أي: قحط. (حصَّت) بحاء وصاد مشددة مهملتين أي: استأصلت وأذهبت. (كل شيء) أي: من النبات. (أكلوا) ¬
في نسخة: "أكلنا". (والجيف) جمع جيفة: وهي جثة ما خرجت روحه بغير ذكاة، وأرواح فبينها وبين الميتة عموم وخصوص من وجه. (وينظر) بالنصب بحتى، وبالرفع استئناف. (أحدهم) في نسخة: "أحدكم". (فيرى الدخان من الجوع) أي: من أجله؛ إذ الجائع يرى بينه وبين السماء، كهيئة الدخان من ضعف بصره. (قد هلكوا) أي: من الجدب والجوع. (فادع الله لهم) فدعا لهم حيث صرَّح البخاري في سورة الدخان بقوله: فاستسقى لهم فسقوا ({فَارْتَقِبْ}) أي: انتظر يا محمَّد عذابهم إلى قوله ({عَائِدُونَ}) في نسخة: إلى قوله: ({إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}) أي: إلى الكفر ({يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى}) زاد في نسخة: " {إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} " (فالبطشة) في نسخة: "والبطشة" بالواو. (يوم بدر) أي: وقعة البطشة فيه، وفسرت بالقتل؛ لأنهم لما التجئوا إليه - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: ادع الله أن يكشف عنا، فنؤمن لك، فدعا وكشف، فلم يؤمنوا، انتقم الله منهم يوم بدر، وعن الحسن: البطشة الكبرى يوم بدر (¬1). (وقد) في نسخة: "فقد" بالفاء. (مضت الدخان) هو الجوع (والبطشة واللزام) هما: القتل (وآية الروم) هي أول السورة، ووجه إدخال هذا الباب في باب الاستسقاء: التنبيه على أنه كما شرع الدعاء بالاستسقاء للمؤمنين، كذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين؛ لأن فيه إضعافهم، وهو نفعٌ للمسلمين. ¬
3 - باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا
3 - بَابُ سُؤَالِ النَّاسِ الإِمَامَ الاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا (باب: سؤال الناس الإِمام الاستسقاء إذا قحطوا) بفتح القاف، مع فتح الحاء، وكسرها بالبناء للفاعل، يقال: قحط المطر قحوطًا إذا احتبس، فيكون ذلك من باب القلب؛ لأن المحتبس المطر، لا الناس، أو يقال: إذا كان محتبسًا عنهم فهم محتبسون عنه، وفي نسخة: "قحطوا" بالبناء للمفعول. (والاستسقاء) بالنصب مفعول ثان لسؤال، وإن لم يكن من أفعال القلوب، فإن ذلك جائز، وإن كان قليلًا، أو هو منصوبٌ بنزع الخافض أي: عن الاستسقاء، يقال: سألته الشيء، وسألته عن الشيء. 1008 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ: [البحر الطويل] وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ [1009 - فتح: 2/ 494] (عمرو بن علي) أي: ابن بحر الباهلي (يتمثل بشعر أبي طالب) زاد في نسخة: "فقال". (وأبيض) بجره بالفتحة بربّ مقدرة، ونصبه، عطفٌ على (سيدًا) في بيت قبله وهو: وما نزل قوم لا أبا لك سيدًا ... يحوط الزمار غير ذرب مواكل وبرفعه خبر مبتدإِ محذوف أي: هو أبيض. (يستسقى) بالبناء للمفعول. (بوجهه) أي: النبي - صلى الله عليه وسلم - (ثمال اليتامى) وهو الذي يثمل القوم أي: يكفيهم بأفضاله وهو مع قوله: (عصمة للأرامل) مجرور، أو منصوب، أو مرفوع، صفة و (أبيض) بأوجهه السابقة، والعصمة: ما يعتصم ويمتنع به، والأرامل جمع أرمل وأرملة، وهما: الفقيران اللذان لا زوج لهما، وإنما كان استعماله في الرجل مجازًا عرفيًّا؛ إذ لو أوصى
للأرامل اختصت الوصية بالنساء. قيل: ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن ما فيه مفهوم منها بالأولى؛ لأنهم إذا سقوا بسؤالهم الله به - صلى الله عليه وسلم - فأحرى أن يسقوا بتقديمهمِ له. 1009 - وَقَال عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ، رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ " وَهُوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ". [انظر: 1008 - فتح: 2/ 494] (وقال عمر بن حمزة) أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب. (سالم) أي: ابن عبد الله بن عمر. (وأنا أنظر ... إلخ) حال من ضمير: (ذكرت). (يستقي) حال من النبي - صلى الله عليه وسلم - , وفي نسخة: "يستسقي على المنبر". (يجيش) أي: يهيج من جاش البحر إذا هاج، وهو كناية عن كثرة المطر. (وأبيض ... إلخ) مقول قول الشاعر، وقوله: (ثمال اليتامى عصمة للأرامل) ساقط من نسخة. 1010 - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَال: "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا"، قَال: فَيُسْقَوْنَ. [3710 - فتح: 2/ 494] (حدثنا عبد الله بن محمَّد الأنصاري) في نسخة: "حدثنا الأنصاري". (عن أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخة. (قحطوا) بالبناء للفاعل وللمفعول، كما مر. وفي الحديث: الاستسقاء بأهل الصلاح لا سيما أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن الاجتماع إنما يكون بإذن الإِمام؛ لما فيه من الاقتيات عليه.
4 - باب تحويل الرداء في الاستسقاء
4 - بَابُ تَحْويلِ الرِّدَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ (باب: تحويل الرداء في الاستسقاء) تفاؤلًا بتحول القحط إلى الخصب. 1011 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَال: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ". [انظر: 1005 - مسلم: 894 - فتح: 2/ 497] (إسحاق) أي: ابن (¬1) [إبراهيم الحنظلي، صفة مشهبة، وبفتحها مصدر بمعنى الصفة، أو مفعول مطلق لمقدر. (يخشى) أي: يخاف. (أن تكون الساعة) مفعول يخشى، و (الساعة) بالرفع فاعل و (تكون) على أنها تامة، واسم لها على أنها ناقصة، وخبرها محذوف أي: حضرت، أو بالنصب خبر كان، واسمها محذوف، أي: هذه الآية، وهذا تمثيل، من الراوي، فإنه قال: فزعًا، كالخاشي أن تكون القيامة، وإلا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - عالم بأن الساعة لا تقوم وهو بين أظهرهم. قال النووي: قد يستشكل الحديث بأن الساعة لها مقدمات، كالطلوع من المغرب، وخروج الدابة والدجال وغيرها، فكيف يخشى؟ ويجاب: بأن هذا لعلة قبل إعلامه هذه العلامات، أو خشي أن يكون هذا الكسوف بعض مقدماتها، أو الراوي هو الذي ظن، ولا يلزم من ظنه أنه - صلى الله عليه وسلم - خشي ذلك حقيقة، بل ربما خشي أن يكون نوع عذاب للأمة، فظن ذلك (¬2) انتهى. ¬
وعورض الأول بأن قصة الكسوف متأخرة؛ لأن موت إبراهيم كان في العاشرة، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكثير من الأشراط والحوادث قبل ذلك. (رأيته قط) بضم الطاء مشددة ومخففة، ولفظة (ما) ساقطة من نسخة، وهي مرادة، أو في (أطول) معنى: عدم المساواة، أي: فصلى بما لم يساو قط قيامًا رأيته يفعله، أو (قط) بمعنى: حسب إن سكنت الطاء، أي: صلى في ذلك اليوم فحسب بأطول قيام رأيته يفعله. (وهذه الآيات التي يرسل الله) أي: من كسوف النيرين والزلزلة، وهبوب الريح الشديدة، وغيرها (يخوف الله به) أي: بما ذكر من الآيات، وفي نسخة: "يخوف الله بها". إلى ذكره في نسخة: "إلى ذكر الله". (وهب) أي: ابن "جرير" كما في نسخة. (أخبرنا) في نسخة "حدثنا". (شعبة) أي: ابن حجاج. (سفيان) أي: ابن عيينة. (قال عبد الله) في نسخة: "عن عبد الله". (يحدث أباه) أي: أبا عبد الله لا أبا عباد. 1012 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ، يُحَدِّثُ أَبَاهُ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: هُوَ صَاحِبُ الأَذَانِ، وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ لِأَنَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ المَازِنِيُّ مَازِنُ الأَنْصَارِ". (وقلب) وفي نسخة: "وحول". (وصلى ركعتين) أي: كركعتي العيد حتى في التكبير والقراءة والجهر بهما. (قال أبو عبد الله) أي: البخاري. (كان ابن عيينة يقول: هو) أي: راوي حديث الاستسقاء، وهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة الخزرجي. (صاحب الأذان)
[5 - باب انتقام الرب جل وعز من خلقه بالقحط إذا انتهك محارم الله]
أي: صاحب رؤياه. (ولكنه) أي: ابن عيينة. (وهم) بكسر الهاء، وفي نسخة: بسكونها بضمير لك لمروي بن عيينة لا له، (لأن هذا) أي: راوي حديث الاستسقاء (عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، مازن الأنصار) أي: لا مازن بني تميم، أو غيره، وفي نسخة بدل (مازن) "الأنصاري" وزاد في أخرى بعد (عاصم بن مازن): "الأنصاري". وفي الحديث: استعمال الفأل. [5 - باب انتِقَامِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَزَّ مِنْ خَلْقِهِ بِالْقَحْطِ إِذَا انتُهِكَ مَحَارِمُ الله.] [فتح: 2/ 501] (باب: انتقام الرب سبحانه من خلقه بالقحط إذا انتهكت محارمه) كذا في نسخة خالية من حديث وأثر، وكأنه ذكر ذلك ليضع له حديثًا أو أثرًا مطابقًا له فلم يتفق له ذلك. 6 - بَابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ (باب: الاستسقاء في المسجد الجامع) أَي: جواز ذلك فيه. 1013 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَال: أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، قَال: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وجَاهَ المِنْبَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، قَال: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، فَقَال: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا" قَال أَنَسُ: وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا قَزَعَةً وَلَا شَيْئًا وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ، وَلَا دَارٍ قَال: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ، انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَال: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ
رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا، قَال: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَال: "اللَّهُمَّ حَوَاليْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ" قَال: فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ قَال شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَال: "لَا أَدْرِي". [انظر: 932 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 150] (محمد) أي: "ابن سلام" كما في نسخة. وهو بتشديد اللام البيكندي. (قال أخبرنا) في نسخة: "قال حدثنا" (أبو ضمرة) هو أنس بن عياض. (أن رجلًا) قيل: هو كعب بن مرة، وقيل: أبو سفيان بن حرب. قال شيخنا: والظاهر: أنه خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري (¬1). (كان وجاه المنبر) بكسر الواو وضمها أي: مواجهه. (رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم) حال. (يخطب) حال ثانية، وهما حالان متداخلتان (هلكت المواشي) أي: أشرفت على هلاكها من عدم وجود ما يعشيون به من الأقوات المفقود. بحبس المطر، وفي نسخة: "هلكت الأموال" والمراد بها: المواشي وهلك بفتح اللام يهلك بكسرها أشهر من العكس. (وانقطعت السبل) في نسخة: "وتقطعت السبل" أي: الطرق، وانقطاعها لهلاك الإبل، أو ضعفهاة لقلة الكلإ. (يغيثنا) بفتح أوله وضمه من غاث وأغاث، يقال: غاث الغيث الأرض أي: أصابها وأغاثه الله أي: أجابه، وهو بالجزم جواب الأمر، وفي نسخة: "أن يغيثنا" بالفتح والضم أيضًا، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، وجواب الأمر محذوف، أي: يجبك. (اللهم اسقنا) الهمزة همزة ¬
وصلٍ، ويجوز قطعها، يقال: سقاه، وأسقاه. (ولا والله) في نسخةٍ: "فلا والله". (من سحاب ولا قزعة) بنصب قزعة تبعًا لمحل الجار والمجرور، وبجرها تبعًا للفظ المجرور: وهي قطعة سحاب رقيقة. (ولا شيئًا) أي: مما هو مظنة للمطر، وهو بالنصب، ويجوز جره كالذي قبله (وما بيننا) في نسخة: "ولا بيننا". (سلع) بفتح السين، وسكون اللام: جبل بالحديبية (¬1) (من ورائه) أي: وراء سلع. (مثل الترس) أي: في كثافتها واستدارتها. (قال) أي: أنس، وفي نسخة: "فقال " (والله) في نسخةٍ: "فوالله". (ستًّا) أي: ستة أيام، وفي نسخةٍ: "سبتًا" بفتح أوله، وسكون الموحدة أي: أسبوعًا، وعبَّر به عنه؛ لأنه أول الأسبوع من باب تسمية الشيء باسم بعضه. قال شيخنا: ولا تنافي بين الروايتين؛ لأن من قال: ستًّا أراد ستة أيام، ومن قال سبتًا أضاف إليها يومًا ملفقًا من الجمعتين (¬2). (ثم دخل رجلٌ) ظاهره: أنه غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، وهذا جري على الغالب؛ لقول أنس بعدُ جوابًا لمن سأل أهو الرجل الأول؟ لا أدري، لقول مسلم حتى جاء ذلك الأعرابي (¬3) إذ الأول: يقتضي الشك، والثاني: -كصنع البخاري بعد في باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء- يقتضي الجزم؛ لأنهما واحد، وجمع شيخنا بينهما، بقوله: لعل أنسًا تذكره بعد أن نسيه أو نسيه بعد أن كان تذكره (¬4). ¬
(ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم) حال (يخطب) حال ثانية، وفي نسخة: "قائمًا" بالنصب، حال من ضمير يخطب. (فاستقبله قائمًا) بنصب قائمًا على الحال عن فاعل استقبله لا من مفعوله. (فادع الله يمسكها) بالجزم جواب الأمر، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف وجواب الأمر محذوف أي: يجبك. وفي نسخة: "فادع الله أن يمسكها" فجواب الأمر أيضًا محذوف، والضمير للأمطار المفهومة من (أمطرت)، أو (للسحابة)، أو (السماء). (حوالينا) أي: أنزل المطر حوالينا، ويقال فيه: حولنا وحوالنا. (ولا علينا). (لا) دعائية، كما في قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا} [البقرة: 286] والكلام وإن صح بدون واو العطف؛ لكنها زيدت؛ لتفيد الاتصال بين الجملتين إذ كل منهما طلبته وغايته، إذ المقصود بالأول: طلب النفع، وبالثانية: طلب رفع الضرر. (الآكام) بكسر الهمزة وبفتحها ممدودة جمع أكمة بوسائط، إذ الأكمة وهي: ما دون الجبل وأعلى من الرابية، جمعها حقيقة أكم بفتحتين وجمعه آكام كجبال وجمعه أكم بضمتين، وجمع على آكام بهمزة ممدودة كأعناق، قاله الجوهري، وزاد لجمع أكم بفتحتين أكمات. (والظراب) بكسر المعجمة، جمع ظرب بفتحها وكسر الراء أكثر من سكونها، وهي: الرابية الصغيرة. (والأودية) المراد منها ومن الثلاثة قبلها: بطونها. (ومنابت الشجر) أي: وغيرها، وخصت المذكورات بالذكر؛ لأنها بالمعنى المذكور أوفق للزراعة من غيرها. (فانقطعت) أي: الأمطار عن المدينة. (أهو) أي: السائل الثاني. (باب: الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة) أي: باب بيان حكم ذلك حالة كون الخطيب غير مستقبل القبلة.
7 - باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة
7 - بَابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ 1014 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا، دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا، ثُمَّ قَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَال: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا" قَال أَنَسٌ: وَلَا وَاللَّهِ، مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلَا قَزَعَةً وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، قَال: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا، قَال: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَال: "اللَّهُمَّ حَوَاليْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ" قَال: فَأَقْلَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ قَال شَرِيكٌ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ فَقَال: "مَا أَدْرِي". [انظر: 932 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 507] (شريك) أي: ابن عبد الله بن أبي بكر. (يوم جمعة) في نسخة: "يوم الجمعة". (دار القضاء) أي: التي بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب الذي كان أنفقه من بيت المال، وكتبه على نفسه، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله، فباع هذه الدار من معاوية، وكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم اختصر فقيل لها: (دار القضاء). (يغيثنا) فيه ما مرَّ في الباب السابق. (ولا والله) في نسخة: "فلا والله" (ستًّا) وفي نسخة: بباء، وفي أخرى: "سبعًا". (يمسكها) بالجزم والرفع نظيرها مرَّ في (يغيثنا). (سألت أنس بن مالك)
8 - باب الاستسقاء على المنبر
في نسخة: "فسألت أنس ابن مالك" وفي أخرى: "فسألت أنسًا". (باب: الاستسقاء على المنبر) أي: في الخطبة. 8 - بَابُ الاسْتِسْقَاءِ عَلَى المِنْبَرِ 1015 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَحَطَ المَطَرُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا، فَدَعَا فَمُطِرْنَا، فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلَى مَنَازِلِنَا فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ إِلَى الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، قَال: فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ حَوَاليْنَا وَلَا عَلَيْنَا" قَال: فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ يَمِينًا وَشِمَالًا، يُمْطَرُونَ وَلَا يُمْطَرُ أَهْلُ المَدِينَةِ. [انظر: 932 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 508] (أبو عوانة) هو الوضاح بن عبد الله اليشكري. (عن قتادة) أي: ابن دعامة. (يوم الجمعة) في نسخة: "يوم جمعة". (قحط) بالبناء للفاعل والمفعول أي: احتبس. (فمُطِرنا) بالبناء للمفعول من مطر ثلاثيًّا لغة في أمطر رباعيًّا. (فما كدنا أن نصل) لفظة (أن) ساقطة من نسخة. (أن يصرفه) أي: المطر. (يمطرون) أي: أهل اليمين والشمال. 9 - بَابُ مَنِ اكْتَفَى بِصَلاَةِ الجُمُعَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ (باب: من اكتفى) أي: عن صلاة الاستسقاء. (بصلاة الجمعة في الاستسقاء) كغيرها من المكتوبات والنوافل، وهي إحدى صوره الثلاث السابقة أول كتاب الاستسقاء.
10 - باب الدعاء إذا تقطعت السبل من كثرة المطر
1016 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَدَعَا، فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَال: تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ المَوَاشِي، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا، فَقَامَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَالأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ" فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [انظر: 932 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 508] (عن أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخة. (إلى النبي) في نسخة: "إلى رسول الله". (وتقطعت) بفوقية وطاء مشددة. (فدعا) في نسخة: "فادع الله". (فمُطرْنا) بالبناء للمفعول وفي كل من النسختين حذف والتقدير على الأولى: فادع الله فدعا فمطرنا، وعلى الثانية: فدعا فمطرنا. (فقال) في نسخة: "فقام فقال". (فانجابت) بجيم وموحدة أي: انكشفت السحب الممطرة المفهومة من (مطرنا). والجوبة: الفرجة في السحاب، وجيبتُ القميص: قورت جيبه. (انجياب الثوب) شبه انقطاع السحاب عن المدينة بتدوير انجياب الثوب. 10 - بَابُ الدُّعَاءِ إِذَا تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ مِنْ كَثْرَةِ المَطَرِ (باب: الدعاء) أي: برفع المطر عن البيوت (إذا انقطعت) في نسخة: "تقطعت". (السبل من كثرة المطر) أي: على البيوت. 1017 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمُطِرُوا مِنْ جُمُعَةٍ إِلَى جُمُعَةٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ
11 - باب ما قيل: «إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحول رداءه في الاستسقاء يوم الجمعة»
وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ المَوَاشِي، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ عَلَى رُءُوسِ الجِبَالِ وَالآكَامِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ"، فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [انظر: 932 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 509] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (إلى رسول الله) في نسخة: "إلى النبي". (انقطعت) في نسخة: "تقطعت". (اللهم على رءوس الجبال والآكام) المراد: بطونها؛ لأنها محل النبات، وإنما خصَّ رءوسها بالذكر؛ لأن المطر ينزل عليها قبل نزوله على بطونها، والحديث تكرر في هذه الأبواب، وإن اختلف بعض ألفاظه، وقد مرَّ شرحه في باب: الاستسقاء في المسجد الجامع (¬1). 11 - بَابُ مَا قِيلَ: «إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ» (باب: ما قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحول رداءه في الاستسقاء يوم الجمعة) عبر عنه بـ (قيل) مع صحة الخبر بأنه حوَّل رداءه؛ لأن قائل ولم يذكر أنه حول رداءه يحتمل أنه: الراوي عن أنس، أو من دونه، فلهذا التردد لم يجزم بالحكم، مع أن سكوت الراوي عن ذلك لا يقتضي نفي وقوعه، وأما تقييده بيوم الجمعة؛ فليبين أن قوله فيما مرَّ في باب: تحويل الرداء في الاستسقاء خاص بالمصلي الخارج عن محل الجمعة، والخبر المذكور مختصر من مطول سيأتي، وفيه: يخطب على المنبر يوم الجمعة (¬2). ¬
12 - باب إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم
1018 - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا مُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَلاكَ المَالِ وَجَهْدَ العِيَالِ "فَدَعَا اللَّهَ يَسْتَسْقِي" وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَلَا اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ. [انظر: 932 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 509] (عن الأوزاعي) هو عبد الرحمن (عن إسحاق بن عبد الله) أي: "ابن أبي طلحة" كما في نسخة. (وجَهد العيال) -بفتح الجيم أي: مشقتهم بسبب ما ذكر، وفتحها هو الرواية والمناسب لما هنا، أما بضمها فهو الطاقة، وقيل: بفتحها وضمها الطاقة، وبه مع ما قبله يعلم أنه بفتحها مشترك بين المشقة والطاقة وإن كان المراد هنا المشقة، كما مرَّ. (يستسقي) حال. 12 - بَابُ إِذَا اسْتَشْفَعُوا إِلَى الإِمَامِ لِيَسْتَسْقِيَ لَهُمْ لَمْ يَرُدَّهُمْ (باب: إذا استشفعوا إلى الإمامَ ليستسقي لهم لم يردهم) أي: بل يجبيهم إلى سؤالهم، وفي نسخة: "يستسقي" بحذف اللام. 1019 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ، فَدَعَا اللَّهَ، فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ المَوَاشِي، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ الجِبَالِ وَالآكَامِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ" فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْبِ. [انظر: 1007 - مسلم: 2798 - فتح: 2/ 510] (فانجابت عن المدينة. انجياب الثوب): مرَّ شرحه.
13 - باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط
13 - بَابُ إِذَا اسْتَشْفَعَ المُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ عِنْدَ القَحْطِ (باب: إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط) أي: فليجيبوهم عند وجود المصلحة. 1020 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، وَالأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَال: أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقَال: إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنِ الإِسْلامِ، "فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا المَيْتَةَ وَالعِظَامَ"، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَال: يَا مُحَمَّدُ جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا، فَادْعُ اللَّهَ، فَقَرَأَ: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان: 10] ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: 16] يَوْمَ بَدْرٍ قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَزَادَ أَسْبَاطٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسُقُوا الغَيْثَ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا، وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ المَطَرِ، قَال: "اللَّهُمَّ حَوَاليْنَا وَلَا عَلَيْنَا" فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ، فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ. [انظر: 1007 - مسلم: 2798 - فتح 2/ 510] (عن سفيان) أي: الثوري. (والأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن أبي الضحى) هو مسلم بن صبيح بالتصغير، (عن مسروق) أي: ابن الأجدع. (فدعا عليهم النبي) - صلى الله عليه وسلم - أي بقوله: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف. (فأخذتهم سنة) أي: جدب وقحط. (فجاء أبو سفيان) هو صخر بن حرب. (هلكوا) في نسخة: "قد هلكوا". {بدخان مبين} زاد في نسخة: "الآية". (ثم عادوا إلى كفرهم) فابتلاهم الله تعالى بيوم البطشة. (فذلك قوله تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى} زاد في نسخة: {إِنَّا مُننَقِمُونَ} "، و (يوم) بدل من {يَوْمَ تَأْتِي} أو معمول لفعل دل عليه: {إِنَّا مُننَقِمُونَ} لا منتقمون؛ لأن إن مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها. (قال)
في نسخة: "قال أبو عبد الله" أي: البخاري. (وزاد أسباط) بفتح الهمزة أي: ابن نصر. قال العلامة البرماوي: واعلم أن هذا مما وهّموا فيه البخاري في وصله حديثًا بحديث، فإن دوام المطر والدعاء يكشفه إذا كان لأهل المدينة ومن حولهم من المسلمين، كما رواه أنس في يوم الجمعة لا علاقة له بدعائه لأهل مكة بالمطر حتى يسأل أهل المدينة كشفه، قيل: فتكون الترجمة أيضًا وهمًا لبنائها على وهم. قلت: يمكن أن يجاب بأن معنى (وزاد) أي: في الحديث بواقعة أخرى فيكون (سفيان) يروي عن (منصور) واقعة مكة، وسؤال أهل مكة له وهو بمكة قبل الهجرة. كما قاله ابن بطال (¬1). (وزاد) علهي (أسباط عن منصور) فذكر الواقعتين، لا أن الثانية مسببة عن الأولى، ولا أن السؤال فيهما معًا كان بالمدينة، وبالجملة فهذه الزيادة وصلها البيهقي في "السنن" وفي "الدلائل" (¬2) انتهى. (قال: اللهم) في نسخة: "فقال: اللهم". (فسقوا) بالبناء للمفعول: (الناس) بنصبه على الاختصاص أي: أعني الناس، وبرفعه على أنه: بدل من الضمير أو نائب الفاعل على لغة: أكلوني البراغيث. وفي نسخة: "فسقى الناس". وفي الحديث: إجابة المسلمين المشركين في شفاعتهم إذا رجي رجوعهم للحق، وأن الإمام إذا طمع بإسلامهم يوقرهم ويدعو لهم، ¬
14 - باب الدعاء إذا كثر المطر حوالينا ولا علينا
وإقرارهم بفضله - صلى الله عليه وسلم - وقربه من الله وإجابته له، وإلا لما لجأوا إليه في كشف ضرهم وهو أول دليل على تعرفهم بصدقة، ولكن حملهم الحسد على معاداته. 14 - بَابُ الدُّعَاءِ إِذَا كَثُرَ المَطَرُ حَوَاليْنَا وَلَا عَلَيْنَا (باب: الدعاء إذا كثر المطر حوالينا ولا علينا). بإضافة (باب) إلى ما بعده، والتقدير: (باب: الدعاء إذا كثر المطر) فيكون بلفظ: (اللهم حوالينا ولا علينا). ويجوز تنوينه، فيكون (الدعاء): مبتدأ خبره: (حوالينا). والتقدير: (الدعاء) كائن بلفظ: (اللهم حوالينا ولا علينا). 1021 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ، فَصَاحُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَحَطَ المَطَرُ، وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ البَهَائِمُ، فَادْعُ اللَّهَ يَسْقِينَا، فَقَال: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا" مَرَّتَيْنِ، وَايْمُ اللَّهِ، مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ، فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ وَأَمْطَرَتْ، وَنَزَلَ عَنِ المِنْبَرِ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ، لَمْ تَزَلْ تُمْطِرُ إِلَى الجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، صَاحُوا إِلَيْهِ تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يَحْبِسْهَا عَنَّا، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَال: "اللَّهُمَّ حَوَاليْنَا وَلَا عَلَيْنَا" فَكَشَطَتْ المَدِينَةُ، فَجَعَلَتْ تَمْطُرُ حَوْلَهَا وَلَا تَمْطُرُ بِالْمَدِينَةِ قَطْرَةٌ، فَنَظَرْتُ إِلَى المَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ. [انظر: 932 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 512] (معتمر) أي: ابن سليمان التيمي. (عن ثابت) أي: البناني. (عن أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخة. (كان النبي) في نسخة: "كان رسول الله". (يوم جمعة) في نسخة: "يوم الجمعة". (قحط المطر) بالبناء للفاعل أي: انحبس. (واحمرَّت الشجر) أي: تغير لونها من الخضرة إلى الحمرة،
15 - باب الدعاء في الاستسقاء قائما
(يسقينا) في نسخة: "أن يسقينا". (مرتين) ظرف للقول لا للسقي. أي: قال: اللهم اسقنا مرتين. (وايم الله) بهمزة وصل. (وأمطرت) في نسخة: "فأمطرت". (لم تزل تمطر) بضم الفوقية وكسر الطاء. وفي نسخة: "لم يزل المطر". (يحبسها) بالجزم جواب الأمر، وبالرفع على الاستئناف. (ثم قال) في نسخة: "فقال". (اللهم حوالينا ولا علينا) قال الشافعي في "الأم": وإذا كثرت الأمطار، وتضرر الناس، فالسنة أن يدعى برفعها اللهم حوالينا ولا علينا، ولا يشرع لذلك صلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل لذلك (¬1). (وتكشطت) أي: انكشفت من كشطت الجل (¬2) عن الفرس كشفته، وفي نسخة "فكُشِطَت" بفاء وبالبناء للمفعول. (تمطر) بفتح أوله وضم ثالثه من مطر، ويجوز الضم والكسر من أمطر. و (لا) في نسخة: "وما". (الإكليل) بكسر الهمزة: ما أحاط بالشيء، ويسمى التاجُ: إكليلًا. 15 - بَابُ الدُّعَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ قَائِمًا (باب: الدعاء في الاستسقاء قائمًا) أي: في الخطبة وغيرها؛ ليراه الناس فيقتدون به. 1022 - وَقَال لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ وَخَرَجَ مَعَهُ البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ "فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ، فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالقِرَاءَةِ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ" قَال أَبُو إِسْحَاقَ: وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فتح: 2/ 513] ¬
16 - باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء؟
(أبو نعيم) هو الفضل بن دكين. (عن زهير) أي: ابن معاوية الكوفي. (عن أبي إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي. (ابن يزيد) بتحتية وزاي. (بهم) في نسخة: "لهم". (فاستغفر) في نسخة: "فاستسقى". (ثم صلى ركعتين) ظاهره: أنه أخر الصلاة عن الخطبة، والجمهور: على تقديمها، فـ (ثم) للترتيب الإخباري. (يجهر) حال. (ورأى عبد الله بن يزيد النبي) بهمز (رأى) من الرؤية، وفي نسخة: "وروى عبد الله بن يزيد عن النبي" بالواو من الرواية، وبزيادة عن. فالأولى: تفيد أن عبد الله صحابي صريحًا، والثانية: تفيده ظاهرًا، والمعروف أنه صحابي (¬1). 1023 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ، أَنَّ عَمَّهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَقَامَ فَدَعَا اللَّهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ القِبْلَةِ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَأُسْقُوا". [انظر: 1005 - مسلم: 894 - فتح: 2/ 513] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) هو ابن أبي حمزة الحمصي. (فاسقوا) في نسخة: "فسقوا". 16 - بَابُ الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي الاسْتِسْقَاءِ؟ (باب: الجهر بالقراءة في الاستسقاء) أي: في صلاته. 1024 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ ¬
17 - باب: كيف حول النبي صلى الله عليه وسلم ظهره إلى الناس؟
تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَال: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى القِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ". [انظر: 1005 - مسلم: 894 - فتح: 2/ 514] (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن. (فتوجه إلى القبلة) أي: في أثناء الخطبة الثانية. (ثم صلى ركعتين) (ثم) للترتيب الإخباري كما مرَّ. (جهر) حال، وفي نسخة "يجهر". 17 - بَابٌ: كَيْفَ حَوَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ؟ (باب: كيف حول النبي لصلى الله عليه وسلم ظهره إلى الناس) أي: باب كيفية ذلك. 1025 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَال: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، قَال: فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءَةِ". [انظر: 1005 - مسلم: 894 - فتح: 2/ 514] (فحول) لم يصرح بكيفية التحويل المترجم لها اكتفاء بمفهوميتها من كيفية الدعاء مقدمًا على التحويل؛ لأنه كيفيته. (واستقبل القبلة) عطف على (حوَّل إلى الناس ظهره) والفرق بينهما أن فاعل ذلك يكون في ابتداء التحويل وأوسطه منحرفًا حتى يبلغ غاية الانحراف فيصير مستقبلًا. ومرَّ شرح الحديث. 18 - بَابُ صَلاَةِ الِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ (باب: صلاة الاستسقاء ركعتين) بين به كيفية صلاة الاستسقاء، وإن علمت مما مرَّ فقوله: (ركعتين) بالجر عطف بيان لصلاة الاستسقاء.
19 - باب الاستسقاء في المصلى
1026 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ". [انظر: 1005 - مسلم: 894 - فتح: 2/ 514] (سفيان) أي: ابن عيينة. (عبد الله بن أبي بكر) أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم. (عن عمه) هو عبد الله بن زيد. (فصلى ركعتين) أي: كركعتي العيد فهما كهما في التكبير في أول الأولى سبعًا وفي أول الثانية خمسًا، ورفع يديه وغير ذلك. 19 - بَابُ الاسْتِسْقَاءِ فِي المُصَلَّى (باب: الاستسقاء في المصلى) هذه الترجمة علمت من الترجمة المتقدمة أول الأبواب، وهي باب: الخروج إلى الاستسقاء. 1027 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَال: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المُصَلَّى يَسْتَسْقِي وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ" قَال سُفْيَانُ: فَأَخْبَرَنِي المَسْعُودِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، قَال: "جَعَلَ اليَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ". [انظر: 1005 - مسلم: 894 - فتح: 2/ 515] (عبد الله بن محمد) أي: السدوسي. (سفيان) أي: ابن عيينة (عن عمه) هو عبد الله بن زيد. (إلى المصلى) أي: بالصحراء. (المسعودي) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود. (عن أبي بكر) هو والد عبد الله المذكور في السند. (جعل اليمين على شمال): تفسير لقلب الرداء. قال شيخنا: وليس قوله: (قال سفيان) تعليقًا، كما زعمه المزي، بل هو موصول عند البخاري معطوف على حديث (عبد الله بن محمد) عن (سفيان) (¬1). ¬
20 - باب استقبال القبلة في الاستسقاء
20 - بَابُ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ فِي الاسْتِسْقَاءِ (باب: استقبال القبلة في الاستسقاء) أي: في الدعاء في أثناء خطبته الثانية. 1028 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى يُصَلِّي، وَأَنَّهُ لَمَّا دَعَا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ - اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هَذَا مَازِنِيٌّ، وَالأَوَّلُ كُوفِيٌّ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ". [انظر: 1005 - مسلم: 894 - فتح: 2/ 515] (محمد) أي: "ابن سلام" كما في نسخة. (أخبرنا) في نسخة: "حدثنا". (عبد الوهاب) أي: ابن عبد المجيد الثقفي. (أبو بكر بن محمد) أي: ابن عمرو بن حزم. (يصلي) مضارع صلى، وفي نسخة: "فصلى"، وفي أخرى: "يدعو". (لما دعا) أي: في خطبته الثانية. (أو أراد أن يدعو) شك من الراوي. (ابن زيد) في نسخة: "عبد الله بن زيد". (قال أبو عبد الله) أي: البخاري. (هذا) أي: عبد الله بن زيد الأنصاري (مازِني، والأول) أي: وهو المذكور في باب: الدعاء في الاستسقاء قائمًا. (كوفي هو: ابن يزيد) بلفظ المضارع، بخلاف المذكور هنا، فإنه بلا ياء في أوله، وهما معًا غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه. 21 - بَابُ رَفْعِ النَّاسِ أَيْدِيَهُمْ مَعَ الإِمَامِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ (باب: رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء) أي: في الدعاء فيه.
1029 - قَال أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلالٍ، قَال يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَال: أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ البَدْو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ المَاشِيَةُ، هَلَكَ العِيَالُ هَلَكَ النَّاسُ، "فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ يَدْعُونَ"، قَال: فَمَا خَرَجْنَا مِنَ المَسْجِدِ حَتَّى مُطِرْنَا، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتَّى كَانَتِ الجُمُعَةُ الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَشِقَ المُسَافِرُ وَمُنِعَ الطَّرِيقُ. [انظر: 932 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 516] (وقال أيوب) في نسخة: "قال أيوب". (بن سليمان) أي: ابن بلال. (قال يحيى) في نسخة: "عن يحيى". (أتى رجل أعرابي) في نسخة: "أتى أعرابي". (فقال) في نسخة: "قال". (هلك العيال) في نسخة: "هلكت العيال". (فأتى الرجل) يقتضي أنه الأوَّل، ومرّ ما يتعلق به. (بشق) بفتح الموحدة والمعجمة، وقيل: بكسر المعجمة، أي: ملأ واشتد ضرره. 1030 - وَقَال الأُوَيْسِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَشَرِيكٍ، سَمِعَا أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ". [1031، 3565، 6341 - مسلم: 895 - فتح: 2/ 516] (وقال الأويسي) هو عبد العزيز بن عبد الله. (وشريك) هو ابن عبد الله بن أبي نمر. (رفع) في نسخةٍ: "أنه رفع". (رأيت بياض إبطيه) في نسخة: "يرى بياض إبطيه". وقوله: (وقال الأويسي ... إلى آخره) ساقط هنا من نسخةٍ، ومذكور في الباب بعده في أخرى، وساقط منهما معًا في أخرى اكتفاءً بذكره بعد في: كتاب الدعوات.
22 - باب رفع الإمام يده في الاستسقاء
وفي الحديث: سن رفع اليدين في الدعاء في الاستسقاء، كما يُسنُّ في الدعاء في غيره. وأما خبر البخاري في الباب الآتي: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، فمحمول على أنه لا يرفعهما في غير الاستسقاء رفعًا بليغًا بقرينة آخر الخبر، أو على أنه لا يرفع ظهورهما في غير الاستسقاء أو نحوه، إذ السنة في الدعاء لدفع البلاء جعل ظهورهما إلى السماء، وفي طلب النفع رفع بطونها إليها. 22 - بَابُ رَفْعِ الإِمَامِ يَدَهُ فِي الاسْتِسْقَاءِ (باب: رفع الإمام يده في الاستسقاء) هذه الترجمة ساقطة من نسخةٍ للعلم بها من ترجمة الباب السابق، وفي أخرى قبل الباب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". 1031 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إلا فِي الاسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ". [انظر: 1030 - مسلم: 895 - فتح 2/ 517] (حدثنا محمد) في نسخة "أخبرنا محمد". (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (وابن أبي عدي) هو محمد بن إبراهيم (عن سعيد) أي: ابن أبي عروبة. (عن أنس بن مالك) في نسخة: "عن أنس".
23 - باب ما يقال إذا مطرت
23 - بَابُ مَا يُقَالُ إِذَا مَطَرَتْ وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: {كَصَيِّبٍ} [البقرة: 19]: المَطَرُ" وَقَال غَيْرُهُ: صَابَ وَأَصَابَ يَصُوبُ". (باب: ما يقال إذا أمطرت) بفتح الهمزة، أي: السماء، وفي نسخة: "مطرت السماء" بفتحات وزيادة السماء. (وقال ابن عباس) في تفسير قوله تعالى: (كَصَيِّبٍ) أنه (المطر) وهو قول الجمهور. (وقال غيره) أي: غير ابن عباس في بيان أن فعل صيب ثلاثي مجرد أو مزيد فيه. (صاب وأصاب). مضارع صاب (يصوب) ومضارع أصاب يصيب فلو قدم بصوب على أصاب كان أوضح. 1032 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى المَطَرَ، قَال: "اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا" تَابَعَهُ القَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ، وَعُقَيْلٌ، عَنْ نَافِعٍ. [فتح: 2/ 518] (عبد الله) أي: "ابن المبارك" كما في نسخة (عن القاسم بن محمد) أي: ابن أبي بكر الصديق. (اللهم) ساقط من نسخة. (صيبًا) بالنصب بمقدر أي: اجعله، والصيب: المطر الذي يصوب، أي: ينزل ويقع، وفي نسخةٍ: "صبًّا" بموحدة مشددة من الصب، أي: اصببه صبًّا. (ورواه) أي: الحديث المذكور. (الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو (وعقيل) بالتصغير، أي: ورواه عقيل، وهو ابن خالد الأيلي، وغاير بين تابعه ورواه تفننًا، أو إرادة للتعميم في رواه؛ لأن الرواية تعم المتابعة.
24 - باب من تمطر في المطر حتى يتحادر على لحيته
24 - بَابُ مَنْ تَمَطَّرَ فِي المَطَرِ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَلَى لِحْيَتِهِ (باب: من تمطر في المطر حتى يتحادر على لحيته) (تمطر) بتشديد الطاء، كتفعل، أي: تعرض للمطر، وتطلب نزوله عليه؛ لأنه حديث عهد بربه، أي: قريب العهد بتكوين ربه ولم تمسه يد خاطئة، ولم تكدره ملاقاة أرض عُبدِ بها غير الله تعالى، وفي نسخةٍ بدل (تمطر) "تحطب". 1033 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، قَال: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَال: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ المَالُ، وَجَاعَ العِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا، قَال: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ، قَال: فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ، قَال: فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَفِي الغَدِ، وَمِنْ بَعْدِ الغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ إِلَى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ - أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ - فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ البِنَاءُ وَغَرِقَ المَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، وَقَال: "اللَّهُمَّ حَوَاليْنَا، وَلَا عَلَيْنَا" قَال: فَمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إلا تَفَرَّجَتْ، حَتَّى صَارَتِ المَدِينَةُ فِي مِثْلِ الجَوْبَةِ حَتَّى سَال الوَادِي، وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا، قَال: فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إلا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. [انظر: 932 - مسلم: 897 - فتح: 2/ 519] (محمد) أي: "ابن مقاتل" كما في نسخة. (عبد الله) أي: "ابن المبارك" كما في نسخة. (الأوزاعي) هو أبو عمرو عبد الرحمن. (فبينا رسول الله) في نسخةٍ: "فبينا النبي". (فثار) بمثلثة (وفي الغد) في نسخةٍ: "ومن الغد". (فادع الله لنا) أي: أن يمسك المطر عنا. (يشير بيده) في نسخةٍ: "يشير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده". (تفرجت). أي:
25 - باب إذا هبت الريح
الناحية، أي: تقطعت (في مثل الجوبة) بفتح الجيم ولفظ: (في) ساقط من نسخةٍ. (بالجود) بفتح الجيم، أي: بالمطر الكثير، ومرَّ الحديث في كتاب: الجمعة، وكتاب: الاستسقاء (¬1). 25 - بَابُ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ (باب: إذا هبت الريح) أي: ماذا يعتري الإنسان. 1034 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: "كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [فتح: 2/ 520] (حميد) أي: الطويل. (أنسًا) أي: "ابن مالك" كما في نسخةٍ. (عرف ذلك) أي: هبوبها، أي: أثره من التغير وظهور الخوف من إطلاق السبب وإرادة المسبب، ووجه الخوف: أنه قد يكون عذابًا ينزل بأمته. وفي الحديث: التحذير من عمل الأمم الخالية، وعصيانهم مخافة أن يحل بهم ما حل بأولئك. 26 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُصِرْتُ بِالصَّبَا (باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - نصرت بالصبا) بالقصر، أي: بالريح الشرقية. (مسلم) أي: ابن إبراهيم. (شعبة) أي: ابن الحجاج. ¬
27 - باب ما قيل في الزلازل والآيات
1035 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ". [3205، 3343، 4105 - مسلم: 900 - فتح: 2/ 520] (الصبا) يقال لها القبول؛ لأنها تقابل باب الكعبة. (وأهلكت) بالبناء للمفعول. (بالدبور) بفتح الدال: الريح الغربية المقابلة للصبا، وهي الريح العقيم؛ سميت بذلك لأنها أهلكت قوم هود، وقطعت دابرهم. وفي الحديث: تفضيل المخلوقات بعضها على بعض، والأخبار عن أحوال الأمم الماضية، وإخبار المرء عن نفسه بما فضله الله به على جهة التحدث بنعمة الله والشكر له لا على الفخر. 27 - بَابُ مَا قِيلَ فِي الزَّلازِلِ وَالآيَاتِ (باب: ما قيل في الزلازل) جمع زلزلة، وهي بفتح الزاي: حركة الأرض واضطرابها. (والآيات) أي: علامات القيامة. 1036 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَال: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الهَرْجُ - وَهُوَ القَتْلُ القَتْلُ - حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ". [انظر: 85 - مسلم: 157 - فتح: 2/ 521] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (أخبرنا) في نسخة: "حدثنا". (عن عبد الرحمن) أي: ابن هرمز. (حتى يقبض العلم) أي: بموت العلماء وكثرة الجهلاء (ويتقارب الزمان) فسر بخبر الترمذيِّ: "فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة،
والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة بالنار) (¬1) أي: كزمان إيقادها، وهي: ما يوقد به النار أولًا كالقصب والكبريت، وقيل: المراد: قصر الأعمار بقلة البركة. (وتظهر الفتن) أي: تكثر وتشتهر. (الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء وبالجيم. (حتى يكثر فيكم المال) غاية لكثرة الهرج؛ لقلة الرجال، وقلة الرغبات في المال، وقصر الآمال؛ لعلمهم بقرب الساعة، أو عطف على يكثر الهرجُ، لكن حذف العاطف كما في التحيات المباركات. (فيفيضُ) بفتح التحتيةِ، أي: يكثُر، وهو بالرفع خبر مبتدإٍ محذوفٍ، وفي نسخةٍ: "فيفيضَ" بالنصب عطف على يكثر. 1037 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَال: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: قَال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، وَفِي يَمَنِنَا" قَال: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَال: قَال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا" قَال: قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَال: قَال: "هُنَاكَ الزَّلازِلُ وَالفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ". [7094 - فتح: 2/ 521] (حدثنا محمد) في نسخة: "حدثني محمد". (ابن عون) هو عبد الله بن أرطبان. (قال: اللهم) في نسخةٍ: "قال: قال اللهم". (في شامنا وفي يمننا) والمراد بهما: الإقليمان المعروفان أو الذي عن يمييننا. وشمالنا. (قال: قالوا) أي: قومٌ من الصحابة. (وفي نجدنا) هو خلافُ الغورِ: وهو ¬
28 - باب قول الله تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82]
تهامة، وكل ما ارتفع فيها إلى أرض العراق، فهو نجد. (قال: قال) في نسخة: "فقال: قال". (هناك) في نسخةٍ: "هنالك". (وبها) أي: بنجد. (قرن الشيطان) أي: أُمَّته وحزبه. 28 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: "شُكْرَكُمْ". (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}) أي: بسقيا الله، حيث قلتم: مطرنا بنوء كذا. (قال ابن عباس) في تفسير (رِزْقَكُمْ) (شكركم) أطلق الرزق على لازمه وهو الشكرُ مجازًا، أو أراد شكر رزقكم، ففيه: إضمارٌ، أو الرزق من أسماء الشكر. 1038 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَال: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَال رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَال: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَال: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَال: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ". (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (بالحديبية) بتخفيف التحتية عند المحققين وبتشديدها عند أكثر المحدثين، سُمِّيت بشجرةٍ حدباءَ كانت بيعةُ الرضوان تحتها. (من الليلة) في نسخةٍ: "من الليل" (كافر بالكوكب) في نسخةٍ: "وكافر بالكوكب". ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنهم كانوا ينسبون الأفعال لغيرِ
29 - باب: لا يدري متى يجيء المطر إلا الله
الله فيظنون أنَّ النوءَ يمطرهم ويرزقهم، فهذا تكذيبهم، فنهوا عن نسبة الغيث إلا لله، لا للنوء وهو الوقتُ، لأنَّه مخلوقٌ ولا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ومرَّ شرحُ الحديث في باب: يستقبل الإمامُ الناسَ إذا سلَّم (¬1). 29 - بَابُ: لَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ إلا اللَّهُ وَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلا اللَّهُ". [انظر: 50] (بابُ: لا يدري متى يجيءُ المطرُ إلا الله) أي: لا يعلمه أحدٌ إلا الله. 1039 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إلا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ، وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ". [4627، 4697، 4778، 7379 - فتح: 2/ 524] (محمد بن يوسف) أي: الفريابي. (سفيان) أي: الثوري. (قال رسولُ الله) في نسخةٍ: "قال النبيُّ" (مفتاحُ الغيب) في نسخةٍ: "مفاتيح الغيب"، وفيه على التقديرين: استعارةٌ مكنيةٌ بأنْ يجعلَ الغيبَ مخزنًا مغلقًا، وذكر ما هو من خواص المخزن وهو المفتاح، أو استعارة مصرحةٌ بأنْ يجعلَ ما يتوصلُ به إلى معرفة الغيبِ المخزن ¬
مفتاحًا، ولفظُ (الغيب) قرينة (خمس) اقتصر عليها وإنْ كان الغيبُ لا يتناهى، قال تعالى {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ} إما لأنَّ العددَ لا ينفي زائدًا عليه، أو لأنَّ الخمسَ هي التي كان القومُ يدَّعون علمها، أو لأنَّها التي كانوا يسألونه عنها، أو لأنَّها أمهات الأمور، لأنَّها إما أنْ تتعلقَ بالآخرة: وهو علم الساعة، أو بالدنيا وذلك إما متعلِّقٌ بالجماد المأخوذِ من الغيثِ، أو بالحيوانِ في مبدئه: وهو ما في الأرحام، أو معاشِه: وهو الكسبُ، أو معادِه: وهو الموتُ، ولم يصرح في الحديث بعلم الساعةِ، كما صرَّح به في الآية؛ لشمول علم ما في الغد له. (مَا في الأرحَاِم) أي: أهو ذكرٌ أم أنثى، أشقى أم سعيد (ولا تَعلَمُ نَفسٌ) عبر فيه وفيما بعده بنفس، وفي الثلاثة الأخرى بأحد؛ لأنَّ النفسَ هي التي تكسب وتموت قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر -38] وقال {اللهُ يَتَوَفىَ الأَنفُسَ} [الزمر - 43] فلو عبَّر بأحد فيهما لاحتمل أن يفهم منه لا يعلم أحد ماذا تكسب نفسُه، أو بأي أرضٍ تموت نفسه، فتفوت المبالغة المقصودة، وهي أن النفس لا تعرف حال نفسها حالًا ولا مآلًا، وإذا لم يكن لها طريق إلى معرفتهما كانت إلى معرفة ما عداهما أبعد.
16 - كتاب الكسوف
16 - كتاب الكسوف
1 - باب الصلاة في كسوف الشمس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 16 - أَبْوَابُ الكُسُوفِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقط من نسخةٍ (كتاب الكسوف) في نسخةٍ: "أبواب الكسوف" والكسوف: التغير إلى السواد، يقال: كسفت الشمسُ والقمر. بفتح الكاف، وكسفا بضمها، وانكسفا وخسفا بفتح الخاء وضمهما، وانخسفا كلها بمعنى واحد، وقيل: بالكاف للشمس، وبالخاء للقمر، وقيل: بالخاء للكلِّ وبالكاف للبعض، وقيل: بالخاء لذهاب اللون وبالكاف للتغيير، ثم الجمهور على أنهما يكونان لذهاب كل الضوء ولبعضه. 1 - بَابُ الصَّلاةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ (بابُ: الصلاةِ في كسوف الشمس) اقتصر عليه بعد البسملة في نسخة، وصلاةُ الكسوف سنةٌ مؤكدة، وقول الشافعيِّ في "الأم": لا يجوز تركُها (¬1). حملوه على الكراهة ليوافق كلامَه في محالٍ أُخر، والمكروهُ قد يوصف بعدم الجواز من جهة إطلاق الجائز على مستوى الطرفين. 1040 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَال: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ ¬
رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَصَلُّوا، وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ". [1048، 1062، 1063، 5785 - فتح: 2/ 526] (خالد) أي: ابن عبدِ الله الواسطيُّ. (عن يونس) أي: ابن عبيد. (عن الحسن) أي: البصري. (عن أبي بكرة) هو نفيعٌ بنُ الحارث. (عند رسول الله) في نسخةٍ: "عند النبيِّ". (فقام النبيُّ) في نسخةٍ: "فقام رسولُ الله". (يجرُّ رداءَه) حالٌ. (فصلى بنا ركعتين) يحتمل أنهما كركعتي سنة الظهر مثلًا، أو أن كلًّا منهما بزيادة ركوع، وكل منهما ثابت عنه لصلى الله عليه وسلم بناءً على تعدد الواقعة، وهو ما اعتمده النوويُّ وغيرهُ. (لا ينكسفان لموت أحد) قاله - صلى الله عليه وسلم - يوم مات ولدة إبراهيم، كما سيأتي مع زيادة. (رأيتموها) أي: الشمس والقمر، أي: انكسافهما، وفي نسخةٍ: "رأيتموها" أي: الكسفة المأخوذة من قوله: (لا ينكسفان) أو الآية؛ لأنَّ الكسفةَ آيةٌ، وبكل حالٍ فالمراد: إن رأيتم أحدهما. 1041 - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، قَال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَقُومُوا، فَصَلُّوا". [1057، 3204 - مسلم: 911 - فتح: 2/ 526] (قال: حدثنا) في نسخةٍ: "قال: أخبرنا". (إسماعيل) أي: ابن أبي خالد. (عن قيس) أي: ابن أبي حازم. (ولكنهما) أي: انكسافي الشمس والقمر. (فإذا رأيتموهما) في نسخةٍ: "فإذا رأيتموها" ومرَّ بيانهما. 1042 - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَال: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ
2 - باب الصدقة في الكسوف
النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا". [3201 - مسلم: 914 - فتح: 2/ 526] (أصبغ) أي: ابن الفرج. (ابن وهب) هو عبد الله (عمرو) أي: ابن الحارث. (لا يخسفان لموت أحدٍ) قاله - صلى الله عليه وسلم - إبطالًا لما كان أهل الجاهليةِ يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض. (ولا لحياته) ذكره تتميمًا للتعميم، وإلا فلم يقل أحد أن الانكساف يكون لحياة أحد، أو لتوهم أنه إذا لم يكن لموت أحد فيكون لحياته. (فإذا رأيتموهما) في نسخةٍ: "فإذا رأيتموها" كما مرَّ نظيره. 1043 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، قَال: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاويَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَال: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَال النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللَّهَ". [1060، 6199 - مسلم: 915 - فتح: 2/ 526] (يوم مات إبراهيم) أي: ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - من مارية القبطية. (فإذا رأيتم) أي: "ذلك" كما في نسخةٍ. 2 - بَابُ الصَّدَقَةِ فِي الكُسُوفِ (باب: الصدقة في الكسوف) أي: استحبابها فيه. 1044 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ، فَقَامَ، فَأَطَال القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَال الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَال القِيَامَ وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَال
السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا" ثُمَّ قَال: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا". [1046، 1047، 1050، 1058، 1064، 1065، 1066، 1212، 3203، 4624، 5221، 6631 - مسلم: 901 - فتح: 2/ 521] (عبد الله بن مسلمة) أي: القعنبي. (فأطال القيام) أي: الطول القراءة فيه، وقدر طوله سورة البقرة. (فأطال الركوع) أي: بالتسبيح فيه، وقدر طوله بمائة آية من البقرة. (وهو دون القيام الأول) وقدر طوله بسورة آل عمران (وهو دون الركوع الأول) وقدر طوله بثمانين آية منها (في الركعة الثانية) في نسخةٍ: "في الركعة الأخرى". (مثلَ ما فعل في الأولى) لكن قدر طول الركوع الثالث بسبعين آية، والرابع بخمسين. (انجلت) في نسخةٍ: "تجلت". (فخطب الناسَ) أي: خطبتين كالجمعة. (لا ينخسفان) في نسخةٍ: "لا يخسفان". (فادعوا الله) في نسخةٍ: "فاذكروا الله". (ما) نافية. (من) زائدة. (أحد) مجروز لفظًا، مرفوع محلًّا على أنه اسم (ما) إن جعلت حجازية، وعلى الابتداء إن جعلت تميمية. (أغير) بنصبه بالفتحة أصالة خبر (ما) إن جعلت حجازية، ونيابةً عن الجر صفة لأحد باعتبار لفظه، وبرفعه صفةً لأحد باعتبار محله، أو خبر له كذلك إن جعلت (ما) تميمية، وعلى جعله في النصب النائب عنه الفتحة، وفي الرفع صفة خبر (ما) محذوف منصوب على الأول، مرفوع على الثاني، أي: موجودًا، أو موجود. (من الله) متعلق بـ (أغير) من الغيرة وهي مستحيلة
3 - باب النداء بالصلاة جامعة في الكسوف
على الله تعالى؛ لأنها هيجان الغضب بسبب ارتكاب ما نهي عنه، فالمرادُ: لازمُها، وهو المنع والزجر. فالمعنى: ما أحد أزيد منعًا وزجرًا من الله تعالى. (أن يزني عبده أو تزني أمته) متعلق بـ (أغير) أي: من أن يزني فحذف الجار، وخصَّ الزنا بالذكر؛ لأن ميل النفس إليه أكثر، ولأنه أفظع، وخصَّ العبدَ والأمة بالذكر؛ لمراعاة الأدب مع الله تعالى لتنزهه عن الزوجة والأهل ممن يتعلق بهم الغيرة غالبًا، ووجهُ تعلق قوله: (ما من أحدٍ) إلى آخره بما قبله أنه لما خوف أمَّته من الكسوف وحرضهم على الالتجاء إلى الله بالخيرات عقبه بردعهم عن المعاصي. (لو تعلمون ما أعلم) أي: من عظم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم، وشدة عقابه، وأهوال القيامة وأحوالها كما علمته لما ضحكتم أصلًا المعبَّر عنه بقوله: (لضحكتم قليلًا) إذ القيل بمعنى: العدم على ما يقتضيه السياق. وفي الحديث: أنَّ صلاةَ الكسوف ركعتان في كلِّ ركعةٍ ركوعان، وقيامان كما مرَّ مع زيادة، وأنَّ حكم انكسافي الشمس والقمر واحدٌ فيها، وأن لها خطبة بعدها، وأنَّ الإمام عند الآيات يعظ الناس، ويأمرهم بأعمال البر وينهاهم عن المعاصي، ويذكرهم نعمةَ الله، وأن الصدقة والصلاة والاستغفار تكشف النقمة. 3 - بَابُ النِّدَاءِ بِالصَّلاَةُ جَامِعَةٌ فِي الكُسُوفِ (باب: النداء بالصلاة جامعةٍ في الكسوف) بنصب الجزأين على الحكاية، والمراد: النداء بقوله: الصلاة جامعة بنصبهما الأول على الإغراء، أي: الزموها، والثاني: على الحال، ويجوز رفعهما على
4 - باب خطبة الإمام في الكسوف
الابتداء والخبر، ورفع الأول ونصب الثاني وعكسه. 1045 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَال: حَدَّثَنَا مُعَاويَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُودِيَ إِنَّ الصَّلاةَ جَامِعَةٌ". [1051 - مسلم: 910 - فتح: 2/ 533]. (إسحاق) هو ابن منصور الكوسج، أو ابن راهويه (يحيى بن صالح) أي: الوحاظي -بضم الواو وبحاء مهملة وظاء معجمة- نسبة إلى وحاظ بطن من حمير، وهو من شيوخ البخاري، وقد يروي عنه بواسطة، كما هنا (معاوية بن سلَّام بن أبي سلَّام) بتشديد اللام فيهما (عبد الله بن عمرو) أي: ابن العاصي. (نودي) بالبناء للمفعول (أن الصلاة جامعة) بفتح الهمزة، وتخفيف النون مفسرة ورفع الصلاة، وفي نسخة بتشديدها ونصب الصلاة، وفي أخرى: "نودي بالصلاة جامعة"، فالخبر جامعة إن رفع، ومحذوف إن نصب، أي: إن الصلاة حالة كونها جامعة ذات جماعة حاضرة، ويجوز كسر (أن) بتنزل النداء منزلة القول. 4 - بَابُ خُطْبَةِ الإِمَامِ فِي الكُسُوفِ وَقَالتْ عَائِشَةُ، وَأَسْمَاءُ: خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 86، 1044] (باب: خطبة الإمام في الكسوف) أي: بيان مشروعيتها فيه. (خطب النبي - صلى الله عليه وسلم -) أي: في الكسوف.
1046 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، ح وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، قَال: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةً طَويلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا، ثُمَّ قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَويلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَال فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَال: "هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ" وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: "إِنَّ أَخَاكَ يَوْمَ خَسَفَتْ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ؟ قَال: أَجَلْ، لِأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ". [انظر: 1044 - مسلم: 901 - فتح: 2/ 533]. (حدثني يحيى بن بكير) في نسخةٍ: "حدثنا ابن بكير" (عن عقيل) أي: الأيلي. (عنبسة) أي: ابن خالد بن يزيد الأيلي. (يونس) أي: ابن يزيد الأيلي. (فخرج) أي: من الحجرة. (إلى المسجد) أي: لا إلى الصحراءِ لخوف فوت الصلاة بالانجلاء. (فصف) في نسخةٍ: "وصف". (الناس) بالرفع فاعل (صف) ويجوز نصبُه على المفعولية، والفاعلُ ضميرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. (قراءة طويلة) أي: نحو سورةِ البقرة بعد الفاتحةِ، كما مرَّ بيانه مع ما بعده، وبسط الكلام على ذلك يطلب من كتب الفقه. (وهو أدنى) في نسخةٍ: "هو أدنى". (ثُمَّ قال) أي: فعل. (في الركعة الأخيرة مثل ذلك)
5 - باب: هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟
لكن طوّل القراءة في قيامها الأول: كالنساء، وفي الثاني: كالمائدة. (فاستكمل أربع ركعات) الأولى ركوعات إذ المعنى: أربع ركوعات في ركعتين. (ثم قام) أي: ليخطب. (هما) أي: الشمس والقمر. (فإذا رأيتموهما) في نسخةٍ: "فإذا رأيتموها"، ومرَّ نظيرهما. (فافزعوا) أي: التجئوا، والفزع مشترك بين الخوف والالتجاء. (وكان يحدّث كثير بن عباس) أي: ابن عبد المطلب، و (كثير) بمثلثة، وبالرفع اسم كان، وخبرها (يحدث). (أن عبد الله بن عباس) هو أخو كثير لأبيه. (أن أخاك) أي: عبد الله بن الزبير بن العوام. (مثل الصبح) أي: في العدد والهيئة. (قال: أجل) أي: نعم صلى كذلك، وهو وإن كان جائزًا يؤدي به أصل السنة، فهو خلافُ الأكمل الذي مرَّ بيانُه، فكان الأولى به عدم ارتكابه. (لأنَّه) في نسخةٍ: "أنه". (أخطأ) بما فعله. (السنة) أي: جاوزها سهوًا، أو عمدًا بأن أدى أجتهاده إلى ذلك. قال شيخنا: وتعقب بأن عروة تابعي، وعبد الله صحابي، فالأخذ بفعله أولى، وأجيب: بأنَّ قولَ عروة: السنةُ كذا، وإنْ قلنا أنَّه مرسل على الصحيح لكنَّه قد ذكر مستنده في ذلك، وهو خبر عائشة المرفوع، فانتفى عنه احتمال كونه موقوفًا أو منقطعًا، فترجح المرفوعُ على الموقوفِ؛ فلذلك حكم على صنيع أخيه بالخطأ بالنسبةِ إلى الكمال. 5 - بَابٌ: هَلْ يَقُولُ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوْ خَسَفَتْ؟ وَقَال اللَّهُ تَعَالى: {وَخَسَفَ القَمَرُ} [القيامة: 8]. (باب: هل يقول كسفتْ الشمسُ أو خسفتْ) مر مع زيادة أن الصحيح أنهما يقالان للشمس والقمر، وأن المشهور عند الفقهاء أن خسف للقمر، وكسف للشمس.
6 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يخوف الله عباده بالكسوف"
1047 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ، فَكَبَّرَ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَويلَةً، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَقَامَ كَمَا هُوَ، ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَويلَةً وَهِيَ أَدْنَى مِنَ القِرَاءَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهِيَ أَدْنَى مِنَ الرَّكْعَةِ الأُولَى، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَويلًا، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَال: فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ: "إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ". [انظر: 1044 - مسلم: 901 - فتح: 2/ 535] (سعيد بن عفير) نسبه لجدِّه لشهرته به، وإلا فهو سعيد بن كثير بن (أن رسول الله) في نسخةٍ: "أنَّ النبيَّ". (وقام) في نسخة: "فقام". (كما هو) أي: كقيامه الأول فـ (ما) مصدرية، وهو مبتدأ حذف خبره، أي: قائم قبل ركوعه ومرَّ شرح الحديث. (فإذا رأيتموهما) في نسخةٍ: "فإذا رأيتموها". ومرَّ نظيرهما مع زيادة. 6 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُخَوِّفُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالكُسُوفِ" وَقَال أَبُو مُوسَى: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -) "يخوف الله عباده بالكسوف" أي: للشمس أو للقمر. (قاله) في نسخةٍ: "وقال". (عن يونس) أي: ابن عبيد. (عن الحسن) أي: البصري. 1048 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ
7 - باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف
آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ" وَقَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الوَارِثِ، وَشُعْبَةُ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يُونُسَ: "يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ"، وَتَابَعَهُ أَشْعَثُ، عَنِ الحَسَنِ، وَتَابَعَهُ مُوسَى، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالى يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ". [انظر: 1040 - فتح: 2/ 535] (لموت أحد) زاد في نسخةٍ: "ولا لحياته"، وفي أخرى: "ولا حياته". (يخوِّف بها) أي: بكسفتها، وفي نسخةٍ: "بهما" أي: بكسفتهما؛ إذ التخويفُ إنما هو بكسفِهما لا بهما. (وقال أبو عبد الله) إلى آخره ساقطٌ من نسخةِ (لم يذكر) في نسخةٍ: "ولم يذكر". (عبد الوارث) أي: ابن سعيد التنُّوري. (ولكن الله يخوِّف) في نسخةٍ: "ولكن يخوف الله". (بها) في نسخةٍ: "بهما"، ومرَّ نظيرهما. (وتابعه) أي: يونس. (أشعث) أي: ابن عبد الملك. (وتابعه) أي: يونس أيضًا. (موسى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي (عن مبارك) أي: ابن فضالة بن أبي أمية. (إن الله تعالى) ساقط من نسخةٍ. (بهما) في نسخةٍ: "بها". 7 - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فِي الكُسُوفِ (باب: التعوذِ من عذاب القبر في الكسوفِ) أي: للشمس والقمر. 1049 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا، فَقَالتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ"،. [1055، 1372، 6366 - مسلم: 903 فتح: 2/ 538]
(أن يهودية) لم تسمَّ. (عائذًا) مصدر بوزن فاعل كقولهم: عافاه الله عافية، وناصبه محذوف، أي: أعوذ عياذًا بك، أو حال مؤكدة نائبة مناب المصدر وعامله محذوف مثل ما مرَّ. 1050 - ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَرَجَعَ ضُحًى، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ وَانْصَرَفَ، فَقَال مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. [انظر: 1044 - مسلم: 901، 903 - فتح: 2/ 538] (ذات غداة) من إضافة المسمى إلى اسمه، أو ذات زائدة. (ضحى) قال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى، وهو حين تشرقُ الشمسُ مقصورًا، يذكَّرُ ويؤنَّثُ، فمن أنَّثَ ذهب إلى أنه جمع ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنه اسم جمع مثل صرد ونغر، وهو ظرف غير متمكن مثل سحر تقول: لقيته ضحى وضحًى إذا أردت به ضحى يومك لم تنونه ثم بعده الضحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى. انتهى (¬1). (ظهراني الحُجر) بزيادة (ظهراني) أو ألفه ونون، و (الحُجر) بضم المهملة، وفتح الجيم: بيوت أزواجه صلى الله عليه وسلم (يصلي) أي: صلاة الكسوف. (ثم رفع) ساقط من نسخة. (فقام) في نسخةٍ: "قام". (دون القيام الأول) في نسخةٍ: "دون قيام الأول". ¬
8 - باب طول السجود في الكسوف
(ما شاء الله أنْ يقول) أي: من أمره صلى الله عليه وسلم لهم في خبر عروة: بالصلاة والصدقة والذكر، وغير ذلك. وفي الحديث: أن اليهودية كانت عارفةً بعذاب القبر، وأن عذابَ القبر حق يجب الإيمان به. 8 - بَابُ طُولِ السُّجُودِ فِي الكُسُوفِ (باب: طول السجود في الكسوف) أي: في صلاته، وأشار بهذا إلى الردّ على من أنكر تطويل السجود فيه. 1051 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّهُ قَال: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نُودِيَ: "إِنَّ الصَّلاةَ جَامِعَةٌ، فَرَكَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ"، قَال: وَقَالتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا. [انظر: 1045 - مسلم: 910 - فتح: 2/ 538] (شيبان) أي: ابن عبد الرحمن التميمي. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف. (عبد الله بن عمرو) بفتح العين، أي: ابن العاصي، وفي نسخةٍ: بضمها، أي: ابن الخطاب. قال شيخنا: وهو وهمٌ. (إنَّ الصلاة) بتشديد (إن) ونصب (الصلاة)، وفي نسخةٍ: بضمها، وبالتخفيف والرفع، ومر نظيرهما مع زيادة. (ركعتين في سجدة) أي: ركوعين في ركعةٍ، ففي كلامه مجازان: إطلاق الركعة على الركوع، والسجدة على الركعة. (ثم جُلِّي) بضم الجيم، وتشديد اللام مكسورة، وفي نسخةٍ: "حتى جلى" أي: إلى الانجلاء. (قال) أي: أبو سلمة، أو عبد الله بن عمرو. (ما سجدت سجودًا قط كان أطول منها) أي: من
9 - باب صلاة الكسوف جماعة
سجدة صلاة الكسوف، ورواه غيره بلفظ منه، أي: من السجود المذكور، ولا تحمل السجدة هنا، كما قال الكرماني على إرادة الركعة؛ لانتفاء القرينة بخلاف ما مرَّ لوجودها فيه؛ إذ لا يتصوَّرُ ركعتان في سجدة، والجمهور من الشافعية قالوا: لا يطوِّل سجود الكسوف، والمحققون منهم قالوا: يستحب تطويله، وصححه النووي، وقال: إنه الصواب للأحاديثِ الصحيحةِ الصريحةِ، وقد نصَّ عليه الشافعيُّ في مواضعَ (¬1)، وعليه فالمختار ما قاله البغويُّ: أنَّ السجدة الأولى كالركوع الأول، والثانية كالثاني. 9 - بَابُ صَلاةِ الكُسُوفِ جَمَاعَةً وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ فِي صُفَّةِ زَمْزَمَ وَجَمَعَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ. [فتح: 2/ 539] (باب: صلاة الكسوف جماعة) أي: في جماعة (وصلى ابن عباس لهم) أي: للقوم، وفي نسخةٍ: "وصلى لهم ابن عباس". (صفة) بضم المهملة وتشديد الفاء: موضع مظلل في دار أو حوش، وفي نسخةٍ: "ضفة" بفتح المعجمة وكسرها، وتشديد الفاء: جانب النهر، قال شيخنا: ولا معنى لها هنا إلا بتجوِّز. (وجمَّع) بالتشديد، أي: جمع القوم لصلاة الكسوف. 1052 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَال: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا ¬
طَويلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ؟ قَال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَاليَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ" قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَال: "بِكُفْرِهِنَّ" قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَال: "يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ". [انظر: 29 - مسلم: 907 - فتح: 2/ 540] (على عهد رسول الله) في نسخةٍ: "على عهد النبي". (فصلى رسول الله) أي: بالجماعة، وبهذا تحصل مطابقة الحديث للترجمة. (فقال) في نسخةٍ: "وقال". (تناولت) بصيغة الماضي، وفي نسخةٍ: "تناول" بصيغة المضارع بحذف إحدى التاءين، وفي أخرى: "تتناول" بإثباتها. (تكعكعتُ) أي: تأخرتُ، وفي نسخةٍ: "كعكعت" أيا: نفسك، أي: أخرتها. (قال) في نسخةٍ: "فقال". (وأريت) بالبناء للمفعول، وفي نسخةٍ: "ورأيت". (فلم أر منظرًا) أي: منظورًا. (كاليوم قط) اعتراض بين الموصوف، وهو منظر وصفته، وهي (أفظع) أي: أقبح، وأشنع، وفي (كاليوم) حذف، والتقدير: كمنظر اليوم، وفي نسخةٍ: "فلم أنظر كاليوم قط أفظع".
10 - باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف
(ورأيت أكثر أهلها النساء) لا يعارضه خبرُ أبي هريرة: "إنَّ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً مَنْ له زوجتان من الدنيا" لأنَّ رؤيته أكثرية نساء أهل النار لا تنافي أكثرية نساء أهلِ الجنةِ أيضًا، وبتقدير معارضته له، فهو محمولٌ على ما بعد خروجهن من النار. (يكفرن بالله) في نسخة: "أيكفرن بالله". (قال: يكفرن العشير) أي: الزوج، أي: إحسانه، وأشار إلى تفسير هذه الجملة بقوله: (ويكفرن الإحسان). على طريقة: أعجبني زيد وكرمه. (شيئًا) أي: قليلًا لا يوافق غرضها، ومرَّ شرحُ غالب الحديث في كتاب: الإيمان في باب: كفران العشير. 10 - بَابُ صَلاةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الكُسُوفِ (باب: صلاة النساء مع الرجال في الكسوف) أي: في صلاته. 1053 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهَا قَالتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا لِلنَّاسِ، فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ: أَيْ نَعَمْ، قَالتْ: فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي المَاءَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَال: "مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إلا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ مِثْلَ - أَوْ قَرِيبًا مِنْ - فِتْنَةِ الدَّجَّالِ - لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالتْ أَسْمَاءُ - يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ - أَو المُوقِنُ، لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ
11 - باب من أحب العتاقة في كسوف الشمس
وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا، وَأَمَّا المُنَافِقُ - أَو المُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ". [انظر: 86 - مسلم: 905 - فتح: 2/ 543] (وإذا هي) في نسخةٍ: "فإذا هي". (فأشارت بيدها إلى السماء) تعني انكسفت الشمس. (أي: نعم) في نسخةٍ: "إن نعم". (الغشي) بسكون الشين، وتخفيف الياء، وبكسر الشين، وتشديد الياء: مرضٌ قريبٌ من الإغماء (إلا قد) في نسخةٍ: "إلا وقد". (تفتنون) أي: تمتحنون. (أو الموقن) في نسخةٍ: "أو قال: الموقن". (أن كنت) بفتح الهمزة (لموقنًا) في نسخةٍ: "لمؤمنًا"، مرَّ شرح الحديث في باب: من أجاب الفتيا بالإشارة. 11 - بَابُ مَنْ أَحَبَّ العَتَاقَةَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ (باب: من أحب العتاقة في كسوف الشمس) أي: في حال كسوفها، والعتاقة بالفتح مصدر، يقال: عتق العبد عتقًا، وعتاقًا، وعتاقة. 1054 - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى، قَال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالتْ: لَقَدْ "أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ". [انظر: 86 - مسلم: 905 - فتح: 2/ 543] (حدثنا) في نسخةٍ: "حدثني". (زائدة) أي: ابن قدامة. (عن هشام) أي: ابن عروة بن الزبير بن العوام.
12 - باب صلاة الكسوف في المسجد
12 - بَابُ صَلاةِ الكُسُوفِ فِي المَسْجِدِ (باب: صلاة الكسوف في المسجد) لم يذكر في الحديث في المسجد، نعم ذكره فيه مسلم. 1055 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا، فَقَالتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ". [انظر: 1049 - مسلم: 903 - فتح: 2/ 544] (بنت عبد الرحمن) في نسخةٍ: "ابنة عبد الرحمن". (تسألها) أي: عطية. (عائذًا) في نسخةٍ: "عائذٌ". 1056 - ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا، فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَرَجَعَ ضُحًى، فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الحُجَرِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَسَجَدَ سُجُودًا طَويلًا، ثُمَّ قَامَ، فَقَامَ قِيَامًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَويلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ وَهُوَ دُونَ السُّجُودِ الأَوَّلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ "أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". [انظر: 1044 - مسلم: 901، 903 - فتح: 2/ 544] (قام) في نسخةٍ: "وقام". (فسجد) في نسخةٍ: "ثم سجد"، وقوله في الرابعة: (ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول) ساقطٌ من نسخة، ومرَّ شرح الحديث في باب: التعوذ من عذاب القبر في الكسوف.
13 - باب: لا تنكسف الشمس لموت أحد ولا لحياته
13 - بَابٌ: لَا تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ، وَالمُغِيرَةُ، وَأَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. [انظر: 1040، 1042، 1043، 1059 - فتح: 2/ 544] (باب: لا تنكسف الشمس لموت أحدٍ ولا لحياته) ذكرُ انكساف الشمس مثالٌ؛ إذ مثله انكساف القمر، كما صُرِّح به في الحديث. 1057 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الشَّمْسُ وَالقَمَرُ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا". [انظر: 1041 - مسلم: 111 - فتح: 2/ 545] (أبو بكرة) هو نفيع بن الحارث. (والمغيرة) أي: ابن شعبة. (وأبو موسى) هو عبد الله بن قيس الأشعريُّ (يحيى) أي: "ابن سعيد" كما في نسخةٍ. (عن إسماعيل) أي ابن أبي خالد الأحمسي. (عن أبي مسعود) هو عقبة بن عامر الأنصاريُّ. (رأيتموهما) في نسخةٍ: "رأيتموها". 1058 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَأَطَال القِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَال الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَأَطَال القِرَاءَةَ وَهِيَ دُونَ قِرَاءَتِهِ الأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَال الرُّكُوعَ دُونَ رُكُوعِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ فَقَال: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُرِيهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاةِ". [انظر: 1044 - مسلم: 901 - فتح: 2/ 545]
14 - باب الذكر في الكسوف
(هشام) أي: ابن يوسف الصنعاني. (معمر) أي: ابن راشد. (على عهد رسول الله) في نسخةٍ: "على عهد النبيِّ". (وهي) أي: القراءة، وفي نسخةٍ: "وهو" أي: القيام. (ثم قام) أي: للخطبة. (فقال) أي: بعد الحمد وتوابعه، ومرَّ شرح حديثي الباب. 14 - بَابُ الذِّكْرِ فِي الكُسُوفِ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. [انظر: 29] (باب: الذكر في الكسوف) زاد في الحديث على الترجمة الدعاء والاستغفار. 1059 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَال: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَال: "هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ، لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ". [مسلم: 912 - فتح: 2/ 545] (أبو أسامة) هو حماد بن زيد الكوفي (فزعًا) بكسر الزاي] (¬1) سقط بالأصل من حديث (1011) إلى حديث رقم (1059). 15 - بَابُ الدُّعَاءِ فِي الخُسُوفِ قَالهُ أَبُو مُوسَى، وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 1044، 1059] ¬
16 - باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد
(باب: الدعاء في الخسوف) في نسخة: "في الكسوف"، وهي أوفق بحديث الباب. 1060 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَال: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، قَال: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلاقَةَ، قَال: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، يَقُولُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَال النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ". [انظر: 1043 - مسلم: 915 - فتح: 2/ 546] (أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي. (قال: حدثنا زياد) في نسخة: "عن زياد". (رأيتموهما) أي: انكسافي الشمس والقمر، والمراد: أحدهما، وفي نسخة: "رأيتموها" أي: الآية، ومرَّ شرح الحديث (¬1). 16 - بَابُ قَوْلِ الإِمَامِ فِي خُطْبَةِ الكُسُوفِ: أَمَّا بَعْدُ (باب: قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد) بضم الدال. 1061 - وَقَال أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَال: أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالتْ: "فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَال: "أَمَّا بَعْدُ". [انظر: 86 - مسلم: 905 - فتح: 2/ 547] (هشام) أي: ابن عروة، ومرَّ شرح الحديث في كتاب: الجمعة (¬2). ¬
17 - باب الصلاة في كسوف القمر
17 - بَابُ الصَّلاةِ فِي كُسُوفِ القَمَرِ (باب: الصلاة في كسوف القمر) أي: والشمس. 1062 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ". [انظر: 1040 - فتح: 2/ 547] (محمود) أي: ابن غيلان. (عن شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن يونس) أي: ابن عبيد. (على عهد رسول اللَّه) في نسخة: "على عهد النبي". (فصلى ركعتين) أي: بزيادة ركوع في كل ركعة منهما، كما مرَّ (¬1)، ويقدر مثله في الحديث الآتي. 1063 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَال: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَال: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى المَسْجِدِ وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، فَانْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَال: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَإِذَا كَانَ ذَاكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ" وَذَاكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ فَقَال النَّاسُ فِي ذَاكَ. [انظر: 1040 - فتح: 2/ 547] (أبو معمر) هو: عبد اللَّه بن عمرو. (عبد الوارث) أي: ابن سعيد التنوري. (على عهد رسول اللَّه) في نسخة: "على عهد النبي". (وثاب إليه الناس) بمثلثة: أي: اجتمعوا، وفي نسخة: "فثاب" بالفاء. الموت أحد) زاد في نسخة: "ولا لحياته" (وإذا) في نسخة: "فإذا". (ذاك) في ¬
18 - باب: الركعة الأولى في الكسوف أطول
نسخة: "ذلك" أي: الكسوف. (وذاك) في نسخة: "وذلك". (في ذاك) في نسخة: "في ذلك". ومرَّ شرح حديثي الباب. (باب: صبِّ المرأة على رأسها الماء إذا أطال الإمام القيام في الركعة الأولى) لم يذكر فيه حديثًا يطابقه، وكأنه كما قيل ترجم به وأخلى بياضًا ليذكر له حديثًا كعادته، فلم يتفق له ذلك، والأليق به حديث أسماء السابق في باب: صلاة النساء مع الرجال في الكسوف (¬1) فهو نص فيه. 18 - بَابٌ: الرَّكْعَةُ الأُولَى فِي الكُسُوفِ أَطْوَلُ (باب: الركعة الأولى في الكسوف أطول) المراد: بالركعة الأولى: الركوع الأول، أي: هو أطول من الركوع الثاني، كما أن الثاني أطول من الثالث، والثالث أطول من الرابع، كما مر وفي نسخة: "باب: الركعة في الكسوف تطول". 1064 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَجْدَتَيْنِ الأَوَّلُ الأَوَّلُ أَطْوَلُ". [انظر: 1044 - مسلم: 901 - فتح: 2/ 548] (حدثنا) في نسخة: "أخبرنا". (محمود) أي: "ابن غيلان"، كما في نسخة (أبو أحمد) هو محمد بن عبد الله الزبيري. (سفيان) أي: الثوري. (عن يحيى) أي: ابن سعيد. (الأول الأول) في نسخة: "الأول فالأول" وفي أخرى: "الأولى فالأولى" ومرَّ شرح الحديث (¬2). ¬
19 - باب الجهر بالقراءة في الكسوف
19 - بَابُ الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي الكُسُوفِ (باب: الجهر بالقراءة في الكسوف) أي: في صلاة كسوف القمر على ما جرى عليه الشافعي، وجمهور الفقهاء؛ لأنها ليلية. 1065 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَال: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَال: أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ، سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، " جَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ، فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، ثُمَّ يُعَاودُ القِرَاءَةَ فِي صَلاةِ الكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ". [انظر: 1044 - مسلم: 901 - فتح: 2/ 549] (الوليد) أي: "ابن مسلم"، كما في نسخة. (قال أخبرنا) في نسخة: "قال حدثنا". (ابن نمر) هو عبد الرحمن. 1066 - وَقَال الأَوْزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُ، سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: بالصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ، سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ مِثْلَهُ قَال الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ: "مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَا صَلَّى إلا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ، إِذْ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ، قَال: أَجَلْ إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ " تَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الجَهْرِ. [انظر: 1044 - مسلم: 901 - فتح: 2/ 549] (وقال الأوزاعي) عطف على (قال: أخبرنا ابن نمر) لأنه مقول ابن الوليد. (فبعث مناديًا: الصلاة جامعة) في نسخة: "بالصلاة جامعة". (ما صنع أخوك ذلك) وصف الأخ بما يشار به إلى البعيد؛ لاستبعاده صنعه. (عبد اللَّه) عطفُ بيان للأخ. (ما صلى إلا ركعتين مثل الصبح) بيان
لصنيع الأخ. (قال: أجل) بفتح الجيم وسكون اللام، أي: نعم. (إنه) بكسر الهمزة، استئناف بياني، وفي نسخة: "من أجل أنه" بزيادة (من) وبسكون الجيم وكسر اللام وفتح الهمزة. (تابعه) أي: ابن نمر، ومرَّ شرح الحديث في باب: الخطبة في الكسوف (¬1). ¬
17 - سجود القرآن
17 - سجود القرآن
1 - ما جاء في سجود القرآن وسنتها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 17 - أَبْوَابُ سُجُودِ القُرْآنِ 1 - مَا جَاءَ فِي سُجُودِ القُرْآنِ وَسُنَّتِهَا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقطٌ من نسخة. (أبواب سجود القرآن) في نسخة: "باب: ما جاء [في سجود القرآن وسنتها" أي: السجدة، وفي نسخةٍ: "وسنته" أي: السجود، وهو] (¬1) من السنن المؤكدة عند الشافعي والمراد من الترجمة: بيان أن السجود سنة. 1067 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَال: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَال: سَمِعْتُ الأَسْوَدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْمَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ شَيْخٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى - أَوْ تُرَابٍ - فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَال: يَكْفِينِي هَذَا"، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا. [1070، 3853، 3172، 4863 - مسلم: 576 - فتح: 2/ 551] (غندر) وهو محمد بن جعفر (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن أبي إسحق) هو: عمرو بن عبد اللَّه. (الأسود) أي: ابن يزيد النخعي (عن عبد اللَّه) أي: ابن مسعود. (غير شيخ) هو ابن خلف، كما سيأتي في سورة النجم (¬2)، وقيل: الوليد بن المغيرة (¬3)، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: غير ذلك (ذلك) ¬
2 - باب سجدة تنزيل السجدة
ساقط من نسخة. وبدأ بالنجم؛ لأنها أول سورة نزلت فيها سجدة، ولا يعارضه أن سورة (اقرأ) أول ما نزل (¬1)؛ لأن السابق في النزول أول اقرأ دون باقيها. 2 - بَابُ سَجْدَةِ تَنْزِيلُ السَّجْدَةُ (باب: سجدة {تَنْزِيلٌ} السجدة) بجر (تنزيل) على الإضافة، وبرفعه على الحكاية، وبجر (السجدة) عطف بيان لتنزيل. 1068 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةُ وَهَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ". [انظر: 891 - مسلم: 880 - فتح: 2/ 552] (سفيان) أي: الثوري. (عن سعيد بن إبراهيم) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف. (عن عبد الرحمن) أي: ابن هرمز الأعرج. ({الم (1) تَنْزِيلُ} السجدة) برفع (تنزيل) على الحكاية وبنصب (السجدة) عطف بيان، ولم يصرح بالسجود هنا لشهرته. 3 - باب سَجْدَةِ {ص}. (باب: سجدة ص) أي: بيانها. 1069 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَانِ، قَالا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: ص لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِيهَا". [3422 - فتح: 2/ 552] ¬
4 - باب سجدة النجم
(حماد) أي: "ابن زيد"، كما في نسخة، وفي أخرى: "حماد هو ابن زيد". (عن أيوب) أي: السختياني (عن عكرمة) أي: مولى ابن عباس. (ليست من عزائم السجود) أي: من واجباته، بل من مسنوناته، كسائر سجدات التلاوة، لكنها لا تفعل في الصلاة؛ لأنها في الأصل سجدة شكر؛ لقبول توبة داود - عليه السلام -، ففي النسائي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في {ص} وقال: (سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا) (¬1) وبسط الكلام على سجدة: {ص} في كتب الفقه. 4 - باب سَجْدَةِ النَّجْمِ. قَالهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (باب: سجدة النجم) أي: بيانها. 1070 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ، فَسَجَدَ بِهَا فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ القَوْمِ إلا سَجَدَ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى - أَوْ تُرَابٍ - فَرَفَعَهُ إِلَى وَجْهِهِ، وَقَال: يَكْفِينِي هَذَا"، قَال عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا. [انظر: 1067 - مسلم: 576 - فتح: 2/ 553] (شعبة) أي: ابن الحجاج (عن عبد اللَّه) أي: ابن مسعود. (فسجد بها) في نسخة: "فسجد فيها" فالباء بمعنى فيظ. (رجل) هو: أمية بن خلف على الصحيح، كما مرَّ (¬2) (من حصى أو تراب) شك من الراوي (فلقد) زاد في نسخة: "قال عبد اللَّه". ¬
5 - باب سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء
5 - بَابُ سُجُودِ المُسْلِمِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ". (باب: سجود المسلمين مع المشركين) وإن لم يصح سجودهم (والمشرك نجس ليس له وضوء) حال، وإنما لم يصح سجودهُ ووضوؤه، لأنه ليس أهلًا للعبادة (وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء) لفظ (غير) ساقط من نسخة والصواب كما قال الكرماني (¬1): إثباته، فقد أسنده ابن شيبة في "مصنفه" كذلك (¬2) وتبويب البخاري واستدلاله منطبقان عليه، فهو المعروف عن ابن عمر، ووجه فعله: بأن مقصود البخاري تأكيد مشروعية السجود بأن المشرك قد أقر في الحديث على السجود وسمى الصحابي فعله سجودًا مع عدم أهليته له، فالمتأهل له أحرى بأن يسجد بلا وضوء، هذا وفقهاء الأمصار على اشتراط الوضوء في سجود التلاوة. 1071 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَال: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ وَالجِنُّ وَالإِنْسُ" وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَيُّوبَ. [4862 - فتح: 2/ 553] (عبد الوارث) أي: ابن سعيد. (أيوب) أي: السختياني. (والمشركون) أي: سجدوا معه لما سمعوا ذكر طواغيتهم ¬
6 - باب من قرأ السجدة ولم يسجد
{اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى}. (والجن والإنس) إيضاح للمسلمين والمشركين؛ لأن كلًّا من القبيلين شامل للأخر، لكن الثاني أوضح دلالة من الأول، وعلم ابن عباس بسجود الجن لها إما بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - له، أو كشف له فرآهم ساجدين. (ابن طهمان) [بفتح الطاء] (¬1) في نسخة: "إبراهيم بن طهمان". 6 - بَابُ مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَسْجُدْ (باب: من قرأ السجدة) أي: آيتها (ولم يسجد) أي: لها. 1072 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَزَعَمَ "أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا". [1073 - مسلم: 577 - فتح: 2/ 554] (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (خصيفة) بالتصغير. (عن ابن قسيط) نسبة إلى جدِّه لشهرته به، وإلا فهو يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط، بالتصغير. (فزعم) أي: فأخبر. (فلم يسجد فيها) أي: زيد، وبه تحصل المطابقة بين الحديث والترجمة، أو النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما هو ظاهر الحديث الثاني، فتفوت المطابقة، وعليه فلا ينافي ما مرَّ من سجوده - صلى الله عليه وسلم - فيها (¬2)، إما لأنه كان على غير طهارة، أو لبيان جواز تركه، أو لأن المستمع لا يسجد عند عدم سجود القارئ على قول. ¬
7 - باب سجدة إذا السماء انشقت [84 الانشقاق: 1]
1073 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَال: "قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا". [انظر: 1072 - مسلم: 577 - فتح: 2/ 544] (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة القرشي (قال: قرأت على النبي - صلى الله عليه وسلم - و {وَالنَّجْمِ} فلم يسجد فيها) ظاهره: أن الذي لم يسجد فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتفوت المطابقة، ويحتمل أنه زيد، وفي الكلام التفات، فتحصل المطابقة. 7 - بَابُ سَجْدَةِ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [84 الانشقاق: 1]. (باب: سجدة {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1)}) أي: بيانها. 1074 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُعَاذُ بْنُ فَضَالةَ، قَالا: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَال: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، فَسَجَدَ بِهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَمْ أَرَكَ تَسْجُدُ؟ قَال: "لَوْ لَمْ أَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ لَمْ أَسْجُدْ". [انظر: 766 - مسلم: 578 - فتح: 2/ 566] (مسلم) أي: ابن إبراهيم. (هشام) أي: ابن أبي عبد اللَّه الدستوائي. (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (فسجد بها) في نسخة: "فسجد فيها". (فقلت) في نسخة: "قال أبو سلمة: فقلت" (يسجد) في نسخة: "سجد". وفي الحديث: حجة للسجود في المفصل ردًّا على من روى أنه لم يسجد فيه منذ تحول إلى المدينة (¬1)، لأن إسلام أبي هريرة كان ¬
8 - باب من سجد لسجود القارئ
بالمدينة. وعلى الكوفيين في أن النظر أن لا يسجد فيها؛ لأنه إخبار بأنه إذا قريء عليهم القرآن لا يسجدون. 8 - بَابُ مَنْ سَجَدَ لِسُجُودِ القَارِئِ وَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ - وَهُوَ غُلامٌ - فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً، فَقَال: "اسْجُدْ فَإِنَّكَ إِمَامُنَا فِيهَا". (باب: من سجد لسجود القاريء) أي: بيان سجود من سجد للتلاوة لأجل سجود القاريء. (حَذْلم) بفتح المهملة، وسكون المعجمة. (فإنك إمامنا) أي: متبوعنا؛ لتعلق السجدة بنا من جهتك، وليس المراد: إنك إن لم تسجد، لا نسجد؛ لأن السجدة، كما تتعلق بالقاريء تتعلق بالسامع، وهو من لا يقصد السماع، وبالمستمع وهو ¬
9 - باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة
قاصده، ولو لقراءة حدث وكافر أو امرأة أو تارك للسجود، لكنه من المستمع والسامع عند سجود القاريء آكد منه عند عدم سجوده؛ لما قيل: إن سجودهما متوقفٌ على سجوده، وبسط الكلام على ذلك يطلب من كتب الفقه. 1075 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ، فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعَ جَبْهَتِهِ". [1076، 1079 - مسلم: 575 - فتح: 2/ 556] (فيها) أي: في السجدة، وهو ساقطٌ من نسخة، وسقط من أخرى قوله: (وقال ابن مسعود ... إلخ). (يحيى) أي: ابن القطان (عن عبيد اللَّه) في نسخة: "حدثنا عبيد اللَّه" هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن [عمر] (¬1) بن الخطاب. (أحدنا) أي: بعضنا. 9 - بَابُ ازْدِحَامِ النَّاسِ إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ السَّجْدَةَ (باب: ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة) أي: آياتها. 1076 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ، قَال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، قَال: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ". [انظر: 1075 - مسلم: 575 - فتح: 2/ 557] (أحدنا) أي: بعضنا. ¬
10 - باب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود
10 - بَابُ مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ وَقِيلَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: "الرَّجُلُ يَسْمَعُ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ لَهَا"، قَال: "أَرَأَيْتَ لَوْ قَعَدَ لَهَا كَأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ" وَقَال سَلْمَانُ: "مَا لِهَذَا غَدَوْنَا" وَقَال عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَهَا" وَقَال الزُّهْرِيُّ: "لَا يَسْجُدُ إلا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، فَإِذَا سَجَدْتَ وَأَنْتَ فِي حَضَرٍ، فَاسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ، فَإِنْ كُنْتَ رَاكِبًا فَلَا عَلَيْكَ حَيْثُ كَانَ وَجْهُكَ" وَكَانَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: "لَا يَسْجُدُ لِسُجُودِ القَاصِّ". (باب: من رأى أن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يوجب السجود) لما سيأتي، وأما الأمرُ في قوله {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)} وقوله: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} فمحمولٌ على الندب، أو على أن المراد به: سجود الصلاة. (ولم يجلس لها) أي: لقراءة السجدة، أي: إن لم يقصد سماعها. (أرأيت) الاستفهام للإنكار، أي: أخبرني لو قعد لها، أكانت تجب على سامعها، أي: فلا وجوب ولو كان مستمعًا. (كأنه) من كلام البخاري (لا يوجبه) أي: السجود. (عليه) أي: على من قعد لها للاستماع، فعلى السامع أولى. (وقال سلمان) أي: الفارسي (ما لهذا) أي: للسماع، أي: لأجله (غدونا) أي: لم نقصده فلا نسجد (لا يسجد إلا أن يكون طاهرًا) بتحتية فيهما ورفع الدال، وفي نسخة: بفوقية فيهما وسكون الدال. (فإن كنت راكبًا) أي: في سفر (فلا عليك حيث كان وجهك) أي: فلا بأس عليك أن تتوجه جهة وجهك وإن كانت لغير القبلة. (لا يسجد لسجود القاصِّ) بتشديد المهملة أي: الذي يقرأ القصص والمواعظ؛ لكونه
ليس قاصدًا لتلاوة القرآن، والجمهور على خلافه. 1077 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قَال: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ، قَال أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، قَال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ" وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إلا أَنْ نَشَاءَ". [فتح: 2/ 557] (أن ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز. (ابن الهدير) بضم الهاء وفتح الدال وسكون التحتية وبراء. (عمَّا) متعلق بـ (أخبرني)، ولا يتعلق به (عن عثمان)؛ لأنهما حرفا جر بمعنى لا يتعلقان بفعل واحد، فيقدر تعلقه بمحذوف، أي: راويًا عن عثمان. (جاء السجدة) في نسخة: "جاءت السجدة" فيتعين رفع السجدة، وعلى الأول يجوز رفعها ونصبها. (إنا) وفي نسخة: "إنما" بزيادة ميم بعد النون (نمرُّ بالسجود) أي: بآيته. (أصاب) أي: السنة. (ومن لم يسجد فلا إثم عليه) صريح في عدم وجوبه؛ لأن عمر رضي اللَّه عنه قاله بمحضر من الصحابة، ولم ينكره عليه أحد، فكان إجماعًا سكوتيًّا (¬1) (لم يفرض ¬
11 - باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها
السجود) في نسخة: "لم يفرض علينا السجود". [(وزاد نافع) عطفٌ على (أخبرني ابن أبي مليكة)، فهو من رواية ابن جريج عنه] (¬1). 11 - بَابُ مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلاةِ فَسَجَدَ بِهَا (باب: من قرأ السجدة) أي: آيتها. (في الصلاة فسجد بها) أي: فيها. 1078 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَال: سَمِعْتُ أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي بَكْرٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَال: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ، فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَسَجَدَ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَال: "سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ". [انظر: 766 - مسلم: 578 - فتح: 2/ 559] (معتمر) أي: ابن سليمان التيمي. (سمعت أبي) في نسخة: "حدثني أبي". (بكر) أي: ابن عبد اللَّه المزني. (ما هذه) أي: السجدة التي سجدتها في الصلاة. (حتى ألقاه) أي: أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - والمراد: حتى أموت. ¬
12 - باب من لم يجد موضعا للسجود مع الإمام من الزحام
12 - بَابُ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلسُّجُودِ مَعَ الإِمَامِ مِنَ الزِّحَامِ (باب: من لم يجد موضعًا للسجود من الزحام) في نسخة: "للسجود مع الإمام من الزحام". 1079 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، قَال: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ". [انظر: 1075 - مسلم: 575 - فتح: 2/ 560] (صدقة) أي: "ابن الفضل"، كما في نسخة. (يحيى) أي: "ابن سعيد"، كما في نسخة. (ونسجد حتى) في نسخة: "ونسجد معه حتى" ومر الحديث في باب: ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة (¬1). ¬
18 - تقصير الصلاة
18 - تقصير الصلاة
1 - باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر؟
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 18 - أَبْوَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقط من نسخة. (أبواب التقصير) في نسخة: "أبواب تقصير الصلاة" وفي أخرى: "كتاب: القصر". 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ؟ (باب: ما جاء في التقصير) هو رد الرباعية إلى اثنتين في سفر طويل مباح، يقال: قصر الصلاة، بالتخفيف، وقصرها بالتشديد، وحكى الواحدي: أقصرها، فمصدر الأول: قصر، والثاني: تقصير، والثالث: إقصار. (وكم يقيم؟) أي: وكم يمكث يومًا المسافر؛ لأجل القصر فيما إذا تردد في مدة قضاء حاجته؟ فكم: استفهامية، وجوابها محذوف، وتقديره: تسعة عشر يومًا، كما سيأتي بما فيه (¬1). (حتى يقصر الصلاة) أي: لكي يقصر، فحتى: للتعليل. 1080 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، وَحُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا". [4298، 4299 - فتح: 2/ 561] ¬
(عن عاصم) أي: ابن سليمان الأحول. (وحصين) بالتصغير، أي: ابن عبد الرحمن السلمي. (أقام النبي) في نسخة: "أقام رسول اللَّه" أي: في فتح مكة. (تسعة عشر) أي: يومًا بليلته يقصر؛ لأنه كان مترددًا في مدة انقضاء حاجته، وهي انقضاء الحرب، والتقييد بالتسعة عشر يشكل بترجيح الشافعية ثمانية عشر، إلا أن يكون لوحظ فيها يوما الدخول والخروج، وقد بسطت الكلام على ذلك في "شرح البهجة" وغيره. 1081 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ، قُلْتُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَال: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا". [4297 - مسلم: 693 - فتح: 2/ 561] (أبو معمر) هو عبد اللَّه بن عمرو المنقري. (عبد الوارث) أي: ابن سعيد التنوري. (يحيى بن أبي إسحق) أي: الحضرمي. (إلى مكة) أي: حاجين. (يصلي ركعتين ركعتين) أي: قصرًا. (قلت) أي: قال يحيى: قلت لأنس. (أقمتم؟) أي: أأقمتم بحذف همزة الاستفهام. (أقمنا بها عشرًا) أي: عشرة أيام، وإنما حذفت التاء مع أن اليوم مذكر؛ لأن المعدود إذا لم يذكر، يجوز في العدد التذكير والتأنيث، وإقامته العشر وهو يقصر ليس في مكة فقط، حتى يشكل بأن من نوى إقامة أربعة، أيام بموضع انقطع سفره، بل بعضها بمكة وبعضها بغيرها؛ لأنه قدم مكة في رابع ذي الحجة، وخرج في الثامن إلى منى فبات بها، ثم سار إلى عرفات، ورجع فبات بمزدلفة، ثم صار إلى منى، فقضى نسكه، ثم إلى مكة فطاف، ثم رجع إلى منى فأقام بها ثلاثا، ثم سافر إلى المدينة وكان يقصر الصلاة فيها كلها.
2 - باب الصلاة بمنى
2 - بَابُ الصَّلاةِ بِمِنًى (باب: الصلاة بمنى) بصرفه؛ مراعاة للمكان، وبمنع صرفه؛ مراعاة للبقعة، قيل: وعلى الأول: يكتب بالألف، وعلى الثاني: بالياء. 1082 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا". [1655 - مسلم: 694 - فتح: 2/ 563] (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (عن عبد اللَّه) في نسخة: "عن عبد اللَّه بن عمر - رضي الله عنه - ". (وأبي بكر) أي: وصليت مع أبي بكر (وعمر) ركعتين، (ومع عثمان) ركعتين. (صدرًا) أي: أول (من إمارته) بكسر الهمزة أي: من خلافته، وكانت ستَّ سنين، أو ثمانيًا. (ثم أتمها) أي: الصلاة، صانما أتمها، وإن كان القصر جائزًا؛ لأن الإتمام أشق، فيزيد أجره. 1083 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَال: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ، قَال: "صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَ مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ". [1656 - مسلم: 696 - فتح: 2/ 563] (أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك. (حدثنا شعبة) أي: ابن الحجاج، وفي نسخة: "وأخبرنا شعبة". (أنبانا أبو إسحق) هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعي. (آمن) بالمد، أفعل تفضيل من الأمن: ضد الخوف. (ما كان) أي: النبي، وفي نسخة: "ما كانت" أي: الصلاة، و (ما) مصدرية، ومعناها: الجمع؛ لأن ما أضيف إليه أفعل، يكون
جمعًا، والمعنى: صلى بها، والحال: أن أكثر أكوانه أمنًا، وأما الشرط في قول اللَّه تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} فخرج مخرج الغالب؛ لئلا يعمل بمفهومه، وفيه: عظم شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث أطلق ما قيده اللَّه، ووسع على عباده. 1084 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ: ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَال: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ"، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. [1657 - مسلم: 695 - فتح: 2/ 563] (قتيبة) أي: "ابن سعيد" كما في نسخة. (عبد الواحد) أي: "ابن زياد" كما في نسخة. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (حدثنا إبراهيم) في نسخة: "حدثني إبراهيم" أي: النخعي. (فقيل ذلك) [في نسخة: "فقيل في ذلك"] (¬1). (فاسترجع) أي: قال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون؛ كراهة مخالفته الأفضل؛ لا لكون الإتمام لا يجزي. (مع أبي بكر) في نسخة: "مع أبي بكر الصديق". (مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بمنى) لفظ: (بمنى): ساقط من نسخة. [(حظي) أي: نصيبي] (¬2) (من أربع ركعات) في نسخة: "من أربع". ومن: بدلية، نحو: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ}. ¬
3 - باب: كم أقام النبي صلى الله عليه وسلم في حجته؟
3 - بَابٌ: كَمْ أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ؟ (باب: كم أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجته؟) أي: كم أقام يومًا في حجة الوداع؟ 1085 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ البَرَّاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ» تَابَعَهُ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ. [1564، 3832 - مسلم: 1240 - فتح: 2/ 565] (وهيب) أي: ابن خالد. (أيوب) أي: السختياني. (البراء) بالتشديد والمد، قيل له ذلك؛ لأنه كان يبري النشاب. (رابعة) أي: من ذي الحجة، وخرج إلى منى في الثامن، فهي أربعة أيام ملفقة، وهذا موضع الترجمة، أو المراد: إقامته وهي عشرة أيام، كما مر في حديث أنس (¬1). (يلبون بالحج) حال وكني به عن الإحرام بالحج. (إلا من معه) في نسخة: "إلا من كان معه". (الهدي) في نسخة: "هدي" وهو بفتح الهاء وسكون الدال أو بكسر الدال وتشديد الياء: ما يهدى [إلى الحرم من النعم قربة، ووجه استثناء صاحب الهدي: أنه لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهدي] (¬2) محله، وفسخ الحج خاص بالصحابة الذين حجوا معه - صلى الله عليه وسلم -. (تابعه) أي: أبا العالية. ¬
4 - باب: في كم يقصر الصلاة؟
4 - بَابٌ: فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلاةَ؟ وَسَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَوْمًا وَلَيْلَةً سَفَرًا" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، يَقْصُرَانِ، وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا. (باب: في كم يقصر الصلاة؟) بفتح التحتية وسكون القاف وضم الصاد أي: المصلي، وفي نسخة: بضم الفوقية وفتح القاف والصاد المشددة، وفي أخرى: بضم الفوقية وسكون القاف وفتح الصاد، فالصلاة بالنصب على الأولى، وبالرفع على الأخيرتين. (وسمى النبي - صلى الله عليه وسلم -) أي: في الحديث الآتي. (يومًا وليلة سفرًا) في نسخة: "السفر يومًا وليلة" أي: وسمى مدة اليوم والليلة سفرًا. (في أربعة برد) البرد: جمع بريد، وهو: اثني عشر ميلًا، وهو منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إداركه، وقد بسطت الكلام على ذلك في "شرح البهجة" وغيره. (وهي ست عشر) في نسخة: "وهي ستة عشر". 1086 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، قَال: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ". [1087 - مسلم: 1338 - فتح: 2/ 565] (إسحق بن إبراهيم الحنظلي) وهو المعروف بابن راهويه. (لأبي أسامة) هو حماد بن أسامة. (حدثكم عبيد اللَّه) فيه: أنه إذا قيل للشيخ حدثكم فلان، فسكت مع قرينة الإخبار يكفي. (لا تسافر المرأة) مجزوم بلا الناهية، وكسرت الراء؛ لالتقاء الساكنين. (ثلاثة أيام) في نسخة: "فوق ثلاثة أيام" وفي أخرى: "ثلاثًا".
1087 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ ثَلاثًا إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" تَابَعَهُ أَحْمَدُ، عَنْ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 1086 - مسلم: 1338 - فتح: 2/ 566] (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (عن نافع) في نسخة: "أخبرني نافع". (إلا مع ذي محرم) في نسخة: "لا ومعها ذو محرم لا وفي أخرى: "إلا معها ذو محرم". (تابعه) أي: عبيد اللَّه. (أحمد) أي: ابن محمد المروزي: أحد شيوخ البخاري. 1088 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ" تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَسُهَيْلٌ، وَمَالِكٌ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [مسلم: 1339 - فتح: 2/ 566] (آدم) أي: ابن أبي إياس. (ابن أبي ذئب) نسبة لجدٍ له؛ لشهرته به، وإلا فهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب: هشام العامري. (حدثنا سعيد) في نسخة: "أخبرنا سعيد". (عن أبيه) هو أبو سعيد كيسان. (قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -) في نسخة: "عن النبي". (تؤمن باللَّه واليوم الآخر) خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. (ليس معها حرمة) أي: رجل ذو حرمة منها. والمراد من الأحاديث الثلاثة: أن المرأة لا تسافر إلا مع ذي
5 - باب يقصر إذا خرج من موضعه
محرم أي: أو نحوه كزوج، وإن اختلفت ألفاظها، واختلاف العدد فيها وقع من اختلاف جواب السائلين بحسب ما سأله كل واحد، فلا تنافي بينهما، كما لا ينافي ثالثها حرمة مسيرة ما دون يوم بدون محرم؛ لأن مفهوم العدد لا اعتبار به على ما قاله الكرماني (¬1) وغيره. (تابعه) أي: ابن أبي ذئب. (وسهيل) أي: ابن أبي صالح. 5 - بَابُ يَقْصُرُ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَقَصَرَ وَهُوَ يَرَى البُيُوتَ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ هَذِهِ الكُوفَةُ قَال: "لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا". (باب: يقصر إذا خرج من موضعه) أي: محل وطنه قاصدًا سفرًا طويلًا مباحًا. (علي) أي: "ابن أبي طالب" كما في نسخة. (يرى البيوت) أي: بيوت الكوفة. (فقيل له) لفظة: (له) ساقطة من نسخة. (قال: لا) أي: لا نُتِمُّ (حتى ندخلها) أي: الكوفة. 1089 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ". [1546، 1547، 1551، 1712، 1714، 1715، 2951، 2986 - مسلم: 690 - فتح: 2/ 569] (سفيان) أي: الثوري. (عن أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخة. ¬
(مع النبي) في نسخة: "مع رسول اللَّه". (وبذي الحليفة ركعتين) في نسخة: "والعصر وبذي الحليفة ركعتين" وهو المراد من الأولى، ولا حجة فيه للظاهرية في القصر في السفر القصير، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان قاصدًا مكة؛ لأن ذا الحليفة غاية سفره. 1090 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "الصَّلاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلاةُ الحَضَرِ" قَال الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَال: "تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ". [انظر: 350 - مسلم: 685 - فتح: 2/ 569] (سفيان) أي: ابن عيينة. (الصلاة) مبتدأ. (أول) بالرفع مبتدأ ثان، أو بدل من الصلاة، وبالنصب على الظرفية. (ما فرضت) ما مصدرية أي: الصلاة فرضت ركعتين ركعتين في أول أزمنة فرضها لمن أراد الإتمام عليهما في السفر. (ركعتان) خبر المبتدأ الأول، أو خبر المبتدأ الثاني، والجملة: خبر الأول، وفي نسخة: "ركعتين" بالنصب على الحال السادة مسد الخبر، كقول الشاعر: الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول وفي نسخة: بدل (الصلاة): "الصلوات" فعليها المراد: ركعتان ركعتان بالتكرار، كما ورد في رواية (¬1). (فأقرت صلاة السفر) لا حجة فيه لمن أوجب القصر؛ إذ لو وجب لما أتمت عائشة الرواية للحديث. ¬
6 - باب يصلي المغرب ثلاثا في السفر
قال النووي: المعنى: فرضت ركعتين لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في الحضر ركعتان تحتمًا، وأقرت صلاة السفر على جواز الإتمام، وقد ثبت دلائل ذلك فوجب المصير إليه جمعا بين الأدلة (¬1). (ما بال) في نسخة: "فما بال". [(تتم) بضم التاء] (¬2) (تأولت ما تأول عثمان) أي: من أنه رأى القصر والإتمام جائزين، فأخذ بأحدهما وهو الإتمام، وقيل في تاويله: إنه كان يرى اختصاص القصر بالمسافر دون المقيم بمكانه في أثناء سفره، وقيل فيه غير ذلك. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن السفر صادق بمجرد خروجه من موضعه. 6 - بَابُ يُصَلِّي المَغْرِبَ ثَلاثًا فِي السَّفَرِ (باب: يصلي المغرب ثلاثًا في السفر) أي: فلا يجوز قصرها بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره (¬3)، وإنما لم تقصر؛ لأنها وتر لقربها منه. 1091 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ" قَال سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ". [1092، 1106، 1109، 1668، 1673، 1805، 3000 - مسلم: 703 - فتح: 2/ 572] ¬
(أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (ما رأيت رسول اللَّه) في نسخة: "رأيت النبي". (وكان عبد اللَّه) في نسخة: "وكان عبد اللَّه بن عمر". (يفعله) أي: التأخير. (إذا أعجله السير). 1092 - وَزَادَ اللَّيْثُ، قَال: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَال سَالِمٌ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ " قَال سَالِمٌ: وَأَخَّرَ ابْنُ عُمَرَ المَغْرِبَ، وَكَانَ اسْتُصْرِخَ عَلَى امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلاةَ، فَقَال: سِرْ، فَقُلْتُ: الصَّلاةَ، فَقَال: سِرْ، حَتَّى سَارَ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ قَال: "هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ" وَقَال عَبْدُ اللَّهِ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ المَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ العِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ". [انظر: 1091 - مسلم: 703 - فتح: 2/ 572] (وكان) أي: ابن عمر. (استصرخ) بالبناء للمفعول، من الصراخ: وهو الاستغاثة بصوت مرتفع. (على امرأته) أي: أخبر بموتها بطريق مكة. (الصلاة) بالنصب على الإغراء؛ وبالرفع مبتدأ حذف خبره، أو حضرت، أو بالعكس. (فقلت: الصلاة) في نسخة: "فقلت له: الصلاة". (ميلين) الميل: أربعة آلاف خطوة، وهو ثلث فرسخ. (ثم نزل فصلى) المغرب والعشاء جمعًا. (رأيت النبي) في نسخة: "رأيت رسول اللَّه". (يؤخر المغرب) في نسخة: "يعتم المغرب" بعين مهملة وتاء فوقية وميم أي: يدخل في العتمة، وفي أخرى: "يقيم المغرب" بقاف مهملة مكسورة بدل العين، من الإقامة. (قلما يلبث) بفتح أول يلبث وثالثه، أي: قبل لبثه، فما مصدرية. (ولا يسبح) أي: لا ينتفل بالصلاة. (حتى يقوم من جوف الليل) من ابتدائية، أو تبعيضية، أو بمعنى: في.
7 - باب صلاة التطوع على الدابة وحيثما توجهت به
وفي الحديث: أنه لا يفصل بين صلاتي الجمع إلا قليلًا، وبيان القصر والجمع، وتأكيد قيام الليل؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يتركه سفرًا، فالحضر أولى. 7 - بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ وَحَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ (باب: صلاة التطوع على الدواب) في نسخة: "على الدابة". (وحيث ما توجهت به) لفظ: (به) ساقط من نسخة. والمراد: توجهت به في جهة مقصده. 1093 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَال: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ". [1097، 1104 - مسلم: 701 - فتح: 2/ 572] (معمر) أي: ابن راشد. (عن عبد اللَّه بن عامر) زاد في نسخة: "ابن ربيعة العنبري". (حيث توجهت) في نسخة: "حيثما توجهت" أي: "به". 1094 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهُوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ القِبْلَةِ". [انظر: 400 - مسلم: - فتح: 2/ 573] (شيبان) أي: ابن عبد الرحمن النحوي. 1095 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَال: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، قَال: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا"، وَيُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ. [انظر: 999 - مسلم: 700 - فتح: 2/ 537] (وهيب) هو ابن خالد.
8 - باب الإيماء على الدابة
8 - بَابُ الإِيمَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ [(باب: الإيماء على الدابة) في السفر. 1096 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، قَال: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهَتْ يُومِئُ" وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ. [انظر: 999 - مسلم: 700 - فتح: 2/ 574] (موسى) أي: "ابن إسماعيل" كما في نسخة. (أينما توجهت) أي: "به" كما في نسخة. (يُومئ) بالهمز أي: برأسه في الركوع والسجود. ومرَّ الحديث في باب: الوتر في السفر.] (¬1) 9 - بَابُ يَنْزِلُ لِلْمَكْتُوبَةِ (باب: ينزل للمكتوبة) أي: ينزل الراكب؛ لصلاة المكتوبة. 1097 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ، قَال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الرَّاحِلَةِ يُسَبِّحُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ". [انظر: 1093 - مسلم: 701 - فتح 2/ 574] (عن عقيل) أي: ابن خالد الأيلي. (رأيت رسول اللَّه) في نسخة: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -". (يسبح) أي: يصلي النافلة. (يومئ برأسه) حال. (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي: مقابل (أي وجهة توجهت) أي: في جهة مقصده، وفي نسخة: "أي وَجْهٍ تَوَجَّه". ¬
1098 - وَقَال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: قَال سَالِمٌ: "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ مِنَ اللَّيْلِ، وَهُوَ مُسَافِرٌ مَا يُبَالِي حَيْثُ مَا كَانَ وَجْهُهُ" قَال ابْنُ عُمَرَ: "وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةَ". [انظر: 999 - مسلم: 700 - فتح: 2/ 575] (يونس) أي: ابن يزيد. (كان عبد اللَّه) في نسخة: "كان عبد اللَّه بن عمر" (حيث كان) في نسخة: "حيث ما كان". (ويوتر عليها) أي: وإن كان الوتر واجبًا عليه - صلى الله عليه وسلم - (¬1)؛ إذ الممتنع فعله على الراحلة ما كان وجوبه عليه وعلى الأمة، كالظهر ففعله عليها؛ لبيان أنه تطوع لنا. 1099 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالةَ، قَال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ، قَال: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ المَكْتُوبَةَ نَزَلَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ". [انظر: 400 - مسلم: 540 - فتح: 2/ 575] (هشام) أي: الدستوائي. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير، ومرت أحاديث الباب آنفًا. ¬
10 - باب صلاة التطوع على الحمار
10 - بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الحِمَارِ (باب: صلاة التطوع على الحمار) أفرده بالذكر تبعًا للحديث الآتي، وإلا فهو داخل فيما مرَّ. 1100 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا حَبَّانُ، قَال: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَال: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، قَال: اسْتَقْبَلْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّأْمِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ فَرَأَيْتُهُ "يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الجَانِبِ" - يَعْنِي عَنْ يَسَارِ القِبْلَةِ - فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ القِبْلَةِ، فَقَال: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ لَمْ أَفْعَلْهُ " رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [مسلم: 702 - فتح: 2/ 576] (حبان) بفتح المهملة أي: ابن هلال البصري. (همام) أي: ابن يحيى. (استقبلنا أنسًا) في نسخة: "استقبلنا أنس بن مالك رضي اللَّه عنهما اللَّه عنه". (بعين التمر) بمثناة وسكون الميم: موضع بطرق العراق مما يلي الشام (¬1). (على حمار) في نسخة: "على الحمار". (فعله) في نسخة: "يفعله". (ابن طهمان) في نسخة: "إبراهيم بن طهمان". (عن حجاج) هو ابن حجاج الباهلي. (عن أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخة. 11 - بَابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلاَةِ وَقَبْلَهَا (باب: من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة) في نسخة: "دبر الصلوات" وزاد في نسخة: "وقبلها" ولفظ: (دبر الصلاة) ساقط من أخرى. ¬
12 - باب من تطوع في السفر، في غير دبر الصلوات وقبلها
1101 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَال: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ حَدَّثَهُ، قَال: سَافَرَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَال: "صَحِبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَال اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ) " [الأحزاب: 21]. (حدثني ابن وهب) في نسخة: "حدثنا ابن وهب" أي: عبد اللَّه (عمر بن محمد) أي: ابن زيد بن عبد اللَّه بن عمر. (سافر ابن عمر) في نسخة: "سألت ابن عمر". (فلم أره يسبح) أي: يصلي الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها. 1102 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: "صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ". [انظر: 1101 - مسلم: 689 - فتح: 2/ 577] (يحيى) أي: القطان. (وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك) عطف على رسول اللَّه أي: وصحبتهم كما صحبته - صلى الله عليه وسلم - في السفر، وكان لا يزيدون فيه على ركعتين، لكن قوله: (وعثمان) أراد به أن ذلك كان في صدر خلافته، كما في مسلم (¬1). 12 - بَابُ مَنْ تَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ، فِي غَيْرِ دُبُرِ الصَّلَوَاتِ وَقَبْلَهَا وَرَكَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فِي السَّفَرِ". (باب: من تطوع في السفر في غير دبر الصلاة وقبلها) لفظ: (في غير ...) إلى آخره: ساقط من نسخة. (ركعتي الفجر) أي: سنته. ¬
1103 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَال: مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلاةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ". [1176، 4292 - مسلم: 336 - فتح: 2/ 578] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن عمرو) أي: "ابن مرة" كما في نسخة. (عن ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن الأنصاري. (ما أنبأنا) في نسخة: "ما أخبرنا". (فصلى ثمان ركعات) بحذف ياء ثماني؛ اكتفاءً بكسرة نونه، وفي نسخة: "ثماني" بإثباتها. (غير أنه يتم الركوع والسجود) قالته؛ دفعًا لتوهم من يفهم أنه نقص منها، حيث عبرت بـ (أخف). وموضع الترجمة: أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى في السفر، ولم يكن في دبر صلاة من الصلوات. 1104 - وَقَال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ "رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ". [انظر: 1093 - مسلم: 701 - فتح: 2/ 578] (يونس) أي: ابن يزيد الأيلي. (عبد اللَّه بن عامر) أي: "ابن ربيعة" كما في نسخة. (به) ساقط في نسخة. 1105 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. [انظر: 999 - مسلم: 700 - فتح: 2/ 578]
13 - باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء
(أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (أخبرني سالم) في نسخة: "أخبرنا سالم". (كان يسبح) أي: يتنفل، وهو لا ينافي ما مرَّ من قوله: "لم أره يسبح" (¬1) إذ معناه: لم أره يصلي النافلة على الأرض في السفر، فقد روي أنه كان يقوم جوف الليل في السفر ويتهجد فيه، فغير ابن عمر رواه، ويقدم المثبت على النافي، أو يحمل أنه تركه (- صلى الله عليه وسلم -)؛ لبيان التخيير في نفل السفر. 13 - بَابُ الجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ (باب: الجمع في السفر) أي: الطويل المباح. (بين المغرب والعشاء) أي: وبين الظهر والعصر. 1106 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ". [انظر: 1091 - مسلم: 703 - فتح: 2/ 579] (سفيان) أي: ابن عيينة. (إذا جد به السير) أي: اشتد فيه، ونسبة الفعل للسير مجاز، وإنَّما اقتصر ابن عمر على جمع المغرب والعشاء دون جمع الظهر والعصر؛ لأن الواقع له جمع المغرب والعشاء، وهو ما سأل عنه نافع فأجابه حين استصرخ على امرأته، فاستعجل فجمع بينهما جمع تأخير، كما مر في باب: يصلي المغرب ثلاثًا (¬2). ¬
14 - باب: هل يؤذن أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء؟
1107 - وَقَال إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنِ الحُسَيْنِ المُعَلِّمِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ، إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ". [فتح: 2/ 579] (عن الحسين) في نسخة: "عن حسين". (على ظهر سير) بالإضافة، وظهر مقحم؛ للتأكيد، لأن السير كان مستندًا إلى ظهر قوي، إلى المطي السائره، وفي نسخة: "على ظهر يسير" بالتنوين وبلفظ المضارع، أي: حالة كونه يسير. 1108 - وَعَنْ حُسَيْنٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاةِ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي السَّفَرِ" وَتَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، وَحَرْبٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ أَنَسٍ جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [1110 - فتح: 2/ 579] (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين المغرب والعشاء في السفر) لم يقيده بجد السير، ويحتمل حمله على القيد به، ويحتمل بقاؤه على عمومه، وذكر فرد من أفراده لا يخصصه، وهو الأولى، فله الجمع تأخيرًا جد به السير أَوْ لا. (وتابعه) أي: حسينًا، في نسخة: "تابعه" بلا واو. (وحرب) وهو ابن شداد اليشكري. (عن يحيى) أي: القطان. (عن حفص) هو ابن عبيد. 14 - بَابٌ: هَلْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ؟ (باب: هو يؤذن) أي: للثانية. (أو يقيم) لها أو يجمع بينهما. (إذا جمع بين المغرب والعشاء) ويأتي مثل ذلك إذا جمع بين الظهر والعصر.
1109 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ، يُؤَخِّرُ صَلاةَ المَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِشَاءِ" قَال سَالِمٌ: "وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَفْعَلُهُ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ وَيُقِيمُ المَغْرِبَ، فَيُصَلِّيهَا ثَلاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يُقِيمَ العِشَاءَ، فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَا يُسَبِّحُ بَيْنَهُمَا بِرَكْعَةٍ، وَلَا بَعْدَ العِشَاءِ بِسَجْدَةٍ، حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ". [انظر: 1091 - مسلم: 703 - فتح: 2/ 581] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (إذا أعجله) أي: استحثه. (وكان عبد اللَّه) في نسخة: "وكان عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما". (ويقيم المغرب) أي: يقيم لها، يحتمل الإقامة وحدها وأن يريد ما يقام به الصلاة من أذان وإقامة. (ثم قلما يلبث) أي: ثم قل مدة لبثه، وذلك اللبث؛ لقضاء بعض حوائجه. (ولا يسبح بينهما بركعة) يعني: بركعتين. (ولا بعد العشاء بسجدة) يعني: بركعتين، وهو مع ما قبله من إطلاق الجزء على الكل. (حيث يقوم من جوف الليل) أي: يتهجده. 1110 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَال: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَدَّثَهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ"، يَعْنِي المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ. [انظر: 1108 - فتح: 2/ -581] (حدثنا) في نسخة: "حدثني". (إسحق) أي: ابن راهويه، أو ابن منصور الكوسج. (حدثنا) في نسخة: "أخبرنا". (عبد الصمد) أي: "ابن عبد الوارث" كما في نسخة. (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (يعني: المغرب والعشاء) يحتمل جمع التقديم والتأخير.
15 - باب يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس
قال الكرماني: ووجه مطابقة الحديثين للترجمة: أن الراوي لما لم يتعرض لترك الأذان والإقامة [كأنه أراد الصلاتين بأركانهما، وشروطهما، وسننهما من الأذان والإقامة] (¬1) وغيرهما (¬2)، ومرَّ الحديث آنفًا (¬3). 15 - بَابُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى العَصْرِ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 1107] (باب: يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس) أي: تميل، وذلك إذا فاء الفيء (فيه) أي: في تأخير الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس. 1111 - حَدَّثَنَا حَسَّانُ الوَاسِطِيُّ، قَال: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ فَضَالةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ". [1112 - مسلم: 704 - فتح: 2/ 582] (حسان) أي: ابن عبد اللَّه بن سهل الكندي. (عن عقيل) أي: ابن خالد الأيلي. (إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس) وإلى .. إلى آخره بقي ما إذا كان مرتحلًا في الوقتين، وحكمه: أن له أن يجمع على ما يراه من التقديم، ¬
16 - باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب
أو التأخير، لكن الأفضل التأخير، للخروج من خلاف من خالف في التقديم. (وإذا زاغت) أي: قبل أن يرتحل. (صلى الظهر) أي: والعصر جمعًا. 16 - بَابُ إِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ مَا زَاغَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ (باب: إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس صلى الظهر) أي: والعصر جمعًا، كما مرَّ (¬1) (ثم ركب) أي: ارتحل. 1112 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ فَضَالةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ". [انظر: 1111 - مسلم: 704 - فتح: 2/ 582] (كان رسول اللَّه) في نسخة: "كان النبي". (فإن زاغت) في نسخة: "وإذا زاغت". (صلى الظهر) أي: والعصر جمعًا، كما مرَّ. 17 - بَابُ صَلاةِ القَاعِدِ (باب: صلاة القاعد) متنفلًا ولو قادرًا ومفترضا عند العجز. 1113 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: "إِنَّمَا ¬
جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا". [انظر: 688 - مسلم: 412 - فتح: 2/ 584] (قتيبة بن سعيد) لفظة: (ابن سعيد) ساقطة من نسخة. (شاك) بالتخفيف والتنوين أي: مريض يشكو انحراف مزاجه عن الاعتدال، وفي نسخة: "شاكي" بياء على غير الأصل. (فأشار إليهم أن اجلسوا) [منسوخ مع الحديث بصلاته في مرض موته جالسًا والناس خلفه قيامًا كما مرَّ في إنما] (¬1). جعل الإمام ليؤتم به. 1114 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَرَسٍ فَخُدِشَ - أَوْ فَجُحِشَ - شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَصَلَّى قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا قُعُودًا، وَقَال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ". [انظر: 378 - مسلم: 411 - فتح: 2/ 584] (أبو نعيم) هو الفضل بن دكين. (ابن عيينة) هو سفيان. (عن أنس) أي: "ابن مالك" كما في نسخة. (من فرس) في نسخة: "عن فرس". (فخدش أو فجحش شقه) أي: قشر جلد شقه، فمعنى اللفظين واحد، والشك من الراوي، (فقولوا: ربنا) في نسخة: "فقولوا: اللهم ربنا" (¬2). ¬
1115 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَال: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَأَلَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَال: سَمِعْتُ أَبِي، قَال: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، قَال: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ - وَكَانَ مَبْسُورًا - قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا، فَقَال: "إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ". [1116، 1117 - فتح: 2/ 584] (سألت نبي اللَّه - صلى الله عليه وسلم -) أي: عن صلاة الرجل قاعدًا، كما ذكره فيما بعده. (قال) أي: البخاري، وهو: ساقط من نسخة. (أخبرنا) في نسخة: "وحدثنا"، وفي أخرى: "وحدثني" وفي أخرى وزاد: "إسحق" أي: ابن راهويه، أو ابن منصور الكوسج. (عبد الصمد) هو ابن عبد الوارث بن سعيد. (ابن حصين) في نسخة: "الحصين". (وكان مبسورًا) أي: كان به بواسير، وهي عند الأطباء: نفاطات تحدث في المقعدة ينزل منها مادة. (قال: سألت) في نسخة: "أنه سأل". (ومن صلى) أي: نفلًا. (قاعدًا فله نصف أجر القائم). (ومن ¬
18 - باب صلاة القاعد بالإيماء
صلى) أي: نفلًا مضطجعًا. (فله نصف أجر القاعد) محل كل من الأمرين في القادر، أما العاجز فلا ينقص ثوابه عن ثواب القائم والقاعد، ومحله أيضًا في غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن صلاته قاعدًا، أو مضجعًا لا ينقص أجرها عن صلاته قائما، أو قاعدًا مطلقًا، لخبر ورد فيه في مسلم وغيره (¬1) وقد عدَّ الشافعي ذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -. 18 - بَابُ صَلاةِ القَاعِدِ بِالإِيمَاءِ (باب: صلاة القاعد بالإيماء) أي: عند العجز. 1116 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَال: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ - وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا - وَقَال أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةً: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَال: "مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "نَائِمًا عِنْدِي مُضْطَجِعًا هَا هُنَا". [انظر: 1115 - فتح: 2/ 586] (وقال أبو معمر مرة عن عمران) بدل قوله: (أن عمران) وزاد في نسخة: "ابن حصين". و (من صلى قائمًا) أي: مضطجعا، كما مرَّ مع زيادة في الباب ¬
19 - باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب
السابق أن مضطجعًا ذكر هنا في نسخة بلفظ: "قال أبو عبد اللَّه: قوله: نائمًا عندي" أي: مضطجعًا، وفي أخرى بلفظ: "قال أبو عبد اللَّه: نائما عندي مضطجعًا ها هنا" ومعناه: أن البخاري فسر نائمًا هنا بـ (مضطجعًا). ووجه مطابقته للترجمة: أن النائم لا يقدر على الإتيان بالأفعال، فلا بد فيه من الإشارة إليها، فالنوم بمعنًى: الاضطجاع كناية عن الإيماء إليها. 19 - بَابُ إِذَا لَمْ يُطِقْ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبٍ وَقَال عَطَاءٌ: "إِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى القِبْلَةِ، صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ". (باب: إذا لم يطق) أي: الصلاة (قاعدًا صلى على جنب) بحسب قدرته، والجنب الأيمن أفضل، ويكره على الأيسر بلا عذر. (عطاء) أي: ابن زياد. (إن لم يقدر) في نسخة: "إذا لم يقدر". ومطابقة الأثر للترجمة: من حيث أن العاجز عن أداء فرض ينتقل إلى فرض دونه، ولا يتركه، فدلالته على الترجمة قياسية، لا لفظية. 1117 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، قَال: حَدَّثَنِي الحُسَيْنُ المُكْتِبُ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلاةِ، فَقَال: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". [انظر: 1115 - فتح: 2/ 587] (عبدان) لقب له، واسمه: عبد اللَّه. (عن عبد اللَّه) أي: ابن المبارك. (الحسين) هو ابن ذكوان. (المكتب) بسكون الكاف وكسر الفوقية مخففة. وقيل: بفتح الكاف، وكسر الفوقية مشددة: من معلم
20 - باب إذا صلى قاعدا، ثم صح، أو وجد خفة، تمم ما بقي
الصبيان الكتابة. (عن الصلاة) أي: عن صلاة من به علة. (فإن لم تستطع فعلى جنب) زاد النسائي: "فإن لم يستطع فمستلقيا" وقد بسطت الكلام على ذلك في "شرح الروض" وغيره. 20 - بَابُ إِذَا صَلَّى قَاعِدًا، ثُمَّ صَحَّ، أَوْ وَجَدَ خِفَّةً، تَمَّمَ مَا بَقِيَ وَقَال الحَسَنُ: "إِنْ شَاءَ المَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَائِمًا وَرَكْعَتَيْنِ قَاعِدًا". [فتح: 2/ 588] (باب: إذا صلى قاعدًا) أي: لمرض ثم صح (أو جد خفة) أي: في أثناء صلاته. (تمم) في نسخة: "يتم" وفي أخرى: "يتمم". (ما بقي) أي: بنى، ولم يستأنف، والمراد: تمم قائمًا وجوبًا في الفرض، وندبًا في النفل. (وقال الحسن) أي: البصري. (إن شاء المريض صلى ركعتين قائمًا، وركعتين قاعدًا) أي: وإن شاء صلى الأربع قاعدًا، أو قائمًا بتجشمه للمشقة، أو واحد قائمًا وثلاثًا قاعدًا، أو بالعكس؛ إذا الفرض أنه مريض في الأربع. 1118 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أُمِّ المُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا "لَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا، حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ، فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلاثِينَ آيَةً - أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً - ثُمَّ رَكَعَ". [1119، 1148، 4837 - مسلم: 731 - فتح: 2/ 589] (حتى أسن) أي: كبر سنه. (نحوًا من ثلاثين آية) لفظ: (آية) ساقطة من نسخة. (ثم يركع) في نسخة: "ثم ركع".
1119 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلاثِينَ - أَوْ أَرْبَعِينَ - آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ سَجَدَ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَضَى صَلاتَهُ نَظَرَ: فَإِنْ كُنْتُ يَقْظَى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ". [انظر: 1118 - مسلم: 731 - فتح: 2/ 589] (ابن يزيد) من الزيادة. (وأبي النضر) هو سالم بن أبي أمية. (فإذا بقى من قراءته نحو) برفع (نحو) على الفاعلية، وبنصبه حالًا من فاعل (بقي) الآتي بيانه، أو مفعولًا (بقراءته) على زيادته (من)، أو على أصالتها بجعل (من قراءته) صفة لفاعل (بقي) أي: بقي شيءٌ من قراءته نحوًا (من ثلاثين) زاد في نسخة: "آية". (ثم يركع) في نسخة: "ثم ركع". وفي الحديث: جواز القعود أثناء صلاة النافلة لمن افتتحها قائمًا، ومن افتتح صلاته مضطجعًا ثم استطاع الجلوس، أو القيام أتمها على ما أدت إليه حاله.
19 - كتاب التهجد
19 - كتاب التهجد
1 - باب التهجد بالليل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 19 - كِتَابُ التَّهَجُّدِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقطة من نسخة. 1 - باب التَّهَجُّدِ بِاللَّيلِ. بَابُ التَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]. (باب: التهجد بالليل) [في نسخة: "من الليل"، وفي أخرى: "كتاب: التهجد بالليل"] (¬1) والتهجد: التيقظ من النوم بالليل أي: ترك الهجود: وهو النوم، والمراد: التنفل بالصلاة في الليل بعد النوم. (وقوله) بالجر عطفٌ على التهجد، وبالرفع استئناف ({فَتَهَجَّدْ بِهِ}) أي: فأترك الهجود بالصلاة، والمراد: فصلِ بالليل ({نَافِلَةً}) بالقرآن، وإليه أشار في نسخة بقوله: "أي أسهر به" أي: بالقرآن في صلاتك. 1120 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَال: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ ¬
لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ - أَوْ: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ - " قَال سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: "وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ"، قَال سُفْيَانُ: قَال سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [6317، 6385، 7442، 7499 - مسلم: 769 - فتح: 3/ 3] (سفيان) أي: ابن عيينة. (عن طاوس) أي: ابن كيسان. (إذا قام من الليل يتهجد) أي: ليتهجد. (قال: اللهم لك الحمد) جواب إذا، والجملة الشرطية خبر كان، وفي تقديم لك الحمد هنا، وفيما يأتي إفادة التخصيص. (أنت) ساقط من نسخة. (قيم) القيم والقيام والقيوم معناها: وهو القائم بتدبير الخلق. (أنت نور) في نسخة: "أنت نور السموات والأرض" منورهما بالشمس والقمر (¬1)، أو ¬
منزه في السموات والأرض عن كلِّ عيب من قول العرب: امرأة منورة، أي: مبرأة من كل ريبة، وزاد في نسخة: "ومن فيهن". (ولك الحمد) ذكر الحمد؛ اهتمامًا بشأنه، وليناط به كل مرة معنى آخر (أنت ملك) بفتح الميم، وكسر اللام، وفي نسخة: "لك ملك" بضم الميم، وسكون اللام، والأول أنسب بالسياق. (أنت الحق) أي: واجب الوجود من حق الشيء: ثبت ووجب، وهذا الوصف لله بالحقيقة، لا ينبغي لغيره؛ إذ وجوده بذاته لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، وما عداه بخلاف ذلك، وأما إطلاقه على ما ذكره بقوله: "ووعدك الحق ... إلخ" فلأنه كائن بإخباره تعالى فيجب أن يصدق به، وحكمة التعبير به في ذلك: التأكيد والتفخيم له، والمعطوفات على (أنت الحق) مغايرة له، وإمَّا هي بنسبة بعضها إلى بعض، فبعضها من ذكر الخاص بعد العام، وبعضها بالعكس. واستشكل في تعريف الحق في (أنت الحق ووعدك الحق) مع تنكيره في البقية. وأجيب: بأنه عرف الأولان للحصر أنه مختص بالله بالحق حقيقة وبإنجاز الوعد، بخلاف غيرهما، وأورد عليه أن قوله: (وقولك حق) مُنكَّر مع أن قوله تعالى، كوعده فيما ذكر فيه، ويجاب: بأن المراد بالوعد: مدلوله، وهو لا يتغير بنَسْخ، أو غيره، وبالقول: الأخبار وهو يتغير بالنسخ؛ ولهذا قال الأصوليون: يجوز نسخ الأخبار بشيء بالأخبار بنقيضه، لا نسخ مدلول الخبر. (أسلمت) أي: انقدت ¬
2 - باب فضل قيام الليل
لأمرك ونهيك. (وعليك توكلت) أي: فوضت أمري إليك قاطعًا من نظري عن الأسباب العادية. (وإليك أنبت) أي: رجعت إليك مقبلا بقلبي عليك. (وبك خاصمت) أي: وبما آتيتني من البراهين والحجج خاصمت من خاصمني من المعاندين (وإليك حاكمت) أي: رفعت إليك من يجحد الحق، وجعلتك الحاكم بيني وبينه. وقدم صلات الأفعال المذكورة عليها؛ لإفادة الحصر. (فاغفر لي ما قدمت ... إلخ) قاله؛ تواضعًا، وإجلالًا للَّه تعالى، وتعليمًا للأمة، وإلا فهو معصوم مما يغفر. (أنت المقدم) أي: لي في البعث في الآخرة (وأنت المؤخر) أي: لي في البعث في الدنيا. (سفيان) أي: ابن عيينة. (عبد الكريم أبو أمية) هو ابن أبي المخارق البصري. (قال سليمان) في نسخة: "قال علي بن خشرم". (قال سفيان: سمعه) في نسخة: "سمعته". ولا يخفى ما اشتمل عليه الحديث من جوامع الكلم، إذ لفظ: (القيوم) إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، و (النور) إلى أن الأعراض منه، و (الملك) على أنه حاكم فيها إيجادًا وإعدامًا. 2 - بَابُ فَضْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ (باب: فضل قيام الليل) أي: فضل صلاة النفل المطلق فيه على النفل المطلق في النهار، وعلى ذلك حمل خبر مسلم (¬1): "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" وإلا فأفضل النفل عند الشافعية صلاة ¬
العيد، ثم الكسوف، ثم الخسوف، ثم الوتر، ثم ركعتي الوتر، ثم بقية الرواتب: وهي ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، ثم التراويح، ثم الضحى، وقد بسطت الكلام على ذلك في "شرح البهجة" وغيره. 1121 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، ح وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا، فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُنْتُ غُلامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ فِي المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي، فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْويَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، قَال: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَال لِي: لَمْ تُرَعْ،. [انظر: 440 - مسلم: 2479 - فتح: 3/ 6] (هشام) هو ابن يوسف الصنعاني. (محمود) ابن غيلان. (عبد الرازق) أي: ابن همام. (أن سالم) أي: ابن عبد اللَّه بن عمر. (رؤيا) بلا تنوين، وهي غالبًا تختص بالمنام، كما أن الرائي يختص بالقلب، والرؤية بالعين. (أن أرى) في نسخة: "أني أُرى". (فأقصها) أي: فأخبر بها، وفي نسخة: "أقصها" بلا فاء. (على عهد رسول اللَّه) في نسخة: "على عهد النبي". (مطوية) أي: مبنية الجوانب، فإن لم تطو، فهي القليب. (قرنان) أي: جانبان. (لم ترع) بالبناء للمفعول أي: لم تخف، والمعنى: لا خوف عليك بعد هذا. 1122 - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ" فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إلا
3 - باب طول السجود في قيام الليل
قَلِيلًا. [1157، 3739، 3741، 7016، 7031 - مسلم: 2479 - فتح: 3/ 6] (لو كان يصلي من الليل) لو: للشرط، وجوابها محذوف أي: لكان خيرًا له، أو للتمني، فلا جواب لها. (فكان) في نسخة: "وكان" بالواو، وإنما فسر - صلى الله عليه وسلم - رؤيا ابن عمر - رضي الله عنه -؛ لأنه لم ير شيئًا يغفل عنه من الفرائض فيذكر بالنار، وعلم مكثه في المسجد فعبر عن ذلك؛ لأنه منبه [على قيام الليل فيه. وفي الحديث: إن قيام الليل ينجي من] النار (¬1)، وتمني الخير؛ لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. 3 - بَابُ طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ (باب: طول السجود في قيام الليل) أي: بالدعاء والتضرع إلى اللَّه تعالى فيه. 1123 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَخْبَرَتْهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلاتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً، قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ المُنَادِي لِلصَّلاةِ". [انظر: 619 - مسلم: 736 - فتح: 3/ 7] (أخبرنا شعيب) أي: ابن أبي حمزة وفي نسخة: "حدثنا شعيب". (قال: أخبرني) في نسخة: "قال حدثني". (كانت تلك) أي: الإحدى عشرة. (صلاته) أي: بالليل بعد راحة العشاء، فأكثر الوتر: إحدى عشرة. (يسجد السجدة) (ال) فيها للجنس، فيشمل الإحدى عشرة، ¬
4 - باب ترك القيام للمريض
والتاء فيها لا تنافي ذلك، والمعنى: فيسجد سجدات تلك الركعات طويلة. (قدر) بنصبه بنزع الخافض أي: بقدر، أو بجعله وصفًا لمصدر محذوف أي: سجودًا قدر. (ثم يضطجع على شقه الأيمن) للاستراحة من مجاهدة التهجد. 4 - بَابُ تَرْكِ القِيَامِ لِلْمَرِيضِ (باب: ترك القيام للمريض) [أي: قيام الليلِ] (¬1). 1124 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَال: سَمِعْتُ جُنْدَبًا، يَقُولُ: "اشْتَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ". [1125، 4950، 4951، 4983 - مسلم: 1797 - فتح: 3/ 8] (سفيان) أي: الثوري. (جندبًا) بفتح الدال وضمها أي: ابن عبد اللَّه البجلي. (اشتكى النبي) أي: في مرض. (فلم يقم) أي: للصلاة. 1125 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "احْتَبَسَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، فَقَالتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ، فَنَزَلَتْ: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 2]. [انظر: 1124 - مسلم: 1797 - فتح: 3/ 8] (سفيان) أي: الثوري. (على النبي) في نسخة: "عن النبي". (فقالت امرأة) هي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، امرأة أبي لهب حمالة الحطب، -كما رواه الحاكم عن زيد بن أرقم (¬2) -. ({وَاللَّيْلِ ¬
5 - باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب
{إِذَا سَجَى (2)}) أي: أقبل بظلامه. ({مَا وَدَّعَكَ}) جواب القسم، أي: ما قطعك. ({وَمَا قَلَى}) أي: وما قلاك: أبغضك. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنه تتمة الحديث الأول وسيأتي في التفسير، في سورة الضحى في جمعهما في حديث واحد. 5 - بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ وَطَرَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا عَلَيْهِمَا السَّلامُ لَيْلَةً لِلصَّلاةِ. (باب: تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - على صلاة الليل) في نسخة: "على قيام الليل". (والنوافل) أي: وعلى الإتيان بها ليلا. (من غير إيجاب) أي: إيضاح لما قبله، وعطف النوافل على ما قبلها عطف تفسير على النسخة الأولى، ومن عطف الخاص على العام على الثانية؛ [لأن قيام الليل يشمل الصلاة، والقراءة والذكر وغيرها] (¬1). (وطرق النبي) أي: أتى ليلًا، فقوله: (ليلة) تأكيد للصلاة أي: للتحريض على القيام لها. 1126 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً، فَقَال: "سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ". [انظر: 115 - فتح: 3/ 10] (ابن مقاتل) في نسخة: "محمد بن مقاتل". (حدثنا عبد اللَّه) أي: ¬
ابن المبارك، وفي نسخة: "أخبرنا عبد اللَّه". (معمر) أي: ابن راشد. (فقال: سبحان اللَّه) قاله تعجبًا. (ماذا أنزل ... إلخ). [كالبيان لسابقه؛ لأن ما استفهامية متضمنة للتعجب. (من الفتن) في نسخة: "من الفتنة" أي الجزئية، كفتنة الرجل في أهله وماله، المأخوذ ذلك من خبر: "فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصيام والصدقة"] (¬1) (ماذا أنزل) في نسخة: "ماذا نزل". (من الخزائن) أي: خزائن الأعطية، والمراد بها: الرحمة، وعبَّر عنها بالخزائن؛ لكثرتها، وبالفتن: العذاب، وعبر عنه بالفتن؛ لأنها أسبابه. (يا رُب) المنادى محذوف، أي: يا قوم رب (كاسية) من أنواع ثياب الدنيا. (عارية) بالجر؛ صفة لكاسية، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف أي: هي عارية من أنواع ثياب الآخرة، وهو وإن ورد على أزواجه - صلى الله عليه وسلم - فالعبرة بعموم اللفظ. وفي الحديث: إعلامه - صلى الله عليه وسلم - أنه يفتح من الخزائن لأمته، وأن الفتن مقرونة بها، وأن الصلاة تنجي من شر الفتن، وتعصم من المحن. 1127 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةً، فَقَال: "أَلا تُصَلِّيَانِ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: 54]. (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة ¬
[(علي بن حسين) هو المشهور بزين العابدين. (بيد اللَّه) أي: بقدرته] (¬1). (أن يبعثنا) أي: يوقظنا. (حين قلنا) في نسخة: "حين قلت". (ولم يرجع) بفتح الياء. (إلى شيئًا) أي: ولم يجبني بشيء (يضرب فخذه) أي: تعجبًا من سرعة جواب عليّ، وعدم موافقته له على الاعتذار. 1128 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعُ العَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا". [1177 - مسلم: 718 - فتح: 3/ 10] (إن كان) أن: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن محذوف. (ليدع العمل) أي: ليتركه. (خشية) تعليل ليدع العمل (فيفرض) بالنصب عطفٌ على. (يعمل) (ما سبح رسول اللَّه ... إلخ) هذا من عائشة إخبار بما رأت، ورتبت عليه قولها. (وإني لأسبحها) في نسخة: "وإني لأستحبها" لكن قد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى يوم الفتح (¬2)، وأوصى بها أبوي ذر وهريرة (¬3)، بل عدَّها العلماء من الواجبات الخاصة به. ¬
1129 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَو الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَال: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إلا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ". [انظر: 729 - مسلم: 761، 782 - فتح: 3/ 10] (من القابلة) في نسخة: "من القابل". (من الليلة الثالثة أو الرابعة) الشك وقع في رواية مالك عن ابن شهاب، ورواه مسلم من رواية يونس عن ابن شهاب بلا شك، بلفظ: كثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله (¬1). (قد رأيت الذين صنعتم) أي: من حرصكم على الصلاة التراويح. (وذلك) أي ما ذكر في رمضان أي: كان فيه، واستشكل قوله: (إني خشيت أن تفرض عليكم) مع قوله في خبر الإسراء: (هن خمس وهن خمسون) (¬2). ({مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ}) إذ كيف يخاف الزيادة مع هذا الخبر؟ وأجيب: باحتمال أن يكون المخوف افتراض قيام الليل جماعة في المسجد، أو يكون المخوف افتراض قيام [الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس] (¬3)، أو يكون ¬
6 - باب: قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل حتى ترم قدماه
المخوف افتراض قيام رمضان خاصَّة، كما مرَّ أن ذلك كان في رمضان. 6 - بَابُ: قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّيْلَ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ وَقَالتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ" وَالفُطُورُ: الشُّقُوقُ {انْفَطَرَتْ} [الانفطار: 1]: انْشَقَّتْ". (باب: قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ترم قدماه) في نسخة: بفتح تاء (ترم) وكسر رائه من الورم، فالتاء بدل من الواو وهو منصوب، ويجوز رفعه وزاد في نسخة قبل حتى: "الليل" ولفظ: (حتى ترم) ساقط من نسخة. (حتى تفطر) في نسخة: "قام حتى تفطر" وفي أخرى: "قام النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تتفطر". 1130 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ، قَال: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ - أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ: "أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا". [4836، 6471 - مسلم: 2819 - فتح: 3/ 14] (مسعر) بكسر الميم أي: ابن كدام العامري. (عن زياد) أي: ابن علاقة الثعلبي. (أن كان) أن مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن. (ليصلي) بكسر اللام، وفي نسخة: "يصلي" وفي أخرى: "أو ليصلي" بفتح اللام على الشك فيصلي على الأولى؛ منصوب، وعلى الأخيرين؛ مرفوع تقديرًا. (أو ساقاه) شك من الراوي (فيقال له) أي: غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. (أفلا أكون عبدًا شكورًا) سبب عن محذوف أي: أأترك تهجدي بما غفر لي، فلا أكون عبدًا شكورًا. يعني: المغفرة سبب للتهجد شكرًا، فكيف أتركه؟ وتخصيص العبد بالذكر مشعر بغاية الإكرام والقرب من اللَّه تعالى، ومن ثم وصفه به في مقام الإسراء.
7 - باب من نام عند السحر
7 - بَابُ مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ (باب: من نام عند السحر) هو قبيل الصبح، وفي نسخة: "عند السحور" بفتح السين على المشهور، وهو ما يتسحر به، ولا يكون غالبا إلا قبيل الصبح أيضًا. 1131 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لَهُ: "أَحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا". [1152، 1153، 1974، 1975، 1976، 1977، 1978، 1979، 1980، 3418، 3419، 3420، 5052، 5053، 5054، 5199، 6134، 6277 - مسلم: 1159 - فتح: 3/ 16] (سفيان) أي: ابن عيينة. (أحب الصلاة) أي: أكثر ما يكون محبوبًا، واستعمال أحب بمعنى: محبوب قليل؛ لأن الأكثر في أفعل التفضيل أن يكون من فعل الفاعل، ونسبة المحبة في الصلاة والصيام إلى اللَّه تعالى على معنى إرادة الخير لفاعلها. (ويقوم ثلثه) هو الوقت الذي ينادي فيه الرب هل من سائل، هل من مستغفر. (وينام سدسه) أي: يستريح من نصب القيام، وإنما كان ما ذكر أحب إلى اللَّه تعالى؛ لأنه أخذ بالرفق على النفوس التي يخشى منها السآمة، التي هي سبب ترك العبادة، والله يحب أن يوالي فضله ويديم إحسانه. 1132 - حَدَّثَنِي عَبْدَانُ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ، سَمِعْتُ أَبِي، قَال: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا، قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالتْ: "الدَّائِمُ"، قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالتْ: "كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ".
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَال: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَشْعَثِ، قَال: "إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى". [6461، 6462 - مسلم: 741 - فتح: 3/ 16] (حدثني عبدان) في نسخة: "حدثنا عبدان" وهو لقب له، واسمه: عبد اللَّه كما مرَّ. (أبي) هو عثمان بن جبلة. (شعبة) أي ابن الحجاج. (أشعث) بمثلثة. (سمعت أبي) هو أبو الشعثاء سليم بن أسود المحاربي. (مسروقًا) أي: ابن الأجدع. (إلى النبي) في نسخة: "إلى رسول اللَّه". (الدائم) أي: الدوام العرْفي، لا شمول الأزمنة؛ لأنه لا يطاق. (قالت: يقوم) في نسخة: (قالت: كان يقوم). (الصارخ) هو الديك؛ لأنه يكثر الصياح بالليل، قيل: وأول ما يصيح نصف الليل. وفيه: أن الاقتصاد على العبادة خير من التعمق فيها؛ لأنه لا يؤدي إلى الترك. (محمد بن سلام) بتخفيف اللام، ولفظ: (ابن سلام) ساقط من نسخة. (أبو الأحوص) هو سلام بن سليم الكوفي. (قام صلى) أفادت هذه الرواية ما كان يصنع إذا قام وهو قوله: (قام فصلى) بخلاف الرواية السابقة. 1133 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَال: ذَكَرَ أَبِي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إلا نَائِمًا" تَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [مسلم: 742 - فتح: 3/ 16] (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف. (ما ألفاه) بالفاء أي: وجده. (السحر) بالرفع فاعل ألفاه. (إلا نائمًا) أي: بعد القيام الذي أوله عند سماع الصارخ، والظاهر أن المراد
8 - باب من تسحر فلم ينم حتى صلى الصبح
بالنوم: حقيقته، وهو نوم داود، وقيل: المراد به: الاضطجاع؛ لقول عائشة في حديث آخر: فإن كنت يقظانة حدثني، وإلا اضطجع (¬1) وقيل: كان نومه حقيقة في الليالي الطوال وفي غير رمضان، دون القصار ورمضان. (تعني: النبي) فسرت به عائشة الضمير المنصوب في الفاء، وقد جاء ظاهرًا في رواية بلفظ: ألفي النبي (¬2) وفي أخرى: ألفي رسول اللَّه (¬3). 8 - بَابُ مَنْ تَسَحَّرَ فَلَمْ يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ (باب: من تسحر فلم ينم حتى صلَّى الصبح) في نسخة: "ولم ينم" بواو، وفي أخرى: "من تسحر ثم قام إلى الصلاة". 1134 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، "أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلاةِ، فَصَلَّى"، فَقُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاةِ؟ قَال: كَقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. [انظر: 576 - فتح: 3/ 18] (روح) بفتح الراء أي: ابن عبادة. (سعيد) أي: "ابن أبي عروبة" كما في نسخة. (عن قتادة) أي: ابن دعامة. ¬
9 - باب طول القيام في صلاة الليل
(من سحورهما) [بفتح السين على المشهور ما يتسحر به كما مرَّ. (إلى الصلاة) أي: صلاة الصبح. (قلنا) في نسخة: فقلنا. (بين فراغهما من سحورهما] (¬1) بضم السين هنا على المشهور؛ لأن المراد الفعل، ومرَّ شرح الحديث في باب: وقت الفجر (¬2). 9 - بَابُ طُولِ القِيَامِ فِي صَلاةِ اللَّيْلِ (باب: طول القيام في صلاة الليل) لفظ: (طول): ساقط من نسخة، وفي أخرى: "باب: طول الصلاة في قيام الليل". 1135 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ"، قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَال: هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [مسلم: 773 - فتح: 3/ 19] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة. (عن عبد اللَّه) أي: ابن مسعود. (هممت) أي: قصدت. (بأمر سوء) بفتح السين ومع الإضافة، أو مع التنوين بجعل (سوء) صفة. (وما هممت) في نسخة: "ما هممت" بلا واو. (هممت أن أقعد) أي: طول قيامه. (وأذر النبي) أي: وأتركه، لعجزي عن القيام، وإنما جعله سوء مع أن القعود في النفل جائز؛ لأن فيه ترك الأدب معه - صلى الله عليه وسلم - ¬
10 - باب: كيف كان صلاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكم كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل؟
1136 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَال: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ". [انظر: 245 - مسلم: 255 - فتح: 3/ 19] (حصين) بالتصغير أي: ابن عبد الرحمن السلمي. (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة. (يشوص فاه) أي: يدلكه كما مرَّ (¬1)، ووجه ذكر هذا في الباب أنه - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يخل بالسواك الذي هو سنة، فلا يخل بطول القيام الذي هو آكد منه. 10 - بَابٌ: كَيْفَ كَانَ صَلاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَكَمْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ؟ (باب: كيف كان صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكم كان النبي يصلي من الليل) في نسخة: "بالليل"، و (كان) الأولى ساقطة، وفي أخرى: "باب: كيف صلاة الليل، وكيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل". 1137 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: إِنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلاةُ اللَّيْلِ؟ قَال: "مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ". [انظر: 472 - مسلم: 749 - فتح: 3/ 20] (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (أن رجلا) زاد أبو داود: "من أهل البادية". (مثنى مثنى) أي: اثنين اثنين، ففيه: تكرير وتأكيد. (فأوتر ¬
بواحدة) فيه: الاكتفاء في الوتر بركعة، قال النووي: وهو مذهب الجمهور (¬1). 1138 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "كَانَتْ صَلاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً" يَعْنِي بِاللَّيْلِ. [مسلم: 764 - فتح: 3/ 20] (يحيى) أي: القطان. (عن شعبة) أي: ابن الحجاج. (أبو جمرة) بجيم: هو نصر بن عمران الضبعي. (كان صلاة النبي) في نسخة: "كانت صلاة النبي". (ثلاث عشرة ركعة) أي: يسلم بين كل ركعتين، ومرَّ شرح الحديث في أول أبواب: الوتر (¬2). 1139 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَال: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ؟ فَقَالتْ: "سَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، سِوَى رَكْعَتِي الفَجْرِ". [فتح: 3/ 20] (حدثنا إسحق) في نسخة: "حدثني إسحق بن راهويه". (حدثنا عبيد اللَّه) أي: "ابن موسى"، كما في نسخة، وفي أخرى: "أخبرني عبيد اللَّه" (إسرائيل) أي: ابن يونس بن أبي إسحق السبيعي. (أبي حصين) بفتح الحاء أي: ابن عثمان بن عاصم الأسدي. (عن يحيى بن وثاب) بمثلثة مشددة. (فقالت سبع وتسع وإحدى عشرة) أي: وقعت منه متفرقة في أوقات ¬
11 - باب قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ونومه، وما نسخ من قيام الليل
مختلفة بحسب اتساع الوقت وضيقه، أو عذر من مرضٍ وغيره. 1140 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الفَجْرِ» [1147 - مسلم: 738 - فتح: 3/ 20] (حنظلة) أي ابن أبي سفيات الأسود بن عبد الرحمن. (عن القاسم بن محمد) أي: ابن أبي بكر الصديق. (وركعتا الفجر) في نسخة: "وركعتي الفجر" بالنصب على أنه مفعول معه 11 - باب قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل ونومه، وما نسخ من قيام الليل وَقَوْلُهُ تَعَالى: {يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ، وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 2]. (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وطَاءً وَأَقْوَمُ قِيلًا) {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَويلًا} [المزمل: 7] وَقَوْلُهُ: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ، عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "نَشَأَ: قَامَ بِالحَبَشِيَّةِ {(وطَاءً)} قَال: مُوَاطَأَةَ القُرْآنِ، أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ،
{لِيُوَاطِئُوا}: لِيُوَافِقُوا". [فتح: 3/ 21] (باب: قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - ونومه) في نسخة: "من نومه". (وما نسخ من قيام الليل) هو مع ما بعده عطف على (قيام النبي). ({الْمُزَّمِّلُ}) الملتف في ثيابه، وأصله: المتزمل، قلبت التاء زايًا، وأدغمت في الأخرى. ({إلا قَلِيلًا}) أي: من الليل. ({نِصْفَهُ}) بدل من ({قَلِيلًا}) وقلته بالنظر إلى الكل. ({انْقُصْ مِنْهُ}) أي: من النصف. ({قَلِيلًا}) إلى الثلث. ({أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}) إلى الثلثين. و (أو) فيما ذكر للتخيير أي: بين النصف وبين كلٍّ من تاليه. ({إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ}) هي القيام بعد النوم. (وطاء) بكسر الواو وفتح الطاء والمد، في قراءة، وبفتح الواو وسكون الطاء بلا مد في أخرى أي: قيامًا. {وَأَقْوَمُ قِيلًا} أي: أبين قولًا، وقوله: بالجر عطف على قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضًا. ({عَلِمَ أَنْ}) هي مخففة من الثقيلة أي: أنه. ({لَنْ تُحْصُوهُ}) أي: الليل؛ لتقوموا فيما يجب القيام فيه، إلا بقيام جميعه، وذلك مشق عليكم. ({فَتَابَ عَلَيْكُمْ}) أي: رجع إلى التخفيف. ({مِنَ الْقُرْآنِ}) أي: في الصلاة بأن تصلوا بما تيسر. ({وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ}) أي: يسافرون فيها. ({وَأَعْظَمَ أَجْرًا}) زاد في نسخة: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ". (قال ابن عباس) زاد قبله في نسخة: "قال أبو عبد اللَّه" أي: البخاري. (نشأ) مهموز، ومعناه (قام بالحبشية) أي: بلسان الحبشة، وإنما دخل في القرآن مع أنه عربي؛ لأنه صار بالتعريف عربيًّا، أو أن القليل لا يخرج القرآن عن أن يكون عربيًّا، ومن يمنع من وقوع غير
العربي يقول أنه من توافق الوضعين. (وطاءً قال:) يعني البخاري: أي: (مواطأة القرآن) في نسخة: "مواطأة للقرآن". (أشد) بالنصب؛ حال أو صفة، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أشد (موافقة لسمعه) أي: لسمع النبي - صلى الله عليه وسلم -. (ولبصره وقلبه) أيضًا ثم ذكر ما يؤيد هذا التفسير فقال: في قوله تعالى في سورة براءة ({لِيُوَاطِئُوا}) معناه: (ليوافقوا) أي: بتحليل شهر وتحريم آخر بدله. {عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} من الأشهر. 1141 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إلا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إلا رَأَيْتَهُ" تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ. [1972، 1973، 3561 - فتح: 3/ 22] (أنسًا) في نسخة: "أنس بن مالك". (أن لا يصوم منه) أي: "شيئًا" كما في نسخة. (لا تشاء أن تراه ... إلخ) أي: ما أردنا منه شيئًا، إلا وجدناه عليه. وفيه: أن صلاته ونومه كانا مختلفين بالليل، ولا يؤقت لهما وقتًا معينًا، بل يكونان بحسب ما تيسر له من القيام، ولا ينافيه قول عائشة: كان إذا سمع الصارخ قام لأن قولها لا يدل على الحصر، ولو سلم فكل من أنس وعائشة أخبر بما اطلع عليه. (تابعه) أي: محمد بن جعفر. (سليمان) هو ابن بلال. (وأبو خالد) هو سليمان بن حيان بمثناة تحتية. (عن حميد) أي: الطويل.
12 - باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل
12 - بَابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ (باب: عقد الشيطان على قافية الرأس إن لم يصل بالليل) قافية الرأس: قفاه: وهو مؤخر العنق، وقافية كل شيء: مؤخره، وخصَّ القفا بذلك؛ لكونه عند الحكماء محل الوهامة ومحل تصرفها، وهو أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته. 1142 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ، فَارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ". (يعقد الشيطان) أي: إبليس، أو أحد أعوانه. (على قافية رأس أحدكم ... إلخ) قال شيخنا: ظاهره: العموم في المخاطبين ومن في معناهم قال: ويمكن أن يخص منه من صلى العشاء في جماعة، ومن ورد في حقه أنه يحفظ من الشيطان، كالأنبياء ومن يشمله قوله تعالى {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} ومن قرأ آية الكرسي عند نومه، فقد ثبت أنه يحفظ من الشيطان حتى يصبح (¬1). ¬
(نام) في نسخة: "نائم" (ثلاث عقد). العقد: قيل: حقيقة، فيكون من باب: عقد السواحر النفاثات في العقد، وذلك بأن يأخذن خيطًا، فيعقدن عليه عقدًا منه، ويتكلمن عليها بالسحر حينئذ، لمرضٍ، أو تحريك قلب، أو نحوه، وقيل: مجاز كأنه شبه فعل الشيطان في النائم بفعل الساحر في المسحور، بجامع أن فعل كل منهما يترتب عليه محذور، وخصص العقد بالثلاث؛ للتأكيد، أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء: الذكر، والوضوء، والصلاة. (يضرب) أي: بيده. (على كل عقدة) في نسخة: "على مكان كل عقدة". (عليك ليل طويل) تفسير لمعنى العقد، ومقول لقول محذوف، أي: قائلا ذلك، كأنه يقوله للنائم إذا أراد الاستيقاظ. (فإن توضأ) ذكر الوضوء جري على الغالب، ومثله التيمم عند جوازه (فإن صلى انحلت عقدة) بالإفراد، وفي نسخة: "عقده" بالجمع والإضافة. (فأصبح نشيطًا) أي: لسروره؛ لما وفقه اللَّه له من الطاعة، وما زال عنه من عقد الشيطان. (طيب النفس) أي: لما بارك اللَّه في نفسه من هذا التصرف الحسن، ولما زال عنه من عقد الشيطان. (وإلا أصبح خبيث النفس) أي: بتركه ما كان اعتاده، أو نواه من فعل الخير، ولا ينافي هذا خبر: "لا يقولن أحدٌ خبثت نفسي" لأن النهي إنما هو لمن يضيف ذلك إيا نفسه، و (ما) هنا ذم لفعله. (كسلان) أي: لبقاء أثر تثبيط الشيطان عليه ولشؤم تفريطه بتبعته له، وظاهر قوله: (وإلا أصبح ... إلخ) أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح خبيثًا كسلان، وإن أتى ببعضها، وهو كذلك، لكن يختلف ذلك بالقوة، والخفة فمن ذكر اللَّه تعالى مثلًا، كان ذلك أخف ممن لم يذكره أصلًا. قال شيخنا: وذكر
13 - باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه
الليل في قوله: (عليك ليل) ظاهره: اختصاص ذلك بنوم الليل، ولا يبعد أن يجيء مثله في نوم النهار، كالنوم حالة الإبراد. 1143 - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، قَال: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، قَال: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّؤْيَا، قَال: "أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ، فَيَرْفِضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ". [انظر: 845 - مسلم: 2275 - فتح: 3/ 24] (إسماعيل) أي: "ابن علية" كما في نسخة. (عوف) أي: الأعرابي كما مرَّ. (أبو رجاء) هو عمران بن ملحان العطاردي. (الذي يثلغ رأسه) بالبناء للمفعول، أي: يكسر، والجملة: قطعة من حديث يأتي في الجنائز (¬1). (فيرفضه) أي: يترك حفظه، والعمل به. (وينام عن الصلاة المكتوبة) هي الصبح؛ لأنها التي تفوت بالنوم غالبًا، وقيل: العشاء. 13 - بَابُ إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَال الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ (باب: إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنيه). قوله (إذا نام ... إلخ) ساقط من نسخة. 1144 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، قَال: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَقِيلَ: مَا زَال نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، فَقَال: "بَال الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ". [3270 - مسلم: 774 - فتح: 3/ 28] (أبو الأحوص) هو سلام بن سليم. (حدثنا منصور) أي: ابن المعتمر، وفي نسخة: "أخبرنا منصور" (عن أبي وائل) هو شقيق بن ¬
14 - باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل
سلمة. (عن عبد اللَّه) أي: ابن مسعود. (إلى الصلاة) (ال) فيها للجنس، فيشمل النافلة والفريضة، أو للعهد، فيختص بالفريضة. (بال الشيطان في أذنيه) يحتمل: أنه بال في حقيقة، أو أنه تمثيل، شبه تثاقل نومه، وإغفاله عن الصلاة بمن يبال في أذنه، فيثقل سمعه ويفسد حسه، وخصت الأذن بالذكر مع أن العين في النوم أنسب إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه، وخص البول في الذكر؛ لأنه أسهل في الدخول في التجاويف، وأسرع نفوذًا في العروق، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. 14 - بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَقَال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17]: أَيْ مَا يَنَامُونَ {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18]. (باب: الدعاء والصلاة) في نسخة: "في الصلاة". (من آخر الليل) هي الثلث الأخير منه. (من) ابتدائية بتقدير مضاف أي: ما ذكر مبتدءًا من أول آخر الليل، أو بمعنى: في (وقال اللَّه) في نسخة: "وقول اللَّه" بالجر عطفٌ على الدعاء ({كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17)}) أي: ما ينامون، لفظ: (أي: ما ينامون) ساقط من نسخة، وفي نسخة: " {مَا يَهْجَعُونَ}: ينامون"، وفي أخرى بعد يهجعون: "الآية" واكتفى بها عن ذكر أي: ينامون إلخ، فـ (ما) على الأولى إمَّا زائدة و (قليلًا) ظرف، أو صفة لمصدر أي: هجوعًا قليلًا و (يهجعون) خبر كان، أو مصدرية، أو موصولة، وخبر كان (قليلًا ما يهجعون) أي: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه، فما مع ما بعدها مرفوعة بقليلًا على الفاعلية.
1145 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ". [6321، 7494 - مسلم: 758 - فتح: 3/ 29] (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن (وأبي عبد اللَّه) هو سلمان. (ينزل ربنا) أي: رحمته، أو ملائكته، لا هو؛ لاستلزامه الحركة المستحيلة عليه تعالى (¬1). (فينزل) بفتح الياء مضارع نزل، وحُكي ضمها، مضارع أنزل (حين يبقى ثلث الليل الآخر) بالرفع صفة لثلث، وخُصَّ بالذكر؛ لأنه وقت التعرض لنفحات رحمة اللَّه تعالى، وزمان عبادة المخلصين. ففيه: أن آخر الليل أفضل للدعاء والاستغفار قال اللَّه تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} قال شيخنا: وقد اختلفت الروايات في تعيين الوقت، عن أبي هريرة، وغيره (¬2)، قال الترمذي: رواية أبي هريرة أصح الروايات (¬3)، وجمع غيره بينها وذلك أن الروايات انحصرت في ¬
ستة هذه، وإذا مضى الثلث الأول، وإذا مضى الثلث الأخير (¬1)، أو النصف، وإذا مضى النصف، وإذا مضى النصف أو الثلث الأخير (¬2)، ورواية مطلقة (¬3)، فتحمل المطلقة على المقيدة، والتي بـ (أو) إن كانت (أو) للشك فالمجزوم به مقدم على المشكوك فيه، أو للتردد، فيجمع بين الروايات بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال؛ لكون أوقات الليل تختلف في الزمان، وفي الآفاق باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم وتأخره عند قوم، وقيل: يحتمل أن يكون النزول يقع في الثلث الأول، والقول يقع في النصف، وفي الثلث الثاني، وقيل: يحمل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلم بأحد الأمور في وقت، فأخبر به، ثم أعلم بالآخر في آخر، فأخبر به، فنقل الصحابة عنه ذلك (من يدعوني) إلى آخر الثلاثة جمع بينها للتأكيد إن كانت بمعنى واحد، وإلا فلأن المطلوب دفع ما لا يلائم، أو جلب الملائم، وهو إما دنيوي، أو ديني، فأشير بالاستغفار للأول، وبالسؤال للثاني، وبالدعاء للثالث، والأفعال الثلاثة منصوبة في جواب الاستفهام نحو: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا} ويجوز رفعها بتقدير مبتدأ أي: فأنا. ¬
15 - باب من نام أول الليل وأحيا آخره
والسين في (فأستجيب) ليست للطلب، بل معناه: فأجيب، فإن قلت: ليس في وعد اللَّه خلف، وكثير من الداعين لا يستجاب لهم، قلت: إنما ذاك لفقد شرط من شروط الدعاء به، كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو الإجابة حاصلة لكن يتأخر بتأخر المطلوب إلى وقت آخر يريد اللَّه وقوعه فيه، إما في الدنيا، وإما في الآخرة. 15 - بَابُ مَنْ نَامَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَحْيَا آخِرَهُ وَقَال سَلْمَانُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَال: قُمْ، قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَدَقَ سَلْمَانُ". [انظر: 1968] (باب: من نام أول الليل وأحيا آخره). أي: بالصلاة أو القراءة، أو الذكر أو نحوها فله ثواب ذلك. 1146 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، كَيْفَ كَانَتْ صَلاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ؟ قَالتْ: "كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ، اغْتَسَلَ وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ". [مسلم: 937 - فتح: 3/ 32] (سلمان) أي: الفارسي. (حدثنا أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وفي نسخة: "قال: أبو الوليد" أي: قال البخاري. (وحدثني سليمان) أي: ابن حرب. [(عن أبي إسحق) أي: السبيعي. (عن الأسود) أي: ابن يزيد. (كيف صلاة) في نسخة: "كيف كانت صلاة"، وفي أخرى: "كيف كان صلاة". (النبي) في نسخة: "رسول اللَّه". (وثب) بمثلثه أي:
16 - باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رمضان وغيره
نهض] (¬1). (فإن كان) في نسخة: "فإن كانت". (به حاجة) أي: للجماع. (قضاها ثم اغتسل) فجواب الشرط محذوف دل عليه (اغتسل). 16 - بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ (باب: قيام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالليل في رمضان وغيره) لفظ: (بالليل) ساقط من نسخة. (في رمضان) أي: في لياليه. 1147 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، كَيْفَ كَانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالتْ: "مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا" قَالتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَال: "يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي". [2013، 3569، 1140 - مسلم: 738 - فتح: 3/ 33] (يصلي أربعًا) أي: بتسليم واحد، ولا ينافيه ما مرَّ أنه كان يصلي مثنى، مثنى، ثم واحدة (¬2)؛ لأن ذلك في وقت آخر، فالأمران جائزان. (فقلت) في نسخة: "قلت". (أتنام قبل أن توتر) لما تقرر عندها من أن الوتر يفعل قبل النوم، لا بعده، سألته عن ذلك فأجابها بقوله: (إن عيني ... إلخ) ولا ينافي ذلك خبر: أنه - صلى الله عليه وسلم - نام حتى فاتت صلاة الصبح وطلعت الشمس (¬3)؛ لأن طلوعها متعلق بالعين، لا بالقلب؛ ¬
17 - باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار
لأنه من المحسوسات، لا من المعقولات. 1148 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كَبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَهُنَّ، ثُمَّ رَكَعَ". [انظر: 1118 - مسلم: 731 - فتح: 3/ 33] (هشام) أي: ابن عروة. (حتى إذا كبر) بكسر الباء أي: أسن. (ثلاثون) زاد في نسخة: "آية". (أو أربعون) شك، من الراوي (قام فقرأهن ثم ركع) فيه ردٌّ على من اشترط على من افتتح النافلة قاعدًا أن يركع قاعدًا، أو قائمًا أن يركع قائمًا. 17 - بَابُ فَضْلِ الطُّهُورِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفَضْلِ الصَّلاةِ بَعْدَ الوُضُوءِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (باب: فضل الطهور) بضم الطاء على المشهور. (من الليل والنهار) زاد في نسخة: "وفضل الصلاة عند الوضوء بالليل والنهار" وفي أخرى: بدل (عند) "بعد". 1149 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لِبِلالٍ: "عِنْدَ صَلاةِ الفَجْرِ يَا بِلالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ" قَال: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا، فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إلا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ " قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "دَفَّ نَعْلَيْكَ يَعْنِي تَحْرِيكَ". [مسلم: 2458 - فتح: 3/ 34] (إسحق بن نصر) نسبة إلى جده، وإلا فهو إسحق بن إبراهيم بن
18 - باب ما يكره من التشديد في العبادة
نصر السعدي. (أبو أسامة) هو حماد بن أسامة. (عن أبي حيان) بمهملة مفتوحة، وتحتية مشددة: يحيى بن سعيد. (عن أبي زرعة) هو هرم بن جرير البجلي. (بأرجى عمل) أرجى أفعل تفضيل بمعنى: المفعول، لا بمعنى: الفاعل أي: أكثر مرجوًا، فالعمل المضاف إليه أرجى ليس براج للثواب، بل هو مرجو الثواب، وإنما أضيف إليه؛ لأنه سببه، والمعنى: حدثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك (فإني سمعت) أي: الليلة في النوم؛ إذ لا يدخل أحد الجنة وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخلها على المشهور يقظة، كما دخلها ليلة المعراج، إلا أن بلالًا لم يدخلها. (دف نعليك) بفتح المهملة على المشهور أي: صوت مشيك فيها وفي نسخة: "حفيف نعليك" (في الجنة) ظرف للسماع، والدف بين يديه خارج عنها. (أني) بفتح الهمزة بتقدير من قبلها صلة لأرجى، وفي نسخة: "أن" بالتخفيف بدل (أني). (في ساعة ليل) بالإضافة، وبالتنوين بجعل (ليل) بدلا من (ساعة) أو عطف بيان لها. (إلا صليت) زاد في نسخة: "لربي". (ما كتب لي أن أصلي) أي: ما قدر لي من الصلوات. (قال أبو عبد اللَّه) أي: البخاري (دف نعليك يعني: تحريك) أي: تحريكهما، وقوله: (قال ... إلخ) ساقطة عن نسخة. 18 - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِي العِبَادَةِ (باب: ما يكره من التشديد في العبادة) أي: خشية الملال المفضي إلى تركها.
1150 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَال: "مَا هَذَا الحَبْلُ؟ " قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ". [مسلم: 784 - فتح: 3/ 36] (أبو معمر) هو عبد اللَّه بن عمرو المنقري. (عبد الوارث) أي: ابن سعيد التنوري. (عن عبد العزيز) في نسخة: "حدثنا عبد العزيز". (دخل النبي) أي: المسجد. (الساريتين) أي: الأسطوانتين. (قالوا) في نسخة: "فقالوا" أي: الحاضرون. (فإذا فترت) أي: كسلت عن القيام. (لا) نفي أي: لا يكون. (هذا الحبل) أو لا يمتد، أو نهي، لا تفعلوه. (نشاطه) بفتح النون أي: حين طابت نفسه للعمل. قال في "القاموس " نشط، كسمع، نشاطًا بالفتح، فهو ناشط، ونشط: طابت نفسه للعمل، وفي نسخة: "بنشاطه" أي: ملتبسًا به. (فإذا فتر فليقعد) أي: فإذا فتر في أثناء قيامه، فديتم صلاته قاعدًا، أو إذا فتر بعد فراغ بعض تسليماته فليأت بما بقي من نوافله قاعدًا، أو فليترك حتى يحدث له نشاط، أخذًا من خبر أنس السابق، في باب: الوضوء من النوم (¬1) "إذا نعس أحدكم في الصلاة فليتم حتى يعلم ما يقرأ" (¬2). ¬
1151 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: "مَنْ هَذِهِ؟ " قُلْتُ: فُلانَةُ لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ، فَذُكِرَ مِنْ صَلاتِهَا، فَقَال: "مَهْ عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا". [انظر: 43 - مسلم: 785 - فتح: 3/ 36] (قلت) في نسخة: "فقلت". (فلانة) غير منصرف، وهي: الحولاء، بالمهملة والمد: بنت تويت. (بالليل) في نسخة: "الليل". (فذكر من صلاتها) تفسير لما قبله، وقوله: (فذكر) مبني للمفعول، وفي نسخة: "تذكر" بفوقية مفتوحة، مبنيًّا للفاعل، وفي أخرى: بتحتية مضمومة مبنيًّا للمفعول. (مه) أي: اكفف أيها الذاكر. (ما تطيقون) مرفوع مبتدأ خبره: (عليكم)، أو منصوب بـ (عليكم). أي: الزموه، وفي نسخة: "بما تطيقون". (فإن اللَّه لا يمل حتى تملوا) بفتح الميم فيهما، والملال: فتور يعرض للنفس من كثرة مداولة شيء، فيورث الكلال في الفعل ¬
19 - باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه
والإعراض عنه، وهو مستحيل في حقه تعالى، فإسناد الملال إليه تعالى على طريق المشاكلة، كما في قوله {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وإلا فهو محمول على غايته: وهي الإعراض، فالمعنى: اعملوا حسب وضعكم وطاقتكم، فإن اللَّه لا يعرض عنكم إعراض الملول، ولا ينقص ثواب أعمالكم ما بقي لكم نشاط، ومرَّ شرح الحديث في باب: أحب الدين إلى اللَّه أدومه (¬1). 19 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ تَرْكِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ (باب: ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه). (ما) مصدرية أي: باب: كراهة ذلك؛ لإشعاره بالإعراض عن العبادة. 1152 - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: قَال لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ" وَقَال هِشَامٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي العِشْرِينَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ الحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ مِثْلَهُ. وَتَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. [انظر: 1131 - مسلم: 1159 - فتح: 3/ 37] ¬
(عباس بن الحسين) بموحدة وسين مهملة. (مبشر) أي: "ابن إسماعيل" كما في نسخة. (الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو. (وحدثني محمد) أي: قال البخاري وحدثني محمد. (عبد اللَّه) أي: ابن المبارك (حدثني يحيى) في نسخة: "حدثنا يحيى" وفي أخرى: "أخبرنا يحيى" (لا تكن مثل فلان) لم يسم. (كان يقوم الليل) أي: بعضه بقرينة قوله في نسخة: "من الليل". (هشام) أي: ابن عمَّار الدمشقي. (ابن أبي العشرين) هو عبد الحميد بن حبيب الدمشقي. (حدثني يحيى) أي: ابن أبي كثير، وفي نسخة: "حدثنا يحيى". (أبو سلمة) أي: ابن عبد الرحمن. (مثله) في نسخة: "بهذا مثله". (وتابعه) أي: ابن أبي العشرين، وفي نسخة: "تابعه" بلا واو (¬1). ¬
20 - باب
20 - باب. (باب:) لم يذكر له ترجمة، فهو كالفصل من سابقه. 1153 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي العَبَّاسِ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ " قُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ، قَال: "فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ نَفْسُكَ، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ حَقًّا، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ". [انظر: 1131 - مسلم: 1159 - فتح: 3/ 38] (سفيان) أي: ابن عيينة. (عن أبي العباس) هو السائب بن فروخ، بتشديد الراء وبخاء معجمة. (قال لي النبي) في نسخة: "قال لي رسول اللَّه". (ألم أخبر؟) بالبناء للمفعول، والهمزة للاستفهام التقريري. (هجمت عينك) أي: دخلت في موضعها، وضعف بصرها؛ لكثرة السهر. (ونفهت) بكسر الفاء، أي: أعيت. (وكلت نفسك) أي: من شدة التعب. (وإن لنفسك حقًّا) في نسخة: "حق" بالرفع مبتدأ خبره: (لنفسك) والجملة خبر إن، واسمها: ضمير الشأن. (ولأهلك حقًّا) في نسخة: "حق" بالرفع نظير ما مرَّ آنفًا. (فصم) الأمر فيه، وفيما بعده للندب. 21 - بَابُ فَضْلِ مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى (باب: من تعارَّ من الليل) بتشديد الراء. أي: انتبه، مع صوت من استغفار، أو تسبيح، أو نحوه. وهذا حكمة العدول إليه عن التعبير بالانتباه، فإن من هبَّ من نومه، ذاكرًا لله تعالى وسأله خيرًا، أعطاه، وإنما يكون ذلك لمن تعود الذكر واستئناس به، وغلب عليه حتى صار
حديث نفسه في نومه ويقظته، قالوا: وأصل التعار: السهر والتقلب على الفراش. 1154 - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، قَال: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَال: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاتُهُ". [فتح: 3/ 39] (صدقة بن الفضل) لفظ: (ابن الفضل): ساقط من نسخة. (الوليد) أي: "ابن مسلم" كما في نسخة. (عن الأوزاعي) في نسخة: "أخبرنا الأوزاعي" وفي أخرى: "حدثنا الأوزاعي". (حدثني عمير) في نسخة: "حدثنا عمير". (ولا إله إلا اللَّه) ساقط من نسخة. (ثم قال اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب) زاد في نسخة: "استجيب له" شك من الوليد وفي أخرى: بدل ما ذكر "ثم قال رب اغفر لي غفر له، أو قال فدعا استجيب له" شك من الوليد. (فإن توضأ قبلت) في نسخة: "فإن توضأ وصلى قبلت". (صلاته) ساقط من نسخة. 1155 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي الهَيْثَمُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَقُصُّ فِي قَصَصِهِ، وَهُوَ يَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ" يَعْنِي بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ [البحر الطويل] وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ أَرَانَا الهُدَى بَعْدَ العَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَال وَاقِعُ يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ"
تَابَعَهُ عُقَيْلٌ، وَقَال الزُّبَيْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَالأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [6151 - فتح: 3/ 39] (يحيى بن بكير) نسبه لجده، وإلا فهو يحيى بن عبد اللَّه بن بكير. (عن يونس) أي: ابن يزيد الأيلي. (الهيثم) بمثلثة. (وهو) أي: وأبو هريرة. (يقصص) بسكون القاف، وفي نسخة: "يقص" بضمها وتشديد الصاد. (في قصصه) بكسر القاف وفتحها أي: مواعظه التي كان يذكر أصحابه بها، وهو متعلق بـ (سمع). (وهو يذكر رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -) هذه الجملة والتي قبلها: حالا معترضتان بين العامل، وهو (سمع)، ومعموله، وهو (أن أخًا ... إلخ) وجوز الكرماني (¬1) أن يكون (أخًا) معمولًا ليقص. إلا يقول: الرفث) أي: الباطل والفحش من القول. (يعني بذلك: عبد اللَّه بن رواحة) مقول هشيم، قاله شيخنا (¬2)، قال: ويحتمل أن يكون الزهري. (وفينا رسول اللَّه يتلو كتابه) حال. (إذا) في نسخة: "كما". (من الفجر) بيان لمعروف. (ساطع) صفة له. (أرانا) في نسخة: "أنار". (بعد العمى) أي: الضلالة. (يجافي) يتلو كتابه، حال من فاعل (يبيت) ومعناه: يرفع جنبه عن فراشه، وهو كناية عن صلاته بالليل. والأبيات التي ذكرها من الطويل، وصدر الآخر منها وهو بيت (يجافي جنبه عن فراشه)، يشير إلى الترجمة؛ لأن التعار هو السهر والتقلب على الفراش، كما مرَّ، وكان للصلاة، أو للذكر، والقراءة. ¬
(تابعه) أي: يونس بن يزيد. (وقال الزبيدي) بضم الزاي، وهو محمد بن الوليد الحمصي. (عن سعيد) أي: ابن المسيب. (والأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز. (عن أبي هريرة) نبه بذلك على أنه اختلف الزهري في هذا الإسناد، فاتفق يونس وعقيل على أن شيخه فيه الهيثم، وخالفهما الزبيدي، فأبدله بسعيد بن المسيب والأعرج. 1156 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، فَكَأَنِّي لَا أُرِيدُ مَكَانًا مِنَ الجَنَّةِ إلا طَارَتْ إِلَيْهِ، وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ، فَقَال: لَمْ تُرَعْ خَلِّيَا عَنْهُ. [انظر: 440 - مسلم: 2479 - فتح: 3/ 39] 1157 - فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى رُؤْيَايَ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ" فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ. [انظر: 1122 - مسلم: 2479 - فتح: 3/ 40] (عن أيوب) أي: السختياني. (قطعة إستبرق) هو بهمزة قطع: ديباج غليظ. (كأن اثنين) في نسخة: "كأن آتيين" بصيغة اسم الفاعل من الإتيان. (يذهباني) بنون الوقاية وفي نسخة: "يذهبا بي" من الإذهاب، والفرق أنه لا بد في الثاني من المصاحبة. (لم ترع) بالبناء للمفعول (¬1). 1158 - وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ". [2015، 6911 - مسلم: 1165 - فتح: 3/ 40] ¬
22 - باب المداومة على ركعتي الفجر
(أنها) أي: ليلة القدر. (قد تواطأت) بهمزة وفي نسخة: "تواطت" بدونها. (من العشر) في نسخة: "في العشر" ومرَّ شرح الحديث في باب: فضل قيام الليل (¬1). 22 - بَابُ المُدَاوَمَةِ عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ (باب: المداومة على ركعتي الفجر) أي: اللتين قبل فرض الصبح. 1159 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَال: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العِشَاءَ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، وَرَكْعَتَيْنِ جَالِسًا، وَرَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ يَدَعْهُمَا أَبَدًا". [انظر: 619 - مسلم: 724 - فتح: 3/ 42] (جعفر بن أبي ربيعة) نسبة لجده، وإلا فهو جعفر بن شرحبيل بن أبي ربيعة. (عن أبي سلمة) أي: [ابن عبد الرحمن] (¬2) بن عوف. [(صلى النبي) في نسخة:] (¬3) "صلى رسول اللَّه" (ثم صلى) في نسخة: "وصلى" بواو العطف. (ثمان) بفتح النون، وهو شاذ، وفي نسخة: "ثماني" بكسرها، ثم ياء مفتوحة على الأصل. (بين الندائين) الأذان والإقامة. (لم يدعهما) أي: لم يتركهما. (أبدًا) ظرف، واستعمله للماضي مجازًا، وإن كان وضعه للمستقبل إجراءً للماضي مجرى المستقبل ففيه: مبالغة، كأن ذلك دأبه، وفيه: بيان شرف سنة الصبح، بل قيل: بوجوبها، وهو مردود بخبر: (هل عليَّ غيرها، قال: "لا إلا أن تَطوَّع" (¬4). ¬
23 - باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر
23 - بَابُ الضِّجْعَةِ عَلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ (باب: الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر) بكسر الضاد على إرادة الهيئة، وبفتحها على إرادة المرة. 1160 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ". [انظر: 619 - مسلم: 724 - فتح: 3/ 43] (حدثنا عبد اللَّه) في نسخة: "حدثني عبد اللَّه". (أبو الأسود) هو محمد بن عبد الرحمن النوفلي. (اضطجع على شقه الأيمن) أي: من تعب القيام، وليفصل بين الفرض والنفل، وهذا على سبيل الندب، وعليه حمل الأمر به في خبر أبي داود: "إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح، فليضطجع على يمينه" (¬1) فإن لم يفصل باضطجاع فصل بحديث، أو تحول من مكانه، أو نحوها، وعن البغوي في "شرح السنة" في الاضطجاع، واختاره النووي في "مجموعه" للحديث السابق، وقال: فإن تعذر فُصل بكلام. وفي الحديث: أن اضطجاعه كان بعد ركعتي الفجر، وفي أخرى: كان قبلهما (¬2)، وفي أخرى: ما يدل على أنه لا يضطجع (¬3)، ولا ¬
24 - باب من تحدث بعد الركعتين ولم يضطجع
منافاة؛ إذ تَرْكُه له بيان للجواز، وفعله قبلهما لا يستلزم تركه بعدهما، هو الأكثر والإنسب. 24 - بَابُ مَنْ تَحَدَّثَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَضْطَجِعْ (باب: من تحدث بعد الركعتين) أي: سنة الفجر. (ولم يضطجع) أي: فيما إذا كان للحديث فائدة. 1161 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الحكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَال: حَدثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ، عَن أَبي سَلَمَةَ، عَن عَائِشَةَ رضيَ اللَّه عنها أَن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إذَا صَلَّى فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ. [انظر: 619 - مسلم: 743 - فتح: 3/ 43] (سفيان) أي: ابن عيينة. (أبو النضر) بمعجمة. (كان إذا صلى) أي: سنة الفجر. (حتى يؤذن بالصلاة؟) بالبناء للمفعول مع سكون الهمزة، وتخفيف الدال، والفتح، والتشديد، وفي نسخة: "متى يؤذن للصلاة من النداء" والمراد بالجميع: إقامة الصلاة، وأشار بذلك إلى الاضطجاع بين ركعتي الفجر والفرض لم يكن إلا للفصل، وأن الفصل يحصل بالاضطجاع والحديث والتحول من المكان. 25 - باب مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَأَنَسٍ [انظر: 380] وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ - رضي الله عنهم -. وَقَال يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ: مَا أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ أَرْضِنَا إلا يُسَلِّمُونَ فِي كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنَ النَّهَارِ.
(باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى) أي: ركعتين ركعتين يسلم من كل ثنتين. وهذا الباب بترجمته مذكور في نسخة، بعد باب: ما يقرأ في ركعتي الفجر. (ويذكر ذلك) أي: ما ذكر من التطوع مثنى مثنى، ولفظ: (ذلك) ساقط من نسخة، وفي أخرى: "قال محمد" أي: البخاري، ويذكر ذلك، وفي أخرى: "قال: ويذكر فيها ذلك". (أرضنا) هي المدينة. (في كل اثنين) بحذف الفوقية. 1162 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، عَن مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَن جَابرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه رضي اللَّه عنهما قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ: "إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضلِكَ العَظِيمِ، فَإنَّكَ تَقدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوب، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَن هذا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَال: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذا الأَمْرَ شَرٍّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَال: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي -قَال: - وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ". [6382، 7390 - فتح: 3/ 48] (¬1). (قتيبة) أي: ابن سعيد. ¬
(كان رسول اللَّه) في نسخة: "كان النبي". (يعلمنا الاستخارة) أي: صلاتها ودعاءها، وهي طلب الخيرة. (في الأمور) زاد في نسخة: "كلها" جليلها وحقيقتها، كثيرها وقليلها يسأل أحدكم حتى شسع نعله. (إذا هم) أي: قصد. (أحدكم بالأمر) أي: مما لا يعلم فيه وجه الصواب، أما ما يعلم فيه ذلك، كالعبادات، فلا استخارة فيه. (فليركع) أي: فليصل ندبًا. (ركعتين) فإن زاد عليهما كان صلى أربعًا لم يضر؛ لخبر ابن حبان (¬1)، وغيره: "ثم صل ما كتب اللَّه لك" (من غير الفريضة) في نسخة: "من غير فريضة"، ويندب أن يقرأ في الركعة الأولى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} وفي الثانية: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}. (أستخيرك) أي: أطلب منك بيان ما هو خير لي. (وأستقدرك) أي: وأطلب منك أن تقدرني عليه، والباء في: (بعلمك) و (بقدرتك) للتعليل أي: بأنك أعلم، وأقْدَر، أو للاستعانة، أو للاستعطاف كما في قوله تعالى: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ}. (ومعاشي) أي: حياتي. (أو قال) الشك من الراوي. (فاقدره لي وشره) بضم الدال وكسرها. قال ابن الأثير: ¬
أي:، فاقض لي به وهيئه (¬1). (ثم أرضني) بهمزة قطع أي: اجعلني راضيًا به. (قال) أي: النبي، أو جابر. 1163 - حَدَّثَنَا المكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبدِ اللَّه بْنِ الزُّبَيْرِ، عَن عَمْرو بْنِ سُلَيمٍ الزُّرَقِيِّ، سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ الأنصَارِيَّ - رضي الله عنه - قَال: قَال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَينِ". [444 - مسلم: 714 - فتح: 3/ 48] (المسجد) في نسخة: "المجلس". 1164 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ يُوسُفَ قَال: أَخَبرَنَا مَالِكٌ، عَن إسحق بْنِ عَبْدِ اللَّه ابْنِ أَبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ - رضي الله عنه - قَال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - رَكْعَتَينِ ثُمَّ انْصَرَفَ. [انظر: 380 - مسلم: 658 - فتح: 3/ 48] 1165 - حَدَّثَنَا [يَحْيَى] بْنُ بُكَيرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَن عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَال: أَخْبَرَنِي سَالمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ رضي اللَّه عنهما قَال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - رَكْعَتيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَينِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، وَرَكْعَتَينِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَينِ بَعْدَ العِشَاءِ. [انظر: 937 - مسلم: 729، 882 - فتح: 3/ 48] (ابن بكير) في نسخة: "يحيى بن بكير". 1166 - حَدَّثَنَا آدَمُ قَال: أَخَبرَنَا شُعْبَةُ أَخَبرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه رضي الله عنهما قَال: قَال رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَخْطُبُ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُم وَالإِمَامُ يَخْطُبُ -أَوْ قَدْ خَرَجَ- فَلْيُصَلِّ رَكعَتَيْنِ". [انظر: 930 - مسلم: 875 - فتح: 3/ 49] (آدم) أي: ابن أبي إياس. (قال: أخبرنا) في نسخة: "قال: حدثنا". (شعبة) أي: ابن الحجاج. (أخبرنا عمرو) في نسخة: "حدثنا عمرو". (أو قد) شك من الراوي. ¬
1167 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَال: حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي مَنْزِلِهِ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ دَخَلَ الكَعْبَةَ، قَال: فَأَقْبَلْتُ فَأَجِدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلالًا عِنْدَ البَابِ قَائِمًا، فَقُلْتُ: يَا بِلالُ أَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الكَعْبَةِ؟ قَال: نَعَمْ، قُلْتُ: فَأَيْنَ؟ قَال: "بَيْنَ هَاتَيْنِ الأُسْطُوَانَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَال أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَوْصَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى" وَقَال عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ: "غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ مَا امْتَدَّ النَّهَارُ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ". [انظر: 397 - مسلم: 1329 - فتح: 3/ 49] (سيف) هو "ابن سليمان المكي" كما في نسخة. (أتي) بالبناء للمفعول. (فأجد) أي: وجدت، وهو المناسب لـ (أقبلت) لكن ذكره مضارعًا؛ لاستحضار صورة الوجدان، وحكايته عنها. (عند الباب) في نسخة: "على الباب". (صلى) في نسخة: "أصلي؟ " بهمزة الاستفهام، وهي مرادة في الأولى. (قال أبو عبد اللَّه) أي: البخاري، وهو ساقط من نسخة. (قال أبو هريرة) في نسخة: "وقال أبو هريرة". (عتبان) بكسر العين أي: "ابن مالك" كما في نسخة (غدا على رسول الله) في نسخة: "غدا على النبي" ومرَّ شرح هذه الأحاديث (¬1). ¬
26 - باب الحديث يعني بعد ركعتي الفجر
26 - بَابُ الحَدِيثِ يَعْنِي بَعْدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ (باب: الحديث بعد ركعتي الفجر) في نسخة: "يعني: بعد ركعتي الفجر". 1168 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال أَبُو النَّضْرِ: حَدَّثَنِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ" قُلْتُ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَرْويهِ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، قَال سُفْيَانُ: هُوَ ذَاكَ. [انظر: 619 - مسلم: 724، 743 - فتح: 3/ 44] (سفيان) أي: ابن عيينة. (قال أبو النضر) هو سالم. (أبي سلمة) هو أبو أمية، وهو ساقط من نسخة. (قلت) أي: قال المديني: قلت. (فإن بعضهم) هو مالك بن أنس. (هو ذاك) أي: الأمر، ومرَّ الحديث آنفًا (¬1). 27 - بَابُ تَعَاهُدِ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ وَمَنْ سَمَّاهُمَا تَطَوُّعًا (باب: تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما) في نسخة: "ومن سماها" أي: سنة الفجر. (تطوعًا) مفعول ثاني في لسمى. 1169 - حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ". [انظر: 619 - مسلم: 724 - فتح: 3/ 45] (¬2) ¬
28 - باب ما يقرأ في ركعتي الفجر
(عن عطاء) أي: ابن رباح. (منه تعاهدا) أي: تفقدًا وتحفظًا، وفي نسخة: "تعاهدًا منه"، وفي أخرى: "منه تعاهدًا منه" بالجمع بينهما. 28 - بَابُ مَا يُقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ (باب: ما يقرأ في ركعتي الفجر) أي: السنة. ¬
1170 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ". [انظر: 619 - مسلم: 724، 736 - فتح: 3/ 45] (ثلاث عشرة ركعة) منها: سنة العشاء. (ركعتين خفيفتين) أي: لخفة القراءة فيهما؛ إذ قيل: أنه اقتصر على قراءة الفاتحة (¬1)، أو لأنه قرأ في الأولى: بـ " {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} " وفي الثانية: بـ " {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} "، كما في مسلم، أو في الأولى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} التي في البقرة، وفي الثانية: التي في آل عمران، كما فيه أيضًا في رواية (¬2)، وفي أخرى: له وفي الثانية: " {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا} " (¬3) لكن في أبي داود: وفي الثانية: " {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ} " (¬4). 1171 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمَّتِهِ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟!. [انظر: 619 - مسلم: 724 - فتح: 3/ 46] ¬
(شعبة) أي: ابن الحجاج. (ح) للتحويل من سند إلى آخر. (وحدثني) في نسخة: "قال: وحدثني". (أحمد بن يونس) نسبة إلى جده، وإلا فهو أحمد بن عبد الله بن يونس. (زهير) أي: ابن معاوية الجعفي. (حتى إني) بكسر إن، وحتى للابتداء. (هل قرأ بام الكتاب؟) لم تقله شكًّا في قراءته بالفاتحة بل لما خفف القراءة فيها جدًّا، وعادته في النفل بالليل التطويل وجعلته مبالغةً، كأنه لم يقرأ، وفي نسخة: "بأم القرآن" وسميت الفاتحة بذلك؛ لأن أم الشيء أصله، وهي مشتملة على كليات معاني القرآن: المبدأ: وهو الثناء على الله، والمعاش: وهو العبادة، والمعاد: وهو الجزاء، قيل: ولا مطابقة بين الحديث والترجمة، وقيل: وجهها: أنه أشار إلى خلاف من زعم أنه لا يقرأ في ركعتي الفجر، فنبه على أنه لا بد من القراءة، وإن [خفت و] (¬1) لم يثبت عنده على شرطه نفس ما يقرأ به، وأنت خبير بأن التعين هو المراد من الترجمة، فلا يتم التوجيه المذكور. فالحديث إنما يدل على القراءة، لا على التعين كما اقتضاه التوجيه، نعم ثبت التعين في حديث الترمذي عن ابن عمر: وقنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا فكان يقرأ في ركعتي الفجر {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} (¬2) مع أن في القراءة فيهما خلافًا، ¬
29 - باب التطوع بعد المكتوبة
حكاه الطحاوي (¬1) فقيل: لا قراءة فيهما، وعليه الظاهرية، وقيل: لا يزاد فيهما على الفاتحة، وقيل: يزاد عليهما مع التخفيف فيهما، وعليه الجمهور، وقيل: لا بأس بتطويل القراءة فيهما. (أبواب: التطوع) أي: بالصلاة، وهذا ساقط من نسخة. 29 - بَابُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ (باب: التطوع بعد المكتوبة) أي المفروضة، وقيل: بالبعدية، تبعًا للحديث في غير الظهر؛ نظرًا إلى احتياج شدة الاهتمام في أداء التطوعات بعد الفرائض، أو هو من باب الاكتفاء، كما في قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]. 1172 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَ الجُمُعَةِ، فَأَمَّا المَغْرِبُ وَالعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ" وَقَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، بَعْدَ العِشَاءِ فِي أَهْلِهِ، تَابَعَهُ كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، وَأَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ. [انظر: 937 - مسلم: 729, 882 - فتح: 3/ 50] (عن عبيد الله) أي: ابن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب. (أخبرني نافع) في نسخة: "أخبرنا نافع". (صليت مع النبي" أي: شاركتُه في ذلك لا أني اقتديت به فيه. (سجدتين قبل الظهر) أي: ركعتين، وكذا فيما بعد، ولا يعارض ذلك ¬
خبر عائشة الآتي في باب: الركعتين (¬1) [قبل الظهر]. فقوله: (كان لا يدع أربعًا قبل الظهر) [لأنه كان يصلي تارة أربعًا، وتارة ركعتين، فقول: (كان لا يدع أربعًا قبل الظهر)] (¬2) محمول على الغالب. (فأما لا مغرب والعشاء) أي: سنتاهما. (ففي بيته) أي: وأما سنة البقية ففي المسجد، ولا ينافيه خبر ابن عمر: كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف (¬3). لاحتمال إرادة انصرافه من الصلاة؛ أو أن ذلك لبيان جواز الأمرين. قال ابن بطال: كراهية صلاة النفل في المسجد؛ لخوف أن يظنها جاهلٌ فرضًا؛ أو لئلا يخلى منزله من الصلاة فيه، أو خوف الرياء، فإذا سلم من ذلك فالصلاة في المسجد حسنة. 1173 - وَحَدَّثَتْنِي أُخْتِي حَفْصَةُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الفَجْرُ"، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا أَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا وَقَال ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، بَعْدَ العِشَاءِ فِي أَهْلِهِ. [انظر: 618 - مسلم: 723 - فتح: 3/ 50] (كان يصلي سجدتين) أي: "ركعتين"، كما في نسخة. (وكانت) أي: الساعة التي بعد طلوع الفجر. (ساعة لا أدخل) أي: أنا، بل ولا غير. (على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها) أي: لعدم اشتغاله فيها بالخلْق. (قال ابن أبي الزناد) هو عبد الرحمن بن عبد الله. بن أبي الزناد بن ¬
30 - باب من لم يتطوع بعد المكتوبة
ذكوان. (تابعه) أي: عبيد الله، وفي نسخة: تقديم (تابعه) على (قال ابن أبي الزناد) وفي أخرى: تقديم (قال ابن أبي الزناد) على (وحدثتني أختي). 30 - بَابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ (باب: من لم يتطوع بعد المكتوبة) أي: المفروضة. 1174 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَال: سَمِعْتُ أبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرًا، قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيًا جَمِيعًا، وَسَبْعًا جَمِيعًا"، قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ، وَعَجَّلَ العَصْرَ، وَعَجَّلَ العِشَاءَ، وَأَخَّرَ المَغْرِبَ، قَال: وَأَنَا أَظُنُّهُ. [انظر: 543 - مسلم: 705 - فتح: 3/ 51] (سفيان) أي: ابن عيينة. (عن عمرو) أي: ابن دينار. (أبا الشعثاء) بالمثلثة والمد. (جابر) أي: ابن يزيد. (مع رسول الله) في نسخة: "مع النبي". (ثمانيًا) أي: الظهر والعصر جمعًا، ولم يفصل بينهما بتطوع، إذ لو فصل به لزم عدم الجمع. (وسبعًا) أي: المغرب والعشاء جمعًا، كنظيره السابق (أظنه) أي: النبي (أخر .. إلخ) أشار أنه جمع بين الصلاتين في العتمتين جمع تأخير. 31 - بَابُ صَلاَةِ الضُّحَى فِي السَّفَرِ (باب: صلاة الضحى في السفر) أي: هل تصلى فيه، أم لا، بدل للنفي حديث ابن عمر، وللإثبات حديث أم هانيء الآتي كلٌّ منهما في الباب وجمع بينهما؛ لأن نفي ابن عمر رؤيته صلاة الضحى من النبي وأبي بكر وعمر، لا يستلزم عدم وقوعها منهم في الواقع، أو المراد من
نفيه لها نفي المداومة لا نفي الوقوع أصلًا، وما روي من أن صلاة الضحى بدعة حمل على ملازمتها وإظهارها في [المساجد] (¬1) لا أنها بدعة مخالفة للسنة. 1175 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ تَوْبَةَ، عَنْ مُوَرِّقٍ، قَال: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَتُصَلِّي الضُّحَى؟ قَال: لَا، قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَال: لَا، قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَال: لَا، قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَال: لَا إِخَالُهُ. [انظر: 77 - فتح: 3/ 51] (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (عن شعبة) أي: ابن الحجاج. (توبة) بفتح الفوقية: ابن كيسان. (عن مُوَرِّق) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة: هو أبو المعتمر العجلي. (لا إخاله) بكسر الهمزة، أشهر من فتحها أي: لا أظنه. 1176 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، يَقُولُ: مَا حَدَّثَنَا أَحَدٌ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ فَإِنَّهَا قَالتْ: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ". [انظر: 1103 - مسلم: 336 - فتح: 3/ 51] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (أم هانئ) هي أخته شقيقة علي بن أبي طالب. (فاغتسل) ظاهره: أنه اغتسل في بيت أم هانئ، لكن في مسلم: أنها ذهبت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل (¬2). فلعل ذلك متكرر منه. (وصلى ثماني ركعات) أي: سبحة الضحى، -كما رواه ¬
مسلم (¬1) - وقد ورد في عددها: ركعتان (¬2)، وأربع (¬3)، وست (¬4)، وثمان (¬5)، وعشرة (¬6)، وثنتا عشرة، وهي أكثرها، وأقلها: ركعتان، وأفضلها: ثمان كذا قال في "الروضة" لكن صحح في التحقيق أن أكثرها ثمان، قال في "المجموع": وعليه الأكثرون (¬7)، واستدل له بهذا الحديث وغيره، ثم قال: وما قيل من أن هذا لا يدل على أن ذلك ¬
32 - باب من لم يصل الضحى ورآه واسعا
أكثر، ورد بأن الأصل في العبادات التوقيف، ويسن أن يقرأ في الضحى بـ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)}، والضحى، للأمر بذلك في خبر الحاكم. 32 - بَابُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى وَرَآهُ وَاسِعًا (باب: من لم يصل الضحى ورآه) أي: رأى ترك صلاة الضحى. (واسعًا) أي: مباحًا. 1177 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى"، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا. [انظر: 1128 - مسلم: 718 - فتح: 3/ 55] (حدثنا ابن أبي ذئب) هو عبد الرحمن، وفي نسخة: "أخبرنا ابن أبي ذئب". (عن الزهري) هو محمد بن مسلم ابن شهاب. (سبحة الضحى) أي: صلاتها، وأصلها: من التسبيح، وخصت النافلة بذلك؛ لأن التسبيح الذي هو في الفريضة نافلة فقيل لصلاة النافلة: سبحة؛ لأنها، كالتسبيح في الفريضة. (وإني لأسبحها) أي: [فيه: إيماء إلى] (¬1) أنها علمت أنه - صلى الله عليه وسلم - صلاها، كما رواه غيرها، بل هي روتة لها، كما في مسلم بلفظ: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء (¬2). فنفي رؤيتها محمول على المداومة عليها، ولو سلم إذًا لم تعلم أنه صلاها أصلًا، فالمثبت مقدم على النافي، وصلاتها حينئذٍ لها كان تبعًا لصلاة غيرها ممن أخذ بحديث أم هانئ، كابي هريرة وأبي ذر وأبي أمامة. ¬
33 - باب صلاة الضحى في الحضر
33 - بَابُ صَلاةِ الضُّحَى فِي الحَضَرِ قَالهُ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر 424] (باب: صلاة الضحى في الحضر) أما في السفر فتقدم. 1178 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الجُرَيْرِيُّ هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: "صَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وتْرٍ". [1981 - مسلم: 721 - فتح: 3/ 56] (أخبرنا شعبة) أي: ابن الحجاج، وفي نسخة: "حدثنا شعبة". (عباس) بموحدة وسين مهملة. (الجريري) بالتصغيرة نسبة إلى جرير بن عُباد، بضم المهملة وتخفيف الموحدة. (هو ابن فرَّوخ) براء مشددة مضمومة وخاء معجمة، وهو ساقط من نسخة. (أوصاني خليلي) لا ينافي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر" (¬1) لأن الممتنع أنه هو يتخذ، لا أن غيره يتخذ. (حتى أموت) أي: إلى أن أموت. (صوم ثلاثة أيام) بالجر؛ بدل من ثلاث، وبالرفع؛ خبر مبتدأ محذوف، أي: هي. (من كل شهر) أي: ليثاب ثواب صوم الدهر؛ بانضمام ذلك لصوم رمضان؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها. (وصلاة الضحى ونوم على وتر) بجرهما ورفعهما، نظير ممّا مرَّ آنفًا، وأشار بالثاني إلى أن السنة في الوتر تقديمه على النوم، وهو لمن لا يثق باستيقاظه، أما من يثق به فالتأخير أفضل؛ لخبر مسلم: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل، فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره، ¬
34 - باب الركعتين قبل الظهر
فليوتر آخر الليل) (¬1) .. 1179 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ، قَال: قَال رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ - وَكَانَ ضَخْمًا - لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الصَّلاةَ مَعَكَ، فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا، فَدَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ وَنَضَحَ لَهُ طَرَفَ حَصِيرٍ بِمَاءٍ، "فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ" وَقَال فُلانُ بْنُ فُلانِ بْنِ جَارُودٍ لِأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى؟ فَقَال: "مَا رَأَيْتُهُ صَلَّى غَيْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ". [انظر: 670 - فتح: 3/ 57] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن أنس بن سيرين) زاد في نسخة: "الأنصاري". (قال رجل من الأنصار) هو عتبان بن مالك. (ضخمًا) أي: سمينًا. (فلان بن فلان بن [الجارود] (¬2) هو عبد الحميد بن المنذر بن جارود. (ما رأيته صلى غير ذلك اليوم) نفي أنس [ذلك رؤية قبل] (¬3) ذلك اليوم لا يستلزم نفي فعلها قبل، فهو كنفي عائشة ذلك مطلقًا، ومرَّ شرح الحديث في باب: هل يصلي الإمام بمن حضر (¬4). 34 - بَابُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ (باب: الركعتين) بل والأربع. (قبل الظهر) في نسخة: "باب: الركعتان قبل الظهر" أي: هذا باب يذكر فيه الركعتان. ¬
1180 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ"، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا. [انظر: 937 - مسلم: 729، 882 - فتح: 3/ 58] (حماد بن زيد) في نسخة: "حماد هو ابن زيد". (عن أيوب) أي: السختياني. (في عشر ركعات) أي: رواتب الفرائض. (كانت) في نسخة: "وكانت" بواو. 1181 - حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: "أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ". [انظر: 618 - مسلم: 723 - فتح: 3/ 58] (حدثتني حفصة) أي: قال ابن عمر: "وحدثتني حفصة" بواو، كما في نسخة. 1182 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ" تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَمْرٌو، عَنْ شُعْبَةَ. [مسلم: 730 - فتح: 3/ 58] (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (كان لا يدع أربعًا قبل الظهر) لا يعارضه حديث ابن عمر السابق (¬1)؛ لاحتمال أنه كان إذا صلى في بيته صلى أربعًا، وإذا صلى ¬
35 - باب الصلاة قبل المغرب
في المسجد صلى ركعتين أو كان يفعل هذا وذاك، فحكى كل من ابن عمر وعائشة ما رأى، أو المؤكد هو الركعتان، والأخيرتان سنتان غير مؤكدة. (تابعه) أي: يحيى بن سعيد. (ابن أبي عدي) هو محمد بن إبراهيم البصري. (وعمر) أي: ابن مرزوق. 35 - بَابُ الصَّلاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ (باب: الصلاة قبل المغرب) أي: قبل صلاته. 1183 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ المُزَنِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "صَلُّوا قَبْلَ صَلاةِ المَغْرِبِ"، قَال: "فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً". [7368 - فتح: 3/ 59] (أبو معمر) هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري. (عبد الوارث) أي: ابن سعيد. (عن الحسين) أي: ابن ذكوان المعلم. (عن ابن بريدة) في نسخة: "عن عبد الله بن بريدة". (صلوا) أي: ركعتين. (قال في الثالثة) أي: في المرة الثالثة. (لمن شاء) أي: صلاة ركعتين. (كراهية أن يتخذها الناس سنَّة) أي: طريقة لازمة، وإلا فهي سنة للفريضة، لكنها غير مؤكدة؛ ولهذا لم يذكرها ابن عمر مع الرواتب في الباب السابق. 1184 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ هُوَ المُقْرِئُ، قَال: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَال: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، قَال: سَمِعْتُ مَرْثَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اليَزَنِيَّ، قَال: أَتَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهَنِيَّ، فَقُلْتُ: أَلا أُعْجِبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمٍ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ المَغْرِبِ؟ فَقَال عُقْبَةُ: "إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَال: "الشُّغْلُ". [فتح: 3/ 59]
36 - باب صلاة النوافل جماعة
(عبد الله بن يزيد) زاد في نسخة: "هو المقرئ". (مرثد) بفتح الميم والمثلثة. (اليزني) بفتح التحتية والزاي؛ نسبة إلى يزن: بطن من حمير (¬1). (أعجبك) بضم الهمزة وسكون المهملة، وفي نسخة: بفتح المهملة وتشديد الجيم. (من أبي تميم) هو عبد الله بن مالك الجيشاني. (قبل صلاة المغرب) زاد في نسخة: "حتى يسمع أذان المغرب". (قلت) في نسخة: "فقلت". (الشغل) بسكون الغين وضمها. 36 - بَابُ صَلاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً ذَكَرَهُ أَنَسٌ، وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 380، 1044] (باب: صلاة النوافل جماعة) أي: في جماعة. [(ذكره) أي: حكم صلاتها جماعة] (¬2). 1185 - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ: أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ. [انظر: 77 - فتح 3/ 60] (حدثني) في نسخة: "حدثنا". (إسحق) ابن راهويه، أو ابن منصور. (أخبرنا يعقوب) في نسخة: "حدثنا يعقوب". (عقل) بفتح القاف أي: عرف. (مجها) أي: رمى بها في وجهه، داعبه بذلك؛ استئلافًا لأبويه، وإكرامًا لهما. (كانت) أي: البئر، وفي ¬
نسخة: "أي: الدلو". 1186 - فَزَعَمَ مَحْمُودٌ، أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ الوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتِ الأَمْطَارُ، فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ، فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا، أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سَأَفْعَلُ" فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَال: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ " فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ، وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ، فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرٍ يُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي، فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي البَيْتِ، فَقَال رَجُلٌ مِنْهُمْ: مَا فَعَلَ مَالِكٌ؟ لَا أَرَاهُ. فَقَال رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقُلْ ذَاكَ أَلا تَرَاهُ قَال: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ"، فَقَال اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَمَّا نَحْنُ، فَوَ اللَّهِ لَا نَرَى وُدَّهُ وَلَا حَدِيثَهُ إلا إِلَى المُنَافِقِينَ، قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَال: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ " قَال مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ: فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا، وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاويَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ، قَال: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال: مَا قُلْتَ قَطُّ، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَجَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَفَلْتُ، فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ، فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ
سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. [انظر: 424 - مسلم: 263 - فتح: 3/ 60] (فزعم) أطلق الزعم على القول والإخبار أي: فأخبر. (مع رسول الله) في نسخة: "مع النبي". (كنت) في نسخة: "إني كنت". (ببني سالم) بباءين، وفي نسخة: "بني سالم" بحذف الأولى، وهي أقعد. (فيشق) في نسخة: "شق" بصيغة الماضي، وفي أخرى: "يشق" بحذف الفاء. (فقلت له) لفظ: (له): ساقط من نسخة، (من بيتي) بيان لقوله: (مكانًا) أي: في مكان من بيتي. (أتخذه مصلى) صفة لـ (مكانًا). (فقال رسول الله) في نسخة: "فقال النبي". (أن أصلي) في نسخة: "أن نصلي" بنون بدل الهمزة. (أن أصلي فيه) ["أن يصلي فيه"] (¬1) بتحتية بدل الهمزة. (وسلمنا) في نسخة: "فسلمنا". (على خزير) بفتح المعجمة وكسر الزاي: طعام من لحم ودقيق غليظ. (أهل الدار) أي: أهل المحلة. (رسول الله) في نسخة: "أن رسول الله". (فثاب) بمثلثة، أي: فجاء. (مالك) أي: ابن الدخشن. (لا أراه) بفتح الهمزة أي: لا أبصره. (فقال) أي: قائل، وفي نسخة: "فقالوا" أي: الحاضرون، أو بعضهم. (أمَّا) بفتح الهمزة وتشديد، وفي نسخة: "إنما". (لا نرى) في نسخة: "ما نرى". (قال) في نسخة: "فقال". (من قال: لا إله إلا الله) أي: مع محمد رسول الله. (محمود) أي: "ابن الربيع" كما في نسخة. (وحدثتها) أي: الحكاية، أو القصة. (أبو أيوب) هو خالد بن زيد الأنصاري. (فأنكرها) أي: الحكاية أو القصة. (قال: والله) في نسخة: "وقال: والله". (ما أظن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ما قلت ¬
37 - باب التطوع في البيت
قط) قيل: وسبب إنكاره ذلك؛ استبعاده عدم دخول أحد من عصاة الأمة النار؛ لخبر: "إن الله قد حرم على النار من قال: لا إلله إلا الله" وأجيب: بحمل التحريم على الخلود. (فكبر) بضم الموحدة أي: عظم. (ذلك) أي: الإنكار من أبي أيوب عليَّ. (أقفل) بضم الفاء أي: أرجع (من غزوتي) في نسخة: "عن غزوتي". (أن أسأل عنها عتبان ... إلى آخره) كان الباعث لمحمود على الرجوع إلى عتبان؛ ليسمع الحديث منه ثانيًا، أن أبا أيوب لما أنكر عليه اتهم نفسه بأنه لم يضبط القدر الذي أنكر عليه. (فقفلت) أي: رجعت. (فأهللت) أي: أحرمت. (من الصلاة) في نسخة: "من صلاته". ومطابقة الحديث للترجمة: من قوله: (فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصففنا وراءه ثم سلم وسلمنا حين سلم) ومرَّ شرح الحديث في باب: المساجد في البيوت (¬1). 37 - بَابُ التَّطَوُّعِ فِي البَيْتِ (باب: التطوع في البيت) أي: سن فعله. 1187 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا" تَابَعَهُ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ. [انظر: 432 - مسلم: 777 - فتح: 3/ 62). (وهيب) أي: ابن خالد. (عن أيوب) أي: السختياني. (وعبيد الله) أي: ابن عمر. ¬
(من صلاتكم) من: للتبعيض أي: شيئًا منها، والمراد من الصلاة: النافلة، وإنما شرع فعلها في البيوت؛ لأنه أبعد عن الرياء، ولتنزل الرحمة فيها والملائكة، واستثني منه نفل يوم الجمعة وركعتا الطواف والإحرام والتراويح للجماعة. (قبورًا) أي: مثلها، في أنه لا يصلي فيها. (تابعه) أي: وهيبًا. (عبد الوهاب) أي: الثقفي. ومرَّ الحديث في باب: كراهة الصلاة في المقابر (¬1). ¬
20 - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
20 - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
1 - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 20 - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة 1 - بَابُ فَضْلِ الصَّلاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ (باب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة) أي: والأقصى على غيرها من المساجد. 1188 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: أَخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَرْبَعًا، قَال: سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً - ح [انظر: 586 - مسلم: 827، 415 - فتح: 3/ 63] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عبد الملك) أي: "ابن عمير"، كما في نسخة. (قزعة) بفتح الزاي، وقد تسكن. (سمعت أبا سعيد - رضي الله عنه - أربعًا) أي: أربع كلمات، أو أحاديث، أي: سمعت منه، أو سمعته يحدث أربعًا، وسيأتي الأربعة مفصلة في باب: مسجد بيت المقدس (¬1). (وكان غزا مع النبي) أي: قال قزعة: وكان أبو سعيد غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. (ح) للتحويل من سند إلى آخر. ¬
1189 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى". [مسلم: 1397 - فتح: 3/ 63] (حدثنا) في نسخة: "وحدثنا". (علي) أي: ابن المديني. (سفيان) أي: ابن عيينة. (عن سعيد) أي: ابن المسيب. (لا تشدُّ) نفي بمعنى النهي، لكنه أبلغ منه؛ لأنه كالواقع بالامتثال له محالة. (الرحال) جمع رحل: وهو للبعير، أصغر من القتب كنى بشدها عن السفر؛ إذ لا فرق بين أن يكون براحلة أو بدونها، فذكر شدها جري على الغالب. (إلا لثلاثة مساجد) الاستثناء مفرغ، والمراد: لا يسافر لمسجد للصلاة فيه إلا لهذه الثلاثة، لا أنه لا يسافر أصلًا إلا لها. (المسجد الحرام) بالجر؛ بدل من (ثلاثة)، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، وتالياه الآتيان معطوفان عليه، والمراد به هنا: نفس المسجد لا الكعبة، ولا مكة، ولا الحرم كله، وإن كان يطلق على الجميع. (ومسجد الرسول) عبر به دون مسجدي للتعظيم، أو هو من تصرف الرواة. (ومسحد الأقصى) هو بيت المقدس، وهو عند الكوفيين من إضافة الموصوف إلى الصفة، وعند البصريين مؤول بإضمار المكان، أي: ومسجد المكان. (الأقصى)، وسمي بذلك؛ لبعده عن مسجد مكة مسافة، أو لأنه لم يكن وراءه مسجد، أو لأنه أقصى موضع من الأرض ارتفاعًا وقربًا إلى السماء، وخصت الثلاثة بما ذُكر؛ لأن أولها إليه حَجُّ الناس وقبلتهم، وثانيها أسس على التقوى، وثالثها قبلة الأمم السابقة.
وأستدل بالحديث على أن من نذر إتيان أحد هذه المساجد لزمه؛ لاشتراك الثلاثة في عظم الفضيلة، وهو قول، والمعتمد ما نصَّ عليه الشافعي في "الأم" وجرى عليه الجمهور، أن ذلك إنما يلزم في المسجد الحرام؛ لتعلق النسك به بخلاف الآخرين. 1190 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلا المَسْجِدَ الحَرَامَ". [مسلم: 1394 - فتح: 3/ 63] (أن النبي) في نسخة: "أن رسول الله". (إلا المسجد الحرام) أي: فإن الصلاة فيه خير من الصلاة (في مسجدي هذا) بقرينة خبر ابن حبان. "صلاة في مسجدي هذا أفضل من الصلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة" (¬1) (في هذا) أي: في مسجدي، وفي ابن ماجه: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه) (¬2) [وفي بعض نسخه: "من مائة صلاة فيما سواه" قال شيخنا: فعلى الأول معناه: فيما سواه] (¬3) إلا مسجد ¬
2 - باب مسجد قباء
المدينة وعلى الثاني معناه: من مائة صلاة في مسجد المدنية. انتهى (¬1). ولا يخفى أن المسجد الأقصى، ومسجد قباء أفضل من سائر المساجد غير المسجد الحرام، ومسجد المدينة، فعند الطبراني بإسناد صحيح: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في البيت المقدس بخمسمائة صلاة) (¬2) وعند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: "لأن أصلي في قباء ركعتين أحب إليَّ من آتي بيت المقدس مرتين، لو تعلمون ما في قباء لصرفوا إليه الجياد" (¬3). 2 - بَابُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ (باب: مسجد قباء) هو من عَوالي المدينة، والأشهر مده، وصرفه، وتذكيره، وجاء فيه ضد الثلاثة. 1191 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كَانَ لَا يُصَلِّي مِنَ الضُّحَى إلا فِي يَوْمَيْنِ: يَوْمَ يَقْدَمُ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقْدَمُهَا ضُحًى فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقَامِ، وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ، قَال: وَكَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَزُورُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا،. [1193، 1194، 7326 - مسلم: 1399 - فتح: 3/ 68] ¬
3 - باب من أتى مسجد قباء كل سبت
(يعقوب بن إبراهيم) أي: "الدورقي"، كما في نسخة، نسبة إلى لبس القلانس الدورقية. (ابن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم بن سهم. (وعلية) أمه. (أيوب) أي: السختياني. (من الضحى) أي: في الضحى، أو من جهة الضحى، قاله الكرماني (¬1). (يوم يقدم) بفتح الدال، وبجر (يوم) بدل مما قبله، وبرفعه خبر مبتدإٍ محذوف، وبنصبه على الظرفية. (مكة) في نسخة: "بمكة" بموحدة. (قال) أي: نافع. (وكان ابن عمر يزوره) أي: مسجد قباء. 1192 - قَال: وَكَانَ يَقُولُ: "إِنَّمَا أَصْنَعُ كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يَصْنَعُونَ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، غَيْرَ أَنْ لَا تَتَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا". [انظر: 582 - مسلم: 828 - فتح: 3/ 68] (قال: وكان) لفظ: (قال) ساقط من نسخة. (يقول له) أي: لنافع. (أن صلى) بفتح الهمزة، وفي نسخة: "أن يصلي"، وفي نسخة: "إن صلى" بالكسر. 3 - بَابُ مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ (باب: من أتى مسجد قباء كل سبتٍ) أراد بذكر (السبت) في هذه الترجمة تقييد ما أطلقه في الترجمة السابقة. 1193 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبًا" وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "يَفْعَلُهُ". [انظر: 1191 - مسلم: 1399 - فتح: 3/ -69] ¬
4 - باب إتيان مسجد قباء ماشيا وراكبا
(حدثنا موسى) في نسخة: "حدثني موسى". (ماشيًا) أي: تارة. (وراكبًا) أي: أخرى بحسب ما تيسر له، وخصَّ السبت بالذكر، لأجل مواصلته لأهل قباء وتفقد حال من تأخر منهم عن حضور الجمعة معه في مسجده بالمدينة. (وكان عبد الله) في نسخة: "وكان ابن عمر - رضي الله عنه - ". (يفعله) أي: إتيانه مسجد قباء. 4 - بَابُ إِتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا (باب: إتيان مسجد قباء ماشيًا وراكبًا) زاد في ترجمته على ترجمة الباب السابق (ماشيًا وراكبًا) مع أنهما مذكوران في حديثي البابين. 1194 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا" زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، "فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ". [انظر: 1191 - مسلم: 1399 - فتح: 3/ 69] (يحيى) أي: "ابن سعيد"، كما في نسخة. (عن عبيد الله) أي: ابن عمر. (يأتي قباء) في نسخة: "يأتي مسجد قباء". (ابن نمير) اسمه: عبد الله. (عن نافع) بروايته عن ابن عمر. 5 - بَابُ فَضْلِ مَا بَيْنَ القَبْرِ وَالمِنْبَرِ (باب: فضل ما بين القبر والمنبر) أي: قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنبره. 1195 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ المَازِنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ". [مسلم: 1390 - فتح: 3/ 70] (بيتي) المراد به قبره؛ لأن قبره في بيته، وفي نسخة بدل (بيتي): "قبري". (روضة من رياض الجنة) أي: منقولة منها، كالحجر الأسود، أو ينقل إليها، كالجذع الذي حنَّ إليه، أو توصل المتعبد فيها إليها مجازًا باعتبار المآل، كقوله: "الجنة تحت ظلال السيوف" أي: الجهاد مآله الجنة، أو تشبيه بليغ كزبد بحر؛ لأن زوار قبره من الملائكة والإنس والجن لا يزالون في تلك البقعة مكبين على ذكر الله وعبادته، فهذه البقعة روضة من رياض الجنة [الآن، وتعود إليها ويكون للتعبد فيها روضة من الجنة] (¬1). 1196 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَال: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي". [1888، 6588، 7335 - مسلم: 1391 - فتح: 3/ 70] (عن يحيى) أي: سعيد القطان. (عبيد الله) أي: "ابن عمر", كما في نسخة. (عن النبي) في نسخة: "أن النبي". (ومنبري على حوضي) ساقط من نسخة، وحوضه الكوثر الكائن داخل الجنة، لا حوضه الذي هو خارجها بجانبها المستمد من الكوثر، والمعنى: أن الله يعيد منبره بعينه، فيضعه على حوضه، أو أن له ثم منبرًا على حوضه يدعو الناس عليه إليه. ¬
6 - باب مسجد بيت المقدس
6 - بَابُ مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ (باب: مسجد بيت المقدس) أي: بيان فضله. 1197 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، سَمِعْتُ قَزَعَةَ، مَوْلَى زِيَادٍ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يُحَدِّثُ بِأَرْبَعٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي قَال: "لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلا مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ الفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلاةَ بَعْدَ صَلاتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ، إلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي". [انظر: 586 - مسلم: 827 - فتح: 3/ 70] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن عبد الملك) أي: ابن عمير. (فأعجبنني) بنونين، وفي نسخة: "أعجبني" بنون واحدة. (وآنقنني) بمد الهمزة، بعدها نون، وقاف ساكنة، أي: أعجبني، فعطفه على ما قبله تأكيد. (إلا معها) في نسخة: "إلا ومعها" بواو. (ذو محرم) أي: محرمية ولذا ذكر (ذو)، وإلا فالمحرم مغني عنه، وهي مَنْ حرم نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد نحو: أخت المرأة، ومباح نحو: أم الموطوءة بشبهة؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بإباحة؛ لأنه فعل غير مكلف، وبحرمتها الملاعنة؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها، بل للتغليظ عليها. (ولا تشد الرحال ... إلى آخره) مرَّ شرحه في باب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (¬1). ¬
21 - كتاب العمل في الصلاة
21 - كتاب العمل في الصلاة
1 - باب استعانة اليد في الصلاة، إذا كان من أمر الصلاة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 21 - كتاب، العَملِ فِي الصلاة 1 - بَابُ اسْتِعَانَةِ اليَدِ فِي الصَّلاةِ، إِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الصَّلاةِ وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "يَسْتَعِينُ الرَّجُلُ فِي صَلاتِهِ مِنْ جَسَدِهِ بِمَا شَاءَ" وَوَضَعَ أَبُو إِسْحَاقَ: "قَلَنْسُوَتَهُ فِي الصَّلاةِ وَرَفَعَهَا" وَوَضَعَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَفَّهُ عَلَى رُسْغِهِ الأَيْسَرِ، إلا أَنْ يَحُكَّ جِلْدًا أَوْ يُصْلِحَ ثَوْبًا. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقط من نسخة. (أبواب العمل في الصلاة) في نسخة بدل هذا: "باب: استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة". (يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء) (من جسده) بيان لما شاء، أي: يستعين وهو في صلاته بما شاء من جسده، كيده إذا كانت استعانته في أمر الصلاة، كتحويله - صلى الله عليه وسلم - ابن عباس إلى جهة يمينه في الصلاة (¬1). (إلا أن يحك جلدًا، أو يصلح ثوبًا) الاستثناء، كما قال شيخنا من بقية أثر علي، وقيل: هو من قوله في الترجمة (¬2). (إذا كان من أمر الصلاة) أي: من مفهومه، بمعنى أنه استثنى منه جواز ما تدعو إليه الضرورة من حال المرء. (أبو إسحق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي. (ورفعها)، في نسخة: "أو رفعها" على الشك. (رصغه) بالصاد لغة في ¬
الرسغ, وهي أفصح من الصاد: وهو المفصل بين الساعد والكف. 1198 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَهِيَ خَالتُهُ - قَال: فَاضْطَجَعْتُ عَلَى عَرْضِ الوسَادَةِ، "وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ - أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَلَسَ، فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ آيَاتٍ خَوَاتِيمَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي" قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، "فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا بِيَدِهِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ". [انظر: 117 - مسلم: 763 - فتح: 3/ 71] (عرض الوسادة) بفتح العين على المشهور. (فمسح النوم) أي: محله وهو العين؛ إذ النوم لا يمسح. (بيده) في نسخة: "بيديه". (العشر آيات) في نسخة: "العشر الآيات" بالتعريف. (خواتيم) في نسخة: "خواتم" بحذف التحتية. (إلى شنٍّ) بفتح الشين، أي: قربة خلقه معلقة. (يفتلها) بكسر الفوقية، أي: يدلكها، ومرَّ شرح الحديث في باب: قراءة القرآن بعد الحدث (¬1). ¬
2 - باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة
2 - بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ الكَلامِ فِي الصَّلاةِ (باب: ما ينهى) أي: "عنه"، كما في نسخة. (من الكلام في الصلاة) فرضًا كانت، أو نفلًا. 1199 - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، وَقَال: "إِنَّ فِي الصَّلاةِ شُغْلًا" حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ. [1216، 3875 - مسلم: 538 - فتح: 3/ 72] (ابن نمير) نسبة إلى جده، وإلا فهو محمد بن عبد الله بن نمير. (ابن فضيل) هو محمد الضبعي. (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن إبراهيم) أي: ابن يزيد النخعي. (عن علقمة) أي: "ابن قيس"، كما في نسخة. (عبد الله) ابن مسعود. (النجاشي) بفتح النون أكثر من كسرها. (شغلًا) بضم الشين والغين وسكونها، وتنوينه للتنويع، أي: نوعًا من الشغل لا يليق معه الاشتغال بغيره، وفي نسخة: "لشغلًا". (إسحق بن منصور) زاد في نسخة: "السلولي" نسبة إلى سلول: قبيلة من هوازن. (هريم) بالتصغير. 1200 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى هُوَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَال: قَال لِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَالصَّلاةِ الوُسْطَى، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] "فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ". [4534 - مسلم: 539 - فتح: 3/ 72]
3 - باب ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال
(عيسى) زاد في نسخة: هو: ابن يونس". (عن إسماعيل) أي: ابن خالد بن سعيد البجلي. (شبيل) بضم المعجمة، وفتح الموحدة. (عن أبي عمرو) هو سعيد بن إياس. (إن كنا) بكسر همزة (إن) مخففة من الثقيلة، والأصل: إنَّا كنا. (يكلم) استئناف، وفي نسخة: "ويكلم" بواو العطف على (نتكلم). ({حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}) الآية [البقرة: 238] أي: داوموا عليها، وفي نسخة: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: من الآية 238] "، وزاد في أخرى: " {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} "أي: ساكتين عن التكلم بكلام الناس، فهو مبطلٌ للصلاة عند الشافعية، إلا في قليل سبق لسانُه إليه، أو نسي الصلاة، أو جهل تحريمه فيها إن قرب عهده بالإسلام، والصلاة الوسطى هي العصر عند الأكثرين. 3 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالحَمْدِ فِي الصَّلاةِ لِلرِّجَالِ (باب: ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال) أي: إذا نابهم فيها شيء، كتنبيه إمام عليه سهو، وإذن لمستأذن في الدخول، وإنذار أعمى أن يقع في بئر، وخرج بالرجال النساءُ، فإنهن يصفقن بدل التسبيح، وذكر التحميد مع التسبيح يليه على أنه يقوم مقامه؛ لأن الغرض التنبيه على عروض أمر، لا مجرد التسبيح والتحميد. 1201 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْلِحُ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الحَارِثِ"، وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ بِلالٌ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَال: حُبِسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَؤُمُّ النَّاسَ؟ قَال: نَعَمْ، إِنْ شِئْتُمْ، فَأَقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَصَلَّى "فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ"، فَأَخَذَ النَّاسُ
بِالتَّصْفِيحِ - قَال سَهْلٌ: هَلْ تَدْرُونَ مَا التَّصْفِيحُ؟ هُوَ التَّصْفِيقُ - وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا التَفَتَ، فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّفِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ، "وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى". [انظر: 684 - مسلم: 421 - فتح: 3/ 75] (عن عبد العزيز بن أبي حازم) اسم أبي حازم: سلمة بن دينار. (عن سهل) أي: "ابن سعد"، كما في نسخة. (عمرو بن عوف) أي "ابن الحارث"، كما في نسخة. (وحانت الصلاة) أي: حضرت. (حبس النبي - صلى الله عليه وسلم -) أي: تأخر في بني عمرو. (فتؤم الناس) بحذف همزة الاستفهام، أي: أفتؤمهم؟ (فصلى) أي: شرع في الصلاة بالناس. (بالتصفيح) في نسخة: "في التصفيح" وهو مأخوذ من صفحتي الكف، وضرب إحداهما على الأخرى، لكن قال الفقهاء: السنة فيه للمرأة أن تضرب بطن كفها الأيمن على ظهر الأيسر. (قال سهل) في نسخة: "فقال سهل". (هو التصفيق) يؤيد قول الجمهور: أنهما بمعنى واحد، وقيل: هما غيران، وقيل: هو بالحاء: [الضرب] (¬1) بظاهر إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف: بباطنها على باطن الأخرى، وقيل: بالحاء: الضرب بإصبعين للإنذار والتنبيه، وبالقاف: بجميعها: للهو واللعب. قال شيخنا: يعني: وبعد حكايته ذلك -وأغرب الداودي، فزعم أن الصحابة ضربوا بأكفهم على أفخاذهم (¬2). (فلما أكثروا) أي: من التصفيح. (مكانك) أي: الزمه. (فرفع يديه) أي: للدعاء. (فحمد الله) أي: شكره، حيث رفع مرتبته بتفويض النبي - صلى الله عليه وسلم - الإمامة إليه. (وتقدم) في نسخة: "فتقدم". ¬
4 - باب من سمى قوما، أو سلم في الصلاة على غيره مواجهة، وهو لا يعلم
ووجه مطابقة الحديث للترجمة، كما قال شيخنا: إنه مشتمل عليها، لكنه مختصر من حديث مر في باب: من دخل ليؤم الناس (¬1) (¬2)، وفيه: (رفَعَ أبو بكر يديه فحمد الله) وفي آخره: (من نابه شيء فليسبح). وفي الحديث: اعتبار رضا الجماعة في إمامتهم؛ لقول أبي بكر: إن شئتم، وأن الإقامة إلى المؤذن، وأن الالتفات بالوجه لا يقطع الصلاة، وأنه لا بأس بالمشي للصف الأول لمن يصلح أن يلقن، أو يصلح للاستخلاف. 4 - بَابُ مَنْ سَمَّى قَوْمًا، أَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلاةِ عَلَى غَيْرِهِ مُوَاجَهَةً، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ (باب: من سمى قومًا أو سلم في الصلاة) على غيره مواجهة. (وهو) أي: المسمي، أو المسلم. (لا يعلم) أي أن ذلك مبطل أو لا. (ومواجهة) بفتح الجيم، وبالنصب على المصدرية، وهي ساقطة من نسخة، وفي أخرى: "غير مواجهة" بالإضافة، وفي أخرى: كذلك، لكن بكسر جيم (مواجهة) بجعلها اسم فاعل مضافًا للضمير، وخرج بغير مواجهة ما إذا كان ذلك بمواجهة، فإنه يبطل إن كان بخطاب. 1202 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كُنَّا نَقُولُ: التَّحِيَّةُ فِي الصَّلاةِ، وَنُسَمِّي، وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، فَسَمِعَهُ ¬
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: "قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ". [انظر: 831 - مسلم: 402 - فتح: 3/ 76] (عمرو بن عيسى الضبعي) بضم المعجمة، وفتح الموحدة. (أبو عبد الصمد) زاد في نسخة: "العمي" بفتح العين، وتشديد الميم. (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة. (التحية) برفعها مبتدأ. (في الصلاة) في خبره، وفي نسخة: بنصبها؛ مفعول (يقول)، وهي أن كانت مفردة، لكنها في معنى الجملة من قولهم: السلام على فلان، فكان ذلك كقولهم: قلت: قصة، وقلت: خبرًا. (ونسمي) أي: نقول: السلام على جبرائيل وميكائيل. (ويسلم بعضنا على بعض) لما مرَّ في باب: ما ينهى من الكلام من حديث (كنا نسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة فيرد علينا وهو في الصلاة) (¬1) (فسمعه) أي: ما ذكر من تسميتهم، وتسليمهم. (التحيات) أي: أنواع التعظيم مستحقة (لله) أي: لا لغيره. (السلام) أي: الذي يسلم به على الأنبياء المتقدمة نسلم به عليك أيها النبي - صلى الله عليه وسلم -. (السلام) أي: الذي يسلم به على الأمم السابقة، نسلم به علينا، فالتعريف في السلامين؛ للعهد. (وعلى عباد الله الصالحين) من عطف العام على الخاص. (إذا فعلتم ذلك) أي: قلتموه. ¬
5 - باب التصفيق للنساء
5 - بَابُ التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ (باب: التصفيق للنساء) مثلهن الخناثى. 1203 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ". [مسلم: 422 - فتح: 3/ 77] (سفيان) أي: ابن عيينة. (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) أي: إذا نابهم شيء في صلاتهم. (والتصفيق للنساء) أي: يضربن بطن اليمنى على ظهر اليسار، كما مرَّ. 1204 - حَدَّثَنَا يَحْيَى، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "التَّسْبِيحُ للرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ". [انظر: 684 - مسلم: 421 - فتح: 77] (يحيى) أي: ابن جعفر البلخي. (أخبرنا وكيع) في نسخة: "حدثنا وكيع". (سفيان) أي: الثوري. (عن أبي حازم) بمهملة وزاي: سلمة بن دينار. (والتصفيح) في نسخة: "والتصفيق" بالقاف. 6 - بَابُ مَنْ رَجَعَ القَهْقَرَى فِي صَلاتِهِ، أَوْ تَقَدَّمَ بِأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 684] (باب: من رجع القهقرى في صلاته، أو تقدم لأمر) في نسخة: "بأمر ينزل به" في نسخة بدل (في صلاته)، "في الصلاة". (رواه) أي: كلًّا من رجوع المصلي القهقرى وتقدمه لأمر. 1205 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال يُونُسُ: قَال الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ المُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي الفَجْرِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي بِهِمْ، "فَفَجِئَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَنَظَرَ
7 - باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة
إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ" فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلاةِ، وَهَمَّ المُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلاتِهِمْ، فَرَحًا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَوْهُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ: "أَنْ أَتِمُّوا، ثُمَّ دَخَلَ الحُجْرَةَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ"، وَتُوُفِّيَ ذَلِكَ اليَوْمَ. [انظر: 680 - مسلم: 419 - فتح: 3/ 77] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (يونس) أي: ابن يزيد. [(في الفجر)] (¬1) أي: في صلاته. (ففجأهم) بفتح الجيم، وكسرها، أي فاجأهم. (قد كشف حجرة عائشة) حال من النبي - صلى الله عليه وسلم - (فنكص) بالصاد، وفي نسخة: "فنكس" بالسين، أي: رجع القهقرى. (أن يفتتنوا في صلاتهم) أي: أن يخرجوا [منها] (¬2). (فرحًا) أي: فرحين. (أن أتموا) أن: تفسيرية أو مصدرية. (ذلك اليوم) في نسخة: "في ذلك اليوم". ومرَّ شرح الحديث في باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة (¬3). 7 - بَابُ إِذَا دَعَتِ الأُمُّ وَلَدَهَا فِي الصَّلاةِ (باب: إذا دعت الأم ولدها في الصلاة) أي: هل تجب إجابتها أو لا، داذا وجبت هل تبطل الصلاة، أو لا، والأصح: أنه لا يجب إجابتها، وإذا أجابها بطلت صلاته، وقيل: إن كانت فرضًا وضاق وقتها لا يجيب، وإلا أجاب. 1206 - وَقَال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، قَال: قَال أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَادَتِ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهُوَ فِي صَوْمَعَةٍ، قَالتْ: يَا ¬
جُرَيْجُ، قَال: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاتِي، قَالتْ: يَا جُرَيْجُ، قَال: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاتِي، قَالتْ: يَا جُرَيْجُ، قَال: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاتِي، قَالتْ: اللَّهُمَّ لَا يَمُوتُ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وُجُوهِ المَيَامِيسِ، وَكَانَتْ تَأْوي إِلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الغَنَمَ، فَوَلَدَتْ، فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هَذَا الوَلَدُ؟ قَالتْ: مِنْ جُرَيْجٍ، نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، قَال جُرَيْجٌ: أَيْنَ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي؟ قَال: يَا بَابُوسُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَال: رَاعِي الغَنَمِ ". [2482، 3436، 3466 - مسلم: 2550 - فتح: 3/ 78] (جعفر) أي: "ابن ربيعة"، كما في نسخة. (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) في نسخة: "قال النبي". (في صومعة) في نسخة: "صومعته" وهي بوزن: فوعلة من صمعت إذا دققت؛ لأنها دقيقة الرأس. (قال) في نسخة: "فقال". (اللهم أمي وصلاتي) أي: اللهم قد اجتمع حق إجابة أمي وإتمامي فوفقني لأفضلهما، قيل: وكان الكلام في الصلاة مباحًا في شريعتهم، كما كان مباحًا في شريعتنا أولًا؛ فلهذا استجيب دعوة أمه فيه. (في وجه) في نسخة: "في وجوه". (المياميس) في نسخة: "المواميس" وهما جمع مومسة: وهي الزانية، وكثير من المحدثين يقولون: ميامس بحذف الياء قبل السين. (يا بابوس) بموحدتين بينهما ألف، وثانيتهما: مضمومة بوزن فاعول: اسم للولد الرضيع. (من أبوك؟) سماه أبًا؛ مجازًا، أو أن المخلوق من ماء في زنى في شرعهم يلحق الزاني، قال النووي: وفي الحديث أن جريجًا آثر الصلاة على إجابة الأم، فاستجاب الله لها، فدل على أن الأفضل إجابتها؛ لأن الاستمرار في صلاة النفل تطوع، وإجابة الأم من البر الواجب، وكان يمكنه أن يخفف ويجيبها، ولعله يخشى أن تدعوه إلى
8 - باب مسح الحصى في الصلاة
مفارقة صومعته (¬1). والعود إلى الدنيا وتعلقاتها، وفيه: عظم بر الوالدين، وأن دعاءهما مجاب، والبداءة بالأهم في الأمور إذا تعارضت، وإثبات كرامات الأولياء، وأن الله يجعل لهم مخارج عند ابتلائهم غالبًا: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (الطلاق: من الآية 2) وقد لا يجعل لهم ذلك؛ تهذيبا لهم ولطفًا، وما أقره من أن إجابة أمه أفضل من استمراره في صلاته المقتضي لتقدم حق الآدمي على حق الله تعالى، لا ينافي ما ذكره، كغيره من تقديم حق الله تعالى على حق غيره؛ لأن ذاك محله في الواجبات المالية، كما في تعلق الزكاة، وحق الآدمي بالتركة، وكما في الكفارات، ولو سلم عموم ذاك، فلا تنافي أيضًا؛ لأن دعوة أم جريج إنما أجيبت فيه، مع أنه قدم مصلحة الصلاة التي هي راجحة على هذا الفرض على مصلحة أمه؛ لئلا يذهب مصلحتها هدرًا، فليس تنافيًا، بل هو من بعض قوله - صلى الله عليه وسلم -. "واحتجبي منه يا سودة" (¬2) اعتبارًا للشبه المرجوح. 8 - باب مَسْحِ الحَصَى فِي الصلاة. (باب: مسح الحصا في الصلاة) في نسخة: "الحصاة" ولا يختص الحكم بالحصا، بل كل ما يصلى عليه من تراب، أو غيره مثله، كما يشير إليه الحديث الآتي. 1207 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَال: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَال: "إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً". [مسلم: 546 - فتح: 3/ 79] ¬
9 - باب بسط الثوب في الصلاة للسجود
(شيبان) أي: ابن عبد الرحمن. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (عن سلمة) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف. (معيقيب) أي: ابن أبي طلحة الدوسي. (في الرجل) أي: في شأنه، وذكر الرجل جري على الغالب، وإلا فغيره مثله. (فإن كنت فاعلًا) أي: في الصلاة (فواحدة) بالنصب؛ نعت لمصدر محذوف مع عامله، أي: فامسح مسحة واحدة، وبالرفع مبتدأ حذف خبره، أي: فواحدة كافية، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: فالمشروع واحدة. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن التراب شامل لما فيه حصا، فيلزم من تسوية التراب مسح الحصا. 9 - بَابُ بَسْطِ الثَّوْبِ فِي الصَّلاةِ لِلسُّجُودِ (باب: بسط الثوب في الصلَاة للسجود) أي: باب جواز ذلك؛ لأنه عمل يسير. 1208 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا غَالِبٌ القَطَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ". [انظر: 385 - مسلم: 620 - فتح 3/ 80] (بشر) أي: ابن المفضل. (غالب) أي: "القطان"، كما في نسخة. (بسط ثوبه) أي: المنفصل عنه، أو المتصل، ولم يتحرك بحركته. ومرَّ شرح الحديث في الصلاة، باب: السجود على الثوب في شدة الحر (¬1). ¬
10 - باب ما يجوز من العمل في الصلاة
10 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ العَمَلِ فِي الصَّلاةِ (باب: ما يجوز من العمل في الصلاة) أي: بيانه. 1209 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَرَفَعْتُهَا، فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا". [انظر: 382 - مسلم: 512، 744 - فتح: 3/ 80] (عن أبي النضر) هو سالم بن أبي أمية. (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف. (أمدُّ رجلي) في نسخة: "أمدُّ رجليَّ". (فرفعتها فإذا قام مددتها) بإفراد الضمير فيهما، وفي نسخة: بتثنيته. 1210 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى صَلاةً، قَال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلاةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَذَعَتُّهُ وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا، فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ {هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِيًا " ثُمَّ قَال النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: "فَذَعَتُّهُ: بِالذَّالِ أَيْ خَنَقْتُهُ، وَفَدَعَّتُّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ: {يَوْمَ يُدَعُّونَ} [الطور: 13]: أَيْ يُدْفَعُونَ، وَالصَّوَابُ: فَدَعَتُّهُ، إلا أَنَّهُ كَذَا قَال، بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وَالتَّاءِ". [انظر: 461 - مسلم: 541 - فتح: 3/ 80] (محمود) أي: ابن غيلان. (شُبابة) بضم المعجمة: ابن سوار المدني. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (قال: إن الشيطان) في نسخة: "فقال: إن الشيطان". (عرض لي) أي: في صورة هر. (فشدَّ) أي: حمل. (يقطع) في نسخة: "ليقطع". (فذعته) بذال معجمة وعين مهملة وفوقية مشددة، أي: خنقته خنقًا شديدًا، وقد ذكره بعد مع زيادة. (فتنظروا إليه) في نسخة: "وتنظرا إليه" على الشك.
11 - باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة
(خاسئًا) أي: مطرودًا مبعدًا. (ثم قال النضر بن شميل: فذعتّه) بالذال المعجمة، (وفدعته)، بالدال والعين المهملتين، مع تشديد المثناة، والصواب: فدعته بالمهملة وتخفيف العين. (إلا أن) يعني: شعبة. (كذا قال بتشديد العين والتاء) انتهى كلام ابن شميل، وهو ساقط من نسخة. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: في (فذعته) من حيث إنه عمل يسير. 11 - بَابُ إِذَا انْفَلَتَتْ الدَّابَّةُ فِي الصَّلاةِ وَقَال قَتَادَةُ: "إِنْ أُخِذَ ثَوْبُهُ يَتْبَعُ السَّارِقَ وَيَدَعُ الصَّلاةَ". (باب: إذا انفلتت الدابة في الصلاة) أي: ماذا يفعل المصلي. (إن أخذ) بالبناء للمفعول. (ثوبه) أي: ثوب المصلي. (يتبع السارق ويدع الصلاة) بضم العين، أو كسرها فيهما. 1211 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ، قَال: كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا - قَال شُعْبَةُ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ - فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ، قَال: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ "وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّ غَزَوَاتٍ - أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ - وَثَمَانِيَ وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ"، وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقُّ عَلَيَّ. [6127 - فتح: 3/ 81] (بالأهواز) بفتح الهمزة وسكون الهاء وبالزاي من أرض خورستان، وهي تشتمل على سبع كور، بين البصرة وفارس (¬1). ¬
(الحرورية) أي: الخوارج؛ نسبة إلى حروراء بالمد والقصر، وبها كان أول اجتماع الخوارج، وتحكيمهم (¬1). (جرف النهر) بضم الجيم والراء، وقد تسكن: كل مكان أكله السيل، وفي نسخة: "حرف" بحاء مفتوحة وراء ساكنة، أي: جانب، واسم النهر: دجيل بجيم مصغرًا. (إذا رجل) في نسخة: "إذ جاء رجل". (يصلي) أي: العصر. (وجعل يتبعها) أي: وإن كثر فعله في الصلاة؛ لأن ذلك مغتفر فيها إذا خاف على ماله، كما يغتفر في الخوف من العدو. (وهو) أي: الرجل المتنازع لدابته. (أبو برزة) هو: فضلة بن عبيد. (افعل بهذا الشيخ) دعاء عليه وسبه؛ لكونه تبع فرسه وهو يصلي. (أو ثمان) بالفتح بغير ياء ولا تنوين، على قصد الإضافة، وفي نسخة: "أو ثمانيًا"، بالنصب والتنوين، وفي أخرى: "أو ثماني" بياء مفتوحة، وترك تنوينه؛ لقصد الإضافة، أي: ثماني غزوات؛ أو لمشابهته (جواري) لفظًا وكذا معنى؛ لدلالته على جمع. (تيسيره) أي: تسهيله عن الناس في الصلاة وغيرها، وفي نسخة: "سيْره" أي: سفره، وفي أخرى: "سيَره"، جمع سيرة، وفي رواية: "تستر" (¬2)، أي: فتحها، وهي بضم الفوقيتين، وسكون المهملة: مدينة بخورستان. (وإني) عطف على قوله: (إني سمعت). (أن كنت) بفتح (أن) مصدرية ¬
بتقدير اللام، أي: كوني، وبكسرها: شرطية. (أن أراجع) بألف قبل الراء، وفي نسخة: "أن أرجع" بحذفها، وفي أخرى: "أرجع" بحذف (أن) وهي في الأوليين بالفتح زائدة في خبر كان، أو مصدرية على تقدير لام قبلها، وعلى أن تكون مع ما بعدها: بدلا من ياء (إني) أي إني كوني أرجع، أو مبتدأ، و (أحب) خبر (أن أرجع) وخبر (إن) المشددة الجملة الشرطية إن جعلت (إن) في (إن كنت) شرطية، وإلا فخبرها محذوف، بعضه دل عليه الكلام، وهو أيضًا جملة شرطية، أي: وإني إن تبعت الدابة لأجل رجوعها، فهو أحب إليَّ من تركها. (من أن أدعها) أي: أتركها. (مألفها) المكان الذي الفته واعتادته، وهو معلفها. (فيشق) بضم القاف وفتحها، قاله الكرماني وغيره (¬1). 1212 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَال: قَالتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ سُورَةً طَويلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَال، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَال: "إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا، حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الجَنَّةِ، حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ". [انظر: 1044 - مسلم: 901 - فتح: 3/ 81] ¬
(عبد الله) أي: ابن المبارك. (يونس) أي: ابن يزيد. (فقام النبي) في نسخة: "فقام رسول الله". (بسورة) في نسخة: "سورة" بحذف الباء. (حتى) في نسخة: "حين". (قضاها) أي: أداها. (ذلك) أي: ما ذكره من القيامين والركوعين. (أنهما) أي: خسوفي الشمس والقمر. (فإذا رأيتم ذلك) أي: الخسوف. (يفرج) بالبناء للمفعول. (وعدته) بضم الواو. (لقد رأيت) في نسخة: "لقد رأيته". (قطفًا) بكسر القاف وسكون الطاء: ما يقطف، أي: يقطع ويجتنى، والمراد: عنقود عنب -كما في مسلم (¬1) - (جعلت) أي: طفقت. (يحطم) بكسر الطاء. (لحي) بضم اللام وفتح المهملة وتشديد الياء. (السوائب) جمع سائبة، وهي التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء، فإن قلت: السوائب هي المسيبة، فكيف يقال: سيب السوائب؟ قلت: معناه: سيب النوق التي تسمى بالسوائب، كان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي، فناقتي سائبة، أي: لا تركب ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، ومرَّ شرح الحديث في الكسوف (¬2). ووجه تعلقه بالترجمة: أن فيه: ذم تسييب الدواب مطلقًا في صلاة وغيرها. ¬
12 - باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة
12 - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ البُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلاةِ وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: "نَفَخَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ". [فتح: 3/ 83] (باب: ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة) أي: بيان جواز ذلك فيها البصاق بالصاد، والسين، والزاي: ما يخرج من الصدر. (عن عبد الله بن عمرو) أي: ابن العاص. (في كسوف) في نسخة: "في الكسوف". 1213 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ المَسْجِدِ، وَقَال: "إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ، فَإِذَا كَانَ فِي صَلاتِهِ فَلَا يَبْزُقَنَّ - أَوْ قَال: لَا يَتَنَخَّمَنَّ - " ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ وَقَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ". [انظر: 406 - مسلم: 547 - فتح: 3/ 84] (حماد) أي: ابن زيد بن درهم الجهضمي. (عن أيوب) أي: السختياني. (نخامة) بضم النون: ما يخرج من الصدر. (إن الله) أي: ثوابه، أو عظمته. (قبل أحدكم) بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: جهته. (فإذا) في نسخة: "إذا". (أو قال) شكٌّ من الراوي. (لا) في نسخة: "فلا". (يتنخمن) في نسخة: "يتنخعن" بالعين بدل الميم، ومعناهما واحد. (ثم نزل) أي: من قيامه. (فحتها) بمثناة فوقية، وفي نسخة: "فحكها" بالكاف. (بيده) أي: بحصاة في يده، كما مرَّ في باب: حك المخاط بالحصا (¬1). (على يساره) في نسخة: "عن يساره". ¬
13 - باب من صفق جاهلا من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته
1214 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا كَانَ فِي الصَّلاةِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى". [انظر: 241 - مسلم: 493، 551 - فتح: 3/ 54] (محمد) هو ابن بشار. (غندر) هو محمد بن جعفر. (عن أنس) أي: "ابن مالك"، كما في نسخة. (فإنه يناجي ربه) مناجاته لربه: مساررته له بالقرآن والذكر ومناجات ربه له لازم ذلك، وهو إرادة الخير له. (ولكن عن شماله تحت قدمه اليسرى)، أي: في غير المسجد، أما فيه فلا يبزقن إلا في ثوبه، ومرَّ شرح الحديث في الباب المذكور آنفا. 13 - بَابُ مَنْ صَفَّقَ جَاهِلًا مِنَ الرِّجَالِ فِي صَلاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلاتُهُ فِيهِ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [فتح: 3/ 85] (باب: من صفق جاهلًا من الرجال في صلاته لم تفسد صلاته) المراد من (صفق في صلاته) لتنبيه إمام، أو غيره، وليس للتقييد بالرجال كبير معنى، وإن تقدم حكم تصفيق النساء (فيه) أي: فيما ترجم له. (سهل بن سعد) ساقط من نسخة، ومر حديثه في باب: التصفيق للنساء (¬1). (عن النبي) حيث قال لما أخذ الناس في التصفيق لتنبيه أبي بكر على مجيئه - صلى الله عليه وسلم -: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" كما مرَّ، ولم يأمرهم بالإعادة؛ لجهلهم بالحكم؛ أو لأن تصفيقهم لم يكن لعبًا. ¬
14 - باب إذا قيل للمصلي تقدم، أو انتظر، فانتظر، فلا بأس
14 - بَابُ إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي تَقَدَّمْ، أَو انْتَظِرْ، فَانْتَظَرَ، فَلَا بَأْسَ (باب: إذا قيل للمصلي تقدم، أو انتظر فانتظر فلا بأس) أي: به. 1215 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: "لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ، حَتَّى يَسْتَويَ الرِّجَالُ جُلُوسًا". [انظر: 362 - مسلم: 441 - فتح: 3/ 86] (سفيان) أي: الثوري. (عن [أبي] (¬1) حازم) بمهملة وزاي: سلمة بن دينار. (عاقدوا) في نسخة "عاقدي" أي: وهم كانوا عاقدي (أزرهم) بضمتين جمع إزار: وهو الملحفة. ومرَّ شرح الحديث في باب: عقد الثياب (¬2). 15 - بَابُ لَا يَرُدُّ السَّلامَ فِي الصَّلاةِ (باب: لا يرد السلام في الصلاة) على من سلم عليه، وهو فيها. 1216 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَقَال: "إِنَّ فِي الصَّلاةِ لَشُغْلًا". [انظر: 1199 - مسلم: 538 - فتح: 3/ 86] (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن إبراهيم) أي: النخعي. (عن علقمة) أي: ابن قيس النخعي. (فلمَّا رجعنا) أي: من عند النجاشي ملك الحبشة إلى المدينة. ¬
(وقال) في نسخة: "قال". (شغلا) في نسخة "لشغلًا" بلام التأكيد. 1217 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَانْطَلَقْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ عَلَيَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنَ المَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ، فَقَال: "إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي"، وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ. [انظر 400 - مسلم: 540 - فتح: 3/ 86] (أبو معمر) هو عبد الله بن عمرو التميمي. (عبد الوارث) أي: ابن سعيد التنوري. (شنظير) بمعجمة مكسورة ونون ساكنة، ومعجمة مكسورة: علم على أبي كثير، ومعناه لغة: السيئ الخلق. (ولم يرد عليَّ) أي: السلام باللفظ، وإلا فقد رده عليه بالإشارة باليد -كما في مسلم (¬1) - (ما الله أعلم به) أي: من الحزن العظيم الذي لا يدخل تحت التعبير عن قدره. (وجد عليَّ) أي: غضب عليَّ. (أني) في نسخة: "أن". (فردَّ علي) أي: بعد فراغه من صلاته. (فقال) في نسخة: "وقال". وفي الحديث: أن الكبير إذا وقع منه ما يوجب حزنًا يظهر سببه ليندفع ذلك، وجواز التنفل على الراحلة لغير القبلة. ¬
16 - باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به
16 - بَابُ رَفْعِ الأَيْدِي فِي الصَّلاةِ لِأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ (باب: رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به) أي: بالمصلي. 1218 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ بِلالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَال: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حُبِسَ، وَقَدْ حَانَتِ الصَّلاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَال: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ - قَال سَهْلٌ: التَّصْفِيحُ: هُوَ التَّصْفِيقُ - قَال: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَفَتَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ: "أَنْ يُصَلِّيَ"، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ " ثُمَّ التَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَال: "يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟ " قَال أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 684 - مسلم: 421 - فتح: 3/ 87] (قتيبة) أي: ابن سعيد بن جميل، بفتح الجيم. (عبد العزيز) أي: ابن أبي حازم. (عن أبي حازم) هو المذكور، واسمه: سلمة بن دينار.
17 - باب الخصر في الصلاة
(شيء) أي: خصومة. (فحُبس) بالبناء للمفعول، أي: تعوق ثم ليزيل الخصومة. (وحانت) أي: حضرت. (إن شئت) في نسخة: "إن شئتم". (فكبر للناس) أي: تكبيرة الإحرام، وفي نسخة: "وكبر الناس". (في الصف) في نسخة: "من الصف". (يده) في نسخة: "يديه". (فصلى) في نسخة: "وصلى". (شيء) ساقط من نسخة. (للناس) ساقط من نسخة. (إليك) في نسخة: "عليك" ومرَّ شرح الحديث في باب: من دخل ليؤم الناس، وفي غيره (¬1). 17 - بَابُ الخَصْرِ فِي الصَّلاةِ (باب: الخصرة في الصلاة) أي: النهي عنها وهي بفتح المعجمة وسكون المهملة: وسط الإنسان، مأخوذ من الخاصرة بأن يضع اليد عليها، أو من المخصرة: وهي العصا، بأن يأخذها ويتوكأ عليها، أو من الاختصار ضد التطويل، بأن يختصر السورة، أو يخفف الصلاة بترك الطمأنينة. 1219 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "نُهِيَ عَنِ الخَصْرِ فِي الصَّلاةِ" وَقَال هِشَامٌ، وَأَبُو هِلالٍ: عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [1220 - مسلم 545 - فتح: 3/ 88] ¬
18 - باب يفكر الرجل الشيء في الصلاة
(أبو النعمان) هو: محمد بن فضل السدوسي. (حمَّاد) أي: ابن زيد. (عن أيوب) أي: السختياني. (عن محمد) أي: ابن سيرين. (نهي) بالبناء للمفعول، أي: نهى النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - (عن الخصر في الصلاة) أي: لأن إبليس أُهبط مختصرًا؛ أو لأن فيه تشبهًا باليهود؛ فإنهم يكثرون منه، أو لأنه راحة أهل النار، أو لأنه فعل المختالين والمتكبرين، والكراهة فيه للتنزيه. (هشام) هو ابن حسان القردوسي، بضم القاف. (عن النبي) في نسخة: "نهي النبي". 1220 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا". [انظر: 1219 - مسلم: 545 - فتح: 3/ 88] (يحيى) أي: ابن سعيد القطان (هشام) أي: القردوسي (محمد) أي: ابن سيرين. (نهي) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: "نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ". (مختصرًا) في نسخة: "مخصَّرًا" بتشديد الصاد. 18 - بَابُ يُفْكِرُ الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ وَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "إِنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلاةِ". (باب: يُفكر [الرجل] (¬1) الشيء في الصلاة) بضم التحتية، وسكون الكاف، وفي نسخة: "تفكر" بفتح الفوقية والفاء، وضم الكاف مشددة و (الشيء) بالنصب بما قبله، أو بنزع الخافض، وفي نسخة: ¬
"في الشيء" وذكر الرجل جرفي على الغالب، فغيره مثله. (لأجهز جيشي) أي: للجهاد. 1221 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، قَال: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ القَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ، فَقَال: "ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ - أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا - فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ". [انظر: 851 - فتح: 3/ 89] (روح) بفتح الراء: ابن عباد بن العلاء بن حسان القيسي. (ذكرت) أي: تفكرت. (تبرًا) بكسر التاء: ذهبٌ غير مضروب. وفي الحديث: المسارعة للخير، وغاية زهده - صلى الله عليه وسلم -، ومرَّ شرح الحديث في باب: من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم (¬1). 1222 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَال: قَال أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ، فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ، فَلَا يَزَالُ، بِالْمَرْءِ يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى " قَال أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ"، وَسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةَ، مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [انظر: 608 - مسلم: 389 - فتح: 3/ 89] (جعفر) أي: ابن أبي ربيعة. (عن الأعرج) هو عبد الرحمن بن هرمز. (قال: قال أبو هريرة) في نسخة: "عن أبي هريرة". (أذن) بضم الهمزة، وتشديد المعجمة المكسورة. (له ضراط) ¬
حقيقة، أو مجازًا عن شغل نفسه بصوت يمنعه عن سماع الأذان، وصرح به؛ تقبيحًا. (فإذا ثُوِّب) بالبناء للمفعول، أي: أقيمت الصلاة. ومرَّ شرح الحديث في باب: فضل التأذين (¬1). 1223 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَال: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، قَال: قَال أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَقُولُ النَّاسُ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَلَقِيتُ رَجُلًا، فَقُلْتُ: بِمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البَارِحَةَ فِي العَتَمَةِ؟ فَقَال: لَا أَدْرِي؟ فَقُلْتُ: لَمْ تَشْهَدْهَا؟ قَال: بَلَى، قُلْتُ: لَكِنْ أَنَا أَدْرِي "قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا". [فتح: 3/ 90] (قال: أخبرني) في نسخة: "قال: أخبرنا". (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن. (أكثر أبو هريرة) أي: في الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. (فلقيت رجلًا) لم يسمَّ. (بما) بإثبات ألف ما الاستفهامية، وفي نسخة: "بم" بحذفها وهو الكثير. (في العتمة) أي: صلاة العشاء. (لكن أنا أدري قرأ سورة كذا وكذا) فيه الإشارة من أبي هريرة إلى سبب إكثاره؛ أنه كان يضبط أقواله - صلى الله عليه وسلم -، وأفعاله، بخلاف غيره. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: إما لضبط أبي هريرة بتفكره في أمر الصلاة حتى حفظ ما رواه عنه - صلى الله عليه وسلم - فيها، أو لعدم ضبط الرجل بتفكره فيما لا يتعلق لها. ¬
22 - كتاب السهو
22 - كتاب السهو
1 - باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 22 - كتاب السهو 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّهْو إِذَا قَامَ مِنْ رَكْعَتَيِ الفَرِيضَةِ (باب) لفظ: (باب) ساقط من نسخة. (ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة) في نسخة: "من ركعتي الفرض". 1224 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَال: "صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ سَلَّمَ". [انظر: 829 - مسلم: 570 - فتح: 3/ 92] (عبد الرحمن الأعرج) ساقط من نسخة. (عن عبد اللَّه ابن بحينة) بإثبات الألف؛ لأن (بحينة) أمه، أو أم أبيه، كما مرَّ (ركعتين) أي: من الظهر، على ما صرح به في الرواية الآتية (¬1)، أو من العصر على ما يأتي في باب يلي الباب الآتي (¬2). (ونظرن) أي انتظرنا. (ثم سلم) إنما كان سجود السهو قبل السلام؛ لأنه آخر الأمرين من فعله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنه لمصلحة الصلاة، فكان ¬
2 - باب إذا صلى خمسا
قبل الصلاة، كما لو نسي سجدة فيها. وأجيب عن سجوده بعده في الخبرين الآتيين في البابين الآتيين: بأنه لم يكن قصد، وكذا يجاب به عن قوله هنا. 1225 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَال: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ". [انظر: 829 - مسلم: 570 - فتح: 3/ 92] (بينهما) أي: بين الركعتين اللتين أتى بهما وبين الأخريين. (فلما قضى صلاته سجد سجدتين) أي: عمل بظاهره، وإن حمل قضاء صلاته على غير السلام، فلا إشكال. 2 - بَابُ إِذَا صَلَّى خَمْسًا (باب: إذا صلى) أي رباعية. (خمسًا) أي: سهوًا يسجد للسهو. 1226 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلاةِ؟ فَقَال: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَال: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ. [انظر: 401 - مسلم: 572 - فتح: 3/ 93] (أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن الحكم) أي: مولى ابن عدي. (عن إبراهيم) أي: ابن يزيد النخعي. (عن علقمة) أي: ابن قيس. (فقال) في نسخة: "قال". (وما ذاك؟) أي: وما سبب سؤالكم؟ ومر الحديث في باب: ما جاء في القبلة (¬1). ¬
3 - باب إذا سلم في ركعتين، أو في ثلاث، فسجد سجدتين، مثل سجود الصلاة أو أطول
3 - بَابُ إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، أَوْ فِي ثَلاثٍ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، مِثْلَ سُجُودِ الصَّلاةِ أَوْ أَطْوَلَ (باب: إذا سلم في ركعتين، أو في ثلاث، فسجد سجدتين مثل سجود الصلاة، أو أطول) تصح صلاته، فجواب (إذا) محذوف، وفي نسخة: "سجد" بلا فاء فيكون جواب (إذا) [و (في) بمعنى: من] (¬1) أو مقدر بعدها آخر. 1227 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ - أَو العَصْرَ - فَسَلَّمَ، فَقَال لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَقَصَتْ؟ فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: "أَحَقٌّ مَا يَقُولُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَال سَعْدٌ: وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَال: "هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [انظر: 482 - مسلم: 573 - فتح: 3/ 96] (صلى بنا النبي) في نسخة: "صلى بنا رسول اللَّه". (الظهر أو العصر) بالشك، لكن من الجزم بأنها الظهر، وكذا في رواية كمسلم (¬2)، وله في أخرى: بالجزم بأنها العصر (¬3). قال شيخنا: والشك من أبي هريرة، فالظاهر: أنه رواه كثيرًا بالشك، وربما غلب على ظنه تارة أنها الظهر، فجزم بها، وأخرى: أنها العصر، فجزم بها، فإن تعددت القصة فذاك، أو اتحدت ترجح ¬
4 - باب من لم يتشهد في سجدتي السهو
على أنها العصر؛ لاتفاق الرواة في خبر عمران في قصة الخرباق: أنها العصر، ولما سيأتي بعد باب للبخاري من أن ابن سيرين قال: وأكثر ظني أنها العصر (¬1). (ذو اليدين) اسمه: الخرباق. (أنقصت؟) بهمزة الاستفهام وفتح النون، فالفعل لازم، وبضمها فهو متعد مبني للمفعول، وفي نسخة: بدون همزة، والجملة خبر (الصلاة) وما بينهما أعتراض. (أحق) مبتدأ. (ما يقول) ساد مسد الخبر و (هو) مبتدأ، و (أحق) خبره. (أخريين) بتحتيتين، وفي نسخة: "أخراوين" على غير القياس، وإنما لم تبطل صلاته - صلى الله عليه وسلم - بكلامه؛ لأنه كان سهوًا؛ لأنه على ظنٍ أنه خارج الصلاة ولا صلاة المسلمين معه بكلامهم، لاعتقادهم جواز نسخها من أربع إلى ركعتين؛ ولأن كلامهم كان جوابًا له - صلى الله عليه وسلم - وهو لوجوبه لا يبطله. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: في القيام من الثالثة قياسه على القيام من الركعتين، أو الإشارة إلى روايته في مسلم، ومرَّ شرح الحديث في باب: تشبيك الأصابع في المسجد (¬2). 4 - باب من لم يتشهد في سجدتي السهو وَسَلَّمَ أَنَسٌ، وَالحَسَنُ وَلَمْ يَتَشَهَّدَا وَقَال قَتَادَةُ: "لَا يَتَشَهَّدُ". [فتح: 3/ 97] (باب: من لم يتشهد في سجدتي السهو) أو بعدهما. (وقال قتادة: ¬
لا يتشهد) روي عنه أنه قال: يتشهد (¬1)، بحذف (لا) فيجوز أن يكون عنه، روايتان، وأن تكون (لا) محذوف في تلك الرواية، أو زائدة في رواية البخاري، وعليه جرى شيخنا (¬2). 1228 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَال لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ " فَقَال النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ". [انظر: 482 - مسلم: 573 - فتح: 3/ 98] حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ، قَال: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْو تَشَهُّدٌ؟ قَال: لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (أنس بن مالك) لَفظ: (ابن مالك). ساقط من نسخة. (أقصرت) بفتح القاف وضم الصاد. (فقال رسول اللَّه) في نسخة: "وقال رسول اللَّه". (وقام رسول اللَّه) استشكل بأنه كان قائمًا؛ لقوله في حديث الباب الآتي: (ثم قام إلى خشبة). وأجيب: بأن المراد بقوله: (فقام) أي: اعتدل، وقيل: هو كناية عن الدخول في الصلاة. (حماد) أي: ابن زيد. (قلت لمحمد) أي: ابن سيرين. (قال) في نسخة: "فقال". (ليس في حديث أبي هريرة) أي: ليس فيه تشهد. ¬
5 - باب من يكبر في سجدتي السهو
5 - بَابُ مَنْ يُكَبِّرُ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْو (باب: من يكبر) لفظ: (من) ساقط من نسخة. (في سجدتي السهو) ساقط من أخرى. 1229 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلاتَيِ العَشِيِّ - قَال مُحَمَّدٌ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي العَصْرَ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا: أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُو اليَدَيْنِ، فَقَال: أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَال: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ، قَال: "بَلَى قَدْ نَسِيتَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ". [انظر: 482 - مسلم: 573 - فتح: 3/ 99] (صلاتي العشي) أي: الظهر، والعصر. (قال محمد) أي: ابن سيرين. (وأكثر) بمثلثة، أو بموحدة. (ظني العصر) بنصب العصر بظن، وبرفعه خبر محذوف، أي: أنها العصر. (ركعتين) لا ينافي ما في مسلم: أنه سلم في ثلاث ركعات (¬1) لأنهما قضيتان. (مقدم المسجد) أي: جهة قبلته. (سرعان) بفتح السين والراء، وبضم السين وسكون الراء، أي: الذين يسارعون إلى الخروج من المسجد. (ذو اليدين) بالرفع على الحكاية، أو بمحذوف، أي يقال له: ذو اليدين، وبالنصب بيدعو قبله على أنه مفعول ثان، أي: يسميه: ذا اليدين. (أم قصرت) بالبناء للفاعل وللمفعول، وفي نسخة: "أو قصرت". ¬
6 - باب إذا لم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا، سجد سجدتين وهو جالس
1230 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ، حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي صَلاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، فَكَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلُوسِ" تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي التَّكْبِيرِ. [انظر: 829 - مسلم: 570 - فتح: 3/ 99] (ليث) في نسخة: "الليث". (الأسدي) بسكون السين، وأصله: الأزدي، فأبدلت الزاي: سينًا. (حليف بني عبد المطلب) قال شيخنا: الصواب: حذف عبد (¬1). (كبر) في نسخة: "يكبر". (تابعه) أي: الليث، ومر شرح الحديث في باب: ما جاء من السهو إذا قام من ركعتي الفريضة (¬2). 6 - بَابُ إِذَا لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعًا، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ (باب: إذا لم يَدْرِ كَمْ صلى: ثلاثًا، أو أربعًا، سجد سجدتين وهو جالس) أي: قبل سلامه من صلاته. 1231 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ ¬
7 - باب السهو في الفرض والتطوع
الأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْويبُ، أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا، مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ". [انظر: 608 - مسلم: 389 - فتح: 3/ 103] (وله) في نسخة: "له". (قضي) بالبناء للمفعول، وبالبناء للفاعل. (ثوب) بضم المثلثة. (يخطر) بضم الطاء وكسرها، أي: يوسوس. (يظل) أي: بفتح الظاء، أي: يصير. (أن يدري) أي: ما يدري، ومرَّ شرح الحديث في باب: تفكر الرجل الشيء في الصلاة، وباب: فضل التأذين (¬1). 7 - بَابُ السَّهْو فِي الفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ وَسَجَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ وتْرِهِ". (باب: السهو في الفرض والتطوع) أي: بيان السجود له فيهما. 1232 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ، فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ". [انظر: 608 - مسلم: 389 - فتح: 3/ 104] (فلبس) بتخفيف الموحدة مفتوحة، أي: خلط عليه أمر صلاته، وحكي تشديدها. ومرَّ شرح الحديث آنفًا. ¬
8 - باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع
8 - باب إِذَا كُلِّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ بِيَدِهِ وَاسْتَمَعَ (باب: إذا كُلِّم) بضم الكاف وكسر اللام المشددة. (وهو يصلي فأشار بيده) أي: إلى المتكلم. (واستمع) أي: لكلامه، وجواب (إذا) محذوف، أي: لم تفسد صلاته. 1233 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلامَ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا عَنْكِ أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا، وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَنْهَا، فَقَال كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: "يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ". [4370 - مسلم: 834 - فتح: 3/ 105] (ابن وهب) اسمه: عبد اللَّه. (عمرو) أي: ابن الحارث. (عن بكير) أي: ابن عبد اللَّه بن الأشج. (أرسلوا) في نسخة: "أرسلوه" أي: كريبًا. (وسلْها) أصله: واسألها. (أخبرنا أنك) في نسخة: "أخبرنا عنك أنك". (تصلينهما) في
9 - باب الإشارة في الصلاة
نسخة: "أنك تصليهما" بحذف النون، وفي أخرى: "تصليها" بحذف النون والميم، وفي أخرى: بإثباتها مع الإفراد فيهما، أي: الصلاة. (عنها) أي: عن الصلاة، أي: لأجلها، وفي نسخة: "عنهما" أي: الركعتين، وفي اخرى: "عنه" أي: عن فعلهما، وفي أخرى: "عليها". (فقال) في نسخة: "قال". (قولي) في نسخة: "فقولي". (عن هاتين) في نسخة: "عن هاتين الركعتين". (يا بنت أبي أمية) هي: أم سلمة، واسمها: هند، واسم أبي أمية: سهيل، على الصحيح. (ناس) في نسخة: "أناس". ومرَّ شرح الحديث في المواقيت (¬1). 9 - بَابُ الإِشَارَةِ فِي الصَّلاةِ قَالهُ كُرَيْبٌ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 1233] (باب: الإشارة في الصلاة) أي: بيان حكمها. 1234 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ بِلالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَال: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حُبِسَ، وَقَدْ حَانَتِ الصَّلاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَال: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلالٌ، وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَلْتَفِتُ فِي ¬
صَلاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَأْمُرُهُ: "أَنْ يُصَلِّيَ" فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَرَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاةِ، أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ إلا التَفَتَ، يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ " فَقَال أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 684 - مسلم: 421 - فتح: 3/ 107] (عن أبي حازم) هو سلمة بن دينار. (وحانت الصلاة) هي صلاة العصر. (فصلى للناس) في نسخة: "فصلى بالناس". (فأخذ الناس في التصفيق) فيه: مطابقة الحديث للترجمة؛ لأن التصفيق يكون باليد، وحركتها به كحركتها بالإشارة. (يا أيها الناس) في نسخة: "أيها الناس". 1235 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَهِيَ "تُصَلِّي قَائِمَةً وَالنَّاسُ قِيَامٌ"، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ "فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ"، فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ فَقَالتْ بِرَأْسِهَا: "أَيْ نَعَمْ". [انظر: 86 - مسلم: 905 - فتح: 3/ 107] (عن هشام) أي: ابن عروة بن الزبير. (فقلت) في نسخة: "قلت". (فقالت) في نسخة: "فأشارت". 1236 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا".
[انظر: 688 - مسلم: 412 - فتح: 3/ 108] (إسماعيل) أي: "ابن أبي أويس"، كما في نسخة. (شاك) في نسخة: "شاكي" ومرَّ شرح هذه الأحاديث (¬1). ¬
23 - كتاب الجنائز
23 - كتاب الجنائز
1 - باب ما جاء في الجنائز، ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 23 - كِتَابُ الجَنَائِزِ 1 - بَابُ مَا جَاءَ فِي الجَنَائِزِ، وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ؟ قَال: "بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إلا لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ". [فتح: 3/ 109] (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقط من نسخة. (كتاب: الجنائز) في نسخة: "باب: في الجنائز" وفي أخرى: "كتاب: الجنائز، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، باب: ما جاء في الجنائز" وهي جمع جنازة، من جنز، أي: ستر، وهي بالفتح والكسر: اسم للميت في النعش، وقيل: بالفتح: اسم لذلك، وبالكسر: النعش وعليه الميت، وقيل: عكسه، فإن لم يكن عليه ميت، فهو سرير ونعش. (ومن كان آخر كلامه: لا إله إلا اللَّه) عطف على (الجنائز) والمعنى: بيان حكمها. (مفتاح الجنة) بالرفع، أو بالنصب: اسم (ليس) أو خبرها. (إلا له أسنان) أسنانه هنا: بقية قواعد الإسلام التي بني عليها. (وإلا) أي: وإن لم تأت بمفتاح أو جئت بمفتاح لا أسنان له (لم يفتح لك) أي: لعدم المفتاح؛ أو لعدم أسنانه، وعلى هذا فتسميته مفتاحًا مع كون الأسنان معتبرة فيه مجاز، باعتبار أن شأنه الفتح إذا وجد له أسنان، فتسميته مفتاحًا بالقوة لا بالفعل. وقوله: (لم يفتح لك) أي: أولًا، وإلا فمرتكب الكبيرة لا بد أن يدخل الجنة.
1237 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي، فَأَخْبَرَنِي - أَوْ قَال: بَشَّرَنِي - أَنَّهُ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ " قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَال: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ". [1408، 2388، 3222، 5827، 6268، 6443، 6444، 7487 - مسلم: 94 وسيأتي بعد الحديث 991 في كتاب الزكاة (32) - فتح: 3/ 110] (آت) هو جبريل. (قلت) في نسخة: "فقلت". (وإن زنى وإن سرق) فيه استفهام مقدر، أي: يدخل الجنة وإن زنى وإن سرق؟ (قال وإن زنى وإن سرق) أي: فيدخلها، وفيه: أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان، فإن غير المؤمن لا يدخلها، وأربابها لا يخلدون في النار، واقتصر من الكبائر على الزنا والسرقة؛ لأن الحق إما لله، أو للعباد فأشار بالزنا إلى الأول، وبالسرقة إلى الثاني. 1238 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ" وَقُلْتُ أَنَا: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ". [4497، 6683 - مسلم: 92 - فتح: 3/ 110] (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (شقيق) هو أبو وائل بن سلمة. (عن عبد اللَّه) أي: ابن مسعود - رضي الله عنه -. (يشرك باللَّه شيئًا) لفظ: (شيئًا) ساقط من نسخة. (وقلت أنا ... إلخ) أخذ ذلك ابن مسعود من أن نفي السبب يلزم منه انتفاء المسبب، فإذا انتفى الشرك، لم يدخل النار فيلزم دخول الجنة؛ إذ لا ثالث لهما، أو من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] ونحوه، وما ذكره من أن المرفوع الوعيد، والموقوف الوعد، مخالف
2 - باب الأمر باتباع الجنائز
لما في مسلم من عكس ذلك (¬1) ولما فيه أيضًا من أنهما مرفوعان، وجمع النووي بينهما: بأن ابن مسعود سمع اللفظتين من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لكنه في وقت حفظ إحداهما، ولم يحفظ الأخرى، فرفع المحفوظة، وضم الأخرى إليها، وفي وقت بالعكس، قال: فهذا جمع من روايتي ابن مسعود، وموافقة لرواية غيره في رفع اللفظين (¬2). 2 - بَابُ الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ (باب: الأمر باتباع الجنائز) أي: بيان الأمر بذلك. 1239 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ، قَال: سَمِعْتُ مُعَاويَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ القَسَمِ، وَرَدِّ السَّلامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَنَهَانَا عَنْ: آنِيَةِ الفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، وَالحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالقَسِّيِّ، وَالإِسْتَبْرَقِ". [2445، 5175، 5635، 5650، 5838، 5849، 5863، 6222، 6235، 6654 - مسلم: 2066 - فتح: 3/ 121] (أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن الأشعث) بمثلثة، أي: ابن أبي الشعثاء المحاربي. (عن البراء) أي: "ابن عازب"، كما في نسخة. (أمرنا النبي) في نسخة: "أمرنا رسول اللَّه". (أمرنا باتباع الجنائز) ظاهره: المشي خلفها، وهو أفضل عند الحنفية، والأفضل عند الشافعية: المشي أمامها؛ لخبر أبي داود وغيره؛ بإسناد حسن عن ابن ¬
عمر قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة (¬1)؛ ولأنه شفيع وحق الشفيع أن يتقدم، وأما حديث: "امشوا خلف الجنائز" (¬2) فضعيف، فأجابوا عن حديث الباب: بأن الاتباع محمول على الأخذ في طريقها، كما يقال: الجيش يتبع السلطان، أي: يتوخى موافقته وإن تقدم كثير منهم في المشي والركوب. (وتشميت العاطس) بشين معجمة ومهملة: الدعاء بأن يقوله له هنا السامع يرحمك اللَّه، وهو سنة كفاية. (والديباج) هو الثياب المتخذة من الإبرسيم. (والقسي) بفتح القاف وتشديد المهملة؛ نسبة للقس: بلدة بناحية مصر على ساحل البحر (¬3)، وقيل: كتان مخلوط بالحرير. (والإستبرق) هو غليظ الديباج، وقيل: رقيقه، وذكر هذه الثلاثة بعد الحرير، من ذكر الخاص بعد العام؛ اهتمامًا بذكرها؛ أو دفعًا لتوهم أن اختصاصها باسم يخرجها من حكم العام، وسقط من الحديث الخصلة السابعة من ¬
المنهيات، وهي ركوب المياثر، بالمثلثة، وقد ذكرها في: الأشربة واللباس، وهي الوطاء يكون على السرج في حرير، أو صوف، أو نحوه، لكنه إذا كان من غير الحرير، النهي فيه للكراهة، كما أن المأمورات بعضها للوجوب، وبعضها للندب، فإطلاق الأمر فيها، أو النهي استعمال للفظ في حقيقته ومجازه، وهو جائز عند الشافعي، ومن يمنعه يجعل ذلك لقدر مشترك بينهما مجازًا، ويسمى: بعموم المجاز. 1240 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ " تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (¬1)، وَرَوَاهُ سَلامَةُ بْنُ رَوْحٍ، عَنْ عُقَيْلٍ. [مسلم: 2612 - فتح: 3/ 112] (محمد) هو: الذهلي. (عن عمرو بن سلمة) بفتح اللام. ¬
(الأوزاعي) هو عبد الرحمن بن عمرو. (حق المسلم على المسلم خمس) يعم وجوب العين، والكفاية، والندب. (ردُّ السلام ... إلخ) زاد مسلم سادسه، وهي: "وإن استنصحك فانصح له" (¬1). (تابعه) أي: عمرو بن أبي سلمة. (عبد الرزاق) أي: ابن همام. (معمر) أي: ابن راشد. (ورواه سلامة) أي: "ابن روح"، كما في نسخة. (عقيل) بضم العين، أي: ابن خالد. ¬
3 - باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه
3 - بَابُ الدُّخُولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ (باب: الدخول على الميت إذا أدرج في أكفانه) في نسخة: "في كفنه" والترجمة أخص ممَّا في أحاديث الباب. 1241، 1442 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَال: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ، قَالتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَال: "بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا". قَال أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَال: "اجْلِسْ"، فَأَبَى، فَقَال: "اجْلِسْ"، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَال إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَال: "أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَال اللَّهُ تَعَالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: 144] إِلَى {الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] " وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إلا يَتْلُوهَا. الحديث 1241 [3667، 3669، 4452، 4455، 4456، 5709، 5710 - فتح: 3/ 13] الحديث 1241 [4454، 4457، 5711 - فتح: 3/ 113] (عبد اللَّه) أي: ابن المبارك. (معمر) أي: ابن راشد. (ويونس) أي: ابن يزيد. (أبو سلمة) أي: ابن عبد الرحمن بن عوف. (زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -) ساقط من نسخة. (بالسنح) بضم السين والنون،
وقد تسكن، وبالمهملة: منازل بني الحارث بن الخزرج بالعوالي. (حتى نزل) أي: عن فرسه. (فتيمم) أي: قصد. (مسجَّي) أي: مغطى ببرد. (حبرة) بحاء مهملة مكسورة، وموحدة مفتوحة: نوع من برود اليمن، أشرف الثياب عندهم، وهو بإضافة (برد) وهو الأكثر، وبوصفه بـ (حبرة). (أكبَّ) لازم، مع أن كب الثاني المجرد متعد، فهو من النوادر. (فقبله) أي: بين عينيه، كما رواه النسائي (¬1). (بأبي) متعلق بمحذوف، أي: أنت مفدى بأبي. (لا يجمع) بالرفع. (موتتين) قال ذلك؛ ردًّا لقول عمر: إن اللَّه سيبعث نبيه فيقطع أيدي رجال وأرجلهم. أي: لا يكون لك في الدنيا إلا موتة واحدة. (كتبت عليك) أي: قدرت، وفي نسخة: "كتب اللَّه عليك". (فابى) أي: امتنع؛ لما حصل له من الحزن. ({وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ}) إلى {الشَّاكِرِينَ}) تلاها؛ تعزيًا وتصبرًا، وفي نسخة: " {وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} ". (أنزل) أي: الآية، وفي نسخة: "أنزلها". وفي الحديث: تقبيل الميت، وأن أبا بكر أعلى من عمر، وعظم منزلته عند الصحابة، حيث مالوا إليه، وندب تسجية الميت، وحكمته: صيانته عن الانكشاف، وستر عورته عن الأعين. 1243 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ أُمَّ العَلاءِ، امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُ اقْتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ، ¬
دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ: لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ " فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَال: "أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ، مَا يُفْعَلُ بِي" قَالتْ: فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ مِثْلَهُ. وَقَال نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقَيْلٍ مَا يُفْعَلُ بِهِ. وَتَابَعَهُ شُعَيْبٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمَعْمَرٌ. [2687، 3929، 7003، 7004، 7018 - فتح 3/ 114] (أن أم العلاء) هي بنت الحارث بن ثابت. (امرأة من الأنصار) عطف بيان لأم العلاء. (بايعت النبي) نعت لـ (امرأة). (أخبرته) خبر (إنه) الهاء: ضمير الشأن. (اقتسم) بالبناء للمفعول. (المهاجرون) نائب الفاعل. (قرعة) بالنصب بنزع الخافض، والمعنى: اقتسم الأنصار المهاجرين بالقرعة في نزولهم عليهم، وسكناهم في منازلهم؛ لما دخلوا عليهم المدينة. (فطار لنا) أي: وقع لنا في سهمنا. (فوجع) بفتح الواو وكسر الجيم، يقال: فلان وَجِعَ، فلان يَوْجَعُ ويجع وياجع فهو: وَجِعٌ قاله الجوهري (¬1). (أبا السائب) أي: يا أبا السائب، وهي كنية عثمان. (فشهادتي) مبتدأ. (عليك) أي: لك. (لقد أكرمك اللَّه) خبر المبتدأ، ومثل هذا التركيب يستعمل عرفًا، ويراد به بمعنى القسم، كأنها قالت: أقسم بالله لقد أكرمك اللَّه (أكرمه) في نسخة: "قد أكرمه" (فمن يكرمه) أي: إذا كان مؤمنا خالصًا مطيعًا، ولم يكرمه اللَّه، فمن يكرمه. (أما هو فقد جاءه اليقين) أي: وأما غيره فخاتمة أمره غير ¬
معلومة، هل يرجى له الخير عند اليقين، وهو الموت، أو لا. ففيه: أنه لا يجزم في أحد بأنه من أهل الجنة، إلا إن نصَّ عليه الشارع، كالعشرة. (والله ما أدري ... إلخ) قال ذلك قبل نزول قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] أو المراد: ما أدري ما يفعل بي في الدنيا من نفع وضرٍّ، بل قيل: في الدنيا والآخرة؛ إذ لا علم بالغيب. و (ما) الثانية إما موصولة، أو استفهامية مرفوعة. (سعيد بن عفير) نسبة لجده، وإلَّا فهو سعيد بن كثير بن عفير. (وقال نافع بن يزيد عن عقيل ما يفعل به) بالهاء بدل الياء، أي: بعثمان. 1244 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ، قَال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ مَا زَالتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ" تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [1293، 2816، 4080 - مسلم: 2471 - فتح: 3/ 114] (غندر) هو محمد بن جعفر. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (ونهوني) في نسخة: "وينهونني" بزيادة نون بعد الواو على الأصل. (عنه) أي: عن البكاء، وهو ساقط من نسخة. (أو لا تبكين) (أو) ليست للشك، بل للتسوية. (ما زالت) في نسخة: "فما زالت". (الملائكة تظله بأجنحتها) [أي: تتزاحم عليه؛ لتصعد بروحه وتبشره بما أعده اللَّه له من الكرامة، أو تظله] (¬1) من الحرِّ؛ لئلا يتغير، والمعنى: ما زالت الملائكة تظله سواء بكت أم لا. (حتى رفعتموه) أي: من غسله. ¬
4 - باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه
(تابعه) أي: شعبة. (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز. (ابن المنكدر) في نسخة: "محمد بن المنكدر". 4 - بَابُ الرَّجُلِ يَنْعَى إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ (باب: الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه). النعي: الإعلام بموت الشخص، والمراد بأهله: أقاربه، وإخوانه في الدين، ومفعول (ينعى) محذوف، وضمير (بنفسه) للرجل، وقيل: للميت. قال شيخنا: والأول أولى (¬1)، وفي نسخة: "نفسه" بالنصب وحذف الباء، وفي أخرى: حذف (أهل) لكنه مراد معنًى، كما في {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} وهذا النعي مندوب للحديث الآتي؛ ولما يترتب عليه من المبادرة لشهود الجنازة، وللصلاة عليه والدعاء له وغيرها، بخلاف نعي الجاهلية، وهو عد مآثره، ومفاخرة، فإنه مذموم. 1245 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا". [1318، 1327، 1328، 1333، 3880، 3881 - مسلم: 951 - فتح: 3/ 116] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (النجاشي) بفتح النون وكسرها، وتخفيف الياء فيهما وتشديدها في الفتح: لقب ملك الحبشة، واسمه: أصحمة بفتح الهمزة وسكون الصاد، وفتح الحاء المهملتين. (فصف بهم) الباء زائدة للتوكيد. (وكبر أربعًا) منها تكبيرة الإحرام. ¬
5 - باب الإذن بالجنازة
وفي الحديث: الصلاة على الغائب عن البلد، وقول من يمنع الصلاة على الغائب محتجًا بأنه كشف له عنه فليس غائبًا لو سلمت صحته، فهو غائب عن الصحابة. وفيه: معجزة، وهي الإخبار عن موته بالغيب، وأن تكبيرات صلاة الجنائز أربعة. 1246 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ - وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتَذْرِفَانِ - ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ". [2798، 3063، 3630، 3757، 4262 - فتح: 3/ 116] (أبو معمر) هو عبد اللَّه بن عمرو. (عبد الوارث) أي: ابن سعيد. (حدثنا أيوب) في نسخة: "أخبرنا أيوب". (أخذ الراية) هي العلم. (زيد) هو ابن حارثة. (فاصيب) أي: قتل. (جعفر) ابن أبي طالب الطيار، ويقال له: ذو الجناحين؛ لأنه لما قطعت يداه بموته، جعل اللَّه له جناحين يطير بهما، وإخباره - صلى الله عليه وسلم - بموت المذكورين نعي فهو موضع الترجمة، وقد وقع في: علامات النبوة التصريح به؛ حيث قال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى زيدًا وجعفرًا (¬1). الحديث. (لتذرفان) بذال معجمة، وراء مكسورة، أي: لتسيلان. 5 - بَابُ الإِذْنِ بِالْجَنَازَةِ وَقَال أَبُو رَافِعٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلا آذَنْتُمُونِي". [انظر: 458] ¬
(باب: الإذن بالجنازة) هذه الترجمة مرتبة على الترجمة السابقة، لأن النعي: إعلام من لم يتقدم له علم بموت الشخص، والإذن: إعلام من علم بموته. (أبو رافع) هو نفيع. (قال النبي - صلى اللَّه عليه وسلم -) أي: في رجل أسود، أو امرأة سوداء كان يقمّ المسجد، فمات، فسأل عنه، فقالوا: مات، فقال: (أفلا آذنتموني) أي: أعلمتموني بموته؛ لأصلي عليه. 1247 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ، فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ، فَقَال: "مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟ " قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا، وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. [انظر: 857 - مسلم: 954 - فتح: 3/ 117] (محمد) أي: ابن سلام. (أبو معاوية) هو محمد بن خازم بمعجمة وزاي. (عن الشعبي) هو عامر بن شراحيل. (مات إنسان) هو طلحة بن البراء بن عمير البلوي. (فلما أصبح) أي: دخل في الصباح. (كان الليل) بالرفع، فـ (كان) تامة، وكذا القول في (وكانت ظلمة) وهذ الجملة اعتراضية. (فأتى قبره فصلى عليه) فيه: جواز الدفن ليلًا، والإعلام بالموت، وندب عيادة المريض، وجواز الصلاة على القبور، ومحله في قبور غير الأنبياء، بخلاف قبورهم؛ لخبر "الصحيحين": "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (¬1). ¬
6 - باب فضل من مات له ولد فاحتسب
6 - بَابُ فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَ وَقَال اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]. (باب: فضل من مات له ولد فاحتسب) أي: صبر راضيًا بقضاء اللَّه، وفي نسخة: ["فاحتسبه" ولم يصرح في أحاديث الباب بالاحتساب، لكنه معلوم من أحاديث أخر. (وقال اللَّه) في نسخة:] (¬1) "وقول اللَّه عزَّ وجلَّ" عطف على (فضل)، وذكر الآية لمناسبة الصبر للاحتساب، والمصيبة للموت وإن كانت أعم منه. 1248 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ، يُتَوَفَّى لَهُ ثَلاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ". [1381 - فتح: 3 - 118] (عبد العزيز) أي: ابن صهيب. (ما من الناس من مسلم) (من) الأولى بيانية، والثانية زائدة، ومن ثمَّ سقطت من رواية في أواخر الجنائز (¬2). (يتوفى) بالبناء للمفعول. (ثلاث) في نسخة: "ثلاثة". (لم يبلغوا الحنث) أي: من التكليف الذي يكتب فيه الإثم، وفسر (الحنث) بعد بالذنب، وهو مجاز من باب: تسمية المحل بالحال، ومقتضى الحديث: أن من بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكره من الثواب، وبه صرَّح جماعة فارقين بأن حب الصغير أشد منه على الكبير، فالشفقة عليه أعظم، وصرَّح الآخرون بحصول ذلك في البالغ بطريق الأولى؛ ¬
لأنه إذا ثبت ذلك في الصغير مع أنه كَلٌّ على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي، وصار التفجع عليه أشد؟! (إياهم) راجع، كما قال شيخنا إلى الأولاد بدليل أخبار أُخر (¬1)، لا إلى الرجل على ما قاله الكرماني (¬2). 1249 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا فَوَعَظَهُنَّ، وَقَال: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، كَانُوا حِجَابًا مِنَ النَّارِ"، قَالتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَانِ؟ قَال: "وَاثْنَانِ". [انظر: 101 - مسلم: 2633 - فتح: 3/ 118] (مسلم) هو ابن إبراهيم الأزدي. (حدثنا عبد الرحمن) في نسخة: "أخبرنا عبد الرحمن". (عن ذكوان) هو أبو صالح السمان. (وقال) في نسخة: "فقال". (ثلاثة) في نسخة: "ثلاث". (كانوا) أي: الثلاثة. (لها) في نسخة: "كن لها" أنث باعتبار النفس، أو النسمة. (قالت امرأة) هي أم سليم والدة أنس، أو أم مبشر، أو أم هانئ، ولعل القصة تعددت. (واثنان) سكت عن الواحد، وقد وقع التصريح به في بعض طرق الحديث، كما رواه الطبراني في "الأوسط" (¬3). 1250 - وَقَال شَرِيكٌ: عَنْ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال أَبُو هُرَيْرَةَ: "لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ". [انظر: 102 - مسلم: 2634 - فتح: 3/ 118] ¬
7 - باب قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري
1251 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ، إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا} [مريم: 71]. [6656 - مسلم: 2632 - فتح: 3/ 118] (علي) أي: ابن المديني. (سفيان) أي: ابن عيينة. (فيلج النار) أي: فيدخلها، وهو منصوب بأن مقدرة جوابًا للنفي. (إلا: تحلة القسم) أي: إلا قدر ما تحل به اليمين، تقول: فعلته تحلة القسم أي: قدر ما حللت به يميني، ولم أبالغ، والمعنى: قدر ما يبر اللَّه قسمه فيه بقوله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا} [مريم: 71] وتحلة مصدر حلل اليمين، أي: كفرها، ويقال: حللته تحليلًا وتحلة، وتحلًا بلا هاء، وهو شاذ. (قال أبو عبد اللَّه) أي: البخاري؛ استشهادًا لتقليل مدة الولوج {وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا} أي: داخلها دخول مرور، لا دخول عقاب. وقوله: (قال أبو عبد اللَّه ... إلخ) ساقط من نسخة. 7 - بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ القَبْرِ: اصْبِرِي (باب: قول الرجل للمرأة عند القبر: اصبري) أي: من الجزع. 1252 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَال: "اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي". [1283، 1302، 7154 - مسلم: 926 - فتح: 3/ 125] (ثابت) أي: البناني. (اتقِ اللَّه) بأن لا تجزعي، فإن الجزع يحبط الأجر. (واصبري) فإن الصبر يجزل الأجر.
8 - باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر
8 - بَابُ غُسْلِ المَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسَّدْرِ وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "المُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا" وَقَال سَعِيدٌ: "لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ" وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ". [انظر 283] (باب: غسل الميت ووضوئه) غسله: فرض كفاية، ووضوؤه: سنة، وقيل: الضمير للغاسل لا للميت؛ لما ذكره بعد من الترجمة، ولعدم ذكر الوضوء في الحديث مع ما أمر به - صلى اللَّه عليه وسلم -. (بالماء والسّدر) متعلق بالغسل. (وصلى) أي: عليه. (لا ينجس) بضم الجيم وفتحها. (قال سعد) أي: ابن أبي وقاص، وفي نسخة: "وقال سعيد". 1253 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، فَقَال: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ، فَقَال: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ" تَعْنِي إِزَارَهُ. [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 125] (عن أم عطية) نسيبة بنت كعب. (ابنته) هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع، كما في مسلم (¬1)، أو أم كلثوم، كما في أبي داود (¬2). (اغسلنها ثلاثًا) الأمر بالغسل ¬
للوجوب، وكونه ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر؛ للندب. (إن رأيتن ذلك) بكسر الكاف؛ لأنه خطابٌ لمؤنث، وكان القياس: ذلكن أي: رأيتن ذلك بحسب الحاجة إلى كمال الإنقاء، لا بحسب التشهي. (بماءٍ وسدر) بأن يكون الغسلات بالماء والسدر إلى أن يحصل الإنقاء، فإذا حصل وجب الغسل بماء خالص. (أو شيئًا من كافور) شكٌّ من الراوي، ومحل استعماله في غير المحرم، وحكمة استعماله: تطييب البدن وتقويته. (فآذنني) بمدِّ الهمزة، وكسر المعجمة، وتشديد النون الأولى المفتوحة، أي: أعلمنني، واجتمع فيه ثلاث نونات نون الفعل، ونون النسوة، ونون الوقاية، فأدغمت الأولى في الثانية. (فرغنا) بضمير جماعة المتكلمين، وفي نسخة: "فرغن" بضمير النسوة. (آذناه) بالمدِّ، أي: أعلمناه، وقياس النسخة الثانية السابقة أن يقال: آذنه. (حقوه) بفتح المهملة، وقد تكسر أي: إزاره، وهو هنا مجازة إذ الحقو حقيقة الخصر ومعقد الإزار كما سيأتي، فمن زعم عكس ذلك لعله أراد الحقيقة والمجاز العرفيين. (أشعرنها إياها) بقطع همزة (أشعرنها) أي: اجعلنه شعارها: وهو ما يلي الجسد، بخلاف الدثار، فإنه الذي يلي الشعار، وإنما فعل ذلك؛ لينالها بركة ثوبه - صلى الله عليه وسلم -، ومن ثم لم يعطه لهن أولًا؛ ليكون قريب العهد من جسده المكرم؛ حتى لا يطول الفصل بين انتقاله من جسده ووصوله إلى جسدها. وفي الحديث: ندب إيتار الغسل، واستعمال السدر مطلقًا، والكافور في الأخيرة، والمعنى فيه: طرد الهوام، وتقوية البدن مع تطييبه، كما مرَّ.
9 - باب ما يستحب أن يغسل وترا
9 - بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغْسَلَ وتْرًا (باب: ما يستحب أن يغسل وترًا) أي: استحباب غسل الميت وترًا. 1254 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَال: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَال: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ" فَقَال أَيُّوبُ، وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ: "اغْسِلْنَهَا وتْرًا"، وَكَانَ فِيهِ: "ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا" وَكَانَ فِيهِ أَنَّهُ قَال: "ابْدَءُوا بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا"، وَكَانَ فِيهِ: أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالتْ: وَمَشَطْنَاهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ. [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 130] (محمد) أي: ابن المثنى (¬1)، كما في [مسلم] (¬2). (عن أيوب) أي: السختياني. (عن محمد) ابن سيرين. (فإذا فرغتن ... إلخ) مرَّ شرحه مع ما قبله في الباب السابق. (فقال أيوب) في نسخة: "وقال أيوب". (حفصة) أي: بنت سيرين. (ابدأوا) بجمع المذكر تغليبًا للذكور؛ لأنهن كن محتاجات إلى معاونتهن في حمل الماء إليهن وغيره، أو باعتبار الأشخاص، وفي نسخة: "ابدأن" بضمير النسوة. (وبمواضع الوضوء) زاد في نسخة: "منها". (مشطناها) ¬
10 - باب يبدأ بميامن الميت
بتخفيف الشين، أي: سرحناها. (ثلاثة قرون) أي: ضفائر، وتسمى: ذوائب. 10 - بَابُ يُبْدَأُ بِمَيَامِنِ المَيِّتِ (باب: يبدأ بميامن الميت) أي: عند غسله. 1255 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا". [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 130] (خالد) أي: الحذاء. (بميامنها ... إلى آخره) مرَّ شرحه (¬1). 11 - بَابُ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنَ المَيِّتِ (باب: مواضع الوضوء من الميت) أي: استحباب البدأة بغسلها. 1256 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: لَمَّا غَسَّلْنَا بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال لَنَا وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا: "ابْدَءُوا بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا". [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 131] (عن سفيان) أي: الثوري. (ابدأوا) ذكر الضمير باعتبار ما مرَّ في نظيره، وفي نسخة: "ابدأن". (ومواضع الوضوء) زاد في نسخة: "منها". ¬
12 - باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل
12 - بَابُ هَلْ تُكَفَّنُ المَرْأَةُ فِي إِزَارِ الرَّجُلِ (باب: هل تكفن المرأة في إزار الرجل؟) جواب (هل) محذوف، أي: نعم. 1257 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالتْ: تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال لَنَا: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَنَزَعَ مِنْ حِقْوهِ إِزَارَهُ، وَقَال: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ". [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 131] (ابن عون) هو عبد اللَّه. (عن محمد) هو ابن سيرين. (بنت النبي) في نسخة: "ابنة النبي" وفي أخرى: "بنت رسول اللَّه". (من حقوه) مرَّ أن الحقوه حقيقة: الخصر ومعقد الإزار [ومجازًا] الإزار] (¬1)، والمراد ثمَّ: المجاز، وهنا الحقيقة. 13 - بَابُ يُجْعَلُ الكَافُورُ فِي آخِرِهِ (باب: يجعل الكافور في آخره) أي: آخر غسل الميت. 1258 - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ، فَآذِنَّنِي" قَالتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَال: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ" وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِنَحْوهِ،. [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 131] ¬
14 - باب نقض شعر المرأة
(عن أيوب) أي: السختياني. (عن محمد) أي: ابن سيرين. (فخرج) أي: "النبي - صلى اللَّه عليه وسلم -". كما في نسخة. (بنحوه) أي: بنحو الحديث. 1259 - وَقَالتْ: إِنَّهُ قَال: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ" قَالتْ حَفْصَةُ: قَالتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ. [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 132] (وقالت) في نسخة: "قالت". (وجعلنا رأسها) أي: شعره، ومرَّ شرح الحديث (¬1). 14 - بَابُ نَقْضِ شَعَرِ المَرْأَةِ وَقَال ابْنُ سِيرِينَ: "لَا بَأْسَ أَنْ يُنْقَضَ شَعَرُ المَيِّتِ". (باب: [نقض] (¬2) شعر المرأة) أي: شعر رأسها، والتقييد بالمرأة جرى على الغالب، وإلا فغيرها كذلك إذا كان له شعر طويل. (أن ينقض) في نسخة: "بأن ينقض". (شعر الميت) في نسخة: "شعر المرأة". 1260 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَال أَيُّوبُ: وَسَمِعْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ، قَالتْ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثَلاثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ، ثُمَّ غَسَلْنَهُ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاثَةَ قُرُونٍ". [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 132] (أحمد) أي: ابن صالح. (ابن جريج) هو: عبد الملك ¬
15 - باب: كيف الإشعار للميت؟
بن عبد العزيز. (أيوب) أي: السختياني. (وسمعت) عطفٌ على مقدر، أي: قال أيوب: وسمعت كذا. وسمعت حفصة. (جعلن رأس بنت رسول اللَّه) أي: شعر رأسها، وفي نسخة: "ابنة رسول اللَّه" وفي أخرى: "بنت النبي" ومرَّ شرح الحديث (¬1). 15 - بَابٌ: كَيْفَ الإِشْعَارُ لِلْمَيِّتِ؟ وَقَال الحَسَنُ: "الخِرْقَةُ الخَامِسَةُ تَشُدُّ بِهَا الفَخِذَيْنِ، وَالوَرِكَيْنِ تَحْتَ الدِّرْعِ". (باب: كيف الإشعار للميت) أي: كيف يكون الإشعار له، ومرَّ أنه ما يلي الجسد، والمراد هنا بقرينة ما يأتي. (ما يلي الجسد) مع لف ما زاد عليه على المرأة زيادة في الستر. (وقال الحسن) أي: البصري. (الخرقة الخامسة) أي: من أكفان الميت إذا كفن في خمسة أثواب. (يشد) أي: الغاسل. (بها الفخذين والوركين) وفي نسخة: "يشد بها الفخذان والوركان" بالبناء للمفعول. قال الجوهري وغيره: والورك ما فوق الفخذ. (الدرع) بكسر المهملة: القميص. 1261 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ أَيُّوبَ، أَخْبَرَهُ قَال: سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ، يَقُولُ: جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدِمَتِ البَصْرَةَ تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا، فَلَمْ تُدْرِكْهُ، فَحَدَّثَتْنَا، قَالتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَال: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي" قَالتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَال: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ" وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ¬
ذَلِكَ، وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الإِشْعَارَ: الفُفْنَهَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَأْمُرُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ، وَلَا تُؤْزَرَ. [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 133] (أحمد) أي: "ابن صالح"، كما في نسخة. (عبد اللَّه بن وهب) لفظ: (عبد اللَّه) ساقط من نسخة. (امرأة) بالرفع؛ عطف بيان لـ (أم عطية). (من الأنصار من اللاتي بايعن) أي: "النبي - صلى الله عليه وسلم -"، كما في نسخة و (من) في الموضعين بيانية، ويجوز أن تكون الثانية تبعيضية، (قدمت البصرة) بدل من (جاءت أم عطية). (تبادر ابنًا لها) أي: تسرع المجيء؛ لأجله. (فلم تدركه) أي: لأنه إما مات؛ أو خرج من البصرة. (دخل علينا النبي) في نسخة: "دخل علينا رسول اللَّه". (ولم يزد) أي: قال أيوب: ولم يزد أي: ابن سيرين على ما ذكره في نسخة: "ولم تزد" بفوقية، أي: أم عطية، بخلاف حفصة فإنها زادت أشياء منها: ابدأوا بيمامنها، ومواضع الوضوء. (ولا أدري) أي: قال أيوب: ولا أعلم. (أي: بناته) أي: المغسولة فـ (أي) مبتدأ حذف خبره، ولا ينافي هذا قول من سمَّاها: زينب (¬1)، لأن من سمَّاها علم ما لم يعلمه أيوب. (وزعم) أي: أيوب أن الإشعار في قوله: (أشعرنها) معناه: (ألففنها فيه)، قال أيوب: (وكذلك كان ابن سيرين يأمر بالمرأة أن تشعر) بضم الفوقية، وسكون الشين وفتح العين، أي: تلف. (ولا تُؤْزَرَ) بضم الفوقية وسكون الهمزة وفتح الزاي. وفي نسخة: "ولا تُؤَزَّرَ" بفتح الهمزة والزاي مشددة، والمعنى: لا يجعل الشعار عليها مثل الإزار؛ لأن الإزار لا يعم البدن، بخلاف الشعار. ¬
16 - باب: هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون؟
16 - بَابٌ: هَلْ يُجْعَلُ شَعَرُ المَرْأَةِ ثَلاثَةَ قُرُونٍ؟ (باب: يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون) في نسخة: "هل يجعل إلى آخره" وعليها فجواب الاستفهام محذوف، أي: نعم. 1262 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" تَعْنِي ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَقَال وَكِيعٌ: قَال سُفْيَانُ: نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا. [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 133] (قبيصة) أي: ابن عقبة السوائي. (سفيان) أي: الثوري. (عن هشام) أي: ابن حسان (عن أم الهذيل) بضم الهاء، وفتح المعجمة: حفصة بنت سيرين. (وقال وكيع) في نسخة: "قال وكيع". (قال سفيان) أي: الثوري، وفي نسخة: "عن سفيان". (ناصيتها وقرنيها) معناه: أن تجعل ناصيتها ضفيرة وقرنيها ضفيرتين، ولا منافاة بين هذه وبين ما مرَّ من ثلاثة قرون (¬1)؛ لأن المراد بالقرنين: جانبا الرأس، وبالقرون، الذوائب. 17 - بَابُ يُلْقَى شَعَرُ المَرْأَةِ خَلْفَهَا (باب: يلقى) في نسخة: "يجعل". (شعر المرأة خلفها) أي: بعد غسلها، وزاد في نسخة: "ثلاثة قرون". 1263 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، قَال: حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وتْرًا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، ¬
18 - باب الثياب البيض للكفن
إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا. [انظر: 167 - مسلم: 939 - فتح: 3/ 134] (وألقيناها) في نسخة: "فألقيناها". ومرَّ شرح الحديث. 18 - بَابُ الثِّيَابِ البِيضِ لِلْكَفَنِ (باب: الثياب البيض للكفن) أي: استحبابها. 1264 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". [1271، 1272، 1273، 1387 - مسلم: 941 - فتح: 3/ 135] (عبد اللَّه) أي: "ابن المبارك" كما في نسخة. (يمانية) بتخفيف الياء؛ لأن الألف بدل من إحدى ياءي النسب. (سحولية) بفتح المهملة، وضمها، وبحاء مهملة؛ نسبة إلى سحول بالفتح والضم: قرية باليمن (¬1). (من كرسف) بضم أوله وثالثه، أي: قطن. (ليس فيها قميص ولا عمامة) أي: بل كفن في الثلاثة فقط، وهو أكمل الكفن للذكر، ويجوز فيها بلا ندب زيادة القميص والعمامة. ¬
19 - باب الكفن في ثوبين
19 - بَابُ الكَفَنِ فِي ثَوْبَيْنِ (باب: الكفن في ثوبين) أي: جوازه فيهما. فلا يجب عند الشافعية ثلاثة بل ولا اثنان فالواجب في غير المحرم واحد، والمراد به على الراجح: ما يستر العورة، وقد بسطت الكلام على ذلك في "شرح الروض" وغيره (¬1). 1265 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَال: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ - أَوْ قَال: فَأَوْقَصَتْهُ - قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا". [1266، 1267، 1268، 1839، 1849، 1850، 1851 - مسلم: 1206 - فتح: 3/ 135] (أبو النعمان) هو محمد بن الفضل السدوسي. (حماد) أي: "ابن زيد" كما في نسخة. (عن أيوب) أي: السختياني. (بينما رجل) لم يسم، وهو مبتدأ، خبره: (واقف بعرفة) و (بينما) ظرف زمان مضاف إلى الجملة، وليس المراد بوقوفه بعرفه قيامه لها؛ لأنه كان راكبًا ناقته، فالوقوف بها يشمل الراكب وغيره. (فوقصته) أي: كسرت عنقه. (أو قال: فأوقصته) شك من الراوي. (قال النبي) في نسخة: "فقال النبي". (في ثوبين) سيأتي في: الحج (¬2). "في ثوبيه" أي: اللذين أحرم فيهما، كما رواه النسائي (¬3)، وإنما لم يزده ثالثًا. قال ¬
20 - باب الحنوط للميت
النووي في "مجموعه": لأنه لم يكن (¬1) له مال غيرهما، وقال المحب الطبري: تكرمة له، كما في الشهيد. (ولا تخمروا) بمعجمة، أي: ولا تغطوا رأسه، بل أبقوا له أثر إحرامه من منع المخيط وأخذ ظفره وشعره، ومن منع ستر رأسه إن كان رجلًا، ووجه وكفيه إن كان غيره. (فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) أي: بصفة الملبين بنسكه الذي مات فيه قائلا: اللهم لبيك ... إلخ، وإنما بعث بتلك الصفة؛ لتكون علامة لنسكه، كالشهيد يأتي وأوداجه تشخب دمًا. 20 - بَابُ الحَنُوطِ لِلْمَيِّتِ (باب: الحنوط للميت) بفتح الحاء، ويقال له: الحناط بكسرها، قال الأزهري: يدخل فيه الكافور وذريرة القصب، والصندل الأحمر والأبيض (¬2) وقال غيره: هو ما يخلط من الطيب للموتى خاصة. 1266 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَقْصَعَتْهُ - أَوْ قَال: فَأَقْعَصَتْهُ - فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا". [انظر: 1265 - مسلم: 1206 - فتح: 3/ 136] (قتيبة) أي: ابن سعيد. (حماد) أي: ابن زيد. (فأقصعته) أي: فقتلته سريعًا. (أو قال: فأقعصته) شك من الراوي، والثاني: بتقديم العين على الصاد، والأول: بالعكس. ومطابقة الحديث للترجمة: بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم. ¬
21 - باب: كيف يكفن المحرم؟
21 - بَابٌ: كَيْفَ يُكَفَّنُ المُحْرِمُ؟ (باب: كيف يكفن المحرم) إذ لكفنه كيفية تخالف كيفية كفن غيره، كما يعرف من الحديث، والترجمة: ساقطة من نسخة. 1267 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا". [انظر: 1265 - مسلم: 1206 - فتح: 3/ 137] (أبو عوانة) هو الوضاح بن عبد اللَّه. (عن أبي بشر) هو جعفر بن أبي وحشية. (وهو) أي: الرجل الموقوص. (وكفنوه في ثوبين) مرَّ شرحه (¬1). (ولا تمسوه) بضم التاء. (ملبدًا) بدال مهملة بدل التحتية في (ملبيًا) الموجودة في نسخة، والتلبيد: جمع شعر الرأس بصمغ أو غيره؛ ليلتصق ولا يتشعث في الإحرام، لكن أنكر القاضي عياض هذه الرواية، وقال: الصواب: ملبيًا بدليل؛ رواية: (يلبي). قال الزركشي: وكذا رواه البخاري، في كتاب: الحج (¬2)؛ "فإنه يبعث يهل"، قال البرماوي: وكل هذا لا ينافي رواية: (ملبدًا) إن صحت؛ لأنه حكاية حاله عند موته، يعني: أن اللَّه يبعثه على هيئته التي مات عليها. ¬
22 - باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف، ومن كفن بغير قميص
1268 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، وَأَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَال: كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ، فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ - قَال أَيُّوبُ: فَوَقَصَتْهُ، وَقَال عَمْرٌو: فَأَقْصَعَتْهُ - فَمَاتَ فَقَال: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ، قَال أَيُّوبُ: يُلَبِّي، وَقَال عَمْرٌو: مُلَبِّيًا". [انظر: 1265 - مسلم: 1206 - فتح: 3/ 137] (عن عمرو) هو ابن دينار. (وأيوب) أي: السختياني. (كان رجل واقف) بالرفع؛ لأن كان تامة، وفي نسخة: "واقفًا" بالنصب على أنها ناقصة. (فوقصته) مرَّ تفسيره. (وقال عمرو: فأقصعته) بتقديم الصاد على العين، عكس ما مرَّ في نظيره. (يلبي) الفرق بينه وبين ملبيًا: أن الفعل يدل على التجدد، والاسم على الثبوت. 22 - بَابُ الكَفَنِ فِي القَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لاَ يُكَفُّ، وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصٍ (باب: الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف) بضم الياء وفتح الكاف، وتشديد الفاء فيهما، وزاد في نسخة: "ومن كفن بغير قميص" بعطفه على (الكفن)، ومعنى: (يكف، أو لا يكف) بضبطه السابق: خيطت حاشيته، أو لم تخط؛ لأن الكف خياط الحاشية، وضبطه بعضهم بفتح الياء وضم الكاف وتشديد الفاء، ومعناه: يتبرك بإلباس قميص الصالح للميت، كف عنه العذاب أو لا يكف، وبعضهم بفتح الياء وسكون الكاف، لكن سقطت الياء من الكاتب، ومعناه: كفى الكفن؛ لطوله، أو لم يكف؛ لقصره.
1269 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ، جَاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ، فَقَال: "آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ"، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَال: أَلَيْسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِينَ؟ فَقَال: "أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، قَال: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] " فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا، وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]. [4670، 4672، 5796 - مسلم: 2400 - فتح: 3/ 138] (عن عبيد اللَّه) أي: ابن عمر. (ابنه) كان اسمه: الحباب، بضم المهملة، وخفة الموحدة الأولى، وهو شيطان، فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم -. [باسم أبيه] (¬1). (يا رسول اللَّه) ساقطة من نسخة. (أكفنه) بالجزم؛ جواب الأمر. (وصل عليه واستغفر له) كأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام؛ فلهذا التمس من النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - قميصه؛ إكرامًا للولد، أو مكافأة لأبيه؛ لأنه لما أُسر العباس ببدر، ولم يجدوا له قميصًا يصلح له، وكان رجلًا طويلًا، فألبسه قميصه، فكافأه النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ كي لا تكون لمنافق عليه يد لم يكافئه عليها. (آذني) بالمدِّ، وكسر المعجمة، أي: أعلمني. (أصلي عليه) بغير جزم على الاستئناف، وبه جواب الأمر، ولم يكتف بذلك بإذنه الأول بقوله: (وصلى عليه) إظهارًا للصحابة أن الإذن في ذلك معتبرٌ. (أليس اللَّه نهاك أن تصلي على المنافقين) فهم عمر، ذلك من قوله ¬
تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113]؛ إذ النهي عن ذلك لم يكن مصرحًا به. (خيرتين) بكسر المعجمة: تثنية خيرة بوزن عنبة، أي: لنا مخير بين الاستغفار وعدمه. قال الزركشي: استشكل التخيير مع قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} فإن هذه الآية نزلت عقب موت أبي طالب حيث قال: "والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" (¬1) وهو متقدم على الآية التي فهم منها التخيير، وأجيب: بأن المنهي عنه في هذه الآية استغفار مرجو الإجابة حتى يكون مقصوده تحصيل المغفرة، كما في أبي طالب، بخلاف استغفاره للمنافقين، فإنه استغفار لسان قصد به تطييب قلوبهم. ({وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا}) زاد في نسخة: " {وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} " أي: ولا تقف عليه للدفن؛ أو للزيارة، وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه أيضًا؛ لأن النهي عن التكفين بالقميص كان مخلًا بالكرم؛ ولأنه كان مكافاة لإلباسه العباس قميصه، كما مرَّ. 1270 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ". (عن عمرو) أي: ابن دينار. (بعد ما دفن) أي: دُلي في حفرته، ففي التعبير بالدفن تجوز، وجمع بين هذا، وبين ما مرَّ من أنه [أعطى قميصه لابنه بأن معنى أعطاه: أنعم له به، فأطلق على العدة إعطاء مجازًا لتحقق وقوعها، أو ¬
23 - باب الكفن بغير قميص
أنه] (¬1) أعطاه أحد قميصيه، ثم لما حضر إلى القبر أعطاه الآخر. 23 - بَابُ الكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ (باب: الكفن بغير قميص) ساقط من نسخة، وهي التي زيد فيها قوله في الترجمة السابقة: (ومن كفن بغير قميص) كما ذكرته ثَمَّ. 1271 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "كُفِّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابِ سُحُولٍ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". [انظر: 1264 - مسلم: 941 - فتح: 3/ 140] (سفيان) أي: الثوري (عن هشام) أي: ابن عروة. (ثلاثة أثواب سحول) بضم السين: جمع سحل بمعنى: الغسيل، أو أثواب القطن، فالمعنى: أثواب مغسولة، أو منسوجة من قطن. قال الكرماني: وإنما لم يجعل اسم القرية؛ لأن التقدير من سحول، وحذف حرف الجر من الاسم الصريح غير فصيح (¬2). (كرسف) عطف بيان. (سحول ليس فيها قميص ولا عمامة) مرَّ شرحه (¬3). 1272 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". [انظر: 1264 - مسلم: 941 - فتح: 3/ 140] 1273 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ". [انظر: 1264 - مسلم: 941 - فتح: 3/ 140] ¬
24 - باب الكفن ولا عمامة
24 - بَابُ الكَفَنِ ولا عِمَامَةٌ (باب: الكفن ولا عمامة) في نسخة: "بلا عمامة" وفي أخرى: "الكفن في الثياب البيض". (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس عبد اللَّه الأصبحي. (كفن في ثلاثة أثواب) مرَّ شرحه. 25 - بَابٌ: الكَفَنُ مِنْ جَمِيعِ المَالِ وَبِهِ قَال: عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَتَادَةُ وَقَال عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: "الحَنُوطُ مِنْ جَمِيعِ المَالِ" وَقَال إِبْرَاهِيمُ: "يُبْدَأُ بِالكَفَنِ، ثُمَّ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ بِالوَصِيَّةِ" وَقَال سُفْيَانُ: "أَجْرُ القَبْرِ وَالغَسْلِ هُوَ مِنَ الكَفَنِ". (باب: الكفن من جميع المال) أي: من رأسه لا من الثلث. (عطاء) أي: ابن أبي رباح. (وقتادة) أي: ابن دعامة. (إبراهيم) أي: النخعي. (يبدأ بالكفن) أي: وبقية مؤن التجهيز. (ثُمَّ بالدَّين ثُم بالوصية) لأن ذلك أحوط للميت، ثم ما بقي للورثة، وأما تقديم الوصية على الدين ذكرا في قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] فلكونها قربة، والدين [مذموم غالبًا، ولكونها متشابهة للإرث من جهة أخذها بلا عوض وشاقة على الورثة، والدين] (¬1) نفوسهم مطمئنة إلى أدائه فقدمت عليه حثًّا على وجوب إخراجها، والمسارعة ¬
إليها، وقد أوضحت ذلك مع زيادة في "شرح البهجة" وغيره. (وقال سفيان) أي: الثوري. (أجر القبر) أي: حفره، [(والغسل)] (¬1) أي: وأجره. (هو من الكفن) أي: مما حكمه حكم الكفن في أنه من رأس المال، لا من الثلث. 1274 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا بِطَعَامِهِ، فَقَال: "قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلا بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ - أَوْ رَجُلٌ آخَرُ - خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلا بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي". [1275، 4045 - فتح: 3/ 140] (عن أبيه) هو إبراهيم بن عبد الرحمن. (قتل مصعب) قتله عبد اللَّه بن (¬2) [قمئة] (¬3). (وكان خيرًا مني) قاله عبد الرحمن تواضعًا، وإلا فهو: أحد العشرة المفضلين على من سواهم. (إلا برده) بالإضافة إلى الضمير، وفي نسخة: "إلا بردة" بتاء ¬
26 - باب إذا لم يوجد إلا ثوب واحد
التأنيث، والبرد: نمرة كالمئزر، وهذا موضع الترجمة. (وقتل حمزة) هو عم النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - وأخوه من الرضاعة، أو رجل آخر لم يسم. 26 - بَابُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ إلا ثَوْبٌ وَاحِدٌ (باب: إذا لم يوجد) أي: للميت. (إلا ثوب واحد) جواب (إذا) محذوف، أي: كفن فيه. 1275 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا، فَقَال: "قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ، بَدَتْ رِجْلاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلاهُ بَدَا رَأْسُهُ - وَأُرَاهُ قَال: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي - ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَوْ قَال: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ". [انظر: 1274 - فتح: 3/ 142] (ابن مقاتل) هو: محمد المروزي. (عبد اللَّه) أي: ابن المبارك. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (في بردة) بتاء التأنيث، وفي نسخة: "في برده" بالإضافة إلى الضمير. (بدت رجلاه) أي: ظهرتا. (وأراه) بضم الهمزة، أي: أظنه. (أو قال: أعطينا) شك من الراوي. (وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ... إلخ). فيه: أن العالم ينبغي له أن يذكر سير الصالحين في تقللهم من الدنيا، فتقل رغبته فيها، وأنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعم اللَّه ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها، ويتخوف أن يقاص بها في الآخرة، وإنما بكى؛ شفقةً أن لا يلحق بمن تقدمه، وحزنًا على تأخره عنهم.
27 - باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه، أو قدميه غطى رأسه
27 - بَابُ إِذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إلا مَا يُوَارِي رَأْسَهُ، أَوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى رَأْسَهُ (باب: إذا لم يجد) أي: من يتولى أمر الميت. (كفنًا إلا ما يواري) أي: يستر. (رأسه أو قدميه غطى رأسه) في نسخة: "غطى به رأسه" أي: لأنه أستر للميت. 1276 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، حَدَّثَنَا خَبَّابٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهُوَ يَهْدِبُهَا، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إلا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، "فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ". [3897، 3913، 3914، 4047، 4082، 6432، 6448 - مسلم: 140 - فتح: 3/ 142] (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (شقيق) هو أبو وائل بن سلمة. (خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، أي: ابن الأرت. (فوقع أجرنا على اللَّه) أي: وجب، كما في رواية (¬1)، أي: وجوبًا شرعيًّا بوعده الصادق، لا عقليًّا ولا عرفيًّا، إذ لا يجب على اللَّه شيء، (أينعت) بتحتية [ساكنه فنون مفتوحة أي: أدركت ونضجت. (يَهدبُها) بفتح أوله وتثليث الدال المهملة أي: يجنيها] (¬2) ويقطعها. (ما نُكَفِّنُهُ) أي: "به"، كما في نسخة. (من الإذخر) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين: نبت بالحجاز طيب الرائحة. ¬
28 - باب من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه
28 - بَابُ مَنِ اسْتَعَدَّ الكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ (باب: من استعد الكفن) أي: أعده. (في زمنه - صلى اللَّه عليه وسلم - فلم ينكر) بفتح الكاف مبنيًّا للمفعول، وبكسرها مبنيًّا للفاعل، وهو: ضمير النبي - صلى اللَّه عليه وسلم -. (عليه) أي: على المعدِّ. 1277 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فِيهَا حَاشِيَتُهَا"، أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَال: نَعَمْ، قَالتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، "فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ"، فَحَسَّنَهَا فُلانٌ، فَقَال: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا، قَال القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ، قَال: إِنِّي وَاللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي، قَال سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. [2093، 5810، 603 - فتح: 3/ 143] (ابن أبي حازم) هو عبد العزيز. (عن سهل) هو ابن سعد الساعدي. (أن امرأة) لم تسم. (ببردة) كساء أبيض تلبسه العرب. (منسوجة) صفة لبردة. (فيها حاشيتها) جملة صفة ثانية. (أتدرون) في نسخة: "تدرون" بغير همزة، والجملة: مقول سهل. (قالوا: الشملة) هي: كساء يشتمل به، فهي: أعم من البردة، ففي تفسيرها بها تجوز. (فحسَّنها) أي: قال: ما أحسنها. (فلان) هو عبد الرحمن بن عوف، على ما نقل عن الطبراني (¬1). (ما أحسنت) ما: نافية. ¬
29 - باب اتباع النساء الجنائز
(محتاجًا) بالنصب: حال، وفي نسخة: "محتاج" بالرفع: خبر لمحذوف. (لألبسها) في نسخة: "لألبسه". وفي الحديث: التبرك بآثار الصالحين. وجواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه، لكن لا يندب عند الشافعية أن يعد لنفسه كفنًا؛ لئلا يحاسب على اتخاذه، كما يحاسب على اكتسابه، إلا أن يقطع بحله، أو يكون من أثر ذي صلاح فيحسن إعداده، كما هنا. 29 - بَابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزَ (باب: اتباع النساء الجنائز) في نسخة: "الجنازة" 1278 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا". [انظر: 313 - مسلم: 938 - فتح: 3/ 144] (سفيان) أي: الثوري. (عن خالد) أي: "الحذاء"، كما في نسخة. (عن أم الهذيل) بضم الهاء وفتح المعجمة: حفصة بنت سيرين. (قالت) في نسخة: "أنها قالت". (ولم يعزم علينا) بالبناء للمفعول، أي: نهينا عن ذلك نهيًا غير جازم، أي: مكروهًا، لا محرمًا (¬1). ¬
30 - باب إحداد المرأة على غير زوجها
30 - بَابُ إِحْدَادِ المَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا (باب: إحداد المرأة على غير زوجها) في نسخة: "حداد المرأة" يقال: أحدت المرأة إحدادًا وحدت حدادًا، أي: إذا امتنعت من الزينة بعد وفاة زوجها، أو غيره. 1279 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَال: تُوُفِّيَ ابْنٌ لِأُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَتَمَسَّحَتْ بِهِ، وَقَالتْ: "نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثٍ إلا بِزَوْجٍ". [انظر: 313 - مسلم: 938 - فتح: 3/ 145] ¬
(في اليوم الثالث) [في نسخة: "في يوم الثالث"] (¬1) بإضافة الموصوف إلى الصفة. (بصفرة) أي: بطيب فيه صفرة. (أن نُحِدَّ) بضم النون، وكسر الحاء من أحدَّ، وفي نسخة: بفتح النون وضم الحاء من حد. (إلا بزوج) بموحدة، وفي نسخة: "لزوج" باللام، وفي رواية: "على زوج" بعلى، وكلها بمعنى: السببية. 1280 - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، قَال: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّأْمِ، دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِصُفْرَةٍ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا، وَذِرَاعَيْهَا، وَقَالتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً، لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [1281، 5334، 5339، 5345 - مسلم: 1486 (62) - فتح: 3/ 146] (الحميدي) هو عبد اللَّه بن الزبير. (سفيان) أي: ابن عيينة. (ابنة أبي سلمة) في نسخة: "بنت أبي سلمة" واسمه: عبد الله. (نعي أبي سفيان) بسكون العين وتخفيف الياء، أو بالكسر والتشديد، أي: خبر موته. (من الشام) قال شيخنا: فيه نظر؛ لأن أبا سفيان مات بالمدينة، فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك، إلا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنها وهمًا (¬2). ¬
(أم حبيبة) هي رملة أم المؤمنين. (لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر ... إلخ) التقييد بالإيمان وبالأربعة أشهر وعشر: جري على الغالب، وإلا فالذمية ونحوها كذلك، والحامل تحد مدة بقاء حملها، ساوت أربعة أشهر وعشرًا أو لا، وقوله: (فإنما تحد عليه) وجوبًا بقرينة خبر النسائي، وأبي داود (¬1): "لا تلبس المتوفى عنها زوجها المعصفر من الثياب". 1281 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [انظر: 1280 - مسلم: 1486 - فتح: 3/ 146] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (تحد) برفع تحد، وحذف أن الناصبة هنا، وفيما بعد، -كما- تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (¬2) - (ثم دخلت) أي: قالت زينب بنت ¬
أبي سلمة، ثم دخلت على زينب بنت جحش، استشكل بأن قضية (¬1)، ثم إن قصة زينب بنت جحش متأخرة عن قصة أم حبيبة، وليس بصحيح؛ لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصحيح، وأجيب: بأن ثمَّ هنا للترتيب الإخباري، لا الوجودي. (فمست به) أي: شيئًا من جسدها، ولفظ: (به) ساقط من نسخة. 1282 - ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ، فَمَسَّتْ بِهِ، ثُمَّ قَالتْ: مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [5335 - مسلم: 1487 - فتح: 3/ 146] (سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - على المنبر) زاد في نسخة: "يقول". ¬
31 - باب زيارة القبور
31 - بَابُ زِيَارَةِ القُبُورِ (باب: زيارة القبور) أي: مشروعيتها، وهي مندوبة للرجال؛ لخبر مسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (¬1)، وأما النساء والخناثي، فمكروهة في حقهم، وهذا في زيارة قبر غير النبي - صلى اللَّه عليه وسلم -، أما زيارة قبره فتندب لهما، كالرجال، ومثله قبور سائر الأنبياء والعلماء، والأولياء، وهذا كله في زيارة قبور المسلمين، وأما زيارة قبور الكفار فمباحة، وقيل: محرمة. 1283 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَال: "اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي" قَالتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَال: "إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى". (¬2). [انظر: 1252 - مسلم: 926 - فتح: 3/ 148] ¬
32 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" إذا كان النوح من سنته"
(آدم) أي: ابن [أبي إياس. (شعبة) أي ابن الحجاج. (ثابت) أي: البناني. (عند قبر) أي: قبر صبي لها كما في مسلم. (إليك عني) أي: تنح] (¬1). (عني، ولم تعرفه) ساقط من نسخة. (إنما الصبر) أي: الكامل. (عند الصدمة الأولى) أي: الواردة على القلب، إذ مفاجأة المصيبة بغتةً لها روعة تروع القلب وتزعجه بصدمتها، فإن صبر للصدمة الأولى انكسرت حدتها، وضعفت قوتها، فهان عليه استدامة الصبر، فأما إذا طالت الأيام على المصاب، وقع السلو، وصار الصبر حينئذٍ طبعًا، فلا يؤجر عليه مثل ذلك. ووجه مطابقة الحديث للترجمة: إقراره - صلى الله عليه وسلم - المرأة على زيارة القبور. 32 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ" لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: {لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] " وَهُوَ كَقَوْلِهِ: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} [فاطر: 18] ذُنُوبًا {إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} [فاطر: 18] " وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ البُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ. وَقَالَ ¬
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا". [انظر: 3335 - فتح: 3/ 150] وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ. (باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -) يعذب الميت ببعض بكاء أهله، أي: ببكائهم المقترن بالنوح ونحوه، وإليه الإشارة بقوله: (ببعض)، وبقوله: (إذا كان النوح من سنته)، أي: الميت، أي: من طريقته وعادته. (لقول اللَّه تعالى ({قُوا أَنْفُسَكُمْ}) أي: بترك المعاصي الشاملة للنوح ونحوه. ({وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}) أي: بنصحهم وتأديبهم، وتعريفهم أن النوح ونحوه حرام، فمن علم أن لأهله عادة بفعل شيء من ذلك ولم ينههم عنه، فلم يقهم ولا نفسه من النار. (ومسئول عن رعيته) أي: عن فعلهم، فإذا فعلوا منكرًا من نوح أو غيره ولم ينههم عنه، فهو مسئول عن ذلك. (فأما إذا لم يكن) أي: النوح. (من سنته) بأن لم يشعر بأن رعيته يفعلونه، أو نهاهم عنه فلم ينتهوا (فهو كما قالت عائشة) أي: كما استدلت بقوله تعالى: ({وَلَا تَزِرُ}) أي: تحمل. ({وَازِرَةٌ}) أي: نفس آثمة. ({وزْرَ أُخْرَى} أي: إثم نفس أخرى. (وهو) أي: ما استدلت به عائشة، كقوله تعالى: ({وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ}) زاد في نسخة: "ذنوبًا" وليست من القرآن. ({إِلَى حِمْلِهَا}) أي: من الوزر. ({لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ}) وأما قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13] فهو في الضالين لأنفسهم، المضلين لغيرهم؛ لأنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم؛ لأن كلًّا
منها من أوزارهم خاصة، وقوله: (وهو ... إلخ) ساقط من نسخة. (وما يرخص في البكاء في غير نوح) عطف على أول الترجمة، وهو حديث رواه الطبراني، وصححه الحاكم (¬1)، أو على ما في قوله: (كما قالت) و (ما) في الموضعين: موصولة، أو مصدرية. إلا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم) أي: وهو قابيل، الذي قتل هابيل ظلمًا وحسدًا. (كفل) أي: نصيب .. (من دمها) أي: دم النفس. 1284 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، وَمُحَمَّدٌ، قَالا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَال: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلامَ، وَيَقُولُ: "إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ"، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ - قَال: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَال كَأَنَّهَا شَنٌّ - فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَال سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ فَقَال: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ". (¬2). [5655، 6602، 6655، 7377، 7448 - مسلم: 923 - فتح: 3/ 151] ¬
(عبدان) هو عبد اللَّه بن عثمان. (ومحمد) أي: ابن مقاتل. (عبد اللَّه) أي: ابن المبارك. (عن أبي عثمان) هو عبد الرحمن النهدي. (ابنة النبي) في نسخة: "بنت النبي" واسمها: زيبب. (أن ابنا لي قبض) أي: قارب القبض، ففيه: تجوز، وفي نسخة: "أن ابنتي قد حضرت" وصوبها شيخنا، وعليها فاسم الأبنة: أمامة، وعلى الأولى فاسم الابن: قيل: علي بن أبي العاص بن الربيع، وقيل: عبد اللَّه بن عثمان بن عفان، وقيل: محسن بن علي، قال شيخنا: وهو أولى (¬1). (يقرئ السلام) بضم الياء من أقرئ (¬2). (وله ما أعطى) قدم عليه ما قبله، مع أنه متأخر عنه في الواقع؛ لاقتضاء المقام له. (فقام ومعه) في نسخة: "معه" بلا واو، وإنما لم يقم إليها أول إرسالها له؛ لاحتمال أنه كان في شغل حينئذٍ، أو كان امتناعه مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو بيانًا للجواز في أن من دُعي لمثل ذلك، لم تلزمه الإجابة، لكنها لما أقسمت عليه أجابهاة إبرارًا لقسمها المقتضي لزيادة تضجرها. (ولتحتسب) أي: بالولد أجرًا عند اللَّه. (تتقعقع) أي: تضطرب وتتحرك. (شن) بفتح المعجمة أي: قربة يابسة، وجمعها: شنان. ¬
(ففاضت) في نسخة: "وفاضت" بالواو. (سعد) أي: ابن عبادة. (ما هذا؟) أي: فيض الدمع، استبعده منه لما علم أنه من عادته - صلى اللَّه عليه وسلم - مقاومة المصيبة، وشدة الصبر عليها. (وقال: هذه) أي: الدمعة، وفي نسخة: "قال: إنه" أي: فيضان الدمع. (رحمة) أي: أثر رحمة. (وإنما) في نسخة: "فإنما". (يرحم اللَّه من عباده الرحماء). بالنصب على أن (ما) في (إنما): كافة، وبالرفع على أنها: موصولة. (والرحماء): جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة. وقضيته: أن رحمته تعالى تختص بمن اتصف بالرحمة الكاملة، بخلاف من فيه رحمة ما، لكن قضيته خبر أبي داود وغيره: "الراحمون يرحمهم الرحمن" (¬1) أنه يشمل كل من فيه رحمة ما؛ لأن الراحمين جمع راحم، وهذا هو الأوجه، وإنما بولغ في الأول؛ لأن القصد به الرد على من استبعد فيض الدمع، ولأن ذكر لفظ الجلالة فيه دال على العظمة، فناسبت فيه التعظيم والمبالغة. 1285 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال: وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، قَال: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، قَال: فَقَال: "هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ " فَقَال أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، قَال: "فَانْزِلْ" قَال: فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا. [1342 - فتح: 3/ 151] (شهدنا بنتًا لرسول اللَّه) أي: حضرنا جنازتها، وفي نسخة: ¬
"شهدنا بنتًا للنبي" وهي أم كلثوم، زوج عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه-. (لم يقارف) أي: لم يذنب، وقيل: لم يجامع أهله، وحكمة ترك الجماع: أن نزول القبر لمعالجة النساء، لا ينبغي لمن كان قريب عهد بمخالطتهن، بل تكون نفسه كالناسية لذلك، وقيل: إن عثمان باشر جارية له، وعلم النبي - صلى اللَّه عليه وسلم - بذلك، فعرض به أن لا ينزل في قبر زوجته، حيث لم يعجبه أنه اشتغل، وهي محتضرة. (فقال أبو طلحة) هو: زيد بن سهل الأنصاري. وفي الحديث: الجلوس على القبر، ونزول الأجنبي قبر النساء بإذن الولي، والتوسل بالصالحين في تولي شأن دفن الميت، وجواز البكاء حيث لا صياح ولا منكر. 1286 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَال: تُوُفِّيَتْ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ، وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا - أَوْ قَال: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي - فَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلا تَنْهَى عَنِ البُكَاءِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". [مسلم: 928 - فتح: 3/ 151] (عبدان) هو عبد اللَّه بن عثمان. (عبد اللَّه) أي: ابن المبارك. (أو قال) شك من ابن جريج. (إن الميت يعذب ببكاء أهله) تقييده بالأهل جري على الغالب، وإلا فالأجنبي، كالأهل. ومعنى الحديث: أن الميت يعذب بالبكاء عليه المقترن بمنكر كما مرَّ، وقيل معناه: سماعه للبكاء تعذيب له، كما أنا معذبون ببكاء الأطفال، فيبقى الحديث على ظاهره.
1287 - فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ، قَال: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَال: اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلاءِ الرَّكْبُ، قَال: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَال: ادْعُهُ لِي، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالحَقْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَا أَخَاهُ وَا صَاحِبَاهُ، فَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ، وَقَدْ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"؟! [1290، 1292 - مسلم: 927 - فتح: 3/ 151] (بالبيداء) بالمد: مفازة بين مكة والمدينة. (بركب) أي: أصحاب إبل عشرة فأكثر. (سمرة) بفتح المهملة وضم الميم: شجرة عظيمة من شجر العضاة. (صهيب) أي: ابن سنان بن قاسط. (فأخبرته) أي: أخبرت عمر بذلك. (فألحق) بفتح الحاء. (بأمير المؤمنين) في نسخة: "أمير المؤمنين" بلا باء. (واأخاه، واصاحباه) بالمد بعد الواو، بألف الندبة قبل هاء السكت. (يعذب ببعض ببكاء أهله عليه) مرَّ شرحه. 1288 - قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالتْ: رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، وَقَالتْ: حَسْبُكُمُ القُرْآنُ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "عِنْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى" قَال ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: "وَاللَّهِ مَا قَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا شَيْئًا". [1289، 3978 - مسلم: 929 - فتح: 3/ 151] (يرحم اللَّه عمر) هو من حسن الأدب، نحو: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} [التوبة: 43]؛ تمهيدًا لدفع ما يوحش من نسبته إلى الخطأ. (والله ما حدث ... إلخ) جزمت بذلك، وحلفت عليه؛ إما لأنها سمعت من النبي
- صلى اللَّه عليه وسلم - اختصاص العذاب بالكافر، أو فهمته بالقرائن. (لكن) في نسخة: "ولكن" ونونها ساكنة، فما بعدها مرفوع، أو مشددة فما بعدها منصوب. (حسبكم القرآن) أي: كافيكم منه قوله تعالى: ({وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى}) أي: لا تؤاخذ نفس بغير ذنبها، كما مرَّ. (والله {هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى}) غرضه بذلك: أن الكل بإرادة اللَّه، فيعمل بظاهر الحديث فإن له أن يعذب بلا ذنب، ويكون البكاء عليه علامة له، أو يعذبه بذنب غيره، لا سيما وهو السبب في وقوع غيره فيه، وتخصص آية الوازرة يوم القيامة، وقيل: غرضه تقرير قول عائشة، أي: أن بكاء الإنساء وضحكه من اللَّه، فلا أثر للعبد فيه، فعند ذلك سكت ابن عمر وأذعن، وقيل: سكوته لا يدل على الإذعان، فلعله كره المجادلة، أولم يحضره تأويل الحديث إذ ذاك. 1289 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا: سَمِعَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالتْ: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا، فَقَال: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا". [انظر: 1288 - مسلم: 132 - فتح: 3/ 152] (عن عبد اللَّه بن أبي بكر) أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم. (وإنها لتعذب في قبرها) أي: لكفرها في حال بكاء أهلها، لا بسبب البكاء. 1290 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَا أَخَاهُ، فَقَال عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ
33 - باب ما يكره من النياحة على الميت
الحَيِّ"؟ [انظر: 1287 - مسلم: 927 - فتح: 3/ 152] (أبو إسحق) هو سليمان. (أبي أبردة،) (¬1) هو الحارث. (عن أبيه) هو أبو موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري. 33 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى المَيِّتِ وَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ" وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ". (باب: ما يكره من النياحة على الميت) هو رفع الصوت بالندب، و (ما) موصولة، و (من) بيانية، وما قيل: من (ما) مصدرية، و (من) تبعيضية، أي: كراهة بعض النياحة؛ لحديث الإمام أحمد: (إنه - صلى اللَّه عليه وسلم - لم ينه عمة جابر لما ناحت (¬2) رُدَّ بأن حديث النهي متأخر عن هذا الحديث. (وقال عمر) أي: ابن الخطاب. (يبكين على أبي سليمان) هو خالد بن الوليد. (والنقع: التراب) أي: وضعه على الرأس، وتفسير النقع بالتراب، هو من قول: الفراء وقال غيره: هو رفع الصوت بالبكاء، والتحقيق أنه مشترك بينهما، وأن المراد به هنا: الأول؛ لئلا يتكرر مع قوله (واللقلقة: الصوت) أي: رفعه بالبكاء. 1291 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى ¬
34 - باب
أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ". [مسلم: 4، 933 - فتح: 3/ 160] (على أحد) أي: غيري. (فليتبوأ) أي: فليتخذ. (مقعده) أي: مسكنه. (من نيح) في نسخة: "من ينح" بمضارع مبني للمفعول، وفي أخرى: "من يناح" بألف مرفوعًا على أن (من) موصولة، لا شرطية. (يعذب) بالجزم على أن (من) شرطية، وفي نسخة: بالرفع على أنها موصولة، أو شرطية بتقدير: فإنه يعذب. (بما نيح) في نسخة: "بما ينح". (فما) على الأولى مصدرية، أو موصولة، وعلى الثانية ظرفية. 1292 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ" تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، وَقَال آدَمُ: عَنْ شُعْبَةَ: "المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ". [انظر: 1287 - مسلم: 927 - فتح: 3/ 161] (عبدان) أي: ابن عثمان بن جبلة. (عن شعبة) أي: ابن الحجاج. (تابعه) أي: عبدان. (عبد الأعلى) أي: ابن حماد. (سعيد) ابن عروبه. (حدثنا قتادة) يعني: عن سعيد بن المسيب. 34 - باب. (باب:) ساقط من نسخة، فهو على ثبوته، كالفصل من الباب السابق. 1293 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ، قَال: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ،
35 - باب: ليس منا من شق الجيوب
فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقَال: "مَنْ هَذِهِ؟ " فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو - أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو - قَال: "فَلِمَ تَبْكِي؟ أَوْ لَا تَبْكِي، فَمَا زَالتِ المَلائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ". [انظر: 1244 - مسلم: 2471 - فتح: 3/ 163] (سفيان) أي: ابن عيينة. (ابن المنكدر) هو محمد. (مثل به) بضم الميم، وتخفيف المثلثة، أي: قطع، قاله الكرماني (¬1)، وكلام الجوهري يدل له، وقال شيخنا: بتشديد المثلثة، يقال: مثل بالقتيل، إذا جدع أنفه وأذنه أو مذاكيره، أو شيء من أطرافه (¬2). (سجي ثوبًا) أي: غطي به. (فأمر رسول اللَّه) في نسخة: "فأمر به رسول اللَّه". (ابنة عمرو) واسمها: فاطمة، وقيل: هند. (أو أخت عمرو) شك من سفيان، وعمرو هو والد عبد اللَّه الممثل به. (فلِمَ تبكي؟) بكسر اللام وفتح الميم: استفهام عن غائبه. (أو لا تبكي) شك من الراوي هل استفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نهى. (تُظِلُّ) في نسخة: "تظله" بهاء. ومطابقة الحديث للترجمة السابقة: في قوله - صلى الله عليه وسلم - لما سمع صوت النائحة (من هذه؟) لأنه إنكار يفيد الكراهة، وإن لم يصرح به. 35 - بَابٌ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ (باب: ليس منا من شق الجيوب) جمع جيب، من جابه، أي: قطعه، قال اللَّه تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9)} [الفجر: 9] ¬
وهو ما يفتح من الثوب، ليدخل فيه الرأس للبسه. 1294 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ اليَامِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ". [1297، 1298، 3519 - مسلم: 103 - فتح: 3/ 163] (سفيان) أي: الثوري. (زبيد) بالموحدة، وبالتصغير: هو ابن الحارث بن عبد الكريم. (اليامي) في نسخة: "الأيامي". (ليس منا) أي: من أهل سنتنا، والنهي للتغليظ، أو مختص بمن اعتقد حل ما ذكر. (من لطم الخدود) جمعها، كالجيوب، وإن لم يكن للإنسان إلا خدان، وجيب واحد، باعتبار إرادة الجمع، وذِكْرُ الخدود جَرْيٌ على الغالب، وإلَّا فَضَرْبُ غيرِها من بقية البدن، كضربها. (بدعوى الجاهلية) أي: أهلها: وهي زمن الفترة قبل الإسلام، بأن قال في بكائه، ما كان يقال في الجاهلية مما يحرم شرعًا، نحو: واجبلاه، واعضداه (¬1). ¬
36 - باب رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد ابن خولة
36 - بَابُ رِثَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ ابْنَ خَوْلَةَ (باب:) بالتنوين. (رثى النبي) جملة من فعل وفاعل، وفي نسخة: "باب: رثاء النبي" بإضافة (باب)، وكسر الراء والمد والقصر، وجر النبي - صلى اللَّه عليه وسلم -. (سعد بن خولة) بنصب سعد، مفعولًا، والمراد بالرثاء هنا: توجعه - صلى اللَّه عليه وسلم - وتحزنه على سعد؛ لكونه مات بمكة بعد الهجرة، لا ذكر الميت بتعديد محاسنه، الباعث على تهييج الحزن؛ لأنه منهي عنه. 1295 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إلا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَال: "لَا" فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَال: "لَا" ثُمَّ قَال: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ - أَوْ كَثِيرٌ - إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ ¬
أَصْحَابِي؟ قَال: "إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إلا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ" يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ (¬1). [انظر: 56 - مسلم: 1628 - فتح: 3/ 164] (عام حجة الوداع) سميت بذلك؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ودعهم فيها، وسميت أيضًا بالبلاغ؛ لأنه قال لهم: هل بلغت، وبحجة الإسلام؛ لأنها الحجة التي فيها حج المسلمون، ليس فيها مشرك. (بلغ بي من الوجع) أي: غايته. (ولا يرثني) أي: من الورثة الخاصة. (إلا ابنة) اسمها: عائشة، ولم يكن له إذ ذاك سواها، ثم جاء له بعد ذلك أولاد. (بالشطر) أي: بالنصف، وفي نسخة: "فالشطر" بالفاء، والرفع بالابتداء، أي: فالشطر أتصدق به. (ثم قال: الثلث) بالرفع بفعل محذوف، أي: يكفيك الثلث، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: المشروع الثلث، أو مبتدأ حذف ¬
خبره، أي: الثلث كافيك، وبالنصب على الإغراء، أو بفعل مضمر، أي: اعط الثلث. (والثلث كبير) بموحدف (أو كثير) بمثلثة. (أن تذر) بفتح الهمزة، أي: لأن تذر، فمحله: جر، أو هو مبتدأ، فمحله: رفع، وخبره: خير، وبكسرها بجعل (أن) شرطية، وجوابها جملة صدرها مع فاء الجواب محذوف، أي: فهو خير. (وجه اللَّه) أي: ذاته. (حتى ما تجعل في في امرأتك) (ما): اسم موصول، و (حتى). عاطفة، أي: إلا أجرت بالنفقة التي تبتغي بها وجه اللَّه، حتى بالشيء الذي تجعله في فم امرأتك. (فقلت) في نسخة: "قلت". (أخلف) بضم الهمزة، وفتح اللام المشددة، في نسخة: "أأخلف؟ " بهمزة الاستفهام، أي: أأخلف في مكة؟! (بعد أصحابي) أي: بعد انصرافهم معك. (إنك لن) في نسخة: "إنك أن". (لعلك أن تخلف) أي: بأن يطول عمرك، وهذا من إخباره - صلى الله عليه وسلم - بالمغيبات، فإنه عاش حتى فتح العراق. (اللهم أمض) بفتح الهمزة، أي: أتمم. (لكن البائس) بموحدة وبالمد أي: الذي عليه أثر البؤس، أي: شدة الفقر والحاجة. (يرثي له) أي: يرق له، ويترحم عليه. (أن مات) بفتح الهمزة، أي: لأن مات بأرض هاجر منها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله: (لكن البائس ... إلى هنا) مدرج من قول سعد بن أبي وقاص، أو من قول الزهري. وفي الحديث: استحباب عيادة المريض للإمام وغيره، وإباحة جمع المال، والحث على صلة الرحم، واستحباب الإنفاق في وجوه الخير، وأن المباح إذا قصد به طاعة اللَّه صار طاعة، وإليه أشار بقوله: (حتى ما تجعل في امرأتك) وفيه: كراهة نقل الموتى من بلد إلى بلد، وإلا لأمر بنقل سعد إلى دار الهجرة.
37 - باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة
37 - بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ (باب: ما ينهى) أي: عنه. (من الحلق عند المصيبة) أي: حلق شعر المرأة. خصَّ الحلق بالذكر، لأنه أشنع في حق النساء، من بقية ما ذكر من الحديث الآتي، و (ما) موصولة، أو مصدرية. 1296 - وَقَال الحَكَمُ بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ: أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ، قَال: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا شَدِيدًا، فَغُشِيَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَال: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ". [مسلم: 104 - فتح: 3/ 165] (عن عبد الرحمن بن جابر) نسبة إلى جده، وإلا فهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. (مخيمرة) بضم الميم الأولى، وكسر الثانية. (أبو بردة) هو عامر، أو الحارث. (وجع) بكسر الجيم، أي: مرض (وجعًا) زاد في نسخة: "شديدًا". (في حجر امرأةٍ) بتثليث الحاء، كما مرَّ (أنا بريء ممن بريء منه رسول اللَّه) في نسخة: "ممن برئ منه محمد". (من الصالقة) بقاف، أي: الرافعة صوتها في المصيبة. (والحالقة) أي: التي تحلق شعر رأسها. (والشاقة) أي: التي تشق ثوبها. 38 - بَابٌ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقط من نسخة. (باب: ليس منَّا من ضرب الخدود) أي: ليس من أهل سنتنا. 1297 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:
39 - باب ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة
"لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ". [انظر: 1294 - مسلم: 103 - فتح: 3/ 166] (عبد الرحمن) أي: ابن مهدي. (سفيان) أي: الثوري. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن مسروق) أي: ابن الأجدع. (عبد اللَّه) أي: ابن مسعود. (ليس منَّا ... إلخ) مرَّ شرحه في باب: ليس منَّا من شقَّ الجيوب (¬1). (قال: أبو عبد اللَّه) أي: البخاري: معنى (ليس منا): من سنتنا، أي: من أهلها. (قال ... إلخ) ساقط من نسخة. 39 - بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ الوَيْلِ وَدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ المُصِيبَةِ (باب: ما يُنهى) أي: عنه. (من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة) الويل: أن يقال عند المصيبة: واويلاه، وعطف ما بعده عليه من عطف العام على الخاص. 1298 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ". [انظر: 1294 - مسلم: 103 - فتح: 3/ 166] (عن مسروق) أي: ابن الأجدع. (ليس منا ... إلخ) مرَّ شرحه، وآخره مستلزم للويل المذكور في الترجمة، وهذا الباب ساقط من نسخة. ¬
40 - باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن
40 - بَابُ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ (باب: من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن) أي: من أجلها. 1299 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٍ، وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ شَقِّ البَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لَمْ يُطِعْنَهُ، فَقَالَ: «انْهَهُنَّ» فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ: «فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ» فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ العَنَاءِ. [1305، 4263 - مسلم: 935 - فتح: 3/ 166] (عبد الوهاب) أي ابن عبد المجيد. (يحيى) أي: ابن سعيد. (عمرة) أي: بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. (قتل) بالرفع: فاعل (جاء). (ابن حارثة) اسمه: زيد. (وجعفر) أي: ابن أبي طالب. (وابن رواحة) اسمه: عبد اللَّه. (من صائر الباب) بهمزة بعد الألف كذا الرواة، قال المازري: والصواب: صير، أي: بكسر الصاد وسكون التحتية، قلت: وهذا ما قاله الجوهري وغيره، حيث قالوا: الصير: شق الباب. وفي الحديث: "من نظر من صير باب ففقئت عينه، فهي هدر" (¬1) لكن قال شيخنا بعد ذكر نحو ذلك، وقال ¬
ابن الجوزي: صائر، وصير بمعنى واحد (¬1)، وكلام الخطابي نحوه (¬2). (شق الباب) بفتح الشين. والجر على البدل، أو التفسير، أي: الموضع الذي ينظر منه، والشق بالكسر: ليس مرادًا هنا، وإن قيل به؛ لأن معناه: الناحية، وليست مرادة. (رجل) لم يسم. (أن نساء جعفر) لم يكن لجعفر نساء، فالمراد: زوجته أسماء بنت عميس الخثعمية، ومن حضر عندها من النساء من أقارب جعفر، ومن في معناهن، وخبر (أن) محذوف؛ لدلالة السياق عليه، أي: يبكين مع النياحة، أو ينحن، إذ لو كان مجرد بكاء، لم ينه عنه؛ لأنه أباحه، وذكر بكائهن حال من فاعل (قال). (فذهب) أي: إليهن فنهاهن. (فلم يطعنه) إما لكونه لم يسند النهي للنبي - صلى الله عليه وسلم - فحملهن ذلك على أنه مرشد إلى المصلحة من قبل نفسه، أو لكونهن كن يبكين بلا نياحة، والنهي عنه للتنزيه، لا للتحريم. (ثم أتاه الثانية) أي: المرة الثانية، وذكر أنهن لم يطعنه، بل استمررن إلى ما هن عليه. (غلبنا) بلفظ جمع المؤنثة الغائبة، وفي نسخة: "لقد غلبنا" بزيادة "لقد"، وفي أخرى: "غلبتنا" بلفظ المفردة المؤنثة الغائبة. (فزعمت) أي: فقالت. (فاحث) بضم المثلثة من حثا يحثو، أو بكسرها من حثى يحثي. (في أفواههن التراب) أي: يسدُّ محل النوح، والمراد به: المبالغة في الزجر من فعلهن. (فقلت) أي: للرجل. (أرغم اللَّه أنفك) أي: ألصقه بالرغام: وهو التراب، إهانة وذلًا، ودعت عليه من جنس ما أمر أن يفعله بالنسوة ة لفهمها من قرائن الحال أن أحرج النبي ¬
41 - باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة
- صلى اللَّه عليه وسلم - بكثرة تردده إليه في ذلك. (لم تفعل ما أمرك به رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم -) أي: من نهيهن، وإن كان نهاهن؛ لأنه لم يترتب على نهيه الامتثال، فكأنه لم ينه. (من العناء) بفتح المهملة، والمد: المشقة والتعب. 1300 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ". [انظر: 1001 - مسلم: 677 - فتح: 3/ 167] (حين قتل القراء) كانوا ينزلون الصفة يتعلمون القرآن، بعثهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل نجد ليقرءوا عليهم القرآن، ويدعوهم إلى الإسلام، فلما نزلوا بئر معونة، قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء من رعل وذكوان وعصية فقاتلوهم، فقتلوا أكثرهم. 41 - بَابُ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ المُصِيبَةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: " الجَزَعُ: القَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ "، وَقَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]. (باب: من لم يظهر حزنه عند المصيبة) إنما لم يظهر مع أنه مباح، قهرًا للنفس بالصبر الذي هو خير، قال تعالى: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [تلنحل: 126]. (الجزع: القول السيء) هو الذي يبعث الحزن غالبًا. (والظن السيء) هو اليأس من تعويض اللَّه المصاب في العاجل، ما هو أنفع له من الفائت، أو استبعاد حصول ما وعد به من الثواب على الصبر. ({بَثِّي}) البث: عظيم الحزن الذي لا يصير عليه، حتى يثب، وينشر إلى الرأس.
1301 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ، قَال: فَمَاتَ، وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا، وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ البَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَال: كَيْفَ الغُلامُ، قَالتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ، وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَال: فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا" قَال سُفْيَانُ: فَقَال رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ. [5470 - مسلم: 2144 (23) - فتح: 3/ 169] (اشتكى ابن) أي: مرض، وهو أبو عمير، صاحب النغير. (لأبي طلحة) هو زيد بن سهل الأنصاري. (امرأته) هي أم سليم، وهي أم أنس بن مالك. (هيأت شيئًا) أي: أعددت طعامًا وأصلحته، أو هيأت حالها بالتزين لزوجها؛ تعريضًا للجماع. (ونحَّته) أي: أبعدته. (هدأت نفسه) بسكون الفاء، أي: سكنت، وفي نسخة: "هدأ نفسه" بفتح الفاء وحذف التاء. (وأرجو أن يكون قد استراح) أي: من نكد الدنيا وتعبها. (وظن أبو طلحة أنها صادقة) أي: بالنسبة إلى ما فهمه من كلامها، وإلا فهي صادقة فيما أرادته. (فبات) معها. وفيه مع ما بعده: إشارة إلى أنه جامعها، وصرَّح به في رواية بلفظ (فقربت العشاء فتعشى، ثم أصاب منها) (¬1). (فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات) بسطه في مسلم حيث قال: فقالت: يا أبا طلحة، لو أن قومًا أعاروا أهل بيت عارية، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب وقال: تركتني حتى ¬
42 - باب الصبر عند الصدمة الأولى
تلطخت، ثم أخبرتني بابني (¬1). (منهما) أي: من أبي طلحة وزوجته، وفي نسخة: "منها" أي من زوجته. (لعل) بمعنى: عسى؛ بدليل دخول (أن) في خبرها. (لكما في ليلتكما) في نسخة: "لهما في ليلتهما". (قال سفيان) أي: ابن عيينة. (فقال رجل من الأنصار) هو عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج. (فرأيت لهما تسعة أولاد) أي: من ولد عبد اللَّه التي حملت به في تلك الليلة من أبي طلحة. وهم إسحق، وإسماعيل، ويعقوب، وعمير، وعمرو، ومحمد، وعبد الله، وزيد، والقاسم وعبارته توهم أنهم أولاد أبي طلحة، بلا واسطة، وليس مرادًا، كما نبه عليه شيخنا (¬2). 42 - بَابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى وَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نِعْمَ العِدْلانِ، وَنِعْمَ العِلاوَةُ: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ} [البقرة: 157] وَقَوْلُهُ تَعَالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]. (باب: الصبر عند الصدمة الأولى) الواردة على القلب. (نعم) كلمة مدح. (العدلان) فاعل نعم. والعدل بكسر العين: المثل، وهو المراد هنا، وبفتحها: ما عدل الشيء ¬
43 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنا بك لمحزونون"
من غير جنسه، وأصله بالكسر: نصف الحمل، والعدلان: الحمل، (ونعم العلاوة) هي ما يعلق على العير بعد تحميله العدلين، من سقاء ونحوه. ({الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ}) إلخ هو المخصوص بالمدح، وفيه مع ما قبله: لف ونشر مرتب، إذ المراد بالعدلين: الصلاة والرحمة، وبالعلاوة: الاهتداء (وقوله تعالى) بالجر عطف على الصبر. 1302 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى". [انظر: 1252 - مسلم: 926 - فتح: 3/ 171] (غندر) اسمه: محمد بن جعفر، وغندر لقبه. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن ثابت) أي: البناني. 43 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ" وَقَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَدْمَعُ العَيْنُ، وَيَحْزَنُ القَلْبُ". (الصبر عند الصدمة الأولى) مرَّ شرحه في باب: زيارة القبور (¬1). (باب: قول النبي - صلى اللَّه عليه وسلم -: إنا بك لمحزونون) هو طرف من حديث إبراهيم الآتي في الباب، وقوله: (باب: قول النبي) إلى قوله: (ويحزن القلب) ساقط من نسخة. 1303 - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ هُوَ ابْنُ حَيَّانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ ¬
اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ، فَقَال لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَال: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ"، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" رَوَاهُ مُوسَى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [مسلم: 2315 - فتح: 3/ 172] (حدثنا الحسن) في نسخة: "حدثني الحسن". (القين) بفتح القاف، وسكون التحتية، أي الحداد وهو صفة لأبي سيف، واسمه: البراء بن أوس، وقيل: غيره. (وكان ظئرًا) بكسر المعجمة، وسكون الهمزة، أي: مرضعًا بمعنى: زوج المرضعة غير ولدها، [فأطلق ذلك على زوجها لأنه يشاركها في تربيته غالبًا، وأصل الظئر: من ظأرت الناقة؛ إذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع غير ولدها] (¬1) وزوجته: هي أم بردة، واسمها: خولة بنت المنذر بن زيد الأنصارية، وقيل: هي أم سيف (¬2)، قيل: ولعلمها أرضعتاه، وقال النووي: خولة لها كنيتان (¬3)؛ فعليه المرضعة واحدة. (عليه) أي: على أبي سيف. (وإبراهيم يجود بنفسه) بسكون الفاء، أي: يخرجها ويدفعه، كما يخرج الإنسان ماله ويجود به، وأولاده - صلى الله عليه وسلم - ثمانية: القاسم، وبه يكنى، والطاهر، والطيب، وقيل: هما اسمان لواحد، ¬
44 - باب البكاء عند المريض
وإبراهيم، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وكلهم من خديجة، إلا إبراهيم فمن مارية القبطية. (تذرفان) بذال معجمة وراء مكسورة، أي: يجري دمعهما. (وأنت يا رسول اللَّه!) تعجب، أي: الناس لا يصبرون عند المصائب، وأنت تفعل، كفعلهم! مع حثك على الصبر، ونهيك عن الجزع، استغربه من مخالفة عادته. (إنها) أي: الحالة التي شاهدتها مني. (رحمة) أي: شفقة على الولد تنبعث عن الفاعل فيما هو عليه، لا جزع وقلة صبر كما توهمت. (ثم أتبعها بأخرى) أي: أتبع الدمعة الأولى بدمعة أخرى، أو أتبع الكلمة الأولى المجملة، وهي قوله: (إنها رحمة) بكلمة أخرى مفصلة، وهي قوله: (إن العين تدمع ... إلخ). وفي الحديث: استحباب تقبيل الولد، والترحم على العيال، والرخصة في البكاء، واستفسار المفضول فيما يستغربه من الفاضل، والإخبار عما في القلب من الحزن، وإن كان كتمه أولى، وجواز البكاء على الميت قبل موته. (رواه) أي: أصل الحديث. (موسى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي. 44 - بَابُ البُكَاءِ عِنْدَ المَرِيضِ (باب: البكاء عند المريض) ساقط من نسخة، ولفظ: (باب): ساقط من أخرى. "على" بدل (عنه). 1304 - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فَقَال:
"قَدْ قَضَى" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا، فَقَال: "أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "يَضْرِبُ فِيهِ بِالعَصَا، وَيَرْمِي بِالحِجَارَةِ، وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ". [مسلم: 924 - فتح: 3/ 175] (أصبغ) أي: ابن الفرج. (عن ابن وهب) اسمه: عبد اللَّه. (عمرو) أي: ابن الحارث. (اشتكى) أي: مرض. (في غاشية أهله) قال شيخنا: أي الذين يغشونه للخدمة ونحوها (¬1)، قال: ولفظ: (أهله) ساقط من أكثر النسخ، وعليه شرح الخطابي (¬2)، فيجوز أن يكون المراد بالغاشية: الغشية من الكرب، ويؤيده ما وقع في رواية مسلم "في غشية" (¬3) قال: وقال النووي: ليس الغاشية هي الداهية من شر، أو مرض أو مكروه، والمراد: ما يغشاه من كرب الوجع الذي فيه، لا الموت؛ لأنه أفاق من تلك المرضة، وعاش بعدها زمانًا (¬4). (قد قضى) بحذف همزة الاستفهام، أي: قد مات. (قالوا) في نسخة: "فقالوا". (إن اللَّه) بكسر الهمزة استئناف بجعل تسمعون لازمًا، أي: ألا توجدون السماع، وبفتحها: مفعول لتسمعون. (ولكن يعذب بهذا ... إلخ) أي: يعذب بلسانه، إن قال شرًّا، أو يرحم به إن قال خيرًا، (فأو): للتنويع، ويرحم بالرفع، قال الكرماني: ¬
45 - باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك
وإن صحت الرواية بالنصب، (فأو) بمعنى: إلى، أي: إلى أن يرحمه اللَّه بإدخاله الجنة؛ لأن المؤمن لا بد له من دخولها (¬1). (يضرب فيه) أي: في البكاء بالصفة المنهي عنها. [وفي الحديث: ندب عيادة الفاضل المفضول، والنهي عن المذكر] (¬2) وبيان الوعيد عليه، وجواز البكاء عند المريض، وأن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ومرَّ الكلام فيه (¬3). 45 - بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ النَّوْحِ وَالبُكَاءِ وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ (باب: ما ينهى عن النوح والبكاء والزجر عن ذلك). (ما) مصدرية، وفي نسخة: "من النوح" فمن بيانية، وما موصولة. (عبد الوهاب) أي: ابن عبد المجيد (عمرة) أي: بنت عبد الرحمن. 1305 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَال: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، قَالتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ البَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَى، فَقَال: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى، فَقَال: وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِي - أَوْ غَلَبْنَنَا، الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ - فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "فَاحْثُ فِي ¬
أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ" فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ العَنَاءِ. [انظر: 1299 - مسلم: 935 - فتح: 3/ 176] (يا رسول اللَّه) في نسخة: "أي رسول اللَّه" (بأن) في نسخة: "أن". (إن هو) في نسخة: "إنه". (من محمد بن حوشب) في نسخة: "من محمد بن عبد اللَّه بن حوشب". (التراب) في نسخة: "من التراب" ومرَّ شرح الحديث في باب: من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن (¬1). 1306 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ البَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ"، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ: أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأُمِّ العَلاءِ، وَابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ، وَامْرَأَتَيْنِ - أَو ابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ، وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ وَامْرَأَةٍ أُخْرَى. [4892، 7215 - مسلم: 936 - فتح: 3/ 176] (حماد بن زيد) لفظ: (ابن زيد) ساقط من نسخة. (قال: حدثنا أيوب) في نسخة: "عن أيوب" أي: السختياني. (عن محمد) أي: ابن سيرين. (عند البيعة) بفتح الباء، أي: بيعته لهن على الإسلام. (أم سليم) بالجر بدل، بالرفع خبر مبتدإٍ محذوف، وكذا ما عطف عليها، واسمها: سهلة. (وأم العلاء) بالمدِّ [(وابنة أبي سبرة) بفتح المهملة، وسكون الموحدة: وهي (امرأة معاذ) أي: ابن جبل] (¬2) (وامرأتين) في نسخة: "وامرأتان" وهما بحسب إعراب ما مرَّ. (أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ، ¬
46 - باب القيام للجنازة
وامرأة أخرى) شك من الراوي هل ابنة أبي سبرة هي امرأة معاذ كما في الأول، أو غيرها كما في الثاني، فالخمسة على الأول: أم سليم، وأم العلاء وابنة أبي سبرة التي هي امرأة معاذ، وامرأتان وعلى الثاني: أم سليم، وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، وامرأة أخرى. 46 - بَابُ القِيَامِ لِلْجَنَازَةِ (باب: القيام للجنازة) أي: إذا مرت على جالس. 1307 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ، فَقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ" قَال سُفْيَانُ: قَال الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: أَخْبَرَنَا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَادَ الحُمَيْدِيُّ: "حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ". [1308 - مسلم: 958 - فتح: 3/ 177] (سفيان) أي: ابن عيينة. (عن سالم) أي: ابن عبد اللَّه بن عمر. (فقوموا) أي: لها سواء كانت مسلمةً، أو ذميةً؛ إكرامًا لقابض روحِها مع احترامها. (تخلفكم) بضم الفوقية، وفتح المعجمةِ، وكسر اللامِ المشددةِ، أي: تترككم خلفها، وفي نسبة ذلك إليها تجوز؛ لأن المخلف حاملها، لا هي. (قال سفيان) أي: ابن عيينة (قال الزهري: أخبرني سالم ... إلخ) ذكر هذه الطريقِ؛ لبيان أن الأولى بالعنعنةِ، وهذه بالإخبار؛ ليفيد التقوية. (زاد الحميدي) هو أبو بكر بنُ عبد اللَّه المكيُّ. (حتى تخلفكم أو توضع) الزائدُ لفظ: (أو توضع) فقط، واختلفوا في القيام لها، فذهب الشافعيُّ إلى عدمِ وجوبهِ، وأن القيام لها منسوخٌ وكان لعلة، وقد
47 - باب: متى يقعد إذا قام للجنازة؟
ثبت أنه - صلى اللَّه عليه وسلم - تركه بعد فعله، قال: والتركُ أحبُ إليَّ، فعليه القيامُ لها خلاف الأولى، أو مكروهٌ، وبكراهته صرَّح النوويُّ في "الروضة" (¬1) لكن صرَّح المتوليُ باستحبابه، وقال النوويُّ في "المجموع" وغيره: إنه المختار (¬2)، وقد صحت الأحاديثُ بالأمر بالقيامُ، ولم يثبت في القعود شيءٌ، إلا حديثَ علي (¬3)، وليس صريحًا في النسخ؛ لاحتمال أنَّ القعودَ فيه؛ لبيان الجواز. قال الأزرعيُّ: وفيما اختاره النوويُّ نظرٌ؛ لأن الذي فهمه عليُّ -رضي اللَّه عنه- التركُ مطلقًا، وهو الظاهرُ، ولهذا أمر بالقعود من رآه قائمًا، ولفظُ حديث عليٍّ في مسلم: أنه - صلى اللَّه عليه وسلم - قام للجنازة، ثم قعد، وفي روايةٍ: أن عليًّا رأى ناسًا قيامًا ينتظرون الجنازة، فأشار إليه بدِّرةٍ معه، أو سوط أن اجلسوا، فإن رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - قد جلس بعد ما كان يقوم (¬4). 47 - بَابٌ: مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ؟ (باب: متى يقعد إذا قام للجنازة) ساقطٌ من نسخة، وساقط من أخرى لفظ: (باب). 1308 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جِنَازَةً، ¬
48 - باب: من تبع جنازة، فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال، فإن قعد أمر بالقيام
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا مَعَهَا، فَلْيَقُمْ حَتَّى يَخْلُفَهَا أَوْ تُخَلِّفَهُ أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخَلِّفَهُ". [انظر: 1307 - مسلم: 958 - فتح: 3/ 178] (جنازة) في نسخةٍ: "الجنازة". (أو تخلفه) شكٌّ من البخاري، أو من قتيبة. (أو توضع) أي: على الأرض، كأن يقوم القائمُ بالمصلى، و (أو) للتنويع. (من قبل أن تخلفه) فيه: بيان للمراد من رواية سالم السابقة. 1309 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِ مَرْوَانَ فَجَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخَذَ بِيَدِ مَرْوَانَ، فَقَال: قُمْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ هَذَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ" فَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ صَدَقَ. [1310 - مسلم: 959 - فتح: 3/ 178] (أحمد بن يونس) نسبة إلى جده، وإلا فهو أحمد بن عبد اللَّه بن يونس. (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن. (عن أبيه) هو كيسان. (مروان) هو الحكم بن أبي العاص. (هذا) أي: أبو هريرة. (عن ذلك) أي: عن الجلوس قبل وضع الجنازة. (صدق) أي: أبو سعيد. 48 - بَابٌ: مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً، فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ، فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالقِيَامِ (باب: من تبع جنازةَ فلا يقعد حتى توضع عن مناكبِ الرجالِ، فإن قعد أُمر بالقيامِ) أي: لأمره - صلى اللَّه عليه وسلم - بالقيام لها، كما مرَّ. 1310 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ،
49 - باب من قام لجنازة يهودي
فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ". [انظر: 1309 - مسلم: 959 - فتح: 3/ 178] (حدثنا مسلم، يعني: ابن إبراهيم) أي: ابن راهويه، ولفظ: (يعني: ابن إبراهيم) ساقط من نسخةٍ. (هشام) أي: الدستوائيُّ. (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (أبي سلمة) أي: ابن عبد الرحمن. (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) أمر بالقيام من كان قاعدًا، أما الراكبُ فيقف. 49 - بَابُ مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ (باب: من قام لجنازة يهودي) اقتصر على اليهوديِّ، تبعًا للحديث الآتي، وإلا فالنصرانيُّ مثله، وكذا من له أمانٌ فيما يظهر. 1311 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُمْنَا بِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، قَال: "إِذَا رَأَيْتُمُ الجِنَازَةَ، فَقُومُوا". [مسلم: 960 - فتح: 3/ 179] (مرَّ) في نسخة: "مرت". (وقمنا) في نسخة: "فقمنا" وفي أخرى: "وقمنا به" أي: بقيامه أي: لأجله. 1312 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، قَال: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالقَادِسِيَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالا: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ.
فَقَال: "أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟ ". [1313 معلقًا - مسلم: 961 - فتح: 3/ 179] (آدم) أي: ابن أبي إياس. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (بالقادسية) هي مدينةٌ صغيرة على مرحلتين، أو خمسةَ عشرَ فرسخًا من الكوفة (¬1). (عليهما) أي: على سهلٍ وقيسٍ، وفي نسخةٍ: "عليهم" أي: عليهما ومن حضرهما. (أي: من أهل الذمة) هم اليهود والنصارى. (أليست نفسًا؟) أي: نفسًا ماتت، فالقيام لها؛ لأجل من معها من الملائكةِ، كما مرَّ، والمراد هنا: ملائكة العذابِ؛ أو لأجل صعوبةِ الموت وتذكُّره، لا لذات الميتِ. 1313 - وَقَال أَبُو حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، قَال: كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ، وَسَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالا: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 1312] وَقَال زَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَقَيْسٌ: "يَقُومَانِ لِلْجَنَازَةِ". [فتح: 3/ 180] (أبو حمزة) بمهملة وزاي: محمدُ بنُ ميمونٍ. (عن الأعمش) هو سليمانُ بنُ مهرانَ. (عن عمرو) أي: ابن مُرَّةٍ (عن ابن أبي ليلى) اسمه: عبد الرحمن. (مع قيس) أي: ابن سعد. (وسهل) أي: ابن حنيفٍ. وفائدةُ ذكرِ هذه الطريق: التقويةُ لأنها بلفظ: (كنا)، بخلاف الأولى، فإنها تحتمل الإرسال. ¬
50 - باب حمل الرجال الجنازة دون النساء
(وقال زكرياء) أي: ابن زائدة. (عن الشعبيِّ) هو عامرُ بنُ شراحيل. (أبو مسعود) هو عقبةُ بنُ عمرو الأنصاريُّ. (يقومان للجنازة) فائدة ذكر هذه الطريق: أن أبا مسعود أيضًا كان يقوم للجنازة. 50 - بَابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الجِنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ (باب: حمل الرجال الجنازة دون النساء) أي: لضعفهنَّ، مع أنه قد ينكشف منهن شيءٌ، ومثلهن الخناثى. 1314 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قَالتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ، قَالتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إلا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ". [1316، 1380 - فتح: 3/ 181] (عن أبيه) هو كيسان. (قالت) أي: الجنازة، أي: روحها؛ لأَنَّ الجسدَ لا يتكلمُ بعد خروج الروح منه، إلا أن يردها اللَّه إليه، قاله ابن بطال. (قدِّموني) زاد في نسخةٍ: "قدِّموني" مرةً ثانية. (يا ويلها) أي: يا حزنها، احضر، هذا أوانك. (أين تذهبون بها؟) وكان القياسُ أن يقول: يا ويلي، أين تذهبوا بي؟ لكن أُضيفَ إلى الغائب؛ حملًا على المعنى، كأنه لما رأى نفسهَ غيرَ صالحةٍ نفر عنها وجعلها كأنه غيرُه، أو كره أن يضيف الويل إلى نفِسه، وإنما قالت غير الصالحةِ ذلك؛ تحسرًا لعلمها بأنها لم تقدِّمْ خيرًا، وإنما تقدمُ على شرها، فتكره القدوم. (صعق) في نسخة: "لصعق" أي: مات، أو غشي عليه؛ من شدة هولِ ذلك.
51 - باب السرعة بالجنازة
51 - بَابُ السُّرْعَةِ بِالْجِنَازَةِ وَقَال أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ وَامْشِ بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا، وَعَنْ يَمِينِهَا، وَعَنْ شِمَالِهَا" وَقَال غَيْرُهُ: "قَرِيبًا مِنْهَا". (باب: السرعة بالجنازة) أي: بتهيئةِ أمرها من حملِ وغيرهِ. (فامش) في نسخة: "وامش" بالإفراد فيهما، وفي نسخةٍ: "فامشوا" بالجمع، وهو أنسب بما قبله. (بين يديها إلخ). وجهُ مطابقةِ هذا الأثر للترجمة: أنه يتضمنُ التوسعةَ على المشيعين، من حيث إنهم لم يلزموا بجهةٍ واحدة في مشيهم، وذلك يتضمنُ الإسراع، (وقال غيره) قال شيخنا: أظنه عبد الرحمن بن قرطٍ، وهو صحابي (¬1). (قريبًا منها) أي: امشوا قريبًا منها من أي جهة كانت، وأمامها أفضل. 1315 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ". [مسلم: 994 - فتح: 3/ 182] (سفيان) أي: ابن عيينة. (حفظناه) أي: الحديث الآتي. (من الزهري) في نسخةٍ: "عن الزهري". (أسرعوا بالجنازة) أي: إسراعًا خفيفًا بين المشيِّ المعتاد ¬
52 - باب قول الميت وهو على الجنازة: قدموني
والخببِ، الذي هو العدوُ، وهو شدةُ الإسراعِ؛ لأن ما فوق ذلك يؤدي إلى انقطاع الضعفاءِ، أو مشقةِ الحامل، وهذا إذا لم يضرّه الإسراعُ، فإنَ ضرَّه فالثاني أفضل، فإنْ خِيف عليه تغيرٌ، أو انفجار، أو انتفاخ، زِيدَ في الإسراع. (فخيرٌ تقدمونها) زاد في نسخة: "إليه" أي: إلى الخير. 52 - بَابُ قَوْلِ المَيِّتِ وَهُوَ عَلَى الجِنَازَةِ: قَدِّمُونِي (باب: قولِ الميت، وهو على الجنازة) أي: النعش. (قدِّموني) قائله: الميتُ الصالحُ. 1316 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالتْ لِأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إلا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ لَصَعِقَ". [انظر: 1314 - فتح: 3/ 184] (سعيد) أي: المقبري. (عن أبيه) هو كيسان، كما مرَّ. (إذا وضعت الجنازةُ) أي: الميت على النعش. (غير صالحة) في نسخةٍ: "غير ذلك". (ولو سمع الإنسان) أي: صوتها. (لصعق) مرَّ شرحُه آنفًا. 53 - بَابُ مَنْ صَفَّ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً عَلَى الجِنَازَةِ خَلْفَ الإِمَامِ (باب: من صف) أي: اصطفَّ من الناس. (صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام) قيد بالصفين والثلاثة، تبعًا للحديث الآتي، وإلا فالحكمُ لا يختصُّ بهما، لكن جعلهم ثلاثًا فأكثر أفضل؛ لخبر الترمذيِّ وحسَّنه: "ما مِنْ مسلمِ يموتُ، فَيْصلِّي عليه ثلاثةُ صفوفٍ من المسلمين،
54 - باب الصفوف على الجنازة
إلَّا أُوجِرَ" (¬1) أي: غفر له، كما رواه الحاكم، قال الزركشيُّ قال بعضُهم: والثلاثةُ بمنزلةِ الواحدِ في الأفضلية، وإنما لم يجعل الأول أفضل؛ محافظةً علي مقصودِ الشارع من الثلاثةِ. 1317 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَو الثَّالِثِ". [1320، 1334، 3877، 3878، 3879 - مسلم: 952 - فتح: 3/ 186] (عن أبي عوانة) أي: الوضاح بن عبد الله اليشكري. (على النجاشيِّ) سبق بيانه في باب: الرجل يَنْعى إلى أهلِ الميتِ نفسهِ. (أو الثالث) شكٌّ من الراوي. 54 - بَابُ الصُّفُوفِ عَلَى الجِنَازَةِ (باب: الصفوف على الجنازة) هذه الترجمة علي أصل الصفوفِ، والسابقةُ على عددها، وأيضًا هذه جزم فيها بذكر الصفوف، بخلاف السابقة. ¬
1318 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "نَعَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ النَّجَاشِيَّ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَصَفُّوا خَلْفَهُ، فَكَبَّرَ أَرْبَعًا". [انظر: 1242 - مسلم: 951 - فتح: 3/ 186] (معمر) أي: ابن راشد. (سعيد) أي: ابن المسيب. (نعى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلخ) مرَّ شرحه. 1319 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَصَفَّهُمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا" قُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ، قَال: ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. [انظر: 857 - مسلم: 954 - فتح: 3/ 186] (مسلم) أي: ابن إبراهيم الفراهيدي. (عن شعبة) أي: ابن الحجاج. (الشيباني) هو سليمان بن أبي سليمان فيروز (عن الشعبي) هو عامر بن شراحيل. (أتى) في نسخة: "أنه أتى". (على قبر منبوذ) بذالٍ معجمة، وبتنوين قبر، وعلى أنَّه موصوفٌ بـ (منبوذ)، أي: منفردٌ [عن القبور] (¬1)، وفي نسخةٍ: بإضافته إلى منبوذ، أي: على قبرِ ميتٍ منبوذٍ، أو لقيط. (قلت) مقول الشيبانيِّ، أي: قلت للشعبيِّ. (من حدثك) بهذا، ومرَّ الحديثُ في باب: وضوء الصبيان (¬2). 1320 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَدْ تُوُفِّيَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ، فَهَلُمَّ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ"، قَال: ¬
55 - باب صفوف الصبيان مع الرجال في الجنائز
فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَنَحْنُ مَعَهُ صُفُوفٌ قَال أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ "كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي". [انظر: 1317 - مسلم: 952 - فتح: 3/ 186] (أن ابن جريج) هو عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ. (من الحبشة) بفتح المهملة والموحدة، وفي نسخةٍ: "من الحبش" بضم المهملة وسكون الموحدة، وهم -كما في القاموس- جنس من السودان (¬1). (فهلم) بفتح الميم: اسمُ فعلٍ يستوي فيه على لغةِ الحجازيين الواحدُ والمثنى والجمعُ، وهو المراد هنا، أي: تعالوا، وتميم تقول: هلمَّ، وهلمَّا، وهلمُّوا، وهلمِّي، وهلمْن. (عليه ونحن صفوف) ساقطٌ من نسخةٍ، وفي أخرى: زيادة "معه" بعد (ونحن). (أبو الزبير) بالتصغير. هو محمدُ بنُ مسلمٍ بنُ تدرس، بفتح الفوقية وضم الراء. 55 - بَابُ صُفُوفِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الجَنَائِزِ (باب: صفوف الصبيان مع الرجال على الجنائز) في نسخةٍ: "في الجنائز". 1321 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَرَّ بِقَبْرٍ قَدْ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَال: "مَتَى دُفِنَ هَذَا؟ " قَالُوا: البَارِحَةَ، قَال: "أَفَلا آذَنْتُمُونِي؟ " قَالُوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ. [انظر: 857 - مسلم: 954 - فتح: 3/ 189] (عبد الواحد) أي: ابن زياد العبدي. (الشيباني) اسمه: سليمان، ¬
56 - باب سنة الصلاة على الجنازة
كما مرَّ. (عن عامر) هو الشعبي. (بقبر دفن) في نسخةٍ: "بقبر قد دفن" أي: دفن فيه صاحبُه، فهو من ذكر المحلِّ، وإرادة الحال. (قالوا) في نسخةٍ: "فقالوا". (البارحة) أي: الليلة. وفيه: جوازُ الدفنِ بالليلِ، وما روي عن النهي (¬1) فمحمولٌ على أنَّه كان أولًا، ثم رُخِّص فيه، أو على أن النهيَ إنما هو عن دفنه قبل الصلاةِ عليه، وفيه الصلاة على الغائب، وأنَّ الصلاةَ على الجنازةِ بالصفوف، وجوازُ الصلاةِ على القبر، وإعلامُ الناسِ بموت المسلمِ؛ لينهضوا إلى الصلاةِ عليه، ومرَّ شرح الحديثِ في باب: الإذن بالجنازة (¬2). 56 - بَابُ سُنَّةِ الصَّلاةِ عَلَى الجَنَازَةِ وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى الجَنَازَةِ". [انظر: 47] وَقَال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ". [2289]، وَقَال: "صَلُّوا ¬
عَلَى النَّجَاشِيِّ". [انظر: 1317] سَمَّاهَا صَلاةً لَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ، وَلَا سُجُودٌ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِيهَا وَفِيهَا تَكْبِيرٌ وَتَسْلِيمٌ " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: "لَا يُصَلِّي إلا طَاهِرًا، وَلَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا غُرُوبِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ" وَقَال الحَسَنُ: "أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَأَحَقُّهُمْ بِالصَّلاةِ عَلَى جَنَائِزِهِمْ مَنْ رَضُوهُمْ لِفَرَائِضِهِمْ، وَإِذَا أَحْدَثَ يَوْمَ العِيدِ أَوْ عِنْدَ الجَنَازَةِ يَطْلُبُ المَاءَ وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى الجَنَازَةِ وَهُمْ يُصَلُّونَ يَدْخُلُ مَعَهمْ بِتَكْبِيرَةٍ" وَقَال ابْنُ المُسَيِّبِ: "يُكَبِّرُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالسَّفَرِ وَالحَضَرِ أَرْبَعًا" وَقَال أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "التَّكْبِيرَةُ الوَاحِدَةُ اسْتِفْتَاحُ الصَّلاةِ" وَقَال: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] وَفِيهِ صُفُوفٌ وَإِمَامٌ. [فتح: 3/ 189] (باب: سنة الصلاة على الجنائز) في نسخة: "على الجنازة" وأراد بالسنةِ: ما يشمل الواجب والمندوب. (من صلى على الجنازة) أي: فله قيراطٌ، كما يعلم من باب: من انتظر حتى تدفن (¬1) (على صاحبكم) الميت الذي كان عليه دينٌ، لا يفي به مالهُ. (سمَّاها) أي: الهيئةُ الخاصةُ التي يدعى فيها للميت. (لا يصلي) أي: لخبر مسلم. (إلا طاهرًا) لخبر مسلمٍ: "لا يقبلُ الله صلاةَ بغيرِ طَهُورٍ" (¬2) وكأن البخاريَّ أراد بذلك: الرد على الشعبيِّ، حيث أجاز الصلاةَ على الجنازةِ بغير طهارةٍ. (ولا يُصلي) بضم التحتية وكسر اللام، ¬
أي: وكان ابن عمرٍ لا يصلي، وفي نسخةٍ: "ولا تصلى" بضم الفوقية وفتح اللام، أي: وكان يقول: لا تُصلَّى صلاةُ الجنازةِ. (عند طلوع الشمس، ولا غروبها) أي: فهي مكروهةٌ حينئذٍ، وتبعه في ذلك مالكٌ وغيُره، ومذهبُ الشافعيِّ عدم كراهتها؛ لخبر "أسرعوا بالجنازة" (¬1)؛ ولأن سَببها مقدَّمٌ. (ويرفع يديه) أي: ندبًا في كلِّ تكبيرة. (وقال الحسن) أي: البصريُّ. (وأحقهم) أي: "بالصلاة". [كما في نسخة] (¬2) (من رضوهم) في نسخةٍ: "رضوه". (لفرائضهم) فيقدَّمُ الأفضلُ، والأَولى عند الشافعيِّ هنا بالصلاة الأب، ثم أبوه وإنْ علا، ثم الابن، ثم ابنه وإنْ سفل، وخالف ترتيبَ الإرثِ؛ لأنَّ معظمَ الغرضِ الدعاءُ للميت، فقدمَّ الأشفقَ؛ لأنَّ دعاءَه أقربُ إلى الإجابة، ثمَّ العصبات النسبية على ترتيبِ الإرث، كما هو مبسوط في كتب الفقه. (وإذا أحدث يوم العيد إلخ) هو من تمام كلام الحسن. (يدخل معهم بتكبيرة) أي: ثم يأتي بما فاته من التكبيرات، وغيرِها. واعلم أنَّ البخاريَّ استدلَّ على غرضه من بيان جواز إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة ومشروعيتها، وإنْ لم تكن ذات ركوعٍ وسجودٍ، وتسميتهُا صلاةً،. كما في ({وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا}) وبإثبات خاصة الصلاة فيها من افتتاحها بالتكبير، وختمها بالتسليم، وعدمِ التكلم فيها، وذات صفوفٍ وإمام، فالصلاةُ مشتركةُ بين الصلاةِ المعهودةِ وصلاةِ الجنازةِ فهي حقيقةٌ شرعيةٌ فيهما. (تكبيرة الواحدة) من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي: التكبيرة الواحدة [وفي نسخة: ¬
57 - باب فضل اتباع الجنائز
"والتكبيرة الواحدة "] (¬1) (استفتاح الصلاة) أي: صلاةُ الجنازةِ، كما في افتتاح غيرِها من الصلوات (وقال عزَّ وجلَّ) عطفٌ علي الترجمة. ({مَاتَ أَبَدًا}) ساقطٌ من نسخةٍ. (وفيه) أي: فيما ذكر من حكم صلاة الجنازةِ. (صفوف وإمام) هو مما يدلُّ علي إطلاق الصلاة على صلاة الجنازة أيضًا. 1322 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ "فَأَمَّنَا، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ"، فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَمْرٍو، مَنْ حَدَّثَكَ؟ قَال: ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. [انظر: 857 - مسلم: 954 - فتح: 3/ 190] (من حدثك) في نسخةٍ: "ومن حدثك" بواو. وفي الحديث: أن السنةَ أنْ يُصلَّى على الجنازة جماعة، وجواز، الصلاةِ على القبرِ. 57 - بَابُ فَضْلِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ وَقَال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "إِذَا صَلَّيْتَ فَقَدْ قَضَيْتَ الَّذِي عَلَيْكَ" وَقَال حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ: "مَا عَلِمْنَا عَلَى الجَنَازَةِ إِذْنًا وَلَكِنْ مَنْ صَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ فَلَهُ قِيرَاطٌ". (باب: فضل اتباع الجنائز) أي: إلى المصلَّى، وإلى المقبرة. (إذا صليت) أي: على الجنازة. (فقد قضَّيتَ الذي عليك) أي: في الاتباع، أي: أديته. (ما علمنا على الجنازة إذنًا) أي: يُطلبُ من أوليائها للانصرافِ بعد الصلاة، فلا يفتقر إلى الإذن فيه، خلافًا لبعضهم. ¬
1323 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَال: سَمِعْتُ نَافِعًا يَقُولُ: حُدِّثَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَقُولُ: "مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ" فَقَال: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا،. [انظر: 47 - مسلم: 945 - فتح: 3/ 192] (أبو النعمان) هو محمدُ بنُ الفضلِ السَّدوسيُّ (حُدِّث) بالبناء للمفعول. (من تبع جنازةً فله قيراطٌ) أي: من الأجر، وكذا كلُّ عمل من أعمالها، فقد روى البزار عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ أَتَى جنازة في أهلها فله قيراط، فإنْ تبعها فله قيراطٌ، فإنْ صلَّى عليها فله قيراط، فإنْ انتظرها حتى تُدفنَ فله قيراطٌ" (¬1) والقيراطُ قال الجوهري: نصفُ دانق، والدانقُ: سدسُ الدرهمِ، فعليه يكون القيراطُ نصفُ سدسِ الدرهمِ، وقال ابن الأثيرِ: القيراطُ: نصفُ عشرِ الدينارِ في أكثر البلاد، وربعُ سدسهِ في الشامِ (¬2). والمراد به في الحديث: نصيبٌ من الأجرِ، وخُصَّ القيراط بالذكر؛ لأنَّ غالبَ ما تقع به المعاملة إذ ذاك كان به. (قال) أي: ابن عمر. (أكثر أبو هريرة) أي: من الأحاديث، لم يقل ذلك اتهامًا بأنه روى ما لم يسمع، بل جوز عليه السهو والاشتباه، أو أنه قال برأيه واجتهاده. 1324 - فَصَدَّقَتْ يَعْنِي عَائِشَةَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَقَالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ فَقَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ" فَرَّطْتُ: ضَيَّعْتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ". ¬
58 - باب من انتظر حتى تدفن
(فصدقت يعني: عائشة. أبا هريرة) في نسخة: "بقول أبي هريرة" ولفظ: (يعني: عائشة) من كلام البخاريِّ. (فرطنا) أي: ضيعنا، حيث قصَّرنا في اتباع الجنائز. (فرطت) أي: (ضيعت من أمر الله) وفي نسخةٍ: "فرطت من أمر الله" أي: (ضيَّعت) ودأبُ البخاريِّ أنْ يفسر الكلمةَ الغريبةَ من الحديث، إذا وافقت كلمةٌ كلمةً من القرآن، وهي هاهنا في قوله تعالى: {يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56]. 58 - بَابُ مَنِ انْتَظَرَ حَتَّى تُدْفَنَ (باب: من انتظر حتى تدفن) أي: فله قيراط آخر. 1325 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَال: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ح حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَال ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ"، قِيلَ: وَمَا القِيرَاطَانِ؟ قَال: "مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ". [انظر: 47 - مسلم: 945 - فتح: 3/ 196] (فقال) في نسخةٍ: "قال". (سمعت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -) في نسخةٍ عقب هذا: (ح وحدثني عبدُ الله بنُ محمدٍ، حدثنا هشامُ، أخبرنا معمرُ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بن المسيب، عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه -، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ". (يونس) أي: ابن يزيدِ الأَيْلي. (وحدثني عبدُ الرحمنِ) عطفٌ علي مقدر، أي: قال ابن شهاب: حدثني فلانٌ به، وحدثني عبدُ الرحمن أيضًا به. (من شهد الجنازة) في روايةِ مسلم: "مَن خَرَجَ مع جنازةٍ من بيِتهَا
59 - باب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز
حتى يُصلِّي، (¬1) أي: "عليها" كما في نسخة، أي: على الجنازة، وفي أخرى: "عليه" أي: على الميت. (ويصلي) بفتح اللام وكسرها، وهو المراد هنا. (فله قيراط إلخ) تقدَّم أنَّ قراريطَ أحوالِ الجنازة متعددةً، وإنما خَصَّ قيراطَي الصلاةِ والدفنِ بالذكرة لكونهما المقصودين أصالةً، بخلاف البقية، وقوله: (حتى تُدفنَ) أي: يفرغ من دفنها، كما هو ظاهر الحديث، وخرج به ما قيل: أنَّ المعنى: حتى توضع في اللحد (¬2)، أو حتى توارى قبل إهالةِ التراب، وإنْ ورد في كلٍّ منهما رواية. (مثل الجبلين العظيمين) زاد في مسلم "أصغرها مثل أحد" (¬3) فالمراد: تعظيمُ الثواب، فمثله بالعيان بأعظم الجبالِ خلقًا وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبًّا، ويجوز أنْ يكون علي حقيقته بأنْ يجعلَ الله تعالى عمله يوم القيامة جسمًا قدر أحدٍ ويوزن، ومرَّ شرح الحديث في باب: اتباع الجنائز من الإيمان (¬4). 59 - بَابُ صَلاَةِ الصِّبْيَانِ مَعَ النَّاسِ عَلَى الجَنَائِزِ (باب: صلاة الصبيان مع الناس علي الجنائز) أي: مشروعيتها لهم، وإن عُلِمت ضمنًا من باب: صفوف الصبيان مع الرجال على الجنائز (¬5). ¬
60 - باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد
1326 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرًا، فَقَالُوا: هَذَا دُفِنَ - أَوْ دُفِنَتْ - البَارِحَةَ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "فَصَفَّنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا". [انظر: 857 - مسلم: 954 - فتح: 3/ 198] (يحيى ابن أبي بكير) هو العبديُّ الكوفيُّ، قاضي كرمان. (أو دفنت البارحة) شكٌّ من ابن عباس (فصفنا) في نسخةٍ: "فصففنا) بفاءين. 60 - بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الجَنَائِزِ بِالْمُصَلَّى وَالمَسْجِدِ (باب: الصلاةِ علي الجنائز بالمصلَّى) أي: بالمكان المتخذ للصلاة عليها فيه. (والمسجد) أي: وفي المسجد، لكنه لم يذكر للصلاةِ عليها فيه حديثًا كما يأتي بيانه، وإنَّما ذُكر في الترجمة، لاتصاله بمصلى الجنازة، كما يُعلم من حديث الباب. 1327 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَال: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ". [انظر: 1245 - مسلم: 951 - فتح: 3/ 199] (يحيى بن بكير) أي: المصريُّ. (عن عقيل) بالتصغير، أي: ابن خالد. (نعى لنا) وفي نسخة: "نعانا". (يوم الذي مات فيه) بإضافة (يوم) وهي من إضافة الموصوف إلى الصفة، وفي نسخة: "اليوم الذي مات فيه". (استغفروا لأخيكم) أي: في الإسلام.
1328 - وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفَّ بِهِمْ بِالْمُصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا". [انظر: 1245 - مسلم: 951 - فتح: 3/ 199] 1329 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ اليَهُودَ، جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا "فَأَمَرَ بِهِمَا، فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ". [3635، 4556، 6819، 6841، 7332، 7543 - مسلم: 1699 - فتح: 3/ 199]. (أبو ضمرة) هو أنسُ بنُ عياضٍ. (أن اليهود) أي: من أهلِ خيبرَ. (برجلٍ منهم وامرأة) قيل: اسمها: بسرة، والرجلُ لم يسمَّ. (عند المسجد) لا دلالةَ فيه على الصلاةِ في المسجد، إنما الدليلُ خبرُ مسلم: إنه صلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيلٍ بن بيضاء في المسجد، وكأنَّ البخاريَّ تركه؛ لأنه ليس علي شرطه، وأشار في الترجمةِ إلى أنَّه يضع له حديثًا على شرطه، فلم يتفق له ذلك وأما خبر: "منْ صلَّى على جنازة في المسجدِ، فلا شيءَ له" (¬1) ¬
61 - باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور
فضعيفٌ، مع أنَّ الذي في الأصول المعتمدة فلا شيءَ عليه، ولو صحَّ وجب حملُه على هذا جمعًا بين الروايات. 61 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ وَلَمَّا "مَاتَ الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ" ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ القُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ: أَلا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا، فَأَجَابَهُ الآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا". (باب: ما يكرهُ من اتخاذ المساجدِ على القبور) أي: قبور المسلمين، و (ما) مصدرية، وسيأتي بعد ثمانية أبواب ما له بما هنا تعلق. (ضربت امرأة) اسمها: فاطمةُ بنتُ الحسينِ بنِ علي، وهي ابنةُ عمِّه. (القبَّة) أي: الخيمةُ، المعبر عنها في رواية: بالفسطاط. (ثم رُفعتْ) بالبناء للمفعول والفاعل. (فسمعوا) أي: المرأة ومن معها، وفي نسخةٍ: "فسمعت". (صائحًا) أي: من مؤمني الجنِّ، أو الملائكة. (ما فقدوا) بفتح القاف، وفي نسخة: "ما طلبوا". ¬
قال شيخُنا: ووجهُ مناسبةِ هذا الأثرِ لحديث الباب: أنَّ المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاةِ هناك، فيستلزم اتخاذ المسجد عند القبر (¬1). 1330 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ هِلالٍ هُوَ الوَزَّانُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا"، قَالتْ: وَلَوْلا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. [انظر: 435 - مسلم: 529 - فتح: 3/ 200] (عن شيبان) أي: ابن عبد الرحمن النحويُّ. (اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا) وفي نسخة: "مساجد" وذلك بأن جعلوا قبورَ أنبيائهم جهةَ قبلتهم، والتعليلُ بذلك قاصرٌ؛ لاختصاصه باليهودِ، الموافق لرواية الاقتصار على لعنِ الله اليهود (¬2)، إذ النصارى لا يدَّعون نبوتَه، أي: وإلاهيته، أو غير ذلك علي اختلافِ مللهم الباطلةِ، بل ولا يدَّعون موتَه حتى يكونَ له قبرٌ، فإن جُعل ضميرُ (اتخذوا) لليهود خاصةً، فلا إشكال. (لأبرزوا قبره) في نسخة: "لأبرز قبره". (غير أني أخشى) في نسخةٍ: "غير أنه خُشِي" بالبناء للمفعول، وفي إحدى نسخه: بالبناء للفاعل، فالضميرُ على الأوَّل لعائشةَ، وعلى الثاني للشأن، وعلى الثالث للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ¬
62 - باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها
ومطابقةُ الحديثِ في الترجمة في قولهِ: (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدًا) إذ اتخاذُ القبورِ مساجدًا لازمٌ لاتخاذ المساجد عليها، كعكسه. 62 - بَابُ الصَّلاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا (باب: الصلاةِ علي النفساء) بالمد، وبضم النون أشهر من فتحها وكسرها. (إذا ماتت في نفاسها) أي: في مدته. 1331 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا". (حُسَيْن) أي: المعلم. (عن سَمُرَة) بفتح المهملة، وضم الميم، أي: "ابن جُنْدُب" كما في نسخة. (على امرأة) هي أم كعب الأنصارية. (فقام عليها وسطها) بفتح السين على المشهور، أي: محاذيًا لوسطها، والمراد: عجيزتها، وفي نسخة: "على وسطها" ومرَّ الحديثُ في باب: الصلاة على النفساء وسنتها (¬1)، وذِكْرُ النِّفاسِ ليس بقيد، بل هو حكايةٌ على الواقع. 63 - بَابٌ: أَيْنَ يَقُومُ مِنَ المَرْأَةِ وَالرَّجُلِ؟ (باب: أين يقوم من المرأة والرجل) أي: إذا صلى عليهما بعد موتهما، وذِكْرُ الرجلِ زائد على ما في الحديث الآتي، واحتج له بخبر أبي داود والترمذي عن أنس: أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى علي رجل، فقام عند ¬
64 - باب التكبير على الجنازة أربعا
رأسه، وصلى على امرأة، فقام عند عجيزتها (¬1) وكأنَّ البخاريَّ تركه، وأشار في الترجمة، كما مرَّ في الباب السابق، وحكمةُ المخالفة بين الرجل والمرأة: المبالغةُ في سترها، ومثلها الخنثى. 1332 - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا". [انظر: 332 - مسلم: 964 - فتح: 3/ 201] ومر شرح حديث الباب آنفًا (¬2). 64 - بَابُ التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَازَةِ أَرْبَعًا وَقَال حُمَيْدٌ: "صَلَّى بِنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ سَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ، ثُمَّ سَلَّمَ". (باب: التكبير علي الجنائز) في نسخة: "على الجنازة". (أربعًا) منها تكبيرة الإحرام. 1333 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ". [انظر: 1245 - مسلم: 951 - فتح: 3/ 202] (وقال حميد) أي: الطويل. (صلى بنا أنس) أي: على جنازةٍ. (فقيل له) أي: إنك كبرت ثلاثًا، وكبر عليه أربع تكبيرات كلهن أركان، ¬
65 - باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة
فلو زاد عليها بتكبيرة، أو أكثر ولو عمدًا لم تبطل صلاته؛ لثبوتها في خبر البيهقي وغيره (¬1)، ولأنها لا تخل بالصلاة. 1334 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا" وَقَال يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: عَنْ سَلِيمٍ: أَصْحَمَةَ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ. [انظر: 1317 - مسلم: 952 - فتح: 3/ 202] (سليم) بفتح المهملة، وليس في "الصحيحين" سليم غيره. (ابن حيان) بفتح المهملة وتشديد التحتية، منصرف وغير منصرف. (ميناء) بالمدِّ والقصر. (أصحمةَ) بفتحِ الهمزة وسكونِ الصاد وفتح المهملة، معناه بالعربية: عطية، وهو هنا اسم النجاشي، وقيل: اسمه: مكحول بن صعصعة، وعلى الأول اسم، أبيه: بحر. (وعبد الصمد) أي: ابن عبد الوارث. (عن سليم) هو المذكور آنفًا. (أصمحة) أي: بتقديم الميم، وفي نسخة: "صحمة" بحذف الهمزة، وفي نسخة أخرى: "أصحبة" بموحدة. 65 - بَابُ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى الجَنَازَةِ وَقَال الحَسَنُ: "يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا". ¬
(باب: قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة) وهي واجبة عند الشافعي؛ لعموم خبر: "لا صلاةَ لمنْ لَمْ يَقرأْ بفَاتحةِ الكتابِ" (¬1). (الحسن) أي: البصري. (يقرأ) أي: المصلي. (فرطًا) بالتحريك، وهو الذي يتقدم الواردة، فيهيئ لهم المنزلَ. (وسلفًا) بالفتح، أي: متقدمًا إلى الجنة؛ لأجلنا. 1335 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ طَلْحَةَ، قَال: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، ح حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، قَال: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ قَال: "لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ". [فتح: 3/ 203] (عن سعد) أي: ابن إبراهيم. (عن طلحةَ) أي: ابن عبيدِ الله. (حدثنا محمد) في نسخةٍ: "ح، وحدثنا محمد". (سفيان) أي: الثوريُّ. (بفاتحة الكتاب) في نسخةٍ: "فاتحة الكتاب". بحذف الباء. (قال: ليعلموا) بتحتية، وفي نسخةٍ: "فقال: فتعلموا" بفاء وفوقية. (أنها) أي: قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة. (سُنَّة) أي: طريقةٌ، فلا ينافي وجوبها، ومحلها: بعد التكبيرة الأولى، كما هو ظاهر نصوص الشافعيِّ، وبه جزم النوويُّ في "التبيان" لكنه قال في غيره: إنها تجزئ بعد غير الأولى، وقد بسطتُ الكلامَ على ذلك في "شرح البهجة" وغيره ¬
66 - باب الصلاة على القبر بعد ما يدفن
66 - بَابُ الصَّلاةِ عَلَى القَبْرِ بَعْدَ مَا يُدْفَنُ (باب: الصلاةِ علي القبر بعد ما يُدفنُ فيه الميتُ) وما مصدرية. 1336 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، قَال: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، قَال: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ "فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ"، قُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَال: ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. [انظر: 857 - مسلم: 954 - فتح: 3/ 204] (حدثني سليمان) في نسخةٍ: "أخبرني سليمان" وفي أخرى: "أخبرنا سليمان". (الشعبي) هو عامرُ بنُ شراحيل. (علي قبرٍ منبوذ) بضبطه السابق في باب: الصفوف على الجنازة. 1337 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا - أَو امْرَأَةً - كَانَ يَكُونُ فِي المَسْجِدِ يَقُمُّ المَسْجِدَ، فَمَاتَ وَلَمْ يَعْلَمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَال: "مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟ " قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَال: "أَفَلا آذَنْتُمُونِي؟ " فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا - قِصَّتُهُ - قَال: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ، قَال: "فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ" فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. [انظر: 458 - مسلم: 956 - فتح: 3/ 204] (رجلًا أو امرأة) بالنصب بدلٌ من أسود، وفي نسخةٍ: "رجل أو امرأة" بالرفع خبرُ مبتدإِ محذوف، والشك من الراوي. (كان يقمُّ المسجد" أي: يكنسه، وفي نسخةٍ: "كان يقمُّ في المسجد، وفي أخرى: "كان يكون في المسجد يقمُّ المسجد". (ذات يومٍ) من إضافة المسمى إلى اسمه، أو (ذات) مقحمةٌ. (قالوا) في نسخةٍ: "فقالوا". (آذنتموني) بالمدِّ، أي: أعلمتموني. (قصته) بالنصب بمقدر، أي. ذكروا، ويجوز الرفعُ خبر مبتدإٍ محذوف. (فحقروا شأنه) ظاهرُه: أنه تعليلٌ؛ لكراهةِ إيقاظه - صلى الله عليه وسلم - في ظلمةِ الليل، وهو لا ينافي ما مرَّ من أنهم
كرهوا ذلك؛ خوف المشقة عليه (¬1)، إذ لا تنافي بين التعليلين. (فدلوني) بضم الدال. (فصلى عليه). فيه: جوازُ الصلاة علي القبرِ بعد الدفنِ نعم، لا يجوز لنا الصلاةُ على قبور الأنبياء صلَّى الله عليهم وسلَّم لأنَّا لم نكن أهلًا للفرض وقت موتهم (¬2). ¬
67 - باب: الميت يسمع خفق النعال
67 - بَابٌ: المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ (باب: الميت يسمعُ خفقَ النعال) أي: صوتيها عند الدَّوسِ. 1338 - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَال: وَقَال لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَأَقْعَدَاهُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ ¬
أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الكَافِرُ - أَو المُنَافِقُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إلا الثَّقَلَيْنِ". [1374 - مسلم: 2870 - فتح: 3/ 205] (عيَّاش) بتحتية، أي: الوليدُ الرقامُ. (عبد الأعلى) ابن عبدِ الأعلَى الساميُّ، بمهملة. (سعيد) أي: ابن أبي عروبة. (قال) أي: البخاري. (خليفة) ابن خياط (ابن زريع) في نسخةٍ: "يزيد بن زريع". (العبدُ) أي: المؤمنُ. (وضع في القبر) بالبناء للمفعول. (وتُولِّي) كذلك، أي: وتولى عنه، وفي أكثر النسخ: ببنائه للفاعل، وعليه (فتولى، وذهب) تنازعا في الفاعل وهو أصحابه، أي: الميت. (حتى إنَّه) بكسر همزة إنَّ؛ لوقوعها بعد حتى الابتدائية، كمرض حتى إنَّهم لا يرجونه. (قرعَ نعالِهم) هو موضعُ الترجمة، إذ القرعُ بمعنى: الخفق. (ملكان) بفتح اللام، أي: منكرٌ ونكيرٌ، بفتح الكاف الأول، وكلاهما ضدُّ المعروفِ سُمي بذلك؛ لأنهما لا يشبه خلقُهما خلقَ الآدميين، ولا الملائكةِ، ولا غيرِهما أسودان أزرقان جعلهما الله تعالى؛ تكرمةً للمؤمن؛ ليثبته، ويصبِّره؛ وهتكًا لسر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث، حتى يحلَّ عليه العذابُ الأليمُ. (فأقعداه) بأن يوسع القبر. (في هذا الرجل) عبَّر به لا بنحو: هذا النبيّ، امتحانًا للمسئول، إذ لو عبَّر به لربما تلقن منه تعظيمه. (فيقال) أي: فيقول له الملكان المذكوران، أو غيرهما. (وأمَّا الكافرُ أو المنافقُ) شكٌّ من الراوي، و (أو) بمعنى: الواو؛ ليوافق قولَه في باب:
ما جاء في عذاب القبر (¬1). (وأما المنافقُ والكافرُ) أو يقال: الواو ثَمَّ بمعنى: أو هنا. (لا داريت) بفتح الراء. (ولا تليت) أصلُه: تلوتَ، أُبدلت الواو ياء لمزاوجة. (داريت) وفي نسخةٍ: "أتلبت" ومجموعُ ذلك دعاءٌ عليه، أي: لا كنتَ داريًا، ولا تاليًا، أو: إخبارٌ له، أي: لا علمتَ بنفسِك بالاستدلال، ولا اتبعتَ العلماءَ بالتقليد فيما يقولون. (بمطرقة) بكسر الميم، أي: بمرزبَّةٍ، كما عبرَّ بها في "سنن أبي داود" (¬2). (يسمعها من يليه) ظاهرهُ الملكان فقط، دليس مرادًا؛ بقرينةِ استثنائه الآتي، وبقرينة خبرِ الإمامِ أحمد: "يسمعه خلقُ الله كلُّهن غيرَ الثقلين" (¬3) إذ المنطوقُ مقَّدمٌ على المفهوم، لكن يستثنى من الإخبار الجهات؛ بقرينة خبر البزار: "يسمعه كُّل دابةً إلا الثقلين" (¬4) أي: الإنس والجن، وسميا بذلك؛ لثقلهما على الأرض، والحكمةُ في عدمِ سماعهما: الابتلاءُ، فلو سمعا لكان الإيمانُ منها ضروريًّا، ولأعرضوا عن التدبير والصنائع ونحوهما مما يتوقف عليه بقاؤهما، فإن قلتَ: لم مُنعتْ الجنُّ سماعَ هذه الصيحةَ، دون سماعهم قولَ الميت: إذا حمل قدِّموني قدِّموني؟ قلتُ: لأنَّ قوله إذ ذاك: في حكم الدنيا، وهو اعتبار وعظه لسامعه، وخصَّ ذلك بالجنِّ؛ لما فيهم من قوةٍ، يثبتون بها عند ¬
68 - باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها
سماعه، ولا يُصعقون، بخلاف الإنس. وصيحةُ الميت في القبر عقوبة، فدخلت في حكم الآخرة. وفي الحديث: جوازُ المشي بين القبور بالنعال، وهو كذلك، لكنَّه مكروهٌ؛ لخبر أبي داود والحاكم، وصححه: أن "النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يمشي بين القبور عليه نعلان سبتيتان، فقال: يا صاحب السبتيين ألق نعليك" (¬1) وكذا يُكره الجلوسُ علي القبر، والاستناد إليه، والوطءِ عليه؛ توقيرًا للميت إلا لحاجةٍ، كأن لا يصل إليه، إلا بوطئه، وأما حديثُ مسلم: "لأنْ يجلسِ أحدُكم علي جمرةٍ فتحرقُ ثيابَه فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أنْ يجلسَ على قبرِ" (¬2) ففسر بالجلوس؛ للبول والغائط، كما في رواية أبي هريرة. 68 - بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا (باب: من أحبَّ الدفنَ في الأرض المقدسة) أي: في بيت المقدس، إما طلبًا للقرب من الأنبياء الذين دفنوا به؛ تيمنًا بجوارهم، واقتداءً بموسى عليه الصلاة والسلام، أو ليقرب عليه المشيُ إلى المحشر. (أو نحوه) أي: نحو الأرض المقدسة، أي: المطهَّرة، كالحرمين الشريفين. ¬
1339 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلامُ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَال: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَال: ارْجِعْ، فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَال: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: ثُمَّ المَوْتُ، قَال: فَالْآنَ، فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ"، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ". [3407 - مسلم: 2372 - فتح: 3/ 206] (معمر) أي: ابن راشد. (عن أبن طاوس) هو عبدُ الله. (محمود) أي: ابن غيلان. (عبد الرزاق) أي: ابن همَّام. (أُرسل) بالبناء للمفعول. (ملكُ الموتِ إلى موسى) أي: في صورة آدمي؛ ابتلاءً كابتلاء الخليل بالأمر بذبح ولده، فلما جاءه فظنه آدميًّا يوقع به مكروهًا. (صكَّه) أي: لطمه على عينه المصورة بصورةِ البشرية، لا بصورة الملكية ففقأها. (فردَّ الله إليه عينه) في نسخة: "عليه" بدل (إليه). (على متن) بمثناة، أي: على ظهر. (ثور) بمثلثة. (فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة) الباء الأولى: سببية، أو بدلية، والثانية: زائدة، والثالثة: مع مجرورها بدل من الأولى مع مجرورها. (ثم ماذا) أي: ما يكون بعد هذه السنين. (قال: فالآن) أي: يكون الموت، والآن: اسم لزمن بين الماضي والمستقبل، واختار موسى الموت لما خير؛ شوقًا إلى لقاء ربه، كما اختاره نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "اللهم الرفيق الأعلى" (¬1). (رمية بحجر) أي: بحيث لو رمى ¬
69 - باب الدفن بالليل
واحد من موضع قبره البيت المقدس لوصل إليه، وإنما لم يسأل أن يكون قبره بنفس بيت المقدس؛ ليعمى؛ خوفًا من أن يعبده جهال ملته. قال ابن عباس: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون. لاتخذوهما إلهين من دون الله، وكان عُمْرُ موسى إذ ذاك مائة وعشرين سنة. (عند الكثيب) بمثلثة، أي: الرمل المجتمع؛ لانصبابه واجتماعه في مكان. من انكثب الشيء، أي: الصب. وفي الحديث: بيان موضع قبر موسى، وأن الملك يتشكل بصورة الإنسان، وجواز دفع من يقصده، ولو انتهى إلى فقء عين السائل وطلب القرب من مدافن الصالحين. 69 - بَابُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْلًا. (باب: الدفن بالليل) أي: جوازه. 1340 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ بِلَيْلَةٍ، قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ، فَقَال: "مَنْ هَذَا؟ " فَقَالُوا: فُلانٌ دُفِنَ البَارِحَةَ، فَصَلَّوْا عَلَيْهِ. [انظر: 857 - مسلم: 954 - فتح: 3/ 207] (عن الشعبي) هو عامر بن شراحيل. (قام) في نسخة: "فقام". (فقالوا) في نسخة: "قالوا". (فصلوا عليه) هو تفصيل لقوله أوّلًا: صلى ومرَّ شرح الحديث في باب: صفوف الصبيان مع الرجال على الجنازة، وفي غيره (¬1). ¬
70 - باب بناء المسجد على القبر
70 - بَابُ بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ (باب: بناء المساجد على القبر) أي: كراهتة بنائها عليه، وفي نسخة: "بناء المسجد" وفرق بين هذه الترجمة، وبتقدير ما قدرته من الإضافة، وبين الترجمة فيما مرَّ في باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، بأن الاتخاذ أعم من البناء، وبتقدير عدم الإضافة فرق بينهما بأن الجواز لا ينافي الكراهة، فذكر هنا الجواز، وثم الكراهة. 1341 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاويرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَال: "أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ". [انظر: 427 - مسلم: 528 - فتح: 3/ 208] (إسماعيل) هو ابن أبي أويس الأصبحي. (هشام) أي: ابن عروة. (ذكرت بعض نسائه) في نسخة: "ذكر بعض نسائه" وهي أم حبيبة، وأم سلمة. (رأينها) جمع بناءً على أن أقل الجمع اثنان، وعلى أن أم سلمة، وأم حبيبة، ومن حضرهما رأينها. (بنوا على قبره مسجدًا) قضيته: النهي عن ذلك، وهو عند الشافعي مكروه. (تلك الصورة) في نسخة: "تلك الصور". (أولئك) بكسر الكاف، وفي نسخة: "وأولئك" ومر الحديث في باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؟ (¬1). ¬
71 - باب من يدخل قبر المرأة
71 - بَابُ مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأَةِ (باب: من يدخل قبر المرأة) أي: ليلحدها فيه. 1342 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَال: "هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ " فَقَال أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا، قَال: "فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا"، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا قَال ابْنُ مُبَارَكٍ: قَال فُلَيْحٌ: "أُرَاهُ يَعْنِي الذَّنْبَ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: {لِيَقْتَرِفُوا} [الأنعام: 113]: أَيْ لِيَكْتَسِبُوا. [انظر: 1285 - فتح: 3/ 208] (فليح) اسمه: عبد الملك، وفليح لقبه. (ابن سليمان) ساقط من نسخة. (هلال بن علي) أي: ابن أسامة العامري. (لم يقارف الليلة) أي: لم يجامع أهله فيها. (فقبرها) أي: لحدها، وهو ساقط من نسخة. (ابن مبارك) اسمه: عبد الله، وفي نسخة: "ابن المبارك". (أراه) بضم الهمزة، أي: أظنه. (يعني) أي: بقوله: (لم يقارف) الذنب، لكن الراجح التفسير الأول. (قال أبو عبد الله إلخ) أيد به قول ابن المبارك، وهو ساقط من نسخة، ومرَّ شرح الحديث في باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "يعذب الميت ببكاء أهله عليه" (¬1). ¬
72 - باب الصلاة على الشهيد
72 - بَابُ الصَّلاةِ عَلَى الشَّهِيدِ (باب: الصلاة على الشهيد) أي: المقتول في معركة الكفار. 1343 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ"، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَال: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ"، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. [1345، 1346، 1347، 1348، 1353، 4079 - فتح: 3/ 209] (الليث) أي: ابن سعد. (في ثوب واحد) بأن يجعل على ثيابهما الملطخة بالدم، إذ لا يجوز تجريدهما فيه؛ ولذلك فسر بعضهم الثوب الواحد بقبر واحد. (أيهما) أي: الرجلين، وفي نسخة: ["أيهم"]، (¬1) أي: القتلى. (أنا شهيد على هؤلاء) ضمن شهيدًا معنى: رقيبًا، فعداه بعلى، أي: أنا أراقبهم وأصرفهم يوم القيامة عن المكاره، وأشفع لهم فيه. (ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم) إيضاحه خبر الإمام أحمد: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تغسلوهم فإن كل جرح، أو كلم، أو دم يفوح مسكًا يوم القيامة، ولم يصل عليهم" (¬2). وحكمته: إبقاء أثر الشهادة عليهم، والتعظيم لهم باستغنائهم عن دعاء القوم، واختلف في الصلاة عليهم، قال في مذهب الشافعي: إنها لا تجوز. 1344 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ ¬
أُحُدٍ صَلاتَهُ عَلَى المَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المِنْبَرِ، فَقَال: "إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ - أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ - وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا". [3596 - 4042، 4085، 6426، 6590 - مسلم: 2296 - فتح: 3/ 209] (يزيد بن أبي حبيب) اسم أبي حبيب: سويد. (عن أبي الخير) هو مرثد بن عبد الله اليزني. (فصلى على أهل أحد صلاته على الميت) أي: دعا لهم بدعاء صلاة الميت، وليس المراد أنه صلى عليهم، كصلاة الميت المعهودة، كما مرَّ آنفًا. فإن قلت: هذا الحديث مثبت، وحديث جابر السابق نافٍ، والمثبت مقدم على النافي، قلت: ذاك محله: إذا لم يحط علم النافي بما نفاه، بأن لم يكن محصورًا [وجابر قد أحاط علمه به، لكونه محصورًا] (¬1). (إني فرط لكم) بفتح الراء: هو الذي يتقدم الواردة؛ ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوها، أي: أنا سابقكم إلى الحوض أهيئه لكم. وفيه: إشارة إلى قرب وفاته - صلى الله عليه وسلم -، وتقدمها على وفاة أصحابه. (لأنظر إلى حوضي الآن) هو على ظاهره، فكأنه كشف له عن تلك الحالة. (خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض) فيه: إشارة إلى ما فتح لأمته من الملك والخزائن من بعده، والشك فيما قاله من الراوي. (ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي) أي: أخاف على جميعكم الإشراك، وإلا فقد وقع من بعضهم. (أن تنافسوا) بحذف إحدى التاءين، أي: تتنافسوا (فيها) أي: في خزائن الأرض؛ وفي الدنيا، كما ¬
73 - باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر [واحد]
صرح به مسلم بلفظ: "ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها" (¬1) والتنافس في الشيء: الرغبة فيه، والانفراد به، ومنه قوله تعالى: {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26]. 73 - بَابُ دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلاثَةِ فِي قَبْرٍ [وَاحِدٍ] (باب: دفن الرجلين والثلاثة في قبرٍ) زاد في نسخةٍ: "واحد" أي: جواز ذلك عند الضرورة بأن كثر الموتى، وعسر إفراد كل بيت بقبر، وكالرجل فيما ذكر، النساء. 1345 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ". [انظر: 1343 - فتح: 3/ 211] (كان يجمع بين الرجلين إلخ) لم يصرح فيه بالثلاث مع أنها في الترجمة اكتفاءً بالقياس على الرجلين، وقد صرَّح بهما أبو داود وغيره (¬2). ¬
74 - باب من لم ير غسل الشهداء
74 - بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ (باب: من لم ير غسل الشهداء) ولو كان بهم حدثٌ أكبر. 1346 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ" - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. [انظر: 1343 - فتح: 3/ 212] (عبد الرحمن بن كعب) زاد في نسخةٍ: "ابن مالك". (ادفنوهم) أي: الشهداء. (ولم يغسلهم) بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه، وفي نسخة: "ولم يغسلهم" بفتح أوله، وسكون ثانيه، ومرَّ الحديث في باب: الصلاة على الشهيد (¬1). 75 - بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ {مُلْتَحَدًا} [الكهف: 27]: مَعْدِلًا، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا. (باب: من يُقدَّم في اللحد) أي: من الموتى، واللحد بفتح اللام وضمها: جانب القبر، يقال: لحدت الميت، وألحدت له، وأصله: الميل لأحد الجانبين، ويسمى أي: جانب القبر (اللحد لأنه) شق يعمل (في ناحية) من القبر، مائلًا عن استوائه. (وكل جائر) في شيء. (ملحد) لأنه مال وعدل، ثم ذكر على عادته تفسير ما يناسب المقام من القرآن، فقال ({مُلْتَحَدًا} معدلًا) أي: معنى (ملتحدًا) في قوله تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} [الكهف: 27] معدل. (ولو كان) أي: القبر ذا شق. (كان) في نسخة: "لكان". (ضريحًا) أي: لا لحدًا؛ لأن الضريح شق في الأرض مستويًا. ¬
1347 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ "، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَال: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاءِ" وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ،. [انظر: 1343 - فتح: 3/ 212] (ابن مقاتل) في نسخة: "محمد بن مقاتل". (عبد الله) أي: ابن المبارك. (ليث) في نسخة: "الليث". (فإذا أشير إلى أحدهما، قدَّمه في اللحد) فيه: تقديم الأفضل. (ولم يغسلهم) بضبطه السابق في الباب قبله. 1348 - وَأَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: "أَيُّ هَؤُلاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ " فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ، وَقَال جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ. [فتح: 3/ 212] وَقَال سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. (وأخبرنا) أي: قال عبد الله بن المبارك: وأخبرنا. (الأوزاعي) اسمه: عبد الرحمن. (قال لقتلى أحد) أي: فيهم، وما رواه عن الأوزاعي منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يسمع من جابر، -قاله شيخنا (¬1) - (وعمي) سماه ¬
76 - باب الإذخر والحشيش في القبر
عمًّا؛ تعظيمًا، وإلا فهو ابن عمه، لا عمه. (نمرة) بفتح النون، مع كسر الميم وسكونها، وبالكسر مع السكون: بردة من صوف وغيره مخططة، وما روي من أنهما كفنا في نمرتين (¬1) إن ثبت، حمل على أن النمرة شقت بينهما نصفين. 76 - بَابُ الإِذْخِرِ وَالحَشِيشِ فِي القَبْرِ (باب: الإذخر والحشيش في القبر) أي: استعمالهما في فُرج لبناته. 1349 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلا لِمُعَرِّفٍ" فَقَال العَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إلا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَال: إلا الإِذْخِرَ وَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا". [انظر: 112 - مسلم: 1355] وَقَال أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ، وَقَال مُجَاهِدٌ: عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ". [1587، 1833، 1834، 2090، 2433، 2783، 2825، 3077، 3189، 4313 - مسلم: 1353 - فتح: 3/ 213] (عبد الوهاب) أي: ابن عبد المجيد الثقفي. (خالد) أي: الحذاء. ¬
77 - باب: هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟
(عن عكرمة) هو مولى ابن عباس. (حرَّم الله مكة) أي: جعلها حرامًا. (ولا لأحدٍ) في نسخة: "ولا تحل لأحد". (أحلت لي) أي: مكة القتال فيها، وفي نسخة: "أحلت له" (ساعة من نهار). وهي: من ضحوة النهار، إلى بعض العصر. (لا يختلى) بالبناء للمفعول، أي: لا يجز ولا يقطع (خلاها) بالقصر أي: الرطب من الكلإِ واحدة خلاة (ولا يعضد) أي: لا يقطع. (لقطتها) بفتح القاف، وسكونها (إلا الإذخر) بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على البدل. (لصاغتنا وقبورنا) والصاغة جمع صائغ، وأصلها: صوغة، قلبت الواو ألفًا. (فقال: إلا الإذخر) قاله باجتهاد، أو وحي، وقيس بالإذخر الحشيش. (سمعت النبي) بسكون العين، وبالضمير مضمومًا، وفي نسخةٍ: بفتح العين، وبتاء التأنيث مكسورة؛ لالتقاء الساكنين (لقينهم) أي: حدادهم، أي: لحاجته، ومرَّ شرح الحديث في باب: كتابة العلم (¬1). 77 - بَابٌ: هَلْ يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ؟ (باب: هل يُخرج الميت من القبر، أو اللحد لعلة؟) جواب (هل) محذوف، أي: نعم. 1350 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ "فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ"، فَاللَّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا قَال سُفْيَانُ: وَقَال أَبُو هَريرة: وَكَانَ ¬
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَانِ، فَقَال لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلْدَكَ، قَال سُفْيَانُ: "فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ". [انظر: 1270 - مسلم: 2733 - فتح: 3/ 214] (سفيان) أي: ابن عيينة. (عمرو) أي: ابن دينار. (فأُخرِجَ فوَضَعَهُ علي رُكبتَيهِ إلى آخره) في نسخةٍ: "ونفث فيه" بدل (ونفث عليه) والنفث: نفخ لطيف لا ريق معه. قال النووي: وقد كان - صلى الله عليه وسلم - عاده في مرضه، فقال: يا رسول الله، إن مت فاحضر غسلي، وأعطني قميصك الذي يلي جسدك فكفني فيه، وصلِّ على واستغفر لي. (فالله أعلم) جملة معترضة، أي: أعلم بسبب إلباسه قميصه؛ لأن مثل هذا لا يفعل إلا مع مسلم، وقد كان يظهر من عبد الله هذا ما يقتضي خلاف ذلك، لكنه - صلى الله عليه وسلم - اعتمد ما كان يظهر منه من الإسلام، وكأفاه؛ لما صنع مع عمِّه. (قميصًا) في نسخةٍ: "قميصه". (قال سفيان) أي: ابن عيينة. (وقال أبو هريرة) كذا وقع في كثير من النسخ. وقال شيخنا: وهو تصحيف، والمعتمد ما في بعض النسخ: (وقال أبو هارون) اسمه: موسى بن أبي عيسى الحناط، وقيل: إبراهيم بن العلاء الغنوي، وكلاهما من أتباع التابعين، فالحديث معضل (¬1) (ابن عبد الله) اسمه: عبد الله أيضًا، سماه به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان اسمه: الحباب. (فيرون) بضم التحتية. 1351 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَال: مَا أُرَانِي إلا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، ¬
غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، "فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ". [1352 - فتح: 3/ 214] (أخبرنا بشر) في نسخةٍ: "حدثنا بشر". (لما حضر أُحد) أي: وقعته، وإسناد الحضور إليه مجازي. (ما أراني) بضم الهمزة أي: ما أظنني (إلا مقتولًا .. إلخ). سبب ظنه ذلك: رؤيا رأها فقصها على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: هذه شهادة. (فإن عليَّ) في نسخةٍ: "وإن عليَّ" (ودفن معه آخر) هو عمرو بن الجموح بن زيد الأنصاري، وفي نسخةٍ: "ودفن معه آخر" فالواو عاطفة على مقدر، أي: فدفنته في قبر واحد، في نسخة: "في قبره مع آخر"، في نسخة: "مع الآخر". (هنية) بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد التحتية قال في القاموس: تصغير هنة، أصلها: هنوة، أي: شيء يسير (¬1). (غير إذنه) أخَّر غير (عن هنية) ورواه ابن السكن والنسفي بتقديمها عليها وزيادة في فقال: "غير هُنَيهَّة في أذنه" قال القاضي عياض: وهو الصواب، نبه على ذلك شيخنا (¬2). 1352 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ". [انظر: 1351 - فتح: 3/ 215]. (ابن أبي نجيح) اسمه: عبد الله، واسم أبي نجيح: يسار. ¬
78 - باب اللحد والشق في القبر
(رجل) هو عمرو بن الجموح، لا عم جابر كما وقع لبعضهم. (على حدة) أي: على حياله منفردًا. وفي أحاديث الباب: جواز إخراج الميت لعلة، وهي في الأول: إلباس النبي - صلى الله عليه وسلم - قميصه عبد الله بن أُبَي، وفي الثاني والثالث: تطييب قلب جابر، ومنها دفنه بلا غسل، أو في أرض مغصوبة، أو لحقها سيل أو نداوة، وبسط ذلك يطلب من كتب الفقه. 78 - بَابُ اللَّحْدِ وَالشَّقِّ فِي القَبْرِ (باب: اللحد والشق في القبر) عطف الشق على اللحد من عطف العام على الخاص، فإن أريد به اللحد، فهو عطف تفسير. 1353 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ " فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، فَقَال: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ" فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. [انظر: 1343 - فتح: 3/ 217] (عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي. (عبد الله) أي: ابن المبارك. (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الرجلين إلخ) مرَّ شرحه في باب: الصلاة على الشهيد (¬1). ¬
79 - باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟
79 - بَابُ إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ، هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلامُ؟ وَقَال الحَسَنُ، وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ، وَقَتَادَةُ: "إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَالوَلَدُ مَعَ المُسْلِمِ" وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعَ أُمِّهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، وَقَال: "الإِسْلامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى". (باب: إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلَّى عليه؟) أو لا (وهل يعرض على الصبي الإسلام؟) أو لا، وجواب (هل) في الموضعين محذوف، أي: نعم على مقتضى الحديث الآتي. (الحسن) أي: البصري. (إذا أسلم أحدهما) أي: أحد الوالدين. (مع أمه) هي: لبابة بنت الحارث الهلالية. (ولم يكن) أي: ابن عباس. (مع أبيه علي دين قومه) أي: المشركين، قال شيخنا: قاله المصنف تفقهًا، قال: وهو مبني على أن إسلام العباس كان بعد وقعة بدر، والمشهور: أنه أسلم قبل فتح خيبر، وقدم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهد الفتح (¬1)، وأطال بيان ذلك. (وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى) يقتضي أن مقول (قال) لابن عباس، وهو ما رواه ابن حزم، لكن روى الدارقطني في سننه من كتاب: النكاح أنه مقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الأوجه (¬2). 1354 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ¬
فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الحُلُمَ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَال لِابْنِ صَيَّادٍ: "تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ "، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَال: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، فَقَال ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ وَقَال: "آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ" فَقَال لَهُ: "مَاذَا تَرَى؟ " قَال ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ" ثُمَّ قَال لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا" فَقَال ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، فَقَال: "اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ" فَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ". [3055، 6173، 6618 - مسلم: 2930 - فتح: 3/ 218] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (يونس) أي: ابن يزيد الأيلي. (ابن صياد) اسمه: صافي كما سيأتي، وقيل: عبد الله. (حتى وجدوه) أي: وجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه ابن صياد، وفي نسخة: "حتى وجده" أي: وجد النبي ابن صياد. (أطم) بضمتين: بناءٌ كالحصن. (بني مغالة) بفتح الميم والمعجمة: قبيلة من الأنصار. (الحلم) بضمتين، أي: البلوغ. (تشهد) بحذف همزة الاستفهام، أي: أتشهد. (أني رسول الله) ليس صريحًا في صحة إسلام الصبي، لكنه ظاهر فيها، وإلا لما عرض - صلى الله عليه وسلم - الإسلام على ابن صياد. (رسول الأميين) أي: مشركي العرب. (فرفضه) (¬1) بضاد معجمة، أي: تركه؛ ليأسه من إسلامه، وفي نسخة: بصاد مهملة، أي: ضربه برجله. (آمنت بالله وبرسله) قال ¬
الكرماني: مناسبة هذا الجواب لقول ابن صياد (أتشهد أني رسول الله): أنه لما أراد أن يظهر للقوم كذبه في دعواه الرسالة، أخرج الكلام مخرج الإنصاف، أي: آمنت بالله وبرسله، فإن كنت رسولًا صادقًا غير ملبس عليك الأمر، آمنت بك، وإن كنت كاذبًا وخلط عليه الأمر فلا، ولكنك خُلِّط عليك فاخسأ (¬1). (فقال له: ماذا ترى؟) أراد به إظهار كذبه المنافي لدعواه بالرسالة. (يأتيني صادق وكاذب) أي: أرى الرؤيا ربما تصدق وربما تكذب. (خلط) بضم أوله، وتشديد ثانية وتخفينه. (خبأت) أي: أضمرت. (خبيئًا) بوزن: فَعيل، وفي نسخة: "خبْء" بوزن: فعل، أي: شيئًا، وهو {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان: 10]. كما رواه الإمام أحمد (¬2). (فقال ابن صياد: هو الدخ) بضم الدال أكثر من فتحها، روى البزار أنه أراد أن يقول الدخان، فلم يستطع، فقال: الدخ (¬3)، أي: لم يستطع أن يتم الكلمة، ولم يهتد من الآية إلا هذين الحرفين على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم، أو من هواجس النفس، وإنما قال كذلك من شيء ألقاه إليه الشيطان: إما لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم به في نفسه، فسمعه الشيطان، أو حدث به - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه. (فقال: اخسأ) هو لفظ يزجر به الكلب ويطرد، أي: اسقط صاغرًا مطرودًا. (فلن تعدو) بالنصب بلن، وفي نسخة: "فلن تعد" بحذف الواو تخفيفًا، أو جزمًا بلن على لغة من يجزم بها، أو أن لن ¬
بمعنى: لا، وتعدو: بفوقية، وفي نسخة: بتحتية. (قدرك) بالنصب على النسخة الأولى، وبالرفع على الثانية، أي: لا يبلغ قدرك أن تطالع بالغيب من قبل الوحي المخصوص بالأنبياء، ولا من قبل الإلهام الذي يدركه الصالحون. (إن يكنه) بوصل الضمير على لغة، وهو خبر كان، واسمها: مستتر، وفي نسخة: "إن يكن" هو بفصله، فهو إما؛ لتاكيد المستتر وكان تامة، أو موضوع، موضع: إياه، وهو خبر كان، واسمها: مستتر، أي: إن يكن هو إياه، أي: الدجال. (فلن تسلط عليه) بالجزم بلن على لغة من يجزم، وبالنصب على الأصل، وإنما لم يأذن - صلى الله عليه وسلم - في قتله مع أدعائه الرسالة بحضرته؛ لأنه كان غير بالغ، وقوله: (إن يكنه) يقتضي أنه شاك في أنه الدجال، وقد اختلف فيه فقيل: إنه الدجال، وقيل: لا، لكنه دجال من الدجاجلة، والظاهر: الثاني، كما دلت عليه الأحاديث. 1355 - وَقَال سَالِمٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ - يَعْنِي فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ أَوْ زَمْرَةٌ - فَرَأَتْ أمُّ ابْنِ صَيّادٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالتْ لِابْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ - وَهُوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ - هَذَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ"، وَقَال شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ: فَرَفَصَهُ رَمْرَمَةٌ - أَوْ زَمْزَمَةٌ - وَقَال إِسْحَاقُ الكَلْبِيُّ، وَعُقَيْلٌ: رَمْرَمَةٌ، وَقَال مَعْمَرٌ: رَمْزَةٌ. [2638، 3033، 3056، 6174 - مسلم: 2931 - فتح: 3/ 218] (يختل) بسكون المعجمة، وكسر الفوقية، أي: يجدع، ومعناه: يستغفل ابن صياد؛ ليسمع شيئًا من كلامه الذي يقوله في خلواته، ويعلم
هو والصحابة حاله في أنه كاهن ونحوه. (في قطيفة) أي: كساء له خمل أي: هدب (رمزة) براء مفتوحة، وميم ساكنة، فزاى من الرمز، وهو الإشارة، (أو زمرة) بتقديم الزاي من المزمار، والشك من الراوي، وفي ذلك زيادة تأتي (وهو يتقي) أي: يخفي نفسه: لئلا تراه أم ابن صياد. (بجذوع) بذال معجمة. (يا صاف) بصاد مهملة وفاء مضمومة أو مكسورة: لأنه مرخَّم صافي. [(فثار) بمثلثة، أي: نهض من مضجعه، وفي نسخة: "فثاب" بموحدة بدل الراء، أي: رجع عن حالته التي كان عليها. (بين) أي: أظهر لنا ما عنده أو ما في نفسه. (وقال شعيب) أي: ابن أبي حمزة الحمصي] (¬1). (فرفضه) ساقط من نسخة، وهو بضادٍ معجمة، أي: تركه كما مرَّ، وفي نسخةٍ: "فرضه" بحذف الفاء، وتشديد الضاد، أي: ضغطه، وضمَّ بعضه إلى بعض، وقال شعيب أيضًا في حديثه: (رمرمة) براءين مهملتين وميمين (زمزمة) بزايين وميمين، ومعناهما: الصوت الخفي، والشك من الراوي. (وقال عقيل) أي: ابن خالد الأيلي، وفي نسخةٍ: "وقال إسحق الكلبي وعقيل" [(رمرمة) برائين مهملتين وميمين، وفي نسخة:] (¬2). (رمزة) بمهملة، فميم ساكنة فزاي. (معمر) أي: ابن راشد. (رمزة) بمهملة، فميم، فزاي، وفي نسخة: "زمرة" بتقديم الزاي على الراء. 1356 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَال لَهُ: "أَسْلِمْ"، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَال لَهُ: أَطِعْ أَبَا ¬
القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ". [5657 - فتح: 3/ 219] (كان غلام يهودي) قيل: اسمه: عبد القدوس. (فقال له) لفظه: (له): ساقطة من نسخة. (أنقذه من النار) بذال معجمة، أي: خلصه ونجاه منها. وفي الحديث: جواز استخدام المشرك، وعيادته إذا مرض، واستخدام الصبي، وعرض الإسلام عليه، وصحته منه، ودلالة على أن الصبي إذا عَقِد الكفر ومات عليه يعذب، وسيأتي البحث في ذلك. 1357 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَال: قَال عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: "كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الولْدَانِ وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ". [4587، 4588، 4597 - فتح: 3/ 219] (سفيان) أي: ابن عيينة. (عبيد الله) أي: "ابن أبي يزيد" كما في نسخه. (من المستضعفين) أي: الذين أسلموا بمكة، وصدهم المشركون عن الهجرة، فصاروا بين أيديهم مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد. (أنا من الولدان) أي: الصبيان. 1358 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَال ابْنُ شِهَابٍ: "يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى، وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلامِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلامَ، أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلامِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ" فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ يُحَدِّثُ، قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ"، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:
30] الآيَةَ. [1359، 1385، 4775، 6599 - مسلم: 2658 - فتح: 3/ 219] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (وإن كان) أي: المولود. (لغيَّة) بكسر اللام، وفتح الغين وكسرها، وتشديد الياء، والغية: مفرد الغي، ضد الرشد، وهو يعم الكفر وغيره، يقال لولد الزنا والكفر: ولد الغية، ولغيره: ولد الرشدة. فالمراد من الحديث: يصلى على المولود، وإن كان من كافرة، أو زانية؛ من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام، أي: ملته. (يدعي أبواه الإسلام) حال. (أو أبوه) أي: يدعي وحده الإسلام. (وإن كانت أمه على غير الإسلام) أي: كافرة؛ لأنه محكوم بإسلامه؛ تبعًا لأبيه، وهذا مصير من الزهري، إلى تسمية الزاني أبًا لمن زنى بأمه، ولأنه يتبعه في الإسلام، وهو قول الإمام مالك، ودعوى الأم الإسلام، كدعوى الأب؛ لاقتضاء الأدلة ذلك عندنا، ودخل في المولود السقط؛ ولهذا قيد بقوله: (إذا استهل) أي: صاح عند الولادة. (صارخًا) حال مؤكدة من فاعل استهل، والمراد: العلم بحياته، ولو بلا صراخ. (صلي عليه) هذا، أي: علم مما مرَّ، فهو تأكيد. (ولا يصلى على من لا يستهل) أي: على من لا تعلم حياته. (من أجل أنه سقط) بتثليث السين، أي: أنه سقط قبل تمامه. (ما من مولود) أي: من بني آدم. (إلا يولد على الفطرة) أي: الخلقة، والمراد: الدين، قال تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} الآية [الروم: 30]. و (من) زائدة (ومولود) مبتدأ خبره (يولد). (فأبواه يهودانه إلخ) أي: بترغيبهما له في ذلك، أو بتبعيته لهما في حكم الدنيا، فإن سبقت له السعادة أسلم، وإلا مات كافرًا، فإن مات قبل بلوغه الحلم، فالصحيح: أنه من أهل الجنة، والمراد من
قوله: (ما من مولود إلخ): أن الضلال ليس من ذات المولود، بل من خارج عنه يوجد إن لم يسلم، وينتفي إن أسلم. (كما تنتج البهيمة) بالبناء للمفعول، أي: تلد البهيمة. (بهيمة) مفعول لتنتج. (جمعاء) بالمد صفة لبهيمة: تامة الأعضاء، سميت بذلك: لاجتماع أعضائها. (هل تحسون) بضم أوله، وكسر ثانيه من أحس، وهو الأكثر، وقد يقال: حسنٌ بمعناه، أي: مقولًا فيها كذلك، فهو صفة ثانية لبهيمة، أو حال منها. (من جدعاء) بالمد، أي: مقطوعة الأذن والأنف والأطراف، وقوله: (كما تنتج البهيمة) حال من الضمير المنصوب قبله، أي: حال كونه مشبهًا بالبهيمة التي جدعت بعد سلامتها، أو صفة لمصدر محذوف، أي: يغيرانه تغييرًا مثل تغيير البهيمة السليمة، والأفعال الثلاثة قبله تنازعت فيه على التقديرين، ثم أدرج في الحديث قوله: (ثم يقول أبو هريرة - رضي الله عنه - {فِطْرَتَ اللهِ} أي: اقرءوا إن شئتم فطرة الله، أي: خلقته، وهي بالنصب على الإغراء، أو مصدر لما دل عليه ما بعدها، وهو فطر. 1359 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ} [الروم: 30]. [انظر: 1358 - مسلم: 2658 - فتح: 3/ 219] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (يونس) أي: ابن، يزيد الأيلي. (وينصرانه) في نسخة: "أو ينصرانه". {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} لا ينافي قوله: (فأبواه يهودانه إلى آخره) لأن المراد به: لا ينبغي أن تبدل
80 - باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله
تلك الفطرة، أو من شأنها أن لا تبدل، أو الخبر بمعنى: النهي. ({ذَلِكَ}) إشارة إلا الدين المأمور بإقامة الوجه إليه، في قوله: ({فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ}). ({الدِّينُ الْقَيِّمُ}) أي: المستوي الذي لا عوج فيه. 80 - بَابُ إِذَا قَال المُشْرِكُ عِنْدَ المَوْتِ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ (باب: إذا قال المشرك عند الموت) أي: قبل، النزع (لا إله إلا الله) ينفعه إن قرنه بقوله: (محمد رسول الله). 1360 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَالِبٍ: "يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ " فَقَال أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالةِ حَتَّى قَال أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالى فِيهِ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} [التوبة: 113] الآيَةَ. [3884، 4675، 4772، 6681 - مسلم: 24 - فتح: 3/ 222] (إسحق) أي: ابن راهويه، أو ابن منصور. (حدثني أبي) أي: إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. (عن صالح) أي: ابن كيسان. (حضرت أبا طالب الوفاة) أي: علامتها قبل النزع، وإلا لما كان ينفعه الإيمان لو آمن، قال شيخنا: ويحتمل أنه انتهى إلى النزع، لكن رجاه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو بتلك الحالة أن ذلك ينفعه
بخصوصه، كما خص مع امتناعه بتخفيف العذاب عنه: بشفاعته - صلى الله عليه وسلم - (¬1) واسم أبي طالب: عبد مناف، وقيل: عمران، وقيل: اسمه كنيته. (فوجد عنده أبا جهل إلخ) أبو جهل مات كافرًا، وعبد الله أسلم عام الفتح، واسم أبي جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، ويكنى أيضًا: بأبي الحكم. (يا عم) في نسخة: "أي عم". (كلمة) بالنصب على البدل، أو الاختصاص. (أشهد) بالرفع صفة لـ (كلمة) ويجوز الجزمُ؛ جوابًا للأمر في (قل: لا إلله إلا الله) ويؤخذُ من قوله: (قل: لا إله إلا الله إلى آخره) مطابقة الحديث للترجمة من حيث الغرض، وإلا من حيث اللفظ لا مطابقة بينهما. (أترغب) بهمزة الإنكار، أي: أتعرض. (يعرضها) بفتح الياء، وكسر الراء: آخر ما كلمهم، بنصبه علي الظرفية، أي: في آخر أزمنة تكليمه إياهم. (هو على ملة عبد المطلب) مقول (قال أبو طالب) وأراد بـ (هو): نفسه، أو غيَّره الراوي؛ لقبحه، وهو من التصرف الحسن. (أما) بتخفيف الميم، والألف بعدها حرف تنبيه بمعنى: حقًّا، وفي نسخة: "أم" بلا ألف. (لأستغفرن لك) أي: كما استغفر إبراهيم لأبيه". (ما لم أنه عنك) أي: عن استغفاري لك، وفي نسخة: "ما لم أنه عنه" أي: عن الاستغفار. (فأنزل الله تعالى فيه) أي: في أبي طالب. {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] خبر بمعنى: النهي، وفي نسخة: "فأنزل الله تعالى فيه". ¬
81 - باب الجريد على القبر
81 - بَابُ الجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ: "أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ" وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَال: "انْزِعْهُ يَا غُلامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ" وَقَال خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: "رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوزَهُ" وَقَال عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَال: "إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ" وَقَال نَافِعٌ: "كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ". (باب: الجريد على القبر) أي: غرزه عليه، وفي نسخة: "الجريدة" وهي واحدة الجريد، وهو ما جرد عنه الخوص، فإن لم يجرد عنه، سمي سعفًا، قاله الجوهري. (بريدة) بالتصغير، هو: ابن الحصيب، بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين. (في قبره) في نسخة: "على قبرد" وظاهر الأولى: أن بريدة أوصى بجعل الجريدتين داخل قبره، وظاهر الثانية: أنه أوصى بجعلهما على ظاهره، والظاهر: الثانية، وحمل الأولى على الثانية، وإن كان كل من الأمرين صحيحًا، والحكمة في ذلك: التفاؤل ببركة النخلة؛ لقوله تعالى: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24]. (جريدان) في نسخة: "جريدتان" بتاء بعد الدال. (فسطاطًا) بتثليث الفاء، وبطاءين مهملتين، وبإبدالهما بتائين، أي: فوقيتين، وبإبدال الأولى فوقية، ثم إبدالها بسين، وإدغام ما قبلها فيها،
أي: خباء من شعر ونحوه، وأصله: عمود الخباء الّذي يقوم عليه. (على قبر عبد الرّحمن) أي: ابن أبي بكر الصديق. (شبان) بفتح المعجمة، وتشديد الموحدة: جمع شباب. (في زمن عثمان) أي: ابن عفان. (وثبة) بمثلثة، أي: طفرة. (الّذي يثبُ قبر عثمان بن مظعون) بإعجام الظاء، وإهمال العين. (حتّى يجاوزه) أي: من علوه، وفي ذلك، كما قال شيخنا: جواز تعلية القبر ورفعه عن وجه الأرض، قال: ومناسبته للترجمة من جهة أن وضع الجريد على القبر، يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض (¬1). (قال) أي: يزيد (إنّما كره ذلك) أي: الجلوس على القبر. (لمن أحدث عليه) أي: فعل عليه ما لا يليق من الفحش، أو تغوط، أو بال عليه؛ لتأذى الميِّت بذلك، والتقيد بذلك كما قال ابن بطّال بعيد؛ لأن ذلك أقبح من أن يكره، وإنّما يكره الجلوس المتعارف، وهو ما عليه الجمهور، ويدلُّ له خبر الإمام أحمد "لا تقعدوا على القبور" (¬2) نعم هو ¬
قريب، إن أريد كراهة التّحريم، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - (يجلس على القبور) هذا وما قبله لا يناسبان الترجمة، حتّى قيل: كأن بعض الرواة كتبهما في غير موضعهما، إذ الظّاهر أنهما من الباب الآتي. 1361 - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَال: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَال: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". [انظر: 216 - مسلم: 292 - فتح: 3/ 222] (يحيى) أي: ابن موسى، وقيل: ابن جعفر البَّيْكَندي، وقيل: ابن يحيى. (أبو معاوية) هو محمّد بن خازن، بخاء وزاي معجمتين. (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن مجاهد) أي: ابن جبر. (عن طاوس) أي: ابن كيسان. (عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه مرَّ) في نسخة: "قال: مر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -. (بقبرين) أي: بصاحبيهما. (وما يعذبان في كبير إلى آخره) مرَّ شرحه في كتاب: الوضوء (¬1). ¬
82 - باب موعظة المحدث عند القبر، وقعود أصحابه حوله
82 - بَابُ مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ {يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ} [القمر: 7] الأَجْدَاثُ: القُبُورُ، {بُعْثِرَتْ} [الانفطار: 4]: أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي: أَيْ جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلاهُ، الإِيفَاضُ: الإِسْرَاعُ وَقَرَأَ الأَعْمَشُ: (إِلَى نَصْبٍ): إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ " وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ {يَوْمُ الخُرُوجِ} [ق: 42]: مِنَ القُبُورِ {يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96]: يَخْرُجُونَ". (باب: موعظة المحدِّث عند القبر وقعود أصحابه حوله) الموعظة مصدر ميمي، يقال: وعظ موعظة، وعظة ووعظاء: وهو النصح والإنذار بالعواقب، و (المحدِّث) بفتح الحاء، وتشديد الدال: الواعظ، وفائدة قعود أصحابه حوله: سماع الموعظة، والتذكير بالموت، وأحوال الآخرة، وهذا مع ما انضم إليه من مشاهدة القبور، وتذكر أصحابها، وما كانوا عليه، وما صاروا إليه من أنفع الأشياء؛ لجلاء القلوب. وينفع الميِّت أيضًا؛ لما فيه من نزول الرّحمة عند قراءة القرآن والذكر، ثمّ استطرد البخاريّ بذكر تفسير بعض ألفاظ من القرآن على عادته مناسبة لما ترجم له؛ تكبيرًا للفائدة فقال في قوله تعالى: {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ} [القمر: 7]، معنى (الأجداث: القبور) في قوله تعالى: {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} [الانفطار: 4]، معنى: ({بُعْثِرَتْ}: أثيرت) بمثلثة، ومن الإثارة من قول جمهور أهل اللُّغة (بعثرت حوضي، أي: جعلت أسفله أعلاه)، وقيل: معناه حُركت فخرج ما فيه من الأموات وقيل: نحيتُ.
وفي قوله: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} [المعارج: 43]، بالإيفاض الّذي هو مصدر أوفض يوفض إيفاضًا معناه: الإسراع، فمعنى {يُوفِضُونَ}: يسرعون، وقرأ الأعمش وفاقًا للقراء إلا ابن عامر وحفصًا ({إِلَى نُصُبٍ}) بفتح النون، وسكون الصاد، وفي نسخةٍ: بضم النون، وسكون الصاد، وزاد في أخرى: "يوفضون" ثمّ فسر ({إِلَى نُصُبٍ}) بقوله: (إلى شيء منصوب يستبقون إليه)، أي: إلى علم نصبوه؛ ليعبدوه حال كون كلٍ منهم طالبًا أن يسلمه أولًا، والنصب بضم النون وسكون الصاد، وفي نسخةٍ: بضمها، وهو قراءة ابن عامر وحفص. (واحد) أي: مفرد، كما يكون جمعًا، وإن كان الوزن واحدًا، كما في قفل، و (النصب) بالفتح فالسكون مصدر، يقال: نصبت الشيء نصبًا أقمته، وقال في قوله تعالى: {يَوْمُ الْخُرُوجِ} في قوله: {ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} معناه: يوم الخروج (من قبورهم)، وفي قوله تعالى: {يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96]، في قوله: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} [الأنبياء: 96]، معناه: (يخرجون)، أي: بسرعة. 1362 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَال: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَال: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً" فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، قَال: "أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ" ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى} [الليل: 6] الآيَةَ. [4945، 4946، 4947، 4948، 4949،
6217، 6605، 7552 - مسلم: 2674 - فتح: 3/ 225] (حَدَّثَنَا) في نسخة: "حدثني". (عثمان) أي: ابن محمّد بن أبي شيبة. (حدثني) في نسخةٍ: "حَدَّثَنَا". (جرير) أي: ابن عبد الحميد الضبي. (عن منصور) أي: ابن المعتمر (عن أبي عبد الرّحمن) هو عبد الله بن حبيب. (بقيع) بفتح الموحدة (الغرقد) بفتح المعجمة، وسكون الراء: ما عظم من شجر العوسج كان في البقيع، وهو مدفن أهل المدينة. (مخصرة) بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وبالصاد المهملة: ما يتوكأ عليه، كالعصى، وسميت بذلك؛ لأنها تحمل تحت الخصر غالبًا؛ للاتكاء عليها. (فنكس) بتخفيف الكاف، وتشديدها، أي: خفض رأسه وطأطأه إلى الأرض على هيئة المهموم المفكر. (ينكت) بمثناة فوقية. (بمخصرته) أي: يضرب بها في الأرض، فيؤثر فيها. (ما منكم من أحدٍ، ما من نفس منفوسة) أي: مخلوقة، والثّاني بدل من الأوّل، أو عطف بيان له. (إلا كتب) بالبناء للمفعول. (مكانها) بالرفع [نائب الفاعل. (من الجنَّة والنار) من بيانية، والواو بمعنى: أو وهي للتنويع (وإلَّا) في نسخة: "إلا"] (¬1) بحذف الواو. (قد كتبت شقية، أو سعيدة) بنَصبهما على الحال، وبرفعهما على الخبرية بمبتدإٍ محذوف. (وإلا) عطف على (إلا) الأولى. فتكون مع الّتي قبلها من باب اللف والنشر المرتب، بأن تكون (إلا) الأولى راجعة إلى (ما من أحد) والثّانية: إلى (ما من نفس) وإنّما قدم الجنَّة على النّار في الأولى، وأخر السعيد عن الشقي في الثّانية، مع أن مناسبة التركيب تقديم السعيد ¬
في الثّانية؛ لأنه قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه متفقين معنًى فيما يخص المؤمنين. (فقال رجل) هو علي كما ذكره البخاريّ في التفسير، أو سراقة بن مالك، كما في مسلم (¬1)، أو عمر، كما في التّرمذيّ (¬2). (نتكل) أي: نعتمد. (على كتابنا) ما كتب علينا وقدر. (فقال: أما أهل الشقاوة إلى آخره) حاصل السؤال: ألا نترك مشقة العمل فإنا سنصير إلى ما قدر علينا، فلا فائدة في العمل، وحاصل الجواب: لأن مشقة، لأن كلّ أحدٍ ميسر لما خلق له، وهو يسير على من يسره الله عليه. قال الطيبي: الجواب من أسلوب الحكيم، فإنّه منعهم من الاتكال، وترك العمل، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية، أي: إياكم والتصرف في الأمور الإلهية، فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا لدخول الجنَّة والنار، بل إنهما علامات لهما فقط {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} الآية [الليل: 5]، أي: فأمَّا من أعطى الطّاعة، واتقى المعصية، وصدق بالكلمة الحسني، وهي ما دلت على حق، ككلمة التّوحيد، فسنهيئه للخلة الّتي تؤدي إلى يسر وراحة، كدخول الجنَّة، وأما من بخل بما أمر به، واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى، فسنهيئه للخلة المؤدية إلى العسر والشدة، كدخول النّار، وزاد في نسخةٍ بعد واتقى: "وصدق بالحسني". ¬
83 - باب ما جاء في قاتل النفس
83 - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ (باب: ما جاء في قاتل النفس) أي: ما جاء في قاتل نفسه من الأحاديث. 1363 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَال، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ". [4171، 4843، 6047، 6105، 6652 - مسلم: 110 - فتح: 3/ 226] (خالد) أي: الحذاء (عن أبي قلابة) هو عبد الله بن زيد. (بملة) بالتنوين (غير الإسلام) أي: كاليهودية والنصرانية، كان قال: وحق اليهودية ما فعلت كذا، أو إن فعلت كذا فأنا يهودي كاذبًا، أي: في المحلوف عليه. (فهو كما قال) أي: يكون على غير ملة الإسلام، ومحله: إذا قصد تعظيم المحلوف عليه، وعليه يحمل خبر الحاكم: "من حلف بغير الله كفر" (¬1) وإلا بأن قصد البعد عن المحلوف عليه، أو أطلق لم يخرج عن ملة الإسلام، فيكون ما ذكر؛ تغليظًا على من يتلفظ به، فهو مكروه، وقيل حرام، ولا ينعقد به يمين، لكن يندب له، بل يلزمه على القول بأنه حرام أن يقول: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله، وتقييده كاذبًا جريٌ على الغالب، وإلا فالصادق، كالكاذب فيما ذكر، لكنه أخفُّ كراهة، من المكروه والكاذب زاد بحرمة الكذب. (ومن قتل نفسه بحديدة) أو بغيرها، كما فهم بالأَوْلى، فالمراد: من قتل ¬
نفسه بشيء، كما عبر به في الإيمان. (عذب به) أي: بما ذكر، وفي نسخةٍ: "عذب بها" أي: بالحديدة. وفيه: أن الجزاء من جنس العمل، وأن جنايته على نفسه، كجنايته على غيره في الإثم؛ لأن نفسه في الحقيقة ليست ملكه بل هي لله، فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه. 1364 - وَقَال حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي هَذَا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَال: "كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَال اللَّهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ". [3463 - مسلم: 113 - فتح: 3/ 226] (جندب) أي: ابن عبد الله بن يوسف البجلي. (في هذا المسجد) أي: مسجد البصرة، وذكره مع تالييه؛ للتحقيق والتأكيد. (عن النَّبيّ) في نسخةٍ: "على النَّبيّ". (كان برجل) لم يسمَّ. (جِرَاح) بكسر الجيم. (قتل) في نسخة: "فقتل". (حرمت عليه الجنَّة) أي: لكونه مستحلًا لقتل نفسه، أو حرمتها عليه في وقت ما، كالوقت الّذي يدخل فيه السابقون، أو حرمت عليه جنة معينة، كجنة عدن، أو ورد على سبيل التغليظ والتخويف، أو أن هذا جزاؤه، وقد يُعْفَى عنه، أو كان ذلك شرع من مضى أن أصحاب الكبائر يكفرون بها. 1365 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ". [5778 - مسلم: 109 - فتح: 3/ 227] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (أبو الزِّناد) هو عبد الله بن ذكوان. (عن الأعرج) هو عبد الرّحمن بن هرمز. (يخنُق) بضم النون. (يطعنها) بضم العين.
84 - باب ما يكره من الصلاة على المنافقين، والاستغفار للمشركين
84 - بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ، وَالاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 1269] (باب: ما يكره من الصّلاة على المنافقين، والاستغفار للمشركين) ما: مصدرية، ومن: بيانيّة. 1366 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَنَّهُ قَال: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَال يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَال: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ، قَال: "إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا" قَال: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إلا يَسِيرًا، حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] إِلَى قَوْلِهِ {وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] قَال: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. [4671 - فتح: 3/ 228] (عبد الله بن أبي) بضم الهمزة والتّنوين. (ابن سلول) بضم نونه، وإثبات ألفه؛ صفة لعبد الله؛ لأن سلول: أمه، وهي بفتح السين غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث. (دعي) بالبناء للمفعول. (أعدد عليه قوله) أي: القبيح في حق النّبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين. (خيرت) في نسخة: "قد خيرت" (إن زدت) في نسخة: "لو زدت". (فغفر له) في نسخة: "يغفر له". (إلى {وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84]، في نسخة: "إلى قوله: {وَهُمْ فَاسِقُونَ} ومرَّ
85 - باب ثناء الناس على الميت
شرح الحديث في باب: الكفن في [القميص] (¬1) الّذي يكف (¬2). 85 - بَابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى المَيِّتِ (باب: ثناء النَّاس على الميِّت) أي: بيان حكم الثّناء عليه بخير، أو شر. 1367 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَال: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَجَبَتْ" ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَال: "وَجَبَتْ" فَقَال عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا وَجَبَتْ؟ قَال: "هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ". [2642 - مسلم: 949 - فتح: 3/ 228] (مرّوا) في نسخة: بالبناء للمفعول. (فأثنوا عليه شرًّا) استعمل الثّناء في الشر، مع أن الجمهور على خلافه؛ لمشاكلته لما قبله، كما في قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]. (وجبت) المراد بالوجوب هنا: الثبوت، لا الوجوب الاصطلاحي؛ إذ لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله. (أنتم شهداء الله في الأرض) لفظه في الشهادات: "المؤمنون شهداء الله في الأرض" فالمراد: شهادة الصّحابة وغيرهم ممّن كان بصفتهم، لا شهادة الفسقة؛ لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا شهادة من بينه وبين الميِّت عداوة؛ لأن شهادة العدو لا تقبل، وقال ¬
بعضهم: معنى الحديث: أن الثّناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنَّة، فإن، كان غير مطابق، فلا، وكذا عكسه، قال النووي بعد نقله هذا: والصّحيح أنه على عمومه، وأن من مات فألهم الله النَّاس الثّناء عليه بخير، كان دليلًا على أنه من أهل الجنَّة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك، أم لا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا الإلهام يستدل به على تعيينها (¬1). وبهذا تظهر فائدة الثّناء وما قاله عن قريب ممّا قلناه أولًا. 1368 - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ هُوَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، قَال: قَدِمْتُ المَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَال: وَجَبَتْ، فَقَال أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَال: قُلْتُ كَمَا قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّمَا مُسْلِمٍ، شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ" فَقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ، قَال: "وَثَلاثَةٌ" فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَال: "وَاثْنَانِ" ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ. [2643 - فتح: 3/ 229] (عفان (¬2) بن مسلم) (¬3) زاد في نسخة: "هو: الصفار". (عن أبي الفرات) اسم أبي الفرات: عمرو الكندي. (عن أبي الأسود) هو ظالم بن عمرو بن سفيان. ¬
86 - باب ما جاء في عذاب القبر
(فأثني) بالبناء للمفعول. (على صاحبها) نائب الفاعل. (خيرًا) بالنصب مفعول ثان، أو صفة لمصدر محذوف، أَوْ بنزع الخافض، أي: بخير، وبالرفع نائب الفاعل. (فقلت: وما وجبت؟) أي: ما معنى قولك: وجبت؟ (أيما مسلم شهد له أربعة بخير إلى آخره) ترك الشق الثّاني، وهو الشّهادة بالشر؛ قياسًا على الشّهادة بالخير، أو اختصارًا. 86 - بَابُ مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ، وَالمَلاَئِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ، أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ} قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الهُونُ: هُوَ الهَوَانُ، وَالهَوْنُ: الرِّفْقُ وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة: 101]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ، أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ} [غافر: 45، 46]. (باب: ما جاء في عذاب القبر) أي: من الآيات والأحاديث، ولا مانع من أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد، أو في جمعيه فيثيبه، أو يعذبه، ولا يمنع من ذلك كون الميِّت قد تفرقت أجزاؤه، أو أكلته السِّباع والطيور وحيتان البحر، كما أنه يعيده للحشر، وهو تعالى قادر على ذلك، فلا يستبعد تعلّق روح الشخص الواحد في آنٍ واحد بكل واحد من أجزائه المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلّقه ليس على سبيل الحلول حتّى يمنعه الحلول في جزء آخر، بل هو
على سبيل التّدبير. (وقوله تعالى) بالجر عطف على عذاب؛ أو بالرفع على الاستئناف. ({إِذِ الظَّالِمُونَ}) في نسخة: " {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ})، أي: شدائده. ({وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ}) [الأنعام: 93]) أي: لقبض أرواحهم، أو للعذاب، يقولون تعنيفًا ({أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ}) إلينا لنقبضها، أو لنعذبها ({عَذَابَ الْهُونِ}) زاد في نسخة قبله: "أو الهون" والمعني: يزيد العذاب المتضمن لشدة وإهانة، والهون بالفتح: الرفق، ذكره؛ لمناسبة الهون بالضم لفظًا. ({سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ}) أي: بالفضيحة، أو القتل في الدنيا، وعذاب القبر. ({ثُمَّ يُرَدُّونَ}) أي: في الآخرة. ({إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}}) أي: بالنار. ({وَحَاقَ}) أي: نزل. ({سُوءُ الْعَذَابِ}) أي: الغرق في الدنيا، ثمّ النّار في الآخرة. ({يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا}) أي: يحرقون بها. ({غُدُوًّا وَعَشِيًّا}) أي: صباحًا ومساءً. ({وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ}) يقال: ادخلوا يا آل فرعون. ({أَشَدَّ الْعَذَابِ}) أي: عذاب جهنم. 1369 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا - وَزَادَ - {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [إبراهيم: 27] نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ. [4699 - مسلم: 2871 - فتح: 231] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (أتي) بالبناء للمفعول حال، أي: حالة كونك مأتيًا إليه، والآتي:
الملكان منكر ونكير. (ثمّ شهد) في نسخة: "يشهد". (فذلك قوله ... إلى آخره) جواب إذا. (غندر) اسمه: محمّد بن جعفر. 1370 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ، قَال: اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ، فَقَال: "وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ " فَقِيلَ لَهُ: تَدْعُو أَمْوَاتًا؟ فَقَال: "مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ". [3980 - 4026 - فتح: 3/ 232] (حدثني أبي) في نسخة: "حَدَّثَنَا أبي". (عن صالح) هو ابن كيسان. (ما وعد) في نسخة: "ما وعدكم". (فقيل له) القائل هو عمر بن الخطّاب، كما في مسلم. (ما أنتم باسمع منهم) أي: لما أقول. 1371 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: إِنَّمَا قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ" وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى} [النمل: 80]. [3978، 3979، 3981 - مسلم: 932 - فتح: 3/ 232] (عبد الله بن محمّد) هو: ابن شيبة. (سفيان) أي: ابن عيينة. (أقول) زاد في نسخة: "لهم". (وقد قال الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80]، استدلت به عائشة على مانفته أن الموتى لا يسمعون، وخالفها الجمهور فيه، وقالوا: لا دلالة في الآية على ذلك، بل لا منافاة بين الآية وبين قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنهم الآن يسمعون" لأن الإسماع إبلاغ الصوت إلى أذن السامع، فالله تعالى هو الذاي يسمعهم صوت نبيه، ولا مانع أنه على قال اللفظين الواقعين، وحفظ غيرهما في روايتي
ابن عمر وعائشة، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما، وحفظ غيرها سماعهم بعد إحيائهم، وفائدة إسماعهم: توبيخهم. 1372 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، سَمِعْتُ الأَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَال: "نَعَمْ، عَذَابُ القَبْرِ" قَالتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ صَلَّى صَلاةً إلا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ زَادَ غُنْدَرٌ: "عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ". [انظر: 1049 - مسلم: 586، 903 - فتح: 3/ 232] (أبي) هو عثمان بن جبلة. (عن أبيه) هو أبو الشعثاء سليم بن أسود المحاربي. (أن يهودية) لم تسم. (نعم عذاب القبر) "حق" كما في نسخة. (بعد) أي: بعد سؤاله إياه. (زاد غندر: عذاب القبر حق) ساقط من نسخة، والزائدة في الحقيقة (حق) فقط، أو زيادته إنّما تليق بحذفه في النسخة الأوّل، لا بذكره فيها. 1373 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، تَقُولُ: "قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ الَّتِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً" [انظر: 86 - مسلم: 905 - فتح: 3/ 232] (ابْن وهب) هو عبد الله المصري. (يونس) أي: ابن يزيد الأيلي. (يفتتن) بوزن: يقتتل، [وفي نسخة: "يفتن" بوزن يقتل] (¬1) مبنيًّا ¬
للمفعول. (ضخة) نكّرها للتعظيم، ومرَّ شرح الحديث في: العلم وغيره (¬1). 1374 - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - قَال قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا: أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ - قَال: وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ " [انظر: 1338 - مسلم: 2870 - فتح: 3/ 232] (عبد الأعلى) أي: ابن عبد الأعلى السامي. (سعيد) أي: ابن أبي عروبة. (عن قتادة) أي: ابن دعامة. (عن أنس بن مالك) لفظ: (ابْن مالك) ساقط من نسخة. (وإنه) أي: الميِّت، وفي نسخة: "إنّه" بلا واو. (فيقعدانه) معادًا إليه روحه. (لمحمد - صلى الله عليه وسلم -) أي: لأجله، وهو: بيان من الراوي، لا من الملكين، (وذكر) بالبناء للمفعول. (في قبره) في نسخة: "له في قبره" وفي: زائدة، وزاد ابن حبّان: ¬
87 - باب التعوذ من عذاب القبر
"سبعين ذراعًا في سبعين ذراعًا" (¬1). (ثمّ رجع) أي: قتادة. (وأما الكافر المنافق) مرَّ ما فيه مع شرح الحديث في باب: الميِّت يسمع خفق النعال (¬2). 87 - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ (باب: التعوذ من عذاب القبر) أي: بالله. 1375 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَال: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَال: "يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا" وَقَال النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَوْنٌ، سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ البَرَاءَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [مسلم: 2869 - فتح: 3/ 341] (حَدَّثَنَا محمّد) في نسخة: "حدثني محمّد". (حَدَّثَنَا يحيى) في نسخة: "أَخْبَرَنَا يحيى" أي: ابن سعيد القطان. (حَدَّثَنَا شعبة) في نسخة: "أَخْبَرَنَا شعبة" أي: ابن الحجاج. (خرج النَّبيّ) أي: من المدينة إلى خارجها. (وجبت الشّمس) سقطت بمعنى: غربت. (فسمع صوتًا) هو صوت اليهودي، -كما في الطَّبرانيِّ (¬3) -. (يهود تعذب في قبورها) مبتدأ وخبر؛ إذ (يهود) علم قبيلة، فهو غير منصرف، وقد تدخله (ال) وسماعه - صلى الله عليه وسلم - صوت الميِّت لا ينافي ما مرَّ أن صوت الميِّت يسمعه غير الثقلين؛ لأن ذلك في الصيحة ¬
المخصوصة، وهذا في غيرها، أو هذا معجزة له - صلى الله عليه وسلم - (وقال النضر) بمعجمة، أي: ابن شميل. (أَخْبَرَنَا شعبة إلى آخره) فائدة ذكره بعد ما مَرَّ تصريح عون فيه بالسماع له من أبيه، وسماع أبيه له من البراء. 1376 - حَدَّثَنَا مُعَلًّى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَال: حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهُوَ "يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ". [6364 - فتح: 3/ 241] (معلَّى) بتشديد اللام مفتوحة، أي: ابن أسد. (وهيب) أي: ابن خالد. (ابنة خالد) واسمها: أمة، وكنيتها: أم خالد. (وهو يتعوذ من عذاب القبر) تعوذ منه ومما يأتي في الحديث الآتي؛ تعبدًا وإرشادًا لأمته؛ ليقتدوا به في ذلك. 1377 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ". [مسلم: 588 (131) - فتح: 3/ 241] (هشام) أي: الدستوائي. (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (عن أبي سلمة) أي: ابن عبد الرّحمن بن عوف. (يدعو: اللَّهُمَّ) أي: قائلًا ذلك، وفي نسخة: "يدعو، ويقول: اللَّهُمَّ". [(ومن فتنة المحيا والممات) كلّ منهما مصدر ميمي، واسم زمان، ومرَّ شرح الحديث في باب: الدُّعاء بعد السّلام] (¬1). ¬
88 - باب عذاب القبر من الغيبة والبول
88 - بَابُ عَذَابِ القَبْرِ مِنَ الغِيبَةِ وَالبَوْلِ (باب: عذاب القبر من الغيبة والبول) من تعليلية، والغيبة: بكسر الغين: ذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه، وعطف عليها البول بتقدير متضايفين، أي: ومن عدم استنزاهه من البول، وخصهما بالذكر؛ لتعظيم أمرهما ولغلبتهما، وإلا فغيرهما مثلهما. 1378 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَال: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ" ثُمَّ قَال: "بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ" قَال: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا، فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَال: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا". [انظر: 216 - مسلم: 292 - فتح: 3/ 242] (قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد. (جرير) أي: ابن أبي حازم. (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران. (عن مجاهد) أي: ابن جبر. (عن طاوس) هو ابن كيسان. (قال ابن عبّاس) في نسخة: "عن ابن عبّاس". (فكان يسعى بالنميمة) لم يذكر الغيبة الّتي هي في التّرجمة؛ اكتفاءً بذكر النميمة؛ لتقاربهما، وإن لم يتساويا في المفسدة، إذ مفسدة النميمة أعظم، أو إشارة إلى ورودها في بعض طرق الحديث. (لا يستتر) من الاستتار، وهو مجاز عن التنزه. (باثنتين) في نسخة: "باثنين" بحذف التاء الفوقية، ومر شرح الحديث في باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله (¬1). ¬
89 - باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي
89 - بَابُ المَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ (باب: الميِّت يعرض عليه بالغداة والعشي) أي: المساء، وفي نسخة: "يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي" وهو مراد من الأولى، والمراد بالغداة والعشي: وقتهما، وإلَّا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء. 1379 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ". [3240، 6515 - مسلم: 2866 - فتح: 3/ 243] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (من أهل الجنَّة، فمن أهل الجنَّة، كان كان من أهل النّار، فمن أهل النّار) ظاهره: اتحاد الشرط والجزاء في الشقين، وهو مؤول وتقديرهما في الأوّل مثلًا إن كان من أهل الجنَّة، فمقعده من مقاعد الجنَّة يعرض عليه، وقوله: (فمن أهل النّار) ساقط من نسخة. (هذا مقعدك حتّى يبعثك الله) أي: لا يصل إليه إلى يوم القيامة لبعث، ومرَّ شرح الحديث (¬1). 90 - بَابُ كَلامِ المَيِّتِ عَلَى الجَنَازَةِ (باب: كلام الميِّت على الجنازة) أي: النعش. 1380 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ ¬
91 - باب ما قيل في أولاد المسلمين
سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا وُضِعَتِ الجِنَازَةُ، فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالتْ: قَدِّمُونِي، قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إلا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ". [انظر: 1314 - فتح: 3/ 244] (إذا وضعت الجنازة) أي: على النعش، ومرَّ شرح الحديث في باب: حمل الرجال الجنازة (¬1)، بل ومرت التّرجمة أيضًا مع حديثها في باب: قول الميِّت وهو على الجنازة قدموني (¬2). 91 - بَابُ مَا قِيلَ فِي أَوْلادِ المُسْلِمِينَ قَال أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ". (باب: ما قيل في أولاد المسلمين) أي: الصغار. (قال) في نسخة: "وقال". (كان) أي: موتهم، وفي نسخة: "كانوا" أي: الثّلاثة. (أو دخل الجنَّة) شك من الراوي. 1381 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ، يَمُوتُ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ" [انظر: 1248 - فتح: 3/ 244] ¬
92 - باب ما قيل في أولاد المشركين
(ابن علية) اسمه: إسماعيل بن إبراهيم. (يموت له ثلاثة) أي: "من الولد"، كما في نسخة، ومرَّ شرح الحديث في باب: هل يجعل للنساء يومًا (¬1)، وباب: فضل من مات له ولد (¬2). 1382 - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُ سَمِعَ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ". [3255، 6195 - فتح: 3/ 244] (أبو الوليد) هو هشام بن عبد الملك الطيالسي. (إبراهيم) أي: ابن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -. (إن له مرضعًا في الجنَّة) بضم الميم، أي: من يتم رضاعه، وروي: "مرضعًا ترضعه في الجنَّة" (¬3)، وروي بفتح الميم مصدر، أي: رضاعًا، وبحذف التاء من مرضع، إذا كان من شأنها ذلك، وتثبت فيه إذا كان بمعنى: تجدد فعلها، كما قال: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ} [الحج: 2]، وكذا يقال في حائض وحائضة. 92 - بَابُ مَا قِيلَ فِي أَوْلادِ المُشْرِكِينَ (باب: ما قيل في أولاد المشركين) أي: الصغار. 1383 - حَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلادِ المُشْرِكِينَ، ¬
فَقَال: "اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". [6597 - مسلم: 2660 - فتح: 3/ 245] (حَدَّثَنَا حبَّان) بكسر الحاء وتشديد الموحدة، وفي نسخة: "حدثني حبّان بن موسى". (عبد الله) أي: ابن المبارك. (عن أبي بشر) هو جعفر بن أبي وحشية. (إذ خلقهم) إذ: متعلّقة بمحذوف، أي: علم ذلك حين خلقهم، أو بقوله: (أعلم)، وإن تقدمت عليه، إذ يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره، والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر وهما: الله أعلم. 1384 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ، فَقَال: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". [6598، 6600 - مسلم: 2659 - فتح: 3/ 245] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (عن ذراري المشركين) بذال معجمة، ومثناة تحتية: جمع ذرية، أي: عن أولادهم الصغار. 1385 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ؟ ". [انظر: 1358 - مسلم: 2658 - فتح: 3/ 245] (ابْن أبي ذئب) اسمه: محمّد بن عبد الرّحمن. (كمثل) بفتح الميم والمثلثة، وفي نسخة: بكسرها، وسكون المثلثة. (تنتج البهيمة) بالنصب، واختلف في أولاد المشركين، فقيل: إنهم في مشيئة الله تعالى، وقيل: في النّار تبعًا لآبائهم، وقيل: في
برزخ بين الجنَّة والنار؛ لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنَّة، ولا سيئات يدخلون بها النّار، والصّحيح المختار: ما عليه المحققون، كما قال النووي: إنهم في الجنَّة، لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]، وإذا لم يعذب العاقل؛ لكونه لم تبلغه الدّعوة، فكان لا يعذب غير العاقل من باب أولى، وجواب خبر (الله أعلم) بما كانوا عاملين أنه ليس فيه تصريح أنهم ليسوا في غير الجنَّة (¬1)، وأما خبر الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ولدان المسلمين، قال: "في الجنَّة"، وعن أولاد المشركين، قال: "في النار" (¬2) فضعيف، ومرَّ شرح الحديث في باب: ¬
93 - باب
إذا أسلم الصبي فمات (¬1). 93 - باب. (باب) ساقط من نسخة، وهو بمنزلة الفصل فيما قبله؛ ولهذا لم يذكر له ترجمة. 1386 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَال: "مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ " قَال: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: "مَا شَاءَ اللَّهُ" فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَال: "هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟ " قُلْنَا: لَا، قَال: "لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ، بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ" قَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: "إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ - أَوْ صَخْرَةٍ - فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ. ¬
فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ - قَال يَزِيدُ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ - وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، وَنِسَاءٌ، وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ، وَشَبَابٌ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ، فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَالصِّبْيَانُ، حَوْلَهُ، فَأَوْلادُ النَّاسِ وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قَالا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَو اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ". [انظر: 845 - مسلم: 2275 - فتح: 3/ 251] (جرير) أي: ابن حازم. (أبو رجاء) هو: عمران بن تميم العطاردي.
(صلاة) في نسخة: "صلاته". (رؤيا) مقصور وغير منصرف. (فسألنا) بفتح اللام. (رجلين) هما: جبرائيل وميكائيل، كما ذكرهما بعد. (الأرض المقدسة) في نسخة: "أرض مقدسة". (جالس) بالرفع، وفي نسخة: "جالسًا" بالنصب. (بيده) أي: كلوب، كما أشار إليه بقوله: (قال بعض أصحابنا عن موسى: كلوب من حديد يدخله في شدقه)، وفي نسخة: "بيده كلوب من حديد، قال بعض أصحابنا عن موسى: إنّه يدخل ذلك الكلوب في شدقه" وأبهم البخاريّ البعض لنسيان أو غيره، وليس بقادح؛ لأنه لا يروي إلا عن ثقة، قال شيخنا: لم أعرف هذا البعض، إلا أن الطَّبرانيَّ أخرجه في "المعجم الكبير" عن العباس بن الفضل الإسقاطي (¬1). (ما هذا؟) أي: ما حال هذا الرَّجل؟ وفي نسخة: "من هذا؟ " أي: من هذا الرَّجل؟ (بفهر) بكسر الفاء، وسكون الهاء، أي: بحجر [يملأ الكف] (¬2). (أو صخرة) على الشك هنا، واقتصر على التعبير عليها من غير شك. (فيشدخ) أي: يكسر به، أي: بالحجر، أو الصخرة، وفي نسخة: "بها" أي: بالصخرة. (تدهده) أي: تدحرج. (ثقب) بمثلثة مفتوحة، وفي نسخة: بنون مفتوحة. (التنور) بفتح الفوقية، وتشديد النون: ما يخبز فيه. (يتوقد) بفتح أوله. (نارًا) تمييز. (فإذا اقترب) أي: الوقود والحر، أي: قرب من النَّاس المعلومين من السياق، وفي نسخة: "أقترت" بهمزة قطع فقاف ¬
ففوقيتين بينهما راء، من القترة، أي: التهبت النّار وارتفع لهبها؛ لأن القترة: الغبار الّذي يرتفع. (ارتفعوا) أي: النَّاس. (كاد أن يخرجوا) أن: مصدرية، وهي مع مدخولها: اسم كاد، وخبرها محذوف، أي: يكاد خروجهم يتحقق، وفي نسخة: "كادوا يخرجوا". (خمدت) بفتح الخاء والميم، أي: سكنت: بأن سكن لهبها. (من هذا؟) في نسخة: ["ما هذا". (نهر) بفتع الهاء وسكونها. (على وسط النهر رجل) في نسخة:، (¬1) "قال يزيد بن هارون، ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر رجل" (رمى) في نسخة: "رمى له الرَّجل الّذي بين يديه الحجارة". (فانطلقنا) ساقط من نسخة. (فصعد) بكسر العين. (وشباب) في نسخة: "هنا" وفيما يأتي: "وشبان" بضم أوله وتشديد ثانيه ونون في آخره. (فأخبراني) بسكون الموحدة. (بالكذبة) بفتع الكاف، وكسر الذال، وبالكسر والسكون. (فيصنع به) أي: ما رأيت من شق شدقه، وأما هذه فدار الشهداء، واكتفى فيها بما مرَّ من الشيوخ والشباب دون النِّساء والصبيان، جريًا على الغالب، إذ الغالب أن الشهيد لا يكون امرأة، ولا صبيًّا. (دعاني) أي: اتركاني، قال الكرماني: ومناسبة التعبير للرؤيا ظاهرة إلا في الزناة، ومناسبته لها من جهة أن العري فضيحة، كالزنا، ثمّ إن الزاني يطلب الخلوة، كالتنور، ولا شك أنه خائف حذر وقت الزِّنا، كأنها تحته النّار (¬2). ¬
94 - باب موت يوم الاثنين
وفي الحديث: الاهتمام بأمر الرؤيا، واستحباب السؤال عنه، وذكرها بعد الصّلاة، والتحذير عن الكذب، وعن ترك قراءة القرآن والعمل به، والتغليظ على الزاني، وآكل الرِّبَا، وسعادة صبيان الخلائق كلهم، وتفضيل الشهداء على غيرهم، وهذه الرؤيا مشتملة على حكم عظيمة. ووجه الضبط في هذه الأمور: أن الحال لا يخلو من الثّواب والعذاب، فالثواب: إمَّا لرسول الله، ودرجته فوق الكل مثل السحابة، وإمَّا للأمة وهي ثلاث درجات، أدناها للصبيان، والأوسط للعامة، وأعلاها للشهداء وإبراهيم علييه السّلام، وإن كان رفيع الدرجة على الشهداء فوجه كونه تحت الشجرة، وهو خليل الله أبو الأنبياء الإشارة إلى أنه الأصل في الملة، وكل من بعده من الموحدين تابع له، بأمره يصعدون شجرة الإسلام ويدخلون الجنَّة. والعقاب: إمّا على قول لا ينبغي، أو عدم قيل ينبغي، أو فعل بدني، كالزنا أو مالي، كالرِّبَا. 94 - بَابُ مَوْتِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ (باب: موت يوم الاثنين) أي: بيان الموت فيه. 1387 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَال: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالتْ: "فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ" وَقَال لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالتْ: "يَوْمَ الاثْنَيْنِ" قَال: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالتْ: "يَوْمُ الاثْنَيْنِ" قَال: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ، كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ
رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، فَقَال: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ، فَكَفِّنُونِي فِيهَا، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ، قَال: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلاثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. [انظر: 1264 - مسلم: 941 - فتح: 3/ 252] (وهيب) أي: ابن خالد البصري. (هشام) أي: ابن عروة بن الزُّبير. (قال) في نسخةٍ: "فقال". (في كم) هي استفهامية، كان كان لها صدر الكلام، لكن الجار كالجزء منها، فلا يخرجها عن تصديرها. (سحولية) بفتح السين، وضمها كما مرَّ. (قالت يوم الاثنين) بنصب (يوم) على الظرفية في الأول، وبرفعه على الخبرية لمقدر في الثّاني. (أرجو فيما بيني وبين اللّيل) أي: أتوقع الوفاة فيما بين ساعتي هذه، وبين اللّيل، أو فيما بين آخر يومي وآخر اللّيل، وإنّما رجى ذلك؛ لقصد التبرك؛ لكون النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - توفي فيه، وله مزية على سائر الأيَّام بهذا الاعتبار. (ثمّ نظر) في نسخةٍ: "فنظر". (ردع) بفتح الراء، وسكون الدال والعين المهملتين، أي: لطخ وأثر، وفي نسخةٍ: "ردغ" بغين معجمة. (ثوبي هذا) لفظ: (هذا) ساقط من نسخةٍ (فيها) أي: في الأثواب الثّلاثة، وفي نسخةٍ: "فيهما" أي: في المزيد والمزيد عليه. (خلق) بفتح المعجمة واللام، أي: بالٍ عتيق. (إنّما هو) أي: للدفن. (للمُهْلَة) بتثليث الميم، أي: القيح والصديد. (من ليلة الثلاثاء) بالمد. وفي الحديث: التكفين في الثِّياب البيض والمغسولة، وطلب المرافقة فيما وقع للأكابر، والدفن باللّيل، وإيثار الحي في الجديد، وفضل الصديق، ودلالة فراسته، وتيسير الله ما يتمناه له.
95 - باب موت الفجأة البغتة
95 - بَابُ مَوْتِ الفَجْأَةِ البَغْتَةِ (باب: موت الفجأة) بفتح الفاء، وسكون الجيم، أو بضم الفاء وفتح الجيم والمد. (بغتة) بالجر بدل، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، وعلى التقديرين هي تفسير للفجأة، وفي نسخةٍ: "بغتة" بالتكبير. 1388 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَجُلًا قَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَال: "نَعَمْ". [2760 - مسلم: 1004 - فتح: 3/ 254] (سعيد ابن أبي مريم) نسبة لجده، وإلا فهو سعيد بن محمّد بن الحكم ابن أبي مريم (هشام) في نسخةٍ: "هشام بن عروة". [عن أبيه) في نسخة: عن عروة] (¬1). (أن رجلًا) هو سعد بن عبادة. (أن أمي) اسمها: عمرة. (افتلتت) بالبناء للمفعول، أي: ماتت. (فلتة) أي: بغتة. (نفسها) بالرفع؛ نائب فاعل، وبالنصب على التمييز، أو على أنه المفعول الثّاني بإسقاط حرف الجر، أي: من نفسها، والأول ضمير نائب الفاعل. وأشار بالحديث إلى أن موت الفجأة ليس بمكروه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يظهر منه كراهة حين أخبره الرَّجل بانفلات نفس أمه، وهو محمول على المتهيء للموت، والمراقب له دون غيره، وعلى ذلك يحمل خبر ابن أبي شيبة، عن عائشة، وابن مسعود: "موت الفجأة راحة المؤمن وأسفٌ ¬
96 - باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما
على الفاجر" (¬1)، وخبر أبي داود: "موت الفجأة أخذه آسف" (¬2) بمدِّ الهمزة، وكسر السين، أي: غضبان، وبقصرها وفتح السين أي: غضب أخذة غضبان، أو غضب من حيث إنّه فعل ما أوجب الغضب عليه، والانتقام منه بأن أماته بغتة من غير تَهيّئ للموت. 96 - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21]: أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ أُقْبِرُهُ إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ: دَفَنْتُهُ {كِفَاتًا} [المرسلات: 25]: يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً، وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًاا. (باب: ما جاء في قبر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما) أي: في صفة قبورهم من التسنيم، وغيره. " {فَأَقْبَرَهُ}) أي: من قوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21]، معناه: أقبرت الرَّجل، إذا: جعلت له قبرًا، في، نسخةٍ: "قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {فَأَقْبَرَهُ} إلخ"، وزاد في أخرى: "أقبره" بعد قوله: أقبرت الرَّجل (قبرته) معناه: دفنته بأن واريته في التراب. ({كِفَاتًا} أي: من قوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25)} [المرسلات: 25]، معناه: (يكونون فيها أحياء ويدفنون فيها أمواتًا) ¬
و {كِفَاتًا} بمعنى: كافتة، أي: جامعة وضامة. 1389 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ هِشَامٍ، ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ: "أَيْنَ أَنَا اليَوْمَ، أَيْنَ أَنَا غَدًا" اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي، قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. [انظر: 890 - مسلم: 2443 - فتح: 3/ 255] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (سليمان) أي: ابن بلال. (وحدثني) في نسخةٍ: " ح وحدثني". (ليتعذر) بعين مهملة، وذالٍ معجمة، أي: يطلب العذر فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت عائشة، وفي نسخةٍ: "ينقدر" بقاف، ودال مهملة، أي: يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها؛ ليهون عليه بعض ما يجد [لأن المريض يجد] (¬1) عند بعض أهله (أين أنا اليوم؟) أي: لمن النوبة اليوم (أين أنا غدًا؟) أي: لمن هي غدًا. (استبطاءً ليوم عائشة) قاله اشتياقًا إليها، وإلي يومها. (سحري ونحري) بفتع أولهما، وسكون ثانيهما، أي: بين جنبي وصدري، والسحر: الرئة أُطلقت على الجنب مجازًا، من باب تسمية المحل باسم الحال. 1390 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلالٍ هُوَ الوَزَّانُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ - أَوْ خُشِيَ - أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا وَعَنْ هِلالٍ، قَال: "كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي". [انظر: 435 - مسلم: 529 - فتح 3/ 255] ¬
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: "أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَنَّمًا" حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الحَائِطُ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ، فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَال لَهُمْ عُرْوَةُ: "لَا وَاللَّهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا هِيَ إلا قَدَمُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ". (أبو عوانة) هو الوضاح. (عن هلال) أي: ابن حميد الجهني، وفي نسخةٍ: "هلال هو الوزان". (لم يقم منه) في نسخةٍ: "لم يقم فيه". (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) مرَّ شرحه في باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (¬1). (أُبرز) بالبناء للمفعول. (قبره) بالرفع نائب [الفاعل] (¬2)، وفي نسخةٍ: (أبرز قبره) بالبناء للفاعل والنصب. (خشي) بفتح الخاء، أو (خُشي) بضمها، فالخاشي على الأوّل: النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وعلى الثّاني: هو، أو عائشة أو الصّحابة. (وعن هلال) أي: الوزان. (كنَّاني) أي: بأبي عمرة، أو بأبي الجهم، أو بأبي أمية. (حَدَّثَنَا) في نسخةٍ: "حدثني". (عبد الله) أي: ابن المبارك. (عن سفيان) أي: ابن دينار، وهو من كبار التابعين لكنه لم تعرف له رواية عن صحابي. (مسنمًا) بتشديد النون، أي: مرتفعًا، واستدل به على أن ¬
المستحب تسنيم القبور، وهو قول بعض الشّافعيّة كغيرهم، والذي عليه أكثر الشّافعيّة، ونصَّ عليه الشّافعيّ أن تسطيحها أفضل من تسنيمها؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - سطح قبر إبراهيم، وفعله حجة، لا فعل غيره، ولا حجة فيما قاله سفيان، كما قال البيهقي (¬1)، لأنه معارض بخير أبي داود بإسناد صحيح: أن القاسم ابن أبي بكرٍ قال: دخلت على. عائشة، فقلت لها: اكشفي لي عن قبر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لاطئه مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء (¬2)، أي: لا مرتفعة كثيرًا، ولا لاصقة بالأرض، يقال: لطي -بكسر الطاء-، ولطا بفتحها، أي: لصق، ولا يؤثر في أفضلية التسطيح كونه صار من شعار الروافض؛ لأن السنة لا تترك بموافقة أهل البدع فيها. (حَدَّثَنَا) في نسخةٍ: "حدثني". (فروة) أي: ابْن المغراء. (علي) في نسخةٍ: "علي بن مسهر". (لما سقط عليهم) أي: على قبور النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -[وصاحبيه الحائط، أي حائط حجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (¬3) (في زمان الوليد بن عبد الملك) حين أمر عمر بن عبد العزيز برفع القبر الشريف؛ حتّى لا يصل إليه أحد؛ إذ كان النَّاس يصلون إليه، -قاله شيخنا (¬4) - (فبدت) أي: ظهرت في القبر لا خارجه. (لهم قدم) أي: مع ساق وركبة، كما رواه أبو بكر الآجري ¬
(ما هي إلا قدم عمر) وعند الآجري: "هذا ساق عمر وركبته" (¬1). 1391 - وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالْبَقِيعِ لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا". [7337 - فتح: 3/ 255] (لا أُزَكَّى) بالبناء للمفعول، أي: لا يثنى على به، أي: بسبب الدفن معهم؛ حتى يكون لي بذلك مزية، وفضل وأنا في نفسٍ تجوز أن لا أكون كذلك. 1392 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، قَال: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلامَ، ثُمَّ سَلْهَا، أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ، قَالتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلَأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ، قَال: لَهُ مَا لَدَيْكَ؟ قَال: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَال: "مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا، ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَإِنْ أَذِنَتْ لِي، فَادْفِنُونِي، وَإِلَّا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ، إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَسَمَّى عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَال: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ، كَانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الإِسْلامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ. ¬
فَقَال: لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ، وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ ". [3052، 3162، 3700، 4888، 7207 - فتح: 3/ 256] (قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد. (صاحبيَّ) بفتح الموحدة وتشديد الياء، وإنما استأذنها؛ لأن منفعة الحجرة لها (كنت أريده) أي: في الدفن معهما لنفسي فإن قلت هذا يدلُّ على أنه لم يبق إلا ما يسع إلا موضع قبر واحد، فيغاير قولها السابق لابن الزُّبير: لا تدفني معهم. فإنّه يشعر بأنه يبقي من الحجرة موضع آخر. قلت: أجيب: بأنها كانت أوَّلًا تظن إنها كانت لا تسع إلا قبرًا واحدًا، فلما دفن عمر ظهر لها أن هناك وسعًا لقبر. (فلأوثرنه اليوم على نفسي) آثرته على نفسها مع أن الحظوظ الدينية لا إيثار فيها؛ لأن الحظوظ المستحقة بالفضل ينبغي فيها إيثار أهله، فلمَّا علمت عائشة فضل عمر آثرته. كما ينبغي لصاحب المنزل إن كان مفضولًا أن يؤثر الإمامة إلى من هو أفضل منه، وإن كان الحق له (ما لديك) أي: عندك من الخير (من ذلك المضجع) بفتح الجيم. (ثمّ قل) أي: يا ابن عمر (يستأذن عمر) إنّما استأذنها ثانيّا؛ احتياطًا وورعًا، أو لأنه جوز أن تكون رجعت عن إذنها الأوّل، وهذا بناءً على القول بأن عائشة كانت تملك رقبة البيت، أو منفعته مطلقًا، والواقع أما إنّما كانت تملك منفعته بالسكني، والإسكان فيه ولا يورث
عنها، وحكم أزواجه - صلى الله عليه وسلم -، كالمعتدات؛ لأنهن لا يتزوجن بعده. (بهذا الأمر) أي: أمر الخلافة. (فمن استخلفوا) أي: استخلفوه. (وولج عليه) أي: دخل على عمر. (من القدم في الإسلام) بفتح القاف، أي: سابقة خير، ومنزلة رفيعة، وسميت قدمًا؛ لأن السبق بها، كما سميت النعمة يدًا؛ لأنها تعطى باليد، وفي نسخة: "القدم" بالكسر، وهو هنا بمعنى: الفتوح، وقال شيخنا: بالفتح: الفضل، وبالكسر: السبق، وهو قريب من الأوّل (¬1) (ليتني يا ابن أخي وذلك كفافًا لا على ولا إليَّ) أي: لا عقاب عليَّ ولا ثواب لي، وهذا خبر ليت، وجملة: (وذلك كفافًا) معترضة بينهما. (كفافًا) بالنصب حال من ضمير خبر (ذلك) محذوفًا، أي: حاصل كفافًا، وبالرفع خبر، وهو بفتح الكاف، قال ابن الأثير: لا يفضل عن شيء ويكون بقدر الحاجة إليه (¬2)، وقيه،: أراد مكفوفًا عن شرها، وقيل معناه: أن لا تنال مني، ولا أنال منها، أن تكف عني وأكف عنها. انتهى. (أوصي) بضم الهمزة، وكسر الصاد، مضارع أوصى بفتحهما (بالمهاجرين الأولين) أي: الذين هاجروا قبل بيعة الرضوان، أو صلوا إلى القبلتين، أو شهدوا بدرًا. (أن يعرف إلى آخره) انجفتع همزة (أن) في الموضعين، بيان لقوله: (خيرًا) {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} [الحشر: 9]، أي: لزموها، وهو صفة للأنصار، ولا يضر فصله بـ (خيرًا) لأنه ليس أجنبيًّا من الكلام. (أن يقبل من محسنهم ويعفى عن مسيئهم) ببناء الفعلين للمفعول، وهما مع (أن) بالفتح بيان لقوله: ¬
97 - باب ما ينهى من سب الأموات
(خيرًا) والعفو عن مسيئهم محله، في غير الحدود، وحقوق العباد. (وأوصيه بذمة الله ورسوله) أي: أهل ذمتهما، أي: عهدهما، فهو من عطف العام على الخاص. (أن يوفي إلخ) بفتح (أن) في المواضع الثّلاثة، وبناء الأفعال الثّلاثة للمفعول، والمجوع بيان لذمة الله ورسوله. و (من) في (من ورائهم) بكسر الميم، أي: من خلفهم. وفي الحديث: أن الخلافة بعد عمر شورى، وأن الدفن يندب في أفضل المقابر، وأن مجاورة الصالحين مندوبة. 97 - بَابُ مَا يُنْهَى مِنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ (باب: ما ينهى) أي: عنه. (مَنْ سبَّ الأموات) أي: بيان ما يدلُّ على النّهي عنه من الأحاديث، و (ما) مصدرية. 1393 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا" وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، وَابْنُ عَرْعَرَةَ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ. [6516 - فتح: 3/ 2587] (لا تسبوا الأموات) أي: غير الأشرار من الكفار بقرينة ما يأتي في الباب الآتي (أفضوا إلى ما قدموا) أي: وصلوا إِلى جزاء أعمالهم. (تابعه) أي: آدم. 98 - بَابُ ذِكْرِ شِرَارِ المَوْتَى (باب: ذكر شرار الموتى) أي: بسوء. 1394 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "قَال أَبُو لَهَبٍ
عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ فَنَزَلَتْ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] ". (أبو لهب) هو عبد العزة بن عبد المطلب (عليه لعنة الله) في نسخة: "لعنه الله" (تبًّا) مفعول مطلق، أي: هلاكًا حذف عامله وجوبًا. (سائر اليوم) بالنصب على الظرفية، أي: باقي اليوم. {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)} [المسد: 1]، أي: خسر، وعبَّر باليدين عن النفس؛ لأن أكثر الأعمال بهما، أو لأن الأقربين لما جمعهم النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء: 214] ليخبرهم بذلك أخذ أبو لهب حجرًا يرميه به، وهذا الحديث من مراسيل الصّحابة؛ لأن الآية نزلت بمكة، وكان ابن عبّاس إذ ذاك صغيرًا، أو لم يولد.
24 - كتاب الزكاة
24 - كتاب الزكاة
1 - باب وجوب الزكاة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 24 - كِتَابُ الزَّكَاةِ 1 - بَابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "يَأْمُرُنَا بِالصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّلَةِ، وَالعَفَافِ". [انظر: 7] (باب: وجوب الزَّكاة) في نسخةٍ بدل باب: "كتاب" وفي أخرى: "كتاب الزَّكاة، باب: وجوب الزَّكاة" وسقط من نسخة من أخرى لفظا (باب) و (كتاب). والزكاة لغة: التطهير والنماء، وغيرهما، وشرعًا: ما يخرج من مال، أو بدن على وجه مخصوص. (وقول الله) بالجر عطف على وجوب الزَّكاة، وبالرفع مبتدأ حذف خبره، أي: دليل على وجوب ذلك. (أبو سفيان) هو صخر بن حرب. (والصلة) أي: صلة الأرحام، وكل ما أمر الله به أن يوصل من البرّ والإكرام وغيرهما. 1395 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى اليَمَنِ، فَقَال: "ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ
خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ". [1458، 1496، 2448، 4347، 7371، 7372، مسلم: 19 - فتح: 3/ 261] (عن أبي معبد) هو نافذ مولى ابن عبّاس. (افترض عليهم صدقة) في نسخةٍ: "قد افترض عليهم صدقة" أي: زكاة. (على فقرائهم) في نسخةٍ: "في فقرائهم" واقتصر من الأصناف على الفقراء؛ لمقابلتهم الأغنياء، ولأنهم الأغلب، وبدأ في المتعاطفات بالأهم فالأهم؛ تلطفًا في الخطّاب لأنه لو طالبهم بالجميع في أول الأمر؛ لنفرت نفوسهم من كثرتها. 1396 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا قَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، قَال: مَا لَهُ مَا لَهُ. وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرَبٌ مَا لَهُ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ" وَقَال بَهْزٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا، قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو". [5982، 5983 - مسلم: 13 - فتح: 1/ 263] (عن ابن عثمان) (¬1) في نسخةٍ: "عن محمّد بن عثمان بن عبد الله بن موهب" بفتح الميم، والهاء. (عن أبي أَيّوب) هو خالد بن زيد. (أن رجلًا) هو أبو أَيّوب الراوي، -كما قاله ابن قُتَيْبَةُ- ولا مانع من أن يبهم نفسه لغرض له، وأما تسميته في حديث أبي هريرة الآتي ¬
بأعرابي، فلا ينافي ذلك؛ لجواز تعدد القصة، وهذا الأعرابي، كما حكاه شيخنا عن رواية البغوي وغيره، هو ابن المنتفق، قيل: واسمه لقيط بن صبرة (¬1). (أخبرني بعمل يدخلني الجنَّة) برفع يدخلني، والجملة صفة لعمل، وجواب الأمر محذوف، أي: يثيبك الله، ويجوز جزمه جوابًا للأمر، وعليه فتنوين عمل؛ للتفخيم والتعظيم ليكون بالوصف مقيدًا. (قال) أي: من حضر (ما له، ما له) استفهامًا أيُّ شيءٍ جرى له، وكررة للتأكيد (أَرَبٌ ماله) بفتح الهمزة والراء، وتنوين الموحدة مع الضم، أي حاجةٍ يطلبها، وهو إمّا خبر مبتدأ محذوف بتقدير مضاف، أي: هو ذو حاجة ثُمَّ تعجب - صلى الله عليه وسلم - من حرصه في سؤاله، فاستفهم على سبيل التعجب بقوله: (ما له) إما مبتدأ خبره (ماله) وما زائدة؛ للتعظيم، وقيل: للتقليل أي: له حاجة عظيمة، أو يسيرة، وروي: (أرب) بوزن ضرب، أي: حاجة له، وما زائدة نظير ما مرَّ. (وأرب) بوزن علم، ومعناه: الدُّعاء عليه، أي: أصيبت أرابه، وهي كلمة لا يراد بها وقوع الأمر، كما في تربت يداك، وإنّما تذكر في معرض التعجب. (وأربٌ) بالتنوين بوزن حذر. أي: حاذق يسأل عما [يعينه] (¬2) أي: هو أرب، فحذف المبتدأ. (ثُمَّ قال ماله) أي: شأنه (وتصل الرّحم) أي: تحسن لقرابتك، وخصَّ الرّحم بالذكر؛ لقربها من السائل، أو نظرًا لحاله كأنه كان قطَّاعًا لها، فأمره بصلتها؛ لأنها المهم بالنسبة إليه، وعطف الصّلاة وما بعدها ¬
على العبادة من عطف الخاص على العام. (بهز) أي: ابن أسد. (عن أبي أَيّوب) زاد في نسخةٍ: "عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ". (قال أبو عبد الله) أي: البخاريّ (إنّما هو عمرو) أي: ابن عثمان؛ إذ الحديث محفوظ عنه، لا عن محمّد، كما وهم فيه شعبة. 1397 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قَال: "تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ" قَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى، قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا" حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا. [مسلم: 14 - فتح: 3/ 261] (وهيب) أي: ابن خالد بن عجلان (عن أبي زرعة) هو هرم بن عمرو بن جرير البجلي. (أن أعرابيًّا) هو من سكن البادية، ومرَّ بيان اسمه آنفًا. (دُلَّني) بضم الدال، وفتح اللام مشددة. (المكتوبة) مقتبس، من قوله تعالى: {كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، وغاير بينه وبين المفروضة في قوله بعد: "الزَّكاة المفروضة" تفننًا وكراهة توالي اللفظين. (وتصوم رمضان) أي: لم يذكر مع المذكورات الحجِّ؛ اختصارًا أو نسيانًا من الراوي. (لا أزيد على هذا) أي: على المفروض، زاد في مسلم: وله أنقص منه (ولَّى) أي: أدبر. (من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنَّة فلينظر إلى هذا) فيه: أن المبشر بالجنة أكثر من العشرة، كما ورد النصُّ في الحسن
والحسين (¬1)، وأمهما، وأزواج الرسول (¬2)، فيحمل بشارة العشرة على أنهم بشروا دفعة واحدة، أو بلفظ: (بشره). (يحيى) أي: القطان. (عن أبي حيان) هو يحيى بن سعيد بن حيان. 1398 - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ القَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حَالتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَسْنَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إلا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذُهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا، قَال: "آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ - وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ: الدُّبَّاءِ، وَالحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالمُزَفَّتِ " وَقَال سُلَيْمَانُ، وَأَبُو النُّعْمَانِ: عَنْ حَمَّادٍ: "الإِيمَانِ بِاللَّهِ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ". [انظر: 53 - مسلم: 17 - فتح: 3/ 261] (حجاج) أي: ابن منهال السلمي. (أبو جمرة) بجيم: هو نصر بن عمران الضُّبَعيُّ. (وفد عبد القيس) هو أبو قبيلة، وكانوا أربعة عشر رجلًا، ويُروى: أربعون، وجمع بينهما بأن لهم وفادتين، أو الأربعة عشر ¬
أشرافهم. (إن هذا الحيَّ) بنصب الحي وصف لاسم (إن) وهو (هذا) وفي نسخةٍ: (إنا هذا الحيَّ) فاسم (إن) الضمير، وما بعده منصوب في نسخةٍ على الاختصاص، ومرفوع في أخرى خبر (إن)، وخبرها على النسخ الثلاث قوله: (من ربيعة) أي: ابن نزار بن معد بن عدنان، وقوله: (قد حالت بيننا وبينك كفار مضر) لكن أولهما: خبر أول، وثانيهما خبر ثان على النسختين الأوليين، وأولهما: خبر ثان، وثانيهما: خبر ثالث على الثّالثة. (إلا في الشهر الحرام) هو في ذاته يشمل الأربعة الحرم، لكن المراد هنا: رجب، كما رواه البيهقي (¬1). (من ورائنا) الذين استقروا خلفنا الآن، وأمامنا إذا رجعنا. (الإيمان) بالجر بدل من (أربع)، وبالرفع خبر مبتدإٍ محذوف. (وشهادة أن لا إله إلا الله) العطف فيه للتفسير. (وعن الدباء) بضم الدال، وتشديد الموحدة، والمد: القرع اليابس (والحنتم) بفتح الحاء المهملة، وسكون النون، وفتح الفوقية: الجرار الخضر (والنقير) بفتح النون، وكسر القاف: جذع ينقر وسطه. (والمزفت) أي: المطلي بالزفت، والمراد: النّهي عن الانتباذ في شيء من المذكورات؛ لأنها تسرع الإسكار، وهذا منسوخ بخبر مسلم "كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأسقية فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ ولا تشربوا مسكرًا" (¬2) ومرَّ شرح الحديث في باب: أداء الخمس من الإيمان (¬3). (وقال سليمان) أي: ابن حرب. (وأبو النعمان) هو محمّد بن الفضل السدوسي (عن حماد) أي: ابن زيد (الإيمان بالله: شهادة أن لا ¬
إله إلا الله) بحذف الواو وبجر (الإيمان)، و (شهادة) بدل من (أربع) وفي نسخةٍ: برفعهما مبتدأ وخبر. 1399 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، فَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، فَمَنْ قَالهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالهُ وَنَفْسَهُ إلا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ". [6924، 7284 - مسلم: 20 - فتح: 3/ 262] (ابن أبي حمزة) بحاء مهملة، وزاي. (وكان أبو بكر - رضي الله عنه -) أي: خليفة. (وكفر من كفر من العرب) أي: ومنع من بقي على الإيمان الزَّكاة، فأراد أبو بكر أن يقاتل مانعيها. (فمن قالها) أي: كلمة التّوحيد، أخذ عمر بظاهره، فقال ما قال، وأخذ أبو بكر بالمعني المراد منه؛ إذ المراد: فمن قالها مع توابعها؛ لخبر ابن عمر: "أمرت أن أقاتل النَّاس حتّى يقولوا: لا إلة إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزَّكاة" (¬1) فكأن عمر لم يستحضر هذا الخبر، ولا قول الراوي هنا (إلا بحقه). 1400 - فَقَال: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا " قَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إلا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ". [1456، 1457، 6925، 7285 - مسلم: 20 - فتح: 3/ 262] (عناقًا) بفتح العين المهملة: الأنثى من المعز. (أن قد) لفظ: (قد) ¬
2 - باب البيعة على إيتاء الزكاة
ساقط من نسخة (فعرفت أنه الحق) أي: للدليل الّذي أقامه أبو بكر، لا أنه قلده؛ لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا. وفي الحديث: فضل أبي بكر، وجواز القياس والعمل به، والحلف وإن كان في غير مجلس الحكم، واجتهاد الأئمة في النوازل، والمناظرة، والرجوع لقائل الحق، والزكاة في السخال، وأن حول النتاج حول الأمهات، وإلا لم يجز أخذ العناق. 2 - بَابُ البَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]. (باب: البيعة على إيتاء الزَّكاة) بفتح أول البيعة وهي: عقد العهد على الإسلام وفروعه. ({فَإِنْ تَابُوا}) أي: من الكفر ({فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ}) أي: لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، ومنه إيجاب إيتاء الزكاة. 1401 - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، قَال: قَال جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: "بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ". [انظر: 58 - مسلم: 56 - فتح: 3/ 267] (ابْن نمير) هو محمّد بن عبد الله بن نمير (إسماعيل) أي: ابن أبي خالد الأحمسي (عن قيس) أي: ابن أبي حازم، واسم أبي حازم: عوف. (والنصح لكل مسلم) خصَّ المسلم بالذكر؛ لأنه الغالب، وإلا فالكافر مثل في ذلك، ومرَّ شرح الحديث في آخر كتاب: الإيمان (¬1). ¬
3 - باب إثم مانع الزكاة
3 - بَابُ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35] (باب: إثم مانع الزَّكاة) أي: مانع أدائها. (وقول الله) بالجر عطفٌ على (إثم مانع الزَّكاة) ({وَلَا يُنْفِقُونَهَا}) أي: المكنوزة الدال عليها ({يَكْنِزُونَ}) ({وَالْفِضَّةَ}) لأنها أقرب، والذهب داخل بالأولى، أو الأموال؛ لأن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر؛ لأنهما قانون التمول. ({يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا}) أتى بضمير ({عَلَيْهَا}) و ({بها}) جمعًا مع أن المذكور شيئان، لأن المراد: دنانير ودراهم كثيرة؛ لما روي عن على أنه قال: أربعة آلاف وما دونها نفقة، وما فوقها كنز، وذكر الآية تامة (¬1)، هو ما في أكثر النسخ، وفي نسخةٍ ذكرها بلفظ: "وقول الله تعالى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إلى قوله: {فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} ". ¬
1402 - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا"، وَقَال: "وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ" قَال: "وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ، وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ". [2371، 2378، 3073، 6958 - مسلم: 987 - فتح: 3/ 267] (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (أبو الزِّناد) وهو عبد الله بن ذكوان. (عبد الرّحمن) هو (ابْن هرمز)، لفظ: (ابْن هرمز) ساقطٌ من نسخة. (تأتي الإبل على صاحبها) أي: يوم القيامة، وضمن أتى معنى: الاستعلاء، فعداه بعلى (على خير ما كانت) أي: عنده في القوة والسمن ليزيد ثقل وطئها (حقها) أي: زكاتها (تطؤه) أصله: توطئ، حذفت الواو شذوذًا على القول بأن الطاء مفتوحة، وقياسًا على القول بأنها مكسورة؛ لوقوع الواو بين ياءٍ وكسرة، لكن فتحت الطاء؛ لأجل الهمزة. (بأخفافها) جمع خف، وهو من الإبل كالظلف من الغنم، ونحوها، والقدم من الآدمي، والحافر من الحمار، ونحوه. (وتنطحه) بكسر الطاء أشهر من فتحها. وفيه: أن الله يحيي البهائم؛ ليعاقب بها مانع الزَّكاة، والحكمة في كونها تعاد كلها مع أن حق الله فيها إنّما هو في بعضها؛ لأن الحق في جميع المال غير متعين. (ومن حقها أن تحلب على الماء) أي: ألبانها ليشرب من يحضرها من أبناء السبيل،
والمساكين، وإنّما خصَّ الحلب بالماء؛ ليكون أسهل على المحتاج من قصده المبارك، وأرفق بالماشية، وقال ابن بطّال: يريد بذلك حق الكرم والمواساة، وشرف الأخلاق، لا أن ذلك فرض (¬1). ومناسبة هذا مع ما قبله للترجمة: أن الغرض أداء الحقوق واجبة كانت كالزكاة، أو مندوبة كمكارم الأخلاق المرادة ممّا ذكر، (ولا يأتى) خبر بمعنى النّهي عن منع أداء الزَّكاة المقتضي لأن يأتي بشاة تحملها على رقبتك. (يعار) بتحتية مضمومة، وعين مهملة، أي: صوت الشاة، وفي نسخة: "ثغاء" بمثلثة مضمومة، وغين معجمة، وبالمد، والغالب في الأصوات فعال، كبكاء، وقد يجيء على فعيل كصهيل، وعلى فعللة كحمحمة. (ببعير) هو ذكر الإبل وأنثاه. (رغاء) براء مضمومة، وغين معجمة، وبالمد: صوت الإبل. (لا أملك لك شيئًا) في نسخة: "لا أملك من الله شيئًا". 1403 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلا: (لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) " الآيَةَ. [2371، 4565، 4659، 6957 - مسلم: 987 - فتح: 3/ 268] (عن أبي صالح) هو ذكوان. (مثِّل) بضم الميم، أي: صور. (له يوم القيامة) في نسخة: "له ما له يوم القيامة". (شجاعًا) بضم المعجمة: الحية الذكر، وقيل: الّذي يقوم على ¬
4 - باب: ما أدي زكاته فليس بكنز
ذنبه، ويواثب الراجل والفارس، وهو مفعول ثان لـ (مثل) وفي نسخة: "شجاع" بالرفع خبر مبتدإٍ محذوف، أي: والمصور شجاع. (أقرع) أي: معط رأسه من كثرة سمه. (له زبيبتان) بفتح الزاي، وكسر الموحدة الأولى، أي: نابان يخرجان من فيه، وقيل الزبيبة: نكتةٌ سوداء فوق عين الحية من السم، وقيل: زبد في الشدقين، يقال: تكلم فلان حتّى زبد شدقاه، أي: خرج الزبد عليهما، والجملة حال. من ضمير (مُثِّل)، أو صفة ثانية لـ (شجاعًا). (يطوقه) بفتح الواو مشددة، أي: يجعل طوقًا في عنقه. (بلهزمتيه) بكسر اللام والزاي بينهما هاء ساكنة، تثنية لهزمة. (يعني: شدقيه) تفسير المراد للهزمتيه، وإلا فحقيقتهما العظمان في اللحيين تحت الأُذُنَين، قاله الجوهري (¬1)، وفي نسخة: "يعني: بشدقيه". (أنا مالك، أنا كنزك) يخاطبه الشجاع بذلك؛ ليزداد غصة وتهكمًا عليه. (لا تحسبن) في نسخة: "ولا يحسبن" وهي أنسب بالآية، ووجه مناسبتها: أن فيها ({سَيُطَوَّقوُنَ}). 4 - بَابٌ: مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ". (باب: ما أدي زكاته فليس بكنز) أي: مذموم. (خمسة أواق) في نسخة: "خمس أواق". وفي أخرى: "أواقي" بإثبات الياء. 1404 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَال: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَال ¬
أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ، وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] قَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "مَنْ كَنَزَهَا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا، فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ". [4661 - فتح: 3/ 271] (وقال أحمد) في نسخة: "حَدَّثَنَا أحمد". (عم يونس) أي: ابن يزيد الأيلي. (أخبرني قول الله) في نسخة: "أخبرني عن قول الله". (فويل له) أي: حزن وهلاك. (جعلها الله طهرًا) أي: مطهرة. 1405 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الحَسَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ". [1447، 1459، 1484 - مسلم: 979 - فتح: 3/ 271] (إسحاق بن يزيد) نسبة إلى جده، وإلا فهو إسحاق بن إبراهيم بن يزيد. (قال الأوزاعي) في نسخة: "أَخْبَرَنَا الأوزاعي". (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) أي: زكاة، والأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء: أربعون درهمًا. (وليس) في نسخة: "ولا". (فيما دون خمس زود) أي: من الإبل، والزود بفتح المعجمة من الثّلاثة إلى العشرة لا واحد له من لفظه (خمس) في نسخة: "خمسة". (أوسق) أي: من تمر أو حبٍ (صدقة) أي: زكاة. (والأوسق) بفتح الهمزة: جمع وسق بفتح الواو وكسرها: وهي ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد، والمدُّ: رطل وثلث بالبغدادي، فالأوسق الخمسة: ألف وستمائة رطل بالبغدادي، ورطل بغداد على الأصح: مائة وثمانبة وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم.
1406 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ، سَمِعَ هُشَيْمًا، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَال: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا؟ قَال: "كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاويَةُ فِي: {الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] " قَال مُعَاويَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ، فَقُلْتُ: "نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ، فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَشْكُونِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ: أَنِ اقْدَمِ المَدِينَةَ فَقَدِمْتُهَا، فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ " فَقَال لِي: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ، فَكُنْتَ قَرِيبًا، "فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا المَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ". [4660 - فتح: 3/ 271] (علي) في نسخة: "علي بن أبي هاشم"، واسم أبي هاشم: عبيد الله الليثيُّ. (سمع هشيمًا) أي: ابن بشير، بضم الموحدة: ابن القاسم بن دينار. (بالربذة) بفتح الراء والموحدة، والذال المعجمة: موضع على ثلاث مراحل من المدينة، وبه قبر أبي ذر (¬1). (بابي ذر) هو جندب بن جنادة. (في ذلك) في نسخة: "في ذاك" أي: نزاع. (أن أقدم) بفتح الدال، إمّا مضارع فتقطع همزته، أو أمر فتحذف وصلًا. (فكثر عَلَيّ النَّاس) أن يسألوني عن سبب خروجي من دمشق، وعن ما جرى بيني وبين معاوية. 1407 - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي العَلاءِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَال: جَلَسْتُ ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو العَلاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ، أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ، حَدَّثَهُمْ قَال: جَلَسْتُ إِلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ ¬
وَالثِّيَابِ وَالهَيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَال: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ، يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى، فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى القَوْمَ إلا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ، قَال: إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا،. [مسلم: 992 - فتح: 3/ 271] (عياش) بتحتية مشددة، أي: ابْن الوليد الرقام. (الجريري) بضم الجيم، أي: سعيد بن أبياس. (عن أبي العلاء) بالمد: هو يزيد بن الشخير. (وحدثني) في نسخة: " ح وحدثني" (عبد الصمد) أي: ابن عبد الوارث، وأردف البخاريّ هذا الإسناد بسابقه؛ لتصريح عبد الصمد بتحديث أبي العلاء للجريري، والأحنف لأبي العلاء. (فجاء رجل) هو أبو ذر - رضي الله عنه -. (خشن الشعر) بفتح الخاء وكسر الشين المعجمتين. (برضف) بفتح الراء، وسكون المعجمة، وبالفاء: الحجارة المحماة، واحده: رضفة. (عليه) أي: على الرضف، وفي نسخة: "عليهم" أي: على الكانزين. (جهنم) ممنوع من الصّرف؛ للعلمية والتأنيث. (حلمة) بفتح الحاء وتالييها: ما برز من الثدي وطال. (نُغْضِ كِتَفِه) بضم النون، وسكون المعجمة، ويقال له: الناغض، ويسمى الغضروف: وهو العظم الرّقيق على طرف الكتف، أو أعلاه. (ثديه) في نسخة: "ثدييه" بالتثنية. (يتزلزل) أي: الرضف، أي: يتحرك، ولذا يضطرب من نغض كتفه حتّى يخرج من حلمة ثديه. (لا أرى) بضم الهمزة، أي: أظن. 1408 - قَال لِي خَلِيلِي، قَال: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟ " قَال: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَال: "مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا،
أُنْفِقُهُ كُلَّهُ، إلا ثَلاثَةَ دَنَانِيرَ" وَإِنَّ هَؤُلاءِ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا، لَا وَاللَّهِ، لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ، حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ. [انظر: 1237 - مسلم: 94، 992 - فتح: 3/ 272]. (من خليلك) في نسخة: "ومن خليلك" وزاد في أخرى: "يا أبا ذر". (يا أبا ذر أتبصر أُحدًا) متعلّق بـ (قال لي خليلي)، وما بينهما اعتراض. و (أحدًا) بضم الهمزة: الجبل المشهور. (فنظرت إلى الشّمس ما) هي موصولة، والمعني: أتعرف القدر الّذي (بقي من النهار؟) أو استفهامية، والمعني: أتعرف أي شيء بقي من النهار؟ (وأنا أرى) بضم الهمزة، أي: أنا أظن. (قلت نعم) جواب (أتبصر أحدًا). (إن لي مثل أحدٍ ذهبًا) اسم إن إمّا (مثل) و (ذهبًا): تمييز، أو (ذهبا) و (مثل) حال مقدمة. (أنفقه) أي: لخاصة نفسي. (إلا ثلاث دنانير) يحتمل، كما قال الكرماني: إن هذا المقدار كان دينًا، أو مقدار إخراجات تلك اللَّيلة له - صلى الله عليه وسلم - (¬1) (لا يعقلون) كرره أبو ذر للتأكيد، أو ليربط به قوله: (إنّما يجمعون الدنيا) فإنّه بيان له. (لا والله) في نسخة: "ولا والله". (لا أسالهم دينًا) أي: لا أسألهم شيئًا من متاعها. (ولا أستفتيهم عن دين) اكتفاءً بما سمعته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي الحديث: زهد أبي ذر، وكان يذهب إلى أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته، أخذًا بظاهر الآية، وفيه: نفي العقل عن العقلاء عن مخالفتهم ما يراه الباقون. ¬
5 - باب إنفاق المال في حقه
5 - بَابُ إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ (باب: إنفاق المال في حقه) أي: مصرفه الشرعي. 1409 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَال: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَا حَسَدَ إلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا". [انظر: 73 - مسلم: 816 - فتح: 3/ 276] (يحيى) أي: القطان. (عن إسماعيل) أي: ابن أبي [خالد] (¬1)، واسمه: سعد. (قيس) أي: ابن أبي حازم، واسمها عوف. (لا حسد) أي: لا غبطة. (رجل) بالجر بدل من اثنتين، وبالرفع خبر مبتدإٍ محذوف. (ورجل) بالجر، وفي نسخة: بالرفع. (حكمة) أي: القرآن والسُّنَّة، ومرَّ الحديث في باب: الاغتباط في العلم (¬2). 6 - بَابُ الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} [البقرة: 264] إِلَى قَوْلِهِ {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} [البقرة: 264] وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "صَلْدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ" وَقَال عِكْرِمَةُ: " {وَابِلٌ} [البقرة: 264]: مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدَى". [فتح: 3/ 277] (باب: الرِّبَا في الصَّدقة) أي: بيانه فيها، واقتصر عليها تبعًا لما استدل به، وإلا فغيرها كهي. ({لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ}) أي: ثوابها (إلى ¬
7 - باب: لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا يقبل إلا من كسب
قوله: {الْكَافِرِينَ}) في نسخةٍ: "إلى قوله: (والله لا يهدي القوم الكافرين} ". 7 - بَابٌ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا يَقْبَلُ إلا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة: 263]. (باب: لا يقبل الله صدقة) في نسخةٍ: "الصداقة"، وفي أخرى: "لا تقبل الصَّدقة" (¬1) "إلى قوله: الصَّدقة". (من غلول) بضم الغين: الخيانة في المغنم، والسّرقة منه قبل القسمة. (ولا يقبل إلا من كسب طيب) ساقط من نسخة، والطيب: الحلال. 8 - بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ، لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 276، 277]. (باب: الصَّدقة من كسب طيب) ساقط من نسخةِ، ووجه ثبوته: أنه لمَّا ذكر في الباب السابق في التّرجمة في نسخةٍ قوله: (ولا يقبل إلا من كسب طيب) تعرض في هذه التّرجمة إلى بيان الكسب الطيب ({وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}) بسكون الراء وتخفيف الموحدة، أي: يكثرها ¬
ويتمها، وفي نسخةٍ: " {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} بفتح الياء، وتشديد الموحدة، وهي قراءة شاذة ({وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} إلى آخره في نسخةٍ: " {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} " إلى قوله: " {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ". 1410 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ" تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، عَنْ ابْنِ دِينَارٍ، وَقَال وَرْقَاءُ: عَنْ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [7430 - مسلم: 1014 - فتح: 3/ 278] (عبد الله بن منير) بضم الميم، وكسر النون. (أبا النضر) هو سالم بن أبي أمية (عن أبي صالح) هو ذكوان السمان. (بعدل تمرة) بفتح العين: ما عادل الشيء من جنسه، وبكسرها: ما عادله من غير جنسه، وقال البصريون: العدل، والعدل لغتان. (وإن الله) في نسخةٍ: "فإن الله". (لصاحبه) أي: لصاحب المال، وفي نسخةٍ: "لصاحبها" أي: الصَّدقة، وهي أنسب بما قبلها. (فلوه) بفتح الفاء، وضم اللام، وتشديد الواو، وبكسر الفاء، وسكون اللام، وتخفيف الواو: المُهر حين الفطام، يقال: فلوته عن أمه، أبي: فطمته، وهو حينئذٍ يحتاج إلى تربية غير الأم، وضرب المثل بالمهر؛ لأنه يزيد زيادة بينة. (حتّى تكون) أي: التّمرة. (تابعه) أي: عبد الرّحمن. (سليمان) أي: ابن بلال. (عن ابن دينار) هو عبد الله. (وقال ورقاء) أي: ابن عمر.
9 - باب الصدقة قبل الرد
9 - بَابُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ (باب: الصَّدقة قبل الرَّدِّ) أي: بذلها قبل الزمن قال في ترد هي فيه على باذلها. 1411 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَال: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا اليَوْمَ، فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا". [1424، 7120 - مسلم: 1011 - فتح: 3/ 281] (بها) في نسخة: "فيها". وفي الحديث: الحث على الصَّدقة، والإسراع بها. 1412 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ، فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي". [انظر: 85 - مسلم: 157 - فتح: 3/ 281] (أبو الزِّناد) اسمه: ذكوان. (عن عبد الرّحمن) هو ابن هرمز الأعرج. (فيفيض) بفتح أوله من فاض الإناء، إذا امتلأ. (حتّى يهم) بضم الياء، وكسر الهاء، من أهمه الأمر: إذا أقلقه، بفتح الياء، وضم الهاء، من همه الشيء: أحزنه. (رب المال) بالنصب، مفعول الفعل على الضبطين. (من يقبل صدقته) فاعله كذلك، وقيل: على الثّاني: المال فاعله، و (من يقبل صدقته) مفعوله بجعل (يهم) بمعنى: يقصد، وفي نسخة: "من يقبله صدقة". (يعرضه) بفتح أوله. (لا أرب لي) أي: فيه، أي: لا حاجة لي فيه.
1413 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ، قَال: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَهُ رَجُلانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ، وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ: فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إلا قَلِيلٌ، حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا العَيْلَةُ: فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ، حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ، لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إلا النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إلا النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ". [1417، 3595، 6023، 6539، 6540، 6563، 7443، 7512 - مسلم: 1016 - فتح: 3/ 281] (أبو مجاهد) هو سعد الطائي. (فجاءه رجلان) لم يسميا. (العيلة) بفتح المهملة، أي: الفقر. (قطع السبيل) أي: الطريق، وهو من فساد قطاعها. (إلا قليل) بالرفع بدل من الضمير المستتر في (يأتي). (العير) بفتح العين، أي: الإبل الّتي تحمل الميرة. (بغير خفير) بفتح الخاء المعجمة: المجير الّذي يكون القوم في خفارته وذمته. (لا يجد من يقبلها منه) أي: لاستغنائه عنها. (بين يدي الله) أي: من المتشابه. (ولا ترجمان) بفتح التاء، وضم الجيم. (ألم أؤتك مالًا) زاد في نسخة: "وولدًا". (فليتقين أحدكم) زاد في نسخة: "النّار".
10 - باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة
1414 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ، بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ، مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ". [مسلم: 1012 - فتح: 3/ 281] (حَدَّثَنَا محمّد) في نسخة: "حدثني محمّد". (أبو أُسامة) اسمه: حماد. (عن بريد) أي: ابن عبد الله. (عن أبي بردة) اسمه: عامر، أو الحارث. (ابْن أبي موسى) أبي موسى اسمه: عبد الله بن قيس الأشعري. (لياتين على النَّاس زمان) قيل: هو زمان عيسى عليه السلام. (يلذن) أي: يلتجئن. 10 - بَابٌ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَالقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الآيَةَ وَإِلَى قَوْلِهِ {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 265، 266] (باب: اتقوا النّار ولو بشق تمرة) بكسر الشين، أي: اتقوها بالصدقة، ولو كانت بشق تمرة. (والقليل من الصَّدقة) بالجر؛ عطف على شق تمرة، من عطف العام على الخاص. ({وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}) الآية أي: إلى قوله: [البقرة: 265] ذكر هذه الآية؛ لمناسبتها لاشتمالها على قليل الصَّدقة وكثيرها، وعلى الحث على الصَّدقة مطلقًا.
وإلى قوله: ({مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ}) هي قوله: ({أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 266] وهمزة ({أَيَوَدُّ}) للإنكار، في نسخة: " {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمُ} إِلَى قَوْلِهِ {مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} ". وكأن البخاريّ اتبع الآية الأولى الّتي ضربت مثلًا بالربوة، بالآية الثّانية، الّتي تضمنت ضرب المثل لمن عمل عملًا يفقده أحوج ما كان إليه؛ للإشارة إلى اجتناب الرياء في الصَّدقة؛ ولأن قوله تعالى: ({وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}) يشعر بالوعيد بعد الوعد، فأوضحه بذكر الآية الثّانية، ولعلّ هذا هو السر في اقتصاره على بعضها اختصارًا، والربوة: المكان المرتفع على المستوي من الأرض. 1415 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الحَكَمُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ، كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَائِي، وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا، فَنَزَلَتْ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ} [التوبة: 79] " الآيَةَ. [1416، 2273، 4668، 4669 - مسلم: 1018 - فتح: 3/ 282] (الحكم بن عبد الله) في نسخة: "هو الحكم بن عبد الله" وفي أخرى: "الحكم هو عبد الله". (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن سليمان) أي: ابن مهران. (عن أبي وائل) هو شقيق بن سلمة. (عن أبي مسعود) هو عقبة الأنصاري. (لما نزلت آية الصَّدقة) هي: قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)}
[التوبة: 103]، (كنا نحامل) أي: نحمل على ظهورنا الأجرة. (فجاء رجل) هو عبد الرّحمن بن عوف، وقيل: هو عاصم بن عدي. (فقالوا) أي: المنافقون. (وجاء رجل) هو عقيل، بفتح العين: الأنصاري. ({يَلْمِزُونَ}) أي: يعيبون. ({الْمُطَّوِّعِينَ}) أصله: المتطوعين، فأبدلت التاء طاءً، وأدغمت الطاء في الطاء. 1416 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ، فَيُصِيبُ المُدَّ وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ". [انظر: 1415 - مسلم: 1018 - فتح: 3/ 283] (وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف) بنصب مائة اسم (إن)، وخبرها لبعضهم. (اليوم) ظرف متعلّق به، أو بالعامل فيه، على الخلاف فيه، وروي برفع (مائة)، ووجه: بأنه مبتدأ خبره (لبعضهم) والجملة خبر (إن)، واسمها ضمير الشأن، ومميز الألف مقدر، أي: درهم، أو دينار، أو مُد. 1417 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ، قَال: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". [انظر: 1413 - مسلم: 1016 - فتح: 3/ 283] (عن أبي إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي. (رسول الله) في نسخة: "النَّبيّ". 1418 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَال: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ، فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ
11 - باب أي الصدقة أفضل؟
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَال: "مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ". [5995 - مسلم: 2629 - فتح: 3/ 283] (عبد الله) أي: ابن المبارك. (معمر) أي: ابن راشد. (دخلت امرأة معها ابنتان) لم يعرف أسماؤهن. (فقال: من ابتلي) في نسخة: "فقال النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: من ابتلي". (بشيء) مبين بقوله. (من هذه البنات) أي: من أنفسهن، وأحوالهن. (كن له سترًا) لم يقل: أستارًا؛ لأن المراد: الجنس المتناول للقليل والكثير. 11 - باب أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ وَصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ؛ لقَوْلِهِ: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [المنافقون: 10] الآيَةَ. وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ} [البقرة: 254] الآيَةَ. (باب: أي: الصَّدقة أفضل، وصدقة الشحيح الصّحيح) في نسخة: "باب: فضل صدقة الشحيح الصّحيح" [أي: الّذي لم يعتره مرض، والشحيح، (¬1) من الشح: وهو البخل مع حرص. (الآية) في نسخة بدل الآية "إلى خاتمتها" أي: خاتمة السورة. (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} أي: أدوا زكاته. ومناسبة الآية للترجمة: من حيث أن معناه: الترغيب في المبادرة بالصدقة قبل هجوم الموت، والتحذير من التسويف بها؛ استبعادًا ¬
لحلول الأجل، واشتغالًا بطول الأمل، وفي نسخة: تقديم الآية الثّانية على الأولى. 1419 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَال: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ". [2748 - مسلم: 1032 - فتح: 3/ 284] (عبد الواحد) أي: ابن زياد. (أبو زرعة) اسمه: هرم. (جاء رجل) قيل [يحتمل:] (¬1) أنه: أبو ذر؛ لما في "مسند أحمد" (¬2). أنه سأل أيُّ الصَّدقة أفضل؟ (أن تصدق) خبر مبتدإٍ محذوف، أي: أعظم الصَّدقة أجرًا، و (تصدق) بتخفيف الصاد، وحذف إحدى التاءين، أو بإبدال أحدهما صادًا وإدغامها في الصاد. (وتأمل الغنى) أي: تطمع بالغنى. (ولا تمهل) بكسر الهاء، وبالجزم على النّهي، وبالنصب عطف على (تصدق)، وبالرفع على الاستئناف. (حتّى إذا بلغت) أي: الرُّوح، أي: قاربت. (الحلقوم) هو مجرى النفس. (لفلان كذا، ولفلان كذا) كناية عن الموصل له، والموصي به فيهما. (وقد كان لفلان) كناية عن الوارث، أي: وقد صار ما أوصى به للوارث، فيبطله إن شاء، إذا زاد عن الثلث، والمعنى: تصدق في حال صحتك، وشحك، واختصاص المال بك، لا في حال سقمك، وسياق موتك؛ لأن المال حينئذ خرج منك، وتعلّق بغيرك. ¬
- باب. (باب:) ساقط من نسخة، فثبوته، كالفصل من سابقه. 1420 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَال: "أَطْوَلُكُنَّ يَدًا"، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. [مسلم: 2452 - فتح: 3/ 285] (أبو عوانة) هو: الوضاح (¬1) بن عبد الله اليشكري. (عن فراس) بفاء مكسورة، وسين مهملة، أي: ابن يحيى الخارفي، بخاء معجمة وفاء. (عن الشعبي) هو عامر بن شراحيل. (عن مسروق) أي: ابن الأجدع. (قلنا للنبي) الضمير للبعض المبهم، لكن روى ابن حبّان عن عائشة قالت: فقلت للنبي أيُّنا؟ الفصيح: أيتنا (¬2). (لحوقًا) تمييز. (فأخذوا قصبة يزرعونها) عدل عن ضمير جمع المؤنث إلى ضمير جمع المذكر؛ تعظيمًا لشأن جمع السائلات، كما في قوله {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12]. (فكانت سودة) أي: بنت زمعة. (أطولهن يدًا) ولم تكن أسرع لحوقًا به، بل الأسرع إنّما هي: زينب بنت جحش، وكانت أقصرهن يدًا، وأكثرهن صدقة. ¬
12 - باب صدقة العلانية
(فعلمنا بعد) أي: بعد سبق موت زينب موت سودة. (أنما كان طول يدها الصَّدقة) بفتح همزة (أن) لأنها مع مدخولها في موضع مفعول علم، و (الصَّدقة) اسم كان، و (طول يدها) خبر مقدم. (وكانت) أي: سودة، والوجه أي: زينب. (أسرعنا لحوقًا به، وكانت تحب الصَّدقة). فعلم أن في الحديث إجحافًا وتعسفًا، حتّى قيل إنّه: وهم؛ لاتفاق أهل السير على أن زينب كانت أسبقهن موتًا، وهو مقدم على ما وقع للبخاري في "تاريخه الصغير" من أن سودة كانت أسبقهن موتًا. 12 - بَابُ صَدَقَةِ العَلاَنِيَةِ (¬1). وَقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً} [البقرة: 274] الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]. [فتح: 3/ 288] 13 - بَابُ صَدَقَةِ السِّرِّ (باب: صدقةِ السِّر) هي أفضلُ من صدقةِ العلانيةِ. (ورجل) ذكر الواو حكايةً؛ لعطفه على ما ذُكر قبلُ في الحديث. (حتّى لا تعلم شمَاله ما صنعتْ يمينُه) في نسخةٍ: "ما تنفق يمينُه". وهذا مثالٌ ضربه - صلى الله عليه وسلم - في المبالغة في الاستتار بالصدقة؛ لقرب الشمالِ من اليمينِ، والمعني: لو قُدِّرتْ الشمالُ إنسانًا متيقظًا، لما علم صدقةَ اليمين؛ للمبالغة في الإخفاءة لأن الشمال لا توصف بالعلم، فهو مجازٌ. ¬
14 - باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم
(وقوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} الآية [البقرة: 271] في نسخة: "وقال الله تعالى: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. 14 - بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ (باب) ساقط من نسخة. (إذا) في النسخةِ المذكورة: "وإذا" بواو العطفِ. (تصدق على غني، وهو لا يعلم) أنه غنيٌ، فصدقته مقبولةٌ. 1421 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "قَال رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ فَقَال: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَال: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ؟ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَال: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ وَعَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ". [مسلم: 1022 - فتح: 3/ 290] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (رجل) لم يُعرف اسمُه. (لأتصدقنَّ) جوابُ قسمٍ محذوف، أي: والله لأتصدقنَّ على مستحقٍ. (تُصدِّق) بالبناء للمفعول في المواضع الثّلاثة، وفيه: تعجب، أو إنكار. (فقال) أي: المتصدقُ. (اللَّهُمَّ لك الحمدُ) أي: على تصدقي على سارق؛ لكونه بإرادتك لا بإرادتي. (فأُتي) بالبناء للمفعول، أي: رأى في منامه، أو سمع هاتفًا ملكًا، أو غيَره، أو أفتاه عالمٌ نبي أو غيرُه.
15 - باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر
(زناها) بالقصر لأهل الحجاز، وبالمدِّ لأهل نجد. (فلعلّه يعتبر فينفق) في نسخة: "فلعلّه أن يعتبر فينفق". وفي الحديث: أن الصدقةَ كانت عندهم مختصةً بأهل الحاجات من أهلِ الخير؛ ولهذا تعجبوا من الصَّدقة على هؤلاء؛ ولأنَّ نَّية المتصدِّق إذا كانت صالحةً قبلتْ صدقته وإن لم يوافق مراده. وفيه: اعتبار لمن تصدَّق عليه أن يتحول من الحالةِ المذمومة إلى الحالة المحمودةِ. 15 - بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ (باب: إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر) أي: بأنه ابنه جاز. 1422 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ، أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ، قَال: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ، فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَال: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: "لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ". [فتح: 3/ 291] (إسرائيل) أي: ابن يونس ابن أبي إسحق. (أبو الجويرية) اسمه: حطان بكسر الحاء، وتشديد الطاء المهملتين، آخره نون: ابن جفاف، بضم الجيم، وتخفيف الفاء الأولى. (وخطب عَلَيَّ) من الخطبة، بكسر الخاء، وهو: طلب النِّكاح أي: طلب النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من وليِّ المرأة أن يزوجها منيِّ، ثمّ طلب لي النِّكاح، فأجبته، فانكحني، و (عليَّ) متعلّقٌ بـ (خطب)، يقال: خطب المرأةَ إلى وليِّها، إذا أرادها الخاطبُ لنفسه، وعلى فلان إذا أرادها لغيرهِ.
16 - باب الصدقة باليمين
(وخاصمت إليه) سقط منه ما ثبت في غيره، وهو (فأفلجني) بالجيم، أي: حكم لي، وأظفرني بمرادي، يقال "فلج الرَّجل على خصمه إذا ظفر به. (وكان أبي يزيد)، برفع يزيد عطف بيان لـ (أبي). (فوضعها عند رجل) أي: وأذن له أن يتصدقَ بها على المحتاج إليها. (فأخذتها) أي: منه باختياره. (فأتيته) أي: أبي. (لك ما نويت يا يزيد) لأنك نويت الصدقةَ على محتاج، وابُنك محتاج وإنْ لم تنوه. 16 - بَابُ الصَّدَقَةِ بِاليَمِينِ (باب: الصَّدقة باليمين) أي: ندب إعطائها باليد اليمنى. 1423 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَال: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ". [انظر: 660 - مسلم: 1031 - فتح: 3/ 292] (يحيى) أي: ابن سعيد القطان. (سبعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّه إلخ) مرَّ شرحه في باب: من جلس في المجلس ينتظر الصّلاة (¬1). 1424 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَال: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَال: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الخُزَاعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا، ¬
17 - باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه
فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لقَبِلْتُهَا مِنْكَ، فَأَمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا". [انظر: 1411 - مسلم: 1011 - فتح: 3/ 293] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (تصدَّقوا فسيأتي عليكم زمانٌ) هو وقتٌ ظهور أشراط السّاعة، أو وقتٌ ظهور كنوز الأرض، وقلةِ النَّاس، وقصرِ آمالهم، والخطاب لجنس الأمة، والمراد: بعضهم. ومرَّ الحديث في باب: الصَّدقة قبل الرَّدِّ (¬1). 17 - بَابُ مَنْ أَمَرَ خَادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاولْ بِنَفْسِهِ وَقَال أَبُو مُوسَى: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "هُوَ أَحَدُ المُتَصَدِّقِينَ". [1483] (باب: من أمر خادمه بالصدقة، ولم يناولها بنفسه) للمتصدق عليه، فلكل منهما أجرٌ. (قال أبو موسى) هو عبدُ الله بُن قيس الأشعري. (هو) أي: خادم المتصدق. (أحد المتصدقين) بفتح القاف، أي: هو والمتصدق في أصلِ الأجر سواء، وإنْ اختلف مقدارُه فيهما، فلو أعطى المتصدقُ خادمَه مائةَ دينارٍ؛ ليدفعها الفقيرُ على باب داره، فأجرُ المتصدق أكثر، ولو أعطاه رغيفًا [ليدفعه] (¬2) إلى فقير في مكان بعيدٍ، فإنَّ كان أجرةُ مشي الخادم تزيد على قيمة الرغيف، فأجُر الخادم أكثر وإن كانت تساويها، فمقدار أجرهما سواء. 1425 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالتْ: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا أَنْفَقَتِ ¬
18 - باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى
المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا". [1437، 1439، 1440، 1441، 2065 - مسلم: 1024 - فتح: 3/ 293] (جرير) أي: ابن عبد الحميد. (عن منصور) أي: ابن المعتمر. (عن سقيق) أي: ابن سلمة. (عن مسروق) أي: ابن الأجدع. (إذا أنفقتْ المرأةُ من طعامِ بيتها) أي: وأذن لها زوجُها في ذلك صريحًا، أو مفهومًا من اطراد العرف، وعلمتْ رضاه بذلك غيرَ مفسدةٍ له بأنْ لم تتجاوز العادة، كان لها أجرُها بما أنفقت) أي: بسببه، وخصَّ العام بالذكر؛ لغلبة المسامحة به عادةً، وإلا فغيرهُ مثلُه؛ إذ الفرض أنَّ المالك أذن في ذلك. (ولزوجها) عبَّر به؛ لأنه الغالبُ، وإلا فالمراد: المالك زوجًا كان، أو غيره. (وللخازن) أي: الحافظ للطعام المتصدق منه. 18 - بَابُ لَا صَدَقَةَ إلا عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ، أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالعِتْقِ وَالهِبَةِ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَال النَّاسِ" وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَال النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلافَهَا، أَتْلَفَهُ اللَّهُ". [2370]، إلا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ، فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ "كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، " حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ "وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ" فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَال النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ. [انظر 8844]، وَقَال كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ
مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. [2757] (باب: لا صدقة إلا عن ظهر غني) أي: لا صدقةً كاملةً، إلا عن غني يستظهر به على النوائب الّتي تنوبه، والتنكيرُ في (غنى)؛ للتفخيم. (ومن تصدَّق) عطفٌ على (لا صدقة). (وعليه دين) أي: مستغرقٌ، وحجر عليه الحاكمُ بالفلس. (فالدين أحق) جواب الشرط، لكن للدين خاصّة، وإلا فجوابه مع ما قبله أن يُقال: فهو وأهلُه والدين، أحق. (هو) أي: المتصدق به. (ردّ عليه) أي: مردود على المتصدق؛ لأنَّ مؤونةَ المحتاج هو أو أهله، وقضاء الدين واجبان، والصدقةُ تطوع. (ليس له أن يتلف أموال النَّاس) أي: بالصدقة، كغيرها. (قال) في نسخة: "وقال". (من أخذ أموال النَّاس إلخ) وعيدٌ، فيدخل فيه من أخذ دينًا وتصدَّق به، ولا يجد من يقضي به الدينَ. (إلا أن يكين الدين إلى آخره) استثناه البخاريُّ من التّرجمة، أو من (يتصدق) أي: (إلا أن يكون معروفًا بالصبر) فيتصدق مع عدمِ الغني، أو مع الحاجةِ، كما ذكره بقوله: (فيُوثِر) أي: يقدِّم غيِره على نفسه. (خصاصة) أي: حاجة. (وكذلك آثر الأنصار المهاجرين) أي: حين قدَمِوا عليهم المدينة، وليس بأيديهم شيءٌ، حتّى أن من كان عنده امرأتان نزل عن واحدةٍ، وزوجها من أحدهم. (ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال) استدل به البخاريُّ على ردِّ صدقةِ المديان، ولا يقال: إنَّ الصدقة ليست إضاعةَ مالٍ؛ لأنا نقول إذا عُورضت بحق الدين، لم يبق فيها ثواب، فبطل كونها صدقة، وبقيت إضاعة. (وقال كعب) زاد في نسخة: "ابن مالك".
(أمسك عليك بعضَ مالك) منعه من التصدق بجميع ماله، ولم يمنع أبا بكر منه؛ لقوة يقين أبي بكر، وشدَّة صبره، بخلاف كعب. (قلت: فإنِّي) في نسخةٍ: "قلت إنِّي". 1426 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ". [1428، 5355، 5356 - فتح: 3/ 294] (عبدان) هو لقبُ عبدِ الله بنِ عثمان المروزي كما مَرَّ. (عبد الله) أي: ابن المبارك. (عن يونس) أي: ابن يزيد. (وابدَأ بمن تعول) أي: بمن تلزمك مؤنته، من: عال أهله إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة. 1427 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ". [مسلم: 1034 - فتح: 3/ 294] (وهيب) أي: ابن خالد. (هشام) أي: ابن عروة بن الزُّبير. (ومن يستعفف) أي: يطلبُ العفةَ، وهي الكفُّ عن الحرام. (يعفه الله) أي: يُصيِّره عفيفًا. 1428 - وَعَنْ وُهَيْبٍ، قَال: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا. [انظر: 1426 - فتح 3/ 294] (وعن وهيب) عطفٌ في المعنى على: (حَدَّثَنَا وهيب) أي: حَدَّثَنَا موسى بنُ إسماعيل حَدَّثَنَا وهيب إلى آخره، وعن وهيب (بهذا) أي: بحديث حكيم.
19 - باب المنان بما أعطى
1429 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَال: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ، وَالمَسْأَلَةَ: "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَاليَدُ العُلْيَا: هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى: هِيَ السَّائِلَةُ". [مسلم: 1033 - فتح: 3/ 294] (ح) للتحويل. (وهو على المنبر، وذكر الصَّدقة) كلٌّ من الجملتين حالٌ، ومعنى الثّانية: وقد حثَّ الغني على الصَّدقة. (والتعفف) أي: وحثَّ الفقيرَ عليه. (والمسالة) أي: وذمَّ المسألةُ، وعبَّر مسلم بقوله: والتعفف عن المسألة (¬1). (اليدُ العليا إلى آخره) مقول: قال. 19 - بَابُ المَنَّانِ بِمَا أَعْطَى لِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى} [البقرة: 262] الآيَةَ. [فتح: 3/ 298] (باب: المنان بما أعطى) أي: ذمه، والباءُ متعلّقةٌ بـ (المنان)، وهو من يعدّد نعمَه على من أنعم عليه، فالمنُّ بهذا المعني: صفةُ ذمٍّ في حقِّ العبد؛ لأنه لا يكون غالبَا إلا عن البخل، والكبر، والعجبِ، ونسيان منَّةِ الله تعالى بما أنعم به عليه، أما المنُّ في حق الله تعالى، فصفةُ مدحٍ، ومن أسمائه تعالى: المنان، أي: المنعمُ، المعطي. (ولا ¬
20 - باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها
أذى) ساقطٌ من نسخةٍ، ودليلُ الذَّمِ على المنِّ في حقِّنا من السُّنَّة، خبُر مسلم "ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يومَ القيامةِ: المنَّانُ الّذي لا يُعطي شيئًا إلا مَنَّ به، والمنفقُ سلعتَه بالحلف، والمسبل إزارهَ" (¬1) واكتفى البخاريُّ فيه بالآية، ولم يذكر حديثًا، وكأنه لم يتفق له حديث على شرطه. 20 - بَابُ مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا (باب: من أحب تعجيل الصدقة في يومها) أي: بيان أمرِ من أحبَّ تعجيلها في وقتها فرضًا كانت، أو نفلًا، و (مَن) بمعنى في متعلّقةٌ بـ (تعجيل). 1430 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ، قَال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العَصْرَ، فَأَسْرَعَ، ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ لَهُ، فَقَال: "كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ". [انظر: 851 - فتح، 3/ 299] (ابْن أبي مليكة) اسمه: عبد الله. (صلى بنا) لفظ: (بنا) ساقطٌ من نسخةٍ. (فقلت) في نسخةٍ: "فقلنا". (أو قيل له) ما سببُ سرعتك؟، و (له) تنازعه الفعلان قبله (تبرًا) أي: ذهبًا غير مضروبٍ، و (أنْ أبيته) أي: أن أتركه حتّى يدخل، ومرَّ شرح الحديث في آخر كتاب: الصّلاة (¬2). ¬
21 - باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها
21 - بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا (باب: التحريضِ على الصدقةِ، والشفاعةِ فيها) بأنْ يذكر ما فيها من الأجرِ، ومن الثّواب الشفاعة فيها. 1431 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عِيدٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، ثُمَّ مَال عَلَى النِّسَاءِ، وَمَعَهُ بِلالٌ فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ"، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ وَالخُرْصَ. [انظر: 98 - مسلم: 884 - فتح: 3/ 299] (عدي) أي: ابن ثابت. (يومُ عيد) هو عيدُ الفطر. (القُلب) بضم القاف، أي: السوار. (والخرص) بضم الخاء، أي: الحلقة، ومرَّ شرحُ الحديث في باب: الخطبةِ بعد العيد (¬1). 1432 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَال: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ". [6027، 6028، 7476 - مسلم: 2627 - فتح: 3/ 299] (عبد الواحد) أي: ابن زياد. (عن أبيه) هو عبدُ الله بن قيسٍ. (ويقضي) في نسخةٍ: "ليقض". 1432 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَال: "اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ". [1434، 2590، 2591 - مسلم: 1029 - فتح: 3/ 299] ¬
22 - باب الصدقة فيما استطاع
(لا تُوكِي) أي: لا تربطي على ما عندك وتمنعيه. (فيوكى) بالبناء للمفعول، وبالبناء للفاعل، فينصب جواب النّهي. (فيُحصي) بالنصب جوابُ النّهي قبلَه، وحاصلُه مع سابقه: أنَّ عبدةَ رواه عن هشامٍ باللفظين معًا، فحدَّثَ به تارةً كذا، وتارةً كذا، والإحصاءُ: معرفةُ قدر الشيء وزنًا، أو عدًّا، أو كيلًا، والمرادُ بإحصاء الله تعالى هنا: قطعُ البركة، أو حبسُ مادة الرزق، أو المحاسبةُ عليه في الآخرَة. 22 - بَابُ الصَّدَقَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ (باب: الصَّدقة فيما استطاع) أي: بما استطاعه المتصدق. 1434 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ". [انظر: 1433 - مسلم: 1029 - فتح: 3/ 301] (عاصم) هو الضحاك بن مخلد. (ابن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز. (جاءتْ إلى النَّبيِّ) في نسخةٍ: (جاءت النبيَّ). (لا توعي) من: أوعيتُ المتاعَ في الإناء، إذا جعلته فيه، والمرادُ: لازمُ الإيعاء، وهو الإمساكُ. (فيوعي) بالنصب جوابُ النّهي، وفي نسخة: "لا توكي فيوكى". (ارضخي) بهمزة مكسورة، إذا لم توصل، وبراء ومعجمتين من الرضخ: وهو العطاءُ اليسيرُ. (ما) مصدرية ظرفية، أو موصولة، أو نكرة موصوفة، أي: مدة استطاعتك، أو الّذي أستطعته، أو شيئًا استطعته
23 - باب الصدقة تكفر الخطيئة
23 - بَابُ الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ (باب: الصدقةِ تكفر الخطيئة) من الصغائر. 1435 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الفِتْنَةِ؟ قَال: قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَال، قَال: إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ، فَكَيْفَ؟ قَال: قُلْتُ: "فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ، وَوَلَدِهِ، وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ، وَالصَّدَقَةُ وَالمَعْرُوفُ - قَال سُلَيْمَانُ: قَدْ كَانَ يَقُولُ: الصَّلاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ - وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ"، قَال: لَيْسَ هَذِهِ أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، قَال: قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بَأْسٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ، قَال: فَيُكْسَرُ البَابُ أَوْ يُفْتَحُ، قَال: قُلْتُ: لَا بَلْ يُكْسَرُ، قَال: فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا، قَال: قُلْتُ: أَجَلْ، فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ البَابُ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ، قَال: فَسَأَلَهُ، فَقَال: عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قُلْنَا، فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي؟ قَال: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. [انظر: 525 - مسلم: 144 - فتح: 1/ 303] (قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد. (جرير) أي: ابن عبد الحميد. (الأعمش) هو سليمانُ بن مِهران. (أبي وائل) هو شقيقُ بن سلمة. (حذيفة) أي: ابن اليمان. (لجرئ) من الجرأةِ، وهو: الإقدامُ على الشيء، والمرادُ: عالمُ بذلك، قال ابن بطّال: إنك كنت كثيرَ السؤال عن الفتنةِ في أيامه - صلى الله عليه وسلم -، فأنت اليومِ جريءٌ على ذكره عالمٌ به. (في أهله) أي: بما يعرض له معهم من سوء، أو حزن، أو غير ذلك. (وولده) أي: بالاشتغال به من فَرطِ المحبةِ عن كثير من الخيرات [(وجاره) أي: بما يعرض له من سوء، أو حزن، أو غيره. (والمعروف) أي: الخير] (¬1)، فهو عامٌّ بعد خاصٍّ. ¬
24 - باب من تصدق في الشرك ثم أسلم
(قال سليمان) أي: ابن مهران الأعمش. (قد كان) أي: أبو وائل. (يقولُ: الصلاةُ، والصدقةُ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ) بدل قوله: الصلاةُ، والصدقةُ، والمعروفُ والمراد: أنه أبدل قوله: (والمعروف) بقوله: (والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر). (قال) أي: عمرُ لحذيفةَ. (ليس هذه) أي: الفتنة. (ليس عليك بها) في نسخةٍ: "ليس لك منها". (بأس) أي: شدَّة. (أو يفتح) في نسخةٍ: "لم يفتح". (لم يغلق أبدًا) أشار به عمرُ إلى أنه إذا قُتِلَ ظهرت الفتنُ. (قلت: أجل) أي: نعم. (قال) أي: شقيق. (فهبنا) بكسر الهاء، أي: خفنا. (أن نسأله) أي: حذيفة، وكان مهيبًا. (من الباب) أي: من المراد به. (وقلنا لمسروقٍ: سله) أي: لأنه كان أجرًا على سؤاله؛ لكثرة علمه، وعلو منزلته. (فعلم) أي: أفعلم. (كما أنَّ دون غد ليلةً) بالنصب؛ اسم (أن)، و (دون) خبرها، أي كما يعلم أنَّ اللّيلةَ أقربُ من الغد. (ليس بالأغاليط) أي: لا شبهةَ فيه، ومرَّ شرحُه في باب: الصّلاةِ كفارة، من كتاب: المواقيت (¬1). 24 - بَابُ مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ (باب: من تصدق في الشرك ثمّ أسلم) يعتد له بثواب ذلك. 1436 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ". [2220، 2538، 5992 - مسلم: 123 - فتح: 3/ 301] ¬
25 - باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد
(هشام) أي: ابن يوسف. (معمر) أي: ابن راشد. (أرأيت؟) أي: أخبرني. (عن حكم أشياء كت أتحنَّثُ) بمثلثة على الأصح رواية، أي: أتعبد. (بها في الجاهلية) أي: قبل الإسلام. (على ما سلف من خيرٍ) أي: على قبوله، ويؤيده خبرُ الدارقطني: "إذا أسلم الكافرُ، فَحَسُنَ إسلامُه، كتب الله له كلّ حسنةٍ كان زلفها، ومحى عنه كلّ سيئةٍ كان زلفها، وكان عملُه بعد ذلك الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائةِ ضعفٍ، والسيئةُ بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنها" (¬1) ومن قال: إنَّ الكافرَ لا يُثاب، محلُّه: إذا لم يسلم، [بل قد يثاب وإن لم يسلم] (¬2) لكن في الدنيا خاصةً؛ لخبر مسلم: "إنَّ الكافرَ يُثابُ في الدنيا بالرزقِ على ما يفعله من حسنة" (¬3). 25 - بَابُ أَجْرِ الخَادِمِ إِذَا تَصَدَّقَ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ (باب: الخادمِ إذا تصدَّق بأمر صاحبه غيرَ مفسدٍ) المرادُ بصاحبه: مالكُ أمره. 1437 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ". [انظر: 1425 - مسلم: 1024 - فتح: 3/ 302] ¬
26 - باب أجر المرأة إذا تصدقت، أو أطعمت، من بيت زوجها، غير مفسدة
(جرير) أي: ابن عبد الحميد (¬1). (ولزوجها) أي: أجره، وسبق شرح الحديث (¬2). 1438 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ، الَّذِي يُنْفِذُ - وَرُبَّمَا قَال: يُعْطِي - مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبًا بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ". [2260، 2319 - مسلم: 1023 - فتح: 3/ 302] (أبو أُسامة) هو حمادُ بنُ أسامةَ. (عن أبي بردة) اسمه: عامرُ بنُ أبي موسى. (الّذي ينفذ) بضم أول (ينفذ) وسكون ثانية، وكسر ثالثه، آخره ذال معجمة، أي: يمضي، ويجوز فتحُ النون، وتشديدُ الفاء، وفي نسخةٍ: "ينفق" بقاف بدل الذال. (طيبٌ به نفسه) برفع (طيب) خبر لـ (نفسه)، والجملةُ: حالٌ، وبنصبه حال، و (نفسه) مرفوع به على الفاعلية. (إلى الّذي أمر له) بالبناء للمفعول، أي: الّذي أمر الآمر له. (به) أي: بالدفع. (أحد المتصدقين) خبر الخازن. 26 - بَابُ أَجْرِ المَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ، أَوْ أَطْعَمَتْ، مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ (باب: أجرِ المرأة إذا تصدَّقتْ، أو أطعمتْ من بيت زوجها غير مفسدةٍ) أي: في صدقتها المأذون فيها، بأنْ لا تزيد عَلى العُرفِ المعتادِ. ¬
27 - (باب قول الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى} [الليل: 6] "اللهم أعط منفق مال خلفا"
1439 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، وَالأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَعْنِي إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا. [انظر: 1425 - مسلم: 1024 - فتح: 3/ 303] (تعي) أي: عائشة. (لها أجرُها) في نسخةٍ: "كان لها أجرُها". (وله) أي: ولزوجها. (ولها بما أنفقت) في نسخةٍ: "ولها مثلُ ما أنفقت". 1440 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَطْعَمَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلَهُ مِثْلُهُ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَهُ بِمَا اكْتَسَبَ وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ". [انظر: 1425 - مسلم: 1034 - فتح: 3/ 303] 1441 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، فَلَهَا أَجْرُهَا، وَلِلزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ". [انظر: 1425 - مسلم: 1024 - فتح: 3/ 303] (جرير) أي: ابن عبد الحميد. (إذا أنفقتْ المرأةُ .. إلى آخره) مر شرحه (¬1). 27 - (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 6] "اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا". (باب: قولِ الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى}) أي: حق الله. ¬
28 - باب مثل المتصدق والبخيل
({وَاتَّقَى}) الله. ({بِالْحُسْنَى}) أي: بلا إله إلا الله في الموضعين. ({لِلْيُسْرَى}) أي: نهيئه. ({فَسَنُيَسِّرُهُ}) أي: للجنة. ({وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ}) أي: بحق الله. ({وَاسْتَغْنَى}) بماله عن ثوابه تعالى، فلم يرغب فيه. ({فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)}) أي: للنار، وعطف على قول الله تعالى بحذف حرف العطف. (اللَّهُمَّ أعطْ منفقَ مالٍ) في نسخةٍ: "منفقًا مالًا". (خلفًا) أي: عوضًا مالًا كان أو ثوابًا. 1442 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَال: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاويَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إلا مَلَكَانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا". [مسلم: 1010 - فتح: 3/ 304] (إسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (أخي) هو أبو بكر، واسمُه: عبدُ الحميد. (عن سليمان) أي: ابن بلال. (عن أبي الجباب) اسمه: سعيدُ بن يسار. (ما من يومٍ يُصبحُ العبادُ فيه) ينزل فيه أحد (إلَّا ملكان إلى آخره) فالملكان مستثنيان من محذوف، و (ما) نافية، واسمها: (يوم)، وخبرها محذوف، وهو (ينزل .. إلى آخره)، كما تقرر، و (من) زائدة. (اعط ممسكًا تلفًا) أعط فيه للمشاكلة، وإلا فالتلف لا يعطى. 28 - بَابُ مَثَلِ المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ (باب: مثل المتصدق والبخيل) أي: بيان مثليهما. 1443 - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ، كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ".
وحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إلا سَبَغَتْ أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ، حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إلا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ" تَابَعَهُ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، فِي الجُبَّتَيْنِ. [1444، 2917، 5299، 5797 - مسلم: 1021 - فتح: 3/ 305] (موسى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي. (وهيب) أي: ابن خالد. (ابْن طاوس) اسمه: عبد الله. (والمتصدق) في نسخةٍ: "والمصَّدِّق" بقلب التاء صادًا، وإدغامها في الصاد. (جبتان) بجيم مضمومة، وموحدة في الروايتين، وفي نسخة: بالنون بدل الموحدة فيهما، وسيأتي بعد ترجيح الثّانية على الأولى. (من ثُديهما) بضم المثلثة، وكسر الدال المهملة، وتشديد التحتية، جمعُ ثديٍ، وفي روايةٍ: "من ثدييهما" (¬1) بفتح المثلثة، وسكون المهملة، وبياءين أولاهما مفتوحة تثنية ثدي. (إلى تراقيهما) جمع ترقوة، وهي: العظمان المشرفان في أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرةٍ النحر. (وسبغت) أي: امتدت، وعلمت. (أو وفرت) بتخفيف الفاء، أي: كملت، وهو شكٌّ من الراوي. (حتى تخفي) بضم الفوقية، وسكون الخاء المعجمة، وكسر الفاء، أي: تستر. (بنانه) بفتح الموحدة، ونونين بينهما ألف، أي: أنامله. ¬
29 - باب صدقة الكسب والتجارة
(وتعفو) أي: تمحو. (أثره) بفتح الهمزة، والمثلثة، وبالكسر والسكون. (وعفى) جاء لازمًا، ومتعديًا، تقول: عفت الدارُ، إذا درست، وعفاها الريحُ، إذا طمسها، وهو في الحديث متعدٍ، والمعني: أنَّ الصَّدقة تستر خطايا المتصدق، كما يستُر الثوبُ جميعَ بدنه. (إلَّا لزقت) بكسر الزاي، أي: التصقت. (ولا تتسع) في نسخةٍ: "فلا تتسع". (تابعه) أي: عن طاوس. (في الجبتين) أي: بالموحدة. 1444 - وَقَال حَنْظَلَةُ: عَنْ طَاوُسٍ، جُنَّتَانِ، وَقَال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُنَّتَانِ. [انظر: 1443 - مسلم: 1021 - فتح: 3/ 305] (جنتان) أي: بالنون بدل الموحدة. (جعفر) أي: ابن ربيعة. (عن ابن هرمز) هو عبد الرّحمن. (جنتان) أي: بالنون أيضًا، ورجحت رواية النون على روايةِ الموحدة؛ لقوله: (من حديد) ولقوله: (لزقت كلّ حلقةٍ مكانها) والجنةُ في الأصل: الحصن سميت بها الدرعُ؛ لأنها تجن صاحبَها، أي: تحصِّنه. 29 - بَابُ صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ، وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] إِلَى قَوْلِهِ {أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] [فتح 3/ 307] (باب: صدقة الكسب والتجارة) العطفُ فيه من عطف الخاصِّ على العامِّ. ({وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}) ساقطٌ من نسخةٍ، ولم يذكر في الباب حديثًا؛ اكتفاءً بالآية، وجريًا على عادته، فيما لم يجد فيه حديثًا على شرطه.
30 - باب: على كل مسلم صدقة، فمن لم يجد فليعمل بالمعروف
30 - بَابٌ: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ (باب: على كلّ مسلم صدقة) أي: باب في بيان ذلك. (فمن لم يجد) أي: ما يتصدق به. (فليعمل بالمعروف) هو اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما عرف من طاعة الله تعالى. 1445 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ"، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَال: "يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ" قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَال: "يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ" قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَال: "فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ". [6022 - مسلم: 1008 - فتح: 3/ 307] (شعبة) أي: ابن الحجاج. (عن أبيه) هو أبو بردة، واسمه: عامر. (عن جده) هو أبو موسى الأشعري. (على كلِّ مسلمٍ صدقة) أي: على سبيل الندب المتأكد، لا على سبيلِ الوجوب، لكنَّ في حقِّ من رأى عاجزًا عن الكسب، وقد قارب الهلاكَ، أو على الأمرين معًا؛ إعمالًا للفظ في حقيقته ومجازه. (الملهوف) صادقٌ بالمظلوم والعاجز. (فإنْ لم يجد) أي: يقدر. (فإنها) أنث الضميرَ باعتبار الفعلة، أو الخصلة الحاصلة من العمل والإمساك. (له) أي: لكل من العامل بالمعروف، والممسكِ عن الشرِّ. (صدقة) أي: على نفسه وغيرها، وحاصلُ الحديث: أنَّ الشفقةَ على خلق الله متأكدةٌ، وهي إمّا بمالٍ حاصلٍ، وهو الشقُّ الأوّل، أو بمقدار التحصيل، وهو الثّاني، أو بغير مالٍ، وهو إمّا فعلٌ: وهو الإعانة، أو ترك: وهو الإمساك. وقضيةُ الحديثِ: ترتيبُ الأمورِ الأربعة، وليس مرادًا، وإنّما هو للتسهيلُ على من عجز عن واحدٍ منها، وإلا فمن أمكنه فعل جميعها أو عدد منها معًا، فليفعل.
31 - باب: قدر كم يعطى من الزكاة والصدقة، ومن أعطى شاة
31 - بَابٌ: قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَمَنْ أَعْطَى شَاةً (باب: قدر كم يعطى) أي: المزكي. (من الزكاةِ والصدقةِ) أي: وكم يُعِطي المتصدقُ من الصَّدقة، أي: المندوبة، ويجوز قراءةُ (يعطى) بالبناء للمفعول، وإنَّما لم يبين الكميةَ في الشقين؛ اعتمادًا على سبق الاستفهامِ إليها على أنَّ كمية قدر ما يُعطى من الزكاةِ معلومةٌ من أبوابها، وكمية قدر ما يعطى من الصَّدقة موكولة إلى ما يسمح به المتصدق، لأنه محسن، والله يحب المحسنين، وما على المحسنين من سبيل. (ومن أعطى شاة) أي: من الزَّكاة، وهو عطف على (قدر كم) أي: باب: بيان قدر كم، وبيان حكم من أعطى شاة من أنه إنّما يعطيها مفردة سليمة، لا مجزأة، ولا معيبة على ما ذكر في محله. 1446 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: بُعِثَ إِلَى نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْهَا، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ " فَقُلْتُ: لَا، إلا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ، فَقَال: "هَاتِ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا". [1494، 2579 - مسلم: 1076 - فتح: 3/ 309] (أبو شهاب) اسمه: عبد ربه بن نافع الحناط. (بعث) بالبناء للمفعول. (نسيبة) بالتصغير، والأصل: بعث إليَّ، بياء المتكلم، لكن عبرت عن نفسها بالظاهر، إمّا التفاتًا، أو تجريدًا، بأن جردت من نفسها شخصًا يسمى: (نسيبة) وهي: أم عطية، لا غيرها. (فقلت) في نسخة: "فقالت". (من تلك الشاة) في نسخة: "من ذلك الشاة). (هات) أي: "هاتي" كما في نسخة، حذفت الياء تخفيفًا، قال الخليل: وأصله آتي، قلبت الهمزة هاء (بلغت محلها) بكسر الحاء، أي: موضعها الّتي تحل فيه بصيرورتها ملكًا للمتصدق بها عليها،
32 - باب زكاة الورق
فصحت منها هديتها، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان يحرم عليه أكل الصَّدقة. ومطابقة الحديث للجزء الأوّل والثّاني للترجمة: من حيث مطلق المقدار، لا كمية إرسال نُسيبة إلى عائشة قدرًا من تلك الشاة الّتي أرسلها النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الزَّكاة لنسيبة، وللثالث منها: إرسال النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إليها بشاة كاملة. 32 - بَابُ زَكَاةِ الوَرِقِ (باب: زكاة الورق) بفتح الواو، وكسر الراء، أي: الفضة. 1447 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ". - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، قَال: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، سَمِعَ أَبَاهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا. [1405 - مسلم: 979 - فتح: 3/ 310] (من الإبل) بيان للزود، ومرَّ شرح الحديث في باب: ما أدي زكاته فليس بكنز (¬1). (خمسة أوسق) الوسق: ستون صاعًا، كما مرَّ. (عبد الوهّاب) أي: ابن عبد المجيد. (حدثني يحيى) في نسخةٍ: "حَدَّثَنَا يحيى". (عمرو) أي: ابْن يحيى المازني. (بهذا) أي: الحديث، وفائدة إيراد هذه الطريق: التصريح بسماع عمرو من أبيه. ¬
33 - باب العرض في الزكاة
33 - بَابُ العَرْضِ فِي الزَّكَاةِ وَقَال طَاوُسٌ: قَال مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ اليَمَنِ: "ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ - أَوْ لَبِيسٍ - فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ" وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. [انظر: 1468] وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ". [انظر: 98] فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا، وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ مِنَ العُرُوضِ". (باب: العرض في الزَّكاة) أي: جواز أخذه فيها، و (العرض) بالسكون خلاف الدنانير والدراهم الّتي قيم الأَشياء، وبالفتح: ما عرض من مال قل، أو أكثر، فكل عرض بالفتح، ولا عكس، وأصله: بالسكون مصدر. (طاوس) ابن ذكوان. (معاذ) أي: ابن جبل. (بعرضٍ) بالتنوين. (ثياب) بدل من عرض، أو عطف بيان له، وفي نسخةٍ: ترك تنوين (عرض) بإضافته، كشجر أراك، فالإضافة بيانية (خميص) بخاء معجمة مفتوحة، وصادٍ مهملة، بدل من ثياب، أو عطف بيان له، والمراد به: خميصة. وذكره على إرادة الثّوب، والخميص: كساءٌ أسودٌ مربع له علمان، وقال ابن بطّال: والمشهور خميس بالسين، وهو: الثّوب الذي طوله خمسة أذرع، (لبيس) بوزن فعيل بمعنى: مفعول. (مكان الشعير والذرة) بضم الذال المعجمة، وتخفيف الراء، ولا حجة في هذا على أخذ القيمة في الزَّكاة مطلقًا؛ لاحتمال أن معاذًا إنّما
أخذها لحاجة، أو مصلحة علمها بالمدينة، أو أنه أخذ منهم شعيرًا وذرة ثمّ اشترى بها ثيابًا، ورأى أن ذلك أرفق للصحابة، وأن مؤنة النقل ثقيلة، فرأى التخفيف في ذلك، وإليه أشار بقوله (أهون عليكم إلى آخره) وهو خبر محذوف، أي: فإنّه أهون وعبر بـ (على)؛ دون اللام؛ لإرادة تسلط السهولة عليهم. (وأما خالد) أي: ابن الوليد. (احتبس) في نسخةٍ: "فقد احتبس" أي: وقف. (أدراعه) جمع درع، بدال مهملة، وهي: الزردية. (وأعتده) بضم الفوقية جمع عتاد، كأعنق وعناق، وفي نسخةٍ: بكسرها جمع عتد بفتحتين، كأزمنة وزمن: وهو المعد من السلاح والدواب للحرب، فعطف الأعتد على ما قبله من عطف العام على الخاص. (في سبيل الله) قال النووي: إنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنًّا أنها للتجارة، فقال لهم: لا زكاة عليَّ، فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن خالدًا منع، فقال: إنكم تظلمونه؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول، فلا زكاة فيها (¬1). وفيه: دليل على وقف المنقول. (فلم) أي: قال البخاريّ: فلم (يستثن) النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - (صدقة العرض من غيرها) في نسخةٍ: "صدقة الفرض" بالفاء بدل العين، أي: فلم يفرق في إعطاء العرض بين صدقة الفرض، وصدقة النفل. (خرصها) بضم الخاء، وكسرها، أي: حلقها. (وسخابها) بكسر السين، أي: قلادتها (ولم) أي: قال البخاريّ ولم: (يخص) أي: النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - (الذهب والفضة من العروض) بل سوى بينهما في صحة التصدق بها. ¬
1448 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ" [1450، 1451، 1453، 1454، 1455، 2487، 5878، 6955 - فتح: 3/ 312] (محمّد بن عبد الله) أي: ابن المثني. (ثمامة) بضم المثلثة، أي: ابن عبد الله بن أنس. (كتب له) أي: لأنس. (الّتي) أي: الفريضة الّتي. (أمر الله رسوله بها) وفي نسخةٍ: "ورسوله" بواو العطف. (بنت مخاضٍ): هي الأنثى من الإبل، وهي الّتي تمَّ لها عامٌ، وسميت به؛ لأن أمها آن بها أن تلحق بالمخاض، وهو وجع الولادة، وإن لم تحمل (بنت لبون): هي الأنثى من الإبل، وهي الّتي آن لأمها أن تلد غيرها، فتصير لبون. (المصدق) بتخفيف الصاد وتشديد الدال المهملتين: الساعي الّذي يأخذ الزَّكاة (عشرين درهمًا) أي: فضة من النقرة الخالصة، وهي المرادة بالدراهم حيث أطلقت. 1449 - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَال: قَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلالٌ نَاشِرَ ثَوْبِهِ، فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ"، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ. [انظر: 98 - مسلم: 844 - فتح: 3/ 312]. (مؤمل) أي: ابن هشام. (إسماعيل) أي: ابن عليَّة. (أَيّوب) أي: السختياني. (لصلَّى) جواب قسم تضمنه (أشهد). (ناشر ثوبه) بالإضافة مع
34 - باب: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع
النصب حال، وفي نسخةٍ: "ناشرٌ ثوبه" بغير إضافة مع الرفع، خبر مبتدإٍ محذوف وهو ناشرٌ ثوبه، والجملة حال. (وأشار أَيّوب إلى أذنه وإلى حلقه) أي: إلى ما فيها عن حلق وقلادة. 34 - بَابٌ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ. (باب: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع) في نسخةٍ: "مفترق" بدل (متفرق) والفعلان مبنيان للمفعول. (ويذكر عن سالم) أي: ابن عبد الله بن عمر (مثله) أي: مثل لفظ التّرجمة. 1450 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ". [انظر: 1448 - فتح: 3/ 314] (محمّد بن عبد الله) أي: ابن المثنى. (كتب له الّتي فرض رسول الله) أي: الفريضة الّتي فرضها رسول الله (خشية الصَّدقة) تنازعه (يجمع)، و (يفرق)، والمعني: لا يجمع المالك بين متفرق خشية كثرة الصَّدقة، ولا يفرق المصدق بين مجتمع خشية قلة الصَّدقة. 35 - بَابٌ: مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّويَّةِ وَقَال طَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ: "إِذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ أَمْوَالهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا" وَقَال سُفْيَانُ: "لَا يَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً".
(باب: ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية) (ما) متضمنة معنى الشرط، أي: مهما كان (من خليطين) أي: مخلوطين، أو خالطين. (فإنهما) أي: الخليطين بالمعنى الثّاني، أو مالكيهما بالمعنى الأوّل، ولا مانع من ذلك؛ إذ فعيل يأتي بمعنى المفعول، وبمعنى الفاعل، ويجوز جمعها باعتبارين، فيكون خليط بمعنى المخلوط بالنسبة إلى المال، وبمعنى الخالط بالنسبة إلى المالك. وقوله: (يتراجعان) يعني: أن من أخرج منهما زكاتهما من ماله رجع على الآخر [بقدر نسبة ماله إلى جملة المال حتّى لو كان لكل منهما عشرون شاة، وأخرج أحدهما شاة من ماله رجع على الآخر] (¬1) بقيمة نصف الشاة، ولو كان لأحدهما ثلاثون، وللآخر عشرة، فأخرج مالك الثلاثين شاة من ماله رجع على الآخر بقيمة ربعها، فقوله: (بالسوية) أراد به النسبة. (طاوس) أي: ابن كيسان (وعطاء) أي: ابن أبي رباح (إذا علم) بكسر اللام مخففة، وفي نسخةٍ: "علم" بفتحها مشددة. (فلا يجمع مالهما) أي: في الصَّدقة، فلو كان لكل واحد منهما عشرون شاة مميزة بعلامة، فلا زكاة فيهما عند هذا القائل، أو هو محمول على ما إذا لم تكمل شروط خلطة الجوار. (وقال سفيان) أي: الثّوريّ. (لا تجب) أي: الزَّكاة في الخليطين. (حتّى يتم لهذا أربعون شاة ولهذا أربعون شاة) أي: فيجب حينئذٍ على كلّ واحدٍ شاة. فلم يعتبر سفيان خلطة الجوار، واعتبرها الشّافعيّ، كخلطة الشيوع. ¬
36 - باب زكاة الإبل
36 - بَابُ زَكَاةِ الإِبِلِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [1448، 1460] 1451 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّويَّةِ". [انظر: 1448 - فتح: 3/ 315] (باب: زكاة الإبل) بكسر الباء أكثر من سكونها، ولفظ: (باب) ساقط من نسخةٍ. (ذكره) أي: حكم زكاة الإبل. 1452 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الهِجْرَةِ، فَقَال: "وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟ " قَال: نَعَمْ، قَال: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا". [2632، 3923، 6165 - مسلم: 1865 - فتح: 3/ 316] (الأوزاعي) هو عبد الرّحمن بن عمرو. (عن الهجرة) أي: أن يبايعه على الإقامة بالمدينة. (ويحك) كلمة رحمة وتوجع لمن وقع في هلكة لا يستحقها. (إن شأنها) أي: الهجرة، أي: القيام بحقها (شديد) لا يستطيع القيام بها إلا القليل، ولعلّها كانت متعذرة على السائل، أو شاقةٌ عليه، فلم يجبه إليها. (تؤدي صدقتها) أي: زكاتها. (من وراء البحار) أي: من وراء القرى، والمدن، وإلا فليس وراء البحار مساكن، والمقصود: اعمل الخير حيثما كنت، ولو كنت في أبعد مكان، فإن الله لا يضيع أجر احسانك (لن يترك) بكسر الفوقية، أي: لن ينقصك، وفي نسخةٍ: "لم يترك" بلم بدل (لن) وفي أخرى: "لن يترك" بسكون الفوقية، وضمِّ الراء، من الترك. (من عملك) أي: من ثوابه.
37 - باب من بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده
37 - بَابُ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ (باب: من بلغت عنده صدقة بنت مخاضٍ وليست عنده) برفع (صدقة)؛ فاعل (بَلَغَت) وهي مضافة إلرل ما بعدها، وفي نسخةٍ: "صدقةٌ" بالتنوين، فما بعدها منصوب، و (من) مبتدأ وخبره محذوف، أي: فليصعد أو فلينزل، كما يعلم ممّا يأتي. 1453 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إلا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ". [انظر: 1448 - فتح: 3/ 316] (أمر الله رسوله) أي: بها. (من بلغت) مبتدأ خبره (فأنها) بالفتح، ودخلت الفاء فيه؛ لتضمن (من) معنى الشرط، وضمير (فأنها) للقصة. (والجذعة) هي الّتي لها أربع سنين؛ لأنها جذعت، أي: سقط مقدم أسنانها، و (الحِقة) [هي الّتي لها ثلاث سنين] (¬1). (وعنده بنت مخاض) ¬
38 - باب زكاة الغنم
هي: الّتي لها سنة كما مَرَّ. وفي الحديث: خبر أن كلّ مرتبة بشاتين، أو عشرين درهمًا، وجواز النزول والصعود عند فقد الواجب إلى سن آخر يليه، وأن الخيار في الشاتين والعشرين للمعطي، سواء كان المالك، أم الساعي، أما في الصعود والنزول فللمالك في الأصح، وأن كلًّا من الشاتين والعشرين درهمًا أصل في نفسه، لا بدل؛ لأنه قد خير فيهما، وكان ذلك معلومًا لا يجري مجرى تعديل القيمة، لاختلاف ذلك في الأزمنة والأمكنة، فهو تعويض قدره الشارع [كالصاع] (¬1) في المصرَّاة والغرة في الجنين في تعذر الوقوف في مثل ذلك على مبلغ الاستحقاق، وليس فيه ما ترجم له، اكتفاءً بذكره له صريحًا فيما مَرَّ في باب: العرض في الزَّكاة، وقياسًا على ما ذكره هنا. 38 - بَابُ زَكَاةِ الغَنَمِ (باب: زكاة الغنم) الشاملة للضأن والمعز. [وحديث الباب مشتمل على بيان زكاة الإبل والورق أيضًا] (¬2). 1454 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا، حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، "فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ ¬
وَثَلاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ، فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، فَفِيهَا شَاةٌ وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاثِ مِائَةٍ، فَفِيهَا ثَلاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثِ مِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ العُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إلا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا". [انظر: 1448 - فتح: 3/ 317] (لما وجَّهَه إلى البحرين) أي: عاملًا عليهما، وهي: اسم لإقليم مشهور يشتمل على مدن معروفة قاعدتها هجر (¬1). (هذه فريضة) أي: نسختها، فحذف المضاف؛ للعلم به. (الّتي فرض) أي: فرضها (والتي أمر الله بها) في نسخة: "به" وعطف الجملة على ما قبلها عطف تفسير، وحذف في نسخة العاطف، والفارض والآمر هو الله حقيقة، لكن عبر في الثّاني بالآمر إشارة إلى الإيجاب، وهو ثابت بنص القرآن إجمالًا، وفي الأوّل بالفرض؛ لأنه التقدير وهو - صلى الله عليه وسلم - بين الإجمال، بتقدير، ¬
والأنواع، والأجناس. (فلا يعط) أي: فلا يعط الزائد على الواجب، وقيل: لا يعط شيئًا؛ لأنه خان بطلبه فوق الواجب. (في أربع وعشرين إلى آخره) بيان لقوله: (هذه فريضة الصَّدقة) والجار والمجرور خبر مبتدإِ محذوف، أي: زكاة، و (من) الأولى: بيانية لما قبلها، والثّانية: متعلّقة بالمبتدأَ المحذوف، والثالثة: تعليلية، وهي مع ما بعدها خبر و (شاة)، والثّانية ساقطة من نسخةٍ، فعليها (الغنم) مرفوع بالابتداء، وخبره (في أربع وعشرين) والثالثة مع مدخولها بيان. (إذا) في نسخةٍ: "فإذا" (بنت مخاض أنثى) ذكر (أنثى) هنا وفيما بعد تأكيد، كما تقول: رأيت بعيني، وسمعت بأذني. (طروقة الجمل) أي: يعلو على مثلها الفحل، يقال: طرقها الجمل، أي: ضربها، وفي نسخة: "الفحل" بدل الجمل، يعني: زاده هنا، إمّا لأن المكتوب لم يكن فيه العدد، أو أن الراوي الأوّل ترك ذكره، وفسره الراوي عنه توضيحًا. (إلا أن يشاء ربها) أي: أن يتطوع، كما هو بهذا اللّفظ في حديث الأعرابي (¬1). (وفي صدقة الغنم) خبر لقوله: بعد: (شاة). (في سلامتها) بدل ممّا قبله. (إذا كانت) في نسخة: "إذا بلغت". (شاتان) خبر مبتدإِ محذوف. أي: فزكاتها شاتان. (ثلاث) في نسخة: "ثلاث شياه". (فإذا زادت على ثلاثمائة) أي: مائة أخرى، فلا تجب الشياه الأربع إلا في أربعمائة شاة، وعن بعضهم إذا زادت على الثلاثمائة ¬
39 - باب: لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا ما شاء المصدق
واحدة وجبت الأربع. (ناقصة) خبر كان. (شاة) تمييز. (واحدة) صفة لها، أو مفعول بـ (ناقصة)، قيل: ويحتمل أن تكون شاة مفعول بـ (ناقصة)، و (واحدة) وصف لها، والتمييز محذوف؛ للدلالة عليه. (وفي الرقة) بكسر الراء، وتخفيف القاف، أي: وفي مائتي درهم فأكثر من الرقة: هي الفضة مضروبة كانت أو لا، وأصله: ورق، حذفت الواو، وعوض عنها بالهاء. (فإن لم تكن) أي: الرقة. 39 - بَابٌ: لاَ تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ، وَلاَ تَيْسٌ، إِلَّا مَا شَاءَ المُصَدِّقُ (باب: لا تؤخذ في الصَّدقة) أي: الزَّكاة. (هرمة) بكسر الراء، أي: كبيرة السن. (ولا ذات عوار) بفتح العين: المعيبة بما يردّ به في البيع، وبضمها: العور في العين. (ولا تيس) هو فحل المعز. (إلا ما شاء المصدق) بتخفيف الصاد، أي: الساعي، وبتشديدها، أي: المالك، والاستثناء. (إلا من التيس) لأنه قد يزيد على خيار الغنم في القيمة؛ لطلب الفحولة، أو من الكل إذا رآه أنفع المستحقين، فالمنع في المذكورات محله: إذا كانت ماشيته كلها كذلك، والغرض، كما قال الخطابي: أن لا يأخذ الساعي شرار الأموال، كما لا يأخذ كرائمها، فلا يجحف بالمالك، ولا يزري بالمستحقين، وكذلك المالك لا يعطي الشرار، وإن جاز، بل يندب له إعطاء الكرائم (¬1)، وبسط الكلام على ذلك يطلب من كتب الفقه. ¬
40 - باب أخذ العناق في الصدقة
1455 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، قَال: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَتَبَ لَهُ [الصَّدَقَةَ] الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إلا مَا شَاءَ المُصَدِّقُ". [انظر: 1448 - فتح 3/ 321] (أمر الله ورسوله) أي: بها. 40 - بَابُ أَخْذِ العَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ (باب: أخذ العناق في الصَّدقة) أي: الزَّكاة، والعناق بفتح العين: الأنثى من المعز كما مر. 1456 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وَقَال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا". [انظر 14004 - مسلم: 20 - فتح: 3/ 322] (أبو اليمان) هو الحكم بن نافع. (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (ح) للتحويل. (والله لو منعوني عناقًا إلى آخره) مرَّ شرحه في باب: وجوب الزكاة (¬1). 41 - بَابُ لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ 1457 - قَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "فَمَا هُوَ إلا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ". [انظر: 1400 - مسلم: 20 - فتح: 3/ 322] (باب: لا تؤاخذ كرائم أموال النَّاس) أي: نفائسها. ¬
42 - باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة
(في الصَّدقة) أي: في الزَّكاة. 1458 - حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى اليَمَنِ، قَال: "إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً [تؤخذ] مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ". [انظر: 1395 - مسلم: 19 - فتح: 3/ 322] (أمية بن بسطام) بكسر الموحدة. (عن أبي معبد) هو نافذ، بنون، وفاء، وذال معجمة. (على اليمن) في نسخة: "إلى اليمن". (تقدّم) بفتح الدال مضارع قدم بكسرها، أي: جاء. (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله) أي: معرفته، كما في {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات: 56]، أي: يوحدون، و (أول) بالنصب خبر (يكن)، و (عبادة) بالرفع اسمها، ويجوز عكسه. (تؤخذ من أموالهم) (تؤخذ) ساقطة من نسخة. (فخذ) في نسخة: "خذ". (وتوق) أي: احذر، ومرَّ الحديث في أول الزَّكاة (¬1). 42 - بَابٌ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ (باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة) أي: زكاة. 1459 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ¬
43 - باب زكاة البقر
بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ". [انظر: 1405 - مسلم: 979 - فتح: 3/ 322] (عن محمّد بن عبد الرّحمن بن صعصعة) نسبة إلى جده، ونسب جده إلى جده، وإلا فهو محمّد بن عبد الله بن أبي صعصعة. (ليس فيما دون خمسة أوسق من التّمر صدقة إلخ) مرَّ شرحه (¬1). 43 - بَابُ زَكَاةِ البَقَرِ وَقَال أَبُو حُمَيْدٍ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللَّهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ" وَيُقَالُ جُؤَارٌ: {تَجْأَرُونَ} [النحل: 53] "تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ". (باب: زكاة البقر) أي: بيان وجوبها، والبقر: اسم جنس يكون للمذكر والمؤنث من بقرت الشيء إذا شققته؛ لأن البقر يبقر الأرض بالحراثة. (أبو حميد) اسمه: عبد الرّحمن [الساعدي] (¬2) (لأعرفن) في نسخة: "لا أعرفن" وهي المرادة من الأولى. (ما جاء الله رجل) (ما): مصدرية، أي: مجيء رجل الله. (ببقرة إلى آخره) ومعنى الجملتين: لا ينبغي أن تكونوا على هذه الحالة فأعرفكم بها غدًا. ¬
(لها خوار) بخاء معجمة مضمومة: صوت، ويقال: جؤار، بجيم وهمزة: رفع الصوت، ومنه قوله تعالى في سورة المؤمنون: {يَجْأَرُونَ} [المؤمنون: 64]، (معناه): ترفعون أصواتكم، ذكر هذا على عادته عند وقوفه على غريب يقع مثله في القرآن أن يذكر تفسيره؛ تكثيرًا للفائدة. 1460 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - أَوْ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ - مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ، أَوْ بَقَرٌ، أَوْ غَنَمٌ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إلا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ " رَوَاهُ بُكَيْرٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [6638 - مسلم: 990 - فتح: 3/ 323] (الأعمش) هو سليمان بن مهران. (انتهيت) أي: قال أبو ذر: انتهيت. (إلى النَّبيّ) في نسخة: "انتهيت إليه، يعني: النَّبيّ" وفسر فيها ضمير (إليه) بالنبي، خلافًا لما وقع لشيخنا من أن الضمير لأبي ذر (¬1). (والذي نفسي بيده إلى آخره) فيه: تنبيه على أن أبا ذر لم يضبط ما حلف به النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -. (أعظم) بالنصب حال. (تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها) بكسر الطاء، والخف للإبل، والقرن للبقر والغنم، ففي ذلك مع ما قبله لف ونشر مرتب، ومرَّ في إثم مانع الزَّكاة (¬2) أن الغنم تأتي على صاحبها تطؤه، وتنطحه بقرونها، فزاد فيه الوطء بأظلافها على ما هنا. (ردت) بضم الراء، وفي ¬
44 - باب الزكاة على الأقارب
نسخة: بفتحها. (حتّى يقضي بين النَّاس) أي: يفرغ من حسابهم. (بكير) أي: ابن عبد الله بن الأشج. (عن أبي صالح) هو ذكوان السمان. (عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -) مراد البخاريّ بهذا: قال شيخنا: موافقة هذه الرِّواية لحديث أبي ذر في ذكر البقر؛ لأن الحديثين مستويان في جميع ما وردا فيه (¬1)، ومرَّ شرح الحديث في أول الزَّكاة (¬2). 44 - بَابُ الزَّكَاةِ عَلَى الأَقَارِبِ وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ القَرَابَةِ وَالصَّدَقَةِ". [انظر: 1466] (باب: الزَّكاة على الأقارب) أي: بيان استحبابها. (له) أي: المتصدق على أقاربه. 1461 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَال أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالى يَقُولُ: {لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَال: فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ" فَقَال أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. ¬
تَابَعَهُ رَوْحٌ، وَقَال يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْمَاعِيلُ: عَنْ مَالِكٍ "رَايِحٌ". [2318، 2752، 2758، 2769، 4554، 4555، 5611 - مسلم: 998 - فتح: 3/ 325] (أبو طلحة) هو زيد الأنصاري. (من نخل) (من) بيانية. (أحب) بالنصب خبر (كان) (بيرحاء) اسمها، ويجوز العكس، وهو: اسم قبيلة، أو بستان، أو امرأة أو أرض، وفي ضبطها اضطراب، والذي في "نهاية ابن الأثير"، أما بفتح الباء وكسرها، وفتح الراء وضمها، والمدّ فيهما، وبفتحهما والقصر (¬1)، فجملتهما خمسة لا ثمانية، كما وقع لبعض الشراح، وكأنه تصرف في عبارة "النهاية"، وزاد بعضهم في ضبطها أكثر من ذلك. (أرجو برها) أي: خيرها (وذُخْرَهَا) بضم الذال المعجمة، أي: أجرها (فضعها يا رسول الله بها أراك الله) فوض تعيين مصرفها إليه لا وقفيتها (بخ) بفتح الموحدة، وسكون المعجمة، وكسرها بتنوين وضمها كذلك: كلمة تقال لتفخيم الأمر، والتعجب من حسنه، ومدحه، والرضى به؛ ولذا كررت (بخ) فهي للمبالغة فينون الأوّل، ويسكن الثّاني، وهو الاختيار، ويسكنان وينونان بكسر أو ضم، أو يشدد كذلك، فمن نونه شبهه بأسماء الأصوات، كصهٍ ومهٍ (مال ربح) بموحدة، أي: ذو ربح، وكلابن، وتامر، أي: يربح صاحبه في الآخرَة، أو مال مربوح، فاعل بمعنى مفعول (وبني عمه) من عطف الخاص على العام. وفي الحديث: إنفاق ما يحب، ومشاورة أهل الفضل في كيفية الصَّدقة والطاعة. ¬
ووجه مطابقته للترجمة، كما قال الكرماني: قياس الزَّكاة على صدقة التطوع (¬1). (تابعه) أي: عبد الله (روح) أي: ابن عبادة في قوله: (رابح) بالموحدة. (وإسماعيل) أي: ابن أبي أويس. (رايح) بتحتية تقلب همزة، من الرواح، ضد الغدو، ومعناه كما قال النووي: رائح عليك منفعته وأجره في الآخرَة (¬2). واكتفى بالرواح عن الغدو؛ لعلم المضاف به، أو لأن المراد: مال من شأنه الرواح وهو الذهاب، فإذا ذهب في الخير فهو أولى. 1462 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَال: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَقَال: "أَيُّهَا النَّاسُ، تَصَدَّقُوا"، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَال: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ" فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَال: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ، مِنْ إِحْدَاكُنَّ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ" ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ، جَاءَتْ زَيْنَبُ، امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ زَيْنَبُ، فَقَال: "أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ " فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَال: "نَعَمْ، ائْذَنُوا لَهَا" فَأُذِنَ لَهَا، قَالتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ". [انظر: 304 - مسلم: 80 - فتح: 3/ 325] ¬
45 - باب: ليس على المسلم في فرسه صدقة
(ابْن أبي مريم) هو: سعيد بن محمّد بن الحكم بن أبي مريم. (زيد) زاد في نسخة: "هو ابن أسلم". (في أضحى) أي: في عيد الأَضحى. (أو فطر) شك من الرواي (رأيتكن) في نسخة] (¬1): (أريتكن) بهمزة مضمومة. (وبما ذلك) في نسخة: "وبما ذاك". (اللعنة) أي: الشتم. (للب الرَّجل) في نسخة: "بلب الرَّجل". (الحازم) أي: الضابط لأمره. (زينب) أي: بنت معاوية، أو بنت عبد الله بن معاوية بن غياث. (فقيل) القائل هو: بلال، ومر شرح الحديث في باب: ترك الحائض الصوم (¬2). ووجه مطابقته للترجمة: شمول الصَّدقة للفرض والنفل، واحتج به على جواز دفع زكاة المرأة لزوجها الفقير، وهو مذهب الشّافعيّة، لكنه استشكل بأن إعطاءها ولدها يقتضي أن ذلك صدقة تطوع؛ لأن الزَّكاة لا تعطى لمن تلزم مؤنته، وأجيب: بأن الإضافة للتربية لا للولادة، فهو ولد زوجها دونها. 45 - بَابٌ: لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ (باب: ليس على المسلم في فرسه صدقة) أي: زكاة. 1463 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، قَال: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلامِهِ صَدَقَةٌ". [1464 - مسلم: 982 - فتح: 3/ 326] (وغلامه) أي: عبده، والمراد بالفرس والغلام: الجنس، ¬
46 - باب: ليس على المسلم في عبده صدقة
فيشملان الواحد والمتعدد، نعم إذا كان للتجارة فيجب فيهما الزَّكاة قطعًا، كما هو مبين في محل آخر. 46 - بَابٌ: لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ (باب: ليس على المسلم في عبده صدقة) أي: زكاة، فهو مقيد بما مر آنفًا، وبغير زكاة الفطر. 1464 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ، قَال: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ح حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ". [انظر: 1463 - مسلم: 982 - فتح: 3/ 327] (عن خثيم) بضم المعجمة، وفتح المثلثة. (ولا فرسه) في نسخة: [ولا أن فرسه]) (¬1). 47 - بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى اليَتَامَى (باب: الصدقةِ على اليتامى) الصادقة بالفرض والنفل. 1465 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يُحَدِّثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَال: "إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي، مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا". ¬
فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَيَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ؟ قَال: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، فَقَال: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فَقَال: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إلا آكِلَةَ الخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ وَبَالتْ، وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَال خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ - أَوْ كَمَا قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ". [انظر: 921 - مسلم: 1052 - فتح: 3/ 327] (هشام) أي: الدستوائيُّ. (عن يحيى) أي: ابن أبي كثير. (ذاتَ يومٍ) الإضافةُ فيه من إضافة المسمَّى إلى اسمه، والمرادُ: قطعةٌ من الزّمان. (إنِّي ممّا) في نسخةٍ: "إنَّ مما" وما: موصولة، أو مصدرية. (ما يفتح) في محل نصب اسم (إن)، والجارُّ والمجرور قبله خبُرها. (من زهرةِ الدنيا وزينتها) أي: حسنِها وبهجتهِا، كمالِ الغنائمِ. (فقال رجلٌ) لم يسمَّ. (أَوَ يأتي الخيرُ بالشرِّ؟) الهمزة للاستفهام، والواو مفتوحةٌ للعطف على مقدَّرٍ، أي: يخاف علينا من الخير، ويأتي الخيرُ بالشرِّ، والمعني: أتصيرُ نعمةَ الله الّتي هي زهرة للدنيا عقوبةً ووبالًا؟، فأجاب - صلى الله عليه وسلم - بعدُ بما حاصله: أنَّ الخير الحقيقيَّ لا يأتي إلا بالخير، وهذه الزهرة ليست خيرًا حقيقيًّا؛ لما فيها من الفتنة، والمنافسة، والاشتغال عن كمال الإقبال على الآخرة، بل خيرٌ عَرَضِيٌّ، فإنها خيرٌ لمن أخذ منها يسيرًا، أو كثيرًا، لكن صرفه في مصارفه كما تتسلط، وشرٌّ لمن أخذها كثيرًا ولم يصرفه في مصارفه. (فسكت) أي: انتظارًا للوحي. (فرأينا) بفتح الراء والهمزة، أي:
فظننا، وفي نسخةٍ: (فرئينا) بضم الراء، وكسر الهمزة، وفي أخرى: "فأرينا" بتقديم همزة مضمومة على الراء. (الرحضاء) بضم الراء، وفتح المهملة، والضاد المعجمة، والمد: العرق الكثير. (أين السائلُ؟ وكأنه حمده) أي: وكأنه - صلى الله عليه وسلم - حمد السائل، فهم الحاضرون من سكوته عند سؤاله إنكاره - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ومن قوله: (أين السائلُ) حمده لما رأوا فيه من البشرى؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سُرَّ استنار وجهُه. إلَّا يأتي الخيرُ بالشرِّ) أي: إنْ ما قدَّر الله أن يكون خيرًا خيرٌ، وما قدَّر أن يكون شرًّا شرٌّ، وإنَّ الّذي أخافُ عليكم [ضره] (¬1) تضييعكم نعمةَ الله، وصرفكم إياها في غير ما أمر الله به، ولا يتعلّق ذلك بنفس النعمة، ثمّ ضرب لكلٍّ من شقِّي الخيرِ والشرِ مثلًا، وبدأ بمثل شقِّ الخير، فقال: (وإنَّ ممّا ينبتُ الرَبيعُ) إسناد الإنبات إلى الربيع مجازٌ، والفاعل الحقيقي هو الله، والمراد بالربيع: الجدولُ الّذي يسقى به، وجمعه: أربعاء. (يقتل) صلة لـ (ما) محذوفة، ومجموعه اسم (إن)، وزاد في نسخةٍ: "حبطًا" بفتح المهملة والموحدة، وبالنصب على التمييز: وهو داءٌ يصيب الإبل. (أو يُلم) بضم الياء، أي: يقرب من القتل. (إلا) بالتشديد استثنائية، وفي نسخةٍ: بالتخفيف استفتاحية، أي: ألا انظروا. (آكلة) بالمدِّ. (الخضراء) بفتح الخاء، وسكون الضاد. [المعجمتين، وبالمد: ضرب من الكلإِ أفضل المراعي، وفي نسخة: "الخضر" بكسر الضاد، وفي أخرى: "الخضر" بضم الخاء وفتح الضاد] (¬2) جمعُ خضرة، والاستثناءُ متصل، وهو من محذوف تقديره: ¬
إنَّ ممّا ينبتُ الربيعُ ما يقتل آكله إلا أكلة الخضرِاء (أكلت) في نسخةٍ: "إنها أكلت". (خاصرتاها) أي: جنباها، أي: امتلأتْ شبعًا، وعظم جنباها (استقبلت عينَ الشمس) أي: لأن زمن شبعها هو الزمنُ الّذي يشتهى فيه استقبال الشّمسِ. (فثلطت) بمثلثة، وفتح اللام وكسرها، أي: ألقتْ السرقين سهلًا رقيقًا. (ورتعت) أي: اتسعتْ بأكلها في المرعى (وإنَّ هذا المال خضرةٌ) بتاء، كبقلة خضرة، وفي نسخةٍ: "خضر" بحذفها، سُمِّي بذلك؛ لحسنه، إذ الخضرة من أحسن الأنواع. (فنعم صاحبُ المسلم) أي: المال المصاحب. (له ما أعطى إلى آخره) هو المخصوصُ بالمدح، وفاعلُ نعم: (صاحبُ)، وفاعل أعطى: ضميرُ المسلم. (أو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -) شكٌّ من يحيى ثمّ ثنَّى بمثل شِقِّ الشرِّ فقال: (وإنه من يأخذه) أي: المال. (بغير حقه) بأنْ يجمعه من الحرام، ومن غير احتياج إليه، ولم يصرفه في مصارفه. (كالذي يأكل ولا يشبع) لأنَّه كلما نال منه شيئًا، ازداد فيه رغبةً، واستقل ما عنده، وطلب ما فوقه (ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة) بأنْ ينطقه الله بما فعل فيه. وفي الحديثِ: الحثُّ على الاقتصاد في المال، وعلى الصدقةِ، وتركِ الإمساك، وجوازُ ضرب الأمثال، وسؤالُ التلميذ العالمَ عن المجملِ؛ ليبينه له، وأن السؤال إذا لم يكن في موضعه يُنكر على السائلِ، وأنَّ العالمَ يؤخر الجوابَ حتى ينكشف له بيانه، وأنَّ كسبَ المال من غير حلِّه غيُر مباركٍ فيه، وأنَّ للعالم أن يحذر مجالسه من فتنةِ المال، وينبه على مواضع الخوف، وبيان ما به الأمان.
48 - باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر
48 - بَابُ الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الحَجْرِ قَالهُ أَبُو سَعِيدٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 304] (باب: الزَّكاة على الزوج والأيتام في الحجر) بفتح الحاء وكسرها. (قاله) أي: ما ذكر. 1466 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَال: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ - امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَال: فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، ح فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ - بِمِثْلِهِ سَوَاءً - قَالتْ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ" وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا، قَال: فَقَالتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَال: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى البَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلالٌ، فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي، وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟ وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا، فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ، فَقَال: "مَنْ هُمَا؟ " قَال: زَيْنَبُ، قَال: "أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ " قَال: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: "نَعَمْ، لَهَا أَجْرَانِ، أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ". [مسلم: 1000 - فتح: 3/ 328] (زينب) بنت معاوية، أو بنت عبد الله بن معاوية. (قال) أي: الأعمش. (فذكرته) أي: الحديث. (لإبراهيم) أي: ابن يزيد النخعي. (عن أبي عبيدة) هو عامر بن عبد الله بن مسعود (بمثله) أي: بمثل الحديث. (سواء) بالنصب حال. (حليكن) بضم الحاء، وكسر اللام، وتشديد التحتية جمعًا، وبفتح الحاء، وسكون اللام مفردًا. (فقالت) في نسخةٍ: "قال: فقالت" (أيجزئ) بضم الياء، وهمزة آخره، وفي نسخةٍ:
بفتح الياء بغير همزة، أي: يكفي. (أيتامي) في نسخةٍ: "أيتام" (إلى النَّبيّ) في نسخةٍ: "إلى رسول الله" (فوجدت امرأة من الأنصار) اسمها أيضًا زينب (أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري) كان الظّاهر أن تقول: أيجزئ عنا أن ننفق على أزواجنا وأيتام لنا في حجورنا، لكنها أفردت الضمير مشاكلة لإفرادها له في قولها لزوجها: (سل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيجزئ عني أن أنفق). (وقلنا) في نسخة: "فقلنا". (لا تخبر بنا) بالجزم أي: تعين واحدة منا. (من هما؟) هذا السؤال منه - صلى الله عليه وسلم -هو المقتضي لبلال أن يعين إحدى المرأتين، وإن أمرتاه بأن لا يعين واحدة. "قال: زينب امرأة عبد الله) لم يذكر معها الأخرى؛ اكتفاءً باسم من هي أكبر وأعظم. (قال: نعم) في نسخة: "فقال: نعم". وجه مطابقة الحديث للترجمة: شمول الصَّدقة للفرض والنفل، كما مرَّ نظيره، مع فوائد في باب: الزَّكاة على الأقارب (¬1). 1467 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ فَقَال: "أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ". [5369 - مسلم: 1001 - فتح: 3/ 328] (عثمان بن أبي شيبة) نسبة لجده، وإلا فهو عثمان بن محمّد بن أبي شيبة، واسمه: إبراهيم. (عبدة) أي: ابن سليمان. (هشام) أي: ابْن عروة. (وابنة) في نسخة: "بنت". (أم سلمة) بفتح السين واللام. (قالت) أي: زينب. (لكن) في نسخة: "عن أم سلمة قالت" وهو ¬
49 - باب قول الله تعالى: {وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله} [التوبة: 60]
الصواب، فالقائل: أم سلمة؛ لأن زينب ابنتها. (إنّما هم بني) أي: من أبي سلمة، الّذي كان زوجها قبل النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصله: بنون، فلما أضيف إلى ياء المتكلم، سقطت نون الجمع، فصار بنوي، فاجمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً ثمّ أدغمت في الياء، فصار (بنيَّ) بضم النون، وتشديد الياء، ثمّ أبدلت الضمة كسرة، فصار (بني). (فلك أجر ما أنفقت عليهم) بإضافة) أجر) لتاليه، فـ (ما): موصولة، ويجوز تنوينه فـ (ما) ظرفية. 49 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60] وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيُعْطِي فِي الحَجِّ" وَقَال الحَسَنُ: "إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ وَيُعْطِي فِي المُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ تَلا: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] الآيَةَ فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ " وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لاسٍ، "حَمَلَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ". (باب: قول الله تعالى {وَفِي الرِّقَابِ}) أي: وللصرف في فك الرقاب، بأن يعان المزكى المكاتب الّذي ليس له ما يفي النجوم بشيء من الزَّكاة على وفاء النجوم، وقيل: بأن يبتاع الرقاب بشيء من الزَّكاة فيعتقها، وإليه ميل البخاريّ. ({وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}) أي: وللصرف في الجهاد بالإنفاق على المتطوعة به، ولو كانوا أغنياء؛ لخبر ابن ماجة
وغيره: "لا تحل الصَّدقة لغني إلا لخمس: لعامل عليها، أو لغازٍ في سبيل الله، أو غني اشتراها بماله، أو فقير تصدق عليه، فأهدى لغني أو غارم" (¬1). (يعتق) أي: المزكى. (من زكاة ماله) بأن يبتاع ببعضها رقابًا ويعتقها. (في الحجِّ) أي: ويعطي للحاج من زكاته في الحجِّ المفروض، وقياس ما مرَّ آنفًا أن يقال: ولو كان غنيًّا، لكنه مخالف للخبر السابق، ولما عليه الأكثر. (قال الحسن) أي: البصري. (إن اشترى أباه من الزَّكاة) فأعتقه جاز. (ويعطي) أي: منها. (في المجاهدين) أي: المتطوعين بجهادهم. (والذي) أي: ويعطي الّذي لم يحج إن كان فقيرًا. (ثمّ تلا: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الآية [التوبة: 60]) ليأخذ منها إن كان فقيرًا. (في أيها أعطيت أجزأت) أي: قضت، وهذا مصير منه إلى أن اللام في الفقراء؛ لبيان المصرف لا للتمليك، فلو صرف الزَّكاة في صنف واحد كفى، والجمهور على خلافه. (وأجزأت) بسكون الهمزة، وفتح التاء، وفي نسخة: بفتح الهمزة وسكون التاء، وفي أخرى: بغير همز، مع تسكين التاء، وفي أخرى: "أجرت" بضم الهمزة، وكسر الجيم، وسكون الراء: من الأجر. (أدراعه) في نسخة: "أدرعه". ¬
(عن أبي لاس) زاد في نسخة: "الخزاعي" واسمه: عبد الله، وقيل: زياد بن عنمة. 1468 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا " تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَال ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، "هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا" وَقَال ابْنُ جُرَيْجٍ: حُدِّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ بِمِثْلِهِ. [مسلم: 983 - فتح: 3/ 331] (شعيب) أي: ابن أبي حمزة. (أبو الزِّناد) هو عبد الله بن ذكوان. (عن الأعرج) هو [عبد الرّحمن] (¬1) بن هرمز. (بالصدقة) في نسخة: "بصدقة" والمراد بها: صدقة الفرض، كما يشعر به خبر مسلم: بعث رسول الله عمر ساعيًا على الصَّدقة (¬2). لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها السعاة. (فقيل) القائل: عمر؛ لأنه المرسل. (منع) أي: الزكاة. (ابْن جميل) بفتح الجيم، قيل: اسمه: حميد، وقيل: عبد الله. (ينقم) بكسر القاف مضارع نقم بفتحها، يقال: نقم بالكسر ينقم بالفتح، ¬
أي: ينكر (إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله) أي: لا ينبغي له أن يمنع الزَّكاة، وقد كان فقيرًا فأغناه الله إذ هذا ليس جزاء النعمة، والاستثناء مفرغ، ومحل المستثني نصب بالمفعولية، أي: لا ينقم شيئًا من أمر الزَّكاة (¬1) إلا أن يكفر النعمة، فكأن غناه أداه لذلك. (وأما خالد، فإنكم تظلمون خالدًا) عبر في الثّاني بالظاهر بعد أن يقول (تظلمونه) بالضمير على الأصل؛ تفخيمًا لشأنه نحو {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)} [القارعة: 3]. (قد احتبس) أي: فإنّه وقف قبل الحول. (أدراعه) جمع درع: وهو الزردية، كما مرَّ. (وأعتده) مر بيانه في باب: العرض في الزَّكاة. (وأما العباس) دخلت (ال) عليه مع أنه علم؛ للمح الصِّفَة. (فعم) في نسخة: بلا فاء، وهي أحسن، وجواب (أما) قوله بعد: (فهي ... إلى آخره)، وفي وصفه بأنه عمه: تنبيه على تفخيمه واستحقاق إكرامه. (فهي) أي: الصَّدقة المطلوبة عليه. (صدقة) أي: ثابتة عليه سيتصدق بها. (ومثلها معها) أي: ويضم إليها مثلها كرمًا منه، فيكون - صلى الله عليه وسلم - ألزمه بتضعيف صدقته؛ ليكون ذلك أرفع لقدره، وأنفى للكذب عنه وبهذا والذي في مسلم: "فهي علي ومثلها" (¬2) وهو يدلُّ على أنه - صلى الله عليه وسلم - التزم بإخراج ذلك عنه؛ لأنه كان قد استسلف منه صدقة عامين. (تابعه) أي: تابع الأعرج على ثبوت لفظ: (الصَّدقة). (ابْن أبي الزِّناد) هو عبد الرّحمن. (وقال ابن إسحاق) اسمه: محمّد. ¬
50 - باب الاستعفاف عن المسألة
(هي عليه، ومثلها معها) أي: بدون ذكر الصَّدقة. (ابْن جريج) هو عبد الملك. (حدثت) بالبناء للمفعول. (بمثله) في نسخة: "مثله" أي: مثل ما رواه ابن إسحق بدون لفظ: (الصدقة). 50 - بَابُ الاسْتِعْفَافِ عَنِ المَسْأَلَةِ (باب: الاستعفاف عن المسألة) أي: في غير المصالح الدينية، وفي نسخة: "في " بدل (عن). 1469 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَال: "مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ". [6470 - مسلم: 1053 - فتح: 3/ 335] (ثمّ سألوه فأعطاهم) زاد في نسخة: "ثمّ سألوه فأعطاهم ثمّ سألوه فأعطاهم". (نفد) بكسر الفاء، وبدال مهملة، أي: فرغ وفني (ما يكون عندي من خير) ما: موصولة متضمنة معنى الشرط، وجوابه: (فأدَّخره عنكم) بتشديد الدال المهملة، وجاء أيضًا بإعجامها مدغمًا وغير مدغم، وأصله في الإدغام: الادتخار، قلبت التاء دالًا مهملة على اللُّغة الأولى، ومعجمة على الثّانية، والمعنى: فلا أجعله ذخيرة لغيركم، أو فلا أحتازه وأمنعكم إياه. (ومن يستعفف) في نسخة: "ومن يستعف" بفاء واحدة مشددة، أي: من يطلب العفة: وهو الكف عن ما لا ينبغي. (يعفه الله) أي: يرزقه العفة عن ذلك. (ومن يستغن) أي: يظهر الغني. (ومن يتصبر)
أي: يتكلف الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا. (عطاءً) مفعول ثانٍ لأعطي. (خيرًا) بالنصب: صفة عطاء، وبالرفع؛ خبر مبتدإٍ. (وأوسع) عطف على (خيرًا). (من الصبر) أي: لأنه جامع لمكارم الأخلاق، وهذا اللّفظ تنازع فيه العاملان قبله. 1470 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ". [1480، 2074، 2374 - مسلم 1042 - فتح: 3/ 335] (والذي نفسي بيده) قسم، وإنّما أقسم؛ لتقوية الأمر، وتأكيده. 1471 - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ". [2075 - 2373 - فتح: 3/ 335] (حبله) في نسخة: "أحبله" بالجمع. (خير له. إلى آخره) وليس (خير) هنا أفعل تفضيل، بل هو كقوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا} [الفرقان: 24]. (أعطاه أو منعه) لأنه في الأوّل: حمله ثقل المنة مع ذل السؤال، وفي الثّاني: اكتسب الذل والحرمان. (حَدَّثَنَا موسى) أي: ابن إسماعيل التبوذكي. (وهيب) أي: ابن خالد. (هشام) أي: ابن عروة. (بحزمة الحطب) في نسخة: "بحزمة حطب". (فيبيعها فيكفَّ)
بنصبهما عطف على (يأخذ). (الله) فاعل يكف، أي: فيمنع الله. (بها) بالحزمه. (وجهه) أي: من أن يريق ماءه بالسؤال من النَّاس، فهو إن لم يجد من الحرف إلا الاحتطاب، فهو خير له من أن يسال النَّاس أمرًا دنيويًّا. وفي الحديث: فضيلة الاكتساب بعمل اليد، حتّى قيل: إنّه أفضل المكاسب، وقال الماوردي: أصول المكاسب: الزراعة والتجارة والصناعة، ومذهب الشّافعيّ: أما التجارة، والأشبه عندي: أن الزراعة أطيب؛ لأنها أقرب إلى التوكل انتهى. قال النووي في "مجموعه": في صحيح البخاريّ عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يكل من عمل يده ... " الحديث، فالصواب: ما نصّ عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو عمل اليد، فإن كان زراعًا، وإن كان متمكنًا لا يعمل بيده، بل بغلمانه وأجرائه، فهو أطيب المكاسب وأفضلها؛ لأنه عمل يده؛ ولأن فيه توكلًا كما ذكره الماوردي؛ ولأن فيه نفعًا عامًّا للمسلمين والدواب؛ ولأنه لا بد في العادة أن يؤكل منه بغير عوض فيحصل له أجره (¬1). 1472 - وحَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَال: "يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَال خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى"، قَال حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ ¬
شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَال عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ. [2750، 3143، 6441 - مسلم: 1035 - فتح: 3/ 335] (عبدان) أي: ابن عثمان بن جبلة. (عبد الله) أي: ابن المبارك. (يونس) أي: ابن يزيد الأيلي. (إن هذا المال) أي: في الميل إليه، وحرص النفوس عليه، كفاكهة متصفة بأنها خضرة في المنظر، حلوة في الذوق، وكلٌّ منهما يمال إليه على انفراده، فكيف إذا اجتمعا. (فمن أخذه) في نسخة: "فمن أخذ" أي: المال. (بسخاوة نفس) أي: بطيبها من غير حرص عليه. (بإشراف نفس) أي: بتعرضها له، وإطلاعها عليه. (كالذي يأكل ولا يشبع) أي: كذي الجوع الكاذب، ويسمى: جوع الكلب، كلما ازداد أكلًا. ازداد جوعًا. (اليد العليا) أي: المنفقة. (خير من اليد السفلى) أي: السائلة. (لا أرزأ) براء فزاي، أي: لا أنقص، وقيل: لا أصيب، يقال: أرزأته خيرًا، أي: أصبته منه. (بعدك) أي: بعد سؤالك. (من هذا الفيء) أصله: الخراج والغنيمة، ثمّ صار عرفًا للفقهاء فيما حصل من الكفار بغير قهر وقتال. وفي الحديث: جواز إعطاء السائل من مال واحد مرتين، وموعظته، والحث على الاستغناء عن النَّاس بالصبر والتوكل على الله، وأنه لا يجبر أحد على الأخذ، وإنَّما أشهد عمر على حكيم؛ خشية سوء تأويله، فبرأ ساحته بالإشهاد. وفيه: ذم السؤال، قال النووي: اتفق العلماء على النّهي عن السؤال من غير ضرورة، واختلف أصحابنا في
51 - باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس
مسألة القادر على الكسب على وجهين أصحهما: إنّه حرام؛ لظاهر الأحاديث، والثّاني: حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد أحد هذه الشروط، فحرام بالاتفاق (¬1). 51 - بَابُ مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ (باب: من أعطاه الله) أي: شيئًا. (من غير مسألة ولا إشراف نفس) فليقبله، وزاد في نسخة بعد التّرجمة: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)}. [أي: المتعفف الّذي لا يسأل، وزاده في أخرى قبلها، وفي أخرى: "باب: في قوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)}] (¬2). 1473 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَال: "خُذْهُ إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ". [7163، 7164 - مسلم: 1045 - فتح: 3/ 337] (غير مشرف) أي: غير متطلع إليه، حريص عليه. (فلا تتبعه نفسك) أي: في طلبه، واتركه. وفي الحديث: منقبة لعمر، وبيان زهده في الدنيا، وأن للإمام أن يعطي الرَّجل وغيره أحوج منه، وإن أخذ ما جاء من الحلال بلا سؤال خير من تركه، وأن رد عطاء الإمام ليس من الأدب. ¬
52 - باب من سأل الناس تكثرا
52 - بَابُ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا (باب: من سأل النَّاس تكثرًا) أي: من أجل تكثير ماله [لا لحاجة فهو مذموم. (ما يزال الرَّجل يسأل النَّاس) أي: تكثرًا وهو غني] (¬1). 1474 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَال: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ". [1475 - مسلم: 1040 - فتح: 3/ 338] (ليس في وجهه مزعة لحم) بضم الميم، وحكي كسرها وفتحها، أي: قطعة من اللّحم، وخص الوجه بهذا؛ لأن الجناية به وقعت؛ لأنه بذل من وجهه ما أمر بصونه، وقال الخطابي: يحتمل أن يأتي يوم القيامة ذليلًا ساقطًا، لا قدر له، فهو: كناية عن ذلك، كما يقال: فلان ليس له وجه عند النَّاس (¬2). 1475 - وَقَال: "إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: "فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ". [4718] وَقَال مُعَلًّى: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْأَلَةِ. [انظر: 1474 - مسلم: 1040 - فتح: 3/ 388] ¬
53 - باب قول الله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273] وكم الغنى
(إن الشّمس تدنو إلى آخره) وجه اتصاله بما قبله: أن الشّمس إذا دنت، يكون أذاها لمن لا لحم له في وجهه أكثر وأشد من غيره. (وزاد عبد الله بن صالح) وقيل: عبد الله بن وهب، ولفظ: (ابْن صالح) ساقط من نسخة، بل ولفظ: (زاد إلى آخره) ساقط من أخرى. (ابْن أبي جعفر) هو عبيد الله. (بحلقة الباب) أي: باب الجنَّة، وهو مجاز عن القرب من الله تعالى. (مقامًا محمودًا) هو مقام الشفاعة العظمى (أهل الجمع) أي: أهل المحشر، الّذي يجمع فيه الأولون والآخرون. (عن حمزة) أي: ابن عبد الله بن عمر. 53 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] وَكَمُ الغِنَى وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَلَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ" لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ} [البقرة: 273] إِلَى قَوْلِهِ {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215]. (باب: قول الله تعالى {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا}) أي: إلحاحًا، بأن يلازم المسئول حتّى يعطيه، ومعناه: أنهم يسألون، ولا يلحون في المسألة أو لا يسالون أصلًا، كقولهم: لا ضب بها ينجحر أي: لا ضب ولا انجحار، أي: لا يكون منهم سؤال، حتّى يكون فيه إلحاف. (وكم الغنى) أي: مقداره المانع من السؤال، ولم يصرح به في الحديث، فقيل: هو قدر ما يغديه ويعشيه، وقيل: ما يكفي غداءً وعشاءً دائمًا. (وقول النَّبيّ) بالجر عطف على قول الله، ومقوله قوله: (ولا يجد غنى) بكسر الغين، والقصر: اليسار (يغنيه) أي: السائل جوازًا هو من
لا يجد ذلك ({لِلْفُقَرَاءِ}) في نسخةٍ: "لقول الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ} متعلّقٌ بمحذوف، أي: اجعلوا صدقاتكم للفقراء المذكورين ({أُحْصِرُوا}) أي: حصرهم الجهاد ({لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ}) ساقط من نسخة. 1476 - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةَ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى، وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا". [1479، 4539 - مسلم: 1039 - فتح: 3/ 340] (ليس المسكين) بكسر الميم أكثر من فتحها، أي: الكامل في المسكنة. (الأكلة والأكلتان) بضم الهمزة فيهما، أي: اللقمة واللقمتان. (ولكن المسكين) بتخفيف نون (ولكن) مرفوع، وبتشديدها فهو منصوب. (الّذي له غنى إلى آخره) فسر المسكين بما ذكره، وفسره فقهاؤنا بمن يقدر على مال، أو كسب يقع موقعًا من حاجته، ولا يكفيه، وقوله: (ويستحيى) بياءين، وبياء واحدة. 1477 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَال: كَتَبَ مُعَاويَةُ إِلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقَال، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ". [انظر: 844 - مسلم: 593 سيأتي بعد الحديث 1715 - فتح: 3/ 340] (عن ابن أشوع) بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الواو، وآخره عين مهملة نسبة لجده، وإلا فهو سعيد بن عمرو بن أشوع. (عن الشّعبيّ) هو عامر بن شراحيل.
(كاتب المغيرة) اسمه: وراد بتشديد الراء، وبدال مهملة. (من رسول الله) في نسخةٍ: "من النبي". (قيل، وقال) فعلان، أو مصدران، لكن كتبا بغير ألف على لغة ربيعة، والمراد: المقاولة بلا ضرورة؛ فإنها تقسي القلوب، أو المراد: ذكر الأقوال الواقعة في الدين، كأن يقول: قال الحكماء: كذا، وقال أهل السنة: كذا من غير بيان، ما هو إلا الأقوى، ويقلد ما سمعه من غير أن يحتاط، قال صاحب "المحكم": القول في الخير، والقيل والقال في الشر خاصّة. (وإضاعة المال) في نسخة: "وإضاعة الأموال" وذلك بصرف المال في المعاصي، والإسراف فيه كدفعه لسفيه، أو تركه من غير حافظ له، أو بتركه حتّى يفسد. (وكثرة السؤال) أي: للناس في أخذ أموالهم صدقة، أو في المشكلات الّتي تعبدنا بظاهرها، أو عن ما لا حاجة للسائل به، كما في {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ} [الإسراء: 85]؛ ولهذا قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة: 101]، فهذا مذموم، بخلاف السؤال عن ما يحتاج إلى معرفته في الدين نحو: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: 215]. 1478 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَال: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَال: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ قَال: "أَوْ مُسْلِمًا" قَال: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ قَال: "أَوْ مُسْلِمًا". قَال: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ
فُلانٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، قَال: "أَوْ مُسْلِمًا" يَعْنِي: فَقَال: "إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ" وَعَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ قَال: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ بِهَذَا، فَقَال: فِي حَدِيثِهِ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَال: "أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ". [انظر: 27 - مسلم: 150 - فتح: 3/ 340] قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: {فَكُبْكِبُوا} [الشعراء: 94]: قُلِبُوا، فَكُبُّوا {مُكِبًّا} [الملك: 22]: أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ، قُلْتَ: كَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا. (محمّد بن غرير) بضم الغين، وفتح الراء الأولى: هو ابن الوليد. (رهطًا) هو ما دون العشرة من الرجال. (منهم) أي: من الرهط، وفي نسخة: "فيهم". (رجلًا) هو جعيل بن سراقة. (أعجبهم) أي: أفضل الرهط الحاضرين وأصلحهم. (لأراه) أي: لأظنه، وبفتحها أي: لأعلمه. (أو مسلمًا) بسكون الواو، وعلى الإضراب، أي: بل مسلمًا، فاحكم بالظاهر، ولا تقطع بإيمانه، إذ الباطل لا يعلمه إلا الله، وليس ذلك حكمًا بعدم إيمانه، بل نهي عن الحكم بالقطع به. (قال: أو مسلمًا) في نسخة، وفيما يأتي: "أو قال: مسلمًا". (ما أعلم فيه) في نسخة: "ما أعلم منه". (يعني: فقال) ساقط من نسخة، ومرَّ شرح الحديث في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقية (¬1). (وعن أبيه) عطف على (عن أبيه) السابق، أي: وقال يعقوب بن إبراهيم عن أبيه. ¬
(هذا) في نسخة: "بهذا" أي: الحديث. (في حديثه) أي: في جملة حديثه. (فجمع بين عنقي وكتفي) في نسخة: "جمع" بلا فاء، وفي أخرى: "بجمع" بموحدة، وجيم مضمومة في محل نصب على الحال، أي: ضرب بيده حالة كونها مجموعة، وفي أخرى: "مجمع" بوزن: مفعل، وعليها فيكون مضافًا إلى (بين) اسمًا لا ظرفًا، كقوله تعالى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94]، على قراءة الرفع. (أقبل) بهمزة مفتوحة، وبكسر الموحدة: من الإقبال، كأنه لما قال له، تولى ليذهب، فأمره بالإقبال؛ ليبين له وجه الإعطاء والمنع، وفي نسخة: "اقبل" بهمزة وصل تكسر في الابتداء، وبفتح الموحدة من القبول، أي: لا تعترض. (أي سعد) منادى بأي. (قال: أبو عبد الله) أي: البخاريّ، جريًا على عادته في إيراد تفسير اللفظة العربيّة الواقعة في القرآن، إذا وافقها ما في الحديث. ({فَكُبْكِبُوا}) في سورة الشعراء، أي: (فكبوا) بضم الكاف من الكب: وهي الإلقاء على الوجه، وفي نسخة: "قلبوا" بقاف مضمومة، ولام مكسورة. ({مِكِبًّا}) في سورة الملك، أي: منقلبًا على وجهه، يقال: (أكب الرَّجل إذا لم يكن فعله غير واقع على أحد) فيكون لازمًا. (فإذا وقع الفعل) على أحد. (قلت: كبه الله لوجهه، وكببته أنا) فيكون متعديًا، والحاصل: أن كب متعدٍ، وأكب: لازم، وهو غريب أن يكون القاصر بالهمز، والمتعدي بحذفه، ويجوز أن تكون همزة أكب: للصيرورة. 1479 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي
54 - باب خرص الثمر
لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ، فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ". [انظر: 1476 - مسلم: 1039 - فتح 3/ 341] (ولا يفطن به) بضم الياء، وفتح الطاء، أي: لا يعلم بحاله، وفي نسخة: "ولا يفطن له" ومرَّ شرح الحديث آنفًا (¬1). 1480 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ ثُمَّ يَغْدُوَ - أَحْسِبُهُ قَال: إِلَى الجَبَلِ - فَيَحْتَطِبَ، فَيَبِيعَ، فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ " قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ". [انظر: 1470 - مسلم: 1042 - فتح: 3/ 341] (أبو صالح) هو ذكوان الزيات. (إلى الجبل) هو موضع الحطب، و (إلى) متعلّق بـ (يغدو). (صالح بن كيسان أكبر) أي: سنًّا. (من الزّهريِّ) لأنه عاش مائة وستين سنة، وأراد البخاريّ بذلك أن الحديث من رواية الأكابر عن الأصاغر. 54 - بَابُ خَرْصِ الثَّمَرِ (باب: خرص التّمر) بمثناة، وميم ساكنة، وفي نسخة: بمثلثة، وميم مفتوحة، والخرص: بفتح المعجمة، وقد تكسر: حرز ما على النخل من الرطب تمرًا، وأصل الخرص: الظن؛ لأنه تقدير بظن. 1481 - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَال: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: "اخْرُصُوا". ¬
وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَال لَهَا: "أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا" فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَال: "أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ" فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّءٍ، وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ، فَلَمَّا أَتَى وَادِيَ القُرَى قَال لِلْمَرْأَةِ: "كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ" قَالتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي، فَلْيَتَعَجَّلْ" فَلَمَّا قَال ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا: أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَال: "هَذِهِ طَابَةُ" فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَال: "هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ" قَالُوا: بَلَى، قَال: "دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ - أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ - وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ - يَعْنِي - خَيْرًا". [1872، 3161، 3791، 4422 - مسلم: 1392 (كتاب الفضائل - باب (3) بعد حديث 706 - فتح: 3/ 343] عن عبّاس بموحدة، ومشددة، وسين مهملة، أي: ابن سهل. (عن أبي حميد) اسمه: المنذر، أو: عبد الرّحمن. (وادي القرى) بضم القاف: مدينة بين المدينة والشام (¬1). (إذا امرأة) صوغ الابتداء بالنكرة؛ الاعتماد على (إذا) الفجائية. (في حديقة) سيأتي تفسيرها. (اخرصوا) بضم الراء. (أحصي) بفتح الهمزة: من الإحصاء: وهو العد، أي: احفظي. (ما يخرج منها) أي: قدره. (أما) بتخفيف الميم. (إنها) بكسر الهمزة، إن جعلت (أما) بمعنى حقًّا، وبفتحها إن جعلت استفتاحية. (فليعقله) أي: يشده. (بالعقال) أي: الحبل. ¬
(فعقلناها) في نسخة: "ففعلنا". (بجبل طيءٍ) في نسخة: "بجبلي طيءٍ" واسمها: أجأ، بهمزتين بينهما جيم مفتوحة، بوزن فعل، وسلمى، بسكون اللام، بوزن فعلى. (ملك أيلة) اسمه: يُوحنا، بضم التحتية، وفتح المهملة، وتشديد النون، واسم أبيه: روبة، واسم أمه: العلماء. (وأيلة) بفتح الهمزة وسكون التحتية: بلدة بساحل [البحر] (¬1). (بغلة بيضاء) اسمها: دلدل، أما البغلة الّتي كان عليها في حنين وتسمى الندا فأهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، كما في مسلم (¬2) واحدة له غير هاتين: بغلة من النجاشي، وبغلة من كسرى، وبغلة من صاحب دومة الجندل. (وكساه) أي: كسى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ملك أيلة (¬3) (بردًا وكتب له ببحرهم) في نسخة: "ببحرتهم" أي: بأرضهم وبلدهم، قال الكرماني: كأنه - صلى الله عليه وسلم - أقطع هذا الملك من بلاده قطائع، وفوض إليه حكومتها (¬4). (كم جاءت) في نسخة: "كم جاء". (حديقتك) أي: ثمرها. (عشرة أوسق) بنصبه بنزع الخافض، أي: بمقدار ذلك، أو بأنه خبر (جاء)، بإجرائه مجرى كان. (خرص رسول الله) بنصبه بدل من (عشرة)، أو بيان لها، وبرفعهما الأوّل بالخبرية، والثّاني بالبدلية أو البيان، أو بالخبرية، ¬
لمحذوف، أي: الحاصل عشرة أوسق إلى آخره، أو: عشرة أوسق خرص رسول الله. (فلما) مقول ابن بكار. (قال: ابن بكار) مقول البخاريّ. (كلمة) بالنصب: مقول ابن بكار. (معناها) في نسخة: "معناه". (طابة) أي: المدينة، فهو من أسمائها، كطيبة، وكان أسمها يثرب، فسماها النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - (جبيل) بالتصغير، وفي نسخة: "جبل" بالتكبير. (يحبنا) حقيقة، بأن جعل الله فيه إدراكًا ومحبة، كما في تسبيح الحصا، وحنين الجذع (¬1)، وقيل: مجازًا، والمراد: أهله، وهم أهل المدينة، كما في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]، أي: أهلها. (ألا) للتنبيه. (دور الأنصار) أي: القبائل الّتي يسكنون الدور، أي: المحال. (وفي كلّ دور الأنصار) أي: خير كما بينه بقوله: (يعني: خيرًا) بنصب (خيرًا): مفعول (يعني)، وبرفعه على الحكاية، وهو في محل مفعول (يعني) أيضًا. 1482 - وَقَال سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو، "ثُمَّ دَارُ بَنِي الحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ" وَقَال سُلَيْمَانُ: عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهُوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يُقَلْ حَدِيقَةٌ" [فتح: 3/ 344] (وقال سليمان بن بلال، حدثني عمرو) أي: ابن يحيى المازني، بالسند المذكور. (ثمّ دار بني الحارث، ثمّ دار بني ساعدة) وغرضه: أنه قدم فيه ¬
55 - باب العشر فيما يسقى من ماء السماء، وبالماء الجاري
الحارث علي بني ساعدة. (عن عُمارة) بضم العين. (ابْن غزية) بفتح الغين المعجمة، وكسر الزاي. (عن عبّاس) بموحدة، وسين مهملة، أي: ابن سهل بن سعد. (عن أبيه إلى آخره) غرضه: أن عمارة خالف عمرو بن يحيى في إسناد الحديث، حيث قال عمرو: عن عبّاس عن ابن أبي حميد كما مر، وقال عمارة: عن عبّاس عن أبيه، قال شيخنا: يحتمل الجمع بينهما، بأن يكون عبّاس أخذ لفظ: "أحد جبل يحبنا ونحبه"؟ أو الحديث كله عن أبيه، وعن أبي حميد معًا، وكان يحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا؛ ولذلك كان لا يجمعهما (¬1). (وقال أبو عبد الله) أي: البخاريّ، وفي نسخة: "وقال أبو عبيد" أي: القاسم بن سلام صاحب "الغريب" في تفسير الحديقة. (كلّ بستان إلى آخره) قال الجوهري مع تفسيرها لذلك: إنها الروضة ذات الشجر. وفي الحديث: مشروعية الخرص، والجمهور على أنه في النخل، والعنب خاصّة، وقيل: في كلّ ما ينتفع به، وإليه نحا البخاريّ، وفيه: قبول هدايا المشركين، وأن الإمام يعلم أصحابه أمور الدنيا، كما يعلمهم أمور الآخرَة، وفيه: مدح الأنصار، ومعجزات للنبي - صلى الله عليه وسلم -. 55 - بَابُ العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ، وَبِالْمَاءِ الجَارِي وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "فِي العَسَلِ شَيْئًا". (باب: ما يسقى من ماء السَّماء) أي: المطر. (وبالماء الجاري) كماء العيون والأنهار، وفي نسخة: "والماء الجاري" بحذف الباء، فيكون المعني: ومن الماء الجاري. (ولم ير ¬
عمر بن عبد العزيز في العسل شيئًا) أي: من الزَّكاة شيئًا، ذكره في الباب مع أنه لم يسق لما قيل بوجوب الزَّكاة فيه، فنبه على أن المشهور خلافه، وأما حديث: "إن في العسل العشر" (¬1) فضعفه الشّافعيّ. 1483 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ" قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَبَيَّنَ فِي هَذَا، وَوَقَّتَ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ، إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ" كَمَا رَوَى الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ فِي الكَعْبَةِ" وَقَال بِلالٌ: "قَدْ صَلَّى" [1599] فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلالٍ وَتُرِكَ قَوْلُ الفَضْلِ. [فتح: 3/ 347] (عن الزّهريِّ) في نسخة: "عن ابن شهاب الزّهري". (سقت السَّماء) أي: ماؤها، فهو مع ما بعده: من مجاز الحذف، أو من ذكر المحل، وإرادة الحال. (أو كان) أي: ما يسقى. (عثريًّا) بمهملة، ومثلثة مفتوحتين، وراء، وتحتية مشددة: ما يسقى بالسيل ¬
الجاري في حفر، وهو المسمى بالبعل في رواية (¬1)، وتسمى الحفر عاثوراء؛ لتعثر المار بها إذا لم يشعر بها. (وما) أي: وفيما. (سقي بالنضح) بفتح النون، وسكون المعجمة، ثمّ مهملة: بأن سقي من ماء بئر أو نهر باغتراف، أو بنحو بعير أو بقرة، ويسمى الذكر ناضحًا، والأنثى ناضحة. (نصف العشر) والفرق بين الأمرين: ثقل المؤنة في هذا، وخفتها في الأوّل. (قال أبو عبد الله) أي: البخاريّ. (هذا) أي: حديث الباب. (تفسير الأوّل) أي: الحديث الأوّل، وهو حديث أبي سعيد في باب: ليس فيما دون خمس زود صدقة. ولفظه: "ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر صدقة". (لم يوقت) بكسر القاف وبفتحها: لم يقيد بالعشر ونصفه. (في الأوّل) أي: في الحديث السابق. (يعني) أي: البخاريّ بقوله هذا حديث ابن عمر المذكور هنا. (وفيما سقت السَّماء العشر) اعتراض من كلام الراوي بين قول البخاريّ. (لم يوقت في الأوّل)، وقوله (وبيَّن) أي: قيد (في ¬
56 - باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة
هذا) أي: في حديث ابن عمر وبما قررته. سقط ما قيل محل قوله: (وقال أبو عبد الله إلى آخره) الباب الثّاني عقب حديث أبي سعيد، والحامل له على ذلك فهمه أن المراد بالتقييد: التقييد بكمية النصاب، وهو خمسة أوسق، لا بالعشر ونصفه، وما فهمه وإن كان صحيحًا -كما سلكه المصنِّف في الباب الآتي في نسخة- لكن ما قررته أولى؛ لدفع الاعتراض عن المصنِّف (والمفسر يقضي على المبهم) بفتح السين والهاء. (إذا رواه أهل الثبت) بسكون الموحدة وفتحها، وإذا متعلّق بـ (مقبولة). (كما روى الفضل إلى آخره) مراده: أن زيادة بلال عمل بها، كما عمل بالزيادة فيما سقي بالماء، أن أحدهما مبهم، والآخر مفسر له، ولا يقال: إن زيادة بلال منافية لقول الفضل (لم يصل) فليمس من باب زيادة الثقة؛ لأنا نقول: مراده بأنه لم يصل: لم أره صلَّى؛ لاشتغالي بالدعاء ونحوه في ناحية من نواحي غير الّتي صلى فيها النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -. 56 - بَابٌ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ (باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) أي: زكاة، ومر بيان ذلك. 1484 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ". [انظر: 1405 - مسلم: 979 - فتح: 3/ 350]
57 - باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل
قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ إِذَا قَال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي العِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا. (يحيى) أي: القطان. (ليس فيما أقل) بجر (أقل) بفي بالفتحة؛ لأنه غير منصرف، فـ (ما) زائدة؛ بدليل حذفها بعد، وبرفعه خبر مبتدإٍ محذوف، فـ (ما): موصولة حذف صدر صلتها. (خمس أواق) في نسخة: "خمسة أواقي" بتاء التأنيث، وبياء، ومرَّ شرح الحديث (¬1). (قال أبو عبد الله) أي: البخاريّ (هذا) أي: الحديث المقيد بكمية النصاب. (تفسير الأوّل) أي: حديث ابن عمر المذكور في الباب السابق. (إذا) بمعنى: إذ. (قال) أي: في الحديث هنا. (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة لكونه لم يبين) أي: في حديث ابن عمر السابق كمية النصاب. (ويؤخذ أبدًا في العلم بما زاد أهل الثبت أو بينوا) كما مرَّ بيانه، وقوله: (قال أبو عبد الله إلى آخره) ساقط من نسخة. 57 - بَابُ أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ؟ (باب: أخذ صدقة التّمر) أي: زكاته. (عند صرام النخل) بكسر الصاد، قال الكرماني: وفتحها أي: جذاذه، أي: قطع ثمره (¬2) عند أوان إدراكه، بل وبعد جفافه ويباسه وتنقيته. (وهل يترك الصبي فيمس تمر الصَّدقة) بنصب يمس جواب الاستفهام، والجملة الاستفهامية معطوفة على أخذ الصَّدقة. ¬
1485 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ، وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ، فَقَال: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ". [1491، 3072 - مسلم: 1069 - فتح: 3/ 350] (فيجيء هذا بتمرة، وهذا من تمره) في نسخة: "وهذا بتمره) وعلى الأولى فمن تبعيضية، وعبر في الأوّل [بالباء، وفي الثّاني: بمن، قال الكرماني: لأنه ذكر في الأوّل] (¬1): المجيء به، وفي الثّاني: المجيء منه، وهما متلازمان، وإن تغايرا مفهومًا. (حتّى يصير عنده كومًا من تمر) بفتح كاف (كومًا) ما اجتمع الصبرة، وبضمها: القطعة العظيمة من الشيء، وهو بالنصب خبر (يصير)، واسمها ضمير يعود على التّمر، وفي نسخة: بالرفع اسم (يصير) بجعلها تامة، أو بجعل (عنده) خبرها، ومن: بيانيّة. (فجعله) أي: المأخوذ، وفي نسخة: "فجعلها" أي: التّمرة (في فيه) أي: فمه، وفي الفم تسع لغات أخر بتثليث فائه، مع تخفيف ميمه [منقوصًا، وفتحها وضمها مع تشديد ميمه كذلك، وتثليثها مع تخفيف ميمه مقصورًا، واتباع فائه ميمه] (¬2) في الحركات الإعرابية منقوصًا، تقول: هذا فمه، رأيت فمه، ونظرت إلى فمه. (أما علمت) في نسخة: "ما علمت" بدون همزة الاستفهام، وهي ¬
58 - باب من باع ثماره، أو نخله، أو أرضه، أو زرعه، وقد وجب فيه العشر أو الصدقة، فأدى الزكاة من غيره، أو باع ثماره ولم تجب فيه الصدقة
مرادة. (أن آل محمّد) زاد في نسخة: "صلى الله عليه وسلم" وآله: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب عند الشّافعيّة والجمهور، وبنو هاشم فقط عند أبي حنيفة ومالك، وقيل: قريش كلها. (لا يأكلون الصَّدقة) أي: الزَّكاة، وفي نسخة: "لا يأكلون صدقة". وفي الحديث: تمكين الصبيان من اللعب بما لا يملكونه حالة الفرح بالأحوال المتجددة، إذا لم يكن فيه ضرر، ودفع الصدقات للسلطان، وأن المسجد ينتفع به في أمر جماعة المسلمين، كجمع الصَّدقة فيه؛ ولذلك كان يقعد فيه للوفود، ولعب الحبشة بالحراب، وتعلم المثاقفة. وفيه: إدخال أطفال المسلمين، وإنهم يجتنبون الحرام كالكبير، وأنهم يعرفون سبب النّهي؛ ليبلغوا وَهُمْ على علم منه. 58 - بَابُ مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ، أَوْ نَخْلَهُ، أَوْ أَرْضَهُ، أَوْ زَرْعَهُ، وَقَدْ وَجَبَ فِيهِ العُشْرُ أَو الصَّدَقَةُ، فَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا" فَلَمْ يَحْظُرِ البَيْعَ بَعْدَ الصَّلاحِ عَلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَخُصَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ". (باب: من باع ثماره أو نخله) أي: الثمر. (وأرضه) أي: المزروعة. (أو زرعه وقد وجب فيه العشر أو الصَّدقة) أي: الزَّكاة الشاملة للعشر ونصفه، فذكر الصَّدقة بعد العشر تعميم بعد تخصيص. (فأدى الزَّكاة من غيره) أي: من غير ما ذكر.
(أو باع ثماره ولم تجب فيه) الأولى فيها. (الصَّدقة) أي: الزَّكاة، وهذا مفهوم ممّا قبله؛ لأنه مقيد بما بعد وجوب الزَّكاة المفهوم من قوله: (فأدى الزَّكاة من غيره) وجواب (من) محذوف، أي: من باع ثمار ... إلى آخره، جاز بيعه لها، ودلت التّرجمة على أن البخاريّ يرى جواز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، سواء وجبت الزَّكاة فيها، أم لا، ومن ثمّ قال ابن بطّال: غرض البخاريّ بذلك: الرَّدِّ على الشّافعيّ حيث قال: بمنع البيع بعد الصلاح حتّى يؤدِّي الزَّكاة منها، فخالف إباحة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - له، وسيأتي ما يوضح ذلك. (وقول النَّبيّ) بالجر: عطف على (من باع). (حتّى يبدو صلاحها) أي: يظهر. (فلم يحظر) بضم المعجمة، أي: فلم يمنع النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -. (البيع ... إلى آخره) وحاصله: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقيد جواز بيعها المفهوم من (حتّى يبدو صلاحها) بإخراج زكاتها بل عمم، وهو أحد القولين، والقول الثّاني وهو مذهب الشّافعيّ لا يجوزة لأنه باع ما يملك، وما لا يملك، فيصح البيع فيما يملك فقط، ويجاب: بأن المفهوم لا عموم له، فيلزم كون كلّ ثمرة بدا صلاحها يجوز بيعها؛ لجواز مانع آخر، ثمّ محل المنع: إذا لم يضمن الخارص المالك التّمر، فلو ضمنه بصريح اللّفظ، كأن يقول: ضمنتك نصيب المستحقين بكذا تمرًا، وقبل المالك التضمين، جاز البيع وغيره، وإذا بأن التضمين انتقل الحق إلى ذمته. 1486 - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا قَال: "حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ". [2183، 2194، 2199، 2247، 2249 - مسلم: 1534 - فتح: 3/ 351] (حجاج) أي: ابن منهال. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (وكان) أي: ابن عمر.
59 - باب: هل يشتري الرجل صدقته؟
(عاهته) أي: آفته، والتذكير باعتبار الثمر، وفي نسخة: "عاهتها" أي: الثمرة، والمراد: حتّى يصير على الصِّفَة المطلوبة منه، كظهور النضج، ومبادئ الحلاوة بأن يتلون ويلين، أو يتلون بحمرة، أو صفرة، أو سواد، أو نحوه؛ لأنه حينئذ يأمن من العاهة. 1487 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا" [2189، 2196، 2381، 2340، 2632 - مسلم: 1536 - فتح: 3/ 351] 1488 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ" قَال: حَتَّى تَحْمَارَّ. [2195، 2197، 2198، 2208 - مسلم: 1555 - فتح: 3/ 352] (قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد الثقفي. (عن حميد) أي: الطَّويل. (حتّى تزهي) بضم التاء من أزهت الثمرة: احمرت واصفرت، والأكثر في اللُّغة زهت تزهو. (قال) أي: أنس. 59 - بَابٌ: هَلْ يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتَهُ؟ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ غَيْرُهُ" لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا "نَهَى المُتَصَدِّقَ خَاصَّةً عَنِ الشِّرَاءِ وَلَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ". (باب: هل يشتري) أي: المتصدق. (صدقته) أو لا، فيه خلاف. (ولا بأس أن يشتري صدقته غيره) في نسخة: "ولا بأس أن يشتري صدقة غيره". 1489 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَال: "لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ" فَبِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، "لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ، إلا جَعَلَهُ صَدَقَةً". [2775، 2971، 3002 - مسلم: 1621 - فتح: 3/ 352] (فاستأمره) أي: فاستشاره. (فبذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يترك أن يبتاع شيئًا تصدق به، إلا جعله صدقة) لفظ: (لا) ساقط من نسخة، وهي: مرادة، أي: كان ابن عمر إذا اتفق له أن يشتري شيئًا ممّا تصدق به، لا يتركه في ملكه حتّى يتصدق به ثانيًا، فكأنه فهم أن النّهي عن العود في الصَّدقة إنّما هولمن أراد تملكها، لا لمن أراد التصدق بها. 1490 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: "لَا تَشْتَرِي، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ". [2623، 2636، 2970، 3003 - مسلم: 1620 - فتح: 3/ 253] (مالك بن أنس) لفظ: (ابْن أنس): ساقط من نسخة. (حملت) أي: رجلًا. (على فرس) أي: وهبته له، أو تصدقت به عليه حال كونه قاصدًا؛ للغزو به في سبيل الله. (فأضاعه الّذي كان عنده) بتقصيره في القيام به. (فأردت أن أشتريه) لرخصه ولأقوم بمصلحته. (فظننت) في نسخة: "وظننت". (أنه يبيعه برخص) في رواية: تقديم هذا على قوله:
60 - باب ما يذكر في الصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم
فأردت أن أشتريه، وهو أولى. (فسألت النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -) أي: عن جواز ابتياعي له. (لا تشتر) في نسخة: "لا تشتره"، وفي أخرى: "لا تشتره" بإشباع كسرة الراء، والنهي للتنزيه، وقيل: للتحريم. (ولا تعد في صدقتك) من عطف العام على الخاص، أي: لا تعد فيها بشراء، ولا بغيره من سائر التملكات كالهِبَة، فالمكروه تملكه له كإرثه، وكذا بتملك من انتقل إليه من المتصدق عليه. (فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه) الغرض من التشبيه بذلك: تقبيح هذا الفعل، كما يقبح أن يقيء شيئًا ثمّ يأكله، فلا يقتضي التّحريم بقرينة رواية "فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئة" (¬1) لأن عود الكلب في قيئه لا يوصف بالحرمة؛ لأنه غير مكلف، ويؤخذ من هذه الرِّواية أن الحكم لا يختص بالصدقة، بل يجري في الهِبَة وغيرها من التبرعات، وهو ظاهر. 60 - بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (باب: ما يذكر) أي: من الحرمة. (في الصَّدقة للنبي - صلى الله عليه وسلم -) زاد في نسخة: "وآله" وإنما حرمت عليه وعليهم؛ لأنها مطهرة، كما قال تعالى {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] فهي كغسالة الأوساخ، والمذكورون منزهون عن أوساخ النَّاس، ولأنها تنبئ عن ذل الآخذ من المأخوذ منه؛ لخبر: "اليد العليا خير من اليد السفلى" (¬2) وفي ¬
61 - باب الصدقة على موالي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
مسلم: "إن هذه الصدقات إنّما هي أوساخ النَّاس، وأنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمّد" (¬1) والحرمة في حقه عامة في صدقة الفرض والتطوع، وفي حقهم خاصّة بالفرض على الأصح عند الشّافعيّة؛ لخبر رواه الشّافعيّ والبيهقي (¬2). 1491 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كِخْ كِخْ" لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَال: "أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ". [انظر: 1485 - مسلم: 1069 - فتح: 3/ 354] (كخ، كخ) بفتح الكاف وكسرها، وسكون المعجمة مثقلة ومخففة، وبكسرها منونة، وغير منونة، وفي نسخة: بكسر الكاف، وسكون الخاء مخففة، وهي من أسماء الأصوات، وقيل: من أسماء الأفعال، وأشار البخاريّ في باب: من تكلم بالفارسية (¬3) إلى أنها عجمية معربة، وهي كلمة تزجر بها الصبيان عن المستقذرات، والثّانية تأكيد للأولى. 61 - بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باب: الصَّدقة على موالي أزواج النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -) أي: عتقائهن. 1492 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، ¬
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "وَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةً مَيِّتَةً، أُعْطِيَتْهَا مَوْلاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟ " قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ: قَال: "إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا". [2221، 5531، 5532 - مسلم: 363 - فتح: 3/ 355] (أعطيتها) بالبناء للمفعول. (من الصَّدقة) متعلّق بأعطيت، أو صفة لشاة، وهذه موضع التّرجمة؛ لأن مولاة ميمونة أعطيت صدقة، فلم ينكر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل على أن موالي أزواجه - صلى الله عليه وسلم - تحل لهم الصَّدقة كهن؛ لأنهن ومواليهن ليسوا من جملة الآل، نعم هي حرام على مواليه، وموالي آله بقيده السابق؛ لخبر: "إن الصَّدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم" رواه التّرمذيّ، وقال: حسن صحيح (¬1). (قال) في نسخة: "فقال". 1493 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اشْتَرِيهَا فَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" قَالتْ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَال: "هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ". [انظر: 456 - مسلم: 1075، 1504 - فتح: 3/ 355] (آدم) أي: ابن أبي إياس. (شعبة) أي: ابن الحجاج. (الحكم) أي: ابن عتبة. (عن إبراهيم) أي: النخعي. (عن الأسود) أي: ابن يزيد. (وأراد مواليها) أي: ساداتها، وهم بنو هلال. (أن يشترطوا ¬
62 - باب إذا تحولت الصدقة
ولاءها) أي: أن يكون ولاؤها لهم. (فذكرت عائشة) أي: ذلك. (اشتريها) أي: على ما يريدون من اشتراط كون الولاء لهم، أمرها بذلك مع أن شرط ذلك يفسد العقد؛ لأن الشرط لم يقع في العقد، أو وقع فيه، لكنه خاص بعائشة؛ لمصلحة قطع عادتهم، كما خص فسخ الحجِّ إلى العمرة بالصحابة؛ لمصلحة بيان جوازها في أشهره، أو لأن المراد: الزجر والتوبيخ؛ لأنه كان بين لهم حكم الولاء، وأن هذا الشرط لا يحل، فلما ألحوا فيه، وخالفوا الأمر قال لعائشة: "لا تبالي سواء أشرطته أم لا" (هذا ما) في نسخة. "هذا لحم شاة" وفي أخرى: "هذا ممّا" (تصدق به) بالبناء للمفعول. (هو لها صدقة ولنا هدية) الصَّدقة: ما يعطى لثواب الآخرة، والهدية: ما ينقل لبيت المتهب؛ إكرامًا له، ومر شرح الحديث في باب: ذكر البيع والشراء على المنبر (¬1). 62 - بَابُ إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ (باب: إذا تحولت الصَّدقة) في نسخة: "إذا حولت الصَّدقة" أي: عن ملك المتصدق إلى ملك المتصدق عليه جاز للهاشمي والمطلبي تناولها. 1494 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَال: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ " فَقَالتْ: لَا إلا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثَتْ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَال: "إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا". [انظر: 1446 - مسلم: 1076 - فتح: 3/ 356] ¬
63 - باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا
(خالد) أي: الحذاء. (إلا شيء) استثناء من محذوف، أي: لا شيء إلا شيء. (نسيبة) بضم النون: اسم أم عطية. (من الشاة) (من): للبيان مع الدلالة على التبعيض. (بعثت) بالخطاب. (محلها) بكسر الحاء، أي: وصلت إلى الموضع الّذي يحل للهاشمي والمطلبي تناولها منه، [لأنه - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى أمِّ عطية بشاة من الصَّدقة صارت ملكًا لها، فلما أهدتها للنبي - صلى الله عليه وسلم -] (¬1) انتقلت عن حكم الصَّدقة فجاز له القبول والأكل. 1495 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَال: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ" وَقَال أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [2577 - مسلم: 1074 - فتح: 3/ 356] (وكيع) أي: ابن الجراح. (عليها صدقة قدم الخبر على المبتدأ؛ لإفادة الحصر أي: لا علينا، وقدمه عليه في قوله: (لنا هدية) أي: مشاكلة لذلك، (وقال أبو داود) هو سليمان الطيالسي. (سمع أنسًا) بين به أن قتادة صرح بالسماع؛ ليزيل به توهم تدليسه في السند السابق بقوله: (عن)، ولهذا اقتصر هنا على السند. 63 - بَابُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الأَغْنِيَاءِ وَتُرَدَّ فِي الفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا (باب: أخذ الصَّدقة) أي: الزكاة. (من الأغنياء وترد في الفقراء) ¬
برفع (ترد)، وبنصبه بتقدير أن مؤولًا بمصدر معطوف على (أخذ)، أي: باب: أخذ الزَّكاة من الأغنياء وردها على الفقراء. (حيث كانوا) ظاهره: أنه يختار جواز نقلها من بلد المزكي، وهو مذهب الحنفية، والأصح عند الشّافعيّة عدم جوازه لغير الإمام عند وجود المستحقين. 1496 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: "إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ". [انظر: 1395 - مسلم: 19 - فتح: 7/ 353] (محمّد) في نسخة: "محمد بن مقاتل المروزي". (عبد الله) أي: ابن المبارك. (أهل الكتاب) بدل ممّا قبله، وخصهم بالذكر مع أن في اليمن غيرهم من المشركين؛ تغليبًا وإشارة إلى أنهم المقصودون بالبعث، وتوطئة لبعثه - صلى الله عليه وسلم - معاذًا؛ لتقوى همته عليه؛ لكونهم أهل علم في الجملة. (فإذا جئتهم) عبر بإذا دون إن؛ تفاؤلًا بالوصول إليهم. (أطاعوا لك) عداه باللام، مع أنه يتعدى بنفسه؛ لتضمينه معنى انقادوا، ومرَّ شرح الحديث في باب: وجوب الزَّكاة (¬1). ¬
64 - باب صلاة الإمام، ودعائه لصاحب الصدقة
64 - بَابُ صَلاةِ الإِمَامِ، وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ وَقَوْلِهِ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]. (باب: صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصَّدقة). كأن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبيقت، والمراد من الصّلاة: معناها اللغوي: وهو الدُّعاء فعطف الدُّعاء عليها عطف تفسير. (وقوله) بالجر عطف على صلاة الإمام ({إِنَّ صَلَاتَكَ}) في نسخة: " {إِنَّ صَلَاتَكَ} " وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص ({سَكَنٌ}) أي: تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، وجمعها؛ لتعدد المدعو لهم، وفي نسخة "وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} إلى قوله {سَكَنٌ لَهُمْ} ". 1497 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَال: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلانٍ"، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَال: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى". [4166، 6332، 6359 - مسلم: 1078 - فتح: 3/ 361] (عن عمرو) أي: ابن مُرَّة بن عبد الله بن طارق. (اللَّهُمَّ صل على فلان) أي: اغفر له وارحمه، وفي نسخة: "على آل فلان" وإفراد الصّلاة على غير الأنبياء، كما هنا من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - لأنه حقه، فله أن يعطيه لمن شاء؛ ولأن الصّلاة على الأنبياء شعارٌ لهم، فلا يلحق غيرهم بهم إلا بحق، فلا يحسن هنا أن نقول: أبو بكر - رضي الله عنه - وإن كان المعني صحيحًا، كما لا يقال: محمّد -عَزَّ وَجَلَّ- وإن كان عزيزًا جليلًا؛ لأنه مختص بالله تعالى. [(اللَّهُمَّ صلِّ على آل أبي أوفى) يريد به أبا أوفى نفسه؛ لأن الآل يطلق على ذات الشيء، كما قال - صلى الله عليه وسلم - عن أبي
65 - باب ما يستخرج من البحر
موسى الأشعري: "لقد أوتى مزمارًا من مزامير آل داود" يريد به داود نفسه] (¬1). 65 - بَابُ مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكَازٍ هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ" وَقَال الحَسَنُ فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ: "الخُمُسُ" فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فِي الرِّكَازِ الخُمُسَ" لَيْسَ فِي الَّذِي يُصَابُ فِي المَاءِ". (باب: ما يستخرج من البحر) أي: من الجواهر، هل تجب فيه زكاة، أو لا؟ (ليس العنبر بركاز) فلا شيء فيه. (هو) أي: العنبر. (شيء دسره البحر) بفتح المهملتين، أي: دفعه، ورمى به الساحل، وهو نوع من الطيب، وهو: زبد البحر، أو نبات يخلقه الله في قعر البحر، أو نبع عين فيه، أو روث دابة بحرية. (وقال الحسن) أي: البصري. (في العنبر واللؤلؤ الخمس) بضم الميم، وقد تسكن، وهذا أخذه ممّا فهمه من خبر: "وفي الركاز الخمس" ورده عليه البخاريّ بقوله. (وإنّما) في نسخة: "فإنّما" بالفاء (جعل النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في الركاز الخمس ليس الّذي يصاب في الماء) أي: إنّما جعل الخمس في الركاز، لا فيما يوجد في الماء قال ابن بطّال: اللؤلؤ أو العنبر متولدان من حيوان البحر فأشبها السمك، فلا يكونان ركازًا، أي: لأنه من دفين الجاهلية، كما سيأتي. ¬
66 - باب: في الركاز الخمس
1498 - وَقَال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً، فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا"، فَذَكَرَ الحَدِيثَ فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَال. [2063، 2291، 2404، 2430، 2743، 6261 - فتح: 3/ 362] (عن النَّبيّ) في نسخة: "عن رسول الله" (بأن يسلفه) في نسخة: "أن يسلفه" بحذف الباء (فرمى بها في البحر) أن بقصد أن الله يوصلها إلى صاحب المال (فإذا بالخشبة) أي: فإذا هو مفاجئ بها (فأخذها لأهله حطبًا) بنصبه بمقدار أي: فأخذها تجعل حطبًا، وهذا موضع التّرجمة فذكر الحديث، سيأتي بكماله في باب: الكفالة في القرض. 66 - بَابٌ: فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ وَقَال مَالِكٌ، وَابْنُ إِدْرِيسَ: "الرِّكَازُ: دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ، فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الخُمُسُ وَلَيْسَ المَعْدِنُ بِرِكَازٍ " وَقَدْ قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَعْدِنِ: "جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ" وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: "مِنَ المَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً" وَقَال الحَسَنُ: "مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أَرْضِ الحَرْبِ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وَجَدْتَ اللُّقَطَةَ فِي أَرْضِ العَدُوِّ فَعَرِّفْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ فَفِيهَا الخُمُسُ" وَقَال بَعْضُ
النَّاسِ: "المَعْدِنُ رِكَازٌ، مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ المَعْدِنُ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ قِيلَ لَهُ، قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ، ثُمَّ نَاقَضَ، وَقَال: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ". [فتح: 3/ 363] (باب: في الركاز الخمس) جعل فيه الخمس لا نصف العشر؛ لسهولة أخذه، ولأنه مال كافر فنزل واجده منزلة الغانم، فله أربعة أخماسه. (وابن إدريس) هو الإمام الشّافعيّ صاحب المذهب، وقيل: عبد الله بن إدريس الأودي الكُوفيُّ. (دفن الجاهلية) بكسر الدال وسكون الفاء، أي: مدفونها، كذبح بمعنى: مذبوح، وبالفتح: مصدر بمعنى المفعول مثل: الدرهم ضرب الأمير، وهذا الثّوب نسج اليمن. (في قليله وكثيره الخمس) هو قول قديم عند الشّافعيّ، وعليه الأئمة الثّلاثة، والجديد: اشتراط النصاب، إمّا منه فقط، أو منه مع ما عند واجده من جنسه. (وليس المعدن بركاز) وهو بكسر الدال: مكان من الأرض يخرج منه شيء من الجواهر، ويقال أيضًا لما يخرج منه، وهو المراد هنا، أي: ليس بركاز حتّى يجب فيه الخمس؛ لاحتياج استخراجه إلى مؤنة بل يجب فيه ربع العشر، كما في المال الحاصل عنده. (في المعدن جبار) بضم الجيم، وتخفيف الموحدة، أي: إذا حفر معدنًا في ملكه، أو في موات فوقع فيه غيره، أو اكتراه لعمل فيه فمات، فموته بذلك هدر غير مضمون، وليس المراد أنه لا زكاة فيه. (ما كان من ركاز ... إلخ) ما ذكره الحسن من التفرقة الّتي ذكرها غريب، وقوله (من أرض السلم) بكسر السين وسكون اللام، أي: من دار الإسلام ودار
العهد والأمان، وفي نسخة: "من أرض المسلم". (وإن وجدت اللقطة ... إلخ) من كلام الحسن، وفي نسخة: "وإن وجدت لقطة" بالتنكير، وقوله: (وإن كانت من العدو) أي: من ماله، وفيه: ما قدمته. (وقال بعض النَّاس) هو الإمام أبو حنيفة، ويحتمل أن يكون غيره. (المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية) أي: فيجب فيه الخمس عنده، وعلله بقوله (لأنه) أي: الشأن. (يقال أركز) بالبناء للفاعل، وهو: المعدن، وفسر إركازه بقوله: (إذا خرج منه شيء) في نسخة: "أُخرج" بالبناء للمفعول بدل (خرج). (قيل له) أي. لبعض النَّاس إلزامًا له. (قد يقال لمن وهب له شيء، أو ربح ربحًا كثيرًا، أو أكثر ثمره: أركزت) بتاء الخطاب، أي: فيلزم أن يقال كلّ واحد من الموهوب والربح والثمر ركاز، ويقال لصحابه أركزت، ويجب فيه الخمس، لكن الإجماع على خلافه، وإنه ليس فيه إلا ربع العشر، وإن كان يقال فيه: أركز، فالحكم مختلف، وإن اتفقت التّسمية ثمّ ألزمه ثانيًا بقوله (ثمّ ناقض) نفسه، حيث قال أولًا: المعدن ركاز، ففيه: الخمس، وقال ثانيا: لا بأس أن يكتمه، أي: عن الساعي. (فلا يؤدِّي الخمس) أي: في الركاز، وهو عنده شامل للمعدن، واعترض ابن بطّال هذه المناقضة بأن الّذي أجاز أبو حنيفة كتمانه، إنّما هو إذا كان محتاجًا إليه، بمعنى: أنه تأول: إن له حقًّا في بيت المال، ونصيبًا في الفيء، فأجاز له أن يأخذ الخمس لنفسه؛ عوضًا عن ذلك، لا أنه أسقط الخمس عن المعدن بعد ما أوجبه فيه. 1499 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
67 - باب قول الله تعالى: {والعاملين عليها} [التوبة: 60] ومحاسبة المصدقين مع الإمام
قَال: "العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ". [2355، 6912، 6913 - مسلم: 171 - فتح: 3/ 364] (العجماء) بالمد، أي: البهيمة؛ لأنها لا تتكلم، والمراد: فعلها. (جبار) أي: هدر غير مضمون، والمراد: أما إذا انفلتت فصدمت إنسانًا فأتلفته، أو أتلفت مالًا، فلا ضمان على مالكها، أما إذا كان معها فعليه الضمان، لكن هذا لا يختص بالمالك؛ بل يعم كلّ من صحبها من مالك وغيره، كأجير ومستعير وغاصب. (والبئر) أي: وتلف الواقع فيها. (جبار) وذلك بأن يحفر بئرًا في ملكه، أو في موات فيسقط فيها رجل أو تنهار على من استأجره لحفرها فيهلك، فلا ضمان على حافرها. (والمعدن) أي: وتلف المكترى لحفره، بإنهياره عليه. (جبار) أي: فلا ضمان على مكتريه. (وفي الركاز الخمس) عطف الركاز على المعدن يدلُّ على تغاريهما، وشرط وجوب الخمس النصاب، والنقدان لا الحول، وخالفه الإمام أحمد، فلم يخصه بالنقدين. 67 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60] وَمُحَاسَبَةِ المُصَدِّقِينَ مَعَ الإِمَامِ (باب: قول الله تعالى: ({وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}) أي: على الصدقات، والعاملون عليها: هم السعاة الذين يبعثهم الإمام؛ لقبضها. (ومحاسبة المصدقين) بتخفيف الصاد، وتشديد الدال، أي: الآخذين للزكاة، وهم: السعاة المذكورون (مع الإمام) بأن يحاسبهم على ما قبضوه وصرفوه لمستحقيه إن صرفوا شيئًا. 1500 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الأَسْدِ
68 - باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل
عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ". [انظر: 925 - مسلم: 1832 - فتح: 3/ 365] (أبو أُسامة) هو حماد بن زيد. (من الأسد) بسكون السين، ويقال: الأزد بزاي. (بني سليم) بضم السين، وفتح اللام. (ابْن اللتبية) بضم اللام، وحكي فتحها، وبسكون الفوقية، وحكي فتحها، وفتحهما معَا، ويقال: الأتبية بهمزة مضمومة، قيل: وهو اسم أمه، واسمه: عبد الله. 68 - بَابُ اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ (باب: استعمال إبل الصَّدقة وألبانها لأبناء السبيل) أي: أو لغيرهم من الأصناف الثمانية؛ لقول ابن بطّال: غرض البخاريّ: إثبات وضع الصَّدقة في صنف واحد من الأصناف الثمانية، خلافًا للشافعي، حيث قال: يجب استيعاب الأصناف الثمانية، وهذا بحسب ما فهمه من أن المراد: باستعمال المذكورات صرفها لمستحقيها، وظاهر أنه ليس كذلك بل المراد: الانتفاع بها لشرب لبنها لأبناء السيل المحتاجين للتداوي به، فيكون خاصًّا بهم، كما سيأتي الإشارة إلى ذلك في الحديث. 1501 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوْا المَدِينَةَ "فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، وَأَبْوَالِهَا"، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ بِالحَرَّةِ يَعَضُّونَ الحِجَارَةَ تَابَعَهُ أَبُو قِلابَةَ، وَحُمَيْدٌ، وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ. [انظر: 233 - فتح: 3/ 366] (عرينة) بضم المهملة، وفتح الراء، وسكون التحتية ونون: قبيلة،
وسيأتي في المغازي "من عكل وعرينة" بواو العطف (¬1)، مرَّ في باب: أبوال الإبل. "من عكل أو عرينة" بالشك (¬2) (اجتووا المدينة) بسكون الجيم، وفتح الفوقية، الواو الأولى، أي: كرهوا المقام بها؛ لما فيها من الوخم، أو أصابهم الجواء: وهو داء الجرب إذا تطاول. (فشربوا من ألبانها وأبوالها) لا حجة فيه لمن احتج به على طهارة بول من يؤكل لحمه؛ لأن شربه إنّما كان للتداوي، وهو جائز لذلك (فقتلوا الراعي) اسمه: يسار النوبي. (واستاقوا الذود) في نسخة: "واستاقوا الإبل". (فأرسل إليهم (النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -) سرية (فأتى بهم فقطع) بالتشديد والتخفيف، أي: فأمر غيره أن يقطع أيديهم وأرجلهم. (وسمر) بالتخفيف والتشديد. (أعينهم) بأن كحلها بمسامير محمية، فعل بهم ذلك؛ لأنهم فعلوا بالراعي، وأراد بما ذكره أقل الجمع، وهو اثنان على قول؛ لأن لكل منهم يدين ورجلين وعينين، أو أراد التوزيع عليهم بأن يقطع من كلّ منهم يدًا ورجلًا، ويسمر منه عينًا، إذا الجمع في مقابلة الجمع يفيد: التوزيع. (في الحرة) بفتح الحاء: أرض ذات حجارة سود، ومر شرح الحديث في باب: أبوال الإبل (¬3). (يعضون) بفتح الياء والمهملة. (تابعه) أي: قتادة. (أبو قلابة) هو: عبد الله بن زيد الجرمي. (وحميد) أي: الطويل. (وثابت) أي: البناني. ¬
69 - باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده
69 - بَابُ وَسْمِ الإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ (باب: وسم الإمام إبل الصَّدقة بيده) أي: تأثيره فيها بعلامة، قال الجوهري: وسمه وسمًا، ويسمه وسمًا، وسمة، إذا أثر فيه بسمة وكي، والهاء عوض عن الواو. 1502 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ". [5470، 5842، 5824 - مسلم 2119 (112) - فتح: 3/ 366] (الوليد) أي: ابن مسلم القُرَشيُّ. (أبو عمرو) واسمه: عبد الرّحمن. (بعبد الله) أي: أخ لأنس لأمه، وهو صحابي لا تابعي، كما وقع للنووي. (المِيسم) بكسر الميم، وفتح المهملة: حديدة يكوى بها. (يسم إبل الصَّدقة) لتتميز عن الأموال الباقية؛ وليردها من أخذها، وليعرفها صاحبها، فلا يتملكها بعد التصدق بها؛ لئلا يكون عائدًا في صدقته، وهو مخصوص من عموم النّهي عن تعذيب الحيوان، ولا يسم في الوجه؛ لورود النّهي عنه، ويندب أن يكتب في ماشية الزَّكاة زكاة، أو صدقة، وليكن وسم الإبل والبقر في أصول أفخاذها، والغنم في آذانها. وفي الحديث: مع ذلك أن يقصد بالطفل أهل الفضل والصلاح؛ ليحنكوه ويدعو له.
70 - أبواب صدقة الفطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 70 - أَبْوَابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ وَرَأَى أَبُو العَالِيَةِ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ "صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرِيضَةً". (باب: فرض صدقة الفطر) لفظ: (باب): ساقط من نسخة، وزاد في أخرى قبله: "أبواب: صدقة الفطر" أي: من رمضان، ويقال للمخرج في زكاة الفطر: فطرة، بكسر الفاء، لا بضمها، كما وقع في "الكفاية" وصدقة الفطر، وزكاة الفطر، وزكاة رمضان، وزكاة الصوم، وصدقة الرءوس، وزكاة الأبدان. (ورأى أبو العالية وعطاء وابن سيرين: صدقة الفطر: فريضة) هو مذهب الشّافعيّ وكثير، وما قيل من أن فرضها منسوخ بخبر النَّسائيِّ عن قيس بن سعد قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزَّكاة فلما نزلت الزَّكاة، لم يأمرنا، ولم ينهنا ونحن نفعلها (¬1) مردود بأن الخبر ضعيف، ولو سلم صحته فلا يدلُّ على النسخ؛ لأن الزيادة في جنس العبادة لا توجب نسخ الأصل المزيد عليه. (فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر) وقت وجوبها غروب الشّمس ليلة العيد وقبل طلوع الفجر يوم العيد. 1503 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: ¬
71 - باب: صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين
"فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ". [1504، 1507، 1509، 1511، 1512 - مسلم: 984، 986 - فتح: 3/ 367] (صاعًا) هو: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالعراقي. (من تمر أو صاعًا من شعير) سيأتي في روايات زيادات عليها. (على العبد) أن يخرج عنه سيده، ويستثنى عبد بيت المال، والعبد الموقوف، فلا تجب فطرتهما، إذ ليس لهما مالك معين يلزم بهما، وكذا المكاتب لا تجب فطرته عليه؛ لضعف ملكه، ولا على سيده؛ لأنه معه كالأجنبي، وأما المبعض فيخرج من الصاع بقدر حريته، وسيده بقدر رقه (من المسلمين)، خرج به الكافر فلا تطلب منه الزَّكاة. (إلى الصّلاة) أي: صلاة العيد. 71 - بَابٌ: صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ (باب: صدقة الفطر) أي: وجوبها. (على العبد وغيره من المسلمين) لفظ: (من المسلمين): ساقط من نسخة. 1504 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ". [انظر: 1503 - مسلم: 984، 986 - فتح: 3/ 369] (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر ... إلى آخره) مرَّ شرحه.
72 - باب: صدقة الفطر صاع من شعير
72 - بَابٌ: صَدَقَةُ الفِطْرِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ (باب: صدقة الفطر صاع من شعير) برفع (صاع): خبر صدقة الفطر، إن نون (باب)، أو سكن، وإلا فخبر مبتدأ محذوف، وفي نسخة: بنصبه حكاية لما في الحديث، أو خبر كان محذوفة، أو باب: صدقة الفطر يكون صاعًا، وفي أخرى: "باب: صاع من شعير". 1505 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كُنَّا نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ". [1506، 1508، 1510 - مسلم: 985 - فتح: 3/ 371] (قبيصة) أي: "ابن عقبة"، كما في نسخة. (سفيان) أي: الثّوريّ. (نطعم الصَّدقة) أي: زكاة الفطر. 73 - بَابٌ: صَدَقَةُ الفِطْرِ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ (باب: صدقة الفطر صاع من الطّعام) في إعراب (صاع) ما مَرَّ آنفًا. (من طعام) هو: البرّ بقرينة عطف الشعير عليه. 1506 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ العَامِرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ". [انظر: 1505 - مسلم: 985 - فتح: 3/ 371] (من أقط) هو لبن جامد في زبدة، وفي معناه: اللبن المائع والجبن اللذان فيهما الزبد.
74 - باب صدقة الفطر صاعا من تمر
74 - بَابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ (باب: صدقة الفطر صاعًا من تمر) في نسخة: "صاع من تمر" وقد سبق توجيه النصب والرفع. 1507 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ" قَال عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ". [انظر: 1503 - مسلم: 984 - فتح: 3/ 371] (أحمد بن يونس) نسبة إِلى جده، وإلا فهو أحمد بن عبد الله بن يونس. (أن عبد الله) أي: "ابن عمر رضي الله عنهما"، كما في نسخة. (فجعل النَّاس أي: معاوية ومن معه. (عدله) بفتح العين وكسرها: المثل والنظير، كما في القاموس، وقال الأخفش: بالكسر: المثل، وبالفتح: مصدر، وقال الفراء: بالفتح: ما عادل الشيء من غير جنسه، وبالكسر: المثل. 75 - بَابُ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ (باب: صاع من زبيب) تجزئ في صدقة الفطر. 1508 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَكِيمٍ العَدَنِيَّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَال: حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ"، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاويَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ، قَال: "أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ". [انظر: 1505 - مسلم 985 - فتح: [3/ 372] (عبد الله) أي: ابن منير، بضم الميم وسكون النون. (يزيد) أي: "ابن أبي حكيم"، كما في نسخة. (سفيان) أي: الثّوريّ. (ابْن أبي سرح) بفتح المهملة، وسكون الراء، وبحاء مهملة.
76 - باب الصدقة قبل العيد
(كنا نعطيها) أي: زكاة الفطر. (معاوية) أي: ابن أبي سفيان. (وجاءت السمراء) أي: الحنطة، ومجيئوها كناية عن رخصها وكثرتها. (أرى) بضم الهمزة، وفي نسخة: بفتحها، أي: أظن. (مدًّا من هذا) أي: من الحب، أو البرّ. (يعدل مدين) أي: من غير الحب، أو البرّ. 76 - بَابُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ العِيدِ (باب: الصَّدقة) أي: ندب إخراجها. (قبل العيد) أي: قبل صلاته. 1509 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ". [انظر: 1503 - مسلم: 986 - فتح: 3/ 375] (حَدَّثَنَا موسى) في نسخة: "حدثني موسى". (أمر) أي: ندبًا. (بزكاة الفطر) أي: بإخراجها. (قبل خروج النَّاس إلى الصّلاة) أي: صلاة العيد، أما جواز إخراجها فممتد إلى آخر النهار، وإليه أشار في الحديث الآتي بقوله: (كنا نخرج في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر). 1510 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ"، وَقَال أَبُو سَعِيدٍ: "وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ". [انظر: 1505 - مسلم: 985 - فتح: 3/ 375] (أبو عمرو) في نسخة: "أبو عمرو حفص بن ميسرة". (عن زيد) أي: "ابن أسلم"، كما في نسخة. (وكان طعامنا الشعير) برفع (طعامنا)، وبنصب (الشعير) [وفي نسخة بالعكس، فالمرفوع اسم (كان) والمنصوب خبرها وعطف
77 - باب: صدقة الفطر على الحر والمملوك
على (الشعير)] (¬1) بضبطه السابق. قوله: (والزبيب والأقط والتّمر) الطّعام هنا مستعمل في معناه اللغوي الشامل لكل مطعوم، فلا ينافي تخصيصه بالبر فيما مر، وإطلاق لفظ (الشعير) وغيره عليه ثمّ. 77 - بَابٌ: صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى الحُرِّ وَالمَمْلُوكِ وَقَال الزُّهْرِيُّ: "فِي المَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ يُزَكَّى فِي التِّجَارَةِ، وَيُزَكَّى فِي الفِطْرِ". (باب: صدقة الفطر) أي: وجوبها. (على الحر والمملوك) هذه التّرجمة سبقت لكن بزيادة (من المسلمين) ثمّ وأسقطه هنا؛ للعلم به من تلك، قيل: وغرض البخاريّ منها: أن الصَّدقة لا تخرج عن الكافر، فقيد بذلك، و (من) هذه تمييز من تجب عليه، أو عنه بعد وجود القيد المذكور. (وقال الزّهريُّ في المملوكين) بكسر الكاف. (للتجارة) أي: لأجلها. (يزكي) بفتح الكاف وكسرها، أي: عن قيمتهم آخر الحول في التجارة. (ويزكي) بضبطه السابق، أي: عن أبدانهم. (في الفطر) أي: من صوم رمضان، وما قاله هو قول الجمهور، وقال بعضهم: لا تجب زكاة الفطر، إذ لا يلزم في مال واحد زكاتان ورد بأن الأولى: إنّما هي زكاة عن قيمتهم والثّانية: عن أبدانهم. 1511 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "فَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الفِطْرِ - أَوْ قَال: رَمَضَانَ - عَلَى الذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالحُرِّ، وَالمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ "فَعَدَلَ النَّاسُ ¬
بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، " يُعْطِي التَّمْرَ "، فَأَعْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ، فَأَعْطَى شَعِيرًا"، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ "يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ، وَالكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ لِيُعْطِي عَنْ بَنِيَّ"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ". [انظر: 1503 - مسلم: 984 - فتح: 3/ 375] (أَيّوب) أي: السختياني. (أو قال: رمضان) شك من الراوي. (فعدل النَّاس) أي: معاوية ومن معه كما مرَّ. (به) أي: بصاع التّمر. (نصف صاع من بر) أي: عدلوا إليه عن صاع التّمر لما قام عندهم من تساويهما قيمة. (فأعوز أهل المدينة) بالبناء للفاعل، وللمفعول، أي: احتاجوا، أو احتيجوا، بمعنى: أنهم فقدوا التّمر، فـ (من) في قوله: (من التّمر) زائدة، كما قاله التيمي. (فأعطى) أي: ابن عمر، والمذكور (من البرّ والشعير) وغيرهما محمول على أنها غالب أقوات المخاطبين بها، ويجزئ الأعلى عن الأدنى، ولا عكس، والاعتبار بزيادة الاقتيات، فالبر خير من التّمر، والأرز والشعير خير من التّمرة لأنه أبلغ في الاقتيات، والتّمر خير من الزبيب. (حتّى إن كان يعطى) بكسر همزة (إن) وفتحها، لكن شرط المكسورة وجود اللام في الخبر، والمفتوحة وجود (قد) فيه، فأجاب الكرماني: بأنهما مقدران (¬1). (عن بنيِّ) بفتح الموحدة، وكسر النون، وتشديد التحتية، وهو من قول نافع، أي: أن ابن عمر كان يعطي فطرة أولادي تبرعًا عنهم، وهم ¬
78 - باب: صدقة الفطر على الصغير والكبير
مواليه، وفي نفقته. (يقبلونها) أي: زكاة الفطر، وفي نسخة: "يقبلون". (وكانوا) أي: الناس. (يعطون) بضم أوله وثالثه، أي: زكاة الفطر، قبل الفطر (بيوم أو يومين) لا يتقيد باليوم واليومين، بل يجوز تقديمها في جميع رمضان، ولا يجوز قبله، لأنه تقديم على سببيها. 78 - بَابٌ: صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ (باب: صدقة الفطر) أي: وجوبها. (على الصغير والكبير) لكن المخاطب بها في الصغير وليه. 1512 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَال: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ". [انظر: 1503 - مسلم: 984 - فتح: 3/ 377]، (يحيى) أي: القطان. (فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... إلخ) مرَّ شرحه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «لَا يشْكر الله مَنْ لَا يشْكر النَّاسَ» الحمْدُ لله الذِي بِنِعْمَتِه تتمُ الصالحاتُ فإنَّ إِخْرَاج هَذَا الْكتاب بِهَذِهِ الصُّورَة فِي فَتْرَة وجيزة كَانَ ثمرةَ تعاونٍ مَعَ: "مَرْكَز الْفَلاح للبحوث العلمية" لصَاحبه الشَّيْخ خَالِد الرِّبَاط وَالَّذِي عاون فِي الإشراف على هَذَا الْكتاب، بمشاركة الْأُخوة: خَالِد بُكير، وعصام حمدي (فِي الْمُقَابلَة وَالتَّعْلِيق والمراجعات) نَادِي فكري، وَمُحَمّد رَمَضَان (فِي التَّخْرِيج وَالتَّعْلِيق) كَمَا قَامَ بمراجعة متن البُخَارِيّ وَضَبطه: الدكتور جُمُعَة فتحي، وَالْأَخ أَحْمد روبي فجزاهم الله خيرًا وكل من شَارك مَعَهم على مَا بذلوه من جهد وَعون، أسأَل الله أَن يَجْعله فِي ميزَان حسناتهم، إنَّهُ سميع مُجيب. سُلَيْمَان بن دريع العازمي الكويت هَاتِف: 009659532016
منْحَةُ البَارِي بِشَرْح صَحِيح البُخَارِي [4]
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظَة الطَّبعَة الأولى 1426 - هـ - 2005 م مكتبة الرشد ناشرون المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - شَارِع الْأَمِير عبد الله بن عبد الرَّحْمَن (طَرِيق الْحجاز) ص. ب: 17522 - الرياض: 11494 - هَاتِف: 4593451 - فاكس: 4573381 Email : [email protected] Website : www.rushd.com * فرع طَرِيق الْملك فَهد: الرياض - هَاتِف: 2051500 - فاكس: 2052301 * فرع مَكَّة المكرمة: هَاتِف: 5585401 - فاكس: 5583506 * فرع الْمَدِينَة المنورة: شَارِع أبي ذَر الْغِفَارِيّ - هَاتِف: 8340600 - فاكس: 8383427 * فرع جدة: ميدان الطائرة - هَاتِف: 6776331 - فاكس: 6776354 * فرع القصيم: بُرَيْدَة - طَرِيق الْمَدِينَة - هَاتِف: 3242214 - فاكس: 3241358 * فرع أَبِهَا: شَارِع الْملك فيصل - تلفاكس: 2317307 * فرع الدمام: شَارِع الْخزَّان - هَاتِف: 8150566 - فاكس: 8418473 وكلاؤنا فِي الْخَارِج * الْقَاهِرَة: مكتبة الرشد - هَاتِف: 2744605 * بيروت: دَار ابْن حزم هَاتِف: 701974 * الْمغرب: الدَّار الْبَيْضَاء - وراقة التَّوْفِيق - هَاتِف: 303162 - فاكس: 303167 * الْيمن: صنعاء - دَار الْآثَار - هَاتِف: 603756 * الْأُرْدُن: عمان - الدَّار الأثرية: 6584092 - جوال: 796841221 * الْبَحْرين: مكتبة الغرباء - هَاتِف: 957833 - 945733 * الإمارات: مكتبة دبي للتوزيع - هَاتِف: 43339998 - فاكس: 43337800 * سوريا: دَار البشائر: 231668 * قطر: مكتبة ابْن الْقيم - هَاتِف: 4863533
25 - كتاب الحج
25 - كتاب الحج
1 - باب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 25 - كتاب الحج {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ} [آل عمران: 97]. بسمِ الله الرّحمنِ الرحيمِ كتاب الحجِّ) هو بفتح الحاء وكسرها لغةً: القصدُ، وشرعًا: قصدُ الكعبةِ بعبادةٍ فيها وقوفٌ بعرفةَ، وقيل بالفتح: القصد، وبالكسر: الحجاج، وفي نسخةٍ: "كتاب المناسك" والمناسكُ: جمعُ منسكٍ بفتح السين وكسرها، و (النسك): العبادة. (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ساقطٌ من نسخةٍ. وفي أخرى: تقديمها على (كتاب الحجِّ). 1 - باب: (باب: وجوبِ الحجِّ وفضلِه) لفظُ: (باب) ساقطٌ من نسخةٍ. (وقول الله تعالى) ساقطٌ من نسخةٍ أيضًا، وهو عطفٌ على وجوب الحجِّ ({مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}) بدل (¬1) من النَّاس. ¬
1513 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَشْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَال: "نَعَمْ"، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [1854، 1855، 4399، 6228 - مسلم: 1334 - فتح: 3/ 378] (كان الفضل) هو شقيقُ عبدِ الله بنِ عباسٍ (رديف رسولِ الله) أي: راكبًا خلفَه على الدابة. (من خثعم) قبيلةٌ من قبائلِ اليمن وهو غيرُ منصرفٍ؛ للعلمية والتأنيث. (فقالت: يا رسول الله) إلى آخره اختلفت طرق الأحاديث في السائلِ عن ذلك، هل هو امرأةٌ أو رجلُ؟ وفي المسئول عنه أن يحجَّ عنه هل هو أبٌ أو أمٌّ؟ فأكثر طرقها دالة على أنَّ السائل أمرأةٌ سألت عن أبيها كما هنا، وفي النَّسائيِّ رواية: أنَّ السائلَ رجلٌ سأل عن أمه (¬1) وفي "صحيح ابن حبّان": أن السائلَ رجل سأل عن أبيه (¬2)، وفي "التّرمذيّ" أنَّ السائلَ امرأةٌ سألت عن أمِّها (¬3)، وهذا محمولٌ على تعدد الواقعة: ¬
2 - باب قول الله تعالى: {يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم} [الحج: 27، 28]
(أفأحج) العطفُ على مقدرٍ بعد الهمزة: أي: أأنوبُ عنه فأحجّ له، وهذا مخصوصٌ بمن حجَّ عن نفسهِ؛ لخبر أبي داود وابن خزيمة وغيرهما (¬1) أنَّه - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا يلبي عن شبرمة فقال: ""أحججتَ عن نفسِك؟ " فقال: لا. قال: "هذه عن نفسك ثمّ احجج عن شبرمة". 2 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 27، 28] {فِجَاجًا} [نوح: 20]: الطُّرُقُ الوَاسِعَةُ. (باب: قولِ الله تعالى {يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج: 27]) أي: ¬
مشاةً (¬1) وركبانًا {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} أي: مهزولٍ من بُعدِ سفره {يَأْتِينَ} صفة لـ (كلِّ ضامرٍ)؛ لأنَّه في معنى الجمع. {مِنْ كُلِّ فَجٍّ} أي: طريق. (عميقٍ): أي: بعيد {لِيَشْهَدُوا} أي: ليحضرواه {مَنَافِعَ لَهُمْ} دينية ودنيوية. وقال البخاريُّ في تفسير قوله تعالى في سورةِ نوحٍ: (فجاجًا) جمعُ فجٍّ معناه: (الطرق الواسعةُ) وتُجمع فَجٌّ على أفجًةٍ أيضًا لكنه قليل. 1514 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَويَ بِهِ قَائِمَةً". [انظر: 166 - مسلم: 1187 - فتح: 3/ 379] (ابنُ وهب) اسمهُ: عبدُ الله. (عن يونس) أي: ابن يزيدٍ الأيْليِّ. (أنَّ سالمَ بنَ عبدِ الله) زاد في نسخةٍ: "ابن عمر". (بذي الحليفة) بضم المهملة وفتح اللام: موضعٌ على ستةِ أميالٍ من المدينةِ -على ما صححه في "المجموع" وغيره- وهي أبعدُ المواقيتِ من مكةَ. (يهل) من الإهلال: وهو رفعُ الصوت (بالتلبية) أي: مع الإحرام هنا. حتّى (تستوي) أي: راحلتُه وفي نسخةٍ: "حين يستوي". 1515 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، سَمِعَ عَطَاءً، يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ إِهْلال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ" رَوَاهُ أَنَسٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. [فتح: 3/ 379] ¬
3 - باب الحج على الرحل
(إبراهيم) أي: "ابن موسى الرَّازيُّ" كما في نسخةٍ. (الوليد) أي: ابن مسلمٍ القرشيُّ. (الأوزاعيُّ) اسمه عُبدُ الرّحمن. 3 - بَابُ الحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ (باب) بيان فضل (الحجِّ على الرحل) وهو بالحاء للبعير، كالسرج للفرس. 1516 - وَقَال أَبَانُ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ" وَقَال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "شُدُّوا الرِّحَال فِي الحَجِّ فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ". [انظر: 294 - مسلم: 1211 - فتح: 3/ 380] (وقال أبان) بالصرف وعدمهِ -وهو الأكثر- أي: ابن يزيدَ العَطَّارُ. (من التنعيم) هو موضعٌ عند طرفِ حرم مكةَ من جهة المدينة على ثلاثةِ أميالٍ من مكةَ (¬1). (وحملها على قتبٍ) أي: على مؤخره؛ لأنه كان على القتب وأردفها خلفه؛ لقوله آخر الباب. (فأحقبها) أي: أردفها على الحقيبة وهي الزيادةُ الّتي تُجعلُ في مؤخرِ القتبِ، والقتبُ: خشبُ الرحل. (شُدُّوا الرحال في الحَجِّ فإنَّه أحدُ الجهادين) أي: جهادِ الكفار، وجهادِ النفس بالصبرِ على [مشقة] (¬2) ترك الملاذ. ¬
4 - باب فضل الحج المبرور
1517 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، قَال: "حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا" وَحَدَّثَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ". [فتح: 3/ 1380] (وقال محمدٌ) في نسخة: (حَدَّثَنَا محمدٌ). (عزرة) بفتح المهملة وسكون الزاي قبل راء. (عن ثُمامةَ) بضم المثلثة وتخفيف الميم. (ولم يكن) في نسخةٍ: "فلم يكن". (شحيحًا) أي: بخيلًا. (وكانت) أي: الراحلة الّتي ركبها. (زاملته) بالزاي: أي: حاملته مع أمتعته، و (الزاملةُ) البعيرُ الّذي يستظهر به الرَّجل في حمل متاعه وطعامه. وفي الحديث: تركُ الترفهِ حيث جعل أنسُ متاعَه تحته وركب فوقه اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. 1518 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، حَدَّثَنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ، فَقَال: "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ" فَاعْتَمَرَتْ. [انظر: 294 - مسلم: 1211 - فتح: 3/ 380] (أبو عاصم) هو الضحاكُ بنُ مخلد شيخُ البخاريِّ، روى عنه هنا بواسطة. (ابْن نابل) بنونٍ وموحدةٍ بينهما ألف. (القاسم بن محمّد) أي: ابن أبي بكر الصديق. (فأحقبها) مرَّ تفسيره. (على ناقة) في نسخةٍ: "على ناقته". 4 - بَابُ فَضْلِ الحَجِّ المَبْرُورِ (باب: فضلِ الحَجِّ المبرورِ) أي: المقبول، أو الّذي لم يخالطه إثمٌ، وهو اسمُ مفعولٍ من برَّ المتعدي، يقال: برَّ الله حَجك، ويبنى
للمفعول فيقال: بُرَّ حجُك فهو مبرورٌ، فسقط ما قيل: أنَّ بَّر لا يتعدى إلا بحرف الجر (¬1). 1519 - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَال: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ" قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: "جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: "حَجٌّ مَبْرُورٌ". [انظر: 26 - مسلم: 83 - فتح: 3/ 381] (سئل النبيُّ) السائلُ أبو ذر. (أيُّ الأعمال أفضل؟) أي: أكثرُ ثوابًا. (قال: إيمانٌ بالله) في حديث آخر للشيخين أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: (الصلاةُ لوقتها) (¬2) وفي أخرى: "أيُّ الناسِ أفضلُ؟ قال: رجلٌ يُجاهد في سبيلِ الله" (¬3) فقيل: إنها متعارضةٌ، وأجيب: بأنه - صلى الله عليه وسلم - أجاب كلًّا بما يوافق حاله ويليق به. 1520 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَال: "لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ". [1861، 2784، 2875، 2876 - فتح: 3/ 381] (خالد) أي: ابن عبد الله الطحان. (نرى) بفتح النون أي: نعتقد. (قال: لا)، لفظُ: (لا) ساقطٌ من نسخةٍ. (لكن) بلام الجر الداخلة على كنَّ وتشديد النون ضمير ¬
5 - باب فرض مواقيت الحج والعمرة
المخاطبات وبكسر الكاف وألفٍ قبلها ونونٍ مخففةٍ أو مشددةٍ: حرفُ استدراكٍ فعلى الأوّل: (لكن): خبر لقوله: (أفضلُ الجهاد) فهو مرفوعٌ بالابتداء وقوله: (حجٌ مبرور) خبرُ مبتدإ محذوفٍ، وعلى الثّاني: -وهو الاستدراك- مع تخفيف النون يكون (أفضلُ الجهاد) مبتدأ أيضًا وخبره ما بعده ومع تشديدها (أفضل الجهاد) منصوب اسمها وما بعده خبرها. 1521 - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الحَكَمِ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". [1819، 1820 - مسلم: 1350 - فتح: 3/ 382] (أبا حازم) اسمُه: سَلْمَان بفتح السين وسكون اللام. (فلم يرفث) بتثليث الفاء فيه وفي ماضيه، لكن الأفصحَ فيه الضمُّ، وفي ماضيه الفتح (¬1)؛ أي: الجماع والتفحش في القول. (ولم يفسق) أي: لم يأت بمعصية. (رجع) أي: من ذنوبه. (كيوم ولدته أُمهُّ) بجر يوم على الإعراب، وبفتحه على البناء وهو الراجحُ في مثله. 5 - بَابُ فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ (باب: فرض مواقيت الحجِّ والعمرة) أي: مواقيتها المكانية. 1522 - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَال: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ¬
أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ، وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ، فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَال: "فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ". [انظر: 133 - مسلم: 1182 - فتح: 3/ 383] (زهير) أي: ابن معاوية الجعفي. (وله فُسطاطٌ) بضم الفاء وفتحها: بيتٌ من شعرٍ ونحوه. (وسرادق) بضم السين وكسر الدال: ما أحاط بالخيمةِ أو نحوها. (فسألته) فيه التفاتٌ إذ القياسُ: فسأله، وفي نسخة: "فدخلتُ عليه فسألته". (قال: فرضها) أي: المواقيت أي قدرها. (نجد) هو ما ارتفع من أرضِ تهامة على أرض العراق (¬1). (قرنًا) بسكون الراءِ: بقعة على نحو مرحلتين من مكةَ، وتكتب في بعض النسخ بلا ألف على لغة ربيعة، لكن إذا وُصِلَ في القراءةِ ينون، أو على أنه غيرُ منصرفٍ؛ للعلميةِ والتأنيثِ. (ذا الحليفة) تقَدَّم ضبطها. (الجُحفة) بضم الجيم وسكون المهملة: قريةٌ بطريق المدينةِ، على ثمانِ مراحلٍ من المدينةِ، وعلى ستةِ أميالٍ من البحرِ، وكان اسمها: مهيعة فأجحفها السيلُ، فسميتْ بذلك (¬2). وهذه المواقيت لمن لم يكن بمكةَ، أما من كان بها فميقاتُ حجه نفسُ مكةَ، وميقاتُ عمرته أدنى الحلِّ. ¬
6 - باب قول الله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [البقرة: 197]
6 - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] (باب: قولِ الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا} أي: تزودوا ما يكفُّ وجوهَكُم عن الناسِ، ولمَّا أمرهم بزاد الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة فقال: ({فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}) [البقرة: 197]؛ لأنها سببٌ للخير الدائم، بخلاف زاد الدنيا. 1523 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. [فتح: 3/ 383] (شبابة) بفتح الشين والموحدة المخففة، أي: ابن سوار (عن ورقاء) بالمدِّ، أي: ابن عمرو بنِ كُليبٍ اليشكريِّ (ويقولون: نحن المتوكلون) أي: على الله. (فإذا قدموا مكةَ) في نسخةٍ. "وإذا قدموا المدينة" والأولى أصوبُ (سألوا الناسَ) أي: الزادَ. وفي الحديث: الزجرُ عن التكففِ وكثرةِ السؤال، والترغيبُ في التعفُّفِ، وليس فيه ذمُّ التوكل؛ لأن ما فعلوه تأكُّل لا توكل إذ التوكُّلُ قطعُ النظر عن الأسباب مع تهيئتها لا تركها بالكلية؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "قيدها وتوكل" (¬1) وعُرف التوكل بغير ذلك، كما بينته في "شرح الرسالة" (عن عمرو) أي: ابن دينار. ¬
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ¬
7 - باب مهل أهل مكة للحج والعمرة
7 - بَابُ مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالعُمْرَةِ (باب: مُهلِّ أهل مكةَ للحجِّ والعمرة) أي: بيان إهلالهم بهما، والإهلالُ - في الأصل: رفعُ الصوتِ بالتلبيةِ، ثمَّ أُطلق على الإحرامِ بالحج والعمرة توسعًا. 1524 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَال: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ". [1526، 1529، 1530، 1845 - مسلم: 1181 - فتح: 3/ 384] (وهيب) أي: ابن خالد. (ابْن طاوس) اسمهُ: عبدُ الله. (وقت) أي: حَدَّدَ للإحرام ما ذكر وإن كان مأخوذًا من الوقت؛ لأن العرفَ يستعمله في مطلق التحديد اتساعًا. (قرن المنازل) جمعُ منزلِ، فالعلمُ مركبٌ من مضاف ومضاف إليه وربما اقتصر على المضاف -كما مرَّ- ويُسمى قرنُ. الثعالب؛ لكثرة ما كان يهوى إليه منها. (ولأهل اليمن يلملمَ) يقالُ له أيضًا: أَلملم بهمزة بدل الياء، ويرمرم براءين: وهو جبلٌ من جبالِ تهامةَ على مرحلتين من مكّة (¬1) (هُنَّ) أي: هذة المواقيت، (لهن): عدل عن ضمير المذكرين إلى ضمير المؤنثات؛ ليشاكلَ ما قبله، أو لإرادة مضافٍ محذوفٍ أي: لأهلهن وإلا فالقياسُ "لهم" كما في نسخةٍ. (ولمن أتي عليهنَّ من غيرهنَّ) أي: من غيرِ ¬
8 - باب ميقات أهل المدينة، ولا يهلوا قبل ذي الحليفة
أهلهنَّ، وهذا شاملٌ للشاميِّ المارِّ بذي الحليفة ولغيره، كما أن قوله: (ولأهل الشّام الجحِفة) شاملٌ للمارِّ من أهل الشّام بذي الحليفة ولغيرهِ، وهما متنافيان ظاهرًا، وأجيب: بأن المرادَ بأهل من ذكر: من سلك طريقَ سفرهم ومَن مَرَّ على ميقاتِهم. (ممّن أراد الحَجَّ والعمرةَ) أي: الإحرام بأن قرن بينهما، أو الواو بمعنى: أو (¬1). (فمن حيثُ أنشأ) أي: فميقاتُه من حيثُ أنشأ إحرامَه. (حتّى أهل مكّة) أي: من هم بها يهلُّون بالحجِّ. (من مكّة) كما أنَّ مَنْ بين مكةَ والميقاتِ يُحرِمُ من مكانه، أما العمرة فيحرمون بها من أدنى الحلِّ، كما مرَّ؛ ليجمع فيها بين الحل والحرم، كالجمع في الحجِّ بينهما بوقوفه بعرفة؛ ولأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر عائشة بالخروج إلى الحلِّ للإحرام بالعمرة كما مَرَّ (¬2). 8 - بَابُ مِيقَاتِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَلَا يُهِلُّوا قَبْلَ ذِي الحُلَيْفَةِ (باب: ميقاتِ أهلِ المدينة) أي: بيانه (ولا يُهلوا) نهيٌ. (قبل ذي الحُليفة) أي: قبل وصولِهم إليها، وظاهرُه أنَّ البخاريَّ يرى المنعَ من الإحرام قبل الميقاتِ، والجمهورُ على خلافه. 1525 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ"، قَال عَبْدُ اللَّهِ وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". [انظر: 133 - مسلم: 1182 - فتح: 3/ 387] ¬
9 - باب مهل أهل الشأم
(يهل أهل المدينة) أي ومن سلك طريقَهم في سفرة ويقدَّر مثلُه فيما يأتي، كما مَرَّ بيانُه في الباب السابق (¬1). (وأهل الشّام) في نسخةٍ: "ويهلُّ أهلُ الشام". (قال عبدُ الله) أي: ابن عمرَ (وبلغني) إلى آخره يحتجُّ بمثله؛ لأنَّه مرسلُ صحابي (¬2)، ولأنَّ الظاهرَ أنَّه لا يرويه إلا عن صحابي، وكلُّ الصّحابة عدولٌ، على أنَّه روي مرفوعًا من حديث ابن عبّاس في "الصحيحين" وغيرهما (¬3). 9 - بَابُ مُهَلِّ أَهْلِ الشَّأْمِ (بابُ: مُهَلِ أهلِ الشّام) أي: بيان موضع إهلالهم. 1526 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا". [انظر: 1524 - مسلم: 1811 - فتح: 3/ 387] (لهن) في نسخة: "لهم" كما مَرَّ نظيره. (فمن كان دونهن) أي: أقرب إلى مكّة. (فمهلُه) بضم الميم وفتح الهاء أي: مكان إهلالهِ بالإحرام. (من أهله) أي: من دويرتهم. (وكذاك) زاد في نسخةٍ "وكذاك" (¬4) فيصير مرتين، أي: وكذا من كان أقرب من هذا الأقرب، ¬
10 - باب مهل أهل نجد
وكأنَّه منزلٌ منزلةَ قولك: وهكذا؛ أي: الأقربُ فالأقرب، ومرَّ شرحُ الحديث (¬1). 10 - بَابُ مُهَلِّ أَهْلِ نَجْدٍ (بابُ: مُهلِ أهلِ نجد) أي: بيانه. 1527 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَّتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر 133 - مسلم 1182 - فتح 3/ 388] (علي) أي: ابن المديني (سفيان) أي: ابن عُيينة. (عن سالم) أي: ابن عبدِ الله بنِ عمرَ. (وقَّت النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -) أي: لأهل المدينةِ (ذا الحليفة إلى آخره). 1528 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَال: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مُهَلُّ أَهْلِ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّأْمِ مَهْيَعَةُ - وَهِيَ الجُحْفَةُ - وَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ" قَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال وَلَمْ أَسْمَعْهُ: "وَمُهَلُّ أَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ". [انظر: 133 - مسلم: 1182 - فتح: 3/ 388] (أحمد) أي: "ابن عيسى" كما في نسخةٍ. (ابْن وهب) اسمُه: عبدُ الله. (يونس) أي: ابن يزيد الأيلي. (مهيعة) بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح الياء، وإهمال العين، وقيل: بكسر الهاء بوزن: جميلة وفسَّرَها بقوله: (وهي الجحفة) وفسرها غيرُه: بأنَّها قرية قريبة من الجحفة. ¬
11 - باب مهل من كان دون المواقيت
(زعموا) أي: قالوا؛ لأن الزعم يُستعمل بمعنى القولِ المحققِ. (ولم أسمعه) اعتراضٌ بين القولِ ومقوله. ومرَّ شرحُ الحديث (¬1). 11 - بَابُ مُهَلِّ مَنْ كَانَ دُونَ المَوَاقِيتِ (بابُ: مهلِ من كان دون المواقيت) أي: بينها وبين مكّة. 1529 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ، مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمِنْ أَهْلِهِ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا". [انظر: 1524 - مسلم: 1181 - فتح: 3/ 388] (قُتَيْبَةُ) أي: ابن سعيد. (حمَّاد) أي: ابن زيد. (عن عمروٍ) أي: ابن دينار. (وَقَّتَ لأهلِ المدينة) مرَّ شرُحه (¬2). 12 - بَابُ مُهَلِّ أَهْلِ اليَمَنِ (بابُ: مُهلِ أهل اليمن) أي: بيانه. 1530 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ ¬
13 - باب: ذات عرق لأهل العراق
حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ". [انظر: 1524 - مسلم: 1181 - فتح: 3/ 388] (من غيرهم): في نسخةٍ: "من غيرهنَّ"، ومرَّ شرحُ الحديث (¬1). 13 - بَابٌ: ذَاتُ عِرْقٍ لِأهْلِ العِرَاقِ (باب: ذاتُ عرقٍ لأهلِ العراق) أي: ميقات لهم. 1531 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا"، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قَال: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ. [فتح: 3/ 389] (عبيد الله) أي: ابن عمرِ بنُ حفص بن عاصمِ بنُ عمر بنُ الخطّاب. (فتح هذان المصران) بالبناء للمفعول وفي نسخةٍ: "فتح هذين المصرين" بالبناء للفاعل أي: الله ورسولُه، والمصران: البصرةُ والكوفة. (جور) بفتح الجيم وسكون الواو أي: ميلٌ. (قال) أي: عمر (حذوها) بذال معجمة أي: ما يُحاذيها. (فحد) أي: عمر باجتهاده. (لهم) أي: لأهل المصرين من العراق، فقوله في (حدِّ لأهل العراق) أي: لبعضهم. (ذاتُ عرقٍ) بكسر العين وسكون الراء: جبلٌ صغيرٌ على مرحلتين من مكّة (¬2)، وهذا ميقاتُ أهلِ العراق الذي حدَّه لهم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كما رواه النسائيُّ وأبو داود (¬3) - فمن حدَّد له عمر بعض ¬
14 - باب
من حدد له النبيُّ، وإنّما حدَّد عمرُ لمن أتاه مع وجود الحديث؛ إمَّا لأنَّه لم يطَّلع عليه، أو على أن من أتاه من أهلِ العراقِ فسقط ما قيل: أنَّ المحدِّد هو النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا عمر - رضي الله عنه -، إذ لا مُنافاةَ بينهما في المعني، هذا وقد رجَّح بعضُهم القولَ بتحديد عمر على القول الآخر بناءً على ضعف الحديث عنده. 14 - باب. (باب) بلا ترجمة، فهو كالفصلِ من سابقه، وفي نسخةٍ: "بابُ الصّلاةِ بذي الحُليفة". 1532 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا" وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ". [انظر: 484 - مسلم: 1257 - فتح: 3/ 391] (أناخ) أي: راحلته فصلَّى بها، أي: ركعتي الإحرام، أو العصرَ ركعتين قصرًا. 15 - بَابُ "خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ" (بابُ: خروجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على طريقِ الشجرةِ) أي: الّتي عندَ مسجدِ ذي الحليفة. 1533 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ". [انظر: 484 - مسلم: 1257 - فتح: 3/ 391]
16 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "العقيق واد مبارك"
(كان يخرجُ) أي: من المدينة. (من طريق المُعرس) بفتح الراء المشددة: موضعُ النزولِ مطلقًا، وقيل: آخر اللّيل: وهو أسفلُ من مسجد ذي الحليفة. قال النوويُّ: وهو موضعٌ معروفٌ على ستةِ أميالٍ من المدينة (¬1)، (يصلِّي): في نسخةٍ: "صلَّى". (وبات) أي: بذي الحليفة. (حتّى يُصبحَ) أي: لئلا يفجأ النّاسُ أهاليهم ليلًا. 16 - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "العَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ" (باب: قول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "العقيق وادٍ مبارك") في نسخةٍ: "وادي المبارك" أي: وادي الموضعِ المبارك. 1534 - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ التِّنِّيسِيُّ، قَالا: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَال: حَدَّثَنِي يَحْيَى، قَال: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَال: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ". [2337، 4373 - فتح: 3/ 392] (الحميدي) هو أبو بكر عبد الله بن الزُّبير. (الوليد) أي: ابن مسلم. (الأوزاعي) هو عبدُ الرّحمنِ بنُ عمروٍ. (يحيى) أي: ابن أبي كثير. (عكرمة) هو مولى ابن عباسٍ. (بوادي العقيق) أي: فيه، وهو بقرب البقيع بينه وبين المدينةِ أربعةُ أميالٍ (¬2). (أتاني اللَّيلةَ آتٍ) هو جبريل. (فقال: صل في هذا الوادي المبارك) هو موضعُ الترجمةِ؛ لأنَّه وإنْ كان حكايةً عن جبريلَ فهو قولُ ¬
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الجملة (وقل: عمرة) بالنصب على الحكاية، أي: قل: جعلتُها عمرةً، وفي نسخةٍ: بالرفع خبر مبتدإٍ محذوف أي: قل: هذه عمرة. (في حجةٍ) أمر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنْ يقولَ ذلك لأصحابه؛ ليعلمهم مشروعية القرآن. 1535 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَال: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ " رُئِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسٍ بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ " وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ يَتَوَخَّى بِالْمُنَاخِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُنِيخُ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الوَادِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. [انظر: 483 - مسلم: 1346 - فتح: 3/ 392] (محمّد بن أبي بكر) أي: المقدمي. (رُؤيَ) بتقديم الراء مبنيًّا للمفعول أي: رآه غيره، وفي نسخةٍ: "أري" بتقديم الهمزة. (كذلك) أي: في المنام، و (هو معرِّس) بكسر الراء مشددة، وفي نسخةٍ: "وهو في معرس" بزيادة: "في" وفتح الراء مشددة. والتعريسُ: النزولُ في السَّفر آخر اللّيل للاستراحة. (ببطن الوادي) أي: وادي العقيق. (وقد أناخ) هو قول موسى بن عقبةَ (يتوخى) أي: يتحرى أو يقصد. (بالمناخ) بضم الميم أي: المبرك. (وهو أسفل) بالرفع والنصب بنزع الخافض. (بينهم) أي: المعرِّسين وفي نسخةٍ: "بينه" أي: المعرِّس. (وسط) بفتح السين أي: متوسط بين بطنِ الوادي وبين الطريق، وفي نسخةٍ: "وسطًا" بالنصب: حال. وذكره بعد (بين)، وإنْ علم منه؛ ليبين أنَّه في حاق الوسطِ من غير ميلٍ لأحدٍ الجانبين فـ (أسفل): خبرُ هو
17 - باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب
(وبينهم وبين الطريق) خبرٌ ثانٍ، و (وسط) على نسخةٍ الرفع: خبرٌ ثالثٌ، ويجوز أن يكون بدلًا من (أسفل). 17 - بَابُ غَسْلِ الخَلُوقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ (باب: غسلِ الخلوقِ ثلاثَ مراتٍ من الثِّياب) الخلوقَ: بفتح الخاء، وضمِّ اللام وبقاف: ضربٌ من الطيب يُخلطُ بزعفران. 1536 - قَال أَبُو عَاصِمٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ، أَنَّ يَعْلَى قَال لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَرِنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، قَال: "فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْمَرُّ الوَجْهِ، وَهُوَ يَغِطُّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَال: "أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟ " فَأُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقَال: "اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ" قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؟ قَال: "نَعَمْ". [1789، 1847، 4329، 4985 - مسلم: 1180 - فتح: 3/ 393] (قال) في نسخةٍ: "حَدَّثَنَا". (أبو عاصم) هو الضحاكُ بنُ مخلدِ النبيل. (ابْن جريج) اسمه: عبدُ الملك. (عطاء) أي: ابن أبي رباح. (بالجعرانة) بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء، وبكسر الجيم والعين وتشديد الراء: وهي في طريق الطائف على ستة فراسخ من مكّة (¬1). (جاءه رجل) قيل اسمُه: ابن منية. (متضمخ) بضاد معجمة ¬
أي: متلطخٌ. (أظل به) بالبناء للمفعول أي: جُعل له كالظلَّةِ يستظلُّ به. (فأدخل رأسَه) أي: ليرى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حال نزولِ الوحي وهو محمولٌ على أنَّ عمرَ ويعلى علما أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يكره الإطلاع عليه حينئذٍ؛ لأنّه فيه تقويةُ الإيمان بمشاهدةِ حال الوحي الكريم. (وهو يغطُّ) بغين معجمة مكسورة، وطاءٍ مهملة مشددة من الغطيط: وهو صوتٌ معه بحوحة، كغطيط النائم، أي: شخيره، وسببُ ذلك شدةُ الوحي، قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)} [المزمل: 5]، (ثمّ سري عنه) بضم السين وكسر الراء مشددة ومخففة أي كُشفَ عنه ما يتغشَّاه من ثقل الوحي شيئًا فشيئًا يقال: سروت الثّوب وسريته أي: نزعته، والتشديد في الحديث أكثر؛ لإفادته التدريج. (اغسل الطيبَ الّذي بك) إلى آخره. استدلَّ به على منع استدامة الطيب بعد الإحرام، وهو قولُ مالك ومحمد ابن الحسن، لكن الشافعئ والجمهورَ على خلافه لخبر الشيخين، عن عائشةَ قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب (¬1) أي: بريقه في مفرق رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرمٌ فهو لكونه كان سنةَ عشرٍ ناسخٌ لقصة يعلى؛ لكونها كانت سنةَ ثمانٍ، والأمرُ بغسله ثلاث؛ للمبالغة في إزالة أثر الطيب. (واصنع في عمرتك كما تصنع في حجَّتك) أي: ممّا يشتركان فيه، وفي نسخةٍ: "ما تصنع في حجِّك" بإسقاط التاء. (قلت لعطاء) قائلُه ابن جريحٍ. (أراد) أي: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - (الإنقاء حين أمره) أي: السائل. (أنْ ¬
18 - باب الطيب عند الإحرام، وما يلبس إذا أراد أن يحرم، ويترجل ويدهن
يغسلِ) أي: الخلوق. (ثلاث مرات. قال: نعم) أي: أراد الإنقاءَ. وفي الحديث: أنَّ تحريمَ الطيبِ على المحرم دوامًا كما يُحرم ابتداءً وتقدَّم ما فيه، قيل: ولا مناسبةَ بين الحديثِ والترجمة؛ لأنَّ فيها أنَّ الطيبَ في الثِّياب، وفيه أن الرجلَ متضمخ به، ولا يقال لمن طيَّب ثوبه تضمخ. وأجيب: بأنَّ التضمخ يشمل الثوبَ والبدنَ، وبأنَّ البخاريَّ جرى على عادته أنْ يشير إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الّذي يورده، وقد أورده في محرمات الإحرام من وجه آخر بلفظ: عليه قميصٌ فيه أثرُ صفرةٍ (¬1). 18 - بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، وَمَا يَلْبَسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَتَرَجَّلَ وَيَدَّهِنَ وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "يَشَمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحَانَ، وَيَنْظُرُ فِي المِرْآةِ، وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتِ، وَالسَّمْنِ" وَقَال عَطَاءٌ: "يَتَخَتَّمُ وَيَلْبَسُ الهِمْيَانَ" وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ " وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِالتُّبَّانِ بَأْسًا، لِلَّذِينَ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا. (بابُ: الطيبِ) أَي: استحباب استعماله (عند الإحرام) في الثّوب والبدن. (وما يلبسُ) أي: الشخص. (إذا أراد أن يُحرمَ ويترجل) أي: يسرحُ شعرَ رأسهِ بالمشط [(ويدهن) بضم الهاء على أنه ثلاثي، ¬
وبكسرها مع تشديد الدال أي: يطلي رأسه بالدهن] (¬1). وهو مع (يترجل) مرفوع بالعطف على (يلبس) و (ما) مصدرية أو منصوب بأن مقدرة عطف على (ما يلبس)؛ لأنه بمعنى المصدر فهو كما في قول ميسون بنت بجدل: ولُبْسُ عَبَاءَة وَتَقَرَّ عَيْني ... أَحَبُّ إِليَّ مِنْ لُبسِ الشُّفُوفِ (¬2). بضم المعجمة أي: الثِّياب الرقاق. (يشمُّ المحرمُ الريحانَ) بضم الشين وبفتحها ماضي الأوّل: شمم، بفتح الميم وماضي الثّاني: شمم، بكسرها. نعم يحرم عليه عند الشّافعيّة شمُّ الريحان الفارسي: وهو الضُمَيْران بضم الميم قياسًا على تحريم شمه الطيب؛ لأنَّ معظم الغرض منه رائحته الطيبة. (وينظر في المرآة) بكسر الميم وسكون الراء بوزن مفعال. (ويتداوى بما يأكل الزيت) بجر الزيت بدلٌ من (ما يأكل) وبنصبه بدلٌ من العائد على ما، وإن كان محذوفًا أي: بما يأكله الزيت، وهو جائزٌ كما قيل به في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} [النحل: 116]، إذ قيل: إنَّ {الْكَذِبَ} بدلٌ من مفعول {تَصِفُ} المحذوف أي: تصفه. (يتختم) أي: يلبسُ الخاتمَ. (ويلبس الهميان) هو بكسر الهاء: فارسيٌّ معربٌ يشبه تكة السراويل تجعل فيه الدراهم، ويشد على ¬
الوسط. (حزم) بفتح الزاي أي شد (بالتبان) بضم الفوقية وتشديد الموحدة: سروال قصير يستر العورة المغلظة فقط، يلبسه الملاحون والمسارعون. (للذين يرحلون هودجها) ساقط من نسخة، ومعناه: يشدون هودجها. وهو مركب من مراكب النِّساء مقتبًا وغير مقتب وضبط (يرحلون) بضم الياء وفتح الراء وتشديد المهملة المكسورة، وبفتح الياء وسكون الراء وفتح المهملة. 1537 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ، فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، قَال: مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ. [فتح 3/ 396] (سفيان) أي: الثّوريّ. (عن منصور) أي: ابن المعتمر. (يدهن بالزيت) أي: غيرِ المطيِّب -كما رواه عنه التّرمذيّ (¬1) - (فذكرته) أي: قال ابن منصورٍ فذكرت امتناعَ ابن عمرَ عن الطيب (لإبراهيم) أي: النخعيِّ. (ما تصنعُ بقوله) أي: ما يصنعُ ابن عمرَ بقوله ذلك حيث ثبت ما ينافيه من فعلِ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، أو الضمير في (بقوله) للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وسُمِّي فعلُه وتقريرُه قولًا؛ لأنهما في بيانِ الجواز كقوله. 1538 - حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ". [انظر: 271 - مسلم: 1190 - فتح: 3/ 396] (الأسود) أي: ابن يزيد. ¬
19 - باب من أهل ملبدا
(قالت كأني أنظر إلى وَبيصِ الطِّيْبِ) أي: بريقه، وأشارتْ بما قالته إلى قوةِ تحققها له، بحيث أما لكثرة استحضارها له كأنَّها ناظرةٌ إليه. (في مفارق) جمعُ مفرق وهو وسطُ الرأسِ وجمعه؛ تعميمًا لجوانبِ الرأس الّتي يفرق فيها. 1539 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالتْ: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ". [1754، 5922، 5928، 5930 - مسلم: 1189 - فتح: 3/ 396] (لإحرامه) أي: لإرادةِ إحرامِه (ولحلِّه) أي: تحلله من محظورات الإحرام بعد رميهِ وحلقهِ. 19 - بَابُ مَنْ أَهَلَّ مُلَبِّدًا (باب: مَنْ أهلَّ مُلبدًا) أي: شعرَ رأسهِ، والتلبيدُ: جعلُ شيءٍ من نحو الصمغِ في شعر الرّأس ليجتمعَ ولا يتمعَّط ولا يتقمَّل. 1540 - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ مُلَبِّدًا". [1549، 5114، 5915 - مسلم: 1184 - فتح: 3/ 400] (أصبغ) أي ابن الفرج. (ابْن وهب): اسمهُ: عبدُ الله. (عن يونس). أي: ابن يزيدٍ. (عن سالمِ) أي: ابن عبدِ الله بن عمرَ. (يهلُّ ملبدًا) فيه: استحباب التلبيد، وقد نصّ عليه الشّافعيّ.
20 - باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة
20 - بَابُ الإِهْلالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ (باب: الإهلال عند مسجد ذي الحليفة) أي: لمن أراد النسك من جهة المدينة. 1541 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، يَقُولُ: "مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ" يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ. [مسلم: 1186 - فتح: 3/ 400] (سفيان) أي: ابن عيينة. (ما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى آخره) مرَّ شرحه (¬1). 21 - بَابُ مَا لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ (باب: ما لا يلبس المحرم من الثِّياب) أي: ونحوهَا. 1542 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاويلاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ إلا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ". [انظر: 134 - مسلم: 1177 - فتح: 3/ 401] (ما يلبس المحرم من الثِّياب) وقع ذلك في رواية: وهو يخطب في ¬
22 - باب الركوب والارتداف في الحج
مقدم مسجد المدينة (¬1)، وفي أخرى: وهو يخطب في بعرفات (¬2) فيحمل على التعدد (لا يلبس القُمُص) بضم القاف والميم جمع قميص، وفي نسخة: بدل (القمص) "القميص"، و (يلبس) بالرفع على الخبر عن حكم الله وهو بمعنى النّهي، وبالجزم على النّهي وكُسِر؛ لالتقاء الساكنين، وأجاب: (بما لا يلبس) مع أن السؤال إنّما هو عن جواز ما يلبسه؛ لأنه أحصر وأخصر؛ إذ ما لا يلبس منحصر، بخلاف ما لا يلبس، ولأنَّ المفهوم يقوم مقام المنطوق، (والزعفران) في نسخة: "زعفران" بالتنكير والتّنوين، ومز شرح الحديث في باب: من أجاب السائل بأكثر ممّا سأله (¬3). 22 - بَابُ الرُّكُوبِ وَالارْتِدَافِ فِي الحَجِّ 1543، 1544 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَال: فَكِلاهُمَا قَال: "لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ". الحديث 1543 - [1686، وانظر: 139 - مسلم: 1280 - فتح 3/ 404] ¬
23 - باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر
الحديث 1544 - [1670، 1685، 1687 - مسلم: 1281 - فتح: 3/ 404] (باب: الرُّكوب والارتداف في الحجِّ) أي: في سفره له. (ردف النَّبيّ) بكسر الراء وسكون الدال أي: رديف معه وفي نسخة: "ردف رسول الله". (إلى المزدلفة) سميت بذلك؛ لأنَّ الحاج إذا أفاضوا من عرفات يزدلفون إليها أي: يقربون منها ويتقدمون إليها. وقيل: لمجيئهم إليها في زلف من اللّيل بضم الزاي أي: طائفة منه. (حتّى رمى جمرة العقبة) أي: إلى أن رمى جمرة العقبة، ويقال لها: الجمرة الكبرى، والجمرة: الحصباة. وفي الحديث: جواز الإرداف إذا أطاقته الدابة، وأنَّ الرُّكوب في الحجِّ أفضل من المشي. 23 - بَابُ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، وَقَالتْ: لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ " وَقَال جَابِرٌ: "لَا أَرَى المُعَصْفَرَ طِيبًا" وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالحُلِيِّ، وَالثَّوْبِ الأَسْوَدِ، وَالمُوَرَّدِ، وَالخُفِّ لِلْمَرْأَةِ " وَقَال إِبْرَاهِيمُ: "لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ". (باب: ما يلبس المحرم من الثِّياب والأردية والأزر) بضم الزاي وسكونها (الأردية) [للنصف الأعلى] (¬1) و (الأزر) للنصف الأسفل، وعطفها على الثِّياب من عطف الخاص على العام. (لا تلثمْ) بالجزم على النّهي، وبالرفع على الإخبار، وبمثناة ¬
واحدة مع تشديد المثلثة. وأصله: تتلثم حذفت إحدى التاءين تخفيفًا، واللثام: ما يغطي الشفة، وفي نسخة: "لا تلتثم" بسكون اللام وزيادة مثناة بعدها. (ولا تبرقع) بالجزم والرفع، وبحذف إحدى التاءين، [تخفيفًا] (¬1) وفي نسخة: بإثباتها، أي: لا تلبس البرقع، وهو بضم القاف وفتحها: ما يغطي الوجه (ثوبًا بورس) أي: مصبوغًا به والراء ساكنة، وفي نسخة مكسورة. (ولا زعفران) معطوف على (ورس). وقوله: (وقالت) إلى هنا ساقط من نسخة. (طيبًا) أي: مطيبًا؛ لأنه خبر في الأصل عن معصفر، ولا يخبر بالمعنى عن اسم عين. (بالحلي) بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حَلي بفتح الحاء وسكون اللام. (والمورد) أي: المصبوغ على لون الورد. (لا بأس أن يُبدل ثيابه) بضم الياء، وسكون الموحدة، وكسر الدال من الإبدال، وبضم الياء، وفتح الموحدة، وكسر الدال مشددة من التبديل. 1545 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَال: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَال: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ تُلْبَسُ إلا المُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لِأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ وَهُوَ مُهِلٌّ بِالحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ ¬
طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ، ثُمَّ يَحِلُّوا وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلالٌ وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ". [1625، 1731 - فتح: 3/ 405] (كريب) هو مولى ابن عبّاس (بعد ما ترجل) بجيم مشددة أي: سرَّح شعره. (وادهن) أي: استعمل الدهن وأصله: اتدهن قلبت التاء دالًا، وأدغمت في الأخرى (¬1). (إلا المزعفرة) بالنصب على الاستثناء، وبالجر على حذف الجار أي: إلا عن المزعفرة. (الّتي تردع) بفتح الفوقية، والدال المهملة، وضم الفوقية، وكسر الدال، والعين فيهما مهملة ومعجمة أي: الّتي أكثر فيها الزعفران حتى تنفضه على لابسها، وضمن (تردع) معنى تنفض فعداه بعلي (¬2) في قوله. (على الجلد) أي: تنفض أثرها عليه. (وقلَّد بدنته) أي بنعلين؛ للإشعار بأنها هدي، قال الأزهري: البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم (¬3). وقال النووي (¬4): هو البعير ذكرًا كان، أو أنثى بشرط أن يكون في سن الأضحية، وهي الّتي استكملت خمس سنين وفي نسخة: "بُدنة" بضم الموحدة وسكون الدال بلفظ الجمع (وذلك) أي: ما ذكر من الرُّكوب والاستواء على البيداء والإهلال والتقليد. الخمس بقين من ذي القعدة) بفتح قاف القعدة ¬
24 - باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح
وكسرها وإنما لم يقل: (إن بقين) بحرف الشرط؛ لأن الغالب تمام الشهر وبه احتج من قال: لا حاجة إليه، ومن قال بالاحتياج إليه راعى احتمال النقص فقال: يحتاج إليه للاحتياط. (ولم يحل) بفتح الياء وكسر الحاء أي: لم يصر حلالا. (عند الحجون) بفتح الحاء المهملة، وضم الجيم مخففة: جبل بأعلى مكّة بحذاء المسجد الّذي يلي شعب الجزارين، وهناك مقبرة أهل مكّة على يمينك وأنت تصعد. (أن يطَّوفوا) بتشديد الطاء مفتوحة، وفي نسخة: بضمها وسكون الواو (ثمّ يقصروا) أمرهم بالتقصير؛ ليحلقوا بمنى. (ثمّ يحلوا) بفتح الياء وكسر الحاء، أمرهم بالتحلل؛ لأنَّهم متمتعون ولا هدي معهم، كما أشار بقوله: (وذلك) إلى آخره. (ومن كانت) في نسخة: "ومن كان". (والطيب والثياب) أي: وسائل محرمات الإحرام حلال له، فالطيب مبتدأ حذف خبره، والجملة عطف على الجملة قبلها. 24 - بَابُ مَنْ بَاتَ بِذِي الحُلَيْفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ قَالهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [انظر: 1533] (باب: من بات بذي الحليفة حتّى أصبح) أي: ممّن حجَّه من المدينة قال شيخنا: والمراد من هذه التّرجمة مشروعية المبيت بالقرب من البلد الّذي يسافر منه؛ ليكون أمكن من التوصل إلى مهماته الّتي ينساها مثلًا (¬1). قال ابن بطّال: ليس ذلك من سنن الحجِّ، وإنَّما هو من جهة ¬
25 - باب رفع الصوت بالإهلال
الرفق؛ ليلحق به من تأخر عنه (قاله) أي: ما ذكر من المبيت بذي الحليفة (¬1). 1546 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ". [انظر: 1089 - مسلم: 690 - فتح: 3/ 407] (ابْن جريج) نسبة إلى جده، وإلا فهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. (محمّد بن المنكدر) في نسخة: "ابن المنكدر" بدون (محمّد). (صلى النّبيُّ بالمدينة) أي الظهر أربعًا؛ لأنَّه مقيم (و) صلى (بذي الحليفة) أي: العصر ركعتين قصرًا؛ لأنه صار مسافرًا. 1547 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ - قَال: وَأَحْسِبُهُ - بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ". [انظر: 1089 - مسلم: 690 - فتح: 3/ 407] (قتبية) أي: ابن سعيد. (عبد الوهّاب) أي: ابن عبد الحميد الثقفي. (أَيّوب) أي: السختياني (أبي قلابة) هو عبد الله الجرمي. 25 - بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإِهْلالِ (باب: رفعه الصوت بالإهلال) أي: بالتلبية. 1548 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا". [انظر: 1089 - مسلم: 690 - فتح: 3/ 408] ¬
26 - باب التلبية
(يصرخون) بضم الراء أي: يرفعون أصواتهم بالتلبية وفيه: استحباب رفع الصوت بالتلبية للرجال نعم لا يستحب رفعه في ابتداء الإحرام، بل يسمع نفسه فقط، كما قاله النووي في "مجموعه" (¬1)، وأما نفس التَّلبية فمستحبة عند الشّافعيّ وأحمد، وقيل: واجبة يجب بتركها دم. (بهما جميعًا) أي: بالحج والعمرة، وسيأتي ما له بذلك تعلّق. 26 - بَابُ التَّلْبِيَةِ (باب: التَّلبية) هي مصدر لبى كزكى تزكية، أي: قال: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، قال سيبويه وغيره: ثنَّى؛ للتكثير كقوله تعالى: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4] أي كرات كثيرة، وقيل: هو مفرد لا مثنى، وهو منصوب على المصدر بعامل مضمر، أي: أجيب إجابة بعد إجابة، وأنا مقيم على طاعتك إلبابًا بعد إلباب إلى ما لا نهاية له، وكأنه من ألبَّ بالمكان إذا أقام به، وكافه: اسم مضاف إليه، وقيل: حرف خطاب، ككاف ذلك. 1549 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ". [انظر: 1540 - مسلم: 1184 - فتح: 3/ 408] (إن الحمد) بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتحها على التعليل كأنه قال: أجبتك؛ لأنَّ (الحمد والنعمة لك) (والنعمة) بالنصب عطف على الحمد، ويجوز رفعها على الابتداء، والخبر محذوف. (والملك) ¬
27 - باب التحميد والتسبيح والتكبير، قبل الإهلال، عند الركوب على الدابة
بضم الميم، وبالنصب عطف على الحمد، ويجوز رفعه كما مرَّ في (النعمة). 1550 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالتْ: إِنِّي لَأَعْلَمُ كَيْفَ " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ " تَابَعَهُ أَبُو مُعَاويَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَقَال شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. [فتح: 3/ 408] (سفيان) أي: الثّوريّ. (عن عمارة) أي: ابن عمير. (عن أبي عطية) هو مالك بن عامر الهمداني. (تابعه) أي: سفيان. (أبو معاوية) هو محمّد بن خازم بمعجمتين. (وقال شعبة) أي: ابن الحجاج. (أَخْبَرَنَا سليمان) هو الأعمش. (خيثمة) بفتح المعجمة والمثلثة بينهما تحتية ساكنة: ابن عبد الرّحمن الجعفي. (سمعت عائشة) فائدة هذه الطريق: بيان سماع أبي عطية للحديث من عائشة، لكنّه أسقط منه قوله في الأوّل: (لا شريك له). 27 - بَابُ التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ، قَبْلَ الإِهْلالِ، عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ (باب: التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال) أي: قبل التَّلبية (عند الرُّكوب على الدابة) أي: بعد استوائها، وفي نسخة: "باب التسبيح" إلى آخره بحذف ما قبله. 1551 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَال: "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا،
وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ، فَحَلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْويَةِ أَهَلُّوا بِالحَجِّ، قَال: وَنَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ " قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَال بَعْضُهُمْ: هَذَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ. [انظر: 1089 - مسلم: 690 - فتح: 3/ 411] (أَيّوب) أي: السختياني. (أبي قلابة) هو عبد الله الجرمي. (ثمّ أهل بحج وعمرة وأهل النَّاس بهما) ظاهره: أنه كان قارنًا وتبعه أصحابه، لكن في "الصحيحين" عن جابر: أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه بالحج. وفيهما أنه لبى بالحج وحده (¬1) وفيهما عن ابن عمر أنه كان متمتعًا (¬2)، وفيهما عن عائشة قالت: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة، إلى الحجِّ وتمتع النَّاس معه (¬3). قال النووي في "مجموعه": والصواب الّذي نعتقده: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أحرم أوَّلًا بالحج مفردًا ثمّ أدخل عليه العمرة فصار قارنًا (¬4) [فمن روى أنه كان مفردًا -وهم الأكثرون- اعتمد أول الإحرام، ومن روى أنه كان قارنًا اعتمد آخره] (¬5). ومن روى أنه كان متمتعًا أراد التمتع اللغوي: وهو الانتفاع والالتذاذ، وقد انتفع بأن كفاه عن النسكين فعل واحد، ولم يحتج إلى ¬
28 - باب من أهل حين استوت به راحلته [قائمة]
إفراد كلّ واحد بعمل. (أمر النَّاس) أي: بالتحلل الّذي هو هنا فسخ. (فحلوا) أي: من إحرامهم، وإنّما أمرهم بالفسخ وهم قارنون؛ لأنهم كانوا ينكرون العمرة في أشهر الحجِّ، كما هو رسم الجاهلية، فأمرهم بالتحلل من حجهم والفسخ إلى العمرة؛ تحقيقًا لمخالفتهم، وتصريحًا بجواز الاعتمار في تلك الأشهر، وهذا خاص بتلك السنة عند الجمهور، خلافًا للإمام أحمد. (حتى كان يوم التروية) برفع يوم؛ لأن كان تامة وهو ثامن ذي الحجة سمي بذلك؛ لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء ويحملونه إلى عرفات. (أملحين) تثنية أملح: وهو الأبيض الّذي يُخالطه سواد. (قال أبو عبد الله) أي: البخاريّ. (عن رجل) قيل: هو أبو قلابة، وقيل: حماد بن سلمة، وقوله: (قال أبو عبد الله) إلى آخره ساقط من نسخة. 28 - بَابُ مَنْ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ [قَائِمَةً]. (باب: من أهل حين استوت به راحلته) أي: قائمة متوجهة إلى القبلة. 1552 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَال: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: "أَهَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً". [انظر: 166 - مسلم: 1187 - فتح: 3/ 412] (أبو عاصم) هو الضحاك بن مخلد النبيل (بن جريج) هو عبد الملك بن عبد العزيز. (حين استوت به راحلته قائمة) أي: استوت راحلته حال كونها قائمة ملتبسة به، فكل من (ربه) و (قائمة) حال.
29 - باب الإهلال مستقبل القبلة
29 - بَابُ الإِهْلالِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ (باب: الإهلال مستقبل القبلة) زاد في نسخة: "الغداة بذي الحليفة". 1553 - وَقَال أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، "إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بِذِي الحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الحَرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَلَ"، وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ، تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الغَسْلِ. [انظر: 491 - مسلم: 1259 - فتح: 3/ 412] (أبو معمر) هو عبد الله بن عمر المنقري. (عبد الوارث) أي: ابن سعيد. (أَيّوب) أي: السختياني. (إذا صلَّى بالغداة) أي: صلَّى الصُّبح بها أي: بوقتها، وفي نسخة: "إذا صلَّى الغداة" أي: صلاة الغداة، وهي الصُّبح (فرُحلت) بضم الراء، وكسر الحاء مخففة. (حتّى يبلغ الحرم) في نسخة: "المحرم" بميمٍ مفتوحةٍ، وحاء ساكنة: اسم مكان الحرم أي: أرضه بجعل الإضافة بيانية (ثمّ يمسك) أي: عن التَّلبية، وهو تصريح بما علم التزامًا من الغاية قبله (حتّى إذا جاء ذا طُوى) بتثليث الطاء منونًا بصرفه مقصورًا، وقد يُمدُّ: وهو وادٍ معروف بقرب مكّة، ويعرف اليوم ببئر الزاهر (¬1)، وفي نسخة: "ذا طِوى" بكسر الطاء غير مصروف، وفي أخرى: "حتّى إذا حاذى طوى" بحاء مهملة من المحاذاة، وجعل في الحديث غاية الإمساك الوصول إلى ذي طوى، لكن مذهب الشّافعيّة، ¬
30 - باب التلبية إذا انحدر في الوادي
والحنفية أنه لا يمسك عن التَّلبية بل يمتد وقتها إلى شروعه في التحلل؛ لخبر "الصحيحين" عن الفضل بن عبّاس قال: كنت رديف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - من جمع إلى منى فلم يزل يلبي حتّى رمى جمرة العقبة (¬1). (وزعم) أي: قال. (فعل ذلك) أي: ما ذكر من البيتوتة والصلاة والغسل. (تابعه) أي: عبد الوارث في الغسل بفتح العين وضمها. 1554 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، "إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ"، ثُمَّ قَال: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ. [انظر: 491 - مسلم: 1187 - فتح: 3/ 413] (فليح) أي: ابن سليمان الخزاعي، ويقال: فليح لقب له واسمه: عبد الملك. (ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة) إنّما ادهن به؛ ليمنع به القمل وغيره، واجتنب الرائحة الطيبة؛ صيانة للإحرام. (مسجد الحليفة) في نسخة: "مسجد ذي الحليفة". (إذا) في نسخة: "فإذا". 30 - بَابُ التَّلْبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ فِي الوَادِي (باب: التَّلبية إذا انحدر في الوادي) أي: انحدر المحرم فيه. 1555 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَال: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَال: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَذَكَرُوا الدَّجَّال أَنَّهُ قَال: مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَال: "أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ انْحَدَرَ فِي الوَادِي يُلَبِّي". [3355، 5913 - فتح: 3/ 414] ¬
(ابْن أبي عدي) اسمه: محمّد بن إبراهيم. (عن ابن عون) هو عبد الله. (عن مجاهد) أي: ابن جبر. (فذكروا الدجال أنه) بفتح همزة (أنه) بدل من (الدجال) وزاد في نسخة: "قال" بعد (أنه) وزادها في أخرى قبله، وضمير (قال) لابن عبّاس، وهمزة (أنه) على الأخرى مكسورة؛ لأَنَّها مقول قال، والضمير في (أنه) للدجال وهو اسمها وخبرها. (مكتوب بني عينيه كافر) برفع (كافر) بـ (مكتوب). (ولكنه قال) أي: النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -. (أمَّا موسى كأنَّي أنظر إليه) (كأني) إلى آخره: جواب (أمَّا) بحذف الفاء منه فلزوم ذكرها فيه غالب لا مطرد (¬1). (إذ انحدر) في نسخة: "إذا انحدر" (في الوادي). أي: وادي الأزرق. ¬
31 - باب: كيف تهل الحائض والنفساء
31 - بَابٌ: كَيْفَ تُهِلُّ الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ أَهَلَّ: تَكَلَّمَ بِهِ، وَاسْتَهْلَلْنَا وَأَهْلَلْنَا الهِلال، كُلُّهُ مِنَ الظُّهُورِ، وَاسْتَهَلَّ المَطَرُ خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ، {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3] وَهُوَ مِنَ اسْتِهْلالِ الصَّبِيِّ. (باب: كيف تهل الحائض والنفساء؟) أي: كيف تحرم؟ (أهل) أي: الرَّجل بما في قلبه: أي (تكلم به واستهللنا وأهللنا الهلال) بالبناء للفاعل ونصب الهلال، أي: طلبنا ظهوره، وبالبناء للمفعول ورفع الهلال أي: طلب منا ذلك. (كله) أي: ما ذكر من هذه الألفاظ مأخوذ (من الظهور) ومنه أيضًا (واستهل المطر: خرج من السحاب) إذ خروج الشيء يستلزم ظهوره أومنه قوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3]، أي: رفع الصوت عند ذبحه باسم غير الله؛ إذ رفع الصوت يستلزم ظهوره.] (¬1) (وهو) أي: رفع الصوت المستلزم للظهور، وماخوذ من (استهلال الصبي) أي: رفع صوته عند الولادة. 1556 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي