مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى

الرحيباني

مقدمة الكتاب

[مُقَدِّمَة الْكتاب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَشَرَحَ صُدُورَنَا لِاقْتِفَاءِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَشَرَعَ لَنَا الشَّرَائِعَ وَالْأَحْكَامَ لِنُمَيِّزَ بِهَا الْحَلَالَ مِنْ الْحَرَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً مِنْهُ وَحِلْمًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِمَامُ الْأَصْفِيَاءِ، وَسَيِّدُ الْعُلَمَاءِ، وَأَكْرَمُ مَنْ مَشَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَأَصْحَابِهِ، وَأَشْيَاعِهِ وَأَحْزَابِهِ، مَا جَرَى يَرَاعٌ، وَطَابَتْ بِذِكْرِهِ الْأَسْمَاعُ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ وَطَوْلِهِ، وَقُوَّتِهِ وَحَوْلِهِ، ضَمِنَ بَقَاءَ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، نَاهِجِينَ مَنْهَجَ الصِّدْقِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَجَعَلَ السَّبَبَ فِي بَقَائِهِمْ بَقَاءَ عُلَمَائِهِمْ، وَاقْتِدَاءَهُمْ بِأَئِمَّتِهِمْ وَبِفُقَهَائِهِمْ، وَأَظْهَرَ فِي كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ فُقَهَائِهَا أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهَا وَيُنْتَهَى إلَى رَأْيِهَا، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْهُمْ أَئِمَّةً أَعْلَى مَنَاصِبَهُمْ وَأَقْدَارَهُمْ، وَنَزَّهَ عَنْ الْخَطَأِ أَلْسِنَتَهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ ، فَعَلَى أَقْوَالِهِمْ، مَدَارُ الْأَحْكَامِ، وَبِأَفْعَالِهِمْ تَقْتَدِي فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ: أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَابْنَ إدْرِيسَ، وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ صَاحِبَ الْعِلْمِ النَّفِيسِ، وَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَتْبَاعًا وَأَحْزَابًا وَأَشْيَاعًا، لِيَضْبِطُوا أَقْوَالَهُ وَرِوَايَاتِهِ، وَيُرَجِّحُوا نُصُوصَهُ

وَاسْتِنْبَاطَاته، فَمِنْهُمْ الشَّيْخُ الْإِمَامُ وَالْحَبْرُ الْهُمَامُ مَرْعِي بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْكَرْمِيُّ الْمَقْدِسِيَّ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَأَبَاحَهُ بُحْبُوحَةَ جَنَّتِهِ، أَلَّفَ كِتَابَ غَايَةَ الْمُنْتَهَى فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى " عَلَى مَذْهَبِ مُحْيِي السُّنَّةِ، الصَّابِرِ عَلَى الْمِحْنَةِ، الْإِمَامِ الْمُبَجَّلِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ مَرْقَدَهُ وَضَرِيحَهُ - فَاعْتَنَى بِتَأْلِيفِهِ وَتَشْيِيدِهِ وَتَرْصِيفِهِ، حَتَّى صَارَ مِنْ أَجَلِّ كُتُبِ الْمَذْهَبِ قَدْرًا، وَأَجْمَعِهَا لِمُهِمَّاتِ مَسَائِلِهِ طُرًّا، مُشْتَمِلًا عَلَى فَوَائِدَ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا، وَحَاوِيًا لِفَرَائِدَ تُعْقَدُ الْخَنَاصِرُ عَلَيْهَا مِنْ صَحِيحِ النُّقُولِ، وَغَرَائِبِ الْمَنْقُولِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَحْهُ أَحَدٌ فِي هَذَا الْعَصْرِ، بَلْ كَتَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إلَى آخِرِ الْحَجْرِ، لَكِنَّهُ أَكْثَرَ فِي شَرْحِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ اخْتَصَرَ وَفِي بَعْضِهَا أَطَالَ، فَالْتَمَسَ مِنِّي بَعْضُ الْمُنْتَمِينَ إلَيَّ، مِنْ أَصْدِقَائِي الْأَعِزَّاءِ عَلَى أَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا يَكْشِفُ اللِّثَامَ عَنْ مُخَدَّرَاتِهِ، وَيُسْفِرُ عَنْ خَفِيِّ مَكْنُونَاتِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مِمَّا صَحَّحَهُ أَعْيَانُ أَصْحَابِنَا الْأَمَاجِدِ، فَتَعَلَّلْتُ بِالْجَهْلِ فَلَمْ يَنْفَعْنِي التَّعْلِيلُ، بَلْ أَلَحَّ عَلَيَّ فِي خَوْضِ هَذَا الْبَحْرِ الْعَرِيضِ الطَّوِيلِ، فَأَجَبْتُهُ مُشَمِّرًا عَنْ سَاعِدِ الِاجْتِهَادِ، مُعْتَصِمًا بِمَنْ لَا نِهَايَةَ لِعِلْمِهِ وَلَا نَفَادَ، طَالِبًا مِنْهُ الْمَعُونَةَ عَلَى اقْتِنَاصِ مَعَانِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، الَّتِي تَبْهَرُ عُقُولَ أَرْبَابِ الْفَضَائِلِ، وَجَمَعْتُهُ مِنْ شَرْحِ الْإِقْنَاعِ وَحَاشِيَتِهِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَحَوَاشِيهِ " " وَشَرْحِ الْوَجِيزِ وَالْمُنْتَقَى " وَمِنْ " شَرْحَيْ الْمُحَرَّرِ وَالْمُغْنِي " وَالشَّرْحِ الْكَبِيرِ " وَحَوَاشِي ابْنِ قُنْدُسٍ " وَالْمُسْتَوْعَبِ " وَشَرْحِ التَّحْرِيرِ " وَمِنْ الْفُرُوعِ وَحَوَاشِيهِ " وَالْإِنْصَافِ " وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَالْهَدْيِ " وَالْخِلَافِ "، وَمِنْ شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ ". وَكِتَابِ الْمُصَنِّفِ بَهْجَةِ النَّاظِرِينَ ". وَمِنْ كِتَابِ الدُّرَّةِ الْمُضِيئَةِ " وَبَدَائِعِ الْفَوَائِدِ "

وَقَاعِدَةِ الْعُقُودِ " " وَالصَّارِمِ الْمَسْلُولِ " وَالْقَوَاعِدِ " وَمِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ " وَالْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَالدَّاءِ وَالدَّوَاءِ " وَالِاخْتِيَارَاتِ الْعِلْمِيَّةِ " وَمِنْ اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ " وَالْمَنْهَجِ الْأَحْمَدِ " وَإِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " وَمَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ، وَالْأَجْوِبَةِ وَالْمَسَائِلِ. وَذَكَرْتُ فِيهِ مَا زَادَهُ عَلَيْهِ الْمُنْتَهَى " وَالْإِقْنَاعُ "، لِيَكُونَ لِمَنْ طَالَعَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ إقْنَاعٌ، وَبَيَّنْتُ الْمُعْتَمَدَ فِيهِ مِنْ التَّوْجِيهَاتِ، وَالْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّوَائِدِ وَالِاحْتِمَالَاتِ. وَسَمَّيْتُهُ: مَطَالِبَ أُولِي النُّهَى فِي شَرْحِ غَايَةِ الْمُنْتَهَى " وَاَللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، مُقَرِّبًا إلَيْهِ زُلْفَى فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَإِنْ وَقَعَ مِنِّي هَفَوَاتٌ، أَوْ صَدَرَ عَنِّي كَبَوَاتٌ. فَالْمَأْمُولُ مِمَّنْ نَظَرَ إلَيْهَا أَنْ يَسْحَبَ ذَيْلَ السِّتْرِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الصَّفْحَ عَنْ عَثَرَاتِ الضِّعَافِ مِنْ شِيَمِ أَفَاضِلِ الْأَشْرَافِ، وَأَنَا مُعْتَرِفٌ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوُلُوجِ فِي هَذَا الْمَضِيقِ، وَالسِّبَاحَةِ فِي تَيَّارِهِ الْعَمِيقِ، وَلَكِنْ أَسْتَمِدُّ مِنْ اللَّهِ التَّوْفِيقَ، وَالْهِدَايَةَ إلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ. قَالَ مُصَنِّفُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: افْتَتَحَ كِتَابَهُ بِالْبَسْمَلَةِ (اقْتِدَاءً) بِالْكِتَابِ الْمَجِيدِ وَعَمَلًا (بِقَوْلِ النَّبِيِّ) - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» وَفِي رِوَايَةٍ بِالْحَمْدَلَةِ وَفِي رِوَايَةٍ «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَفِي " مُسْنَدِ أَحْمَدَ " بِلَفْظِ «لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» ، وَمَعْنَى أَجْذَمَ، وَأَقْطَعَ، وَأَبْتَرَ: قَلِيلُ الْبَرَكَةِ، غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ. وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِوَايَتَيْ الْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدَلَةِ: إذْ الِابْتِدَاءُ حَقِيقِيٌّ وَإِضَافِيٌّ: فَبِالِابْتِدَاءِ بِالْبَسْمَلَةِ حَصَلَ الْحَقِيقِيُّ، وَبِالِابْتِدَاءِ بِالْحَمْدَلَةِ حَصَلَ الْإِضَافِيُّ، أَوْ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ يُعْتَبَرُ مُمْتَدًّا مِنْ حِينِ الشُّرُوعِ فِي التَّأْلِيفِ إلَى حِينِ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، وَقَدَّمَ الْبَسْمَلَةَ عَمَلًا بِالْكِتَابِ، وَالْإِجْمَاعِ. وَالْبَاءُ فِي الْبَسْمَلَةِ لِلْمُصَاحَبَةِ، أَوْ: الِاسْتِعَانَةِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَتَقْدِيرُهُ فِعْلًا أَوْلَى، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَمَلِ لِلْأَفْعَالِ، وَخَاصًّا لِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالْمَقَامِ، وَمُؤَخَّرٌ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلْوُجُودِ وَأَدْخُلُ فِي التَّعْظِيمِ. وَكُسِرَتْ الْبَاءُ - وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ الْفَتْحَ - لِلُزُومِهَا غَيْرَ الْحَرْفِيَّةِ وَالْجَرِّ، وَلِتُشَابِهَ حَرَكَتُهَا عَمَلَهَا. وَحُذِفَتْ الْأَلِفُ مِنْ اسْمِ اللَّهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَعُوِّضَ عَنْهَا تَطْوِيلُ الْبَاءِ.

فائدة الفرق بين الاسم والمسمى

[فَائِدَةٌ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى] فَائِدَةٌ: اللَّفْظُ مِنْ هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَالسِّينِ وَالْمِيمِ: عِبَارَةٌ عَنْ اللَّفْظِ الْمُؤَلَّفِ مِنْ الزَّاي وَالْيَاءِ وَالدَّالِ، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ الشَّخْصِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَعْيَانِ، وَالْأَذْهَانِ، وَهُوَ: الْمُسَمَّى وَالْمَعْنَى. وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الزَّاي وَالْيَاءُ وَالدَّالُ هُوَ: الِاسْمُ، وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا قَدْ صَارَ مُسَمًّى مِنْ حَيْثُ كَانَ لَفْظُ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ وَالْمِيمِ عِبَارَةً عَنْهُ، فَقَدْ بَانَ لَك بِأَنَّ الِاسْمَ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لَيْسَ هُوَ الْمُسَمَّى، وَلِهَذَا تَقُولُ: سَمَّيْتُ هَذَا الشَّخْصَ بِهَذَا الِاسْمِ، كَمَا تَقُولُ حَلَّيْتُهُ بِهَذِهِ الْحِلْيَةِ، وَالْحِلْيَةُ غَيْرُ الْمُحَلَّى، فَكَذَلِكَ الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ سِيبَوَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ: إنَّ الِاسْمَ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمُسَمَّى، وَمَتَى ذُكِرَ الْخَفْضُ أَوْ النَّصْبُ أَوْ التَّنْوِينُ أَوْ اللَّامُ، أَوْ جَمِيعُ مَا يَلْحَقُ الِاسْمَ مِنْ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ، وَتَصْغِيرٍ وَتَكْسِيرٍ، وَإِعْرَابٍ وَبِنَاءٍ: فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ عَوَارِضِ الِاسْمِ لَا تَعَلُّقَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالْمُسَمَّى أَصْلًا. وَمَا قَالَ نَحْوِيٌّ وَلَا عَرَبِيٌّ: إنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى، وَيُقَالُ: أَجَلُّ مُسَمًّى، وَلَا يُقَالُ: أَجَلُّ اسْمٍ، وَيُقَالُ: مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ كَذَا، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: اسْمُ هَذَا الِاسْمِ كَذَا، وَيُقَالُ: هَذَا الرَّجُلُ مُسَمًّى بِزَيْدٍ، وَلَا يُقَالُ: هَذَا الرَّجُلُ اسْمُ زَيْدٍ، وَيُقَالُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَلَا يُقَالُ: بِمُسَمَّى اللَّهِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ» وَلَمْ يَقُلْ: خَمْسُ مُسَمَّيَاتٍ وَ «تَسَمَّوْا بِاسْمِي» وَلَمْ يَقُلْ: بِمُسَمَّيَاتِي، «وَلِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا» وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ مُسَمًّى. وَإِذَا ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى فَبَقِيَ هَهُنَا التَّسْمِيَةُ، وَهِيَ الَّتِي اعْتَبَرَهَا مَنْ قَالَ بِاتِّحَادِ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى، وَالتَّسْمِيَةُ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الْمُسَمَّى، وَوَضْعِيَّةِ الِاسْمِ لِلْمُسَمَّى، كَمَا أَنَّ التَّحْلِيَةَ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الْمُحَلَّى، وَوَضْعِيَّةِ الْحِلْيَةِ عَلَى الْمُحَلَّى، فَهَهُنَا ثَلَاثُ حَقَائِقَ: اسْمٌ، وَمُسَمًّى، وَتَسْمِيَةٌ: كَحِلْيَةٍ وَمَحَلٍّ، وَتَحْلِيَةٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَى جَعْلِ لَفْظَيْنِ مِنْهَا

مُتَرَادِفَيْنِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَسَائِرِ حَقَائِقِهَا، وَإِذَا جَعَلْنَا الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى بَطَلَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْحَقَائِقِ الثَّلَاثَةِ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ قِيلَ: فَحُلُّوا لَنَا شُبَهَ مَنْ قَالَ بِاتِّحَادِهَا لِيَتِمَّ الدَّلِيلُ؛ فَإِنَّكُمْ أَقَمْتُمْ الدَّلِيلَ، فَعَلَيْكُمْ الْجَوَابُ عَنْ الْمُعَارِضِ: فَمِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ الْخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، فَلَوْ كَانَتْ أَسْمَاؤُهُ غَيْرَهُ لَكَانَتْ مَخْلُوقَةً، وَلَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ اسْمٌ فِي الْأَزَلِ، وَلَا صِفَةٌ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَهُ صِفَاتٌ، وَهَذَا هُوَ السُّؤَالُ الْأَعْظَمُ الَّذِي قَادَ مُتَكَلِّمِي الْإِثْبَاتِ إلَى أَنْ يَقُولُوا: الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى، فَمَا عِنْدَكُمْ فِي دَفْعِهِ؟ الْجَوَابُ: إنَّ مَنْشَأَ الْغَلَطِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ إطْلَاقِ أَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ مُحْتَمَلَةٍ لِمَعْنَيَيْنِ: حَقٌّ وَبَاطِلٌ، فَلَا يَنْفَصِلُ النِّزَاعُ إلَّا بِتَقْصِيرِ تِلْكَ الْمَعَانِي، وَتَنْزِيلِ أَلْفَاظِهَا عَلَيْهَا. وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ، وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الْمُشْتَقَّةِ أَسْمَاؤُهُ مِنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ، لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَالصِّفَاتُ الْعُلَى، وَأَسْمَاؤُهُ، وَصِفَاتُهُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ أَنَّهَا إلَهٌ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ، وَلَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ غَيْرَهُ، وَلَيْسَتْ هِيَ نَفْسَ الْإِلَهِ، وَبَلَاءُ الْقَوْمِ مِنْ لَفْظِ الْغَيْرِ: فَإِنَّهَا يُرَادُ بِهَا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا - الْمُغَايِرُ لِتِلْكَ الذَّاتِ الْمُسَمَّاةِ بِاَللَّهِ، وَكُلُّ مَا غَايَرَ اللَّهَ مُغَايِرَةً مَحْضَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَلَا يَكُونُ إلَّا مَخْلُوقًا. وَيُرَادُ بِهِ مُغَايِرَةُ الصِّفَةِ لِلذَّاتِ إذَا خَرَجَتْ عَنْهَا، فَإِذَا قَالَ: عِلْمُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ غَيْرُهُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ الذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ: كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا، وَلَكِنَّ الْإِطْلَاقَ بَاطِلٌ، وَإِذَا أُرِيدَ أَنَّ الْعِلْمَ وَالْكَلَامَ مُغَايِرٌ لِحَقِيقَتِهِ الْمُخْتَصَّةِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ: كَانَ بَاطِلًا لَفْظًا وَمَعْنًى، وَبِهَذَا أَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ الْمُعْتَزِلَةَ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَقَالُوا: كَلَامُهُ تَعَالَى دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ، فَاَللَّهُ تَعَالَى: اسْمُ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَمِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ صِفَةُ الْكَلَامِ، كَمَا أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَحَيَاتَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ

غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ كَلَامَهُ، وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ: فَهُوَ يَتَضَمَّنُ لِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَلَا يُقَالُ: غَيْرُ اللَّهِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّهُ بَعْضُ مَا تَضَمَّنَهُ - وَهُوَ أَسْمَاؤُهُ - مَخْلُوقَةٌ وَهِيَ غَيْرُهُ؟ ، فَقَدْ حَصْحَصَ الْحَقُّ بِحَمْدِ اللَّهِ وَانْحَسَمَ الْإِشْكَالُ. إنَّ أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى الَّتِي هِيَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ كَلَامِهِ، وَكَلَامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا يُقَالُ غَيْرُهُ، وَلَا هُوَ هُوَ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: أَسْمَاؤُهُ تَعَالَى غَيْرُهُ، وَلِمَذْهَبِ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ: اسْمُهُ نَفْسُ ذَاتِهِ لَا غَيْرُهُ، وَبِالتَّفْصِيلِ تَزُولُ الشَّبَهُ، وَيَتَبَيَّنُ الصَّوَابُ، قَالَهُ فِي " بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ " وَقَالَ حُجَّةً ثَانِيَةً لَهُمْ، قَالُوا: قَالَ تَعَالَى: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرحمن: 78] {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} [الأعلى: 1] وَهَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِي الْحَقِيقَةِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْتَثَلَ هَذَا الْأَمْرَ، وَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ» وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا لَقَالَ: سُبْحَانَ اسْمِ رَبِّي الْعَظِيمِ، ثُمَّ إنَّ الْأُمَّةَ كُلَّهُمْ لَا يُجَوِّزُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ: عَبَدْتُ اسْمَ رَبِّي، وَلَا: سَجَدْتُ لِاسْمِ رَبِّي، وَبِذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُسَمَّى لَا بِالِاسْمِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَعَلُّقِ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِالِاسْمِ: فَالذِّكْرُ الْحَقِيقِيُّ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، لِأَنَّهُ ضِدُّ اللِّسَانِ، وَالتَّسْبِيحُ نَوْعٌ مِنْ الذِّكْرِ، فَلَوْ أَطْلَقَ الذِّكْرَ وَالتَّسْبِيحَ لَمَا فُهِمَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ دُونَ اللَّفْظِ بِاللِّسَانِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَلَمْ يَقْبَلْ الْإِيمَانَ وَعَقْدَ الْإِسْلَامِ إلَّا بِاقْتِرَانِهِمَا وَاجْتِمَاعِهِمَا، فَصَارَ مَعْنَى الِاثْنَيْنِ: سَبِّحْ رَبَّكَ بِقَلْبِكَ، وَلِسَانِكَ، فَأَقْحَمَ الِاسْمَ تَنْبِيهًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَتَّى لَا يَخْلُوَ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ مِنْ اللَّفْظِ بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْقَلْبِ مُتَعَلَّقُهُ الْمُسَمَّى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَالذِّكْرُ بِاَللَّهِ مُتَعَلَّقُهُ اللَّفْظُ مَعَ مَدْلُولِهِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يُرَادُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ

أَنَّ اللَّفْظَ هُوَ الْمُسَبَّحُ دُونَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى، وَعَبَّرَ لِي شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ - قُدِّسَ رُوحُهُ - عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِعِبَارَةٍ لَطِيفَةٍ وَجِيزَةٍ، فَقَالَ: الْمَعْنَى: سَبِّحْ نَاطِقًا بِاسْمِ رَبِّكَ، مُتَكَلِّمًا بِهِ، وَكَذَا: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ، الْمَعْنَى: سَبِّحْ رَبَّكَ ذَاكِرًا اسْمَهُ. وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ تُسَاوِي رِحْلَةً، لَكِنْ لِمَنْ يَعْرِفُ قَدْرَهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي دُخُولِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] وَلَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] : قِيلَ: التَّسْبِيحُ يُرَادُ بِهِ التَّنْزِيهُ، وَالذِّكْرُ الْمُجَرَّدُ، دُونَ مَعْنًى آخَرَ، وَيُرَادُ بِهِ ذَلِكَ مَعَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ ذِكْرٌ وَتَنْزِيهٌ مَعَ عَمَلٍ، وَلِهَذَا تُسَمَّى الصَّلَاةُ تَسْبِيحًا، فَإِذَا أُرِيدَ التَّسْبِيحُ الْمُجَرَّدُ فَلَا مَعْنَى لِلْبَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِحَرْفِ جَرٍّ، لَا يُقَالُ: سَبَّحْتُ بِاَللَّهِ، وَإِذَا أُرِيدَ الْمَقْرُونُ بِالْعَمَلِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ أُدْخِلَتْ الْبَاءُ تَنْبِيهًا عَلَى ذَلِكَ الْمُرَادِ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: سَبِّحْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّكَ، أَوْ: نَاطِقًا بِاسْمِ رَبِّكَ. انْتَهَى. وَاَللَّهُ: عَلَمٌ خَاصٌّ لِذَاتٍ مُعَيَّنٍ، هُوَ الْمَعْبُودُ بِالْحَقِّ، إذْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ، قَالَ تَعَالَى {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] وَمِنْ ثَمَّ كَانَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَوْحِيدًا، أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلَّا ذَلِكَ الْوَاحِدُ الْحَقُّ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَزَعَمَ الْبَلْخِيّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ مُعَرَّبٌ عِبْرِيٌّ، أَوْ سُرْيَانِيٌّ، وَأَكْثَرُ مُحَقِّقِي النُّظَّارِ عَلَى عَدَمِ اشْتِقَاقِهِ، بَلْ هُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ مُرْتَجَلٌ لِلْحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمَوَاقِفِ ": وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِفَةً؛ فَقَدْ انْقَلَبَ عَلَمًا مُشْعِرًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لِلِاشْتِهَارِ. قَالَ فِي " بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ ": زَعَمَ السُّهَيْلِيُّ، وَشَيْخُهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ غَيْرُ مُشْتَقٍّ، لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ

يَسْتَلْزِمُ مَادَّةً يُشْتَقُّ مِنْهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدِيمٌ لَا مَادَّةَ لَهُ، فَيَسْتَحِيلُ الِاشْتِقَاقُ، وَلَا رَيْبَ إنْ أُرِيدَ بِالِاشْتِقَاقِ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَكِنْ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِقَاقِ لَمْ يُرِدْ هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا أَلَمَّ بِقَلْبِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى صِفَةٍ لَهُ تَعَالَى وَهِيَ الْأُلُوهِيَّةُ كَسَائِرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى: كَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ، فَإِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مَصَادِرِهَا بِلَا رَيْبٍ، وَهِيَ قَدِيمَةٌ، وَالْقَدِيمُ لَا مَادَّةَ لَهُ: فَمَا كَانَ جَوَابَكُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَهُوَ جَوَابُ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِقَاقِ بِاسْمِهِ اللَّهِ، ثُمَّ الْجَوَابُ عَنْ الْجَمِيعِ: أَنَّا لَا نَعْنِي بِالِاشْتِقَاقِ إلَّا أَنَّهَا مُلَاقِيَةٌ لِمَصَادِرِهَا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، لَا أَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهَا تَوَلُّدَ الْفَرْعِ مِنْ أَصْلِهِ، وَتَسْمِيَةُ النُّحَاةِ الْمَصْدَرَ وَالْمُشْتَقَّ مِنْهُ أَصْلًا وَفَرْعًا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا تَوَلَّدَ مِنْ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُتَضَمِّنٌ لِلْآخَرِ وَزِيَادَةٌ، فَالِاشْتِقَاقُ هُنَا لَيْسَ هُوَ اشْتِقَاقٌ مَادِّيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ اشْتِقَاقُ تَلَازُمٍ يُسَمَّى الْمُتَضَمِّنَ فِيهِ - بِالْكَسْرِ - مُشْتَقًّا، وَالْمُتَضَمَّنُ - بِالْفَتْحِ - مُشْتَقًّا مِنْهُ، وَلَا مَحْذُورَ فِي اشْتِقَاقِ أَسْمَاءِ اللَّهِ بِهَذَا الْمَعْنَى، انْتَهَى. وَالرَّحْمَنُ: أَبْلَغُ مِنْ الرَّحِيمِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى، وَقُدِّمَ كَالْعَلَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى، لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْمُنْعِمُ الْحَقِيقِيُّ الْبَالِغُ فِي الرَّحْمَةِ غَايَتَهَا، وَذَلِكَ لَا يَصْدُقُ عَلَى غَيْرِهِ. وَقِيلَ: إنَّهُ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ، أَوْ لِأَنَّ الرَّحِيمَ كَالتَّتِمَّةِ لِدَلَالَةِ الرَّحْمَنِ عَلَى جَلَائِلِ النِّعَمِ وَأُصُولِهَا، فَأَرْدَفَ بِالرَّحِيمِ لِيَتَنَاوَلَ مَا خَرَجَ مِنْهَا، أَوْ مُرَاعَاةً لِلْفَوَاصِلِ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ جَاءَ الِاسْتِعْمَالُ عَلَيْهِ تَأْسِيسًا بِهِ، قَالَ فِي " بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ " أَسْمَاءُ الرَّبِّ تَعَالَى هِيَ أَسْمَاءٌ وَنُعُوتٌ، فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى صِفَاتِ كَمَالِهِ، فَلَا تَنَافِيَ فِيهَا بَيْنَ الْعَلَمِيَّةَ وَالْوَصْفِيَّةِ: فَالرَّحْمَنُ اسْمُهُ تَعَالَى وَوَصْفُهُ، فَمِنْ حَيْثُ هُوَ صِفَةٌ جَرَى تَابِعًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ اسْمٌ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ غَيْرَ تَابِعٍ، بَلْ وُرُودُ الِاسْمِ الْعَلَمِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الِاسْمُ

مُخْتَصًّا بِهِ سُبْحَانَهُ حَسُنَ مَجِيئُهُ مُفْرَدًا، غَيْرَ تَابِعٍ، وَهَذَا لَا يُنَافِي دَلَالَتَهُ عَلَى صِفَةِ الرَّحْمَةِ كَاسْمِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى صِفَةِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَلَمْ يَجِئْ قَطُّ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، بِخِلَافِ الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَجِيءُ مُفْرَدًا بَلْ تَابِعًا. فَتَأَمَّلْ هَذِهِ النُّكْتَةَ الْبَدِيعَةَ يَظْهَرُ لَكَ بِهَا أَنَّ الرَّحْمَنَ اسْمٌ وَصِفَةٌ لَا يُنَافِي أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَجَاءَ اسْتِعْمَالُ الْقُرْآنِ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ: فَالرَّحْمَنُ: دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَالرَّحِيمُ: دَالٌّ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالْمَرْحُومِ، فَكَانَ الْأَوَّلُ لِلْوَصْفِ، وَالثَّانِي لِلْفِعْلِ، فَالْأَوَّلُ: دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَنَ صِفَةٌ. وَالثَّانِي: دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَرْحَمُ خَلْقَهُ بِرَحْمَتِهِ، فَإِذَا أَرَدْتَ فَهْمَ هَذَا فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117] وَلَمْ يَجِئْ قَطُّ: رَحْمَنٌ بِهِمْ، فَعُلِمَ أَنَّ رَحْمَنَ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، وَرَحِيمٌ: هُوَ الرَّاحِمُ بِرَحْمَتِهِ. انْتَهَى. (أَحْمَدُ مَنْ مَنَّ) أَيْ: اللَّهَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا (بِحَبِيبِهِ أَحْمَدَ) أَيْ: أَصِفُهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ؛ إذْ الْحَمْدُ كَمَا فِي " الْفَائِقِ " وَغَيْرِهِ: الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ، وَكُلٌّ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى جَمِيلٌ، وَرِعَايَةُ جَمِيعِهَا أَبْلَغُ فِي التَّعْظِيمِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَدُلُّ عَلَى إيجَادِ الْحَمْدِ الَّذِي هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ بِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، لَا الْإِعْلَامُ بِذَلِكَ. وَالْحَبِيبُ: فَعِيلٌ، مِنْ: أَحَبَّهُ فَهُوَ مُحِبٌّ، أَوْ: حَبَّهُ يُحِبُّهُ - بِكَسْرِ الْحَاءِ - فَهُوَ مَحْبُوبٌ. وَالْمُرَادُ بِالْمَحَبَّةِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى: غَايَتُهَا مِنْ إرَادَةِ الثَّوَابِ، فَتَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ، أَوْ الْإِثَابَةُ، فَتَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ. وَهِيَ فِي حَقِّنَا طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَعْظِيمُنَا إيَّاهُ، وَمُوَافَقَتُهُ رَجَاءَ أَنْ يُثِيبَنَا عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، وَيُنْعِمَ عَلَيْنَا بِنِعْمَتِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى. وَأَحْمَدُ: اسْمٌ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشْتَقٌّ مِنْ اسْمِهِ تَعَالَى

الْحَمِيدِ، كَمُحَمَّدٍ سُمِّيَ بِهِمَا لِكَثْرَةِ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ. وَأَسْمَاؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرَةٌ، أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إلَى أَلْفِ اسْمٍ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ، فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ": أَمَّا أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى: فَهَذَا الْعَدَدُ صَغِيرٌ فِيهَا، وَأَمَّا أَسْمَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ أُحْصِهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ الْوُرُودِ الظَّاهِرِ بِصِيغَةِ الْأَسْمَاءِ الْبَيِّنَةِ، فَوَعَيْتُ مِنْهَا أَرْبَعَةً وَسِتِّينَ اسْمًا، ثُمَّ ذَكَرَهَا مُفَصَّلَةً مَشْرُوحَةً (فَأَطْفَأَ نَارَ الشِّرْكِ وَأَخْمَدَ) أَيْ: أَزَالَ لَهَبَهُ وَحَرَارَتَهُ بِالْكُلِّيَّةِ (وَأَعْلَى) أَيْ: رَفَعَ (مَنَارَ) دِينِ (الْإِسْلَامِ) وَجَدَّدَ، أَيْ: رَفَعَ شَأْنَهُ وَعَظَّمَهُ حَتَّى فَاقَ سَائِرَ الْأَدْيَانِ (وَبَيَّنَ شَرَائِعَ) : جَمْعُ شَرِيعَةٍ وَهِيَ: السُّنَّةُ وَالطَّرِيقَةُ (الْأَحْكَامِ) : جَمْعُ حُكْمٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَضَاءُ وَالْحِكْمَةُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: خِطَابُ اللَّهِ الْمُفِيدُ فَائِدَةً شَرْعِيَّةً. (وَحَدَّدَ) أَيْ: جَعَلَ لَهَا حُدُودًا لَا تَجُوزُ مُجَاوَزَتُهَا، وَالْحَدُّ: النِّهَايَةُ الَّتِي إذَا بَلَغَ الْمَحْدُودُ لَهُ وَقَفَ عِنْدَهَا. (وَقَارَبَ) أَيْ: تَرَكَ الْغُلُوَّ فِيمَا أَمَرَ وَقَصَدَ التَّقْرِيبَ، لِيَحْصُلَ لِلْمُقَصِّرِ فِي الْعَمَلِ أَوْفَرُ نَصِيبٍ. (وَسَدَّدَ) أَيْ: أَرْشَدَ هَذِهِ الْأُمَّةَ لِلسَّدَادِ، وَهُوَ: الصَّوَابُ قَوْلًا وَعَمَلًا. (وَلِرَأْفَتِهِ) : رَحْمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِأُمَّتِهِ) الَّتِي هِيَ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. (سَهَّلَ) أَيْ: يَسَّرَ. (وَمَا شَدَّدَ) . وَلَا يَخْفَى مَا فِي جَدَّدَ وَحَدَّدَ، وَسَدَّدَ وَشَدَّدَ، مِنْ الْجِنَاسِ الْمُصْحَفِ (أَتَى بِكِتَابٍ) أَيْ: قُرْآنٍ (مُحْكَمٍ) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَا مِنْ خَلْفِهِ (وَشَرْعٍ) ، وَهُوَ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ (مُؤَيَّدٍ) بِالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ (وَدِينٍ) وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ قَيِّمٌ لَا أَعْوِجَاجَ فِيهِ، (وَحُكْمٍ) ، أَيْ قَضَاءٍ (4 مُؤَبَّدٍ) أَيْ: مُسْتَمِرٍّ عَلَى الدَّوَامِ لَا يَعْتَرِيهِ نَقْصٌ، وَلَا انْصِرَامٌ (وَتَفَقَّهَ) أَيْ: تَفَهُّمٍ (عَلَيْهِ) أَيْ: مِنْهُ، وَعَدَّى وَتَفَقَّهَ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى قَرَأَ، أَوْ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ كَقَوْلِ الشَّاعِر:

إذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ (فِي الْأَحْكَامِ) وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهَا، (كُلُّ مُوَفَّقٍ) أَيْ: مُطِيعٍ لِلَّهِ تَعَالَى، مُمْتَثِلٍ لِأَوَامِرِهِ، مُجْتَنِبٍ لِنَوَاهِيهِ، مُسَدِّدٍ أَيْ: نَاهِجٍ مَنْهَجَ الصَّوَابِ. (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ: الرَّحْمَةُ، وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ: الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ: التَّضَرُّعُ وَالدُّعَاءُ بِخَيْرٍ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْجَارِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْجُمْهُورِ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ " بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ " وَرَدَّهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَايَرَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ {عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] . الثَّانِي: أَنَّ سُؤَالَ الرَّحْمَةِ يُشْرَعُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَالصَّلَاةُ تَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآلِهِ، فَهُوَ حَقٌّ لَهُ وَلِآلِهِ، وَلِهَذَا مَنَعَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الصَّلَاةَ عَلَى مُعَيَّنٍ غَيْرِهِ، يَعْنِي: وَعَلَى غَيْرِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدٌ مِنْ التَّرَحُّمِ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. الثَّالِثُ: أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عَامَّةٌ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَصَلَاتَهُ خَاصَّةٌ لِخَوَاصِّ عِبَادِهِ. وَقَوْلُهُمْ: الصَّلَاةُ مِنْ الْعِبَادِ، بِمَعْنَى الدُّعَاءِ: مُشْكِلٌ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا - أَنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالصَّلَاةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْخَيْرِ. الثَّانِي: أَنَّ دَعَوْتُ يَتَعَدَّى بِاللَّامِ، وَصَلَّيْتُ لَا يَتَعَدَّى إلَّا بِعَلَى، وَدَعَا الْمُعَدَّى بِعَلَى لَيْسَ بِمَعْنَى صَلَّى، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ. الثَّالِثُ أَنَّ فِعْلَ الدُّعَاءِ يَقْتَضِي مَدْعُوًّا وَمَدْعُوًّا لَهُ، تَقُولُ: دَعَوْتُ اللَّهَ

لَكَ بِخَيْرٍ، وَفِعْلُ الصَّلَاةِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، لَا تَقُولُ: صَلَّيْتُ اللَّهَ عَلَيْكَ، وَلَا لَكَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنَاهُ. فَأَيُّ تَبَايُنٍ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا؟ ، وَلَكِنَّ التَّقْلِيدَ يُعْمِي عَنْ إدْرَاكِ الْحَقَائِقِ، فَإِيَّاكَ وَالْإِخْلَادَ إلَى أَرْضِهِ. قَالَ: وَرَأَيْتُ لِأَبِي الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيِّ كَلَامًا حَسَنًا فِي اشْتِقَاقِ الصَّلَاةِ، فَذَكَرَ مَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ مَعْنَى الصَّلَاةِ اللَّفْظَةُ حَيْثُ تَصَرَّفَتْ تَرْجِعُ إلَى الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مَحْسُوسًا وَمَعْقُولًا؛ فَالْمَحْسُوسُ مِنْهُ: صِفَاتُ الْأَجْسَامِ، وَالْمَعْقُولُ مِنْهُ: صِفَةُ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ مَوْجُودٌ فِي الصِّفَاتِ، الْكَثِيرُ يَكُونُ صِفَةً لِلْمَحْسُوسَاتِ وَصِفَةً لِلْمَعْقُولَاتِ. وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ مُشَابَهَةِ الْأَجْسَامِ، وَمُضَاهَاةِ الْأَنَامِ، فَمَا يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي مَعْقُولَةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالصَّلَاةُ كَمَا تُسَمَّى عَطْفًا وَحُنُوًّا، مِنْ قَوْلِكَ: صَلَّيْتُ، أَيْ: حَنَيْتُ صَلَاكَ وَعَطَفْتَهُ: فَأَخْلَقَ بِأَنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ تُسَمَّى عَطْفًا وَحُنُوًّا. تَقُولُ: اللَّهُمَّ اعْطِفْ عَلَيْنَا، أَيْ: ارْحَمْنَا. قَالَ الشَّاعِرُ: وَمَا زِلْتُ فِي لِينِي لَهُ وَتَعَطُّفِي ... عَلَيْهِ كَمَا تَحْنُو عَلَى الْوَلَدِ الْأُمُّ وَأَمَّا رَحْمَةُ الْعِبَادِ: فَرِقَّةٌ فِي الْقَلْبِ، إذَا وَجَدَهَا الرَّاحِمُ مِنْ نَفْسِهِ انْعَطِفْ عَلَى الْمَرْحُومِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ لِلْعِبَادِ جُودٌ وَفَضْلٌ، فَإِذَا صَلَّى عَلَيْهِ فَقَدْ أَفْضَلَ عَلَيْهِ وَأَنْعَمَ، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ إذَا كَانَتْ مِنْ اللَّهِ، أَوْ مِنْ الْعَبْدِ فَهِيَ مُتَعَدِّيَةٌ بِعَلَى مَخْصُوصَةٌ بِالْخَيْرِ لَا تَخْرُجُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَرَجَعَتْ كُلُّهَا إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّهَا فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ وَالرَّحْمَةِ صَلَاةٌ مَعْقُولَةٌ أَيْ: انْحِنَاءٌ مَعْقُولٌ غَيْرُ مَحْسُوسٍ ثَمَرَتُهُ مِنْ الْعَبْدِ، الدُّعَاءُ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَثَمَرَتُهُ مِنْ اللَّهِ الْإِحْسَانُ وَالْإِنْعَامُ، فَلَمْ تَخْتَلِفْ الصَّلَاةُ فِي مَعْنَاهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ ثَمَرَتُهَا الصَّادِرَةُ عَنْهَا. وَالصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ انْحِنَاءٌ مَحْسُوسٌ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمَعْنَى فِيهَا إلَّا مِنْ

جِهَةِ الْمَعْقُولِ وَالْمَحْسُوسِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ كُلُّهَا بِعَلَى، وَاتَّفَقَتْ فِي اللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ مِنْ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَجُزْ: صَلَّيْتُ عَلَى الْعَدُوِّ - أَيْ: دَعَوْتُ عَلَيْهِ - فَقَدْ صَارَ مَعْنَى الصَّلَاةِ أَدَقَّ وَأَبْلَغَ مِنْ مَعْنَى الرَّحْمَةِ، وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إلَيْهِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ رَاحِمٍ يَنْحَنِي عَلَى الْمَرْحُومِ، وَيَنْعَطِفُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الرَّحْمَةِ. انْتَهَى. (وَعَلَى آلِهِ) وَهُمْ: أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقِيلَ: أَتْقِيَاءُ أُمَّتِهِ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وَإِضَافَتُهُ لِلضَّمِيرِ جَائِزَةٌ، خِلَافًا لِلْكِسَائِيِّ وَالنَّحَّاسِ وَالزَّبِيدِيِّ، حَيْثُ مَنَعُوهَا لِتَوَغُّلِهِ فِي الْإِبْهَامِ، وَأَصْلُهُ: أَهْلٌ، أَوْ: أُولُو. (وَصَحْبِهِ) هُوَ: اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبِ، بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ، وَهُوَ: مَنْ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤْمِنًا وَلَوْ لَحْظَةً وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ تَخَلَّلَهُ رِدَّةٌ. وَقَسَّمَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الصُّحْبَةَ إلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: الْأُولَى: مَنْ كَثُرَتْ مُعَاشَرَتُهُ وَمُخَالَطَتُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا إلَّا بِهَا، فَيُقَالُ: هَذَا صَاحِبُ فُلَانٍ، وَخَادِمُهُ، لَا لِمَنْ خَدَمَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ سَاعَةً أَوْ يَوْمًا. الثَّانِيَةُ: مَنْ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤْمِنًا، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَحِبَهُ، وَلَوْ لَمْ يَنْتَهِ إلَى الِاشْتِهَارِ بِهِ. الثَّالِثَةُ: مَنْ رَآهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُؤْيَةً وَلَمْ يُجَالِسْهُ، وَلَمْ يُمَاشِهِ، فَهَذَا أُلْحِقَ بِالصُّحْبَةِ إلْحَاقًا، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةُ الصُّحْبَةِ لَمْ تُوجَدْ فِي حَقِّهِ، وَلَكِنَّهَا صُحْبَةٌ إلْحَاقِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ لِشَرَفِ قَدْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي اجْتِلَاءِ طَلْعَةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ بِرُؤْيَتِهِ إيَّاهُمْ، أَوْ رُؤْيَتِهِمْ إيَّاهُ مُؤْمِنِينَ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ رُتَبُهُمْ (وَتَابِعٍ) لِصُحْبَتِهِ (تَهَجَّدَ) لَيْلًا، إذْ التَّهَجُّدُ مَا كَانَ بَعْدَ

رَقْدَةٍ، وَأَتَى بِهِ لِمُنَاسَبَةِ السَّجْعِ (وَنَاسِكٍ) أَيْ: عَابِدٍ (بِشَرْعِهِ) أَيْ شَرْعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (تَعَبَّدَ) لَا بِشَرْعِ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِهِ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ (رَاقٍ) أَيْ: صَفِيٌّ (عَذْبٌ) أَيْ: حُلْوٌ (مُبَرَّدٌ) أَيْ: جُعِلَ فِي إنَاءٍ فَبَرَدَ، وَفِي الْحَدِيثِ «كَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَارِدَ الْحُلْوَ» . (وَحَنَّ طَيْرٌ) : صَوَّتَ (وَغَرَّدَ) : رَفَعَ صَوْتَهُ طَرَبًا (وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا) مِنْ السَّلَامِ، وَهُوَ التَّحِيَّةُ، أَوْ السَّلَامَةُ مِنْ النَّقَائِصِ وَالرَّذَائِلِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ فَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، فَقَدْ جَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. (أَمَّا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ: حَرْفٌ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ، لَا حَرْفُ شَرْطٍ. قَالَ الدَّمَامِينِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّحْوِيِّينَ، وَهِيَ هُنَا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنَى التَّفْصِيلِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي " فِي: أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ قَالَ: حَرْفُ شَرْطٍ وَتَفْصِيلٍ. (بَعْدُ) هِيَ مِنْ الظُّرُوفِ الْمَبْنِيَّةِ مَا لَمْ تُضَفْ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَوْ يُنْوَى ثُبُوتُ لَفْظِ الْمُضَافِ إلَيْهَا، أَوْ تُقْطَعُ عَنْ الْإِضَافَةِ رَأْسًا، فَتُعْرَبُ حِينَئِذٍ فِي الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ حُذِفَ الْمُضَافُ إلَيْهَا، وَنُوِيَ ثُبُوتُ مَعْنَاهُ بُنِيَتْ عَلَى الضَّمِّ. وَيُؤْتَى بِهَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى آخَرَ، أَيْ: بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَيُؤْتَى بِهَا فِي الْخُطَبِ، وَالْمُكَاتَبَاتِ اسْتِحْبَابًا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِي بِهَا فِي خُطَبِهِ وَمُكَاتَبَاتِهِ لِلْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِي " شَرْحِ التَّحْرِيرِ " لِلْمِرْدَاوِيِّ: نَقَلَ إتْيَانَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَمَّا بَعْدُ فِي خُطَبِهِ وَنَحْوِهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ صَحَابِيًّا. وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَطَقَ بِهَا، فَقِيلَ: دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَعَنْ الشَّعْبِيِّ

أَنَّهَا فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ؛ لِأَنَّهَا تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمَقَاصِدِ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَا يَعْقُوبُ، وَقِيلَ: أَيُّوبُ، وَقِيلَ: سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَقِيلَ: قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيُّ، وَقِيلَ: يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ، وَقِيلَ: سَحْبَانُ بْنُ وَائِلٍ. وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ: فَفَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ، لَكِنَّ نِسْبَةَ أَوَّلِيَّةِ ذَلِكَ لِسَحْبَانَ وَائِلٍ سَاقِطَةٌ جِدًّا. نَعَمْ، زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ سَحْبَانَ أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَا فِي الشَّعْرِ، فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمَ الْقَوْمُ الْيَمَانِيُّونَ أَنَّنِي إذَا قُلْتُ أَمَّا بَعْدُ أَنِّي خَطِيبُهَا وَقَدْ نَظَمَ الشَّمْسُ الْمَيْدَانِيُّ ذَلِكَ مَعَ زِيَادَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَقَالَ: جَرَى الْخَلْفُ أَمَّا بَعْدُ مِنْ كَانَ بَادِيًا بِهَا عَدَّ أَقْوَالًا وَدَاوُد أَقْرَبُ وَيَعْقُوبُ وَأَيُّوبُ الصَّبُورُ وَآدَمُ وَقُسُّ وَسَحْبَانُ وَكَعْبٌ وَيَعْرُبُ. (فَقَدْ أَكْثَرَ أَئِمَّتُنَا) الْحَنَابِلَةُ سَلَفًا وَخَلْفًا (رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى) فِي عِلْمِ (الْفِقْهِ) وَهُوَ لُغَةً: الْفَهْمُ، وَعُرْفًا: مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ بِالْفِعْلِ أَوْ الْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ، أَوْ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ نَفْسِهَا. وَالْفَقِيهُ: مَنْ عَرَفَ جُمْلَةً غَالِبَةً كَذَلِكَ بِالِاسْتِدْلَالِ. وَمَوْضُوعُهُ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِهَا، وَمَسَائِلُهُ مَا يُذْكَرُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ (مِنْ التَّصْنِيفِ) أَيْ: التَّأْلِيفِ، وَهُوَ: ضَمُّ مَا تَفَرَّقَ مِنْ الْمَسَائِلِ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ، وَجَعْلُهُ مُجْتَمِعًا (وَمَهَّدُوا) أَيْ: بَسَّطُوا (قَوَاعِدَ) جَمْعُ: قَاعِدَةٍ، وَهُوَ أَمْرٌ كُلِّيٌّ مُنْطَبِقٌ عَلَى جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهِ (الْمَذْهَبُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَفْعَلُ مِنْ ذَهَبَ يَذْهَبُ إذَا مَضَى بِمَعْنَى الذَّهَابِ أَوْ مَكَانِهِ أَوْ زَمَانِهِ، ثُمَّ نُقِلَ إلَى مَا قَالَهُ الْمُجْتَهِدُ بِدَلِيلٍ، وَمَاتَ قَائِلًا بِهِ، وَكَذَا مَا جَرَى مَجْرَاهُ (أَحْسَنَ تَمْهِيدٍ) أَيْ: سَوُّوهُ أَحْسَنَ تَسْوِيَةٍ، (وَتَرْصِيفٍ) أَيْ: رَصَفُوهُ أَحْسَنَ تَرْصِيفٍ، وَالتَّرْصِيفُ:

الضَّمُّ وَالْإِلْصَاقُ. (وَقَدْ أَتْقَنَهُ) أَيْ: أَحْكُمَهُ عُلَمَاؤُنَا (الْمُتَأَخِّرُونَ بِمَا أَبْدَوْهُ) أَيْ: أَظْهَرُوهُ (مِنْ التَّصَانِيفِ) الَّتِي صَنَّفُوهَا فِيهِ (وَكَانَ مِمَّنْ سَلَكَ مِنْهُمْ مَسْلَكَ التَّحْقِيقِ) أَيْ: الْإِحْكَامِ (وَالتَّصْحِيحِ) أَيْ: تَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِهِ (وَالتَّدْقِيقِ) فِي غَوَامِضِ الْمَسَائِلِ (وَالتَّرْجِيحِ) أَيْ: بَيَانِ الرَّاجِحِ مِنْ غَيْرِهِ. (الْعَلَّامَةُ) الْجَامِعُ بَيْنَ عِلْمَيْ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، الْإِمَامُ الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ الْمُحَدِّثُ الْفَرْضِيُّ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ سَلْمَانَ السَّعْدِيُّ الْمِرْدَاوِيُّ ثُمَّ الصَّالِحِيُّ أُعْجُوبَةُ الدَّهْرِ، وَالْفَرِيدُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، شَيْخُ الْمَذْهَبِ، وَإِمَامُهُ وَمُنَقِّحُهُ (صَاحِبُ) التَّصَانِيفِ الْعَجِيبَةِ، وَالتَّحْرِيرَاتِ الْغَرِيبَةِ، مِنْهَا كِتَابُ (الْإِنْصَافُ) فِي بَيَانِ الرَّاجِحِ مِنْ الْخِلَافِ " (وَ) كِتَابُ (التَّنْقِيحِ) الْمُشْبَعِ فِي تَحْرِيرَاتِ أَحْكَامِ الْمُقْنِعِ " صَحَّحَ فِيهِ مَا أَطْلَقَهُ الْمُوَفَّقُ فِي مُقْنِعِهِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ أَوْ الرِّوَايَاتِ، وَمِنْ الْوَجْهَيْنِ أَوْ الْأَوْجُهِ، وَقَيَّدَ مَا أَخَلَّ فِيهِ مِنْ الشُّرُوطِ، وَفَسَّرَ مَا أَبْهَمَ فِيهِ مِنْ حُكْمٍ أَوْ لَفْظٍ، وَاسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِهِ مَا هُوَ مُسْتَثْنًى عَلَى الْمَذْهَبِ حَتَّى خَصَائِصَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَيَّدَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِمَّا فِيهِ إطْلَاقٌ، وَيُحْمَلُ عَلَى نَقْصِ فُرُوعِهِ مَا هُوَ مُرْتَبِطٌ بِهَا، وَزَادَ مَسَائِلَ مُجَرَّدَةً مُصَحَّحَةً، فَصَارَ تَصْحِيحًا لِغَالِبِ كُتُبِ الْمَذْهَبِ. وَمِنْهَا " التَّحْرِيرُ " فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ذَكَرَ فِيهِ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ وَغَيْرَهَا وَشَرْحُهُ، وَتَصْحِيحُ كِتَابِ " الْفُرُوعِ " وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِمُصَنَّفَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، وُلِدَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَمَانِمِائَةٍ، وَتَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ قُنْدُسٍ وَغَيْرِهِ، وَتُوُفِّيَ بِصَالِحِيَّةِ دِمَشْقَ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (بَيَّنَ بِتَنْقِيحِهِ " وَإِنْصَافِهِ " الضَّعِيفَ مِنْ الصَّحِيحِ، ثُمَّ نَحَا نَحْوَ) أَيْ: سَلَكَ طَرِيقَهُ فِي تَصْحِيحِهِ (مُقَلِّدًا لَهُ) التَّقْلِيدُ لُغَةً: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي الْعُنُقِ مُحِيطًا بِهِ. وَعُرْفًا: أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ بِلَا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ. حَذَا حَذْوَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ

الْفَرْضِيُّ، شَرَفُ الدِّينِ أَبُو النَّجَا مُوسَى بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ سَالِمِ بْنِ عِيسَى بْنِ سَالِمٍ الْحَجَّاوِيُّ الْمَقْدِسِيَّ ثُمَّ الصَّالِحِيُّ (صَاحِبُ) كِتَابِ (الْإِقْنَاعِ ") جَرَّدَ فِيهِ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرَ فِيهِ مِنْ الْمَسَائِلِ مَعَ مُرَاعَاةِ الضَّبْطِ، وَتَحْرِيرِ النُّقُولِ. وَلَهُ أَيْضًا " شَرْحُ الْمُفْرَدَاتِ " وَشَرْحُ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ " لِابْنِ مُفْلِحٍ، وَزَادُ الْمُسْتَقْنِعِ " وَحَاشِيَةٌ عَلَى الْفُرُوعِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثَانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتِّينَ وَتِسْعِمِائَةٍ، وَدُفِنَ بِأَسْفَلِ الرَّوْضَةِ مِنْ سَفْحِ قَاسِيُونَ تِجَاهَ قَبْرِ الْمُنَقِّحِ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا الطَّرِيقُ، وَنَحَا نَحْوَهُ أَيْضًا صَاحِبُ كِتَابِ (" الْمُنْتَهَى ") الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ النَّحْوِيُّ الْفَرْضِيُّ تَقِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَّامَةِ شِهَابِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَلِيِّ الْفَتُوحِيُّ عَالِمُ مِصْرَ الشَّهِيرُ بِابْنِ النَّجَّارِ. (وَزَادَا) أَيْ: صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ " وَالْمُنْتَهَى " (مِنْ الْمَسَائِلِ) : جَمْعُ مَسْأَلَةٍ مِفْعَلَةٌ، مِنْ السُّؤَالِ، وَهُوَ: مَا يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ. (مَا يَسُرُّ) أَيْ: يُفْرِحُ (أُولِي النُّهَى) أَيْ: أَصْحَابَ الْعَقْلِ (فَصَارَ لِذَلِكَ) الْحَذْوِ (كِتَابَاهُمَا) الْمَذْكُورَانِ (مِنْ أَجَلِّ) أَيْ: أَعْظَمِ (كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ أَنْفَسِ) أَيْ: أَحَبِّ (مَا يُرْغَبُ فِي تَحْصِيلِهِ وَيُطْلَبُ) أَيْ: يُحَاوَلُ أَخْذُهُ (إلَّا أَنَّهُمَا) أَيْ: الْإِقْنَاعَ وَالْمُنْتَهَى (يَحْتَاجَانِ لِتَقْيِيدِ مَسَائِلَ) أَطْلَقَاهَا فِيهِمَا (وَتَحْرِيرِ) أَيْ: تَقْوِيمِ (أَلْفَاظٍ يَبْغِيهَا) أَيْ: يَطْلُبُهَا (السَّائِلُ) وَيَحْتَاجَانِ أَيْضًا (لِجَمْعِهِمَا مَعًا لِتَقْرِيبِ النَّائِلِ) أَيْ: الْآخِذِ (وَقَدْ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) أَيْ: طَلَبْتُ مِنْهُ الْخِيَرَةَ (فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ) الْمَذْكُورَيْنِ (فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ مَعَ ضَمِّ) أَيْ: جَمْعِ (مَا تَيَسَّرَ) لِي (جَمْعُهُ إلَيْهِمَا مِنْ الْفَرَائِدِ) جَمْعُ: فَرِيدَةٍ، وَهِيَ: الدُّرَّةُ الثَّمِينَةُ الَّتِي تُحْفَظُ فِي ظَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ، وَلَا تُخْلَطُ بِغَيْرِهَا مِنْ اللَّآلِئِ لِشَرَفِهَا (وَمَا أَقِفُ) أَيْ: أَطَّلِعُ (عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ) الْحَنَابِلَةِ (مِنْ الْفَوَائِدِ) جَمْعُ:

فَائِدَةٍ، وَهِيَ مَا يَكُونُ الشَّيْءُ بِهِ أَحْسَنُ حَالًا مِنْهُ بِغَيْرِهِ (وَلَا أَحْذِفُ مِنْهُمَا إلَّا مَا أَسْتَغْنِي عَنْهُ) إمَّا لِتَكْرَارِهِ، أَوْ فَهْمِهِ مِنْ نَظِيرِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ حَالَ كَوْنِي (حَرِيصًا عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) لِفَرْطِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (مُشِيرًا لِخِلَافِ الْإِقْنَاعِ " بِ: خِلَافًا لَهُ، فَإِنْ تَنَاقَضَ) قَوْلَاهُ فِي مَسْأَلَةٍ (زِدْتُ هُنَا) أَيْ: فِي هَذَا الْمَحَلِّ (وَ) مُشِيرًا (لَهُمَا) أَيْ: لِخِلَافِ الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى " (بِ: خِلَافًا لَهُمَا، وَ) مُشِيرًا (لَمَا أَبْحَثُهُ غَالِبًا) أَيْ: وَرُبَّمَا يَبْحَثُ وَلَا يُشِيرُ (جَازِمًا) أَيْ: قَاطِعًا (بِهِ بِقَوْلِي: وَيَتَّجِهُ، فَإِنْ تَرَدَّدْت زِدْتُ) بَعْدَ قَوْلِي: وَيَتَّجِهُ (احْتِمَالُ) كَذَا حَالَ كَوْنِي (مُمَيِّزًا آخِرَ كُلَّ مَبْحَثٍ) مِنْ الْبَحْثِ - وَهُوَ التَّفْتِيشُ - (بِ) الْحِبْرِ (الْأَحْمَرِ) لِأَجْلِ (بَيَانِ) أَيْ: ظُهُورِ (الْمَقَالِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ) أَيْ: يُوجَدُ (بَعْضُ ذَلِكَ) الَّذِي زِيدَ (فِي كَلَامِهِمْ) أَيْ: أَئِمَّتِنَا الْفُقَهَاءِ (لَكِنْ لَمْ أَقِفْ) أَيْ: أَطَّلِعْ (عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَحْصِيلِ كَثْرَةِ الْمَوَادِّ) جَمْعُ: مَادَّةٍ، وَهِيَ هُنَا: الْآلَةُ (وَقَدْ فَقَدْتُ) أَيْ: عَدِمْتُ (فِي ذَلِكَ) الْجَمْعِ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ (الْخِلَّ) بِكَسْرِ الْخَاءِ وَضَمِّهَا: الصِّدِّيقُ الْمُخْتَصُّ وَلَا يُضَمُّ إلَّا مَعَ وُدِّ (الْمُسْعِفَ) أَيْ: الْمُسَاعِدُ (الْمُوَادَّ) بِضَمِّ الْمِيمِ: الْمُحِبُّ (لَكِنَّ مَعُونَةَ اللَّهِ تَعَالَى خَيْرُ مَعُونَةٍ) فَلَا يُضَامُ مَنْ الْتَجَأَ إلَيْهِ (بِكَثْرَةِ الْمَدَدِ وَقِلَّةِ الْمَئُونَةِ) أَيْ: الْكِفَايَةِ (وَيَأْبَى اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ: يَكْرَهُ (الْعِصْمَةَ) أَيْ: الْمَنْعَ مِنْ النَّقْصِ (لِكِتَابٍ غَيْرِ كِتَابِهِ) أَيْ: مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ (وَالْمُنْصِفُ مَنْ اغْتَفَرَ) أَيْ: سَتَرَ (قَلِيلَ خَطَأِ الْمَرْءِ فِي كَثِيرِ صَوَابِهِ) وَهُوَ ضِدُّ الْخَطَأِ (وَمَعَ هَذَا) أَيْ: كَوْنِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْ الْخَطَأِ (فَمَنْ أَتْقَنَ) أَيْ: أَحْكَمَ (كِتَابِي هَذَا) أَيْ: فَهِمَهُ كَمَا يَنْبَغِي (فَهُوَ الْفَقِيهُ الْمَاهِرُ) أَيْ: الْحَاذِقُ (وَمَنْ ظَفِرَ) أَيْ: فَازَ (بِمَا فِيهِ) مِنْ الْمَسَائِلِ النَّفِيسَةِ (فَسَيَقُولُ بِمِلْءِ فِيهِ: كَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخَرِ) تَمَثَّلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، لِمَا رَأَى مِنْ كَثْرَةِ فَوَائِدِهِ الَّتِي أَوْدَعَهَا فِيهِ.

(وَمَنْ حَصَّلَهُ) أَيْ حَفِظَ مَسَائِلَهُ فِي ذِهْنِهِ (فَقَدْ حَصَلَ لَهُ جَزِيلُ الْحَظِّ) أَيْ النَّصِيبِ (الْوَافِرِ) أَيْ: الْكَثِيرِ الْأَجْرِ (لِأَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْكِتَابَ (الْبَحْرُ لَكِنْ بِلَا سَاحِلٍ) أَيْ: رِيفٍ وَشَاطِئٍ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ سَعَتِهِ، وَكَثْرَةِ مَا حَوَاهُ مِنْ النَّفَائِسِ (وَوَابِلُ الْقَطْرِ) أَيْ: شَدِيدُ الْمَطَرِ (غَيْرُ أَنَّهُ مُتَوَاصِلٌ) كِنَايَةً عَنْ كَثْرَةِ مَدَدِهِ (بِحُسْنِ عِبَارَاتٍ، وَرَمْزِ إشَارَاتٍ) مُومِئَةٍ إلَى فَهْمِ مَعْنًى آخَرَ غَيْرَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهَا (وَتَنْقِيحِ) أَيْ: تَهْذِيبِ (مَعَانِي، وَتَحْرِيرِ مَبَانِي) أَيْ: مَبَانِي مُحَرَّرَةٍ (رَاجِيًا بِذَلِكَ) أَيْ: طَامِعًا بِجَمْعِي لِهَذَا الْكِتَابِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ (تَسْهِيلَ بَيَانِ الْأَحْكَامِ) الشَّرْعِيَّةِ (عَلَى الْمُتَفَقِّهِينَ) أَيْ: الْمُتَفَهِّمِينَ لِلْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ (وَ) رَاجِيًا (حُصُولَ الْمَثُوبَةِ) أَيْ: الْجَزَاءِ (وَالْإِنْعَامِ) أَيْ: الْإِكْرَامِ (مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أَيْ: مَالِكِ أَصْنَافِ الْخَلْقِ. (وَسَمَّيْتُهُ) هَذَا الْكِتَابَ: (غَايَةَ الْمُنْتَهَى فِي جَمْعِ الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى ") فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّسْمِيَةِ بِجُمْلَةٍ لِيَدُلَّ اسْمُهُ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ. (وَالْمُرَادُ بِالشَّيْخِ) أَيْ: مُرَادِي (حَيْثُ أُطْلِقُ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَبَحْرُ الْعُلُومِ) الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ: (أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ تَقِيُّ الدِّينِ) بْنُ (عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مَجْدِ الدِّينِ أَبِي الْبَرَكَاتِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْقَاسِم الْخَضْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ الْخَضْرِ بْنِ عَلِيٍّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ) الْحَرَّانِيِّ. وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ عَاشِرَ وَقِيلَ ثَانِي عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ عَشْرَيْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَكَانَ إمَامًا مُفْرَدًا أَثْنَى عَلَيْهِ الْأَعْلَامُ مِنْ مُعَاصِرِيهِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ حَتَّى أُفْرِدَتْ تَرْجَمَتُهُ بِالتَّأْلِيفِ، وَامْتُحِنَ بِمِحَنٍ، وَخَاضَ فِيهِ أَقْوَامٌ حَسَدًا، وَنَسَبُوهُ لِلْبِدَعِ وَالتَّجْسِيمِ افْتِرَاءً مِنْهُمْ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَشْهَدُ بِذَلِكَ مُصَنَّفَاتُهُ الَّتِي مَلَأَتْ الْخَافِقَيْنِ، وَكَفَى بِهِ شَهَادَةُ شَيْخِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَمْ تَرَ عَيْنِي

مِثْلَهُ كَلًّا لَا وَاَللَّهِ، وَلَمْ تَرَ عَيْنُهُ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَكَانَ يُرَجِّحُ مَذْهَبَ السَّلَفِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، وَأَيَّدَهُ اللَّهُ بِنَصْرِهِ (وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمَسْئُولُ أَنْ يُبْلِغَنِي) أَيْ: يُوصِلَنِي إلَى (الْمَطْلُوبِ) أَيْ: مَا طَلَبْتُهُ (وَالْمَأْمُولُ) أَيْ: الْمَرْجُوُّ (وَأَنْ يُسْعِفَ) أَيْ: يُسَاعِدَ (التَّقْصِيرَ) الْحَاصِلَ مِنِّي بِسَبَبِ قِلَّةِ الْمَوَادِّ (بِحُصُولِ التَّيْسِيرِ) مِنْهُ تَعَالَى مَا صَعُبَ عَلَيَّ مِمَّا قَصَدْتُهُ فِي هَذَا التَّأْلِيفِ (وَأَنْ يَرْحَمَنِي وَالْمُسْلِمِينَ) بِرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (إنَّهُ جَوَادٌ) أَيْ: سَخِيٌّ (كَرِيمٌ، رَءُوفٌ) أَيْ: شَدِيدُ الرَّحْمَةِ (رَحِيمٌ) أَيْ: كَثِيرُ الرَّحْمَةِ.

لم يؤلف الإمام أحمد كتابا في الفقه

[لَمْ يُؤَلِّفْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ كِتَابًا فِي الْفِقْهِ] مُقَدِّمَةٌ لَمْ يُؤَلِّفْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ كِتَابًا فِي الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ أَصْحَابُهُ مَذْهَبَهُ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَجْوِبَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلَانِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ بِحَمْلِ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، وَمُطْلَقٍ عَلَى مُقَيَّدٍ: فَهُمَا مَذْهَبُهُ، وَإِنَّ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ، وَعُلِمَ التَّارِيخُ فَمَذْهَبُهُ الثَّانِي لَا غَيْرَ، صَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ، وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَمَذْهَبُهُ أَقْرَبُهُمَا مِنْ الْأَدِلَّةِ، أَوْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ، وَيُخَصُّ عَامُّ كَلَامِهِ بِخَاصِّهِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْأَصَحِّ، وَالْمَقِيسُ عَلَى كَلَامِهِ مَذْهَبُهُ فِي الْأَشْهَرِ، وَقَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي، أَوْ: لَا يَصْلُحُ، أَوْ: أَسَتَقْبَحُهُ، أَوْ: هُوَ قَبِيحٌ، أَوْ: لَا أَرَاهُ؛ لِلتَّحْرِيمِ؛ لَكِنْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ " لَا يَنْبَغِي " فِي مَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَقَوْلُهُ: أَكْرَهُ، أَوْ: لَا يُعْجِبُنِي، أَوْ: لَا أُحِبُّهُ، أَوْ: لَا أَسْتَحْسِنُهُ؛ لِلنَّدْبِ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي " وَغَيْرِهِ: الْأَوْلَى النَّظَرُ إلَى الْقَرَائِنِ فِي الْكُلِّ، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ نَدْبٍ، أَوْ إبَاحَةٍ، أَوْ كَرَاهَةٍ: حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ، أَوْ تَأَخَّرَتْ، أَوْ تَوَسَّطَتْ، قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. [فَائِدَة التَّرْجِيح إذَا اخْتَلَفَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ الْحَنَابِلَة] فَائِدَةٌ: اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّ التَّرْجِيحَ إذَا اخْتَلَفَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ قَالَ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ إمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ، وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنْ كَانَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فَهُوَ مَقِيسٌ عَلَى قَوَاعِدِهِ وَأُصُولِهِ وَنُصُوصِهِ، قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ ".

كتاب الطهارة

[كِتَابُ الطَّهَارَةِ] (كِتَابُ الطَّهَارَةِ) هُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: " هَذَا كِتَابُ "، أَوْ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: مِمَّا يُذْكَرُ كِتَابُ، وَيَجُوزُ نَصَبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، لَكِنْ لَا يُسَاعِدُهُ الرَّسْمُ إلَّا مَعَ الْإِضَافَةِ، وَكَذَا فِي نَظَائِرِهِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالْكَتْبِ وَالْكِتَابَةِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ، وَمِنْهُ الْكَتِيبَةُ بِالْمُثَنَّاةِ لِلْجَيْشِ، وَالْكِتَابَةُ بِالْقَلَمِ لِجَمْعِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ الْجَامِعِ لِمَسَائِلِ الطَّهَارَةِ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِهَا، وَمَا يُوجِبُهَا، وَمَا يَتَطَهَّرُ بِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قَالُوا: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَتْبِ. وَبَدَأَ الْفُقَهَاءُ بِالطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ آكَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الصَّلَاةُ. وَالطَّهَارَةُ شَرْطُهَا، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَقَدَّمُوا الْعِبَادَاتِ اهْتِمَامًا بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، ثُمَّ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَسْبَابِهَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَنَحْوَهُ مِنْ الضَّرُورِيِّ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَشَهْوَتُهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى شَهْوَةِ النِّكَاحِ، وَقَدَّمُوهُ عَلَى الْجِنَايَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْمُخَاصِمَاتِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي الْغَالِبِ بَعْدَ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ (الطَّهَارَةُ) مَصْدَرُ طَهُرَ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، كَمَا فِي الصِّحَاحِ " وَالِاسْمُ: الطُّهْرُ، وَهِيَ لُغَةً النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ حَتَّى الْمَعْنَوِيَّةِ. وَشَرْعًا: (ارْتِفَاعُ حَدَثٍ) : وَزَوَالِ الْوَصْفِ الْحَاصِلِ بِهِ الْمَانِعُ مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ وَطَوَافٍ. وَالِارْتِفَاعُ: مَصْدَرُ ارْتَفَعَ فَفِيهِ الْمُطَابَقَةُ بَيْنَ الْمُفَسِّرِ وَالْمُفَسَّرِ فِي اللُّزُومِ بِخِلَافِ الرَّفْعِ، وَيَأْتِي مَعْنَى الْحَدَثِ. (وَزَوَالُ خَبَثٍ) أَيْ: نَجَسٍ حُكْمِيٍّ (وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا) أَيْ: مَعْنَى ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ، وَزَوَالُ الْخَبَثِ (كَ) لِحَاصِلِ بِ (تَجْدِيدٍ، وَغُسْلٍ مَسْنُونٍ) لِأَنَّهُمَا لَمْ يَرْفَعَا حَدَثًا، (وَ) الْحَاصِلُ بِغُسْلِ (مَيِّتٍ) لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ لَا عَنْ حَدَثٍ (وَ) الْحَاصِلُ بِغَسْلِ (يَدَيْ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ)

نَاقِضُ الْوُضُوءِ، وَيَأْتِي (وَ) الْحَاصِلُ بِ (نَحْوِ غَسْلَةٍ ثَانِيَةٍ) كَثَالِثَةٍ فِي وُضُوءٍ (وَكَتَيَمُّمٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا (وَاسْتِجْمَارٍ) لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ أَثَرَ الْخَبَثِ، وَكَالْحَاصِلِ بِطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَغُسْلِ كَافِرَةٍ مِنْ حَيْضٍ لِحِلِّ وَطْءٍ، وَغَسْلِ ذَكَرٍ وَأُنْثَيَيْنِ بِخُرُوجِ مَذْيٍ دُونَهُ فَإِنَّهُ نَجَسٌ. (وَيَحْصُلُ تَطْهِيرُ) نَجَاسَةٍ وَنَحْوِهَا (بِمَاءٍ فَقَطْ) إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ (أَوْ بِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (مَعَ نَحْوِ تُرَابٍ) طَهُورٍ كَأُشْنَانٍ وَصَابُونٍ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، (أَوْ) زَوَالِ خَبَثٍ (بِنَفْسِهِ) أَيْ: بِغَيْرِ فِعْلِ إنْسَانٍ كَخَمْرَةٍ انْقَلَبَتْ خَلًّا بِنَفْسِهَا، وَزَوَالِ تَغَيُّرِ مَاءٍ كَثِيرٍ نَجِسٍ بِالتَّغَيُّرِ. (وَأَقْسَامُ الْمَاءِ ثَلَاثَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ: (طَهُورٌ) وَهُوَ أَشْرَفُهَا، قَالَ ثَعْلَبٌ: طَهُورٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ الطَّاهِرُ فِي ذَاتِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ. انْتَهَى. (وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى خِلْقَتِهِ) ، أَيْ: صِفَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا مِنْ حَرَارَةٍ أَوْ بُرُودَةٍ أَوْ عُذُوبَةٍ أَوْ مُلُوحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَعَدِّيَةِ. قَالَ تَعَالَى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا لِلْقَوْمِ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْ الْوُضُوءِ بِهِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ طَاهِرٍ مُطَهِّرًا وَلَا يُنَافِيهِ «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» فَقَدْ جَمَعَ الْوَصْفَيْنِ كَوْنُهُ نَزِهًا لَا يَنْجَسُ بِغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ (غَالِبًا) بِأَنْ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ تَغَيَّرَ بِنَحْوِ مُكْثٍ وَطُحْلُبٍ (يَرْفَعُ الْحَدَثَ) أَيْ: لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ غَيْرُهُ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) كَغَسْلِ يَدَيْ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ (وَيُزِيلُ الْخَبَثَ) أَيْ: النَّجَسَ (الطَّارِئَ) عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ، فَخَرَجَ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ، وَكَذَلِكَ الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ مُزِيلٌ لِلْحُكْمِ فَقَطْ. (وَالْحَدَثُ: مَا) أَيْ مَعْنَى يَقُومُ بِالْبَدَلِ (أَوْجَبَ وُضُوءًا) أَيْ: جَعَلَهُ

الشَّرْعُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ، وَيُوصَفُ بِالْأَصْغَرِ (أَوْ) أَوْجَبَ (غُسْلًا) وَيُوصَفُ بِالْأَكْبَرِ (وَهُوَ) أَيْ: الْحَدَثُ: (أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ) مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ (يَقُومُ بِالشَّخْصِ) (وَلَيْسَ) الْحَدَثُ (نَجَاسَةً بَلْ) هُوَ (مَعْنًى يَقُومُ بِالْبَدَنِ يَمْنَعُ) مِنْ (نَحْوِ صَلَاةٍ) كَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ (فَلَا تَفْسُدُ صَلَاةٌ بِحَمْلِ مُحْدِثٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا، وَالْمُحْدِثُ مَنْ لَزِمَهُ وُضُوءٌ لِنَحْوِ صَلَاةٍ أَوْ غُسْلٌ أَوْ تَيَمُّمٌ، وَالطَّاهِرُ ضِدُّ الْمُحْدِثِ النَّجِسِ، وَالْمُحْدِثُ لَيْسَ نَجِسًا وَلَا طَاهِرًا، (وَالْخَبَثُ مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ صَلَاةٍ) كَطَوَافٍ (وَهُوَ) أَيْ: الْخَبَثُ عُرْفًا (النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ، وَلَا تَطْهُرُ بِحَالٍ) فَلَا يَرِدُ نَحْوُ الْخَمْرَةِ وَالْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا لِمَا طَرَأَ عَلَيْهَا. تَتِمَّةٌ: النَّجَسُ لُغَةً: مَا يَسْتَقْذِرُهُ ذُو الطَّبْعِ السَّلِيمِ، وَعُرْفًا كُلُّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا لِذَاتِهَا مَعَ إمْكَانِ التَّنَاوُلِ لِيَخْرُجَ مَا لَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهُ كَالصَّوَّانِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْمُمْتَنِعِ مُسْتَحِيلٌ لَا لِحُرْمَتِهَا، لِيَخْرُجَ صَيْدُ الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ، وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا، لِيَخْرُجَ نَحْوُ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ، فَالْمَنْعُ مِنْهُ لِاسْتِقْذَارِهِ لَا لِنَجَاسَتِهِ، وَلَا لِضَرَرٍ بِهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ لِيَخْرُجَ نَحْوُ السُّمِّيَّاتِ وَالْبَنْجِ. (6 وَالطَّهُورُ أَنْوَاعٌ) أَرْبَعَةٌ : أَحَدُهَا - (مَا يَحْرُمُ) اسْتِعْمَالُهُ (وَلَا يَرْفَعُ حَدَثًا) أَصْغَرَ وَلَا أَكْبَرَ. (وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ (لِنَاسٍ) حُرْمَتُهُ فَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؛ إذْ كَوْنُ الْمَاءِ مُبَاحًا شَرْطٌ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، وَهُوَ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ لَكِنْ جَعَلَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ مُحَرَّمٍ، وَقَدْ صَرَّحُوا هُنَاكَ بِصِحَّتِهَا مِنْ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ. (وَيُزِيلُ) هَذَا النَّوْعُ (الْخَبَثَ) الطَّارِئَ عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ (وَهُوَ مَا لَيْسَ مُبَاحًا) وَلَا مَكْرُوهًا.

(وَ) النَّوْعُ الثَّانِي: (مَا يَرْفَعُ حَدَثَ الْأُنْثَى لَا الرَّجُلِ الْبَالِغِ وَالْخُنْثَى) الْمُشْكِلِ الْبَالِغِ (تَعَبُّدًا) أَيْ: الْمَنْعُ لِلرَّجُلِ الْبَالِغِ وَالْخُنْثَى مِنْ ذَلِكَ تَعَبُّدًا لِأَمْرِ الشَّرْعِ بِهِ، وَعَدَمِ عَقْلِ مَعْنَاهُ. (وَهُوَ) مَاءٌ (قَلِيلٌ) دُونَ الْقُلَّتَيْنِ (خَلَتْ بِهِ كَخَلْوَةِ نِكَاحٍ) امْرَأَةٌ (مُكَلَّفَةٌ وَلَوْ) كَانَتْ (كَافِرَةً) لِأَنَّهَا أَدْنَى مِنْ الْمُسْلِمَةِ، وَأَبْعَدُ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَلِعُمُومِ الْخَبَرِ الْآتِي (لِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) لَا لِبَعْضِهَا (عَنْ حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ. قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، إلَّا أَنَّ النَّسَائِيّ وَابْنَ مَاجَهْ قَالَا " وُضُوءِ الْمَرْأَةِ " وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ " الْأَثْرَمِ ". وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: أَكْثَرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ، فَيَكُونُ تَوْقِيفًا، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ، وَخُصِّصَ بِالْخَلْوَةِ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ " تَوَضَّأَ أَنْتَ هَهُنَا، وَهِيَ هَهُنَا فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبَنَّهُ " وَبِالْقَلِيلِ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْكَثِيرِ فَهَذَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ يَتَطَهَّرْنَ مِنْ الْقَلِيلِ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِخَلْوَتِهَا بِالتُّرَابِ، وَلَا بِالْمَاءِ لِإِزَالَةِ الْخَبَثِ، أَوْ طُهْرٍ مُسْتَحَبٍّ، وَلَا لِخَلْوَةِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، وَلَا غَيْرِ بَالِغَةٍ، لَا لِبَعْضِ طَهَارَةٍ. (وَيَتَّجِهُ: احْتِمَالٌ وَلَوْ لَمْ تَنْوِ) الْكَافِرَةُ الْمُكَلَّفَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا رَفْعَ الْحَدَثِ فَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ. وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَا بَأْسَ بِهِ

(وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا (أَنَّهُ يَصِحُّ غُسْلُ رَجُلٍ مَيِّتٍ بِهِ) لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ تَعَبُّدٌ، كَذَا قَالَ، وَعِبَارَةُ " الْمُقْنِعِ " وَغَيْرِهِ: وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": فَعُمُومُهُ يَتَنَاوَلُ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، وَالْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ الْمُسْتَحَبَّيْنِ وَغُسْلَ الْمَيِّتِ. (وَ) النَّوْعُ الثَّالِثُ: (مَا يُكْرَهُ) اسْتِعْمَالُهُ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَعَيَّنَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَكْرُوهٍ، إذْ لَا يُتْرَكُ وَاجِبٌ لِشُبْهَةٍ (كَ) مَاءٍ (مُسْتَعْمَلٍ فِي طُهْرٍ لَا يَرْفَعُ) ذَلِكَ الطُّهْرُ (حَدَثًا) بِأَنْ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ لَمْ تَجِبْ (كَتَجْدِيدٍ وَغَسْلَةٍ ثَانِيَةٍ وَثَالِثَةٍ) فِي وُضُوءٍ وَغُسْلٍ (أَوْ) اُسْتُعْمِلَ (فِي غُسْلِ كَافِرٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا وَلَمْ يُزِلْ خَبَثًا (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الْكَافِرُ (كَافِرَةً) ذِمِّيَّةً؛ اغْتَسَلَتْ (لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ) لِحِلِّ وَطْءِ زَوْجِهَا الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْغُسْلَ لَا يَسْلُبُ الْمَاءَ طَهُورِيَّتَهُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا لِلنِّيَّةِ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ غُسْلُ مُسْلِمَةٍ مُمْتَنِعَةٍ) مِنْ الْغُسْلِ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ لِحِلِّ وَطْءٍ، وَيَنْوِي مَنْ يُغَسِّلُهَا، لِتَعَذُّرِ النِّيَّةِ مِنْهَا حِينَئِذٍ. (وَيَتَّجِهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ مُسْتَعْمِلٍ) أَيْ: مُتَطَهِّرٍ (فَحَنَفِيٌّ تَطَهَّرَ بِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (بِلَا نِيَّةٍ) فِي حَقٍّ (طَاهِرٌ) لَا يَرْفَعُ عَنْهُ حَدَثًا، وَلَا يُزِيلُ خَبَثًا، (وَ) مَا اجْتَمَعَ مِنْ مَاءِ وُضُوئِهِ فَهُوَ (طَهُورٌ) عِنْدَنَا، غَيْرَ أَنَّهُ (يُكْرَهُ) لَنَا التَّطَهُّرُ بِهِ. وَكَذَلِكَ (إنْ تَوَضَّأَ الْحَنَفِيُّ لَمَسَ فَرْجٍ) لِأَنَّهُ تَوَضَّأَ تَجْدِيدًا لَا عَنْ حَدَثٍ، (أَوْ) تَوَضَّأَ

(شَافِعِيٌّ لِفَصْدٍ) فَيُكْرَهُ لَنَا اسْتِعْمَالُ مَا تَوَضَّأَ بِهِ فِي الطَّهَارَةِ. (أَوْ حَنَفِيَّةٌ حَاضَتْ) وَاغْتَسَلَتْ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ (لِحِلِّ وَطْءٍ) فَيَصْلُحُ أَنْ تَتَطَهَّرَ بِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَفِعْ بِهِ عَنْهَا حَدَثٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ غُسِلَ) بِهِ (رَأْسُ) مُتَوَضِّئٍ (بَدَلًا عَنْ مَسْحٍ) فَلَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، لِعَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِهِ فِي الْوُضُوءِ. (وَكَمَاءِ بِئْرٍ بِمَقْبَرَةٍ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ، وَبِفَتْحِ الْبَاءِ مَعَ كَسْرِ الْمِيمِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " فِي الْأَطْعِمَةِ: وَكَرِهَ أَحْمَدُ مَاءَ بِئْرٍ بَيْنَ الْقُبُورِ وَشَوْكِهَا

وَبَقْلِهَا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: كَمَا سُمِّدَ بِنَجِسٍ، وَالْجَلَّالَةَ. انْتَهَى. (أَوْ) أَيْ: وَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَاءِ بِئْرٍ بِمَكَانِ (غَصْبٍ) أَيْ: مَغْصُوبٍ، (أَوْ حُفِرَتْ الْبِئْرُ بِهِ) أَيْ: الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ، وَيَحْرُمُ حَفْرُهَا بِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ آلَةً فَحَفَرَ بِهَا أَرْضَهُ الْمَمْلُوكَةَ لَهُ، أَوْ أَكْرَهَ إنْسَانًا عَلَى حَفْرِهَا فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَائِهَا (أَوْ) حُفِرَتْ الْبِئْرُ (بِأُجْرَةِ غَصْبٍ) أَوْ بَعْضِهَا، (وَ) كَذَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَاءٍ (شَدِيدِ حَرٍّ أَوْ) شَدِيدِ (بَرْدٍ) لِأَنَّهُ يُؤْذِي وَيَمْنَعُ كَمَالَ الطَّهَارَةِ (وَ) اسْتِعْمَالُ مَاءٍ (مَظْنُونٍ نَجَاسَتَهُ) فَيُكْرَهُ، بِخِلَافِ مَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ فَلَا يُكْرَهُ، قَالَهُ الشَّارِحُ. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا اسْتِعْمَالُ مَاءٍ (مُسَخَّنٍ بِهَا) أَيْ: بِالنَّجَاسَةِ، سَوَاءٌ ظَنَّ وُصُولَهَا إلَيْهِ، أَوْ احْتَمَلَ، أَوْ لَا، حَصِينًا كَانَ الْحَائِلُ أَوْ غَيْرَ حَصِينٍ وَلَوْ بَرَدَ، وَيُكْرَهُ إيقَادُ النَّجَسِ، وَإِنْ عُلِمَ وُصُولُ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ وَكَانَ يَسِيرًا فَنَجَسٌ (أَوْ) مُسَخَّنٌ (بِغَصْبٍ) فَيُكْرَهُ، لِأَنَّهُ أَثَرٌ مُحَرَّمٌ. (وَ) يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَاءٍ (مُتَغَيِّرٍ بِغَيْرِ مُمَازَجٍ كَعُودٍ قَمَارِيٍّ) بِفَتْحِ الْقَافِ: نِسْبَةً إلَى بَلْدَةِ قِمَارَ: مَوْضِعٍ بِبِلَادِ الْهِنْدِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ، قَالَهُ فِي " الْمُطْلِعِ " (وَقِطَعِ كَافُورٍ وَدُهْنٍ) كَزَيْتٍ وَسَمْنٍ (وَزِفْتٍ) لِأَنَّهُ لَا يُمَازِجُ الْمَاءَ، وَكَرَاهَتُهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَقَطِرَانٍ) ، وَهُوَ نَوْعَانِ: نَوْعٌ فِيهِ دُهْنِيَّةٌ، فَلَا يُمَازِجُ الْمَاءَ، فَتَغَيُّرُهُ بِهِ تَغَيُّرُ مُجَاوِرَةٍ، وَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَغَيِّرِ بِالدُّهْنِ، وَنَوْعٌ لَا دُهْنِيَّةَ فِيهِ فَتَغَيُّرُ الْمَاءِ بِهِ تَغَيُّرُ مُخَالَطَةٍ فَيَسْلُبُ الْمَاءَ الطَّهُورِيَّةَ عَلَى الْمَذْهَبِ. قَالَ الشِّيشْنِيُّ: قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا لَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِقَطِرَانٍ وَشَكَّ هَلْ فِيهِ دُهْنِيَّةٌ أَوْ لَا: فَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ فِي طَهَارَتِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ. (أَوْ) مُتَغَيِّرٌ (بِمِلْحٍ مَائِيٍّ)

لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْمَاءِ بِخِلَافِ الْمَعْدِنِيِّ فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ. (وَيَتَّجِهُ) اشْتِرَاطُ كَوْنِ مَاءِ ذَلِكَ الْمِلْحِ (غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ قَبْلَ انْعِقَادِهِ) إذْ لَوْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا قَبْلَ ذَلِكَ لَسَلَبَهُ الطَّهُورِيَّةَ. صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ (وَ) كَذَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ (مَاءِ بِئْرِ بَرَهُوتَ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ، وَيُقَالُ: بَرَهُوتُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَهِيَ: بِئْرٌ عَمِيقَةٌ بِحَضْرَمَوْتَ لَا يُسْتَطَاعُ النُّزُولُ إلَى قَعْرِهَا، ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهَا الْبِئْرُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ شَرُّ بِئْرٍ عَلَى الْأَرْضِ بَرَهُوتُ " (وَ) يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَاءِ بِئْرِ (ذَرْوَانَ) وَهِيَ الَّتِي أُلْقِيَ فِيهَا سِحْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ الْآنَ مَطْمُومَةٌ تُلْقَى فِيهَا الْقُمَامَةُ وَالْعَذِرَاتُ (وَ) اسْتِعْمَالُ مَاءِ (دِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ) لِأَنَّهَا مِنْ الْبِقَاعِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهَا. (وَكَذَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَاءِ بِئْرِ زَمْزَمَ فِي إزَالَةِ خَبَثٍ) تَشْرِيفًا لَهُ، لَا فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَ (لَا) يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَاءٍ (جَارٍ عَلَى الْكَعْبَةِ) صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. (وَلَا يُبَاحُ غَيْرُ بِئْرِ النَّاقَةِ مِنْ آبَارٍ) أَرْضِ (ثَمُودَ) قَوْمِ صَالِحٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْحِجْرِ أَرْضِ ثَمُودَ، فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُهْرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَيَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَلَا تَصِحُّ طَهَارَةٌ) أَيْ: وُضُوءٌ أَوْ غُسْلٌ مِنْ عَالِمٍ ذَاكِرٍ (بِهَا) أَيْ: بِمَاءِ آبَارِ ثَمُودَ غَيْرَ بِئْرِ النَّاقَةِ مِنْهَا، وَهِيَ الَّتِي اسْتَمَرَّ عِلْمُ النَّاسِ بِهَا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلَى وَقْتِنَا هَذَا، فَلَا تَرِدُ الرُّكْبَانُ بِئْرًا غَيْرَهَا، وَهِيَ مَطْوِيَّةٌ مُحْكَمَةُ الْبِنَاءِ وَاسِعَةُ الْأَرْجَاءِ آثَارُ الْعَفْوِ عَلَيْهَا بَادِيَةٌ لَا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا.

(فَرْعٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) : الْأَصْحَابِ (كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِ مَاءِ بِئْرٍ بِمَقْبَرَةٍ حَتَّى فِي نَحْوِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) وَغَيْرِهِمَا. (وَيَتَّجِهُ مِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ مَاءِ الْبِئْرِ الَّذِي فِي الْمَقْبَرَةِ (مَا سُخِّنَ بِنَجَاسَةٍ) ، إذْ لَا يُؤْمَنُ تَخَلُّلُ دُخَانِهَا الْمَاءَ، (أَوْ غَصْبٍ) لِلْأَمْرِ بِاتِّقَاءِ الشُّبُهَاتِ اسْتِبْرَاءً لِلْعِرْضِ وَالدِّينِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ بَقْلَ مَقْبَرَةٍ) وَشَوْكَهَا إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ نَبْشُهَا وَإِلَّا فَنَجِسٌ. (وَ) النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّهُورِ، وَهُوَ أَشْرَفُهَا: (مَا لَا يُكْرَهُ) اسْتِعْمَالُهُ (كَمَاءِ بَحْرٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. (وَ) كَمَاءِ (حَمَّامٍ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ دَخَلُوا لَهُ، وَرَخَّصُوا فِيهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ وُقُودُهَا نَجِسًا (وَ) كَمَاءٍ (قَطَرَ) مِنْ (بُخَارِهِ) أَيْ: الْحَمَّامِ (وَ) كَمَاءٍ (مُسَخَّنٍ بِشَمْسٍ) وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ، وَقَدْ سَخَّنَتْ مَاءً فِي الشَّمْسِ: لَا تَفْعَلِي فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْضُوعًا. وَكَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الَّذِي سُخِّنَ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهُ يُعْدِي مِنْ الْبَرَصِ» قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّى: غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَعْضُدُ ذَلِكَ إجْمَاعُ أَهْلِ الطِّبِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَرَصِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَثَّرَ لَمَا اُخْتُلِفَ بِالْقَصْدِ وَعَدَمِهِ، وَلَمَا اخْتَصَّ تَسْخِينُهُ بِالْأَوَانِي الْمُنْطَبِعَةِ دُونَ غَيْرِهَا (أَوْ) مُسَخَّنٍ بِوَقُودٍ (طَاهِرٍ) كَالْحَطَبِ فَلَا يُكْرَهُ نَصًّا لِعُمُومِ الرُّخْصَةِ، وَعَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ مَاءٌ فِي قُمْقُمٍ فَيَغْتَسِلُ بِهِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (وَ) مِنْهُ مَاءٌ (مُتَغَيِّرٌ بِمُكْثٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ بِمَاءٍ آجِنٍ»

وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سِوَى ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، (أَوْ) مُتَغَيِّرٌ بِوُصُولِ (رِيحِ مَيْتَةٍ) إلَيْهِ فَلَا يُكْرَهُ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، (وَ) مِنْهُ مُتَغَيِّرٌ (بِمَا يَشُقُّ صَوْنُهُ) أَيْ: الْمَاءِ (عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ ذَلِكَ الْمُغَيِّرِ، (إنْ وَقَعَ) الْمُغَيِّرُ فِيهِ (بِنَفْسِهِ) ، أَيْ: لَا بِصُنْعِ إنْسَانٍ ذِي قَصْدٍ فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) مُتَغَيِّرٌ (بِفِعْلِ بَهِيمَةٍ) أَوْ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ صَغِيرٍ، أَوْ غَيْرِ عَاقِلٍ؛ فَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا قَصْدَ لَهُمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، ثُمَّ مَثَّلَ مَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (كَطُحْلُبٍ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا، وَهُوَ: خُضْرَةٌ تَعْلُو الْمَاءَ الرَّاكِدَ إذَا طَالَ مُكْثُهُ فِي الشَّمْسِ (وَوَرَقِ شَجَرٍ وَجَرَادٍ، وَمَا لَا نَفْسَ) أَيْ: دَمَ (لَهُ سَائِلٌ) : كَالْخُنْفُسَاءِ وَالْعَقْرَبِ وَالصَّرَاصِيرِ مِنْ غَيْرِ كُنُفٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. (وَنَحْوُ سَمَكٍ) مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ: كَضُفْدَعٍ وَسَرَطَانٍ وُجِدَ (فِيهِ) أَيْ: الْمَاءِ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ. (وَ) مِنْهُ الْمُتَغَيِّرُ (بِآنِيَةِ أُدْمٍ) أَيْ: جِلْدٍ (وَ) آنِيَةٍ (نَحْوِ نُحَاسٍ) كَحَدِيدٍ (وَ) مُتَغَيِّرٌ (بِمَا فِي مَقَرِّهِ، أَوْ مَمَرِّهِ) مِنْ كِبْرِيتٍ وَنَحْوِهِ، (أَوْ مُتَغَيِّرٌ بِتُرَابٍ) طَهُورٍ (وَلَوْ وَضَعَ) التُّرَابَ (قَصْدًا) لِأَنَّهُ أَحَدُ الطَّهُورَيْنِ، وَلِعَدَمِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَصِرْ طِينًا (أَوْ) أَيْ: وَمِنْ الطَّهُورِ غَيْرُ الْمَكْرُوهِ: مَا (اُسْتُهْلِكَ فِيهِ يَسِيرُ) مَاءٍ (طَاهِرٍ أَوْ) اُسْتُهْلِكَ فِيهِ (مَائِعٌ) كَعَصِيرٍ وَمَاءِ وَرْدٍ، (وَلَوْ) كَانَ وَضَعَهُ (لِعَدَمِ كِفَايَةِ) ذَلِكَ الْمَاءِ لِمُرِيدِ الطَّهَارَةِ، (كَ) مَا لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ مَاءٍ يَسِيرٍ (مُنْتَضَحٌ مِنْ وُضُوئِهِ فِي إنَائِهِ) لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، (وَ) كَمَاءٍ (مُسْتَعْمَلٍ فِي غَيْرِ طَهَارَةٍ) وَاجِبَةٍ، أَوْ مُسْتَحَبَّةٍ (كَغَسْلَةٍ رَابِعَةٍ فِي وُضُوءٍ وَغُسْلٍ، وَ) غَسْلَةٍ (ثَامِنَةٍ فِي إزَالَةِ نَجَاسَةٍ) إذْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ

سَرَفٌ، فَلَا يُسْلَبُ الْمَاءُ الطَّهُورِيَّةَ، (وَكَ) اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي (تَبَرُّدٍ وَتَنَظُّفٍ) فَلَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا فِي ذَلِكَ، وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا. الْقِسْمُ (الثَّانِي) مِنْ أَقْسَامِ الْمِيَاهِ: (طَاهِرٌ) غَيْرُ مُطَهِّرٍ (يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ طُهْرٍ) مِنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي أَكْلٍ وَشُرْبٍ، (وَ) لِذَلِكَ (لَا يَحْنَثُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً، وَلَا يَلْزَمُ مُوَكِّلًا) فِي شِرَاءِ مَاءٍ، فَاشْتَرَى لَهُ الْوَكِيلُ مَاءً طَاهِرًا، لِأَنَّ اسْمَ الْمَاءِ لَا يَتَنَاوَلُهُ، بَلْ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ الشِّرَاءُ إنْ عَلِمَ الْحَالَ وَإِلَّا يَعْلَمْ الْحَالَ فَ (هُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ) كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْوَكَالَةِ (وَهُوَ) أَيْ: الْمَاءُ الطَّاهِرُ (أَنْوَاعٌ) : مِنْهَا: (مُسْتَخْرَجٌ بِعِلَاجٍ: كَمَاءِ وَرْدٍ وَنَبَاتٍ) وَخَلَائِفَ وَبِطِّيخٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ، (وَ) مِنْهَا: (طَهُورٌ تَغَيَّرَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ تَطْهِيرٍ) إذْ التَّغَيُّرُ فِي مَحَلِّهِ لَا يُؤَثِّرُ (كَثِيرٌ) فَاعِلُ تَغَيَّرَ (عُرْفًا مِنْ لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ بِطَاهِرٍ) مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَاءِ سَوَاءٌ طُبِخَ فِيهِ كَالْبَاقِلَاءِ وَنَحْوِهِ، أَوْ سَقَطَ فِيهِ كَزَعْفَرَانٍ، لِزَوَالِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَلِزَوَالِ مَعْنَى الْمَاءِ عَنْهُ، فَلَا يُطْلَبُ بِشُرْبِهِ الْإِرْوَاءَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا تَغَيَّرَ جَمِيعُ أَوْصَافِهِ، أَوْ كُلُّ صِفَةٍ مِنْهَا بِطَاهِرٍ، أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ طَاهِرٌ بِالْأَوْلَى، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ الْيَسِيرُ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّلَاثَةِ أَثَّرَ، وَكَذَا مِنْ صِفَتَيْنِ إنْ كَانَ الْيَسِيرُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ ثَلَاثٍ يَعْدِلُ الْكَثِيرَ مِنْ صِفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِزَعْفَرَانٍ مَثَلًا فِي مَحَلِّ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ مَا دَامَ مَحَلِّ التَّطْهِيرِ (وَ) يَسْتَمِرُّ طَاهِرًا مَا (لَمْ يَزُلْ تَغَيُّرُهُ) فَإِذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ عَادَ إلَى طَهُورِيَّتِهِ (كَ) مَاءٍ طُبِخَ فِيهِ (بَاقِلَاءُ) بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ (وَ) مَاءٌ وُضِعَ فِي (عَسَلٍ) وَنَحْوِهِ (غَيْرَ مَا مَرَّ) مِمَّا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ، (وَلَوْ) كَانَ التَّغَيُّرُ (بِوَضْعِ مَا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ، كَطُحْلُبٍ) فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ إنْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ، (أَوْ)

كَانَ التَّغَيُّرُ (بِخَلْطِ مَا لَا يَشُقُّ) صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ بِصُنْعِ عَاقِلٍ أَوْ غَيْرِهِ: (كَخَلٍّ) وَحِبْرٍ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ، وَإِنَّمَا يُقَالُ مَاءُ كَذَا بِالْإِضَافَةِ اللَّازِمَةِ، بِخِلَافِ مَاءِ الْبَحْرِ وَالْحَمَّامِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمَةٍ. (وَ) مِنْهَا (مُسْتَعْمَلٌ قَلِيلٌ) أَيْ: دُونَ الْقُلَّتَيْنِ (فِي غُسْلِ مَيِّتٍ، أَوْ) قَلِيلٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي (رَفْعِ حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ عَلَى وَجْهِ الْإِتْلَافِ، فَلَا يُسْتَعْمَلُ مَرَّةً أُخْرَى (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالُ (بِغَمْسِ بَعْضِ عُضْوٍ) مِنْ أَعْضَاءِ (مَنْ عَلَيْهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ أَوْ) كَانَ بِغَمْسِ بَعْضِ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ مِمَّنْ عَلَيْهِ حَدَثٌ (أَصْغَرُ عِنْدَ غَسْلِهِ) أَيْ: مَحَلِّ غَسْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ (وَنَوَى رَفْعَهُ) أَيْ: الْحَدَثَ (فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ. (وَيُسْتَعْمَلُ) يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا (بِ) (انْفِصَالِ أَوَّلِ جُزْءٍ) مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ الَّذِي غَمَسَهُ، (وَلَا يَرْتَفِعُ) عَنْ الْمَغْمُوسِ (حَدَثٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يُغْسَلْ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ غَمْسُ بَعْضِ الْعُضْوِ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ (فِي) الْحَدَثِ (الْأَكْبَرِ إنْ انْقَطَعَ مُوجِبُهُ) أَيْ: الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ، وَخُرُوجِ مَنِيٍّ (وَاحْتَمَلَ) الزَّمَنُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الِانْقِطَاعِ وَالْغَمْسِ لِلنِّيَّةِ (وَسُمِّيَ) مَنْ انْقَطَعَ مُوجِبَ حَدَثِهِ حَالَ كَوْنِهِ (ذَاكِرًا) التَّسْمِيَةَ لِرَفْعِ حَدَثِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُؤَثِّرْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي رَفْعِ حَدَثٍ. (وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا (أَنَّ مَجْنُونَةً نَوَى) مُكَلَّفٌ (غَسْلَهَا) لِحِلِّ وَطْءٍ (كَمَيِّتٍ) فِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُنْفَصِلَ عَنْ أَعْضَائِهَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيُسْتَعْمَلُ) (فِي الطَّهَارَتَيْنِ) الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى (بِانْتِقَالِهِ مِنْ عُضْوٍ إلَى) عُضْوٍ (آخَرَ بَعْدَ زَوَالِ اتِّصَالِهِ) عَنْ الْعُضْوِ (لَا بِتَرَدُّدِهِ عَلَى أَعْضَاءٍ مُتَّصِلَةٍ) لِأَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ، فَانْتِقَالُ الْمَاءِ مِنْ عُضْوٍ إلَى آخَرَ عَلَى وَجْهِ الِاتِّصَالِ، كَتَرَدُّدِهِ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ أَعْضَاءِ الْمُحْدِثِ، فَإِنَّهَا مُتَغَايِرَةٌ، وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ لِغَسْلِهَا التَّرْتِيبُ. (وَيَتَّجِهُ: أَنَّهُ) أَيْ: الْمَاءَ الْمُتَرَدِّدَ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمُتَّصِلَةِ (مُسْتَعْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا) أَيْ: عُضْوٍ (مَرَّ) ذَلِكَ الْمَاءُ (عَلَيْهِ) لَا مُطْلَقًا لِلْحُكْمِ بِطَهُورِيَّتِهِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ، (وَإِلَّا) نُقِلَ أَنَّهُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْعُضْوِ (لَأَجْزَأَ عَنْ الثَّلَاثِ) غَسَلَاتٍ (فِي نَحْوِ وُضُوءٍ) كَغُسْلٍ (عَوْدُهُ) أَيْ: الْمَاءِ، أَيْ: تَرَدَّدَ (ثَانِيًا وَثَالِثًا) عَلَى ذَلِكَ الْعُضْوِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ إلَّا غَسْلَةً وَاحِدَةً كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ عَلَى عُضْوٍ مُتَنَجِّسٍ، أَوْ اسْتَمَرَّ فِي الْمَاءِ زَمَنًا طَوِيلًا، ثُمَّ انْفَصَلَ عَنْهُ، لَا يُحْتَسَبُ ذَلِكَ إلَّا غَسْلَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (أَوْ) اُسْتُعْمِلَ (فِي زَوَالِ خَبَثٍ) أَيْ: نَجَاسَةٍ (وَانْفَصَلَ) حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ مَعَ زَوَالِهِ) أَيْ: الْخَبَثِ بِهِ. وَإِنَّمَا يَكُونُ طَاهِرًا إذَا انْفَصَلَ (عَنْ مَحَلِّ طُهْرٍ) بِأَنْ غَسَلَ الْمَحَلَّ قَبْلَ ذَلِكَ سِتًّا مَثَلًا، فَالْمُنْفَصِلُ فِي السَّابِعَةِ طَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ، وَالْمُتَّصِلُ طَاهِرٌ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ (أَوْ غُسِلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِهِ ذَكَرٌ وَأُنْثَيَانِ، لِخُرُوجِ مَذْيٍ دُونَهُ) أَيْ:

دُونَ الْمَذْيِ إذْ هُوَ نَجِسٌ فَيَجِبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا وَالسِّتُّ غَسَلَاتٍ الْمُنْفَصِلَةِ نَجِسَةٌ، وَالسَّابِعَةُ طَاهِرَةٌ إنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ بِهِ (أَوْ غُمِسَ فِيهِ) أَيْ: الطَّهُورِ الْقَلِيلِ (وَلَوْ) كَانَ الْغَمْسُ (بِلَا نِيَّةِ كُلُّ يَدِ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) أَيْ: بَالِغٍ عَاقِلٍ، وَلَوْ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ جَاهِلًا (قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ مُتَيَقِّنٍ) أَنَّهُ لَيْلٌ (نَاقِضٌ) ذَلِكَ النَّوْمَ (لِوُضُوءٍ) فَلَا يَضُرُّ نَوْمٌ يَسِيرٌ مِنْ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ مُتَمَكِّنٍ (أَوْ حَصَلَ) الْمَاءُ الْيَسِيرُ (فِي) يَدِهِ (كُلِّهَا بِلَا غَمْسٍ) أَوْ فِي بَعْضِهَا بِنِيَّتِهِ وَتَسْمِيَتِهِ (وَلَوْ بَاتَتْ) تِلْكَ الْيَدُ (بِنَحْوِ جِرَابٍ) كَكِيسٍ، أَوْ كَانَتْ مَكْتُوفَةً (قَبْلَ غَسْلِهَا ثَلَاثًا بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ) بَعْدَ النِّيَّةِ وَقَبْلَ الْغَسْلِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثًا. فَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُ مَنْعًا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ. (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يَطْهُرَ) مُرِيدُ نَحْوِ صَلَاةٍ (بِذَا) الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ حَدَثُهُ أَوْ نَجَسُهُ (إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَالْقَائِلُونَ بِطَهُورِيَّتِهِ أَكْثَرُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِسَلْبِهَا (مَعَ تَيَمُّمٍ) بَعْدَ اسْتِعْمَالِهِ وُجُوبًا حَيْثُ شُرِعَ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ لِكَوْنِ الْمَاءِ غَيْرَ طَهُورٍ، فَإِنْ تَرَكَ مُحْدِثٌ اسْتِعْمَالَهُ أَوْ التَّيَمُّمَ بِلَا عُذْرٍ أَعَادَ مَا صَلَّى بِهِ، لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ فَلَا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِيمَا يَأْتِي، وَلَا أَثَرَ لِغَمْسِهَا فِي مَائِعٍ طَاهِرٍ لَكِنْ يُكْرَهُ غَمْسُهَا فِي مَائِعٍ بِيَدِهِ وَأَكْلُ شَيْءٍ رَطْبٍ بِهَا. قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " (وَمَا خَلَتْ بِهِ مُكَلَّفَةٌ) لِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ عَنْ حَدَثٍ أَوْلَى بِالِاسْتِعْمَالِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ لِبَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ وُجِدَ هَذَيْنِ الْمَائَيْنِ، وَعُدِمَ غَيْرُهُمَا فَالطَّهُورُ الْمَذْكُورُ (أَوْلَى) مَعَ التَّيَمُّمِ (أَوْ) أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الطَّاهِرِ مَا لَوْ (خُلِطَ) الطَّهُورُ (الْقَلِيلُ) (بِ) مَاءٍ (طَاهِرٍ لَوْ خَالَفَهُ) أَيْ: الطَّهُورَ (صِفَةٌ) مِنْ صِفَاتِهِ بِأَنْ يَفْرِضَ الْمُسْتَعْمِلُ مَثَلًا أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ أَوْ

أَسْوَدَ (غَيَّرَهُ) أَيْ: الطَّهُورَ الْقَلِيلَ فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةُ. وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُسْتَعْمَلِ وَغَيْرِهِ مِنْ الطَّاهِرَاتِ بِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ إنَّمَا بَايَنَ الطَّهُورَ فِي وَصْفِهِ لَا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الطَّاهِرَاتِ فَقَدْ بَايَنَتْهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْوَصْفِ فَهِيَ أَشَدُّ تَأْثِيرًا مِنْ الْمُسْتَعْمَلِ (وَلَوْ بَلَغَا) أَيْ: الطَّهُورُ وَالْمُسْتَعْمَلُ إذَنْ (قُلَّتَيْنِ) كَالطَّاهِرِ غَيْرُ الْمَاءِ، وَكَخَلْطِ مُسْتَعْمَلٍ بِمُسْتَعْمَلٍ يَبْلُغَانِ قُلَّتَيْنِ، فَلَا يَصِيرُ طَهُورًا (وَيُقَدِّرُ) الْمُخَالِفُ (بِوَسَطٍ كَخَلٍّ) اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. قَالَ الْمَجْدُ: وَلَقَدْ تَحَكَّمَ؛ إذْ الْخَلُّ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، انْتَهَى. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ وَسَطًا فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِلْوَسَطِ لَا لَهُ بِخُصُوصِهِ. وَقَالَ الشَّارِحُ: وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ أَيْ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ هُوَ وَعَائِشَةُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِيهِمَا فِيهِ، كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَبْقِ لِي» فَظَاهِرُ حَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ يَمْنَعُ مِنْ اعْتِبَارِهِ بِالْخَلِّ، لِسُرْعَةِ نُفُوذِهِ، وَسِرَايَتِهِ، فَيُؤَثِّرُ قَلِيلُهُ فِي الْمَاءِ، وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ الْيَسِيرِ مُطْلَقًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ، فَمَا عُدَّ كَثِيرًا مُنِعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ لَمْ يُمْنَعْ عَمَلًا بِالْأَصْلِ الْقِسْمُ (الثَّالِثُ) مِنْ أَقْسَامِ الْمِيَاهِ: (نَجِسٌ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا وَسُكُونِهَا، وَهُوَ لُغَةً: الْمُسْتَقْذَرُ، يُقَالُ: نَجِسَ يَنْجَسُ: كَ عَلِمَ يَعْلَمُ وَشَرُفَ يَشْرُفُ. (يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَعَطَشِ) مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ طَهُورٌ، وَلَا طَاهِرٌ، وَطَفْيِ حَرِيقٍ مُتْلِفٍ (وَلَا تُحْلَبُ قَرِيبًا بَهِيمَةٌ سُقِيَتْهُ) أَيْ: النَّجَسَ بَلْ بَعْدَ أَنْ تُسْقَى الطَّاهِرَ، كَمَا فِي الزَّرْعِ إذَا سُمِّدَ بِنَجَسٍ (وَيَجُوزُ بَلُّ طِينٍ بِهِ) أَيْ: النَّجَسِ مَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُطَيَّنُ بِهِ، نَحْوُ مَسْجِدٍ (وَهُوَ) قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ (مَا تَغَيَّرَ) (بِ) مُخَالَطَةِ (نَجَاسَةٍ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا.

وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَجَاسَةِ الْمُتَغَيِّرِ بِنَجَاسَةٍ، وَ (لَا) يَنْجَسُ مَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ (بِمَحَلِّ تَطْهِيرٍ) مَا دَامَ مُتَّصِلًا (إذْ الْوَارِدُ بِهِ) أَيْ: بِمَحَلِّ التَّطْهِيرِ (طَهُورٌ) مُزِيلٌ لِلنَّجَاسَةِ، إذْ لَوْ قُلْنَا: يَنْجَسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ لَمْ يُمْكِنْ تَطْهِيرُ نَجِسٍ بِمَاءٍ قَلِيلٍ، وَلَوْ قُلْنَا: يَنْجَسُ بِمُجَرَّدِ التَّغَيُّرِ لَلَزِمَ غَالِبًا الزِّيَادَةُ عَلَى السَّبْعِ، وَأَفْضَى إلَى الْحَرَجِ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْرُودًا بِأَنْ غُمِسَ الْمُتَنَجِّسُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ فَيَنْجَسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ. (وَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا) : النَّجَاسَةِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَ (إنْ كَانَ كَثِيرًا) أَيْ: قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ (وَلَوْ) كَانَ الْمَوْصُوفُ بِالْكَثْرَةِ (الْبَعْضَ) ، وَالْبَعْضُ الْآخَرُ مُتَغَيِّرٌ، فَالْمُتَغَيِّرُ نَجِسٌ، وَالْبَعْضُ الْآخَرُ الْكَثِيرُ طَهُورٌ، لِخَبَرِ " الْقُلَّتَيْنِ " وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَصْلًا (لَمْ يَنْجَسْ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ وَارِدًا أَوْ مَوْرُودًا. قَالَ فِي الْمُغْنِي كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَوَقَعَ فِي جَانِبٍ مِنْهُ نَجَاسَةٌ، فَتَغَيَّرَ بِهَا نَظَرْتَ فِيمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ، فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ نَجِسٌ بِالتَّغَيُّرِ، وَالْبَاقِي يَنْجَسُ بِالْمُلَاقَاةِ. انْتَهَى. وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ، وَغَيَّرَتْ النَّجَاسَةُ مِنْهُ قَدْرًا يُعْفَى عَنْهُ فِي نَقْصِ الْقُلَّتَيْنِ، كَالرِّطْلِ وَالرِّطْلَيْنِ، فَالْبَاقِي طَهُورٌ؛ لِأَنَّهُ قُلَّتَانِ (وَإِلَّا) يَكُنْ كَثِيرًا (نَجِسَ بِمُجَرَّدِهِ) أَيْ: بِمُجَرَّدِ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ، أَوْ وُرُودِهَا عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ الْقَلِيلُ (جَارِيًا) بِحَيْثُ لَوْ رَكَدَ لَأَمْكَنَ سَرَيَانُ النَّجَاسَةِ فِيهِ (أَوْ) كَانَ (عَلَى مَقَابِرَ نُبِشَتْ) مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِتَحْقِيقِ وُصُولِ الصَّدِيدِ إلَيْهِ (أَوْ) كَانَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي لَاقَتْهُ (لَمْ يُدْرِكْهَا طَرْفُهُ) أَيْ: بَصَرِ النَّاظِرِ إلَيْهَا، كَالنُّقَطِ الصِّغَارِ مِنْ رَشَاشِ الْخَمْرِ وَالدَّمِ وَنَحْوِهِ، وَاَلَّذِي يَعْلَقُ بِأَرْجُلِ الذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ مِنْ النَّجَاسَاتِ الرَّطْبَةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا فِي الْمَاءِ. قَالَ الشِّيشْنِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ مِنْ نَجَاسَةٍ لَا يُعْفَى عَنْهَا إذَا سَقَطَ عَلَى الثِّيَابِ وَالْبَدَنِ كَالْمَاءِ.

وَيَتَوَجَّهُ الْعَفْوُ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَاءِ، لِحُصُولِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ إذْ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْ النَّجَاسَةِ بِتَغْطِيَةِ الْإِنَاءِ مُمْكِنٌ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ارْتَفَعَ عَنْ النَّجَاسَةِ جَفَّ مَا عَلِقَ بِهِ مِنْهَا بِالْهَوَاءِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الثَّوْبِ، وَلِأَنَّ الثَّوْبَ النَّجَاسَةُ فِيهِ أَخَفُّ. (أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ تَسْرِي فِيهِ) النَّجَاسَةُ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ بِالْفَلَاةِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ فَقَالَ: إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ. وَسُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ عَنْهُ فَقَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَصَحَّحَهُ الطَّحْطَاوِيُّ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: وَيَكْفِي شَاهِدًا عَلَى صِحَّتِهِ؛ أَنَّ نُجُومَ أَهْلِ الْحَدِيثِ صَحَّحُوهُ. «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ» وَلَمْ يَعْتَبِرْ التَّغْيِيرَ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ - قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ - وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ -؟ قَالَ: إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَأَبُو دَاوُد - فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَاءَهَا كَانَ يَزِيدُ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ. وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا - «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ - مُطْلَقُ حَدِيثِ " الْقُلَّتَيْنِ " مُقَيَّدٌ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَبَاءُ بُضَاعَةَ: تُضَمُّ وَتُكْسَرُ. (فَائِدَةٌ) : قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ فِي بِرْكَتَيْنِ، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَعْلَى مِنْ الْأُخْرَى، وَبَيْنَهُمَا سَاقِيَّةٌ لَطِيفَةٌ يَتَّصِلُ بِهِمَا الْمَاءَانِ، وَفِي إحْدَاهُمَا نَجَاسَةٌ: فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، أَوْ كَانَا مُتَغَيِّرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا: فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَا أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ، وَلَا تَغَيُّرَ: فَكُلٌّ مِنْهُمَا طَهُورٌ، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُسْتَعْلِيَةً يَنْضُبُ

الْمَاءُ مِنْهَا فِي الْأُخْرَى، وَالنَّجَاسَةُ فِي الْعُلْيَا: فَهُمَا فِي حُكْمِ الْمَاءَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَاءُ الْعُلْيَا كَثِيرًا وَلَا تَغَيُّرَ: فَمَحْكُومٌ بِطَهُورِيَّتِهِ وَطَهُورِيَّةِ مَا نَضَبَ مِنْهُ إلَى السُّفْلَى مَا لَمْ يَنْقُصْ، فَيَصِيرُ نَجِسًا بِنَجَسِ الَّذِي فِي السُّفْلَى إنْ كَانَ فِي حَدِّ الْقُلَّةِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، وَلَا تَغَيُّرَ فَطَهُورٌ (كَمَائِعٍ) مِنْ نَحْوِ زَيْتٍ وَخَلٍّ وَلَبَنٍ وَمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ، (وَ) مَاءٍ (طَاهِرٍ) غَيْرِ مُطَهِّرٍ، كَمُسْتَعْمَلٍ فَيَنْجَسَانِ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ (وَلَوْ كَثُرَا) أَيْ الْمَائِعُ وَالطَّاهِرُ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " (فِي الْأَخِيرَةِ) وَهِيَ الْمَاءُ الطَّاهِرُ (وَ) خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَابْنِ الْقَيِّمِ (فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْمَائِعِ وَالطَّاهِرِ إذْ عِنْدَهُمَا إذَا كَانَا كَثِيرَيْنِ لَا يَنْجَسَانِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وَلَهُمَا فِي ذَلِكَ أَدِلَّةٌ قَوِيَّةٌ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُ ذَلِكَ، لِحَدِيثِ " الْفَأْرَةُ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ " وَلِأَنَّهُمَا لَا يَدْفَعَانِ النَّجَاسَةَ عَنْ غَيْرِهِمَا، فَكَذَا عَنْ نَفْسِهِمَا. (وَلَا نَعْتَبِرُ) مَعْشَرَ الْحَنَابِلَةِ فِي كَثْرَةِ الْمَاءِ وَقِلَّتِهِ (الْجَرْيَةَ) وَهِيَ: مَا أَحَاطَ بِالنَّجَاسَةِ فَوْقَهَا وَتَحْتَهَا وَيَمْنَةً وَيَسْرَةً، سِوَى مَا وَرَاءَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا، وَسِوَى مَا أَمَامَهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ (بَلْ) نَعْتَبِرُ (الْمَجْمُوعَ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَلَا نُفَرِّقُ) مَعْشَرَ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا (هُنَا) أَيْ: فِي بَابِ الْمِيَاهِ (بَيْنَ نَجَاسَةِ بَوْلِ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ) مِنْ الْحَيَوَانَاتِ، لِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ نَجَاسَةَ بَوْلِ الْآدَمِيِّ لَا تَزِيدُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الْكَلْبِ، وَهُوَ لَا يُنَجِّسُ الْقُلَّتَيْنِ، فَهَذَا أَوْلَى. (وَتَطْهِيرُ) مَاءٍ (قَلِيلٍ نَجِسٍ) بِإِضَافَةِ طَهُورٍ كَثِيرٍ إلَيْهِ (أَوْ) أَيْ: وَتَطْهِيرُ (كَثِيرٍ مُجْتَمِعٍ مِنْ مُتَنَجِّسٍ يَسِيرٍ بِإِضَافَةِ) مَاءٍ (طَهُورٍ كَثِيرٍ، وَلَوْ) كَانَتْ الْإِضَافَةُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَ (لَمْ يَتَّصِلْ صَبٌّ) فَلَا يَنْجَسُ الْمُضَافُ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَارِدٌ بِمَحَلِّ التَّطْهِيرِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ تَطْهِيرُهُ (مَعَ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ إنْ كَانَ) مُتَغَيِّرًا؛ لِأَنَّ عِلَّةَ التَّنْجِيسِ التَّغَيُّرُ، وَقَدْ زَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ تَغَيُّرٌ، كَمُتَنَجِّسٍ بِبَوْلٍ مَقْطُوعِ الرَّائِحَةِ، فَيَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ إضَافَةِ الْكَثِيرِ.

تَتِمَّةٌ: مَا اجْتَمَعَ مِنْ مُتَنَجِّسٍ يَسِيرٍ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِمَا ذُكِرَ، فَلَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَزَحٍ بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ لَمْ يَطْهُرْ، كَمَا إذَا كَمُلَتْ الْقُلَّتَانِ بِبَوْلٍ أَوْ نَجَاسَةٍ أُخْرَى، وَكَمَا إذَا اجْتَمَعَ مِنْ نَجَسٍ وَطَاهِرٍ وَطَهُورِ قُلَّتَانِ، وَلَا تَغَيُّرَ فَكُلُّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ الطَّهُورَ الَّذِي دُونَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى. (وَتَطْهِيرُ مَاءٍ كَثِيرٍ نَجِسٍ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ) وَ (لَا) يَكْفِي تَغَيُّرُهُ (بِنَحْوِ تُرَابٍ) كَمِسْكٍ (أَوْ بِإِضَافَةِ) طَهُورٍ (كَثِيرٍ، أَوْ بِنَزْحٍ) مِنْهُ بِحَيْثُ (يَبْقَى بَعْدَهُ كَثِيرٌ وَالْمَنْزُوحُ) مِنْ الْمُتَغَيِّرِ (طَهُورٌ إنْ كَثُرَ وَزَالَ تَغَيُّرُهُ) مَا لَمْ تَكُنْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ " عَنْ الْمَاءِ لَيْسَتْ نَجَاسَتُهُ عَيْنِيَّةً؛ لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ فَنَفْسُهُ أَوْلَى، وَإِنَّهُ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ أَنَّ نَجَاسَتَهُ مُجَاوِرَةٌ سَرِيعَةٌ لَا عَيْنِيَّةٌ، وَلِهَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَظَهَرَ أَنَّ نَجَاسَتَهُ حُكْمِيَّةٌ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ. فَإِنْ قِيلَ: نَجَاسَةُ الْخَمْرِ حُكْمِيَّةٌ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَاءَ يَطْهُرُ بِالْمُعَالَجَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الْخَمْرَةُ. (وَيَتَّجِهُ صِحَّةُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ) مَاءٍ (كَثِيرٍ فِي إضَافَةٍ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبُ " وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ لَوْ زَالَ بِطُولِ الْمُكْثِ طَهُرَ، فَأَوْلَى أَنْ يَطْهُرَ بِمُخَالَطَةٍ لِمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ. قَالَ فِي " النُّكَتِ ": فَخَالَفَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ (وَ) لَا يُشْتَرَطُ كَثِيرٌ فِي (نَزْحٍ) حَيْثُ زَالَ تَغَيُّرُ مَنْزُوحٌ مِنْهُ، لِاشْتِرَاطِهِمْ الْكَثْرَةَ فِي الْبَاقِي بَعْدَ النَّزَحِ لَا فِيمَا نُزِحَ (وَلَا يَجِبُ مُطْلَقًا غَسْلُ جَوَانِبِ بِئْرٍ نُزِحَتْ) ضَيِّقَةً كَانَتْ

أَوْ وَاسِعَةً، لِنَجَاسَةٍ حَصَلَتْ بِهَا، وَلَا غَسْلَ أَرْضِهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ رَأْسِهَا فَيَجِبُ غَسْلُهُ. وَلَوْ نَبَعَ فِي الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ مَاءٌ طَهَّرَهُ إنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ تَغَيُّرٌ (وَالْكَثِيرُ قُلَّتَانِ فَصَاعِدًا) لِأَنَّ خَبَرَ الْقُلَّتَيْنِ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى دَفْعِهِمَا النَّجَاسَةَ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى نَجَاسَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا، فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُمَا حَدًّا لِلْكَثِيرِ، وَهُمَا تَثْنِيَةُ قُلَّةٍ، وَهِيَ: اسْمٌ لِكُلِّ مَا ارْتَفَعَ وَعَلَا، وَمِنْهُ قُلَّةُ الْجَبَلِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْجَرَّةُ الْكَبِيرَةُ، وَسُمِّيَتْ قُلَّةً لِارْتِفَاعِهَا وَعُلُوِّهَا، أَوْ لِأَنَّ الرَّجُلَ الْعَظِيمَ يُقِلُّهَا بِيَدِهِ، أَيْ: يَرْفَعُهَا. وَالتَّحْدِيدُ وَقَعَ بِقِلَالِ هَجَرَ: قَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ. (وَالْيَسِيرُ مَا دُونَهُمَا) لِحَدِيثِ " إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ، وَخُصَّتَا بِقِلَالِ هَجَرَ. لَمَا رَوَى الْخَطَّابِيِّ بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ» وَلِأَنَّهَا أَكْبَرُ مَا يَكُونُ مِنْ الْقِلَالِ، وَأَشْهُرُهَا فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: هِيَ مَشْهُورَةُ الصِّفَةِ مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ، كَمَا لَا تَخْتَلِفُ الصِّيعَانُ وَالْمَكَايِيلُ، فَلِذَلِكَ حَمَلْنَا الْحَدِيثَ عَلَيْهَا، وَعَمِلْنَا بِالِاحْتِيَاطِ. (وَهُمَا) أَيْ: الْقُلَّتَانِ (تَقْرِيبًا) لَا تَحْدِيدًا: (خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَوْ كَسْرِهَا (عِرَاقِيٍّ) ، لَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا، وَالِاحْتِيَاطُ إثْبَاتُ الشَّيْءِ وَجَعْلُهُ نِصْفًا؛ لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ، مُنْكَرٍ، فَيَكُونُ

مَجْمُوعُهُمَا خَمْسَ قِرَبٍ بِقِرَبِ الْحِجَازِ، وَالْقِرْبَةُ. تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِتَحْدِيدِ الْمَاءِ بِالْقِرَبِ، (وَ) هُمَا: (أَرْبَعُمِائَةٍ) رِطْلٍ (وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ) رِطْلًا، (وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ مِصْرِيٍّ) وَمَا وَافَقَهُ مِنْ مَكِّيٍّ وَمَدَنِيٍّ (وَ) هُمَا: (مِائَةُ) رِطْلٍ (وَسَبْعَةُ) أَرْطَالٍ، (وَسَبْعُ رِطْلٍ دِمَشْقِيٍّ) وَمَا وَافَقَ فِي قَدْرِهِ كَالصَّفَدِيِّ (وَ) هُمَا (تِسْعَةٌ وَثَمَانُونَ) رِطْلًا (وَسُبْعَا رِطْلٍ حَلَبِيٍّ) وَمَا وَافَقَهُ كَالْحَمَوِيِّ (وَ) هُمَا (ثَمَانُونَ) رِطْلًا (وَسُبْعَانِ وَنِصْفُ سُبْعِ رِطْلٍ قُدْسِيٍّ) وَمَا وَافَقَهُ كَالْحِمْصِيِّ وَالْبَيْرُوتِيِّ، وَوَاحِدٌ وَسَبْعُونَ رِطْلًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ بَعْلِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ (وَ) مَجْمُوعُ الْقُلَّتَيْنِ (بِالدَّرَاهِمِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ أَلْفًا وَمِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ) دِرْهَمًا (وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ حَيْثُ أُطْلِقَ (وَلَا يَضُرُّ نَقْصٌ يَسِيرٌ كَرِطْلَيْنِ) عِرَاقِيَّةٍ (مِنْ خَمْسِمِائَةِ) رِطْلٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا جُعِلَ نِصْفًا احْتِيَاطًا، وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَعَلَى هَذَا مَنْ وَجَدَ نَجَاسَةً فِي مَاءٍ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُقَارِبٌ لِلْقُلَّتَيْنِ تَوَضَّأَ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا (وَمِسَاحَتُهُمَا) أَيْ الْقُلَّتَيْنِ، أَيْ: مِسَاحَةُ مَا يَسَعُهُمَا (مُرَبِّعًا ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ طُولًا وَ) ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ (عَرْضًا، وَ) ذِرَاعٌ وَرُبُعُ (عُمْقًا) قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ (بِذِرَاعِ الْيَدِ) . قَالَ الْمُتَوَلِّي الشَّافِعِيُّ: وَذُكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ شِبْرَانِ، وَهُوَ تَقْرِيبٌ، زَادَ غَيْرُهُ: وَالشِّبْرُ ثَلَاثُ قَبَضَاتٍ، وَالْقَبْضَةُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ، وَالْأُصْبُعُ: سِتُّ شَعِيرَاتٍ بُطُونُ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، (وَ) مِسَاحَةُ مَا يَسَعُهُمَا (مُدَوَّرًا: ذِرَاعٌ طُولًا) مِنْ كُلِّ جِهَةٍ مِنْ حَافَّاتِهِ إلَى مَا يُقَابِلُهَا (وَذِرَاعَانِ وَنِصْفُ ذِرَاعٍ عُمْقًا) صَوَّبَهُ الْمُنَقَّحُ، وَقَالَ: حَرَّرَتْ ذَلِكَ (فَيَسَعُ) كُلُّ (قِيرَاطٍ) مِنْ قَرَارِيطِ الذِّرَاعِ (مِنْ الْمُرَبَّعِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَيْ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ) . انْتَهَى. وَذَلِكَ أَنَّكَ تَضْرِبُ الْبَسْطَ فِي الْبَسْطِ وَالْمَخْرَجَ فِي الْمَخْرَجِ، وَتَقْسِمُ حَاصِلَ الْبَسْطِ عَلَى حَاصِلِ الْمَخْرَجِ يَخْرُجُ ذَرْعُهُ، فَخُذْ قَرَارِيطَهُ وَاقْسِمْ الْخَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ عَلَيْهَا يَخْرُجُ مَا ذَكَرَهُ،

فَبَسْطُ الذِّرَاعِ وَرُبُعٌ: خَمْسَةٌ وَمَخْرَجُهُ: أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ثَلَاثًا طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا، فَإِذَا ضَرَبْتَ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ، وَالْحَاصِلَ فِي خَمْسَةٍ حَصَلَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَإِذَا ضَرَبَ أَرْبَعَةً فِي أَرْبَعَةٍ، وَالْحَاصِلَ فِي أَرْبَعَةٍ حَصَلَ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ، وَهِيَ سِهَامُ الذِّرَاعِ، فَاقْسِمْ عَلَيْهَا بَسْطَ الذِّرَاعِ الَّذِي هُوَ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَخْرُجُ ذِرَاعٌ وَسَبْعَةُ أَثْمَانِ ذِرَاعٍ، وَخَمْسَةُ أَثْمَانِ ثُمُنِ ذِرَاعٍ. فَإِذَا بَسَطْتَ ذَلِكَ قَرَارِيطَ وَجَدْتَهُ سَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ قِيرَاطًا إلَّا ثُمُنَ قِيرَاطٍ؛ لِأَنَّ الذِّرَاعَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَالسَّبْعَةُ أَثْمَانٍ وَخَمْسَةُ أَثْمَانِ الثُّمُنِ: ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا إلَّا ثُمُنَ قِيرَاطٍ، فَإِذَا ضَمَمْتَ الْجَمِيعَ وَجَدْتَهُ مَا ذُكِرَ، فَاقْسِمْ عَلَيْهَا الْخَمْسَمِائَةِ يَحْصُلُ مَا ذُكِرَ، وَطَرِيقُهُ أَنْ يُقَالَ: لِكُلِّ سَهْمٍ قِيرَاطٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، عَشَرَةُ أَرْطَالٍ يَنْقُصُ مِنْهَا ثُمُنُ عَشَرَةٍ: وَاحِدٌ وَرُبُعٌ لِنَقْصِ الثُّمُنِ عَنْ سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ تَضُمَّ الْوَاحِدَ وَرُبُعَ إلَى الثَّلَاثِينَ الْبَاقِيَةِ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ فَيَكُونُ مَجْمُوعُ ذَلِكَ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ وَرُبُعًا اُنْسُبْهَا إلَى سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ إلَّا ثُمُنًا تَجِدْهَا ثُلُثَيْنِ فَهِيَ نَصِيبُ كُلِّ قِيرَاطٍ مِنْهَا، فَعُلِمَ أَنَّ نَصِيبَ الْقِيرَاطِ مِنْ خَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثَا رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَالرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ) وَزْنُهُ (بِالدَّرَاهِمِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ) دِرْهَمًا (وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَبِالْمَثَاقِيلِ تِسْعُونَ) مِثْقَالًا بِالِاسْتِقْرَاءِ (وَهُوَ سُبُعُ) الرِّطْلِ الْبَعْلِيِّ فِي سُبُعِ (الْقُدْسِيِّ وَثُمُنِ سُبُعِهِ وَنِصْفِ) الرِّطْلِ (الْحَلَبِيِّ وَرُبُعِ سُبُعِهِ وَسُبُعِ) الرِّطْلِ (الدِّمَشْقِيِّ وَنِصْفِ سُبُعِهِ وَنِصْفِ) الرِّطْلِ (الْمِصْرِيِّ) وَرُبُعِهِ وَسُبُعِهِ. (وَالرِّطْلُ الْقُدْسِيُّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَ) الرِّطْلُ (الْحَلَبِيُّ: سَبْعُمِائَةِ) دِرْهَمٍ (وَعِشْرُونَ) دِرْهَمًا (وَ) الرِّطْلُ (الدِّمَشْقِيُّ سِتُّمِائَةِ) دِرْهَمٍ، وَالْبَعْلِيُّ: تِسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ (وَ) الرِّطْلُ (الْمِصْرِيُّ: مِائَةُ) دِرْهَمٍ (وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ) دِرْهَمًا وَكُلُّ رِطْلٍ: اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ (وَأُوقِيَّةُ الْعِرَاقِيِّ: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةُ

فصل يتطهر مريد الطهارة بما لا ينجس من الماء

أَسْبَاعِ) دِرْهَمٍ (وَ) أُوقِيَّةُ (الْمِصْرِيِّ اثْنَا عَشْرَةَ) دِرْهَمًا (وَ) أُوقِيَّةُ (الدِّمَشْقِيِّ خَمْسُونَ) دِرْهَمًا (وَ) أُوقِيَّةُ (الْحَلَبِيِّ سِتُّونَ) دِرْهَمًا (وَ) أُوقِيَّةُ (الْقُدْسِيِّ: سِتَّةٌ وَسِتُّونَ) دِرْهَمًا (وَثُلُثَا دِرْهَمٍ) وَأُوقِيَّةُ الْبَعْلِيِّ: خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا إسْلَامِيًّا لِأَنَّهُ الْمُرَادُ حَيْثُ أُطْلِقَ، فَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ الْقُلَّتَيْنِ بِأَيِّ رِطْلٍ أَرَدْتَ، فَاعْرِفْ عَدَدَ دَرَاهِمِهِ، ثُمَّ اطْرَحْ ذَلِكَ الْعَدَدَ مِنْ دَرَاهِمَ الْقُلَّتَيْنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ أَوْ يَبْقَى أَقَلُّ مِنْ دَرَاهِمِ الرِّطْلِ، وَاحْفَظْ الْأَرْطَالَ الْمَطْرُوحَةَ، فَمَا وُجِدَ مِنْ عَدَدِ الطَّرَحَاتِ فَهُوَ مِقْدَارُ الْقُلَّتَيْنِ بِالرِّطْلِ الَّذِي طَرَحْتَ بِهِ إنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ دَرَاهِمَ الرِّطْلِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ دَرَاهِمِ الْقُلَّتَيْنِ أَقَلُّ مِنْ دَرَاهِمِ الرِّطْلِ الَّذِي طَرَحْتَ بِهِ فَانْسُبْهُ مِنْهُ، ثُمَّ اجْمَعْهُ إلَى الْمَحْفُوظِ فَمَا كَانَ فَهُوَ مِقْدَارُ الْقُلَّتَيْنِ. [فَصْلٌ يَتَطَهَّرُ مُرِيدُ الطَّهَارَةِ بِمَا لَا يُنَجِّسُ مِنْ الْمَاءِ] (فَصْلٌ) هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ: الْحَجْزِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَمِنْهُ: فَصْلُ الرَّبِيعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْجِزُ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. وَهُوَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ أَجْنَاسِ الْمَسَائِلِ وَأَنْوَاعِهَا. (وَيَتَطَهَّرُ) مُرِيدُ الطَّهَارَةِ (بِمَا لَا يُنَجِّسُ) مِنْ الْمَاءِ (إلَّا بِتَغَيُّرٍ) وَهُوَ مَا بَلَغَ حَدًّا يَدْفَعُ بِهِ تِلْكَ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، (وَلَوْ مَعَ بَقَاءِ) عَيْنِ (نَجَاسَةٍ فِيهِ) وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا، (وَ) لَوْ (قَارَبَهَا) أَيْ: النَّجَاسَةَ مُتَطَهِّرٌ بِحَيْثُ لَمْ يُبَاشِرْهَا إذْ الْحُكْمُ لِلْمَجْمُوعِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قُرِبَ مِنْهَا وَمَا بَعُدَ عَنْهَا، (وَمُنْتَضِحٌ) مِنْ رَشَاشٍ تَصَاعَدَ (مِنْ) مَاءٍ (قَلِيلٍ لِسُقُوطِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ (فِيهِ نَجِسٌ) لِانْفِصَالِهِ بَعْدَ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ مَا انْتَضَحَ مِنْ الْكَثِيرِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ فَيُعْطَى حُكْمُهُ (وَيُعْمَلُ) عِنْدَ الشَّكِّ (بِيَقِينٍ فِي كَثْرَةِ مَاءٍ وَقِلَّتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ) لِحَدِيثِ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا

يَرِيبُكَ» وَلَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ عَنْ مَاءٍ لَمْ يَتَيَقَّنْ نَجَاسَتَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، (وَلَوْ مَعَ سُقُوطِ نَحْوِ رَوْثٍ) كَعَظْمٍ (شُكَّ فِي نَجَاسَتِهِ) فَيَطْرَحُ الشَّكَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَاءِ عَلَى حَالِهِ، (أَوْ) مَعَ (سُقُوطِ طَاهِرٍ وَنَجِسٍ وَتَغَيَّرَ) الْمَاءُ الْكَثِيرُ تَغَيُّرًا (يَسِيرًا بِأَحَدِهِمَا، أَوْ) تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا (كَثِيرًا بِمَا يَشُقُّ) صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ (وَجَهِلَ) فَلَمْ يَعْلَمْ، هَلْ التَّغَيُّرُ حَصَلَ بِالطَّاهِرِ أَوْ النَّجِسِ؟ فَيَعْمَلُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ بَقَاءُ الْمَاءِ عَلَى الطَّهُورِيَّةِ. (فَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ مَا وَقَعَتْ) النَّجَاسَةُ (فِيهِ) (فَ) هُوَ (نَجِسٌ) عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَهُوَ الْقُلَّةُ (وَ) إنْ شَكَّ (فِي نَجَاسَةِ نَحْوِ رَوْثٍ) وَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَطَاهِرٌ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ نَقَلَ حَرْبٌ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ وَطِئَ رَوْثَةً فَرَخَّصَ فِيهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا هِيَ (أَوْ) شَكَّ (فِي وُلُوغِ كَلْبٍ أَدْخَلَ رَأْسَهُ إنَاءً فَطَاهِرٌ) وَلَوْ وَجَدَ فِي فَمِهِ رُطُوبَةً لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُلُوغِ، (أَوْ) شَكَّ (هَلْ طَرَأَتْ النَّجَاسَةُ) عَلَى الْمَاءِ الَّذِي تَطَهَّرَ مِنْهُ (قَبْلَ تَطْهِيرِهِ، أَوْ) طَرَأَتْ (بَعْدَهُ؟ فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ) لَكِنْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَا ظُنَّتْ نَجَاسَتُهُ احْتِيَاطًا (أَوْ) شَكَّ فِي مَاءٍ (وَقَعَ فِيهِ) أَيْ الْمَاءِ (صَيْدٌ جُرِحَ) وَمَاتَ (وَلَمْ يَعْلَمْ أَمَاتَ بِالْجِرَاحَةِ أَوْ) مَاتَ (بِهِ) ؟ أَيْ: بِالْمَاءِ (فَالْمَاءُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ، وَالْحَيَوَانُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْحُرْمَةِ) إنْ كَانَ غَيْرَ طَيْرٍ، وَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ. (وَكَذَا) الْحُكْمُ (لَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ ذُبَابٌ وَشَكَّ هَلْ تَعَلَّقَ بِرِجْلَيْهِ نَجَاسَةٌ) قَبْلَ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ وَجَفَّتْ أَوْ لَا؟ (فَإِنْ) كَانَ (تَحَقَّقَ) تَعَلُّقَ النَّجَاسَةِ بِرِجْلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ (حُكِمَ بِعَدَمِ الْجَفَافِ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَيَتَّجِهُ وَحُكِمَ بِعَدَمِ انْفِصَالِهِ) أَيْ: مَا تَحَقَّقَ عُلُوقُهُ بِرِجْلَيْ الذُّبَابِ مِنْ النَّجَاسَةِ الرَّطْبَةِ (فِيمَا وَقَعَ) الذُّبَابُ (عَلَيْهِ) مِنْ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْجَامِدَاتِ، فَلَا يَنْجَسُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (لَا) إنْ وَقَعَ عَلَى نَحْوِ ثَوْبٍ وَهِيَ (فِيهِ) أَوْ عَلَى مَائِعٍ وَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ فَيُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ الْمَائِعِ، وَيُمْنَعُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ فِي نَحْوِ الثَّوْبِ مَا دَامَ الذُّبَابُ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

كَمَا حَرَّرَ الشِّيشْنِيُّ آنِفًا. (وَإِنْ) (أَخْبَرَهُ) أَيْ: مُرِيدَ الطَّهَارَةِ (مُكَلَّفٌ عَدْلٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ (وَيَتَّجِهُ أَوْ لَا) أَيْ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ (وَ) لَكِنْ (اعْتَقَدَ صِدْقَهُ. قَالَ فِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ) : وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّ خَبَرِ الْفَاسِقِ بَلْ بِالتَّثَبُّتِ وَالتَّبَيُّنِ، فَإِنْ ظَهَرَتْ دَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِهِ قَبْلَ خَبَرِهِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ دَلَالَةٌ عَلَى كَذِبِهِ رُدَّ خَبَرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَقَفَ خَبَرُهُ، انْتَهَى. فَاتِّجَاهُ الْمُصَنِّفُ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا، وَهُوَ حَسَنٌ (وَلَوْ) كَانَ الْمُخْبِرُ عَدْلًا (ظَاهِرًا) أَيْ: مَسْتُورَ الْحَالِ، (أَوْ) كَانَ (أُنْثَى أَوْ قِنًّا أَوْ أَعْمَى) لِأَنَّ لِلْأَعْمَى طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ بِالْخَبَرِ مِنْ عَدْلٍ، أَوْ الْحِسِّ بِحَاسَّةِ غَيْرِ الْبَصَرِ (بِنَجَاسَةِ شَيْءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِأَخْبَرَ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ (مُبْهَمًا كَأَحَدِ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ) أَوْ الْإِنَاءَيْنِ (وَعَيَّنَ) الْمُخْبِرُ (السَّبَبَ) أَيْ: سَبَبَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ، وَالْمُخْبِرُ (مُخَالِفٌ) لِمَذْهَبِ مَنْ أَخْبَرَهُ أَوْ فَقِيهٌ مُوَافِقٌ كَمَا نُقِلَ مِنْ إمْلَاءِ التَّقِيِّ الْفَتُوحِيِّ (قَبِلَ لُزُومًا) لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، كَالْقِبْلَةِ وَهِلَالِ رَمَضَانِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَكَذَا إذَا أَخْبَرَهُ بِمَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ مَعَ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ فَيَعْمَلُ الْمُخْبَرُ بِمَذْهَبِهِ فِيهِ (وَإِلَّا) يُعَيِّنَ الْمُخْبِرُ السَّبَبَ، (فَلَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا عِنْدَ الْمُخْبِرِ دُونَ الْمُخْبَرِ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي سَبَبِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ،

تتمة علم نجاسة الماء الذي توضأ منه وشك في وقت وضوئه

وَقَدْ يَكُونُ إخْبَارُهُ بِنَجَاسَتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّوَهُّمِ كَالْوِسْوَاسِ، فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ التَّعَيُّنُ (وَإِنْ) (أَخْبَرَهُ) الْعَدْلُ الْمُكَلَّفُ - وَلَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ، قَدَّمَهُ فِي " الْفَائِقِ " - (أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ) - مِنْ بَابِ: نَفَعَ، أَيْ: شَرِبَ بِأَطْرَافِ لِسَانِهِ - (فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَقَالَ) عَدْلٌ (آخَرُ: بَلْ) وَلَغَ (فِي هَذَا) : قَبِلَ الْمُخْبَرُ وُجُوبًا قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْإِثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ، وَ (وَجَبَ) عَلَيْهِ (اجْتِنَابُهُمَا) أَيْ: الْإِنَاءَيْنِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا بِكَوْنِ الْوُلُوغَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، اطَّلَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدْلَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. (وَكَذَا لَوْ عَيَّنَا كَلْبَيْنِ) قَالَ أَحَدُهُمَا: وَلَغَ فِيهِ هَذَا الْكَلْبُ دُونَ هَذَا الْكَلْبِ، وَعَاكَسَهُ الْآخَرُ: فَيَقْبَلُ خَبَرَهُمَا، وَيَكُفَّ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُثْبِتٌ لَمَا نَفَاهُ الْآخَرُ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ (وَ) إنْ عَيَّنَا (كَلْبًا) وَاحِدًا (وَ) عَيَّنَا (وَقْتًا لَا يُمْكِنُ شُرْبُهُ فِيهِ) مِنْهُمَا: (تَعَارَضَا) وَسَقَطَ قَوْلُهُمَا (وَحَلَّ اسْتِعْمَالُهُمَا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا، وَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهِمَا، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا (وَ) إنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: شَرِبَ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ: فَإِنَّهُ (يُقَدَّمُ قَوْلُ مُثْبِتٍ عَلَى) قَوْلِ (نَافٍ) ، لِمَا سَبَقَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُثْبِتُ لَمْ يَتَحَقَّقْ شُرْبَهُ، كَالضَّرِيرِ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ حِسِّهِ فَيُقَدَّمُ قَوْلُ الْبَصِيرِ، لِرُجْحَانِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَاسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ. [تَتِمَّة عَلِمَ نَجَاسَةَ الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ وشك فِي وَقْت وُضُوئِهِ] (تَتِمَّةٌ) : وَإِنْ عَلِمَ نَجَاسَةَ الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ، وَشَكَّ هَلْ كَانَ وُضُوءُهُ قَبْلَ نَجَاسَةٍ أَوْ بَعْدَهَا؟ لَمْ يُعِدْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَكَشَكِّهِ فِي شَرْطِ الْعِبَادَةِ بَعْدَ فَرَاغِهَا، وَإِنْ عَلِمَ أَنْ النَّجَاسَةَ قَبْلَ وُضُوئِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَكَانَ الْمَاءُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، أَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَنَقَصَ بِالِاسْتِعْمَالِ؟ أَعَادَ لِأَنَّ الْأَصْلَ نَقْصُ الْمَاءِ (وَيَلْزَمُ عَالِمَ نَجَسٍ) مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَا يُعْفَى) عَنْهُ (إعْلَامُ مَرِيدِ اسْتِعْمَالِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ

فَيَجِبُ بِشُرُوطِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا يُعْفَى عَنْهُ كَيَسِيرِ دَمِ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مُصَلًّى لَا يَجِبُ الْإِعْلَامُ بِهِ؛ لِأَنَّ عِبَادَتَهُ لَا تَفْسُدُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ طَهَارَةٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالُ) أَنَّ (الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ عَالِمٍ) بِالنَّجَاسَةِ، فَإِنْ اعْتَقَدَ نَجَاسَةَ شَيْءٍ عِنْدَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ، وَإِلَّا فَلَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَقَالَ: يَجُوزُ وَضْعُ مَاءٍ طَاهِرٍ فِي اعْتِقَادِهِ فِي مَائِعٍ لِغَيْرِهِ، أَيْ: وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْغَيْرِ نَجَاسَتُهُ، كَمَنْ يَرَى طَهَارَةَ مَاءِ النَّبِيذِ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إذَا لَمْ يُغْلَ فَلَهُ وَضْعُهُ فِي مَائِعٍ يُرِيدُ اسْتِعْمَالَهُ مَنْ يَرَى نَجَاسَةَ ذَلِكَ، وَهَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: يَحْرُمُ عَلَيْنَا أَنْ نَضَعَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي طَعَامِهِمْ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الْمُسْتَعْمِلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهُورِ، فَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ نَجِسًا فِي مَذْهَبِ الْمُسْتَعْمِلِ وَجَبَ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِهِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ نَجِسٌ فِي مَذْهَبِهِ فَلْيُحْفَظْ ذَلِكَ (وَإِنْ أَصَابَهُ نَحْوُ مَاءِ مِيزَابٍ) كَمَاءٍ مُجْتَمِعٍ فِي أَزِقَّةٍ

(وَرَوْثِ) دَابَّةٍ، وَذَرْقِ طَائِرٍ (وَلَا أَمَارَةَ) عَلَى نَجَاسَتِهِ (كُرِهَ سُؤَالُهُ) عَنْهُ نَقَلَهُ صَالِحٌ، لِقَوْلِ عُمَرَ لِصَاحِبِ الْحَوْضِ " لَا تُخْبِرْنَا " (وَلَا يَلْزَمُ) مَسْئُولًا (جَوَابُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَأَوْجَبَهُ) أَيْ: الْجَوَابَ (الْأَزَجِيُّ إنْ عَلِمَ) مَسْئُولٌ (نَجَاسَتَهُ وَهُوَ) أَيْ: قَوْلُ الْأَزَجِيِّ (حَسَنٌ) ، وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ. " (وَإِنْ اشْتَبَهَ طَهُورٌ مُبَاحٌ بِمُحَرَّمٍ) لَمْ يَتَحَرَّ (أَوْ) اشْتَبَهَ طَهُورٌ مُبَاحٌ (بِنَجَسٍ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِهِ) كَكَوْنِ الطَّهُورِ دُونَ قُلَّتَيْنِ وَعِنْدَهُ إنَاءٌ لَا يَسَعُهُمَا، (وَلَا طَهُورَ مُبَاحٌ بِيَقِينٍ لَمْ يَتَحَرَّ) أَيْ: لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَرِّي لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الْمُبَاحُ بِالْمَحْظُورِ فِي مَوْضِعٍ لَا تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَوْلًا لِأَنَّ الْبَوْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّطْهِيرِ، وَوَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمَا احْتِيَاطًا لِلْحَظْرِ (فَإِنْ خَالَفَ) بِأَنْ تَوَضَّأَ مِنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ التَّحَرِّي: (لَمْ يَصِحَّ) وُضُوءُهُ (وَلَوْ أَصَابَ) بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ بِأَنَّ مَا تَوَضَّأَ بِهِ هُوَ الطَّهُورُ، كَمَا لَوْ صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ دُخُولَ الْوَقْتِ فَصَادَفَهُ (وَلَوْ زَادَ عَدَدُ طَهُورٍ) أَوْ زَادَ عَدَدُ (مُبَاحٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَيَتَيَمَّمُ مَنْ عَدِمَ طَهُورًا غَيْرَ الْمُشْتَبَهِ بِلَا إعْدَامٍ) وَلَا خَلْطٍ لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ حُكْمًا (وَلَا يُعِيدُ) مَنْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ (نَحْوَ صَلَاةٍ) كَطَوَافٍ (لَوْ عَلِمَهُ) أَيْ: الطَّهُورَ (بَعْدَ) فَرَاغِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، كَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ (وَيَلْزَمُ تَحَرٍّ لِحَاجَةِ شُرْبٍ وَأَكْلٍ) لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ، وَ (لَا)

يَلْزَمُ (غَسْلُ نَحْوِ فَمٍ) بَعْدَ الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ إذَا وَجَدَ طَهُورًا اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ، وَكَذَا لَوْ تَطَهَّرَ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ أَعْضَائِهِ وَثِيَابِهِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ بِلَا تَحَرٍّ إنْ أَمْكَنَهُ (وَ) إنْ اشْتَبَهَ طَهُورٌ (بِطَاهِرٍ وَلَوْ) مَعَ وُجُودِ (طَاهِرٍ بِيَقِينٍ أَمْكَنَ جَعْلُهُ) - أَيْ: الطَّاهِرِ - (طَهُورًا بِهِ) أَيْ بِالطَّهُورِ كَأَنْ كَانَ الطَّهُورُ قُلَّتَيْنِ، وَعِنْدَهُ مَا يَسَعُهُمَا (أَوَّلًا) أَيْ: أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ جَعْلُهُ طَهُورًا بِهِ (يَتَوَضَّأُ مَرَّةً) وُضُوءًا وَاحِدًا يَأْخُذُ لِكُلِّ عُضْوٍ (مِنْ ذَا) الْمَاءِ (غَرْفَةً وَمِنْ ذَا الْمَاءِ غَرْفَةً تَعُمُّ كُلُّ) غَرْفَةٍ (مِنْهُمَا الْمَحَلَّ) أَيْ: الْعُضْوَ لُزُومًا، (أَوْ) يَتَوَضَّأُ (مِنْ كُلِّ) وَاحِدٍ مِنْ الْمَائَيْنِ (وُضُوءًا كَامِلًا فِي " الْمُغْنِي ") قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوُضُوءَ الْوَاحِدَ مَجْزُومٌ بِنِيَّةِ كَوْنِهِ رَافِعًا، بِخِلَافِ الْوُضُوءَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَّهُمَا الرَّافِعُ لِلْحَدَثِ (وَكَذَا غُسْلٌ) مِنْ مَائِينَ: طَهُورٌ وَطَاهِرٌ اشْتَبَهَا فَيَغْسِلُ مِنْ كُلِّ مِنْهُمَا غُسْلًا كَامِلًا، وَإِزَالَةُ نَجَاسَةٍ كَذَلِكَ، (وَيُصَلِّي صَلَاةً) أَيْ: يُصَلِّي الْفَرْضَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، سَوَاءٌ قُلْنَا: يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا وَاحِدًا، أَوْ وُضُوءَيْنِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. (وَ) إنْ اشْتَبَهَتْ (ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةٌ) (بِ) ثِيَابٍ (نَجِسَةٍ، أَوْ) بِثِيَابٍ (مُحَرَّمَةٍ، وَلَا طَاهِرَ مُبَاحٌ بِيَقِينٍ) : لَمْ يَتَحَرَّ لِمَا تَقَدَّمَ فِي اشْتِبَاهِ الطَّاهِرِ بِالنَّجِسِ، (لِعَدَمِ الصِّحَّةِ) فِي وَاحِدٍ مِنْهَا بِمُفْرَدِهِ (حِينَئِذٍ) ، أَيْ: حِينَ الِاشْتِبَاهِ. (فَإِنْ عَلِمَ عَدَدَ) ثِيَابٍ (نَجِسَةٍ، أَوْ) عَدَدَ ثِيَابٍ (مُحَرَّمَةٍ وَلَا طَاهِرَ) عِنْدَهُ يَسْتُرُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ: (صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ) مِنْ الْمُشْتَبَهِ (صَلَاةً) بِعَدَدِ النَّجِسَةِ أَوْ الْمُحَرَّمَةِ، (وَزَادَ) عَلَى الْعَدَدِ (صَلَاةً) يَنْوِي بِكُلِّ صَلَاةٍ الْفَرْضَ احْتِيَاطًا، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ وَجَهِلَهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَشْتَبِهْ، وَإِلَّا يَعْلَمَ عَدَدَ نَجِسَةٍ أَوْ مُحَرَّمَةٍ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا صَلَاةً (حَتَّى

يَتَيَقَّنَ صِحَّتَهَا) أَيْ: يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّى فِي طَاهِرٍ مُبَاحٍ وَلَوْ كَثُرَتْ؛ لِأَنَّ هَذَا يَنْدُرُ جِدًّا فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ. (وَ) فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي بِأَنَّ الْمَاءَ يُلْصَقُ بِبَدَنِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْن مَا هُنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَنَّ عَلَيْهَا أَمَارَةً تَدُلُّ عَلَيْهَا، وَلَا بَدَلَ لَهَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، (وَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ) أَيْ: مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الثِّيَابُ (وَكَذَا) أَيْ: كَالثِّيَابِ النَّجِسَةِ إذَا اشْتَبَهَتْ بِطَاهِرَةٍ وَلَا طَاهِرَ بِيَقِينٍ (بُقَعُ أَمْكِنَةٍ ضَيِّقَةٍ) فَلَا يَتَحَرَّى إنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ، بَلْ إنْ اشْتَبَهَتْ زَاوِيَةٌ مِنْهُ نَجِسَةٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى طَاهِرَةٍ بِيَقِينٍ؛ صَلَّى مَرَّتَيْنِ فِي زَاوِيَتَيْنِ مِنْهُ، فَإِنْ تَنَجَّسَ زَاوِيَتَانِ كَذَلِكَ صَلَّى فِي ثَلَاثٍ وَهَكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَدَ النَّجِسَةِ صَلَّى حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّى فِي مَكَان طَاهِرٍ احْتِيَاطًا (لَا) أَمْكِنَةً (مُتَّسَعَةً) كَدَارٍ وَاسِعَةٍ، وَصَحْرَاءَ تَنَجَّسَ بَعْضُهَا وَاشْتَبَهَ، فَصَلَّى حَيْثُ شَاءَ بِلَا تَحَرٍّ. (وَيَتَّجِهُ: صِحَّةُ تَيَمُّمَيْنِ لَوْ اشْتَبَهَ تُرَابٌ طَهُورٌ مُبَاحٌ بِضِدِّهِ) أَيْ: بِطَاهِرٍ وَنَجِسٍ أَوْ مَغْصُوبٍ بِشَرْطِ إزَالَةِ أَثَرَهُ عَنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي النَّجِسِ مَعَ الطَّهُورِ، وَأَنْ يَكُونَا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ قُرْبِ الزَّمَنِ لِاسْتِعْمَالِهِ تُرَابًا طَهُورًا مُبَاحًا بِيَقِينٍ جَازِمًا بِالنِّيَّةِ، أَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ تَيَمُّمَيْنِ بِنِيَّتَيْنِ فَلَا يَصِحُّ، لِشَكِّهِ فِي إحْدَاهُمَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَإِنْ اشْتَبَهَ نَحْوُ أُخْتٍ) كَعَمَّةٍ وَخَالَةٍ

باب الآنية

وَبِنْتِ أَخٍ بِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ (بِأَجْنَبِيَّاتٍ لَمْ يَجُزْ تَحَرٍّ لِنِكَاحِ) وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَكَفَّ عَنْهُنَّ احْتِيَاطًا لِلْحَظْرِ (وَ) إنْ اشْتَبَهَ نَحْوُ (أُخْتِهِ فِي قَبِيلَةٍ أَوْ بَلَدٍ كَبِيرَيْنِ) فَإِنَّهُ (يَجُوزُ) النِّكَاحُ مِنْهُنَّ (بِلَا تَحَرٍّ، كَ) مَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ (مَيْتَةٌ فِي لَحْمِ مِصْرٍ أَوْ بَلَدٍ كَبِيرٍ) . قَالَ أَحْمَدُ أَمَّا شَاتَانِ فَلَا يَجُوزُ التَّحَرِّي، فَأَمَّا إذَا كَثُرَتْ فَهَذَا غَيْرُ هَذَا، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. (وَلَا دَخْلَ لِتَحَرٍّ فِي نَحْوِ عِتْقٍ وَطَلَاقٍ) كَخُلْعٍ، فَإِذَا طَلَّقَ أَوْ خَلَعَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ، أَوْ أَعْتَقَ وَاحِدَةً مِنْ إمَائِهِ ثُمَّ نَسِيَهَا، أَوْ كَانَتْ ابْتِدَاءِ مُبْهَمَةً أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ كَمَا يَأْتِي وَلَا تَحَرِّيَ. وَالتَّحَرِّي وَالتَّوَخِّي وَالِاجْتِهَادُ مُتَقَارِبَةٌ، وَمَعْنَاهَا: بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْمَقْصُودِ، وَلَمَّا كَانَ الْمَاءُ جَوْهَرًا سَيَّالًا احْتَاجَ إلَى بَيَانِ أَوَانَيْهِ عَقَّبَهُ فَقَالَ: [بَابُ الْآنِيَةِ] (بَابُ الْآنِيَةِ) الْبَابُ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الصِّنْفِ، وَهُوَ مَا يُدْخَلُ مِنْهُ إلَى الْمَقْصُودِ، وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَبْوَابٍ، وَفِي الِازْدِوَاجِ عَلَى أَبْوِبَةٍ. وَالْآنِيَةُ لُغَةً وَعُرْفًا: (الْأَوْعِيَةُ) جَمْعُ: إنَاءٍ وَوِعَاءٍ كَسِقَاءٍ وَأَسْقِيَةٍ، وَجَمْعُ آنِيَةٍ: أَوَانِي، وَالْأَوْعِيَةُ أَوَاعِي. وَأَصْلُ أَوَانِي أَآنِي بِهَمْزَتَيْنِ أُبْدِلَتْ ثَانِيَتُهُمَا وَاوًا كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِهِمَا، كَأَوَادِمَ فِي آدَمَ. (تُبَاحُ) الْآنِيَةُ (اتِّخَاذًا وَاسْتِعْمَالًا مِنْ كُلِّ طَاهِرٍ مُبَاحٍ، لَوْ) كَانَ (ثَمِينًا كَجَوْهَرٍ) وَيَاقُوتٍ وَزُمُرُّدٍ وَبَلُّورٍ، وَغَيْرِ الثَّمِينِ كَالْخَشَبِ وَالزُّجَاجِ وَالْجُلُودِ وَالصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ، (وَلَا) يُبَاحُ اتِّخَاذًا وَلَا اسْتِعْمَالًا إنَاءٌ (مِنْ ذَهَبٍ وَ) لَا مِنْ (فِضَّةٍ) ، لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي

الْآخِرَةِ» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تَرْفَعُهُ «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَالْجَرْجَرَةُ: صَوْتُ وُقُوعِ الْمَاءِ بِانْحِدَارِهِ فِي الْجَوْفِ. وَغَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي مَعْنَاهُمَا، لِأَنَّهُمَا خَرَجَا مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ سَرَفًا وَخُيَلَاءَ، وَكَسْرَ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَتَضْيِيقَ النَّقْدَيْنِ. (وَ) لَا يُبَاحُ اتِّخَاذُ، وَلَا اسْتِعْمَالُ إنَاءٍ (مَطْلِيٍّ) بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِأَنْ يُجْعَلَا كَالْوَرِقِ، وَيُطْلَى بِهِ الْإِنَاءُ مِنْ نَحْوِ حَدِيدٍ (وَ) إنَاءٍ (مُمَوَّهٍ) - اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ مَوَّهَ - وَهُوَ إنَاءٌ مِنْ نَحْوِ نُحَاسٍ يَلْقَى فِيهِمَا أُذِيبَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَيَكْتَسِبُ (وَلَوْ لَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا طُلِيَ بِهِ أَوْ مُوِّهَ بِهِ (شَيْءٌ) بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَ) إنَاءٍ (مُطَعَّمٍ) : بِأَنْ يُحْفَرَ بِالْإِنَاءِ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ حُفَرٌ، وَيُوضَعُ فِيهَا قِطَعُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَ) إنَاءٍ (مُكَفَّتٍ بِهِمَا) أَيْ: بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: بِأَنْ يُبْرَدَ الْإِنَاءُ حَتَّى يَصِيرَ فِيهِ شِبْهُ الْمَجَارِي فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ، وَيُوضَعُ فِيهَا شَرِيطٌ دَقِيقٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَيُدَقُّ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْصَقَ. (وَ) لَا يُبَاحُ اتِّخَاذُ، وَلَا اسْتِعْمَالُ إنَاءٍ مِنْ (عَظْمِ آدَمِيٍّ وَجِلْدِهِ) ، لِحُرْمَتِهِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُتَّخَذُ أَوْ الْمُسْتَعْمَلُ (نَحْوَ مِيلٍ وَقِنْدِيلٍ) ، كَمِجْمَرَةٍ وَمِبْخَرَةٍ، وَدَوَاةٍ وَمُشْطٍ وَسِكِّينٍ، وَكُرْسِيٍّ وَسَرِيرٍ، وَخُفَّيْنِ وَنَعْلَيْنِ (وَلَوْ لِأُنْثَى) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَعَدَمِ الْمُخَصِّصِ. وَأَمَّا التَّحَلِّي فَأُبِيحَ لَهُنَّ لِحَاجَتِهِنَّ إلَيْهِ لِلزَّوْجِ وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ. (وَتَصْلُحُ طَهَارَةٌ بِهَا) - أَيْ: الْآنِيَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنْ يَغْتَرِفَ الْمَاءَ بِهَا، (وَ) بِإِنَاءٍ (مَغْصُوبٍ، وَمُحَرَّمٍ ثَمَنُهُ) أَيْ: ثَمَنُهُ الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ، وَتَصِحُّ الطَّهَارَةُ أَيْضًا (فِيهَا) بِأَنْ يَتَّخِذَ إنَاءً مُحَرَّمًا مِمَّا سَبَقَ يَسَعُ قِلَّتَيْنِ، وَيَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ دَاخِلَهُ، وَتَصِحُّ الطَّهَارَةُ (إلَيْهَا) بِأَنْ يَجْعَلَهَا مَصَبًّا لِفَضْلِ طَهَارَتِهِ فَيَقَعَ فِيهَا الْمَاءُ الْمُنْفَصِلُ عَنْ الْعُضْوِ بَعْدَ غَسْلِهِ. (وَ) تَصِحُّ الطَّهَارَةُ أَيْضًا

تتمة اتخذ إناء من ذهب أو فضة وغشاه بنحاس أو رصاص

(بِمَكَانِ غَصْبٍ) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي غَصْبٍ أَوْ مُحَرَّمٍ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، وَالرُّكُوعَ، وَالسُّجُودَ فِي الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ، لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ، وَأَفْعَالٌ نَحْوُ الْوُضُوءِ مِنْ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ لَيْسَتْ بِمُحَرَّمَةٍ، لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلْمَاءِ لَا لِلْإِنَاءِ، وَأَيْضًا فَالنَّهْيُ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْإِنَاءِ الْمُحَرَّمِ يَعُودُ لِخَارِجٍ، إذْ الْإِنَاءُ لَيْسَ رُكْنًا وَلَا شَرْطًا فِيهِ بِخِلَافِ الْبُقْعَةِ وَالثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ. [تَتِمَّةٌ اتَّخَذَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَغَشَّاهُ بِنُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ] تَتِمَّةٌ: (قَالَ) " الشِّيشْنِيُّ " فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ ": لَوْ اتَّخَذَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَغَشَّاهُ بِنُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ لَمْ أَجِدْ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ كَلَامًا. وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ قُلْنَا: التَّحْرِيمُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِعَيْنِهَا حُرِّمَ هَذَا، وَإِنْ قُلْنَا: التَّحْرِيمُ لِمَعْنًى فِيهِمَا، وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ لَمْ يُحَرَّمْ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوَاعِدِ أَصْحَابِنَا. (وَكَذَا) إنَاءٌ (مُضَبَّبٌ) بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (لِصَدْعٍ) أَيْ: كَسْرٍ فَلَا يُبَاحُ اتِّخَاذًا، وَلَا اسْتِعْمَالًا، (لَا) إنْ ضُبِّبَ (لِ) ضَبَّةٍ (يَسِيرَةٍ عُرْفًا) - أَيْ: فِي عُرْفِ النَّاسِ - لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهَا (مِنْ فِضَّةٍ) لَا ذَهَبٍ (لِ) حَاجَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا غَرَضٌ (غَيْرِ زِينَةٍ) : بِأَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى فِعْلِهِ لَا تَنْدَفِعُ بِغَيْرِهِ كَأَنْ انْكَسَرَ إنَاءٌ نَحْوُ خَشَبٍ فَضُبِّبَ كَذَلِكَ، فَلَا يَحْرُمُ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْكَسَرَ، فَاِتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ مِنْ فِضَّةٍ حَرُمَتْ مُطْلَقًا، وَكَذَا إنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَحَيْثُ كَانَ لِحَاجَةٍ فَتُبَاحُ (وَلَوْ وُجِدَ غَيْرُهَا) - أَيْ: الْفِضَّةُ - كَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مُرَادُهُمْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى تِلْكَ الصُّورَةِ لَا إلَى كَوْنِهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّ هَذِهِ ضَرُورَةٌ وَهِيَ تُبِيحُ الْمُنْفَرِدَ. (وَتُكْرَهُ مُبَاشَرَتُهَا) أَيْ: ضَبَّةُ الْفِضَّةِ الْمُبَاحَةُ (فِي نَحْوِ شُرْبٍ بِلَا حَاجَةٍ) إلَى الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلْفِضَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْآنِيَةِ، فَإِنْ احْتَاجَ

إلَيْهَا بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ يَنْدَفِقُ لَوْ شُرِبَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا وَنَحْوِهِ: لَمْ يُكْرَهْ دَفْعًا لِلْحَرَجِ. (وَلَا يُكْرَهُ طُهْرٌ مِنْ إنَاءِ نُحَاسٍ وَنَحْوِهِ) كَصَفَرٍ وَحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ وَخَزَفٍ وَزُجَاجٍ، لَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَدْ وَرَدَ «أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ جَفْنَةٍ، وَمِنْ تَوْرِ حِجَارَةٍ، وَمِنْ إدَاوَةٍ، وَمِنْ قِرْبَةٍ» ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهَا لِفِعْلِهِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا قِيَاسًا، لِأَنَّهُ مِثْلُهَا. (وَ) لَا يُكْرَهُ طُهْرٌ (مِنْ إنَاءٍ بَعْضُهُ نَجِسٌ) إذَا لَمْ يُبَاشَرُ النَّجَسُ، (وَلَا مِمَّا بَاتَ مَكْشُوفًا) ، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، (وَلَا نُنَجِّسُ) مَعْشَرَ الْحَنَابِلَةِ شَيْئًا كَانَ مَائِعًا أَوْ جَامِدًا (بِظَنٍّ) ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْوِسْوَاس، (وَإِنْ) - أَيْ: وَلَوْ - (حَرُمَ أَكْلٌ) مَعَ وُجُودِ اشْتِبَاهِ مُذَكًّى بِمَيْتَةٍ، (وَصَلَاةٌ مَعَ) وُجُودِ (اشْتِبَاهِ) مَاءٍ طَهُورٍ مُبَاحٍ (بِضِدِّهِ) لِنُدْرَةِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَفَرْطِ حَاجَةِ الِاسْتِعْمَالِ، (فَمَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهُ مِنْ آنِيَةِ كَافِرٍ) ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ (وَثِيَابِهِ) - أَيْ: الْكَافِرِ - (وَلَوْ وَلِيَتْ عَوْرَتَهُ) كَسَرَاوِيلَ، (وَلَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ) كَوَثَنِيٍّ، وَدُرْزِيٍّ، وَنُصَيْرِي، وَإِسْمَاعِيلِيٍّ (طَاهِرٌ مُبَاحٌ، وَكَذَا) آنِيَةٌ وَثِيَابٌ (مُلَابِسُ نَجَاسَةٍ كَثِيرًا، كَمُدْمِنِ خَمْرٍ) طَاهِرٌ مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ مَا لَا يَقُومُ إلَّا بِآنِيَةٍ «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ. وَبَدَنُ الْكَافِرِ طَاهِرٌ، وَكَذَا طَعَامُهُ وَمَاؤُهُ. (وَتُكْرَهُ صَلَاةٌ فِي ثَوْبِ نَحْوِ مُرْضِعَةٍ) كَكَاسِحِ كَنِيفٍ (وَحَائِضٍ وَصَبِيٍّ) لِكَثْرَةِ مُلَابَسَتِهِ النَّجَاسَةَ فِي غَالِبِ الْأَحْيَانِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ يُحْتَاطُ لَهَا مَا لَا يُحْتَاطُ لِلِاسْتِعْمَالِ. (وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا صَبَغَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ) ، قِيلَ لِأَحْمَدَ عَنْ صَبْغِ الْيَهُودِ بِالْبَوْلِ، فَقَالَ: الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ هَذَا، وَلَا

يُبْحَثُ عَنْهُ، فَإِنْ عَلِمْتَ فَلَا تُصَلِّ فِيهِ حَتَّى تَغْسِلَهُ. انْتَهَى، وَيَطْهُرُ بِغُسْلِهِ، وَلَوْ بَقِيَ اللَّوْنُ (وَكَذَا) لَا يَجِبُ غَسْلُ (لَحْمٍ يُشْتَرَى) مِنْ الْقَصَّابِ (بَلْ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إنَّهُ) أَيْ: غَسْلُ لَحْمٍ اُشْتُرِيَ (بِدْعَةٌ) لَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ " نَهَانَا اللَّهُ عَنْ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ " وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ «نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَمُّقِ» . (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ) حَيَوَانٍ (غَيْرِ مَأْكُولٍ بِذَكَاةٍ) بَلْ، وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ كَانَ فِي النَّزْعِ. (وَلَا) يَطْهُرُ (بِدَبْغٍ جِلْدُ) حَيَوَانٍ كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ، ثُمَّ (تَنَجَّسَ بِمَوْتٍ) ، مَأْكُولًا كَانَ أَوْ لَا: كَالشَّاةِ وَالْهِرِّ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ قَالَ: «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّوْقِيتَ غَيْرُ أَبِي دَاوُد وَأَحْمَدَ، وَقَالَ: مَا أُصْلِحُ إسْنَادَهُ، وَقَالَ أَيْضًا: حَدِيثُ ابْنِ عُكَيْمٍ أَصَحُّهَا. قَالَ " فِي الْمُطَوَّلِ ": وَالْمَوْتُ: عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ، قَالَ السَّيِّدُ: عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّنْ اتَّصَفَ بِهَا، وَهُوَ أَظْهَرُ. (فَإِنْ دُبِغَ) جِلْدُ الْمَيْتَةِ الطَّاهِرَةِ فِي الْحَيَاةِ (حَلَّ اسْتِعْمَالُهُ لَا بَيْعُهُ فِي يَابِسٍ) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَ شَاةً مَيِّتَةً أَعْطَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنْ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: أَلَّا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ، فَانْتَفَعُوا بِهِ» وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَا فَتَحُوا فَارِسَ انْتَفَعُوا بِسُرُوجِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ مَيِّتَةً، وَلِأَنَّ نَجَاسَتَهُ لَا تَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِهِ، كَالِاصْطِيَادِ بِالْكَلْبِ، وَرُكُوبِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ الدَّبْغِ مُطْلَقًا، وَلَا بَعْدَهُ فِي مَائِعٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَعُدِّي النَّجَاسَةِ، (كَمُنْخُلٍ مِنْ شَعْرِ) حَيَوَانٍ (نَجَسٍ) ، كَبَغْلٍ: فَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي يَابِسٍ، لِعَدَمِ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ. (وَلَا يَحْصُلُ دَبْغٌ بِنَجِسٍ) كَالِاسْتِجْمَارِ، (وَلَا) بِغَيْرِ (مُنَشِّفٍ لِرُطُوبَةِ مُنَقٍّ لِخَبَثٍ) بِحَيْثُ لَوْ تَقَعُ بَعْدَهُ

فِي الْمَاءِ فَسَدَ، كَالشَّبِّ وَالْقَرَظِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الدِّبَاغِ، (وَلَا بِتَشْمِيسِ) الْجِلْدِ، (وَ) لَا (بِرِيحٍ وَتُرَابٍ) لِمَا سَبَقَ (وَجَعْلُ مُصْرَانٍ وَتْرًا دِبَاغٌ) (وَكَذَا) جَعْلُ (كَرِشٍ) وَتْرًا دِبَاغٌ، لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ فِيهِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى فِعْلٍ، فَلَوْ وَقَعَ فِي مَدْبَغَةٍ فَانْدَبَغَ كَفَى، لِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ، فَأَشْبَهَ الْمَطَرَ يَنْزِلُ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ. (وَكُرِهَ خَرَزٌ بِنَحْوِ شَعْرِ خِنْزِيرٍ) ، كَشَعْرِ كَلْبٍ وَسَبُعٍ، لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلْعَيْنِ النَّجِسَةِ، وَلَا يَسْلَمُ مِنْ التَّنْجِيسِ بِهَا غَالِبًا، وَيَجِبُ غَسْلُ مَا خَرَزَبِهِ رَطْبًا لِتَنْجِيسِهِ. (وَلَا) يَجُوزُ دَبْغُ جِلْدِ (آدَمِيٍّ) ، وَلَا الْخَرَزُ بِشَعْرِهِ، وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهُ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، (فَ) لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ بَلْ (يَحْرُمُ) ذَلِكَ، (لِحُرْمَتِهِ) مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] . (وَكُرِهَ انْتِفَاعٌ بِ) شَيْءٍ (نَجِسٍ) بِشَرْطِ أَنْ (لَا يَتَعَدَّى) تَنَجُّسُهُ لِغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِتَجْوِيزِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الِانْتِفَاعَ بِالنَّجَاسَةِ لِعِمَارَةِ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ مَعَ الْمُلَابَسَةِ لِذَلِكَ عَادَةً. وَسُئِلَ الْفَضْلُ عَنْ غَسْلِ الصَّائِغِ الْفِضَّةَ بِالْخَمْرِ هَلْ يَجُوزُ؟ قَالَ: هَذَا غِشٌّ، لِأَنَّهَا تَبْيَضُّ بِهِ (لَكِنْ يَحْرُمُ افْتِرَاشُ جِلْدِ سَبُعٍ) مِنْ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ إذَا كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ الْهِرِّ خِلْقَةً، وَاللُّبْسُ كَالِافْتِرَاشِ، لِحَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ «أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَوْلُهُمْ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ: وَيُكْرَهُ لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ جِلْدًا مُخْتَلِفًا فِي نَجَاسَتِهِ، أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِ، (خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ) ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ إبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ بِهَا، (وَلَمْ يَشْتَرِطْ) أَبُو الْخَطَّابِ (دَبْغًا فِي) إبَاحَةِ (انْتِفَاعٍ بِ) جِلْدٍ (نَجِسٍ فِي يَابِسٍ، وَلَوْ جِلْدَ كَلْبٍ) إذَا لَمْ تَتَعَدَّ نَجَاسَتُهُ (وَإِنْفَحَّةٌ) - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ الْفَاءُ شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ

الْجَدْيِ الرَّضِيعِ أَصْفَرُ فَيُعْصَرُ فِي اللَّبَنِ، فَيَغْلُظُ كَالْجُبْنِ - (مَيْتَةٍ وَجِلْدَتِهَا) - أَيْ: جَلْدَةِ الْإِنْفَحَةِ مِنْ مَيْتَةٍ (وَعَظْمٍ وَقَرْنٍ وَظُفُرٍ وَعَصَبٍ، وَحَافِرٍ وَأُصُولِ نَحْوِ شَعْرٍ) كَوَبَرٍ (وَ) أُصُولُ (رِيشٍ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ نُتِفَ أَوْ قُصَّ (نَجَسٌ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَيْتَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْإِنْفَحَّةُ لَاقَتْ وِعَاءً نَجِسًا فَنَجُسَتْ، (وَكَذَا) فِي النَّجَاسَةِ (لَبَنُ مَيْتَةِ غَيْرِ آدَمِيٍّ) لِمَا تَقَدَّمَ. وَ (لَا) يَنْجُسُ (صُوفٌ وَشَعْرٌ وَرِيشٌ وَوَبَرٌ مِنْ) حَيَوَانٍ (طَاهِرٍ فِي حَيَاةٍ كَهِرِّ وَ) مَا دُونَهُ فِي الْخِلْقَةِ، (وَفَأْرٍ) وَمَأْكُولِ لَحْمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] الْآيَةُ سِيقَتْ لِلِامْتِنَانِ فَالظَّاهِرُ شُمُولُهَا الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَالرِّيشُ مَقِيسٌ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَحَرَّمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " نَتْفَ ذَلِكَ لِإِيلَامِهِ. (وَلَا) يَنْجَسُ (بَاطِنُ بَيْضَةِ مَأْكُولٍ) : كَدَجَاجٍ، بِمَوْتِهِ، (صَلُبَ قِشْرُهَا) ، لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْوَلَدَ، وَكَرَاهَةُ. عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ تُحْمَلُ عَلَى التَّنْزِيهِ اسْتِقْذَارًا لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَصْلُبْ قِشْرُهَا فَنَجِسَةٌ، لِأَنَّهَا جُزْءُ مَيْتَةٍ (كَصَلْقِهَا فِي نَجَاسَةٍ) فَلَا يَنْجَسُ، وَيَطْهُرُ ظَاهِرُهَا بِالْغَسْلِ، لِأَنَّ لَهَا قُوَّةً تَمْنَعُ سَرَيَانَ النَّجَاسَةِ إلَى دَاخِلِهَا، (وَكَعَظْمِ نَحْوِ سَمَكٍ) مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَكُلُّهَا تُؤْكَلُ سِوَى حَيَّةٍ وَضُفْدَعٍ وَتِمْسَاحٍ. (وَيَتَنَجَّسُ ظَاهِرُهَا) أَيْ: الْبَيْضَةِ الَّتِي صَلُبَ قِشْرُهَا (بِرُطُوبَةِ) مَا لَاصَقَهَا مِنْ جَوْفِ الْمَيْتَةِ (وَمَا أُبِينَ مِنْ) حَيَوَانٍ (حَيٍّ: كَظُفُرٍ وَقَرْنٍ وَيَدٍ) وَأَلْيَة وَحَافِرٍ وَجِلْدٍ (فَ) هُوَ (كَمَيْتَةٍ طَهَارَةً وَنَجَاسَةً) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَا يُقْطَعُ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. (وَيَتَّجِهُ غَيْرُ طَرِيدَةِ صَيْدٍ) فَإِنَّ مَا أُبِينَ مِنْهَا طَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ مِسْكٌ وَفَأْرَتُهُ، وَمُنْفَصِلٌ مِنْ مَأْكُولٍ ذَكِيٍّ وَلَمْ تَزْهَقْ رُوحُهُ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

تتمة دود القز وبزره ودود الطعام طاهر وكذا لعاب الأطفال

[تَتِمَّةٌ دُودُ الْقَزِّ وَبَزْرُهُ وَدُودُ الطَّعَامِ طَاهِرٌ وَكَذَا لُعَابُ الْأَطْفَالِ] ِ، وَلَوْ تَعَقَّبَ قَيْئًا وَلَمْ تُغْسَلْ أَفْوَاهُهُمْ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَامِلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلُعَابُهُ يَسِيلُ عَلَيْهِ» وَكَالْهِرِّ إذَا أَكَلَ نَجَاسَةً، ثُمَّ شَرِبَ مِنْ مَاءٍ، وَلَوْ لَمْ يَغِبَّ، وَكَسَائِلٍ مِنْ فَمٍ عِنْدَ نَوْمٍ. (وَسُنَّ تَغْطِيَةُ آنِيَةٍ وَلَوْ) كَانَتْ التَّغْطِيَةُ (بِعُودٍ، وَرَبْطُ) فَمِ (أَسْقِيَةٍ) جَمْعُ سِقَاءٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: السِّقَاءُ كَكِسَاءٍ: جِلْدُ السَّخْلَةِ إذَا أَجْذَعَ يَكُونُ لِلْمَاءِ وَاللَّبَنِ. انْتَهَى. أَبِي هُرَيْرَةَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُغَطِّيَ الْإِنَاءَ وَنُوكِئَ السِّقَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَ) سُنَّ (عِنْدَ نَوْمٍ إغْلَاقُ بَابٍ، وَإِطْفَاءُ مِصْبَاحٍ) بِغَيْرِ نَفْخٍ، لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يُورِثُ النِّسْيَانَ، (وَ) إطْفَاءُ (نَارٍ) حَالَ كَوْنِهِ مُسَمِّيًا، لِلْخَبَرِ (وَ) سُنَّ عِنْدَ نَوْمٍ (نَظَرٌ فِي وَصِيَّتِهِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ، (وَنَفْضُ فِرَاشِهِ) لِإِزَالَةِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ مُؤْذٍ وَوَسَخٍ (وَ) سُنَّ (وَضْعُ يَدٍ يُمْنَى تَحْتَ خَدٍّ أَيْمَنَ وَجَعْلُ) رَأْسِهِ إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ، وَرِجْلَيْهِ إلَى الْمَشْرِقِ، وَ (وَجْهُهُ نَحْوَ قِبْلَةٍ عَلَى جَنْبٍ أَيْمَنَ) كَمَا يَكُونُ فِي اللَّحْدِ، وَقَوْلُ مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إلَّا إلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» يَجْعَلُهُ آخِرَ مَا يَقُولُ مِنْ قِرَاءَةٍ وَغَيْرِهَا. (وَكُرِهَ نَوْمٌ عَلَى بَطْنٍ) ، لِأَنَّهُ نَوْمُ الشَّيَاطِينِ، (وَ) نَوْمٌ عَلَى (قَفًا إنْ خِيفَ انْكِشَافُ عَوْرَةٍ) . قَالَ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى ": النَّوْمُ عَلَى الْقَفَا رَدِيءٌ يَضُرُّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ بِالْبَصَرِ وَبِالْمَنِيِّ، وَإِنْ اسْتَلْقَى لِلرَّاحَةِ بِلَا نَوْمٍ لَمْ يَضُرَّ، وَأَرْدَأُ مِنْهُ النَّوْمُ عَلَى وَجْهِهِ. (وَ) كُرِهَ نَوْمٌ

باب الاستنجاء وآداب التخلي

(بَعْدَ الْفَجْرِ) ، لِأَنَّهُ وَقْتُ قَسْمِ الْأَرْزَاقِ، (وَ) بَعْدَ (عَصْرٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «مَنْ نَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَاخْتُلِسَ عَقْلُهُ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ. (وَ) نَوْمٌ (تَحْتَ سَمَاءٍ مُتَجَرِّدًا) مِنْ ثِيَابٍ، وَالْمُرَادُ: مَسْتُورُ الْعَوْرَةِ، وَعَلَى سَطْحٍ لَيْسَ عَلَيْهِ تَحْجِيرٌ، (وَ) نَوْمٌ (وَحْدَهُ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ الْوَحْدَةِ» (كَ) مَا يُكْرَهُ شُرُوعُهُ فِي (سَفَرٍ) وَحْدَهُ لِحَدِيثِ «الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ» (وَ) نَوْمٌ (بَيْنَ أَيْقَاظٍ) ، لِإِيذَائِهِمْ وَإِخْلَالِهِ بِالْمُرُوءَةِ، (وَ) كَذَا (نَوْمٌ وَجُلُوسٌ بَيْنَ شَمْسٍ، وَظِلٍّ) " لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَرُكُوبُ بَحْرٍ عِنْدَ هَيَجَانِهِ) لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ، (وَخُرُوجٌ لَيْلًا إلَى صَيْحَةٍ) ، لِحَدِيثِ «إيَّاكُمْ وَهَوَشَاتِ اللَّيْلِ، إيَّاكُمْ وَهَوَشَاتِ الْأَسْوَاقِ» . تَتِمَّةٌ: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي طِبِّهِ: النَّوْمُ فِي الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ يُحَرِّكُ الدَّاءَ الدَّفِينَ، وَالنَّوْمُ فِي الْقَمَرِ يُحِيلُ الْأَلْوَانَ إلَى الصُّفْرَةِ، وَيُثَقِّلُ الرَّأْسَ. [بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ وَآدَابِ التَّخَلِّي] (بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ وَآدَابِ التَّخَلِّي) وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الِاسْتِطَابَةُ، مَأْخُوذٌ مِنْ نَجَوْتُ الشَّجَرَةَ إذَا قَطَعْتُهَا لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْأَذَى، أَوْ مِنْ النَّجْوَةِ: مَا يَرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ، لِأَنَّ قَاضِيَ الْحَاجَةِ يَسْتَتِرُ بِهَا. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَاسْتَطَابَ: اسْتَنْجَى كَأَطَابَ، انْتَهَى. فَيُسَمَّى اسْتِطَابَةً، وَشَرْعًا: (إزَالَةُ نَجَسٍ) مُعْتَادٍ وَغَيْرِهِ (مُلَوَّثٍ) لَا نَاشِفٍ كَالْبَعْرِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الِاسْتِنْجَاءَ (خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ) أَصْلِيٍّ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ (إلَى مَا) - أَيْ مَحَلٍّ - (يَلْحَقُهُ حُكْمُ تَطْهِيرٍ) ، فَلَوْ انْتَقَلَ الْبَوْلُ أَوْ الْمَذْيُ إلَى الْقَصَبَةِ، أَوْ دَاخِلِ الْفَرْجِ وَلَمْ يَخْرُجْ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ، (بِمَاءٍ طَهُورٍ أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ) - أَيْ: حُكْمِ النَّجِسِ - (بِ) مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ مِنْ (نَحْوِ حَجَرٍ طَاهِرٍ مُبَاحٍ مُنَقٍّ) . كَخَشَبٍ

وَخِرَقٍ، وَيُسَمَّى بِالْحَجَرِ اسْتِجْمَارًا أَيْضًا، مِنْ الْجِمَارِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ (وَسُنَّ لِدَاخِلِ خَلَاءٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْمَدِّ الْمَوْضِعُ الْخَالِي، وَمِنْهُ اُسْتُعِيرَ لِمَحِلِّ الْحَدَثِ، وَبِكَسْرِ الْخَاءِ عَيْبٌ فِي الْإِبِلِ مِثْلُ الْحِرَانِ فِي الْخَيْلِ، وَبِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ: الْحَشِيشُ الرَّطْبِ، وَأَيْضًا حُسْنُ الْكَلَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: هُوَ حُلْوِ الْخَلَا أَيْ: حَسَنُ الْكَلَامِ (وَنَحْوِهِ) - أَيْ: نَحْوِ دَاخِلِ الْخَلَاءِ، كَالْمُرِيدِ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ بِنَحْوِ صَحْرَاءَ - (قَوْلُ: بِسْمِ اللَّهِ) ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «سَتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ «أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُبْثِ» بِإِسْكَانِ الْبَاءِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَنَّهُ أَكْثَرُ رِوَايَاتِ الشُّيُوخِ، وَفَسَّرَهُ بِالشَّرِّ، (وَالْخَبَائِثِ) بِالشَّيَاطِينِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ الشَّرِّ وَأَهْلِهِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ، وَهُوَ: جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، فَكَأَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ، وَقِيلَ: الْخُبْثُ: الْكُفْرُ، وَالْخَبَائِثُ: الشَّيَاطِينُ. (الرِّجْسِ) الْقَذَرُ، وَيُحَرَّكُ وَتُفْتَحُ الرَّاءُ وَتُكْسَرُ الْجِيمُ، قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (النَّجِسِ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ نَجِسَ. قَالَ الْفَرَّاءُ: إذَا قَالُوهُ مَعَ الرِّجْسِ أَتْبَعُوهُ إيَّاهُ، أَيْ: قَالُوهُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ. (الشَّيْطَانِ) مِنْ شَطَنَ، أَيْ: بَعُدَ، وَمِنْهُ: دَارٌ شَطُونٌ، أَيْ: بَعِيدَةٌ، لِبُعْدِهِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنْ: شَاطَ أَيْ: هَلَكَ لِهَلَاكِهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ. (الرَّجِيمِ) : إمَّا بِمَعْنَى رَاجِمٌ، لِأَنَّهُ يَرْجُمُ غَيْرَهُ بِالْإِغْوَاءِ أَوْ: بِمَعْنَى مَرْجُومٍ لِأَنَّهُ يُرْجَمُ بِالْكَوَاكِبِ إذَا اسْتَرَقَ السَّمْعَ. رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْبُخَارِيِّ " إذَا أَرَادَ دُخُولَهُ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " أَعُوذُ بِاَللَّهِ "، وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ

مَرْفُوعًا «لَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إذَا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنَّفُ " كَالْمُقْنِعِ " وَ " الْبُلْغَةِ " جَمْعٌ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ. (وَ) سُنَّ (لِمُنْصَرِفٍ) مِنْ الْخَلَاءِ قَوْلُ: (غُفْرَانَكَ) . لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، أَيْ: أَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ. وَالْغَفْرُ: السَّتْرُ. وَسِرُّهُ أَنَّهُ لَمَا خَلَصَ مِنْ النَّجْوِ الْمُثْقِلِ لِلْبَدَنِ، سَأَلَ الْخَلَاصَ مِمَّا يُثْقِلُ الْقَلْبَ، وَهُوَ الذَّنْبُ، لِتَكْمُلَ الرَّاحَةُ. (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي) لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَفِي مُصَنَّفِ " عَبْدِ الرَّزَّاقِ: أَنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، كَانَ إذَا خَرَجَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِي مَنْفَعَتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ. (وَ) سُنَّ لِدَاخِلِ خَلَاءٍ وَنَحْوِهِ (انْتِعَالٌ وَتَغْطِيَةُ رَأْسٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا دَخَلَ الْمِرْفَقَ لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ» رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ مُرْسَلًا. (وَلَا يَرْفَعُهُ) أَيْ: لَا يَرْفَعُ الْمُتَخَلِّي رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ تَحْضُرُهُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فَتَعْبَثُ بِهِ. (وَ) سُنَّ لَهُ (تَقْدِيمُ يُسْرَى) رَجُلَيْهِ (لِمَكَانِ قَضَاءِ حَاجَةٍ) سَوَاءٌ كَانَ فِي خَلَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَنْ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى قَبْلَ يَسَارِهِ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ اُبْتُلِيَ بِالْفَقْرِ» وَلِأَنَّ الْيُسْرَى لِلْأَذَى وَالْيُمْنَى لِمَا سِوَاهُ (وَاعْتِمَادُهُ عَلَيْهَا) - أَيْ: الرَّجُلِ الْيُسْرَى - (جَالِسًا) أَيْ: حَالَ جُلُوسِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، لِحَدِيثِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَتَّكِئَ عَلَى الْيُسْرَى وَأَنْ نَنْصِبَ الْيُمْنَى» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ.

(وَ) سُنَّ لَهُ تَقْدِيمُ (يُمْنَى) رِجْلَيْهِ (عِنْدَ انْصِرَافِهِ) مِنْ مَكَانِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ إلَى الْأَمَاكِنِ الطَّيِّبَةِ. (وَكَذَا) حُكْمُ (كُلِّ مَكَان خَبُثَ: كَحَمَّامٍ) وَمُغْتَسَلٍ وَمَزْبَلَةٍ. فَيُقَدِّمُ يُسْرَى رِجْلَيْهِ دُخُولًا، وَيُمْنَاهُمَا خُرُوجًا. (وَعَكْسُهُ كُلُّ مَكَان شَرِيفٍ: كَمَسْجِدٍ، وَمَنْزِلٍ) وَمَدْرَسَةٍ، وَزَاوِيَةٍ، فَيُقَدِّمُ يُمْنَى رَجُلَيْهِ دُخُولًا، وَيُسْرَاهُمَا خُرُوجًا (وَ) حُكْمُ (لُبْسِ) قَبَاءٍ وَنَحْوِهِ، (كَنَعْلٍ وَقَمِيصٍ) وَرِدَاءٍ وَسَرَاوِيلَ، حُكْمُ الْأَمْكِنَةِ الشَّرِيفَةِ، فَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى فِي اللُّبْسِ، وَالْيُسْرَى فِي الْخَلْعِ، لِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي " الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُسْرَى.» (وَ) وَسُنَّ لَهُ (بِفَضَاءٍ بَعُدَ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ الْبَرَازِ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (مَعَ أَمْنِ) الْمَكَانِ، فَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سَبُعٍ، أَوْ عَدُوٍّ يَغْتَالُهُ، فَلِيَقْضِ حَاجَتَهُ قَرِيبًا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. (وَ) يُسَنُّ لَهُ بِهِ (اسْتِتَارٌ) عَنْ نَاظِرٍ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَتِرْ بِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» (وَ) سُنَّ لَهُ (طَلَبُ مَكَانٍ رَخْوٍ) - بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ - يَبُولُ فِيهِ، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ «كُنْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ، فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ فَبَالَ، ثُمَّ قَالَ: إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَالدَّمِثُ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ: اللَّيِّنُ السَّهْلُ. وَفِي " التَّبْصِرَةِ " وَيَقْصِدُ مَكَانًا عُلْوًا (لِبَوْلٍ) لِيَنْحَدِرَ عَنْهُ الْبَوْلُ

(وَ) سُنَّ لَهُ إنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا رَخْوًا (لَصْقُ ذَكَرٍ بِصُلْبٍ) - بِضَمِّ الصَّادِ، أَيْ: شَدِيدٍ - لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ مِنْ رَشَاشِ الْبَوْلِ. (وَ) سُنَّ لَهُ (عَدُّ أَحْجَارِ اسْتِجْمَارٍ) قَبْلَ جُلُوسِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، لِحَدِيثِ «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ؛ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَكُرِهَ رَفْعُ ثَوْبِهِ) إنْ بَالَ قَاعِدًا (قَبْلَ دُنُوِّهِ مِنْ أَرْضٍ) بِلَا حَاجَةٍ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ» وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرْفَعُ ثَوْبَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَإِذَا قَامَ أَسْبَلَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ انْتِصَابِهِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَعَلَّهُ يَجِبُ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَنْظُرُهُ. (وَ) كُرِهَ لَهُ (اسْتِصْحَابُ مَا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَحْمَدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ نَقَشَ خَاتَمَهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» ، وَتَعْظِيمًا لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مَوْضِعِ الْقَاذُورَاتِ (بِلَا حَاجَةٍ) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَخَافَ ضَيَاعَهُ. (وَلَا) يُكْرَهُ اسْتِصْحَابُهُ (نَحْوَ دَرَاهِمَ) كَدَنَانِيرَ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا، وَمِثْلُهَا حِرْزٌ، قَالَهُ النَّاظِمُ وَأَوْلَى. (لَكِنْ يَجْعَلُ فَصَّ خَاتَمٍ) احْتَاجَ أَنْ يَصْحَبَهُ مَعَهُ وَفِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (بِبَاطِنِ كَفِّ) يَدٍ (يُمْنَى) نَصًّا، لِئَلَّا يَمَسَّ النَّجَاسَةَ أَوْ يُقَابِلَهَا. (وَ) كُرِهَ لَهُ أَيْضًا (اسْتِقْبَالُ شَمْسٍ وَقَمَرٍ) لَمَا فِيهِمَا مِنْ نُورِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُوِيَ أَنَّ مَعَهُمَا مَلَائِكَةً، وَأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مَكْتُوبَةٌ عَلَيْهِمَا. وَكُرِهَ لَهُ اسْتِقْبَالُ (مَهَبِّ رِيحٍ) فِي بَوْلٍ (بِلَا حَائِلٍ) لِئَلَّا يَرُدَّهُ عَلَيْهِ فَيُنَجِّسَهُ.

(وَ) كُرِهَ لَهُ (بَوْلٌ فِي شَقٍّ) بِفَتْحِ الشِّينِ (وَ) بَوْلُهُ فِي (سَرَبٍ) - بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ: ثُقْبٌ يَتَّخِذْهُ الدَّبِيبُ فِي الْأَرْضِ - لِحَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ.» قَالُوا لِقَتَادَةَ: مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: يُقَالُ إنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَالَ بِجُحْرٍ بِالشَّامِ ثُمَّ اسْتَلْقَى مَيِّتًا، فَسُمِعَ مِنْ بِئْرٍ بِالْمَدِينَةِ: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ ... وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ تُخْطِئْ فُؤَادَهْ فَحَفِظُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَوَجَدُوهُ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَعْدٌ، وَخَشْيَتُهُ خُرُوجُ دَابَّةٍ بِبَوْلِهِ فَتُؤْذِيهِ، أَوْ تَرُدُّهُ عَلَيْهِ فَيُنَجِّسُهُ (وَ) مِثْلُ السَّرَبِ مَا يُشْبِهُهُ، وَلَوْ (فَمَ بَالُوعَةٍ) ، لَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) كُرِهَ بَوْلُهُ فِي (مَاءٍ رَاكِدٍ) لِخَبَرِ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» وَكُرِهَ بَوْلُهُ فِي قَلِيلٍ جَارٍ، لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ وَيُنَجِّسُهُ وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُحَرِّمُوهُ، لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ عَادَةً، أَوْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِالْإِضَافَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) كُرِهَ بَوْلُهُ فِي (إنَاءٍ بِلَا حَاجَةٍ) نَصًّا فَإِنْ كَانَتْ لَمْ يُكْرَهْ، لِقَوْلِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رَقِيقَةَ عَنْ أُمِّهَا «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَالْعَيْدَانُ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ طِوَالُ النَّخْلِ. وَكُرِهَ بَوْلُهُ فِي نَارٍ لِأَنَّهُ يُورِثُ السَّقَمَ، (وَ) فِي (رَمَادٍ) . ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ " (وَ) فِي (مَوْضِعٍ صُلْبٍ) - بِضَمِّ الصَّادِ - إلَّا إذَا لَمْ يَجِدَ مَكَانًا رَخْوًا، لَصَقَ ذَكَرَهُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) كُرِهَ بَوْلٌ فِي (مُسْتَحَمٍّ غَيْرِ مُقَيَّرٍ أَوْ مُبَلَّطٍ) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ فِي

مُغْتَسَلِهِ» وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. فَإِنْ بَالَ فِي الْمُقَيَّرِ أَوْ الْمُبَلَّطِ أَوْ الْمُجَصَّصِ ثُمَّ أَرْسَلَ عَلَيْهِ الْمَاءَ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ فِيهِ. قَالَ الْإِمَام أَحْمَدُ: إنْ صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَجَرَى فِي الْبَالُوعَةِ فَلَا بَأْسَ لِلْأَمْنِ مِنْ التَّلْوِيثِ، وَمِثْلُهُ مَكَانُ الْوُضُوءِ كَمَا فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَ) كُرِهَ (اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ بِفَضَاءٍ بِاسْتِنْجَاءٍ أَوْ اسْتِجْمَارٍ) تَعْظِيمًا لَهَا. (وَ) كُرِهَ (كَلَامٌ فِي خَلَاءٍ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مُبَاحًا فِي غَيْرِهِ، كَسُؤَالٍ عَنْ شَيْءٍ أَوْ مُسْتَحَبًّا: كَإِجَابَةِ مُؤَذِّنٍ (وَلَوْ) وَاجِبًا: (كَرَدِّ سَلَامٍ) وَتَشْمِيتِ عَاطِسٍ، (ذِكْرٍ) مَسْنُونٍ، وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمُتَخَلِّي (سَلَامٌ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ، فَلَا يَجِبْ رَدُّهُ نَصًّا، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «مَرَّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبُولُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ» (وَيَجِبُ) الْكَلَامُ عَلَى مَنْ فِي الْخَلَاءِ كَغَيْرِهِ (لِتَحْذِيرِ مَعْصُومٍ) مِنْ هَلَكَةٍ كَأَعْمَى وَغَافِلٍ، يُحَذِّرُهُ مِنْ بِئْرٍ وَحَيَّةٍ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّ مُرَاعَاةَ حِفْظِ الْمَعْصُومِ أَهَمُّ. (فَإِنْ عَطَسَ) الْمُتَخَلِّي (أَوْ سَمِعَ أَذَانًا حَمْدَ اللَّهَ) عَقِبَ الْعُطَاسِ بِقَلْبِهِ، (وَأَجَابَ) الْمُؤَذِّنَ (بِقَلْبِهِ) دُونَ لِسَانِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ. وَيَقْضِيهِ مُتَخَلٍّ وَمُصَلٍّ (وَ) كُرِهَ لِمَنْ فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةٍ (تَوَضُّؤٌ) فِي مَكَانِ بَوْلِهِ، (وَاسْتِنْجَاءٌ بِمَوْضِعِ بَوْلِهِ) ، (وَ) فِي (أَرْضٍ نَجِسَةٍ، خَشْيَةَ تَنْجِيسٍ) بِتَطَايُرِ الْمَاءِ السَّاقِطِ عَلَى النَّجَاسَةِ. (وَ) كُرِهَ (بَصْقُهُ عَلَى بَوْلِهِ) ، لَمَا قِيلَ: إنَّهُ يُورَثُ (الْوِسْوَاسَ.) (وَ) كُرِهَ (مَسُّ فَرْجٍ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا) حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ وَغَيْرِهِ. (وَ) كُرِهَ (اسْتِجْمَارٌ بِهَا) - أَيْ: يَدِهِ الْيُمْنَى - (بِلَا حَاجَةٍ) ، أَمَّا مَعَ الْحَاجَةِ: كَجُرْحَةٍ بِيَسَارِهِ، فَلَا كَرَاهَةَ. (فَفِي) حَالِ اسْتِجْمَارٍ مِنْ (غَائِطٍ يُؤْخَذُ حَجَرٌ) أَوْ نَحْوُهُ (بِيَسَارٍ، وَيُمْسَحُ) الْمَخْرَجُ ثَلَاثَ مَسَحَاتٍ فَأَكْثَرَ، وَيَأْتِي. (وَ) فِي اسْتِجْمَارٍ مِنْ (بَوْلٍ

يُمْسَكُ ذَكَرٌ بِشِمَالٍ، وَيُمْسَحُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْحَجَرِ إنْ كَانَ كَبِيرًا، (وَمَعَ صِغَرِهِ) - أَيْ: الْحَجَرِ - (يَضَعُهُ بَيْنَ عَقِبَيْهِ) - تَثْنِيَةُ عَقِبٍ، كَكَتِفٍ: مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ - (أَوْ) يَضَعُهُ بَيْنَ (أَصَابِعِ قَدَمِهِ، أَوْ) بَيْنَ (إبْهَامَيْهِمَا وَمَسَحَ عَلَيْهِ) ذَكَرَهُ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، لِإِغْنَائِهِ عَنْ إمْسَاكِهِ بِيَمِينِهِ، (فَإِنَّ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ كَجَالِسٍ فِي الْأَخْلِيَةِ الْبَيِّنَةِ (مَسْكُ) - كَضَرْبٍ - (حَجَرٍ بِيَمِينٍ) لِلْحَاجَةِ، (وَ) مَسَكَ (ذَكَرًا بِيَسَارٍ وَمَسَحَ) الذَّكَرَ (عَلَيْهِ) ، فَتَكُونُ الْيَسَارُ هِيَ الْمُتَحَرِّكَةُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَه اسْتِنْجَاؤُهُ بِيَمِينِهِ لِحَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ ": بِيَمِينِهِ أَوْلَى مِنْ يَسَارِ غَيْرِهِ. وَالنَّهْيُ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ لِلتَّأْدِيبِ لَا لِلتَّحْرِيمِ. وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِيَدَيْهِ لَزِمَهُ بِرِجْلِهِ إنْ أَمْكَنَ، أَوْ بِمَنْ يَجُوزُ لَهُ نَظَرُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ بِأُجْرَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَلَوْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَمَسَّحَ بِنَحْوِ أَرْضٍ مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ عَجَزَ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَإِنْ قَدَرَ بَعْدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَعُدْ. (وَلَا يُكْرَهُ بَوْلُهُ قَائِمًا) وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (مَعَ أَمْنِ تَلَوُّثٍ وَنَاظِرٍ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا» وَالسُّبَاطَةُ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُلْقَى فِيهِ الْقُمَامَةُ وَالْأَوْسَاخُ. (وَلَا) يُكْرَهُ (تَوَجُّهٌ لِلْقُدْسِ) فِي ظَاهِرِ نَقْلِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي " الْخِلَافِ " حُمِلَ " نَهْيَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلِهِ وَغَائِطِهِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ - حِينَ كَانَ قِبْلَةً، وَلَا يُسَمَّى بَعْدَ النَّسْخِ قِبْلَةً. (وَحَرُمَ بِلَا حَاجَةٍ دُخُولُهُ) الْخَلَاءَ (بِمُصْحَفٍ) قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ قَطْعًا، وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي هَذَا عَاقِلٌ (وَ) حَرُمَ (قِرَاءَةُ) مُتَخَلٍّ قُرْآنًا (وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ) عَلَى حَاجَتِهِ. جَزَمَ بِهِ النَّاظِمُ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قُلْتُ: الصَّوَابُ تَحْرِيمُهُ فِي نَفْسِ الْخَلَاءِ. (وَ) يَحْرُمُ عَلَى مُتَخَلٍّ (لُبْثٌ) فِي الْخَلَاءِ (فَوْقَ قَدْرِهَا) - أَيْ: الْحَاجَةِ -

وَهُوَ مُضِرٌّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، قِيلَ: إنَّهُ يُدْمِي الْكَبِدَ وَيُورَثُ الْبَاسُورَ (وَ) يَحْرُمُ (كَشْفُ عَوْرَةٍ بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ. لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي حَمَّامٍ أَوْ ظُلْمَةٍ، أَوْ بِحَضْرَةِ مَلَكٍ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ لَا. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ " (وَ) حَرُمَ (تَغَوُّطٌ بِمَاءٍ وَلَوْ جَارِيًا) ، قَلِيلًا كَانَ (أَوْ كَثِيرًا) كَرَاكِدٍ، لِأَنَّهُ يُقَذِّرُهُ، وَيَمْنَعُ النَّاسَ الِانْتِفَاعَ بِهِ. وَ (لَا) يَحْرُمُ التَّغَوُّطُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ جِدًّا (كَبَحْرٍ) ، لِأَنَّهُ لَا تُعَكِّرهُ الْجِيَفُ، (أَوْ) فِي مَاءٍ (مُعَدٍّ لِذَلِكَ) كَالْمَاءِ الْجَارِي فِي مَطَاهِرِ دِمَشْقَ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ عَادَةً. (وَ) حَرُمَ (بَوْلٌ وَتَغَوُّطٌ بِمَوْرِدِ مَاءٍ) أَيْ: مَكَانِ جَرَيَانِهِ (وَطَرِيقٍ مَسْلُوكٍ، وَظِلٍّ نَافِعٍ) ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَمُتَشَمَّسُ) النَّاسِ (زَمَنَ شِتَاءٍ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الظِّلِّ النَّافِعِ (مَجْمَعُ نَاسٍ) لِلتَّحَدُّثِ الْمَشْرُوعِ (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يَحْرُمُ بَوْلٌ وَتَغَوُّطٌ فِي مَجْمَعِ النَّاسِ (عَلَى حَرَامٍ) كَغِيبَةٍ أَوْ لَهْوٍ مِنْ قِمَارٍ أَوْ شُرْبِ مُسْكِرٍ أَوْ سَمَاعِ آلَاتٍ فَيَجِبُ تَفْرِيقُهُمْ بِمَا أَمْكَنَ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ. (وَ) حَرُمَ بَوْلٌ وَتَغَوُّطٌ (تَحْتَ شَجَرٍ عَلَيْهِ ثَمَرٌ يُقْصَدُ) مَأْكُولًا كَانَ أَوْ لَا. لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ وَتَعَافُهُ النَّفْسُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الشَّجَرِ ثَمَرٌ جَازَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ظِلٌّ نَافِعٌ، لِأَنَّ أَثَرَ ذَلِكَ يَزُولُ بِمَجِيءِ الْأَمْطَارِ إلَى مَجِيءِ الثَّمَرِ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْتَ الْأَشْجَارِ وَالنَّخْلِ بِأَنَّ الْأَرْضَ تَبْلَعُ فَضْلَتَهُ. (أَوْ قُرْبَ ثَمَرِهِ) - أَيْ: الشَّجَرِ - فَيَحْرُمُ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ تَشْمَئِزُّ مِنْهُ. (وَ) يَحْرُم بَوْلٌ وَتَغَوُّطٌ (عَلَى مَا نُهِيَ عَنْ اسْتِجْمَارٍ بِهِ: كَرَوْثٍ) وَعَظْمٍ، (وَمُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ كَذَنْبِهِ) وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ، (وَ) عَلَى (يَدِ مُسْتَجْمِرٍ) ، وَعَلَى مَالِهِ حُرْمَةً كَمَطْعُومِ لِآدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلُغُ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ

فصل ما يسن لمتخل إذا فرغ من حاجته

بِهَا فِي التَّقْذِيرِ، فَيَكُونُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ. (وَ) حَرُمَ بَوْلٌ وَتَغَوُّطٌ (بَيْنَ قُبُورِ) الْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهَا. (وَ) حَرُمَ (اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ وَاسْتِدْبَارُهَا) حَالَ بَوْلٍ وَغَائِطٍ (فِي فَضَاءٍ،) لِقَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَلِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ أَشْرَفُ الْجِهَاتِ فَصِينَتْ عَنْ ذَلِكَ. وَ (لَا) يَحْرُمُ فِي (بُنْيَانٍ) ، لِمَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ " رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إلَيْهَا، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إنَّمَا نُهِيَ عَنْ هَذَا فِي الْفَضَاءِ، أَمَّا إذَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ. (وَيَكْفِي انْحِرَافُهُ) عَنْ الْجِهَةِ نَقَلَهُ أَبُو دَاوُد، وَمَعْنَاهُ فِي " الْخِلَافِ ". (وَ) يَكْفِي (حَائِلٌ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ. (وَلَوْ) كَانَ الْحَائِلُ (كَمُؤَخَّرَةِ رَحْلٍ) - بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُثَقِّلُ الْخَاءَ، وَهِيَ: الْخَشَبَةُ الَّتِي يَسْتَنِدُ إلَيْهَا الرَّاكِبُ - (وَ) يَكْفِي (اسْتِتَارٌ بِدَابَّةٍ وَجَبَلٍ) وَجِدَارٍ وَشَجَرَةٍ، (وَ) يَكْفِي (أَرِخَاءُ ذَيْلٍ) ، لِحُصُولِ التَّسَتُّرِ بِهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: (لَا يُعْتَبَرُ قُرْبُهُ مِنْ حَائِلٍ) كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قُرْبُهُ مِنْ جِدَارِهِ [فَصْلٌ مَا يُسَنُّ لِمُتَخَلٍّ إذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ] (فَصْلٌ) (وَسُنَّ) لِمُتَخَلٍّ (إذَا فَرَغَ) مِنْ حَاجَتِهِ (مَسْحُ ذَكَرٍ) بِيَدٍ يُسْرَى (مِنْ حَلْقَةِ دُبُرٍ) بِسُكُونِ اللَّامِ - فَيَضَعُ أُصْبُعَ يَدِهِ الْيُسْرَى الْوُسْطَى تَحْتَ الذَّكَرِ، وَالْإِبْهَامَ فَوْقَهُ، وَيَمُرُّ بِهِمَا (إلَى رَأْسِهِ) - أَيْ: الذَّكَرِ - (ثَلَاثًا لِيَجْذِبَ بَقَايَا) الْبَلَلِ. (وَ) سُنَّ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ (نَتْرُهُ) الذَّكَرِ (ثَلَاثًا) نَصًّا، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ " اسْتَنْتَرَ مِنْ بَوْلِهِ: اجْتَذَبَهُ وَاسْتَخْرَجَ

بَقِيَّتَهُ مِنْ الذَّكَرِ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ حَرِيصًا مُهْتَمًّا بِهِ انْتَهَى. لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَ) سُنَّ لَهُ (مُكْثٌ قَلِيلٌ قَبْلَ اسْتِنْجَاءٍ) (لِيَنْقَطِعَ أَثَرُ بَوْلٍ) ثُمَّ يَسْتَنْجِيَ وَإِذَا اسْتَنْجَى فِي دُبُرِهِ اسْتَرْخَى قَلِيلًا، وَيُوَاصِلُ صَبَّ الْمَاءِ حَتَّى يُنَقَّى وَيَتَنَظَّفُ. (وَ) لِلْمُتَخَلِّي (تَنَحْنُحٌ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، زَادَ بَعْضُهُمْ: (وَمَشْيُ خُطُوَاتٍ) ، وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ، (إنْ اُحْتِيجَ لِاسْتِبْرَاءٍ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَزُّهِ مِنْ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ، (وَكَرِهَهُمَا) - أَيْ: كَرِهَ التَّنَحْنُحَ وَمَشْيَ الْخُطُوَاتِ - (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: ذَلِكَ كُلُّهُ بِدْعَةٌ، وَلَا يَجِبُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. (وَ) سُنَّ (تَحُولُ خَائِفٍ تَلَوُّثًا بِاسْتِنْجَاءٍ) تَبَاعُدًا عَنْ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخَفْ التَّلَوُّثَ فَلَا يَتَحَوَّلُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. (وَ) سُنَّ (دَلْكُ يَدِهِ) (بِأَرْضٍ طَاهِرَةٍ) بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ " أَنَّ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَ) سُنَّ (نَضْحُ فَرْجٍ) ، أَيْ: مَا يُحَاذِيهِ مِنْ ثَوْبٍ (وَسَرَاوِيلَ لِمُسْتَنْجٍ) بِمَاءٍ (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ قَطْعًا لِلْوَسْوَاسِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إذَا تَوَضَّأَتْ فَانْضَحْ» حَدِيثٌ غَرِيبٌ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ". وَمِنْ ظَنَّ خُرُوجَ شَيْءٍ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا تَلْتَفِتْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ وَالْهَ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَلَمْ يَرَ أَحْمَدُ حَشْوَ الذَّكَرِ فِي ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ فَصَلَّى ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَوَجَدَ بَلَلًا فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ يَظْهَرْ خَارِجًا. (وَ) سُنَّ (بُدَاءَةُ ذَكَرٍ) بِقُبُلٍ لِئَلَّا تَتَلَوَّثَ يَدُهُ إذَا بَدَأَ بِالدُّبُرِ، لِأَنَّ

قُبُلَهُ بَارِزٌ، (وَ) بُدَاءَةُ (بِكْرٍ بِقُبُلٍ) إلْحَاقًا لَهَا بِالذَّكَرِ لِوُجُودِ عُذْرَتِهَا (وَتُخَيَّرُ ثَيِّبٌ) فِي الْبَدَاءَةَ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ. (وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (اسْتِنْجَاءٌ بِحَجَرٍ ثُمَّ مَاءٍ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ لِلنِّسَاءِ «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ. فِي الْإِنْقَاءِ، (وَكُرِهَ عَكْسُهُ) أَيْ: تَقْدِيمُ الْمَاءِ عَلَى الْحَجَرِ - نَصًّا لِأَنَّ الْحَجَرَ بَعْدَ الْمَاءِ يُقَذِّرُ الْمَحَلَّ. (وَيُجْزِئُ أَحَدُهُمَا) - أَيْ: الْحَجَرِ أَوْ الْمَاءِ - «لِحَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْإِدَاوَةُ بِالْكَسْرِ: الْمَطْهَرَةُ، جَمْعُهُ: أَدَاوَى كَفَتَاوَى، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ " وَحَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِط فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» وَإِنْكَارُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ كَانَ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (وَالْمَاءُ) وَحْدُهُ (أَفْضَلُ) مِنْ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمَحَلَّ، وَأَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108] وَقَالَ: كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ» . (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِجْمَارٍ فِي فَرْجٍ، وَاسْتِنْجَاءٍ فِي آخَرَ) إذَا أَمِنَ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ. (وَلَا يُجْزِئُ فِي مُتَعَدٍّ) - أَيْ: مُتَجَاوِزٍ - (مَوْضِعَ عَادَةٍ) بِأَنْ انْتَشَرَ الْخَارِجُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الصَّفْحَةِ، أَيْ: أَوْ امْتَدَّ إلَى الْحَشَفَةِ امْتِدَادًا غَيْرَ مُعْتَادٍ، (يَقِينًا) لَا ظَنًّا، (إلَّا الْمَاءُ) لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ فِي الْمُعْتَادِ رُخْصَةٌ لِلْمَشَقَّةِ فِي غَسْلِهِ، لِتَكْرَارِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ تَعَدَّتْ لِنَحْوِ يَدِهِ لَتَعَيَّنَ الْمَاءُ لِمَا تَعَدَّى، وَلَا يُجْزِئُ الْحَجَرُ. قَالَ فِي

الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَمْنَعُ الْقِيَامُ الِاسْتِجْمَارَ مَا لَمْ يَتَعَدَّ الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ، كَمَا لَا يُجْزِئُ فِي الْخَارِجِ مِنْ (قُبُلَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ) إلَّا الْمَاءُ وَكَذَا الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّ الْأَصْلِيَّ مِنْهُمَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالِاسْتِجْمَارُ لَا يُجْزِئُ إلَّا فِي أَصْلِيٍّ، فَإِنْ كَانَ وَاضِحًا أَجْزَأَ الِاسْتِجْمَارُ فِي الْأَصْلِيِّ دُونَ الزَّائِدِ، وَيُجْزِئُ فِي دُبُرِهِ. (وَ) ك (مَخْرَجٍ غَيْرِ فَرْجٍ) تَنَجَّسَ بِخَارِجٍ مِنْهُ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ، وَلَوْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ، لِأَنَّهُ نَادِرٌ فَلَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْفَرْجِ، وَلَمْسُهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ حُكْمُ الْوَطْءِ أَشْبَهَ سَائِرَ الْبَدَنِ. (وَ) (تَنَجُّسِ مَخْرَجٍ بِغَيْرِ خَارِجٍ مِنْهُ) ، أَوْ بَقِيَ الْخَارِجُ مُلْصَقًا بِهِ وَجَفَّ، (وَ) كَذَا لَوْ تَنَجَّسَ الْمَخْرَجُ (بِخَارِجٍ) مِنْ حُقْنَةٍ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْمَاءُ. (وَكَاسْتِجْمَارٍ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ) كَطَعَامٍ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْمَاءُ، (لَا) اسْتِجْمَارَ (بِغَيْرِ مُنْقٍ) وَإِذَا أَتْبَعَ بِالْمَنْقِيِّ قَبْلَ جَفَافِ الْخَارِجِ فَيُجْزِئُ. (وَلَا يَجِبُ غَسِيلُ نَجَاسَةٍ بِدَاخِلِ فَرْجِ ثَيِّبٍ) نَصًّا، (فَلَا تُدْخِلُ أُصْبُعَهَا) فِي فَرْجِهَا، (بَلْ) تَغْسِلُ (مَا ظَهَرَ) مِنْهُ عِنْدَ قُعُودِهَا لِحَاجَتِهَا، لِأَنَّ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ فَرْجَيْنِ دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ مِنْهُ الْحَيْضُ، وَخَارِجٌ بِمَنْزِلَةِ الْأَلْيَتَيْنِ مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ. فَالدَّاخِلُ الَّذِي لَا يَظْهَرُ عِنْدَ قُعُودِهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، فَلَا تُدْخِلُ يَدَهَا وَلَا أُصْبُعَهَا، بَلْ تَغْسِلُ مَا ظَهَرَ. وَالْخَارِجُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ يَجِبُ غَسْلُهُ، (وَكَذَا) لَا يَجِبُ (غَسْلُ) دَاخِلِ فَرْجِ ثَيِّبٍ (مِنْ نَحْوِ جَنَابَةٍ) كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ. (وَ) كَذَا لَا يَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَةٍ وَجَنَابَةٍ بِدَاخِلِ (حَشَفَةِ أَقْلَفَ غَيْرِ مَفْتُوقٍ) بِخِلَافِ الْمَفْتُوقِ، فَيَجِبُ غَسْلُهَا لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ. (وَيُجْزِئُ اسْتِجْمَارٌ فِي بَوْلِ ثَيِّبٍ تَعَدَّى مَخْرَجَ حَيْضٍ كَبِكْرٍ) نَصًّا، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "

لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ كَثِيرًا، وَالْعُمُومَاتُ تُعَضِّدُهُ وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ " وَ " الْحَاوِي الْكَبِيرِ ". (وَشَرْطُ اسْتِجْمَارٍ بِطَاهِرٍ) فَلَا يَصِحُّ بِنَجِسٍ " لِأَنَّ «ابْنَ مَسْعُودٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَجْمِرَ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ، يَعْنِي: نَجِسًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ أَشْبَهَ الْغُسْلَ. (جَامِدٍ) لَا نَدِيٍّ وَلَا رَخْوٍ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، (مُبَاحٍ) ، فَلَا يَصِحُّ بِمُحَرَّمٍ كَمَغْصُوبٍ، وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِمَعْصِيَةٍ، وَلَا يُجْزِئُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الْمَاءُ (مُنَقٍّ) - اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَنْقَى - فَلَا يُجْزِئُ بِأَمْلَسَ مِنْ نَحْوِ زُجَاجٍ (غَيْرِ مَطْعُومٍ) لِإِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ، وَغَيْرِ (مُحْتَرَمٍ) كَكُتُبٍ مُبَاحَةٍ احْتِرَامًا، (وَ) غَيْرِ (مُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ) . فَإِنْ اسْتَجْمَرَ بَعْدَهُ بِمُبَاحٍ أَوْ اسْتَنْجَى بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ: لَمْ يُجْزِهِ، وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ، وَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِغَيْرِ مُنْقٍ كَزُجَاجٍ: أَجْزَأَ الِاسْتِجْمَارُ بَعْدَهُ بِمُنَقٍّ، (كَحَجَرٍ وَخَشَبٍ وَخِرَقٍ) ، لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ «فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ بِثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ، أَوْ بِثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ. وَلِمُشَارَكَةِ غَيْرِ الْحَجَرِ الْحَجَرَ فِي الْإِزَالَةِ (وَالْإِنْقَاءُ) بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ (أَنْ يَبْقَى أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ وَالْأَثَرُ نَجَسٌ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (يُعْفَى عَنْهُ فِي مَحَلِّهِ) لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ (وَ) الْإِنْقَاءُ (بِمَاءٍ عَوْدُ الْمَحَلِّ) ، أَيْ: مَحَلِّ الْخَارِجِ بِأَنْ يُدَلِّكُهُ حَتَّى يَعُودَ (كَمَا كَانَ) قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ، وَيُوَاصِلُ الصَّبَّ، وَيَسْتَرْخِي قَلِيلًا. (وَظَنُّهُ) ، أَيْ: الْإِنْقَاءِ بِنَحْوِ حَجَرٍ أَوْ مَاءٍ (كَافٍ، وَ) لَا بُدَّ مِنْ (غَسْلِهِ سَبْعًا) ، كَمَا يَأْتِي فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. (وَحَرُمَ وَلَا يَصِحُّ اسْتِجْمَارٌ بِرَوْثٍ) ، وَلَوْ لِمَأْكُولٍ، (وَعَظْمٍ) ، وَلَوْ مِنْ مُذَكًّى، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَعَدَمَ

الْإِجْزَاءِ (وَ) حَرُمَ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ اسْتِجْمَارٌ (بِرَخْوٍ) كَطِينٍ جَامِدٍ هَشٍّ، لِأَنَّهُ يَتَفَتَّتُ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْقَاءُ، وَبِطَعَامٍ، وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ بِأَنَّهُ زَادُ الْجِنِّ، فَزَادُنَا وَزَادُ دَوَابِّنَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً. (وَ) حَرُمَ أَيْضًا (بِذِي حُرْمَةٍ كَكُتُبِ فِقْهٍ) وَحَدِيثٍ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الشَّرِيعَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرْمَتِهَا. (وَ) حَرُمَ أَيْضًا (بِمُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ كَذَنَبِ) الْبَهِيمَةِ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ نَحْوِ صُوفٍ، لِأَنَّهُ لَهُ حُرْمَةٌ كَالطَّعَامِ، (وَبِجِلْدِ) سَمَكٍ وَحَيَوَانٍ (مُذَكًّى) أَوْ حَشِيشٍ رَطْبٍ، (وَ) مِثْلُهُ اسْتِجْمَارٌ (بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَمُتَنَجِّسٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا يُجْزِئُ) فِي الِاسْتِجْمَارِ (أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ، وَلَوْ) كَانَتْ الْمَسَحَاتُ الثَّلَاثُ (بِحَجَرٍ) وَاحِدٍ (ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ، تَعُمُّ كُلُّ مَسْحَةٍ الْمَحَلَّ) أَيْ: مَحَلَّ الْخَارِجِ (وَهُوَ: الْمَسْرُبَةُ وَالصَّفْحَتَانِ) . قَالَ الْقَاضِي الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ مِنْ مُقَدِّمِ صَفْحَتِهِ الْيُمْنَى إلَى مُؤَخَّرِهَا، يُدِيرُهُ عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَصِلَ بِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُمِرَّ الثَّانِي مِنْ صَفْحَتِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، ثُمَّ يُمِرَّ الثَّالِثَ عَلَى الْمَسْرَبَةِ وَالصَّفْحَتَيْنِ. انْتَهَى. لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا تَغَوَّطَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمْسَحْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهُوَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ مُسْلِمٍ «لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةٍ» لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَكْرَارُ الْمَسْحِ، لَا الْمَمْسُوحِ بِهِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَعْقُولٌ، وَمُرَادُهُ مَعْلُومٌ، وَالْحَاصِلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ حَاصِلٌ مِنْ ثَلَاثِ شُعَبٍ، وَكَمَا لَوْ مَسَحَ ذَكَرَهُ فِي ثَلَاثِ مَوَاضِعَ مِنْ صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَا مَعْنَى لِلْجُمُودِ عَلَى اللَّفْظِ مَعَ وُجُودِ مَا يُسَاوِيهِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَوْ أَفْرَدَ كُلَّ جِهَةٍ بِحَجَرٍ لَمْ يُجْزِئْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) الْمَحَلُّ بِالْمَسَحَاتِ الثَّلَاثِ (زَادَ حَتَّى يُنَقَّى) لِيَحْصُلَ مَقْصُودُ الِاسْتِجْمَارِ.

(وَسُنَّ قَطْعُهُ) أَيْ: مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ - (عَلَى وِتْرٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. فَإِنْ أَنْقَى بِرَابِعَةِ زَادَ خَامِسَةً. وَهَكَذَا، وَإِنْ أَنْقَى بِوِتْرٍ كَخَامِسَةٍ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا. (وَلَوْ) (اسْتَجْمَرَ) ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، لِكُلِّ حَجَرٍ ثَلَاثُ شُعَبٍ، اسْتَجْمَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِشُعْبَةٍ مِنْ كُلِّ حَجَرٍ أَجْزَأَهُمْ، أَوْ اسْتَجْمَرَ إنْسَانٌ (بِحَجَرٍ ثُمَّ غَسَلَهُ) وَجَفَّفَهُ سَرِيعًا، (أَوْ كَسَرَ مَا تَنَجَّسَ) مِنْهُ (ثُمَّ اسْتَجْمَرَ بِهِ) ثَانِيًا، ثُمَّ كَسَرَهُ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ ثَالِثًا (أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. (وَيَجِبُ اسْتِنْجَاءٌ) بِمَاءٍ وَنَحْوِ كَحَجَرٍ (لِكُلِّ خَارِجٍ) مِنْ سَبِيلٍ، وَلَوْ نَادِرًا كَالدُّودِ، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، (إلَّا الطَّاهِرَ كَرِيحٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ " قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي الرِّيحِ اسْتِنْجَاءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ نَجِسَةً وَلَا تَصْحَبُهَا نَجَاسَةٌ. وَفِي " الْمُبْهِجِ " لِأَنَّهَا عَرَضٌ بِإِجْمَاعِ الْأُصُولِيِّينَ. وَعُورِضَ بِأَنَّ لِلرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ قَائِمَةٌ بِهَا، وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ الرَّائِحَةِ عَرَضًا، وَهُوَ لَا يَقُومُ بِعَرَضٍ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ. (وَ) ك (مَنِيٍّ) ، وَوَلَدٍ بِلَا دَمٍ، لِأَنَّهُمَا طَاهِرَانِ (أَوْ) ، أَيْ: وَإِلَّا (نَجَسًا غَيْرَ مُلَوِّثٍ) ، قَطَعَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْنَاعِ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. (وَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا تَيَمُّمٌ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ» وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ يُبْطِلهَا الْحَدَثُ، فَاشْتَرَطَ تَقَدُّمَ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهَا كَالتَّيَمُّمِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ وَأَكْبَرَ، أَوْ نَجَاسَةٍ

باب السواك

بِبَدَنٍ، فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، أَوْ عَلَيْهِمَا غَيْرَ خَارِجَةٍ مِنْهُمَا صَحَّ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ قَبْلَ زَوَالِهَا. (وَيَحْرُمُ مَنْعُ مُحْتَاجٍ لِطَهَارَةِ) بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ، أَيْ: مِيضَأَةٍ مُعَدَّةٍ لِلتَّطْهِيرِ وَالْحَشِّ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَوْ وُقِفَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَدْرَسَةٍ) وَرِبَاطٍ، (وَلَوْ) كَانَتْ (فِي مِلْكِهِ) ، لِأَنَّهَا بِمُوجِبِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ مَبْذُولَةٌ لِلْمُحْتَاجِ، لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْوَاقِفَ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ فَإِنَّمَا يَسُوغُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ. (وَ) : (يَجِبُ مَنْعُ أَهْلِ ذِمَّةٍ) حَصَلَ (بِهِمْ تَضْيِيقٌ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ تَنْجِيسٌ (أَوْ إفْسَادُ مَاءٍ وَإِلَّا) لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمْ تَضْيِيقٌ وَلَا إفْسَادُ مَاءٍ، وَمِثْلُهُمْ مَنْ يَقْصِدُ مِنْ الرَّافِضَةِ الْإِفْسَادَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (فَلَا) يَجِبُ مَنْعُهُمْ (مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ) - أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ وَنَحْوِهِمْ - (مَا يُغْنِيهِمْ عَنْ مَطْهَرَةِ الْمُسْلِمِينَ) ، فَيُمْنَعُونَ حِينَئِذٍ. [بَابُ السِّوَاكِ] (بَابُ السِّوَاكِ) وَغَيْرِهِ مِنْ الْخِتَانِ وَالطِّيبِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَأْتِي مُفَصَّلًا. وَأَوَّلُ مَنْ اسْتَاكَ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَالسِّوَاكُ: بِكَسْرِ السِّينِ، جَمْعُهُ: سُوُكٌ: بِضَمِّ السِّينِ وَالْوَاوِ وَيُخَفَّفُ بِإِسْكَانِ الْوَاوِ، وَرُبَّمَا يُهْمَزُ فَيُقَالُ: سُؤُكٌ، قَالَهُ الدِّينَوَرِيُّ. وَهُوَ مُذَكَّرٌ، نَقَلَهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ الْعَرَبِ، قَالَ: وَغَلِطَ اللَّيْثُ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يُؤَنَّثَ، وَذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ " أَنَّهُمَا لُغَتَانِ (وَالْمِسْوَاكُ) . بِكَسْرِ الْمِيمِ: (اسْمٌ لِلْعُودِ) الَّذِي يُتَسَوَّكُ بِهِ. (وَيُطْلَقُ السِّوَاكُ عَلَى الْفِعْلِ) ، وَهُوَ: الِاسْتِيَاكُ، (وَالتَّسَوُّكُ الْفِعْلُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. يُقَالُ: سَاكَ فَاهُ يَسُوكُهُ سَوْكًا وَهُوَ شَرْعًا: اسْتِعْمَالُ عُودٍ فِي الْأَسْنَانِ لِإِذْهَابِ التَّغَيُّرِ وَنَحْوِهِ، مُشْتَقٌّ مِنْ التَّسَاوُكِ، وَهُوَ: التَّمَايُلُ وَالتَّرَدُّدُ، لِأَنَّ الْمُتَسَوِّكَ يُرَدِّدُ الْعُودَ فِي فَمِهِ وَيُحَرِّكُهُ. يُقَالُ: جَاءَتْ الْإِبِلُ تَسَاوَكُ: إذَا كَانَتْ أَعْنَاقُهَا تَضْطَرِبُ مِنْ الْهُزَالِ.

(وَسُنَّ كَوْنُ تَسَوُّكٍ عَرْضًا) إلَى الْأَسْنَانِ طُولًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَمِ، لِحَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَسْتَاكُ عَرْضًا» وَكَوْنُهُ (بِيُسْرَى) - يَدَيْهِ نَصًّا كَانْتِثَارِهِ (عَلَى أَسْنَانٍ وَلِثَةٍ) - بِكَسْرِ اللَّامِ، وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ مُخَفَّفَةٍ - (وَ) عَلَى (لِسَانٍ) ، فَإِنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ اسْتَاكَ عَلَى لِثَتِهِ وَلِسَانِهِ، وَلَوْ قُطِعَ لِسَانُهُ اسْتَاكَ عَلَى أَسْنَانِهِ وَلِثَتِهِ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (يَبْدَأُ بِجَانِبِ فَمٍ أَيْمَنَ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مِنْ ثَنَايَا) الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (إلَى أَضْرَاسِ) جَانِبِ الْفَمِ الْأَيْمَنِ، قَالَهُ فِي " الْمُطْلِعِ ". وَقَالَ الشِّهَابُ الْفَتُوحِيُّ فِي قُطْعَتِهِ عَلَى الْوَجِيزِ ": يَبْدَأُ مِنْ أَضْرَاسِ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (بِعُودٍ رَطْبٍ) - أَيْ: لَيِّنٍ - وَالْيَابِسُ أَوْلَى إذَا نَدِيَ (مِنْ أَرَاكٍ وَنَخْلٍ وَزَيْتُونٍ) وَعُرْجُونٍ (يُنَقِّي) الْفَمَ (وَلَا يَجْرَحُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَتَفَتَّتُ قَدْ نَدِيَ بِمَاءٍ) إنْ كَانَ يَابِسًا (وَبِمَاءِ وَرْدٍ أَجْوَدُ) مِنْ غَيْرِهِ، لَكِنْ يَغْسِلُهُ بَعْدَ تَنْدِيَتِهِ بِهِ. (وَكُرِهَ) التَّسَوُّكُ (بِغَيْرِ مُنْقٍ وَبِمُضِرٍّ وَمُتَفَتِّتٍ) ، لِأَنَّهُ مُضَادٌّ لِغَرَضِ السِّوَاكِ (وَ) كُرِهَ (بِرَيْحَانٍ) وَهُوَ: الْآسُ، لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِلَحْمِ الْفَمِ، وَيُحَرِّكُ عِرْقَ الْجُذَامِ، (وَرُمَّانٍ) ، وَعُودٍ ذَكِيِّ الرَّائِحَةِ. (وَنَحْوِ طَرْفَاءَ وَقَصَبٍ) فَارِسِيِّ لِأَنَّهُ يَجْرَحُ. (وَ) كُرِهَ (تَخَلُّلٌ بِهَا) - أَيْ: الْأَعْوَادِ الْمُضِرَّةِ لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ «لَا تُخَلِّلُوا بِعُودِ الرَّيْحَانِ وَلَا الرُّمَّانِ فَإِنَّهُمَا يُحَرِّكَانِ عِرْقَ الْجُذَامِ» رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ. وَلِأَنَّ الطَّرْفَاءَ وَالْقَصَبَ وَنَحْوَهُمَا رُبَّمَا جَرَحَهُ. (وَسُنَّ تَسَوُّكٌ مُطْلَقًا) - أَيْ: فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَالْحَالَاتِ - لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عُمَرَ.

وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» (فَلَا يُكْرَهُ) السِّوَاكُ (بِمَسْجِدٍ) ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْخَاصِّ لِلْكَرَاهَةِ، (إلَّا بَعْدَ زَوَالٍ، لِصَائِمٍ فَيُكْرَهُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ غَالِبًا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ مُسْتَطَابٌ شَرْعًا، فَتُسْتَحَبُّ إدَامَتُهُ كَدَمِ الشَّهِيدِ عَلَيْهِ، (وَ) يُبَاحُ التَّسَوُّكُ (قَبْلَهُ) - أَيْ: الزَّوَالِ - لِصَائِمٍ (بِعُودٍ رَطْبٍ مُبَاحٍ، وَبِيَابِسٍ) مُنْدًى (مُسْتَحَبٌّ) لِلصَّائِمِ قَبْلَهُ لِقَوْلِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَحْمُولَانِ عَلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «إذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ» وَالرَّطْبُ مَظِنَّةُ التَّخَلُّلِ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ أُبِيحَ السِّوَاكُ بِهِ، بِخِلَافِ الْيَابِسِ، فَيُسْتَحَبُّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَمْ يُصِبْ الـ (سُنَّةَ مُسْتَاكٌ بِغَيْرِ عُودٍ) كَمَنْ اسْتَاك بِأُصْبُعِهِ أَوْ خِرْقَةٍ - عَلَى الْمَذْهَبِ - لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْقَاءُ الْحَاصِلُ بِالْعُودِ. (وَيُصِيبُهَا) أَيْ: السُّنَّةَ - (بِلَا بَأْسٍ) اسْتِيَاكُ (جَمْعٍ بِعُودٍ) وَاحِدٍ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَيَقُولُ إذَا اسْتَاكَ: اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي وَمَحِّصْ ذُنُوبِي. وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ: وَيَقُولُ عِنْد الِاسْتِيَاكِ: اللَّهُمَّ طَهِّرْ فَمِي، وَنَوِّرْ قَلْبِي، وَطَهِّرْ بَدَنِي وَحَرِّمْ جَسَدِي عَلَى النَّارِ، وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكِ الصَّالِحِينَ. (وَيَتَأَكَّدُ) اسْتِحْبَابُ السِّوَاكِ (عِنْدَ الصَّلَاةِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ»

رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ «لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْهِمْ الْوُضُوءَ» قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ، شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ. (وَ) عِنْدَ (انْتِبَاهٍ) مِنْ نَوْمٍ، لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يُقَالُ: شَاصَهُ وَمَاصَهُ: إذَا غَسَلَهُ. وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ» (وَ) عِنْدَ (تَغَيُّرِ رَائِحَةِ فَمٍ) بِمَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ السِّوَاكَ شُرِعَ لِتَطْيِيبِ الْفَمِ وَإِزَالَةِ رَائِحَتِهِ، فَشُرِعَ عِنْدَ تَغَيُّرِهِ. (وَ) عِنْدَ (وُضُوءٍ) ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا. (وَ) عِنْدَ (غُسْلٍ) ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوُضُوءِ. وَعِنْدَ (قِرَاءَةِ) قُرْآنٍ تَطْيِيبًا لِلْفَمِ حَتَّى لَا يَتَأَذَّى الْمَلَكُ عِنْدَ تَلَقِّي الْقِرَاءَةِ مِنْهُ. (وَ) عِنْدَ (دُخُولِ مَنْزِلٍ وَمَسْجِدٍ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ يَبْدَأُ بِالسِّوَاكِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَالْمَسْجِدُ كَالْمَنْزِلِ وَأَوْلَى. (وَ) عِنْدَ (إطَالَةِ سُكُوتٍ وَصُفْرَةِ أَسْنَانٍ) لِإِزَالَتِهِ. (وَ) عِنْدَ (خُلُوِّ مَعِدَةٍ مِنْ طَعَامٍ) ، لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْفَمِ. (وَكَانَ) السِّوَاكُ (وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُلِّ صَلَاةٍ) ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَهَلْ الْمُرَادُ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ أَوْ النَّافِلَةُ، أَوْ مَا يَعُمُّهُمَا؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَسِيَاقُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْمَفْرُوضَةِ، ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ الشَّافِعِيُّ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ

فرع منافع السواك

(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ (مَفْرُوضَةٍ) إذْ غَيْرُهَا لَا يُسَاوِيهَا. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَرْعٌ مَنَافِعُ السِّوَاك] (فَرْعٌ: مَنَافِعُ سِوَاكٍ) كَثِيرَةٌ مِنْهَا: (تَطْيِيبُ فَمٍ) ، أَيْ تَنْظِيفُهُ مِنْ الْوَسَخِ، (وَ) تَطْيِيبُ (نَكْهَةٍ) وَهِيَ: رَائِحَةُ الْفَمِ. (وَجَلَاءُ بَصَرٍ وَ) جَلَاءُ (أَسْنَانٍ وَتَقْوِيَتُهَا) - أَيْ: الْأَسْنَانِ - (وَشَدُّ لِثَةٍ) - وَهِيَ: لَحْمَةُ الْأَسْنَانِ - (وَقَطْعُ بَلْغَمٍ) مِنْ صَدْرٍ، (وَمَنْعُ حُفَرٍ) - بِالتَّحْرِيكِ - مِنْ أُصُولِ أَسْنَانٍ، (وَصِحَّةُ مَعِدَةٍ) كَكَلِمَةٍ، وَبِالْكَسْرِ: مَوْضِعُ الطَّعَامِ قَبْلَ انْحِدَارِهِ إلَى الْأَمْعَاءِ، وَهِيَ لِلْإِنْسَانِ بِمَنْزِلَةِ الْكَرِشِ مِنْ غَيْرِهِ - (وَهَضْمُ) طَعَامٍ، (وَتَغْذِيَةُ جَائِعٍ، وَتَصْفِيَةُ صَوْتٍ وَنَشَاطٌ) لِلنَّفْسِ عَلَى الْعِبَادَةِ، (وَطَرْدُ نَوْمٍ، وَمُضَاعَفَةُ أَجْرٍ وَرِضَاءُ رَبٍّ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - وَتَقَدَّمَ - (وَإِرْهَابُ عَدُوٍّ، وَإِرْغَامُ الشَّيْطَانِ) بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، (وَتَذْكِيرُ شَهَادَةٍ عِنْدَ مَوْتٍ) ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ هَذِهِ الْمَزِيَّةُ لَكَفَى، وَقَدْ أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ مَنْفَعَةً. [فَصْلٌ مَا يُسَنُّ فِي السِّوَاك] (فَصْلٌ) (سُنَّ بُدَاءَةٌ بِجَانِبٍ أَيْمَنَ) مِنْ فَمٍ (فِي سِوَاكٍ) مِنْ ثَنَايَاهُ إلَى أَضْرَاسِهِ وَتَقَدَّمَ. (وَ) سُنَّ أَيْضًا بُدَاءَةٌ بِالْأَيْمَنِ فِي (طَهُورٍ) - أَيْ: تَطَهُّرٍ - (وَ) فِي (شَأْنِهِ كُلِّهِ) ، كَتَرَجُّلٍ وَانْتِعَالٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (كَحَلْقِ) رَأْسٍ، (وَقَصِّ) أَظْفَارٍ بِمِقَصٍّ، (وَتَقْلِيمِ) هَا - وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ - (وَنَتْفِ إبِطٍ وَاكْتِحَالٍ وَإِدْهَانٍ فِي بَدَنٍ وَشَعْرٍ غِبًّا) يَفْعَلُهُ (يَوْمًا وَ) يَتْرُكُهُ (يَوْمًا) " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا، وَنَهَى

أَنْ يَتَمَشَّطَ أَحَدُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ» . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَدَلَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ غَيْرُ الْغِبِّ. وَالتَّرَجُّلُ: تَسْرِيحُ الشَّعْرِ وَدَهْنِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ اللِّحْيَةَ كَالرَّأْسِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِعْلَ الْأَصْلَحِ لِلْبَدَنِ، كَالْغُسْلِ بِمَاءٍ حَارٍّ بِبَلَدٍ رَطْبٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ، وَلِأَنَّهُ فِعْلُ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّ مِثْلَهُ نَوْعُ الْمَلْبَسِ وَالْمَأْكَلِ، وَلَمَّا فَتَحُوا الْأَمْصَارَ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَأْكُلُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ وَيَلْبَسُ مِنْ لِبَاسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدُوا قُوتَ الْمَدِينَةِ وَلِبَاسَهَا. (وَ) سُنَّ (اكْتِحَالٌ بِإِثْمِدٍ سِيَّمَا مُطَيَّبٌ) بِمِسْكٍ (كُلَّ لَيْلَةِ قَبْلَ نَوْمٍ) وِتْرًا (فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثًا) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، وَكَانَ يَكْتَحِلُ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (وَ) سُنَّ (نَظَرٌ فِي مِرْآةٍ) لِيُزِيلَ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بِوَجْهِهِ مِنْ أَذًى (وَيَقُولُ) مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي وَحَرِّمْ وَجْهِي عَلَى النَّارِ» لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ. وَالْخَلْقُ الْأَوَّلُ، بِفَتْحِ الْخَاءِ: الصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالثَّانِي، بِضَمِّهَا: صُورَتُهُ الْبَاطِنَةُ. (وَ) سُنَّ (تَطَيُّبٌ) ، لِخَبَرِ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ: الْحِنَّاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَيُسْتَحَبُّ لَرَجُلٍ (بِظَاهِرِ رِيحٍ خَفِيَ لَوْنٌ) ، كَبَخُورِ الْعَنْبَرِ وَالْعُودِ. وَكَانَ أَحْمَدُ يُعْجِبُهُ الطِّيبُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُحِبُّ الطِّيبَ وَيَتَطَيَّبُ كَثِيرًا» . (وَلِامْرَأَةٍ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا) عَكْسُهُ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَيَخْفَى رِيحُهُ كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ، لِأَثَرٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، (لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ إذَنْ) - أَيْ: فِي غَيْرِ بَيْتِهَا - مِمَّا يَنُمُّ عَلَيْهَا بِإِظْهَارِ جَمَالِهَا (مِنْ ضَرْبٍ بِرِجْلٍ، لِيُعْلَمَ مَا تُخْفِي مِنْ زِينَةٍ) ، قَالَ تَعَالَى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى

إفْسَادِهَا. (وَ) مِنْ (نَحْوِ نَعْلِ صُرَارَةٍ) وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْ الزِّينَةِ. (وَ) لَهَا (فِي بَيْتِهَا تَطَيُّبٌ بِمَا شَاءَتْ) مِمَّا يَخْفَى أَوْ يَظْهَرُ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ. (وَ) سُنَّ (اسْتِحْدَادٌ) - اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْحَدِيدِ - (وَهُوَ حَلْقُ عَانَةٍ، وَلَهُ قَصُّهُ وَإِزَالَتُهُ بِمَا شَاءَ، وَلَهُ) التَّنْوِيرُ (فِي عَوْرَةٍ وَغَيْرِهَا. فَعَلَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) " وَكَذَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ: " وَسَكَتُوا عَنْ شَعْرِ الْأَنْفِ، فَظَاهِرُهُ بَقَاؤُهُ وَيَتَوَجَّهُ أَخْذُهُ إذَا فَحُشَ، وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ - أَيْ: التَّنْوِيرِ - قَالَ الْآمِدِيُّ: لِأَنَّهُ يُضْعِفُ حَرَكَةَ الْجِمَاعِ. (وَ) سُنَّ (قَصُّ شَارِبٍ) أَيْ: قَصُّ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرِ عَلَى الشَّفَةِ (أَوْ قَصُّ طَرْفِهِ وَحَفُّهُ) (أَوْلَى) نَصًّا. قَالَ فِي " النِّهَايَةِ " إحْفَاءُ الشَّوَارِبِ: أَنْ تُبَالِغَ فِي قَصِّهَا، وَمِنْهُ: السَّبَلَانِ، وَهُمَا: طَرَفَاهُ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ: «قُصُّوا سِبَالَاتِكُمْ وَلَا تَتَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» (لِحْيَةٍ) بِأَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ فِي الْمَذْهَبِ: مَا لَمْ يَسْتَهْجِنْ طُولَهَا. (وَحَرَّمَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (حَلْقَهَا) ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّمَرُّدِ، (وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى قَبْضَتِهِ) ، وَنَصُّهُ لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ، (وَلَا) أَخْذُ (مَا تَحْتَ حَلْقٍ) " لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ إنَّمَا فَعَلَهُ إذَا حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَأَخَذَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مِنْ حَاجِبَيْهِ وَعَارِضَيْهِ) ، نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ. (وَ) سُنَّ (امْتِشَاطٌ) غِبًّا، (وَلَا) يَفْعَلُهُ (كُلَّ يَوْمٍ) إلَّا لِحَاجَةٍ، قَالَ حَنْبَلٌ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَتْ لَهُ صِينِيَّةٌ فِيهَا مِرْآةٌ وَمُكْحُلَةٌ وَمُشْطٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ حِزْبِهِ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ وَاكْتَحَلَ وَامْتَشَطَ. (وَ) سُنَّ (اتِّخَاذُ شَعْرٍ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ: لَا إنْ شَقَّ إكْرَامُهُ، (وَ) سُنَّ (غَسْلُهُ وَتَسْرِيحُهُ مُتَيَامِنًا وَتَفْرِيقُهُ، وَيَنْتَهِي لِرَجُلٍ إلَى

أُذُنَيْهِ أَوْ) إلَى (مَنْكِبَيْهِ) كَشَعْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ) ، أَيْ: عَلَى مَنْكِبَيْهِ. (وَ) لَا بَأْسَ (بِجَعْلِهِ ذُؤَابَةً) ، بِضَمِّ الذَّالِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ: الضَّفِيرَةُ مِنْ الشَّعْرِ إذَا كَانَتْ مُرْسَلَةً، فَإِذَا كَانَتْ مَلْوِيَّةً فَهِيَ عَقِيصَةٌ، قَالَهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَتْ لَهُ عَقِيصَتَانِ، وَكَذَا عُثْمَانُ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: هُوَ) - أَيْ: اتِّخَاذُ الشَّعْرِ - (سُنَّةٌ لَوْ قَوِيَ عَلَيْهِ اتَّخَذْنَاهُ، وَلَكِنْ لَهُ كُلْفَةٌ وَمُؤْنَةٌ) ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ اتِّخَاذِهِ لِمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ إكْرَامُهُ (فَلَا يُكْرَهُ) لِذَكَرٍ (حَلْقُهُ) - أَيْ: شَعْرِ الرَّأْسِ - (وَلَوْ لِغَيْرِ نُسُكٍ) وَحَاجَةٍ كَقَصِّهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ عَلَى إبَاحَةِ الْحَلْقِ، وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً. (وَ) سُنَّ (تَقْلِيمُ ظُفْرٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مُخَالِفًا) فِي قَصِّ أَظْفَارِهِ، (فَيَبْدَأُ بِخِنْصَرِ يُمْنَى فَوُسْطَى مِنْ يُمْنَى فَإِبْهَامٍ) مِنْهَا (فَبِنْصِرٍ فَسَبَّاحَةٍ وَ) ، بَعْدَ ذَلِكَ يَشْرَعُ بِقَصِّ (إبْهَامِ يُسْرَى فَوُسْطَى فَخِنْصِرٍ فَسَبَّاحَةٍ فَبِنَصْرٍ) صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ «مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا» وَفَسَّرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ بِمَا ذُكِرَ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا اُشْتُهِرَ فِي قَصِّهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَالَ: هَذَا لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُ اسْتِحْبَابِهِ، لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَلَيْسَ اسْتِسْهَالُ ذَلِكَ بِصَوَابٍ. (وَ) سُنَّ (غَسْلُهَا) - أَيْ: الْأَظْفَارِ - (بَعْدَ قَصِّهَا تَكْمِيلًا لِلنَّظَافَةِ) ، وَقِيلَ: إنَّ الْحَكَّ بِهَا قَبْلَ غَسْلِهَا يَضُرُّ بِالْبَدَنِ. وَمَحَلُّ حَفِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ (يَوْمُ جُمُعَةٍ قَبْلَ صَلَاةٍ) ، وَقِيلَ يَوْمُ خَمِيسٍ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ.

(وَ) سُنَّ (عَدَمُ حَيْفٍ) بِقَصِّ الْأَظْفَارِ (فِي نَحْوِ غَزْوٍ، لِحَاجَةِ) الْإِنْسَانِ إلَى (حَلِّ نَحْوِ حَبْلٍ) ، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عُمَرُ: وَفِّرُوا الْأَظْفَارَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ سِلَاحٌ. (وَ) سُنَّ (دَفْنُ دَمٍ وَمَا قُلِّمَ مِنْ ظُفْرٍ أَوْ أُزِيلَ مِنْ شَعْرٍ) ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ «عَنْ مِيلَ بِنْتِ مِشْرَحٍ الْأَشْعَرِيَّةِ قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبِي يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَدْفِنُهَا، وَيَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ» وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ " عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَانَ يُعْجِبُهُ دَفْنُ الدَّمِ» وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، أَيَدْفِنُهُ أَمْ يُلْقِيهِ؟ قَالَ: يَدْفِنُهُ قُلْتُ: بَلَغَكَ فِيهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ ". . (وَ) سُنَّ (نَتْفُ إبِطٍ وَأَنْفٍ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنْ شَقَّ حَلَقَهُ، أَوْ تَنَوَّرَ، قَالَهُ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى " (فَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ) . لِمَا رَوَى الْبَغَوِيّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ» (فَإِنْ تَرَكَهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كُرِهَ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ؛ أَنْ لَا يُتْرَكَ فَوْقَ أَرْبَعِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَأَمَّا الشَّارِبُ: فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَحِشًا. (وَكُرِهَ حَلْقُ قَفًا) مُنْفَرِدًا عَنْ الرَّأْسِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْقَفَا: مَقْصُورٌ: مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. (لِغَيْرِ نَحْوِ حِجَامَةٍ) كَقُرُوحٍ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ «وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (وَكَرِهَهَا) - أَيْ: الْحِجَامَةَ - الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَوْمَ سَبْتٍ وَ) يَوْمَ (أَرْبِعَاءَ) لِحَدِيثِ «مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ - يَعْنِي: مَرَضًا - فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» (وَتَوَقَّفَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (فِي) الْحِجَامَةِ يَوْمَ (الْجُمُعَةِ) ، قَالَ

الْقَاضِي: كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَخْبَارٍ ضَعِيفَةٍ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَالْمُرَادُ: بِلَا حَاجَةٍ. (وَالْفَصْدُ فِي مَعْنَاهَا) - أَيْ: الْحِجَامَةِ - (وَهِيَ) - أَيْ: الْحِجَامَةُ - (أَنْفَعُ مِنْهُ) - أَيْ: الْفَصْدِ - (بِبَلَدٍ حَارٍّ) كَالْحِجَازِ، وَالتَّشْرِيطُ وَالْعَضُدُ أَنْفَعُ مِنْهَا بِبَلَدٍ بَارِدٍ كَالشَّامِ. (وَ) كُرِهَ (قَزَعٌ، وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَتَرْكُ بَعْضٍ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْقَزَعِ، احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَيَدْخُلُ فِي الْقَزَعِ حَلْقُ مَوَاضِعَ مِنْ جَانِبِ رَأْسِهِ وَتَرْكُ الْبَاقِي - مَأْخُوذٌ مِنْ: قَزَعِ السَّحَابِ وَهُوَ: تَقَطُّعُهُ - وَأَنْ يَحْلِقَ وَسَطَهُ وَيَتْرُكَ جَوَانِبَهُ، كَمَا تَفْعَلُهُ شَمَامِسَةُ النَّصَارَى، وَحَلْقُ جَوَانِبِهِ وَتَرْكُ وَسَطِهِ، كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ السُّفَّلِ، وَأَنْ يَحْلِقَ مُقَدِّمَهُ وَيَتْرُكَ مُؤَخِّرَهُ. (وَ) يُكْرَهُ (حَلْقُ رَأْسِ امْرَأَةٍ وَقَصُّهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ) ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ كَقُرُوحٍ، لَمْ يُكْرَهْ (وَيَحْرُمُ) حَلْقُهَا رَأْسَهَا (لِمُصِيبَةٍ) كَلَطْمِ خَدٍّ وَشَقِّ ثَوْبٍ (وَيَتَّجِهُ) وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا حَلْقُهُ (مَعَ نَهْيِ زَوْجٍ) لَهَا عَنْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْوِيهِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَالْأَمَةُ مِثْلُهَا بَلْ أَوْلَى فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا حَلْقُ رَأْسِهَا بِلَا إذْنِ سَيِّدِهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَهَا) - أَيْ: الْمَرْأَةِ - (حَلْقُ وَجْهٍ وَحَفُّهُ) نَصًّا، وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ نَتْفُ شَعْرِ وَجْهِهَا، (وَ) لَهَا (تَحْسِينُهُ وَتَحْمِيرُهُ) وَنَحْوُهُ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ تَزْيِينٌ لَهُ. (وَكُرِهَ حَفُّهُ) - أَيْ: الْوَجْهِ - (لِرَجُلٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.

(وَ) كَذَا (تَحْذِيفٌ) (وَهُوَ: إرْسَالُهُ شَعْرًا بَيْنَ الْعِذَارِ وَالنَّزْعَةِ) لِأَنَّ عَلِيًّا كَرِهَهُ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ. وَلَا يُكْرَهُ التَّحْذِيفُ لِلْمَرْأَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ زِينَتِهَا. (وَ) كُرِهَ (نَقْشٌ وَتَكْتِيبٌ) - وَفِي نُسْخَةٍ: (وَتَقْمِيعٌ) - وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ، وَيُقَالُ لَهُ: التَّطْرِيفُ، رَوَاهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ عُمَرَ. (بَلْ تَغْمِسُ يَدَهَا فِي الْخِضَابِ غَمْسًا) نَصًّا، قَالَ فِي " الْإِفْصَاحِ ": كَرِهَ الْعُلَمَاءُ أَنْ تُسَوِّدَ شَيْئًا، بَلْ تُخَضِّبُ بِأَحْمَرَ، وَكَرِهُوا النَّقْشَ، قَالَ أَحْمَدُ: لِتَغْمِسَ يَدَهَا غَمْسًا. (وَ) كُرِهَ (نَتْفُ شَيْبٍ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ، وَقَالَ: إنَّهُ نُورُ الْإِسْلَامِ» وَعَنْ طَارِقِ بْنِ حَبِيبٍ «أَنَّ حَجَّامًا أَخَذَ مِنْ شَارِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى شَيْبَةً فِي لِحْيَتِهِ، فَأَهْوَى إلَيْهَا لِيَأْخُذَهَا، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ، وَقَالَ: مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ " وَأَوَّلُ مَنْ شَابَ إبْرَاهِيمُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. (وَ) كُرِهَ (تَغْيِيرُهُ) أَيْ: الشَّيْبِ (بِسَوَادٍ) فِي غَيْرِ حَرْبٍ (وَحَرُمَ لِتَدْلِيسٍ) . (وَسُنَّ خِضَابُهُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ «جَاءَ بِأَبِيهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: غَيِّرُوهُمَا وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» (بِحِنَّاءٍ وَكَتَمٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «أَحْسَنُ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ هَذَا الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَالْكَتَمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ: نَبَاتٌ بِالْيَمَنِ يُخْرِجُ الصِّبْغَ أَسْوَدَ يَمِيلُ إلَى الْحُمْرَةِ، وَصِبْغُ الْحِنَّاءِ أَحْمَرُ، فَالصِّبْغُ بِهِمَا مَعًا يَخْرُجُ

بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالسَّوَادِ. (وَلَا بَأْسَ) بِالْخِضَابِ (بِوَرْسٍ وَزَعْفَرَانٍ) لِقَوْلِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ «كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ» . (وَكُرِهَ ثَقْبُ أُذُنِ صَبِيٍّ لَا جَارِيَةٍ) نَصًّا لِحَاجَتِهَا لِلزِّينَةِ، بِخِلَافِهِ. (وَحُرِمَ نَمْصٌ) وَهُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ مِنْ الْوَجْهِ (وَوَشْرٌ) - أَيْ: بَرْدُ الْأَسْنَانِ - لِتَحَدُّدٍ وَتَفَلُّجٍ وَتَحَسُّنٍ، (وَوَشْمٌ) ، وَهُوَ: غَرْزُ الْجِلْدِ بِإِبْرَةٍ ثُمَّ حَشْوُهُ بِنَحْوِ كُحْلٍ، (وَوَصْلُ) شَعْرٍ بِشَعْرٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ» وَفِي خَبَرٍ آخَرَ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» أَيْ: الْفَاعِلَةَ وَالْمَفْعُولَ بِهَا، ذَلِكَ بِأَمْرِهَا، وَاللَّعْنَةُ عَلَى الشَّيْءِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، لِأَنَّ فَاعِلَ الْمُبَاحِ لَا تَجُوزُ لَعْنَتُهُ. (وَلَوْ) كَانَ وَصْلُ الْمَرْأَةِ لِشَعْرِهَا (بِشَعْرِ بَهِيمَةٍ، أَوْ إذْنِ زَوْجٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ. (وَتَصْلُحُ صَلَاةُ) مَنْ وَصَلَتْ شَعْرَهَا (مَعَ) شَعْرٍ (طَاهِرٍ) ، وَلَوْ كَانَ فِعْلُهَا مُحَرَّمًا، لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ فِي عِمَامَةِ حَرِيرٍ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": وَلَا بَأْسَ بِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِشَدِّ الشَّعْرِ - أَيْ: لِلْحَاجَةِ - كَالْقَرَامِلِ وَالصُّوفِ إذْ الْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ وَصْلُ الشَّعْرِ بِالشَّعْرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَاسْتِعْمَالِ الشَّعْرِ الْمُخْتَلِفِ فِي نَجَاسَةٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ، وَحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ تَحْسِينِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ. (وَ) حَرُمَ (تَشَبُّهٌ بِمُرْدٍ) وَعَكْسُهُ، وَنَظَرٌ لِشَعْرِ أَجْنَبِيَّةٍ مُتَّصِلٍ بِهَا لَا بَائِنٍ مِنْهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَيَجِبُ بِبُلُوغٍ خِتَانُ ذَكَرٍ بِأَخْذِ جِلْدِ حَشَفَةٍ) ، قَالَ جَمْعٌ: (أَوْ أَكْثَرُهَا) ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَازَ، (وَ) يَجِبُ (خِتَانُ أُنْثَى، وَتُجْبَرُ) زَوْجَةٌ مُسْلِمَةٌ عَلَى الْخِتَانِ إنْ أَبَتْ (بِأَخْذِ جِلْدَةٍ فَوْقَ مَحَلِّ الْإِيلَاجِ، تُشْبِهُ عُرْفَ دِيكٍ، وَسُنَّ أَنْ لَا تُؤْخَذَ

كُلُّهَا) نَصًّا، لِحَدِيثِ «اخْفِضِي وَلَا تَنْهَكِي فَإِنَّهُ أَنْضَرُ لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ مَرْفُوعًا. وَمَعْنَى اخْفِضِي، أَيْ: اخْتَتِنِي، وَلَا تَنْهَكِي، أَيْ: وَلَا تَأْخُذِيهَا كُلَّهَا، وَدَلِيلُ وُجُوبِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي الْحَدِيثِ «اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. وَقَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123] وَلِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ. قَالَ أَحْمَدُ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُشَدِّدُ فِي أَمْرِهِ حَتَّى إنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ قَالَ: لَا حَجَّ لَهُ وَلَا صَلَاةَ. (وَ) يَجِبُ خِتَانُ (قُبُلَيْ خُنْثَى) مُشْكِلٍ احْتِيَاطًا، (لِيَخْرُجَ مِنْ وَاجِبٍ بِيَقِينٍ) ، وَمَنْ لَهُ ذَكَرَانِ فَإِنْ كَانَا عَامِلَيْنِ وَجَبَ خَتْنُهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامِلًا دُونَ الْآخَرِ خُتِنَ الْعَامِلُ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ الشَّافِعِيُّ. (وَيَسْقُطُ) وُجُوبُ خِتَانٍ (عَمَّنْ خَافَ تَلَفًا) بِهِ، (وَلَا يَحْرُمُ) مَعَ خَوْفِ تَلَفٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ (وَيَتَّجِهُ: وَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ اخْتِتَانٌ (إنْ عَلِمَ) أَنَّهُ يَتْلَفُ بِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ) - أَيْ: بِالْخِتَانِ - (وَلِيُّ أَمْرٍ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ يَخَافُ مِنْهُ مَوْتٌ) فَتَلِفَ بِسَبَبِهِ ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ (أَوْ) أَمَرَهُ وَلِيُّ أَمْرٍ بِهِ (وَزَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يَتْلَفُ، أَوْ ظَنَّ تَلَفَهُ) فَتَلِفَ: (ضَمِنَهُ) وَلِيُّ الْأَمْرِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ. (وَمَنْ وُلِدَ بِلَا قُلْفَةٍ سَقَطَ) وُجُوبُهُ، (وَلَهُ خَتْنُ نَفْسِهِ إنْ قَوِيَ) عَلَيْهِ (وَأَحْسَنَهُ) ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ «أَنَّ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

فصل في تعريف السنة

خَتَنَ نَفْسَهُ» . وَإِنْ تَرَكَ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ: فَسَقَ. (وَخِتَانُ زَمَنِ صِغَرٍ أَفْضَلُ إلَى تَمْيِيزٍ) ، لِأَنَّهُ أَسْرَعُ بُرْءًا وَيَنْشَأُ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ. (وَكُرِهَ) خِتَانٌ (فِي سَابِعِ وِلَادَةٍ) لِلتَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ، (كَمَا) يُكْرَهُ الْخِتَانُ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: مِنْ الْوِلَادَةِ إلَيْهِ. [فَصْلٌ فِي تَعْرِيف السَّنَة] (فَصْلٌ) (وَسُنَنُ وُضُوءٍ) ، جَمْعُ: سُنَّةٍ، وَهِيَ: الطَّرِيقَةُ، وَاصْطِلَاحًا مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَهِيَ: مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِعْلِهِ أَوْ هَمِّهِ أَوْ تَقْرِيرِهِ: (سِوَاكٌ) قَبْلَهُ (كَمَا مَرَّ) فِي الْبَابِ، (وَاسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ فِي كُلِّ طَاعَةٍ إلَّا لِدَلِيلٍ) ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، (وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ) ثَلَاثًا، (لِغَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ) «لِأَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ وَصَفُوا وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرُوا أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا» وَلِأَنَّهُمَا آلَةُ نَقْلِ الْمَاءِ إلَى الْأَعْضَاءِ، فَفِي غَسْلِهِمَا احْتِيَاطٌ لِجَمِيعِ الْوُضُوءِ (فَيَجِبُ) غَسْلُهُمَا لِقِيَامٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ (تَعَبُّدًا ثَلَاثًا) ، فَلَا يَكْفِي مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ سَوَاءٌ نَوَى الْغُسْلَ بِذَلِكَ أَوْ لَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَكَذَا الْبُخَارِيُّ. إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثًا، فَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُ مَنْعًا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِغَمْسِ بَعْضِ الْيَدِ وَلَا لِيَدِ كَافِرٍ وَلَا غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَلَا غَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَنَوْمِ النَّهَارِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ الْمُكَلَّفِينَ هُمْ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ، وَالْمَبِيتُ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ، وَالْخَبَرُ إنَّمَا وَرَدَ فِي كُلِّ الْيَدِ، وَهُوَ تَعَبُّدِيٌّ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُطْلَقَةِ وَالْمَشْدُودَةِ

بِنَحْوِ جِرَابٍ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا عُلِّقَ عَلَى الْمَظِنَّةِ لَمْ تُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ الْحِكْمَةِ، كَالْعِدَّةِ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ مِنْ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ، (بِنِيَّةٍ شُرِطَتْ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَبِتَسْمِيَةٍ) وَاجِبَةٍ مَعَ الذِّكْرِ، كَالْوُضُوءِ، وَتَسْقُطُ سَهْوًا، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُحَرَّرِ " تَنْقَسِمُ التَّسْمِيَةُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: فَتَجِبُ فِي نَحْوِ الْوُضُوءِ وَالصَّيْدِ، وَتُسَنُّ فِي نَحْوِ أَكْلٍ وَقِرَاءَةٍ وَمَنْسَكٍ وَجِمَاعٍ وَدُخُولِ نَحْوِ خَلَاءٍ، وَتَارَةً لَا تُسَنُّ كَمَا فِي أَذَانٍ وَصَلَاةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَتُكْرَهُ فِي الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّسْمِيَةِ الْبَرَكَةُ، وَلَا تُطْلَبُ فِيهِمَا لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا. (وَلَا يُجْزِئُ عَنْ نِيَّةِ غَسْلِهِمَا نِيَّةُ وُضُوءٍ) ، وَلَا نِيَّةُ غُسْلٍ، (لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ) ، لَا مِنْ الْوُضُوءِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ تَقْدِيمِهَا عَلَى الْوُضُوءِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ. وَسُنَّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى لِخَبَرِ " وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ " تَنْبِيهٌ: إذَا اسْتَيْقَظَ أَسِيرٌ فِي مَطْمُورَةٍ أَوْ أَعْمَى أَوْ أَرْمَدُ مِنْ نَوْمٍ لَا يَدْرِي أَنَوْمُ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ: لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُمَا، لِأَنَّهُ شَكَّ فِي الْمُوجِبِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، (وَغَسْلُهُمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا) غَيْرُ مَعْقُولٍ لَنَا (فَلَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ الْإِنَاءَ لَمْ يَصِحَّ) وُضُوءُهُ (وَفَسَدَ مَا حَصَلَ فِيهِمَا) مِنْ الْمَاءِ كَذَا فِي الْإِقْنَاعِ " وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِيَارِ جَمْعٍ مِنْ أَنَّ حُصُولَهُ فِي بَعْضِهَا كَحُصُولِهِ فِي كُلِّهَا، وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ الْمَاءُ فِي جَمِيعِ الْيَدِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَتَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ مِنْهُ بِالْغَمْسِ فِيهِ، وَلَمْ يَنْوِ غَسْلَهُمَا، أَوْ كَانَ قَلِيلًا فَصَمَدَ أَعْضَاءَهُ لَهُ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ غَسْلِهِمَا (وَيَسْقُطُ غَسْلُهُمَا، وَالتَّسْمِيَةُ فِيهِ سَهْوًا) كَالْوُضُوءِ وَأَوْلَى (وَيَتَّجِهُ أَوْ) - أَيْ: - وَكَذَلِكَ تَسْقُطُ التَّسْمِيَةُ (جَهْلًا) لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (قِيَاسًا عَلَى

وَاجِبِ صَلَاةٍ) مِنْ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالِ وَنَحْوِهَا، (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ مَا حَصَلَ فِيهِمَا) مِنْ الْمَاءِ (إذَنْ) - أَيْ: حَالَ السَّهْوِ أَوْ الْجَهْلِ - (لِلْمَشَقَّةِ) لِكَثْرَةِ وُرُودِ السَّهْوِ، وَاسْتِيلَاءِ الْجَهْلِ عَلَى الْإِنْسَانِ. قَالَ تَعَالَى {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا} [الأحزاب: 72] وَهَذَا مُتَّجَهٌ. وَقَوْلُهُ: (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ) أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُمَا (فِي الْأَثْنَاءِ) - أَيْ: أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ - لَزِمَهُ غَسْلُهُمَا (وَأَعَادَ) وُضُوءَهُ كَمَا لَوْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ، (وَ) لَوْ ذَكَرَ (بَعْدَ الْفَرَاغِ) مِنْ الْوُضُوءِ أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُمَا صَحَّ، (ثُمَّ) إنْ (أَرَادَ طَهَارَةً) أُخْرَى (لَزِمَهُ غَسْلُهُمَا) إنْ كَانَ (ذَاكِرًا) وَقْتَ إرَادَتِهِ الطَّهَارَةَ فِيهِ مَا فِيهِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": فَرْعٌ: إذَا نَسِيَ غَسْلَهُمَا سَقَطَ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ وَإِنْ وَجَبَ، قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَأْنِفُ وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي الْأَثْنَاءِ بَلْ وَلَا يَغْسِلُهُمَا بَعْدُ، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهَا مِنْهُ. انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ يَصِحُّ غَسْلُ جُنُبٍ مَعَ عَمْدِ) هـ تَرَكَ غَسْلَهُمَا حَيْثُ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَانْغَمَسَ فِيهِ، أَوْ قَلِيلًا وَلَمْ يَغْمِسْهَا كُلَّهَا فِيهِ، صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الشَّرْحِ وَغَيْرُهُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) سُنَّ (بُدَاءَةٌ قَبْلَ غَسْلِ وَجْهٍ بِمَضْمَضَةٍ) بِيَمِينِهِ، (فَاسْتِنْشَاقٍ بِيَمِينِهِ وَاسْتِنْثَارٍ) - بِالْمُثَلَّثَةِ: مِنْ النَّثْرَةِ، وَهُوَ: طَرَفُ الْأَنْفِ - أَوْ هُوَ

بِيَسَارِهِ، لِحَدِيثِ «عَلِيٍّ أَنَّهُ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، فَفَعَلَ هَذَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: هَذَا طَهُورُ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا. (وَمُبَالَغَةٌ فِيهِمَا) - أَيْ: فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ - (لِغَيْرِ صَائِمٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَتُكْرَهُ) الْمُبَالَغَةُ (لَهُ) - أَيْ: الصَّائِمِ - لِلْخَبَرِ. (وَ) تُسَنُّ الْمُبَالَغَةُ (فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ مُطْلَقًا) أَيْ: مَعَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، (وَهِيَ) أَيْ: الْمُبَالَغَةُ (فِي مَضْمَضَةٍ إدَارَةُ الْمَاءِ بِجَمِيعِ الْفَمِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ بِهِ) - أَيْ: الْمَاءِ - (أَقْصَى حَنَكٍ وَوَجْهَيْ أَسْنَانٍ وَلِثَةٍ، وَ) الْمُبَالَغَةُ (فِي اسْتِنْشَاقٍ جَذْبُهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - (بِنَفَسِهِ إلَى أَقْصَى أَنْفٍ، وَالْوَاجِبُ) فِي الْمَضْمَضَةِ (مُجَرَّدُ الْإِدَارَةِ) لِلْمَاءِ فِي فَمِهِ، (وَ) الْوَاجِبُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ (جَذْبُهُ إلَى بَاطِنِ أَنْفٍ) وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَقْصَاهُ. (وَلَهُ بَعْدَ) إدَارَةِ الْمَاءِ فِي فَمِهِ (بَلْعُهُ) وَلَفْظُهُ، لِأَنَّ الْغَسْلَ قَدْ حَصَلَ. (لَا) أَيْ: لَيْسَ لَهُ (جَعْلُ مَضْمَضَةٍ وُجُودًا بِلَا إدَارَةٍ) فِي فَمِهِ، (وَ) لَا جَعْلُ (اسْتِنْشَاقٍ سَعُوطًا) ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى مَضْمَضَةً وَلَا اسْتِنْشَاقًا. (وَ) الْمُبَالَغَةُ (فِي غَيْرِهِمَا) - أَيْ: غَيْرِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ - (دَلْكُ مَا) ، أَيْ: الْمَوْضِعِ الَّذِي (يَنْبُو عَنْهُ الْمَاءُ) ، أَيْ: لَا يَطْمَئِنُّ عَلَيْهِ. (وَتَخْلِيلُ لِحْيَةٍ كَثِيفَةٍ) - بِالْمُثَلَّثَةِ - (عِنْدَ غَسْلِهَا) ، أَيْ: اللِّحْيَةِ، (وَإِنْ شَاءَ) يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ (إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ نَصًّا) ، وَيَكُونُ ذَلِكَ (ب) أَخْذِ (كَفٍّ مِنْ مَاءٍ يَضَعُهُ مِنْ تَحْتِهَا بِأَصَابِعِهِ مُتَشَبِّكَةً) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ وَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (أَوْ) يَضَعُهُ (مِنْ جَانِبَيْهَا وَيَعْرُكُهَا) ، أَيْ:

لِحْيَتَهُ. (وَكَذَا عَنْفَقَةٌ وَشَارِبٌ وَحَاجِبَانِ وَلِحْيَةُ أُنْثَى وَخُنْثَى) ، يُسَنُّ تَخْلِيلُهَا إذَا كَثُفَتْ. (وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ بَعْدَ) مَسْحِ (رَأْسٍ بِمَاءٍ جَدِيدٍ) ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ، فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الَّذِي لِرَأْسِهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ يَدَيْنِ وَ) أَصَابِعِ (رِجْلَيْنِ) ، لِحَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ «وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ فِي الرِّجْلَيْنِ آكَدُ. فَالتَّخْلِيلُ (فِي يَدَيْنِ: بِالتَّشْبِيكِ، وَفِي رِجْلَيْنِ: يَبْدَأُ بِالْيُمْنَى مِنْ خِنْصَرِهَا إلَى إبْهَامِهَا، وَ) يَبْدَأُ (بِالْيَسَرَيْ مِنْ إبْهَامِهَا إلَى خِنْصَرِهَا) - قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " - (لِيَحْصُلَ التَّيَامُنُ) فِي التَّخْلِيلِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَسْفَلِ الرِّجْلِ. (وَمُجَاوَزَةُ مَحَلِّ فَرْضٍ بِغَسْلِ صَفْحَةِ عُنُقٍ مَعَ) غَسْلِ (مُقَدِّمَاتِ رَأْسٍ) فِي غَسْلِ الْوَجْهِ، وَيَغْسِلُ (عَضُدَيْنِ) فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ، (وَ) يَغْسِلُ (سَاقَيْنِ) مَعَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ، لِمَا رَوَى نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ " أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ؛ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ " سَمِعْتُ خَلِيلِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» . وَلَا يُسَنُّ مَسْحُ عُنُقٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَلَا) يُسَنُّ (تَكْرَارُ مَسْحِ رَأْسٍ وَلَا) مَسْحِ (أُذُنٍ) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ وَاحِدَةً، وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد: أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا، وَقَالُوا فِيهَا: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ. (وَغَسْلَةٌ

ثَانِيَةٌ) وَغَسْلَةٌ (ثَالِثَةٌ) ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَأَصَحُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً مَرَّةً» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ. وَيَعْمَلُ فِي عَدَدِ الْغَسَلَاتِ بِالْيَقِينِ، وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَالِاثْنَتَانِ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاحِدَةِ. (وَكُرِهَ فَوْقَهَا) - أَيْ: الثَّلَاثَةِ - لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُهُ عَنْ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ: هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الْأَبِيُّ: أَسَاءَ الْأَدَبَ الشَّرْعِيَّ، وَتَعَدَّى مَا حُدَّ لَهُ، وَظَلَمَ فِي إتْلَافِ الْمَاءِ وَوَضْعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. (وَلَا) يُكْرَهُ (غَسْلُ بَعْضِ أَعْضَاءٍ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ) ، قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. (وَقَدْ يُطْلَبُ تَرْكُ تَثْلِيثٍ) لِغَرَضٍ، (كَضِيقِ وَقْتٍ) خَشِيَ خُرُوجَهُ بِفِعْلِهِ التَّثْلِيثَ، (أَوْ قِلَّةِ مَاءٍ) ، بِحَيْثُ لَوْ ثَلَّثَ لَا يَكْفِي جَمِيعَ أَعْضَائِهِ. (وَمِنْ السُّنَنِ) فِي الْوُضُوءِ (أَيْضًا التَّيَامُنُ) - أَيْ: الْبُدَاءَةُ بِالْأَيْمَنِ - (بَيْنَ غَسْلِ يَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ حَتَّى لِقَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ) ، فَيَغْسِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى. (وَبَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَقِيلَ: يَمْسَحُهُمَا) أَيْ: أُذُنَيْهِ (مَعًا) قَالَهُ الْأَزَجِيُّ. (وَ) سُنَّ (تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى مَسْنُونَاتِهِ) إذَا وُجِدَتْ قَبْلَ الْوَاجِبِ، (وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا) - أَيْ: النِّيَّةِ - (إلَى آخِرِهِ) - أَيْ: الْوُضُوءِ - (وَنُطْقٌ بِهَا سِرًّا) ، وَيَأْتِي. (وَقَوْلُ) مُتَوَضِّئٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ مَعَ رَفْعِ بَصَرِهِ) إلَى السَّمَاءِ (كَمَا يَأْتِي) فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ الْبَابِ. .

باب الوضوء

(وَ) سُنَّ (تُوَلِّيهِ وُضُوءَهُ بِنَفْسِهِ بِلَا مُعَاوَنَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَكِلُ طَهُورَهُ إلَى أَحَدٍ، وَلَا صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقُ بِهَا إلَى أَحَدٍ يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَالزِّيَادَةُ فِي مَاءِ الْوَجْهِ) لِيَسْتَيْقِنَ تَعْمِيمَهُ. [بَابُ الْوُضُوءِ] (بَابُ الْوُضُوءِ) بِضَمِّ الْوَاوِ: فِعْلُ الْمُتَوَضِّئِ، مِنْ الْوَضَاءَةِ، وَهِيَ: النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ، لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْمُتَوَضِّئَ وَيُحَسِّنُهُ، وَبِفَتْحِهَا: الْمَاءُ يُتَوَضَّأُ بِهِ: (اسْتِعْمَالُ مَاءٍ طَهُورٍ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ) الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ، (عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) ، (ك) كَوْنِهِ (بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ وَتَرْتِيبٍ وَمُوَالَاةٍ) وَتَأْتِي مُفَصَّلَةً. وَالْحِكْمَةُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ غَيْرِهَا أَنَّهَا أَسْرَعُ مَا يَتَحَرَّكُ فِي الْبَدَنِ لِلْمُخَالَفَةِ، فَأَمَرَ بِغَسْلِهَا ظَاهِرًا تَنْبِيهًا عَلَى طَهَارَتِهَا الْبَاطِنَةِ وَرَتَّبَ غَسْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ فِي الْمُخَالَفَةِ، فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَفِيهِ الْفَمُ وَالْأَنْفُ، فَابْتُدِئَ بِالْمَضْمَضَةِ، لِأَنَّ اللِّسَانَ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ وَأَشَدُّهَا حَرَكَةً، إذْ غَيْرُهُ رُبَّمَا سَلِمَ، وَهُوَ كَثِيرُ الْعَطْبِ قَلِيلُ السَّلَامَةِ غَالِبًا، ثُمَّ بِالْأَنْفِ، لِيَتُوبَ عَمَّا يَشُمُّ بِهِ، ثُمَّ بِالْوَجْهِ لِيَتُوبَ عَمَّا نَظَرَ، ثُمَّ بِالْيَدَيْنِ لِيَتُوبَ عَنْ الْبَطْشِ، ثُمَّ خَصَّ الرَّأْسَ بِالْمَسْحِ لِأَنَّهُ مُجَاوِزٌ لِمَا تَقَعُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ، ثُمَّ بِالْأُذُنِ لِأَجْلِ السَّمَاعِ، ثُمَّ بِالرِّجْلِ لِأَجْلِ الْمَشْيِ، ثُمَّ أَرْشَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. (وَفُرِضَ) الْوُضُوءُ (مَعَ الصَّلَاةِ) لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. (وَيَجِبُ بِحَدَثٍ عِنْدَ إرَادَةِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ) ، كَطَوَافٍ وَصَلَاةٍ وَنَحْوِهِمَا، (وَيَحِلُّ) الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ (جَمِيعَ بَدَنٍ كَجَنَابَةٍ) ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ

وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَابْنُ عَقِيلٍ. (فَلَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ) حَتَّى غَيْرَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، (وَلَا بِعُضْوٍ غَسَلَهُ) بِالْوُضُوءِ حَتَّى يُتِمَّ وُضُوءَهُ، (وَلَوْ قُلْنَا بِرَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُ) بِغَسْلِهِ، كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ، (فَإِنَّمَا هُوَ) - أَيْ: الْقَوْلُ بِرَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُ - (لِعَدَمِ تَأَثُّرِ مَاءٍ) طَهُورٍ قَلِيلٍ (بِغَمْسِهِ) فِيهِ بَعْدَ غَسْلِهِ، فَلَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، وَلِعَدَمِ وُجُوبِ إعَادَةِ غَسْلِهِ. (وَتَجِبُ فِيهِ تَسْمِيَةٌ، وَهِيَ) قَوْلُ: (بِسْمِ اللَّهِ) فِي الْوُضُوءِ، (لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا كَالرَّحْمَنِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - وَسُئِلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَيُّ حَدِيثٍ أَصَحُّ فِي التَّسْمِيَةِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ. وَمَحَلُّهَا اللِّسَانُ، وَوَقْتُهَا بَعْدَ النِّيَّةِ، (وَتَسْقُطُ سَهْوًا) نَصَّا لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» ، وَكَوَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ، كَمَا تَجِبُ (فِي غُسْلٍ) وَتَيَمُّمٍ، وَتَسْقُطُ فِي الثَّلَاثَةِ سَهْوًا نَصًّا، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا، فَكَانَ مِنْ وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ سَهْوًا كَالصَّلَاةِ (وَيَتَّجِهُ وَ) تَسْقُطُ أَيْضًا (جَهْلًا كَمَا مَرَّ) فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: مُقْتَضَى قِيَاسِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ سُقُوطُهَا جَهْلًا، خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ، وَالظَّاهِرُ إجْزَاؤُهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَوْ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا كَالزَّكَاةِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. انْتَهَى. وَهُوَ مُتَّجِهٌ (إنْ ذَكَرَهَا) - أَيْ: التَّسْمِيَةَ - (فِي الْأَثْنَاءِ) ، أَيْ: أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ، (ابْتَدَأَ وَلَا يَبْنِي) عَلَى مَا غَسَلَهُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا

عَلَى جَمِيعِهِ فَوَجَبَ كَمَا لَوْ ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِهِ، صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ - حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي أَثْنَائِهِ سَمَّى وَبَنَى (وَيَتَّجِهُ) وُجُوبُ اسْتِيثَاقِهِ وَعَدَمُ بِنَائِهِ (إلَّا مَعَ ضِيقِ وَقْتٍ) عَنْ فِعْلِ مَكْتُوبَةٍ، (أَوْ قِلَّةِ مَاءٍ) فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مِنْ بِنَائِهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ طَهُورِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا عُفِيَ عَنْهَا مَعَ السَّهْوِ فِي جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ فَفِي بَعْضِهَا مَعَ سَهْوٍ انْضَمَّ إلَيْهِ ضِيقُ الْوَقْتِ، أَوْ قِلَّةُ الْمَاءِ أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَتَكْفِي إشَارَةُ أَخْرَسَ وَنَحْوِهِ) كَمُعْتَقَلٍ لِسَانُهُ (بِهَا) - أَيْ: بِالتَّسْمِيَةِ - بِرَأْسِهِ أَوْ بِطَرْفِهِ أَوْ أُصْبُعِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ مَا يُمْكِنُهُ (وَيَتَّجِهُ: احْتِمَالُ الصِّحَّةِ) - أَيْ: صِحَّةِ الْوُضُوءِ مِنْ الْأَخْرَسِ - (لَوْ سَمَّى بِقَلْبِهِ) لِعَجْزِهِ عَنْ النُّطْقِ، وَلَوْ (تَرَكَ الْإِشَارَةَ عَمْدًا) لِأَنَّ إتْيَانَهُ بِهَا بِقَلْبِهِ قَامَ مَقَامَ نُطْقِهِ، لَكِنَّ نُصُوصَهُمْ طَافِحَةٌ بِاعْتِبَارِ الْإِشَارَةِ مِنْهُ، فَمُقْتَضَاهَا عَدَمُ الصِّحَّةِ بِدُونِهَا. (وَفُرُوضُهُ) - أَيْ: الْوُضُوءِ - جَمْعُ: فَرْضٍ وَهُوَ: مَا يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَالْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ. (وَلَا يَسْقُطُ) الْفَرْضُ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا وَكَذَا كُلُّ فَرْضِ عِبَادَةٍ) كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِ الْحَجِّ، فَلَا تَسْقُطُ سَهْوًا وَلَا جَهْلًا: (سِتَّةٌ) - خَبَرُ فُرُوضِهِ -:

(أَحَدُهَا: غَسْلُ الْوَجْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] (وَمِنْهُ) أَيْ: الْوَجْهِ (دَاخِلُ فَمٍ وَأَنْفٌ) ، لِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّهِ، وَكَوْنِهِمَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ بِدَلِيلِ غَسْلِهِمَا مِنْ النَّجَاسَةِ، وَفِطْرِ الصَّائِمِ بِعَوْدِ الْقَيْءِ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِمَا وَأَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِوُصُولِ شَيْءٍ إلَيْهِمَا. (وَ) الثَّانِي: (غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ) {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] وَكَلِمَةُ إلَى: تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] وَفِعْلُهُ أَيْضًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَيِّنُهُ، وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ» . (وَ) الثَّالِثُ: (مَسْحُ الرَّأْسِ كُلِّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] وَالْبَاءُ فِيهِ لِلْإِلْصَاقِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ (وَمِنْهُ) - أَيْ: الرَّأْسِ - (الْأُذُنَانِ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مَرْفُوعًا «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» فَيَجِبُ مَسْحُهُمَا. (وَ) الرَّابِعُ: (غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] وَهُوَ وَاضِحٌ عَلَى النَّصْبِ، وَأَمَّا الْجَرُّ: فَقِيلَ بِالْجِوَارِ، وَالْوَاوُ تَأْبَاهُ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْمَسْحُ عِنْدَ الْعَرَبِ غَسْلٌ وَمَسْحٌ، فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا تَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ. وَصِحَاحُ الْأَحَادِيثِ تَبْلُغُ التَّوَاتُرَ فِي وُجُوبِ غَسْلِهَا، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ الْأَرْجُلُ فِي مَظِنَّةِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَذْمُومٌ، عَطَفَهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِتُمْسَحَ، بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى مِقْدَارِ الْمَطْلُوبِ، ثُمَّ قِيلَ: إلَى الْكَعْبَيْنِ، دَفْعًا لِظَنِّ ظَانٍّ أَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ، لِأَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ غَايَةٌ فِي الشَّرْعِ. وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ " أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ " لَأَنْ تُقْطَعَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْسَحَ الْقَدَمَيْنِ " وَهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ لَابِسِ الْخُفِّ، وَأَمَّا لَابِسُهُ فَغَسْلُهُمَا لَيْسَ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا فِي حَقِّهِ. (وَ) الْخَامِسُ: (تَرْتِيبٌ بَيْنَ أَعْضَاءِ وُضُوءٍ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى) لِأَنَّهُ تَعَالَى أَدْخَلَ الْمَمْسُوحَ بَيْنَ الْمَغْسُولَاتِ، وَلَا يُعْلَمُ لِهَذَا فَائِدَةٌ غَيْرُ التَّرْتِيبِ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْوَاجِبِ، «وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَتَّبَ الْوُضُوءَ، وَقَالَ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ مُعْتَبَرًا فِيهِ، كَالصَّلَاةِ يَجِبُ فِيهَا الرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ. (فَإِنْ نَكَّسَ) وُضُوءَهُ، فَبَدَأَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ لَمْ يَصِحَّ وَلَا يُحْسَبُ بِمَا غَسَلَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ قَبْلَهُ لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ، وَإِنْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ وَخَتَمَ بِوَجْهِهِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ مَنْكُوسًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ صَحَّ وُضُوءُهُ إذَا كَانَ مُتَقَارِبًا، يَحْصُلُ لَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: " مَا أُبَالِي إذَا تَمَّمْتُ وُضُوئِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ " قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا عَنَى بِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى، لَانَ مَخْرَجَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَاحِدٌ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ " أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: أَحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ، فَقَالَ: لَا حَتَّى يَكُونَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى " (أَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ دَفْعَةً) وَاحِدَةً (لَمْ يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ) وَكَذَا لَوْ وَضَّأَهُ أَرْبَعَةٌ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ التَّرْتِيبُ، لَا عَدَمُ التَّنْكِيسِ، وَلَمْ يُوجَدْ التَّرْتِيبُ. (وَلَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٌ كَثِيرٍ) رَاكِدٍ أَوْ جَارٍ (نَاوِيًا) رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ (لَمْ يَصِحَّ) وُضُوءُهُ، وَلَوْ مَكَثَ فِيهِ قَدْرًا يَسَعُ التَّرْتِيبَ، أَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَارِي أَرْبَعُ جَرْيَاتٍ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ، (حَتَّى يَخْرُجَ مُرَتِّبًا) نَصًّا، فَيُخْرِجُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ رِجْلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ، وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُمَا قَبْلَ انْفِصَالِهِ. (وَ) السَّادِسُ: (مُوَالَاةٌ) مَصْدَرُ وَالَى الشَّيْءَ يُوَالِيهِ إذَا تَابَعَهُ

(وَهِيَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَجِفَّ مَا قَبْلَهُ) ، فَلَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَجِفَّ الْوَجْهُ، وَلَا مَسْحَ الرَّأْسِ حَتَّى تَجِفَّ الْيَدَانِ، وَلَا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ حَتَّى يَجِفَّ الرَّأْسُ لَوْ كَانَ مَغْسُولًا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ مَسْحَ الرَّأْسِ حَتَّى يَجِفَّ الْوَجْهُ دُونَ الْيَدَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَيُتِمُّهُ صَحِيحًا (بِزَمَنٍ مُعْتَدِلِ) الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ (وَيَتَّجِهُ الِاعْتِبَارُ فِي) الزَّمَنِ (الْمُعْتَدِلِ) كَوْنُ اعْتِدَالِهِ (بِمَا بَيْنَ لَيْلٍ وَنَهَارٍ) ، بِأَنْ لَا يَزِيدَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي حُلُولِ الشَّمْسِ فِي أَوَّلِ نُقْطَةٍ مِنْ بُرْجِ الْحَمَلِ، وَأَوَّلُ نُقْطَةٍ مِنْ بُرْجِ الْمِيزَانِ، فَيَكُونُ اللَّيْلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً وَالنَّهَارُ كَذَلِكَ، ثُمَّ فِي بَاقِي أَيَّامِ الْبُرْجَيْنِ، وَقُبَيْلَ دُخُولِهِمَا يَقْرُبُ مِنْهُمَا، وَيَكُونُ الزَّمَانُ فِي ذَيْنِكَ الْبُرْجَيْنِ وَقَبْلِهِمَا إلَى الِاعْتِدَالِ فِي الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ أَقْرَبُ فِي الْغَالِبِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَيُقَدَّرُ مَمْسُوحٌ) مِنْ رَأْسٍ وَجَبِيرَةٍ (مَغْسُولًا) فَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ مَثَلًا وَجَفَّ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، فَالْمُوَالَاةُ بِحَالِهَا مَعَ قِصَرِ الْفَصْلِ أَمَّا إذَا طَالَ الْفَصْلُ بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَ (مَغْسُولًا) لَجَفَّ، انْقَطَعَتْ الْمُوَالَاةُ، (أَوْ قُدِّرَ) زَمَنٌ (مُعْتَدِلٌ مِنْ غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الْمُعْتَدِلِ - مِنْ زَمَنٍ حَارٍّ أَوْ بَارِدٍ (وَيَضُرُّ) - أَيْ: تَفُوتُ الْمُوَالَاةُ - (إنْ جَفَّ عُضْوٌ) أَوْ بَعْضُهُ قَبْلَ غَسْلِ مَا بَعْدَهُ، أَوْ بَقِيَّتُهُ (لِاشْتِغَالٍ بِتَحْصِيلِ مَاءٍ) يُتِمُّ بِهِ وُضُوءَهُ، (أَوْ) جَفَّ ذَلِكَ ل (إسْرَافٍ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِلطَّهَارَةِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّمَنُ مُعْتَدِلًا أَوْ لَا (أَوْ إزَالَةِ نَجَاسَةٍ) لَيْسَتْ بِمَحَلِّ التَّطْهِيرِ، (أَوْ) إزَالَةِ (وَسَخٍ وَنَحْوِهِ) ، كَجَبِيرَةٍ حَلَّهَا (لِغَيْرِ طَهَارَةٍ) ، بِأَنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا لَمْ يُؤَثِّرْ،

فصل يشترط لوضوء دخول وقت من حدثه دائم

لِأَنَّهُ إذَنْ مِنْ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ، (لَا) إنْ كَانَ اشْتِغَالُهُ (ل) تَحْصِيلِ (سُنَّةٍ) مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، (كَتَخْلِيلِ) لِحْيَتِهِ وَأَصَابِعِهِ. (وَإِسْبَاغِ) ، أَيْ: إبْلَاغِهِ مَوَاضِعَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ، بِأَنْ يُؤْتِيَ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ، (وَإِزَالَةِ شَكٍّ) ، بِأَنْ يُكَرِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ اسْتَكْمَلَ غَسْلَهُ، (أَوْ) إزَالَةِ (وَسْوَسَةٍ) لِأَنَّهَا شَكٌّ فِي الْجُمْلَةِ. [فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِوُضُوءٍ دُخُولُ وَقْتِ مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ] (فَصْلٌ) (وَيُشْتَرَطُ لِوُضُوءٍ دُخُولُ وَقْتِ مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ) لِغَرَضِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، لِأَنَّ طَهَارَتَهُ طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ لِفَائِتَةٍ أَوْ طَوَافٍ أَوْ نَافِلَةٍ، صَحَّ مَتَى أَرَادَهُ (أَوْ اسْتِنْجَاءٌ) بِمَاءٍ، (وَاسْتِجْمَارٌ) بِنَحْوِ حَجَرٍ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ بِدَلِيلِهِ، (وَ) يُشْرَعُ (لَهُ) أَيْ: الْوُضُوءِ (وَلِغُسْلٍ انْقِطَاعُ مَا يُوجِبُهُمَا) مِنْ خُرُوجِ خَارِجٍ مِنْ سَبِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَإِنْزَالٍ وَجِمَاعٍ وَانْتِقَالِ مَنِيٍّ وَانْقِطَاعِ قَيْءٍ وَنَحْوِهِ، لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ الصِّحَّةَ، (وَطَهُورِيَّةُ مَاءٍ) - كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمِيَاهِ - (مَعَ إبَاحَتِهِ) ، فَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ بِنَحْوِ مَغْصُوبٍ، كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ مُحَرَّمٍ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَّا صَحَّتْ لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَالْمَاءُ الْمُسْبَلِ لِلشُّرْبِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَدَثٍ وَلَا نَجَسٍ بِبَدَنٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مِنْهُ وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ مُسْتَوْفًى. (وَإِزَالَةُ مَانِعِ وُصُولٍ) - أَيْ: الْمَاءِ - عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِيَصِلَ إلَى الْبَشَرَةِ، (وَتَمْيِيزٌ) لِأَنَّهُ أَدْنَى سِنٍّ يُعْتَبَرُ قَصْدُ الصَّغِيرِ فِيهِ شَرْعًا، فَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ، (وَكَذَا) يُشْتَرَطُ لِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ (إسْلَامٌ وَعَقْلٌ لِغَيْرِ كِتَابِيَّةٍ وَمَجْنُونَةٍ غَسَلَتَا مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ) كَنِفَاسٍ (لِحِلِّ وَطْءٍ) لِحَلِيلٍ مُسْلِمٍ.

(السَّابِعُ: نِيَّةٌ) ، لِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَيْ: لَا عَمَلَ جَائِزٌ وَلَا فَاضِلٌ إلَّا بِهَا، (وَهِيَ) أَيْ: النِّيَّةُ (شَرْطٌ لِطَهَارَةِ كُلِّ حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، (وَتَيَمُّمٍ وَلِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ مُسْتَحَبَّيْنِ، وَغُسْلِ مَيِّتٍ) ، لِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى الثَّوَابِ فِي كُلِّ طَهَارَةٍ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لِلتَّمْيِيزِ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَمِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ فَنِيَّةُ الصَّلَاةِ تَضَمَّنَتْهُمَا، لِوُجُودِهِمَا فِيهَا حَقِيقَةً، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ حُكْمُهُ، وَهُوَ: ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ لَا حَقِيقَتِهِ، لِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَوَضَّأُ، وَكَانَ مُتَوَضِّئًا، وَدَامَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ، بِخِلَافِ السَّتْرِ وَالِاسْتِقْبَالِ. و (لَا) تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِغَسْلِ (خَبَثٍ) - أَيْ نَجَاسَةٍ - لِأَنَّهَا مِنْ التُّرُوكِ، (وَلَا) ل (طَهَارَةِ كِتَابِيَّةٍ) لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ مُسْلِمٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهَا النِّيَّةُ لِلْعُذْرِ، (وَ) لَا طَهَارَةِ (مُسْلِمَةٍ مُمْتَنِعَةٍ مِنْ غُسْلِ نَحْوِ حَيْضٍ) وَنِفَاسٍ (فَتُغْسَلُ مُسْلِمَةٌ قَهْرًا) لِحَقِّ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، (وَتُغْسَلُ كِتَابِيَّةٌ) كَذَلِكَ. (وَلَا نِيَّةَ) ، أَيْ: وَلَا تَسْمِيَةَ مُعْتَبَرَةٌ هُنَا، صَرَّحَ بِهِ الْحَجَّاوِيُّ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ (لِلْعُذْرِ) كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ زَكَاةٍ (وَلَا تَسْتَبِيحُ) الْمُسْلِمَةُ الْمُمْتَنِعَةُ (بِهِ) - أَيْ: بِالْغُسْلِ الْمَذْكُورِ - (نَحْوَ صَلَاةٍ) ، كَطَوَافٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ وَطْؤُهَا لِحَقِّ زَوْجِهَا فِيهِ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ. وَلَا يَنْوِي عَنْهَا، لِعَدَمِ تَعَذُّرِهِ مِنْهَا، وَمَحَلُّهُ (حَيْثُ كَانَ) ذَلِكَ الْغُسْلُ لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ، لِعَدَمِ وُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، لَا إنْ كَانَ غُسْلُهُ إيَّاهَا (لِدَاعِي الشَّرْعِ) بِأَنْ نَوَى بِهِ التَّقَرُّبَ بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا تَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ، لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ.

(وَيَنْوِي) لِغُسْلٍ (عَنْ مَيِّتٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ. (وَ) عَنْ (مَجْنُونَةٍ) مُسْلِمَةٍ أَوْ كِتَابِيَّةٍ حَاضَتْ وَنَحْوَهُ، (غُسْلًا) ، لِتَعَذُّرِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا (وَيَتَّجِهُ لَوْ أَفَاقَتْ) مَجْنُونَةٌ، نَوَى عَنْهَا غَاسِلُهَا وَسَمَّى (لَا يُعَادُ) غُسْلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لِقِيَامِ نِيَّةٍ عَنْهَا مَقَامَ نِيَّتِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا مِنْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، بَلْ مُصَرَّحٌ بِهِ. (وَمَحَلُّهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (الْقَلْبُ، فَلَا يَضُرُّ سَبْقُ لِسَانٍ بِغَيْرِ مَنْوِيٍّ) ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ الْوُضُوءَ، فَيَقُولَ: نَوَيْتُ الصَّلَاةَ، (وَسُنَّ لَا لِنَحْوِ مُفَارِقٍ) لِإِمَامِهِ (فِي أَثْنَاءِ صَلَاةٍ) كَمُعْتَكِفٍ نَوَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي، (نُطْقٌ بِهَا) - أَيْ: النِّيَّةِ - (سِرًّا فِي كُلِّ عِبَادَةٍ) ، كَوُضُوءٍ وَصَلَاةٍ وَتَيَمُّمٍ وَنَحْوِهَا، لِيُوَافِقَ فِعْلُ اللِّسَانِ الْقَلْبَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ أَوْلَى عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَ " التَّلْخِيصُ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ رَزِينٍ، (وَإِنْ كَانَ) النُّطْقُ بِهَا (خِلَافَ الْمَنْصُوصِ) عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَجَمْعٍ مُحَقِّقِينَ. (وَكَرِهَ جَهْرٌ) بِهَا (وَتَكْرَارُهَا) ، (بَلْ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إنَّهُ) - أَيْ: الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ وَتَكْرَارُهَا - (مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ) الْإِمَامِ (الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ) وَإِنْ اعْتَقَدَهُ دِينًا خَرَجَ مِنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ نَهْيُهُ، وَيُعْزَلُ عَنْ الْإِمَامَةِ إنْ لَمْ يَنْتَهِ. وَقَالَ: مَنْ اعْتَادَهُ يَنْبَغِي تَأْدِيبُهُ، وَيَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ، لَا سِيَّمَا إنْ آذَى بِهِ أَوْ كَرَّرَهُ، (وَقَالَ) (مُحَمَّدٌ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَمْ يَكُنْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: نَوَيْتُ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ، وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ) بَلْ (وَلَا

أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ. (وَيَجِبُ تَقَدُّمُهَا) - أَيْ: النِّيَّةِ - (عَلَى تَسْمِيَةٍ وَتَقَدُّمُهُمَا) - أَيْ: النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ - (عَلَى الْوَاجِبِ) ، فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ قَبْلَهُمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ، (وَسُنَّا) - أَيْ: النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ - (عِنْدَ أَوَّلِ الْمَسْنُونِ وَقَبْلِهِ) - أَيْ: الْمَسْنُونِ - كَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ، لِتَشْمَلَ النِّيَّةُ فَرْضَ الْوُضُوءِ وَسَنَّتَهُ، فَيُثَابُ عَلَيْهَا. (وَيَضُرُّ تَقَدُّمُ) النِّيَّةِ (بِزَمَنٍ كَثِيرٍ عُرْفًا) كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، (وَسُنَّ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا) بِقَلْبِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لَهَا (فِي جَمِيعِ الْعِبَادَةِ) ، لِتَكُونَ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مُقْتَرِنَةً بِالنِّيَّةِ، وَالذِّكْرُ: بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي مُثَلَّثِهِ " وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ ضِدُّ الْإِنْصَاتِ، وَذَالُهُ مَكْسُورَةٌ، وَبِالْقَلْبِ ضِدُّ النِّسْيَانِ، وَذَالُهُ مَضْمُومَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمَا لُغَتَانِ. (وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا، بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا فَيَضُرُّ إنْ نَوَاهُ) - أَيْ: قَطْعَهَا (وَيَحْرُمُ) قَطْعُهَا (فِي وَاجِبٍ) ، يَضُرُّ (إنْ ذَهِلَ عَنْهَا أَوْ غَرُبَتْ عَنْ خَاطِرِهِ) ، فَلَا يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَةِ كَمَا لَا يُؤَثِّرْ فِي الصَّلَاةِ، وَمَحَلُّهُ: إنْ لَمْ يَنْوِ بِالْغُسْلِ نَحْوَ تَنْظِيفٍ أَوْ تَبَرُّدٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ. (وَإِنْ فَرَّقَهَا) - أَيْ: النِّيَّةَ - عَلَى أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ، بِأَنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عِنْدَ غَسْلِهِ أَوْ مَسْحِهِ (صَحَّ) وُضُوءُهُ، لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، (وَإِنْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فَمِهِ، وَنَوَى) ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ (الْأَصْغَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ) الْحَدَثَ (الْأَكْبَرَ) أَيْضًا (فَنَوَاهُمَا) - أَيْ: الْحَدَثَيْنِ مَعًا - (ارْتَفَعَا) لِأَنَّهُ لَا يَزَالُ طَهُورًا إلَى أَنْ يَنْفَصِلَ. (حَتَّى وَلَوْ لَبِثَ) الْمَاءُ (فِي فَمِهِ فَتَغَيَّرَ) مِنْ رِيقِهِ. (وَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِنِيَّةِ تَبَرُّدٍ ثُمَّ أَعَادَهُ) - أَيْ: الْغُسْلَ - بِنِيَّةِ تَبَرُّدٍ وَجَعَلَهُ (بِنِيَّةِ وُضُوءٍ) مَعَ قِصَرِ فَصْلٍ (أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ لِبَقَاءِ الْمُوَالَاةِ، (وَإِنْ أَبْطَلَهَا) - أَيْ: النِّيَّةَ - فِي أَثْنَاءِ

الْعِبَادَةِ بَطَلَ مَا مَضَى مِنْهَا، (أَوْ شَكَّ فِيهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ) (اسْتَأْنَفَ) الْعِبَادَةَ مِنْ أَوَّلِهَا، وَمَتَى عَلِمَ أَنَّهُ جَاءَ لِيَتَوَضَّأَ أَوْ أَرَادَ فِعْلَ الْوُضُوءِ مُقَارِنًا لَهُ أَوْ سَابِقًا عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنْهُ، فَقَدْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ، (لَا) شَكَّ فِي النِّيَّةِ (بَعْدَ فَرَاغٍ) مِنْ عِبَادَةٍ عَمَلًا بِالْيَقِينِ، (إلَّا إنْ تَحَقَّقَ تَرْكُهَا) - أَيْ: النِّيَّةِ فَيَسْتَأْنِفُ الْعِبَادَةَ لِخُلُوِّهَا مِنْهَا، (وَكَذَا) لَوْ طَرَأَ (شَكٌّ فِي غَسْلِ عُضْوٍ) فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ، (أَوْ) فِي (مَسْحِ رَأْسٍ) قَبْلَ إتْمَامِ وُضُوءٍ، لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِمَا شَكَّ فِيهِ وَبِمَا بَعْدَهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إتْيَانِهِ بِهِ، (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الشَّكُّ (وَسْوَاسًا فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ. (وَالنِّيَّةُ هُنَا) - أَيْ فِي الطَّهَارَةِ - (قَصْدُ رَفْعِ حَدَثٍ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، (وَلَا يَضُرُّ) مَعَ قَصْدِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ (تَشْرِيكُ) نِيَّةِ تَبَرُّدٍ (أَوْ) قَصْدُ (اسْتِبَاحَةِ مَاءٍ) أَيْ: فِعْلٌ (يَجِبُ لَهُ طَهَارَةٌ) كَصَلَاةٍ، (أَوْ تُسَنُّ لَهُ) الطَّهَارَةُ كَقِرَاءَةٍ. (وَتَتَعَيَّنُ) نِيَّةُ (الِاسْتِبَاحَةِ لِدَائِمِ حَدَثٍ) ، كَمُسْتَحَاضَةٍ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ قُرُوحٌ سَيَّالَةٌ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": يَنْوِي مَنْ حَدَثُهُ دَائِمُ الِاسْتِبَاحَةِ - عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ - (وَإِنْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ) بِطُرُوءِ حَدَثٍ (غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الْحَدَثِ الدَّائِمِ، كَمَا لَوْ كَانَ السَّلَسُ بَوْلًا وَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ - فَيَنْوِي الِاسْتِبَاحَةَ، لَا رَفْعَ الْحَدَثِ، لِمُنَافَاةِ الْخَارِجِ لَهُ صُورَةً، (وَلِأَنَّ طَهَارَتَهُ لَيْسَتْ رَافِعَةً) لِلْحَدَثِ الدَّائِمِ، وَإِنَّمَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ الطَّارِئَ، لِأَنَّ الدَّائِمَ إنَّمَا لَمْ يُنْتَقَضْ لِلضَّرُورَةِ، وَمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمَجْدِ: هَذِهِ الطَّهَارَةُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ الَّذِي أَوْجَبَهَا، أَيْ: الطَّارِئَ دُونَ الدَّائِمِ. (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " - حَيْثُ قَالَ: وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ. انْتَهَى. فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ مُطْلَقًا دَائِمًا كَانَ أَوْ طَارِئًا، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ. (وَفِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَا يَحْتَاجُ) مَنْ حَدَثُهُ

دَائِم (إلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِلْفَرْضِ) ، لِأَنَّ طَهَارَتَهُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ الطَّارِئَ (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ، (بَلْ لَوْ نَوَى) دَائِمُ الْحَدَثِ بِطَهَارَتِهِ (الِاسْتِبَاحَةَ لِصَلَاةٍ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يَقْصِدْ فَرْضًا وَلَا غَيْرَهُ (لَمْ يَسْتَبِحْ سِوَى نَفْلٍ) فَقَطْ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَافِعَةً، فَهِيَ كَالتَّيَمُّمِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَرْتَفِعُ حَدَثٌ بِنِيَّةِ مَا تُسَنُّ لَهُ) الطَّهَارَةُ، (كَقِرَاءَةِ) قُرْآنٍ (وَذِكْرِ) اللَّهِ تَعَالَى (وَأَذَانٍ وَنَوْمٍ وَرَفْعِ شَكٍّ) فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ (وَغَضَبٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ مِنْ النَّارِ، وَالْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ كَمَا فِي الْخَبَرِ، (وَكَلَامٍ مُحَرَّمٍ) ، كَغَيْبَةٍ وَنَحْوِهَا (وَفِعْلِ نُسُكِ حَجٍّ) نَصًّا (غَيْرِ طَوَافٍ) فَإِنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ لَهُ كَالصَّلَاةِ. (وَيَتَّجِهُ وَ) يَرْتَفِعُ حَدَثُ مَنْ تَوَضَّأَ (لِحَمْلِ مَيِّتٍ، لِخَبَرِ «وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَ) ك (جُلُوسٍ بِمَسْجِدٍ) ، وَقِيلَ: (وَحَدِيثٍ وَتَدْرِيسِ عِلْمٍ) وَفِي " الْمُغْنِي ": (وَأَكْلٍ) ، وَفِي

النِّهَايَةِ " (وَزِيَارَةِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَجْدِيدٍ) إنْ سُنَّ لَهُ التَّجْدِيدُ، (بِأَنْ) كَانَ (صَلَّى) بِذَلِكَ الْوُضُوءِ وَأَحْدَثَ (وَنَوَاهُ) - أَيْ: التَّجْدِيدَ - (نَاسِيًا الْحَدَثَ) ، لِأَنَّهُ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً، فَيَنْبَغِي أَنْ تَحْصُلَ لَهُ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ نَوَى شَيْئًا مِنْ ضَرُورَتِهِ صِحَّةُ الطَّهَارَةِ، وَهِيَ الْفَضِيلَةُ الْحَاصِلَةُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى طَهَارَةٍ (وَيَتَّجِهُ أَوْ) نَوَى بِوُضُوئِهِ التَّجْدِيدَ حَالَ كَوْنِهِ (ذَاكِرًا) لِحَدَثِهِ فَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ (لِاسْتِحْبَابِهِ) أَيْ التَّجْدِيدِ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَفِي هَذَا الِاتِّجَاهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، إذْ مَحَلُّ الِاسْتِحْبَابِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إذَا نَوَى التَّجْدِيدَ عَالِمًا حَدَثَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ، لِتَلَاعُبِهِ. (وَلَا) يُسَنُّ تَجْدِيدُ (غُسْلٍ وَ) لَا (تَيَمُّمٍ) لِكُلِّ صَلَاةٍ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (وَلَا رَفْعٍ) لِلْحَدَثِ (إنْ نَوَى طَهَارَةً) وَأَطْلَقَ (أَوْ) نَوَى (وُضُوءًا وَأَطْلَقَ) ، بِأَنْ لَمْ يَنْوِهِ لِنَحْوِ صَلَاةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ رَفْعِ حَدَثٍ لِعَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالنِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، إذْ لَا تَمْيِيزَ فِيهَا، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَشْرُوعًا وَغَيْرَهُ. (أَوْ) نَوَى (جُنُبٌ الْغُسْلَ وَحْدَهُ) أَيْ: (دُونَ الْوُضُوءِ) ، فَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ (أَوْ) نَوَى جُنُبٌ الْغُسْلَ (لِمُرُورِهِ بِمَسْجِدٍ) فَإِنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ الْأَكْبَرُ وَلَا الْأَصْغَرُ، لِأَنَّ هَذَا الْقَصْدَ لَا يُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ لُبْسَ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ، خِلَافًا لِابْنِ قُنْدُسٍ حَيْثُ قَالَ: لَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالْجَنَابَةِ (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ،

(أَوْ) نَوَى الْغُسْلَ (لِشُرْبِ) مَا لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ، لِأَنَّ الشُّرْبَ لَمْ يُشْرَعْ لَهُ غُسْلٌ وَلَا وُضُوءٌ، (أَوْ) نَوَاهُ (لِزِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيٍّ) مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (غَيْرِ) زِيَارَةِ قَبْرِهِ (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ، أَوْ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ قُبُورِهِمْ إذْ لَوْ عُلِمَتْ ضَرَائِحُهُمْ تَعْيِينًا لَوَجَبَ عَلَيْنَا احْتِرَامُهَا، كَاحْتِرَامِ ضَرِيحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا) كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ أَوْ الْعِيدِ أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إنْ كَانَ نَاسِيًا، لِلْحَدَثِ الَّذِي أَوْجَبَهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ فِيمَا سَبَقَ أَوْ نَوَى التَّجْدِيدَ نَاسِيًا حَدَثَهُ خُصُوصًا. وَقَدْ جَعَلُوا تِلْكَ أَصْلًا لِهَذِهِ، فَقَاسُوهَا عَلَيْهِ، (أَوْ) نَوَى غُسْلًا (وَاجِبًا) فِي مَحَلٍّ مَسْنُونٍ (أَجْزَأَ عَنْ الْآخَرِ) - أَيْ: الْمَسْنُونِ - بِالْأَوْلَى (فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ فِعْلُهُ) - أَيْ: فِعْلُ غَيْرِ الْمَنْوِيِّ - (بَعْدَ) فَرَاغِهِ مِنْ الْغُسْلِ الَّذِي نَوَاهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ) إجْمَاعًا (فَإِنْ نَوَاهُمَا) - أَيْ: الْوَاجِبَ وَالْمَسْنُونَ - (حَصَلَا) ، أَيْ: حَصَلَ لَهُ ثَوَابُهُمَا، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا لَيْسَ لَهُ فِيهِمَا، إلَّا ثَوَابُ مَا نَوَاهُ، وَإِنْ أَجْزَأَ عَنْ الْآخَرِ، لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .

فصل صفة الوضوء

(وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِل لِلْوَاجِبِ غُسْلًا وَلِلْمَسْنُونِ) غُسْلًا (آخَرَ) لِأَنَّهُ، أَكْمَلُ وَأَفْضَلُ. (وَإِنْ تَنَوَّعَتْ أَحْدَاثٌ) ، أَيْ: مُوجِبَاتٌ لِوُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، (وَلَوْ) وُجِدَتْ (مُتَفَرِّقَةً تُوجِبُ غُسْلًا أَوْ) تُوجِبُ (وُضُوءًا وَنَوَى) بِغُسْلِهِ أَوْ وُضُوئِهِ (أَحَدَهَا) أَيْ: الْأَحْدَاثِ (لَا) إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ (عَلَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ) - أَيْ: غَيْرُ الْمَنْوِيِّ - بِذَلِكَ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ (ارْتَفَعَ سَائِرُهَا) ، أَيْ: ارْتَفَعَتْ كُلُّهَا، لِأَنَّهَا تَتَدَاخَلُ، فَإِذَا نَوَى بَعْضَهَا غَيْرَ مُقَيِّدٍ ارْتَفَعَ جَمِيعُهَا، كَمَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ، (وَإِلَّا) بِأَنْ نَوَى رَفْعَ حَدَثٍ مِنْهَا عَلَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ (لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ) - أَيْ: ذَلِكَ الْحَدَثِ - وَفِي نُسْخَةٍ: (وَإِنْ أَحْدَثَ بِنَوْمٍ فَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ بَوْلٍ غَلَطًا ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) ، لِتَدَاخُلِ الْأَحْدَاثِ، (أَوْ) نَوَى بِطَهَارَتِهِ تَخْصِيصَ اسْتِبَاحَةِ (صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا) كَالظُّهْرِ مَثَلًا عَلَى أَنْ (لَا يَسْتَبِيحَ غَيْرَهَا) ارْتَفَعَ حَدَثُهُ و (لَغَا تَخْصِيصُهُ) فَيُصَلِّي بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ مَا شَاءَ مِنْ فُرُوضٍ وَنَوَافِلَ، لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ رَفْعِ الْحَدَثِ اسْتِبَاحَةَ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ. [فَصْلٌ صِفَةُ الْوُضُوء] (فَصْلٌ) (وَصِفَةُ وُضُوءٍ أَنْ يَنْوِيَ) رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ نَحْوِ صَلَاةٍ، أَوْ الْوُضُوءَ لَهَا (ثُمَّ يُسَمِّيَ) ، أَيْ: يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ. لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الْوُضُوءِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، (وَيَغْسِلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا) ، وَلَوْ تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُمَا، وَهُوَ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ، (ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا - إنْ شَاءَ - بِسِتِّ غَرَفَاتِ أَوْ ثَلَاثِ) غَرَفَاتٍ (وَ) كَوْنُهُمَا (بِغَرْفَةٍ) وَاحِدَةٍ (أَفْضَلُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ «تَوَضَّأَ فَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِكَفٍّ وَاحِدٍ، وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وَيَشْهَدُ لِلثَّلَاثِ حَدِيثُ عَلِيٍّ أَيْضًا " أَنَّهُ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَشْهَدُ لِلسِّتِّ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَوُضُوءُهُ كَانَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَلَزِمَ كَوْنُهَا مِنْ سِتٍّ. تَتِمَّةٌ: يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَرْضَيْنِ، إذْ الْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ وَاحِدٌ، وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي " وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» وَفِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ «إذَا تَوَضَّأْتَ فَتَمَضْمَضْ» أَخْرَجَهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ. وَلِأَنَّ الَّذِينَ وَصَفُوا وُضُوءَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرُوا أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِمَا، لِأَنَّ فِعْلَهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِأَمْرِهِ تَعَالَى. (ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَحَدُّهُ طُولًا: مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا) ، فَلَا عِبْرَةَ بِالْأَقْرَعِ، بَالِغًا الَّذِي يَنْبُتُ شَعْرُهُ فِي بَعْضِ جَبْهَتِهِ، وَلَا بِالْأَجْلَحِ الَّذِي انْحَسَرَ شَعْرُهُ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ. (إلَى النَّازِلِ مِنْ اللَّحْيَيْنِ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا، وَهُمَا: عَظْمَانِ فِي أَسْفَلِ الْوَجْهِ قَدْ أَكْتَنَفَاهُ. (وَالذَّقَنُ) : مَجْمَعُ اللِّحْيَةِ طُولًا، فَيَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ (مَعَ مُسْتَرْسِلِ) شَعْرِ (اللِّحْيَةِ) : بِكَسْرِ اللَّام طُولًا، وَمَا خَرَجَ مِنْهُ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ عَرْضًا، لِأَنَّ اللِّحْيَةَ تُشَارِكُ الْوَجْهَ فِي مَعْنَى التَّوَجُّهِ وَالْمُوَاجَهَةِ، بِخِلَافِ مَا نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يُشَارِكُ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّس، وَحَدُّ الْوَجْهِ (عَرْضًا: مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ) ، أَيْ: مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ فَهُمَا لَيْسَا مِنْهُ، وَأَمَّا إضَافَتُهُمَا إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

«سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَلِلْمُجَاوَرَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ أَنَّهُ غَسَلَهُمَا مَعَ الْوَجْهِ (فَدَخَلَ) فِيهِ (عِذَارٌ وَهُوَ: شَعْرٌ نَابِتٌ عَلَى عَظْمٍ نَاتِئٍ يُحَاذِي صِمَاخَ) - بِكَسْرِ الصَّادِ - (الْأُذُنَيْنِ) ، أَيْ: خَرْقَهُمَا. (وَ) دَخَلَ فِيهِ أَيْضًا (عَارِضٌ، وَهُوَ مَا تَحْتَهُ) - أَيْ: الْعَذَارِ - (إلَى ذَقَنٍ) وَهُوَ: مَا نَبَتَ عَلَى الْخَدِّ وَاللَّحْيَيْنِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَا جَاوَزَتْهُ الْأُذُنُ عَارِضٌ، و (لَا) يَدْخُلُ فِيهِ (صُدْغٌ) : بِضَمِّ الصَّادِ، (وَهُوَ: مَا فَوْقَ الْعِذَارِ، يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْهُ قَلِيلًا) بَلْ هُوَ مِنْ الرَّأْسِ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ غَسَلَهُ مَعَ الْوَجْهِ. (وَلَا) يَدْخُلُ (تَحْذِيفٌ، وَهُوَ) : الشَّعْرُ (الْخَارِجُ إلَى طَرَفَيْ الْجَبِينِ فِي جَانِبَيْ الْوَجْهِ بَيْنَ النَّزَعَةِ) - بِفَتْحِ الزَّايِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ - (وَمُنْتَهَى الْعِذَارِ) لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ أَشْبَهَ الصُّدْغَ. (وَلَا) يَدْخُلُ فِي الْوَجْهِ أَيْضًا (النَّزْعَتَانِ وَهُمَا مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعْرُ مِنْ جَانِبَيْ الرَّأْسِ) - أَيْ: جَانِبَيْ مُقَدِّمِهِ - لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا الْمُوَاجَهَةُ، (بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الرَّأْسِ فَيُمْسَحُ مَعَهُ) ، لِأَنَّ الرَّأْسَ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا وَالْإِضَافَةُ إلَى الْوَجْهِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: وَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا ... أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا لِلْمُجَاوَرَةِ. وَيُسْتَحَبُّ تَعَاهُدُ الْمَفْصِلِ بِالْغَسْلِ، وَهُوَ: مَا بَيْنَ اللِّحْيَةِ وَالْأُذُنِ نَصًّا. (وَلَا يُجْزِئُ غَسْلُ ظَاهِرِ شَعْرٍ) فِي الْوَجْهِ يَصِفُ الْبَشَرَةَ، لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ تَحْصُلُ بِهَا الْمُوَاجَهَةُ، فَوَجَبَ غَسْلُهَا كَاَلَّتِي لَا شَعْرَ فِيهَا، وَوَجَبَ غَسْلُ الشَّعْرِ مَعَهَا، لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَيَتْبَعُهَا، (إلَّا أَنْ) يَكُونَ

الشَّعْرُ كَثِيفًا (لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ) ، فَيُجْزِئُهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ لِحُصُولِ الْمُوَاجَهَةِ بِهِ دُونَ الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ. (وَيُسَنُّ تَخْلِيلُهُ) - أَيْ: الشَّعْرِ الْكَثِيفِ. - (إذَنْ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي السُّنَنِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُ شَعْرِهِ كَثِيفًا وَبَعْضُهُ خَفِيفًا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ. و (لَا) يُسَنُّ (غَسْلُ دَاخِلِ عَيْنٍ) فِي وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ، (بَلْ يُكْرَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلُهُ وَلَا الْأَمْرُ بِهِ. (وَلَا يَجِبُ) غَسْلُهُ (مِنْ نَجَاسَةٍ وَلَوْ أَمِنَ الضَّرَرَ) فَيُعْفَى عَنْ نَجَاسَةٍ بِعَيْنٍ، قِيلَ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ عَمِيَ مِنْ كَثْرَةِ إدْخَالِ الْمَاءِ عَيْنَيْهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَيَتَّجِهُ) احْتِمَالٌ (وَدَمْعُهُ) - أَيْ: مُتَنَجِّسِ الْعَيْنِ - (طَاهِرٌ) ، لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ. هَذَا الِاتِّحَادُ مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِهِمْ، إذْ الْقَاعِدَةُ: أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَعْجُوزَ عَنْ إزَالَتِهَا إنَّمَا يُعْفَى عَنْهَا مَا دَامَتْ فِي مَحَلِّهَا كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ. وَيُسْتَحَبُّ تَكْثِيرُ مَاءِ الْوَجْهِ لِأَنَّ فِيهِ غُضُونًا - جَمْعُ: غَضْنٍ، وَهُوَ: التَّثَنِّي - وَدَوَاخِلُ وَخَوَارِجُ، لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى جَمِيعِهِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «وَكَانَ يَتَعَاهَدُ الْمَاقَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَهُمَا تَثْنِيَةُ: الْمَاقِ: مَجْرَى الدَّمْعِ مِنْ الْعَيْنِ. (ثُمَّ) بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ يَغْسِلُ (يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ) ثَلَاثًا، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) مَعَ (أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ وَ) مَعَ (يَدٍ أَصْلُهَا بِمَحَلِّ الْفَرْضِ) ، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ

أَشْبَهَ الثُّؤْلُولَ. (أَوْ لَا) ، أَيْ: أَوْ كَانَتْ بِغَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، بِأَنْ تَدَلَّى لَهُ ذِرَاعَانِ بِيَدَيْنِ مِنْ الْعَضُدِ، (وَلَمْ تَتَمَيَّزْ) الزَّائِدَةُ مِنْهُمَا، فَيَغْسِلُهُمَا لِيَخْرُجَ مِنْ الْوُجُوبِ بِيَقِينٍ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَتْ إحْدَى يَدَيْهِ وَجَهِلَهَا. (وَ) مَعَ (أَظْفَارٍ) وَلَوْ طَالَتْ، لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِيَدِهِ خِلْقَةً فَدَخَلَتْ فِي مُسَمَّى الْيَدِ. (وَلَا يَضُرُّ وَسَخٌ يَسِيرٌ تَحْتَ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ) ، كَدَاخِلِ أَنْفِهِ (وَلَوْ مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ) ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ عَادَةً، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ مَعَهُ لَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. (وَأَلْحَقَ بِهِ) - أَيْ: بِالْوَسَخِ الْيَسِيرِ - (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (كُلَّ يَسِيرٍ مَنَعَ) وُصُولَ الْمَاءِ (كَدَمٍ وَعَجِينٍ فِي أَيِّ عُضْوٍ كَانَ) مِنْ الْبَدَنِ، وَاخْتَارَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا تَحْتَ الظُّفْرِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الشُّقُوقُ الَّتِي فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ. (وَمَنْ خُلِقَ بِلَا مِرْفَقٍ غَسَلَ إلَى قَدْرِهِ فِي غَالِبِ النَّاسِ) وُجُوبًا بِلَا نِزَاعٍ. (وَيَجِبُ غَسْلُ مَا) - أَيْ: جِلْدٍ - (الْتَحَمَ) بَعْدَ أَنْ كُشِطَ (مِنْ عَضُدٍ بِذِرَاعٍ) مُتَعَلِّقٌ ب " الْتَحَمَ " - لِأَنَّهُ صَارَ كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ (لَا عَكْسِهِ) ، بِأَنْ كُشِطَ جِلْدٌ مِنْ الذِّرَاعِ فَارْتَفَعَ حَتَّى تَدَلَّى مِنْ الْعَضُدِ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ وَإِنْ طَالَ، لِأَنَّهُ صَارَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، وَلَوْ تَقَلَّصَتْ جِلْدَةٌ مِنْ أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ وَالْتَحَمَ رَأْسُهَا بِالْآخَرِ؛ غَسَلَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْ ظَاهِرِهَا، وَالْمُتَجَافِي مِنْهُ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ مِنْ بَاطِنِهَا، وَغَسَلَ مَا تَحْتَهُ، لِأَنَّهَا كَالنَّاتِئَةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ يَدٌ زَائِدَةٌ أَصْلُهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَتَمَيَّزَتْ؛ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا، قَصِيرَةً كَانَتْ أَوْ طَوِيلَةً، (ثُمَّ يَمْسَحُ جَمِيعَ ظَاهِرِ رَأْسِهِ) مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ إلَى قَفَاهُ، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأْسِ وَبِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ، وَهُوَ يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ فِيهِ، فَكَذَا هُنَا إذْ لَا فَرْقَ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ جَمِيعَهُ، وَفِعْلُهُ

وَقَعَ بَيَانًا لِلْآيَةِ. وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، أَيْ: إلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْصَقُوا الْمَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ، أَيْ: الْمَسْحَ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ثَمَّ شَيْءٌ يُلْصَقُ، كَمَا يُقَالُ: مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ. وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ الْبَاءَ إذَا وَلِيَتْ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا أَفَادَتْ التَّبْعِيضَ فِي مَجْرُورِهَا لُغَةً: فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَلِإِنْكَارِ الْأَئِمَّةِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ دُرَيْدٍ وَابْنَ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاءِ تُبَعِّضُ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَ ابْنُ بُرْهَانَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَاءَ تُبَعِّضُ فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ. وَقَوْلُهُ: {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ: فَمِنْ بَابِ التَّضْمِينِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: يُرْوَى. وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ» ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الْعِمَامَةِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ. (وَ) لَا يَجِبُ مَسْحُ (مُسْتَرْسِلٍ) أَيْ: نَازِلٍ عَنْ الرَّأْسِ (مِنْ شَعْرٍ) ، لِعَدَمِ مُشَارَكَتِهِ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّس (وَلَا يُجْزِئُ) مَسْحُهُ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ (وَلَوْ رَدَّهُ) أَيْ: الْمُسْتَرْسِلَ (وَعَقَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ) - أَيْ: الرَّأْسِ - (وَلَوْ مَسَحَ الْبَشَرَةَ) فَقَطْ (مِنْ تَحْتِهِ) - أَيْ: تَحْتَ شَعْرِ الرَّأْسِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) حَتَّى يَمْسَحَ ظَاهِرَ الشَّعْرِ أَيْضًا، (ك) مَا لَا يُجْزِئُ (غَسْلُ بَاطِنِ لِحْيَةٍ) عَنْ ظَاهِرِهَا. (وَمَعَ فَقْدِ شَعْرٍ) بِرَأْسٍ (تُمْسَحُ بَشَرَةٌ) ، لِأَنَّهَا ظَاهِرُ الرَّأْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. (وَمَعَ فَقَدْ بَعْضِ) شَعْرِ رَأْسٍ (يُمْسَحَانِ) ، أَيْ: يُمْسَحُ الْبَاقِي مِنْ الشَّعْرِ وَتَمْسَحُ الْبَشَرَةُ الْخَالِيَةُ مِنْهُ. (إنْ نَزَلَ) شَعْرٌ (عَنْ مَنْبَتِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ مَحَلِّ فَرْضٍ فَمَسَحَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ وَلَوْ كَانَ مَا تَحْتَهُ) - أَيْ: تَحْتَ النَّازِلِ (مَحْلُوقًا) كَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ شَعْرِهِ فَوْقَ بَعْضٍ (وَلَا يُعْفَى عَنْ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ)

شَعْرِ الرَّأْسِ (بِلَا مَسْحٍ، وَلَوْ) كَانَ التَّرْكُ (لِلْمَشَقَّةِ) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ مُتَقَدِّمُهُمْ وَمُتَأَخِّرُهُمْ. وَإِنْ خَضَّبَ رَأْسَهُ بِمَا يَسْتُرُهُ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى خِرْقَةٍ فَوْقَ رَأْسِهِ، لِأَنَّ شَرْطَ الْوُضُوءِ إزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ وَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَلَقَهُ، أَوْ غَسَلَ عُضْوًا ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ جُزْءًا، أَوْ جِلْدَةً لَمْ يُؤَثِّرْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَمَّا تَحْتَهُ، بِخِلَافِ الْجَبِيرَةِ وَالْخُفِّ. وَإِنْ تَطَهَّرَ بَعْدَ حَلْقِ رَأْسِهِ، أَوْ قَطَعَ جُزْءًا أَوْ جِلْدَةً مِنْ عُضْوٍ، غَسَلَ أَوْ مَسَحَ مَا ظَهَرَ، لِأَنَّ الْحُكْمَ صَارَ لَهُ دُونَ الذَّاهِبِ. (وَهُوَ) - أَيْ: الرَّأْسُ - (مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ) ، أَيْ: مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا (إلَى مَا يُسَمَّى قَفًا) بِالْقَصْرِ، وَهُوَ: مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ، (وَالْبَيَاضُ فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ مِنْهُ) - أَيْ: الرَّأْسِ - فَيَجِبُ مَسْحُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (يُمِرُّ نَدْبًا يَدَيْهِ مِنْ مُقَدِّمِهِ) أَيْ الرَّأْسِ (إلَى قَفَاهُ) حَالَ كَوْنِهِ (وَاضِعًا طَرَفَ إحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى طَرَفِ الْأُخْرَى، وَ) وَاضِعًا (إبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ ثُمَّ يَرُدُّهُمَا) إلَى مُقَدِّمِهِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَرُدُّهُمَا، (وَلَوْ خَافَ نَشْرَ شَعْرِهِ) بِذَلِكَ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ (بِمَاءٍ وَاحِدٍ) ، فَلَا يَأْخُذُ لِلرَّدِّ مَاءً آخَرَ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (ثُمَّ) يَأْخُذُ مَاءً جَدِيدًا لِأُذُنَيْهِ، و (يُدْخِلُ سَبَّابَتَهُ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَيَمْسَحُ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا) ، لِمَا فِي النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأُذُنَيْهِ بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ، وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ» قَالَ فِي " الشَّرْحِ: " (وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ بِغَضَارِيفَ) ، لِأَنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ، فَالْأُذُنُ أَوْلَى، (وَيُجْزِئُ) الْمَسْحُ

لِلرَّأْسِ وَالْأُذُنِ (كَيْفَ مَسَحَ، وَ) يُجْزِئُ الْمَسْحُ أَيْضًا (بِحَائِلٍ) ، كَخِرْقَةٍ وَخَشَبَةٍ مَبْلُولَتَيْنِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] وَلَا يُجْزِئُ وَضْعُ يَدِهِ أَوْ نَحْوِ خِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ عَلَى رَأْسِهِ، أَوْ بَلَّ خِرْقَةً عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ مَسْحٍ. (وَ) يُجْزِئُ (غَسْلُهُ) - أَيْ: الرَّأْسِ (بِكَرَاهَةٍ بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ إنْ أَمَرَّ يَدَهُ) عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ «مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غُرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ، حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إلَى مُؤَخَّرِهِ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إلَى مُقَدَّمِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، لِعَدَمِ الْمَسْحِ، (وَكَذَا إنْ أَصَابَهُ) - أَيْ: الرَّأْسَ - (مَاءٌ) مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ، فَأَمَرَّ يَدَهُ لِوُجُودِ الْمَسْحِ بِمَاءٍ طَهُورٍ، وَالْأُذُنَانِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَرَأْسٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ مَسْحِ رَأْسٍ وَأُذُنٍ، وَلَا مَسْحُ عُنُقٍ. (ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ) مَرَّةً (وُجُوبًا) ، وَالْمُسْتَحَبُّ غَسْلُهُمَا ثَلَاثًا، (وَهُمَا: الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ فِي) أَسْفَلِ السَّاقِ مِنْ (جَانِبَيْ رِجْلِهِ) أَيْ: قَدَمِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْكَعْبُ هُوَ الَّذِي فِي أَصْلِ الْقَدَمِ مُنْتَهَى السَّاقِ، بِمَنْزِلَةِ كِعَابِ الْقَنَا. وقَوْله تَعَالَى {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] حُجَّةٌ لِذَلِكَ، أَيْ: كُلُّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إلَى الْكَعْبَيْنِ. وَلَوْ أَرَادَ جَمِيعَ الْأَرْجُلِ لَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، كَمَا قَالَ {إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] . وَيَصُبُّ الْمَاءَ بِيُمْنَى يَدَيْهِ عَلَى كِلْتَا رِجْلَيْهِ، وَيَغْسِلُهُمَا بِالْيُسْرَى نَدْبًا، (وَالْأَقْطَعُ مِنْ مَفْصِلِ مِرْفَقٍ) الْمَفْصِلُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ، وَالْمِرْفَقُ: بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَيَجُوزُ فَتْحُ الْمِيمِ وَكَسْرُ الْفَاءِ. (وَ) مِنْ مَفْصِلِ (كَعْبٍ يَغْسِلُ وُجُوبًا مَا بَقِيَ مِنْ طَرَفِ عَضُدٍ وَ) طَرَفِ (سَاقٍ) ، لِأَنَّهُ بَاقِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، (وَ) الْأَقْطَعُ (مِنْ دُونِهِمَا) ، أَيْ: دُونَ مَفْصِلِ مِرْفَقٍ وَكَعْبٍ، يَغْسِلُ مَا بَقِيَ

فصل ما يقوله من فرغ من وضوء وغسل

مِنْ مَحَلِّ فَرْضٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) الْأَقْطَعُ (مِنْ فَوْقِهِمَا) ، أَيْ: مَفْصِلِ مِرْفَقٍ وَكَعْبٍ. (سُنَّ) لَهُ (أَنْ يَمْسَحَ مَحَلَّ قَطْعٍ بِمَاءٍ) لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعُضْوُ عَنْ طَهَارَةٍ. (وَكَذَا) ، أَيْ: كَالْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ (تَيَمُّمٌ) ، فَالْأَقْطَعُ مِنْ مَفْصِلِ كَفٍّ يَمْسَحُ مَحَلَّ قَطْعٍ بِالتُّرَابِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دُونِهِ مَسَحَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ فَرْضٍ، وَمِنْ فَوْقِهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ مَسْحُ مَحَلِّ قَطْعٍ بِتُرَابٍ. وَإِنْ وَجَدَ أَقْطَعُ وَنَحْوُهُ مَنْ يُوَضِّئُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ وَقَدَرَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَوَجَدَ مَنْ يُيَمِّمُهُ لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَلَا إعَادَةَ، وَاسْتِنْجَاءٌ مِثْلُهُ، وَإِنْ تُبُرِّعَ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ [فَصْلٌ مَا يَقُولهُ مَنْ فَرَغَ مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ] (فَصْلٌ) (وَسُنَّ لِمَنْ فَرَغَ مِنْ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ رَفْعُ بَصَرِهِ) إلَى السَّمَاءِ (وَقَوْلُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِحَدِيثِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ يُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ " «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» ) " رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُد. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ " فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ " وَسَاقَ الْحَدِيثَ. (سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك) . لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَفَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ؛ طُبِعَ عَلَيْهَا بِطَابَعٍ، ثُمَّ رُفِعَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمْ تُكْسَرْ إلَى

يَوْمِ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ. قَالَ السَّامِرِيُّ: وَيَقْرَأُ سُورَةَ الْقَدْرِ ثَلَاثًا. وَالْحِكْمَةُ فِي خَتْمِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِالِاسْتِغْفَارِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ: أَنَّ الْعِبَادَ مُقَصِّرُونَ عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِنَّمَا يُؤَدُّونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَهُ، فَالْعَارِفُ يَعْرِفُ أَنَّ قَدْرَ الْحَقِّ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ يَسْتَحْيِي مِنْ عَمَلِهِ، وَيَسْتَغْفِرُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِيهِ، كَمَا يَسْتَغْفِرُ غَيْرُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَغَفَلَاتِهِ. قَالَ: وَالِاسْتِغْفَارُ يَرِدُ مُجَرَّدًا وَمَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ وَرَدَ مُجَرَّدًا دَخَلَ فِيهِ وِقَايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ الْمَاضِي بِالدُّعَاءِ وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ، وَوِقَايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ الْمُتَوَقَّعِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْهُ، وَهَذَا الِاسْتِغْفَارُ الَّذِي يَمْنَعُ الْإِصْرَارَ وَالْعُقُوبَةَ، وَإِنْ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ اخْتَصَّ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي، بَلْ كَانَ سُؤَالًا مُجَرَّدًا، فَهُوَ دُعَاءٌ مَحْضٌ. وَإِنْ صَحِبَهُ نَدَمٌ فَهُوَ تَوْبَةٌ، وَالْعَزْمُ عَلَى الْإِقْلَاعِ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ. (وَكُرِهَ كَلَامٌ حَالَةَ وُضُوءٍ) ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ: " وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ. (وَالْمُرَادُ) بِالْكَرَاهَةِ هُنَا: (تَرْكُ الْأَوْلَى) ، وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ. (وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ) : أَطْلَقَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هُوَ الشِّيرَازِيُّ أَوْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، (يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ، وَفِي الرِّعَايَةِ " وَرَدُّهُ) ، أَيْ: وَيُكْرَهُ رَدُّ الْمُتَوَضِّئِ السَّلَامَ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": مَعَ أَنَّهُ ذِكْرٌ. (وَفِي " الْفُرُوعِ " ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا يُكْرَهُ سَلَامٌ وَلَا رَدٌّ) وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ عَلَى طُهْرٍ أَكْمَلَ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: أُمُّ هَانِئِ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» . وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ (قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ

وَالْأَذْكَارُ الَّتِي تَقُولُهَا الْعَامَّةُ عَلَى الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ لَا أَصْلَ لَهَا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَفِيهِ حَدِيثٌ كُذِبَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. انْتَهَى) . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَحَذَفْت حَدِيثَ دُعَاءِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورِ فِي " الْمُحَرَّرِ " إذْ لَا أَصْلَ لَهُ، وَكَذَا قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ " وَفِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " أَيْ: لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَقِيلَ: بَلْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ، وَيُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ) . قَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ فِي تَارِيخِ ابْنِ حِبَّانَ " وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً لِلْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ. (وَيُبَاحُ لِمُتَطَهِّرٍ تَنْشِيفٌ) لِحَدِيثِ سَلْمَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ ثُمَّ قَلَبَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ ". وَتَرْكُهُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ لَمَّا أَتَتْهُ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ أَنْ اغْتَسَلَ " لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ مَعَ أَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ الْمِنْدِيلَ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهَا. (وَ) يُبَاحُ لَهُ (مُعِينٌ) ، لِحَدِيثِ «الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ أَفْرَغَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَضُوئِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَتَرْكُهُمَا) - أَيْ: التَّنْشِيفِ وَالْمُعَيَّنُ - (أَفْضَلُ) ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرَّغْبَةِ فِي الْعِبَادَةِ. (وَكُرِهَ نَفْضُ مَاءٍ) يَدَيْهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ الْمَعْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُحْتُرِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَلَا يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ بِيَدَيْهِ عَنْ بَدَنِهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ. (وَقَدْ يَجِبُ مُعِينٌ) لِمُتَوَضِّئٍ (وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ فِي حَقِّ نَحْوِ أَقْطَعَ) وَزَمِنٍ وَمَرِيضٍ عَاجِزٍ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُرِيدُ)

صَلَاةٍ (إلَّا مِنْ يُيَمِّمُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَا مَنْ يُيَمِّمُهُ، وَعَجَزَ عَنْ فِعْلِهِمَا بِنَفْسِهِ (صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ (وَيَتَّجِهُ وُجُوبُ تَنْشِيفٍ لِمُتَيَمِّمٍ) عَنْ جَبِيرَةٍ بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَيَلْزَمُهُ التَّنْشِيفُ، (لِضِيقِ وَقْتِ) صَلَاةٍ اسْتِدْرَاكًا لِلْوَقْتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَّ كَوْنُ مُعِينٍ عَنْ يَسَارِهِ) - أَيْ: الْمُتَوَضِّئِ - لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُ الْمَاءِ عِنْدَ الصَّبِّ، (كَإِنَاءِ وُضُوءٍ ضَيِّقِ الرَّأْسِ) فَيَجْعَلُهُ عَنْ يَسَارِهِ لِيَصُبَّ مِنْهُ بِهِ عَلَى يَمِينِهِ. (وَإِلَّا) يَكُنْ الْإِنَاءُ ضَيِّقَ الرَّأْسِ بَلْ كَانَ وَاسِعًا، فَيَجْعَلُهُ (عَنْ يَمِينِهِ) لِيَغْتَرِفَ مِنْهُ بِهَا. (وَمَنْ) (وُضِّئَ أَوْ غُسِّلَ أَوْ يُمِّمَ) - بِبِنَاءِ الثَّلَاثِ لِلْمَفْعُولِ - (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْمَفْعُولِ بِهِ، (مُطْلَقًا) أَيْ: لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَنَوَاهُ) (؛ صَحَّ) وُضُوءُهُ أَوْ غُسْلُهُ أَوْ تَيَمُّمُهُ، مُسْلِمًا كَانَ الْفَاعِلُ أَوْ كَافِرًا، لِوُجُودِ النِّيَّةِ وَلِوُجُودِ الْغُسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، و (لَا) يَصِحُّ وُضُوءُهُ أَوْ غُسْلُهُ أَوْ تَيَمُّمُهُ (إنْ أُكْرِهَ فَاعِلٌ) - أَيْ: مُوَضِّئٌ - أَوْ غَاسِلٌ أَوْ مُيَمِّمٌ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَ قِنَّهُ فَيَصِحُّ. وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ صَابٌّ لِلْمَاءِ. وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي الصِّحَّةَ إذَا أُكْرِهَ الصَّابُّ، لِأَنَّ الصَّبَّ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ، فَيُشْبِهُ الِاغْتِرَافَ بِإِنَاءٍ مُحَرَّمٍ. (أَوْ) أُكْرِهَ (مَفْعُولٌ) - أَيْ: مُتَوَضِّئٌ - عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، كَغُسْلٍ وَصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ، وَفَعَلَ ذَلِكَ الْمُكْرَهُ عَلَى فِعْلِهِ (لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ) فَلَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ، لِعَدَمِ وُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، (لَا) إنْ فَعَلَ ذَلِكَ (لِدَاعِي الشَّرْعِ) بِأَنْ نَوَى بِهِ التَّقَرُّبَ لِلَّهِ تَعَالَى فَتَصِحُّ لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ.

تتمة الوضوء هل هو من خصائص هذه الأمة

[تَتِمَّةٌ الْوُضُوءُ هَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ] تَتِمَّةٌ: اُخْتُلِفَ فِي الْوُضُوءِ: هَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ " فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهَا مُسْتَدِلِّينَ بِمَا فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدِ مِنْ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ» وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَا، وَإِنَّمَا الْمَخْصُوصُ بِهَا الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ فَقَطْ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِضَعْفِهِ وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْأَنْبِيَاءِ دُونَ أُمَمِهِمْ، لَا بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ فَفِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ: " لَمَّا رَمَوْهُ بِالْمَرْأَةِ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: هَذَا الرَّاعِي " وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَرَّ عَلَى الْجَبَّارِ وَمَعَهُ سَارَةُ، أَنَّهَا لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى الْجَبَّارِ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ وَدَعَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. [بَابٌ مَسْحُ الْخُفَّيْنِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا كَالْجُرْمُوقَيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ] (بَابٌ) (مَسْحُ الْخُفَّيْنِ) (وَمَا فِي مَعْنَاهَا) كَالْجُرْمُوقَيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ، وَكَذَا عِمَامَةٌ وَخِمَارٌ (فِي وُضُوءٍ لَا فِي غُسْلٍ وَلَوْ) كَانَ الْغُسْلُ (مَنْدُوبًا رُخْصَةٌ) ، وَهِيَ لُغَةً: السُّهُولَةُ، وَشَرْعًا: مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ، وَالْمُعَارِضُ الرَّاجِحُ هُوَ: فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلُ أَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَضِدُّهَا الْعَزِيمَةُ، وَهِيَ لُغَةً الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ، وَشَرْعًا: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ، وَالرُّخْصَةُ وَالْعَزِيمَةُ وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ. وَالْمَسْحُ (أَفْضَلُ مِنْ غَسْلٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا طَلَبُوا الْأَفْضَلَ. وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ

بِرُخَصِهِ» وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِأَهْلِ الْبِدَعِ. وَالْمَسْحُ (يَرْفَعُ الْحَدَثَ) ، لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ أَشْبَهَ الْغُسْلَ، (ولَا يُسَنُّ أَنْ يَلْبَسَ) خُفًّا وَنَحْوَهُ (لِيَمْسَحَ) عَلَيْهِ (كَالسَّفَرِ لِيَتَرَخَّصَ) " وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ، وَيَمْسَحُهُمَا إذَا كَانَتَا فِي الْخُفِّ " (وَيَتَّجِهُ وُجُوبُهُ) - أَيْ: الْمَسْحِ عَلَى نَحْوِ الْخُفِّ - (لِلَابِسٍ) لَمْ يَفْضُلْ (مَعَهُ) إلَّا مَاءٌ قَلِيلٌ بِقَدْرِ، (مَا يَكْفِي لِمَسْحٍ فَقَطْ) ، فَيَسْتَعْمِلُهُ وَيَمْسَحُ وُجُوبًا، وَلَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ خَلْعُهُ وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ، وَالتَّيَمُّمُ عَنْ الْبَاقِي، لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إتْمَامِ الْوُضُوءِ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ، فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَثِمَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ. (وَاحْتُمِلَ) وُجُوبُهُ عَلَى (تَارِكِهِ رَغْبَةً عَنْ السُّنَّةِ أَوْ شَكًّا فِي جَوَازِهِ) تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَرَدْعًا لَهُ عَمَّا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ مِنْ الْوَهْمِ الْفَاسِدِ وَالْخَيَالِ الْكَاسِدِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكُرِهَ لُبْسٌ) لِمَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ (لِمُدَافِعٍ نَحْوَ الْأَخْبَثَيْنِ) كَالرِّيحِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَكَذَلِكَ اللُّبْسُ الَّذِي يُرَادُ لِلصَّلَاةِ. وَرَدَّهُ فِي " الشَّرْحِ " بِأَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسَهُمَا عِنْدَ غَلَبَةِ النُّعَاسِ، وَالْفَارِقُ بَيْنَ اللُّبْسِ وَالصَّلَاةِ أَنَّ الصَّلَاةَ يُطْلَبُ فِيهَا الْخُشُوعُ، وَاشْتِغَالُ قَلْبِهِ بِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ يَذْهَبُ بِهِ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي اللُّبْسِ. (وَيَصِحُّ مَسْحٌ عَلَى خُفٍّ) فِي رِجْلَيْهِ، قَالَ الْحَسَنُ: «حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ» وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ شَيْءٌ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى - مِنْهَا حَدِيثُ جَرِيرٍ،

قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ، لِأَنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْأَبِيُّ: كَانَ إسْلَامُ جَرِيرٍ قَبْلَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَسِيرٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَاحْتِمَالُ تَحَمُّلِهِ حَالَ كُفْرِهِ وَإِنْ جَازَ بَعِيدٌ جِدًّا. (وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ (عَلَى جُرْمُوقٍ وَهُوَ: خُفٌّ قَصِيرٌ) ، وَيُسَمَّى أَيْضًا: الْمُوقُ، لِحَدِيثِ بِلَالٍ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ وَالْخِمَارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَالْخِمَارُ هُنَا: الْعِمَامَةُ، لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ الرَّأْسَ، وَلِأَبِي دَاوُد «كَانَ يَخْرُجُ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ» وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ بِلَالٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «امْسَحُوا عَلَى النَّصِيفِ وَالْمُوقِ» قَالَ فِي الصِّحَاحِ ": النَّصِيفُ: الْخِمَارُ. (وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا (عَلَى جَوْرَبٍ صَفِيقٍ) - أَيْ: رَقِيقٍ - (مِنْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ) ، كَقُطْنٍ وَوَبَرِ نَعْلٍ أَوْ لَا، لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ " أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَبِذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا غَيْرَ مَنْعُولَيْنِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ النَّعْلَيْنِ، إذْ لَا يُقَالُ: عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَلِيٌّ وَعَمَّارٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ وَابْنُ عُمَرَ وَالْبَرَاءُ وَبِلَالٌ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ. انْتَهَى وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخُفِّ، إذْ هُوَ مَلْبُوسٌ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، أَشْبَهَ الْخُفَّ، (حَتَّى لِزَمِنٍ) لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ لِعَاهَةٍ، (وَذِي سَلَسٍ) ، فَيَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى هَذِهِ الْحَوَائِلِ كَالسَّلِيمِ. (وَ) يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى نَحْوِ خُفٍّ (بِرِجْلٍ قُطِعَتْ

أُخْرَاهَا مِنْ فَوْقِ فَرْضِهَا) بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِذَا لَبِسَ مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ؛ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، (وَلَا) يَجُوزُ الْمَسْحُ لِمَنْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ مِنْ (تَحْتِهِ) أَيْ: تَحْتَ مَحَلِّ الْفَرْضِ، (وَغَسَلَهُ) ، أَيْ: غَسَلَ الْبَاقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، (وَأَرَادَ مَسْحَ خُفِّ الْأُخْرَى) فَلَا يَكْفِيهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الْأُخْرَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى الْمَقْطُوعَةِ وَالسَّالِمَةِ، وَمَسَحَهُمَا مَعًا جَازَ لِعَدَمِ الْمَانِعِ. (وَلَا) يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى نَحْوِ الْخُفَّيْنِ لِمُحْرِمٍ ذَكَرٍ (لَبِسَهُمَا لِحَاجَةٍ) إنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، كَالْمَرْأَةِ تَلْبَسُ الْعِمَامَةَ لِحَاجَةٍ، وَلِأَنَّ شَرْطَ الْمَمْسُوحِ إبَاحَتُهُ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي، وَهُمَا لَا يُبَاحَانِ لِلْمُحْرِمِ مُطْلَقًا بَلْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ. ، (وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ (عَلَى عِمَامَةٍ) لِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِمُسْلِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَسٌ وَأَبُو أُمَامَةَ، وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عُمَرَ " مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ " قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالتَّوْقِيتُ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ كَالتَّوْقِيتِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ. (وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى (جَبَائِرَ) جَمْعُ جَبِيرَةٍ نَحْوُ أَخْشَابٍ تُرْبَطُ عَلَى نَحْوِ كَسْرٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْضُدَ، أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، وَيَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا عَلَى (خُمُرِ نِسَاءٍ مُدَارَةً تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ) لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ " كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلِقَوْلِهِ

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ يَشُقُّ نَزْعُهُ، أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ، بِخِلَافِ الْوِقَايَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا فَتُشْبِهَ طَاقِيَّةَ الرَّجُلِ. (وَلَا) يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى (قَلَانِسَ) ، جَمْعُ: قَلَنْسُوَةٍ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ السِّينِ، أَوْ قُلْنُسِيَةٌ: بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ السِّينِ: مُبَطَّنَاتٌ تُتَّخَذُ لِلنَّوْمِ، وَمِثْلُهَا الدِّينَاتُ: قَلَانِسُ كِبَارٌ كَانَتْ الْقُضَاةُ تَلْبَسُهَا. قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، هِيَ عَلَى هَيْئَةِ مَا تَتَّخِذُهُ الصُّوفِيَّةُ الْآنَ، لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا، فَأَشْبَهَتْ الكلنة. (وَ) لَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى (لَفَائِفَ) جَمْعُ لِفَافَةٍ: مَا تُلَفُّ مِنْ خِرَقٍ وَنَحْوِهَا عَلَى الرِّجْلِ تَحْتَهَا نَعْلٌ أَوْ لَا، وَلَوْ مَعَ مَشَقَّةٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (وَشُرِطَ فِي مَمْسُوحٍ لُبْسُهُ بَعْدَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ بِمَاءٍ) ، لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَالطُّهْرُ الْمُطْلَقُ يُصْرَفُ إلَى الْكَامِلِ، وَأَيْضًا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلَتْهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. (وَلَوْ مَسَحَ فِيهَا عَلَى حَائِلٍ) ، بِأَنْ تَوَضَّأَ وُضُوءًا كَامِلًا مَسَحَ فِيهِ عَلَى نَحْوِ عِمَامَةٍ أَوْ جَبِيرَةٍ، ثُمَّ لَبِسَ نَحْوَ خُفٍّ، فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ رَافِعَةٌ لِلْحَدَثِ كَاَلَّتِي لَمْ يُمْسَحْ فِيهَا عَلَى حَائِلٍ، (أَوْ تَيَمَّمَ) فِي طَهَارَةٍ بِمَاءٍ (لِجُرْحٍ) فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ، ثُمَّ لَبِسَ نَحْوَ خُفٍّ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِتَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ بِمَاءٍ فِي الْجُمْلَةِ، (أَوْ كَانَ حَدَثُهُ) - أَيْ: لَابِسُ نَحْوِ خُفٍّ - (دَائِمًا) كَمُسْتَحَاضَةٍ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ،

وَتَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفًّا فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا كَامِلَةٌ فِي حَقِّهِ، وَلِأَنَّ الْمَعْذُورَ أَوْلَى بِالرُّخَصِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْجَبِيرَةَ كَغَيْرِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا وَضَعَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ نَزَعَهَا، وَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى خَلَعَ، ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ غَسْلِ الْأُخْرَى، لِتَكْمُلَ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ تَطَهَّرَ، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ لُبْسِهِ أَوْ بَعْدَهُ، قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الْقَدَمُ إلَى مَوْضِعِهَا، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ. وَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ مُحْدِثًا، أَوْ قَبْلَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ، ثُمَّ غَسَلَهُمَا فِيهِ أَوْ نَوَى جُنُبٌ وَنَحْوُهُ رَفْعَ حَدَثِهِ، ثُمَّ غَسَلَهُمَا وَأَدْخَلَهُمَا فِيهِ، ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ لَبِسَ الْعِمَامَةَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ، (فَتُرْفَعُ عِمَامَةٌ بَعْدَ كَمَالِ طَهَارَةٍ، ثُمَّ تُعَادُ) ، لِيُوجَدَ شَرْطُ الْمَسْحِ. (وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي: (إبَاحَتُهُ مُطْلَقًا) أَيْ: مَعَ الضَّرُورَةِ وَعَدَمِهَا، (فَلَا يَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى مَغْصُوبٍ وَ) لَا (حَرِيرٍ لِذَكَرٍ، وَ) لَا (نَقْدٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَلَوْ خَافَ بِنَزْعِهِ سُقُوطَ أَصَابِعِهِ مِنْ بَرْدٍ، لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ فَلَا تُسْتَبَاحُ بِالْمَعْصِيَةِ، كَمَا لَا يَسْتَبِيحُ الْمُسَافِرُ الرُّخَصَ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَكَذَا حَرِيرٌ لِرَجُلٍ وَمُذَهَّبٌ وَنَحْوُهُ. (وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ: (طَهَارَةُ عَيْنِهِ) - أَيْ: الْمَمْسُوحِ - (وَلَوْ فِي ضَرُورَةٍ، فَلَا يَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى جِلْدِ نَحْوِ مَيْتَةٍ) مِمَّا فَوْقَ الْهِرِّ خِلْقَةً، وَلَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ، وَلَوْ دُبِغَ وَذُكِّيَ حَيَوَانُهُ لِنَجَاسَتِهِ، (وَيَتَيَمَّمُ) مَنْ لَبِسَ سَاتِرًا نَجِسًا (مَعَ ضَرُورَةٍ بِنَزْعِهِ لِمَسْتُورٍ مِنْ مَحَلِّ فَرْضٍ) بِالنَّجَسِ مِنْ

رِجْلَيْنِ، أَوْ رَأْسٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ طَاهِرَ الْعَيْنِ وَتَنَجَّسَ بَاطِنُهُ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَبِيحُ بِهِ مَسَّ مُصْحَفٍ، وَلَا صَلَاةَ إلَّا بِغَسْلِهِ، أَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ (وَيُعِيدُ مَا صَلَّى بِهِ) - أَيْ: بِالنَّجِسِ - لِحَمْلِهِ النَّجَاسَةَ فِيهَا. (وَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى طَاهِرِ عَيْنٍ مُتَنَجِّسٍ، وَيَسْتَبِيحُ) بِهِ (مَسَّ مُصْحَفٍ وَنَحْوَ صَلَاةٍ) كَطَوَافٍ (إنْ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُ نَجَاسَةٍ) . وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: (أَنْ لَا يَصِفَ) نَحْوُ خُفٍّ (الْبَشَرَةَ) دَاخِلَهُ (لِصَفَائِهِ) كَالزُّجَاجِ الرَّقِيقِ (أَوْ خِفَّتِهِ) ، فَإِنْ وَصَفَ الْبَشَرَةَ لَمْ يَصِحَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ أَشْبَهَ النَّعْلَ. (وَ) الشَّرْطُ الْخَامِسُ: (سَتْرُ مَحَلِّ فَرْضٍ) ، فَإِنْ كَانَ فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ خَرْقٌ أَوْ غَيْرُهُ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، وَلَوْ مِنْ مَوْضِعِ الْخَرَزِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، (وَلَوْ) كَانَ سَتْرُ مَحَلِّ الْفَرْضِ (بِمُخَرَّقٍ أَوْ بِمُفَتَّقٍ، وَيَنْضَمُّ بِلُبْسِهِ) إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي السَّاتِرِ كَوْنُهُ صَحِيحًا، (أَوْ) كَانَ مَحَلُّ الْفَرْضِ (يَبْدُو بَعْضُهُ) مِنْ السَّاتِرِ (لَوْلَا شَدُّهُ) أَيْ: رَبْطُهُ (أَوْ شَرْجُهُ) ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ، كَالزُّرْبُولِ لَهُ سَاقٌ وَعُرًى يَدْخُلُ بَعْضُهَا فَيَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ فَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، أَشْبَهَ غَيْرَ ذِي الشَّرَجِ، فَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ بِلُبْسِهِ وَلَا غَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَبِيرًا كَانَ الْخَرْقُ أَوْ صَغِيرًا مِنْ مَحَلِّ الْخَرَزِ أَوْ غَيْرِهِ. (وَ) الشَّرْطُ السَّادِسُ: (ثُبُوتُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَعْلَيْنِ، وَيُمْسَحُ) عَلَيْهِ (إلَى خَلْعِهِمَا) مَا دَامَتْ الْمُدَّةُ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشَدِّهِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَيُمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَسُيُورِ النَّعْلَيْنِ قَدْرُ الْوَاجِبِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَصَاحِبُ " مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ

ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إجْزَاءُ الْمَسْحِ عَلَى أَحَدِهِمَا قَدْرَ الْوَاجِبِ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَذْهَبُ. . (وَ) الشَّرْطُ السَّابِعُ: (إمْكَانُ مَشْيٍ عُرْفًا بِمَمْسُوحٍ) لَا كَوْنُهُ يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. (وَ) الشَّرْطُ الثَّامِنُ: (أَنْ لَا يَكُونَ) الْخُفُّ (وَاسِعًا) بِحَيْثُ (يُرَى مِنْهُ بَعْضُ مَحَلِّ فَرْضٍ) ، لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، أَشْبَهَ الْمُخَرَّقَ الَّذِي لَا تَنْضَمُّ بِلُبْسِهِ، (وَلَا) يُشْتَرَطُ (كَوْنُهُ مُعْتَادًا فَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى جِلْدِ وَلِبَدٍ وَخَشَبَةٍ وَنَحْوِ حَدِيدٍ) كَنُحَاسٍ (وَزُجَاجٍ) لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ حَيْثُ أَمْكَنَ الْمَشْيُ فِيهِ. (وَ) شُرِطَ (فِي) مَسْحِ (عِمَامَةٍ) ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: (كَوْنُهَا مُحَنَّكَةً) ، أَيْ: مَدَارٌ مِنْهَا تَحْتَ الْحَنَكِ كَوْرٌ بِفَتْحِ الْكَافِ، أَوْ كُورَانٌ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَا، لِأَنَّ هَذِهِ عِمَامَةُ الْعَرَبِ، وَهِيَ أَكْثَرُ سِتْرًا، وَيَشُقُّ نَزْعُهَا. قَالَ الْقَاضِي: سَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، (أَوْ) كَوْنُهَا (ذَاتَ ذُؤَابَةٍ) ، بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَهِيَ: طَرَفُ الْعِمَامَةِ الْمُرْخَى مَجَازًا، وَأَصْلُهَا النَّاصِيَةُ، أَوْ مَنْبَتُهَا مِنْ الرَّأْسِ، وَشَعْرٌ فِي أَعْلَى نَاصِيَةِ الْفَرَسِ (إذْ غَيْرُهُمَا) أَيْ: غَيْرُ الْمُحَنَّكَةِ، وَذَاتُ الذُّؤَابَةِ (مَكْرُوهٌ) ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِي نَزْعِهَا كالكلنة وَلِأَنَّهَا تُشْبِهُ عَمَائِمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ. (وَ) الثَّانِي: كَوْنُهَا (عَلَى ذَكَرٍ لَا عَلَى أُنْثَى، وَلَوْ) كَانَ لُبْسُ الْأُنْثَى لَهَا (لِضَرُورَةٍ) كَبَرْدٍ أَوْ عَادَةٍ (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) عَلَى (خُنْثَى) مُشْكِلٍ (احْتِيَاطًا، فَلَا يَمْسَحُ) الْخُنْثَى (عِمَامَةً لَبِسَهَا) ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ أُنْثَى (وَلَا) يَمْسَحُ (خِمَارًا) تَخَمَّرَ بِهِ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ ذَكَرًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَ) الثَّالِثُ: (أَنْ تَسْتُرَ) الْعِمَامَةُ (غَيْرَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ) ، كَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ وَجَوَانِبِ الرَّأْسِ فَيُعْفَى عَنْهُ، بِخِلَافِ خَرْقِ الْخُفِّ، لِأَنَّ هَذَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، وَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، (وَلَا يَجِبُ مَسْحُهُ) - أَيْ: مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ - (مَعَهَا) أَيْ: الْعِمَامَةِ، لِأَنَّهَا نَابِتٌ عَنْ الرَّأْسِ فَانْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَيْهَا، وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا. (بَلْ يُسَنُّ) مَسْحُ مَا الْعَادَةُ كَشْفُهُ نَصًّا «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ» فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ لِلْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ شَرْطٌ رَابِعٌ، وَهِيَ: أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى عِمَامَةٍ مَغْصُوبَةٍ، أَوْ حَرِيرٍ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْخُفِّ، وَيَجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ دَوَائِرِهَا، لِأَنَّهَا أَحَدُ الْمَمْسُوحَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، فَأَجْزَأَ مَسْحُ بَعْضِهَا كَالْخُفِّ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْعِمَامَةِ قَلَنْسُوَةٌ يَظْهَرُ بَعْضُهَا، فَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالْعِمَامَةِ الْوَاحِدَةِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ". (وَإِنْ لَبِسَ لَابِسُ خُفٍّ عَلَيْهِ) خُفًّا (آخَرَ لَا بَعْدَ حَدَثٍ وَلَوْ مَعَ خَرْقِ أَحَدِهِمَا) ، صَحَّ مَسْحُهُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ مُطْلَقًا، وَعَلَى التَّحْتَانِيِّ إنْ كَانَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَ (لَا) يَصِحُّ الْمَسْحُ مَعَ خَرْقِ (كِلَيْهِمَا) - أَيْ: الْخُفَّيْنِ - وَلَوْ سِتْرًا، وَإِنْ كَانَا صَحِيحَيْنِ (صَحَّ مَسْحٌ عَلَى أَيُّهُمَا شَاءَ) ، وَإِذَا أَرَادَ مَسْحَ التَّحْتَانِيِّ (فَيُدْخِلُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْفَوْقَانِيِّ، وَيَمْسَحُ الْأَسْفَلَ) . (وَإِنْ نَزَعَ) لَابِسُ خُفَّيْنِ خُفًّا (مَمْسُوحًا لَزِمَ نَزْعُ الْآخَرِ) وَإِعَادَةُ الْوُضُوءِ، (وَ) إنْ لَبِسَ الْخُفَّ الْآخَرَ (بَعْدَ حَدَثٍ) فَإِنَّهُ (يَتَعَيَّنُ) عَلَيْهِ (مَسْحُ الْأَسْفَلِ) ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَإِنْ نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ مَسْحِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. (وَلَا يَضُرُّ) (قَشْطُ ظِهَارَةِ) - بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ ضِدُّ الْبِطَانَةِ - (خُفٍّ مَسَحَ) عَلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ، لِبَقَاءِ سَتْرِ الْمَحَلِّ، وَكَالْمُتَوَضِّئِ إذَا حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ. (وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا صَحِيحًا لَا مُخَرَّقًا عَلَى

فصل مدة المسح على الخفين

لِفَافَةٍ جَازَ مَسْحُهُ) ، فَإِنْ كَانَ الْخُفُّ مُخَرَّقًا لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَتَرَتْ اللِّفَافَةُ مَحَلَّ الْفَرْضِ، وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ (وَجُرْمُوقًا فِي) الرِّجْلِ (الْأُخْرَى جَازَ مَسْحُهُمَا) ، أَيْ: الْخُفِّ وَالْجُرْمُوقِ. (وَ) إنْ لَبِسَ (عِمَامَةً فَوْقَ أُخْرَى قَبْلَ حَدَثٍ مَسَحَ الْعُلْيَا الَّتِي بِصِفَةِ السُّفْلَى) ، أَيْ: بِأَنْ كَانَتْ مُبَاحَةً سَاتِرَةً لِمَحَلِّ الْفَرْضِ مُحَنَّكَةً، أَوْ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ، وَإِلَّا تَكُنْ الْعُلْيَا بِصِفَةِ السُّفْلَى، كَمَا لَوْ تَرَكَ فَوْقَهَا مِنْدِيلًا فَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِمَامَةٍ. [فَصْلٌ مُدَّةُ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] فَصْلٌ (وَيَمْسَحُ مُقِيمٌ مُطْلَقًا) مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا، (وَعَاصٍ بِسَفَرِهِ) كَآبِقٍ (يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ إلَى مِثْلِهِ) أَيْ: مِثْلِ وَقْتِ ابْتِدَاءِ الْحَدَثِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (وَيَتَّجِهُ: وَأَوَّلُهُ) - أَيْ: أَوَّلُ ابْتِدَاءِ الْمَسْحِ - (دُخُولُ وَقْتٍ لِكُلٍّ دَائِمٍ حَدَثٍ) تَطَهَّرَ قَبْلَهُ، إذْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ فَيَبْتَدِئُ الْمُدَّةَ مِنْ حِينَئِذٍ، (أَوْ) مِنْ حِينِ (نُقِضَ بِ) طُرُوءِ نَاقِضٍ (غَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ الْحَدَثِ الدَّائِمِ فَعَلَى فَرْضِ صِحَّةِ هَذَا الِاتِّجَاهِ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ وُضُوءُ دَائِمِ الْحَدَثِ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُ يَأْتِي فِي بَابِ الْحَيْضِ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ إنْ خَرَجَ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَلَا. (وَ) يَمْسَحُ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ

بِلَيَالِيِهِنَّ مَنْ بِسَفَرِ قَصْرٍ لَمْ يَعْصِ بِهِ) - أَيْ: بِالسَّفَرِ - بِأَنْ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ، وَلَوْ عَصَى فِيهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (أَوْ) - أَيْ: وَيَمْسَحُ ثَلَاثَةً بِلَيَالِيِهِنَّ مَنْ (سَافَرَ) سَفَرَ قَصْرٍ مُبَاحًا (بَعْدَ حَدَثٍ) وَ (قَبْلَ مَسْحٍ وَيَتَّجِهُ: وَفَارَقَ الْبِنَاءَ) وَأَمَّا لَوْ مَسَحَ فِي أَثْنَاءِ الْبِنَاءِ الْمَنْسُوبِ لِلْبَلْدَةِ الَّتِي سَافَرَ مِنْهَا، فَلَا يَتَجَاوَزُ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَخْلَعُ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ) مِنْ ابْتِدَاءِ حَدَثٍ، (وَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ فِيهَا) أَيْ: الْمُدَّةِ لِفَرَاغِهَا وَمَا لَمْ يُحْدِثْ، فَلَا تُحْسَبُ الْمُدَّةُ، فَلَوْ أَقَامَ عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ، اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ الْمُدَّةَ، وَلَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَخَافَ النَّزْعَ لِنَحْوِ مَرَضٍ أَوْ تَضَرُّرِ رَفِيقِهِ بِسَفَرٍ بِانْتِظَارِهِ أَوْ اشْتَغَلَ بِنَزْعِ نَحْوِ خُفٍّ تَيَمَّمَ، فَإِنْ مَسَحَ وَصَلَّى أَعَادَ. (وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ) ؛ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ. (وَيَتَّجِهُ) أَنْ تَكُونَ إقَامَتُهُ (إقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ) ، كَكَوْنِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ، أَوْ يَنْوِي بِإِقَامَتِهِ هَذَا الْقَدْرَ، وَلَوْ لَمْ يُقِمْ فَيُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ إنْ بَقِيَ مِنْ مُدَّتِهِ شَيْءٌ وَإِلَّا خَلَعَ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ) مَسَحَ (مُقِيمًا) أَقَلَّ مِنْ مُدَّتِهِ (ثُمَّ سَافَرَ) ، لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ، (أَوْ شَكَّ) مَاسِحٌ سَافَرَ (فِي ابْتِدَائِهِ) - أَيْ: الْمَسْحِ - بِأَنْ لَمْ يَدْرِ أَمَسَحَ مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا؟ (لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ) لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، (فَيَخْلَعُ) الْخُفَّ وَنَحْوَهُ (فِي الْحَالِ مُسَافِرٌ مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ أَقَامَ) لِانْقِطَاعِ سَفَرِهِ، (وَلَوْ صَلَّى) مُسَافِرٌ مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، (فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَائِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - بَطَلَتْ، لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ، (وَكَذَا لَوْ

كَانَ فِي سَفِينَةٍ) ، وَتَلَبَّسَ فِي صَلَاةٍ بَعْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، (فَدَخَلَ) مَحَلَّ الْإِقَامَةِ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ - بَطَلَتْ فِي الْأَشْهَرِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ " (وَ) إنْ تَوَضَّأَ (شَاكٌّ فِي بَقَاءِ مُدَّةِ) الْمَسْحِ، (فَلَا يَمْسَحُ) مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا مَا دَامَ الشَّكُّ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ، (فَإِنْ مَسَحَ) مَعَ الشَّكِّ (فَبَانَ بَقَاؤُهَا) أَيْ: الْمُدَّةِ؛ (صَحَّ) وُضُوءُهُ، لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ (وَلَا) يُصَلِّي بِهِ (قَبْلَ تَبَيُّنِ) بَقَاءِ الْمُدَّةِ، (فَإِنْ فَعَلَ) إذَنْ (أَعَادَ) ، وَإِنْ لَمْ يُتَبَيَّنْ بَقَاؤُهَا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ. (وَيَجِبُ مَسْحُ دَوَائِرِ أَكْثَرِ الْعِمَامَةِ) ، لِأَنَّهَا أَحَدُ الْمَمْسُوحَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، فَأَجْزَأَ مَسْحُ بَعْضِهِ كَالْخُفِّ، وَ (لَا) يَلْزَمُ مَسْحُ (وَسَطِهَا) ، بَلْ وَلَا يَكْفِي، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ أَسْفَلَ الْخُفِّ، (وَ) يَجِبُ مَسْحُ (أَكْثَرِ أَعْلَى نَحْوِ خُفٍّ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَسُنَّ) مَسْحُهُ (بِأَصَابِعِ يَدَيْهِ مُفَرَّجَةً مِنْ أَصَابِعِهِ) - أَيْ: أَصَابِعِ قَدَمِهِ - إلَى سَاقِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً مَعًا، مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ " عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ مَسَحَ أَعْلَاهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً» (وَفِي " التَّلْخِيصِ ") وَ " التَّرْغِيبِ " (يُسَنُّ تَقْدِيمُ يُمْنَى عَلَى يُسْرَى) ، وَحَكَاهُ فِي " الْمُبْدِعِ " عَنْ " الْبُلْغَةِ " وَقَالَ: حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمٌ. (وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ) أَيْ: الْخُفِّ - إنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قَوْلًا وَاحِدًا (وَلَا يُسَنُّ) مَسْحُهُمَا مَعَ أَعْلَى الْخُفِّ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ " لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَقَدْ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ ظَاهِرَ خُفَّيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَحُكْمُ مَسْحِهِ) - أَيْ: الْخُفِّ - (بِأُصْبُعٍ أَوْ) أَكْثَرَ أَوْ (بِحَائِلٍ) ، كَخِرْقَةٍ وَخَشَبَةٍ مَبْلُولَتَيْنِ، (وَحُكْمُ غَسْلِهِ كَرَأْسٍ) فِي

فصل انتقض بعض عمامة أو انقضت مدة مسح في المسح على العمائم والجبائر

وُضُوءٍ، وَلَوْ مَسَحَ مِنْ سَاقٍ الْخُفِّ لِأَصَابِعِهِ أَجْزَأَ، (وَكُرِهَ غَسْلُ) الْخُفِّ لِعُدُولِهِ عَنْ الْمَأْمُورِ، وَلِأَنَّهُ مَظِنَّةُ إفْسَادِهِ، (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (تَكْرَارُ مَسْحِ) الْخُفِّ: بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، اسْمُ مَصْدَرٍ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى غَسْلِهِ. [فَصْلٌ انْتَقَضَ بَعْضُ عِمَامَةٍ أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحٍ فِي الْمَسْح عَلَى الْعَمَائِم وَالْجَبَائِر] (فَصْلٌ) (وَمَتَى ظَهَرَ) بَعْدَ حَدَثٍ وَقَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةٍ مِنْ عِمَامَةٍ مَمْسُوحَةٍ (بَعْضُ رَأْسٍ، وَفَحُشَ) - أَيْ: كَثُرَ - (أَوْ انْتَقَضَ بَعْضُ عِمَامَةٍ، وَلَوْ) كَانَ الْمُنْتَقَضُ مِنْهَا (كَوْرًا وَاحِدًا) ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، أَشْبَهَ نَزْعَ الْخُفِّ. (أَوْ ظَهَرَ بَعْضُ قَدَمٍ) ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، (أَوْ خَرَجَ) الْقَدَمُ (إلَى سَاقٍ) نَحْوِ (خُفٍّ) ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، (لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا) - أَيْ: الْقَدَمِ - (فِيهِ) - أَيْ: الْخُفِّ - (إذَنْ) ، أَيْ: وَقْتَ خُرُوجِهَا إلَى سَاقِهِ، (أَوْ انْقَطَعَ دَمِ نَحْوِ مُسْتَحَاضَةٍ) ، كَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ، اُسْتُؤْنِفَتْ الطَّهَارَةُ، لِأَنَّ طَهَارَتَهَا إنَّمَا صَحَّتْ لِلْعُذْرِ، فَإِذَا زَالَ بَطَلَتْ عَلَى الْأَصْلِ، كَمَنْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ وَعُوفِيَ مِنْهُ (أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحٍ، وَلَوْ) كَانَ انْقِضَاؤُهَا، أَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ (فِي نَحْوِ صَلَاةٍ) ، كَطَوَافٍ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (وَاسْتَأْنَفَ طَهَارَةً) أُخْرَى إذَا أَرَادَ فِعْلَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ طَهَارَتَهُ مُؤَقَّتُهُ فَبَطَلَتْ بِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا، كَخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْمُتَيَمِّمِ، (وَلَوْ لَمْ تَفُتْ مُوَالَاةٌ) ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَعَلَى أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي النَّقْضِ، فَإِذَا خَلَعَ عَادَ الْحَدَثُ إلَى الْعُضْوِ الَّذِي مُسِحَ الْحَائِلُ عَنْهُ فَيَسْرِي إلَى بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ فَيَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ قَرُبَ الزَّمَنُ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: إنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ. (وَيَمْسَحُ جَمِيعَ جَبِيرَةٍ) لَمْ تَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ بِشَدِّهَا (إلَى حَلِّهَا)

أَوْ بُرْءِ مَا تَحْتَهَا (وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا) أَيْ: الْجَبِيرَةِ - (عَزِيمَةٌ فَتُمْسَحُ بِسَفَرِ مَعْصِيَةٍ، وَفِي نَحْوِ حَدَثٍ أَكْبَرَ) ، كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ، (إذَا وُضِعَتْ عَلَى طَهَارَةٍ، وَلَمْ تَتَجَاوَزْ الْمَحَلَّ) بِشَدِّهَا (إلَّا بِمَا لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْجَبِيرَةِ عَلَيْهِ) مِنْ الصَّحِيحِ، (لِأَنَّهَا إنَّمَا تُوضَعُ عَلَى طَرَفَيْ الصَّحِيحِ) لِيَسْتَوْعِبَ الشَّدُّ جَمِيعَهَا. (وَ) لَوْ وُضِعَتْ (عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَخِيفَ) مِنْ (نَزْعِهَا، كَفَاهُ تَيَمُّمٌ) عَنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (فَلَوْ عَمَّتْ) الْجَبِيرَةُ (مَحَلَّهُ) - أَيْ: التَّيَمُّمِ - (مُسِحَتْ بِمَاءٍ) وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ، (وَ) لَوْ وُضِعَتْ (عَلَى طَهَارَةٍ وَجَاوَزَتْ الْمَحَلَّ وَخِيفَ نَزْعُهَا تَيَمَّمَ لِزَائِدٍ) عَلَى مَحَلِّ الْحَاجَةِ، (وَمُسِحَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (غَيْرُهُ) ، وَهُوَ مَا جَاوَزَ مَحَلَّ الْحَاجَةِ، (وَغُسْلٌ صَحِيحٌ) ، فَيَجْتَمِعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْغُسْلُ وَالْمَسْحُ وَالتَّيَمُّمُ، (وَدَوَاءٌ) لُصِقَ عَلَى جُرْحٍ أَوْ وُضِعَ (وَلَوْ قَارًا) جُعِلَ (فِي شَقِّ) رِجْلٍ وَنَحْوِهَا كَمِرَارٍ أَلْقَمَهَا أُصْبُعَهُ الْمُتَأَلِّمَةَ (وَخِيفَ) ضَرَرٌ (بِقَلْعِهِ كَجَبِيرَةٍ) إذَا وَضَعَهَا عَلَى طَهَارَةٍ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا. (وَحُكْمُ زَوَالِهَا) أَيْ: الْجَبِيرَةِ - (كَ) حُكْمِ خَلْعِ (خُفٍّ) ، وَكَذَا بُرْدُهَا، لِأَنَّ مَسْحَهَا بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَهَا، (وَلَوْ) كَانَ زَوَالُهَا (قَبْلَ بُرْءِ جُرْحٍ أَوْ كَسْرٍ إلَّا فِي) الطَّهَارَةِ (الْكُبْرَى، فَيُجْزِئُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا، لِعَدَمِ وُجُوبِ مُوَالَاةٍ) فِيهَا، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَك أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ بَلْ عَلَى رَفْعِ الْمَسْحِ لِلْحَدَثِ وَعَدَمِ تَبَعُّضِهِ، وَإِذَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. (وَيَتَّجِهُ أَوْ) إلَّا إذَا زَالَتْ الْجَبِيرَةُ أَوْ بَرِئَتْ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهَا (فِي) طَهَارَةٍ (صُغْرَى مَعَ قَصْرِ فَصْلٍ) ، فَيُجْزِئُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا، وَلَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ لِبَقَاءِ الْمُوَالَاةِ بِحَالِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَيَحْرُمُ الْجَبْرُ بِجَبِيرَةٍ نَجِسَةٍ كَجِلْدِ

باب نواقض الوضوء

الْمَيْتَةِ وَالْخَرِقَةِ النَّجِسَةِ وَالْخُفِّ النَّجِسِ، وَكَذَا الْحَرِيرُ لِذَكَرٍ وَبِمَغْصُوبٍ وَالْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَكَذَا الصَّلَاةُ فِيهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. [بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ] (نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ) جَمْعُ: نَاقِضَةٍ بِمَعْنَى نَاقِضٍ، إنْ قِيلَ لَا يُجْمَعُ فَاعِلٌ عَلَى فَوَاعِلَ وَصْفًا مُطْلَقًا، وَشَذَّ فَوَارِسُ وَهَوَالِكُ وَنَوَاكِسُ فِي فَارِسٍ وَهَالِكٍ وَنَاكِسٍ، خَصَّهُ ابْنُ مَالِكٍ وَطَائِفَةٌ بِمَا إذَا كَانَ وَصْفًا لِعَاقِلٍ، وَمَا هُنَا لَيْسَ مِنْهُ، يُقَالُ: نَقَضْتُ الشَّيْءَ إذَا أَفْسَدْتَهُ، وَالنَّقْضُ حَقِيقَةً فِي الْبِنَاءِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعَانِي مَجَازٌ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ، وَنَقْضِ الْعِلَّةِ، وَعَلَاقَتُهَا الْإِبْطَالُ. (وَهِيَ مُفْسِدَاتُهُ) أَيْ: الْوُضُوءِ (ثَمَانِيَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ: (أَحَدُهَا: الْخَارِجُ مِنْ سَبِيلٍ إلَى مَا) هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، (يَلْحَقُهُ حُكْمُ تَطْهِيرٍ) مِنْ حَدَثٍ وَخَبَثٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ» . الْحَدِيثَ، «وَقَوْلُهُ فِي الْمَذْيِ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» وَقَوْلُهُ «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَقَوْلُهُ: يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ مُخْرِجٌ لِبَاطِنِ فَرْجِ الْأُنْثَى إنْ قُلْنَا: هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ تَطْهِيرُهُ لِلْمَشَقَّةِ، (وَلَوْ) كَانَ الْخَارِجُ (بِظُهُورِ مَقْعَدَةٍ عُلِمَ بَلَلُهَا) نَصًّا، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بَلَلُهَا فَلَا نَقْضَ، أَوْ كَانَ طَرَفَ مُصْرَانٍ أَوْ رَأْسَ دُودَةٍ، نُقِضَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". (أَوْ) كَانَ الْخَارِجُ (نَادِرًا كَرِيحٍ مِنْ قُبُلٍ) ، وَحَصَى مِنْ دُبُرٍ، فَيُنْقَضُ كَالْمُعْتَادِ، وَهُوَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَالرِّيحُ مِنْ الدُّبُرِ، لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ

يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: أَسَانِيدُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، فَأَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَدَمُهَا غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ، فَأَشْبَهَ الْمُعْتَادَ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ حَدَثٍ أَوْ رِيحٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يَشْمَلُ الرِّيحَ مِنْ الْقُبُلِ وَالْحَصَاةَ تَخْرُجُ مِنْ دُبُرٍ نَجِسَةٍ، (أَوْ) كَانَ (طَاهِرًا كَمَنِيٍّ) وَوَلَدٍ بِلَا دَمٍ فَيُنْقَضُ، (أَوْ) كَانَ (مُقَطَّرًا) - بِفَتْحِ الطَّاءِ مُشَدَّدَةً - بِأَنْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا، ثُمَّ خَرَجَ فَيُنْقَضُ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ بَلَّةٍ نَجِسَةٍ تَصْحَبُهُ، وَيَنْجَسُ لِنَجَاسَةِ مَا لَاقَاهُ، قَطَعَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ ". (أَوْ) كَانَ (مُحْتَشًّا) ، بِأَنْ احْتَشَى قُطْنًا أَوْ نَحْوَهُ فِي دُبُرِهِ أَوْ فِي قُبُلِهِ (وَابْتَلَّ) ، ثُمَّ خَرَجَ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ سَوَاءٌ كَانَ طَرَفُهُ خَارِجًا أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ إنْ لَمْ يَبْتَلْ لَا يُنْقَضُ. قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَ " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ "، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ "، وَابْنُ عُبَيْدَانَ قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَثَانَةِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ، وَلَمْ يَصْحَبْهُ نَجَاسَةٌ فَلَمْ يُنْقَضْ انْتَهَى. وَمُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمُحْتَشَى فِي دُبُرِهِ يَنْقُضُ إذَا خَرَجَ مُطْلَقًا (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " - حَيْثُ قَالَ: فَلَوْ احْتَمَلَ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ قُطْنًا أَوْ مِيلًا، ثُمَّ خَرَجَ وَلَوْ بِلَا بَلَلٍ نَقَضَ. وَمَا قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ "، وَصَوَّبَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ "، وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " يُسَاعِدُهُ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (أَوْ) أَنْزَلَ بِوَطْئِهِ دُونَ فَرْجٍ (مَنِيًّا) ، ثُمَّ (دَبَّ) الْمَنِيُّ إلَى الْفَرْجِ، ثُمَّ خَرَجَ نَقَضَ، (أَوْ اسْتَدْخَلَ) الْمَنِيَّ بِنَحْوِ قُطْنَةٍ فِي فَرْجٍ، ثُمَّ خَرَجَ نَقَضَ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ لَا يَخْلُو

عَنْ بَلَّةٍ تَصْحَبُهُ مِنْ الْفَرْجِ، وَالْحُقْنَةُ إنْ خَرَجَتْ مِنْ الْفَرْجِ، أَوْ أَدْخَلَ الْحَاقِنُ أَوْ الْمُحْتَقِنُ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ فِي دُبُرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ نَقَضَ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ. وَ (لَا) يَنْقُضُ (خَارِجٌ) إنْ كَانَ (دَائِمًا، كَدَمِ اسْتِحَاضَةٍ) وَسَلَسِ بَوْلٍ وَنَحْوِهِ لِلضَّرُورَةِ، (وَلَا) يَنْقُضُ (يَسِيرُ نَجَسٍ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْ) - أَيْ: قُبُلَيْ - (خُنْثَى مُشْكِلٍ غَيْرَ بَوْلٍ وَغَائِطٍ) لِلشَّكِّ فِي النَّاقِضِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، فَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ كَثِيرًا أَوْ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا أَوْ خَرَجَ النَّجَسُ أَوْ الطَّاهِرُ مِنْهُمَا مَعًا نَقَضَ، (وَلَا إنْ صَبَّ دُهْنًا فِي أُذُنِهِ فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا أَوْ) خَرَجَ (مِنْ فَمِهِ) ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ طَاهِرٍ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ، أَشْبَهَ الْبُصَاقَ. (وَمَتَى انْسَدَّ الْمَخْرَجُ) الْمُعْتَادُ وَلَوْ خِلْقَةً، (وَانْفَتَحَ غَيْرُهُ، وَلَوْ) كَانَ الْمُنْفَتِحُ (أَسْفَلَ الْمَعِدَةِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ) - أَيْ: الْمُنْفَتِحِ - (حُكْمُ) الْمَخْرَجِ (الْمُعْتَادِ؛ فَلَا نَقْضَ بِرِيحٍ مِنْهُ، وَلَا بِمَسِّهِ) ، وَلَا بِخُرُوجٍ يَسِيرٍ نَجَسٍ غَيْرَ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، (وَلَا يُجْزِئُ فِيهِ اسْتِجْمَارٌ، وَلَا غَسْلٌ بِإِيلَاجٍ فِيهِ) بِلَا إنْزَالٍ، (وَأَحْكَامُ الْمَخْرَجِ الْمُنْسَدِّ بَاقِيَةٌ) لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (وَفِي " النِّهَايَةِ " إلَّا أَنْ يَكُونَ سُدَّ خِلْقَةً، فَسَبِيلُ الْحَدَثِ الْمُنْفَتِحِ وَالْمَسْدُودِ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ خُنْثَى انْتَهَى) كَلَامُ " النِّهَايَةِ ". (وَيَتَّجِهُ: وَهُوَ) - أَيْ: كَلَامُ " النِّهَايَةِ " - (حَسَنٌ إنْ كَانَ الْمُنْفَتِحُ أَسْفَلَ الْمَعِدَةِ) مَعَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْمُنْفَتِحِ أَحْكَامُ الْمُعْتَادِ مُطْلَقًا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَمَا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ مَرْجُوحٌ. (الثَّانِي) مِنْ النَّوَاقِضِ: (خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْ بَاقِي الْبَدَنِ) غَيْرَ

السَّبِيلَيْنِ: (فَبَوْلٌ وَغَائِطٌ يَنْقُضُ مُطْلَقًا) ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، (وَغَيْرُهُمَا) - أَيْ: غَيْرُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ - (كَدَمٍ وَقَيْحٍ وَقَيْءٍ، وَلَوْ) خَرَجَ الْقَيْءُ (بِحَالِهِ) بِأَنْ شَرِبَ نَحْوَ مَاءٍ وَقَذَفَهُ بِصِفَتِهِ، لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ بِوُصُولِهِ إلَى الْجَوْفِ لَا بِاسْتِحَالَتِهِ، (لَمْ يَنْقُضُ إلَّا مَا فَحَشَ فِي نَفْسِ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ) ، رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الْخَلَّالُ: الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْفَاحِشَ: مَا يَسْتَفْحِشُهُ كُلُّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ حَالِ الْإِنْسَانِ بِمَا يَسْتَفْحِشُهُ غَيْرُهُ حَرَجٌ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا. وَبِالنَّقْضِ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ الْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ، لِحَدِيثِ مَعْدَانُ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاءَ فَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: صَدَقَ: أَنَا سَكَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: حَدِيثُ ثَوْبَانَ ثَبَتَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. (وَلَوْ) كَانَ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ الْفَاحِشَةِ مِنْ بَاقِي الْبَدَنِ (بِقُطْنَةٍ) أَوْ خِرْقَةٍ، (أَوْ) كَانَ (بِمَصِّ نَحْوِ عَلَقٍ) كَقُرَادٍ، إذْ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمُعَالَجَةٍ لَا أَثَرَ لَهُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَعَدَمِهِ. وَ (لَا) يَنْقُضُ مَا خَرَجَ بِمَصٍّ (نَحْوِ بَعُوضٍ) كَذُبَابٍ وَقَمْلٍ وَبَرَاغِيثَ لِقِلَّتِهِ، وَمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ، وَفِي " حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ ": الْبَعُوضُ: صِغَارُ الْبَقِّ. (وَلَا يَنْقُضُ بَلْغَمُ مَعِدَةٍ وَصَدْرٌ وَرَأْسٌ لِطَهَارَتِهِ) كَالْبُصَاقِ وَالنُّخَامَةِ، لِأَنَّهَا تُخْلَقُ مِنْ الْبَدَنِ، (وَلَا) يَنْقُضُ أَيْضًا (جُشَاءُ نَصًّا) ، وَهُوَ: الْقَلَسُ - بِالتَّحْرِيكِ، وَقِيلَ: بِسُكُونِ اللَّامِ -: مَا خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ مِلْءَ الْفَمِ أَوْ دُونَهُ، وَلَيْسَ بِقَيْءٍ، لَكِنَّهُ حُكْمُهُ فِي النَّجَاسَةِ، فَإِنْ عَادَ فَهُوَ قَيْءٌ. . (الثَّالِثُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (زَوَالُ عَقْلٍ) بِجُنُونٍ أَوْ بِرْسَامٍ كَثِيرًا كَانَ

أَوْ قَلِيلًا، وَهُوَ غَرِيزَةٌ كَالنُّورِ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ فَيَسْتَعِدُّ لِإِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ فَيَعْلَمُ وُجُوبَ الْوَاجِبَاتِ، وَجَوَازَ الْجَائِزَاتِ، وَاسْتِحَالَةَ الْمُسْتَحِيلَاتِ، وَيَتَلَمَّحُ بِهِ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ، وَذَلِكَ النُّورُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ. (أَوْ تَغْطِيَتُهُ) - أَيْ: الْعَقْلِ - (بِإِغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ) ، أَوْ دَوَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": إجْمَاعًا عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَشْعُرُونَ بِحَالٍ (حَتَّى بِنَوْمٍ) ، وَهُوَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةُ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ يَرْفَعُهُ «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اُسْتُطْلِقَ الْوِكَاءُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَالسَّهُ: حَلْقَةُ الدُّبُرِ. وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْحَدِيثَيْنِ، فَقَالَ: حَدِيثُ عَلِيٍّ أَثْبَتُ وَأَقْوَى. وَفِي إيجَابِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِهِ بِمَا هُوَ آكَدُ مِنْهُ كَالْجُنُونِ وَالسُّكْرِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: (وَلَوْ تَلَجَّمَ) عَلَى الْمَخْرَجِ (فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ) إلْحَاقًا بِالْغَالِبِ، (إلَّا نَوْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُطْلَقًا) ، أَيْ: كَثِيرًا كَانَ أَوْ يَسِيرًا، لِأَنَّ نَوْمَهُ كَانَ يَقَعُ عَلَى عَيْنَيْهِ دُونَ قَلْبِهِ كَمَا صَحَّ عَنْهُ، وَقِيَاسُهُ كُلُّ نَبِيٍّ، (وَ) إلَّا (نَوْمًا يَسِيرًا عُرْفًا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ جَالِسٍ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ مِنْ مُنْتَظِرِي الصَّلَاةِ فَعُفِيَ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ، (وَ) إلَّا يَسِيرًا عُرْفًا مِنْ قَائِمٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فِي قِصَّةِ تَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلْتُ إذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْجَالِسَ فِي التَّحَفُّظِ، وَاجْتِمَاعِ الْمَخْرَجِ، وَرُبَّمَا كَانَ الْقَائِمُ أَبْعَدَ مِنْ الْحَدَثِ لِكَوْنِهِ لَوْ اشْتَغَلَ فِي النَّوْمِ سَقَطَ، (فَلَا اعْتِبَارَ بِالرُّؤْيَا) . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ":

وَهِيَ أَظْهَرُ، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": إنْ رَأَى رُؤْيَا فَهُوَ يَسِيرٌ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ رَأَى رُؤْيَا فَهُوَ كَثِيرٌ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا بُدَّ فِي النَّوْمِ النَّاقِضِ مِنْ الْغَلَبَةِ عَلَى الْعَقْلِ، فَمَنْ سَمِعَ كَلَامَ غَيْرِهِ وَفَهِمَهُ فَلَيْسَ بِنَائِمٍ، فَإِنْ سَمِعَهُ وَلَمْ يَفْهَمْهُ فَيَسِيرٌ. قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ السَّاجِدُ عَنْ هَيْئَتِهِ، أَوْ الْقَائِمُ عَنْ قِيَامِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ، لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ كَثِيرًا، (فَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ نَوْمٍ لَمْ يَنْقُضْ، لِتَيَقُّنِهِ) الطَّهَارَةَ وَشَكِّهِ فِي نَقْضِهَا. (وَيَنْقُضُ نَوْمٌ يَسِيرٌ مِنْ رَاكِعٍ وَسَاجِدٍ) ، كَمُضْطَجِعٍ، وَقِيَاسُهُمَا عَلَى الْجَالِسِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَحَلَّ الْحَدَثِ فِيهِمَا مُنْفَتِحٌ بِخِلَافِ الْجَالِسِ، (وَ) يَنْقُضُ الْيَسِيرُ أَيْضًا مِنْ (مُسْتَنِدٍ، وَمُتَّكِئٍ وَمُحْتَبِي كَمُضْطَجِعٍ) بِجَامِعِ الِاعْتِمَادِ. (الرَّابِعُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (مَسُّ فَرْجِ آدَمِيٍّ) دُونَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا (مُتَّصِلٍ) : صِفَةٌ لِفَرْجٍ، فَلَا نَقْضَ بِمَسٍّ مُنْفَصِلٍ، لِذَهَابِ حُرْمَتِهِ بِقَطْعِهِ، (أَصْلِيٍّ) : صِفَةٌ أَيْضًا، فَلَا يَنْقُضُ مَسُّ زَائِدٍ، وَلَا أَحَدُ فَرْجَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ لِاحْتِمَالِ زِيَادَتِهِ (بِلَا حَائِلٍ، وَلَوْ) كَانَ الْفَرْجُ الْمَمْسُوسُ (دُبُرًا، أَوْ) كَانَ الْمَمْسُوسُ فَرْجُهُ (مَيِّتًا) لِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ، (أَوْ) كَانَ الْفَرْجُ (أَشَلَّ) لَا نَفْعَ فِيهِ لِبَقَاءِ اسْمِهِ وَحُرْمَتِهِ، لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ وعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ مَعْنَاهُ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَثْرَمُ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو زُرْعَةَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " وَلَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ " وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا، وَهَذَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَنْ تَوْقِيفٍ. وَمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، هَلْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ؟ قَالَ: لَا إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ - ضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ: قَيْسٌ لَا تَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ، وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّ طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ " قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُؤَسِّسُ فِي الْمَسْجِدِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْسِيسَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ، وَإِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، وَبُسْرَةَ فِي الثَّامِنَةِ عَامَ الْفَتْحِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي النَّسْخِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ. (أَوْ) كَانَ الْمَمْسُوسُ (قُلْفَةً) : بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ - قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَتَحَرُّكُ - جِلْدَةِ الذَّكَرِ، لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الذَّكَرِ وَحُرْمَتِهِ مَا اتَّصَلَتْ بِهِ، (أَوْ) كَانَ الْمَمْسُوسُ (قُبُلَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فَرْجٌ أَصْلِيٌّ فَيَنْقُضُ مَسُّهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ زَائِدٌ، (أَوْ) كَانَ مَسُّ غَيْرِ خُنْثَى مِنْ خُنْثَى (لِشَهْوَةٍ مَا لِلَّامِسِ مَثَلُهُ) بِأَنْ مَسَّ ذَكَرٌ ذَكَرَ خُنْثَى لِشَهْوَةٍ، أَوْ أُنْثَى قُبُلَهُ الَّذِي يُشْبِهُ فَرْجَهَا لِشَهْوَةٍ، فَيُنْقَضُ وُضُوءُ اللَّامِسِ، لِتَحَقُّقِ النَّقْضِ بِكُلِّ حَالٍ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا نَقْضَ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ. وَإِنْ مَسَّ خُنْثَى قُبُلَيْ خُنْثَى آخَرَ أَوْ قُبُلَيْ نَفْسِهِ؛ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لِتَيَقُّنِ النَّقْضِ، وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا فَلَا. وَمَسُّ دُبُرِهِ كَدُبُرِ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أَصْلِيٌّ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، وَإِنْ تَوَضَّأَ خُنْثَى، وَلَمَسَ أَحَدَ فَرْجَيْهِ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ، وَلَمَسَ الْآخَرَ وَصَلَّى الْعَصْرَ أَوْ فَائِتَةً لَزِمَهُ إعَادَتُهُمَا دُونَ الْوُضُوءِ. قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (أَوْ) كَانَ الْمَسُّ مِمَّنْ (لَمْ يُتَعَمَّدْ) فَيُنْقَضُ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ:

(بِيَدٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَسِّ، وَهِيَ مِنْ رُءُوسِ أَصَابِعَ (إلَى كُوعٍ) ؛ فَلَا نَقْضَ إذَا مَسَّهُ بِغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ «مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ» وَلِأَنَّ غَيْرَ الْيَدِ لَيْسَ بِآلَةِ اللَّمْسِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْيَدُ (زَائِدَةً) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَطْنِ الْكَفِّ وَظَهْرِهَا وَحَرْفِهَا، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا أَشْبَهَ بَطْنَهَا، (خَلَا ظُفْرٍ) فَلَا يَنْقُضُ الْمَسُّ بِهِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ. (وَلَا نَقْضَ بِمَسِّ مَحَلِّ فَرْجٍ بَائِنٍ) أَيْ: مَحَلِّ ذَكَرٍ مَقْطُوعٍ مِنْ مَحَلِّ أُصُولِ الْأُنْثَيَيْنِ كَسَائِرِ الْبَدَنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ ذَكَرًا، وَكَذَا مَسُّ الْبَائِنِ لِذَهَابِ حُرْمَتِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ. (وَلَا) نَقْضَ (بِ) مَسِّ (الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ) مَسِّ (مَا بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ) ، لِعَدَمِ إطْلَاقِ الْفَرْجِ عَلَى ذَلِكَ (أَوْ) أَيْ: وَلَا نَقْضَ بِمَسِّ (فَرْجِ بَهِيمَةٍ، أَوْ شُفْرَيْ أُنْثَى، وَهُمَا) : إسْكَتَاهَا، أَيْ: (حَافَّتَا فَرْجِهَا) ، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْفَرْجِ (بَلْ) يَحْصُلُ النَّقْضُ (بِ) مَسِّ (مَخْرَجِ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ وَحَيْضٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ وَالْفَرْجُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ فَيَعُمُّ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَيْهِ وَكَالذَّكَرِ. (وَلَا نَقْضَ بِمَسٍّ) بِعُضْوٍ (غَيْرَ يَدٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ (إلَّا بِمَسِّ) رَجُلٍ (ذَكَرَهُ فَرْجَهَا) ، أَيْ: الْمَرْأَةِ (أَوْ) بِمَسِّ (دُبُرِهِمَا) ، أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ذَكَرَهُ، (أَوْ) بِمَسِّهَا (هِيَ) ، أَيْ الْمَرْأَةِ (بِهِمَا) - أَيْ: بِقُبُلِهَا أَوْ دُبُرِهَا - (ذَكَرَهُ) أَيْ: الرَّجُلِ فَيُنْقَضُ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَفْحَشُ مِنْ الْمَسِّ بِالْيَدِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا نَقْضَ بِمَسِّ ذَكَرٍ بِذَكَرٍ، وَلَا دُبُرٍ بِدُبُرٍ، وَلَا قُبُلِ امْرَأَةٍ بِقُبُلِ أُخْرَى، أَوْ دُبُرِهَا. (الْخَامِسُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (لَمْسُ ذَكَرٍ لِأُنْثَى) بِشَهْوَةٍ بِلَا حَائِلٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] وَخَصَّ بِمَا إذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ جَمْعًا بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهَا «قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَنَصْبُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي. وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَمْزَهُ رِجْلَيْهَا كَانَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَلِأَنَّ اللَّمْسَ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَاعٍ إلَيْهِ، فَاعْتُبِرَتْ الْحَالَةُ الَّتِي يَدْعُو إلَيْهِ فِيهَا، وَهِيَ حَالُ الشَّهْوَةِ. (أَوْ) لَمْسُ (أُنْثَى لِذَكَرٍ) بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا (بِشَهْوَةٍ) ، لِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَاسْتَوَى فِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى كَالْجِمَاعِ، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا مَسَّتْ زَوْجَهَا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا هِيَ شَقِيقَةُ الرَّجُلِ، يُعْجِبُنِي أَنْ تَتَوَضَّأَ. (بِلَا حَائِلٍ) لِأَنَّهُ مَعَ الْحَائِلِ لَمْ يَلْمِسْ بَشَرَتَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمَسَ ثِيَابَهَا بِشَهْوَةٍ، وَالشَّهْوَةُ لَا تُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهَا، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ مِنْ غَيْرِ لَمْسِ شَيْءٍ، (وَلَوْ) كَانَ اللَّمْسُ (بِ) عُضْوٍ (زَائِدٍ لِزَائِدٍ) كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ أَوْ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ كَالْأَصْلِيِّ، (أَوْ) كَانَ اللَّمْسُ لِعُضْوٍ (أَشَلَّ) لَا نَفْعَ فِيهِ أَوْ بِهِ، (أَوْ) كَانَ اللَّمْسُ (لِمَيِّتٍ) لِلْعُمُومِ، وَكَمَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِوَطْءِ الْمَيِّتِ، (أَوْ) كَانَ اللَّمْسُ لِ (هَرِمٍ) أَوْ (مَحْرَمٍ) ، لِمَا سَبَقَ. وَ (لَا) يَنْقُضُ لَمْسٌ مُطْلَقًا (لِشَعْرٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ، وَلَا اللَّمْسُ بِذَلِكَ) ، أَيْ: السِّنِّ وَالظُّفْرِ وَالشَّعْرِ، لِأَنَّهَا تَنْفَصِلُ فِي حَالِ السَّلَامَةِ أَشْبَهَ لَمْسَ الدَّمْعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَنَحْوُهُ أَوْقَعَ بِهَا، (وَلَا) يَنْقُضُ لَمْسُ (مَنْ) لَهَا أَوْ لَهُ (دُونَ سَبْعٍ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ، (وَلَا) لَمْسُ (الرَّجُلِ الْأَمْرَدِ) وَهُوَ: الشَّابُّ طَرَّ شَارِبُهُ وَلَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ "، وَلَوْ لِشَهْوَةٍ (أَوْ) لَمْسُ (امْرَأَةٍ لِامْرَأَةٍ) وَلَوْ لِشَهْوَةٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُ، (وَلَا إنْ وُجِدَ مَمْسُوسُ فَرْجٍ أَوْ مَلْمُوسُ بَدَنٍ بِشَهْوَةٍ) يَعْنِي: لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ

مَمْسُوسِ فَرْجِهِ وَإِنْ وُجِدَتْ مِنْهُ شَهْوَةٌ، وَلَا وُضُوءُ مَمْسُوسِ بَدَنِهِ بِشَهْوَةٍ وَإِنْ وُجِدَتْ مِنْهُ شَهْوَةٌ، بَلْ يَخْتَصُّ النَّقْضُ بِالْمَاسِّ وَاللَّامِسِ لِتَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُمَا (وَيَتَّجِهُ نَقْضُ) وُضُوءِ (كُلٍّ) مَنْ مُتَلَامِسَيْنِ (لَوْ تَلَامَسَا مَعًا) لِشَهْوَةٍ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَامِسٌ وَمَلْمُوسٌ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا نَقْضَ) أَيْضًا (بِانْتِشَارٍ عَنْ فِكْرٍ وَتَكْرَارِ نَظَرٍ) ، لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، (وَ) لَا (بِلَمْسِ عُضْوٍ مَقْطُوعٍ) لِزَوَالِ حُرْمَتِهِ، (وَلَا) مَسِّ (خُنْثَى مُشْكِلٍ) مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ، (وَلَا بِلَمْسِهِ) - أَيْ: الْخُنْثَى - (رَجُلًا) فَقَطْ (أَوْ امْرَأَةً) فَقَطْ وَلَوْ لِشَهْوَةٍ، لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ، (فَلَوْ لَمَسَ) الْخُنْثَى (كُلًّا مِنْهُمَا) - أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ - (بِشَهْوَةٍ، أَوْ لَمَسَاهُ) - أَيْ: لَمَسَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ الْخُنْثَى - (لَهَا) - أَيْ: لِلشَّهْوَةِ - (انْتَقَضَ وُضُوءُهُ) - أَيْ: الْخُنْثَى - (فِي الْأُولَى) - أَيْ: فِي لَمْسِهِ لَهَا بِشَهْوَةٍ - (وَ) انْتَقَضَ (وُضُوءُ أَحَدِهِمَا) - أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ - (لَا بِعَيْنِهِ فِي الثَّانِيَةِ) ، وَهِيَ لَمْسُهُمَا لِلْخُنْثَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ لَمَسَتْهُ امْرَأَةٌ بِشَهْوَةٍ فَانْتَقَضَ وُضُوءُهَا، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ لَمَسَهَا رَجُلٌ بِشَهْوَةٍ فَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ. (السَّادِسُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (غُسْلُ مَيِّتٍ) صَغِيرًا كَانَ الْمَيِّتُ أَوْ كَبِيرًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ الْغَاسِلَ غَالِبًا لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّ عَوْرَةِ الْمَيِّتِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ، (أَوْ) غُسْلُ (بَعْضِهِ) الْمُتَّصِلِ بِهِ أَوْ الْمُنْفَصِلِ، فَلَوْ غَسَلَ يَدَ مَيِّتٍ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لَا إنْ غَسَلَ يَدَ سَارِقٍ، لِأَنَّهَا بَعْضُ حَيٍّ،

(وَلَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ (كَافِرًا) مَعَ تَحْرِيمِ غُسْلِهِ، (أَوْ) كَانَ (فِي قَمِيصٍ) فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُ غَاسِلِهِ، (لَا بِتَيَمُّمِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - لِعُذْرٍ اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ (وَغَاسِلُهُ) - أَيْ: الْمَيِّتِ -: (مَنْ يُقَلِّبُهُ وَيُبَاشِرُهُ وَلَوْ مَرَّةً لَا مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ) وَنَحْوَهُ. . (السَّابِعُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (أَكْلُ لَحْمِ إبِلٍ) عَلِمَهُ أَوْ جَهِلَهُ، (وَلَوْ) كَانَ (نِيئًا) ، لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: لَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ أَحْمَدُ: فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ: حَدِيثُ الْبَرَاءِ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ الْخَطَّابِيِّ: ذَهَبَ إلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَدَعْوَى النَّسْخِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَرْدُودَةٌ، وَقَدْ أَطَالَ فِيهِ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ". وَإِبِلٌ بِكِسْرَتَيْنِ، وَتُسْكَنُ الْبَاءُ قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": وَاحِدٌ يَقَعُ عَلَى الْجَمْعِ لَيْسَ بِجَمْعٍ وَلَا اسْمِ جَمْعٍ، وَجَمْعُهُ: آبَالٌ. (تَعَبُّدًا) ، أَيْ: لَا عَنْ حَدَثٍ - فَلَا يُعَلَّلُ وَلَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ، وَقَفَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ قَالَهُ الدَّنَوْشَرِيُّ. (فَلَا نَقْضَ بِ) تَنَاوُلِ (بَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا) - أَيْ: الْإِبِلِ - (كَسَنَامٍ وَكَبِدٍ) وَقَلْبٍ (وَكِرْشٍ) وَطِحَالٍ وَمُصْرَانٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا، (وَلَا) نَقْضَ (بِشُرْبِ لَبَنٍ وَ) شُرْبِ (مَرَقِ لَحْمٍ) لِأَنَّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي اللَّحْمِ. (الثَّامِنُ) مِنْ النَّوَاقِضِ: (الرِّدَّةُ) عَنْ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الطَّهُورُ شَطْرُ

الْإِيمَانِ» وَالرِّدَّةُ تُبْطِلُ الْإِيمَانَ. (وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ غُسْلًا) أَوْجَبَ وُضُوءًا (إلَّا الْمَوْتَ) فَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ بَلْ يُسَنُّ لَهُ. (فِيمَا مَرَّ) مِنْ الْمَسَائِلِ (نَوَاقِضُ مُشْتَرَكَةٌ) بَيْنَ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِ، (وَ) أَمَّا النَّوَاقِضُ (الْمُخْتَصَّةُ: كَزَوَالِ عُذْرٍ نَحْوِ مُسْتَحَاضَةٍ، وَخُرُوجِ وَقْتِ تَيَمُّمٍ، وَبُطْلَانِ مَسْحٍ) عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (بِفَرَاغِ مُدَّةٍ أَوْ خَلْعِ مَمْسُوحٍ، وَبُرْءِ جَبِيرَةٍ، وَقُدْرَةٍ عَلَى مَاءٍ بَعْدَ عَدَمِهَا) - أَيْ: الْقُدْرَةِ - (وَوُجُودُهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - (لِعَادِمِهِ وَغَيْرِهِ) - أَيْ: غَيْرِ ذَلِكَ - (فَمَذْكُورٌ فِي أَبْوَابِهِ) فَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْحِ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ يَأْتِي فِي بَابِ الْحَيْضِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّيَمُّمِ يَأْتِي فِي بَابِهِ. . (وَلَا نَقْضَ بِكَلَامٍ) مُحَرَّمٍ: كَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالْقَذْفِ وَالسَّبِّ وَنَحْوِهَا بَلْ يُسَنُّ الْوُضُوءُ مِنْ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ، (وَ) لَا بِأَكْلِ (طَعَامٍ) مُحَرَّمٍ، (وَ) لَا بِأَكْلِ (لَحْمٍ مُحَرَّمٍ بَلْ يُسَنُّ) الْوُضُوءُ لِذَلِكَ، (وَلَا) نَقْضَ (بِإِزَالَةِ نَحْوِ شَعْرٍ) كَسِنٍّ (وَظُفْرٍ) ، خِلَافًا لِمَا حُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ، لِأَنَّ غَسْلَهُ أَوْ مَسْحَهُ أَصْلٌ لَا بَدَلٌ عَمَّا تَحْتَهُ، بِخِلَافِ الْخُفِّ. (وَلَا) نَقْضَ (بِقَهْقَهَةٍ) وَلَوْ (فِي صَلَاةٍ) ، وَهِيَ: أَنْ يَضْحَكَ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْ ضَحِكِهِ حَرْفَانِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. (وَلَا) نَقْضَ (بِ) أَكْلِ (مَا مَسَّتْهُ نَارٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (وَلَا يُسْتَحَبُّ وُضُوءٌ لِذَلِكَ) ، أَيْ: لِإِزَالَةِ نَحْوِ الشَّعْرِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ.

فصل في مسائل من الشك في الطهارة

[فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ] (فَصْلٌ) فِي مَسَائِلَ مِنْ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ (وَمَنْ شَكَّ) - أَيْ: تَرَدَّدَ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": الشَّكُّ: خِلَافُ الْيَقِينِ - (فِي طَهَارَةٍ) بَعْدَ يَقِينِ حَدَثٍ (أَوْ) شَكَّ فِي (حَدَثٍ) بَعْدَ يَقِينِ طَهَارَةٍ، (وَلَوْ) كَانَ شَكُّهُ (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) (بَنَى عَلَى يَقِينِهِ) ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ فِي الْأُولَى، وَالْحَدَثُ فِي الثَّانِيَةِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا شَكَّ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ فَيَجِبُ سُقُوطُهُمَا كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا، وَيَرْجِعُ إلَى الْيَقِينِ (وَلَوْ عَارَضَهُ ظَنٌّ) ، لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا كَظَنِّ صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، هَذَا اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ إنْ تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ فَهُوَ شَكٌّ، وَإِلَّا فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ، وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ، وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ كَمَا فِي " الْقَامُوسِ " قَالَ فِي مُقَدِّمَةِ الرَّوْضَةِ: الْيَقِينُ مَا أَذْعَنَتْ النَّفْسُ لِلتَّصْدِيقِ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِأَنَّ قَطْعَهَا صَحِيحٌ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: فِي تَسْمِيَتِهِ مَا هُنَا يَقِينًا بَعْدَ وُرُودِ الشَّكِّ عَلَيْهِ نَظَرٌ، نَعَمْ كَانَ يَقِينًا ثُمَّ صَارَ الْآنَ شَكًّا، فَاعْتُبِرَتْ صِفَتُهُ السَّابِقَةُ، وَقُدِّمَتْ عَلَى صِفَتِهِ اللَّاحِقَةِ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ السَّابِقِ لِمَا قَارَنَهُ مِنْ الْيَقِينِ، وَتَقْدِيمًا لَهُ عَلَى الْوَصْفِ اللَّاحِقِ لِنُزُولِهِ عَنْ دَرَجَتِهِ. (وَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا) - أَيْ: الْحَدَثَ وَالطَّهَارَةَ - بِالْمَعْنَى الْوَصْفِيِّ لَا الْفِعْلِيِّ، لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ مَا سَيَأْتِي، أَيْ: تَيَقَّنَ كَوْنَهُ اتَّصَفَ بِالْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ بَعْدَ الشُّرُوقِ مَثَلًا، (وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا) بِأَنْ

لَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، (فَإِنْ جَهِلَ قَبْلَهُمَا) ، بِأَنْ لَمْ يَدْرِ هَلْ كَانَ مُحْدِثًا، أَوْ مُتَطَهِّرًا قَبْلَ الشُّرُوقِ، (تَطَهَّرَ) وُجُوبًا إذَا أَرَادَ فِعْلَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا، لِتَيَقُّنِهِ الْحَدَثَ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، لِأَنَّ وُجُودَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى مَشْكُوكٌ فِيهِ أَكَانَ قَبْلَ الْحَدَثِ أَوْ بَعْدَهُ؟ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مَظْنُونَةٍ أَوْ مُسْتَصْحَبَةٍ، وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ هُنَا، (وَإِلَّا) : بِأَنْ لَمْ يَجْهَلْ قَبْلَهُمَا بَلْ عَلِمَهَا (فَهُوَ عَلَى ضِدِّهَا) : فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَمُحْدِثٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَمُتَطَهِّرٌ، لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ زَوَالَ تِلْكَ الْحَالِ إلَى ضِدِّهَا، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، لِأَنَّ مَا يُغَيِّرُهُ مَشْكُوكٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، (وَإِنْ عَلِمَهَا) - أَيْ: قَبْلَهُمَا (لَكِنْ تَيَقَّنَ فِعْلَهُمَا) - أَيْ: الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ - حَالَ كَوْنِ فِعْلِ الطَّهَارَةِ (رَفْعًا لِلْحَدَثِ، وَ) حَالَ كَوْنِ فِعْلِ الْحَدَثِ (نَقْضًا لِطَهَارَةٍ) ، فَهُوَ عَلَى مِثْلِهَا: فَإِنْ كَانَ قَبْلُ مُتَطَهِّرًا فَمُتَطَهِّرٌ، لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَقَضَ تِلْكَ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مَعَ بَقَاءِ تِلْكَ الطَّهَارَةِ لِتَيَقُّنِ كَوْنِ طَهَارَتِهِ عَنْ حَدَثٍ، وَنَقْضُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَزُولُ بِهِ الْيَقِينُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلُ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى طَهَارَةٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَيَقَّنْ بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي طَهَارَةً، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَبْلَهُمَا تَطَهَّرَ لِمَا سَبَقَ، (أَوْ عَيَّنَ) لِفِعْلِ طَهَارَةٍ وَحَدَثٍ (وَقْتًا لَا يَسَعُهُمَا فَهُوَ عَلَى مِثْلِهَا) ، أَيْ: مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَهَا، لِسُقُوطِ هَذَا الْيَقِينِ لِلتَّعَارُضِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَبْلَهُمَا تَطَهَّرَ، (فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ أَوْ لَا، وَلَمْ يَدْرِ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ أَوْ لَا (وَ) جَهِلَ أَيْضًا (أَسْبَقَهُمَا) ، فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا إنْ عَلِمَهَا لِمَا تَقَدَّمَ، وَمُقْتَضَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَمُتَطَهِّرٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ صَرِيحَةٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ

الصُّورَةِ مُوَافَقَةً لَهُ فِيمَا بَعْدَهَا، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَجَوَابُ قَوْلِهِ: فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمَا وَأَسْبَقَهُمَا فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا: كَمَا ذَكَرْنَا، فَلْيَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ. وَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةً وَفِعْلَ حَدَثٍ فَقَطْ، أَيْ: دُونَ كَوْنِهَا عَنْ حَدَثٍ أَوْ لَا، فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، أَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا وَفِعْلَ طَهَارَةٍ فَقَطْ بِأَنْ لَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ أَوْ لَا، فَهُوَ عَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا تَيَقَّنَهُ كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّ ضِدَّ ذَلِكَ هُوَ الطَّارِئُ، (أَوْ) أَيْ: وَإِنْ (تَيَقَّنَ أَنْ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ، وَلَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ أَوْ لَا) وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا، (فَمُتَطَهِّرٌ مُطْلَقًا) مُحْدِثًا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ مُتَطَهِّرًا، لِتَيَقُّنِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ بِالطَّهَارَةِ، وَشَكِّهِ فِي وُجُودِهِ بَعْدَهَا، (وَعَكْسُ هَذِهِ) الصُّورَةِ: بِأَنَّ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ، وَلَمْ يَدْرِ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ أَوْ لَا (بِعَكْسِهَا) ، فَيَكُونُ مُحْدِثًا مُطْلَقًا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْدِثًا أَوْ مُتَطَهِّرًا، لِتَيَقُّنِهِ نَقْضَ الطَّهَارَةِ بِالْحَدَثِ، وَشَكِّهِ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الشَّكُّ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا مُطْلَقًا. (وَلَا وُضُوءَ عَلَى سَامِعَيْ صَوْتِ) رِيحٍ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، (أَوْ شَامَّيْ رِيحٍ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ مِنْهُ فَهُوَ مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ، (وَلَا) وُضُوءَ (إنْ مَسَّ وَاحِدٌ ذَكَرَ خُنْثَى وَ) مَسَّ (آخَرُ فَرْجَهُ) ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا مَسَّ الْأَصْلِيَّ مِنْ الْفَرْجَيْنِ، (وَإِنْ أَمَّ أَحَدُهُمَا) - أَيْ: أَحَدُ اثْنَيْنِ وَجَبَتْ الطَّهَارَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ - (الْآخَرَ، أَوْ صَافَّهُ وَحْدَهُ؛ أَعَادَا) صَلَاتَهُمَا، لِتَيَقُّنِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مُحْدِثٌ، فَإِنْ صَافَّهُ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا إعَادَةَ لِانْتِفَاءِ الْفَذِّيَّةِ، وَإِنْ أَمَّهُ مَعَ آخَرَ أَعَادَ الْمُؤْتَمُّ مِنْهُمَا صَلَاتَهُ، (وَلَا) يُعِيدَا صَلَاتَهُمَا (إنْ تَوَضَّأَ) ، أَيْ: إنْ تَوَضَّأَ كُلٌّ مِنْهُمَا، لِزَوَالِ الِاعْتِقَادِ الَّذِي بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا لِأَجْلِهِ (وَيَتَّجِهُ أَوْ) ، أَيْ: وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَضَّأَ (أَحَدُهُمَا) ، وَأَمَّ الْآخَرَ أَوْ ائْتَمَّ بِهِ صَحَّ ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ،

فصل ما يحرم بالحدث الأكبر والأصغر

قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ وُضُوءُ أَحَدِهِمَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَحْدَثَ مِنْهُمَا هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَوَضَّأْ، (أَوْ صَافَّهُ) ، أَيْ: صَافَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (مَعَ) مَأْمُومٍ (ثَالِثٍ) فَلَا يُعِيدُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ صَلَاتَهُ، لِعَدَمِ تَيَقُّنِ مَا يُبْطِلُهَا (وَيَتَّجِهُ لَوْ أَمَّهُ) - أَيْ: أَمَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ - (مَعَ) مُتَطَهِّرٍ (ثَالِثٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يُعِدْ إمَامٌ) صَلَاتَهُ، لِعَدَمِ تَيَقُّنِهِ حَدَثَ نَفْسِهِ، (وَأَعَادَ صَاحِبُهُ) صَلَاتَهُ لِتَحَقُّقِ الْمُفْسِدِ، وَهُوَ إمَّا حَدَثُهُ، أَوْ حَدَثُ إمَامِهِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ إنْ كَانَ اقْتِدَاؤُهُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، أَوْ كَانَ خَلْفَهُ، وَوَقَفَ مَعَهُ غَيْرُهُ، لِزَوَالِ الْفَذِّيَّةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ مَا يَحْرُمُ بِالْحَدَثِ الْأَكْبَر وَالْأَصْغَر] (فَصْلٌ) (يَحْرُمُ بِحَدَثٍ) أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ (حَيْثُ لَا عُذْرَ) مَنَعَهُ مِنْ الطَّهَارَةِ (صَلَاةٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ. وَسَوَاءٌ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَلَا كُفْرَ بِالصَّلَاةِ مَعَ الْحَدَثِ، لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي. (وَ) يَحْرُمُ بِهِ أَيْضًا (طَوَافٌ وَلَوْ نَفْلًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (وَ) يَحْرُمُ بِهِ أَيْضًا (مَسُّ مُصْحَفٍ) (وَبَعْضِهِ وَلَوْ لِصَغِيرٍ)

قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا وَفِيهِ: لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مُتَّصِلًا، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. (حَتَّى جِلْدَهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - (الْمُتَّصِلَ) بِهِ، (وَ) حَتَّى (حَوَاشِيَهُ) ، وَمَا فِيهِ مِنْ وَرِقٍ أَبْيَضَ، لِأَنَّهُ يَشْمَلُهُ اسْمُ الْمُصْحَفِ، وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِهِ (بِيَدٍ وَغَيْرِهَا) كَصَدْرٍ، إذْ كُلُّ شَيْءٍ لَاقَى شَيْئًا فَقَدْ مَسَّهُ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّهُ (حَتَّى بِظُفْرٍ وَشَعْرٍ) وَسِنٍّ قَبْلَ انْفِصَالِهَا عَنْ مَحَالِّهَا تَعْظِيمًا لَهُ، وَاحْتِرَامًا وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا) يَحْرُمُ مَسُّهُ (بِحَائِلٍ كَكِيسٍ وَكُمٍّ) ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ لِلْحَائِلِ لَا لَهُ، (وَ) لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْدِثٍ (تَصَفُّحُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - (بِهِ) - أَيْ: الْحَائِلِ - (وَبِعُودٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (وَ) لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْدِثٍ (حَمْلُ) مُصْحَفٍ (بِعِلَاقَةٍ) ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْأَجْرَامِ وَفَتْحِهَا فِي الْمَعَانِي - لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي الْمَسِّ، وَالْحَمْلُ لَيْسَ بِمَسٍّ، (وَلَا) يَحْرُمُ عَلَى مُحْدِثٍ (مَسُّ تَفْسِيرٍ مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، وَلَا كُتُبِ فِقْهٍ وَحَدِيثٍ وَرَسَائِلَ فِيهَا آيَاتٌ مِنْ قُرْآنٍ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُصْحَفًا، (وَ) لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَسُّ (مَنْسُوخٍ تِلَاوَةً) ، وَإِنْ بَقِيَ حُكْمُهُ كَ: " الشَّيْخِ

وَالشَّيْخَةِ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا " (وَ) لَا يَحْرُمُ مَسُّ (نَحْوِ تَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ) وَزَبُورٍ وَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَشِيثٍ وُجِدَتْ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا، (وَ) لَا مَسُّ (مَأْثُورٍ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى) كَالْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ، (وَ) لَا مَسُّ (رُقَى وَتَعَاوِيذَ فِيهَا قُرْآنٌ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وِفَاقًا. وَلَا يَحْرُمُ مَسُّ ثَوْبٍ رُقِّمَ بِقُرْآنٍ أَوْ فِضَّةٍ نُقِشَتْ بِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْجَوَازُ قَالَ فِي النَّظْمِ عَنْ الدِّرْهَمِ الْمَنْقُوشِ: هَذَا الْمَنْصُورُ. (وَ) لَا بَأْسَ بِمَسِّ (لَوْحٍ فِيهِ قُرْآنٌ لِصَغِيرٍ) ، فَلَا يَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّهِ تَمْكِينُهُ مِنْ مَسِّ الْمَحَلِّ الْخَالِي مِنْ الْكِتَابَةِ لِلْمَشَقَّةِ، (وَلَا) يَجُوزُ تَمْكِينُ الصَّغِيرِ مِنْ مَسِّ (الْمَحَلِّ الْمَكْتُوبِ) فِيهِ الْقُرْآنُ مِنْهُ - أَيْ: مِنْ اللَّوْحِ - بِلَا طَهَارَةٍ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِمَسِّ الْخَالِي، وَمَا حَرُمَ بِلَا وُضُوءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ حَرُمَ بِلَا غُسْلٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا الْعَكْسِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تَحْرُمُ بِلَا غُسْلٍ فَقَطْ. (وَيَحْرُمُ مَسُّ مُصْحَفٍ بِعُضْوٍ مُتَنَجِّسٍ) ، لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْحَدَثِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَكَذَا ذِكْرُ اللَّهِ بِنَجِسٍ، وَ (لَا) يَحْرُمُ مَسُّهُ (بِعُضْوٍ طَاهِرٍ) إذَا (تَنَجَّسَ غَيْرُهُ) مِنْ الْأَعْضَاءِ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يَتَعَدَّى وُجُوبُ غُسْلِهَا غَيْرَ مَحَلِّهَا، بِخِلَافِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلِمُحْدِثٍ وَلَوْ ذِمِّيًّا نَسْخُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ، لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ، وَهِيَ لَيْسَتْ مَسًّا (وَ) لَهُ (أَخْذُ أُجْرَتِهِ) - أَيْ: النَّسْخِ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، (وَيَأْتِي) فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ (إنْ مَلَكَهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفَ - بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ. (وَحَرُمَ سَفَرٌ بِهِ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - (لِدَارِ حَرْبٍ) «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ عُرْضَةٌ لِاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ وَاسْتِهَانَتِهِ، (وَ) حَرُمَ (كَتْبُهُ) - أَيْ:

الْقُرْآنِ - (مَعَ ذِكْرِ) اللَّهِ (بِ) شَيْءٍ (نَجِسٍ) ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ نَجِسٍ، (وَإِنْ قَصَدَ إهَانَتَهُ) - أَيْ: الْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرِ بِذَلِكَ أَيْ: بِكَتْبِهِ بِالنَّجَسِ - (فَالْوَاجِبُ) عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ (قَتْلُهُ، كَمَا) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (" فِي الْفُنُونِ ") وَيَجِبُ غَسْلُ الْكِتَابَةِ وَتَحْرِيقُهَا لِلصِّيَانَةِ. (وَ) حَرُمَ (تَوَسُّدُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَوَزْنٌ بِهِ، وَاتِّكَاءٌ عَلَيْهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ ابْتِذَالٌ لَهُ. (وَ) حَرُمَ (كَتْبُهُ) - أَيْ: الْقُرْآنِ (بِحَيْثُ يُهَانُ) ، كَعَلَى بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ يُدَاسُ أَوْ يُجْلَسُ عَلَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ: قَتْلُهُ) ، أَيْ: قَتْلُ كَاتِبِ الْقُرْآنِ عَلَى مَحَلٍّ مُبْتَذَلٍ (إنْ قَصَدَ امْتِهَانَهُ بِذَلِكَ) الْكَتْبِ، قِيَاسًا عَلَى كَتْبِهِ بِالنَّجَسِ أَوْ عَلَيْهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافِهِ بِالْقُرْآنِ وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِ بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَمِثْلُهُ فِي حُرْمَةِ ذَلِكَ كُتُبُ عِلْمٍ فِيهَا قُرْآنٌ) فَيَجِبُ احْتِرَامُهَا وَصَوْنُهَا عَنْ الِامْتِهَانِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ قُرْآنٌ (كُرِهَ) تَوَسُّدُهَا، وَالْوَزْنُ بِهَا وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهَا، وَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا سَرِقَةً، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَسَّدَهَا لِلْحَاجَةِ. (وَرَمَى رَجُلٌ بِكِتَابٍ عِنْدَ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ فَغَضِبَ وَقَالَ: هَكَذَا يُفْعَلُ بِكَلَامِ الْأَبْرَارِ؟ ،) انْتَهَى. فَكَيْفَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَا هُوَ فِيهِ. (وَيُكْرَهُ كِتَابَةُ قُرْآنٍ فِي سُتُورٍ وَفِيمَا هُوَ مَظِنَّةُ بَذْلِهِ) ، وَ (لَا) تُكْرَهُ (كِتَابَةُ غَيْرِهِ مِنْ ذِكْرٍ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ فِيمَا لَمْ يُدَسْ، وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يُدَاسُ، (كُرِهَ شَدِيدًا، وَيَحْرُمُ دَوْسُهُ) - أَيْ: الذِّكْرِ - فَالْقُرْآنُ أَوْلَى. قَالَ فِي " الْفُصُولِ " وَغَيْرِهِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسْجِدِ ذِكْرٌ أَوْ غَيْرُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُلْهِي الْمُصَلِّيَ. (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ شِرَاءَ ثَوْبٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ يُجْلَسُ عَلَيْهِ وَيُدَاسُ) عَلَى الْمَوَاضِعِ الْخَالِيَةِ مِنْ الذِّكْرِ، وَأَمَّا

وَطْؤُهُ مَا فِيهِ ذِكْرٌ فَيَحْرُمُ. (وَكُرِهَ) شَدِيدًا (وَيَتَّجِهُ بِلَا قَصْدِ إهَانَةٍ) أَمَّا مَعَ قَصْدِهَا فَيَحْرُمُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (مَدُّ) : نَائِبُ فَاعِلِ كُرِهَ (رِجْلٍ لِمُصْحَفٍ وَاسْتِدْبَارُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - وَكَذَا كُتُبُ عِلْمٍ فِيهَا قُرْآنٌ تَعْظِيمًا لَهَا (وَ) كُرِهَ (تَخَطِّيهِ وَرَمْيُهُ) بِالْأَرْضِ (بِلَا) وَضْعٍ وَلَا (حَاجَةٍ) تَدْعُو إلَيْهِ (بَلْ هُوَ بِمَسْأَلَةِ التَّوَسُّدِ أَشْبَهُ) ، وَإِلَيْهَا أَقْرَبُ. (وَ) تُكْرَهُ (تَحْلِيَتُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) نَصًّا، لِتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ، (وَتَحْرُمُ فِي كُتُبِ عِلْمٍ) أَنْ تُحَلَّى، (وَ) قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ: يَحْرُمُ (كَتْبُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) ، لِأَنَّهُ مِنْ زَخْرَفَةِ الْمَصَاحِفِ، (وَيُؤْمَرُ بِحَكِّهِ، وَيُزَكَّى) مَا اجْتَمَعَ مِنْهُ (إنْ بَلَغَ نِصَابًا) ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَلَهُ حَكُّهُ وَأَخْذُهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَجَعْلُهُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَلَوْ لِلْقِرَاءَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) فَلَا يُرْتَكَبُ. ، (وَيُبَاحُ تَطْيِيبُهُ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ - أَوْ بَعْضِهِ، وَاسْتَحَبَّهُ الْآمِدِيُّ " لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَيَّبَ الْكَعْبَةَ» وَهِيَ دُونَهُ، وَ «أَمَرَ بِتَطْيِيبِ الْمَسَاجِدِ» ، فَالْمُصْحَفُ أَوْلَى. (وَ) يُبَاحُ (تَقْبِيلُهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ ": رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ " أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ كَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولُ: كِتَابُ رَبِّي كِتَابُ رَبِّي " وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ الْوَقْفَ فِيهِ. (وَ) فِي (جَعْلِهِ عَلَى عَيْنَيْهِ) لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِفْعَةٌ وَإِكْرَامٌ، لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ الْقُرْبُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مَدْخَلٌ لَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ عَنْ الْحَجَرِ: " لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْبِلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ " وَ " لَمَّا قَبَّلَ مُعَاوِيَةَ "

الْأَرْكَانَ كُلَّهَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّمَا هِيَ السُّنَّةُ " وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ عَلَى فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ (أَوْ) أَيْ: وَيُبَاحُ جَعْلُهُ عَلَى (كُرْسِيٍّ) تَعْظِيمًا لَهُ، (وَ) يُبَاحُ (الْقِيَامُ لَهُ) . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا اعْتَادَ النَّاسُ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَقِيَامُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أَحَقُّ، وَفِي " الْفُرُوعِ " " وَالْمُبْدِعِ " يُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ أَحْمَدَ الْجَوَازُ وَذَلِكَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا، وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الصَّالِحُونَ فَنَتَّكِئَ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فَأَخَذْتُ مِنْ هَذَا حُسْنُ الْأَدَبِ فِيمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ عِنْدَ ذِكْرِ إمَامِ الْعَصْرِ مِنْ النُّهُوضِ لِسَمَاعِ تَوْقِيعَاتِهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَسْأَلَتَنَا أَوْلَى، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ كَانَ فِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ تَرْكُ الْقِيَامِ كَالْهَوَانِ بِالشَّخْصِ، اُسْتُحِبَّ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ الْقِيَامُ. (وَ) يُبَاحُ (نَقْطُهُ) أَيْ الْمُصْحَفِ (وَشَكْلُهُ) ، بَلْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ نَقْطُهُ وَشَكْلُهُ صِيَانَةً مِنْ اللَّحْنِ فِيهِ وَالتَّصْحِيفِ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ النَّقْطَ، فَلِلْخَوْفِ مِنْ التَّغْيِيرِ فِيهِ، وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهُ مُحْدَثًا، فَإِنَّهُ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ الْحَسَنَةِ، كَنَظَائِرِهِ، مِثْلُ تَصْنِيفِ الْعِلْمِ وَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ ". (وَيَتَّجِهُ وُجُوبُهُمَا) - أَيْ: النَّقْطُ وَالشَّكْلُ - (مَعَ تَحَقُّقِ لَحْنٍ) ، كَفِي زَمَانِنَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) تُبَاحُ (كِتَابَةُ أَعْشَارٍ) فِي الْمُصْحَفِ (وَأَسْمَاءِ سُوَرٍ وَعَدَدِ آيَاتٍ وَأَحْزَابٍ) ، لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ (وَتَحْرُمُ

مُخَالَفَةُ خَطِّ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي) رَسْمِ (وَاوٍ وَيَاءٍ وَأَلِفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) . كَرَبْطِ تَاءٍ وَمَدِّهَا (نَصًّا) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ بَعْدِي» . . . الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ - مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ - تَوْقِيفٌ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ كَذَا) ، كَسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ الْكَهْفِ " وَغَيْرُهُمَا مِمَّا لَا يُحْصَى، وَكَذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ ". وَفِي السُّورَةِ لُغَتَانِ: الْهَمْزُ وَتَرْكُهُ، وَالتَّرْكُ أَفْصَحُ، (وَ) أَنْ يَقُولَ: (السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا) ، لِوُرُودِهِ فِي الْأَخْبَارِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (وَاسْتِفْتَاحُ الْفَأْلِ فِيهِ) - أَيْ: الْمُصْحَفِ (فَعَلَهُ) أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ (ابْنُ بَطَّةَ) - بِفَتْحِ الْبَاءِ - (وَلَمْ يَرَهُ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَلَا (غَيْرُهُ) مِنْ أَئِمَّتِنَا. وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَحَكَاهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ الطَّرَسُوسِيِّ الْمَالِكِيِّ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْكَرَاهَةُ. . (وَلَوْ بَلِيَ مُصْحَفٌ أَوْ انْدَرَسَ دُفِنَ) ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ بَلِيَ لَهُ مُصْحَفٌ، فَحَفَرَ لَهُ فِي مَسْجِدٍ فَدَفَنَهُ، (وَمَا تَنَجَّسَ أَوْ كُتِبَ) مِنْ قُرْآنٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ كِتَابٍ فِيهِ ذَلِكَ (بِنَجَسٍ يَلْزَمُ غَسْلُهُ أَوْ حَرْقُهُ،) (فَإِنَّ الصَّحَابَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (حَرَّقُوهُ لَمَّا جَمَعُوهُ) . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ (لِتَعْظِيمِهِ وَصِيَانَتِهِ) . انْتَهَى. (وَكَانَ طَاوُسٌ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ تُحَرَّقَ الْكُتُبُ صِيَانَةً) لَهَا عَنْ الِامْتِهَانِ، (وَقَالَ: إنَّ الْمَاءَ وَالنَّارَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَّجِهُ: الْمُرَادُ) بِغَسْلِ الْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ بِالْمَاءِ وَحَرْقِهِمَا بِالنَّارِ (إذَا كَانَا) - أَيْ: الْمَاءُ وَالنَّارُ - (طَاهِرَيْنِ) أَمَّا إذَا كَانَا نَجِسَيْنِ فَلَا يَجُوزُ غَسْلٌ وَلَا تَحْرِيقٌ بِهِمَا صَوْنًا لَهُمَا عَنْ النَّجَاسَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَعْدِلُ إلَى دَفْنِهِمَا فِي مَوْضِعٍ لَا تَطَؤُهُ

باب الغسل

الْأَرْجُلُ، لِأَنَّ عُثْمَانَ دَفَنَ الْمَصَاحِفَ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ. هَذَا إذَا كَانَا مَكْتُوبَيْنِ بِطَاهِرٍ، أَمَّا إذَا كَانَا مَكْتُوبَيْنِ بِنَجَسٍ فَغَسْلُهُمَا أَوْ حَرْقُهُمَا بِمَاءٍ أَوْ نَارٍ طَاهِرَيْنِ أَوْلَى مِنْ دَفْنِهِمَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُبَاحُ كِتَابَةُ آيَتَيْنِ فَأَقَلَّ إلَى كُفَّارٍ) نَقَلَ الْأَثْرَمُ: يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ إلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا كَتَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمُشْرِكِينَ. (وَفِي النِّهَايَةِ) جَوَازُ كِتَابَةِ ذَلِكَ (لِحَاجَةِ تَبْلِيغٍ) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَيَأْتِي أَدَبُ الْقِرَاءَةِ) قَبْلَ الْفَصْلِ الْآخَرِ مِنْ بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. (وَتَضْمِينُهَا) - أَيْ: الْقِرَاءَةِ - فِي الْفَصْلِ الَّذِي يَلِيهِ قُبَيْلَ بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ تَضْمِينُ الْقُرْآنِ لِمَقَاصِدَ تُضَاهِي مَقْصُودَ الْقُرْآنِ لَا بَأْسَ بِهِ تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ، كَمَا يُضَمَّنُ فِي الرَّسَائِلِ آيَاتٌ إلَى الْكُفَّارِ مُقْتَضِيَةٌ الدَّعْوَةَ، وَلَا يَجُوزُ فِي نَحْوِ كُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ. وَكَتَضْمِينِهِ الشَّعْرَ لِصِحَّةِ الْقَصْدِ وَسَلَامَةِ الْوَضْعِ، وَأَمَّا تَضْمِينُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ: فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ التَّحْرِيمُ، كَمَا يَحْرُمُ جَعْلُ الْقُرْآنِ بَدَلًا عَنْ الْكَلَامِ. . [بَابُ الْغُسْلِ] (بَابُ الْغُسْلِ) بِالضَّمِّ: الِاغْتِسَالُ، وَالْمَاءُ يُغْتَسَلُ بِهِ، وبِالْفَتْحِ: مَصْدَرُ غَسَلَ. وَبِالْكَسْرِ: مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ. وَشَرْعًا: (اسْتِعْمَالُ مَاءٍ طَهُورٍ مُبَاحٍ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ) ، أَيْ بَدَنِ الْمُغْتَسِلِ. (وَلَوْ لَمْ يَتَقَاطَرْ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، كَ: بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ) وَالْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، وَرَجُلَانِ جُنُبٌ، وَرِجَالٌ

جَنْبٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ: جُنُبَانِ وَجُنُبُونَ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «وَنَحْنُ جُنُبَانِ» سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ نَهْيٌ أَنْ يَقْرَبَ مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَاءَ جَانَبَ مَحَلَّهُ، وَالْأَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ بِذَلِكَ. (وَمُوجِبُهُ) ، أَيْ: الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ (سَبْعَةُ) أَشْيَاءَ، أَيُّهَا وُجِدَ كَانَ سَبَبًا لِوُجُودِهِ: (أَحَدُهَا) : (انْتِقَالُ مَنِيٍّ) فَيَجِبُ الْغُسْلُ بِمُجَرَّدِ إحْسَاسِ انْتِقَالِهِ (عَنْ صُلْبِ رَجُلٍ وَتَرَائِبِ امْرَأَةٍ) ، وَالتَّرَائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ، هِيَ مَحَلُّ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ، لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تُبَاعِدُ الْمَاءَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) (كَمَا لَوْ حَبَسَهُ) ، لِأَنَّ الْغُسْلَ يُرَاعَى فِيهِ الشَّهْوَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ بِانْتِقَالِهِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ، (وَلَا يُعَادُ غُسْلٌ لَهُ) - أَيْ: الِانْتِقَالِ - (بِخُرُوجِهِ) - أَيْ: الْمَنِيِّ - (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ الْغُسْلِ - (بِلَا لَذَّةٍ) ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ تَعَلَّقَ بِالِانْتِقَالِ، وَقَدْ اغْتَسَلَ لَهُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غُسْلٌ ثَانٍ، كَبَقِيَّةِ مَنِيٍّ خَرَجَتْ بَعْدَ الْغُسْلِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْوُضُوءُ، بَالَ أَوْ لَمْ يَبُلْ (وَيَثْبُتُ بِانْتِقَالِهِ) - أَيْ: الْمَنِيِّ - (حُكْمُ بُلُوغٍ مِنْ وُجُوبِ عِبَادَةٍ) كَصَلَاةِ وَنَحْوِهَا (وَ) يَثْبُتُ بِهِ لُزُومُ (حَدٍّ وَقَبُولُ شَهَادَةٍ) وَثُبُوتُ وِلَايَةٍ فِي إيجَابِ عَقْدِ نِكَاحٍ، وَلُزُومُ (فِطْرٍ) مِنْ صَوْمٍ (بِسَبَبِ نَحْوِ لَمْسٍ) ، كَتَقْبِيلٍ وَتَكْرَارِ نَظَرٍ بِشَهْوَةٍ، (وَوُجُوبُ فِدْيَةٍ) فِي الْحَجِّ، (وَكَذَا) - أَيْ: كَانْتِقَالِ مَنِيٍّ - (انْتِقَالُ حَيْضٍ) . قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَيَثْبُتُ بِانْتِقَالِهِ مَا يَثْبُتُ بِخُرُوجِهِ، فَإِذَا أَحَسَّتْ بِانْتِقَالِ حَيْضِهَا قُبَيْلَ الْغُرُوبِ، وَهِيَ صَائِمَةٌ؛ أَفْطَرَتْ وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ إلَّا بَعْدَهُ (وَيَتَّجِهُ لُزُومُ) مَنْ أَحَسَّتْ بِانْتِقَالِ مَنِيٍّ وَلَمْ يَخْرُجْ (نَحْوَ صَلَاةٍ) كَطَوَافٍ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِ ذَلِكَ رِيحًا تَحَرَّكَ فَظَنَّتْهُ انْتِقَالًا، فَلَا تَدَعُ لِذَلِكَ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا (حَتَّى يَخْرُجَ) مَا أَحَسَّتْ

بِهِ، (فَلَوْ تَبَيَّنَ بَعْدَ) ذَلِكَ نَحْوُ رِيحٍ فَتَمْضِي فِي عِبَادَتِهَا، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ (حَيْضًا أُعِيدَ) وَاجِبُ عِبَادَةٍ فَعَلَتْهُ (غَيْرَ صَلَاةٍ) فَلَا، تُعِيدُهَا لِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهَا حِينَئِذٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (الثَّانِي: خُرُوجُهُ) - أَيْ: الْمَنِيِّ - (مِنْ مَخْرَجِهِ) الْمُعْتَادِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَنِيُّ (دَمًا) أَيْ: أَحْمَرَ كَالدَّمِ، لِلْعُمُومَاتِ، وَلَوْ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَضَعَّفَهُ بِكَثْرَتِهِ جُبِرَ بِالْغُسْلِ، (بِشَرْطِ) وُجُودِ (لَذَّةٍ) عِنْدَ خُرُوجِهِ (فِي حَقِّ نَحْوِ غَيْرِ نَائِمٍ) ، كَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَسَكْرَانَ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ اللَّذَّةِ أَنْ يَكُونَ دَفْقًا، فَلِهَذَا اسْتَغْنَيْنَا عَنْ ذِكْرِ الدَّفْقِ بِاللَّذَّةِ، (فَلَوْ) خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِ بِأَنْ انْكَسَرَ صُلْبُهُ فَخَرَجَ مِنْهُ، أَوْ خَرَجَ مِنْ يَقْظَانَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ، وَحُكْمُهُ كَالنَّجَاسَةِ الْمُعْتَادَةِ، أَوْ (جَامَعَ وَأَكْسَلَ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَنْزَلَ بِلَا لَذَّةٍ لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ) ، لِأَنَّهَا جَنَابَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا تُوجِبُ غُسْلَيْنِ، وَالْمَنِيُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ نَجِسٌ لِخُرُوجِهِ بِلَا لَذَّةٍ، وَمَعْنَى أَكْسَلَ: ضَعُفَ عَنْ الْجِمَاعِ. (وَإِنْ أَفَاقَ نَحْوُ نَائِمٍ) كَمُغْمًى عَلَيْهِ (بَلَغَ أَوْ اُحْتُمِلَ) بُلُوغُهُ، كَابْنِ عَشْرٍ وَبِنْتِ تِسْعٍ مِنْ نَوْمٍ وَنَحْوِهِ، (فَوَجَدَ بَلَلًا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ فِرَاشِهِ الَّذِي لَمْ يَنَمْ عَلَيْهِ أَوْ) كَانَ (فِيهِ غَيْرُهُ) . قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَالْأَزَجِيُّ: لَا بِظَاهِرِهِ، لِاحْتِمَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ، (فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَنِيٌّ اغْتَسَلَ) وُجُوبًا، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا، قَالَ الْمُوَفَّقُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. (فَقَطْ) ، أَيْ: دُونَ غُسْلِ مَا أَصَابَهُ، لِطَهَارَةِ الْمَنِيِّ. (وَيُعْرَفُ) الْمَنِيُّ (بِرِيحٍ) كَرِيحِ (عَجِينٍ وَ) رِيحِ (طَلْعِ نَخْلٍ) حَالَ كَوْنِهِ (رَطْبًا، أَوْ رِيحِ بَيَاضِ بِيضٍ) حَالَ كَوْنِهِ (جَافًّا وَفَسَّرَتْهُ) أَيْ: مَنِيَّ الرَّجُلِ - (عَائِشَةُ) الصِّدِّيقَةُ

- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - (بِأَنَّهُ أَبْيَضُ ثَخِينٌ يَنْكَسِرُ مِنْهُ الذَّكَرُ) ، وَأَمَّا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ: فَهُوَ أَصْفَرُ رَقِيقٌ، (وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ غَيْرُ مَنِيٍّ طُهِّرَ مَا أَصَابَهُ فَقَطْ) مِنْ بَدَنٍ وَثَوْبٍ، لِأَنَّهُ نَجَسٌ، (وَإِنْ اشْتَبَهَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ الْبَلَلُ بِأَنْ لَمْ يَدْرِ أَمَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ؟ (وَتَقَدَّمَ نَوْمَهُ سَبَبٌ مِنْ بَرْدٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ انْتِشَارٍ فَكَذَلِكَ) - أَيْ: طَهَّرَ مَا أَصَابَهُ - لِرُجْحَانِ كَوْنِهِ مَذْيًا بِقِيَامِ سَبَبِهِ، إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ فِي نَوْمِهِ حُلْمًا فَإِنَّا نُوجِبُ الْغُسْلَ لِرُجْحَانِ كَوْنِهِ مَنِيًّا بِقِيَامِ سَبَبِهِ، (وَإِلَّا يَتَقَدَّمْ نَوْمَهُ سَبَبٌ) ، وَوَجَدَ بَلَلًا فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ فِرَاشِهِ (اغْتَسَلَ) وُجُوبًا (وَتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا مُتَوَالِيًا وَطَهَّرَ مَا أَصَابَهُ أَيْضًا) ظَاهِرُهُ: وُجُوبًا. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": احْتِيَاطًا، ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِيجَابِ بِالشَّكِّ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ وَجَهِلَهَا، لِأَنَّهُ فِي الْمِثَالِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا، وَلَا سَبَبَ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ يُرَجَّحُ بِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ إلَّا بِمَا ذُكِرَ. (وَمَحَلُّ ذَلِكَ) - أَيْ: مَا تَقَدَّمَ - فِيمَا إذَا وَجَدَ نَائِمٌ وَنَحْوُهُ بَلَلًا: (فِي غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَا يَحْتَلِمُ) ، لِأَنَّهُ لَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَلِأَنَّ الْحُلُمَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْهُ، (وَمَنِيُّهُ وَغَيْرُهُ) مِنْ فَضَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (طَاهِرٌ) فَلَا يَلْزَمُهُ تَطْهِيرُ مَا أَصَابَهُ مِنْهَا، (وَإِنْ تَحَقَّقَ) وُجُودُ (مَنِيٍّ فِي ثَوْبٍ أَوْ فِرَاشٍ نَامَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهِ) ، أَيْ: فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ الَّذِي وَجَدَ بِهِ الْمَنِيَّ، (أَوْ) نَامَ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى ذَلِكَ الْفِرَاشِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الِاحْتِلَامِ، (فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا) ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ، (إلَّا إنْ أَمَّهُ أَوْ صَافَّهُ) وَحْدَهُ فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ. فَإِنْ صَافَّهُ مَعَ غَيْرِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا لِزَوَالِ الْفَذِّيَّةِ. (وَلَا غُسْلَ) عَلَى مَنْ جُومِعَتْ فَاغْتَسَلَتْ (بِخُرُوجِ مَنِيِّهِ) - أَيْ: مَنِيِّ الْمُجَامِعِ لَهَا - (مِنْ فَرْجِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا، كَخُرُوجِ بَقِيَّةِ مَنِيٍّ اغْتَسَلَ لَهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ.

(الثَّالِثُ) : الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، أَيْ تَقَابُلُهُمَا وَتَحَاذِيهِمَا بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ، لَا إنْ تَمَاسًّا بِلَا إيلَاجٍ، فَلِذَا قَالَ: (تَغْيِيبُ كُلِّ حَشَفَةِ) الذَّكَرِ وَيُقَالُ لَهَا: الْكَمَرَةُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ بِذَلِكَ حَرَارَةً، (أَصْلِيَّةً) ، فَلَا غُسْلَ بِتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ زَائِدَةٌ، أَوْ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ، لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ. (مُتَّصِلَةً) فَلَا عِبْرَةَ بِتَغْيِيبِ الْمُنْفَصِلَةِ، (أَوْ) تَغْيِيبِ (قَدْرِهَا) - أَيْ: الْحَشَفَةِ - (مِنْ مَقْطُوعِهَا بِلَا حَائِلٍ) ، لِانْتِقَاءِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مَعَ الْحَائِلِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُلَاقِي لِلْخِتَانِ، (فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ) : مُتَعَلِّقٌ بِتَغْيِيبِ. فَلَا غُسْلَ بِتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ فِي قُبُلٍ زَائِدٍ، أَوْ قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، لِاحْتِمَالِ زِيَادَتِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا: فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ: " وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَلَوْ) كَانَ الْفَرْجُ الْأَصْلِيُّ (دُبُرًا) ، لِأَنَّهُ فَرْجٌ أَصْلِيٌّ، أَوْ كَانَ الْفَرْجُ الْأَصْلِيُّ (لِمَيِّتٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، (أَوْ بَهِيمَةٍ أَوْ طَيْرٍ أَوْ سَمَكَةٍ) . قَالَهُ فِي التَّعْلِيقِ " لِأَنَّهُ إيلَاجٌ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، أَشْبَهَ الْآدَمِيَّةَ. (وَلَوْ) كَانَ ذُو الْحَشَفَةِ (نَائِمًا أَوْ مَجْنُونًا) أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، بِأَنْ أَدْخَلَتْهَا فِي فَرْجِهَا، فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمْ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَتْ مَجْنُونَةً أَوْ نَائِمَةً أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا، لِأَنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ، كَسَبْقِ الْحَدَثِ، (أَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا، أَوْ) أَوْلَجَ وَ (لَمْ يُنْزِلْ، أَوْ) لَمْ (يَبْلُغْ) نَصًّا، فَاعِلًا كَانَ أَوْ مَفْعُولًا، (لَكِنْ لَا غُسْلَ إلَّا عَلَى) مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ، وَهُوَ (ابْنُ عَشْرٍ) أَوْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا (وَ) هِيَ (بِنْتُ تِسْعٍ) . قَالَ الْإِمَامُ: يَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ إذَا وَطِئَ، وَالصَّغِيرَةُ إذَا وُطِئَتْ، مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، (فَلَوْ وَطِئَ ابْنُ عَشْرٍ بِنْتَ ثَمَانٍ أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ وَطِئَ ابْنُ ثَمَانٍ

أَوْ تِسْعٍ بِنْتَ تِسْعٍ؛ (فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) : فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى، وَعَلَيْهَا فِي الثَّانِيَةِ (وَلَا يَلْزَمُ) الْغُسْلُ (غَيْرَ بَالِغٍ إلَّا إنْ أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ وَوُضُوءٍ) كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ. (أَوْ غُسْلٍ فَقَطْ) كَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَ (لَا) يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ (لِلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ) إذَا أَرَادَهُ، بَلْ يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ كَالْمُكَلَّفِ وَمِثْلُ مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ: إلْزَامُهُ بِاسْتِجْمَارٍ وَنَحْوِهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَلَيْسَ مَعْنَى وُجُوبِ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ التَّأْثِيمَ بِتَرْكِهِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافِ، أَوْ لِإِبَاحَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. (وَاسْتِدْخَالِ ذَكَرِ أَحَدٍ مِنْ ذَكَرِ) نَائِمٍ وَنَحْوِ مَجْنُونٍ وَغَيْرِ بَالِغٍ وَمَيِّتٍ وَبَهِيمَةٍ (كَإِتْيَانِهِ) ، فَيَجِبُ عَلَى امْرَأَةٍ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نَائِمٍ أَوْ صَغِيرٍ وَلَوْ طِفْلًا - أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مَيِّتٍ وَنَحْوِهِمْ الْغُسْلُ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» ، (وَلَا غُسْلَ بِتَغْيِيبِ بَعْضِ حَشَفَةٍ) بِلَا إنْزَالٍ (أَوْ) أَيْ: وَلَا بِإِيلَاجِ (حَشَفَةِ خُنْثَى) فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ (وَلَا بِتَغْيِيبِ) ذَكَرٍ أَصْلِيٍّ (فِي فَرْجِهِ) - أَيْ: الْخُنْثَى - (إلَّا إنْ غَيَّبَ) الْخُنْثَى ذَكَرَهُ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ. (وَغُيِّبَ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: غُيِّبَ ذَكَرٌ (فِيهِ) - أَيْ: فِي فَرْجِ الْخُنْثَى - فَعَلَى الْخُنْثَى الْغُسْلُ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ جُومِعَتْ فِي قُبُلِهَا. (وَامْرَأَةٍ وَطِئَهَا) خُنْثَى بِذَكَرِهِ، (وَرَجُلٍ وَطِئَهُ) - أَيْ: وَطِئَ الرَّجُلُ ذَلِكَ الْخُنْثَى فِي قُبُلِهِ فَعَلَى الْخُنْثَى الْغُسْلُ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ جُومِعَتْ فِي قُبُلِهَا الْأَصْلِيِّ، وَأَمَّا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ: فَيَجِبُ (عَلَى أَحَدِهِمَا الْغُسْلُ لَا بِعَيْنِهِ) ، لِأَنَّ الْخُنْثَى لَا يَخْلُو عَنْ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ، أَوْ يَكُونَ أُنْثَى فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الرَّجُلِ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَتَطَهَّرَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ،

تتمة أولج خنثى مشكل أو واضح الأنوثية ذكره في قبل أو دبر ولم ينزل

أَوْ يُصَافّهُ وَحْدَهُ اغْتَسَلَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ كَلَامَ الْمَتْنِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِقُصُورِهِ. [تَتِمَّةٌ أَوْلَجَ خُنْثَى مُشْكِلٌ أَوْ وَاضِحُ الْأُنُوثِيَّةِ ذَكَرَهُ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ وَلَمْ يُنْزِلْ] (تَتِمَّةٌ) : لَوْ أَوْلَجَ خُنْثَى مُشْكِلٌ أَوْ وَاضِحُ الْأُنُوثِيَّةِ ذَكَرَهُ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، وَلَمْ يُنْزِلْ: فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِيَقِينٍ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ الْمُشْكِلَيْنِ الْآخَرَ بِذَكَرِهِ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ، لِاحْتِمَالِ زِيَادَةِ الذَّكَرَيْنِ، أَوْ زِيَادَةِ أَحَدِهِمَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَوَاطَأَ رَجُلٌ وَخُنْثَى فِي دُبُرَيْهِمَا، فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ دُبُرَ الْخُنْثَى أَصْلِيٌّ قَطْعًا، وَقَدْ وُجِدَ تَغْيِيبُ حَشَفَةِ الرَّجُلِ فِيهِ. (وَلَا) يَجِبُ غُسْلٌ عَلَى امْرَأَةٍ (بِتَغْيِيبِ) ذَكَرٍ (مَقْطُوعٍ فِي فَرْجِهَا وَلَا بِإِيلَاجِ) ذَكَرٍ أَصْلِيٍّ (بِحَائِلٍ) ، لِعَدَمِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا غُسْلَ بِوَطْءٍ (دُونَ فَرْجٍ) بِلَا إنْزَالٍ وَلَا انْتِقَالٍ وَلَا بِتَمَاسِّ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ لِمَا سَبَقَ، (وَلَا) غُسْلَ (بِسِحَاقٍ) ، وَهُوَ: إتْيَانُ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ بِلَا إنْزَالٍ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيُعَادُ غُسْلُ مَيِّتَةٍ وُطِئَتْ) وُجُوبًا (دُونَ مَيِّتٍ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا) ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِوُجُودِ الْإِيلَاجِ مِنْ حَيٍّ، بِخِلَافِ الْمَوْلُوجِ فِيهِ فَتَجِبُ إعَادَةُ غُسْلِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. (وَفِي " الْمُبْدِعِ ") : (لَوْ غَيَّبَتْ امْرَأَةٌ) فِي فَرْجِهَا (حَشَفَةَ بَهِيمَةٍ اغْتَسَلَتْ) وُجُوبًا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ اسْتِدْخَالَ ذَكَرِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ كَإِتْيَانِهِ. (وَلَوْ قَالَتْ) امْرَأَةٌ: (لِي جِنِّيٌّ يُجَامِعُنِي) ، كَالرَّجُلِ: (فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ) . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} [الرحمن: 56] : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنِّيَّ يَغْشَى الْمَرْأَةَ كَالْإِنْسِيِّ. (وَقِيلَ) أَيْ: قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": (لَا) غُسْلَ عَلَيْهَا، (لِعَدَمِ إيلَاجٍ وَاحْتِلَامٍ) وَإِنَّمَا هُوَ غَشَيَانٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِيلَاجُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إيلَاجُهُ عَنْ مُلَامَسَةٍ بِبَدَنِهِ، (ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَفِيهِ) نَظَرٌ، لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ

تَعْرِفُ أَنَّهُ يُجَامِعُهَا كَالرَّجُلِ، فَكَيْف يُجَامِعُهَا وَلَا إيلَاجَ، خُصُوصًا إذَا تَصَوَّرَ بِصُورَةِ الرَّجُلِ، فَلَا رَيْبَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ: لِي جِنِّيَّةٌ أُجَامِعُهَا كَالْمَرْأَةِ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ. (وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ) أَنَّهُ (يَثْبُتُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ كَالْكُلِّ) ، أَيْ: كَمَا يَثْبُتُ بِتَغْيِيبِ كُلِّ الذَّكَرِ (أَرْبَعُمِائَةِ حُكْمٍ إلَّا ثَمَانِيَةَ) أَحْكَامٍ، ذَكَرَهَا ابْنُ الْقَيِّمِ فِي " تُحْفَةِ الْوَدُودِ فِي أَحْكَامِ الْمَوْلُودِ " (مِنْ) ذَلِكَ (نَحْوُ تَحْرِيمِ طَوَافٍ) كَمَسِّ مُصْحَفٍ (وَصَلَاةٍ، وَإِفْسَادُ نَحْوِ طَهَارَةٍ وَحَجٍّ) وَوُجُوبُ الْفِدْيَةِ فِيهِ، وَفَسَادُ عُمْرَةٍ، وَوُجُوبُ الْبَدَنَةِ فِيهَا وَقَضَاؤُهُمَا (وَوُجُوبُ نَحْوِ غُسْلٍ وَحَدٍّ وَكَفَّارَةٍ، وَحُصُولُ نَحْوِ رَجْعَةٍ، وَبِرٍّ) مِنْ حَلِفٍ أَنْ يَطَأَ (وَمُصَاهَرَةٌ، وَزَوَالُ: نَحْوِ عُنَّةٍ) ، وَوُجُوبُ عِدَّةٍ، وَاسْتِقْرَارُ مُسَمًّى، وَوُجُوبُ مَهْرِ مِثْلٍ، وَثُبُوتُ إحْصَانٍ، وَجَرَيَانُ لِعَانٍ، وَفِدْيَةُ مُولٍ، وَتَحْلِيلٌ لِزَوْجٍ أَوَّلٍ، وَسُقُوطُ إجْبَارٍ فِي نِكَاحِ بِكْرٍ، وَتَحْرِيمُ رَبَائِبَ، وَتَحْرِيمُ إمَاءِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ، وَتَحْرِيمُ إمَاءِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ، وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبِنْتِ أُخْتِهَا، وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمَةِ وَخَالَتِهَا أَوْ أُخْتِهَا فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ يَمِينٍ، وَفَسَادُ صَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ، وَصَيْرُورَةُ الْأَمَةِ فِرَاشًا، وَإِلْحَاقُ وَلَدٍ بِسَيِّدٍ إذَا أَقَرَّ بِهِ، وَسُقُوطُ وِلَايَةِ أَبٍ فِي ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ حَتَّى تَبْلُغَ، وَوُجُوبُ كَفَّارَةٍ بِوَطْءِ حَائِضٍ، وَتَحْرِيمُ التَّصْرِيحِ بِخِطْبَةِ مَنْ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا يَأْتِي يَظْفَرُ بِأَكْثَرِهَا. (الرَّابِعُ: إسْلَامُ كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا) أَوْ مُمَيِّزًا، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ أَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اذْهَبُوا بِهِ إلَى حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ، فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْعُمَرِيِّ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ، وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا، «وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ

وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالُوا: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ، فَأُقِيمَتْ الْمَظِنَّةُ مَقَامَ الْحَقِيقَةِ، كَالنَّوْمِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانِ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُسَاوٍ لَلْأَصْلِيِّ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، فَوَجَبَ مُسَاوَاتُهُ لَهُ فِي الْحُكْمِ. (أَوْ) كَانَ الْكَافِرُ (لَمْ يُوجَدْ) مِنْهُ (فِي كُفْرِهِ مَا يُوجِبُهُ) - أَيْ: الْغُسْلَ - مِنْ نَحْوِ جِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ، (أَوْ) كَانَ (مُمَيِّزًا) وَأَسْلَمَ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مُوجِبٌ؛ فَاسْتَوَى فِيهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. (غَيْرَ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ كِتَابِيَّتَيْنِ إذَا اغْتَسَلَتَا لِحِلِّ وَطْءِ زَوْجٍ مُسْلِمٍ، أَوْ سَيِّدٍ مُسْلِمٍ ثُمَّ أَسْلَمَتَا) : فَلَا يَلْزَمُهُمَا إعَادَةُ الْغُسْلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِصِحَّتِهِ مِنْهُمَا، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ لِلْعُذْرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اغْتَسَلَ الْكَافِرُ لِجَنَابَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْهُ، (كَذَا قِيلَ) وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ إعَادَةِ الْغُسْلِ عَلَيْهِمَا. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ الْحُكْمَ (فِي مُمَيِّزٍ) وَطِئَ ثُمَّ أَسْلَمَ إذَا كَانَ فِي سِنٍّ (يَطَأُ وَيُوطَأُ مِثْلُهُ) ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ وَبِنْتُ تِسْعٍ إذَا أَرَادَ فِعْلَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ سِنُّهُ دُونَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَفِيهِ بَحْثٌ، إذْ عِبَارَاتُهُمْ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا،

وَتَقَدَّمَ. (وَوَقْتُ لُزُومِ غُسْلٍ كَمَا مَرَّ) أَيْ: إذَا أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ لِغَيْرِ لُبْثٍ بِمَسْجِدٍ، أَوْ مَاتَ شَهِيدًا، أَمَّا إذَا أَرَادَ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ: فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَقَطْ. (وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُ إسْلَامٍ لِغُسْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) ، لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ. ، (وَلَوْ اسْتَشَارَ) كَافِرٌ (مُسْلِمًا) فِي الْإِسْلَامِ، (فَأَشَارَ بِعَدَمِ إسْلَامِهِ) حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (وَلَمْ يُكَفَّرْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالدُّخُولِ فِي الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِاسْتِدَامَتِهِ عَلَيْهِ (وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ) حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُكَفَّرْ، خِلَافًا لِصَاحِبِ " التَّتِمَّةِ " مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. (الْخَامِسُ: خُرُوجُ دَمِ حَيْضٍ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: وَإِذَا ذَهَبْت فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَرَ بِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَسَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ، وَحَمْنَةَ وَغَيْرَهُنَّ، يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] أَيْ: إذَا اغْتَسَلْنَ. فَمَنَعَ الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ غُسْلِهَا، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالْخُرُوجِ إنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِسَبَبِهِ، وَالِانْقِطَاعُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ. (وَيَصِحُّ نَدْبًا غُسْلٌ مِنْ جَنَابَةٍ زَمَنَ حَيْضٍ) تَخْفِيفًا لِلْحَدَثِ (وَيَزُولُ حُكْمُهَا) - أَيْ: الْجَنَابَةِ - لِأَنَّ بَقَاءَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، فَإِنَّ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ بَاقٍ، وَبَقَاؤُهُ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْأَكْبَرِ، أَفَادَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (السَّادِسُ: خُرُوجُ دَمِ نِفَاسٍ) وَانْقِطَاعُهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْغُسْلِ لَهُ

فصل يحرم على من عليه غسل من جنابة أو غيرها قراءة آية فأكثر

قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِهِمَا، (فَلَا غُسْلَ بِوِلَادَةٍ بِلَا دَمٍ) ، لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، (فَيَصِحُّ صَوْمُ) مَنْ وَلَدَتْ بِلَا دَمٍ، (وَيَحِلُّ وَطْؤُهَا) قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا) يَجِبُ الْغُسْلُ (بِإِلْقَاءِ عَلَقَةٍ) - قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِلَا نِزَاعٍ - (أَوْ) بِإِلْقَاءِ (مُضْغَةٍ بِلَا تَخْطِيطٍ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وِلَادَةً، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِإِلْقَاءِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ، وَلَوْ خَفِيًّا. (وَالْوَلَدُ طَاهِرٌ، وَمَعَ دَمٍ يُغْسَلُ) وُجُوبًا كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَنَجِّسَةِ. (السَّابِعُ: الْمَوْتُ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اغْسِلْنَهَا» وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ، (تَعَبُّدًا) لَا عَنْ حَدَثٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْهُ لَمْ يَرْتَفِعْ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ، وَلَا عَنْ نَجَسٍ، وَإِلَّا لَمَا طَهُرَ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ (غَيْرَ شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ وَمَقْتُولٍ ظُلْمًا) ، فَلَا يُغْسَلَانِ، وَيَأْتِي فِي مَحِلِّهِ. (وَيَتَّجِهُ زِيَادَةُ) مُوجِبٍ ثَامِنٍ (وَهُوَ) - أَيْ: الْمُوجِبُ لِإِعَادَةِ الْغُسْلِ: (خُرُوجُ نَجَاسَةٍ بَعْدَ غُسْلِ مَيِّتٍ قَبْلَ سَبْعٍ وَ) قَبْلَ (وَضْعٍ بِكَفَنٍ) وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قِرَاءَةُ آيَةٍ فَأَكْثَرَ] (فَصْلٌ) (يَحْرُمُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ) مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (قِرَاءَةُ آيَةٍ) فَأَكْثَرَ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْجُبُهُ - وَرُبَّمَا قَالَ: لَا يَحْجِزُهُ - عَنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَاهُ. (وَلَوْ بِقَصْدِ ذِكْرٍ) سَدًّا لِلْبَابِ، وَ (لَا) يَحْرُمُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلٌ مِنْ قِرَاءَةِ (بَعْضِهَا) - أَيْ: بَعْضِ آيَةٍ - لِأَنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهِ، (وَلَوْ كَرَّرَ) قِرَاءَةَ الْبَعْضِ (مَا لَمْ يَتَحَيَّلْ) نَحْوُ الْجُنُبِ (عَلَى قِرَاءَةٍ) تَحْرُمُ، بِأَنْ يُكَرِّرَ الْإِبْعَاضَ تَحَيُّلًا عَلَى قِرَاءَةِ آيَةٍ فَأَكْثَرَ،

فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ. قَالَ الْمُنَقِّحُ: (مَا لَمْ تَكُنْ الْآيَةُ طَوِيلَةً) ، كَآيَةِ الدَّيْنِ، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ بَعْضِهَا. (وَيَتَّجِهُ الْمُرَادُ: مَنْعُ) نَحْوِ الْجُنُبِ مِنْ قِرَاءَةِ (بَعْضٍ) مِنْ قُرْآنٍ (كَثِيرٍ عُرْفًا) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَهُ) - أَيْ: لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلُ - (تَهَجِّيهِ) - أَيْ: الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ لَهُ، فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ لِخُرُوجِهِ عَنْ نَظْمِهِ وَإِعْجَازِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَلَهُ التَّفْكِيرُ فِيهِ، (وَتَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ بِهِ إنْ لَمْ تَبِنْ حُرُوفٌ) ، وَقِرَاءَةُ أَبْعَاضِ آيَةٍ مُتَوَالِيَةٍ أَوْ آيَاتٍ سَكَتَ بَيْنَهَا سُكُوتًا طَوِيلًا قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (كَقِرَاءَةٍ لَا تُجْزِئُ فِي صَلَاةٍ لِإِسْرَارِهَا) ، نَقَلَهُ فِي " الْفُرُوعِ " عَنْ ظَاهِرِ " نِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ " قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ تَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ بِهِ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ. (وَلَهُ) تِلَاوَةُ (ذِكْرٍ) لَمْ يُوَافِقْ قُرْآنًا، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» وَيَأْتِي أَنَّهُ يُكْرَهُ أَذَانُ جُنُبٍ. (وَ) لَهُ (إزَالَةُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ) بِلَا كَرَاهَةٍ. (وَ) لَهُ (قَوْلُ مَا وَافَقَ قُرْآنًا) مِنْ الْأَذْكَارِ، (وَلَمْ يَقْصِدْهُ) - أَيْ: الْقُرْآنَ - كَالْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، (وَكَآيَةِ رُكُوبٍ) {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 14] وَمِثْلُهَا آيَةُ نُزُولٍ {رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون: 29] (وَ) كَآيَةِ (اسْتِرْجَاعٍ)

{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] وَهِيَ بَعْضُ آيَةٍ، لَا آيَةٌ. (وَ) قِرَاءَةُ (آيَةٍ فِي ضِمْنِ نَحْوِ شِعْرٍ) كَقَوْلِهِ: خَاضَ الْعَوَاذِلُ فِي حَدِيثِ مَدَامِعِي ... لَمَّا رَأَوْا كَالسَّيْلِ سُرْعَةَ سَيْرِهِ فَحَبَسْتُهُ لِأَصُونَ سِرَّ هَوَاكُمْ ... حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَكَذَا لَهُ النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ، وَأَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاكِتٌ، لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُنْسَبُ إلَى قِرَاءَةٍ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي (وَيُمْنَعُ كَافِرٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ وَلَوْ رُجِيَ إسْلَامُهُ) قِيَاسًا عَلَى الْجُنُبِ وَأَوْلَى. (وَلِجُنُبٍ) وَكَافِرٍ أَسْلَمَ (وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا أَوْ لَا، مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثٍ، دُخُولُ مَسْجِدٍ لِمُرُورٍ وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] ، وَهُوَ: الطَّرِيقُ. وَعَنْ جَابِرٍ " كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا مُجْتَازًا " رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَسَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا، وَمِنْ الْحَاجَةِ كَوْنُهُ طَرِيقًا قَصِيرًا. وَ (لَا) يَجُوزُ لِجُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ (لُبْثٌ بِهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ (مَعَ قَطْعِهِ) - أَيْ: الدَّمِ - (بِلَا عُذْرٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (إلَّا بِوُضُوءٍ) ، فَإِنْ تَوَضَّئُوا؛ جَازَ لَهُمْ اللُّبْثُ فِيهِ وَلَوْ انْتَقَضَ بَعْدُ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ " رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ، إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ " إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يُخَفِّفُ الْحَدَثَ، فَيَزُولُ بَعْضُ مَا مَنَعَهُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْوُضُوءُ عَلَى الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ، (وَاحْتِيجَ لِلُّبْثِ) فِي الْمَسْجِدِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا لِحَبْسٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالٍ وَنَحْوِهِ: (جَازَ) لَهُ

اللُّبْثُ (بِلَا تَيَمُّمٍ) نَصًّا، وَاحْتُجَّ «بِأَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ» (وَ) لُبْثُهُ (بِهِ) - أَيْ: التَّيَمُّمِ - (أَوْلَى) ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ ابْنِ قُنْدُسٍ. (وَيَتَيَمَّمُ) جُنُبٌ وَنَحْوُهُ (لِلُّبْثِ لِغُسْلٍ فِيهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى: " وَالظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ - أَيْ: إلَى اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ - لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا احْتَاجَ لِلُّبْثِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِلَا تَيَمُّمٍ (وَلِذِي سَلَسٍ وَمُسْتَحَاضَةٍ لُبْثٌ بِهِ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثٍ) . لِحَدِيثِ عَائِشَةَ " أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَتْ مَعَهُ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَإِلَّا) يَأْمَنْ ذُو السَّلَسِ وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَلْوِيثَهُ (حَرُمَ) عَلَيْهِمَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، لِتَقْذِيرِهِ. (وَلَا يُكْرَهُ غُسْلٌ) فِي الْمَسْجِدِ (وَ) لَا (وُضُوءٌ بِهِ مَا لَمْ يُؤْذِ بِهِمَا) ، أَيْ: بِمَاءِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ (وَيَتَّجِهُ وَإِلَّا) - بِأَنْ آذَى الْمَسْجِدَ بِهِمَا - (حَرُمَ كَاسْتِنْجَاءٍ) بِهِ، إذْ الْمَسْجِدُ يَجِبُ احْتِرَامُهُ وَصَوْنُهُ عَنْ كُلِّ مَا يُؤْذِيهِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ جَيِّدٌ. (وَيَتَّجِهُ) أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ (فِي فَسَاقٌ وُضِعَتْ) - أَيْ: بُنِيَتْ - (مَعَ مَسْجِدٍ) إمَّا بِوَضْعِ الْوَاقِفِ لَهَا، أَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، (لَيْسَتْ بِمَسْجِدٍ) ، فَيَجُوزُ الْبَوْلُ بِإِنَاءٍ فِي غُرْفَةٍ فَوْقَهَا، لَا فِي بَالُوعَتِهَا، لِجَرَيَانِهَا فِي قَرَارِ الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ لُبْثُ نَحْوِ جُنُبٍ فِيهَا بِلَا وُضُوءٍ، وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فَوْقَهَا وَلَا فِي هَوَائِهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ لِلصَّلَاةِ، (بِخِلَافِ حَادِثَةٍ) بَعْدَ بِنَائِهِ فِيهِ، فَيَجِبُ احْتِرَامُ بُقْعَتِهَا كَاحْتِرَامِ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهَا مِنْهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَتُكْرَهُ إرَاقَةُ مَائِهِمَا) أَيْ: الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِمَسْجِدٍ، (وَ) كَذَا إرَاقَةُ (مَاءٍ غُمِسَتْ فِيهِ يَدُ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ بِمَسْجِدٍ) صَوْنًا لَهُ عَمَّا يُقَذِّرُهُ. (وَ) كَذَلِكَ تُكْرَهُ إرَاقَةُ مَائِهِمَا (بِمَا) أَيْ: مَحَلٍّ (يُدَاسُ كَطَرِيقٍ) تَنْزِيهًا لِلْمَاءِ (وَيَتَّجِهُ) : كَرَاهَةُ إرَاقَةِ مَائِهِمَا بِمَا ذُكِرَ، (وَبِكُلِّ مَحَلٍّ قَذِرٍ) كَمَزْبَلَةِ وَحْشٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ مَاءٌ اُسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ، فَيُصَانُ عَنْ الْقَاذُورَاتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (يَجُوزُ عَمَلٌ) - أَيْ: اتِّخَاذُ - (مَكَانٍ) وَلَوْ كَانَ الْمُتَّخِذُ غَيْرَ الْوَاقِفِ (فِيهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - (لِلْوُضُوءِ) فِيهِ (لِمَصْلَحَةٍ) تَرْغِيبًا لِلْمُصَلِّينَ، وَتَكْثِيرًا لِلْجَمَاعَةِ (بِلَا مَحْذُورٍ) ، فَإِنْ كَانَ فِي اتِّخَاذِهِ مَحْذُورٌ، كَتَقْذِيرِ الْمَسْجِدِ أَوْ شَغْلِ مَوْضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ مُنِعَ مِنْهُ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا يُغَسَّلُ فِيهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - (مَيِّتٌ) لَتَقَذُّرِهِ. (وَمُصَلَّى عِيدٍ لَا) مُصَلَّى (جَنَائِزِ مَسْجِدٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلْيَعْتَزِلْنَ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى» وَأَمَّا صَلَاةُ الْجَنَائِزِ فَلَيْسَتْ ذَاتَ رُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ بِخِلَافِ الْعِيدِ (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ اعْتِبَارِ مُصَلَّى الْعِيدِ مَسْجِدًا (إنْ وُقِفَ) لِذَلِكَ، (وَلَوْ) كَانَ وَقْفُهُ (بِقَرَائِنَ) كَأَنْ يَأْذَنَ مَالِكُهُ لِلنَّاسِ إذْنًا عَامًّا بِالصَّلَاةِ فِيهِ، وَيَتَكَرَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَلَا يَشْغَلُهُ بِشَيْءٍ، وَيُجَنِّبُهُ مَا يُقَذِّرُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَحِينَئِذٍ (فَلَا يَجُوزُ لِنَحْوِ جُنُبٍ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا (لُبْثٌ بِهِ) بِلَا عُذْرٍ أَوْ وُضُوءٍ.

فصل الأغسال المسنونة ستة عشر غسلا

(وَيَتَّجِهُ صِحَّةُ اعْتِكَافٍ فِيهِ) - أَيْ مُصَلَّى الْعِيدِ - مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا، وَمِمَّنْ تَلْزَمُهُ إنْ كَانَتْ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَلَوْ مِنْ مُعْتَكِفِينَ، لِثُبُوتِ حُكْمِ الْمَسْجِدِيَّةِ لَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَجِبُ مَنْعُ مَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ مِنْ مَسْجِدٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] وَالْمَجْنُونُ أَوْلَى مِنْهُ. (وَ) يَجِبُ مَنْعُ (مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى) ، لِئَلَّا يُلَوِّثَهُ. (وَكُرِهَ اتِّخَاذُهُ) - أَيْ الْمَسْجِدِ - (طَرِيقًا) نَصًّا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَ) كُرِهَ (تَمْكِينُ صَغِيرٍ مِنْهُ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - قَالَ فِي " الْآدَابِ " وَالْمُرَادُ، صَغِيرٌ لَا يُمَيِّزُ، لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، (وَسُنَّ مَنْعُهُ) - أَيْ: الصَّغِيرِ - مِنْ الْمَسْجِدِ صِيَانَةً لَهُ. (وَحَرُمَ تَكَسُّبٌ بِصَنْعَةٍ فِيهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ، (غَيْرَ كِتَابَةٍ، لِأَنَّهَا) - أَيْ: الْكِتَابَةَ - (نَوْعٌ مِنْ) تَحْصِيلِ (الْعِلْمِ) ، وَيَحْرُمُ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَلَا يَصِحَّانِ. (وَيُبَاحُ غَلْقُ أَبْوَابِهِ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - (خَشْيَةَ) مَا يُكْرَهُ دُخُولُهُ إلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ الْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ سِتَّةَ عَشَرَ غُسْلًا] (فَصْلٌ) (وَالْأَغْسَالُ الْمَسْنُونَةُ سِتَّةَ عَشَرَ) غُسْلًا، (آكَدُهَا) : الْغُسْلُ (لِصَلَاةِ

جُمُعَةٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَقَوْلُهُ: وَاجِبٌ، أَيْ: مُتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابِ، وَيَدُلُّ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَمَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهُ. وَيُعَضِّدُهُ مَجِيءُ عُثْمَانَ إلَيْهَا بِلَا غُسْلٍ (فِي يَوْمِهَا) - أَيْ: الْجُمُعَةِ - فَلَا يُجْزِئُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِهِ، لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، (لِذَكَرٍ حَضَرَهَا) - أَيْ: الْجُمُعَةَ - (وَصَلَّى) ، لِخَبَرِ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ» وَتَقَدَّمَ، (وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ) الْجُمُعَةُ كَالْعِيدِ وَالْمُسَافِرِ. وَاغْتِسَالُهُ (عِنْدَ مُضِيٍّ) إلَيْهَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ، (وَ) اغْتِسَالُهُ (عَنْ جِمَاعٍ أَفْضَلُ) لِلْخَبَرِ، وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، (وَلَا يَضُرُّ حَدَثٌ) أَصْغَرُ (بَعْدَ غُسْلٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يُبْطِلُ الْغُسْلَ. (ثُمَّ) يَلِيه الْغُسْلُ (لِغُسْلِ مَيِّتٍ) كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، (مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ) ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي ثَوْبٍ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. (ثُمَّ) يَلِيه بَقِيَّةُ الْأَغْسَالِ الْآتِيَةِ، وَهِيَ: الْغُسْلُ لِصَلَاةِ (عِيدٍ فِي يَوْمِهَا لِمَنْ) حَضَرَهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدِ وَالْأَضْحَى» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَمَحِلُّهُ: إنْ (صَلَّى) الْعِيدَ (وَلَوْ مُنْفَرِدًا) بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ كَالْجُمُعَةِ، فَلَا يُشْرَعُ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. (وَ) الرَّابِعُ: الْغُسْلُ (لِ) صَلَاةِ (كُسُوفٍ) . (وَ) الْخَامِسُ: الْغُسْلُ: (لِ) صَلَاةِ (اسْتِسْقَاءٍ) ، قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ بِجَامِعِ الِاجْتِمَاعِ. (وَ) السَّادِسُ: الْغُسْلُ

(لِجُنُونٍ) . (وَ) السَّابِعُ: الْغُسْلُ (لِإِغْمَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اغْتَسَلَ لِلْإِغْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ احْتَلَمَ وَلَمْ يَشْعُرْ، وَالْجُنُونُ فِي مَعْنَاهُ بَلْ أَبْلَغُ، فَإِنْ أَنْزَلَ؛ وَجَبَ الْغُسْلُ. (وَ) الثَّامِنُ: الْغُسْلُ (لِاسْتِحَاضَةٍ) ، فَيُسَنُّ لِلْمُسْتَحَاضَةِ أَنْ تَغْسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ «لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ لَمَّا اُسْتُحِيضَتْ» ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. (وَ) التَّاسِعُ: الْغُسْلُ (لِإِحْرَامٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (حَتَّى لِحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ) فَيُسَنُّ لَهُمَا الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ «؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نَفِسَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. (وَ) الْعَاشِرُ: الْغُسْلُ (لِدُخُولِ مَكَّةَ) ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": حَتَّى لِحَائِضٍ، أَيْ: وَنُفَسَاءَ، قِيَاسًا عَلَى الْإِحْرَامِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِالْحَرَمِ، كَمَنْ بِمِنًى إذَا أَرَادَ مَكَّةَ سُنَّ لَهُ الْغُسْلُ لِدُخُولِهَا. (وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِ) دُخُولِ (حَرَمِهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ. (وَ) الثَّانِي عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. . (وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِطَوَافِ زِيَارَةٍ) ، وَهُوَ: طَوَافُ الْإِفَاضَةِ. (وَ) الرَّابِعَ عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِطَوَافِ وَدَاعٍ) . (وَ) الْخَامِسَ عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِمَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ) . (وَ) السَّادِسَ عَشَرَ: الْغُسْلُ (لِرَمْيِ جِمَارٍ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَنْسَاكٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ، فَاسْتُحِبَّ لَهَا الْغُسْلُ كَالْإِحْرَامِ وَدُخُولِ مَكَّةَ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَيَتَكَرَّرُ رَمْيُ الْجِمَارِ بِتَكَرُّرِهَا، فَيَكُونُ فِي يَوْمَيْ التَّشْرِيقِ لِلْمُتَعَجِّلِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ لِغَيْرِهِ، فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ أَغْسَالٍ، وَرُبَّمَا زِيدَ فِي قَوْلِهِمْ: غُسْلُ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ: يَوْمَ النَّحْرِ، فَيَكُونُ غُسْلُ رَمْيِ الْجِمَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَمْ يَذْكُرُوا غُسْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّهُ يَغْتَسِلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَهُوَ عَقِبَ دُخُولِهِ انْتَهَى. (وَيَتَّجِهُ زِيَادَةُ) سَابِعَ عَشَرَ،

فصل صفة الغسل واجبا كان أو مستحبا

وَهُوَ: غُسْلُ (مَنْ وَلَدَتْ بِلَا دَمٍ، مُرَاعَاةً لِخِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ) ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " " وَالْإِفَادَاتِ " وَاخْتَارَهُ غَيْرُهُمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَتَيَمَّمُ) اسْتِحْبَابًا (لِلْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ (لِحَاجَةٍ) تُبِيحُ التَّيَمُّمَ، كَتَعَذُّرِ الْمَاءِ لِعَدَمٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، (وَ) يَتَيَمَّمُ أَيْضًا اسْتِحْبَابًا (لِمَا يُسَنُّ لَهُ وُضُوءٌ) مِنْ قِرَاءَةٍ وَأَذَانٍ وَشَكٍّ وَغَضَبٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ. (وَلَا يُسْتَحَبُّ غُسْلٌ لِحِجَامَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ أَشْبَهَ الرُّعَافَ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا - «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ الْجُمُعَةِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغَسْلِ الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ فَفِيهِ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَا بِالْحَافِظِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّ أَحَادِيثَهُ مَنَاكِيرُ، وَإِنَّ هَذَا مِنْهَا (وَ) لَا (لِبُلُوغٍ) بِغَيْرِ إنْزَالٍ، (وَ) لَا (لِعَاشُورَاءَ) ، وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَوْضُوعٌ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. (وَ) لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ (لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ) كَلِوَلِيمَةٍ وَمَشُورَةٍ وَنَحْوِهَا لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (وَ) لَا (لِدُخُولِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ) ، عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. [فَصْلٌ صِفَةُ الْغُسْل وَاجِبًا كَانَ أَوْ مُسْتَحَبًّا] (فَصْلٌ) (وَصِفَةُ غُسْلٍ كَامِلٍ) وَاجِبًا كَانَ أَوْ مُسْتَحَبًّا: (أَنْ يَنْوِيَ) رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، أَوْ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ أَوْ الْجُمُعَةِ مَثَلًا، (وَيُسَمِّيَ) ، أَيْ: يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ بَعْدَ النِّيَّةِ، (وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا) خَارِجَ الْمَاءِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا

الْإِنَاءَ، وَيَصُبَّ الْمَاءَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلَ (مَا لَوَّثَهُ مِنْ مَنِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) كَمَذْيٍ، (ثُمَّ يَضْرِبَ بِيَدِهِ الْحَائِطَ أَوْ الْأَرْضَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ، (ثُمَّ يَتَوَضَّأَ كَامِلًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» (وَيُرَوِّيَ) - بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ - (رَأْسَهُ) ، أَيْ: أُصُولَ شَعْرِهِ، (ثَلَاثًا) ، يَحْثِيَ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، (ثُمَّ) يَغْسِلَ (بَقِيَّةَ جَسَدِهِ) بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ (ثَلَاثًا) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُخَلِّلَ شَعْرَهُ بِيَدَيْهِ حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ رَوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَتَيَامَنَ) - أَيْ: يَبْدَأَ بِمَيَامِنِهِ - اسْتِحْبَابًا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْحِلَابُ: بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَالْمِحْلَبَةُ: بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَفَتْحِ اللَّامِ؛ إنَاءٌ يُحْلَبُ فِيهِ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: إنَاءٌ يَسَعُ حَلْبَ نَاقَةٍ، (وَيُدَلِّكَهُ) - أَيْ: جَسَدَهُ اسْتِحْبَابًا لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ «إنَّمَا يَكْفِيَكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ الْمَاءَ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَتَفَقَّدَ أُصُولَ شَعْرٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» (وَغَضَارِيفَ أُذُنٍ وَتَحْتَ حَلْقٍ وَإِبِطٍ، وَ) تَحْتَ (خَاتَمٍ، وَعُمْقَ سُرَّةٍ وَطَيَّ رُكْبَتِهِ) ، لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَيْهَا (وَيَكْفِي الظَّنُّ فِي الْإِسْبَاغِ، وَهُوَ) : - أَيْ: الْإِسْبَاغُ - (تَعْمِيمُ عُضْوٍ بِمَاءٍ بِحَيْثُ يَجْرِي) الْمَاءُ (عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مَسْحًا) ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْيَقِينِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ، (ثُمَّ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَيَغْسِلَ

قَدَمَيْهِ، وَلَوْ) كَانَ (فِي حَمَّامٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا طِينَ فِيهِ، لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» (وَإِنْ أَخَّرَ غُسْلَهُمَا) - أَيْ: قَدَمَيْهِ - (فِي وُضُوءٍ لِآخِرِ غُسْلِهِ فَلَا بَأْسَ) ، لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ. (وَكُرِهَ إعَادَةُ وُضُوءٍ بَعْدَ غُسْلٍ لِمُتَوَضِّئٍ قَبْلَهُ) - أَيْ: قَبْلَ الْغُسْلِ -؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالُ - بَلْ يَحْرُمُ -) الْوُضُوءُ بَعْدَ الْغُسْلِ عَلَى مُتَيَقِّنٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ، وَلَهُ الصَّلَاةُ بِمَا تَيَقَّنَهُ، (وَلَوْ لَمْ يَتَوَضَّأْ) ثَانِيًا وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ (لِتَعَاطِيهِ عِبَادَةً فَاسِدَةً) ، وَيُقَوِّي الِاحْتِمَالَ إذَا كَانَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى الْمَاءِ، أَوْ كَانَ بِكُلْفَةٍ كَمَاءِ حَمَّامٍ، (إلَّا أَنْ يُنْتَقَضَ) وُضُوءُهُ (بِنَحْوِ مَسِّ فَرْجٍ) كَخُرُوجِ رِيحٍ، (فَيَجِبُ) عَلَيْهِ إعَادَتُهُ ثَانِيًا إذَا أَرَادَ فِعْلَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُجْزِئُ) (عَصْرُ شَعْرِهِ مِنْ) مَاءِ (غَسْلَةٍ ثَانِيَةٍ عَلَى لُمْعَةٍ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ) حِينَ إفَاضَتِهِ. (وَصِفَةُ) غُسْلٍ (مُجْزِئٍ:) (أَنْ يَنْوِيَ وَيُسَمِّيَ) كَمَا مَرَّ، (وَيُعِمَّ بِمَاءٍ جَمِيعَ بَدَنِهِ) سِوَى دَاخِلَ عَيْنٍ فَلَا يَجِبُ وَلَا يُسَنُّ

(حَتَّى مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِ امْرَأَةٍ عِنْدَ قُعُودٍ لِحَاجَةِ) بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، (وَ) حَتَّى (حَشَفَةَ أَقْلَفَ) - أَيْ: غَيْرَ مُخْتَتَنٍ - (مَفْتُوقٍ) ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فَيَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا، (وَ) حَتَّى (دَاخِلَ فَمٍ وَأَنْفٍ) وُجُوبًا، (وَ) حَتَّى (بَاطِنَ شَعْرٍ) خَفِيفٍ وَكَثِيفٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ لَا مَشَقَّةَ فِي غَسْلِهِ، فَوَجَبَ كَبَاقِيهِ. وَلَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ فَرْجٍ مِنْ جَنَابَةٍ، وَكَذَلِكَ حَشَفَةُ أَقْلَفَ غَيْرِ مَفْتُوقٍ. (وَ) يَتَعَيَّنُ (غَسْلُ شَعْرٍ مُسْتَرْسِلٍ مَعَ نَقْضِهِ وُجُوبًا لِحَيْضٍ وَنِفَاسٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا «إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي» ، وَلِابْنِ مَاجَهْ «اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي» وَلِتَحَقُّقِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَ (لَا) يَجِبُ نَقْضُهُ لِغُسْلٍ مِنْ (جَنَابَةٍ إذَا رَوَتْ أُصُولَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَيَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. (وَيَرْتَفِعُ حَدَثٌ أَكْبَرُ أَوْ أَصْغَرُ قَبْلَ زَوَالِ حُكْمِ خَبَثٍ) لَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ كَطَاهِرٍ عَلَى مَحَلِّ الْحَدَثِ لَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ. (وَتُسَنُّ مُوَالَاةٌ) فِي غُسْلٍ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا تَجِبُ كَالتَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، (فَإِنْ فَاتَتْ) الْمُوَالَاةُ بِأَنْ أَخَّرَ بَقِيَّةَ غَسْلِ بَدَنِهِ زَمَنًا يَجِفُّ فِيهِ مَا غَسَلَهُ قَبْلَهُ (جَدَّدَ لِإِتْمَامِهِ) - أَيْ: الْغُسْلَ - نِيَّةً لِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ بِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، فَيَقَعُ غَسْلُ مَا بَقِيَ بِدُونِ نِيَّةٍ. (وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا يُجَدِّدُ (تَسْمِيَةً) لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ أَيْضًا وَلِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ فِي ابْتِدَائِهِ مُقْتَرِنَةً مَعَ النِّيَّةِ، فَلَزِمَ تَجْدِيدُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا، فَمُقْتَضَى الِاتِّجَاهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ التَّجْدِيدِ فِي كُلٍّ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ، فَيُعْتَبَرُ اسْتِمْرَارُ حُكْمِهِ إلَى آخِرِ الْعِبَادَةِ، وَلَا كَذَلِكَ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّهَا فِي الْغُسْلِ أَخَفُّ مِنْهَا فِي الْوُضُوءِ، لِتَنَاوُلِ حَدِيثِ التَّسْمِيَةِ بِصَرِيحِهِ الْوُضُوءَ فَقَطْ.

(وَلَا تَرْتِيبَ) فِي الْغُسْلِ، (فَلَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ إلَّا أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ لَمْ يَجِبْ فِيهَا تَرْتِيبٌ، وَ) لَوْ غَسَلَ جَسَدَهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثَيْنِ (إلَّا رِجْلَيْهِ) ثُمَّ أَحْدَثَ، فَإِنَّهُ (يَجِبُ) عَلَيْهِ التَّرْتِيبُ (فِي الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ) وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالرَّأْسُ (دُونَهُمَا) ، أَيْ: دُونَ رِجْلَيْهِ. (وَيُسَنُّ سِدْرٌ فِي غُسْلِ كَافِرٍ أَسْلَمَ) ، لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ «أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (كَ) مَا يُسَنُّ لِكَافِرٍ أَسْلَمَ (إزَالَةُ شَعْرِهِ الْمَعْهُودِ إزَالَتُهُ) كَشَعْرِ رَأْسِ ذَكَرٍ وَعَانَةٍ وَإِبِطٍ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ أَسْلَمَ: «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُسَنُّ أَيْضًا سِدْرٌ (فِي غُسْلِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَأَخْذُ) مُغْتَسِلَةٍ مِنْ ذَلِكَ (غَيْرِ مُحْرِمَةٍ مِسْكًا تَجْعَلُهُ فِي فَرْجِهَا فِي نَحْوِ قُطْنَةٍ) كَخِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُمْسِكُهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ (بَعْدَ غُسْلِهَا) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لَمَّا سَأَلَتْهُ أَسْمَاءُ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ «ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتُطَهِّرُ بِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْفِرْصَةُ: بِكَسْرِ الْفَاءِ الْقِطْعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) مِسْكًا (فَطِيبًا) ، أَيَّ طِيبٍ كَانَ، (فَإِنْ لَمْ تَجِد) طِيبًا (فَطِينًا) تَجْعَلُهُ فِي فَرْجِهَا وَلَوْ مُحْرِمَةً، (فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْمَاءُ) الطَّهُورُ (كَافٍ) ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " " وَالرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهِمَا.

(وَيَتَّجِهُ أَنَّ الْمُرَادَ) مِنْ قَوْلِهِمْ: وَيُسَنُّ (سِدْرٌ) فِي غُسْلٍ إلَى آخِرِهِ: أَنْ (لَا يُغَيِّرَ الْمَاءَ) تَغَيُّرًا (كَثِيرًا) لِئَلَّا يَسْلُبَهُ الطَّهُورِيَّةَ، (أَوْ أَنَّهُ يَغْسِلُ) جَسَدَهُ (عَقِبَ ذَلِكَ) - أَيْ: غُسْلِهِ بِالسِّدْرِ - (بِمَاءٍ خَالِصٍ) احْتِيَاطًا وَدَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُسَنُّ تَوَضُّؤٌ بِمُدٍّ) مِنْ مَاءٍ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَزِنَتُهُ) - أَيْ: الْمُدَّ - (مِائَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ) دِرْهَمًا (وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ، (وَ) بِالْمَثَاقِيلِ: (مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، مِثْقَالًا وَ) بِالْأَرْطَالِ (رَطْلٌ وَثُلُثٌ عِرَاقِيٌّ) وَمَا وَافَقَهُ فِي زِنَتِهِ مِنْ الْبِلَادِ، (وَرَطْلٌ وَسُبُعُ) رَطْلٍ (وَثُلُثُ سُبُعِ) رَطْلٍ (مِصْرِيٍّ) وَمَا وَافَقَهُ كَالْمَكِّيِّ، وَذَلِكَ رَطْلٌ وَأُوقِيَّتَانِ وَسُبْعَا أُوقِيَّةٍ (وَثَلَاثُ أَوَاقٍ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ دِمَشْقِيَّةٍ وَأُوقِيَّتَانِ وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ) أُوقِيَّةٍ بِالْوَزْنِ (الْحَلَبِيِّ) وَمَا وَافَقَهُ، (وَأُوقِيَّتَانِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ) أُوقِيَّةٍ بِالْوَزْنِ (الْقُدْسِيِّ) وَمَا وَافَقَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمِيَاهِ بَيَانُ الْمُوَافِقِ لِمَا ذُكِرَ. (وَ) يُسَنُّ (اغْتِسَالٌ بِصَاعٍ) ، وَهُوَ: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، (وَزِنَتُهُ: سِتُّمِائَةِ) دِرْهَمٍ (وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ) دِرْهَمًا (وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ، (وَهِيَ) بِالْمَثَاقِيلِ: (أَرْبَعُمِائَةِ) مِثْقَالٍ (وَثَمَانُونَ مِثْقَالًا، وَ) بِالْأَرْطَالِ: (خَمْسَةٌ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ) رَطْلٍ (عِرَاقِيَّةٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَعْبٍ «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَالْفَرَقُ: بِفَتْحِ الرَّاءِ: سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ، وَيُعْتَبَرُ (بِبُرٍّ رَزِينٍ) - أَيْ: جَيِّدٍ - وَهِيَ مَا يُسَاوِي الْعَدَسَ فِي زِنَتِهِ. (وَ) الصَّاعُ: (أَرْبَعَةُ) أَرْطَالٍ (وَخَمْسَةُ

أَسْبَاعِ رَطْلٍ وَثُلُثُ سُبْعِ رَطْلٍ مِصْرِيٍّ) وَمَا وَافَقَهُ، أَيْ: أَرْبَعَةُ أَرْطَالِ وَتِسْعُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةٍ مِصْرِيَّةٍ، (وَ) ذَلِكَ (رَطْلٌ وَسُبْعُ) رَطْلٍ (دِمَشْقِيٍّ) وَمَا وَافَقَهُ، (وَ) ذَلِكَ (إحْدَى عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَثَلَاثَةَ أَسْبَاعِ) أُوقِيَّةٍ (حَلَبِيَّةٍ) وَمَا وَافَقَهَا وَذَلِكَ (عَشْرُ أَوَاقٍ وَسُبْعَانِ) مِنْ أُوقِيَّةٍ (قُدْسِيَّةٍ) وَمَا وَافَقَهَا قَالَ الْمُنَقِّحُ: (وَهَذَا يَنْفَعُكَ هُنَا وَفِي الْفِطْرَةِ) ، أَيْ: فِطْرَةِ الصَّوْمِ، (وَ) فِي (الْفِدْيَةِ) فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، (وَ) فِي (الْكَفَّارَةِ) ، أَيْ: كَفَّارَةِ ظِهَارٍ وَيَمِينٍ (وَغَيْرِهِمَا، وَ) فِي (غَيْرِهَا) ، كَنَذْرِ الصَّدَقَةِ بِمُدٍّ أَوْ صَاعٍ. (وَلَا يُكْرَهُ إسْبَاغٌ) فِي وُضُوءٍ وَغُسْلٍ (بِدُونِ مَا ذُكِرَ) مِنْ الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ وَالْغُسْلِ بِالصَّاعِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَنْطُوقُ هَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ الْمُدُّ وَفِي الْغُسْلِ الصَّاعُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَثْرَمُ. (وَلَا) يُكْرَهُ (غُسْلُ) رَجُلٍ مَعَ نَحْوِ امْرَأَتِهِ (أَوْ تَوَضُّؤُ) هـ (مَعَ نَحْوِ امْرَأَتِهِ) كَسَرِيَّتِهِ (مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَكُرِهَ) (إسْرَافٌ) فِي مَاءٍ (وَلَوْ) كَانَ (عَلَى نَهْرٍ جَارٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى سَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ ، فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَ) كُرِهَ (اغْتِسَالٌ عُرْيَانًا) إنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، وَإِلَّا حَرُمَ، لِحَدِيثِ: «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْمَاءَ إلَّا بِمِئْزَرٍ، فَإِنَّ لِلْمَاءِ عَامِرًا» وَقَالَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَقَدْ دَخَلَا الْمَاءَ وَعَلَيْهِمَا بُرْدَانِ: " إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا " (بِلَا عُذْرٍ) ، وَمَعَ الْعُذْرِ لَا يُكْرَهُ. (وَ) كُرِهَ اغْتِسَالٌ (دَاخِلَ مَاءٍ كَثِيرٍ) كَالْبَحْرِ خَشْيَةَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْمَوْجُ فَيُغْرِقَهُ، (وَيَرْتَفِعُ حَدَثُ) الْمُغْتَسِلِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ (قَبْلَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ) فَتُبَاحُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بَعْدَ انْغِمَاسِهِ وَلَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ.

فصل نوى بغسل رفع الحدثين الأكبر والأصغر

[فَصْلٌ نَوَى بِغُسْلٍ رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ] (فَصْلٌ) (وَمَنْ) (نَوَى بِغُسْلٍ رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ) الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ، (أَوْ) نَوَى رَفْعَ (الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ) وَاغْتَسَلَ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا، (أَوْ) نَوَى بِغُسْلِهِ (أَمْرًا) - أَيْ: فِعْلَ أَمْرٍ - (لَا يُبَاحُ إلَّا بِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ كَطَوَافٍ) وَصَلَاةٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ وَاغْتَسَلَ (أَجْزَأَ) غُسْلُهُ (عَنْهُمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] جَعَلَ الْغُسْلَ غَايَةً لِلْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا اغْتَسَلَ وَجَبَ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهَا، وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ، فَدَخَلَتْ الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى، كَالْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ إذَا كَانَ قَارِنًا (وَإِنْ نَوَى) الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ (أَحَدَهُمَا) - أَيْ: الْحَدَثَيْنِ - (لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (أَوْ) نَوَى (مَا يُبَاحُ بِأَحَدِهِمَا) كَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، (لَمْ يَرْتَفِعَا) مَعًا (بَلْ) يَرْتَفِعُ (مَا نَوَاهُ) مِنْ الْحَدَثَيْنِ فَقَطْ دُونَ مَا لَمْ يَنْوِهِ. (فَمَنْ) كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ (وَنَوَتْ) بِغُسْلِهَا (حِلَّ وَطْءٍ صَحَّ غُسْلُهَا) وَارْتَفَعَ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ حِلَّ وَطْئِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ، (وَكَذَا) لَوْ نَوَى مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ بِالْغُسْلِ اسْتِبَاحَةَ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ ارْتَفَعَ الْأَكْبَرُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ إنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ لَا عَلَى رَفْعِ الْأَصْغَرِ، أَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ (لُبْثٍ بِمَسْجِدٍ) ارْتَفَعَ الْأَكْبَرُ فَقَطْ. (وَسُنَّ لِكُلٍّ مِنْ جُنُبٍ وَلَوْ أُنْثَى وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا غَسْلُ فَرْجِهِ) لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَذَى، (وَ) كَذَا (وُضُوءُهُ لِنَوْمٍ) ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: «أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (وَكَذَا كَافِرٌ أَسْلَمَ) فَيُسَنُّ لَهُ غَسْلُ فَرْجِهِ، وَالْوُضُوءُ لِنَوْمٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ إعَادَةِ وَطْءٍ قِيَاسًا عَلَى مَنْ ذُكِرَ،

فصل في مسائل من أحكام الحمام وآداب دخوله

(وَكُرِهَ تَرْكُهُ) ، أَيْ: الْوُضُوءِ - (لِجُنُبٍ لِنَوْمٍ فَقَطْ) ، أَيْ: دُونَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. (وَ) سُنَّ أَيْضًا الْوُضُوءُ (لِمُعَاوَدَةِ وَطْءٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ، وَزَادَ «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» (وَغُسْلٌ) لِمُعَاوَدَةِ وَطْءٍ (أَفْضَلُ) مِنْ وُضُوءٍ؛ لِأَنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ، وَيَأْتِي فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ. (وَ) سُنَّ لِمَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ أَنْ يَتَوَضَّأَ (لِ) إرَادَةِ (أَكْلٍ وَشُرْبٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (وَلَا يَضُرُّ نَقْضُهُ) - أَيْ: الْوُضُوءِ - بَعْدَ ذَلِكَ، أَيْ: إذَا تَوَضَّأَ الْجُنُبُ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، فَلَا تُسَنُّ لَهُ إعَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّخْفِيفُ أَوْ النَّشَاطُ. . [فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَمَّامِ وَآدَابِ دُخُولِهِ] (فَصْلٌ) فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَمَّامِ وَآدَابِ دُخُولِهِ أَجْوَدُ الْحَمَّامَاتِ مَا كَانَ شَاهِقًا عَذْبَ الْمَاءِ مُعْتَدِلَ الْحَرَارَةِ مُعْتَدِلَ الْبُيُوتِ قَدِيمَ الْبِنَاءِ. (وَيُكْرَهُ بِنَاءُ حَمَّامٍ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِجَارَتُهُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا، وَدُخُولِ النِّسَاءِ إلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ: مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا جَعَلَهُ قَيِّمَ مَسْجِدٍ، وَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ شَرًّا جَعَلَهُ قَيِّمَ حَمَّامٍ الْمُرَادُ بِالْقَيِّمِ: الَّذِي يَكُونُ كَسْبُهُ مِنْ الْحَمَّامِ دَاخِلًا وَخَارِجًا، وَأَكْبَرُ قَيِّمٍ فِيهِ صَاحِبُهُ الَّذِي يَتَعَاطَى أُمُورَهُ لَا بَانِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَانِيَ لَا يَكُونُ قَيِّمًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: بَانِيًا، وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ وَارِدَةٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ انْتَهَى. (وَكَسْبُهُ وَكَسْبُ بَلَّانٍ وَمُزَيِّنٍ) مَكْرُوهٌ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَحَمَّامِيَّةُ

النِّسَاءِ أَشَدُّ كَرَاهَةً، (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ: لَيْسَ بِعَدْلٍ) ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ بَنَاهُ لِلنِّسَاءِ، وَحَرَّمَهُ الْقَاضِي، وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى غَيْرِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ. (وَتُكْرَهُ قِرَاءَةٌ) فِي الْحَمَّامِ، وَلَوْ خَفَضَ صَوْتَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْكَشْفِ، وَيُفْعَلُ فِيهِ مَا لَا يَحْسُنُ فِي غَيْرِهِ، فَاسْتُحِبَّ صِيَانَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ، وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ الْكَرَاهَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ. (وَ) كَذَا يُكْرَهُ (سَلَامٌ فِيهِ) - أَيْ: الْحَمَّامِ - (وَرَدُّهُ) ، أَيْ: السَّلَامِ قَالَ فِي " الْآدَابِ ": وَكَذَلِكَ لَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مُسَلِّمٍ. و (لَا) يُكْرَهُ (ذِكْرٌ) فِي الْحَمَّامِ لِمَا رَوَى النَّخَعِيّ " أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ الْحَمَّامَ، فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ". (وَسَطْحُهُ) - أَيْ: الْحَمَّامِ - (وَنَحْوُهُ) مِمَّا يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ، (كَهُوَ) ، لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ. (وَدُخُولُهُ لِرَجُلٍ بِسُتْرَةٍ مَعَ أَمْنِ وُقُوعٍ فِي مُحَرَّمٍ) مِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَاتٍ وَمَسِّهَا، وَنَظَرِهِمْ إلَى عَوْرَتِهِ وَمَسِّهَا. (مُبَاحٌ) لِمَا رُوِيَ " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَمَّامًا كَانَ بِالْجُحْفَةِ " وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا، وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ: «نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُذْهِبُ الدَّرَنَ وَيُذَكِّرُ النَّارَ» . (وَإِنْ خِيفَ) بِدُخُولٍ وُقُوعٌ فِي مُحَرَّمٍ (كُرِهَ) دُخُولُهُ خَشْيَةَ الْمَحْظُورِ وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ " بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ، يُبْدِي الْعَوْرَةَ وَيُذْهِبُ الْحَيَاءَ " (وَإِنْ عُلِمَ) وُقُوعٌ فِي مُحَرَّمٍ (حَرُمَ) الدُّخُولُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ ذُكُورِ أُمَّتِي فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ، وَمَنْ كَانَتْ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَدْخُلْ الْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ قَالَ أَحْمَدُ: إنْ عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ مَنْ - يَدْخُلُ الْحَمَّامَ عَلَيْهِ إزَارٌ فَادْخُلْهُ، وَإِلَّا فَلَا تَدْخُلْهُ. (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) - أَيْ: كَدُخُولِ حَمَّامٍ فِي الْحُكْمِ - (تَفْصِيلٌ: تَفَرُّجٌ) عَلَى غُزَاةٍ أَوْ حُجَّاجٍ أَوْ وُلَاةٍ أَوْ عُرْسٍ أَوْ خِتَانٍ وَنَحْوِهَا، فَيُبَاحُ

مَعَ أَمْنِ سَمَاعِ أَوْ نَظَرِ مُحَرَّمٍ، وَيُكْرَهُ مَعَ خَوْفِ ذَلِكَ (وَيَحْرُمُ) مَعَ الْعِلْمِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَحْرُمُ) دُخُولُ حَمَّامٍ (عَلَى أُنْثَى مُطْلَقًا) أَمِنْتَ الْوُقُوعَ فِي مُحَرَّمٍ أَوْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْفُرُوعِ " " وَالْمُنْتَهَى " خِلَافًا " لِلْإِقْنَاعِ " وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى ذَلِكَ (إلَّا لِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ خَوْفِ ضَرَرٍ) بِاغْتِسَالِهَا فِي بَيْتِهَا كَنَزْلَةٍ، قَالَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ. (أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ فِي حَمَّامِ دَارِهَا) ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إلَّا بِالْأُزُرِ وَامْنَعُوا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» . (وَمِنْ) (آدَابِ) دُخُولِ (حَمَّامٍ:) (تَقْدِيمُ) رِجْلٍ (يُسْرَى فِي دُخُولِهِ) - أَيْ: الْحَمَّامِ - (وَ) فِي دُخُولِ (مُغْتَسِلٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا خَبَثٌ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِمَنْ دَخَلَهُ أَنْ يَقُولَ: يَا بَرُّ يَا رَحِيمُ مُنَّ وَقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ (وَ) تَقْدِيمُ رِجْلٍ (يُمْنَى خُرُوجًا) أَيْ: فِي خُرُوجِهِ مِنْهُ، قِيَاسًا عَلَى الْخَلَاءِ (وَقَوْلُ) دَاخِلٍ: (بِسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ) مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ إلَى آخِرِهِ، (كَمَا مَرَّ) فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ، (وَالْأَوْلَى غَسْلُ قَدَمَيْهِ وَإِبْطَيْهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ عِنْدَ دُخُولِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْبَخَرَ، (وَ) الْأَوْلَى لِدَاخِلِهِ (لُزُومُ حَائِطٍ) خَوْفَ السُّقُوطِ، وَقَصْدُ الِاغْتِسَالِ (بِمَوْضِعٍ خَالٍ، وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ، (وَ) عَدَمُ (دُخُولٍ لِبَيْتٍ حَارٍّ قَبْلَ عَرَقٍ) بِبَيْتٍ (أَوَّلَ) ؛ لِأَنَّهُ أَجْوَدُ طِبًّا، (وَيَمْكُثُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ) فَقَطْ لِئَلَّا يُنْتَهَكَ بَدَنُهُ، (وَيَتَذَكَّرُ النَّارَ بِحَرَارَتِهِ) ، وَيَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا.

باب التيمم

(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (يَجِبُ) عَلَى دَاخِلِ حَمَّامٍ (اقْتِصَادٌ فِي) اسْتِعْمَالِ (الْمَاءِ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ) حَيْثُ كَانَ مَمْلُوكًا أَوْ مُسَبَّلًا، (فَإِنَّهُ) - أَيْ: قَدْرَ الْحَاجَةِ - (الْمَأْذُونُ فِيهِ) شَرْعًا وَعُرْفًا (بِقَرِينَةِ الْحَالِ، لَا سِيَّمَا) الْمَاءَ (الْحَارَّ لِمَا فِيهِ مِنْ مُؤْنَةِ التَّعَبِ) بِتَحْصِيلِ الْوَقُودِ وَأُجْرَةِ الْعَمَلَةِ (وَ) يَتَّجِهُ: أَنَّ (مِثْلَهُ كُلُّ مَاءٍ سُبِّلَ لِنَحْوِ وُضُوءٍ) كَغُسْلٍ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إزَالَةِ نَجَاسَةٍ، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ عِنْدَ خُرُوجٍ) مِنْ الْحَمَّامِ (بِمَاءٍ بَارِدٍ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الصُّدَاعَ، لِخَبَرِ أَبِي نُعَيْمٍ) فِي الطِّبِّ قَالَ: " (غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ أَمَانٌ مِنْ الصُّدَاعِ) " رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ. (وَلَا يُكْرَهُ دُخُولُهُ) حَمَّامًا (قُرْبَ غُرُوبٍ وَ) لَا (بَعْدَهُ) ، لِعَدَمِ النَّهْيِ الْخَاصِّ عَنْهُ، خِلَافًا لِابْنِ الْجَوْزِيِّ. [بَابُ التَّيَمُّمِ] (بَابُ التَّيَمُّمِ) لُغَةً: الْقَصْدُ، قَالَ - تَعَالَى -: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] يُقَالُ: يَمَّمَتْ فُلَانًا وَتَيَمَّمْتُهُ وَأَمَّمْتُهُ إذَا قَصَدْتُهُ، وَمِنْهُ {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: وَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا مُبْتَغِيهِ ... أَمْ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ مُبْتَغِينِي وَشَرْعًا: (اسْتِعْمَالُ تُرَابٍ مَخْصُوصٍ) - أَيْ: طَهُورٍ مُبَاحٍ (لِوَجْهٍ وَيَدَيْنِ) عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ يَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وَسَنَدُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] الْآيَةَ وَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ

خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ،؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَجْعَلْهُ طَهُورًا لِغَيْرِهَا تَوْسِعَةً عَلَيْهَا وَإِحْسَانًا إلَيْهَا، وَالتَّيَمُّمُ (بَدَلُ طَهَارَةِ مَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهَا يَجِبُ فِعْلُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَهَذَا شَأْنُ الْبَدَلِ (لِ) فِعْلِ (كُلِّ مَا يُفْعَلُ بِهِ) أَيْ: بِالْمَاءِ بِطَهَارَتِهِ، كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ وَقِرَاءَةٍ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ وَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ (عِنْدَ عَجْزٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِعْمَالِ، أَوْ صِفَةٌ لِبَدَلٍ - (عَنْهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - (شَرْعًا) ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلَوْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ حِسًّا (سِوَى نَجَاسَةٍ عَلَى غَيْرِ بَدَنٍ) كَثَوْبٍ وَبُقْعَةٍ، فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهَا، إذْ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا قِيَاسَ يَقْتَضِيهِ، وَسِوَى لُبْثٍ بِمَسْجِدٍ إذَا تَعَذَّرَ الْوُضُوءُ عَاجِلًا وَأَرَادَ اللُّبْثَ لِلْغُسْلِ فِيهِ، فَلَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ لِذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ لِكُلِّ مَا يُفْعَلُ بِهِ، لَكِنْ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ، وَهُوَ الْوُجُوبُ، لَا مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ اتِّفَاقًا. (وَيَتَّجِهُ: وَسِوَى غَسْلِ يَدَيْ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ) ، أَيْ: فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ لِذَلِكَ، (وَ) سِوَى (غَسْلِ ذَكَرٍ وَأُنْثَيَيْنِ، لِخُرُوجِ مَذْيٍ) دُونَهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ نَجِسٌ فَيَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَجَاسَةٌ عَلَى الْبَدَنِ، بِخِلَافِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ نَجَاسَةً فَيَتَيَمَّمُ لَهَا، وَلَا حَدَثًا بَلْ فِي مَعْنَاهُ، فَلَا يَجِبُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَهُوَ) - أَيْ: التَّيَمُّمَ - (عَزِيمَةٌ) كَمَسْحِ الْجَبِيرَةِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، (وَجَوَازُهُ) - أَيْ: التَّيَمُّمَ - (مَعَ) جَوَازِ (أَكْلِ مَيْتَةٍ لِمُضْطَرٍّ) لَيْسَ خَاصًّا بِسَفَرٍ، (وَ) جَوَازُ (صَلَاةٍ) نَافِلَةٍ (عَلَى رَاحِلَةٍ لَيْسَ خَاصًّا بِسَفَرٍ) مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ. قَالَ الْقَاضِي: لَوْ خَرَجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ

فَقَارَبَ الْبُنْيَانَ وَالْمَنَازِلَ، وَلَوْ بِخَمْسِينَ خُطْوَةٍ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ لِضَرُورَةٍ انْتَهَى؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ عُرْفًا، (وَهُوَ) - أَيْ: التَّيَمُّمُ - (مُبِيحٌ) لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا (لَا رَافِعٌ) لِلْحَدَثِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَوْ رَفَعَ الْحَدَثَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ. (وَيَصِحُّ) التَّيَمُّمُ (بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ) : الْأَوَّلُ: (نِيَّةٌ. وَ) الثَّانِي: (إسْلَامٌ. وَ) الثَّالِثُ: (عَقْلٌ. وَ) الرَّابِعُ: (تَمْيِيزٌ. وَ) الْخَامِسُ: (اسْتِنْجَاءٌ) بِمَاءٍ (أَوْ اسْتِجْمَارٌ) بِنَحْوِ حَجَرٍ. (وَ) السَّادِسُ: (إزَالَةُ مَا عَلَى بَدَنِ) الْمُتَيَمِّمِ (مِنْ نَجَاسَةٍ ذَاتِ جُرْمٍ. السَّابِعُ: دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ) يُرِيدُ الْمُتَيَمِّمُ لَهَا، (وَلَوْ) كَانَتْ (مَنْذُورَةً بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ) ، كَمَنْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الزَّوَالِ بِعَشْرِ دُرْجٍ مَثَلًا، (فَلَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ (لِ) صَلَاةٍ (حَاضِرَةٍ) - أَيْ: مُؤَدَّاةٍ - (وَ) لَا لِصَلَاةِ (عِيدٍ قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِهِمَا، وَكَذَا) لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِصَلَاةٍ (رَاتِبَةٍ) قَبْلَ وَقْتِهَا نَصًّا، (وَ) لَا لِصَلَاةٍ (مَنْذُورَةٍ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ دُخُولُهُ كَالْمَفْرُوضَةِ، (وَلَا لِ) صَلَاةٍ (فَائِتَةٍ إلَّا إنْ ذَكَرَهَا، وَأَرَادَ فِعْلَهَا، وَلَا لِ) صَلَاةِ (كُسُوفٍ قَبْلَ وُجُودِهِ) - أَيْ: الْكُسُوفِ، (وَلَا لِ) صَلَاةِ (اسْتِسْقَاءٍ مَا لَمْ يَجْتَمِعُوا) ، أَيْ: النَّاسُ لَهَا. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ (الْمُرَادَ) مِنْ اجْتِمَاعِهِمْ: (اجْتِمَاعُ غَالِبِهِمْ) لِلصَّلَاةِ (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ يَصِحُّ) مِنْهُمْ (صَلَاةُ ذَلِكَ) الِاسْتِسْقَاءِ (بِتَيَمُّمِ) فَاعِلِهَا (لِ) أَجْلِ صَلَاةِ (فَرْضٍ) كَانَ تَيَمَّمَ لَهُ (قَبْلَ) إرَادَةِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، (كَ) مَا لَوْ صَلَّى صَلَاةَ (تَرَاوِيحَ بِتَيَمُّمٍ) لِ (صَلَاةِ عِشَاءٍ) إذْ مَنْ تَيَمَّمَ لِفَرِيضَةٍ، ثُمَّ أُبِيحَتْ نَافِلَةٌ بَعْدَهَا فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا، كَمَا

لَوْ دَخَلَ وَقْتُ مَنْذُورَةٍ بَعْدَ أَنْ تَيَمَّمَ لِلْفَرِيضَةِ خِلَافًا لِلْمَجْدِ، وَمِثْلُهُ مَنْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّتَهَا الْبَعْدِيَّةَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا لِ) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ إلَّا إذَا غُسِّلَ مَيِّتٌ) إنْ أَمْكَنَ (أَوْ يُمِّمَ لِعُذْرٍ) مِنْ نَحْوِ تَقَطُّعٍ، أَوْ عَدَمِ مَاءٍ (وَيَتَّجِهُ عَدَمُ بُطْلَانِ تَيَمُّمِ مُصَلِّينَ بِوُجُودِ مَاءٍ) قَدْرَ مَا (يَكْفِيهِ) أَيْ: الْمَيِّتَ (فَقَطْ) فَيُغَسَّلُ بِذَلِكَ الْمَاءِ، ثُمَّ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، إذْ وُجُودُ الْقَدْرِ الَّذِي غُسِّلَ بِهِ الْمَيِّتُ كَعَدَمِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ وُجِدَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ فِي الصَّلَاةِ فَبَطَلَ تَيَمُّمُهُ وَتَيَمُّمُهُمْ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْمَاءِ وَلَوْ لَمْ يَكْفِ لِجَمِيعِهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَيُغَسَّلُ الْمَيِّتُ، ثُمَّ يُجَدِّدُونَ التَّيَمُّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَعُمُومُ قَوْلِهِ: إلَّا إذَا غُسِّلَ مَيِّتٌ: يَشْمَلُ ذَلِكَ ، (وَلَا لِ) صَلَاةِ (نَفْلٍ وَقْتَ نَهْيٍ) عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ ضَرُورَةً تَتَقَيَّدُ بِالْوَقْتِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الْوَقْتِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ بِلَا عُذْرٍ (وَيَتَّجِهُ) : تَقْيِيدُهُ بِوَقْتِ نَهْيٍ عَنْهُ، أَيْ: عَنْ فِعْلِ صَلَاةٍ نَافِلَةٍ فِيهِ (بِخِلَافِ) مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْهَا فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِجَوَازِ فِعْلِ

(نَحْوِ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ، وَسُنَّةِ فَجْرٍ قَبْلَهَا) ، وَكَذَا سُنَّةُ عَصْرٍ مَجْمُوعَةٍ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِمَا أُبِيحَ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. . الشَّرْطُ (الثَّامِنُ:) (تَعَذُّرُ) اسْتِعْمَالِ (مَاءٍ وَلَوْ) كَانَ التَّعَذُّرُ (بِحَبْسٍ) لِلْمَاءِ بِأَنْ يُوضَعَ الْمَاءُ فِي مَكَان لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَيْهِ، أَوْ الشَّخْصِ عَلَى الْخُرُوجِ فِي طَلَبِهِ، (أَوْ غَيْرِهِ) - أَيْ: الْحَبْسِ - حَضَرًا كَقَطْعِ عَدُوٍّ مَاءَ بَلَدِهِ، (أَوْ) بِسَبَبِ (عَجْزٍ عَنْ تَنَاوُلِهِ) - أَيْ: الْمَاءِ - مِنْ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] ، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ، وَأَمَّا الْآيَةُ: فَلَعَلَّ ذِكْرَ السَّفَرِ فِيهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ كَذِكْرِهِ فِي الرَّهْنِ، فَلَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ مُعْتَبَرًا، (وَلَوْ بِفَمٍ لِفَقْدِ آلَةٍ يَتَنَاوَلُ بِهَا كَمَقْطُوعِ يَدَيْنِ) ، وَصَحِيحٍ عَدِمَ مَا يَسْتَقِي بِهِ مِنْ نَحْوِ بِئْرٍ كَحَبْلٍ وَدَلْوٍ (أَوْ) لِكَوْنِ يَدَيْهِ (نَجِسَتَيْنِ) ، وَالْمَاءُ قَلِيلٌ (فَيَأْخُذُهُ بِفِيهِ، وَيَصُبُّ عَلَى يَدَيْهِ) ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا، وَقَدَرَ عَلَى غَمْسِ أَعْضَائِهِ بِهِ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُهُ. أَوْ تَعَذَّرَ الْمَاءُ مَعَ وُجُودِهِ (لِمَرَضٍ) عَرَضَ لَهُ يَعْجِزُ مَعَهُ عَنْ الْوُضُوءِ بِنَفْسِهِ (مَعَ عَدَمِ مُوَضِّئٍ) لَهُ، أَوْ مَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ مَعَ عَجْزِهِ عَنْهُ (أَوْ) غَيْبَتِهِ عَنْهُ مَعَ (خَوْفِهِ بِانْتِظَارِهِ) - أَيْ: الْمُوَضِّئِ، أَوْ الصَّابِّ - (فَوْتَ وَقْتٍ) (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ (لِاخْتِيَارٍ) كَمَا فِي نَظَائِرِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(أَوْ خَوْفِهِ) - أَيْ: الْمَرِيضِ الْقَادِرِ عَلَى الْوُضُوءِ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ - (بِاسْتِعْمَالِهِ) - أَيْ: الْمَاءِ - (بُطْءَ بُرْءٍ) أَيْ: طُولَ مَرَضٍ، (أَوْ) خَوْفَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ (بَقَاءَ شَيْءٍ فَاحِشٍ) - أَيْ: كَثِيرٍ - (فِي جَسَدِهِ وَلَوْ بَاطِنًا إنْ أَخْبَرَهُ بِهِ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ ثِقَةٌ) . قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَكَذَا لَوْ خَافَ حُدُوثَ نَزْلَةٍ (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، أَيْ: بُطْءَ الْبُرْءِ أَوْ بَقَاءَ الشَّيْنِ (بِنَفْسِهِ) مِنْ غَيْرِ إخْبَارِ طَبِيبٍ إذْ الْإِنْسَانُ غَالِبًا يَعْلَمُ مَا يَضُرُّهُ بِحَسَبِ مَا عَهِدَ مِنْ عَادَتِهِ، وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ مِنْ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ فَهُنَا أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ) خَوْفُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ (ضَرَرَ بَدَنِهِ مِنْ جَرْحٍ) فِيهِ بَعْدَ غَسْلِ مَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ، (أَوْ) مِنْ (بَرْدٍ شَدِيدٍ) ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسَخِّنُ الْمَاءَ بِهِ. (أَوْ) خَوْفُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ (فَوْتَ رُفْقَةٍ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " أَوْ ظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِفَوَاتِ الرُّفْقَةِ، لِفَوَاتِ الْإِلْفِ وَالْأُنْسِ، (أَوْ) خَوْفُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ فَوْتَ (مَالَهُ) . (أَوْ) خَوْفُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ (عَطَشَ نَفْسِهِ حَالًا أَوْ مَآلًا، أَوْ) عَطَشَ (غَيْرِهِ) كَذَلِكَ (مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ مُحْتَرَمَيْنِ، لَا) إنْ خَافَ عَطَشَ (نَحْوِ مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَكَلْبٍ عَقُورٍ) أَوْ أَسْوَدَ بَهِيمٍ (وَزَانٍ مُحْصَنٍ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُحْتَرَمِينَ، (وَعَلَى هَذَا) - أَيْ: عَدَمِ احْتِرَامِ مَنْ ذُكِرَ - (فَيَجِبُ سَقْيُهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - (لِكَلْبٍ

مُحْتَرَمٍ) ، أَيْ: لَا عَقُورٍ، وَلَا أَسْوَدَ بَهِيمٍ، (وَتَرْكُ زَانٍ) مُحْصَنٍ (مُسْلِمٍ وَلَوْ مَاتَ) عَطَشًا، (مَا لَمْ يَتُبْ) تَوْبَةً نَصُوحًا. (أَوْ خَوْفُهُ) بِاسْتِعْمَالِهِ (احْتِيَاجَهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - (لِعَجْنٍ أَوْ طَبْخٍ) ، فَمَنْ خَافَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَالْحَرَجِ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَرَفِيقِهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ فَخَشِيَ الْعَطَشَ أَنَّهُ يُبْقِي مَاءَهُ لِلشُّرْبِ وَيَتَيَمَّمُ. (وَلَا يَحِلُّ) لِمَنْ عِنْدَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ وَمُتَنَجِّسٌ (اسْتِعْمَالُ) الْمَاءِ (الْمُتَنَجِّسِ إذَنْ) - أَيْ: إذَا خَافَ عَطَشًا - فَيَحْبِسُ الطَّاهِرَ، وَيُرِيقُ النَّجِسَ إنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ، وَإِلَّا حَبَسَهُ، (أَوْ) تَعَذَّرَ الْمَاءُ، (لِعَدَمِ بَذْلِهِ إلَّا بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَادَةً عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ فِي مَكَانِهِ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي دَفْعِ الزِّيَادَةِ الْكَثِيرَةِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَحَمُّلُهُ، كَضَرَرِ النَّفْسِ (فَيَتَيَمَّمُ فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا مَرَّ مِنْ الْمَسَائِلِ، (وَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ حَصَلَ مَا خَافَ مِنْهُ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ. (وَيَلْزَمُ) مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَاحْتَاجَهُ (شِرَاءُ مَاءٍ وَحَبْلٍ وَدَلْوٍ) احْتَاجَ إلَيْهِمَا لِيَسْتَقِيَ بِهِمَا (بِثَمَنِ مِثْلٍ أَوْ) شَيْءٍ (زَائِدٍ) عَنْهُ (يَسِيرًا) عَادَةً فِي مَكَانِهِ (فَاضِلٍ) - صِفَةٌ لِثَمَنٍ - (عَنْ حَاجَتِهِ) : كَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَنَفَقَةٍ وَمُؤْنَةِ سَفَرٍ لَهُ وَلِعِيَالِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى ثَمَنِ الْعَيْنِ كَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فِي عَدَمِ جَوَازِ الِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ، وَالزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ لَا أَثَرَ لَهَا، إذْ الضَّرَرُ الْيَسِيرُ قَدْ اُغْتُفِرَ فِي النَّفْسِ فَفِي الْمَالِ أَحْرَى، (وَلَا) يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ (بِدَيْنٍ) وَلَوْ قَدَرَ عَلَى وَفَاءٍ بِبَلَدِهِ، (وَ) يَلْزَمُهُ أَيْضًا (تَحْصِيلُ دَلْوٍ وَحَبْلٍ عَارِيَّةً) مِمَّنْ هُمَا مَعَهُ، (وَ) قَبُولُ (مَاءٍ قَرْضًا) لَا اسْتِقْرَاضُهُ، (وَ) يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ (هِبَةً) لَا اسْتِيهَابَهُ، (وَ) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (ثَمَنِهِ قَرْضًا وَلَهُ وَفَاءٌ) ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِي ذَلِكَ يَسِيرَةٌ فِي الْعَادَةِ فَلَا يَضُرُّ احْتِمَالُهَا، (وَ) لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ ثَمَنِهِ (هِبَةً) لِلْمِنَّةِ، وَلَا اسْتِقْرَاضُ

ثَمَنِهِ (فَإِنْ تَرَكَ مَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ أَوْ تَحْصِيلُهُ مِنْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى) حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَ (أَعَادَ) مَا صَلَّاهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ فَاقِدٍ لِلْمَاءِ (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَيْأَسْ) مَنْ قَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِ أَوْ قَبُولِ مَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ (مِنْهُ) - أَيْ: مِنْ التَّحْصِيلِ أَوْ الْقَبُولِ - (بَعْدَ) ذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ وَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى أَيِسَ مِنْهُ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ، كَمَنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ - (وَيَتَيَمَّمُ بَعْدَ إيَاسِهِ) مِنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. (وَيَجِبُ) عَلَى مَنْ مَعَهُ مَاءٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَةِ شُرْبِهِ (بَذْلُهُ لِعَطْشَانَ مُحْتَرَمٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ) ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا؛ لِأَنَّهُ إنْقَاذٌ مِنْ هَلَكَةٍ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ، (فَإِنْ تَوَضَّأَ) بِفَاضِلٍ عَنْهُ (إذَنْ) - أَيْ: وَقْتَ عَطَشِ الْمُحْتَرَمِ الْمُحْتَاجِ (حَرُمَ) عَلَيْهِ، (وَصَحَّ) وُضُوءُهُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ عَنْ ذَاتِ الْمَاءِ. وَ (لَا) يَلْزَمُ بَذْلُ الْمَاءِ (لِطَهَارَةِ غَيْرِهِ بِحَالٍ) ، سَوَاءٌ كَانَ يَجِدُ غَيْرَهُ أَوْ لَا، طَلَبَهُ بِثَمَنِهِ أَوْ لَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ لَا يَجِبُ بَذْلُهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا. (وَيُيَمَّمُ) وُجُوبًا (رَبُّ مَاءٍ مَاتَ) بَدَلَ غُسْلِهِ (لِعَطَشِ رَفِيقِهِ) ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا، (وَيَغْرَمُ) رَفِيقُهُ (ثَمَنَهُ) - أَيْ: قِيمَةَ الْمَاءِ - (مَكَانَهُ وَقْتَ إتْلَافِهِ) لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ لِانْتِقَالِهِ إلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ (مَعَ أَنَّهُ مِثْلِيٌّ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْوَرَثَةِ، إذْ الْمَاءُ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْحَضَرِ غَالِبًا، (وَمُقْتَضَاهُ) أَنَّ (كُلَّ مِثْلِيٍّ أُتْلِفَ حَالَ غَلَائِهِ) يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ مَكَانَهُ وَقْتَ التَّلَفِ، مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْوَاجِبُ الْمِثْلُ. (وَمَنْ) (أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِهِ) - أَيْ:

الْمَاءِ - (ثُمَّ يَجْمَعَهُ وَيَشْرَبَهُ) بَعْدَ وُضُوئِهِ (لَمْ يَلْزَمْهُ) ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ (وَيَتَّجِهُ) : عَدَمُ لُزُومِ مُتَطَهِّرٍ جَمْعُ مَاءٍ إلَّا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ (لِ) عَطَشِ (بَهِيمَةٍ) مُحْتَرَمَةٍ، فَيَجْمَعُهُ وَيَسْقِيهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا (لَا تَعَافُهُ) ، وَمَعَ خَوْفِ تَلَفِهَا (يَلْزَمُهُ) جَمْعُهُ اسْتِبْقَاءً لَهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ) (قَدَرَ عَلَى) اسْتِخْرَاجِ (مَاءِ بِئْرٍ بِثَوْبٍ) يُدْلِيهِ فِيهَا (يَبُلُّهُ،) ثُمَّ يُخْرِجُهُ (فَيَعْصِرُهُ) (لَزِمَهُ) ذَلِكَ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمَاءِ (مَا لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ) - أَيْ: الثَّوْبِ بِذَلِكَ - (أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مَاءٍ) فَلَا يَلْزَمُهُ، كَشِرَائِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، وَحَيْثُ لَزِمَهُ فَعَلَ، (وَلَوْ خَافَ فَوْتَ وَقْتٍ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُ آلَةُ الِاسْتِسْقَاءِ الْمُعْتَادَةُ. (وَيَتَّجِهُ: لَا إنْ كَانَ مُسَافِرًا) فَقَدِمَ، (لِمَا يَأْتِي) قَرِيبًا مِنْ أَنَّهُ إذَا وَصَلَ مُسَافِرٌ إلَى مَاءٍ بِضِيقِ وَقْتٍ، أَوْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ لَكِنْ عَلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَهُ فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فِي الْوَقْتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ) (بِبَدَنِهِ نَحْوُ جُرْحٍ) كَقُرُوحٍ أَوْ رَمَدٍ، وَتَضَرَّرَ بِغَسْلِ ذَلِكَ، وَهُوَ جُنُبٌ أَوْ مُحْدِثٌ، (وَلَا ضَرَرَ بِمَسْحِهِ، وَلَيْسَ بِنَجِسٍ:) (وَجَبَ) عَلَيْهِ الْمَسْحُ بِالْمَاءِ. قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " (وَأَجْزَأَ عَنْ تَيَمُّمٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ

بِالْمَاءِ بَعْضُ الْغُسْلِ وَقَدَرَ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَكَمَنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، وَقَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَضَرَّرَ بِمَسْحِهِ أَيْضًا (تَيَمَّمَ لَهُ) - أَيْ: الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ - دَفْعًا لِلْحَرَجِ، (وَ) يَتَيَمَّمُ (لِمَا يَتَضَرَّرُ بِغَسْلِهِ أَوْ مَسْحِهِ مِمَّا قَرُبَ) مِنْ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ، (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ضَبْطِهِ) أَيْ: الْجَرِيحِ، وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، (وَقَدَرَ أَنْ يَسْتَنِيبَ) مَنْ يَضْبِطُهُ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَنْ حَاجَتِهِ (لَزِمَهُ) أَنْ يَسْتَنِيبَ لِيُؤَدِّيَ الْفَرْضَ وَإِلَّا بِأَنْ عَجَزَ عَنْ الِاسْتِنَابَةِ أَيْضًا (تَيَمَّمَ) وَصَلَّى وَأَجْزَأَتْهُ. (وَيَلْزَمُ مِنْ جُرْحِهِ وَنَحْوِهِ بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إذَا تَوَضَّأَ لَا إنْ اغْتَسَلَ تَرْتِيبٌ) ، لِوُجُوبِهِ فِي الْوُضُوءِ (فَيَتَيَمَّمُ لَهُ) أَيْ: لِلْعُضْوِ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ (عِنْدَ غُسْلِهِ لَوْ كَانَ صَحِيحًا) حَالَ كَوْنِهِ (نَاوِيًا بِتَيَمُّمِهِ عَنْ غَسْلِهِ) ، أَيْ: الْعُضْوِ الْجَرِيحِ، (وَيُخَيَّرُ) مَنْ بِهِ جُرْحٌ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ (بَيْنَ غَسْلِ صَحِيحِهِ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْعُضْوِ، (ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لَهُ) - أَيْ: الْجُرْحِ - (أَوْ عَكْسِهِ) : بِأَنْ يَتَيَمَّمَ أَوَّلًا لِلْجَرِيحِ، ثُمَّ يَغْسِلَ الصَّحِيحَ، (مَا لَمْ يَعُمَّهُ) - أَيْ: الْعُضْوَ - (جُرْحٌ فَيَتَيَمَّمُ لَهُ) فِي مَحَلِّ غَسْلِهِ، (ثُمَّ يَغْسِلَ مَا بَعْدَهُ) مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ، (وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ وَنَحْوُهُ (فِي بَعْضِ كُلِّ) عُضْوٍ (مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوءٍ، لَزِمَ) مُتَوَضِّئًا (فِي كُلِّ عُضْوٍ تَيَمُّمٌ) فِي مَحَلِّ غَسْلِهِ لِئَلَّا يُخِلَّ بِالتَّرْتِيبِ (مَا لَمْ تَعُمَّهَا) - أَيْ: أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ - (جِرَاحَةٌ) أَوْ نَحْوُهَا، (فَيَكْفِي) عَنْ جَمِيعِهَا (تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ) كَفَاقِدِ الْمَاءِ. (وَلَوْ غَسَلَ صَحِيحٌ وَجْهَهُ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِجَرِيحِهِ وَجَرِيحِ يَدَيْهِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا لَمْ يُجِزْهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ نَائِبٌ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عَلَى حِدَتِهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ التَّرْتِيبِ (بَلْ) يَجِبُ (لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ (تَيَمُّمٌ) مُسْتَقِلٌّ

يَنْوِي بِهِ الْبَدَلَ عَنْ غَسْلِ الْجَرِيحِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِي غَيْرِ الْجَرِيحِ يُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّهُ هُنَا يُعْتَبَرُ كُلُّ عُضْوٍ عَلَى حِدَتِهِ. (وَتَلْزَمُ) مَجْرُوحًا بِبَعْضِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ إذَا تَوَضَّأَ (مُوَالَاةٌ) ، لِوُجُوبِهَا فِيهِ، فَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ بِرِجْلِهِ، وَتَيَمَّمَ لَهُ عِنْدَ غَسْلِهَا وَمَضَى زَمَنٌ تَفُوتُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، (فَيُعِيدُ غَسْلَ الصَّحِيحِ عِنْدَ كُلِّ تَيَمُّمٍ بَطَلَ بِخُرُوجِ وَقْتٍ أَوْ غَيْرِهِ) ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ غَسْلَهُ حَتَّى فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ لَا تَفُوتُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ أَنَّهُ يُعِيدُ التَّيَمُّمَ فَقَطْ، وَلَمْ تَبْطُلْ طَهَارَةُ الْمَاءِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْحِ الْخُفِّ مِنْ أَنَّ الْقَدَمَ إذَا وَصَلَ إلَى سَاقِ الْخُفِّ يَسْتَأْنِفُ الطَّهَارَةَ وَلَوْ لَمْ تَفُتْ الْمُوَالَاةُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَإِذَا خَلَعَهُ عَادَ الْحَدَثُ، وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي الثُّبُوتِ، وَالتَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُ حَدَثًا عَمَّا تَيَمَّمَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا مُبِيحٌ فَإِذَا بَطَلَ قَبْلَ فَوَاتِ الْمُوَالَاةِ أُعِيدَ فَقَطْ، قَالَهُ فِي " حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى ". (وَفِي) الْحَدَثِ (الْأَكْبَرِ لَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِمَاءٍ بِخُرُوجِ وَقْتٍ) ، فَلَوْ اغْتَسَلَ نَحْوُ جُنُبٍ بِهِ نَحْوُ جُرْحٍ فَتَيَمَّمَ لَهُ، وَخَرَجَ الْوَقْتُ، لَمْ تَبْطُلْ طَهَارَةُ الْمَاءِ (وَتَيَمَّمَ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى تَرْتِيبٌ، وَلَا مُوَالَاةٌ. (وَإِنْ) (وَجَدَ مُحْدِثٌ مُطْلَقًا) حَدَثًا أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ (مَاءً لَا يَكْفِي لِطَهَارَتِهِ) (وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ) ذَلِكَ الْمَاءَ (ثُمَّ تَيَمَّمَ لِبَاقٍ) ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الشَّرْطِ فَلَزِمَهُ كَالسُّتْرَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَيَمَّمَ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] فَاعْتُبِرَ اسْتِعْمَالُهُ أَوَّلًا لِيَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْمَاءِ، وَلِيَتَمَيَّزَ الْمَغْسُولُ عَنْ غَيْرِهِ لِيَعْلَمَ مَا تَيَمَّمَ لَهُ. وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ وَجَدَ مَاءً طَهُورًا يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ. (وَيَتَّجِهُ:) (أَوْلَوِيَّةُ تَقْدِيمِ) غُسْلِ (أَعْضَاءِ وُضُوءٍ فِي) حَدَثٍ (أَكْبَرَ) ،

فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ غَسَلَ فِيهِ مَا أَمْكَنَ غَسْلُهُ، وَتَيَمَّمَ عَنْ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ عَنْ وُضُوئِهِ تَيَمَّمَ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَكَذَا) حُكْمُ (تُرَابٍ) يَسِيرٍ وَجَدَهُ لَا يَكْفِي اسْتَعْمَلَهُ لِلتَّيَمُّمِ وَصَلَّى، يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ، وَظَاهِرُهُ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، خِلَافًا " لِلرِّعَايَةِ " فِيهِمَا. وَيُقَدِّمُ مُحْدِثٌ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَعِنْدَهُ مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمَا فَقَطْ (غَسْلَ نَجَاسَةٍ عَلَى) التَّطَهُّرِ مِنْ (حَدَثٍ) وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بُقْعَتِهِ فَكَذَلِكَ، (وَ) إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ (فِي عُضْوِ حَدَثٍ) كَالْيَدِ مَثَلًا فَإِنَّهُ (يَسْتَعْمِلُهُ) - أَيْ: الْمَاءَ - (فِيهِ) أَيْ فِي الْعُضْوِ النَّجِسِ - (عَنْهُمَا) - أَيْ: عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجِسِ - قَالَ الْمَجْدُ قُلْتُ: وَهَذَا وَاضِحٌ إنْ كَانَ الْحَدَثُ أَكْبَرَ، فَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ فَعَلَى كَلَامِهِمْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَبْقَى لِلنَّجَاسَةِ مَا يُزِيلُهَا بَعْدَ مُرَاعَاتِهِ قَدَّمَهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ انْتَهَى وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِ النَّجَاسَةِ تَحْقِيقًا لِشَرْطِهِ. (وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ لَزِمَهُ إذَا خُوطِبَ بِصَلَاةٍ) بِأَنْ دَخَلَ وَقْتُهَا (طَلَبُهُ) - أَيْ: الْمَاءَ - (فِي رَحْلِهِ) ، أَيْ: مَسْكَنِهِ وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنْ أَثَاثٍ، (وَمَا قَرُبَ) مِنْهُ (عَادَةً) ، فَيُفَتِّشُ مِنْ رَحْلِهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ، وَيَسْعَى فِي جِهَاتِهِ الْأَرْبَعِ (فَيَنْظُرُ أَمَامَهُ) وَوَرَاءَهُ وَيَمِينَهُ (وَشِمَالَهُ) إلَى مَا قَرُبَ مِنْهُ مِمَّا عَادَةُ الْقَوَافِلِ السَّعْيُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَبُ فِيهِ الْمَاءُ عَادَةً، (فَإِنْ رَأَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْمَاءِ - مِنْ خُضْرَةٍ أَوْ رَبْوَةٍ أَوْ شَيْءٍ قَائِمٍ، (قَصَدَهُ فَاسْتَبْرَأَهُ) لِيَتَحَقَّقَ شَرْطُ التَّيَمُّمِ، وَيَلْزَمُهُ

أَيْضًا طَلَبُهُ (مِنْ رَفِيقِهِ بِبَيْعٍ) بِثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ زَائِدٍ يَسِيرًا (أَوْ بَذْلٍ) لَهُ (وَيَسْأَلُ) ذَوِي الْخِبْرَةِ بِتِلْكَ الْأَمَاكِنِ مِنْ رُفْقَتِهِ (عَنْ مَوَارِدِهِ) - أَيْ: الْمَاءِ - (مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمُهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - (لَا إنْ ظَنَّ) عَدَمَهُ فَيَسْأَلَ عَنْهُ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَحَيْثُ تَحَقَّقَ عَدَمُهُ (فَلَا يَلْزَمُهُ إذَنْ طَلَبٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِطَلَبِ شَيْءٍ مُتَحَقِّقِ الْعَدَمِ، (وَيَتَيَمَّمُ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ عَادِمًا لِلْمَاءِ، (وَقَبْلَ طَلَبٍ لَا يَصِحُّ) تَيَمُّمُهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ. (وَيَلْزَمُهُ) طَلَبُ الْمَاءِ (لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا وَبِشُرُوطِهَا كُلَّمَا دَخَلَ وَقْتُهَا. (وَمَنْ) (تَيَمَّمَ) لِعَدَمِ الْمَاءِ (ثُمَّ رَأَى مَا يَشُكُّ مَعَهُ وُجُودَ مَاءٍ) كَخُضْرَةٍ وَرَكْبٍ قَادِمٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَاءٌ (بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِوُجُوبِ طَلَبِهِ) عَلَيْهِ، (لَا) إنْ كَانَ (فِي صَلَاةٍ) ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا فَلَا تَبْطُلُ، وَلَا تَيَمُّمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ إذَنْ (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (إلَّا) إنْ رَأَى مَا يَشُكُّ مَعَهُ وُجُودَ مَاءٍ (مَعَ ظَنٍّ) فَإِنْ قَارَنَ رُؤْيَتَهُ ظَنُّ وُجُودِ مَاءٍ (فَيَبْطُلُ) تَيَمُّمُهُ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى الظَّنِّ لَكِنْ فِي " الْمُغْنِي " " وَالْكَافِي " مَا يُخَالِفُهُ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ وَجَدَ رَكْبًا، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُ الْمَاءِ فِيهِ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، نَعَمْ: إنْ تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ بَطَلَ. (تَنْبِيهٌ) إذَا كَانَ سَائِرًا طَلَبَهُ أَمَامَهُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ فِي طَلَبِهِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ ضَرَرًا بِهِ (فَإِنْ دَلَّهُ) - أَيْ: أَرْشَدَهُ - (عَلَيْهِ ثِقَةٌ) ، وَهُوَ: الْعَدْلُ الضَّابِطُ، وَلَوْ مَسْتُورَ الْحَالِ لَزِمَهُ قَصْدُهُ (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) دَلَّهُ عَلَيْهِ (مَنْ يَثِقُ

بِصِدْقِهِ) ، ظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ عَلِمَهُ قَرِيبًا عُرْفًا فَلَا اعْتِبَارَ بِمِيلٍ أَوْ أَكْثَرَ) كَمِيلَيْنِ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَقِيلَ: فَرْسَخٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، (وَلَمْ يَخَفْ بِقَصْدِهِ) الْمَاءَ (فَوْتَ وَقْتٍ وَلَوْ لِاخْتِيَارٍ، أَوْ فَوْتَ رُفْقَةٍ، أَوْ) مُوَافَاةَ (عَدُوٍّ) أَوْ فَوْتَ (مَالٍ أَوْ) لَمْ يَخَفْ (عَلَى نَفْسِهِ) نَحْوَ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ، (وَلَوْ) كَانَ خَوْفُهُ (مِنْ فُسَّاقٍ) كَكَوْنِهِ أَمْرَدَ أَوْ امْرَأَةً، (أَوْ) كَانَ خَوْفُهُ مِنْ (غَرِيمٍ يَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهِ) ؛ (لَزِمَهُ قَصْدُهُ) ، وَلَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ إذَنْ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، (فَإِنْ خَافَ شَيْئًا مِمَّا مَرَّ لَا) إنْ كَانَ خَوْفُهُ (جَنْبًا) بِأَنْ كَانَ يَخَافُ بِلَا سَبَبٍ يَخَافُ مِنْهُ كَمَنْ يَخَافُ بِاللَّيْلِ بِلَا مُقْتَضٍ لِلْخَوْفِ، فَلَا يَلْتَفِتُ إلَى خَوْفِهِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّيَمُّمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ نَصًّا، أَوْ خَافَ بِقَصْدِهِ الْمَاءَ شُرُودَ دَابَّتِهِ، أَوْ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ لِصٌّ أَوْ سَبُعٌ (تَيَمَّمَ) وَسَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَقْتِ بِلَا ضَرَرٍ فَأَشْبَهَ عَادِمَهُ، (وَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى الْأَمْنِ. (وَلَا تَيَمُّمَ مَعَ قُرْبِ مَاءٍ كَخَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ جِنَازَةٍ) بِالْوُضُوءِ، (وَلَا) لِخَوْفِ فَوْتِ (وَقْتِ فَرْضٍ إلَّا هُنَا) أَيْ: (فِيمَا) إذَا عَلِمَ الْمُسَافِرُ الْمَاءَ أَوْ دَلَّهُ عَلَيْهِ ثِقَةٌ قَرِيبًا، وَخَافَ بِقَصْدِهِ فَوْتَ الْوَقْتِ (وَفِيمَا إذَا وَصَلَ مُسَافِرٌ إلَى مَاءٍ بِضِيقِ وَقْتٍ) عَنْ طَهَارَتِهِ (أَوْ) لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ عَنْهَا، لَكِنْ (عَلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ) - يَسْتَعْمِلُهُ - (إلَّا بَعْدَهُ) - أَيْ: الْوَقْتِ - وَلَوْ لِلِاخْتِيَارِ فَيَتَيَمَّمُ، لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَقْتِ فَاسْتُصْحِبَ حَالُ عَدَمِهِ لَهُ بِخِلَافِ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ، وَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ أَخَّرَ حَتَّى ضَاقَ فَكَالْحَاضِرِ، لِتَحَقُّقِ قُدْرَتِهِ. (وَمَنْ) (خَافَ لِسَبَبٍ ظَنَّهُ) يُبِيحُ لَهُ التَّيَمُّمَ (فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ، كَسَوَادٍ

ظَنَّهُ عَدُوًّا أَوْ كَلْبٍ) ظَنَّهُ (نَمِرًا، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى) (لَمْ يُعِدْ) ، لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ فِي الْأَسْفَارِ. (وَمَنْ خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ) إلَى أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِ بَلَدِهِ (لِنَحْوِ حَرْثٍ) ، كَاحْتِطَابٍ (أَوْ صَيْدٍ حَمَلَهُ) - أَيْ: الْمَاءَ - مَعَهُ، ظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ الْوَقْتُ (إنْ أَمْكَنَهُ) حَمْلَهُ بِلَا مَشَقَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ إذَنْ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَمَتَى حَمَلَهُ وَفَقَدَهُ، أَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ (تَيَمَّمَ) (إنْ فَاتَتْ حَاجَتُهُ) الَّتِي خَرَجَ لَهَا (بِرُجُوعِهِ) إلَى الْمَاءِ (وَلَا يُعِيدُ) صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُسَافِرَ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى، (وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَرْضِ قَرْيَتِهِ إلَى) أَرْضٍ (غَيْرَهَا) ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَعِيدِ السَّفَرِ وَقَرِيبِهِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [المائدة: 6] (وَأَعْجَبَ) الْإِمَامَ (أَحْمَدَ حَمْلُ تُرَابِ تَيَمُّمٍ) احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ (وَعِنْدَ الشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ (وَغَيْرِهِ) مِنْ الْأَصْحَابِ: (لَا يَحْمِلُهُ، وَاسْتَظْهَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَصَوَّبَهُ) فِي " الْإِنْصَافِ "، (وَ) تَبِعَهُ (فِي " الْإِقْنَاعِ ") إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ فِعْلُ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ أَسْفَارِهِمْ، (وَمَا قَالَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَظْهَرُ وَأَصْوَبُ خَشْيَةَ) فِعْلِ (صَلَاةٍ يَرَى كَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ لُزُومَ إعَادَتِهَا) ، فَكَانَ الْخُرُوجُ مِنْ خِلَافِهِمْ أَوْلَى. (وَمَنْ فِي الْوَقْتِ) - أَيْ: وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ - (أَرَاقَهُ) - أَيْ: الْمَاءَ - (عَمْدًا، أَوْ مَرَّ بِهِ) - أَيْ: الْمَاءَ - (وَأَمْكَنَهُ طُهْرٌ مِنْهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ، وَ) هُوَ (يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ) فِي الْوَقْتِ لِغَيْرِ مَنْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لَهُ، (حَرُمَ) عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ فِي (الْكُلِّ، وَلَمْ يَصِحَّ عَقْدٌ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَصِحَّ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ كَأُضْحِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ. (ثُمَّ إنْ) (تَيَمَّمَ) لِعَدَمِ غَيْرِهِ (عَاجِزًا عَنْ اسْتِرْدَادِ) مَاءٍ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ (وَصَلَّى) (لَمْ يُعِدْ) ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ حَالَ التَّيَمُّمِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا إثْمَ وَلَا إعَادَةَ بِالْأَوْلَى.

(وَيَتَّجِهُ: بُطْلَانُ طُهْرِ مُشْتَرٍ) بِهِ (وَمُتَّهَبٍ بِهِ) ، أَيْ: بِالْمَاءِ الْمَبِيعِ أَوْ الْمَوْهُوبِ فِي الْوَقْتِ (بَعْدَ طَلَبِ) بَائِعٍ أَوْ وَاهِبٍ (اسْتِرْدَادَهُ) مِنْ مُشْتَرٍ وَمُتَّهَبٍ، فَلَا يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ مِنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ، لِتَعَلُّقِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - بِهِ إنْ عَلِمَ الْآخِذُ فَسَادَ الْعَقْدِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَالْمَغْصُوبِ فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى مِلْكٍ مَأْخُوذٍ مِنْهُ (مَعَ لُزُومِ) مُشْتَبِهٍ (ثَمَنُهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - أَيْ: ثَمَنُ مِثْلِهِ فِي مَحَلِّ بَيْعٍ إذَا تَلِفَ أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِرْدَادُهُ، وَ (لَا) يُؤْخَذُ ثَمَنٌ مُسَمًّى فِي عَقْدٍ (لِفَسَادِهِ) - أَيْ: الْعَقْدِ - بِخِلَافِ مَاءٍ مَوْهُوبٍ تَلِفَ فَلَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ وَبِهِ الْمَاءُ وَقَدْ طَلَبَهُ) - أَيْ: رَحْلَهُ - فَلَمْ يَجِدْهُ، فَتَيَمَّمَ أَجْزَأَهُ، (أَوْ) ضَلَّ (عَنْ مَوْضِعِ بِئْرٍ كَانَ يَعْرِفُهَا) وَكَانَتْ بِقُرْبِهِ، وَلَوْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي نَفْسِهَا لَكِنْ أَعْلَامَهَا خَفِيَّةٌ وَضَلَّ عَنْهَا، (فَتَيَمَّمَ:) (أَجْزَأَهُ، وَ) لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ (لَوْ وَجَدَ مَا ضَلَّ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ حَالَ تَيَمُّمِهِ عَادِمٌ الْمَاءَ فَدَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ. (أَوْ بَانَ بَعْدَ) التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ (بِقُرْبِهِ بِئْرٌ خَفِيَّةٌ لَمْ يَعْرِفْهَا) فَلَا إعَادَةَ، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، (لَا) إنْ كَانَتْ أَعْلَامُهَا (ظَاهِرَةً) ، فَيُعِيدُ (لِتَفْرِيطِهِ) ، وَكَذَا لَوْ كَانَ يَعْرِفُهَا مَعَ ظُهُورِ أَعْلَامِهَا لَكِنَّهُ ضَلَّ عَنْهَا أَوْ نَسِيَهَا أَوْ كَانَتْ أَعْلَامُهَا خَفِيَّةً وَيَعْرِفُهَا، لَكِنَّهُ نَسِيَهَا. وَ (لَا) يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ (إنْ نَسِيَهُ)

أَيْ الْمَاءَ - بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ وُصُولُهُ إلَيْهِ، (أَوْ نَسِيَ مَا يُحَصِّلُهُ بِهِ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ آلَةٍ) كَحَبْلٍ أَوْ دَلْوٍ، (أَوْ جَهِلَهُ) - أَيْ الْمَاءَ - (بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ وُصُولُهُ) إلَيْهِ (كَ) كَوْنِهِ (مَعَ عَبْدِهِ، أَوْ) نَسِيَهُ (فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ) وَصَلَّى فَلَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ مَعَ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ فَلَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ (كَمُصَلٍّ) نَاسٍ حَدَثَهُ، وَكَمُصَلٍّ (عُرْيَانًا أَوْ مُكَفِّرٍ بِصَوْمٍ نَاسِيًا لِسُتْرَةٍ وَرَقَبَةٍ) فَلَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ وَلَا يُجْزِئُهُ صَوْمُهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ. (وَيَصِحُّ تَيَمُّمٌ بِشَرْطِهِ لِكُلِّ حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيَكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِحَدِيثِ عَمَّارٍ وَحَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ انْقَطَعَ دَمُهُمَا كَجُنُبٍ (وَ) يَتَيَمَّمُ (لِ) كُلِّ جَنَابَةٍ بِبَدَنِ مُتَيَمِّمٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، لِعَدَمِ مَاءٍ وَلِضَرَرٍ بِبَدَنِهِ، وَلَوْ كَانَ الضَّرَرُ مِنْ بَرْدٍ حَضَرًا مَعَ عَدَمِ مَا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءَ (بَعْدَ تَخْفِيفِهَا مَا أَمْكَنَ) بِحَكِّ يَابِسَةٍ، وَمَسْحِ رَطْبَةٍ لُزُومًا - أَيْ: وُجُوبًا - فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهَا فِي الْجُمْلَةِ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مَحَلٍّ صَحِيحٍ أَوْ جَرِيحٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» وَلِقَوْلِهِ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ. (وَإِنْ) (تَعَذَّرَ) عَلَى مُرِيدِ الصَّلَاةِ (مَاءٌ وَتُرَابٌ لِعَدَمِهِمَا) كَمَنْ حُبِسَ بِمَحَلٍّ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا تُرَابَ، (أَوْ لِقُرُوحٍ) أَوْ جِرَاحَاتٍ (لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَةِ بِمَاءٍ) وَلَا تُرَابٍ، وَكَذَا مَرِيضٌ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَعَمَّنْ يُطَهِّرُهُ بِأَحَدِهِمَا (صَلَّى الْفَرْضَ فَقَطْ) دُونَ النَّوَافِلِ (وُجُوبًا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ

شَرْطٌ فَلَمْ تُؤَخَّرْ الصَّلَاةُ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالسُّتْرَةِ، (وَلَا يَزِيدُ) عَادِمُ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ (عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي صَلَاةٍ مِنْ قِرَاءَةٍ وَغَيْرِهَا) فَلَا يَقْرَأُ زَائِدًا عَلَى الْفَاتِحَةِ، وَلَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَتَعَوَّذُ وَلَا يُبَسْمِلُ وَلَا يُسَبِّحُ زَائِدًا عَلَى الْمَرَّةِ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي طُمَأْنِينَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ جُلُوسٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ رَكَعَ فِي الْحَالِ، وَإِذَا فَرَغَ مِمَّا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ نَهَضَ أَوْ سَلَّمَ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ ضَرُورَةٍ فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَاجِبِ، إذْ لَا ضَرُورَةَ لِلزَّائِدِ. (وَيَتَّجِهُ) مَنْعُ مُحْدِثٍ حَدَثًا أَصْغَرَ مِنْ قِرَاءَةِ زَائِدٍ عَلَى الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا (نَدْبًا) إذْ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ خَارِجَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَثْبُتُ مَعَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ، وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبِ، (وَ) أَمَّا (فِي) قِرَاءَةِ (زَائِدٍ عَنْ الْفَاتِحَةِ لِجُنُبٍ) فَيَمْتَنِعُ (وُجُوبًا) ، لِتَحْرِيمِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجُنُبِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَلَأَنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ فِيهَا عَلَى مَا يُجْزِئُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَفِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " " وَالْفُرُوعِ " مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الِاتِّجَاهَ.

(وَلَا يَقْرَأُ) إنْ كَانَ جُنُبًا (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) لِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، (وَتَبْطُلُ) صَلَاتُهُ (بِحَدَثٍ وَنَحْوِهِ) كَنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا (فِيهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لَهَا، فَأَبْطَلَهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَلَوْ مَاتَ إنْسَانٌ وَلَا مَاءَ وَلَا تُرَابَ؛ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنْ وُجِدَ الْمَاءُ أَوْ التُّرَابُ غُسِّلَ أَوْ يُمِّمَ وَأُعِيدَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وُجُوبًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُتَطَهِّرًا بِمَاءٍ أَوْ تُرَابٍ، وَيَجُوزُ نَبْشُهُ لِوُجُودِ أَحَدِهِمَا، مَعَ أَمْنِ تَفَسُّخِهِ، (وَلَا) تَبْطُلُ (بِخُرُوجِ وَقْتٍ) بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ. (وَلَا يَؤُمُّ عَادِمُهُمَا) أَيْ: الْمَاءِ وَالتُّرَابِ (مُتَطَهِّرًا بِأَحَدِهِمَا) - أَيْ: بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ - كَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوطِ لَا يَؤُمُّ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي الصَّلَاةِ فَكَالْمُتَيَمِّمِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ (لَا عَكْسِهِ) ، فَيَؤُمُّ مُتَطَهِّرٌ بِمَاءٍ أَوْ تُرَابٍ عَادِمَهُمَا. (وَيَتَّجِهُ) (تَيَمُّمُهُ) - أَيْ: فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ - (عِنْدَ عَدَمِ تُرَابٍ بِكُلِّ مَا تَصَاعَدَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَحْوِ رَمْلٍ كَنَحِيتِ حِجَارَةٍ، وَجِصٍّ وَنَوْرَةِ) كُحْلٍ (أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ) ، كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ. (وَإِنْ وَجَدَ) عَادِمُ مَاءٍ (ثَلْجًا) ، وَتَعَذَّرَ تَذْوِيبُهُ مَسَحَ بِهِ أَعْضَاءَهُ لُزُومًا؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ جَامِدٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إلَّا كَذَلِكَ فَوَجَبَ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»

وَظَاهِرُهُ لَا يَتَيَمَّمُ مَعَ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ، (وَصَلَّى وَلَمْ يُعِدْ) صَلَاتَهُ (إنْ جَرَى الثَّلْجُ) - أَيْ: سَالَ - (بِمَسِّ) الْأَعْضَاءِ الْوَاجِبِ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ غَسْلًا خَفِيفًا، وَإِلَّا يَجْرِ بِمَسٍّ أَعَادَ صَلَاتَهُ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى بِلَا تَيَمُّمٍ مَعَ وُجُودِ طِينٍ يَابِسٍ، لِعَدَمِ وُجُودِ مَا يَدُقُّهُ بِهِ كَحَجَرٍ وَنَحْوَهُ، لِيَصِيرَ لَهُ غُبَارٌ (وَيَتَّجِهُ: الْأَصَحُّ) أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ تَذْوِيبِ الثَّلْجِ، أَوْ دَقِّ الطِّينِ الْيَابِسِ، وَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَ (لَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ (لِتَعَذُّرِ الِاسْتِعْمَالِ فِيهِمَا كَ) مَا لَا إعَادَةَ عَلَى (سَائِرٍ بِطِينٍ) تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَره الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لَكِنَّ نُصُوصَهُمْ صَرِيحَةٌ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ احْتِيَاطًا وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. الشَّرْطُ (التَّاسِعُ: تُرَابٌ) ، فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمٌ بِرَمْلٍ أَوْ نَوْرَةٍ أَوْ جِصٍّ أَوْ نَحْتِ حِجَارَةٍ وَنَحْوِهِ (طَهُورٌ) بِخِلَافِ مَا تَنَاثَرَ مِنْ الْمُتَيَمِّمِ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ أَبَاحَتْ الصَّلَاةَ، أَشْبَهَ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي طَهَارَةٍ وَاجِبَةٍ، وَإِنْ

تَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ صَحَّ، كَمَا لَوْ تَوَضَّئُوا مِنْ حَوْضٍ يَغْتَرِفُونَ مِنْهُ، (مُبَاحٌ) فَلَا يَصِحُّ بِمَغْصُوبٍ كَالْوُضُوءِ بِهِ، (غَيْرُ مُحْتَرِقٍ) ، لِخُرُوجِهِ عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ، (يَعْلَقُ غُبَارُهُ) بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا (عَلَى أَيِّ لَوْنٍ كَانَ) مِنْ بَيَاضٍ أَوْ سَوَادٍ أَوْ غَيْرِهِ، (فَيُجْزِئُ لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِبْدٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ بَرْذَعَةِ حِمَارٍ بَلْ وَ) عَلَى عَدْلِ (شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ) ، كَعَلَى بِسَاطٍ أَوْ صَخْرَةٍ (مِمَّا عَلَيْهِ غُبَارٌ) طَاهِرٌ حَتَّى مَعَ وُجُودِ تُرَابٍ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ. و (لَا) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِضَرْبِهِ عَلَى (مَا لَا) غُبَارَ عَلَيْهِ (يَعْلَقُ) بِالْيَدِ كَالْأَرْضِ السَّبْخَةِ وَالرَّمْلِ، (أَوْ) كَانَ مَا تَيَمَّمَ بِهِ (مَعْدِنًا كَنَوْرَةٍ وَزِرْنِيخٍ وَسَحَاقَةِ خَزَفٍ، وَحَجَرٍ) دَقَّهُ حَتَّى صَارَ تُرَابًا، فَلَا يَصِحُّ، (أَوْ) كَانَ تَيَمُّمُهُ بِتُرَابٍ (طَاهِرٍ، وَهُوَ: مَا تَيَمَّمَ بِهِ) جَمَاعَةٌ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، (لَا) إنْ تَيَمَّمُوا (مِنْهُ) - أَيْ: التُّرَابِ - كَمَا لَوْ تَوَضَّئُوا مِنْ حَوْضٍ كَبِيرٍ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِتُرَابٍ (نَجِسٍ) يَقِينًا (فَلَوْ تَيَمَّمَ بِتُرَابٍ عَلَى ظَهْرِ كَلْبٍ لَمْ يَصِحَّ) تَيَمُّمُهُ (إنْ عَلِمَ الْتِصَاقَهُ) - أَيْ: التُّرَابِ - (بِرُطُوبَةٍ) وَإِلَّا يَعْلَمُ الْتِصَاقَهُ بِرُطُوبَةٍ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ تُرَابٌ طَهُورٌ. (وَلَا) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (بِتُرَابِ مَقْبَرَةٍ تَكَرَّرَ نَبْشُهَا) ، وَإِلَّا جَازَ، وَإِنْ شَكَّ فِي تَكْرَارِهِ؛ صَحَّ التَّيَمُّمُ بِهِ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (بِ) تُرَابٍ (مَغْصُوبٍ وَنَحْوِهِ) كَمَسْرُوقٍ، لِاشْتِرَاطِ الْإِبَاحَةِ، (وَفِي " الْفُرُوعِ ": ظَاهِرُهُ: وَلَوْ تُرَابَ مَسْجِدٍ، وَالْمُرَادُ) مِنْ تُرَابِ الْمَسْجِدِ: التُّرَابُ (الدَّاخِلُ فِي وَقْفِهِ) ، كَتُرَابِ سَطْحِهِ وَأَرْضِهِ وَحِيطَانِهِ، (لَا مَا يَجْتَمِعُ مِنْ نَحْوِ رِيحٍ) فَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ قَالَ: (وَلَعَلَّ هَذَا الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ) التَّيَمُّمُ (بِتُرَابِ زَمْزَمَ مَعَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ) ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. (وَفِي " الْمُبْدِعِ " لَوْ تَيَمَّمَ بِتُرَابِ غَيْرِهِ جَازَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، لِلْإِذْنِ فِيهِ عَادَةً وَعُرْفًا) انْتَهَى. (وَلَا) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (بِ) تُرَابٍ (مُحْتَرِقٍ) لِسَحِيقِ

فصل فرائض التيمم

خَزَفٍ، (وَيَتَّجِهُ) عَدَمُ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ (أَخْرَجَهُ الِاحْتِرَاقُ عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (بِطِينٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا غُبَارَ لَهُ، (لَكِنْ إنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ وَتَيَمَّمَ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتٍ) وَلَوْ لِاخْتِيَارٍ (لَزِمَ ذَلِكَ) ، وَإِنْ دَقَّ الطِّينَ الْيَابِسَ، كَالْأَرْمَنِيِّ وَالْخُرَاسَانِيّ، جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تُرَابٌ (وَإِنْ خَالَطَ مَا يَصِحُّ تَيَمُّمٌ بِهِ) ، وَهُوَ التُّرَابُ الطَّهُورُ، (ذُو غُبَارٍ غَيْرُهُ مِمَّا لَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ بِهِ (كَجِصٍّ وَنَوْرَةٍ) وَسَحِيقِ كَدَانٍ وَمَرْمَرٍ (فَكَمَاءٍ طَهُورٍ خَالَطَهُ) مَاءٌ (طَاهِرٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِتُرَابٍ: جَازَ، وَ) إنْ كَانَتْ (لِمُخَالِطٍ لَا) يَجُوزُ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ: الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُمَا، وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمُسْتَوْعِبِ " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالتَّلْخِيصِ " " وَالْوَجِيزِ " وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " " وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَغَيْرِهِمْ، (وَابْنُ عَقِيلٍ مَنَعَ) التَّيَمُّمَ بِتُرَابٍ خَالَطَهُ غَيْرُهُ، (وَإِنْ كَانَ) التُّرَابُ الطَّهُورُ كَثِيرًا، وَالْمُخَالِطُ لَهُ (قَلِيلًا) حَيْثُ كَانَ الْمُخَالِطُ ذَا غُبَارٍ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُخَالِطُ لَهُ نَجَاسَةً، وَإِنْ قَلَّتْ، (وَلَا يَضُرُّ مُخَالِطٌ لَا غُبَارَ لَهُ) يَعْلَقُ بِالْيَدِ (مُطْلَقًا) ، كَثِيرًا كَانَ الْمُخَالِطُ أَوْ قَلِيلًا (لِجَوَازِ تَيَمُّمٍ مِنْ شَعِيرٍ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ عَلَى الْيَدِ مِنْهُ مَا يَحُولُ بَيْنَ غُبَارِ التُّرَابِ وَبَيْنَهَا. [فَصْلٌ فَرَائِضُ التَّيَمُّم] (فَصْلٌ) (وَفَرَائِضُ تَيَمُّمٍ خَمْسَةٌ) الْأَوَّلُ: (مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ حَتَّى

مُسْتَرْسِلِهَا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة: 6] وَ (لَا) يَجِبُ مَسْحُ (مَا تَحْتَ شَعْرٍ وَلَوْ) كَانَ الشَّعْرُ (خَفِيفًا أَوْ دَاخِلَ فَمٍ وَأَنْفٍ، وَيُكْرَهُ) إدْخَالُ التُّرَابِ فَمَهُ وَأَنْفَهُ لِتَقْذِيرِهِ. (وَ) الثَّانِي: (مَسْحُ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:. {وَأَيْدِيكُمْ} [النساء: 43] وَإِذَا عُلِّقَ حُكْمٌ بِمُطْلَقِ الْيَدَيْنِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الذِّرَاعُ، كَقَطْعِ السَّارِقِ، وَمَسِّ الْفَرْجِ، وَلِحَدِيثِ عَمَّارٍ قَالَ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا: ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَوْ أَمَرَّ مَحَلَّ تَيَمُّمٍ عَلَى تُرَابٍ) وَمَسَحَ بِهِ صَحَّ، (أَوْ صَمَّدَهُ) - أَيْ: نَصَبَ الْمَحَلَّ الَّذِي يُمْسَحُ فِي التَّيَمُّمِ - (لِرِيحٍ أَثَارَهُ) - أَيْ: التُّرَابَ - (فَعَمَّهُ) التُّرَابُ (وَمَسَحَهُ بِهِ صَحَّ) تَيَمَّمَ إنْ نَوَاهُ، كَمَا لَوْ صَمَّدَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لِمَاءٍ فَجَرَى عَلَيْهَا، (لَا إنْ سَفَتْهُ) ، أَيْ: سَفَتْ رِيحٌ التُّرَابَ عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ مَسْحُهُ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ تَصْمِيدٍ (قَبْلَ نِيَّةٍ) أَيْ: قَصْدٍ (فَمَسَحَهُ بِهِ) فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَصْدِ الصَّعِيدِ، وَلَمْ يُوجَدْ. (وَإِنْ) (تَيَمَّمَ بِبَعْضِ يَدِهِ، أَوْ) تَيَمَّمَ (بِحَائِلٍ) كَخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا فَكَوُضُوءٍ يَصِحُّ حَيْثُ مَسَحَ مَا يَجِبُ مَسْحُهُ لِوُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ، (أَوْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ وَنِيَّتُهُ فَكَوُضُوءٍ) ، يَعْنِي: أَنَّهُ يَصِحُّ كَمَا لَوْ وَضَّأَهُ غَيْرُهُ بِاخْتِيَارِ مُوَضَّإٍ. (وَ) الثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ: (تَرْتِيبٌ وَمُوَالَاةٌ لِحَدَثٍ أَصْغَرَ لَا) لِحَدَثٍ (أَكْبَرَ، وَ) لَا (نَجَاسَةِ) بَدَنٍ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ مَبْنِيٌّ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ، وَهُمَا فَرْضَانِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ مَا سِوَاهُ، (وَهِيَ) - أَيْ: الْمُوَالَاةُ - (هُنَا)

أَيْ: فِي التَّيَمُّمِ - (بِقَدْرِهَا) زَمَنًا فِي وُضُوءٍ. وَهِيَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ مَسْحَ عُضْوٍ حَتَّى يَجِفَّ مَا قَبْلَهُ لَوْ كَانَ مَغْسُولًا بِزَمَنٍ مُعْتَدِلٍ. (وَ) الْخَامِسُ: (تَعْيِينُ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ) مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ. كَصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَوْ غَيْرَهُمَا (لَا رَفْعَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، (أَوْ نَجَاسَةٍ) بِبَدَنٍ فَإِنْ نَوَى رَفْعَ حَدَثٍ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، لِأَنَّهُ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ، لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورَةً، (فَلَا يَكْفِي) مَنْ هُوَ مُحْدِثٌ وَبِبَدَنِهِ نَجَاسَةٌ التَّيَمُّمُ (لِأَحَدِهِمَا) عَنْ الْأُخْرَى، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَكْفِي مَنْ هُوَ مُحْدِثٌ جُنُبٌ التَّيَمُّمُ (لِأَحَدِ الْحَدَثَيْنِ عَنْ) الْحَدَثِ (الْآخَرِ) ، وَكَذَا الْجَرِيحُ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ غُسْلِهِ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَإِذَا تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ مِنْ قِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ دُونَ صَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ، وَإِنْ أَحْدَثَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي هَذَا التَّيَمُّمُ. (وَإِنْ نَوَاهُمَا) أَيْ: الْحَدَثَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَوْ نَوَى الْحَدَثَ وَنَجَاسَةً بِبَدَنٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ عَنْهُمَا، (أَوْ) نَوَى (أَحَدَ أَسْبَابِ أَحَدِهِمَا) - أَيْ: الْحَدَثَيْنِ - بِأَنْ بَالَ وَتَغَوَّطَ وَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ وَنَحْوُهُ وَنَوَى وَاحِدًا مِنْهَا وَتَيَمَّمَ (أَجْزَأَ) تَيَمُّمُهُ (عَنْ الْجَمِيعِ) ، وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مِنْهُ مُوجِبَاتُ الْغُسْلِ، وَنَوَى أَحَدَهَا، لَكِنَّ قِيَاسَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ لَا إنْ نَوَى أَنْ لَا يَسْتَبِيحَ مِنْ غَيْرِهِ. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (يُجْزِئُ عَنْ حَدَثٍ وَنَجَاسَةٍ) عَلَى بَدَنٍ (نِيَّةُ) مُتَيَمِّمِ (اسْتِبَاحَةٍ نَحْوَ صَلَاةٍ) ، كَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ، (لِأَنَّهَا) - أَيْ: الصَّلَاةَ - (لَا تُسْتَبَاحُ مَعَهُمَا) ، أَيْ: مَعَ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ، لِاشْتِرَاطِ إزَالَتِهِمَا بِالْمَاءِ، وَنِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ قَامَتْ مَقَامَ الْمَاءِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَوْ) (تَيَمَّمَ لِجَنَابَةٍ) وَنَحْوِهَا (دُونَ حَدَثٍ) أَصْغَرَ (أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِمُحْدِثٍ مِنْ قِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ) فِي مَسْجِدٍ، وَ (لَا) يُبَاحُ لَهُ (طَوَافٌ) وَلَا صَلَاةٌ (وَ) لَا (مَسُّ مُصْحَفٍ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِبَاحَةَ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. (وَإِنْ أَحْدَثَ) مَنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ، وَنَحْوُهُ (لَمْ يُؤَثِّرْ) ذَلِكَ (فِي تَيَمُّمِهِ) لِحَدَثٍ، لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مُبْدَلِهِ وَهُوَ الْغُسْلُ. (وَإِنْ تَيَمَّمَ لِجَنَابَةٍ وَحَدَثٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ؛ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِحَدَثٍ لَا جَنَابَةٍ) فَلَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ لَهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، أَوْ يُوجَدَ مُوجِبُ الْغُسْلِ، وَكَذَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ وَالْخُبُثِ بِبَدَنِهِ وَأَحْدَثَ؛ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ، وَبَقِيَ تَيَمُّمُهُ لِلْخُبُثِ. (وَ) لَوْ تَيَمَّمَتْ (لِحَيْضٍ) بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْهُ، ثُمَّ أَجْنَبَتْ أَوْ أَحْدَثَتْ، (لَمْ يَبْطُلْ) تَيَمُّمُهَا لِحَدَثِ الْحَيْضِ (بِجَنَابَةٍ) ، وَلَا حَدَثٍ، وَلَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا (بَلْ) يَبْطُلُ (بِنِفَاسٍ) ، فَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ لَهُ. (وَمَنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ شَيْئًا) ، أَيْ: اسْتِبَاحَةَ شَيْءٍ تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ (اسْتَبَاحَهُ) ، لِأَنَّهُ مَنْوِيٌّ، (وَ) اسْتَبَاحَ فَرْضًا (مِثْلَهُ) ، فَمَنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا فَلَهُ فِعْلُهَا وَفِعْلُ مِثْلِهَا (كَفَائِتِهِ) ، لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، (وَ) اسْتَبَاحَ (دُونَهُ) أَيْ: دُونَ مَا نَوَاهُ كَالنَّفْلِ فِي الْمِثَالِ، لِأَنَّهُ أَخَفُّ وَنِيَّةُ الْفَرْضِ تَتَضَمَّنُهُ. وَ (لَا) يَسْتَبِيحُ مَنْ نَوَى شَيْئًا (أَعْلَى مِنْهُ) ؛ فَمَنْ نَوَى النَّفَلَ لَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْوِيًّا صَرِيحًا وَلَا ضِمْنًا، (فَأَعْلَاهُ) - أَيْ: أَعْلَى مَا يُسْتَبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ - (فَرْضُ عَيْنٍ) كَوَاحِدَةٍ مِنْ الْخَمْسِ، (فَنَذْرٌ، فَ) فَرْضُ (كِفَايَةٍ) كَصَلَاةِ عِيدٍ، (فَنَافِلَةٌ) كَرَاتِبَةٍ وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ، (فَطَوَافُ) فَرْضٍ فَطَوَافُ (نَفْلٍ فَمَسُّ مُصْحَفٍ) . قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ نَوَى نَافِلَةً أُبِيحَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالطَّوَافُ، لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِكَوْنِ الطَّهَارَةِ مُشْتَرَطَةً لَهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَقَالَ وَإِنْ نَوَى فَرْضَ الطَّوَافِ اسْتَبَاحَ نَفْلَهُ، وَلَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ مِنْهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ كَالصَّلَاةِ وَقَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَيُبَاحُ الطَّوَافُ

فصل في مبطلات التيمم

بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ فِي الْأَشْهَرِ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا. خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي. (فَقِرَاءَةُ) قُرْآنٍ. (فَلُبْثٌ) بِمَسْجِدٍ. (وَيَتَّجِهُ فَوَطْءُ) حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " لَوْ كَانَ تَيَمَّمَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ كَالْمُتَيَمِّمِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَطَلَ بِزَوَالِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ أَطْلَقَهَا) ، أَيْ: نِيَّةَ الِاسْتِبَاحَةِ، (لِصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَرْضَهُمَا، وَلَا نَفْلَهُمَا وَتَيَمَّمَ (لَمْ يَفْعَلْ إلَّا نَفْلَهُمَا) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَفَارَقَ طَهَارَةَ الْمَاءِ لِأَنَّهَا تَدْفَعُ الْحَدَثَ فَيُبَاحُ لَهُ جَمِيعُ مَا يَمْنَعُهُ (وَتَسْمِيَتُهُ فِيهِ) - أَيْ: التَّيَمُّمِ - كَتَسْمِيَةِ وُضُوءٍ. فَتَجِبُ قِيَاسًا عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ التَّيَمُّمُ عَنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ كَالنِّيَّةِ، وَتَسْقُطُ سَهْوًا. [فَصْلٌ فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ] (فَصْلٌ) فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ (وَيَبْطُلُ كُلُّ تَيَمُّمٍ) بِخُرُوجِ وَقْتٍ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ: التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، (حَتَّى تَيَمُّمُ جُنُبٍ لِقِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ وَ) حَتَّى تَيَمُّمُ (حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ لِوَطْءٍ وَ) حَتَّى تَيَمُّمٌ (لِطَوَافٍ وَنَجَاسَةٍ) بِبَدَنٍ، وَلِصَلَاةِ جِنَازَةٍ وَنَافِلَةٍ، فَيَبْطُلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا (بِخُرُوجِ وَقْتٍ تَيَمَّمَ فِيهِ) كَالتَّيَمُّمِ لِلْمَكْتُوبَةِ. (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالُ لَوْ تَيَمَّمَ عِنْدَ طُلُوعِ شَمْسٍ بُطْلَانُهُ) ، أَيْ: بُطْلَانُ تَيَمُّمِهِ، (بِخُرُوجِ وَقْتِ نَهْيٍ) وَهُوَ: ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ، وَهَذَا لَا تَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ. (وَ) قَوْلُهُ: لَوْ تَيَمَّمَ (بَعْدَهُ) - أَيْ: بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا - تَوَجَّهَ بُطْلَانُ تَيَمُّمٍ (بِزَوَالِ شَمْسٍ) بَعِيدٍ، إذْ خُرُوجُ وَقْتِ الضُّحَى بِوُقُوفِ الشَّمْسِ لَا بِزَوَالِهَا. قَالَ الْقَاضِي: أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ أَبِي طَالِبٍ وَالْمَرُّوذِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَيُوسُفَ بْنِ مُوسَى: أَنَّهُ يُتَيَمَّمُ لِكُلِّ

صَلَاةٍ، وَمَعْنَاهُ: لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ. انْتَهَى. (مَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةِ جُمُعَةٍ) فَلَا يَبْطُلُ إذَا خَرَجَ وَقْتُهَا، لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى، (أَوْ) مَا لَمْ (يَنْوِ الْجَمْعَ بِوَقْتِ ثَانِيَةٍ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ، (فَلَا يَبْطُلُ) التَّيَمُّمُ (بِخُرُوجِ وَقْتِ) صَلَاةٍ (أَوْلَى) ، فَإِنْ نَوَاهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ فِي وَقْتِ الْأُولَى لَهَا أَوْ لِفَائِتَةٍ لَمْ تَبْطُلْ بِخُرُوجِهِ، لِأَنَّ نِيَّةَ الْجَمْعِ صَيَّرَتْ الْوَقْتَيْنِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمْعُ تَقْدِيمًا أَنَّهُ يَبْطُلُ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى. (وَيَتَّجِهُ) : لَوْ تَيَمَّمَ (فِي) وَقْتِ صَلَاةِ (جُمُعَةٍ) لَهَا وَصَلَّاهَا (بَقَاؤُهُ) ، أَيْ: ذَلِكَ التَّيَمُّمُ (بَعْدَهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - فَيُصَلِّي فِيهِ مَا شَاءَ مِنْ الْفَوَائِتِ وَالنَّوَافِلِ مَا دَامَ الْوَقْتُ، وَيَأْتِي أَنَّ أَوَّلَهُ ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ، (وَ) بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ وَقْتِهَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ (فَيَتَيَمَّمُ لِ) صَلَاةِ

(عَصْرٍ) تَيَمُّمًا مُسْتَقِلًّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، (إذْ لَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ (لِصَلَاةٍ قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِهَا) ، لِأَنَّ دُخُولَهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ فِي حَاشِيَةِ الْإِقْنَاعِ.

(وَ) يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ أَيْضًا (بِزَوَالِ عُذْرٍ مُبِيحٍ لَهُ) - أَيْ: لِلتَّيَمُّمِ - (مِنْ نَحْوِ بَرْدٍ) زَالَ (أَوْ مَرَضٍ) عُوفِيَ مِنْهُ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ ضَرُورَةً فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا، (وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِمُبْطِلِ مَا تَيَمَّمَ لَهُ) مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ، (فَ) يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ (لِوُضُوءٍ بِمَا يُبْطِلُهُ مِنْ نَحْوِ بَوْلٍ) كَنَوْمٍ، (وَلِجَنَابَةٍ بِمَا يُبْطِلُ غُسْلَهَا مِنْ نَحْوِ مَنِيٍّ) خَرَجَ بِلَذَّةٍ (وَتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ، وَ) يَبْطُلُ تَيَمُّمٌ (لِ) حِلِّ (وَطْءٍ مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ أَوْ النِّفَاسِ عَوْدُهُمَا ثَانِيًا) ، فَلَوْ تَيَمَّمَتْ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ ثُمَّ أَجْنَبَتْ؛ فَلَهُ الْوَطْءُ لِبَقَاءِ حُكْمِ تَيَمُّمِ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ، الْوَطْءُ إنَّمَا يُوجِبُ حَدَثَ جَنَابَةٍ. (وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِخَلْعِ مَا مَسَحَ) مِنْ نَحْوِ خُفٍّ وَعِمَامَةٍ وَجَبِيرَةٍ لُبِسَتْ عَلَى طَهَارَةِ مَاءٍ (إنْ تَيَمَّمَ) بَعْدَ حَدَثِهِ (وَهُوَ عَلَيْهِ) ، وَكَذَا فِي " الدَّلِيلِ " وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: بِخَلْعِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي " الْمُنْتَهَى ": بِخَلْعِ مَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْمَسْحُ بِالْفِعْلِ كَمَا اعْتَبَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَمْ يُشِرْ إلَى خِلَافِهِمَا، لِأَنَّ مَا مَشَى عَلَيْهِ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا فِي " الْكَافِي " وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَاهُ. (وَبِظُهُورِ قَدَمٍ إلَى سَاقٍ خُفٍّ، أَوْ انْتِقَاضِ بَعْضِ عِمَامَةٍ) ، سَوَاءٌ

مَسَحَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَا، لِقِيَامِ تَيَمُّمِهِ مَقَامَ وُضُوئِهِ، وَهُوَ يَبْطُلُ بِخَلْعِ ذَلِكَ فَكَذَا مَا قَامَ مَقَامَهُ، وَالتَّيَمُّمُ وَإِنْ اخْتَصَّ بِعُضْوَيْنِ صُورَةً فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَرْبَعَةِ حُكْمًا، وَكَذَا لَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحٍ. (وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِرُؤْيَةِ مَا يَشُكُّ مَعَهُ وُجُودَ مَاءٍ كَسَرَابٍ ظَنَّهُ مَاءً) ، لِزَوَالِ يَقِينِ عَدَمِ الْمَاءِ بِطُرُوِّ الشَّكِّ، (وَ) يَبْطُلُ أَيْضًا (بِوُجُودِهِ) - أَيْ: الْمَاءِ - (غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَانِعٍ) مِنْ اسْتِعْمَالِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، (فَلَوْ وَجَدَهُ) - أَيْ: الْمَاءَ - بَعْدَ شُرُوعِهِ (فِي صَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ بَطَلَا) - أَيْ: الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ - قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ بِلَا رَيْبٍ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ (وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي وَجَدَ فِيهَا الْمَاءَ (جُمُعَةً خِيفَ فَوْتُهَا أَوْ انْدَفَقَ مَاءٌ وَهُوَ) مُتَلَبِّسٌ (فِيهِمَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ - فَإِنَّهُمَا يَبْطُلَانِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ انْقَضَيَا) - أَيْ: الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ - قَبْلَ وُجُودِ الْمَاءِ (لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهُمَا) ، لِوُقُوعِهِمَا الْمَوْقِعَ، وَلَكِنَّهَا تُسَنُّ، لِمَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ

قَالَ «خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَجْزَأَتْك صَلَاتُك، وَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: لَك الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) إنْ تَيَمَّمَ جُنُبٌ لِعَدَمِ الْمَاءِ، ثُمَّ وَجَدَهُ (فِي نَحْوِ قِرَاءَةٍ وَوَطْءٍ) كَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ (يَجِبُ تَرْكُهُ) لِبُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (وَيُغَسَّلُ مَيِّتٌ) يُمِّمَ لِعَدَمِ مَاءٍ (وَلَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِ) وَلَمْ يُدْفَنْ حَتَّى وُجِدَ الْمَاءُ، (وَتُعَادُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَوْ تُيُمِّمَ وَالْأُولَى بِوُضُوءٍ (وَيَتَّجِهُ كَتَفْضِيلِ هَذَا) ، أَيْ: عَادِمِ الْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ (عَادِمُ تُرَابٍ وَجَدَهُ) ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَّ لِعَادِمٍ) وُجُودِ مَاءٍ (وَرَاجٍ وُجُودَ مَاءٍ أَوْ مُسْتَوٍ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ) - أَيْ: وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ - (تَأْخِيرُ تَيَمُّمٍ لِآخِرِ وَقْتِ اخْتِيَارٍ) ، لِأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ اقْتَرَنَ بِالتَّأْخِيرِ وَخَلَا عَنْهُ التَّقْدِيمُ فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الْجُنُبِ: يَتَلَوَّمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ، وَإِلَّا تَيَمَّمَ فَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ، وَلَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدُ، كَمَنْ صَلَّى عُرْيَانَا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى السُّتْرَةِ، أَوْ لِمَرَضٍ جَالِسًا، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ. (وَصِفَتُهُ) - أَيْ: التَّيَمُّمِ - (أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوِهِ، مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ نَحْوِهِ، (ثُمَّ يُسَمِّي) وُجُوبًا فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ. لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا إنْ كَانَ (ذَاكِرًا) ، وَتَسْقُطُ سَهْوًا وَجَهْلًا، (وَيَضْرِبُ التُّرَابَ بِيَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ) لِيَصِلَ التُّرَابُ

إلَى مَا بَيْنَهَا (ضَرْبَةً بَعْدَ نَزْعِ نَحْوِ خَاتَمٍ) ، لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَا تَحْتَهُ، (فَإِنْ عَلِقَ) بِيَدَيْهِ (غُبَارٌ كَثِيرٌ نَفَخَهُ إنْ شَاءَ، وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ خَفِيفًا كُرِهَ نَفْخُهُ لِئَلَّا يَذْهَبَ فَيَحْتَاجَ إلَى إعَادَةِ الضَّرْبِ، (فَإِنْ ذَهَبَ) مَا عَلَى الْيَدَيْنِ بِنَفْخٍ (أَعَادَ الضَّرْبَ) ، لِيَحْصُلَ الْمَسْحُ بِتُرَابٍ، (وَلَوْ كَانَ التُّرَابُ نَاعِمًا فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ فَعَلِقَ) فِيهِمَا (أَجْزَأَهُ) ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، (ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ وَكَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ) ، لِحَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي التَّيَمُّمِ «ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْنَاهُ أَيْضًا. فَيَمْسَحُ يَدَيْهِ (إلَى كُوعَيْهِ فَقَطْ) ، لِأَنَّ الْيَدَ إذَا أُطْلِقَتْ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الذِّرَاعُ، بِدَلِيلِ السَّرِقَةِ وَالْمَسِّ، لَا يُقَالُ هِيَ مُطْلَقَةٌ فِي التَّيَمُّمِ مُقَيَّدَةٌ فِي الْوُضُوءِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّهَارَةِ، لِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ كَالْعِتْقِ فِي الظِّهَارِ عَلَى الْعِتْقِ فِي الْخَطَأِ، وَالتُّرَابُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ وَهُوَ يُشْرَعُ فِيهِ التَّثْلِيثُ وَهُوَ مَكْرُوهٌ هُنَا، وَالْوُضُوءُ يَغْسِلُ فِيهِ بَاطِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفَ بِخِلَافِهِ هُنَا. (وَسُنَنُ تَيَمُّمٍ: تَرْتِيبٌ وَمُوَالَاةٌ فِي غَيْرِ حَدَثٍ أَصْغَرَ) ، وَأَمَّا فِيهِ، فَيَجِبَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة: 6] . (وَتَفْرِيجُ أَصَابِعِهِ وَقْتَ ضَرْبٍ) لِيَدْخُلَ بَيْنَهَا التُّرَابُ، (وَتَقْدِيمُ) يَدٍ (يُمْنَى عَلَى يَدٍ يُسْرَى فِي مَسْحٍ) لَا فِي ضَرْبٍ، (وَ) تَقْدِيمُ مَسْحِ (أَعْلَى وَجْهٍ عَلَى أَسْفَلِهِ كَمَا فِي وُضُوءٍ، وَنَزْعِ نَحْوِ خَاتَمٍ عِنْدَ مَسْحِ وَجْهٍ لِيَمْسَحَ جَمِيعَهُ بِجَمِيعِ يَدٍ) تَحْصِيلًا لِلْكَمَالِ، (وَفِي مَسْحِ يَدٍ يَجِبُ نَزْعُهُ) - أَيْ: الْخَاتَمِ (لِيَصِلَ تُرَابٌ إلَى مَحَلِّهِ) مِنْ الْيَدِ، (وَلَا يَكْفِي تَحْرِيكُهُ) - أَيْ: الْخَاتَمِ - (بِخِلَافِ مَاءٍ، لِ) قُوَّةِ (سَرَيَانِهِ، وَإِدَامَةُ يَدٍ عَلَى عُضْوٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ مَسْحِهِ) ، فَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ عَنْ الْعُضْوِ مَعَ بَقَاءِ الْغُبَارِ عَلَيْهَا جَازَ

إعَادَتُهَا وَتَكْمِيلُ الْمَسْحِ بِهَا، وَإِلَّا ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، (وَالْإِتْيَانُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ مَا بَعْدَهُمَا كَمَا فِي وُضُوءٍ، وَعِنْدَ الْقَاضِي وَالشِّيرَازِيِّ وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ وَأَبِي الْبَرَكَاتِ: وَتَجْدِيدُ ضَرْبَةٍ لِيَدَيْهِ وَمَسْحُهُمَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَهُوَ) - أَيْ: مَا قَالُوهُ - (حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمَنْصُوصِ) عَنْ الْإِمَامِ، (خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ) . وَإِنْ مَسَحَ بِبَعْضِ يَدِهِ أَوْ بِخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ جَازَ، لِأَنَّ الْقَصْدَ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَكَيْفَ مَا حَصَلَ جَازَ كَالْوُضُوءِ. (وَإِنْ مَسَحَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ مَعَ اكْتِفَاءٍ بِدُونِهِ كُرِهَ) ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ إذَا حَصَلَ الِاسْتِيعَابُ بِهِمَا. (وَإِنْ بُذِلَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ - مَاءٌ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ (أَوْ نُذِرَ) مَاءٌ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ (أَوْ وُقِفَ) مَاءٌ (أَوْ وُصِّيَ مَاءٌ لِأَوْلَى جَمَاعَةٍ) (قُدِّمَ بِهِ) مِنْهُمْ (غُسْلُ طِيبِ مُحْرِمٍ) ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ غُسْلِهِ بِلَا عُذْرٍ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ، (فَ) إنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ قُدِّمَ غَسْلُ (نَجَاسَةِ ثَوْبٍ) ، لِوُجُوبِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى عَادِمِ غَيْرِهِ، فَ (إنْ) فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ قُدِّمَ غَسْلُ نَجَاسَةِ (بُقْعَةٍ) تَعَذَّرَتْ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهَا، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فَلَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ لَهَا، فَ (إنْ) فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ غَسْلُ نَجَاسَةِ (بَدَنٍ) لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لَهَا بِخِلَافِ حَدَثٍ (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ (مَيِّتٌ) فَيُغَسَّلُ بِهِ، لِأَنَّ غُسْلَهُ خَاتِمَةُ طَهَارَتِهِ وَالْأَحْيَاءُ يَرْجِعُونَ إلَى الْمَاءِ فَيَغْتَسِلُونَ، (فَ) إنْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ قُدِّمَتْ بِهِ (حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ) انْقَطَعَ دَمُهُمَا، لِأَنَّ ذَلِكَ أَغْلَظُ مِنْ الْجَنَابَةِ، (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُدِّمَ بِهِ (جُنُبٌ) ، لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ مَا لَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُحْدِثُ بِهِ، (فَ) إنْ فَضَلَ شَيْءٌ تَوَضَّأَ بِهِ (مُحْدِثٌ إلَّا إنْ كَفَاهُ) - أَيْ: الْمُحْدِثَ - الْمَاءُ لِلْوُضُوءِ (وَحْدَهُ) - أَيْ: دُونَ الْجُنُبِ - بِأَنْ كَانَ لَا يَكْفِيه لِغُسْلِهِ: (فَيُقَدَّمُ) الْمُحْدِثُ (عَلَى جُنُبٍ) ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي بَعْضِ طَهَارَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكْفِ كُلًّا مِنْهُمَا قُدِّمَ جُنُبٌ، لِأَنَّهُ

باب إزالة النجاسة الحكمية

يَسْتَفِيدُ بِهِ تَطْهُرُ بَعْضُ أَعْضَائِهِ، (وَيُقْرَعُ مَعَ تَسَاوٍ، كَمُحْدِثَيْنِ) فَأَكْثَرَ وَحَائِضَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَالْمَاءُ لَا يَكْفِي إلَّا وَاحِدًا لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ قُدِّمَ بِهِ لِأَوْلَوِيَّتِهِ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ لَهُ، (أَوْ) وُجِدَ طِيبٌ عَلَى (مُحْرِمَيْنِ) وَالْمَاءُ لَا يَكْفِي إلَّا غُسْلَ مَا عَلَى أَحَدِهِمَا فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ اسْتَعْمَلَهُ إذْ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا، (فَإِنْ تَطَهَّرَ بِهِ) - أَيْ: الْمَاءِ الْمَذْكُورِ - (غَيْرُ الْأَوْلَى) بِهِ كَمُحْدِثٍ مَعَ ذِي نَجَسٍ: (أَسَاءَ) ، لِفِعْلِهِ مَا لَيْسَ لَهُ، (وَصَحَّتْ) طَهَارَتُهُ، لِأَنَّ الْأَوْلَى لَمْ يَمْلِكْهُ لِكَوْنِهِ أَوْلَى وَإِنَّمَا رَجَحَ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَيَأْثَمُ) غَيْرُ الْأَوْلَى (بِتَعَدِّيهِ) عَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " غَايَةِ الْمَطْلَبِ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِأَحَدِ الْمُحْتَاجِينَ إلَيْهِ تَعَيَّنَ لَهُ، لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُؤْثِرَ بِهِ غَيْرَهُ، وَلَوْ أَحَدَ أَبَوَيْهِ، لِتَعَيُّنِهِ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ وَتَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ بِهِ، (وَالثَّوْبُ) الْمَبْذُولُ لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ يَحْتَاجَانِهِ (يُصَلِّي فِيهِ) الْحَيُّ (عَلَى مَيِّتٍ ثُمَّ يُكَفَّنُ بِهِ) الْمَيِّتُ، جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ، (وَمَعَ) احْتِيَاجِ حَيٍّ لِكَفَنِ مَيِّتٍ لِشِدَّةِ (بَرْدٍ يُخْشَى مِنْهُ تَلَفٌ يُقَدَّمُ حَيٌّ) عَلَى مَيِّتٍ (وَلَا تَكْفِينَ) ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ آكَدُ، قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. [بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ] (بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ) أَيْ: تَطْهُرُ مَوَارِدِ الْأَنْجَاسِ، وَذَكَرَ النَّجَاسَاتِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا. (وَهِيَ) - أَيْ: النَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ - (الطَّارِئَةُ عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ، وَالْعَيْنِيَّةُ لَا تَطْهُرُ بِحَالٍ) ، أَيْ: لَا بِغُسْلٍ وَلَا بِاسْتِحَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَا يُعْقَلُ لِلنَّجَاسَةِ مَعْنًى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. (يُشْتَرَطُ لِ) تَطْهِيرِ (كُلِّ مُتَنَجِّسٍ غَيْرُ مَا يَأْتِي) مِنْ مُتَّصِلٍ بِأَرْضٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ صَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ، (حَتَّى أَسْفَلَ

خُفٍّ وَ) أَسْفَلَ (حِذَاءٍ) - بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَوَّلَهُ - أَيْ نَعْلٍ، (وَ) حَتَّى (ذَيْلِ امْرَأَةٍ سَبْعَ غَسَلَاتٍ) . لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أُمِرْنَا بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ سَبْعًا» فَيَنْصَرِفُ إلَى أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيَاسًا عَلَى نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ. وَقِيسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ عَلَى الرِّجْلِ، وَذَيْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى بَقِيَّةِ ثَوْبِهَا، وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ أَنْ تَسْتَوْعِبَ الْمَحَلَّ، وَيُحْسَبُ الْعَدَدُ مِنْ أَوَّلِ غَسْلَةٍ، فَيُجْزِئُ (إنْ أَنْقَتْ) السَّبْعُ غَسَلَاتٍ، (وَإِلَّا) ، بِأَنْ لَمْ تُنْقِ بِهَا، فَيَزِيدُ عَلَى السَّبْعِ (حَتَّى تُنْقِيَ) النَّجَاسَةَ (بِمَاءٍ طَهُورٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِغَسَلَاتٍ - أَيْ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ غَسْلَةٍ مِنْ السَّبْعِ بِمَاءٍ طَهُورٍ، لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ قَالَتْ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْف تَصْنَعُ؟ قَالَ: تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ تَنْضَحُهُ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَ «أَمَرَ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ» . وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَاءُ الطَّهُورُ (غَيْرَ مُبَاحٍ) لِأَنَّ إزَالَتَهَا مِنْ قِسْمِ التُّرُوكِ. وَلِذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا نِيَّةٌ، (مَعَ حَتٍّ) - أَيْ: قِشْرٍ وَحَكٍّ - (وَقَرْصٍ) لِمَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَهُوَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: الدَّلْكُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَالْأَظْفَارِ. مَعَ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ. (لِحَاجَةٍ) إلَى ذَلِكَ وَلَوْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ) الْمَحَلُّ بِالْحَتِّ أَوْ الْقَرْصِ، فَإِنْ تَضَرَّرَ سَقَطَ. (وَيُحْسَبُ عَدَدُهُ مِنْ أَوَّلِ غَسْلَةٍ) مِنْ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ، (وَلَوْ قَبْلَ زَوَالِ عَيْنِهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةِ - (فَلَوْ لَمْ تَزُلْ) النَّجَاسَةُ (إلَّا فِي) الْغَسْلَةِ (الْأَخِيرَةِ أَجْزَأَ) ذَلِكَ لِإِتْيَانِهِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ. (إنْ وَضَعَهُ) - أَيْ: الْمُتَنَجِّسُ - (بِإِنَاءٍ وَأَوْرَدَ) - أَيْ: صَبَّ - (عَلَيْهِ) الْمَاءَ (فَغَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ يَبْنِي عَلَيْهَا) بَعْدَ عَصْرِ الْمُتَنَجِّسِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ، (وَيَطْهُرَ) الْمَحَلُّ الْمُتَنَجِّسُ بَعْدَ ذَلِكَ (نَصًّا) لِوُرُودِ الْمَاءِ عَلَى مَحَلِّ التَّطْهِيرِ، (وَلَا) يَطْهُرَ. (إنْ أَوْرَدَهُ)

أَيْ: الْمُتَنَجِّسُ - (عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ) ، لِأَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يُنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ تَطْهِيرٌ وَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الْغَسْلَةِ، (وَشُرِطَ عَصْرٌ مَعَ إمْكَانِ) الْعَصْرِ (فِيمَا تَشْرَبُ) النَّجَاسَةُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ بِحَيْثُ لَا يُخَافُ فَسَادُهُ (كُلَّ مَرَّةٍ) مِنْ السَّبْعِ (خَارِجَ الْمَاءِ) لِيَحْصُلَ انْفِصَالُ الْمَاءِ عَنْهُ، (وَإِلَّا يَعْصِرُهُ) خَارِجَ الْمَاءِ بَلْ عَصْرُهُ فِيهِ وَلَوْ سَبْعًا؛ (فَ) هِيَ (غَسْلَةٌ) وَاحِدَةٌ، (يَنْبَنِي عَلَيْهَا) مَا بَقِيَ مِنْ السَّبْعِ (أَوْ دَقَّهُ) - مِنْ أَيِّ: مَا تَشْرَبُ النَّجَاسَةُ - (وَتَقْلِيبُهُ) إنْ لَمْ يُمْكِنْ عَصْرُهُ، (أَوْ تَثْقِيلُهُ) كُلَّ غَسْلَةٍ حَتَّى يَذْهَبَ أَكْثَرُ مَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَلَا يَكْفِي عَنْ عَصْرِهِ وَنَحْوِهِ تَجْفِيفُهُ، وَمَا لَا يَتَشَرَّبُ يَطْهُرُ بِوُرُودِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَانْفِصَالِهِ عَنْهُ. (وَ) يُشْتَرَطُ (كَوْنُ إحْدَاهَا) - أَيْ: السَّبْعِ غَسَلَاتٍ - (وَالْأُولَى) مِنْهَا (أَوْلَى) بِجَعْلِ التُّرَابِ فِيهَا (فِي مُتَنَجِّسٍ بِكَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مُتَوَلِّدٍ) مِنْهُمَا أَوْ (مِنْ أَحَدِهِمَا) - أَيْ: الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ - (بِتُرَابٍ طَاهِرٍ) - أَيْ: طَهُورٍ - لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَلَا يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ وَلَا مُسْتَعْمَلٌ (يَسْتَوْعِبُ) ، أَيْ: يَعُمُّ التُّرَابُ (الْمَحَلَّ) الْمُتَنَجِّسَ، لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعُمَّهُ لَمْ تَكُنْ غَسْلَةٌ (إلَّا فِيمَا) - أَيْ: مَحَلٍّ - (يَضُرُّهُ) التُّرَابُ، (فَيَكْفِي مُسَمَّاهُ) ، أَيْ: مَا يُسَمَّى تُرَابًا دَفْعًا لِلضَّرَرِ. (وَيُعْتَبَرُ مَزْجُهُ) - أَيْ: التُّرَابِ - (بِمَائِعٍ يُوصِلُهُ إلَيْهِ) - أَيْ: الْمَحَلِّ النَّجِسِ - فَ (لَا) يَكْفِي (ذَرُّهُ) عَلَيْهِ (وَإِتْبَاعُهُ الْمَاءَ) وَالْمُرَادُ بِالْمَائِعِ هُنَا: الْمَاءُ الطَّهُورُ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ. وَجَعْلُ التُّرَابِ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ فِيمَا بَعْدَهَا، لِمُوَافَقَةِ لَفْظِ الْخَبَرِ وَلِيَأْتِيَ بَعْدَهُ فَيُنَظِّفَهُ، فَإِنْ جَعَلَهُ فِي غَيْرِهَا جَازَ، لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ «إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَفِي حَدِيثٍ «أُولَاهُنَّ» وَفِي حَدِيثٍ «فِي الثَّامِنَةِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ التُّرَابِ مِنْ

الْغَسَلَاتِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، وَرِوَايَةُ الثَّامِنَةِ مَعْنَاهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنْ تَكُونَ إحْدَى السَّبْعِ بِالتُّرَابِ، لَكِنْ لَمَّا أُضِيفَ الْمَاءُ فِيهَا إلَى التُّرَابِ، عُدَّ التُّرَابُ كَأَنَّهُ غَسْلَةٌ ثَامِنَةٌ. (وَيَقُومُ نَحْوُ أُشْنَانٍ وَصَابُونٍ وَنُخَالَةٍ) مِنْ كُلِّ مَا لَهُ قُوَّةُ إزَالَةٍ (مَقَامَ تُرَابٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِهِ) - أَيْ: التُّرَابِ - لِأَنَّهَا أَبْلَغُ مِنْهُ فِي الْإِزَالَةِ، فَنَصُّهُ عَلَى التُّرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَيْهَا وَلِأَنَّهُ جَامِدٌ أُمِرَ بِهِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَأُلْحِقَ بِهِ مَا يُمَاثِلُهُ كَالْحَجَرِ فِي الِاسْتِجْمَارِ. (وَيَضُرُّ بَقَاءُ طَعْمِ) النَّجَاسَةِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَلِسُهُولَةِ إزَالَتِهِ، فَلَا يَطْهُرُ الْمَحَلُّ مَعَ بَقَائِهِ. وَ (لَا) يَضُرُّ بَقَاءُ (لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ) بَقَاءُ (هُمَا عَجْزًا) عَنْ إزَالَتِهِمَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ، كَمَا لَوْ صُبِغَ ثَوْبٌ بِنَجَاسَةٍ، ثُمَّ غُسِلَ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ اللَّوْنِ لِأَنَّهُ عَرَضٌ، وَالنَّجَاسَةُ لَا تُخَالِطُ الْعَرَضَ، وَالْمَاءُ لَا يُخَالَطُ، فَإِذَا زَالَتْ الْعَيْنُ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ زَالَتْ النَّجَاسَةُ بِزَوَالِهَا، جَزَمَ فِي " الْفُصُولِ " بِمَعْنَى ذَلِكَ. وَيَطْهُرُ الْمَحَلُّ (وَإِنْ لَمْ يَزُولَا) - أَيْ: اللَّوْنُ وَالرِّيحُ - (إلَّا بِمِلْحٍ وَنَحْوِهِ) كَأُشْنَانٍ (مَعَ الْمَاءِ لَمْ يَجِبْ) اسْتِعْمَالُهُ مَعَهُ، قَالَ الشِّيشْنِيُّ: لَوْ خَضَّبَ يَدَهُ أَوْ شَعْرَهُ بِحِنَّاءٍ مُتَنَجِّسٍ بِبَوْلٍ أَوْ دَمٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ نَحْوِهِ ثُمَّ أَزَالَ الْحِنَّاءَ وَغَسَلَ الْمَحَلَّ وَبَقِيَ لَوْنُهُ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ، لِأَنَّهُ إذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَيْهِ عَلِمْنَا أَنَّ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ النَّجَاسَةِ قَدْ زَالَ، وَإِنَّمَا يَبْقَى اللَّوْنُ، انْتَهَى. (وَحَسَنٌ) فِعْلُ ذَلِكَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ «امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَةٍ فَحَاضَتْ، قَالَتْ: فَنَزَلَتْ فَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي فَقَالَ: مَالَكِ لَعَلَّك نَفِسْت؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِك، ثُمَّ خُذِي إنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدَّمِ» وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمِلْحَ لَيْسَ بِقُوتٍ وَإِنَّمَا يُصْلِحُ الْقُوتَ. (وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ مَطْعُومِ آدَمِيٍّ) - كَدَقِيقٍ - (فِي إزَالَتِهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةِ.

(وَيَتَّجِهُ إنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ) ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ، لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا بَأْسَ) (بِاسْتِعْمَالِ نُخَالَةٍ) خَالِصَةٍ، (وَنَحْوُ دَقِيقِ بَاقِلَاءَ) كَدَقِيقِ حِمَّصٍ وَعَدَسٍ (فِي غَسْلِ) أَيْدٍ وَنَحْوِهَا لِلتَّنْظِيفِ. (وَمَا نَجِسَ) مِنْ مَحَلٍّ طَاهِرٍ (بِ) إصَابَةِ مَاءِ (غَسْلَةٍ) (يُغْسَلُ) ذَلِكَ الْمَحَلُّ (عَدَدَ مَا بَقِيَ بَعْدَهَا) ، أَيْ: تِلْكَ الْغَسْلَةِ، لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ تَطْهُرُ فِي مَحَلِّهَا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْغَسَلَاتِ فَطَهُرَتْ بِهِ فِي مِثْلِهِ، فَمَا تَنَجَّسَ بِرَابِعَةٍ مَثَلًا غُسِلَ ثَلَاثًا إحْدَاهُنَّ (بِتُرَابٍ طَاهِرٍ حَيْثُ شُرِطَ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ) قَبْلَ تَنَجُّسِ الْمَحَلِّ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ اسْتَعْمَلَ التُّرَابَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُعِدْ. (وَيَطْهُرُ نَحْوُ آنِيَةٍ وَسِكِّينٍ) وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ (بِمُرُورِ مَاءٍ عَلَيْهِ وَانْفِصَالِهِ عَنْهُ سَبْعًا) ، وَلَا يَكْفِي مَسْحُهُ لَوْ كَانَ صَقِيلًا كَسَيْفٍ وَمِرْآةٍ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ، وَالْمَسْحُ لَيْسَ غَسْلًا. (وَيُغْسَلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (بِخُرُوجِ مَذْيٍ) مِنْ (ذَكَرٍ وَأُنْثَيَانِ مَرَّةً) ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ، قِيلَ لِتَبْرِيدِهِمَا، وَقِيلَ لِتَلْوِيثِهِمَا غَالِبًا لِنُزُولِهِ مُتَسَبِّبًا. (وَ) يُغْسَلُ (مَا أَصَابَهُ) الْمَذْيُ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ بَلْ وَمِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ وَالثِّيَابِ (سَبْعًا) كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ. (وَيُجْزِئُ فِي قَيْءٍ وَبَوْلِ غُلَامٍ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ نَضْحُهُ، وَهُوَ غَمْرُهُ بِمَاءٍ) وَإِنْ لَمْ يَقْطُرْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَرْسٍ وَعَصْرٍ، لِحَدِيثِ أُمِّ قَيْسِ بِنْتِ مِحْصَنٍ «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَبَوْلِ صَبِيٍّ أَكَلَ الطَّعَامَ» لِشَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ نُضِحَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَلْعَقُ الْعَسَلَ سَاعَةَ يُولَدُ،

«وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَنَّكَ بِالتَّمْرَةِ» . (وَيَتَّجِهُ الْمُرَادُ بِطَعَامٍ) : أَيَّ طَعَامٍ كَانَ جَامِدًا أَوْ مَائِعًا (غَيْرَ لَبَنٍ مُطْلَقًا) مِنْ آدَمِيَّةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ بِمَصٍّ مِنْ ثَدْيٍ أَوْ شُرْبٍ مِنْ إنَاءٍ وَلَوْ كَانَ تَغَذِّيهِ بِاللَّبَنِ، لِعَدَمِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) يُجْزِئُ (فِي نَحْوِ) (صَخْرَةٍ وَأَجْرِنَةٍ) صِغَارٍ مَبْنِيَّةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ مُطْلَقًا. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ " وَأَحْوَاضٍ وَحِيطَانٍ وَأَرْضٍ تَنَجَّسَتْ بِمَائِعٍ (أَوْ) بِنَجَاسَةٍ (ذَاتِ جُرْمٍ أُزِيلَ) ذَلِكَ الْجُرْمُ (عَنْهَا وَلَوْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ مُكَاثَرَتُهَا بِمَاءٍ حَتَّى يَذْهَبَ لَوْنُ نَجَاسَةٍ وَرِيحُهَا) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَهُمْ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ

عَلَيْهِ. وَالْأَعْرَابِيُّ هُوَ خُوَيْصِرَةُ التَّيْمِيُّ وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ زَجْرِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَقُومَ فَيُنَجِّسَ مَحَلًّا آخَرَ. أَوْ لِأَنَّهُ إذَا أَقَامَ انْقَطَعَ بَوْلُهُ فَيَتَأَذَّى بِالْحُقْنَةِ، أَوْ لِأَنَّهُمْ أَغْلَظُوا عَلَيْهِ وَحَقُّهُمْ الرِّفْقُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ نَهْيَهُ لَهُمْ كَانَ لِأَجْلِ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ كَيْفِيَّةَ غَسْلِ النَّجَاسَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَالرِّيحُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ تَطْهُرْ لِأَنَّهُ دَلِيلُ بَقَائِهَا، (مَا لَمْ يُعْجَزْ) عَنْ إذْهَابِهِمَا أَوْ إذْهَابِ أَحَدِهِمَا، فَيَطْهُرُ كَغَيْرِ الْأَرْضِ. (وَلَوْ) بَقِيَ الْمَاءُ (وَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا، وَعَنْ مَحَلِّ بَوْلِ الْغُلَامِ فَتَطْهُرُ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ. وَلَا يَطْهُرُ (بِغَسْلِ دُهْنٍ تَنَجَّسَ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ السَّمْنِ تَقَعُ فِيهِ الْفَأْرَةُ، فَقَالَ: إنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَوْ أَمْكَنَ تَطَهُّرُهُ لَمَا أَمَرَ بِإِرَاقَتِهِ. (وَ) لَا تَطْهُرُ (أَرْضٌ اخْتَلَطَتْ بِنَجَاسَةٍ ذَاتِ أَجْزَاءٍ) مُتَفَرِّقَةٍ: (كَرَمِيمٍ وَدَمٍ جَافٍ وَرَوْثٍ) إذَا اخْتَلَطَ بِأَجْزَائِهَا، فَلَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تَنْقَلِبُ، بَلْ بِإِزَالَةِ أَجْزَاءِ الْمَكَانِ بِحَيْثُ يُتَيَقَّنُ زَوَالُ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ. (وَلَا) يَطْهُرُ (بَاطِنُ حُبٍّ وَ) لَا (إنَاءٍ) تَشَرَّبَهَا، (وَ) لَا تَطْهُرُ (سِكِّينٌ سُقِيَتْهَا) - أَيْ: النَّجَاسَة - بِأَنْ أُحْمِيَتْ وَسُقِيَتْ بِمَاءٍ نَجِسٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَلَا) يَطْهُرُ (عَجِينٌ وَلَحْمٌ تَشَرَّبَهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةَ - بِغَسْلٍ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَأْصَلُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ مِمَّا ذُكِرَ، قَالَ أَحْمَدُ فِي الْعَجِينِ: يُطْعَمُ النَّوَاضِحَ، وَلَا يُطْعَمُ لِشَيْءٍ يُؤْكَلُ فِي الْحَالِ. وَلَا يُحْلَبُ لَبَنُهُ، لِئَلَّا

يَتَنَجَّسَ بِهِ وَيَصِيرَ كَالْجَلَّالَةِ. (وَلَا) يَطْهُرُ (صَقِيلٌ كَسَيْفٍ) وَمِرْآةٍ وَزُجَاجٍ (بِمَسْحٍ) بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ كَالْأَوَانِي (فَيُنَجَّسُ نَحْوُ بِطِّيخٍ) كَقِثَّاءٍ وَخِيَارٍ (قُطِعَ بِهِ) قَبْلَ غَسْلِهِ، وَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ بَلَلٌ. وَ (لَا) يُنَجَّسُ (رَطْبٌ بِلَا بَلَلٍ كَجُبْنٍ) كَمَا لَوْ قُطِعَ بِهِ يَابِسًا، لِعَدَمِ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ إلَيْهِ. (وَلَا) تَطْهُرُ (أَرْضٌ بِشَمْسٍ وَرِيحٍ وَجَفَافٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبٌ مِنْ مَاءٍ» وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ نَجِسٌ فَلَمْ يَطْهُرْ بِغَيْرِ الْغَسْلِ كَالثِّيَابِ. (وَلَا) تَطْهُرُ (نَجَاسَةٌ بِنَارٍ فَرَمَادُهَا وَبُخَارُهَا وَدُخَّانُهَا نَجِسٌ) إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ إلَّا هَيْئَةُ جِسْمِهَا، كَالْمَيْتَةِ تَصِيرُ بِتَطَاوُلِ الزَّمَنِ تُرَابًا. وَكَذَا صَابُونٌ عُمِلَ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ، (وَلَا) تَطْهُرُ (بِاسْتِحَالَةٍ فَمُتَوَلِّدٌ مِنْهَا كَدُودِ جُرْحٍ وَصَرَاصِيرَ كُنُفٍ) ، جَمْعُ: كَنِيفٍ، وَكَالْكِلَابِ تُلْقَى فِي مَلَّاحَةٍ فَتَصِيرَ مِلْحًا (نَجِسٌ) ، كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ قَيْحًا وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» لِأَكْلِ النَّجَاسَةِ، فَلَوْ كَانَتْ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ أَكْلُهَا النَّجَاسَةَ لِأَنَّهَا تَسْتَحِيلُ، (إلَّا عَلَقَةً يُخْلَقُ مِنْهَا) حَيَوَانٌ (طَاهِرٌ) فَتَطْهُرُ بِذَلِكَ. (وَ) إلَّا (خَمْرَةً انْقَلَبَتْ خَلًّا بِنَفْسِهَا) فَتَطْهُرُ. لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِشِدَّتِهَا الْمُسْكِرَةِ الْحَادِثَةِ لَهَا، وَقَدْ زَالَتْ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ خَلَّفَتْهَا، كَالْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُتَغَيِّرِ يَزُولُ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ النَّجَاسَاتِ الْعَيْنِيَّةِ، (أَوْ) انْقَلَبَتْ خَلًّا (بِنَقْلٍ) مِنْ دَنٍّ إلَى آخَرَ، أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى غَيْرِهِ فَتَطْهُرُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَ (لَا) تَطْهُرُ بِنَقْلِ مَا ذُكِرَ (لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ) ، لِخَبَرِ النَّهْيِ عَنْ تَخْلِيلِهَا فَلَا تَطْهُرُ، (وَدَنُّهَا) - أَيْ: الْخَمْرَةِ، وَهُوَ وِعَاؤُهَا - (كُلُّهُ مِثْلُهَا) يَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا، لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ. (وَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْخَلَّ مَا أَصَابَهُ خَمْرٌ فِي غَلَيَانِهِ كَمُحْتَفَرٍ) فِي أَرْضٍ فِيهِ مَاءٌ كَثِيرٌ تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ، ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ فَيَطْهُرُ، وَمَحَلُّهُ تَبَعًا لَهُ. وَكَذَا

تنبيه طهر ماء كثير في إناء كبير

مَا بُنِيَ فِي الْأَرْضِ كَالصَّهَارِيجِ وَالْبَحَرَاتِ. (وَلَا) يَطْهُرُ (إنَاءٌ طَهُرَ مَاؤُهُ) بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِضَافَةٍ أَوْ نَزْحٍ، لِأَنَّ الْأَوَانِيَ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، لَا تَطْهُرُ إلَّا بِسَبْعِ غَسَلَاتٍ، فَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ الْمَاءُ حَسِبَ غَسْلَةً ثُمَّ يُكْمِلُ، وَلَا يَطْهُرُ الْإِنَاءُ بِدُونِ إرَاقَةٍ. [تَنْبِيهٌ طَهُرَ مَاءٌ كَثِيرٌ فِي إنَاءٍ كَبِيرٍ] (تَنْبِيهٌ) : إذَا طَهُرَ مَاءٌ كَثِيرٌ فِي إنَاءٍ كَبِيرٍ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ حَتَّى يَنْقُصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ، ثُمَّ يُحْكَمَ بِنَجَاسَةِ الْإِنَاءِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ بِمُجَرَّدِ نَقْصِهِ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ، بِخِلَافِ الْحَوْضِ. (وَنَبِيذٌ) فِي الْحُكْمِ (كَخَمْرٍ) مِنْ أَنَّهُ يَطْهُرُ هُوَ وَإِنَاؤُهُ إذَا انْقَلَبَ، خَلًّا (خِلَافًا لِلْقَاضِي) أَبِي يَعْلَى، حَيْثُ جَزَمَ فِي " التَّعْلِيقِ " بِعَدَمِ طَهَارَتِهِ بِانْقِلَابِهِ خَلًّا، (مُحْتَجًّا بِأَنَّ فِيهِ) مَا قَدْ (تَنَجَّسَ) فَيَتَنَجَّسُ مَا أَصَابَهُ، وَلَوْ صَارَ خَلًّا. (وَحَرُمَ عَلَى غَيْرِ خَلَّالٍ) - أَيْ: صَانِعِ الْخَلِّ - (إمْسَاكُهَا) - أَيْ: الْخَمْرَةِ - لِتَتَخَلَّلَ - أَيْ: لِتَصِيرَ خَلًّا - لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إمْسَاكِ الْخَمْرَةِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهَا، وَأَمَّا الْخَلَّالُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ. وَالْخَلُّ الْمُبَاحُ: أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْعِنَبِ أَوْ الْعَصِيرِ خَلٌّ قَبْلَ غَلَيَانِهِ، وَقَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ حَتَّى لَا يَغْلِيَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ خَلٌّ مَغْلِيٌّ قَالَ يُهْرَاقُ. (ثُمَّ إنْ تَخَلَّلَتْ) الْخَمْرَةُ بِنَفْسِهَا بِيَدِ مُمْسِكِهَا وَلَوْ غَيْرَ خَلَّالٍ حَلَّتْ، (أَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِيَتَخَمَّرَ فَتَخَلَّلَ) بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ إلَيْهِ، وَلَا نُقِلَ لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ: (حَلَّ) ، أَيْ: طَهُرَ. فَإِنْ ضُمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يَطْهُرْ، لِأَنَّهُ اُسْتُعْجِلَ إلَى مَقْصُودِهِ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، فَعُوقِبَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ. (وَمَنْ بَلَعَ نَحْوَ لَوْزٍ) كَبُنْدُقٍ (فِي قِشْرِهِ ثُمَّ قَاءَهُ) (وَنَحْوَهُ) ، بِأَنْ خَرَجَ

فصل في ذكر النجاسات وما يعفى عنه منها وما يتعلق بذلك

مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ، (لَمْ يُنَجِّسْ بَاطِنَهُ) لِصَلَابَةِ الْحَائِلِ. (كَبَيْضٍ سُلِقَ فِي خَمْرٍ) أَوْ نَحْوِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ، فَلَا يُنَجَّسُ بَاطِنُهُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ نَحْوِ لَحْمٍ وَخُبْزٍ. (وَأَيُّ نَجَاسَةٍ خَفِيَتْ) فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ (غُسِلَ) مَا احْتَمَلَ أَنَّ النَّجَاسَةَ أَصَابَتْهُ (حَتَّى تَيَقَّنَ غَسْلَهَا فَيَغْسِلُ كُمَّيْنِ تَنَجَّسَ أَحَدُهُمَا وَنَسِيَهُ) ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، فَإِنْ جَهِلَ جِهَتَهَا مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ غَسَلَهُ كُلَّهُ، وَإِنْ عَلِمَهَا فِيمَا يُدْرِكُهُ بَصَرُهُ مِنْ ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ غَسَلَ مَا يُدْرِكُهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْمَانِعَ، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ. وَ (لَا) يَلْزَمُهُ غَسْلٌ إنْ خَفِيَتْ النَّجَاسَةُ (فِي صَحْرَاءَ وَنَحْوِهَا) كَالْحَوْشِ الْوَاسِعِ. فَلَا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهِ لِأَنَّهُ يَشُقُّ، (وَيُصَلِّي فِيهَا بِلَا تَحَرٍّ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا كَالْبَيْتِ وَالْحَوْشِ الصَّغِيرِ، وَخَفِيَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ، وَأَرَادَ الصَّلَاةَ فِيهِ لَزِمَهُ غَسْلُهُ كَالثَّوْبِ. [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ النَّجَاسَاتِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] (النَّجِسُ مَائِعٌ) لَا جَامِدٌ: (مُحَرَّمٌ) كَخَمْرٍ، (وَلَوْ غَيْرَ مُسْكِرٍ) كَنَبِيذِ تَمْرٍ أَوْ عَصِيرٍ أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يَغْلِ، أَوْ غَلَى وَلَوْ قَبْلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] . . . إلَى قَوْله: {رِجْسٌ} [المائدة: 90] ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَشْبَهَ الدَّمَ، وَلِأَنَّ النَّبِيذَ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ أَشْبَهَ الْخَمْرَةَ، (لَا حَشِيشَةَ مُسْكِرَةً) فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " " وَحَوَاشِي صَاحِبِ الْفُرُوعِ عَلَى الْمُقْنِعِ ". وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " - حَيْثُ جَزَمَ بِنَجَاسَتِهَا تَبَعًا لِمَا صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "

وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " وَالْمُرَادُ بَعْدَ عِلَاجِهَا: أَيْ بِالْإِمَاعَةِ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ. (وَقِيلَ: إنْ أُمِيعَتْ) الْحَشِيشَةُ؛ (فَهِيَ نَجِسَةٌ) وَإِلَّا فَلَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْغَزِّيِّ فِي مَنْظُومَتِهِ. (وَهُوَ) أَيْ: الْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهَا إنْ أُمِيعَتْ: (حَسَنٌ) مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ، لِأَنَّهَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا مَائِعٌ مُسْكِرٌ، وَهُوَ نَجِسٌ قَطْعًا. (وَمَا لَا يُؤْكَلُ مِنْ طَيْرٍ وَبَهَائِمَ مِمَّا فَوْقَ هِرٍّ خِلْقَةً) نَجِسٌ: (كَصَقْرٍ وَبُومٍ) وَعُقَابٍ وَحَدَأَةٍ وَنَسْرٍ وَرَخَمٍ وَغُرَابِ الْبَيْنِ وَالْأَبْقَعِ، (وَكَبَغْلٍ وَحِمَارٍ) وَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَفَهْدٍ، وَذِئْبٍ وَكَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ وَابْنِ آوَى وَدُبٍّ وَقِرْدٍ، وَسِمْعٍ: هُوَ وَلَدُ ضَبُعٍ مِنْ ذِئْبٍ، وَعِسْبَارُ: وَلَدُ ذِئْبَةٍ مِنْ ضِبْعَانٍ، (خِلَافًا " لِلْمُغْنِي ") ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى طَهَارَتِهِمَا بِرُكُوبِهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمَذْهَبُ نَجَاسَتُهُمَا إذَا كَانَا أَهْلِيَّيْنِ، وَأَمَّا مَا دُونَ ذَلِكَ فِي الْخِلْقَةِ فَهُوَ طَاهِرٌ كَالنِّمْسِ وَالنَّسْنَاسِ وَابْنِ عُرْسٍ وَالْقُنْفُذِ وَالْفَأْرِ. (وَمَيْتَةُ) مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (كَضُفْدَعٍ وَحَيَّةٍ وَوَزَغٍ) نَجِسَةٌ، لِأَنَّ لَهَا نَفْسًا سَائِلَةً فَتُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ، وَ (لَا) يُنَجَّسُ (سَمَكٌ وَجَرَادٌ وَمَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ) بِمَوْتٍ (وَيَتَّجِهُ) طَهَارَتُهُ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ بِقَطْعِ عُضْوِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ مُقَوِّمًا لِجَسَدِهِ (أَصَالَةً) ، أَيْ: مَوْجُودًا فِيهِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ نَادِرٌ. (لَا) إنْ كَانَ الدَّمُ وَنَحْوُهُ (كِسْبًا) كَمَا لَوْ انْغَمَسَ فِي دَمٍ أَوْ مَائِعٍ نَجِسٍ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ، فَمَيْتَةٌ نَجِسَةٌ بِلَا رَيْبٍ لِتَضَمُّخِهِ بِالنَّجَاسَةِ، وَمِثْلُهُ عَلَقٌ مَصَّ دَمًا لِوُجُودِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

وَاَلَّذِي لَا دَمَ لَهُ سَائِلَ: (كَذُبَابٍ وَبَقٍّ وَقَمْلٍ وَبَرَاغِيثَ وَخَنَافِسَ وَعَقَارِبَ وَصَرَاصِيرَ وَسَرَطَانٍ وَنَحْلٍ) وَعَنْكَبُوتٍ وَنَمْلٍ وَزُنْبُورٍ وَدُودٍ مِنْ طَاهِرٍ وَنَحْوِهَا؛ فَمَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ، لِحَدِيثِ «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْقُلْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي لَفْظٍ «فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ» وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ بَارِدٍ وَحَارٍّ وَدُهْنٍ مِمَّا يَمُوتُ الذُّبَابُ بِغَمْسِهِ فِيهِ، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُهُ كَانَ آمِرًا بِإِفْسَادِهِ. (وَ) لَا يَنْجُسُ (آدَمِيٌّ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ) كَأَطْرَافِهِ (وَمَشِيمَتِهِ) ، وَهِيَ: كِيسُ الْوَلَدِ، (وَلَوْ كَافِرًا) بِمَوْتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجَسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ " حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. (وَلَا يَنْجُسُ مَائِعٌ وَقَعَ فِيهِ) آدَمِيٌّ أَوْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، (فَغَيْرُهُ) كَرِيقِهِ وَعَرَقِهِ وَبُصَاقِهِ وَمُخَاطِهِ، (وَعَلَقَةٌ وَلَوْ خُلِقَ مِنْهَا حَيَوَانٌ طَاهِرٌ كَآدَمِيٍّ) نَجِسَةٌ لِأَنَّهَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ. (وَبَيْضَةٌ صَارَتْ دَمًا أَوْ مَذِرَةً) نَجِسَةٌ كَالْعَلَقَةِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. (وَلَبَنٌ وَمَنِيٌّ لِغَيْرِ مَأْكُولٍ) كَلَبَنِ هِرٍّ وَمَنِيِّهِ نَجِسٌ، (أَوْ) غَيْرِ (آدَمِيٍّ) ، أَمَّا لَبَنُ الْآدَمِيِّ وَمَنِيُّهُ فَطَاهِرٌ.

(وَلَوْ خَرَجَ) مَنِيُّهُ (بَعْدَ اسْتِجْمَارٍ) بِطَاهِرٍ فَلَا يَنْجُسُ مَا أَصَابَهُ مِنْ ثَوْبٍ وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " سَوَاءٌ كَانَ مِنْ احْتِلَامٍ أَوْ جِمَاعٍ. مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ لَا يَجِبُ فِيهِ فَرْكٌ وَلَا غَسْلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَخْرَجِ نَجَاسَةٌ فَالْمَنِيُّ نَجِسٌ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (قَالَ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيٌّ (ابْنُ عَقِيلٍ: غَيْرُ مَنِيِّ خَصِيٍّ) فَإِنَّهُ نَجِسٌ (لِاخْتِلَاطِهِ بِمَجْرَى بَوْلِهِ) فَيُغْسَلُ مَا أَصَابَهُ وُجُوبًا. (وَعَرَقٌ وَرِيقٍ لِغَيْرِ طَاهِرٍ) نَجِسٌ (وَبَيْضٌ وَقَيْءٌ وَوَدْيٌ) لِغَيْرِ مَأْكُولٍ نَجِسٌ. وَهُوَ: مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ غَيْرُ لَزِجٍ، (وَمَذْيٌ) مِمَّا لَا يُؤْكَلُ نَجِسٌ. وَهُوَ: مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٌ كَمَاءِ السَّيْسَبَانِ يَخْرُجُ عِنْدَ مَبَادِئِ الشَّهْوَةِ وَالِانْتِشَارِ. (وَبَوْلٌ وَغَائِطٍ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ كَخُطَّافٍ وَخُفَّاشٍ أَوْ مِنْ آدَمِيٍّ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، نَجِسٌ. وَأَمَّا مِنْهُمْ فَطَاهِرٌ. (أَوْ) كَانَ مَا ذَكَرَ مِنْ حَيَوَانٍ (أُكِلَ) لَحْمُهُ - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - فَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ، لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فِي الْإِبِلِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي، (وَ) أَمَّا إذَا كَانَ الْمَأْكُولُ (أَكْثَرُ عَلَفِهِ نَجَاسَةٌ) فَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ وَقَيْؤُهُ نَجِسٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (وَقَيْحٌ وَصَدِيدٌ وَمَاءُ قُرُوحٍ) نَجِسٌ (وَدَمٌ لِغَيْرِ سَمَكٍ وَبَقٍّ وَقَمْلٍ وَبَرَاغِيثَ وَذُبَابٍ) نَجِسٌ، وَأَمَّا مِنْ السَّمَكِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا يَسِيلُ دَمُهُ فَدَمُهُ طَاهِرٌ. (وَمَا) يَبْقَى (فِي خِلَالِ لَحْمٍ مَأْكُولٍ) بَعْدَ ذَبْحِهِ (وَدَمُ عُرُوقِهِ، وَلَوْ غَلَبَتْ حُمْرَتُهُ) أَيْ حُمْرَةُ دَمٍ فِي خِلَالِ لَحْمٍ مَأْكُولٍ أَوْ عُرُوقِهِ (فِي الْقِدْرِ) - بِكَسْرِ الْقَافِ - فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مُبَاحٌ (وَيُؤْكَلُ) تَبَعًا لِلَحْمٍ هُوَ مِنْهُ، وَلَوْ مَسَّهُ بِيَدِهِ فَظَهَرَ عَلَيْهَا، أَوْ مَسَحَهُ بِقُطْنَةٍ لَمْ يَنْجُسْ نَصًّا. (وَ) غَيْرُ (دَمِ شَهِيدٍ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ طَاهِرٌ مَا دَامَ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ فَيَنْجُسُ. (وَكَبِدٌ وَطِحَالٌ) مِنْ مَأْكُولٍ طَاهِرٌ، لِحَدِيثِ «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» . (وَلَا يُعْفَى فِي غَيْرِ مَا يَأْتِي عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَةٍ، وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا طَرَفٌ) - أَيْ: بَصَرٌ - (كَمُتَعَلِّقٍ بِرِجْلِ ذُبَابٍ) ،

لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «أُمِرْنَا أَنْ نَغْسِلَ الْأَنْجَاسَ سَبْعًا» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ. (وَيُعْفَى فِي غَيْرِ مَائِعٍ وَ) غَيْرِ (مَطْعُومٍ عَنْ يَسِيرٍ لَمْ يُنْقِضْ) الْوُضُوءَ خُرُوجُ قَدْرِهِ مِنْ الْبَدَنِ. وَهُوَ مَا لَا يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ (مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ، وَمَاءِ قُرُوحٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ كَهِرٍّ) ، أَيْ: يُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ غَالِبًا لَا يَسْلَمُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ، وَأَمَّا الْمَائِعُ وَالْمَطْعُومُ فَلَا يُعْفَى فِيهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ. (وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ يَسِيرِ (دَمٍ، وَلَوْ حَيْضًا وَنِفَاسًا وَاسْتِحَاضَةً) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ " مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إلَّا ثَوْبٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْهُ دَمٌ؛ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا " أَيْ: حَرَّكَتْهُ وَفَرَكَتْهُ، قَالَهُ فِي " النِّهَايَةِ " وَ (لَا) يُعْفَى عَنْ يَسِيرٍ خَرَجَ (مِنْ سَبِيلٍ) ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ. (وَيُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ بِثَوْبٍ) مِنْهُ دَمٌ وَنَحْوُهُ، فَإِنْ فَحَشَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْهُ، وَ (لَا) يُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ فِي (أَكْثَرَ) مِنْ ثَوْبٍ بَلْ يُعْتَبَرُ مَا فِي كُلِّ ثَوْبٍ عَلَى حِدَتِهِ، لِأَنَّ أَحَدَهَا لَا يَتَّبِعُ الْآخَرَ، وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي شَيْءٍ صَفِيقٍ قَدْ نَفَذَتْ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَهِيَ نَجَاسَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ بَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الدَّمُ فَهُمَا نَجَاسَتَانِ إذَا بَلَغَا لَوْ جَمَعَا قَدْرًا لَا يُعْفَى عَنْهُ، لَمْ يُعْفَ عَنْهَا كَجَانِبَيْ الثَّوْبِ. (وَمَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ) كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ (عُفِيَ عَنْ أَثَرِ كَثِيرِهِ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ بَعْدَ مَسْحٍ) ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْمَسْحِ يَسِيرٌ، وَإِنْ كَثُرَ مَحَلُّهُ فَعُفِيَ عَنْهُ كَيَسِيرِ غَيْرِهِ. (وَ) يُعْفَى (عَنْ أَثَرِ اسْتِجْمَارٍ بِمَحَلِّهِ) بَعْدَ الْإِنْقَاءِ وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ بِلَا خِلَافٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى مَحَلُّهُ إلَى الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَلَا يُرَدُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَنِيَّ الْمُسْتَجْمِرِ طَاهِرٌ، مَعَ أَنَّ أَثَرَ الِاسْتِجْمَارِ قَدْ تَعَدَّى مَحَلَّهُ بِسَبَبِ الْمَنِيِّ، لِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ

طِينِ الشَّارِعِ إذَا تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ لَا بِمَنْزِلَةِ النَّجَاسَةِ بِالْعَيْنِ إذَا تَعَدَّتْ إلَى غَيْرِهَا. (وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (يَسِيرِ سَلَسِ بَوْلٍ مَعَ كَمَالِ تَحَفُّظٍ) لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ. (وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (دُخَانِ نَجَاسَةٍ وَبُخَارِهَا وَغُبَارِهَا) . (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ وَلَوْ) كَانَ اخْتِلَاطُ مَا ذُكِرَ مِنْ الدُّخَّانِ وَالْبُخَارِ وَالْغُبَارِ (بِمَائِعٍ) لَمْ يُغَيِّرْهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (مَا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ) - أَيْ: الدُّخَانِ وَنَحْوِهِ - (صِفَةٌ) فِي الشَّيْءِ الطَّاهِرِ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَا لَمْ يَتَكَاثَفْ. (وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (يَسِيرِ مَائِعٍ تَنَجَّسَ) بِشَيْءٍ (مَعْفُوٍّ عَنْ يَسِيرِهِ) كَدَمٍ وَقَيْحٍ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي رِعَايَتَيْهِ " وَعِبَارَتُهُ: وَعَنْ يَسِيرِ الْمَاءِ النَّجِسِ بِمَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ مِنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ، وَأَطْلَقَ الْمُنَقِّحُ الْقَوْلَ بِالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الْمَاءِ النَّجِسِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَنَجِّسَ، بَلْ وَكُلُّ مُتَنَجِّسٍ، حُكْمُهُ حُكْمُ نَجَاسَةٍ: فَإِنْ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهَا كَالدَّمِ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ، وَإِلَّا كَالْبَوْلِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ فَرْعُهَا، وَالْفَرْعُ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ أَصْلِهِ. (وَ) يُعْفَى أَيْضًا (عَنْ نَجَاسَةٍ بِعَيْنٍ) فَلَا يَجِبُ غَسْلُهَا لِلتَّضَرُّرِ بِهِ.

(وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا يُعْفَى عَنْ نَجَاسَةٍ دَاخِلَ (أُذُنٍ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّضَرُّرِ أَيْضًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) يُعْفَى أَيْضًا (عَنْ حَمْلِ كَثِيرِهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةِ - (فِي صَلَاةِ خَوْفٍ) لِلضَّرُورَةِ. (وَ) يُعْفَى أَيْضًا عَنْ (يَسِيرِ طِينِ شَارِعٍ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ) لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ تُرَابٌ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَإِنْ هَبَّتْ رِيحٌ فَأَصَابَ شَيْئًا رَطْبًا غُبَارٌ نَجِسٌ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ. (وَعَرَقٌ وَرِيقٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ) مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِ مَأْكُولٍ (طَاهِرٌ، وَبَلْغَمٌ) مِنْ صَدْرٍ أَوْ رَأْسٍ أَوْ مَعِدَةٍ طَاهِرٌ (وَلَوْ ازْرَقَّ) - بِتَشْدِيدِ الْقَافِ - لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى النُّخَامَةَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ ، فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا» وَوَصَفَهُ الْقَاسِمُ: فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ. وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمَا أَمَرَ بِمَسْحِهَا فِي ثَوْبِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تَحْتَ قَدَمِهِ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَجَّسَ الْفَمَ، وَلِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْأَبْخِرَةِ أَشْبَهَ الْمُخَاطَ. (وَرُطُوبَةُ فَرْجِ آدَمِيَّةٍ) طَاهِرَةٌ، لِأَنَّ الْمَنِيَّ طَاهِرٌ وَلَوْ عَنْ جِمَاعٍ، فَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَكَانَ نَجِسًا لِخُرُوجِهِ مِنْهُ. (وَسَائِلٌ مِنْ فَمِ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى كَبِيرٌ أَوْ صَغِيرٌ (وَقْتَ نَوْمٍ) طَاهِرٌ كَالْبُصَاقِ. (وَدُودُ قَزٍّ) وَبِزْرُهُ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ. (وَطِينُ شَارِعٍ ظُنَّتْ نَجَاسَتُهُ) وَتُرَابُهُ طَاهِرٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ. (وَمِسْكٌ وَفَأْرَتُهُ) طَاهِرَانِ، وَهُوَ سُرَّةُ الْغَزَالِ وَانْفِصَالُهُ بِطَبْعِهِ كَالْجَنِينِ. (وَكَذَا زَبَادٌ) طَاهِرٌ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ جَزَمَ بِنَجَاسَتِهِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي

الْفُرُوعِ " طَهَارَتُهُ، (لِأَنَّهُ عِرْقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ) . قَالَ الشَّرِيفُ الْإِدْرِيسِيُّ: الزَّبَادُ: نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ يُجْمَعُ مِنْ بَيْنِ أَفْخَاذِ حَيَوَانٍ مَعْرُوفٍ يَكُونُ بِالصَّحْرَاءِ، وَيُصَادُ وَيُطْعَمُ اللَّحْمَ، ثُمَّ يَعْرَقُ فَيَكُونُ مِنْ عِرْقٍ بَيْنَ فَخِذَيْهِ حِينَئِذٍ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْهِرِّ الْأَهْلِيِّ. انْتَهَى. وَالْعَنْبَرُ طَاهِرٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَنْبَرُ مِنْ الطِّيبِ رَوْثُ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ أَوْ نَبْعُ عَيْنٍ فِيهِ وَيُؤَنَّثُ. (وَلَا يُكْرَهُ سُؤْرُ) حَيَوَانٍ (طَاهِرٍ وَلَوْ حَائِضًا وَهُوَ) - أَيْ: السُّؤْرُ -: (فَضْلُ طَعَامِهِ) - أَيْ: الْحَيَوَانِ - (وَشَرَابِهِ، غَيْرَ دَجَاجَةٍ مُخَلَّاةٍ) غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ، فَيُكْرَهُ سُؤْرُهَا احْتِيَاطًا، (قِيلَ: وَ) غَيْرُ سُؤْرِ (فَأْرٍ، لِأَنَّهُ يُورِثُ النِّسْيَانَ) فَيُكْرَهُ تَنَاوُلُهُ لِذَلِكَ. (وَلَا يُكْرَهُ نَحْوُ) (عَجْنٍ وَ) لَا (طَبْخٍ مِنْ حَائِضٍ) وَنُفَسَاءَ (وَلَا وَضْعُ يَدِهَا فِي مَائِعٍ) لِطَهَارَةِ بَدَنِهَا. (وَلَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ هِرٌّ وَنَحْوُهُ) كَنِمْسٍ وَفَأْرٍ وَقُنْفُذٍ وَدَجَاجَةٍ وَبَهِيمَةٍ نَجَاسَةً فَلُعَابُهُ طَاهِرٌ، لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْهِرِّ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» مُشَبِّهًا بِالْخَدَمِ أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} [النور: 58] وَلِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا كَحَشَرَاتِ الْأَرْضِ كَالْحَيَّةِ، قَالَ الْقَاضِي: فَطَهَارَتُهَا مِنْ النَّصِّ وَمِثْلُهَا وَمَا دُونَهَا مِنْ التَّعْلِيلِ. (أَوْ) أَكَلَ (طِفْلٌ نَجَاسَةً فَلُعَابُهُ طَاهِرٌ ثُمَّ شَرِبَ) الْهِرُّ وَنَحْوُهُ مِمَّا دُونَهُ فِي الْخِلْقَةِ أَوْ الطِّفْلُ (وَلَوْ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ) بَعْدَ أَكْلِ النَّجَاسَةِ (مِنْ مَائِعٍ) أَوْ مَاءٍ (يَسِيرٍ) لَمْ يُؤَثِّرْ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، (أَوْ وَقَعَ فِيهِ) - أَيْ: الْمَاءِ - الْيَسِيرِ، أَوْ مَائِعٍ غَيْرِهِ (هِرٌّ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَنْضَمُّ دُبُرُهُ إذَا وَقَعَ) فِي مَائِعٍ، (وَخَرَجَ حَيًّا لَمْ يُؤَثِّرْ) ، لِعَدَمِ وُصُولِ نَجَاسَةٍ إلَيْهِ، (وَكَذَا) لَوْ وَقَعَ (فِي جَامِدٍ) وَخَرَجَ حَيًّا لَمْ يُؤَثِّرْ. (وَهُوَ) - أَيْ: الْجَامِدُ - (مَا يُمْنَعُ انْتِقَالُهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةِ - فِيهِ لِكَثَافَتِهِ.

باب الحيض

(وَإِنْ مَاتَ) حَيَوَانٌ يَنْجُسُ بِمَوْتٍ (أَوْ وَقَعَ مَيِّتًا رَطْبًا فِي دَقِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَسَمْنٍ جَامِدٍ (أُلْقِيَ) الْمَيِّتُ (وَمَا حَوْلَهُ) مِنْ دَقِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ لِمُلَاقَاتِهِ النَّجَاسَةَ وَاسْتُعْمِلَ الْبَاقِي. (وَإِنْ اخْتَلَطَ) النَّجِسُ بِغَيْرِهِ (وَلَمْ يَنْضَبِطْ حَرُمَ) الْكُلُّ تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَائِعًا لِلْخَبَرِ. [بَابُ الْحَيْضِ] (بَابُ الْحَيْضِ) لُغَةً: السَّيَلَانُ، مَصْدَرُ: حَاضَ، مَأْخُوذٌ مِنْ حَاضَ الْوَادِي: إذَا سَالَ، وَحَاضَتْ الشَّجَرَةُ: إذَا سَالَ مِنْهَا شِبْهُ الدَّمِ، وَهُوَ: الصَّمْغُ الْأَحْمَرُ، وَتَحَيَّضَتْ: قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا عَنْ نَحْوِ صَلَاةٍ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ: الطَّمْثُ وَالْعِرَاكُ وَالضَّحِكُ وَالْإِعْصَارُ وَالْإِكْبَارُ وَالنِّفَاسُ وَالدِّرَاسُ، وَاسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ: اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا وَيُتَصَوَّرُ وُجُودُ شِبْهِ الْحَيْضِ مِنْهُ سَبْعٍ سِوَى الْمَرْأَةِ، وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إنَّ (الْإِنَاثَ) اللَّوَاتِي حِضْنَ قَدْ جُمِعَتْ ... فِي بَيْتِ شِعْرٍ فَكُنْ مِمَّنْ لَهُنَّ يَعِي (فَ) فَأْرَةٌ، نَاقَةٌ، مَعَ أَرْنَبٍ، وَزَغٌ ... وَحُجْرَةُ كَلْبَةٍ، خُفَّاشٌ، مَعَ ضَبُعِ وَشَرْعًا: (دَمُ طَبِيعَةٍ وَجِبِلَّةٍ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، أَيْ: سَجِيَّةٍ وَخِلْقَةٍ، جَبَلَ اللَّهُ بَنَاتَ آدَمَ عَلَيْهَا، (يَخْرُجُ مَعَ صِحَّةٍ) بِخِلَافِ الِاسْتِحَاضَةِ (مِنْ غَيْرِ سَبَبِ وِلَادَةٍ) خَرَجَ النِّفَاسُ (مِنْ قَعْرِ رَحِمٍ) - أَيْ: بَيْتِ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَائِهِ، (يَعْتَادُ أُنْثَى إذَا بَلَغَتْ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ) ، وَلَيْسَ بِدَمِ فَسَادٍ بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةِ غِذَاءِ الْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا، فَإِذَا حَمَلَتْ انْصَرَفَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى غِذَائِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ، فَإِذَا وَضَعَتْ قَلَبَهُ اللَّهُ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ، وَلِذَلِكَ قَلَّ مَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ فَإِذَا خَلَتْ مِنْهُمَا بَقِيَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ، فَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَيَقِلُّ وَيَطُولُ شَهْرُهَا وَيَقْصُرُ بِحَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللَّهُ فِي الطِّبَاعِ، وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِرِّ الْأُمِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَبِبِرِّ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً.

وَالْأَصْلُ فِي الْحَيْضِ: قَوْله تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] الْآيَةَ وَالسُّنَّةَ. قَالَ أَحْمَدُ: الْحَيْضُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثُ فَاطِمَةَ. وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَحَمْنَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ مَكَانَ أُمِّ حَبِيبَةَ. (وَالِاسْتِحَاضَةُ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ) الْمُعْتَادِ (مِنْ مَرَضٍ وَفَسَادٍ مِنْ عِرْقٍ فَمُهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ يُسَمَّى: الْعَاذِلَ) : بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَالْعَاذِرُ: لُغَةً فِيهِ، حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ. يُقَالُ: اُسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ: اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ. (وَيَأْتِي) الْكَلَامُ عَلَى (النِّفَاسِ) مُسْتَوْفًى. (وَيَمْتَنِعُ بِحَيْضٍ اثْنَا عَشَرَ) شَيْئًا: أَحَدُهَا: (غُسْلٌ لَهُ) ، فَلَا يَصِحُّ لِقِيَامِ مُوجِبِهِ، وَ (لَا) يُمْنَعُ الْغُسْلُ (لِجَنَابَةٍ وَنَحْوِ إحْرَامٍ بَلْ يُسَنُّ) الْغُسْلُ لِذَلِكَ تَخْفِيفًا لِلْحَدَثِ. (وَ) الثَّانِي: (وُضُوءٌ) ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ انْقِطَاعَ مَا يُوجِبُهُ، وَتَقَدَّمَ. (وَ) الثَّالِثُ: (وُجُوبُ صَلَاةٍ) إجْمَاعًا فَلَا تَقْضِيهَا إجْمَاعًا، قِيلَ لِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: فَإِنْ أَحَبَّتْ أَنْ تَقْضِيَهَا؟ قَالَ: لَا هَذَا خِلَافٌ، أَيْ: بِدْعَةٌ وَتَفْعَلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ إذَا طَهُرَتْ لِأَنَّهَا نُسُكٌ لَا آخَرَ لِوَقْتِهِ. ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِمَعْنَاهُ. (وَ) الرَّابِعُ: امْتِنَاعُ (فِعْلِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - وَلَوْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ لِمُسْتَمِعَةٍ، لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهَا. (وَ) الْخَامِسُ: (فِعْلُ طَوَافٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَوُجُوبُهُ بَاقٍ فَتَفْعَلُهُ إذَا طَهُرَتْ إذًا لِأَنَّهُ لَا آخَرَ لِوَقْتِهِ وَيَسْقُطُ عَنْهَا وُجُوبُ طَوَافٍ وَوَدَاعٍ كَمَا يَأْتِي. (وَ) السَّادِسُ: فِعْلُ (صَوْمٍ) إجْمَاعًا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى يَا رَسُولَ

اللَّهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلَا يَمْنَعُ الْحَيْضُ وُجُوبَ صَوْمٍ فَتَقْضِيهِ إجْمَاعًا، لِحَدِيثِ مُعَاذَةَ قَالَتْ: «سَأَلْت عَائِشَةَ فَقُلْت: مَا بَالُ الْحَائِضُ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْت: لَسْت بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، فَقَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَضَاؤُهُ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ. (وَ) السَّابِعُ: (مَسُّ الْمُصْحَفِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] . (وَ) الثَّامِنُ: (قِرَاءَةُ قُرْآنٍ) مُطْلَقًا خَافَتْ نِسْيَانَهُ أَوْ لَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إذَا ظَنَّتْ نِسْيَانَهُ وَجَبَتْ) عَلَيْهَا الْقِرَاءَةُ. وَاخْتَارَهُ فِي " الْفَائِقِ " وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. (وَ) : (لُبْثٌ بِمَسْجِدٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا أُحِلَّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَوْ) كَانَ اللُّبْثُ (بِوُضُوءٍ) وَمَعَ أَمْنِ التَّلَوُّثِ فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا، وَ (لَا) يَمْنَعُ الْحَيْضُ الـ (مُرُورَ) بِالْمَسْجِدِ (مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثٍ) نَصًّا، فَإِنْ لَمْ تَأْمَنْهُ مُنِعَتْ. (وَ) الْعَاشِرُ: (وَطْءٌ فِي فَرْجٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] الْآيَةَ، وَهُوَ: مَوْضِعُ الْحَيْضِ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". وَإِنْ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْهُ قُبِلَ مِنْهَا نَصًّا إنْ أَمْكَنَ كَطُهْرِهَا، (إلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ) - مَرَضٌ مَعْرُوفٌ - فَيُبَاحُ لَهُ الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ إنْ خَافَ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ إنْ لَمْ يَطَأْ، (وَلَا تَنْدَفِعُ شَهْوَتُهُ بِدُونِ وَطْءٍ فِي فَرْجٍ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى مَهْرِ حُرَّةٍ أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ) وَلَا يَجِدُ غَيْرَ الْحَائِضِ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ خَوْفَ عَنَتٍ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا) بِأَنْ لَمْ تَنْدَفِعْ الشَّهْوَةُ بِدُونِ

إيلَاجٍ فِي فَرْجِهَا، فَيُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ إزَالَةً لِلضَّرَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ: (سُنَّةُ طَلَاقٍ) ، لِأَنَّهُ فِي الْحَيْضِ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، كَمَا يَأْتِي مُوَضَّحًا فِي بَابِهِ، (مَا لَمْ تَسْأَلْهُ) - أَيْ: الْحَائِضُ - (خُلْعًا أَوْ طَلَاقًا) فَيُبَاحُ لَهُ إجَابَتُهَا، لِأَنَّ الْمَنْعَ لِتَضَرُّرِهَا بِطُولِ الْعِدَّةِ، وَمَعَ سُؤَالِهَا قَدْ أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا. (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ سُؤَالُهَا الزَّوْجَ الْخُلْعَ أَوْ الطَّلَاقَ (بِلَا عِوَضٍ، خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " - حَيْثُ قَيَّدَا سُؤَالَهَا بِالْعِوَضِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَلَعَلَّ اعْتِبَارَ الْعِوَضِ لِأَنَّهَا قَدْ تُظْهِرُ خِلَافَ مَا تُبْطِنُ، فَبَذْلُ الْعِوَضِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، (كَمَا يَأْتِي) فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مُفَصَّلًا. (وَالْعِلَّةُ) الَّتِي ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ: أَنَّ حُرْمَةَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ لِحَقِّهَا، فَأُبِيحَ الطَّلَاقُ بِسُؤَالِهَا مُطْلَقًا بِعِوَضٍ وَبِدُونِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّهَا أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا بِسُؤَالِهَا ذَلِكَ (تَقْتَضِيهِ) ، أَيْ: تَقْتَضِي جَوَازَ الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ بِسُؤَالِهَا ذَلِكَ بِعِوَضٍ وَبِدُونِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَ) الثَّانِي عَشَرَ (اعْتِدَادٌ بِأَشْهُرٍ) ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَحِيضُ لَا تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ بَلْ بِالْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ بِالْقُرُوءِ، وَلِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} [الطلاق: 4] الْآيَةَ. (إلَّا) الِاعْتِدَادُ (لِوَفَاةٍ) فَبِالْأَشْهُرِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا، وَلَوْ أَنَّهَا تَحِيضُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] . (وَيَجِبُ بِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ (خَمْسَةُ) أَشْيَاءَ: (غُسْلٌ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يَجِبُ بِهِ (بُلُوغٌ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَتِرَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ حَصَلَ بِهِ. (وَ) يَجِبُ عَلَى حَائِضٍ (اعْتِدَادٌ) بِالْحَيْضِ (إلَّا لِوَفَاةٍ) ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. (وَ) يَجِبُ (الْحُكْمُ بِبَرَاءَةِ رَحِمٍ فِي اعْتِدَادٍ) بِهِ، إذْ الْعِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةُ الْعِدَّةِ فِي الْأَصْلِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، (وَ) يَجِبُ الْحُكْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي (اسْتِبْرَاءِ) الْإِمَاءِ، إذْ فَائِدَتُهُ ذَلِكَ (وَ) تَجِبُ (كَفَّارَةٌ بِوَطْءٍ فِيهِ) - أَيْ: فِي الْحَيْضِ - قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: قَدْ يُقَالُ الْمُوجِبُ الْوَطْءُ وَالْحَيْضُ شَرْطٌ كَمَا قَالُوا فِي الزِّنَا إنَّهُ مُوجِبٌ. وَالْإِحْصَانُ شَرْطٌ، وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ. (وَنِفَاسٌ مِثْلُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (فِي كُلِّ مَا مَرَّ) مِمَّا يَمْنَعُهُ وَيُوجِبُهُ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ اُحْتُبِسَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ، (إلَّا فِي) ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (اعْتِدَادٌ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْءٍ، فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ. (وَوُجُوبُ بُلُوغٍ، لِحُصُولِهِ بِ) إنْزَالٍ سَابِقٍ: لِ (حَمْلٍ

وَعَدَمُ احْتِسَابٍ بِهِ فِي مُدَّةِ إيلَاءٍ) ، أَيْ: الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الَّتِي تُضْرَبُ لِلْمُولِي لِطُولِ مُدَّتِهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ. (وَلَا يُبَاحُ قَبْلَ غُسْلٍ أَوْ تَيَمُّمٍ بِانْقِطَاعِ دَمِ) حَيْضٍ (غَيْرِ صَوْمٍ) ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ فِعْلَهُ كَالْجَنَابَةِ، (وَ) غَيْرِ (طَلَاقٍ) ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ، (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ (لُبْثٌ بِمَسْجِدٍ بِوُضُوءٍ) ، وَتَقَدَّمَ. (وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ) زَوْجٌ وَسَيِّدٌ (مِنْ حَائِضٍ) زَمَنَ حَيْضٍ. (وَيَتَّجِهُ وَ) مِنْ (نُفَسَاءَ) كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (بِدُونِ فَرْجٍ) مِمَّا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، لِمَا " رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] أَيْ: اعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ وَلِأَنَّ الْمَحِيضَ اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ، كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ، فَيَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ " إلَّا الْجِمَاعَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَحِلُّ مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ، وَالْمَنْطُوقُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ «إنَّهُ كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ فَيُبَاشِرَنِي وَأَنَا حَائِضٌ» فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَيْضًا لِلتَّحْرِيمِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحِ تَعَذُّرًا، كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ. (وَيُسَنُّ سَتْرُهُ) - أَيْ: الْفَرْجِ - (إذَنْ) أَيْ: حِينِ اسْتِمْتَاعِهِ بِمَا دُونَهُ، لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا خِرْقَةً» رَوَاهُ

أَبُو دَاوُد. (فَإِنْ) (أَوْلَجَ) مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ (الْحَشَفَةَ أَوْ قَدْرَهَا) مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي فَرْجِ حَائِضٍ (قَبْلَ انْقِطَاعِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ - (أَوْ حَاضَتْ) مُجَامَعَةً (فِي أَثْنَاءِ وَطْءِ مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ (وَلَوْ بِحَائِلٍ) لَفَّهُ عَلَى ذَكَرِهِ. (وَيَتَّجِهُ) سَوَاءٌ كَانَ إيلَاجُهُ بِمَنْ تُبَاحُ لَهُ أَوْ بِشُبْهَةٍ (أَوْ زِنًى) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَعَلَيْهِ) - أَيْ: الْمُولِجِ - (كَفَّارَةُ دِينَارٍ، زِنَتُهُ مِثْقَالٌ خَالٍ مِنْ غِشٍّ أَوْ نِصْفُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَتَخَيُّرُهُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنِصْفِهِ كَتَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ. (أَوْ قِيمَتُهُ مِنْ فِضَّةٍ لَا) مِنْ (غَيْرِهَا) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ جَامَعَ طَاهِرًا فَحَاضَتْ، فَنَزَعَ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ. (وَلَوْ) كَانَ الْمُولِجُ (مُكْرَهًا) ، لِأَنَّ الْإِيلَاجَ لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْإِكْرَاهِ. (وَيَتَّجِهُ مَا لَمْ) (يُدْخِلْهُ) - أَيْ: ذَكَرَهُ - بِأُصْبُعِهِ (إذَنْ) أَيْ: حَالَ الْإِكْرَاهِ (بِلَا انْتِشَارٍ) فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ مُكْرَهٌ، وَالْمُكْرَهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(أَوْ) كَانَ (نَاسِيًا) الْحَيْضَ. (أَوْ) كَانَ (جَاهِلَ حَيْضٍ وَتَحْرِيمٍ) ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ. وَكَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ، (وَكَذَا هِيَ) ، أَيْ: وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْكَفَّارَةِ قِيَاسًا عَلَيْهِ (إنْ طَاوَعَتْهُ) عَلَى الْوَطْءِ فَإِنْ أَكْرَهَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَقِيَاسُهُ لَوْ كَانَتْ نَاسِيَةً أَوْ جَاهِلَةً. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عَلَى وَاطِئٍ وَمَوْطُوءٍ اخْتِيَارًا، (وَلَوْ) كَانَا (قِنَّيْنِ) لِتَكْلِيفِهِمَا بِالْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِرَقَبَتِهِمَا يُؤَدِّيَانِهَا بَعْدَ عِتْقِهِمَا، مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا السَّيِّدُ بِالتَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ، (فَإِنْ) أَذِنَ لَهُمَا، وَأَجْزَأَهُمَا، (وَلَا يُعَزَّرَانِ لِوُجُوبِهَا) - أَيْ: الْكَفَّارَةِ - عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَتَسْقُطُ) الْكَفَّارَةُ (بِعَجْزٍ) عَنْهَا، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ فَكَالصَّوْمِ، فَلَوْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ ثُمَّ فِي آخَرَ وَلَمْ يُكَفِّرْ، لَزِمَتْهُ ثَانِيَةٌ، كَمَنْ أَعَادَ فِي يَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ كَفَّرَ. (وَمَصْرِفُهَا) - أَيْ: هَذِهِ الْكَفَّارَةِ - (كَغَيْرِهَا) مِنْ بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ، أَيْ: لِمَنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَتِهِ، (وَتُجْزِئُ لِمِسْكِينٍ) وَاحِدٍ (كَنَذْرِ مُطْلَقٍ) ، أَيْ: كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَنْ يَتَصَدَّقُ

فرع أراد وطأها فادعت حيضا وأمكن

عَلَيْهِ. (وَوَطْءُ حَائِضٍ) فِي فَرْجِهَا (كَبِيرَةٌ،) (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) وَأَمَّا فِي " الشَّهَادَاتِ " فَإِنَّهُ عَدَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ. (وَلَا كَفَّارَةَ بِوَطْءِ) حَائِضٍ (بَعْدَ انْقِطَاعِ) الدَّمِ (وَقَبْلَ غُسْلِهَا) مِنْهُ، لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ «وَهِيَ حَائِضٌ» وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِحَائِضٍ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا كَفَّارَةَ (بِوَطْءِ) الْحَائِضِ (فِي دُبُرِهَا) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ. [فَرْعٌ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْ حَيْضًا وَأَمْكَنَ] (فَرْعٌ: لَوْ أَرَادَ وَطْأَهَا فَادَّعَتْ حَيْضًا وَأَمْكَنَ) بِأَنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ يَتَأَتَّى فِيهِ الْحَيْضُ (قُبِلَ) قَوْلُهَا (نَصًّا لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ) فَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْهَا. (وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا) - أَيْ: الْعُلَمَاءُ - (عَلَى قَبُولِ) (قَوْلِ الْمَرْأَةِ) - أَيْ: الْمَاشِطَةِ وَنَحْوِهَا - (تَزِفُّ الْعَرُوسَ إلَى زَوْجِهَا فَتَقُولُ: هَذِهِ زَوْجَتُك) ، وَعَلَى اسْتِبَاحَةِ وَطْئِهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ، (وَ) عَلَى تَصْدِيقِ مَنْ أُرِيدَ وَطْؤُهَا (فِي قَوْلِهَا: أَنَا حَائِضٌ، أَوْ) قَوْلُهَا: (قَدْ طَهُرْت) ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا. [فَصْلٌ سِنُّ الْحَيْضِ وَقَدْره] (فَصْلٌ) (وَأَقَلُّ سِنِّ حَيْضٍ) ، أَيْ: سِنُّ امْرَأَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحِيضَ: (تَمَامُ تِسْعِ سِنِينَ) تَحْدِيدًا لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ قَبْلَ هَذَا السِّنِّ، وَلِأَنَّهُ خُلِقَ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، وَهَذِهِ لَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ، فَلَا تُوجَدُ فِيهَا حِكْمَتُهُ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ " وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَالْمُرَادُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ، فَمَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَبِبُلُوغِهَا. وَإِنْ رَأَتْهُ قَبْلَ. هَذَا السِّنِّ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا. (وَأَكْثَرُهُ) ، أَيْ: أَكْثَرُ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ: (خَمْسُونَ سَنَةً) ، هَذَا الْمَذْهَبُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْهِدَايَةِ " " وَالْمَذْهَبِ " " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " " وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ " " وَالطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ "

وَالْهَادِي " " وَالْخُلَاصَةِ " " وَالتَّرْغِيبِ " " وَنَظْمِ نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ " " وَالْإِفَادَاتِ " " وَنَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ " وَهُوَ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: هُوَ اخْتِيَارُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ. قَالَ فِي " الْبُلْغَةِ " هَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ " قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ " إذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ " وَعَنْهَا أَيْضًا " لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ " رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّالَنْجِيُّ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِنَّ. لِاسْتِوَائِهِنَّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) ، أَيْ: سِنِّ الْحَيْضِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. (وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ الْقَاضِي فَجَعَلَ الْحَيْضَ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَقِّ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ «لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ كَالطُّهْرِ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. (فَلَا يَثْبُتُ لَهَا) - أَيْ: الْحَامِلِ - (وَلَا لِمَنْ جَاوَزَتْ خَمْسِينَ سَنَةً حُكْمُ حَائِضٍ) وَلَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ حَيْضُهَا عَنْ عَادَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا، فَلَا تَتْرُكُ الْعِبَادَةَ (بِدَمٍ تَرَاهُ) ، لِأَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ لَا حَيْضٍ، وَلَا يُمْنَعُ زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا وَطْأَهَا. قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ ": إنْ خَافَ الْعَنَتَ، أَيْ: مِنْهُ أَوْ مِنْهَا، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ، وَيَأْتِي. وَتَغْتَسِلُ الْحَامِلُ إذَا رَأَتْ دَمًا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ نَصًّا اسْتِحْبَابًا لِلِاحْتِيَاطِ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. (وَأَقَلُّ حَيْضٍ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحَرْزِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، وَلَمْ يُوجَدْ أَقَلُّ مِنْهُ، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْت مَنْ

تَحِيضُ يَوْمًا لَا تَزِيدُهُ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْدِيُّ: كَانَ فِي نِسَائِنَا مَنْ تَحِيضُ، أَيْ: بِلَيْلَتِهِ، لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الْيَوْمِ، وَالْمُرَادُ مِقْدَارُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَيْ: أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً، (فَلَوْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (لِأَقَلَّ) مِنْ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ، (فَ) لَيْسَ بِحَيْضٍ، بَلْ هُوَ (دَمُ فَسَادٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَأَكْثَرُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهِنَّ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ " مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ " وَأَقَلُّ الْحَيْضِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، قَالَ عَطَاءٌ: رَأَيْت مَنْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي سُنَنِهِ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ، قِيلَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ ، قَالَ: تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمُرِهَا لَا تُصَلِّي» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا يَثْبُتُ هَذَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِهَذَا قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّى أَنَّهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ خَطَأٌ. (وَغَالِبُهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ (سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ «تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَاهُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ. (وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فِيهَا، فَقَالَ شُرَيْحٌ: إنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ

فرع أحبت حائض قضاء الصلاة التي تركتها أيام حيضها

يُرْجَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلَّا: فَهِيَ كَاذِبَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قالون " - أَيْ: جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ - وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا، وَهُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ اشْتَهَرَ وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَوُجُودُ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ يَقِينًا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا نَخْتَلِفُ أَنَّ الْعِدَّةَ يَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ. (وَأَقَلُّهُ) - أَيْ: الطُّهْرِ - (بِزَمَنِ حَيْضٍ) - أَيْ: فِي أَثْنَائِهِ - (حُصُولُ نَقَاءٍ خَالِصٍ بِأَنْ لَا تَتَغَيَّرَ قُطْنَةٌ احْتَشَتْ بِهَا) ، طَالَ زَمَنُهُ أَوْ قَصُرَ، (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) ، أَيْ: مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَاغْتَسَلَتْ، (زَمَنَهُ) ، أَيْ: زَمَنَ طُهْرِهَا فِي أَثْنَاءِ حَيْضِهَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا انْقَطَعَ وَاغْتَسَلَتْ فَقَدْ زَالَ الْأَذَى. (وَغَالِبُهُ) - أَيْ: الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ - (بَقِيَّةُ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ) بَعْدَ مَا حَاضَتْهُ مِنْهُ إذْ الْغَالِبُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، فَمَنْ تَحِيضُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً مِنْ الشَّهْرِ، فَغَالِبُ طُهْرِهَا: أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا. (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) - أَيْ: الطُّهْرِ - لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهُ شَرْعًا. وَمِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ الشَّهْرَ وَالثَّلَاثَ وَالسِّتَّةَ فَأَكْثَرَ، وَمِنْهُنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا. [فَرْعٌ أَحَبَّتْ حَائِضٌ قَضَاءَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَرَكَتْهَا أَيَّامَ حَيْضِهَا] (فَرْعٌ: لَوْ أَحَبَّتْ حَائِضٌ قَضَاءَ الصَّلَاةِ) الَّتِي تَرَكَتْهَا أَيَّامَ حَيْضِهَا: (فَظَاهِرُ نَقْلِ الْأَثْرَمُ) عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (الْمَنْعُ) مِنْ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ. [فَصْلٌ الْمُبْتَدَأَةُ بِدَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ] (فَصْلٌ) (وَالْمُبْتَدَأَةُ بِدَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ) ، أَيْ: الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ (تَجْلِسُ) ، أَيْ: تَدَعُ نَحْوَ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ

وَقِرَاءَةٍ وَطَوَافٍ (بِمُجَرَّدِ مَا تَرَاهُ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ دَمٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ، لِأَنَّ الْحَيْضَ جِبِلَّةٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْفَسَادِ فَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ بُلُوغِ أَقَلِّ الْحَيْضِ لَمْ يَجِبْ لَهُ غُسْلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا، وَإِلَّا جَلَسَتْ (أَقَلَّهُ) : يَوْمًا وَلَيْلَةً، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، وَمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا نُسْقِطُهَا بِالشَّكِّ، وَلَوْ لَمْ نُجْلِسْهَا الْأَقَلَّ لَأَدَّى إلَى عَدَمِ جُلُوسِهَا أَصْلًا. (وَيَتَّجِهُ) بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ (أَنَّهُ) - أَيْ: الْأَقَلُّ (حَيْضٌ) فَلَا تُعِيدُ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْهُ نَحْوَ صَلَاةٍ تَرَكَتْهَا زَمَنَهُ، لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَيْضٌ (وَلَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (بِخِلَافِ مَا زَادَ) عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِهِ إذْ لَا يَكُونُ حَيْضًا إلَّا بِتَكَرُّرِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (ثُمَّ تَغْتَسِلُ) بَعْدَهُ سَوَاءٌ انْقَطَعَ لِذَلِكَ أَوْ لَا، (وَتُصَلِّي وَنَحْوَهُ) ، أَيْ: تَصُومُ وَتَطُوفُ، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّهِ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحَاضَةَ، فَلَا تَتْرُكُ الْوَاجِبَ بِالشَّكِّ وَلَا تُصَلِّي قَبْلَ الْغُسْلِ لِوُجُوبِهِ لِلْحَيْضِ. (فَإِذَا) جَاوَزَ الدَّمُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثُمَّ (انْقَطَعَ وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - بِأَنْ انْقَطَعَ لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ، (اغْتَسَلَتْ أَيْضًا) وُجُوبًا لِصَلَاحِيَّتِهِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، تَفْعَلُهُ، أَيْ: مَا ذُكِرَ، وَهُوَ: جُلُوسُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَغُسْلُهَا عِنْدَ آخِرِهَا، وَغُسْلُهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، (تَفْعَلُهُ ثَلَاثًا) - أَيْ: فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ - لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك» وَهِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ. وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ، (فَلَا تَثْبُتُ عَادَةٌ بِدُونِهَا) - أَيْ: الثَّلَاثِ - عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا مَا اُعْتُبِرَ لَهُ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الثَّلَاثُ كَالْأَقْرَاءِ وَالشُّهُورِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَكَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ وَمُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ. (فَإِنْ

لَمْ يَخْتَلِفْ) حَيْضُهَا فِي الشُّهُورِ الثَّلَاثَةِ (صَارَ عَادَةً تَنْتَقِلُ إلَيْهِ) فَتَجْلِسُ جَمِيعَهُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ، لِتَيَقُّنِهِ حَيْضًا، (وَتُعِيدُ نَحْوَ صَوْمِ فَرْضٍ) كَرَمَضَانَ وَقَضَائِهِ وَنَذْرٍ وَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبِينَ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ (فِيهِ) . لِأَنَّا تَبَيَّنَّا فَسَادَهُ، لِكَوْنِهِ فِي الْحَيْضِ وَإِنْ اخْتَلَفَ، فَمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ثَلَاثًا: فَحَيْضٌ، مُرَتَّبًا كَانَ كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ وَسِتَّةٍ فِي ثَانٍ وَسَبْعَةٍ فِي ثَالِثٍ، أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ، وَ (لَا) تُعِيدُ ذَلِكَ (إنْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكْرَارِهِ ثَلَاثًا) بِلَيَالِيِهَا، (أَوْ لَمْ يَعُدْ) الدَّمُ إلَيْهَا حَتَّى أَيِسَتْ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ، لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ كَوْنَهُ حَيْضًا وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهَا. (وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِيهِ) ، أَيْ: فِي الدَّمِ الزَّائِدِ، أَيْ: زَمَنِهِ، الْمُجَاوِزِ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ قَبْلَ تَكْرَارِهِ نَصًّا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهَا بِالْعِبَادَةِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا، فَتَعَيَّنَ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا. (وَيَتَّجِهُ: وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِمَا فِي وَطْءٍ. زَمَنَ حَيْضٍ مُجَاوِزٍ لِأَقَلِّهِ. (إلَّا إنْ تَكَرَّرَ) ثَلَاثًا. إذْ تَكْرَارُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَيْضٌ يَقِينًا، فَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ حِينَئِذٍ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " " وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا يُكْرَهُ) وَطْؤُهَا بَعْدَ غُسْلِهَا (إنْ حَصَلَ نَقَاءٌ خَالِصٌ) فِي أَثْنَائِهِ، (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ النَّقَاءُ (دُونَ يَوْمٍ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حُصُولِهِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، لِأَنَّهَا رَأَتْ النَّقَاءَ الْخَالِصَ، (خِلَافًا

لِلْمُنْتَهَى ") . فَإِنَّهُ قَالَ وَلَا يُكْرَهُ إنْ طَهُرَتْ يَوْمًا فَأَكْثَرَ. وَهَذَا فِي الْمُبْتَدَأَةِ. وَمَا سَبَقَ فِي الْمُعْتَادَةِ فَلَا مُعَارَضَةَ. (وَإِنْ اخْتَلَفَ) الدَّمُ بِأَنْ صَارَ عَلَى أَعْدَادٍ مُخْتَلِفَةٍ. (فَعَادَتُهَا مَا تَكَرَّرَ) مِنْهُ دُونَ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ. فَإِنْ كَانَ مُرَتَّبًا (كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ وَسِتَّةٍ بِ) شَهْرٍ (ثَانٍ وَسَبْعَةٍ بِ) شَهْرٍ (ثَالِثٍ: فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ) لِتَكَرُّرِهَا ثَلَاثًا كَمَا لَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ. (وَكَذَا عَكْسُهُ) : كَأَنْ تَرَى فِي الْأَوَّلِ سَبْعَةً، وَفِي الثَّانِي سِتَّةً، وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً: فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ لِأَنَّهَا الْمُتَكَرِّرَةُ، (وَ) إنْ رَأَتْ (خَمْسَةً بِ) شَهْرٍ (أَوَّلٍ وَأَرْبَعَةً بِ) شَهْرٍ (ثَانٍ وَسِتَّةً بِ) شَهْرٍ ثَالِثٍ: (فَتَجْلِسُ الْأَرْبَعَةَ) لِتَكَرُّرِهَا، ثُمَّ كُلَّمَا تَكَرَّرَ شَيْءٌ جَلَسَتْهُ. (وَإِنْ جَاوَزَ) دَمُهَا (أَكْثَرَهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (فَ) هِيَ (مُسْتَحَاضَةٌ) ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الدَّمَ كُلَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَالِاسْتِحَاضَةُ كَمَا تَقَدَّمَ: سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ، إذْ الْمَرْأَةُ لَهَا فَرْجَانِ: دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ مِنْهُ الْحَيْضُ، وَخَارِجٌ كَالْأَلْيَتَيْنِ مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ. ثُمَّ هِيَ لَا تَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا أَوْ غَيْرَهُ، (فَمَا بَعْضُهُ ثَخِينٌ) وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، (أَوْ) بَعْضُهُ (أَسْوَدُ) وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ (أَوْ) بَعْضُهُ (مُنْتِنٌ) وَبَعْضُهُ غَيْرُ مُنْتِنٍ، (وَصَلُحَ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا، أَيْ: الثَّخِينُ أَوْ الْأَسْوَدُ أَوْ الْمُنْتِنُ (حَيْضًا، لِبُلُوغِهِ أَقَلَّهُ) : يَوْمًا وَلَيْلَةً، (وَعَدَمُ مُجَاوَزَةِ أَكْثَرِهِ) خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (تَجْلِسُهُ) ، أَيْ: تَدَعُ زَمَنَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ، فَإِذَا مَضَى اغْتَسَلَتْ وَفَعَلَتْ ذَلِكَ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا

أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: «إذَا كَانَ الْحَيْضُ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ وَيُعْرَفُ، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ الْآخَرَ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ» وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَرَجَعَ إلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ كَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ، وَحَيْثُ صَلُحَ لِذَلِكَ جَلَسَتْهُ، (وَلَوْ لَمْ يَتَوَالَ) : بِأَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا أَسْوَدَ وَيَوْمًا أَحْمَرَ، إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا دُونَ، ثُمَّ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ: فَتَضُمُّ الْأَسْوَدَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَتَجْلِسُهُ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَكَذَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَسْوَدَ وَسِتَّةً أَحْمَرَ، ثُمَّ يَوْمًا أَسْوَدَ ثُمَّ سِتَّةً أَحْمَرَ، ثُمَّ يَوْمًا أَسْوَدَ ثُمَّ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ: فَتَجْلِسُ الثَّلَاثَةَ زَمَنَ الْأَسْوَدِ. (أَوْ) لَمْ (يَتَكَرَّرْ) ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً) دَمًا (أَسْوَدَ، ثُمَّ) رَأَتْ دَمًا (أَحْمَرَ وَجَاوَزَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ) ، أَيْ: جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، (فَحَيْضُهَا زَمَنُ) الدَّمِ (الْأَسْوَدِ) فَتَجْلِسُهُ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا، (أَوْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) دَمًا (أَسْوَدَ وَفِي) الشَّهْرِ (الثَّانِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَفِي) الشَّهْرِ (الثَّالِثِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَحَيْضُهَا زَمَنُ الْأَسْوَدِ فَقَطْ) لِصَلَاحِيَّتِهِ لِذَلِكَ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) دَمُهَا (مُتَمَيِّزًا) بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ وَنَحْوَهُ، (أَوْ كَانَ) مُتَمَيِّزًا (وَلَمْ يَصْلُحْ) الْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ أَنْ يَكُونَ (حَيْضًا) بِأَنْ نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ زَادَ عَنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا: (فَتَجْلِسُ أَقَلَّ حَيْضٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) ، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ (حَتَّى تَتَكَرَّرَ اسْتِحَاضَتُهَا ثَلَاثًا) ، لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِهَا، (ثُمَّ تَجْلِسُ بَعْدَ) التَّكْرَارِ (مِنْ) مِثْلِ (أَوَّلِ وَقْتِ ابْتِدَاءٍ بِهَا) إنْ عَلِمَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِتَحَرٍّ، (أَوْ) تَجْلِسُ مِنْ (أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ إنْ جَهِلَتْهُ) ، أَيْ: وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ (سِتًّا أَوْ سَبْعًا) مِنْ الْأَيَّامِ بِلَيَالِيِهَا، (بِتَحَرٍّ) - أَيْ: بِاجْتِهَادٍ - فِي حَالِ الدَّمِ، وَعَادَةِ أَقَارِبِهَا النِّسَاءِ وَنَحْوِهِ،

فصل استحيضت من لها عادة جلستها

لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَقَالَ: تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ اغْتَسِلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَعَمَلًا بِالْغَالِبِ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وُجُوبُ قَضَاءِ) مَنْ جَهِلَتْ وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ (نَحْوَ صَوْمٍ) كَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبَيْنِ (فِيمَا) - أَيْ: زَمَنَ - (فَعَلَتْهُ) ، أَيْ: الصَّوْمَ وَنَحْوَهُ. (قَبْلَ) التَّحَرِّي، كَمَنْ جَهِلَ الْقِبْلَةَ وَصَلَّى بِلَا تَحَرٍّ فَيَقْضِي وَلَوْ أَصَابَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ اُسْتُحِيضَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ جَلَسَتْهَا] (فَصْلٌ) (وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ جَلَسَتْهَا) - أَيْ: عَادَتَهَا - (إنْ عَلِمَتْهَا بِأَنْ تَعْرِفَ شَهْرَهَا وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا وَعَدَدَ أَيَّامِهَا وَلَوْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا) ، لِعُمُومِ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمِّ حَبِيبَةَ إذْ سَأَلَتْهُ عَنْ الدَّمِ اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى لِكَوْنِهَا لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهَا، بِخِلَافِ نَحْوِ اللَّوْنِ إذَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ بَطَلَتْ دَلَالَتُهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ مُتَّفِقَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً، و (لَا) تَجْلِسُ (مَا نَقَصَتْهُ عَادَتُهَا قَبْلُ) ، أَيْ: قَبْلَ اسْتِحَاضَتِهَا، فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ فَصَارَتْ أَرْبَعَةً ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ: جَلَسَتْ الْأَرْبَعَةَ فَقَطْ، (وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) النَّقْصُ (كَمَنْ عَادَتُهَا عَشْرَةُ)

أَيَّامٍ (فَرَأَتْ خَمْسَةَ) أَيَّامٍ. (ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ: فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ) حَيْثُ عَلِمَتْهَا عَادَتَهَا، (وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْهَا) - أَيْ: عَادَتَهَا - بِأَنْ جَهِلَتْ شَهْرَهَا وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَعَدَدَ أَيَّامِهَا (عَمِلَتْ) وُجُوبًا (بِتَمْيِيزٍ صَالِحٍ لِحَيْضٍ) بِأَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا يَزِيدَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَوْ تَنَقَّلَ) التَّمْيِيزُ بِأَنْ لَمْ يَتَوَالَ (أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، (فَإِنْ لَمْ يَكُ) لِدَمِهَا (تَمْيِيزٌ) بِأَنْ كَانَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، (أَوْ كَانَ) لَهَا تَمْيِيزٌ (وَ) لَكِنَّهُ (لَيْسَ بِصَالِحٍ) بِأَنْ نَقَصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ: (فَ) هِيَ (مُتَحَيِّرَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَحَيَّرَتْ فِي حَيْضِهَا بِجَهْلِ عَادَتِهَا وَعَدَمِ تَمْيِيزِهَا، (لَا تَفْتَقِرُ اسْتِحَاضَتُهَا إلَى تَكْرَارٍ) ، بِخِلَافِ الْمُبْتَدَأَةِ. وَلِلْمُتَحَيِّرَةِ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنْ تَنْسَى عَدَدَ أَيَّامِهَا دُونَ مَوْضِعِ حَيْضِهَا، وَقَدْ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (فَتَجْلِسُ نَاسِيَةً عَدَدًا فَقَطْ فِي مَوْضِعِ حَيْضِهَا مِنْ أَوَّلِهِ غَالِبَ حَيْضٍ) سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي (إنْ اتَّسَعَ شَهْرُهَا لَهُ) ، أَيْ: لِغَالِبِ الْحَيْضِ، (كَ) أَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا (عِشْرِينَ) فَأَكْثَرَ، فَتَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّيَ بَقِيَّةَ الْعِشْرِينَ، ثُمَّ تَعُودُ إلَى فِعْلِ ذَلِكَ أَبَدًا. (وَإِلَّا) يَتَّسِعْ شَهْرُهَا لِغَالِبِ الْحَيْضِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، (فَ) إنَّهَا تَجْلِسُ (الْفَاضِلَ) مِنْ شَهْرِهَا (بَعْدَ أَقَلِّ طُهْرٍ) بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ، كَأَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا (ثَمَانِيَةَ عَشَرَ) يَوْمًا، (فَ) إنَّهَا (تَجْلِسُ) الزَّائِدَ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ، وَهُوَ (خَمْسَةُ) أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا الْبَاقِي مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ بَعْدَ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ فَتَجْلِسُهَا فَقَطْ، (لِئَلَّا يَنْقُصَ طُهْرٌ عَنْ أَقَلِّهِ) فَيَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ طُهْرًا. (وَشَهْرُهَا) - أَيْ: الْمَرْأَةِ - (مَا اجْتَمَعَ لَهَا فِيهِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ) ، أَيْ: تَامَّانِ (كَأَرْبَعَةَ عَشَرَ) يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا: يَوْمٌ بِلَيْلَتِهِ لِلْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّهُ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيِهَا لِلطُّهْرِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّهَا.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَذْكُرَ عَدَدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا وَتَنْسَى مَوْضِعَهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ: (وَ) تَجْلِسُ (نَاسِيَةً وَقْتَ " فَقَطْ " الْعَدَدِ بِهِ) ، أَيْ: بِشَهْرِهَا مِنْ أَوَّلِ مُدَّةٍ عُلِمَ الْحَيْضُ فِيهَا وَضَاعَ مَوْضِعُهُ، كَنِصْفِ الشَّهْرِ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ لِحَيْضِهَا مُدَّةً: بِأَنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ هَلْ كَانَ حَيْضُهَا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ؟ فَإِنَّهَا تَجْلِسُ الْعَدَدَ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَذْكُرَ عَدَدًا وَلَا وَقْتًا لِحَيْضِهَا، وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَ) تَجْلِسُ (نَاسِيَتُهُمَا) ، أَيْ: الْعَدَدِ وَالْوَقْتِ، (غَالِبَ حَيْضٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ مُدَّةٍ عُلِمَ) الْحَيْضُ (فِيهَا وَضَاعَ مَوْضِعُهُ، كَنِصْفِ الشَّهْرِ الثَّانِي) أَوْ نِصْفِ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَوْ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ الشَّهْرِ، (فَإِنْ جَهِلَتْ) كَوْنَ مَوْضِعِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (فَ) إنَّهَا تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ (مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ كَمُبْتَدَأَةٍ) ، أَيْ: كَمَا تَفْعَلُ الْمُبْتَدَأَةُ ذَلِكَ، لِحَدِيثِ حَمْنَةَ، وَتَقَدَّمَ. (وَمَتَى ذَكَرَتْ) النَّاسِيَةُ (عَادَتَهَا رَجَعَتْ إلَيْهَا) فَجَلَسَتْهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْجُلُوسِ فِيهَا كَانَ لِعَارِضِ النِّسْيَانِ، وَقَدْ زَالَ، فَرَجَعَتْ إلَى الْأَصْلِ، (وَقَضَتْ الْوَاجِبَ زَمَنَهَا) أَيْ: زَمَنَ عَادَتِهَا - (مِنْ نَحْوِ صَوْمٍ) وَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبٍ، لِتَبَيُّنِ فَسَادِهِ بِكَوْنِهِ صَادَفَ حَيْضَهَا. (وَلَا) يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ (صَلَاةٍ) تَرَكَتْهَا زَمَنَ عَادَتِهَا، (وَ) تَقْضِي الْوَاجِبَ أَيْضًا (زَمَنَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهَا) ، أَيْ: غَيْرِ عَادَتِهَا مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَمَنِ حَيْضٍ. فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةً إلَى آخِرِ الْعَشْرِ الْأَوَّلِ، فَجَلَسَتْ سَبْعَةً مِنْ أَوَّلِهِ ثُمَّ ذَكَرَتْ: لَزِمَهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ الْوَاجِبِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى، وَقَضَاءُ مَا صَامَتْ مِنْ الْوَاجِبِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ. (وَمَا تَجْلِسُهُ نَاسِيَةً لِعَادَتِهَا مِنْ حَيْضٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ) فَهُوَ (كَحَيْضٍ يَقِينًا) فِي أَحْكَامِهِ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْوَطْءِ وَنَحْوِهَا.

فرع جاوز الدم أكثر الحيض

(وَيَتَّجِهُ: وَمَا زَادَ) عَلَى مَا تَجْلِسُهُ، وَانْتَهَتْ الزِّيَادَةُ إلَى أَكْثَرِهِ (فَ) حُكْمُهُ (كَاسْتِحَاضَةٍ يَقِينًا) ، وَيَأْتِي (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " (حَيْثُ جَعَلَا مَا زَادَ) عَلَى مَا تَجْلِسُهُ، (أَيْ أَكْثَرَهُ) أَيْ: الْحَيْضَ طُهْرًا مَشْكُوكًا فِيهِ، وَحُكْمُهُ (كَطُهْرٍ مُتَيَقَّنٍ) فِي أَحْكَامِهِ، (فَيُوهِمُ) قَوْلُهُمَا (حِلَّ وَطْءٍ) فِيهِ، (وَلَيْسَ) الْحُكْمُ (كَذَلِكَ) ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": هُوَ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الطُّهْرِ يَتَعَيَّنُ إلَّا فِي جَوَازِ وَطْئِهَا، فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ انْتَهَى. وَمَا قَالَاهُ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ تَمِيمٍ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَالْحَيْضُ وَالطُّهْرُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِمَا كَالْيَقِينِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَيَسْقُطُ. [فَرْعٌ جَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ] (فَرْعٌ: لَا يُعْتَبَرُ تَمْيِيزٌ إلَّا مَعَ اسْتِحَاضَةِ) الْمَرْأَةِ (فَتَجْلِسُ جَمِيعَ) مُدَّةِ (دَمٍ لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ حَيْضٍ) لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ فِي الْعَادَةِ، (وَلَوْ كَانَ) الدَّمُ (مُخْتَلِفًا) : كَكَوْنِ بَعْضِهِ أَسْوَدَ وَبَعْضِهِ أَحْمَرَ، وَبَعْضِهِ ثَخِينًا أَوْ مُنْتِنًا، (فَإِنْ جَاوَزَهُ) أَيْ: جَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ (اُعْتُبِرَ تَمْيِيزًا) لِمَا تَقَدَّمَ، (وَلَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهُ) - أَيْ: التَّمْيِيزُ - (بِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ) ، أَيْ: الدَّمِ الَّذِي يَصْلُحُ حَيْضًا كَالْأَسْوَدِ أَوْ الثَّخِينِ أَوْ الْمُنْتِنِ إذَا بَلَغَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلَمْ يُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالدَّمِ الْآخَرِ (عَلَى شَهْرٍ) هِلَالِيٍّ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، (فَلَوْ رَأَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ) يَوْمًا دَمًا (أَحْمَرَ: فَالْأَسْوَدُ كُلُّهُ حَيْضٌ لِصَلَاحِيَّتِهِ) - أَيْ: الْأَسْوَدِ - (لَهُ) - أَيْ الْحَيْضِ - وَأَمَّا الْأَحْمَرُ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطُّهْرِ، (وَتَبْطُلُ دَلَالَتُهُ) - أَيْ: التَّمْيِيزِ - (إنْ زَادَ) الدَّمُ الْأَسْوَدُ (عَلَى أَكْثَرِهِ) ، أَيْ: الْحَيْضِ.

فصل تغيرت عادة معتادة بزيادة

[فَصْلٌ تَغَيَّرَتْ عَادَةُ مُعْتَادَةٍ بِزِيَادَةٍ] (فَصْلٌ) (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ عَادَةُ مُعْتَادَةٍ بِزِيَادَةٍ) بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ فَرَأَتْ الدَّمَ ثَمَانِيَةً، (أَوْ) تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا (بِتَقَدُّمٍ) ، بِأَنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ مِنْ وَسَطِ الشَّهْرِ، فَرَأَتْهُ فِي أَوَّلِهِ (أَوْ) تَغَيَّرَتْ عَادَتُهَا (بِتَأَخُّرٍ) بِأَنْ كَانَتْ تَرَاهُ فِي أَوَّلِهِ فَتَأَخَّرَ إلَى آخِرِهِ: فَمَا تَغَيَّرَ (كَدَمٍ زَائِدٍ عَلَى أَقَلِّ حَيْضٍ مِنْ مُبْتَدَأَةٍ فِي إعَادَةِ صَوْمٍ وَنَحْوِهِ) : فَلَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا، فَتَصُومُ فِيهِ وَتُصَلِّي قَبْلَ التَّكْرَارِ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ غُسْلًا ثَانِيًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ صَارَ عَادَةً تَجْلِسُهُ، وَتُعِيدُ صَوْمَ فَرْضٍ وَنَحْوِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّاهُ حَيْضًا، (فَلَوْ لَمْ يَعُدْ أَوْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكْرَارِهِ ثَلَاثًا لَمْ تَقْضِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ. (وَعَنْهُ) - أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ - (تَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ) أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، (وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَلَا يَسَعُ النِّسَاءَ الْعَمَلُ بِغَيْرِهِ) . قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَشْبَهُ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، قَالَ فِي " الْفَائِقِ ": وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحِ. (وَمَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَثْنَاءِ عَادَتِهَا وَلَوْ) كَانَ انْقِطَاعُهُ (أَقَلَّ مُدَّةٍ) فَلَا يُعْتَبَرُ بُلُوغُهُ يَوْمًا (فَ) هِيَ (طَاهِرٌ تَغْتَسِلُ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ (وَتُصَلِّي وَنَحْوُهُ) وَتَفْعَلْ مَا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرَاتُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى وَجَبَ زَوَالُ الْحَيْضِ، (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) بَعْدَ الِاغْتِسَالِ كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ، (فَإِنْ عَادَ) الدَّمُ (فِي عَادَتِهَا جَلَسَتْهُ) ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ عَادَتَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَ (لَا) تَجْلِسُ (مَا جَاوَزَهَا) - أَيْ: الْعَادَةَ - (وَلَوْ لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (حَتَّى يَتَكَرَّرَ) فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَتَجْلِسَهُ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ، (فَإِنْ جَاوَزَهُ) - أَيْ: جَاوَزَ أَكْثَرَهُ - (فَلَيْسَ

بِحَيْضٍ) ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَيَكُونُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً لِاتِّصَالِهِ بِهِ وَانْفِصَالِهِ عَنْ الْحَيْضِ، (وَإِنْ عَادَ) إلَيْهَا الدَّمُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ عَنْهَا (بَعْدَ عَادَتِهَا) : فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا أَوْ لَا، (وَ) حَيْثُ (أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا) : إمَّا بِضَمٍّ إلَى مَا قَبْلَهُ، أَوْ بِنَفْسِهِ بِأَنْ لَا يُجَاوِزَ أَكْثَرَهُ: (عُمِلَ بِهِ) فَيُلَفَّقُ الدَّمَانِ وَيُجْعَلَانِ حَيْضَةً وَاحِدَةً إنْ تَكَرَّرَ الدَّمُ الَّذِي بَعْدَ الْعَادَةِ ثَلَاثًا، (وَإِلَّا) يُمْكِنْ جَعْلُهُ حَيْضًا لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَلَا يَكُونُ حَيْضًا بَلْ اسْتِحَاضَةً سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَا لِمُجَاوَزَتِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْمِثَالِ: (فَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا، فَرَأَتْ) مِنْهَا (خَمْسَةً دَمًا وَطَهُرَتْ) الْخَمْسَةَ (الْبَاقِيَةَ ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً) أُخْرَى (دَمًا، وَتَكَرَّرَ) ذَلِكَ ثَلَاثًا: (فَالْخَمْسَةُ الْأُولَى وَ) الْخَمْسَةُ (الثَّالِثَةُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ بِالتَّلْفِيقِ) ؛ لِأَنَّهُمَا مَعَ مَا بَيْنَهُمَا لَا يُجَاوِزَانِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، (وَلَوْ كَانَتْ رَأَتْ يَوْمًا) بِلَيْلَتِهِ (دَمًا، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ) رَأَتْ (يَوْمًا) بِلَيْلَتِهِ (دَمًا وَتَكَرَّرَ) الثَّانِي (فَ) هُمَا (حَيْضَتَانِ) لِوُجُودِ طُهْرٍ صَحِيحٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، (وَلَوْ رَأَتْ فِي) الصُّورَةِ (الْأُولَى) الدَّمَ، (الثَّانِيَ سِتَّةَ) أَيَّامٍ (أَوْ سَبْعَةً: لَمْ يَكُنْ حَيْضًا) ، لِمُجَاوَزَتِهِ مَعَ الْأَوَّلِ وَمَا بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ. (أَوْ) رَأَتْ (فِي) الصُّورَةِ (الثَّانِيَةِ يَوْمَيْنِ دَمًا وَاثْنَيْ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ) رَأَتْ (يَوْمَيْنِ دَمًا فَكَذَلِكَ) ، أَيْ: لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمَا (حَيْضَةً) وَاحِدَةً (لِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ طُهْرٍ عَلَى أَكْثَرِ حَيْضٍ) ؛ لِأَنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، (وَلَا) يُمْكِنُ جَعْلُهَا (حَيْضَتَيْنِ لِانْتِفَاءِ طُهْرٍ صَحِيحٍ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، (فَيَكُونُ الْحَيْضُ مِنْهُمَا مَا وَافَقَ الْعَادَةَ) لِتَقَوِّيهِ بِمُوَافَقَتِهَا، (وَ) يَكُونُ (الْآخَرُ اسْتِحَاضَةً) وَلَوْ تَكَرَّرَ.

(وَصُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ) - وَهِيَ: شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ "، (فِي أَيَّامِ عَادَةِ) (حَيْضٍ) ، لِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ - وَكَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَيْهَا بِالدَّرَجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ " لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ " تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ وَفِي " الْكَافِي " قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: هِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَتْبَعُ الْحَيْضَ (لَا بَعْدَهَا) ، أَيْ: لَيْسَتْ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الْعَادَةِ حَيْضًا، (وَلَوْ تَكَرَّرَ) ذَلِكَ فَلَا تَجْلِسُهُ، لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ " كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ الطُّهْرِ. (وَمَنْ تَرَى دَمًا) مُتَفَرِّقًا (يَبْلُغُ مَجْمُوعُهُ) - أَيْ: الدَّمِ (أَقَلَّ حَيْضٍ) : يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ، (وَ) تَرَى (نَقَاءً مُتَخَلِّلًا) لِذَلِكَ الدَّمِ، (وَلَمْ يُجَاوِزْ) الدَّمُ وَالنَّقَاءُ (أَكْثَرَهُ) - أَيْ: أَكْثَرَ الْحَيْضِ - خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا: (فَالدَّمُ) الَّذِي رَأَتْهُ (حَيْضٌ مُلَفَّقٌ) فَتَجْلِسُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ حَيْضَةً ضَرُورَةَ كَوْنِهِ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ كَوْنُ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ تَعَيَّنَ الضَّمُّ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ كَوْنُهُ حَيْضًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَصَتْ الدِّمَاءُ الْمَوْجُودَةُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ لَمْ يَجُزْ التَّلْفِيقُ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِمَعْنَاهُ. (وَالْبَاقِي) - أَيْ: النَّقَاءُ - (طُهْرٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ صَحِيحٌ (تَغْتَسِلُ فِيهِ وَتُصَلِّي وَنَحْوُهُ) ، أَيْ: تَصُومُ وَتَطُوفُ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ حَقِيقَةً. (وَيَتَّجِهُ: وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) زَمَنَ طُهْرِهَا. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَفَائِدَةُ التَّلْفِيقِ أَنَّهُ مَتَى عَاوَدَهَا الدَّمُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا، وَكَانَ وَطْءُ زَوْجِهَا لَهَا مُبَاحًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ،

فصل يلزم مستحاضة وكل دائم حدث صلاة

(خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ وَطْئِهَا. (وَإِنْ جَاوَزَ) زَمَنُ الدَّمِ وَزَمَنُ النَّقَاءِ (أَكْثَرَهُ) - أَيْ: أَكْثَرَ الْحَيْضِ - (كَمَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَثَلًا، فَ) تَكُونُ (مُسْتَحَاضَةً) ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ: (فَتَجْلِسُ عَادَتَهَا إنْ عَلِمَتْهَا وَإِلَّا) لَمْ تَعْلَمْ عَادَتَهَا (عَمِلَتْ بِتَمْيِيزٍ صَالِحٍ إنْ كَانَ) ، وَإِلَّا يَكُنْ تَمْيِيزٌ صَالِحٌ فَهِيَ مُتَحَيِّرَةٌ، (وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً وَلَا تَمْيِيزَ؛ جَلَسَتْ أَقَلَّهُ) - أَيْ: أَقَلَّ الْحَيْضِ - (فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ لِغَالِبِ حَيْضٍ) . قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهَلْ تُلَفَّقُ لَهَا سَبْعَةٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ تَجْلِسُ أَرْبَعَةً مِنْ سَبْعَةٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. انْتَهَى، وَجَزَمَ فِي " الْكَافِي " بِالثَّانِي. [فَصْلٌ يَلْزَمُ مُسْتَحَاضَةً وَكُلَّ دَائِمِ حَدَثٍ صَلَاةٌ] (فَصْلٌ) (يَلْزَمُ مُسْتَحَاضَةً وَكُلَّ دَائِمِ حَدَثٍ) ، أَيْ: غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ. (وَيَتَّجِهُ وَيَثْبُتُ) عُذْرُ مَنْ ابْتَدَأَهُ الْحَدَثُ (بِدَوَامِهِ) - أَيْ: الْحَدَثِ وَاسْتِمْرَارِهِ - (لِآخِرِ وَقْتِ صَلَاةٍ) ، فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ وَسَطِهِ، بَلْ عَلَيْهِ تَأْخِيرُهُ لَقُرْبِ وَقْتِ خُرُوجِهِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ رَجَاءَ انْقِطَاعِ الْحَدَثِ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ، (فَلَهُ طُهْرٌ وَصَلَاةٌ بِأَوَّلِ) وَقْتٍ (ثَانٍ) ، لِثُبُوتِ

حُكْمِ دَوَامِ الْحَدَثِ بِاسْتِمْرَارِهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَوْ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِاسْتِقْرَارِ حُكْمِ دَوَامِ الْحَدَثِ لَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (بِسَلِسِ بَوْلٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِدَائِمٍ - (أَوْ مَذْيٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ جُرْحٍ لَا يَرْقَأُ دَمُهُ) وَمِثْلُهُ رُعَافٌ دَائِمٌ: (غَسْلُ) - فَاعِلُ: يَلْزَمُ - (الْمَحَلِّ) الْمُلَوَّثِ بِالْحَدَثِ لِإِزَالَتِهِ عَنْهُ، (وَتَعْصِيبُهُ مَعَ إمْكَانٍ بِطَاهِرٍ يَمْنَعُ الْخَارِجَ حَسَبَ الْإِمْكَانِ بِحَشْوِ) الْمَحَلِّ (بِقُطْنٍ، وَ) شَدِّهِ (بِخِرْقَةٍ عَرِيضَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ لِمُسْتَحَاضَةٍ تَتَلَجَّمُ بِهَا) ، وَتُوثِقُ طَرَفَيْهَا بِشَيْءٍ آخَرَ قَدْ شَدَّتْهُ عَلَى وَسَطِهَا، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَمْنَةَ حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ» - يَعْنِي: الْقُطْنَ - تَحْشِينَ بِهِ الْمَكَانَ، «قَالَتْ: إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: تَلَجَّمِي» فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ شَدُّهُ، كَبَاسُورٍ وَنَاصُورٍ وَجُرْحٍ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، فَإِنْ غَلَبَ الدَّمُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَطَرَ لَمْ تَبْطُلْ الطَّهَارَةُ، لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ. (وَلَا يَلْزَمُ إعَادَةُ غُسْلٍ، وَلَا) إعَادَةُ (تَعْصِيبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ حَيْثُ لَا تَفْرِيطَ) فِي الشَّدِّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ مَعَ غَلَبَتِهِ وَقُوَّتِهِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا، وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَإِنْ فَرَّطَ فِي

الشَّدِّ، وَخَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَزِمَتْ إعَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَدَثٌ أُمْكِنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، (وَيَلْزَمُ) مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٍ (وُضُوءٌ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) إنْ خَرَجَ شَيْءٌ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَلَا يَجُوزُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ فَلَا يَتَوَضَّأُ، (وَيَبْطُلُ) الْوُضُوءُ (بِخُرُوجِهِ) - أَيْ: الْوَقْتِ - كَمَا يَبْطُلُ وُضُوءُ مَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِغَيْرِ فَرْضِ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُخُولِهِ، وَجَزَمَ النَّاظِمُ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، فَقَالَ فِي " مُفْرَدَاتِهِ ": وَبِدُخُولِ الْوَقْتِ طُهْرٌ يَبْطُلُ ... لِمَنْ بِهَا اسْتِحَاضَةٌ قَدْ نَقَلُوا لَا بِالْخُرُوجِ مِنْهُ لَوْ تَطَهَّرَتْ ... لِلْفَجْرِ لَمْ يَبْطُلْ بِشَمْسٍ ظَهَرَتْ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ: أَنَّهُ يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَبْطُلُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَبِخُرُوجِهِ أَيْضًا، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْكَافِي " وَ " الشَّرْحِ " فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَالتَّيَمُّمِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ ". (وَيَتَّجِهُ) بُطْلَانُ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ خُرُوجِ شَيْءٍ، (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (فِي غَيْرِ صَلَاةِ جُمُعَةٍ) ، قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّهُ لَا يَبْطُلُ فِيهَا، لِعَدَمِ إمْكَانِ إعَادَتِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيُصَلِّي عَقِبَ طُهْرٍ نَدْبًا) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، (فَإِنْ أَخَّرَ) الصَّلَاةَ عَنْ طُهْرِهِ، (وَلَوْ) كَانَ التَّأْخِيرُ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ لَمْ يَضُرَّ) مَا دَامَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ كَالْمُتَيَمِّمِ، (وَيُصَلِّي) بِوُضُوئِهِ (مَا شَاءَ) مَا دَامَ الْوَقْتُ، (حَتَّى جَمَعَا بَيْنَ فَرْضَيْنِ) ، لِبَقَاءِ وُضُوئِهِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَكَالتَّيَمُّمِ وَأَوْلَى. (وَلَهَا) - أَيْ: الْمُسْتَحَاضَةِ - (الطَّوَافُ) فَرْضًا وَنَفْلًا (وَلَوْ لَمْ

تَطُلْ اسْتِحَاضَتُهَا) ، كَالصَّلَاةِ وَأَوْلَى. (وَإِنْ اُعْتِيدَ انْقِطَاعُ حَدَثٍ) دَائِمٍ (زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ) - أَيْ: الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ لَهَا - (فِيهِ) - أَيْ: الزَّمَنِ - (تَعَيَّنَ) فِعْلُ الْمَفْرُوضَةِ فِيهِ، ظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَزِمَ عَلَيْهِ خُرُوجُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا عُذْرَ مَعَهُ وَلَا ضَرُورَةَ، فَتَعَيَّنَ كَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، (وَإِنْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ) - أَيْ: انْقِطَاعُ الْحَدَثِ - زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْفِعْلِ (لِمَنْ عَادَتُهُ الِاتِّصَالُ) لِلْحَدَثِ، وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ؛ (بَطَلَ وُضُوءُهُ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ مَنْ حَدَثُهُ غَيْرُ دَائِمٍ، (فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ) لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ طَهَارَتِهِ بِالِانْقِطَاعِ، (وَ) إنْ وُجِدَ هَذَا الِانْقِطَاعُ (قَبْلَهَا) - أَيْ: قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ - فَإِنَّهُ (يَحْرُمُ شُرُوعٌ فِيهَا) حَتَّى يَتَوَضَّأَ، لِبُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِالِانْقِطَاعِ، فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَمَرَّ فِي الصَّلَاةِ، وَاسْتَمَرَّ الِانْقِطَاعُ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، (وَلَا أَثَرَ لِانْقِطَاعِ) حَدَثٍ دَائِمٍ زَمَنًا (لَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِ) وُضُوءٍ وَصَلَاةٍ، لَكِنَّهُ يَمْنَعُ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُضِيَّ فِيهَا، لِاحْتِمَالِ اسْتِمْرَارُهُ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا أَثَرَ لِانْقِطَاعٍ (مُخْتَلِفٍ بِتَقَدُّمٍ وَتَأَخُّرٍ، وَقِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ، وَوُجُودِ مَرَّةٍ وَانْعِدَامِ أُخْرَى، وَعَدَمِ عَادَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ) بِاتِّصَالٍ أَوْ انْقِطَاعٍ، فَهَذِهِ كَمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ فِي الدَّمِ فِي بُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِالِانْقِطَاعِ الْمُتَّسَعِ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ دُونَ مَا يَتَّسِعُ لَهُمَا، وَحُكْمُهَا كَمَنْ عَادَتُهَا اتِّصَالُ الْمُتَّسَعِ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ دُونَ مَا يَتَّسِعُ لَهُمَا، وَحُكْمُهَا كَمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ فِي سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا مِنْ الْمُضِيِّ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ قَبْلَ تَبَيُّنِ اتِّسَاعِهِ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، لِعَدَمِ انْضِبَاطِ هَذَا الِانْقِطَاعِ، فَيَقْضِي لُزُومُ اعْتِبَارِهِ إلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، (وَمُجَرَّدُ الِانْقِطَاعِ يُوجِبُ الِانْصِرَافَ) مِنْ الصَّلَاةِ، لِبُطْلَانِ الطَّهَارَةِ بِهِ، (إلَّا أَنْ يَكُونَ اُعْتِيدَ) لَهَا (انْقِطَاعٌ يَسِيرٌ) فَلَا يَلْزَمُهَا الِانْصِرَافُ مِنْ الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدٍ؛ لِأَنَّ

فصل حرم وطء مستحاضة

الظَّاهِرَ حَمْلُهُ عَلَى مَا اعْتَادَتْهُ وَهُوَ لَا أَثَرَ لَهُ. (وَمَنْ تَمْتَنِعُ قِرَاءَتُهُ) فِي الصَّلَاةِ قَائِمًا لَا قَاعِدًا، (أَوْ يَلْحَقُهُ السَّلَسُ) فِي الصَّلَاةِ (قَائِمًا) لَا قَاعِدًا (صَلَّى قَاعِدًا) ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا بَدَلَ لَهَا، وَالْقِيَامُ بَدَلُهُ الْقُعُودُ، وَإِنْ كَانَ لَوْ قَامَ وَقَعَدَ لَمْ يَحْبِسْهُ، وَإِنْ اسْتَلْقَى حَبَسَهُ صَلَّى قَائِمًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ لَا نَظِيرَ لَهُ اخْتِيَارًا. (وَمَنْ لَمْ يَلْحَقْهُ) السَّلَسُ (إلَّا رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ) نَصًّا كَالْمَكَانِ النَّجِسِ، وَلَا يَكْفِيهِ الْإِيمَاءُ. [فَصْلٌ حَرُمَ وَطْءُ مُسْتَحَاضَةٍ] (فَصْلٌ) (وَحَرُمَ وَطْءُ مُسْتَحَاضَةٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ، (خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ) الْقَائِلِينَ بِإِبَاحَتِهِ، مُحْتَجِّينَ " بِأَنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ وَكَانَ زَوْجُهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُجَامِعُهَا، وَأُمُّ حَبِيبَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَغْشَاهَا " رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. (وَ) حَيْثُ حَرُمَ (لَا كَفَّارَةَ) فِيهِ، (بِلَا خَوْفِ عَنَتٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِحَرُمَ - (مِنْهُ أَوْ مِنْهَا) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ " الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا " فَإِنْ خَافَهُ أَوْ خَافَتْهُ، وَطَلَبَتْهُ مِنْهُ أُبِيحَ وَطْؤُهَا. (وَأَلْحَقَ ابْنُ حَمْدَانَ بِهِ) - أَيْ: خَوْفِ الْعَنَتِ - (خَوْفَ شَبَقٍ، وَهُوَ) - أَيْ: إلْحَاقُ ابْنِ حَمْدَانَ - (حَسَنٌ) لَا تَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ. (وَيُبَاحُ) وَطْؤُهَا (إذَنْ) ، أَيْ: حِينَ خَوْفِ الْعَنَتِ، (وَلَوْ لِقَادِرٍ عَلَى نِكَاحِ غَيْرِهَا) خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ وَمُدَّتُهُ تَطُولُ. (وَلِرَجُلٍ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ) كَكَافُورٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، (وَلِأُنْثَى شُرْبُهُ) - أَيْ: الْمُبَاحِ (لِإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ بَعْدُ وَقَدْ لَا تَنْعَقِدُ وَلَدًا. (وَلَا) يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ لِإِلْقَاءِ (عَلَقَةٍ) لِانْعِقَادِهَا، (وَ) لَهَا شُرْبُهُ (لِحُصُولِ حَيْضٍ) ، إذْ الْأَصْلُ الْحِلُّ حَتَّى يَرِدَ التَّحْرِيمُ وَلَمْ يَرِدْ،

وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ الْحَاصِلِ بِشُرْبِهَا الدَّوَاءَ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ، وَ (لَا) تَشْرَبُ مُبَاحًا لِحُصُولِ حَيْضٍ (قُرْبَ رَمَضَانَ لِتَفْطُرَهُ) كَالسَّفَرِ لِلْفِطْرِ (وَيَتَّجِهُ وَتُفْطِرُ) إذَا حَصَلَ الْحَيْضُ (وُجُوبًا) ، كَمَنْ نَفِسَتْ بِتَعَدِّيهَا بِضَرْبِ بَطْنِهَا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ (لِقَطْعِ حَيْضٍ مَعَ أَمْنِ ضَرَرٍ نَصًّا) كَالْعَزْلِ (وَلَوْ بِلَا إذْنِ زَوْجٍ) ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي. (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ جَوَازِ شُرْبِهَا الْمُبَاحِ لِقَطْعِ الْحَيْضِ (مَا لَمْ يَنْهَهَا) زَوْجُهَا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ نَهَاهَا امْتَنَعَ عَلَيْهَا فِعْلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَلَدِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَحَرُمَ) عَلَى زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ إسْقَاؤُهُ إيَّاهَا دَوَاءً مُبَاحًا (لِقَطْعِهِ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (بِلَا عِلْمِهَا) بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّهَا مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ. (وَ) حَرُمَ (شُرْبُ مَا يَقْطَعُ الْحَمْلَ) ، قَالَ فِي " الْفَائِقِ " ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.

فصل في النفاس

[فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ] (فَصْلٌ) فِي النِّفَاسِ، وَهُوَ: بَقِيَّةُ الَّذِي احْتَبَسَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ لِأَجْلِهِ، وَأَصْلُهُ لُغَةً مِنْ التَّنَفُّسِ، وَهُوَ: الْخُرُوجُ مِنْ الْجَوْفِ، أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَفَّسَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ، أَيْ: فَرَّجَهَا. (وَالنِّفَاسُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهُ فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا وَكَثِيرًا، وَرُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ تَرَ دَمًا فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الْجُفُوفِ» وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ دَمٌ وُجِدَ عَقِبَ سَبَبِهِ فَكَانَ نِفَاسًا كَالْكَثِيرِ (وَهُوَ) - أَيْ: النِّفَاسُ - فِي الْعُرْفِ: دَمٌ (تُرْخِيهِ الرَّحِمُ مَعَ وِلَادَةٍ وَقَبْلَهَا) - أَيْ: الْوِلَادَةِ - (بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِأَمَارَةٍ) - أَيْ: عَلَامَةٍ - عَلَى الْوِلَادَةِ كَالتَّأَلُّمِ، وَإِلَّا فَلَا تَجْلِسُهُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ أَعَادَتْ مَا تَرَكَتْهُ، (وَبَعْدَهَا) - أَيْ: الْوِلَادَةِ - (إلَى تَمَامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنْ ابْتِدَاءِ خُرُوجِ بَعْضِ وَلَدٍ) . حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ السُّنَّةُ الْمَجْمَعُ عَلَيْهِ. (فَلَوْ وَضَعَتْ تَوْأَمَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَأَوَّلُ نِفَاسٍ وَآخِرُهُ مِنْ) ابْتِدَاءِ خُرُوجِ بَعْضِ (الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ خَرَجَ عَقِبَ الْوِلَادَةِ، فَكَانَ نِفَاسًا وَاحِدًا كَحَمْلٍ وَاحِدٍ وَوَضْعِهِ، (فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا) - أَيْ: التَّوْأَمَيْنِ - (أَرْبَعُونَ) يَوْمًا (فَأَكْثَرُ فَلَا نِفَاسَ لِلثَّانِي) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الثَّانِيَ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي آخِرِ النِّفَاسِ كَأَوَّلِهِ، بَلْ هُوَ دَمُ فَسَادٍ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا. (وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ) - أَيْ: النِّفَاسِ - (بِوَضْعِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ)

وَلَوْ خَفِيًّا نَصًّا، فَلَوْ وَضَعَتْ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً لَا تَخْطِيطَ فِيهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا بِذَلِكَ حُكْمُ النِّفَاسِ، وَأَقَلُّ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا، وَغَالِبُهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ ": فَمَتَى رَأَتْ دَمًا عَلَى طَلْقٍ قَبْلَهَا لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وَبَعْدَهَا تُمْسِكُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، ثُمَّ إنْ انْكَشَفَ الْأَمْرُ بَعْدَ الْوَضْعِ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ رَجَعَتْ فَاسْتَدْرَكَتْ، وَإِنْ لَمْ يَنْكَشِفْ، بِأَنْ دُفِنَ وَلَمْ يَفْتَقِدْ أَمْرَهُ، اسْتَمَرَّ حُكْمُ الظَّاهِرِ، إذْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ خَطَأٌ. (وَمَنْ جَاوَزَ دَمُهَا الْأَرْبَعِينَ) يَوْمًا، (وَصَادَفَ عَادَةَ حَيْضِهَا وَلَمْ يَزِدْ) عَنْ الْعَادَةِ فَالْمُجَاوِزُ حَيْضٌ؛ لِأَنَّهُ فِي عَادَتِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَّصِلْ بِنِفَاسٍ، (أَوْ زَادَ) الدَّمُ الْمُجَاوِزُ لِلْأَرْبَعَيْنِ عَنْ الْعَادَةِ، (وَتَكَرَّرَ) ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ (وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) - أَيْ: الْحَيْضِ - (فَ) هُوَ (حَيْضٌ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ مُتَكَرِّرٌ صَالِحٌ لِلْحَيْضِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ نِفَاسٌ، (وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ أَوْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَتَكَرَّرَ أَوْ لَا، أَوْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةَ حَيْضٍ (فَ) هُوَ (اسْتِحَاضَةٌ) إنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا، فَإِنْ تَكَرَّرَ وَصَلُحَ حَيْضًا فَحَيْضٌ. (وَلَا تَدْخُلُ اسْتِحَاضَةٌ فِي مُدَّةِ نِفَاسٍ) كَمَا لَا تَدْخُلُ فِي مُدَّةِ حَيْضٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَقْوَى، فَلَوْ وَلَدَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ وَاسْتَمَرَّ الدَّمُ عَلَيْهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَهُوَ نِفَاسٌ لَا تَصُومُ فِيهِ وَلَا تُصَلِّي. (وَالنَّقَاءُ وَلَوْ دُونَ يَوْمٍ زَمَنَ نِفَاسٍ طُهْرٌ) كَالْحَيْضِ فَتَغْتَسِلُ وَتَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ الطَّاهِرَاتُ، (وَكُرِهَ وَطْءٌ فِيهِ) ، أَيْ: النَّقَاءِ زَمَنَهُ بَعْدَ الْغُسْلِ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ " أَنَّهَا أَتَتْهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فَقَالَ: لَا تَقْرَبِينِي " وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْعَوْدَ زَمَنَ الْوَطْءِ. (وَإِنْ عَادَ الدَّمُ فِي الْأَرْبَعِينَ) بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، (أَوْ لَمْ تَرَهُ) عِنْدَ الْوِلَادَةِ، (ثُمَّ رَأَتْهُ فِيهَا) أَيْ الْأَرْبَعِينَ، (فَ) هُوَ (مَشْكُوكٌ فِيهِ) - أَيْ: فِي كَوْنِهِ

نِفَاسًا أَوْ فَسَادًا - لِتَعَارُضِ الْأَمَارَتَيْنِ فِيهِ، (فَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَنَحْوُهُ) مَعَهُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ مُتَيَقَّنٌ، وَسُقُوطُهُ بِهَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَلَيْسَ كَالْحَيْضِ لِتَكَرُّرِهِ، (وَتَقْضِي نَحْوَ صَوْمٍ) مَفْرُوضٍ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهَا تَيَقَّنَتْ شَغْلَ ذِمَّتِهَا بِهِ، فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ (وَلَا تُوطَأُ) فِي هَذَا الدَّمِ كَالْمُبْتَدَأَةِ فِي الزَّائِدِ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ قَبْلَ تَكَرُّرِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَا كَفَّارَةَ) بِوَطْئِهَا زَمَنَ الدَّمِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، لِعَدَمِ تَيَقُّنِ كَوْنِهِ نِفَاسًا (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهَا تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ نَدْبًا) كَالْمُسْتَحَاضَةِ (لَا وُجُوبًا) صَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (بِخِلَافِ) الْوَطْءِ فِي دَمِ نِفَاسٍ (مُتَيَقَّنٍ فَ) يَجِبُ (فِيهِ مَا) يَجِبُ (فِي وَطْءِ حَائِضٍ) مِنْ الْكَفَّارَةِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. (وَمَنْ صَارَتْ نُفَسَاءَ بِتَعَدِّيهَا) عَلَى نَفْسِهَا بِضَرْبٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ وَنَحْوِهِمَا (لَمْ تَقْضِ الصَّلَاةَ) زَمَنَ نِفَاسِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ التَّعَدِّي مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ وُجُودَ الدَّمِ لَيْسَ مَعْصِيَةً مِنْ جِهَتِهَا، وَلَا يُمْكِنُهَا قَطْعُهُ بِخِلَافِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِالتَّوْبَةِ، وَأَمَّا السُّكْرُ فَجُعِلَ شَرْعًا كَمَعْصِيَةٍ مُسْتَدَامَةٍ بِفِعْلِهَا شَيْئًا فَشَيْئًا بِدَلِيلِ جَرَيَانِ الْإِثْمِ وَالتَّكْلِيفِ، وَالشُّرْبُ أَيْضًا يُسْكِرُ غَالِبًا فَأُضِيفَ إلَيْهِ، كَالْقَتْلِ يَحْصُلُ مَعَهُ خُرُوجُ الرُّوحِ فَأُضِيفَ إلَيْهِ.

كتاب الصلاة

[كِتَابُ الصَّلَاةِ] ِ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ، وَاحِدُهُمَا: صَلًا كَعَصًا، وَهُمَا: عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ، وَقِيلَ عَظْمَانِ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: مِنْ صَلَيْتُ الْعُودَ إذَا لَيَّنْتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَلِينُ وَيَخْشَعُ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ: بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَاوٌ، وَمِنْ صَلَّيْتُ يَاءٌ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْوَاوَ وَقَعَتْ رَابِعَةً فَقُلِبَتْ يَاءً، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّ صَلَيْتُ الْمُخَفَّفَ، تَقُولُ: صَلَيْتُ اللَّحْمَ صَلْيًا إذَا شَوَيْتَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ فَارِسٍ الْمُضَعَّفَ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: صَلَيْتُ الْعَصَا تَصْلِيَةً: أَدَرْتُهُ عَلَى النَّارِ لِتُقَوِّمَهُ. وَالصَّلَاةُ لُغَةً: الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ. قَالَ تَعَالَى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيْ: اُدْعُ لَهُمْ، وَعُدِّيَ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ، أَيْ: أَنْزِلْ رَحْمَتَكَ عَلَيْهِمْ. «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» وَقَالَ الشَّاعِرُ: تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرُبْتُ مُرْتَحِلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا وَشَرْعًا: (أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مَعْلُومَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِتَكْبِيرٍ مُخْتَتَمَةٌ بِتَسْلِيمٍ) ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا مُقَدَّرَةٌ وَالْمُقَدَّرُ كَالْمَوْجُودِ، أَوْ التَّعْرِيفُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، فَلَا يَرِدُ أَيْضًا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ. (وَهِيَ آكَدُ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ) قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَوَاتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ خَمْسِينَ، ثُمَّ نُقِصَتْ حَتَّى جُعِلَتْ خَمْسًا، ثُمَّ نُودِيَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَك بِهَذِهِ الْخَمْسِ خَمْسِينَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَسُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ) ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الشَّهَادَتَيْنِ، كَالْمُصَلِّي مِنْ خَيْلِ الْحَلَبَةِ. (وَتَجِبُ) الصَّلَوَاتُ (الْخَمْسُ) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُبَعَّضٍ، (مُكَلَّفٍ) - أَيْ: بَالِغٍ عَاقِلٍ - (غَيْرِ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَّا لَأُمِرَتَا بِقَضَائِهَا، (وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ) - أَيْ: الْمُسْلِمَ الْمَذْكُورَ - (شَرْعٌ) ، كَمَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ حَرْبٍ وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيهَا إذَا عَلِمَ كَالنَّائِمِ، (أَوْ) كَانَ (نَائِمًا) أَوْ نَاسِيًا، لِحَدِيثِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، (أَوْ) كَانَ (مُغَطًّى عَقْلُهُ بِإِغْمَاءٍ) ، لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؟ قَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ " وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ غَالِبًا، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَسْقُطْ الصَّوْمُ، فَكَذَا الصَّلَاةُ كَالنَّوْمِ، (أَوْ) كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ بِتَنَاوُلِ (سُكْرٍ مُبَاحٍ) مِنْ دَوَاءٍ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ خَاصًّا بِالْمُسْكِرِ، فَيَقْضِي كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَأَوْلَى، (أَوْ) كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ بِشُرْبِ (مُحَرَّمٍ)

اخْتِيَارًا؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فَلَا يُنَاسِبُهَا إسْقَاطُ الْوَاجِبِ، أَوْ كُرْهًا إلْحَاقًا لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ، (فَيَقْضِي) السَّكْرَانُ الصَّلَاةَ زَمَنَ سُكْرِهِ (حَتَّى زَمَنِ جُنُونٍ) . (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ لَا) إنْ اسْتَعْمَلَتْ دَوَاءً وَلَوْ مُحَرَّمًا فَاسْتُطْلِقَ دَمٌ (زَمَنَ نَحْوِ حَيْضٍ) مِنْهَا؛ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ مَانِعٌ مِنْ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ قَضَائِهَا أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (طَرَأَ) - أَيْ: الْجُنُونُ عَلَى السَّكْرَانِ - (مُتَّصِلًا بِسُكْرٍ مُحَرَّمٍ) تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَقِيَاسُهُ الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ. (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَرْتَدَّ) زَمَنُ سُكْرِهِ (ثُمَّ يُجَنُّ) ، فَإِنْ ارْتَدَّ فَجُنَّ فَأَفَاقَ فَلَا يَقْضِي، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (إذْ لَا تَجِبُ) الصَّلَاةُ (عَلَى مُرْتَدٍّ زَمَنَ رِدَّتِهِ) فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا حَالَ إسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالُ عَلَى إسْقَاطِ الْعِبَادَةِ فِي حَقِّ الْأَصْلِيِّ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُهُ عَمَلًا بِالْمُقْتَضِي الشَّامِلِ لَهُمَا، وَأَمَّا مَا تَرَكَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَلَا) تَجِبُ الصَّلَاةُ (عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ وُجُوبَ أَدَاءً) ، بِمَعْنَى أَنَّا لَا نَأْمُرُهُ بِهَا فِي كُفْرِهِ، وَلَا

تتمة عبادات المرتد التي فعلها قبل ردته

بِقَضَائِهَا إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يُؤْمَرُ أَحَدٌ بِقَضَائِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ، (بَلْ) تَجِبُ عَلَيْهِ (وُجُوبَ عِقَابٍ، لِمُخَاطَبَتِهِ) - أَيْ: الْكَافِرِ - (بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ) مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ عَلَى الصَّحِيحِ كَالتَّوْحِيدِ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 43] الْآيَةَ [تَتِمَّةُ عِبَادَاتُ الْمُرْتَدِّ الَّتِي فَعَلَهَا قَبْلَ رِدَّتِهِ] تَتِمَّةُ: لَا تَبْطُلُ عِبَادَاتُ الْمُرْتَدِّ الَّتِي فَعَلَهَا قَبْلَ رِدَّتِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا إذَا أَسْلَمَ، وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا حَبِطَتْ وَإِنْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ عِبَادَةٍ بَطَلَتْ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] وَلَا تَبْطُلُ اسْتِطَاعَةُ قَادِرٍ عَلَى الْحَجِّ بِهَا، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْعَوْدِ لِلْإِسْلَامِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي الرِّدَّةِ. (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ مَجْنُونٍ) ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةَ، وَلَا تُمْكِنُ مِنْهُ (وَ) لَا مِنْ (سَكْرَانَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] (وَ) لَا مِنْ (أَبْلَهَ لَا يَعْقِلُ) ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَغَيْرُهُ كَالْمَجْنُونِ يُقَالُ: بَلِهَ بَلَهًا: كَتَعِبِ تَعَبًا، وَتَبَالَهَ أَرَى نَفْسَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِهِ، وَيُقَالُ: الْأَبْلَهُ أَيْضًا لِمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ» أَيْ: لِأَنَّهُمْ أَغْفَلُوا أَمْرَ دُنْيَاهُمْ وَجَهِلُوا حِذْقَ التَّصَرُّفِ فِيهَا وَأَقْبَلُوا عَلَى آخِرَتِهِمْ فَشَغَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَا فَاسْتَحَقُّوا أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يَعْنِي الْبُلْهَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، لِقِلَّةِ اهْتِمَامِهِمْ بِهَا، وَهُمْ أَكْيَاسٌ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ. (وَيَلْزَمُ) مُسْتَيْقِظًا (إعْلَامُ نَائِمٍ بِدُخُولِ وَقْتِهَا) - أَيْ الصَّلَاةِ - (مَعَ ضِيقِهِ) أَيْ الْوَقْتِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ نَامَ قَبْلَ دُخُولِهِ (وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يَلْزَمُ إعْلَامُ نَائِمٍ (إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُصَلِّي) ، أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ إعْلَامَهُ لَا يُفِيدُ، فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ

عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا ظَنَّ امْتِثَالَ الْمَأْمُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ أَفَادَ أَوْ لَمْ يُفِدْ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ} [لقمان: 17] . (وَإِذَا) (صَلَّى) كَافِرٌ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نُهِيَتْ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْعِصْمَةَ ثَبَتَتْ بِالصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِ أَنَسٍ " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا. وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: صَلَّى صَلَاتَنَا: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا بِدُونِهَا، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَشْرُوعَةِ تَخْتَصُّ بِشَرْعِنَا أَشْبَهَتْ الْأَذَانَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْحَرْبِ، جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا بِمَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، (أَوْ أَذَّنَ أَوْ أَقَامَ) الصَّلَاةَ (وَلَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِ) أَذَانٍ أَوْ إقَامَةٍ (كَافِرٌ) (يَصِحُّ إسْلَامُهُ) ، وَهُوَ الْمُمَيِّزُ الَّذِي يَعْقِلُهُ (حُكِمَ بِهِ) - أَيْ: إسْلَامِهِ - لِإِتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَمَعْنَى الْحُكْمِ بِهِ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِنَا، وَوَرِثَهُ أَقَارِبُهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ الْكُفَّارِ، وَلَوْ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ، وَقَالَ: صَلَّيْت مُسْتَهْزِئًا وَنَحْوُهُ: لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، (وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ) - أَيْ: الْكَافِرِ - (ظَاهِرًا) ، فَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهَا لِفَقْدِ

شَرْطِهَا، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى بِنِيَّةٍ فَهِيَ صَحِيحَةٌ، (وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ، (وَ) لَا (إقَامَتِهِ) ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي صَلَاةٍ وَفِطْرٍ، وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ وَلَا حَجِّهِ وَلَا صَوْمِهِ قَاصِدًا رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] وَلَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِمْ بِذَلِكَ، وَكَذَا فِي بَاقِي الْعِبَادَاتِ غَيْرِ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ شَرْعَنَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كَانَ لِمَنْ قَبْلنَا مِنْ الْأُمَمِ صَلَوَاتٌ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، لَكِنْ لَيْسَتْ مُمَاثَلَةً لِصَلَاتِنَا فِي الْأَوْقَاتِ وَالْهَيْئَاتِ وَغَيْرِهَا. (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ مُمَيِّزٍ، وَهُوَ: مَنْ بَلَغَ) - أَيْ: اسْتَكْمَلَ - (سَبْعَ سِنِينَ) وَفِي " الْمُطْلِعِ ": مَنْ يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَيَرُدُّ الْجَوَابَ، وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْهَامِ، وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَقَالَ: إنَّ الِاشْتِقَاقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهَا مِنْ الْمُمَيِّزِ، (وَالثَّوَابُ) - أَيْ: ثَوَابُ عَمَلِ الْمُمَيِّزِ (لَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} [فصلت: 46] (كَعَمَلِ بِرٍّ غَيْرَهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (فَيُكْتَبُ لَهُ) ، وَ (لَا) يُكْتَبُ (عَلَيْهِ) ، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، (وَشُرِطَ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ) - أَيْ: الْمُمَيِّزِ - (مَا شُرِطَ لِ) صِحَّةِ (صَلَاةِ كَبِيرٍ) بَالِغٍ (إلَّا فِي سُتْرَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي) تَفْصِيلُهُ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَ) إلَّا فِي (تَرْكِ قِيَامٍ) فِي مَفْرُوضَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ قِيَامُهُ بِهَا (مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَيْهِ (لِأَنَّهَا نَفْلٌ) فِي حَقِّهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيَلْزَمُ وَلِيُّهُ) - أَيْ: الصَّغِيرِ - (أَمْرُهُ بِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (لِتَمَامِ سَبْعِ) سِنِينَ، (وَ) يَلْزَمُهُ (تَعْلِيمُهُ إيَّاهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (وَ) تَعْلِيمُهُ (الطَّهَارَةَ) ، كَمَا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ فِعْلُ مَا فِيهِ (إصْلَاحُ مَالِهِ) ، وَكَمَا يَلْزَمُهُ (كَفُّهُ عَنْ الْمَفَاسِدِ) لِيَنْشَأَ عَلَى الْكَمَالِ، (وَ) يَلْزَمُهُ أَيْضًا (ضَرْبُهُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرِ) سِنِينَ تَامَّةٍ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. قَالَ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ: قَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِعَدَدِ مَا يُضْرَبُ عَلَى التَّعْلِيمِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُضْرَبُ فَوْقَ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ: «غَطَّ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ» وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَضْرِبَ الْمُؤَدِّبُ فَوْقَ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ» وَالْأَمْرُ بِالتَّأْدِيبِ لِتَمْرِينِهِ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكَهَا. وَأَمَّا وُجُوبُ تَعْلِيمِهِ إيَّاهَا وَالطَّهَارَةَ فَلِتَوَقُّفِ فِعْلِهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى أُجْرَةٍ فَمِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. (وَإِنْ بَلَغَ) الصَّغِيرُ (فِي) صَلَاةٍ (مَفْرُوضَةٍ) بِأَنْ تَمَّتْ مُدَّةُ الْبُلُوغِ، وَهُوَ فِيهَا فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إعَادَتُهَا، وَسُمِّيَ بُلُوغًا لِبُلُوغِهِ حَدَّ التَّكْلِيفِ (أَوْ) بَلَغَ (بَعْدَهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إتْمَامُهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ، قَدَّمَهُ " أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ "، وَتَبِعَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ دَخَلَ فِي نَفْلٍ هَلْ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الصَّوْمِ؟ ، وَالْمَذْهَبُ لَا يَلْزَمُهُ. (وَيَتَّجِهُ) : عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا (مَعَ سَعَةِ وَقْتٍ، وَعَدَمِ تَيَمُّمٍ)

أَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ الصَّغِيرُ لِصَلَاةِ فَرْضٍ، ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِتَيَمُّمٍ فَرْضًا؛ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ كَانَ نَفْلًا جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَابْنِ رَزِينٍ، وَابْنِ عُبَيْدَانَ، وَ " مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ "، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَلَغَ، وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ فَلَهُ إتْمَامُهَا بِذَلِكَ الْوُضُوءِ لَا لُزُومًا. (وَ) لَزِمَ مَنْ بَلَغَ فِي مَفْرُوضَةٍ أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا (إعَادَتُهَا) كَالْحَجِّ، وَلِأَنَّهَا نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِ فَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الْفَرِيضَةِ، فَإِنْ بَلَغَ بَعْدَ الْوَقْتِ فَلَا إعَادَةَ (مَعَ مَجْمُوعَةٍ إلَيْهَا بِإِعَادَةِ تَيَمُّمٍ) لَفَرْضٍ؛ لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ كَانَ لِنَافِلَةٍ فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ، وَ (لَا) يَلْزَمُهُ إعَادَةُ (وُضُوءٍ) ، وَلَا غُسْلُ جَنَابَةٍ؛ لِأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ لِنَافِلَةٍ اسْتَبَاحَ بِهِ الْفَرِيضَةَ، لِرَفْعِهِ الْحَدَثَ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، (وَ) لَا إعَادَةُ (إسْلَامٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ الدِّينِ، فَلَا يَصِحُّ نَفْلًا، فَإِذَا وُجِدَ فَعَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ. (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَزِمَتْهُ) فَرِيضَةٌ مِنْ الصَّلَوَاتِ (تَأْخِيرُهَا أَوْ) تَأْخِيرُ (بَعْضِهَا عَنْ وَقْتِ جَوَازٍ) ، أَيْ: وَقْتِ الصَّلَاةِ، إنْ كَانَ لَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ (إلَى وَقْتِ ضَرُورَةٍ) ، أَيْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ إنْ كَانَ لَهَا وَقْتَانِ، وَمَحِلُّهُ إذَا كَانَ (ذَاكِرًا قَادِرًا عَلَى فِعْلِهَا) ، بِخِلَافِ نَائِمٍ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": إجْمَاعًا، لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ تُؤَخِّرَ صَلَاةً إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ

أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إيقَاعُهَا فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا خَرَجَ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا كُلِّهَا كَانَ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ مُخَالِفًا لِلْأَمْرِ، وَتَأْخِيرُهَا مِنْ الْقَادِرِ عَلَى فِعْلِهَا كَبِيرَةٌ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، (لَا إنْ طَرَأَ مَانِعٌ) مِنْ فِعْلِهَا فِي وَقْتِهَا (كَحَيْضٍ) فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَى انْقِطَاعِهِ، وَالتَّطَهُّرِ مِنْهُ (إلَّا لِمَنْ لَهُ الْجَمْعُ) بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لِنَحْوِ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ، (وَيَنْوِيهِ) ، أَيْ: الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى الْمُتَّسِعِ لَهَا، فَيَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُؤَخِّرُ الْأُولَى فِي الْجَمْعِ، وَيُصَلِّيهَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَلِأَنَّ وَقْتَيْهِمَا يَصِيرَانِ وَقْتًا وَاحِدًا لَهُمَا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتٌ مَعْلُومٌ، فَيَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلَيْهِ فَتَعَيَّنَ إخْرَاجُهُ، (أَوْ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (الَّذِي يُحَصِّلُهُ) - أَيْ الشَّرْطَ - (قَرِيبًا كَمُشْتَغِلٍ بِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَخِيَاطَةِ سُتْرَةٍ) انْخَرَقَتْ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ لَهُ، وَ (لَا) يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِتَحْصِيلِ شَرْطِهَا حَيْثُ كَانَ (بَعِيدًا كَذَهَابِ) عُرْيَانَ لِبَلَدٍ أُخْرَى (لِشِرَاءِ سُتْرَةٍ) ، وَلَا تَحْصُلُ لَهُ إلَّا (بَعْدَ) خُرُوجِ (وَقْتٍ) فَيُصَلِّي عُرْيَانَ، (أَوْ) عَلِمَ عَدَمَ وُصُولِ (نَوْبَةِ مُسَافِرٍ) إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ، فَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي كَعَادِمِ الْمَاءِ، (وَ) كَذَا (عَاجِزٌ عَنْ تَعَلُّمِ نَحْوِ تَكْبِيرٍ وَتَشَهُّدٍ) وَفَاتِحَةٍ وَأَدِلَّةِ قِبْلَةٍ خَفِيَتْ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّي فِي الْوَقْتِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ تَقْدِيمًا لِلْوَقْتِ، لِسُقُوطِ الشَّرْطِ إذَنْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ. (وَلَهُ) - أَيْ: لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ - (تَأْخِيرُ فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ مَعَ الْعَزْمِ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْفِعْلِ - فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ مِمَّا وَقْتُهُ مُوَسَّعٌ، (مَا لَمْ يَظُنَّ مَانِعًا) مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ (كَمَوْتٍ وَقَتْلٍ وَحَيْضٍ) فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ نَامَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يُفِيقُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا قَبْلَ النَّوْمِ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ أَدَاؤُهَا، (أَوْ) مَا لَمْ (يُعَرْ سُتْرَةً

فصل جحد وجوب الصلاة

أَوَّلَهُ) - أَيْ: أَوَّلَ الْوَقْتِ - (فَقَطْ) ، فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا إذَنْ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا بِشَرْطِهَا، (أَوَّلًا) لَا (يَبْقَى وُضُوءُ عَادِمِ مَاءٍ لِآخِرِهِ) ، أَيْ: آخِرِ الْوَقْتِ، (وَلَا يَرْجُو وُجُودَهُ) - أَيْ: الْمَاءِ - فِي الْوَقْتِ فَيَتَعَيَّنُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ شَرْطُهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ وَلَوْ) كَانَ عَدَمُ الْمَاءِ (حَضَرًا) كَقَطْعِ عَدُوٍّ مَاءَ بَلَدِهِ وَنَحْوِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّفَرِ، (خِلَافًا لَهُمَا) - أَيْ: " لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " - (فِيمَا يُوهِمُ) مِنْ عِبَارَتَيْهِمَا حَيْثُ قَيَّدَا عَدَمَ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَنَحْوُ مُسْتَحَاضَةٍ) مِمَّنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ (اُعْتِيدَ انْقِطَاعُ) دَمِهَا، أَوْ حَدَثُهُ (أَوَّلَهُ) - أَيْ الْوَقْتِ - فَيَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَا لَوْ اُعْتِيدَ الِانْقِطَاعُ وَسَطَ الْوَقْتِ أَوْ آخِرَهُ فَيَتَعَيَّنُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ. (وَمَنْ لَهُ التَّأْخِيرُ) ، أَيْ: تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، فَأَخَّرَهَا فَإِنَّهَا (تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ فِعْلِهَا) فِيهِ، (وَلَا إثْمَ) عَلَيْهِ، بِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ (بِخِلَافِ عَكْسِهِ) ، وَهُوَ: مَنْ لَيْسَ لَهُ التَّأْخِيرُ فَلَا تَسْقُطُ هِيَ، وَلَا إثْمُ تَأْخِيرِهَا عَنْهُ بِمَوْتِهِ. [فَصْلٌ جَحَدُ وُجُوب الصَّلَاة] (فَصْلٌ) (وَمَنْ جَحَدَهَا) - أَيْ: الصَّلَاةَ - بِأَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا كَفَرَ، (أَوْ) جَحَدَ وُجُوبَ (جُمُعَةٍ كَفَرَ) إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُهُ، كَمَنْ نَشَأَ بِدَارِ إسْلَامٍ، (وَلَوْ فَعَلَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْحَدُهَا إلَّا تَكْذِيبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَيَصِيرُ مُرْتَدًّا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ وُجُوبَهَا، كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَوْ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، فَإِنْ قَالَ أُنْسِيتُهَا، قِيلَ لَهُ: صَلِّ الْآنَ، وَإِنْ قَالَ: أَعْجَزُ عَنْهَا، لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ عَجَزَ عَنْ أَرْكَانِهَا أُعْلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطَ الصَّلَاةَ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ، فَإِنْ أَصَرَّ

عَلَى الْجَحْدِ كَفَرَ، لِمَا سَبَقَ. (أَوْ) كَانَ جَحْدُهُ لِوُجُوبِهَا (جَهْلًا) بِهِ (وَعَرَفَ) الْوُجُوبَ، (فَعَلِمَ وَأَصَرَّ) عَلَى جُحُودِهِ كَفَرَ، لِمَا تَقَدَّمَ، (وَكَذَا تَارِكُهَا، أَوْ) تَارِكُ (شَرْطٍ) لَهَا كَالْوُضُوءِ (أَوْ رُكْنٍ لَهَا مَجْمَعٍ عَلَيْهِ) كَالرُّكُوعِ (تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا إذَا دَعَاهُ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ لِفِعْلِهَا) ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ يَعْتَقِدُ سُقُوطَهَا بِهِ كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ، (وَأَبَى) فِعْلَهَا (حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا) بِأَنْ يُدْعَى لِلظُّهْرِ مَثَلًا فَيَأْبَى حَتَّى يَتَضَايَقَ وَقْتُ الْعَصْرِ عَنْهَا فَيُقْتَلُ كُفْرًا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِقَوْلِهِ «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِقَوْلِهِ «أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمْ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةُ» قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ ذَهَبَ آخِرُهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَقَالَ عُمَرُ: لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ. (وَيُسْتَتَابَانِ) ، أَيْ: الْجَاحِدُ لِوُجُوبِهَا، وَالتَّارِكُ لَهَا تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا بَعْدَ الدِّعَايَةِ وَالْإِبَاءِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بِلَيَالِيِهَا، وَيُضِيفُ عَلَيْهِمَا، وَيُدْعَيَانِ كُلَّ وَقْتِ صَلَاةٍ إلَيْهَا، (فَإِنْ تَابَا بِفِعْلِهَا، وَرُجُوعِ جَاحِدٍ) لِوُجُوبِهَا خُلِّيَ سَبِيلُهُمَا، وَإِنْ قَالَ: أُصَلِّي بِمَنْزِلِي مَثَلًا تُرِكَ وَأُمِرَ بِهَا، وَوُكِّلَتْ إلَى أَمَانَتِهِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتُوبَا بِذَلِكَ (قُتِلَا) بِضَرْبِ عُنُقِهِمَا بِالسَّيْفِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» أَيْ: الْهَيْئَةَ مِنْ الْقَتْلِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ (كُفْرًا) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ أَحْمَدَ، وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرِثُ مُسْلِمًا وَلَا يَرِثُهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الْآجُرِّيُّ: مَنْ قُتِلَ مُرْتَدًّا يُتْرَكُ بِمَكَانِهِ وَلَا يُدْفَنُ، وَلَا كَرَامَةَ، وَلَا يُرَقُّ وَلَا يُسَمَّى لَهُ أَهْلٌ وَلَا وَلَدٌ.

(تَتِمَّةٌ) : قَالَ الْأَزْهَرِيُّ ": الْكُفْرُ بِاَللَّهِ أَنْوَاعٌ: إنْكَارٌ وَجُحُودٌ وَعِنَادٌ وَنِفَاقٌ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِوَاحِدَةٍ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَالْإِنْكَارُ: كُفْرٌ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَالْجُحُودُ هُوَ: أَنْ يَعْرِفَ بِقَلْبِهِ وَلَا يُقِرَّ بِلِسَانِهِ، وَالْعِنَادُ هُوَ: أَنْ يَعْرِفَ بِقَلْبِهِ، وَيُقِرَّ بِلِسَانِهِ، وَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ الْإِيمَانَ بِالتَّوْحِيدِ، وَالنِّفَاقُ هُوَ: أَنْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ، وَيَكْفُرَ بِقَلْبِهِ. (وَلَا قَتْلَ، وَلَا تَكْفِيرَ قَبْلَ دِعَايَةٍ) مِنْ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ إلَيْهَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَرَكَهَا لِشَيْءٍ يَظُنُّهُ عُذْرًا فِي تَرْكِهَا. (وَمَنْ تَرَكَ زَكَاةً) تَهَاوُنًا (أَوْ) تَرَكَ (صَوْمًا أَوْ) تَرَكَ (حَجًّا تَهَاوُنًا قُتِلَ حَدًّا) لَا كُفْرًا، وَذَلِكَ (بَعْدَ اسْتِتَابَةٍ وَامْتِنَاعٍ) لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ " لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ ". (وَلَا قَتْلَ بِتَرْكِ صَلَاةٍ فَائِتَةٍ أَوْ) تَرْكِ (كَفَّارَةٍ أَوْ) تَرْكِ (نَذْرٍ تَهَاوُنًا) لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا فَوْرًا، (وَلَا كُفْرَ بِ) تَرْكِ (شَرْطٍ) مُخْتَلَفٍ فِيهِ كَالِاسْتِنْجَاءِ (أَوْ) تَرْكِ (رُكْنٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ) كَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ إذَا كَانَ التَّارِكُ لَهُ (يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ) أَيْ: وُجُوبَ فِعْلِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، أَوْ الرُّكْنِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، كَمَا لَا حَدَّ عَلَى مُتَزَوِّجٍ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ، وَمَنْ تَابَعَهُ، (خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " وَ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ صَرَّحَا هُنَا بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِابْنِ عَقِيلٍ، وَالدَّلِيلُ وَالتَّعْلِيلُ يَشْهَدَانِ بِصِحَّةِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَأَمَّلَ نُصُوصَ الْمَذْهَبِ عَلِمَ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ قِيَاسًا عَلَى مَا يَأْتِي فِي الرِّدَّةِ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَتَنْبَغِي الْإِشَاعَةُ عَنْهُ) - أَيْ: عَنْ تَارِكِ الصَّلَاةِ - (بِتَرْكِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ، وَلَا يَنْبَغِي السَّلَامُ عَلَيْهِ، وَلَا إجَابَةُ دَعْوَتِهِ) لَعَلَّهُ يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ وَيَرْجِعُ. وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْجُمُعَةِ كَفَرَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا، وَظُهُورِ حُكْمِهَا، فَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ.

خاتمة اختلف العلماء بما كفر إبليس

[خَاتِمَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِمَا كَفَرَ إبْلِيسُ] ُ، فَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا أَنَّهُ كَفَرَ بِتَرْكِ السُّجُودِ لَا بِجُحُودِهِ، وَقِيلَ كَفَرَ لِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الشِّفَاهِيِّ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - خَاطَبَهُ بِذَلِكَ. قَالَ الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ وَلَدُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ " فِي الِاسْتِعَاذَةِ لَهُ. وَقَالَ جُمْهُورُ النَّاسِ: كَفَرَ إبْلِيسُ؛ لِأَنَّهُ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَعَانَدَ وَطَعَنَ وَأَصَرَّ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي تَمَرُّدِهِ، وَاسْتَدَلَّ بِ {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف: 12] فَكَأَنَّهُ تَرَكَ السُّجُودَ لِآدَمَ تَسْفِيهًا لِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحِكْمَتِهِ، وَعَنْ هَذَا الْكِبْرِ عَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إنَّمَا أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَاسْتَكْبَرَ، وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ، وَالِاسْتِكْبَارُ كُفْرٌ، وَقَالَتْ الْخَوَارِجُ: كُفْرٌ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ كُفْرٌ، وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. . [بَابُ الْآذَانِ] (بَابُ الْآذَانِ) لُغَةً: الْإِعْلَامُ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] أَيْ: أَعْلِمْهُمْ بِهِ، يُقَالُ: أَذَّنَ بِالشَّيْءِ يُؤَذِّنُ أَذَانًا وَتَأْذِينًا وَأَذِينًا كَعَلِيمٍ إذَا أَعْلَمَ بِهِ، فَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْإِذْنِ، وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ، كَأَنَّهُ يُلْقِي فِي آذَانِ النَّاسِ مَا يُعْلِمُهُمْ بِهِ. وَشَرْعًا: (إعْلَامٌ بِدُخُولِ وَقْتٍ لِصَلَاةٍ، أَوْ:) إعْلَامٌ (بِقُرْبِهِ) - أَيْ: وَقْتِهَا - (لِفَجْرٍ) فَقَطْ (وَالْإِقَامَةُ) : مَصْدَرُ أَقَامَ، وَحَقِيقَتُهُ: إقَامَةُ الْقَاعِدِ، فَكَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ إذَا أَتَى بِأَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ أَقَامَ الْقَاعِدِينَ، وَأَزَالَهُمْ عَنْ قُعُودِهِمْ. وَشَرْعًا: (إعْلَامٌ بِالْقِيَامِ إلَيْهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ فِيهِمَا) أَيْ: الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَيُطْلَقَانِ عَلَى نَفْسِ الذِّكْرِ الْمَخْصُوصِ، (وَهُوَ) - أَيْ: الْأَذَانُ - (أَفْضَلُ مِنْهَا) - أَيْ: الْإِقَامَةِ - لِأَنَّهُ أَكْثَرُ

أَلْفَاظًا، وَأَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ (وَ) الْآذَانُ أَفْضَلُ أَيْضًا (مِنْ إقَامَةٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَالْأَمَانَةُ أَعْلَى مِنْ الضَّمَانِ، وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنْ الْإِرْشَادِ؛ إذْ الْإِرْشَادُ: الْإِقَامَةُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، وَالْمَغْفِرَةُ: مَأْخُوذٌ مِنْ الْغَفْرِ، وَهُوَ: السَّتْرُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَا يَخْفَى. وَإِنَّمَا لَمْ يَتَوَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ الْآذَانَ لِضِيقِ وَقْتِهِمْ، قَالَ عُمَرُ ": لَوْلَا الْخِلِّيفَى لَأَذَّنْتُ " وَيَشْهَدُ لِفَضْلِ الْآذَانِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَوْلُهُ «مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَأَحَادِيثُ الْبَابِ كَثِيرَةٌ. وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ: مَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعَلِّمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُوقِدُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ «لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي، وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا، بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: أَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا

رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: إنَّهَا لِرُؤْيَا حَقٍّ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهِ عَلَيْهِ فَلِيُؤَذِّنْ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ يَقُولُ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بَعْضَهُ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَيَتَّجِهُ أَنَّهَا) - أَيْ: الْإِمَامَةَ - (أَفْضَلُ مِنْ إقَامَةٍ) لِحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ» وَتَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) - أَيْ: بَيْنَ الْآذَانِ وَالْإِمَامَةِ - (أَفْضَلُ) ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَقَالَ: مَا صَلَحَ لَهُ فَهُوَ أَفْضَلُ. (وَسُنَّ أَذَانٌ فِي يُمْنَى أُذُنَيْ مَوْلُودٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (حِينَ يُولَدُ، وَإِقَامَةٌ بِيُسْرَاهُمَا) لِأَنَّهُ، «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِخَبَرِ ابْنِ السُّنِّيِّ «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» أَيْ: التَّابِعَةُ مِنْ الْجِنِّ. وَلِيَكُونَ التَّوْحِيدُ أَوَّلَ شَيْءٍ يَقْرَعُ سَمْعَهُ حِينَ خُرُوجِهِ إلَى الدُّنْيَا، كَمَا يُلَقَّنُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ طَرْدِ الشَّيْطَانِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يُضَرُّ عِنْدَ سَمَاعِ الْآذَانِ، وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ رَزِينٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي أُذُنِ مَوْلُودٍ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ»

وَالْمُرَادُ: أُذُنُهُ الْيُمْنَى، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ". وَمِمَّا جُرِّبَ أَنَّ الْأَذَانَ فِي أُذُنِ الْمَحْزُونِ يَصْرِفُ حُزْنَهُ، وَإِذَا أُذِّنَ خَلْفَ الْمُسَافِرِ رَجَعَ، وَإِذَا أُذِّنَ فِي أُذُنِ مَنْ خُلُقُهُ سَيِّئٌ حَسُنَ خُلُقُهُ، وَمِمَّا جُرِّبَ لِحَرْقِ الْجِنِّ أَوْ يُؤَذِّنُ فِي أُذُنِ الْمَصْرُوعِ سَبْعًا، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ سَبْعًا، وَيَقْرَأُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَآخِرَ الْحَشْرِ وَالصَّافَّاتِ، وَإِذَا قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ سَبْعًا عَلَى مَاءٍ، وَرَشَّهُ عَلَى وَجْهِ الْمَصْرُوعِ فَإِنَّهُ يُفِيقُ (وَهُمَا) - أَيْ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ - (فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِحَدِيثِ «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ. وَلِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ كَالْجِهَادِ، (لِ) الصَّلَوَاتِ (الْخَمْسِ) دُونَ الْمَنْذُورَةِ وَغَيْرِهِمَا، (الْمُؤَدَّاةِ) لَا الْمَقْضِيَّاتِ، (وَالْجُمُعَةِ) : عَطْفٌ عَلَى الْخَمْسِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، لِمَزِيَّتِهَا وَفَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِدُخُولِهَا فِي الْخَمْسِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفْرَضَا فِي غَيْرِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا الْإِعْلَامُ بِوَقْتِ الْفَرِيضَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَالْقِيَامُ إلَيْهَا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا. (عَلَى رِجَالٍ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لَا الْوَاحِدِ، وَلَا النِّسَاءِ، وَلَا الْخَنَاثَى (أَحْرَارٍ) لَا أَرِقَّاءَ وَمُبَعَّضِينَ، إذْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يَلْزَمُ رَقِيقًا لِاشْتِغَالِهِمْ بِخِدْمَةِ مُلَّاكِهِمْ، (حَضَرٍ) فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ مُسَافِرٌ أَوْ مُنْفَرِدٌ عَلَى الْإِقَامَةِ لَمْ يُكْرَهْ. (وَسُنَّا) - أَيْ الْأَذَانَ (وَ) الْإِقَامَةَ (سَفَرًا) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَلِابْنِ عَمٍّ لَهُ إذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) سُنَّا (لِمُنْفَرِدٍ) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ الشَّظِيَّةِ لِلْجَبَلِ

يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ يَخَافُ مِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالشَّظِيَّةُ بِالشِّينِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ: الْقِطْعَةُ الْمُرْتَفِعَةُ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ (وَ) سُنَّا أَيْضًا (لِمَقْضِيَّتِهِ) مِنْ الْخَمْسِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَنَامَ عَنْ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: تَنَحُّوا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الصُّبْحِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (بِرَفْعِ صَوْتٍ) فِي الْكُلِّ (إنْ لَمْ يَخَفْ نَحْوَ لَبْسٍ) ، كَمَا لَوْ أَذَّنَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْأَذَانِ، وَكُرِهَ رَفْعُ صَوْتِهِ بِالْأَذَانِ فِي بَيْتِهِ الْبَعِيدِ عَنْ الْمَسْجِدِ، لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَنْ يَقْصِدُ الْمَسْجِدَ إذَا سَمِعَهُ، وَقَصَدَ الصَّلَاةَ جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ. (وَلَوْ تَرَكُوهُمَا) ، أَيْ: تَرَكَ الْمَذْكُورُونَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ، وَصَلُّوا بِدُونِهِمَا (لَمْ يُكْرَهْ) نَصًّا (وَيُؤَذَّنُ فِي) صَلَاةِ (جَمْعٍ) حَيْثُ جَازَ، (وَ) فِي (قَضَاءِ فَوَائِتَ لِ) الصَّلَاةِ (الْأُولَى) فَقَطْ، (وَيُقِيمُ لِلْكُلِّ) ، أَيْ: لِكُلِّ فَرِيضَةٍ بِمُفْرَدِهَا. (وَكُرِهَ) أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ (لِخَنَاثَى وَنِسَاءٍ وَلَوْ) كَانَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مِنْهُمَا (بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ) ، لِأَنَّهُمَا وَظِيفَةُ الرِّجَالِ، فَفِيهِ نَوْعُ تَشَبُّهٍ بِهِمْ، (وَلَا يُشْرَعَانِ) - أَيْ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ - (لِكُلِّ مَنْ بِالْمَسْجِدِ، وَتَحْصُلُ

الْفَضِيلَةُ لَهُمْ بِمُتَابَعَةِ مُؤَذِّنٍ وَمُقِيمٍ) فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ. (وَيَكْفِي) فِي الْمِصْرِ (مُؤَذِّنٌ) وَاحِدٌ، (بِلَا حَاجَةٍ) إلَى الزِّيَادَةِ نَصًّا، وَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى اثْنَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَى أَرْبَعَةٍ، لِفِعْلِ عُثْمَانَ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، (وَيُزَادُ) مَعَ الْحَاجَةِ لِأَكْثَرَ بِأَنْ لَمْ يَحْصُلْ الْإِعْلَامُ بِوَاحِدٍ (بِقَدْرِهَا) أَيْ: الْحَاجَةِ: كُلُّ وَاحِدٍ فِي جَانِبٍ، أَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً بِمَكَانٍ وَاحِدٍ. (وَيُقِيمُ) الصَّلَاةَ (مَنْ يَكْفِي) فِي الْإِقَامَةِ، وَيُقَدَّمُ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلًا. (وَلَا يَلْزَمُ رَقِيقًا فَرْضُ كِفَايَةٍ) ، لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ فِي الْجُمْلَةِ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الرَّقِيقَ فَرْضُ كِفَايَةٍ مِنْ (نَحْوِ أَذَانٍ) وَإِقَامَةٍ، (وَ) صَلَاةِ (عِيدٍ، لَا نَحْوِ غُسْلِ مَيِّتٍ) وَصَلَاةٍ عَلَيْهِ (وَدَفْنِهِ) ، وَرَدِّ سَلَامٍ وَتَشْمِيتِ عَاطِسٍ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ (مَعَ عَدَمِ حُرٍّ يَقُومُ بِهِ) ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِتَعَيُّنِ أَخْذِ اللَّقِيطِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ. (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى " فِيمَا يُوهَمُ) مِنْ عِبَارَتِهِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الرَّقِيقِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا يُنَادِي) بِأَذَانٍ وَلَا غَيْرِهِ (لِجِنَازَةٍ وَتَرَاوِيحَ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ (بَلْ) يُنَادَى (نَدْبًا لِعِيدٍ) : الصَّلَاةَ جَامِعَةً، أَوْ: الصَّلَاةَ، قِيَاسًا عَلَى الْكُسُوفِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ «لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ خُرُوجِ الْإِمَامِ، وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ، وَلَا إقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيْءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يُنَادَى لِصَلَاةِ (كُسُوفٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَ) يُنَادَى لِصَلَاةِ (اسْتِسْقَاءٍ) بِأَنْ يُقَالَ: (الصَّلَاةَ جَامِعَةً) بِنَصَبِ الْأَوَّلِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " بِنَصَبِهِمَا وَرَفْعِهِمَا، (أَوْ) يُقَالُ: (الصَّلَاةَ) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَوَّلِ، أَوْ بِهِ، وَبِالرَّفْعِ

عَلَى الثَّانِي. (الثَّانِي) . (وَكُرِهَ) النِّدَاءُ فِي عِيدٍ وَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ بِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. (وَلَيْسَا) - أَيْ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ - (بِشَرْطٍ لِصَلَاةٍ فَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِدُونِهِمَا مَعَ حُرْمَةٍ) عَلَى تَارِكِهِمَا (حَيْثُ فُرِضَا) ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ " صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ " احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ " تَبِعَا " لِلْخِرَقِيِّ " وَغَيْرِهِ: فَتَصِحُّ بِدُونِهِمَا مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ. (وَيُقَاتَلُ أَهْلُ بَلَدٍ تَرَكُوهُمَا) - أَيْ: الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ - لِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ كَالْعِيدِ، فَيُقَاتِلُهُمْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَإِذَا قَامَ بِهِمَا مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ غَالِبًا، وَلَوْ وَاحِدًا أَجْزَأَ عَنْ الْكُلِّ نَصًّا (وَيَحْرُمُ أَخْذُ أُجْرَةٍ) عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَاِتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى آذَانِهِ أَجْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْإِقَامَةُ كَالْأَذَانِ مَعْنًى وَحُكْمًا. وَ (لَا) يَحْرُمُ أَخْذُ (جَعَالَةٍ عَلَيْهِمَا) - أَيْ: الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ - كَأَخْذِ رِزْقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَأَوْلَى (فَإِنْ عُدِمَ مُتَطَوِّعٌ) بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ (جَازَ رِزْقُ) إمَامٍ (مِنْ بَيْتِ مَالِ) مِنْ مَالِ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلْمَصَالِحِ وَالرِّزْقِ وَالْعَطَاءِ

وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ وَلَوْ مُحَرَّمًا، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْأَرْزَاقُ نَوْعَانِ: ظَاهِرَةٌ: لَلْأَبَدَانِ كَالْأَقْوَاتِ، وَبَاطِنَةٌ: لِلْقُلُوبِ وَالنُّفُوسِ، كَالْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ. (لِمَنْ يَقُومُ بِهِمَا) ؛ لِأَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إلَيْهِمَا، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْمُتَطَوِّعَ لَمْ يُعْطِ غَيْرَهُ شَيْئًا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ ". (وَلَا يَصِحَّانِ) - أَيْ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ - (إلَّا بِوَقْتٍ) أَيْ: بَعْدَ دُخُولِهِ، لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلِيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَهُوَ حَثٌّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي وَقْتٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ. (وَ) يَصِحُّ الْأَذَانُ (لِفَجْرٍ مِنْ بَعْدِ نِصْفِ لَيْلٍ) ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَهُ قَدْ ذَهَبَ، وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ، وَيَدْخُلُ وَقْتُ الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَيُعْتَدُّ بِالْأَذَانِ حِينَئِذٍ سَوَاءٌ كَانَ بِرَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ، وَفِيهِمْ الْجُنُبُ وَالنَّائِمُ فَاسْتُحِبَّ تَقْدِيمُ أَذَانِهِ حَتَّى يَتَهَيَّئُوا لَهَا فَيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ الْوَقْتِ. تَنْبِيهٌ: وَاللَّيْلُ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهُ غُرُوبَ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ طُلُوعَهَا، كَمَا أَنَّ النَّهَارَ الْمُعْتَبَرَ نِصْفُهُ أَوَّلُهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ غُرُوبُهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا يُسْتَحَبُّ تَقَدُّمُ أَذَانِ الْفَجْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ كَثِيرًا، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَ الْقَاسِمُ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إلَّا أَنْ يَنْزِلَ ذَا وَيَرْقَى ذَا. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَجْمُوعُ مَا رُوِيَ فِي تَقَدُّمِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْأَذَانِ لِلْفَجْرِ إنَّمَا هُوَ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ، وَأَمَّا مَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا مِنْ الْأَذَانِ لِلْفَجْرِ مِنْ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ فَخِلَافُ السُّنَّةِ إنْ سُلِّمَ جَوَازُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ".

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْ يَجْعَلَ أَذَانَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي اللَّيَالِي كُلِّهَا، وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ، وَأَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ عَادَةً لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ. وَلَا يَصِحَّانِ إلَّا (مُرَتَّبَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمَا ذِكْرٌ مُعْتَدٌّ بِهِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِنَظْمِهِ كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ (مُتَوَالِيَيْنِ عُرْفًا) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُمَا بِغَيْرِ مُوَالَاةٍ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا مَنْوِيَّيْنِ (مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ لَا أَكْثَرَ) ، فَلَوْ أَتَى وَاحِدٌ بِالْبَعْضِ، وَكَمَّلَ آخَرُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، كَالصَّلَاةِ (وَشُرِطَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - فِي الْمُؤَذِّنِ شُرُوطٌ: (كَوْنُهُ ذَكَرًا) : فَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى، قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَالْحِكَايَةِ، وَكَوْنُهُ (عَاقِلًا) : فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَكَوْنُهُ (مُسْلِمًا) : فَلَا يَعْتَدُّ بِأَذَانِ كَافِرٍ لِعَدَمِ النِّيَّةِ، وَكَوْنُهُ (مُمَيِّزًا) ، لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ " كَانَ عُمُومَتِي يَأْمُرُونَنِي أَنْ أُؤَذِّنَ لَهُمْ وَأَنَا غُلَامٌ لَمْ أَحْتَلِمْ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ". (نَاطِقًا) ، لِيَحْصُلَ الْإِعْلَامُ بِهِ، (نَاوِيًا) ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (عَدْلًا وَلَوْ ظَاهِرًا) : فَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ،؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَصَفَ الْمُؤَذِّنِينَ بِالْأَمَانَةِ " وَالْفَاسِقُ غَيْرُ أَمِينٍ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": أَمَّا مَسْتُورُ الْحَالِ فَيَصِحُّ أَذَانُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (وَبَصِيرٌ أَوْلَى) بِالْأَذَانِ مِنْ أَعْمَى؛ لِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ عَنْ يَقِينٍ، بِخِلَافِ الْأَعْمَى فَرُبَّمَا غَلِطَ فِي الْوَقْتِ، وَمِثْلُهُ عَارِفٌ بِالْوَقْتِ مَعَ جَاهِلٍ بِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ أَذَانِ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّ «ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ حَتَّى يُقَالَ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَرَفْعُ صَوْتٍ) بِأَذَانٍ (رُكْنٌ لِيَحْصُلَ سَمَاعٌ) ؛ إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ لِلْإِعْلَامِ (مَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِحَاضِرٍ) فَبِقَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ، وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ صَوْتَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ، (وَتُكْرَهُ زِيَادَةٌ) فِي رَفْعِ صَوْتِهِ (فَوْقَ

طَاقَتِهِ) خَشْيَةَ الضَّرَرِ، (وَإِنْ خَافَتَ بِبَعْضِهِ) - أَيْ: الْأَذَانِ - (وَجَهَرَ بِبَعْضٍ) مِنْهُ (فَلَا بَأْسَ) ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: رَفْعُ الصَّوْتِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ مَنْ تَقُومُ بِهِ الْجَمَاعَةُ رُكْنٌ. (وَإِنْ نَكَّسَ) الْأَذَانَ أَوْ الْإِقَامَةَ: بِأَنْ قَدَّمَ بَعْضَ الْجُمَلِ عَلَى بَعْضٍ بَطَلَا لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ، (أَوْ سَكَتَ فِي الْأَثْنَاءِ طَوِيلًا عُرْفًا) وَلَوْ بِسَبَبِ نَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ، (أَوْ تَكَلُّمٍ) فِي أَثْنَائِهِمَا بِكَلَامٍ كَثِيرٍ بَطَلَا، لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ، أَوْ تَكَلَّمَ (بِ) كَلَامٍ (مُحَرَّمٍ: كَسَبٍّ وَقَذْفٍ) (بَطَلَا) - أَيْ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ - وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَظُنُّهُ سَامِعُهُ مُتَلَاعِبًا، أَشْبَهَ الْمُسْتَهْزِئَ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ. (وَكُرِهَ سُكُوتٌ يَسِيرٌ) فِي الْأَثْنَاءِ لِإِيهَامِهِ عَدَمَ الْمُوَالَاةِ. (وَ) كُرِهَ (كَلَامٌ) مُطْلَقًا (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لَمْ يُكْرَهْ. (وَلَهُ رَدُّ سَلَامٍ فِيهِمَا) - أَيْ: فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ - وَلَا يَبْطُلَانِ بِهِ، وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ إذْنٌ غَيْرُ مَسْنُونٍ. (وَسُنَّ كَوْنُهُ) - أَيْ: الْمُؤَذِّنِ - (صَيِّتًا) ، أَيْ: رَفِيعَ الصَّوْتِ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك» وَ " اخْتَارَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِلْأَذَانِ لِكَوْنِهِ صَيِّتًا " وَلِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْإِعْلَامِ (أَمِينًا) ، أَيْ: عَدْلًا؛ لِمَا رَوَى أَبُو مَحْذُورَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمَنَاءُ النَّاسِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَسَحُورِهِمْ: الْمُؤَذِّنُونَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَفِيهِ كَلَامٌ. وَلِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُؤْمَنُ بِأَذَانِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يَعْلُو لِلْأَذَانِ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَاتِ. (بَالِغًا) ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، (بَصِيرًا) لِيُؤْمَنَ خَطَؤُهُ (عَالِمًا بِالْوَقْتِ) لِيَتَحَرَّاهُ فَيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهِ. (وَلَوْ) كَانَ الْمُؤَذِّنُ (عَبْدًا) فَلَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ (بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. وَسُنَّ كَوْنُهُ (وَاقِفًا) غَيْرَ مَاشٍ، (قَائِمًا فِيهِمَا) ،

أَيْ: الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبِلَالٍ قُمْ فَأَذِّنْ» وَكَانَ مُؤَذِّنُو رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَذِّنُونَ قِيَامًا، وَالْإِقَامَةُ أَحَدُ الْأَذَانَيْنِ (فَيُكْرَهَانِ) - أَيْ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ - (قَاعِدًا) - أَيْ: مِنْ قَاعِدٍ - (وَمَاشِيًا) أَيْ: مِنْ مَاشٍ - (لِغَيْرِ مُسَافِرٍ وَمَعْذُورٍ) لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ، وَكَذَا رَاكِبًا وَمُضْطَجِعًا. وَصَحَّا مِنْ نَحْوِ قَاعِدٍ، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِآكَدَ مِنْ الْخُطْبَةِ. (مُتَطَهِّرًا) مِنْ الْحَدَثَيْنِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ أَصَحُّ. وَالْإِقَامَةُ آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الصَّلَاةِ، (فَيُكْرَهُ أَذَانُ جُنُبٍ) لَا مُحْدِثٍ نَصًّا، (وَ) تُكْرَهُ (إقَامَةُ مُحْدِثٍ) ، لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ. وَسُنَّ كَوْنُ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ (عَلَى عُلُوٍّ) أَيْ: مَوْضِعٍ عَالٍ كَمَنَارَةٍ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ. وَرُوِيَ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ " كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ فَيَأْتِي بِسَحَرٍ، فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ فَيَنْظُرُ إلَى الْفَجْرِ، فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَعِينُكَ وَأَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ، قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَسُنَّ كَوْنُهُ (رَافِعًا وَجْهَهُ) إلَى السَّمَاءِ، وَلَوْ كَانَ أَعْمَى، فِي أَذَانِهِ كُلِّهِ، وَسُنَّ أَيْضًا كَوْنُهُ (جَاعِلًا سَبَّابَتَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) ، لِقَوْلِ أَبِي جُحَيْفَةَ " إنَّ بِلَالًا وَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ " رَوَاهُ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ سَعْدٍ الْقُرَظِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَل أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: إنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَسُنَّ كَوْنُهُ أَيْضًا (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِفِعْلِ مُؤَذِّنِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنْ أَخَلَّ بِهِ كُرِهَ. وَسُنَّ كَوْنُهُ (يَلْتَفِتُ) بِرَأْسِهِ وَعُنُقِهِ وَصَدْرِهِ (فِي أَذَانٍ يَمِينًا لِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ،

وَشِمَالًا لِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) فِي الْأَذَانِ لَا الْإِقَامَةِ، (وَلَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ) لِقَوْلِ أَبِي جُحَيْفَةَ رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ، فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا: " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ فِي مَنَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَ (قَالَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى (وَالْمَجْدُ وَجَمْعٌ) ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْإِفَادَاتِ " وَ " وَالْمَذْهَبُ الْأَحْمَدُ " وَالْمُنَوِّرُ وَابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: (إلَّا) إنْ أَذَّنَ (بِمَنَارَةٍ) وَنَحْوِهَا فَيُزِيلُ قَدَمَيْهِ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ كِبَرِ الْبَلَدِ. (وَ) سُنَّ أَيْضًا (أَنْ يَقُولَهُمَا) - أَيْ: الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ - رَجُلٌ (وَاحِدٌ) ، أَيْ: أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ مَنْ يَتَوَلَّى الْأَذَانَ؛ لِمَا فِي «حَدِيثِ أَبِي الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ حِينَ أَذَّنَ، قَالَ: فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يُقِيمُ أَخُو صُدَاءَ، فَإِنَّهُ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَكَالْخُطْبَتَيْنِ (بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ) بِأَنْ يُقِيمَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَذَّنَ فِيهِ، «لِقَوْلِ بِلَالٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ» لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُقِيمُ بِالْمَسْجِدِ لَمَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِهَا، كَذَا اسْتَنْبَطَهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَلِقَوْلِ عُمَرَ " كُنَّا إذَا سَمِعْنَا الْإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الصَّلَاةِ " وَلِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَكَالْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ. (مَا لَمْ يَشُقَّ) ذَلِكَ عَلَى الْمُؤَذِّنِ، كَمَنْ أَذَّنَ فِي مَنَارَةٍ، أَوْ مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْ الْمَسْجِدِ فَيُقِيمُ فِيهِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ، لَكِنْ لَا يُقِيمُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ إنْ أَقَامَ عِنْدَ إرَادَةِ الدُّخُولِ فِيهَا، وَيَجُوزُ الْكَلَامُ عِنْدَ الْإِقَامَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ. (وَ) سُنَّ أَيْضًا (أَنْ يَجْلِسَ) مُؤَذِّنٌ (بَعْدَ أَذَانِ مَغْرِبٍ جِلْسَةً خَفِيفَةً)

بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ، (ثُمَّ يُقِيمَ) - أَيْ: الصَّلَاةَ - (بِمَوْضِعِ أَذَانٍ وَ) سُنَّ (أَنْ تُؤَخَّرَ إقَامَةٌ) عَنْ أَذَانٍ (بِقَدْرِ فَرَاغٍ) مِنْ قَضَاءِ (حَاجَةٍ وَوُضُوءٍ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَفَرَاغِ) آكِلٍ مِنْ (أَكْلٍ وَنَحْوِهِ) كَشَارِبٍ مِنْ شُرْبٍ، لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «يَا بِلَالُ اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ نَفَسًا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُقْتَضِي إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلِيَتَمَكَّنَ نَحْوُ الْآكِلِ مِنْ إدْرَاكِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ. (وَ) سُنَّ (أَنْ يُحْرِمَ إمَامٌ) بِالصَّلَاةِ (عَقِبَ فَرَاغِ إقَامَةٍ) لَا قَبْلَهُ نَصًّا (وَكُرِهَ أَذَانُ مُلَحِّنٍ) بِأَنْ يُطْرِبَ فِيهِ، يُقَالُ: لَحَّنَ فِي قِرَاءَتِهِ إذَا أَطْرَبَ بِهَا وَغَرَّدَ، قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ مُحْدَثٌ أَكْرَهُهُ، كَالتَّطَرُّبِ، وَيَصِحُّ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ. (وَ) كُرِهَ أَذَانُ (مَلْحُونٍ) لَحْنًا لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى كَرَفْعِ تَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ نَصْبِهَا، أَوْ حَاءِ الْفَلَاحِ. وَكُرِهَ الْأَذَانُ أَيْضًا مِنْ (ذِي لُثْغَةٍ فَاحِشَةٍ) كَالْمَلْحُونِ، وَأَوْلَى، فَإِنْ لَمْ تَفْحُشْ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُبْدِلُ الشِّينَ سِينًا، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْفَصِيحَ أَكْمَلُ. (وَيَبْطُلُ) الْأَذَانُ (إنْ أُحِيلَ مَعْنَى) بِاللَّحْنِ أَوْ اللُّثْغَةِ (نَحْوُ) مَدِّ هَمْزَةِ " اللَّهُ " أَوْ " أَكْبَرُ " أَوْ بَائِهِ، أَوْ يَقُولُ: (اللَّهُ وَأَكْبَرُ) ، أَوْ يُبَدَّلُ قَافًا أَوْ هَمْزَةً؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يُؤَذِّنُ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ، قُلْنَا: كَيْفَ يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْإِفْرَادِ، وَفِيهِ إسْقَاطُ الْهَاءِ مِنْ كَلِمَةِ اللَّهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقُومَ إذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ بَلْ يَصْبِرُ قَلِيلًا) إلَى أَنْ يَفْرَغَ، أَوْ يُقَارِبَ الْفَرَاغَ، (لِأَنَّ فِي التَّحَرُّكِ عِنْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ تَشَبُّهًا بِالشَّيْطَانِ) حَيْثُ يَفِرُّ عِنْدَ سَمَاعِهِ، كَمَا فِي الْخَبَرِ، قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ. قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: وَرَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمَغْرِبِ، فَحِينَ

فصل يقدم بأذان مع تشاح بين اثنين فأكثر في الأذان

انْتَهَى إلَى مَوْضِعِ الصَّفِّ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ فَجَلَسَ. انْتَهَى. لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ وَبِلَالٌ فِي الْإِقَامَةِ فَقَعَدَ» . [فَصْلٌ يُقَدَّمُ بِأَذَانٍ مَعَ تَشَاحٍّ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي الْأَذَانِ] (فَصْلٌ) (يُقَدَّمُ بِأَذَانٍ مَعَ تَشَاحٍّ) بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي الْأَذَانِ (أَفْضَلُ) فِي خِصَالٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْمُؤَذِّنِ، لِتَقْدِيمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، لِأَنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْهُ، وَقَدَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِصَوْتِهِ، وَقِسْ عَلَيْهِ بَاقِيَ الْخِصَالِ (فَأُدِينَ) لِحَدِيثِ «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ» ، وَلِأَنَّهُ إذَا قُدِّمَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ بِالصَّوْتِ، فَلَأَنْ يُقَدَّمَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي الدِّينِ أَوْلَى، (فَأَعْقَلُ) ، لِمَا فِي الْعَاقِلِ مِنْ الْكَمَالِ وَحُسْنِ السَّمْتِ، (ثُمَّ) يُقَدَّمُ فِي التَّسَاوِي فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ (مَنْ يَخْتَارُهُ أَكْثَرُ جِيرَانٍ) مُصَلِّينَ، لِأَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صَوْتُهُ، وَبِمِنْ هُوَ أَعَفُّ نَظَرًا. (ثُمَّ) مَعَ التَّسَاوِي أَيْضًا فِي رِضَى الْجِيرَانِ (يُقْرَعُ) فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ قُدِّمَ لِحَدِيثِ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» وَ " لَمَّا تَشَاحَّ النَّاسُ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ " وَلِأَنَّهَا تُزِيلُ الْإِبْهَامَ. (وَلَا بَأْسَ مَعَ تَسَاوٍ) فِي الْخِصَالِ السَّابِقَةِ (بِتَقْدِيمِ مَنْ هُوَ أَعْمَرُ لِمَسْجِدٍ، وَأَتَمُّ مُرَاعَاةً لَهُ، أَوْ أَقْدَمُ تَأْذِينًا هُوَ أَوْ أَبُوهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْ نَسْلِ مَنْ جَعَلَ) رَسُولُ اللَّهِ، (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَذَانَ فِيهِ) ، وَعُلِمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ بِهَذِهِ الْخِصَالِ، إلَّا إذَا رَآهَا مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْدِيمِ، بِخِلَافِ الْخِصَالِ الَّتِي قَبْلَهَا. (وَاخْتِيرَ أَذَانُ بِلَالِ) بْنِ رَبَاحٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَلَا يُشْرَعُ) - أَيْ: لَا يَصِحُّ أَذَانٌ - (بِغَيْرِ عَرَبِيَّةٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَهُوَ) - أَيْ: الْأَذَانُ - (خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً) - أَيْ:

جُمْلَةً - (بِلَا تَرْجِيعٍ - لِلشَّهَادَتَيْنِ) ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ كَذَلِكَ، وَيُقِيمُ حَضَرًا وَسَفَرًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ قِيلَ لَهُ: إنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ، لِأَنَّ حَدِيث أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى أَذَانِ عَبْدِ اللَّهِ؟ وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ، قَالَ: «أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ " إلَّا الْإِقَامَةَ " وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ. فَإِنْ رَجَّعَ فِي الْأَذَانِ؛ بِأَنْ قَالَ الشَّهَادَتَيْنِ (سِرًّا) ، بِحَيْثُ يُسْمِعُ مَنْ بِقُرْبِهِ أَوْ أَهْلَ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ وَاقِفًا، وَالْمَسْجِدُ مُتَوَسِّطُ الْخَطِّ (قَبْلَ جَهْرٍ بِهِمَا) - أَيْ: الشَّهَادَتَيْنِ - لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّ تَرْجِيعَ الْأَذَانِ فِعْلُ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ مَكَّةَ. «وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَالْحِكْمَةُ أَنْ يَأْتِيَ (بِهِمَا) بِتَدَبُّرٍ وَإِخْلَاصٍ، لِكَوْنِهِمَا الْمُنَجِّيَتَيْنِ مِنْ الْكُفْرِ الْمُدْخِلَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ. (وَالْإِقَامَةُ: إحْدَى عَشْرَةَ) جُمْلَةً (بِلَا تَثْنِيَةٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَتَقَدَّمَ (وَيُبَاحُ تَرْجِيعُهُ) - أَيْ: الْأَذَانِ - لِحَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ (وَ) تُبَاحُ (تَثْنِيَتُهَا) - أَيْ: الْإِقَامَةِ - (كَأَذَانٍ) ، لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «كَانَ أَذَانُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَفْعًا فِي الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ» ، فَالِاخْتِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ.

(وَسُنَّ) أَذَانٌ (أَوَّلِ وَقْتٍ) لِيُصَلِّيَ الْمُتَعَجِّلُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا مَا دَامَ الْوَقْتُ، وَيَتَوَجَّهُ سُقُوطُ مَشْرُوعِيَّتِهِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " (وَ) سُنَّ (تَرَسُّلٌ فِيهِ) ، أَيْ: تَمَهُّلٌ فِي الْأَذَانِ، وَتَأَنٍّ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاءَ عَلَى رِسْلِهِ (وَ) سُنَّ (حَدْرُهَا) أَيْ: إسْرَاعُ إقَامَةٍ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبِلَالٍ " إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتُ فَاحْدُرْ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ مَجْهُولٌ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ لِلْمُؤَذِّنِ: " إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتُ فَاحْدُرْ " وَأَصْلُ الْحَدْرِ فِي الشَّيْءِ الْإِسْرَاعُ، وَلِأَنَّ الْأَذَانَ إعْلَامُ الْغَائِبِينَ فَالتَّثَبُّتُ فِيهِ أَبْلُغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَالْإِقَامَةُ إعْلَامُ الْحَاضِرِينَ، فَلَا حَاجَةَ فِيهَا لَهُ. (وَ) سُنَّ (الْوَقْفُ) فِيهِمَا (عَلَى كُلِّ جُمْلَةٍ) ، قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ: شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ جَزْمًا، وَمَعْنَاهُ: اسْتِحْبَابُ تَقْطِيعِ الْكَلِمَاتِ بِالْوَقْفِ عَلَى كُلِّ جُمْلَةٍ. (وَ) سُنَّ (قَوْلُ) مُؤَذِّنٍ: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ بَعْدَ حَيْعَلَةِ أَذَانِ فَجْرٍ) ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ قَبْلَ طُلُوعِهِ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مَحْذُورَةَ إذَا كَانَ أَذَانُ الْفَجْرِ فَقُلْ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَالْحَيْعَلَةُ: قَوْلُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. (وَيُسَمَّى التَّثْوِيبُ) ، مِنْ ثَابَ: إذَا رَجَعَ؛ لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ دَعَا إلَى الصَّلَاةِ بِالْحَيْعَلَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا إلَيْهَا بِالتَّثْوِيبِ، (وَكُرِهَ) تَثْوِيبٌ (فِي غَيْرِهَا) ، أَيْ: الْفَجْرِ، أَيْ أَذَانِهَا، لِقَوْلِ بِلَالٍ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْفَجْرِ، وَنَهَانِي أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. (وَ) كُرِهَ تَثْوِيبٌ أَيْضًا (بَيْنَ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ) ، لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ " أَنَّهُ لَمَا قَدِمَ عُمَرُ مَكَّةَ أَتَاهُ أَبُو مَحْذُورَةَ، وَقَدْ أَذَّنَ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ،

فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا مَجْنُونُ أَمَا كَانَ فِي دُعَائِكَ الَّذِي دَعَوْتنَا مَا نَأْتِيكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا "؟ وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إلَى الصَّلَاةِ، فَكَانَ مَكْرُوهًا. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (نِدَاءٌ) بِالصَّلَاةِ (بَعْدَ أَذَانٍ فِي نَحْوِ أَسْوَاقٍ) كَأَزِقَّةٍ (بِقَوْلِ: الصَّلَاةَ، أَوْ: الْإِقَامَةَ أَوْ الصَّلَاةَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ، قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ ". (هَذَا إنْ كَانُوا قَدْ سَمِعُوا النِّدَاءَ الْأَوَّلَ) ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ الْإِمَامُ أَوْ الْبَعِيدُ مِنْ الْجِيرَانِ قَدْ سَمِعَ النِّدَاءَ: (فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ) . تَنْبِيهٌ: (قَالَ) الشَّيْخُ: (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فَإِنْ تَأَخَّرَ إمَامٌ) أَعْظَمُ أَوْ إمَامُ (الْحَيِّ أَوْ إمَامُ الْجِيرَانِ فَلَا بَأْسَ) مِنْ (أَنْ يَمْضِيَ إلَيْهِ مُنَبِّهٌ يَقُولُ لَهُ: قَدْ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ) - انْتَهَى - لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ الْأَذَانَ. (وَكُرِهَ قَبْلَ أَذَانٍ قَوْلُ) الْمُؤَذِّنِ: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الإسراء: 111] الْآيَةَ) أَيْ: اقْرَأْهَا وَنَحْوُهُ، (وَكَذَا إنْ وَصَلَهُ) - أَيْ: الْأَذَانَ - (بَعْدَهُ بِذِكْرٍ) قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْعُمْدَةِ " لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ. (وَ) كُرِهَ (قَبْلَ إقَامَةٍ قَوْلُ) مُقِيمٍ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ: وَنَحْوُ ذَلِكَ) مِنْ الْمُحْدَثَاتِ، (وَلَا بَأْسَ بِنَحْنَحَةٍ قَبْلَهُمَا) - أَيْ: الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ - (وَ) لَا بَأْسَ بِ (أَذَانٍ وَاحِدٍ بِمَسْجِدَيْنِ لِجَمَاعَتَيْنِ) لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ فِيهِ (وَشُرِعَا) - أَيْ: الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ - (لِجَمَاعَةٍ ثَانِيَةٍ بِغَيْرِ جَوَامِعَ كِبَارٍ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي) ، وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": غَيْرُ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (وَوَقْتُ إقَامَةٍ) مُفَوَّضٌ (لِإِمَامٍ) ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُؤَذِّنُ إقَامَةَ الصَّلَاةِ (فَبِإِذْنِهِ) - أَيْ: الْإِمَامِ - (يُقِيمُ) تَأَدُّبًا، قَالَ فِي " الْجَامِعِ ": وَيَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ لَا يُقِيمَ حَتَّى يَحْضُرَ الْإِمَامُ، وَيَأْذَنَ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيث عَلِيٍّ " الْإِمَامُ أَمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ " فَقَالَ: الْإِمَامُ يَقَعُ لَهُ الْأَمْرُ، أَوْ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ، فَإِذَا أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ

يُقِيمَ أَقَامَ. انْتَهَى. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَفِيهِ إعْلَامُ الْمُؤَذِّنِ لِلْإِمَامِ بِالصَّلَاةِ وَإِقَامَتِهَا، وَفِيهِمَا قَوْلُ عُمَرَ: «الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ» . (وَ) وَقْتُ (أَذَانٍ) مُفَوَّضٌ (لِمُؤَذِّنٍ) ، فَيُؤَذِّنُ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الْإِمَامُ، (فَيَحْرُمُ أَذَانُ غَيْرِ رَاتِبٍ بِلَا إذْنِهِ أَوْ خَوْفِ فَوْتِ) وَقْتِ التَّأْذِينِ كَالْإِمَامِ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي. وَمَتَى جَاءَ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ وَقَدْ أَذَّنَ غَيْرُهُ قَبْلَهُ أَعَادَ الْأَذَانَ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": اسْتِحْبَابًا. (وَكُرِهَ أَذَانٌ بِرَمَضَانَ قَبْلَ فَجْرٍ ثَانٍ إنْ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَ (لَمْ يُعِدْهُ بَعْدَهُ) ، أَمَّا إنْ عَادَ أَوْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يُؤَذِّنُ أَوَّلَ الْوَقْتِ فَلَا يُكْرَهُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ الْبُخَارِيُّ: «وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» . (وَسُنَّ لِمُؤَذِّنٍ) مُتَابَعَةُ قَوْلِهِ سِرًّا بِمِثْلِهِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَجْرَيْ الْأَذَانِ وَالْمُتَابَعَةِ (وَ) سُنَّ أَيْضًا لِ (مُقِيمِ) الصَّلَاةِ مُتَابَعَةُ قَوْلِهِ سِرًّا كَذَلِكَ (وَ) سُنَّ أَيْضًا لِ (سَامِعِهِمَا) - أَيْ: الْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ - مُتَابَعَةُ قَوْلِهِمَا سِرًّا؛ لِمَا رَوَى عُمَرُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِنَّمَا لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الْحَيْعَلَةِ، لِأَنَّهَا خِطَابٌ فَإِعَادَتُهُ عَبَثٌ بَلْ سَبِيلُهُ

الطَّاعَةُ، وَسُؤَالُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَتَكُونُ الْإِجَابَةُ عَقِبَ كُلِّ جُمْلَةٍ لِلْخَبَرِ. وَالْأَصْلُ فِي اسْتِحْبَابِ إجَابَةِ الْمُقِيمِ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا، وَقَالَ فِي سَائِرِ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ» وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّتْ الْإِجَابَةُ لِلْمُؤَذِّنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَجْرِ الْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ وَالْإِجَابَةِ. وَالْحَيْعَلَةُ: هِيَ قَوْلُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، عَلَى أَخْذِ الْحَاءِ وَالْيَاءِ مِنْ حَيَّ، وَالْعَيْنِ وَاللَّامِ مِنْ عَلَى، كَمَا يُقَالُ: الْحَوْقَلَةُ فِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، عَلَى أَخْذِ الْحَاءِ مِنْ حَوْلَ وَالْقَافِ مِنْ قُوَّةَ، وَاللَّامِ مِنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهَا: كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِمَعُونَتِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: هَذَا أَحْسَنُ مَا جَاءَ فِيهِ. (وَلَوْ) سَمِعَ مُؤَذِّنًا (ثَانِيًا، وَ) مُؤَذِّنًا (ثَالِثًا) حَيْثُ اُسْتُحِبَّ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، فَإِنْ صَلَّى كَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَدْعُوًّا بِهَذَا الْأَذَانِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " (أَوْ) كَانَ السَّامِعُ (فِي طَوَافٍ، أَوْ قِرَاءَةٍ، أَوْ) كَانَ السَّامِعُ (امْرَأَةً) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (أَوْ) كَانَ السَّامِعُ (دَاخِلَ مَسْجِدٍ قَبْلَ) صَلَاةِ (تَحِيَّةٍ مُتَابَعَةُ قَوْلِهِ) - أَيْ: الْمُؤَذِّنِ (سِرًّا بِمِثْلِهِ) ، أَيْ: مِثْلِ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ، أَوْ قَوْلِ الْمُقِيمِ وَ (لَا) تُسَنُّ الْإِجَابَةُ (لِمُصَلٍّ) لِاشْتِغَالِهِ بِالصَّلَاةِ (وَ) لَا لِ (مُتَخَلٍّ) لِاشْتِغَالِهِ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ (وَيَقْضِيَانِهِ) أَيْ: يَقْضِي الْمُصَلِّي وَالْمُتَخَلِّي مَا فَاتَهُمَا إذَا فَرَغَا، وَخَرَجَ الْمُتَخَلِّي - مِنْ الْخَلَاءِ - لِزَوَالِ الْمَانِعِ (فَإِنْ أَجَابَهُ) - أَيْ: الْمُؤَذِّنَ - (مُصَلٍّ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (بِحَيْعَلَةٍ) ، لِأَنَّهُ دُعَاءُ آدَمِيٍّ، وَصَدَقْتَ وَبَرِرْتَ فِي التَّثْوِيبِ، لِأَنَّهُ خِطَابٌ آدَمِيٍّ (فَفِيهَا) - أَيْ: الْحَيْعَلَةِ - (يَقُولُ مُتَابِعٌ: لَا حَوْلَ

وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) لِلْخَبَرِ (وَ) يَقُولُ مُتَابِعٌ (فِي تَثْوِيبٍ) : - وَهُوَ قَوْلُ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ فِي أَذَانِ فَجْرٍ - (صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ) - بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى - (وَ) يَقُولُ (فِي لَفْظِ إقَامَةٍ: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا) لِلْخَبَرِ، وَتَقَدَّمَ (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا فَرَغَ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ) - أَيْ: دَعْوَةَ الْأَذَانِ - (التَّامَّةِ) - لِكَمَالِهَا وَعِظَمِ مَوْقِعِهَا، وَسَلَامَتِهَا مِنْ نَقْصٍ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ يُدْعَى بِهَا إلَى طَاعَتِهِ - (وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ) - أَيْ: الَّتِي سَتَقُومُ وَتُفْعَلُ - (آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ) - مَنْزِلَةً عِنْدَ الْمَلِكِ، وَهِيَ: مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ - (وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ) ، وَهُوَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُ يَحْمَدُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَالْحِكْمَةُ فِي سُؤَالِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُحَقَّقَ الْوُقُوعِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى إظْهَارُ كَرَامَتِهِ، وَعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ مُنَكَّرًا تَأَدُّبًا مَعَ الْقُرْآنِ، فَقَوْلُهُ: الَّذِي وَعَدْتَهُ نُصِبَ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، أَوْ عَلَى إضْمَارِ فِعْلٍ، أَوْ رُفِعَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (ثُمَّ يَدْعُو هُنَا) - أَيْ: بَعْدَ الْأَذَانِ - لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَ) يَدْعُو (عِنْدَ) فَرَاغِ (إقَامَةٍ بِمَا أَحَبَّ) ، فَعَلَهُ أَحْمَدُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ (وَيَقُولُ عِنْدَ أَذَانِ مَغْرِبٍ: «اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ فَاغْفِرْ لِي» ) لِلْخَبَرِ وَيَدْعُو أَيْضًا عِنْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ الْمِنْبَرَ، وَبَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَعِنْدَ

فرع ما يفعله المؤذنون قبل فجر من تسبيح وتهليل

نُزُولِ الْغَيْثِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. (وَحَرُمَ) (خُرُوجُ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ أُذِّنَ لَهَا مَعَ صِحَّتِهَا مِنْهُ إذَنْ (مِنْ مَسْجِدٍ بَعْدَ أَذَانٍ، وَقَبْلَ صَلَاةٍ بِلَا عُذْرٍ، أَوْ نِيَّةِ رُجُوعٍ) إلَى الْمَسْجِدِ، لِخَبَرِ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَهُ الْأَذَانُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (قَالَ: الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إنْ كَانَ التَّأْذِينُ لِفَجْرٍ قَبْلَ وَقْتٍ) أَوْ لِعُذْرٍ أَوْ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ قَبْلَ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ (لَمْ يُكْرَهْ خُرُوجٌ) مِنْ الْمَسْجِدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ (نَصًّا) ، قَالَ: فِي " الْإِنْصَافِ ": الظَّاهِرُ: أَنَّ هَذَا مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ. (وَيَتَّجِهُ مِثْلُهُ) ، أَيْ: مِثْلُ مَنْ خَرَجَ بَعْدَ أَذَانٍ لِلْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِهِ (لَوْ) دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ، فَ (خَرَجَ) مِنْهُ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ (لَكِنْ) إنَّمَا خَرَجَ (لِيُصَلِّيَ جَمَاعَةً بِمَسْجِدٍ آخَرَ) إذْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ، وَالْخُرُوجُ بَعْدَ الْوَقْتِ إمَّا مُحَرَّمٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِمَّا مَكْرُوهٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي الْوَفَاءِ وَأَبِي الْمَعَالِي؛ فَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ الْخُرُوجُ بَعْدَ الْوَقْتِ اسْتِدْرَاكًا لِلْوَاجِبِ (لَا سِيَّمَا مَعَ فَضْلِ إمَامِهِ) ، أَيْ: إمَامِ الْمَسْجِدِ الَّذِي قَصَدَهُ لِفِعْلِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا الِاتِّجَاهُ مُتَّجِهٌ عَلَى الثَّانِي لَا عَلَى الْمَذْهَبِ. [فَرْعٌ مَا يَفْعَلُهُ الْمُؤَذِّنُونَ قَبْلَ فَجْرٍ مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ] (فَرْعٌ: مَا يَفْعَلُهُ الْمُؤَذِّنُونَ قَبْلَ فَجْرٍ مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ وَنَشِيدٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ بِدُعَاءٍ أَوْ قِرَاءَةٍ فَمِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَهْدِ أَصْحَابِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِيمَا كَانَ عَلَى عَهْدِهِمْ يُرَدُّ إلَيْهِ (وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، فَلَا) يَسُوغُ لِأَحَدٍ أَنْ

باب شروط الصلاة

يَأْمُرَ بِهِ، وَلَا يُنْكِرَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ، وَلَا (يُعَلِّقَ اسْتِحْقَاقَ رِزْقٍ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى بِدْعَةٍ، (وَلَا) يَلْزَمُ أَنْ (يَفْعَلَ وَلَوْ شَرَطَهُ وَاقِفٌ) لِمُخَالِفَتِهِ السُّنَّةَ (بَلْ قَالَ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ (ابْنُ الْجَوْزِيِّ) فِي كِتَابِ تَلْبِيسِ إبْلِيسَ ": قَدْ رَأَيْتُ مَنْ يَقُومُ بِلَيْلٍ كَثِيرًا عَلَى الْمَنَارَةِ فَيَعِظُ وَيَذْكُرُ وَيَقْرَأُ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ، و (كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ) ، لِأَنَّهُ (يَمْنَعُ النَّاسَ نَوْمَهُمْ، وَيَخْبِطُ عَلَى الْمُتَهَجِّدِينَ قِرَاءَتَهُمْ) . انْتَهَى. [بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ] (بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ) (مَا) أَيْ: أَشْيَاءُ (تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا) - أَيْ الْأَشْيَاءُ - (صِحَّتُهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - وَكَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودِ، فَإِنَّ صِحَّتَهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شُرُوطِهَا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) يَعْجِزُ بِهِ عَنْ تَحْصِيلِ الشَّرْطِ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ سَقَطَ إلَّا النِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ وَالْعَقْلَ وَالتَّمْيِيزَ، وَدُخُولَ الْوَقْتِ، فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ. وَالشُّرُوطُ: جَمْعُ شَرْطٍ كَفُلُوسِ جَمْعُ فَلْسٍ، وَالشَّرَائِطُ: جَمْعُ شَرِيطَةٍ، كَفَرَائِضَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ وَالْأَشْرَاطُ: جَمْعُ شَرْطٍ كَالْأَقْمَارِ جَمْعُ قَمَرٍ وَهُوَ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18] أَيْ: عَلَامَاتُهَا، وَعُرْفًا: مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ مَعَ عَدَمِهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَهُوَ عَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَلُغَوِيٌّ كَ: إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَشَرْعِيٌّ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ. (وَيَسْتَمِرُّ حُكْمُهَا إلَى انْقِضَائِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَتْ الْأَرْكَانَ، (وَلَيْسَتْ) شُرُوطُ الصَّلَاةِ (مِنْهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - بِخِلَافِ أَرْكَانِهَا (بَلْ تَجِبُ) شُرُوطُ الصَّلَاةِ (لَهَا قَبْلَهَا) فَتَسْبِقُهَا، وَتَسْتَمِرُّ فِيهَا وُجُوبًا إلَى انْقِضَائِهَا. قَالَ الْمُنَقَّحُ: (إلَّا النِّيَّةَ) فَتَكْفِي مُقَارَنَتُهَا لِلتَّحْرِيمَةِ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ (وَلَا تَسْقُطُ) الشُّرُوطُ (عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) .

(وَهِيَ) - أَيْ: شُرُوطُ الصَّلَاةِ - تِسْعَةٌ: (إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ، وَتَمْيِيزٌ) ، وَهَذِهِ شُرُوطٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ غَيْرِ الْحَجِّ فَيَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ، وَيَأْتِي (وَ) الرَّابِعُ: (طَهَارَةٌ مَعَ قُدْرَةٍ) ، لِحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» ، و (الْخَامِسُ: دُخُولُ الْوَقْتِ) لِصَلَاةٍ مُؤَقَّتَةٍ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ هُنَا، وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِالْمَوَاقِيتِ. قَالَ تَعَالَى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دُلُوكُهَا: إذَا فَاءَ الْفَيْءُ، قَالَ عُمَرُ: الصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِهِ، وَهُوَ حَدِيثُ «جِبْرِيلَ حِينَ أَمَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ: هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ» فَإِنْ قِيلَ: الْخَمْسُ لَمْ تَجْتَمِعْ لِغَيْرِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْف قَالَ: هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إنَّمَا هِيَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا كُلُّ فَرْدٍ عَلَى حِدَتِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِهِ، لِمَا وَرَدَ «إنَّ الصُّبْحَ كَانَ لِآدَمَ، وَالظُّهْرَ لِدَاوُدَ، وَالْعَصْرَ لِسُلَيْمَانَ، وَالْمَغْرِبَ لِيَعْقُوبَ، وَالْعِشَاءَ لِيُونُسَ» صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. (وَتَجِبُ) صَلَاةٌ (مَكْتُوبَةٌ بِدُخُولِ أَوَّلِهِ) - أَيْ: الْوَقْتِ - فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِمَعْنَى أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ يَفْعَلُهَا إذَا قَدَرَ، لِأَنَّ الْوَقْتَ سَبَبُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا تُضَافُ إلَيْهِ وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ، وَهُوَ سَبَبُ نَفْسِ الْوُجُوبِ؛ إذْ سَبَبُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ الْخِطَابُ، (وَهُوَ) - أَيْ: الْوَقْتُ - (لِظُهْرٍ) ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الظُّهُورِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي وَسَطِ النَّهَارِ، وَالظُّهْرُ لُغَةً: الْوَقْتُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَشَرْعًا: صَلَاةُ هَذَا الْوَقْتِ (وَهِيَ أُولَى الصَّلَوَاتِ) لِبُدَاءَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا صَلَّى بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْبُدَاءَةِ بِهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ ظَهَرَ أَمْرُهُ، وَسَطَعَ نُورُهُ مِنْ غَيْرِ

خَفَاءٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ بِالْفَجْرِ لَخَتَمَ بِالْعِشَاءِ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَهُوَ وَقْتُ خَفَاءٍ فَلِذَلِكَ خَتَمَ بِالْفَجْرِ، لِأَنَّهُ وَقْتُ ظُهُورٍ، فِيهِ ضَعْفُ إشَارَةٍ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ يَضْعُفُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ (وَتُسَمَّى) أَيْضًا: (الْهَجِيرُ) ، لِفِعْلِهَا فِي وَقْتِ الْهَاجِرَةِ (مِنْ الزَّوَالِ) يَعْنِي: أَنَّ ابْتِدَاءَ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ الزَّوَالِ (وَهُوَ) - أَيْ: الزَّوَالُ (ابْتِدَاءُ طُولِ الظِّلِّ بَعْدَ تَنَاهِي قِصَرِهِ) ، لِأَنَّ الظِّلَّ أَوَّلًا يَكُونُ طَوِيلًا عِنْدَ ابْتِدَاءِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَكُلَّمَا صَعِدَتْ قَصُرَ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهِيَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ فَيَنْتَهِي نُقْصَانُهُ فَإِذَا أَخَذَتْ فِي النُّزُولِ مُغَرِّبَةً طَالَ الظِّلُّ لِابْتِدَاءِ الْمَسَافَةِ، وَمُحَاذَاةِ الْمُنْتَصِبِ قَدَحَهَا، فَهَذَا أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَيَقْصُرُ الظِّلُّ جِدًّا فِي كُلِّ بَلَدٍ بِحَسَبِ وَسَطِ الْفَلَكِ، فَيَقْصُرُ فِي الصَّيْفِ لِارْتِفَاعِهَا إلَى الْجَوِّ، وَيَطُولُ فِي الشِّتَاءِ (لَكِنْ لَا يَقْصُرُ) الظِّلُّ (فِي بَعْضِ بِلَادِ خُرَاسَانَ لِسَيْرِ الشَّمْسِ نَاحِيَتَهُ عَنْهَا) . قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ: فَصَيْفُهَا كَشِتَاءِ غَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ أُنِيطَ الْحُكْمُ بِالزَّوَالِ دُونَ زِيَادَةِ الظِّلِّ (أَوْ) ابْتِدَاءِ (حُدُوثِهِ) - أَيْ: الظِّلِّ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ - (إنْ فُقِدَ) مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي تَحْتَ وَسَطِ قُبَّةِ الْفَلَكِ (كَصَنْعَاءِ الْيَمَنِ) وَمَا وَالَاهَا، فَإِنَّ ظِلَّ الشَّخْصِ هُنَاكَ يَتَدَاخَلُ فِي بُنْيَانِهِ حَالَ قِيَامِ الشَّمْسِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلشَّخْصِ ظِلٌّ، فَيُعْرَفُ الزَّوَالُ هُنَاكَ بِأَنْ يَظْهَرَ لِلشَّخْصِ فَيْءٌ مِنْ نَحْوِ الْمَشْرِقِ، فَيَعْلَمُ أَنَّ الشَّمْسَ زَالَتْ إلَى نَحْوِ الْمَغْرِبِ، وَذَلِكَ (فِي سَابِعَ عَشَرَ حُزَيْرَانَ) بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَيَخْتَلِفُ ظِلُّ) الزَّوَالِ (بِاخْتِلَافِ - شَهْرٍ وَبَلَدٍ) ، فَيَقْصُرُ فِي الصَّيْفِ، وَيَطُولُ فِي الشِّتَاءِ (فَأَقَلُّهُ) - أَيْ: أَقَلُّ ظِلِّ آدَمِيٍّ تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ - (بِإِقْلِيمِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ: قَدَمٌ وَثُلُثٌ) تَقْرِيبًا بِقَدَمِ ذَلِكَ الْآدَمِيِّ (فِي نِصْفِ حُزَيْرَانَ) ، وَسَابِعَ عَشْرَةَ أَطْوَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ (وَقَدَمٌ وَنِصْفٌ وَثُلُثٌ فِي نِصْفِ تَمُّوزَ وَأَيَارَ، وَثَلَاثَةُ) أَقْدَامٍ (فِي نِصْفِ

آبَ وَنِيسَانَ، وَأَرْبَعَةُ) أَقْدَامٍ (وَنِصْفٌ فِي نِصْفِ آذَارَ) - بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - (وَأَيْلُولَ، وَسِتَّةُ) أَقْدَامٍ (فِي نِصْفِ سُبَاطَ) - بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - (وَ) نِصْفِ (تَشْرِينَ الْأَوَّلِ وَتِسْعَةُ) أَقْدَامٍ (فِي نِصْفِ كَانُونَ الثَّانِي وَ) نِصْفِ (تِشْرِينَ الثَّانِي، وَعَشَرَةُ) أَقْدَامٍ (وَسُدُسٌ فِي نِصْفِ كَانُونَ الْأَوَّلِ) ، وَذَلِكَ مُقَارِبٌ لِأَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَأَقْصَرُهَا السَّابِعَ عَشَرَ كَانُونَ الْأَوَّلَ (وَيَكُونُ) الزَّوَالُ (عَلَى أَقَلَّ) مِنْ ذَلِكَ (وَ) عَلَى (أَكْثَرَ) مِنْهُ (فِي غَيْرِ ذَلِكَ) الْوَقْتِ وَالْإِقْلِيمِ، فَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَقِفْ عَلَى مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَعَلِّمْ الْمَوْضِعَ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ ظِلُّكَ، ثُمَّ ضَعْ قَدَمَكَ الْيُمْنَى بَيْنَ يَدَيْ قَدَمِكَ الْيُسْرَى، وَأَلْصِقْ عَقِبَكَ بِإِبْهَامِكَ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِسَاحَتُكَ هَذَا الْقَدْرَ بَعْدَ انْتِهَاءِ النَّقْصِ فَهُوَ وَقْتُ زَوَالِ الشَّمْسِ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ. (وَطُولُ كُلِّ إنْسَانٍ بِقَدَمِهِ: سِتَّةُ) أَقْدَامٍ (وَثُلُثَانِ تَقْرِيبًا) ، وَقَدْ يَنْقُصُ فِي بَعْضِ النَّاسِ يَسِيرًا أَوْ يَزِيدُ يَسِيرًا. (وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا) - أَيْ: الظُّهْرِ - (مِنْ الزَّوَالِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ) ، فَإِذَا ضَبَطْت الظَّلَّ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَبَلَغَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ قَدْرَ الشَّاخِصِ فَقَدْ انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ (وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا) - أَيْ: الظُّهْرِ - لِحَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْأُولَى حِينَ تُدْحَضُ الشَّمْسُ» وَقَالَ جَابِرٌ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (إلَّا) لِمُتَيَمِّمٍ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ، وَإِلَّا (مَعَ شِدَّةِ حَرٍّ فَيُسَنُّ تَأْخِيرُ) الصَّلَاةِ (حَتَّى يَنْكَسِرَ) الْحَرُّ، (وَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ) صَلَّى (بِبَيْتِهِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ

«أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ» وَفَيْحُهَا: هُوَ غَلَيَانُهَا، وَانْتِشَارُ لَهَبِهَا وَوَهَجِهَا. لَا يُقَالُ: تَرَكَ الْوَاجِبَ لِأَجْلِ السُّنَّةِ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، كَمُدَافِعِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ. (وَ) إلَّا (مَعَ غَيْمٍ لِمُصَلٍّ جَمَاعَةً فَيُسَنُّ) لَهُ تَأْخِيرُهَا (لِقُرْبِ وَقْتِ عَصْرٍ) طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ فِيهِ الْعَوَارِضَ مِنْ مَطَرٍ وَرِيحٍ فَيَشُقُّ الْخُرُوجُ بِتَكَرُّرِهِ، فَاسْتُحِبَّ تَأْخِيرُ الْأُولَى لِيَقْرَبَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ، فَيَخْرُجَ لَهُمَا خُرُوجًا وَاحِدًا (غَيْرَ جُمُعَةٍ فَيُسَنُّ تَعْجِيلُهَا بِزَوَالٍ مُطْلَقًا) ، أَيْ: فِي الْحَرِّ وَالْغَيْمِ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ " مَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ. " وَقَوْلِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: «كُنَّا نَجْمَعُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (وَتَأْخِيرُهَا) - أَيْ: الظُّهْرِ - (لِمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ) كَعَبْدٍ (أَوْ) لِمَنْ (يَرْمِي الْجَمَرَاتِ حَتَّى يُفْعَلَا) - أَيْ: تُصَلَّى الْجُمُعَةُ، وَتُرْمَى الْجَمَرَاتُ - (أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهَا قَبْلَهُمَا لِمَا يَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ. (ثُمَّ يَلِيهِ) - أَيْ: وَقْتَ الظُّهْرِ - (الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلْعَصْرِ) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا اشْتِرَاكٍ وَالْعَصْرُ: الْعَشِيُّ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْعَصْرَانِ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْعَصْرُ وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ مِثْلَهُ، تَقُولُ: فُلَانٌ يَأْتِي فُلَانًا الْعَصْرَيْنِ وَالْبَرْدَيْنِ: إذَا كَانَ يَأْتِيهِ طَرَفَيْ النَّهَارِ، فَكَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِ وَقْتِهَا. (وَهِيَ) - أَيْ: الْعَصْرُ - الصَّلَاةُ (الْوُسْطَى) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْهُ وَلَا عَنْهُمْ فِيهَا خِلَافًا. انْتَهَى. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ» وَلِمُسْلِمٍ «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّلَاةُ الْوُسْطَى: صَلَاةُ الْعَصْرِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَالْوُسْطَى

مُؤَنَّثُ الْأَوْسَطِ، وَهُوَ وَالْوَسَطُ: الْخِيَارُ «وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مِنْ أَوْسَطِ قَوْمِهِ» أَيْ: خِيَارِهِمْ، وَلَيْسَتْ بِمَعْنَى مُتَوَسِّطَةٍ لِكَوْنِ الظُّهْرِ هِيَ الْأُولَى، بَلْ بِمَعْنَى الْفُضْلَى. (وَيَمْتَدُّ) الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلْعَصْرِ (حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ) ، أَيْ: ظِلِّ الشَّاخِصِ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ إنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبَ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ: الْخِرَقِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ وَ " التَّلْخِيصُ " وَ " الْبُلْغَةُ " وَ " الْإِفَادَاتُ " وَ " نَظْمُ النِّهَايَةِ " وَ " الْمُحَرَّرُ " وَ " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْحَاوِيَيْنِ " وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ رَزِينٍ وَ " الْفَائِقُ " وَ " الْفُرُوعُ " وَ " إدْرَاكُ الْغَايَةِ " وَ " تَجْرِيدُ الْعِنَايَةِ " وَصَحَّحَهُ فِي " الْمَذْهَبِ " وَالنَّظْمِ "؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَقَالَ: الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ " (ثُمَّ هُوَ) - أَيْ: الْوَقْتُ - بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ (وَقْتُ ضَرُورَةٍ إلَى الْغُرُوبِ) - مَصْدَرُ غَرَبَتْ الشَّمْسُ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا - فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِيهَا أَدَاءً، لِحَدِيثِ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ إلَّا بِالْإِثْمِ وَعَدَمِهِ، فَيَحْرُمُ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ. (وَعَنْهُ) - أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ - هُوَ (وَقْتُ اخْتِيَارٍ إلَى اصْفِرَارِ شَمْسٍ، اخْتَارَهُ) - أَيْ: هَذَا الْقَوْلَ - (الشَّيْخَانِ) : الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ (وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ: ابْنُ عَبْدُوسٍ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُنْتَخَبِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتُ ضَرُورَةٍ إلَى غُرُوبِهَا فَتَقَعُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَدَاءً وَيَأْثَمُ فَاعِلُهَا بِالتَّأْخِيرِ إلَيْهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ (وَتَعْجِيلُهَا

أَفْضَلُ مَعَ حَرٍّ أَوْ غَيْمٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا لِلْإِخْبَارِ. (وَسُنَّ جُلُوسُهُ بَعْدَهَا) - أَيْ: الْعَصْرِ - (فِي مُصَلَّاهُ لِغُرُوبِ) شَمْسٍ (وَبَعْدَ فَجْرٍ لِطُلُوعِ شَمْسٍ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْعُدُ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (وَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ) نَصَّ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ. (ثُمَّ يَلِيهِ) ، أَيْ: يَلِي وَقْتَ الضَّرُورَةِ لِلْعَصْرِ (وَقْتُ مَغْرِبٍ) ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ: مَصْدَرُ غَرَبَتْ الشَّمْسُ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا، غُرُوبًا وَمَغْرِبًا، وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ وَمَكَانِهِ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ بِاسْمِ وَقْتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَهِيَ الْوِتْرُ) أَيْ: وِتْرُ النَّهَارِ لِاتِّصَالِهَا بِهِ، فَكَأَنَّهَا فُعِلَتْ فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْوِتْرَ الْمَشْهُورَ بَلْ إنَّهَا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ (وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعِشَاءِ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَ) تَسْمِيَتُهَا (بِمَغْرِبٍ أَوْلَى) ، قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: الْأَفْضَلُ تَسْمِيَتُهَا بِالْمَغْرِبِ (وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا لِمَغِيبِ شَفَقٍ أَحْمَرَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «وَقْتُ الْمَغْرِبِ: مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَيْضًا «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ، فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتْ الْعِشَاءُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (وَكُرِهَ تَأْخِيرُهَا لِظُهُورِ نُجُومٍ) . قَالَ الْآجُرِّيُّ: مَنْ أَخَّرَ حَتَّى يَبْدُوَ النَّجْمُ أَخْطَأَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ: وَقْتَ فَضِيلَةٍ، وَوَقْتَ جَوَازٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ (وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا) إجْمَاعًا، لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ» وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. (إلَّا لَيْلَةَ جَمْعٍ) ، أَيْ: مُزْدَلِفَةَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، وَهِيَ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ (لِمُحْرِمٍ) يُبَاحُ لَهُ الْجَمْعُ (قَصَدَ مُزْدَلِفَةَ) . قَالَ فِي

الْفُرُوعِ ": إجْمَاعًا (إنْ لَمْ يُوَافِهَا) - أَيْ مُزْدَلِفَةَ - (وَقْتَ غُرُوبٍ) ، فَإِنْ وَافَاهَا وَقْتُ غُرُوبِهَا صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا، وَلَا يُؤَخِّرُهَا، وَإِلَّا (فِي غَيْمٍ لِمُصَلٍّ جَمَاعَةً) فَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِقُرْبِ وَقْتِ الْعِشَاءِ (وَ) إلَّا (فِي جَمْعِ) تَأْخِيرٍ (إنْ كَانَ) التَّأْخِيرُ (أَرْفَقَ) لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ. (ثُمَّ يَلِيهِ) - أَيْ: وَقْتَ الْمَغْرِبِ - (الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلْعِشَاءِ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ: اسْمٌ لِأَوَّلِ الظَّلَّامِ، سُمِّيَتْ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِيهِ، وَيُقَالُ لَهَا: الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ، وَأَنْكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَغَلَّطُوهُ فِي إنْكَارِهِ. (وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْعَتَمَةُ فِي اللُّغَةِ: شِدَّةُ الظُّلْمَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُسَمَّى الْعِشَاءَ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَكُرِهَ نَوْمٌ قَبْلَهَا) وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُوقِظُهُ (وَحَدِيثٌ بَعْدَهَا) ، لِحَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ تُؤَخَّرَ الْعِشَاءُ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَلَّلَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا، وَهَذَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ (غَيْرَ) حَدِيثٍ (يَسِيرٍ أَوْ لِشُغْلٍ وَأَهْلٍ وَضَيْفٍ) ، أَوْ فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ خَيْرٌ نَاجِزٌ، فَلَا يُتْرَكُ لِتَوَهُّمِ مَفْسَدَةٍ. وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ (إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) الْأَوَّلِ، هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ «لِأَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَعَنْهُ) - أَيْ: الْإِمَامَ أَحْمَدُ - يَمْتَدُّ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ إلَى (نِصْفِهِ) - أَيْ: اللَّيْلِ - (اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ) : الْمُوَفَّقُ

وَالْمَجْدُ (وَجَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُمَا، لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: أَلَا صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَصَلَاتُهَا) - أَيْ: الْعِشَاءِ - (آخِرَ الثُّلُثِ) الْأَوَّلِ مِنْ اللَّيْلِ (أَفْضَلُ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (مَا لَمْ يُؤَخِّرْ الْمَغْرِبَ) حَيْثُ جَازَ تَأْخِيرُهَا لِنَحْوِ جَمْعٍ، فَتُقَدَّمُ الْعِشَاءُ (وَيُكْرَهُ) التَّأْخِيرُ (إنْ شَقَّ وَلَوْ عَلَى بَعْضِ مَأْمُومِينَ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ رِفْقًا بِالْمَأْمُومِينَ» (ثُمَّ هُوَ) - أَيْ: الْوَقْتُ - بَعْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ (وَقْتُ ضَرُورَةٍ لِطُلُوعِ فَجْرٍ ثَانٍ) ، لِحَدِيثِ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةً إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلْوِتْرِ، وَهُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْعِشَاءِ. (وَهُوَ) ، أَيْ: الْفَجْرُ الثَّانِي: الْمُسْتَطِيلُ (الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ بِالْمَشْرِقِ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ) ، وَيُقَالُ لَهُ: الْفَجْرُ الصَّادِقُ، (وَ) الْفَجْرُ (الْأَوَّلُ) - وَيُقَالُ لَهُ: الْكَاذِبُ - (مُسْتَطِيلٌ) بِلَا اعْتِرَاضٍ (أَزْرَقُ لَهُ شُعَاعٌ، ثُمَّ يُظْلِمُ) ، وَلِدِقَّتِهِ يُسَمَّى: ذَنَبَ السِّرْحَانِ، وَهُوَ: الذِّئْبُ. (ثُمَّ يَلِيهِ) - أَيْ: وَقْتَ الضَّرُورَةِ لِلْعِشَاءِ - (وَقْتُ فَجْرٍ) سُمِّيَ بِهِ لِانْفِجَارِ الصُّبْحِ، وَهُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ إذَا انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ كَالشَّفَقِ فِي أَوَّلِهِ، تَقُولُ: قَدْ أَفْجَرْنَا كَمَا تَقُولُ: قَدْ أَصْبَحْنَا مِنْ الصُّبْحِ: مُثَلَّثُ الصَّادِ، حَكَاهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَهُوَ مَا جَمَعَ بَيَاضًا وَحُمْرَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَجْهٌ صَبِيحٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ. وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْفَجْرِ (لِطُلُوعِ شَمْسٍ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

قَالَ: «وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَتُسَمَّى: الصُّبْحُ، وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْغَدَاةِ) ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": فِي الْأَصَحِّ، وَهِيَ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ نَصَّ عَلَيْهِ (وَتَعْجِيلُهَا) أَوَّلَ الْوَقْتِ (أَفْضَلُ وَلَوْ قَلَّ الْجَمْعُ) فِي أَوَّلِهِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَلَّسَ بِالصُّبْحِ ثُمَّ أَسْفَرَ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْفَارِ حَتَّى مَاتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُغْلِسُونَ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ، وَهُمْ النِّهَايَةُ فِي إتْيَانِ الْفَضَائِلِ، وَحَدِيثُ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» رَوَاهُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ. حَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّ مَعْنَى الْإِسْفَارِ أَنْ يُضِيءَ الْفَجْرُ فَلَا يُشَكُّ فِيهِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ، أَيْ: أَضَاءَ قَالَ: أَسْفَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا إذَا كَشَفَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ. (وَكُرِهَ حَدِيثٌ بَعْدَهَا) - أَيْ: صَلَاةِ الْفَجْرِ - (بِأَمْرِ دُنْيَا حَتَّى تَطْلُعَ شَمْسٌ) ، وَيَأْتِيَ لَهُ تَتِمَّةٌ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ يَتْبَعُ النَّهَارَ، فَيَكُونُ فِي الصَّيْفِ أَطْوَلَ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ يَتْبَعُ اللَّيْلَ فَيَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلَ؛ لِأَنَّ النُّورَيْنِ تَابِعَانِ لِلشَّمْسِ، هَذَا يَتَقَدَّمُهَا، وَهَذَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا، فَإِنْ كَانَ الشِّتَاءُ طَالَ زَمَنُ مَغِيبِهَا، فَيَطُولُ زَمَنُ الضَّوْءِ التَّابِعِ لَهَا، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ طَالَ زَمَنُ ظُهُورِهَا فَيَطُولُ زَمَنُ النُّورِ التَّابِعِ لَهَا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ

الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. (وَتَأْخِيرُ الْكُلِّ مَعَ أَمْنِ فَوْتٍ لِمُصَلِّي كُسُوفٍ وَمَعْذُورٍ، كَحَاقِنٍ وَتَائِقٍ) حَتَّى يُزِيلَ ذَلِكَ إنْ أُمِنَ فَوْتُهَا (أَفْضَلُ) لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ (وَلَوْ أَمَرَهُ بِهِ) - أَيْ: بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ - (وَالِدُهُ لِيُصَلِّيَ بِهِ أَخَّرَ) نَصًّا إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ الْجَائِزِ فِعْلُهَا فِيهِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُهَا. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ تَأْخِيرَ مَنْ أَمَرَهُ وَالِدُهُ الصَّلَاةَ اسْتِحْبَابًا (لَا وُجُوبًا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ) ، وَهُوَ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " فَإِنَّهُ اسْتَظْهَرَ فِي شَرْحِهِ وُجُوبَ التَّأْخِيرِ لِطَاعَةِ وَالِدِهِ، وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِيهِ. (وَ) يُؤْخَذُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَنَّهُ (لَا يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ أَبَاهُ) ، لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ تُنَافِي مَا طُلُبَ فِعْلَهُ شَرْعًا. (وَيَجِبُ) (تَأْخِيرٌ) إلَى أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْ وَاجِبَ ذِكْرٍ (لِتَعَلُّمِ فَاتِحَةٍ، وَذِكْرٍ وَاجِبٍ) فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ تَامَّةً مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ بِالتَّأْخِيرِ (وَ) يَجِبُ تَأْخِيرُهَا كَذَلِكَ (لِذِي سَلَسٍ اُعْتِيدَ انْقِطَاعُهُ آخِرَهُ) - أَيْ: الْوَقْتِ - (وَيَجِبُ تَعْجِيلُ) الصَّلَاةِ (لِمَنْ ظَنَّ مَانِعًا) عَنْ فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ (كَمَوْتٍ وَقَتْلٍ وَحَيْضٍ كَمَا هُوَ) فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. (وَتَحْصُلُ فَضِيلَةُ تَعْجِيلِ) الصَّلَاةِ (بِتَأَهُّبٍ) لَهَا (أَوَّلِ وَقْتٍ) بِأَنْ يَشْتَغِلَ بِالطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ دُخُولِهِ، لِأَنَّهُ لَا إعْرَاضَ مِنْهُ. (وَيُقَدَّرُ لِلصَّلَاةِ أَيَّامَ الدَّجَّالِ) الطِّوَالَ (قَدْرَ) الزَّمَنِ (الْمُعْتَادِ) ، فَيُقَدَّرُ لِلصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ بِقَدْرِ مَا كَانَ فِي الْأَيَّامِ الْمُعْتَادَةِ، لَا أَنَّهُ لِلظُّهْرِ مَثَلًا بِالزَّوَالِ، وَانْتِصَافِ النَّهَارِ، وَلَا لِلْعَصْرِ بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ،

بَلْ يُقَدَّرُ الْوَقْتُ بِزَمَنٍ يُسَاوِي الزَّمَنَ الَّذِي كَانَ فِي الْأَيَّامِ الْمُعْتَادَةِ. قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: أَشَارَ إلَى ذَلِكَ - يَعْنِي: الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ، (مِنْ نَحْوِ لَيْلٍ وَشِتَاءٍ) فَاللَّيْلَةُ فِي ذَلِكَ كَالْيَوْمِ، فَإِذَا كَانَ الطُّولُ يَحْصُلُ فِي اللَّيْلِ كَانَ لِلصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ مَا يَكُونُ لَهَا فِي النَّهَارِ. (وَيَتَّجِهُ حَجٌّ وَصَوْمٌ وَزَكَاةٌ وَعِدَّةٌ) ، أَيْ: فَيُقَدِّرُ أَيَّامًا لِلْحَجِّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَيَصُومُ فِيهِ وَيُزَكِّي مَالَهُ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يُقَدَّرُ لِمُعْتَدَّةٍ صَغِيرَةٍ وَآيِسَةٍ وَمُتَوَفًّى عَنْهَا، بِخِلَافِ حَامِلٍ وَذَاتِ أَقْرَاءٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَأَيَّامُهُ) - أَيْ: الدَّجَّالِ -: (أَرْبَعُونَ) يَوْمًا، مِنْهَا (يَوْمٌ كَسَنَةٍ) ، فَيُصَلِّي فِيهِ صَلَاةَ سَنَةٍ (وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ) ، فَيُصَلِّي فِيهِ صَلَاةَ شَهْرٍ (وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ) فَيُصَلِّي فِيهِ صَلَاةَ جُمُعَةٍ (وَالْبَاقِي) مِنْ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِنَا هَذِهِ، كَمَا وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ.

فصل يدرك الصلاة وقت بتكبيرة إحرام

[فَصْلٌ يُدْرَكُ الصَّلَاة وَقْتٌ بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ] (فَصْلٌ) (يُدْرَكُ وَقْتٌ بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) فِي وَقْتِ مَكْتُوبَةٍ سَوَاءٌ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ كَحَائِضٍ تَطْهُرُ، وَمَجْنُونٍ يُعْتَقُ أَوْ لِغَيْرِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَوْ مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ. فَلِيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ (فَتَقَعُ كُلُّهَا أَدَاءً، وَلَوْ) كَانَتْ الْمَكْتُوبَةُ (جُمُعَةً) ، وَأَدْرَكَ مِنْهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فِي وَقْتِهَا فَقَدْ أَدْرَكَهَا أَدَاءً كَبَاقِي الْمَكْتُوبَاتِ (أَوْ) كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي كَبَّرَ فِيهِ لِلْإِحْرَامِ (آخِرَ وَقْتِ ثَانِيَةٍ فِي جَمْعٍ) ، فَتَكُونُ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا فِيهِ أَدَاءً، كَمَا لَوْ لَمْ يَجْمَعْ، (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا (بِخُرُوجِهِ) - أَيْ: وَقْتِهَا - (وَهُوَ فِيهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - فَيُتِمُّهَا أَدَاءً (وَلَوْ) كَانَ (أَخَّرَهَا عَمْدًا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، (وَ) قَالَ الْمَجْدُ: (مَعْنَى)

إدْرَاكِ (أَدَائِهَا) بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (بِنَاءً مَا خَرَجَ) مِنْهَا (عَنْ وَقْتِهَا عَلَى تَحْرِيمَةِ الْأَدَاءَ) فِي الْوَقْتِ، وَأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بَلْ تَقَعُ الْمَوْقِعَ فِي الصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ، وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ " وَابْنُ عُبَيْدَانَ. (وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ) فَلَمْ يَدْرِ أَدَخَلَ أَوْ لَا؟ (وَلَا تُمْكِنُهُ مُشَاهَدَةُ) مَا يُعْرَفُ بِهِ الْوَقْتُ لِعَمًى أَوْ مَانِعٍ مَا، (وَلَا مُخْبِرَ عَنْ يَقِينٍ) بِدُخُولِ الْوَقْتِ: (صَلَّى إذَا ظَنَّ دُخُولَهُ) - أَيْ: الْوَقْتِ - بِدَلِيلٍ مِنْ اجْتِهَادٍ، أَوْ تَقْدِيرِ الزَّمَنِ بِصَنْعَةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ فَاكْتَفَى بِهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَغَيْرِهِ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَ الْوَقْتِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. (لَا إنْ شَكَّ) فِي دُخُولِ الْوَقْتِ فَلَا يُصَلِّي حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ دُخُولِهِ، فَإِنْ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ وَافَقَ الْوَقْتَ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ، كَمَا لَوْ صَلَّى مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ. (وَيُعِيدُ إنْ) اجْتَهَدَ، وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ (أَخْطَأَ ظَنُّهُ) الْوَقْتَ فَصَلَّى قَبْلَهُ، لِوُقُوعِهَا نَفْلًا وَبَقَاءِ فَرْضِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُعِيدُ إنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ أَصَابَ الْوَقْتَ، أَيْ: صَلَّى فِيهِ (أَوْ) أَصَابَ (مَا بَعْدَهُ) ، أَيْ: الْوَقْتِ وَمَضَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصِّحَّةِ لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا (وَلَوْ نَوَى إنْ كَانَ دَخَلَ الْوَقْتُ فَ) هَذِهِ الصَّلَاةُ (فَرْضٌ وَإِلَّا) يَكُنْ دَخَلَ الْوَقْتُ (فَ) هِيَ (نَفْلٌ لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ (وَالْأَوْلَى تَأْخِيرُ) الصَّلَاةِ (احْتِيَاطًا) حَتَّى يُتَيَقَّنَ دُخُولُ الْوَقْتِ، وَيَزُولَ الشَّكُّ (إلَّا أَنْ يَخْشَى خُرُوجَ وَقْتٍ) ، أَوْ (إلَّا) فِي وَقْتِ (غَيْمٍ) لِصَلَاةِ (عَصْرٍ فَيُسَنُّ تَبْكِيرٌ) ، لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةٍ فَقَالَ: بَكِّرُوا لِصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْغَيْمِ فَإِنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَمَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: التَّبْكِيرُ بِهَا إذَا حَلَّ فِعْلُهَا لِيَقِينٍ أَوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ ضَيِّقٌ

فَنَخْشَى خُرُوجَهُ، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ حَتَّى يُتَيَقَّنَ دُخُولُ الْوَقْتِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. (وَيُعِيدُ أَعْمَى عَاجِزٌ) عَنْ مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ (عَدِمَ مُقَلَّدًا) - أَيْ: مَنْ يُقَلِّدُهُ - (وَلَوْ أَصَابَ) ، لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ، وَلَمْ يُوجَدْ (وَيَتَّجِهُ إلَّا) إذَا صَلَّى الْأَعْمَى الْعَاجِزُ عَنْ مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ، وَهُوَ فِي (سَفَرٍ مَعَ تَحَرٍّ فَلَا) يُعِيدُ، مَنْ اجْتَهَدَ فِي (قِبْلَةٍ) وَصَلَّى، ثُمَّ ظَهَرَ خَطَؤُهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُعْمَلُ بِأَذَانٍ وَإِخْبَارِ ثِقَةٍ عَارِفٍ) بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ بِالسَّاعَاتِ، لِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِهِ لَمْ تَحْصُلْ فَائِدَتُهُ، وَلَمْ تَزَلْ النَّاسُ يَعْمَلُونَ بِالْأَذَانِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَكَذَا يَعْمَلُ بِأَذَانِهِ إذَا كَانَ يُقَلِّدُ عَارِفًا، قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَفِي " الْمُبْدِعِ " يُعْمَلُ بِالْأَذَانِ بِدَارِنَا، وَكَذَا بِدَارِ الْحَرْبِ إنْ عُلِمَ إسْلَامُهُ (وَلَا) يُعْمَلُ بِإِخْبَارِهِ (عَنْ ظَنٍّ) بَلْ يَجْتَهِدُ مَرِيدُ الصَّلَاةِ حَيْثُ أَمْكَنَهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ عَمِلَ بِقَوْلِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (كَمَا) لَوْ سَمِعَ الْأَذَانَ (فِي غَيْمٍ، فَإِنْ كَانَ) الْمُؤَذِّنُ أَذَّنَ (عَنْ اجْتِهَادٍ) فَلَا يَقْبَلُهُ إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ (وَاجْتَهَدَ هُوَ) - أَيْ: مَرِيدُ الصَّلَاةِ - إنْ قَدَرَ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى

الْعَمَلِ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ (وَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ يَعْرِفُ الْوَقْتَ بِسَاعَاتٍ) ، وَهُوَ الْعَالِمُ بِالتَّسْيِيرِ وَالسَّاعَاتِ وَالدَّقَائِقِ وَالزَّوَالِ (أَوْ) كَانَ يُؤَذِّنُ (بِتَقْلِيدِ عَارِفٍ بِالسَّاعَاتِ) عَمِلَ بِهِ - أَيْ: بِأَذَانِهِ - إنْ كَانَ ثِقَةً فِي الْغَيْمِ وَغَيْرِهِ (وَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ) مَكْتُوبَةٍ (بِقَدْرِ) تَكْبِيرَةِ (إحْرَامٍ) كَمَا لَوْ زَالَتْ الشَّمْسُ (ثُمَّ) بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ تَكْبِيرَةٍ فَأَكْثَرَ (طَرَأَ مَانِعٌ) مِنْ الصَّلَاةِ (بِجُنُونٍ وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَرِدَّةٍ) ، ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ: (قُضِيَتْ) تِلْكَ الصَّلَاةُ الَّتِي أَدْرَكَ وَقْتَهَا، لِوُجُوبِهَا بِدُخُولِهِ عَلَى مُكَلَّفٍ لَا مَانِعَ بِهِ وُجُوبًا مُسْتَقِرًّا، فَإِذَا قَامَ بِهِ مَانِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُسْقِطْهَا فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا عِنْدَ زَوَالِهِ (فَقَطْ) ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا بَعْدَهَا، وَلَوْ جَمَعَ إلَيْهَا (وَإِنْ طَرَأَ) عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ (تَكْلِيفٌ كَبُلُوغِ) صَغِيرٍ (وَعَقْلِ) مَجْنُونٍ (وَزَوَالِ حَيْضٍ، وَ) رُجُوعٍ عَنْ (رِدَّةٍ وَقَدْ بَقِيَ) مِنْ وَقْتِ مَكْتُوبَةٍ (بِقَدْرِهَا) - أَيْ: التَّكْبِيرَةِ - (قُضِيَتْ) تِلْكَ الصَّلَاةُ (مَعَ مَجْمُوعَةٍ إلَيْهَا) قَبْلَهَا، فَلَوْ طَرَأَ ذَلِكَ (قَبْلَ غُرُوبِ) شَمْسٍ (تُقْضَى ظُهْرٌ وَعَصْرٌ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُمَا تُجْمَعَانِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا (وَ) لَوْ كَانَ طَرَيَانُهُ (قَبْلَ طُلُوعِ) شَمْسٍ (تُقْضَى فَجْرٌ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا لَا تُجْمَعُ إلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرٍ؛ لَزِمَ قَضَاءُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْحَائِضِ " تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ " فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتُ الْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَ قَضَاءُ فَرْضِهَا، كَمَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ، لِأَنَّهُ إدْرَاكِيٌّ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ كَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الرَّكْعَةُ فِي الْجُمُعَةِ لِلْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا فَاعْتُبِرَ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ لِئَلَّا يَفُوتَ فِي مُعْظَمُهَا.

فصل قضاء مكتوبة فائتة من الخمس مرتبا

[فَصْلٌ قَضَاءُ مَكْتُوبَةٍ فَائِتَةٍ مِنْ الْخَمْسِ مُرَتَّبًا] (فَصْلٌ) (وَيَجِبُ) عَلَى مُكَلَّفٍ لَا مَانِعَ بِهِ (قَضَاءُ مَكْتُوبَةٍ فَائِتَةٍ) مِنْ الْخَمْسِ (مُرَتَّبًا) نَصًّا لِحَدِيثِ أَحْمَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْأَحْزَابِ صَلَّى الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتَهَا، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ وَقَدْ قَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَكَالْمَجْمُوعَتَيْنِ. (وَلَوْ كَثُرَتْ) الْفَوَائِتُ كَمَا لَوْ قَلَّتْ، فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ كَتَرْتِيبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ (إلَّا إذَا خَشِيَ فَوَاتَ) صَلَاةٍ (حَاضِرَةٍ، وَلَوْ) كَانَ مَا خَشِيَ فَوَاتَهُ (بَعْضَهَا) فَيُقَدِّمُهَا؛ لِأَنَّهَا آكَدُ، وَتَرْكُ التَّرْتِيبِ أَيْسَرُ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ (أَوْ) إلَّا إذَا خَشِيَ (خُرُوجَ وَقْتِ اخْتِيَارٍ) لِصَلَاةٍ ذَاتِ وَقْتَيْنِ (فَيَجِبُ تَقْدِيمُ حَاضِرَةٍ) فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ. (وَتَصِحُّ فَائِتَةُ إذْنٍ) ، أَيْ: مَعَ خَشْيَةِ فَوَاتِ الْوَقْتِ نَصًّا (وَلَا) يَصِحُّ (نَفْلٌ) عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ (وَلَوْ) كَانَ النَّفَلُ (رَاتِبَةً) ، لِتَحْرِيمِهَا كَأَوْقَاتِ النَّهْي (أَوْ) إلَّا إذَا (نَسِيَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ فَوَائِتَ حَالَ قَضَائِهَا) : بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرٌ وَعَصْرٌ مَثَلًا، فَنَسِيَ الظُّهْرَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْعَصْرِ سَقَطَ وُجُوبُهُ بِالنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَارَةَ عَلَى الْمَنْسِيَّةِ تُعْلَمُ بِهَا فَجَازَ أَنْ يُؤْثِرَ فِيهَا النِّسْيَانَ كَالصَّائِمِ، بِخِلَافِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ مَعَ النِّسْيَانِ (أَوْ) إلَّا إذَا نَسِيَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ (حَاضِرَةٍ وَفَائِتَةٍ حَتَّى فَرَغَ) مِنْ الْحَاضِرَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا نَصًّا، وَأُمًّا حَدِيثُ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْأَحْزَابِ» السَّابِقُ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ذَكَرَهَا فِي الصَّلَاةِ (أَوْ) إلَّا إذَا (اعْتَقَدَ) حَالَ قَضَائِهَا (أَنْ

لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ) ، ثُمَّ بَانَ بِخِلَافِ اعْتِقَادِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا (فَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ الْفَجْرَ) جَاهِلًا وُجُوبَ التَّرْتِيبِ (ثُمَّ) صَلَّى (الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا صَحَّتْ عَصْرُهُ) مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ ظُهْرِهِ (لِاعْتِقَادِهِ) حَالَ صَلَاةِ الْعَصْرِ (أَنْ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ، كَمَنْ صَلَّاهَا) - أَيْ: الْعَصْرَ - (ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا وُضُوءٍ) ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ تَرَكَ مِنْهُ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا آخَرَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّاسِي. وَلَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ (إنْ جُهِلَ وُجُوبُهُ) ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّعَلُّمِ فَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ لِتَقْصِيرِهِ، بِخِلَافِ النَّاسِي (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ إنْ (خَشِيَ فَوْتَ جَمَاعَةٍ) بَلْ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ، ثُمَّ الْحَاضِرَةَ وَلَوْ وَحْدَهُ، وَيَسْقُطُ وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ لِلْعُذْرِ (وَعَنْهُ) - أَيْ: الْإِمَامِ - (يَسْقُطُ) التَّرْتِيبُ (بِخَوْفِ فَوْتِهَا) - أَيْ: الْجَمَاعَةِ - (اخْتَارَهُ جَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ " الْحَاوِيَيْنِ " وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " (لَكِنْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْجُمُعَةِ) فِي الْأَصَحِّ إنْ خَشِيَ فَوْتَهَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالْفَائِتَةِ فَتُتْرَكُ فَجْرُ فَائِتَةٍ لِخَوْفِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ، إذْ خَوْفُ فَوْتِ الْجُمُعَةِ كَضِيقِ الْوَقْتِ فِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ قَبْلَ الْقَضَاءِ (وَيَتَّجِهُ) سُقُوطُ التَّرْتِيبِ عَنْهُ (فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا جَاهِلًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا؛ فَلَوْ أَمَّ جَمَاعَةً فَذَكَرَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا أَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتَ مَضَى فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَا يَقْطَعُهَا (حَيْثُ خَافَ إمَامٌ بِقَطْعِهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (ضَرَرًا) ، فَإِنْ أَمِنَ الضَّرَرَ، وَكَانَ الْوَقْتُ مُتَّسَعًا قَطَعَهَا كَمَا يَأْتِي وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيَجِبُ) قَضَاءُ فَائِتَةٍ فَأَكْثَرَ (فَوْرًا) ، لِحَدِيثِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلِيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مَا لَمْ يَنْضَرَّ فِي بَدَنِهِ) بِضَعْفِهِ (أَوْ) مَا لَمْ يَنْضَرَّ فِي (مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا) لَهُ أَوْ لِعِيَالِهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ. (أَوْ) مَا لَمْ (يَحْضُرْ لِصَلَاةِ عِيدٍ) فَيُكْرَهُ لَهُ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ بِمَوْضِعِهَا لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ (وَلَا يَصِحُّ نَفْلٌ مُطْلَقٌ إذَنْ) ، أَيْ: حَيْثُ جَازَ التَّأْخِيرُ لِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، كَصَوْمِ نَفْلٍ مِمَّنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ (لِتَحْرِيمِهِ، كَ) مَا لَا يَصِحُّ فِي (أَوْقَاتِ نَهْيٍ) لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لِلْفَائِتَةِ، وَكَمَا لَوْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ (وَتَصِحُّ رَوَاتِبُ) وَوِتْرٌ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ الْفَرَائِضَ فَلَهَا شَبَهٌ بِهَا (وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءٍ لِفَرْضٍ صَحِيحٍ، كَانْتِظَارِ رُفْقَةٍ أَوْ) انْتِظَارِ (جَمَاعَةٍ لَهَا) ، أَيْ: الْفَائِتَةِ «لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بِأَصْحَابِهِ لَمَّا فَاتَتْهُمْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، وَتَحَوَّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، فَصَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ فَرَغَ مِنْ الْوُضُوءِ قَبْلَ غَيْرِهِ، فَإِنْ قَلَّتْ الْفَوَائِتُ قَضَى سُنَنَهَا الرَّوَاتِبَ مَعَهَا «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَضَى الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بَيْنَهَا سُنَّةً» وَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ فَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَوْلَى، إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ فَيَقْضِيهَا، وَلَوْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ، لِتَأَكُّدِهَا، وَحَثِّ الشَّارِعِ عَلَيْهَا.

فرع لا تسقط فائتة بحج

[فَرْعٌ لَا تَسْقُطُ فَائِتَةٌ بِحَجٍّ] (فَرْعٌ: وَلَا تَسْقُطُ فَائِتَةٌ بِحَجٍّ، وَ) لَا يَسْقُطُ شَيْئًا مِنْ الْفَوَائِتِ (تَضْعِيفُ صَلَاةٍ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ) : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. (وَإِنْ ذَكَرَ فَائِتَةً إمَامٌ أَحْرَمَ) بِمَكْتُوبَةٍ (حَاضِرَةٍ لَمْ يَضِقْ وَقْتُهَا) ، أَيْ: الْحَاضِرَةِ عَنْهَا، وَعَنْ الْفَائِتَةِ بِأَنْ اتَّسَعَ لَهُمَا (قَطَعَهَا) ، أَيْ: قَطَعَ الْإِمَامُ الْحَاضِرَةَ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْطَعْهَا كَانَتْ نَفْلًا، وَالْمَأْمُومُونَ مُفْتَرِضُونَ خَلْفَهُ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُهَا الْمَأْمُومُونَ (مَعَ سَعَتِهِ) - أَيْ: الْوَقْتِ - فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ أَتَمَّهَا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ إذَنْ (وَاسْتَثْنَى جَمْعٌ الْجُمُعَةَ) ، فَلَا يَقْطَعُهَا الْإِمَامُ إذَا ذَكَرَ الْفَائِتَةَ فِي أَثْنَائِهَا، وَإِنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْفَائِتَةَ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْجُمُعَةِ اسْتَنَابَ فِيهَا، وَقَضَى الْفَائِتَةَ، فَإِنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ مَعَ نَائِبِهِ، وَإِلَّا صَلَّى ظُهْرًا (كَغَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرِ الْإِمَامِ، وَهُوَ: الْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ إذَا أَحْرَمَ بِحَاضِرَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ فَائِتَةً فَيَقْطَعُهَا (إذَا ضَاقَ) الْوَقْتُ (عَنْهَا) بِأَنْ لَمْ يَسَعْ الصَّلَاةَ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا، أَوْ ضَاقَ عَنْهَا (وَعَنْ) جَمِيعِ (الْمُسْتَأْنَفَةِ) أَيْ: صَاحِبَةِ الْوَقْتِ الَّتِي يَسْتَأْنِفُهَا بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَائِتَةَ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا، وَلَا يَصِحُّ النَّفَلُ إذَنْ (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ عَنْ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا غَيْرُ الْإِمَامِ، وَعَنْ الْمُسْتَأْنَفَةِ بِأَنْ اتَّسَعَ لِذَلِكَ (أَتَمَّهَا) ، أَيْ: الَّتِي أَحْرَمَ أَرْبَعًا أَوْ رَكْعَتَيْنِ (نَفْلًا) اسْتِحْبَابًا، لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُهَا، ثُمَّ يَقْضِي الْفَائِتَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي الْحَاضِرَةَ. (وَمَنْ شَكَّ فِي) قَدْرِ (مَا عَلَيْهِ) مِنْ فَوَائِتَ (وَتَيَقَّنَ قَدْرَ زَمَنِهِ) الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّلَاةُ: بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَلَغَ مِنْ سُنَّةٍ كَذَا، وَصَلَّى الْبَعْضَ وَتَرَكَ الْبَعْضَ مِنْهَا (أَبْرَأَ ذِمَّتَهُ) ، أَيْ: قَضَى مَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّتُهُ (يَقِينًا) ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِيَقِينٍ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِمِثْلِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ قَدْرَ زَمَنِ الْوُجُوبِ بِأَنْ لَمْ يَدْرِ مَتَى بَلَغَ، وَلَا مَا صَلَّى بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ (مِمَّا)

أَيْ: مِنْ الْفَرْضِ الَّذِي - (تَيَقَّنَ وُجُوبُهُ) فَيَقْضِي مُنْذُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ بَلَغَ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ الْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ أَدَائِهِ فَضْلًا عَنْ قَضَائِهِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، فَإِنَّهُ تَحَقَّقَ الْوُجُوبَ، وَشَكَّ فِي الْفِعْلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (فَلَوْ تَرَكَ) مُكَلَّفٌ (عَشْرَ سَجَدَاتٍ مِنْ صَلَاةِ شَهْرٍ) مَكْتُوبَةٍ: (قَضَى) صَلَاةَ (عَشَرَةِ أَيَّامٍ) ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ سَجْدَةٍ مِنْ يَوْمٍ (وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً) وَاحِدَةً مِنْ يَوْمٍ (أَوْ) نَسِيَ (سَجْدَةً) وَاحِدَةً (مِنْ يَوْمٍ) وَلَيْلَةٍ (وَجَهِلَهَا) ، أَيْ: عَيْنَ الْمَنْسِيَّةِ: (قَضَى خَمْسًا بِنِيَّةِ فَرْضٍ) ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِذَلِكَ، فَلَزِمَهُ خُرُوجًا مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَرْتِيبُ الْخَمْسِ فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَرْتِيبَ فِيهَا فَمَا فَعَلَهُ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا نَفْلٌ. (وَ) مَنْ نَسِيَ (ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ، وَجَهِلَ السَّابِقَةَ) مِنْهُمَا بِأَنْ لَمْ يَدْرِ الظُّهْرَ مِنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالْعَصْرَ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ بِالْعَكْسِ (تَحَرَّى بِأَيِّهِمَا يَبْدَأُ) ، أَيْ: اجْتَهَدَ أَيَّتَهُمَا نَسِيَ أَوَّلًا؟ فَيَبْدَأُ بِهَا، ثُمَّ يَقْضِي الْأُخْرَى نَصًّا، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ (فَإِنْ اسْتَوَيَا) بِأَنْ تَحَرَّى فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ (فَ) إنَّهُ يَبْدَأُ (بِمَا شَاءَ) مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ لِلْعُذْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا مِنْهُ. (وَ) لَوْ تَرَكَ (ظُهْرًا مِنْ يَوْمٍ، وَ) تَرَكَ صَلَاةً (أُخْرَى) مِنْهُ - أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ - (لَا يَعْلَمُ أَمَغْرِبٌ) هِيَ (أَمْ فَجْرٌ لَزِمَهُ أَوَّلًا صَلَاةُ فَجْرٍ فَظُهْرٍ فَمَغْرِبٍ) ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَ بِالظُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَرَاءَتَهُ مِمَّا قَبْلَهَا (وَلَوْ) صَلَّى مُكَلَّفٌ (ظُهْرًا) بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأَ، (ثُمَّ أَحْدَثَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَرْكَ فَرْضٍ، أَوْ) شَرْطٍ (مِنْ أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ) لَا بِعَيْنِهِ (لَزِمَهُ إعَادَةُ وُضُوءٍ) ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْوُضُوءِ الثَّانِي (وَ) إعَادَةُ (صَلَاتَيْنِ)

لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ (وَلَوْ كَانَ) لَمْ يُحْدِثْ بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ بَلْ (تَوَضَّأَ لِثَانِيَةٍ تَجْدِيدًا أَعَادَ الْأُولَى فَقَطْ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْوُضُوءِ الْأَوَّلِ، وَلَا يُعِيدُ الثَّانِيَةَ؛ لِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ إنْ كَانَ مِنْ التَّجْدِيدِ لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْوُضُوءِ أَوَّلًا فَالْحَدَثُ ارْتَفَعَ بِالتَّجْدِيدِ (بِلَا إعَادَةِ وُضُوءٍ) لِمَا ذُكِرَ. (وَ) لَوْ صَلَّى (ظُهْرًا فَائِتَةً وَ) صَلَّى ظُهْرًا (حَاضِرَةً) ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ (تَرَكَ مِنْ إحْدَاهُمَا شَرْطًا أَوْ فَرْضًا صَلَّى ظُهْرًا وَاحِدَةً، يَنْوِي بِهَا مَا عَلَيْهِ) مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ أَدَاءً وَلَا قَضَاءٍ (وَلَوْ كَانَتَا) - أَيْ: الظُّهْرَانِ - (فَائِتَتَيْنِ) وَأَرَادَ قَضَاءَهُمَا (فَنَوَى ظُهْرًا مِنْهُمَا) لَا بِعَيْنِهَا (لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُعَيِّنَ سَابِقَةً لِأَجْلِ تَرْتِيبٍ، بِخِلَافِ مَنْذُورَتَيْنِ) فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ نِيَّةٌ مَنْذُورَةٌ مِنْهُ لَا بِعَيْنِهَا. (وَيَتَّجِهُ إعَادَةُ) صَلَاةِ (عَصْرٍ فَقَطْ لِمَاسِّ أَحَدِ فَرْجَيْ خُنْثَى ظُهْرًا) - أَيْ: وَقْتَ الظُّهْرِ - (وَ) فَرْجَهُ (الْآخَرَ عَصْرًا) ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَصْلِيٌّ يَقِينًا، وَاعْتِبَارُ النَّقْضِ فِي الْعَصْرِ مَعَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ اعْتِبَارُهُ فِي الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُتَيَقَّنَةٌ، وَالنَّقْضُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَا يُتْرَكُ يَقِينٌ لِشَكٍّ بِخِلَافِ الْعَصْرِ، فَإِنَّ النَّقْضَ مُتَيَقَّنٌ فِيهِ، وَلَا يُؤَثِّرُ مَسُّ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ فِي الْوُضُوءِ (إنْ تَوَضَّأَ) مَاسٌّ (بَيْنَ الْمَسَّيْنِ) ، بِأَنْ كَانَ مَسَّ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَّ الْفَرْجَ الْآخَرَ، وَصَلَّى الْعَصْرَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِلْعَصْرِ كَمَا ذَكَرْنَا. (وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا) - أَيْ: الصَّلَاتَيْنِ - وَقَعَتْ (بِحَدَثٍ) قَطْعًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ (كَصَلَاتَيْ مُجْتَهِدٍ) أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ فَصَلَّاهُمَا (لِجِهَتَيْنِ) كُلُّ وَاحِدَةٍ لِجِهَةٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ إحْدَاهُمَا لِغَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ يَقِينًا، لَكِنْ مَجْهُولَةٌ. (وَلَوْ شَكَّ مَأْمُومٌ صَلَّى الظُّهْرَ هَلْ صَلَّى إمَامُهُ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ؟ اُعْتُبِرَ بِالْوَقْتِ) : فَإِنْ كَانَ وَقْتَ ظُهْرٍ فَهِيَ ظُهْرٌ، وَإِنْ كَانَ وَقْتَ عَصْرٍ فَهِيَ عَصْرٌ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا (فَإِنْ أَشْكَلَ) الْوَقْتُ لِنَحْوِ غَيْمٍ

باب ستر العورة

وَلَمْ يُوجَدْ عَارِفٌ بِهِ (فَلَا إعَادَةَ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَّ لِمُسَافِرٍ نَامَ) عَنْ الصَّلَاةِ (حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا انْتِقَالٌ مِنْ مَكَانِ نَوْمِهِ) ، لِحُضُورِ الشَّيْطَانِ لَهُ فِيهِ (لِيَقْضِيَ) الصَّلَاةَ (فِي غَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي نَامَ فِيهِ " لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ". [بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ] ِ السَّتْرُ: بِفَتْحِ السِّينِ: مَصْدَرُ سَتَرَهُ، أَيْ: غَطَّاهُ، وَبِكَسْرِهَا: مَا يُسْتَرُ بِهِ. وَالْعَوْرَةُ لُغَةً: النُّقْصَانُ، وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْبَحُ، وَمِنْهُ كَلِمَةٌ عَوْرَاءُ، أَيْ: قَبِيحَةٌ (مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَيْهِ (مِنْ أَعْلَى وَ) مِنْ (جَوَانِبَ لَا مِنْ أَسْفَلَ) ، فَلَا يَجِبُ سَتْرُهَا مِنْهُ، وَلَوْ تَيَسَّرَ النَّظَرُ إلَيْهَا بِأَنْ كَانَ يُصَلِّي

عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ تَحْتِهِ لَرَأَى عَوْرَتَهُ (بِمَا) - أَيْ: سَاتِرٍ - (لَا يَصِفُ لَوْنَ بَشَرَةٍ) مِنْ سَوَادٍ وَبَيَاضٍ (حَتَّى عَنْ نَفْسِهِ) - مُتَعَلِّقٌ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَهُوَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ -: (مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ) ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَكْشُوفِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى سَتْرِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» وَحَدِيثِ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أَكُونُ فِي الصَّيْدِ وَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِيهِمَا: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ. فَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا خَالِيًا أَوْ فِي قَمِيصٍ، وَلَمْ يُزَرِّرْهُ، وَلَمْ يَشْدُدْ عَلَيْهِ وَسَطَهُ، وَكَانَ بِحَيْثُ يَرَى عَوْرَةَ نَفْسِهِ مِنْهُ فِي قِيَامِهِ أَوْ رُكُوعِهِ وَنَحْوِهِ: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ رَآهَا غَيْرُهُ. وَهِيَ - أَيْ: الْعَوْرَةُ - شَرْعًا: (سَوْأَةُ الْإِنْسَانِ) ، أَيْ: قُبُلُهُ أَوْ دُبُرُهُ (وَكُلُّ مَا يَسْتَحْيِي مِنْهُ إذَا نُظِرَ إلَيْهِ) أَيْ: مَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقُبْحِ ظُهُورِهِ (وَيَجِبُ سَتْرُهَا) - أَيْ: الْعَوْرَةِ - (حَتَّى خَارِجَهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (وَ) حَتَّى (فِي ظُلْمَةٍ، وَ) حَتَّى فِي (خَلْوَةٍ) ، لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، قَالَ: قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَلَوْ بِنَحْوِ نَبَاتٍ) كَوَرَقٍ وَخُوصٍ مَظْفُورٍ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَتْرُهَا، وَقَدْ حَصَلَ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ

بِسَتْرِهَا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِسَاتِرٍ، فَيَكْفِي أَيُّ سَاتِرٍ كَانَ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ ثَوْبٍ (وَ) يَكْفِي فِي سِتْرِهَا أَيْضًا (مُتَّصِلٌ بِهِ كَيْدِهِ وَلِحْيَتِهِ) ، فَإِذَا كَانَ جَيْبُهُ وَاسِعًا تُرَى مِنْهُ عَوْرَتُهُ، فَضَمَّهُ بِيَدِهِ، أَوْ غَطَّتْهُ لِحْيَتُهُ فَمَنَعَتْ رُؤْيَةَ عَوْرَتِهِ كَفَاهُ ذَلِكَ، لِحُصُولِ السَّتْرِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِثَوْبِهِ وَنَحْوِهِ خَرْقٌ مُحَاذِيًا لِفَخِذِهِ وَنَحْوِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَ (لَا) يَلْزَمُهُ سَتْرُ عَوْرَتِهِ (بِنَحْوِ بَارِيَةٍ) ، وَهِيَ: مَا يُصْنَعُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَصِيرِ مِنْ قَصَبٍ (وَحَصِيرٍ) ، وَنَحْوِهِمَا (مِمَّا يَضُرُّهُ) إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَالْحَرَجِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ أَيْضًا سَتْرُ عَوْرَتِهِ (بِحَفِيرَةٍ وَطِينٍ وَمَاءٍ كَدِرٍ لِعَدَمِ) غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ، وَفِي الْحَفِيرَةِ حَرَجٌ (وَيُبَاحُ كَشْفُهَا) - أَيْ: الْعَوْرَةِ - (لِنَحْوِ تَدَاوٍ وَتَخَلٍّ وَخِتَانٍ وَمَعْرِفَةِ بُلُوغٍ وَبَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ وَعَيْبٍ) وَوِلَادَةٍ، وَيَجُوزُ نَظَرُ الْغَيْرِ إلَيْهَا حِينَئِذٍ كَحَلْقِ عَانَةِ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ (وَ) يُبَاحُ كَشْفُهَا (لِمُبَاحٍ) كَزَوْجٍ وَسَيِّدٍ (وَمُبَاحَةٍ) كَزَوْجَةٍ وَأَمَةٍ مُبَاحَةٍ لَا مُزَوَّجَةٍ وَمَجُوسِيَّةٍ وَنَحْوِهَا كَمُعْتَدَّةٍ وَمُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِهِ (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُ عَوْرَتِهِ حَيْثُ جَازَ كَشْفُهَا) لِتَدَاوٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يُكْرَهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَنْكِحَةِ (وَعَوْرَةُ ذَكَرٍ وَخُنْثَى) حُرَّيْنِ كَانَا أَوْ رَقِيقَيْنِ أَوْ مُبَعَّضَيْنِ (بَلَغَا) - أَيْ: اسْتَكْمَلَا - (عَشْرًا) مِنْ السِّنِينَ: مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَلِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ يَرْفَعُهُ «أَسْفَلُ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ الْعَوْرَةِ» وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ» رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ. (وَ) عَوْرَةُ (أَمَةٍ مُطْلَقًا) - أَيْ: مُدَبَّرَةً كَانَتْ أَوْ مُكَاتَبَةً - (وَأُمَّ وَلَدٍ وَمُبَعَّضَةً) - أَيْ: بَعْضُهَا حُرٌّ وَبَعْضُهَا رَقِيقٌ - مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ؛ لِأَنَّهَا دُونَ الْحُرَّةِ فَأُلْحِقَتْ بِالرَّجُلِ. (وَ) عَوْرَةُ (حُرَّةٍ مُمَيِّزَةٍ وَمُرَاهِقَةٍ) قَارَبَتْ الْبُلُوغَ: (مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ) ، لِمَفْهُومِ حَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ»

وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ السُّرَّةَ وَالرُّكْبَةَ لَيْسَا مِنْ الْعَوْرَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصَّلَاةِ. (وَسُنَّ اسْتِتَارُهَا) ، أَيْ: الْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهَا وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا عَلَى صِفَةٍ، وَالْحُرَّةِ الْمُرَاهِقَةِ وَالْمُمَيِّزَةِ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ (كَحُرَّةٍ بَالِغَةٍ) احْتِيَاطًا. (وَعَوْرَةُ ابْنِ سَبْعِ) سِنِينَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ خُنْثَى (إلَى عَشْرِ) سِنِينَ: (الْفَرْجَانِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْبَالِغِ (وَالْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى ظُفْرُ) هَا (وَشَعْرُ) هَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ. (إلَّا وَجْهَهَا) ، لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ كَشْفُ وَجْهِهَا فِي الصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ. هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. (قَالَ جُمُوعٌ: وَكَفَّيْهَا) ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْعُمْدَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ: وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَخَالَفَهُمَا ابْنُ مَسْعُودٍ. (وَفِي النَّظَرِ) إلَى الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ (تَفْصِيلٌ يَأْتِي) فِي النِّكَاحِ مُسْتَوْفًى. (وَسُنَّ صَلَاةُ رَجُلٍ بَالِغٍ سِيَّمَا إمَامٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ وَبَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ، وَتَتَعَلَّقُ صَلَاتُهُمْ بِصَلَاتِهِ (فِي ثَوْبَيْنِ قَمِيصٍ وَرِدَاءٍ أَوْ إزَارٍ وَسَرَاوِيلَ) ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: (مَعَ سَتْرِ رَأْسِهِ) بِعِمَامَةٍ وَمَا فِي مَعْنَاهَا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ كَذَلِكَ يُصَلِّي، قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَسْتَحْيُونَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَحَدُهُمْ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَوْبَيْنِ وَلِأَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ «قُلْنَا:

يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ، وَلَا يَأْتَزِرُونَ، فَقَالَ: تَسَرْوَلُوا وَاتَّزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» . (وَلَا تُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَسْتُرُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ) مِنْ الْعَوْرَةِ، وَأَحَدِ الْعَاتِقَيْنِ فِي الْفَرْضِ (وَالْقَمِيصُ أَوْلَى مِنْ رِدَاءٍ مَعَ اقْتِصَارٍ عَلَى ثَوْبٍ) وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ أَبْلُغُ ثُمَّ الرِّدَاءُ ثُمَّ الْمِئْزَرُ أَوْ السَّرَاوِيلُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (وَسُنَّ أَنْ يُزَرَّ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (جَيْبُ قَمِيصٍ وَاسِعٍ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) ، لِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْهُ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا، وَالْمُرَادُ: إنْ أَمْكَنَ رُؤْيَةُ عَوْرَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تُرَ لِعَمًى أَوْ ظُلْمَةٍ أَوْ خَلْوَةٍ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيُجْزِئُ) مَنْ لَمْ يَزُرَّ جَيْبَهُ شَدُّ وَسَطِهِ عَلَيْهِ بِمَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، أَوْ (سَدُّهُ) - أَيْ: الْجَيْبِ - (بِلِحْيَتِهِ) لِوُجُودِ السِّتْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ الرَّجُلُ وَالْخُنْثَى عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ، وَأَعْرَى الْعَاتِقَيْنِ فِي نَفْلٍ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَلِذَلِكَ يُسَامَحُ فِيهِ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَالِاسْتِقْبَالِ فِي السَّفَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَلِأَنَّ عَادَةَ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ وَخَلَوَاتِهِ تَخْفِيفُ اللِّبَاسِ، وَغَالِبُ نَفْلِهِ يَقَعُ فِيهِ فَسُومِحَ فِيهِ لِذَلِكَ يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ عَلَيَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَالثَّوْبُ الْوَاحِدُ لَا يَتَّسِعُ لِذَلِكَ مَعَ سَتْرِ الْمَنْكِبَيْنِ. (وَشُرِطَ فِي فَرْضِ رَجُلٍ بَالِغٍ مَعَ سَتْرِ عَوْرَتِهِ سَتْرُ جَمِيعِ أَحَدِ عَاتِقَيْهِ بِلِبَاسٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالْعَاتِقِ: مَوْضِعُ الرِّدَاءِ مِنْ الْمَنْكِبِ، وَقَوْلُهُ: بِلِبَاسٍ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الثَّوْبِ الَّذِي سَتَرَ بِهِ عَوْرَتَهُ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ سَتَرَ بِهِ عَاتِقَهُ أَجْزَأَهُ (وَلَا) يُجْزِئُ سَتْرٌ (بِحَبْلٍ)

وَشَبَكَةٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى لِبَاسًا (وَلَوْ وَصَفَ) اللِّبَاسُ (الْبَشَرَةَ) لِرِقَّتِهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» وَهُوَ يَعُمُّ مَا يَصِفُ، وَمَا لَا يَصِفُ. (وَسُنَّ صَلَاةُ حُرَّةٍ) بَالِغَةٍ (فِي دِرْعٍ، وَهُوَ: الْقَمِيصُ، وَخِمَارٍ، وَهُوَ: غِطَاءُ رَأْسِهَا) الَّذِي يُدَارُ تَحْتَ حَلْقِهَا (وَمِلْحَفَةٍ) - بِكَسْرِ الْمِيمِ - (وَهِيَ: الْجِلْبَابُ) ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْخِمَارِ وَالْإِزَارِ وَالدِّرْعِ، فَتُسْبِلُ الْإِزَارَ فَتُجَلْبَبُ، وَكَانَتْ تَقُولُ: ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ لَا بُدَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ إذَا وَجَدَتْهَا: الْخِمَارُ وَالْإِزَارُ وَالدِّرْعُ " وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَوْفَى عَوْرَةً مِنْ الرَّجُلِ (وَلَا تَضُمُّ ثِيَابَهَا) ، قَالَ السَّامِرِيُّ: (حَالَ قِيَامِهَا) (وَتُكْرَهُ) صَلَاتُهَا (فِي نِقَابٍ وَبُرْقُعٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِمُبَاشَرَةِ الْمُصَلَّى بِالْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَيُغَطِّي الْفَمَ، وَقَدْ " نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلَ عَنْهُ " (وَيُجْزِئُ) امْرَأَةً (سَتْرُ عَوْرَتِهَا) ، قَالَ أَحْمَدُ: اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَسْتَرُ (وَإِذَا انْكَشَفَ لَا عَمْدًا) فِي صَلَاةٍ (مِنْ عَوْرَةِ) ذَكَرٍ أَوْ خُنْثَى أَوْ أُنْثَى (يَسِيرٌ لَا يَفْحُشُ عُرْفًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ فِيهِ شَرْعًا فَرَجَعَ فِيهِ لِلْعُرْفِ كَالْحِرْزِ، فَإِنْ فَحَشَ وَطَالَ الزَّمَنُ بَطَلَتْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنْ يُعْتَبَرُ الْفُحْشُ فِي كُلِّ عُضْوٍ بِحَسَبِهِ، إذْ يَفْحُشُ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ مَا لَا يَفْحُشُ مِنْ غَيْرِهَا (فِي النَّظَرِ) - مُتَعَلِّقٌ بِ يَفْحُشُ - أَيْ: لَوْ نُظِرَ إلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ الِانْكِشَافُ زَمَنًا (طَوِيلًا) لَمْ تَبْطُلْ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ: «انْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ يُعَلِّمُهُمْ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَكُنْتُ أَقْرَأَهُمْ، فَقَدَّمُونِي فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ، وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَفْرَاءُ صَغِيرَةٌ، فَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عَنِّي، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ،

فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا فَمَا فَرِحْتُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحِي بِهِ وَفِي لَفْظٍ فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ فِي بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فِيهَا فَتْقٌ فَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ فِيهَا خَرَجَتْ اسْتِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَانْتَشَرَ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْكَرَهُ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ إذْ ثِيَابُ الْفُقَرَاءِ لَا تَخْلُو غَالِبًا مِنْ خَرْقٍ، وَثِيَابُ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ فَتْقٍ. (أَوْ) انْكَشَفَ مِنْ الْعَوْرَةِ (كَثِيرٌ فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ، (فَمَنْ كَشَفَتْ رِيحٌ كُلَّ عَوْرَتِهِ، فَسَتَرَهَا سَرِيعًا بِلَا عَمَلٍ كَثِيرٍ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْعَوْرَةِ، وَكَذَا لَوْ فَحَشَ، وَطَالَ الزَّمَنُ، وَلَوْ بِلَا قَصْدٍ. (وَمَنْ صَلَّى فِي غَصْبٍ) - أَيْ: مَغْصُوبًا - عَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً، وَمِثْلُهُ مَسْرُوقٌ وَنَحْوُهُ (وَلَوْ) كَانَ الْمَغْصُوبُ (بَعْضُهُ) مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّنًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ: وَلَوْ لَمْ يَرَ الْعَوْرَةَ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ يَتْبَعُ بَعْضًا (أَوْ) صَلَّى فِيمَا (ثَمَنُهُ الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ أَوْ بَعْضُهُ) - أَيْ: بَعْضُ ثَمَنِهِ الْمُعَيَّنِ حَرَامٌ - أَوْ الَّذِي نَوَى الِانْتِقَادَ مِنْهُ غَصْبٌ لَمْ تَصِحَّ إنْ كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا، وَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ - إذَا كَانَ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ، وَبَذَلَهُ مِنْ الْحَرَامِ (ثَوْبًا) كَانَ الْمَغْصُوبُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ (وَلَوْ) كَانَ الثَّوْبُ (لِلْكَعْبَةِ) لَمْ تَصِحَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ (أَوْ بُقْعَةٍ) مَغْصُوبَةٍ لَمْ تَصِحَّ، وَيَلْحَقُ بِهِ لَوْ صَلَّى فِي سَابَاطٍ لَا يَحِلُّ إخْرَاجُهُ، أَوْ غَصَبَ رَاحِلَةً وَصَلَّى عَلَيْهَا، أَوْ لَوْحًا فَجَعَلَهُ سَفِينَةً (وَلَوْ كَانَ عَلَى مُصَلٍّ) فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ ثَوْبٌ (مُبَاحٌ غَيْرُهُ) - أَيْ: غَيْرُ الْمَغْصُوبِ - سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُ أَوْ فَوْقَهُ بِحَيْثُ لَوْ انْفَرَدَ الْمَغْصُوبُ لَكَانَ سَاتِرًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَمْ يُتَبَيَّنْ سَاتِرًا (وَ) صَلَّى (فِي) مَنْسُوجٍ بِ (ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ) فِي (حَرِيرٍ) كُلِّهِ (أَوْ غَالِبُهُ) حَرِيرٌ (حَيْثُ حَرُمَ) الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحَرِيرُ بِأَنْ كَانَ

عَلَى ذَكَرٍ، (وَلَوْ) كَانَ الذَّكَرُ (صَبِيًّا) ، وَلَمْ يَكُنْ الْحَرِيرُ لِحَاجَةٍ لَمْ تَصِحَّ (أَوْ حَجَّ بِغَصْبٍ) ، أَيْ: بِمَالٍ مَغْصُوبٍ أَوْ عَلَى حَيَوَانٍ مَغْصُوبٍ (عَالِمًا) بِأَنَّ مَا صَلَّى فِيهِ أَوْ حَجَّ (بِهِ) مُحَرَّمٌ (ذَاكِرًا لَهُ وَقْتَ عِبَادَةٍ لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ وَلِأَحْمَدَ «مَنْ صَنَعَ أَمْرًا عَلَى غَيْرِ أَمْرِنَا فَهُوَ مَرْدُودٌ» وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، وَقِيَامُهُ وَقُعُودُهُ وَمَسِيرُهُ بِمُحَرَّمٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَلَا يَكُونُ مُتَقَرِّبًا بِمَا هُوَ عَاصٍ بِهِ، وَلَا مَأْمُورًا بِمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (وَإِلَّا) يَكُنْ عَالِمًا ذَاكِرًا (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ وَحَجُّهُ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا. (وَيَتَّجِهُ لَوْ تَابَ) مَنْ تَلَبَّسَ (فِي حَجٍّ) بِمَالٍ مَغْصُوبٍ، أَوْ عَلَى رَاحِلَةٍ مَغْصُوبَةٍ، وَكَانَتْ تَوْبَتُهُ عَنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ فِي الْمَغْصُوبِ (قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ) - أَيْ: الدَّفْعِ - (إنْ عَادَ) إلَى عَرَفَةَ (فَوَقَفَ) بِهَا (مَعَ) بَقَاءِ وَقْتِ وُقُوفٍ (وَتَجْدِيدِ إحْرَامٍ: الصِّحَّةُ) ، أَيْ: صِحَّةُ حَجِّهِ (لِتَلَبُّسِهِ بِالْمُبَاحِ حَالَ فِعْلِ الْأَرْكَانِ) ، بِشَرْطِ بَقَائِهِ عَلَى ذَلِكَ إلَى الْفَرَاغِ مِنْهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَلَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَزْرُوعَةً) بِلَا غَصْبٍ أَوْ ضَرَرٍ جَازَ (أَوْ) صَلَّى (عَلَى مُصَلَّاهُ) - أَيْ: الْغَيْرِ - (بِلَا غَصْبٍ أَوْ ضَرَرٍ جَازَ وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِرِضَاهُ بِذَلِكَ عُرْفًا. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ لِكَافِرٍ لِعَدَمِ رِضَاهُ بِصَلَاةِ مُسْلِمٍ فِي أَرْضِهِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. (وَإِنْ غَيَّرَ هَيْئَةَ مَسْجِدٍ) غَصَبَهُ (فَكَغَصْبٍ) لِمَكَانِ غَيْرِهِ لِصَلَاتِهِ فِيهِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ": وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ، وَأَمَّا الْغَيْرُ فَصَلَاتُهُ فِيهِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَاصِبٍ لَهُ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِمَسَاجِدِ حَرِيمِ النَّهْرِ؛ إذْ الْمُصَلِّي فِيهِ غَيْرُ غَاصِبٍ لِلْبُقْعَةِ؛ إذْ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا لَوْ لَمْ تُبْنَ، كَمَا كَانَ لَهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يُغَيَّرَ (لَا إنْ مَنَعَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدَ (غَيْرُهُ) بِأَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ فِيهِ، وَأَبْقَاهُ عَلَى هَيْئَتِهِ فَلَيْسَ

كَغَصْبِهِ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ، وَكَذَا لَوْ زَحَمَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ وَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ إذَا أَقَامَ غَيْرَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ. (وَلَا يُبْطِلُهَا) - أَيْ: الصَّلَاةَ - (لُبْسُ عِمَامَةٍ وَخَاتَمٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُمَا) كَعِمَامَةِ حَرِيرٍ وَخَاتَمِ ذَهَبٍ أَوْ غَصْبٍ (أَوْ خُفٍّ حَرِيرٍ) وَتِكَّةٍ (أَوْ وَضْعُ ثَوْبِ نَحْوِ غَصْبٍ بِنَحْوِ كُمِّهِ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا، وَيَصِحُّ الْأَذَانُ وَالصَّوْمُ وَالْوُضُوءُ وَالْبَيْعُ وَنَحْوُهُ بِغَصْبٍ، وَكَذَا صَلَاةُ مَنْ طُولِبَ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا قَبْلَهُ، وَعِبَادَةُ مَنْ تَقَوَّى عَلَيْهَا بِمُحَرَّمٍ. (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِلَا إعَادَةٍ فَمَنْ حُبِسَ بِغَصْبٍ) بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ حُبِسَ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِخْلَاصِ نَفْسِهِ، وَفِعْلُ الْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَحْبُوسُ هُوَ الْغَاصِبَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى رَفْعِ يَدِ نَفْسِهِ عَنْهَا، أَوْ اسْتِئْذَانِ رَبِّهَا فِي صَلَاتِهِ فِيهَا (وَكَذَا) مِمَّنْ حُبِسَ (بِ) بُقْعَةٍ (نَجِسَةٍ) وَيَرْكَعُ (وَيَسْجُدُ) بِيَابِسَةٍ (وُجُوبًا) ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَمُجْمَعٌ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ، وَعَدَمِ سُقُوطِهِ، بِخِلَافِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ (وَيُومِئُ بِرَطْبَةٍ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ، وَيَجْلِسُ عَلَى قَدَمَيْهِ) تَقْلِيلًا لِلنَّجَاسَةِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (فَلَا يَضَعُ عَلَى الْأَرْضِ) عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ الصَّلَاةِ (غَيْرَهُمَا) - أَيْ: الْقَدَمَيْنِ - لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَحْصِيلِ شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ إبَاحَةُ الْبُقْعَةِ وَطَهَارَتُهَا فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَالْوُضُوءِ فِي حَقِّ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ. (وَيَتَّجِهُ كَغَصْبٍ إكْرَاهٌ دَامَ لِآخِرِ وَقْتِ) الصَّلَاةِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَكَذَا كُلُّ مُكْرَهٍ عَلَى الْكَوْنِ بِالْمَكَانِ النَّجِسِ وَالْغَصْبُ بِحَيْثُ يَخَافُ ضَرَرًا مِنْ الْخُرُوجِ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمَحْبُوسِ مِنْ أَنَّهُ تَصِحُّ

صَلَاتُهُ فِيهِ (وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا (أَنَّهُ إنْ سَجَدَ) الْمَحْبُوسُ بِمَحِلٍّ نَجِسٍ (بِرَطْبَةٍ تَبْطُلُ) صَلَاتُهُ لِمُخَالَفَتِهِ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُصَلِّي) عَاجِزٌ عَنْ سُتْرَةٍ مُبَاحَةٍ (عُرْيَانًا مَعَ) ثَوْبِ (غَصْبٍ) ، لِأَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ بِكُلِّ حَالٍ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَغَيْرِهَا، لِعَدَمِ إذْنِ الشَّارِعِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَهُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَاءً مَغْصُوبًا (وَ) يُصَلِّي (فِي) ثَوْبٍ (حَرِيرٍ لِعَدَمِ) غَيْرِهِ وَلَوْ مُعَارًا؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي لُبْسِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ كَالْحَكَّةِ، وَضَرُورَةِ الْبُرْدِ، وَعَدَمِ سُتْرَةٍ غَيْرِهِ، فَقَدْ زَالَتْ عِلَّةُ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِيهِ (وَلَا إعَادَةَ) عَلَى مَنْ صَلَّى عُرْيَانًا مَعَ غَصْبٍ أَوْ فِي حَرِيرٍ لِعَدَمِ غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) يُصَلِّي (فِي) ثَوْبٍ (نَجِسٍ لِعَدَمِ) غَيْرِهِ مَعَ عَجْزٍ عَنْ تَطْهِيرِهِ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ السِّتْرَ آكَدُ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِوُجُوبِهِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا، وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِهِ، (وَيُعِيدُ) مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ لِعَدَمٍ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ حَالَتَيْ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا، وَالصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِ الْحَالَةِ الْأُخْرَى، وَقَدْ قَدَّمَ حَالَةَ التَّزَاحُمِ آكَدُهَا، فَإِذَا زَالَ التَّزَاحُمُ بِوُجُودِهِ ثَوْبًا طَاهِرًا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، اسْتِدْرَاكًا لِلْخَلَلِ الْحَاصِلِ بِتَرْكِ الشَّرْطِ الَّذِي كَانَ مَعْذُورًا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ، بِخِلَافِ الْمَحْبُوسِ بِمَكَانٍ نَجِسٍ، فَإِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِانْتِقَالِ عَنْهُ بِكُلِّ حَالٍ. (وَيُصَلِّي) مَنْ عِنْدَهُ ثَوْبَانِ نَجِسَانِ (فِي أَقَلِّ الثَّوْبَيْنِ نَجَاسَةً) ، وَإِنْ كَانَ طَرَفُ الثَّوْبِ نَجِسًا، وَأَمْكَنَهُ السِّتْرُ بِالطَّاهِرِ مِنْهُ لَزِمَهُ (وَلَا

فصل لم يجد إلا ما يستر عورته أو منكبه فقط وأراد الصلاة

يَصِحُّ نَفْلُ) صَلَاةِ (آبِقٍ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ صَلَاةٌ، وَلَا تَصْعَدُ لَهُمْ حَسَنَةٌ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَوَالِيهِ فَيَضَعَ يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، وَالسَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ» وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ نَفْلُ الْآبِقِ؛ لِأَنَّ زَمَنَهُ مَغْصُوبٌ، بِخِلَافِ فَرْضِهِ، فَإِنَّ زَمَنَهُ مُسْتَثْنًى شَرْعًا. (وَيَتَّجِهُ صِحَّةُ نَفْلِ نَحْوِ صَوْمٍ وَحَجٍّ) مِنْ آبِقٍ لِاخْتِصَاصِ عَدَمِ الصِّحَّةِ بِنَفْلِ الصَّلَاةِ دُونَ فَرْضِهَا، وَمَنْذُورَتِهَا، وَأَمَّا الصَّوْمُ وَالْحَجُّ، فَلَا مَانِعَ مِنْ صِحَّتِهِ نَفْلًا كَانَ أَوْ فَرْضًا وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ أَوْ مَنْكِبَهُ فَقَطْ وَأَرَادَ الصَّلَاةَ] (فَصْلٌ) (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ) أَوْ مَنْكِبَهُ فَقَطْ، وَأَرَادَ الصَّلَاةَ، سَتَرَهَا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَأْتَزِرْ، وَلْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَأْتَزِرْ، ثُمَّ لْيُصَلِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ سِتْرَ الْعَوْرَةُ وَاجِبٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَفِيهَا أَوْلَى، (أَوْ) لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ (فَرْجَيْهِ) سَتَرَهُمَا لِأَنَّهُمَا عَوْرَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَفْحَشُ فِي النَّظَرِ، (أَوْ) لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ (أَحَدَهُمَا سَتَرَهُ وَالدُّبُرُ أَوْلَى) مِنْ الْقُبُلِ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ وَيَنْفَرِجُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، (إلَّا إذَا كَفَتْ) السُّتْرَةُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ، أَوْ (مَنْكِبَهُ وَعَجُزَهُ فَقَطْ) ، بِأَنْ كَانَتْ إذَا تَرَكَهَا عَلَى كَتِفَيْهِ وَسَدَلَهَا مِنْ وَرَائِهِ تَسْتُرُ عَجُزَهُ دُونَ قُبُلِهِ، (فَيَسْتُرُهُمَا) - أَيْ: الْمَنْكِبَ وَالْعَجُزَ - وُجُوبًا؛ لِأَنَّ سِتْرَ الْمَنْكِبِ لَا بَدَلَ لَهُ، وَصَحَّ الْحَدِيثُ بِالْأَمْرِ بِهِ، فَمُرَاعَاتُهُ أَوْلَى.

(وَيُصَلِّي جَالِسًا نَدْبًا) لِسِتْرِ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ. (وَيَلْزَمُ) عُرْيَانًا (تَحْصِيلُ سُتْرَةٍ بِثَمَنِ) مِثْلِهَا فِي مَكَانِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ (أَوْ) وَجَدَهَا تُؤَجَّرُ وَقَدَرَ عَلَى الْأُجْرَةِ لَزِمَهُ اسْتِئْجَارُهَا (بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا) حَيْثُ كَانَتْ فَاضِلَةً عَنْ حَاجَتِهِ، (فَإِنْ زَادَ) ثَمَنُهَا عَنْ قِيمَةِ مِثْلِهَا فِي مَكَانِهَا، (فَكَمَاءِ وُضُوءٍ) إنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لَزِمَتْهُ وَإِلَّا فَلَا، (وَيَلْزَمُهُ قَبُولُهَا عَارِيَّةً) إنْ بُذِلَتْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ بِمَا لَا تَكْثُرُ فِيهِ الْمِنَّةُ، (لَا) قَبُولُهَا (هِبَةً) لِعِظَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ، (وَلَا) يَلْزَمُهُ (طَلَبُهَا عَارِيَّةً، كَذَا فِي " الْمُبْدِعِ ") ، لِأَنَّ فِيهِ عَارًا عَلَيْهِ (فَإِنْ عَدِمَ) السُّتْرَةَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِبَيْعٍ وَلَا إجَارَةٍ، وَلَمْ تُبْذَلْ لَهُ عَارِيَّةً (صَلَّى جَالِسًا نَدْبًا: يُومِئُ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ إيمَاءً، (نَدْبًا) فِي الْجُلُوسِ وَالْإِيمَاءِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ قَوْمًا انْكَسَرَ بِهِمْ مَرْكَبُهُمْ فَخَرَجُوا عُرَاةً، قَالَ: يُصَلُّونَ جُلُوسًا يُومِئُونَ إيمَاءً بِرُءُوسِهِمْ " وَلَمْ يُنْقَلُ خِلَافُهُ. وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، (وَلَا يَتَرَبَّعُ) فِي جُلُوسِهِ (بَلْ ينضام) ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ. (فَيُقِيمُ إحْدَى فَخِذَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَشْفًا، (وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا لَزِمَهُ أَنْ) يَرْكَعَ ثُمَّ (يَسْجُدَ بِالْأَرْضِ) ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلِّ قَائِمًا» وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْجُلُوسَ عَلَى الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ فِيهِ سِتْرُ الْعَوْرَةِ، وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقِيَامِ، فَلَوْ صَلَّى قَائِمًا لَسَقَطَ السِّتْرُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ، مَعَ أَنَّ السِّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ، وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ سَقَطَ عَنْهُمْ لِحِفْظِ الْعَوْرَةِ، وَهِيَ فِي السُّجُودِ أَفْحَشُ، فَكَانَ سُقُوطُهُ أَوْلَى، لَا يُقَالُ: السِّتْرُ كُلُّهُ لَا يَحْصُلُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُهُ، فَلَا يَفِي ذَلِكَ بِتَرْكِ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ؛ لِأَنَّ الْعَوْرَةَ إنْ كَانَتْ الْفَرْجَيْنِ فَقَدْ حَصَلَ سَتْرُهُمَا، وَإِلَّا حَصَلَ سِتْرُ أَغْلَظِهِمَا وَأَفْحَشِهِمَا، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " - فَإِنَّهُ قَالَ:

وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَوْ جَالِسًا، وَرَكَعَ وَسَجَدَ بِالْأَرْضِ جَازَ، مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ كَالْمُصَنَّفِ أَنَّهُ إذَا صَلَّى جَالِسًا يُومِئُ إيمَاءً، وَلَعَلَّهُ سَهْوٌ مِنْهُ. (وَلَا يُعِيدُ) الْعُرْيَانُ إذَا قَدَرَ عَلَى السِّتْرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ سَوَاءٌ صَلَّى قَائِمًا أَوْ جَالِسًا كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، (وَإِنْ وَجَدَهَا) - أَيْ: السُّتْرَةَ - (مُصَلٍّ) عُرْيَانًا (قَرِيبَةً) مِنْهُ (عُرْفًا) ، أَيْ: بِحَيْثُ تُعَدُّ فِي الْعُرْفِ قَرِيبَةً، (سَتَرَ) بِهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ سِتْرُهُ، (وَبَنَى) عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاةٍ قِيَاسًا عَلَى فِعْلِ أَهْلِ قُبَاءٍ لَمَّا عَلِمُوا تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ. (وَإِلَّا) : بِأَنْ كَانَتْ بَعِيدَةً لَا يُمْكِنُهُ السِّتْرُ بِهَا إلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ وَزَمَنٍ طَوِيلٍ، سَتَرَ (وَابْتَدَأَ) صَلَاتَهَا لِبُطْلَانِهَا. (وَكَذَا مَنْ عَتَقَتْ فِيهَا) - أَيْ: الصَّلَاةِ - (وَاحْتَاجَتْ إلَيْهَا) - أَيْ: السُّتْرَةِ - بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَتِرَةً كَحُرَّةٍ، فَإِنْ كَانَ الْخِمَارُ قَرِيبًا تَخَمَّرَتْ وَبَنَتْ، وَإِلَّا تَخَمَّرَتْ وَابْتَدَأَتْ، وَكَذَا إنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ ثَوْبَهُ فِيهَا. (فَلَوْ جَهِلَتْ عِتْقَهَا، أَوْ) جَهِلَتْ (وُجُوبَ سِتْرٍ أَوْ) جَهِلَتْ (قُدْرَةً عَلَيْهِ) - أَيْ: السِّتْرِ - (أَعَادَتْ) صَلَاتَهَا مَعَ كَشْفِ مَا يَجِبُ سِتْرُهُ وَقُدْرَتُهَا عَلَيْهِ (وَتُصَلِّي الْعُرَاةَ جَمَاعَةً صَفًّا وَاحِدًا، وَإِمَامُهُمْ وَسَطًا) ، أَيْ: لَا يَتَقَدَّمُهُمْ (وُجُوبًا فِيهِنَّ) ، أَيْ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. وَكَوْنُهُمْ صَفًّا وَاحِدًا، وَكَوْنُ إمَامِهِمْ وَسَطًا لِوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَشْبَهُوا الْمُسْتَتِرِينَ وَكَحَالِ الْخَوْفِ، وَأَوْلَى وَلَا تَسْقُطُ الْجَمَاعَةُ بِفَوْتِ سُنَّةِ الْمَوْقِفِ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ صَلَّوْا صُفُوفًا لَنَظَرَ الْمُتَأَخِّرُ عَوْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ وُقُوفَ الْإِمَامِ وَسَطَهُمْ أَسْتَرُ مِنْ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِمْ، (فَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ) الْإِمَامُ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُمْ، (إلَّا) أَنْ يَكُونُوا (فِي ظُلْمَةٍ) ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ لِلْأَمْنِ مِنْ رُؤْيَتِهِمْ عَوْرَتَهُ

(وَيَتَّجِهُ: أَوْ) إلَّا أَنْ يَكُونُوا (عُمْيًا) ، فَيَجُوزُ كَذَلِكَ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِمْ، وَجَعْلُهُمْ صُفُوفًا لِعَدَمِ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَعَ ضِيقِ مَكَان يُصَلُّونَ جَمَاعَتَيْنِ) فَأَكْثَرَ بِحَسَبِ مَا يَسَعُ الْمَكَانُ (وَ) إذَا كَانَ الْمُصَلُّونَ نَوْعَيْنِ (يَتَبَاعَدُ نِسَاءٌ) عُرَاةٌ (عَنْ رِجَالٍ، وَيُصَلِّي كُلُّ نَوْعٍ جَانِبًا) لِئَلَّا يَرَى بَعْضُهُمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ، (فَإِنْ شَقَّ) ذَلِكَ لِنَحْوِ ضِيقٍ صَلَّى الْفَاضِلُ، وَهُمْ الرِّجَالُ، (وَاسْتَدْبَرَهُمْ مَفْضُولٌ) ، وَهُوَ النِّسَاءُ، (ثُمَّ عُكِسَ) ، يَعْنِي: يُصَلِّي النِّسَاءُ وَيَسْتَدْبِرهُنَّ الرِّجَالُ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ إنْ وَقَفْنَ مَعَ الرِّجَالِ صَفًّا أَخْطَأْنَ سُنَّةَ الْمَوْقِفِ، وَإِنْ صَلَّيْنَ خَلْفَهُمْ شَاهَدْنَ عَوْرَاتِهِمْ، وَرُبَّمَا اُفْتُتِنَّ بِهِمْ. (وَيَتَّجِهُ) اعْتِبَارُ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ: (إنْ لَمْ يَضِقْ وَقْتُ) الصَّلَاةِ عَنْ فِعْلِهَا كُلِّهَا فِيهِ، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّوْا عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ مَعَ التَّحَرِّي عَلَى عَدَمِ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ حَسَبَ الطَّاقَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَمَنْ أَعَارَ) وَنَحْوُهُ (سُتْرَتَهُ) لِمَنْ يُصَلِّي فِيهَا، (وَصَلَّى) - أَيْ: صَاحِبُهَا - عُرْيَانًا، (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) ، لِتَرْكِهِ السُّتْرَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ. (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ عَدَمِ صَلَاةِ مُعِيرٍ سُتْرَتَهُ (مَعَ قُدْرَةٍ عَلَى اسْتِرْدَادِهَا) مِنْ مُسْتَعِيرٍ، أَمَّا مَعَ عَجْزِهِ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ عَجْزَهُ عَنْ اسْتِرْدَادِهَا بِمَنْزِلَةِ عَادِمِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَتُسَنُّ إعَارَتُهَا) - أَيْ: السُّتْرَةِ - لِلصَّلَاةِ (إذَا صَلَّى) رَبُّهَا،

لِتَكْمُلَ صَلَاةُ الْمُسْتَعِيرِ، (وَإِنْ صَلُحَ) رَبُّهَا أَنْ يَكُونَ (إمَامًا، صَلَّى بِهِمْ نَدْبًا) تَحْصِيلًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةً فِي نَفْسِهَا، لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا، بَلْ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ فِعْلُهَا تَحْصِيلًا لِثَوَابِهَا. (وَإِنْ كَانَ) مَالِكُ السُّتْرَةِ (أُمِّيًّا) لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، (صَلَّى فِيهَا) - أَيْ: السُّتْرَةِ - وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لَهَا، (ثُمَّ بَذَلَهَا لَهُمْ) نَدْبًا (فَصَلَّوْا بِهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ) ؛ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ بِشُرُوطِهَا، إلَّا مَعَ ضِيقِ وَقْتٍ عَنْ فِعْلِهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، (فَيُصَلِّي بِهَا أَحَدُهُمْ إمَامًا) لِاسْتِتَارِ عَوْرَتِهِ، وَيَكُونُ وُقُوفُهُ (إمَامًا) - أَيْ: مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِمْ كَإِمَامِ الْمَسْتُورِينَ، (وَ) يُصَلِّي (الْبَاقُونَ عُرَاةً) خَشْيَةَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ. (وَيُقْرَعُ إنْ تَشَاحُّوا) ، فَيُقَدَّمُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ لِتَرَجُّحِهِ بِهَا، (وَيَتَعَيَّنُ مَنْ عَيَّنَهُ رَبُّهَا) بِالْعَارِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَقَدْ خَصَّ بِهِ مَنْ عَيَّنَهُ (فَإِنْ أَعَارَهَا) لِغَيْرِ صَالِحٍ لِلْإِمَامَةِ جَازَ،؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، (وَحُكْمُهُ) - أَيْ: حُكْمُ مُعَارٍ غَيْرُ صَالِحٍ لِلْإِمَامَةِ - (كَصَاحِبِهَا) - أَيْ: السُّتْرَةِ - لِمِلْكِهِ الِانْتِفَاعَ بِهَا، فَيُصَلِّي وَحْدَهُ، وَيُصَلُّونَ جَمَاعَةً لِأَنْفُسِهِمْ، (فَإِنْ كَانَ ثَمَّ نِسَاءٌ فَهُنَّ أَوْلَى بِهَا) مِنْ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ عَوْرَتَهُنَّ أَفْحَشُ وَسَتْرُهَا أَبْعَدُ مِنْ الْفِتْنَةِ، (فَإِذَا صَلَّيْنَ فِيهَا) - أَيْ: السُّتْرَةِ - (دُفِعَتْ لَهُمْ) ، أَيْ: الرِّجَالِ، وَصَلَّوْا فِيهَا إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَإِلَّا صَلَّوْا عُرَاةً، (فَإِنْ كَانَ ثُمَّ) - أَيْ: فِي الْعُرَاةِ - (مَيِّتٌ صَلَّى فِيهَا) ، أَيْ: السُّتْرَةِ الْمَبْذُولَةِ لَهُمْ (حَيٌّ) فَرَضَهُ، لَا عَلَى الْمَيِّتِ، (ثُمَّ كَفَّنَ) بِهَا الْمَيِّتِ جَمَعًا بَيْن الْحَقَّيْنِ. (وَحَرُمَ انْتِظَارُ سُتْرَةٍ) لِيُصَلِّيَ فِيهَا (مَعَ ضَيِّق وَقْتٍ) فَيُصَلِّي عُرْيَانًا إذَا خَافَ خُرُوجَهُ. (وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عُرْيَانًا (لِمُسَافِرٍ) خَشِيَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْحَاضِرَ يَلْزَمهُ انْتِظَارُ السُّتْرَةِ، وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَهَذَا أَحَد

فصل في جملة من أحكام اللباس في الصلاة وغيرها

وَجْهَيْنِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهَذَا أَقْيَسُ لَكِنْ قَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالشَّارِحُ وَابْنُ عُبَيْدَانَ، وَابْنُ رَزِينٍ، عَدَمَ لُزُومِ انْتِظَارِهَا، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الصَّحِيحُ والصَّوَاب، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي. [فَصْلٌ فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا] (فَصْلٌ فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا) (كُرِهَ فِي صَلَاةٍ) فَقَطْ (سَدْلٌ وَهُوَ: طَرْحُ ثَوْبٍ عَلَى كَتِفَيْهِ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي، (وَلَا يَرُدُّ طَرَفَهُ) - أَيْ: الثَّوْبِ - (عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى) سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَوْ لَا، وَالنَّهْيُ فِيهِ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ وَخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، نَقْلُ مُهَنَّا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ لَمْ يُضَعِّفْهُ أَحْمَدُ. (فَإِنْ رَدَّ) طَرَفَهُ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى لَمْ يُكْرَهْ، لِزَوَالِ مَعْنَى السَّدْلِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ ": (أَوْ ضَمِّ طَرَفَيْهِ بِيَدَيْهِ لَمْ يُكْرَهْ) ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى ": يُكْرَهُ لِبَقَاءِ مَعْنَى السَّدْلِ (فَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ قَبَاءً) - بِفَتْحِ الْقَافِ - (مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ كُمَّيْهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَلَيْسَ مِنْ السَّدْلِ الْمَكْرُوهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ. (وَكُرِهَ) فِي الصَّلَاةِ (اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ

وَأَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نَهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَهُوَ) - أَيْ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ - (أَنْ يَضْطَبِعَ بِثَوْبِ) وَاحِدٍ (لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) ، وَالِاضْطِبَاعُ: أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا «نُهِيَ عَنْ لُبْسَتَيْنِ، وَهُوَ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ.» وَالِاحْتِبَاءُ: هُوَ أَنْ يَحْتَبِيَ بِهِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ آخَرُ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّهَا لُبْسَةُ الْمُحْرِمِ، وَفَعَلَهَا النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ إلَّا أَنْ تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ. (وَ) يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ (تَغْطِيَةُ وَجْهٍ) ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «نَهَى أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَغْطِيَةِ الْفَمِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَهَا تَحْلِيلٌ وَتَحْرِيمٌ، فَشُرِعَ لَهَا كَشْفُ الْوَجْهِ كَالْإِحْرَامِ (وَ) كُرِهَ فِيهَا أَيْضًا (تَلَثُّمٌ عَلَى فَمٍ وَأَنْفٍ) ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلِقَوْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَفُّ كُمٍّ وَتَشْمِيرُهُ) ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ " لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،: «وَلَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ وَجْهٍ، وَمَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ (بِلَا سَبَبٍ) ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِتَغْطِيَةِ الْوَجْهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، وَقِيَاسُهُ كَفُّ الْكُمِّ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ السَّدْلُ وَمَا بَعْدَهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ يُكْرَهْ. (وَكُرِهَ وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، تَشَبُّهٌ بِكُفَّارٍ، وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد

وَقَالَ الشَّيْخُ: أَقَلُّ أَحْوَالِهِ - أَيْ: هَذَا الْحَدِيثِ - أَنْ يَقْتَضِيَ تَحْرِيمَ التَّشَبُّهِ، وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ كُفْرَ الْمُتَشَبِّهِ بِهِمْ، وَقَالَ: وَلَمَّا صَارَتْ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ وَالزَّرْقَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ حَرُمَ لُبْسُهَا. (وَ) أَيْضًا مُطْلَقًا جَعْلُ صِفَةِ (صَلِيبٍ فِي نَحْوِ ثَوْبٍ) كَعِمَامَةٍ وَخَاتَمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنَّصَارَى، وَظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ: تَحْرِيمُهُ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَ) كُرِهَ أَيْضًا مُطْلَقًا (شَدُّ وَسَطٍ) - بِفَتْحِ السِّينِ - (بِ) شَيْءٍ (مُشْبِهٍ شَدَّ زُنَّارٍ) - بِوَزْنِ تُفَّاحٍ - لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ، وَقَدْ نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ، فَقَالَ: «لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ الْيَهُودِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَا بَأْسَ) بِشَدِّ وَسَطٍ (بِمَا لَا يُشْبِهُ) كَذَلِكَ (لِرَجُلٍ) . قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ، أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ» فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِرَجُلٍ، (بَلْ يُسْتَحَبُّ) لَهُ شَدُّ وَسَطِهِ (بِنَحْوِ مِنْدِيلٍ) ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي، وَعَلَيْهِ الْقَمِيصُ يَأْتَزِرُ بِالْمِنْدِيلِ قَالَ: نَعَمْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ. (وَكُرِهَ لِأُنْثَى) شَدُّ وَسَطٍ (وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ فِي " التَّنْقِيحُ " وَ " الْمُبْدِعِ " وَ " الْمُنْتَهَى " وَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ بِهِ حَجْمَ عَجِيزَتِهَا، وَتُبَيَّنُ بِهِ عُكَنُهَا وَتَقَاطِيعُ بَدَنِهَا، (خِلَافًا لَهُ) - أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " - حَيْثُ حَمَلَ كَرَاهَتَهُ شَدَّ وَسَطِهَا عَلَى مَا إذَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ دُونَ خَارِجِهَا. وَكُرِهَ أَيْضًا (مَشْيٌ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ) لِقَوْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَصُّهُ: وَلَوْ يَسِيرًا لِإِصْلَاحِ الْأُخْرَى، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِي فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا» رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ

وَفِيهِ «وَلَا خُفٍّ وَاحِدٍ» ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشُّهْرَةِ (أَوْ) كَوْنِ النَّعْلَيْنِ (مُخْتَلِفَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ عَادَةِ النَّاسِ. (وَسُنَّ كَوْنُ نَعْلٍ صَفْرَاءَ وَخُفٍّ أَحْمَرَ أَوْ أَسْوَدَ) ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ أَصْحَابِنَا، وَسُنَّ تَعَاهُدُ النَّعْلِ عِنْد بَابِ الْمَسْجِدِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ، وَلْيَنْظُرْ فِيهِمَا، فَإِنْ رَأَى خَبَثًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. «وَكَانَ لِنَعْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قِبَالَانِ» بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ: السَّيْرُ بَيْنَ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَاسْتَحَبَّ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ، الصَّلَاةَ فِي النَّعْلِ الطَّاهِرِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ أَنَسًا: أَكَانَ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَكُرِهَ لُبْسُ مُعَصْفَرٍ) لِلرَّجُلِ لَا لِلْمَرْأَةِ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ: «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عَنْ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَأَى عَلَيْهِ رَيْطَةً مُضَرَّجَةً بِالْعُصْفُرِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ، فَأَتَيْتُ أَهْلِي وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورَهُمْ فَقَذَفْتهَا فِيهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَلَا كَسَوْتَهَا بَعْضَ أَهْلِك: فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلنِّسَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالرَّيْطَةُ: كُلُّ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لَيِّنٍ. وَالْمُضَرَّجَةُ: الَّتِي لَيْسَ صَبْغُهَا بِالْمُشْبِعِ (فِي غَيْرِ إحْرَامٍ) ، فَلَا يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ فِيهِ نَصًّا، وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ لِتَخْصِيصِ الرَّجُلِ بِالنَّهْيِ. (وَ) كُرِهَ لِلرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ لُبْسُ (مُزَعْفَرٍ) لِقَوْلِ أَنَسٍ " إنَّ النَّبِيَّ، «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) كُرِهَ لِلرَّجُلِ لُبْسُ (أَحْمَرَ مُصْمَتًا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «مَرَّ

عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ أَحْمَدُ: يُقَالُ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ آلُ قَارُونَ أَوْ آلُ فِرْعَوْنَ. وَ (لَا) يُكْرَهُ لُبْسُ (أَسْوَدَ وَلَوْ لِجُنْدٍ) ، لِدُخُولِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ. (وَ) كُرِهَ لِلرَّجُلِ أَيْضًا لُبْسُ (طَيْلَسَانَ، وَهُوَ: الْمُقَوَّرُ) عَلَى شَكْلِ الطَّرْحَةِ يُرْسَلُ مِنْ فَوْقِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ لُبْسَ رُهْبَانِ الْمَلَكِيِّينَ مِنْ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُرْسَلُ مِنْ وَرَاءِ الظَّهْرِ وَالْجَانِبَيْنِ مِنْ غَيْرِ إدَارَةٍ تَحْتَ الْحَنَكِ، وَلَا إلْقَاءِ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفَيْنِ، أَوْ يُقَوَّرُ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ مَا يَخْرُجُ الرَّأْسُ مِنْهُ، وَيُرْخَى الْبَاقِي خَلْفَهُ وَفَوْقَ مَنْكِبَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْيَهُودِ. وَأَمَّا الْمُدَوَّرُ الَّذِي يُدَارُ تَحْتَ الْحَنَكِ، وَيُغَطِّي الرَّأْسَ وَأَكْثَرَ الْوَجْهِ، وَيَجْعَلُ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفَيْنِ: فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ سُنَّةٌ. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا لُبْسُهُ (جِلْدًا مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ وَافْتِرَاشِهِ) ، مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَمَعَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ يَحْرُمُ إلَّا مَا نَجِسَ بِمَوْتِهِ وَدُبِغَ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي يَابِسٍ كَمَا سَبَقَ. وَ (لَا) يُكْرَهُ (إلْبَاسُهُ) - أَيْ: الْجِلْدِ الْمُخْتَلِفِ فِي نَجَاسَتِهِ - (دَابَّتَهُ) لِأَنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَ كَحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ، وَيَحْرُمُ إلْبَاسُهَا ذَهَبًا وَفِضَّةً وَحَرِيرًا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. (وَ) كُرِهَ (كَوْنُ ثِيَابِهِ) - أَيْ: الرَّجُلِ - (فَوْقَ نِصْفِ سَاقِهِ) نَصًّا، وَلَعَلَّهُ لِئَلَّا تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ (أَوْ تَحْتَ كَعْبِهِ بِلَا حَاجَةٍ) ، نَصًّا لِلْخَبَرِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ، كَحُمُوشَةِ سَاقِهِ - أَيْ: دِقَّتِهِ - لَمْ يُكْرَهْ إنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّدْلِيسَ عَلَى النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْغِشِّ، وَعَنْهُ: «مَا تَحْتَهُمَا فَهُوَ فِي النَّارِ» وَ (لَا) يُكْرَهُ جَعْلُ ثَوْبِهِ (مَا بَيْنَ ذَلِكَ) ، أَيْ: بَيْنَ نِصْفِ السَّاقِ وَفَوْقَ الْكَعْبِ. (وَ) يُبَاحُ (لِامْرَأَةٍ زِيَادَةُ) ذَيْلِهَا عَلَى ذَيْلِ الرَّجُلِ (إلَى ذِرَاعٍ) ،

وَلَوْ مِنْ نِسَاءِ الْمُدُنِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: يُرْخِينَ شِبْرًا، قَالَتْ إذَنْ تَنْكَشِفَ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: فَيُرْخِينَ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَهُوَ شِبْرَانِ؛ لِمَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا، ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا» . (وَحَرُمَ) ، - وَهُوَ (كَبِيرَةٌ) لِلْوَعِيدِ الْآتِي بَيَانُهُ فِي الْخَبَرِ - (فِي غَيْرِ حَرْبٍ إسْبَالُ) شَيْءٍ مِنْ (ثِيَابِهِ خُيَلَاءَ وَلَوْ عِمَامَةً وَسَرَاوِيلَ) ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَأَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ قَالَ: إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ» وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُيَلَاءَ مَذْمُومٌ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ لِحَدِيثِ «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَإِنْ أَسْبَلَ) ثَوْبَهُ (لِحَاجَةٍ: كَسِتْرِ) سَاقٍ (قَبِيحٍ، وَلَا خُيَلَاءَ وَلَا تَدْلِيسَ) عَلَى النِّسَاءِ: (أُبِيحَ) . قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: جَرُّ الْإِزَارِ وَإِسْبَالُ الرِّدَاءِ فِي الصَّلَاةِ، إذَا لَمْ يُرِدْ الْخُيَلَاءَ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُرِدْ التَّدْلِيسَ، فَإِنْ أَرَادَهُ، (كَ) امْرَأَةٍ (قَصِيرَةٍ) لَمْ يَرْغَبْ فِيهَا، فَ (اتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ) ، فَلَمْ تُعْرَفْ: حَرُمَ عَلَيْهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغِشِّ، وَفِي الْخَبَرِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . (وَيَحْسُنُ) - وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ " عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُسَنُّ - (تَطْوِيلُ كُمِّ) رَجُلٍ (لِرَأْسِ أَصَابِعَ أَوْ أَكْثَرَ قَلِيلًا) لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: «كَانَتْ يَدُ كُمِّ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،، إلَى الرُّسْغِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَلْبَسُ قَمِيصًا قَصِيرَ الْيَدَيْنِ وَالطُّولِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

(وَتَوْسِيعُهُ) بِاعْتِدَالٍ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ، فَلَا تَتَأَذَّى الْيَدُ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ، وَلَا يَمْنَعُهَا خِفَّةَ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَأُمًّا هَذِهِ الْأَكْمَامُ الْوَاسِعَةُ الطِّوَالُ الَّتِي هِيَ كَالْأَخْرَاجِ، وَعَمَائِمُ كَالْأَبْرَاجِ، فَلَمْ يَلْبَسْهَا، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ، وَفِي جَوَازِهَا نَظَرٌ فَإِنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْخُيَلَاءِ. (وَ) يَحْسُنُ (قِصَرُ كُمِّهَا) - أَيْ: الْمَرْأَةِ - قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: دُونَ رُءُوسِ أَصَابِعِهَا، (وَتَوْسِيعُهُ بِلَا إفْرَاطٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَكُرِهَ لَهُمَا) - أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ - (لُبْسُ مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ) ، أَيْ: مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِمَا يَكْفِي فِي السَّتْرِ. (وَ) كُرِهَ (لَهَا) - أَيْ: الْمَرْأَةِ - لُبْسُ (مَا يَصِفُ الْحَجْمَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: «كَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَى لَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَالَكَ لَا تَلْبَسُ الْقُبْطِيَّةَ؟ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَيَتَّجِهُ تَحْرِيمُ) لُبْسِ الْمَرْأَةِ (مَا) - أَيْ: ثَوْبًا وَنَحْوَهُ كَمِنْدِيلٍ عَلَى وَجْهِهَا - (يَصِفُ الْبَشَرَةَ) ، أَيْ: يَحْكِي هَيْئَتَهَا مِنْ بَيَاضٍ أَوْ سَوَادٍ إذَا كَانَتْ يَرَاهَا أَجْنَبِيٌّ فِي الصَّلَاةِ، وَخَارِجِهَا وَكَانَ (مُفْرَدًا) عَنْ سَاتِرٍ تَحْتَهُ، (كَمَا مَرَّ) أَوَّلَ الْبَابِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَحَرُمَ لُبْسُهُنَّ) - أَيْ: النِّسَاءِ - (عَصَائِبَ كِبَارًا يَتَشَبَّهْنَ) بِلُبْسِهَا (بِرِجَالٍ، بَلْ حَرُمَ تَشَبُّهُ أُنْثَى بِرَجُلٍ، كَعَكْسِهِ) - أَيْ: كَمَا يَحْرُمُ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ - (فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ، نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِنَّ أَمْثَالُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَرَيْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَرِجَالٌ مَعَهُمْ أَسِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَكُرِهَ لِرَجُلٍ لُبْسُ ثِيَابِ الْمَرْأَةِ، وَعَكْسُهُ) - أَيْ: يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُ ثِيَابِ الرَّجُلِ - (نَصًّا) ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَشَبُّهٌ وَأَمَّا مَعَهُ فَيَحْرُمُ، كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) كُرِهَ لِرَجُلٍ لَا امْرَأَةٍ (زِيقٌ عَرِيضٌ) ، وَهُوَ: لَبِنَةُ الْجَيْبِ، (وَلُبْسُ زِيِّ الْأَعَاجِمِ كَعِمَامَةٍ صَمَّاءَ وَنَعْلٍ صرارة لِزِينَةٍ) لِلنَّهْيِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ. (وَلُبْسُ مَا فِيهِ شُهْرَةٌ) ، أَيْ: مَا يُشْتَهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ، وَيُشَارُ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى حَمْلِهِمْ عَلَى غِيبَتِهِ، فَيُشَارِكُهُمْ فِي إثْمِ الْغِيبَةِ، (وَيَدْخُلُ فِيهِ) - أَيْ: فِي ثَوْبِ الشُّهْرَةِ - (خِلَافُ) زِيٍّ (مُعْتَادٍ، وَ) خِلَافُ (زِيِّ بَلَدٍ) هُوَ فِيهِ. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (لُبْسُ ثَوْبٍ مَقْلُوبٍ كَفِعْلِ بَعْضِ أَهْلِ السَّخَافَةِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عَنْ الشُّهْرَتَيْنِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشهرتان؟ قَالَ: رِقَّةُ الثِّيَابِ وَغِلَظُهَا، وَلِينُهَا وَخُشُونَتُهَا، وَطُولُهَا وَقِصَرُهَا، وَلَكِنْ سَدَادًا بَيْنَ

ذَلِكَ وَاقْتِصَادًا» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: إنَّ قَوْمًا جَعَلُوا خُشُوعَهُمْ فِي لِبَاسِهِمْ، وَشَهَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِلِبَاسِ الصُّوفِ، حَتَّى إنَّ أَحَدَهُمْ بِمَا يَلْبَسُ مِنْ الصُّوفِ، أَعْظَمُ كِبْرًا مِنْ صَاحِبِ الْمِطْرَفِ بِمِطْرَفِهِ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ " الْمِطْرَفُ: الْمَالُ الْمُسْتَحْدَثُ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ: كَانَ الْعِلْمُ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ فَانْتَقَلَ إلَى جُلُودِ الضَّأْنِ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَالْآنَ إلَى جُلُودِ السَّمُّورِ. (فَإِنْ قَصَدَ بِهِ) - أَيْ: لُبْسِ ثَوْبِ الشُّهْرَةِ - (إظْهَارَ تَوَاضُعٍ حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ رِيَاءٌ) . وَ «مَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ» (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْبَغِي الْخُرُوجُ مِنْ عَادَاتِ النَّاسِ) مُرَاعَاةً لَهُمْ وَتَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ، (إلَّا فِي الْحَرَامِ إذَا) جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِفِعْلِهِ، أَوْ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهِ، فَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ، رَضَوَا بِذَلِكَ أَوْ سَخِطُوا. تَتِمَّةٌ: كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْكِلَّةَ بِالْكَسْرِ، وَهِيَ قُبَّةٌ، أَيْ: سِتْرٌ رَقِيقٌ يُخَاطُ شَبَهُ الْبَيْتِ لَهَا بَكَرٌ تُجَرُّ بِهَا، وَقَالَ: هِيَ مِنْ الرِّيَاءِ، لَا تَرُدُّ حَرًّا وَلَا بَرْدًا انْتَهَى. وَيُشْبِهُهَا البشنخانة، والناموسية لِغَيْرِ حَاجَةٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ حَرِيرٍ، أَوْ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، فَتَحْرُمُ. (وَسُنَّ تَوَاضُعٌ فِي لِبَاسٍ) لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «الْبَذَاذَةُ مِنْ الْإِيمَانِ» قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ. (وَ) سُنَّ (بَيَاضُهُ) - أَيْ: اللِّبَاسِ - لِحَدِيثِ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبِيضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَ) سُنَّ (نَظَافَةُ نَحْوِ: ثَوْبٍ، وَبَدَنٍ وَمَجْلِسٍ) لِخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ» . (وَ) سُنَّ (إرْخَاءُ ذُؤَابَةٍ خَلْفَهُ) نَصًّا، (وَتَحْنِيكُهَا)

تتمة الصلاة بجلد السباع غير المأكولة

أَيْ: الْعِمَامَةِ -؛ لِأَنَّ عَمَائِمَ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ كَذَلِكَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي أَخْلَاقِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَعْتَمُّ يُدِيرُ كَوْرَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَغْرِزُهَا مِنْ وَرَائِهِ، وَيُرْخِي لَهَا ذُؤَابَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ» . (وَكُرِهَ تَرْكُ وَسَخٍ فِي يَدٍ وَثَوْبٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِخَبَرِ «أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ؟» (وَ) كُرِهَ (لُبْسُ سَرَاوِيلَ) قَائِمًا خَشْيَةَ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ، (وَ) لُبْسُ (خُفٍّ) قَائِمًا لِمَا قِيلَ: إنَّهُ يُورِثُ الْفَقْرَ، (وَ) لُبْسُ (إزَارٍ قَائِمًا) خَشْيَةَ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهُ مَا يَجِبُ سِتْرُهُ. وَ (لَا) يُكْرَهُ (انْتِعَالٌ) قَائِمًا جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ. (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ فِرَاءٍ طَاهِرَةٍ) بِأَنْ تَكُونَ مِنْ جِلْدٍ مُذَكَّاةٍ مَأْكُولَةٍ، (وَلَا) بَأْسَ بِلُبْسِ مَا نُسِجَ مِنْ (صُوفٍ وَوَبَرٍ وَشَعْرٍ مِنْ) حَيَوَانٍ (طَاهِرٍ) حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] (وَ) تُبَاحُ (صَلَاةٌ عَلَيْهَا كَحُصْرٍ وَمَعْمُولٍ مِنْ نَحْوِ قُطْنٍ) كَلِيفٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ وَالْفَرْوَةِ الْمَدْبُوغَةِ» وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «وَنُضِحَ بِسَاطٌ لَنَا فَصَلَّى عَلَيْهِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يُرَوْا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْبِسَاطِ، وَالطُّنْفُسَةِ بَأْسًا. [تَتِمَّةٌ الصَّلَاةُ بِجِلْدِ السِّبَاعِ غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ] تَتِمَّةٌ: وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِجِلْدِ ثَعْلَبٍ وَسِنَّوْرٍ، وَفَنَكٍ وَفَاقِمٍ، وَسَمُّورٍ وَسِنْجَابٍ، وَذِئْبٍ وَنَمِرٍ وَنَحْوِهَا مِنْ السِّبَاعِ غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ، وَلَوْ ذُكِّيَ أَوْ دُبِغَ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالتَّذْكِيَةِ كَلَحْمِهِ. (و) يُبَاحُ لُبْسُ (نَعْلٍ خَشَبٍ) لِحَاجَةٍ، قَالَ أَحْمَدُ. (وَسُنَّ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا قَوْلُ:

فصل حرم على ذكر وأنثى لبس ما فيه صورة حيوان

الْحَمْدُ لِلَّهِ كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمٍ: عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَ) سُنَّ (تَصَدُّقٌ بِعَتِيقٍ نَافِعٍ) . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ: يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ جَدِيدَةٌ: سَرَاوِيلُهُ وَمَدَاسُهُ، وَخِرْقَةٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ. [فَصْلٌ حَرُمَ عَلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ] (فَصْلٌ) (وَحَرُمَ عَلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ) لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ أَوْ كَلْبٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَتَعْلِيقُهُ) أَيْ: مَا فِيهِ صُورَةٌ. (وَسِتْرٌ جُدِّرَ بِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَتَصْوِيرُهُ، وَلَوْ بِسِتْرٍ، وَسَقْفٍ وَحَائِطٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (وَهُوَ) - أَيْ: تَصْوِيرُ ذِي الرُّوحِ - (كَبِيرَةٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» . و (لَا) يَحْرُمُ (افْتِرَاشُهُ، وَجَعْلُهُ) - أَيْ: الْمُصَوَّرِ - (مِخَدًّا) بَلْ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ "؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُورَةٌ " رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَكُرِهَ صَلَاةٌ عَلَى مُصَوَّرٍ) وَلَوْ عَلَى مَا يُدَاسُ، (وَسُجُودٌ) عَلَيْهِ (أَشَدُّ) كَرَاهَةً لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَ) لَا (صُورَةٌ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَالْمُرَادُ بِهِ: كَلْبٌ مَنْهِيٌّ عَنْ اقْتِنَائِهِ. (وَلَا) تَدْخُلُ

بَيْتًا فِيهِ (جَرَسٌ) لِحَدِيثِ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَا جُنُبٌ) ، لِحَدِيثِ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ، وَلَا جُنُبٌ» . قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": إسْنَادُهُ حَسَنٌ. (بِلَا وُضُوءٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ أَنْ يَنَامَ إذَا تَوَضَّأَ» . (وَلَا تَصْحَبُ) الْمَلَائِكَةُ (رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ) أَوْ كَلْبٌ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ فِي " الْآدَابِ ": وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الطَّرِيقِ اتِّفَاقًا بِمَنْ مَعَهُ كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ، وَلَمْ يَقْصِدْ رُفْقَتَهُ، فَلَا بَأْسَ. (وَإِنْ أُزِيلَ مِنْ صُورَةِ مَا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ كَرَأْسٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْسٌ: فَلَا بَأْسَ) بِهِ، أَيْ: فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْمَنْصُوصِ. وَلَا بَأْسَ بِلَعِبِ الصَّغِيرَةِ بِلُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ، أَوْ مَقْطُوعٍ رَأْسُهَا، أَوْ مُصَوَّرَةٍ بِلَا رَأْسٍ وَلَا بِشِرَائِهَا نَصًّا لِلتَّمْرِينِ. (وَجَازَ تَصْوِيرُ غَيْرِ حَيَوَانٍ كَشَجَرٍ) ، وَكُلِّ مَا لَا رُوحَ فِيهِ، إلَّا الصَّلِيبَ فَيُكْرَهُ تَصْوِيرُهُ فِي لِبَاسٍ، وَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، وَخَوَاتِيمَ وَغَيْرِهَا، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا مِنْ تَصْلِيبٍ إلَّا فَضَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَيُحْتَمَلُ تَحْرِيمُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ صَالِحٍ، قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى. (وَحَرُمَ عَلَى ذَكَرٍ، وَلَوْ كَافِرًا) - لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، (أَوْ صَبِيًّا) ،؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ إلْبَاسُهُ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْبَالِغِ (أَوْ خُنْثَى) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ، (لَا أُنْثَى) ؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لِلزِّينَةِ لِأَجْلِ الزَّوْجِ، (لُبْسُ) - فَاعِلُ حَرُمَ - (مَا كُلُّهُ حَرِيرٌ أَوْ غَالِبُهُ حَرِيرٌ) (ظُهُورًا) كَالْخَالِصِ،؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ لِحَدِيثِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا

لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَوْ) كَانَ الْحَرِيرُ (بِطَانَةً) لِعُمُومِ الْخَبَرِ، (وَ) لَوْ (تِكَّةَ) سَرَاوِيلَ (وشرابة) ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ ": وَالْمُرَادُ: شِرَابَةٌ (مُفْرَدَةٌ) كَشِرَابَةِ الْبَرِيدِ، وَهُوَ رَسُولُ السُّلْطَانِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَّخِذُ لَهُ شِرَابَةً لِيُعْرَفَ بِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْمُفْرَدَةِ: الْمُخَاطَةُ فِي غَيْرِهَا، وَغَيْرُ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ بَقِيَّةِ السُّدَى، وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (لَا تَبَعًا) فَإِنَّهَا كَزِرٍّ فَتُبَاحُ، وَمَا رُوِيَ " أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ بِمَا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَخٍ لَهُ مُشْرِكٍ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ بِلُبْسِهَا. «وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُسَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إبَاحَةُ لُبْسِهِ» . (وَ) حَرُمَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ أُنْثَى (افْتِرَاشُهُ) ، أَيْ: الْحَرِيرِ لَمَا رَوَى حُذَيْفَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نَهَى أَنْ يُلْبَسَ الْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ، وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَ (لَا) يَحْرُمُ افْتِرَاشُهُ (تَحْتَ) حَائِلٍ (صَفِيقٍ) فَيَجُوزُ الْجُلُوسُ عَلَى الْحَائِلِ وَحَرُمَ عَلَى غَيْرِ أُنْثَى (اسْتِنَادٌ إلَيْهِ، وَتَوَسُّدُهُ، وَتَعْلِيقُهُ) أَيْ: الْحَرِيرِ، (وَسِتْرٌ جُدِّرَ بِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) كَبَرْدٍ أَوْ حَكَّةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ قُمَّلٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ: وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ شِرَابَةُ الدَّوَاءِ، وَسِلْكُ الْمِسْبَحَةِ، كَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْمُتَعَبِّدَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ أَشْبَهَ لُبْسُهُ (غَيْرَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ) زَادَهَا اللَّهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، فَلَا يَحْرُمُ سِتْرُهَا بِالْحَرِيرِ (وِفَاقًا) . قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَتَبِعَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَ) حَرُمَ أَيْضًا (كِتَابَةُ مَهْرٍ) فِي حَرِيرٍ فِي الْأَقْيَسِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " وَ " الْمُنْتَهَى " وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَمَنْسُوجٌ) مِنْ (مُشَاقَةِ حَرِيرٍ) ، وَسَقَطِ حَرِيرٍ، وَمَا يُلْقِيهِ الصَّانِعُ مِنْ فَمِهِ مِنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ إذَا دُقَّ وَغُزِلَ وَنُسِجَ (كَهُوَ) ، أَيْ: كَحَرِيرٍ خَالِصٍ، وَإِنْ سُمِّيَ

خَزًّا فَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ أُنْثَى؛ لِأَنَّهُ حَرِيرٌ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَحْرُمُ الْحَرِيرُ، وَلَوْ كَانَ مُبْتَذَلًا، بِحَيْثُ يَكُونُ الْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ أَعْلَى قِيمَةً مِنْهُ لِلنَّصِّ. (وَ) حَرُمَ عَلَى غَيْرِ أُنْثَى بِلَا حَاجَةٍ (لُبْسُ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مُمَوَّهٍ بِهِمَا) أَوْ بِأَحَدِهِمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ، وكَالْآنِيَةِ. وَ (لَا) يَحْرُمُ (مُسْتَحِيلٌ) ، أَيْ: مُتَغَيِّرٌ (لَوْنُهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ) بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ (شَيْءٌ) لِزَوَالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ. وَ (لَا) يَحْرُمُ (حَرِيرٌ سَاوَى مَا نُسِجَ مَعَهُ) مِنْ قُطْنٍ، أَوْ كَتَّانٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ وَبَرٍ (ظُهُورًا) ؛ بِأَنْ كَانَ ظُهُورُهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، (وَلَوْ كَانَ) الْحَرِيرُ (أَكْثَرَ وَزْنًا) فَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْحَرِيرَ لَيْسَ بِأَغْلَبَ. وَإِذَا انْتَفَى دَلِيلُ الْحُرْمَةِ بَقِيَ أَصْلُ الْإِبَاحَةِ. (وَلَا) يَحْرُمُ (خَزٌّ) ، أَيْ: ثَوْبٌ يُسَمَّى الْخَزَّ (وَهُوَ: مَا سُدِّيَ بإبريسم) ، أَيْ حَرِيرٍ (وَأُلْحِمَ بِنَحْوِ قُطْنٍ) كَوَبَرٍ (وَصُوفٍ) وَكَتَّانٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمِتِ مِنْ الْحَرِيرِ، أَمَّا السَّدْيُ وَالْعَلَمُ فَلَا نَرَى بِهِ بَأْسًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ: إبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ وَغَيْرِهِ، وَيُلْبَسُ الْخَزُّ وَلَا يُلْبَسُ الْمُلْحَمُ، وَلَا الدِّيبَاجُ انْتَهَى. وَالْمُلْحَمُ مَا سُدِّيَ بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِهِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَا نُسِجَ بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: إحْدَاهَا: أَنْ يُسَدَّى بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ، وَيُلْحَمَ كَذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُسَدَّى بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَيُلْحَمَ بِهِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُسَدَّى بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَيُلْحَمَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ. فَهَذِهِ الثَّلَاثُ صُوَرٍ يُعْتَبَرُ فِيهَا أَغْلَبِيَّةُ الظُّهُورِ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ ظُهُورَ الْحَرِيرِ حَرُمَ، وَإِلَّا فَلَا. وَأَمَّا الْخَزُّ، فَجَعَلَهُ الْأَصْحَابُ مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الظُّهُورِ فِيهَا، بَلْ أَطْلَقُوا إبَاحَةَ مَا سُدِّيَ بِالْحَرِيرِ

وَأُلْحِمَ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الظُّهُورُ فِيهَا مُعْتَبَرًا لَبَيَّنُوهُ، فَلَمَّا فَصَلُوا مَسْأَلَةَ الْخَزِّ وَأَخَّرُوهَا عَنْ قَيْدِ الظُّهُورِ، عَلِمْنَا أَنَّهُمْ غَيْرُ مُعْتَبِرِينَ هَذَا الْقَيْدَ، وَأَيْضًا: فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي التَّنْصِيصِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، مَعَ مُلَاحَظَةِ هَذَا الْقَيْدِ، فَإِنَّهَا لَمْ تُفِدْنَا شَيْئًا؛ إذْ هِيَ نَسْجُ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهَا بَعْدَ مَا ذَكَرُوهُ أَوَّلًا، تَكْرَارًا بِلَا فَائِدَةٍ، إذْ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا مَعْنًى، وَلَا حُكْمًا مَعَ اعْتِنَائِهِمْ بِالِاخْتِصَارِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حَذَفُوا مَسْأَلَةَ الْمُلْحَمِ لِمَا شَمِلَته الْعِبَارَةُ الْأُولَى، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ بِالْإِنْصَافِ، فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا يَصْنَعُهُ أَهْلُ الشَّامِ وَغَيْرُهُمْ الْآنَ مِنْ الْبُرُودِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا بِالْقُطْنِيِّ والكرمسون وَالْأَطَالِيسِ وَنَحْوِهَا يَسُدُّونَهَا بِالْحَرِيرِ وَيُلْحِمُونَهَا بِنَحْوِ الْقُطْنِ، لَكِنْ يَكُونُ الظُّهُورُ لِلْحَرِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مُبَاحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَلَا) يَحْرُمُ (خَالِصٌ) مِنْ حَرِيرٍ (لِمَرَضٍ أَوْ حِكَّةٍ وَلَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ) لُبْسُهُ (فِي زَوَالِهَا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ فِي سَفْرٍ مِنْ حَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ، ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ. (أَوْ قُمَّلٍ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَيَا إلَى النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الْقَمْلَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي ثِيَابِ الْحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (أَوْ حَرْبٍ مُبَاحٍ، وَلَوْ فِي غَيْرِ حَالَةِ قِتَالٍ) وَكَذَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَلَى أَرْجَحِ الرِّوَايَتَيْنِ

فِي الْمَذْهَبِ، صَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْإِفَادَاتِ " وَ " الْمُنْتَخَبِ " وَ " إدْرَاكِ الْغَايَةِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ. (وَلَا) يَحْرُمُ (الْكُلُّ) وَهُوَ مَا فِيهِ صُورَةٌ، وَالْحَرِيرُ وَالْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (لِحَاجَةٍ) بِأَنْ عَدِمَ غَيْرَهُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إذَا احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحَصُّنٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ الذَّهَبِ، (كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ) بِهِ (اُحْتِيجَ لِلُبْسِهِ وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ حَرِيرِ كُلِّهِ) أَوْ غَالِبِهِ (وَمُذَهَّبٍ) وَمُفَضَّضٍ مَنْسُوجٍ أَوْ مُمَوَّهٍ (وَمُصَوَّرٍ حَرُمَ بَيْعُهُ وَنَسْجُهُ وَخِيَاطَتُهُ وَتَمْلِيكُهُ وَتَمَلُّكُهُ وَأُجْرَتُهُ وَالْأَمْرُ بِهِ) لِذَلِكَ الِاسْتِعْمَالِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] " وَلِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ نَسَجَهُ أَوْ خَاطَهُ أَوْ مَلَكَهُ أَوْ تَمَلَّكَهُ لِتِجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ: فَلَا يَحْرُمُ. (وَيَتَّجِهُ بُطْلَانُ عَقْدِ) مَا بِيعَ وَنَحْوِهِ لِمَنْ لَا يُبَاحُ لَهُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

وَكُرِهَ نَظَرُ مُلَابِسُ حَرِيرٍ وَآنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ إنْ رَغَّبَهُ) النَّظَرُ إلَيْهَا (فِي التَّزَيُّنِ بِهَا وَالْمَفَاخِر) ذُكِرَ فِي الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا. (وَ) كُرِهَ (التَّنَعُّمُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِرْفَاهِ. (وَيُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ كَيْسُ مُصْحَفٍ) تَعْظِيمًا لَهُ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ. (وَيُبَاحُ) أَيْضًا (أَزْرَارٌ وَخِيَاطَةٌ بِهِ) أَيْ: الْحَرِيرِ. (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ: (حَشْوُ جياب وَفُرُشٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا فَخْرَ فِيهِ، وَلَا عَجَبَ، وَلَا خُيَلَاءَ، وَلَيْسَ لُبْسًا لَهُ، وَلَا افْتِرَاشًا. (وَ) يُبَاحُ أَيْضًا مِنْ حَرِيرٍ (عَلَمُ ثَوْبٍ وَهُوَ طِرَازُهُ) كَالْحَاشِيَةِ الَّتِي تُنْسَجُ مِنْ حَرِيرٍ فِي طَرَفِ الثَّوْبِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَقَدَّمَ. (وَ) يُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ أَيْضًا (لَبِنَةُ جَيْبٍ، وَهِيَ: الزِّيقُ) الْمِخْيَطُ بِالْعُنُقِ. (وَالْجَيْبُ: مَا يُفْتَحُ عَلَى نَحْرٍ، أَوْ طَوْقٌ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى مَا قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ". وَجَيْبُ الْقَمِيصِ وَنَحْوُهُ: بِالْفَتْحِ طَوْقُهُ. وَفَسَّرَ صَاحِبُ " الْمِصْبَاحِ ": بِمَا انْفَتَحَ عَلَى النَّحْرِ. (وَ) يُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ أَيْضًا (رِقَاعٌ وَسَجَفٌ نَحْوُ فِرَاءٍ) وَنَحْوِهَا قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ فَمَا دُونُ. (وَلَا) يُبَاحُ (مِنْ ذَلِكَ فَوْقَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَلَوْ لَبِسَ ثِيَابًا بِكُلِّ ثَوْبٍ قَدْرٌ يَحِلُّ) مِنْ سَجَفٍ، أَوْ رِقَاعٍ وَنَحْوِهَا، (وَلَوْ جَمَعَ) مَا فِيهَا مِنْ الْحَرِيرِ (صَارَ ثَوْبًا؛ لَمْ يُكْرَهْ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ ثَوْبٍ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ غَيْرَ تَابِعٍ. هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الجراعي فِي " الْغَايَةِ ": يُبَاح، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا. وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَحَفِيدُهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ أَشْبَهَ الْحَرِيرَ (وَالْإِسْرَافُ فِي الْمُبَاحِ مَكْرُوهٌ) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَالْإِسْرَافُ هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَهُوَ مِنْ الْعُدْوَانِ الْمُحَرَّمِ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: الْكَرَاهَةُ.

باب اجتناب النجاسة والمواضع التي لا تصح فيها الصلاة

[بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ فِيهَا الصَّلَاةُ] (بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ) وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ فِيهَا الصَّلَاةُ، وَمَا تَصِحُّ فِيهِ فِي بَعْضٍ، وَمَا يَصِحُّ فِيهِ النَّفَلُ دُونَ الْفَرْضِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. وَهَذَا الشَّرْطُ السَّابِعُ لِلصَّلَاةِ، وَاجْتِنَابِهَا (بَدَنَ مُصَلٍّ وَثَوْبَهُ وَبُقْعَتَهُمَا) أَيْ: الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ. (وَعَدَمَ حَمْلِهَا) ، أَيْ: النَّجَاسَةِ (شَرْطٌ) لِصِحَّةِ (الصَّلَاةِ مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَى اجْتِنَابِهَا (حَيْثُ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا) لِقَوْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَامَّةِ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» «وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ مَرَّ بِالْقَبْرَيْنِ " إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لَا يَسْتَنْثِرُ مِنْ الْبَوْلِ» بِالْمُثَلَّثَةِ قَبْلَ الرَّاءِ. قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ". وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ، كَمَا فِي " نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ " وَفِي رِوَايَةٍ «لَا يَسْتَنْزِهُ» . وَقَالَ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ زَيْدٍ: أَمَرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنْ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَتَطَهَّرُونَ، وَلَا يُطَهِّرُونَ ثِيَابَهُمْ. وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِيهَا، وَهُوَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ. قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " لَكِنْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْهِجْرَةِ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِسَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، وَدَمِهَا وَفَرْثِهَا، فَطَرَحَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، حَتَّى أَزَالَتْهُ فَاطِمَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ الْمَجْدُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَتَى بِدَمِهَا، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ، وَلَعَلَّ الْخَمْسَ لَمْ تَكُنْ فُرِضَتْ، وَالْأَمْرُ بِتَجَنُّبِ النَّجَاسَةِ مَدَنِيٌّ مُتَأَخِّرٌ، بِدَلِيلِ خَبَرِ النَّعْلَيْنِ، وَصَاحِبِ الْقَبْرَيْنِ، وَالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، وَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

أُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الَّذِي آتِي فِيهِ أَهْلِي؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ تَرَى فِيهِ شَيْئًا فَتَغْسِلَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فَثَبَتَ بِهَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاجْتِنَابِهَا، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. وَكَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ عَنْهَا: كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ بِمَحِلِّهِ، وَيَسِيرِ الدَّمِ، وَنَحْوِهِ. وَنَجَاسَةٍ بِعَيْنٍ، لَيْسَ اجْتِنَابُهَا شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ. (وَهِيَ) أَيْ: النَّجَاسَةُ: (كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ) عَيْنًا كَانَ؛ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، أَوْ صِفَةً، كَأَثَرِ بَوْلٍ بِمَحِلٍّ طَاهِرٍ. (يَمْنَعُ صِحَّتَهَا حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ) لِمُبَاشَرَتِهَا، أَوْ حَمْلِهَا. (فَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ حَامِلِ مُسْتَجْمَرٍ) ؛ لِأَنَّ أَثَرَ الِاسْتِجْمَارِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي مَحِلِّهِ. (وَ) مِنْ حَامِلِ (حَيَوَانٍ طَاهِرٍ) كَالْهِرِّ؛ لِأَنَّ مَا بِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ فِي مَعِدَتِهَا فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ فِي جَوْفِ الْمُصَلِّي «وَصَلَّى النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حَامِلًا أُمَامَةَ» . (وَ) تَصِحُّ (مِمَّنْ مَسَّ ثَوْبُهُ ثَوْبًا) نَجِسًا (أَوْ حَائِطًا نَجِسًا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحِلًّا لِثَوْبِهِ وَلَا بَدَنِهِ. فَإِنْ اسْتَنَدَ إلَيْهِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْبُقْعَةِ لَهُ: (أَوْ) أَيْ: وَتَصِحُّ مِمَّنْ (قَابَلَهَا رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَلَمْ يُلَاقِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِصَلَاتِهِ، وَلَا مَحْمُولًا فِيهَا. وَكَذَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَلَمْ يُصِبْهَا. فَإِنْ لَاقَاهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. (أَوْ سَقَطَتْ) النَّجَاسَةُ (عَلَيْهِ فَزَالَتْ أَوْ أَزَالَهَا سَرِيعًا) ، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «بَيِّنَا رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَكَ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. قَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ

فِيهَا قَذَرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ مِنْ النَّجَاسَةِ مَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِ زَمَنِهَا، كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ. (أَوْ صَلَّى عَلَى) مَحَلٍّ (طَاهِرٍ) مِنْ ثَوْبٍ، أَوْ حَصِيرٍ، أَوْ بِسَاطِ (طَرَفُهُ مُتَنَجِّسٌ) فَتَصِحُّ. (وَلَوْ تَحَرَّكَ) الْمُتَنَجِّسُ (بِحَرَكَتِهِ أَوْ) وَضَعَ (حَبْلًا تَحْتَ قَدَمِهِ بِطَرَفِهِ) الْخَالِي مِنْ مُبَاشَرَةِ قَدَمِهِ (نَجَاسَةً) فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ،؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا مُصَلٍّ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا اتَّصَلَ مُصَلَّاهُ بِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِأَرْضٍ نَجِسَةٍ. (غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ) بِمُصَلٍّ، وَهُوَ مَشْدُودٌ بِنَجَسٍ (يَنْجَرُّ) النَّجَسُ (بِهِ) أَيْ: مَعَهُ إذَا مَشَى، (فَإِنْ انْجَرَّ) مَعَهُ (كَحَبْلٍ بِيَدِهِ أَوْ وَسَطِهِ مَشْدُودٍ بِنَجِسٍ أَوْ بِسَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ فِيهَا نَجَاسَةٌ) وَيُمْكِنُ أَنْ تَنْجَرَّ بِهِ إذَا مَشَى، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَلَوْ كَانَ مَحَلُّ التَّرَابُطِ طَاهِرًا. (أَوْ) كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي (حَيَوَانٍ نَجِسٍ، كَكَلْبٍ وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ) وَكُلِّ مَا (يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِلنَّجَاسَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَامِلَهَا. وَكَذَا لَوْ أَمْسَكَ حَبْلًا أَوْ غَيْرَهُ مُلْقَى عَلَى نَجَاسَةٍ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. ذَكَرَ فِي " فِي الْإِنْصَافِ " وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَمِثْلُهُ: لَوْ سَقَطَ طَرَفُ ثَوْبِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَشْدُودُ فِيهِ الْحَبْلُ وَنَحْوُهُ (لَا يَنْجَرُّ) مَعَهُ إذَا مَشَى: (كَسَفِينَةٍ كَبِيرَةٍ وَحَيَوَانٍ كَبِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَرِّهِ إذَا اسْتَعْصَى) عَلَيْهِ، (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّدُّ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ ذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ عَلَى بَعْضِهَا نَجَاسَةٍ لَمْ تُلَاقِ يَدَهُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمُصَلِّي صَغِيرٌ بِهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا، وَكَانَ لَهُ قُوَّةٌ بِحَيْثُ إذَا مَشَى انْجَرَّ مَعَهُ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يُزِلْهُ سَرِيعًا وَإِلَّا فَلَا. (وَتَبْطُلُ) صَلَاتُهُ (بِعَجْزٍ عَنْ إزَالَةِ مَا) أَيْ: نَجَاسَةِ (سَقَطَتْ عَلَيْهِ

سَرِيعًا) لِإِفْضَائِهِ إلَى اسْتِصْحَابِ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ زَمَنًا طَوِيلًا، أَوْ لِعَمَلٍ كَثِيرٍ إنْ أَخَذَ يُطَهِّرُهَا. (أَوْ جَهِلَ عَيْنَهَا) بِأَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا، ثُمَّ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ (أَوْ) جَهِلَ (حُكْمَهَا) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ إزَالَتَهَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ (أَوْ نَسِيَهَا) ، أَيْ: النَّجَاسَةَ. (أَوْ) جَهِلَ (أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ عَلِمَ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِفَادَاتِ " وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": إنَّهُ الْأَشْهَرُ، وَجَعَلَهُ فِي " الْحَاوِيَيْنِ " أَصَحَّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْجَهْلِ، وَلَا بِالنِّسْيَانِ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ. (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ: وَمَتَى وَجَدَ عَلَيْهِ نَجَاسَةً جَهِلَ كَوْنَهَا فِي الصَّلَاةِ صَحَّتْ. (أَوْ حَمَلَ قَارُورَةً) بَاطِنُهَا نَجِسٌ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (أَوْ) حَمَلَ (آجُرَّةً) : وَاحِدَةُ الْآجُرِّ، وَهُوَ: الطُّوبُ الْمَشْوِيُّ (بَاطِنُهَا نَجِسٌ أَوْ) حَمَلَ (بَيْضَةً مَذِرَةً) أَوْ بِهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ (أَوْ) حَمَلَ (عُنْقُودًا) مِنْ عِنَبٍ (حَبَّاتُهُ مُسْتَحِيلَةٌ خَمْرًا) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِحَمْلِهِ نَجَاسَةً فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا فِي كُمِّهِ. (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِكَرَاهَةٍ إنْ طِينٌ) أَرْضًا (نَجِسَةٌ) وَصَلَّى عَلَيْهَا (أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ النَّجِسَةِ، طَاهِرًا صَفِيقًا، وَلَوْ رَطْبَةً، وَلَمْ تَنْفُذْ إلَى ظَاهِرِهِ (أَوْ) بَسَطَ (عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ) طَاهِرًا صَفِيقًا (أَوْ) بَسَطَ عَلَى (حَرِيرٍ طَاهِرًا صَفِيقًا) لَا خَفِيفًا، أَوْ

مُهَلْهَلًا (مُبَاحًا) لَا مَغْصُوبًا (أَوْ غَسَلَ وَجْهَ آجُرّ) ، مَعْجُونٍ بِالنَّجَاسَةِ (وَصَلَّى عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ النَّارَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُطَهِّرُ، لَكِنَّهَا تَأْكُلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ، وَيَبْقَى الْأَثَرُ فَيُطَهَّرُ بِالْغُسْلِ، كَظَاهِرِ الْأَرْضِ النَّجِسَةِ، وَيَبْقَى الْبَاطِنُ نَجِسًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ. ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ بِمَعْنَاهُ (أَوْ) صَلَّى (عَلَى بِسَاطِ بَاطِنُهُ فَقَطْ نَجِسٌ) وَظَاهِرُهُ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ طَاهِرٌ (أَوْ) صَلَّى عَلَى (عُلُوٍّ مُبَاحٍ لَهُ) بِأَنْ كَانَ بِنَاؤُهُ قَبْلَ الْغَصْبِ أَوْ بَعْدَهُ، لَكِنْ كَانَ الْبَانِي هُوَ مَالِكُ السُّفْلِ، وَصَلَّى بِالْعُلُوِّ بَعْدَ غَصْبِ السُّفْلُ مِنْهُ صَحَّتْ أَوْ كَانَ (سُفْلُهُ غَصْبٌ لِغَيْرِهِ) وَصَلَّى فِي الْعُلُوِّ؛ صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ. بِخِلَافِ مَا إذَا غَصَبَ مَحَلًّا وَبَنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى فِي الْعُلُوِّ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ. تَابِعٌ لِلْقَرَارِ. (أَوْ) صَلَّى عَلَى (سَرِيرٍ تَحْتَهُ نَجَسٌ) كُرِهَتْ صَلَاتُهُ؛ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى مَا لَا تَصِحُّ عَلَيْهِ، وَصَحَّتْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا مُبَاشِرًا لِمَا لَا تَصِحّ عَلَيْهِ. (وَإِنْ خِيطَ جُرْحٌ أَوْ جُبِرَ عَظْمٌ) مِنْ آدَمِيٍّ (بِخَيْطٍ) نَجِسٍ، (أَوْ عَظْمٍ نَجِسٍ، فَصَحَّ) الْجُرْحُ أَوْ الْعَظْمُ؛ (لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ) ، أَيْ: النَّجَسِ مِنْهُمَا (مَعَ) خَوْفِ (ضَرَرٍ) عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ، أَوْ حُصُولِ مَرَضٍ؛ لِأَنَّ حِرَاسَةَ النَّفْسِ وَأَطْرَافِهَا وَاجِبٌ، وَأَهَمُّ مِنْ مُرَاعَاةِ شَرْطِ الصَّلَاةِ. وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ مَاءٍ وَلَا سُتْرَةٍ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ. وَإِذَا جَازَ تَرْكُ شَرْطٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ، فَتَرْكُ شَرْطٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِحِفْظِ بَدَنِهِ أَوْلَى. فَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا لَزِمَهُ. (وَ) حَيْثُ لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ، فَ (لَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) أَيْ: لِلْخَطِّ أَوْ الْعَظْمِ النَّجِسِ، (إنْ غَطَّاهُ لَحْمٌ) لِإِمْكَانِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فِي جَمِيعِ مَحَلِّهَا. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ (تَيَمَّمَ) لَهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَيُشْبِهُ ذَلِكَ الْوَشْمُ إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ، غَسَلَهُ بِالْمَاءِ، وَإِلَّا تَيَمَّمَ لَهُ. (وَتَصِحُّ إمَامَتُهُ) ، أَيْ: مَنْ خِيطَ

جُرْحُهُ، أَوْ جُبِرَ عَظْمُهُ بِنَجِسٍ (بِمِثْلِهِ) قَطْعًا (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (وَ) كَذَلِكَ تَصِحُّ إمَامَتُهُ (بِغَيْرِهِ حَيْثُ صَحَّ تَيَمُّمٌ لِنَجَاسَةٍ) عَلَى بَدَنٍ لِعَدَمِ مَاءٍ، كَمَا لَوْ تَضَرَّرَ مَا وُضِعَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَعَ عَدَمِ ضَرَرٍ) بِإِزَالَتِهِ (تَجِبُ إزَالَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ لَمْ تَصِحَّ. (فَلَوْ مَاتَ) مَنْ تَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ لِعَدَمِ خَوْفِ الضَّرَرِ (إذَنْ) أَيْ: قَبْلَ إزَالَتِهِ (أُزِيلَ) وُجُوبًا (إلَّا مَعَ مُثْلَةٍ) بِإِزَالَتِهِ، فَلَا تَلْزَمُ إزَالَتُهُ،؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْمَيِّتَ مَا يُؤْذِي الْحَيَّ (وَلَا يَلْزَمُ شَارِبَ خَمْرٍ قَيْءٌ) لِلْخَمْرِ،؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى مَحَلٍّ يَسْتَوِي فِيهِ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ. وَكَذَا سَائِرُ النَّجَاسَاتِ تَحْصُلُ بِالْجَوْفِ. (وَسُؤْرُهُ) أَيْ: شَارِبِ الْخَمْرِ (نَجِسٌ) لِنَجَاسَةِ فَمِهِ (بِخِلَافِ طِفْلٍ) تَنَجَّسَ فَمُهُ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ، وَتَقَدَّمَ. (وَإِنْ أُعِيدَ نَحْوُ أُذُنِ) آدَمِيٍّ قُطِعَتْ، أَوْ أُعِيدَ سِنٌّ مِنْهُ قُلِعَتْ، فَطَاهِرٌ. (وَ) كَذَا لَوْ أُعِيدَ (سِنٌّ) قُلِعَتْ (مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ) أَوْ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ فَأَعَادَهُ بِحَرَارَتِهِ (فَثَبَتَ كَمَا كَانَ فَطَاهِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ جُمْلَةٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا؛ (كَمَا) لَوْ كَانَ ذَلِكَ (مِنْ نَحْوِ آدَمِيٍّ) كَسَمَكٍ (وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ) لِطَهَارَتِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا. وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ مَوْضِعَ سِنٍّ قُلِعَتْ سِنُّ شَاةٍ، وَنَحْوِهَا

فصل في المواضع التي لا تصح الصلاة فيها مطلقا

مُذَكَّاةٍ، وَصَلَّى بِهِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، بِخِلَافِ سِنِّ شَاةٍ وَنَحْوِهَا، قُلِعَ وَهِيَ حَيَّةٌ أَوْ مَيِّتَةٌ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ، إذْ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ كَمَيْتَةٍ. [فَصْلٌ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا] (فَصْلٌ) فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا، وَمَا يَصِحُّ فِيهِ النَّفَلُ دُونَ الْفَرْضِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. (وَلَا تَصِحُّ تَعَبُّدًا صَلَاةُ غَيْرِ جِنَازَةٍ فِي مَقْبَرَةٍ قَدِيمَةٍ، أَوْ لَا تُقُلِّبَتْ أَوَّلًا) وَهِيَ: مَدْفِنُ الْمَوْتَى، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا «لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَلَا يَضُرُّ) أَيْ: لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَكَانٌ فِيهِ (قَبْرَانِ) فَقَطْ، (وَلَوْ كَثُرَ مَدْفُونٌ بِهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْمَقْبَرَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْبَرَةُ ثَلَاثَةُ قُبُورٍ فَصَاعِدًا نَقَلَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَبُنِيَ لَفْظُهَا مِنْ الْقَبْرِ،؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَثُرَ بِمَكَانٍ جَازَ أَنْ يُبْنَى لَهُ اسْمٌ مِنْ اسْمِهِ، كَمَسْبَعَةٍ وَمَضْبَعَةٍ، لَمَّا كَثُرَ فِيهِ السِّبَاعُ وَالضِّبَاعُ. وَأَمَّا الْخَشْخَاشَةُ وَتُسَمَّى الْفَسْقِيَّةَ، فِيهَا أَمْوَاتٌ كَثِيرُونَ، فَهِيَ قَبْرٌ وَاحِدٌ، اعْتِبَارًا بِهَا لَا بِمَنْ فِيهَا. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَلَا) يَضُرُّ مَا أُعِدَّ لِلدَّفْنِ فِيهِ وَلَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، وَلَا (مَا دُفِنَ بِدَارِهِ وَلَوْ) كَانَ (قُبُورًا) كَثِيرَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْبَرَةٍ (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (فِي حَمَّامٍ) دَاخِلَهُ وَخَارِجَهُ وَأُتُونَهُ (وَ) كُلُّ، (مَا يَتْبَعُهُ فِي بَيْعٍ مِمَّا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُهُ) لِشُمُولِ الِاسْمِ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قَالَ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: خَبَرٌ صَحِيحٌ (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (فِي حَشٍّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا (وَهُوَ: مَحَلُّ قَضَاءِ حَاجَةٍ مِمَّا هُوَ

دَاخِلُ بَابِهِ) وَلَوْ مَعَ طَهَارَتِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ لُغَةً: الْبُسْتَانُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبَسَاتِينِ، وَهِيَ الْحُشُوشُ، فَسُمِّيَتْ الْأَخْلِيَةُ فِي الْحَضَرِ حُشُوشًا. (وَلَا) تَصِحُّ أَيْضًا فِي (أَعْطَانِ إبِلٍ) وَاحِدُهَا: عَطَنٌ - بِفَتْحِ الطَّاءِ - وَهِيَ: الْمَعَاطِنُ، جَمْعُ: مَعْطِنٍ، بِكَسْرِهَا. (وَهِيَ: مَا تُقِيمُ فِيهَا وَتَأْوِي إلَيْهَا) لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ. (فَلَا يَضُرُّ) فِعْلُ صَلَاةٍ (مَوْضِعَ وُرُودِهَا) أَيْ: الْإِبِلِ الْمَاءَ (وَ) : لَا مَوْضِعَ (مُنَاخِ عَلَفِهَا وَ) لَا (مَوْضِعَ نُزُولِهَا فِي سَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْأَعْطَانِ لَا يَتَنَاوَلُهَا، فَلَا تَدْخُلُ فِي النَّهْيِ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ (زَوَالُ) حُكْمِ (عَطَنٍ) اُتُّخِذَ مَأْوًى لِلْإِبِلِ مُدَّةً ثُمَّ تُرِكَ، فَيَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الْعَطَنِ (بِ) مُجَرَّدِ (رَحِيلِ) نَحْوِ (عَرَبٍ) عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ لِزَوَالِ الِاسْمِ عَنْهُ بِرَحِيلِهِمْ، فَإِنْ عَادُوا لِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ عَادَ عَطَنًا مُدَّةَ اسْتِقَامَتِهِمْ،؛ لِأَنَّ الْحُكْمِ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ أَيْضًا (فِي مَجْزَرَةٍ، وَهِيَ مَا) أَيْ: مَكَانٌ (أُعِدَّ لِذَبْحٍ فِيهِ وَلَا) فِي (مَزْبَلَةٍ، وَهِيَ مَرْمَى الزُّبَالَةِ، وَلَوْ طَاهِرَةً، وَلَا) فِي (قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَهِيَ: مَا كَثُرَ سُلُوكُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ سَالِكٌ أَوْ لَا) لِمَا

رَوَى ابْنُ عُمَرَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ: ظَهْرُ بَيْتِ اللَّهِ، وَالْمَقْبَرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وَمَعْطِنُ الْإِبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. (وَلَا بَأْسَ) بِالصَّلَاةِ (بِطَرِيقِ أَبْيَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَبِمَا عَلَا عَنْ جَادَّةِ مُسَافِرٍ يَمْنَةً وَيَسْرَةً) نَصًّا فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ بِلَا كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَجَّةٍ. (وَأَسْطُحُهُ مَا مَرَّ) مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا (كَهِيَ) ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، لِمَنْعِ الْجَنْبِ مِنْ اللُّبْثِ بِسَطْحِ الْمَسْجِدِ. وَحِنْثِ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا بِدُخُولِ سَطْحِهَا. (فَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِسَابَاطٍ حَدَثَ عَلَى طَرِيقٍ) لِتَبَعِيَّةِ الْهَوَاءِ لِلْقَرَارِ، بِخِلَافِ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ حَدَثَ تَحْتَ مَسْجِدٍ بَعْدَ بِنَائِهِ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ،؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (يَصِحُّ عَدُّ اجْتِنَابِ أَمَاكِنِ نَهْيٍ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا) لِلصَّلَاةِ، (وَكَذَا) يَصِحُّ عَدُّ اجْتِنَابِ (مَكَان) غُصِبَ، (وَثَوْبٍ غُصِبَ مَعَ الذِّكْرِ) شَرْطًا مُسْتَقِلًّا لَهَا، (كَمَا) يَصِحُّ عَدُّ (التَّسْمِيَةِ) مَعَ الذِّكْرِ شَرْطًا (لِوُضُوءٍ) كَذَا قَالَ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَسْقُطُ سَهْوًا وَلَا جَهْلًا، وَالصَّلَاةُ فِيمَا ذُكِرَ تَصِحُّ مِنْ جَاهِلٍ وَنَاسٍ، فَافْتَرَقَا. . (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى سَطْحِ نَهْرٍ) كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ، (لِعَدَمِ وُرُودِ نَهْيٍ) فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا غَيْرِهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةٍ

ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَاخْتَارَهُ (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") فَإِنَّهُ جَزَمَ بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي سَطْحِ النَّهْرِ، تَبَعًا لِابْنِ عَقِيلٍ الْقَائِلُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ. مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَقَيَّدَ الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ عَدَمَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى سَطْحِ نَهْرٍ تَجْرِي فِيهِ سَفِينَةٌ، وَقَالُوا: كَالطَّرِيقِ، وَعَلَّلُوهُ بِمَا يَأْتِي. (وَ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (التَّعْلِيلُ) أَيْ: تَعْلِيلُ الْقَاضِي وَمُتَابِعِيهِ (بِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ؛ يَرُدُّهُ سَفِينَةٌ، وَرَاحِلَةٌ، وَبَيْتٌ) مَبْنِيٌّ (عَلَى بِرْكَةٍ) لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِيهَا. أُجِيبُ عَنْهُ: بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ سَطْحِ النَّهْرِ وَبَيْنَ السَّفِينَةِ وَنَحْوِهَا بِأَنَّهَا مَظِنَّةُ حَاجَةٍ، وَلَا حَاجَةَ هُنَا. (وَلَوْ جَمَدَ الْمَاءُ فَكَسَطْحِهِ) قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنَّهُ كَالطَّرِيقِ، أَيْ: فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ. قَدَّمَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " خِلَافًا لِابْنِ تَمِيمٍ، وَصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى ثَلْجٍ) بِحَائِلٍ أَوْ لَا، (إذَا وَجَدَ حَجْمَهُ) لِاسْتِقْرَارِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ. وَكَذَا حَشِيشٌ، وَقُطْنٌ، وَصُوفٌ مُنْتَفِشٌ إذَا وَجَدَ حَجْمُهُ. وَ (لَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي بُقْعَةٍ (غُصِبَ مِنْ أَرْضٍ وَحَيَوَانٍ) بِأَنْ يُغْصَبَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَرْضِ وَالْحَيَوَانِ، وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أُتِيَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلَمْ تَصِحَّ كَصَلَاةِ الْحَائِضِ (وَغَيْرِهِ) كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً أَوْ لَوْحًا، فَنَجَّرَهُ سَفِينَةً لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهَا. (وَلَوْ) كَانَ الْمَغْصُوبُ (جُزْءًا مَشَاعًا) مِنْ بُقْعَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ جُزْءًا مُعَيَّنًا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ وَحْدَهُ، فَإِنْ صَلَّى فِيهِ؛ لَمْ تَصِحَّ وَإِنْ صَلَّى فِي غَيْرِهِ: صَحَّتْ (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى مَغْصُوبٍ، وَلَوْ (بُسِطَ عَلَيْهِ مُبَاحٌ ا) أَوْ بُسِطَ غَصْبًا عَلَى مُبَاحٍ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَسَطَ طَاهِرًا صَفِيقًا عَلَى حَرِيرٍ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لِلْحَرِيرِ إذَنْ، بِخِلَافِ الْبُقْعَةِ، فَإِنَّهُ حَالٌّ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ مُبَاحٌ. وَلَا فَرْقَ

بَيْنَ غَصْبِهِ لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا (سَوَاءٌ غَصَبَ ذَلِكَ أَوْ ادَّعَى مِلْكَهُ) بِغَيْرِ حَقٍّ، وَبَيْنَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مُدَّةً ظُلْمًا (أَوْ) غَصَبَ الْمَنَافِعَ، بِأَنْ يَدَّعِيَ (إجَارَتَهُ ظَالِمًا، أَوْ أَخْرَجَ سَابَاطًا بِمَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ) إخْرَاجُهُ؛ كَأَنْ يُخْرِجَهُ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِلَا إذْنِ أَهْلِهِ، فَإِنْ أَذِنُوا، صَحَّتْ. أَوْ فِي نَافِذٍ بِغَيْرِ إذْنِ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ أَيْ: فَلَا تَصِحُّ وَلَوْ أَذِنَ، كَمَا تَقَدَّمَ. . (وَيَصِحُّ وُضُوءٌ وَصَوْمٌ وَأَذَانٌ وَإِخْرَاجُ زَكَاةٍ وَعُقُودٌ) كَبَيْعٍ وَنِكَاحٍ وَغَيْرِهِمَا، وفسوخ: كَطَلَاقٍ، وَخُلْعٍ وَعِتْقٍ (بِمَكَانِ غُصِبَ) ؛ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. (وَ) تَصِحُّ (صَلَاةٌ فِي بُقْعَةٍ أَبْنِيَتُهَا غَصْبٌ، وَلَوْ اسْتَنَدَ) إلَى الْأَبْنِيَةِ لِإِبَاحَةِ الْبُقْعَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَتُكْرَهُ. وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا يُبْنَى لِحَرِيمِ الْأَنْهَارِ مِنْ مَسَاجِدَ وَبُيُوتٍ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْبِنَاءُ بِهَا، وَأَمَّا الْبُقْعَةُ فَعَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، (أَوْ) أَيْ: وَتَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ (طُولِبَ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ أَوْ) رَدِّ (غَصْبٍ وَلَمْ يَفْعَلْ) وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ. وَتَصِحُّ صَلَاةُ (قِنٍّ خَالَفَ سَيِّدَهُ بِإِقَامَةٍ بِمَكَانٍ) أَوْ ذَهَابٍ إلَى غَيْرِهِ. وَتَصِحُّ صَلَاةٌ وَنَحْوُهَا مِنْ (مُتَقَوٍّ عَلَى أَدَاءِ عِبَادَةٍ بِأَكْلِ حَرَامٍ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى الْعِبَادَةِ، وَلَا إلَى شُرُوطِهَا، بَلْ إلَى خَارِجٍ عَنْهَا، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي فَسَادَهَا. لَكِنْ لَوْ حَجَّ بِغَصْبٍ عَالِمًا ذَاكِرًا، لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَ) تَصِحُّ صَلَاةُ (نَحْوِ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ وَجِنَازَةٍ وَكُسُوفٍ) وَاسْتِسْقَاءٍ (لِضَرُورَةٍ بِطَرِيقٍ) بِأَنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ أَوْ الْمُصَلَّى، وَاضْطُرُّوا لِلصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ لِلْحَاجَةِ. (وَ) تَصِحُّ صَلَاةُ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ وَجِنَازَةٍ وَنَحْوِهَا بِمَوْضِعٍ (غُصِبَ) أَيْ: مَغْصُوبٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّاهَا الْإِمَامُ فِي الْغَصْبِ، وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ، فَاتَتْهُمْ. وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ خَلْفَ الْخَوَارِجِ، وَالْمُبْتَدِعَةِ، وَفِي الطَّرِيقِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا،

وَكَذَا الْأَعْيَادُ وَالْجِنَازَةُ. (بَلْ وَ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ الْأَمَاكِنِ الْمُتَقَدِّمَةِ (مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ خَشِيَ فَوْتَ الْوَقْتِ أَوْ لَا. نُصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": هُوَ الْمَذْهَبُ (لِعُذْرٍ) كَمَا لَوْ حُبِسَ فِيهَا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا، فَيُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ. (وَيَتَّجِهُ الْأَصَحُّ) أَنَّ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لِلصَّلَاةِ فِي أَمَاكِنِ النَّهْيِ، (خَوْفُ خُرُوجِ وَقْتٍ) ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ نُصُوصُهُمْ تَأْبَاهُ. (وَتُكْرَهُ صَلَاةٌ إلَيْهَا) لِحَدِيثِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ مَرْفُوعًا «لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا إلَيْهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. قَالَ الْقَاضِي: وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَوَاضِعِ النَّهْيِ إلَّا الْكَعْبَةَ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عِنْدَهُ تَعَبُّدٌ، وَشَرْطُ الْقِيَاسِ فَهْمُ الْمَعْنَى. فَإِنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ مَنَعَ صِحَّةَ الصَّلَاةِ إلَى الْمَقْبَرَةِ، وَبَعْضُهُمْ وَإِلَى الْحَشِّ، وَالْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْإِفَادَاتِ " وَقَدَّمَهُ غَيْرُهُمَا. وَمَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ إلَى ذَلِكَ (بِلَا حَائِلٍ) فَإِنْ كَانَ حَائِلٌ لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ، (وَلَوْ) كَانَ (كَمُؤَخِّرَةِ رَحْلٍ) كَسُتْرَةِ الْمُتَخَلِّي، لَا كَسُتْرَةِ صَلَاةٍ. فَلَا يَكْفِي الْخَطُّ وَنَحْوُهُ، وَلَا مَا دُونَ مُؤَخِّرَةِ رَحْلٍ، بَلْ (وَلَا يَكْفِي حَائِطُ الْمَسْجِدِ نَصًّا) جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَالنَّاظِمُ، وَغَيْرُهُمْ. وَقَدَّمَهُ فِي " الرعايتين "، وَ " الْحَاوِيَيْنِ " وَغَيْرِهِمْ، لِكَرَاهَةِ السَّلَفِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ قِبْلَتُهُ حَشٌّ (خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ)

حَيْثُ اعْتَبَرَ أَنَّ حَائِطَ الْمَسْجِدِ كَافٍ فِي السُّتْرَةِ، وَتَأَوَّلَ النَّصَّ عَلَى سِرَايَةِ النَّجَاسَةِ تَحْتَ مَقَامِ الْمُصَلِّي. (وَلَوْ غُيِّرَتْ أَمَاكِنَ نَهْيٍ غَيْرَ) أَمَاكِنِ (غَصْبٍ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا، كَجَعْلِ حَمَّامٍ دَارًا، وَمَقْبَرَةٍ مَسْجِدًا) ، أَوْ نُبِشَ الْمَوْتَى وَحُوِّلَتْ عِظَامُهُمْ، (وَصَلَّى فِيهَا) (صَحَّتْ) الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهَا مِنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ (وَكَمَقْبَرَةِ مَسْجِدُ حَدَثَ بِهَا) أَيْ: الْمَقْبَرَةِ، فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ سِوَى صَلَاةِ جِنَازَةٍ، أَوْ لِعُذْرٍ. قَالَ الْآمِدِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ (لَا إنْ حَدَثَتْ هِيَ) أَيْ: الْقُبُورُ، (حَوْلَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ وَكَذَا (لَوْ) حَدَثَتْ (فِي قِبْلَتِهِ فَ) تُكْرَهُ (كَصَلَاةٍ إلَيْهَا) بِلَا حَائِلٍ (وَلَوْ وُضِعَ قَبْرٌ) أَيْ: مَقْبَرَةٌ، (وَمَسْجِدٌ مَعًا، لَمْ يَجُزْ) وَضْعُ ذَلِكَ، (وَلَمْ يَصِحَّ وَقْفٌ، وَ) لَا (صَلَاةٌ) بِهِ. (قَالَهُ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي " الْهَدْيِ) النَّبَوِيِّ " (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِطَرِيقٍ حَدَثَتْ بِمَسْجِدٍ) وَكَذَا لَوْ حَدَثَ غَيْرُهُ مِنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ، كَحَشٍّ بَعْدَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَالصَّلَاةُ فِيهِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَابِعٍ لِمَا حَدَثَ بَعْدَهُ. (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (بِأَرْضِ خَسْفٍ، وَمَا نَزَلَ بِهَا عَذَابٌ) مِنْ الْأَرَاضِي الْمَسْخُوطِ عَلَيْهَا، (كَ) أَرْضِ (بَابِلَ) وَأَرْضِ الْحِجْرِ (وَدِيَارِ ثَمُودَ) " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَرْضِ بَابِلَ وَقَالَ: إنَّهَا مَلْعُونَةٌ» وَلِأَنَّهَا مَوَاضِعُ مَسْخُوطٌ عَلَيْهَا، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَوْمَ مَرَّ بِالْحِجْرِ " لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ» (وَ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ (بِمَسْجِدِ الضِّرَارِ) إذَا لَمْ تَكُنْ أَرْضُهُ مَغْصُوبَةً. (وَ) تَصِحُّ أَيْضًا فِي (مَدْبَغَةٍ وَرَحًى وَ) تَصِحُّ (عَلَيْهَا) أَيْ: الرَّحَى مَعَ الْكَرَاهَةِ. (وَ) تَصِحُّ أَيْضًا (بِأَرْضٍ سَبِخَةٍ) . نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": مَعَ الْكَرَاهَةِ. (وَ)

فصل الصلاة في الكعبة المشرفة

تَصِحُّ أَيْضًا مَعَ الْكَرَاهَةِ وَتَصِحُّ أَيْضًا فِي (مَقْصُورَةِ مَسْجِدٍ تُحْمَى لِأَكَابِرَ) مِنْ أُمَرَاءَ (وَسَلَاطِينِ) نَصًّا. (وَلَا تُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (بِبِيَعٍ) وَهِيَ: مَعْبَدُ النَّصَارَى (وَكَنَائِسُ) : مَعْبَدُ الْيَهُودِ، (وَلَوْ مَعَ) وُجُودِ (صُوَرٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ " لِلْإِقْنَاعِ "، وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَيْسَتْ) الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسُ (مِلْكًا لِأَحَدٍ، فَلَيْسَ لَهُمْ مَنْعُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا؛ لِأَنَّا صَالَحْنَاهُمْ عَلَيْهِ) . نَقَلَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فِي الْوَلِيمَةِ. (فَرْعٌ: يُثَابُ عَلَى مَا كُرِهَ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِعَارِضٍ، كَمَا مَرَّ) مِنْ الصَّلَاةِ إلَى أَمَاكِنِ النَّهْيِ، وَأَرْضِ الْخَسْفِ وَمَا نَزَلَ بِهَا عَذَابٌ، وَمَسْجِدِ الضِّرَارِ، وَالْمَدْبَغَةِ، وَالرَّحَى، وَالْأَرْضِ السَّبِخَةِ، وَالْمَقْصُورَةِ الْمَحْمِيَّةِ، (وَكَوُضُوءٍ بِمَا كُرِهَ) اسْتِعْمَالُهُ لِشِدَّةِ حَرِّهِ أَوْ بَرْدِهِ (بِخِلَافِ مَا كُرِهَ لِذَاتِهِ؛ كَسِوَاكِ صَائِمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ. وَلَا يُعَدُّ) مَا كُرِهَ لِذَاتِهِ (عِبَادَةً) ، بِخِلَافِ مَا كُرِهَ لِعَارِضٍ. [فَصْلٌ الصَّلَاةُ فِي الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ] (فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ فَرْضٌ فِي الْكَعْبَةِ) الْمُشَرَّفَةِ، (وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] وَالشَّطْرُ: الْجِهَةُ. وَمَنْ صَلَّى فِيهَا، أَوْ عَلَى سَطْحِهَا غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا؛ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَدْبِرًا مِنْ الْكَعْبَةِ، مَا لَوْ اسْتَقْبَلَهُ مِنْهَا، وَهُوَ خَارِجُهَا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَهْرِهَا قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى. وَالْجِدَارُ لَا أَثَرَ لَهُ؛ إذْ الْمَقْصُودُ الْبُقْعَةُ، بِدَلِيلِ: أَنَّهُ يُصَلَّى لِلْبُقْعَةِ حَيْثُ لَا جِدَارَ، (إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ (بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ)

مِنْهَا، (أَوْ) وَقَفَ (خَارِجَهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، (وَسَجَدَ فِيهَا) فَيَصِحُّ فَرْضُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْكَعْبَةِ، غَيْرَ مُسْتَدْبِرٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا، كَمَا لَوْ صَلَّى إلَى أَحَدِ أَرْكَانِهَا. (وَتَصِحُّ نَافِلَةٌ) فِي الْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهَا. (وَ) تَصِحُّ (مَنْذُورَةٌ فِيهَا وَعَلَيْهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ مُتَّصِلٌ بِهَا) ، عَلَى الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ فِي " الْمُغْنِي "، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ "، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ " الْحَاوِي الْكَبِيرِ "، وَالْفَائِقُ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى ". (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَوْ صَلَّى لِغَيْرِ وَجَاهَةٍ إذَا دَخَلَ جَازَ، إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا شَاخِصٌ مُتَّصِلٌ بِهَا كَالْبِنَاءِ، وَالْبَابِ وَلَوْ مَفْتُوحًا، أَوْ عَتَبَتِهِ الْمُرْتَفِعَةِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِالْآجُرِّ الْمُعَبَّأِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ، وَلَا بِالْخَشَبِ غَيْرِ الْمَسْمُورِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاخِصٌ، وَسُجُودُهُ عَلَى مُنْتَهَاهَا، لَمْ تَصِحَّ. انْتَهَى. (مَا لَمْ يَسْجُدْ عَلَى مُنْتَهَاهَا) أَيْ: الْكَعْبَةِ، وَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ مُتَّصِلٌ بِهَا، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا فِيهِ. (وَيُسَنُّ نَفْلُهُ فِيهَا، وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَتَنَفَّلَ (وِجَاهَهُ، إذَا - دَخَلَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الْبَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ عَنْ يَسَارِكَ إذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. وَأَمَّا مَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أُسَامَةَ أَيْضًا، وَالْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ» فَجَوَابُهُ أَنَّ الدُّخُولَ كَانَ مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأُولَى، وَصَلَّى فِي الثَّانِيَةِ. كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ "، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ

(وَيَجُوزُ) التَّنَفُّلُ (لِغَيْرِ وَجَاهَةٍ) إذَا دَخَلَ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِهِ قِبْلَةٌ. (وَنَفْلٌ سُنَّ جَمَاعَةً) فِعْلُهُ (خَارِجَهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، (بِهَا) أَيْ: بِالْجَمَاعَةِ، (أَفْضَلُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ فِعْلِهِ (دَاخِلٌ بِدُونِهَا) ، أَيْ: الْجَمَاعَةِ. (إذْ الْمُحَافَظَةُ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا) إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَنَفْلٌ بِبَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْهُ بِمَسْجِدٍ، وَلَوْ الْحَرَامُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَبُعْدِهِ مِنْ الرِّيَاءِ، وَقُرْبِهِ مِنْ الْإِخْلَاصِ. (وَسُنَّ تَنَفُّلٌ فِي الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، (وَهُوَ) أَيْ: الْحِجْرُ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْكَعْبَةِ، لِخَبَرِ عَائِشَةَ (وَقَدْرُهُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ) بِذِرَاعِ الْيَدِ (وَشَيْءٌ) . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْحِجْرُ جَمِيعُهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ: وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ فِي حُدُودِ الْبَيْتِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ، فَمَنْ اسْتَقْبَلَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَلْبَتَّةَ انْتَهَى. وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الطَّوَافِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ جَمِيعِهِ احْتِيَاطًا، وَيَأْتِي. (وَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْبَيْتِ، أَشْبَهَ سَائِرَهُ (وَلَوْ لِمَكِّيٍّ) ، سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا. (وَالْفَرْضُ فِيهِ) ، أَيْ: الْحِجْرِ، (كَدَاخِلِهَا) ، أَيْ: لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهُ، أَوْ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ وَقَفَ خَارِجَهُ وَسَجَدَ فِيهِ قَالَ أَحْمَدُ: الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ. (وَلَوْ نُقِضَ بِنَاءُ الْكَعْبَةِ) أَوْ سَقَطَ (وَجَبَ اسْتِقْبَالُ مَوْضِعِهَا، وَهَوَائِهَا دُونَ أَنْقَاضِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْبُقْعَةُ لَا الْأَنْقَاضُ. (وَلَوْ عَلَى جَبَلٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَةٍ بُنْيَانُهَا) كَأَبِي قُبَيْسٍ (صَحَّتْ) الصَّلَاةُ (لِهَوَائِهَا) وَكَذَا لَوْ حَفَرَ حَفِيرَةً فِي الْأَرْضِ بِحَيْثُ يَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتَةٍ بُنْيَانُهَا صَحَّتْ إلَى هَوَائِهَا؛ إذْ الْمَقْصُودُ الْبُقْعَةُ لَا الْجِدَارُ. (وَلَا بَأْسَ بِتَغَيُّرِ حِجَارَتِهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، وَإِبْدَالِهَا بِحِجَارَةٍ أَقْوَى

باب استقبال القبلة

مِنْهَا (إنْ احْتَاجَتْ لِمِرَمَّةٍ) ، وَلَمْ تُمَكَّنْ بِدُونِ التَّغْيِيرِ، وَإِلَّا فَلَا. (لَا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَيَحْرُمُ) تَغْيِيرُهُ (لِعَدَمِ قِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ) ، بَلْ يَجِبُ بَقَاؤُهُ عَلَى حَالٍ. وَلَوْ تَشَعَّثَ أَوْ تَكَسَّرَ يُلْصَقُ فِي مَحَلِّهِ، وَلَا يُنْقَلُ إلَى غَيْرِهِ. (وَلَا يَنْتَقِلُ النُّسُكُ مَعَهُ) أَيْ: الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، إذَا نُقِلَ مِنْ مَكَانِهِ؛ لِأَنَّ النُّسُكَ إنَّمَا هُوَ الطَّوَافُ بِجُمْلَةِ الْبَيْتِ، لَا بِالْحِجْرِ عَلَى انْفِرَادِهِ. (وَكُرِهَ نَقْلُ حِجَارَتِهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، (عِنْدَ عِمَارَتِهَا إلَى غَيْرِهَا) مِنْ الْأَمَاكِنِ. (وَفِي " الْفُنُونِ ": لَا يَجُوزُ أَنْ تُعَلَّى أَبْنِيَتُهَا زِيَادَةً عَلَى مَا وُجِدَ مِنْ عُلُوِّهَا) زَمَنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (وَفِي " الْفُرُوعِ ": يَتَوَجَّهُ جَوَازُ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) ، (يَعْنِي إدْخَالَ الْحِجْرِ فِي الْبَيْتِ انْتَهَى) كَلَامُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ ". (وَقَدْ فَعَلَهُ) أَيْ: الْبِنَاءَ، عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ثُمَّ أَعَادَهَا الْحَجَّاجُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ بِنَاءِ قُرَيْشٍ، وَأَخْرَجَ الْحِجْرَ مِنْهَا، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إلَى الْآنِ. (وَرَأَى) الْإِمَامُ (الشَّافِعِيُّ، وَ) الْإِمَامُ (مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (تَرْكَهُ) ، أَيْ: الْبِنَاءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ (لِئَلَّا يَصِيرَ الْبَيْتُ مِلْعَبَةً لِلْمَمْلُوكِ) فَيَسْقُطُ تَعْظِيمُهُ مِنْ أَعْيُنِ الْجُهَّالِ. [بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] وَبَيَانُ أَدِلَّتِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْقِبْلَةُ: الْوَجْهَةُ، وَهِيَ: الْفَعْلَةُ مِنْ الْمُقَابَلَةِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا لَهُ قِبْلَةٌ، وَلَا دَبْرَةٌ، إذَا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أَمْرِهِ. وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ فِي اللُّغَةِ: الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا، كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا، إلَّا أَنَّهَا صَارَتْ كَالْعِلْمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا. وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا، أَوْ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا، وَهِيَ تُقَابِلُهُ.

وَاسْتِقْبَالُهَا (فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ شَرْطٌ لَهَا) ، أَيْ الصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّامِنُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ. (مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَيْهِ (لَا مَعَ عُذْرٍ) كَعَجْزٍ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ؛ كَالْتِحَامِ حَرْبٍ، وَهَرَبٍ مِنْ سَيْلٍ أَوْ نَارٍ أَوْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ (وَلَوْ) كَانَ الْعُذْرُ (نَادِرًا، كَمَرِيضٍ) ، وَمَصْلُوبٍ (وَمَرْبُوطٍ عَجَزَ عَنْ اسْتِقْبَالٍ) وَعَمَّنْ يُدِيرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُمْ إلَى غَيْرِهَا بِلَا إعَادَةٍ، لِعَجْزِهِمْ عَنْ الشَّرْطِ فَيَسْقُطُ، كَالْقِيَامِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ. (وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ) . جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي " شَرْحِ الْخِرَقِيِّ الصَّغِيرِ " وَالسَّامِرِيُّ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَهِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي أَقَامَهَا بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ بِنَاءً عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ» الْحَدِيثَ. وَمَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ. قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ: اخْتَلَفُوا فِي صَلَاتِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلَى الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا صَارَ إلَى الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ كَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْقِبْلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ كَانَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَطْ بِمَكَّةَ وَبِالْمَدِينَةِ أَوَّلًا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّلَاحِ. (وَ) صَلَّى أَيْضًا، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْمَدِينَةِ) ، وَقِيلَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا. رُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا

ثُمَّ إنَّهُ وَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ، فَمَرَّ رَجُلٌ كَانَ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ وَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ، فَانْحَرَفُوا إلَى الْكَعْبَةِ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ "، وَلَمْ يُشِرْ إلَى خِلَافِهِ. وَقَدْ وَرَدَ (بِالسُّنَّةِ) قَوْلَانِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ. (وَ) وَرَدَ فِي (الْقُرْآنِ) أَيْضًا (قَوْلَانِ) قِيلَ عَنْ أَحَدِهِمَا: إنَّهُ نَزَلَ بِهِ قُرْآنٌ وَنُسِخَ، وَالثَّانِي: قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] . (ثُمَّ أُمِرَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِالتَّوَجُّهِ لِلْكَعْبَةِ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144] الْآيَةَ. (فَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (لِقَادِرٍ) عَلَى الِاسْتِقْبَالِ (بِدُونِ اسْتِقْبَالِهَا) أَيْ: الْقِبْلَةِ، (إلَّا فِي نَفْلِ وَرَاتِبَةِ مُسَافِرٍ، فَقِبْلَتُهُ جِهَةُ سَيْرِهِ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ لِلْخَبَرِ فِي الرَّاكِبِ، وَيَأْتِي. (وَلَوْ) كَانَ الْمُسَافِرُ (مَاشِيًا) لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي خَوْفِ الِانْقِطَاعِ عَنْ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ (سَفَرًا مُبَاحًا) كَالتِّجَارَةِ، (وَلَوْ قَصِيرًا) كَدُونِ الْمَسَافَةِ (لَا مَكْرُوهًا) كَسِيَاحَةٍ، وَلَا مُحَرَّمًا؛ لِأَنَّ نَفْلَهُ كَذَلِكَ رُخْصَةٌ، وَلَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي. (أَوْ) تَنَفَّلَ (حَضَرًا) كَالرَّاكِبِ السَّائِرِ فِي مِصْرِهِ، أَوْ قَرْيَتِهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الِاسْتِقْبَالُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ. (وَلَا) يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ فِي نَفْلِ (رَاكِبٍ تَعَاسِيفَ وَهُوَ) ، أَيْ: التَّعَاسِيفُ: (رُكُوبُ فَلَاةٍ وَقَطْعُهَا عَلَى غَيْرِ صَوْبٍ) ، وَمِنْهُ الْهَائِمُ، وَالتَّائِهُ، كَمَا لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ بِرَمَضَانَ. (وَلَا) يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ عَنْ (رَاكِبِ مِحَفَّةٍ وَاسِعَةٍ) أَوْ عمارية وَهَوْدَجٍ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ. (وَلَا)

عَنْ رَاكِبِ (نَحْوِ سَفِينَةٍ) كَزَوْرَقٍ، إذَا كَانَ (غَيْرَ مَلَّاحٍ) ، أَمَّا الْمَلَّاحُ فَمَعْذُورٌ لِانْفِرَادِهِ بِتَدْبِيرِهَا. (وَإِنْ لَمْ يُعْذَرْ مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ) إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ؛ بِأَنْ عَلِمَ بِعُدُولِهَا، وَقَدَرَ عَلَى رَدِّهَا، وَلَمْ يَفْعَلْ؛ بَطَلَتْ، (أَوْ عَدَلَ) هُوَ (إلَى غَيْرِهَا) أَيْ: الْقِبْلَةِ، (عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ) بِعُدُولِهِ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا. وَسَوَاءٌ طَالَ عُدُولُهُ، أَوْ لَا، (أَوْ عُذِرَ) مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ لِعَجْزِهِ عَنْهَا كَجِمَاحِهَا، أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ عُذِرَ مَنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهَا لِغَفْلَةٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ جَهْلٍ أَوْ ظَنَّهَا جِهَةَ سَيْرِهِ، (وَطَالَ) عُدُولُ دَابَّتِهِ أَوْ عُدُولُهُ عُرْفًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ (وَ) إنْ حَصَلَ الْعُدُولُ (بِعُذْرِ سَهْوٍ قَصِيرٍ) زَمَنَهُ، فَإِنَّهُ (يَسْجُدُ لَهُ) . فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ، بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ السَّهْوِ، بِخِلَافِ الْغَفْلَةِ النَّوْمِ. (وَإِنْ وَقَفَ) الْمُسَافِرُ الْمُتَنَفِّلُ لِجِهَةِ سَيْرِهِ (لِتَعَبِ دَابَّتِهِ، أَوْ) وَقَفَ (مُنْتَظِرًا رُفْقَةً أَوْ) وَقَفَ لِكَوْنِهِ (أَيْسَرَ لِسَيْرِهِمْ) أَيْ: الرُّفْقَةِ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. (أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ، أَوْ نَزَلَ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، (اسْتَقْبَلَ) الْقِبْلَةَ حَالَ كَوْنِهِ (نَازِلًا) فِي، الْأَخِيرَةِ (وَيُتِمُّهَا) لِانْقِطَاعِ سَيْرِهِ كَالْخَائِفِ يَأْمَنُ. (وَيَتَّجِهُ وُجُوبُ نُزُولِ رَاكِبٍ) وَقَفَ لِتَعَبِ دَابَّتِهِ، أَوْ مُنْتَظِرًا رُفْقَةً أَوْ لَمْ يَسِرْ لِسَيْرِهِمْ، أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ إنْ كَانَ (لَا يَتَمَكَّنُ) وَهُوَ رَاكِبٌ (مِنْ نَحْوِ سُجُودٍ) ، وَرُكُوعٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، وَاعْتِدَالٍ (سِيَّمَا مُفْتَرِضٌ) وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِي الْمُفْتَرِضِ ظَاهِرٌ، وَيَأْتِي. وَأَمَّا الْمُتَنَفِّلُ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْإِيمَاءِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِهِمَا.

(وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً عَلَى دَابَّةٍ، جَازَ وَصَحَّتْ) الصَّلَاةُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الدَّابَّةِ. (وَشَرْطُ طَهَارَةِ مَحَلِّ رَاكِبٍ) ، مِنْ بَرْدَعَةٍ، وَسَرْجٍ، وَنَحْوِهِ، (وَعَدَمِ مُلَاقَاتِهِ) أَيْ: الرَّاكِبِ (لِنَجِسٍ، كَحِمَارٍ) وَبَغْلٍ، وَفِيلٍ، وَنَحْوِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِبَارِ طَهَارَةِ الْمَكَانِ. (وَلَا يَضُرُّ وَطْءُ دَابَّةٍ نَجَاسَةً) . قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إنْ أَمْكَنَ رَدُّهُ عَنْهَا وَلَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَتْ. (بَلْ) يَضُرُّ (وَطْءُ مَاشٍ) نَجَاسَةً (عَمْدًا) كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَطْءُ دَابَّةٍ نَجَاسَةً إذَا كَانَتْ غَيْرَ رَطْبَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَقُ مِنْهَا بِهَا شَيْءٌ، بِخِلَافِ الرَّطْبَةِ، فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِوَطْءِ الدَّابَّةِ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ أَثَرٍ يَصْحَبُ يَدَ الدَّابَّةِ أَوْ رِجْلَهَا مِنْهَا، فَيَكُونُ كَمَنْ صَلَّى بِمَحَلٍّ نَجِسٍ وَلَا يُرَدُّ أَنَّ جَمِيعَ أَعْضَاءِ الدَّابَّةِ نَجِسَةٌ كَمَا لَوْ كَانَتْ بَغْلًا، أَوْ حِمَارًا؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ لَا غِنَاءَ عَنْهَا فِي السَّفَرِ. وَأَمَّا النَّجَاسَةُ فَيُمْكِنُ اجْتِنَابُهَا وَالتَّحَرُّزُ مِنْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ رَكِبَ مَاشٍ) مُتَلَبِّسٌ (فِي نَفْلٍ، أَتَمَّهُ) رَاكِبًا، كَمَا لَوْ نَزَلَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ الدَّابَّةِ، فَيُتِمُّهَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَلَا اسْتِئْنَافٍ. نَصَّ عَلَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَ) كَذَا لَوْ رَكِبَ بَعْدَ شُرُوعِهِ (فِي فَرْضٍ) مَاشِيًا، فَلَهُ

فصل في بيان ما يجب استقباله وأدلة القبلة

أَنْ يُتِمَّهُ رَاكِبًا، (حَيْثُ جَازَ) الشُّرُوعُ فِيهِ مَاشِيًا، كَخَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سَبُعٍ، أَوْ نَارٍ أَوْ مَاءٍ، أَوْ فَوْتِ وَقْتِ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَاجِبَةٌ شَرْعًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَتَبْطُلُ) النَّافِلَةُ (بِرُكُوبِ قَاعِدٍ وَقَائِمٍ) ؛ لِأَنَّ حَالَتَهُ حَالَةُ إقَامَةٍ، فَرُكُوبُهُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ. (وَ) يَجِبُ (عَلَى) مُسَافِرٍ (مَاشٍ إحْرَامٌ) إلَى الْقِبْلَةِ، (وَرُكُوعٌ وَسُجُودٌ إلَيْهَا) بِالْأَرْضِ (إنْ أَمْكَنَ) لِتَيَسُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، (وَيَفْعَلُ مَا سِوَاهُ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ) . (وَكَذَا) (رَاكِبٌ) مُتَنَفِّلٌ، يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي كُلِّ صَلَاتِهِ، وَيَرْكَعُ، وَيَسْجُدُ وُجُوبًا إنْ (أَمْكَنَهُ) ذَلِكَ (بِلَا مَشَقَّةٍ) كَرَاكِبِ الْمِحَفَّةِ الْوَاسِعَةِ، وَالسَّفِينَةِ وَالرَّاحِلَةِ الْوَاقِفَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُقِيمِ فِي عَدَمِ الْمَشَقَّةِ، (وَإِلَّا) يُمْكِنَهُ ذَلِكَ بِلَا مَشَقَّةٍ، كَرَاكِبٍ نَحْوِ بَعِيرٍ مَقْطُورٍ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِدَارَةُ بِنَفْسِهِ، أَوْ رَاكِبٍ حَرُونَ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ إدَارَتُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ (فَ) يُحْرِمُ (إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، وَيُومِئُ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ. (وَيَلْزَمُ قَادِرًا جَعْلُ سُجُودِهِ أَخْفَضَ) مِنْ رُكُوعِهِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ «، قَالَ " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ، فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) تَلْزَمُهُ (طُمَأْنِينَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ قَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ بِالْأَرْضِ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ وَأَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ] (فَصْلٌ) فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ، وَأَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا. (وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِنْ قُرْبٍ مِنْ الْكَعْبَةِ) ، وَهُوَ مَنْ يُمْكِنُهُ الْمُشَاهَدَةُ، أَوْ مَنْ يُخْبَرُهُ عَنْ يَقِينٍ، إصَابَةُ الْعَيْنِ بِبَدَنِهِ، بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْهَا. فَإِنْ كَانَ

بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ، فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَهُ، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِنَظَرِهِ، أَوْ عِلْمِهِ، أَوْ خَبَرِ عَالَمٍ بِهِ، فَلَوْ خَرَجَ بِبَعْضِ بَدَنِهِ عَنْ مُسَامَتَتِهَا؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. (أَوْ) أَيْ: وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ (مِنْ مَسْجِدِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إصَابَةُ الْعَيْنِ بِكُلِّ بَدَنِهِ) ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. لِأَنَّ قِبْلَتَهُ مُتَيَقَّنَةُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ. وَرَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» . قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، صَحِيحَةٌ، مَعَ خُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَنْ اسْتِقْبَالِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ، لِكَوْنِ الصَّفِّ أَطْوَلَ مِنْهَا. وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ صَحِيحٌ، لَكِنْ إنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ، وَقَدْ فَعَلَهُ، وَهَذَا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى. وَقَدْ يُجَابُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: فَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ، أَيْ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي مَسْجِدِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، الِانْحِرَافُ عَنْهُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً، كَمَنْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ قِبْلَتَهُ بِالنَّصِّ، فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ. قَالَ النَّاظِمُ: وَفِي مَعْنَاهُ، أَيْ: مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ أَنَّهُ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، صَلَّى فِيهِ إذَا ضُبِطَتْ جِهَتُهُ. (وَلَا يَضُرُّ عُلُوٌّ) عَنْ الْكَعْبَةِ، كَالْمُصَلِّي عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ. (وَ) لَا يَضُرُّ (نُزُولٌ) عَنْهَا، كَمَنْ فِي حَفِيرَةٍ فِي الْأَرْضِ تَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتِهَا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْبُقْعَةِ لَا بِالْجُدْرَانِ كَمَا تَقَدَّمَ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَضُرُّ (حَائِلٌ حَادِثٌ) ، كَالْأَبْنِيَةِ (حَيْثُ أَمْكَنَ تَيَقُّنُ) إصَابَةِ عَيْنِهَا (بِنَظَرٍ أَوْ خَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ يَقِينٍ) . فَإِنَّ مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ، أَوْ أَقَامَ بِهَا كَثِيرًا تَمَكَّنَ مِنْ الْأَمْرِ الْيَقِينِيِّ فِي ذَلِكَ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ إصَابَةُ الْعَيْنِ (بِحَائِلٍ أَصْلِيٍّ كَجَبَلٍ) صَلَّى خَلْفَهُ،

(اُجْتُهِدَ إلَى عَيْنِهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ؛ لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ عَلَيْهِ. وَمَعَ حَائِلٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ كَالْمَنَازِلِ، لَا بُدَّ مِنْ مُحَاذَاتِهَا بِبَدَنِهِ بِيَقِينٍ، إمَّا بِنَظَرٍ أَوْ إخْبَارِ ثِقَةٍ. وَالْأَعْمَى الْمَكِّيُّ وَالْغَرِيبُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِدَارٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ مَكَّةَ، فَفَرْضُهُ الْخَبَرُ عَنْ يَقِينٍ، أَوْ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، كَكَوْنِهِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ، وَعَلَى الْحَائِلِ مَنْ يُخْبِرُهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ أَهْلُ الدَّارِ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ، فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ كَالْحَاكِمِ إذَا وَجَدَ النَّصَّ. (وَفَرْضُ مَنْ بَعُدَ) عَنْ الْكَعْبَةِ وَمَسْجِدِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَهُوَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ) لِذَلِكَ، (وَلَا) يَقْدِرُ (عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ) بِالْعَيْنِ (عَنْ يَقِينِ إصَابَةِ الْجِهَةِ) أَيْ: جِهَةِ الْكَعْبَةِ (بِالِاجْتِهَادِ) ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الِاثْنَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ، لَا يُقَالُ مَعَ الْبُعْدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذِي،؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ التَّقَوُّسِ، لَا مَعَ عَدَمِهِ. (وَيُعْفَى عَنْ انْحِرَافٍ يَسِيرٍ) يَمْنَةً وَيَسْرَةً لِلْخَبَرِ، وَإِصَابَةُ الْعَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ مُتَعَذِّرَةٌ، فَسَقَطَتْ، وَأُقِيمَتْ الْجِهَةُ مَقَامَهَا لِلضَّرُورَةِ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ) أَيْ: مَعْرِفَةُ فَرْضِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ جِهَةٍ (بِخَبَرِ مُكَلَّفٍ وَلَوْ أُنْثَى عَدْلٌ، ظَاهِرًا بَاطِنًا) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا (عَنْ يَقِينٍ، كَ) قَوْلِهِ: (رَأَيْتُ الْقُطْبَ هُنَا) ، أَوْ: رَأَيْتُ النَّجْمَ الَّذِي تُجَاهَهُ الْجَدْيُ، فَيَعْلَمُ الْقِبْلَةَ مِنْهُ، (أَوْ) قَوْلِهِ: رَأَيْتُ (الْجَمَّ الْغَفِيرَ يُصَلِّي إلَى كَذَا) كَخَطٍّ بِحَائِطٍ، أَوْ عَمُودٍ وَنَحْوِهِ، (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) ، وَلَا يَجْتَهِدُ كَالْحَاكِمِ يَقْبَلُ النَّصَّ مِنْ الثِّقَةِ وَلَا يَجْتَهِدُ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ كَافِرٌ، وَلَا غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلَا فَاسِقٌ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: (وَيَصِحُّ تَوَجُّهٌ لِقِبْلَةِ فَاسِقٍ فِي بَيْتِهِ) . ذَكَرَهُ فِي " الْإِشَارَاتِ "

وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ ". فَلَوْ شَكَّ فِي حَالِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ، فَلَا. وَإِنَّهُ إذَا أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ، لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِي الْأَصَحِّ. (تَتِمَّةٌ) : وَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِدْلَالٌ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ، إذَا عَلِمَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، عُدُولًا كَانُوا أَوْ فُسَّاقًا؛ لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهَا مَعَ تَكْرَارِ الْأَعْصَارِ إجْمَاعٌ عَلَيْهَا، وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَا يَنْحَرِفُ؛ لِأَنَّ دَوَامَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كَالْقَطْعِ. انْتَهَى. قُلْتُ: إلَّا أَنْ تَكُونَ كَمَحَارِيبِ غَالِبِ الصَّعِيدِ، والفيوم، فَإِنَّ قِبْلَتَهُمْ كَثِيرَةُ الِانْحِرَافِ، كَمَا شُوهِدَ بِأَخْبَارِ الثِّقَاتِ، وَامْتُحِنَ بِالْأَدِلَّةِ. فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَلْزَمُهُ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا، لَتَحَقُّقِ خَطَئِهَا بَلْ يَجْتَهِدُ إنْ كَانَ أَهْلًا، وَإِلَّا قَلَّدَ عَدْلًا. وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ ببلغد خَرَابٍ لَا يَعْلَمُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا دَلَالَةَ فِيهَا؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا آثَارُ الْإِسْلَامِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْبَانِي لَهَا مُشْرِكًا، عَمِلَهَا لِيُغْرِ بِهَا الْمُسْلِمِينَ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنْ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَسْتَقْبِلُهُ. (وَمَتَى اُشْتُبِهَتْ) الْقِبْلَةُ (سَفَرًا) ، وَحَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهَا وُجُوبًا (بِدَلَائِلِهَا) ، جَمْعُ: دَلِيلٍ بِمَعْنَى دَالٍّ. (وَسُنَّ تَعْلَمُهَا) أَيْ: أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، (مَعَ أَدِلَّةِ وَقْتٍ) وَلَمْ يَجِبْ لِنُدْرَةِ الْتِبَاسِهِ. وَالْمُكَلَّفُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ مَا يَعُمُّ، لَا مَا يَنْدُرُ. (فَإِنْ دَخَلَ) الْوَقْتُ، (وَخَفِيَتْ عَلَيْهِ) أَدِلَّةُ الْقِبْلَةِ، (لَزِمَهُ) تَعَلُّمُهَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ مَعَ قِصَرِ زَمَنِهِ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَهُ، لَمْ تَصِحَّ. ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (وَيُقَلِّدُ) جَاهِلٌ (غَيْرَهُ لِضِيقِهِ) ، أَيْ: الْوَقْتِ، عَنْ تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ،

وَلَا يُعِيدُ لِجَوَازِ تَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ لِلضَّرُورَةِ، كَشِدَّةِ الْخَوْفِ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ. (وَأَصَحُّ الْأَدِلَّةِ النُّجُومُ) ، قَالَ تَعَالَى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] ، وَقَالَ: {جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا} [الأنعام: 97] ، وَقَالَ عُمَرُ: " تَعَلَّمُوا مِنْ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالطَّرِيقَ ". وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: مَا تَرَى فِي تَعَلُّمِ هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا كَمْ مَضَى مِنْ النَّهَارِ، وَكَمْ يَبْقَى؟ فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ تَعَلُّمِهَا. (وَأَثْبَتَهَا الْقُطْبُ) بِتَثْلِيثِ الْقَافِ. حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ، وَيُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ مَعْرِفَتُهُ، (ثُمَّ الْجَدْيُ) نَجْمٌ نَيِّرٌ مَا حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ (وَالْفَرْقَدَانِ. فَالْقُطْبُ: نَجْمٌ خَفِيٌّ حَوْلُهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ كَفَرَاشَةِ رَحًى، أَوْ كَسَمَكَةٍ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا أَحَدُ الْفَرْقَدَيْنِ. وَ) فِي " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ": فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ، (وَفِي) الطَّرَفِ (الْآخَرِ الْجَدْيُ) ، قَالُوا: وَبَيْنَ ذَلِكَ أَنْجُمٌ صِغَارٌ مَنْقُوشَةٌ كَنُقُوشِ الْفَرَاشَةِ، ثَلَاثَةٌ مِنْ فَوْقُ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ تَحْتُ، تَدُورُ هَذِهِ الْفَرَاشَةُ حَوْلَ الْقُطْبِ دَوَرَانَ فَرَاشَةِ الرَّحَى حَوْلَ سَفُّودِهَا، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً نِصْفُهَا بِاللَّيْلِ وَنِصْفُهَا بِالنَّهَارِ، فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ، فَيَكُونُ الْفَرْقَدَانِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي مَكَانِ الْجَدْيِ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى أَوْقَاتِ اللَّيْلِ، وَسَاعَاتِهِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَزْمِنَةِ لِمَنْ عَرَفَهَا، وَفَهِمَ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِهَا. (وَالْقُطْبُ وَسَطَ الْفَرَاشَةِ لَا يَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهِ دَائِمًا) . قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَفِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " إلَّا قَلِيلًا. قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَقِيلَ إنَّهُ يَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ (يَنْظُرُهُ حَدِيدُ بَصَرٍ فِي غَيْرِ لَيَالِي قَمَرٍ) فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ، خَفِيَ (وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْقُطْبِ، إذَا

خَفِيَ (بِجَدْيٍ، وَفَرْقَدَيْنِ، فَإِنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهِ تَدُورُ بَنَاتُ نَعْشٍ) الْكُبْرَى قَالَ الحجاوي فِي حَاشِيَتِهِ ": بَنَاتُ نَعْشٍ: أَرْبَعَةُ كَوَاكِبَ: وَثَلَاثَةٌ تَتْبَعُهَا الْأَرْبَعَةُ، وَالثَّلَاثَةُ بَنَاتٍ. (فَيَكُونُ) الْقُطْبُ (وَرَاءَ ظَهْرِ مُصَلٍّ بِشَامٍ، وَمَا حَاذَاهَا مِنْ عِرَاقٍ، وَحَرَّان) وَقِيلَ: أَعْدَلُ الْقِبَلِ قِبْلَتُهَا (وَسَائِرُ الْجَزِيرَةِ، لَكِنْ يَنْحَرِفُ بِعِرَاقٍ قَلِيلًا لِمَغْرِبٍ) لِانْحِرَافِهَا عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ لِلْقُطْبِ إلَى الْمَشْرِقِ، فَيَنْحَرِفُ الْمُصَلِّي فِيهَا إلَى الْمَغْرِبِ بِقَدْرِ انْحِرَافِهَا. (وَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْ مَشْرِقٍ انْحَرَفَ أَكْثَرَ) إلَى الْمَغْرِبِ وَإِذَا جَعَلَهُ الْإِنْسَانُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا وَسَطَ السَّمَاءِ فِي كُلِّ بَلَدٍ. ثُمَّ إنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا انْحِرَافَ لَهُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ لِلْقُطْبِ مِثْلُ آمد، وَمَا كَانَ عَلَى خَطِّهَا؛ فَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ. (وَ) إنْ كَانَ الْبَلَدُ مُنْحَرِفًا عَنْهَا إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ، انْحَرَفَ الْمُصَلِّي إلَى الْمَشْرِقِ بِقَدْرِ انْحِرَافِ بَلَدِهِ. (فَفِي دِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا يَنْحَرِفُ) الْمُصَلِّي (قَلِيلًا لِمَشْرِقٍ) ؛ لِأَنَّ انْحِرَافَهَا لِمَغْرِبٍ نَحْوِ نِصْفِ سُدُسِ الْفَلَكِ، يَعْرِفُ ذَلِكَ الْفَلَكِيَّةُ. (وَكُلَّمَا قَرُبَ مِنْ مَغْرِبٍ انْحَرَفَ أَكْثَرَ) لِمَشْرِقٍ بِقَدْرِهِ. وَعَكْسُ ذَلِكَ بِعَكْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (حَتَّى إنَّ قِبْلَةَ مِصْرَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ شِتَاءً) لِكَثْرَةِ انْحِرَافِهَا لِجِهَةِ الْمَغْرِبِ. (وَ) يَجْعَلُ الْقُطْبَ (بِيُمْنِ قُبَالَتِهِ مِمَّا يَلِي جَانِبَهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي، (الْأَيْسَرَ. وَ) يَجْعَلُهُ (بِمِصْرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ. وَ) يَجْعَلُهُ (بِمَشْرِقٍ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى) ، وَبِمَغْرِبٍ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى. (وَإِذَا جَعَلَ الشَّامِيُّ الْقُطْبَ بَيْنَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى وَنَقْرَةِ الْقَفَا، فَقَدْ اسْتَقْبَلَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ وَالْمِيزَابِ. قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ ". وَإِنْ جَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فِي الشَّامِ وَمَا حَاذَاهَا، وَانْحَرَفَ قَلِيلًا إلَى الْمَشْرِقِ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ. (وَمَطْلَعُ سُهَيْلٍ) ، وَهُوَ نَجْمٌ صَغِيرٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ،

ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَجَاوَزُهَا فَيَسِيرُ حَتَّى يَغْرُبَ بِقُرْبِ مَحَلِّ الدَّبُورِ، (قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الشَّامِ) . وَمَنْ اسْتَدْبَرَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيَ فِي حَالِ عُلُوِّ أَحَدِهِمَا وَهُبُوطِ الْآخَرِ، فَهُوَ كَاسْتِدْبَارِ الْقُطْبِ، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ أَحَدَهُمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ لِلْجِهَةِ، لَكِنَّهُ إنْ اسْتَدْبَرَ الشَّرْقِيَّ مِنْهُمَا، انْحَرَفَ إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْغَرْبِيَّ، انْحَرَفَ قَلِيلًا إلَى الْمَغْرِب، لِيَتَوَسَّطَ الْجِهَةَ، وَيَكُونَ انْحِرَافُهُ الْمَذْكُورُ لِاسْتِدْبَارِ الْجَدْيِ أَقَلَّ مِنْ انْحِرَافِهِ لِاسْتِدْبَارِ الْفَرْقَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْقُطْبِ مِنْهُمَا. وَإِنْ اسْتَدْبَرَ بَنَاتِ نَعْشٍ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ أَيْضًا لَكِنَّهُ عَنْ وَسَطِهَا أَبْعَدُ، فَيَجْعَلُ انْحِرَافَهُ إلَيْهِ أَكْثَرَ. قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ ". وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا الْمَجَرَّةُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فِي نَاحِيَةِ السَّمَاءِ، مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ مِنْ الْإِنْسَانِ، إذَا كَانَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَشْرِقِ، ثُمَّ تَصِيرُ مِنْ آخِرِهِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا أَيْضًا عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، وَأَمَّا فِي الصَّيْفِ فَإِنَّهَا تَتَوَسَّطُ السَّمَاءَ. (وَمِنْهَا) أَيْ الْأَدِلَّةِ، (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمَنَازِلُهُمَا وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا) ، أَيْ: بِمَنَازِلِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (وَيُقَارِبُهَا) ، كُلِّهَا (تَطْلُعُ مِنْ مَشْرِقٍ عَلَى يَسْرَةِ مُصَلٍّ بِشَامٍ، وَتَغِيبُ بِمَغْرِبٍ عَنْ يَمْنَتِهِ) . وَمَنَازِلُ الْقَمَرِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا: أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَامِيَّةً، تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ مَائِلَةً عَنْهُ إلَى الشَّمَالِ. وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَمَانِيَّةً تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ مَائِلَةً إلَى الْيَمِينِ وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ، إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ. ثُمَّ يَنْتَقِلُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي يَلِيهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] ، وَالشَّمْسُ تَنْزِلُ بِكُلِّ مَنْزِلٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ عَوْدُهَا إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ

عِنْدَ تَمَامِ حَوْلٍ كَامِلٍ مِنْ أَحْوَالِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ (وَالْهِلَالُ) يَبْدُو (عَنْ يَمْنَتِهِ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (عِنْدَ غُرُوبِ شَمْسِ) أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ إلَى ثَلَاثَةٍ (وَفِي ثَامِنِ لَيْلَةٍ) مِنْ الشَّهْرِ يَكُونُ (عِنْدَ غُرُوبِ شَمْسٍ عَلَى قِبْلَتِهِ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (وَفِي) لَيْلَةٍ (عَاشِرَةٍ) يَكُونُ (عَلَى سَمْتِ قِبْلَتِهِ) وَقْتَ الْعِشَاءِ، (بَعْدَ مَغِيبِ شَفَقٍ) أَحْمَرَ. (وَفِي) لَيْلَةِ (ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ) يَكُونُ (عَلَى سَمْتِهَا وَقْتَ طُلُوعِ فَجْرٍ) تَقْرِيبًا فِيهِنَّ بِالشَّامِ. وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهَا وَمَغَارِبُهَا. وَتَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي حَالِ تَوَسُّطِهَا فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، وَفِي الصَّيْفِ مُحَاذِيَةً لِقِبْلَتِهِ. (وَمِنْهَا) ، أَيْ: الْأَدِلَّةِ، (الرِّيَاحُ. وَيَعْسُرُ اسْتِدْلَالٌ بِهَا، بِصَحَارِي، وَبَيْنَ جِبَالٍ، وَبُنْيَانٍ، تَدُورُ فَتَخْتَلِفُ، وَتَبْطُلُ) دَلَالَتُهَا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الِاسْتِدْلَال بِهَا ضَعِيفٌ. انْتَهَى. (وَأُصُولُهَا) أَيْ: الرِّيَاحِ، (أَرْبَعٌ: الْجَنُوبُ، تَهُبُّ بِقِبْلَةِ شَامٍ مِنْ مَطْلَعِ سُهَيْلٍ لِمَطْلَعِ شَمْسٍ بِشِتَاءٍ) ، أَيْ: فِي زَمَنِهِ، (وَ) تَهُبُّ (بِعِرَاقٍ لِبَطْنِ كَتِفِ مُصَلٍّ يُسْرَى مَارَّةً لِيَمِينِهِ. وَالشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا: تَهُبُّ مِنْ قُطْبٍ لِمَغْرِبِ شَمْسٍ بِصَيْفٍ. وَ) رِيحُ (الصَّبَا، وَتُسَمَّى: الْقَبُولَ) ، تَهُبُّ (مِنْ يَسْرَةِ مُصَلٍّ بِشَامٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَطْلَعِ شَمْسٍ صَيْفًا لِمَطْلَعِ: عَيُّوقَ. وَ) تَهُبُّ (بِعِرَاقٍ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى مَارَّةً لِيَمِينِهِ وَالدَّبُورُ مُقَابِلَتُهَا؛ لِأَنَّهَا تَهُبُّ) بِالشَّامِ، (بَيْنَ قِبْلَةٍ وَمَغْرِبٍ، وَ) تَهُبُّ (بِالْعِرَاقِ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنِ) . وَبَيْنَ كُلِّ رِيحَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَاتِ رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءَ لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ. وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاحِ صِفَاتٌ وَخَوَاصُّ، تُمَيِّزُ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ عِنْدَ ذَوِي الْخِبْرَةِ بِهَا. (وَمِنْهَا) أَيْ: الْأَدِلَّةِ، (الْجِبَالُ الْكِبَارُ، فَكُلُّهَا مُمْتَدَّةٌ عَنْ يَمْنَةِ مُصَلٍّ لِيَسْرَتِهِ. وَدَلَالَتُهَا قَوِيَّةٌ) تُدْرَكُ بِالْحِسِّ، (لَكِنَّهَا تَضْعُفُ مِنْ حَيْثُ اشْتِبَاهٍ

فصل لا يتبع مجتهد مجتهدا خالفه في معرفة القبلة

عَلَى مُصَلٍّ. هَلْ يَجْعَلُ مُمْتَدَّهَا خَلْفَهُ أَوْ قُدَّامَهُ؟) وَالِاشْتِبَاهُ عَلَى جِهَتَيْنِ. هَذَا (إذَا لَمْ يَعْرِفْ وَجْهَ الْجَبَلِ) . فَإِنْ عَرَفَهُ. اسْتَقْبَلَهُ (فَإِنَّ وُجُوهَهَا) أَيْ: الْجِبَالِ (لِلْقِبْلَةِ) وَهُوَ مَا فِيهِ مُصْعَده. (كَذَا) قَالَهُ (فِي " الْخُلَاصَةِ ") فَهَذَا أَصَحُّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ. (وَمِنْهَا) أَيْ: الْأَدِلَّةِ (الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ) ، فَلَا اعْتِبَارَ بِالْأَنْهَارِ الْمُحْدَثَةِ فَإِنَّهَا تُحْدَثُ بِحَسَبِ الْحَاجَاتِ إلَى الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَا بِالسَّوَاقِي وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ، فَإِنَّهَا لَا ضَابِطَ لَهَا. وَالْأَنْهَارُ الْكِبَارُ (كَدِجْلَةَ، وَالْفُرَاتِ وَالنَّهْرَوَانِ) ، وَهُوَ جَيْحُونُ، (وَغَيْرُهَا) كَالنِّيلِ؛ (فَتَجْرِي) هَذِهِ الْأَنْهَارُ (عَنْ يَمْنَةِ مُصَلٍّ لِيَسْرَتِهِ، إلَّا نَهْرًا بِخُرَاسَانَ وَهُوَ الْمَقْلُوبُ) . وَيُسَمَّى سَيَحُونَ، (وَإِلَّا نَهَرَ الْعَاصِي بِالشَّامِ فَيَجْرِيَانِ مِنْ يَسْرَتِهِ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (لِيَمْنَتِهِ) . قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْضَبِطُ بِضَابِطٍ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَنْهَارِ الشَّامِ تَجْرِي عَلَى غَيْرِ السَّمْتِ الَّذِي ذَكَرُوهُ. فَالْأُرْدُنُّ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ، حَيْثُ كَانَ مِنْهَا، حَتَّى يَصُبَّ فِيهِ. وَإِنْ اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بِمَا ذَكَرَهُ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الشَّامِ " سِوَى الْعَاصِي، وَالْفُرَاتِ حَدِّ الشَّامِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ. انْتَهَى. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْأَنْهَارِ فَرْعٌ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْجِبَالِ، فَإِنَّهَا تَجْرِي فِي الْخِلَالِ الَّتِي بَيْنَ الْجِبَالِ مُمْتَدَّةً مَعَ امْتِدَادِهَا. [فَصْلٌ لَا يَتْبَعُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا خَالَفَهُ فِي معرفة الْقِبْلَة] (فَصْلٌ) (وَلَا يَتْبَعُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا خَالَفَهُ) ، بِأَنْ ظَهَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا جِهَةٌ غَيْرٌ الَّتِي ظَهَرَتْ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُعْتَقِدٌ خَطَأَ الْآخَرِ، فَأَشْبَهَا الْمُجْتَهِدَيْنِ فِي الْحَادِثَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِيهَا. وَالْمُجْتَهِدُ هُنَا: الْعَالِمُ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ جَهِلَ أَحْكَامَ الشَّرْعِ. (يَقْتَدِي) أَيْ: لَا يَأْتَمُّ مُجْتَهِدٌ (بِهِ) أَيْ: بِمُجْتَهِدٍ

خَالَفَهُ جِهَةً، كَمَا لَوْ خَرَجَتْ رِيحٌ مِنْ أَحَدِ اثْنَيْنِ وَاعْتَقَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِنْ الْآخَرِ، (إلَّا إنْ اتَّفَقَا عَلَى جِهَةٍ) وَاحِدَةٍ. (وَلَا يَضُرُّ) بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا (انْحِرَافُ وَاحِدٍ يَمِينًا وَآخَرَ شِمَالًا) ، لِاتِّفَاقِ اجْتِهَادِهِمَا فِي الْجِهَةِ. وَالْوَاجِبُ الِاجْتِهَادُ إلَى الْجِهَةِ، وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَهَذَا الِانْحِرَافُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. (فَإِنْ اتَّفَقَا) عَلَى جِهَةٍ، وَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ (فَبَانَ يَقِينًا) ، لَا إنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى، فَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى ذَلِكَ الشَّكِّ أَوْ الظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِي غَلَبَةَ الظَّنِّ الَّتِي دَخَلَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ. (لِأَحَدِهِمَا) : مُتَعَلِّقٌ بِبَانٍ (الْخَطَأَ) : فَاعِلُ بَانَ، فِي اجْتِهَادِهِ وَهُوَ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ، (انْحَرَفَ) إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تَرَجَّحَتْ فِي ظَنِّهِ، فَتَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ. (وَأَتَمَّ) صَلَاتَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَنْقُضُ الِاجْتِهَادَ. وَيَتْبَعُهُ مُقَلِّدُهُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي بَانَتْ لَهُ وُجُوبًا؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ. (وَيَنْوِي مُؤْتَمٌّ مِنْهُمَا الْمُفَارَقَةَ) لِإِمَامِهِ لِلْعُذْرِ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ اقْتِدَائِهِ بِهِ. (وَكَذَا إمَامٌ بَقِيَ مُنْفَرِدًا) فَيُتِمُّهَا لِنَفْسِهِ. (وَيَتْبَعُ وُجُوبًا جَاهِلٌ) بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، عَاجِزٌ عَنْ تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ (الْأَوْثَقَ) عِنْدَهُ. (وَ) وَيَتْبَعُ وُجُوبًا (أَعْمَى لَا يُمْكِنُهُ اجْتِهَادٌ. الْأَوْثَقَ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ (عِنْدَهُ) . لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إصَابَةً فِي نَظَرِهِ. وَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مُتَابَعَتِهِ، بِخِلَافِ تَكْلِيفِ الْعَامِّيِّ تَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ فِي الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ فِيهِ حَرَجًا وَتَضْيِيقًا، ثُمَّ مَا زَالَ عَوَامُّ كُلِّ عَصْرٍ يُقَلِّدُ أَحَدُهُمْ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ فِي مَسْأَلَةٍ، وَلِآخَرَ فِي أُخْرَى، وَالثَّالِثُ فِي ثَالِثَةٍ، وَكَذَلِكَ إلَى مَا لَا يُحْصَى. وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَلَا أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِتَحَرِّي الْأَعْلَمِ وَالْأَفْضَلِ. فِي نَظَرِهِمْ. تَتِمَّةٌ: قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقَةٍ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى مَنْعِ جَوَازِ التَّقْلِيدِ، حَيْثُ أَدَّى إلَى التَّلْفِيقِ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ،؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كُلٌّ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ أَوْ الْمَذَاهِبِ يَرَى الْبُطْلَانَ، كَمَنْ تَوَضَّأَ مَثَلًا وَمَسَحَ

شَعْرَةً مِنْ رَأْسِهِ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ، ثُمَّ لَمَسَ ذَكَرَهُ بِيَدِهِ مُقَلِّدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، فَلَا يَصِحُّ التَّقْلِيدُ حِينَئِذٍ. وَكَذَا لَوْ مَسَحَ شَعْرَةً، وَتَرَكَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ مُقَلِّدًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ افْتَصَدَ مُخَالِفًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يَقْرَأْ مُقَلِّدًا لَهُمْ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا مِنْ حَيْثُ الْعَقْلِ، وَالتَّعْلِيلُ فِيهِ وَاضِحٌ، لَكِنَّهُ فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ خُصُوصًا عَلَى الْعَوَامّ، الَّذِي نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مَذْهَبٌ مُعَيَّنٌ. وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: لَا يَلْزَمُ الْعَامِّيَّ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ فِي عَصْرِ أَوَائِلِ الْأُمَّةِ. وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ وَأَخْتَارُهُ: الْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي التَّلْفِيقِ، لَا بِقَصْدِ تَتَبُّعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ تَتَبَّعَ الرُّخَصَ فَسَقَ، بَلْ حَيْثُ وَقَعَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، خُصُوصًا مِنْ الْعَوَامّ الَّذِينَ لَا يَسْعُهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ. فَلَوْ تَوَضَّأَ شَخْصٌ، وَمَسَحَ جُزْءًا مِنْ رَأْسِهِ مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ، فَوُضُوءُهُ صَحِيحٌ بِلَا رَيْبٍ. فَلَوْ لَمَسَ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُقَلِّدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ وُضُوءَ هَذَا الْمُقَلِّدِ صَحِيحٌ، وَلَمْسَ الْفَرْجِ غَيْرُ نَاقِضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِذَا قَلَّدَهُ فِي عَدَمِ نَقْضِ مَا هُوَ صَحِيحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، اسْتَمَرَّ الْوُضُوءُ عَلَى حَالِهِ بِتَقْلِيدِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا هُوَ فَائِدَةُ التَّقْلِيدِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقَالُ: الشَّافِعِيُّ يَرَى بُطْلَانَ هَذَا الْوُضُوءِ بِسَبَبِ مَسِّ الْفَرْجِ، وَالْحَنَفِيُّ يَرَى الْبُطْلَانَ لِعَدَمِ مَسْحِ رُبْعِ الرَّأْسِ فَأَكْثَرَ،؛ لِأَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ قَدْ تَمَّ صَحِيحًا بِتَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ، وَيَسْتَمِرُّ صَحِيحًا بَعْدَ اللَّمْسِ بِتَقْلِيدِ الْحَنَفِيِّ، فَالتَّقْلِيدُ لِأَبِي حَنِيفَةَ إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِمْرَارِ الصِّحَّةِ لَا فِي ابْتِدَائِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ مِمَّنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ وُضُوءِ هَذَا الْمُقَلِّدِ قَطْعًا، فَقَدْ قَلَّدَ أَبَا حَنِيفَةَ فِيمَا هُوَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ. وَكَذَا لَوْ قَلَّدَ الْعَامِّيُّ مَالِكًا وَأَحْمَدَ فِي طَهَارَةِ بَوْلِ وَرَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَكَانَ قَدْ تَرَكَ التَّدْلِيكَ فِي وُضُوئِهِ الْوَاجِبَ عِنْدَ مَالِكٍ أَوْ مَسَحَ جَمِيعَ الرَّأْسِ مَعَ الْأُذُنَيْنِ الْوَاجِبَ عِنْدَ أَحْمَدَ،؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ صَحِيحٌ عِنْدَ

أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالتَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَالرَّوْثُ الْمَذْكُورُ طَاهِرٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ. وَذَلِكَ فِي الْجَوَازِ نَظِيرُ مَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، غَايَةَ مَا هُنَاكَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ مِنْ حَيْثُ لَا يَسُوغُ لِلْمُخَالِفِ نَقْضُهُ سَدًّا لِلنِّزَاعِ، وَقَطْعًا لِلْخُصُومَاتِ. وَهُنَا التَّقْلِيدُ نَافِعٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، مُنَجٍّ لِصَاحِبِهِ، وَلَا يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُ هَذَا. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّلْفِيقَ كَمَا يَتَأَتَّى فِي الْعِبَادَاتِ، كَذَلِكَ يَتَأَتَّى فِي غَيْرِهَا، فَلَوْ اسْتَأْجَرَ مَكَانًا مَوْقُوفًا تِسْعِينَ سَنَةً مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، مُقَلَّدًا فِي الْمُدَّةِ لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَفِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ حَيْثُ التَّقْلِيدِ الْمُنْجِي لِصَاحِبِهِ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النِّزَاعِ، فَالْأَمْرُ بِحَالِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ يَرَى الْبُطْلَانَ، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِذَلِكَ فِي مَذْهَبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ الْحُكْمَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. ثُمَّ قَالَ: فَتَدَبَّرْ مَا قُلْتُهُ فَإِنَّهُ الْحَقُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَيُخَيَّرُ) جَاهِلٌ وَأَعْمَى وُجِدَا مُجْتَهِدَيْنِ فَأَكْثَرَ (مَعَ تَسَاوٍ عِنْدَهُ) ، بِأَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَفْضَلِيَّةُ وَاحِدٍ عَلَى غَيْرِهِ، فَيَتْبَعُ أَيَّهُمَا شَاءَ (كَ) مَا يُخَيَّرُ (عَامِّيٌّ فِي الْفُتْيَا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَمَنْ) عَجَزَ عَنْ الِاجْتِهَادِ، (وَقَلَّدَ اثْنَيْنِ) مُجْتَهِدَيْنِ، (لَمْ يَرْجِعْ بِرُجُوعِ أَحَدِهِمَا) عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي اتَّفَقَا عَلَيْهَا أَوَّلًا. (وَإِنْ صَلَّى بَصِيرٌ حَضَرًا فَأَخْطَأَ، أَوْ) صَلَّى (أَعْمَى مُطْلَقًا) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا (بِلَا دَلِيلٍ، أَعَادَا) ، أَيْ: الْبَصِيرُ الْمُخْطِئُ وَلَوْ اجْتَهَدَ، وَالْأَعْمَى وَلَوْ لَمْ يُخْطِئْ الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ مَحِلًّا لِلِاجْتِهَادِ؛ لِقُدْرَةِ مَنْ فِيهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ وَنَحْوِهَا، لِوُجُودِ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا. وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِمَا لِتَفْرِيطِهِمَا بِعَدَمِ الِاسْتِخْبَارِ أَوْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ، كَمَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. (وَ) إنْ صَلَّى الْأَعْمَى (بِدَلِيلٍ، كَلَمْسِ مِحْرَابٍ، وَبَابِ مَسْجِدٍ، فَلَا)

إعَادَةَ عَلَيْهِ (إنْ أَصَابَ) . وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِلَا دَلِيلٍ وَلَا مُخْبِرٍ، يُعِيدُ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ، أَوْ الِاسْتِدْلَال، وَلَمْ يَفْعَلْ وَاحِدًا مِنْهُمَا. (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِمُجْتَهِدٍ جِهَةٌ) فِي السَّفَرِ، بِأَنْ تَعَادَلَتْ عِنْدَهُ الْأَمَارَاتُ، وَكَذَا لَوْ مَنَعَهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ رَمَدٌ وَنَحْوُهُ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَلَا إعَادَةَ، لِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ حِيَالَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَنَزَلَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] » رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَلِأَنَّ خَفَاءَ الْقِبْلَةِ فِي الْأَسْفَارِ لِوُجُودِ نَحْوِ غَيْمٍ يَكْثُرُ، فَيَشُقُّ إيجَابُ الْإِعَادَةِ. (أَوْ لَمْ يَجِدْ أَعْمَى) مَنْ يُقَلِّدُهُ، (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (جَاهِلٌ) بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ مَنْ يُقَلِّدُهُ، (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (مَحْبُوسٌ مَنْ يُقَلِّدُهُ، فَتَحَرَّوْا) وَصَلَّوْا، فَلَا إعَادَةَ لِإِتْيَانِهِمْ بِمَا أُمِرُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَسَقَطَتْ عَنْهُمْ الْإِعَادَةُ كَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ. (أَوْ أَخْطَأَ مُجْتَهِدٌ) فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. (أَوْ قَلَّدَ) جَاهِلٌ مُجْتَهِدًا (فَأَخْطَأَ مُقَلَّدُهُ) : بِفَتْحِ اللَّامِ، (سَفَرًا) فَصَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، (فَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ قَلَّدَهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَضَرًا، وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ،؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِلِاجْتِهَادِ. (وَيَجِبُ) عَلَى عَالِمٍ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (تَحَرٍّ لِكُلِّ صَلَاةٍ) مَفْرُوضَةٍ دَخَلَ وَقْتُهَا؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ، فَتَسْتَدْعِي طَلَبًا جَدِيدًا. وَهَذَا فِي الْمُجْتَهِدِ. وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجَدِّدَ تَقْلِيدًا لِكُلِّ صَلَاةٍ (كَحَادِثَةٍ فِي فُتْيَا) لِمُفْتٍ وَمُسْتَفْتٍ، وَكَطَلَبِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ. (فَإِنْ تَغَيَّرَ) اجْتِهَادُهُ (وَلَوْ فِيهَا) ، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ، (عَمِلَ) بِاجْتِهَادٍ (ثَانٍ) لِتَرَجُّحِهِ فِي ظَنِّهِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَيَسْتَدِيرُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا ثَانِيًا، (وَبَنَى) عَلَى مَا عَمِلَ بِالْأَوَّلِ نَصًّا، لَمْ يُعِدْ مَا صَلَّاهُ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ،

باب النية في الصلاة وما يتعلق بها

لِئَلَّا يُنْقَضَ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ. وَالْعَمَلُ بِالثَّانِي لَيْسَ نَقْضًا لِلْأَوَّلِ، بَلْ لَمَّا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِهَا. وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ، لَمَّا قَضَى فِي الْمُشْرِكَةِ فِي الْعَامِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا قَضَى بِهِ فِي الْأَوَّلِ: ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَاهُ، وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي. (وَإِنْ ظَنَّ الْخَطَأَ) بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (فَقَطْ) ، بِأَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةُ الْقِبْلَةِ، (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا، فَتَعَذَّرَ إتْمَامُهَا. (وَمَنْ أُخْبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِيهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (بِخَطَأٍ) لِلْقِبْلَةِ، وَكَانَ الْإِخْبَارُ (يَقِينًا لَا ظَنًّا) ، وَالْمُخْبِرُ ثِقَةً، (لَزِمَ قَبُولُهُ) ، أَيْ: الْخَبَرِ، فَيَعْمَلُ بِهِ، وَيَتْرُكُ الِاجْتِهَادَ، كَمَا لَوْ أُخْبِرَ قَبْلَهُ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ خَطَأَ نَفْسِهِ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ يَقِينًا تَرَكَ اجْتِهَادَهُ، (وَيَسْتَأْنِفُ) الصَّلَاةَ لِتَبَيُّنِ عَدَمِ انْعِقَادِهَا. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [بَابُ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاة وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] (بَابُ النِّيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) وَهِيَ: الشَّرْطُ التَّاسِعُ، وَبِهَا تَمَّتْ شُرُوطُ الصَّلَاةِ. وَهِيَ لُغَةً: الْقَصْدُ، يُقَالُ: نَوَاك اللَّهُ بِخَيْرٍ، أَيْ: قَصَدَكَ بِهِ. وَ (حَقِيقَتُهَا) شَرْعًا: (الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ) مِنْ عِبَادَةٍ، وَغَيْرِهَا. (وَيُزَادُ فِي حَدِّ) نِيَّةِ (عِبَادَةٍ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ شَيْءٍ آخَرَ، مِنْ تَصَنُّعٍ لِمَخْلُوقٍ، أَوْ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ مَحَبَّةِ مَدْحٍ مِنْهُمْ، أَوْ نَحْوِهِ. وَهَذَا هُوَ الْإِخْلَاصُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ تَصْفِيَةُ الْفِعْلِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَقَالَ آخَرُ: هُوَ التَّوَقِّي عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأَشْخَاصِ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَالَ آخَرُ: هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفِعْلِ لِدَاعِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهَا

مِنْ الدَّوَاعِي تَأْثِيرٌ فِي الدُّعَاءِ إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ. وَفِي الْخَبَرِ: «الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي أَسْتَوْدِعُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِبَادِي» . وَدَرَجَاتُ الْإِخْلَاصِ ثَلَاثَةٌ: عُلْيَا: وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ، وَقِيَامًا بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ. وَوُسْطَى: أَنْ يَعْمَلَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ. وَدُنْيَا: وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ لِلْإِكْرَامِ فِي الدُّنْيَا، وَالسَّلَامَةِ مِنْ آفَاتِهَا. وَمَا عَدَا الثَّلَاثِ مِنْ الرِّيَاءِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُهُ، وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْعِبَادَةُ مَا وَجَبَتْ لِكَوْنِهَا مُفْضِيَةً إلَى ثَوَابِ الْجَنَّةِ، أَوْ إلَى الْبُعْدِ مِنْ عِقَابِ النَّارِ، بَلْ لِأَجْلِ أَنَّكَ عَبْدٌ وَهُوَ رَبٌّ هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الشَّمْسِ العلقمي فِي حَاشِيَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ". (وَهِيَ) أَيْ: النِّيَّةُ (شَرْطٌ) لِلصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] وَالْإِخْلَاصُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ مَحْضُ النِّيَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ أَنَّهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلِقَوْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ؛ وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ، فَاشْتُرِطَتْ لَهَا النِّيَّةُ. (لَا رُكْنٌ) أَيْ: لَيْسَتْ النِّيَّةُ رُكْنًا خِلَافًا لِلْقَاضِي وَغَيْرِهِ. (وَلَوْ) قِيلَ: إنَّ النِّيَّةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ، وَ (دَاخِلَهَا) رُكْنٌ، كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ، لَلَزِمَ أَنْ يَقُولَ فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ كَذَلِكَ، وَلَا قَائِلَ بِهِ. (وَلَا تَسْقُطُ) النِّيَّةُ (بِحَالٍ) ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا الْقَلْبُ، فَلَا يَتَأَتَّى الْعَجْزُ عَنْهَا (كَإِسْلَامٍ، وَعَقْلٍ، وَتَمْيِيزٍ وَدُخُولِ وَقْتٍ) ، فَلَا تَصِحُّ بِدُونِهَا (وَشَرْطُ صِحَّتِهَا إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ وَتَمْيِيزٌ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَمَجْنُونٍ وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ وَتَقَدَّمَ. (وَ) شَرْطُ صِحَّتِهَا أَيْضًا (عِلْمٌ بِمَنْوِيٍّ) ، قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": النِّيَّةُ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَمَنْ عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ، قَصَدَهُ ضَرُورَةً. وَيَحْرُمُ خُرُوجُهُ لِشَكِّهِ فِي النِّيَّةِ، لِعِلْمِهِ أَنَّهُ مَا دَخَلَ إلَّا بِهَا (وَمَحَلُّهَا) أَيْ: النِّيَّةِ: (الْقَلْبُ) وُجُوبًا، وَاللِّسَانُ اسْتِحْبَابًا. (وَزَمَنُهَا أَوَّلُ عِبَادَةٍ أَوْ

قُبَيْلَهُ بِيَسِيرٍ) وَكَيْفِيَّتُهَا: الِاعْتِقَادُ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهَا. وَلَا يَضُرُّ سَبْقُ لِسَانِهِ بِغَيْرِ قَصْدِهِ، وَتَلَفُّظٌ بِمَا نَوَاهُ تَأْكِيدٌ (سِوَى صَوْمٍ) ، فَتَصِحُّ نِيَّةٌ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَيَأْتِي. (وَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا) ، أَيْ: صِحَّةَ الصَّلَاةِ (بَعْدَ إتْيَانٍ بِهَا) أَيْ: بِنِيَّةٍ (مُعْتَبَرَةٍ، قَصَدَ تَعْلِيمَهَا) ، أَيْ: تَعْلِيمَ الصَّلَاةِ، لِفِعْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَغَيْرِهِ، (أَوْ) قَصَدَ (خَلَاصًا مِنْ خَصْمٍ، أَوْ إدْمَانِ سَهَرٍ) . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": كَذَا وَجَدْتُ ابْنَ الصَّيْرَفِيِّ نَقَلَهُ. (وَيُنْقَصُ أَجْرُ) قَاصِدِ ذَلِكَ (كَنِيَّةِ هَضْمِ طَعَامٍ مَعَ صَوْمٍ) . ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. (وَ) مِثْلُهُ (رُؤْيَةُ بِلَادٍ) نَائِيَةٍ مَعَ حَجٍّ. (أَوْ) قَصْدُ (مَتْجَرٍ مَعَ حَجٍّ) ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مَا يَلْزَمُ ضَرُورَةً. (وَ) كَذَا قَصْدُ (تَبَرُّدٍ وَنَظَافَةٍ مَعَ وُضُوءٍ) ، وَتَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَمَحَّضَتْ) الْعِبَادَةُ (لِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ، مِنْ تَعْلِيمِهِ، أَوْ خَلَاصٍ مِنْ خَصْمٍ، وَنَحْوِهِ، (فَعِبَادَةٌ بَاطِلَةٌ كَقَصْدِ رِيَاءٍ، وَيَأْثَمُ) فَاعِلُهَا كَذَلِكَ، لِتَلَبُّسِهِ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ. (قَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ رَجَبٍ) : الرِّيَاءُ الْمَحْضُ لَا يَكَادُ يَصْدُرُ مِنْ مُؤْمِنٍ فِي فَرْضِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ، وَقَدْ يَصْدُرُ فِي نَحْوِ صَدَقَةٍ وَحَجٍّ، وَهَذَا الْعَمَلُ لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّهُ حَابِطٌ. وَتَارَةً تَكُونُ الْعِبَادَةُ لِلَّهِ، وَيُشَارِكُهَا الرِّيَاءُ. (فَإِنْ شَارَكَ الرِّيَاءُ الْعَمَلَ مِنْ أَصْلِهِ، فَالنُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ) تَدُلُّ عَلَى (بُطْلَانِهِ) ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. (وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، ثُمَّ) بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ (طَرَأَ عَلَيْهِ خَاطِرُ الرِّيَاءِ وَدَفَعَهُ، لَمْ يَضُرَّ) فِي عِبَادَتِهِ، وَيُتِمُّهَا صَحِيحَةً (بِلَا خِلَافٍ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ. (وَإِنْ اسْتَرْسَلَ) خَاطِرُ الرِّيَاءِ (مَعَهُ فَ) هَلْ يَحْبَطُ بِهِ عَمَلُهُ أَوْ لَا يَضُرُّهُ، فِي ذَلِكَ (خِلَافٌ) بَيْنَ السَّلَفِ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. (وَرَجَّحَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنَّ عَمَلَهُ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ) لِبِنَاءِ عِبَادَتِهِ عَلَى أَصْلٍ صَحِيحٍ، فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ طُرُوءُ ذَلِكَ الْخَاطِرِ عَلَيْهِ.

(وَذَكَرَ غَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (لَا إثْمَ فِي) عَمَلٍ (مَشُوبٍ بِرِيَاءٍ، إذَا غَلَبَ قَصْدُ الطَّاعَةِ) ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. (وَعَكْسُهُ) بِأَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ قَصْدُ الرِّيَاءِ: (يَأْثَمُ) لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ. (فَإِنْ تَسَاوَى الْبَاعِثَانِ، فَلَا) ثَوَابَ (لَهُ، وَلَا) إثْمَ (عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 102] . (وَلَا تُتْرَكُ عِبَادَةٌ خَوْفَ) نِسْبَةٍ إلَى (رِيَاءٍ) إذَا أُصْلِحَتْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا لِأَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ كَمَا أَنَّ فِعْلَهَا لِأَجْلِهِمْ رِيَاءٌ. (وَنَرْجُو الثَّوَابَ لِمَنْ تَلَا) الْقُرْآنَ وَنَحْوَهُ (بِلَا نِيَّةٍ) خُصُوصًا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الَّتِي أَدْهَشَتْ نَوَائِبُهَا الْعُقُولَ. (وَفِي " الْمُبْدِعِ ": لَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ بِالْإِجْمَاعِ) مَعَ أَنَّ اخْتِيَارَ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِفَضْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِنَّهُ وَعَدَ أَنْ لَا يُضِيعَ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. (وَالْأَفْضَلُ قَرْنُهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ (بِأَوَّلِ عِبَادَةٍ فَهُنَا) ، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ، الْأَفْضَلُ قَرْنُهَا (بِتَكْبِيرِ) إحْرَامٍ لِتَقَارُنِ الْعِبَادَةَ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. (فَإِنْ تَقَدَّمَتْهُ) ، أَيْ: تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ التَّكْبِيرَ (بِ) زَمَنٍ (يَسِيرٍ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ أَدَاءِ) مَكْتُوبَةٍ (وَرَاتِبَةٍ، صَحَّتْ) الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ نِيَّةِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَنْوِيًّا كَالصَّوْمِ، وَكَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ؛ وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْمُقَارَنَةِ حَرَجًا، وَمَشَقَّةً، فَوَجَبَ سُقُوطُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . فَإِنْ تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ الْوَقْتَ، لَمْ تُعْتَبَرْ لِلِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهَا رُكْنًا، وَهُوَ لَا يَتَقَدَّمُ الْوَقْتَ كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ وَمَحَلُّ صِحَّةِ النِّيَّةِ فِي الْوَقْتِ (مَا لَمْ يَفْسَخْهَا، أَوْ) مَا لَمْ (يَرْتَدَّ) فَإِنْ فَسَخَهَا، أَوْ ارْتَدَّ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. (وَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ (لِآخِرِ عِبَادَةٍ) ، بِأَنْ

لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا دُونَ ذِكْرِهَا. فَلَوْ ذُهِلَ عَنْهَا، أَوْ عَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَكَالصَّوْمِ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ " عَنْ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ حُصَاصٌ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يُخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَضِلَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى» وَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا، فَهُوَ أَفْضَلُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ " وَالْحُصَاصُ، بِضَمِّ الْحَاءِ: شِدَّةُ الْعَدْوِ. (فَتَبْطُلُ) النِّيَّةُ أَوْ الصَّلَاةُ (بِفَسْخِ) النِّيَّةِ (فِي صَلَاةٍ) قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِهَا. كَذَلِكَ فَإِنَّ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِهَا، وَقَدْ قَطَعَهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَجِّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِمَحْظُورَاتِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ فَسَخَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، لَمْ تَبْطُلْ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِتَرَدُّدٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ اسْتِدَامَتَهَا، فَهُوَ كَقَطْعِهَا. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِعَزْمٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْفَسْخِ، (وَلَوْ) كَانَ الْعَزْمُ عَلَى الْفَسْخِ (مُعَلَّقًا) عَلَى حُدُوثِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جَازِمٌ، وَمَعَ الْعَزْمِ عَلَى فَسْخِهَا، أَوْ تَعْلِيقِهَا عَلَى شَرْطٍ، لَا جَزْمٍ. (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا وُضُوءٌ) فَيَبْطُلُ بِالتَّرَدُّدِ فِي فَسْخِ نِيَّتِهِ فِي أَثْنَائِهِ، وَبِالْعَزْمِ عَلَيْهِ، مُنْجَزًا كَانَ أَوْ مُعَلَّقًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) تَبْطُلُ النِّيَّةُ (بِشَكِّهِ) أَيْ: الْمُصَلِّي، (هَلْ نَوَى) الصَّلَاةَ، (أَوْ كَبَّرَ) لَهَا؟ فَعَمِلَ مَعَهُ عَمَلًا. (أَوْ) شَكَّهُ: هَلْ (عَيَّنَ) ظُهْرًا، أَوْ عَصْرًا أَوْ مَغْرِبًا، أَوْ عِشَاءً، (فَعَمِلَ مَعَ) شَكِّهِ (عَمَلًا) فَإِنْ كَانَ قَوْلِيًّا (كَقِرَاءَةٍ) ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ نَوَى أَوْ عَيَّنَ، لَمْ تَبْطُلْ، كَتَعَمُّدِ زِيَادَتِهِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِهِ.

قَالَهُ الْمَجْدُ. وَصَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَحِينَئِذٍ فَيُتِمُّهَا نَفْلًا (وَ) إنْ عَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا فِعْلِيًّا (كَرُكُوعٍ ثُمَّ ذَكَرَ) أَنَّهُ كَانَ نَوَى أَوْ عَيَّنَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ مَا عَمِلَهُ خَلَا عَنْ نِيَّةٍ جَازِمَةٍ، فَهُوَ كَتَعَمُّدِهِ عَمَلًا فِي غَيْرِ

مَوْضِعِهِ. (وَ) إنْ شَكَّ (أَنَوَى الصَّلَاةَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا؟ وَلَمْ يَعْمَلْ) عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ (أَتَمَّ) ذَلِكَ (فَرْضًا) . إنْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِهَا عَنْ النِّيَّةِ الْجَازِمَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ عَمِلَ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِهَا، (فَ) يُتِمُّهَا (نَفْلًا) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى فِيهَا بِمَا يُفْسِدُ الْفَرْضَ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ، فَيُتِمُّهَا نَفْلًا لِخُلُوِّ مَا عَمِلَهُ عَنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ الْجَازِمَةِ. وَ (لَا) تَبْطُلُ النِّيَّةُ (بِعَزْمٍ عَلَى) فِعْلِ (مَحْظُورٍ) فِي الصَّلَاةِ، (كَ) مَا لَوْ عَزَمَ عَلَى (كَلَامٍ فِيهَا) وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، (أَوْ) عَزَمَ عَلَى فِعْلِ (حَدَثٍ، أَوْ) أَيْ: وَلَا بِ (نِيَّةِ قَطْعِ قِرَاءَةٍ) وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ، لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ الْجَزْمَ الْمُتَقَدِّمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ الْمَحْظُورَ، وَقَدْ لَا يَفْعَلُهُ، وَلَا مُنَاقِضَ لِلْحَالِ فِي النِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَتَسْتَمِرُّ إلَى أَنْ يُوجَدَ مُنَاقِضٌ. (وَشُرِطَ) ، بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مَعَ نِيَّةِ صَلَاةٍ) ، أَيْ: نِيَّةِ كَوْنِ الْعِبَادَةِ صَلَاةً (تَعْيِينُ مُعَيَّنَةٍ مِنْ نَحْوِ ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ فَرْضِ عَيْنٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ) فَرْضِ (كِفَايَةٍ) . كَعِيدٍ وَجِنَازَةٍ (أَوْ رَاتِبَةٍ، أَوْ نَحْوِ وَطَرٍ) ، كَاسْتِسْقَاءٍ (وَكُسُوفٍ) ، لِتَمْتَازَ كُلٌّ عَنْ غَيْرِهَا. فَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَنْوِيهَا مِمَّا عَلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ. (وَإِلَّا) تَكُنْ الصَّلَاةُ مُعَيَّنَةً، بِأَنْ كَانَتْ نَفْلًا مُطْلَقًا (أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ صَلَاةٍ) . وَ (لَا) تُشْتَرَطُ (نِيَّةُ قَضَاءٍ فِي فَائِتَةٍ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْآخَرِ، يُقَالُ: قَضَيْتُ الدَّيْنَ، وَأَدَّيْته. وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] أَيْ: أَدَّيْتُمُوهَا؛ وَلِأَنَّ حَاصِلَ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ تَعْيِينُ يَوْمِهَا. بَلْ يَكْفِيهِ كَوْنُهَا السَّابِقَةَ، أَوْ الْحَاضِرَةَ فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ: فَائِتَةً،

وَحَاضِرَةً، وَصَلَّاهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ شَرْطًا مِنْ إحْدَاهُمَا وَجَهِلَهَا، لَزِمَهُ ظُهْرٌ وَاحِدَةٌ، يَنْوِي بِهَا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ فَائِتَتَانِ، اعْتَبَرَ تَعْيِينَ السَّابِقَةِ لِلتَّرْتِيبِ، بِخِلَافِ الْمَنْذُورَتَيْنِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ السَّابِقَةِ مِنْ اللَّاحِقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا. (وَ) لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ (أَدَاءٍ فِي) صَلَاةٍ (حَاضِرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ، أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا يَنْوِيهَا أَدَاءً، فَبَانَ أَنَّ وَقْتَهَا قَدْ خَرَجَ، أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ، وَتَقَعُ قَضَاءً. وَكَذَا لَوْ نَوَاهَا قَضَاءً، فَبَانَ فِعْلُهَا فِي وَقْتِهَا وَقَعَتْ أَدَاءً. (وَ) لَا نِيَّةٌ (فَرْضِيَّةٌ) فِي صَلَاةِ (فَرْضٍ) فَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي الظُّهْرَ فَرْضًا (وَلَا إضَافَةُ فِعْلٍ لِلَّهِ) تَعَالَى، بِأَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي لِلَّهِ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، (بَلْ تُسْتَحَبُّ) إضَافَتُهُ لِلَّهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ. (وَلَا) يُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ أَيْضًا تَعْيِينُ (عَدَدِ رَكَعَاتٍ) بِأَنْ يَنْوِيَ الْفَجْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالظُّهْرَ أَرْبَعًا، لَكِنْ إنْ نَوَى الظُّهْرَ مَثَلًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، لَمْ تَصِحَّ، (أَوْ) أَيْ: وَلَا تُشْتَرَطُ (نِيَّةُ اسْتِقْبَالٍ) بِأَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي الْعَصْرَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ. وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ إعَادَةٍ فِي مُعَادَةٍ، كَمَا فِي " مُخْتَصَرِ الْمُقْنِعِ ". (وَيَصِحُّ قَضَاءٌ بِنِيَّةِ أَدَاءٍ) إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ. (وَ) يَصِحُّ (عَكْسُهُ) ، أَيْ: الْأَدَاءِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ، (إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ) ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَ (لَا) يَصِحُّ ذَلِكَ (إنْ عَلِمَ) أَوْ قَصَدَ مَعْنَاهُ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهِ، (لِتَلَاعُبِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (وَإِنْ أَحْرَمَ) مُصَلٍّ (بِفَرْضٍ) ، كَظُهْرٍ (فِي وَقْتِهِ الْمُتَّسِعِ لَهُ) وَلِغَيْرِهِ، (ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا) بِأَنْ فَسَخَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ دُونَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ، (صَحَّ) ، سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى الْأَكْثَرَ مِنْهَا، أَوْ الْأَقَلَّ. فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ فَرْضِهِ. (وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ قَلْبِ الْفَرْضِ نَفْلًا: (وَلَوْ) كَانَتْ صَلَاتُهُ (بِوَقْتِ نَهْيٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ابْتِدَاءً

لِلصَّلَاةِ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدَامَةٌ لَهَا. وَقَدْ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا. وَمُقْتَضَى " شَرْحِ الْهِدَايَةِ " عَدَمُ الصِّحَّةِ، وَيَأْتِي. (أَوْ) كَانَ قَلَبَهُ نَفْلًا (لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ) ، فَيَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، (كَ) مَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، مِثْلُ إحْرَامِ (مُنْفَرِدٍ) ، ثُمَّ (يُرِيدُ) أَنْ يُصَلِّيَ (جَمَاعَةً) ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ تَضَمَّنَتْهَا نِيَّةُ الْفَرْضِ، فَإِذَا قَطَعَ نِيَّةَ الْفَرْضِ، بَقِيَتْ نِيَّةُ النَّفْلِ. (بَلْ هُوَ) أَيْ: قَلْبُ الْفَرْضِ مِنْ الْمُنْفَرِدِ نَفْلًا لِيُصَلِّيَهُ فِي جَمَاعَةٍ (أَفْضَلُ) مِنْ إتْمَامِهِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ أُقِيمَتْ؛ لِأَنَّهُ إكْمَالٌ فِي الْمَعْنَى، كَنَقْضِ الْمَسْجِدِ، لِلْإِصْلَاحِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ فَرْضٍ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ: أَعْجَبُ إلَيَّ بِقَطْعِهِ ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَهُمْ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَطْعُ النَّفْلِ أَوْلَى. (وَكُرِهَ) قَلْبُ الْفَرْضِ نَفْلًا (بِدُونِهِ) ، أَيْ: بِدُونِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، لِكَوْنِهِ أَبْطَلَ عَمَلًا. (وَإِنْ انْتَقَلَ) مِنْ فَرْضٍ أَحْرَمَ بِهِ كَالظُّهْرِ (لِفَرْضٍ آخَرَ) كَالْعَصْرِ، بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ لِلثَّانِي، (بَطَلَ فَرْضُهُ) الْأَوَّلُ الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ، لِقَطْعِهِ نِيَّتَهُ، (وَصَارَ نَفْلًا إنْ اسْتَمَرَّ) عَلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ بِنِيَّةِ انْتِقَالِهِ عَنْ الْفَرْضِ الَّذِي نَوَاهُ أَوَّلًا دُونَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ، فَتَصِيرُ نَفْلًا. (وَ) لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ إنْ (لَمْ يَنْوِ) الْفَرْضَ (الثَّانِيَ مِنْ أَوَّلٍ بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) ، لِخُلُوِّ أَوَّلِهِ عَنْ نِيَّةِ تَعَيُّنِهِ. (فَإِنْ نَوَاهُ) مِنْ أَوَّلِهِ بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ، (صَحَّ) كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إحْرَامٌ بِغَيْرِهِ. (وَلَوْ ظَنَّ) مُصَلٍّ أَنْ عَلَيْهِ (ظُهْرًا فَائِتَةً، فَقَضَاهَا، ثُمَّ بَانَ عَدَمُهُ) ، أَيْ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ، (لَمْ تُجْزِئْهُ) الظُّهْرُ الَّتِي صَلَّاهَا (عَنْ)

ظُهْرٍ (حَاضِرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا. وَكَذَا لَوْ نَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ، وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ، لَمْ تُجْزِئْهُ عَنْهَا. (وَمَنْ أَتَى بِمُفْسِدِ فَرْضٍ فَقَطْ) ، أَيْ: دُونَ النَّفْلِ، (جَهْلًا، كَتَرْكِ) رَجُلٍ (سَتْرَ أَحَدِ عَاتِقِيهِ، وَ) كَتَرْكِ، (قِيَامٍ مَعَ قُدْرَةٍ) بِلَا عُذْرٍ يُسْقِطُهُ، (وَ) كَ (صَلَاةٍ بِكَعْبَةٍ، وَشُرْبٍ يَسِيرٍ عَمْدًا وَائْتِمَامٍ بِصَبِيٍّ، وَمُتَنَفِّلٍ انْقَلَبَ نَفْلًا) ؛ لِأَنَّهُ كَقَطْعِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ مَعَ بَقَاءِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ. وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ " جَهْلًا " أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا عَدَمَ جَوَازِهِ، لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ فَرْضًا، وَلَا نَفْلًا، لِتَلَاعُبِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ إتْيَانُهُ بِمُفْسِدِ فَرْضٍ (مَعَ ضِيقِ وَقْتٍ) ، أَيْ: فَيَنْقَلِبُ فَرْضُهُ نَفْلًا؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ قَالَ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ ": الْمُرَادُ إذَا كَانَ النَّفَلُ يَصِحُّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَإِنْ كَانَ وَقْتُ كَرَاهَةٍ، كَوَقْتِ الْغُرُوبِ أَوْ الِاسْتِوَاءِ لَمْ يَصِحَّ نَفْلًا أَيْضًا، فَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ انْعِقَادِهَا مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ، لِعَدَمِ صِحَّةِ النَّفْلِ حِينَئِذٍ، (وَيَنْقَلِبُ نَفْلًا مَا) أَيْ: فَرْضٌ (بَانَ عَدَمُهُ، كَ) مَا لَوْ أَحْرَمَ بِ (فَائِتَةٍ) يَظُنُّهَا

فصل يشترط لصلاة جماعة نية كل من إمام ومأموم

عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ (لَمْ تَكُنْ) عَلَيْهِ فَائِتَةٌ. (أَوْ) أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ (لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ) ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُ النَّفَلَ. (وَإِنْ عَلِمَ) أَنْ لَا فَائِتَةَ، أَوْ أَنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ، وَنَوَاهُ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ، كَمَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ عَالِمًا. [فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ جَمَاعَةٍ نِيَّةُ كُلٍّ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ] (فَصْلٌ) (يُشْتَرَطُ لِ) صَلَاةِ (جَمَاعَةٍ نِيَّةُ كُلٍّ) مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ () ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامٌ مِنْ وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ، وَسُقُوطِ نَحْوِ السَّهْوِ وَالْفَاتِحَةِ عَنْ الْمَأْمُومِ، وَفَسَادِ صَلَاتِهِ بِفَسَادِ صَلَاةِ إمَامِهِ، وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ بِالنِّيَّةِ، فَكَانَتْ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ. (وَإِنْ) كَانَتْ الصَّلَاةُ (نَفْلًا) كَالتَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَالْفَرْضِ، (مِنْ أَوَّلِ صَلَاةٍ، غَيْرَ مَا يَأْتِي) مِنْ أَنَّ أَحَدَ الْمَسْبُوقِينَ لَهُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ، وَلِلْبَاقِي نِيَّةُ الِائْتِمَامِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِمْ (فَيَنْوِي إمَامٌ إمَامَةً) عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ. (أَوْ) يَنْوِي إمَامٌ (أَنَّهُ مُقْتَدًى بِهِ، وَ) يَنْوِي (مَأْمُومٌ ائْتِمَامًا، أَوْ) يَنْوِي مَأْمُومٌ (أَنَّهُ مُقْتَدٍ. فَإِنْ اعْتَقَدَ كُلٌّ) مِنْ الْمُصَلِّيَيْنِ (أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ، أَوْ) اعْتَقَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ (مَأْمُومُهُ) - أَيْ: الْآخَرِ - لَمْ تَصِحَّ لَهُمَا نَصًّا؛ لِأَنَّهُ أَمَّ مَنْ لَمْ يُؤْتَمَّ بِهِ فِي الْأُولَى، وَائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ إمَامًا فِي الثَّانِيَةِ. (أَوْ نَوَى مُصَلٍّ الِائْتِمَامَ أَوْ الْإِمَامَةَ بِمَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ، كَأُمِّيٍّ) لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ (بِقَارِئٍ) يُحْسِنُهَا، (وَامْرَأَةٍ بِرَجُلٍ) ، لَمْ تَصِحَّ لَهُمَا لِفَسَادِ الْإِمَامَةِ وَالِائْتِمَامِ (أَوْ ائْتَمَّ، بِأَحَدِ إمَامَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ) ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ. (أَوْ) نَوَى الِائْتِمَامَ (بِهِمَا) ، أَيْ: بِالْإِمَامَيْنِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاقْتِدَاءِ بِهِمَا. (أَوْ) نَوَى

الِائْتِمَامَ (بِمَأْمُومٍ أَوْ مُنْفَرِدٍ) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِغَيْرِ إمَامٍ. (أَوْ شَكَّ) مُصَلٍّ (فِي كَوْنِهِ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا) ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ. (أَوْ عَيَّنَ إمَامًا) ، بِأَنْ نَوَى أَنَّهُ يُصَلِّي خَلْفَهُ زَيْدٌ، فَأَخْطَأَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. (أَوْ) عَيَّنَ (مَأْمُومًا) بِأَنْ نَوَى أَنَّهُ يُصَلِّي إمَامًا بِعَمْرٍو، (وَإِنْ كَانَ) تَعْيِينُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (غَيْرَ وَاجِبٍ) عَلَى الْأَصَحِّ، (فَأَخْطَأَ) ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: عَيَّنَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، أَنَّهُ لَوْ ظَنَّهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهُ، لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (أَوْ نَوَاهَا) ، أَيْ: الْإِمَامَةَ (شَاكًّا حُضُورَ مَأْمُومٍ) يَأْتَمُّ بِهِ؛ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ عَدَمَ مَجِيئِهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. وَتَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ نَوَى الْإِمَامَةَ (فَلِأَنَّ حُضُورَهُ) أَيْ: الْمَأْمُومِ فَحَضَرَ، وَدَخَلَ مَعَهُ (وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، إنْ لَمْ يَحْضُرْ) ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ، (أَوْ) أَيْ: وَكَذَلِكَ لَوْ (حَضَرَ) ، وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ، (أَوْ كَانَ حَاضِرًا وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ رُكُوعًا) قَوْلًا وَاحِدًا. وَ (لَا) تَبْطُلُ (إنْ دَخَلَ) مَعَهُ مَنْ ظَنَّ حُضُورَهُ، (ثُمَّ انْصَرَفَ) قَبْلَ إتْمَامِهِ صَلَاتَهُ وَيُتِمُّهَا الْإِمَامُ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّهَا لَا فِي ضِمْنِهَا. وَلَا مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا، بِدَلِيلِ سَهْوِهِ وَعِلْمِهِ بِحَدَثِهِ. (وَمَنْ) أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ (نَوَى إمَامَةً) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، لَمْ يَصِحَّ. (أَوْ) أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى (ائْتِمَامًا فِي أَثْنَاءِ) الصَّلَاةِ، (لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ) فَعَلَ ذَلِكَ فِي (إمَامَةِ نَفْلٍ) . كَالتَّرَاوِيحِ وَالْوِتْرِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ "، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِي تَصْحِيحِهِ الْقَوْلَيْنِ. وَعِبَارَتُهُ: وَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ أَوْ الْإِمَامَةَ، لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا، وَالْمَنْصُوصُ صِحَّةُ الْإِمَامَةِ فِي النَّفْلِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. انْتَهَى. (إلَّا إذَا

أَحْرَمَ) مُصَلٍّ (إمَامًا لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ) ، أَيْ: الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، (ثُمَّ حَضَرَ) إمَامُ الْحَيِّ، فَأَحْرَمَ، (وَبَنَى) صَلَاتَهُ (عَلَى صَلَاةِ) الْإِمَامِ (الْأَوَّلِ) الَّذِي أَحْرَمَ لِغَيْبَتِهِ، (فَيَصِيرُ) هَذَا (الْإِمَامُ مَأْمُومًا) بِالْإِمَامِ الرَّاتِبِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ غَيْرُهُ، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: «ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَحَانَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَ (إلَّا إذَا أَمَّ مُقِيمٌ) مُقِيمًا (مِثْلَهُ) فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمَا، (إذَا سَلَّمَ إمَامٌ مُسَافِرٌ) قَصَرَ الصَّلَاةَ. وَكَانَا قَدْ ائْتَمَّا بِهِ صَحَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى جَمَاعَةٍ أُخْرَى لِعُذْرٍ، فَجَازَ كَالِاسْتِخْلَافِ. (أَوْ) أَمَّ (مَسْبُوقٌ) مَسْبُوقًا (مِثْلَهُ) وَافَقَهُ فِي عَدَدِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمَا، أَوْ خَالَفَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، (فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا) بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِمَا (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ) ، صَحَّ ذَلِكَ لِعُذْرِ السَّبْقِ. فَإِنْ ائْتَمَّ مَسْبُوقٌ بِإِمَامِ جَمَاعَةٍ أُخْرَى فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُ، أَوْ كَانَا فِي جُمُعَةٍ، لَمْ يَصِحَّ. قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهَا إذَا أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ لَمْ تَقُمْ فِيهِ مَرَّةً ثَانِيَةً. وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إقَامَةٌ ثَانِيَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَكْمِيلٌ لَهَا بِجَمَاعَةٍ، وَغَايَتُهُ أَنَّهَا فُعِلَتْ بِجَمَاعَتَيْنِ، وَهَذَا: لَا يَضُرُّ، كَمَا لَوْ صُلِّيَتْ الْأُولَى مِنْهَا بِسِتِّينَ، ثُمَّ فَارَقَهُ عِشْرُونَ، وَصُلِّيَتْ الثَّانِيَةُ بِأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: لَعَلَّهُ لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ لَهَا، فَيَلْزَمُ لَوْ ائْتَمَّ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ بِالْآخَرِ، تَصِحُّ.

(وَيَتَّجِهُ: وَ) لَوْ ائْتَمَّ مَسْبُوقٌ بِمِثْلِهِ (فِيهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ: (لَا تَبْطُلُ) ، حَيْثُ كَانَ اقْتِدَاؤُهُ (جَهْلًا) مِنْهُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ مِنْ الْمَسْبُوقِ بِمِثْلِهِ، إذْ الْجَهْلُ مُفْتَقَرٌ عَنْهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ مَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ أَوَّلًا بِلَا عُذْرِ السَّبَقِ وَالْقَصْرِ السَّابِقَيْنِ، إلَّا إذَا (اسْتَخْلَفَهُ إمَامٌ لِحُدُوثِ مَرَضٍ) لِلْإِمَامِ (أَوْ) حُدُوثِ خَوْفٍ (أَوْ) حُدُوثِ (حَصْرٍ) لَهُ (عَنْ قَوْلِ وَاجِبٍ) ، كَقِرَاءَةٍ، وَتَشَهُّدٍ وَتَسْمِيعٍ، وَتَكْبِيرِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَنَحْوِهِ، لِوُجُودِ الْعُذْرِ الْحَاصِلِ لِلْإِمَامِ مَعَ بَقَاءِ صَلَاتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ لِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْكُلِّ، (فَيَصِيرُ الْمَأْمُومُ إمَامًا، وَيَبْنِي) خَلِيفَةُ الْإِمَامِ (عَلَى تَرْتِيبِ) الْإِمَامِ (الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ؛ وَلِئَلَّا يَخْلِطَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ (لَكِنْ يَبْتَدِئُ الْفَاتِحَةَ مَسْبُوقٌ) اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ (يُسِرُّ مَا) كَانَ (قَرَأَهُ مُسْتَخْلِفُهُ) بِكَسْرِ اللَّامِ، (ثُمَّ يَجْهَرُ بِبَاقٍ) ، صَحَّحَهُ الْمَجْدُ. فَإِنْ شَكَّ كَمْ صَلَّى الْإِمَامُ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، فَإِنْ سَبَّحَ بِهِ الْمَأْمُومُ، رَجَعَ. (وَيَسْتَخْلِفُ) ذَلِكَ الْمَسْبُوقُ (مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا مَعَ الْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ. (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) ، أَيْ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ، (فَلَهُمْ سَلَامٌ، وَ) لَهُمْ (انْتِظَارٌ) لَهُ حَتَّى يُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَيُسَلِّمَ بِهِمْ نَصًّا. (وَلَا اسْتِخْلَافَ بَعْدَ بُطْلَانِ) صَلَاةِ إمَامٍ سَبَقَهُ الْحَدَثُ، أَوْ فَعَلَ مَا يُبْطِلُهَا، لِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ مَرْفُوعًا «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ،

فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَحِينَئِذٍ، فَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ مَعًا، لِارْتِبَاطِهَا بِهَا. (وَصَحَّ) لِمُصَلٍّ جَمَاعَةً (لِعُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ جَمَاعَةٍ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنِيَّةِ) الِانْفِرَادِ (إمَامٌ وَكَذَا) يَصِحُّ أَنْ يَنْفَرِدَ (مَأْمُومٌ) لِعُذْرٍ كَذَلِكَ، كَتَطْوِيلِ إمَامٍ، وَغَلَبَةِ نُعَاسٍ، وَمَرَضٍ، وَخَوْفِ فَسَادِ صَلَاتِهِ بِمُدَافَعَتِهِ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ إنْ (عَجَّلَ) أَيْ: اسْتَفَادَ بِتَعْجِيلِهِ إدْرَاكَ بُغْيَتِهِ. (فَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ انْفِرَادُهُ) أَيْ: الْمَأْمُومِ (عَنْ إمَامِهِ) أَوْ لَمْ يَتَمَيَّزْ انْفِرَادُ الْإِمَامِ عَنْ الْجَمَاعَةِ (بِنَوْعِ تَعْجِيلٍ لَمْ يَصِحَّ) الِانْفِرَادُ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ، إلَّا إنْ عُذِرَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الصَّفِّ مَغْلُوبًا، فَلَهُ الْمُفَارَقَةُ. وَإِنَّمَا صَحَّ الِانْفِرَادُ لِلْعُذْرِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ: «صَلَّى مُعَاذٌ بِقَوْمٍ: فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَتَأَخَّرَ رَجُلٌ فَصَلَّى وَحْدَهُ، فَقِيلَ لَهُ: نَافَقَتْ. فَقَالَ: مَا نَافَقَتْ، وَلَكِنْ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأُخْبِرُهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ؟ مَرَّتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِمُفَارَقَتِهِ (فَإِنْ زَالَ عُذْرُهُ) أَيْ: الْمَأْمُومِ الْمُفَارِقِ، وَهُوَ (فِي) الـ (الصَّلَاةِ، فَلَهُ دُخُولٌ مَعَ إمَامِهِ) فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَيُتِمُّهُ مَعَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ مَعَهُ، خِلَافًا " لِلْفُصُولِ ". (وَيَقْرَأُ مَأْمُومٌ فَارَقَ فِي قِيَامٍ) قَبْلَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ الْفَاتِحَةَ، لِصَيْرُورَتِهِ مُنْفَرِدًا قَبْلَ سُقُوطِ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ عَنْهُ بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ، (أَوْ يُكْمِلُ) مَا بَقِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ (وَ) إنْ فَارَقَهُ (بَعْدَهَا) ، أَيْ: بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّهُ (يَرْكَعُ فِي الْحَالِ) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَعَنْ الْمَأْمُومِ (وَإِنْ ظَنَّ) مَأْمُومٌ فَارَقَ إمَامَهُ (فِي صَلَاةِ سِرٍّ) كَظُهْرٍ (أَنْ إمَامَهُ قَرَأَ) الْفَاتِحَةَ (لَمْ يَقْرَأْ) أَيْ: لَمْ تَلْزَمْهُ الْقِرَاءَةُ إجْرَاءً لِلظَّنِّ مَجْرَى الْيَقِينِ. (وَ) إنْ فَارَقَ (فِي ثَانِيَةِ جُمُعَةٍ) وَأَدْرَكَ مَعَهُ الْأُولَى لِ (يُتِمَّ) مُفَارِقٌ صَلَاتَهُ (جُمُعَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ إمَامِهِ مِنْهَا رَكْعَةً.

(وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ الْمُفَارَقَةِ لِعُذْرٍ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً. (لَوْ نَقَصَ بِهِ) أَيْ: بِمَنْ فَارَقَ، (الْعَدَدَ) الْمُعْتَبَرَ لِلْجُمُعَةِ (إذْ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ) الْعَدَدُ بِهَذِهِ الْمُفَارَقَةِ (حُكْمًا) ؛ لِأَنَّهَا قَدْ، تَمَّتْ جُمُعَةً بِالْإِحْرَامِ، فَلَا تَبْطُلُ بِمُفَارَقَةِ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ. لَكِنْ يَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، وَسَمَاعُهُمْ الْخُطْبَةَ، وَاسْتِمْرَارُهُمْ بَعْدَ إحْرَامِهِمْ مَعَ الْإِمَامِ إلَى فَرَاغِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ ذَلِكَ، بَطَلَتْ جُمُعَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ، فَاعْتُبِرَ فِي جَمِيعِهَا كَالطَّهَارَةِ. وَلَا يُرَدُّ صِحَّتُهَا مِنْ الْمَسْبُوقِ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ بِدُونِهِ، فَصَحَّتْ مِنْهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِمَنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ وَسَمِعَهَا. (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَا يَصِحُّ دُخُولُ مَسْبُوقٍ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ نَقْصِ الْعَدَدِ بِمُفَارَقَةِ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ، إذْ لَوْ فَرَضْنَا بَقَاءَ الْجُمُعَةِ عَلَى الصِّحَّةِ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ مُكَمِّلًا لِلْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ، وَأَمَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّ الْجُمُعَةَ بَطَلَتْ بِمُجَرَّدِ الْمُفَارَقَةِ، وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.

(وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ) فَلَا اسْتِخْلَافَ إنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ. وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ (مُطْلَقًا) ، بَلْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ (لِمَا يَأْتِي فِي) بَابِ سُجُودِ الـ (سَهْوِ) ، أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَامَ لِزَائِدَةٍ، وَنَبَّهَهُ الْمَأْمُومُونَ، فَلَمْ يَرْجِعْ؛ وَجَبَتْ مُفَارَقَتُهُ، وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَحْدَهُ. (وَ) كَذَلِكَ يَأْتِي فِي صَلَاةِ الـ (خَوْفِ) فِي آخِرِ الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَرَّقَ الْمَأْمُومِينَ أَرْبَعًا، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً؛ صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيْنِ لَا الْإِمَامِ، وَالْأُخْرَيَيْنِ، إلَّا إنْ جَهِلُوا الْبُطْلَانَ. وَصَرَّحَ فِي الْمُنْتَهَى " بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِمُجَرَّدِ بُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى خِلَافِهِ. (لَا عَكْسِهِ) أَيْ: لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ إمَامٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَأْمُومٍ، مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْجُمُعَةِ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي ضِمْنِهَا، وَلَا مُتَعَلِّقَةً

بِهَا. (وَيُتِمُّهَا) الْإِمَامُ (مُنْفَرِدًا بِنِيَّتِهِ) ، أَيْ: الِانْفِرَادِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُ مَنْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. (وَمَنْ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ أَحْدَثَ، فَ) ظَهَرَ أَنَّهُ (لَمْ يَكُنْ) أَحْدَثَ، (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِفَسْخِهِ نِيَّةَ الصَّلَاةِ بِخُرُوجِهِ مِنْهَا (كَ) مَا تَبْطُلُ صَلَاةٌ (رُبَاعِيَّةٌ) كَظُهْرٍ (ظَنَّهَا فَجْرًا، أَوْ) ظَنَّهَا (جُمُعَةً فَسَلَّمَ) لِمَا تَقَدَّمَ. (فَرْعٌ: سُئِلَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ عَنْ إمَامٍ صَلَّى الْعَصْرَ، فَظَنَّ أَنَّهَا الظُّهْرُ، فَطَوَّلَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ) أَنَّهَا الْعَصْرُ؟ (فَقَالَ: يُعِيدُ) الْإِمَامُ صَلَاتَهُ لِبُطْلَانِ فَرْضِهِ بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ مَعَ الشَّكِّ، (وَيُعِيدُونَ) ، أَيْ: الْمُقْتَدُونَ بِهِ، لِانْقِلَابِ فَرْضِ إمَامِهِمْ نَفْلًا، وَهُمْ مُفْتَرِضُونَ، وَاقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي الْفَرْضِ بَاطِلٌ.

باب صفة الصلاة وما يكره فيها وأركانها وواجباتها وسننها

[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا وَأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا] (بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ) وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا، وَأَرْكَانِهَا، وَوَاجِبَاتِهَا، وَسُنَنِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (سُنَّ خُرُوجٌ إلَيْهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (بِسَكِينَةٍ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا، وَتَخْفِيفِ الْكَافِ، أَيْ: طُمَأْنِينَةٍ، وَتَأَنٍّ فِي الْحَرَكَاتِ، وَاجْتِنَابِ الْعَبَثِ (وَوَقَارٍ) ، كَسَحَابٍ، أَيْ: رَزَانَةٍ، كَغَضِّ الطَّرْفِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ، (وَخُضُوعٍ) أَيْ: تَوَاضُعٍ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» . وَلِمُسْلِمٍ: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» . (مُقَارِبًا بَيْنَ خُطَاهُ لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ) ، فَإِنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ يُكْتَبُ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَمْشِي وَأَنَا مَعَهُ، فَقَارَبَ فِي الْخُطَا، ثُمَّ قَالَ: تَدْرِي لِمَ فَعَلْتُ هَذَا؟ لِتَكْثُرَ خُطَايَ فِي طَلَبِ الصَّلَاةِ» . (قَائِلًا) مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلَا بَطِرًا) » - قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْبَطِرُ: الْأَشِرُ، وَهُوَ: شِدَّةُ الْمَرَحِ، وَالْمَرَحُ: شِدَّةُ الْفَرَحِ وَالنَّشَاطِ - « (وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً) » - الرِّيَاءُ: إظْهَارُ الْعَمَلِ لِلنَّاسِ لِيَرَوْهُ، وَيَظُنُّوا بِهِ خَيْرًا. وَالسُّمْعَةُ: إظْهَارُ الْعَمَلِ لِيَسْمَعَهُ النَّاسُ. - « (خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ) » أَيْ: غَضَبِكَ « (وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنْ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ

إلَّا أَنْتَ) ؛ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَسُنَّ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وَأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ، وَأَفْضَلِ مَنْ سَأَلَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي قَبْرِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ شِمَالِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَفِي عَصَبِي نُورًا وَفِي لَحْمِي نُورًا، وَفِي دَمِي نُورًا، وَفِي شَعْرِي نُورًا، وَفِي بَشَرِي نُورًا، وَفِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا، وَاجْعَلْنِي نُورًا، اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا، وَزِدْنِي نُورًا» ، رَوَى مُسْلِمٌ بَعْضَهُ. (وَ) سُنَّ أَنْ يَقُولَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ، وَلَوْ لِغَيْرِ صَلَاةٍ: " بِسْمِ اللَّهِ، آمَنْتُ بِاَللَّهِ، وَاعْتَصَمَتْ بِاَللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ " وَمَا دَعَا بِهِ مِمَّا وَرَدَ فَحَسَنٌ وَسُنَّ أَنْ يَقُولَ فِي دُخُولِ مَسْجِدٍ: " بِسْمِ اللَّهِ " مُقَدِّمًا رِجْلَهُ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّهُ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَيَقُولَ مَا ذُكِرَ فِي خُرُوجٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: أَبْوَابَ فَضْلِكَ بَدَلَ أَبْوَابِ رَحْمَتِكَ، لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَغَيْرُهُ: « (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ) » لِمَا رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، تَدَاعَتْ جُنُودُ إبْلِيسَ، وَاجْتُلِبَتْ، كَمَا تَجْتَمِعُ النَّحْلُ عَلَى يَعْسُوبِهَا، فَإِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَضُرَّهُ» . وَالْيَعْسُوبُ: ذَكَرُ النَّحْلِ، وَقِيلَ: أَمِيرُهَا.

وَكُرِهَ (لِمَنْ سَمِعَ) الْإِقَامَةَ إسْرَاعُ مَشْيٍ، لِأَنَّهُ يُذْهِبُ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ، إلَّا لِخَوْفِهِ فَوْتَ جَمَاعَةٍ، فَلَا يُكْرَهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنْ طَمِعَ فِي إدْرَاكِ تَكْبِيرَةٍ أُولَى، فَلَا بَأْسَ بِإِسْرَاعِهِ لِذَلِكَ، مَا لَمْ تَكُنْ عَجَلَةٌ تُقْبَحُ، فَلَا يَرْتَكِبُهَا لِأَنَّهُ قَدْ يَعْثُرُ فَيَنْضَرُّ. (وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ) لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، إنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ جَلَسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَ (اشْتَغَلَ بِنَحْوِ ذِكْرٍ) كَقِرَاءَةٍ، (أَوْ سَكَتَ) إنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِذَلِكَ (وَكُرِهَ خَوْضٌ بِأَمْرِ دُنْيَا) ، فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، كَمَا فِي الْخَبَرِ. (وَ) كُرِهَ (فَرْقَعَةُ أَصَابِعَ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الشَّيْطَانِ. (فَمَا دَامَ كَذَلِكَ) ، أَيْ: مُشْتَغِلًا بِالذِّكْرِ أَوْ سَاكِنًا مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ (فَهُوَ فِي صَلَاةٍ، وَالْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يُحْدِثْ) ، لِلْخَبَرِ. (وَسُنَّ قِيَامُ إمَامٍ، فَ) قِيَامُ (مَأْمُومٍ) غَيْرِ مُقِيمٍ، (لِصَلَاةٍ إذَا قَالَ مُقِيمٌ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) ، " لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ "، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: وَلِأَنَّهُ دُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ، فَاسْتُحِبَّ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا عِنْدَهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ. (إنْ رَأَى) الْمَأْمُومُ (الْإِمَامَ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَرَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُقِيمِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، (فَ) إنَّهُ يَقُومُ (عِنْدَ رُؤْيَتِهِ) لِإِمَامِهِ، فَلَا يَقُومُ حَتَّى يَرَى الْإِمَامَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، لِقَوْلِ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْمُقِيمُ يَأْتِي بِالْإِقَامَةِ كُلِّهَا قَائِمًا. وَلَا يُحْرِمُ الْإِمَامُ حَتَّى تَفْرُغَ الْإِقَامَةُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُلِّ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ.

(وَيَتَّجِهُ هَذَا) أَيْ: قِيَامُ الْمَأْمُومِ إذَا رَأَى الْإِمَامَ مُعْتَبَرٌ (فِيمَنْ) ، أَيْ: مَأْمُومٍ (يُمْكِنُهُ رُؤْيَةُ إمَامٍ) ، بِأَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ، وَالشَّارِحُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى اتِّجَاهِهِ (ثُمَّ يُسَوِّي إمَامٌ الصُّفُوفَ نَدْبًا بِمَنْكِبٍ وَكَعْبٍ) ، دُونَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، (فَلْيَلْتَفِتْ يَمِينًا وَشِمَالًا قَائِلًا: اعْتَدِلُوا وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ، أَوْ) يَقُولُ كَمَا فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَتَبِعَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": (اسْتَوُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ) ، وَفِي " الرِّعَايَةِ ": اعْتَدِلُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ، لِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي لِمَ صُنِعَ هَذَا الْعُودُ؟ فَقُلْتُ: لَا وَاَللَّهِ، فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ أَخَذَهُ بِيَمِينِهِ، فَقَالَ: اعْتَدِلُوا، وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، قَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي أَنْ تُقَامَ الصُّفُوفُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ. (وَسُنَّ تَكْمِيلُ صَفٍّ، أَوَّلٍ فَأَوَّلٍ) ، حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الْآخِرِ، (فَيُكْرَهُ تَرْكُهُ) ، أَيْ: تَرْكُ تَكْمِيلِهِ (لِقَادِرٍ) عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ

مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَى ذَلِكَ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» . وَظَاهِرُهُ: حَتَّى بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنْ كَانَ الصَّلَاةُ فِي مِحْرَابِ زِيَادَةِ عُثْمَانَ. (وَ) سُنَّ (مراصة) ، أَيْ: الْتِصَاقُ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ بِبَعْضٍ، وَسَدُّ خَلَلِ الصُّفُوفِ. (وَيَمِينُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ لِرِجَالٍ أَفْضَلُ مِنْ يَسَارِهِ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ قَرُبَ مَنْ عَلَى الْيَسَارِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ بَعُدَ. (وَ) صَفُّ (أَوَّلٍ لِرِجَالٍ) مَأْمُومِينَ (لَا نِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ أَفْضَلُ) مِمَّا بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ صَفٍّ أَفْضَلُ مِنْ الصَّفِّ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ صُفُوفِ الرِّجَالِ. وَصُفُوفِ النِّسَاءِ عَكْسُ ذَلِكَ، لِحَدِيثِ: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَلَهُ ثَوَابُهُ وَثَوَابُ مَنْ وَرَاءَهُ، أَيْ: لِلْإِمَامِ ثَوَابُ نَفْسِهِ وَثَوَابُ مَنْ وَرَاءَهُ، مَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ لِاقْتِدَائِهِمْ بِهِ. (وَ) الصَّفُّ (الْأَوَّلُ) : هُوَ (مَا يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ) ، يَعْنِي: مَا يَلِي الْإِمَامَ وَلَوْ قَطَعَهُ الْمِنْبَرُ فَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ تَامًّا. (وَ) قَالَ (فِي " الْفُرُوعِ " ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ: (أَنَّ بَعِيدًا عَنْ يَمِينِ) الْإِمَامِ (أَفْضَلُ مِنْ) مَأْمُومٍ (قَرِيبٍ عَنْ يَسَارِهِ) ، لِإِطْلَاقِهِمْ أَنَّ يَمِينَهُ لِرِجَالٍ أَفْضَلُ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَهُوَ أَقْوَى عِنْدِي، لِخُصُوصِيَّةِ جِهَةِ الْيَمِينِ بِمُطْلَقِ الْفَضْلِ، كَمَا أَنَّ مَنْ وَقَفَ وَرَاءَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ، وَلَوْ كَانَ فِي آخِرِ الصَّفِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ مُلْتَصِقًا بِهِ. (وَ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَيْضًا: (أَنَّهُ يُحَافِظُ عَلَى) الصَّفِّ (الْأَوَّلِ، وَإِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ) ، أَيْ: بِسَبَبِ مَشْيِهِ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَيَتَوَجَّهُ مِنْ نَصِّهِ يُسْرِعُ إلَى الْأُولَى لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، لَا إنْ خَافَ فَوْتَ (جَمَاعَةٍ) . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْمُرَادُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ: إذَا لَمْ تَفُتْهُ الْجَمَاعَةُ، أَمَّا إذَا خَشِيَ مِنْ اشْتِغَالِهِ بِإِدْرَاكِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ سَلَامَ

فصل قول مصل إماما أو غيره قائما لفرض الله أكبر

الْإِمَامِ، فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ مُتَعَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ إدْرَاكَهَا أَكْثَرُ فَضْلًا مِنْ إدْرَاكِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ. (وَمَا قَرُبَ مِنْ) الْ (إمَامِ فَ) هُوَ (أَفْضَلُ) مِمَّا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ. وَمُقْتَضَاهُ: أَفْضَلِيَّةُ الْأَقْرَبِ مِمَّنْ عَلَى يَسَارِهِ عَلَى الْأَبْعَدِ، مِمَّنْ عَلَى يَمِينِهِ، لِمَزِيَّةِ الْقُرْبِ. وَهَذَا تَوْجِيهُ احْتِمَالٍ ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَتَقَدَّمَ أَنَّ بُعْدَ يَمِينِهِ أَفْضَلُ مِنْ قُرْبِ يَسَارِهِ، لِامْتِيَازِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ. (وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، عَكْسُ صُفُوفِ نِسَاءٍ) لِلْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ. (فَيُسَنُّ تَأْخِيرُهُنَّ) ، أَيْ: النِّسَاءِ خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ، لِقَوْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» . (وَيَتَّجِهُ) مَحَلُّ تَأْخِيرِ نِسَاءٍ (إنْ صَلَّيْنَ خَلْفَ رِجَالٍ، لَا مَعَ بَعْضِهِنَّ) فَإِنْ صَلَّيْنَ مَعَ بَعْضِهِنَّ فَكَالرِّجَالِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَتُكْرَهُ صَلَاةُ رَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ (وَإِلَّا) تَكُنْ تُصَلِّي (فَلَا) كَرَاهَةَ. (وَلَيْسَ بَيْنَ إقَامَةٍ وَتَكْبِيرٍ دُعَاءٌ مَسْنُونٌ) نَصًّا، قِيلَ لِأَحْمَدَ: قَبْلَ التَّكْبِيرِ نَقُولُ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا. إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ (وَإِنْ دَعَا) بَيْنَهُمَا؛ (فَلَا بَأْسَ، فَعَلَهُ) الْإِمَامُ، (أَحْمَدُ) ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ، الْمُقَدَّمُ خِلَافُهَا. [فَصْلٌ قُولُ مُصَلٍّ إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ قَائِمًا لِفَرْضٍ اللَّهُ أَكْبَرُ] (فَصْلٌ) (ثُمَّ يَقُولُ) : مُصَلٍّ إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، (قَائِمًا مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَى قِيَامٍ (لِفَرْضٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

وَحَدِيثُ عَلِيٍّ، قَالَ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرُوِيَ مُرْسَلًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: «إذَا قُمْتَ فَكَبِّرْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا) وُجُوبًا. (وَيَتَّجِهُ) : اشْتِرَاطُ التَّوَالِي بَيْنَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ، (وَلَوْ حُكْمًا) . فَلَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ، أَوْ عُطَاسٌ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ التَّوَالِي وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَإِنْ أَتَى بِهِ) ، أَيْ: بِتَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ كُلِّهِ، غَيْرَ قَائِمٍ، بِأَنْ قَالَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، أَوْ رَاكِعٌ وَنَحْوُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، (أَوْ ابْتَدَأَهُ) ، أَيْ: التَّكْبِيرَ، غَيْرَ قَائِمٍ، كَأَنْ ابْتَدَأَهُ قَاعِدًا وَأَتَمَّهُ قَائِمًا، (أَوْ أَتَمَّهُ) ، أَيْ: التَّكْبِيرَ، (غَيْرَ قَائِمٍ) ، بِأَنْ ابْتَدَأَهُ قَائِمًا، وَأَتَمَّهُ رَاكِعًا مَثَلًا، (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا) ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ يُفْسِدُ الْفَرْضَ فَقَطْ دُونَ النَّفْلِ، فَتَنْقَلِبُ بِهِ صَلَاتُهُ نَفْلًا (إنْ اتَّسَعَ وَقْتٌ) لِإِتْمَامِ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ كُلِّهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ وَلَمْ يَكُنْ وَقْتَ نَهْيٍ. وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ لِمَا ذُكِرَ، اسْتَأْنَفَ الْفَرْضَ قَائِمًا. (وَإِذَا زَادَ بَعْدَ) قَوْلِهِ: اللَّهُ (أَكْبَرُ كَبِيرًا، أَوْ) قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَ (أَعْظَمُ، أَوْ) اللَّهُ أَكْبَرُ وَ (أَجَلُّ، وَنَحْوُهُ كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ وَالْحِكْمَةُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِهَذَا اللَّفْظِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اسْتِحْضَارُ الْمُصَلِّي عَظَمَةَ مَنْ تَهَيَّأَ لِخِدْمَتِهِ، وَالْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَمْتَلِئَ هَيْبَةً، فَيَحْضُرُ قَلْبُهُ، وَيَخْشَعُ وَلَا يَغِيبُ. وَسُمِّيَتْ

التَّكْبِيرَةُ الَّتِي يَدْخُلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِهَا فِي عِبَادَةٍ، يَحْرُمُ فِيهَا أُمُورٌ. وَالْإِحْرَامُ: الدُّخُولُ فِي حُرْمَةٍ لَا تُنْتَهَكُ. (وَتَنْعَقِدُ) الصَّلَاةُ (إنْ مَدَّ اللَّامَ) ، أَيْ: لَامَ الْجَلَالَةِ؛ لِأَنَّهَا مَمْدُودَةٌ، فَغَايَتُهُ زِيَادَتُهَا مِنْ غَيْرِ إتْيَانِهِ بِحَرْفٍ زَائِدٍ وَ (لَا) تَنْعَقِدُ إنْ مَدَّ (هَمْزَةَ اللَّهِ، أَوْ) مَدَّ هَمْزَةَ (أَكْبَرَ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ اسْتِفْهَامًا، فَيَخْتَلُّ الْمَعْنَى (أَوْ قَالَ: إكْبَارٌ) ؛ لِأَنَّهُ جَمْعُ كَبْرٍ - بِفَتْحِ الْكَافِ - وَهُوَ: الطَّبْلُ، (أَوْ) قَالَ: اللَّهُ (الْأَكْبَرُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِ، وَتَقَدَّمَ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: اللَّهُ الْكَبِيرُ أَوْ الْجَلِيلُ وَنَحْوُهُ، أَوْ قَالَ: اللَّهُ أَقْبَرُ أَوْ: اللَّهُ، فَقَطْ، أَوْ أَكْبَرُ فَقَطْ. (وَحَذْفُ) زِيَادَةِ (مَدِّ لَامٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَمْطِيطُهُ) أَيْ: التَّكْبِيرِ (وَيَلْزَمُ جَاهِلًا تَكْبِيرَةُ إحْرَامٍ تَعَلَّمَهَا) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فِي مَكَانِهِ، أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ لِتَعَلُّمِهِ. (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ تَعَلُّمِ التَّكْبِيرِ، (أَوْ ضَاقَ وَقْتٌ) عَنْهُ، (كَبَّرَ بِلُغَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ اللَّفْظِ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِمَعْنَاهُ، كَلَفْظَةِ النِّكَاحِ. (فَإِنْ عَرَفَ لُغَاتٍ فِيهَا أَفْضَلَ، كَبَّرَ بِهِ، فَيُقَدَّمُ سُرْيَانِيٌّ) بَعْدَ الْعَرَبِيِّ (فَفَارِسِيٌّ) بَعْدَ السُّرْيَانِيِّ (وَإِلَّا خُيِّرَ) مَنْ يَعْرِفُ لِسَانَيْنِ (كَتُرْكِيٍّ وَهِنْدِيٍّ) بِالتَّكْبِيرِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ لِتَسَاوِيهِمَا. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ التَّكْبِيرِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا، سَقَطَ عَنْهُ كَالْأَخْرَسِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . (وَكَذَا كُلُّ ذِكْرٍ وَاجِبٍ كَتَحْمِيدٍ، وَتَسْبِيحٍ، وَتَشَهُّدٍ) فَيَلْزَمُهُ تَعَلُّمُهُ إنْ قَدَرَ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَتَى بِهِ بِلُغَتِهِ. (وَإِنْ عَلِمَ الْبَعْضَ) مِنْ التَّكْبِيرِ، أَوْ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ؛ بِأَنْ أَحْسَنَ لَفْظَ اللَّهِ، أَوْ أَكْبَرَ، أَوْ سُبْحَانَ دُونَ الْبَاقِي، (أَتَى بِهِ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَإِنْ تَرْجَمَ) بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ (عَنْ) ذِكْرٍ (مُسْتَحَبٍّ، بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ.

(وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ، لَوْ تَرْجَمَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ عَنْ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ غَيْرِ الْمُسْتَحَبِّ، فَيَجِبُ اقْتِصَارُهُ عَلَى مَا يُجْزِئُ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَالْوَاجِبَاتِ (حَتَّى) لَوْ أَتَى (بِزَائِدٍ عَنْ مَرَّةٍ فِي وَاجِبٍ) بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، كَالْمُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَأَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَحْرُمُ أَخْرَسُ وَنَحْوُهُ) كَمَقْطُوعِ اللِّسَانِ، (بِقَلْبِهِ) لِعَجْزِهِ عَنْهُ بِلِسَانِهِ، (وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَلَوْ أَمْكَنَهُ) لِأَنَّهُ عَبَثٌ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، كَالْعَبَثِ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَ الْقَادِرَ ضَرُورَةً. (وَكَذَا حُكْمُ نَحْوِ قِرَاءَةٍ) كَتَحْمِيدٍ، (وَتَسْبِيحٍ) وَتَسْمِيعٍ، وَتَشَهُّدٍ، وَسَلَامٍ، يَأْتِي بِهِ الْأَخْرَسُ وَنَحْوُهُ بِقَلْبِهِ، وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ. (وَسُنَّ جَهْرُ إمَامٍ بِتَكْبِيرٍ) ، لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ مُتَابَعَتِهِ فِيهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» (وَتَسْمِيعٌ) أَيْ: قَوْلُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، (وَتَسْلِيمَةٌ أُولَى) لِيَقْتَدِيَ بِهِ الْمَأْمُومُ بِخِلَافِ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ، وَالتَّحْمِيدِ. (وَ) سُنَّ جَهْرُهُ أَيْضًا بِ (قِرَاءَةٍ فِي) صَلَاةٍ (جَهْرِيَّةٍ، بِحَيْثُ يُسْمِعُ) الْإِمَامُ بِالتَّكْبِيرِ، وَالتَّسْمِيعِ، وَالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، وَالْقِرَاءَةِ فِي الْجَهْرِيَّةِ (مَنْ خَلْفَهُ) لِيُتَابِعُوهُ، وَيَحْصُلَ لَهُمْ

اسْتِمَاعُ قِرَاءَتِهِ (وَأَدْنَاهُ) أَيْ: أَدْنَى جَهْرِ الْإِمَامِ بِذَلِكَ (سَمَاعُ غَيْرِهِ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا يَضُرُّ قَصْدُ جَهْرِ) مُصَلٍّ بِذِكْرٍ (وَاجِبٍ) كَتَكْبِيرٍ، وَتَسْمِيعٍ (لِ) أَجْل (تَبْلِيغِ) الْمَأْمُومِينَ، لِيُتَابِعُوا إمَامَهُمْ. وَيَجُوزُ الإخفات (إذَا الْجَهْدُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ) اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَسْنُونٌ إنْ أُتِيحَ إلَيْهِ كَمَا يَأْتِي. وَهَذَا مُتَّجِهٌ. (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ يَضُرُّ) جَهْرُهُ (إنْ قَصَدَ) بِجَهْرِهِ (بِ) الذِّكْرِ (الْوَاجِبِ التَّبْلِيغَ) فَقَطْ، أَيْ: دُونَ قَصْدِهِ بِهِ الِانْتِقَالَ، (أَوْ) أَيْ: وَيَضُرُّ لَوْ كَانَ الْقَصْدُ (وَلَوْ) ، أَيْ: الذِّكْرَ، (وَالتَّبْلِيغَ) ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ بِالتَّبْلِيغِ؟ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ عَلَى رِوَايَةٍ، وَقَدْ عَلَّلَ أَحْمَدُ الْفَسَادَ بِالْخِطَابِ، لَكِنْ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْخِطَابِ وَالتَّبْلِيغِ، بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا لِمَصْلَحَتِهَا؛ فَلَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْإِعْلَامَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيَاسُهُ - قَصْدُ الْإِعْلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: (كَحَمْدٍ) أَيْ: كَمَا لَوْ عَطَسَ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ جَاعِلًا حَمْدَهُ (لِعُطَاسٍ وَ) لِ (قِرَاءَةٍ) فَلَا يُجْزِئُهُ نَصًّا. وَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ الْآتِي - غَيْرُ مُسْلِمٍ: إذْ الْحَمْدُ لِلْعُطَاسِ لَيْسَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَالتَّبْلِيغُ لِمَصْلَحَتِهَا، فَافْتَرَقَا. (وَكُرِهَ جَهْرُ مَأْمُومٍ) فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلٍ

مِنْ أَقْوَالِهَا (إلَّا بِتَكْبِيرٍ، وَتَحْمِيدٍ، وَسَلَامٍ لِحَاجَةٍ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ أَسْمَعَ جَمِيعَهُمْ، لِنَحْوِ: بُعْدٍ، وَكَثْرَةٍ (فَيُسَنُّ) جَهْرُ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ

بِذَلِكَ، لِيَسْمَعَ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ، لِيُسْمِعَنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْفُرُوعِ ": إلَّا الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مَعَ الرِّجَالِ، فَلَا تَجْهَرُ هِيَ، بَلْ أَحَدُهُمْ (وَإِلَّا) تَكُنْ حَاجَةٌ لِلْجَهْرِ (سُنَّ إسْرَارُهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ بِالتَّكْبِيرِ، وَنَحْوِهِ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَبْلُغُ صَوْتُهُ الْمَأْمُومِينَ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ التَّبْلِيغُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ عَبَثٌ. (وَجَهْرُ كُلِّ مُصَلٍّ) إمَامٍ، أَوْ مَأْمُومٍ، أَوْ مُنْفَرِدٍ (فِي رُكْنٍ) كَتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ وَتَشَهُّدٍ أَخِيرٍ، وَسَلَامٍ (وَ) فِي (وَاجِبٍ) كَتَسْمِيعٍ، وَتَحْمِيدٍ، وَبَاقِي تَكْبِيرٍ، وَتَشَهُّدٍ أَوَّلٍ (فَرْضٍ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ) حَيْثُ لَا مَانِعَ. (وَمَعَ مَانِعٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ سَمَاعٌ مَعَ عَدَمِهِ) ، أَيْ: الْمَانِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ آتِيًا بِذَلِكَ بِدُونِ صَوْتٍ، وَالصَّوْتُ يُسْمَعُ، وَأَقْرَبُ السَّامِعِينَ إلَيْهِ نَفْسُهُ. (وَسُنَّ) لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِصَلَاةٍ (رَفْعُ يَدَيْهِ) مَعًا مَعَ قُدْرَةٍ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَذَلِكَ (إشَارَةٌ لِرَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ) كَمَا أَنَّ رَفْعَ السَّبَّابَةِ إشَارَةٌ لِلْوَحْدَانِيَّةِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ. (أَوْ) رَفْعُ (إحْدَاهُمَا عَجْزًا) عَنْ رَفْعِ الْيَدِ الْأُخْرَى لِمَرَضِهَا فَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ الْكُوعِ، رَفَعَ السَّاعِدَ، أَوْ مِنْ الْمِرْفَقِ، رَفَعَ الْعَضُدَ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْفُرُوعِ ": وَكَذَا لَوْ عَجَزَ عَنْ رَفْعِهِمَا لِمَانِعٍ، يَتَوَجَّهُ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَهُمَا لَوْ كَانَا؛ لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ رَفْعٍ (مَعَ ابْتِدَاءِ تَكْبِيرٍ) . فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الرَّفْعُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ؛ رَفَعَهُمَا لِإِتْيَانِهِ بِالسُّنَّةِ وَزِيَادَةٍ هُوَ مَغْلُوبٌ عَلَيْهَا. وَالْأَفْضَلُ كَوْنُ يَدَيْهِ (مَكْشُوفَتَيْنِ هُنَا، وَفِي دُعَاءٍ)

لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَأَظْهَرُ فِي الْخُضُوعِ، وَتَكُونُ الْيَدَانِ حَالَ الرَّفْعِ (مَبْسُوطَتَيْ الْأَصَابِعِ) ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَأْتِي (مَضْمُومَتَيْهَا) لِأَنَّ الْأَصَابِعَ إذَا ضُمَّتْ تَمْتَدُّ (مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهَا الْقِبْلَةَ) . وَيَكُونُ الرَّفْعُ (إلَى حَذْوِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (مَنْكِبَيْهِ) ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ: مَجْمَعُ عَظْمِ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ، (بِرُءُوسِهِمَا) ، أَيْ: يُقَابِلُ بِرُءُوسِ أَصَابِعِهِ مَنْكِبَيْهِ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ، (إنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمُصَلِّي (عُذْرٌ) يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ، رَفَعَ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ. (وَيُنْهِيهِ) أَيْ: الرَّفْعَ (مَعَهُ) أَيْ: التَّكْبِيرِ، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حَجَر: " أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» ، وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ» ، وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ» ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا» . وَأَمَّا خَبَرُهُ الْآخَرُ: «كَانَ يَنْشُرُ أَصَابِعَهُ لِلتَّكْبِيرِ» ، فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: خَطَأٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ الْمَدُّ. قَالَ أَحْمَدُ: أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا: هَذَا الضَّمُّ، وَضَمُّ أَصَابِعِهِ، وَهَذَا النَّشْرُ، وَمَدُّ أَصَابِعِهِ، وَهَذَا التَّفْرِيقُ، وَقَذْفُ أَصَابِعِهِ. وَلِأَنَّ النَّشْرَ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ كَنَشْرِ الثَّوْبِ. (وَيَسْقُطُ اسْتِحْبَابُ رَفْعِهِمَا) ، أَيْ: يَدَيْهِ (بِفَرَاغِ تَكْبِيرٍ) لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ. فَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ، رَفَعَ فِيمَا بَقِيَ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ، (وَمَنْ رَفَعَ) يَدَيْهِ، فَهُوَ (أَتَمُّ صَلَاةً مِمَّنْ لَمْ يَرْفَعْ) لِإِتْيَانِهِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ. (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِ التَّكْبِيرِ (يَحُطُّهُمَا) أَيْ: يَدَيْهِ (بِلَا ذِكْرٍ) . لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ) يَدٍ (يُمْنَى عَلَى كُوعِ) يَدٍ (يُسْرَى) ، لِمَا

رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَؤُمُّنَا، فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (وَيَجْعَلُهُمَا) أَيْ: يَدَيْهِ (تَحْتَ سُرَّتِهِ) ، 9 لِقَوْلِ عَلِيٍّ " مِنْ السُّنَّةِ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ، تَحْتَ السُّرَّةِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد. (وَمَعْنَاهُ ذُلٌّ بَيْنَ يَدَيْ عِزٌّ. وَيُكْرَهُ) جَعْلُهُمَا (عَلَى صَدْرِهِ) ، نَقَلَهُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى الرَّقِّيِّ (وَسُنَّ نَظَرُهُ لِمَوْضِعِ سُجُودِهِ) فِي سَائِرِ حَالَاتِ الصَّلَاةِ، لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَ {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] ، رَمَقُوا بِأَبْصَارِهِمْ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِمْ» ؛ وَلِأَنَّهُ أَخْشَعُ لِلْمُصَلِّي، وَأَكَفُّ لِبَصَرِهِ، (إلَّا) إذَا كَانَ الْمُصَلِّي (فِي نَحْوِ صَلَاةِ خَوْفٍ) إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، فَيَنْظُرُ إلَى الْعَدُوِّ لِلْحَاجَةِ. وَكَذَا إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، أَوْ كَانَ خَائِفًا مِنْ سَيْلٍ، أَوْ سَبُعٍ، أَوْ فَوَاتِ وَقْتِ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ، أَوْ ضَيَاعِ مَالِهِ، وَشَبَهِ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ ضَرَرٌ إذَا نَظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَحَالَ إشَارَتِهِ فِي التَّشَهُّدِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى سَبَّابَتِهِ، لِخَبَرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَصَلَاتُهُ تِجَاهَ الْكَعْبَةِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا. وَفِي " الْغُنْيَةِ "، يُكْرَهُ إلْصَاقُ الْحَنَكِ بِالصَّدْرِ، وَعَلَى الثَّوْبِ، وَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَرِهَتْهُ.

فصل ما يستفتح به ندبا للصلاة

[فَصْلٌ مَا يُسْتَفْتَحُ بِهِ نَدْبًا لَلصَّلَاةَ] (فَصْلٌ) (ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ نَدْبًا فَيَقُولُ) مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَرَوَاهُ أَنَسٌ أَيْضًا، وَعَمِلَ بِهِ عُمَرُ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ إمَامُنَا، وَجَوَّزَ الِاسْتِفْتَاحَ بِغَيْرِهِ مِمَّا وَرَدَ، وَقَوْلُ: سُبْحَانَكَ، أَيْ: تَنْزِيهًا لَكَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِكَ مِنْ النَّقَائِصِ وَالرَّذَائِلِ وَبِحَمْدِكَ، أَيْ: وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ. وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، أَيْ: كَثُرَتْ بَرَكَاتُهُ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَصَرَّفْ مِنْهُ مُسْتَقْبَلٌ، وَلَا اسْمُ فَاعِلٍ، وَتَعَالَى جَدُّكَ: ارْتَفَعَ قَدْرُكَ وَعَظُمَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْجَدُّ: الْغِنَى، فَالْمَعْنَى ارْتَفَعَ غِنَاك عَنْ أَنْ يُسَاوِيَ غِنَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ، أَيْ: لَا إلَهَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَيُرْجَى رَحْمَتُهُ، وَتُخَافُ سَطْوَته غَيْرُكَ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهَا تَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ فِي أَوَّلِ كُلِّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ أَوْ مَنْذُورَةٍ. (وَفِي اسْتِفْتَاحِ أَوَّلِ رَاتِبَةٍ) : كَسُنَّةِ فَجْرٍ، وَظُهْرٍ، وَمَغْرِبٍ، وَعِشَاءٍ، (وَ) فِي أَوَّلِ رَكْعَتَيْ (نَفْلٍ) : كَتَرَاوِيحَ، وَضُحَى، وَوِتْرٍ أَرَادَ فِعْلَهَا كُلَّهَا؛ فَيَسْتَفْتِحُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ مِنْهَا، وَ (لَا) يَسْتَفْتِحُ فِي (كُلِّهِ) أَيْ: النَّفْلِ، طَلَبًا لِلْيُسْرِ، وَالسُّهُولَةِ، وَعَدَمِ السَّآمَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ عَنْهُ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَعَلَهُ فِي عِبَادَةٍ لَا يَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى نَوْعٍ مِنْهَا، بَلْ يُؤْتَى بِهِ فِي سَائِرِ

أَنْوَاعِهَا؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَارِكًا لِبَعْضِ السُّنَنِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ. (ثُمَّ يَسْتَعِيذُ، فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98] ،، أَيْ: إذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَقُولُهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» (وَكَيْفَمَا تَعَوَّذَ مِمَّا وَرَدَ فَحَسَنٌ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ. وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ، وَالْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى، لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ. (ثُمَّ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ) ، أَيْ: يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (نَدْبًا) ، لِمَا رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ حَتَّى بَلَغَ: وَلَا الضَّالِّينَ. الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. (وَلَيْسَتْ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (مِنْ الْفَاتِحَةِ) ، أَيْ: وَلَا مِنْ غَيْرِهَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي» .

الْحَدِيثَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَوْ كَانَتْ آيَةً لَعَدَّهَا وَبَدَأَ بِهَا، وَلَمَا تَحَقَّقَ التَّنْصِيفُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ ثَنَاءٌ وَتَمْجِيدٌ أَرْبَعُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ، وَمَا هُوَ لِآدَمِيٍّ آيَتَانِ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ إجْمَاعًا. وَنَظِيرُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ، بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» . (بَلْ) الْبَسْمَلَةُ بَعْضُ آيَةٍ مِنْ النَّمْلِ إجْمَاعًا، وَ (آيَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ، سِوَى بَرَاءَةٍ، فَيُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهَا بِهَا) لِنُزُولِهَا بِالسَّيْفِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مَعَ الْأَنْفَالِ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ. وَتُسْتَحَبُّ فِي ابْتِدَاءِ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ الْمَشْرُوعَةِ، وَكِتَابَتُهَا أَوَائِلَ الْكُتُبِ وَلَا تُكْتَبُ أَمَامَ الشِّعْرِ، وَلَا مَعَهُ، نَقَلَهُ ابْنُ الْحَكِيمِ. وَذَكَرَ الشَّعْبِيُّ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ؛ قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ يَشُوبُهُ الْكَذِبُ وَالْهَجْوُ غَالِبًا. وَيَجُوزُ الْجَهْرُ بِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ. (وَلَا يُسَنُّ جَهْرٌ بِمَا مَرَّ) مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ وَالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الَّذِي يَسْمَعُهُ مِنْهُمْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ قَتَادَةُ: «فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» . وَفِي لَفْظٍ: «فَكُلُّهُمْ يُخْفِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، وَفِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " كَانَ يُسِرُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ» . رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينِ. (وَيَسْقُطُ) كُلُّ (أَوَّلٍ) مِنْ اسْتِفْتَاحٍ، وَتَعَوُّذٍ، وَبَسْمَلَةٍ (بِشُرُوعٍ بِثَانٍ) فَلَوْ تَرَكَ الِاسْتِفْتَاحَ وَلَوْ عَمْدًا حَتَّى تَعَوَّذَ،

أَوْ تَرَكَ التَّعَوُّذَ حَتَّى بَسْمَلَ، أَوْ الْبَسْمَلَةَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا. (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ) تَامَّةً بِتَشْدِيدَاتِهَا، وَهِيَ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا: «كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُطَوِّلُ الْأُولَى وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانَا، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ» . وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» . وَعَنْهُ، وَعَنْ عُبَادَةَ، قَالَا: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» ، رَوَاهُمَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الشالنجي. (وَفِيهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ (إحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً) ، أَوَّلُهَا اللَّامُ فِي اللَّهِ، وَآخِرُهَا تَشْدِيدَتَا الضَّالِّينَ. وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي التَّشْدِيدِ وَالْمَدِّ. (فَإِنْ تَرَكَ) غَيْرُ مَأْمُومٍ (وَاحِدَةً) مِنْ تَشْدِيدَاتِهَا، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ، لِتَرْكِهِ حَرْفًا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ الْمُشَدَّدَ أُقِيمَ مَقَامَ حَرْفَيْنِ. هَذَا إذَا فَاتَهُ مَحَلُّهَا وَبَعُدَ عَنْهُ، بِحَيْثُ يُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَأَعَادَ الْكَلِمَةَ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، كَمَنْ نَطَقَ بِالْكَلِمَةِ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ، ثُمَّ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ التَّشْدِيدِ سَهْوًا أَوْ خَطَأً، أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا، فَقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي بُطْلَانَ صَلَاتِهِ، إنْ انْتَقَلَ عَنْ مَحَلِّهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَرْكَانِ. أَمَّا مَا دَامَ فِي مَحَلِّهَا وَهُوَ حَرْفُهَا، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْفُرُوعِ "، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْفَاتِحَةَ رُكْنٌ وَاحِدٌ مَحَلُّهُ الْقِيَامُ، لَا أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ رُكْنٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ: (أَوْ) تَرَكَ (تَرْتِيبَهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ (غَيْرُ مَأْمُومٍ) ، بِأَنْ كَانَ إمَامًا، أَوْ مُنْفَرِدًا

(بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ) عُرْفًا، (أَوْ بِذِكْرٍ) كَثِيرٍ، (أَوْ دُعَاءٍ) كَثِيرٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا لِقَطْعِهِ مُوَالَاتَهَا. (أَوْ) قَطَعَهَا غَيْرُ مَأْمُومٍ بِ (قُرْآنٍ كَثِيرٍ) عُرْفًا، (لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا) ، أَيْ: أَنْ يَبْتَدِئَهَا مِنْ أَوَّلِهَا (إنْ تَعَمَّدَ) الْقَطْعَ الْمُبْطِلَ (بِخِلَافِ نَحْوِ سَهْوٍ وَنَوْمٍ) فَيُعْفَى عَنْهُ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ لَوْ سَكَتَ كَثِيرًا نِسْيَانًا أَوْ نَوْمًا، أَوْ انْتَقَلَ إلَى غَيْرِهَا غَلَطًا، فَطَالَ، بَنَى عَلَى مَا قَرَأَ مِنْهَا، (وَكَانَ) الْقَطْعُ (غَيْرَ مَشْرُوعٍ) . فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ مَشْرُوعًا كَسُكُوتِهِ لِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ هُوَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَكَسُجُودِهِ لِتِلَاوَةٍ، وَسُؤَالِهِ الرَّحْمَةَ عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ، وَتَعَوُّذِهِ عِنْدَ آيَةِ عَذَابٍ، فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِعْرَاضٍ عَنْ الْقِرَاءَةِ. (وَلَا تَبْطُلُ) الْقِرَاءَةُ (بِنِيَّةِ قَطْعِهَا) ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْقَطْعِ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَهُوَ مَعْنَوِيٌّ. وَإِنَّمَا جَعَلْنَا نِيَّةَ قَطْعِ الصَّلَاةِ مُؤَثِّرَةً فِيهَا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ تَجِبُ اسْتِدَامَتُهَا فِيهَا حُكْمًا، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ خَاصَّةٍ، فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا نِيَّةُ الْقَطْعِ. (وَلَوْ سَكَتَ يَسِيرًا) فَبَنَى عَلَى مَا قَرَأَهُ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِاللِّسَانِ فَلَمْ تَنْقَطِعْ، بِخِلَافِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ. (وَلَا) تَبْطُلُ (إنْ غَلِطَ) بِانْتِقَالِهِ عَنْ الْفَاتِحَةِ إلَى قِرَاءَةِ غَيْرِهَا، وَلَوْ طَالَ (فَرَجَعَ وَأَتَمَّ) ، فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا لِمَا تَقَدَّمَ. (وَسُنَّ قِرَاءَتُهَا) ، أَيْ: الْفَاتِحَةِ، (مُرَتَّلَةً مُعْرَبَةً) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: 4] ، (يَقِفُ) فِيهَا (عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ) كَقِرَاءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (وَلَوْ تَعَلَّقَتْ) الْآيَةُ الثَّانِيَةُ (بِمَا بَعْدَهَا) ، أَيْ: بِالْأُولَى، تَعَلُّقَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ، كَ: " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " بَعْدَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ". أَوْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً تَعَلُّقَ الْبَدَلِ بِالْمُبْدَلِ مِنْهُ

كَ: " صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ " بَعْدَ " اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ". (وَيُمْكِنُ حُرُوفُ مَدٍّ وَلِينٍ) . وَهِيَ: الْأَلِفُ اللَّيِّنَةُ، وَالْوَاوُ الْمَضْمُومُ مَا قَبْلَهَا، وَالْيَاءُ الْمَكْسُورُ مَا قَبْلَهَا، (مَا لَمْ يُؤَدِّ) التَّمْكِينُ (لِتَمْطِيطٍ) فَيَتْرُكُهُ. (وَهِيَ) ، أَيْ: الْفَاتِحَةُ (أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ) . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَفْضَلُ سُورَةٍ. وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ، لِقَوْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا: «أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى. (وَأَعْظَمُ آيَةٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْقُرْآنِ: (آيَةُ الْكُرْسِيِّ) ، كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ، بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ مِنْ الْمَعَانِي، وَالْبَلَاغَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْجَمِيعِ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ التَّفْضِيلَ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقِ لَا بِالذَّاتِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا - أَيْ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ - سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ. (وَكُرِهَ إفْرَاطٌ بِتَشْدِيدٍ وَمَدٍّ) ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجٌ لِلْقِرَاءَةِ عَنْ مَوْضُوعِهَا. (وَ) كُرِهَ (قَوْلٌ مَعَ إمَامِهِ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] وَنَحْوُهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ. (فَإِذَا فَرَغَ) مِنْ الْفَاتِحَةِ (قَالَ: آمِينَ، بِقَصْرِ) الْهَمْزَةِ، (وَمَدُّ) هَا (أَوْلَى، بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ، لِيُعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ) ، وَإِنَّمَا هِيَ طَابَعُ الدُّعَاءِ وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، وَقِيلَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى. (وَحَرُمَ وَبَطَلَتْ) الصَّلَاةُ (إنْ شَدَّدَ مِيمَهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى قَاصِدِينَ (يَجْهَرُ بِهَا إمَامٌ وَمَأْمُومٌ مَعًا) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو وَائِلٍ

أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، «كَانَ يَقُولُ: آمِينَ، يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُد، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَصَحَّحَهُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: " كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ وَيُؤَمِّنُونَ، حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً ". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. (وَ) يَجْهَرُ بِهَا (مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ) مِنْ الْقِرَاءَةِ تَبَعًا لَهَا، (فَإِنْ تَرَكَهُ) ، أَيْ: التَّأْمِينَ (إمَامٌ) فِي جَهْرِيَّةٍ، (أَوْ أَسَرَّهُ) الْإِمَامُ فِيهَا، (أَتَى مَأْمُومٌ جَهْرًا) ؛ لِأَنَّ جَهْرَ الْمَأْمُومِ بِهِ سُنَّةٌ، فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ الْإِمَامِ لَهُ، كَتَرْكِ التَّعَوُّذِ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا نَسِيَهُ الْإِمَامُ فَيَجْهَرُ بِهِ الْمَأْمُومُ لِيَذْكُرَهُ، فَيَأْتِيَ بِهِ. (وَسُنَّ سُكُوتُ إمَامٍ بَعْدَهَا) ، أَيْ: بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، (بِقَدْرِ قِرَاءَةِ مَأْمُومٍ) الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ سَمُرَةَ، لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَعَ الْإِنْصَاتِ لِقِرَاءَةِ الْإِمَام وَ (لَا) يُسَنُّ (قَوْلُ) مُصَلٍّ: (آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي التَّكْبِيرِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي. (وَيَلْزَمُ جَاهِلًا تَعَلُّمُ الْفَاتِحَةِ) ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَزِمَ تَحْصِيلُهَا إذَا أَمْكَنَهُ كَشُرُوطِهَا. (فَإِنْ) لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَعَلُّمِهَا، أَوْ (ضَاقَ وَقْتٌ) عَنْ التَّعَلُّمِ، سَقَطَ كَسَائِرِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ، وَ (لَزِمَهُ قِرَاءَةُ قَدْرِهَا حُرُوفًا وَآيَاتٍ) مِنْ غَيْرِهَا مِنْ أَيِّ سُورَةٍ شَاءَ مِنْ الْقُرْآنِ، لِمُشَارَكَتِهِ لَهَا فِي الْقُرْآنِيَّةِ. وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ عَدَدُ الْحُرُوفِ لِأَنَّهَا مَقْصُودَةٌ، بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ تَقْدِيرِ الْحَسَنَاتِ بِهَا، فَاعْتُبِرَتْ كَالْأُمِّيِّ. (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) مِنْ الْقُرْآنِ (إلَّا آيَةً) وَاحِدَةً (مِنْهَا) ، أَيْ: الْفَاتِحَةِ، (كَرَّرَهَا) ، أَيْ: الْآيَةَ الَّتِي يُحْسِنُهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ (بِقَدْرِهَا) لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهَا، فَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ حَسَبَ الْإِمْكَانِ. وَإِنْ أَحْسَنَ آيَةً فَأَكْثَرَ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَآيَةً فَأَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا كَرَّرَ الَّذِي مِنْ الْفَاتِحَةِ بِقَدْرِهَا. (وَلَا يُجْزِئُهُ آيَةٌ مِنْ غَيْرِهَا) . ذَكَرَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ

إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا، (بِخِلَافِ) مَنْ عَرَفَ (بَعْضَ آيَةٍ) فَلَا يُكَرِّرُهُ وَيَعْدِلُ إلَى الذِّكْرِ. (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ قُرْآنًا) ، أَيْ: آيَةً فِيهِ، (حَرُمَ تَرْجَمَتُهُ) ، أَيْ: تَعْبِيرٌ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى، (إذْ) التَّرْجَمَةُ (لَا تُسَمَّى قُرْآنًا) ، بَلْ هِيَ تَفْسِيرٌ لِلْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ الْمُنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ تَعَالَى {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] (فَلَا تَحْرُمُ) التَّرْجَمَةُ (عَلَى جُنُبٍ، وَلَا يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ) . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19] وَالْإِنْذَارُ بِالتَّرْجَمَةِ يَحْصُلُ بِالْمُفَسَّرِ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ لَا بِالتَّفْسِيرِ. (وَتَحْسُنُ) تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ (لِحَاجَةِ تَفْهِيمٍ) بِهَا، وَتَكُونُ تِلْكَ التَّرْجَمَةُ عِبَارَةً عَنْ مَعْنَى الْقُرْآنِ، وَتَفْسِيرًا لَهُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ، لَا قُرْآنًا، وَلَا مُعْجِزًا (وَلَزِمَهُ) ، أَيْ: مَنْ لَمْ يُحْسِنْ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ (قَوْلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد، عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» . الْحَدِيثَ، وَمَنْ أَسْقَطَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، اعْتَمَدَ عَلَى حَدِيثِ رِفَاعَة ابْن رَافِع «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عَلَّمَ رَجُلًا الصَّلَاةَ، فَقَالَ: إنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ، ثُمَّ ارْكَعْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ. تَنْبِيهٌ: الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ السَّابِقَ يُجْزِئُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ

بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ مِنْ غَيْرِهَا، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ حَيْثُ اعْتَمَدَ أَنْ يُكَرِّرَ الذِّكْرَ، أَوْ يُضِيفَ إلَيْهِ ذِكْرًا آخَرَ حَتَّى يَصِيرَ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، فَأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ. (فَإِنْ عَرَفَ بَعْضَهُ) أَيْ: بَعْضَ الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ (كَرَّرَهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْبَعْضَ (بِقَدْرِهِ) مُرَاعِيًا لِعَدَدِ الْحُرُوفِ وَالْجُمَلِ، كَمَنْ عَرَفَ آيَةً فَأَكْثَرَ مِنْ الْفَاتِحَةِ. (وَيَتَّجِهُ جَوَازُ تَرْجَمَةٍ هُنَا) أَيْ: فِيمَا إذَا عَرَفَ بَعْضَ الذِّكْرِ، وَعَجَزَ عَنْ بَيَانِ بَاقِيهِ فَيَأْتِي بِمَا عَرَفَهُ مِنْهُ، وَيُتَرْجِمُ عَنْ الْبَاقِي بِلُغَتِهِ، لِيَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الذِّكْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ، بَعْضُهُ بِلَفْظِهِ، وَبَعْضُهُ بِمَعْنَاهُ وَهَذَا الِاتِّجَاهُ تَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ الذِّكْرَ بَدَلٌ عَنْ الْقُرْآنِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ، وَالتَّرْجَمَةُ عَنْ الذِّكْرِ بَدَلٌ عَنْهُ، وَهِيَ أَضْعَفُ مِنْ الْأَضْعَفِ، فَلَا تَقُومُ مَقَامَ مُبْدِلِهَا. (وَإِلَّا) يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ الذِّكْرِ، (وَقَفَ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ) الْفَاتِحَةِ (كَأَخْرَسَ) وَمَقْطُوعِ لِسَانٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، لَمْ تُجْزِئْهُ، فَمَعَ الْقُدْرَةِ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ بِقَدْرِهَا؛ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا، لَزِمَهُ الْآخَرُ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرَتْكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ

مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَلَا يَلْزَمُ) عَاجِزًا عَنْ الْفَاتِحَةِ إتْيَانُهُ (بِصَلَاةٍ خَلْفَ قَارِئٍ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَمْ يَأْمُرْ السَّائِلَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ. (وَيُسَنُّ لَهُ) أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ قَارِئٍ لِتَكُونَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةً لَهُ، وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ. (وَمَنْ صَلَّى وَتَلَقَّفَ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِهِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ) ، لِأَنَّهُ أَتَى بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ، أَشْبَهَ الْقَارِئَ مِنْ حِفْظِهِ، أَوْ مِنْ مُصْحَفٍ. وَالتَّلَقُّفُ: التَّنَاوُلُ بِسُرْعَةٍ. وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ سُرْعَةُ التَّنَاوُلِ لِئَلَّا تَفُوتَ الْمُوَالَاةُ. (ثُمَّ يَقْرَأُ) الْمُصَلِّي بَعْدَ الْفَاتِحَةِ حَالَ كَوْنِهِ (مُبَسْمِلًا) نَصًّا (سُورَةً كَامِلَةً نَدْبًا) . قَالَ فِي " شَرْحِ الْفُرُوعِ ": لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ (مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ) ، أَيْ: الْمُبَيَّنِ قَالَ تَعَالَى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فصلت: 3] ، أَيْ: جُعِلَتْ تَفَاصِيلَ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ حِكَمٍ، وَأَمْثَالٍ، وَمَوَاعِظَ، وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ، وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ. وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْفُصُولِ فِيهِ بَيْنَ السُّوَرِ. وَقِيلَ: لِقِلَّةِ الْمَنْسُوخِ فِيهِ. (فِي) صَلَاةِ (فَجْرٍ، وَ) مِنْ (قِصَارِهِ فِي) صَلَاةِ (مَغْرِبٍ، وَفِي الْبَاقِي) مِنْ الْخَمْسِ، وَهِيَ: الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ (مِنْ أَوْسَاطِهِ) أَيْ: الْمُفَصَّلِ، لَكِنْ يَأْتِي فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ أَنَّهُ يُطِيلُ فِي الظُّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ الْعَصْرِ، لِحَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْغَدَاةِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ، وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيِّ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاةٌ.

(وَلَا يُكْرَهُ) أَنْ يَقْرَأَ مُصَلٍّ (لِعُذْرٍ: كَمَرَضٍ، وَسَفَرٍ) وَخَوْفٍ، وَغَلَبَةِ نُعَاسٍ، وَلُزُومِ غَرِيمٍ (بِأَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ) فِي فَجْرٍ، وَغَيْرِهَا لِلْعُذْرِ (وَإِلَّا) يَكُنْ عُذْرٌ (كُرِهَ بِقِصَارِهِ فِي فَجْرٍ) . نَصَّ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ. وَ (لَا) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (بِطِوَالِهِ فِي مَغْرِبٍ) . نَصَّ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ. «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَرَأَ فِيهَا بِالْأَعْرَافِ» ، وَالسُّورَةُ وَإِنْ قَصُرَتْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ سُورَةٍ. (وَأَوَّلُهُ) أَيْ: الْمُفَصَّلِ: سُورَةُ (ق) ، لِحَدِيثِ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَيْفَ يُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ» . (وَلَا يُعْتَدُّ بِالسُّورَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ) لِعَدَمِ وُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا. (وَتَجُوزُ) أَيْ: تُجْزِئُ (آيَةٌ) ، إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ (أَحْمَدَ اسْتَحَبَّ أَنَّ أَوَّلَ الْمُفَصَّلِ: السُّورَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ) ، لَا مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَهِيَ: ق. قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ. (وَآخِرُ طِوَالِهِ: إلَى) سُورَةِ (عَمَّ، وَأَوْسَاطُهُ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ سُورَةِ عَمَّ (لِلضُّحَى، وَقِصَارُهُ مِنْهَا) أَيْ: الضُّحَى (لِآخِرِهِ) أَيْ: الْقُرْآنِ. (وَلَا يُعْتَدُّ بِالسُّورَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ) لِعَدَمِ وُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا. (وَتَجُوزُ) أَيْ: تُجْزِئُ (آيَةٌ، إلَّا أَنَّ) الْإِمَامَ (أَحْمَدُ اسْتَحَبَّ: أَنْ تَكُونَ طَوِيلَةً كَآيَةِ الدَّيْنِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ) لِتُشْبِهَ بَعْضَ السُّوَرِ الْقِصَارِ قَالَ فِي: " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ: عَدَمُ إجْزَاءِ آيَةٍ لَا تَسْتَقِلُّ بِمَعْنًى أَوْ حُكْمٍ، نَحْوُ: {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] ، وَ {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] . (فَإِنْ قَرَأَ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَسْمِلَ نَصًّا) . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَيَجُوزُ قِرَاءَةُ آخِرِ سُورَةٍ، وَأَوْسَطِهَا، فَيُسَمِّي إذَنْ. انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ حَتَّى بَرَاءَةَ، وَلِبَعْضِ الْقُرَّاءِ فِيهِ تَرَدُّدٌ. وَإِنْ كَانَ يَقْرَأُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ؛ فَإِنْ شَاءَ جَهَرَ بِالْبَسْمَلَةِ، وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ، كَمَا يُخَيَّرُ فِي الْقِرَاءَةِ. وَيُكْرَهُ اقْتِصَارُ مُصَلٍّ عَلَى سُورَةِ الْفَاتِحَةِ، لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ.

(وَحَرُمَ تَنْكِيسُ الْكَلِمَاتِ) الْقُرْآنِيَّةِ؛ لِإِخْلَالِهِ بِنَظْمِهَا. (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ عَمْدًا) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِإِخْلَالِهِ نَظْمَهُ كَلَامًا أَجْنَبِيًّا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ. وَ (لَا) يَحْرُمُ تَنْكِيسُ (السُّوَرِ) وَلَا تَنْكِيسُ (الْآيَاتِ) ، وَلَا تَبْطُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ، لَكِنَّ الْفَاتِحَةَ يُعْتَبَرُ تَرْتِيبُهَا. (وَيُكْرَهُ) تَنْكِيسُ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ فِي رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، تَعَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. (كَ) مَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةِ (بِكُلِّ الْقُرْآنِ فِي) صَلَاةِ (فَرْضٍ) ، لِلْإِطَالَةِ، وَعَدَمِ نَقْلِهِ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ بِكُلِّهِ فِي نَفْلٍ، (أَوْ) أَيْ: وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ) ظَاهِرُهُ: فِي الْفُرُوضِ، وَالنَّفَلِ وَ (لَا) يُكْرَهُ (تَكْرَارُ سُورَةٍ) فِي رَكْعَتَيْنِ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ سَعْدُ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُكْرَهُ (تَفْرِيقُهَا) أَيْ: السُّورَةِ (فِي رَكْعَتَيْنِ) ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «كَانَ يَقْرَأُ الْبَقَرَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَلَا) يُكْرَهُ أَيْضًا (جَمْعُ سُوَرٍ فِي رَكْعَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ) ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَؤُمُّهُمْ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ كُلِّ سُورَةٍ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ؟ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ: حُبُّكَ إيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» . وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ". (وَلَا) يُكْرَهُ أَيْضًا (قِرَاءَةُ آخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا) ، لِعُمُومِ {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] . وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ يَقْرَأُ فِي

الْأُولَى مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَوْله تَعَالَى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] » . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُكْرَهُ لِمُصَلٍّ (مُلَازَمَةُ) قِرَاءَةِ (سُورَةٍ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ صَلَاتِهِ (مَعَ اعْتِقَادِ جَوَازِ غَيْرِهَا) وَمَعَ اعْتِقَادِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِهَا لِلْخَبَرِ. وَإِلَّا حَرُمَ اعْتِقَادُهُ لِفَسَادِهِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (تَرْتِيبُ الْآيَاتِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَهَا بِالنَّصِّ إجْمَاعًا، وَتَرْتِيبُ السُّوَرِ بِالِاجْتِهَادِ لَا بِالنَّصِّ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ: الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ) فَيَجُوزُ قِرَاءَةُ هَذِهِ السُّورَةِ قَبْلَ هَذِهِ. وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرُهُ. وَكَذَا تَجُوزُ كِتَابَةُ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ، وَلِهَذَا تَنَوَّعَتْ مَصَاحِفُ الصَّحَابَةِ فِي كِتَابَتِهَا فَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ تَنْكِيسُ الْآيَاتِ. وَالْمَذْهَبُ يُكْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَمَّا اتَّفَقُوا) أَيْ: الصَّحَابَةُ، (عَلَى الْمُصْحَفِ زَمَنَ عُثْمَانَ) بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (صَارَ هَذَا مِمَّا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ) أَيْ: حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» . الْحَدِيثَ (أَنَّ لَهُمْ سُنَّةً يَجِبُ اتِّبَاعُهَا) لِلْخَبَرِ. (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ) كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ؛ لِعَدَمِ تَوَاتُرِهَا. (وَيَتَّجِهُ هُنَا) أَيْ: عَدَمُ الصِّحَّةِ، إنَّمَا يَكُونُ (فِي قِرَاءَةٍ تُبْدِلُ الْحُرُوفَ) بِغَيْرِهَا (كَقِرَاءَةِ يَعْبُدُ: بِالْيَاءِ) الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ (وَ) فِي

قِرَاءَةِ (مَنْ أَنْعَمْت) بِفَتْحِ الْمِيمِ (بَدَلَ الَّذِينَ) لِأَنَّهَا مِنْ الشَّوَاذِّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَحْرُمُ) عَلَى قَارِئٍ أَنْ يَقْرَأَ بِمَا خَرَجَ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ (لِعَدَمِ تَوَاتُرِهِ) (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِمَا وَافَقَ الْمُصْحَفَ) الْعُثْمَانِيَّ، (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَشَرَةِ نَصًّا) أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مُصْحَفِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ كَسُورَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَزِيَادَةِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَنَعَ الْقِرَاءَةَ بِالثَّلَاثَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى السَّبْعِ، وَلَكِنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، أَوْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ، وَلَا أَنْ يُنْكِرَ عَلَى مَنْ عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ وَالْعَشَرَةُ هُمْ قُرَّاءُ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورُونَ: فَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اثْنَانِ: أَبُو جَعْفَرٍ وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ. وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ. وَمِنْ الْبَصْرَةِ: أَبُو عَمْرٍو، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ. وَمِنْ الْكُوفَةِ: عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، وَحَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ القسملي وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكِسَائِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَفِي " الرِّعَايَةِ " قَيْدٌ آخَرُ: مَعَ مُوَافَقَةِ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، وَهُوَ: صِحَّةُ سَنَدِهِ عَنْ صَحَابِيٍّ، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ ذَلِكَ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْفُرُوعِ ": وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ، مَا وَافَقَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ، وَصَحَّ سَنَدُهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ قِرَاءَةِ الْعَشَرَةِ؛ فَهَذَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهِ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَالثَّانِي: مَا وَافَقَهُ، وَصَحَّ سَنَدُهُ عَنْ صَحَابِيٍّ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ عَنْ قِرَاءَةِ الْعَشَرَةِ، فَهَذَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهُمَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهِ أَيْضًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قِرَاءَةِ الْعَشَرَةِ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ أَيْضًا. وَالثَّالِثُ: مَا خَرَجَ عَنْ مُصْحَفِ

عُثْمَانَ، فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهِ. (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ) وَإِنْ كَانَتَا مُتَوَاتِرَتَيْنِ لِمَا يَأْتِي. وَ (لَا) تُكْرَهُ الصَّلَاةُ بِقِرَاءَةِ (غَيْرِهِمَا) ، أَيْ: غَيْرِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ (مِنْ الْعَشَرَةِ) الْمَذْكُورِينَ. (وَ) عَنْهُ: يُكْرَهُ (الْإِدْغَامُ الْكَبِيرُ لِأَبِي عَمْرٍو) لِلْإِدْغَامِ الشَّدِيدِ. (وَإِنَّمَا كَرِهَ) الْإِمَامُ (قِرَاءَةَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ لِزِيَادَةِ الْمَدِّ، وَلِلْكَسْرِ وَالْإِدْغَامِ الشَّدِيدَيْنِ، فَيَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَرْفٍ بِعَشْرِ حَسَنَاتٍ) وَلِهَذَا يُعْتَمَدُ: أَنَّ الْحَرْفَ الَّذِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعَشْرُ حَسَنَاتٍ، هُوَ الْحَرْفُ مِنْ الْكَلِمَةِ، لَا الْكَلِمَةُ كُلُّهَا (وَاخْتَارَ) الْإِمَامُ (قِرَاءَةَ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ) ؛ لِأَنَّ إسْمَاعِيلَ قَرَأَ عَلَى شَيْبَةَ شَيْخِ نَافِعٍ. (ثُمَّ) الْمُخْتَارُ بَعْدَ قِرَاءَةِ نَافِعٍ (قِرَاءَةُ عَاصِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلَى زَيْدٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ اخْتَارَهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ مَنْ أَخَذَهَا عَنْهُ، مَعَ عِلْمٍ وَعَمَلٍ وَزُهْدٍ. (وَمَالِكِ أَحَبُّ إلَى) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ مِنْ مَلِكِ) . وَكُلُّ قِرَاءَةٍ فِيهَا زِيَادَةُ حَرْفٍ مِثْلُ: فَأَزَالَهُمَا، وَأَزَلَّهُمَا وَأَوْصَى وَوَصَّى، فَهِيَ أَوْلَى لِأَجْلِ زِيَادَةِ الْعَشْرِ حَسَنَاتٍ، نَقَلَهُ حَرْبٌ.

(وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: كَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لَا يُدْغِمُ شَيْئًا فِي الْقُرْآنِ إلَّا اتَّخَذْتُمْ، وَبَابُهُ) لِأَنَّهَا قِرَاءَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ. (وَ) كَانَ (يَمُدُّ) الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْفَصِلَ وَالْبَدَلَ (مَدًّا مُتَوَسِّطًا) مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ فَيَجْعَلُ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْفَصِلَ ثَلَاثَ أَلِفَاتٍ وَالْبَدَلَ أَلِفًا وَاحِدًا. (وَسُنَّ جَهْرُ إمَامٍ بِقِرَاءَةِ) الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ (فِي صُبْحِ بَرُوكٍ وَعِيدٍ، وَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَتَرَاوِيحَ وَوِتْرٍ بَعْدَهَا، وَفِي أُولَتَيْ مَغْرِبٍ، وَعِشَاءٍ وَيُسِرُّ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ) لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ عَنْهُ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ كُسُوفٍ. (وَكُرِهَ لِمَأْمُومٍ) جَهْرٌ بِقِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ، وَالْإِنْصَاتِ لَهَا، وَإِسْمَاعُهُ الْقِرَاءَةَ لِغَيْرِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ. (وَ) كُرِهَ (لِكُلِّ مُصَلٍّ) جَهْرٌ بِقِرَاءَةٍ (نَهَارًا فِي نَفْلٍ) غَيْرِ كُسُوفٍ، وَاسْتِسْقَاءٍ (وَيُخَيَّرُ مُنْفَرِدٌ) فِي جَهْرٍ بِقِرَاءَةٍ، وإخفات فِي جَهْرِيَّةٍ. (وَ) يُخَيَّرُ أَيْضًا (قَائِمٌ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ) مِنْ صُبْحٍ، وَأُولَيَيْ مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ. وَتَرْكُ الْجَهْرِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إسْمَاعُ نَفْسِهِ، وَجَازَ لَهُ الْجَهْرُ لِشَبَهِهِ بِالْإِمَامِ فِي عَدَمِ الْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ. (وَيُسِرُّ) مُصَلٍّ بِقِرَاءَةٍ (فِي قَضَاءِ صَلَاةِ جَهْرٍ) كَصُبْحٍ (نَهَارًا مُطْلَقًا) ، أَيْ: فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا، اعْتِبَارًا بِزَمَنِ الْقَضَاءِ (وَيَجْهَرُ بِهَا) أَيْ: الْقِرَاءَةِ، فِي صَلَاةِ جَهْرٍ قَضَاهَا (لَيْلًا فِي جَمَاعَةٍ) اعْتِبَارًا بِزَمَنِ الْقَضَاءِ وَشَبَهِهَا بِالْأَدَاءِ، لِكَوْنِهَا فِي جَمَاعَةٍ. فَإِنْ قَضَاهَا مُنْفَرِدًا أَسَرَّهَا لِفَوَاتِ شَبَهِهَا بِالْأَدَاءِ (وَفِي) قِرَاءَةِ صَلَاةِ (نَفْلٍ) لَيْلًا (يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ) فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، مَنْ يَتَأَذَّى بِجَهْرِهِ، أَسَرَّ وَإِنْ كَانَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِجَهْرِهِ، جَهَرَ. (قَالَ) الْمُحِبُّ (بْنُ نَصْرِ اللَّهِ الْكَتَّانِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النَّهَارَ هُنَا مِنْ طُلُوعِ شَمْسٍ) لَا مِنْ طُلُوعِ فَجْرٍ، وَاللَّيْلُ مِنْ غُرُوبِهَا إلَى طُلُوعِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْأَذَانِ مَعْنَاهُ.

فصل بعد فراغ الإمام من القراءة

[فَصْلٌ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَام مِنْ الْقِرَاءَةِ] (فَصْلٌ) ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ يَثْبُتُ قَائِمًا، وَيَسْكُتُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ نَفَسُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، وَلَا يَصِلُ قِرَاءَتَهُ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ. قَالَ أَحْمَدُ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: «فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ سَكَتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. ثُمَّ (يَرْكَعُ مُكَبِّرًا) أَيْ: قَائِلًا فِي هَوِيِّهِ لِرُكُوعِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، (رَافِعًا يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَائِهِ) ، أَيْ: التَّكْبِيرِ، إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ كَرَفْعِهِ الْأَوَّلِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَصَّبَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ " وَمَضَى عَمَلُ السَّلَفِ عَلَى هَذَا. (فَيَضَعُ) رَاكِعٌ (يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) مُلِفًّا كُلَّ يَدٍ عَلَى رُكْبَتِهِ، لِمَا فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ عَنْ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَرَّجَ أَصَابِعَهُ مِنْ وَرَاءِ رُكْبَتَيْهِ» . (وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَهُ) ، أَيْ: حِيَالَ ظَهْرِهِ، لَا يَرْفَعُهُ وَلَا يَخْفِضُهُ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ: «أَنَّهُ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ إذَا رَكَعَ لَوْ كَانَ قَدَحُ مَاءٍ عَلَى ظَهْرِهِ مَا تَحَرَّكَ لِاسْتِوَاءِ ظَهْرِهِ» . ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ وَابِصه بْنِ مَعْبَدٍ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يُصَلِّي، وَكَانَ إذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ

حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لَاسْتَقَرَّ» . (وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. (وَالْمُجْزِئ) فِي الرُّكُوعِ انْحِنَاؤُهُ (بِحَيْثُ يُمْكِنُ) مَنْ كَانَ (وَسَطًا) فِي الْخِلْقَةِ (مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِكَفَّيْهِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ) لَا يُسَمَّى رَاكِعًا بِدُونِهِ، وَ (لَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ قِيَامٍ لِرُكُوعٍ إلَّا بِهِ) أَيْ: بِالْمَسِّ (أَوْ قَدْرِهِ) أَيْ: قَدْرِ هَذَا الِانْحِنَاءِ (مِنْ غَيْرِ وَسَطٍ) كَطَوِيلِ الْيَدَيْنِ، وَقَصِيرِهِمَا، فَيَنْحَنِي حَتَّى يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ، لَأَمْكَنَهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ. (وَ) قَدْرُ الْمُجْزِئ (مِنْ قَاعِدٍ مُقَابَلَةُ وَجْهِهِ) بِانْحِنَائِهِ (مَا أَمَامَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ أَدْنَى) ، أَيْ: أَقَلَّ (مُقَابَلَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ قَاعِدًا مُعْتَدِلًا، لَا يَنْظُرُ مَا أَمَامَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ، فَإِذَا انْحَنَى بِحَيْثُ يَرَى مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ مِنْهَا، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ الرُّكُوعِ. (وَتَتِمَّتُهَا) أَيْ: تَتِمَّةُ مُقَابَلَةِ مَا أَمَامَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ، (الْكَمَالُ) فِي رُكُوعِ قَاعِدٍ. وَقَالَ الْمَجْدُ: ضَابِطُ الْإِجْزَاءِ: الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ أَنْ يَكُونَ انْحِنَاؤُهُ إلَى الرُّكُوعِ الْمُعْتَدِلِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْقِيَامِ الْمُعْتَدِلِ. (وَيَنْوِيهِ) ، أَيْ: الرُّكُوعَ، (أَحْدَبُ لَا يُمْكِنُهُ) رُكُوعٌ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْهَا. فَإِنْ أَمْكَنَهُ بَعْضُهُ، كَعَاجِزٍ عَنْ الِانْحِنَاءِ الْمُجْزِئ لِلصَّحِيحِ، أَوْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الِانْحِنَاءِ إلَّا عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَمَنْ انْحَنَى لِتَنَاوُلِ شَيْءٍ، وَلَمْ يَخْطِرْ رُكُوعٌ بِبَالِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ) لِعَدَمِ نِيَّتِهِ. (وَلَوْ سَقَطَ) رَاكِعٌ إلَى الْأَرْضِ (لِعِلَّةٍ) طَرَأَتْ عَلَيْهِ، أَوْ

كَانَتْ بِهِ وَسَقَطَ مِنْهَا (قَبْلَ رَفْعِهِ مِنْهُ) ، أَيْ: الرُّكُوعِ، (عَادَ) ، أَيْ: لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَى الرُّكُوعِ، لِيَأْتِيَ بِالرَّفْعِ بَعْدَهُ، ثُمَّ يَسْجُدُ هَذَا (إنْ زَالَتْ) الْعِلَّةُ الَّتِي سَقَطَ مِنْهَا. وَ (لَا) يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى الرُّكُوعِ إنْ كَانَ زَوَالُهَا (بَعْدَ سُجُودِهِ) لِفَوَاتِ مَحَلِّ الرُّكُوعِ بِالسُّجُودِ، فَتَلْغُو تِلْكَ الرَّكْعَةُ، وَتَقُومُ الَّتِي تَلِيهَا مَقَامَهَا. (فَإِنْ عَادَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ السُّجُودِ إلَى الرُّكُوعِ (عَالِمًا) عَمْدًا، (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) . وَإِنْ كَانَ سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا، وَجَبَ السُّجُودُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجْزِهِ فَهُوَ كَمَنْ تَرَكَهُ. وَلَوْ سَقَطَ عَلَى جَنْبِهِ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ، وَانْقَلَبَ سَاجِدًا، لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَنْوِيَهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ. فَإِنْ سَقَطَ سَاجِدًا، أَجْزَأَهُ بِلَا نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَيَتَّجِهُ: لَوْ سَقَطَ) مُصَلٍّ (قَبْلَ رُكُوعٍ) لِعِلَّةٍ (فَرَكَعَ جَالِسًا) ، ثُمَّ زَالَتْ الْعِلَّةُ، (لَا يَعُودُ) أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ لِيَرْكَعَ قَائِمًا، وَلَوْ كَانَ زَوَالُ عِلَّةٍ (قَبْلَ سُجُودٍ) كَذَا قَالَ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ قُنْدُسٍ: عَدَمُ سُقُوطِ الْقِيَامِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، مَا لَمْ يَتَلَبَّسْ بِالسُّجُودِ، فَتَفَطَّنَ لِذَلِكَ

(وَيَقُولُ) فِي رُكُوعِهِ: (سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وَفِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ " فَلَمَّا نَزَلَتْ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قَالَ: " اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد. وَالْأَفْضَلُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ: وَبِحَمْدِهِ، وَالْوَاجِبُ مَرَّةٌ كَمَا يَأْتِي. وَالسُّنَّةُ (ثَلَاثًا، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَذَلِكَ أَدْنَاهُ. (وَأَعْلَاهُ) أَيْ: الْكَمَالُ (لِإِمَامٍ عَشْرٌ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ هَذَا الْغُلَامِ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ فَحَزَرْنَا فِي الرُّكُوعِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ وَفِي السُّجُودِ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ» (وَ) أَعْلَى الْكَمَالِ فِي التَّسْبِيحِ (لِمُنْفَرِدٍ: الْعُرْفُ) أَيْ: الْمُتَعَارَفُ فِي مَوْضِعِهِ، وَسَكَتَ عَنْ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ (وَكَذَا: سُبْحَانَ رَبِّي

الْأَعْلَى، فِي سُجُودِهِ) أَيْ: حُكْمُهَا حُكْمُ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ فِيمَا تَقَدَّمَ. (وَالْكَمَالُ فِي: رَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ثَلَاثٌ) ، إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا (فِي غَيْرِ صَلَاةِ كُسُوفٍ فِي الْكُلِّ) لِمَا فِيهَا مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّطْوِيلِ. (وَتُكْرَهُ قِرَاءَةٌ فِيهِ) أَيْ: الرُّكُوعِ (وَفِي سُجُودٍ) لِنَهْيِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِأَنَّهُمَا حَالُ ذُلٍّ وَانْخِفَاضٍ، وَالْقُرْآنُ أَشْرَفُ الْكَلَامِ. (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مَعَ يَدَيْهِ) إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (قَائِلًا إمَامٌ وَمُنْفَرِدٌ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَمَعْنَاهُ: أَجَابَ) حَالَ كَوْنِهِ (مُرَتَّبًا وُجُوبًا) لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ يَا بُرَيْدَةُ إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنْ الرُّكُوعِ، فَقُلْ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَلَوْ قَالَ: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ، لِتَغَيُّرِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْأَوَّلَ صِيغَةٌ تَصْلُحُ لِلدُّعَاءِ، وَالثَّانِيَ صِيغَةُ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَافْتَرَقَا. وَمَعْنَى سَمِعَ، أَيْ: تَقَبَّلَهُ وَجَازَاهُ عَلَيْهِ. (ثُمَّ إنْ شَاءَ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا) بِجَانِبِهِ، فَيُخَيَّرُ نَصًّا. (فَإِذَا قَامَ) أَيْ: اسْتَوَى قَائِمًا، حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عُضْوٍ إلَى مَوْضِعِهِ، لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى قَائِمًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ» . (قَالَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) بِلَا وَاوٍ، لِوُرُودِ الْخَبَرِ بِهِ (وَبِوَاوٍ أَفْضَلُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» . وَلِكَوْنِهِ أَكْثَرَ حُرُوفًا، وَيَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ مُقَدَّرًا وَمُظْهَرًا، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ حَمِدْنَاكَ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الظَّاهِرِ مَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي الْكَلَامِ مُقَدَّرًا (وَمَعَ تَرْكِهَا) أَيْ: الْوَاوِ؛ (فَالْأَفْضَلُ) قَوْلُ: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ لِوُرُودِهِ فِي خَبَرِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.

(ثُمَّ يَزِيدُ غَيْرُ مَأْمُومٍ نَدْبًا بَعْدَ رَفْعٍ) مِنْ رُكُوعٍ، وَقَوْلُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ أَوْ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ (مِلْءُ السَّمَاءِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) أَيْ: بَعْدَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَالْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُ سَعَتَهُ إلَّا اللَّهُ، لِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: «أَنَّ النَّبِيَّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاءِ وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْمَعْنَى حَمْدًا لَوْ كَانَ أَجْسَامًا لَمَلَأَ ذَلِكَ. (وَ) نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: (إنْ شَاءَ زَادَ) عَلَى ذَلِكَ (أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ) قَالَ أَحْمَدُ: وَأَنَا أَقُولُهُ، فَظَاهِرُهُ يُسْتَحَبُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِمَا. وَأَهْلَ مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ: أَنْتَ أَهْلُهُمَا (أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: «ذُكِرَتْ - الْحُدُودُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: جَدُّ فُلَانٍ فِي الْخَيْلِ، وَقَالَ آخَرُ: جَدُّ فُلَانٍ فِي الْإِبِلِ، وَقَالَ آخَرُ: جَدُّ فُلَانٍ فِي الْغَنَمِ، وَقَالَ آخَرُ: جَدُّ فُلَانٍ فِي الرَّقِيقِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، صَلَاتَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ آخِرِ الرَّكْعَةِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، قَالَ " وَطَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، صَوْتَهُ بِالْجَدِّ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ " هَكَذَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ السَّمَاوَاتِ بِالْجَمْعِ، وَالْجَدُّ: الْحَظُّ، أَيْ: لَا يَنْفَعُ ذَا الْحَظِّ حَظُّهُ مِنْ الدُّنْيَا بِذَلِكَ، أَيْ: بَدَلُ طَاعَتِكَ أَوْ بَدَلُ حَظِّكَ، أَيْ: بَدَلُ حَظِّهِ مِنْكَ، قَالَهُ، فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ " (أَوْ) يَقُولُ (غَيْرُهُ مِمَّا وَرَدَ) ، وَمِنْهُ: " اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ

وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْوَسَخِ ". (وَمَأْمُومٌ يُحَمِّدُ) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَنَحْوُهُ (فَقَطْ حَالَ رَفْعِهِ) مِنْ الرُّكُوعِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَأَمَّا قَوْلُ: مِلْءُ السَّمَاءِ وَمَا بَعْدَهُ فَلَا يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ (وَإِنْ عَطَسَ) الْمُصَلِّي (إذَنْ) أَيْ: طَالَ رَفْعُهُ مِنْ الرُّكُوعِ (فَحَمِدَ) اللَّهَ (لَهُمَا جَمِيعًا) بِأَنْ قَالَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، أَوْ نَحْوَهُ مِمَّا وَرَدَ نَاوِيًا الْعُطَاسَ وَذِكْرَ الِانْتِقَالِ (لَمْ يُجْزِهِ، نَصًّا) هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ جَوَابًا عَنْ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ التَّحْمِيدِ؛ لِأَنَّ الْإِجْزَاءَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَاجِبِ وَالْحَمْدُ لِلْعَاطِسِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ الْحَمْدِ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، وَالْأَذْكَارُ الْوَاجِبَةُ فِي الصَّلَاةِ إذَا قَصَدَ بِهَا مَعَ وَاجِبِ الصَّلَاةِ أَمْرًا آخَرَ مَشْرُوعًا، أَوْ غَيْرَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْوَاجِبِ فِي الْجُمْلَةِ، فَفِي مَسْأَلَتِنَا يُعِيدُ الْحَمْدَ ثَانِيًا قَبْلَ هَوِيِّهِ إلَى السُّجُودِ، وَيَمْضِي فِي صَلَاتِهِ (وَمِثْلُهُ) لَوْ عَطَسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ لِعُطَاسِهِ، وَ (لِشُرُوعٍ) فِي (فَاتِحَةٍ) لَمْ يُجْزِهِ لِمَا تَقَدَّمَ.

وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَبِّحْ فِي رُكُوعِهِ، لَمْ يَعُدْ إلَى الرُّكُوعِ إذَا ذَكَرَهُ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فَلَا يَعُودُ إلَى وَاجِبٍ. فَإِنْ عَادَ إلَى التَّسْبِيحِ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ، فَقَدْ زَادَ رُكُوعًا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ، فَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ. (ثُمَّ) بَعْدَ الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ (يَخِرُّ) سَاجِدًا (مُكَبِّرًا وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو حُمَيْدٍ فِي وَصْفِ صَلَاتِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ) أَوَّلًا بِالْأَرْضِ، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ،

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا " وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ " قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْ: الَّذِي فِيهِ وَضْعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْهُ «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ» . وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: «كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأَمَرَنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ» لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ، وَغَيْرُهُ. (ثُمَّ) يَضَعُ (يَدَيْهِ) ، أَيْ: كَفَّيْهِ (ثُمَّ) يَضَعُ (جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ وَيَكُونُ) فِي سُجُودِهِ (عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ) أَيْ: أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، مَثْنِيَّةً إلَى الْقِبْلَةِ، لِحَدِيثِ «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضَهُمَا» (وَيُسَبِّحُ) فِي سُجُودِهِ فَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى (وَالسُّجُودُ بِالْمُصَلَّى عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ) السَّبْعَةِ أَيْ: مَعَ الْأَنْفِ: (فَرْضٌ لِقَادِرٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَمَرَ النَّبِيُّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنْ يُسْجَدَ عَلَى سَبْعَةٍ، وَلَا يَكْفِ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا: الْجَبْهَةَ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْأَثْرَمِ، وَسَعِيدٍ فِي سُنَنِهِمَا " عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُصِيبُ الْأَنْفَ مِنْهَا مَا يُصِيبُ الْجَبْهَةَ» . وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ» . (وَيَتَّجِهُ) وُجُوبُ السُّجُودِ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ (فِي آنٍ وَاحِدٍ) ، بِحَيْثُ لَا يَجْعَلُ بَيْنَ وَضْعِ عُضْوٍ وَآخَرَ فَاصِلًا طَوِيلًا، فَلَوْ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ صَبَرَ مِقْدَارَ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، ثُمَّ وَضَعَ

يَدَيْهِ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَ (لَا) تَجِبُ (مُبَاشَرَتُهَا لَهُ) أَيْ: لِلْمُصَلِّي، (بِشَيْءٍ مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ. أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي الْقَدَمَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَيَشْهَدُ لَهُ فِي الْجَبْهَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ فِي الْأَرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ مِنْ الْأَرْضِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ» ، رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى كُوَرِ عِمَامَتِهِ» ، (وَكُرِهَ تَرْكُهَا) أَيْ: مُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِالْيَدَيْنِ وَالْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ، (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ (نَحْوِ حَرٍّ) ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ مَرَضٍ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَأَخْذًا بِالْعَزِيمَةِ (سِوَى رُكْبَتَيْنِ، فَيُكْرَهُ كَشْفُهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، (فَلَوْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ، غَيْرِ أَعْضَاءِ، سُجُودٍ كَكُوَرِ عِمَامَتِهِ، وَكُمِّهِ وَذَيْلِهِ، صَحَّتْ)

صَلَاتُهُ. (وَيُجْزِئُ بَعْضُ كُلِّ عُضْوٍ) فِي السُّجُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ فِي الْحَدِيثِ فِي الْكُلِّ. وَيُجْزِئُهُ (وَلَوْ) كَانَ سُجُودُهُ عَلَى (ظَهْرِ كَفٍّ، وَ) ظَهْرِ (قَدَمٍ) ، وَأَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْنِ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ «أَنَّهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ، أَوْ قَدَمِهِ» وَ (لَا) يُجْزِئُهُ السُّجُودُ (إنْ كَانَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) كَوَضْعِ يَدَيْهِ تَحْتَ رُكْبَتَيْهِ، أَوْ جَبْهَتِهِ عَلَى يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَدَاخُلِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ. (وَمَنْ عَجَزَ) عَنْ السُّجُودِ (بِجَبْهَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ) سُجُودٌ (بِغَيْرِهَا) مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهَا أَصْلًا فِي وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَيْهَا، وَجَعَلُوا غَيْرَهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ (تَبَعًا لَهَا) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَفَعَهُ: «أَنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْيَدَيْنِ يُوضَعَانِ بَعْدَ وَضْعِ الْوَجْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ السُّجُودَ بِهِمَا تَبَعٌ لِلسُّجُودِ بِهِ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْيَدَيْنِ، فَبَقِيَّةُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ مِثْلُهُمَا لِعَدَمِ الْفَارِقِ. (وَيُومِئُ) عَاجِزٌ عَنْ السُّجُودِ عَلَى جَبْهَتِهِ، غَايَةَ (مَا يُمْكِنُهُ) وُجُوبًا، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَسُنَّ أَنْ يُجَافِيَ) رَجُلٌ فِي سُجُودِهِ (عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَ) أَنْ يُجَافِيَ (بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَهُمَا) أَيْ: فَخِذَاهُ (عَنْ سَاقَيْهِ) ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذَا سَجَدَ تَجَنَّحَ فِي سُجُودِهِ حَتَّى يُرَى وَضَحُ إبْطَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مَا لَمْ يُؤْذِ جَارَهُ) بِذَلِكَ، (فَ) يَجِبُ تَرْكُهُ، وَ (يَحْرُمُ) عَلَيْهِ فِعْلُهُ لِحُصُولِ الْإِيذَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. (وَ) سُنَّ لَهُ أَنْ يَضَعَ (يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ)

فصل رفع الرأس من السجود وصفة الجلوس في الصلاة

لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ مَرْفُوعًا: «كَانَ إذَا سَجَدَ أَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَفِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. (وَلَهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي، (أَنْ يَعْتَمِدَ بِمِرْفَقَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ إنْ طَالَ) سُجُودُهُ لِيَسْتَرِيحَ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ شَكَوْا إلَيْهِ مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ: «اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَ) سُنَّ لَهُ أَنْ (يُفَرِّقَ رُكْبَتَيْهِ) لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: «وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ» (وَ) سُنَّ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ (أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ) إنْ أَمْكَنَ، وَ (لَا) يُفَرِّقُهَا (إنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ تَفْرِيقُهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ (بِنَحْوِ خُفٍّ) كَجَوْرَبٍ (وَيُوَجِّهُهَا لِقِبْلَةٍ) لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ، وَلَا قَابِضَهُمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ» . يُقَالُ: فَتَخَ: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَأَصْلُ الْفَتْخِ: اللِّينُ، أَيْ: نَصَبَهُمَا، وَغَمَزَ الْمَفَاصِلَ مِنْهُمَا، وَثَنَاهَا إلَى بَاطِنِ الرِّجْلِ. (وَإِنْ عَلَا مَوْضِعُ رَأْسِهِ عَلَى) مَوْضِعِ (قَدَمَيْهِ، فَلَمْ تَسْتَعْلِ أَسَافِلُهُ بِلَا حَاجَةٍ فَلَا بَأْسَ بِيَسِيرِهِ) صَحَّحَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ، (وَكُرِهَ كَثِيرُهُ) أَيْ: يُكْرَهُ الْكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ. (وَلَا يُجْزِئُ) سُجُودُهُ مَعَ عَدَمِ اسْتِعْلَاءِ الْأَسَافِلِ (إنْ خَرَجَ عَنْ صِفَةِ سُجُودٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاجِدًا. [فَصْلٌ رَفْعُ الرَّأْسِ مِنْ السُّجُود وصفة الْجُلُوس فِي الصَّلَاة] (فَصْلٌ) (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) مِنْ سُجُودِهِ (مُكَبِّرًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ «ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ» مُتَّفَقٌ

عَلَيْهِ. (وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا عَلَى يُسْرَاهُ) ، بِأَنْ يَبْسُطَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسَ عَلَيْهَا (وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ) أَيْ: يُمْنَى رِجْلَيْهِ، وَيُخْرِجُهَا مِنْ تَحْتِهِ، (وَيُثْنِي أَصَابِعَهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ) فَيَجْعَلُ بُطُونَ أَصَابِعِهَا عَلَى الْأَرْضِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا، لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ: «ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ إلَى مَوْضِعِهِ» قَالَ الْأَثْرَمُ: تَفَقَّدْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَوَجَدْتُهُ يَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَيَسْتَقْبِلُ بِهَا الْقِبْلَةَ. (وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ) كَجُلُوسِ التَّشَهُّدِ، وَلِفِعْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ، (ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي) وَإِنْ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لَنَا، أَوْ: اللَّهُمَّ رَبِّ اغْفِرْ لِي، فَلَا بَأْسَ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَا يُكْرَهُ فِي الْأَصَحِّ، لِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (ثُمَّ يَسْجُدُ) سَجْدَةً أُخْرَى (كَالْأُولَى) فِي الْهَيْئَةِ وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّسْبِيحِ (ثُمَّ يَرْفَعُ) مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (مُكَبِّرًا قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ) بِيَدَيْهِ نَصًّا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ أَشَقُّ، فَكَانَ أَفْضَلَ كَالتَّجَافِي. (فَإِنَّهُ شَقَّ) عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لِكِبَرٍ أَوْ ضَعْفٍ، أَوْ سِمَنٍ، وَنَحْوِهِ (فَ) يَعْتَمِدُ (بِالْأَرْضِ) ، لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " مِنْ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ إذَا نَهَضَ أَلَّا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ ". (وَكُرِهَ إذَنْ) أَيْ: حِينَ قِيَامِهِ، (تَقْدِيمُ إحْدَى رِجْلَيْهِ) . ذَكَرَهُ فِي " الْغُنْيَةِ "، وَكَذَا فِي " رِسَالَةِ أَحْمَدَ " (وَلَا تُسَنُّ جَلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ، وَهِيَ جَلْسَةٌ يَسِيرَةٌ) صِفَتُهَا (كَجُلُوسٍ بَيْنَ سَجْدَتَيْنِ) بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ بَعْدَهَا

قِيَامٌ. وَالِاسْتِرَاحَةُ: طَلَبُ الرَّاحَةِ، كَأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ إعْيَاءٌ فَيَجْلِسُ لِيَزُولَ عَنْهُ. وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ اسْتِحْبَابِهَا مُطْلَقًا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عِنْدَ كِبَرِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ. (ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ كَالْأُولَى) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَصَفَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» . (إلَّا فِي تَجْدِيدِ نِيَّةٍ) فَيَكْفِي اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا، قَالَ جَمْعٌ: وَلَا حَاجَةَ لِاسْتِثْنَائِهِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لَا رُكْنٌ. (وَ) إلَّا فِي (تَحْرِيمِهِ) فَلَا تُعَادُ (وَ) إلَّا فِي (اسْتِفْتَاحٍ) فَلَا يَشْرَعُ فِي غَيْرِ الْأُولَى، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا نَهَضَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَمْ يَسْكُتْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِفَوَاتِ مَحَلِّهِ. (وَ) إلَّا فِي (تَعَوُّذٍ إنْ) كَانَ (تَعَوَّذَ فِي الْأُولَى) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَاكْتَفَى بِالِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِهَا. وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ فَيَأْتِي بِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ بِهَا السُّورَةَ، فَأَشْبَهَ أَوَّلَ رَكْعَةٍ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَوَّذَ فِي الْأُولَى وَلَوْ عَمْدًا، أَتَى بِهِ فِيمَا بَعْدَهَا. (ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهَا) أَيْ: الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا) كَجُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) وَلَا يُلْقِمُهُمَا رُكْبَتَيْهِ، (وَيَقْبِضُ مِنْ) أَصَابِعِ (يُمْنَاهُ خِنْصَرًا، فَبِنْصِرًا وَيُحَلِّقُ إبْهَامَهَا بِوُسْطَى، بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ رَأْسَيْهِمَا) فَشَبَهُ الْحَلْقَةِ مِنْ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ (وَيَبْسُطُ أَصَابِعَ يُسْرَاهُ مَضْمُومَةً لِقِبْلَةٍ) لِيَسْتَقْبِلَهَا بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ إذَا صَلَّى اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتَّى بِنَعْلِهِ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ وَضَعَ

مِرْفَقَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ عَقَدَ مِنْ أَصَابِعِهِ الْخِنْصَرَ، وَاَلَّتِي تَلِيهَا، وَحَلَّقَ حَلْقَةً بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى عَلَى الْإِبْهَامِ، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ يُشِيرُ بِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وُجُوبًا سِرًّا وَنَدْبًا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مِنْ السُّنَّةِ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (كَتَسْبِيحِ) رُكُوعٍ وَسُجُودٍ (وَسُؤَالِ مَغْفِرَةٍ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِعَدَمِ الدَّاعِي لِلْجَهْرِ بِهِ. (وَلَا تُكْرَهُ تَسْمِيَةُ أَوَّلِهِ) أَيْ: التَّشَهُّدِ. (وَتَرْكُ) التَّسْمِيَةِ (أَوْلَى) ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ فَانْتَهَرَهُ. (فَيَقُولُ: التَّحِيَّاتُ) جَمْعُ: تَحِيَّةٍ، أَيْ: الْعَظَمَةُ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَوْ: الْمُلْكُ، أَوْ: الْبَقَاءُ. وَعَنْ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ: السَّلَامُ وَجُمَعِ؛ لِأَنَّ مُلُوكَ الْأَرْضِ يُحَيُّونَ بِتَحِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ (لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ) قِيلَ: الْخَمْسُ، وَقِيلَ: الْمَعْلُومَةُ فِي الشَّرْعِ، وَقِيلَ الرَّحْمَةُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا، وَقَبْلَ الْأَدْعِيَةُ، أَيْ: هُوَ الْمَعْبُودُ بِهَا، (وَالطَّيِّبَاتُ) أَيْ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَوْ: مِنْ الْكَلَامِ، قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيءُ) بِالْهَمْزِ: مِنْ النَّبَأِ، وَهُوَ: الْخَبَرُ؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ النَّاسَ بِالْوَحْيِ، وَبِتَرْكِ الْهَمْزَةِ تَسْهِيلًا، أَوْ مِنْ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ: الرِّفْعَةُ، لِرِفْعَةِ مَنْزِلَتِهِ عَنْ الْخَلْقِ. (وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) جَمْعُ: بَرَكَةٍ، وَهِيَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ. (السَّلَامُ عَلَيْنَا) أَيْ: الْحَاضِرِينَ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمَلَائِكَةٍ، (وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) الصَّالِحُ: الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ، وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، أَوْ الْإِكْثَارُ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ مِنْهُ غَيْرُهُ. وَيَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ وَمَنْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي صَلَاتِهِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنَّكُمْ إذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ لِلَّهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: لَيْسَ شَيْءٌ أَشْرَفَ، وَلَا

اسْمٌ أَتَمَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْوَصْفِ بِالْعُبُودِيَّةِ. (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) ، أَيْ: أُخْبِرُ بِأَنِّي قَاطِعٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَمِنْ خَوَاصِّ الْهَيْلَلَةِ أَنَّ حُرُوفَهَا كُلَّهَا جَوْفِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا حَرْفٌ شَفَوِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْإِخْلَاصُ، فَيَأْتِي بِهَا مِنْ خَالِصِ جَوْفِهِ، وَهُوَ الْقَلْبُ، لَا مِنْ الشَّفَتَيْنِ وَكُلُّ حُرُوفِهَا مُهْمَلَةٌ دَالَّةٌ عَلَى التَّجَرُّدِ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى. (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كُنَّا إذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ. فَسَمِعَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهِ، قَالَ: ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ» ، وَفِي لَفْظِ «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ، كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي التَّشَهُّدِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَيْسَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ حَدِيثٌ غَيْرُهُ، وَرَوَاهُ أَيْضًا: ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ، وَيُرَجَّحُ بِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَبِأَيِّ تَشَهُّدٍ تَشَهَّدَ بِمَا صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ) كَتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ: " التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ. إلَخْ " وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: " وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ". وَكَتَشَهُّدِ عُمَرَ: " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ إلَخْ ". (وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: وَلَا بَأْسَ وَبِزِيَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ. (وَالْأَوْلَى تَخْفِيفُ) التَّشَهُّدِ (وَعَدَمُ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ) ، لِحَدِيثِ

أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِقَوْلِ مَسْرُوقٍ: " كُنَّا إذَا جَلَسْنَا إلَى أَبِي بَكْرٍ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ، حَتَّى يَقُومَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ حَنْبَلٌ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي، فَإِذَا جَلَسَ فِي الْجَلْسَةِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ أَخَفَّ الْجُلُوسَ، ثُمَّ يَقُومُ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ. أَيْ: الْحِجَارَةِ الْمُحْمَاةِ بِالنَّارِ. قَالَ: وَإِنَّمَا قَصَدَ الِاقْتِدَاءَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبِهِ. (وَيُشِيرُ بِسَبَّابَةٍ يُمْنَى لَا غَيْرِهَا) مِنْ الْأَصَابِعِ. (وَلَوْ عُدِمَتْ) فَيُرْفَعَا (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ) لَهَا، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا لِلسَّبِّ، وَسَبَّاحَةً؛ لِأَنَّهَا يُشَارُ بِهَا لِلتَّوْحِيدِ، (فِي تَشَهُّدِهِ، وَدُعَائِهِ وَلَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مَرْفُوعًا: «كَانَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ وَلَا يُحَرِّكُهَا إذَا دَعَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: «مَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَدْعُو بِأَصَابِعِي، فَقَالَ: أَحَدٌ أَحَدٌ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ. (ثُمَّ يَنْهَضُ) قَائِمًا فِي صَلَاةِ (مَغْرِبٍ، وَرُبَاعِيَّةٍ) كَظُهْرٍ (مُكَبِّرًا) ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ إلَى قِيَامٍ، فَأَشْبَهَ الْقِيَامَ مِنْ سُجُودِ الْأُولَى. (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ، وَلَكِنَّهُ صَحَّ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ. (وَيُصَلِّي الْبَاقِيَ) مِنْ صَلَاتِهِ، وَهُوَ رَكْعَةٌ مِنْ مَغْرِبٍ، وَرَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ (كَذَلِكَ) أَيْ: كَالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (إلَّا أَنَّهُ يُسِرُّ) الْقِرَاءَةَ إجْمَاعًا. (وَلَا يَزِيدُ عَلَى الْفَاتِحَةِ) ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى شُرَيْحٍ يَأْمُرُهُ بِهِ. وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (فَإِنْ زَادَ) عَلَيْهَا (لَمْ يُكْرَهْ)

إلَّا الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، إذَا قُلْنَا يَنْتَظِرُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، فَيَقْرَأُ سُورَةً مَعَهَا. (ثُمَّ يَجْلِسُ) لِلتَّشَهُّدِ الثَّانِي (مُتَوَرِّكًا، وَلَا يَتَوَرَّكُ فِي ثُنَائِيَّةٍ) بَلْ يَفْتَرِشُ، وَالتَّوَرُّكُ: هُوَ أَنْ (يَفْرِشَ) رِجْلَهُ (الْيُسْرَى، وَيَنْصِبَ) رِجْلَهُ (الْيُمْنَى وَيُخْرِجَهُمَا) أَيْ: رِجْلَيْهِ مِنْ تَحْتِهِ (عَنْ يَمِينِهِ، وَيَجْعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إلَى الْأَرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَخَصَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ بِالِافْتِرَاشِ، وَالثَّانِي بِالتَّوَرُّكِ؛ خَوْفَ السَّهْوِ؛ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ خَفِيفٌ، وَالْمُصَلِّي بَعْدَهُ يُبَادِرُ لِلْقِيَامِ، بِخِلَافِ الثَّانِي فَلَيْسَ بَعْدَهُ عَمَلٌ، بَلْ يُسَنُّ مُكْنَةٌ لِنَحْوِ تَسْبِيحٍ وَدُعَاءٍ. (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) سِرًّا (التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ يَقُولُ) سِرًّا: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ) أَيْ: إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ (إنَّكَ حَمِيدٌ) أَيْ: مَحْمُودٌ وَمُسْتَحِقٌّ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالشِّدَّةِ، وَالرَّخَاءِ (مَجِيدٌ) أَيْ: كَامِلٌ فِي الشَّرَفِ وَالْكَرَمِ (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ) أَيْ: أَثْبِتْ لَهُ دَوَامَ مَا أَعْطَيْتَهُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَفِيكَ وَعَلَيْكَ، وَبَارَكَكَ. (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا، أَوْ عَرَفْنَا كَيْفَ السَّلَامُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: قُولُوا: فَذَكَرَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (أَوْ) يَقُولُ: (كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ، وَكَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ) لِوُرُودِهِ أَيْضًا. (وَ) الْوَجْهُ (الْأَوَّلُ أَوْلَى) لِكَوْنِ حَدِيثِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ. وَقَدْ يُضَافُ آلُ الشَّخْصِ إلَيْهِ وَيَكُونُ دَاخِلًا فِيهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

{أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] ، {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49] ، {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 50] . فَإِنَّ فِرْعَوْنَ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيُرَجَّحُ أَيْضًا بِأَنَّ تَشْبِيهَ الصَّلَاةِ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ بِالصَّلَاةِ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ أَوْلَى مِنْ تَشْبِيهِهَا بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ، إذْ لَا يَلِيقُ كَوْنُ آلِ مُحَمَّدٍ مُسَاوِينَ لِإِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ لِجَلَالَةِ رُتْبَتِهِ. (وَيَتَّجِهُ) أَوْلَوِيَّةُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ (لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إشْعَارًا بِتَشْبِيهِ صَلَاةِ الْآلِ بِالْآلِ) ، أَيْ: اجْعَلْ صَلَاةً مِنْكَ وَبَرَكَةً عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا جَعَلْتَهَا عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ عَلَى مُحَمَّدٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ؛ فَالتَّشْبِيهُ لِلصَّلَاةِ الْمَطْلُوبَةِ لِلْآلِ، لَا الْمَطْلُوبَةِ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْقَاعِدَةُ: أَنَّ الْمُشَبَّهَ أَدْنَى مِنْ الْمُشَبَّهِ بِهِ، أَوْ مُسَاوٍ لَهُ. فَالتَّشْبِيهُ بَيْنَ الْآلِ وَالْآلِ فَقَطْ، وَآلُ إبْرَاهِيمَ أَنْبِيَاءُ، بِخِلَافِ آلِ مُحَمَّدٍ (وَأَلَّا) نَجْعَلُ التَّشْبِيهَ بَيْنَ الْآلِ وَالْآلِ، بَلْ قَابَلْنَا الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ. (فَمُحَمَّدٌ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَفْضَلُ) مِنْ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَلْ وَمِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ، فَلَا يُطْلَبُ لَهُ صَلَاةٌ كَالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ. وَقَدْ أَجَابَ الْقَرَافِيُّ عَنْ تَشْبِيهِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ: أَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ بَيْنَ عَطِيَّةٍ تَحْصُلُ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ تَكُنْ حَصَلَتْ لَهُ قَبْلَ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَهُمَا كَرَجُلَيْنِ، أُعْطِيَ أَحَدُهُمَا أَلْفًا، وَالْآخَرُ أَلْفَيْنِ، ثُمَّ طَلَبَ لِصَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ مِثْلَ مَا أُعْطِيَ صَاحِبُ الْأَلْفِ، فَيَحْصُلُ لَهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَلَا يُرَدُّ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَآلُهُ: أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَقَارِبِهِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِيهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَاتِ. (وَلَا يُجْزِئُ إبْدَالُ آلِ بِأَهْلٍ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الرَّجُلِ أَقَارِبُهُ، أَوْ زَوْجَتُهُ، وَآلُ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ، فَتَغَايَرَا (وَلَا) يُجْزِئُهُ التَّشَهُّدُ (إنْ لَمْ يُرَتِّبْهُ) ، كَمَا لَوْ قَدَّمَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا. (وَتَجُوزُ صَلَاةٌ عَلَى غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْفَرِدًا، نَصًّا) ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ لِعُمَرَ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ " وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَعَبْدُ الْقَادِرِ. قَالَ: وَإِذَا جَازَتْ، جَازَتْ أَحْيَانًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَّا أَنْ يُتَّخَذَ شِعَارًا لِذِكْرِ بَعْضِ النَّاسِ، أَوْ يَقْصِدَ الصَّلَاةَ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ دُونَ بَعْضٍ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَالسَّلَامُ عَلَى غَيْرِهِ بِاسْمِهِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ. (وَتُسَنُّ صَلَاةٌ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) فَإِنَّهَا رُكْنٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَكَذَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، (بِتَأَكُّدٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] . الْآيَةَ، وَالْأَحَادِيثُ بِهَا شَهِيرَةٌ. (وَتَتَأَكَّدُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (عِنْدَ ذِكْرِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَوْجَبَهَا ابْنُ بَطَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَاللَّخْمِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. (وَ) فِي (يَوْمِ جُمُعَةٍ وَلَيْلَتِهَا) لِلْخَبَرِ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جِلَاءِ الْأَفْهَامِ ": هِيَ مَشْرُوعَةٌ. وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: النَّوَوِيُّ، وَغَيْرُهُ، ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ ". وَذَكَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ اسْتِقْلَالًا، وَذَكَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَحَبَّةٌ.

فرع وقع خلف كبير بين العلماء في جواز الدعاء للنبي بالرحمة

[فَرْعٌ وَقَعَ خُلْفٌ كَبِيرٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ لِلنَّبِيِّ بِالرَّحْمَةِ] (فَرْعٌ: وَقَعَ خُلْفٌ كَبِيرٌ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ لَهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِالرَّحْمَةِ، وَاخْتَارَ) الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ (السُّيُوطِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازَ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ) كَقَوْلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ، وَقَوْلُهُ فِي التَّشَهُّدِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَ (لَا) يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ (انْفِرَادًا كَ: قَالَ النَّبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهُوَ) أَيْ: اخْتِيَارُ السُّيُوطِيّ: (حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: انْفِرَادَ التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (خِلَافُ الْأَدَبِ) فِي مَقَامِهِ الرَّفِيعِ (وَغَيْرُ الْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ) إذْ الْمَأْمُورُ بِهِ الصَّلَاةُ، لَا الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ. (ثُمَّ يَقُولُ نَدْبًا: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) أَيْ: الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ. وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ: الِاخْتِبَارُ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا أَخْرَجَتْهُ الْأَخْبَارُ إلَى الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَكْرُوهِ، فَجَاءَتْ بِمَعْنَى الْكُفْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] ، وَبِمَعْنَى الْإِثْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49] ، وَبِمَعْنَى الْإِحْرَاقِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [البروج: 10] ، وَمِنْهُ: أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَبِمَعْنَى: الْإِزَالَةِ وَالصَّرْفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ} [الإسراء: 73] وَفِتْنَةُ الْمَحْيَا كَثِيرَةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ مَعَ الْعَامِّ. (وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ) : بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ: فَعِيلٌ، بِمَعْنَى مَفْعُولٌ؛ لِأَنَّهُ

مَمْسُوحُ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ، وَالْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -: بِمَعْنَى: فَاعِلٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إذَا مَسَحَ ذَا عَاهَةٍ عُوفِيَ، (الدَّجَّالِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ. (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ. (وَلَا بَأْسَ إنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي كِتَابٍ) نَحْوُ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] ، (أَوْ) دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي (سُنَّةٍ) نَحْوُ: «اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (أَوْ) دَعَا بِمَا وَرَدَ (عَنْ صَحَابَةٍ) كَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، وَذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، قَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: " اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِكَ، فَصُنْ وَجْهِي عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِكَ "، (أَوْ) دَعَا بِمَا وَرَدَ عَنْ (سَلَفٍ) صَالِحٍ، (أَوْ) دَعَا (بِأَمْرِ آخِرَةٍ) كَ: اللَّهُمَّ أَحْسِنْ خَاتِمَتِي، (وَلَوْ لَمْ يُشْبِهْ مَا وَرَدَ) مِمَّا سَبَقَ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ» . (كَدُعَاءٍ بِرِزْقٍ حَلَالٍ، وَرَحْمَةٍ، وَعِصْمَةٍ مِنْ فَوَاحِشَ) وَكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ، وَحَوَائِجِ دُنْيَاهُ أَيْضًا: لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» . (أَوْ عَوَّذَ نَفْسَهُ بِقُرْآنٍ لِنَحْوِ حُمَّى) فَلَا بَأْسَ. لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قُرْآنٌ قَصَدَ بِهِ مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ لَا يُنَافِي

الصَّلَاةَ، فَلَمْ يُبْطِلْهَا، كَمَنْ قَصَدَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَرْضَهَا فِي الصَّلَاةِ مَعَ التَّبَرُّكِ بِهَا؛ وَلِأَنَّهُ ثَنَاءٌ بِصِيغَةٍ، فَلَا يَتَغَيَّرُ بِعَزِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ مُفْسِدَهَا اللَّفْظُ، لَا الْقَصْدُ وَالْعَزْمُ، إذْ لَوْ تَفَكَّرَ فَتَذَكَّرَ كَلَامًا مُرَتَّبًا، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِلِسَانِهِ، (أَوْ لَدَغَتْهُ) : بِمُهْمَلَةٍ فَمُعْجَمَةٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْن مُعْجَمَتَيْنِ، (عَقْرَبٌ) وَنَحْوُهَا، (فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ) ، وَوَافَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى قَوْلِ: بِسْمِ اللَّهِ، لِوَجَعِ مَرِيضٍ عِنْدَ قِيَامٍ وَانْحِطَاطٍ. (أَوْ) دَعَا (لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ) فِي النَّفْلِ وَالْفَرْضِ عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِابْنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَا أَدْعُو لِقَوْمٍ مُنْذُ سِنِينَ فِي صَلَاتِي، أَبُوكَ أَحَدُهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُنُوتِهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ» . وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ. (وَيَتَّجِهُ، أَوْ) أَيْ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، (حَيْثُ جَازَ) كَدُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُنُوتِهِ عَلَى الْكُفَّارِ الْمُعَيَّنِينَ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ. (بِغَيْرِ كَافِ خِطَابٍ) نَحْوُ: عَافَاكَ اللَّهُ، وَغَفَرَ لَكَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ. (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ: بِالدُّعَاءِ بِكَافِ الْخِطَابِ، كَمَا لَوْ خَاطَبَ آدَمِيًّا بِغَيْرِ دُعَاءٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَإِبْلِيسَ: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ» ؛ فَمُؤَوَّلٌ، أَوْ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَمَحَلُّ بُطْلَانِهَا بِالدُّعَاءِ

فصل كيفية التسليم من التشهد

بِكَافِ الْخِطَابِ، حَيْثُ كَانَ (فِي غَيْرِ اللَّهِ) كَ: إيَّاكَ نَعْبُدُ (وَرَسُولِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، فَلَا تَبْطُلُ بِهِ. (وَ) تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (بِدُعَاءٍ بِأَمْرِ دُنْيَا) وَمَلَاذِهَا (كَ) قَوْلِ مُصَلٍّ: اللَّهُمَّ (اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ وَحُلَّةً خَضْرَاءَ، أَوْ دَابَّةً هِمْلَاجَةً) ، أَوْ دَارًا وَسِيعَةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ (مَا لَمْ يَشُقَّ) إمَامٌ بِالدُّعَاءِ (عَلَى مَأْمُومٍ) ، أَوْ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ يَخْشَى فَوَاتَ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِتَطْوِيلِهِ، (أَوْ) مَا لَمْ (يَخَفْ سَهْوًا) بِإِطَالَةِ دُعَائِهِ، فَيَتْرُكُهُ، وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا. (وَكَذَا) أَيْ: الدُّعَاءُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، (دُعَاءٌ فِي رُكُوعٍ، وَسُجُودٍ) ، وَاعْتِدَالٍ، وَجُلُوسٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ الدُّعَاءَ» (وَقُنُوتٌ) لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ. [فَصْلٌ كَيْفِيَّة التَّسْلِيم مِنْ التَّشَهُّد] (فَصْلٌ) (ثُمَّ يَلْتَفِتُ نَدْبًا) وَهُوَ جَالِسٌ بِلَا نِزَاعٍ، (عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ) . وَيَلْتَفِتُ (أَكْثَرَ) مِنْ الْتِفَاتِهِ عَنْ يَمِينِهِ، لِحَدِيثِ عُمَارَةَ مَرْفُوعًا: «كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ» رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ بِإِسْنَادِهِ. (قَائِلًا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ. وَابْنِ مَسْعُودٍ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ. وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (مُرَتَّبًا، مُعَرَّفًا بِأَلْ وُجُوبًا) ،

لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ صَحَّتْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . (فَإِنْ نَكَّرَهُ) بِأَنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، (أَوْ نَكَّسَهُ) بِأَنْ قَالَ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ، (أَوْ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِإِسْقَاطِ مِيمٍ) بِأَنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك، (لَمْ يُجْزِهِ) وَكَذَا لَوْ قَالَ: سَلَامِي عَلَيْكُمْ، أَوْ: سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أَوْ: السَّلَامُ عَلَيْهِمْ، (وَكَذَا تَنْكِيسُهُ) أَيْ: السَّلَامُ (فِي تَشَهُّدٍ) كَقَوْلِهِ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَإِنْ تَعَمَّدَ قَوْلًا مِمَّا ذُكِرَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَلَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِ) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ إنْ لَمْ يَقُلْ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، وَهُوَ سَلَامٌ فِي صَلَاةٍ وَرُدَّ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ بِدُونِهَا، كَالسَّلَامِ فِي التَّشَهُّدِ، (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَزِيدَ: وَبَرَكَاتُهُ) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ، لَكِنْ لَا يَضُرُّ: " لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَسُنَّ) أَيْضًا (حَذْفُ سَلَامٍ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ» وَرُوِيَ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. (وَهُوَ) أَيْ: حَذْفُ السَّلَامِ: (أَنْ لَا يُطَوِّلَهُ، وَلَا يَمُدَّهُ، لَا فِي الصَّلَاةِ؛ وَلَا عَلَى النَّاسِ) إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (وَ) سُنَّ أَيْضًا (جَزْمُهُ) أَيْ: السَّلَامِ، بِأَنْ يَقْطَعَ إعْرَابَ آخِرِ الْجَلَالَةِ بِحَذْفِ الْحَرَكَةِ مِنْ الْهَاءِ، وَمِنْ رَاءِ أَكْبَرَ فِي التَّكْبِيرِ، لِقَوْلِ النَّخَعِيّ: السَّلَامُ جَزْمٌ، وَالتَّكْبِيرُ جَزْمٌ (بِأَنْ يَقِفَ عَلَى آخِرِ كُلِّ تَسْلِيمَةٍ) وَالْمُرَادُ بِالْجَزْمِ هُنَا: مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، وَهُوَ: قَطْعُ الْإِعْرَابِ. (وَ) سُنَّ (نِيَّتُهُ بِهِ) ، أَيْ: السَّلَامِ (الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ) ، لِتَكُونَ النِّيَّةُ شَامِلَةً لِطَرَفَيْ الصَّلَاةِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ قَدْ شَمَلَتْ جَمِيعَهَا،

وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَتِهَا كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (فَإِنْ نَوَى مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، السَّلَامَ (عَلَى حَفَظَةٍ وَإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ، جَازَ) . نُصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. (وَأُنْثَى كَرَجُلٍ فِيمَا مَرَّ) فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، لِشُمُولِ الْخِطَابِ لَهَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . (حَتَّى فِي رَفْعِ يَدَيْنِ) قَبْلَ رُكُوعٍ، وَبَعْدَهُ. (لَكِنْ تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، فَلَا تَتَجَافَى) ، لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى امْرَأَتَيْنِ تُصَلِّيَانِ، فَقَالَ: إذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ. وَلِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، فَكَانَ الْأَلْيَقُ بِهَا الِانْضِمَامَ. (وَتَجْلِسُ مُسْدِلَةً رِجْلَيْهَا عَنْ يَمِينِهَا، وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ تَرَبُّعِهَا؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ جُلُوسِ عَائِشَةَ، وَأَشْبَهُ بِجِلْسَةِ الرَّجُلِ، وَأَبْلُغُ فِي الْإِكْمَالِ وَالضَّمِّ، وَأَسْهَلُ عَلَيْهَا. (أَوْ) تَجْلِسُ (مُتَرَبِّعَةً) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلَاةِ (وَتُسِرُّ بِقِرَاءَةٍ وُجُوبًا إنْ سَمِعَهَا أَجْنَبِيٌّ) خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بِهَا. (وَإِلَّا) يَسْمَعْهَا أَجْنَبِيٌّ، (فَلَا بَأْسَ بِجَهْرِهَا) لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ (وَخُنْثَى كَأُنْثَى) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً. (ثُمَّ يُسَنُّ بَعْدَ تَسْلِيمٍ) مِنْ مَكْتُوبَةٍ (أَنْ يَسْتَغْفِرَ ثَلَاثًا، وَيَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ) السَّلَامُ: مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُ: سَلَامَتُهُ مِمَّا يَلْحَقُ الْخَلْقَ مِنْ الْعَيْبِ وَالْفَنَاءِ، (وَمِنْك السَّلَامُ) أَيْ: وَمِنْكَ حُصُولُ السَّلَامِ لِلْخَلْقِ. وَلَعَلَّ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِ السَّلَامِ عَقِبَ الصَّلَاةِ

إشَارَةٌ إلَى أَنَّ سَلَامَةَ الْمُصَلِّي مِنْ نَقْصِ صَلَاتِهِ إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْهُ تَعَالَى (تَبَارَكْتَ) مِنْ: الْبَرَكَةِ، أَوْ: مِنْ الْبُرُوكِ، وَهُوَ: الدَّوَامُ وَالثُّبُوتُ. (يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ، الْجَلَالُ: الْعَظَمَةُ، وَالْإِكْرَامُ: الْإِعْزَازُ، وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِالْعَظَمَةِ وَالْعِزَّةِ اتِّصَافًا ذَاتِيًّا لَا انْفِكَاكَ لَهُ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ. رَوَى ثَوْبَانُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَلَوْ قَالَهُ بَعْدَ قِيَامِهِ، وَفِي ذَهَابِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُصِيبٌ لِلسُّنَّةِ أَيْضًا، إذْ لَا تَحْجِيرَ فِي ذَلِكَ. وَلَوْ شُغِلَ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرُهُ، فَذَكَرُهُ، فَالظَّاهِرُ: حُصُولُ أَجْرِهِ الْخَاصِّ لَهُ أَيْضًا إذَا كَانَ قَرِيبًا لِلْعُذْرِ. أَمَّا لَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا، ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ، فَالظَّاهِرُ فَوَاتُ أَجْرِهِ الْخَالِصِ، وَبَقَاءِ أَجْرِ الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ لَهُ. انْتَهَى. وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ الذِّكْرِ: مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتَّهْلِيلُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِمَا تَقَدَّمَ. وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ - أَيْ: بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ -: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْجَدُّ: بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى

الْمَشْهُورِ هُوَ الْغِنَى، وَالْحَظُّ، أَيْ: لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى وَالْحَظِّ مِنْ الدُّنْيَا بِذَلِكَ، أَيْ: بَدَلَ طَاعَتِكَ، أَوْ بَدَلَ حَظِّكَ، أَيْ: بَدَلَ حَظِّهِ مِنْكَ. قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ. وَبِكَسْرِ الْجِيم ضَعِيفٌ، وَعَلَيْهِ: لَا يَنْفَعُ ذَا الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ مِنْك اجْتِهَادُهُ، إنَّمَا يَنْفَعُهُ رَحْمَتُكَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْجَدُّ وَالسَّعْيُ التَّامُّ فِي الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: الْإِسْرَاعُ فِي الْهَرَبِ، أَيْ: ذَا الْإِسْرَاعِ فِي الْهَرَبِ مِنْكَ هَرَبُهُ، فَإِنَّهُ فِي قَبْضَتِكَ وَسُلْطَانِكَ. (وَ) يَقُولُ: (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» (فَإِنْ زَادَ فِي الْعَدِّ؛ فَلَا بَأْسَ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَهْيٌ عَنْ الزِّيَادَةِ هُنَا كَالزَّكَاةِ، (وَيَفْرُغُ مِنْ عَدَدِ الْكُلِّ مَعًا) لِقَوْلِ أَبِي صَالِحٍ رَاوِي الْحَدِيثِ: «تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» (وَيَعْقِدُهُ) ، أَيْ: الْعَدَدَ الْمُتَقَدِّمَ بِيَدِهِ، وَيَعْقِدُ (الِاسْتِغْفَارَ بِيَدِهِ) ، أَيْ: يَضْبِطُ عَدَدَهُ بِأَصَابِعِهِ، لِحَدِيثِ بُسْرَةَ مَرْفُوعًا: «وَاعْقِدْنَ بِالْأَنَامِلِ؛ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ. (وَتَمَامُ الْمِائَةِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِذَلِكَ) ، أَيْ: بِالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّكْبِيرِ عَقِبَ الصَّلَاةِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «كُنْت أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّكْبِيرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: (وَ) يَقُولُ (بَعْدَ كُلٍّ مِنْ)

صَلَاتَيْ (صُبْحٍ وَمَغْرِبٍ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ، قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ) بِمَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ (عَشْرَ مَرَّاتٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، لِخَبَرِ أَحْمَدَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ مَرْفُوعًا. وَلِهَذَا مُنَاسَبَةٌ، وَيَكُونُ الشَّارِعُ شَرَعَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ لِتَحْتَرِسَ بِهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فِيهِمَا، وَالْخَبَرُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَغْرِبَ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْفَجْرِ فَقَطْ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَشَهْرٌ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ جِدًّا انْتَهَى. وَيَقُولُ أَيْضًا: وَهُوَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ: (اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسَرَّ إلَيْهِ فَقَالَ: إذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ وَفِي رِوَايَةٍ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا، فَإِنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ، ثُمَّ مِتَّ فِي لَيْلَتِكَ؛ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ إذَا مِتَّ فِي يَوْمِكَ، كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا. قَالَ الْحَارِثُ: أَسَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَخُصُّ بِهَا إخْوَانَنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ تَفَرَّدَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ؛ فَلِهَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يَعْرَفُ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي لَفْظِهِ: " قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ ". (وَ) يَقْرَأُ (بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ) مَكْتُوبَةٍ (آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالْإِخْلَاصِ) ، لِخَبَرِ أَبِي أُمَامَةَ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلَّا الْمَوْتُ» . إسْنَادُهُ

جَيِّدٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ". (وَ) يَقْرَأُ (الْمُعَوِّذَتَيْنِ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقْرَأَ الْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» . لَهُ طُرُقٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَوْ صَحِيحٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَفِي هَذَا سِرٌّ عَظِيمٌ فِي دَفْعِ الشَّرِّ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الصَّلَاةِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَيَدْعُوَ) مُصَلٍّ اسْتِحْبَابًا (بَعْدَ كُلِّ) صَلَاةٍ (مَكْتُوبَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح: 7] (سِيَّمَا) بَعْدَ (فَجْرٍ وَعَصْرٍ، لِحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمَا) ، فَيُؤَمِّنُونَ عَلَى الدُّعَاءِ، فَيَكُونُ أَقْرَبَ لِلْإِجَابَةِ، (سِيَّمَا الْإِمَامُ) لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ. (وَلَا يُكْرَهُ) لِلْإِمَامِ (أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِدُعَاءٍ نَصًّا) لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، وَلِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؛ إذْ أَوَّلُهَا: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ، وَأَسْأَلُكَ» وَذَلِكَ يَخُصُّ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالْمُرَادُ بِالدُّعَاءِ الَّذِي لَا يُكْرَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ نَفْسَهُ (إنْ لَمْ يُؤَمِّنْ مَأْمُومٌ) كَدُعَاءِ الْمُنْفَرِدِ، وَفِي التَّشَهُّدِ وَالسُّجُودِ، وَنَحْوِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ أَمَّنَ مَأْمُومٌ عَلَى دُعَائِهِ (فَيَعُمُّ) بِالدُّعَاءِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يُؤَمِّنُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ، وَلَمْ يَعُمَّ، فَقَدْ (خَانَهُ وَكَدُعَاءِ قُنُوتٍ) ، فَإِذَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ؛ كَانَ خَائِنًا لِلْمَأْمُومِ، لِخَبَرِ ثَوْبَانَ، فَإِنَّ فِيهِ: «لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ؛ فَقَدْ خَانَهُمْ» . (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَهُ) أَيْ: الدُّعَاءَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْإِفْرَاطِ فِي الدُّعَاءِ» ، وَالْإِفْرَاطُ: كَثْرَةُ الْأَسْئِلَةِ. (وَيَبْدَأُ) الدُّعَاءَ (بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ،

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَيَخْتِمُ) دُعَاءَهُ (بِهِ) أَيْ: بِالْحَمْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] . (كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) . قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَوَسَطَهُ، لِخَبَرِ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ، يَمْلَأُ قَدَحَهُ ثُمَّ يَضَعُهُ، وَيَرْفَعُ مَتَاعَهُ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَرَابٍ شَرِبَهُ، أَوْ الْوُضُوءِ تَوَضَّأَ، وَإِلَّا أَهْرَاقَهُ، وَلَكِنْ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ، وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ» . (وَلَا يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ فِيهِ) ، أَيْ: فِي الدُّعَاءِ، خِلَافًا لِلْغُنْيَةِ " لِحَدِيثِ الْمِقْدَادِ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي» . (وَكُرِهَ رَفْعُ صَوْتٍ بِهِ) ، أَيْ: الدُّعَاءِ (فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا) لِحَدِيثِ: «إنَّكُمْ لَا تُنَادُونَ أَصَمَّ» ، (لِغَيْرِ حَاجٍّ) أَمَّا لَهُ فَيُسَنُّ، لِحَدِيثِ: «أَفْضَلُ الْحَجِّ: الْعَجُّ، وَالثَّجُّ» . (وَ) كُرِهَ الدُّعَاءُ (لِإِمَامٍ) حَالَ كَوْنِهِ (مُسْتَقْبِلَ قِبْلَةٍ بَلْ يَسْتَقْبِلُ مَأْمُومًا) حَالَ دُعَائِهِ، لِأَنَّ انْحِرَافَهُ إلَى الْمُصَلِّينَ مَطْلُوبٌ إذَا سَلَّمَ (وَيَلِحُّ) الدَّاعِي فِي الدُّعَاءِ (رَافِعًا يَدَيْهِ إلَى صَدْرِهِ مَبْسُوطَتَيْنِ، وَيَدْعُو بِدُعَاءٍ مَعْهُودٍ) ، أَيْ: مَأْثُورٍ مِنْ الْكِتَابِ، أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَيُكَرِّرُهُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِلْحَاحِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» . (وَيَجْتَنِبُ السَّجْعَ) فِي الدُّعَاءِ، كَمَا يَدْعُو بَعْضُ جَهَلَةِ الْمُتَعَبِّدَةِ،

يَلْتَزِمُونَ السَّجْعَ غَالِبًا وَالْأَدْعِيَةَ غَيْرَ الْمَأْثُورَةِ كَ: اللَّهُمَّ اكْشِفْ غَبْنَ قَلْبِي، وَافْتَحْ عَيْنَ بَصِيرَتِي وَلُبِّي، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ، وَلَا مَأْثُورٍ. وَأَمَّا الَّذِي وَرَدَ مُسَجَّعًا، كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ وَنَحْوِهِ، فَالدُّعَاءُ بِهِ مَطْلُوبٌ. وَيَكُونُ الدُّعَاءُ جَامِعًا (بِتَأَدُّبٍ) فِي هَيْئَتِهِ وَأَلْفَاظِهِ، فَيَكُونُ جُلُوسُهُ إنْ كَانَ جَالِسًا كَجُلُوسِ أَقَلِّ الْعَبِيدِ بَيْنَ يَدَيْ أَعْظَمِ الْمَوَالِي (وَخُشُوعٌ) وَخُضُوعٌ (وَعَزْمٌ وَرَغْبَةٌ، وَحُضُورُ قَلْبٍ وَرَجَاءٍ) لِحَدِيثِ «لَا يُسْتَجَابُ مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ. وَيَتَمَلَّقُ، وَيَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَيُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ دُعَائِهِ صَدَقَةً. (وَشُرِطَ) فِي الدُّعَاءِ (إخْلَاصٌ، وَاجْتِنَابُ حَرَامٍ) مِنْ مَطْعَمٍ، وَمَشْرَبٍ، وَمَلْبَسٍ، وَغَيْرِهِ. وَيَتَحَرَّى أَوْقَاتَ الْإِجَابَةِ، وَهِيَ: الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ، وَعِنْدَ الْأَذَانِ، وَبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعِنْدَ صُعُودِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ، وَآخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. (وَيَنْتَظِرُ الْإِجَابَةَ) ، لِحَدِيثِ: «اُدْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» . (وَلَا يَعْجِزُ فَيَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) ، لِمَا فِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، قَالُوا: وَكَيْفَ يَعْجَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَبْ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ» . وَيَدْعُو الدُّعَاءَ وَيَنْتَظِرُ الْفَرَجَ، فَهُوَ عِبَادَةٌ أَيْضًا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَسْأَلَةِ إلَّا لِيُعْطَى. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إلَّا آتَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إذَنْ نُكْثِرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ» . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَفِيهِ: «إمَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا، أَوْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا» . وَيَبْدَأُ فِي دُعَائِهِ بِنَفْسِهِ.

فصل فيما يكره في الصلاة وما يباح وما يستحب فيها وما يتعلق بذلك

[فَصْلٌ فِيمَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ وَمَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] (فَصْلٌ) فِيمَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَمَا يُبَاحُ، وَمَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُكْرَهُ فِي صَلَاةٍ الْتِفَاتٌ) يَسِيرٌ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (بِلَا حَاجَةٍ) فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ (كَخَوْفٍ) عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ: نَحْوِ الْخَوْفِ، كَمَرَضٍ، لَمْ يُكْرَهْ، لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْتَفِتُ إلَى الشُّعَبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ: وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إلَى الشُّعَبِ يَحْرُسُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِالْتِفَاتٍ، (وَلَوْ الْتَفَتَ بِصَدْرِهِ وَوَجْهِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ بِجُمْلَتِهِ. (وَتَبْطُلُ إنْ اسْتَدَارَ) عَنْ الْقِبْلَةِ (بِجُمْلَتِهِ أَوْ اسْتَدْبَرَهَا) أَيْ: الْقِبْلَةَ، لِتَرْكِهِ الِاسْتِقْبَالَ بِلَا عُذْرٍ. وَ (لَا) تَبْطُلُ الصَّلَاةُ لَوْ اسْتَدْبَرَ تُجَاهَهُ (فِي الْكَعْبَةِ) لِأَنَّهُ إذَا اسْتَدْبَرَ جِهَةً، فَقَدْ اسْتَقْبَلَ أُخْرَى (أَوْ) فِي (شِدَّةِ خَوْفٍ) ، فَلَا تَبْطُلُ إنْ الْتَفَتَ بِجُمْلَتِهِ أَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ لِسُقُوطِ الِاسْتِقْبَالِ إذَنْ (وَ) كَذَا لَا تَبْطُلُ (إذَا تَغَيَّرَ اتِّجَاهُهُ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْبِرْ الْقِبْلَةَ، بَلْ اسْتَدَارَ إلَيْهَا، لِأَنَّهَا صَارَتْ قِبْلَتَهُ. (وَ) يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ (رَفْعُ بَصَرِهِ) إلَى السَّمَاءِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ؟ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ أَوْ لَتُخَطَّفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَ (لَا) يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ (حَالَ جُشَاءٍ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي غَيْرِ جَمَاعَتِهِ

خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَيَّدَ كَرَاهَةَ الْجُشَاءِ، حَيْثُ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": إذَا تَجَشَّأَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ وَجْهَهُ إلَى فَوْقٍ، لِئَلَّا يُؤْذِيَ مَنْ حَوْلَهُ بِالرَّائِحَةِ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إذَا تَجَشَّأَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَرْفَعْ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ حَتَّى يَذْهَبَ الرِّيحُ، وَإِذَا لَمْ يَرْفَعْ آذَى مَنْ حَوْلَهُ مِنْ رِيحِهِ. انْتَهَى. فَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ " الْإِنْصَافِ " وَصَنِيعُ غَيْرِهِ يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ ". (وَ) يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ (تَغْمِيضُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ، وَمَظِنَّةُ النَّوْمِ (بِلَا حَاجَةٍ، كَخَوْفِ) مَحْذُورٍ (مِنْ نَظَرِ عَوْرَةٍ) يَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَيْهَا. وَأَمَّا نَظَرُهُ لِمُبَاحَةٍ لَهُ، فَيُكْرَهُ. نَقَلَ أَبُو دَاوُد: إنْ نَظَرَ امْرَأَتَهُ عُرْيَانَةً غَمَّضَ. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا فِيهَا (حَمْلُ مُشْغِلٍ) عَنْهَا، لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (افْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِدًا) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ، وَلَا يَفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ " حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَ) يُكْرَهُ (إقْعَاؤُهُ) فِي جُلُوسِهِ (بِأَنْ يَفْرِشَ قَدَمَيْهِ وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ) كَذَا فَسَّرَهُ بِهِ أَحْمَدُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، (أَوْ) أَنْ يَجْلِسَ (بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ عَقِبَيْهِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ، (نَاصِبًا قَدَمَيْهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَمَّا الْإِقْعَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَهُوَ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْلَ إقْعَاءِ الْكَلْبِ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَكُلٌّ مِنْ الْجِنْسَيْنِ مَكْرُوهٌ، لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» . وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «إذَا رَفَعْت رَأْسَكَ مِنْ السُّجُودِ، فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا فِيهَا (عَبَثٌ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى

رَجُلًا يَعْبَثُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» . (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (مَسُّ لِحْيَتِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبَثِ. (وَ) كَذَا (عَقْصُ شَعْرٍ) أَيْ: لَيِّهِ وَإِدْخَالِ أَطْرَافِهِ فِي أُصُولِهِ، (وَكَفُّ ثَوْبٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» (وَجَمْعُهُ بِيَدِهِ إذَا سَجَدَ) ، لِأَنَّ أَحْمَدَ نَهَى رَجُلًا كَانَ إذَا سَجَدَ جَمَعَ ثَوْبَهُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى. وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ ثِيَابَهُ، وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُكْرَهُ أَنْ يُشَمِّرَ عَنْ ثِيَابِهِ، لِقَوْلِهِ: «تَرِّبْ تَرِّبْ» ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حِكْمَةَ النَّهْيِ أَنَّ الشَّعْرَ وَنَحْوَهُ يَسْجُدُ مَعَهُ (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (تَشْمِيرُ كُمٍّ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ". (وَلَوْ) كَانَ عَقْصُ الشَّعْرِ، وَكَفُّ الثَّوْبِ، وَتَشْمِيرُ الْكُمِّ، قَدْ فَعَلَهُ لِأَجْلِ عَمَلٍ (قَبْلَ دُخُولٍ فِيهَا) ، فَيُكْرَهُ لَهُ إبْقَاؤُهُ كَذَلِكَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي، وَرَأْسَهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِرَأْسِي؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (مَسُّ حَصًى) وَتَقْلِيبُهُ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحْ الْحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَتَسْوِيَةُ تُرَابٍ بِلَا عُذْرٍ) لِحَدِيثِ مُعَيْقِيبٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: إنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَنَفْخُهُ) ، أَيْ: التُّرَابِ لِأَنَّهُ عَبَثٌ. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (تَرُوحُ بِمِرْوَحَةٍ بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ، كَغَمٍّ شَدِيدٍ، فَلَا يُكْرَهُ لِلْحَاجَةِ. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (فَرْقَعَةُ أَصَابِعً، وَتَشْبِيكُهَا) ، أَيْ: الْأَصَابِعِ.

(وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (إنْ كَثُرَ) فِعْلُ (ذَلِكَ) فِيهَا. وَكَانَ (مُتَوَالِيًا عُرْفًا) لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ يَرْفَعُهُ، قَالَ: «لَا تُقَعْقِعْ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الَّذِي يُصَلِّي وَقَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ: " تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَ) يُكْرَهُ (تَخَصُّرٌ وَتَمَطٍّ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَخَصِّرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ". (وَ) يُكْرَهُ فِيهَا: (إخْرَاجُ لِسَانٍ) لِأَنَّهُ عَبَثٌ. (وَ) يُكْرَهُ فِيهَا (فَتْحُ فَمِ) هـ (وَوَضْعُ شَيْءٍ فِيهِ) لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ، وَيَمْنَعُ إكْمَالَ الْحُرُوفِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ وَضْعُ شَيْءٍ (فِي يَدٍ) نَصًّا، وَلَا فِي كُمٍّ. (وَ) يُكْرَهُ فِيهَا (اسْتِقْبَالُ صُورَةِ) حَيَوَانٍ مُحَرَّمَةٍ إذَا كَانَتْ مَنْصُوبَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْبِيهِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ. وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ صَغِيرَةً لَا تَبْدُو لِنَاظِرٍ إلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إلَى غَيْرِ مَنْصُوبَةٍ، وَلَا كَوْنِهَا خَلْفَهُ فِي الْبَيْتِ، وَلَا فَوْقَ رَأْسِهِ فِي سَقْفٍ، أَوْ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ. (وَ) يُكْرَهُ (سُجُودٌ عَلَيْهَا) أَيْ: الصُّورَةِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ ". (وَ) يُكْرَهُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ (وَجْهِ آدَمِيٍّ) نَصًّا، وَإِلَى امْرَأَةٍ تُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْهِ، لَا حَيَوَانٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ، «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ وَيُصَلِّي إلَيْهَا» . وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ كَالْبَغْلِ، وَالطَّاهِرِ كَالْبَعِيرِ (وَ) تُكْرَهُ الصَّلَاةُ إلَى (كَافِرٍ) ، لِأَنَّهُ نَجِسُ الِاعْتِقَادِ، (وَ) إلَى

(مُتَحَدِّثٍ وَ) إلَى (نَائِمٍ) «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ وَالْمُتَحَدِّثِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا اسْتِقْبَالُهُ (مَا يُلْهِيهِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْخَمِيصَةُ: كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ. وَالْأَنْبِجَانِيَّة: كِسَاءٌ غَلِيظٌ. (وَ) يُكْرَهُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ (نَارٍ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ نَارَ حَطَبٍ أَوْ سِرَاجٍ، أَوْ قِنْدِيلٍ أَوْ شَمْعَةٍ، نَصًّا؛ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالْمَجُوسِ. (أَوْ) ، أَيْ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَ (بَيْنَ يَدَيْهِ نَجَاسَةٌ) خَشْيَةَ أَنْ يُلَاقِيَهَا طَرَفُ ثَوْبِهِ، فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُ. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (تَعْلِيقُ، وَكِتَابَةُ شَيْءٍ فِي قِبْلَتِهِ) ، لَا وَضْعُهُ بِالْأَرْضِ، قَالَ أَحْمَدُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْعَلُوا فِي الْقِبْلَةِ شَيْئًا حَتَّى الْمُصْحَفَ (وَ) تُكْرَهُ (صَلَاتُهُ مَكْتُوفًا) ، لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَفْعَالِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ. (وَ) يُكْرَهُ فِيهَا (اعْتِمَادُهُ عَلَى يَدِهِ جَالِسًا) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا لِمُصَلٍّ (حَمْلُ فَصٍّ أَوْ ثَوْبٍ) وَنَحْوِهِ (فِيهِ صُورَةٌ) وِفَاقًا. (وَيَتَّجِهُ: الْمُرَادُ) إنَّمَا يُكْرَهُ حَمْلُ مَا فِيهِ صُورَةٌ حَيْثُ كَانَ (بِلَا لُبْسٍ، وَإِلَّا) فَلَوْ لَبِسَ خَاتَمًا فِي فَصِّهِ صُورَةٌ، أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ يَعِيشُ، (حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ التَّامِّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَلِحَدِيثِ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَ) يَكْرَهُ لِمُصَلٍّ (خَصَّ جَبْهَتَهُ بِمَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، مِنْ شِعَارِ رَوَافِضَ) أَوْ جُلُّهُمْ، فَيُجْتَنَبُ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ فِي بِدْعَةٍ» (وَ) يُكْرَهُ لَهُ فِيهَا (مَسْحُ أَثَرِ سُجُودٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِهِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاتِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي ": يُكْرَهُ إكْثَارُهُ مِنْهُ، وَلَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ. (وَتَكْرَارُ) الـ (فَاتِحَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَخُرُوجًا مَنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَهَا بِهِ؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ: أَنَّ تَكْرَارَ الْقَوْلِيِّ لَا يَخِلُّ بِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ. (وَاقْتِصَارٌ عَلَيْهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ. (وَ) يُكْرَهُ لِمُصَلٍّ فِيهَا (حَمْدُهُ) لَفْظًا (إذَا عَطَسَ أَوْ) إذَا (وَجَدَ مَا يَسُرُّهُ وَ) مِثْلُهُ (اسْتِرْجَاعُهُ) ، أَيْ: قَوْلُ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ (إذَا وَجَدَ مَا يَغُمُّهُ) وَكَذَا قَوْلُ: بِسْمِ اللَّهِ إذَا لُسِعَ، أَوْ: سُبْحَانَ اللَّهِ إذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ، وَنَحْوُهُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِهِ. وَكَذَا لَوْ خَاطَبَ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ لِمَنْ دَقَّ عَلَيْهِ: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46] وَلِمَنْ اسْمُهُ يَحْيَى {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] (وَ) يُكْرَهُ (لِإِمَامٍ قِرَاءَةٌ مُخَالِفَةٌ عُرْفَ بَلَدِهِ) لِمَا فِي حَصْرِهِ بِهَا مِنْ التَّنْفِيرِ لِلْجَمَاعَةِ. (وَ) يُكْرَهُ لِمُصَلٍّ (اسْتِنَادُهُ) إلَى نَحْوِ جِدَارٍ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ مَشَقَّةَ الْقِيَامِ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَسَنَّ، وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلَّاهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَاللَّخْمُ الْفُتُورُ. (فَإِنْ سَقَطَ) مُسْتَنِدٌ (لَوْ أُزِيلَ) مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ، (لَمْ

تَصِحَّ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَغَيْرِ قَائِمٍ. (وَ) يُكْرَهُ (ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ، (فِيمَا) أَيْ: حَالَ (يَمْنَعُ كَمَالَهَا، كَحَرٍّ) مُفْرِطٍ، (وَبَرْدٍ) مُفْرِطٍ، (وَعَطَشٍ مُفْرِطٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُقْلِقُهُ، وَيَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا. (أَوْ) أَنْ يَبْتَدِئَهَا (حَاقِنًا) : بِالنُّونِ، أَيْ: مُحْتَبِسَ بَوْلٍ، (أَوْ حَاقِبًا) : بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: مُحْتَبِسَ غَائِطٍ، (أَوْ) يَبْتَدِئُهَا (مَعَ رِيحٍ مُحْتَبَسَةٍ أَوْ تَائِقًا) ، أَيْ: مُشْتَاقًا (لِطَعَامٍ وَنَحْوِهِ) كَجِمَاعٍ، وَشَرَابٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ: " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ". (مَا لَمْ يَضِقْ وَقْتٌ) عَنْ فِعْلِ جَمِيعِ الْمَكْتُوبَةِ فِيهِ، (فَتَجِبُ) الْمَكْتُوبَةُ (وَحَرُمَ إذَنْ) أَيْ: إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا (اشْتِغَالٌ بِغَيْرِهَا) ، لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لَهَا (وَمَنْ صَلَّى عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ سُنَّ) لَهُ (إعَادَتُهَا عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ، مَا دَامَ بَقَاءُ وَقْتٍ) . وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مُنْفَرِدًا (لِأَنَّ الْإِعَادَةَ مَشْرُوعَةٌ لِخَلَلٍ فِي) فِعْلِ الصَّلَاةِ (الْأُولَى) ، وَالْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ خَلَلٌ فِي كَمَالِهَا، وَمِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ لِغَيْرِ ذَاتِهَا، كَالصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا سَدْلٌ، أَوْ مِنْ حَاقِنٍ وَنَحْوِهِ، فِيهَا ثَوَابٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَكْرُوهَةً لِذَاتِهَا، كَالسِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ، فَإِنَّهُ نَفْسَهُ مَكْرُوهٌ، فَلَا ثَوَابَ فِيهِ، بَلْ يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْفُرُوعِ " فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ. (وَسُنَّ) لِمُصَلٍّ (تَفْرِقَتُهُ) بَيْنَ قَدَمَيْهِ، (وَمُرَاوَحَتُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ) بِأَنْ يَقُومَ عَلَى إحْدَاهُمَا مَرَّةً، وَعَلَى الْأُخْرَى أُخْرَى إذَا طَالَ قِيَامُهُ، قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُفَرِّجُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، وَرَأَيْتُهُ يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا.

وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ: " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي صَافًّا بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: لَوْ رَاوَحَ هَذَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ " وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَفِيهِ قَالَ: " أَخْطَأَ السُّنَّةَ لَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ ". وَ (لَا) تُسَنُّ مُرَاوَحَتُهُ (كَثِيرًا) بَلْ تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ تَمَايُلَ الْيَهُودِ وَرَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ مَرْفُوعًا: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسْكِنْ أَطْرَافَهُ، وَلَا يَمِيلُ مَيْلَ الْيَهُودِ» . (وَ) سُنَّ (صَلَاتُهُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ قِرَاءَتِهِ ذِكْرَهُ) نَحْوَ: " مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " لِتَأَكُّدِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُهُ (فِي نَفْلٍ) نَصَّ عَلَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَ) إذَا قَرَأَ مُصَلٍّ (فِي) صَلَاةِ (فَرْضٍ) آيَةً فِيهَا ذِكْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ} [آل عمران: 144] . فَإِنَّهَا (تُبَاحُ) صَلَاتُهُ عَلَيْهِ، لِإِطْلَاقِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كُلَّمَا ذُكِرَ. قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ ": وَلَا يَبْطُلُ الْفَرْضُ بِهِ، أَيْ: بِذَكَرِهِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) سُنَّ (كَظْمٌ عِنْدَ غَلَبَةِ تَثَاؤُبٍ، وَإِلَّا) يَقْدِرْ عَلَى الْكَظْمِ (وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ) لِحَدِيثِ «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِي فَمِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) سُنَّ (رَدُّ مَارٍّ بَيْنَ يَدَيْهِ) كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ، أَوْ نَفْلًا. (وَلَوْ) كَانَ الْمَارُّ (غَيْرَ آدَمِيٍّ) ، فَيَرُدُّهُ بِلَا عُنْفٍ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ

قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى إلَى جِدَارٍ اتَّخَذَهُ قِبْلَةً، وَنَحْنُ خَلْفَهُ، فَجَاءَتْ بَهِيمَةٌ تَمْرُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زَالَ يُدَارِيهَا حَتَّى لَصَقَ بَطْنُهُ بِالْجِدَارِ، فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ» . (مَا لَمْ يَغْلِبْهُ) الْمَارُّ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، أَوْ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ فَرَجَعَ، فَمَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَمَضَتْ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: هُنَّ أَغْلَبُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (أَوْ يَكُنْ الْمَارُّ مُحْتَاجًا) إلَى الْمُرُورِ لِضِيقِ الطَّرِيقِ، (أَوْ) يَكُنْ (بِمَكَّةَ) الْمُشَرَّفَةِ، فَلَا يَرُدُّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ نَصًّا. قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا، أَيْ: لِأَنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ بِهَا وَيَزْدَحِمُونَ، فَمَنْعُهُمْ تَضْيِيقٌ عَلَيْهِمْ «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِمَكَّةَ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ (وَأَلْحَقَ بِهَا) ، أَيْ: بِمَكَّةَ (الْمُوَفَّقُ سَائِرَ الْحَرَمِ) . قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالْحَرَمُ كَهِيَ لِمُشَارَكَتِهِ لَهَا فِي الْحُرْمَةِ (وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يَتَمَشَّى كَلَامُ الْمُوَفَّقِ (فِي زَمَنِ حَاجٍّ) لِكَثْرَةِ النَّاسِ وَاضْطِرَارِهِمْ إلَى الْمُرُورِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ، فَلَا حَاجَةَ لِلْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَطَافِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَإِنْ أَبَى الْمَارُّ) إلَّا الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي (دَفَعَهُ بِعُنْفٍ وَتُنْقَضُ

صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَرُدَّهُ) ، أَيْ: الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. (مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَى رَدِّهِ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " إنَّ مَمَرَّ الرَّجُلِ لَيَضَعُ نِصْفَ الصَّلَاةِ " وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ الرَّدُّ، أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّدُّ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُنْقِصُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا ذَنْبُ غَيْرِهِ. (فَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى إرَادَةِ الْمُرُورِ، وَلَمْ يَنْدَفِعْ بِالدَّفْعِ، (فَلَهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي: (قِتَالُهُ) لَا بِسَيْفٍ، وَلَا بِمَا يُهْلِكُهُ، (وَلَوْ مَشَى) لَهُ قَلِيلًا، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلِيَدْرَأْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» ، أَيْ: فِعْلُهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ، أَوْ: هُوَ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَعَهُ شَيْطَانٌ. (بِدَفْعٍ، وَوَكْزٍ بِيَدِهِ) ، وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَا يَضْمَنُهُ) لِفِعْلِهِ مَا هُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَدَمُهُ هَدَرٌ. (وَلَا يُكَرِّرُهُ) ، أَيْ: الدَّفْع (إنْ خَافَ فَسَادَهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إفْسَادِهَا. (وَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ التَّكْرَارُ الْمُؤَدِّي إلَى إفْسَادِ الصَّلَاةِ. (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ: يَضْمَنُ مُصَلٍّ مَارًّا بَيْنَ يَدَيْهِ إنْ قَتَلَهُ (إذَنْ) ، أَيْ: مَعَ تَكْرَارِ الدَّفْعِ، مَعَ خَوْفِ الْفَسَادِ، لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِيهِ حِينَئِذٍ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ بِدُونِهِ. (وَتُكْرَهُ صَلَاةٌ بِمَوْضِعٍ يُحْتَاجُ فِيهِ لِمُرُورٍ) ذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ. (وَلَهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (عَدُّ آيٍ، وَ) عَدُّ (تَسْبِيحٍ بِأَصَابِعِهِ) بِلَا كَرَاهَةٍ فِيهِمَا، لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْقِدُ الْآيَ بِأَصَابِعِهِ» رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ. وَعَدُّ التَّسْبِيحِ فِي مَعْنَى عَدِّ الْآيِ. (كَ) عَدِّ (تَكْبِيرِ عِيدٍ) وَصَلَاةِ اسْتِسْقَاءٍ، فَيُبَاحُ. (وَ) لِمُصَلٍّ (قِرَاءَةٌ بِمُصْحَفٍ، وَنَظَرٌ فِيهِ) ، أَيْ: الْمُصْحَفِ قَالَ

أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الْقِيَامَ، وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ قِيلَ لَهُ: الْفَرِيضَةُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهَا شَيْئًا. وَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ رَجُلٍ يَقْرَأُ فِي رَمَضَانَ فِي الْمُصْحَفِ، فَقَالَ: كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْمَصَاحِفِ. (وَ) لِمُصَلٍّ (سُؤَالُ) اللَّهِ الرَّحْمَةَ (عِنْدَ) قِرَاءَتِهِ أَوْ سَمَاعِهِ (آيَةَ رَحْمَةٍ، وَ) لَهُ (تَعَوُّذٌ) ، أَيْ: أَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ (عِنْدَ) مُرُورِهِ عَلَى (آيَةِ عَذَابٍ) لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، إلَى أَنْ قَالَ: إذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ، سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ؛ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ، تَعَوَّذَ» . مُخْتَصَرٌ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِخَيْرٍ فَاسْتَوَى فِيهِ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ. (وَ) لِمُصَلٍّ (قَوْلُ: سُبْحَانَك فَبَلَى) ، إذَا قَرَأَ: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] نَصًّا، فَرْضًا كَانَتْ، أَوْ نَفْلًا، لِلْخَبَرِ. وَأَمَّا {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8] ، فَفِي الْخَبَرِ فِيهَا نَظَرٌ ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَلَهُ رَدُّ سَلَامٍ إشَارَةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ» . حَدِيث أَنَسٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وأَبُو دَاوُد وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَإِنْ رَدَّهُ لَفْظًا؛ بَطَلَتْ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إشَارَةً، فَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ السَّلَامِ، فَحَسَنٌ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَلَا يَرُدُّهُ فِي نَفْسِهِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ بَعْدَهَا، «لِرَدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ السَّلَامِ» . (وَلَهُ) أَيْضًا (قَتْلُ حَيَّةٍ، وَعَقْرَبٍ، وَقَمْلَةٍ) ، «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةُ،

وَالْعَقْرَبُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَابْنُ عُمَرَ، وَأَنَسٌ، كَانَا يَقْتُلَانِ الْقَمْلَةَ فِيهَا. (وَيُبَاحُ) قَتْلُهَا، وَ (دَفْنُهَا بِمَسْجِدٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مُبَلَّطًا، لِأَنَّهُ لَا تَقْذِيرَ فِيهِ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ، وَفِي مَعْنَاهَا الْبُرْغُوثُ. (وَ) لَهُ أَيْضًا (لُبْسُ ثَوْبٍ وَعِمَامَةٍ) ، وَلَفُّهَا، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْتَحَفَ بِإِزَارِهِ فِي الصَّلَاةِ» . (وَ) لَهُ (إشَارَةٌ بِنَحْوِ يَدٍ، كَوَجْهٍ) ، وَعَيْنٍ، وَحَكِّ جَسَدِهِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (مَا لَمْ يُطِلْ) . قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، إلَى آخِرِهِ. وَلَا يَتَقَدَّرُ الْجَائِزُ مِنْهُ بِثَلَاثٍ، وَلَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ، بَلْ الْيَسِيرُ مَا عَدَّهُ الْعُرْفُ يَسِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ فِيهِ، فَيَرْجِعُ لِلْعُرْفِ كَالْحِرْزِ، وَالْقَبْضِ، «وَمَا شَابَهَ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَمْلِ أُمَامَةَ، وَفَتْحِهِ الْبَابَ لِعَائِشَةَ، وَتَأَخُّرِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَتَقَدُّمِهِ» فَهُوَ يَسِيرٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ. (وَ) لِمَأْمُومٍ (فَتْحٌ عَلَى إمَامِهِ) إذَا (أُرْتِجَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: أُلْبِسَ، وَأُغْلِقَ (عَلَيْهِ) تَقُولُ: أَرْتَجْتُ الْبَابَ إذَا أَغْلَقْتَهُ، (أَوْ غَلِطَ) فِي الْفَرْضِ، وَالنَّفَلِ. رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ لِحَدِيثِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةً، فَلُبِسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأُبَيٍّ: أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تُنَبِّهَ عَلَيْنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَكَالتَّنْبِيهِ بِالتَّسْبِيحِ، (وَيَجِبُ) فَتْحُهُ عَلَى إمَامِهِ إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ، أَوْ غَلِطَ (بِفَاتِحَةٍ،

كَنِسْيَانِ) إمَامِهِ (سَجْدَةً) ، فَيَلْزَمُهُ تَنْبِيهُهُ عَلَيْهَا، لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ عَلَيْهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ - صَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ - لِقُدْرَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ بِهَا، كَأُمِّيٍّ يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ. فَإِنْ كَانَ إمَامًا، فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ، وَإِنْ عَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ رُكْنٍ يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ، كَالرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ وَكَذَا لَوْ حُصِرَ عَنْ قَوْلٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ. (وَكُرِهَ) لِمُصَلٍّ (افْتِتَاحُهُ عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ) مُصَلِّيًا كَانَ الْمُرْتَجُّ عَلَيْهِ أَوْ لَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِيهَا. (وَإِذَا نَابَهُ) ، أَيْ: عَرَضَ (لَهُ شَيْءٌ) وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ (كَاسْتِئْذَانِ) إنْسَانٍ (عَلَيْهِ، أَوْ سَهْوِ إمَامِهِ) عَنْ وَاجِبٍ، أَوْ بِفِعْلٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، (سَبَّحَ رَجُلٌ، وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِالتَّسْبِيحِ (إنْ كَثُرَ) ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا لَوْ كَلَّمَهُ إنْسَانٌ بِشَيْءٍ فَسَبَّحَ لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ، أَوْ خَشِيَ عَلَى إنْسَانٍ الْوُقُوعَ فِي شَيْءٍ، وَأَنْ يُتْلِفَ شَيْئًا، فَسَبَّحَ بِهِ لِيَتْرُكَهُ، أَوْ تَرَكَ إمَامُهُ ذِكْرًا فَرَفَعَ صَوْتَهُ بِهِ لِيُذَكِّرَهُ، أَوْ نَحْوَهُ، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَلْتُسَبِّحْ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كُنْتُ إذَا اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ سَبَّحَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَذِنَ» . (وَصَفَّقَتْ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ أُخْرَى) ، لِمَا تَقَدَّمَ. وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ. (وَتَبْطُلُ بِهِ) ، أَيْ: التَّصْفِيقِ (إنْ كَثُرَ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، فَأَبْطَلَهَا كَثِيرُهُ، عَمْدًا كَانَ، أَوْ سَهْوًا. (وَكُرِهَ) تَنْبِيهُهُ (بِنَحْنَحَةٍ) ، لِلِاخْتِلَافِ فِي الْإِبْطَالِ بِهَا، وَهَذَا إذَا

لَمْ يَبِنْ حَرْفَانِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ. (وَ) كُرِهَ بِ (صَفِيرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] . وَالْمُكَاءُ: الصَّفِيرُ، وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ. (وَ) كُرِهَ (تَصْفِيقُهُ) لِتَنْبِيهٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِلْآيَةِ. (وَ) كُرِهَ (تَسْبِيحُهَا) لِلتَّنْبِيهِ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا أُمِرَتْ بِهِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ التَّنْبِيهُ (بِقِرَاءَةٍ، وَتَكْبِيرٍ، وَتَهْلِيلٍ، وَنَحْوِهِ) ، كَتَحْمِيدٍ، وَاسْتِغْفَارٍ، كَمَا لَوْ أَتَى بِهِ لِغَيْرِ تَنْبِيهٍ. (وَمَنْ بَدَرَهُ بُصَاقٌ، أَوْ مُخَاطٌ) وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، (أَوْ نُخَامَةٌ؛ أَزَالَهُ فِي ثَوْبِهِ) ، وَحَكَّ بَعْضَهُ بِبَعْضِ، إذْهَابًا لِصُورَتِهِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، لَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَزَقَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنْ الْبُصَاقِ فِيهِ. (وَيُبَاحُ) بُصَاقٌ وَنَحْوُهُ (بِغَيْرِ مَسْجِدٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَتَحْتَ قَدَمِهِ) . قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: الْيُسْرَى؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ. وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَإِكْرَامًا لِلْقَدَمِ الْيُمْنَى، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَتَقَدَّمَ. (وَ) بَصْقُهُ (فِي ثَوْبٍ أَوْلَى) إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ. (وَيُكْرَهُ) بَصْقُهُ وَنَحْوُهُ (يَمْنَةً وَأَمَامًا) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَلَزِمَ) مَنْ رَأَى نَحْوَ بُصَاقٍ فِي مَسْجِدٍ (حَتَّى غَيْرَ بَاصِقٍ، إزَالَتُهُ مِنْ مَسْجِدٍ) ، لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ: «وَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِنَا النُّخَامَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَالْبُصَاقُ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (خَطِيئَةٌ؛ فَيَأْثَمُ) لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَفَلَ تِجَاهَ الْقِبْلَةِ؛ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَتَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. (وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» . (قَالَ بَعْضُهُمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ. (فَإِنْ قَصَدَ الْبَاصِقُ) فِي الْمَسْجِدِ (الدَّفْنَ ابْتِدَاءً؛ فَلَا إثْمَ) عَلَيْهِ، أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ". (وَسُنَّ تَخْلِيقُ مَحَلِّ بُصَاقٍ) ، أَيْ: طَلْيِ مَحَلِّ الْبُصَاقِ وَنَحْوِهِ بِالْخَلُوقِ، وَهُوَ: نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَسُنَّ لِغَيْرِ مَأْمُومٍ صَلَاةٌ إلَى سُتْرَةٍ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (مُرْتَفِعَةٍ قَرِيبَ ذِرَاعٍ فَأَقَلَّ) ، وَلَوْ لَمْ يَخْشَ مَارًّا، أَيْ: حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالسُّتْرَةُ: مَا يُسْتَتَرُ بِهِ (مِنْ جِدَارٍ، أَوْ بَهِيمٍ) ، أَوْ شَيْءٍ شَاخِصٍ، كَحَرْبَةٍ وَنَحْوِهَا، يَعْرِضُهُ، وَيُصَلِّي إلَيْهِمْ. (أَوْ آدَمِيٍّ غَيْرِ كَافِرٍ) ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُ (وَ) يُسْتَحَبُّ (قُرْبُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (مِنْهَا) ، أَيْ: السُّتْرَةِ، (نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ قَدَمَيْهِ) لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَدْنُ مِنْهَا لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ السُّتْرَةِ مَمَرُّ الشَّاةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. «وَصَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْجِدَارُ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» ، وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِصَلَاتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ قَرُبَ مِنْ الْجِدَارِ، أَوْ السَّارِيَةِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِلَى شَيْءٍ شَاخِصٍ مِمَّا

سَبَقَ (وَ) يُسْتَحَبُّ (انْحِرَافُهُ عَنْهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (يَسِيرًا) ؛ «لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ، لَكِنْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. (وَيَحْرُمُ مُرُورٌ بَيْنَهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي، (وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ، وَلَوْ) كَانَتْ السُّتْرَةُ (بَعِيدَةً) مِنْ الْمُصَلِّي، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ، وَهُوَ يُصَلِّي» . (وَإِلَّا) تَكُنْ سُتْرَةٌ، فَيَحْرُمُ الْمُرُورُ (فِي) مِقْدَارِ (ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ يَدٍ مِنْ قَدَمِ مُصَلٍّ) ، لِمَا رَوَى أَبُو جَهْمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ يَقِفُ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» . قَالَ أَبُو النَّصْرِ - أَحَدُ رُوَاتِهِ -: لَا أَدْرِي، أَقَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً؟ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَيْسَ وُقُوفُهُ) بَيْنَ يَدَيْ مُصَلٍّ (كَمُرُورِهِ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ الْمُرُورِ لَا عَنْ الْوُقُوفِ. (وَعَرْضُ سُتْرَةٍ أَعْجَبُ إلَى) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) ، قَالَ: مَا كَانَ أَعْرَضَ فَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ. انْتَهَى. لِحَدِيثِ سَمُرَةَ: «اسْتَتِرُوا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فَقَوْلُهُ: وَلَوْ بِسَهْمٍ؛ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ، وَلَا حَدَّ لِغِلَظِهَا، فَقَدْ تَكُونُ غَلِيظَةً، كَالْحَائِطِ، أَوْ دَقِيقَةً، كَالسَّهْمِ وَرُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى مُصَلٍّ (غَرْزُ عَصًا؛ وَضَعَهَا) بَيْنَ يَدَيْهِ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ. (وَيَصِحُّ) تَسَتُّرٌ (وَلَوْ بِخَيْطٍ، أَوْ مَا يَعْتَقِدُهُ سُتْرَةً) ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَاضِعُ لَهَا الْمُصَلِّي، أَوْ غَيْرُهُ.

(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ صَلَّى لِشَاخِصٍ) بَيْنَ يَدَيْهِ؛ (صَحَّ) اعْتِبَارُ ذَلِكَ الشَّاخِصِ (سُتْرَةً بِلَا نِيَّةٍ) مِنْ الْمُصَلِّي، فَعَلَيْهِ: لَوْ مَرَّ مِنْ وَرَائِهِ حَيَوَانٌ؛ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صَلَاتِهِ، لَكِنْ قَوَاعِدُهُمْ تَأْبَاهُ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُصَلِّي شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ؛ (خَطَّ) خَطًّا. نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، وَلَا يَضُرُّ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ فِيهِ رَجُلًا مَجْهُولًا، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا وَصِفَتُهُ (كَالْهِلَالِ) لَا طُولًا، لَكِنْ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكَيْفَ مَا خَطَّ أَجْزَأَهُ. (فَإِذَا مَرَّ مِنْ وَرَائِهَا) ، أَيْ: السُّتْرَةِ (شَيْءٌ؛ لَمْ يُكْرَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لَهُ سُتْرَةٌ (فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) قَرِيبًا مِنْهُ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ (كَلْبٌ أَسْوَدُ بَهِيمٌ) ، أَيْ: لَا يُخَالِطُهُ لَوْنٌ آخَرُ؛ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ. وَكَذَا لَوْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ، وَلَوْ بَعِيدًا؛ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ؛

فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ، مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ، مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ يَا ابْن أَخِي، سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُمَا. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ (لَا) يَقْطَعُ الصَّلَاةَ (امْرَأَةٌ، وَحِمَارٌ أَهْلِيٌّ، وَشَيْطَانٌ) ، «لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ، فَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارَةٌ لَنَا، وَكَلْبَةٌ، يَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى بِذَلِكَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَيَرْوِيهِ مُجَاهِدٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. (وَتُجْزِئُ سُتْرَةٌ نَجِسَةٌ) صَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَ (لَا) تُجْزِئُ سُتْرَةٌ (مَغْصُوبَةٌ) ؛ فَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ إلَيْهَا، كَمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ إلَى الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهَا كَالْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ، وَسُتْرَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَذَلِكَ، قِيَاسًا عَلَى السُّتْرَةِ الْمَغْصُوبَةِ. (وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ) رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، سَوَاءٌ صَلَّوْا خَلْفَ الْإِمَامِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ، أَوْ قُدَّامَهُ حَيْثُ صَحَّتْ. وَمِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ مَرَّ الْكَلْبُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ، وَكَانَ لَا يَرَى بُطْلَانَ الصَّلَاةِ بِهِ، وَالْمَأْمُومُ يَرَاهُ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ صَحِيحَةً، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ سَتْرَ أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، أَوْ مَسْحَ جَمِيعِ رَأْسِهِ نَظَرًا إلَى اعْتِقَادِ الْإِمَامِ، (فَلَا يَضُرُّ صَلَاتَهُمْ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ (مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) لِمَا

رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «هَبَطْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ثَنِيَّةٍ إلَى أُخْرَى، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَعَمَدَ إلَى جِدَارٍ فَاِتَّخَذَهُ قِبْلَةً، وَنَحْنُ خَلْفَهُ، فَجَاءَتْهُ بَهِيمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زَالَ يُدَارِيهَا حَتَّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجِدَارِ، فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَلَوْلَا أَنَّ سُتْرَتَهُ سُتْرَةٌ لَهُمْ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مُرُورِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفِهِ فَرْقٌ. (وَإِنْ مَرَّ مَا يَقْطَعُهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةَ؛ وَهُوَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ (بَيْنَ إمَامٍ وَسُتْرَتِهِ؛ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَصَلَاتَهُمْ) ، لِأَنَّهُ مَرَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِمْ (وَهَلْ لَهُمْ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ (رَدُّ مَارٍّ) بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؟ (وَهَلْ يَأْثَمُ) الْمَارُّ، أَوْ لَا؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ: (مَالَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ " إلَى أَنَّ لَهُمْ رَدَّهُ، وَأَنَّهُ يَأْثَمُ، وَتَبِعَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ") . وَقَالَ صَاحِبُ " النَّظْمِ ": لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لِجَوَازِ مُرُورِ الْإِنْسَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ، فَيُحْتَمَلُ جَوَازُهُ اعْتِبَارًا بِسُتْرَةِ الْإِمَامِ لَهُ حُكْمًا، وَيُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِعَدَمِ الْإِبْطَالِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْجَمِيعِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمَأْمُومِينَ رَدُّهُ إنْ كَانَ مُرُورُهُ (فِي) مَمَرٍّ (قَرِيبٍ مِنْهُمْ) ، كَثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، فَمَا دُونَهَا، أَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ، أَوْ كَانَ الْمَمَرُّ بَيْنَ الصُّفُوفِ فَوْقَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُمْ رَدُّهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ بِمُرُورِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَفِي: " الْمُسْتَوْعِبِ ": إنْ احْتَاجَ لِمُرُورٍ أَلْقَى شَيْئًا، ثُمَّ مَرَّ) مِنْ وَرَائِهِ، لِيَكُونَ مُرُورُهُ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ، وَإِنْ وَجَدَ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ قَامَ فِيهَا إنْ كَانَتْ بِحِذَائِهِ فَإِنْ مَشَى إلَيْهَا عَرْضًا؛ كُرِهَ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ.

فصل تنقسم أفعال الصلاة وأقوالها إلى ثلاثة أقسام

[فَصْلٌ تَنْقَسِمُ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالُهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ] (فَصْلٌ) تَنْقَسِمُ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالُهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ: مَا لَا يَسْقُطُ عَمْدًا، وَلَا سَهْوًا، وَلَا جَهْلًا، وَهِيَ: الْأَرْكَانُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهَا، فَشُبِّهَتْ بِرُكْنِ الْبَيْتِ الَّذِي لَا يَقُومُ إلَّا بِهِ. وَبَعْضُهُمْ سَمَّاهَا فُرُوضًا، وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ. الثَّانِي: مَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا، وَيَسْقُطُ سَهْوًا، وَجَهْلًا، وَيُجْبَرُ بِالسُّجُودِ، وَسَمَّوْهُ وَاجِبًا اصْطِلَاحًا. الثَّالِثُ: مَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ وَلَوْ عَمْدًا، وَهُوَ السُّنَنُ. (أَرْكَانُ صَلَاةٍ، وَتُسَمَّى فُرُوضًا مَا كَانَ فِيهَا) احْتِرَازًا عَنْ الشُّرُوطِ، (وَلَا تَسْقُطَ عَمْدًا) ، خَرَجَ السُّنَنُ، (أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) ، خَرَجَ الْوَاجِبَاتُ (وَهِيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) ، رُكْنًا بِالِاسْتِقْرَاءِ: (أَحَدُهَا: قِيَامُ قَادِرٍ فِي فَرْضٍ) ، وَلَوْ عَلَى الْكِفَايَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] «وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» . إلَى آخِرِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَخُصَّ بِالْفَرْضِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا» . الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَالْقُدْرَةُ شَرْطٌ فِي الْجَمِيعِ) ، أَيْ: فِي جَمِيعِ الْأَرْكَانِ، (سِوَى خَائِفٍ بِهِ) ، أَيْ: بِالْقِيَامِ، كَمَنْ بِمَكَانٍ لَهُ حَائِطٌ يَسْتُرُهُ جَالِسًا لَا قَائِمًا، وَيَخَافُ بِقِيَامِهِ لِصًّا أَوْ عَدُوًّا، فَيُصَلِّي جَالِسًا لِلْعُذْرِ، (وَ) سِوَى (عُرْيَانٍ) لَا يَجِدُ سُتْرَةً؛ فَيُصَلِّي جَالِسًا نَدْبًا، وَيَنْضَمُّ (وَ) سِوَى مَرِيضٍ يُمْكِنُهُ قِيَامٌ، لَكِنْ لَا تُمْكِنُهُ مُدَاوَاتُهُ قَائِمًا، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقِيَامُ (لِمُدَاوَاةٍ) ، وَيُصَلِّي جَالِسًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ. (وَ) كَذَا يُعْفَى عَنْ قِيَامٍ

مَعَ (قِصَرِ سَقْفٍ لِعَاجِزٍ عَنْ خُرُوجٍ) لِحَبْسٍ وَنَحْوِهِ، بِمَكَانٍ قَصِيرِ السَّقْفِ. (وَ) كَذَا يُصَلِّي جَالِسًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ (خَلْفَ إمَامٍ حَيٍّ) أَيْ: رَاتِبٍ، (عَاجِزٍ) عَنْ الْقِيَامِ (بِشَرْطِهِ) ، وَهُوَ أَنْ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ، وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْجَمَاعَةِ. (وَحَدُّ قِيَامٍ: مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا) ، أَيْ: أَنْ لَا يَصِيرَ إلَى الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ، (فَلَا يَضُرُّ) فِي الْقِيَامِ (خَفْضُ رَأْسٍ) عَلَى هَيْئَةِ الْإِطْرَاقِ (وَانْحِنَاءٌ قَلِيلًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ يُسَمَّى قَائِمًا. (وَلَوْ وَقَفَ عَلَى إحْدَى رِجْلَيْهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ كُرِهَ، وَأَجْزَأَ) ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَكْثَرِ. (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ: الْقِيَامِ، (الِانْتِصَابُ بِقَدْرِ تَكْبِيرِ إحْرَامٍ، وَقِرَاءَةِ فَاتِحَةٍ) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَفِيمَا بَعْدَهَا بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ، وَبَدَلِهَا مِنْ الذِّكْرِ، وَقَفَ بِقَدْرِهَا. (وَقُعُودُ) ، أَوْ اضْطِجَاعُ (عَاجِزٍ) عَنْ الْقِيَامِ، أَوْ عَنْهُ وَعَنْ الْقُعُودِ رُكْنٌ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْقِيَامِ. (وَ) كَذَلِكَ الْقُعُودُ لِ (مُتَنَفِّلٍ رُكْنٌ فِي حَقِّهِ) لِقِيَامِ الْقُعُودِ مَقَامَ الرُّكْنِ. وَإِنْ أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ، فَالرُّكْنُ مِنْ الْقِيَامِ بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ. وَ (الثَّانِي: تَكْبِيرَةُ إحْرَامٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاعْدِلُوا صُفُوفَكُمْ، وَسَدِّدُوا الْفُرَجَ، وَإِذَا قَالَ إمَامُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقُولُوا: اللَّهُ أَكْبَرُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِهَا. وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . (وَمَرَّ) ذِكْرُ (شُرُوطِهَا) فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ بَعْدَ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ بِشَرْطٍ بَلْ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ، لِحَدِيثِ: «إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَ (الثَّالِثُ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، أَوْ) قِرَاءَةُ (مَا قَامَ مَقَامَهَا) مِنْ الذِّكْرِ (لِعَاجِزٍ عَنْهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِإِمَامٍ، وَمُنْفَرِدٍ) لِحَدِيثِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ

لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ لِلْخَبَرِ. قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ إنَّمَا تَقُومُ عَنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ، إذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةً، احْتِرَازًا عَنْ الْإِمَامِ إذَا كَانَ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا، وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ. وَقُلْنَا بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَتَكُونُ قِرَاءَتُهُ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُومِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": لَكِنْ لَمْ أَجِدْ مِنْ أَعْيَانِ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ مَنْ اسْتَثْنَاهُ، نَعَمْ وَجَدْتُهُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى. وَقَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَشْيَاخِ وَالْأَخْبَارِ خِلَافُهُ، لِلْمَشَقَّةِ. (الرَّابِعُ: الرُّكُوعُ، وَهُوَ فَرْضٌ بِإِجْمَاعِ) الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا} [الحج: 77] ، وَحَدِيثِ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ؛ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسَمَّاةَ فِي الْحَدِيثِ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ، فَإِنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ، لَسَقَطَتْ عَنْ الْأَعْرَابِيِّ لِجَهْلِهِ بِهَا. وَ (الْخَامِسُ: الرَّفْعُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الرُّكُوعِ لِلْخَبَرِ، (لَا مَا) ، أَيْ: رُكُوعًا (بَعْدَ) رُكُوعٍ، (أَوَّلٍ مِنْهُمَا) ، أَيْ: مِنْ الرُّكُوعَيْنِ (فِي

صَلَاةِ كُسُوفٍ) ، فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَكَذَا الرَّفْعُ مِنْهُ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ، وَلَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ: لَا مَا بَعْدَ إلَى آخِرِهِ، حَتَّى يَذْكُرُ الِاعْتِدَالَ، لَكَانَ أَوْلَى، لِأَنَّ الرَّفْعَ، وَالِاعْتِدَالَ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ رُكْنٌ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَيْضًا، وَغَيْرُهُ سُنَّةٌ. (وَإِذَا رَفَعَ) مِنْ الرُّكُوعِ، (وَشَكَّ: هَلْ أَتَى مِنْهُ بِقَدْرِ إجْزَاءِ، أَمْ لَا؟ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ، فَيَرْكَعَ حَتَّى يَطْمَئِنَّ،) لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ. وَ (السَّادِسُ: الِاعْتِدَالُ) بَعْدَ الرُّكُوعِ الرُّكْنِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» . (وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٌ) قَوِيٌّ (وَأَقَلُّهُ) أَيْ: الِاعْتِدَالِ (عَوْدُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (لِهَيْئَتِهِ الْمُجْزِئَةَ) أَيْ: الَّتِي تُجْزِئُهُ مِنْ الْقِيَامِ (قَبْلَ رُكُوعٍ) فَلَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُ مُنْحَنِيًا يَسِيرًا حَالَ اعْتِدَالِهِ، وَاطْمِئْنَانِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ قَائِمًا. وَتَقَدَّمَ أَنَّ حَدَّ الْقِيَامِ مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا، وَالْكَمَالُ مِنْهُ الِاسْتِقَامَةُ حَتَّى يَعُودَ كُلُّ عُضْوٍ إلَى مَحَلِّهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِطُولِ اعْتِدَالٍ) . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ الْأَنْمَاطِيُّ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُطِيلُ الِاعْتِدَالَ، وَالْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَوَّلَهُ قَرِيبَ قِيَامِهِ، وَرُكُوعِهِ» . (وَيَتَّجِهُ الْمُرَادُ بِطُولِهِ) ، أَيْ: الْقِيَامِ (نَحْوُ قُرْبِ قِيَامِهِ) ، أَيْ: وَرُكُوعِهِ فَقَطْ، (لَا مُطْلَقًا) ، أَيْ: فَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَأَدْخَلَ فِي " الْإِقْنَاعِ " الرَّفْعَ فِي الِاعْتِدَالِ) لِاسْتِلْزَامِهِ لَهُ (السَّابِعُ: السُّجُودُ) إجْمَاعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْجُدُوا} [الحج: 77] لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ، وَتَقَدَّمَ. (وَمَرَّ أَكْمَلُهُ، وَأَقَلُّهُ، مَعَ ذِكْرِ رُكُوعٍ) فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ. وَ (الثَّامِنُ: الرَّفْعُ مِنْهُ) ، أَيْ: السُّجُودِ. وَ (التَّاسِعُ: الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا» . (وَشُرِطَ فِي نَحْوِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَرَفْعٍ مِنْهُمَا: أَنْ لَا يَقْصِدَ غَيْرَهُ) . فَلَوْ رَكَعَ، أَوْ سَجَدَ أَوْ رَفَعَ خَوْفًا مِنْ شَيْءٍ، لَمْ يُجْزِئُهُ. وَ (لَا) يُشْتَرَطُ (أَنْ يَقْصِدَهُ) ، أَيْ: الْمَذْكُورَ، مِنْ نَحْوِ رُكُوعٍ إلَى آخِرِهِ، (اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمُسْتَصْحَبِ حُكْمُهَا) بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ ذَلِكَ وُجُوبًا.

وَ (الْعَاشِرُ: الطُّمَأْنِينَةُ فِي كُلِّ رُكْنٍ فِعْلِيٍّ) مِنْ الرُّكُوعِ، وَالِاعْتِدَالِ عَنْهُ، وَالسُّجُودِ، وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ، وَلَا سُجُودَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مِتَّ؛ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَهِيَ) أَيْ: الطُّمَأْنِينَةُ: (السُّكُونُ وَإِنْ قَلَّ) . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: اطْمَأَنَّ الرَّجُلُ اطْمِئْنَانًا، وَطُمَأْنِينَةً، أَيْ: سَكَنَ. (وَمَا فِيهِ) ذِكْرٌ (وَاجِبٌ) وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا زَادَ عَنْ هَذَا السُّكُونِ، كَذِكْرٍ وَاجِبٍ مِنْ عَالِمِ ذَلِكَ، فَوَاجِبٌ. وَلَا يَبْعُدُ اجْتِمَاعُ الرُّكْنِ وَالْوَاجِبِ، كَمَا لَا يَبْعُدُ اجْتِمَاعُ أَحَدِهِمَا، أَوْ مَعَ مَسْنُونٍ. (فَ) الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ (بِقَدْرِ إتْيَانِهِ) بِهِ (لِذَاكِرٍ) إذَا ذَكَرَهُ قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ ": وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ لِذَاكِرِهِ، وَلِنَاسِيهِ بِقَدْرِ أَدْنَى سُكُونِهِ. وَكَذَا لِمَأْمُومٍ بَعْدَ انْتِصَابِهِ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ فِيهِ. قَالَ شَارِحُهُ: هَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَمْ أَجِدْهَا فِي " الْفُرُوعِ " وَلَا " الْمُبْدِعِ " وَلَا " الْإِنْصَافِ " وَلَا غَيْرِهَا، مِمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، وَفِيهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ لَا يَخْتَلِفُ بِالذَّاكِرِ وَالنَّاسِي، بَلْ فِي كَلَامِ " الْإِنْصَافِ " مَا يُخَالِفُهَا، فَإِنَّهُ حَكَى فِي الطُّمَأْنِينَةِ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هِيَ السُّكُونُ وَإِنْ قَلَّ، وَقَالَ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي: بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ ": وَتَبِعَهُ فِي " الْحَاوِي الْكَبِيرِ " وَهُوَ الْأَقْوَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ. ثُمَّ قَالَ

فِي " الْإِنْصَافِ ": وَفَائِدَةُ الْوَجْهَيْنِ: إذَا نَسِيَ التَّسْبِيحَ فِي رُكُوعِهِ، أَوْ سُجُودِهِ، أَوْ التَّحْمِيدَ فِي اعْتِدَالِهِ، وَسُؤَالَ الْمَغْفِرَةِ فِي جُلُوسِهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ لِعُجْمَةٍ أَوْ خَرَسٍ، أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ، وَقُلْنَا هُوَ سُنَّةٌ، وَاطْمَأَنَّ قَدْرًا لَا يَتَّسِعُ لَهُ؛ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَلَا تَصِحُّ عَلَى الثَّانِي وَ (الْحَادِيَ عَشَرَ: التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ) لِحَدِيثِ: «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» الْخَبَرَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ: " لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إلَّا بِتَشَهُّدٍ " رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ. (بَعْدَ) الْإِتْيَانِ بِ (أَقَلِّ مُجْزِئٍ مِنْ) التَّشَهُّدِ (الْأَوَّلِ) ، وَتَقَدَّمَ. (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) فَقَطْ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَ (الثَّانِي عَشَرَ: الْجُلُوسُ لَهُ) ، أَيْ: التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، (وَ) الْجُلُوسُ (لِلتَّسْلِيمَتَيْنِ) «لِمُدَاوَمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجُلُوسِ لِذَلِكَ وَقَوْلِهِ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . (قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فَإِنْ زَحَمَ) مُصَلٍّ (عَنْ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ، أَتَى بِهِ) . أَيْ: بِالتَّشَهُّدِ (قَائِمًا، وَأَجْزَأَهُ) إتْيَانُهُ بِهِ قَائِمًا لِلْعَجْزِ، عَنْ الْقُعُودِ (وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يُجْزِئُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ قَائِمًا، إنْ زَحَمَ (فِي تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ) ، لَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ الثَّانِي رُكْنٌ، بِخِلَافِهِ لِلْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الرُّكْنِ، فَلَا يُعْطَى حُكْمَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

و (الثَّالِثَ عَشَرَ: التَّسْلِيمَتَانِ) لِحَدِيثِ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْتِمُ صَلَاتَهُ بِالتَّسْلِيمِ» ، وَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَلِأَنَّهُمَا نُطْقٌ مَشْرُوعٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا، فَكَانَ رُكْنًا كَالطَّرَفِ الْآخَرِ. (فَلَا يَخْرُجُ مِنْ) صَلَاةِ (فَرْضٍ) . (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ نَذْرًا) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (إلَّا بِهِمَا) ، أَيْ: التَّسْلِيمَتَيْنِ، (سِوَى) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ) ، وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ، وَشُكْرٍ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَأْتِي (وَيَخْرُجُ مِنْ نَفْلٍ بِ) تَسْلِيمَةٍ (وَاحِدَةٍ، وَ) التَّسْلِيمَةُ (الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ) ، وَيَأْتِي. قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ النَّفْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ الْقَاضِي: الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ فِي الْجِنَازَةِ، وَالنَّافِلَةِ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ

فرع اعتقد مصل الأركان المذكورة سنة وأدى الصلاة بهذا الاعتقاد

وَظَاهِرُ " الْمُنْتَهَى ": أَنَّ النَّفَلَ كَالْفَرْضِ. وَكَانَ عَلَى الْمُصَنَّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى خِلَافِهِ. وَ (الرَّابِعَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ كَمَا ذَكَرْنَا) هُنَا، وَفِي صِفَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّيهَا مُرَتَّبَةً، وَعَلَّمَهَا لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ مُرَتَّبًا بِثُمَّ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ فِيهَا رُكْنًا كَغَيْرِهِ. (فَمَنْ سَجَدَ مَثَلًا قَبْلَ رُكُوعٍ عَمْدًا، بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِإِخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ (وَسَهْوًا يَرْجِعُ) وُجُوبًا، (لِيَرْكَعَ ثُمَّ يَسْجُدَ) لِيَأْتِيَ بِالتَّرْتِيبِ عَلَى وَجْهِهِ. [فَرْعٌ اعْتَقَدَ مُصَلٍّ الْأَرْكَانَ الْمَذْكُورَةَ سُنَّةً وَأَدَّى الصَّلَاةَ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ] (فَرْعٌ: لَوْ اعْتَقَدَ مُصَلٍّ هَذِهِ الْأَرْكَانَ) الْمَذْكُورَةَ (سُنَّةً) ، وَأَدَّى الصَّلَاةَ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، (أَوْ اعْتَقَدَ السُّنَّةَ فَرْضًا) فَصَحِيحَةٌ أَيْضًا (أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا) مَسْنُونًا، وَلَا وَاجِبًا، وَلَا غَيْرَهُ، (وَأَدَّاهَا عَالِمًا أَنْ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الصَّلَاةِ، فَ) صَلَاتُهُ (صَحِيحَةٌ) . وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْرِفْ الشَّرْطَ مِنْ الرُّكْنِ، وَالْفَرْضَ مِنْ السُّنَّةِ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَرَدُّ الْمَجْدُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَحِّحْ الِائْتِمَامَ بِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ نَفْلٌ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ، مَعَ شِدَّةِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ الْفَرْضُ وَالسُّنَّةُ، وَلِأَنَّ اعْتِقَادَ الْفَرْضِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ يُؤَثِّرُ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، لَا تَفَاصِيلِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ صَلَّى يَعْتَقِدُ الصَّلَاةَ فَرِيضَةً يَأْتِي بِأَفْعَالٍ تَصِحُّ مِنْهَا بَعْضُهَا فَرْضٌ، وَبَعْضُهَا نَفْلٌ، وَهُوَ يَجْهَلُ مِنْ السُّنَّةِ، أَوْ يَعْتَقِدُ فَرْضًا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا. قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَيَتَّجِهُ: وَعَلَى قِيَاسِهِ) ، أَيْ: قِيَاسِ فِعْلِ الصَّلَاةِ، (نَحْوَ وُضُوءٍ) : كَغُسْلٍ، وَتَيَمُّمٍ، وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ، فَعَلَهَا مُعْتَقِدًا أَرْكَانَهَا فُرُوضًا، أَوْ سُنَنًا أَوْ فَعَلَهَا، وَلَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا، فَعِبَادَتُهُ صَحِيحَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ، اكْتِفَاءً بِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

فصل الضرب الثاني من أقوال الصلاة وأفعالها وواجباتها

[فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا وَوَاجِبَاتُهَا] (فَصْلٌ) (وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ، وَأَفْعَالِهَا (وَاجِبَاتُهَا) ، وَهِيَ: (مَا كَانَ فِيهَا) خَرَجَ الشُّرُوطُ. (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَرْكِهَا عَمْدًا) خَرَجَ السُّنَنُ. (وَتَسْقُطُ سَهْوًا وَجَهْلًا) خَرَجَ الْأَرْكَانُ. (وَيَجِبُ السُّجُودُ لِذَلِكَ) ، أَيْ: لِتَرْكِهَا. (وَهِيَ) ثَمَانِيَةٌ: الْأَوَّلُ: (تَكْبِيرٌ بَعْدَ إحْرَامٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: «فَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ وَرَكَعَ، فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ، فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ. وَهَذَا أَمْرٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. (سِوَى تَكْبِيرَةِ رُكُوعٍ مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا) ، فَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ، ثُمَّ رَكَعَ مَعَهُ، فَإِنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ، وَتَكْبِيرَةِ (الرُّكُوعِ سُنَّةٌ) ، لِلِاجْتِزَاءِ عَنْهَا بِتَكْبِيرَةٍ الْإِحْرَامِ. (فَإِنْ نَوَاهَا) ، أَيْ: تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ (مَعَ تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ. (وَ) الثَّانِي: (تَسْمِيعٌ) ، أَيْ: قَوْلُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ لَا لِمَأْمُومٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَأْتِي بِهِ، وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . (وَ) الثَّالِثُ (تَحْمِيدٌ) ، أَيْ: قَوْلُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، لِإِمَامٍ وَمَأْمُومٍ، وَمُنْفَرِدٍ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» . (وَ) الرَّابِعُ: (تَسْبِيحَةٌ أُولَى فِي رُكُوعٍ) . (وَ) الْخَامِسُ: تَسْبِيحَةٌ أُولَى فِي (سُجُودٍ) ، وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ. (وَ) السَّادِسُ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي) إذَا جَلَسَ (بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) مَرَّةً

(لِلْكُلِّ) ، أَيْ: الْإِمَام وَالْمَأْمُومِ، وَالْمُنْفَرِدِ، لِثُبُوتِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . (وَمَحَلُّ تَكْبِيرِ) الِانْتِقَالِ، وَالتَّسْمِيعِ وَكَذَا، التَّحْمِيدُ لِمَأْمُومٍ (بَيْنَ ابْتِدَاءِ انْتِقَالٍ وَانْتِهَائِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَهُ، فَاخْتَصَّ بِهِ. (فَلَوْ) كَمَّلَهُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَحَلِّهِ، وَإِنْ (شَرَعَ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَذْكُورِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الِانْتِقَالِ، بِأَنْ كَبَّرَ لِسُجُودٍ قَبْلَ هَوِيِّهِ إلَيْهِ، أَوْ سَمَّعَ قَبْلَ رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعٍ، لَمْ يُجْزِئُهُ، (أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَ) انْتِهَائِهِ، كَأَنْ أَتَمَّ تَكْبِيرَ الرُّكُوعِ فِيهِ، (لَمْ يُجْزِئُهُ) ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. وَكَذَا لَوْ شَرَعَ فِي تَسْبِيحِ رُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ قَبْلَهُ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ. وَكَذَا سُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ لَوْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْجُلُوسِ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ، وَكَذَا تَحْمِيدُ إمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ لَوْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ، أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَ هَوِيِّهِ مِنْهُ، (كَتَكْمِيلِهِ وَاجِبَ قِرَاءَةٍ رَاكِعًا، أَوْ شُرُوعِهِ فِي تَشَهُّدٍ قَبْلَ قُعُودٍ) لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، أَوْ الْأَخِيرِ، لَمْ يُجْزِئْهُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَ) السَّابِعُ: (تَشَهُّدٌ أَوَّلٌ) لِمُدَاوَمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فِعْلِهِ، وَأَمْرِهِ بِهِ. وَسُجُودِهِ لِلسَّهْوِ حِينَ نَسِيَهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، لِسُقُوطِهَا بِالسَّهْوِ، وَانْجِبَارِهَا بِالسُّجُودِ، كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ (وَ) الثَّامِنُ (جُلُوسٌ لَهُ) ، أَيْ: لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (عَلَى غَيْرِ مَنْ قَامَ إمَامُهُ سَهْوًا، وَلَمْ يُنَبَّهْ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، فَيُتَابِعُهُ وُجُوبًا، وَيَسْقُطُ عَنْهُ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. (وَالْمُجْزِئُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ: (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ تَرَكَ حَرْفًا مِنْ ذَلِكَ

فصل من أقوال الصلاة وأفعالها سننها

عَمْدًا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ الْأَحَادِيثِ. (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا لِشَكٍّ فِي وُجُوبِهِ) ، بِأَنْ تَرَدَّدَ: أَوَاجِبٌ أَوْ لَا؟ (لَمْ يَسْقُطْ) وُجُوبُهُ، (وَأَعَادَ، لِأَنَّهُ بِتَرَدُّدِهِ فِي وُجُوبِهِ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ احْتِيَاطًا) كَمَنْ تَرَدَّدَ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، فَلَمْ يَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ (بِخِلَافِ مَنْ جَهِلَهُ) ، أَيْ: جَهِلَ حُكْمَهُ، بِأَنْ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنَّ عَالِمًا قَالَ بِوُجُوبِهِ، فَهُوَ كَالسَّاهِي، فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إنْ عَلِمَ قَبْلَ فَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ. [فَصْلٌ مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا سُنَنُهَا] (فَصْلٌ) (وَ) الثَّالِثُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ، وَأَفْعَالِهَا: (سُنَنُهَا) ، وَهِيَ: (مَا كَانَ فِيهَا مِمَّا سِوَى رُكْنٍ، وَوَاجِبٍ وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَرْكِهَا وَلَوْ عَمْدًا) بِخِلَافِ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ. (وَيُبَاحُ سُجُودٌ لِسَهْوِهِ) ، أَيْ: تَرْكِهِ سَهْوًا، فَلَا يَجِبُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ. (وَهِيَ) ، أَيْ: السُّنَنُ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: (قَوْلِيَّةٌ: كَاسْتِفْتَاحٍ، وَتَعَوُّذٍ) قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَى، (وَقِرَاءَةِ بَسْمَلَةٍ) فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَكُلِّ سُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (وَ) قِرَاءَةِ (سُورَةٍ فِي نَحْوِ فَجْرٍ وَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ، وَأُولَتَيْ مَغْرِبٍ، وَرُبَاعِيَّةٍ، وَكُلِّ تَطَوُّعٍ وَتَأْمِينٍ، وَقَوْلِ: مِلْءُ السَّمَاءِ إلَى آخِرِهِ، بَعْدَ تَحْمِيدٍ لِغَيْرِ مَأْمُومٍ) . وَأَمَّا الْمَأْمُومُ، فَلَا يَزِدْ عَلَى رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. (وَمَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ فِي تَسْبِيحِ) رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، (وَ) مَا زَادَ عَلَى مَرَّةٍ فِي (سُؤَالِ مَغْفِرَةٍ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، (وَدُعَاءٍ فِي تَشَهُّدٍ أَخِيرٍ، وَقُنُوتٍ) فِي (وِتْرٍ، وَمَا زَادَ عَلَى مُجْزِئٍ مِنْ تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ، أَوْ أَخِيرٍ) . (وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي: (فِعْلِيَّةٌ، وَتُسَمَّى) هَذِهِ السُّنَنُ: (هَيْئَةً) ،

لِأَنَّ الْهَيْئَةَ صِفَةٌ فِي غَيْرِهَا (كَجَهْرٍ) فِي مَحَلِّهِ (وَإِخْفَاتٍ وَتَرْتِيلِ قِرَاءَةٍ، وَتَخْفِيفِ صَلَاةِ) الْإِمَامِ، لِلْخَبَرِ (وَتَطْوِيلِ) الرَّكْعَةِ الْأُولَى، (وَتَقْصِيرِ) الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، (وَرَفْعِ يَدَيْنِ وَكَوْنِهِمَا مَكْشُوفَتَيْنِ) ، مَبْسُوطَتَيْنِ، (مَضْمُومَتَيْ أَصَابِعَ) ، مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ بِبُطُونِهِمَا إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ (عِنْدَ إحْرَامٍ وَ) عِنْدَ (رُكُوعٍ وَ) عِنْدَ (رَفْعٍ مِنْهُ) ، أَيْ: الرُّكُوعِ (وَحَطِّهِمَا) ، أَيْ: الْيَدَيْنِ (بَعْدَ ذَلِكَ) ، أَيْ: عَقِبَ الْفَرَاغِ مِنْ الْإِحْرَامِ، أَوْ الرُّكُوعِ، أَوْ الرَّفْعِ مِنْهُ. (وَوَضْعِ يَمِينٍ عَلَى شِمَالٍ تَحْتَ سُرَّةٍ، وَنَظَرٍ لِمَوْضِعِ سُجُودٍ) فِي غَيْرِ صَلَاةِ خَوْفٍ، (وَقَبْضِ رُكْبَتَيْنِ بِيَدَيْنِ مُفَرَّجَتَيْ أَصَابِعَ) فِي رُكُوعٍ، (وَمَدِّ ظَهْرٍ) مُسْتَوِيًا، (وَجَعْلِ رَأْسٍ حِيَالَهُ) ، فَلَا يَخْفِضُهُ، وَلَا يَرْفَعُهُ. (وَمُجَافَاةِ عَضُدَيْنِ) فِي رُكُوعٍ (عَنْ جَنْبَيْنِ، وَبُدَاءَةٍ بِوَضْعِ رُكْبَتَيْنِ فَيَدَيْنِ، فَجَبْهَةٍ فَأَنْفٍ، وَتَمْكِينِ جَبْهَةٍ وَأَنْفٍ مِنْ مَحَلِّ سُجُودٍ، وَمُجَافَاةِ عَضُدَيْنِ عَنْ جَنْبَيْنِ، وَبَطْنٍ عَنْ فَخِذَيْنِ وَفَخِذَيْنِ عَنْ سَاقَيْنِ، وَتَفْرِيقٍ بَيْنَ رُكْبَتَيْنِ، وَإِقَامَةِ قَدَمَيْنِ، وَجَعْلِ بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا عَلَى أَرْضٍ) مُفَرَّقَةٍ فِي السُّجُودِ، وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالتَّشَهُّدِ عَلَى مَا سَبَقَ. (وَوَضْعِ يَدَيْنِ حَذْوَ مَنْكِبَيْنِ مَبْسُوطَتَيْنِ) ، أَيْ: أَصَابِعِهِمَا حَالَ السُّجُودِ، (وَتَوْجِيهِ أَصَابِعِ) يَدَيْهِ (لِقِبْلَةٍ مَضْمُومَةٍ، وَمُبَاشَرَةِ مُصَلٍّ بِأَعْضَاءِ سُجُودٍ) بِأَنْ لَا يَجْعَلَ حَائِلًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُصَلَّاهُ، (وَقِيَامٍ لِرَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْنِ) ، وَكَذَا إلَى الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، (وَاعْتِمَادٍ) بِيَدَيْنِ (عَلَى رُكْبَتَيْنِ فِي قِيَامٍ) إلَّا إنْ شُقَّ، فَبِالْأَرْضِ. (وَافْتِرَاشٍ فِي جُلُوسٍ بَيْنَ سَجْدَتَيْنِ، وَ) افْتِرَاشٍ (فِي تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ، وَتَوَرُّكٍ) بِتَشَهُّدٍ (ثَانٍ، وَوَضْعِ يَدٍ يُمْنَى عَلَى فَخِذٍ يُمْنَى، وَ) يَدٍ (يُسْرَى عَلَى) فَخِذٍ (يُسْرَى عَلَى صِفَةِ مَا مَرَّ) ، أَيْ: مَبْسُوطَتَيْنِ، مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ، مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا الْقِبْلَةَ، (فِيهِمَا) ، أَيْ:

باب سجود السهو

بَيْنَ سَجْدَتَيْنِ، وَتَشَهُّدٍ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ قَبْضُ خِنْصَرِ وَبِنَصْرِ الْيُمْنَى، وَتَحْلِيقُ إبْهَامِهَا مَعَ الْوُسْطَى، (وَإِشَارَةٍ بِسَبَّابَةٍ) عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، (وَإِشَارَةٍ بِوَجْهٍ لِقِبْلَةٍ فِي ابْتِدَاءِ سَلَامٍ، وَالْتِفَاتٍ يَمِينًا، فَشِمَالًا فِيهِ) ، أَيْ: فِي السَّلَامِ، (وَتَفْضِيلِ يَمِينٍ عَلَى شِمَالٍ فِي الْتِفَاتٍ) ، وَنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ، وَتَقَدَّمَ دَلِيلُ كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. (وَسُنَّ خُشُوعٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] . (وَهُوَ) ، أَيْ: الْخُشُوعُ: (حُضُورُ الْقَلْبِ، وَسُكُونُ الْجَوَارِحِ) وَفِي الْإِقْنَاعِ ": هُوَ مَعْنًى يَقُومُ فِي النَّفْسِ. يَظْهَرُ مِنْهُ سُكُونُ الْأَطْرَافِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُشُوعُ: الْخُضُوعُ، وَالْإِخْبَاتُ: الْخُشُوعُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] ، أَيْ: خَائِفُونَ مِنْ اللَّهِ، مُتَذَلِّلُونَ لَهُ، مُلْزِمُونَ أَبْصَارِهِمْ مَسَاجِدَهُمْ. [بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ] (بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ) قَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ سَهَا عَنْ الشَّيْءِ سَهْوًا: ذَهَلَ وَغَفَلَ قَلْبُهُ عَنْهُ حَتَّى زَالَ عَنْهُ، فَلَمْ يَتَذَكَّرْهُ. وَفَرَّقُوا بَيْنَ السَّاهِي وَالنَّاسِي: أَنَّ النَّاسِيَ إذَا ذَكَّرْتَهُ تَذَكَّرَ، بِخِلَافِ السَّاهِي انْتَهَى. وَفِي النِّهَايَةِ: السَّهْوُ فِي الشَّيْءِ: تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَالسَّهْوُ عَنْ الشَّيْءِ تَرْكُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ. انْتَهَى. وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ الَّذِي وَقَعَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ مَا مَرَّةٍ، وَالسَّهْوِ عَنْ الصَّلَاةِ الَّذِي ذُمَّ فَاعِلُهُ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ. وَلَا مِرْيَةَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: نَحْفَظُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةَ أَشْيَاءَ، «سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ

سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ، وَفِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَقَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ» . وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْخَمْسُ، يَعْنِي: حَدِيثَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ بُحَيْنَةَ. (سَبَبُهُ) ، أَيْ: السَّهْوِ: (زِيَادَةٌ) فِي الصَّلَاةِ، (أَوْ نَقْصٌ) مِنْهَا سَهْوًا، (أَوْ لَحْنٌ مُحِيلٌ) لِلْمَعْنَى، (أَوْ شَكٌّ فِي الْجُمْلَةِ) ، أَيْ: فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ، فَلَا يُشْرَعُ لِكُلِّ شَكٍّ وَلَا لِكُلِّ زِيَادَةٍ، أَوْ نَقْصٍ، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ. وَ (لَا) يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ (إذَا كَثُرَ) الشَّكُّ، (حَتَّى صَارَ كَوِسْوَاسٍ، فَيَطْرَحُهُ وَكَذَا) لَوْ كَثُرَ الشَّكُّ (فِي وُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ) ، وَتَيَمُّمٍ، فَيَطْرَحُهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُكَابَرَةِ، فَيُفْضِي إلَى زِيَادَةٍ فِي الصَّلَاةِ مَعَ تَيَقُّنِ إتْمَامِهَا، فَوَجَبَ إطْرَاحُهُ، وَاللَّهْوُ عَنْهُ لِذَلِكَ. (وَهُوَ) ، أَيْ: سُجُودُ السَّهْوِ (مَشْرُوعٌ بِنَفْلٍ وَفَرْضٍ) ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَلِأَنَّ النَّفَلَ صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، أَشْبَهَ الْفَرِيضَةَ. (سِوَى) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ) ، فَلَا سُجُودَ لِسَهْوٍ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا، فَفِي جَبْرِهَا أَوْلَى. (وَ) سِوَى (سُجُودِ تِلَاوَةٍ، وَ) سُجُودِ (شُكْرٍ) ، لِئَلَّا يَلْزَمُ زِيَادَةُ الْجَابِرِ عَلَى الْأَصْلِ. (وَ) سِوَى سُجُودِ (سَهْوٍ) ، كَمَا لَوْ سَهَا فِي سَجْدَتَيْهِ. حَكَاهُ إِسْحَاقُ إجْمَاعًا، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّسَلْسُلِ. وَكَذَا لَوْ سَهَا بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ، لَمْ يَسْجُدْ لِذَلِكَ. (وَكَذَا) لَا سُجُودَ لِسَهْوٍ فِي (صَلَاةِ خَوْفٍ قَالَهُ فِي الْفَائِقِ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. (وَهُوَ) أَيْ: سُجُودُ السَّهْوِ (إمَّا مُبَاحٌ، كَتَرْكِ سُنَّةٍ) قَوْلِيَّةٍ، كَاقْتِصَارِهِ عَلَى مَرَّةٍ فِي التَّسْبِيحِ، أَوْ فِعْلِيَّةٍ كَالْهَيْئَاتِ، (أَوْ

مَسْنُونٌ، كَإِتْيَانِ) مُصَلٍّ (بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، سَهْوًا كَقِرَاءَتِهِ سُورَةً فِي) الرَّكْعَتَيْنِ (الْأَخِيرَتَيْنِ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، أَوْ فِي ثَالِثَةِ مَغْرِبٍ، (أَوْ) قِرَاءَتِهِ (قَاعِدًا) أَوْ رَاكِعًا، (أَوْ سَاجِدًا، وَتَشَهُّدِهِ قَائِمًا) لِعُمُومِ: «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَكَالسَّلَامِ مِنْ نُقْصَانٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا كَ: آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا؛ لَمْ يُشْرَعْ لَهُ سُجُودٌ؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى» . (أَوْ وَاجِبٌ فِيمَا إذَا زَادَ سَهْوًا فِعْلًا، وَإِنْ قَلَّ، مِنْ جِنْسِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (قِيَامًا أَوْ قُعُودًا، رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا) وَلَوْ قَدْرَ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، فَيُسْجَدُ لَهُ وُجُوبًا؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَإِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (أَوْ تَرَكَ وَاجِبًا) سَهْوًا (أَوْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ) صَلَاتِهِ (أَوْ لَحَنَ) فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ السُّورَةِ (لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) ؛ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، لِيَنْجَبِرَ النَّقْصُ. (أَوْ شَكَّ فِي زِيَادَةِ وَقْتِ فِعْلِهَا) ، بِأَنْ شَكَّ فِي الْأَخِيرَةِ: هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ أَوْ لَا؟ أَوْ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ هَلْ سُجُودُهُ زَائِدٍ أَوْ لَا؟ فَيَسْجُدُ لِذَلِكَ جَبْرًا لِلنَّقْصِ الْحَاصِلِ بِالشَّكِّ. (أَوْ) شَكَّ (فِي إدْرَاكِ رَكْعَةٍ) سَهْوًا، سَجَدَ وُجُوبًا. (أَوْ نَوَى الْقَصْرَ) حَيْثُ أُبِيحَ (فَأَتَمَّ سَهْوًا) ، سَجَدَ لِلْإِتْمَامِ اسْتِحْبَابًا؛ لِحَدِيثِ «إذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا يَعْتَدُّ بِهِ) ، أَيْ:

بِمَا زَادَهُ مَنْ نَوَى الْقَصْرَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ سَهْوًا (مَسْبُوقٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ مِنْ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ؛ لِخُلُوِّهِ عَنْ النِّيَّةِ. وَلِهَذَا: لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ الْإِتْمَامَ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ أَيْضًا فَيَأْتِي بِمَا بَقِيَ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ سِوَى مَا سَهَا عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَلْغُو (وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا مَرَّ) ، وَكَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَخِلُّ بِهَيْئَتِهَا (إلَّا فِي الْإِتْمَامِ) ، أَيْ: إذَا نَوَى الْقَصْرَ، فَأَتَمَّ عَمْدًا. (وَيُكْرَهُ) لَهُ الْإِتْمَامُ، لَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ. وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ: عَدَمُ الْكَرَاهَةِ. وَبَعْضُهُمْ كَصَاحِبِ الْفُرُوعِ صَرَّحَ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، فَلَا أَثَرَ لَهَا. (وَيُعْتَدُّ) بِالْإِتْمَامِ عَمْدًا (لِمَسْبُوقٍ) ، بِخِلَافِ مَنْ أَتَمَّ سَهْوًا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَيَتَّجِهُ وَإِلَّا) ، أَيْ: فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (فِيمَا إذَا سَجَدَ) ، عَمْدًا (لِتِلَاوَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِفِعْلٍ مَشْرُوعٍ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. (أَوْ سُبِقَ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ: تَخَلَّفَ عَنْ إمَامِهِ حَتَّى سَبَقَهُ إلَى رُكْنٍ فَأَقَلَّ، لَا بِرُكْنٍ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (فَتَابَعَ) مَسْبُوقٌ إمَامَهُ قَبْلَ انْسِلَاخِهِ عَنْ ذَلِكَ الرُّكْنِ، وَلَحِقَهُ، وَلَوْ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِغَيْرِهِ؛ فَلَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ الِائْتِمَامِ. (أَوْ تَعَمَّدَ سَبْقَ إمَامِهِ) إلَى رُكْنٍ (ثُمَّ رَجَعَ) قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَهُ إمَامُهُ، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ (فَوَافَقَهُ) بِأَنْ أَتَى بِهِ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا تَبْطُلُ أَيْضًا، وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَعَمُّدَ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَالسُّجُودُ لَا يُشْرَعُ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَتَشَهُّدُهُ قَبْلَ سَجْدَتَيْ) رَكْعَةٍ (أَخِيرَةٍ) زِيَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ (أَوْ بَعْدَ سَجْدَتَيْ) رَكْعَةٍ (أُولَى زِيَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ) يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهَا، وَيُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْجُلُوسِ. (وَ) تَشَهُّدُهُ (قَبْلَ سَجْدَةٍ ثَانِيَةٍ) زِيَادَةٌ (قَوْلِيَّةٌ) ، يُسَنُّ السُّجُودُ لَهَا سَهْوًا، وَلَا يُبْطِلُ عَمْدُهَا الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْجُلُوسُ لَهُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَهُوَ فِي مَحَلِّ الْجُلُوسِ. (وَمَنْ قَامَ لِرَكْعَةٍ زَائِدَةٌ) سَهْوًا كَثَالِثَةٍ فِي فَجْرٍ، أَوْ رَابِعَةٍ فِي مَغْرِبٍ، أَوْ خَامِسَةٍ فِي رُبَاعِيَّةٍ (جَلَسَ) بِلَا تَكْبِيرٍ (مَتَى ذَكَرَ) أَنَّهَا زَائِدَةٌ وُجُوبًا؛ لِئَلَّا يُغَيِّرَ هَيْئَةَ الصَّلَاةِ. (وَلَا يَتَشَهَّدُ إنْ) كَانَ (تَشَهَّدَ) قَبْلَ قِيَامِهِ؛ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَهُ. وَإِنْ كَانَ تَشَهَّدَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَيْهِ (وَسَجَدَ) لِلسَّهْوِ (وَسَلَّمَ) . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ قَبْلَ قِيَامِهِ، تَشَهَّدَ، وَسَجَدَ وَسَلَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا؛ سَجَدَ لَهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسًا، فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا. قَالُوا: فَإِنَّكَ صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَانْفَتَلَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ، وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «وَإِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» . رَوَاهُ بِطُرُقِهِ مُسْلِمٌ. (وَمَنْ نَوَى) صَلَاةَ (رَكْعَتَيْنِ) نَفْلًا (فَقَامَ لِثَالِثَةٍ نَهَارًا، فَالْأَفْضَلُ) لَهُ (أَنْ يُتِمَّ أَرْبَعًا، وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوٍ) لِإِبَاحَةِ ذَلِكَ. وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ،

وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ فَأَكْثَرَ رَجَعَ وَسَجَدَ، وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَإِنْ نَوَى صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا، فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ (لَيْلًا، فَالْأَفْضَلُ) لَهُ (أَنْ يَرْجِعَ) ، وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ. (وَيَتَّجِهُ) : وَهُوَ (الْأَصَحُّ وَ) يَتَّجِهُ أَنَّ مَنْ قَامَ سَهْوًا إلَى ثَالِثَةٍ لَيْلًا (لَا تَبْطُلُ) صَلَاتُهُ (بِعَدَمِهِ) ، أَيْ: الرُّجُوعِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ، وَتَرْكُ فِعْلِ مَا هُوَ أَفْضَلُ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ، أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ، وَالثَّانِي: لَا. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ خِلَافُ الثَّانِي، وَقَوْلُهُ (خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: لِلْمُنْتَهَى وَالْإِقْنَاعِ، غَيْرَ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُمَا جَزَمَا بِمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ، فَعَلَيْهِ: إنْ لَمْ يَرْجِعْ عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُنْتَهَى، وَغَيْرِهِ. وَلَيْلًا، فَكَقِيَامِهِ إلَى ثَالِثَةٍ فِي فَجْرٍ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: فَإِنْ قِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى اثْنَتَيْنِ لَيْلًا مَكْرُوهَةٌ فَقَطْ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا، قُلْتُ: هَذَا إذَا نَوَاهُ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا هُنَا فَلَمْ يَنْوِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لِمُجَاوَزَتِهِ زِيَادَةً غَيْرَ مَشْرُوعَةٍ. وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ نَوَى عَدَدًا نَفْلًا، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، فَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ، وَإِلَّا كَانَ مُبْطِلًا لَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّ مِثْلَهُ) ، أَيْ: مِثْلَ مَنْ قَامَ سَهْوًا إلَى ثَالِثَةٍ لَيْلًا (نَاوٍ أَرْبَعَةً نَهَارًا، فَقَامَ) سَهْوًا (لِخَامِسَةٍ) ، أَيْ: فَالْأَفْضَلُ لَهُ الرُّجُوعُ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِعَدَمِهِ،

مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: بُطْلَانُهَا لِإِتْيَانِهِ بِزِيَادَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ. (وَمَنْ) سَهَا عَلَيْهِ (فَنَبَّهَهُ ثِقَتَانِ فَأَكْثَرُ وَلَوْ امْرَأَتَيْنِ) ، سَوَاءٌ شَارَكُوهُ فِي الْعِبَادَةِ بِأَنْ كَانُوا (مَأْمُومِينَ، أَوْ غَيْرَ مَأْمُومِينَ، وَيَلْزَمُهُمْ تَنْبِيهُهُ) لِيَرْجِعَ لِلصَّوَابِ (لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) إلَى تَنْبِيهِهِمْ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلَ قَوْلَ الْقَوْمِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنْ نَبَّهَهُ وَاحِدٌ لَمْ يَرْجِعْ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرْجِعْ لِذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ. (وَلَوْ ظَنَّ) مُصَلٍّ (خَطَأَهُمَا) أَيْ: الْمُنَبِّهَيْنِ لَهُ، كَمَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الرُّجُوعُ إلَى شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ (وَكَمَا) لَوْ نَبَّهَهُ ثِقَتَانِ فَأَكْثَرُ (فِي طَوَافٍ) ، بِأَنْ قَالَا لَهُ: طُفْتَ كَذَا، عَمِلَ بِقَوْلِهِمَا. (مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ) الْمُصَلِّي (صَوَابَ نَفْسِهِ) ، فَلَا يَجُوزُ رُجُوعُهُ، كَالْحَاكِمِ إذَا عَلِمَ كَذِبَ الْبَيِّنَةِ. (أَوْ) مَا لَمْ (يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مَنْ يُنَبِّهُهُ) ، فَيَسْقُطُ قَوْلُهُمْ كَبَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا وَ (لَا) يَلْزَمُ رُجُوعٌ (إلَى فِعْلِ مَأْمُومِينَ) مِنْ نَحْوِ قِيَامٍ، وَقُعُودٍ بِلَا تَنْبِيهٍ، لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِالتَّنْبِيهِ بِتَسْبِيحِ الرِّجَالِ، وَتَصْفِيقِ النِّسَاءِ. (وَيَتَّجِهُ: لَا تَبْطُلُ) صَلَاةُ الْإِمَامِ (لَوْ رَجَعَ لِفِعْلِهِمْ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ مِنْ غَيْرِ تَنْبِيهٍ مِنْهُمْ، اسْتِئْنَاسًا بِفِعْلِهِمْ، وَتَقْوِيَةً لِظَنِّهِ، يُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَ

أَبُو طَالِبٍ: إذَا صَلَّى بِقَوْمٍ تَحَرَّى وَنَظَرَ إلَى مَنْ خَلْفَهُ، فَإِنْ قَامُوا تَحَرَّى، وَقَامَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَإِنْ أَبَاهُ) ، أَيْ: الرُّجُوعَ (إمَامٌ) ، وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَ (قَامَ

لِ) رَكْعَةٍ (زَائِدَةٍ) ، مَثَلًا (وَجَبَتْ مُفَارَقَتُهُ، وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، (كَ) صَلَاةِ (مُتَّبِعِهِ) ، أَيْ: مَأْمُومٍ تَابَعَهُ فِي الزَّائِدَةِ (عَالِمًا) بِزِيَادَتِهَا (ذَاكِرًا) لَهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، لَمْ يَجُزْ اتِّبَاعُهُ فِيهَا. وَإِنْ قِيلَ بِصِحَّتِهَا، فَهُوَ يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ. وَأَنَّ مَا قَامَ إلَيْهِ لَيْسَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنْ تَبِعَهُ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، أَوْ فَارَقَهُ؛ صَحَّتْ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَابَعُوا فِي الْخَامِسَةِ لِتَوَهُّمِ النَّسْخِ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ. وَفِي الْإِقْنَاعِ: إنْ كَانَ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ، قَوْلًا وَاحِدًا، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَحِينَئِذٍ لَا مُفَارَقَةَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بَطَلَتْ، فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافًا لَهُ. (وَلَا يَعْتَدُّ) ، أَيْ: لَا يَحْسِبُ (بِهَا) أَيْ: بِالرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ (مَسْبُوقٌ) دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهَا، أَوْ قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا يَعْتَدُّ بِهَا الْإِمَامُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِالْحَالِ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِلْمَأْمُومِ (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ الْإِمَامِ الْقَائِمِ لِزَائِدَةٍ (فِيهَا مَنْ عَلِمَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ) ، لِأَنَّهَا سَهْوٌ، وَغَلَطٌ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَعَهُ فِيهَا مَسْبُوقٌ يَجْهَلُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ أَنَّهُ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، ثُمَّ مَتَى عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ أَنَّهَا زَائِدَةٌ، لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَكَتَرْكِ رَكْعَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي. (وَيُسَلِّمُ) مَأْمُومٌ (مُفَارِقٌ) لِإِمَامِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ لِزَائِدَةٍ، وَتَنْبِيهِهِ، وَإِبَائِهِ الرُّجُوعَ إذَا أَتَمَّ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ. (وَلَا تَبْطُلُ) صَلَاةُ إمَامٍ (إنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ لِجُبْرَانِ نَقْصٍ) ، كَمَا لَوْ نَهَضَ عَنْ تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ، وَنَحْوِهِ، وَنَبَّهُوهُ بَعْدَ أَنْ قَامَ، وَلَمْ يَرْجِعْ (وَمَنْ نَبَّهَهُ ثِقَةٌ لَمْ يَرْجِعْ لِقَوْلِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرْجِعْ إلَى قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ» (إلَّا إنْ غَلَبَ عَلَى

ظَنِّهِ صِدْقُهُ فَيَعْمَلُ بِ) غَلَبَةِ (ظَنِّهِ، لَا بِتَنْبِيهِهِ) . وَالْمَرْأَةُ الْمُنَبِّهَةُ كَالرَّجُلِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي تَنْبِيهِهَا فَائِدَةٌ، وَلَمَا كُرِهَ تَنْبِيهُهَا بِالتَّسْبِيحِ، وَنَحْوِهِ، وَفِي الْمُمَيِّزِ خِلَافٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَمَنْ نَهَضَ عَنْ تَرْكِ تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ مَعَ) تَرْكِ (جُلُوسٍ لَهُ، أَوْ) تَرْكِ التَّشَهُّدِ (دُونَهُ) ، أَيْ: الْجُلُوسِ، بِأَنْ جَلَسَ وَنَهَضَ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ (نَاسِيًا) لِمَا تَرَكَهُ (لَزِمَ رُجُوعُهُ) إنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِيمَ قَائِمًا لِيَتَدَارَكَ الْوَاجِبَ، وَيُتَابِعَهُ مَأْمُومٌ، وَلَوْ اعْتَدَلَ. (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ، وَتَبْطُلُ) صَلَاتُهُ (إنْ) ذَكَرَ ذَلِكَ حَالَ نُهُوضِهِ، وَ (لَمْ يَرْجِعْ) ، لِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ الْجُلُوسِ الْوَاجِبِ فِي مَحَلِّهِ. وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ إذَا مَضَى فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ فِيهِ الرُّجُوعُ، أَوْ رَجَعَ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ فِيهِ الْمُضِيُّ، عَالِمًا ذَاكِرًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَقَدْ جَزَمُوا بِوُجُوبِ رُجُوعِهِ إذَا نَهَضَ تَارِكًا لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، نَاسِيًا إذَا لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، فَعَلِمَ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَرْجِعْ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ جَزْمًا، فَمَا بَقِيَ لِلْبَحْثِ مَدْخَلٌ، فَضْلًا عَنْ الِاحْتِمَالِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لَهُ تَشْحِيذًا لِلْأَذْهَانِ، فَيَكُونُ مُتَّجِهًا.

(وَكُرِهَ) رُجُوعُهُ (إنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلَا يَجْلِسْ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَأَقَلُّ أَحْوَالِ النَّهْيِ: الْكَرَاهَةُ. وَلَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ لِتَرْكِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ، لَا إلَى بَدَلٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ. (وَحَرُمَ) رُجُوعُهُ (إنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ) ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ، وَهُوَ: الْقِرَاءَةُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ. (وَبَطَلَتْ) صَلَاتُهُ إنْ رَجَعَ؛ لِأَنَّهُ تَلَبَّسَ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ (وَيَتَّجِهُ: لَا) تَبْطُلُ (صَلَاةُ مَأْمُومٍ فَارَقَ) إمَامَهُ فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ لِنَفْسِهِ، وَيُسَلِّمُ عَلَى قَوْلٍ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا سَبَّحَ لِإِمَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ، فَلَمْ يَرْجِعْ، تَشَهَّدَ لِنَفْسِهِ وَتَبِعَهُ.

وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِرُجُوعِهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ (إنْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَ) تَحْرِيمَ رُجُوعِهِ؛ لِحَدِيثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» . وَمَتَى عَلِمَ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، نَهَضَ وَلَمْ يُتِمَّهُ. (وَحَيْثُ رَجَعَ) الْإِمَامُ (قَبْلَ شُرُوعٍ) فِي الْقِرَاءَةِ (لَزِمَ مَأْمُومًا مُتَابَعَتُهُ) ، كَمَا يَلْزَمُهُ مُتَابَعَتُهُ فِي قِيَامِهِ نَاسِيًا؛ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ. وَلَمَّا قَامَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ التَّشَهُّدِ، قَامَ النَّاسُ مَعَهُ» ، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إنْ سَبَّحُوا بِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ (وَلَوْ) كَانَ رُجُوعُ الْإِمَامِ (بَعْدَ شُرُوعِهِ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ فِي الْقِرَاءَةِ؛ لِوُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ إذَنْ، لَا إنْ رَجَعَ الْإِمَامُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَلَا يُتَابَعُ لِخَطَئِهِ. (وَكَذَا) أَيْ: كَتَرْكِ تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ نَاسِيًا (كُلَّ وَاجِبٍ) تَرَكَهُ مُصَلٍّ نَاسِيًا (فَيَرْجِعُ لِتَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَ) تَسْبِيحِ (سُجُودٍ قَبْلَ اعْتِدَالٍ) عَنْ رُكُوعٍ، (وَ) قَبْلَ (جُلُوسٍ) مِنْ سُجُودٍ. وَمَتَى رَجَعَ إلَى الرُّكُوعِ حَيْثُ جَازَ وَهُوَ إمَامٌ، فَأَدْرَكَهُ فِيهِ مَسْبُوقٌ (أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَكَعَ ثَانِيًا نَاسِيًا وَ (لَا) يَرْجِعُ إلَى تَسْبِيحِهِمَا (بَعْدَهُ) ، أَيْ: الِاعْتِدَالِ أَوْ الْجُلُوسِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّسْبِيحِ رُكْنٌ وَقَعَ مُجْزِئًا صَحِيحًا، وَلَوْ رَجَعَ إلَيْهِ لَكَانَ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ، وَتَكْرَارًا لِلرُّكْنِ. (فَإِنْ رَجَعَ) بَعْدَ اعْتِدَالٍ، أَوْ جُلُوسٍ (عَالِمًا، عَمْدًا، بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ. وَ (لَا) تَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ (وَعَلَيْهِ السُّجُودُ) لِلسَّهْوِ (لِلْكُلِّ) مِنْ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ.

(وَمَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا) ، أَيْ: صَلَاتِهِ (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا، وَالْبَاقِي مِنْهَا إمَّا رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَكِلَاهُمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ تَعَمُّدًا. وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا (سَهْوًا) ، لَمْ تَبْطُلْ بِهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي (أَوْ) سَلَّمَ (ظَنَّ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ) صَلَاتُهُ؛ لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، وَلِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِيهَا، أَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا. (ثُمَّ) إنْ (ذَكَرَ قَرِيبًا) عُرْفًا أَتَمَّهَا (وَلَوْ خَرَجَ مِنْ مَسْجِدٍ) ، فَيُتِمُّهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ لَكِنْ نَسِيتُ أَنَا - فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتْ السَّرَعَانُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتْ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تَقْصُرْ. فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ، فَيَقُولُ: أُنْبِئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (أَوْ انْحَرَفَ عَنْ قِبْلَةٍ) ، أَيْ: فَيَنْفَتِلُ وَيُتِمُّهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَصُرِّحَ بِهِ فِي حَوَاشِي الْكَافِي،

وَالْفُرُوعِ وَشَرْحِ الْإِقْنَاعِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ، (أَوْ) لَمْ يَذْكُرْ مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا حَتَّى (شَرَعَ فِي) صَلَاةٍ (أُخْرَى، فَيَقْطَعُهَا) مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ (وَيُتِمُّ الْأُولَى) لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَرْكَانِهَا (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) وُجُوبًا. (وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا، وَيَعُودَ إلَى الْأُولَى لِيُتِمَّهَا؛ (إنْ كَانَ صَلَّى الْأُخْرَى بِدُونِ إقَامَةٍ) ؛ إذْ الْإِقَامَةُ تُبْطِلُ صَلَاتَهُ بِقَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءُ آدَمِيٍّ. (وَ) كَذَلِكَ يُبْطِلُ صَلَاتَهُ (تَلَفُّظٌ) بِكُلِّ كَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، حَتَّى تَلَفُّظُهُ (بِ: نَوَيْتُ) ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَعَ فِي الثَّانِيَةِ بِدُونِ إقَامَةٍ وَلَا تَلَفُّظٍ بِنِيَّةٍ، وَلَا غَيْرِهَا، فَيَعُودُ إلَى الْأُولَى وَيُتِمُّهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمُنَافٍ لَهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَعَلَى مَنْ) سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا سَهْوًا، ثُمَّ (ذَكَرَ بَعْدَ قِيَامٍ) مِنْ مُصَلَّاهُ؛ (أَنْ يَجْلِسَ لِيَنْهَضَ) عَنْ جُلُوسٍ (لِلْإِتْيَانِ بِمَا بَقِيَ) مِنْ صَلَاتِهِ (مَعَ نِيَّةٍ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقِيَامَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ لَهَا. وَإِنْ كَانَ سَلَامُهُ قَبْلَ إتْمَامِهَا (ظَانًّا) أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ انْقَضَتْ، فَيَعُودُ وَيُتِمُّهَا إذَا ذَكَرَ قَرِيبًا عُرْفًا. (وَإِنْ سَلَّمَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ) ، كَظُهْرٍ (ظَنَّهَا نَحْوَ فَجْرٍ) ، كَجُمُعَةٍ، وَتَرَاوِيحَ؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِتَرْكِهِ اسْتِصْحَابَ حُكْمِ النِّيَّةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ (أَوْ طَالَ فَصْلٌ عُرْفًا) ؛ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ بِنَاءُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ؛ لِتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ مَعَهُ. قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَالْمُقَارَبَةُ

كَمِثْلِ حَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ، إذْ لَمْ يَرِدْ بِتَحْدِيدِهِ نَصٌّ (أَوْ أَحْدَثَ) بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الطَّهَارَةِ شَرْطٌ وَقَدْ فَاتَ. (أَوْ تَكَلَّمَ) مُصَلٍّ إمَامًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ طَائِعًا، أَوْ مُكْرَهًا، فَرْضًا، أَوْ نَفْلًا (وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ) بِهَا عَمْدًا (أَوْ سَهْوًا) ، فِي صُلْبِهَا، أَوْ بَعْدَ سَلَامِهِ سَهْوًا، لِتَحْذِيرِ نَحْوِ ضَرِيرٍ، أَوْ لَا؛ بَطَلَتْ. هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَالْقَاضِي وَأَبُو الْحُسَيْنِ، وَاسْتَظْهَرَهُ الْمَجْدُ، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ لِحَدِيثِ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الْإِقْنَاعِ: وَإِنْ تَكَلَّمَ يَسِيرًا لِمَصْلَحَتِهَا؛ لَمْ تَبْطُلْ. وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ. (أَوْ ضَحِكَ) فِي صُلْبِهَا، أَوْ بَعْدَ سَلَامِهِ سَهْوًا، وَكَانَ ضَحِكُهُ (قَهْقَهَةً؛ بَطَلَتْ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا. وَلَوْ لَمْ يَبِنْ حَرْفَانِ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ. وَلِأَنَّهُ تَعَمَّدَ فِيهَا مَا يُنَافِيهَا، أَشْبَهَ خِطَابَ الْآدَمِيِّ. وَلَا تَبْطُلُ (إنْ نَامَ) يَسِيرًا قَائِمًا، أَوْ جَالِسًا (فَتَكَلَّمَ أَوْ سَبَقَ) الْكَلَامُ (عَلَى لِسَانِهِ حَالَ قِرَاءَتِهِ) لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَلِطَ فِي الْقِرَاءَةِ، فَأَتَى بِكَلِمَةٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ النَّائِمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ. (وَكَكَلَامٍ) . فِي الْحُكْمِ: (إنْ تَنَحْنَحَ بِلَا حَاجَةٍ) ، فَبَانَ حَرْفَانِ (أَوْ نَفَخَ فَبَانَ حَرْفَانِ) ؛ فَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ نَفَخَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ عَنْهُمَا، وَالْمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. فَإِنْ كَانَتْ

فصل ترك ركنا غير تكبيرة إحرام سهوا

النَّحْنَحَةُ لِحَاجَةٍ؛ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ بَانَ حَرْفَانِ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: كُنْتُ آتِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَيَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ لِأَعْلَمَ أَنَّهُ يُصَلِّي. وَ (لَا) تَبْطُلُ (إنْ انْتَحَبَ) مُصَلٍّ (خَشْيَةً) مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، لِكَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي وُسْعِهِ. (أَوْ غَلَبَهُ نَحْوُ سُعَالٍ) ، كَبُكَاءٍ. (أَوْ عُطَاسٍ، أَوْ تَثَاؤُبٍ) ، وَلَوْ بَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ نَصَّ عَلَيْهِ، فِيمَنْ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ. وَقَالَ مُهَنَّا: صَلَّيْتَ إلَى جَنْبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَتَثَاءَبَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَسَمِعْتُ لِتَثَاؤُبِهِ: هَاهْ، هَاهْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْكَلَامِ. تَقُولُ: تَثَاءَبْتُ عَلَى تَفَاعَلْتُ، وَلَا تَقُلْ تَثَاوَبْتُ. قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ. وَيُكْرَهُ اسْتِدْعَاءُ بُكَاءٍ، كَضَحِكٍ؛ لِئَلَّا يَظْهَرَ حَرْفَانِ، فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُ. تَتِمَّةٌ: عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ: أَنَّ الْكَلَامَ الْمُبْطِلَ لِلصَّلَاةِ مَا انْتَظَمَ مِنْهُ حَرْفَانِ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ يُكَوِّنَانِ كَلِمَةً: كَأَبٍ، وَأَخٍ، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ، لَا تَنْتَظِمُ كَلِمَةً فِي أَقَلَّ مِنْ حَرْفَيْنِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ. وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ: قَ، وَ: عَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَاعَى الْمَحْذُوفُ كَالثَّابِتِ، وَيُجِيبُ مُصَلٍّ وَالِدَيْهِ فِي نَفْلٍ، وَتَبْطُلُ بِهِ، وَيَجُوزُ إخْرَاجُ زَوْجَةٍ مِنْ نَفْلٍ لِحَقِّ زَوْجِهَا. [فَصْلٌ تَرَكَ رُكْنًا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ سَهْوًا] (فَصْلٌ) (وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) سَهْوًا؛ كَرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ، أَوْ رَفْعٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ طُمَأْنِينَةٍ (وَ) غَيْرِ (قِيَامٍ فَذَكَرَهُ) ، أَيْ: الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ (بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى) ، غَيْرِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا (بَطَلَتْ) الرَّكْعَةُ (الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا) ، وَقَامَتْ الَّتِي تَلِيهَا مَقَامَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُ الْمَتْرُوكِ لِتَلَبُّسِهِ بِفَرْضِ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ

الْأُخْرَى، فَلَغَتْ رَكْعَتَهُ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ قَامَ إلَى أُخْرَى، فَذَكَرَ أَنَّهُ سَجَدَ سَجْدَةً وَاحِدَةً فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى؛ فَقَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا قَامَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ عَمَلًا لِلثَّانِيَةِ؛ فَإِنَّهُ يَنْحَطُّ وَيَسْجُدُ وَيَعْتَدُّ بِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ عَمَلًا لَهَا؛ جَعَلَ هَذِهِ الْأُولَى، وَأَلْغَى مَا قَبْلَهَا. قُلْتُ: فَيَسْتَفْتِحُ، أَوْ يَجْتَزِئُ بِالِاسْتِفْتَاحِ الْأَوَّلِ؟ قَالَ: يُجْزِئُهُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: فَنَسِيَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ. وَأَمَّا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ؛ فَلَا تَنْعَقِدُ بِتَرْكِهَا، وَكَذَا النِّيَّةُ إنْ قِيلَ: هِيَ رُكْنٌ (فَلَوْ رَجَعَ) مَنْ تَرَكَ رُكْنًا إلَيْهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى (عَالِمًا) بِتَحْرِيمِ الرُّجُوعِ (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي مَقْصُودِ الْقِيَامِ، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ، يَحْصُلُ بِهِ إلْغَاءُ عَمَلٍ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. وَ (لَا) تَبْطُلُ بِرُجُوعٍ إلَى الْمَتْرُوكِ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى إنْ كَانَ رُجُوعُهُ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَا يُعْتَدُّ بِرُجُوعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ بَطَلَ سَائِرُ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَالْبَاطِلُ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا، فَلَا يُعْتَدُّ بِمَا يَفْعَلُهُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا لِفَسَادِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَغَيْرِهِ. (وَ) إنْ ذَكَرَ مَا تَرَكَهُ (قَبْلَ شُرُوعٍ) فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى؛ لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ لِيَأْتِيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ لَا يَسْقُطُ بِسَهْوٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَيَأْتِيَ بِمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ بَعْدَ الرُّكْنِ الْمَنْسِيِّ، فَلَوْ ذَكَرَ الرُّكُوعَ وَقَدْ جَلَسَ؛ عَادَ فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ. وَإِنْ سَجَدَ سَجْدَةً ثُمَّ قَامَ؛ فَإِنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ سَجَدَ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ، وَإِلَّا جَلَسَ، وَإِنْ كَانَ جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ جَلْسَةِ

الْفَصْلِ، فَ (إنْ لَمْ يَعُدْ) إلَى الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ مَنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الْأُخْرَى (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي مَحَلِّهِ عَالِمًا عَمْدًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ أَخِيرَةٍ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ، وَلَمْ يَسْجُدْهَا فِي الْحَالِ (وَ) إنْ لَمْ يَعُدْ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا؛ بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ) الْمَتْرُوكُ رُكْنُهَا فَقَطْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَمَّدٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَضَى قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْرُوكِ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ. (وَ) إنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا تَرَكَ إلَّا (بَعْدَ السَّلَامِ فَ) ذَلِكَ (كَتَرْكِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ) ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَغَتْ بِتَرْكِ رُكْنِهَا غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهَا، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، فَإِذَا سَلَّمَ قَبْلَ ذِكْرِهَا فَقَدْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ (يَأْتِي بِهَا) ، أَيْ: بِالرَّكْعَةِ (مَعَ قُرْبِ فَصْلٍ) عُرْفًا (كَمَا مَرَّ) ، وَلَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ، أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَيَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، بِخِلَافِ تَرْكِ الرَّكْعَةِ بِتَمَامِهَا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، أَوْ أَحْدَثَ بَطَلَتْ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ (مَا لَمْ يَكُنْ) الْمَتْرُوكُ (تَشَهُّدًا أَخِيرًا) ؛ فَيَأْتِي بِهِ، وَيَسْجُدُ وَيُسَلِّمُ. (أَوْ) مَا لَمْ يَكُنْ (سَلَامًا؛ فَيَأْتِي بِهِ وَيَسْجُدُ) لِلسَّهْوِ (وَيُسَلِّمُ) بَعْدَ التَّشَهُّدِ لِسُجُودِ السَّهْوِ كَمَا يَأْتِي، وَلَمْ يَكُنْ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ وَظَاهِرُهُ، أَوْ صَرِيحُهُ: أَنَّ السُّجُودَ هُنَا بَعْدَ السَّلَامِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْآتِي اسْتِثْنَاؤُهُمَا. (وَإِنْ نَسِيَ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً (وَذَكَرَ وَقَدْ قَرَأَ فِي) رَكْعَةٍ (خَامِسَةٍ؛ فَهِيَ أُولَاهُ) ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ أُولَاهُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَتِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْأُولَى، ثُمَّ صَارَتْ الثَّالِثَةُ أُولَاهُ أَيْضًا لِذَلِكَ، ثُمَّ الرَّابِعَةُ، ثُمَّ الْخَامِسَةُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ غَيْرُ تَامَّةٍ تَبْطُلُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا. (وَ) إنْ ذَكَرَ الْمَنْعَ مِنْ السَّجَدَاتِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الْخَامِسَةِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ فَ (يَسْجُدُ سَجْدَةً

فَتَصِحُّ لَهُ رَكْعَةٌ) ، وَهِيَ: الرَّابِعَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي قِرَاءَةِ مَا بَعْدَهَا، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، (وَيَأْتِي بِثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ قَبْلَ الرَّابِعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) إنْ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ (بَعْدَ السَّلَامِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى سَلَّمَ، كَتَارِكِ رَكْعَةٍ، فَيَكُونُ هَذَا كَتَارِكِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَبْنِي عَلَيْهِ؛ فَتَبْطُلُ. (وَ) إنْ نَسِيَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ (سَجْدَتَيْنِ، أَوْ) نَسِيَ (ثَلَاثًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ رَكْعَتَيْنِ جَهِلَهُمَا) فَلَمْ يَدْرِ أَهَمَّا مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، أَوْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ، أَوْ الْأُولَى وَالرَّابِعَةِ، أَوْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، أَوْ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ، أَوْ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ (وَقَدْ قَرَأَ؛ أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ) ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الرَّابِعَةِ، فَيَصِحُّ لَهُ رَكْعَتَانِ يَبْنِي عَلَيْهِمَا، وَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ. (وَ) إنْ نَسِيَ (ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، وَجَهِلَهَا؛ (أَتَى بِثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ وُجُوبًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ، فَتَلْغُو بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الرَّابِعَةِ، وَتَصِيرُ أُولَاهُ، فَيَبْنِي عَلَيْهَا. (وَ) إنْ نَسِيَ (خَمْسًا) مِنْ السَّجَدَاتِ (مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ أَوْ) نَسِيَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ مِنْ (ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ مِنْ أَرْبَعٍ، وَجَهِلَهَا (وَلَمْ يَقْرَأْ؛ أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ) ، فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ (ثُمَّ أَتَى بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) إنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ (أَوْ) أَتَى (بِرَكْعَتَيْنِ) إنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ. (وَ) مَنْ نَسِيَ (مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى سَجْدَةً، وَ) نَسِيَ (مِنْ) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ سَجْدَتَيْنِ، وَ) نَسِيَ (مِنْ) الرَّكْعَةِ (الرَّابِعَةِ سَجْدَةً، وَ) أَتَى بِالثَّالِثَةِ تَامَّةً؛ جَعَلَهَا أُولَاهُ إنْ (لَمْ يَشْرَعْ فِي قِرَاءَةِ) رَكْعَةٍ (خَامِسَةٍ) ، فَإِنْ شَرَعَ فِي قِرَاءَتِهَا لَغَا مَا قَبْلَهَا، إنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي قِرَاءَتِهَا (أَتَى

بِسَجْدَةٍ) لِيَتِمَّ لَهُ رَكْعَتَانِ، وَهُمَا الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ، وَتَكُونُ الرَّابِعَةُ ثَانِيَةً (ثُمَّ) يَأْتِي (بِرَكْعَتَيْنِ) فَتَتِمُّ لَهُ الْأَرْبَعُ. (وَمَنْ ذَكَرَ) فِي صَلَاتِهِ (تَرْكَ رُكْنٍ، وَجَهِلَ) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ (أَرُكُوعٌ هُوَ) ، أَيْ: الْمَتْرُوكُ، أَمْ رَفْعٌ مِنْهُ (أَمْ سُجُودٌ) ، أَمْ رَفْعٌ مِنْهُ (أَمْ قِرَاءَةٌ، أَوْ) عَلِمَ الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ، لَكِنَّهُ جَهِلَ (مَحَلَّهُ) ، أَيْ: مَحَلَّ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ (كَ) كَوْنِهِ (مِنْ) رَكْعَةٍ (أُولَى، أَوْ مِنْ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ؛ عَمِلَ) وُجُوبًا (بِأَسْوَأِ التَّقْدِيرَيْنِ، وَهُوَ) أَنْ يَجْعَلَ الرُّكْنَ الْمَجْهُولَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى رُكُوعًا، فَيَقُومَ وَيَرْكَعَ، وَيَرْفَعَ، وَيَعْتَدِلَ وَيَسْجُدَ، وَيَجْعَلَ السَّجْدَةَ الَّتِي نَسِيَ مَحَلَّهَا مِمَّا قَبْلَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ سُجُودًا، فَيَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ (قِرَاءَةً) ؛ فَيَقُومُ، وَيَأْتِي بِهَا (وَ) يَجْعَلُهَا (مِنْ) رَكْعَةٍ (أُولَى) ، فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَدَلَهَا؛ لِيَحْصُلَ لَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ يَقِينًا. وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا يَأْتِي بِكُلِّ مَا تَيَقَّنَ بِهِ إتْمَامَ صَلَاتِهِ؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهَا وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا، فَيَكُونُ مُغَرَّرًا بِهَا. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا؛ فَأَرَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إلَّا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ. (وَإِنْ) ذَكَرَ أَنَّهُ (تَرَكَ آيَتَيْنِ) مُتَوَالِيَتَيْنِ (مِنْ الْفَاتِحَةِ، فَ) يَجْعَلُهُمَا (مِنْ رَكْعَةٍ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَوَالِيَهُمَا) ، فَيَجْعَلُهُمَا (مِنْ رَكْعَتَيْنِ) احْتِيَاطًا لِمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِلْكُلِّ.

فصل مصل شاك في ترك ركن بأن تردد في فعله

[فَصْلٌ مُصَلٍّ شَاكٌّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ بِأَنْ تَرَدَّدَ فِي فِعْلِهِ] (فَصْلٌ) (وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَهُوَ الْأَقَلُّ) مُصَلٍّ شَاكٌّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ، بِأَنْ تَرَدَّدَ فِي فِعْلِهِ، فَيُجْعَلُ كَمَنْ تَيَقَّنَ تَرْكَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. وَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلَ الصَّلَاةِ (أَوْ) شَكَّ فِي (عَدَدِ رَكَعَاتٍ) ، كَمَا لَوْ شَكَّ: أَصَلَّى رَكْعَةً، أَوْ رَكْعَتَيْنِ؛ بَنَى عَلَى رَكْعَةٍ، وَاثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؛ بَنَى عَلَى اثْنَتَيْنِ، وَهَكَذَا (وَلَوْ) كَانَ الشَّاكُّ (إمَامًا) ، رُوِيَ عَنْ. عُمَرَ، وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؛ فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَكَطَهَارَةٍ وَطَوَافٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ. وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ، أَوْ لَا. (فَمَنْ شَكَّ) فِي أَثْنَاءِ صَلَاةٍ (فِي تَرْكِ رَكْعَةٍ) فَهُوَ كَتَرْكِهَا، (أَوْ) شَكَّ فِي تَرْكِ (رُكْنٍ فَهُوَ كَتَرْكِهِ) ، أَيْ: الرُّكْنِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ وَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّم، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ. فَتَحَرِّي الصَّوَابِ فِيهِ هُوَ اسْتِعْمَالُ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ. (وَلَا أَثَرَ لِشَكٍّ بَعْدَ سَلَامٍ، أَوْ) بَعْدَ (فَرَاغِ كُلِّ عِبَادَةٍ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِهَا. (وَيَأْخُذُ مَأْمُومٌ عِنْدَ شَكِّهِ بِفِعْلِ إمَامِهِ مَعَ تَعَدُّدِ مَأْمُومٍ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ خَطَأُ اثْنَيْنِ، وَإِصَابَةُ وَاحِدٍ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَتْبَعُ إمَامَهُ مَعَ عَدَمِ الْجَزْمِ بِخَطَئِهِ. (وَ) الْمَأْمُومُ (فِي فِعْلِ نَفْسِهِ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (فَلَوْ شَكَّ)

الْمَأْمُومُ؛ (هَلْ دَخَلَ مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ الْإِمَامِ (بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى، أَوْ ثَانِيَةٍ؛ جَعَلَهُ) ، أَيْ: الدُّخُولَ مَعَهُ (بِثَانِيَةٍ) ؛ فَيَقْضِي رَكْعَةً إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ احْتِيَاطًا. (وَلَوْ أَدْرَكَ) الْمَأْمُومُ (الْإِمَامَ رَاكِعًا، فَشَكَّ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ، هَلْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ رَاكِعًا؛ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ) ، لِاحْتِمَالِ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ قَبْلَ إدْرَاكِهِ فِيهِ. (وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا، لَمْ يَرْجِعْ لِفِعْلِ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ لَا يَكْفِي فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ شَكَّ إمَامٌ، فَسَبَّحَ بِهِ وَاحِدٌ، بَلْ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ كَالْمُنْفَرِدِ، وَلَا يُفَارِقُهُ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ خَطَأَهُ. (فَإِذَا سَلَّمَ إمَامُهُ أَتَى) مَأْمُومٌ (بِمَا شَكَّ فِيهِ) مَعَ إمَامِهِ، لِيَخْرُجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِيَقِينٍ (وَسَجَدَ) لِلسَّهْوِ (وَسَلَّمَ) . فَإِنْ كَانَ مَعَ إمَامٍ غَيْرِهِ، وَشَكَّ؛ رَجَعَ إلَى فِعْلِ إمَامِهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ، كَمَنْ نَبَّهَهُ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ. (وَيَتَّجِهُ وُجُوبُ مُفَارَقَتِهِ) ، أَيْ: مُفَارِقَةِ الْمَأْمُومِ؛ لِإِمَامِهِ (مَعَ تَيَقُّنِ خَطَأِ إمَامِهِ) ، كَذَا قَالَ. وَفِي الْمُبْدِعِ وَإِنْ جَزَمَ بِخَطَئِهِ لَمْ يَتْبَعْهُ، وَلَمْ يُسَلِّمْ قَبْلَهُ. انْتَهَى، وَذَكَرَ مِثْلَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْكَافِي وَالْمَجْدِ وَابْنِ تَمِيمٍ؛ فَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ، وَإِنَّمَا يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ إلَى أَنْ يَفْرُغَ إمَامُهُ، وَيُسَلِّمَ مَعَهُ.

(وَلَا) يُشْرَعُ (سُجُودُ) سَهْوٍ (لِشَكٍّ فِي) تَرْكِ (وَاجِبٍ) ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي سَبَبِ وُجُوبِ السُّجُودِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يُشْرَعُ سُجُودٌ لِشَكٍّ فِي (سَهْوٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (أَوْ زِيَادَةٍ) فَلَا يُشْرَعُ سُجُودٌ؛ لِشَكِّهِ فِي حُصُولِهَا، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ زَادَ رُكُوعًا، أَوْ سُجُودًا؟ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ؛ فَلَحِقَ بِالْمَعْدُومِ يَقِينًا. (إلَّا إذَا شَكَّ) فِي الزِّيَادَةِ (وَقْتَ فِعْلِهَا) كَمَا لَوْ شَكَّ فِي سَجْدَةٍ، وَهُوَ فِيهَا، هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ، أَوْ لَا. أَوْ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ كَذَلِكَ؛ فَيَسْجُدُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ، مُتَرَدِّدًا فِي كَوْنِهِ مِنْهَا، أَوْ زَائِدًا عَلَيْهَا، فَضَعُفَتْ النِّيَّةُ، وَاحْتَاجَتْ لِلْجَبْرِ بِالسُّجُودِ. وَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ أَوْ غَيْرِهِ، فَبَنَى عَلَى يَقِينِهِ، ثُمَّ زَالَ شَكُّهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيمَا فَعَلَهُ؛ لَمْ يَسْجُدْ، إمَامًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ. صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ خِلَافًا لِشَرْحِ الْمُنْتَهَى. (فَلَوْ شَكَّ فِي تَشَهُّدٍ) أَخِيرٍ؛ (هَلْ صَلَّى أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا؛ لَمْ يَسْجُدْ) لِذَلِكَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي زِيَادَةٍ فِي غَيْرِ وَقْتِ فِعْلِهَا، فَلَا أَثَرَ لَهُ. (وَمَنْ سَجَدَ لِشَكٍّ) ظَنَّا أَنَّهُ يَسْجُدُ لَهُ (ثُمَّ تَبَيَّنَ) لَهُ (أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سُجُودٌ) لِذَلِكَ الشَّكِّ؛ (سَجَدَ) وُجُوبًا (لِذَلِكَ) ،

أَيْ: لِكَوْنِهِ زَادَ فِي صَلَاتِهِ سَجْدَتَيْنِ غَيْرَ مَشْرُوعَتَيْنِ. وَمَنْ عَلِمَ سَهْوًا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَيَسْجُدُ لَهُ، أَمْ لَا؛ لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبُهُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. (وَمَنْ شَكَّ؛ هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ) الْمُتَيَقَّنِ (أَوْ لَا) ، أَيْ: أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ؛ (سَجَدَ) لِلسَّهْوِ وُجُوبًا، وَكَفَاهُ سَجْدَتَانِ. (وَلَيْسَ عَلَى مَأْمُومٍ غَيْرِ مَسْبُوقٍ سُجُودُ سَهْوٍ) سَهَاهُ الْمَأْمُومُ دُونَ إمَامِهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ، فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ، فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَتَى بِمَا مَحَلُّ سُجُودِهِ بَعْدَ السَّلَامِ (إلَّا أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ؛ فَيَسْجُدَ) الْمَأْمُومُ (مَعَهُ) ، سَوَاءٌ سَهَا الْمَأْمُومُ، أَوْ لَا. حَكَاهُ إِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» . (وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ) الْمَأْمُومُ (مَا عَلَيْهِ مِنْ) وَاجِبٍ؛ (تَشَهَّدَ، ثُمَّ يُتِمُّهُ) بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ) كَانَ الْمَأْمُومُ (مَسْبُوقًا) ، وَسَهَا الْإِمَامُ (فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ) الْمَسْبُوقُ فِيهِ، بِأَنْ كَانَ الْإِمَامُ سَهَا عَلَيْهِ فِي الْأُولَى، وَأَدْرَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَثَلًا؛ فَيَسْجُدُ مَعَهُ مُتَابَعَةً لَهُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَقَصَتْ حَيْثُ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةٍ نَاقِصَةٍ، وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِيمَا لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ فِي السُّجُودِ، كَمَا لَمْ يَمْنَعْهُ فِي بَقِيَّةِ الرَّكْعَةِ. (فَلَوْ قَامَ) مَسْبُوقٌ (بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ) ظَانًّا عَدَمَ سَهْوِ إمَامِهِ، فَسَجَدَ إمَامُهُ؛ (رَجَعَ) الْمَسْبُوقُ (فَسَجَدَ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَشْبَهَ السُّجُودَ مَعَهُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَيَرْجِعُ وُجُوبًا قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ، فَإِنْ اسْتَتَمَّ فَالْأَوْلَى أَلَّا يَرْجِعَ، كَمَنْ قَامَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ. وَ (لَا) يَرْجِعُ (إنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ) ؛ لِأَنَّهُ تَلَبَّسَ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ، فَلَا يَرْجِعُ إلَى وَاجِبٍ. (وَإِنْ

أَدْرَكَهُ) ، أَيْ: أَدْرَكَ مَسْبُوقٌ إمَامَهُ (فِي آخَرِ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ؛ سَجَدَ) مَسْبُوقٌ (مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ إمَامِهِ السَّجْدَةَ الَّتِي أَدْرَكَهُ فِيهَا مُتَابَعَةً لَهُ (فَإِذَا سَلَّمَ) الْإِمَامُ؛ (أَتَى) الْمَسْبُوقُ (بِ) السَّجْدَةِ (الثَّانِيَةِ) ، لِيُوَالِيَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (ثُمَّ قَضَى صَلَاتَهُ) نَصًّا؛ لِعُمُومِ «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» . (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (بَعْدَهُمَا) ، أَيْ: سَجْدَتَيْ السَّهْوِ (وَقَبْلَ السَّلَامِ؛ لَمْ يَسْجُدْ) الْمَسْبُوقُ لِسَهْوِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ بَعْضًا، فَيَقْضِي الْفَائِتَ، وَبَعْدَ السَّلَامِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ. (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا مَسْبُوقٌ) نَوَى الْإِمَامَةَ بِمِثْلِهِ، فَجَاءَ مَسْبُوقٌ آخَرُ، وَ (دَخَلَ مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ الْمَسْبُوقِ الَّذِي أَدْرَكَ إمَامَهُ (إذَنْ) ، أَيْ: بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، وَقَبْلَ السَّلَامِ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إذَنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ، وَلَا مِنْ إمَامِهِ سَهْوٌ، وَالْإِمَامُ الْأَوَّلُ انْجَبَرَتْ صَلَاتُهُ بِسُجُودِهِ قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْبُوقِ الْأَوَّلِ مَعَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.

(وَيَسْجُدُ مَسْبُوقٌ إنْ سَلَّمَ مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ إمَامِهِ (سَهْوًا) بَعْدَ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَرِدًا. (وَ) يَسْجُدُ أَيْضًا مَسْبُوقٌ (لِسَهْوِهِ) ، أَيْ: الْمَسْبُوقِ، دُونَ إمَامِهِ (مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ إمَامِهِ

فصل سن سجود لكل سهو قبل سلام بشرط فراغ تشهد

فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ، وَلَوْ فَارَقَهُ لِعُذْرٍ. (وَ) يَسْجُدُ مَسْبُوقٌ أَيْضًا إذَا سَهَا (فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ) ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَرِدًا، فَلَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُ سُجُودَهُ. (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ إمَامٌ) سَهَا سَهْوًا يَجِبُ، السُّجُودُ لَهُ؛ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْمَأْمُومِ، مَسْبُوقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَسْبُوقٍ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَقَصَتْ بِنُقْصَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ. وَ (سَجَدَ مَسْبُوقٌ إذَا فَرَغَ) مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ (وَ) يَسْجُدُ (غَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ الْمَسْبُوقِ، وَهُوَ مَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ (بَعْدَ إيَاسِهِ) ، أَيْ: إيَاسِ الْمَأْمُومِ (مِنْ سُجُودِهِ) ، أَيْ: سُجُودِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ذَكَرَ قَرِيبًا فَسَجَدَ، وَرُبَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ يَرَى السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلسُّجُودِ إلَّا بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ لَا يَرَى وُجُوبَهُ، أَوْ تَرَكَ السُّجُودَ سَهْوًا. وَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، وَتَرَكَ مَا قَبْلَ السَّلَامِ مِنْهُ عَمْدًا؛ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ. [فَصْلٌ سُنَّ سُجُودٌ لِكُلِّ سَهْوٍ قَبْلَ سَلَامٍ بِشَرْطِ فَرَاغِ تَشَهُّدٍ] (فَصْلٌ) (وَسُنَّ سُجُودٌ لِكُلِّ سَهْوٍ قَبْلَ سَلَامٍ بِشَرْطِ فَرَاغِ تَشَهُّدٍ) ، وَفَرَاغِ دُعَاءٍ بَعْدَهُ (إلَّا إذَا سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ سَلَامُهُ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ (فَ) يَسْجُدُ (بَعْدَ سَلَامٍ) ؛ لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ. وَقَوْلُهُ: وَسُنَّ سُجُودٌ. . . إلَخْ، هَذِهِ السُّنِّيَّةُ فِي مَحَلِّهِ لَا فِي ذَاتِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ، وَلِلَحْنٍ يُحِيلُ الْمَعْنَى سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا؛ وَاجِبٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ؛ هَلْ مَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ بَعْدَهُ أَوْ فِيهِ التَّفْصِيلُ؟ . قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَبَعْدَهُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوْلَى

وَالْأَفْضَلِ، فَلَا مَعْنَى لِادِّعَاءِ النَّسْخِ، وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ: وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، إلَّا فِي السَّلَامِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَفِيمَا إذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَعَمُّدِ تَرْكِهِ) ، أَيْ: السُّجُودِ الَّذِي مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ جَبْرٌ لِلصَّلَاةِ، خَارِجٌ عَنْهَا، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إبْطَالِهَا. (كَ) مَا لَا تَبْطُلُ (بِتَرْكِ) سُجُودٍ (غَيْرِ وَاجِبٍ) ؛ كَمَسْنُونٍ (لِأَنَّهُ) ، أَيْ: السُّجُودَ الَّذِي مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ (مُنْفَرِدٌ عَنْهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ، وَلِأَنَّهُ (وَاجِبٌ لَهَا كَأَذَانٍ) ، يَعْنِي: أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْوَاجِبِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ كَالْجَمَاعَةِ، وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ، بِخِلَافِ الْوَاجِبَاتِ فِي الصَّلَاةِ إذَا تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا. (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِتَعَمُّدِ تَرْكِ) سُجُودٍ (وَاجِبٍ سُنَّ) فِعْلُهُ (قَبْلَ سَلَامٍ) ، لِتَعَمُّدِ تَرْكِ وَاجِبٍ فِي الصَّلَاةِ. (وَيَتَّجِهُ لَا) تَبْطُلُ (صَلَاةُ مَأْمُومٍ سَجَدَ) بَعْدَ سَلَامِ إمَامٍ تَرَكَ السُّجُودَ عَمْدًا؛ لِكَوْنِهِ لَا يَرَى وُجُوبَهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرَى وُجُوبَهُ، وَتَرَكَهُ عَمْدًا، فَلَا رَيْبَ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ الْمَأْمُومِ؛ لِارْتِبَاطِهَا بِهَا صِحَّةً وَفَسَادًا كَمَا تَقَدَّمَ قُبَيْلَ الْفَصْلِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.

(وَإِنْ نَسِيَهُ) أَيْ السُّجُودَ، وَقَدْ نُدِبَ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ ذَكَرَ؛ أَتَى بِهِ بَعْدَهُ مَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (أَوْ) نَسِيَهُ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ السَّلَامِ، (ثُمَّ ذَكَرَ، أَتَى بِهِ مَعَ قَصْرِ فَصْلٍ) عُرْفًا (وَلَوْ تَكَلَّمَ أَوْ انْحَرَفَ عَنْ قِبْلَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَوْ نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ، وَ (شَرَعَ فِي) صَلَاةٍ (أُخْرَى) ، ثُمَّ ذَكَرَهُ (فَ) يَقْضِيهِ (بَعْدَ فَرَاغِهَا) إذَا سَلَّمَ مِنْهَا إنْ لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ (وَلَا يَصِيرُ بِهِ) ، أَيْ السُّجُودِ الْمَقْضِيِّ (عَائِدَ الصَّلَاةِ) ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِالسَّلَامِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْعَوْدِ لِلصَّلَاةِ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ الْمَنْسِيُّ سُجُودُهَا (بِوُجُودِ مُفَسِّرٍ فِيهِ) أَيْ: السُّجُودِ مِنْ حَدَثٍ، أَوْ غَيْرِهِ. وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَسْبُوقٍ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيهِ (وَإِنْ طَالَ فَصْلٌ عُرْفًا، أَوْ أَحْدَثَ أَوْ خَرَجَ مِنْ مَسْجِدٍ، سَقَطَ) عَنْهُ السُّجُودُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ إذَا تَرَكَهَا سَهْوًا. (وَيَكْفِي لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتَانِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ مَحَلُّهُمَا) ، أَيْ: السَّهْوَيْنِ، بِأَنْ كَانَ مَحَلُّ أَحَدِهِمَا قَبْلَ السَّلَامِ، كَتَرْكِ تَشَهُّدٍ أَوَّلٍ، وَالْآخَرِ بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَرِيبًا، وَأَتَمَّهَا وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَمَاعَةً، وَالْآخَرُ مُنْفَرِدًا؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَهُوَ يَتَنَاوَلُ السَّهْوَ فِي مَوْضِعَيْنِ فَأَكْثَرَ، كَمَا لَوْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ: وَأَمَّا حَدِيثُ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» فَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ. ثُمَّ الْمُرَادُ لِكُلِّ سَهْوٍ فِي صَلَاةٍ. وَالسَّهْوُ وَإِنْ كَثُرَ دَاخِلٌ فِي لَفْظِ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، فَالتَّقْدِيرُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ. (وَ) إذَا اجْتَمَعَ مَا مَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَا

مَحَلُّهُ بَعْدَهُ (يَغْلِبُ مَا قَبْلَ السَّلَامِ) فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَآكَدُ، وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِذَا سَجَدَ لَهُ سَقَطَ الثَّانِي (وَإِنْ شَكَّ فِي مَحَلِّهِ) هَلْ السُّجُودُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ (فَ) يَجْعَلُهُ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ (فَ) يَجْعَلُهُ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. (وَمَتَى سَجَدَ) لِسَهْوٍ (بَعْدَ سَلَامٍ لَا قَبْلَهُ، جَلَسَ) بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (فَتَشَهَّدَ وُجُوبًا التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ ثُمَّ سَلَّمَ) سَوَاءٌ كَانَ مَحَلُّ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَلِأَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ فِي حُكْمِ الْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ مِنْ وَجْهٍ، فَاحْتَاجَ إلَى التَّشَهُّدِ، كَمَا احْتَاجَ إلَى السَّلَامِ إلْحَاقًا لَهُ بِمَا قَبْلَهُ، بِخِلَافِ سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ، فَلَيْسَ قَبْلَهُمَا مَا يَلْحَقَانِ بِهِ، وَبِخِلَافِ مَا قَبْلَ السَّلَامِ، فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَتَابِعٌ، فَلَمْ يُفْرَدْ لَهُ تَشَهُّدٌ، كَمَا لَا يُفْرَدُ بِسَلَامٍ. (وَلَا يَتَوَرَّكُ فِيهِ) ، أَيْ: فِي التَّشَهُّدِ الَّذِي بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ (فِي) صَلَاةٍ (ثُنَائِيَّةٍ) ، بَلْ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا كَتَشَهُّدِ نَفْسِ الصَّلَاةِ. فَإِنْ كَانَتْ ثُلَاثِيَّةً، أَوْ رُبَاعِيَّةً؛ تَوَرَّكَ لِمَا ذُكِرَ، (وَهُوَ) ، أَيْ: سُجُودُ السَّهْوِ، قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ. (وَمَا يُقَالُ فِيهِ) مِنْ تَكْبِيرٍ وَتَسْبِيحٍ (وَ) مَا يُقَالُ فِيهِ مِنْ تَكْبِيرٍ (عِنْدَ هُوِيٍّ) إلَيْهِ (وَ) بَعْدَ (رَفْعٍ) مِنْهُ، كَقَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (كَسُجُودِ صُلْبِ) الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي الْإِخْبَارِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ الْمَعْرُوفِ لَبَيَّنَهُ.

باب مبطلات الصلاة

[بَابُ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ] (بَابُ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ) (تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِمُبْطِلِ طَهَارَةٍ) مِنْ حَدَثٍ وَنَحْوِهِ: (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِتَرْكِ وَاجِبٍ) مِنْ تَكْبِيرٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَسْمِيعٍ وَتَحْمِيدٍ، وَطَلَبِ مَغْفِرَةٍ، وَنَحْوِهَا، (عَمْدًا) لَا سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِتَرْكِ (رُكْنٍ) ، كَتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ وَرُكُوعٍ، وَسُجُودٍ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا، أَوْ جَهْلًا. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (اتِّصَالِ نَجَاسَةٍ) غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا (بِهِ) ، أَيْ: بِالْمُصَلِّي (إنْ) قَدَرَ عَلَى إزَالَتِهَا، وَ (لَمْ يُزِلْهَا حَالًا) ، وَإِلَّا فَلَا. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِاسْتِدْبَارِ قِبْلَةٍ حَيْثُ شَرْطُ اسْتِقْبَالِهَا) بِأَنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ رَاحِلَةٍ، وَلَا تَبْطُلُ فِي نَحْوِ خَوْفٍ. وَالِاسْتِدْبَارُ حَقِيقَةً: أَنْ يَجْعَلَ الْقِبْلَةَ خَلْفَ دُبُرِهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا؛ بَلْ الْمُرَادُ عَدَمُ الِاسْتِقْبَالِ؛ لِيَشْمَلَ مَا إذَا كَانَ مُجَانِبًا لَهَا. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِكَشْفِ) كَثِيرٍ مِنْ (عَوْرَةٍ) إنْ لَمْ يَسْتُرْهُ فِي الْحَالِ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (زِيَادَةِ رُكْنٍ فِعْلِيٍّ) ؛ كَرُكُوعٍ، وَسُجُودٍ عَمْدًا (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأَرْكَانِ عَلَى بَعْضٍ) ، كَسُجُودٍ قَبْلَ رُكُوعٍ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (سَلَامٍ قَبْلَ إتْمَامِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (إحَالَةِ مَعْنَى قِرَاءَةٍ) ؛

كَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتَ، أَوْ كَسْرِهَا. وَإِنَّمَا تَبْطُلُ بِفِعْلِ ذَلِكَ (عَمْدًا فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِوُجُودِ سُتْرَةٍ بَعِيدَةٍ لِعُرْيَانٍ وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (اسْتِنَادِ) مُصَلٍّ اسْتِنَادًا (قَوِيًّا بِلَا عُذْرٍ وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (رُجُوعِهِ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (عَالِمًا ذَاكِرًا لِتَشَهُّدٍ أَوَّلٍ بَعْدَ) اسْتِوَاءٍ قَائِمًا (وَشُرُوعٍ فِي قِرَاءَةٍ) لَا قَبْلَهُ وَتَقَدَّمَ مُفَصَّلًا. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِرُجُوعِ مُصَلٍّ لِ (تَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَ) تَسْبِيحِ (سُجُودٍ بَعْدَ اعْتِدَالٍ) مِنْ رُكُوعٍ (وَ) بَعْدَ (جُلُوسٍ) مِنْ سُجُودٍ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِرُجُوعِهِ (لِسُؤَالِ مَغْفِرَةٍ بَعْدَ سُجُودٍ) ثَانٍ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِفَسْخِ نِيَّةٍ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (وَتَرَدُّدٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْفَسْخِ لِاشْتِرَاطِ اسْتِدَامَةِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا اسْتِدَامَةَ مَعَ التَّرَدُّدِ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (عَزْمٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْفَسْخِ وَتَقَدَّمَ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِشَكِّهِ؛ هَلْ نَوَى، أَوْ) هَلْ (عَيَّنَ) صَلَاةً بِعَيْنِهَا، أَوْ لَا؟ (فَعَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا) مِنْ أَعْمَالِهَا؛ كَرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ تَسْبِيحٍ، وَنَحْوِهِ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِمُرُورِ كَلْبٍ أَسْوَدَ بَهِيمٍ) ؛ لَا لَوْنَ فِيهِ سِوَى السَّوَادِ (بَيْنَ يَدَيْهِ) فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَهَا. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِدُعَاءٍ بِمَلَاذِّ الدُّنْيَا) ؛ كَ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِنُطْقِ) مُصَلٍّ (بِكَافِ الْخِطَابِ لِغَيْرِ اللَّهِ) ؛ كَ: إيَّاكَ نَعْبُدُ (وَ) لِغَيْرِ (رَسُولِهِ أَحْمَدَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

كَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِقَهْقَهَةٍ وَ) بِ (كَلَامٍ، وَلَوْ قَلَّ) الْكَلَامُ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ (أَوْ) كَانَ تَكَلَّمَ وَهُوَ فِيهَا (سَهْوًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ لِتَحْذِيرٍ) عَنْ (مَهْلَكَةٍ) وَتَقَدَّمَ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِتَقَدُّمِ مَأْمُومٍ عَلَى إمَامِهِ) عَمْدًا مُطْلَقًا وَسَهْوًا إنْ بَقِيَ إلَى رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعٍ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ) فِي الْجُمْلَةِ (لَا مُطْلَقًا) إذْ قَدْ تَبْطُلُ صَلَاةِ الْإِمَامِ مَعَ بَقَاءِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، مِنْهَا لَوْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ سَهْوًا فَنَبَّهُوهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ؛ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُمْ إنْ فَارَقُوهُ وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِسَلَامِهِ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ (عَمْدًا قَبْلَ) سَلَامِ (إمَامِهِ أَوْ سَهْوًا، وَلَمْ يُعِدْهُ) ، أَيْ: السَّلَامَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ إمَامِهِ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِأَكْلٍ وَشُرْبٍ) فِي فَرْضٍ عَمْدًا قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، لِأَنَّهُ يُنَافِي الصَّلَاةَ. وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الشُّرْبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطِيلُ الْقِيَامَ فِيهِ فَيَحْتَاجُ إلَى جُرْعَةِ مَاءٍ. وَ (لَا) تَبْطُلُ بِأَكْلٍ وَشُرْبٍ (يَسِيرٍ عُرْفًا لِسَاهٍ وَجَاهِلٍ) فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا، فَيَسْجُدُ لَهُ، لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَعَمُّدِهِ. فَتَلَخَّصَ أَنَّ كَثِيرَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا، وَأَنَّ يَسِيرَهُمَا عَمْدًا يُبْطِلُ الْفَرْضَ، وَأَنَّ يَسِيرَ الْأَكْلِ عَمْدًا يُبْطِلُ النَّفَلَ وَالْفَرْضَ، خِلَافًا لِلْإِقْنَاعِ. وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ يَسِيرِ

الشُّرْبِ وَيَأْتِي. وَإِنَّ يَسِيرَهُمَا سَهْوًا لَا يُبْطِلُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا. (وَ) يُبْطِلُهَا أَيْضًا (بَلْعُ نَحْوِ سُكَّرٍ ذُوِّبَ) كَفَالُوذَج، وَحَلْوَى (بِفَمٍ كَأَكْلٍ) لِحُصُولِ التَّغْذِيَةِ، أَوْ التَّلَذُّذِ فِي كُلٍّ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِعَمَلِ مُتَوَالٍ مُسْتَكْثَرٍ عَادَةً مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَلَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ، وَيَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، وَيَمْنَعُ الْمُتَابَعَةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُنَافٍ لَهَا (إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ كَخَوْفٍ وَهَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ، وَنَحْوِهِ) ، كَسَيْلٍ وَسَبْعٍ وَنَارٍ، فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةٌ لَمْ تَبْطُلْ. (وَمَنْ عَلِمَ بِبُطْلَانِهَا وَمَضَى فِيهَا أُدِّبَ) لِاسْتِخْفَافِهِ بِحُرْمَتِهَا. (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِعَمَلٍ يَسِيرٍ) مُطْلَقًا (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا بِعَمَلٍ (كَثِيرٍ غَيْرِ مُتَوَالٍ) عُرْفًا. (وَكُرِهَ) الْعَمَلُ الْيَسِيرُ أَوْ الْكَثِيرُ غَيْرُ الْمُتَوَالِي (بِلَا حَاجَةٍ) ، كَحَكَّةٍ وَنَحْوِهَا. (وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ) سَهْوٍ، وَلَوْ فَعَلَهُ سَهْوًا. (وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ) مَفْهُومَةٌ، أَوْ لَا (كَفِعْلِهِ) ، فَلَا تَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ إلَّا إذَا كَثُرَتْ عُرْفًا. (وَلَا يُقَدَّرُ) عَمَلٌ (يَسِيرٌ بِثَلَاثِ) حَرَكَاتٍ (وَلَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ) إذْ الِاعْتِبَارُ بِالْعُرْفِ قِلَّةً وَكَثْرَةً. (وَلَا) تَبْطُلُ (بِبَلْعِ مَا بَيْنَ أَسْنَانٍ) مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ (عَمْدًا بِلَا مَضْغٍ وَلَوْ لَمْ يَجْرِ بِهِ رِيقٌ) ، جُزِمَ فِي التَّنْقِيحِ وَالْإِنْصَافِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَمَا لَا يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ بَلْ يَجْرِي بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا لَهُ جَرْمٌ، تَبْطُلُ بِهِ. انْتَهَى. (وَلَا) يَبْطُلُ (نَفْلٌ بِيَسِيرِ شُرْبٍ عَمْدًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بِإِطَالَةِ نَظَرٍ لِشَيْءٍ وَلَوْ) كَانَتْ إطَالَةُ النَّظَرِ (لِكِتَابٍ) أَوْ مُصْحَفٍ،

باب صلاة التطوع وما يتعلق بها

(وَقَرَأَ مَا فِيهِ) ، أَيْ: الْكِتَابِ (بِقَلْبِهِ) دُونَ لِسَانِهِ، رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ فَعَلَهُ. (وَلَا) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِعَمَلِ قَلْبٍ وَلَوْ طَالَ) ؛ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ؛ (فَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ غَلَبَ وَسْوَاسٌ عَلَى أَكْثَرِهَا) فَيَجْتَهِدُ مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ عَلَى رَفْضِهِ حَسْبَ الْإِمْكَانِ؛ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى إفْسَادِ عِبَادَتِهِ. [بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] وَالتَّطَوُّعُ فِي الْأَصْلِ: فِعْلُ الطَّاعَةِ، وَشَرْعًا، وَعُرْفًا: طَاعَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. وَالنَّفَلُ، وَالنَّافِلَةُ: الزِّيَادَةُ، وَالتَّنَفُّلُ: التَّطَوُّعُ. (صَلَاةُ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُ تَطَوُّعِ بَدَنٍ لَا قَلْبٍ) . لِمَا رَوَى سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ إلَى سَالِمٍ. قَالَ أَحْمَدُ: سَالِمٌ لَمْ يَلْقَ ثَوْبَانَ، بَيْنَهُمَا شَعْبَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَلَهُ طُرُقٌ فِيهَا ضَعْفٌ. وَلِأَنَّ فَرْضَهَا آكَدُ الْفُرُوضِ، فَتَطَوُّعُهَا آكَدُ التَّطَوُّعَاتِ، وَلِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَنْوَاعًا مِنْ الْعِبَادَةِ: الْإِخْلَاصُ وَالْقِرَاءَةُ، وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَمُنَاجَاةُ الرَّبِّ، وَالتَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: التَّطَوُّعُ تَكْمُلُ بِهِ صَلَاةُ الْفَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا. وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَبَقِيَّةُ الْأَعْمَالِ. انْتَهَى.

إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ أَفْضَلُ تَطَوُّعَاتِ الْبَدَنِ (بَعْدَ جِهَادٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} [النساء: 95] وَحَدِيثُ: «وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ» . وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنْ الْجِهَادِ (فَتَوَابِعُهُ مِنْ نَحْوِ نَفَقَةٍ فِيهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 261] الْآيَةَ. وَحَدِيثُ: «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَتْ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. (فَعُلِمَ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ مِنْ نَحْوِ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ) كَتَفْسِيرٍ وَأُصُولٍ لِحَدِيثِ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ) ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ إقَامَةُ الْحُجَجِ عَلَى الْمُعَانِدِ، وَإِقَامَةُ الْأَدِلَّةِ فَهُوَ كَالْجِهَادِ بِالرَّأْيِ. (وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: الْعِلْمُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ. وَ) نَقَلَ مُهَنَّا: (طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ) قِيلَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ؟ قَالَ: يُطْلَبُ (بِنِيَّةِ تَوَاضُعٍ بِهِ وَنَفْيِ جَهْلٍ: عَنْهُ) . وَقَالَ لِأَبِي دَاوُد: شَرْطُ النِّيَّةِ شَدِيدٌ، حُبِّبَ إلَيَّ فَجَمَعْتُهُ. وَسَأَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ: يُطْلَبُ الْحَدِيثُ بِقَدْرِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ اُنْتُفِعَ بِهِ؛ قَالَ: الْعِلْمُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ. (وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: أَنَّ تَذَاكُرَ بَعْضِ لَيْلَةٍ) فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ (أَحَبُّ إلَى) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ مِنْ إحْيَائِهَا) ، وَأَنَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ قُلْتُ: الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالطَّلَاقُ، وَنَحْوُ

هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ فَعَلَ هَذَا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا هُوَ خَيْرٌ فِي نَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَحَبَّةِ لَهُ، لَا لِلَّهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ لَيْسَ مَذْمُومًا، بَلْ قَدْ يُثَابُ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الثَّوَابِ، إمَّا بِزِيَادَةٍ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا فَيَتَنَعَّمُ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ مِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ وَثَوَابِهِ فِي الدُّنْيَا أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلَى أَنْ يَتَقَرَّبَ بِهَا إلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ. وَقَوْلِ الْآخَرِ: طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ، يَعْنِي: نَفْسُ طَلَبِهِ حَسَنٌ يَنْفَعُهُمْ. قَالَ أَحْمَدُ: وَيَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَقُومُ بِهِ دِينُهُ، قِيلَ لَهُ: فَكُلُّ الْعِلْمِ يَقُومُ بِهِ دِينُهُ، قَالَ: الْفَرْضُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَلَبِهِ. قِيلَ: مِثْلُ أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ: صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَمُرَادُ أَحْمَدَ: مَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. فَمَتَى قَامَتْ طَائِفَةٌ بِعِلْمٍ لَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ قَامَتْ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ، ثُمَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ فَنَفْلٌ فِي حَقِّهِ وَوُجُوبُهُ، مَعَ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ، دَعْوَى تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ، وَلْيَحْذَرْ الْعَالَمُ وَيَجْتَهِدْ، فَإِنَّ ذَنْبَهُ أَشَدُّ. نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: الْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ، لَيْسَ الْعَالِمُ مِثْلَ الْجَاهِلِ، وَمَعْنَاهُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: يُغْفَرُ لِسَبْعِينَ جَاهِلًا قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِعَالِمٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَذَنْبُهُ مِنْ جِنْسِ ذَنْبِ الْيَهُودِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي آدَابِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى اللَّهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ، أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً. (وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَفْضَلُ الْعِلْمِ: الْعِلْمُ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ) فَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْعِلْمَ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. قَالَ فِي

الْفُرُوعِ: (لِأَنَّ الْعِلْمَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ) وَثَمَرَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا تَشْرُفُ الْعُلُومِ بِحَسْبِ مُؤَدِّيَاتِهَا، وَلَا أَعْظَمَ مِنْ الْبَارِئِ، فَيَكُونُ الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ، وَمَا يَجُوزُ، أَجَلَّ الْعُلُومِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (اسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا أَفْضَلُ مِنْ جِهَادٍ لَمْ تَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ وَمَالُهُ، وَهِيَ) ، أَيْ: الْعِبَادَةُ (فِي غَيْرِ الْعَشْرِ تَعْدِلُ الْجِهَادَ انْتَهَى) . لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسَبُهُ قَالَ -: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: «وَكَاَلَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ» . (وَنَصَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنَّ الطَّوَافَ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) . نَقَلَ حَنْبَلٌ: نَرَى لِمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالصَّلَاةِ لِأَهْلِ مَكَّةَ. وَكَذَا عَطَاءٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ، فَيُمْكِنُ التَّنَفُّلُ بِهَا فِي أَيِّ مَكَان أَرَادَ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ. (قَالَ الْمُنَقِّحُ: وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى سِوَى مَرَّةٍ فِي السَّنَةِ. وَلَا كَذَلِكَ الطَّوَافُ (خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ) هُوَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ، حَيْثُ جَعَلَ الطَّوَافَ أَفْضَلَ مِنْ الْوُقُوفِ. (ثُمَّ سَائِرُ مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ مِنْ نَحْوِ عِيَادَةِ مَرِيضٍ) ، وَذَبٍّ عَنْ مَعْصُومٍ، وَتَخْلِيصٍ مِنْ مَظْلِمَةٍ (وَقَضَاءِ حَاجَةِ مُسْلِمٍ، وَإِصْلَاحٍ) بَيْنَ النَّاسِ، وَإِبْلَاغِ حَاجَةِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إبْلَاغَهَا إلَى ذِي سُلْطَانٍ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ، أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ

وَصَحَّحَهُ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا حَمَلَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ أَفْضَلِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّافِعِ الْقَاصِرِ كَالْحَجِّ، وَإِلَّا فَالْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ. (وَيَتَفَاوَتُ) مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ (فَصَدَقَةٌ عَلَى قَرِيبٍ مُحْتَاجٍ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ) أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَصِلَةُ (وَهُوَ) ، أَيْ: الْعِتْقُ (أَفْضَلُ مِنْهَا) ، أَيْ: الصَّدَقَةِ (عَلَى أَجْنَبِيٍّ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِهِ مِنْ أَسْرِ الرِّقِّ (إلَّا زَمَنُ غَلَاءٍ وَحَاجَةٍ) فَالصَّدَقَةُ حَتَّى عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ؛ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا. (ثُمَّ حَجٌّ) ؛ لِحَدِيثِ: «الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ نَفْلَ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَمِنْ الْعِتْقِ، وَمِنْ الْأُضْحِيَّةِ. قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ؛ إنْ مَاتَ فِي الْحَجِّ مَاتَ شَهِيدًا. قَالَ: وَعَلَى هَذَا؛ فَالْمَوْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَوْلَى بِالشَّهَادَةِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ» . وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ، وَبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ لِمَا سَبَقَ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَيْسَ يُشْبِهُ الْحَجَّ شَيْءٌ؛ لِلتَّعَبِ الَّذِي فِيهِ، وَلِتِلْكَ الْمَشَاعِرِ، وَفِيهِ مَشْهَدٌ لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَفِيهِ إنْهَاكُ الْمَالِ وَالْبَدَنِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ عَرَفَةَ؛ فَقَدْ طَهُرَ مِنْ ذُنُوبِهِ. (فَصَوْمٌ) ؛ لِحَدِيثِ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَإِنَّمَا أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّوْمَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ بِهِ غَيْرُهُ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ. وَإِضَافَةُ عِبَادَةٍ إلَى غَيْرِ اللَّهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ أَفْضَلِيَّتِهَا فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ قُرَى الشَّامِ إجْمَاعًا، وَإِنْ

كَانَ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ مَا عُبِدَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ قَطُّ، وَقَدْ أَضَافَهُ اللَّهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18] ، فَكَذَا الصَّلَاةُ مَعَ الصَّوْمِ، وَقِيلَ: أَضَافَ الصَّوْمَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ أَفْضَلِيَّتَهُ. «وَسَأَلَهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ رَجُلٌ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» . إسْنَادُهُ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فَإِنْ صَحَّ؛ فَمَا سَبَقَ أَصَحُّ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الصَّلَاةِ، أَوْ بِحَسَبِ السَّائِلِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَكَذَا اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ، وَقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ. وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلَ فِي حَالٍ، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِحَسْبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ: اُنْظُرْ مَا هُوَ أَصْلُحُ لِقَلْبِكَ فَافْعَلْهُ. (وَأَفْضَلُ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ مَا سُنَّ) أَنْ يُصَلَّى (جَمَاعَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْفَرَائِضِ، ثُمَّ الرَّوَاتِبُ (وَآكَدُهَا) ، أَيْ: آكَدُ مَا يُسَنُّ جَمَاعَةً: كُسُوفٌ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا، وَأَمَرَ بِهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَاسْتِسْقَاءٌ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَسْقِي تَارَةً، وَيَتْرُكُ أُخْرَى، بِخِلَافِ الْكُسُوفِ؛ فَلَمْ يَتْرُكْ صَلَاتَهُ عِنْدَهُ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ، لَكِنْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِالِاسْتِسْقَاءِ، كَحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ: «أَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ» . (فَتَرَاوِيحُ) لِأَنَّهَا تُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ (فَوِتْرٌ لِأَنَّهُ يُسَنُّ) فِعْلُهُ (جَمَاعَةً بَعْدَ تَرَاوِيحَ) وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ. (وَلَيْسَ) الْوِتْرُ (بِوَاجِبٍ) . قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: الْوِتْرُ لَيْسَ

بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ، فَإِنْ شَاءَ قَضَى الْوِتْرَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْضِهِ؛ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ «قَالَ: الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ؛ وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَشْبَهَ السُّنَنَ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» فَفِيهِ ضَعْفٌ. وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ؛ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ: الْمَوْقُوفُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ. (إلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَكَانَ الْوِتْرُ وَاجِبًا عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ: «ثَلَاثٌ كُتِبْنَ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ: الضُّحَى، وَالْأَضْحَى، وَالْوِتْرُ» وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ عُذْرٍ، أَوْ خَصَائِصِهِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ، جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى أُمَّتِهِ لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الْمُتَقَدِّمِ. (وَأَفْضَلُ رَوَاتِبَ سُنَّةُ فَجْرٍ) ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد. (وَسُنَّ

تَخْفِيفُهَا) ، أَيْ: رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ. حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَاضْطِجَاعٌ بَعْدَهَا عَلَى جَنْبٍ أَيْمَنَ) قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ نَصًّا لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَيَلِي سُنَّةَ فَجْرٍ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ سُنَّةُ مَغْرِبٍ) . لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: «أَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِصَلَاةٍ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ سِوَى الْمَكْتُوبَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» . (ثُمَّ) بَاقِي الرَّوَاتِبِ (سَوَاءٌ) فِي الْفَضِيلَةِ. (وَالرَّوَاتِبُ الْمُؤَكَّدَةُ عَشْرُ) رَكَعَاتٍ: (رَكْعَتَانِ قَبْلَ فَجْرٍ، وَ) رَكْعَتَانِ قَبْلَ (ظُهْرٍ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ ظُهْرٍ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ مَغْرِبٍ، وَ) رَكْعَتَانِ بَعْدَ (عِشَاءٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «حَفِظْتُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ. وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فِيهَا أَحَدٌ» . حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ «أَنَّهُ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ. وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِثْلُهُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا، وَقَالَ: صَحِيحٌ. (وَسُنَّ قِرَاءَةُ) : {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] فِي) رَكْعَةٍ (أُولَى) مِنْ (رَاتِبَةِ فَجْرٍ، وَ) فِي رَكْعَةٍ أُولَى مِنْ رَاتِبَةِ (مَغْرِبٍ وَ) قِرَاءَةُ (الْإِخْلَاصِ فِي ثَانِيَتِهِمَا) ، أَيْ: الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ. لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، وَفِي الثَّانِيَةِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] » رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وَكُرِهَ تَرْكُ رَوَاتِبَ بِلَا عُذْرٍ وَتَسْقُطُ عَدَالَةُ) مُوَاظِبٍ عَلَى تَرْكِهَا (إلَّا فِي سَفَرٍ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلٍ وَتَرْكٍ) لِلْمَشَقَّةِ (إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ وَوِتْرٍ فَيُفْعَلَانِ) ، أَيْ: فَيُحَافَظُ عَلَى فِعْلِهِمَا حَضَرًا وَسَفَرًا لِمَا تَقَدَّمَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَبِّحُ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَبْلَ أَيِّ وِجْهَةٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَسُنَّ قَضَاؤُهَا) ، أَيْ: الرَّوَاتِبِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مَعَ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنْهُمَا، وَقَضَى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ» ، وَقِيسَ الْبَاقِي. (وَ) سُنَّ أَيْضًا قَضَاءُ (وِتْرٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ؛ فَلْيُصَلِّهِ إذَا أَصْبَحَ، أَوْ ذَكَرَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. (إلَّا مَا فَاتَ) مِنْ رَوَاتِبَ (مَعَ فَرْضِهِ وَكَثُرَ، فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ) لِحُصُولِ الْمَشَقَّةِ بِهِ (إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ) ، فَيَقْضِيهَا مُطْلَقًا، لِتَأَكُّدِهَا (وَهِيَ) ، أَيْ: سُنَّةُ الْفَجْرِ (وَسُنَّةُ ظُهْرٍ أُولَى بَعْدَهُمَا) ، أَيْ: بَعْدَ الْفَجْرِ، وَالظُّهْرِ (قَضَاءً) ، فَيَبْدَأُ بِسُنَّةِ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا إذَا قَضَاهَا قَبْلَ السُّنَّةِ الَّتِي بَعْدَ الظُّهْرِ نَدْبًا؛ مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ، وَلِأَنَّ السُّنَّةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَقْتُهَا مِنْ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَى فِعْلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ، فَإِذَا فُعِلَتْ، بَعْدَهَا كَانَتْ قَضَاءً، وَأَمَّا السُّنَّةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ فَوَقْتُهَا مِنْ فِعْلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا. (وَلِزَوْجَةٍ، وَأَجِيرٍ) خَاصٍّ (وَوَلَدٍ) صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ (وَقِنٍّ) بِسَائِرِ أَحْوَالِهِ (فِعْلُ رَوَاتِبَ مَعَ فَرْضٍ) لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ. (وَحَرُمَ مَنْعُهُمْ) مِنْ فِعْلِهَا؛ لِأَنَّ زَمَنَهَا مُسْتَثْنًى شَرْعًا كَالْفَرَائِضِ. (وَالسُّنَنُ غَيْرُ الرَّوَاتِبِ) أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ رَكْعَةً، وَهِيَ: (أَرْبَعٌ

قَبْلَ ظُهْرٍ، وَ) أَرْبَعٌ قَبْلَ (عَصْرٍ، وَ) أَرْبَعٌ قَبْلَ (جُمُعَةٍ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَ ظُهْرٍ، وَ) أَرْبَعٌ بَعْدَ (مَغْرِبٍ وَ) أَرْبَعٌ بَعْدَ عِشَاءٍ لِحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا؛ حَرَّمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى النَّارِ» . صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ فِي صِفَةِ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِيهِ «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِنَّ بِسُوءٍ عَدَلْنَ لَهُ عِبَادَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ أَبِي خَثْعَمَ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عَائِشَةَ: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ إلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيُبَاحُ اثْنَتَانِ بَعْدَ أَذَانِ مَغْرِبٍ) قَبْلَ صَلَاتِهَا لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ. قَالَ الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ: فَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهُمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَكَذَا) يُبَاحُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ (بَعْدَ وِتْرٍ جَالِسًا) . قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ، فَقَالَ: أَرْجُو إنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ أَنْ لَا يَضِيقَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تَكُونُ وَهُوَ جَالِسٌ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ. قُلْتُ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، مَا أَفْعَلُهُ، أَيْ: لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْوَاصِفِينَ لِتَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَفِعْلُ) السُّنَنِ (الْكُلِّ) الرَّوَاتِبِ، وَالْوِتْرِ وَغَيْرِهَا (بِبَيْتٍ أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهَا بِالْمَسْجِدِ، وَلَوْ الْحَرَامَ (كَصَلَاةِ تَطَوُّعٍ) ؛ لِحَدِيثِ: «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا

الْمَكْتُوبَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. لَكِنْ مَا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ مُسْتَثْنًى أَيْضًا، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى نَفْلُ الْمُعْتَكِفِ. (وَإِنْ فَعَلَهَا) ، أَيْ: الرَّوَاتِبَ (بِمَسْجِدٍ، فَ) فِعْلُهَا بِ (مَكَانِهِ) مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ (أَفْضَلُ) نَصًّا، وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْإِقْنَاعِ، وَلَا فِي الْمُنْتَهَى، وَرُبَّمَا سَرَى إلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَةِ الْإِقْنَاعِ حَيْثُ قَالَ: وَفِعْلُهَا، أَيْ: سُنَّةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ مَكَانَهُ أَفْضَلُ نَصًّا. وَجَعَلَ فِي الْمُبْدِعِ رَكْعَتَيْ الْجُمُعَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ صَلَاةِ الْبُيُوتِ. (وَسُنَّ فَصْلٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَسُنَّةٍ بِقِيَامٍ) ، أَيْ: انْتِقَالٍ (أَوْ كَلَامٍ) ؛ لِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنَا أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً حَتَّى نَخْرُجَ، أَوْ نَتَكَلَّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَتُجَزِّئُ سُنَّةُ) صَلَاةٍ (عَنْ تَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُمَا أَنْ يَبْدَأَ لدَّاخِلُ بِالصَّلَاةِ، وَقَدْ وُجِدَ. (وَلَا عَكْسُ) ؛ فَلَا تُجْزِئُ تَحِيَّةٌ عَنْ سُنَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. (وَإِنْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالسُّنَّةَ) حَصَلَا؛ لِأَنَّهُ نَوَاهُمَا. (أَوْ نَوَى) بِصَلَاةٍ (التَّحِيَّةَ وَالْفَرْضَ حَصَلَا) ، أَيْ: التَّحِيَّةُ، وَمَا نَوَاهُ مَعَهَا، أَمَّا التَّحِيَّةُ؛ فَلِبَدْئِهِ بِالصَّلَاةِ مَعَ نِيَّتِهَا، وَأَمَّا مَا نَوَاهُ مَعَهَا: فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ يَنْوِي الْجَنَابَةَ وَالْجُمُعَةَ. (لَا إنْ نَوَى نَفْلًا غَيْرَهَا) ، أَيْ: التَّحِيَّةِ (مَعَ فَرْضٍ) ؛ فَلَا تَحْصُلُ بِهِ التَّحِيَّةُ، وَلَا يَصِحُّ فَرْضُهُ، وَلَا تَحْصُلُ تَحِيَّةٌ بِرَكْعَةٍ، وَلَا بِصَلَاةِ جِنَازَةٍ، وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ، وَشُكْرٍ.

فصل وقت الوتر

[فَصْلٌ وَقْتُ الْوِتْرِ] (فَصْلٌ) (وَوَقْتُ وِتْرٍ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ عِشَاءٍ وَلَوْ) كَانَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ (مَعَ جَمْعِ تَقْدِيمٍ) بِأَنْ جَمَعَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتِهَا (وَ) بَيْنَ (طُلُوعِ فَجْرٍ) ثَانٍ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ؛ هِيَ: الْوِتْرُ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَقَوْلُهُ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَا يَصِحُّ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ. لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهِ. (وَ) فِعْلُهُ (آخِرَ لَيْلٍ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ أَنْ يَقُومَ فِيهِ أَفْضَلُ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَلْيُوتِرْ، ثُمَّ لْيَرْقُدْ. وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ؛ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ» . وَذَلِكَ أَفْضَلُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَأَقَلُّهُ رَكْعَةً، وَلَا يُكْرَهُ) الْإِيتَارُ (بِهَا) مُفْرَدَةً (وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِهَا. وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَأَكْثَرُهُ) ، أَيْ: الْوِتْرِ، (إحْدَى عَشْرَةَ: يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ عَقِبَ الشَّفْعِ بِلَا تَأْخِيرٍ) لَهَا عَنْهُ (نَدْبًا) . نَصَّ عَلَيْهِ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى. فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ تَفْرُغَ الْعِشَاءُ إلَى الْفَجْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَإِنْ صَلَّى الْكُلَّ) ، أَيْ: كُلَّ الْوِتْرِ الْإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً

(بِسَلَامٍ وَاحِدٍ) ، بِأَنْ سَرَدَ عَشْرًا (وَجَلَسَ بَعْدَ عَاشِرَةٍ فَتَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، (ثُمَّ قَامَ) فَأَتَى بِرَكْعَةٍ؛ جَازَ. (أَوْ) سَرَدَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ، وَ (لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي أَخِيرَةٍ؛ جَازَ) ، لَكِنَّ الصِّفَةَ الْأُولَى أَوْلَى، لِأَنَّهَا فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَكَذَا مَا دُونَهَا) ، أَيْ: دُونَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ؛ بِأَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ أَوْ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ. (وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ، تَشَهَّدَ بَعْدَ ثَامِنَةٍ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، (ثُمَّ) قَامَ وَصَلَّى (تَاسِعَةً) وَتَشَهَّدَ (وَسَلَّمَ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) إنْ أَوْتَرَ (بِسَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ؛ سَرَدَهُنَّ، فَلَا يَجْلِسُ نَدْبًا إلَّا فِي آخِرِهِنَّ) ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِسَبْعٍ، أَوْ خَمْسٍ، لَا يَفْصِلُ بِتَسْلِيمٍ» ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَأَدْنَى الْكَمَالِ: ثَلَاثُ) رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهَتِهَا، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ الثَّلَاثُ أَدْنَى الْكَمَالِ. (بِسَلَامَيْنِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «أَفْصِلُ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. (وَهُوَ) ، أَيْ: جَعْلُ الثَّلَاثِ بِسَلَامَيْنِ (أَفْضَلُ) مِنْ جَعْلِهَا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ لِمَا سَبَقَ. (وَسُنَّ كَلَامٌ بَيْنَ شَفْعٍ وَوِتْرٍ) لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا. (وَتَجُوزُ) أَنْ تُصَلَّى الثَّلَاثُ رَكَعَاتٍ (بِ) سَلَامٍ (وَاحِدٍ سَرْدًا) فَلَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ. (وَتَجُوزُ كَمَغْرِبٍ) جُزِمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ. (وَقِيلَ:) إذَا جَلَسَ عَقِبَ الثَّانِيَةِ (لَا) يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ وِتْرًا، وَهُوَ وَجْهٌ لِلْأَصْحَابِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ.

، (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ إمَامٍ رَكْعَةً) مِنْ الثَّلَاثِ، (فَإِنْ كَانَ) الْإِمَامُ (يُسَلِّمُ مِنْ ثِنْتَيْنِ؛ أَجْزَأَ) هـ مَا أَدْرَكَهُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ، (وَإِلَّا) يَكُنْ الْإِمَامُ يُسَلِّمُ مِنْ ثِنْتَيْنِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحْرَمَ بِثَلَاثٍ، وَأَدْرَكَهُ فِي الْأَخِيرَةِ؛ (قَضَى) كَصَلَاةِ الْإِمَامِ، لِحَدِيثِ: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ نَوَى) الْمَأْمُومُ رَكْعَةً (وَاحِدَةً هُنَا) ، أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْرَمَ بِثَلَاثٍ، وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى دَخَلَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ نَاوِيًا وَاحِدَةً؛ قَضَى الْمَأْمُومُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ تَتِمَّةَ الثَّلَاثِ. (وَ) كَذَلِكَ لَوْ نَوَى الْمَأْمُومُ (ثَلَاثًا فِي) الصُّورَةِ (الْأُولَى) ، وَهِيَ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْرَمَ بِثِنْتَيْنِ وَسَلَّمَ مِنْهُمَا؛ فَيَقْضِي الْمَأْمُومُ الْبَاقِيَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ. (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِعَدَدٍ فَلَهُ زِيَادَتُهُ وَنَقْصُهُ بِالنِّيَّةِ) ، أَمَّا النَّقْصُ فِي النَّفْلِ؛ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ؛ فَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِيمَنْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ لَيْلًا، فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ عَمْدًا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. .

(وَسُنَّ) لِمَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ (قِرَاءَةُ: سَبِّحْ بِأُولَى، وَ:) {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، بِثَانِيَةٍ، وَ) سُورَةِ: (الصَّمَدِ، بِثَالِثَةٍ) ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. (وَيَقْنُتُ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ (بَعْدَ) رَفْعٍ مِنْ (رُكُوعٍ نَدْبًا) فِي جَمِيعِ السُّنَّةِ، لِأَنَّ مَا شُرِعَ فِي رَمَضَانَ شُرِعَ فِي غَيْرِهِ كَعَدَدِهِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْبَيْهَقِيُّ: أَنَّ أُبَيًّا كَانَ يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حِينَ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ؛ فَفِيهِ انْقِطَاعٌ، ثُمَّ هُوَ رَأْيُ أُبَيٍّ. وَمَحَلُّهُ (إذَا فَرَغَ مِنْ تَحْمِيدٍ وَاعْتِدَالٍ) ، رُوِيَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَإِنْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَنَتَ قَبْلَ رُكُوعٍ؛ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْخَطِيبُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ. (وَسُنَّ رَفْعُ يَدَيْهِ لِصَدْرِهِ، يَبْسُطُهُمَا وَبُطُونُهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَلَوْ) كَانَ (مَأْمُومًا) ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَعَوْتَ اللَّهَ، فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا

فَرَغْت فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَيَدْعُو جَهْرًا وَلَوْ مُنْفَرِدًا) نَصًّا، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ الْمُنْفَرِدُ بِالْجَهْرِ وَعَدَمِهِ كَالْقِرَاءَةِ، وَظَاهِرِ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: أَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ فَقَطْ. قَالَ فِي الْخِلَافِ، وَهُوَ أَظْهَرُ (بِسُورَتَيْ الْقُنُوتِ وَكَانَتَا) ، أَيْ: سُورَتَا الْقُنُوتِ (فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ) بْنِ كَعْبٍ. (الْأُولَى) مِنْهُمَا: (اللَّهُمَّ) : أَصْلُهُ: يَا اللَّهُ، حُذِفَتْ يَا مِنْ أَوَّلِهِ، وَعُوِّضَ عَنْهَا الْمِيمُ فِي آخِرِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَلَحَظُوا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّكًا وَتَعْظِيمًا، أَوْ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِتَصْيِيرِ اللَّفْظَيْنِ لَفْظًا وَاحِدًا. (إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَهْدِيكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ) ، أَيْ: نَطْلُبُ مِنْك الْمَعُونَةَ وَالْهِدَايَةَ وَالْمَغْفِرَةَ. (وَنَتُوبُ إلَيْكَ) . التَّوْبَةُ لُغَةً: الرُّجُوعُ عَنْ الذَّنْبِ، وَشَرْعًا: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الذَّنْبِ، وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَلِّلَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَنُؤْمِنُ بِكَ) . أَيْ: نُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيِّتِكَ، (وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ) . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّوْكِيلُ: إظْهَارُ الْعَجْزِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ، وَالِاسْمُ: التُّكْلَانُ. وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ هُوَ تَرْكُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ، وَالِانْخِلَاعُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ اللَّهِ عَلَى مَا يُرِيدُ. (وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ) ، أَيْ: نَمْدَحُكَ وَنَصِفُكَ بِالْخَيْرِ. وَالثَّنَاءُ: بِالْخَيْرِ خَاصَّةً، وَالنَّثَاءُ بِتَقْدِيمِ النُّونِ: فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، (وَنَشْكُرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ) أَصْلُ الْكُفْرِ: الْجُحُودُ وَالسَّتْرُ. قَالَ فِي الْمَطَالِعِ وَالْمُرَادُ هُنَا: كُفْرُ النِّعْمَةِ، لِاقْتِرَانِهِ بِالشُّكْرِ. (وَ) السُّورَةُ (الثَّانِيَةُ: اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ) . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ:

مَعْنَى الْعِبَادَةِ: الطَّاعَةُ وَالْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ، وَأَبُو الْبَقَاءِ: الْعِبَادَةُ: مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ، وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ، وَانْقِيَادِهِ لِمَوْلَاهُ. (وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ) لَا لِغَيْرِكَ، (وَإِلَيْك نَسْعَى) يُقَالُ: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا: إذَا عَدَا. وَقِيلَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْجَرْي؛ عُدِّيَ بِإِلَى، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَمَلِ؛ فَبِاللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] . (وَنَحْفِدُ) : بِفَتْحِ النُّونِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، يُقَالُ: حَفَدَ بِمَعْنَى: أَسْرَعَ، وَأَحْفَدَ لُغَةٌ فِيهِ، فَمَعْنَى نَحْفِدُ نُسْرِعُ، أَيْ: نُبَادِرُ بِالْعَمَلِ وَالْخِدْمَةِ. (نَرْجُوَ) ، أَيْ: نُؤَمِّلُ (رَحْمَتَكَ) ، أَيْ: سَعَةَ عَطَائِكَ (وَنَخْشَى) : نَخَافُ، (عَذَابَكَ) ، أَيْ: عُقُوبَتَكَ، (إنَّ عَذَابَكَ الْجِدُّ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ: الْحَقُّ، لَا اللَّعِبُ، (بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ، أَيْ: لَاحِقٌ بِهِمْ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا لُغَةً، عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْحِقُهُ بِهِمْ، وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ. قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ هِيَ الْأُولَى، وَهَذَا الدُّعَاءُ قَنَتَ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفِي أَوَّلِهِ: بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم، وَفِي آخِرِهِ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِك. وَهَاتَانِ سُورَتَانِ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَتَبَهُمَا أُبَيٌّ فِي مُصْحَفِهِ إلَى قَوْلِهِ: مُلْحِقٌ. زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ: وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُكَ. (وَيَزِيدُ) مُصَلٍّ فِي قُنُوتِهِ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ) أَصْلُ الْهُدَى: الرَّشَادُ وَالْبَيَانُ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى:

{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] فَهِيَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالْإِرْشَادُ. وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُهْتَدِينَ بِمَعْنَى طَلَبِ التَّثَبُّتِ عَلَيْهَا. أَوْ بِمَعْنَى الْمَزِيدِ مِنْهَا (وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ) مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْبَلَايَا. وَالْمُعَافَاةُ: أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْ النَّاسِ وَيُعَافِيَهُمْ مِنْكَ (وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ) الْوَلِيُّ: ضِدُّ الْعَدُوِّ مِنْ تَلَيْتُ الشَّيْءَ: إذَا اعْتَنَيْتَ بِهِ، وَنَظَرْتَ إلَيْهِ، كَمَا يَنْظُرُ الْوَلِيُّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ فِي أَمْرِ وَلِيِّهِ بِالْعِنَايَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ: وَلَيْتَ الشَّيْءَ: إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ، بِمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْطَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَصِيرَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ (وَبَارِكْ لَنَا) الْبَرَكَةُ: الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ: هِيَ حُلُولُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ (فِيمَا أَعْطَيْتَ) ، أَيْ: أَنْعَمْتَ بِهِ (وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْتَ إنَّكَ) سُبْحَانَكَ (تَقْضِي، وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ) لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيْحُكُمْ مَا يُرِيدُ (إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكَتْ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي. . . إلَى وَتَعَالَيْت وَلَيْسَ فِيهِ: وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَثْبَتَهَا فِيهِ، وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ. وَالرِّوَايَةُ إفْرَادُ الضَّمِيرِ، وَجَمَعَهَا الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْمَأْمُومَ فِي الدُّعَاءِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، نَسْتَغْفِرُكَ اللَّهُمَّ وَنَتُوبُ إلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْك إلَّا إلَيْكَ، (اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ) قَالَ الْخَطَّابِيِّ:

فِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ. وَهُمَا ضِدَّانِ وَمُتَقَابِلَانِ. وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ لَجَأَ إلَى مَا لَا ضِدَّ لَهُ، وَهُوَ اللَّهُ أَظْهَرَ الْعَجْزَ وَالِانْقِطَاعَ، وَفَرَغَ مِنْهُ إلَيْهِ. فَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ؛ إذْ حَاصِلُهُ أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ اللَّهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ (لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ) ، أَيْ: لَا نُحْصِي نِعَمَكَ، وَالثَّنَاءُ بِهَا عَلَيْكَ. وَلَا نَبْلُغُهُ، وَلَا نُطِيقُهُ، وَلَا تَنْتَهِي غَايَتُهُ. وَالْإِحْصَاءُ: الْعَدُّ وَالضَّبْطُ وَالْحِفْظُ. قَالَ تَعَالَى {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل: 20] . أَيْ: تُطِيقُوهُ. (أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ) : اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيلِ الثَّنَاءِ. وَرَدٌّ إلَى الْمُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَا نِهَايَةَ لِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ. لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ. رَوَى عَلِيٌّ أَنَّ النَّبِيَّ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ. وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيَقُولُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ. وَهُوَ مَعْنَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ: يَدْعُو بِمَا شَاءَ. وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى دُعَاءِ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ. وَاخْتَارَهُ أَحْمَدُ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّهُ كَانَ يُسْتَحَبُّ بِالسُّورَتَيْنِ. وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ. (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَلَا بَأْسَ) أَنْ يَقُولَ: وَ (عَلَى آلِهِ) ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ فِي قُنُوتِهِ بِمَا شَاءَ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ نَصًّا. (وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ) عَلَى قُنُوتِ إمَامِهِ إنْ سَمِعَهُ، وَإِلَّا فَيَقْنُتُ لِنَفْسِهِ.

(وَيُفْرِدُ مُنْفَرِدٌ) ، أَيْ: مُصَلٍّ وَحْدَهُ (الضَّمِيرَ) فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَعِينُكَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي إلَى آخِرِهِ. (وَتَحْصُلُ سُنَّةُ قُنُوتٍ بِكُلِّ دُعَاءٍ) ، كَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي (وَبِآيَةٍ فِيهَا دُعَاءٌ) ، كَ: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: 147] الْآيَةَ. (إنْ قَصَدَهُ) ، أَيْ: الدُّعَاءَ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (مَهْمَا دَعَا بِهِ؛ جَازَ) مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَلَاذِ الدُّنْيَا، (ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ هُنَا) ، أَيْ: بَعْدَ قُنُوتِهِ، لَمَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَ (كَخَارِجِ صَلَاةٍ) إذَا دَعَا، لِعُمُومِ حَدِيثِ عُمَرَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي الْقِيَامِ، فَهُوَ كَالْقِرَاءَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي. (وَكُرِهَ قُنُوتٌ فِي غَيْرِ وِتْرٍ) حَتَّى فَجْرٍ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ» وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وَعَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: «قُلْتُ لِأُبَيٍّ: إنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ

خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَخَلْفَ عَلِيٍّ هَهُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوَ خَمْسِ سِنِينَ؛ أَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ فِيهِ فِي الْفَجْرِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ - «مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ - فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى قُنُوتًا، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ، لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى سَعْدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ» وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ - يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ، فَلَمْ يُسَنَّ فِيهَا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ (إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ) ، أَيْ: شِدَّةٌ مِنْ الشَّدَائِدِ، (غَيْرِ طَاعُونٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْقُنُوتُ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِلْإِخْبَارِ، فَلَا يُسْأَلُ رَفْعَهُ، (فَيُسَنُّ لِإِمَامِ الْوَقْتِ خَاصَّةً) الْقُنُوتُ، هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي قَنَتَ، فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ. (وَيَتَّجِهُ: وَيُبَاحُ) الْقُنُوتُ فِي النَّازِلَةِ (لِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْإِمَامِ، كَنُوَّابِهِ، عَلَى مَا اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ فَيَقْنُتُونَ بِمَا يُنَاسِبُ تِلْكَ النَّازِلَةَ فِي كُلِّ مَكْتُوبَةٍ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد. وَعَلَيْهِ: فَيَقُولُ فِي قُنُوتِهِ: نَحْوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ،

وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَكَ الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. (فِيمَا عَدَا الْجُمُعَةِ) مِنْ الصَّلَوَاتِ، لِرَفْعِ تِلْكَ النَّازِلَةِ، وَأَمَّا الْجُمُعَةُ؛ فَيَكْفِي الدُّعَاءُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ (وَيَجْهَرُ بِهِ) ، أَيْ: الْقُنُوتِ لِلنَّازِلَةِ (فِي) صَلَاةٍ (جَهْرِيَّةٍ) كَالْقِرَاءَةِ، وَإِنْ قَنَتَ فِي النَّازِلَةِ كُلُّ إمَامِ جَمَاعَةٍ، أَوْ كُلُّ مُصَلٍّ؛ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (وَاسْتَحَبَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ يَدَعَ) ، أَيْ: يَتْرُكَ (الْإِمَامُ) فِعْلَ (الْأَفْضَلِ عِنْدَهُ) أَيْ: فِي مَذْهَبِهِ (تَأَلُّفًا لِلْمَأْمُومِ) (كَ) مَا لَوْ أَمَّ جَمَاعَةً فِي تَرَاوِيحَ، وَكَانُوا لَا يَرَوْنَ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ كَالشَّافِعِيَّةِ، فَيَتْرُكُ (قُنُوتَ وِتْرٍ) اسْتِعْطَافًا لَهُمْ، (وَقَالَهُ) ، أَيْ: قَالَ (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَّ جَمَاعَةً يَرَوْنَ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ قَنَتَ بِهِمْ أَوْ أَمَّ بِمَنْ يَرَى الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَيَقْنُتُ بِهِمْ كَذَلِكَ تَأْلِيفًا لَهُمْ (وَقَالَ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُطَاعًا) كَالسُّلْطَانِ وَالْأَمِيرِ (فَ) إتْيَانُهُ بِمَا هُوَ (السُّنَّةُ) عِنْدَهُ (أَوْلَى -) ، سَوَاءٌ رَآهُ الْمَأْمُومُونَ أَمْ لَا.

فصل وقت التراويح وعددها

(وَمَنْ ائْتَمَّ) وَهُوَ لَا يَرَى الْقُنُوتَ فِي فَجْرٍ (بِقَانِتٍ فِي فَجْرٍ، تَابَعَ) إمَامَهُ، لِحَدِيثِ. «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (وَأَمَّنَ) عَلَى دُعَاءِ إمَامِهِ (إنْ سَمِعَ) صَوْتَهُ كَمَا لَوْ قَنَتَ لِنَازِلَةٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَالصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ؛ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. (وَإِلَّا) يَسْمَعْ صَوْتَ إمَامِهِ (دَعَا) كَقِرَاءَةٍ. (وَسُنَّ قَوْلُهُ إذَا سَلَّمَ مِنْ وِتْرٍ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ؛ ثَلَاثًا) زَادَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ: رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، (وَيَرْفَعُ صَوْتُهُ بِثَالِثَةٍ) لِلْخَبَرِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى. [فَصْلٌ وَقْتُ التَّرَاوِيح وَعَدَدُهَا] (فَصْلٌ) (وَوَقْتُ) الـ (تَرَاوِيحِ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ عِشَاءٍ وَوِتْرٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَالْأَفْضَلُ) فِعْلُ التَّرَاوِيحِ (بَعْدَ سُنَّتِهَا) أَيْ: الْعِشَاءِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّ سُنَّةَ الْعِشَاءِ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ فَكَانَ إتْبَاعُهَا لَهَا أَوْلَى، وَأَمَّا التَّرَاوِيحُ؛ فَلَا يُكْرَهُ مَدُّهَا وَتَأْخِيرُهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَهِيَ بِالْوِتْرِ أَشْبَهُ. فَلَا تَصِحُّ التَّرَاوِيحُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، فَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ التَّرَاوِيحَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ مُحْدِثًا؛ أَعَادَ التَّرَاوِيحَ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ تُفْعَلُ بَعْدَ مَكْتُوبَةٍ، فَلَمْ تَصِحُّ قَبْلَهَا كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ، وَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَاتَ وَقْتُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا تُقْضَى. وَإِنْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَقَبْلَ سُنَّتِهَا. صَحَّ

جَزْمًا. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ صَلَّاهَا بَعْدَ الْوِتْرِ، وَقَبْلَ الْفَجْرِ. (وَهِيَ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَتْ مُحْدَثَةٌ لِعُمَرَ، فَفِي الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ» وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعٍ يَسْتَرِيحُونَ، وَقِيلَ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُرَاوَحَةِ، وَهِيَ: التَّكْرَارُ فِي الْفِعْلِ. (عِشْرُونَ رَكْعَةً بِرَمَضَانَ) ، لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً وَالسِّرُّ فِيهِ؛ أَنَّ الرَّاتِبَةَ عَشْرٌ، فَضُوعِفَتْ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَهَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ الشَّافِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً» (وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ) عَلَى الْعِشْرِينَ نَصًّا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: رَأَيْتُ أَبِي يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ مَا لَا أُحْصِي، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ يَقُومُ بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُ بَعْدَهَا بِسَبْعٍ. (وَتُسَنُّ) صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ (جَمَاعَةً) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَصَلَّى بِهِمْ التَّرَاوِيحَ، (يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْنِ) بِنِيَّةِ التَّرَاوِيحِ فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. (وَفِي رِوَايَةٍ لِ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ تُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ) ، أَيْ: وُجُوبِ نِيَّةِ التَّرَاوِيحِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (بِنِيَّتِهَا) ، أَيْ: التَّرَاوِيحِ (فِي أَوَّلِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) ،

لِحَدِيثِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» فَيَنْوِيَ أَنَّهُمَا مِنْ التَّرَاوِيحِ، أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ، (وَيُسْتَرَاحُ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ بِجِلْسَةٍ يَسِيرَةٍ، (وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ اسْتِرَاحَةٍ) بَيْنَهَا، (وَلَا يُسَنُّ دُعَاءٌ إذَا اسْتَرَاحَ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَلَا يُكْرَهُ الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ، لِعُمُومِ: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح: 7] (وَفِعْلُهَا بِمَسْجِدٍ) أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا مَرَّةً ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَةٍ، كَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، وَمَرَّةً ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ، وَقَالَ: مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْزَاعًا فِي جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي عَهْدِهِ، وَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أُبَيٍّ، وَتَابَعَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. (وَ) فِعْلُهَا (أَوَّلَ لَيْلٍ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ أَوَّلَهُ (وَيُوتِرُ بَعْدَهَا) ، أَيْ: التَّرَاوِيحِ (فِي الْجَمَاعَةِ نَدْبًا) ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ. (وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ غَيْرَ إمَامٍ) كَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ (أَنْ يُوتِرَ بَعْدَهُ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَإِنْ أَحَبَّ) مَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ (مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ) فِي وِتْرِهِ؛ (قَامَ إذَا سَلَّمَ) الْإِمَامُ (فَشَفَعَهَا) أَيْ: الرَّكْعَةَ الْوِتْرَ (بِأُخْرَى) ثُمَّ إذَا تَهَجَّدَ أَوْتَرَ، فَيَنَالُ فَضِيلَةَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، وَفَضِيلَةَ جَعْلِ وِتْرِهِ آخِرَ صَلَاةٍ. (وَإِنْ أَوْتَرَ) وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْإِمَامِ (ثُمَّ أَرَادَ التَّهَجُّدَ لَمْ يُنْقِضْ) ، أَيْ: لَمْ يَشْفَعْ (وِتْرُهُ بِرَكْعَةٍ وَصَلَّى) تَهَجُّدَهُ، (وَلَمْ يُوتِرْ) ، لِحَدِيثِ «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ» وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ

الَّذِي يَنْقُضُ وِتْرَهُ. فَقَالَتْ: ذَاكَ الَّذِي يَلْعَبُ بِوِتْرِهِ رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ. (وَكُرِهَ تَطَوُّعٌ بَيْنَ تَرَاوِيحَ) نَصَّ عَلَيْهِ. رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَذُكِرَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رُخْصَةٌ فِيهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ. فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ أَبْصَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ أَتُصَلِّي وَإِمَامُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ؟ ، لَيْسَ مِنَّا مَنْ رَغِبَ عَنَّا. وَ (لَا) يُكْرَهُ (طَوَافٌ) بَيْنَ التَّرَاوِيحِ. وَلَا بَعْدَهَا وَسُكَّانُ أَهْلِ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ أُسْبُوعًا. وَيُصَلُّونَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. (وَلَا) يُكْرَهُ (تَعْقِيبٌ. وَهُوَ صَلَاتُهُ بَعْدَهَا) . أَيْ: التَّرَاوِيحِ (وَبَعْدَ وِتْرِ جَمَاعَةٍ) سَوَاءٌ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ قَصُرَ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ رَجَعُوا إلَى ذَلِكَ قَبْلَ النَّوْمِ، أَوْ لَمْ يُؤَخِّرُوهُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، لِقَوْلِ أَنَسٍ: لَا تَرْجِعُوا إلَّا لِخَيْرٍ تُرْجُونَهُ، وَكَانَ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا. وَلِأَنَّهُ خَيْرٌ وَطَاعَةٌ فَلَمْ يُكْرَهْ. كَمَا لَوْ أَخَّرُوهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ. (وَسُنَّ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ خَتْمَةٍ فِي تَرَاوِيحَ) لِيَسْمَعَ النَّاسُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ. (وَلَا) يَسُنُّ أَنْ (يَزِيدَ) الْإِمَامُ عَلَى خَتْمَةٍ، كَرَاهِيَةِ الْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ، نَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ الْقَاضِي. وَقَالَ أَحْمَدُ: يَقْرَأُ بِالْقَوْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَا يَخِفُّ عَلَيْهِمْ وَلَا يَشُقُّ. سِيَّمَا فِي اللَّيَالِي الْقِصَارِ. (إلَّا أَنْ يُوتِرُوا) زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ. (وَ) سُنَّ أَنْ (يَبْتَدِئَهَا) . أَيْ: التَّرَاوِيحَ (أَوَّلَ لَيْلَةٍ بِسُورَةِ الْقَلَمِ) يَعْنِي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] بَعْدَ الْفَاتِحَةِ. لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ، (فَإِذَا سَجَدَ) لِلتِّلَاوَةِ (قَامَ فَقَرَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ.

وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ، (وَيَخْتِمُ آخِرَ رَكْعَةٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ وَيَدْعُو عَقِبَهَا) بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ (قَبْلَ رُكُوعِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ رَأَى أَهْلَ مَكَّةَ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَفْعَلُونَهُ. قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ يَفْعَلُونَهُ وَبِمَكَّةَ. وَذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ، وَهُوَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِالْقُرْآنِ وَاجْعَلْهُ لِي إمَامًا وَنُورًا وَهُدًى وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ ذَكِّرْنِي مِنْهُ مَا نَسِيتُ وَعَلِّمْنِي مِنْهُ مَا جَهِلْتُ، وَارْزُقْنِي تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاجْعَلْهُ لِي حُجَّةً يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ رَوَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمُظَفَّرُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَأَبُو بَكْرٍ الضَّحَّاكُ فِي الشَّمَائِلِ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: حَدِيثٌ مُعْضِلٌ. وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ حَدِيثٌ غَيْرَهُ. انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا قِيلَ بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ، بَلْ نَقَلُوا عَنْ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْإِمَامَ: بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: بِمَا شِئْتَ. لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: قَدْ تَسَاهَلَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي قَبُولِ مَا وَرَدَ مِنْ الدَّعَوَاتِ، وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي رِوَايَةِ مَنْ يُعْرَفُ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَالْكَذِبِ فِي الرِّوَايَةِ. انْتَهَى. وَالْمُخْتَارُ: الدُّعَاءُ بِالْمَأْثُورِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» وَلَمْ يَدْعُ حَاجَةً إلَى غَيْرِهِ، (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) إذَا دَعَا، لِمَا سَبَقَ، (وَيُطِيلُ) الْقِيَامَ، نَصَّ عَلَيْهِ. فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، وَيَعِظُ بَعْدَ الْخَتْمِ نَصًّا. وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: يَخْتِمُ فِي الْوِتْرِ وَيَدْعُو؟ فَسَهَّلَ فِيهِ. وَقِرَاءَةُ الْأَنْعَامِ فِي رَكْعَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ؛ بِدْعَةٌ إجْمَاعًا.

فصل صلاة الليل

[فَصْلٌ صَلَاةُ اللَّيْلِ] (فَصْلٌ) (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ) أَيْ: النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِيهِ (أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ) نَفْلٍ مُطْلَقٍ بِ (نَهَارٍ) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ الْغَفْلَةِ، وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ. (وَوَقْتُهُ) أَيْ: النَّفْلِ (مِنْ غُرُوبِ) شَمْسٍ (لِطُلُوعِ فَجْرٍ) ثَانٍ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَ) فِعْلُهُ (بَعْدَ نَوْمٍ أَفْضَلُ) مِنْهُ قَبْلَهُ، (وَالتَّهَجُّدُ: مَا) كَانَ (بَعْدَ نَوْمٍ، وَالنَّاشِئَةُ) : مَا كَانَ (بَعْدَ رَقْدَةٍ) . قَالَ أَحْمَدُ: النَّاشِئَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ رَقْدَةٍ، وَمَنْ لَمْ يَرْقُدْ فَلَا نَاشِئَةَ لَهُ، وَقَالَ: هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا، أَيْ: تَثَبُّتًا، تَفْهَمُ مَا تَقْرَأُ، وَتَعِي ذَلِكَ. (وَنِصْفُهُ) ، أَيْ: اللَّيْلِ (الْآخِرُ: أَفْضَلُ مِنْ) نِصْفِهِ (الْأَوَّلِ) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا إذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ وَفِي رِوَايَةٍ: حِين يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِيِ هَكَذَا، وَفِي بَعْضِهَا هَكَذَا، أَوْ نِصْفُهُ الْآخِرُ أَفْضَلُ (مِنْ الثُّلُثِ الْأَوْسَطِ) ، لِلْخَبَرِ. (وَالثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ) ، أَيْ: الَّذِي يَلِي النِّصْفَ الْأَوَّلَ (أَفْضَلُ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ ضَمَّ إلَيْهِ السُّدُسَ السَّادِسَ أَوْ لَا، لِحَدِيثِ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُد؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ - وَقَدْ سُئِلَ: «أَيُّ

اللَّيْلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ؛ قِيلَ لَهُ: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَنْ خَافَ أَدْلَجَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ -؛ فَغَيْرُهُ أَصَحُّ مِنْهُ، وَهَذَا مَوْقُوفٌ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صِفَةِ تَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ نَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلَ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَوَصَفَ تَهَجُّدَهُ، وَقَالَ: ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ» . (وَسُنَّ قِيَامُ اللَّيْلِ) لِحَدِيثِ «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمُنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. (وَ) سُنَّ (افْتِتَاحُهُ) ، أَيْ: قِيَامِ اللَّيْلِ (بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَسْتَفْتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وأَبُو دَاوُد. (وَ) سُنَّ (نِيَّتُهُ) ، أَيْ: قِيَامِ اللَّيْلِ (عِنْدَ) إرَادَةِ (نَوْمِهِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «مَنْ نَامَ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَقُومَ؛ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (وَكَانَ) قِيَامُ اللَّيْلِ (وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا} [المزمل: 2] الْآيَةَ، (وَلَمْ يُنْسَخْ) وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. انْتَهَى. وَالْوِتْرُ غَيْرُ قِيَامِ اللَّيْلِ، اسْتَظْهَرَهُ فِي الْإِقْنَاعِ فِي فَصْلِ الْخَصَائِصِ. (وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ قِيَامِهِ) ، أَيْ: اللَّيْلِ كُلِّهِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي قِيَامِهِ كُلِّهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ تَفْوِيتِ حَقٍّ. وَعَنْ أَنَسٍ: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» كَسِلَ: بِكَسْرِ السِّينِ. وَعَنْ عَائِشَةَ

مَرْفُوعًا «خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» مُتَّفَقٌ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَلَا: تَفْعَلْ؛ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا يَقُومُهُ) أَيْ: اللَّيْلَ (كُلَّهُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: مَا عَلِمْتُ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ» وَظَاهِرُهُ حَتَّى لَيَالِيَ الْعَشْرِ، وَاسْتَحَبَّهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: قِيَامُ بَعْضِ اللَّيَالِيِ كُلِّهَا؛ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، (إلَّا لَيْلَةَ عِيدِ) فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، وَفِي مَعْنَاهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، لِلْخَبَرِ. (وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ عِبَادَةٌ) مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ غَيْرِهَا (فَفَعَلَهَا) أَيْ: تِلْكَ الْعِبَادَةَ؛ (فَهُوَ) أَيْ: فِعْلُهَا مَعَ الْمَشَقَّةِ، (أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهَا (مِمَّنْ لَا تَشُقُّ عَلَيْهِ، لِاعْتِيَادِهَا) إذْ مَنْ اعْتَادَ شَيْئًا يَسْهُلُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِنْ كَانَ عَسِرًا عَلَى غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ لِلْمُكْرِهِ نَفْسِهِ عَمَلَيْنِ: جِهَادٌ وَطَاعَةٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَهُوَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْهِ؛ فَلَهُ أَجْرَانِ» وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ. (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا (عَكْسَهُ) مِنْهُمْ: الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُنَيْدِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ عُبَّادِ الْبَصْرَةِ، فَالْبَاذِلُ لِذَلِكَ طَاعَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ فِي طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَرْبَابِ الْمَنَازِلِ وَالْمَقَامَاتِ، وَالْآخَرُ مِنْ أَرْبَابِ السُّلُوكِ وَالْبِدَايَاتِ. (وَسُنَّ تَنَفُّلٌ بَيْنَ الْعِشَائَيْنِ) ، وَهُوَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ مِنْ

الْمَغْرِبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، لِقَوْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] الْآيَةَ. قَالَ: كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَانَ أَبِي سَاعَةَ يُصَلِّي عِشَاءَ الْآخِرَةِ يَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الصَّبَاحِ يُصَلِّي وَيَدْعُو، وَقَالَ: مَا سَمِعْتُ بِصَاحِبِ حَدِيثٍ لَا يَقُومُ بِاللَّيْلِ. (وَ) سُنَّ (أَنْ يَكُونَ لَهُ تَطَوُّعَاتٌ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا، وَيَقْضِيَهَا بِفَوْتٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إذَا نَامَ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ؛ صَلَّى مِنْ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاسْتَحَبَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ رَكَعَاتٌ مَعْلُومَاتٌ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (إذَا نَشِطَ طَوَّلَهَا، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَنْشَطْ؛ (خَفَّفَهَا) ، لِحَدِيثِ: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» . (وَ) سُنَّ أَنْ (يَقْضِيَ تَهَجُّدَهُ قَبْلَ ظُهْرٍ) ، لِمَا رَوَى: أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنْ اللَّيْلِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ؛ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ» . (وَ) سُنَّ (أَنْ يَقُولَ عِنْدَ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ) مَا وَرَدَ، قَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ فِي ذَيْلِ فَصِيحِ ثَعْلَبٍ: الصَّبَاحُ عِنْدَ الْعَرَبِ: مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ إلَى الزَّوَالِ، ثُمَّ الْمَسَاءُ: إلَى آخِرِ نِصْفِ اللَّيْلِ. انْتَهَى. وَمِنْ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ، وَأَنَّهُ يَكْفِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَعَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ، وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ:

بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: رَضِيتُ، بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا؛ إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ؛ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكْرُ؛ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي؛ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ» ` رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) سُنَّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ (نَوْمٍ وَانْتِبَاهٍ) مِنْهُ مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ: حَدِيثُ حُذَيْفَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ النَّوْمِ؛ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا. وَاذَا اسْتَيْقَظَ؛ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَ) سُنَّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ (سَفَرٍ مَا وَرَدَ) ، وَمِنْهُ: حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إلَى سَفَرٍ؛ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ فِي سَفَرِي هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ، وَإِذَا رَجَعَ؛ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» وَمَعْنَى مُقْرِنِينَ: مُطِيقِينَ.

فرع أول ما يحاسب به العبد صلاته

(وَمِنْهُ) أَيْ: الْوَارِدِ (بَعْدَ انْتِبَاهٍ) مِنْ نَوْمٍ: «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ إنْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا؛ اُسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى؛ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيِّ. وَمِنْهُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانِي بَعْدَ مَا أَمَاتَنِي وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ. وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، سُبْحَانَكَ، أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» . تَتِمَّةٌ: سُنَّ أَنْ يُقَالَ لِمُسَافِرٍ سَفَرًا مُبَاحًا: أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَك، وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِك، وَزَوَّدَك اللَّهُ التَّقْوَى. [فَرْعٌ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ] (فَرْعٌ: أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ صَلَحَتْ أَفْلَحَ) وَنَجَا، (وَإِلَّا) تَصْلُحْ خَابَ وَخَسِرَ، (وَإِذَا نَقَصَ فَرْضُهُ) بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ، كَعَدَمِ خُشُوعٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ عَبَثٍ (كَمَّلَ) نَقْصَهُ (مِنْ نَفْلِهِ) ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ النَّوَافِلُ، وَنُدِبَ الْإِكْثَارُ مِنْهَا، (وَكَذَا بَاقِي أَعْمَالِهِ) مِنْ زَكَاةٍ وَحَجٍّ إذَا نَقَصَ مِنْ فَرْضِ ذَلِكَ كَمَّلَ مِنْ نَفْلِهِ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى. [فَصْلٌ صَلَاةُ اللَّيْل وَالنَّهَار مَثْنَى مَثْنَى] (فَصْلٌ) (وَصَلَاةُ لَيْلٍ وَنَهَارٍ مَثْنَى) أَيْ: يُسَلِّمُ فِيهَا مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدَ. وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ «صَلَاةِ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ وَقَعَ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ عَيَّنَهُ فِي سُؤَالِهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ حُجَّةً بِاتِّفَاقِنَا، وَلِأَنَّهُ سِيقَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْوِتْرِ، فَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِاللَّيْلِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَفْلٍ فَكَانَتْ سُنَّتَهَا بِرَكْعَتَيْنِ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَالتَّرَاوِيحِ، وَلِأَنَّ تَجَاوُزَ الرَّكْعَتَيْنِ يَتَعَرَّضُ بِهِ لِكَثْرَةِ السَّهْوِ، وَالِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا أَبْعَدُ مِنْهُ فَكَانَ أَوْلَى، وَالنُّصُوصُ الْوَارِدَةُ بِمُطْلَقِ الْأَرْبَعِ سَرْدًا: سُنَّةُ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةَ وَالْبَعْدِيَّةُ، وَسُنَّةُ الْعَصْرِ، لَا تَنْفِي فَضْلَ الْفَصْلِ بِالسَّلَامِ. (وَإِنْ تَطَوَّعَ بِأَرْبَعٍ نَهَارًا؛ فَلَا بَأْسَ) لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَ) كَوْنُ الْأَرْبَعِ (بِتَشَهُّدَيْنِ) كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (أَوْلَى مِنْ سَرْدِهَا) ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا. (وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ أَرْبَعٍ تَطَوَّعَ بِهَا نَهَارًا (مَعَ الْفَاتِحَةِ سُورَةٌ) كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ. (وَإِنْ زَادَ عَلَى أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ (نَهَارًا) ؛ صَحَّ، وَكُرِهَ (أَوْ) زَادَ عَلَى (ثِنْتَيْنِ لَيْلًا وَلَوْ جَاوَزَ ثَمَانِيَا) نَهَارًا أَوْ لَيْلًا (بِسَلَامٍ وَاحِدٍ؛ صَحَّ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَدْ صَلَّى الْوِتْرَ خَمْسًا وَسَبْعًا وَتِسْعًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ» وَهُوَ، تَطَوُّعٌ، فَأُلْحِقَ بِهِ سَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ. وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ مَرْفُوعًا «صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُنَّ» وَلَا يُنَافِيهِ مَا رُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا «أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ» لِإِمْكَانِ التَّعَدُّدِ (وَكُرِهَ) لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، إلَّا فِي الْوِتْرِ وَالضُّحَى لِوُرُودِهِ. (وَيَصِحُّ تَطَوُّعٌ بِرَكْعَةٍ وَنَحْوِهَا) كَثَلَاثِ وَخَمْسٍ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مَوْضُوعٌ اسْتَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَةً، فَتَبِعَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّمَا صَلَّيْتَ رَكْعَةً، قَالَ: هُوَ تَطَوُّعٌ، فَمَنْ

شَاءَ زَادَ، وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ وَصَحَّ عَنْ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ تَقْصِيرُ الْوِتْرِ رَكْعَةً، (وَكُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ. جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ لِحَدِيثِ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْوِتْرِ. (وَ) يَصِحُّ تَطَوُّعٌ (جَالِسًا) وَلَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ، وَ (لَا) يَصِحُّ تَنَفُّلُهُ (مُضْطَجِعًا) . قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْإِفَادَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَدَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى افْتِرَاضِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَنْهُمَا، (غَيْرَ مَعْذُورٍ) ، فَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ مُضْطَجِعًا. (وَأَجْرُ) صَلَاةِ (قَاعِدٍ غَيْرِ مَعْذُورٍ نِصْفُ) أَجْرِ (صَلَاةِ قَائِمٍ) ، لِحَدِيثِ «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ أَجْرُ نِصْفِ الْقَائِمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَعْذُورُ؛ فَأَجْرُهُ قَاعِدًا كَأَجْرِهِ قَائِمًا لِلْعُذْرِ. (وَسُنَّ تَرَبُّعُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي جَالِسًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِمَحَلِّ قِيَامٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. (وَ) إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ (إنْ شَاءَ) رَكَعَ مِنْ قُعُودٍ، وَإِنْ شَاءَ (قَامَ فَرَكَعَ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ. (وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (ثَنْيُ رِجْلَيْهِ بِرُكُوعٍ) أَيْ: فِي حَالِ رُكُوعٍ (وَسُجُودٍ) ، رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، (وَكَثْرَتُهُمَا) ، أَيْ: الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (أَفْضَلُ مِنْ طُولِ قِيَامٍ) ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ ذِكْرَ الْقِيَامِ، وَهُوَ: الْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهُوَ الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ، وَأَمَّا نَفْسُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ فَأَفْضَلُ مِنْ نَفْسِ الْقِيَامِ، فَاعْتَدَلَا، وَكَهَذَا كَانَتْ صَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعْتَدِلَةً، فَكَانَ إذَا أَطَالَ الْقِيَامَ أَطَالَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ بِحَسَبِ

ذَلِكَ حَتَّى يَتَقَارَبَا (إلَّا مَا وَرَدَ) عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (تَطْوِيلُهُ) كَصَلَاةِ كُسُوفٍ، (فَاتِّبَاعُهُ أَفْضَلُ) ، لِحَدِيثِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» وَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاسْتِكْثَارِ مِنْ السُّجُودِ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ، وَلِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ آكَدُ وَأَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْعَالِمِ وَسَيِّدِ الْقَوْمِ. (وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ تَطَوُّعٍ جَمَاعَةً) كَمَا تُفْعَلُ فُرَادَى لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعَاتِهِ مُنْفَرِدًا، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَمَا سُنَّ فِعْلُهُ مُنْفَرِدًا، كَقِيَامِ اللَّيْلِ، وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ إنْ فَعَلَهُ جَمَاعَةً فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ؛ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُتَّخَذُ سُنَّةً رَاتِبَةً. (وَإِسْرَارُهُ) ، أَيْ: التَّطَوُّعِ (أَفْضَلُ) ، وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهِ نَهَارًا، لِحَدِيثِ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» وَالْمُرَادُ: غَيْرُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي بَابِهِمَا. (سِيَّمَا لِخَائِفٍ) بِجَهْرِهِ بِالتَّطَوُّعِ (رِيَاءً) فَيُسِرُّهُ دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ. (وَجَازَ جُلُوسٌ لِمُبْتَدِئٍ نَفْلًا قَائِمًا كَعَكْسِهِ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَسُومِحَ فِي التَّطَوُّعِ تَرْكُ الْقِيَامِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ. (وَسُنَّ اسْتِغْفَارٌ بِسَحَرٍ وَإِكْثَارٌ مِنْهُ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] وَسَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذ بِكَ

فصل صلاة الضحى

مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ. أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي: فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ: يَقُولُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَقُولُ الْمَرْأَةُ أَمَتُكَ بِنْتُ عَبْدِكَ، أَوْ بِنْتُ أَمَتِكَ: وَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا عَبْدُكَ لَهُ مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِتَأْوِيلِ شَخْصٍ. [فَصْلٌ صَلَاةُ الضُّحَى] (فَصْلٌ) (تُسَنُّ صَلَاةُ الضُّحَى) ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَوْصَانِي خَلِيلِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (غَبًّا) بِأَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دُونَ بَعْضٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: لَا تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «كَانَ النَّبِيُّ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَلِأَنَّهَا دُونَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ، فَلَا تُشَبَّهُ بِهِمَا. (وَاسْتَحَبَّ جُمُوعٌ مُحَقِّقُونَ) . مِنْهُمْ: الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الْمَذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْمَجْدُ وَابْنُ حَمْدَانَ وَابْنِ تَمِيمٍ (فِعْلَهَا كُلَّ يَوْمٍ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (لِمَنْ لَمْ يَقُمْ لَيْلًا) حَتَّى لَا يَفُوتُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَلَهُ قَاعِدَةٌ فِي ذَلِكَ. (وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ) . لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

صَلَّاهَا دُونَهَا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَرَكْعَتِي الضُّحَى» وَصَلَّاهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعًا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَسِتًّا كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ. (وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ) لِحَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ، صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. (وَوَقْتُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الضُّحَى: (مِنْ خُرُوجِ) وَقْتِ (نَهْيٍ) أَيْ: ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ. (إلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ) أَيْ: إلَى دُخُولِ وَقْتِ النَّهْيِ بِقِيَامِ الشَّمْسِ. (وَأَفْضَلُهُ) أَيْ: وَقْتِ صَلَاةِ الضُّحَى (إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ) ، لِحَدِيثِ «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا) بِسَلَامٍ (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَيُرْوَى عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، «أَنَّهُ صَلَّاهَا كَذَلِكَ سَرْدًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ» . (وَيَتَّجِهُ عَلَى هَذَا) أَيْ: فِعْلُ سَعْدٍ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (جَوَازُ صَلَاةِ الضُّحَى) بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ (وَ) جَوَازُ صَلَاةِ (التَّرَاوِيحِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) يُعَضِّدُهُ (عِبَارَةُ شَرْحِ الْهِدَايَةِ صَلَّى) رَسُولُ اللَّهِ، (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوِتْرَ خَمْسًا وَسَبْعًا وَتِسْعًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ) أَيْ: الْوِتْرُ (تَطَوُّعٌ؛ فَأَلْحَقْنَا بِهِ سَائِرَ التَّطَوُّعَاتِ) ، لِعَدَمِ الْفَارِقِ.

تتمة فضائل صلاة الضحى

[تَتِمَّةٌ فَضَائِلُ صَلَاة الضُّحَى] تَتِمَّةٌ: لِصَلَاةِ الضُّحَى فَضَائِلُ لَا تُحْصَى، مِنْهَا: حَدِيثُ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى، لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا؛ غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ. (وَتُسَنُّ صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ) إذَا هَمَّ بِأَمْرٍ، أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ. (وَلَوْ فِي خَيْرٍ كَحَجٍّ وَجِهَادٍ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا (وَيُبَادِرُ بِهِ) ، أَيْ: الْخَيْرِ (بَعْدَهَا) ، أَيْ: الِاسْتِخَارَةِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ؛ يَقُولُ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ؛ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ وَهِيَ، أَيْ: صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ: رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ بَعْدَهُمَا: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ - وَيُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ - خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ؛ فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ؛ فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ لَهُ. (وَيَقُولُ فِيهِ: مَعَ الْعَافِيَةِ وَلَا يَكُونُ مَعَ الِاسْتِخَارَةِ عَازِمًا عَلَى الْأَمْرِ) الَّذِي يَسْتَخِيرُ فِيهِ، (أَوْ) عَلَى (عَدَمِهِ؛ فَإِنَّهُ خِيَانَةٌ فِي التَّوَكُّلِ ثُمَّ يَسْتَشِيرُ، فَإِذَا ظَهَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي شَيْءٍ؛ فَعَلَهُ) ، فَيَنْجَحُ مَطْلُوبُهُ.

(وَتُسَنُّ صَلَاةُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ) لِ (آدَمِيٍّ، وَهُمَا) أَيْ: صَلَاةُ الْحَاجَةِ: (رَكْعَتَانِ) يَرْكَعُهُمَا، ثُمَّ (يُثْنِي عَلَى اللَّهِ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلَّا غَفَرَتْهُ، وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًى إلَّا قَضَيْتَهَا، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) . لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ. (وَتُسَنُّ صَلَاةُ التَّوْبَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى) ، لِحَدِيثِ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ؛ إلَّا غُفِرَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 135] . . . إلَى آخِرِ الْآيَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ. (وَكَذَا) تُسَنُّ (رَكْعَتَا سُنَّةِ وُضُوءٍ عَقِبَهُ) أَيْ: الْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَقْتَ نَهْيٍ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: يَا بِلَالُ: حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ؛ فَقَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا صَلَّيْتُ فِي ذَلِكَ الطَّهُورِ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي أَنْ أُصَلِّيَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. (وَلَا تُسَنُّ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) : مَا يُعْجِبُنِي؛ قِيلَ لِمَ؟ قَالَ: (لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ) ، وَنَفَضَ يَدَهُ، كَالْمُنْكِرِ، وَلَمْ يَرَهَا

مُسْتَحَبَّةً. قَالَ الْمُوَفَّقُ: (وَإِنْ فَعَلَهَا) إنْسَانٌ؛ (فَلَا بَأْسَ، لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ) . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ الضَّعِيفِ، بِمَعْنَى: أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ، أَوْ تَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ. وَمِثْلُهُ: التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ وَالْمَنَامَاتِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، لَا اسْتِحْبَابَ وَلَا غَيْرَهُ؛ لَكِنْ يَجُوزُ ذِكْرُهُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فِيمَا عُلِمَ حُسْنُهُ، وَقُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، وَاعْتِقَادُ مُوجِبِهِ مِنْ قَدْرِ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ. (وَاسْتَحَبَّهَا جَمَاعَةٌ) لِلْخَبَرِ، وَيَأْتِي. (وَهِيَ: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ خَمْسَ عَشَرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ يَقُولُهَا) ، أَيْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدِ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، (فِي رُكُوعِهِ عَشْرًا، ثُمَّ) يَقُولُهَا (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ (عَشْرًا، ثُمَّ) يَقُولَهَا (كَذَلِكَ) أَيْ: عَشْرًا (فِي سُجُودِهِ ثُمَّ) يَقُولَهَا (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ عَشْرًا ثُمَّ) يَقُولَهَا (فِي سُجُودِهِ ثَانِيًا، ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ قَبْلَ قِيَامِهِ) ، ثُمَّ يَأْتِي بِذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْأَرْبَعِ. (يَفْعَلُهَا) أَيْ: صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهَا، (كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً؛ (فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً؛ (فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً؛ (فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً؛ (فَفِي الْعُمْرِ مَرَّةً) ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: «يَا عَمَّاهُ: أَلَا أُعْطِيكَ؟ أَلَا أَمْنَحُكَ؟ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ، إذَا أَنْتَ فَعَلَتْ ذَلِكَ؛ غُفِرَ لَكَ ذَنْبُكَ: أَوَّلُهُ

فصل يسن بتأكد سجود تلاوة عقب سجدة التلاوة

وَآخِرُهُ، وَقَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ، خَطَؤُهُ وَعَمْدُهُ، صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ، سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ؟ عَشْرُ خِصَالٍ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.» ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ. (وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّغَائِبِ) الَّتِي تُفْعَلُ فِي لَيْلَةِ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، (وَصَلَاةُ لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ) الشَّهِيرَةُ: بِالْأَلْفِيَّةِ؛ (فَبِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهُمَا قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، (وَقَالَ: لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فِيهَا فَضْلٌ، وَكَانَ فِي السَّلَفِ مَنْ يُصَلِّي فِيهَا، لَكِنَّ الِاجْتِمَاعَ فِيهَا لِإِحْيَائِهَا فِي الْمَسَاجِدِ بِدْعَةٌ انْتَهَى وَاسْتِحْبَابُ قِيَامِهَا كَلَيْلَةِ الْعِيدِ مَيْلُ) زَيْنِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَجَبٍ الْبَغْدَادِيِّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِ (اللَّطَائِفِ) فِيمَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ الْوَظَائِفِ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ، وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبِ» رَوَاهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَارِيخِهِ، بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ كَرْدُوسٍ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، وَأَوَّلِ لَيْلَةِ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ. وَفِي الرِّعَايَةِ: وَلَيْلَةِ نِصْفِ رَجَبٍ، وَفِي الْغُنْيَةِ وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ لِضَعْفِ الْأَخْبَارِ، وَهُوَ قِيَاسُ نَصِّهِ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ وَأَوْلَى. وَفِي آدَابِ الْقَاضِي صَلَاةُ الْقَادِمِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُهُمْ صَلَاةَ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. [فَصْلٌ يُسَنُّ بِتَأَكُّدِ سُجُود تِلَاوَة عَقِبَ سَجْدَة التِّلَاوَة] (فَصْلٌ) (يُسَنُّ بِتَأَكُّدِ سُجُودِ تِلَاوَةٍ عَقِبَهَا) أَيْ: عَقِبَ تِلَاوَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء: 107] وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى

مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَوْضِعًا لِجَبْهَتِهِ وَلِمُسْلِمٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ» وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّجْمِ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ «فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ» ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النَّحْلِ، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ؛ نَزَلَ فَسَجَدَ، فَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ؛ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمُرُ وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ " وَقَالَ فِيهِ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ؛ فَكَانَ إجْمَاعًا وَالْأَوَامِرُ بِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ. وَقَوْلُهُ {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا} [السجدة: 15] الْمُرَادُ بِهِ: الْتِزَامُ السُّجُودِ وَاعْتِقَادُهُ، فَإِنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِيمَانِ إجْمَاعًا، وَلِذَلِكَ قَرَنَهُ بِالتَّسْبِيحِ. (لِقَارِئٍ وَمُسْتَمِعٍ) لَهُ (وَهُوَ مَنْ يَقْصِدُ السَّمَاعَ) فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى فِي طَوَافٍ. وَ (لَا) يُسَنُّ السُّجُودُ لِ (سَامِعٍ) مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الِاسْتِمَاعِ، رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ عُثْمَانُ: إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانُ: مَا جَلَسْنَا لَهَا وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا؛ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ. (وَشُرِطَ) لِاسْتِحْبَابِ السُّجُودِ (كَوْنُ قَارِئٍ يَصْلُحُ إمَامًا لِلْمُسْتَمِعِ) أَيْ: يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَلَوْ فِي نَفْلٍ، (فَلَا يَسْجُدُ)

مُسْتَمِعٌ (إنْ لَمْ يَسْجُدْ) تَالٍ، لِمَا رَوَى عَطَاءٌ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَةِ قَرَأَ سَجْدَةً، ثُمَّ نَظَرَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّكَ كُنْتَ إمَامَنَا، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا مَعَكَ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا، وَفِيهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى، وَفِيهِ كَلَامٌ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمٍ وَهُوَ غُلَامٌ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً، فَقَالَ: اُسْجُدْ فَإِنَّكَ إمَامُنَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. (وَلَا) يَسْجُدُ مُسْتَمِعٌ (قُدَّامَهُ) أَيْ: الْقَارِئِ، (أَوْ عَنْ يَسَارِهِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ) ، أَيْ: التَّالِي عَنْ سَاجِدٍ مَعَهُ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِائْتِمَامِ بِهِ إذَنْ، فَإِنْ سَجَدَ عَنْ يَمِينِهِ مَعَهُ جَازَ، وَكَذَا عَنْ يَسَارِهِ مَعَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَا) يَسْجُدُ مُسْتَمِعٌ إذَا كَانَ (خَلْفَهُ) ، أَيْ: الْقَارِئُ فَذًّا أَوْ خَلْفَ الصَّفِّ (فَذًّا) قِيَاسًا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا) يَسْجُدُ (رَجُلٌ) مُسْتَمِعٌ وَلَا خُنْثَى (لِتِلَاوَةِ امْرَأَةٍ وَ) تِلَاوَةِ (خُنْثَى) ، لِعَدَمِ صِحَّةِ ائْتِمَامِهِ بِهِمَا. (وَيَسْجُدُ) مُسْتَمِعٌ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى، (لِتِلَاوَةِ) رَجُلٍ أُمِّيٍّ وَلِتِلَاوَةِ (زَمِنٍ) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَالْقِيَامَ لَيْسَا رُكْنًا فِي السُّجُودِ وَلِتِلَاوَةِ مُمَيِّزٍ، لِصِحَّةِ إمَامَتَهُ فِي النَّفْلِ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ (لَا) يَسْجُدُ مُسْتَمِعٌ لِتِلَاوَةِ (فَاسِقٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّ قُوَّةَ التَّعْلِيلِ فِيمَا يَأْتِي آنِفًا تَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ فِي الْقَارِئِ، لِعَدَمِ تَأْثِيرِ خِيَانَتِهِ فِي شَيْءٍ، فَهُوَ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ فِي هَذَا السُّجُودِ.

(وَلَا يَضُرُّ رَفْعُ رَأْسِ مُسْتَمِعٍ) قَبْلَ رَفْعِ قَارِئٍ، (وَ) كَذَا لَا يَضُرُّ (سَلَامُهُ) ، أَيْ: الْمُسْتَمِعُ (قَبْلَ) سَلَامِ (قَارِئٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إمَامًا لَهُ حَقِيقَةً، بَلْ بِمَنْزِلَتِهِ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَرْفَعُ قَبْلَ إمَامِهِ كَسُجُودِ الصُّلْبِ. (وَسُنَّ تَكَرُّرُ سُجُودٍ بِتَكْرَارِ تِلَاوَةٍ) لِأَنَّهَا سَبَبُهُ، فَتُكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا كَرَكْعَتِي الطَّوَافِ. وَإِنْ سَمِعَ سَجْدَتَيْنِ مَعًا سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا يَتَوَجَّهُ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ انْتَهَى. وَالْمُرَادُ غَيْرُ قِيمَةٍ، وَمِثْلُهُ مَنْ يُكَرِّرُ التِّلَاوَةَ لِلْحِفْظِ. وَيُسَنُّ السُّجُودُ لِلتِّلَاوَةِ (حَتَّى فِي طَوَافٍ وَصَلَاةٍ مَعَ قَصْرٍ فَصَلَ) بَيْنَ التِّلَاوَةِ أَوْ الِاسْتِمَاعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ يَسْجُدْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، (فَيَتَيَمَّمُ مُحْدِثٌ) تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ اسْتَمَعَهَا (بِشَرْطٍ) وَهُوَ تَعَذُّرُ الْمَاءِ لِعَدَمٍ أَوْ ضَرَرٍ. (وَيُومِئُ رَاكِبٌ) بِالسُّجُودِ لِلتِّلَاوَةِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ، (وَيَسْجُدُ مَاشٍ) مُسَافِرٍ بِالْأَرْضِ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ كَمَا يَسْجُدُ لِلنَّافِلَةِ. (وَكُرِهَ جَمْعُ آيَاتِ سُجُودٍ) فِي وَقْتٍ لِيَسْجُدَ لَهَا، (وَ) كُرِهَ (حَذْفُهَا) ، أَيْ: آيَاتِ السُّجُودِ بِأَنْ يَتْرُكَهَا حَتَّى لَا يَسْجُدَ لَهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ، بَلْ نُقِلَتْ كَرَاهَتُهُ، وَسَوَاءٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا (وَهِيَ) أَيْ: سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ (أَرْبَعَ عَشْرَةَ) سَجْدَةً فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَفِي الرَّعْدِ عِنْدَ {بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الأعراف: 205] وَفِي النَّحْلِ، وَفِي الْإِسْرَاءِ عِنْدَ

{وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109] وَفِي مَرْيَمَ {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] وَ (فِي الْحَجِّ ثِنْتَانِ) الْأُولَى عِنْدَ {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] وَالثَّانِيَةُ {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] وَفِي الْفُرْقَانِ {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60] وَفِي النَّمْلِ {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] وَفِي الم السَّجْدَةِ {لا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] وَفِي فُصِّلَتْ {وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] وَفِي آخَرِ النَّجْمِ، وَفِي الِانْشِقَاقِ {لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] وَآخِرِ اقْرَأْ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمْ سَجَدُوا فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُد، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، مَعَ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ ابْنَ لَهِيعَةَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ. «وَسَجَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي: الِانْشِقَاقِ، وَفِي: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَسَجْدَةُ ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، بَلْ (سَجْدَةُ شُكْرٍ) ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيهَا» . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا» ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ. فَعَلَى هَذَا يَسْجُدُ لَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ. (تَبْطُلُ بِهَا صَلَاةُ غَيْرِ جَاهِلٍ وَنَاسٍ) كَسَائِرِ سَجَدَاتِ الشُّكْرِ. (وَسُجُودُ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ كَ) صَلَاةِ (نَافِلَةٍ فِيمَا يُعْتَبَرُ لَهَا مِنْ شَرْطٍ) كَطَهَارَةٍ وَاجْتِنَابِ نَجَاسَةٍ، وَاسْتِقْبَالِ قِبْلَةٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ (وَ) مِنْ (رُكْنٍ) وَكَسُجُودٍ عَلَى

الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ، وَطُمَأْنِينَةٍ وَرَفْعٍ مِنْهُ (وَ) مِنْ (وَاجِبٍ) كَتَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ، لِأَنَّهُ سُجُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ لَهُ تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ، فَكَانَ صَلَاةً، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ وَالسَّهْوِ، (سِوَى تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) ؛ فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، (وَتَشَهُّدٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا صَلَاةٌ لَا رُكُوعَ فِيهَا، فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِمَا التَّشَهُّدُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. (وَكَذَا جُلُوسٌ) فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، أَيْ: إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ (لِ) أَجْلِ (تَسْلِيمٍ) ، بَلْ يُنْدَبُ لَهُ الْجُلُوسُ (عَلَى مَا بَحَثَهُ فِي الْإِقْنَاعِ) تَبَعًا لِلْإِنْصَافِ، لَكِنَّ أَصْلَ الْبَحْثِ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ وَعِبَارَتُهُ: قَالَ جَمَاعَةٌ: وَيَجْلِسُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: النَّدْبُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ يُعْقِبُهُ، فَشُرِعَ لِيَكُونَ سَلَامُهُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ. (وَالْأَفْضَلُ سُجُودٌ عَنْ قِيَامٍ) ، لِمَا رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ، فَإِذَا انْتَهَتْ، إلَى السَّجْدَةِ، قَامَتْ، فَسَجَدَتْ وَتَشْبِيهًا لَهَا بِصَلَاةِ النَّفْلِ. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) نَدْبًا إذَا أَرَادَ السُّجُودَ، (وَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ) نَصًّا (وَإِنْ زَادَ فِي سُجُودِهِ عَلَى قَوْلِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، مِمَّا وَرَدَ؛ فَحَسَنٌ، وَمِنْهُ) ، أَيْ: الْوَارِدِ: (اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ) ، أَيْ: اُمْحُ (عَنِّي بِهَا وِزْرًا: أَوْ اجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذِكْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْت مِنْ عَبْدِكَ دَاوُد) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ. وَمِنْهُ أَيْضًا: سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. (وَلَا يَسْجُدُ مَأْمُومٌ إلَّا لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ إنْ سَجَدَ) إمَامُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَتِهِ فَلَا تَكُونُ قِرَاءَةٌ غَيْرُ قِرَاءَةِ إمَامِهِ سَبَبًا لِاسْتِحْبَابِ السُّجُودِ فِي حَقِّهِ. وَ (لَا) يَسْجُدُ مَأْمُومٌ (لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ)

لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ عَلَى الْإِمَامِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَسْجُدُ مَأْمُومٌ لِقِرَاءَةِ (غَيْرِ إمَامِهِ) سَوَاءٌ كَانَ التَّالِي فِي صَلَاةٍ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ غَيْرَ الْمَأْمُومِ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ نَفْسِهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِصَلَاتِهِ، وَالْمَأْمُومَ مُشْتَغِلٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ. (وَلَا) يَسْجُدُ (إمَامٌ) أَوْ مُنْفَرِدٌ (لِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (فَإِنْ فَعَلَ) عَمْدًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهَا سُجُودًا. (وَيَتَّجِهُ: لَا) تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ سَجَدَ لِقِرَاءَةِ غَيْرِ إمَامِهِ وَهُوَ (نَاسٍ) أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، (وَكَذَا) لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ (جَاهِلٍ) الْحُكْمَ سَوَاءٌ، كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا، كَمَا لَوْ زَادَ فِيهَا رُكْنًا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْعِبَادَةِ وَفَسَادَهَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الذِّكْرِ وَالْعَمْدِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مَقِيسٌ عَلَى مَا لَوْ سَجَدَ لِلشُّكْرِ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ بِجَامِعِ عَدَمِ إبَاحَتِهِ لَهُمَا، وَنَصُّهُمْ عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ جَاهِلٍ وَنَاسٍ سَجَدَ لِشُكْرٍ فِيهَا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَلْزَمُ مَأْمُومًا مُتَابَعَةُ إمَامِهِ) فِي سُجُودِ تِلَاوَةٍ (فِي صَلَاةِ جَهْرٍ) ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (وَيَتَّجِهُ) مَحَلَّ لُزُومِ الْمَأْمُومِ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ: (إنْ سَمِعَ) قِرَاءَتَهُ، لَوْلَا الْمَانِعُ مِنْ السَّمَاعِ؛ كَبُعْدٍ وَطَرَشٍ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ، وَكَذَا لَوْ أَحَسَّ بِهَوِيِّهِ إلَى السُّجُودِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

وَ (لَا) يَلْزَمُ مَأْمُومًا مُتَابَعَةُ إمَامِهِ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي صَلَاةِ سِرٍّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا بِتَالٍ وَلَا مُسْتَمِعٍ، بِخِلَافِ الْجَهْرِيَّةِ، (فَلَوْ تَرَكَهَا) ، أَيْ: تَرَكَ الْمَأْمُومُ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ. وَلِغَيْرِ مُصَلٍّ أَنْ يَسْجُدَ لِسُجُودِ تَالٍ مُصَلٍّ، إذَا اسْتَمَعَ لَهُ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (وَكُرِهَ قِرَاءَةُ إمَامٍ) آيَةَ (سَجْدَةٍ بِصَلَاةِ سِرٍّ) كَظُهْرٍ وَعَصْرٍ، لِأَنَّهُ إنْ سَجَدَ لَهَا خَلَطَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، وَإِلَّا تَرَكَ السُّنَّةَ. (وَ) كُرِهَ (سُجُودُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (لَهَا) ، أَيْ: التِّلَاوَةِ لِصَلَاةِ سِرٍّ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخْلِيطِ عَلَى مَنْ مَعَهُ. (وَيُخَيَّرُ مَأْمُومٌ) سَجَدَ إمَامُهُ فِي صَلَاةٍ سِرِّيَّةٍ بَيْنَ الْمُتَابَعَةِ وَتَرْكِهَا، (وَ) كَوْنُ الْمَأْمُومِ (يُتَابِعُ) إمَامَهُ (أَوْلَى) ، لِعُمُومِ «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» . (وَإِذَا سَجَدَ مُصَلٍّ) لِلتِّلَاوَةِ، (ثُمَّ قَامَ؛ فَإِنْ شَاءَ رَكَعَ فِي الْحَالِ) مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ قَدْ تَقَدَّمَتْ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، (وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ) ، لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ. (وَلَا يُجْزِئُ رُكُوعُ صَلَاةٍ وَلَا سُجُودِهَا عَنْ سُجُودِ تِلَاوَةٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ، أَشْبَهَ سُجُودَ الصَّلَاةِ. (وَيَتَّجِهُ: وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِسُجُودٍ لَهَا وَلِسُجُودِ التِّلَاوَةِ (لِعَالِمٍ)

بِالْحُكْمِ (إنْ نَوَاهُمَا) ، أَيْ: سُجُودَ الصَّلَاةِ مَعَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ، لِأَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا لَوْ جَعَلَ مَكَانَ السُّجُودِ رُكُوعًا، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، قَالَهُ فِي الْمَذْهَبِ. (وَ) يَتَّجِهُ: أَنَّهَا (لَا تُجْزِئُ) سَجْدَةً نَوَى بِهَا ذَلِكَ (لِنَاسٍ وَ) لَا (جَاهِلٍ) فَيُعِيدُ سُجُودَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَّ سُجُودُ شُكْرٍ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعَمٍ) عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ، (وَ)

عِنْدَ (انْدِفَاعِ نِقَمٍ عَامَّةٍ) لَهُ وَلِلنَّاسِ، (أَوْ خَاصَّةٍ بِهِ ظَاهِرَةٍ) ؛ كَتَجَدُّدِ وَلَدٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ نُصْرَةٍ عَلَى عَدُوٍّ، لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ؛ خَرَّ سَاجِدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. «وَسَجَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْت عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ سَلَّمْت عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَرَوَى الْبَرَاءُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَّ سَاجِدًا حِينَ جَاءَهُ كِتَابُ عَلِيٍّ مِنْ الْيَمَنِ بِإِسْلَامِ هَمْدَانَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي السُّنَنِ وَقَالَ: هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ. «وَسَجَدَ حِينَ شَفَعَ فِي أُمَّتِهِ فَأُجِيبَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وسَجَدَ الصِّدِّيقُ حِينَ جَاءَهُ قَتْلُ مُسَيْلِمَةَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وسَجَدَ عَلِيٌّ حِينَ رَأَى ذَا الثُّدَيَّةِ مِنْ الْخَوَارِجِ رَوَاهُ أَحْمَدُ. وسَجَدَ كَعْبٌ حِينَ بُشِّرَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقِصَّتُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ نَشْتَرِطْ فِي النِّعْمَةِ الظُّهُورَ؛ (فَنِعَمُ اللَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا تُحْصَى) ، وَالْعُقَلَاءُ يُهَنِّئُونَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَارِضِ وَلَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ. (وَإِنْ سَجَدَ لِشُكْرٍ فِي صَلَاةٍ بَطَلَتْ، لَا) مِنْ (جَاهِلٍ وَنَاسٍ) ، كَمَا لَوْ زَادَ فِيهَا سُجُودًا (وَصِفَتُهُ) ، أَيْ: سُجُودِ الشُّكْرِ. (وَأَحْكَامُهُ كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ) ، فَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ وَإِذَا رَفَعَ، وَيَقُولُ فِيهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، وَيُسَلِّمُ؛ وَتُجْزِئُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ. (وَمَنْ رَأَى مُبْتَلًى فِي دِينِهِ) ؛ سَجَدَ نَدْبًا بِحُضُورِهِ وَغَيْرِهِ، أَيْ: وَبِغَيْرِ حُضُورِهِ، (وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ، تَفْضِيلًا وَإِنْ كَانَ) مُبْتَلًى (فِي بَدَنِهِ؛ سَجَدَ، وَقَالَ ذَلِكَ، وَكَتَمَهُ مِنْهُ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ) ، قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ:

فصل أوقات النهي عن الصلاة

كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِحَضْرَةِ الْمُبْتَلَى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَرَوَى الْحَاكِمُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ لِرُؤْيَةِ زَمِنٍ، وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ قِرْدٍ، وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ نُغَاشٍ» - بِالنُّونِ، وَالْغَيْنِ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ - قِيلَ: نَاقِصُ الْخِلْقَةِ، وَقِيلَ: الْمُبْتَلَى، وَقِيلَ: مُخْتَلِطُ الْعَقْلِ. (وَلَا يُكْرَهُ سُجُودٌ) لِلَّهِ تَعَالَى، (وَتَعْفِيرُ وَجْهٍ بِتُرَابٍ، لِدُعَاءٍ) ، أَيْ: لِأَجْلِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ، فَهَذَا سُجُودٌ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ، وَلَا شَيْءَ يَمْنَعُهُ، (وَالْمَكْرُوهُ) هُوَ (السُّجُودُ بِلَا سَبَبٍ قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ. [فَصْلٌ أَوْقَاتُ النَّهْي عَنْ الصَّلَاةِ] (فَصْلٌ) (أَوْقَاتِ النَّهْي) عَنْ الصَّلَاةِ: (خَمْسَةٌ) ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَتَبِعَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ: بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَهُوَ يَشْمَلُ وَقْتَيْنِ، وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَحَادِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ؛ فَالْأَوْقَاتُ الْخَمْسَةُ: أَحَدُهَا: (مِنْ طُلُوعِ فَجْرٍ) ثَانٍ (لِطُلُوعِ شَمْسٍ) ، لِحَدِيثِ «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ؛ فَلَا صَلَاةَ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ هُوَ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ. وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ «وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ خِطَابٍ، فَالْمَنْطُوقُ أَوْلَى مِنْهُ. (وَ) الثَّانِي: (مِنْ طُلُوعِهَا) ، أَيْ: الشَّمْسِ (لِارْتِفَاعِهَا قَدْرَ رُمْحٍ) فِي رَأْيِ الْعَيْنِ. (وَ) الثَّالِثُ: (عِنْدَ قِيَامِهَا) ، أَيْ: الشَّمْسِ (حَتَّى تَزُولَ) .

(وَ) الرَّابِعُ: (مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَلَوْ) كَانَتْ (مَجْمُوعَةً) مَعَ ظُهْرٍ فِي (وَقْتِ ظُهْرٍ، لِ) شُرُوعِهَا فِي (غُرُوبٍ) ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نُقْبِرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، حِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالظَّهِيرَةُ: شِدَّةُ الْحَرِّ، وَقَائِمُهَا: الْبَعِيرُ يَكُونُ بَارِكًا فَيَقُومُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الْأَرْضِ، وَتَضَيُّفُ: بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقٍ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ، ثُمَّ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، أَيْ: تَمِيلُ، وَمِنْهُ: الضَّيْفُ، تَقُولُ: أَضَفْتُ فُلَانًا إذَا أَمَلْتَهُ إلَيْكَ وَأَنْزَلْتَهُ عِنْدَكَ. (وَلَا اعْتِبَارَ) لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ (بِصَلَاةِ غَيْرِهِ) ، بَلْ الِاعْتِبَارُ بِصَلَاتِهِ نَفْسِهِ، فَيَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ وَلَوْ صَلَّى غَيْرَهُ، وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْد مَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ، (وَ) الِاعْتِبَارُ بِفَرَاغِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، (لَا بِشُرُوعِهِ) فِيهَا، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا ثُمَّ قَلَبَهَا نَفْلًا (قَبْلَ فَرَاغِهَا) ؛ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ التَّطَوُّعِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِفَرَاغِهَا. (وَ) الْخَامِسُ: (عِنْدَ غُرُوبِ) شَمْسٍ (حَتَّى يَتِمَّ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (فَيَحْرُمُ إيقَاعُ) صَلَاةِ (تَطَوُّعٍ أَوْ) إيقَاعُ (بَعْضِهِ) ، أَيْ: التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ مَا اُسْتُثْنِيَ (فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ) الْخَمْسَةِ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ تَطَوُّعٍ، فَدَخَلَ وَقْتُ النَّهْي وَهُوَ فِيهَا؛ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَتُهَا، قَالَ

فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (حَتَّى صَلَاةٍ عَلَى قَبْرٍ) ، وَلَوْ كَانَ لَهُ دُونَ شَهْرٍ، (وَ) حَتَّى صَلَاةٍ عَلَى مَيِّتٍ (غَائِبٍ) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ إنَّمَا أُبِيحَتْ وَقْتَ النَّهْيِ خَشْيَةَ الِانْفِجَارِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، وَالْغَائِبُ. (وَلَا يَقْطَعُهَا) ، أَيْ: صَلَاةَ التَّطَوُّعِ (إنْ دَخَلَ وَقْتُ نَهْيٍ وَهُوَ) أَيْ: الْمُتَطَوِّعُ (فِيهَا) ، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ، (قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ) . وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ إتْمَامَ النَّفْلِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ لَا بَأْسَ بِهِ، بَلْ يُخَفِّفُهُ. (وَيَتَّجِهُ) : حَيْثُ جَازَ لِلْمُتَطَوِّعِ إتْمَامُ مَا شَرَعَ فِيهِ مَعَ التَّخْفِيفِ؛ فَيَجِبُ (جُلُوسُهُ) إنْ دَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ حَالَ تَلَبُّسِهِ فِي سُجُودِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (فَوْرًا، لِيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ) ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَشَهُّدٍ، لِيَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَتَمَّ نَفْلَهُ مَعَ التَّخْفِيفِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الزَّرْكَشِيّ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَأْثَمُ بِاسْتِدَامَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَلَا يَنْعَقِدُ) التَّطَوُّعُ (إنْ ابْتَدَأَهُ) مُصَلٍّ (فِيهَا) ، أَيْ: أَوْقَاتِ النَّهْيِ، (وَلَوْ) كَانَ (جَاهِلًا) بِالتَّحْرِيمِ أَوْ بِكَوْنِهِ وَقْتَ نَهْيٍ، لِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ. (أَوْ) كَانَ مَا تَطَوَّعَ بِهِ (لَهُ سَبَبٌ، كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ) وَشُكْرٍ، (وَصَلَاةِ كُسُوفٍ) وَاسْتِسْقَاءٍ، (وَقَضَاءِ) سُنَّةٍ (رَاتِبَةٍ) كَسُنَّةِ صُبْحٍ إذَا صَلَّاهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، أَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ، (وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) ، وَسُنَّةِ وُضُوءٍ وَاسْتِخَارَةٍ، لِعُمُومِ النَّهْيِ، وَإِنَّمَا تَرَجَّحَ عُمُومُهَا عَلَى أَحَادِيثِ التَّحِيَّةِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهَا حَاضِرَةٌ، وَتِلْكَ مُبِيحَةٌ، وَالصَّلَاةُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَ (لَا) يَحْرُمُ إيقَاعُ نَافِلَةٍ (تَبَعًا) كَرَكْعَتَيْ طَوَافٍ بَعْدَهُ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِيهَا بِقَوْلِهِ: (إلَّا) تَحِيَّةَ مَسْجِدٍ مِمَّنْ دَخَلَهُ (حَالَ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ) ؛ فَيَفْعَلُهَا وَلَوْ حَالَ قِيَامِ الشَّمْسِ قَبْلَ زَوَالِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ، إلَّا يَوْمَ جُمُعَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) إلَّا (سُنَّةَ فَجْرٍ حَاضِرَةٍ قَبْلَهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْفَجْرِ؛ فَلَا تُفْعَلُ بَعْدَهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ. (وَ) إلَّا (سُنَّةَ ظُهْرٍ مَجْمُوعَةٍ) مَعَ عَصْرٍ. (وَلَوْ جَمْعَ تَأْخِيرٍ بَعْدَهَا) ، أَيْ: بَعْدَ الْعَصْرِ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، «قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ صَلَّيْتَ صَلَاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاك تُصَلِّيهَا، فَقَالَ: إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا؛ فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ جَمْعٌ، فَلِذَلِكَ صَحَّحَ الشَّارِحُ أَنَّ الرَّاتِبَةَ تُقْضَى بَعْدَ الْعَصْرِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ.

(وَ) إلَّا (رَكْعَتَيْ طَوَافٍ) ، لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ، أَوْ نَهَارٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَ) إلَّا (إعَادَةَ جَمَاعَةٍ أُقِيمَتْ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ بِشَرْطِهِ) ، وَهُوَ أَنْ لَا يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ لِأَجْلِ الْإِعَادَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أُقِيمَتْ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إنِّي صَلَّيْتُ، فَلَا أُصَلِّي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ. (وَيَجُوزُ فِعْلُ) صَلَاةٍ (مَنْذُورَةٍ) نَذْرًا مُطْلَقًا فِيهَا، (وَ) يَجُوزُ (نَذْرُهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (فِيهَا) ، أَيْ: فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ، (وَ) يَجُوزُ فِيهَا أَيْضًا (قَضَاءُ فَوَائِتَ) لِحَدِيثِ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا؛ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِحَدِيثِ «إذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ؛ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَ (لَا) تَجُوزُ (صَلَاةُ جِنَازَةٍ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ فَجْرٍ وَعَصْرٍ) ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَتَقَدَّمَ. وَذِكْرُهُ لِلصَّلَاةِ فِي الْحَدِيثِ مَقْرُونًا بِالدَّفْنِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ غَيْرِ الْخَمْسِ، أَشْبَهَتْ النَّوَافِلَ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ فِي الْوَقْتَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ لِطُولِ مُدَّتِهِمَا، فَالِانْتِظَارُ يُخَافُ مِنْهُ عَلَيْهَا، وَكَذَا إنْ خِيفَ عَلَيْهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْقَصِيرَةِ لِلْعُذْرِ. (وَمَكَّةَ كَغَيْرِهَا فِي النَّهْيِ) عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، إلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. (وَإِنْ) أَرَادَ التَّطَوُّعَ، وَ (شَكَّ فِي دُخُولِهِ) ، أَيْ: وَقْتِ النَّهْيِ؛ (فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ) ، أَيْ: إبَاحَةُ الصَّلَاةِ إلَى أَنْ يُتَيَقَّنَ دُخُولُهُ.

فصل في مسائل تتعلق بالقرآن

(وَيَتَّجِهُ: وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ) ، أَيْ: إذَا تَيَقَّنَ دُخُولَ وَقْتِ النَّهْيِ. وَشَكَّ فِي خُرُوجِهِ، فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ] (فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ) (الْقِرَاءَةُ تُبَاحُ بِكُلِّ زَمَانٍ) مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَقْتِ نَهْيٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَمَكَانٍ) فِي الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ وَالصَّحَارَى وَغَيْرِهَا، (وَ) بِكُلِّ (حَالٍ) ، أَيْ: قَائِمًا كَانَ أَوْ جَالِسًا، مُضْطَجِعًا أَوْ عَلَى جَنْبٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: إنِّي لَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى سَرِيرِي رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ. (وَلَوْ مَعَ نَجَاسَةِ فَمٍ) أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى الْمَنْعِ، (لِسِوَى مُتَخَلٍّ وَمَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ) ؛ فَتُحْرَمُ عَلَيْهِمَا. (وَتُسَنُّ) الْقِرَاءَةُ (عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ مِنْ طَهَارَةِ) الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، (وَاسْتِقْبَالِ) قِبْلَةٍ، (وَلَا بَأْسَ بِهَا لِمُضْطَجِعٍ، وَمَاشٍ وَنَحْوِهِ) كَرَاكِبٍ، (وَلَا تُكْرَهُ بِطَرِيقٍ) . قَالَ إبْرَاهِيمُ التَّمِيمِيُّ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ. (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا بَأْسَ بِهَا (مَعَ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ مَعَ نَجَاسَةِ بَدَنٍ وَثَوْبٍ، وَلَا حَالَ مَسِّ ذَكَرٍ وَ) ، حَالَ مَسِّ (نَحْوِ زَوْجَةٍ) وَجَارِيَةٍ مُبَاحَةٍ لَهُ. (وَتُكْرَهُ) الْقِرَاءَةُ (بِمَوَاضِعَ قَذِرَةٍ) تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ. (وَ) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (حَالَ خُرُوجِ رِيحٍ) مِنْ قَارِئٍ، فَإِذَا غَلَبَهُ الرِّيحُ؛ أَمْسَكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يُخْرِجَهُ، ثُمَّ يَشْرَعُ بِهَا. (وَ) يُكْرَهُ (جَهْرٌ بِهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ (مَعَ جِنَازَةٍ) ، وَيَأْتِي. (وَكَرِهَهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةَ (ابْنُ عَقِيلٍ بِأَسْوَاقٍ يُنَادَى فِيهَا بِبَيْعٍ. وَحَرُمَ رَفْعُ صَوْتِ) الْقَارِئ (بِهَا) ، أَيْ: بِالْقِرَاءَةِ بِأَسْوَاقٍ (مَعَ

اشْتِغَالِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ (بِتِجَارَةٍ وَعَدَمُ اسْتِمَاعِهِمْ لَهُ) قَالَ فِي الْفُنُونِ، قَالَ حَنْبَلٌ: كَثِيرٌ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ يَخْرُجُ مَخْرَجَ الطَّاعَةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَهِيَ مَأْثَمٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِثْلُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَسْوَاقِ، يَصِيحُ فِيهَا أَهْلُ السُّوقِ بِالنِّدَاءِ وَالْبَيْعِ، وَلَا أَهْلَ السُّوقِ يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِمَاعَ، وَذَلِكَ (لِمَا فِيهِ مِنْ الِامْتِنَانِ) ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: لَا يَجُوزُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ فِي الْأَسْوَاقِ مَعَ اشْتِغَالِ أَهْلِهَا بِتِجَارَتِهِمْ، وَعَدَمِ اسْتِمَاعِهِمْ لَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِامْتِنَانِ. (وَكُرِهَ رَفْعُ صَوْتٍ بِقِرَاءَةِ تُغَلِّطُ الْمُصَلِّينَ) لِاشْتِغَالِهِمْ. (وَيَتَّجِهُ التَّحْرِيمُ) : أَيْ: تَحْرِيمُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةٍ تُغَلِّطُ الْمُصَلِّينَ (لِلْإِيذَاءِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ لَهُمْ الْقِرَاءَةُ إذَنْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ السُّرْعَةَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى: (إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ وَتَرْكُهَا) ، أَيْ: السُّرْعَةِ (أَكْمَلُ) ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيلَ مُسْتَحَبٌّ. (وَكَرِهَ أَصْحَابُنَا قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ) ، وَقَالَ حَرْبٌ: حَسَنَةٌ، وَهِيَ: (بِأَنْ يَقْرَأَ قَارِئٌ، ثُمَّ يَقْطَعَ، ثُمَّ يَقْرَأَ غَيْرُهُ) بِمَا بَعْدَ قِرَاءَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَعَادَ مَا قَرَأَهُ الْأَوَّلُ، وَهَكَذَا؛ فَلَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُدَارِسُ

النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ بِرَمَضَانَ. (وَحَكَى الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا) أَيْ: قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ (حَسَنَةٌ، كَالْقِرَاءَةِ مُجْتَمَعِينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ) . وَلَوْ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ لِقِرَاءَةٍ وَدُعَاءٍ وَذِكْرٍ؛ فَعَنْهُ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْهُ، كَمَا قَالَتْ الْأَنْصَارُ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: مَا أَكْرَهَهُ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى عَمَلٍ إلَّا أَنْ يُكْثِرُوا، قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: يَعْنِي: يَتَّخِذُوهُ عَادَةً. قَالَ فِي الْفُنُونِ: أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْ جُمُوعِ أَهْلِ وَقْتِنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ لَيَالِيَ يُسَمُّونَهَا إحْيَاءً. (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) وَالْأَصْحَابُ (قِرَاءَةَ الْأَلْحَانِ، وَقَالَ: هِيَ بِدْعَةٌ) ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ، يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ وَلَا أَفْضَلِهِمْ، إلَّا لِيُغَنِّيَهُمْ غِنَاءً» وَلِأَنَّ الْإِعْجَازَ فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ وَنَظْمِهِ، وَالْأَلْحَانُ تُغَيِّرُهُ. (فَإِنْ حَصَلَ مَعَهَا) ، أَيْ: الْأَلْحَانِ (تَغْيِيرُ نَظْمِ الْقُرْآنِ، كَجَعْلِ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا: حَرُمَ) ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ عَنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: عَنْ تَغْيِيرِ نَظْمِ الْقُرْآنِ، (فَقَالَ لِلسَّائِلِ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ، فَقَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يُقَالَ لَكَ: يَا مو حَامِدُ؟) فَقَالَ: لَا (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (التَّلْحِينُ الَّذِي يُشْبِهُ الْغِنَاءَ مَكْرُوهٌ) . وَلَا يُكْرَهُ التَّرْجِيعُ، وَتَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ. يَجْهَرُ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَقَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» قَالَ طَائِفَةٌ: مَعْنَاهُ: تَحْسِينُ قِرَاءَتِهِ وَالتَّرَنُّمُ، وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَجَمَاعَةٌ: يَتَغَنَّى بِهِ.

(وَسُنَّ تَعَوُّذٌ قَبْلَ قِرَاءَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] . (وَ) سُنَّ (حَمْدُ اللَّهِ) تَعَالَى (عِنْدَ قَطْعِهَا) ، أَيْ: الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ، (عَلَى تَوْفِيقِهِ وَنِعْمَتِهِ) عَلَيْهِ، لِجَعْلِهِ مِنْ آلِ الْقُرْآنِ. (وَ) سُنَّ (سُؤَالُ ثَبَاتٍ) عَلَيْهَا، (وَ) إلْهَامِ قَصْدٍ (إخْلَاصٌ) فِي الْقِرَاءَةِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ. (وَإِنْ قَطَعَهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةَ (قَطْعَ تَرْكٍ) وَإِهْمَالٍ، (ثُمَّ أَرَادَهَا؛ أَعَادَ التَّعَوُّذَ، وَ) إنْ قَطَعَهَا (قَطْعًا لِعُذْرٍ، عَازِمًا عَلَى إتْمَامِهَا إذَا زَالَ) الْعُذْرُ (كَتَنَاوُلِ شَيْءٍ) أَوْ إعْطَائِهِ، أَوْ أَجَابَ سَائِلًا أَوْ عَطَسَ وَنَحْوِهِ؛ (فَلَا) يُعِيدُ التَّعَوُّذَ؛ لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ - قَالَ فِي الْآدَابِ -: فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا، ثُمَّ يَقْرَأَ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ، فَلَا تَسْقُطُ بِتَرْكِهَا إذَنْ، لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا حَتَّى فَرَغَ؛ سَقَطَتْ. (وَتَفَهُّمٌ فِيهِ) ، أَيْ: الْقُرْآنِ (وَتَدَبُّرٌ بِقَلْبٍ أَفْضَلُ مِنْ إدْرَاجِهِ كَثِيرًا بِغَيْرِ تَفَهُّمٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: يُحَسِّنُ الْقَارِئُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، وَيَقْرَؤُهُ بِحُزْنٍ وَتَدَبُّرٍ) ، «لِقَوْلِ أَبِي مُوسَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْمَعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا» وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَتَحْسِينُ الصَّوْتِ وَالتَّرَنُّمُ مُسْتَحَبٌّ إذَا لَمْ يُفِضْ إلَى زِيَادَةِ حَرْفٍ فِيهِ أَوْ تَغْيِيرِ لَفْظِهِ. وَمِنْ الْآدَابِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ وَأَبُو مُوسَى: الْبُكَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَبْكِ فَلْيَتَبَاكَ وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ عِنْدَ آيَةِ الرَّحْمَةِ، وَيَتَعَوَّذَ عِنْدَ آيَةِ الْعَذَابِ، وَلَا يَقْطَعَهَا لِحَدِيثِ النَّاسِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: إلَّا مِنْ

حَاجَةٍ، وَأَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْعُدُولِ الصَّالِحِينَ الْعَارِفِينَ بِمَعْنَاهَا، وَأَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ إذَا قَرَأَ قَاعِدًا، وَيَتَحَرَّى أَنْ يَعْرِضَهُ كُلَّ عَامٍ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ، وَيَفْصِلَ كُلَّ سُورَةٍ مِمَّا قَبْلَهَا بِالْوَقْفِ أَوْ التَّسْمِيَةِ، وَيَتْرُكَ الْمُبَاهَاةَ، وَلَا يَطْلُبَ بِهِ الدُّنْيَا، بَلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَا سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، وَقَنَاعَةٍ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ. زَادَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى وَغَيْرُهُ: وَأَنْ لَا يَجْهَرَ بَيْنَ مُصَلِّينَ، أَوْ نِيَامٍ، أَوْ تَالِينَ جَهْرًا يُؤْذِيهِمْ. (وَيُمَكِّنَ حُرُوفَ مَدٍّ وَلِينٍ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ) ، لِقَوْلِهِ: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: 4] . (وَذَكَرَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مَا جَاءَ فِي الْفِكْرِ) مِنْ الثَّوَابِ؛ فَقَالَ: (وَتَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ جَمْعِ الْهِمَّةِ وَتَرْكِ الْمُثَبِّطَاتِ عَنْ السَّيْرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (الْإِسْرَاعُ) بِالْقِرَاءَةِ (أَفْضَلُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ الْقِرَاءَةِ، (وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ جَاءَ: بِكُلِّ حَرْفٍ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً) ؛ يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَأَعْرَبَهُ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عِشْرُونَ حَسَنَةً» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوَّلُ النَّهَارِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهِ آخِرِهِ) ، وَلَعَلَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] (وَقِرَاءَةُ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ، يَعْنِي: مِنْ الْقُرَّاءِ) السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ (- رَحِمَهُمُ اللَّهُ -) تَعَالَى، (وَ) قِرَاءَةُ (الْأُخْرَى بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ آخَرَ) (جَائِزٌ وَلَوْ بِصَلَاةٍ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إحَالَةٌ) ، أَيْ: تَغْيِيرٌ (لِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ) فَيَمْتَنِعُ، وَالْأَوْلَى بَقَاؤُهُ عَلَى الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: إنْ كَانَتْ إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُرَتَّبَةً عَلَى الْأُخْرَى؛ فَالْمَنْعُ

تَحْرِيمٌ، كَقِرَاءَةٍ: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] بِرَفْعِهِمَا، أَوْ نَصْبِهِمَا، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا تُجِيزُهُ الْعَرَبِيَّةُ، وَلَا يَصْلُحُ فِي اللُّغَةِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ مَقَامِ الرِّوَايَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ قَرَأَ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الرِّوَايَةِ؛ لَا يَجُوزُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَذِبٌ فِي الرِّوَايَةِ، وَتَخْلِيطٌ عَلَى أَهْلِ الدِّرَايَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ التِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ؛ فَإِنَّهُ جَائِزٌ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ لَا مَنْعَ فِيهِ، وَإِنْ كُنَّا نَعِيبُهُ عَلَى أَئِمَّةِ الْقِرَاءَاتِ، الْعَارِفِينَ بِالرِّوَايَاتِ، لَكِنْ مِنْ وَجْهِ تَسَاوِي الْعُلَمَاءِ بِالْعَوَامِّ، لَا مِنْ وَجْهِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ؛ إذْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ تَخْفِيفًا عَلَى الْأُمَّةِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِمْ قِرَاءَةَ كُلِّ رِوَايَةٍ عَلَى حِدَةٍ، لَشَقَّ عَلَيْهِمْ تَمْيِيزُ الْقِرَاءَةِ الْوَاحِدَةِ. (وَسُنَّ تَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيلُهَا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: 4] وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا، يَعْنِي: إنَّ التَّرْتِيلَ وَالتَّدَبُّرَ، مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ، أَفْضَلُ مِنْ السُّرْعَةِ مَعَ كَثْرَتِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقُرْآنِ فَهْمُهُ وَتَدَبُّرُهُ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمُرَتِّلُ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ عَظِيمَةٍ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ نَفِيسَةٌ جِدًّا، وَالْمُسْرِعُ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَأَعْتَقَ عَدَدًا مِنْ الْعَبِيدِ قِيمَتَهُمْ رَخِيصَةٌ. (وَ) سُنَّ (إعْرَابُهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ، لِحَدِيثِ: «أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ، وَالْتَمِسُوا فِي إعْرَابِهِ» ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الْإِعْرَابُ هُنَا: (مَعْرِفَةُ مَعَانِي أَلْفَاظِهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ. (وَأَمَّا الْإِعْرَابُ النَّحْوِيُّ؛ فَيَجِبُ، وَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ عَمْدًا، وَيُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ لِتَغْيِيرِهِ الْقِرَاءَةَ) ، ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ.

(وَتُسَنُّ) الْقِرَاءَةُ (بِمُصْحَفٍ) لِإِشْغَالِ حَاسَّةِ الْبَصَرِ بِالْعِبَادَةِ، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَكَادُ يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعًا. (وَ) يُسَنُّ (اسْتِمَاعٌ لَهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ، لِيُشَارِكَ الْقَارِئَ فِي أَجْرِهِ. (وَكُرِهَ حَدِيثٌ عِنْدَهَا) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ (بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] وَلِأَنَّهُ إعْرَاضٌ عَنْ الِاسْتِمَاعِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. (وَسُنَّ حِفْظُ الْقُرْآنِ إجْمَاعًا، وَحِفْظُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا بَنِي آدَمَ، وَالْمَلَائِكَةُ لَمْ يُعْطَوْا هَذِهِ الْفَضِيلَةَ، وَهِيَ حَرِيصَةٌ عَلَى اسْتِمَاعِهِ مِنْ الْإِنْسِ. انْتَهَى. قَالَ الدَّمِيرِيِّ: وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ جِبْرِيلَ أَنَّهُ هُوَ النَّازِلُ بِالْقُرْآنِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمَلَائِكَةِ: {فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} [الصافات: 3] ، أَيْ: تَتْلُو الْقُرْآنَ. انْتَهَى. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ الصَّلَاحِ الْمَلَائِكَةُ غَيْرَ جِبْرِيلَ، أَوْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نُزُولِهِ بَقَاءُ حِفْظِهِ لَهُ جُمْلَةً؛ لَكِنْ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ مُدَارَسَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُ الْقُرْآنَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَانَ يُلْهِمُهُ إلْهَامًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى تَبْلِيغِهِ، وَأَمَّا تِلَاوَةُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا حِفْظُهُ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: أَنَّهُ يَحْصُلُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِحِفْظِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ (مِنْ شَخْصٍ) وَاحِدٍ (لَا أَنْ كُلًّا) مِنْ جَمَاعَةٍ (يَحْفَظُ بَعْضًا) مِنْ الْقُرْآنِ، بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ مَا مَعَهُمْ لَاجْتَمَعَ جَمِيعُهُ؛ فَلَا

يَسْقُطُ بِهِمْ الْفَرْضُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَيَجِبُ حِفْظُ مَا) أَيْ: قَدْرِ (يَجِبُ فِي صَلَاةٍ، كَفَاتِحَةٍ) ، لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا. (وَهُوَ) ، أَيْ: الْقُرْآنُ (أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الذِّكْرِ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَقُولُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي؛ أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ. وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. لَكِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْمَأْثُورِ مِنْ الذِّكْرِ فِي مَحَلِّهِ، كَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ؛ أَفْضَلُ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ. (وَ) الْقُرْآنُ (أَفْضَلُ مِنْ تَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ) وَزَبُورٍ، وَسَائِرِ الصُّحُفِ، (وَبَعْضُهُ) ، أَيْ: الْقُرْآنِ (أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ) إمَّا بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ فِي: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ، وَالْفَاتِحَةِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّ صَرْفَ الزَّمَانِ فِي (مَا وَرَدَ) أَنْ يُتْلَى (فِيهِ) مِنْ الْأَوْقَاتِ (ذِكْرٌ خَاصٌّ) ، كَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ، وَالْمُقِيمِ، وَمَا يُقَالُ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ، وَفِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ (أَفْضَلُ مِنْ) صَرْفِهِ فِي (قِرَاءَةِ) الْقُرْآنِ تَأَدُّبًا أَنْ يُفَضَّلَ شَيْءٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ، بَلْ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِمْ. (وَيُقَدَّمُ صَبِيٌّ بِتَعْلِيمِهِ الْقُرْآنَ كُلَّهُ قَبْلَ الْعِلْمِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ أَوَّلًا؛

تَعَوَّدَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ لَزِمَهَا (إلَّا أَنْ يَعْسَرَ) عَلَيْهِ حِفْظُهُ كُلِّهِ؛ فَيَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ. (وَيُقَدَّمُ مُكَلَّفُ الْعِلْمِ بَعْدَ قِرَاءَةِ مَا يَجِبُ فِي صَلَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، (كَمَا يُقَدَّمُ كَبِيرُ نَفْلِ عِلْمٍ عَلَى نَفْلِ قِرَاءَةٍ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ. (وَسُنَّ خَتْمُهُ) فِي (كُلِّ أُسْبُوعٍ) ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: كَانَ أَبِي يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي النَّهَارِ كُلَّ أُسْبُوعٍ، يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعًا، لَا يَكَادُ يَتْرُكُهُ نَظَرًا، أَيْ: فِي الْمُصْحَفِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، وَلَا تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَإِنْ قَرَأَهُ فِي ثَلَاثٍ؛ فَحَسَنٌ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ لِي قُوَّةً، قَالَ: اقْرَأْهُ فِي ثَلَاثٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَا بَأْسَ بِهِ) ، أَيْ: بِالْخَتْمِ (فِيمَا دُونَهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثِ (أَحْيَانَا) . (وَسُنَّ إكْثَارُ قِرَاءَةٍ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ فَاضِلٍ، كَرَمَضَانَ وَمَكَّةَ، اغْتِنَامًا لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ) . قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالنَّشَاطِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ؛ فَمَنْ وَجَدَ نَشَاطًا فِي خَتْمِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ؛ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِلَّا؛ كُرِهَ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي لَيْلَةٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ. (وَكُرِهَ تَأْخِيرُ خَتْمِ) الْقُرْآنِ (فَوْقَ أَرْبَعِينَ) يَوْمًا (بِلَا عُذْرٍ) ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ؛ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ فِي أَرْبَعِينَ. وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى نِسْيَانِهِ وَالتَّهَاوُنِ بِهِ. (وَحَرُمَ) تَأْخِيرُ الْخَتْمِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ (إنْ خَافَ نِسْيَانَهُ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: مَا أَشَدُّ مَا جَاءَ فِيمَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ) ، صَاحِبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ (فِي مَعْنَى حَدِيثِ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ: الْمُرَادُ بِالنِّسْيَانِ: أَنْ لَا يُمْكِنَهُ الْقِرَاءَةُ فِي

الْمُصْحَفِ) ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ. (وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ الْقُرْآنَ لِاشْتِغَالِهِ بِعِلْمٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، فَهُوَ غَيْرُ مَأْثُومٍ) . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ (يَخْتِمَ بِشِتَاءٍ أَوَّلَ لَيْلٍ) لِطُولِهِ، (وَبِصَيْفٍ أَوَّلَ نَهَارٍ) لِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَكَانَ يُعْجِبُ أَحْمَدَ، لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ؛ قَالَ: أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْخَيْرِ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَيَسْتَحِبُّونَ الْخَتْمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ؛ يَقُولُونَ: إذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ؛ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (وَيَجْمَعُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ عِنْدَ خَتْمِهِ) رَجَاءَ عَوْدِ نَفْعِ ذَلِكَ وَثَوَابِهِ إلَيْهِمْ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ رَجُلًا يُرَاقِبُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ؛ أَعْلَمَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَيَشْهَدُ ذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: كَانَ أَنَسٌ إذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ، وَدَعَا " وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ الْخَتْمَةِ أَنْ يَشْرَعَ فِي أُخْرَى، لِحَدِيثِ أَنَسٍ «خَيْرُ الْأَعْمَالِ: الْحِلُّ وَالرِّحْلَةُ؛ قِيلَ وَمَا هُمَا؟ قَالَ: افْتِتَاحُ الْقُرْآنِ، وَخَتْمُهُ» . (وَيَدْعُوَ) عَقِبَ الْخَتْمِ نَصًّا، لِفِعْلِ أَنَسٍ، وَتَقَدَّمَ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُكَبِّرَ فَقَطْ) ، فَلَا يُسْتَحَبُّ التَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ (لِخَتْمِهِ آخِرَ كُلِّ سُورَةٍ مِنْ آخِرِ الضُّحَى) إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ " رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ " رَوَاهُ الْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ " بِإِسْنَادِهِ. (وَلَا يُكَرِّرُ سُورَةَ الصَّمَدِ، وَلَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَخَمْسًا) ، أَيْ: خَمْسَ آيَاتٍ (مِنْ) أَوَّلِ (الْبَقَرَةِ عَقِبَ الْخَتْمِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ فِيهِ أَثَرٌ صَحِيحٌ، (فَإِنْ فَعَلَ) ذَلِكَ؛ (فَلَا بَأْسَ) ، لَكِنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى.

فصل يسن تعلم التأويل

[فَصْلٌ يُسَنُّ تَعَلُّمُ التَّأْوِيلِ] (فَصْلٌ) (يُسَنُّ تَعَلُّمُ التَّأْوِيلِ، وَهُوَ) أَيْ: التَّأْوِيلُ (هُنَا: التَّفْسِيرُ) لَا إخْرَاجُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ. (وَيَجُوزُ تَفْسِيرُ) الْقُرْآنِ (بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ) الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ نَزَلَ بِهَا، وَ (لَا) يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ (بِالرَّأْيِ) مِنْ غَيْرِ لُغَةٍ وَلَا نَقْلٍ، (فَمَنْ قَالَ فِيهِ) ، أَيْ: الْقُرْآنِ، أَيْ: فَسَّرَهُ (بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ) ، أَيْ: لِيَنْزِلْ مَنْزِلَهُ (مِنْ النَّارِ، وَأَخْطَأَ وَلَوْ أَصَابَ) ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ، أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. وَعَنْ سُهَيْلِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجُوَيْنِيِّ عَنْ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَسُهَيْلٌ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (وَيَلْزَمُ الرُّجُوعُ لِتَفْسِيرِ صَحَابِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَحَضَرُوا التَّأْوِيلَ، فَهُوَ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ. وَ (لَا) يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لِتَفْسِيرِ (تَابِعِيٍّ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَا يُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ: تَنْظُرُ مَا كَانَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ التَّابِعِينَ، لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى إجْمَاعِهِمْ، لَا عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمْ. قَالَهُ الْقَاضِي (وَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ، فَهُوَ تَوْقِيفٌ) مِنْهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.

(وَحَرُمَ جَعْلُ الْقُرْآنِ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ، مِثْلُ أَنْ يَرَى رَجُلًا جَاءَ فِي وَقْتِهِ. فَيَقُولُ {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} [طه: 40] فَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُسْتَعْمَلَ) الْقُرْآنُ (فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّهَاوُنِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِتَعْظِيمِهِ وَاحْتِرَامِهِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إنْ قَرَأَ عِنْدَمَا يُنَاسِبُهُ فَحَسَنٌ، كَقَوْلِ مَنْ دُعِيَ لِذَنْبٍ تَابَ مِنْهُ: {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} [النور: 16] ، وَكَقَوْلِهِ عِنْدَ إصَابَتِهِ (وَعِنْدَ) مَا (أَهَمَّهُ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] ، وَ) كَقَوْلِهِ (لِمَنْ اسْتَعْجَلَهُ) : {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37] فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا هُوَ مُنَاسِبٌ لِمُقْتَضَى الْحَالِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْقِيصَ فِيهِ. (وَلَا يَجُوزُ نَظَرٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غَضِبَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ صَحِيفَةً مِنْ التَّوْرَاةِ. وَقَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» . . .؟ ، " الْحَدِيثَ. (وَلَا) النَّظَرُ فِي (كُتُبِ أَهْلِ بِدَعٍ، وَ) لَا النَّظَرُ فِي (كُتُبٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَلَا رِوَايَتُهَا) . لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ إفْسَادِ الْعَقَائِدِ. (وَيَتَّجِهُ جَوَازُ نَظَرٍ) فِي كُتُبِ أَهْلِ الْبِدَعِ: لِمَنْ كَانَ مُتَضَلِّعًا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعَ شِدَّةِ تَثَبُّتٍ. وَصَلَابَةِ دِينٍ، وَجَوْدَةِ فِطْنَةٍ، وَقُوَّةِ ذَكَاءٍ وَاقْتِدَارٍ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ، (لِرَدٍّ عَلَيْهِمْ) وَكَشْفِ أَسْرَارِهِمْ، وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ أَهْلُ الْجَهَالَةِ بِتَمْوِيهَاتِهِمْ الْفَاسِدَةِ؛ فَتَخْتَلَّ عَقَائِدُهُمْ الْجَامِدَةُ. وَقَدْ فَعَلَهُ أَئِمَّةٌ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَلْزَمُوا أَهْلَهَا بِمَا لَمْ يُفْصِحُوا عَنْهُ جَوَابًا. وَكَذَلِكَ نَظَرُوا فِي التَّوْرَاةِ، وَاسْتَخْرَجُوا

تتمة ينبغي لحامل القرآن أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشمائل

مِنْهَا ذِكْرَ نَبِيِّنَا مِنْ مَحَلَّاتٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْمُصْحَفِ) فِي بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. [تَتِمَّةٌ يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ وَأَكْرَمِ الشَّمَائِلِ] ِ، قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الْإِسْلَامِ، لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْهُوَ مَعَ مَنْ يَلْهُو، وَلَا يَسْهُوَ مَعَ مَنْ يَسْهُو، وَلَا يَلْغُوَ مَعَ مَنْ يَلْغُو تَعْظِيمًا لِحَقِّ الْقُرْآنِ. [بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] (بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) وَمَنْ تَجُوزُ إمَامَتُهُ، وَمَنْ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، وَمَوْقِفُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَمَا يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْأَعْذَارِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. وَهِيَ (وَاجِبَةٌ) وُجُوبَ عَيْنٍ، (لِلْخَمْسِ الْمُؤَدَّاةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102] فَأَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ حَالَ الْخَوْفِ، فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى، يُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَثْقَلُ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ؛ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ أَيْضًا «أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ؛ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: فَأَجِبْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " لَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنَّا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ " رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ. وَيُعَضِّدُ وُجُوبَ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَهَا حَالَ الْخَوْفِ عَلَى صِفَةٍ لَا تَجُوزُ فِي الْأَمْنِ، وَأَبَاحَ الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْمَطَرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مُحَافَظَةً عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً؛ لَمَا جَازَ ذَلِكَ (عَلَى رِجَالٍ) لَا النِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى (أَحْرَارٍ) دُونَ الْعَبِيدِ وَالْمُبَعَّضِينَ، (قَادِرِينَ) عَلَيْهَا دُونَ ذَوِي الْأَعْذَارِ، (وَلَوْ سَفَرًا فِي شِدَّةِ خَوْفٍ) ، لِعُمُومِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ. (وَيُقَاتَلُ تَارِكُهَا) ، أَيْ: الْجَمَاعَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. (كَأَذَانٍ) ، أَيْ: كَمَا يُقَاتَلُ تَارِكُ الْأَذَانِ؛ لَكِنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا يُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهِ إذَا تَرَكَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ كُلُّهُمْ، بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُقَاتَلُ تَارِكُهَا وَإِنْ أَقَامَهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْأَعْيَانِ بِخِلَافِهِ، (لَا شَرْطًا) ، أَيْ: لَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ نَصًّا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَأَبَا دَاوُد. وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْذُورِ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ لَوْلَا الْعُذْرُ لِلْخَبَرِ. وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجِبَ لِلْعِبَادَةِ شَيْءٌ، وَتَصِحُّ بِدُونِهِ كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَكَالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ؛ (فَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْ مُنْفَرِدٍ) لَا عُذْرَ لَهُ. (وَيَأْثَمُ، وَفِي صَلَاتِهِ فَضْلٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ النِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ ثُبُوتُ الْأَجْرِ فِيهِمَا، وَإِلَّا فَلَا نِسْبَةَ وَلَا تَقْدِيرَ. (وَتَفْضُلُ الْجَمَاعَةُ) عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) ،

لِمَا تَقَدَّمَ، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: لَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْفَذِّ مُفْرَدَةً؛ أَشْبَهَتْ الْعَدَدَ الْمُفْرَدَ، فَلَمَّا جُمِعَتْ مَعَ غَيْرِهَا أَشْبَهَتْ ضَرْبَ الْعَدَدِ، وَكَانَتْ خَمْسًا، فَضُرِبَتْ فِي خَمْسٍ؛ فَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَهِيَ غَايَةُ مَا يَرْتَفِعُ إلَيْهِ ضَرْبُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ، وَأُدْخِلَتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ مَعَ الْمُضَاعَفَةِ، فِي الْحِسَابِ. (وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا (مَعَ عُذْرٍ) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ؛ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ، صَحِيحًا مُقِيمًا» . (وَتَنْعَقِدُ) الْجَمَاعَةُ (بِاثْنَيْنِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) ، لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِيهِمَا، (وَلَوْ) كَانَتْ الْجَمَاعَةُ (بِأُنْثَى) وَالْإِمَامُ رَجُلٌ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، (أَوْ) كَانَتْ بِ (عَبْدٍ) ، وَالْإِمَامُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، لِمَا سَبَقَ. وَ (لَا) تَنْعَقِدُ (بِصَبِيٍّ) ، وَالْإِمَامُ بَالِغٌ (فِي فَرْضٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إمَامًا فِي الْفَرْضِ، وَيَصِحُّ فِي النَّفْلِ،؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ صَبِيٌّ فِي التَّهَجُّدِ» وَيَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ رَجُلٌ رَجُلًا مُتَنَفِّلًا. (وَتَحْصُلُ) الْجَمَاعَةُ (بِبَيْتِهِ وَصَحْرَاءَ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ؛ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَتُسَنُّ) الْجَمَاعَةُ (بِمَسْجِدٍ) ، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الشِّعَارِ، وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ إقَامَتُهَا بِالرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا، قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنْ

أَدَّى ذَهَابُهُ إلَى الْمَسْجِدِ إلَى انْفِرَادِ أَهْلِهِ؛ فَالْمُتَّجِهُ إقَامَتُهَا فِي بَيْتِهِ تَحْصِيلًا لِلْوَاجِبِ. وَلَوْ كَانَ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى مُنْفَرِدًا، وَفِي بَيْتِهِ صَلَّى جَمَاعَةً؛ تَعَيَّنَ فِعْلُهَا فِي بَيْتِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ. وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ، وَفِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ؛ كَانَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى (وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ لِمَقْضِيَّةٍ وَكُسُوفٍ، وَاسْتِسْقَاءٍ، وَتَرَاوِيحَ) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ. (وَ) تُسَنُّ لِ (عَبِيدٍ وَصِبْيَانٍ وَخَنَاثَى) تَحْصِيلًا لِلْفَضِيلَةِ. (وَ) تُسَنُّ أَيْضًا (لِنِسَاءٍ مُنْفَرِدَاتٍ عَنْ رِجَالٍ فِي دُورِهِنَّ) ، لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ. «وَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّ وَرَقَةَ بِأَنْ تَجْعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَسَوَاءٌ كَانَ (مِنْهُنَّ إمَامُهُنَّ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ، أَشْبَهْنَ الرِّجَالَ. (وَيُكْرَهُ لِحَسْنَاءَ) وَلَوْ غَيْرَ شَابَّةٍ (حُضُورُ جَمَاعَةٍ مَعَ رِجَالٍ) ، خَشْيَةَ الِافْتِتَانِ بِهَا، (وَيُبَاحُ الْحُضُورُ لِغَيْرِهَا) ، أَيْ: غَيْرِ الْحَسْنَاءِ، كَعَجَائِزَ لَا حُسْنَ لَهُنَّ، فَيَحْضُرْنَ الْجَمَاعَةَ (تَفِلَاتٍ، أَيْ: غَيْرَ مُطَيَّبَاتٍ) وَلَا مُزَيَّنَاتٍ يُقَالُ: تَفِلَتْ الْمَرْأَةُ تَفَلًا، مِنْ بَابِ، تَعِبَ؛ إذَا أَنْتَنَ رِيحُهَا لِتَرْكِ التَّطَيُّبِ وَالِادِّهَانِ، وَتَفِلَتْ: إذَا تَطَيَّبَتْ؛ فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ، ذَكَرَهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي " حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ "، (بِإِذْنِ أَزْوَاجِ) هِنَّ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَأْتِي أَنَّهُ يَحْرُمُ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا. (وَكَذَا مَجَالِسُ وَعْظٍ) وَأَوْلَى، لَكِنَّ بَيْتَهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، لِلْخَبَرِ. (وَحَرُمَ عَلَيْهِنَّ) ، أَيْ: النِّسَاءِ (تَطَيُّبٌ لِحُضُورِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِمَّا تَجْتَمِعُ فِيهِ الرِّجَالُ، كَصَلَاةِ عِيدٍ أَوْ اسْتِسْقَاءٍ، لِئَلَّا يُفْتَتَنَ بِهِنَّ.

(وَمَنْ اسْتَأْذَنَتْهُ امْرَأَتُهُ) إلَى الْمَسْجِدِ، (أَوْ اسْتَأْذَنَتْهُ أَمَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ كُرِهَ) لَهُ (مَنْعُهَا) مِنْهُ، لِحَدِيثِ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» . (وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا، وَلَوْ) كُنَّ (بِمَكَّةَ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَلِأَبٍ ثُمَّ وَلِيٍّ مَحْرَمٍ) لِامْرَأَةٍ كَأُمٍّ وَعَمٍّ (مَنْعُ مُوَلِّيَتِهِ) مِنْ خُرُوجٍ مِنْ بَيْتِهَا (إنْ خَشِيَ) بِخُرُوجِهَا (فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا) اسْتِصْحَابًا لِلْحَضَانَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: الزَّوْجُ أَمْلَكُ مِنْ الْأَبِ، (وَ) لِمَنْ ذُكِرَ مَنْعُهَا (مِنْ الِانْفِرَادِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ دُخُولُ مَنْ يُفْسِدُهَا، وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا. (وَمَنْ بِطَرِيقِ مَسْجِدِهِ مُنْكَرٌ، كَغِنَاءٍ) ، لَمْ يَدَعْ الْمَسْجِدَ، بَلْ (يَمُرُّ وَيُنْكِرُهُ) بِحَسَبِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُنْكَرُ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَيَحْضُرُ؛ وَيُنْكِرُهُ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ) إتْيَانُ الْمَسْجِدِ (إلَّا بِمَشْيِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ؛ فَعَلَ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَتُسَنُّ لِأَهْلِ كُلِّ ثَغْرٍ) مِنْ ثُغُورِ الْإِسْلَامِ (اجْتِمَاعٌ بِمَسْجِدٍ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى لِلْكَلِمَةِ، وَأَوْقَعُ لِلْهَيْبَةِ، فَإِذَا جَاءَهُمْ خَبَرٌ مِنْ عَدُوِّهِمْ؛ سَمِعَهُ جَمِيعُهُمْ وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ، وَإِنْ جَاءَهُمْ عَيْنٌ لِلْكُفَّارِ؛ رَأَى كَثْرَتَهُمْ، فَأَخْبَرَ بِهَا. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إلَيَّ لَسَمَّرْت أَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي لِلثُّغُورِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ. (وَالْأَفْضَلُ لِوَجِيهِ غَيْرِهِمْ) ، أَيْ: غَيْرِ أَهْلِ الثَّغْرِ (الْمَسْجِدُ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ) الْجَمَاعَةُ (إلَّا بِحُضُورِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَعْمُرُهُ بِإِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ، وَيُحَصِّلُهَا لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي غَيْرِهِ، (أَوْ تُقَامُ) فِيهِ الْجَمَاعَةُ (بِدُونِهِ) ، أَيْ: حُضُورِهِ؛ (لَكِنْ فِي قَصْدِهِ غَيْرَهُ كَسْرُ قَلْبِ إمَامِهِ أَوْ جَمَاعَتِهِ) ، فَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ أَوْلَى، (قَالَهُ جَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: الْمُوَفَّقُ

وَالشَّارِحُ وَابْنُ تَمِيمٍ. (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَى حُضُورُهُ وَعَدَمُهُ، فَالْمَسْجِدُ (الْأَقْدَمُ) ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ فِيهِ أَسْبَقُ، (فَالْأَكْثَرُ جَمَاعَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا، (وَأَبْعَدُ) مَسْجِدَيْنِ قَدِيمَيْنِ أَوْ جَدِيدَيْنِ (أَوْلَى مِنْ أَقْرَبَ، وَلَوْ كَثُرَ جَمْعُهُ) ، أَيْ: الْأَقْرَبِ. هَذَا الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُنَوِّرِ " لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: «إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ أَجْرًا أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِكَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ بِكَثْرَةِ خُطَاهُ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ اُعْتُبِرَ تَقْدِيمُ مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمْعًا عَلَى الْأَبْعَدِ. (وَفَضِيلَةُ أَوَّلِ وَقْتٍ أَفْضَلُ مِنْ انْتِظَارِ كَثْرَةِ جَمْعٍ) ، قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: إنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَلَوْ قَلَّ الْجَمْعُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (وَتُقَدَّمُ جَمَاعَةٌ مُطْلَقًا عَلَى أَوَّلِ وَقْتٍ) ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَأَوَّلُ الْوَقْتِ سُنَّةٌ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَسْنُونٍ. (وَحَرُمَ أَنْ يَؤُمَّ بِمَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ) ، وَهُوَ (أَهْلٌ لَهَا) ، أَيْ: الْإِمَامَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَتَبْطُلُ فَائِدَةُ اخْتِصَاصِهِ بِالتَّقَدُّمِ، وَمَعَ الْإِذْنِ هُوَ نَائِبٌ عَنْهُ؛ (فَلَا تَصِحُّ) إمَامَةُ غَيْرِ الرَّاتِبِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: الرَّاتِبِ بِلَا إذْنِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْمُبْدِعِ "، وَمَعْنَاهُ فِي " التَّنْقِيحِ "، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى "، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا تَصِحُّ (مَعَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ) ؛ فَيُبَاحُ لِلْمَأْذُونِ أَنْ يَؤُمَّ، وَتَصِحُّ إمَامَتُهُ. (وَ) قُدِّمَ (فِي الرِّعَايَةِ ") أَنَّهَا (تَصِحُّ) مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَا يَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ بَعْدَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ،

فَلَا افْتِئَاتَ عَلَيْهِ. وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": إلَّا لِمَنْ يُعَادِي الْإِمَامَ، أَيْ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ بَعْدَهُ لِقَصْدِهِ إيذَاءَهُ بِذَلِكَ فَيُشْبِهُ مَا لَوْ تَقَدَّمَهُ. (وَيُرَاسَلُ) رَاتِبٌ (إنْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتٍ مُعْتَادٍ مَعَ) سَعَةِ وَقْتٍ وَ (قُرْبِ) مَحَلِّهِ (وَعَدَمِ مَشَقَّةٍ) ، لِيَحْضُرَ أَوْ يَأْذَنَ أَوْ يُعْلَمَ عُذْرُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ غَيْرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ (فَإِنْ تَأَخَّرَ) حُضُورُهُ، (وَضَاقَ وَقْتٌ) ؛ صَلَّوْا، (أَوْ بَعُدَ) مَحَلُّهُ، (أَوْ شَقَّ) الذَّهَابُ، إلَيْهِ، (أَوْ لَمْ يُظَنَّ حُضُورُهُ أَوْ ظُنَّ) حُضُورُهُ. (وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ) ، أَيْ: أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرُهُ مَعَ غَيْبَتِهِ؛ (صَلَّوْا) ، «لِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ حِينَ غَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مَرَّةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَحْسَنْتُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيَتَّجِهُ: وَصَاحِبُ بَيْتٍ أَهْلٌ لَهَا) ، أَيْ: الْإِمَامَةِ (كَرَاتِبٍ) ، فَيَحْرُمُ أَنْ يُؤَمَّ أَحَدٌ فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِلْخَبَرِ، وَتَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ صَلَّى) فَرْضَهُ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: مُنْفَرِدًا، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ، (ثُمَّ أُقِيمَتْ) الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ

وَقْتَ نَهْيٍ أَوْ لَا؛ (سُنَّ) لَهُ (أَنْ يُعِيدَ) مَعَ الْجَمَاعَةِ ثَانِيًا مَعَ إمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أُقِيمَتْ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ؛ فَصَلِّ وَلَا تَقُلْ: إنِّي صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. (غَيْرَ مَغْرِبٍ) ، فَلَا تُسَنُّ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّ الْمُعَادَ تَطَوُّعٌ، وَلَا يَكُونُ بِوِتْرٍ، وَلَوْ كَانَ صَلَّى وَحْدَهُ - ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ - فَيُعِيدُ غَيْرَ الْمَغْرِبِ، (وَلَوْ) كَانَ (مَسْبُوقًا، وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ) ، فَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ رُبَاعِيَّتِهِ رَكْعَتَيْنِ؛ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنْهَا، وَلَا يُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ نَصًّا، لِعُمُومِ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (وَالْأَوْلَى فَرْضُهُ) ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ؛ (فَيَنْوِي الثَّانِيَةَ نَفْلًا أَوْ ظُهْرًا مُعَادَةً مَثَلًا، وَلَا) يَنْوِي الثَّانِيَةَ (فَرْضًا) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْأُولَى أَسْقَطَتْ فَرْضَهُ. (وَيَتَّجِهُ: الْأَوْلَى: التَّفْوِيضُ) فِي النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِنَفْلٍ وَلَا فَرْضٍ، وَإِنْ نَوَاهَا نَفْلًا مُطْلَقًا؛ صَحَّ، لِمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكَذَا إنْ جَاءَ مَسْجِدًا) وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا، (وَلَوْ) كَانَ مَجِيئُهُ الْمَسْجِدَ (بِوَقْتِ نَهْيٍ، خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ " لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ ": وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ: فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ

الدُّخُولُ، وَقَالَ فِي " الْمُنْتَهَى ": وَكَذَا إنْ جَاءَ مَسْجِدًا غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ، فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ؛ فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ جَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ؛ لَا يُعِيدُ، وَلَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إذَنْ حَتَّى يُصَلُّوا. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ فِعْلِ مَا لَهُ سَبَبٌ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ، مَعَ أَنَّهُ مَشَى هُنَاكَ عَلَى مَنْعِهِ مُوَافَقَةً لِلْكِتَابَيْنِ، وَمَا قَالَاهُ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ الْإِعَادَةِ: إنْ جَاءَ الْمَسْجِدَ (لِغَيْرِ قَصْدِهَا) ، أَيْ: الْإِعَادَةِ، (وَ) إنْ كَانَ مَجِيئُهُ الْمَسْجِدَ (لِقَصْدِهَا) ؛ فَإِنَّهُ (يُكْرَهُ) ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ كَانَ صَلَّى فَرْضَهُ وَحْدَهُ. (وَ) جَاءَ الْمَسْجِدَ (بِوَقْتِ نَهْيٍ، وَقَصَدَ) الْإِعَادَةَ؛ (فَكَفِعْلِ مَا لَهُ سَبَبٌ) فِي وَقْتِ النَّهْيِ، وَالْمَذْهَبُ: لَا يَجُوزُ، فَلَا إعَادَةَ. قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِعَادَةَ. (وَلَا تُكْرَهُ إعَادَةُ جَمَاعَةٍ فِي) مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ كَغَيْرِهِ، (غَيْرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ) فَقَطْ، فَالْأَقْصَى كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ،

وَفِيهِمَا تُكْرَهُ، وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ أَرْغَبُ فِي تَوْفِيرِ الْجَمَاعَةِ؛ أَيْ: لِئَلَّا يَتَوَانَى النَّاسُ فِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ، مَعَ الرَّاتِبِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ إذَا أَمْكَنَتْهُمْ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى قَالَ فِي شَرْحِ " الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ تَعَدُّدُ الْأَئِمَّةِ الرَّاتِبِينَ بِالْمَسْجِدَيْنِ، لِفَوَاتِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِمَنْ يَتَأَخَّرُ، وَفَوَاتِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَذَاهِبُ. (وَلَا) تُكْرَهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ (فِيهِمَا) ، أَيْ: مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، (لِعُذْرٍ) فِي إقَامَتِهَا ثَانِيًا؛ لِأَنَّ إقَامَتَهَا إذَنْ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِهَا. (وَلَيْسَ لِإِمَامٍ اعْتِيَادُ صَلَاةٍ مَرَّتَيْنِ، وَجَعْلُ ثَانِيَةٍ عَنْ فَائِتَةٍ) أَوْ غَيْرِهَا، (وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ. وَفِي " وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ ": لَا يَجُوزُ فِعْلُ ظُهْرَيْنِ فِي يَوْمٍ، أَيْ: عَلَى اعْتِقَادِ فَرْضِيَّتِهِمَا، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُعَادَةً أَوْ فَائِتَةً؛ فَلَا مَانِعَ. وَمَنْ نَذَرَ أَنَّهُ مَتَى حَفِظَ الْقُرْآنَ؛ صَلَّى مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ أُخْرَى، وَحَفِظَهُ؛ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ. (وَسُنَّ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ صَلَاةٌ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) جَمَاعَةً أُخْرَى؛ (سُنَّ لِبَعْضِهِمْ) ، أَيْ: الْحَاضِرِينَ (أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ) ، لِحَدِيثِ «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟» . (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ (هَذَا) الْفِعْلَ مَسْنُونٌ إذَا أَرَادَ فِعْلَ الصَّلَاةِ (فِي) مَوْضِعٍ (غَيْرِ مَسْجِدٍ اُعْتِيدَ بِإِقَامَةِ جَمَاعَةٍ بَعْدَ) جَمَاعَةٍ (أُخْرَى) ، كَمَسْجِدِ دِمَشْقَ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ الْمَعْمُورَةِ بِالْعِبَادَةِ، (وَإِلَّا) يُرِدْ فِعْلَهَا فِي مَسْجِدٍ هُوَ كَذَلِكَ، بَلْ أَرَادَ فِعْلَهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ (فَيَلْزَمُ) تَحَرِّي الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ فَيَأْثَمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

فصل الشروع في نافلة بعد الشروع في الإقامة

(فَرْعٌ: مَنْ أَدْرَكَ جَمَاعَةً فِي الْأَثْنَاءِ) ، أَيْ: أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، (وَ) يَعْلَمُ أَنْ (بَعْدَهَا) تُقَامُ (جَمَاعَةٌ أُخْرَى؛ فَهِيَ) ، أَيْ: الْجَمَاعَةُ الَّتِي سَتُقَامُ (أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهَا مِنْ أَوَّلِهَا، فَيَحُوزُ فَضِيلَتَهَا عَلَى الْكَمَالِ، (إلَّا أَنْ تَتَمَيَّزَ) الْجَمَاعَةُ (الْأُولَى بِكَثْرَةِ جَمْعٍ أَوْ فَضْلِ إمَامٍ أَوْ رَاتِبَةٍ) ، أَيْ: إمَامُهَا رَاتِبٌ، (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، (وَقَالَ: مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) ، أَيْ: مَسْأَلَةِ تَعَدُّدِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ فِي كُلِّ وَقْتٍ (لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ فِي السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إمَامَانِ رَاتِبَانِ وَكَانَتْ الْجَمَاعَةُ تَتَوَفَّرُ مَعَ) الْإِمَامِ (الرَّاتِبِ) ، فَلَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَنْ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ. [فَصْلٌ الشُّرُوعُ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ] فَصْلٌ (وَيَمْنَعُ شُرُوعٌ فِي إقَامَةِ) صَلَاةٍ (انْعِقَادَ نَافِلَةٍ وَرَاتِبَةٍ) مِنْ (مُرِيدِ صَلَاةٍ) لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا (مَعَ إمَامِهَا) ، لِحَدِيثِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ؛ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَ الْإِقَامَةِ، فَلَوْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ، (وَلَوْ

بِبَيْتِهِ) ؛ لَمْ تَنْعَقِدْ، (أَوْ) شَرَعَ فِيهَا حَالَ كَوْنِهِ (جَاهِلًا) الْإِقَامَةَ، فَوَافَقَ أَنَّهُ كَانَ الشُّرُوعُ فِيهَا؛ لَمْ تَنْعَقِدْ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَيَتَّجِهُ:) أَنَّهُ (لَا يَضُرُّ) مَنْ أَحْرَمَ بِنَافِلَةٍ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ يُرِدْ الدُّخُولَ فِيهَا (طُرُوءُ إرَادَةِ) الصَّلَاةِ مَعَ مَنْ أَقَامَهَا (فِي أَثْنَاءِ) تِلْكَ النَّافِلَةِ، أَيْ: فَلَا تَبْطُلُ نَافِلَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ) شَرَعَ (فِيهَا) أَيْ: فِي النَّافِلَةِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ (وَلَوْ) كَانَ (خَارِجَ مَسْجِدٍ، يُتِمُّ) مَا ابْتَدَأَ وَلَوْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] هَذَا (مَعَ أَمْنِ فَوْتِ جَمَاعَةٍ، وَيُخَفِّفُ) صَلَاتَهُ حَسَبَ إمْكَانِهِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي ثَالِثَةٍ أَتَمَّ نَافِلَتَهُ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الثَّلَاثِ. (فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ (مَنْ نَوَى أَرْبَعًا؛ جَازَ نَصًّا) ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعُ ": وَلَعَلَّ عَدَمُ كَرَاهَةِ الثَّلَاثِ هُنَا لِلْعُذْرِ. (وَيَتَّجِهُ: وَ) إنْ سَلَّمَ مَرِيدُ الِاقْتِدَاءِ بِجَمَاعَةٍ أُقِيمَتْ (مِنْ) رَكْعَةٍ (وَاحِدَةٍ) ، وَهُوَ (نَاوٍ ثِنْتَيْنِ) ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّفْلِ لَا يُوجِبُ إتْمَامَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَعَ خَوْفِ) مَنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي نَافِلَةٍ (فَوْتَ) مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ أَوْ الْجَمَاعَةُ (يَقْطَعُهَا) ، أَيْ: النَّافِلَةَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ، (قَالَهُ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ.

(وَفَضِيلَةُ تَكْبِيرَةٍ أَوْلَى) ، أَيْ: تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (لَا تَحْصُلُ إلَّا بِشُهُودِ تَحْرِيمِ إمَامٍ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ. (وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ تَسْلِيمَةِ إمَامٍ أَوْلَى، أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ، وَلَوْ لَمْ يَجْلِسْ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْوِيَ الصِّفَةَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَوْنُهُ مَأْمُومًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْرِكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ. (وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ) مَعَ الْإِمَامِ (بِانْتِهَائِهِ لِحَدٍّ أَجْزَأَ قَبْلَ رَفْعِ) رَأْسِ (إمَامٍ) مِنْ الرُّكُوعِ عَنْ حَدِّ الْإِجْزَاءِ (غَيْرَ شَاكٍّ) فِي إدْرَاكِ الْإِمَامِ رَاكِعًا (دُونَ طُمَأْنِينَتِهِ) أَيْ: وَلَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ مَعَهُ (اطْمَأَنَّ) الْمَسْبُوقُ، (ثُمَّ تَابَعَ) ، إمَامَهُ (وَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ؛ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا، وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الْأَرْكَانِ غَيْرُ الْقِيَامِ؛ وَهُوَ يَأْتِي بِهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ، ثُمَّ يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ: هَلْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَوْ لَا؛ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، (وَأَجْزَأَتْهُ) أَيْ: مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا (تَكْبِيرَةُ إحْرَامٍ عَنْ وَاجِبِ تَكْبِيرِ رُكُوعٍ نَصًّا) ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَأَجْزَأَ الرُّكْنُ عَنْ الْوَاجِبِ كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ تُجْزِئُ فِي حَالِ الْقِيَامِ خِلَافَ مَا يَقُولُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ. (وَإِنْ) كَبَّرَ مَسْبُوقٌ وَالْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ؛ ثُمَّ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى (رَفَعَ إمَامٌ رَأْسَهُ) عَنْ قَدْرِ الْإِجْزَاءِ فِي الرُّكُوعِ؛ (فَاتَتْ الرَّكْعَةُ) . وَلَوْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْمَأْمُومِينَ، وَإِنْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَ

فِي أَثْنَاءِ رُكُوعِهِ؛ انْقَلَبَتْ نَفْلًا. وَإِنْ نَوَى الْمُدْرِكُ فِي الرُّكُوعِ الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ بِالتَّكْبِيرَةِ؛ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرَّكَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي النِّيَّةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَطَسَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ، فَقَالَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ عَنْهُمَا، وَإِنْ نَوَى بِتَكْبِيرِهِ الرُّكُوعَ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا. (وَسُنَّ دُخُولُ مَأْمُومٍ مَعَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (كَيْفَ أَدْرَكَهُ) ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ لَهُ بِمَا أَدْرَكَهُ فِيهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَقَدَّمَ. (وَيَنْحَطُّ) مَأْمُومٌ أَدْرَكَ إمَامَهُ غَيْرَ رَاكِعٍ (بِلَا تَكْبِيرٍ) نَصًّا، (وَلَوْ أَدْرَكَهُ سَاجِدًا) ، لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ وَقَدْ فَاتَهُ مَحَلُّ التَّكْبِيرِ. (وَيَقُومُ مَسْبُوقٌ) سَلَّمَ إمَامُهُ (بِهِ) أَيْ: بِالتَّكْبِيرِ (وُجُوبًا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ يُعْتَدُّ بِهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ الِانْتِقَالَاتِ. (وَ) تَجِبُ (عَلَيْهِ الْمُتَابَعَةُ) لِإِمَامِهِ (قَوْلًا وَفِعْلًا) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ؛ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا» وَالْمُرَادُ بِمُتَابَعَتِهِ فِي الْأَقْوَالِ: أَنْ يَأْتِيَ بِتَكْبِيرِ الِانْتِقَالِ عَمَّا أَدْرَكَهُ فِيهِ، وَمَا فِي السُّجُودِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَأَمَّا التَّشَهُّدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِتَشَهُّدِهِ؛ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَتَبْطُلُ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (بِتَرْكِ مُتَابَعَةِ) إمَامِهِ فِي (فِعْلٍ) ، كَرُكُوعٍ (لِعَالِمٍ) عَمْدًا، وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِتَرْكِهِ مُتَابَعَتَهُ فِي (قَوْلٍ، كَتَسْبِيحٍ) ، أَيْ: كَمَا لَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ مَعَ إمَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ، ثُمَّ سَبَّحَ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، لِتَعَسُّرِ الْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَيَأْتِي، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَإِنْ قَامَ مَسْبُوقٌ) لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (قَبْلَ تَسْلِيمِهِ ثَانِيَةً وَلَمْ يَرْجِعْ) ، لِيَقُومَ بَعْدَ سَلَامِهَا، (وَيَلْزَمُهُ) الرُّجُوعُ؛ (انْقَلَبَتْ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا) ، لِتَرْكِهِ الْعَوْدَ الْوَاجِبَ لِمُتَابَعَةِ إمَامِهِ بِلَا عُذْرٍ، فَيَخْرُجُ مِنْ الِائْتِمَامِ، وَيَبْطُلُ فَرْضُهُ. (وَيَتَّجِهُ:) أَنَّ صَلَاةَ الْمَسْبُوقِ تَنْقَلِبُ نَفْلًا بِمُجَرَّدِ قِيَامِهِ قَبْلَ تَسْلِيمَةِ إمَامِهِ الثَّانِيَةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَسْبُوقُ (جَاهِلًا) أَنَّ قِيَامَهُ مُضِرٌّ فِي فَرْضِهِ. (وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا (أَنَّهُ) أَيْ: الْمَسْبُوقُ، لَهُ أَنْ (يَقُومَ بِإِيَاسٍ) مِنْ تَسْلِيمَةٍ (ثَانِيَةٍ) مِمَّنْ لَا يَرَى وُجُوبَهَا (مِنْ نَحْوِ شَافِعِيٍّ) ، كَمَالِكِيٍّ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى. (وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا: (أَنَّهُ يَقُومُ) وُجُوبًا (فَوْرًا بَعْدَ) تَسْلِيمَةٍ (ثَانِيَةٍ) ، هَذَا (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْمَسْبُوقُ (بِمَوْضِعِ جُلُوسٍ) لِأَجْلِ (تَشَهُّدِهِ) ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ مَثَلًا، ثُمَّ سَلَّمَ إمَامُهُ؛ فَلَهُ الْبَقَاءُ جَالِسًا إلَى أَنْ يُتِمَّ تَشَهُّدَهُ الْوَاجِبَ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ جُلُوسِهِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، (وَإِلَّا يَكُنْ) فَرَاغُ إمَامِهِ مِنْ ثَانِيَةٍ بِمَوْضِعِ جُلُوسِ الْمَسْبُوقِ، كَكَوْنِهِ سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، ثُمَّ سَلَّمَ الثَّانِيَةَ؛ فَعَلَى

الْمَسْبُوقِ أَنْ يَقُومَ فَوْرًا، وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ تَشَهُّدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ فَوْرًا؛ (بَطَلَتْ لِعَامِدٍ) عَدَمَ الْقِيَامِ لَا جَاهِلٍ أَوْ نَاسٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَا أَدْرَكَ) مَسْبُوقٌ مَعَ إمَامِهِ (فَأَخَّرَهَا) ، أَيْ: أَخَّرَ صَلَاتَهُ، (فَلَا اسْتِفْتَاحَ لَهُ) ، أَيْ: لِمَا أَدْرَكَهُ، سَوَاءٌ قَرَأَ، أَوْ لَمْ يَقْرَأْ، (ولَا اسْتِعَاذَةَ إنْ لَمْ يَقْرَأْ) ، فَإِنْ أَرَادَ الْقِرَاءَةَ؛ اسْتَعَاذَ وَسَمَّى، وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ فَقَطْ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ. وَفِي " الْإِقْنَاعُ ": فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى؛ لَمْ يَسْتَفْتِحْ، وَلَمْ يَسْتَعِذْ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى خِلَافِهِ. (وَيَتَوَرَّكُ)

الْمَسْبُوقُ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي تَشَهُّدِهِ الَّذِي أَدْرَكَهُ (مَعَ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ صَلَاتَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدَّ لَهُ بِهِ، كَمَا يَتَوَرَّكُ لِلتَّشَهُّدِ الثَّانِي فِيمَا يَقْضِيهِ، فَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ؛ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ مُتَوَرِّكًا لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مُتَابَعَةً لَهُ، وَجَلَسَ بَعْدَ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ أَيْضًا مُتَوَرِّكًا؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُهُ سَلَامُهُ، (مُكَرِّرًا التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَدْبًا حَتَّى يُسَلِّمَ إمَامُهُ) التَّسْلِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَشَهُّدٌ وَاقِعٌ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَبْلَ إتْمَامِ مَسْبُوقٍ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ؛ قَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، وَلَمْ يُتِمَّ التَّشَهُّدَ الَّذِي يُكَرِّرُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ. (وَمَا يَقْضِي) مَسْبُوقٌ (أَوَّلَهَا) ، أَيْ: أَوَّلُ صَلَاتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ (يَسْتَفْتِحُ لَهُ) ، أَيْ: لِمَا يَقْضِيهِ، (وَيَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ سُورَةً) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا أَدْرَكْتُمْ الصَّلَاةَ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " وَاقْضِ مَا سَبَقَك " وَالْمَقْضِيُّ هُوَ الْفَائِتُ، فَيَكُونُ عَلَى صِفَتِهِ. (وَيَأْتِي) مَسْبُوقٌ (بِعَدَدٍ مَا فِي أُولَى) صَلَاةِ (عِيدٍ مِنْ تَكْبِيرٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) كَذَلِكَ مَسْبُوقٌ (بِ) صَلَاةِ (جِنَازَةٍ يَقْرَأُ) بَعْدَ صَلَاةِ إمَامِهِ (الْفَاتِحَةَ، فَمَا بَعْدُ مِمَّا فَاتَهُ) ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَانِي تَكْبِيرَةٍ، وَيَدْعُو بَعْدَ الثَّالِثَةِ، (وَيُطَوِّلُ أُولَى) الرَّكْعَتَيْنِ الْمَقْضِيَّتَيْنِ (عَلَى ثَانِيَةٍ) . (لَكِنْ لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ مَغْرِبٍ؛ تَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (عَقِبَ) قَضَاءِ رَكْعَةٍ (أُخْرَى) نَصًّا كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ مَا أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ آخِرُهَا، لِحَدِيثِ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى:

فَأَتِمُّوا قَضَاءً لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَتَشَهَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً عَقِبَ أُخْرَى؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَغْيِيرُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ عَقِبَ رَكْعَتَيْنِ؛ لَزِمَ عَلَيْهِ قَطْعُ الرُّبَاعِيَّةِ عَلَى وِتْرِ الثَّلَاثَةِ شَفْعًا، وَمُرَاعَاةُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ مُمْكِنَةٌ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَرْكِهَا، فَلَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهِ. (وَيَتَوَرَّكُ) مَسْبُوقٌ (فِي) التَّشَهُّدِ (الْأَخِيرِ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ وَمَغْرِبٍ. (وَيَتَحَمَّلُ إمَامٌ عَنْ مَأْمُومٍ قِرَاءَةَ) فَاتِحَةٍ (وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ) أَتَى بِهَا الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ، (وَ) سُجُودَ (سَهْوٍ بِشَرْطٍ) ، وَهُوَ إذَا كَانَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (وَسُتْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، (وَدُعَاءٍ قُنُوتٍ) فَيُؤَمِّنُ إذَا سَمِعَ الْإِمَامَ، وَإِلَّا فَيَقْنُتُ. (وَ) يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ (عَنْ) الْمَأْمُومِ أَيْضًا (تَسْمِيعًا) ، أَيْ: قَوْلَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، (وَ) قَوْلَ (مِلْءُ السَّمَاءِ إلَى آخِرِهِ) بَعْدَ التَّحْمِيدِ، (وَكَذَا تَشَهُّدٌ أَوَّلٌ) وَجُلُوسُهُ لَهُ (إذَا سَبَقَ بِرَكْعَةٍ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ. (وَيَتَّجِهُ: فِي غَيْرِ مَغْرِبٍ) ، وَأَمَّا فِي الْمَغْرِبِ، فَلَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ هُوَ مَحَلُّ تَشَهُّدِ الْإِمَامِ الْأَخِيرِ، فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهِ، (خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ " لِلْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " (فِيمَا يُوهِمُ) مِنْ إطْلَاقِهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) سُنَّ (لِمَأْمُومٍ اسْتِفْتَاحٌ وَتَعَوُّذٌ فِي) صَلَاةٍ (جَهْرِيَّةٍ) كَالصُّبْحِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ لَا يَحْصُلُ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ، لِعَدَمِ جَهْرِهِ بِهِمَا، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ. (وَ) سُنَّ لِمَأْمُومٍ أَيْضًا (قِرَاءَةُ فَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ حَيْثُ شُرِعَتْ) السُّورَةُ (فِي سَكَتَاتِهِ) يَعْنِي: أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ وَيَتَعَوَّذُ فِي السَّكْتَةِ الْأُولَى عَقِبَ إحْرَامِهِ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الثَّانِيَةِ

عَقِبَ فَرَاغِهِ لَهَا، وَيَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، (وَهِيَ) أَيْ: سَكَتَاتُ الْإِمَامِ ثَلَاثٌ (قَبْلَ فَاتِحَةٍ) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَقَطْ، (وَبَعْدَهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. (وَتُسَنُّ) أَنْ: تَكُونَ (هُنَا) أَيْ: بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (بِقَدْرِهَا) ، لِيَقْرَأَهَا الْمَأْمُومُ فِيهَا، (وَبَعْدَ فَرَاغِ قِرَاءَةٍ) لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةٍ فِيهَا. (وَ) يُسَنُّ لِمَأْمُومٍ أَيْضًا أَنْ يَسْتَفْتِحَ وَيَتَعَوَّذَ وَيَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً حَيْثُ شُرِعَتْ (فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ) إمَامُهُ كَالظُّهْرِ، وَكَذَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الْأَخِيرَةِ مِنْ مَغْرِبٍ، وَفِي الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ " كُنَّا نَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ. (أَوْ) ، أَيْ: وَيُسَنُّ لِمَأْمُومٍ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا تَقَدَّمَ حَيْثُ كَانَ (لَا يَسْمَعُهُ) أَيْ: الْإِمَامَ (لِبُعْدٍ) عَنْهُ (أَوْ لِطَرَشٍ إنْ لَمْ يُشْغَلْ) مَأْمُومٌ بِقِرَاءَتِهِ (مَنْ بِجَنْبِهِ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ فَإِذَا شَغَلَهُ تَرَكَهُ. (وَيَتَّجِهُ التَّحْرِيمُ) : لِإِيذَائِهِ مَنْ بِجَنْبِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (سَكَتَاتٌ) يَتَمَكَّنُ الْمَأْمُومُ فِيهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ؛ (كُرِهَ) لَهُ (أَنْ يَقْرَأَ نَصًّا) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (فَلَوْ سَمِعَ) الْمَأْمُومُ (هَمْهَمَتَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ، (وَلَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ؛ لَمْ يَقْرَأْ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ سَامِعٌ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ.

تتمة أدرك المأموم من الرباعية ركعة

[تَتِمَّةٌ أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً] تَتِمَّةٌ: لَوْ أَدْرَكَ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً؛ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ بِالْحَمْدُ وَسُورَةٍ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِالْحَمْدُ فَقَطْ، وَإِذَا فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ؛ جَهَرَ فِي قَضَائِهِمَا. [فَصْلٌ الْأَوْلَى لِمَأْمُومٍ شُرُوعٌ فِي فِعْلِ صَلَاةٍ بَعْدَ شُرُوعِ إمَامٍ فَوْرًا] (فَصْلٌ) (وَالْأَوْلَى لِمَأْمُومٍ شُرُوعٌ فِي فِعْلِ) صَلَاةٍ (بَعْدَ) شُرُوعِ (إمَامٍ فَوْرًا) وَالْمُرَادُ: بَعْدَ فَرَاغِ إمَامِهِ مِمَّا كَانَ فِيهِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، لِحَدِيثِ «فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ا» إذْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَلَوْ سَبَقَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ بِالْقِرَاءَةِ وَرَكَعَ، تَبِعَهُ الْمَأْمُومُ، وَ (يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ) الَّتِي شَرَعَ بِهَا، (وَيَرْكَعُ عَقِبَهُ) ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْمَأْمُومِ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمُتَابَعَةَ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ، (بِخِلَافِ تَشَهُّدٍ) إذَا سَبَقَ بِهِ الْإِمَامُ وَسَلَّمَ، (فَ) لَا يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ بَلْ (يُتِمُّهُ) إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِالتَّشَهُّدِ. (فَإِنْ وَافَقَهُ) ، أَيْ: وَافَقَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الْأَفْعَالِ؛ (كُرِهَ) لِمُخَالِفَةِ السُّنَّةِ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". (وَ) أَمَّا مُوَافَقَةُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ فِي أَقْوَالِ الصَّلَاةِ (إنْ كَبَّرَ لِإِحْرَامٍ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ إمَامِهِ، (أَوْ) كَبَّرَ (قَبْلَ إتْمَامِهِ) الْإِحْرَامَ؛ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بَعْدَ إمَامِهِ وَقَدْ فَاتَهُ. (وَإِنْ سَلَّمَ) مَأْمُومٌ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ إمَامِهِ (عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ) لِلْمَأْمُومِ؛ بَطَلَتْ لِتَرْكِهِ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ عَمْدًا، (أَوْ) سَلَّمَ مَأْمُومٌ قَبْلَهُ (سَهْوًا، وَلَمْ يُعِدْهُ) ، أَيْ: السَّلَامَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ إمَامِهِ أَوْ مَعَهُ، إذْ الْبَعْدِيَّةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ إمَامِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعِدْهُ بَعْدَهُ؛ فَقَدْ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ. (وَ) سَلَّمَ مَأْمُومٌ (مَعَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ فَإِنَّهُ (يُكْرَهُ)

تتمة سبق مأموم إمام بفعل

لَهُ ذَلِكَ، (وَلَا يُكْرَهُ سَبْقُ) مَأْمُومٍ إمَامَهُ (بِقَوْلٍ) مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ (غَيْرِهِمَا) ، أَيْ: غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَالتَّشَهُّدِ، وِفَاقًا، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، (وَالْأَوْلَى تَسْلِيمُهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ (عَقِبَ فَرَاغِ إمَامِهِ مِنْ تَسْلِيمَتَيْهِ) ، فَلَوْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ الْأُولَى بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ الْأُولَى، وَقَبْلَ سَلَامِهِ الثَّانِيَةَ، وَسَلَّمَ الْمَأْمُومُ الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ الثَّانِيَةَ؛ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ مُتَابَعَةِ إمَامِهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ فِي الْمُتَابَعَةِ لَا إنْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ الثَّانِيَةَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ الثَّانِيَةَ حَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا؛ فَلَا يَجُوزُ، لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ بِلَا عُذْرٍ كَالْأُولَى. [تَتِمَّةٌ سَبَقَ مَأْمُومُ إمَامٌ بِفِعْلٍ] تَتِمَّةٌ: فَإِنْ سَبَقَ إمَامٌ بِالسَّلَامِ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ مَأْمُومٌ دُعَاءَ التَّشَهُّدِ؛ أَتَمَّهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا، ثُمَّ سَلَّمَ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا تَابَعَهُ بِالسَّلَامِ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِإِتْمَامِ ذَلِكَ، نَقَلَهُ أَبُو دَاوُد. (وَمَنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ وَنَحْوَهُ) ، كَأَنْ رَفَعَ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (قَبْلَ إمَامِهِ) وَلَا يُعَدُّ سَابِقًا بِرُكْنٍ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهُ؛ فَلَا يُعَدُّ سَابِقًا بِالرُّكُوعِ حَتَّى يَرْفَعَ، وَلَا بِالرَّفْعِ حَتَّى يَهْوِيَ إلَى السُّجُودِ (عَالِمًا عَمْدًا حَرُمَ) ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَقَالَ الْبَرَاءُ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ. (وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَأْمُومٍ تَعَمَّدَ السَّبْقَ، (وَعَلَى جَاهِلٍ وَنَاسٍ ذَكَرَ أَنْ يَرْجِعَ لِيَأْتِيَ بِهِ) أَيْ: بِمَا سَبَقَ بِهِ إمَامَهُ (مَعَهُ) أَيْ: عَقِبَهُ،

تنبيه تعمد المأموم السبق بركن بين الركوع وغيره

وَإِلَّا فَتَقَدَّمَ تُكْرَهُ مُوَافَقَتُهُ فِي الْأَفْعَالِ، (فَإِنْ أَبَى) الرُّجُوعَ لِيَأْتِيَ بِهِ مَعَ إمَامِهِ عَالِمًا عَمْدًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ (حَتَّى أَدْرَكَهُ) إمَامُهُ (فِيهِ) أَيْ: فِي الرُّكْنِ الَّذِي سَبَقَ إلَيْهِ، (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا، وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِرُكُوعِهِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ إمَامِهِ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، وَيَعْتَدُّ) لَهُ (بِهِ) أَيْ: بِاَلَّذِي سَبَقَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ إمَامِهِ فِيهِ، فَلَمْ يُخِلَّ ذَلِكَ بِاقْتِدَائِهِ لِلْعُذْرِ. (وَمَنْ سَبَقَ بِرُكْنٍ) فَصَلَّى (بِأَنْ رَكَعَ) قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ (وَرَفَعَ لَا لِيَأْتِيَ بِهِ مَعَ إمَامِهِ) أَيْ: عَقِبَهُ (قَبْلَ رُكُوعِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ عَالِمًا عَمْدًا؛ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ كَامِلٍ: هُوَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَهُ بِالسَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ رُكُوعُهُ وَرَفْعُهُ قَبْلَ إمَامِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا فَاتَهُ عَقِبَ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي الرُّكُوعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» . [تَنْبِيهٌ تَعَمُّدُ الْمَأْمُومِ السَّبْقَ بِرُكْنٍ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ] تَنْبِيهٌ: لَا فَرْقَ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا فِي السَّبْقِ بِرُكْنٍ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ فِي أَنَّ تَعَمُّدَهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الْكَافِي " وَ " الْمُجَرَّدِ " وَ " غَايَةِ الْمَطْلَبِ " وَ " الْإِنْصَافِ " وَ " شَرْحِ الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِمْ بِالْبُطْلَانِ بِالسَّبْقِ إلَيْهِ عَمْدًا حَتَّى أَدْرَكَهُ إمَامُهُ فِيهِ، وَالسَّبْقُ بِالرُّكْنِ يَسْتَلْزِمُ السَّبْقَ إلَيْهِ وَزِيَادَةً، وَعَدَمُ الْعُذْرِ مَفْرُوضٌ فَمَا بَقِيَ لِعَدَمِ الْبُطْلَانِ مُسَوِّغٌ، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": وَإِنْ سَبَقَهُ بِالرُّكْنِ عَمْدًا، وَلَمْ يُدْرِكْهُ فِيهِ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقُدِّمَ فِي " الشَّرْحِ ": تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِأَيِّ رُكْنٍ مِنْ الْأَرْكَانِ رُكُوعًا كَانَ أَوْ سُجُودًا أَوْ قِيَامًا أَوْ قُعُودًا، وَهَذَا ظَاهِرُ " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِمَا. وَالْقَوْلُ، بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ بِالسَّبْقِ بِالرُّكْنِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الرُّكُوعِ، وَلَوْ

عَمْدًا، ضَعِيفٌ مَرْجُوحٌ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ وَلِصَنِيعِهِمْ. (أَوْ) سَبَقَ مَأْمُومٌ إمَامَهُ (بِرُكْنَيْنِ بِأَنْ رَكَعَ) الْمَأْمُومُ (وَرَفَعَ وَاعْتَدَلَ) وَهَوَى إلَى السُّجُودِ، إذْ الرَّفْعُ إنَّمَا يَتِمُّ بِالْهَوِيِّ لَا بِالِاعْتِدَالِ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ

كَلَامِهِمْ، (قَبْلَ رُكُوعِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ (أَوْ رَفَعَ) الْمَأْمُومُ (وَاعْتَدَلَ وَهَوَى إلَى السُّجُودِ قَبْلَ رَفْعِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (عَالِمًا عَمْدًا، بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ عَادَ وَأَتَى بِهِ عَقِبَ إمَامِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ. (وَ) سَبَقَهُ بِرُكْنٍ أَوْ رُكْنَيْنِ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، بَطَلَتْ) تِلْكَ (الرَّكْعَةُ) الَّتِي وَقَعَ السَّبْقُ فِيهَا (مَا لَمْ يَأْتِ بِهَا مَعَ إمَامِهِ) ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، قَالَهُ جَمْعٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَ (لَا)

تَبْطُلُ (رَكْعَتُهُ) سَبَقَ إمَامَهُ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا (بِرُكْنٍ) غَيْرِ رُكُوعٍ كَقِيَامٍ وَهَوِيٍّ إلَى السُّجُودِ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ، فَتَبْطُلُ الرَّكْعَةُ بِالسَّبْقِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ وَقَوْلُهُ: (وَيَتَّجِهُ) : لَا تَبْطُلُ رَكْعَةُ مَنْ سَبَقَ إمَامَهُ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا بِرُكْنٍ، (أَوْ بِرُكْنَيْنِ غَيْرَ رُكُوعٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ، فَالسَّبْقُ بِهِ كَالسَّبْقِ بِرُكْنَيْنِ مُخَالِفٌ لِصَحِيحِ الْمَذْهَبِ، بَلْ لَمْ يَحْكِ فِي " الْإِنْصَافِ " فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَعِبَارَتُهُ: الْجَاهِلُ وَالنَّاسِي تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا، وَتَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ لِعَدَمِ اقْتِدَائِهِ بِإِمَامِهِ فِيهَا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَتَبْطُلُ الرَّكْعَةُ مَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ إمَامِهِ.

(وَإِنْ تَخَلَّفَ) مَأْمُومٌ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ إمَامِهِ (بِرُكْنٍ) فَعَلَى أَيْ: رُكْنٍ كَانَ (فَأَكْثَرَ بِلَا عُذْرٍ) مِنْ نَوْمٍ وَسَهْوٍ وَزِحَامٍ وَعَجَلَةٍ، (فَكَسَبْقٍ، فَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِهِ (لِعَامِدٍ، وَتَصِحُّ لِجَاهِلٍ وَنَاسٍ) ، وَقَوْلُهُ: (وَتَبْطُلُ رَكْعَةُ) جَاهِلٍ وَنَاسٍ (بِرُكُوعِ) إمَامِهِ، (لِتَخَلُّفِهِ) عَنْهُ بِمَا هُوَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ، فِيهِ نَظَرٌ. إذْ لَوْ أَتَى بِمَا تَخَلَّفَ بِهِ عَنْ إمَامِهِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، (وَ) إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ (لِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَسَهْوٍ وَزِحَامٍ، إنْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ فِي غَيْرِ رُكُوعٍ) ، صَوَابُهُ: وَإِنْ كَانَ رُكُوعًا، (خِلَافًا لِجَمْعٍ) ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَغَيْرُهُمَا، بَلْ مَا قَالَهُ الْجَمْعُ هُوَ الْمَذْهَبُ. (مَعَ أَمْنِ فَوْتِ آتِيَةٍ وَلَحِقَهُ، صَحَّتْ) رَكْعَتُهُ، وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ حَيْثُ

تنبيه تخلف المأموم عنه بركن فأكثر بلا عذر

أَمْكَنَهُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ، (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا فَاتَهُ مَعَ إمَامِهِ، وَيَلْحَقُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ. (أَوْ خَافَ فَوْتَ) رَكْعَةٍ (آتِيَةٍ لَغَتْ الرَّكْعَةُ) الَّتِي تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنِهَا (وَتَابَعَ إمَامَهُ، وَاَلَّتِي تَلِيهَا عِوَضُهَا) ، فَيَبْنِي عَلَيْهَا وَيُتِمُّ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ. (فَإِنْ ظَنَّ) مَنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ فَأَكْثَرَ لِعُذْرٍ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ قَبْلَ رَفْعِ إمَامِهِ مِنْ الرُّكُوعِ (تَحْرِيمَ مُتَابَعَتِهِ إذَنْ) أَيْ: حَالَ خَوْفِ فَوْتِ آتِيَةٍ، (فَسَجَدَ جَهْلًا، اُعْتُدَّ بِهِ) أَيْ: السُّجُودِ لِعُذْرِ الْجَهْلِ (كَسُجُودِهِ) أَيْ: الْمَأْمُومِ (يَظُنُّ لُحُوقَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ فَلَمْ يَلْحَقْهُ. [تَنْبِيهٌ تَخَلَّفَ الْمَأْمُوم عَنْهُ بِرُكْنٍ فَأَكْثَرَ بِلَا عُذْرٍ] تَنْبِيهٌ: عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَعْنِي فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنٍ فَأَكْثَرَ بِلَا عُذْرٍ، فَكَسَبْقٍ، فَتَبْطُلُ لِعَامِدٍ، وَتَصِحُّ لِجَاهِلٍ وَنَاسٍ، وَتَبْطُلُ رَكْعَتُهُ بِرُكُوعٍ، وَلِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَسَهْوٍ إلَى آخِرِهِ، مَعَ كَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِلْمَذْهَبِ غَيْرَ مُحَرَّرَةٍ، فَلْيَتَفَطَّنْ لَهَا، وَكَذَلِكَ الْبُهُوتِيُّ وَهُمْ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى

بِحِلِّهِ قَوْلُهُ: لَا بِرُكْنٍ غَيْرِ رُكُوعٍ، وَتَبِعَهُ النَّجْدِيُّ، فَلْيُرَاجَعَا. (وَإِنْ زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ) رَكْعَةٍ (أَوْلَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ تَابَعَهُ فِي سُجُودِهَا، وَتَصِحُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ تُدْرَكُ بِهَا الْجُمُعَةُ) إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ جُمُعَةً، وَلَمْ نَقُلْ بِالتَّلْفِيقِ فِيمَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ مُعْتَبَرٍ. (وَلَوْ أَدْرَكَهُ) الْمَأْمُومُ بَعْدَ أَنْ فَعَلَ مَا تَخَلَّفَ بِهِ عَنْهُ (فِي رُكُوعِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ؛ تَبِعَهُ فِيهِ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالرَّكْعَتَيْنِ. (وَ) إنْ أَدْرَكَهُ (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، (تَبِعَهُ) فِي سُجُودِهَا (وَقَضَى) أَيْ: أَتَى بِرَكْعَةٍ، وَتَتِمُّ جُمُعَتُهُ. (وَإِنْ تَخَلَّفَ) مَأْمُومٌ (بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ لِعُذْرٍ، تَابَعَ) إمَامَهُ، وَقَضَى مَا تَخَلَّفَ

بِهِ (كَمَسْبُوقٍ) ، فِي مُجَرَّدِ الْقَضَاءِ فَإِنْ كَانَ مَا تَخَلَّفَ بِهِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ؛ فَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلَهَا، وَإِنْ كَانَ آخِرَهَا فَهُوَ آخِرُهَا، قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ: كَأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ؛ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.

فصل يسن لإمام تخفيف صلاته

[فَصْلٌ يُسَنُّ لِإِمَامٍ تَخْفِيفُ صَلَاتِهِ] (فَصْلٌ) (يُسَنُّ لِإِمَامٍ تَخْفِيفُ) صَلَاتِهِ (مَعَ إتْمَامِ) هَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ؛ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» رَوَاهُ

الْجَمَاعَةُ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا؛ قَالَ: فَمَا رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ؛ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إنَّ

مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ بِالنَّاسِ: فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَمَعْنَاهُ أَنْ

يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ، (مَا لَمْ يُؤْثِرْ مَأْمُومٌ التَّطْوِيلَ، فَإِنْ آثَرُوا كُلُّهُمْ) التَّطْوِيلَ، (اُسْتُحِبَّ) ، لِزَوَالِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ: التَّنْفِيرُ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَعَدَدُهُمْ مُنْحَصِرٌ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، مَعَ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ. (وَتُكْرَهُ) لِلْإِمَامِ (سُرْعَةٌ تَمْنَعُ مَأْمُومًا فِعْلَ مَا يُسَنُّ) لَهُ فِعْلُهُ، (بَلْ يُرَتِّلُ نَحْوَ قِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحِ) رُكُوعٍ وَسُجُودٍ (بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ مَنْ يَثْقُلُ لِسَانُهُ قَدْ أَتَى بِهِ) ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَى الْمَأْمُومِ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ فِعْلُهُ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ، وَالْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مِنْ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَقَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَإِتْمَامِ مَا تُسَنُّ لَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. (وَيُسَنُّ) لِإِمَامٍ (تَخْفِيفُ) الصَّلَاةِ (إذَا عَرَضَ لِبَعْضِ مَأْمُومِينَ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (مَا يَقْتَضِي خُرُوجَهُ) مِنْهَا (كَسَمَاعِ بُكَاءِ صَبِيٍّ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِيهَا مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ الْمَأْمُومِ إنْ تَضَرَّرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ آخِرَهُ وَنَحْوَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ غَالِبًا مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ غَالِبًا، (يَزِيدُ وَيَنْقُصُ لِلْمَصْلَحَةِ) كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ أَحْيَانًا. (وَ) سُنَّ لِإِمَامٍ (انْتِظَارُ دَاخِلٍ) مَعَهُ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ ذَا حُرْمَةٍ أَوْ لَا (فِي رُكُوعٍ وَغَيْرِهِ) . وَسُنَّ كَوْنُ انْتِظَارِهِ لَهُ (بِنِيَّةِ تَقَرُّبٍ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى (لَا) بِنِيَّةِ (تَوَدُّدٍ) ؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ ثَبَتَ عَنْ

النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ هُنَا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةٍ بِلَا مَضَرَّةٍ، فَكَانَ مُسْتَحَبًّا كَرَفْعِ الصَّوْتِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (إنْ لَمْ يَشُقَّ) انْتِظَارُهُ (عَلَى مَأْمُومٍ) بِأَنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً، وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى بَعْضِهِمْ، وَإِلَّا (فَيُكْرَهُ) ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَأْمُومِ الَّذِي مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ، فَلَا يَشُقُّ عَلَى مَنْ مَعَهُ لِنَفْعِ الدَّاخِلِ، (وَكَذَا لَوْ كَثُرَتْ جَمَاعَةٌ) أَوْ كَانَ الدَّاخِلُ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، فَيُكْرَهُ انْتِظَارُهُ، (لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْحَالَ وَالشَّأْنَ (يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ) ذَلِكَ، زَادَ جَمَاعَةٌ أَوْ طَالَ ذَلِكَ. (وَسُنَّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ) رَكْعَةٍ (أَوْلَى) لِإِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ (عَنْ) قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ) ، لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: «كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلْيَلْحَقْهُ الْقَاصِدُ إلَيْهَا، لِئَلَّا يَفُوتَهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ شَيْءٌ (إلَّا فِي صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي) كَمَا يَأْتِي فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، (فَثَانِيَةٌ أَطْوَلُ) مِنْ أُولَى، لِتُتِمَّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَذْهَبَ لِتَحْرُسَ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى، فَتَدْخُلَ مَعَهُ، (أَوْ) إلَّا إذَا كَانَ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى (بِيَسِيرٍ، كَ) مَا إذَا قَرَأَ بِ: (سَبِّحْ، وَالْغَاشِيَةِ) لِوُرُودِهِ فِي نَحْوِ الْجُمُعَةِ (وَفِي " الْإِقْنَاعِ ":) وَ (لَعَلَّ الْمُرَادَ: لَا أَثَرَ لِتَفَاوُتٍ يَسِيرٍ، وَهُوَ) ، أَيْ: تَرَجِّي صَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (حَسَنٌ) ؛ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ، لِمَا تَقَدَّمَ.

فصل مسائل من أحكام الجن

[فَصْلٌ مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الْجِنِّ] (فَصْلٌ) فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ (الْجِنِّ) مُنَزَّلُونَ عَلَى مَرَاتِبَ: فَإِذَا أُرِيدَ ذِكْرُ الْجِنِّ خَاصَّةً؛ قِيلَ: جِنِّيٌّ، فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ مِمَّنْ يَسْكُنُ مَعَ النَّاسِ؛ قِيلَ: عَامِرٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ؛ قِيلَ: أَرْوَاحٌ، فَإِنْ خَبُثَ وَتَعَزَّمَ؛ قِيلَ: شَيْطَانٌ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ؛ قِيلَ: مَارِدٌ، فَإِنْ قَوِيَ عَلَى نَقْلِ الصُّخُورِ وَالْأَحْجَارِ وَتَفَرْعَنَ؛ قِيلَ: عِفْرِيتٌ. وَهُمْ (مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ إجْمَاعًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] (يَدْخُلُ كَافِرُهُمْ النَّارَ، إجْمَاعًا، وَ) يَدْخُلُ (مُؤْمِنُهُمْ الْجَنَّةَ) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، (وَلَا يَصِيرُ تُرَابًا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَاللَّيْثِ) ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فِي أَنَّهُ يَصِيرُ تُرَابًا، وَأَنَّ ثَوَابَهُ النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ كَالْبَهَائِمِ، (وَهُمْ) ، أَيْ: مُؤْمِنُو الْجِنِّ (فِيهَا كَغَيْرِهِمْ) مِنْ الْآدَمِيِّينَ (عَلَى قَدْرِ ثَوَابِهِمْ) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، (لَا أَنَّهُمْ حَوْلَهَا) ، أَيْ: الْجَنَّةِ (خِلَافًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا، خِلَافًا لِمُجَاهِدٍ) ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْجِنُّ أَجْسَامٌ هَوَائِيَّةٌ أَوْ نَارِيَّةٌ، أَيْ: يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَهُمْ مُرَكَّبُونَ مِنْ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ كَالْمَلَائِكَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَقِيلَ: أَرْوَاحٌ مُجَرَّدَةٌ، وَقِيلَ: نُفُوسٌ بَشَرِيَّةٌ مُفَارِقَةٌ عَنْ أَبْدَانِهَا، وَعَلَى كُلٍّ؛ فَلَهُمْ عَقْلٌ وَفَهْمٌ، يَقْدِرُونَ عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَعَلَى الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ فِي أَسْرَعِ زَمَنٍ، وَصَحَّ خَبَرُ أَنَّهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ ذُو أَجْنِحَةٍ يَطِيرُونَ بِهَا، وَحَيَّاتٌ، وَآخَرُونَ يَحِلُّونَ وَيَرْحَلُونَ، وَنُوَزِّعُ فِي قُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّشَكُّلِ بِاسْتِلْزَامِهِ رَفْعَ الثِّقَةِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ رَأَى وَلَوْ وَلَدَهُ؛ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ جِنِّيٌّ تَشَكَّلَ بِهِ،

وَيُرَدُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِعِصْمَتِهَا عَنْ أَنْ يَقَعَ فِيهَا مَا يُؤْذِي، كَمِثْلِ ذَلِكَ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الرِّيبَةِ فِي الدِّينِ وَرَفْعِ الثِّقَةِ بِعَالِمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَاسْتَحَالَ شَرْعًا الِاسْتِلْزَامُ الْمَذْكُورُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُمْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَعُزِّرَ، لِمُخَالَفَتِهِ الْقُرْآنَ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ عَلَى زَعْمِ رُؤْيَةِ صُوَرِهِمْ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيْهَا. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (وَيَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى هُمْ) ، أَيْ: الْجِنُّ (وَالْمَلَائِكَةُ، قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَرَى اللَّهَ؟ قَالَ: نَعَمْ) وَحَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ مُؤْمِنَهُمْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ اللَّائِقُ بِفَضْلِهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَنْ لَا يَحْرِمَ مَنْ أَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ النَّظَرَ إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ تَتْمِيمًا لِلْمِنَّةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ ". (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَنَرَاهُمْ فِيهَا) ، أَيْ: الْجَنَّةِ (وَلَا يَرَوْنَنَا) عَكْسُ مَا فِي الدُّنْيَا، (وتَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجَمَاعَةُ) ، عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَفِي " النَّوَادِرِ ": وَ) تَنْعَقِدُ بِهِمْ (الْجُمُعَةُ) ، وَهُوَ مَوْجُودٌ زَمَنَ

النُّبُوَّةِ. (وَفِي " الْفُرُوعِ ": الْمُرَادُ) بِالْجُمُعَةِ: (مَنْ لَزِمَتْهُ، وَ) تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا (بِالْمَلَائِكَةِ) كَانْعِقَادِهَا بِالْجِنِّ وَأَوْلَى، لِمَا رُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ مَرْفُوعًا، قَالَ: «إذَا كَانَ الرَّجُلُ بِأَرْضٍ - أَيْ: قَفْرٍ -، فَحَانَتْ الصَّلَاةُ؛ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؛ فَلْيَتَيَمَّمْ، فَإِنْ أَقَامَ؛ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ مَا لَا يَرَى طَرْفَاهُ» رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ شَيْخُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ، فَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ نَوَى الْإِمَامَةَ أَوْ لَا. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامَةَ أَوْ لَا؟ قُلْت: إنْ كُشِفَ لَهُ أَنْ ثَمَّةَ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ مِنْ جِنٍّ أَوْ مَلَائِكَةٍ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْوِيَهَا تَحْصِيلًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَإِلَّا فَلَا. (وَلَمْ يُبْعَثْ لَهُمْ) ، أَيْ: لِلْجِنِّ (نَبِيٌّ قَبْلَ نَبِيِّنَا) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَلَيْسَ مِنْهُمْ مِنْ رَسُولٍ) ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: 130] ، فَهِيَ كَقَوْلِهِ {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وَإِنَّمَا يَخْرُجَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَكَقَوْلِهِ {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: 16] ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَمَاءٍ وَاحِدَةٍ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَا) ، أَيْ: وَلَيْسَ مِنْ الْجِنِّ (نَبِيٌّ) ، أَيْ: لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ، وَلَوْ وُجِدَ لَنُقِلَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ، قَالَ: وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ: إخْرَاجُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ التَّكْلِيفِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، فَلَا يَكُونُ مَا أُمِرُوا بِهِ، وَمَا

نُهُوا عَنْهُ مُسَاوِيًا لِمَا عَلَى الْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، لَكِنَّهُمْ شَارَكُوهُمْ فِي جِنْسِ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ: إنَّ مَا بِيَدِهِمْ مِلْكُهُمْ مَعَ إسْلَامِهِمْ) ؛ فَتَصِحُّ مُعَامَلَتُهُمْ، إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الْمَنْعِ. قَالَ فِي مُغْنِي ذَوِي الْأَفْهَامِ ": وَيُبَاحُ فِعْلُ دَوَاءٍ لِرُؤْيَةِ أَرْوَاحِ الْجِنِّ وَطَرْدِهِمْ مَعَ أَمْنِ ضَرَرِهِمْ، وَكَذَا طَاعَتُهُمْ لَهُ. (وَكَافِرُهُمْ كَحَرْبِيٍّ) يَجُوزُ قَتْلُهُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ. (وَظَاهِرُهُ) ، أَيْ: ظَاهِرُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ: أَنَّهُ (يُجْزِئُ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمْ) ، وَيَجُوزُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ كَمَا يَجُوزُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إنْسِيٍّ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى إنْسِيٍّ، وَتُقْبَلُ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَشَهَادَةُ إنْسِيٍّ عَلَيْهِمْ. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ ظُلْمُ آدَمِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ؛ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ التَّعَدِّي عَلَى الْإِنْسِ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرَرٍ فِي نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ فِيمَا أَفْسَدُوهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ. (وَ) يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ (ظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا) . لِحَدِيثِ «يَا عِبَادِي؛ إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ سَرِقَةُ مَالِ بَعْضِهِمْ، وَلَا سَرِقَةُ مَالِ إنْسِيٍّ، وَلَا يَجُوزُ تَسْلِيطُهُمْ عَلَى إنْسِيٍّ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ، وَيَضْمَنُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الزِّنَى بِإِنْسِيَّةٍ، كَمَا يَحْرُمُ بِبَعْضِهِمْ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى نِسَائِهِمْ بِإِنْسِيٍّ، وَيُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ بِسُكْرٍ وَقَذْفٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَى إنْسِيٍّ غَلَبَهُ جِنِّيٌّ عَلَى ذَلِكَ. وَيَحْرُمُ تَعَدِّي إنْسِيٍّ عَلَيْهِمْ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ إفْسَادِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ لِذَلِكَ. وَيَحْرُمُ زِنًى بِجِنِّيَّةٍ وَلِوَاطٌ، وَلَا يَجِبُ بِهِمْ قِصَاصٌ. (وَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ) ، وَأَمَّا مَا يَذْبَحُهُ الْآدَمِيُّ، لِئَلَّا يُصِيبَهُ أَذًى مِنْ

الْجِنِّ؛ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ. (وَبَوْلُهُمْ وَقَيْؤُهُمْ طَاهِرَانِ) ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِحَدِيثِ «لَمَّا سَمَّى الرَّجُلُ فِي أَثْنَاءِ طَعَامِهِ، قَالَ: قَاءَ الشَّيْطَانُ كُلَّ شَيْءٍ أَكَلَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. (وَيَتَّجِهُ: لَا رَوْثُهُمْ) ، وُقُوفًا مَعَ مَوْرِدِ النَّصِّ، لَكِنْ قَالَ الْخَلْوَتِيُّ: قَوْلُهُ: وَبَوْلُهُمْ وَقَيْؤُهُمْ، وَكَذَا غَائِطُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا مَا بَوْلُهُ وَقَيْؤُهُ طَاهِرَانِ وَغَائِطُهُ نَجِسٌ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِمَا لِمَحَلِّ الْوُرُودِ، ثُمَّ رَأَيْت فِيمَا عَلَّقَهُ الْفَارِضِيُّ عَلَى مَتْنِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " مَا نَصُّهُ: وَمَنْ جَعَلَ بَوْلَ الشَّيْطَانِ فِي الْأُذُنِ حَقِيقَةً اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ الْجِنِّ وَغَائِطِهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِغَسْلِ الْأُذُنِ انْتَهَى. (وَجَرَى فِي جَوَازِ مُنَاكَحَتِهِمْ لَنَا) مَعْشَرَ الْإِنْسِ (خِلَافٌ) بَيْنَ عُلَمَائِنَا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ جَوَازِ مُنَاكَحَتِهِمْ. قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِجِنِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ كَالْهِبَةِ وَالزَّكَاةِ، فَيَتَوَجَّهُ مِنْ انْتِفَاءِ التَّمْلِيكِ انْتِفَاءُ مَنَافِعِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [النحل: 72] ، وَقَالَ {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21] ، وَالْجِنُّ لَيْسُوا مِنْ أَنْفُسِنَا، فَلَا يَأْمَنُ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ قُدْرَةً عَلَى النُّفُوذِ فِي بَوَاطِنِ الْبَشَرِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» وَكَانَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إذَا أُتِيَ بِالْمَصْرُوعِ

باب الإمامة

وَعَظَ مَنْ صَرَعَهُ وَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَإِنْ انْتَهَى وَفَارَقَ الْمَصْرُوعَ؛ أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يَعُودَ، وَإِنْ لَمْ يَأْتَمِرْ وَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يُفَارِقْهُ؛ ضَرَبَهُ حَتَّى يُفَارِقَهُ، وَالضَّرْبُ فِي الظَّاهِرِ يَقَعُ عَلَى الْمَصْرُوعِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَنْ صَرَعَهُ، وَلِهَذَا يَتَأَلَّمْ مَنْ صَرَعَهُ وَيَصِيحُ، وَيُخْبِرُ الْمَصْرُوعُ إذَا أَفَاقَ بِأَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. (وَفِي الْجَنَّةِ يَتَزَوَّجُونَ بِحُورٍ مِنْ جِنْسِهِمْ) ، لِحَدِيثِ «وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ» . (وَقَدْ أَشْبَعْتُ الْكَلَامَ فِيهِمْ فِي كِتَابِي بَهْجَةِ النَّاظِرِينَ ") فَلْيُرَاجَعْ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ وُجُودَ الْجِنِّ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّفَاقِ السَّلَفِ مِنْ الْأُمَّةِ، وَدُخُولُ الْجِنِّيِّ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ ثَابِتٌ: بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مَشْهُودٌ مَحْسُوسٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ يَدْخُلُ فِي الْمَصْرُوعِ، وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَا يَعْرِفُهُ، بَلْ وَلَا يَدْرِي بِهِ، بَلْ يُضْرَبُ ضَرْبًا لَوْ ضَرَبَهُ جَمَلٌ لَمَاتَ، وَلَا يُحِسُّ بِهِ الْمَصْرُوعُ، وَمُعَالَجَتُهُ بِالرَّقْيِ، وَالتَّعَوُّذِ إذَا كَانَ مَعْلُومًا غَيْرَ شِرْكٍ جَائِزٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ ". [بَابُ الْإِمَامَةِ] (بَابُ الْإِمَامَةِ) (الْأَوْلَى بِهَا الْأَجْوَدُ قِرَاءَةً الْأَفْقَهُ) لِجَمْعِهِ بَيْن الْمَزِيَّتَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ، (ثُمَّ) يَلِيهِ (الْأَجْوَدُ قِرَاءَةً الْفَقِيهُ) ، لِحَدِيثِ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» (ثُمَّ) يَلِيهِ (الْأَقْرَأُ) جَوْدَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا إنْ كَانَ يَعْرِفُ فِقْهَ صَلَاتِهِ، حَافِظًا لِلْفَاتِحَةِ، لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ. وَلْيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْ قَضِيَّةِ تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَهُ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ، لِتَفْهَمَ الصَّحَابَةُ مِنْ

تَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ الصُّغْرَى اسْتِحْقَاقَهُ لِلْإِمَامَةِ الْكُبْرَى، وَتَقْدِيمَهُ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ، وَقُدِّمَ الْأَقْرَأُ جَوْدَةً عَلَى الْأَكْثَرِ قُرْآنًا؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا، لِحَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ؛ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ؛ وَمَنْ قَرَأَهُ وَلَحَنَ فِيهِ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: إعْرَابُ الْقُرْآنِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِهِ. (ثُمَّ) مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْجَوْدَةِ يُقَدَّمُ (الْأَكْثَرُ قُرْآنًا الْأَفْقَهُ) ، لِجَمْعِهِ الْفَضِيلَتَيْنِ، (ثُمَّ) يَلِيهِ (الْأَكْثَرُ قُرْآنًا الْفَقِيهُ، ثُمَّ) مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْأَكْثَرِيَّةِ يُقَدَّمُ (قَارِئٌ أَفْقَهُ، ثُمَّ) يَلِيهِ (قَارِئٌ فَقِيهٌ، ثُمَّ) قَارِئٌ (عَالِمٌ فِقْهَ صَلَاتِهِ) مِنْ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَمُبْطِلَاتِهَا وَنَحْوِهَا، (ثُمَّ قَارِئٌ لَا يَعْلَمُ) ، أَيْ: فِقْهَ صَلَاتِهِ، بَلْ يَأْتِي بِهَا عَادَةً، فَتَصِحُّ إمَامَتُهُ، (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي عَدَمِ الْقِرَاءَةِ؛ قُدِّمَ (أَفْقَهُ وَأَعْلَمُ بِأَحْكَامِ صَلَاةٍ) لِمَزِيَّةِ الْفِقْهِ. (وَمِنْ شَرْطِ تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا فِقْهَ صَلَاتِهِ) ، وَمَا يَحْتَاجُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِيهَا (حَافِظًا لِلْفَاتِحَةِ) ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ. (وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَقِيهَيْنِ) الْمُسْتَوِيَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ (أَفْقَهَ أَوْ أَعْلَمَ بِأَحْكَامِ صَلَاةٍ قُدِّمَ) ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ يُؤَثِّرُ فِي تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ. (وَيُقَدَّمُ قَارِئٌ لَا يَعْلَمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ بِأَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ نَحْوِ فَرْضٍ) كَوَاجِبٍ (وَسُنَّةٍ عَلَى فَقِيهٍ) أُمِّيٍّ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا. (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ: ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمَجْدُ وَصَاحِبُ " الْمُحَدِّدِ " وَ " الْوَجِيزِ ": (أَنَّ الْفَقِيهَ إذَا أَقَامَ الْفَاتِحَةَ، يُقَدَّمُ) عَلَى قَارِئٍ لَا يَعْلَمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ.

(ثُمَّ مَعَ تَسَاوٍ فِي قِرَاءَةٍ وَفِقْهٍ) يُقَدَّمُ (أَسَنُّ) ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، ثُمَّ إنْ اسْتَوَوْا، (فَ) الْأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ (أَشْرَفُ، وَهُوَ: الْقُرَشِيُّ) إلْحَاقًا لِلْإِمَامَةِ الصُّغْرَى بِالْكُبْرَى، لِحَدِيثِ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَحَدِيثِ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» وَالشَّرَفُ يَكُونُ بِعُلُوِّ النَّسَبِ، (فَيُقَدَّمُ) مِنْهُمْ (بَنُو هَاشِمٍ) ، لِقُرْبِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ثُمَّ) بَاقِي (قُرَيْشٍ، ثُمَّ) مَعَ اسْتِوَاءٍ فِي الشَّرَفِ أَيْضًا (الْأَقْدَمُ هِجْرَةً بِنَفْسِهِ) لَا بِآبَائِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ مَرْفُوعًا «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَسَبْقٌ بِإِسْلَامٍ كَ) سَبْقٍ بِ (هِجْرَةٍ) ، فَيُقَدَّمُ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِيمَا تَقَدَّمَ السَّابِقُ إسْلَامًا مِمَّنْ أَسْلَمَ بِدَارِ إسْلَامٍ، وَإِلَّا فَالسَّابِقُ إلَيْنَا هِجْرَةً كَمَا فِي " الشَّرْحِ " وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مَسْبُوقًا فِي الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ إلَى الطَّاعَةِ. (وَحُكْمُهَا) أَيْ: الْهِجْرَةِ (بَاقٍ لِيَوْمِنَا) ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، فَالْمَعْنَى: لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ. (وَفِي " الْمُغْنِي ": يُقَدَّمُ سَابِقٌ بِإِسْلَامٍ عَلَى سَابِقٍ بِهِجْرَةٍ) ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، أَيْ: إسْلَامًا» وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ كَالْهِجْرَةِ.

(ثُمَّ) مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِيمَا تَقَدَّمَ (الْأَتْقَى وَالْأَوْرَعُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ الْخُضُوعُ وَرَجَاءُ إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَالْأَتْقَى وَالْأَوْرَعُ أَقْرَبُ إلَى ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا وَالدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَابِ الشَّفَاعَةِ الْمُسْتَدْعِيَةِ كَرَامَةَ الشَّافِعِ عِنْدَ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ، قَالَ الْقُشَيْرِيِّ فِي رِسَالَتِهِ ": الْوَرَعُ: اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ، زَادَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي " الْمَشَارِقِ ": خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، (وَهُمَا) أَيْ: الْأَتْقَى وَالْأَوْرَعُ (سَوَاءٌ ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ يُقَدَّمُ (مَنْ يَخْتَارُهُ جِيرَانٌ مُصَلُّونَ، أَوْ كَانَ أَعْمَرَ لِمَسْجِدٍ) هَذِهِ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ " وَالشَّارِحُ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا فِي " الْمُقْنِعِ " " وَالْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِمَا: يُقْرَعُ (ثُمَّ يُقْرَعُ) مَعَ التَّشَاحِّ،؛ لِأَنَّ سَعْدًا أَقْرَعَ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فِي الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. (وَتُكْرَهُ إمَامَةُ غَيْرِ الْأَوْلَى بِلَا إذْنِهِ) لِلِافْتِئَاتِ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ» ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ (أَذَانُ) غَيْرِ الْأَوْلَى مَعَ حُضُورِهِ بِلَا إذْنِهِ (نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّقَدُّمِ لَهُ وَقَدْ أَسْقَطَهُ. (وَصَاحِبُ بَيْتٍ وَإِمَامُ مَسْجِدٍ وَلَوْ عَبْدًا، أَحَقُّ) مِنْ غَيْرِهِ، (فَتَحْرُمُ) إمَامَةُ غَيْرِهِمَا (بِلَا إذْنِهِمَا بِشَرْطِهِ) ، وَهُوَ كَوْنُهُمَا أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُمَا أَفْضَلَ مِنْهُمَا. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رُوِيَ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى أَرْضًا لَهُ عِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لَهُ، فَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، فَأَبَى، وَقَالَ: صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ " وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ غَيْرِهِ افْتِئَاتًا، وَكَسْرًا لِقَلْبِهِ، (لِغَيْرِ ذِي سُلْطَانٍ) ، وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، ثُمَّ نُوَّابُهُ، كَالْقَاضِي (فِيهِمَا) ، أَيْ: فِي صَاحِبِ الْبَيْتِ وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ،

فَيُقَدَّمُ ذُو سُلْطَانٍ عَلَيْهِمَا "؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَّ عِتْبَانُ بْنِ مَالِكٍ وَأَنَسًا فِي بُيُوتِهِمَا» وَلِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ. (وَ) لِغَيْرِ الْعَبْدِ، فَلَيْسَ أَوْلَى مِنْ (سَيِّدِهِ بِبَيْتِهِ) بَلْ السَّيِّدُ أَوْلَى، لِوِلَايَتِهِ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ. (وَكُلُّ ذِي سُلْطَانٍ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ نُوَّابِهِ) ، لِحَدِيثِ «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (وَيُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ بَيْتٍ وَإِمَامِ مَسْجِدٍ تَقْدِيمُ أَفْضَلَ مِنْهُمَا) مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْفَضْلِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. (وَحُرٌّ أَوْلَى مِنْ عَبْدٍ وَ) مِنْ (مُبَعَّضٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَشْرَفُ، وَيَصْلُحُ إمَامًا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ (وَلَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُمَا) ، أَيْ: الْعَبْدِ وَالْمُبَعَّضِ، (بِحُرٍّ) إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا إمَامَ مَسْجِدٍ، أَوْ صَاحِبَ بَيْتٍ. جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ "؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَأَبَا ذَرٍّ صَلَّوْا خَلْفَ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أَسِيد وَهُوَ عَبْدٌ " رَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ. (وَمُبَعَّضٌ وَمُكَاتَبٌ أَوْلَى مِنْ عَبْدٍ) لِحُصُولِ بَعْضِ الْأَكْمَلِيَّةِ وَالْأَشْرَفِيَّةِ فِيهِمَا. (وَحَاضِرٌ) ، أَيْ مُقِيمٌ أَوْلَى مِنْ مُسَافِرٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَصَرَ، فَيُفَوِّتُ بَعْضَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ عَلَى الْمَأْمُومِينَ. (وَحَضَرِيٌّ) وَهُوَ: النَّاشِئُ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى، أَوْلَى مِنْ بَدْوِيٍّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْجَفَاءُ، وَقِلَّةُ الْمَعْرِفَةِ بِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، لِبُعْدِهِمْ عَمَّنْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْأَعْرَابِ: {وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97] . (وَبَصِيرٌ) أَوْلَى مِنْ أَعْمَى؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِاجْتِهَادِهِ. (وَمُتَوَضِّئٌ) أَوْلَى مِنْ مُتَيَمِّمٍ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ مُبِيحٌ. (وَمُعِيرٌ) فِي الْبَيْتِ الْمُعَارِ أَوْلَى مِنْ مُسْتَعِيرٍ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْمُسْتَعِيرُ إنَّمَا يَمْلِكُ

فصل إمامة الفاسق

الِانْتِفَاعَ. (وَمُسْتَأْجِرٌ أَوْلَى مِنْ ضِدِّهِمْ) كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ، وَقَادِرٌ عَلَى مَنْعِ الْمُؤَجِّرِ مِنْ دُخُولِهِ. (وَكُرِهَ أَنْ يُتِمَّ مُسَافِرٌ) صَلَّى إمَامًا (بِمُقِيمٍ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهَا، نَظَرًا إلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ نَفْلٌ. فَيَلْزَمُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَجَوَابُهُ الْمَنْعُ، وَأَنَّ الْكُلَّ فَرْضٌ، فَلَوْ تَابَعَهُ الْمُقِيمُ، وَكَانَ نَوَى الْإِتْمَامَ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى الْإِتْمَامَ، لَزِمَهُ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ فَرْضًا. وَ (لَا) يُكْرَهُ لِلْمُسَافِرِ (قَصْرُهُ) الصَّلَاةَ (بِهِ) ، أَيْ: بِالْمُقِيمِ، وَيُتِمُّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ كَمَسْبُوقٍ. [فَصْلٌ إمَامَةُ الْفَاسِق] (فَصْلٌ) (وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ فَاسِقٍ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ بِالِاعْتِقَادِ أَوْ الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ، وَلَوْ كَانَ مَسْتُورًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَوْطَهُ وَسَيْفَهُ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ خِيَارَكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هَذَا: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ؛ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ لِمَعْنًى فِي دِينِهِ، فَأَشْبَهَ الْكَافِرَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى شَرَائِطَ. (وَإِنْ) صَلَّى (ب) فَاسِقٍ (مِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ رَفْعُ مَا عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ بِالتَّوْبَةِ، (أَوْ) صَلَّى الْفَاسِقُ إمَامًا (فِي نَفْلٍ) ، فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، (إلَّا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ تَعَذُّرًا خَلْفَ غَيْرِهِ) ، أَيْ: الْفَاسِقِ بِأَنْ تَعَذَّرَ أُخْرَى خَلْفَ عَدْلٍ لِلضَّرُورَةِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي

الْجُمُعَةَ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا. قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا، فَلَا تَضُرُّ صَلَاتِي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ، كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ ظُهْرًا أَرْبَعًا. (وَإِنْ خَافَ) إنْ لَمْ يَصِلْ خَلْفَ فَاسِقٍ (أَذًى، صَلَّى خَلْفَهُ،) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ» . . . إلَى آخِرِهِ، (وَأَعَادَ) نَصًّا. (فَإِنْ وَافَقَهُ) ، أَيْ: الْفَاسِقَ (فِي فِعْلٍ مُنْفَرِدًا) بِأَنْ لَمْ يَنْوِ الِاقْتِدَاءَ بِهِ، (أَوْ) وَافَقَهُ فِي الْأَفْعَالِ (فِي جَمَاعَةٍ خَلْفَهُ بِإِمَامٍ) عَدْلٍ، (لَمْ يُعِدْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِفَاسِقٍ. (وَمَنْ صَلَّى بِأُجْرَةٍ لَا جُعْلٍ، لَمْ يُصَلِّ خَلْفَهُ) ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ أَبُو دَاوُد: وَسَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنْ إمَامٍ قَالَ: أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَانَ بِكَذَا وَكَذَا؟ ؟ قَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا؟ (وَيَتَّجِهُ) : صِحَّةُ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ ظَاهِرُهُ الصَّلَاحُ، ل (أَنَّ الْأَصْلَ هُنَا) ، أَيْ: فِي الْإِمَامَةِ (الْعَدَالَةُ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ، وَتَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِأَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَهَذَا لَا يَسَعُ النَّاسَ غَيْرُهُ، إذْ لَوْ اعْتَبَرْنَا الْعَدَالَةَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَضَاقَ بِنَا الْمَجَالُ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الْحَالِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَحِينَئِذٍ (فَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (خَلْفَ إمَامٍ لَا يَعْرِفُهُ) أَيْ: يَجْهَلُ عَدَالَتَهُ وَفِسْقَهُ، إذْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ السَّلَامَةُ، (فَإِنْ عَلِمَ فِسْقَهُ بَعْدَ) فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، (أَعَادَ) ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَالِاسْتِحْبَابُ) أَنْ يُصَلِّيَ (خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُهُ) عَدْلًا لِيَتَحَقَّقَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.

(وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ سَكْرَانَ) ، لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ لِنَفْسِهِ، فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِهِ، (فَإِنْ سَكِرَ فِي أَثْنَائِهَا) ، أَيْ الصَّلَاةِ، (بَطَلَتْ) لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ. (وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ أَخْرَسَ وَلَوْ بِمِثْلِهِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ رُكْنًا، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ وَالتَّحْرِيمَةُ وَغَيْرُهُمَا، فَلَا يَأْتِي بِهِ وَلَا بِبَدَلِهِ، بِخِلَافِ الْأُمِّيِّ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْبَدَلِ. و (لَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ (كَافِرٍ) ، وَلَوْ كَانَ كُفْرُهُ بِبِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ، سَوَاءٌ عَلِمَ كُفْرَهُ أَوْ جَهِلَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ، فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا. (وَإِنْ قَالَ) إمَامٌ (مَجْهُولٌ حَالُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ: هُوَ كَافِرٌ) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. (وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (أَوْ) قَالَ لِمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ: هُوَ (فَاسِقٌ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَإِنَّمَا صَلَّى تَهَزِّيًّا، أَعَادَ مَأْمُومٌ) صَلَاتَهُ كَمَنْ ظَنَّ كُفْرَهُ أَوْ حَدَثَهُ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ، لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. (وَإِنْ عُلِمَ لَهُ) ، أَيْ: لِلْإِمَامِ (حَالَا رِدَّةٍ وَإِسْلَامٍ، أَوْ) حَالَا (عَدَالَةٍ وَفِسْقٍ، أَوْ) حَالَا (إفَاقَةٍ وَجُنُونٍ، وَأَمَّ) فِي كُلٍّ مِنْ الْحَالَيْنِ (وَلَمْ يَدْرِ مَأْمُومٌ فِي أَيِّهِمَا) ، أَيْ الْحَالَيْنِ (ائْتَمَّ) بِهِ، (فَإِنْ عَلِمَ) مَأْمُومٌ (قَبْلَ صَلَاةٍ) ائْتَمَّ بِهِ فِيهَا (إسْلَامَهُ، أَوْ) عَلِمَ قَبْلَهَا (إفَاقَتَهُ، وَشَكَّ) مَأْمُومٌ (فِي رِدَّتِهِ أَوْ جُنُونِهِ، لَمْ يُعِدْ) مَأْمُومٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ الْإِفَاقَةِ (وَإِلَّا) يَعْلَمْ قَبْلَ اقْتِدَائِهِ بِهِ إسْلَامَهُ أَوْ إفَاقَتَهُ، وَصَلَّى خَلْفَهُ، (أَعَادَ) مَا صَلَّاهُ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِالْوُجُوبِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَا يَبْرَأُ بِهِ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ. (وَإِنْ) (صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُ كُفْرَهُ) قَبْلَ ذَلِكَ.

(وَيَتَّجِهُ: أَوْ) يَعْرِفُ (فِسْقَهُ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَقَالَ) مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ (بَعْدَ صَلَاةٍ: كُنْت أَسْلَمْت، أَوْ) كُنْت (تُبْت وَفَعَلْت مَا يَجِبُ لِصَلَاةٍ) (أَعَادَ) مَأْمُومٌ، لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. (وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ مَنْ بِهِ حَدَثٌ مُسْتَمِرٌّ) كَرُعَافٍ وَسَلَسٍ، وَجُرْحٍ لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، أَوْ دُودُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ خَلَلًا غَيْرَ مَجْبُورٍ بِبَدَلٍ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ لِنَفْسِهِ لِلضَّرُورَةِ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ (عَاجِزٍ عَنْ نَحْوِ رُكُوعٍ) كَرَفْعٍ مِنْهُ (أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ قَوْلٍ وَاجِبٍ أَوْ شَرْطٍ) كَاسْتِقْبَالٍ، وَاجْتِنَابِ نَجَاسَةٍ، وَعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ (إلَّا بِمِثْلِهِ) فِي الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ الرُّكْنِ أَوْ الْوَاجِبِ أَوْ الشَّرْطِ، (وَكَذَا) لِعَاجِزٍ (عَنْ قِيَامٍ) لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِي الْفَرْضِ إلَّا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ رُكْنِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاءُ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بِهِ، كَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِرَاءَةِ. (إلَّا الرَّاتِبَ بِمَسْجِدٍ) إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ لِعِلَّةٍ (الْمَرْجُوَّ زَوَالُ عِلَّتِهِ وَيَجْلِسُونَ) أَيْ: الْمَأْمُومُونَ، وَلَوْ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى الْقِيَامِ (خَلْفَهُ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنْ صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ. (وَتَصِحُّ) صَلَاتُهُمْ خَلْفَهُ (قِيَامًا) ، لِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَمْ يَأْمُرْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ قَائِمًا بِالْإِعَادَةِ. (وَمِثْلُهُ

الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ) إذَا مَرِضَ وَرُجِيَ زَوَالُ عِلَّتِهِ وَصَلَّى جَالِسًا، فَيُصَلُّونَ خَلْفَهُ جُلُوسًا، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَرْكِ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ. قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": هَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا» ، وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِمًا، فَيُتِمُّهَا كَذَلِكَ، وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ» وَرَوَاهُ أَيْضًا أَنَسٌ، وَصَحَّحَهُمَا التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ مَالِكٌ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَإِنْ ابْتَدَأَ إمَامٌ بِهِمْ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ (اعْتَلَّ، ذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ: وَلَوْ غَيْرَ إمَامِ حَيٍّ) ، أَيْ: رَاتِبٍ حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ (فِي أَثْنَائِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (فَجَلَسَ) عَجْزًا، (أَتَمُّوا) خَلْفَهُ (قِيَامًا وُجُوبًا) ، لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ، فَإِذَا بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، لَزِمَهُ فِي جَمِيعِهَا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، كَمَنْ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (أَنَّهُ لَوْ صَلَّى) إمَامٌ (رَاتِبٌ بِغَيْرِ مَسْجِدِهِ لَا يَثْبُتُ مَا مَرَّ) مِنْ أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَصَلَّى جَالِسًا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ جُلُوسًا؛ لِأَنَّ إمَامَ الْحَيِّ لَا غِنَاءَ لَهُمْ عَنْهُ، فَاغْتُفِرَ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ.

(وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّ رَاتِبَ أَعْرَابٍ) ، أَيْ: سُكَّانِ بَادِيَةٍ كَانُوا أَوْ عَجَمًا (لَا مَسْجِدَ لَهُمْ) حُكْمُهُ (كَرَاتِبِ مَسْجِدٍ) فِيمَا مَرَّ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ مُحْدِثٍ) أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ يَعْلَمُ ذَلِكَ (وَلَا) إمَامَةُ (نَجِسٍ) ، أَيْ: مَنْ بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بُقْعَتِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا (يَعْلَمُ ذَلِكَ) ، أَيْ: حَدَثَهُ أَوْ نَجَسَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، أَشْبَهَ الْمُتَلَاعِبَ. (وَيُقْبَلُ) مِنْهُ (دَعْوَى عِلْمِهِ) إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا، أَوْ بِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، وَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ، لِاقْتِدَائِهِ بِمَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ. (فَإِنْ جَهِلَ) إمَامٌ حَدَثَهُ أَوْ نَجَسَهُ (مَعَ) جَهْلِ (مَأْمُومِينَ كُلِّهِمْ) بِذَلِكَ، (خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ) وَهُوَ ابْنُ قُنْدُسٍ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي " حَوَاشِي الْفُرُوعِ " بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ إنْ قَرَأَ (حَتَّى انْقَضَتْ) الصَّلَاةُ، (صَحَّتْ لِمَأْمُومٍ وَحْدَهُ) ، أَيْ: دُونَ إمَامِهِ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) الْمَأْمُومُ (يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ) ، لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: " إذَا صَلَّى

الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ أَعَادَ صَلَاتَهُ، وَتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلَاتُهُمْ " رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيِّ، وَلِمَا رُوِيَ " أَنَّ عُمَرَ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجَرْفِ، فَأَهْرَقَ الْمَاءَ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا، فَأَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ تُعِدْ النَّاسُ " وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، آمُرُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ، وَلَا آمُرُهُمْ أَنْ يُعِيدُوا " رَوَاهُمَا الْأَثْرَمِ. وَهَذَا فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مِمَّا يَخْفَى، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ، فَكَانَ مَعْذُورًا فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ. (وَمَعَ عِلْمِ مَأْمُومٍ وَاحِدٍ فَقَطْ) بِأَنَّ إمَامَهُ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا حِينَ الصَّلَاةِ (وَادِّعَائِهِ) ، أَيْ: الْعِلْمَ بِذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ، (لَا يَلْزَمُ رُجُوعُ) بَقِيَّةِ الْمَأْمُومِينَ (لِقَوْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ فَسَقَ بِتَلَبُّسِهِ بِعِبَادَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَدَّعِي فَسَادَهَا، وَالْفَاسِقُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، (إلَّا إنْ) جَهِلَ إمَامٌ وَمَأْمُومُونَ و (كَانُوا بِجُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ وَهُمْ بِإِمَامٍ) مُحْدِثٍ أَوْ نَجِسٍ أَرْبَعُونَ، فَيُعِيدُ الْكُلُّ (أَوْ) كَانُوا (بِمَأْمُومٍ كَذَلِكَ) ، أَيْ: مُحْدِثٍ، أَوْ نَجِسٍ (أَرْبَعُونَ فَيُعِيدُ الْكُلُّ) ،

أَيْ: الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُونَ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ أَوْ النَّجِسَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، فَيَنْقُصُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ (نِسْيَانَ) الْإِمَامِ أَوْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ أَنَّ الْحَدَثَ أَوْ النَّجَسَ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا (كَجَهْلٍ) ، أَيْ: فَلَا تَلْزَمُهُمْ الْإِعَادَةُ، مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي النِّسْيَانِ وَفِي الْإِنْصَافِ ": فِي هَذِهِ الْإِعَادَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَطَعُوا بِهِ.

(وَيَضُرُّ) فِي الصَّلَاةِ (تَرْكُ بَقِيَّةِ شُرُوطٍ) كَنِيَّةٍ وَاسْتِقْبَالٍ وَطَهَارَةِ حَدَثٍ وَنَحْوِهَا، (وَ) كَذَلِكَ يَضُرُّ تَرْكُ بَعْضٍ مِنْ (جَمِيعِ أَرْكَانِ) الصَّلَاةِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَام وَنَحْوِهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ مُخْتَلَفًا فِيهِ، كَالِاسْتِنْجَاءِ وَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ. (وَنَصَّ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (عَلَيْهِ فِيمَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ) ، أَيْ: قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ (يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ) ، لِتَعَمُّدِهِمْ تَرْكَ رُكْنٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ. (وَكَذَا) نَصَّ الْإِمَامُ (فِيمَنْ تَرَكَ التَّحْرِيمَةَ) أَنَّهُ يُعِيدُ صَلَاتَهُ، لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ الْمَأْمُومِ دُونَهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ خَلْفَهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ. (وَيُثَابُ مَنْ) ، أَيْ: مُصَلٍّ (جَهِلَ الْبُطْلَانَ) ، أَيْ: بُطْلَانَ صَلَاتِهِ، كَمَا لَوْ صَلَّى مُحْدِثًا أَوْ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، أَوْ خَلْفَ كَافِرٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا لَا تُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ الطَّهَارَةُ وَلَا الْوَقْتُ، كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَالدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ، وَمُلَاحَظَةِ مَعَانِي الْأَذْكَارِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَهَابَةِ وَالْإِجْلَالِ صَحِيحٌ يُثَابُ عَلَيْهِ، (وَإِنْ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ) كَمَا لَوْ فَعَلَهُ فِي

غَيْرِ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا مَا يَقِفُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَدُخُولِ الْوَقْتِ، فَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ وَلَوْ عَمِلَهُ عَالِمًا بِهِ، حَرُمَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ. (وَإِنْ تَرَكَ إمَامٌ رُكْنًا) مُخْتَلَفًا فِيهِ، كَطُمَأْنِينَةٍ بِلَا تَأْوِيلٍ أَوْ تَقْلِيدٍ، أَعَادَ هُوَ وَمَأْمُومٌ (أَوْ) تَرَكَ إمَامٌ (شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ) كَسَتْرِ أَحَدِ الْعَاتِقَيْنِ فِي فَرْضٍ (بِلَا تَأْوِيلٍ أَوْ تَقْلِيدٍ) لِمُجْتَهِدٍ، أَعَادَا، (أَوْ) تَرَكَ إمَامٌ (رُكْنًا) عِنْدَهُ وَحْدَهُ، (أَوْ) تَرَكَ (شَرْطًا عِنْدَهُ وَحْدَهُ عَالِمًا) بِأَنَّهُ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ، (أَعَادَا) أَيْ: الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ، أَمَّا الْإِمَامُ، فَلِتَرْكِهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ، فَلِاقْتِدَائِهِ بِمَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. وَقَوْلُهُ عَالِمًا: لَا مَفْهُومَ لَهُ إلَّا إذَا نَسِيَ حَدَثَهُ أَوْ نَجَسَهُ كَمَا مَرَّ، إذْ الشُّرُوطُ لَا تَسْقُطُ سَهْوًا وَلَا عَمْدًا كَالْأَرْكَانِ. (وَ) إنْ تَرَكَ إمَامٌ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا أَوْ وَاجِبًا (عِنْدَ مَأْمُومٍ وَحْدَهُ) كَحَنَفِيٍّ صَلَّى بِحَنْبَلِيٍّ وَكَشَفَ عَاتِقَيْهِ، أَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ، (لَمْ يُعِيدَا) أَيْ: الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (اعْتِبَارًا بِعَقِيدَةِ إمَامٍ) ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ يُصَلِّي بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْفُرُوعِ. (وَيَتَّجِهُ: وَالْمُرَادُ) بِقَوْلِهِمْ: الِاعْتِبَارُ بِعَقِيدَةِ الْإِمَامِ: (فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَرْكَانِ صَلَاةٍ) ، كَتَرْكِ طُمَأْنِينَةٍ عِنْدَ مَنْ يَرَاهَا، (وَشُرُوطِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ: كَتَرْكِ اسْتِنْجَاءٍ أَوْ اسْتِجْمَارٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَاهُ شَرْطًا (بَعْدَ تَوَفُّرِ شُرُوطِ إمَامَةٍ) مِنْ عَدَالَةٍ وَغَسْلِ رِجْلَيْنِ، إذْ هُمَا شَرْطَانِ لِصِحَّةِ الْإِمَامَةِ،

وَإِنْ كَانَتْ الْعَدَالَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا عِنْدَ الْغَيْرِ، وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، بَلْ يَكْتَفُونَ بِالْمَسْحِ، فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ حَالُهُ كَذَلِكَ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ جَيِّدٌ. (وَإِنْ اعْتَقَدَهُ) أَيْ: الْمَتْرُوكَ مِنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ وَاجِبٍ (مَأْمُومٌ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَبَانَ خِلَافُهُ) أَيْ: بَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ، وَلَا وَاجِبٍ عِنْدَ الْإِمَامِ، (أَعَادَ) مَأْمُومٌ وَحْدَهُ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاةِ إمَامِهِ، (كَمَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُهُ خُنْثَى، وَيَجْهَلُ إشْكَالَهُ فَبَانَ رَجُلًا) ، فَيُعِيدُ صَلَاتَهُ لِتَلَبُّسِهِ بِعِبَادَةٍ يَعْتَقِدُ فَسَادَهَا، وَكَمَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُحْدِثًا فَبَانَ مُتَطَهِّرًا.

(وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (خَلْفَ مَنْ خَالَفَ) مَأْمُومَهُ (فِي فَرْعٍ لَمْ يَفْسُقْ بِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ) ، كَالصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ أَوْ بِلَا شُهُودٍ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ذَلِكَ، فَإِنْ خَالَفَ فِي أَصْلٍ، كَمُعْتَزِلَةٍ، أَوْ فَرْعٍ فَسَقَ بِهِ، كَمَنْ شَرِبَ مِنْ النَّبِيذِ مَا يُسْكِرُهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ تَحْرِيمَهُ، لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ، لِفِسْقِهِ. وَالنَّبِيذُ: هُوَ عَصِيرُ الْعِنَبِ، وَنَقِيعُ التِّينِ وَالتَّمْرِ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ وَالذُّرَةِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، وَنَحْوِهَا إذَا لَمْ يَغْلِ بِنَفْسِهِ وَيَشْتَدَّ، أَوْ يَمْضِي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ إجْمَاعًا، وَإِذَا غَلَى وَاشْتَدَّ، أَوْ مَضَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَلَوْ لَمْ يَغْلِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَإِذَا طُبِخَ عَصِيرُ الْعِنَبِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ لَا يُسْكِرُ بِخِلَافِ كَثِيرِهِ. (وَلَا إنْكَارَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ) . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " السِّرِّ الْمَصُونِ ": رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ يَعْمَلُونَ عَمَلَ الْعَوَامّ، فَإِذَا صَلَّى الْحَنْبَلِيُّ فِي مَسْجِدِ شَافِعِيٍّ، تَعَصَّبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَإِذَا صَلَّى الشَّافِعِيُّ فِي مَسْجِدِ حَنْبَلِيٍّ، وَجَهَرَ بِالْبَسْمَلَةِ، تَعَصَّبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَالْعَصَبِيَّةُ فِيهَا مُجَرَّدُ أَهْوَاءٍ يَمْنَعُ مِنْهَا الْعِلْمُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: رَأَيْت النَّاسَ لَا يَعْصِمُهُمْ مِنْ الظُّلْمِ إلَّا الْعَجْزُ وَلَا أَقُولُ: الْعَوَامُّ،

بَلْ الْعُلَمَاءُ كَانَتْ أَيْدِي الْحَنَابِلَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَيَّامِ ابْنِ يُوسُفَ، وَكَانُوا يَسْتَطِيلُونَ بِالْبَغْيِ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْفُرُوعِ حَتَّى مَا يُمَكِّنُونَهُمْ مِنْ الْجَهْرِ وَالْقُنُوتِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ اجْتِهَادٍ، فَلَمَّا جَاءَتْ أَيَّامُ النَّظَّامِ، وَمَاتَ ابْنُ يُوسُفَ، وَزَالَتْ شَوْكَةُ الْحَنَابِلَةِ، اسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ اسْتِطَالَةَ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ، فَاسْتَعْدُوا عَلَيْهِمْ بِالسِّجْنِ، وَآذَوْا الْعَوَامَّ بِالسِّعَايَاتِ وَالْفُقَهَاءَ بِالنَّبْذِ بِالتَّجْسِيمِ. قَالَ: فَتَدَبَّرْتُ أَمَرَ الْفَرِيقَيْنِ، فَإِذَا هُمْ لَمْ تَعْمَلْ بِهِمْ آدَابُ الْعِلْمِ، وَهَلْ هَذِهِ إلَّا أَفْعَالُ الْأَجْنَادِ يَصُولُونَ فِي دَوْلَتِهِمْ، وَيَلْزَمُونَ الْمَسَاجِدَ فِي بَطَالَتِهِمْ. (وَمَنْ أَنْكَرَ) شَيْئًا مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، (فَلِجَهْلِهِ بِمَقَامِ الْمُجْتَهِدِينَ) وَعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ أَسْهَرُوا أَجْفَانَهُمْ، وَبَذَلُوا جُهْدَهُمْ وَنَفَائِسَ أَوْقَاتِهِمْ فِي طَلَبِ الْحَقِّ، وَهُمْ مَأْجُورُونَ لَا مَحَالَةَ أَخْطَئُوا أَوْ أَصَابُوا، وَمُتَّبِعُهُمْ نَاجٍ لِأَنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَجَعَلَهُ شَرْعًا مُقَرَّرًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، كَمَا جَعَلَ الْحِلَّ فِي الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَتَحْرِيمَهَا عَلَى الْمُخْتَارِ حُكْمَيْنِ ثَابِتَيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِلْفَرِيقَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ، فَأَيُّ شَيْءٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ. (وَحُرِّمَ قَوْلٌ بِإِيجَابِ تَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ) مِنْ الْأَئِمَّةِ (بِعَيْنِهِ) بِأَنْ تُلْتَزَمَ أَقْوَالُهُ فَقَطْ، (بَلْ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (إنْ تَابَ) قَائِلُ ذَلِكَ، (وَإِلَّا قُتِلَ) . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ رَجُلٌ وَاحِدٌ اتَّخَذَ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَلِّدُهُ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِ بِحَيْثُ لَمْ يُسْقِطْ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَسْقَطَ أَقْوَالَ غَيْرِهِ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا، وَنَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ، فَلْيُكَذِّبْنَا الْمُقَلِّدُونَ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ الْوَخِيمَةَ فِي الْقُرُونِ الْفَضِيلَةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا حَدَثَتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ

الْمَذْمُومِ عَلَى لِسَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (لَكِنْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: يَتَعَيَّنُ الْآنَ تَقْلِيدُ أَحَدِ) الْأَئِمَّةِ: (الْأَرْبَعَةِ) : مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، (لِعَدَمِ حِفْظِ مَذَاهِبِ غَيْرِهِمْ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَرَدَّ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ " وَخَطَّأَهُ مِنْ نَحْوِ خَمْسِينَ وَجْهًا، مِنْهَا: مَا الَّذِي خَصَّ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَإِنْ قِيلَ: لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ أَهْلِ أَعْصَارِهِمْ؛ قِيلَ: وَمَا يُدْرِيك أَنَّهُمْ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ؟ فَإِنَّ هَذَا يَعْرِفُهُ مَنْ عَرَفَ الْمَذَاهِبَ وَأَدَوَاتِهَا وَرَاجِحَهَا، فَمَا لِلْأَعْمَى وَنَقْدُ الدَّرَاهِمِ، وَهَذَا بَابٌ آخَرُ مِنْ الْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، وَيُقَالُ ثَانِيًا: فَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبْلٍ، وَعَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَعْلَمُ مِنْ صَاحِبِك بِلَا شَكٍّ فَهَلَّا قَلَّدْتَهُمْ وَتَرَكْتَهُ. بَلْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَأَمْثَالُهُمْ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ بِلَا شَكٍّ، فَلِمَ تَرَكْت تَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ الْأَفْضَلِ الْأَجْمَعِ لِأَدَوَاتِ الْخَيْرِ وَالْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَرَغِبْت عَنْ أَقْوَالِهِ وَمَذْهَبِهِ إلَى مَنْ دُونَهُ؟ وَأَطَالَ مِنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ وَالتَّعْلِيلِ، فَلْيُرَاجَعْ، وَمُحَصَّلُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى أَحَدٍ قَوْلُ إمَامٍ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ، جَازَ لَهُ تَقْلِيدُهُ.

(وَمَنْ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَشُرْبِ يَسِيرِ نَبِيذٍ، فَإِنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ فَسَقَ) بِالْمُدَاوَمَةِ، (وَلَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ) لِفِسْقِهِ (وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ) عَلَيْهِ، (فَقَالَ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ: (هُوَ مِنْ الصَّغَائِرِ، وَلَا بَأْسَ بِهَا) أَيْ: بِالصَّلَاةِ (خَلْفَهُ) ، لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَحْصُلُ بِالصَّغِيرَةِ،

بَلْ بِالْمُدَاوَمَةِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] . (وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ امْرَأَةٍ) بِرِجَالٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» وَلِأَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَؤُمَّهُمْ كَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ خُنْثَى مُشْكِلًا لِاحْتِمَالِ أَنْ

يَكُونَ رَجُلًا. (وَ) لَا تَصِحُّ أَيْضًا إمَامَةُ (خُنْثَى) مُشْكِلٍ (بِرِجَالٍ) ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ خُنْثَى ب (خَنَاثَى) ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَهُمْ رِجَالٌ (مُطْلَقًا) ، أَيْ: فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى بِالنِّسَاءِ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَإِمَامَتُهَا بِالنِّسَاءِ صَحِيحَةٌ، لَكِنْ تَقِفُ الْمَرْأَةُ خَلْفَ الْخُنْثَى.

(وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ مُمَيِّزٍ بِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ) ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " وَلَا يَؤُمَّنَّ الْغُلَامُ حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ " وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لَا يَؤُمَّنَّ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ " رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ. وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِفُهُ؛ وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ حَالُ كَمَالٍ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَالْإِمَامُ

ضَامِنٌ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ. (وَتَصِحُّ) إمَامَةُ صَبِيٍّ لِبَالِغٍ (فِي نَفْلٍ) ، كَتَرَاوِيحَ وَوِتْرٍ وَصَلَاةِ كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلًا. (وَ) تَصِحُّ إمَامَةُ صَبِيٍّ (فِي فَرْضٍ بِمِثْلِهِ) ، أَيْ: صَبِيٍّ؛ لِأَنَّهَا نَفْلٌ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا.

(وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ أُمِّيٍّ) نِسْبَةً إلَى الْأُمِّ، كَأَنَّهُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: إلَى أُمَّةِ الْعَرَبِ، وَأَصْلُهُ لُغَةً: مَنْ لَا يَكْتُبُ، (وَهُوَ) عُرْفًا: (مَنْ لَا يُحْسِنُ) ، أَيْ: يَحْفَظُ (الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُدْغِمُ فِيهَا مَا) أَيْ: حَرْفًا (لَا يُدْغَمُ) كَإِدْغَامِ هَاءِ لِلَّهِ فِي رَاءِ رَبِّ، وَهُوَ: الْأَرَتُّ:

بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ. (أَوْ يُبْدِلُ مِنْهَا حَرْفًا) لَا يُبْدَلُ، وَهُوَ: الْأَلْثَغِيُّ، لِحَدِيثِ «لِيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَؤُمَّ النَّاسَ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؛ وَلِأَنَّهُ بِصَدَدِ تَحَمُّلِ الْقِرَاءَةِ عَنْ الْمَأْمُومِ. (إلَّا ضَادَ الْمَغْضُوبِ وَضَادَ الضَّالِّينَ

بِظَاءٍ) فَتَصِحُّ إمَامَتُهُ بِمَنْ لَا يُبْدِلُهَا ظَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ أُمِّيًّا بِهَذَا الْإِبْدَالِ، سَوَاءٌ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَفْظًا وَمَعْنًى، أَوْ لَا. قَالَ فِي " حَاشِيَتِهِ " وَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا: أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ النُّطْقِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَخْرَجِهِ، لَا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ مَعْنَى أَحَدِهِمَا غَيْرُ الْآخَرِ، فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، لَا مَعَ

الْعَجْزِ عَنْهُ. (أَوْ يَلْحَنُ) عَطْفٌ عَلَى يُبْدِلُ (فِيهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ (لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى) ، أَيْ: يُغَيِّرُ الْمَعْنَى (عَجْزًا عَنْ إصْلَاحِهِ) كَكَسْرِ كَافِ إيَّاكَ، وَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْت أَوْ كَسْرِهَا؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ، فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ (إلَّا بِمِثْلِهِ) ، فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ عَاجِزٍ عَنْ نِصْفِ الْفَاتِحَةِ

الْأَوَّلِ بِعَاجِزٍ عَنْ نِصْفِهَا الْأَخِيرِ، وَلَا عَكْسُهُ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا، لَكِنْ أَحْسَنَ بِقَدْرِهَا مِنْ الْقُرْآنِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْتَمَّ بِمَنْ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَا اقْتِدَاءُ قَادِرٍ عَلَى الْأَقْوَالِ بِعَاجِزٍ عَنْهَا. و (لَا) يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ (مَنْ يُبْدِلُ مِنْهَا حَرْفًا) ، أَيْ: الْفَاتِحَةِ (بِمَنْ يُبْدِلُ) حَرْفًا (غَيْرَهُ) ، لِعَدَمِ

الْمُسَاوَاةِ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ (مَنْ لَا يُحْسِنُ) الْفَاتِحَةَ وَلَا يُحْسِنُ (قُرْآنًا غَيْرَهَا بِمَنْ يُحْسِنُهُ) ، أَيْ: يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ، خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ. (وَإِنْ تَعَمَّدَ) غَيْرُ الْأُمِّيِّ إدْغَامَ مَا لَا يُدْغَمُ، أَوْ إبْدَالَ مَا لَا يُبْدَلُ، أَوْ اللَّحْنَ الْمُحِيلَ لِلْمَعْنَى (أَوْ قَدَرَ) أُمِّيٌّ (عَلَى إصْلَاحِهِ) ، فَتَرَكَهُ (أَوْ زَادَ) مَنْ يُبْدِلُ أَوْ يُدْغِمُ أَوْ يَلْحَنُ كَذَلِكَ (عَلَى فَرْضِ قِرَاءَةٍ) بِأَنْ زَادَ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَهُوَ (عَاجِزٌ عَنْ إصْلَاحِهِ عَمْدًا، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا، فَهُوَ كَسَائِرِ الْكَلَامِ،

وَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ. (وَإِنْ أَحَالَهُ) ، أَيْ أَحَالَ اللَّحْنُ الْمَعْنَى (فِيمَا زَادَ) عَلَى فَرْضِ الْقِرَاءَةِ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا أَوْ لِآفَةٍ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ (وَ) إنْ أَحَالَهُ (عَمْدًا، بَطَلَتْ) جَعْلًا لَهُ كَالْمَعْدُومِ. (وَيَكْفُرُ مُعْتَقِدُ حِلٍّ) أَيْ: حِلِّ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ الْمَعْنَى، لِإِدْخَالِهِ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. (وَإِنْ أَحَالَهُ) ، أَيْ: الْمَعْنَى (فِي فَرْضِ قِرَاءَةٍ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) وَمَضَى فِيهَا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. و (لَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ أَحَالَهُ (عَجْزًا) لِأَنَّ الْعَاجِزَ تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ لِلضَّرُورَةِ. وَإِنْ ذَكَرَ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَحَنَ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى (وَلَمْ يُصِحَّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (مَا أَحَالَهُ) ، أَيْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَوْرًا بِلَفْظٍ صَحِيحٍ، (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِتَعَمُّدِهِ إحَالَةَ الْمَعْنَى الْمُفْسِدَ لِلصَّلَاةِ، وَحَيْثُ أَتَى بِهِ فَوْرًا، تَمَّمَ صَلَاتَهُ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وُجُوبًا، وَسَلَّمَ. (وَمِنْ) اللَّحْنِ (الْمُحِيلِ) لِلْمَعْنَى (فَتْحُ هَمْزَةِ اهْدِنَا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْدَى الْهَدِيَّةَ، لَا مِنْ طَلَبَ الْهِدَايَةَ. (وَ) مِنْهُ (ضَمُّ تَاءِ: أَنْعَمْت، وَكَسْرُهَا، وَ) مِنْهُ (كَسْرُ كَافِ إيَّاكَ) ، وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ. (وَلَا يَلْزَمُ) مَنْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ (بَحْثٌ عَنْ كَوْنِ إمَامٍ قَارِئًا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَنْ تَقَدَّمَ لِلْإِمَامَةِ أَنْ لَا يَكُونَ إلَّا قَارِئًا. (فَإِنْ قَالَ) إمَامٌ (بَعْدَ سَلَامٍ سَهَوْت) عَنْ الْفَاتِحَةِ، (أَوْ) قَالَ (نَسِيت أَنْ أَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ، لَزِمَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامَ (مَعَ مَأْمُومٍ الْإِعَادَةُ) ، لِحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَإِنْ أَسَرَّ فِي جَهْرِيَّةٍ سَهْوًا، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا سُجُودَ. (وَإِنْ أُقِيمَتْ) الصَّلَاةُ (وَهُوَ بِمَسْجِدٍ، وَالْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ) لِلْإِمَامَةِ،

تنبيه شروط صحة إمامة ثمانية

(صَلَّى خَلْفَهُ إنْ شَاءَ وَأَعَادَ، كَذَا) فِي " الشَّرْحِ "، وَتَبِعَهُ (فِي " الْإِقْنَاعِ " وَفِيهِ نَظَرٌ) . قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: وَلَعَلَّ الْمُرَادُ إنْ خَافَ فِتْنَةً أَوْ أَذًى كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَاسِقِ. [تَنْبِيهٌ شُرُوطُ صِحَّةِ إمَامَةٍ ثَمَانِيَةٌ] (تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ) صِحَّةِ (إمَامَةٍ ثَمَانِيَةٌ) بِالِاسْتِقْرَاءِ: (إسْلَامٌ وَعَدَالَةٌ وَعَقْلٌ وَنُطْقٌ وَتَمْيِيزٌ، وَكَذَا بُلُوغٌ إنْ أَمَّ بَالِغًا فِي فَرْضٍ، وَذُكُورِيَّةٌ إنْ أَمَّ ذَكَرًا، وَقُدْرَةٌ عَلَى شَرْطٍ وَرُكْنٍ وَوَاجِبٍ إنْ أَمَّ بِقَادِرٍ، وَمَرَّتْ) هَذِهِ الشُّرُوطُ (مُفَصَّلَةً) ، فَلَا نُطِيلُ بِشَرْحِهَا. (وَحَيْثُ أَمَّ مَنْ لَا يَصْلُحُ) مِمَّا تَقَدَّمَ مَنْ يَصْلُحُ، (أَعَادَا) ، أَيْ: الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (وَلَوْ جَهِلَا) هَذِهِ الشُّرُوطَ. [فَصْلٌ إمَامَةُ كَثِيرِ لَحْنٍ غَيْرِ مُحِيلٍ لِلْمَعْنَى] (فَصْلٌ) (تُكْرَهُ إمَامَةُ كَثِيرِ لَحْنٍ غَيْرِ مُحِيلٍ) لِلْمَعْنَى، كَجَرِّ دَالِ: الْحَمْدِ، وَضَمِّ هَاءِ: لِلَّهِ وَنَحْوِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُؤْتَمُّ بِهِ مِثْلَهُ، أَوْ لَا. وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ بَاقٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَثِيرَ اللَّحْنِ، لَمْ يُكْرَهْ، كَمَنْ سَبَقَ لِسَانَهُ بِيَسِيرٍ، إذْ قَلَّ مَنْ يَخْلُو مِنْ ذَلِكَ، وَيَحْرُمُ تَعَمُّدُهُ. (وَ) تُكْرَهُ إمَامَةُ (الْفَأْفَاءِ) بِالْمَدِّ: (الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتَّمْتَامِ: الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ وَ) كَذَلِكَ (مَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ) كَالْقَافِ وَالضَّادِ (أَوْ) كَانَ (يُصْرَعُ) فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ (أَوْ) كَانَ مِمَّنْ (تُضْحِكُ رُؤْيَتُهُ) أَوْ صُورَتُهُ، (وَ) مِثْلُهُ (أَعْمَى أَصَمُّ) ؛ لِأَنَّ فَقْدَهُ تِلْكَ الْحَاسَّتَيْنِ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَلَا شُرُوطِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ أَعْمَى فَاقِدَ الشَّمِّ. (وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (أَقْلَفَ) ، أَمَّا الصِّحَّةُ، فَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ قَارِئٌ، فَصَحَّتْ إمَامَتُهُ كَالْمُخْتَتَنِ، وَالنَّجَاسَةُ تَحْتَ الْقُلْفَةِ بِمَحَلٍّ

لَا تُمْكِنُهُ إزَالَتُهَا مِنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهَا لِعَدَمِ إمْكَانِ إزَالَتِهَا ب. وَكُلُّ نَجَاسَةٍ مَعْفُوٍّ عَنْهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ. وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ، فَلِلِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : صِحَّةُ إمَامَةِ الْأَقْلَفِ مَعَ الْكَرَاهَةِ إنْ عُذِرَ بِإِبْقَاءِ قُلْفَتِهِ، (لَا إنْ تَرَكَ الْخِتَانَ) إلَى أَنْ صَارَ (بَالِغًا، مُصِرًّا) عَلَى تَرْكِهِ (بِلَا عُذْرٍ) ؛ فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ حِينَئِذٍ (لِفِسْقِهِ) بِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (أَقْطَعَ يَدَيْنِ) أَوْ أَقْطَعَ إحْدَاهُمَا، (أَوْ) أَقْطَعَ (رِجْلَيْنِ أَوْ) أَقْطَعَ (إحْدَاهُمَا) ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الصِّحَّةِ مَا إذَا أَمْكَنَ أَقْطَعَ الرِّجْلَيْنِ الْقِيَامُ بِأَنْ يَتَّخِذَ لَهُ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ، فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ (أَوْ أَنْفٍ) ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، أَيْ: تُكْرَهُ إمَامَةُ أَقْطَعَ أَنْفٍ وَتَصِحُّ. (وَكُرِهَ أَنْ يَؤُمَّ أَجْنَبِيَّةً فَأَكْثَرَ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ) ، «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ» ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْوَسْوَاسِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ بِذَوَاتِ مَحَارِمِهِ، أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ «النِّسَاءَ كُنَّ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ» (أَوْ) أَيْ: وَكُرِهَ أَنْ يَؤُمَّ (قَوْمًا أَكْثَرَهُمْ لَا نِصْفَهُمْ يَكْرَهُهُ بِحَقٍّ) نَصًّا (كَخَلَلٍ فِي دِينِهِ أَوْ فَضْلِهِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ لَيِّنٌ. «وَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُقْبَلُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ الْأَفْرِيقِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. قَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ

لَا يَؤُمَّهُمْ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ. (وَلَا يُكْرَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ) حَيْثُ صَلُحَ لِلْإِمَامَةِ (لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ) دُونَهُمْ لِلْأَخْبَارِ. (وَإِنْ كَرِهُوهُ لِدِينِهِ وَسُنَّتِهِ. فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ) وَإِنْ كَرِهَهُ نِصْفُهُمْ بِحَقٍّ، لَمْ يُكْرَهْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ. لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ إزَالَةً لِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ. ذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ ": قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ مُعَادَاةٌ مِنْ جِنْسِ مُعَادَاةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْمَذَاهِبِ، لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، لِعَدَمِ الِائْتِلَافِ. (وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ زِنًى وَلَقِيطٍ، وَمُنَفَّرٍ بِلِعَانٍ وَخَصِيٍّ وَجُنْدِيٍّ) بِضَمِّ الْجِيمِ (وَأَعْرَابِيٍّ) ، (إذَا سَلِمَ دِينُهُمْ وَصَلَحُوا لَهَا) ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» وَصَلَّى التَّابِعُونَ خَلْفَ ابْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ مِمَّنْ فِي نَسَبِهِ نَظَرٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ " لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ. قَالَتْ: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ حُرٌّ مَرْضِيٌّ فِي دِينِهِ يَصْلُحُ لَهَا كَغَيْرِهِ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْتَمَّ مُتَوَضِّئٌ بِمُتَيَمِّمٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالطَّهَارَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ، وَالْعَكْسُ أَوْلَى. (وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مُؤَدِّي صَلَاةٍ بِقَاضِيهَا) رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ الْخَلَّالُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْوَقْتُ (وَعَكْسُهُ) ، أَيْ: يَصْلُحُ ائْتِمَامُ مَنْ يَقْضِي الصَّلَاةَ بِمَنْ يُؤَدِّيهَا. (وَ) يَصْلُحُ ائْتِمَامُ (قَاضِيهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (مَنْ يَؤُمُّ) كَقَاضٍ ظُهْرَ يَوْمٍ (بِقَاضِيهَا) ، أَيْ: بِقَاضِي ظُهْرٍ (مِنْ) يَوْمٍ (غَيْرِهِ) و (لَا) يَصِحُّ ائْتِمَامُ مُصَلِّي ظُهْرٍ (بِمُصَلٍّ غَيْرَهَا) كَعَصْرٍ، لِاخْتِلَافِ الصَّلَاتَيْنِ. (وَلَا) يَصِحُّ ائْتِمَامُ (مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَوْنُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ غَيْرَ صَلَاةِ الْإِمَامِ اخْتِلَافٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ. لَكِنْ تَصِحُّ الْعِيدُ خَلْفَ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا سُنَّةٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَ الْمَأْمُومُ أَنَّهَا فَرْضُ

تتمة صلى الفجر ثم شك هل طلع الفجر أو لا

كِفَايَةٍ، لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ فِيمَا يَظْهَرُ، (إلَّا إذَا صَلَّى) إمَامٌ (بِهِمْ فِي صَلَاةِ خَوْفٍ صَلَاتَيْنِ) فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ الْآتِي فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَيَصِحُّ عَكْسُهُ) أَيْ: ائْتِمَامُ مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضٍ؛ لِأَنَّ فِي نِيَّةِ الْإِمَامِ مَا فِي نِيَّةِ الْمَأْمُومِ، وَهُوَ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ، وَزِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي نِيَّةِ الْمَأْمُومِ وَهِيَ الْوُجُوبُ، فَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا، فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» . [تَتِمَّةٌ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ لَا] تَتِمَّةٌ: لَوْ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ شَكَّ: هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ لَا؛ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ وَلَهُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا مَنْ لَمْ يُصَلِّ. صَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَوُجُوبُ فِعْلِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَكَّ: هَلْ صَلَّى، أَوْ لَا. [فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ] (فَصْلٌ) فِي أَحْكَامِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ (يَصِحُّ بِلَا بَأْسٍ وُقُوفُ إمَامٍ وَسْطَ مَأْمُومِينَ، وَالسُّنَّةُ وُقُوفُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِمْ) وَوُقُوفُهُمْ خَلْفَهُ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ تَقَدَّمَ، وَقَامَ أَصْحَابُهُ خَلْفَهُ» وَرُوِيَ «أَنَّ جَابِرًا وَجَبَّارًا وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمَا حَتَّى أَقَامَهُمَا خَلْفَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد. وَلَا يَنْقُلُهُمَا إلَّا إلَى الْأَكْمَلِ، (وَلَوْ بَعُدَ) الْإِمَامُ (عَنْهُمْ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ، (وَقُرْبُهُ) مِنْهُمْ (أَفْضَلُ) مِنْ بُعْدِهِ. (إلَّا الْعُرَاةَ) إذَا صَلَّوْا جَمَاعَةً (ف) إنَّ إمَامَهُمْ يَقِفُ (وَسْطًا وُجُوبًا) ، وَيَقِفُ الْمَأْمُومُونَ عَنْ جَانِبَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ: لَا) يَجِبُ وُقُوفُ إمَامِ عُرَاةٍ وَسْطَهُمْ إذَا كَانُوا عُمْيًا، أَوْ (بِظُلْمَةٍ) لِأَمْنِ رُؤْيَتِهِمْ عَوْرَتَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) إلَّا (امْرَأَةً

أَمَّتْ نِسَاءً، ف) إنَّهَا تَقِفُ بَيْنَهُنَّ (وَسْطًا نَدْبًا) فِي حَقِّ جَمِيعِهِنَّ. (وَإِنْ تَقَدَّمَهُ) ، أَيْ: تَقَدَّمَ الْإِمَامَ (مَأْمُومٌ وَلَوْ) كَانَ تَقَدُّمُهُ (بِإِحْرَامٍ) ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ إحْرَامِهِ مُتَقَهْقِرًا حَتَّى وَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ؛ (لَمْ تَصِحَّ) الصَّلَاةُ (لَهُ) ، أَيْ: لِلْمَأْمُومِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ إلَى الِالْتِفَاتِ فِي صَلَاتِهِ، فَيَكُونُ فِي حَالِ الْتِفَاتِهِ مُسْتَدْبِرًا لِلْقِبْلَةِ عَمْدًا، وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، وَإِلَّا أَدَّى إلَى مُخَالَفَتِهِ لِإِمَامِهِ فِي أَفْعَالِهِ، وَهُوَ مُبْطِلٌ أَيْضًا. وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِتَقَدُّمِ مَأْمُومِهِ، فَلَوْ جَاءَ غَيْرُهُ فَنَوَى الِائْتِمَامَ، وَوَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ الْمَشْرُوعِ لَهُ؛ صَحَّتْ جَمَاعَةً، وَإِنْ تَقَدَّمَ بَعْدَ دُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ؛ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ دُونَ الْإِمَامِ، وَجَازَ أَنْ يُتِمَّهَا الْإِمَامُ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ لَيْسَتْ مُتَضَمِّنَةً لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَلَا مُتَعَلِّقَةً بِهَا. (وَلَا يَضُرُّ تَقْدِيمُ رِجْلِهِ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ عَلَى إمَامِهِ (بِلَا اعْتِمَادٍ عَلَيْهَا) ، أَيْ: حَيْثُ كَانَتْ رِجْلُهُ مَرْفُوعَةً عَنْ الْأَرْضِ. (وَيَتَّجِهُ: لَوْ تَقَدَّمَ) الْمَأْمُومُ عَلَى إمَامِهِ (فِي أَثْنَاءِ) صَلَاةٍ (قَهْرًا، ثُمَّ رَجَعَ فَوْرًا لَا يَضُرُّ) تَقَدُّمُهُ فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (كَمَا لَوْ) أَمَّ غَيْرَهُ فِي صَلَاةِ نَفْلٍ، و (تَقَابَلَا) ، أَيْ: الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي الْكَعْبَةِ، (أَوْ تَدَابَرَا فِي الْكَعْبَةِ) بِأَنْ جَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا ظَهْرَهُ لِلْآخَرِ، فَلَا يَضُرُّ فِي صَلَاتِهِمَا لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ. و (لَا) تَصِحُّ صَلَاةُ مَأْمُومٍ (إنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ لِوَجْهِ إمَامِهِ) دَاخِلَ الْكَعْبَةِ كَخَارِجِهَا، لِتَحَقُّقِ التَّقَدُّمِ، (أَوْ اسْتَدَارَ صَفٌّ حَوْلَهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ (وَالْإِمَامُ عَنْهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، (أَبْعَدُ مِمَّنْ) أَيْ: مِنْ الْمُؤْتَمِّ بِهِ الَّذِي

(هُوَ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ) بِأَنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَقْرَبَ إلَى الْكَعْبَةِ مِنْ الْإِمَامِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ شِمَالِهِ، أَوْ مُقَابِلَةِ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي الْإِمَامُ إلَيْهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) الْمَأْمُومُ مُتَقَدِّمًا (فِي الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْإِمَامِ) ، أَيْ: الْجِهَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ. أَمَّا إذَا تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَيْهِ فِيهَا؛ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِتَحَقُّقِ التَّقَدُّمِ، بِخِلَافِ تَقَدُّمِهِ فِي الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِمَا بِإِزَاءِ الْإِمَامِ، فَهَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَمْنَةِ الْإِمَامِ وَيَسْرَتِهِ، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، وَلَوْ كَانَ إلَى الْكَعْبَةِ أَقْرَبَ مِنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَقْرَبَ فِي جِهَتِهِ؛ جَازَ، فَإِنْ كَانَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَطَلَتْ. وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": إذَا اسْتَدَارَ الصَّفُّ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَالْإِمَامُ مِنْهَا عَلَى ذِرَاعَيْنِ، وَالْمُقَابِلُونَ مِنْهُ عَلَى ذِرَاعٍ؛ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي ابْنُ مُنَجَّى: صَحَّتْ إجْمَاعًا، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ: وَفِيمَا إذَا اسْتَدَارَ الصَّفُّ حَوْلَهَا؛ فَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ فِي الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْإِمَامِ فَقَطْ. (أَوْ فِي شِدَّةِ خَوْفٍ إذَا أَمْكَنَتْ مُتَابَعَتُهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ

لِإِمَامِهِ، فَلَا يَضُرُّ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ نَصًّا، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ الْمُتَابَعَةُ؛ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ. (وَالِاعْتِبَارُ حَالَ قِيَامٍ فِي تَقَدُّمٍ وَمُسَاوَاةٍ فِي مُؤَخَّرِ قَدَمٍ وَهُوَ الْعَقِبُ) وَتَقَدَّمَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ. (فَلَوْ اسْتَوَيَا) ، أَيْ: الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (بِعَقِبٍ، وَتَقَدَّمَتْ أَصَابِعُ مَأْمُومٍ) لِطُولِ قَدَمِهِ، (أَوْ تَقَدَّمَ) الْمَأْمُومُ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْإِمَامِ (بِرَأْسِهِ فِي سُجُودٍ) لِطُولِهِ؛ (لَمْ يَضُرَّ) اعْتِبَارًا بِالْعَقِبِ. (وَعَكْسُهُ) ، أَيْ: لَوْ اسْتَوَيَا بِالْأَصَابِعِ، وَتَقَدَّمَ عَقِبُ الْمَأْمُومِ عَلَى عَقِبِ إمَامِهِ؛ (يَضُرُّ) ، أَيْ: فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى إمَامِهِ. (وَفِي جُلُوسٍ الِاعْتِبَارُ بِمَحَلِّ قُعُودٍ وَهُوَ الْأَلْيَةُ) حَتَّى لَوْ مَدَّ رِجْلَيْهِ وَقَدَّمَهُمَا عَلَى إمَامِهِ لَمْ يَضُرَّ، كَمَا لَوْ قَدَّمَ الْقَائِمُ رِجْلَهُ مَرْفُوعَةً عَلَى الْأَرْضِ وَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهَا، وَتَقَدَّمَ؛ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَائِمًا وَالْآخَرُ قَاعِدًا؛ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ: فَلَا يُقَدِّمُ الْقَائِمُ عَقِبَهُ عَلَى مُؤَخَّرِ أَلْيَةِ الْجَالِسِ. (وَيَقِفُ) مَأْمُومٌ (وَاحِدٌ) رَجُلٌ أَوْ خُنْثَى (عَنْ يَمِينِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ «لِإِدَارَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا إلَى يَمِينِهِ لَمَّا وَقَفَا عَنْ يَسَارِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ وَالْخُنْثَى رَجُلٌ وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَالْخُنْثَى عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ يَمِينِ الرَّجُلِ، وَلَا يَقِفَانِ خَلْفَهُ لِجَوَازِ كَوْنِ الْخُنْثَى امْرَأَةً. (وَيَنْدُرُ تَخَلُّفُهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ (قَلِيلًا) بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُصَافًّا لَهُ، (قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ") ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " حَوَاشِي الْفُرُوعِ "، وَ " غَايَةِ الْمَطْلَبِ "، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (وَيَتَّجِهُ: فَلَا يَضُرُّ) فِي صَلَاةِ مَأْمُومٍ (عَدَمُ مُسَاوَاةٍ) ، أَيْ: مُسَامَتَتِهِ لِإِمَامِهِ (بِتَأَخُّرِهِ) عَنْهُ قَلِيلًا، بِحَيْثُ يَظْهَرُ لِلرَّائِي أَنَّهُ مَأْمُومٌ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِيمَا يُوهِمُ مِنْ عِبَارَتِهِ عَدَمَ الصِّحَّةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَإِنْ تَقَدَّمَ عَقِبُ الْمَأْمُومِ عَقِبَ الْإِمَامِ مَعَ

تَأَخُّرِ أَصَابِعِهِ عَنْ أَصَابِعِ الْإِمَامِ: لَمْ تَصِحَّ، وَكَذَا تَأَخُّرُ عَقِبِ الْمَأْمُومِ، انْتَهَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. و (لَا) يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ مَأْمُومٌ (وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ عَنْ يَسَارِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ) إنْ صَلَّى رَكْعَةً فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ مَوْقِفَهُ (ك) مَا لَا يَصِحُّ وُقُوفُ مَأْمُومٍ (وَاحِدٍ خَلْفَهُ) لِأَنَّهُ فَذٌّ. (وَإِنْ وَقَفَ) أَحَدٌ (عَنْ يَسَارِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (أَحْرَمَ) بِالصَّلَاةِ (أَوْ لَا؛ أَدَارَهُ) الْإِمَامُ (نَدْبًا مِنْ وَرَائِهِ إلَى يَمِينِهِ مَعَ بَقَاءِ تَحْرِيمَتِهِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ. (وَ) مَحَلُّ إدَارَتِهِ مِنْ وَرَائِهِ حَيْثُ (لَا عَمَلَ) كَثِيرٌ، فَإِنْ عَمِلَ فِي إدَارَتِهِ عَمَلًا كَثِيرًا. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. (فَإِنْ جَاءَ) مَأْمُومٌ (آخَرُ) فَوَقَفَ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ خَلْفَ الْإِمَامِ؛ أَصَابَا السُّنَّةَ، (وَ) إنْ (لَمْ يَقِفَا خَلْفَهُ أَدَارَهُمَا) الْإِمَامُ (خَلْفَهُ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَابِرُ بْنُ صَخْرٍ. فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا جَمِيعًا، فَدَفَعْنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد. (فَإِنْ شَقَّ) عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِمَا الْإِدَارَةُ: (تَقَدَّمَ) الْإِمَامُ (عَلَيْهِمَا) لِيَصِيرَا خَلْفَهُ وَيُصِيبُوا السُّنَّةَ. (وَإِنَّ أَمَّ رَجُلًا وَصَبِيًّا: سُنَّ وُقُوفُ رَجُلٍ يَمِينًا) لِكَمَالِهِ. (وَصَبِيٌّ شِمَالًا) . (وَ) لَوْ أَمَّ (رَجُلًا وَامْرَأَةً؛ فَرَجُلٌ) يَقِفُ (يَمِينًا.

وَ) تَقِفُ (امْرَأَةٌ خَلْفًا) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ، «فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَهُ» . (وَمَنْ صَلَّى وَلَوْ نَفْلًا يَسَارَ إمَامِهِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ) وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ جَمَاعَةً؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ إذَا صَلَّى رَكْعَةً كَامِلَةً، لِمُخَالَفَتِهِ مَوْقِفَهُ. (وَلَوْ كَانَ وَرَاءَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (صَفٌّ، أَوْ) صَلَّى (فَذًّا، وَلَوْ) كَانَ الْفَذُّ (امْرَأَةً خَلْفَ امْرَأَةٍ رَكْعَةً كَامِلَةً؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا، نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا، لِحَدِيثِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَثْبَتَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ هَذَا الْحَدِيثَ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانُ مَرْفُوعًا: «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّهُ خَالَفَ مَوْقِفَهُ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ زُحِمَ فِي ثَانِيَةِ الْجُمُعَةِ، فَخَرَجَ مِنْ الصَّفِّ، وَبَقِيَ مُنْفَرِدًا؛ فَيَنْوِي الْمُفَارَقَةَ وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ. صَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " (وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا لِعُذْرٍ، كَخَوْفِ فَوْتِ رَكْعَةٍ، ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ) قَبْلَ سُجُودِ الْإِمَامِ؛ صَحَّتْ، (أَوْ) رَكَعَ فَذًّا لِعُذْرٍ، ثُمَّ (وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ سُجُودِ الْإِمَامِ؛ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ «لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَاسْمُهُ نُفَيْعٌ، رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى دَخَلَ الصَّفَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَك اللَّهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفَعَلَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ. وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ الرُّكُوعَ (وَ) إنْ رَكَعَ فَذًّا (لِغَيْرِ عُذْرٍ) بِأَنْ كَانَ لَا يَخَافُ فَوْتَ الرَّكْعَةِ، فَإِنْ دَخَلَ الصَّفَّ، أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ رَفْعِهِ وَقَبْلَ سُجُودِ الْإِمَامِ؛ صَحَّتْ. وَإِلَّا (فَلَا) ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْمَعْذُورِ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ.

(وَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ أَحَدِ اثْنَيْنِ صَفَّا) بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا الْحَدَثُ وَنَحْوُهُ، (تَقَدَّمَ الْآخَرُ) الَّذِي لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ (إلَى يَمِينِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ، (أَوْ) انْضَمَّ إلَى (صَفٍّ) آخَرَ إنْ كَانَ حَذِرًا مِنْ أَنْ يَصِيرَ فَذًّا، أَوْ جَاءَ مَأْمُومٌ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ، صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا، (وَإِلَّا) يُمْكِنْهُ التَّقَدُّمُ، وَلَمْ يَقِفْ مَعَهُ غَيْرُهُ؛ (نَوَى الْمُفَارَقَةَ) لِلْعُذْرِ، وَأَتَمَّهَا مُنْفَرِدًا، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. (وَيَتَّجِهُ) صِحَّةُ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ: فِي (غَيْرِ أُولَى جُمُعَةٍ) أَمَّا فِي أُولَى رَكْعَتَيْهَا؛ فَلَيْسَ لَهُ الْمُفَارَقَةُ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُدْرَكُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَإِنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ مُصَافِّهِ (بِثَانِيَةِ جُمُعَةٍ، أَوْ زُحِمَ فِيهَا) ، أَيْ: الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، (فَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ وَبَقِيَ فَذًّا) ؛ فَإِنَّهُ (يَنْوِي الْمُفَارَقَةَ) لِلْعُذْرِ، (وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً) لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ. (وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْ) إمَامَهُ، (وَأَتَمَّهَا) مَعَهُ (جُمُعَةً) وَهُوَ فَذٌّ؛ (صَحَّتْ جُمُعَةً) فِي وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى، فَاغْتُفِرَ فِيهَا ذَلِكَ. وَصَحَّحَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " عَدَمَ الصِّحَّةِ. ذَكَرَهُ فِي الْجُمُعَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَمَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ. (وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ (لِجَاهِلٍ) لَمْ يُفَارِقْ إمَامَهُ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا يَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ مِنْ أَنَّهُ مَتَى رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ فَذًّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.

(وَمَنْ) (وَجَدَ فُرْجَةً) بِضَمِّ الْفَاءِ وَهِيَ الْخَلَلُ فِي الصَّفِّ، دَخَلَ فِيهَا، (أَوْ) وَجَدَ (الصَّفَّ غَيْرَ مَرْصُوصٍ وَقَفَ فِيهِ) نَصًّا؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصَّفَّ» . (وَكُرِهَ مَشْيُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي إلَى الْفُرْجَةِ (عَرْضًا بَيْنَ يَدَيْ مَأْمُومِينَ) ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي.» الْحَدِيثَ. وَلَعَلَّ عَدَمَ التَّحْرِيمِ هُنَا، إمَّا لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، أَوْ لِلْحَاجَةِ. (وَإِلَّا) يَجِدْ مَوْضِعًا فِي الصَّفِّ يَقِفُ فِيهِ؛ (ف) يَقِفْ (عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ) إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَوْقِفُ الْوَاحِدِ، (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) الْوُقُوفُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ؛ (نَبَّهَ بِنَحْوِ كَلَامٍ) كَنَحْنَحَةٍ (أَوْ إشَارَةٍ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ) ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اجْتِنَابِ الْفَذِّيَّةِ، (وَيَتْبَعُهُ) مَنْ نَبَّهَهُ (وُجُوبًا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ. (وَكُرِهَ) تَنْبِيهُهُ (بِجَذْبِهِ) نَصًّا، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، (وَلَوْ) كَانَ (عَبْدَهُ) أَوْ ابْنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَالَ الْعِبَادَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى صُنْعِهِ الْمَعْرُوفَ بِإِجَابَتِهِ مَنْ نَبَّهَهُ، وَتَحْصِيلِهِ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ (وَلَا يَفُوتُهُ) ، أَيْ: الْمُجِيبَ لِلْمُنَبِّهِ (ثَوَابُ صَفٍّ كَانَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ أَمَّ رَجُلٌ امْرَأَةً؛ ف) تَقِفُ (خَلْفَهُ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ،

فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا لِأُصَلِّيَ لَكُمْ، فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُمْت أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَقَامَتْ الْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ. (وَإِنْ وَقَفَتْ) الْمَرْأَةُ (بِجَانِبِهِ، فَكَرَجُلٍ) ، فَإِنْ وَقَفَتْ عَنْ يَمِينِهِ، صَحَّ، لَا عَنْ يَسَارِهِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ. (وَيَتَّجِهُ: لَا يَصِحُّ وُقُوفُهَا) ، أَيْ: الْمَرْأَةِ (خَلْفَ خُنْثَى) مُشْكِلٍ، (خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: " الْإِقْنَاعِ " " وَالْمُنْتَهَى " حَيْثُ جَزَمَا بِوُقُوفِ الْمَرْأَةِ خَلْفَ الْخُنْثَى. وَوَجْهُ عَدَمِ الصِّحَّةِ: (لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ) ، أَيْ: الْخُنْثَى (امْرَأَةً) ، وَحِينَئِذٍ فَتَقِفُ الْمَرْأَةُ بِجَنْبِ الْخُنْثَى احْتِيَاطًا (وَلَا يَصِحُّ وُقُوفُهُ) ، أَيْ: الْخُنْثَى (خَلْفَ رَجُلٍ) قَطْعًا، (لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ) ، أَيْ: الْخُنْثَى (رَجُلًا) ، خِلَافًا لِلْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ. قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ ": وَالصَّحِيحُ عِنْدِي عَلَى أَصْلِنَا: أَنَّهُ يَقِفُ الْخُنْثَى عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ وُقُوفَ الْمَرْأَةِ جَنْبَ الرَّجُلِ غَيْرُ مُبْطِلٍ، وَوُقُوفُهُ خَلْفَهُ فِيهِ احْتِمَالُ كَوْنِهِ رَجُلًا فَذًّا، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي الْبُطْلَانِ بِهِ. قَالَ: وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا بِفَهْمٍ؛ عَلِمَ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ سَهْوٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّارِحُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ. (وَإِنْ) (وَقَفَ الْخَنَاثَى صَفًّا) ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَالْبَاقِي نِسَاءً.

(وَيَتَّجِهُ: أَوْ) وَقَفُوا صَفًّا، (وَمَعَهُمْ رَجُلٌ فَقَطْ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ؛ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ) ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِمْ نِسَاءً. ، وَوُجُودُ الرَّجُلِ مَعَهُمْ كَعَدَمِهِ. (وَإِنْ وَقَفَتْ امْرَأَةٌ بِصَفِّ رِجَالٍ، كُرِهَ لَهَا) ذَلِكَ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهَا، (وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا) مِنْ الرِّجَالِ، (وَ) لَا صَلَاةُ مَنْ (خَلْفَهَا) مِنْهُمْ، كَمَا لَوْ وَقَفَتْ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ. (وَصَفٌّ تَامٌّ مِنْ نِسَاءٍ لَا يَمْنَعُ اقْتِدَاءَ مَنْ خَلْفَهُنَّ مِنْ رِجَالٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَسُنَّ أَنْ يُقَدَّمَ) إلَى الْإِمَامِ (مِنْ أَنْوَاعٍ) مَأْمُومِينَ رِجَالٌ (أَحْرَارٌ بَالِغُونَ) الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ، (فَعَبِيدٌ) بَالِغُونَ (الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي الْحُرِّيَّةِ فَضْلٌ عَلَى الرِّقِّ؛ قُدِّمَتْ الْأَحْرَارُ عَلَى الْعَبِيدِ. (وَيَتَّجِهُ: فَإِنْ اسْتَوَيَا) فِي الصِّفَةِ؛ (ف) يُقَدَّمُ (أَسَنُّ) ، لِمَزِيَّتِهِ عَلَى مَنْ دُونَهُ فِي السِّنِّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَصِبْيَانٌ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَفَّ الرِّجَالَ، ثُمَّ صَفَّ خَلْفَهُمْ الْغِلْمَانَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (فَنِسَاءٌ كَذَلِكَ) ، أَيْ: الْبَالِغَاتُ الْأَحْرَارُ، ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ، ثُمَّ غَيْرُ الْبَالِغَاتِ الْأَحْرَارِ، ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ. الْفُضْلَى فَالْفُضْلَى، وَقَدَّمَ الصِّبْيَانَ

عَلَى النِّسَاءِ لِفَضْلِهِمْ عَلَيْهِنَّ بِالذُّكُورِيَّةِ. (فَمَنْ انْفَرَدَتْ) مِنْ النِّسَاءِ عَنْ الصَّفِّ وَصَلَّتْ وَحْدَهَا (إذَنْ) ، أَيْ: مَعَ وُجُودِ مَنْ يُصَافُّهَا، (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهَا، (كَذَا فِي " الْمُبْدِعِ ") . قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ "، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. (وَفِي " الْكَافِي " تَصِحُّ) صَلَاةُ مَنْ انْفَرَدَتْ مِنْ النِّسَاءِ عَنْ الصَّفِّ، صَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، وَالْمَذْهَبُ مَا فِي " الْمُبْدِعِ ". وَأَمَّا إذَا وَقَفَتْ الْمَرْأَةُ خَلْفَ الرَّجُلِ، أَوْ خَلْفَ صَفِّ الرِّجَالِ، فَتَصِحُّ صَلَاتُهَا حَتَّى مَعَ وُجُودِ امْرَأَةٍ أُخْرَى فَأَكْثَرَ.

و (لَا) يَصِحُّ وُقُوفُ (خَنَاثَى صَفًّا) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَالْبَاقِي نِسَاءً، قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ صِبْيَانٌ كَذَلِكَ، ثُمَّ خَنَاثَى. (وَ) يُقَدَّمُ (مِنْ جَنَائِزَ إلَى إمَامٍ وَإِلَى قِبْلَةٍ فِي قَبْرٍ حَيْثُ جَازَ حُرٌّ بَالِغٌ، فَعَبْدٌ، فَصَبِيٌّ) حُرٌّ، فَصَبِيٌّ عَبْدٌ (فَخُنْثَى فَامْرَأَةٌ كَذَلِكَ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ) فِي صَفِّهِ (إلَّا كَافِرٌ) ، فَفَذٌّ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْكَافِرِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ. (أَوْ) لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا (امْرَأَةٌ أَوْ خُنْثَى) وَهُوَ ذَكَرٌ فَفَذٌّ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْوُقُوفِ مَعَهُ. (أَوْ) لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا (مَنْ يَعْلَمُ حَدَثَهُ أَوْ نَجَاسَتَهُ أَوْ مَجْنُونٌ) ، فَفَذٌّ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى، لِأَنَّ وُجُودَهُمْ كَعَدَمِهِمْ، وَكَذَا سَائِرُ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. (أَوْ) لَمْ يَقِفْ

فصل في الاقتداء في الصلاة

مَعَ رَجُلٍ (فِي فَرْضٍ) إلَّا (صَبِيٌّ، فَفَذٌّ) أَيْ: فَرْدٌ، لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِالرَّجُلِ فِي الْفَرْضِ، فَلَا تَصِحُّ مُصَافَّتُهُ لَهُ. (وَتَصِحُّ) مُصَافَّتُهُ (إنْ وَقَفَ مَعَهُ مُتَنَفِّلٌ أَوْ) وَقَفَ مَعَهُ (مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ، كَأُمِّيٍّ وَأَخْرَسَ وَفَاسِقٍ وَعَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ) بِلَا خِلَافٍ. [فَصْلٌ فِي الِاقْتِدَاءِ فِي الصَّلَاةِ] (فَصْلٌ فِي الِاقْتِدَاءِ) (يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ يُمْكِنُهُ) الِاقْتِدَاءُ بِإِمَامٍ أَيْ: مُتَابَعَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَسْجِدِ، (وَلَوْ) كَانَ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ إمَامِهِ فَوْقَ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ) . قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ. (وَلَوْ لَمْ تَتَّصِلْ صُفُوفٌ) عُرْفًا؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلْجَمَاعَةِ، فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِيهِ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ، بِخِلَافِ خَارِجِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلِاجْتِمَاعِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ الِاتِّصَالُ فِيهِ. (فَإِنْ كَانَا) ، أَيْ: الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (بِغَيْرِ مَسْجِدٍ، أَوْ) كَانَ (مَأْمُومٌ وَحْدَهُ خَارِجَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (شُرِطَ عَدَمُ حَائِلٍ) ، أَيْ: مَانِعٍ؛ كَحَائِطٍ وَطَرِيقٍ (بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ وَقَفَ قَوْمٌ فِي طَرِيقٍ وَرَاءَ الْمَسْجِدِ، وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ مَا يُمْكِنُهُمْ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ، وَلَا ضَرُورَةَ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ (وَ) يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ مَأْمُومٍ خَارِجَ الْمَسْجِدِ (أَنْ يَرَى الْإِمَامَ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ) ، فَإِنْ لَمْ يَرَهُ وَلَا بَعْضَ مَنْ وَرَاءَهُ؛ لَمْ تَصِحَّ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ. (وَلَوْ) كَانَتْ الرُّؤْيَةُ (فِي بَعْضِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ، كَحَالِ الْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ مِنْ شَخْصِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ أُنَاسٌ

يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ» . الْحَدِيثَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (أَوْ) كَانَتْ الرُّؤْيَةُ (مِنْ شُبَّاكٍ) ، لِتَمَكُّنِهِ إذَنْ مِنْ مُتَابَعَتِهِ. وَلَا يَكْتَفِي إذَنْ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ. (وَلَا يَضُرُّ حَائِلٌ) مِنْ نَحْوِ (ظُلْمَةٍ أَوْ عَمًى) ، وَكَانَ يَرَى بِحَيْثُ لَوْلَا ذَلِكَ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ حَيْثُ أَمْكَنَتْهُ الْمُتَابَعَةُ وَلَوْ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَفِي " حَوَاشِي ابْنِ قُنْدُسٍ " عَلَيْهِ، وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِمْ. (وَإِنْ كَانَا) ، أَيْ: الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (بِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ؛ (فَلَا) تُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ، (وَكَفَى سَمَاعُ تَكْبِيرٍ) ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ مُتَابَعَتِهِ إذَنْ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي:) إنْ كَانَ النَّهْرُ (فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ) ؛ لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؛ صَحَّتْ. (أَوْ) كَانَ بَيْنَهُمَا (طَرِيقٌ، وَلَمْ تَتَّصِلْ فِيهِ صُفُوفٌ) عُرْفًا (حَيْثُ صَحَّتْ) الصَّلَاةُ (فِيهِ) ، أَيْ: الطَّرِيقِ (كَجِنَازَةٍ وَكُسُوفٍ وَجُمُعَةٍ) وَعِيدٍ وَاسْتِسْقَاءٍ لِضَرُورَةٍ؛ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ، فَإِنْ اتَّصَلَتْ إذَنْ صَحَّتْ. (أَوْ كَانَا) ، أَيْ: الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (فِي غَيْرِ شِدَّةٍ وَخَوْفٍ بِسَفِينَتَيْنِ غَيْرِ مَقْرُونَتَيْنِ، لَمْ تَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ طَرِيقٌ، وَلَيْسَتْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً. وَأَمَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ؛ فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ لِلْحَاجَةِ. (وَكُرِهَ عُلُوُّ إمَامٍ عَنْ مَأْمُومٍ ذِرَاعًا فَأَكْثَرَ) ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ؛ فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِهِمْ» وَمَحَلُّ ذَلِكَ: مَا لَمْ يَكُنْ الْعُلُوُّ يَسِيرًا، كَدَرَجَةِ مِنْبَرٍ.

لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ، فَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ: قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا فَعَلْت ذَلِكَ لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا بَأْسَ بِعُلُوِّ مَأْمُومٍ) وَلَوْ كَثِيرًا نَصًّا، كَمَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ " وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أَنَسٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ فَأَشْبَهَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِقَطْعِ صَفٍّ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ وَرَاءَ الْإِمَامِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ قَطْعُ الصَّفِّ (عَنْ يَسَارِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (إذَا بَعُدَ) الْمُنْقَطِعُ (بِقَدْرِ مَقَامِ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ) ؛ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى (وَيَتَّجِهُ: أَنَّ الْمُرَادَ) بِبُطْلَانِ صَلَاةِ صَفٍّ انْقَطَعَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ بِقَدْرِ مَقَامِ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ (مَا لَمْ تَنْوِ) ، أَيْ: مَا لَمْ تَنْوِ الطَّائِفَةُ الْمُنْقَطِعَةُ (مُفَارَقَةَ) الْإِمَامِ، فَإِنْ نَوَتْ مُفَارَقَتَهُ؛ صَحَّتْ، أَوْ اتَّصَلَ الصَّفُّ. أَوْ أَمْكَنَ انْتِقَالُهَا إلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ كَثِيرٍ؛ صَحَّتْ، وَهَذَا مُتَّجِهٌ

(وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا: (أَنَّهُ مَنْ بَعُدَ عَنْ الصَّفِّ) مَعَ مُحَاذَاتِهِ لَهُ، وَكَانَ بُعْدُهُ عَنْهُ (قَدْرَ ذَلِكَ) ، أَيْ: مَقَامَ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ (فَفَذٌّ) ، أَيْ: فَرْدٌ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. وَهَذَا لَيْسَ بِوَجِيهٍ، إذْ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقَطْعِ الصَّفِّ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ. (وَيُبَاحُ اتِّخَاذُ مِحْرَابٍ) نَصًّا، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، لِيَسْتَدِلَّ بِهِ الْجَاهِلُ. (وَتُكْرَهُ صَلَاةُ إمَامٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمِحْرَابِ (بِلَا حَاجَةٍ) كَضِيقِ مَسْجِدٍ، وَكَثْرَةِ جَمْعٍ؛ فَلَا يُكْرَهُ، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ (إنْ مَنَعَ مَأْمُومًا مُشَاهَدَتَهُ) ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِهِ عَنْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حِجَابٌ، (بَلْ يَقِفُ) الْإِمَامُ (عَنْ يَمِينِ مِحْرَابٍ) إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا نَصًّا، لِتَمَيُّزِ جَانِبِ الْيَمِينِ. (وَكُرِهَ لَهُ) ، أَيْ: لِإِمَامٍ، وَ (لَا) يُكْرَهُ (لِمَأْمُومٍ تَطَوُّعُهُ بِلَا حَاجَةٍ بَعْدَ مَكْتُوبَةٍ مَوْضِعَهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: كَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَا يُصَلِّيَنَّ الْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّ فِي تَحَوُّلِهِ

مِنْ مَكَانِهِ إعْلَامًا لِمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى، فَلَا يَنْتَظِرُ وَيَطْلُبُ جَمَاعَةً أُخْرَى. (وَ) كُرِهَ (مُكْثُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (كَثِيرًا) بَعْدَ الصَّلَاةِ (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَلَيْسَ ثَمَّ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (نِسَاءٌ) ، وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى إطَالَةِ الْجُلُوسِ مُسْتَقْبِلًا، كَمَا إذَا لَمْ يَجِدْ مُنْصَرَفًا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِانْحِرَافُ. (فَإِنْ كُنَّ) نِسَاءً (سُنَّ لَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ، (وَلِمَأْمُومٍ أَنْ يَثْبُتُوا) فِي مَوَاضِعِهِمْ (بِقَدْرِ مَا يَرَوْنَ انْصِرَافَهُنَّ) ، " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ " قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَنَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِكَيْ يَنْفَدَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ النِّسَاءِ - رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ. وَلِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ. (وَسُنَّ لَهُنَّ) ، أَيْ: النِّسَاءِ انْصِرَافٌ (عَقِبَ سَلَامِ إمَامٍ، وَ) سُنَّ (لِمَأْمُومٍ) أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إلَّا (بَعْدَ انْصِرَافِ إمَامٍ) إنْ (اسْتَقْبَلَهُ) بَعْدَ سَلَامِهِ (وَلَمْ يُطِلْ الْجُلُوسَ) ، فَإِنْ أَطَالَهُ؛ انْصَرَفَ مَأْمُومٌ إذَنْ، لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ بِإِطَالَتِهِ. (وَيَنْحَرِفُ إمَامٌ) اسْتِحْبَابًا بَعْدَ سَلَامِهِ إلَى مَأْمُومٍ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَيَكُونُ انْحِرَافُهُ (جِهَةَ قَصْدِهِ) لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَيْهِ، (وَإِلَّا) يَقْصِدْ جِهَةً (فَ) يَنْحَرِفْ (عَنْ يَمِينِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامُ (فَتَلِي يَسَارُهُ الْقِبْلَةَ) تَمْيِيزًا لِجَانِبِ الْيَمِينِ. (وَكُرِهَ وُقُوفُ مَأْمُومٍ بَيْنَ سَوَارٍ تَقْطَعُ الصُّفُوفَ عُرْفًا) ، رَوَاهُ

الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُصَفَّ بَيْنَ السَّوَارِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ لِينٌ. وَقَالَ أَنَسٌ: " كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّفَّ. قَالَ بَعْضُهُمْ: فَتَكُونُ سَارِيَةٌ عَرْضُهَا مَقَامَ ثَلَاثَةٍ. وَلَا يُكْرَهُ وُقُوفُ الْإِمَامِ بَيْنَ السَّوَارِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ صَفٌّ يُقْطَعُ. (وَ) كُرِهَ (اتِّخَاذُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (بِمَسْجِدٍ مَكَانًا لَا يُصَلِّي فَرْضَهُ إلَّا بِهِ) . قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ لَا يُوَطِّنُ الْأَمَاكِنَ، وَيَكْرَهُ إيطَانَهَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَوْ كَانَتْ فَاضِلَةً، ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ «سَلَمَةَ كَانَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَهَا الْمُصْحَفُ، وَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: وَلَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ، كَإِسْمَاعِ حَدِيثٍ، وَتَدْرِيسٍ وَإِفْتَاءٍ وَنَحْوِهِ، وَيَتَوَجَّهُ: لَا. وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ. وَ (لَا) يُكْرَهُ اتِّخَاذُهُ لِصَلَاةِ (نَفْلِهِ) لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَخْبَارِ. (وَحَرُمَ بِنَاءُ مَسْجِدٍ يُرَادُ بِهِ الضَّرَرُ لِمَسْجِدٍ بِقُرْبِهِ فَيُهْدَمُ) مَا بُنِيَ ضَرَرًا وُجُوبًا، لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الضَّرَرُ؛ جَازَ وَإِنْ قَرُبَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إذَا بَعُدَ يَجُوزُ، وَلَوْ قُصِدَ بِهِ الضَّرَرُ لِغَيْرِهِ (وَيَتَّجِهُ: وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ) مَسْجِدٍ أُرِيدَ بِهِ الضَّرَرُ، وَلَا الْوَقْفُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

تنبيه شروط قدوة في الصلاة عشرة

(وَكُرِهَ حُضُورُ مَسْجِدٍ وَجَمَاعَتِهِ لِآكِلِ نَحْوِ بَصَلٍ أَوْ فُجْلٍ) أَوْ كُرَّاثٍ، وَكُلِّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، (حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ) لِلْخَبَرِ، وَلِإِيذَائِهِ. وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَسْجِدِ أَحَدٌ، لِتَأَذِّي الْمَلَائِكَةِ. (وَكَذَا نَحْوُ مَنْ بِهِ بَخَرٌ وَصُنَانٌ، وَجَزَّارٌ لَهُ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ) ، وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهُمْ دَفْعًا لِلْأَذَى. (وَيُمْنَعُ أَبْرَصُ وَمَجْذُومٌ يُتَأَذَّى بِهِ) مِنْ حُضُورِ مَسْجِدٍ وَجَمَاعَةٍ؛ (فَلَا يَحِلُّ لِمَجْذُومٍ مُخَالَطَةُ صَحِيحٍ بِلَا إذْنِهِ) ، أَيْ: الصَّحِيحِ. فَإِنْ أَذِنَ بِذَلِكَ؛ جَازَ لَهُ مُخَالَطَتُهُ، لِحَدِيثِ «لَا طِيَرَةَ وَلَا عَدْوَى.» الْحَدِيثَ. (وَعَلَى وَلِيِّ أَمْرٍ مَنْعُهُ) ، أَيْ: الْمَجْذُومِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَصِحَّاءِ، لِحَدِيثِ «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ» . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ حَدِيثِ «لَا عَدْوَى» ؛ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ، وَالْمَعْمُولُ عَلَيْهِ. وَحَدِيثِ: «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ» ، وَنَحْوِهِ؛ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ مُخَالَطَتِهِ، لِئَلَّا يَكُونَ قَدَرُ اللَّهِ عَلَى الْمُخْتَلِطِ بِهِ مِثْلَ دَائِهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ الْعَدْوَى، فَرُبَّمَا نَسَبَ لَهُ تَأْثِيرًا. (وَمِنْ الْأَدَبِ وَضْعُ إمَامٍ نَعْلَهُ عَنْ يَسَارِهِ) فِي حَالِ صَلَاتِهِ إكْرَامًا لِجِهَةِ يَمِينِهِ، (وَ) وَضْعُ (مَأْمُومٍ) نَعْلَهُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) ، أَيْ: قُدَّامَهُ (لِئَلَّا يُؤْذِيَ غَيْرَهُ) . وَيُسْتَحَبُّ تَفَقُّدُهُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَالْأَوْلَى تَنَاوُلُهُ بِيَسَارِهِ. [تَنْبِيهٌ شُرُوطُ قُدْوَةٍ فِي الصَّلَاةِ عَشْرَةٌ] (تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ قُدْوَةٍ عَشْرَةٌ) : أَحَدُهَا: (عَدَمُ تَقَدُّمِ مَأْمُومٍ) عَلَى إمَامِهِ (وَ) الثَّانِي: عَدَمُ (تَأَخُّرِهِ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ عَنْ إمَامِهِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ مُصَافَّتِهِ وَيَصِيرُ (فَذًّا، أَوْ) كَوْنُ الْمَأْمُومِ (عَنْ يَسَارِهِ) . أَيْ: الْإِمَامِ (بِشَرْطٍ) ، وَهُوَ شَغْلُ يَمِينِهِ بِآخَرَ.

(وَ) الثَّالِثُ: (نِيَّةُ كُلٍّ) مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ () ؛ بِأَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ وَالْمَأْمُومُ الِاقْتِدَاءَ. (وَ) الرَّابِعُ: (عِلْمُ مَأْمُومٍ بِانْتِقَالَاتِ إمَامِهِ) لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ. (وَ) الْخَامِسُ: (مُتَابَعَةُ) مَأْمُومٍ (إمَامَهُ بِتَحْرِيمَةٍ) ، أَيْ: تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ بِأَنْ يَشْرَعَ فِيهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا، فَلَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، أَوْ ابْتَدَأَ قَبْلَ إتْمَامِهِ؛ لَا تَصِحُّ. (وَ) السَّادِسُ: (رُؤْيَتُهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ (لَهُ) ، أَيْ: لِإِمَامِهِ، (أَوْ) رُؤْيَتَهُ لِ (مَنْ وَرَاءَهُ إنْ كَانَ) الْمَأْمُومُ (خَارِجَ الْمَسْجِدِ) . (وَ) السَّابِعُ: (عَدَمُ حَاجِزٍ بَيْنَهُمَا مِنْ طَرِيقٍ أَوْ نَهْرٍ) تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ (وَ) الثَّامِنُ: (تَوَافُقُ صَلَاتَيْهِمَا اسْمًا فِي فَرْضٍ) كَظُهْرٍ خَلْفَ ظُهْرٍ، وَمَغْرِبٍ خَلْفَ مَغْرِبٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ تَوَافُقُهُمَا أَدَاءً وَلَا قَضَاءً. وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَلَا يَضُرُّ التَّخَالُفَ فِي الِاسْمِ، فَتَصِحُّ التَّرَاوِيحُ خَلْفَ الْوِتْرِ وَنَحْوِهَا. (وَ) التَّاسِعُ: (عَدَمُ اعْتِقَادِ) الْمَأْمُومِ (بُطْلَانَ صَلَاةِ إمَامِهِ) ، لِكَوْنِهِ فَاسِقًا أَوْ مُحْدِثًا وَنَحْوَهُ. (وَ) الْعَاشِرُ: (تَعْيِينُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامُ، (فَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (خَلْفَ أَحَدِ إمَامَيْنِ لَا يُعَيِّنُهُ وَمَرَّتْ) هَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّهَا (مُفَصَّلَةً) ، فَلَا فَائِدَةَ بِإِطَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا هُنَا.

فصل في الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة

[فَصْلٌ فِي الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ] (فَصْلٌ فِي الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ) (يُعْذَرُ بِتَرْكِ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ مَرِيضٌ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ) "؛ لِأَنَّهُ، «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَرِضَ تَخَلَّفَ عَنْ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يُعْذَرُ بِذَلِكَ (خَائِفُ حُدُوثِ مَرَضٍ) . لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ الْعُذْرَ بِالْخَوْفِ وَالْمَرَضِ» (أَوْ) خَائِفُ (زِيَادَتِهِ) ، أَيْ: الْمَرَضِ (أَوْ بُطْءِ بُرْءٍ) مِنْ مَرَضٍ بِهِ. (وَتَلْزَمُ جُمُعَةٌ) لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا (لَا جَمَاعَةُ مَنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِإِتْيَانِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا) ، نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: فِي الْجُمُعَةِ يَكْتَرِي وَيَرْكَبُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ضَعْفٍ عَقِبَ الْمَرَضِ، فَأَمَّا مَعَ الْمَرَضِ فَلَا يَلْزَمُهُ، لِبَقَاءِ الْعُذْرِ. وَمَحَلُّ سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ عَنْ الْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ: إنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ؛ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ، وَكَذَا مَنْ مُنِعَهُمَا لِنَحْوِ حَبْسٍ (أَوْ تَبَرَّعَ) لَهُ (أَحَدٌ بِهِ) ، أَيْ: بِأَنْ يُرْكِبَهُ أَوْ يَحْمِلَهُ، (أَوْ) تَبَرَّعَ أَحَدٌ (بِقَوْدِ أَعْمَى لَهَا) ؛ أَيْ: لِلْجُمُعَةِ؛ فَتَلْزَمُهُ دُونَ الْجَمَاعَةِ لِتَكَرُّرِهَا، فَتَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ أَوْ الْمِنَّةُ. (أَوْ قَدَرَ) عَلَى إتْيَانِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ (مِنْ نَفْسِهِ) ، أَيْ: بِلَا قَائِدٍ، فَيَلْزَمُهُ إتْيَانُهَا؛ لِأَنَّ الْعَمَى لَيْسَ عُذْرًا مَعَ الْقُدْرَةِ. (وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ (مَحْبُوسٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . (وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِهِمَا (مُدَافِعُ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ) : الْبَوْلُ أَوْ الْغَائِطُ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ إكْمَالِ الصَّلَاةِ وَخُشُوعِهَا، (وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِهِمَا (مُحْتَاجٌ) ، أَيْ: تَائِقٌ (لِطَعَامٍ بِحَضْرَتِهِ وَلَهُ

الشِّبَعُ) نَصًّا، لِخَبَرِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ «وَلَا تَعْجَلَنَّ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْهُ» . وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، وَقَامَ يُصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. (وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِهِمَا (خَائِفُ ضَيَاعِ مَالِهِ) كَغَلَّةٍ بِبَيَادِرِهَا، (أَوْ) خَائِفُ (فَوَاتِهِ) كَشُرُودِ دَابَّتِهِ، أَوْ إبَاقِ عَبْدِهِ، (أَوْ) خَائِفُ (تَلَفِهِ) كَإِطْلَاقِ مَاءٍ عَلَى نَحْوِ زَرْعِهِ بِغَيْبَتِهِ. (وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِهِمَا (رَاجٍ وُجُودَ ضَائِعٍ) ؛ كَمَنْ ضَاعَ لَهُ كَبْشٌ، أَوْ أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ، وَهُوَ يَرْجُو وُجُودَهُ، أَوْ قَدِمَ بِهِ مِنْ سَفَرٍ إنْ لَمْ يَقِفْ لِأَخْذِهِ ضَاعَ، لَكِنْ (قَالَ الْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: (وَالْأَفْضَلُ تَرْكُ مَا يَرْجُو وُجُودَهُ وَيُصَلِّي) الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ؛ لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَرُبَّمَا لَا يَنْفَعُهُ حَذَرُهُ. وَ (لَا) يَتْرُكُ (مَا يَخَافُ تَلَفُهُ، كَخُبْزٍ بِتَنُّورٍ) وَطَبِيخٍ عَلَى نَارٍ، بَلْ يَتْرُكُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَيُبَاشِرُ ذَلِكَ حِفْظًا لِمَالِيَّتِهِ. (وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِهِمَا (خَائِفُ ضَرَرٍ بِمَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا، أَوْ نَحْوِ بُسْتَانٍ) كَزَرْعٍ (أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) ، وَإِنْ تَرَكَهُ فَسَدَ، (أَوْ) خَائِفُ ضَرَرٍ فِي (مَالٍ اُسْتُؤْجِرَ لِحِفْظِهِ؛ كَنِطَارَةِ بُسْتَانٍ) ، وَالنَّاطِرُ وَالنَّاطُورُ: حَافِظُ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ؛ أَعْجَمِيٌّ، الْجَمْعُ: نُطَّارُ وَنُطَرَاءُ وَنَوَاطِيرُ وَنَطَرَةٌ، وَالْفِعْلُ: النَّظَرُ وَالنِّطَارَةُ بِالْكَسْرِ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ ". (وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِهِمَا (عُرْيَانٌ) لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً، أَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ (فِي غَيْرِ) جَمَاعَةِ (عُرَاةٍ، أَوْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ) دُونَ بَاقِي جَسَدِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْخَجَلِ، فَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ عُرَاةً؛ صَلُّوا جَمَاعَةً وُجُوبًا. (وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِهِمَا (خَائِفُ مَوْتِ قَرِيبِهِ أَوْ رَفِيقِهِ أَوْ تَمْرِيضِهِمَا) .

يُقَالُ: مَرَّضْتُهُ تَمْرِيضًا: قُمْت بِمُدَاوَاتِهِ، قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ ". (وَلَيْسَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) "؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَصْرَخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ يَتَجَمَّرُ لِلْجُمُعَةِ، فَأَتَاهُ بِالْعَقِيقِ، وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ " قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. (أَوْ) خَائِفٌ (عَلَى حَرِيمِهِ) . (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) خَائِفٌ عَلَى (مَنْ يَلْزَمُهُ ذَبٌّ عَنْهُ) ، كَحَرِيمِ غَيْرِهِ وَمَالِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ) عَلَى (نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرِ) لِصٍّ أَوْ سَبْعٍ يَغْتَالُهُ، (أَوْ سُلْطَانٍ) يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، (أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ) يُعْطِيهِ، أَوْ خَائِفٌ مِنْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَا وَفَاءَ لَهُ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الْمُعْسِرِ ظُلْمٌ. وَكَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، وَخَشِيَ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَأَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ؛ فَلَا عُذْرَ لَهُ لِلنَّصِّ. (أَوْ) خَائِفٌ (فَوْتَ رُفْقَةٍ بِسَفَرٍ مُبَاحٍ أَنْشَأَهُ أَوْ اسْتَدَامَهُ) ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ. (أَوْ غَلَبَهُ نُعَاسٌ يَخَافُ بِهِ فَوْتَهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (بِوَقْتٍ، أَوْ) يَخَافُ بِالنُّعَاسِ فَوْتَهَا (مَعَ إمَامٍ) «لِأَنَّ رَجُلًا صَلَّى مَعَ مُعَاذٍ، ثُمَّ انْفَرَدَ، فَصَلَّى وَحْدَهُ عِنْدَ تَطْوِيلِ مُعَاذٍ، وَخَوْفِ النُّعَاسِ وَالْمَشَقَّةِ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَخْبَرَهُ» ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَالْمُبْدِعِ "، وَفِي الْمَذْهَبِ وَالْوَجِيزِ ": يُعْذَرُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ بِخَوْفِهِ نَقْضَ الْوُضُوءِ بِانْتِظَارِهِمَا (وَمُدَافَعَةُ نُعَاسٍ) وَالصَّبْرُ وَالتَّجَلُّدُ عَلَيْهِ لِيُصَلِّيَ جَمَاعَةً (أَفْضَلُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ نَيْلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ (أَوْ) خَائِفُ (أَذًى بِمَطَرٍ وَوَحَلٍ) بِتَحْرِيكِ الْحَاءِ، وَالتَّسْكِينُ

لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، (وَثَلْجٍ وَجَلِيدٍ وَرِيحٍ بَارِدَةٍ بِلَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَادِي مُنَادِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ: صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَمْ يَقُلْ فِي السَّفَرِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ - زَادَ مُسْلِمٌ: فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ - إذَا قُلْت: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ. قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَلِكَ،؟ فَقَدْ فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي يَعْنِي: النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ الْجُمُعَةَ عَزِيمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْت أَنْ أُخْرِجَكُمْ فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالدَّحَضُ هُوَ: الزَّلِقُ وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ وَالْجَلِيدُ كَذَلِكَ. (أَوْ) خَائِفُ (تَطْوِيلِ إمَامٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (أَوْ عَلَيْهِ قَوَدٌ يَرْجُو الْعَفْوَ عَنْهُ) ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ عَلَى مَالٍ حَتَّى يُصَالِحَ وَ (لَا) يُعْذَرُ بِتَرْكِهِمَا (مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ) لِلَّهِ تَعَالَى: كَحَدِّ الزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تَدْخُلُهَا الْمُصَالَحَةُ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ. (أَوْ) كَانَ (بِطَرِيقِهِ) إلَى الْمَسْجِدِ (مُنْكَرٌ أَوْ) كَانَ بِ (مَسْجِدِهِ) الَّذِي يُرِيدُ الصَّلَاةَ بِهِ (مُنْكَرٌ) كَبُغَاةٍ يَدْعُونَهُ لِيُقَاتِلَ مَعَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ، فَلَا يُعْذَرُ بِتَرْكِ جُمُعَةٍ وَلَا جَمَاعَةٍ نَصًّا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ لِنَفْسِهِ لَا قَضَاءِ حَقٍّ لِغَيْرِهِ، (وَيُنْكِرُهُ) أَيْ: الْمُنْكَرَ (بِحَسْبِهِ) ، أَيْ: بِقَدْرِ مَا يُطِيقُهُ، لِلْخَبَرِ. وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِتَرْكِ جُمُعَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مَنْ جَهِلَ الطَّرِيقَ لِلْمَسْجِدِ إذَا وَجَدَ مَنْ يَهْدِيهِ، وَلَا أَعْمَى وَجَدَ لَهُ مَنْ يَقُودُهُ بِمِلْكٍ أَوْ إجَارَةٍ وَفِي " الْخِلَافِ " وَغَيْرِهِ: وَيَلْزَمُهُ إنْ وَجَدَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَائِدِ

فرع لا ينقص أجر تارك جمعة وجماعة لعذر شيئا

كَمَدِّ الْحَبْلِ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَزَلْزَلَةٍ؛ عُذْرٌ عِنْدَ أَبِي الْمَعَالِي) لِأَنَّهَا نَوْعُ خَوْفٍ (وَعَرُوسٌ تُجَلَّى عَلَيْهِ) عُذْرٌ (عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ) . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فِي آخِرِ الْجُمُعَةِ، كَذَا قَالَ. (وَيَتَّجِهُ مِنْ كَلَامِهِمْ: وَكَذَا) يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ (آكِلُ نَحْوِ بَصَلٍ) كَثُومٍ وَكُرَّاثٍ وَفُجْلٍ وَكُلِّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ مُنْكَرَةٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَرْعٌ لَا يَنْقُصُ أَجْرُ تَارِكِ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ لِعُذْرٍ شَيْئًا] (فَرْعٌ: لَا يَنْقُصُ أَجْرُ تَارِكِ) جُمُعَةٍ وَ (جَمَاعَةٍ لِعُذْرٍ شَيْئًا) ، وَثَوَابُهُ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ. (وَمَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا أَوْ مُقِيمًا) ، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى: «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ نَوَى الْخَيْرَ وَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْهُ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ الْفَاعِلِ، وَاحْتَجَّ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ. تَتِمَّةٌ: جَمِيعُ مَا سَبَقَ إنَّمَا يَتَّجِهُ عَدُّهُ مِنْ الْأَعْذَارِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَتَأَتَّى لَهُ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِي بَيْتِهِ، فَإِنْ تَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ كَانَ مَأْمُورًا بِإِقَامَتِهَا فِي بَيْتِهِ، لِأَنَّ الِانْفِرَادَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ مَعَ إمْكَانِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ مَعْصِيَةٌ (وَمُخَالَطَةُ النَّاسِ) وَتَحَمُّلُ أَذَاهُمْ (أَوْلَى مِنْ اعْتِزَالِهِمْ) خُصُوصًا إذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ قَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ (مَعَ أَمْنِ فِتْنَةٍ) فِي دِينِهِ، وَفِي مُخَالَطَتِهِمْ

باب صلاة أهل الأعذار

(لِاكْتِسَابِ فَضَائِلَ دِينِيَّةً) كَتَعَلُّمِ عِلْمٍ مُبَاحٍ (أَوْ) لِاكْتِسَابِ فَضَائِلَ (دُنْيَوِيَّةٍ) كَتَعَلُّمِ الصِّنَاعَاتِ الْمُبَاحَةِ، فَضْلٌ عَظِيمٌ، وَثَوَابٌ جَسِيمٌ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْكَمَالِ، وَصَوْنِ مَاءِ الْوَجْهِ عَنْ الِابْتِذَالِ. [بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ] (بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ) وَهُمْ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ وَالْخَائِفُ وَنَحْوُهُمْ وَالْأَعْذَارُ: جَمْعُ عُذْرٍ، كَأَقْفَالٍ: جَمْعُ قُفْلٍ (يَلْزَمُ فَرْضُ) الصَّلَاةِ (الْمَرِيضَ قَائِمًا) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، (وَلَوْ) كَانَ (كَرَاكِعٍ أَوْ) كَانَ (مُعْتَمِدًا) فِي قِيَامِهِ عَلَى شَيْءٍ، (أَوْ) كَانَ (مُسْتَنِدًا) إلَى شَيْءٍ (أَوْ) كَانَ (بِأُجْرَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا) ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. زَادَ النَّسَائِيّ «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا» . وَحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ؛ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْقِيَامِ كَذَلِكَ (أَوْ شَقَّ) عَلَيْهِ الْقِيَامُ (لِضَرَرٍ شَدِيدٍ) يَلْحَقُهُ بِهِ (أَوْ) لِ (زِيَادَةِ مَرَضٍ أَوْ بُطْءِ بُرْءٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ كَانَ الْقِيَامُ يُوهِنُهُ حَيْثُ جَازَ، تَرْكُ الْقِيَامِ، (فَ) إنَّهُ يُصَلِّي (قَاعِدًا) لِلْخَبَرِ. (مُتَرَبِّعًا نَدْبًا، وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمُتَنَفِّلٍ) ، وَكَيْفَ قَعَدَ جَازَ، وَأَسْقَطَ الْقَاضِي بِضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ وَأَنَّهُ لَوْ تَحَمَّلَ الصِّيَامَ وَالْقِيَامَ حَتَّى ازْدَادَ مَرَضُهُ، أَثِمَ. (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْقُعُودِ، (أَوْ شَقَّ) عَلَيْهِ الْقُعُودُ (وَلَوْ بِتَعَدِّيهِ بِضَرْبِ سَاقِهِ) أَوْ تَعَدِّي الْحَامِلِ بِضَرْبِ بَطْنِهَا حَتَّى نَفِسَتْ، (فَ) إنَّهُ

يُصَلِّي (عَلَى جَنْبٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) الْجَنْبُ (الْأَيْمَنُ أَفْضَلُ) ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ، أَوْمَأَ وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، صَلَّى مُسْتَلْقِيًا رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنْ صَلَّى عَلَى الْأَيْسَرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ جَوَازُهُ، لِظَاهِرِ خَبَرِ عِمْرَانَ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُكْرَهُ مَعَ قُدْرَةٍ عَلَى الْأَيْمَنِ. (وَتُكْرَهُ) صَلَاةُ مَرِيضٍ عَجَزَ عَنْ قِيَامٍ وَقُعُودٍ (عَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ لِلْقِبْلَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ) أَنْ يُصَلِّيَ (عَلَى جَنْبِهِ) ، وَتَصِحُّ، (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ مَرِيضٌ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ، (تَعَيَّنَ) أَنْ يُصَلِّيَ (عَلَى ظَهْرِهِ) وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَتَقَدَّمَ. (وَيُومِئُ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ) عَاجِزٍ عَنْهُمَا مَا أَمْكَنَهُ نَصًّا، (وَيَجْعَلُهُ) ، أَيْ: السُّجُودَ (أَخْفَضَ) لِلْخَبَرِ وَلِلتَّمَيُّزِ، (وَإِنْ سَجَدَ مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) السُّجُودَ بِالْأَرْضِ (عَلَى شَيْءٍ رُفِعَ) لَهُ، وَانْفَصَلَ عَنْ الْأَرْضِ، (كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ فِي إجْزَائِهِ، (وَأَجْزَأَ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْمَأَ (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: الْإِيمَاءُ أَحَبُّ إلَيَّ) مِنْ رَفْعِ شَيْءٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ. (وَإِنْ رَفَعَ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا فَسَجَدَ عَلَيْهِ، أَجْزَأَهُ) . انْتَهَى. (وَلَا بَأْسَ بِهِ) ، أَيْ: السُّجُودِ (عَلَى نَحْوِ وِسَادَةٍ) مَوْضُوعَةٍ بِالْأَرْضِ لَمْ تُرْفَعْ عَنْهَا، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِفِعْلِ أُمِّ سَلَمَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ: وَنَهَى عَنْهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ، وَلَا يَلْزَمُهُ السُّجُودُ عَلَيْهَا، وَيُومِئُ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ. (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ إيمَاءٍ بِرَأْسِهِ (أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ) ، أَيْ: عَيْنِهِ (نَاوِيًا مُسْتَحْضِرًا) تَفْسِيرٌ لَهُ (الْفِعْلَ) عِنْدَ إيمَائِهِ (بِقَلْبِهِ، وَكَذَا) نَاوِيًا (الْقَوْلَ) إذَا أَوْمَأَ لَهُ (إنْ عَجَزَ عَنْهُ بِلِسَانِهِ) ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ

مَا اسْتَطَعْتُمْ» (يُجَدِّدُ لِكُلِّ فِعْلٍ وَرُكْنٍ قَصْدًا) ، لِتَمْيِيزِ الْأَفْعَالِ وَالْأَرْكَانِ (كَأَسِيرٍ خَائِفٍ) أَنْ يَعْلَمُوا بِصَلَاتِهِ. قَالَ أَحْمَدُ لَا بُدَّ مِنْ شَيْءٍ مَعَ عَقْلِهِ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": صَلَّى بِقَلْبِهِ أَوْ طَرْفِهِ، وَفِي " الْخِلَافِ ": أَوْمَأَ بِعَيْنِهِ وَحَاجِبِهِ أَوْ قَلْبِهِ. (وَلَا تَسْقُطُ) الصَّلَاةُ عَنْ مُكَلَّفٍ (مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا) ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْإِيمَاءِ مَعَ النِّيَّةِ بِقَلْبِهِ، وَلِعُمُومِ أَدِلَّةِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ. (وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُ نَحْوِ مُضْطَجِعٍ عَنْ أَجْرِ صَحِيحٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَتَقَدَّمَ. (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى وَاجِبٍ أَوْ رُكْنٍ مِنْ نَحْوِ قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، (انْتَقَلَ إلَيْهِ) لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ - وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ - وَأَتَمَّهَا. ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ الْعَجْزُ وَقَدْ زَالَ، وَمَا صَلَّاهُ قَبْلُ كَانَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا فِيهِ. وَمَا بَقِيَ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ فِيهِ، (فَيَقُومُ) الْعَاجِزُ عَنْ الْقِيَامِ، (أَوْ يَقْعُدُ) مَنْ كَانَ عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ، (وَيَرْكَعُ بِلَا قِرَاءَةٍ مَنْ) كَانَ (قَرَأَ) حَالَ عَجْزِهِ لِحُصُولِهَا فِي مَحَلِّهَا، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْرَأْ حَالَ عَجْزِهِ؛ (قَرَأَ) بَعْدَ قِيَامِهِ أَوْ قُعُودِهِ، لِيَأْتِيَ بِفَرْضِهَا. وَإِنْ كَانَ قَرَأَ الْبَعْضَ، أَتَى بِالْبَاقِي. (وَإِنْ أَبْطَأَ مُتَثَاقِلًا) حَالٌ مِنْ (مَنْ) فَاعِلُ أَبْطَأَ (أَطَاقَ الْقِيَامَ) فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْهُ (فَعَادَ الْعَجْزُ) فِي الصَّلَاةِ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ لَمْ يَعُدْ) ، شُمُولُ الْحُكْمِ لِمَنْ لَمْ يَعُدْ عَجْزُهُ (أَوْلَى) مِمَّنْ عَادَ عَجْزُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَإِنْ كَانَ) إبْطَاؤُهُ (بِمَحَلِّ قُعُودٍ) مِنْ صَلَاتِهِ (كَتَشَهُّدٍ، صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِأَنَّ جُلُوسَهُ بِمَحَلِّهِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِمَحَلِّ قُعُودٍ: (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِزِيَادَتِهِ فِعْلًا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، (وَ) بَطَلَتْ (صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ

وَلَوْ جَهِلُوا) ، لِارْتِبَاطِ صَلَاتِهِمْ بِصَلَاتِهِ، وَكَمَا لَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ. (وَيَتَّجِهُ: وَمُصَلٍّ مُضْطَجِعًا) أَبْطَأَ مُتَثَاقِلًا بَعْدَ أَنْ أَطَاقَ الْجُلُوسَ أَوْ الْقِيَامَ (تَبْطُلُ) صَلَاتُهُ (بِلَا تَفْصِيلٍ) ؛ لِأَنَّ الِاضْطِجَاعَ لَيْسَ لَهُ مَحَلٌّ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَبْنِي مَنْ) ابْتَدَأَهَا قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا، ثُمَّ (عَجَزَ فِيهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ عَلَى مَا فَعَلَهُ، لِوُقُوعِهِ صَحِيحًا كَالْآمِنِ يَخَافُ. (وَتُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ) مَنْ كَانَ يُصَلِّي قَائِمًا، ثُمَّ عَجَزَ عَنْهُ، (إنْ أَتَمَّهَا فِي) حَالِ (انْحِطَاطِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مِنْ الْقُعُودِ الَّذِي صَارَ فَرْضَهُ، وَ (لَا) تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ (مَنْ) صَلَّى قَاعِدًا عَجْزًا، ثُمَّ (صَحَّ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، (فَأَتَمَّهَا) ، أَيْ: الْفَاتِحَةَ (فِي) حَالِ (ارْتِفَاعِهِ) ، أَيْ: نُهُوضِهِ، كَقِرَاءَةِ الصَّحِيحِ حَالَ نُهُوضِهِ. (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى قِيَامٍ وَقُعُودٍ دُونَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ أَوْمَأَ وُجُوبًا بِرُكُوعٍ قَائِمًا) ؛ لِأَنَّ الرَّاكِعَ كَالْقَائِمِ فِي نَصْبِ رِجْلَيْهِ، (وَ) أَوْمَأَ بِ (سُجُودٍ قَاعِدًا) ؛ لِأَنَّ السَّاجِدَ كَالْجَالِسِ فِي جَمْعِ رِجْلَيْهِ، وَلِيَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِيمَاءَيْنِ. وَمَنْ قَدَرَ أَنْ يَحْنِيَ رَقَبَتَهُ دُونَ ظَهْرِهِ حَنَاهَا، وَإِذَا سَجَدَ قَرَّبَ وَجْهَهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى سُجُودٍ عَلَى صُدْغَيْهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ. (وَمَنْ قَدَرَ) أَنْ (يَقُومَ) فِي الصَّلَاةِ (مُنْفَرِدًا، وَ) قَدَرَ أَنْ (يَجْلِسَ فِي جَمَاعَةٍ؛ خُيِّرَ) بَيْنَ الصَّلَاةِ قَائِمًا مُنْفَرِدًا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ جَالِسًا فِي جَمَاعَةٍ

عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَطَعَ بِهِ فِي " الْكَافِي "، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " وَ " مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ " وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " وَ " الْحَاوِي الصَّغِيرِ " وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لِأَنَّهُ يَفْعَلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَاجِبًا وَيَتْرُكُ وَاجِبًا (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ أَبُو الْمَعَالِي (يُصَلِّي مُنْفَرِدًا قَائِمًا، وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ") وَقَالَ: لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَادِرٌ، وَالْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا، وَقُعُودُهُمْ خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ. انْتَهَى. (وَلِمَرِيضٍ وَأَرْمَدَ يُطِيقُ قِيَامًا الصَّلَاةُ مُسْتَلْقِيًا لِمُدَاوَاةٍ بِقَوْلِ طَبِيبٍ) سُمِّيَ بِهِ لِحِذْقِهِ وَفِطْنَتِهِ (مُسْلِمٍ ثِقَةٍ) وَهُوَ: الْعَدْلُ الضَّابِطُ (حَاذِقٍ فَطِنٍ) ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ كَافِرٌ، وَلَا فَاسِقٌ كَغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى جَالِسًا حِينَ جُحِشَ شِقُّهُ» وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ، بَلْ فَعَلَهُ إمَّا لِلْمَشَقَّةِ، أَوْ لِوُجُودِ الضَّرَرِ، وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ. وَأُمُّ سَلَمَةَ تَرَكَتْ السُّجُودَ لِرَمَدٍ بِهَا. (وَيَكْفِي مِنْهُ) ، أَيْ: الطَّبِيبِ (غَلَبَةُ ظَنٍّ) لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ. (وَ) لِلْمَرِيضِ أَنْ (يُفْطِرَ بِقَوْلِهِ) ، أَيْ: الطَّبِيبِ الْمُسْلِمِ الثِّقَةِ (إنَّ الصَّوْمَ مِمَّا يُمَكِّنُ الْعِلَّةَ) ، أَيْ: الْمَرَضَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] . (وَلَا تَصِحُّ مَكْتُوبَةٌ بِسَفِينَةٍ قَاعِدًا لِقَادِرٍ عَلَى قِيَامٍ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ، كَمَنْ بِغَيْرِ سَفِينَةٍ. (وَيَدُورُ) رَاكِبُ السَّفِينَةِ (لِقِبْلَةٍ كُلَّمَا انْحَرَفَتْ، وَيُصَلُّونَ بِهَا) ، أَيْ: السَّفِينَةِ (جَمَاعَةً، وَلَوْ عَجَزُوا عَنْ قِيَامٍ) بِهَا وَخُرُوجٍ مِنْهَا، صَلُّوا جُلُوسًا، وَدَارُوا إلَى الْقِبْلَةِ كُلَّمَا انْحَرَفَتْ. (وَتَصِحُّ) الْمَكْتُوبَةُ (عَلَى رَاحِلَتِهِ) وَاقِفَةً أَوْ سَائِرَةً (لِتَأَذٍّ بِوَحَلٍ

وَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، لِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى إلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبَلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ؛ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِهِمْ، يُومِئُ إيمَاءً، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفَعَلَهُ أَنَسٌ. ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ. (وَ) تَصِحُّ عَلَيْهَا أَيْضًا لِ (خَوْفِ انْقِطَاعٍ عَنْ رُفْقَةٍ) بِنُزُولِهِ، (أَوْ) خَوْفٍ (عَلَى نَفْسِهِ) إنْ نَزَلَ (مِنْ نَحْوِ عَدُوٍّ) كَسَيْلٍ وَسَبُعٍ، (أَوْ عَجَزَ عَنْ رُكُوبِهِ إنْ نَزَلَ) لِلصَّلَاةِ، فَإِنْ قَدَرَ، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا؛ نَزَلَ. وَالْمَرْأَةُ إنْ خَافَتْ تَبَرُّزًا وَهِيَ خَفِرَةٌ؛ صَلَّتْ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَكَذَا مَنْ خَافَ حُصُولَ ضَرَرٍ بِالْمَشْيِ، ذَكَرَهُمَا فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ". (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِعُذْرِ (الِاسْتِقْبَالِ) ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] ، (وَ) عَلَيْهِ فِعْلُ (مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ) مِنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَإِيمَاءٍ بِهِمَا وَطُمَأْنِينَةٍ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَلَا تَصِحُّ) مَكْتُوبَةٌ عَلَى رَاحِلَةٍ (لِمَرَضٍ فَقَطْ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ ضَرَرُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ؛ لَكِنْ إنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوبٍ إنْ نَزَلَ، أَوْ خَافَ انْقِطَاعًا وَنَحْوَهُ، جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا كَالصَّحِيحِ وَأَوْلَى. (وَمَنْ أَتَى بِكُلِّ فَرْضٍ وَشَرْطٍ) لِمَكْتُوبَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ (وَصَلَّى عَلَيْهَا) ، أَيْ: عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَوْ صَلَّى (بِنَحْوِ سَفِينَةٍ) كَهَوْدَجٍ وَمِحَفَّةٍ (سَائِرَةٍ أَوْ وَاقِفَةٍ) وَلَوْ (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِ

فصل في قصر الصلاة

مَطَرٍ، أَوْ مَعَ إمْكَانِ خُرُوجٍ مِنْ نَحْوِ سَفِينَةٍ؛ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِاسْتِيفَائِهَا مَا يُعْتَبَرُ لَهَا. (وَمَنْ بِمَاءٍ وَطِينٍ) لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ (يُومِئُ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ (كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ إمْكَانِهِ (وَيَسْجُدُ غَرِيقٌ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ) ، أَيْ: ظَهْرِهِ، (وَلَا إعَادَةَ فِي الْكُلِّ) لِلْخَبَرِ، وَتَقَدَّمَ. (وَيُعْتَبَرُ الْمَقَرُّ لِأَعْضَاءِ السُّجُودِ) لِحَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» (فَلَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ مَثَلًا عَلَى نَحْوِ قُطْنٍ) ، كَصُوفٍ (مَنْفُوشٍ) وَوَبَرٍ وَشَعْرٍ (وَلَمْ يَنْكَبِسْ) ؛ لَمْ تَصِحَّ. (أَوْ صَلَّى مُعَلَّقًا) أَوْ فِي أُرْجُوحَةٍ (بِلَا ضَرُورَةٍ) تَمْنَعُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأَرْضِ؛ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ عُرْفًا، وَعَدَمِ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ. (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (إنْ حَاذَى صَدْرَهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (نَحْوَ رَوْزَنَةٍ) وَهِيَ: الْكُوَّةُ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ ". وَنَحْوُ الرَّوْزَنَةِ: الشُّبَّاكُ وَمَا لَا يُجْزِئُ سُجُودُهُ عَلَيْهِ. (وَ) تَصِحُّ أَيْضًا (عَلَى نَحْوِ صُوفٍ حَائِلٍ) كَشَعْرٍ وَوَبَرٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، وَلَا كَرَاهَةَ، لِحَدِيثِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَلَّى عَلَى فَرْوٍ مَدْبُوغَةٍ» . (وَ) تَصِحُّ أَيْضًا عَلَى (مَا مَنَعَ صَلَاتُهُ الْأَرْضَ) كَفِرَاشٍ مَحْشُوٍّ بِنَحْوِ قُطْنٍ، (وَ) عَلَى (مَا تُنْبِتُهُ) الْأَرْضُ لِاسْتِقْرَارِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ] (فَصْلٌ فِي الْقَصْرِ) (قَصْرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّة) جَائِزٌ إجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] الْآيَةَ، عَلَّقَ الْقَصْرَ عَلَى الْخَوْفِ؛ «لِأَنَّ غَالِبَ أَسْفَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَخْلُ مِنْهُ. وَقَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ

مَا لَنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا؟ فَقَالَ: سَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «صَحِبْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كَذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إنَّ قَوْله تَعَالَى: {إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] ؛ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ، مَعْنَاهُ: وَإِنْ خِفْتُمْ. وَهُوَ (أَفْضَلُ) مِنْ الْإِتْمَامِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَاءَهُ دَاوَمُوا عَلَيْهِ وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» . (وَلَا يُكْرَهُ إتْمَامُ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ، لِحَدِيثِ يَعْلَى؛ قَالَتْ عَائِشَةُ: «أَتَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَصَرَ» قَالَ الشَّافِعِيُّ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ. وَيَجُوزُ الْقَصْرُ (لِمَنْ نَوَى سَفَرًا) ، أَيْ: شَرَعَ فِيهِ، وَاجِبًا كَانَ أَوْ مُسْتَحَبًّا، كَسَفَرِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ وَالْعُمْرَةِ، فَالسَّفَرُ لِلْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَلِلْمَنْدُوبِ مِنْهُ مَنْدُوبٌ، وَكَالسَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْإِخْوَانِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَزِيَارَةِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَالْوَالِدَيْنِ، أَوْ ابْتَدَأَ سَفَرًا (مُبَاحًا) ، أَيْ: لَيْسَ حَرَامًا وَلَا مَكْرُوهًا، (وَلَوْ عَصَى فِيهِ) ، أَيْ: السَّفَرِ الْمُبَاحِ، (أَوْ) كَانَ لِ (زِيَارَةِ قُبُورٍ وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ) ، أَيْ: السَّفَرَ لِزِيَارَتِهَا (قُرْبَةً) ، فَإِنْ اعْتَقَدَهُ قُرْبَةً؛ فَلَا يَقْصُرُ، لِحَدِيثِ «لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ» . . . إلَى آخِرِهِ. (أَوْ) كَانَ (نُزْهَةً أَوْ فُرْجَةً)

بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ: الرَّاحَةُ مِنْ الْغَمِّ، (أَوْ) كَانَ الْمُسَافِرُ (تَاجِرًا مُكَاثِرًا) فِي الدُّنْيَا. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا أَنَّ الِاتِّسَاعَ فِي الْمَكَانِ وَالْمَبَانِي مِنْ حِلٍّ إذَا أَدَّى جَمِيعَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُ؛ مُبَاحٌ، وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ التَّكَاثُرَ. (أَوْ) كَانَ السَّفَرُ (الْمُبَاحُ أَكْثَرَ قَصْدِهِ) ، كَتَاجِرٍ قَصَدَ التِّجَارَةَ، وَقَصَدَ مَعَهَا أَنْ يَشْرَبَ مِنْ خَمْرِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ؛ فَإِنْ تَسَاوَى الْقَصْدَانِ، أَوْ غَلَبَ الْحَظْرُ، أَوْ سَافَرَ لِيَقْصُرَ فَقَطْ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ. (يَبْلُغُ) ، أَيْ: السَّفَرُ (سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا تَقْرِيبًا) لَا تَحْدِيدًا، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " (يَقِينًا) لَا ظَنًّا. (بَرًّا أَوْ بَحْرًا) لِلْعُمُومَاتِ. (وَهِيَ) ، أَيْ: السِّتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا (يَوْمَانِ قَاصِدَانِ) ، أَيْ: مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ طُولًا وَقِصَرًا (فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلِ) الْحَرِّ وَالْبَرْدِ (بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ وَدَبِيبِ الْأَقْدَامِ، وَهِيَ: أَرْبَعَةُ بُرُدٍ) جَمْعُ: بَرِيدٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «يَا أَهْلَ مَكَّةَ؛ لَا تَقْصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: هُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ، خُصُوصًا إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ. (وَالْبَرِيدُ: أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ) جَمْعُ: فَرْسَخٍ. (وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ هَاشِمِيَّةٍ) نِسْبَةً إلَى هَاشِمٍ جَدِّ

النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَبِأَمْيَالِ بَنِي أُمَيَّةَ: مِيلَانِ وَنِصْفُ) مِيلٍ. (وَ) الْمِيلُ (الْهَاشِمِيُّ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ) ، وَهِيَ: (سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ) بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَهِيَ: (أَرْبَعَةُ آلَافِ خُطْوَةٍ، وَالذِّرَاعُ: أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً، كُلُّ إصْبَعٍ) مِنْهَا عَرْضُهَا (سِتُّ حَبَّاتِ شَعِيرٍ بُطُونُ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، عَرْضُ كُلِّ شَعِيرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتٍ بِرْذَوْنَ) : بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَرُبَّمَا قَالُوا فِي الْأُنْثَى بِرْذَوْنَةُ. قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: الْبِرْذَوْنُ: التُّرْكِيُّ مِنْ الْخَيْلِ، وَهُوَ مَا أَبَوَاهُ نَبَطِيَّانِ عَكْسُ الْعِرَابِ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ": الذِّرَاعُ الَّذِي ذُكِرَ قَدْ حُرِّرَ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ الْآنَ فِي مِصْرَ وَالْحِجَازِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَدْرِ الثُّمُنِ، فَعَلَى هَذَا؛ فَالْمِيلُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ خَمْسَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا. قَالَ: وَهَذِهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ قَلَّ مَنْ يُنَبِّهُ عَلَيْهَا. (أَوْ تَابَ فِيهِ) ، أَيْ: فِي سَفَرٍ غَيْرِ مُبَاحٍ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ أَفَاقَ) مَجْنُونٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَقَدْ بَقِيَتْ) الْمَسَافَةُ قَصَرَ خِلَافًا لِمَا فِي الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ أَبَاحَ الْقَصْرَ وَلَوْ بَقِيَ دُونَ الْمَسَافَةِ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ

فَإِنْ لَمْ تَبْقَ لَمْ يَقْصُرْ. (أَوْ أُكْرِهَ) عَلَى سَفَرٍ (كَأَسِيرٍ، أَوْ غُرِّبَ) زَانٍ حُرٌّ غَيْرُ مُحْصَنٍ، (أَوْ شُرِّدَ) إذَا أَخَافَ السَّبِيلَ، وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ

يَأْخُذْ مَالًا، لِأَنَّ سَفَرَهُمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِهَا. وَ (لَا) يَقْصُرُ (هَائِمٌ) ، أَيْ: خَارِجٌ عَلَى وَجْهِهِ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، (وَ) لَا (تَائِهٌ) وَهُوَ: مَنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، (وَ) لَا (سَائِحٌ) لَا يَقْصِدُ مَكَانًا مُعَيَّنًا، لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ قَصْدُ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِيهِ. (وَتُكْرَهُ سِيَاحَةٌ لِغَيْرِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، وَلَوْ قَطَعَهَا فِي سَاعَةٍ) ، لِحَدِيثِ «لَا سِيَاحَةَ فِي الْإِسْلَامِ» . وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَتْ السِّيَاحَةُ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَلَا هِيَ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ. وَقَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": السِّيَاحَةُ فِي الْبِلَادِ لِغَيْرِ قَصْدٍ شَرْعِيٍّ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَمْرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَأَمَّا السِّيَاحَةُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ؛ فَهِيَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا. (إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةِ) مُسَافِرًا (وَلَوْ) كَانَتْ (خَارِجَ سُورٍ وَقَبْلَهَا خَرَابٌ) قَائِمَةٌ حِيطَانُهُ أَوْ لَا (أَوْ اجْتَمَعُوا) ، أَيْ: الْمُسَافِرُونَ بِمَكَانٍ (لِانْتِظَارِ بَعْضِهِمْ) يُنْشِئُونَ السَّفَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ؛ فَلَهُمْ الْقَصْرُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ، لِأَنَّهُمْ ابْتَدَءُوا السَّفَرَ وَفَارَقُوا قَرْيَتَهُمْ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: إنْ لَمْ يَنْوُوا الْإِقَامَةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةٍ، أَوْ تَكُونُ الْعَادَةُ عَدَمَ اجْتِمَاعِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ (بَعْدَ فُرْقَةِ عَامِرٍ) ، أَيْ: فَيَقْصُرُ مَنْ فَارَقَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ وَلِيَهَا بُيُوتٌ خَارِبَةٌ أَوْ الْبَرِّيَّةُ، فَإِنْ وَلِيَهَا بُيُوتٌ خَارِبَةٌ، ثُمَّ بُيُوتٌ عَامِرَةٌ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ الْعَامِرَةِ الَّتِي تَلِي الْخَارِبَةَ. (أَوْ) إذَا فَارَقَ (خِيَامَ قَوْمِهِ) إنْ اسْتَوْطَنُوا الْخِيَامَ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمُفَارَقَةِ بِنَوْعٍ مِنْ الْبُعْدِ عُرْفًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْقَصْرَ لِمَنْ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ، وَقَبْلَ مُفَارَقَتِهِ مَا ذُكِرَ لَا يَكُونُ ضَارِبًا فِيهَا، وَلَا مُسَافِرًا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحَدُ طَرَفَيْ السَّفَرِ، أَشْبَهَ حَالَةَ الِانْتِهَاءِ. (أَوْ) إذَا فَارَقَ مُسْتَوْطِنٌ قُصُورَ وَبَسَاتِينَ. (مَا) ، أَيْ: مَحَلًّا (نُسِبَ إلَيْهِ) ذَلِكَ

الْمَحَلُّ (عُرْفًا كَسُكَّانِ قُصُورٍ وَبَسَاتِينَ) يَسْكُنُهُ أَهْلُهُ، وَلَوْ فِي فَصْلٍ مِنْ الْفُصُولِ لِلنُّزْهَةِ. (وَمَحَلَّتُهُ بِبَلَدٍ لَهُ مَحَالٌّ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِبَعْضِهَا، وَبُقْعَةٌ لِمُقِيمٍ بِمَفَازَةٍ) وَأَهْلِ عِزَبٍ مِنْ نَحْوِ قَصَبٍ، فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُفَارِقَهَا. ذَكَرَ مَعْنَاهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْعَامِرَةِ. وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ مُتَدَانِيَتَيْنِ، وَاتَّصَلَ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى؛ فَهُمَا كَالْوَاحِدَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ؛ فَلِكُلِّ قَرْيَةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا. وَمَحَلُّ إبَاحَةِ الْقَصْرِ: (إنْ لَمْ يَنْوِ عَوْدًا) قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الْمَسَافَةِ، (أَوْ) لَمْ (يَعُدْ قَبْلَ) بُلُوغِ (مَسَافَةٍ) إلَى وَطَنِهِ، (فَإِنْ نَوَاهُ) ، أَيْ: الْعَوْدَ عِنْدَ خُرُوجِهِ (أَوْ) لَمْ يَنْوِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ، بَلْ (تَجَدَّدَتْ نِيَّتُهُ) لِلْعَوْدِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ (لِحَاجَةٍ بَدَتْ) لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، (فَلَا) قَصْرَ إنْ لَمْ يَكُنْ رُجُوعُهُ سَفَرًا طَوِيلًا (حَتَّى يَرْجِعَ) إلَى وَطَنِهِ. (وَيُفَارِقُ بِشَرْطِهِ) ، وَهُوَ: أَنْ لَا يَنْوِيَ الْعَوْدَ، (أَوْ تَنْثَنِيَ نِيَّتُهُ) عَنْ الْعَوْدِ، (وَيَسِيرُ) فِي سَفَرِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ، وَنِيَّتُهُ لَا تَكْفِي بِدُونِ وُجُودِهِ، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، (إلَّا إنْ كَانَ مَا رَجَعَ إلَيْهِ غَيْرَ وَطَنٍ) لَهُ (وَلَا أَهْلَ) لَهُ بِهِ (وَلَا مَالَ لَهُ بِهِ وَلَمْ يَنْوِ فِي عَوْدَةٍ) إلَيْهِ (أَنْ يُقِيمَ مَا) ، أَيْ: زَمَنًا (يَمْنَعُ الْقَصْرَ) ، وَهُوَ فَرْضُ عِشْرِينَ صَلَاةٍ فَأَكْثَرَ. (قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي ") وَهُوَ الْمَذْهَبُ، (وَفِي " التَّلْخِيصِ " وَإِنْ رَجَعَ لِأَجْلِ شَيْءٍ نَسِيَهُ؛ لَمْ يَقْصُرْ فِي رُجُوعِهِ لِوَطَنِهِ إلَّا إذَا رَجَعَ لِبَلَدٍ كَانَ بِهِ غَرِيبًا، فَيَتَرَخَّصُ عَلَى الْأَصَحِّ انْتَهَى) كَلَامُ " التَّلْخِيصِ ". وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ دُونَ الْمَسَافَةِ مِنْهَا إذَا ذَهَبُوا إلَى عَرَفَةَ، فَلَيْسَ لَهُمْ قَصْرٌ وَلَا جَمْعٌ لِلسَّفَرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُسَافِرِينَ، لِعَدَمِ الْمَسَافَةِ، فَهُمْ فِي اعْتِبَارِ الْمَسَافَةِ كَغَيْرِهِمْ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَمِثْلُهُمْ مَنْ يَنْوِي الْإِقَامَةَ

بِمَكَّةَ فَوْقَ عِشْرِينَ صَلَاةٍ، كَأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ، فَلَيْسَ لَهُمْ قَصْرٌ وَلَا جَمْعٌ بِمَكَّةَ وَلَا مِنًى وَلَا مُزْدَلِفَةَ، لِانْقِطَاعِ سَفَرِهِمْ بِدُخُولِ مَكَّةَ، إذْ الْحَجُّ: قَصْدُ مَكَّةَ لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ كَمَا يَأْتِي. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ؛ لَمْ يَقْصُرْ بِعَرَفَةَ. (وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ لِلْحَجِّ، وَيُرِيدُ) أَنْ (يَرْجِعَ لِمَكَّةَ فَلَا يُقِيمُ بِهَا) ، أَيْ: أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ: (فَهَذَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ) ، أَيْ: وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى؛ (لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْشَأَ السَّفَرَ لِبَلَدِهِ) بِخُرُوجِهِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ، (وَلَا يُعِيدُ مَنْ قَصَرَ) بِشَرْطِهِ (ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ) اسْتِكْمَالِ (الْمَسَافَةِ) ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ نِيَّةُ الْمَسَافَةِ لَا حَقِيقَتُهَا. (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يَقْصُرَ مَنْ أَسْلَمَ) بِسَفَرٍ مُبِيحٍ (أَوْ بَلَغَ) بِسَفَرٍ مُبِيحٍ، (أَوْ طَهُرَتْ) مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ (بِسَفَرٍ مُبِيحٍ) لِلْقَصْرِ (وَيَتَّجِهُ أَوْ أَفَاقَ مَنْ جُنَّ) ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (بِأَثْنَائِهِ) أَيْ: السَّفَرِ الْمُبِيحِ لِلْقَصْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَوْ بَقِيَ) بَعْدَ إسْلَامٍ أَوْ بُلُوغٍ أَوْ عَقْلٍ أَوْ طُهْرٍ (دُونَ الْمَسَافَةِ) ؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَكْلِيفِهِ فِي أَوَّلِ السَّفَرِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي تَرْكِ الْقَصْرِ فِي آخِرِهِ، إذْ عَدَمُ التَّكْلِيفِ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ الْقَصْرِ، بِخِلَافِ مَنْ أَنْشَأَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ تَابَ، وَقَدْ بَقِيَ دُونَهَا كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْقَصْرِ فِي ابْتِدَائِهِ، (كَجَاهِلِ الْمَسَافَةِ ثُمَّ عَلِمَهَا) فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ، فَيَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ، (أَوْ) كَجَاهِلِ (جَوَازِ الْقَصْرِ ابْتِدَاءً ثُمَّ عَلِمَهُ) ، فَيَقْصُرُ. (وَمَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ ضَالٍّ) كَآبِقٍ وَشَارِدٍ، (نَاوِيًا أَنْ يَرْجِعَ أَيْنَ وَجَدَهُ، لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْمَسَافَةَ) ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ الْمُبِيحَ لِلْقَصْرِ، قَالَهُ

فِي الْإِقْنَاعِ " وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ، وَفِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": فِي أَوَّلِ الْقَصْرِ مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ أَوْ آبِقٍ حَتَّى جَاوَزَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ، لِعَدَمِ نِيَّتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. انْتَهَى. وَفِي " الشَّرْحِ ": وَلَوْ خَرَجَ طَالِبًا لِعَبْدٍ آبِقٍ لَا يَعْلَمُ أَيْنَ هُوَ، أَوْ مُنْتَجِعًا عُشْبًا أَوْ كَلَأً مَتَى وَجَدَهُ أَقَامَ، أَوْ سِلْكِيًّا فِي الْأَرْضِ لَا يَقْصِدُ مَكَانًا، لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ، وَإِنْ سَارَ أَيَّامًا. (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يَقْصُرَ مَنْ) نَوَى بَلَدًا بِعَيْنِهِ يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ، وَ (عَلِمَهَا) ابْتِدَاءً، (ثُمَّ نَوَى) فِي سَفَرِهِ (إنْ وَجَدَ عَزِيمَةً) فِي طَرِيقِهِ (رَجَعَ) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ انْعَقَدَ، فَلَا يَتَغَيَّرُ بِالنِّيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ. (وَقِنٌّ) سَافَرَ مَعَ سَيِّدِهِ (وَزَوْجَةٌ) سَافَرَتْ مَعَ زَوْجِهَا (وَجُنْدِيٌّ) بِضَمِّ الْجِيمِ، سَافَرَ مَعَ أَمِيرِهِ، يَكُونُونَ (تَبَعًا لِسَيِّدٍ وَزَوْجٍ وَأَمِيرٍ فِي سَفَرٍ وَنِيَّتِهِ) ، أَيْ: السَّفَرِ فَإِنْ نَوَى سَيِّدٌ وَزَوْجٌ وَأَمِيرٌ سَفَرًا مُبَاحًا يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ، جَازَ لِلْقِنِّ وَالزَّوْجَةِ وَالْجُنْدِيِّ الْقَصْرُ، وَإِلَّا فَلَا لِتَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ. (وَ) عَبْدٌ (مُشْتَرَكٌ) بَيْنَ مُسَافِرٍ وَمُقِيمٍ، (فَلَا) يَقْصُرُ (إنْ لَمْ يُسَافِرْ سَيِّدَاهُ) لِتَرْجِيحِ جَانِبِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، (أَوْ يَنْوِي) الْمُقِيمُ فِيهِمَا السَّفَرَ، وَلَوْ لَمْ يُسَافِرْ مَعَ شَرِيكِهِ، فَلِلْعَبْدِ حِينَئِذٍ الْقَصْرُ تَبَعًا لِمَنْ سَافَرَ مَعَهُ، وَتَغْلِيبًا لِجَانِبِ السَّفَرِ. (وَشُرِطَ مَعَ مَسَافَةٍ نِيَّةُ قَصْرٍ عِنْدَ

إحْرَامٍ) بِمَقْصُورَةٍ، لِأَنَّ الْإِتْمَامَ الْأَصْلُ، وَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ. كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ مُطْلَقًا انْصَرَفَ إلَى الِانْفِرَادِ. (وَ) شُرِطَ أَيْضًا

(عِلْمُهُ بِهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ (إذَنْ) ، أَيْ: عِنْدَ الْإِحْرَامِ، هَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ ". قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَلَمْ نَعْلَمْ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَالْعِلْمُ بِهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: مَعْنَاهُ الْعِلْمُ بِالنِّيَّةِ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَتْ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَقْصُورَةِ فَإِنَّهُ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ حُكْمًا لَا ذِكْرًا عِنْدَ التَّكْبِيرِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْت: وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ نَوَى الْقَصْرَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ بِأَنْ لَا يَطْرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ، هَلْ نَوَاهُ؟ فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ. (وَ) شُرِطَ أَيْضًا عِلْمُهُ حَالَ الصَّلَاةِ (بِسَفَرِ إمَامِهِ وَلَوْ بِأَمَارَةٍ) وَعَلَامَةٍ كَهَيْئَةِ لِبَاسٍ إقَامَةً لِلظَّنِّ مَجْرَى الْعِلْمِ، لَا عِلْمُهُ أَنَّ إمَامَهُ نَوَى الْقَصْرَ، لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ. (وَسُنَّ قَوْلُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ الْمُسَافِرِ (لِمُقِيمِينَ: أَتِمُّوا فَأَنَا سَفْرٌ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، لِلْحَدِيثِ، وَلِئَلَّا يَلْتَبِسَ عَلَى الْجَاهِلِ عَدَدُ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ. (فَإِنْ أَتَمَّ) إمَامُ مُسَافِرِينَ بِهِمْ (سَهْوًا وَعَلِمُوا ذَلِكَ سَبَّحُوا بِهِ وَلَمْ يُتَابِعُوهُ) لِنِيَّتِهِمْ الْقَصْرَ وَلِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ سَهْوًا لَغْوٌ. (فَإِنْ) لَمْ يَرْجِعْ عَالِمًا عَمْدًا وَ (تَابَعُوهُ، فَوَجْهَانِ) ، أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِمُتَابَعَتِهِ قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَالْإِنْصَافِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ. (وَإِنْ شَكُّوا أَقَامَ) إمَامُهُمْ إلَى ثَالِثَةٍ (سَهْوًا أَمْ عَمْدًا لَزِمَ) الْمَأْمُومِينَ (مُتَابَعَتُهُ) ، لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ، وَلِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» . (وَلَا يَقْصُرُ مَنْ مَرَّ بِوَطَنِهِ) سَوَاءٌ كَانَ وَطَنَهُ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَاضِي، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ، غَيْرَ أَنَّهُ طَرِيقُهُ إلَى بَلَدٍ يَطْلُبُهُ، بِخِلَافِ مَنْ أَقَامَ فِي أَثْنَاءِ طَرِيقِهِ إقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ بِمَوْضِعٍ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ وَلَمْ يَقْصِدْ إقَامَةً بِهِ تَمْنَعُهُ. (أَوْ) مَرَّ بِ (بَلَدٍ لَهُ بِهِ امْرَأَةٌ) وَلَوْ

لَمْ يَكُنْ وَطَنَهُ حَتَّى يُفَارِقَهُ، (أَوْ) مَرَّ بِبَلَدٍ (تَزَوَّجَ فِيهِ) ، فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي تَزَوَّجَ فِيهِ، لِحَدِيثِ عُثْمَانَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ تَأَهَّلَ بِبَلَدٍ، فَلِيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ فِرَاقِ الزَّوْجَةِ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ بِهِ أَقَارِبُ كَأُمٍّ وَأَبٍ وَمَاشِيَةٍ أَوْ مَالٍ، لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ الْقَصْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا سَبَقَ. (أَوْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ عَلَيْهِ حَضَرًا) ثُمَّ سَافَرَ، فَلَا يَقْصُرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهَا صَلَاةُ حَضَرٍ وَجَبَتْ تَامَّةً، (أَوْ دَخَلَهُ) ، أَيْ: وَطَنَهُ أَوْ مَكَانًا نَوَى إقَامَةً فِيهِ تَمْنَعُ الْقَصْرَ (قَبْلَ إتْمَامِ) صَلَاةٍ أَحْرَمَ بِهَا (كَرَاكِبِ سَفِينَةٍ) أَحْرَمَ فِيهَا بِصَلَاةٍ مَقْصُورَةٍ، فَوَصَلَتْ إلَى وَطَنِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا حُكْمُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ. (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ بِسَفَرٍ وَعَكْسَهُ) بِأَنْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ بِحَضَرٍ، فَلَا يَقْصُرُ. (أَوْ ائْتَمَّ) مُسَافِرٌ (بِمُقِيمٍ فِي غَيْرِ صَلَاةِ خَوْفٍ، أَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ) ، فَيُتِمُّ نَصًّا. لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «تِلْكَ السُّنَّةُ» . وَسَوَاءٌ ائْتَمَّ بِهِ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْضِهَا عَلِمَهُ مُقِيمًا أَوْ لَا، وَيَشْمَلُ كَلَامُهُ لَوْ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ فَاسْتَخْلَفَ لِعُذْرٍ مُقِيمًا، لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْإِتْمَامُ دُونَ الْإِمَامِ الْمُسْتَخْلَفِ. (أَوْ) ائْتَمَّ مُسَافِرٌ (بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ) أَيْ: فِي كَوْنِهِ مُسَافِرًا (بِلَا قَرِينَةٍ) ، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، (وَإِنْ تَبَيَّنَ قَصْرَهُ) ، أَيْ: وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ، لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا عِنْدَ الْإِحْرَامِ (وَيَكْفِي عِلْمُهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ (بِسَفَرِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (بِعَلَامَةِ) سَفَرٍ كَلِبَاسٍ، (فَيَنْوِيهِ) ، أَيْ: الْقَصْرَ وَيَأْتِي، (فَإِنْ قَصَرَ إمَامُهُ قَصَرَ مَعَهُ) ، لِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ (أَوْ) ، أَيْ: وَإِنْ (أَتَمَّ) الْإِمَامُ (تَابَعَهُ) الْمَأْمُومُ وَلَغَتْ نِيَّةُ الْقَصْرِ. (وَصَحَّ لَوْ نَوَى) مَأْمُومٌ عِنْدَ اقْتِدَائِهِ بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا (إنْ قَصَرَ

قَصَرْت، وَ) إنْ (أَتَمَّ أَتْمَمْت وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ) ، أَيْ: الْمُسَافِرِ (أَنَّ إمَامَهُ نَوَاهُ) ، أَيْ: الْقَصْرَ (إذَنْ) أَيْ: حِينَ اقْتِدَائِهِ بِهِ (عَمَلًا بِالظَّنِّ) لِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ، (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى " فِيمَا يُوهِمُ) مِنْ عِبَارَتِهِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: أَوْ جَهِلَ أَنَّ إمَامَهُ نَوَاهُ، أَيْ: فَيُتِمُّ. وَتَفْسِيرُ الْبُهُوتِيِّ فِي شَرْحِهِ " الْجَهْلُ بِالشَّكِّ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْجَهْلَ لَا يَضُرُّ فِي النِّيَّةِ، فَيَقْصُرُ مَعَهُ إنْ قَصَرَ، وَيُتِمُّ إنْ أَتَمَّ، (أَوْ شَكَّ) إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ (فِي أَثْنَائِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (أَنَّهُ نَوَاهُ) أَيْ: الْقَصْرَ (عِنْدَ إحْرَامِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ، (ثُمَّ ذَكَرَ) بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ نَوَاهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، وَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ (وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ) مَعَ الشَّكِّ (عَمَلًا) ، فَإِنْ عَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَسُجُودُ السَّهْوِ أَيْضًا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَابِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَمْ يَنْوِهِ) ، أَيْ: الْقَصْرَ (عِنْدَ إحْرَامٍ) ؛ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، (أَوْ نَوَاهُ) ، أَيْ: الْقَصْرَ عِنْدَ إحْرَامٍ (ثُمَّ، رَفَضَهُ فِيهَا) وَنَوَى الْإِتْمَامَ، لَزِمَ أَنْ يُتِمَّ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ

إلَى التَّعْيِينِ فَبَقِيَتْ النِّيَّةُ مُطْلَقَةً. (وَإِنْ) نَوَى مُسَافِرٌ الْقَصْرَ ثُمَّ (أَتَمَّ سَهْوًا؛ فَفَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ وَسَجَدَ لَهُ) ، أَيْ: لِسَهْوِهِ (وُجُوبًا) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (لَا نَدْبًا خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ صَرَّحَ بِنَدْبِيَّةِ السُّجُودِ لِلزِّيَادَةِ. (وَإِنْ ذَكَرَ) مَنْ سُهَى أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ رَكْعَةً (ثَالِثَةً؛ عَادَ) إلَى التَّشَهُّدِ، (وَسَلَّمَ إنْ شَاءَ) وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، (أَوْ نَهَضَ بِنِيَّةِ إتْمَامٍ) ؛ أَتَمَّ صَلَاتَهُ أَرْبَعًا وَصَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ وَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ عَمْدًا، فَكَانَ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ عَمْدًا؛ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ . (أَوْ نَوَى) الْمُسَافِرُ (إقَامَةً مُطْلَقَةً) ، أَيْ: غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِزَمَنٍ، وَلَوْ بِمَفَازَةٍ لَا تُقَامُ بِهَا، أَوْ دَارِ حَرْبٍ لَا تُقَامُ فِيهَا الصَّلَاةُ، أَتَمَّ لِزَوَالِ السَّفَرِ الْمُبِيحِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ. (أَوْ) نَوَى إقَامَةً (أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةٍ) ؛ أَتَمَّ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةِ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَقَامَ بِهَا الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ،

وَصَلَّى الصُّبْحَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِنًى» ، وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَقَدْ أُجْمِعَ عَلَى إقَامَتِهَا، وَقَالَ أَنَسٌ: أَقَمْنَا بِمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ كَلَامٌ لَيْسَ يَفْقَهُهُ كُلُّ أَحَدٍ، أَيْ: لِأَنَّهُ حَسَبَ مُقَامَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَمِنًى، وَيُحْسَبُ يَوْمُ الدُّخُولِ وَيَوْمُ الْخُرُوجِ مِنْ الْمُدَّةِ. (وَلَوْ) نَوَى الْإِقَامَةَ (بِبَادِيَةٍ) أَتَمَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. (وَلَوْ بَدَا لَهُ السَّفَرُ وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ) فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فِي مَوْضِعِ إقَامَتِهِ، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ ثَبَتَ لَهُ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ، أَشْبَهَ وَطَنَهُ، فَيُتِمُّ إلَى أَنْ يَشْرَعَ فِي السَّفَرِ، وَيُفَارِقَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ كَمَا تَقَدَّمَ. (أَوْ) نَوَى إقَامَةً (لِحَاجَةٍ، وَظَنَّ أَنْ لَا تَنْقَضِيَ) الْحَاجَةُ (قَبْلَهَا) ، أَيْ: الْأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بَلْ بَعْدَهَا؛ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ. (أَوْ شَكَّ) مُسَافِرٌ (فِي نِيَّةِ مُدَّةِ إقَامَةٍ) ، أَيْ: فِي كَوْنِهِ نَوَى إقَامَةً أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةٍ، أَوْ لَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ مَعَ الشَّكِّ فِي مُبِيحِ الرُّخْصَةِ. (أَوْ نَوَى) مُسَافِرٌ (فِي صَلَاتِهِ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ) بِأَنْ قَلَبَ السَّفَرَ لِلْمَعْصِيَةِ؛ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ تَغْلِيبًا لَهُ، لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ. وَ (لَا) يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ إنْ نَوَى فِي صَلَاتِهِ فِعْلَ (مَعْصِيَةٍ) فِي ذَلِكَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي السَّفَرِ لَا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ، بِخِلَافِ الْمَعْصِيَةِ بِهِ. (أَوْ) نَوَى (الْإِقَامَةَ) بِأَنْ عَزَمَ عَلَيْهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ قَبْلَهَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، وَكَذَا لَوْ نَوَى الرُّجُوعَ، وَمُدَّةُ رُجُوعِهِ لَا يُبَاحُ فِيهَا الْقَصْرُ. (أَوْ أَعَادَ) صَلَاةً (فَاسِدَةً) ، أَيْ: فَسَدَتْ (فِي أَثْنَاءِ) هَا (لَزِمَ إتْمَامُهَا) لِفَسَادِهَا، (كَ) مَا لَوْ صَلَّى (خَلْفَ مُقِيمٍ) فَأَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ؛ فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا تَامَّةً بِلَا خِلَافٍ. (وَ) كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِ (نِيَّةِ إتْمَامٍ) فَأَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ؛ فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا تَامَّةً، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً تَامَّةً،

فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَادَ مَقْصُورَةً. وَ (لَا) يَلْزَمُهُ إتْمَامُ صَلَاةٍ (فَاسِدَةٍ ابْتِدَاءً كَمُحْدِثٍ) جَهِلَ حَدَثَ نَفْسِهِ، فَائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، وَنَوَى الْقَصْرَ، ثُمَّ عَلِمَ حَدَثَ نَفْسِهِ، فَلَهُ الْقَصْرُ فِي الْمُعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَنْعَقِدْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، وَنَوَى الْقَصْرَ، ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ كَمَا تَقَدَّمَ. (أَوْ أَخَّرَهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةَ (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ نَحْوِ نَوْمٍ (حَتَّى ضَاقَ وَقْتُهَا عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ فِعْلِهَا كُلِّهَا مَقْصُورَةً، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهَا مُتَعَمِّدًا بِلَا عُذْرٍ. (أَوْ تَابَ) مِنْ مَعْصِيَةٍ سَافَرَ لِأَجْلِهَا وَهُوَ (فِيهَا) ، أَيْ الصَّلَاةِ (وَنَوَاهُ) ، أَيْ: الْقَصْرَ (فِي أَثْنَاءِ) تِلْكَ الصَّلَاةِ؛ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ تَامَّةً. (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (مِنْ جَاهِلٍ) تَابَ فِي أَثْنَائِهَا وَمَضَى فِيهَا مَقْصُورَةً، وَلَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ، بَلْ تَقَعُ نَفْلًا فِي حَقِّهِ، لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا مَقْصُورَةً، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا، وَلَمْ يَفْعَلْهُ جَهْلًا مِنْهُ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إنْ عَلِمَ قَرِيبًا لِتَرْكِهِ وَاجِبًا. فَهَذِهِ إحْدَى وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْمُسَافِرِ الْإِتْمَامُ. (وَمَنْ نَوَاهُ) ، أَيْ: الْقَصْرَ (عِنْدَ إحْرَامٍ حَيْثُ لَمْ يُبَحْ) لَهُ الْقَصْرُ (كَ) مَا لَوْ صَلَّى (خَلْفَ مُقِيمٍ، وَمُعْتَقِدٍ تَحْرِيمَ) الْقَصْرِ كَمَا لَوْ نَوَاهُ بِسَفَرِ مَعْصِيَةٍ، أَوْ سَفَرٍ لَا يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ (عَالِمًا) عَدَمَ إبَاحَتِهِ لَهُ؛ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ، (كَمَا نَوَاهُ) ، أَيْ: الْقَصْرَ (مُقِيمٌ) لِتَلَاعُبِهِ.

(وَيَتَّجِهُ: وَ) لَوْ نَوَى الْقَصْرَ مَنْ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ (جَهْلًا) مِنْهُ عَدَمَ جَوَازِهِ؛ (تَنْعَقِدُ) صَلَاتُهُ، وَتَقَعُ (نَفْلًا) ، وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إنْ عَلِمَ قَرِيبًا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ. (وَيَقْصُرُ مَنْ) ، أَيْ: مُسَافِرٌ (سَلَكَ أَبْعَدَ طَرِيقَيْنِ) إلَى بَلَدٍ قَصَدَهُ يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ، وَالْقَرِيبُ لَا يَبْلُغُهَا، وَلَوْ لَمْ يَسْلُكْ الْبَعِيدَ إلَّا (لِيَقْصُرَ) الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا يَبْلُغُهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْأَقْرَبُ مَخُوفًا، أَوْ مُشِقًّا، فَعَدَمُ الْحِكْمَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لَا يَضُرُّ. (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ) فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، أَوْ (فِي) سَفَرٍ، (آخَرَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا حَضَرًا) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا وَفِعْلَهَا وُجِدَا فِي السَّفَرِ، فَأَشْبَهَ أَدَاءَهَا فَإِنْ ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، أَوْ قَضَى بَعْضَهَا فِي الْحَضَرِ أَتَمَّ ، (أَوْ أَقَامَ لِحَاجَةٍ وَلَوْ) كَانَتْ إقَامَتُهُ لَهَا (بِمُنْتَهَى قَصْدِهِ بِلَا نِيَّةِ إقَامَةِ عِشْرِينَ صَلَاةٍ) فَأَكْثَرَ (لَا يَدْرِي مَتَى تَنْقَضِي) ، فَإِنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا تَنْقَضِي فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ أَتَمَّ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَإِنْ ظَنَّ أَنْ الْحَاجَةَ لَا تَنْقَضِي إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْقَصْرِ؛ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ. (أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا، أَوْ) حُبِسَ (بِنَحْوِ مَرَضٍ) كَثَلْجٍ وَجَلِيدٍ (وَمَطَرٍ) ، أَيْ: فَيَقْصُرُ أَبَدًا؛؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ تَفَرَّدَ مَعْمَرٌ بِرِوَايَتِهِ مُسْنَدًا، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ مُرْسَلًا. «وَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ أَقَامَ

بِهَا تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ أَنَسٌ: «أَقَامَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَامِ هُرْمُزَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ مَا لَمْ يُجْمِعْ إقَامَةً، وَلَوْ أَتَى عَلَيْهِ سُنُونَ، وَقَوْلُهُ: مَا لَمْ يُجْمِعْ، أَيْ: مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْإِقَامَةِ وَيَنْوِيهَا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَان سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ "، فَإِنْ حُبِسَ بِحَقٍّ؛ لَمْ يَقْصُرْ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " يَقْصُرُ الَّذِي يَقُولُ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا، شَهْرًا " وَ " عَنْ سَعِيدٍ أَنَّهُ أَقَامَ فِي بَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. وَ (لَا) يَقْصُرُ مَنْ حُبِسَ (بِأَسْرٍ) عِنْدَ الْعَدُوِّ تَبَعًا لِإِقَامَتِهِمْ كَسَفَرِهِمْ، (أَوْ نَوَى إقَامَةً بِشَرْطِ لُقِيِّ غَرِيمِهِ) ، كَأَنْ يَقُولَ: إنْ لَقِيت فُلَانًا بِهَذَا الْبَلَدِ؛ أَقَمْت فِيهِ، (وَإِلَّا فَلَا) ، فَإِنْ لَمْ يَلْقَهُ؛ فَلَهُ حُكْمُ السَّفَرِ، لِعَدَمِ الشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةَ، وَإِنْ لَقِيَهُ بِهِ: صَارَ مُقِيمًا لِاسْتِصْحَابِهِ حُكْمَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ، إنْ لَمْ يَكُنْ فَسَخَ نِيَّةَ الْأَوَّلِ قَبْلَ لِقَائِهِ، أَوْ حَالَ لِقَائِهِ، فَإِنْ فَسَخَهَا إذَنْ، فَلَهُ الْقَصْرُ، وَإِنْ فَسَخَهَا بَعْدَ لِقَائِهِ، فَهُوَ كَمُسَافِرٍ نَوَى إقَامَةً مَانِعَةً مِنْ الْقَصْرِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ السَّفَرُ قَبْلَ إتْمَامِهَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فِي مَوْضِعِ إقَامَتِهِ حَتَّى يَشْرَعَ فِي السَّفَرِ. (أَوْ) نَوَى إقَامَةً لَا تَمْنَعُ الْقَصْرَ (بِبَلَدٍ دُونَ مَقْصِدِهِ بِنِيَّةٍ) ، أَيْ: بَلَدِ إقَامَتِهِ الْمَذْكُورَةِ (وَبَيْنَ بَلَدِ نِيَّتِهِ الْأُولَى دُونَ الْمَسَافَةِ) ، فَلَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا طَوِيلًا، وَتِلْكَ الْإِقَامَةُ لَا أَثَرَ لَهَا. (وَلَا يَتَرَخَّصُ مَلَّاحٌ) ، أَيْ: صَاحِبُ سَفِينَةٍ (مَعَهُ أَهْلُهُ) فِي السَّفِينَةِ (أَوْ لَا أَهْلَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ إقَامَةٍ بِبَلَدٍ) نَصًّا،

فرع لا يترخص في سفر معصية ومكروه بقصر ولا فطر

لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاعِنٍ عَنْ وَطَنِهِ وَأَهْلِهِ، أَشْبَهَ الْمُقِيمَ، فَلَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ بِرَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِيهِ فِي السَّفَرِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي فِطْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَهْلُهُ، جَازَ لَهُ التَّرَخُّصُ عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَمِثْلُهُ) ، أَيْ: الْمَلَّاحِ (مُكَارٍ) يَحْمِلُ النَّاسَ وَالْمَتَاعَ عَلَى دَوَابِّهِ بِأُجْرَتِهِ، (وَرَاعٍ) يَرْعَى الْبَهَائِمَ (مَعَهُمَا أَهْلُهُمَا، وَفَيْجٌ: بِالْجِيمِ، وَهُوَ رَسُولُ السُّلْطَانِ وَنَحْوُهُمْ) كَسَاعٍ وَبَرِيدٍ، فَلَا يَتَرَخَّصُونَ إذَا كَانَ مَعَهُمْ أَهْلُهُمْ، وَلَمْ يَنْوُوا الْإِقَامَةَ بِبَلَدٍ نَصًّا. وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَهْلٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَهْلٌ وَلَيْسُوا مَعَهُمْ، فَلَهُمْ التَّرَخُّصُ [فَرْعٌ لَا يُتَرَخَّصُ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ وَمَكْرُوهٍ بِقَصْرٍ وَلَا فِطْرٍ] (فَرْعٌ: لَا يُتَرَخَّصُ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ وَمَكْرُوهٍ بِقَصْرٍ وَ) لَا (فِطْرٍ) ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا) يُتَرَخَّصُ بِ (أَكْلِ مَيْتَةٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهَا رُخَصٌ، فَلَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي (فَإِنْ خَافَ) مُسَافِرٌ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ (عَلَى نَفْسِهِ) الْهَلَاكَ إنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ الْمَيْتَةِ، (قِيلَ لَهُ تُبْ وَكُلْ) ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّوْبَةِ كُلَّ وَقْتٍ، فَلَا يُعْذَرُ بِتَرْكِهَا ، (وَكُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ جَازَ لَهُ الْجَمْعُ وَالْفِطْرُ) لِوُجُودِ مُبِيحِهَا، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ، (وَلَا عَكْسَ) ، أَيْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ، وَالْجَمْعُ أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ وَالْجَمْعُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي إتْمَامِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ. وَقَدْ يَنْوِي الْمُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ وَيَقْطَعُهَا مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ مَثَلًا، فَيُفْطِرُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصُرْ، إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ صَلَاةٌ يَقْصُرُهَا أَوْ يُتِمُّهَا. (وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِطَوِيلِ سَفَرٍ مُبَاحٍ) خَمْسَةٌ: (جَمْعٌ وَقَصْرٌ وَمَسْحٌ) عَلَى خُفٍّ وَنَحْوِهِ (ثَلَاثَةَ) أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، (وَفِطْرٌ) بِرَمَضَانَ، (وَسُقُوطُ جُمُعَةٍ) ، وَأَمَّا أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ، فَلَا تَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ.

فصل في حكم الجمع بين الصلاتين

تَتِمَّةٌ: مَنْ عَزَمَ عَلَى إقَامَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رُسْتَاقٍ يَنْتَقِلُ فِيهِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ لَا يَعْزِمُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا مُدَّةً تُبْطِلُ حُكْمُ السَّفَرِ، فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ، «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ عَشْرًا بِمَكَّةَ وَعَرَفَةَ وَمِنًى يَقْصُرُ» وَتَقَدَّمَ [فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ] (فَصْلٌ) فِي حُكْمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (الْجَمْعُ بَيْنَ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ) بِوَقْتِ إحْدَاهُمَا، (وَ) بَيْنَ (مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ بِوَقْتِ إحْدَاهُمَا) ، أَيْ: إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ (جَائِزٌ) ؛ فَلَا يُكْرَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ، (وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، (غَيْرَ جَمْعَيْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ) ، فَيُسَنُّ بِشَرْطِهِ فَفِي عَرَفَةَ يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِوَقْتِ الظُّهْرِ، وَفِي مُزْدَلِفَةَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِوَقْتِ الْعِشَاءِ. أَمَّا الْمَكِّيُّ وَمَنْ نَوَى إقَامَةً بِمَكَّةَ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، فَلَا يَجْمَعُ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ. (وَيَتَّجِهُ: وَ) غَيْرُ (خَائِفٍ فَوْتَ جَمَاعَةٍ بِتَرْكِهِ) أَيْ: الْجَمْعِ، فَيُسَنُّ لَهُ الْجَمْعُ حِينَئِذٍ مُحَافَظَةً عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، عَبَّرَ عَنْهُ صَاحِبُ الْفَرْعِ " بِ: قِيلَ؛ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِهِ. (وَيُحْتَمَلُ

وُجُوبُهُ) ، أَيْ: الْجَمْعِ (لِمَنْ لَمْ يَبْقَ وُضُوءُهُ لِوَقْتِ) صَلَاةٍ (ثَانِيَةٍ، وَلَا يَجِدُ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ) ، كَذَا قَالَ، وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، إذْ لَا يُخَاطَبُ الْمُكَلَّفُ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُهَا وَوَجَدَ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ اسْتَعْمَلَهُ، وَإِلَّا صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَأَمَّا فِعْلُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ خَشْيَةَ عَدَمِ مُطَهِّرٍ؛ فَلَا قَائِلَ بِهِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " بَعْدَ عَدِّهِ الْمَسَائِلَ الْآتِيَةَ: فَائِدَةٌ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. (وَإِنَّمَا يُبَاحُ) الْجَمْعُ فِي ثَمَانِ حَالَاتٍ. إحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ (بِسَفَرٍ جَازَ فِيهِ قَصْرُ) رُبَاعِيَّةٍ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَكْرُوهٍ وَلَا حَرَامٍ، وَيَبْلُغَ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ، لِمَا رَوَى مُعَاذٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ «إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إلَى الْعَصْرِ يُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ سَارَ، وَكَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَعَنْ أَنَسٍ مَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَازِلًا أَوْ سَائِرًا فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ أَوْ التَّأْخِيرِ. (فَلَا جَمْعَ لِمَكِّيٍّ بِعَرَفَةَ) وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": أَمَّا الْمَكِّيُّ وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ عَرَفَةَ وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ وَاَلَّذِي يَنْوِي

الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ فَوْقَ عِشْرِينَ صَلَاةٍ؛ فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ الْجَمْعُ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُسَافِرِينَ سَفَرَ قَصْرٍ. (إنْ لَمْ يُخَلِّفْهُ) ، أَيْ: الْمَكِّيَّ عُذْرٌ (غَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ السَّفَرِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِيَةِ، فَإِنْ حَدَثَ لَهُ عُذْرٌ غَيْرُهُ؛ جَازَ لَهُ الْجَمْعُ. (وَ) الثَّانِيَةُ: (لِمَرِيضٍ يَلْحَقُهُ بِتَرْكِهِ) ، أَيْ: الْجَمْعِ (مَشَقَّةٌ) وَضَعْفٌ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَا عُذْرَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الْمَرَضُ، وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُ الْجَمْعِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ وَهِيَ نَوْعُ مَرَضٍ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ الْمَرَضَ أَشَدُّ مِنْ السَّفَرِ «وَاحْتَجَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْغُرُوبِ، ثُمَّ تَعَشَّى، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا» . (وَ) الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: لِ (مُرْضِعٍ لِمَشَقَّةِ كَثْرَةِ نَجَاسَةٍ) ، أَيْ: مَشَقَّةِ تَطْهِيرِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هِيَ كَمَرِيضٍ. (وَ) الرَّابِعَةُ: ل (نَحْوِ مُسْتَحَاضَةٍ) كَذِي سَلَسٍ وَجُرْحٍ لَا يَرْقَأُ دَمُهُ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَمْنَةَ حِينَ اسْتَفْتَتْهُ فِي الِاسْتِحَاضَةِ: وَإِنْ قَوِيت عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ، وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ، ثُمَّ تُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِي الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِي الْعِشَاءَ. ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ؛ فَافْعَلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَيُقَاسُ عَلَيْهِ صَاحِبُ السَّلَسِ وَنَحْوُهُ. (وَ) الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ: لِ (عَاجِزٍ عَنْ طَهَارَةٍ) بِمَاءٍ (أَوْ تَيَمُّمٍ) بِتُرَابٍ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ.

وَالْحَالَةُ السَّادِسَةُ: الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ) عَاجِزٌ عَنْ (مَعْرِفَةِ وَقْتٍ كَأَعْمَى) وَمَطْمُورٍ، أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ. (وَ) الْحَالَةُ السَّابِعَةُ: (لِعُذْرٍ) يُبِيحُ تَرْكَ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ، كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ وَالْحَالَةُ الثَّامِنَةُ: ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ شُغْلٍ يُبِيحُ تَرْكَ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ) ؛ كَمَنْ يَخَافُ بِتَرْكِهِ ضَرَرًا بِمَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا. (وَاسْتَثْنَى جَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ " الْوَجِيزِ ": (النُّعَاسَ) وَفِعْلُ الْجَمْعِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً أَوْلَى مِنْ أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ، لِعُمُومِ حَدِيثِ «خَيْرُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» بَلْ تَرْكُ الْجَمْعِ مَعَ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ بِدْعَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ، إذْ السُّنَّةُ أَنْ تُصَلَّى الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِي الْمَسَاجِدِ جَمَاعَةً، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ مُفَرَّقَةً بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ الْجَمْعَ، كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَعْذَارَ السَّابِقَةَ تُبِيحُ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ. ثُمَّ أَشَارَ لِلْأَعْذَارِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْعِشَاءَيْنِ وَهِيَ سِتَّةٌ فَقَالَ: (وَيَخْتَصُّ جَمْعٌ) بَيْنَ (مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ بِثَلْجٍ وَبَرَدٍ وَجَلِيدٍ وَوَحَلٍ وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ بَارِدَةٍ) ظَاهِرَةٍ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ اللَّيْلَةُ مُظْلِمَةً، وَيُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ كَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ شَدِيدَةً بِلَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَارِدَةً. (وَمَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيَابَ وَتُوجَدُ مَعَهُ مَشَقَّةٌ) ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَرِدْ بِالْجَمْعِ لِذَلِكَ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ؛ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَرَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ. وَفَعَلَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَأَمَرَ عُمَرُ مُنَادِيهِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَنَادَى: الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ» وَالْوَحَلُ أَعْظَمُ مَشَقَّةً مِنْ الْبَرَدِ؛ فَيَكُونُ أَوْلَى وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:

«جَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ» وَلَا وَجْهَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الْمَرَضِ إلَّا الْوَحَلُ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ الْعُذْرِ وَالنَّسْخِ، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى فَائِدَةٍ، فَإِنْ بَلَّ الْمَطَرُ النَّعْلَ فَقَطْ، أَوْ الْبَدَنَ، أَوْ لَمْ تُوجَدْ مَعَهُ مَشَقَّةٌ؛ فَلَا، وَلَهُ الْجَمْعُ لِمَا سَبَقَ. (وَلَوْ صَلَّى بِبَيْتِهِ، أَوْ) صَلَّى (بِمَسْجِدٍ طَرِيقُهُ تَحْتَ سَابَاطٍ وَنَحْوِهِ) كَمُجَاوِرٍ بِالْمَسْجِدِ؛ فَالْمُعْتَبَرُ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، لَا لِكُلِّ فَرْدِ مِنْ الْمُصَلِّينَ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ يَسْتَوِي فِيهَا حَالُ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمِهَا كَالسَّفَرِ. (وَالْأَفْضَلُ) لِمَنْ يَجْمَعُ (فِعْلُ الْأَرْفَقِ) (مِنْ تَأْخِيرِ) الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ، أَوْ الْمَغْرِبِ إلَى الْعِشَاءِ (أَوْ تَقْدِيمٍ) ، أَيْ: تَقْدِيمِ الْعَصْرِ وَقْتَ الظُّهْرِ، أَوْ الْعِشَاءِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ، (حَتَّى جَمْعَيْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ) ، فَيُفْعَلُ فِيهِمَا الْأَرْفَقُ أَيْضًا مِنْ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ، (خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " وَالْإِقْنَاعِ " (فِيمَا يُوهِمُ) مِنْ قَوْلَيْهِمَا: سِوَى جَمْعَيْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، لَكِنَّ صَاحِبَ: " الْمُنْتَهَى " قَالَ: إنْ عُدِمَ - يَعْنِي: الْأَرْفَقُ - فَلَا وَهْمَ فِي عِبَارَتِهِ، وَأَمَّا عِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ " فَهِيَ صَرِيحَةٌ بِالْمُخَالَفَةِ، فَلَوْ أَشَارَ إلَيْهِ لَكَانَ أَوْلَى، مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْإِقْنَاعِ مُوَافِقَةٌ لِعِبَارَاتِ مُعْظَمِ أَصْحَابِنَا، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَحَقُّ بِالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا، لِتَفَرُّدِهِ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ. وَقَوْلُ " الْمُنْتَهَى " إنْ عُدِمَ؛ تَبِعَ فِيهِ الْمُنَقِّحَ، وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْحَجَّاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ " وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي جَمْعِ عَرَفَةَ التَّقْدِيمُ، وَلَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ فِيهِ أَرْفَقُ، وَفِي جَمْعِ مُزْدَلِفَةَ التَّأْخِيرُ، وَإِنْ كَانَ التَّقْدِيمُ فِيهِ أَرْفَقَ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَاقْتِصَارًا عَلَى الْوَارِدِ،

(فَإِنْ اسْتَوَيَا) ، أَيْ: التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الْأَرْفَقِيَّةِ، (فَتَأْخِيرٌ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، (سِوَى جَمْعِ عَرَفَةَ) ؛ فَالتَّقْدِيمُ فِيهِ مُطْلَقًا أَفْضَلُ اتِّبَاعًا لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَشُرِطَ لِصِحَّةِ جَمْعٍ مُطْلَقًا) تَقْدِيمًا كَانَ أَوْ تَأْخِيرًا (تَرْتِيبٌ) بَيْنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، (وَلَا يَسْقُطُ) التَّرْتِيبُ (بِنِسْيَانٍ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ حَيْثُ قَالَ: فَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا كَالتَّرْتِيبِ فِي الْفَوَائِتِ، فَيَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ. (وَ) شُرِطَ (لِجَمْعٍ بِوَقْتِ أُولَى) الْمَجْمُوعَتَيْنِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: (نِيَّةٌ) ، أَيْ: الْجَمْعِ (عِنْدَ إحْرَامِهَا) ، أَيْ: الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّيَّةِ كَنِيَّةِ الْجَمَاعَةِ. (وَ) الثَّانِي: (أَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْمَجْمُوعَتَيْنِ (وَلَوْ سَهْوًا وَنَحْوَهُ) كَالْجَهْلِ، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا سَهْوًا أَوْ جَهْلًا؛ بَطَلَ الْجَمْعُ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (إلَّا بِقَدْرِ إقَامَةٍ وَوُضُوءٍ خَفِيفٍ) ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُقَارَنَةُ وَالْمُتَابَعَةُ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ تَفْرِيقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ كَلَامٌ يَسِيرٌ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَكْبِيرٍ عِيدًا وَغَيْرَهُ، وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْأُولَى (فَيَبْطُلُ) جَمْعٌ (بِرَاتِبَةٍ) صَلَّاهَا (بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْمَجْمُوعَتَيْنِ. (وَ) الثَّالِثُ: (وُجُودُ عُذْرٍ) مُبِيحٍ لِلْجَمْعِ (عِنْدَ افْتِتَاحِهِمَا) ، أَيْ: الْمَجْمُوعَتَيْنِ (وَ) عِنْدَ (سَلَامِ أُولَى) ، لِأَنَّ افْتِتَاحَ الْأُولَى مَوْضِعُ النِّيَّةِ وَسَلَامِهَا، وَافْتِتَاحُ الثَّانِيَةِ مَوْضِعُ الْجَمْعِ. (وَ) الرَّابِعُ: (اسْتِمْرَارُهُ فِي غَيْرِ جَمْعِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَبَرَدٍ، (لِفَرَاغِ ثَانِيَةٍ) مِنْ مَجْمُوعَتَيْنِ، (فَلَوْ أَحْرَمَ بِأُولَى) نَاوِيًا الْجَمْعَ (لِمَطَرٍ، فَانْقَطَعَ) الْمَطَرُ (وَلَمْ يَعُدْ؛ فَإِنْ حَصَلَ وَحَلَّ؛ صَحَّ) الْجَمْعُ،

لِأَنَّهُ نَشَأَ عَنْ الْمَطَرِ، وَهُوَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ الْمَطَرُ. (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ وَحَلَّ؛ (بَطَلَ) الْجَمْعُ؛ وَلَوْ خَلَّفَهُ مَرَضٌ أَوْ نَحْوُهُ لِزَوَالِ مُبِيحِهِ، فَيُؤَخِّرُ الثَّانِيَةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُهَا. (وَيَتَّجِهُ: كَوَحَلٍ) فِي صِحَّةِ الْجَمْعِ حُدُوثُ (نَحْوِ ثَلْجٍ) كَبَرَدٍ (وَرِيحٍ) بَارِدَةٍ شَدِيدَةٍ؛ لِأَنَّ مَشَقَّةَ ذَلِكَ كَمَشَقَّةِ الْوَحَلِ وَأَبْلَغُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ انْقَطَعَ سَفَرٌ بِأُولَى) الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِأَنْ نَوَى الْإِقَامَةَ، أَوْ أَرْسَتْ بِهِ السَّفِينَةُ عَلَى وَطَنِهِ؛ (بَطَلَ جَمْعٌ وَقَصْرٌ) ، لِانْقِطَاعِ السَّفَرِ (وَلَوْ خَلَّفَهُ نَحْوُ مَرَضٍ) ؛ كَثَلْجٍ (وَمَطَرٍ) وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ الْمُتَجَدِّدَ غَيْرُ الْأَوَّلِ، فَلَا يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، (وَيُتِمُّهَا) ، أَيْ: الْأُولَى (وَتَصِحُّ فَرْضًا) ، لِأَنَّهَا فِي وَقْتِهَا، وَيُؤَخِّرُ الثَّانِيَةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُهَا (وَ) إنْ انْقَطَعَ سَفَرٌ (بِثَانِيَةٍ؛ بَطَلَ جَمْعٌ وَقَصْرٌ فِي حَقِّهَا) ، أَيْ: الثَّانِيَةِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيُتِمُّهَا) ، أَيْ: الثَّانِيَةَ (نَفْلًا) لَكِنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ ظَانًّا دُخُولَ وَقْتِهَا فَبَانَ عَدَمُهُ، وَالْأُولَى وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، وَإِنْ انْقَطَعَ بَعْدَهُمَا؛ فَلَا إعَادَةَ. (وَمَرِضَ فِي جَمْعٍ كَسَفَرٍ إذَا بَرِئَ) الْمَرِيضُ (بِأُولَى) الْمَجْمُوعَتَيْنِ؛ أَتَمَّهَا وَصَحَّتْ فَرْضًا، (أَوْ) بَرِئَ (بِثَانِيَةٍ) ؛

صَحَّتْ نَفْلًا، لِوُقُوعِ الْأُولَى مَوْقِعَهَا. وَإِنْ بَرِئَ بَعْدَهُمَا؛ أَجْزَأَتَا. (وَشُرِطَ لِجَمْعٍ بِوَقْتِ ثَانِيَةٍ) وَهُوَ جَمْعُ التَّأْخِيرِ شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: (نِيَّةٌ) ، أَيْ: الْجَمْعِ (بِوَقْتِ أُولَى) الْمَجْمُوعَتَيْنِ مَعَ وُجُودِ مُبِيحِهِ، (مَا لَمْ يَضِقْ) ، وَقْتُ الْأُولَى (فَعَلَهَا) ، فَإِنْ ضَاقَ، عَنْهُ؛ (فَلَا يَصِحُّ) الْجَمْعُ لِفَوَاتِ فَائِدَتِهِ، وَهِيَ التَّخْفِيفُ بِالْمُقَارَنَةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، (وَيَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهَا) إلَى أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ، وَيُنَافِيَ تَأْخِيرُهَا الرُّخْصَةَ، وَهِيَ: الْجَمْعُ. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) ضَعِيفٍ: إنَّمَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ جَمْعٍ ثَانِيَةٍ بِوَقْتِ أُولَى إنْ كَانَتْ النِّيَّةُ مِنْ (غَيْرِ نَحْوِ نَائِمٍ) كَمُغْمًى عَلَيْهِ بِوَقْتٍ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يُفِقْ مِنْ نَوْمِهِ وَنَحْوِهِ حَتَّى ضَاقَ وَقْتُ الْأُولَى عَنْ فِعْلِهَا فَلَهُ فِعْلُهَا، مَجْمُوعَةً؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِذَلِكَ، كَذَا قَالَ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بَقَاءُ مَا يَسَعُ التَّكْبِيرَةَ لِلْإِحْرَامِ، وَهُوَ وَاهٍ جِدًّا؛ نَعَمْ قَيَّدَ الْمَجْدُ بِبَقَاءِ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ كُلَّهَا.

فرع بان فساد الصلاة الأولى بعد الجمع

(وَ) الثَّانِي: (بَقَاءُ عُذْرٍ) مِنْ نِيَّةِ جَمْعٍ بِوَقْتِ أُولَى، (لِدُخُولِ وَقْتِ ثَانِيَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لِلْجَمْعِ الْعُذْرُ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَمِرَّ إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، زَالَ الْمُقْتَضِي لِلْجَمْعِ فَامْتَنَعَ، كَمَرِيضٍ بَرِئَ وَمُسَافِرٍ قَدِمَ. وَ (لَا) يُشْتَرَطُ (غَيْرُ) مَا مَرَّ مِنْ الشُّرُوطِ، كَنِيَّةِ الْجَمْعِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَا اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّهُمَا صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِمَا، ولَا اتِّحَادُ إمَامٍ أَوْ مَأْمُومٍ. (وَلَا أَثَرَ لِزَوَالِهِ) ، أَيْ: الْعُذْرِ (بَعْدَ) دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، (وَلَا بَأْسَ بِتَطَوُّعٍ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْمَجْمُوعَتَيْنِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ (نَصًّا) ، بِخِلَافِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ، فَتُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ. (وَصَحَّ إنْ صَلَّاهُمَا) ، أَيْ: الْمَجْمُوعَتَيْنِ (خَلْفَ إمَامَيْنِ، أَوْ) صَلَّاهُمَا خَلْفَ (مَنْ لَمْ يَجْمَعْ، أَوْ) أَمَّ فِيهِمَا أَوْ إحْدَاهُمَا (بِمَنْ لَمْ يَجْمَعْ، أَوْ) صَلَّى (إحْدَاهُمَا مُنْفَرِدًا، وَ) صَلَّى (الْأُخْرَى جَمَاعَةً، أَوْ) صَلَّى (بِمَأْمُومٍ الْأُولَى وَ) صَلَّى (بِ) مَأْمُومٍ (آخَرَ الثَّانِيَةَ) ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ كَانَ إمَامًا بِإِحْدَاهُمَا وَمَأْمُومًا بِالْأُخْرَى) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ ". [فَرْعٌ بَانَ فَسَادُ الصَّلَاةِ الْأُولَى بَعْدَ الْجَمْعِ] (فَرْعٌ) : إذَا بَانَ فَسَادُ الْأُولَى بَعْدَ الْجَمْعِ، كَمَا (لَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ الْأُولَى رُكْنًا) أَوْ شَرْطًا، بَطَلَ الْجَمْعُ وَأَعَادَهُمَا مُرَتَّبَتَيْنِ، (أَوْ) ذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ رُكْنًا (مِنْ إحْدَاهُمَا وَنَسِيَهَا) ، فَلَا يَدْرِي أَهُوَ مِنْ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ: (أَعَادَهُمَا مُرَتِّبًا) فِي الْوَقْتِ إنْ بَقِيَ، وَإِلَّا قَضَاهُمَا مُرَتِّبًا. (وَ) لَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا (مِنْ ثَانِيَةٍ، أَعَادَهَا فَقَطْ) ، وَلَا يَبْطُلُ جَمْعُ تَأْخِيرٍ مُطْلَقًا، وَلَا جَمْعُ تَقْدِيمٍ إنْ أَعَادَهَا قَرِيبًا بِحَيْثُ لَا تَفُوتُهُ الْمُوَالَاةُ.

فصل صلاة الخوف

[فَصْلٌ صَلَاةِ الْخَوْفِ] (فَصْلٌ) فِي (صَلَاةِ الْخَوْفِ) وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} [النساء: 102] . . . الْآيَةَ. وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ، وَتَخْصِيصُهُ بِالْخِطَابِ لَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْحُكْمِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] . وَبِالنِّسْبَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى فِعْلِهَا وَصَلَّاهَا، عَلِيٌّ وَأَبُو مُوسَى وَحُذَيْفَةُ. فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُصَلِّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ، أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ. (تَصِحُّ) صَلَاةُ الْخَوْفِ (بِقِتَالٍ مُبَاحٍ) ؛ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِالْقِتَالِ الْمُحَرَّمِ، كَقِتَالٍ مِنْ أَهْلِ بَغْيٍ وَقُطَّاعِ طَرِيقٍ (وَلَوْ حَضَرًا) ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ الْخَوْفُ لَا السَّفَرُ. (مَعَ خَوْفِ هَجْمِ عَدُوٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] . (وَتَأْثِيرُهُ) ، أَيْ: الْخَوْفِ (فِي تَغْيِيرِ هَيْأَتِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (وَصِفَاتِهَا لَا فِي) تَغْيِيرِ (عَدَدِ رَكَعَاتِهَا) ، فَلَا يُغَيِّرُهُ الْخَوْفُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ فِي مَنْعِ الْوَجْهِ السَّابِعِ الْآتِي: وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ، فَيُؤَثِّرُ أَيْضًا فِي عَدَدِهَا كَمَا فِي الْوَجْهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ (وَتَصِحُّ) صَلَاةُ الْخَوْفِ (سَفَرًا عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: صَحَّتْ) صَلَاةُ الْخَوْفِ (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أَوْ سِتَّةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٍ، كُلُّهَا جَائِزَةٌ) ، قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَقُولُ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا،

أَوْ تَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْهَا؟ قَالَ: أَنَا أَقُولُ: كُلُّ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهَا كُلِّهَا فَحَسَنٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ، فَأَنَا أَخْتَارُهُ. (أَحَدُهَا) ، أَيْ: الْوُجُوهِ: (إذَا كَانَ الْعَدُوُّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ يُرَى) لِلْمُسْلِمِينَ (وَلَمْ يُخَفْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، فِيهِمَا (كَمِينٌ) يَأْتِي مِنْ خَلْفِ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ: قَوْمٌ يَكْمُنُونَ فِي الْحَرْبِ، (صَلَّى بِهِمْ الْإِمَامُ صَلَاةَ) النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي (عُسْفَانَ) : بَلَدٌ تَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ نَحْوَ مَرْحَلَتَيْنِ، (فَيَصُفُّهُمْ) الْإِمَامُ (خَلْفَهُ صَفَّيْنِ فَأَكْثَرَ حَضَرًا) كَانَ الْخَوْفُ (أَوْ سَفَرًا، وَيُحْرِمُ بِالْجَمِيعِ) مِنْ الصُّفُوفِ، (فَإِذَا سَجَدَ) الْإِمَامُ (سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، وَحَرَسَ) الصَّفُّ (الْآخَرُ حَتَّى يَقُومَ إمَامٌ لِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ، فَيَسْجُدُ) الصَّفُّ الْحَارِسُ (وَيَلْحَقُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامَ، (ثُمَّ الْأُولَى تَأَخُّرُ) الصَّفِّ (الْمُقَدَّمِ) السَّاجِدُ مَعَ الْإِمَامِ (وَتَقَدُّمُ) الصَّفُّ (الْمُؤَخَّرُ) السَّاجِدُ بَعْدَهُ، لِيَحْصُلَ التَّعَادُلُ بَيْنَهُمَا فِي فَضِيلَةِ الْمَوْقِفِ. (ثُمَّ بِثَانِيَةٍ) يَسْجُدُ فِيهَا الْحَارِسُ فِي الْأُولَى، وَ (يَحْرُسُ سَاجِدًا مَعَهُ أَوَّلًا) ، أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، (ثُمَّ يَلْحَقُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامَ (بِتَشَهُّدٍ، فَيُسَلِّمُ) الْإِمَامُ (بِجَمِيعِهِمْ) . هَذِهِ الصِّفَةُ رَوَاهَا جَابِرٌ، قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَفَّنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْآخَرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّجُودَ وَقَامَ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ

وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وَسَجَدَ، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَرَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: «فَصَلَّاهَا النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِعُسْفَانَ، وَمَرَّةً بِأَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ» . (وَيَجُوزُ جَعْلُهُمْ) ، أَيْ: الْمُسْلِمِينَ (صَفًّا) وَاحِدًا، (وَحَرَسَ بَعْضُهُ) فِي الْأُولَى، وَالْبَاقِي فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الصَّفِّ لَا أَثَرَ لَهُ فِي حِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا فِي إنْكَارِ الْعَدُوِّ. وَ (لَا) يَجُوزُ (حَرَسُ صَفٍّ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ بِتَرْكِهِمْ السُّجُودَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَوْ حَرَسَ الصَّفُّ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِتَخَلُّفِهِ عَنْ الْإِمَامِ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ. الْوَجْهُ (الثَّانِي: إذَا كَانَ الْعَدُوُّ بِغَيْرِ جِهَتِهَا) ، أَيْ: جِهَةِ الْقِبْلَةِ، (أَوْ كَانَ بِهَا) ، أَيْ: جِهَةِ الْقِبْلَةِ (وَلَمْ يُرَ) ، أَيْ: لَمْ يَرَهُ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ، أَوْ بِهَا وَيُرَى وَخِيفَ كَمِينٌ، (قَسَمَهُمْ) ، أَيْ: الْمُسْلِمِينَ الْإِمَامُ (طَائِفَتَيْنِ، وَيُحْرِمُ بِهِمَا) جَمِيعًا، (وَهِيَ صَلَاةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ شَدُّوا الْخِرَقَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ لِفَقْدِ النِّعَالِ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ جَبَلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَدِينَةِ فِيهِ حُمْرَةٌ وَسَوَادٌ وَبَيَاضٌ كَأَنَّهَا خِرَقٌ، وَقِيلَ: هِيَ غَزْوَةُ غَطَفَانَ، وَقِيلَ: كَانَتْ نَحْوَ نَجْدٍ. (تَكْفِي كُلُّ طَائِفَةٍ الْعَدُوَّ) زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: بِحَيْثُ يَحْرُمُ فِرَارُهَا، وَمَتَى خَشِيَ اخْتِلَالَ حَالِهِمْ، وَاحْتِيجَ إلَى مَعُونَتِهِمْ بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى

فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْهَضَ إلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ، وَيَبْنُوا عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ. (فَإِنْ فَرَّطَ) الْإِمَامُ (فِي ذَلِكَ) بِأَنْ كَانَتْ الطَّائِفَةُ لَا تَكْفِي الْعَدُوَّ، (أَوْ) فَرَّطَ (فِيمَا فِيهِ حَظٌّ لَنَا، أَثِمَ) وَيَكُونُ إثْمُهُ صَغِيرَةً لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ إنْ قَارَنَهَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ شَرْطَ الصَّلَاةِ. (وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَسَقَ وَلَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) ، قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": الْمَذْهَبُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَعُدْ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ، بَلْ إلَى الْمُخَاطَرَةِ، كَتَرْكِ حَمْلِ السِّلَاحِ مَعَ حَاجَةٍ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَفِي الْفِسْقِ مَعَ التَّعَمُّدِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ صَغِيرَةٌ. وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ ". وَالصَّغِيرَةُ لَا يَفْسُقُ بِتَعَمُّدِهَا بَلْ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَفْسُقُ، فَيَكُونُ (كَوَصِيٍّ وَأَمِينٍ فَرَّطَا فِي أَمَانَةٍ) ، أَيْ: فَيَفْسُقَانِ، وَتَصِيرُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِمَا كَمَا يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ، (طَائِفَةٌ) تَذْهَبُ (تَحْرُسُ) الْمُسْلِمِينَ (وَهِيَ) ، أَيْ: الطَّائِفَةُ الْحَارِسَةُ (مُؤْتَمَّةٌ بِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ حُكْمًا (فِي كُلِّ صَلَاتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حِينَ تَرْجِعُ مِنْ الْحِرَاسَةِ وَتُحْرِمُ لَا تُفَارِقُ الْإِمَامَ حَتَّى يُسَلِّمَ بِهَا، وَالْمُرَادُ: بَعْدَ دُخُولِهَا مَعَهُ لَا قَبْلَهُ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْحَجَّاوِيُّ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ " فَ (تَسْجُدُ مَعَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (لِسَهْوِهِ) وَلَوْ فِي الْأُولَى قَبْلَ دُخُولِهَا، وَ (لَا) تَسْجُدُ هِيَ (لِسَهْوِهَا) إنْ سَهَتْ، لِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ لَهُ (وَطَائِفَةٌ) يُحْرِمُ بِهَا، وَ (يُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً) وَهِيَ الْأُولَى مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ تُفَارِقُهُ كَمَا يَأْتِي. (وَهِيَ) ، أَيْ: الطَّائِفَةُ الَّتِي يُصَلِّي بِهَا الرَّكْعَةَ الْأُولَى (مُؤْتَمَّةٌ) بِهِ (فِيهَا) ، أَيْ: الرَّكْعَةِ الْأُولَى (فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهَا تُفَارِقُهُ بَعْدَهَا، فَ (تَسْجُدُ لِسَهْوِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (فِيهَا) ، أَيْ: الرَّكْعَةِ الْأُولَى (إذَا فَرَغَتْ) ، أَيْ: أَتَمَّتْ صَلَاتَهَا، (فَإِذَا اسْتَتَمَّ) الْإِمَامُ (قَائِمًا لِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ نَوَتْ) الطَّائِفَةُ الَّتِي صَلَّى بِهَا الرَّكْعَةَ الْأُولَى (الْمُفَارَقَةَ)

لَهُ (وُجُوبًا؛ لِبُطْلَانِ صَلَاةِ تَارِكِ مُتَابَعَةِ) الْإِمَامِ (بِلَا نِيَّةِ مُفَارَقَةٍ، وَأَتَمَّتْ) صَلَاتَهَا (لِنَفْسِهَا) مُنْفَرِدَةً، (وَسَلَّمَتْ وَمَضَتْ تَحْرُسُ) مَكَانَ الطَّائِفَةِ الْحَارِسَةِ قَبْلَهَا. (وَيُبْطِلُهَا) ، أَيْ: صَلَاةَ الطَّائِفَةِ الَّتِي صَلَّى بِهَا الرَّكْعَةَ الْأُولَى (مُفَارَقَتُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (قَبْلَ قِيَامِهِ) إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (بِلَا عُذْرٍ) ، لِتَرْكِهَا الْمُتَابَعَةَ. (وَيُطِيلُ) الْإِمَامُ (قِرَاءَتَهُ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (حَتَّى تَحْضُرَ) الطَّائِفَةُ (الْأُخْرَى) الَّتِي كَانَتْ تَحْرُسُ، (فَتُصَلِّي مَعَهُ) بَعْدَ إحْرَامِهِ الرَّكْعَةَ (الثَّانِيَةَ) ، وَلَا يَرْكَعُ بَعْدَ إحْرَامِهَا حَتَّى تَقْرَأَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ، وَيَكْفِي إدْرَاكُهَا الرُّكُوعَ، وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْقِرَاءَةِ إلَى مَجِيئِهَا، (وَ) إذَا فَرَغَ مِنْهَا وَجَلَسَ، انْتَظَرَهَا، (يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ حَتَّى تَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ، وَ) حَتَّى (تَشَهَّدَ، فَيُسَلِّمَ بِهَا) وَلَا يُسَلِّمُ قَبْلَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102] ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُمْ كُلَّهَا مَعَهُ، وَتَحْصُلُ الْمُعَادَلَةُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ، وَالثَّانِيَةَ فَضِيلَةَ السَّلَامِ. وَهَذَا الْوَجْهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ «حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتُ بْنِ جُبَيْرٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» وَصَحَّ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَثْمَةَ مَرْفُوعًا. وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ أَنَّهُ اخْتَارَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْكَاءٌ لِلْعَدُوِّ، وَأَقَلُّ فِي الْأَفْعَالِ، وَأَشْبَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَالْحَرْبِ.

(وَإِنْ أَحَبَّ) الْإِمَامُ (ذَا الْفِعْلِ) ، أَيْ: الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ (مَعَ رُؤْيَةِ الْعَدُوِّ، جَازَ) نَصًّا، لِعُمُومِ الْآيَةِ. (وَإِنْ انْتَظَرَهَا) ، أَيْ: الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ الْإِمَامُ (جَالِسًا بِلَا عُذْرٍ) فِي الْجُلُوسِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ جُلُوسًا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. (وَ) إنْ (ائْتَمَّتْ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ) بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ) ، أَيْ: لَمْ تَنْعَقِدْ؛ لِاقْتِدَائِهِمْ فِي صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَظَاهِرُهُ تَصِحُّ لَهُمْ لِلْعُذْرِ. (وَيَجُوزُ تَرْكُ) طَائِفَةٍ (حَارِسَةٍ الْحِرَاسَةَ) بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ، وَتَأْتِي تُصَلِّي مَعَهُ (لِمَدَدٍ تَحَقَّقَتْ غِنَاهُ) ، أَيْ: أَجْزَأَهُ عَنْهَا لِحُصُولِ الْغَرَضِ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا الْغَنَاءُ أَوْ شَكَّ فِيهِ، لَمْ يَجُزْ، قَالَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " (وَلَوْ خَاطَرَ أَقَلُّ مِمَّنْ شَرَطْنَا) بِأَنْ كَانَتْ طَائِفَةٌ لَا تَكْفِي الْعَدُوَّ (وَتَعَمَّدُوا الصَّلَاةَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، صَحَّتْ) صَلَاتُهُمْ. (وَحَرُمَ مُخَاطَرَةٌ) قَوْله تَعَالَى {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ مَعَ تَحْرِيمِ الْمُخَاطَرَةِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَعُدْ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ، بَلْ إلَى الْمُخَاطَرَةِ بِهِمْ، كَتَرْكِ حَمْلِ السِّلَاحِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَيُصَلِّي) إمَامُ (الْمَغْرِبَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَ) (بِ) الطَّائِفَةِ (الْأُخْرَى رَكْعَةً) ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَفْضِيلٍ، فَالْأُولَى أَحَقُّ بِهِ، وَمَا فَاتَ الثَّانِيَةَ يَنْجَبِرُ بِإِدْرَاكِهَا مَعَهُ بِالسَّلَامِ. (وَلَا تَتَشَهَّدُ) الثَّانِيَةُ بَعْدَ صَلَاتِهَا (مَعَهُ) الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ (عَقِبَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ تَشَهُّدِهَا، بَلْ تَقُومُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهَا. (وَيَصِحُّ عَكْسُهَا) ، أَيْ: أَنْ يُصَلِّيَ (بِالْأُولَى رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ) نَصًّا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ، فَيُجْبِرُ الثَّانِيَةَ بِزِيَادَةِ

الرَّكَعَاتِ، لَكِنَّ الْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَفْعَلُ جَمِيعَ صَلَاتِهَا فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ، وَالْأُولَى فِي حُكْمِ الِانْفِرَادِ. (وَ) يُصَلِّي إمَامٌ (الرُّبَاعِيَّةَ التَّامَّةَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا، مَعَ إتْيَانِ كُلِّ طَائِفَةٍ بِرَكْعَتَيْنِ، فَتَكُونُ تَامَّةً فِي حَقِّ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَالْوَجْهِ الْخَامِسِ. (وَيَصِحُّ) أَنْ يُصَلِّيَ الرُّبَاعِيَّةَ التَّامَّةَ (بِطَائِفَةٍ) مِنْهُمْ (رَكْعَةً، وَبِ) طَائِفَةٍ (أُخْرَى ثَلَاثًا) ، لِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الصَّلَاةِ بِالطَّائِفَتَيْنِ. (وَتُفَارِقُهُ) الطَّائِفَةُ (الْأُولَى) إنْ صَلَّى بِهَا رَكْعَتَيْنِ مَغْرِبًا أَوْ رُبَاعِيَّةً تَامَّةً (بَعْدَ فَرَاغِ تَشَهُّدِهِ) الْأَوَّلِ (وَتُتِمُّ لِنَفْسِهَا) الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ فِي الْمَغْرِبِ، وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ التَّامَّةِ وَتُسَلِّمُ. (وَيَنْتَظِرُ) الطَّائِفَةَ (الثَّانِيَةَ جَالِسًا يُكَرِّرُهُ) - أَيْ: التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ - إلَى أَنْ تَحْضُرَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، (فَإِذَا أَتَتْ قَامَ) لِتُدْرِكَ مَعَهُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ؛ وَلِأَنَّ الْجُلُوسَ أَخَفُّ عَلَى الْإِمَامِ؛ وَلِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الثَّالِثَةِ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُحْرِمُ بِهِمْ، ثُمَّ تَنْهَضُ مَعَهُ. (وَيَصِحُّ انْتِظَارُهَا) ، أَيْ: الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ (قَائِمًا) ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُ؛ وَلِأَنَّ ثَوَابَ الْقَائِمِ أَكْثَرُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ. (فَإِذَا صَلَّتْ) الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ (مَعَهُ) ، أَيْ: مَعَ الْإِمَامِ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، (وَجَلَسَ لِتَشَهُّدٍ أَخِيرٍ) تَشَهَّدَتْ مَعَهُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ كَالْمَسْبُوقِ، ثُمَّ قَامَتْ (وَ) هُوَ جَالِسٌ (يُكَرِّرُهُ) فَاسْتَفْتَحَتْ وَتَعَوَّذَتْ (وَأَتَتْ بِمَا بَقِيَ، وَ) تَقْرَأُ (سُورَةً مَعَ الْفَاتِحَةِ) ؛ لِأَنَّ مَا تَقْضِيهِ أَوَّلُ صَلَاتِهَا، فَإِذَا أَدْرَكَتْهُ فِي التَّشَهُّدِ تَشَهَّدَتْ، وَسَلَّمَ بِهِمْ، وَلَا يُسَلِّمُ قَبْلَهُمْ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ فَرَّقَهُمْ) الْإِمَامُ، أَيْ: الْمُصَلِّينَ (أَرْبَعًا،

وَصَلَّى) الرُّبَاعِيَّةَ التَّامَّةَ (بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً) أَوْ فَرَّقَهُمْ ثَلَاثًا، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، أَوْ بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالْبَاقِيَتَيْنِ رَكْعَةً رَكْعَةً مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، (صَحَّتْ صَلَاةُ) الطَّائِفَتَيْنِ (الْأُولَيَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمَا فَارَقَتَاهُ قَبْلَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ بِالِانْتِظَارِ الثَّالِثِ لِلطَّائِفَةِ الثَّالِثَةِ لِتَدْخُلَ مَعَهُ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَ (لَا) تَصِحُّ صَلَاةُ (الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّهُ زَادَ انْتِظَارًا ثَالِثًا لَمْ يَرِدْ بِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ خَوْفٍ. (وَ) لَا صَلَاةُ الطَّائِفَتَيْنِ (الْأُخْرَيَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمَا ائْتَمَّتَا بِمَنْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، (إلَّا إنْ جَهِلُوا) ، أَيْ: الْإِمَامُ وَالطَّائِفَتَانِ (الْبُطْلَانَ) ، أَيْ: بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنْ جَهِلَ الْمَأْمُومُونَ، صَحَّتْ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى. وَكَمَنْ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ لَا يَعْلَمُ حَدَثَهُ، وَيَجُوزُ خَفَاؤُهُ عَلَى الْإِمَامِ أَيْضًا. الْوَجْهُ (الثَّالِثُ: أَنْ) يَقْسِمَهُمْ طَائِفَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، طَائِفَةٌ تَحْرُسُ، وَ (يُصَلِّي) الْإِمَامُ (بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِي) فَتَحْرُسُ مَكَانَ الْأُخْرَى، (ثُمَّ) يُصَلِّي (بِالْأُخْرَى) الْحَارِسَةِ إذَا أَتَتْ (رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِي) فَتَحْرُسُ، (وَيُسَلِّمُ) إمَامٌ (وَحْدَهُ، ثُمَّ تَأْتِي) الطَّائِفَةُ (الْأُولَى) الَّتِي صَلَّتْ مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَةَ الْأُولَى، (فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا بِقِرَاءَةِ) سُورَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَتُسَلِّمُ وَتَمْضِي لِتَحْرُسَ. (ثُمَّ) تَأْتِي (الْأُخْرَى) ، فَتَفْعَلُ (كَذَلِكَ وَإِنْ أَتَمَّتْهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةَ الطَّائِفَةُ (الثَّانِيَةُ عَقِبَ مُفَارَقَتِهَا) إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ (وَمَضَتْ) تَحْرُسُ، (ثُمَّ أَتَتْ الْأُولَى فَأَتَمَّتْ) صَلَاتَهَا، (كَانَ) ذَلِكَ (أَوْلَى) ، لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوَّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ، فَصَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الْوَجْهُ (الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ) الْإِمَامُ (بِكُلِّ طَائِفَةٍ) مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ (صَلَاةً مَقْصُورَةً أَوْ تَامَّةً وَيُسَلِّمُ بِهَا) ، أَيْ: بِكُلِّ طَائِفَةٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا، وَالشَّافِعِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا. (وَهُنَا صَحَّ) صَلَاةُ (فَرْضٍ خَلْفَ نَفْلٍ) وَهُوَ مُغْتَفَرٌ هُنَا، وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. الْوَجْهُ (الْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ) الْإِمَامُ (الرُّبَاعِيَّةَ الْجَائِزَ قَصْرُهَا) ، لِكَوْنِهِمْ مُسَافِرِينَ، (تَامَّةً بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ بِلَا قَضَاءٍ) مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ (فَتَكُونُ لَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (تَامَّةً، وَلَهُمْ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ (مَقْصُورَةً) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ، فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الْوَجْهُ (السَّادِسُ:) " صَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ نَجْدٍ. (وَ) كَيْفِيَّتُهَا: (أَنْ يُحْرِمَ) الْإِمَامُ (بِالطَّائِفَتَيْنِ) مَعًا، وَتَقُومَ طَائِفَةٌ (وَاحِدَةٌ تِجَاهَ الْعَدُوِّ وَظُهْرُهَا لِلْقِبْلَةِ، وَ) تَقُومَ الطَّائِفَةُ (الْأُخْرَى مَعَهُ يُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً) وَاحِدَةً (فَإِذَا قَامَ لِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ ذَهَبَتْ) الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ لِتَقِفَ (لِلْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ) الطَّائِفَةُ (الْأُخْرَى، فَرَكَعَتْ وَسَجَدَتْ) لِأَنْفُسِهَا، (وَلَحِقَتْهُ) بِالرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ، فَإِذَا جَلَسَ بِهَا لِتَشَهُّدٍ أَتَتْ) الطَّائِفَةُ (الَّتِي) وَقَفَتْ (تِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَرَكَعَتْ وَسَجَدَتْ) وَتَشَهَّدَتْ، (وَسَلَّمَ بِالْجَمِيعِ) " أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَنَقَلَهُ الْأَصْحَابُ مُقِرِّينَ لَهُ. الْوَجْهُ (السَّابِعُ: وَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُ) مِنْ الْأَصْحَابِ (أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ

فصل تصح جمعة بخوف حضرا

طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا قَضَاءٍ) عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ كَصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ. صَحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهَا صِحَاحٌ، ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: رَكْعَةً رَكْعَةً، إلَّا أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَانِ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى خِلَافِهِ. وَلِلْخَوْفِ وَالسَّفَرِ اجْتِمَاعُ مُبِيحَيْنِ. أَحَدُهُمَا: الْخَوْفُ، وَالْآخَرُ: السَّفَرُ. قَالَ فِي " الْكَافِي ": كَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوُجُوهِ الْجَائِزَةِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا: لَا تَأْثِيرَ لِلْخَوْفِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَحَمَلُوا هَذِهِ الصِّفَةَ عَلَى شِدَّةِ الْخَوْفِ. [فَصْلٌ تَصِحُّ جُمُعَةٌ بِخَوْفٍ حَضَرًا] (فَصْلٌ) (وَتَصِحُّ جُمُعَةٌ بِخَوْفٍ حَضَرًا) لَا سَفَرًا (بِشَرْطِ كَوْنِ كُلِّ طَائِفَةٍ أَرْبَعِينَ) رَجُلًا (فَأَكْثَرَ) مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، لِاشْتِرَاطِ الْعَدُوِّ وَالِاسْتِيطَانِ، (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (أَنْ يُحْرِمَ بِمَنْ حَضَرَتْ الْخُطْبَةَ) مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ، لِاشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِمَنْ لَمْ تَحْضُرْ الْخُطْبَةَ، لَمْ تَصِحَّ حَتَّى يَخْطُبَ لَهَا كَغَيْرِ الْخَوْفِ. (وَيُسِرَّانِ) ، أَيْ: الطَّائِفَتَانِ (الْقِرَاءَةَ بِقَضَاءٍ) ، أَيْ: قَضَاءِ الرَّكْعَةِ كَالْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ مِنْهَا. (وَيُصَلَّى اسْتِسْقَاءً) فِي الْخَوْفِ إذَا ضَرَّ الْجَدْبُ (كَمَكْتُوبَةٍ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَ) صَلَاةَ (كُسُوفٍ وَ) صَلَاةَ (عِيدٍ) مَعَ خَوْفٍ (آكَدَ مِنْ اسْتِسْقَاءٍ، لِمَا تَقَدَّمَ) أَنَّ الْكُسُوفَ آكَدُ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ. وَأَمَّا الْعِيدُ، فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَسُنَّ) فِي صَلَاةِ خَوْفٍ (حَمْلُ) مُصَلٍّ (مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُثْقِلُهُ، كَسَيْفٍ وَسِكِّينٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102]

وَلِمَفْهُومِ قَوْلِهِ {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} [النساء: 102] ، وَالْأَمْرُ بِهِ لِلرِّفْقِ بِهِمْ وَالصِّيَانَةِ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْإِيجَابِ. وَلَا يُكْرَهُ حَمْلُ السِّلَاحِ بِلَا حَاجَةٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ أَظْهَرُ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَكُرْهِ) لِمُصَلٍّ حَمْلُ (مَا مَنَعَ إكْمَالَهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (كَمِغْفَرٍ) بِوَزْنِ مِنْبَرٍ، (وَهُوَ زَرَدٌ مِنْ الدِّرْعِ يُلْبَسُ تَحْتَ الْقَلَنْسُوَةِ) ، أَوْ حِلَقٌ يَتَقَنَّعُ بِهَا الْمُتَسَلِّحُ، ذَكَرَهُ فِي " الْقَامُوسِ ". (أَوْ) ، أَيْ: وَيُكْرَهُ حَمْلُ مَا (ضَرَّ غَيْرَهُ) ، أَيْ: غَيْرَ حَامِلِهِ (كَرُمْحٍ مُتَوَسِّطٍ) صَاحِبُهُ (بَيْنَهُمْ) ، أَيْ: بَيْنَ الْقَوْمِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَاشِيَةِ لَمْ يُكْرَهْ. (أَوْ) ، أَيْ: وَيُكْرَهُ حَمْلُ مَا (أَثْقَلَهُ كَجَوْشَنٍ، وَهُوَ: الدِّرْعُ) وَالصَّدْرُ قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ ". (وَجَازَ) فِي صَلَاةِ خَوْفٍ (لِحَاجَةٍ حَمْلُ نَجَسٍ) لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي غَيْرِهَا، (وَلَا يُعِيدُ) مَا صَلَّاهُ فِي الْخَوْفِ مَعَ النَّجَسِ الْكَثِيرِ لِلْعُذْرِ. (وَإِذَا اشْتَدَّ خَوْفٌ) ، أَيْ: تَوَاصَلَ الطَّعْنُ وَالضَّرْبُ وَالْكَرُّ وَالْفَرُّ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَفْرِيقُ الْقَوْمِ وَصَلَاتُهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ، (صَلَّوْا رِجَالًا وَرُكْبَانًا لِلْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: " فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِينَ الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ نَافِعٌ: " لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا. (وَلَا يَلْزَمُ) مُصَلَّيَا إذَنْ (افْتِتَاحُهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (إلَيْهَا) ، أَيْ: الْقِبْلَةِ (وَلَوْ أَمْكَنَ) الْمُصَلِّي ذَلِكَ كَبَقِيَّةِ الصَّلَاةِ (وَلَا) يَلْزَمُ

(سُجُودٌ) عَلَى ظَهْرِ (دَابَّةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُؤَخِّرَهَا) ؛ لِأَنَّهُ صَحِيحٌ قَادِرٌ. (وَتَجِبُ جَمَاعَةٌ) فِي شِدَّةِ خَوْفٍ كَغَيْرِهَا نَصًّا (مَعَ إمْكَانِ مُتَابَعَةٍ) ، فَإِنْ لَمْ تَتَمَكَّنْ الْمُتَابَعَةَ، لَمْ تَجِبْ، بَلْ وَلَا تَنْعَقِدُ. (وَلَا يَضُرُّ تَقَدُّمُ مَأْمُومٍ) عَلَى إمَامِهِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، (وَلَا) يَضُرُّ (تَلْوِيثُ سِلَاحٍ بِدَمٍ) ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا، (وَلَا) يَضُرُّ (كَرٌّ) عَلَى عَدُوٍّ (وَ) لَا (فَرٌّ) مِنْهُ (لِمَصْلَحَةٍ وَلَوْ كَثُرَ) الْكَرُّ وَالْفَرُّ. (وَكَذَا) ، أَيْ: كَشِدَّةِ الْخَوْفِ فِيمَا تَقَدَّمَ (حَالَةُ هَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ هَرَبًا مُبَاحًا) بِأَنْ كَانَ الْكُفَّارُ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ، أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ، (أَوْ) هَرَبٍ مِنْ (سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ) : حَيَوَانٌ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ مُفْتَرِسٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، (أَوْ) هَرَبٍ مِنْ (نَارٍ أَوْ غَرِيمٍ ظَالِمٍ) ، فَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ، لَمْ يَجُزْ، (أَوْ) لَمْ يَكُنْ هَرَبٌ، لَكِنْ صَلَّى كَذَلِكَ (خَوْفُ فَوْتِ عَدُوٍّ) يَطْلُبُهُ، لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٌ: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا أُصَلِّي، أُومِئُ إيمَاءً نَحْوَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ فَوْتَ عَدُوِّهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، فَأُبِيحَتْ لَهُ صَلَاةُ الْخَوْفِ كَحَالِ لِقَائِهِ. (أَوْ) خَوْفُ فَوْتِ (وَقْتِ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ) إنْ صَلَّى آمِنًا فَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ مَاشِيًا حِرْصًا عَلَى إدْرَاكِ الْحَجِّ، لِمَا يَلْحَقُهُ بِفَوَاتِهِ مِنْ الضَّرَرِ. (أَوْ) خَوْفٌ (عَلَى نَفْسِهِ) صَلَّى صَلَاةَ أَمْنٍ، (أَوْ) خَوْفٌ عَلَى (أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ ذَبُّهُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (عَنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ، فَيُصَلِّي صَلَاةَ خَائِفٍ. (وَ) كَذَا ذَبُّهُ (عَنْ نَفْسِ)

غَيْرِهِ (وَأَهْلِ) غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (وَ) أَمَّا مَنْ ذَبَّ عَنْ (مَالِ غَيْرِهِ) ، فَيُصَلِّي صَلَاةَ خَائِفٍ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ. وَذَكَرَ الْبُهُوتِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ". أَنَّهُ إذَا ذَبَّ عَنْ مَالِ غَيْرِهِ يُصَلِّي صَلَاةَ خَائِفٍ، وَقَالَ: صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ، إذْ صَاحِبُ " الْإِنْصَافِ " لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ. (فَإِنْ كَانَتْ) صَلَاةُ الْخَوْفِ صَلَّيْت (لِسَوَادٍ) ، أَيْ: شَخْصٍ (ظَنَّهُ عَدُوًّا) فَتَبَيَّنَ عَدَمَهُ، أَعَادَ، (أَوْ) صَلَّاهَا لِعَدُوٍّ، ثُمَّ تَبَيَّنَ (دُونَهُ مَانِعٌ) كَبَحْرٍ يَحُولُ بَيْنَهُمَا، (أَعَادَ) ، لِعَدَمِ وُجُودِ الْمُبِيحِ، وَنُدْرَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، بِخِلَافِ مَنْ تَيَمَّمَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ خِلَافُهُ، لِعُمُومِ الْبَلْوَى فِي الْأَسْفَارِ. وَ (لَا) يُعِيدُ (إنْ) صَلَّى صَلَاةَ خَوْفٍ

تتمة إذا خاف الأسير على نفسه والمختفي بموضع يخاف أن يظهر عليه

لِعَدُوٍّ، ثُمَّ (بَانَ يَقْصِدُ غَيْرَهُ) لِوُجُودِ سَبَبِ الْخَوْفِ، وَهُوَ الْعَدُوُّ يَخْشَى هَجْمَهُ (كَ) مَا لَا يُعِيدُ (مَنْ خَافَ عَدُوًّا إنْ تَخَلَّفَ عَنْ رُفْقَتِهِ) ، وَصَلَّى صَلَاةَ آمِنٍ (فَصَلَّاهَا) ، أَيْ: صَلَاةَ الْخَوْفِ (ثُمَّ بَانَ أَمْنِ طَرِيقٍ) ، لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ. (أَوْ خَافَ بِتَرْكِهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْخَوْفِ (كَمِينًا) يَكْمُنُ لَهُ فِي طَرِيقِهِ، (أَوْ) خَافَ بِتَرْكِهَا (مَكِيدَةً أَوْ مَكْرُوهًا، كَهَدْمِ سُورٍ أَوْ طَمِّ خَنْدَقٍ) إنْ اشْتَغَلَ بِصَلَاةِ آمِنٍ، صَلَّى صَلَاةَ خَائِفٍ. قَالَ الْقَاضِي: فَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ الطَّمَّ وَالْهَدْمَ لَا يَتِمُّ لِلْعَدُوِّ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، صَلَّوْا صَلَاةَ آمِنٍ. (وَمَنْ خَافَ) فِي صَلَاةٍ شَرَعَ فِيهَا آمِنًا، انْتَقَلَ وَبَنَى لِوُجُودِ الْمُبِيحِ (أَوْ أَمِنَ فِي صَلَاةٍ) ابْتَدَأَهَا خَائِفًا، (انْتَقَلَ) ، لِزَوَالِ الْمُبِيحِ (وَبَنَى) عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ، كَعُرْيَانَ وَجَدَ سُتْرَةً قَرِيبَةً. (وَلَا يَزُولُ خَوْفٌ إلَّا بِانْهِزَامِ) الْعَدُوِّ (الْكُلِّ) ؛ لِأَنَّ انْهِزَامَ بَعْضِهِ قَدْ يَكُونُ خَدِيعَةً. (وَكَفَرْضِ تَنَفُّلٍ) شَرَعَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ أَوَّلًا، فَيُصَلِّي كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ مُنْفَرِدًا) ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِطُولِ كَرٍّ وَفَرٍّ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ. (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِفِعْلٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِقِتَالٍ) كَنُزُولٍ عَنْ دَابَّةٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَأَخْذِ مَالٍ لَقِيَهُ، وَسَلْبِ كَافِرٍ ثِيَابَهُ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا بِ (كَلَامٍ) أَجْنَبِيٍّ مِنْهَا، كَصِيَاحٍ عَلَى عَدُوٍّ، أَوْ تَحْرِيضِ أَقْرَانِهِ عَلَى الْقِتَالِ، فَمَتَى صَاحَ فَبَانَ حَرْفَانِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إذْ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ، بَلْ السُّكُوتُ أَهْيَبُ فِي نُفُوسِ الْأَقْرَانِ. [تَتِمَّةٌ إذَا خَافَ الْأَسِيرُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمُخْتَفِي بِمَوْضِعٍ يَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ] ِ صَلَّى كُلٌّ مِنْهُمَا كَيْفَ مَا أَمْكَنَهُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا وَمُسْتَلْقِيًا إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا بِالْإِيمَاءِ حَضَرًا وَسَفَرًا.

باب صلاة الجمعة

[بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] ِ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ، حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَالْأَصْلُ الضَّمُّ. وَاشْتِقَاقُهَا: مِنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لِجَمْعِهَا الْجَمَاعَاتِ، وَقِيلَ: لِجَمْعِ طِينِ آدَمَ فِيهَا. وَقِيلَ: " لِأَنَّ آدَمَ جُمِعَ فِيهَا خَلْقُهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ جُمِعَ مَعَ حَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ فِيهَا، وَفِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ، وَقِيلَ: لِمَا جُمِعَ فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ. قِيلَ أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَاسْمُهُ الْقَدِيمُ: يَوْمُ الْعُرُوبَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ. وَهِيَ (أَفْضَلُ مِنْ الظُّهْرِ) ، أَيْ: مِنْ ظُهْرِ يَوْمِهَا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ بِلَا نِزَاعٍ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". (وَفُرِضَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ) ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أُذِنَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْمَعَ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَانْظُرْ إلَى الْيَوْمِ الَّذِي تَجْهَرُ فِيهِ الْيَهُودُ بِالزَّبُورِ لِسَبْتِهِمْ، فَاجْمَعُوا نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، فَإِذَا مَالَ النَّهَارُ عَنْ شَطْرِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ بِرَكْعَتَيْنِ» . فَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ، فَجَمَعَ عِنْدَ الزَّوَالِ مِنْ الظُّهْرِ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ: أَنَّ أَسْعَدَ جَمَعَ النَّاسَ، فَإِنَّ مُصْعَبًا كَانَ نَزِيلَهُمْ، وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ وَيُقَرِّبُهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ يُسَمَّى الْمُقْرِيَ. فَأَسْعَدُ دَعَاهُمْ، وَمُصْعَبُ صَلَّى بِهِمْ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " إنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُمُعَةٌ بِجُوَاثَى: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ ".

(وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (فُعِلَتْ بِمَكَّةَ عَلَى صِفَةِ الْجَوَازِ، وَفُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ) ؛ لِأَنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ مَدَنِيَّةٌ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: فُعِلَتْ بِمَكَّةَ، أَيْ: قَبْلَ الْهِجْرَةِ، أَيْ: فُعِلَتْ الْجُمُعَةُ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْوُجُوبِ، إذْ آيَةُ الْجُمُعَةِ بَلْ سُورَتُهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، (وَهِيَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ) لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ الظُّهْرِ (لَا ظُهْرَ مَقْصُورَةً، فَلَا تَجُوزُ أَرْبَعًا) ، لِمَا يَأْتِي أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهَا أَكْثَرَ مِنْهُمَا. (وَلَا تَنْعَقِدُ) الْجُمُعَةُ (بِنِيَّتِهَا لِظُهْرٍ) مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَعَبْدٍ وَمُسَافِرٍ، لِجَوَازِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ. (وَلَا تُقْصَرُ) الظُّهْرُ (خَلْفَهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، (بَلْ إنْ أَدْرَكَ) مِنْهَا (رَكْعَةً، نَوَى جُمُعَةً) ، وَأَتَمَّهَا وَسَلَّمَ، (وَإِلَّا) يُدْرِكُ مِنْهَا رَكْعَةً، بِأَنْ أَدْرَكَ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، (فَ) يَنْوِي الظُّهْرَ، وَيُصَلِّيهَا (ظُهْرًا تَامَّةً) ، وَلَا يَقْصُرُهَا، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَتَصِحُّ) صَلَاةُ الْجُمُعَةِ (قَبْلَ الزَّوَالِ) ، وَيَأْتِي. (وَلَا يَؤُمُّ مَنْ قَلَّدَهَا) ، أَيْ: قَلَّدَهُ الْإِمَامُ إمَامَةَ الْجُمُعَةِ (فِي غَيْرِهَا) مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَيْ: لَا يَسْتَفِيدُ ذَلِكَ بِتَقْلِيدِ الْإِمَامِ، لَا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْإِمَامَةُ، إذَا قَامَتْ الصَّلَوَاتُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ. وَلَا لِمَنْ قُلِّدَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ بِالتَّقْلِيدِ، لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْخَمْسِ لَهَا، وَلَا مَنْ قُلِّدَ أَحَدَهُمَا أَنْ يَؤُمَّ فِي عِيدٍ وَكُسُوفٍ بِهَذَا التَّقْلِيدِ؛ لِعَدَمِ شُمُولِ وِلَايَتِهِ لِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُقَلِّدَ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ، فَتَدْخُلَ الْمَذْكُورَاتُ فِي عُمُومِهَا؛ لِلْإِتْيَانِ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ. (وَلَا تُجْمَعُ) جُمُعَةٌ إلَى عَصْرٍ وَلَا غَيْرِهَا (حَيْثُ أُبِيحَ الْجَمْعُ) ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (وَ) صَلَاةُ الْجُمُعَةِ (فَرْضُ الْوَقْتِ) ، أَيْ: وَقْتِهَا، (فَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ أَهْلُ بَلَدٍ، تَلْزَمُهُمْ) الْجُمُعَةُ بِأَنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ فَأَكْثَرَ

(مَعَ بَقَاءِ وَقْتِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، (لَمْ تَصِحَّ) ظُهْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ صَلَّوْا مَا لَمْ يُخَاطَبُوا بِهِ، وَتَرَكُوا مَا خُوطِبُوا بِهِ، كَمَا لَوْ صَلَّوْا الْعَصْرَ مَكَانَ الظُّهْرِ. (وَيَتَّجِهُ: إلَّا إنْ أَيِسَ) مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَهَا (مِنْ فِعْلِهَا) فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُ جُمُعَةٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ، فَتَصِحُّ الظُّهْرُ مِنْهُ حِينَئِذٍ لِلْعُذْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَتُتْرَكُ) ، أَيْ: تُؤَخَّرُ (فَجْرٌ فَائِتَةٌ) وَغَيْرُهَا مِثْلُهَا (لِخَوْفِ فَوْتِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ. (وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (إذَا فَاتَتْ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى. (وَتَجِبُ) الْجُمُعَةُ (عَيْنًا عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحُضُورِ فِي مَجَامِعِ الرِّجَالِ (مُسْلِمٍ) لَا كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا، (مُكَلَّفٍ) ، فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ إجْمَاعًا، وَلَا عَلَى صَبِيٍّ، لِمَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ مَرْفُوعًا: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ، إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: طَارِقٌ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (حُرٍّ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكُ الْمَنْفَعَةِ، مَحْبُوسٌ عَلَى سَيِّدِهِ، أَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ

بِالدَّيْنِ. (لَا عُذْرَ لَهُ) مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِتَرْكِهَا، وَتَقَدَّمَتْ فِي بَابِهَا. فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، سَقَطَ عَنْهُ الْحُضُورُ لَا الْوُجُوبُ. (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ) مُعْتَادًا (وَلَوْ مِنْ قَصَبٍ) لَا يَرْتَحِلُ عَنْهُ صَيْفًا وَلَا شِتَاءً، (وَلَوْ تَفَرَّقَ) الْبِنَاءُ (وَشَمِلَهُ اسْمٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ) كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ (فَوْقَ فَرَاسِخَ) نَصًّا، (أَوْ تَفَرَّقَ) تَفَرُّقًا (كَثِيرًا) . قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": سَوَاءٌ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ بُنْيَانُهُ مُتَّصِلًا أَوْ مُتَفَرِّقًا فَإِذَا شَمِلَهُ اسْمٌ وَاحِدٌ، أَيْ: لِأَنَّهُ بَلَدٌ وَاحِدٌ، فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَيَّدَ التَّفَرُّقَ بِالْيَسِيرِ. وَإِنْ تَفَرَّقَ مَا لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ، لَمْ تَصِحَّ فِيهَا، صَحَّحَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْهَا مَا يَسْكُنُهُ أَرْبَعُونَ، فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ، وَيَتْبَعُهُمْ الْبَاقُونَ. وَرَبْضُ الْبَلَدِ، وَهُوَ: مَا حَوْلَهَا، لَهُ حُكْمُهُ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ، إذْ لَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ بَعْضِ الْبُنْيَانِ بِبَعْضٍ (إنْ بَلَغُوا) ، أَيْ: أَهْلُ الْقَرْيَةِ (أَرْبَعِينَ) مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا. (أَوْ) ، أَيْ: وَتَلْزَمُ الْجُمُعَةُ مُسْتَوْطِنِي (قَرْيَةٍ خَرَابًا عَزَمُوا عَلَى إصْلَاحِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً) حَيْثُ بَلَغُوا الْعَدَدَ لِاسْتِيطَانِهِمْ بِهَا قَبْلَ إصْلَاحِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانُوا مُسْتَوْطِنِينَ، وَانْهَدَمَتْ دُورُهُمْ، وَأَرَادُوا إصْلَاحَهَا. (وَ) تَجِبُ الْجُمُعَةُ أَيْضًا (عَلَى خَارِجٍ عَنْ بَلَدٍ تُقَامُ بِهِ) الْجُمُعَةُ (وَ) الْحَالُ أَنَّ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْجِدِهِ) ، أَيْ: مَسْجِدِ التَّجْمِيعِ مِنْ بَلَدٍ (وَقْتَ فِعْلِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (فَرْسَخٌ) نَصًّا تَقْرِيبًا (فَأَقَلَّ) مِنْ

ذَلِكَ، (كَمَنْ بِقُرَى صَغِيرَةٍ) لَا يَبْلُغُ عَدَدُ كُلِّ قَرْيَةٍ أَرْبَعِينَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تُقَامُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ. (وَ) كَمَنْ بِ (خِيَامٍ) جَمْعُ: خَيْمَةٍ، وَهُوَ: بَيْتٌ تَبْنِيهِ الْعَرَبُ مِنْ عِيدَانِ الشَّجَرِ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: لَا تَكُونُ الْخَيْمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ ثِيَابٍ، بَلْ مِنْ أَرْبَعَةِ عِيدَانِ، وَتُسَقَّفُ بِالثُّمَامِ، وَخَيَّمْت بِالْمَكَانِ، بِالتَّشْدِيدِ: أَقَمْتَ فِيهِ. (وَمُسَافِرٍ لَا يَقْصُرُ) بِأَنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ الْمَسَافَةِ، أَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ، (فَتَلْزَمُهُمْ) ، أَيْ: الْمَذْكُورِينَ مِنْ سُكَّانِ قُرَى صَغِيرَةٍ أَوْ خِيَامٍ وَنَحْوِهَا، كَمَنْ بِبُيُوتِ الشَّعْرِ وَمُسَافِرِينَ، لَا يَقْصُرُونَ (بِغَيْرِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ كَأَهْلِ الْمِصْرِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «: الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلَفْظُهُ «إنَّمَا الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ الْجُمُعَةَ» ، وَالْعِبْرَةُ بِسَمَاعِهِ مِنْ الْمَنَارَةِ، لَا بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ نَصًّا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ اعْتِبَارُ سَمَاعِ النِّدَاءِ غَيْرَ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِمْ الْأَصَمُّ وَثَقِيلُ السَّمْعِ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ، فَيَخْتَصُّ بِسَمَاعِهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، اُعْتُبِرَ بِمَظِنَّتِهِ. وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءُ غَالِبًا إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ صِيتًا وَالرِّيَاحُ سَاكِنَةٌ، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ، وَالْعَوَارِضُ مُنْتَفِيَةٌ، وَهُوَ فَرْسَخٌ. فَلَوْ سَمِعَهُ أَهْلُ قَرْيَةٍ مِنْ فَوْقِ فَرْسَخٍ لِعُلُوِّ مَكَانِهَا، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَبَلٍ، أَوْ كَانَ فِي انْخِفَاضٍ لَمْ تَجِبْ فِي الْأُولَى، وَوَجَبَتْ فِيمَا عَدَاهَا اعْتِبَارًا بِالْمَظِنَّةِ. (وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْجُمُعَةَ فِيهِ، مَعَ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ. وَكَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، لَا تَلْزَمُهُ بِغَيْرِهِ - نَصَّ عَلَيْهِ - فَلَوْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ

فائدة من لا تنعقد به الجمعة

لِشُغْلٍ أَوْ عِلْمٍ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَنْوِ اسْتِيطَانًا لَزِمَتْهُ بِغَيْرِهِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ (وَلَا) تَجِبُ أَيْضًا عَلَى (مَنْ هُوَ خَارِجُ الْبَلَدِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَقْتَ فِعْلِهَا فَوْقَ فَرْسَخٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا) تَجِبُ (عَلَى عَبْدٍ) ، سَوَاءٌ كَانَ مُكَاتَبًا، أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُعَلِّقًا عِتْقَهُ بِصِفَةٍ قَبْلَ وُجُودِهَا، (وَ) لَا عَلَى (مُبَعَّضٍ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ وَالْجُمُعَةُ فِي نَوْبَتِهِ، أَوْ لَا. (وَ) لَا عَلَى (امْرَأَةٍ، وَ) لَا عَلَى (خُنْثَى) مُشْكِلٍ، لِحَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ. وَالْخُنْثَى لَمْ تَتَحَقَّقْ ذُكُورِيَّتُهُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ حُضُورُهَا احْتِيَاطًا. (وَمَنْ حَضَرَهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (مِنْهُمْ) ، أَيْ: مِنْ مُسَافِرٍ وَعَبْدٍ وَمُبَعَّضٍ وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى، (أَجْزَأَتْهُ) عَنْ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الْجُمُعَةِ عَنْهُمْ تَخْفِيفٌ، فَإِذَا صَلَّاهَا، فَكَالْمَرِيضِ تَكَلَّفَ الْمَشَقَّةَ. (وَلَمْ تَنْعَقِدْ) الْجُمُعَةُ (بِهِ) ، فَلَا يُحْسَبُ مِنْ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، وَإِنَّمَا صَحَّتْ مِنْهُ تَبَعًا. (وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا) ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ مَتْبُوعًا. [فَائِدَةٌ مَنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ] ُ لَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِهَا إلَّا بَعْدَ إحْرَامِ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمْ فَلَا يَتَقَدَّمُهُمْ، قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ. (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا (مَنْ لَزِمَتْهُ) الْجُمُعَةُ (بِغَيْرِهِ) كَمُسَافِرٍ أَقَامَ لِطَلَبِ عِلْمٍ أَوْ تِجَارَةٍ، وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِهَا أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَتَجِبُ) الْجُمُعَةُ (عَلَى مَرِيضٍ وَمَعْذُورٍ) بِشَغْلٍ أَوْ عُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكُهَا إذَا (حَضَرَهَا، وَتَنْعَقِدُ بِهِ) ، وَجَازَ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ عِنْدَ الْحُضُورِ لِلْمَشَقَّةِ فَإِذَا تَكَلَّفَهَا وَحَضَرَ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ كَمَرِيضٍ بِالْمَسْجِدِ. (وَلَا تَصِحُّ) صَلَاةُ (ظُهْرِ) يَوْمِ الْجُمُعَةِ (مِمَّنْ يَلْزَمُهُ حُضُورُ جُمُعَةٍ) بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (قَبْلَ فَرَاغِهَا يَقِينًا) ، فَلَوْ شَكَّ هَلْ

صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ فَرَاغِ مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ أَوْ بَعْدَهُ، لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ فَرْضُ الْوَقْتِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ، فَيُعِيدُهَا ظُهْرًا إنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ سَعَى إلَيْهَا، وَإِلَّا انْتَظَرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ انْقِضَاءَهَا لَكِنْ لَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ تَأْخِيرًا مُنْكَرًا فَلِلْغَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا وَتُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ. (وَتَصِحُّ) الظُّهْرُ (مِنْ نَحْوِ مَعْذُورٍ) كَخَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ قَبْلَ تَجْمِيعِ إمَامٍ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُهُ وَقَدْ أَدَّاهُ. (وَإِنْ كَانَ تَأْخِيرَ) الظُّهْرِ، إلَى أَنْ تُصَلَّى الْجُمُعَةُ (أَفْضَلُ) ، فَإِنَّهُ قَدْ زَالَ عُذْرُهُ، فَتَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، لَكِنْ مَنْ دَامَ عُذْرَهُ كَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى فَالتَّقْدِيمُ فِي حَقِّهِمَا أَفْضَلُ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَهُ. قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَلَوْ زَالَ عُذْرُهُ قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ تَجْمِيعِ الْإِمَامِ كَمَغْصُوبٍ حُجَّ عَنْهُ ثُمَّ عُوفِيَ. (فَإِنْ حَضَرَهَا) ، أَيْ: حَضَرَ الْمَعْذُورُ الْجُمُعَةَ (بَعْدَ) أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ لِلْعُذْرِ (كَانَتْ) الْجُمُعَةُ (نَفْلًا) ؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَسْقَطَتْ فَرْضَهُ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ) الْجُمُعَةُ، أَيْ: لَا يُحْسَبُ مِنْ الْعَدَدِ، لِمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَ (لَا) يَسْقُطُ فَرْضُ (صَبِيٍّ بَلَغَ) بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ، وَلَوْ بَعْدَ تَجْمِيعِ الْإِمَامِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ صَلَاةَ ظُهْرٍ بِبُلُوغِهِ فِي وَقْتِهَا، أَوْ وَقْتِ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ نَفْلًا، وَقَدْ صَارَتْ فَرْضًا. (وَحُضُورُهَا) ،

أَيْ: الْجُمُعَةِ (لِمَعْذُورٍ) تَسْقُطُ عَنْهُ أَفْضَلُ، (وَ) حُضُورُهَا (لِمَنْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ كَعَبْدٍ بِإِذْنِ) سَيِّدِهِ (وَصَبِيٍّ أَفْضَلُ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. (وَنُدِبَ تَصَدُّقٌ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ) عَلَى التَّخْيِيرِ (لِتَارِكِهَا) أَيْ: الْجُمُعَةِ (بِلَا عُذْرٍ) لِلْخَبَرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ وَرَدَّ تَصْحِيحَ الْحَاكِمِ لَهُ. (وَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ) الْجُمُعَةُ صَلَاةُ الظُّهْرِ جَمَاعَةً. (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يُكْرَهُ لِ (مَنْ لَمْ تَلْزَمْهُ) الْجُمُعَةُ كَالْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ (صَلَاةُ الظُّهْرِ جَمَاعَةً مَعَ أَمْنِ فِتْنَةٍ) ، لِحَدِيثِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ، وَفِعْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَكَذَا لَوْ تَعَدَّدَتْ الْجُمُعَةُ وَقُلْنَا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ فَلَا بَأْسَ بِالْجَمَاعَةِ، بَلْ مُقْتَضَى مَا سَبَقَ وُجُوبُهَا، لَكِنْ إنْ خَافَ فِتْنَتَهُ أَخْفَاهَا، وَصَلَّى حَيْثُ يَأْمَنُ ذَلِكَ (وَحَرُمَ سَفَرُ مَنْ تَلْزَمُهُ) الْجُمُعَةُ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (بَعْدَ زَوَالِ) الشَّمْسِ فِي يَوْمِهَا. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) ، أَيْ: وَحَرُمَ سَفَرُهُ إذَا أُرِيدَ فِعْلُهَا (قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ الزَّوَالِ (بَعْدَ نِدَائِهَا) الثَّانِي قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّفَرَ حَرَامٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ إذَا نُودِيَ لَهَا؛ لِوُجُوبِ حُضُورِهَا عَلَيْهِ بِالنِّدَاءِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (حَتَّى يُصَلِّيَ) ، الْجُمُعَةَ؛ لِاسْتِقْرَارِهَا فِي ذِمَّتِهِ بِدُخُولِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَفْوِيتُهَا بِالسَّفَرِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ لِإِمْكَانِ فِعْلِهَا حَالَ السَّفَرِ، (إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ رُفْقَتِهِ) بِسَفَرٍ مُبَاحٍ، فَإِنْ خَافَهُ سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُهَا، وَجَازَ لَهُ السَّفَرُ. (وَكُرْهِ)

فصل شروط صحة الجمعة

السَّفَرُ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ الزَّوَالِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ ابْنِهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: " لَا تَحْبِسُ الْجُمُعَةُ عَنْ سَفَرٍ " وَكَمَا لَوْ سَافَرَ مِنْ اللَّيْلِ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالزَّوَالِ، وَمَا قَبْلَهُ وَقْتُ رُخْصَةٍ. وَإِنَّمَا كُرِهَ السَّفَرُ قَبْلَ الزَّوَالِ، لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ أَنْ لَا يُصْحَبَ فِي سَفَرِهِ وَأَنْ لَا يُعَانَ عَلَى حَاجَتِهِ» وَقَالَ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ: قَلَّمَا خَرَجَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا رَأَى مَا يَكْرَهُ، وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. (مَا لَمْ يَأْتِ) مُسَافِرٌ (بِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (فِي طَرِيقِهِ فِيهِمَا) ، أَيْ: فِيمَا إذَا سَافَرَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَهُ، فَإِنْ أَتَى بِهَا فِي طَرِيقِهِ لَمْ يَحْرُمْ وَلَمْ يُكْرَهْ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ. [فَصْلٌ شُرُوطٌ صِحَّة الْجُمُعَةِ] (فَصْلٌ) (وَلِصِحَّتِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (شُرُوطٌ) أَرْبَعَةٌ، (لَيْسَ مِنْهَا) ، أَيْ: الشُّرُوطِ: (إذْنُ إمَامٍ، وَ) لَا (مِصْرُ) ، فَتَصِحُّ فِي الْقُرَى (كَعِيدٍ وَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ) ؛ " لِأَنَّ عَلِيًّا صَلَّى بِالنَّاسِ، وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَصَوَّبَهُ عُثْمَانُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ بِالشَّامِ تِسْعَ سِنِينَ، وَكَانُوا يَجْمَعُونَ (أَحَدُهَا) اأَيْ: شُرُوطُ الْجُمُعَةِ: (الْوَقْتُ) ؛ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ، فَاعْتُبِرَ لَهَا الْوَقْتُ كَبَقِيَّةِ الْمَفْرُوضَاتِ، (وَهُوَ) ، أَيْ: وَقْتُ الْجُمُعَةِ (مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ عِيدٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ السُّلَمِيُّ قَالَ: " شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إلَى أَنْ

أَقُولَ: قَدْ انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ: زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَسَعِيدٍ وَمُعَاوِيَةَ أَنَّهُمْ صَلَّوْا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا. (لِآخِرِ وَقْتِ ظُهْرٍ) إلْحَاقًا بِهَا لِوُقُوعِهَا مَوْضِعِهَا. (وَتَلْزَمُ) الْجُمُعَةُ (بِزَوَالٍ) لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ وَقْتُ جَوَازٍ، (وَ) فِعْلُهَا (بَعْدَهُ) ، أَيْ: الزَّوَالِ (أَفْضَلُ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ؛ وَلِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا فِيهِ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ، وَالْأَوْلَى فِعْلُهَا عَقِبَ الزَّوَالِ صَيْفًا وَشِتَاءً (وَلَا تَسْقُطُ) الْجُمُعَةُ (بِشَكٍّ فِي خُرُوجِهِ) ، أَيْ: الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَالْوُجُوبُ مُحَقَّقٌ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ فَعَلُوهَا، (فَإِنْ تَحَقَّقَ) خُرُوجُهُ (قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ صَلَّوْا ظُهْرًا) ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى، (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ خُرُوجُهُ قَبْلَ التَّحْرِيمَةِ، (فَ) يُصَلُّونَ (جُمُعَةً) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، وَهِيَ تُدْرَكُ بِالتَّحْرِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنْ عَلِمُوا إحْرَامَهُمْ بَعْدَ الْوَقْتِ، قَضَوْا ظُهْرًا لِبُطْلَانِ جُمُعَتِهِمْ. (الثَّانِي: اسْتِيطَانُ أَرْبَعِينَ) رَجُلًا (وَلَوْ بِالْإِمَامِ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ صَلَّى بِنَا الْجُمُعَةَ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَكُنَّا أَرْبَعِينَ " صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَلَمْ يُنْقَلْ عَمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنَّهَا صُلِّيَتْ بِدُونِ ذَلِكَ، وَالْخَضِمَاتُ: بِخَاءٍ وَضَادٍ مُعْجَمَتَيْنِ: بَطْنٌ مِنْ الْأَرْضِ يَمْكُثُ فِيهِ الْمَاءُ مُدَّةً، فَإِذَا نَضَبَ يَصِيرُ الْكَلَأَ. (بَقَرِيَّةٍ) مَبْنِيَّةٍ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ

آجُرٍّ أَوْ لَبِنٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهَا، مُقِيمِينَ بِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِهَا الْمِصْرُ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ الْخُرْسِ وَنَحْوِهَا اسْتِقْلَالًا، وَأَمَّا تَبَعًا، فَتَصِحُّ، بَلْ تَجِبُ كَمَا تَقَدَّمَ. (اسْتِيطَانُ إقَامَةٍ لَا يَظْعَنُونَ) ، أَيْ: يَرْحَلُونَ (عَنْهَا صَيْفًا وَ) لَا (شِتَاءً) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الِاسْتِيطَانُ، (فَلَا) تَجِبُ. وَلَا تَصِحُّ (جُمُعَةٌ بِبَلْدَةٍ يَسْكُنُهَا أَهْلُهَا بَعْضَ السَّنَةِ دُونَ بَعْضٍ) ، لِعَدَمِ الْإِقَامَةِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَذَا لَوْ دَخَلَ قَوْمٌ بَلَدًا لَا سَاكِنَ بِهِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ سَنَةً، فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدِ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ، وَأَهْلُهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَلَا جُمُعَةَ أَيْضًا. (وَلَا) تَجِبُ الْجُمُعَةُ (بِغَيْرِ بِنَاءٍ، كَبُيُوتِ شَعْرٍ وَخِيَامٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ لِلِاسْتِيطَانِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ حَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهَا. (وَتَصِحُّ) الْجُمُعَةُ (فِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانَ مِنْ الصَّحْرَاءِ) وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا الْبُنْيَانُ، لِصَلَاةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ، وَهُوَ عَلَى مِيلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إذَا صَلَّى بِالصَّحْرَاءِ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ. وَ (لَا) تَصِحُّ الْجُمُعَةُ (فِيمَا بَعُدَ) عَنْ الْبُنْيَانِ، (وَيَتَّجِهُ: عُرْفًا) ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " لِشَبَهِهِمْ حِينَئِذٍ بِالْمُسَافِرِينَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(وَلَا يُتَمَّمُ عَدَدُ) الْجُمُعَةِ (مِنْ بَلَدَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ) فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ أَرْبَعِينَ، لِفَقْدِ شَرْطِهَا. (وَلَا يَصِحُّ تَجَمُّعُ أَهْلِ بَلَدٍ كَامِلٍ) فِيهِ الْعَدَدُ (فِي) بَلَدٍ (نَاقِصٍ) فِيهِ الْعَدَدُ، فَيَلْزَمُ التَّجْمِيعُ فِي الْكَامِلِ، لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ مَتْبُوعًا، (وَالْأَوْلَى مَعَ تَتِمَّةِ الْعَدَدِ) فِي بَلَدَيْنِ فَأَكْثَرَ مُتَقَارِبَةً (تَجْمِيعُ كُلِّ قَوْمٍ وَحْدَهُمْ) فِي بَلَدِهِمْ، إظْهَارًا لِشِعَارِ الْإِسْلَامِ. (الثَّالِثُ حُضُورُهُ) ، أَيْ: الْأَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ (وَلَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ عَجَمًا، أَوْ خُرْسًا أَوْ صُمًّا سِوَى الْإِمَامِ) وَأَمَّا لَوْ كَانُوا كَذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ، فَلَا تَصِحُّ، لِفَوَاتِ الْخُطْبَةِ صُورَةً وَمَعْنًى، فَيُصَلُّونَ ظُهْرًا (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) كَانَ (بِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ صَمَمٌ، وَصَلَّى (فِي) جَمَاعَةٍ (صُمٍّ) كُلِّهِمْ، أَيْ: فَتَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ، إذْ لَوْلَا الصَّمَمُ لَمَا فَاتَهُمْ مِنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ شَيْءٌ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ ضَعِيفٌ، لِمُخَالَفَتِهِ لِصَرِيحِ كَلَامِهِمْ، وَمُنَاقَضَتِهِ لِمَا بَعْدَهُ. (وَإِنْ قَرُبَ أَصَمُّ) مِنْ الْخَطِيبِ (وَبَعُدَ

سَمِيعٌ) مِنْهُ، (وَلَمْ يَسْمَعْ) كَلَامَهُ وَلَا هَمْهَمَتَهُ، (لَمْ تَصِحَّ) ، لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ. (وَإِنْ نَقَصُوا) ، أَيْ: الْأَرْبَعُونَ (قَبْلَ إتْمَامِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، (اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) نَصَّا؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ، فَاعْتُبِرَ فِي جَمِيعِهَا كَالطَّهَارَةِ، وَالْمَسْبُوقُ وَإِنَّمَا صَحَّتْ مِنْهُ تَبَعًا كَصِحَّتِهَا مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ، (إنْ لَمْ تُمْكِنْ إعَادَتُهَا) جُمُعَةً بِشُرُوطِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَتْ، وَجَبَتْ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ (وَمَرَّ) فِي بَابِ النِّيَّةِ: (لَوْ فَارَقَ) الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ (لِعُذْرٍ بِثَانِيَةِ) جُمُعَةٍ، (فَنَقَصُوا) عَنْ الْأَرْبَعِينَ، لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمُفَارِقِ. (وَذَكَرَهُ) هُنَاكَ اتِّجَاهًا، وَبَيَّنَّا مَا فِيهِ. (وَإِنْ بَقِيَ الْعَدَدُ) ، أَيْ: الْأَرْبَعُونَ، وَبَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ حَضَرَ عَشَرَةٌ، فَأَحْرَمَ بِالْجَمِيعِ، ثُمَّ انْفَضَّ عَشَرَةٌ مِمَّنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ) كَانَ الْبَاقُونَ (مِمَّنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ وَلَحِقُوا بِهِمْ) ، أَيْ: بِمَنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ (قَبْلَ نَقْصِهِمْ) عَنْ الْأَرْبَعِينَ. (وَيَتَّجِهُ) : وَكَانَ لَحْقُهُمْ بِهِمْ (فِيمَا تُدْرَكُ بِهِ) الْجُمُعَةُ، بِأَنْ كَانَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ - (أَتَمُّوا

جُمُعَةً) ، لِوُجُودِ الشُّرُوطِ كَبَقَاءِ الْعَدَدِ مِنْ السَّامِعِينَ، وَإِنْ لَحِقُوا بَعْدَ النَّقْصِ، فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِئْنَافُ الْجُمُعَةِ، وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا. (وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ وَحْدَهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ اعْتِبَارَ (الْعَدَدِ، فَنَقَصَ) الْعَدَدُ، (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ) ، لِاعْتِقَادِهِ الْبُطْلَانَ، (وَلَزِمَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ أَحَدَهُمْ) لِيُصَلِّيَ بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ لَا يَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ. (وَبِالْعَكْسِ) ، بِأَنْ رَأَى الْمَأْمُومُونَ الْعَدَدَ وَحْدَهُمْ (لَا تَلْزَمُ) الْجُمُعَةُ (وَاحِدًا مِنْهُمَا) ، أَيْ: لَا مِنْ الْإِمَامِ وَلَا مِنْ الْمَأْمُومِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا. (وَلَوْ أَمَرَهُ) ، أَيْ: إمَامَ الْجُمُعَةِ (السُّلْطَانُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا بِأَرْبَعِينَ، لَمْ يَجُزْ) لَهُ مِنْ حَيْثُ الْوِلَايَةُ أَنْ يُصَلِّيَ (بِأَقَلَّ) مِنْ أَرْبَعِينَ. (وَلَوْ لَمْ يَرَ الْعَدَدَ) ، بِأَنْ اعْتَقَدَ صِحَّتَهَا بِدُونِهَا (وَلَا) يَمْلِكُ (أَنْ يَسْتَخْلِفَ) لِقِصَرِ وِلَايَتِهِ، بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ الزَّائِدِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِرَأْيِهِ. (وَبِالْعَكْسِ) ، بِأَنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِأَرْبَعِينَ (الْوِلَايَةُ بَاطِلَةٌ) ، لِتَعَذُّرِهَا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ. (وَلَوْ لَمْ يَرَهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةَ، أَيْ: وُجُوبَهَا (قَوْمٌ بِوَطَنٍ مَسْكُونٍ) لِنَقْصِهِمْ عَنْ الْأَرْبَعِينَ مَثَلًا، (فَلِلْمُحْتَسِبِ أَمْرُهُمْ بِهَا بِرَأْيِهِ) ، لِئَلَّا يَظُنَّ الصَّغِيرُ أَنَّهَا تَسْقُطُ مَعَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ أَحْمَدُ: يُصَلِّيهَا مَعَ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، مَعَ اعْتِبَارِهِ عَدَالَةَ الْإِمَامِ. (وَمَنْ فِي وَقْتِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (أَحْرَمَ) بِهَا (وَأَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا أَتَمَّ جُمُعَةً) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. (وَ) إنْ أَحْرَمَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ، (وَلَوْ) أَدْرَكَ (رَكْعَتَيْنِ) ، فَيُتِمُّهَا ظُهْرًا (أَوْ) أَحْرَمَ (فِيهِ) ، أَيْ: الْوَقْتِ،

فَأَدْرَكَ (أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فَ) يُتِمُّهَا (ظُهْرًا) لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ؛ وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى. (إنْ نَوَاهُ) عِنْدَ إحْرَامِهِ (بِوَقْتِهِ) ، أَيْ: الظُّهْرِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الظُّهْرِ، أَوْ دَخَلَ وَلَمْ يَنْوِهِ بِأَنْ نَوَى جُمُعَةً، (فَ) يُتِمُّ صَلَاتَهُ (نَفْلًا) ، أَمَّا فِي الْأُولَى، فَكَمَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَلِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ؛ وَلِأَنَّ الظُّهْرَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ ابْتِدَاءً، فَكَذَا اسْتِدَامَةٌ، وَكَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ. (وَمَنْ) أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ بِالْجُمُعَةِ وَ (رَكَعَ مَعَهُ، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ سُجُودٍ) بِأَرْضٍ، (لَزِمَهُ) السُّجُودُ مَعَ إمَامِهِ وَلَوْ (عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ) ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ " إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ، فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَسَعِيدٌ، وَكَالْمَرِيضِ يَأْتِي بِمَا يُمْكِنُهُ، وَلَا يَصِحُّ. وَ (لَا) يَجُوزُ (وَضْعُ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ عَلَى ظَهْرِ أَوْ رِجْلِ غَيْرِهِ، وَيَحْرُمُ) لِلْإِيذَاءِ، بِخِلَافِ الْجَبْهَةِ. (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) السُّجُودُ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ، (فَبِزَوَالِ زِحَامٍ) يَسْجُدُ بِالْأَرْضِ وَيَتْبَعُ إمَامَهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ لِلْعُذْرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا» ، وَالْمُفَارَقَةُ وَقَعَتْ صُورَةً لَا حُكْمًا، فَلَمْ تُؤَثِّرْ. (مَا لَمْ يَخَفْ) بِسُجُودِهِ بِالْأَرْضِ بَعْدَ زَوَالِ الزِّحَامِ (فَوْتَ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ) مَعَ الْإِمَامِ، فَإِنْ خَافَهُ، (فَ) إنَّهُ (يُتَابِعُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامَ (فِيهَا) ، أَيْ: فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (وُجُوبًا) كَالْمَسْبُوقِ، (وَتَصِيرُ) ثَانِيَةُ الْإِمَامِ (أُولَاهُ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِ فَيَبْنِي عَلَيْهَا (وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً، وَتَقَدَّمَ لَوْ زَالَ عُذْرُهُ وَقَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، تَابَعَهُ، وَتَتِمُّ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ. (فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ) الْمَأْمُومُ الْمَزْحُومُ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ خَوْفِ فَوْتِهَا (عَالِمًا تَحْرِيمَهُ، بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِتَرْكِهِ وَاجِبَ الْمُتَابَعَةِ بِلَا عُذْرٍ. (وَ) إنْ

كَانَ عَدَمُ مُتَابَعَتِهِ (جَهْلًا) مِنْهُ (فَسَجَدَ) سَجْدَتَيْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، (وَأَدْرَكَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامَ (بِتَشَهُّدٍ، أَتَى بِرَكْعَةٍ) ثَانِيَةٍ (بَعْدَ سَلَامِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِسُجُودٍ مُعْتَدٍّ بِهِ لِلْعُذْرِ، (وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَهُوَ رَكْعَةٌ. قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَهَذَا الْمَذْهَبُ، أَيْ: لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ إلَّا بَعْدَ رَكْعَةٍ، وَسُجُودُهُ لِنَفْسِهِ فِي حُكْمِ مَا أَتَى بِهِ مَعَ إمَامِهِ، لِبَقَائِهِ عَلَى نِيَّةِ الِائْتِمَامِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ فِي الْخَوْفِ (وَ) إنْ لَمْ يُدْرِكْ بَعْدَ أَنْ سَجَدَ لِنَفْسِهِ إلَّا بَعْدَ (سَلَامِ) الْإِمَام، (اسْتَأْنَفَ ظُهْرًا) سَوَاءٌ زُحِمَ عَنْ سُجُودِهَا أَوْ رُكُوعِهَا أَوْ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ. (وَكَذَا) ، أَيْ: كَالتَّخَلُّفِ عَنْ الْإِمَامِ لِزِحَامٍ (لَوْ تَخَلَّفَ) عَنْهُ (لِنَحْوِ مَرَضٍ) كَغَفْلَةٍ (وَنَوْمٍ وَسَهْوٍ) وَجَهِلَ وُجُوبَ مُتَابَعَةٍ. وَإِنْ زُحِمَ عَنْ جُلُوسِ تَشَهُّدٍ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَأْتِي بِهِ قَائِمًا وَيُجْزِئُهُ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَوْلَى انْتِظَارُهُ زَوَالَ الزِّحَامِ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ "، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ". (وَإِنْ خَافَ) مَزْحُومٌ (فَوْتَهُ) ، أَيْ: فَوْتَ إدْرَاكِ الثَّانِيَةِ إنْ سَجَدَ لِنَفْسِهِ (فَتَابَعَهَا) ، أَيْ: تَابَعَ إمَامَهُ فِيهَا، (فَطُولُ) الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ سَجَدَ لِنَفْسِهِ لَلَحِقَهُ، (أَوْ لَمْ يَخَفْ) مَزْحُومٌ فَوْتَ الثَّانِيَةِ. (فَسَجَدَ) لِنَفْسِهِ، فَبَادَرَ الْإِمَامُ فِي الْحَالِ، (فَرَكَعَ إمَامٌ) فَلَمْ يُدْرِكْهُ، (لَمْ يَضُرَّ فِيهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ظَنَّا مِنْهُ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ فَلَمْ يُدْرِكْهُ، وَالظَّنُّ يَجْرِي مَجْرَى الْيَقِينِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ فِيهِ. (وَمَرَّ ذِكْرُ الرَّكْعَةِ الْمُلَفَّقَةِ) فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَهِيَ مَا إذَا زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْأُولَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامَهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ، فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ

(الرَّابِعُ: تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] : وَالذِّكْرُ: هُوَ الْخُطْبَةُ، وَالْأَمْرُ بِالسَّعْيِ إلَيْهِ دَلِيلُ وُجُوبِهِ. وَلِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمَا، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَعَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ: " قَصُرَتْ الصَّلَاةُ مِنْ أَجْلِ الْخُطْبَةِ " وَاشْتُرِطَ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى الصَّلَاةِ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ. أَوْ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ بِمَعَايِشِهِمْ، فَقُدِّمَا لِأَجْلِ التَّدَارُكِ. (بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَ (لَا) يُقَالُ: إنَّهُمَا بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ (مِنْ الظُّهْرِ) ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ الظُّهْرِ، بَلْ الظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا إذَا فَاتَتْ، (وَقِيلَ لَا بَدَلِيَّةَ) ، أَيْ: لَيْسَتْ الْخُطْبَتَانِ بَدَلَ رَكْعَتَيْنِ، (وَهُوَ أَظْهَرُ) . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ": وَهَاتَانِ الْخُطْبَتَانِ بَدَلٌ عَنْ رَكْعَتَيْنِ، قُلْتُ: هَذَا إنْ قُلْنَا: إنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا تَامَّةٌ فَلَا، انْتَهَى. (وَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَتِهِمَا) ، أَيْ: خُطْبَتَيْنِ (مِنْ صَحِيفَةٍ) ، وَلَوْ مِمَّنْ يُحْسِنُهُمَا، كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مِنْ مُصْحَفٍ، وَلِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. (وَشَرْطُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ: (وَقْتٌ) ، وَالْمُرَادُ بِالشَّرْطِ هُنَا: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا. (وَنِيَّتُهُ) : لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَوُقُوعُهَا حَضَرًا) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيطَانَ شَرْطٌ لِلْخُطْبَتَيْنِ، فَلَوْ كَانَ أَرْبَعُونَ مُسَافِرِينَ فِي سَفِينَةٍ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ قَرْيَتِهِمْ خَطَبَهُمْ أَحَدُهُمْ فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ، وَوَصَلُوا الْقَرْيَةَ عِنْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ، اسْتَأْنَفَهَا بِهِمْ

ظُهْرًا. (وَحُضُورُ الْعَدَدِ) الْمُعْتَبَرِ لِلْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ فَأَكْثَرُ لِسَمَاعِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ اُشْتُرِطَ لِلصَّلَاةِ، فَاشْتُرِطَ لَهُ الْعَدَدُ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (وَكَوْنُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهِمَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ: فَلَا تَصِحُّ خُطْبَةُ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ كَعَبْدٍ وَمُسَافِرٍ، وَلَوْ أَقَامَ لِعِلْمٍ أَوْ شُغْلٍ بِلَا اسْتِيطَانٍ. لِمَا تَقَدَّمَ. (وَأَرْكَانُهُمَا) ، أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ: (حَمْدُ اللَّهِ) تَعَالَى (بِلَفْظِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، فَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ، بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ فِي " النُّكَتِ " لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ: فَهُوَ أَجْذَمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مُرْسَلًا. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَشَهَّدَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ رَسُولِهِ، كَالْأَذَانِ قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الصَّلَاةِ، أَوْ يَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَأَوْجَبَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ إيمَانٌ بِهِ، وَالصَّلَاةُ دُعَاءٌ لَهُ، وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ. (وَلَا يَجِبُ مَعَهَا) أَيْ: مَعَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (سَلَامٌ) عَمَلًا بِالْأَصْلِ. (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ كَامِلَةٍ) . لِقَوْلِ جَابِرٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ آيَاتٍ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ. وَالْخُطْبَةُ فَرْضٌ. فَوَجَبَتْ فِيهِمَا الْقِرَاءَةُ كَالصَّلَاةِ. وَلَا تَتَعَيَّنُ آيَةٌ. قَالَ أَحْمَدُ: يَقْرَأُ مَا شَاءَ وَلَا يُجْزِئُ بَعْضُ آيَةٍ. لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهَا حُكْمٌ بِدَلِيلِ عَدَمِ مَنْعِ الْجُنُبِ مِنْهُ، (وَلَوْ) كَانَ وَقْتَ قِرَاءَتِهَا (جُنُبًا، وَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ ذَلِكَ. (وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْآيَةِ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ سُورَةَ الْحَجِّ فِي الْخُطْبَةِ.

(وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ) كَأَسْعَدَ أَبِي الْمَعَالِي وَغَيْرِهِ (كَوْنَ الْآيَةِ مُسْتَقِلَّةً بِمَعْنًى أَوْ حُكْمٍ، فَلَا يُجْزِئُ) قِرَاءَةُ: {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] ، أَوْ: {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمَا. (وَيَتَّجِهُ: وَلَا تَحْرُمُ) قِرَاءَتُهُمَا (لِجُنُبٍ) كَآيَةِ الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ وَالِاسْتِرْجَاعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ) تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْ الْخُطْبَةِ (بِنَحْوِ: اتَّقُوا اللَّهَ، أَوْ: أَطِيعُوهُ) قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": فَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": لَوْ قَرَأَ مَا تَضَمَّنَ الْحَمْدَ وَالْمَوْعِظَةَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَى عَلَى الصَّحِيحِ. (كُلُّ ذَلِكَ) مِنْ الشُّرُوطِ مَطْلُوبٌ (فِي كُلِّ خُطْبَةٍ) مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ. (وَمُوَالَاةُ جَمِيعِ الْخُطْبَتَيْنِ مَعَ الصَّلَاةِ) ، فَتُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافُهُ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . (وَالْجَهْرُ بِهِمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ) لِلْجُمُعَةِ، (حَيْثُ لَا مَانِعَ) لَهُمْ مِنْ سَمَاعِهِ (مِنْ نَحْوِ نَوْمٍ) كَغَفْلَةٍ. أَوْ صَمَمِ بَعْضِهِمْ (وَمَطَرٍ) وَرَعْدٍ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا، لِخَفْضِ صَوْتِهِ أَوْ بُعْدِهِمْ عَنْهُ وَنَحْوِهِ، لَمْ تَصِحَّ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ. (وَكَوْنُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (بِالْعَرَبِيَّةِ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا كَالْقِرَاءَةِ (وَاخْتَارَ فِي الْإِقْنَاعِ ": يُتَرْجِمُ عَاجِزٌ عَنْهَا) ، أَيْ:

الْعَرَبِيَّةِ بِلُغَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ، وَحَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ لَفْظِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ دَلِيلُ النُّبُوَّةِ وَعَلَامَةُ الرِّسَالَةِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالْعَجَمِيَّةِ. (عَمَّا عَدَا الْقِرَاءَةِ) ، فَلَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَهُوَ) ، أَيْ: اخْتِيَارُ صَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (حَسَنٌ) مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ، (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ الْقِرَاءَةِ، (وَجَبَ ذِكْرُ بَدَلِهَا) قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ. (وَسُنَّ بُدَاءَةُ) خَطِيبٍ (بِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ بِالثَّنَاءِ) عَلَيْهِ (وَهُوَ) ، أَيْ: الثَّنَاءُ (مُسْتَحَبٌّ) عَلَى الْمَذْهَبِ، (ثُمَّ بِالصَّلَاةِ) عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ثُمَّ بِالْمَوْعِظَةِ) ثُمَّ يَقْرَأُ آيَةً. (فَإِنْ نَكَّسَ) بِأَنْ بَدَأَ بِالْمَوْعِظَةِ أَوْ غَيْرِهَا، (أَجْزَأَهُ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ. (وَإِنْ انْفَضُّوا) ، أَيْ: الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ أَوْ بَعْضُهُمْ (عَنْهُ) وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، (سَكَتَ) ، لِفَوَاتِ الشَّرْطِ. (فَإِنْ عَادُوا قَرِيبًا عُرْفًا، بَنَى) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَعُودُوا قَرِيبًا (أَوْ فَاتَ رُكْنٌ مِنْهَا) ، أَيْ: مِنْ الْخُطْبَةِ (اسْتَأْنَفَ) الْخُطْبَةَ، لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ لَكِنْ لَوْ فَاتَ رُكْنٌ، وَلَمْ يَطُلْ التَّفْرِيقُ، كَفَاهُ إعَادَتُهُ. (وَتَبْطُلُ) الْخُطْبَةُ (بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ) فِي أَثْنَائِهَا (وَلَوْ يَسِيرًا) كَالْأَذَانِ وَأَوْلَى. (وَسُنَّ لَهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (طَهَارَةٌ مِنْ حَدَثٍ وَجَنَابَةٍ) ، وَتُجْزِئُ مَعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذِكْرٌ تَقَدَّمَ الصَّلَاةَ، أَشْبَهَ الْأَذَانَ وَنَصُّهُ: تُجْزِئُ خُطْبَةُ الْجُنُبِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ لُبْثِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِوَاجِبِ الْعِبَادَةِ، كَمَنْ صَلَّى وَمَعَهُ دِرْهَمٌ غَصْبٌ. (وَ) سُنَّ لَهُمَا (سَتْرُ) الـ (عَوْرَةِ وَاجْتِنَابُ) الـ (نَّجَاسَةِ) كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَأَوْلَى. (وَ) سُنَّ (وُقُوعُهُمَا مَعَ صَلَاةٍ مِنْ وَاحِدٍ) ،

فَلَوْ خَطَبَ وَاحِدٌ وَصَلَّى آخَرُ: أَجْزَأَ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ، لِانْفِصَالِ الصَّلَاةِ عَنْهَا، (فَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ الْخَطِيبِ، (سُنَّ حُضُورُهُ الْخُطْبَةَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ. (وَسُنَّ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ) ، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهَا إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي الصَّحِيحِ " أَنَّهُ عُمِلَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، فَكَانَ يَرْتَقِي عَلَيْهِ " وَكَانَ اتِّخَاذُهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: سَنَةُ ثَمَانٍ، وَكَانَ ثَلَاثَ دَرَجٍ. وَسُمِّيَ مِنْبَرًا لِارْتِفَاعِهِ، مِنْ النَّبْرِ، وَهُوَ: الِارْتِفَاعُ، وَاِتِّخَاذُهُ سُنَّةً مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ": وَيَكُونُ صُعُودُهُ فِيهِ عَلَى تُؤَدَةٍ إلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي السَّطْحَ، (أَوْ) عَلَى (مَوْضِعٍ عَالٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْبَرًا. وَيَكُونُ الْمِنْبَرُ أَوْ الْمَوْضِعُ الْعَالِي (عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ) بِالْمِحْرَابِ؛ لِأَنَّ مِنْبَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا كَانَ، وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ الَّتِي تَلِي مَكَانَ الِاسْتِرَاحَةِ، ثُمَّ وَقَفَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الثَّانِيَةِ، ثُمَّ عُمَرُ عَلَى الْأُولَى تَأَدُّبًا، ثُمَّ وَقَفَ عُثْمَانُ مَكَانَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عَلِيٌّ مَوْقِفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ قَلَعَهُ مَرْوَانُ وَزَادَ فِيهِ سِتَّ دَرَجٍ، فَكَانَ الْخُلَفَاءُ يَرْتَقُونَ سِتًّا يَقِفُونَ مَكَانَ عُمَرَ، أَيْ: عَلَى السَّابِعَةِ، وَلَا يَتَجَاوَزُونَ ذَلِكَ تَأَدُّبًا. (وَإِنْ وَقَفَ بِالْأَرْضِ فَ) يَقِفُ (عَنْ يَسَارِهِمْ) ، أَيْ: مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ الْمِنْبَرِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي. (وَ) سُنَّ (سَلَامُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ (إذَا خَرَجَ) عَلَيْهِمْ، (أَوْ) ، أَيْ: وَكَذَا إذَا (أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ

سَلَّمَ» وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: لِأَنَّهُ اسْتِقْبَالٌ بَعْدَ اسْتِدْبَارٍ، أَشْبَهَ مَنْ فَارَقَ قَوْمًا ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ، وَعَكْسُهُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَهُ الْمَجْدُ. (وَرَدُّهُ) ، أَيْ: رَدُّ هَذَا السَّلَامِ وَكُلُّ سَلَامٍ مَشْرُوعٌ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ. (وَ) سُنَّ (جُلُوسُهُ) عَلَى الْمِنْبَرِ (حَتَّى يُؤَذَّنَ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ مُخْتَصِرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَسْتَرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ تَعَبِ الصُّعُودِ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْكَلَامِ التَّمَكُّنَ التَّامَّ. (وَ) سُنَّ جُلُوسُهُ (بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً جِدًّا، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (قَالَ جَمَاعَةٌ) ، مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ ": (بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، فَإِنْ أَبَى) أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا، (أَوْ خَطَبَ جَالِسًا) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَصَلَ بِسَكْتَةٍ) . وَلَا يَجِبُ الْجُلُوسُ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ سَرَدُوا الْخُطْبَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَلْسَةِ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ. (وَ) سُنَّ (أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا) اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَمْ يَجِبْ الْقِيَامُ كَالْأَذَانِ (مُعْتَمِدًا عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًى بِإِحْدَى يَدَيْهِ) . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ بِالْيُسْرَى (وَ) يَدِهِ (الْأُخْرَى بِحَرْفِ مِنْبَرٍ، أَوْ يُرْسِلُهُمَا) ، لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ قَالَ: «وَفَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَهِدْنَا مَعَهُ الْجُمُعَةَ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى سَيْفٍ أَوْ

قَوْسٍ أَوْ عَصًى» مُخْتَصَرٌ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ قَامَ بِهِ. (وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى شَيْءٍ، أَمْسَكَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا) عِنْدَ جَنْبَيْهِ وَسَكَّنَهُمَا، فَلَا يُحَرِّكُهُمَا، وَلَا يَرْفَعُهُمَا فِي دُعَائِهِ حَالَ الْخُطْبَةِ (وَسُنَّ أَنْ يَقْصِدَ) الْخَطِيبُ (تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا) ، لَفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّ فِي الْتِفَاتِهِ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ إعْرَاضًا عَنْهُ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا الْتَفَتَ أَوْ اسْتَدْبَرَ النَّاسَ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِدْبَارِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. (وَ) سُنَّ (قَصْرُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَمَّارٍ مَرْفُوعًا «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَقَصِّرُوا الْخُطْبَةَ» . (وَ) سُنَّ كَوْنُ خُطْبَةٍ (ثَانِيَةٍ أَقْصَرَ) مِنْ الْأُولَى كَالْإِقَامَةِ مَعَ الْأَذَانِ. (وَ) سُنَّ (رَفْعُ صَوْتِهِ) فِي الْخُطْبَةِ (حَسَبَ طَاقَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ (وَيُعَرِّبُهُمَا بِلَا تَمْطِيطٍ) كَالْأَذَانِ. (وَيُتَّعَظُ بِمَا يَعِظُ النَّاسَ بِهِ) ، لِيَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِوَعْظِهِ. وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِي: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» . (وَ) سُنَّ كَوْنُهُ حَالَ الْخُطْبَةِ (مُسْتَقْبِلًا لَهُمْ) ، أَيْ: الْمَأْمُومِينَ (وَيَسْتَقْبِلُونَهُ) وَيَنْحَرِفُونَ إلَيْهِ وَيَتَرَبَّعُونَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ، (فَإِنْ اسْتَدْبَرَهُمْ فِيهَا) ، أَيْ: فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، (كُرِهَ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ. (كَ) مَا يُكْرَهُ لَهُ (رَفْعُ يَدَيْهِ بِدُعَاءٍ حَالَ خُطْبَةٍ) ، قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ بِدْعَةٌ، وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. (وَدُعَاؤُهُ عَقِبَ صُعُودِهِ لَا أَصْلَ لَهُ) وَكَذَا مَا يَقُولُهُ مَنْ يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ مِنْ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ.

فصل الجمعة ركعتان

(وَسُنَّ دُعَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا بَأْسَ) بِالدُّعَاءِ (لِمُعَيَّنٍ كَالسُّلْطَانِ، وَسُنَّ دُعَاءٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ) . قَالَ أَحْمَدُ، أَوْ غَيْرُهُ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِإِمَامٍ عَادِلٍ؛ وَلِأَنَّ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ لِعُمَرَ. وَرَوَى الْبَزَّارُ: " أَرْفَعُ النَّاسِ دَرَجَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إمَامٌ عَادِلٌ " قَالَ أَحْمَدُ: إنِّي لَأَدْعُو لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ. (وَإِذَا فَرَغَتْ الْخُطْبَةُ نَزَلَ مُسْرِعًا) مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ تَقْبُحُ، بِخِلَافِ صُعُودِهِ، فَيَكُونُ عَلَى تُؤَدَةٍ (عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) كَمَا يَقُومُ إلَيْهَا مَنْ لَيْسَ بِخَطِيبٍ إذَنْ. [فَصْلٌ الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ] (فَصْلٌ) (وَالْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ) إجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قَالَ عُمَرُ: " صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، {وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه: 61] رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. (يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ) فِيهِمَا جَهْرًا، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ إلَّا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ» فَيَقْرَأُ: سُورَةَ (" الْجُمُعَةِ " بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، (وَ) سُورَةَ: (" الْمُنَافِقِينَ " بِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) " لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (أَوْ) " يَقْرَأُ: (" سَبِّحْ ") فِي الْأُولَى، (ثُمَّ: " الْغَاشِيَةَ ") فِي الثَّانِيَةِ "؛ (فَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِهِمَا) ، أَيْ: بِالصِّفَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ (وَ) يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ (فِي فَجْرِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ بِرَكْعَةٍ أُولَى: (" الم السَّجْدَةَ "، وَبِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ: " هَلْ أَتَى ") نَصَّ عَلَيْهِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِمَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ

السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ. فَإِنْ سَهَا عَنْ السَّجْدَةِ، فَنَصَّ أَحْمَدُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. قَالَ الْقَاضِي: كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا، لَا يَلْزَمُ بَقِيَّةُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَثَّ وَالتَّرْغِيبَ وُجِدَ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ أَكْثَرَ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهُمَا) نَصًّا لِئَلَّا يُظَنّ أَنَّهَا مُفَضَّلَةٌ بِسَجْدَةٍ أَوْ الْوُجُوبُ (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) تُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ (كُلِّ سُنَّةٍ) غَيْرِ رَاتِبَةٍ (خِيفَ اعْتِقَادُ وُجُوبِهَا) خُصُوصًا إذَا كَانَ مُدَاوِمُ ذَلِكَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ (أَوْ) تَرْكُ مُدَاوَمَةِ سُنَّةٍ خِيفَ (إنْكَارُهَا، كَجَهْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ) فَإِنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَا أَحْيَانَا لِئَلَّا يَظُنَّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وُجُوبَ الْإِخْفَاتِ بِهَا. (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ (يَجْهَرُ) الْمُصَلِّي (بِالْبَسْمَلَةِ) أَحْيَانَا تَأَلُّفًا لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. (وَ) يَجْهَرُ (بِالتَّعَوُّذِ وَالْفَاتِحَةِ فِي) صَلَاةِ (الْجِنَازَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْقُنُوتِ فِي الْوَتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ (أَحْيَانًا) ، فَلَا يُدَاوِمُ عَلَيْهِ (فَإِنَّهُ) ، أَيْ: فِعْلَ ذَلِكَ أَحْيَانًا (الْمَنْصُوصُ عَنْ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) ، وَيَكُونُ قَصْدُهُ بِذَلِكَ (تَعْلِيمًا لِلسُّنَّةِ وَلِلتَّأْلِيفِ) وَاسْتِعْطَافِ الْقُلُوبِ وَعَدَمِ النَّفْرَةِ، فَإِنَّ الْمُخَالِفَ فِي فَرْعٍ إذَا رَأَى شَخْصًا مُثَابِرًا عَلَى فِعْلٍ لَا يَرَاهُ، رُبَّمَا يَصِيرُ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْمُو ذَلِكَ الشَّيْءُ وَيُزَادُ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى النَّفْرَةِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ، فَيَنْشَأُ مِنْهَا مَا لَا خَيْرَ فِيهِ. وَهُوَ اتِّجَاهٌ وَجِيهٌ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَيُكْرَهُ تَحَرِّيهِ سَجْدَةً

غَيْرَهَا) ، أَيْ: غَيْرَ الم السَّجْدَةِ. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَعَمُّدَ قِرَاءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ الم تَنْزِيلُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ، قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". (وَ) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (فِي عِشَاءِ لَيْلَتِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (بِسُورَةِ: الْجُمُعَةِ وَ) زَادَ (فِي الرِّعَايَةِ " وَ: " الْمُنَافِقِينَ ") ، لِعَدَمِ وُرُودِ ذَلِكَ. (وَحَرُمَ إقَامَتُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، (وَ) إقَامَةِ صَلَاةِ (عِيدٍ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ) وَاحِدٍ (مِنْ الْبَلَدِ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا يُفْعَلَانِ فِي عَهْدِهِ وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ إلَّا كَذَلِكَ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (إلَّا لِحَاجَةٍ كَضِيقِ) مَسْجِدِ الْبَلَدِ عَنْ أَهْلِهِ، (وَ) كَ (بُعْدٍ) بِأَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ وَاسِعًا وَتَتَبَاعَدُ أَقْطَارُهُ، فَيَشُقُّ عَلَى مَنْ مَنْزِلُهُ بَعِيدٌ عَنْ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ الْمَجِيءُ إلَيْهِ (وَخَوْفِ فِتْنَةٍ) ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَلَدِ عَدَاوَةٌ. فَتُخْشَى إثَارَةُ الْفِتْنَةِ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، فَتَصِحُّ حِينَئِذٍ السَّابِقَةُ وَاللَّاحِقَةُ؛ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ بِالْأَمْصَارِ الْعَظِيمَةِ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إجْمَاعًا. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا. وَأَمَّا كَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُمْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ؛ فَلِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُؤْثِرُونَ سَمَاعَ خُطْبَتِهِ وَشُهُودَ جُمُعَتِهِ. وَإِنْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ. (وَحَرُمَ) إقَامَتُهَا (بِ) مَوْضِعٍ (ثَالِثٍ إنْ حَصَلَ غِنًى) بِإِقَامَتِهَا (بِمَوْضِعَيْنِ) ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، (وَكَذَا مَا زَادَ) ، أَيْ: إذَا حَصَلَ الْغِنَى بِثَلَاثٍ، لَمْ تَجُزْ الرَّابِعَةُ، أَوْ بِأَرْبَعٍ، لَمْ تَجُزْ الْخَامِسَةُ، وَهَكَذَا، (فَإِنْ عُدِمَتْ) الْحَاجَةُ وَتَعَدَّدَتْ. (صَحَّ) مِنْ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ (مَا بَاشَرَهَا) الْإِمَامُ، (أَوْ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ) وَلَوْ مَسْبُوقَةً؛ لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ غَيْرِهَا افْتِئَاتًا عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتًا لِجُمُعَتِهِ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: إذْنُهُ شَرْطٌ أَوْ لَا، (فَإِنْ اسْتَوَتَا) ، أَيْ: الْجُمُعَتَانِ أَوْ الْعِيدَانِ (فِي

إذْنِ) إمَامٍ (أَوْ عَدَمِهِ) فِي إقَامَتِهِمَا، (فَ) الصَّحِيحَةُ مِنْهُمَا (السَّابِقَةُ بِالْإِحْرَامِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ حَصَلَ بِهَا، فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِهَا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، أَوْ مَكَان يَخْتَصُّ بِهِ جُنْدُ السُّلْطَانِ، أَوْ قَصَبَةِ الْبَلَدِ وَغَيْرِهَا. (فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا) ، بِأَنْ أَحْرَمَ إمَامَاهُمَا فِي آنٍ وَاحِدٍ، بَطَلَتَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا، وَلَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَتُرَجَّحُ بِهَا. (وَوَجَبَتْ إعَادَتُهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ (إنْ أَمْكَنَ) اجْتِمَاعُهُمْ وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُهُ، وَلَمْ تَقُمْ صَحِيحَةٌ، فَوَجَبَ تَدَارُكُهَا. (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إقَامَتُهَا لِفَقْدِ شَيْءٍ مِنْ شُرُوطِهَا، (فَ) إنَّهُمْ يُصَلُّونَ (ظُهْرًا) ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْ. (وَإِنْ جَهِلَ كَيْفَ وَقَعَتَا) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ سَبْقَ إحْدَاهُمَا وَلَا مَعِيَّتَهُمَا (صَلَّوْا ظُهْرًا) ؛ لِاحْتِمَالِ سَبْقِ إحْدَاهُمَا، فَتَصِحُّ وَلَا تُعَادُ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَتْ جُمَعٌ فِي بَلَدٍ، وَجُهِلَ الْحَالُ أَوْ السَّابِقَةُ. (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا (الصِّحَّةَ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ التَّعَدُّدُ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَغَيْرِهِ الصِّحَّةَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدَيْنِ، فَقَالَ: صَلِّ. وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي جَامِعِ قَلْعَةِ دِمَشْقَ: أَجَائِزَةٌ مَعَ كَوْنِ فِي الْبَلَدِ خُطْبَةٌ أُخْرَى مَعَ وُجُودِ سُورِهَا وَغَلْقِ أَبْوَابِهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا جُمُعَةً أُخْرَى؛ لِأَنَّهَا مَدِينَةٌ أُخْرَى كَمِصْرِ وَالْقَاهِرَةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَمَدِينَةٍ أُخْرَى، فَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْمَدِينَةِ الْكَبِيرَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ لِلْحَاجَةِ تَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلِهَذَا لَمَّا بُنِيَتْ بَغْدَادُ وَلَهَا جَانِبَانِ، أَقَامُوا فِيهَا جُمُعَةً فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَجُمُعَةً فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ (وَإِذَا وَقَعَ عِيدٌ) فِي (يَوْمِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، (سَقَطَتْ) الْجُمُعَةُ (عَمَّنْ حَضَرَهُ) ، أَيْ: الْعِيدَ (خَاصَّةً مَعَ الْإِمَامِ) ذَلِكَ الْيَوْمَ " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى الْعِيدَ وَقَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ

فَلْيُجَمِّعْ» رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. (سُقُوطُ حُضُورٍ لَا) سُقُوطُ (وُجُوبٍ) ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ (كَمَرِيضٍ) لَا كَمُسَافِرٍ، فَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَانْعَقَدَتْ بِهِ، وَصَحَّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ، أَوْ صَلَّاهُ بَعْدَ الْإِمَامِ، فَيَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، أُقِيمَتْ وَإِلَّا، صَلَّوْا ظُهْرًا لِتَحَقُّقِ عُذْرِهِمْ، (إلَّا الْإِمَامَ) ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «قَدْ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ، أَجْزَأَهُ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» . (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: عَدَمُ سُقُوطِهَا عَنْ إمَامٍ أَوْ (مُصَلٍّ) صَلَاةَ الْعِيدِ (مُنْفَرِدًا) ، فَيَلْزَمُهُ حُضُورُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَإِنْ اجْتَمَعَ مَعَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ) لِلْجُمُعَةِ، وَلَوْ مِمَّنْ حَضَرَ الْعِيدَ، (أَقَامَهَا) لِعَدَمِ الْمَانِعِ، (وَإِلَّا) يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، (صَلَّوْا ظُهْرًا) لِلْعُذْرِ. (وَكَذَا يَسْقُطُ عِيدٌ بِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، عَمَّنْ حَضَرَهَا مَعَ الْإِمَامِ سُقُوطَ حُضُورٍ، (فَيُعْتَبَرُ عَزْمٌ عَلَيْهَا) أَيْ: الْجُمُعَةِ، لِجَوَازِ تَرْكِ الْعَدَدِ اكْتِفَاءً بِهَا. (وَلَوْ فُعِلَتْ) الْجُمُعَةُ (قَبْلَ الزَّوَالِ) قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": أَوْ بَعْدَهُ. وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى خِلَافِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " اجْتَمَعَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: عِيدَانِ قَدْ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَجَمَعَهُمْ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، فَلَمْ يَزِدْ

عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ. فَيُرْوَى أَنَّ فِعْلَهُ بَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ " فَمَا صَلَّاهُ الْجُمُعَةَ فَتَسْقُط بِهِ الْعِيدُ وَالظُّهْرُ. (وَأَقَلُّ السُّنَّةِ) الرَّاتِبَةِ (بَعْدَهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ: (رَكْعَتَانِ) " «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَأَكْثَرُهَا) ، أَيْ: السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ: (سِتُّ) رَكَعَاتٍ نَصًّا، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَا رَاتِبَةَ لَهَا قَبْلَهَا) نَصًّا، (بَلْ) يُسَنُّ صَلَاةُ (أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْكَعُ مِنْ قَبْلِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا» وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَبَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. (وَسُنَّ قِرَاءَةُ) سُورَةِ (الْكَهْفِ بِيَوْمِهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (وَ) سُنَّ قِرَاءَتُهَا أَيْضًا فِي (لَيْلَتِهَا) ، لِحَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتِهَا وُقِيَ فِتْنَةَ الدَّجَّالِ» وَفِي شُعَبِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سُورَةُ الْكَهْفِ فِي التَّوْرَاةِ تُدْعَى الْحَائِلَةَ تَحُولُ بَيْنَ قَارِئِهَا وَبَيْنَ النَّارِ» وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ وَقْتٍ، فَظَاهِرُهُ: لَا أَفْضَلِيَّةَ فِي وَقْتٍ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: لَا عَدَدَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي مَرَّةٌ فِي يَوْمِهَا، وَمَرَّةٌ فِي لَيْلَتِهَا، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ فِي أَحَدِهِمَا: فَالْأَوْلَى قِرَاءَتُهَا نَهَارًا. قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي قِرَاءَتِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَكَرَ فِيهَا أَهْوَالَ يَوْمِ

الْقِيَامَةِ وَالْجُمُعَةُ تُشْبِهُهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ، وَقِيَامِ الْخَطِيبِ؛ وَلِأَنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا قُرِئَتْ فِي نَهَارِهَا تَذَكَّرَ بِهَا، وَإِذَا قُرِئَتْ فِي لَيْلَتِهَا تَذَكَّرَ بِهَا لَيْلَةً لَيْسَ بَعْدَهَا إلَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ. (وَ) سُنَّ (كَثْرَةُ دُعَاءٍ رَجَاءَ إصَابَةِ سَاعَةِ الْإِجَابَةِ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَأَفْضَلُهُ) ، أَيْ: الدُّعَاءِ (بَعْدَ الْعَصْرِ) " وَأَرْجَاهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَفِي أَوَّلِهِ أَنَّ النَّهَارَ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً. وَرَوَاهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، لَكِنْ لَمْ يَحْكِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَ " الْمُبْدِعِ " هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الْإِمَامِ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، بَلْ ذَكَرَا قَوْلَ الْإِمَامِ: أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا الْإِجَابَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَتُرْجَى بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ. وَقَدْ ذَكَرَ دَلِيلَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَقْوَالِ، وَهِيَ: اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ قَوْلًا فِي " فَتْحِ الْبَارِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ " وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ: إنَّهُ أَثْبَتُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ. (وَأَرْجَاهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ) ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الصَّحَابَةِ اجْتَمَعُوا، فَتَذَاكَرُوا سَاعَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ " وَرَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. (فَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا مُنْتَظِرًا صَلَاةَ مَغْرِبٍ) ، فَإِنَّ مَنْ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ. وَفِي الدَّعَوَاتِ لِلْمُسْتَغْفِرَيَّ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ

فِي الْبَابِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ، وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرَتْ لِمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. (وَ) سُنَّ (إكْثَارُ صَلَاةٍ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَيْلَتَهَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَقَدْ رُوِيَ الْحَثُّ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (وَ) سُنَّ (تَنَظُّفٌ بِقَصِّ شَارِبٍ وَتَقْلِيمِ ظُفْرٍ وَقَطْعِ رَوَائِحَ كَرِيهَةٍ بِسِوَاكٍ وَغَيْرِهِ وَتَطَيُّبٌ) بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (وَلَوْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ) ، لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ. ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» وَقَوْلُهُ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ، أَيْ: مَا خَفِيَ رِيحُهُ وَظَهَرَ لَوْنُهُ لِتَأَكُّدِ الطِّيبِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ. (وَ) سُنَّ لَهُ أَيْضًا (لُبْسُ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ) ، لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، (وَأَفْضَلُهَا: الْبَيَاضُ) ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ". (وَ) سُنَّ أَيْضًا (تَبْكِيرُ غَيْرِ إمَامٍ وَ) غَيْرِ (مُعْتَكِفٍ وَ) غَيْرِ (أَجِيرٍ) إلَى الْجُمُعَةِ. وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ (مَاشِيًا) بِسَكِينَةٍ، لِحَدِيثِ «وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ» . (بَعْدَ فَجْرٍ) . لِحَدِيثِ «مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ

الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً» . الْحَدِيثَ، (قَائِلًا: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وَأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ، وَأَفْضَلِ مَنْ سَأَلَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ. . .) إلَى آخِرِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي آدَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ. (وَلَا بَأْسَ بِرُكُوبِهِ لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ وَبُعْدٍ وَكِبَرٍ، (وَ) بِرُكُوبِهِ عِنْدَ (عَوْدٍ) وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ. (وَيَجِبُ سَعْيٌ) لِلْجُمُعَةِ (بِنِدَاءٍ ثَانٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] الْآيَةَ. وَخُصَّ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، بِخِلَافِ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ سُنَّةُ عُثْمَانَ وَعَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ. (إلَّا بَعِيدَ مَنْزِلٍ) عَنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ، (فَ) يَجِبُ سَعْيُهُ (فِي وَقْتٍ يُدْرِكُهَا) إذَا سَعَى فِيهِ إلَيْهَا، وَالْمُرَادُ: بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا قَبْلَهُ. ذَكَرَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلسَّعْيِ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (إذَا عَلِمَ حُضُورَ الْعَدَدِ) الْمُعْتَبَرِ لِلْجُمُعَةِ، وَإِلَّا، فَلَا فَائِدَةَ لِسَعْيِهِ. (وَتَحْرُمُ الصِّنَاعَاتُ كُلُّهَا إذَنْ) ، أَيْ: حِينَ وُجُوبِ السَّعْيِ، وَيَسْتَمِرُّ التَّحْرِيمُ (إلَى انْقِضَائِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ. (وَسُنَّ اشْتِغَالٌ بِذِكْرِ) اللَّهِ تَعَالَى، تَحْصِيلًا لِلْأَجْرِ (وَأَفْضَلُهُ) ، أَيْ: أَفْضَلُ الذِّكْرِ: (الْقُرْآنُ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ الْحَسَنَاتِ بِتِلَاوَةِ حُرُوفِهِ. (وَ) سُنَّ اشْتِغَالُهُ بِ (صَلَاةٍ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ) لِلْخُطْبَةِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْأَجْرِ (فَيَحْرُمُ ابْتِدَاءُ) نَافِلَةٍ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ (غَيْرِ تَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ، أَوْ كَانَ بَعِيدًا بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهَا. (وَيُخَفِّفُ مَا) كَانَ (ابْتَدَأَهُ) مِنْ نَفْلٍ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ إذَا خَرَجَ قَبْلَ

فَرَاغِهِ، (وَلَوْ) كَانَ (نَوَى أَرْبَعًا صَلَّى ثِنْتَيْنِ) . لِيَسْتَمِعَ الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ. (وَكُرِهَ لِغَيْرِ إمَامٍ تَخَطِّي الرِّقَابِ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ لِرَجُلٍ رَآهُ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَأَمَّا الْإِمَامُ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ الْمُؤَذِّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ (إلَّا إنْ رَأَى فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِهِ) ، أَيْ: بِتَخَطِّي الرِّقَابِ، فَيُبَاحُ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا لِإِسْقَاطِهِمْ حَقَّهُمْ بِتَأَخُّرِهِمْ عَنْهَا. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (إيثَارُهُ) غَيْرَهُ (بِمَكَانٍ أَفْضَلَ) وَيَجْلِسُ فِيمَا دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ رَغْبَةٌ عَنْ الْخَيْرِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ لِلْمُؤْثَرِ (قَبُولُهُ) وَلَا رَدُّهُ. قَالَ مُسْنَدِي: رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ، وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إلَى مَوْضِعِكَ، فَرَجَعَ إلَيْهِ. (وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ) ، أَيْ: الْمُؤْثَرِ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (سَبْقُهُ إلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَكَانِ الْأَفْضَلِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ، أَشْبَهَ مَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا فَآثَرَ بِهِ غَيْرَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَسَّعَ لِشَخْصٍ فِي طَرِيقٍ، فَمَرَّ غَيْرُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ لِلْمُرُورِ فِيهَا، وَالْمَسْجِدُ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ. (وَالْعَائِدُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ لِعَارِضٍ) لَحِقَهُ كَتَطَهُّرٍ (أَحَقُّ بِمَكَانِهِ) الَّذِي كَانَ سَبَقَ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ. فَلَوْ جَلَسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَلَهُ إقَامَتُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ الْقَائِمُ لِعَارِضٍ صَبِيًّا، فَيُؤَخَّرُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُمْ مِنْهُ بِالْأَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ الْعَائِدُ إلَى مَكَانِهِ قَرِيبًا بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْهُ لِعَارِضٍ إلَّا بِالتَّخَطِّي، جَازَ، كَمَنْ رَأَى فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِهِ. (وَكَذَا جَالِسٌ لِإِفْتَاءٍ أَوْ إقْرَاءٍ) قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعَارِضٍ لَحِقَهُ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ قَرِيبًا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»

وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِمَا إذَا عَادَ وَلَمْ يَتَشَاغَلْ بِغَيْرِهِ. (وَحَرُمَ أَنْ يُقِيمَ) إنْسَانٌ (غَيْرَهُ) مِنْ مَكَان سَبَقَهُ إلَيْهِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لَهُ. (وَلَوْ) كَانَ (عَبْدَهُ) الْكَبِيرَ (أَوْ) كَانَ (وَلَدَهُ) الْكَبِيرَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا» لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ، فَاسْتَوَى فِيهِ السَّيِّدُ وَالْوَالِدُ وَغَيْرُهُمَا (أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا) كَالتَّعْلِيمِ وَالتَّدْرِيسِ وَالتَّحْدِيثِ (فِيهِ) ، وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ لِلْمُذَاكَرَةِ فِي الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، إذَا جَلَسَ إنْسَانٌ مَوْضِعَ حَلْقَتِهِ، حَرُمَ عَلَيْهِ إقَامَتُهُ لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ (إلَّا الصَّغِيرَ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، فَيُؤَخَّرُ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ أَحَقُّ مِنْهُ بِالتَّقَدُّمِ لِلْفَضْلِ. (قَالَ الْمُنَقِّحُ: وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ) ، أَيْ: صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ أَقَامَ مُكَلَّفًا وَجَلَسَ مَكَانَهُ، لِشَبَهِهِ بِالْغَاصِبِ. (وَيَتَّجِهُ: بَلْ) قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ (تَقْتَضِي الصِّحَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْ مِنْهُ مَا) ، أَيْ: مَكَانًا (يَمْلِكُهُ) ، بَلْ صَلَّى فِي مَكَان هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ، غَيْرَ أَنَّ مَنْ سَبَقَهُ أَحَقُّ مِنْهُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْعُهُ مِنْ حَقِّهِ، (أَشْبَهَ مَا لَوْ مَنَعَ الْمَسْجِدَ غَيْرَهُ) مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ. فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَالْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَ) لَهُ أَنْ (يُقِيمَ مَنْ جَلَسَ بِمَوْضِعِهِ) مِنْ الْمَسْجِدِ (لِيَحْفَظَهُ) لَهُ، وَيَجْلِسَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَنَائِبِهِ فِي حِفْظِهِ، سَوَاءٌ حَفِظَهُ لَهُ (بِإِذْنِهِ أَوْ دُونَهُ) ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ وَلِأَنَّهُ قَعَدَ فِيهِ لِحِفْظِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِقَامَةٍ، لَكِنْ إنْ جَلَسَ فِي مَكَانِ الْإِمَامِ أَوْ طَرِيقِ الْمَارَّةِ أَوْ اسْتَقْبَلَ الْمُصَلِّينَ فِي مَكَان ضَيِّقٍ، أُقِيمَ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. (وَحَرُمَ رَفْعُ مُصَلَّى مَفْرُوشٍ) لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَبُّهُ إذَا جَاءَ؛ لِأَنَّهُ افْتِئَاتٌ

عَلَى رَبِّهِ، وَتَصَرُّفٌ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَيَجُوزُ فَرْشُهُ (مَا لَمْ تَحْضُرْ) ، أَيْ: تَقُمْ (الصَّلَاةُ) وَلَا يَحْضُرُ رَبُّهُ، فَلِغَيْرِهِ رَفْعُهُ وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوشَ لَا حُرْمَةَ لَهُ بِنَفْسِهِ، وَرَبُّهُ لَمْ يَحْضُرْ. (وَ) حَرُمَ (صَلَاةٌ) عَلَيْهِ، (وَجُلُوسٌ عَلَيْهِ) . قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَعَهُ مَفْرُوشًا وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ، فَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ "، فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ: وَلَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِهِ أَوْ مُصَلَّاهُ بِلَا غَصْبٍ، صَحَّ فِي الْأَصَحِّ. (وَلَهُ) ، أَيْ: مَرِيدِ الصَّلَاةِ (فَرْشُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ إنْ حَرُمَ رَفْعُهُ، وَإِلَّا كُرِهَ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، تَوْجِيهًا. (وَمَنَعَ مِنْهُ) ، أَيْ: الْفَرْشِ (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، (لِتَحَجُّرِهِ) بِفَرْشِهِ مَكَانًا مِنْ (الْمَسْجِدِ) كَحُفْرَةٍ فِي التُّرْبَةِ الْمُسَبَّلَةِ قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَحَرُمَ كَلَامٌ وَلَوْ) كَانَ الْكَلَامُ (لِتَسْكِيتِ غَيْرِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَلَوْ حَالَ تَنَفُّسِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخُطْبَةِ. (وَهُوَ) ، أَيْ: الْمُتَكَلِّمُ (مِنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] ، قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ. وَسُمِّيَتْ قُرْآنًا، لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ» وَاللَّغْوُ: الْإِثْمُ. وَحَدِيثِ: «مَنْ قَالَ: صَهٍ فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا، فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَمَعْنَى لَا جُمُعَةَ لَهُ، أَيْ: كَامِلَةً. (وَإِلَّا) يَسْمَعُ الْخَطِيبَ وَلَا هَمْهَمَتَهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ، (فَلَا) يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَحِينَئِذٍ فَاشْتِغَالُهُ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ

مِنْ سُكُوتِهِ نَصًّا. (وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مَفْهُومَةٌ كَكَلَامٍ) ، لِقِيَامِهَا مَقَامَهُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ. (وَحَلَّ) كَلَامٌ (لِخَطِيبٍ) وَهُوَ يَخْطُبُ. (وَ) حَلَّ كَلَامٌ أَيْضًا (لِمَنْ كَلَّمَهُ) الْخَطِيبُ (لِمَصْلَحَةٍ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَشَارَ إلَيْهِ النَّاسُ أَنْ اُسْكُتْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الثَّالِثَةِ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: إنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. «وَكَلَّمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَيْكًا وَكَلَّمَهُ هُوَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. " وَسَأَلَ عُمَرُ عُثْمَانَ فَأَجَابَهُ " وَ " سَأَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاسْتِسْقَاءَ " وَلِأَنَّهُ حَالَ كَلَامِهِ الْإِمَامَ، وَكَلَامِ الْإِمَامِ إيَّاهُ لَا يَشْغَلُ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ. (وَوَجَبَ) الْكَلَامُ حَالَ الْخُطْبَةِ، (لِتَحْذِيرِ ضَرِيرٍ وَغَافِلٍ عَنْ هَلَكَةٍ كَنَارٍ وَبِئْرٍ) وَوَطْءِ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَكُلِّ مَا يُؤْذِي أَوْ تَقْتُلُ، لِإِبَاحَةِ قَطْعِ الصَّلَاةِ لِذَلِكَ (وَيُبَاحُ) الْكَلَامُ (إذَا سَكَتَ) الْخَطِيبُ (بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (أَوْ شَرَعَ فِي دُعَاءٍ) وَلَوْ غَيْرَ مَأْثُورٍ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهُ. (وَيَتَّجِهُ: أَنَّ التَّحْرِيمَ) لِلْكَلَامِ (مَحَلَّهُ) حَالُ (أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ) ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ أَرْكَانِهَا وَاشْتَغَلَ بِالتَّرَضِّي عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ أُبِيحَ الْكَلَامُ لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَرَفْعُ الصَّوْتِ قُدَّامَ الْخُطَبَاءِ

مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا، فَلَا يَرْفَعُ مُؤَذِّنٌ وَ) لَا (غَيْرُهُ صَوْتَهُ بِصَلَاةٍ) عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) لَا (غَيْرِهَا) مِنْ الْأَدْعِيَةِ اللَّائِقَةِ بِالْحَالِ، (وَلَا يُسَلِّمُ مَنْ دَخَلَ) عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْخُطْبَةِ وَاسْتِمَاعِهَا. (وَلَيْسَ لَهُ إقْرَاءُ قُرْآنٍ وَ) لَا (مُذَاكَرَةٌ فِي فِقْهٍ) ، لِئَلَّا يَشْغَلَ غَيْرَهُ عَنْ الِاسْتِمَاعِ، (وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَى سَائِلٍ وَقْتَ خُطْبَةٍ؛ لِأَنَّهُ) ، أَيْ: السَّائِلَ (فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ) لَهُ فِعْلُهُ، وَهُوَ: الْكَلَامُ حَالَ الْخُطْبَةِ، (فَلَا يُعِينُهُ) عَلَى مَا لَا يَجُوزُ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: إنْ حَصَبَ السَّائِلَ كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ) " لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَائِلٍ سَأَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " وَلَا يُنَاوِلُ السَّائِلُ حَالَ الْخُطْبَةِ الصَّدَقَةَ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مُحَرَّمٍ، فَإِنْ سَأَلَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ جَلَسَ لِاسْتِمَاعِهَا؛ جَازَ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ وَمُنَاوَلَتُهُ. قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا إذَا لَمْ يَسْأَلْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. (وَ) لَهُ أَنْ (يَتَصَدَّقَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَلْ) وَعَلَى مَنْ سَأَلَهَا الْإِمَامُ لَهُ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ أَوْ خُرُوجِهِ أَوْلَى. (وَكُرِهَ عَبَثٌ حَالَ خُطْبَةٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى؛ فَقَدْ لَغَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ الْعَبَثَ يَمْنَعُ الْخُشُوعَ، (وَ) كَذَا (شُرْبٌ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَشْتَغِلُ بِهِ، أَشْبَهَ مَسَّ الْحَصَى (بِلَا حَاجَةٍ) كَاشْتِدَادِ عَطَشٍ؛ فَلَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ. (وَ) سُنَّ (دُنُوٌّ مِنْ إمَامٍ وَاسْتِمَاعُ) خُطْبَتِهِ لَعَلَّهُ يَتَّعِظُ بِهَا. (وَ) (صَلَاةٌ سِرًّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَمِعَهَا) ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. (كَدُعَاءٍ) اتِّفَاقًا (وَتَأْمِينٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الدُّعَاءِ

فصل من دخل والإمام يخطب بمسجد

(وَ) سُنَّ (انْتِقَالُهُ إنْ نَعَسَ مِنْ مَكَانِهِ) الَّذِي نَعَسَ فِيهِ، (وَلَهُ الْحَمْدُ خُفْيَةً إذَا عَطَسَ) نَصًّا، (وَرَدُّ سَلَامٍ) نُطْقًا، (وَتَشْمِيتُ عَاطِسٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ لِحَقِّ آدَمِيٍّ. (وَيَتَّجِهُ: أَنَّ تَشْمِيتَ عَاطِسٍ لَا يَلْزَمُ مُشْتَغِلًا) بِنَحْوِ قِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُ (لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ سَلَامٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ مَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِمَسْجِدٍ] (فَصْلٌ) (وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِمَسْجِدٍ؛ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) وَلَوْ وَقْتَ نَهْيٍ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَحَرُمَ زِيَادَةٌ عَلَيْهِمَا) ، لِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ حَالَ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ خَطَبَ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ لَمْ يُصَلِّ الدَّاخِلُ شَيْئًا. (وَتُسَنُّ تَحِيَّتُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (رَكْعَتَانِ فَأَكْثَرُ لِمَنْ دَخَلَهُ بِشَرْطِهِ) بِأَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا وَفِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ، إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَنْ لَا يُطِيلَ الْجُلُوسَ سَوَاءٌ (قَصَدَ الْجُلُوسَ أَوْ لَا) ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (غَيْرُ خَطِيبٍ دَخَلَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدَ، (لَهَا) ، أَيْ: لِلْخُطْبَةِ (وَ) غَيْرُ (دَاخِلِهِ لِصَلَاةِ عِيدٍ، أَوْ) دَاخِلِهِ (وَقَدْ شَرَعَ فِي إقَامَةٍ بِشَرْطِهِ) بِأَنْ كَانَ قَصْدُهُ الصَّلَاةَ مَعَ إمَامِهَا (وَدَاخِلُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ؛ لِأَنَّ تَحِيَّتَهُ الطَّوَافُ، فَيُسَنُّ كُلَّمَا دَخَلَ. (وَقَيِّمُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (لِتَكْرَارِ دُخُولِهِ) . فَلَا تُسَنُّ لَهُ التَّحِيَّةُ لِلْمَشَقَّةِ، وَأَمَّا غَيْرُ قَيِّمِهِ إذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهُ، فَتُسَنُّ لَهُ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهًا.

(وَيَتَّجِهُ: مِثْلُهُ) ، أَيْ: مِثْلُ الْقَيِّمِ (مُجَاوِرٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ) لِلْمَشَقَّةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَنْتَظِرُ) مَنْ دَخَلَ حَالَ الْأَذَانِ (فَرَاغَ مُؤَذِّنٍ لِتَحِيَّةِ) مَسْجِدٍ، لِيُجِيبَ الْمُؤَذِّنَ، ثُمَّ يُصَلِّيَهَا، فَيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ أَذَانِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَهَمُّ. (وَإِنْ جَلَسَ) مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ (قَامَ فَأَتَى بِهَا) ، أَيْ: التَّحِيَّةَ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ جَلَسَ قَبْلَهَا: قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي رِوَايَةٍ " فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ " (مَا لَمْ يَطُلْ فَصْلٌ) بَيْنَ جُلُوسِهِ وَقِيَامِهِ فَيَفُوتُ مَحَلُّهَا، وَلَا تُقْضَى. (وَتَقَدَّمَ) فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ: (تُجْزِئُ رَاتِبَةٌ تَحِيَّةً) وَكَذَا فَرِيضَةٌ وَلَوْ مَقْضِيَّةً. (وَلَا) تَحْصُلُ (تَحِيَّةُ) الْمَسْجِدِ (بِرَكْعَةٍ، وَ) لَا بِ (صَلَاةِ جِنَازَةٍ) ، لِعَدَمِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهَا (وَ) لَا بِ (سُجُودِ تُلَاوَةٍ، وَ) لَا سُجُودِ (شُكْرٍ قَالَ بَعْضُهُمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ: (وَسُنَّ لِمَنْ دَخَلَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدَ (غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ قَوْلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا، قِيلَ: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: الْمَسَاجِدُ قِيلَ: وَمَا الرَّتْعُ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَكُرِهَ إسْنَادُ ظَهْرٍ) هـ (لِلْقِبْلَةِ) نَصًّا،

وَفِي مَعْنَاهُ مَدُّ الرِّجْلِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَمَدُّ رِجْلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، ذَكَرَهُ فِي " الْآدَابِ ". (وَاسْتِقْبَالُهَا) ، أَيْ: الْقِبْلَةِ (مُتَّجِهٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ) كَحَالِ الْخُطْبَةِ، وَبَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ. (وَلَا بَأْسَ بِالْحَبْوَةِ نَصًّا، وَلَوْ حَالَ الْخُطْبَةِ) مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَ) لَا (بِالْقُرْفُصَاءِ، وَهِيَ: الْجُلُوسُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهِ إلَى صَدْرِهِ، مُفْضِيًا بِأَخْمَصِ قَدَمَيْهِ إلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَقْصِدُ هَذِهِ الْجِلْسَةَ، وَلَا جَلْسَةَ أَخْشَعُ مِنْهَا) . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ جَالِسًا إلَّا الْقُرْفُصَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةٍ. (وَلَوْ اجْتَمَعَ قَوْمٌ لِقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ وَدُعَاءٍ، فَعَنْ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا؟) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ شَغَلَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ دُعَائِي وَمَسْأَلَتِي، أُعْطِيهِ أَفْضَلَ ثَوَابِ الشَّاكِرِينَ، وَإِنَّ فَضْلَ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ تَعَالَى {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» وَعَنْهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا «أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ بِالدُّعَاءِ، وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ وَغَيْرُهُ. (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ لِذَلِكَ (مُحْدَثٌ) لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ. (وَعَنْهُ) رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ قَالَ: (مَا أَكْرَهُهُ) ، أَيْ: الِاجْتِمَاعَ لِذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا) أَيْ: الْمُجْتَمِعُونَ، (أَيْ: يَتَّخِذُوهُ عَادَةً وَ) قَالَ الْمُنَقِّحُ (فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " الصَّوَابُ أَنْ يُرْجَعَ

باب أحكام صلاة العيد

فِي ذَلِكَ لِحَالِ الْإِنْسَانِ، فَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ) الِاجْتِمَاعِ (مَا لَا يَحْصُلُ لَهُ بِالِانْفِرَادِ مِنْ الِاتِّعَاظِ وَالْخُشُوعِ، كَانَ) حُضُورُهُ لِذَلِكَ (أَوْلَى) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ، (وَإِلَّا) يَحْصُلُ لَهُ اتِّعَاظٌ وَلَا خُشُوعٌ، (فَلَا) يَحْضُرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَجَامِعِ إذْ حُضُورُهُ ضَيَاعُ وَقْتٍ بِلَا فَائِدَةٍ، وَاشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِي، وَ " مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ". خَاتِمَةٌ: رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَرَأَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ. وَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَبْعًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» . [بَابُ أَحْكَامِ صَلَاةِ الْعِيدِ] ِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. سُمِّيَ الْيَوْمُ الْمَعْرُوفُ عِيدًا؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ وَيَتَكَرَّرُ لِأَوْقَاتِهِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَعُودُ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَقِيلَ: تَفَاؤُلًا، لِيَعُودَ ثَانِيَةً كَالْقَافِلَةِ. وَهُوَ مِنْ: عَادَ يَعُودُ، فَهُوَ الِاسْمُ مِنْهُ، كَالْقِيلِ مِنْ الْقَوْلِ، وَصَارَ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْمَخْصُوصِ، لِمَا تَقَدَّمَ. وَجُمِعَ عَلَى أَعْيَادٍ، بِالْيَاءِ، وَأَصْلُهُ الْوَاوُ، لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ، وَقِيلَ: لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ. (صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاظَبَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ " وَ " رُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةِ عِيدٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ " (إذَا اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ) مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا (عَلَى تَرْكِهَا) ، أَيْ: إذَا تَرَكُوهَا (قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، وَفِي

تَرْكِهَا تَهَاوُنٌ بِالدِّينِ. (وَكُرِهَ أَنْ يَنْصَرِفَ مَنْ حَضَرَ) مُصَلَّاهَا (وَيَتْرُكَهَا) ، لِتَفْوِيتِهِ أَجْرَهَا بِلَا عُذْرٍ. (وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يُكْرَهُ انْصِرَافُ مَنْ حَضَرَ مُصَلَّاهَا قَبْلَ فِعْلِهَا (إنْ لَمْ يَنْقُصْ بِهِ) ، أَيْ: الْمُنْصَرِفِ (عَدَدُ) الْمُصَلِّينَ عَنْ الْأَرْبَعِينَ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يَنْقُصُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ بِانْصِرَافِهِ، (فَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ الِانْصِرَافُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَوَقْتُهَا كَ) وَقْتِ (صَلَاةِ الضُّحَى) مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يُصَلُّوهَا إلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى فِعْلِهَا ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ. وَ (لَا) يَدْخُلُ وَقْتُهَا (بِطُلُوعِ شَمْسٍ) قَبْلَ ارْتِفَاعِهَا قَيْدَ رُمْحٍ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلْعِيدِ، كَمَا قَبْلَ طُلُوعِهَا، (فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعِيدِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، صَلَّوْا) الْعِيدَ (مِنْ الْغَدِ قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ الزَّوَالِ (قَضَاءً) ، وَلَوْ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا فِي يَوْمِهَا، لِمَا رَوَى أَبُو عُمَيْرِ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ: «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ، فَأَصْبَحْنَا صِيَامًا، فَجَاءَ رَكْبٌ فِي آخِرِ النَّهَارِ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا غَدًا لِعِيدِهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَحَسَّنَهُ. (وَكَذَا لَوْ مَضَى أَيَّامٌ) ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِالْعِيدِ، أَوْ لَمْ يُصَلُّوا لِفِتْنَةٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ أَخَّرُوهَا وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ.

(وَتُسَنُّ) صَلَاةُ عِيدٍ (حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ) فِي فِعْلِهَا مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ، وَمَعَهَا تُفْعَلُ بِالْمَسْجِدِ، (بِصَحْرَاءَ قَرِيبَةٍ عُرْفًا) مِنْ بُنْيَانٍ، لِحَدِيثِ أُبَيٍّ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّهُ أَوْقَعُ هَيْبَةً وَأَظْهَرُ شِعَارًا، (فَلَا تَصِحُّ) صَلَاةُ الْعِيدِ بِصَحْرَاءَ (بَعِيدَةٍ) مِنْ بُنْيَانٍ عُرْفًا لِلْمَشَقَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُهَا بَعْضُ النَّاسِ فَيَفُوتُهُ فَضْلُهَا، (إلَّا بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ، فَ) تُصَلَّى (بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ، لِفَضِيلَةِ الْبُقْعَةِ، وَمُشَاهَدَةِ الْكَعْبَةِ. وَلَمْ تَزَلْ الْأَئِمَّةُ يُصَلُّونَهَا بِهِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ وَالْأَقْصَى كَبَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ. (وَ) يُسَنُّ (تَقْدِيمُ الْأَضْحَى بِحَيْثُ يُوَافِقُ مَنْ بِمِنًى فِي ذَبْحِهِمْ، وَتَأْخِيرُ) صَلَاةِ (الْفِطْرِ) ، لِحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ: عَجِّلْ الْأَضْحَى وَأَخِّرْ الْفِطْرَ، وَذَكِّرْ النَّاسَ» وَلِيَتَّسِعَ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةَ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ (وَ) يُسَنُّ (أَكْلٌ فِيهِ) ، أَيْ: عِيدِ الْفِطْرِ (قَبْلَ خُرُوجٍ) إلَى الصَّلَاةِ، لِقَوْلِ بُرَيْدَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يُصَلِّيَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (تَمَرَاتٍ وِتْرًا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعَةٍ: «وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا» . (وَ) يُسَنُّ (إمْسَاكٌ) عَنْ أَكْلٍ (بِأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ) الْعِيدَ لِلْخَبَرِ، (لِيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ إنْ ضَحَّى) يَوْمَهُ. (وَالْأَوْلَى) بَدْءُ أَكْلٍ (مِنْ كَبِدِهَا) ، لِسُرْعَةِ تَنَاوُلِهِ وَهَضْمِهِ. (وَإِلَّا) يُضَحِّ (خُيِّرَ) بَيْنَ أَكْلٍ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَتَرْكِهِ نَصًّا (وَ) يُسَنُّ (غُسْلٌ لَهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ عِيدٍ (فِي يَوْمِهِ) ، أَيْ: الْعِيدِ، لِمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يُجْزِئُهُ لَيْلًا، وَلَا بَعْدَهَا.

(وَ) يُسَنُّ (تَنَظُّفُ) بَدَنٍ وَثِيَابٍ (كَجُمُعَةٍ وَتَبْكِيرُ مَأْمُومٍ) لِيَدْنُوَ مِنْ الْإِمَامِ، وَيَنْتَظِرَ الصَّلَاةَ، فَيَكْثُرُ أَجْرُهُ (بَعْدَ صَلَاةِ صُبْحٍ) مِنْ يَوْمِ عِيدٍ (مَاشِيًا) إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ: «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا» (عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «كَانَ يَعْتَمُّ وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَأَفْضَلُ أَلْوَانِ الثِّيَابِ الْبَيَاضُ، فَإِنْ اسْتَوَى الثَّوْبَانِ فِي الْحُسْنِ وَغَيْرِهِ، فَالْأَبْيَضُ أَفْضَلُ، فَإِنْ كَانَ الْأَحْسَنُ لَيْسَ بِأَبْيَضَ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَبْيَضِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَحِينَئِذٍ، فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْخَارِجُ إلَى الصَّلَاةِ وَالْقَاعِدُ فِي بَيْتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ، (إلَّا الْمُعْتَكِفَ وَلَوْ) كَانَ الْمُعْتَكِفُ (إمَامًا، فَ) يَخْرُجُ إلَى الْعِيدِ (فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ) إبْقَاءً لِأَثَرِ الْعِبَادَةِ. (وَ) يُسَنُّ (تَأْخِيرُ إمَامٍ لِ) دُخُولِ وَقْتِ (صَلَاةٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يُنْتَظَرُ وَلَا يَنْتَظِرُ. (وَ) تُسَنُّ (تَوْسِعَةٌ عَلَى أَهْلٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ سُرُورٍ (وَ) تُسَنُّ (صَدَقَةٌ) فِي يَوْمِ الْعِيدَيْنِ إغْنَاءً لِلْفُقَرَاءِ عَنْ السُّؤَالِ. (وَ) يُسَنُّ (رُجُوعُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (فِي غَيْرِ طَرِيقِ غُدُوِّهِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ إلَى الْعِيدِ خَالَفَ إلَى الطَّرِيقِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَلَيْهِ شَهَادَةُ الطَّرِيقَيْنِ، أَوْ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا فِي التَّبَرُّكِ لِمُرُورِهِ وَسُرُورِهِمَا بِمُرُورِهِ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى فُقَرَائِهِمَا وَنَحْوُهُ؛ فَلِذَا قَالَ: (وَكَذَا جُمُعَةٌ) ، وَلَا يَمْتَنِعُ فِي غَيْرِهَا. (وَكُرِهَ تَنَفُّلٌ) بِمَوْضِعِ صَلَاةِ الْعِيدِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا قَبْلَ

مُفَارَقَتِهِ نَصًّا، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عِيدٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) كُرِهَ أَيْضًا (قَضَاءُ فَائِتَةٍ قَبْلَ صَلَاةِ عِيدٍ بِمَوْضِعِهَا وَبَعْدَهَا قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ) الْمُصَلَّى، إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، (بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ. (وَ) كُرِهَ (أَنْ تُصَلَّى) الْعِيدُ (بِالْجَامِعِ) ، لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (بِغَيْرِ مَكَّةَ) ، فَتُسَنُّ فِيهَا بِهِ وَتَقَدَّمَ، (إلَّا لِعُذْرٍ) كَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَسُنَّ لِإِمَامٍ اسْتِخْلَافُ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ) نَصًّا لِفِعْلِ عَلِيٍّ. (وَيَخْطُبُ بِهِمْ نَدْبًا إنْ شَاءُوا) ، وَلَهُ فِعْلُهَا قَبْلَ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ، (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُصَلُّوا قَبْلَ الْإِمَامِ) ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. (فَإِنْ صَلَّوْا) قَبْلَهُ، (فَلَا بَأْسَ) ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، (وَأَيُّهُمَا سَبَقَ) بِالصَّلَاةِ، (سَقَطَ الْفَرْضُ بِهِ وَأَجْزَأَ) بَعْدَ أَوَّلِ صَلَاةٍ مِنْهُمَا (أُضْحِيَّةٌ) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ. (وَتَنْوِيهِ طَائِفَةٌ مَسْبُوقَةٌ نَفْلًا) ، لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِالسَّابِقَةِ. (وَلَا بَأْسَ بِحُضُورِهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْعِيدِ (لِنِسَاءٍ غَيْرِ مُطَيَّبَاتٍ، وَ) غَيْرِ (مُزَيَّنَاتٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» (وَيَعْتَزِلْنَ الرِّجَالَ) ، فَلَا يَخْتَلِطْنَ بِهِمْ خَشْيَةَ الِافْتِتَانِ بِهِنَّ. (وَتَعْتَزِلُ حَائِضٌ الْمُصَلَّى) لِلْخَبَرِ (بِحَيْثُ تَسْمَعُ) الْخُطْبَةَ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ

فصل شروط صلاة العيد

[فَصْلٌ شُرُوطَ صَلَاةِ الْعِيدِ] (فَصْلٌ) (وَشُرِطَ لَهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْعِيدِ (غَيْرَ خُطْبَةٍ مَا) شُرِطَ (لِجُمُعَةٍ مِنْ وَقْتٍ) كَسَائِرِ الْمُؤَقَّتَاتِ، (وَاسْتِيطَانِ) أَرْبَعِينَ، (وَعَدَدِ) الْجُمُعَةِ (وَحُضُورِهِمْ) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا خُطْبَةٌ رَاتِبَةٌ، أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَافَقَ الْعِيدَ فِي حَجَّتِهِ وَلَمْ يُصَلِّ، (فَلَا تُقَامُ) الْعِيدُ (إلَّا حَيْثُ تُقَامُ) الْجُمُعَةُ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَهِيَ) ، أَيْ: صَلَاةُ الْعِيدِ: (رَكْعَتَانِ) تُفْعَلُ (قَبْلَ الْخُطْبَةِ) . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا) ، أَيْ: الْخُطْبَةِ (قَبْلَهُمَا) ، أَيْ: رَكْعَتَيْ الْعِيدِ (عَكْسَ جُمُعَةٍ) ، أَيْ: كَمَا لَوْ خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ. قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ عُثْمَانَ. (وَلَا أَذَانَ لَهُمَا) ، أَيْ: صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ، (وَلَا إقَامَةَ) أَيْضًا، (يُكَبِّرُ بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى نَدْبًا بَعْدَ) تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ، وَبَعْدَ (اسْتِفْتَاحٍ وَقَبْلَ تَعَوُّذٍ سِتًّا) زَوَائِدَ، (وَ) يُكَبِّرُ (بِثَانِيَةٍ قَبْلَ قِرَاءَةٍ خَمْسًا) زَوَائِدَ نَصًّا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ» ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ أَبِي: أَنَا أَذْهَبُ إلَى هَذَا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ التَّكْبِيرُ سَبْعٌ فِي الْأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّكْبِيرِ، وَكُلُّهُ جَائِزٌ.

(وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) نَصًّا، لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» فَأَدَّى أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ. (وَيَقُولُ نَدْبًا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا) ، لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: " سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَمَّا يَقُولُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، قَالَ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَدْعُو أَوْ يُكَبِّرُ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَحَرْبٌ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ، فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا ذِكْرٌ كَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ. (وَإِنْ أَحَبَّ) مُصَلٍّ (قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ) مِنْ الْأَذْكَارِ (إذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مُؤَقَّتٌ) ، أَيْ: مَخْصُوصٌ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (وَلَا يَأْتِي بِذِكْرٍ بَعْدَ تَكْبِيرَةٍ أَخِيرَةٍ) فِي الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ فَقَطْ، (بَلْ يَسْتَعِيذُ وَيَقْرَأُ جَهْرًا الْفَاتِحَةَ، فَسَبِّحْ بِ) رَكْعَةٍ (أُولَى، فَغَاشِيَةً بِ) رَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ) ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ: بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى، وَ: هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَنَسٍ. (وَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَسِيَ الِاسْتِفْتَاحَ أَوْ التَّعَوُّذَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ نَسِيَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ حَتَّى رَكَعَ؛ وَلِأَنَّهُ إنْ أَتَى بِالتَّكْبِيرَاتِ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْقِرَاءَةِ، فَقَدْ أَلْغَى فَرْضًا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ الْقِرَاءَةَ، فَقَدْ حَصَلَتْ التَّكْبِيرَاتُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا. (وَكَذَا مَسْبُوقٌ أَدْرَكَهُ) -، أَيْ: الْإِمَامَ - قَائِمًا (بَعْدَهُ) - أَيْ:

بَعْدَ التَّكْبِيرِ الزَّائِدِ أَوْ بَعْضَهُ - لَمْ يَأْتِ بِهِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا، (لَكِنْ يُكَبِّرُ فِيمَا يَقْضِيهِ) وَلَوْ بِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ (بِمَذْهَبِهِ) لَا بِمَذْهَبِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالسَّهْوِ، فَكَذَا فِي التَّكْبِيرِ. (وَسُنَّ لِمَنْ فَاتَتْهُ) صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ (قَضَاؤُهَا فِي يَوْمِهَا) قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ (عَلَى صِفَتِهَا) ، لِفِعْلِ أَنَسٍ؛ وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ، فَكَانَ عَلَى صِفَتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، (كَمُدْرِكِ) إمَامٍ (فِي) الـ (تَّشَهُّدِ) ، لِعُمُومِ: «وَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» (فَإِذَا سَلَّمَ إمَامٌ، خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَانِ: (سُنَّةٌ، وَلَا يَجِبُ حُضُورُهُمَا وَلَا اسْتِمَاعُهُمَا) ، لِمَا رَوَى عَطَاءٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ، فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ، فَلْيَذْهَبْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. وَلَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَ حُضُورُهَا وَاسْتِمَاعُهَا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ. (وَأَحْكَامُهُمَا) ، أَيْ: الْخُطْبَتَيْنِ (كَخُطْبَتَيْ جُمُعَةٍ) فِيمَا تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا (حَتَّى فِي) تَحْرِيمِ (كَلَامٍ) حَالَ الْخُطْبَةِ نَصًّا (إلَّا التَّكْبِيرَ مَعَ الْخَاطِبِ) ، فَيُسَنُّ كَمَا فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَمَعْنَاهُ فِي " الشَّرْحِ " وَإِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ، جَلَسَ نَصًّا نَدْبًا، لِيَسْتَرِيحَ، وَيَتَرَادَّ إلَيْهِ نَفْسُهُ، وَيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِلِاسْتِمَاعِ. (وَيَجْلِسُ يَسْمَعُ) الْخُطْبَةَ (مَنْ فَاتَتْهُ) صَلَاةُ الْعِيدِ (ثُمَّ يَقْضِيهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةَ (إنْ شَاءَ) قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، مُنْفَرِدًا كَانَ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ تَطَوُّعًا فِي حَقِّهِ. (وَسُنَّ لِخَطِيبٍ اسْتِفْتَاحُ) خُطْبَةٍ (أُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) نَسَقًا،

فصل سن تكبير مطلق وإظهاره في صلاة العيد

(وَ) يَسْتَفْتِحُ خُطْبَةً (ثَانِيَةً بِسَبْعِ) تَكْبِيرَاتٍ (نَسَقًا) ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ قَالَ: " يُكَبِّرُ الْإِمَامُ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ "، وَيَكُونُ (قَائِمًا) حَالَ تَكْبِيرِهِ كَسَائِرِ أَذْكَارِ الْخُطْبَةِ. قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ: إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ. (يَحُثُّهُمْ فِي خُطْبَةِ) عِيدِ فِطْرٍ (عَلَى صَدَقَةٍ) ، لِحَدِيثِ «أَغْنُوهُمْ عَنْ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ) جِنْسًا وَقَدْرًا، وَوَقْتَ الْوُجُوبِ وَالْإِخْرَاجِ، (وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ) الْفِطْرَةُ، وَمَنْ يُسَنُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ، (وَ) مَنْ (تُدْفَعُ لَهُ) مِنْ الْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ، (وَيُرَغِّبُهُمْ) بِخُطْبَةِ (أَضْحَى فِي أُضْحِيَّةٍ) وَمَا أُعِدَّ لِفَاعِلِهَا مِنْ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَهَا) ، أَيْ: مَا يُجْزِئُ وَمَا لَا يُجْزِئُ، وَمَا الْأَفْضَلُ مِنْهَا، وَوَقْتُهَا، وَمَا يُخْرِجُهُ مِنْهَا " لِأَنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِي خُطْبَةِ الْأَضْحَى كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الْأُضْحِيَّةِ» مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ وَالْبَرَاءِ وَغَيْرِهِمَا. [فَصْلٌ سُنَّ تَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ وَإِظْهَارُهُ فِي صَلَاة الْعِيد] (فَصْلٌ) (سُنَّ تَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ وَإِظْهَارُهُ، وَ) سُنَّ (جَهْرُ غَيْرِ أُنْثَى بِهِ) ، أَيْ: التَّكْبِيرِ (فِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ) قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا. (وَ) تَكْبِيرُ عِيدِ (فِطْرٍ آكَدُ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} [البقرة: 185] ، أَيْ: عِدَّةَ رَمَضَانَ {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] (وَ) سُنَّ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ (مِنْ خُرُوجٍ إلَيْهِمَا) ، أَيْ: الْعِيدَيْنِ (إلَى فَرَاغِ خُطْبَةٍ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ إذَا غَدَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى، ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ

(وَ) سُنَّ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ (فِي كُلِّ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) وَلَوْ لَمْ يَرَ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ. وَسُنَّ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ (بِكُلِّ مَكَان) فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجُوزُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ (مِنْ مَسْجِدٍ وَمَنْزِلٍ وَطَرِيقٍ لِمُسَافِرٍ وَمُقِيمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ) ذَكَرٍ (أَوْ أُنْثَى) مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ. (وَ) سُنَّ تَكْبِيرٌ (مُقَيَّدٌ فِي) عِيدِ (الْأَضْحَى) خَاصَّةً (عَقِبَ كُلِّ) صَلَاةِ (فَرِيضَةٍ صَلَّاهَا جَمَاعَةً حَتَّى الْفَائِتَةِ فِي عَامِهِ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْعِيدِ إذَا صَلَّاهَا جَمَاعَةً، (مِنْ صَلَاةِ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حِينَ يُسَلِّمُ مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. (إلَّا الْمُحْرِمَ، فَ) يُكَبِّرُ إدْبَارَ الْمَكْتُوبَاتِ جَمَاعَةً (مِنْ صَلَاةِ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) إلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ تَنْقَطِعُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَإِنَّ وَقْتَهَا مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ كَمَا يَأْتِي، فَعُمُومُ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَرْمِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ فِي رَمْيِ الْجَمْرَةِ، إذْ هُوَ بَعْدَ الشُّرُوقِ، يُؤَيِّدُهُ لَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ إلَى بَعْدِ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي حَقِّهِ التَّكْبِيرُ وَالتَّلْبِيَةُ. (وَيُكَبِّرُ ثُمَّ يُلَبِّي مَنْ لَمْ يَرْمِ) جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ تُقْطَعُ بَعْدَ رَمْيِهَا. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ. إلَى آخِرِهِ، فَيَكُونُ تَكْبِيرُ الْمُحِلِّ عَقِبَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَرِيضَةً، وَتَكْبِيرُ الْمُحْرِمِ عَقِبَ سَبْعَ عَشْرَةَ. (وَمُسَافِرٌ وَمُمَيِّزٌ وَأُنْثَى كَمُقِيمٍ وَبَالِغٍ وَرَجُلٍ) فِي التَّكْبِيرِ عَقِبَ الْمَكْتُوبَاتِ جَمَاعَةً، لِلْعُمُومَاتِ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " إنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً " وَتُكَبِّرُ الْمَرْأَةُ إنْ صَلَّتْ جَمَاعَةً مَعَ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ وَتَخْفِضُ صَوْتَهَا.

(وَيُكَبِّرُ إمَامٌ مُسْتَقْبِلَ النَّاسِ) ، فَيَلْتَفِتُ إلَى الْمَأْمُومِينَ إذَا سَلَّمَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ، أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ: عَلَى مَكَانِكُمْ، وَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. (وَمَنْ نَسِيَهُ) ، أَيْ: التَّكْبِيرَ، (قَضَاهُ) إذَا ذَكَرَهُ (مَكَانَهُ، فَإِنْ قَامَ) مِنْهُ (أَوْ ذَهَبَ) نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا، (عَادَ فَجَلَسَ) فِيهِ وَكَبَّرَ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَهُ جَالِسًا فِي مُصَلَّاهُ سُنَّةٌ لِمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَتْرُكُهَا مَعَ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ كَبَّرَ مَاشِيًا، فَلَا بَأْسَ، (مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَخْرُجْ مِنْ) الـ (مَسْجِدِ أَوْ يَطُلْ فَصْلٌ) بَيْنَ سَلَامِهِ وَتَذَكُّرِهِ، فَلَا يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا. (وَيُكَبِّرُ مَنْ نَسِيَهُ إمَامُهُ) لِيَحُوزَ الْفَضِيلَةَ، وَمَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ كَبَّرَ. (وَ) يُكَبِّرُ (مَسْبُوقٌ إذَا قَضَى) مَا فَاتَهُ وَسَلَّمَ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمَسْبُوقُ وَغَيْرُهُ. (وَلَا يُسَنُّ) التَّكْبِيرُ (عَقِبَ صَلَاةِ عِيدٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا جَاءَ فِي الْمَكْتُوبَاتِ. (وَصِفَتُهُ) ، أَيْ: التَّكْبِيرِ: (شَفْعًا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَهُ عَلِيٌّ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: اخْتِيَارِي تَكْبِيرُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَيُجْزِئُ (مَرَّةٌ) وَاحِدَةٌ، (وَإِنْ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا، فَحَسَنٌ) ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَأَمَّا تَكْرِيرُهُ ثَلَاثًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ، وَلَعَلَّهُ يُقَاسُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَعَلَى قَوْلِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ بَعْدَ الْوِتْرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ. (وَلَا بَأْسَ بِتَهْنِئَةِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِمَا هُوَ مُسْتَفِيضٌ بَيْنَهُمْ مِنْ

فرع سن اجتهاد في عمل خير من نحو ذكر وصوم وصلاة

الْأَدْعِيَةِ، وَمِنْهُ بَعْدَ فَرَاغِ خُطْبَةٍ: قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ بِرِوَايَةِ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: قِيلَ: وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ؟ قَالَ: نَعَمْ، (كَالْجَوَابِ) ، وَقَالَ: لَا أَبْتَدِئُ بِهِ. وَعَنْهُ: الْكُلُّ حَسَنٌ. [فَرْعٌ سُنَّ اجْتِهَادٌ فِي عَمَلِ خَيْرٍ مِنْ نَحْوِ ذِكْرٍ وَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ] (فَرْعٌ: سُنَّ اجْتِهَادٌ فِي عَمَلِ خَيْرٍ مِنْ نَحْوِ ذِكْرٍ وَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ) وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ (فِي أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْأَيَّامِ) ، لِحَدِيثِ «مَا مِنْ أَيَّامٍ، الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ» (وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْأَمْصَارِ) مِنْ غَيْرِ تَلْبِيَةٍ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ، قِيلَ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا. وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ. انْتَهَى. (وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَشْرِيقِ اللَّحْمِ، أَيْ: تَقْدِيدِهِ فِيهَا. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يُنْحَرُ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. (وَ) الْأَيَّامُ (الْمَعْلُومَاتُ هِيَ) : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (بِزِيَادَةِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) ، وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": وَأَيَّامُ الْعَشْرِ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ. وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (أَوْ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وَالْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) أَرْبَعَةٌ: (ذُو الْقَعْدَةِ) بِفَتْحِ الْقَافِ، (وَذُو الْحِجَّةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ (وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ) وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الصَّوَابَ الْبُدَاءَةُ بِالْمُحَرَّمِ لِتَقَعَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالصَّوَابُ فِي عَدِّهَا مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وِفَاقًا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ

باب صلاة الكسوف

[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] (بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ) (وَهُوَ ذَهَابُ ضَوْءِ أَحَدِ النَّيِّرَيْنِ) : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، (أَوْ) ذَهَابُ (بَعْضِهِ) ، أَيْ: الضَّوْءِ. يُقَالُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ، بِفَتْحِ الْكَافِ، وَضَمِّهَا، وَكَذَا: خَسَفَتْ. وَقِيلَ: الْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ. وَالْخُسُوفُ لِلْقَمَرِ، وَقِيلَ عَكْسُهُ. وَرُدَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 8] وَقِيلَ: الْكُسُوفُ فِي أَوَّلِهِ، وَالْخُسُوفُ فِي آخِرِهِ. وَقِيلَ: الْكُسُوفُ لِذَهَابِ بَعْضِ ضَوْئِهِ، وَالْخُسُوفُ لِذَهَابِ كُلِّهِ. وَفِعْلُهَا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَاسْتَنْبَطَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: 37] . وَهِيَ (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ، حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالنَّوَوِيُّ إجْمَاعًا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَصَلُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (حَتَّى لِنِسَاءٍ) عَجَائِزَ وَصِبْيَانٍ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ. (وَ) حَتَّى (سَفَرًا) ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ، (بِلَا خُطْبَةٍ) ، لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّلَاةِ دُونَ الْخُطْبَةِ. (وَفِعْلُهَا جَمَاعَةً بِمَسْجِدِ جُمُعَةٍ أَفْضَلُ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو حَيَّانَ: «خَسَفَ الْقَمَرُ، فَجَعَلَتْ الْيَهُودُ يَرْمُونَ بِالشُّهُبِ، وَيَضْرِبُونَ بِالطَّاسَاتِ، وَيَقُولُونَ: سُحِرَ الْقَمَرُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكُسُوفَ مُخَالَفَةً لَهُمْ» .

(وَ) يَجُوزُ (لِلصِّبْيَانِ حُضُورُهَا) كَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ. (وَسُنَّ أَيْضًا ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ وَتَكْبِيرٌ وَتَقَرُّبٌ إلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعَ) مِنْ الْقُرَبِ، كَصَدَقَةٍ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا» الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) سُنَّ (عِتْقٌ فِي كُسُوفِهَا) ، أَيْ: الشَّمْسِ، لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ «إنَّا كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْعِتْقِ فِي الْكُسُوفِ» وَلِيَحُوزَ فَضِيلَةَ ذَلِكَ، وَيَكُونَ عَامِلًا بِمُقْتَضَى التَّخْوِيفِ. (وَ) سُنَّ (غُسْلٌ لَهَا) ، أَيْ: لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ. (وَوَقْتُهَا: مِنْ ابْتِدَاءِ كُسُوفٍ إلَى التَّجَلِّي) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَلَا تُقْضَى) صَلَاةُ الْكُسُوفِ (بِفَوْتٍ) بِالتَّجَلِّي، لِمَا تَقَدَّمَ. وَلَمْ يُنْقَلْ الْأَمْرُ بِهَا بَعْدَ التَّجَلِّي، وَلَا قَضَاؤُهَا؛ وَلِأَنَّهَا غَيْرُ رَاتِبَةٍ وَلَا تَابِعَةٍ لِفَرْضٍ، فَلَمْ تُقْضَ، (كَاسْتِسْقَاءٍ، وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ، وَسُنَّةِ وُضُوءٍ، وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ) ، لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا. (وَهِيَ) ، أَيْ: صَلَاةُ الْكُسُوفِ: (رَكْعَتَانِ، يَقْرَأُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى بَعْدَ اسْتِفْتَاحٍ وَتَعَوُّذٍ جَهْرًا، وَلَوْ) كَانَتْ الصَّلَاةُ (فِي كُسُوفِ شَمْسٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً طَوِيلَةً كَالْبَقَرَةِ) وَنَحْوِهَا، (ثُمَّ يَرْكَعُ طَوِيلًا قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُمْ: (نَحْوَ مِائَةِ آيَةٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ) مِنْ رُكُوعِهِ (فَيُسَمِّعُ) ، أَيْ: يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فِي رَفْعِهِ، (وَيُحَمِّدُ) فِي اعْتِدَالِهِ، فَيَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ. (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً، وَيُطِيلُ) قِيَامَهُ (وَهُوَ دُونَ) الْقِيَامِ (الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ) رُكُوعَهُ، (وَهُوَ

دُونَ) الرُّكُوعِ (الْأَوَّلِ) ، نِسْبَةُ الرُّكُوعِ الثَّانِي إلَى الْقِرَاءَةِ، كَنِسْبَةِ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ. (ثُمَّ يَرْفَعُ) مِنْ الرُّكُوعِ وَيُسَمِّعُ وَيُحَمِّدُ، (وَلَا يُطِيلُ اعْتِدَالَهُ) ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الرِّوَايَاتِ (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ وَلَا يَزِيدُ وُجُوبًا عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: السَّجْدَتَيْنِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ الزَّائِدَ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّ السُّجُودَ مُتَكَرِّرٌ، بِخِلَافِ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ مُتَّحِدٌ. (وَلَا يُطِيلُ الْجُلُوسَ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (ثُمَّ يُصَلِّي) الرَّكْعَةَ (الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) مِنْ إتْيَانِهِ بِهَا بِرُكُوعَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، (لَكِنْ) تَكُونُ (دُونَهَا فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُ) فِيهَا، وَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ مِنْ السُّوَرِ، جَازَ، لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْقِرَاءَةِ، (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا أَدْنَى مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَمَّعَ وَحَمَّدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ: «ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ» وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ» ، (وَإِنْ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ (بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ أَوْ أَرْبَعِ) رُكُوعَاتٍ (أَوْ خَمْسِ) رُكُوعَاتٍ، (فَلَا بَأْسَ) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «صَلَّى سِتَّ

رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «صَلَّى فِي كُسُوفٍ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ، فَقَرَأَ سُورَةً مِنْ الطِّوَالِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا» . (وَيَتَّجِهُ: مَنْعُ زِيَادَةٍ) عَلَى خَمْسِ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَا بَعْدَ رُكُوعٍ أَوَّلٍ) كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ (سُنَّةٌ لَا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ) لِلْمَسْبُوقِ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي السُّنَنِ " عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِرُكُوعٍ وَاحِدً " (وَ) لِهَذَا (يَصِحُّ فِعْلُهَا كَنَافِلَةٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا تُعَادُ) الصَّلَاةُ (إنْ فَرَغَتْ قَبْلَ التَّجَلِّي، بَلْ يَذْكُرُ) اللَّهَ (وَيَدْعُوَ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ، فَلَا يَتَعَدَّدُ مُسَبَّبُهُ، (كَ) مَا لَوْ وَقَعَ (كُسُوفٌ بِوَقْتِ نَهْيٍ) ، فَلَا يُصَلِّي لَهُ، لِحَدِيثِ قَتَادَةَ، قَالَ: " انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، فَقَامُوا يَدْعُونَ قِيَامًا، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: هَكَذَا كَانُوا يَصْنَعُونَ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَمِثْلُ هَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ. (وَإِنْ تَجَلَّى) كُسُوفٌ وَهُوَ (فِيهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ (أَتَمَّهَا خَفِيفَةً) عَلَى صِفَتِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّجَلِّي، وَقَدْ حَصَلَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]

(وَ) إنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ (قَبْلَهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ، (لَمْ يُصَلِّ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» فَجَعَلَهُ غَايَةً لِلصَّلَاةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا زَوَالُ الْعَارِضِ، وَإِعَادَةُ النِّعْمَةِ بِالنُّورِ، وَقَدْ حَصَلَ. وَإِنْ خَفَّ قَبْلَهَا، شَرَعَ وَأَوْجَزَ. (وَإِنْ شَكَّ فِي التَّجَلِّي) لِنَحْوِ غَيْمٍ، (فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ) ، أَيْ: الْكُسُوفِ، فَيُتِمُّهَا مِنْ غَيْرِ تَخْفِيفٍ. (أَوْ ذَهَبَ) الْكُسُوفُ (عَنْ بَعْضِهِ) ، أَيْ: الْقَمَرِ، وَكَذَا الشَّمْسُ، (فَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَهَابِ الْبَاقِي) مِنْ الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ، (كَ) مَا لَوْ شَكَّ فِي وُجُودِ كُسُوفٍ مَا غَطَّاهُ السَّحَابُ، ثُمَّ ذَهَبَ عَنْ بَعْضِهِ فَرُئِيَ صَافِيًا، فَلَا يُصَلِّي لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ (عَدَمُ وُجُودِهِ) فَيُعْمَلُ بِهِ. (وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ) فِي كُسُوفٍ وَلَا غَيْرِهِ مِمَّا يُخْبِرُونَ بِهِ، (وَلَا يَجُوزُ عَمَلٌ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الرَّجْمِ بِالْغَيْبِ، فَلَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِمْ عَنْ الْمُغَيَّبَاتِ. " رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يُسَافِرَ لِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، اعْتَرَضَهُ مُنَجِّمٌ وَقْتَ الرُّكُوبِ، وَقَالَ: لَا تَسِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، فَإِنَّ الْقَمَرَ فِي الْعَقْرَبِ، فَقَالَ لَهُ: إنْ كَانَ الَّذِي فِي الْعَقْرَبِ قَمَرُ الْقَوْمِ، فَأَيْنَ قَمَرُنَا؟ وَإِنْ كَانَ قَمَرُنَا، فَأَيْنَ قَمَرُهُمْ؟ ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ مُنَجِّمٌ، وَلَا لَنَا مِنْ بَعْدِهِ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ لِلْمُنَجِّمِ: نُخَالِفُكَ وَنَسِيرُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الَّتِي نَهَيْتَنَا عَنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ: إيَّاكُمْ وَتَعَلُّمَ النُّجُومِ، إلَّا مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، إنَّمَا الْمُنَجِّمُ كَالْكَافِرِ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ. ثُمَّ سَافَرَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَلَقِيَ الْقَوْمَ وَقَتَلَهُمْ، وَهِيَ وَقْعَةُ النَّهْرَوَانُ الثَّانِيَةُ " وَمُرَادُهُ بِالْمُنَجِّمِ: الَّذِي كَالْكَافِرِ: إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النُّجُومَ فَعَّالَةٌ بِنَفْسِهَا، لِقَوْلِهِمْ: إضَافَةُ الْمَطَرِ إلَى النَّوْءِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرٌ إجْمَاعًا، وَأَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى

يَخْلُقُ، عِنْدَ اقْتِرَانِ الْكَوْكَبِ الْفُلَانِيِّ بِالْكَوْكَبِ الْفُلَانِيِّ، لَا أَنَّهُمَا يَفْعَلَانِهِ، فَلَا. (وَإِنْ غَابَتْ شَمْسٌ كَاسِفَةٌ) ، لَمْ يُصَلِّ، (أَوْ طَلَعَ فَجْرٌ وَقَمَرٌ خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ) لِأَنَّهُ ذَهَبَ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا. (وَإِنْ غَابَ) الْقَمَرُ (خَاسِفًا لَيْلًا، صَلَّى) ، لِبَقَاءِ وَقْتِ الِانْتِفَاعِ بِنُورِهِ. (وَمَتَى اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ، قُدِّمَتْ) جِنَازَةٌ عَلَى كُسُوفٍ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُخْشَى عَلَى الْمَيِّتِ بِالِانْتِظَارِ، (فَتُقَدَّمُ) صَلَاةُ جِنَازَةٍ (عَلَى مَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ كُسُوفٌ مِنْ جُمُعَةٍ أَمِنَ فَوْتَهَا وَلَمْ يَشْرَعْ فِي خُطْبَتِهَا، وَ) تُقَدَّمُ أَيْضًا عَلَى صَلَاةِ (عِيدٍ) أَمِنَ فَوْتَهَا، (وَ) عَلَى (مَكْتُوبَةٍ وَ) قَدْ (أُمِنَ فَوْتٌ) ، فَيُقَدَّمُ الْكُسُوفُ عَلَى ذَلِكَ خَشْيَةَ تَجَلِّيهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ خِيفَ فَوْتُ الْجُمُعَةِ، أَوْ كَانَ شَرَعَ فِي خُطْبَتِهَا، أَوْ خِيفَ فَوْتُ عِيدٍ أَوْ مَكْتُوبَةٍ، قُدِّمَتْ لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لَهَا، إذْ السُّنَّةُ لَا تُعَارِضُ فَرْضًا. (أَوْ) ، أَيْ: وَيُقَدَّمُ كُسُوفٌ عَلَى (وِتْرٍ وَلَوْ خِيفَ فَوْتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُقْضَى بِخِلَافِهَا، وَأَيْضًا هِيَ آكَدُ مِنْ الْوِتْرِ. (وَيُقَدَّمُ تَرَاوِيحُ عَلَى كُسُوفٍ إنْ تَعَذَّرَ فِعْلُهُمَا) فِي وَقْتِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّرَاوِيحَ تَخْتَصُّ بِرَمَضَانَ، بِخِلَافِ الْكُسُوفِ، فَتَفُوتُ بِفَوَاتِهِ. (وَإِنْ وَقَعَ) كُسُوفٌ (بِعَرَفَةَ، صَلَّى) صَلَاةَ الْكُسُوفِ، (ثُمَّ دَفَعَ) مِنْهَا. (وَذَهَبَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ إلَى (أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ كُسُوفُ) الشَّمْسِ إلَّا فِي الِاسْتِسْرَارِ آخِرَ الشَّهْرِ إذَا اجْتَمَعَ النِّيرَانُ، فَلَا يَكُونُ (إلَّا فِي ثَامِنِ) عِشْرِينَ (أَوْ) فِي (تَاسِعِ عِشْرِينَ) مِنْ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ. (وَلَا) يُتَصَوَّرُ (خُسُوفٌ إلَّا فِي إبْدَارِ الْقَمَرِ) وَهُوَ إذَا تَقَابَلَا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَنْكَسِفُ إلَّا وَقْتَ الِاسْتِسْرَارِ، وَأَنَّ الْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفُ إلَّا وَقْتَ الْإِبْدَارِ. وَقَالَ: مَنْ

فرع لا يصلى لآية من سائر الآيات غير كسوف

قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الشَّمْسَ تَنْكَسِفُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الِاسْتِسْرَارِ، فَقَدْ غَلِطَ، وَقَالَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ. وَأَخْطَأَ الْوَاقِدِيُّ فِي قَوْلِهِ: إنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ يَوْمَ الْعَاشِرِ، وَهُوَ الَّذِي انْكَسَفَتْ فِيهِ الشَّمْسُ. (وَاخْتَارَهُ) ، أَيْ: اخْتَارَ قَوْلَ الشَّيْخِ (فِي " الْإِقْنَاعِ ") قَائِلًا: وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِيلُ كُسُوفُ الشَّمْسِ بِعَرَفَةَ وَيَوْمِ الْعِيدِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَغِيبَ الْقَمَرُ لَيْلًا وَهُوَ خَاسِفٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَرَدَّهُ) ، أَيْ: رَدَّ قَوْلَ الشَّيْخِ (تِلْمِيذُهُ) ابْنُ مُفْلِحٍ (فِي " الْفُرُوعِ ") فَقَالَ: ذَكَرَ أَبُو شَامَةَ فِي تَارِيخِهِ ": أَنَّ الْقَمَرَ خَسَفَ لَيْلَةَ السَّادِسَ عَشْرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَكَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي غَدِهِ (وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . قَالَ: وَاتَّضَحَ بِذَلِكَ مَا صَوَّرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْكُسُوفِ وَالْعِيدِ، وَاسْتَبْعَدَهُ أَهْلُ النَّجَّامَةِ انْتَهَى. قَالَ فِي " الْفُصُولِ " لَا يَخْتَلِفُ النَّقْلُ فِي ذَلِكَ، نَقَلَهُ الْوَاقِدِيُّ وَالزُّبَيْرِيُّ. وَإِنَّ الْفُقَهَاءَ فَرَّعُوا وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ إذَا اتَّفَقَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا سِيَّمَا إذَا اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ، فَتَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا [فَرْعٌ لَا يُصَلَّى لِآيَةٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ غَيْرُ كُسُوفٍ] (فَرْعٌ: لَا يُصَلَّى لِآيَةٍ) مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ (غَيْرُ كُسُوفٍ، كَ) وُقُوعِ (ظُلْمَةٍ نَهَارًا، وَضِيَاءٍ لَيْلًا وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ وَصَوَاعِقَ) ، لِعَدَمِ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ، مَعَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي زَمَانِهِمْ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ، وَهُبُوبُ الرِّيَاحِ وَالصَّوَاعِقِ، (إلَّا لِزَلْزَلَةٍ دَائِمَةٍ، فَيُصَلَّى لَهَا كَصَلَاةِ كُسُوفٍ) نَصًّا " لِفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ "

باب صلاة الاستسقاء

رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ ، وَقَالَ: لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَقُلْنَا بِهِ. وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ صَلَاةُ رَهْبَةٍ وَخَوْفٍ، كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةُ رَحْمَةٍ وَرَجَاءٍ. [بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] أَيْ: بَابُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الِاسْتِسْقَاءِ (وَهُوَ) ، أَيْ: الِاسْتِسْقَاءُ (الدُّعَاءُ بِطَلَبِ السُّقْيَا عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) . وَالسُّقْيَا: بِضَمِّ السِّينِ: الِاسْمُ مِنْ السَّقْيِ. وَهِيَ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ حَتَّى بِسَفَرٍ) ، لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَتُفْعَلُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى، وَالْأَفْضَلُ جَمَاعَةً. (إذَا ضَرَّ) النَّاسَ (إجْدَابُ أَرْضٍ) ، يُقَالُ: أَجْدَبَ الْقَوْمُ، إذَا أَمْحَلُوا (أَوْ) ضَرَّهُمْ (قَحْطُ مَطَرٍ) ، أَيْ: احْتِبَاسُهُ (عَنْ أَرْضٍ مَسْكُونَةٍ أَوْ مَسْلُوكَةٍ) لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِي غَيْرِهِمَا (وَلَوْ) ضَرَّ (غَيْرَ أَرْضِهِمْ) ، لِحُصُولِ الضَّرَرِ بِهِ (أَوْ) ضَرَّهُمْ (غَوْرُ مَاءِ عُيُونٍ) فِي الْأَرْضِ، (أَوْ) ضَرَّهُمْ غَوْرُ مَاءِ (أَنْهَارٍ) جَمْعُ: نَهْرٍ، بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا: مَجْرَى الْمَاءِ. (أَوْ) ضَرَّهُمْ (نَقْصُهَا) ، أَيْ: نَقْصُ مَائِهَا (وَضَرَّ) ذَلِكَ بِهِمْ، فَتُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ لَهُ كَقَحْطِ الْمَطَرِ.

وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ الْإِمَامُ أَوْ الْمُطَاعُ فِي قَوْمِهِ زَمَنَ جَدْبٍ، لَزِمَهُ الِاسْتِسْقَاءُ فِي نَفْسِهِ. وَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ غَيْرَهُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِمْ، فَلَا يُجْبِرُهُمْ عَلَيْهِ. وَإِنْ نَذَرَهَا غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ الْمُطَاعِ، انْعَقَدَ نَذْرُهُ أَيْضًا، وَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ، لِحَدِيثِ «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (وَإِنْ نُذِرَتْ) صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ (زَمَنَ خِصْبٍ، لَمْ تَنْعَقِدْ) . صَوَّبَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ إذَنْ. (وَيَتَّجِهُ: بَلْ) مَنْ نَذَرَ الِاسْتِسْقَاءَ مِنْ خِصْبٍ، فَنَذْرُهُ (كَ) نَذْرٍ (مُبَاحٍ) ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ تَرْكِهَا، وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ". (وَوَقْتُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ (وَصِفَتُهَا فِي مَوْضِعِهَا وَأَحْكَامُهَا كَصَلَاةِ عِيدٍ مِنْ تَكْبِيرَاتٍ زَوَائِدَ وَخُطْبَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الْعِيدَيْنِ " فَعَلَى هَذَا تُسَنُّ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُقِمْهَا

إلَّا فِي الصَّحْرَاءِ، وَهِيَ أَوْسَعُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَسُنَّ فِعْلُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ (أَوَّلَ النَّهَارِ) وَقْتَ صَلَاةِ الْعِيدِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلَا تَتَقَيَّدُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، فَيَجُوزُ فِعْلُهَا بَعْدَهُ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، إلَّا أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ بِغَيْرِ خِلَافٍ. (وَيَقْرَأُ فِيهَا) : بِسَبِّحْ وَ: الْغَاشِيَةِ، (كَصَلَاةِ عِيدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ شَاءَ) قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} [نوح: 1] لِمُنَاسَبَتِهَا الْحَالَ، (فَ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (سُورَةً أُخْرَى) مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ. (وَإِذَا أَرَادَ إمَامٌ الْخُرُوجَ لَهَا، وَعَظَ النَّاسَ) ، أَيْ: خَوَّفَهُمْ، وَذَكَّرَهُمْ بِالْخَيْرِ لِتَرِقَّ بِهِ قُلُوبُهُمْ، وَيَنْصَحُهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ بِالْعَوَاقِبِ (وَأَمَرَهُمْ بِتَوْبَةٍ) مِنْ الْمَعَاصِي (وَرَدِّ مَظَالِمَ) بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ الْقَحْطِ، وَالتَّقْوَى سَبَبُ الْبَرَكَاتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] الْآيَةَ. (وَ) أَمَرَهُمْ بِ (تَرْكِ تَشَاحُنٍ) ، مِنْ الشَّحْنَاءِ وَهِيَ: الْعَدَاوَةُ؛ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْبَهْتِ، وَتَمْنَعُ نُزُولَ الْخَيْرِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ» (وَ) أَمَرَهُمْ (بِصَدَقَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِلرَّحْمَةِ الْمُفْضِيَةِ إلَى رَحْمَتِهِمْ بِنُزُولِ الْغَيْثِ. (وَ)

أَمَرَهُمْ بِ (صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، يَخْرُجُونَ آخِرَهَا صِيَامًا) ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى نُزُولِ الْغَيْثِ. وَقَدْ رُوِيَ: «دَعْوَةُ الصَّائِمِ لَا تُرَدُّ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ الشَّهْوَةِ، وَحُضُورِ الْقَلْبِ، وَالتَّذَلُّلِ لِلرَّبِّ. (وَلَا يَلْزَمَانِ) ، أَيْ: الصَّدَقَةُ وَالصَّوْمُ (بِأَمْرِهِ) مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ طَاعَتِهِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ. وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا. (وَلَيْسَ لَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (إلْزَامُ غَيْرِهِ بِخُرُوجٍ مَعَهُ) إلَى الْمُصَلَّى (وَقَوْلُهُمْ: تَجِبُ طَاعَتُهُ، الْمُرَادُ بِهِ: فِي السِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْأُمُورِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا) لَا مُطْلَقًا، وَلِهَذَا جَزَمَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ فِي الطَّاعَةِ، وَتُسَنُّ فِي الْمَسْنُونِ، وَتُكْرَهُ فِي الْمَكْرُوهِ. (وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ) لِلِاسْتِسْقَاءِ، لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ، قَالَتْ: وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيَتَنَظَّفُ لَهَا بِغُسْلٍ وَسِوَاكٍ وَإِزَالَةِ رَائِحَةٍ) كَرِيهَةٍ وَتَقْلِيمِ أَظْفَارٍ وَنَحْوِهِ، لِئَلَّا يُؤْذِيَ النَّاسَ، وَهُوَ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ لَهُ، أَشْبَهَ الْجُمُعَةَ. (وَلَا يَتَطَيَّبُ) ، وِفَاقًا؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ اسْتِكَانَةٍ وَخُضُوعٍ، (وَيَخْرُجُ) إلَى الْمُصَلَّى (فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ مُتَوَاضِعًا، مُتَخَشِّعًا) ، أَيْ: خَاضِعًا (مُتَذَلِّلًا) مِنْ الذُّلِّ، وَهُوَ: الْهَوَانُ، (مُتَضَرِّعًا) ، أَيْ: مُسْتَكِينًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلِاسْتِسْقَاءِ مُتَذَلِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَالْخُشُوعُ: سُكُونُ الْقَلْبِ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى غَيْرِهِ، وَسُكُونُ الْجَوَارِحِ عَنْ التَّقَلُّبِ فِي غَيْرِ الْمَفْعُولِ عَلَى قَصْدِ الْقُرْبَةِ. (وَمَعَهُ أَهْلُ دِينٍ وَصَلَاحٍ وَشُيُوخٌ) ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِإِجَابَتِهِمْ. " وَقَدْ اسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ، وَمُعَاوِيَةُ بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ مَرَّةً أُخْرَى " ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، وَقَالَ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": لَا بَأْسَ

بِالتَّوَسُّلِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ. وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَشْفِعَ إلَى اللَّهِ بِرَجُلٍ صَالِحٍ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» : الِاسْتِعَاذَةُ لَا تَكُونُ بِمَخْلُوقٍ (وَسُنَّ خُرُوجُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، فَتُرْجَى إجَابَةُ دُعَائِهِ. (وَأُبِيحَ خُرُوجُ طِفْلٍ وَعَجُوزٍ وَبَهِيمَةٍ) ؛ لِأَنَّ الرِّزْقَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْكُلِّ. وَرَوَى الْبَزَّارُ مَرْفُوعًا: «لَوْلَا أَطْفَالٌ رُضَّعٌ، وَعِبَادٌ رُكَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا» وَرُوِيَ «أَنَّ سُلَيْمَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً، وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ رِزْقِكَ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: ارْجِعُوا، فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ» (وَكَذَا) أُبِيحَ (تَوَسُّلٌ بِصَالِحِينَ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". (وَقِيلَ: يُسَنُّ) ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ: يُتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دُعَائِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالتَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَطَاعَتِهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَبِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي حَقِّهِ مَشْرُوعٌ إجْمَاعًا، وَهُوَ مِنْ الْوَسِيلَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: {اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} [المائدة: 35] (وَكُرِهَ) خُرُوجٌ (لِنِسَاءٍ ذَوَاتِ هَيْئَةٍ) خَوْفَ الْفِتْنَةِ.

(وَ) كُرِهَ (إخْرَاجُنَا لِأَهْلِ ذِمَّةٍ) وَمَنْ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنْ الْإِجَابَةِ. وَإِنْ أُغِيثَ الْمُسْلِمُونَ، فَرُبَّمَا ظَنُّوهُ بِدُعَائِهِمْ. (وَلَا يُمْنَعُونَ إنْ خَرَجُوا) مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَاَللَّهُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَكُونُ خُرُوجُهُمْ (مُنْفَرِدِينَ بِمَكَانٍ) عَنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَخْتَلِطُونَ بِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذَابٌ، فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَ. وَ (لَا) يَنْفَرِدُونَ (بِيَوْمٍ) لِئَلَّا يَتَّفِقَ نُزُولُ غَيْثٍ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ لِفِتْنَتِهِمْ، وَرُبَّمَا افْتَتَنَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ. وَحُكْمُ نِسَائِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ وَعَجَائِزِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ كَحُكْمِهِمْ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ مُنْفَرِدِينَ بِيَوْمٍ. (وَلَا تَخْرُجُ مِنْهُمْ شَابَّةٌ كَالْمُسْلِمِينَ) وَالْمُرَادُ: حَسْنَاءُ وَلَوْ عَجُوزًا خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ (وَيُؤْمَرُ سَادَةُ أَرِقَّاءَ بِإِخْرَاجِهِمْ) رَجَاءَ اسْتِجَابَةِ دُعَائِهِمْ، لِانْكِسَارِهِمْ بِالرِّقِّ. (وَإِذَا صَلَّى بِهِمْ) رَكْعَتَيْنِ كَالْعِيدِ (خَطَبَ) بَعْدَ ذَلِكَ (خُطْبَةً وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ خَطَبَنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَكَالْعِيدِ يَجْلِسُ قَبْلَهَا إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ، لِيَتَرَادَّ إلَيْهِ نَفَسُهُ، ثُمَّ (يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ تِسْعًا) نَسَقًا (كَعِيدٍ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «صَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ» (وَيُكْثِرُ فِيهَا

نَدْبًا مِنْ اسْتِغْفَارٍ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ نُزُولِ الْغَيْثِ. رَوَى سَعِيدٌ " أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَاكَ اسْتَسْقَيْتَ، فَقَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ الْغَيْثَ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّذِي يُسْتَنْزَلُ بِهِ الْمَطَرُ، ثُمَّ قَرَأَ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": مَجَادِيحُ السَّمَاءِ: أَنْوَاؤُهَا. (وَ) يُكْثِرُ أَيْضًا مِنْ (قِرَاءَةِ آيَاتٍ فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ) ، أَيْ: بِالِاسْتِغْفَارِ (نَحْوُ) قَوْله تَعَالَى {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] وَ {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 3] (وَ) مِنْ (صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِأَنَّهَا مَعُونَةٌ عَلَى الْإِجَابَةِ. وَعَنْ عُمَرَ، قَالَ: " الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) وَقْتَ الدُّعَاءِ، لِقَوْلِ أَنَسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَكَانَ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَظُهُورُهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ) ، لِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (فَيَدْعُو قَائِمًا) كَسَائِرِ الْخُطْبَةِ، (وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ جَالِسًا) رَافِعًا يَدَيْهِ كَالْإِمَامِ، (وَمَهْمَا دَعَا بِهِ، جَازَ) ، لِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ، (وَالْأَفْضَلُ) الدُّعَاءُ (بِدُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] (وَهُوَ: " اللَّهُمَّ) - أَيْ: يَا اللَّهُ - (اسْقِنَا) - بِوَصْلِ

الْهَمْزَةِ وَقَطْعِهَا - (غَيْثًا) هُوَ مَصْدَرٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْمَطَرُ، وَيُسَمَّى: الْكَلَأُ، غَيْثًا (مُغِيثًا) ، أَيْ: مُنْقِذًا مِنْ الشِّدَّةِ، يُقَالُ: غَاثَهُ، وَأَغَاثَهُ، وَغِيثَتْ الْأَرْضُ، فَهِيَ مُغِيثَةٌ وَمَغْيُوثَةٌ. (هَنِيئًا) بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ: حَاصِلًا بِلَا مَشَقَّةٍ. (مَرِيئًا) : السَّهْلُ النَّافِعُ الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةَ، وَهُوَ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ، (مَرِيعًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: مُخْصِبًا كَثِيرَ النَّبَاتِ، يُقَالُ: أَمْرَعَ الْمَكَانُ وَمُرْعٍ بِالضَّمِّ: إذَا أَخْصَبَ. (غَدَقًا) بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا، وَالْمُغْدِقُ: الْكَثِيرُ الْمَاءِ وَالْخَيْرِ. (مُجَلَّلًا) : السَّحَابَ الَّذِي يَعُمُّ الْبِلَادَ نَفْعُهُ. (سَحًّا) : الصَّبُّ يُقَالُ: سَحَّ الْمَاءُ، يَسِحُّ: إذَا سَالَ مِنْ فَوْقٍ إلَى أَسْفَلَ، وَسَاحَ يَسِيحُ إذَا جَرَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. (عَامًّا) شَامِلًا (طَبَقًا) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ: الَّذِي طَبَقَ الْبِلَادَ مَطَرُهُ (دَائِمًا) ، أَيْ: مُتَّصِلًا إلَى أَنْ يَحْصُلَ الْخِصْبُ. (نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ ") رَوَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ: " أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَاكِي فَقَالَ: فَذَكَرَهُ. قَالَ: فَأَطْبَقَتْ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ " «اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَسْقَى قَالَ، فَذَكَرَهُ " ( «اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ» ) ، أَيْ: الْآيِسِينَ، قَالَ تَعَالَى: {لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53] ، أَيْ: لَا تَيْأَسُوا. «اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنْ اللَّأْوَاءِ» ، أَيْ: الشِّدَّةِ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: شِدَّةُ الْمَجَاعَةِ. (وَالْجَهْدِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ: الْمَشَقَّةُ، وَضَمِّهَا: الطَّاقَةُ، قَالَهُ

الْجَوْهَرِيُّ. (وَالضَّنْكِ) : الضِّيقُ (مَا لَا نَشْكُوهُ إلَّا إلَيْكَ اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ) . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الضَّرْعُ لِكُلِّ ذَاتِ خُفٍّ أَوْ ظِلْفٍ (وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ) ، أَيْ: الْمَطَرِ الْكَثِيرِ النَّافِعِ. وَالْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ هُنَا: السَّحَابُ (وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجُوعَ وَالْجَهْدَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا ") ، أَيْ: دَائِمًا زَمَنَ الْحَاجَةِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ: «اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ " عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ. (وَسُنَّ اسْتِقْبَالُ إمَامٍ الْقِبْلَةَ أَثْنَاءَ خُطْبَةٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (قَائِلًا سِرًّا: اللَّهُمَّ إنَّكَ أَمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ وَوَعَدْتَنَا إجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا) قَوْله تَعَالَى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وقَوْله تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] وَإِنْ دَعَا بِغَيْرِهِ، فَلَا بَأْسَ. (ثُمَّ يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ فَيَجْعَلُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ) وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ وَدَعَا اللَّهَ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ» (وَكَذَا النَّاسُ) يُحَوِّلُونَ أَرْدِيَتَهُمْ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ

فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ، كَيْفَ وَقَدْ عُقِلَ الْمَعْنَى، وَهُوَ التَّفَاؤُلُ بِقَلْبِ مَا بِهِمْ مِنْ الْجَدْبِ إلَى الْخِصْبِ. بَلْ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. (وَيَتْرُكُونَهُ) ، أَيْ: الرِّدَاءَ مُحَوَّلًا (حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ) لِعَدَمِ نَقْلِ إعَادَتِهِ. وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: لَا تَحْوِيلَ فِي كُسُوفٍ، وَلَا حَالَةَ الْأَمْطَارِ وَالزَّلْزَلَةِ. (وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الدُّعَاءِ اسْتَقْبَلَهُمْ، ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْخَيْرِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَيَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ) مِنْ الْقُرْآنِ (ثُمَّ يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ تَمَّتْ الْخُطْبَةُ) . ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ. (فَإِنْ سُقُوا) ، فَذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ، (وَإِلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا) وَأَلَحُّوا فِي الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّضَرُّعِ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ فَاسْتُحِبَّ كَالْأَوَّلِ. قَالَ أَصْبَغُ: اُسْتُسْقِيَ لِلنِّيلِ بِمِصْرَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً مُتَوَالِيَةً، وَحَضَرَهُ ابْنُ قَاسِمٍ وَابْنُ وَهْبٍ وَجَمْعٌ. (وَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، فَإِنْ) كَانُوا (تَأَهَّبُوا) لِلْخُرُوجِ (خَرَجُوا وَصَلَّوْهَا شُكْرًا لِلَّهِ) تَعَالَى، (وَإِلَّا) يَكُونُوا تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ (لَمْ يَخْرُجُوا) ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، (وَشَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِأَجْلِ الْعَارِضِ مِنْ الْجَدْبِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ النُّزُولِ. وَإِنْ سُقُوا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، صَلَّوْا وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " (وَإِنْ اسْتَسْقَوْا عَقِبَ صَلَوَاتِهِمْ أَوْ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، أَصَابُوا السُّنَّةَ) .

ذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمْعٌ: أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ، وَهُوَ أَكْمَلُهَا. الثَّانِي: " اسْتِسْقَاءُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي خُطْبَتِهَا، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. الثَّالِثُ: دُعَاؤُهُمْ عَقِبَ صَلَوَاتِهِمْ وَفِي خَلَوَاتِهِمْ. (وَسُنَّ وُقُوفٌ فِي أَوَّلِ مَطَرٍ وَتَوَضُّؤٌ وَاغْتِسَالٌ مِنْهُ وَإِخْرَاجُ رَحْلِهِ) ، أَيْ: مَا يُسْتَصْحَبُ مِنْ أَثَاثٍ، (وَ) إخْرَاجُ (ثِيَابِهِ لِيُصِيبَهَا) الْمَطَرُ، لِقَوْلِ أَنَسٍ: «أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَطَرٌ، فَحَسَرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ فَقُلْنَا: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْزِعُ ثِيَابَهُ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ إلَّا الْإِزَارَ يَتَّزِرُ بِهِ» وَ " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ قَالَ لِغُلَامِهِ: أَخْرِجْ رَحْلِي وَفِرَاشِي يُصِيبُهُ الْمَطَرُ " (وَيَغْتَسِلُ فِي الْوَادِي إذَا سَالَ) . وَاقْتَصَرَ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى الْوُضُوءِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ إذَا سَالَ الْوَادِي: اُخْرُجُوا بِنَا إلَى الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ بِهِ» (وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَى الْمَطَرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ. وَعِبَارَةُ " الْآدَابِ الْكُبْرَى " بِالسِّينِ. قَالَ: السَّيِّبُ: الْعَطَاءُ. (وَإِنْ كَثُرَ مَطَرٌ حَتَّى خِيفَ مِنْهُ، سُنَّ قَوْلُ: " اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا ") ، أَيْ: أَنْزِلْهُ حَوَالَيْ الْمَدِينَةِ مَوَاضِعَ النَّبَاتِ، وَلَا عَلَيْنَا فِي الْمَدِينَةِ، وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْمَبَانِي (اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ تَلِيهَا مَدَّةٌ عَلَى وَزْنِ آصَالٍ، وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلَى وَزْنِ جِبَالٍ، فَالْأَوَّلُ:

جَمْعُ أُكُمٍ، كَعُنُقٍ وَأَعْنَاقٍ، وَأُكُمٌ جَمْعُ إكَامٍ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ، وَإِكَامٌ جَمْعُ أَكَمٍ، كَجَبَلٍ وَجِبَالٍ. وَأَكَمٌ وَاحِدُهُ أَكَمَةٌ، فَهُوَ مُفْرَدٌ جُمِعَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ جَبَلًا، وَكَانَ أَكْثَرَ ارْتِفَاعًا مِمَّا حَوْلَهُ كَالتُّلُولِ وَنَحْوِهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ الْجِبَالُ الصِّغَارُ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ حَجَرٌ وَاحِدٌ. (وَالظِّرَابُ) ، أَيْ: الرَّوَابِي الصِّغَارُ، جَمْعُ ظَرِبٍ، بِكَسْرِ الرَّاءِ، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. (وَبُطُونُ الْأَوْدِيَةِ) ، أَيْ: الْأَمْكِنَةُ الْمُنْخَفِضَةُ (وَمَنَابِتُ الشَّجَرِ) ، أَيْ: أُصُولُهَا؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهَا. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي لِذَلِكَ، بَلْ يَدْعُو؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الضَّرَرَيْنِ، فَاسْتُحِبَّ لِانْقِطَاعِهِ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ. وَلَا يُشْرَعُ لَهُ الِاجْتِمَاعُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَيَقْرَأُ {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] إلَى آخِرِهِ (الْآيَةَ) ؛ لِأَنَّهَا لَائِقَةٌ بِالْحَالِ، فَاسْتُحِبَّ قَوْلُهَا، كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ اللَّائِقَةِ بِمَحَالِّهَا: وقَوْله تَعَالَى: {وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] ، أَيْ: لَا تُكَلِّفْنَا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ، وَقِيلَ: هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالْوَسْوَسَةُ. وَعَنْ مَكْحُولٍ: هُوَ الْغِلْمَةُ، أَيْ: الشَّهْوَةُ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ: هُوَ الْحُبُّ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ: هُوَ الْعِشْقُ. وَقِيلَ: شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ. وَقِيلَ هُوَ الْفُرْقَةُ وَالْقَطِيعَةُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا. " وَاعْفُ عَنَّا "، أَيْ: تَجَاوَزْ عَنَّا ذُنُوبَنَا. " وَاغْفِرْ لَنَا "، أَيْ: اُسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا وَلَا تَفْضَحْنَا. " وَارْحَمْنَا " فَإِنَّنَا لَا نَنَالُ الْعَمَلَ بِطَاعَتِكَ وَلَا تَرْكِ مَعَاصِيكَ إلَّا بِرَحْمَتِكَ. " أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا " وَحَافِظُنَا. (وَكَذَلِكَ إذَا زَادَ مَاءُ نَهْرٍ بِحَيْثُ يَضُرُّ، اُسْتُحِبَّ دُعَاءٌ لَيُخَفَّفَ عَنْهُمْ، وَيُصْرَفَ إلَى أَمَاكِنَ يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى زِيَادَةِ الْأَمْطَارِ.

فصل من رأى سحابا أو هبت ريح

(وَسُنَّ دُعَاءٌ عِنْدَ نُزُولِ غَيْثٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ عِنْدَ ثَلَاثٍ: الْتِقَاءُ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَنُزُولُ الْغَيْثِ» (وَ) سُنَّ (قَوْلُ: " مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ " وَيَحْرُمُ) قَوْلُ: مُطِرْنَا (بِنَوْءِ كَذَا) ، لِخَبَرِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَلَمْ تَرَوْا إلَى مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، يَنْزِلُ الْغَيْثُ فَيَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا» وَفِي رِوَايَةٍ " بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا " فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كُفْرُ النِّعْمَةِ. (وَإِضَافَةُ مَطَرٍ إلَى نَوْءٍ دُونَ اللَّهِ اعْتِقَادًا كُفْرٌ إجْمَاعًا) ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ، لِاعْتِقَادِهِ خَالِقًا غَيْرَ اللَّهِ. (وَلَا يُكْرَهُ) قَوْلُ: مُطِرْنَا (فِي نَوْءِ كَذَا) ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: بِرَحْمَةِ اللَّهِ، خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ. وَالنَّوْءُ: النَّجْمُ مَالَ لِلْغُرُوبِ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ ". وَالْأَنْوَاءُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً، وَهِيَ مَنَازِلُ الْقَمَرِ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} [يس: 39] . [فَصْلٌ مَنْ رَأَى سَحَابًا أَوْ هَبَّتْ رِيحٌ] (فَصْلٌ) (وَمَنْ رَأَى سَحَابًا أَوْ هَبَّتْ رِيحٌ سَأَلَ اللَّهَ خَيْرَهُ، وَتَعَوَّذَ مِنْ شَرِّهِ، وَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَلَا يَسُبُّ الرِّيحَ إذَا عَصَفَتْ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، يَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَيَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَلَا تَسُبُّوهَا، وَاسْأَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا مِنْ شَرِّهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (بَلْ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ

مَا أُرْسِلَتْ بِهِ» ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ. «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا» ) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ " قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57] وَقَالَ تَعَالَى: {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ} [الحاقة: 6] . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا لَقْحًا لَا عَقِيمًا» وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ وَأَبُو يَعْلَى: وَيُكَبِّرُ، «وَيَقُولُ إذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ: اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ، سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فِيمَا إذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ مُقَدَّمًا: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ إلَى آخِرِهِ، عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا نَقَلَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ عَنْهُ فِي " الْكَلِمِ الطَّيِّبِ ". (وَلَا يُتْبِعُ بَصَرَهُ الْبَرْقَ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) . فَائِدَةٌ: رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْحِلْيَةِ " بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ أَبِي زَكَرِيَّا قَالَ: مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عِنْدَ الْبَرْقِ، لَمْ تُصِبْهُ صَاعِقَةٌ. (وَيَقُولُ إذَا انْقَضَّ كَوْكَبٌ: " مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ") لِلْخَبَرِ رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ ". (وَإِذَا سَمِعَ نَهِيقَ حِمَارٍ) اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ. (أَوْ) سَمِعَ (نُبَاحَ) بِضَمِّ النُّونِ، أَيْ: صَوْتَ (كَلْبٍ، اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد. (وَإِذَا سَمِعَ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، سَأَلَ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) ، لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ، قَالَ فِي " الْآدَابِ ": يُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْقِرَاءَةِ لِذَلِكَ، كَمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ يَقْطَعُهَا لِلْأَذَانِ، ظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ.

(وَ) وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ (قَوْسَ قُزَحَ) أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ الْغَرَقِ، وَهُوَ (مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: وَدَعْوَى الْعَامَّةِ: إنْ غَلَبَتْ حُمْرَتُهُ كَانَتْ الْفِتَنُ وَالدِّمَاءُ، وَإِنْ غَلَبَتْ خُضْرَتُهُ كَانَ الرَّخَاءُ وَالسُّرُورُ، هَذَيَانٌ) ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ. (فَرْعٌ: وَرَدَ: " لَا تَقُولُوا: قَوْسُ قُزَحَ، فَإِنَّ قُزَحَ شَيْطَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: قَوْسُ اللَّهِ، فَهُوَ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ الْغَرَقِ ") وَقُزَحُ: كَزُفَرَ، سُمِّيَتْ لِتَلَوُّنِهَا، مِنْ الْقُزْحَةِ: بِالضَّمِّ لِلطَّرِيقَةِ مِنْ صُفْرَةٍ، وَحُمْرَةٍ وَخُضْرَةٍ، أَوْ مِنْ ارْتِفَاعِهَا، مِنْ: قَزَحَ إذَا ارْتَفَعَ، وَمِنْهُ: شَعْرٌ قَازِحٌ عَالٍ، أَوْ قُزَحُ: اسْمُ مَلَكٍ مُوَكَّلٍ بِالسَّحَابِ، أَوْ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَمِ، أُضِيفَتْ قَوْسُ لِأَحَدِهِمَا، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ ".

كتاب الجنائز

[كِتَابُ الْجَنَائِزِ] ِ بِفَتْحِ الْجِيمِ: جَمْعُ جِنَازَةٍ، بِكَسْرِهَا، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ: لِلْمَيِّتِ، وَبِالْكَسْرِ: لِلنَّعْشِ عَلَيْهِ مَيِّتٌ، وَقِيلَ عَكْسُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَيِّتٌ، فَلَا يُقَالُ: نَعْشٌ، وَلَا جِنَازَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: سَرِيرٌ. وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ جَنَزَ، مِنْ بَابِ: ضَرَبَ إذَا سَتَرَ. وَكَانَ مِنْ حَقِّ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَهَمَّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، أَعْقَبَهُ لِلصَّلَاةِ. (يُشْرَعُ) ، أَيْ: يُسَنُّ (الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ بِتَوْبَةٍ مِنْ مَعَاصٍ وَخُرُوجٍ مِنْ مَظَالِمِ) الْعِبَادِ، إمَّا بِرَدِّهَا، أَوْ الِاسْتِحْلَالِ مِنْ أَرْبَابِهَا، (وَزِيَادَةِ عَمَلٍ صَالِحٍ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا} [الكهف: 110] . (وَمَنْ عَرَفَ الْمَوْتَ هَانَتْ عَلَيْهِ مَصَائِبُ الدُّنْيَا) ، إذْ لَا مُصِيبَةَ أَعْظَمُ مِنْهُ، قَالَ تَعَالَى: {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: 106] . (وَسُنَّ إكْثَارٌ مِنْ ذِكْرِهِ) ، أَيْ: الْمَوْتِ، لِحَدِيثِ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فَمَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ إلَّا قَلَّلَهُ، وَلَا فِي قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ» قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَعْنَاهُ: مَتَى ذُكِرَ فِي قَلِيلِ الرِّزْقِ، اسْتَكْثَرَهُ الْإِنْسَانُ، لِاسْتِقْلَالِ مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ، وَمَتَى ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ قَلَّلَهُ، لِأَنَّ كَثِيرَ الدُّنْيَا إذَا عُلِمَ انْقِطَاعُهُ بِالْمَوْتِ، قَلَّ عِنْدَهُ. وَهَاذِمُ اللَّذَّاتِ، بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: الْمَوْتُ

(وَ) سُنَّ (عِيَادَةُ) مَرِيضٍ (مُسْلِمٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (غَيْرِ مُبْتَدِعٍ يَجِبُ هَجْرُهُ، كَرَافِضِي) دَاعِيَةٍ أَوْ لَا، قَالَ فِي " النَّوَادِرِ ": تَحْرُمُ عِيَادَتُهُ. (أَوْ يُسَنُّ) هَجْرُهُ، (كَمُتَجَاهِرٍ بِمَعْصِيَةٍ) ، فَلَا تُسَنُّ عِيَادَتُهُ إذَا مَرِضَ، لِيَرْتَدِعَ وَيَتُوبَ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: إذَا عَلِمَ مِنْ رَجُلٍ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، لَمْ يَأْثَمْ إنْ هُوَ جَفَاهُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَإِلَّا، كَيْفَ يُبَيِّنُ لِلرَّجُلِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُرَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ وَلَا جَفْوَةً مِنْ صَدِيقٍ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَجَاهِرِ بِمَعْصِيَةٍ يُعَادُ، (قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَتُكْرَهُ عِيَادَةُ رَجُلٍ لِامْرَأَةٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ) لَهُ، (أَوْ تَعُودُهُ) هِيَ، (وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ) جَوَازَ (عِيَادَتِهَا) إذَا كَانَتْ مُسْتَتِرَةً، (وَحَمَلَ) هَذَا الْإِطْلَاقَ (عَلَى مَنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً) ، وَهُوَ مَحْمَلٌ حَسَنٌ. (وَيُعَادُ مِنْ وَجَعِ ضِرْسٍ، وَرَمَدٍ، وَدُمَّلٍ) لِحَدِيثِ «زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَهُ لِمَرَضٍ كَانَ بِعَيْنِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. (قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّصُّ وُجُوبُ ذَلِكَ) ، كَرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، (وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: الشِّيرَازِيُّ، كَمَا فِي " الْمُبْدِعِ " وَقَالَ: تَبَعًا لِجَدِّهِ، (وَالْمُرَادُ: مَرَّةً) ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ. (وَسُنَّ كَوْنُ عِيَادَتِهِ) ، أَيْ: الْمَرِيضِ (غِبًّا) قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَالْعَمَلُ بِالْقَرَائِنِ وَظَاهِرِ الْحَالِ. وَتَكُونُ الْعِيَادَةُ (مِنْ أَوَّلِ الْمَرَضِ) ، لِحَدِيثِ: " وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ ". وَتَكُونُ (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) ، لِلْخَبَرِ قَالَ أَحْمَدُ عَنْ قُرْبِ وَسَطِ النَّهَارِ:

لَيْسَ هَذَا وَقْتَ عِيَادَةٍ. (وَ) تَكُونُ (فِي رَمَضَانَ لَيْلًا) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْعَائِدِ. (وَ) سُنَّ لِعَائِدٍ (تَذْكِيرُهُ) - أَيْ: الْمَرِيضِ، مَخُوفًا كَانَ مَرَضُهُ أَوْ لَا - (تَوْبَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَجُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ، (وَ) تَذْكِيرُهُ (وَصِيَّةً، وَلَوْ) كَانَ (بِ) مَرَضٍ (غَيْرِ مَخُوفٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَدْعُو لَهُ) ، أَيْ: لِلْمَرِيضِ، (بِعَافِيَةٍ وَصَلَاحٍ، وَيَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ) ، نَحْوَ: كَيْفَ أَجِدُكَ؟ (وَيُنَفِّسُ لَهُ فِي الْأَجَلِ بِمَا يُطَيِّبُ نَفْسَهُ) إدْخَالًا لِلسُّرُورِ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ، فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ» لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، كَمَا قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". تَتِمَّةٌ: رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عُمَرَ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ، مَرْفُوعًا: «سَلُوهُ الدُّعَاءَ، فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ» . (وَلَا يُطِيلُ) الْعَائِدُ (الْجُلُوسَ) عِنْدَ الْمَرِيضِ خَوْفًا مِنْ الضَّجَرِ، (إلَّا إنْ أَنِسَ بِهِ) ، أَيْ: الْعَائِدِ (مَرِيضٌ) ، فَلَا بَأْسَ بِتَطْوِيلِهِ عِنْدَهُ جَبْرًا لِقَلْبِهِ، (وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ: أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ) ، أَيْ: يَتْرُكُ (سَقَمًا وَيَقُولُ: " أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ، رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَكَ وَيُعَافِيك " سَبْعَ مَرَّاتٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إسْقَاطُ: " وَيُعَافِيك ". وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ " وَأَنْ يَقْرَأَ عِنْدَهُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ،

وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا جَاءَ رَجُلٌ يَعُودُ مَرِيضًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا، أَوْ يَمْشِي لَكَ إلَى صَلَاةٍ» وَصَحَّ «أَنَّ جِبْرِيلَ عَادَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيَكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيَكَ، بِاسْمِهِ أَرْقِيَكَ» «وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ عَلَى مَنْ يَعُودُهُ، قَالَ: لَا بَأْسَ طَهُورًا إنْ شَاءَ اللَّهُ» . (وَلَا بَأْسَ بِوَضْعِ) الْعَائِدِ (يَدَهُ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْمَرِيضِ. وَفِي " الْفُنُونِ ": إنْ سَأَلَكَ وَضْعَ يَدِكَ عَلَى رَأْسِهِ لِلتَّشَفِّي، فَجَدِّدْ تَوْبَةً، لَعَلَّهُ يَتَحَقَّقُ ظَنُّهُ فِيكَ، وَقَبِيحٌ تَعَاطِيكَ مَا لَيْسَ لَكَ، وَإِهْمَالُ هَذَا وَأَمْثَالِهِ يُعْمِي الْقُلُوبَ، وَيُخَمِّرُ الْعُيُونَ، وَيَعُودُ بِالرِّيَاءِ. (وَ) لَا بَأْسَ بِ (إخْبَارِ مَرِيضٍ بِمَا يَجِدُ بِلَا شَكْوَى بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا كَانَ الشُّكْرُ قَبْلَ الشَّكْوَى، فَلَيْسَ بِشَاكٍ» وقَوْله تَعَالَى: حِكَايَةً عَنْ مُوسَى: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف: 62] «وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ: أَجِدُنِي مَغْمُومًا أَجِدُنِي مَكْرُوبًا» وَلَا بَأْسَ بِشَكْوَاهُ لِخَالِقِهِ. (وَسُنَّ لَهُ) ، أَيْ: الْمَرِيضِ (صَبْرٌ) ، وَكَذَا كُلُّ مُبْتَلًى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ} [النحل: 127] وقَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] وَحَدِيثُ: «الصَّبْرُ ضِيَاءٌ» . (وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ: صَبْرٌ بِلَا شَكْوَى لِمَخْلُوقٍ) قَالَ الزَّجَّاجُ:

إنَّ الصَّبْرَ الْجَمِيلَ لَا جَزَعَ فِيهِ وَلَا شَكْوَى لِلنَّاسِ. وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ شَكَا إلَى اللَّهِ لَا مِنْهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الدُّعَاءَ، بِمَعْنَى: يَا رَبِّ ارْحَمْ أَسَفِي عَلَى يُوسُفَ، وَمِنْ الشَّكْوَى إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُ أَيُّوبَ: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] وَقَوْلُ يَعْقُوبَ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَا إلَى النَّاسِ، وَهُوَ فِي شَكْوَاهُ رَاضٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَزَعًا، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجِبْرِيلَ: أَجِدُنِي مَغْمُومًا، أَجِدُنِي مَكْرُوبًا وَقَوْلِهِ: بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ» . (وَيَنْبَغِي) لِلْمَرِيضِ (أَنْ يُحْسِنَ ظَنَّهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا " أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي " زَادَ أَحْمَدُ: «إنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا، فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا، فَلَهُ» وَعَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» . (وَيُغَلِّبُ) مَرِيضٌ (الرَّجَاءَ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] (وَقِيلَ: يَجِبُ) تَغْلِيبُ الرَّجَاءِ طَمَعًا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. (وَنَصَّ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: (يَكُونُ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ وَاحِدًا، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ صَاحِبَهُ، هَلَكَ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (هَذَا الْعَدْلُ) ؛ لِأَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حَالُ الْخَوْفِ، أَوْقَعَهُ فِي نَوْعٍ مِنْ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ، إمَّا فِي نَفْسِهِ، وَإِمَّا فِي أُمُورِ النَّاسِ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حَالُ الرَّجَاءِ بِلَا

خَوْفٍ، أَوْقَعَهُ فِي نَوْعٍ مِنْ الْأَمْنِ لِمَكْرِ اللَّهِ، إمَّا فِي نَفْسِهِ، وَإِمَّا فِي النَّاسِ. وَالرَّجَاءُ بِحَسَبِ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبَهُ يَجِبُ تَرْجِيحُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي خَيْرًا» وَأَمَّا الْخَوْفُ فَيَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى تَفْرِيطِ الْعَبْدِ وَتَعَدِّيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدْلٌ لَا يَأْخُذُ إلَّا بِالذَّنْبِ. (وَكُرِهَ أَنِينٌ) ؛ لِأَنَّهُ يُتَرْجِمُ عَنْ الشَّكْوَى، مَا لَمْ يَغْلِبْهُ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الصَّبْرُ وَالرِّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الثَّوَابَ فِي الْمَصَائِبِ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا، لَا عَلَى الْمُصِيبَةِ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى كَسْبِهِ، وَالرِّضَى بِالْقَضَاءِ فَوْقَ الصَّبْرِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ رِضَاءَ اللَّهِ تَعَالَى. (وَ) كُرِهَ (تَمَنِّي الْمَوْتِ) ، نَزَلَ بِهِ ضَرَرٌ أَوْ لَا، وَحَدِيثُ: «لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ. (إلَّا لِخَوْفِ فِتْنَةٍ) فِي دِينِهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً، فَاقْبِضْنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ» (أَوْ) إلَّا (لِ) تَمَنِّي (شَهَادَةٍ) ، فَلَا يُكْرَهُ، بَلْ يُسْتَحَبُّ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ حُضُورِ أَسْبَابِهَا، لِمَا فِي الصَّحِيحِ: «مَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَعْطَاهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاء» . (وَ) كُرِهَ (كَيٌّ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " وَلَا أَفْعَلُهُ " (وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (لِغَيْرِ تَدَاوٍ) ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ شِعَارِ الْفُسَّاقِ. (وَ) كُرِهَ (قَطْعُ بَاسُورٍ) : دَاءٌ مَعْرُوفٌ، (وَمَعَ خَوْفِ تَلَفٍ بِقَطْعِهِ، يَحْرُمُ) قَطْعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ لِنَفْسِهِ لِلْهَلَكَةِ، (وَمَعَ خَوْفِ تَلَفٍ بِتَرْكِهِ) بِلَا قَطْعٍ، (يُبَاحُ) قَطْعُهُ؛ لِأَنَّهُ تَدَاوٍ. (وَلَا يَجِبُ تَدَاوٍ) مِنْ مَرَضٍ، (وَلَوْ ظَنَّ نَفْعَهُ) ، إذْ النَّافِعُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالضَّارُّ

هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالدَّوَاءُ لَا يَنْجَحُ بِذَاتِهِ، وَلَيْسَ فِعْلُهُ مُنَافِيًا لِلتَّوَكُّلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ. (وَتَرَكَهُ) ، أَيْ: التَّدَاوِي (فِي حَقِّ نَفْسِهِ) لَا رَقِيقِهِ، فَيُسَنُّ، (أَفْضَلُ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ، وَلِخَبَرِ الصِّدِّيقِ، وَحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ» الْأَمْرُ فِيهِ لِلْإِرْشَادِ. (وَيَحْرُمُ) تَدَاوٍ (بِمُحَرَّمٍ أَكْلًا وَشُرْبًا وَسَمَاعًا) لِصَوْتِ مَلْهَاةٍ وَغِنَاءٍ مُحَرَّمٍ، لِعُمُومِ «وَلَا تَتَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَالرَّبِيعِ، وَأَبِي حَارِثَةَ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ كَتَبَ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُدَلِّكُ بِالْخَمْرِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ظَاهِرَ الْخَمْرِ وَبَاطِنَهَا، وَقَدْ حَرَّمَ مَسَّ الْخَمْرِ، كَمَا حَرَّمَ شُرْبَهَا، فَلَا تُمِسُّوهَا أَجْسَادَكُمْ فَإِنَّهَا نَجَسٌ ". تَتِمَّةٌ: لَوْ أَمَرَهُ أَبُوهُ بِشُرْبِ دَوَاءٍ بِخَمْرٍ، وَقَالَ: أُمَّكَ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ تَشْرَبْهُ، حَرُمَ شُرْبُهُ. نَقَلَهُ هَارُونُ الْحَمَّالُ، لِحَدِيثِ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . (وَ) يَحْرُمُ تَدَاوٍ (بِسُمٍّ) لِإِفْضَائِهِ إلَى الْهَلَاكِ قَالَ تَعَالَى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] . (وَ) تَحْرُمُ (تَمِيمَةٌ، وَهِيَ: خَرَزَةٌ أَوْ خَيْطٌ وَنَحْوُهُ) ، كَعُوذَةٍ (يَتَعَلَّقُهَا) ، فَنَهَى الشَّارِعُ عَنْهُ، وَدَعَا عَلَى فَاعِلِهِ، وَقَالَ «لَا يَزِيدُكَ إلَّا وَهْنًا، انْبِذْهَا عَنْكَ، لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ، مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَالْإِسْنَادُ حَسَنٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ حَمْلُ الْأَخْبَارِ عَلَى حَالَيْنِ: فَنَهْيٌ، إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا النَّافِعَةُ لَهُ، وَالدَّافِعَةُ عَنْهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّافِعَ هُوَ اللَّهُ. وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَجَازَهُ: إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ الدَّافِعُ، وَلَعَلَّ هَذَا خَرَجَ عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا تَعْتَقِدُ أَنَّ الدَّهْرَ يُغَيِّرُهُمْ، فَكَانُوا يَسُبُّونَهُ

(وَكُرِهَ أَنْ يَسْتَطِبَّ) مُسْلِمٌ (ذِمِّيًّا بِلَا ضَرُورَةٍ) . وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ دَوَاءً لَمْ يُبَيِّنْ مُفْرَدَاتِهِ الْمُبَاحَةَ. (وَ) كُرِهَ (نَفْخٌ) فِي رُقْيَةٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (وَتَفْلٌ فِي رُقْيَةٍ) نَصًّا، لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْرَةِ نَفْسِ الْمَنْفُولِ لَهُ، (وَاسْتَحَبَّهُ) ، أَيْ: النَّفْخَ وَالتَّفْلَ (بَعْضُهُمْ) فِي رُقْيَةٍ بِقُرْآنٍ. لِقِصَّةِ اللَّدِيغِ الَّذِي رَقَاهُ الصَّحَابِيُّ، وَيَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ. (وَيَجُوزُ تَدَاوٍ بِبَوْلِ إبِلٍ نَصًّا) ، لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ. (وَكَذَا) يَجُوزُ تَدَاوٍ بِ (بَوْلِ مَأْكُولِ لَحْمٍ) ، لِطَهَارَتِهِ، وَقِيَاسًا عَلَى بَوْلِ الْإِبِلِ. (وَ) يَجُوزُ تَدَاوٍ

فصل إذا احتضر إنسان فما الحكم

(بِمَا فِيهِ سُمٌّ مِنْ نَبَاتٍ، إنْ غَلَبَتْ سَلَامَتُهُ) ، وَرُجِيَ نَفْعُهُ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ. (وَلَا بَأْسَ بِحِمْيَةٍ) نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَيَتَوَجَّهُ: أَنَّهَا مَسْأَلَةُ التَّدَاوِي، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا عَلِيُّ لَا تَأْكُلْ مِنْ هَذَا وَكُلْ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ أَوْفَقُ لَكَ» وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُ مَا ظُنَّ ضَرَرُهُ وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّرْغِيبِ ": يَجُوزُ بِدِفْلَى وَنَحْوِهَا لَا تَضُرُّ، نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ وَالْفَضْلُ فِي حَشِيشَةٍ تُسْكِرُ: تُسْحَقُ وَتُطْرَحُ مَعَ دَوَاءٍ لَا بَأْسَ، أَمَّا مَعَ الْمَاءِ، فَلَا. (وَ) لَا بَأْسَ بِ (كَتْبِ قُرْآنٍ وَذِكْرٍ بِإِنَاءٍ لِحَامِلٍ، لِعُسْرِ وِلَادَةٍ وَمَرِيضٍ، وَيُسْقَيَانِهِ) ، أَيْ: الْحَامِلُ وَالْمَرِيضُ، نَصًّا لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [فَصْلٌ إذَا اُحْتُضِرَ إنْسَانٌ فَمَا الْحُكْمُ] (فَصْلٌ) (وَإِذَا اُحْتُضِرَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - أَيْ: حَضَرَ الْمَلَكُ لِقَبْضِ رُوحِ الْمَرِيضِ، (سُنَّ تَعَاهُدُ بَلِّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَ) تَعَاهُدُ (تَنْدِيَةِ شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُطْفِئُ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ الشِّدَّةِ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ النُّطْقَ، بِالشَّهَادَةِ، (وَتَوْلِيَةُ أَرْفَقِ أَهْلِهِ بِهِ، وَأَعْرَفِهِمْ بِمُدَارَاتِهِ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ) تَعَالَى. (وَ) سُنَّ (تَلْقِينُهُ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " مَرَّةً نَصًّا) ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَأُطْلِقَ عَلَى الْمُحْتَضَرِ مَيِّتًا بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ. وَعَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَاقْتُصِرَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهَا إقْرَارٌ بِالْأُخْرَى، وَفِيهِ شَيْءٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُلَقَّنُ الشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَبَعٌ، فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْخَبَرِ عَلَى الْأُولَى.

وَلَمَّا حَضَرَ ابْنَ الْمُبَارَكِ الْمَوْتُ، لَقَّنَهُ رَجُلٌ الشَّهَادَةَ فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إذَا قُلْتُ مَرَّةً، فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ. (وَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ) ، أَيْ: أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ تَلْقِينَهُ ذَلِكَ (ثَلَاثًا) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُلَقَّنُ ثَلَاثًا. (وَلَمْ يَزِدْ) عَلَى ثَلَاثٍ (إلَّا إنْ تَكَلَّمَ) بَعْدَهَا، (فَيُعَادُ) التَّلْقِينُ، لِيَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَيَكُونُ (بِرِفْقٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَهَذَا أَوْلَى بِهِ. (وَكُرِهَ تَلْقِينُ وَرَثَةٍ) ، أَيْ: أَحَدِهِمْ لِلْمُحْتَضَرِ، (بِلَا عُذْرٍ) ، بِأَنْ حَضَرَهُ غَيْرُهُ، (قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي) ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تُهْمَةِ الِاسْتِعْجَالِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ثَلَاثٍ؛ لِئَلَّا يُضْجِرَهُ، مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ، كَمَا تَقَدَّمَ. (وَسُنَّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَ " يَاسِينَ " عِنْدَهُ) ، أَيْ: الْمُحْتَضَرِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ سُورَةَ: يَاسِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِمَا فِيهَا مِنْ التَّوْحِيدِ وَالْمَعَادِ، وَالْبُشْرَى بِالْجَنَّةِ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَغِبْطَةِ مَنْ مَاتَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} [يس: 26] {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} [يس: 27] فَتَسْتَبْشِرُ الرُّوحُ بِذَلِكَ، فَيُحِبُّ لِقَاءَ اللَّهِ، فَيُحِبُّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ قَلْبُ الْقُرْآنِ، وَلَهَا خَاصِّيَّةٌ عَجِيبَةٌ فِي قِرَاءَتِهَا عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ. قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": وَيَقْرَأُ: " تَبَارَكَ " وَلِأَنَّهُ يُسَهِّلُ خُرُوجَ الرُّوحِ. (وَ) سُنَّ (تَوْجِيهُهُ لِلْقِبْلَةِ) قَبْلَ النُّزُولِ بِهِ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْبَيْتِ الْحَرَامِ: قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيَكُونُ تَوْجِيهُهُ (عَلَى جَنْبٍ أَيْمَنَ مَعَ سَعَةِ مَكَان) ، رُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ

بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ لِأُمِّ رَافِعٍ: " اسْتَقْبِلِي بِي الْقِبْلَةَ، ثُمَّ قَامَتْ فَاغْتَسَلَتْ أَحْسَنَ مَا تَغْتَسِلُ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا جُدُدًا. وَقَالَتْ: إنِّي الْآنَ مَقْبُوضَةٌ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْقِبْلَةَ مُتَوَسِّدَةً يَمِينَهَا ". (وَيَتَّجِهُ) : الْأَفْضَلُ تَوْجِيهُهُ لِلْقِبْلَةِ مَعَ سِعَةِ مَكَان (وَعَدَمِ مَشَقَّةٍ) ، فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ ضَيِّقًا، أَوْ كَانَ فِي تَوْجِيهِهِ مَشَقَّةٌ، فَلَا يُوَجَّهُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) يَكُنْ الْمَكَانُ وَاسِعًا، (فَ) يُوَجَّهُ (عَلَى ظَهْرِهِ) ، أَيْ: مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ، وَأَخْمَصَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، كَالْمَوْضُوعِ عَلَى الْمُغْتَسَلِ، (قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْ الْأَصْحَابِ: (وَيُرْفَعُ رَأْسُهُ) إذَا كَانَ مُسْتَلْقِيًا (قَلِيلًا) لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ دُونَ السَّمَاءِ. (وَاسْتَحَبَّ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ تَطْهِيرَ ثِيَابِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) ؛ «لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ، دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: الْمُرَادُ بِثِيَابِهِ: عَمَلُهُ، قَالَ: وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الْأَكْثَرُ. (وَيَنْبَغِي) لِلْمَرِيضِ (اشْتِغَالُهُ بِنَفْسِهِ) بِأَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي نَفْسِهِ بِأَنَّهُ حَقِيرٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ عِبَادَاتِهِ وَطَاعَاتِهِ، وَأَنْ لَا يَطْلُبَ الْعَفْوَ وَالْإِحْسَانَ إلَّا مِنْهُ، وَأَنْ يُكْثِرَ مَا دَامَ حَاضِرَ الذِّهْنِ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ، وَأَنْ يُبَادِرَ إلَى أَدَاءِ الْحُقُوقِ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ وَالْوَدَائِعِ

وَالْعَوَارِيِّ: وَاسْتِحْلَالُ نَحْوِ زَوْجَةٍ وَوَلَدٍ، وَقَرِيبٍ وَجَارٍ وَصَاحِبٍ، وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُعَامَلَةٌ، وَيُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ. وَاجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ. وَيَصْبِرُ عَلَى مَشَقَّةِ ذَلِكَ، (وَيَجْتَهِدُ فِي خَتْمِ عُمُرِهِ بِأَكْمَلِ حَالٍ) وَيَتَعَاهَدُ نَفْسَهُ بِتَقْلِيمِ ظُفْرٍ وَأَخْذِ عَانَةٍ وَشَارِبٍ وَإِبْطٍ، (وَيَعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ) تَعَالَى (فِيمَنْ يُحِبُّ) مِنْ بَنِيهِ وَغَيْرِهِمْ، (وَيُوصِي) بِقَضَاءِ دُيُونِهِ، وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ وَنَحْوِ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِ بَالِغٍ رَشِيدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ (لِلْأَرْجَحِ فِي نَظَرِهِ) مِنْ قَرِيبٍ وَأَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لِلْمَصْلَحَةِ ، (فَإِذَا مَاتَ: سُنَّ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَغْمَضَ أَبَا سَلَمَةَ، وَقَالَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِئَلَّا يَنْفَتِحَ نَظَرُهُ، وَيُسَاءَ بِهِ الظَّنُّ. (وَلَهُ تَغْمِيضُ ذَاتِ مَحْرَمٍ) كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَأُمِّ زَوْجَتِهِ وَأُخْتِهِ مِنْ رَضَاعٍ. (وَلَهَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ (تَغْمِيضُ مَحْرَمِ) هَا، كَأَبِيهَا وَأَخِيهَا، وَتَغْمِيضُ مِثْلِهَا وَصَبِيٍّ (وَكُرِهَ) التَّغْمِيضُ (مِنْ حَائِضٍ وَجُنُبٍ، وَأَنْ يَقْرَبَاهُ) ، أَيْ: الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ، لِحَدِيثِ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ» . (وَ) سُنَّ عِنْدَ تَغْمِيضٍ (قَوْلُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ وَلَفْظُهُ: " وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ". (وَ) سُنَّ (شَدُّ لَحْيَيْهِ) بِعِصَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا تَجْمَعُ لَحْيَيْهِ، وَيَرْبِطُهَا فَوْقَ رَأْسِهِ، لِئَلَّا يَبْقَى فَمُهُ مَفْتُوحًا، فَتَدْخُلُهُ الْهَوَامُّ وَيَتَشَوَّهُ خَلْقُهُ. (وَ) سُنَّ (تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ) بِرَدِّ ذِرَاعَيْهِ إلَى عَضُدَيْهِ. ثُمَّ رَدِّهِمَا، وَرَدِّ أَصَابِعِ يَدَيْهِ إلَى كَفَّيْهِ، ثُمَّ يَبْسُطُهُمَا، وَرَدُّ فَخِذَيْهِ إلَى بَطْنِهِ، وَسَاقَيْهِ إلَى فَخْذَيْهِ، ثُمَّ يَمُدُّهُمَا لِسُهُولَةِ الْغُسْلِ، لِبَقَاءِ الْحَرَارَةِ فِي الْبَدَنِ عَقِبَ الْمَوْتِ، وَلَا يُمْكِنُ تَلْيِينُهَا بَعْدَ بُرُودَتِهِ. (وَ) سُنَّ (خَلْعُ ثِيَابِهِ) ، لِئَلَّا يُحْمَى جَسَدُهُ، فَيُسْرِعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ،

وَرُبَّمَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَوَّثَهَا. (وَ) سُنَّ (سَتْرُهُ بِثَوْبٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ، سُجِّيَ بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ» وَاحْتِرَامًا لَهُ، وَصَوْنًا عَنْ الْهَوَامِّ، وَيَنْبَغِي جَعْلُ أَحَدِ طَرَفَيْهِ تَحْتَ رَأْسِهِ، وَالْآخَرِ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، لِئَلَّا يَنْكَشِفَ. (وَ) سُنَّ (وَضْعُ حَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) ، كَمِرْآةٍ وَسَيْفٍ وَسِكِّينٍ وَقِطْعَةِ طِينٍ (عَلَى بَطْنِهِ) ، لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ " أَنَّهُ مَاتَ مَوْلًى لِأَنَسٍ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ أَنَسٌ: ضَعُوا عَلَى بَطْنِهِ حَدِيدًا " وَلِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُهُ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. وَيُصَانُ عَنْهُ مُصْحَفٌ، وَكُتُبُ فِقْهٍ وَحَدِيثٍ وَعِلْمٍ نَافِعٍ. (وَ) سُنَّ (وَضْعُهُ عَلَى سَرِيرِ غُسْلِهِ) بُعْدًا لَهُ عَنْ الْهَوَامِّ وَنَدَاوَةِ الْأَرْضِ، (مُتَوَجِّهًا) إلَى الْقِبْلَةِ، (مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ) ، فَيَكُونُ رَأْسُهُ أَعْلَى، لِيَنْصَبَّ عَنْهُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ وَمَاءُ غُسْلِهِ. (وَ) سُنَّ (إسْرَاعُ تَجْهِيزِهِ) ، لِحَدِيثِ «لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَصَوْنًا لَهُ عَنْ التَّغْيِيرِ (إنْ مَاتَ غَيْرَ فُجَاءَةٍ) أَيْ: بَغْتَةً. (وَ) سُنَّ إسْرَاعُ (تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ أَجْرِهِ (وَيَجِبُ إسْرَاعٌ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ لِلَّهِ) تَعَالَى لِحَجٍّ، (أَوْ آدَمِيٍّ) كَرَدِّ غَصْبٍ وَعَارِيَّةٍ الْوَدِيعَةٍ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ ظُلْمٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» وَأَمَّا تَقْدِيمُهَا فِي الْآيَةِ عَلَى الدَّيْنِ؛ فَلِأَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتْ الْمِيرَاثَ بِكَوْنِهَا بِلَا عِوَضٍ، كَانَ فِي إخْرَاجِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْوَارِثِ، فَقُدِّمَتْ حَثًّا عَلَى إخْرَاجِهَا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَلِذَلِكَ جِيءَ بِكَلِمَةِ " أَوْ " الَّتِي تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، أَيْ: فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاهْتِمَامِ وَعَدَمِ التَّضْيِيعِ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهَا، وَيَكُونُ قَضَاءُ دَيْنِهِ، وَإِبْرَاءُ ذِمَّتِهِ، وَتَفْرِيقُ وَصِيَّتِهِ

(قَبْلَ صَلَاةٍ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالتَّجْهِيزِ، يُؤَيِّدُهُ «عَدَمُ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» . (فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاءُ) دَيْنِهِ فِي الْحَالِ، لِغَيْبَةِ الْمَالِ وَنَحْوِهَا، (اُسْتُحِبَّ لِوَارِثِهِ أَوْ غَيْرِهِ تَكَفُّلٌ بِهِ) عَنْهُ لِرَبِّهِ، بِأَنْ يَضْمَنَهُ عَنْهُ أَوْ يَدْفَعَ بِهِ رَهْنًا، لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَخْذِ فِي أَسْبَابِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، وَإِلَّا، فَلَا تَبْرَأُ قَبْلَ وَفَائِهِ، كَمَا يَأْتِي. (وَلَا بَأْسَ بِانْتِظَارِ مَنْ يُحْضِرُهُ مِنْ وَلِيٍّ) ، أَيْ: وَارِثٍ، (وَكَثْرَةِ جَمْعٍ إنْ قَرُبَ وَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (أَوْ يَشُقُّ عَلَى الْحَاضِرِينَ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا يُؤْمَلُ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ إذَا صَلَّى عَلَيْهِ. (وَيُنْتَظَرُ مَنْ مَاتَ فُجَاءَةً) ، أَيْ: بَغْتَةً (بِنَحْوِ صَعْقَةٍ) أَوْ خَوْفٍ مِنْ حَرْبٍ، أَوْ سَبُعٍ أَوْ تَرَدٍّ مِنْ جَبَلٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، (أَوْ شُكَّ فِي مَوْتِهِ حَتَّى يُعْلَمَ) مَوْتُهُ يَقِينًا (بِانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ وَمَيْلِ أَنْفِهِ، وَغَيْبُوبَةِ سَوَادِ عَيْنَيْهِ) فِي الْبَالِغِينَ، وَهُوَ أَقْوَاهَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَرَضَ لَهُ سَكْتَةٌ، وَقَدْ يُفِيقُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا. (وَيُعْلَمُ مَوْتُ غَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرِ مَنْ مَاتَ فُجَاءَةً أَوْ شُكَّ فِي مَوْتِهِ (بِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ، (وَ) يُعْلَمُ (بِغَيْرِهِ، كَانْفِصَالِ كَفَّيْهِ) ، أَيْ: انْخِلَاعِهِمَا عَنْ ذِرَاعَيْهِ بِأَنْ تَسْتَرْخِيَ عَصَبَةُ الْيَدِ، فَتَبْقَى كَأَنَّهَا مُنْفَصِلَةٌ فِي جِلْدِهَا عَنْ عَظْمَةِ الزَّنْدِ، (وَاسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ) كَذَلِكَ، وَكَذَا امْتِدَادُ جِلْدَةِ وَجْهِهِ، وَتَقَلُّصُ خُصْيَتَيْهِ إلَى فَوْقُ، مَعَ تَدَلِّي الْجِلْدَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ دَالَّةٌ عَلَى الْمَوْتِ تَعْيِينًا. (وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (وَالنَّظَرِ إلَيْهِ) مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ، (وَلَوْ بَعْدَ تَكْفِينِهِ) نَصًّا، «لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ» صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ ". (وَكُرِهَ نَعْيٌ، وَهُوَ:

فائدة عرض الأديان على العبد عند الموت

النِّدَاءُ بِمَوْتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يُعْجِبُنِي، لِحَدِيثِ «إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ، فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وَالنَّعْيُ الْمَعْرُوفُ تَفْعَلُهُ النِّسَاءُ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي. (وَ) كُرِهَ (تَرْكُهُ فِي بَيْتٍ يَبِيتُ وَحْدَهُ) بَلْ يَبِيتُ مَعَهُ أَهْلُهُ، (قَالَ الْآجُرِّيُّ) قَالَ النَّخَعِيّ: كَانُوا لَا يَتْرُكُونَهُ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ خَشْيَةَ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ بِهِ. [فَائِدَةٌ عَرْضُ الْأَدْيَانِ عَلَى الْعَبْدِ عِنْدَ الْمَوْتِ] ِ لَيْسَ عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا مَنْفِيًّا عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ الْأَدْيَانُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِتْنَةُ الْمَحْيَا، وَالشَّيْطَانُ أَحْرَصُ مَا يَكُونُ عَلَى إغْرَاءِ بَنِي آدَمَ وَقْتَ الْمَوْتِ، ذَكَرَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ " (وَلَا بَأْسَ بِإِعْلَامِ أَقَارِبِهِ وَإِخْوَانِهِ مِنْ غَيْرِ نِدَاءٍ) «لِإِعْلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِالنَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِيهِ كَثْرَةُ الْمُصَلِّينَ، فَيَحْصُلُ لَهُمْ ثَوَابٌ وَنَفْعٌ لِلْمَيِّتِ. [فَرْعٌ مَوْتُ الْفُجَاءَةِ] (فَرْعٌ: مَوْتُ الْفُجَاءَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْفَاجِرِ) ، لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ. (وَالرُّوحُ: جِسْمٌ لَطِيفٌ لَا يَفْنَى أَبَدًا) قَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ ": مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرُّوحَ هِيَ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ الْمُسْتَعِدَّةُ لِلْبَيَانِ وَفَهْمِ الْخِطَابِ، وَلَا تَفْنَى بِفَنَاءِ الْجَسَدِ، وَهِيَ جَوْهَرٌ لَا عَرَضٌ. انْتَهَى. وَتَجْتَمِعُ أَرْوَاحُ الْمَوْتَى، فَيَنْزِلُ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى، وَلَا عَكْسَ. وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: أَنَّ الْعَذَابَ وَالنَّعِيمَ يَحْصُلُ لِرُوحِ الْمَيِّتِ وَبَدَنِهِ، وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ فِرَاقِ الْبَدَنِ مُنَعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً، وَأَيْضًا تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ أَحْيَانًا، فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَهَا النَّعِيمُ أَوْ

فصل غسل الميت المسلم

الْعَذَابُ، هَذَا فِي أَرْوَاحِ الْمُكَلَّفِينَ، وَأَمَّا الْبَهَائِمُ فَإِنَّهَا تُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهَا: " كُونِي تُرَابًا " فَالظَّاهِرُ فَنَاءُ أَرْوَاحِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ غُسْلُ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ] (فَصْلٌ) (وَغُسْلُ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ) كَانَ (مَجْهُولَ إسْلَامٍ بِدَارِنَا، أَوْ) كَانَ مَجْهُولَ إسْلَامٍ (لَا) بِدَارِنَا، (وَ) لَكِنْ (عَلَيْهِ عَلَامَتُنَا) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ خِتَانٍ وَلِبَاسٍ (مَرَّةً) ، بِحَيْثُ يَجْرِي الْمَاءُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ بَعْدَ إزَالَةِ مَا يَمْنَعُ وُصُولَهُ، (أَوْ يُيَمَّمُ لِعُذْرٍ) مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّيَمُّمِ، (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إجْمَاعًا عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، فَلَوْ أَوْصَى بِإِسْقَاطِهِ لَمْ يَسْقُطْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ. تَعَيَّنَ عَلَيْهِ. (وَيَلْزَمُ الْوَارِثَ) أَوْ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ غُسْلُهُ (قَبُولُ مَاءٍ وُهِبَ لِ) غُسْلِ (مَيِّتٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِنَّةَ عَلَى قَابِلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَهُ لِغَيْرِهِ، وَ (لَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (ثَمَنِهِ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ، (وَيَنْتَقِلُ) ثَوَابُ غُسْلِهِ (لِثَوَابِ فَرْضِ عَيْنٍ مَعَ جَنَابَةِ) مَيِّتٍ (أَوْ حَيْضٍ) ، أَوْ نِفَاسٍ وَنَحْوِهِ كَانَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ تَعَيَّنَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَاَلَّذِي يَتَوَلَّى غَسْلَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ، فَيَكُونُ ثَوَابُهُ كَثَوَابِهِ، هَكَذَا حَمَلَ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " قَوْلَ " التَّنْقِيحِ "، وَيَتَعَيَّنُ مَعَ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى تَعْيِينِ غُسْلِهِ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ بِهِ لِسُقُوطِهِ بِوَاحِدٍ. (وَيَسْقُطَانِ) ، أَيْ: غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ (بِهِ) ؛ أَيْ: بِغُسْلِ الْمَيِّتِ. (وَيَتَّجِهُ: لَا) يَسْقُطُ (هُوَ) ، أَيْ: غُسْلُ الْمَيِّتِ (بِهِمَا) ، أَيْ:

بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مُسَلَّمٌ إذَا نَوَى الْغَاسِلُ رَفْعَ حَدَثِ الْجَنَابَةِ أَوْ الْحَيْضِ فَقَطْ، دُونَ غُسْلِ الْمَوْتِ، وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ النِّيَّةَ، أَوْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ وُضُوءًا أَوْ غُسْلًا، وَنَوَى أَحَدَهَا لَا عَلَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ؛ ارْتَفَعَ سَائِرُهَا، وَتَقَدَّمَ. (وَكُرِهَ أَخْذُ أُجْرَةٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى غُسْلِ الْمَيِّتِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا، فَيُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أُعْطِيَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ. (وَ) كَذَا يُكْرَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ (عَلَى صَلَاةٍ وَتَكْفِينٍ وَحَمْلٍ وَدَفْنٍ) ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ (يَحْرُمُ أَخْذُهَا) أَيْ: الْأُجْرَةِ (فِي غُسْلِ) مَيِّتٍ (وَصَلَاةٍ) عَلَيْهِ، لِمَا يَأْتِي فِي بَابِ الْإِجَارَةِ: أَنَّ مَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَهَذَا مِنْهُ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ. (وَكُرِهَ، وَلَا يَحْرُمُ)

جَزَمَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ "، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " تَبَعًا لِلتَّبْصِرَةِ " - (غُسْلُ شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ) ، وَهُوَ: الْمَقْتُولُ بِأَيْدِي الْكُفَّارِ وَقْتَ قِيَامِ الْقِتَالِ، فَلَا يُغَسَّلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] وَالْحَيُّ لَا يُغَسَّلُ، «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَا تُغَسِّلُوهُمْ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ، أَوْ كُلَّ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ، فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ خَاصٌّ بِهِمْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَهِيدًا؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، أَوْ لِقِيَامِهِ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ حَتَّى قُتِلَ، وَنَحْوُهُ مِمَّا قِيلَ فِيهِ. (وَمَقْتُولٌ ظُلْمًا) ، كَمَنْ قَتَلَهُ نَحْوُ لِصٍّ، أَوْ أُرِيدَ مِنْهُ الْكُفْرُ فَقُتِلَ دُونَهُ، أَوْ أُرِيدَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ، فَقَاتَلَ دُونَ ذَلِكَ فَقُتِلَ، لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. وَلِأَنَّهُمْ مَقْتُولُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَشْبَهُوا قَتْلَ الْكُفَّارِ؛ فَلَا يُغَسَّلُونَ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْمَطْعُونِ وَالْمَبْطُونِ وَالْغَرِيقِ وَنَحْوِهِمْ. (وَيَتَّجِهُ: لَا) يُكْرَهُ غُسْلُ مَقْتُولٍ (خَطَأً) ، فَيُغَسَّلُ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ الْكُفَّارُ أَوْ الْمُسْلِمُونَ خَطَأً، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ مَعَ) وُجُودِ (دَمٍ عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: الشَّهِيدِ وَالْمَقْتُولِ ظُلْمًا (يَحْرُمُ) تَغْسِيلُهُمَا، (لِزَوَالِهِ) ، أَيْ: الدَّمَ عَنْهُمَا، لِعُمُومِ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ بِدِمَائِهِمْ،

وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُغَسَّلَانِ) . أَيْ: شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ. وَالْمَقْتُولُ ظُلْمًا وُجُوبًا. (كَغَيْرِهِمَا) مِمَّنْ لَمْ يَمُتْ شَهِيدًا (مَعَ وُجُوبِ غُسْلٍ عَلَيْهِمَا، قَبْلَ مَوْتٍ بِجَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ) ، سَوَاءٌ انْقَطَعَ دَمُهُمَا، أَوْ لَا؛ فَيُغَسَّلُ مَنْ ذُكِرَ غُسْلًا وَاحِدًا، لِمَا تَقَدَّمَ، فِي الْجُنُبِ؛ وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ لِغَيْرِ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَسْقُطْ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. (وَكَذَا) لَوْ طَرَأَ (إسْلَامٌ) عَلَى شَخْصِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَاسْتُشْهِدَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَجَبَ غُسْلُهُ كَالْجُنُبِ وَنَحْوِهِ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْإِنْصَافِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى " (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِلْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ قَبْلَ غُسْلِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُغَسَّلْ. (وَشُرِطَ) لِصِحَّةِ غُسْلِهِ: (طَهُورِيَّةُ مَاءٍ وَإِبَاحَتُهُ) ، كَبَاقِي الْأَغْسَالِ (وَتَمْيِيزُ غَاسِلٍ) ، لِاعْتِبَارِ نِيَّتِهِ إذْ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ لَا نِيَّةَ لَهُ، (وَعَقْلُهُ) لِتَأَهُّلِهِ لِلنِّيَّةِ، (وَنِيَّتُهُ) ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، (وَإِسْلَامُهُ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ. وَلَيْسَ الْكَافِرُ مِنْ أَهْلِهَا. (غَيْرُ نَائِبٍ عَنْ مُسْلِمٍ نَوَاهُ) . أَيْ: الْمُسْلِمُ، فَيَصِحُّ. لِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْ أَهْلِهَا، كَمَنْ نَوَى رَفْعَ حَدَثِهِ، وَأَمَرَ كَافِرًا بِغَسْلِ أَعْضَائِهِ، (وَلَوْ) كَانَ مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ (جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا أَوْ فَاسِقًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْغَاسِلِ الطَّهَارَةُ، وَلَا الْعَدَالَةُ. (وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يُخْتَارَ لِغُسْلِهِ (ثِقَةٌ عَارِفٌ بِأَحْكَامِ غُسْلٍ) احْتِيَاطًا لَهُ. (وَالْأَوْلَى بِهِ) ، أَيْ: غُسْلِهِ (وَصِيُّهُ الْحُرُّ الْعَدْلُ) ،

"؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ وَأَنَسٌ أَوْصَى أَنْ يُغَسِّلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ "؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فَقُدِّمَ فِيهِ وَصِيُّهُ عَلَى غَيْرِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ وَصِيُّهُ (مُمَيِّزًا) ، لِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ لِنَفْسِهِ، فَصَحَّ أَنْ يَتَوَلَّى غُسْلَ غَيْرِهِ، لِاعْتِبَارِ نِيَّتِهِ، وَقَوْلُهُمْ: يُكْرَهُ الْغُسْلُ مِنْ مُمَيِّزٍ؛ مَحَلُّهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ وَصِيًّا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَأَبُوهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيٌّ، لِاخْتِصَاصِهِ بِالْحُنُوِّ وَالشَّفَقَةِ، (وَإِنْ عَلَا) ، لِمُشَارَكَةِ الْجَدِّ الْأَبَ فِي الْمَعْنَى، (فَابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ) لِقُرْبِهِ، (ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ عِصَابَةً نَسَبًا) ، فَيُقَدَّمُ الْأَخُ لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ عَمٌّ لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ عَمٌّ لِأَبٍ، وَهَكَذَا، (ثُمَّ) الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ (فَعَمَّةٌ) ، فَيُقَدَّمُ الْمُعْتَقُ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، (ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ) ، كَالْأَخِ لِأُمِّ، وَالْجَدِّ لَهَا، وَالْعَمِّ لَهَا، وَابْنِ الْأُخْتِ وَنَحْوِهِمْ، (كَمِيرَاثِ الْأَحْرَارِ فِي الْجَمِيعِ) ، أَيْ: جَمِيعِ مَنْ تَقَدَّمَ. فَلَا تَقْدِيمَ لِرَقِيقٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ، (ثُمَّ الْأَجَانِبُ) مِنْ الرِّجَالِ. (فَيُقَدَّمُ صَدِيقٌ) عَلَى غَيْرِهِ. قَالَهُ بَعْضُهُمْ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ".: فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْجَارِ عَلَى غَيْرِهِ، (فَأُدِينَ) حَيْثُ كَانَ أَعْرَفَ مِنْ غَيْرِهِ، لِحَدِيثِ «لِيَلِهِ أَقْرَبُكُمْ إنْ كَانَ يَعْلَمُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ؛ فَمَنْ تَرَوْنَ عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ وَأَمَانَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَالْأَوْلَى (بِ) غُسْلِ (أُنْثَى وَصِيَّتُهَا) ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّجُلِ، (فَأُمُّهَا، وَإِنْ عَلَتْ) أَيْ: ثُمَّ أُمُّ أُمِّهَا، ثُمَّ أُمُّ أُمِّ أُمِّهَا. وَهَكَذَا. (فَبِنْتُهَا، وَإِنْ

نَزَلَتْ) ، أَيْ: فَبِنْتُ بِنْتِهَا، فَبِنْتُ بِنْتِ بِنْتِهَا، وَهَكَذَا. (فَبِنْتُ ابْنِهَا وَإِنْ نَزَلَ) ، أَيْ: بِنْتَ ابْنِ ابْنِهَا، وَهَكَذَا. (ثُمَّ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى، كَمِيرَاثٍ) ، فَتُقَدَّمُ أُخْتُ شَقِيقَتِهِ، ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ لِأُمٍّ وَهَكَذَا. (وَعَمَّةٌ وَخَالَةٌ) سَوَاءٌ، (أَوْ بِنْتَا أَخٍ وَأُخْتٌ سَوَاءٌ) ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقُرْبِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ، أَشْبَهَا الْعَمَّتَيْنِ أَوْ الْخَالَتَيْنِ، وَحُكْمُ تَقَدُّمِهِنَّ كَرِجَالٍ، فَيُقَدَّمُ مِنْهُنَّ مَنْ يُقَدَّمُ مِنْ رِجَالٍ لَوْ كُنَّ رِجَالًا. (وَأَجْنَبِيٌّ وَأَجْنَبِيَّةٌ أَوْلَى مِنْ زَوْجَةٍ وَزَوْجٍ) ، أَيْ: إذَا مَاتَ رَجُلٌ؛ فَالْأَجْنَبِيُّ أَوْلَى بِغُسْلِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ، أَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ فَالْأَجْنَبِيَّةُ أَوْلَى بِغُسْلِهَا مِنْ زَوْجِهَا، لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ. (وَزَوْجٌ وَزَوْجَةٌ أَوْلَى مِنْ سَيِّدٍ وَأُمِّ وَلَدٍ) ، أَيْ: إذَا مَاتَتْ رَقِيقَةٌ مُزَوَّجَةٌ؛ فَزَوْجُهَا أَوْلَى بِغُسْلِهَا مِنْ سَيِّدِهَا، لِإِبَاحَةِ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا إلَى حِينِ مَوْتِهَا، بِخِلَافِ سَيِّدِهَا. أَوْ مَاتَ رَجُلٌ لَهُ زَوْجَةٌ وَأُمُّ وَلَدٍ؛ فَزَوْجَتُهُ أَوْلَى بِغُسْلِهِ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ، لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ الِاعْتِدَادِ وَالْإِحْدَادِ وَعُلِمَ مِنْهُ جَوَازُ تَغْسِيلِ كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا نِسَاؤُهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. " وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ، فَغَسَّلَتْهُ ". وَ " غَسَّلَ أَبُو مُوسَى زَوْجَتَهُ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ " ذَكَرُهُمَا أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَ " أَوْصَى جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ " وَ " أَوْصَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ امْرَأَتَهُ أَنْ تُغَسِّلَهُ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. فَلَهَا تَغْسِيلُهُ إذَا لَمْ تَكُنْ ذِمِّيَّةً. (وَلَوْ) كَانَتْ (غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، أَوْ مُطَلَّقَةً رَجْعِيًّا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا عَقِبَ مَوْتِهِ بِوَضْعٍ، وَلَمْ تَتَزَوَّجْ) الْمَرْأَةُ الَّتِي وَضَعَتْ عَقِبَ مَوْتِ زَوْجِهَا، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ؛ فَلَا تُغَسِّلُهُ؛ لِأَنَّهَا بِالتَّزَوُّجِ صَارَتْ صَالِحَةً لَأَنْ تُغَسِّلَ

الثَّانِيَ لَوْ مَاتَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَاسِلَةً لِزَوْجَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا لَوْ وُطِئَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ وَطِئَ أُخْتَهَا بِشُبْهَةٍ، ثُمَّ مَاتَ لَمْ تُغَسِّلْهُ، إلَّا أَنْ تَضَعَ عَقِبَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُبَانَةُ، وَلَوْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ الْمَخُوفِ فِرَارًا، لِانْقِطَاعِ الزَّوْجِيَّةِ، وَإِنَّمَا وَرِثَتْ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا. وَيُنْظَرُ مَنْ غَسَّلَ مِنْ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ غَيْرَ الْعَوْرَةِ وِفَاقًا لِجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " (وَلِسَيِّدٍ غَسْلُ أَمَتِهِ وَلَوْ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ غَيْرَ مُبَاحَةٍ لَهُ، كَمُزَوَّجَةٍ وَمُعْتَدَّةٍ مِنْ زَوْجٍ وَمُسْتَبْرَأَةٍ) مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يُغَسِّلُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ، وَلَا الْمُعْتَدَّةَ مِنْ زَوْجٍ، إلَى أَنْ قَالَ: وَلَا مَنْ هِيَ فِي اسْتِبْرَاءٍ وَاجِبٍ وَمَا قَالَهُ تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْفُرُوعِ " وَاسْتَشْكَلَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". (وَيَتَّجِهُ: لَا) يُبَاحُ لِسَيِّدٍ غُسْلُ أَمَةٍ (مُشْتَرَكَةٍ) ، لِحُرْمَتِهَا قَبْلَ مَوْتِهَا، وَمِثْلُهَا الْمُعْتَقُ بَعْضُهَا، وَلَا تُغَسِّلُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُغَسِّلُ) السَّيِّدُ (مُكَاتَبَتَهُ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءً شَرَطَ وَطْأَهَا فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَنُهَا وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهَا وَدَفْنِهَا، (وَتُغَسِّلُهُ) هِيَ (إنْ شَرَطَ وَطْأَهَا) لِإِبَاحَتِهَا لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ؛ لَمْ تُغَسِّلْهُ، لِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ. (وَلَيْسَ لِآثِمٍ بِقَتْلٍ حَقٌّ فِي غُسْلِ) مَقْتُولٍ، (وَ) لَا فِي (صَلَاةٍ) عَلَى مَقْتُولٍ، (وَ) لَا فِي (دَفْنِ مَقْتُولٍ) ، وَلَوْ كَانَ أَبًا أَوْ ابْنًا لَهُ، كَمَا لَا يَرِثُهُ، وَ (لَا) يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ غُسْلٍ إنْ كَانَ غَيْرَ آثِمٍ، وَلَوْ لَمْ يَرِثْ؛ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ (خَطَأً، خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ "

حَيْثُ سَوَّى بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ تَبَعًا لِأَبِي الْمَعَالِي، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَذْهَبُ. (وَلَيْسَ لَرَجُلٍ غُسْلُ ابْنَةِ سَبْعِ) سِنِينَ فَأَكْثَرَ إنْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ؛ لِأَنَّ لِعَوْرَتِهَا حُكْمًا. (وَلَا لَهَا) ، أَيْ: الْمَرْأَةِ، (غُسْلُ ابْنِ سَبْعِ) سِنِينَ فَأَكْثَرَ، غَيْرَ زَوْجِهَا وَسَيِّدِهَا، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَهُمَا) ، أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، (غُسْلُ مَنْ دُونَ ذَلِكَ) ، أَيْ: السَّبْعِ سِنِينَ، (وَلَوْ بِلَحْظَةٍ) مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى؛ لِأَنَّهُ: لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ، وَابْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إبْرَاهِيمُ غَسَّلَهُ النِّسَاءُ (مَعَ حِلِّ نَظَرٍ وَمَسِّ عَوْرَتِهِ) ، أَيْ: مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَتَمَسُّ عَوْرَتَهُ وَتَنْظُرُ إلَيْهَا. (وَحَرُمَ ذَلِكَ) ، أَيْ: نَظَرٌ وَمَسُّ عَوْرَةٍ (مِمَّنْ بَلَغَ سَبْعًا) مِنْ السِّنِينَ، (وَلَوْ لِزَوْجٍ وَزَوْجَةٍ) ، وِفَاقًا. (وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسَاءٍ) لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ، مِمَّنْ (لَا يُبَاحُ لَهُنَّ غُسْلُهُ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِنَّ زَوْجَةٌ، وَلَا أَمَةٌ لَهُ: يُيَمَّمُ، (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ مِمَّنْ لَا يُبَاحُ لَهُمْ غُسْلُهَا، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ زَوْجُهَا وَلَا سَيِّدُهَا؛ يُمِّمَتْ، لِمَا رَوَى تَمَّامٌ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ وَاثِلَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ؛ تُيَمَّمُ كَمَا يُيَمَّمُ الرِّجَالُ» . (أَوْ) مَاتَ (خُنْثَى مُشْكِلٌ) لَهُ سَبْعُ سِنِينَ فَأَكْثَرَ، (وَلَمْ تَحْضُرْ أَمَةٌ لَهُ؛ يُمِّمَ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ تَنْظِيفٌ وَلَا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، بَلْ رُبَّمَا كَثُرَتْ. (وَحَرُمَ) أَنْ يُيَمِّمَ مَنْ ذُكِرَ (بِدُونِ حَائِلٍ عَلَى غَيْرِ مَحْرَمٍ) فَيَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً عَلَيْهَا تُرَابٌ، فَيُيَمِّمُهُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ مَحْرَمٌ، فَلَهُ أَنْ يُيَمِّمَهُ بِلَا حَائِلٍ. (وَرَجُلٌ أَوْلَى بِتَيَمُّمِ خُنْثَى) مُشْكِلٍ مِنْ امْرَأَةٍ، فَيُيَمِّمُ

إذَا كَانَ ثَمَّةَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ، وَلِفَضْلِهِ بِالذُّكُورِيَّةِ. (وَمُمَيِّزٌ وَمُمَيِّزَةٌ بِلَا شَهْوَةٍ، يَحِلُّ لَهُمَا غُسْلُ ذَلِكَ) . أَيْ مَنْ مَاتَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى حَيْثُ أَطَاقَا ذَلِكَ. وَعَلَّمَهُمَا مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِلْغُسْلِ. وَبَاشَرَاهُ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ " قُلْتُ: وَكَذَا الْخُنْثَى يَمُوتُ مَعَ رِجَالٍ أَوْ نِسْوَةٍ فِيهِنَّ صَغِيرٌ أَوْ صَغِيرَةٌ تُطِيقُهُ. (وَيَتَّجِهُ) : لَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ. أَوْ رَجُلٌ بَيْنَ نِسَاءٍ (مَعَ) وُجُودِ مَحْرَمٍ فِيهِمْ أَوْ فِيهِنَّ. وَ (عَدَمِ تُرَابٍ " صَالِحٍ لِلتَّيَمُّمِ) وُجُوبُ غُسْلِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ (فِي حَائِلٍ) ، لِقَوْلِ مُهَنَّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُغَسِّلُ أُخْتَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ نِسَاءً؟ قَالَ: لَا. قُلْت: فَكَيْف يَصْنَعُ؟ قَالَ: تُغَسَّلُ وَعَلَيْهَا ثِيَابُهَا؟ يُصَبُّ الْمَاءُ صَبًّا. انْتَهَى. فَظَاهِرُ نَصِّ الْإِمَامِ: جَوَازُ الْغُسْلِ بِحَائِلٍ إنْ أُمِنَ مَسُّ الْبَشَرَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَّ بَدَاءَةٌ بِتَجْهِيزِ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ) الْفَسَادُ بِتَأْخِيرِهِ إذَا مَاتَ جَمَاعَةٌ، بِنَحْوِ هَدْمٍ أَوْ حَرِيقٍ. (ثُمَّ بِذِي أَقَارِبَ) مَاتُوا بِهَدْمٍ أَوْ طَاعُونٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً: فَيُبْدَأُ بِمَنْ يُخْشَى فَسَادُهُ. فَإِنْ اسْتَوَوْا: سُنَّ بَدَاءَةٌ

فرع تغسيل الكافر وتكفينه والصلاة عليه واتباع جنازته

(بِأَبٍ، ثُمَّ بِأَقْرَبَ، ثُمَّ بِأَفْضَلَ، ثُمَّ) بِ (أَسَنَّ، ثُمَّ فَرْعِهِ) إنْ تُسَاوَوْا؛ لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ إذَنْ غَيْرُهَا. [فَرْعٌ تَغْسِيل الْكَافِر وَتَكْفِينَهُ وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَاتِّبَاعَ جِنَازَته] (فَرْعٌ: حَرُمَ أَنْ يَعُودَ) مُسْلِمٌ كَافِرًا كَبُدَاءَتِهِ بِالسَّلَامِ. لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمٍ، (أَوْ يُغَسِّلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا، أَوْ يُكَفِّنَهُ أَوْ يُصَلِّي عَلَيْهِ. أَوْ يَتْبَعَ جِنَازَتَهُ، وَلَوْ ذِمِّيًّا قَرِيبًا) قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13] . (بَلْ يُوَارِي وُجُوبًا، لِعَدَمِ) مَنْ يُوَارِيهِ مِنْ الْكُفَّارِ. كَمَا فُعِلَ بِكُفَّارِ بَدْرٍ، وَارَوْهُمْ فِي الْقَلِيبِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالذِّمِّيِّ. وَالْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُرْتَدِّ فِي ذَلِكَ. ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْمُوَارَاةِ مُثْلَةٌ بِهِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا. (وَكَذَا كُلُّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ) كَالْجَهْمِيَّةِ. أَصْحَابِ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ. وَالْجَبْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ: لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَعِلْمُهُ تَعَالَى حَادِثٌ لَا فِي مَحَلٍّ، وَلَا يُوصَفُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ يَفْنَيَانِ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْإِفْكِ وَالضَّلَالِ. وَلِهَذَا. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: الْجَهْمِيَّةُ) لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَتْ الْجَهْمِيَّةُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ: إنَّا لَنَحْكِي قَوْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ. فَإِنَّهُمْ تَارَةً يَقُولُونَ بِالْحُلُولِ، وَتَارَةً يَقُولُونَ بِالتَّعْطِيلِ. (وَ) غُلَاةُ (الرَّافِضَةِ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمْ الْمُقَرَّرَةِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ (لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ) . وَلَا تُتَّبَعُ جَنَائِزُهُمْ. (قَالَ) . الْإِمَامُ أَحْمَدُ: (أَهْلُ الْبِدَعِ) . وَهُمْ: الِاثْنَانِ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً (إنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ) لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ.

فصل إذا شرع في غسله وجب ستر ما بين سرته وركبته

[فَصْلٌ إذَا شُرِعَ فِي غُسْلِهِ وَجَبَ سَتْرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ] (فَصْلٌ) (وَإِذَا أُخِذَ) ، أَيْ: شُرِعَ (فِي غُسْلِهِ؛ وَجَبَ سَتْرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ) ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ: «لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (فِي غَيْرِ مَنْ) سِنُّهُ (دُونَ سَبْعِ) سِنِينَ، فَلَا بَأْسَ بِغُسْلِهِ مُجَرَّدًا. (وَسُنَّ تَجْرِيدُهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (مِنْ ثِيَابِهِ) لِلْغُسْلِ. لِأَنَّهُ أَمْكَنُ فِي تَغْسِيلِهِ، وَأَصْوَنُ لَهُ مِنْ التَّنْجِيسِ، وَلِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: " أَنُجَرِّدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ لَا؟ " (إلَّا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَإِنَّهُمْ " لَمَّا اخْتَلَفُوا: هَلْ يُجَرِّدُونَهُ أَوْ لَا؟ أَوْقَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا وَذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنْ غَسِّلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ. فَقَامُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ. يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وَيُدَلِّكُونَ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ فَضَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّهَا طَاهِرَةٌ. فَلَمْ يُخْشَ تَنْجِيسُ قَمِيصِهِ. (وَ) سُنَّ (سَتْرُهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ حَالَ الْغُسْلِ (عَنْ الْعُيُونِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِهِ عَيْبٌ يَسْتُرُهُ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ تَظْهَرُ عَوْرَتُهُ (تَحْتَ سِتْرٍ أَوْ سَقْفٍ) فِي خَيْمَةٍ أَوْ بَيْتٍ إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَلِئَلَّا يَسْتَقْبِلَ بِعَوْرَتِهِ السَّمَاءَ. (وَكُرِهَ حُضُورُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي غُسْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِالْمَيِّتِ مَا يُكْرَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ، وَالْحَاجَةُ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إلَى حُضُورِهِ (غَيْرَ وَلِيٍّ) ، فَلَهُ

الدُّخُولُ عَلَيْهِ كَيْفَ شَاءَ. قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ. (وَ) كُرِهَ (تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ) نَصًّا وِفَاقًا. (وَ) كُرِهَ (نَظَرٌ) إلَى (بَقِيَّةِ بَدَنِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَوْ غَاسِلًا) فَلَا يُنْظَرُ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّ جَمِيعَهُ صَارَ عَوْرَةً) إكْرَامًا لَهُ، (فَلِذَا شُرِعَ سَتْرُ جَمِيعِهِ) بِالْكَفَنِ. (انْتَهَى) . قَالَ: فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَهُ إلَّا مَنْ يُعِينُ فِي أَمْرِهِ، نَقَلَهُ عَنْهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (ثُمَّ يَرْفَعُ) غَاسِلٌ (فِي أَوَّلِ غُسْلِ رَأْسِ) مَيِّتٍ، (غَيْرِ حَامِلٍ إلَى قُرْبِ جُلُوسِهِ) ، بِحَيْثُ يَكُونُ كَالْمُحْتَضَنِ فِي صَدْرِ غَيْرِهِ. (وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ بِرِفْقٍ) لِيَخْرُجَ الْمُسْتَعِدُّ لِلْخُرُوجِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ بَعْدَ الْأَخْذِ فِي الْغُسْلِ، فَتَكْثُرُ النَّجَاسَةُ، (وَيَكُونُ ثَمَّ) ، أَيْ: هُنَاكَ (بَخُورٌ) - بِوَزْنِ رَسُولٍ - دَفْعًا لِلتَّأَذِّي بِرَائِحَةِ الْخَارِجِ، (وَيَكْثُرُ صَبُّ مَاءٍ حِينَئِذٍ) ، لِيَدْفَعَ مَا يَخْرُجُ بِالْعَصْرِ، وَالْحَامِلُ لَا يُعْصَرُ بَطْنُهَا، لِئَلَّا يَتَأَذَّى الْوَلَدُ، وَلِحَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ مَرْفُوعًا «إذَا تُوُفِّيَتْ الْمَرْأَةُ، فَأَرَادُوا غُسْلَهَا: فَلْيُبْدَأْ بِبَطْنِهَا، فَلْتُمْسَحْ مَسْحًا رَفِيقًا إنْ لَمْ تَكُنْ حُبْلَى. وَإِنْ كَانَتْ حُبْلَى فَلَا تُحَرِّكْهَا» رَوَاهُ الْخَلَّالُ. (ثُمَّ يَلُفُّ) الْغَاسِلُ (عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً خَشِنَةً، فَيُنْجِيهِ بِهَا) أَيْ: الْخِرْقَةِ. كَمَا تُسَنُّ بَدَاءَةُ الْحَيِّ بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ، (وَالْأَوْلَى لِكُلِّ فَرْجٍ خِرْقَةٌ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ خِرْقَةٍ خَرَجَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ، لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا أَنْ تُغْسَلَ. (وَيَجِبُ غُسْلُ نَجَاسَةٍ بِهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِغُسْلِهِ تَطْهِيرُهُ حَسَبَ الْإِمْكَانِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِالْمُخْرَجِ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا الِاسْتِجْمَارُ. (وَ) يَجِبُ (أَنْ لَا يَمَسَّ عَوْرَةُ مَنْ بَلَغَ سَبْعًا) مِنْ السِّنِينَ، لِأَنَّ الْمَسَّ أَعْظَمُ مِنْ النَّظَرِ. كَحَالِ الْحَيَاةِ. وَرُوِيَ " أَنَّ عَلِيًّا حِينَ غَسَّلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً حِينَ غَسَلَ فَرْجَهُ "

ذَكَرَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ. (وَإِنْ) كَانَ (مَحْرَمًا) مِنْ الْمَيِّتِ. كَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّطْهِيرَ يُمْكِنُ بِدُونِ مَسٍّ وَلَا نَظَرٍ. (وَسُنَّ أَنْ لَا يُمَسَّ) الْغَاسِلُ (سَائِرُهُ) ، أَيْ: بَاقِي بَدَنِ الْمَيِّتِ (إلَّا بِخِرْقَةٍ) ، لِفِعْلِ عَلِيٍّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحِينَئِذٍ يَعُدُّ الْغَاسِلُ ثَلَاثَ خِرَقٍ: خِرْقَتَيْنِ لِلسَّبِيلَيْنِ، وَخِرْقَةٍ لِبَقِيَّةِ بَدَنِهِ، (ثُمَّ يَنْوِي) الْغَاسِلُ (غُسْلَهُ) فَقَطْ، أَيْ: دُونَ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُ، أَوْ رَفْعِ حَدَثِ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ تَعَبُّدِيٌّ، فَإِنْ عَلِمَ الْغَاسِلُ بِجَنَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا: نَوَاهُمَا جَمِيعًا، (وَيُسَمِّي) وُجُوبًا، وَتَسْقُطُ سَهْوًا كَغُسْلِ الْحَيِّ. (وَسُنَّ أَنْ يُدْخِلَ) الْغَاسِلُ بَعْدَ غُسْلِ كَفَّيْ الْمَيِّتِ نَصًّا ثَلَاثًا (إبْهَامَهُ وَسَبَّابَتَهُ، عَلَيْهِمَا خِرْقَةٌ مَبْلُولَةٌ بِمَا بَيْنَ شَفَتَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (فَيَمْسَحُ) بِهَا (أَسْنَانَهُ، وَ) يُدْخِلُهُمَا (فِي مَنْخِرَيْهِ فَيُنَظِّفُهُمَا) ، فَيَقُومُ مَقَامَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، (ثُمَّ يُوَضِّئُهُ) اسْتِحْبَابًا كَامِلًا، لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ مَرْفُوعًا فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَكَغُسْلِ الْجَنَابَةِ. (وَلَا يُدْخِلُ) غَاسِلٌ (مَاءً فِي أَنْفِهِ وَ) لَا (فَمِهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ خَشْيَةَ تَحْرِيكِ النَّجَاسَةِ بِدُخُولِ الْمَاءِ إلَى جَوْفِهِ، (ثُمَّ يُضْرَبُ نَدْبًا نَحْوَ سِدْرٍ) ، كَخِطْمِيٍّ، (فَيُغْسَلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ فَقَطْ، فِي كُلِّ غَسْلَةٍ) ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، وَلِهَذَا جُعِلَ كَشْفُهُ شِعَارَ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ الشَّرِيفَةِ. وَالرَّغْوَةُ تُزِيلُ الدَّرَنَ. وَلَا تَتَعَلَّقُ بِالشَّعْرِ، فَنَاسَبَ أَنْ تُغْسَلَ بِهَا اللِّحْيَةُ، لِتَزُولَ الرَّغْوَةُ بِمُجَرَّدِ جَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ تَفْلِ السِّدْرِ، (ثُمَّ يُغْسَلُ بِمَاءٍ بَارِدٍ، فَيُكْرَهُ) مَاءٌ (حَارٌّ) ؛ لِأَنَّهُ يُرْخِي الْجَسَدَ، فَيُسْرِعُ الْفَسَادُ إلَيْهِ، وَالْمَاءُ الْبَارِدُ يُصْلِبُهُ، وَيُبْعِدُهُ عَنْ الْفَسَادِ. (شِقَّهُ الْأَيْمَنَ بِتَفْلِ) السِّدْرِ (مِنْ

رَأْسِهِ لِرِجْلِهِ) ، يُبْدَأُ بِصَفْحَةِ عُنُقِهِ إلَى الرِّجْلِ، (ثُمَّ) يُغْسَلُ شِقَّهُ (الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ) ، لِحَدِيثِ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» وَكَغُسْلِ الْحَيِّ، وَلَا يَكُبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَيُغْسَلُ ظَهْرُهُ وَوَرِكُهُ، وَهُوَ عَلَى جَنْبِهِ، (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ) لِيَعُمَّهُ الْغُسْلُ، (وَيُثَلِّثُ ذَلِكَ) ، أَيْ: يُكَرِّرُهُ ثَلَاثًا (نَدْبًا) كَغُسْلِ الْحَيِّ، (فَيُكْرَهُ اقْتِصَارٌ فِي غُسْلٍ عَلَى مَرَّةٍ) ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» ، (وَلَا يُعَادُ وُضُوءٌ لِكُلِّ مَرَّةٍ) ، إنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ، (يُمِرُّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ) بِرِفْقٍ إخْرَاجًا لِمَا تَخَلَّفَ، وَأَمْنًا مِنْ فَسَادِ الْغُسْلِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدُ، (وَلَا يَجِبُ فِعْلُ ذَلِكَ) ، أَيْ: مُبَاشَرَةُ الْغُسْلِ كَالْحَيِّ، (فَلَوْ تُرِكَ) الْمَيِّتُ (تَحْتَ نَحْوِ مِيزَابٍ، وَحَضَرَ أَهْلٌ) يَصْلُحُ (لِغُسْلِهِ) وَهُوَ: الْمُسْلِمُ الْمُمَيِّزُ، (وَنَوَى) غُسْلَهُ وَسَمَّى، (وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ غُسْلُهُ فِيهِ) ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمَاءَ عَمَّهُ؛ (كَفَى) فِي أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ. (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) الْمَيِّتُ (بِثَلَاثِ) غَسَلَاتٍ؛ (زَادَ إلَى سَبْعِ) غَسَلَاتٍ، (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) بِسَبْعِ غَسَلَاتٍ، (فَالْأَوْلَى غَسْلُهُ حَتَّى يُنَقَّى) ، لِلْخَبَرِ، وَتَقَدَّمَ (مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ وُضُوءٍ) ، فَإِنَّهُ فِي الْأُولَى خَاصَّةً، (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ) مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا (بَعْدَ الثَّلَاثِ؛ أُعِيدَ وُضُوءُهُ) وُجُوبًا، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " وَتَبِعَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": لِتَكُونَ طَهَارَتُهُ كَامِلَةً. (وَوَجَبَ غُسْلُهُ كُلَّمَا خَرَجَ) مِنْهُ شَيْءٌ (إلَى سَبْعٍ) لِمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا كَرَّرَ الْأَمْرَ بِغُسْلِهَا مِنْ أَجْلِ تَوَقُّعِ النَّجَاسَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ الطَّهَارَةَ الْكَامِلَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْتَ جَرَى مَجْرَى زَوَالِ الْعَقْلِ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ وُجُوبُ إعَادَةِ غُسْلِهِ، (وَلَوْ خَرَجَ)

شَيْءٌ (مِنْ غَيْرِ سَبِيلٍ) ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَهَا) ، أَيْ: السَّبْعِ شَيْءٌ؛ (حُشِيَ) مَحَلُّ الْخُرُوجِ (بِقُطْنٍ) أَوْ مُلْجَمٍ بِهِ. كَمَا تَفْعَلُ الْمُسْتَحَاضَةُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهَا، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ) بِالْحَشْوِ بِقُطْنٍ وَنَحْوِهِ؛ (فَ) يُحْشَى (بِطِينٍ حَرٍّ) خَالِصٍ، يَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ تَمْسِكُ الْمَحَلِّ لِيَمْنَعَ الْخَارِجَ، (ثُمَّ يَغْسِلُ الْمَحَلَّ) الْمُتَنَجِّسَ بِالْخَارِجِ وُجُوبًا، (وَيُوَضَّأُ وُجُوبًا) ، كَجُنُبٍ أَحْدَثَ بَعْدَ غُسْلِهِ، (وَلَا غُسْلَ) بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ. (وَإِنْ خِيفَ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ مَنَافِذِ وَجْهِهِ) كَفَمِهِ وَأَنْفِهِ وَأُذُنِهِ؛ (فَلَا بَأْسَ أَنْ تُحْشَى بِقُطْنٍ) وَنَحْوِهِ، (وَإِنْ خَرَجَ) مِنْهُ (شَيْءٌ) قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ (بَعْدَ تَكْفِينِهِ وَلَفِّهِ؛ لَمْ يُعَدْ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ فِي السَّابِعَةِ أَوْ قَبْلَهَا، قَلِيلًا كَانَ الْخَارِجُ أَوْ كَثِيرًا، دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ وَإِعَادَةِ غُسْلِهِ، وَتَطْهِيرِ اللِّفَافَةِ وَتَجْفِيفِهَا أَوْ إبْدَالِهَا، فَيَتَأَخَّرُ دَفْنُهُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، ثُمَّ لَا يُؤْمَنُ مِثْلٌ بَعَدِهِ، وَإِنْ وُضِعَ عَلَى الْكَفَنِ، وَلَمْ يُلَفَّ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ؛ أُعِيدَ غُسْلُهُ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ (وَسُنَّ قَطْعُ) عَدَدِ غَسَلَاتِهِ (عَلَى وِتْرٍ) ، لِحَدِيثِ «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا» ، (وَ) سُنَّ (جَعْلُ كَافُورٍ وَسِدْرٍ فِي غَسْلَةٍ أَخِيرَةٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّ الْكَافُورَ يَصْلُبُ الْجَسَدَ، وَيُبَرِّدُهُ وَتَطْرُدُ رَائِحَتُهُ الْهَوَامَّ، وَلِحَدِيثِ «اجْعَلْنَ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَا إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُحْرِمًا، فَيُجَنَّبُ الْكَافُورُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الطِّيبِ.

(وَ) سُنَّ (خِضَابُ لِحْيَةِ رَجُلٍ وَرَأْسِ امْرَأَةٍ بِحِنَّاءٍ وَقَصُّ شَارِبِ غَيْرِ مُحْرِمٍ، وَتَقْلِيمُ أَظْفَارِهِ إنْ طَالَا) ، أَيْ: الشَّارِبُ وَالْأَظْفَارُ (وَأَخْذُ شَعْرِ إبِطَيْهِ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ تَنْظِيفٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ عُضْوٍ، أَشْبَهَ إزَالَةَ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ، وَيُعَضِّدُهُ عُمُومَاتُ سُنَنِ الْفِطْرَةِ. (وَجَعَلَهُ) ، أَيْ: الْمَأْخُوذَ مِنْ شَعْرٍ وَظُفْرٍ (مَعَهُ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - فِي كَفَنِهِ بَعْدَ إعَادَةِ غُسْلِهِ (نَدْبًا كَعُضْوٍ أَصْلِيٍّ سَقَطَ) ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ صَالِحٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: " تُغْسَلُ رَأْسُ الْمَيِّتَةِ؛ فَمَا سَقَطَ مِنْ شَعْرِهَا فِي أَيْدِيهِمْ غَسَلُوهُ؛ ثُمَّ رَدُّوهُ فِي رَأْسِهَا "؛ وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ دَفْنُ ذَلِكَ مِنْ الْحَيِّ، فَالْمَيِّتُ أَوْلَى، وَتُلَفَّقُ أَعْضَاؤُهُ إنْ قُطِعَتْ بِالتَّغْمِيطِ وَالطِّينِ الْحُرِّ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ تَشْوِيهُهُ، وَمَا فُقِدَ مِنْهَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ شَكْلٌ مِنْ طِينٍ وَلَا غَيْرِهِ. (وَحَرُمَ حَلْقُ رَأْسِ) مَيِّتٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ لِنُسُكٍ أَوْ زِينَةٍ، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهُمَا. (وَ) حَرُمَ (أَخْذُ) شَعْرِ (عَانَةٍ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَسِّ الْعَوْرَةِ وَنَظَرِهَا، وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَلَا يُرْتَكَبُ لِمَنْدُوبٍ. (كَ) مَا يَحْرُمُ (خَتْنُ) مَيِّتٍ أَقْلَفَ؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ بَعْضِ عُضْوٍ مِنْهُ، وَقَدْ زَالَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ. (وَكُرِهَ خِلَالٌ) إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لِشَيْءٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ، (وَ) كُرِهَ (إشْنَانٌ إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ) لِوَسَخٍ كَثِيرٍ بِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَيَكُونُ الْخِلَالُ إذَنْ مِنْ شَجَرَةٍ لَيِّنَةٍ كَالصَّفْصَافِ. (وَ) كُرِهَ (تَسْرِيحُ شَعْرِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - رَأْسًا كَانَ أَوْ لِحْيَةً، نَصًّا؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ، وَعَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهَا مَرَّتْ بِقَوْمٍ يُسَرِّحُونَ شَعْرَ مَيِّتٍ فَنَهَتْهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: عَلَامَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ؟ " أَيْ: تُسَرِّحُونَهُ. (وَسُنَّ أَنْ يُظَفَّرَ، شَعْرُ أُنْثَى ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَسَدْلُهُ) ، أَيْ: إلْقَاؤُهُ (وَرَاءَهَا) نَصًّا، لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ: " فَظَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفَهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

(وَ) سُنَّ (تَنْشِيفُ) مَيِّتٍ بِثَوْبٍ. كَمَا فُعِلَ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلِئَلَّا يَبْتَلَّ كَفَنُهُ فَيَفْسُدَ. وَلَا يُنَجِّسُ مَا نُشِّفَ بِهِ. (وَقِيلَ لِ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ: الْعَرُوسُ تَمُوتُ فَتُجْلَى، فَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا) ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ تُهَيِّجُ الْمُصِيبَةِ. (وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (فِي حَمَّامٍ) نَصًّا كَحَيٍّ (وَ) لَا بَأْسَ بِ (مُخَاطَبَةِ غَاسِلٍ لَهُ حَالَ غُسْلِهِ بِنَحْوِ: انْقَلِبْ يَرْحَمْكَ اللَّهُ) ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ لَمَّا لَمْ يَجِدْ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَجِدُهُ مِنْ سَائِرِ الْمَوْتَى: " يَا رَسُولَ اللَّهِ طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا " وَقَوْلِ الْفَضْلِ وَهُوَ مُحْتَضِنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " أَرْضِي أَرْضِي، فَقَدْ قَطَعْت وَتِينِي، إنِّي أَجِدُ شَيْئًا يَنْزِلُ عَلَيَّ " وَالْوَتِينُ: عِرْقٌ فِي الْقَلْبِ إذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ. (وَمُحْرِمٌ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (مَيِّتٌ كَ) مُحْرِمٍ (حَيٍّ) فِيمَا يُمْنَعُ مِنْهُ، (يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ لَا طِيبَ فِيهِ) وَلَا كَافُورَ، (وَلَا يَلْبَسُ ذَكَرٌ الْمِخْيَطَ) نَحْوَ قَمِيصٍ، (وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، (وَلَا) يُغَطَّى (وَجْهُ أُنْثَى) مُحْرِمَةٍ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا ظُفْرِهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا فِي مُحْرِمٍ مَاتَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا فِدْيَةَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِهِ) . أَيْ: الْمَيِّتِ الْمُحْرِمِ، كَتَطْيِيبِهِ وَإِلْبَاسِهِ الْمِخْيَطَ وَنَحْوَهُ، (وَلَا تُمْنَعُ مُعْتَدَّةٌ) مَاتَتْ غَيْرَ مُحْرِمَةٍ (مِنْ طِيبٍ) ، لِسُقُوطِ الْإِحْدَادِ بِمَوْتِهَا. (وَتُزَالُ اللَّصُوقُ) بِفَتْحِ اللَّام - أَيْ: مَا يُلْصَقُ عَلَى الْبَدَنِ، يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ لِيَصِلَ إلَى الْبَشَرَةِ كَالْحَيِّ. (وَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (شَيْءٌ) بِإِزَالَةِ لَصُوقٍ، (بَقِيَتْ وَمُسِحَ عَلَيْهَا) كَجَبِيرَةِ حَيٍّ. (وَيُزَالُ نَحْوُ خَاتَمٍ) كَسِوَارٍ وَحَلْقَةٍ (وَلَوْ بِبُرْدِهِ) ، لِأَنَّ تَرْكَهُ مَعَهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ، وَ (لَا) يُزَالُ (أَنْفٌ مِنْ ذَهَبٍ) . لِمَا فِيهِ مِنْ

فرع فرض الكفاية

الْمُثْلَةِ، (وَيُحَطُّ ثَمَنُهُ، إنْ لَمْ يُؤْخَذْ) ، أَيْ: إنْ لَمْ يَكُنْ بَائِعُهُ أَخَذَهُ مِنْ الْمَيِّتِ (مِنْ تَرِكَتِهِ) كَسَائِرِ دُيُونِهِ، (فَإِنْ عُدِمَتْ) تَرِكَةُ الْمَيِّتِ (أُخِذَ) الْأَنْفُ (إذَا بُلِيَ مَيِّتٌ) ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ إذَنْ. [فَرْعٌ فَرْضُ الْكِفَايَةِ] (فَرْعٌ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ) مِنْ حَيْثُ هُوَ مُهِمٌّ يُقْصَدُ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ، حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ فَرْضُ الْعَيْنِ، وَسُنَّةُ الْعَيْنِ، وَيَدْخُلُ نَحْوُ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَفَرْضُ الْكِفَايَةِ وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، (إذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ) مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، (سَقَطَ) الطَّلَبُ الْجَازِمُ عَنْ الْجَمِيعِ، فَلَا يُطْلَبُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ فِعْلُهُ، (فَإِنْ فَعَلَهُ جَمْعٌ) مِنْ النَّاسِ (مَعًا؛ كَانَ كُلُّهُ فَرْضًا) ، أَيْ: أُثِيبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى فِعْلِهِ ثَوَابَ الْفَرْضِ، لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِي تَمْيِيزَ بَعْضِهِمْ، (وَذَكَرَهُ) عَلِيُّ (بْنُ عَقِيلٍ مَحَلَّ وِفَاقٍ) مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ،، (وَفِي فِعْلِ بَعْضٍ) لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ (بَعْدَ بَعْضٍ وَجْهَانِ) : أَصَحُّهُمَا: أَنَّ فَاعِلَهُ الْأَوَّلَ قَامَ بِالْفَرْضِيَّةِ، وَأُثِيبَ عَلَيْهَا، وَمَنْ فَعَلَهُ بَعْدَهُ، وَقَعَ مِنْهُ نَفْلًا، وَأُثِيبَ عَلَيْهِ ثَوَابَ النَّفْلِ.

فصل الشهيد يجب بقاء دمه عليه

[فَصْلٌ الشَّهِيدُ يَجِبُ بَقَاءُ دَمِهِ عَلَيْهِ] ِ) لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِدِمَائِهِمْ. (فَإِنْ خَالَطَتْهُ) ، أَيْ: دَمَ الشَّهِيدِ (نَجَاسَةٌ؛ غُسِلَ) الدَّمُ (مَعَهَا) - أَيْ: النَّجَاسَةِ - لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ، وَمِنْهُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ، مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَمِنْهُ إبْقَاءُ دَمِ الشَّهِيدِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ. (وَ) يَجِبُ (دَفْنُهُ) ، أَيْ: الشَّهِيدِ (بِثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا) فَقَطْ، وَظَاهِرُهُ: (وَلَوْ) كَانَتْ (حَرِيرًا) ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ. (وَيَتَّجِهُ) : لَا بَأْسَ بِدَفْنِهِ فِي الثِّيَابِ الْحَرِيرِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا، (إنْ كَانَ لُبْسُهُ) إيَّاهَا (فِي حَالٍ يُبَاحُ) كَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (بَعْدَ نَزْعٍ لَأْمَةِ حَرْبٍ، وَنَحْوِ فَرْوٍ وَخُفٍّ) نَصًّا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «أُمِرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِثِيَابِهِمْ بِدِمَائِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. فَإِنْ سُلِبَ ثِيَابُهُ؛ كُفِّنَ فِي غَيْرِهَا.

(وَيَتَّجِهُ) : نَزْعُ مَا عَلَى الشَّهِيدِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْفَرْوَ وَالْجُلُودِ (وُجُوبًا) ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا يُزَادُ فِي ثِيَابِهِ) ، أَيْ: الشَّهِيدِ (وَلَا يُنْقَصُ) مِنْهَا (وَلَوْ لَمْ يَحْصُلُ الْمَسْنُونُ) بِهَا لِنَقْصِهَا أَوْ زِيَادَتِهَا، (فَإِنْ كَانَ) الشَّهِيدُ (قَدْ سَلَبَهَا) أَيْ: الثِّيَابَ (دُفِنَ) بَعْدَ تَكْفِينِهِ (بِغَيْرِهَا) بِلَا خِلَافٍ. (وَيَتَّجِهُ) : تَكْفِينُهُ بِغَيْرِهَا (نَدْبًا، وَسِتْرُ عَوْرَتِهِ وُجُوبًا) قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ " وَشَرْحِهِ: كُفِّنَ بِغَيْرِهَا وُجُوبًا كَغَيْرِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى. (وَإِنْ سَقَطَ) حَاضِرُ صَفِّ الْقِتَالِ (مِنْ شَاهِقٍ) ، أَيْ: مَكَان مُرْتَفَعٍ كَجَبَلٍ وَنَحْوِهِ، (أَوْ) سَقَطَ مِنْ (دَابَّةٍ لَا بِفِعْلِ عَدُوٍّ) ، فَمَاتَ (أَوْ مَاتَ بِرَفْسَةِ) دَابَّةٍ، (أَوْ) مَاتَ (حَتْفَ أَنْفِهِ) ، أَيْ: لَا بِفِعْلِ أَحَدٍ، (أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا، وَلَا أَثَرَ) قَتْلٍ (بِهِ) ، فَإِنْ كَانَ بِهِ أَثَرٌ؛ لَمْ يُغَسَّلْ، (أَوْ عَادَ سِلَاحُهُ عَلَيْهِ) فَقُتِلَ، فَكَغَيْرِهِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِفِعْلِ الْعَدُوِّ مُبَاشَرَةً، وَلَا تَسَبُّبًا، أَشْبَهَ مَنْ مَاتَ مَرِيضًا، وَالْأَصْلُ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ، فَلَا يَسْقُطُ

بِالشَّكِّ فِي مَسْقَطِهِ. (أَوْ حُمِلَ) بَعْدَ جُرْحِهِ (فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَوْ بَالَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ عَطَسَ أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ عُرْفًا؛ فَ) هُوَ (كَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوبِ غُسْلٍ وَتَكْفِينٍ وَصَلَاةٍ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذِي حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَالْأَصْلُ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَظَاهِرُهُ: أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأُمُورُ بَعْدَ حَمْلِهِ، فَأَمَّا إنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ بَعْدَ جُرْحِهِ، وَهُوَ فِي الْمَعْرَكَةِ، ثُمَّ مَاتَ فِيهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، فَلَا يُغَسَّلُ، إلَّا أَنْ يَطُولَ مُكْثُهُ فِيهَا؛ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُغَسَّلَ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ أَقَامَ فِيهَا إلَى اللَّيْلِ، أَيْ: فَحُكْمُهُ (كَشَهِيدٍ مَطْعُونٍ وَمَبْطُونٍ وَغَرِيقٍ وَشَرِيقٍ وَحَرِيقٍ وَصَاحِبِ هَدْمٍ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالسُّلِّ) بِضَمِّ السِّين وَكَسْرِهَا (وَاللَّقْوَةِ) : دَاءٌ فِي الْوَجْهِ (وَصَابِرٍ بِطَاعُونٍ، وَمُتَرَدٍّ بِشَاهِقٍ) لَا بِفِعْلِ كُفَّارٍ (وَدَابَّةٍ وَمَيِّتٍ بِسَبِيلِ اللَّهِ، وَمُرَابِطٍ وَطَالِبِ شَهَادَةٍ بِصِدْقِ نِيَّةٍ، وَمَجْنُونٍ وَنُفَسَاءَ وَلَدِيغٍ وَفَرِيسِ سَبُعٍ) ، وَمَنْ بَاتَ عَلَى طَهَارَةٍ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَطَالِبُ عِلْمٍ) مُعَلِّمًا كَانَ أَوْ مُتَعَلِّمًا؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أُمَنَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ. (وَمِنْ أَغْرَبِهَا) ، أَيْ: الشَّهَادَةِ: (مَوْتُ غَرِيبٍ) ، لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ» : (وَأَغْرَبُ مِنْهُ) مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الْمُنَجَّا وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: (عَاشِقُ عَفٍّ وَكَتْمٍ) أَشَارَ إلَى الْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ: «مَنْ عَشِقَ وَعَفَّ وَكَتَمَ فَمَاتَ، مَاتَ شَهِيدًا» ، وَهَذَا الْخَبَرُ مَذْكُورٌ فِي تَرْجَمَةِ سُوَيْد بْنِ سَعِيدٍ فِيمَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ. قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيُّ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ كِتْمَانَ الْعَاشِقِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُطَالِبِ الْمُفْضِيَةِ إلَى بُلُوغِ الْمَأْرَبِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَذَاعَ سِرَّهُ كَثُرَتْ عُذَّالُهُ، وَبَاءَ بِالْحِرْمَانِ،

فَيَنْبَغِي لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِهَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَتَدَرَّعَ مِنْ الصَّبْرِ جِلْبَابًا، وَيَلْبَسَ مِنْ الْعِفَّةِ وَالْكِتْمَانِ ثِيَابًا، وَيَكُونَ عِشْقُهُ لِلَّهِ، لَا يَشُوبَهُ بِشَهْوَةٍ حَيَوَانِيَّةٍ. وَ (لَا) يَلْزَمُ كِتْمَانُهُ (عَنْ مَعْشُوقِهِ) لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَلَا يَخْلُو مَعَهُ، لِئَلَّا يَتَلَاعَبَ بِهِ الشَّيْطَانُ فَيُوقِعَهُ فِي غَضَبِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ جَيِّدٌ. (وَسَقَطَ) - بِتَثْلِيثِ السِّينِ - (لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فَأَكْثَرَ (كَمَوْلُودٍ حَيًّا) ، يُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ نَصًّا، لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ مَرْفُوعًا «وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: «وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَذَكَرُهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ نَسَمَةٌ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ وَ (لَا) يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لَوْ سَقَطَ (قَبْلَهَا) ، أَيْ: الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، (وَلَوْ بَانَ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ) إذْ الْمُعْتَبَرُ نَفْخُ الرُّوحِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ. (وَسُنَّ تَسْمِيَتُهُ) ، أَيْ: الطِّفْلِ (وَإِنْ) وُلِدَ (لِدُونِ ذَلِكَ) ، أَيْ: الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ يَبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، فَيُسَمَّى لِيُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاسْمِهِ. (وَمَعَ جَهْلِ ذُكُورَةٍ وَأُنُوثَةٍ يُسَمَّى بِصَالِحٍ

لَهُمَا كَطَلْحَةَ وَهِبَةِ اللَّهِ) . قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ. (وَسَقَطَ مِنْ كَافِرَيْنِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) بِأَنْ مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ بِدَارِنَا، (كَمُسْلِمٍ) يُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا وُلِدَ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ. وَإِلَّا فَلَا. وَيُصَلَّى عَلَى طِفْلٍ مِنْ كَافِرَيْنِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ بِدَارِنَا. أَوْ سَبْيِهِ مُنْفَرِدًا عَنْهُمَا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا. وَكَذَا مَجْنُونٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ. (وَعَلَى غَاسِلٍ سَتْرُ شَرٍّ) رَآهُ؛ لِأَنَّ فِي إظْهَارِهِ إذَاعَةً لِلْفَاحِشَةِ، وَفِي الْخَبَرِ مَرْفُوعًا: «لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمْ الْمَأْمُونُونَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، وَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ، وَلَمْ يُفْشِ عَيْبَهُ؛ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ. (كَطَبِيبٍ فِي سَتْرِ عَيْبٍ) رَآهُ بِجَسَدٍ مَطْبُوبٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهُ. فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِيهِ، وَمِثْلُهُ الْجَرَائِحِيُّ. (وَسُنَّ) لِلْغَاسِلِ (إظْهَارُ خَيْرٍ) رَآهُ مِنْ الْمَيِّتِ لِيُتَرَحَّمَ عَلَيْهِ (قَالَ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ: إلَّا عَلَى مَشْهُورٍ بِبِدْعَةٍ أَوْ فُجُورٍ وَنَحْوِهِ) . كَكَذِبٍ، (فَيُسَنُّ إظْهَارُ شَرِّهِ وَسَتْرُ خَيْرِهِ) لِيَرْتَدِعَ نَظِيرُهُ. (وَنَرْجُو لِلْمُحْسِنِ، وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ وَلَا نَشْهَدُ) بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ (إلَّا لِمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَالْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِالْجَنَّةِ، وَكَحَاتِمٍ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ فِي النَّارِ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (أَوْ تَتَّفِقُ الْأُمَّةِ عَلَى الثَّنَاءِ) عَلَيْهِ: كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، (أَوْ) تَتَّفِقُ الْأُمَّةِ عَلَى (الْإِسَاءَةِ عَلَيْهِ) كَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ، وَالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ مُرَادَهُ الْأَكْثَرُ، وَأَنَّهُ الْأَكْثَرُ دِيَانَةً، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَالُ الْمَيِّتِ مُوَافِقَةً لِقَوْلِهِمْ. وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ عَلَامَةً مُسْتَقِلَّةً. انْتَهَى.

فرع سوء الظن بمسلم ظاهر العدالة

وَمَنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ، وَوُجِدَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ؛ وَجَبَ غُسْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ أَقْلَفَ بِدَارِنَا لَا بِدَارِ حَرْبٍ. وَلَا عَلَامَةَ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ. وَنَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ يُسْتَدَلُّ بِثِيَابٍ وَخِتَانٍ. [فَرْعٌ سُوءُ الظَّنِّ بِمُسْلِمٍ ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ] (فَرْعٌ: يَحْرُمُ سُوءُ) الـ (ظَّنِّ) بِاَللَّهِ تَعَالَى وَ (بِمُسْلِمٍ ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ) ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. (وَيُسْتَحَبُّ ظَنُّ الْخَيْرِ بِالْأَخِ الْمُسْلِمِ) وَيَجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى، (وَحُسْنُ الظَّنِّ بِأَهْلِ الدِّينِ حَسَنٌ) . وَلَا يَنْبَغِي تَحْقِيقُ ظَنِّهِ بِرِيبَةٍ. (وَلَا حَرَجَ بِظَنِّ السُّوءِ لِمَنْ ظَاهِرُهُ الشَّرُّ) . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» - مَحْمُولٌ عَلَى الظَّنِّ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَمْ يُعَضِّدْهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ. وَحَدِيثُ «احْتَرِسُوا مِنْ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ» ، الْمُرَادُ بِهِ الِاحْتِرَاسُ فِي حِفْظِ الْمَالِ، كَغَلْقِ الْبَابِ خَوْفَ السُّرَّاقِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي. [فَصْلٌ تَكْفِينُ مَنْ يُغَسِّلُ] (فَصْلٌ) (وَتَكْفِينُ مَنْ فَرْضُ كِفَايَةٍ) عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهِ. لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (وَيَجِبُ لِحَقِّهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (وَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ثَوْبٌ) وَاحِدٌ (لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ، لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، (فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِدُونِهِ) ، أَيْ: لَوْ وَصَّى بِثَوْبٍ لَا يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، لَمْ تُسْمَعْ وَصِيَّتُهُ لِتَضَمُّنِهَا إسْقَاطَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (مِنْ مَلْبُوسٍ مِثْلَهُ فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) . لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِتَحْسِينِهِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّهُ لَا إجْحَافَ فِيهِ عَلَى الْمَيِّتِ. وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِ، (مَا لَمْ يُوصِ بِدُونِهِ) . أَيْ: مَلْبُوسِ مِثْلِهِ فَتُتْبَعُ وَصِيَّتُهُ لِإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ مِمَّا زَادَ. (وَيُكْرَهُ) أَنْ يُكَفَّنَ فِي (أَعْلَى) مِنْ

مَلْبُوسِ مِثْلِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ، وَلِلنَّهْيِ عَنْ التَّغَالِي فِي الْكَفَنِ. (وَيَتَّجِهُ) كَرَاهَةُ تَكْفِينِهِ بِالْأَعْلَى (إنْ كَانَ مِنْ تَرِكَتِهِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ إجْحَافًا عَلَى الْوَرَثَةِ، أَمَّا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ مُتَبَرِّعٌ أَوْ رَضُوا كُلُّهُمْ صَرِيحًا؛ فَلَا يُكْرَهُ. (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ لَوْ وَرِثَهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتَ (غَيْرُ مُكَلَّفٍ حَرُمَ) تَكْفِينُهُ بِأَعْلَى مِنْ مَلْبُوسِ مِثْلِهِ، وَهَذَا مُتَّجِهٌ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةٌ بِهِ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ فِيهِ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ لِفَاسِقٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ. (وَتَجِبُ مُؤْنَةُ تَجْهِيزٍ) مِنْ أُجْرَةِ مُغَسِّلٍ وَحَمَّالٍ وَحَفَّارٍ وَنَحْوِهِ (بِمَعْرُوفٍ) لِمِثْلِهِ، وَ (لَا) يَجِبُ (حَنُوطٌ وَطِيبٌ) كَحَالِ الْحَيَاةِ، (بَلْ يُسَنُّ) لِلْخَبَرِ وَيَأْتِي. (وَلَا بَأْسَ بِ) جَعْلِ (مِسْكٍ فِيهِ) - أَيْ: الْكَفَنِ - نَصًّا. (وَمَنْ أَخْرَجَ فَوْقَ) مَا جَرَتْ (عَادَةٌ) بِإِخْرَاجِهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُرُوءَةِ (مِنْ طِيبٍ وَحَوَائِجَ، وَفَوْقَ أُجْرَةِ حَمَّالٍ وَحَفَّارٍ، أَوْ أَعْطَى قَارِئًا بَيْنَ يَدَيْ جِنَازَةٍ؛ فَمُتَبَرِّعٌ) إنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ، (وَإِنْ كَانَ مِنْ تَرِكَةٍ فَمِنْ نَصِيبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ ". وَكَذَا مَا يُعْطَى لِمَنْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ مَعَ الْجِنَازَةِ بِالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ، وَمَا يُصْرَفُ فِي طَعَامٍ وَنَحْوِهِ لَيَالِي جَمْعٌ، وَمَا يُصْنَعُ فِي أَيَّامِهَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُسْتَحْدَثَةِ

خُصُوصًا إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. (وَيُقَدَّمُ مَا وَجَبَ لِلْمَيِّتِ) مِنْ ثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ. وَمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ بِمَعْرُوفٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ (عَلَى دَيْنٍ بِرَهْنٍ وَأَرْشِ جِنَايَةِ وَارِثٍ وَنَحْوِ كَفَّارَةٍ) كَزَكَاةٍ وَحَجٍّ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ سُتْرَتَهُ وَاجِبَةٌ فِي الْحَيَاةِ. فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَلِأَنَّ حَمْزَةَ وَمُصْعَبًا لَمْ يُوجَدْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا ثَوْبٌ، فَكُفِّنَ فِيهِ. وَلِأَنَّ لِبَاسَ الْمُفْلِسِ يُقَدَّمُ عَلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ. فَكَذَا كَفَنُ الْمَيِّتِ، وَلَا يُنْتَقَلُ لِوَارِثٍ مِنْ مَالِ مَيِّتٍ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ. (فَإِنْ عُدِمَ مَالُهُ) - أَيْ الْمَيِّتِ - بِأَنْ لَمْ يَخْلُفْ تِرْكَةً. أَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ. (فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) - أَيْ الْمَيِّتِ - حَالَ حَيَاتِهِ (بِقَدْرِهَا) - أَيْ: النَّفَقَةِ - فَمَنْ لَهُ أَخَوَانِ تَلْزَمُهُمَا نَفَقَتُهُ. فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ (إلَّا الزَّوْجُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) مِنْ الْكَفَنِ وَمُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ. وَلَوْ مُوسِرًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ فِي النِّكَاحِ وَجَبَتْ لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ. وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ وَالْبَيْنُونَةِ. وَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ. فَأَشْبَهَتْ الْأَجْنَبِيَّةَ. وَفَارَقَتْ الْعَبْدَ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِالْمِلْكِ لَا بِالِانْتِفَاعِ. وَلِذَلِكَ تَجِبُ نَفَقَةُ الْآبِقِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ؛ فَعَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا مِنْ أَقَارِبِهَا أَوْ مُعْتَقِيهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً. (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ: وَجَبَ كَفَنُهُ وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا. لِأَنَّهُ لِلْمَصَالِحِ وَهَذَا مِنْ أَهَمِّهَا. فَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَلَوْ ذِمِّيًّا فَلَا؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ إنَّمَا أَوْجَبَتْ عِصْمَتَهُمْ. فَلَا نُؤْذِيهِمْ لِلْإِرْفَاقِ بِهِمْ. (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ تَعَذَّرَ الْأَخْذُ مِنْهُ. فَكَفَنُهُ وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ (عَلَى مُسْلِمٍ عَالِمٍ بِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - كَكِسْوَةِ الْحَيِّ. (وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ بَعْضُ وَرَثَةٍ: لَمْ يَلْزَمْ بَقِيَّتَهُمْ قَبُولُهُ) . لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمَيِّتِ، وَكَذَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ، فَأَبَى الْوَرَثَةُ أَوْ

بَعْضُهُمْ؛ (لَكِنْ لَيْسَ لَهُمْ) ، أَيْ: الْوَرَثَةِ، (سَلْبُهُ) ، أَيْ: الْكَفَنِ الَّذِي تَبَرَّعَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَوْ غَيْرُهُمْ (مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ، (بَعْدَ دَفْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا إسْقَاطَ لِحَقِّ أَحَدٍ فِي تَبْقِيَتِهِ. (وَمَنْ نُبِشَ وَسُرِقَ كَفَنُهُ؛ كُفِّنَ مِنْ تَرِكَتِهِ) نَصًّا (ثَانِيًا وَثَالِثًا فَقَطْ، وَلَوْ قُسِّمَتْ) تِرْكَتُهُ كَمَا لَوْ قُسِّمَتْ قَبْلَ تَكْفِينِهِ الْأَوَّلِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَارِثٍ لِلْكَفَنِ بِنِسْبَةِ حِصَّتِهِ مِنْ التَّرِكَةِ (مَا لَمْ تُصْرَفْ) تِرْكَتُهُ (فِي دَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ) ، فَإِنْ صُرِفَتْ فِي ذَلِكَ، أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ (فَيُتْرَكُ) الْمَيِّتُ (بِحَالِهِ حَيْثُ لَا مُتَبَرِّعَ) ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مُتَبَرِّعٌ فَعَلَ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا مِنْ الْوَرَثَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ، (وَإِنْ أُكِلَ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - أَيْ: أَكَلَ الْمَيِّتَ سَبُعٌ وَنَحْوُهُ، (أَوْ بَلِيَ) بِأَنْ صَارَ تُرَابًا (وَبَقِيَ كَفَنُهُ فَمَا) ، أَيْ: الْكَفَنُ الَّذِي (مِنْ مَالِهِ تِرْكَةٌ) يُقَسَّمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، (وَمَا تَبَرَّعَ بِهِ) مِنْ وَارِثٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، (فَ) هُوَ (لِمُتَبَرِّعٍ) ؛ لِأَنَّ تَكْفِينَهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ بَلْ إبَاحَةٍ. بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ لِلْوَرَثَةِ فَكَفَّنُوهُ بِهِ فَيَكُونُ لَهُمْ. (وَمِمَّا فَضَلَ مِمَّا جُنِيَ) مِنْ أَجْلِ تَكْفِينٍ بَعْدَ صَرْفِ مَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ؛ فَهُوَ لِرَبِّهِ إنْ عَلِمَ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ فَيُرَدُّ إلَيْهِ، (فَإِنْ جُهِلَ) رَبُّهُ أَوْ اخْتَلَطَ مَا جُبِيَ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ مَا لِكُلِّ إنْسَانٍ؛ (فَفِي كَفَنٍ آخَرَ) يُصْرَفُ إنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ مَا بُذِلَ لَهُ. (فَإِنْ تَعَذَّرَ) صَرْفُهُ فِي كَفَنٍ آخَرَ؛ (تَصَدَّقَ بِهِ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا بَذَلَهُ فِيهِ. (وَلَا يُجْبَى كَفَنٌ، لِعَدَمِ) يُكَفَّنُ بِهِ مَيِّتٌ (إنْ سُتِرَ) . أَيْ: أَمْكَنَ سَتْرُهُ (بِحَشِيشٍ وَنَحْوِهِ) كَوَرَقِ شَجَرٍ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِلَا إهَانَةٍ. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ (مَا يَسْتُرُ جَمِيعَهُ؛ سَتَرَ عَوْرَتَهُ) لِتَقَدُّمِهَا عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، (ثُمَّ) إنْ بَقِيَ شَيْءٌ سُتِرَ بِهِ (رَأْسُهُ) وَمَا يَلِيَهُ، (وَجُعِلَ عَلَى بَاقِيهِ حَشِيشٌ

أَوْ وَرَقٌ) . لِمَا رُوِيَ «أَنَّ مُصْعَبًا قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا نَمِرَةٌ، فَكَانَتْ إذَا وُضِعَتْ عَلَى رَأْسِهِ بَدَتْ رِجْلَاهُ. وَإِذَا وُضِعَتْ عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُغَطَّى رَأْسُهُ، وَيُجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَإِنْ وُجِدَ ثَوْبٌ) وَاحِدٌ (فَقَطْ وَ) ثَمَّ جَمَاعَةٌ (مَوْتَى؛ جُمِعَ فِيهِ مِنْهُمْ مَا يُمْكِنُ جَمْعُهُ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِفَادَاتِ " فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزًا مِنْ عُشْبٍ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحَبَّ هَذَا. (وَكُرِهَ) التَّكْفِينُ بِثَوْبٍ (رَقِيقٍ يَحْكِي الْهَيْئَةَ) لِرِقَّتِهِ نَصًّا، وَلَا يُجْزِئُ مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ. (وَ) كُرِهَ كَفَنٌ (مِنْ شَعْرٍ وَ) مِنْ (صُوفٍ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ فِعْلِ السَّلَفِ (وَ) كُرِهَ كَفَنٌ (مُزَعْفَرٌ وَمُعَصْفَرٌ وَمَنْقُوشٌ وَلَوْ لِأُنْثَى) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْحَالِ. (وَحَرُمَ بِجِلْدٍ) ، «لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَزْعِ الْجُلُودِ عَنْ الشُّهَدَاءِ» . (وَكَذَا) يَحْرُمُ تَكْفِينٌ (بِحَرِيرٍ وَمُذَهَّبٍ) وَمُفَضَّضٍ (وَلَوْ لِأُنْثَى بِلَا ضَرُورَةٍ) ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ ضَرُورَةٌ، بِأَنْ عُدِمَ ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ مِنْ غَيْرِهِ: جَازَ التَّكْفِينُ بِنَحْوِ الْحَرِيرِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَنْدَفِعُ بِهِ، وَالْأُنْثَى إنَّمَا أُبِيحَ لَهَا ذَلِكَ حَالَ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ زِينَةٍ وَشَهْوَةٍ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا. (وَسُنَّ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ، وَ) كَوْنُهَا (مِنْ قُطْنٍ وَجَدِيدٍ أَفْضَلُ) ، لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ: كُفِّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، جُدُدٍ يَمَانِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ أُدْرِجَ فِيهَا إدْرَاجًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ: " وَأَمَّا الْحُلَّةُ فَاشْتَبَهَ عَلَى النَّاسِ أَنَّهَا اُشْتُرِيَتْ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتْ الْحُلَّةُ، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سُحُولِيَّةٍ ". (وَكُرِهَ) تَكْفِينُ رَجُلٍ

(فِي أَكْثَرَ) مِنْ ثَلَاثٍ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِمَا مَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا. (وَ) كُرِهَ (تَعْمِيمُهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ. صَوَّبَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " (تُبْسَطُ) ، أَيْ: الثَّلَاثُ لَفَائِفَ (عَلَى بَعْضِهَا) وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى لِيُوضَعَ الْمَيِّتُ عَلَيْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً (بَعْدَ تَبْخِيرِهَا) بِعُودٍ وَنَحْوِهِ ثَلَاثًا، قَالَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ بَعْدَ رَشِّهَا بِنَحْوِ مَاءِ وَرْدٍ، وَلِتَعْلَقَ رَائِحَةُ الْبَخُورِ بِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ مُحْرِمًا. (وَتُجْعَلُ) اللِّفَافَةُ (الظَّاهِرَةُ) وَهِيَ السُّفْلَى مِنْ الثَّلَاثِ (أَحْسَنَهَا كَعَادَةِ حَيٍّ) ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْحَيِّ جَعْلُ الظَّاهِرِ مِنْ ثِيَابِهِ أَفْخَرَهَا، فَكَذَا الْمَيِّتُ. (وَ) يُجْعَلُ (الْحَنُوطُ، وَهُوَ: أَخْلَاطٌ مِنْ طِيبٍ) ، وَلَا يُقَالُ فِي غَيْرِ طِيبِ الْمَيِّتِ (فِيمَا بَيْنَهَا) ، أَيْ: يَذَرُ بَيْنَ اللَّفَائِفِ، (ثُمَّ يُوضَعُ) الْمَيِّتُ (عَلَيْهَا) ، أَيْ: اللَّفَائِفِ مَبْسُوطَةً (مُسْتَلْقِيًا) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِدْرَاجِهِ فِيهَا، وَيَجِبُ سَتْرُهُ حَالَ حَمْلِهِ بِثَوْبٍ، وَيُوضَعُ مُتَوَجِّهًا نَدْبًا، (وَيَحُطُّ مِنْ قُطْنٍ مُحَنَّطٍ) ، أَيْ: فِيهِ حَنُوطٌ (بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (وَيُشَدُّ فَوْقَهُ) ، أَيْ: الْقُطْنِ (خِرْقَةٌ مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ) ، وَهُوَ السَّرَاوِيلُ بِلَا أَكْمَامٍ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التُّبَّانُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ: سِرْوَالٌ صَغِيرٌ مِقْدَارُ شِبْرٍ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ فَقَطْ، يَكُونُ لِلْمَلَّاحِينَ (تَجْمَعُ) الْخِرْقَةُ (أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتَهُ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - لِرَدِّ الْخَارِجِ، وَإِخْفَاءِ مَا ظَهَرَ مِنْ الرَّوَائِحِ، (وَيُجْعَلُ الْبَاقِي) مِنْ قُطْنٍ مُحَنَّطٍ (عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ) كَعَيْنَيْهِ وَفَمِهِ وَأَنْفِهِ وَعَلَى أُذُنَيْهِ، (وَ) يُجْعَلُ مِنْهُ عَلَى (مَوَاضِعِ سُجُودِهِ) جَبْهَتِهِ وَيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافِ قَدَمَيْهِ تَشْرِيفًا لَهَا، وَكَذَا مَغَابِنُهُ كَطَيِّ رُكْبَتَيْهِ، وَتَحْتَ إبِطَيْهِ وَسُرَّتِهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَتَبَّعُ مَغَابِنَ الْمَيِّتِ وَمَرَافِقَهُ بِالْمِسْكِ (وَ) بِطِيبِ (رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، وَإِنْ طُيِّبَ) الْمَيِّتُ (كُلُّهُ فَحَسَنٌ) ؛ لِأَنَّ أَنَسًا طُلِيَ بِالْمِسْكِ، وَطَلَى ابْنُ عُمَرَ

مَيِّتًا بِالْمِسْكِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ: يُسْتَحَبُّ تَطْيِيبُ جَمِيعِ بَدَنِهِ بِالصَّنْدَلِ وَالْكَافُورِ لِدَفْعِ الْهَوَامِّ. (وَكُرِهَ) تَطْيِيبٌ (دَاخِلَ عَيْنَيْهِ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُمَا، (كَ) مَا يُكْرَهُ تَطْيِيبُهُ (بِوَرْسٍ وَزَعْفَرَانٍ) ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ غَيْرُ جَارِيَةٍ بِالتَّطَيُّبِ بِهِ، وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ لِغِذَاءٍ أَوْ زِينَةٍ، (وَ) كُرِهَ (طَلْيُهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (بِمَا يُمْسِكُهُ كَصَبِرٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَتُسَكَّنُ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ (مَا لَمْ يُنْقَلْ) الْمَيِّتُ لِحَاجَةٍ دَعَتْ إلَيْهِ، فَيُبَاحُ لِلْحَاجَةِ، (ثُمَّ يُرَدُّ طَرَفُ) اللِّفَافَةِ (الْعُلْيَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ) لِلْمَيِّتِ (عَلَى شِقٍّ أَيْمَنَ، ثُمَّ) يُرَدُّ (طَرَفُهَا الْأَيْمَنُ عَلَى الْأَيْسَرِ) كَعَادَةِ الْحَيِّ، (ثُمَّ) يُرَدُّ لِفَافَةٌ (ثَانِيَةٌ) كَذَلِكَ، (ثُمَّ) يُرَدُّ " (ثَالِثَةٌ كَذَلِكَ) فَيُدْرِجُهُ فِيهَا إدْرَاجًا، (وَيُجْعَلُ أَكْثَرُ فَاضِلٍ) مِنْ اللَّفَائِفِ (مِمَّا عِنْدَ رَأْسِهِ) لِشَرَفِهِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ، (ثُمَّ يَعْقِدُهَا إنْ خِيفَ انْتِشَارٌ، وَتُحَلُّ) الْعُقَدُ (بِقَبْرٍ) ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذَا أَدْخَلْتُمْ الْمَيِّتَ اللَّحْدَ فَحُلُّوا الْعُقَدَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَلِأَمْنِ انْتِشَارِهَا، فَإِنْ نَسِيَ الْمُلْحِدُ أَنْ يَحِلَّهَا نُبِشَ، وَلَوْ بَعْدَ تَسْوِيَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ قَرِيبًا وَحُلَّتْ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ. (وَكُرِهَ تَخْرِيقُهَا) ، أَيْ: اللَّفَائِفِ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ وَتَقْبِيحٌ لِلْكَفَنِ مَعَ الْأَمْرِ بِتَحْسِينِهِ. قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: (وَلَوْ خِيفَ نَبْشُهُ، خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي) . وَ (لَا) يُكْرَهُ (تَكْفِينُهُ) ، أَيْ: الرَّجُلِ (فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ لَمَّا مَاتَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ الْمَيِّتَ يُؤَزَّرُ، وَيُقَمَّصُ وَيُلَفُّ بِالثَّالِثَةِ. (وَيُجْعَلُ نَدْبًا مِئْزَرٌ مِمَّا يَلِي جَسَدَهُ) ، ثُمَّ يُلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ يُلَفُّ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ، وَأَنْ يَكُونَ الْقَمِيصُ بِكُمَّيْنِ

فرع لا بأس باستعداد كفن لحل من إحرام فيه أو عبادة فيه

وَدَخَارِيصَ كَقَمِيصِ الْحَيِّ نَصًّا، وَلَا يَحِلُّ الْإِزَارُ فِي الْقَبْرِ، وَلَا يُكْرَهُ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَوْبَيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُحْرِمِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (وَلَا يُزَرُّ قَمِيصٌ) عَلَى الْمَيِّتِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، (وَ) لَا تُزَرُّ (لِفَافَةٌ فَوْقَهُ) ، أَيْ: الْقَمِيصِ، بَلْ تُعْقَدُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَسُنَّ لِأُنْثَى وَخُنْثَى) بَالِغَيْنِ (خَمْسَةُ أَثْوَابٍ بِيضٍ مِنْ قُطْنٍ) تُكَفَّنُ فِيهَا: (إزَارٍ وَخِمَارٍ وَقَمِيصٍ) ، وَهُوَ: الدِّرْعُ، (وَلِفَافَتَيْنِ) ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَكْثَرُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى أَنْ تُكَفَّنَ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ. (وَلَا بَأْسَ بِنِقَابِ) الْمَرْأَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ (وَ) سُنَّ (لِصَبِيٍّ ثَوْبٌ) وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ دُونَ الرَّجُلِ، (وَيُبَاحُ) أَنْ يُكَفَّنَ صَبِيٌّ (فِي ثَلَاثَةٍ مَا لَمْ يَرِثْهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ) رَشِيدٍ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ فَلَا، وَسُنَّ لِصَغِيرَةٍ قَمِيصٌ وَلِفَافَتَانِ نَصًّا. (وَسُنَّ تَغْطِيَةُ نَعْشٍ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي سَتْرِ الْمَيِّتِ (وَكُرِهَ) تَغْطِيَتُهُ (بِغَيْرِ أَبْيَضَ) كَأَحْمَرَ وَأَسْوَدَ وَأَصْفَرَ، وَيَحْرُمُ بِحَرِيرٍ وَمُذَهَّبٍ وَنَحْوِهِ، (وَيُسْتَحَبُّ إنْ كَانَ) الْمَيِّتُ (امْرَأَةً أَنْ يُسْتَرَ) النَّعْشُ (بِمِكَبَّةٍ تُعْمَلُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ جَرِيدٍ أَوْ قَصَبٍ مِثْلِ قُبَّةٍ) ، وَيُجْعَلُ (فَوْقَهَا) ، أَيْ: الْمِكَبَّةِ (ثَوْبٌ) أَبْيَضُ، لَكِنْ يُكْشَفُ جَانِبُهَا فِي مَحَلِّ الصَّلَاةِ، لِيَظْهَرَ بَعْضُ الْمَيِّتِ، لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى مَيِّتٍ فِي نَحْوِ صُنْدُوقٍ لَا تَصِحُّ. (وَ) سُنَّ أَنْ (يُوضَعَ مَيِّتٌ عَلَى نَعْشٍ مُسْتَلْقِيًا) عَلَى قَفَاهُ. [فَرْعٌ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْدَادِ كَفَنٍ لِحَلٍّ مِنْ إحْرَامٍ فِيهِ أَوْ عِبَادَةٍ فِيهِ] (فَرْعٌ: لَا بَأْسَ بِاسْتِعْدَادِ كَفَنٍ لِحَلٍّ) مِنْ إحْرَامٍ فِيهِ (أَوْ عِبَادَةٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْكَفَنِ، كَمَا لَوْ صَلَّى أَوْ اعْتَكَفَ فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ أَعَدَّهُ لِلتَّكْفِينِ، (قِيلَ لِأَحْمَدَ: يُصَلِّي فِيهِ) ، أَيْ: الثَّوْبِ، (ثُمَّ يَغْسِلُهُ وَيَضَعُهُ لِكَفَنِهِ؟ فَرَآهُ حَسَنًا) ، لِمَا فِيهِ مِنْ أَثَرِ الْعِبَادَةِ، (وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ

تتمة إذا مات مسافر فلرفيقه تكفينه من ماله

مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِتَحْرِيمِ كِتَابَةِ قُرْآنٍ عَلَى كَفَنِ) الْمَيِّتِ (خَوْفَ تَنْجِيسٍ) بِتَفَسُّخِ الْمَيِّتِ (وَقَوَاعِدُنَا) مَعْشَرَ الْحَنَابِلَةِ (تَقْتَضِيهِ) ، أَيْ: تَحْرِيمَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْكَفَنِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ التَّنْجِيسِ الْمُؤَدِّي لِامْتِهَانِ الْقُرْآنِ (وَحَيٌّ مُضْطَرٌّ لِكَفَنِ مَيِّتٍ مِنْ نَحْوِ بَرْدٍ) مُزْعِجٍ أَوْ حَرٍّ (أَحَقُّ بِهِ) ، أَيْ: كَفَنِ الْمَيِّتِ، فَيَأْخُذُهُ (بِثَمَنِهِ) ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ آكَدُ. (قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ) : لِلْحَيِّ أَخْذُ الْكَفَنِ بِثَمَنِهِ (إنْ خَشِيَ التَّلَفَ) ، وَإِلَّا فَلَا، (وَ) إنْ كَانَ الْحَيُّ مُحْتَاجًا لِكَفَنِ الْمَيِّتِ (لِحَاجَةِ صَلَاةٍ) فِيهِ؛ (فَالْمَيِّتُ أَحَقُّ بِكَفَنِهِ) ، وَلَوْ كَانَ لِفَافَتَيْهِ، وَيُصَلِّي الْحَيُّ عُرْيَانًا عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُصَلِّي عَلَيْهِ عَادِمٌ فِي إحْدَى لِفَافَتَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. [تَتِمَّةٌ إذَا مَاتَ مُسَافِرٌ فَلِرَفِيقِهِ تَكْفِينُهُ مِنْ مَالِهِ] ِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ؛ فَمِنْهُ، وَيَأْخُذُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ أَوْ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ وَلَا حَاكِمَ، فَإِنْ وُجِدَ حَاكِمٌ وَأَذِنَ فِيهِ؛ رَجَعَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ وَنَوَى الرُّجُوعَ رَجَعَ. [فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] (فَصْلٌ) فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ: (وَالصَّلَاةُ عَلَى مَنْ قُلْنَا يُغَسَّلُ) مِنْ الْمَوْتَى (أَوْ يُيَمَّمُ) مِنْهُمْ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) ، لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا فِي غَيْرِ حَدِيثٍ كَقَوْلِهِ: «صَلُّوا عَلَى أَطْفَالِكُمْ فَإِنَّهُمْ أَفْرَاطُكُمْ» ، وَقَوْلُهُ فِي الْغَالِّ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» ، وَقَوْلُهُ: «إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ» ، وَقَوْلُهُ: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِالْمَيِّتِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ بِهِ مَعْذُورٌ، (فَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ

(عَلَى شَهِيدِ) مَعْرَكَةٍ. وَمَقْتُولٍ ظُلْمًا فِي حَالٍ لَا يُغَسَّلَانِ فِيهَا، (وَتَسْقُطُ) الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ، أَيْ: يَسْقُطُ وُجُوبُهَا (بِ) صَلَاةِ (مُكَلَّفٍ، وَلَوْ) كَانَ (أُنْثَى) أَوْ خُنْثَى، وَظَاهِرُهُ: لَا تَسْقُطُ بِمُمَيِّزٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ. (وَيُقَدَّمُ مِنْهُنَّ) - أَيْ: النِّسَاءِ - لِلْإِمَامَةِ (مَنْ يُقَدَّمُ مِنْ رِجَالٍ) عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي، (وَتَقِفُ) إمَامَتُهُنَّ (فِي وَسَطِهِنَّ، كَ) وُقُوفِهَا فِي صَلَاةٍ (مَكْتُوبَةٍ) بِلَا فَرْقٍ. (وَتُسَنُّ) الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ (جَمَاعَةً) ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ، (إلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَلَا) ، أَيْ: فَلَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ (تَعْظِيمًا لَهُ وَاحْتِرَامًا) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " دَخَلَ النَّاسُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَالًا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا فَرَغُوا أَدْخَلُوا النِّسَاءَ، حَتَّى إذَا فَرَغُوا أَدْخَلُوا الصِّبْيَانِ، وَلَمْ يَؤُمَّ النَّاسَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ " أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَ) سُنَّ (أَنْ لَا تَنْقُصُ الصُّفُوفُ عَنْ ثَلَاثَةٍ) ، لِحَدِيثِ «مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ: كَانَ إذَا صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ جَزَّأَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنْ النَّاسِ فَقَدْ أُوجِبَتْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، قَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": يُقَالُ: أَوْجَبَ الرَّجُلُ؛ إذَا فَعَلَ فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُ بِهِ الْجَنَّةُ أَوْ النَّارُ. انْتَهَى. فَإِنْ كَانُوا سِتَّةً فَأَكْثَرَ جَعَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ صَفًّا، وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً؛ جَعَلَهُمْ صَفَّيْنِ. (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (لِفَذٍّ) ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ وَالْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ ".

(وَيَتَّجِهُ: فَإِنْ كَبَّرَ) مَأْمُومٌ خَارِجَ الصَّفِّ تَكْبِيرَةً (وَاحِدَةً) بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ (فَ) هُوَ (فَذٌّ) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ صَلَاةَ رَكْعَةٍ مِمَّا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ خَلْفَ الصَّفِّ، ثُمَّ دَخَلَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا يُطَافُ بِجِنَازَةٍ) عَلَى أَهْلِ الْأَمَاكِنِ (لِيُصَلَّى عَلَيْهَا، بَلْ هِيَ) أَيْ: الْجِنَازَةُ (كَإِمَامٍ يُقْصَدُ) - بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، (وَلَا يَقْصِدُ) ، بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ. (وَالْأَوْلَى بِهَا) ، أَيْ: بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ إمَامًا (وَصِيُّهُ الْعَدْلُ) ، لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمْ مَا زَالُوا يُوصُونَ بِذَلِكَ، وَيُقَدِّمُونَ الْوَصِيَّ؛ فَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ، وَأَوْصَى عُمَرُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، وَأَوْصَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَوْصَى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ، حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَائِشَةُ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ؛ وَلِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تُسْتَفَادُ بِالنَّسَبِ، فَصَحَّ الْإِيصَاءُ بِهَا كَالْمَالِ وَتَفْرِقَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَاسِقًا لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ. (وَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (لِاثْنَيْنِ) مُكَلَّفَيْنِ. (وَيَتَّجِهُ: وَيُقَدَّمُ) مِنْهُمَا (أَفْضَلُ) ، أَيْ: مَنْ كَانَ أَوْلَى بِإِمَامَةٍ (وَيَقْتَرِعَانِ مَعَ تَسَاوٍ) فِي الْفَضِيلَةِ، فَمَنْ قَرَعَ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ قُدِّمَ،

وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَسَيِّدٌ بِرَقِيقِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ، (فَالسُّلْطَانُ) ، لِحَدِيثِ: «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ.» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. خَرَجَ مِنْهُ الْوَصِيُّ وَالسَّيِّدُ لِمَا تَقَدَّمَ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُمَا عَلَى الْعُمُومِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَاءَهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْمَوْتَى، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ الْوَصِيَّ. وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: شَهِدْت حُسَيْنًا حِينَ مَاتَ الْحَسَنُ، وَهُوَ يَدْفَعُ فِي قَفَاءِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُكَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يُسَنُّ لَهَا الِاجْتِمَاعُ، فَإِذَا حَضَرَهَا السُّلْطَانُ كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، (فَنَائِبُهُ الْأَمِيرُ) فِي بَلَدِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، (فَ) نَائِبُهُ (الْحَاكِمُ) وَهُوَ: الْقَاضِي، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ (فَالْأَوْلَى) بِالْإِمَامَةِ عَلَيْهِ الْأَوْلَى (بِغُسْلِ رَجُلٍ) ، وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أُنْثَى فَيُقَدَّمُ أَبٌ فَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ ابْنٌ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ، ثُمَّ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، (فَزَوْجٌ) يُقَدَّمُ (بَعْدَ ذَوِي الْأَرْحَامِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ مَزِيَّةً عَلَى بَاقِي الْأَجَانِبِ، وَيُقَدَّمُ حُرٌّ بَعِيدٌ عَلَى عَبْدٍ قَرِيبٍ، وَيُقَدَّمُ عَبْدٌ مُكَلَّفٌ عَلَى صَبِيٍّ حُرٍّ، لِعَدَمِ صِحَّةِ إمَامَتِهِ لِلْبَالِغِينَ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَيْضًا لِعَدَمِ صِحَّةِ إمَامَتِهَا لِلرِّجَالِ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيمَ وَاجِبٌ.، (ثُمَّ مَعَ تَسَاوٍ) فِي الْقُرْبِ كَابْنَيْنِ وَشَقِيقَيْنِ، يُقَدَّمُ (الْأَوْلَى) مِنْهُمَا (بِإِمَامَةٍ) لِمَزِيَّةِ فَضِيلَتِهِ، (ثُمَّ) مَعَ تُسَاوِيهِمَا فِي كُلِّ شَيْءٍ (يُقْرَعُ) بَيْنَهُمَا، لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ غَيْرِهَا.

(وَتُكْرَهُ إمَامَةُ غَيْرِ الْأَوْلَى بِلَا إذْنِهِ مَعَ حُضُورِهِ) ؛ لِأَنَّهُ افْتِئَاتٌ عَلَيْهِ، (وَيَسْقُطُ بِهِ) - أَيْ: بِمَنْ كَانَ غَيْرَ الْأَوْلَى، وَصَلَّى بِلَا إذْنِ الْأَوْلَى - (فَرْضٌ، وَ) يَسْقُطُ بِهِ (حُكْمُ تَقْدِيمٍ) ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَقَدْ حَصَلَ، وَلَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ افْتِئَاتٍ تَشُحُّ بِهِ الْأَنْفُسُ عَادَةً، بِخِلَافِ النِّكَاحِ، (فَإِنْ صَلَّى) الْوَلِيُّ (خَلْفَهُ صَارَ إذْنًا) لِدَلَالَتِهِ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَدَّمَهُ لِلصَّلَاةِ، (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْوَلِيُّ وَرَاءَهُ، (فَلَهُ أَنْ يُعِيدَهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةَ (لِأَنَّهَا حَقُّهُ) ، وَيُسَنُّ لِمَنْ صَلَّى أَنْ يُعِيدَ تَبَعًا لَهُ، وَلَوْ مَاتَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ؛ فَقَالَ فِي " الْفُصُولِ ": يُقَدَّمُ أَقْرَبُ أَهْلِ الْقَافِلَةِ إلَى الْخَيْرِ وَالْأَشْفَقُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْمُرَادُ كَالْإِمَامَةِ. (وَمَنْ قَدَّمَهُ وَلِيٌّ) بِمَنْزِلَتِهِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَ (لَا) يَكُونُ مَنْ قَدَّمَهُ (وَصِيٌّ بِمَنْزِلَتِهِ) ، أَيْ: الْوَصِيِّ، لِتَفْوِيتِهِ عَلَى الْمُوصِي مَا أَمَّلَهُ فِي الْوَصِيِّ مِنْ الْخَيْرِ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْوَصِيُّ (انْتَقَلَتْ إلَى مَنْ بَعْدَهُ) . (وَتُبَاحُ) صَلَاةٌ عَلَى مَيِّتٍ (بِمَسْجِدٍ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثٍ) «لِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَهْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَجَاءَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ صُلِّيَ عَلَيْهِمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَكَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنْ خِيفَ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ بِنَحْوِ انْفِجَارِهِ؛ حَرُمَ إدْخَالُهُ إيَّاهُ صِيَانَةً لَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ. (وَسُنَّ قِيَامُ إمَامٍ وَ) قِيَامُ (مُنْفَرِدٍ عِنْدَ صَدْرِ رَجُلٍ) ، أَيْ: ذَكَرٍ، (وَوَسَطِ امْرَأَةٍ) - أَيْ: أُنْثَى - نَصًّا (وَ) قِيَامُهُمَا (بَيْنَ ذَلِكَ) ، أَيْ: الصَّدْرِ وَالْوَسَطِ (مِنْ خُنْثَى) مُشْكِلٍ، لِتَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ فِيهِ (وَ) سُنَّ (أَنْ يَلِيَ إمَامًا) إذَا اجْتَمَعَ مَوْتَى (مِنْ كُلِّ نَوْعٍ أَفْضَلُ) أَفْرَادِ ذَلِكَ النَّوْعِ لِفَضِيلَتِهِ «لِتَقْدِيمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي

الْقَبْرِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا» فَيُقَدَّمُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ. فَعَبْدٌ كَذَلِكَ. فَصَبِيٌّ كَذَلِكَ، ثُمَّ خُنْثَى ثُمَّ امْرَأَةٌ كَذَلِكَ، وَتُقَدَّمُ. (فَأَسُنُّ فَأَسْبَقُ) إنْ اسْتَوَوْا، (ثُمَّ يُقْرَعُ) مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْكُلِّ. وَإِذَا سَقَطَ فَرْضُهَا؛ سَقَطَ التَّقْدِيمُ. (وَجَمْعُهُمْ) ، أَيْ: الْمَوْتَى مَعَ التَّعَدُّدِ (بِصَلَاةٍ) وَاحِدَةٍ (أَفْضَلُ) مِنْ إفْرَادِ كُلٍّ بِصَلَاةٍ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ وَأَبْلُغُ فِي تَوْفِيرِ الْجَمْعِ. (وَيُقَدَّمُ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ) لِلْإِمَامَةِ عَلَيْهِمْ (أَوْلَاهُمْ) بِإِمَامَةٍ (كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ) ، وَكَمَا لَوْ اسْتَوَى وَلِيَّانِ لِوَاحِدٍ، (وَلِوَلِيِّ كُلٍّ) مِنْهُمْ (أَنْ يَنْفَرِدَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) ، أَيْ: مَيِّتِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي تَوَلِّيهِ. (وَيُجْعَلُ وَسَطُ أُنْثَى حِذَاءَ صَدْرِ رَجُلٍ، وَ) يُجْعَلُ (خُنْثَى) بَيْنَهُمَا (لِيَقِفَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ مَوْقِفَهُ) مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، (وَيُسَوَّى بَيْنَ رُءُوسِ كُلِّ نَوْعٍ) ؛ لِأَنَّ مَوْقِفَ النَّوْعِ وَاحِدٌ. (وَلَا يَجِبُ أَنْ يُسَامِتَ الْإِمَامُ الْمَيِّتَ) بَلْ يُسْتَحَبُّ اقْتِدَاءٌ بِفِعْلِ السَّلَفِ، (فَإِنْ لَمْ يُسَامِتْهُ) الْإِمَامُ، بِأَنْ تَأَخَّرَ، وَتَحَوَّلَ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً، (كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ فَحُشَ تَحَوُّلُهُ عَنْهُ بِحَيْثُ غَابَ عَنْ نَظَرِهِ، أَوْ جَعَلَهُ عَلَى عُلُوٍّ: أَوْ فِي بِئْرٍ لَمْ تَصِحَّ لِاشْتِرَاطِ حُضُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ. (وَالْأَوْلَى) لِمُصَلٍّ (مَعْرِفَةُ ذُكُورَةِ مَيِّتٍ وَأُنُوثَتِهِ) وَاسْمِهِ (وَتَسْمِيَتُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (فِي دُعَائِهِ) لَهُ (وَلَا بَأْسَ بِإِشَارَةٍ إلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (حَالَ دُعَاءٍ) نَصًّا. (وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ عَيْنِ مَيِّتٍ) ، لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْمَقْصُودِ عَلَى ذَلِكَ، (فَيَنْوِي) الصَّلَاةَ عَلَى (الْحَاضِرِ) أَوْ الْجِنَازَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى اُعْتُبِرَ تَعْيِينُهُ) إزَالَةً لِلْجَهَالَةِ.

(فَإِنْ) عَيَّنَ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى زَيْدٍ. فَ (بَانَ) الْمَيِّتُ (غَيْرَهُ، لَمْ تَصِحَّ) الصَّلَاةُ. (جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي وَقَالَ: إنْ نَوَى عَلَى هَذَا الرَّجُلِ. فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكَسَ) ، بِأَنْ نَوَى عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ، فَبَانَتْ رَجُلًا: (فَالْقِيَاسُ الْإِجْزَاءُ) لِقُوَّةٍ التَّعْيِينِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ غَيْرِهِ. (وَيَتَّجِهُ: لَوْ) نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى جَمَاعَةٍ (ظَنَّهُمْ سَبْعًا) فَقَطْ (فَبَانُوا تِسْعًا؛ لَا) تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَيْهِمْ لِاقْتِصَارِهِ فِي النِّيَّةِ عَلَى سَبْعٍ، وَخُرُوجِ الِاثْنَيْنِ مَعَ ظَنِّهِ دُخُولَهُمَا، (وَعَكْسُهُ) : بِأَنْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مَوْتَى ظَنَّهُمْ تِسْعًا فَبَانُوا سَبْعًا، (نَعَمْ) تُجْزِئُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ التِّسْعَ سَبْعٌ وَزِيَادَةٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (ثُمَّ يُكَبِّرُ) مُصَلٍّ (أَرْبَعًا يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) يُحْرِمُ بِ التَّكْبِيرَةِ (الْأُولَى) بَعْدَ النِّيَّةِ، فَيَقُولُ قَائِمًا مَعَ الْقُدْرَةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ. لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى النِّيَّةِ هُنَا اكْتِفَاءً بِمَا تَقَدَّمَ. لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ. وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، (وَلَا يَسْتَفْتِحُ) لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ (وَيَتَعَوَّذُ وَيُسَمِّي وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فَقَطْ) ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ سُورَةٍ (سِرًّا، وَلَوْ لَيْلًا) .

لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً. ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَالسَّلَامُ» وَلَا تُقَاسُ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ. ؛ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ، وَالْجِنَازَةَ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ. (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِ) تَكْبِيرَةٍ (ثَانِيَةٍ) سِرًّا، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِمَا «عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ» . وَتَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (كَفِي تَشَهُّدٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَأَلُوهُ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ عَلَّمَهُمْ ذَلِكَ. (وَيَدْعُوَ) لِلْمَيِّتِ (بِ) تَكْبِيرَةٍ (ثَالِثَةٍ) ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَلَا يَتَعَيَّنُ) دُعَاءٌ (فِيهَا) . أَيْ: الثَّالِثَةِ. (فَيُجْزِئُ بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (رَابِعَةٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَيَدْعُو بِأَحْسَنِ مَا يَحْضُرُهُ وَسُنَّ) دُعَاؤُهُ (بِمَا) وَرَدَ. (وَمِنْهُ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا) - أَيْ: حَاضِرِنَا (وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا إنَّك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا) - أَيْ مُنْصَرَفَنَا - (وَمَثْوَانَا) - أَيْ: مَأْوَانَا - (وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا ") رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: " اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ " وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ الْحَاكِمُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ عَلَى

شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ الْمُوَفَّقُ: " وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " وَلَفْظُ السُّنَّةِ: (" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ) - بِضَمِّ الزَّايِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ قِرَاءَةُ - (وَأَوْسِعْ مَدْخَلَهُ) - بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَوْضِعَ الدُّخُولِ، وَبِضَمِّهَا، الْإِدْخَالَ - (وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) - بِالتَّحْرِيكِ: الْمَطَرُ الْمُنْعَقِدُ - (وَنَقِّهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ) - يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِمَنْ لَهُ زَوْجَةٌ - (وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ ") رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ «سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى جِنَازَةٍ حَتَّى تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ، وَفِيهِ: وَأَبْدِلْهُ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ» وَزَادَ الْمُوَفَّقُ لَفْظَ " مِنْ الذُّنُوبِ " وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. (وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْحَالِ. زَادَ الْخِرَقِيِّ وَالْمَجْدُ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمْ: (اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ) ، إنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا، فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً؛ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّهَا أَمَتُكَ ابْنَةُ أَمَتِكِ، نَزَلَتْ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: وَلَا يَقُولُ إلَّا إنْ عَلِمَ خَيْرًا، وَإِلَّا أَمْسَكَ عَنْهُ حِذَارًا مِنْ الْكَذِبِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَشْهَدُ لَهُ ثَلَاثُ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ؛ إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ قَبِلْتُ شَهَادَةَ عِبَادِي فِيمَا عَلِمُوا، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا أَعْلَمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بِإِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ) زَادَ فِي " الْمُبْدِعِ ": اللَّهُمَّ إنَّا جِئْنَا شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ، إنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَيِّتُ

(صَغِيرًا، أَوْ بَلَغَ مَجْنُونًا وَاسْتَمَرَّ) عَلَى جُنُونِهِ حَتَّى مَاتَ (قَالَ) بَعْدُ: وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا، (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ وَفَرَطًا) أَيْ: سَابِقًا لِمَصَالِحِ أَبَوَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، سَوَاءٌ مَاتَ فِي حَيَاتِهِمَا أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمَا (وَأَجْرًا وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ، وَقِه بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ) ، لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: «السَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» وَفِي لَفْظٍ: " بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. وَإِنَّمَا لَمْ يُسَنَّ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ شَافِعٌ غَيْرُ مَشْفُوعٍ فِيهِ، وَلَا جَرَى عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَالْعُدُولُ إلَى الدُّعَاءِ لِوَالِدَيْهِ أَوْلَى مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الدُّعَاءِ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ، مُنَاسِبٌ لِمَا هُوَ فِيهِ، فَشَرَعَ فِيهِ كَالِاسْتِغْفَارِ لِلْبَالِغِ، وَقَوْلُهُ: فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ؛ يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانُ قَالَ: إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةٌ يُقَالُ لَهَا: طُوبَى، كُلُّهَا ضُرُوعٌ، فَمَنْ مَاتَ مِنْ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يَرْضَعُونَ رَضَعَ مِنْ طُوبَى، وَحَاضِنُهُمْ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إسْلَامَ وَالِدَيْهِ دَعَا لِمَوَالِيهِ) ، فَيَقُولُ: ذُخْرًا لِمَوَالِيهِ. إلَى آخِرِهِ. (وَيُؤَنَّثُ الضَّمِيرُ عَلَى أُنْثَى، وَلَا يَقُولُ: وَأَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا) فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَيُشِيرُ بِمَا يَصْلُحُ لَهُمَا) ، أَيْ: الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي صَلَاةٍ (عَلَى خُنْثَى) ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِهَذَا الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ. (وَيَقِفُ بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (رَابِعَةٍ قَلِيلًا، وَلَا يَدْعُوَ) بَعْدَهَا (حَيْثُ دَعَا أَوَّلًا) لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَيُسَلِّمُ بِلَا تَشَهُّدٍ) وَلَا تَسْبِيحٍ - نَصَّ عَلَيْهِ - تَسْلِيمَةً (وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ) نَصًّا، وَقَالَ: عَنْ سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

«وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمَ» فَيَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ كَالْمَكْتُوبَةِ، (وَيَجُوزُ) أَنْ يُسَلِّمَ (تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ نَصًّا. (وَ) يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَةً (ثَانِيَةً) عَنْ يَسَارِهِ، لِمَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى تَسْلِيمَتَيْنِ، وَاسْتَحَبَّهُ الْقَاضِي، وَيَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ؛ لَكِنْ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ أَوْلَى، (وَسُنَّ وُقُوفُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (حَتَّى تُرْفَعَ) الْجِنَازَةُ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا تَنْفَضُّ الصُّفُوفُ حَتَّى تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ. (وَأَرْكَانُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْجِنَازَةِ سَبْعَةٌ: أَحَدُهَا: (قِيَامُ قَادِرٍ فِي فَرْضِهَا) ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ قَاعِدٍ، وَلَا رَاكِبٍ رَاحِلَةً بِلَا عُذْرٍ، لِفَوَاتِ رُكْنِهَا، وَهُوَ الْقِيَامُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ نَفْلَهَا يَصِحُّ مِنْ الْقَاعِدِ كَنَفْلِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَمِنْ الرَّاكِبِ وَالْمُسَافِرِ. (وَ) الثَّانِي: (تَكْبِيرَاتٌ أَرْبَعٌ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَبَّرَ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، (فَإِنْ تَرَكَ غَيْرُ مَسْبُوقٍ تَكْبِيرَةً) مِنْ الْأَرْبَعِ (عَمْدًا؛ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِتَرْكِهِ رُكْنًا، (وَ) إنْ تَرَكَهَا (سَهْوًا يُكَبِّرُهَا) كَمَا لَوْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا سَهْوًا (مَا لَمْ يُطِلْ فَصْلٌ، فَإِنْ طَالَ) فَصْلٌ عُرْفًا؛ اسْتَأْنَفَهَا (أَوْ وَجَدَ مُنَافٍ) لِلصَّلَاةِ مِنْ كَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ (اسْتَأْنَفَ) الصَّلَاةَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا " صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَكَبَّرَ عَلَيْهَا ثَلَاثًا، وَتَكَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّمَا كَبَّرْت ثَلَاثًا؛ فَرَجَعَ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا رَوَاهُ حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ وَالْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ، وَعَوْدُهُ إلَى ذَلِكَ لَمَّا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ. (وَ) الثَّالِثُ: (قِرَاءَةُ) الـ (فَاتِحَةِ عَلَى غَيْرِ مَأْمُومٍ) وَهُوَ الْإِمَامُ

وَالْمُنْفَرِدُ، وَلِحَدِيثِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَيَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ. (وَ) الرَّابِعُ: الـ (صَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى نَبِيِّهِ» ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَ) الْخَامِسُ: (أَدْنَى دُعَاءٍ لِمَيِّتٍ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ (يَخُصَّهُ) ، أَيْ: يَخُصَّ الْمُصَلِّي الْمَيِّتَ (بِهِ) ، أَيْ: الدُّعَاءِ، فَلَا يَكْفِي قَوْلُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَإِنْ دَخَلَ فِي الْعُمُومِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَيَكُونُ تَخْصِيصُهُ (بِنَحْوِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) لِتَتِمَّ فَائِدَةُ الصَّلَاةِ. (وَ) السَّادِسُ: الـ (سَلَّامٍ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى الْجِنَازَةِ. (وَ) السَّابِعُ: الـ (تَّرْتِيبُ) عَلَى هَذَا النَّمَطِ، (لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ) الـ (دُعَاءُ) لِلْمَيِّتِ (بِ) تَكْبِيرَةٍ (ثَالِثَةٍ لِجَوَازِهِ بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (رَابِعَةٍ) ، نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ. (وَشُرُوطُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْجِنَازَةِ كَمَكْتُوبَةٍ: (إسْلَامُ) مُصَلٍّ وَمُصَلًّى عَلَيْهِ، وَعَقْلُ مُصَلٍّ، (وَطَهَارَةٌ) وَلَوْ بِتُرَابٍ لِعُذْرٍ، (وَسَتْرُ عَوْرَةِ مُصَلٍّ، وَمُصَلًّى عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَةٍ) عَلَى ذَلِكَ (وَنِيَّةٌ وَتَكْلِيفُ مُصَلٍّ) شَرْطٌ لِسُقُوطِهَا، بِخِلَافِ الْمُمَيِّزِ فَتَصِحُّ مِنْهُ، وَلَا تَسْقُطُ بِهِ (وَاجْتِنَابُهُ) ، أَيْ: الْمُصَلِّي (النَّجَاسَةَ وَاسْتِقْبَالُهُ الْقِبْلَةَ) ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَحُضُورُ) الـ (مَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْهِ) ؛ أَيْ: الْمُصَلِّي (فَلَا

تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا كَالْإِمَامِ، (وَلَا) تَصِحُّ (مِنْ وَرَاءَ حَائِلٍ قَبْلَ دَفْنِ) الْمَيِّتِ (كَحَائِطٍ) وَنَحْوِهِ، (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (عَلَى مَنْ فِي تَابُوتٍ مُغَطًّى) ، فَيَكْشِفُهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهَا، (وَقَالَ: ابْنُ حَامِدٍ: يَصِحُّ) أَنْ يُصَلَّى عَلَى مَنْ فِي التَّابُوتِ (كَالْمُكِبَّةِ) وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ صِحَّتِهَا فِي التَّابُوتِ، وَتَحْتَ الْمُكِبَّةِ، وَفِي النَّعْشِ الْمُغَطَّى، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَيُصَلَّى عَلَى غَائِبٍ عَنْ) الـ (بَلَدِ وَلَوْ) كَانَ (دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ فِي غَيْرِ قِبْلَتِهِ) - أَيْ: الْمُصَلِّي - فَتَصِحُّ مِنْ الْإِمَامِ وَالْآحَادِ نَصًّا، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي «صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّجَاشِيِّ وَأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يُصَلَّى (عَلَى غَرِيقٍ وَأَسِيرٍ وَنَحْوِهِ) ، وَيَسْقُطُ شَرْطُ الْحُضُورِ وَالْغُسْلِ لِلْحَاجَةِ (إلَى شَهْرٍ) مِنْ مَوْتِهِ (بِالنِّيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَلَاشٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي جَانِبٍ مِنْ الْبَلَدِ وَالْمُصَلِّي فِي الْآخَرِ؛ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، لِإِمْكَانِ الْحُضُورِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى قَبْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ عَلَى قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُزَادَ) فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ) لِجَمْعِ عُمَرَ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْأَرْبَعِ تَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ، وَغَيْرِهَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ. (وَيُتَابَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (إمَامٌ زَادَ) عَلَى تَكْبِيرَةٍ رَابِعَةٍ (إلَى سَبْعِ) تَكْبِيرَاتٍ (فَقَطْ) ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ، قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعًا» رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينِ. «وَكَبَّرَ عَلَى أَبِي قَتَادَةَ سَبْعًا، وَعَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ

سِتًّا» ، وَقَالَ: إنَّهُ يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرْبَعًا، فَجَمَعَ النَّاسَ عُمَرُ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَقَالَ: هُوَ أَطْوَلُ الصَّلَاةِ يَعْنِي: أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ، وَأَطْوَلُ الْمَكْتُوبَاتِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، (مَا لَمْ تُظَنَّ بِدْعَتُهُ) ، أَيْ: الْإِمَامُ (أَوْ) يُظَنَّ (رَفْضُهُ، فَلَا يُتَابَعَ) فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ، لِمَا فِي مُتَابَعَتِهِ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِهِمْ، (وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَبَّحَ بِهِ) - أَيْ: الْإِمَامِ - إذَا جَاوَزَ السَّبْعَ (بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (سَابِعَةٍ) ، لِاحْتِمَالِ سَهْوِهِ، وَقَبْلَهَا لَا يُسَبَّحُ بِهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَلَا يَدْعُو مَأْمُومٌ فِي مُتَابَعَةِ) إمَامِهِ (بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (رَابِعَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهُ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ. (وَلَا تَبْطُلُ) صَلَاةُ الْجِنَازَةِ (بِمُجَاوَزَةِ سَبْعِ) تَكْبِيرَاتٍ، وَلَوْ (عَمْدًا) ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ قَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي أَصْلِهِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ تَكْرَارَ الْفَاتِحَةِ وَالتَّشَهُّدِ، وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ، أَوْ نَقُولُ: تَكْرَارُ تَكْبِيرَةٍ أَشْبَهَ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَعَكْسُهُ زِيَادَةُ الرَّكْعَةِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ أَفْعَالٍ، وَلِهَذَا لَوْ زَادَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ. (وَيَحْرُمُ) عَلَى مَأْمُومٍ أَنْ يُتَابَعَ فِيمَا زَادَ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ (سَلَامٌ قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ إمَامِهِ نَصًّا، (وَإِنْ جَاوَزَ سَبْعًا) ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَلَا يُقْطَعُ مِنْ أَجْلِهِ الْمُتَابَعَةُ كَإِطَالَةِ الدُّعَاءِ. (وَيُخَيَّرُ مَسْبُوقٌ) سَلَّمَ إمَامُهُ (بَيْنَ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ، وَ) بَيْنَ (سَلَامٍ مَعَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ، لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ التَّكْبِيرِ، قَالَ: مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِي، وَمَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ» وَيُسْتَحَبُّ إحْرَامُ

مَسْبُوقٍ مَعَهُ فِي أَيِّ حَالٍ صَادَفَهُ، وَلَا يُنْتَظَرُ تَكْبِيرُهُ كَبَاقِي الصَّلَوَاتِ (وَلَوْ كَبَّرَ) إمَامٌ أَوْ مُنْفَرِدٌ عَلَى جِنَازَةٍ (فَجِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (أُخْرَى كَبَّرَ) تَكْبِيرَةً (ثَانِيَةً وَنَوَاهُمَا) ، أَيْ: الْجِنَازَتَيْنِ، (فَإِنْ جِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (ثَالِثَةٍ كَبَّرَ) تَكْبِيرَةً (ثَالِثَةً وَنَوَى الْجَنَائِزَ الثَّلَاثَ، فَإِنْ جِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (رَابِعَةٍ كَبَّرَ) تَكْبِيرَةً (رَابِعَةً وَنَوَى) الْجَنَائِزَ (الْكُلَّ، فَيَصِيرُ مُكَبِّرًا عَلَى الْأُولَى أَرْبَعًا وَعَلَى ثَانِيَةٍ ثَلَاثًا وَعَلَى ثَالِثَةٍ ثِنْتَيْنِ، وَعَلَى الرَّابِعَةِ وَاحِدَةً، فَيَأْتِي بِثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ أُخَرَ) تَتِمَّةَ السَّبْعِ، (فَيُتِمُّ) تَكْبِيرَهُ (سَبْعًا يَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ (فِي خَامِسَةٍ، وَيُصَلِّي) عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِسَادِسَةٍ، وَيَدْعُوَ) لِلْمَوْتَى (بِسَابِعَةٍ) ، ثُمَّ يُسَلِّمُ (فَيَصِيرُ مُكَبِّرًا عَلَى) الْجِنَازَةِ (الْأُولَى سَبْعًا، وَ) عَلَى (ثَانِيَةٍ سِتًّا، وَ) عَلَى (ثَالِثَةٍ خَمْسًا، وَ) عَلَى (رَابِعَةٍ أَرْبَعًا، فَإِنْ جِيءَ) بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ (بِ) جِنَازَةٍ (خَامِسَةٍ لَمْ يَنْوِهَا، بَلْ يُصَلِّي عَلَيْهَا بَعْدَ سَلَامِهِ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ تَنْقِيصُهَا عَنْ أَرْبَعِ أَوْ زِيَادَةُ مَا قَبْلَهَا عَلَى سَبْعٍ، وَكِلَاهُمَا مَحْظُورٌ، (وَكَذَا لَوْ جِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (ثَانِيَةٍ عَقِبَ تَكْبِيرَةٍ رَابِعَةٍ) لَمْ يَجُزْ إدْخَالُهَا فِي الصَّلَاةِ (لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ) التَّكْبِيرَاتِ (السَّبْعِ أَرْبَعٌ) بَلْ ثَلَاثٌ فَيُؤَدِّي إلَى مَا سَبَقَ (وَيَقْضِي مَسْبُوقٌ نَدْبًا) إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ (مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ كَبَاقِي الصَّلَوَاتِ، فَيُتَابِعُ إمَامَهُ فِيمَا أَدْرَكَهُ فِيهِ، ثُمَّ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ كَبَّرَ، وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ؛ لِأَنَّ مَا أَدْرَكَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أَوَّلُهَا، (وَإِنْ) كَانَ الْمَقْضِيُّ (بَعْدَ) تَكْبِيرَةٍ (رَابِعَةٍ) ، بِأَنْ زَادَ الْإِمَامُ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، فَيُقْضَى عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، (فَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (بِدُعَاءٍ تَابَعَهُ فِيهِ) ، أَيْ: الدُّعَاءِ، (فَإِذَا سَلَّمَ إمَامٌ كَبَّرَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ) بَعْدَ التَّعَوُّذِ وَالْبَسْمَلَةِ، (ثُمَّ كَبَّرَ وَصَلَّى) عَلَى النَّبِيِّ،

فصل إعادة صلاة الجنازة

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ثُمَّ كَبَّرَ وَسَلَّمَ) ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَقْضِيَّ أَوَّلَ صَلَاتِهِ فَيَأْتِي فِيهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، لِعُمُومِ حَدِيثِ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ الدُّعَاءُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، أَوْ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا لِنَوْمٍ أَوْ سَهْوٍ وَنَحْوِهِ، وَإِلَّا لِزَامٌ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ، فَإِنْ كَانَ أَدْرَكَهُ فِي الدُّعَاءِ، وَكَبَّرَ الْأَخِيرَةَ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ كَبَّرَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ تَمَّتْ. تَتِمَّةٌ: مَتَى أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، فَكَبَّرَ وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا؛ تَابَعَهُ وَقَطَعَ الْقِرَاءَةَ، كَالْمَسْبُوقِ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ إتْمَامِهِ الْقِرَاءَةَ، (فَإِنْ خَشِيَ) الْمَسْبُوقُ (رَفْعَهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ (تَابَعَ) ، أَيْ: وَالَى بَيْنَ (التَّكْبِيرِ) مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا دُعَاءٍ، (رُفِعَتْ) الْجِنَازَةُ (أَوْ لَا) ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَحَكَاهُ نَصًّا. (وَإِنْ سَلَّمَ) مَسْبُوقٌ عَقِبَ إمَامِهِ (وَلَمْ يَقْضِ) مَا فَاتَهُ؛ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا تُوضَعُ) الْجِنَازَةُ بَعْدَ أَنْ صُلِّيَ عَلَيْهَا (لِصَلَاةِ أَحَدٍ بَعْدَ رَفْعِهَا) عَنْ الْأَرْضِ تَحْقِيقًا لِلْمُبَادَرَةِ إلَى مُوَارَاةِ الْمَيِّتِ. [فَصْلٌ إعَادَة صَلَاة الْجِنَازَةِ] (فَصْلٌ) (وَكُرِهَ لِمَنْ صَلَّى) عَلَى الْجِنَازَةِ (إعَادَتُهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ، قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": لَا يُصَلِّيهَا مَرَّتَيْنِ كَالْعِيدِ (إلَّا إذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (بِلَا إذْنِ الْأَوْلَى بِهَا) ، أَيْ: بِالصَّلَاةِ مِنْ الْمُصَلِّي (مَعَ حُضُورِهِ) - أَيْ: الْأَوْلَى - وَعَدَمِ إذْنِهِ، وَلَمْ يُصَلِّ خَلْفَهُ، (فَتُعَادُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (تَبَعًا) لِلْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي

(وَتُسَنُّ إعَادَتُهَا لِمَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ غَائِبًا) بِالنِّيَّةِ (ثُمَّ حَضَرَ) فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ ثَانِيًا. (وَ) تُسَنُّ الصَّلَاةُ (عَلَى بَعْضِ مَيِّتٍ) بِشَرْطِهِ الْآتِي (صُلِّيَ عَلَى جُمْلَتِهِ دُونَهُ) ، أَيْ: دُونَ ذَلِكَ الْبَعْضِ، فَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ وُجُوبًا. (وَلِمَنْ فَاتَتْهُ) صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ الصَّلَاةُ اسْتِحْبَابًا (وَلَوْ جَمَاعَةً قَبْلَ دَفْنِ) الْمَيِّتِ (وَبَعْدَهُ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (بِقَبْرِهِ) - أَيْ: عَلَى قَبْرِهِ - جَاعِلًا لَهُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) كَالْإِمَامِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فَقَدَهُ، فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ؛ فَقَالُوا: مَاتَتْ، أَوْ: مَاتَ، فَقَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا، أَوْ عَلَى قَبْرِهِ فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قَبْرٍ رَطْبٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. قَالَ أَحْمَدُ: وَمَنْ يَشُكُّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ؟ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ سِتَّةِ وُجُوهٍ كُلُّهَا حِسَانٌ. (إلَى شَهْرٍ مِنْ دَفْنِهِ، لَا) مِنْ (مَوْتِهِ) ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَائِبٌ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا، وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ» وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثُرُ مَا سَمِعْتُ هَذَا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَتَقَيَّدَ بِهِ (وَ) إلَى (زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ) عَلَى الشَّهْرِ قَالَ الْقَاضِي: (كَيَوْمَيْنِ) فَقَطْ، (وَيَحْرُمُ) أَنْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ (بَعْدَهَا) ، أَيْ: بَعْدَ الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": فَأَمَّا إذَا لَمْ يُدْفَنْ؛ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ مَضَى أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ (وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ مَيِّتٍ تَحْقِيقًا) بِأَنْ

تَحَقَّقَ الْمَوْتُ، وَكَانَ الْمَيِّتُ (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) ، وَهُوَ (غَيْرُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ) فَحُكْمُهُ (كَكُلِّهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (مِنْ وُجُوبِ غُسْلٍ وَتَكْفِينٍ وَصَلَاةٍ) عَلَيْهِ "؛ لِأَنَّ أَبَا أَيُّوبَ صَلَّى عَلَى رِجْلِ إنْسَانٍ " قَالَهُ أَحْمَدُ. " وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ، وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى رُءُوسٍ " رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَلْقَى طَائِرٌ يَدًا بِمَكَّةَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ عُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ، وَكَانَتْ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيد، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَهْلُ مَكَّةَ. وَلِأَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ مَيِّتٍ، فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْجُمْلَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ صُلِّيَ عَلَيْهِ؛ غُسِّلَ مَا وُجِدَ، وَكُفِّنَ وُجُوبًا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ نَدْبًا، وَإِنْ كَانَ مَا وُجِدَ شَعْرًا أَوْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا؛ فَلَا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ حَالَ الْحَيَاةِ، (وَيَنْوِي بِهَا) ، أَيْ: الصَّلَاةِ عَلَى (ذَلِكَ الْبَعْضِ) الْمَوْجُودِ (فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ الْحَاضِرُ (وَكَذَا إنْ وُجِدَ الْبَاقِي) مِنْ الْمَيِّتِ فَيُغَسَّلُ، وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، (وَيُدْفَنُ بِجَنْبِهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": أَوْ نُبِشَ بَعْضُ الْقَبْرِ، وَدُفِنَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى كَشْفِ الْمَيِّت. (وَإِنْ كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَى جُمْلَتِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - دُونَ مَا وُجِدَ؛ (وَجَبَ غُسْلُ وَتَكْفِينُ) ذَلِكَ الْبَعْضِ، (وَسُنَّ صَلَاةٌ) عَلَيْهِ، (وَتَقَدَّمَ) فِي قَوْلِهِ: عَلَى بَعْضِ مَيِّتٍ صُلِّيَ عَلَى جُمْلَتِهِ دُونَهُ. (وَلَا يُصَلَّى عَلَى بَعْضِ حَيٍّ) كَيَدٍ قُطِعَتْ فِي سَرِقَةٍ أَوْ أُكْلَةٍ (فِي وَقْتٍ لَوْ وُجِدَتْ فِيهِ الْجُمْلَةُ) - أَيْ: الْبَقِيَّةُ - لَمْ تُغَسَّلْ، وَ (لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا) لِبَقَاءِ حَيَاتِهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ دُعَاءٌ وَشَفَاعَةٌ لِيَخِفَّ عَنْهُ، وَهَذَا عُضْوٌ لَا حُكْمَ لَهُ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَكَذَا إنْ شَكَّ فِي مَوْتِ الْبَقِيَّةِ. (وَلَا) يُصَلَّى (عَلَى مَأْكُولٍ بِبَطْنِ آكِلٍ) مِنْ سَبُعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَعَ مُشَاهَدَةِ الْآكِلِ، (وَ) لَا عَلَى (مُسْتَحِيلٍ بِنَحْوِ إحْرَاقٍ) كَمُصَبَّنَةٍ

وَمُمَلَّحَةٍ بِأَنْ صَارَ رَمَادًا أَوْ صَابُونًا أَوْ مِلْحًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ شَرْطَ الصَّلَاةِ مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ مَفْقُودٌ فِي الْمُسْتَحِيلِ. (وَلَا يُسَنُّ لِلْإِمَامِ، الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَ) لَا لِ (إمَامِ كُلِّ قَرْيَةٍ، وَهُوَ وَالِيهَا فِي الْقَضَاءِ الصَّلَاةُ عَلَى غَالٍّ) نَصًّا، وَهُوَ مَنْ كَتَمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا لِيَخْتَصَّ بِهِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ، فَقَالَ: إنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا فِيهِ خَرَزًا مِنْ خَرَزِ الْيَهُودِ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ.» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. (وَ) لَا عَلَى (قَاتِلِ نَفْسِهِ عَمْدًا) ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ " وَالْمَشَاقِصُ: جَمْعُ مِشْقَصٍ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": وَالْمِشْقَصُ: كَمِنْبَرٍ: نَصْلٌ عَرِيضٌ أَوْ سَهْمٌ فِيهِ ذَلِكَ النَّصْلُ الطَّوِيلُ، أَوْ سَهْمٌ فِيهِ ذَلِكَ يُرْمَى بِهِ الْوَحْشُ. انْتَهَى. فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَالِّ، وَقَاتِلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْإِمَامُ، وَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا، وَأَلْحَقَ بِهِ مَنْ سَاوَاهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ دَلِيلٌ. (وَإِنْ صَلَّى) الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ (عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: عَلَى الْغَالِّ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ عَمْدًا، (فَلَا بَأْسَ) ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْ ذَلِكَ رَدْعٌ وَزَجْرٌ لَا لِتَحْرِيمِهِ (وَيُصَلَّى عَلَى كُلِّ عَاصٍ؛ كَسَارِقٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ) وَمَقْتُولٍ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا، (وَعَلَى مَدِينٍ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً) . وَتَرْكُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ عَلَيْهِ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ. (وَإِنْ اخْتَلَطَ) مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ (أَوْ اشْتَبَهَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ

فرع لمصل على جنازة قيراط من أجر

بِغَيْرِهِ) كَأَنْ اخْتَلَطَ مَوْتَى مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ، وَلَمْ يَتَمَيَّزُوا بِانْهِدَامِ سَقْفٍ بِهِمْ وَنَحْوِهِ؛ (صُلِّيَ عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِي) بِالصَّلَاةِ (مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ) مِنْهُمْ، وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَلَا طَرِيقَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ (وَغُسِّلُوا وَكُفِّنُوا) كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ لَا تُمْكِنُ إلَّا بِذَلِكَ، إذْ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لَا تَصِحُّ حَتَّى يُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَسَوَاءٌ كَانُوا بِدَارِ إسْلَامٍ أَوْ حَرْبٍ، قَلَّ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ أَوْ كَثُرُوا، (وَإِنْ) (أَمْكَنَ عَزْلُهُمْ) عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ دُفِنُوا مُنْفَرِدِينَ، (وَإِلَّا) يُمْكِنُ عَزْلُهُمْ (فَ) يُدْفَنُونَ (مَعَنَا) ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ مَنْ يُعْهَدُ ذِمِّيًّا، فَشَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا؛ حُكِمَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ دُونَ تَوْرِيثِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ. [فَرْعٌ لِمُصَلٍّ عَلَى جِنَازَةٍ قِيرَاطٌ مِنْ أَجْرٍ] (فَرْعٌ: لِمُصَلٍّ عَلَى جِنَازَةٍ قِيرَاطٌ) مِنْ (أَجْرِ وَهُوَ) ، أَيْ: الْقِيرَاطُ: (أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى) ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ قِيرَاطُ نِسْبَةٍ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ، (وَلَهُ بِتَمَامِ دَفْنِهَا) قِيرَاطٌ (آخَرُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُفَارِقَهَا) بَلْ يَكُونَ مَعَهَا (حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا مِنْ الصَّلَاةِ) عَلَيْهَا (حَتَّى تُدْفَنَ) ، لِحَدِيثِ: «فَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا» (وَفِي الْحَدِيثِ) : «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ؛ فَلَهُ قِيرَاطَانِ قِيلَ: (وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» وَفِي) صَحِيحِ (مُسْلِمٍ: " أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ " قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَلَا يُصَلَّى كُلَّ يَوْمٍ عَلَى غَائِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ) وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ يَذْهَبُ إلَى مُصَلَّى الْجَنَائِزِ فَيَجْلِسُ فِيهِ مُتَصَدِّيًا لِلصَّلَاةِ عَلَى مَنْ يَحْضُرُ مِنْ الْجَنَائِزِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَكَأَنَّهُ يَرَى إذَا تَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَهُوَ أَفْضَلُ، قَالَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ صَعْدَةَ: وَمَنْ تَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا - يَعْنِي: مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَتَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا - فَلَهُ قِيرَاطٌ.

فصل حمل الجنازة

[فَصْلٌ حَمْلُ الْجِنَازَةِ] (فَصْلٌ) (وَحَمْلُهَا) - أَيْ: الْجِنَازَةِ إلَى مَحَلِّ دَفْنِهَا (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إجْمَاعًا، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَيُكْرَهُ أَخَذَ الْأَجْرِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْغُسْلِ وَنَحْوِهِ. (وَسُنَّ تَرْبِيعٌ فِيهِ) ، أَيْ: الْحَمْلِ (بِحَمْلِ أَرْبَعَةٍ) ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ فَلْيَتَطَوَّعْ وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ. (بِأَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ نَعْشٍ يُسْرَى مُقَدَّمَةً) حَالَ السَّيْرِ، لِأَنَّهَا تَلِي يَمِينَ الْمَيِّتِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ (عَلَى كَتِفٍ يُمْنَى، ثُمَّ) يَدَعُهَا لِغَيْرِهِ وَ (يَنْتَقِلُ لِمُؤَخِّرَةِ) الْقَوَائِمِ، فَيَضَعُهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى أَيْضًا ثُمَّ يَدَعُهَا لِغَيْرِهِ، (ثُمَّ) يَنْتَقِلُ إلَى (يُمْنَى مُقَدَّمَةٍ) مِنْ الْقَوَائِمِ، وَهِيَ الَّتِي عَلَى يَسَارِ الْمَيِّتِ، فَيَضَعُهَا (عَلَى كَتِفٍ يُسْرَى، ثُمَّ) يَدَعُهَا لِغَيْرِهِ، وَ (يَنْتَقِلُ لِمُؤَخِّرَةِ) قَوَائِمِ السَّرِيرِ الْيُمْنَى، فَيَضَعُهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى أَيْضًا، فَيَكُونُ الْبَدْءُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِالرَّأْسِ وَالْخَتْمُ مِنْهُمَا بِالرِّجْلَيْنِ، كَغُسْلِهِ، وَلَا يَقُولُ فِي حَمْلِ السَّرِيرِ مُسْلِمٌ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ؛ بَلْ بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ إذَا نَاوَلَ السَّرِيرَ نَصًّا. (وَكَرِهَ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ التَّرْبِيعَ) فِي الْحَمْلِ (مَعَ زِحَامٍ) عَلَى الْجِنَازَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ. (وَلَا يُكْرَهُ) الـ (حَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ) ، أَيْ: قَائِمَتَيْ السَّرِيرِ، (كُلِّ) عَمُودٍ (عَلَى عَاتِقٍ) نَصًّا، لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ» وَأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ حَمَلَ جِنَازَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَيَبْدَأُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، كَمَا فِي الرِّعَايَةِ " (وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بَيْنَ التَّرْبِيعِ وَالْحَمْلِ بَيْنَ

الْعَمُودَيْنِ (أَوْلَى) قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " التَّنْقِيحِ " وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ: وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا هَذَا إذَا قُلْنَا: لَيْسَ التَّرْبِيعُ أَفْضَلَ، وَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ أَفْضَلِيَّةَ التَّرْبِيعِ عَلَى الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ لَا تَمْنَعُ أَفْضَلَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّرْبِيعِ، كَمَا ذَكَرُوا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجَرِ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَاءِ وَلِهَذَا تَبِعَ الْمُصَنِّفُ صَاحِبَ الْفُرُوعِ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ. (وَلَا) بَأْسَ بِحَمْلِ الْمَيِّتِ (بِأَعْمِدَةٍ لِحَاجَةٍ) كَجِنَازَةِ ابْنِ عُمَرَ (وَلَا) بَأْسَ بِحَمْلِهِ (عَلَى دَابَّةٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) كَبُعْدِ قَبْرِهِ، وَسِمَنِ جُثَّتِهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْمُبْدِعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يَحْرُمُ عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ أَوْ هَيْئَةٍ يُخَافُ مَعَهَا سُقُوطُهَا. (وَلَا) يُكْرَهُ حَمْلُ (طِفْلٍ عَلَى يَدَيْهِ) وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُ نَعْشِ الْمَرْأَةِ بِالْمِكَبَّةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَكَذَا مَنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ عَلَى نَعْشٍ إلَّا بِمُثْلَةٍ كَحَدَبٍ وَفِي " الْفُصُولِ ": الْمُقَطَّعُ تُلَفَّقُ أَعْضَاؤُهُ بِطِينِ حَرٍّ وَنَفْطٍ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ تَشْوِيهُهُ، فَإِنْ ضَاعَتْ؛ لَمْ يُعْمَلْ شَكْلُهَا مِنْ طِينٍ، قَالَ: وَالْوَاجِبُ جَمْعُ أَعْضَائِهِ فِي كَفَنٍ وَاحِدٍ وَقَبْرٍ وَاحِدٍ. (وَسُنَّ مَعَ تَعَدُّدِ جَنَائِزَ تَقْدِيمُ أَفْضَلِهَا إمَامًا بِمَسِيرٍ) ، فَيَكُونُ مَتْبُوعًا لَا تَابِعًا. (وَ) سُنَّ (إسْرَاعٌ بِهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ، لِحَدِيثِ: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُنْ صَالِحَةً؛ فَخَيْرٌ تَقْدَمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَكُونُ الْإِسْرَاعُ (دُونَ الْخَبَبِ) نَصًّا، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ تُمْخَضُ مَخْضًا، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّهُ يَمْخُضُهَا وَيُؤْذِي حَامِلَهَا وَمُتَّبِعَهَا، وَالْخَبَبُ، خَطْوٌ فَسِيحٌ دُونَ الْعَنَقِ، وَفَوْقَ الرَّمَلِ. (مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ

(مِنْهُ) ، أَيْ: الْإِسْرَاعِ، فَيَمْشِي بِهِ الْهُوَيْنَا. (وَ) سُنَّ اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَكَوْنُ مَاشٍ) مَعَهَا (أَمَامَهَا) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاؤُهُ. (وَ) سُنَّ كَوْنُ (رَاكِبٍ وَلَوْ سَفِينَةً خَلْفَهَا) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَكُرِهَ لَهُ) ، أَيْ: لِمُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ رَاكِبًا أَنْ يَكُونَ (أَمَامَهَا) ، قَالَ الْمَجْدُ: (كَ) كَرَاهَتِهِ لِحَدِيثِ «ثَوْبَانَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ، إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظَهْرِ الدَّوَابِّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) كَمَرَضٍ (وَ) لِغَيْرِ (عَوْدٍ) فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ عَائِدًا مُطْلَقًا لَمْ يُكْرَهْ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبِعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا، وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ. (وَقُرْبُ) مُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ (مِنْهَا أَفْضَلُ) ، لِأَنَّهَا كَالْإِمَامِ (وَكُرِهَ تَقَدُّمُهَا لِمَوْضِعِ صَلَاةٍ) عَلَيْهَا. وَ (لَا) يُكْرَهُ تَقَدُّمُهَا (لِمَقْبَرَةٍ، وَ) كُرِهَ (جُلُوسُ تَابِعِهَا حَتَّى تُوضَعَ بِأَرْضٍ لِدَفْنٍ) نَصًّا، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا تَبِعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ» قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِيهِ: " حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ " (إلَّا لِمَنْ بَعُدَ) ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهَا دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ. (وَ) كُرِهَ (قِيَامٌ لَهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ (إنْ جَاءَتْ أَوْ مَرَّتْ بِهِ وَهُوَ جَالِسٌ) ،

لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: «رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُمْنَا تَبَعًا لَهُ، وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا تَبَعًا لَهُ، يَعْنِي: فِي الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " قَامَ ثُمَّ قَعَدَ " رَوَاهُ النَّسَائِيّ. (وَ) كُرِهَ (مَسْحُهُ بِيَدِهِ) عَلَى الْجِنَازَةِ، (أَوْ) مَسْحُهُ (بِشَيْءٍ عَلَيْهَا تَبَرُّكًا) ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هُوَ بِدْعَةٌ يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الْمَيِّتِ، قَالَ: وَهُوَ قَبِيحٌ فِي الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ فِي أَخْلَاقِ أَحْمَدَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ الطَّيَالِسِيَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى أَحْمَدَ، ثُمَّ مَسَحَهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ، فَغَضِبَ شَدِيدًا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ يَدَهُ، وَيَقُولُ: عَمَّنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ وَأَنْكَرَهُ. (وَ) كُرِهَ (رَفْعُ صَوْتٍ) عِنْدَ رَفْعِهَا وَ (مَعَهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ، (وَلَوْ بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ) ، لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. (وَسُنَّ) لِمُتَّبِعِيهَا قِرَاءَةُ قُرْآنٍ وَذِكْرُ اللَّهِ (سِرًّا) . (وَ) كُرِهَ (أَنْ تَتَّبِعَهَا امْرَأَةٌ) ، لِحَدِيثِ «أُمِّ عَطِيَّةَ نَهَانَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. أَيْ: لَمْ يُحَتِّمْ عَلَيْنَا تَرْكَ اتِّبَاعِهَا، (أَوْ تُتَّبَعَ بِمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَطْعُومٍ وَمَشْرُوبٍ، (أَوْ) تُتَّبَعَ (بِنَارٍ) لِلْخَبَرِ، قِيلَ: سَبَبُ الْكَرَاهَةِ: كَوْنُهُ مِنْ شِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ: تَفَاؤُلًا بِالنَّارِ (إلَّا لِحَاجَةِ ضَوْءٍ) كَمَا لَوْ دُفِنَتْ بِاللَّيْلِ، فَلَا يُكْرَهُ وَلِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا. (وَمِثْلُهُ تَبْخِيرٌ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ) ، فَيُكْرَهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، (وَحَرُمَ أَنْ يَتَّبِعَهَا مَعَ مُنْكَرٍ نَحْوَ صُرَاخٍ وَنَوْحٍ عَاجِزٌ عَنْ إزَالَتِهِ) ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِمَاعِ مَحْظُورٍ وَرُؤْيَتِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ، (وَيَلْزَمُ الْقَادِرَ إزَالَتُهُ) لِلْخَبَرِ. (وَضَرْبُهُنَّ) ، أَيْ: النِّسَاءِ (بِدُفٍّ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَلْقٌ وَلَا صُنُوجٌ (مُنْكَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ اتِّفَاقًا) (وَقَوْلُ الْقَائِلِ مَعَهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ: (اسْتَغْفِرُوا لَهُ، وَنَحْوُهُ،

فرع اتباع الجنازة

بِدْعَةٌ) عِنْدَ أَحْمَدَ، وَكَرِهَهُ (وَحَرَّمَهُ أَبُو حَفْصٍ) نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: وَمَا يُعْجِبُنِي، وَرَوَى سَعِيدٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَا لِقَائِلِ ذَلِكَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ. (وَسُنَّ كَوْنُ تَابِعِهَا) ، أَيْ: الْجِنَازَةِ (مُتَخَشِّعًا مُتَفَكِّرًا فِي مَآلِهِ) أَيْ: أَمْرِهِ الَّذِي يَئُولُ إلَيْهِ وَيَرْجِعُ (مُتَّعِظًا بِالْمَوْتِ وَبِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ) ، قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: مَا اتَّبَعْتُ جِنَازَةً فَحَدَّثْتُ نَفْسِي بِغَيْرِ مَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهَا. [فَرْعٌ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ] (فَرْعٌ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ سُنَّةٌ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَحَدِيثِ الْبَرَاءِ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَهُوَ) ، أَيْ: اتِّبَاعُهَا (حَقٌّ لِلْمَيِّتِ وَأَهْلِهِ) ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ قَدَّرَ لَوْ انْفَرَدَ الْمَيِّتُ لَمْ يَسْتَحِقَّ هَذَا الْحَقَّ لِمُزَاحِمٍ أَوْ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ تَبِعَهُ، لِأَجْلِ أَهْلِهِ إحْسَانًا إلَيْهِمْ لِتَأَلُّفٍ أَوْ مُكَافَأَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. (وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ أَنَّ مِنْ الْخَيْرِ أَنْ يَتَّبِعَهَا لِقَضَاءِ حَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ) ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَّبِعَهَا إلَى الْقَبْرِ، ثُمَّ يَقِفَ حَتَّى تُدْفَنَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الدَّفْنِ فَيَسْتَغْفِرَ لَهُ وَيَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ، وَيَدْعُوَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ. (وَنَقَلَ حَنْبَلٌ) ، وَهُوَ عَمُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (لَا بَأْسَ بِقِيَامِهِ عَلَى الْقَبْرِ حَتَّى تُدْفَنَ جَبْرًا وَإِلْزَامًا) وَوَقَفَ عَلِيٌّ عَلَى قَبْرٍ، فَقِيلَ: أَلَا تَجْلِسُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: قَلِيلٌ عَلَى أَخِينَا قِيَامُنَا عَلَى قَبْرِهِ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ مُحْتَجًّا بِهِ. (وَكَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا حَضَرَ جِنَازَةً هُوَ وَلِيُّهَا لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى تُدْفَنَ) ، نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ.

فصل في دفن الميت

[فَصْلٌ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ] (فَصْلٌ) فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ (وَدَفْنُهُ بِ) مَحَلٍّ (مَحْفُورٍ) مِنْ نَحْوِ أَرْضٍ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ قَابِيلَ إلَى دَفْنِ أَخِيهِ هَابِيلَ، وَأَبَانَ ذَلِكَ بِبَعْثِ غُرَابٍ يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْف يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ، وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا} [المرسلات: 25] {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 26] ، أَيْ: جَامِعَةً لِلْأَحْيَاءِ فِي ظَهْرِهَا بِالْمَسَاكِنِ، وَالْأَمْوَاتِ فِي بَطْنِهَا فِي الْقُبُورِ، وَالْكَفْتُ: الْجَمْعُ، وَقَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ أَكْرَمَهُ بِدَفْنِهِ. (وَيَسْقُطُ هُوَ) ، أَيْ: الدَّفْنُ (وَتَكْفِينٌ وَحَمْلٌ) لِمَيِّتٍ (بِ) فِعْلِ (كَافِرٍ) ، لِأَنَّ فَاعِلَهَا لَا يَخْتَصُّ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ. (وَ) يَسْقُطُ أَيْضًا بِ (غَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَيُقَدَّمُ بِتَكْفِينِ) ذَكَرٍ وَأُنْثَى (مَنْ يُقَدَّمُ بِغُسْلِ) هَا، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ، (وَنَائِبُهُ كَهُوَ) فَيُقَدَّمُ النَّائِبُ عَلَى مَنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ مُسْتَنِيبُهُ. (وَيَتَّجِهُ: غَيْرُ وَصِيٍّ) ، أَيْ: فَلَيْسَ نَائِبُ الْوَصِيِّ كَهُوَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْمُوصِي غَرَضٌ فِي تَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ، وَكَذَا فِي صَلَاةٍ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَدْ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَالْأَوْلَى) لِغَاسِلٍ (تَوَلِّيهِ) ، أَيْ: التَّكْفِينِ (بِنَفْسِهِ) دُونَ نَائِبِهِ مُحَافَظَةً عَلَى تَقْلِيلِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمَيِّتِ. (وَ) يُقَدَّمُ (بِدَفْنِ رَجُلٍ) ، أَيْ: ذَكَرٍ (مَنْ يُقَدَّمُ بِغُسْلِهِ) " لِأَنَّهُ،

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْحَدَهُ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَأُسَامَةُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى سَتْرِ أَحْوَالِهِ، وَقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، (فَالْأَجَانِبُ) مِنْ الرِّجَالِ يَقُومُونَ بِدَفْنِهِ عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ النِّسَاءِ، لِأَنَّهُنَّ يَضْعُفْنَ عَنْ إدْخَالِهِ الْقَبْرَ، وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ يَحْضُرُهَا جُمُوعُ الرِّجَالِ غَالِبًا، وَفِي نُزُولِ النِّسَاءِ الْقَبْرَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ تَعْرِيضٌ لَهُنَّ بِالْهَتْكِ وَالْكَشْفِ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ، (فَمَحَارِمُهُ) مِنْ (النِّسَاءِ، فَالْأَجْنَبِيَّاتُ) لِلْحَاجَةِ إلَى دَفْنِهِ، وَعَدَمِ غَيْرِهِنَّ. (وَ) الْأَوْلَى (بِدَفْنِ امْرَأَةٍ مَحَارِمُهَا الرِّجَالُ) الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، لِأَنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ لَمَّا تُوُفِّيَتْ قَالَ لِأَهْلِهَا: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا، وَلِأَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِوِلَايَتِهَا حَالَ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، (فَزَوْجٌ) ، لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِمَحْرَمِهَا مِنْ النَّسَبِ مِنْ الْأَجَانِبِ، (فَأَجَانِبُ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ مَاتَتْ ابْنَتُهُ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا» وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَارِمَهَا كُنَّ هُنَاكَ كَأُخْتِهَا فَاطِمَةَ، وَلِأَنَّ تَوَلِّيَ النِّسَاءِ لِذَلِكَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَفُعِلَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَصْرِ خُلَفَائِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ، (فَمَحَارِمُهَا النِّسَاءُ) الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى مِنْهُنَّ كَالرِّجَالِ، (وَيُقَدَّمُ مِنْ رِجَالٍ) فِي دَفْنِ امْرَأَةٍ (خَصِيٌّ، فَشَيْخٌ، فَأَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، وَمَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِجِمَاعٍ أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ) عَهْدُهُ بِهِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا. (وَلَا يُكْرَهُ لِرِجَالٍ) أَجَانِبَ (دَفْنُ امْرَأَةٍ وَثَمَّ مَحْرَمٌ) لَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ. (وَكُرِهَ دَفْنٌ عِنْدَ طُلُوعِ شَمْسٍ وَقِيَامِهَا وَعِنْدَ غُرُوبِهَا) وَتَقَدَّمَ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ الدَّفْنُ (لَيْلًا) قَالَ أَحْمَدُ فِي الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ أَبُو بَكْرٍ دُفِنَ لَيْلًا، وَعَلِيٌّ دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا، وَالدَّفْنُ نَهَارًا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى مُتَّبِعِهَا، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ، وَأَمْكَنُ

لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ. (وَلَحْدٌ) أَفْضَلُ مِنْ شَقٍّ، وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَالضَّمُّ لُغَةٌ؛ أَنْ يَحْفِرَ فِي أَسْفَلِ حَائِطِ الْقَبْرِ حُفْرَةً تَسَعُ الْمَيِّتَ، وَأَصْلُهُ: الْمَيْلُ. (وَكَوْنُهُ) ، أَيْ: اللَّحْدِ (مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) أَفْضَلُ، فَيَكُونُ ظَهْرُهُ إلَى جِهَةِ مُلْحِدِهِ. (وَنَصْبُ لَبِنٍ) ، أَيْ: طُوبٍ غَيْرِ مَشْوِيٍّ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: اللَّحْدِ (أَفْضَلُ) مِنْ نَصْبِ حِجَارَةٍ وَغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ «سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَيَجُوزُ بِبَلَاطٍ، (وَكُرِهَ شَقُّ قَبْرٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ الشَّقَّ لِحَدِيثِ: «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ. (وَهُوَ) ، أَيْ: الشَّقُّ (حَفْرُ وَسَطِهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (كَحَوْضٍ، أَوْ بِنَاءُ جَانِبَيْهِ بِنَحْوِ لَبِنٍ لِيُوضَعَ مَيِّتٌ فِيهِ) ، وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ بِبَلَاطٍ وَنَحْوِهِ (بِلَا عُذْرٍ) كَرَخَاوَةِ أَرْضٍ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ وَاحْتِيجَ إلَى الشَّقِّ لِكَوْنِ التُّرَابِ يَنْهَالُ، وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِنَصْبِ لَبِنٍ وَلَا حِجَارَةٍ وَنَحْوِهِ؛ لَمْ يُكْرَهْ الشَّقُّ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَجْعَلَ شِبْهَ اللَّحْدِ مِنْ الْجَنَادِلِ وَالْحِجَارَةِ وَاللَّبِنِ، جَعَلَ نَصًّا، وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الشَّقِّ. (وَ) كُرِهَ (إدْخَالُهُ) إلَى الْقَبْرِ (خَشَبًا إلَّا لِضَرُورَةٍ وَ) إدْخَالُهُ (مَا مَسَّتْهُ نَارٌ) كَآجُرٍّ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ. (وَ) كُرِهَ (دَفْنٌ بِتَابُوتٍ وَلَوْ امْرَأَةً) ، قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ، وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ، وَلَا يَسْتَحِبُّونَ الدَّفْنَ فِي تَابُوتٍ، لِأَنَّهُ خَشَبٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلَاتِهِ، وَتَفَاؤُلًا أَنْ لَا يَمَسَّ الْمَيِّتَ نَارٌ. (وَسُنَّ أَنْ يُعَمَّقَ) قَبْرٌ (وَيُوَسَّعَ قَبْرٌ بِلَا حَدٍّ) ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلَى أُحُدٍ: احْفِرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَأَعْمِقُوا»

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِأَنَّ التَّعْمِيقَ أَبْعَدُ لِظُهُورِ الرَّائِحَةِ، وَأَمْنَعُ لِلْوُحُوشِ، وَالتَّوْسِيعُ: الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَالتَّعْمِيقُ: بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: الزِّيَادَةُ فِي النُّزُولِ. (وَيَكْفِي مَا) ، أَيْ: تَعْمِيقٌ (يَمْنَعُ السِّبَاعَ وَالرَّائِحَةَ) ، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ. (وَ) سُنَّ (أَنْ يُسْجَى) ، أَيْ: يُغَطَّى قَبْرٌ حِينَ الدَّفْنِ (لِأُنْثَى) وَلَوْ صَغِيرَةً، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ (وَ) لِ (خُنْثَى) ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً. (وَكُرِهَ) أَنْ يُسْجَى قَبْرٌ (لِرَجُلٍ إلَّا لِعُذْرٍ) مِنْ (نَحْوِ مَطَرٍ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَقَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ، فَجَذَبَهُ وَقَالَ: إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا إلَى النِّسَاءِ " وَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَفِي فِعْلِ ذَلِكَ لَهُ تَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ. (وَسُنَّ أَنْ يُدْخَلَ) ، أَيْ: الْقَبْرَ (مَيِّتٌ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ بِأَنْ يُوضَعَ النَّعْشُ آخِرَ الْقَبْرِ، فَيَكُونُ رَأْسُ الْمَيِّتِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ رِجْلَاهُ إذَا دُفِنَ، ثُمَّ يُسَلُّ الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ سَلًّا رَفِيقًا، فَيُدْخَلُ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ بِرَأْسِهِ (لَا بِرِجْلَيْهِ) ، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» (إنْ كَانَ) ذَلِكَ (أَسْهَلَ) بِالْمَيِّتِ (وَإِلَّا) يَكُنْ إدْخَالُهُ، مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ أَسْهَلُ (فَ) يُدْخِلُهُ (مِنْ حَيْثُ سَهُلَ) إدْخَالُهُ مِنْهُ، إذْ الْمَقْصُودُ الرِّفْقُ بِالْمَيِّتِ، (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَتْ الْكَيْفِيَّاتُ فِي السُّهُولَةِ؛ فَهُوَ (سَوَاءٌ) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ السُّنَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَمَنْ) مَاتَ (بِسَفِينَةٍ وَخِيفَ) بِإِبْقَائِهِ (فَسَادُهُ، يُلْقَى بِبَحْرٍ بَعْدَ) غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَ (تَثْقِيلِهِ بِشَيْءٍ) لِيَسْتَقِرَّ فِي قَرَارِ

الْبَحْرِ، وَيَكُونُ إلْقَاؤُهُ فِي الْبَحْرِ (كَإِدْخَالِهِ الْقَبْرَ) ، وَإِنْ كَانُوا بِقُرْبِ السَّاحِلِ وَأَمْكَنَهُمْ دَفْنُهُ فِيهِ وَجَبَ. (وَ) سُنَّ (قَوْلُ مُدْخِلِهِ) الْقَبْرَ: (بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقَبْرِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَإِنْ أَتَى) عِنْدَ إلْحَادِهِ (بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ يَلِيقُ) ، أَوْ قَرَأَ آيَةً نَحْوَ {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه: 55] الْآيَةَ (فَلَا بَأْسَ) ، لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْحَالِ. (وَ) سُنَّ (أَنْ يُلْحَدَ) مَيِّتٌ (عَلَى شِقٍّ أَيْمَنَ) ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ النَّائِمَ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ، (وَيُفْضَى بِخَدِّهِ لِلْأَرْضِ) ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاسْتِكَانَةِ، (فَيُرْفَعُ الْكَفَنُ لِيُلْصَقَ) خَدُّهُ (بِهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: إذَا أَنَا مِتَّ فَأَفْضُوا بِخَدِّي إلَى الْأَرْضِ. (وَ) سُنَّ أَنْ (يُسْنَدُ خَلْفَهُ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - بِتُرَابٍ، لِئَلَّا يَسْقُطَ عَلَى قَفَاهُ، (وَ) يُسْنَدَ (أَمَامُهُ بِتُرَابٍ، لِئَلَّا يَسْقُطَ) فَيَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُدْنَى مِنْ الْحَائِطِ. (وَ) سُنَّ: أَنْ يُجْعَلَ (تَحْتَ رَأْسِهِ) شَيْءٌ لِيَرْتَفِعَ عَنْ الْأَرْضِ، (وَأَفْضَلُهُ لَبِنَةٌ) ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ (فَحَجَرٌ) ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ (فَتُرَابٌ) ، لِأَنَّهُ شِبْهُ الْمِخَدَّةِ لِلنَّائِمِ، وَلِئَلَّا يَمِيلَ رَأْسُهُ، (وَتُكْرَهُ مِخَدَّةٌ) تُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِهِ نَصًّا، لِأَنَّهُ غَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ. (وَ) تُكْرَهُ (مِضْرَبَةٌ وَقَطِيفَةٌ تَحْتَهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ شَيْءٌ. ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَعَنْ أَبِي مُوسَى: لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئًا، وَالْقَطِيفَةُ الَّتِي وُضِعَتْ تَحْتَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إنَّمَا وَضَعَهَا شُقْرَانُ، وَلَمْ يَكُنْ عَنْ اتِّفَاقٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَ) يُكْرَهُ (جَعْلُ

حَدِيدٍ فِيهِ) ، أَيْ: اللَّحْدِ (وَلَوْ أَنَّ الْأَرْضَ رِخْوَةٌ) تَفَاؤُلًا بِأَنْ لَا يُصِيبَهُ عَذَابٌ، لِأَنَّهُ آلَتُهُ. (وَيَجِبُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - (الْقِبْلَةَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ: " قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا " وَلِأَنَّهُ طَرِيقَةُ الْمُسْلِمِينَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ. (وَيَتَعَاهَدُ) مُلْحِدُهُ (خِلَالَ اللَّبِنِ بِسَدِّهِ بِمَدَرٍ وَنَحْوِهِ) كَأَحْجَارٍ صِغَارٍ، (ثُمَّ يُطَيِّنُ فَوْقَهُ) لِئَلَّا يُنْتَخَلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ. (وَسُنَّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ حَثْوُ تُرَابٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (ثَلَاثًا بِالْيَدِ ثُمَّ يُهَالُ) عَلَيْهِ التُّرَابُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ فِيهِ: " فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى مَعْنَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَادَ: " وَهُوَ قَائِمٌ ". وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيُوضَعَ عَلَيْهِ جِبَالٌ مِنْ تُرَابٍ، أَوْ يُبْنَى عَلَيْهِ بِنَاءٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَفْنٍ. (وَ) سُنَّ (رَشُّهُ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (بِمَاءٍ) ، لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ مَاءً، وَوَضَعَ عَلَيْهِ الْحَصْبَاءَ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. (وَ) سُنَّ (رَفْعُهُ) ، أَيْ: الْقَبْرِ عَنْ الْأَرْضِ (قَدْرَ شِبْرٍ) لِيُعْرَفَ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَيُتَوَقَّى وَيُتَرَحَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُفِعَ قَبْرُهُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ» (وَ) سُنَّ (وَضْعُ حَصًى صِغَارٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ تُرَابِهِ) - أَيْ: الْقَبْرِ - لِئَلَّا يَنْدَرِسَ فَيُوطَأَ بِالْأَقْدَامِ. (وَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ) : أَيْ: مَنْ حَثَى التُّرَابَ حِينَ فِعْلِهِ (أَوَّلَ حَثْيَةٍ: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه: 55] وَبِثَانِيَةٍ: {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه: 55] وَبِثَالِثَةٍ: {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ} [طه: 55] الْآيَةَ) ، أَيْ: يَقُولُ ذَلِكَ

إلَى آخِرِ الْآيَةِ، لِأَنَّهَا تُنَاسِبُ الْحَالَ. (وَلَا) بَأْسَ (بِتَطْيِينِهِ) - أَيْ: الْقَبْرِ - لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّهْ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ» ، أَيْ مَجْعُولٍ عَلَيْهَا الْحَصْبَاءُ. (وَ) لَا بَأْسَ بِ (تَعْلِيمِهِ بِنَحْوِ حَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ وَكَلَوْحٍ) " لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلَّمَهُ بِحَجَرٍ وُضِعَ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: أُعَلِّمُ قَبْرَ أَخِي حَتَّى أَدْفِنَ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَتَسْنِيمُ) الْقَبْرِ (أَفْضَلُ) مِنْ تَسْطِيحِهِ، لِقَوْلِ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: رَأَيْتُ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَنَّمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ أَشْبَهَ بِبِنَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا، (إلَّا) مَنْ دُفِنَ (بِدَارِ حَرْبٍ) إنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) إلَّا إذَا دُفِنَ بِدَارِ (عَدُوٍّ) وَخِيفَ نَبْشُهُ، وَالتَّمْثِيلُ بِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (إنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهُ) مِنْهَا، (فَتَسْوِيَتُهُ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (بِأَرْضٍ وَإِخْفَاؤُهُ أَوْلَى) مِنْ إظْهَارِهِ وَتَسْنِيمِهِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (وَيَتَّجِهُ: وَمَعَ عِلْمِ) دَافِنِيهِ (بِأَنَّ الْعَدُوَّ يَنْبُشُهُ) ، أَيْ: الْقَبْرَ (يَجِبُ تَسْوِيَتُهُ وَإِخْفَاؤُهُ) صَوْنًا لَهُ عَنْ هَتْكِ الْحُرْمَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ) الْمَوْتَى فِي مَقْبَرَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْلِيمِ قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ. وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِزِيَارَتِهِمْ. (وَ) يُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي (الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّ مُوسَى - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةَ حَجَرٍ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ» وَقَالَ عُمَرُ: " اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (وَمُجَاوَرَةُ الصَّالِحِينَ) لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ. (وَدَفْنٌ بِصَحْرَاءَ أَفْضَلُ) مِنْ دَفْنٍ بِعُمْرَانٍ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ بِالْبَقِيعِ، وَلَمْ تَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقْبِرُونَ فِي الصَّحَارَى، وَلِأَنَّهُ أَشْبَهَ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ (سِوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَدُفِنَ بِبَيْتِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ: " لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمَا رُوِيَ: " دَفْنُ الْأَنْبِيَاءِ حَيْثُ يَمُوتُونَ " وَصِيَانَةً لَهُ عَنْ كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ. (وَاخْتَارَ صَاحِبَاهُ) أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (الدَّفْنَ عِنْدَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا) بِهِ. (وَلَمْ يُزَدْ) عَلَيْهِمَا (لِأَنَّ الْخَرْقَ) بِدَفْنِ غَيْرِهِمَا عِنْدَهُ (يَتَّسِعُ وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ، وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى دَفْنِهِمْ كَمَا وَقَعَ) فَلَا يُنْكِرُهُ إلَّا بِدْعِيٌّ ضَالٌّ. (فَمَنْ وَصَّى بِدَفْنِهِ بِدَارٍ) فِي مِلْكِهِ، (أَوْ) فِي (أَرْضٍ بِمِلْكِهِ؛ دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ) . لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْوَرَثَةِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، أَيْ: بِسَبَبِ تَذَكُّرِهِ كُلَّمَا رَأَوْا الْقَبْرَ. لَا بِسَبَبِ تَصَرُّفِهِمْ، إذْ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِمْ كَيْفَ شَاءُوا. (وَيُدْفَنُ) مَيِّتٌ (بِمُسَبَّلَةٍ وَلَوْ

فرع الدعاء لميت عند القبر بعد دفنه

بِقَوْلِ بَعْضِ وَرَثَتِهِ) . لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا، وَلَا مِنَّةَ فِيهِ. (وَعَكْسُهُ الْكَفَنُ) . أَيْ فَيُكَفَّنُ مِنْ تَرِكَتِهِ. وَلَوْ كَانَ ثَمَّ أَكْفَانُ وَقْفٍ. (وَيُقَدَّمُ فِيهَا) ، أَيْ: الْمُسَبَّلَةِ عِنْدَ ضِيقٍ (بِسَبْقٍ) . لِأَنَّهُ سَبْقٌ إلَى مُبَاحٍ، (ثُمَّ) مَعَ تَسَاوٍ فِي سَبْقٍ؛ يُقَدَّمُ بِ (قُرْعَةٍ) ، لِأَنَّهَا لِتَمْيِيزِ مَا أُبْهِمَ. (وَحَرُمَ حَفْرٌ فِيهَا) ، أَيْ: الْمُسَبَّلَةِ (قَبْلَ حَاجَةٍ) إلَيْهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ هُنَا مَا فِي الْمُصَلَّى الْمَفْرُوشِ. (وَلَا بَأْسَ بِشِرَائِهِ مَوْضِعَ قَبْرِهِ وَيُوصِي بِدَفْنِهِ فِيهِ) فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ. (وَيَصِحُّ بَيْعُ) وَارِثٍ (مَا دُفِنَ فِيهِ) الْمَيِّتُ (مِنْ مِلْكِهِ مَا لَمْ يُجْعَلْ) ، أَيْ: يَصِيرُ (مَقْبَرَةً) نَصًّا، لِبَقَاءِ مِلْكِهِمْ، فَإِنْ جُعِلَتْ مَقْبَرَةً: صَارَتْ وَقْفًا. [فَرْعٌ الدُّعَاءُ لِمَيِّتٍ عِنْدَ الْقَبْر بَعْدَ دَفْنِهِ] (فَرْعٌ: يُسَنُّ دُعَاءٌ لِمَيِّتٍ عِنْدَ قَبْرٍ بَعْدَ دَفْنِهِ وَاقِفًا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ عَلِيُّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقِفُ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَمَا يُسَوِّي عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ نَزَلَ بِكَ صَاحِبُنَا، وَخَلَّفَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِهِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ، وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ. وَالْأَخْبَارُ بِنَحْوِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] مَعْنَاهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْلِمِينَ. وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبِ النَّجَّارُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي

جِنَازَةٍ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَقُمْنَا نَاحِيَتَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهِ، وَانْقَضَى الدَّفْنُ؛ جَاءَ إلَى الْقَبْرِ، وَأَخَذَ بِيَدِي، وَجَلَسَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْقَبْرِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّك قُلْتَ فِي كِتَابِكَ: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الواقعة: 88] {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} [الواقعة: 89] وَقَرَأَ إلَى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ وَإِنَّا نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مَا كَذَّبَ بِكَ، وَلَقَدْ كَانَ يُؤْمِنُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَاقْبَلْ شَهَادَتَنَا لَهُ، وَدَعَا لَهُ وَانْصَرَفَ. (وَاسْتَحَبَّ الْأَكْثَرُ تَلْقِينَهُ إذَنْ فَيَقُومُ عِنْدَ رَأْسِهِ بَعْدَ تَسْوِيَةِ تُرَابٍ) عَلَيْهِ، (فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانَةَ، ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ نَسَبَهُ إلَى حَوَّاءَ، ثُمَّ يَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا، وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ، لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ؛ فَلْيَقُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ ثَانِيَةً، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ لِيَقُلْ: يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: أَرْشِدْنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُونَ، فَيَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا، فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَقُولَانِ: مَا يُقْعِدُنَا عِنْدَهُ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ؟ قَالَ: فَلْيَنْسُبْهُ إلَى حَوَّاءَ» قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الشَّافِعِيِّ " وَلِلطَّبَرَانِيِّ

أَوْ لِغَيْرِهِ فِيهِ: " وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ " وَفِيهِ: " وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا " وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ يَقِفُ الرَّجُلُ وَيَقُولُ: يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانَةَ اُذْكُرْ مَا فَارَقْتَ عَلَيْهِ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا فَعَلَ هَذَا إلَّا أَهْلُ الشَّامِ حِينَ مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ؛ جَاءَ إنْسَانٌ فَقَالَ ذَاكَ، وَكَانَ أَبُو الْمُغِيرَةِ يَرْوِي فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ مَرْيَمَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ (قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فَلَوْ انْصَرَفُوا قَبْلَهُ لَمْ يَعُودُوا) ، لِأَنَّ الْخَبَرَ يُلْقُونَهُ قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ لِيَتَذَكَّرَ حُجَّتَهُ. (وَهَلْ يُلَقَّنُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ؟) وَجْهَانِ: وَهَذَا الْخِلَافُ (مَبْنِيٌّ عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِ وَمَيْلُ جَمْعٍ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ: (لَا) يَنْزِلُ الْمَلَكَانِ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ فَلَا يُلَقَّنُ، (وَفِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَمْصَارِ. انْتَهَى. وَرَجَحَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ أَبُو حَكِيمٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ الْأَصْحَابِ النُّزُولَ، وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ " أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُنْتَهَى " (وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى طِفْلٍ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ قِه عَذَابَ الْقَبْرِ، وَفِتْنَةَ الْقَبْرِ» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْجَزْمِ بِنَفْيِ التَّعْذِيبِ، فَقَدْ يَكُونُ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرَى الْوَقْفَ فِيهِمْ. انْتَهَى. وَكَذَلِكَ أَجَابَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ فِيهِ عُقُوبَةَ الطِّفْلِ قَطْعًا، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِلَا ذَنْبٍ عَمِلَهُ، بَلْ الْمُرَادُ: الْأَلَمُ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُقُوبَةً عَلَى عَمَلٍ عَمِلَهُ، قَالَ: وَقَالَ الْآخَرُونَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ: السُّؤَالُ إنَّمَا

فصل رفع القبر فوق شبر

يَكُونُ لِمَنْ يَعْقِلُ الرَّسُولَ وَالْمُرْسِلَ، فَيُسْأَلُ: هَلْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَصَدَّقَ بِهِ أَمْ لَا؟ فَأَمَّا الطِّفْلُ الَّذِي لَا تَمْيِيزَ لَهُ بِوَجْهٍ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ وَلَوْ رُدَّ إلَيْهِ عَقْلُهُ فِي الْقَبْرِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْعِلْمِ بِهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا السُّؤَالِ. (قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: يُسْأَلُ الْأَطْفَالُ عَنْ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ حِينَ الذُّرِّيَّةِ) ، يُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْله تَعَالَى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ سُؤَالُ تَكْرِيمٍ، وَسُؤَالُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنْ ثَبَتَ فَهُوَ سُؤَالُ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ، كَمَا أَنَّ التَّكَالِيفَ فِي دَارِ الدُّنْيَا الْبَعْضُ تَكْرِيمٌ، وَالْبَعْضُ امْتِحَانٌ وَنَكَالٌ. (وَالْكِبَارُ يُسْأَلُونَ عَنْ مُعْتَقِدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَ) عَنْ (إقْرَارِهِمْ الْأَوَّلِ) حِينَ الذُّرِّيَّةِ، (وَاَللَّهُ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (أَعْلَمُ) [فَصْلٌ رَفْعُ الْقَبْر فَوْقَ شِبْرٍ] (كُرِهَ رَفْعُ قَبْرٍ فَوْقَ شِبْرٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ: «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَالْمُشْرِفُ: مَا رُفِعَ كَثِيرًا، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ " لَا مُشْرِفَةٍ، وَلَا لَاطِئَةٍ ". (وَ) كُرِهَ (زِيَادَةُ تُرَابِهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (بِلَا حَاجَةٍ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «نُهِيَ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (وَ) كُرِهَ (تَزْوِيقُهُ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (وَتَخْلِيقُهُ وَنَحْوُهُ) كَطَلْيِهِ بِمَغْرَةٍ وَزَعْفَرَانٍ. (وَتَجْصِيصُهُ وَتَقْبِيلُهُ وَتَبْحِيرُهُ وَكِتَابَةُ رِقَاعٍ) وَإِرْسَالُهَا (إلَيْهِ وَدَسُّهَا فِيهِ، وَاسْتِشْفَاءٌ بِهِ مِنْ

سَقَمٍ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ (وَاتِّكَاءٌ إلَيْهِ وَمَبِيتٌ) عِنْدَهُ، (وَحَدِيثٌ) عِنْدَهُ (بِأَمْرِ دُنْيَا وَتَبَسُّمٌ عِنْدَهُ، وَضَحِكٌ أَشَدُّ) مِنْهُ كَرَاهَةً، (وَكِتَابَةٌ) عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. (وَجُلُوسٌ) عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ؛ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) كُرِهَ (وَطْءٌ) عَلَيْهِ، لِقَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ تُوطَأَ الْقُبُورُ» (وَ) كُرِهَ (مَشْيٌ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ، يَعْنِي: الْمَشْيَ بَيْنَ الْقُبُورِ (بِنَعْلٍ) ، لِلْخَبَرِ (حَتَّى بِالتُّمُشْكِ: بِضَمِّ تَاءٍ فَمِيمٍ) مَضْمُومَةٍ، (فَسُكُونِ شِينٍ) مُعْجَمَةٍ: نَوْعٌ مِنْ النِّعَالِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ الْمَشْيُ بَيْنَهَا (بِخُفٍّ) لِمَشَقَّةِ نَزْعِهِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَعْلٍ، رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ لِلْجِنَازَةِ لَبِسَ خُفَّيْهِ. (وَسُنَّ خَلْعُهُ) ، أَيْ: النَّعْلِ إذَا دَخَلَ الْمَقْبَرَةَ، لِحَدِيثِ «بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ فَقَالَ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ، فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَاحْتِرَامًا لِأَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ (إلَّا خَوْفَ نَحْوِ نَجَاسَةٍ وَشَوْكٍ) وَحَرَارَةِ أَرْضٍ وَبُرُودَتِهَا، فَلَا يُكْرَهُ لِلْعُذْرِ. (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ الْفُسْطَاطَ وَالْخَيْمَةَ عَلَى الْقَبْرِ) ، لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَوْصَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ " أَنْ لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا " رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: " وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ

فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ؛ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ "، وَلِأَنَّ الْخِيَامَ بُيُوتُ أَهْلِ الْبَرِّ، فَكُرِهَتْ كَمَا كُرِهَتْ بُيُوتُ أَهْلِ الْمُدُنِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (فِي كِسْوَةِ الْقَبْرِ بِالثِّيَابِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا مُنْكَرٌ إذَا فُعِلَ بِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ ،) وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: تَغْشِيَةُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَيْسَ مَشْرُوعًا فِي الدِّينِ. (وَيَتَّجِهُ: وَيَحْرُمُ) أَنْ يُكْسَى الْقَبْرُ (بِحَرِيرٍ) لِأَنَّهُ سَرَفٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُكْرَهُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (سَوَاءٌ لَاصَقَ الْأَرْضَ أَوْ لَا، وَلَوْ فِي مِلْكِهِ مِنْ قُبَّةٍ وَغَيْرِهَا، لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ: " وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ " وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي) كِتَابِهِ (إغَاثَةِ اللَّهْفَانِ) فِي مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ ": (يَجِبُ هَدْمُ الْقِبَابِ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ، لِأَنَّهَا أُسِّسَتْ عَلَى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ. انْتَهَى) . (وَهُوَ) ، أَيْ: الْبِنَاءُ (بِ) مَقْبَرَةٍ (مُسَبَّلَةٍ أَشَدُّ كَرَاهَةً) ، لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَاسْتِعْمَالٌ لِلْمُسَبَّلَةِ فِيمَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ، (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ (مَنْعُ الْبِنَاءِ فِي وَقْفٍ عَامٍّ) ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالَ: رَأَيْتُ الْأَئِمَّةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا يُبْنَى. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ

أَنَّ الْأَشْهَرَ لَا يُمْنَعُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَنْقُولَ فِي هَذَا مَا سَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَمَّنْ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَقْبَرَةِ قَالَ: لَا يُدْفَنُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ: لَا تَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ كَغَيْرِهِ. (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ بَنَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ فَ (هُوَ غَاصِبٌ) ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ: فِي مِلْكِهِ إسْرَافٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ، وَكُلٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَ (قَالَ أَبُو حَفْصٍ: تَحْرُمُ الْحُجْرَةُ بَلْ تُهْدَمُ، وَهُوَ) ، أَيْ: الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ الْبِنَاءِ فِي الْمُسَبَّلَةِ (الصَّوَابُ) ، لِمَا يَأْتِي فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ لِلْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ. (وَحَرُمَ إسْرَاجُ قُبُورٍ) ، لِحَدِيثِ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ وَمُغَالَاةٌ فِي تَعْظِيمِ الْأَمْوَاتِ، يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ. (وَكَذَا) يَحْرُمُ (طَوَافٌ بِهَا) ، أَيْ: الْقُبُورِ، (خِلَافًا لَهُ) ، لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) حَيْثُ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ صَرَّحَ بِالْحُرْمَةِ. (وَحَرُمَ تَخَلٍّ) عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهَا، لِحَدِيثِ: «لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَلَا أُبَالِي أَوَسْطَ الْقَبْرِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسْطَ السُّوقِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ. (وَ) حَرُمَ (جَعْلُ مَسْجِدٍ عَلَيْهَا وَبَيْنَهَا) ، أَيْ: الْقُبُورِ، لِلْخَبَرِ، (وَتَتَعَيَّنُ إزَالَتُهُ) - أَيْ: الْمَسْجِدِ - قَالَ فِي " الْهَدْيِ ": لَوْ وَضَعَ الْمَسْجِدَ وَالْقَبْرَ مَعًا؛ لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ، وَلَا الصَّلَاةُ. (وَ) حَرُمَ (حَفْرُ) قَبْرٍ فَأَكْثَرَ (بِمُسَبَّلَةٍ قَبْلَ حَاجَةٍ) إلَيْهِ. (وَ) حَرُمَ (دَفْنُ حُلِيٍّ أَوْ ثِيَابٍ مَعَ مَيِّتٍ) ، لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ. (وَ) حَرُمَ

(حَرْقُ مَالَهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (وَتَكْسِيرُ نَحْوِ آنِيَةٍ) لَهُ كَآلَةِ صِنَاعَةٍ، وَتَعْطِيلُ مَحَلٍّ كَانَ يَسْكُنُهُ بِتَسْكِيرِهِ، أَوْ هَدْمِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ. (وَ) حَرُمَ (قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ أَطْرَافِهِ) كَيَدِهِ وَنَحْوِهَا (وَإِحْرَاقُهُ، وَلَوْ أَوْصَى بِهِ) ، أَيْ: بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، (وَلَا ضَمَانَ فِيهِ) عَلَى فَاعِلِهِ، لِامْتِثَالِهِ أَمْرَ الْمُوصِي؛ لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْوَارِثِ، (وَلِوَلِيِّهِ) ، أَيْ: وَلِيِّ الْمَيِّتِ (الدَّفْعُ عَنْهُ) ، أَيْ: دَفْعُ مُرِيدِ فِعْلِ ذَلِكَ بِأَطْرَافِ الْمَيِّتِ أَوْ مَالِهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، (وَإِنْ آلَ) الدَّفْعُ (لِإِتْلَافِ طَالِبِ) شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَأَتْلَفَهُ؛ (فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الْوَلِيِّ كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ. (وَحَرُمَ دَفْنُ غَيْرِهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (مَعَهُ أَوْ عَلَيْهِ) وَلَوْ كَانَ مَحْرَمًا لَهُ (حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ) ، أَيْ: الْأَوَّلَ (صَارَ تُرَابًا) ، فَيَجُوزُ نَبْشُهُ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِقَاعِ وَالْبِلَادِ وَالْهَوَاءِ، وَهُوَ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ أَسْرَعُ مِنْهُ فِي الْبَارِدَةِ، وَإِنْ شَكَّ فِي أَنَّهُ بَلِيَ وَصَارَ تُرَابًا رَجَعَ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ، ثُمَّ إنْ وُجِدَ فِيهِ عِظَامٌ لَمْ يَجُزْ دَفْنُ آخَرَ عَلَيْهِ نَصًّا، (إلَّا لِحَاجَةٍ) ، كَكَثْرَةِ مَوْتَى بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَجُوزُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِلْعُذْرِ، (وَسُنَّ حَجْزٌ بَيْنَهُمَا بِتُرَابٍ) يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكْفِي الْكَفَنُ. (وَ) سُنَّ (أَنْ يُقَدَّمَ لِلْقِبْلَةِ مَنْ يُقَدَّمُ لِإِمَامٍ) لَوْ جُمِعَتْ

جَنَائِزُهُمْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، لِحَدِيثِ «هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: شُكِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثْرَةُ الْجِرَاحَاتِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: احْفِرُوا وَوَسِّعُوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالَ أَحْمَدُ: وَلَوْ جَعَلَ لَهُمْ شِبْهَ النَّهْرِ، وَجَعَلَ رَأْسَ أَحَدِهِمْ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا حَاجِزًا مِنْ تُرَابٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ. (وَحَرُمَ عِمَارَةُ قَبْرٍ دَثَرَ) وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بِلَى صَاحِبِهِ، (لِمَنْعِ دَفْنِ) النَّاسِ (فِيهِ) خُصُوصًا مَعَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ، (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ) مِنْ تَحْرِيمِ عِمَارَةِ قَبْرٍ دَثَرَ إذَا كَانَ (بِمُسَبَّلَةٍ) ، لِئَلَّا يُتَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْجَدِيدِ قِيَاسًا عَلَى تَحْرِيمِ الْحَفْرِ فِيهَا قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَإِذَا صَارَ الْمَيِّتُ تُرَابًا؛ جَازَ حَرْثُ قَبْرِهِ لِزَرْعٍ وَغَيْرِهِ) كَبِنَاءٍ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. (وَالْمُرَادُ) بِقَوْلِ أَبِي الْمَعَالِي: إذَا كَانَ الْقَبْرُ (بِغَيْرِ مُسَبَّلَةٍ) أَمَّا فِيهَا؛ فَلَا. (وَحَرُمَ دَفْنٌ بِمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لَهُ، (وَيُنْبَشُ) مَنْ دُفِنَ بِهِ، وَيُخْرَجُ نَصًّا. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يُنْبَشُ (وُجُوبًا) وَيُدْفَنُ فِي مُسَبَّلَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ إنْ أَذِنَ مَالِكُهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَجِبُ نَبْشُ مَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ) وَقَدْ (أَمْكَنَ) تَغْسِيلُهُ قَبْلَ دَفْنِهِ تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ، فَيُخْرَجُ وَيُغَسِّلُهُ، مَا لَمْ يُخْشَ تَفَسُّخُهُ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) ، أَيْ: وَيَجِبُ نَبْشُ مَيِّتٍ إنْ كَانَ أَمْكَنَ تَيَمُّمُهُ وَدُفِنَ بِلَا (تَيَمُّمٍ) ، كَمَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ) دُفِنَ بِلَا

(صَلَاةٍ) عَلَيْهِ فَيُخْرَجُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُرَدُّ إلَى مَضْجَعِهِ نَصًّا مَا لَمْ يُخْشَ تَفْسَخُهُ، لِأَنَّ مُشَاهَدَتَهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَقْصُودَةٌ. (أَوْ) دُفِنَ بِلَا (كَفَنٍ) ، فَيُخْرَجُ وَيُكَفَّنُ نَصًّا اسْتِدْرَاكًا لِلْوَاجِبِ، وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وُجُوبًا، لِعَدَمِ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ عُرْيَانًا. (أَوْ) دُفِنَ (لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ) ، فَيُنْبَشُ وَيُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ (مَعَ أَمْنِ تَفَسُّخِهِ، أَوْ) أَمْنِ (تَغَيُّرِهِ فِي الْجَمِيعِ) ، أَيْ: جَمِيعِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ. (وَيَتَّجِهُ: وَإِلَّا) يُؤْمَنْ تَفَسُّخُهُ أَوْ تَغَيُّرُهُ؛ (صُلِّيَ عَلَيْهِ بِقَبْرٍ كَ) مَا يُصَلَّى (عَلَى غَرِيقٍ) ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ جَيِّدٌ. (وَكَذَا) يُنْبَشُ وُجُوبًا (إنْ كُفِّنَ بِغَصْبٍ) وَيُرَدُّ الْكَفَنُ إلَى مَالِكِهِ إنْ تَعَذَّرَ غُرْمُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِلَّا لَمْ يُنْبَشْ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِ التَّضَرُّرِ بِدُونِهَا، (أَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ (بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ وَتَبْقَى مَالِيَّتُهُ) كَالذَّهَبِ وَنَحْوِهِ، (وَطَلَبَهُ رَبُّهُ) لَمْ يُنْبَشْ، وَغَرِمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ صَوْنًا لِحُرْمَتِهِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ، كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبِقَ؛ تَجِبُ قِيمَتُهُ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِ وَرَبِّهِ، (وَ) إنْ (تَعَذَّرَ غُرْمُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ) لِعَدَمِهَا؛ فَيُنْبَشُ (وَيُشَقُّ جَوْفُهُ) وَيُدْفَعُ الْمَالُ لِرَبِّهِ تَخْلِيصًا لِلْمَيِّتِ مِنْ إثْمِهِ. (قَالَ الْمَجْدُ: يَضْمَنُهُ) ، أَيْ: الْكَفَنَ (مَنْ كَفَّنَهُ) بِهِ (عَالِمًا) أَنَّهُ مَغْصُوبٌ، لِمُبَاشَرَتِهِ الْإِتْلَافَ، (وَ) إنْ كَانَ كَفَّنَهُ بِهِ (جَهْلًا) بِكَوْنِهِ مَغْصُوبًا؛ (فَالْقَرَارُ) ، أَيْ: قَرَارُ الضَّمَانِ (عَلَى الْغَاصِبِ) جَزَمَ بِهِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ " وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى " وَ " الْحَاوِيَيْنِ " (وَ) إنْ بَلَعَهُ (بِإِذْنِهِ) ، أَيْ: إذْنِ مَالِكِهِ أَخَذَهُ (إذَا بَلِيَ) الْمَيِّتُ، لِأَنَّ مَالِكَهُ هُوَ الْمُسَلَّطُ لَهُ عَلَى مَالِهِ بِالْإِذْنِ لَهُ، (أَوْ بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ) لَمْ يُنْبَشْ قَبْلَ أَنْ يَبْلَى، لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِهْلَاكٌ لِمَالِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) ، فَيُنْبَشُ وَيُشَقُّ

جَوْفُهُ، فَيُخْرَجُ وَيُوَفَّى دَيْنُهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ. (أَوْ وَقَعَ وَلَوْ بِفِعْلِ رَبِّهِ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ عُرْفًا، وَطَلَبَهُ) رَبُّهُ؛ نُبِشَ وَأُخِذَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: خَاتَمِي، فَدَخَلَ وَأَخَذَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَقْرَبُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا نَسِيَ الْحَفَّارُ مِسْحَاتَهُ فِي الْقَبْرِ؛ جَازَ أَنْ يَنْبُشَ. (وَيَجُوزُ نَبْشُ) مَيِّتٍ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَتَحْسِينِ كَفَنٍ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) لِ (إبْدَالِ كَفَنٍ حَرِيرٍ) أَوْ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِتَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِهِ. (وَ) يَجُوزُ نَبْشُهُ (لِإِفْرَادِ مَدْفُونٍ مَعَ غَيْرِهِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: " دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَ) يُنْبَشُ (مَدْفُونٌ لِعُذْرٍ بِلَا غُسْلٍ وَحَنُوطٍ) ، فَيُغْسَلُ وَيُحَنَّطُ وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ. (وَيَتَّجِهُ: وَ) يُنْبَشُ مَيِّتٌ (مَدْفُونٌ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ) ، لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ (أَوْ لَحِقَتْهُ نَدَاوَةُ) الْأَرْضِ فَيُنْبَشُ، لِئَلَّا يُسْرِعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَهَذَا مُتَّجِهٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (أَوْ بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ وَلَهُ وَارِثٌ)

فَفِيهِ مَا فِيهِ، بِدَلِيلِ تَصْرِيحِ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ لِلْوَارِثِ أَخْذَ الْمَالِ إذَا بَلِيَ الْمَيِّتُ لَا قَبْلَهُ ، (وَ) يَجُوزُ نَبْشُهُ (لِنَقْلِهِ لِبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ وَمُجَاوَرَةِ صَالِحٍ) ، لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ " لِمَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ يَقُولُ: إنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ مَاتَا بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَا إلَى الْمَدِينَةِ، وَدُفِنَا بِهَا. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَاتَ ابْنُ عُمَرَ هَهُنَا، وَأَوْصَى أَنْ لَا يُدْفَنَ هَا هُنَا، وَأَنْ يُدْفَنَ بِسَرِفٍ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. (وَيَتَّجِهُ: لَا) يَجُوزُ نَبْشُهُ (فِي زَمَنِ تَغَيُّرِهِ، بَلْ) يُنْبَشُ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: التَّغْيِيرِ (أَوْ بَعْدَهُ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (إلَّا شَهِيدًا دُفِنَ بِمَصْرَعِهِ، فَيَحْرُمُ نَبْشُهُ لِنَقْلِهِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ» . (وَدَفْنُهُ) ، أَيْ: الشَّهِيدِ (بِهِ) ، أَيْ: بِمَصْرَعِهِ (سُنَّةٌ) ، لِلْخَبَرِ (فَيُرَدُّ) الشَّهِيدُ (إلَيْهِ) ، أَيْ: إلَى مَصْرَعِهِ (لَوْ نُقِلَ) مُوَافَقَةً لِلسُّنَّةِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَجِبُ نَقْلُهُ لِضَرُورَةٍ نَحْوِ كَوْنِهِ بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ مَكَان يُخَافُ نَبْشُهُ وَتَحْرِيقُهُ، أَوْ الْمُثْلَةُ بِهِ، (وَلِمَالِكٍ نَبْشُ مَنْ دُفِنَ تَعَدِّيًا بِمِلْكِهِ، وَلَهُ إلْزَامُ دَافِنِهِ بِنَقْلِهِ) لِتَفْرِيغِ مِلْكِهِ،

(وَالْأَوْلَى) لَهُ (تَرْكُهُ) لِئَلَّا يَهْتِكَ حُرْمَتَهُ. (وَ) الْمَيِّتُ (الْمُتَعَذَّرُ إخْرَاجُهُ مِنْ بِئْرٍ إلَّا مُتَقَطِّعًا وَنَحْوُهُ) كَمُمَثَّلٍ بِهِ (وَثَمَّ حَاجَةٌ إلَيْهَا) . أَيْ: الْبِئْرِ (أُخْرِجَ) مُتَقَطِّعًا، لِأَنَّهُ أَخَفُّ ضَرَرًا مِنْ طَمِّهَا، (وَإِلَّا) يَكُنْ ثَمَّ حَاجَةٌ إلَى الْبِئْرِ؛ (طُمَّتْ) عَلَيْهِ، فَتَصِيرُ قَبْرَهُ دَفْعًا لِلتَّمْثِيلِ بِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ بِلَا تَقَطُّعٍ بِمُعَالَجَةٍ بِأَكْسِيَةٍ وَنَحْوِهَا تُدَارُ فِيهَا تَجْتَذِبُ الْبُخَارَ أَوْ بِكَلَالِيبَ وَنَحْوِهَا بِلَا مُثْلَةٍ؛ وَجَبَ لِتَأْدِيَةِ فَرْضِ غُسْلِهِ، وَيُعْرَفُ زَوَالُ بُخَارِهَا بِبَقَاءِ السِّرَاجِ وَنَحْوِهِ بِهَا، فَإِنَّ النَّارَ لَا تَبْقَى عَادَةً إلَّا فِيمَا يَعِيشُ فِيهِ الْحَيَوَانُ. (وَيَتَّجِهُ: وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِهَا) كَغَرِيقٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَحَرُمَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمَ (نَبْشُ) مَيِّتٍ (مُسْلِمٍ مَعَ بَقَاءِ رِمَّتِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ) ، كَظُهُورِ مَوْضِعِ الْقَبْرِ مُسْتَحَقًّا لِلْغَيْرِ. (وَيَتَّجِهُ) (وَكَذَا) يَحْرُمُ نَبْشُ مَيِّتٍ (ذِمِّيٍّ) دُفِنَ (بِ) أَرْضٍ مُنْفَكَّةٍ عَنْ الِاخْتِصَاصَاتِ (غَيْرِ) أَرْضِ (الْحَرَمِ) ، فَلَا يُنْبَشُ مَعَ بَقَاءِ رِمَّتِهِ، (لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ) ، وَأَمَّا إذَا دُفِنَ بِالْحَرَمِ فَيُنْبَشُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُبَاحُ نَبْشُ قَبْرِ حَرْبِيٍّ لِمَصْلَحَةٍ كَجَعْلِهِ) ، أَيْ: قَبْرِ الْحَرْبِيِّ (مَسْجِدًا) ، لِأَنَّ مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قُبُورًا لِلْمُشْرِكِينَ فَأَمَرَ بِنَبْشِهَا وَجَعْلِهَا مَسْجِدًا، (وَلِمَالٍ فِيهِ) ، أَيْ: قَبْرِ الْحَرْبِيِّ، لِحَدِيثِ

فصل ماتت حامل بمن ترجى حياته

هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهَبٍ، إنْ رَأَيْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ ". [فَصْلٌ مَاتَتْ حَامِلٌ بِمَنْ تُرْجَى حَيَاتُهُ] (فَصْلٌ) (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ) بِمَنْ تُرْجَى حَيَاتُهُ (حَرُمَ شَقُّ بَطْنِهَا) مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، لِإِبْقَاءِ حَيَاةٍ مَوْهُومَةٍ، إذْ الْغَالِبُ وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَزَادَ: " فِي الْإِثْمِ ". (وَأَخْرَجَ نِسَاءٌ لَا رِجَالٌ مَنْ تُرْجَى حَيَاتُهُ) ، بِأَنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً قَوِيَّةً، وَانْتَفَخَتْ الْمَخَارِجُ، وَلَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِنَّ إخْرَاجُهُ (لَمْ تُدْفَنْ حَتَّى يَمُوتَ) الْحَمْلُ لِحُرْمَةٍ، وَلَا يُشَقُّ بَطْنُهَا، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. (وَيَتَّجِهُ: إلَّا مَعَ حَرَكَةٍ يُظَنُّ بِهَا حَيَاتُهُ بَعْدَ شَقِّهِ) ، أَيْ: بَطْنِهَا فَيُشَقُّ، وَيُخْرَجُ الْوَلَدُ، اخْتَارَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَجَعَلَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا، وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: وَهُوَ أَوْلَى، فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُتْرَكُ، وَلَا تُدْفَنُ حَتَّى يَمُوتَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": هَذَا الْأَشْهَرُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقِ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرُهُمْ. (وَلَا يُوضَعُ عَلَيْهِ مَا يُمَوِّتُهُ) ، لِعُمُومِ النَّوَاهِي عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ، وَلَا يُخْرِجُهُ الرِّجَالُ،

لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهَا. (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) ، أَيْ: الْحَمْلِ (حَيًّا؛ شُقَّ) بَطْنُهَا (لِ) خُرُوجِ (بَاقٍ) ، لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَوْهُومَةً، (فَلَوْ مَاتَ) الْحَمْلُ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: شَقِّ بَطْنِهَا (أُخْرِجَ) لِيُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ، وَلَا يُشَقُّ بَطْنُهَا، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) إخْرَاجُهُ؛ (غُسِّلَ مَا خَرَجَ) مِنْهُ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ السَّقْطِ، (وَلَا يُيَمَّمُ لِبَاقٍ) ، لِأَنَّهُ حَمْلٌ، (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) - أَيْ: الْحَمْلِ - خَرَجَ بَعْضُهُ أَوْ لَا (مَعَهَا) - أَيْ: أُمِّهِ الْمُسْلِمَةِ - بِأَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا (إنْ تَمَّ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) فَأَكْثَرُ، وَإِلَّا فَيُصَلَّى عَلَيْهَا دُونَهُ، (فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْلُودٍ، وَلَا سَقْطٍ. (وَيَتَّجِهُ) : لَا يُصَلَّى عَلَى حَمْلٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، (وَلَوْ تَخَلَّقَ الْحَمْلُ) بِأَنْ مَضَى لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، (أَوْ) كَانَ (بِبَطْنِ مُسْلِمَةٍ) لِلشَّكِّ فِي وُجُودِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ: وَيُصَلَّى عَلَى مُسْلِمَةٍ حَامِلٍ وَحَمْلِهَا بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِ تَصْوِيرِهِ وَإِلَّا عَلَيْهَا دُونَهُ. انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ " هُوَ الْمَذْهَبُ الْأَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ. (وَإِنْ مَاتَتْ كَافِرَةٌ) ذِمِّيَّةٌ أَوْ حَرْبِيَّةٌ (حَامِلٌ بِمُسْلِمٍ؛ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) بِبَطْنِهَا، كَمَبْلُوعٍ بِبَطْنِ بَالِعِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، لِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِهَا، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ حَامِلٌ مِنْ مُسْلِمٍ، وَإِنْ كَانَ مَوْتُهَا وَمَوْتُ وَلَدِهَا فِي بَطْنِهَا مَعًا فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مُسْلِمٍ لَمْ يُحْكَمْ

فصل في أحكام المصاب

بِإِسْلَامِهِ، (مَا لَمْ يَخْرُجْ بَعْضُهُ كَمَا مَرَّ) آنِفًا، (وَدَفْنُهَا) ، أَيْ الْكَافِرَةِ الْحَامِلِ بِمُسْلِمٍ (مُسَلَّمٌ) مِنْ أَجْلِ حَمْلِهَا (مُفْرَدَةً) عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ نَصًّا، وَحَكَاهُ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ (إنْ أَمْكَنَ) إفْرَادُهَا، (وَإِلَّا) يُمْكِنْ إفْرَادُهَا (فَ) إنَّهَا تُدْفَنُ (مَعَنَا) ، لِئَلَّا يُدْفَنَ الْجَنِينُ الْمُسْلِمُ مَعَ الْكُفَّارِ، وَتُدْفَنُ (عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ مُسْتَدْبِرَةً الْقِبْلَةَ) ، لِيَكُونَ الْجَنِينُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، لِأَنَّ ظَهْرَهُ لِوَجْهِ أُمِّهِ. (وَلَا يَجُوزُ دَفْنُ) مَيِّتٍ (مُسْلِمٍ بِمَقْبَرَةِ كُفَّارٍ) ، لِتَأَذِّيهِ بِمُجَاوَرَتِهِمْ، (وَلَا) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) ، أَيْ: دَفْنُ كَافِرٍ بِمَقْبَرَةِ مُسْلِمِينَ، لِئَلَّا يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ فَيُصِيبُهُمْ بِسَبَبِهِ (وَيَجُوزُ جَعْلُ مَقْبَرَةِ كُفَّارٍ مُنْدَرِسَةٍ مَقْبَرَةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ بَقِيَ عَظْمٌ) مِنْ عِظَامِ الْكُفَّارِ (دُفِنَ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، وَغَيْرُهَا) ، أَيْ: غَيْرُ مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ (أَوْلَى) مِنْهَا، لِأَنَّهَا بُقْعَةٌ مَغْضُوبٌ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ مَنْ كَانَ فِيهَا [فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْمُصَابِ] (فَصْلٌ) فِي أَحْكَامِ الْمُصَابِ (يُسَنُّ لِمُصَابٍ) بِمَوْتِ نَحْوِ قَرِيبٍ (قَوْلُ: إنَّا لِلَّهِ) ، أَيْ: نَحْنُ عَبِيدُهُ يَفْعَلُ بِنَا مَا يَشَاءُ، (وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ) ، أَيْ: نَحْنُ مُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ لِلْآيَةِ، (اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا) أْجُرْنِي مَقْصُورٌ، وَقِيلَ: مَمْدُودٌ، وَأَخْلِفْ: بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ قَالَ الْآجُرِّيُّ وَجَمَاعَةٌ: وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ، فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة: 45] (وَ) أَنْ (يَصْبِرَ) عَلَى الْمُصِيبَةِ (نَدْبًا) وَالصَّبْرُ:

الْحَبْسُ قَوْله تَعَالَى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» وَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَوْتِ الْوَلَدِ أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسُّهُ النَّارُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» يُشِيرُ إلَى قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا} [مريم: 71] وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ جَزَاءٌ إذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلَّا الْجَنَّةُ» قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَاعْلَمْ أَنَّ الثَّوَابَ فِي الْمَصَائِبِ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْمُصِيبَةِ نَفْسِهَا، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى كَسْبِهِ، وَالصَّبْرُ مِنْ كَسْبِهِ، وَالرِّضَى بِالْقَضَاءِ فَوْقَ الصَّبْرِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ رِضَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. (وَيَجِبُ مِنْهُ) ، أَيْ: الصَّبْرِ (مَا يَمْنَعُ عَنْ مُحَرَّمٍ) ، إذْ النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، (وَلَا يَلْزَمُ الرِّضَى بِمَرَضٍ وَفَقْرٍ وَعَاهَةٍ) تُصِيبُهُ، وَهِيَ عَرَضٌ مُفْسِدٌ لِمَا أَصَابَهُ، لِأَنَّهَا مِنْ الْمَقْضِيِّ، وَاخْتُلِفَ فِي الرِّضَى عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: رَفْعُ الِاخْتِيَارِ، وَقَالَ الْمُحَاسِبِيُّ: سُكُونُ النَّفْسِ تَحْتَ مَجَارِي الْقَدَرِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: السُّرُورُ بِمُرُورِ الْقَضَاءِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فَالْأَوَّلَانِ: تَعْرِيفٌ لِمُبْتَدَئِهِ، وَالثَّالِثُ: تَعْرِيفٌ لِمُنْتَهَاهُ، (بَلْ يُسْتَحَبُّ) الرِّضَى بِذَلِكَ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ، لِيَنَالَ أَجْرَهُ عَلَى الْكَمَالِ. (وَيَحْرُمُ) الرِّضَى (بِفِعْلِهِ الْمَعْصِيَةَ) ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعًا، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ إذَا نَظَرَ إلَى إحْدَاثِ الرَّبِّ لِذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا رَضِيَ لِلَّهِ بِمَا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ،

فَيَرْضَاهُ وَيُحِبُّهُ مَفْعُولًا مَخْلُوقًا لِلَّهِ وَيُبْغِضُهُ وَيَكْرَهُهُ فِعْلًا لِلْمُذْنِبِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَهَذَا كَمَا نَقُولُ فِيمَنْ خَلَقَهُ مِنْ الْأَجْسَامِ الْخَبِيثَةِ، قَالَ: فَمَنْ فَهِمَ هَذَا الْمَوْضِعَ انْكَشَفَ لَهُ حَقِيقَةُ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي حَارَتْ فِيهِ الْعُقُولُ. (وَكُرِهَ لِمُصَابٍ تَغْيِيرُ حَالِهِ) ، أَيْ: حَصِيلَتِهِ (مِنْ خَلْعِ رِدَاءٍ وَنَحْوِهِ) كَعِمَامَةٍ، (وَغَلْقِ حَانُوتِهِ وَتَعْطِيلِ مَعَاشِهِ) ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ الْجَزَعِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي قَوْله تَعَالَى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22] اعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَا قُضِيَ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ قَلَّ حُزْنُهُ وَفَرَحُهُ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَمَشَّ مَعَ الْقَدَرِ لَمْ يَهْنَأْ بِعَيْشٍ. وَ (لَا) يُكْرَهُ (جَعْلُ عَلَامَةٍ عَلَيْهِ لِيُعْرَفَ فَيُعَزَّى) ، أَيْ: لِتَتَيَسَّرَ التَّعْزِيَةُ الْمَسْنُونَةُ لِمَنْ أَرَادَهَا. (وَلَا) يُكْرَهُ (هَجْرُهُ) ، أَيْ: الْمُصَابِ (لِزِينَةٍ وَحُسْنِ ثِيَابٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ، لِمَا يَأْتِي فِي الْإِحْدَادِ وَسُئِلَ أَحْمَدُ يَوْمَ مَاتَ بِشْرٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ جَوَابٍ، هَذَا يَوْمُ حُزْنٍ. (وَلَا) يُكْرَهُ (بُكَاءٌ عَلَى مَيِّتٍ قَبْلَ مَوْتٍ وَبَعْدَهُ) لِلْأَخْبَارِ، وَأَخْبَارُ النَّهْيِ مَحْمُولَةٌ عَلَى بُكَاءٍ مَعَهُ نَدْبٌ وَنِيَاحَةٌ، قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنَّهُ كُرِهَ كَثْرَةُ الْبُكَاءِ وَالدَّوَامُ عَلَيْهِ أَيَّامًا كَثِيرَةً، (بَلْ اسْتِحْبَابُ الْبُكَاءِ رَحْمَةً لِلْمَيِّتِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ) ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَاضَتْ عَيْنَاهُ، لَمَّا رُفِعَ لَهُ ابْنُ بِنْتِهِ، وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ - أَيْ: لَهَا صَوْتٌ وَحَشْرَجَةٌ كَصَوْتِ مَا أُلْقِيَ فِي قِرْبَةٍ بَالِيَةٍ - قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ

عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» قَالَ جَمَاعَةُ: وَالصَّبْرُ عَنْهُ أَجْمَلُ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " التُّحْفَةِ الْعِرَاقِيَّةِ ": الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ عَلَى وَجْهِ الرَّحْمَةِ حَسَنٌ مُسْتَحَبٌّ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الرِّضَى بِخِلَافِ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ لِفَوْتِ حَظِّهِ مِنْهُ، وَقَالَ فِي " الْفُرْقَانِ ": الصَّبْرُ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الرِّضَى قَوْلَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى الْمُصِيبَةِ، لِمَا يَرَى مِنْ إنْعَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهَا. (وَحَرُمَ نَدْبٌ، وَهُوَ بُكَاءٌ مَعَ تَعْدِيدِ مَحَاسِنِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - بِلَفْظِ النِّدَاءِ بِوَاوٍ مَعَ زِيَادَةِ أَلِفٍ وَهَاءٍ فِي آخِرِهِ، كَقَوْلِ: وَا سَيِّدَاه وَا جَبَلَاه، وَا انْقِطَاعَ ظَهْرَاه. (وَ) حَرُمَ (نَوْحٌ، وَهُوَ: رَفْعُ صَوْتٍ بِذَلِكَ بِرَنَّةٍ) ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ» (وَ) حَرُمَ (شَقُّ ثَوْبٍ) لِمَا يَأْتِي، (وَكُرِهَ اسْتِدَامَةُ لُبْسِ) ثَوْبٍ (مَشْقُوقٍ، وَحَرُمَ لَطْمُ خَدٍّ وَخَمْشُهُ) وَتَسْوِيدُهُ (وَصُرَاخٌ وَنَتْفُ شَعْرٍ وَنَشْرُهُ وَحَلْقُهُ) ، لِحَدِيثِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِيهِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ» فَالصَّالِقَةُ: الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَيُقَالُ: السَّالِقَةُ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْحَالِقَةُ: الَّتِي تَحْلِقُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَالشَّاقَّةُ: الَّتِي تَشُقُّ ثِيَابَهَا. وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ الْجَزَعِ، وَعَدَمِ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَالسَّخَطِ مِنْ فِعْلِهِ، وَفِي شَقِّ الْجُيُوبِ إفْسَادٌ لِلْمَالِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ. (وَفِي " الْفُصُولِ " يَحْرُمُ نَحِيبٌ وَتَعْدَادُ) مَحَاسِنِ مَيِّتٍ وَمَزَايَاهُ، (وَإِظْهَارُ جَزَعٍ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ مِنْ الظَّالِمِ، وَهُوَ عَدْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ، لِأَنَّهُمْ مِلْكُهُ.

(وَيَتَّجِهُ: وَمِثْلُهُ) ، أَيْ: مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحُرْمَةِ بَلْ أَفْظَعُ مِنْهُ (إلْقَاءُ تُرَابٍ عَلَى رَأْسٍ، وَ) أَقْبَحُ مِنْهُ (دُعَاءٌ بِوَيْلٍ وَثُبُورٍ) ، لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي الْخَبَرِ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: " إنَّ أَهْلَ الْمَيِّتِ إذَا دَعَوْا بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ؛ وَقَفَ مَلَكُ الْمَوْتِ بِعَتَبَةِ الْبَابِ، وَقَالَ: إنْ كَانَ صَيْحَتُكُمْ عَلَيَّ فَإِنِّي مَأْمُورٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَيِّتِكُمْ فَإِنَّهُ مَقْبُورٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى رَبِّكُمْ فَالْوَيْلُ لَكُمْ وَالثُّبُورُ، وَإِنَّ لِي فِيكُمْ لَعَوْدَاتٌ ثُمَّ عَوْدَاتٌ " وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُبَاحُ يَسِيرُ نُدْبَةِ) الصِّدْقِ (إذَا لَمْ تَخْرُجْ مَخْرَجَ نَوْحٍ نَحْوِ) قَوْلِهِ: (يَا أَبَتَاهُ يَا وَلَدَاهُ) ، لِفِعْلِ فَاطِمَةَ لَمَّا أَخَذَتْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَضَعَتْهَا عَلَى عَيْنِهَا، ثُمَّ قَالَتْ: مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدَ ... أَنْ لَا يَشُمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبُ لَوْ أَنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا (وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ بِتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِنَوْحٍ وَبُكَاءٍ عَلَيْهِ) ، فَحَمَلَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى مَنْ أَوْصَى بِهِ، لِأَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ الْوَصِيَّةُ بِفِعْلِهِ، فَخُرِّجَ عَلَى عَادَتِهِمْ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ: إذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا بِنْتَ مَعْبَدِ وَقَوْلِ الْآخَرِ: مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّهَاتِي بَاكِيًا أَبَدَا ... فَالْيَوْمُ إنِّي أَرَانِي الْيَوْمَ مَقْبُوضَا تُسْمِعْنَنِيهِ فَإِنِّي غَيْرُ سَامِعِهِ ... إذَا جُعِلْتُ عَلَى الْأَعْنَاقِ مَعْرُوضَا (وَالْمُرَادُ: بُكَاءٌ مُحَرَّمٌ كَنَدْبٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ لَطْمِ خَدٍّ وَشَقِّ جَيْبٍ، (وَيَنْبَغِي إيصَاءٌ بِتَرْكِهِ) لِفِعْلِ السَّلَفِ، (وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: إذَا كَانَ)

النَّوْحُ (عَادَةَ أَهْلِهِ) ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَهُمْ بِتَرْكِهِ، فَإِنْ سَكَتَ (وَلَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ) مَعَ عِلْمٍ أَنَّهُ عَادَةُ أَهْلِهِ؛ فَإِنَّهُ (يُعَذَّبُ) ، لِأَنَّهُ مَتَى ظَنَّ وُقُوعَهُ وَلَمْ يُوصِ فَقَدْ رَضِيَ، وَلَمْ يَنْهَ مَعَ قُدْرَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ ": يَتَأَلَّمُ مِنْ ذَلِكَ وَيَتَوَجَّعُ مِنْهُ، لَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِذَنْبِ الْحَيِّ، {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» فَالْعَذَابُ أَعَمُّ مِنْ الْعُقُوبَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. (وَمَا هَيَّجَ الْمُصِيبَةَ مِنْ وَعْظٍ وَإِنْشَادِ شِعْرٍ؛ فَمِنْ النِّيَاحَةِ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَعْنَاهُ فِي " الْفُنُونِ " لِابْنِ عَقِيلٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ ابْنُهُ عَقِيلٌ قَرَأَ قَارِئٌ: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 78] فَبَكَى ابْنُ عَقِيلٍ، وَبَكَى النَّاسُ، فَقَالَ لِلْقَارِئِ: يَا هَذَا إنْ كَانَ يُهَيِّجُ الْحُزْنَ فَهُوَ نِيَاحَةٌ بِالْقُرْآنِ، وَلَمْ يُنَزَّلْ لِلنَّوْحِ بَلْ لِتَسْكِينِ الْأَحْزَانِ. (وَسُنَّ قَبْلَ دَفْنٍ وَبَعْدَهُ: تَعْزِيَةُ مُسْلِمٍ أُصِيبَ) بِمَوْتِ قَرِيبِهِ (وَلَوْ) كَانَ (صَغِيرًا أَوْ صَدِيقًا) ، لِحَدِيثِ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَيَتَّجِهُ: مَا لَمْ يَكُنْ) الْمُصَابُ (يَجِبُ هَجْرُهُ) كَمُتَبَدِّعٍ، (أَوْ يُسَنُّ) هَجْرُهُ كَفَاسِقٍ مُتَجَاهِرٍ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُعَزَّى؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ عَزَّى أَخَاهُ؛ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ

مَرْفُوعًا «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ. (وَتُكْرَهُ) تَعْزِيَةُ رَجُلٍ (لِشَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ) خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ، (وَتَمْتَدُّ) التَّعْزِيَةُ (إلَى ثَلَاثِ) لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا (وَتُكْرَهُ) التَّعْزِيَةُ (بَعْدَهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثِ لِأَنَّهَا مُدَّةُ الْإِحْدَادِ الْمُطْلَقِ (وَاسْتَثْنَى أَبُو الْمَعَالِي) وَالْمَجْدُ (إلَّا لِغَائِبٍ) ، فَلَا بَأْسَ بِتَعْزِيَتِهِ إذَا حَضَرَ، مَا لَمْ يَنْسَ الْمُصِيبَةَ. (وَيَتَّجِهُ: وَمَعْذُورٍ) بِتَوَارٍ مِنْ خَصْمٍ ظَالِمٍ أَوْ حَبْسٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَيُقَالُ) فِي تَعْزِيَةٍ (لِمُصَابٍ بِمُسْلِمٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك وَ) لِمُسْلِمٍ مُصَابٍ (بِكَافِرٍ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ) لِأَنَّ الْغَرَضَ الدُّعَاءُ لِلْمُصَابِ وَمَيِّتِهِ، إلَّا إذَا كَانَ كَافِرًا فَيُمْسِكُ عَنْ الدُّعَاءِ لَهُ، وَالِاسْتِغْفَارِ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. (وَحَرُمَ تَعْزِيَةُ كَافِرٍ وَلَوْ بِمُسْلِمٍ) ، لِأَنَّ فِيهَا تَعْظِيمًا لِلْكَافِرِ كَبُدَاءَتِهِ بِالسَّلَامِ، (وَلَا تَعْيِينَ فِيمَا يَقُولُهُ مُعَزٍّ) ، لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «عَزَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا عَلَى وَلَدِهِ؛ فَقَالَ: آجَرَكَ اللَّهُ، وَأَعْظَمَ لَكَ الْأَجْرَ» (وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ بِيَدِ مَنْ يُعَزِّيهِ) ، قَالَ أَحْمَدُ: إنْ شِئْتَ أَخَذْتَ بِيَدِ الرَّجُلِ فِي التَّعْزِيَةِ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا. (وَكُرِهَ تَكْرَارُهَا) ، أَيْ: التَّعْزِيَةِ نَصًّا، (فَلَا يُعَزِّي عِنْدَ قَبْرٍ مَنْ عَزَّى قَبْلَ) ذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ، إلَّا لِمَنْ لَمْ يُعَزِّ فَيُعَزِّي إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ أَوْ بَعْدَهُ. (وَ) كُرِهَ (جُلُوسُ مُصَابٍ لَهَا) ، أَيْ: التَّعْزِيَةِ، بِأَنْ يَجْلِسَ الْمُصَابُ بِمَكَانٍ لِيُعَزَّى، (وَمُعَزِّيهِ

كَذَلِكَ) ، أَيْ: يُكْرَهُ أَنْ يَجْلِسَ الْمُعَزِّي عِنْدَ الْمُصَابِ بَعْدَ التَّعْزِيَةِ، لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِلْحُزْنِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ جُلُوسُ الْمُعَزِّي (بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ) خَارِجًا عَنْهَا (لِيَتَّبِعَ الْجِنَازَةَ) إذَا خَرَجَتْ، (أَوْ لِيَخْرُجَ وَلِيُّهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (فَيُعَزِّيهِ) ، لِأَنَّهُ لِطَاعَةٍ بِلَا مَفْسَدَةٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْجُلُوسُ خَارِجَ مَسْجِدٍ عَلَى نَحْوِ حَصِيرٍ مِنْهُ؛ كُرِهَ نَصًّا، بَلْ مُقْتَضَى مَا فِي الْوَقْفِ: يَحْرُمُ، لِأَنَّهَا إنَّمَا وُقِفَتْ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُنْتَفَعَ بِهَا فِيهِ. (فَرْعٌ: مَعْنَى التَّعْزِيَةِ: التَّسْلِيَةُ وَالْحَثُّ) ، أَيْ: حَثُّ الْمُصَابِ (عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) إنْ كَانَ مُسْلِمًا، (وَالْمُصَابِ) ، أَيْ: وَالدُّعَاءِ لِلْمُصَابِ. (وَمَنْ جَاءَتْهُ تَعْزِيَةٌ بِكِتَابٍ؛ رَدَّهَا عَلَى الرَّسُولِ لَفْظًا، قَالَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ.) (وَسُنَّ أَنْ يُصْنَعَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ ثَلَاثًا) مِنْ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا، حَاضِرًا كَانَ الْمَيِّتُ عِنْدَهُمْ أَوْ غَائِبًا وَأَتَاهُمْ نَعْيُهُ، لِحَدِيثِ: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، قَالَ الزُّبَيْرُ: فَعَمَدَتْ سَلْمَى مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى شَعِيرٍ وَطَحَنَتْهُ، وَأَدَمَتْهُ بِزَيْتٍ جُعِلَ عَلَيْهِ، وَبُعِثَ بِهِ إلَيْهِمْ. وَ (لَا) يُصْنَعُ الطَّعَامُ (لِمَنْ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الْمَيِّتِ، (فَيُكْرَهُ) ، لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَكْرُوهٍ، وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ عِنْدَهُمْ، قَالَ أَحْمَدُ: إنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا، وَلِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، عَنْ جَرِيرٍ: " كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ النِّيَاحَةِ " (كِ) مَا يُكْرَهُ (فِعْلُهُمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الْمَيِّتِ (ذَلِكَ) الطَّعَامَ (لِلنَّاسِ) الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهُمْ لِلتَّعْزِيَةِ. (وَيَتَّجِهُ: مَا لَمْ يَكُونُوا) ، أَيْ: الْمُجْتَمِعُونَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ (ضُيُوفًا

فِيهِمَا) ، أَيْ: فِي صُنْعِ أَهْلِ الْمَيِّتِ الطَّعَامَ، أَوْ صُنْعِ غَيْرِهِمْ لِمَنْ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ. (وَيَدُلُّ لَهُ) ، أَيْ: عَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ (كَلَامُ الْمُوَفَّقِ وَغَيْرِهِ) كَابْنِ أَخِيهِ الشَّارِحِ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ؛ جَازَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا جَاءَهُمْ مَنْ يَحْضُرُ مَيِّتَهُمْ مِنْ الْقُرَى الْبَعِيدَةِ، وَيَبِيتُ عِنْدَهُمْ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ إلَّا أَنْ يُطْعِمُوهُ. (وَالْقَوَاعِدُ) ، أَيْ: قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ (تَقْتَضِيهِ) ، أَيْ: تَقْتَضِي إطْعَامَ الضَّيْفِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَلَوْلَا التَّعْزِيَةُ لَكَانَ قِرَاهُ وَاجِبًا عِنْدَنَا بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكُرِهَ) لِلنَّاسِ غَيْرِ الضُّيُوفِ (أَكْلٌ مِنْ طَعَامِهِمْ) ، قَالَهُ النَّاظِمُ، (وَإِنْ كَانَ) طَعَامُهُمْ (مِنْ التَّرِكَةِ وَفِي مُسْتَحِقِّيهَا) ، أَيْ: التَّرِكَةِ (مَحْجُورٌ عَلَيْهِ) أَوْ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ؛ (حَرُمَ فِعْلُهُ) ، أَيْ: الطَّعَامِ، (وَ) حَرُمَ (أَكْلٌ مِنْهُ) ، لِأَنَّهُ مَالُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، أَوْ مَالُ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَصُنْعُ طَعَامٍ لِلنَّائِحَاتِ حَرَامٌ) قَطْعًا، (لِأَنَّهُ عَوْنٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ) ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ. (وَكُرِهَ ذَبْحٌ وَأُضْحِيَّةٌ عِنْدَ قَبْرٍ وَأَكْلٌ مِنْهُ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ أَحْمَدُ: كَانُوا إذَا مَاتَ

فصل زيارة القبور

لَهُمْ مَيِّتٌ نَحَرُوا جَزُورًا، فَنَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: يَحْرُمُ الذَّبْحُ وَالتَّضْحِيَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَ (لَوْ نَذَرَهُ) نَاذِرٌ (لَمْ يَفِ بِهِ) ، لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (وَلَوْ شَرَطَهُ) ، أَيْ: الذَّبْحَ (وَاقِفٌ) حِينَ وَقَفَ عَقَارَهُ، فَقَالَ: يُؤْخَذُ مِنْ غَلَّتِهِ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ نَحْوُ شَاةٍ فَتُذْبَحُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَتُفَرَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ (فَشَرْطُهُ فَاسِدٌ) ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ. (وَمِنْ الْمُنْكَرِ) أَيْضًا (وَضْعُ طَعَامٍ) عَلَى الْقَبْرِ (أَوْ) وَضْعُ (شَرَابٍ عَلَى الْقَبْرِ لِيَأْخُذَهُ النَّاسُ، وَإِخْرَاجُ الصَّدَقَةِ مَعَ الْجِنَازَةِ) كَالْخُبْزِ يُخْرَجُ مَعَهَا وَيُفَرَّقُ عَلَى مُتَّبِعِيهَا وَغَيْرِهِمْ، وَالشَّرَابِ يَسْقُونَهُ لَهُمْ وَقْتَ دَفْنِهَا (بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ) لَمْ يَفْعَلْهَا السَّلَفُ، هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ أَوْ غَائِبٌ، وَإِلَّا؛ فَحَرَامٌ. (وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ) ، أَيْ: وَضْعِ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ عَلَى الْقَبْرِ (الصَّدَقَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ) فَإِنَّهَا مُحْدَثَةٌ الْأَوْلَى تَرْكُهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَشُوبُهَا رِيَاءٌ، (وَتَوَقَّفَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِي الصَّدَقَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ: لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الصَّدَقَةِ لِلْمَيِّتِ. [فَصْلٌ زِيَارَةُ الْقُبُورِ] (فَصْلٌ) (سُنَّ لِرَجُلٍ زِيَارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ) نَصًّا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (بِلَا سَفَرٍ) ، لِحَدِيثِ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ: فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُرَجِّحُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَإِنْ كَانَ وَارِدًا بَعْدَ الْحَظْرِ، (وَبِهِ) ، أَيْ: السَّفَرِ (يُبَاحُ وَقِيلَ يُكْرَهُ) لِظَاهِرِ حَدِيثِ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ

مَسَاجِدَ» الْحَدِيثَ. (وَكَرِهَ فِي الرِّعَايَةِ) الْكُبْرَى " (الْإِكْثَارَ مِنْهُ) ، وَعِبَارَتُهُ: وَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ زِيَارَةِ الْمَوْتَى، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِيهِ سَلَفٌ. (وَتُبَاحُ) زِيَارَةُ الْمُسْلِمِ (لِقَبْرِ كَافِرٍ) ، قَالَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِهِ لِلِاعْتِبَارِ، وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَلَا يَدْعُو لَهُ، بَلْ يَقُولُ: أَبْشِرْ بِالنَّارِ وقَوْله تَعَالَى: {وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] الْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ: الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ: وَفِي اسْتِعْمَالِ الْبِشَارَةِ تَهَكُّمٌ بِهِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49] (وَلَا يُمْنَعُ كَافِرٌ مِنْ زِيَارَةِ قَبْرِ مُسْلِمٍ) ، لِعَدَمِ الْمَحْظُورِ. (وَتُكْرَهُ) زِيَارَةُ الْقُبُورِ (لِنِسَاءٍ) ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَإِنْ عَلِمَ وُقُوعَ مُحَرَّمٍ مِنْهُنَّ كَنَوْحٍ؛ حُرِّمَتْ) زِيَارَتُهُنَّ الْقُبُورَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (إلَّا لِقَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، (فَتُسَنُّ) زِيَارَتُهُمَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ فِي طَلَبِ زِيَارَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) تُسَنُّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ زِيَارَةُ (قَبْرِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ) حَيْثُ ثَبَتَ؛ لَكِنْ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْكَتَّانِيُّ: لَيْسَ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ مَا ثَبَتَ إلَّا قَبْرُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ غَيْرُهُ: وَقَبْرُ إبْرَاهِيمَ

أَيْضًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ: مَا نَعْلَمُ قَبْرَ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إلَّا ثَلَاثَةً: قَبْرَ إسْمَاعِيلَ، فَإِنَّهُ تَحْتَ الْمِيزَابِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَيْتِ، وَقَبْرَ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فِي كَثِيبٍ مِنْ الرَّمْلِ تَحْتَ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْيَمَنِ، عَلَيْهِ شَجَرَةٌ يَبْدُو مَوْضِعُهُ أَشَدَّ الْأَرْضِ حَرًّا، وَقَبْرَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى. وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ اجْتَازَتْ امْرَأَةٌ) بِقَبْرٍ (بِطَرِيقِهَا) وَلَمْ تَكُنْ خَرَجَتْ لَهُ، (فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ، وَدَعَتْ لَهُ؛ فَحَسَنٌ) لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ لِذَلِكَ. (وَسُنَّ وُقُوفُ زَائِرَةٍ أَمَامَهُ) ، أَيْ: الْقَبْرِ (قَرِيبًا مِنْهُ) عُرْفًا كَعَادَةِ الْحَيِّ (وَ) سُنَّ (قَوْلُ) مَنْ زَارَ قُبُورَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَرَّ بِهَا: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، أَوْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفُتْنَا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) ، لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ، مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا، وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ» وَقَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لِلتَّبَرُّكِ، أَوْ فِي الْمَوْتِ عَلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي الدَّفْنِ عِنْدَهُمْ، وَنَحْوِهِ مِمَّا أُجِيبَ بِهِ إذْ الْمَوْتُ مُحَقَّقٌ، فَلَا يُعَلَّقُ بِإِنْ، وَمِمَّا وَرَدَ: " اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ، وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَهِيَ بِك مُؤْمِنَةٌ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْزِلْ بِهِمْ رُوحًا مِنْكَ وَسَلَامًا مِنِّي ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "

(وَلَا بَأْسَ بِلَمْسِ قَبْرٍ بِيَدٍ لَا سِيَّمَا مَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ) ، وَ (لَا) يُشْرَعُ (تَمَسُّحٌ بِهِ، وَصَلَاةٌ عِنْدَهُ أَوْ قَصْدُهُ لِأَجْلِ دُعَاءٍ مُعْتَقِدًا أَنَّ الدُّعَاءَ هُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ فِي غَيْرِهِ، أَوْ النَّذْرُ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، بَلْ قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (لَيْسَ هَذَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ) هُوَ (مِمَّا أُحْدِثَ مِنْ الْبِدَعِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ شُعَبِ الشِّرْكِ) ، وَقَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَسَّحُ بِالْقَبْرِ، وَلَا يُقَبِّلُهُ بَلْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ وَلَا يُقَبَّلُ إلَّا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ يُسْتَلَمُ، وَلَا يُقَبَّلُ عَلَى الصَّحِيحِ. (وَيَسْمَعُ الْمَيِّتُ الْكَلَامَ مُطْلَقًا) سَلَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَكُنْ يَأْمُرُ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْ، (وَيَعْرِفُ) الْمَيِّتُ (زَائِرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) ، قَالَهُ أَحْمَدُ. (وَفِي " الْغُنْيَةِ ": يَعْرِفُهُ كُلَّ وَقْتٍ، وَهَذَا الْوَقْتُ آكِدٌ. انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ) ، قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ البربهاري، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّائِرَ مَتَى جَاءَ عَلِمَ بِهِ الْمَزُورُ، وَسَمِعَ سَلَامَهُ، وَأَنِسَ بِهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي حَقِّ الشُّهَدَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ أَثَرِ الضَّحَّاكِ؛ الدَّالِّ عَلَى التَّوْقِيتِ. انْتَهَى. يُشِيرُ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ الضَّحَّاكِ قَالَ: مَنْ زَارَ قَبْرًا يَوْمَ السَّبْتِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ عَلِمَ الْمَيِّتُ بِزِيَارَتِهِ، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِمَكَانِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. وَنَحْوُهُ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ؛ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ مَنْ زَارَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ، وَيَوْمًا بَعْدَهُ. (وَيَتَأَذَّى بِالْمُنْكَرِ عِنْدَهُ، وَيَنْتَفِعُ بِالْخَيْرِ) عِنْدَهُ لِمَجِيءِ الْآثَارِ بِذَلِكَ

(قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (اسْتَفَاضَتْ الْآثَارُ بِمَعْرِفَتِهِ) - أَيْ: الْمَيِّتِ - (بِأَحْوَالِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَجَاءَتْ الْآثَارُ بِأَنَّهُ يَرَى وَيَدْرِي بِمَا فُعِلَ عِنْدَهُ، وَيُسَرُّ بِمَا كَانَ) مَا يُفْعَلُ عِنْدَهُ (حَسَنًا، وَيَتَأَلَّمُ بِمَا كَانَ قَبِيحًا) . وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا أُخْزَى بِهِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ. وَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ عِنْدَ عَائِشَةَ كَانَتْ تَسْتَتِرُ مِنْهُ، وَتَقُولُ: إنَّمَا كَانَ أَبِي وَزَوْجِي، وَأَمَّا عُمَرُ فَأَجْنَبِيٌّ، تَعْنِي: أَنَّهُ يَرَاهَا. (وَعَذَابُهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (فِي قَبْرِهِ وَاقِعٌ عَلَى رُوحِهِ وَبَدَنِهِ؛ لَا) عَلَى (رُوحِهِ فَقَطْ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا أَنَّ الْعَذَابَ أَوْ النَّعِيمَ يَحْصُلُ لِرُوحِ الْمَيِّتِ وَبَدَنِهِ، وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ مُنَعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً، وَأَيْضًا تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ أَحْيَانَا، فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَهَا النَّعِيمُ أَوْ الْعَذَابُ، (خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ) فِي قَوْلِهِمَا: إنَّ الْعَذَابَ وَاقِعٌ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا: مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْبَدَنِ تَعَلُّقًا بِالرُّوحِ، فَتُعَذَّبُ بِالْقَبْرِ. (وَسُنَّ) لِزَائِرِهِ (فِعْلُ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (وَلَوْ بِجَعْلِ جَرِيدَةٍ رَطْبَةٍ فِي الْقَبْرِ) لِلْخَبَرِ وَأَوْصَى بِهِ بُرَيْدَةَ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي مَعْنَاهُ غَرْسُ غَيْرِهَا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. (وَ) فِي مَعْنَى ذَلِكَ (ذِكْرٌ وَقِرَاءَةٌ) وَتَسْبِيحٌ (عِنْدَهُ) - أَيْ: الْقَبْرِ - لِخَبَرِ الْجَرِيدَةِ، لِأَنَّهُ إذَا أُرْجِئَ التَّخْفِيفُ بِتَسْبِيحِهَا فَالْقِرَاءَةُ أَوْلَى. (وَتُسْتَحَبُّ قِرَاءَةٌ بِمَقْبَرَةٍ) . قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا

بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَاجْعَلُوا ثَوَابَ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْمَقَابِرِ؛ فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَيْهِمْ، وَكَانَتْ هَكَذَا عَادَةُ الْأَنْصَارِ فِي التَّرَدُّدِ إلَى مَوْتَاهُمْ؛ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ. وَأَخْرَجَ السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْوَاتِ؛ أُعْطِي مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ ثُمَّ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَأَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي جَعَلْتُ ثَوَابَ مَا قَرَأْتُ مِنْ كَلَامِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ؛ كَانُوا شُفَعَاءَ لَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى» ، وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَقَرَأَ عِنْدَهُ يَاسِينَ؛ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ أَوْ حَرْفٍ» ، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ. (وَكُلُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا مُسْلِمٌ وَجَعَلَ) الْمُسْلِمُ (بِالنِّيَّةِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ، ثَوَابَهَا أَوْ بَعْضَهُ لِمُسْلِمٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ جَازَ، وَنَفَعَهُ ذَلِكَ بِحُصُولِ الثَّوَابِ لَهُ، وَلَوْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ. (مِنْ) : بَيَانٍ لِكُلِّ قُرْبَةٍ (تَطَوُّعٍ وَوَاجِبٍ تَدْخُلُهُ نِيَابَةٌ كَحَجٍّ) أَوْ صَوْمٍ نَذَرَهُ مَيِّتٌ (أَوْ لَا) تَدْخُلُهُ نِيَابَةٌ، (كَصَلَاةٍ وَدُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَصَدَقَةٍ) وَعِتْقٍ (وَأُضْحِيَّةٍ وَأَدَاءِ دَيْنٍ وَصَوْمٍ) غَيْرِ مَنْذُورٍ، (وَكَذَا قِرَاءَةٌ وَغَيْرُهَا) . قَالَ أَحْمَدُ: الْمَيِّتُ يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَيَقْرَءُونَ وَيُهْدُونَ لِمَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ؛ فَكَانَ إجْمَاعًا،

فصل السلام على الميت

وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَوْ لَا كَصَلَاةٍ؛ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْقَاضِي: إذَا صَلَّى فَرْضًا وَأَهْدَى ثَوَابَهُ؛ صَحَّتْ الْهَدِيَّةُ وَأَجْزَأَ مَا عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَفِيهِ بُعْدٌ، وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا جَعَلَهَا لِغَيْرِ مُسْلِمٍ لَا تَنْفَعُهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِنَصٍّ وَرَدَ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُفْتَقَرُ أَنْ يَنْوِيَهُ حَالَ الْقِرَاءَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ) فِي حُصُولِ الثَّوَابِ لِلْمَجْعُولِ لَهُ (إذَا نَوَاهُ حَالَ الْفِعْلِ) ، أَيْ: الْقِرَاءَةِ أَوْ الِاسْتِغْفَارِ وَنَحْوِهِ، (أَوْ) نَوَاهُ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ الْفِعْلِ دُونَ مَا نَوَاهُ بَعْدَهُ، نَقَلَهُ فِي " الْفُرُوعِ " عَنْ " مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ وَرَدَّهُ. (وَسُنَّ إهْدَاء الْقُرَبِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ ذَلِكَ لِفُلَانٍ) وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا؛ فَاجْعَلْهُ أَوْ مَا تَشَاءُ مِنْهُ لِفُلَانٍ، وَ (قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْأَلَ الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ) تَعَالَى، (ثُمَّ يَجْعَلَهُ) لِلْمُهْدَى (لَهُ، فَيَقُولَ: اللَّهُمَّ أَثِبْنِي عَلَى ذَلِكَ، وَاجْعَلْهُ ثَوَابًا لِفُلَانٍ) وَلِلْمُهْدِي ثَوَابُ الْمُهْدَى، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُثَابُ كُلٌّ مِنْ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى لَهُ، وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ. [فَصْلٌ السَّلَامُ عَلَى الْمَيِّت] (فَصْلٌ) (السَّلَامُ عَلَى مَيِّتٍ. الْأَفْضَلُ تَعْرِيفُهُ كَمَا مَرَّ، وَيُخَيَّرُ فِيهِ) ، أَيْ: السَّلَامِ (عَلَى حَيٍّ بَيْنَ تَعْرِيفٍ وَتَنْكِيرٍ. وَابْتِدَاؤُهُ) ، أَيْ: السَّلَامِ (مِنْ وَاحِدٍ: سُنَّةُ عَيْنٍ، وَمِنْ جَمْعٍ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ: (سُنَّةُ كِفَايَةٍ) ، لِحَدِيثِ «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» . (وَيَتَّجِهُ: وَمَعَ سَلَامِ جَمْعٍ) وَقَعَ (تَعَاقُبًا) بِأَنْ سَلَّمَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ (يَكْفِي رَدُّ وَاحِدٍ) ، لِحُصُولِ (الْمَأْمُورِ بِهِ) ، قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": فَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، فَقَالَ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ

جَمِيعًا جَازَ، وَسَقَطَ الْفَرْضُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) الرَّادُّ (رَدَّ عَلَى) الْمُسَلِّمِ (الْأَوَّلِ) ، فَإِنْ كَانَ رَدَّ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهِ عَلَى الْبَاقِينَ إمَّا جُمْلَةً؛ بِأَنْ يَقُولَ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، أَوْ فُرَادَى؛ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ. (وَمِثْلُهُ تَشْمِيتُ) عَاطِسٍ - أَيْ: لَوْ شَمَّتَ جَمَاعَةٌ عَاطِسًا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ - فَتَكْفِي إجَابَةُ وَاحِدٍ، فَيَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَجَابَ الْأَوَّلَ حَيْثُ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَى الْجَمِيعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَالْأَفْضَلُ) إيقَاعُ (السَّلَامِ) مِنْ (جَمِيعِهِمْ) ، لِحَدِيثِ «أَفْشُوا السَّلَامَ» وَغَيْرِهِ، (وَرَدُّهُ فَوْرًا مِنْ وَاحِدٍ فَرْضُ عَيْنٍ) عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ الْمُنْفَرِدِ، (وَ) رَدُّ السَّلَامِ (مِنْ جَمِيعٍ) سَلَّمَ عَلَيْهِمْ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) ، فَيَسْقُطُ بِرَدِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، (وَرَفْعُ صَوْتٍ بِهِ) ، أَيْ: بِرَدِّ السَّلَامِ (بِقَدْرِ الْإِبْلَاغِ) ، أَيْ: إبْلَاغِ الْمُسَلِّمِ (وَاجِبٌ فِي رَدِّ) السَّلَامِ (وَمَنْدُوبٌ فِي ابْتِدَاءِ) هـ، (وَلَا يَسْقُطُ) إثْمُ عَدَمِ الرَّدِّ (بِرَدِّ غَيْرِ مُسَلَّمٍ عَلَيْهِ) وَلَوْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ، لِأَنَّ قَصْدَهُ بِالسَّلَامِ دُونَ غَيْرِهِ، (وَلَا) يَسْقُطُ الرَّدُّ (بِرَدِّ مُمَيِّزٍ عَنْ بَالِغِينَ) ، لِعَدَمِ حُصُولِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِهِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ ". (وَلَا يَجِبُ زِيَادَةُ وَاوٍ فِي رَدِّ) سَلَامٍ، قَالَ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى "، وَهُوَ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ: وَتُزَادُ الْوَاوُ فِي رَدِّ السَّلَامِ وُجُوبًا. قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: يُكْرَهُ الِانْحِنَاءُ فِي السَّلَامِ، (وَلَا) تَجِبُ (مُسَاوَاةُ رَدٍّ لِابْتِدَاءٍ) ، فَلَوْ قَالَ الْمُسَلِّمُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ

وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ الرَّادُّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ؛ كَفَى (وَيَجُوزُ رَدٌّ بِلَفْظِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) فَقَطْ. (وَلَا يُسَنُّ زِيَادَةٌ) عَلَى: (وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فِي ابْتِدَاءِ) السَّلَامِ، لِأَنَّ زِيَادَتَهَا مَنْدُوبَةٌ، كَمَا صَحَّتْ الْأَخْبَارُ، وَإِلَيْهَا انْتَهَى السَّلَامُ، (وَ) لَا فِي (رَدِّ) هـ، وَسَلَامُ النِّسَاءِ عَلَى النِّسَاءِ كَسَلَامِ الرِّجَالِ عَلَى الرِّجَالِ. (وَسُنَّ قَوْلُ) مُسَلِّمٍ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ) شَخْصًا (وَاحِدًا) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَإِنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ؛ أَجْزَأَ، (وَلَا يَلْزَمُ رَدُّ سَلَامٍ ابْتِدَاؤُهُ مَكْرُوهٌ كَمُسَلِّمٍ عَلَى مُشْتَغِلٍ بِنَحْوِ أَكْلٍ) وَشُرْبٍ، (وَقِتَالٍ وَذِكْرٍ، وَتَلْبِيَةٍ وَقِرَاءَةِ عِلْمٍ وَوَعْظٍ، وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَاسْتِمَاعٍ لَهُمْ) ، أَيْ: الْمَذْكُورِينَ مِنْ الْقَارِئِ وَمَا بَعْدَهُ، (وَمُتَخَلٍّ وَمُتَمَتِّعٍ بِأَهْلِهِ، وَمَنْ فِي حَمَّامٍ وَأَجْنَبِيَّةٍ غَيْرِ عَجُوزٍ) ، أَيْ: غَيْرِ جَمِيلَةٍ؛ فَلَا يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهَا، (وَ) لَا عَلَى (بَرْزَةٍ) ، لِأَمْنِ الِافْتِتَانِ بِهَا غَالِبًا، وَكَذَا كُلُّ مَنْ سَلَّمَ فِي حَالَةٍ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا السَّلَامُ لَمْ يَسْتَحِقَّ جَوَابًا، (وَكُرِهَ تَخْصِيصُ بَعْضِ مَنْ لَقِيَهُمْ) أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ (بِهِ) ، أَيْ: بِالسَّلَامِ، لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً لِلسُّنَّةِ فِي إفْشَاءِ السَّلَامِ، وَكَسْرًا لِقَلْبِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، (وَ) كُرِهَ (قَوْلُ: سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) ، لِمُخَالَفَةِ الصِّفَةِ الْوَارِدَةِ.

(وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ، ثُمَّ لَقِيَهُ عَلَى قُرْبٍ؛ سُنَّ سَلَامٌ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَأَكْثَرَ) ، لِعُمُومِ: «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (وَمَنْ دَخَلَ عَلَى جَمْعٍ فِيهِ عُلَمَاءُ سَلَّمَ عَلَى الْكُلِّ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى الْعُلَمَاءِ سَلَامًا ثَانِيًا) تَمْيِيزًا لِمَرْتَبَتِهِمْ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِيهِمْ عَالِمٌ وَاحِدٌ. (وَتُسَنُّ بُدَاءَةٌ بِسَلَامٍ قَبْلَ كُلِّ كَلَامٍ) لِلْخَبَرِ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السَّلَامِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَمَعْنَاهُ: اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ، أَيْ: أَنْتَ فِي حِفْظِهِ، كَمَا يُقَالُ: اللَّهُ يَصْحَبُكَ، اللَّهُ مَعَكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: السَّلَامُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ، أَيْ: السَّلَامَةُ مُلَازِمَةٌ لَكَ (وَلَا يَتْرُكُهُ) - أَيْ: السَّلَامَ - (وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ) السَّلَامَ كَالْجَبَابِرَةِ، لِعُمُومِ: «أَفْشُوا السَّلَامَ» (وَالْهَجْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ) هَجْرُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هُوَ (تَرْكُ كَلَامٍ مَعَ مَنْ لَقِيَ لَا عَدَمُهُ) ، أَيْ: لَا عَدَمُ اللُّقَى فَهَذَا (يَزُولُ بِالسَّلَامِ) لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّحَابُبِ، لِلْخَبَرِ، فَيَقْطَعُ الْهَجْرَ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا: «السَّلَامُ يَقْطَعُ الْهِجْرَانَ» . (وَسُنَّ سَلَامٌ عِنْدَ انْصِرَافٍ) عَنْ الْقَوْمِ، (وَعِنْدَ دُخُولِ بَيْتِهِ عَلَى أَهْلِهِ) لِلْخَبَرِ، (فَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا) خَالِيًا، (أَوْ) دَخَلَ (مَسْجِدًا خَالِيًا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) لِلْخَبَرِ، (وَلَا بَأْسَ بِهِ) . أَيْ: السَّلَامِ (عَلَى صِبْيَانٍ تَأْدِيبًا لَهُمْ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ. (وَلَا يَلْزَمُهُمْ رَدٌّ) لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى صَبِيٍّ وَبَالِغٍ؛ رَدَّ الْبَالِغُ، وَلَمْ يَكْفِ رَدُّ الصَّبِيِّ، لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَحْصُلُ بِهِ. (وَيَلْزَمُ) مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ الصِّبْيَانُ (رَدُّ) السَّلَامِ (عَلَيْهِمْ) ، لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، (كَشَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ سَلَّمَتْ) عَلَى رَجُلٍ فَيَجِبُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ". وَإِنْ سَلَّمَ الرَّجُلُ غَيْرُ الْمَحْرَمِ عَلَيْهَا؛ لَمْ يَلْزَمْهَا الرَّدُّ

دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ، (وَإِرْسَالُهَا) ، أَيْ: الْأَجْنَبِيَّةِ (بِهِ) ، أَيْ: بِالسَّلَامِ (لِأَجْنَبِيٍّ) لَا بَأْسَ بِهِ (وَإِرْسَالُهُ) ، أَيْ: الْأَجْنَبِيِّ (إلَيْهَا) بِالسَّلَامِ (لَا بَأْسَ بِهِ لِمَصْلَحَةٍ، وَعَدَمِ مَحْذُورٍ) ، أَيْ: لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ مَعَ عَدَمِ الْمَحْذُورِ، (وَحَيْثُ سَلَّمَ عَلَى غَائِبٍ) عَنْ الْبَلَدِ (بِرِسَالَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ؛ وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ عِنْدَ الْإِبْلَاغِ، وَنُدِبَتْ) الْإِجَابَةُ (عَلَى الرَّسُولِ فَيَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ) ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، فَقَالَ: عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ» وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: إنَّ فُلَانًا يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، فَقَالَ: عَلَيْكَ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ. (وَجَبَ تَبْلِيغُهُ) ، أَيْ: السَّلَامِ (عَلَى رَسُولٍ تَحَمَّلَهُ) ، لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَمَّلْهُ؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ التَّبْلِيغُ. (وَسُنَّ حِرْصُ مُتَلَاقِيَيْنِ عَلَى بُدَاءَةٍ بِسَلَامٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (فَإِنْ بَدَأَ كُلٌّ) مِنْ الْمُتَلَاقِيَيْنِ (صَاحِبَهُ مَعًا؛ وَجَبَ الرَّدُّ عَلَى كُلٍّ) مِنْهُمَا، لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِرَدِّ السَّلَامِ. (وَسُنَّ لِمَنْ تَلَاقَوْا بِطَرِيقٍ أَنْ يُسَلِّمَ صَغِيرٌ وَقَلِيلٌ وَمَاشٍ وَرَاكِبٌ) كَذَلِكَ. (وَيَتَّجِهُ: وَ) يُسَلِّمُ (مُنْحَدِرٌ) - وَهُوَ مُتَّجِهٌ - (عَلَى ضِدِّهِمْ) ، فَيُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ، وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمُنْحَدِرُ عَلَى الصَّاعِدِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ،

فرع مصافحة الرجل للرجل

وَالْكَثِيرُ عَلَى الْقَلِيلِ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ. فَإِنْ عَكَسَ، حَصَلَتْ السُّنَّةُ، (وَيُسَلِّمُ وَارِدٌ عَلَى ضِدِّهِ مُطْلَقًا) صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا. (وَمَنْ سَلَّمَ أَوْ رَدَّ عَلَى أَصَمَّ جَمَعَ بَيْنَ لَفْظٍ وَإِشَارَةٍ) ، فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا مَنْ يُسَلِّمُ عَلَى الْأَصَمِّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، (وَسَلَامُ أَخْرَسَ) بِالْإِشَارَةِ (وَجَوَابُهُ) ، أَيْ: الْأَخْرَسِ (بِالْإِشَارَةِ) ، لِقِيَامِهَا مَقَامَ نُطْقِهِ، وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ كَانَ رُبَّمَا أَذِنَ لِلنَّاسِ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ بِيَدِهِ. (وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى أَيْقَاظٍ بَيْنَ نِيَامٍ) ، أَوْ لَا يَعْلَمُ هَلْ هُمْ أَيْقَاظٌ أَوْ نِيَامٌ؟ (خَفَضَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يُسْمِعُهُمْ) ، أَيْ: الْأَيْقَاظَ (وَلَا يُوقِظُهُمْ) ، أَيْ: النِّيَامَ، جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. [فَرْعٌ مُصَافَحَةُ الرَّجُل لِلرَّجُلِ] (فَرْعٌ: تُسَنُّ مُصَافَحَةُ رَجُلٍ لِرَجُلٍ، وَ) مُصَافَحَةُ (امْرَأَةٍ لِامْرَأَةٍ) ، لِحَدِيثِ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: " أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا؛ تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ وَرُوِيَ تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُمَا، وَكَانَ أَحَقُّهُمَا بِالْأَجْرِ أَبَشَّهُمَا بِصَاحِبِهِ» (وَلَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِ مُصَافِحِهِ حَتَّى يَنْزِعَهَا) ، أَيْ: يَدَهُ مِنْ يَدِهِ لِمَا فِي نَزْعِ يَدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ (إلَّا لِحَاجَةٍ كَحَيَاءِ) هـ مِنْهُ (وَنَحْوِهِ) كَمَضَرَّةٍ بِالتَّأْخِيرِ. (وَلَا بَأْسَ بِمُصَافَحَةِ مُرْدٍ لِمَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ) عَدَمَ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورٍ، (وَقَصَدَ تَعْلِيمَهُمْ) ، أَيْ: الْمُرْدِ (حُسْنَ الْخُلُقِ) ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَالرِّعَايَةِ " لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَاتِّقَاءِ الْمَفْسَدَةِ. (وَحَرُمَ مُصَافَحَةُ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ شَابَّةٍ) ، أَيْ: حَسْنَاءَ، لِأَنَّهَا شَرٌّ مِنْ

النَّظَرِ إلَيْهَا، أَمَّا الْعَجُوزُ غَيْرُ الْحَسْنَاءِ فَلِلرَّجُلِ مُصَافَحَتُهَا، لِعَدَمِ الْمَحْظُورِ. (وَلَا بَأْسَ بِمُعَانَقَةٍ) قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقَادِمِ، وَمُعَانَقَتُهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَإِكْرَامُ الْعُلَمَاءِ، وَأَشْرَافِ الْقَوْمِ بِالْقِيَامِ لَهُمْ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، قَالَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَطْمَعَ فِي قِيَامِ النَّاسِ لَهُ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إلَّا لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ وَالْوَالِدَيْنِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَالْكَرَمِ وَالنَّسَبِ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَ " الْفُصُولِ "، وَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ، وَقَاسَهُ عَلَى الْمُهَادَاةِ لَهُمْ، قَالَ: وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ، وَاَلَّذِي يُقَامُ إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَسْتَكْبِرَ نَفْسُهُ إلَيْهِ، وَلَا تَطْلُبَهُ، وَالنَّهْيُ قَدْ وَقَعَ عَلَى السُّرُورِ بِذَلِكَ الْحَالِ، فَإِذَا لَمْ يُسَرَّ بِالْقِيَامِ إلَيْهِ، وَقَامُوا إلَيْهِ؛ فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ، ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ ". (وَ) لَا بَأْسَ بِ (تَقْبِيلِ رَأْسِ وَيَدِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَنَحْوِهِمْ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي حَدِيثِ «ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةٍ قَالَ فِيهَا فَدَنَوْنَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَبَّلْنَا يَدَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: «قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى قَوْلِهِ: فَقَبَّلُوا يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَيُبَاحُ تَقْبِيلُ الْيَدِ وَالرَّأْسِ تَدَيُّنًا وَإِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ إبَاحَتِهِ لِأَمْرِ الدُّنْيَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ النَّهْيُ، قَالَهُ الْحَجَّاوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ ". (وَ) لَا بَأْسَ بِ (الْقِيَامِ لَهُمْ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِحَدِيثِ: «قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ» .

فصل تشميت العاطس

(وَكُرِهَ تَقْبِيلُ فَمِ غَيْرِ زَوْجَةٍ وَسُرِّيَّةٍ) مُبَاحَةٍ لَهُ لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَقَعَ كَرَامَةً. (وَيَتَّجِهُ: هَذَا) ، أَيْ: تَقْبِيلُ الْفَمِ مَكْرُوهٌ فِعْلُهُ: (فِي مَحَارِمِهِ) خَشْيَةَ تَحَرُّكِ الشَّهْوَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ، (وَإِلَّا؛ فَ) تَقْبِيلُ فَمِ (الْأَجْنَبِيَّةِ) الْمُشْتَهَاةِ (حَرَامٌ) بِشَهْوَةٍ. وَدُونَهَا. وَأُمًّا تَقْبِيلُ الرَّجُلِ فَمَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ فَمَ الْمَرْأَةِ؛ فَمَكْرُوهٌ مَعَ أَمْنِ ثَوَرَانِ الشَّهْوَةِ، وَإِلَّا فَحَرَامٌ بِلَا رَيْبٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ تَشْمِيتُ الْعَاطِس] (فَصْلٌ) (تَشْمِيتُ عَاطِسٍ مُسْلِمٍ حَمِدَ) فَرْضُ عَيْنٍ مِنْ وَاحِدٍ، (وَإِجَابَتُهُ) مَنْ شَمَّتَهُ (فَرْضُ) عَيْنٍ، (وَ) تَشْمِيتُهُ (مِنْ جَمْعٍ) فَرْضُ (كِفَايَةٍ) كَرَدِّ السَّلَامِ، (فَتَشْمِيتُهُ) ، أَيْ: الْعَاطِسِ: قَوْلُ سَامِعِهِ لَهُ: (يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَوْ: يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ؛ فَشَمِّتُوهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْمَدْ؛ فَلَا تُشَمِّتُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. (وَجَوَابُهُ) ، أَيْ: الْعَاطِسِ: (يُهْدِيكُمْ اللَّهُ، وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ،

وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: هَذَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ (زَادَ فِي الرِّعَايَةِ ": وَيُدْخِلُكُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَكُمْ) ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى ": أَوْ يَقُولُ: غَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ. (وَكُرِهَ تَشْمِيتُ مَنْ لَمْ يَحْمَدْ) ، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا يُذَكَّرُ نَاسٍ) ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ، (وَلَا بَأْسَ بِتَذْكِيرِهِ) لِمَا رَوَى الْمَرُّوذِيُّ أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَ أَحْمَدَ، فَلَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ، فَانْتَظَرَهُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ فَيُشَمِّتَهُ، فَلَمْ يَحْمَدْ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ، قَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ تَقُولُ إذَا عَطَسْتَ؟ قَالَ: أَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. (وَيُعَلَّمُ صَغِيرٌ وَقَرِيبُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَكَذَلِكَ يُعَلَّمُ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْجَهْلِ بِذَلِكَ. وَلَا يُسْتَحَبُّ تَشْمِيتُ الذِّمِّيِّ نَصًّا، فَإِنْ قِيلَ لَهُ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ جَازَ إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ (وَيُقَالُ لِصَبِيٍّ عَطَسَ وَحَمِدَ: بُورِكَ فِيك أَوْ) يُقَالُ لَهُ: (جَبَرَكَ اللَّهُ أَوْ) يُقَالُ لَهُ: (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ، وَرُوِيَ «أَنَّهُ عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ يَا غُلَامُ» رَوَاهُ الْحَافِظُ السَّلَفِيُّ فِي انْتِخَابِهِ ". (وَلِلتَّشْمِيتِ إلَى ثَلَاثٍ) ، أَيْ: فَإِنْ عَطَسَ ثَانِيًا وَحَمِدَ شَمَّتَهُ، وَإِنْ عَطَسَ ثَالِثًا شَمَّتَهُ قَالَ صَالِحٌ لِأَبِيهِ: يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ فِي مَجْلِسٍ ثَلَاثًا؟ قَالَ: أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِ ثَلَاثًا وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ مَرْفُوعًا «يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ثَلَاثًا فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ» (وَفِي رَابِعَةٍ يَدْعُو لَهُ بِالْعَافِيَةِ) إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ شَمَّتَهُ قَبْلَهَا ثَلَاثًا (وَالِاعْتِبَارُ بِفِعْلِ التَّشْمِيتِ لَا بِعَدَدِ عَطَسَاتٍ) فَلَوْ عَطَسَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ مُتَوَالِيَاتٍ شَمَّتَهُ بَعْدَهَا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ تَشْمِيتٌ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ ": قَوْلًا وَاحِدًا (وَلَا يُشَمِّتُ) الرَّجُلُ (شَابَّةً،

فرع يجب استئذان عند الدخول ولو على قريب

وَلَا تُشَمِّتُهُ) كَمَا فِي رَدِّ السَّلَامِ، وَتُشَمِّتُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَيُشَمِّتُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، وَيُشَمِّتُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْعَجُوزَ الْبَرْزَةَ لِأَمْنِ الْفِتْنَةِ (وَلَا يُجِيبُ الْمُتَجَشِّئَ بِشَيْءٍ، فَإِنْ حَمِدَ) اللَّهَ (قَالَ لَهُ) سَامِعُهُ: (هَنِيئًا مَرِيئًا، أَوْ هَنَّأَكَ اللَّهُ وَأَمْرَاكَ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَابْنُ تَمِيمٍ وَكَذَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَ: وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ سُنَّةٌ بَلْ هُوَ عَادَةٌ مَوْضُوعَةٌ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: إذَا تَجَشَّأَ الرَّجُلُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ وَجْهَهُ إلَى فَوْقٍ لِكَيْ لَا يُخْرِجَ مِنْ فِيهِ رَائِحَةً فَيُؤْذِيَ بِهِ النَّاسَ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا تَجَشَّأَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا أَكْثَرُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (وَإِذَا عَطَسَ خَمَّرَ) ، أَيْ: غَطَّى (وَجْهَهُ) لِئَلَّا يَتَأَذَّى غَيْرُهُ بِبُصَاقِهِ (وَغَضَّ) أَيْ: خَفَضَ (صَوْتَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِثَوْبِهِ وَيَدِهِ، ثُمَّ غَضَّ بِهَا صَوْتَهُ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا، وَ) لَا (شِمَالًا، وَحَمِدَ اللَّهَ جَهْرًا لِيُسْمَعَ فَيُشَمَّتَ) قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: إذَا عَطَسَ الْإِنْسَانُ اسْتَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ بَدَنِهِ، وَجَوْدَةِ هَضْمِهِ، وَاسْتِقَامَةِ قُوَّتِهِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ، وَلِذَلِكَ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ وَفِي الْبُخَارِيِّ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» لِأَنَّ الْعُطَاسَ يَدُلُّ عَلَى خِفَّةِ بَدَنٍ وَنَشَاطٍ، وَالتَّثَاؤُبَ غَالِبًا لِثِقَلِ الْبَدَنِ، وَامْتِلَائِهِ وَاسْتِرْخَائِهِ فَيَمِيلُ إلَى الْكَسَلِ فَأَضَافَهُ إلَى الشَّيْطَانِ، لِأَنَّهُ يُرْضِيهِ أَوْ مِنْ تَسَبُّبِهِ لِدُعَائِهِ إلَى الشَّهَوَاتِ. [فَرْعٌ يَجِبُ اسْتِئْذَانُ عِنْدَ الدُّخُولِ وَلَوْ عَلَى قَرِيبٍ] (فَرْعٌ: يَجِبُ اسْتِئْذَانُ دَاخِلٍ وَلَوْ عَلَى قَرِيبٍ) قَطَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالسَّامِرِيُّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27] قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْتَ غَيْرِكَ إلَّا بِاسْتِئْذَانٍ كَهَذِهِ الْآيَةِ (فَإِنْ أُذِنَ لَهُ) فِي الدُّخُولِ دَخَلَ (وَإِلَّا) يُؤْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ (رَجَعَ) وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْذَانُهُ ثَلَاثًا إلَّا أَنْ يُجَابَ قَبْلَهَا (وَلَا يُزِيدُ) فِي اسْتِئْذَانِهِ (عَلَى ثَلَاثِ) مَرَّاتٍ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (إلَّا أَنْ يَظُنَّ عَدَمَ سَمَاعِهِمْ) لِلِاسْتِئْذَانِ فَيَزِيدُ بِقَدْرِ مَا يَظُنُّ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ، قَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ ": وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ «وَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ: أَأَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَادِمِهِ اُخْرُجْ إلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ حِمْدَانَ، وَقِيلَ: يَقُولُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَقَطْ. انْتَهَى. وَيَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ لِلْأَخْبَارِ. «وَلَعَنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، لِلْحَدِيثِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [كِتَابُ الزَّكَاةِ] ِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ: زَكَا يَزْكُو؛ إذَا نَمَا، أَوْ تَطَهَّرَ، يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ: إذَا نَمَا وَزَادَ

وَقَالَ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9] ، أَيْ: طَهَّرَهَا عَنْ الْأَدْنَاسِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَدْحِ، قَالَ تَعَالَى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32] وَعَلَى الصَّلَاحِ، يَقُولُ: رَجُلٌ زَكِيٌّ، أَيْ: زَائِدُ الْخَيْرِ، مِنْ قَوْمٍ أَزْكِيَاءَ، وَزَكَّى الْقَاضِي الشُّهُودَ؛ إذَا بَيَّنَ زِيَادَتَهُمْ فِي الْخَيْرِ، وَسُمِّيَ الْمَالُ الْمُخْرَجُ زَكَاةً، لِأَنَّهُ يَزِيدُ فِي الْمُخْرَجِ مِنْهُ، وَيَقِيهِ الْآفَاتِ، وَأَصْلُ التَّسْمِيَةِ قَوْله تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مُؤَدِّيَهَا مِنْ الْإِثْمِ، وَتُنَمِّي أَجْرَهُ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إنَّهَا تُنَمِّي الْفُقَرَاءَ. (أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ) وَمَبَانِيهِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» : فَذَكَرَ مِنْهَا: وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ". (وَفُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ) ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " " وَالْمُحَرَّرِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْمُرَادَ طَلَبُهَا، وَبَعْثُ السُّعَاةِ لِقَبْضِهَا، فَهَذَا بِالْمَدِينَةِ، وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": إنَّ الظَّاهِرَ فِي إسْقَاطِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ مُعَارَضَةٌ بِظَوَاهِرَ تَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ

فِي كُلِّ مَالٍ، كَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: 24] وَاحْتَجَّ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ فِعْلُهَا، وَيُعَاقَبُ بِهَا بِقَوْلِهِ {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6] {الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 7] وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا الزَّكَاةَ فِيهَا بِالتَّوْحِيدِ انْتَهَى. وَقَالَ الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ: إنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الزَّكَوَاتِ، وَفِي تَارِيخِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: فُرِضَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَبُيِّنَتْ بَعْدَهَا. (وَهِيَ) أَيْ: الزَّكَاةُ شَرْعًا: (حَقٌّ وَاجِبٌ) يَأْتِي تَقْدِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الْمُزَكِّيَاتِ، (فِي مَالٍ خَاصٍّ) يَأْتِي بَيَانُهُ (لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) وَهُمْ: الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ الْمُشَارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] . . . الْآيَةَ، (بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ) ، هُوَ: تَمَامُ الْحَوْلِ فِي الْمَاشِيَةِ وَالْأَثْمَانِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَعِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ فِي الْحُبُوبِ، وَعِنْدَ بُدُوِّ الثَّمَرَةِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَعِنْدَ حُصُولِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الْعَسَلِ، وَاسْتِخْرَاجِ مَا تَجِبُ فِيهِ مِنْ الْمَعَادِنِ، وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، لِوُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: وَاجِبٌ: الْحَقُّ الْمَسْنُونُ، كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ، وَبِقَوْلِهِ: فِي مَالٍ: رَدُّ السَّلَامِ وَنَحْوُهُ، وَبِقَوْلِهِ: خَاصٍّ: مَا يَجِبُ فِي كُلِّ الْأَمْوَالِ، كَالدُّيُونِ وَالنَّفَقَاتِ، وَبِقَوْلِهِ: لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ: نَحْوُ الدِّيَةِ، لِأَنَّهَا لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ، وَبِقَوْلِهِ: بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ: نَحْوُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ.

(وَالْمَالُ الْخَاصُّ) الْمَذْكُورُ: (سَائِمَةُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) ، وَهِيَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، سُمِّيَتْ بَهِيمَةً لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَيَأْتِي بَيَانُ السَّوْمِ. (وَ) سَائِمَةُ (بَقَرِ الْوَحْشِ وَغَنَمِهِ) ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، لِشُمُولِ اسْمِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لَهُمَا، (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ وَجَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ " وَابْنُ رَزِينٍ، (وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ ذَلِكَ) الْأَهْلِيُّ وَالْوَحْشِيُّ وَالسَّائِمُ (وَغَيْرُهُ) كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ وَبَيْنَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ تَغْلِيبًا لِلْوُجُوبِ. (وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ الْمَنْفَعَةَ) ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِنِصَابِ سَائِمَةٍ لِشَخْصٍ، فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا مَالِكُ الْأَصْلِ. (وَالْخَارِجُ مِنْ أَرْضٍ) مِنْ حُبُوبٍ وَثِمَارٍ وَمَعْدِنٍ وَرِكَازٍ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. (وَ) مِنْ (نَحْلٍ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ. (وَالْأَثْمَانُ) وَهِيَ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. (وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ) ، وَيَأْتِي بَيَانُ الْمُزَكَّيَاتِ فِي أَبْوَابِهَا مُفَصَّلَةً. (ولَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ) إذَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، حَيَوَانًا كَانَ الْمَالُ، كَالرَّقِيقِ وَالطُّيُورِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالظِّبَاءِ، سَائِمَةً أَوْ لَا، أَوْ غَيْرَ حَيَوَانٍ، كَاللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالثِّيَابِ وَالسِّلَاحِ، وَآلَاتِ الصُّنَّاعِ وَأَثَاثِ الْبُيُوتِ وَالْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَوَانِي، (وَلَوْ) كَانَ الْمَالُ (عَقَارًا) مِنْ دُورٍ وَأُرَاضِيَن (مُعَدًّا لِكِرَاءٍ) أَوْ لِسُكْنَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَفَرَسِهِ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَبِي دَاوُد: «لَيْسَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ إلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ» وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ بَاقِي الْمَذْكُورَاتِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ إلَّا لِدَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ فِيهَا (وَشُرُوطُهَا) - أَيْ: الزَّكَاةِ، (وَلَيْسَ مِنْهَا) ، أَيْ: الشُّرُوطِ (بُلُوغٌ وَ) لَا (عَقْلٌ) فَتَجِبُ فِي مَالِ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ، لِعُمُومِ الْحَدِيثِ «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» رَوَاهُ

الْجَمَاعَةُ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ مَرْفُوعًا: «انْتَمُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تُذْهِبُهَا أَوْ لَا تَسْتَهْلِكُهَا الصَّدَقَةُ» وَكَوْنُهُ مُرْسَلًا غَيْرُ ضَارٍ، لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُمَرُ وَابْنه وَعَلِيٌّ وَابْنه الْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةُ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا كَالْمَرْأَةِ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ وَالْعَقْلِ - (أَرْبَعَةٌ) : أَحَدُهَا: (الْإِسْلَامُ) . (وَ) الثَّانِي: (الْحُرِّيَّةُ) ، وَ (لَا) يُشْتَرَطُ (كَمَالُهَا) ، أَيْ: الْحُرِّيَّةِ، (فَيَجِبُ) الزَّكَاةُ (عَلَى مُبَعَّضٍ بِقَدْرِ مِلْكِهِ) مِنْ الْمَالِ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، لِتَمَامِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ. وَ (لَا) تَجِبُ زَكَاةٌ عَلَى (كَافِرٍ) ، «لِحَدِيثِ مُعَاذٍ حِين بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ: إنَّك تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ؛ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهَا أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى كَافِرٍ كَالصِّيَامِ. (وَلَوْ) كَانَ الْكَافِرُ (مُرْتَدًّا) ، لِأَنَّهُ كَافِرٌ، فَأَشْبَهَ الْأَصْلِيَّ، فَإِذَا أَسْلَمَ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ لِزَمَنِ رِدَّتِهِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» (وَلَا) تَجِبُ زَكَاةٌ عَلَى (رَقِيقٍ) ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِتَمْلِيكٍ مِنْ سَيِّدٍ أَوْ غَيْرِهِ. (وَلَوْ) كَانَ (مُكَاتَبًا) ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَعْتِقَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَهُ جَابِرٌ وَابْنُ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ

فرع الزكاة في مال موقوف لجنين

حَاجَتِهِ إلَى فَكِّ رَقَبَتِهِ مِنْ الرِّقِّ بِمَالِهِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِ حَاجَةِ الْحُرِّ الْمُفْلِسِ بِمَسْكَنِهِ وَثِيَابِ بِذْلَته، فَكَانَ بِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ أَوْلَى وَأَحْرَى. (وَلَا يَمْلِكُ رَقِيقٌ غَيْرُهُ) ، أَيْ: الْمُكَاتَبَ. (وَلَوْ مَلَكَ) مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَالٌ فَلَا يَمْلِكُ الْمَالَ كَالْبَهَائِمِ، فَمَا جَرَى فِيهِ صُورَةُ تَمْلِيكٍ مِنْ سَيِّدِهِ لِعَبْدِهِ زَكَاتُهُ عَلَى السَّيِّدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، (فَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا) أَوْ أَمَةً، (وَوَهَبَهُ شَيْئًا) زَكَوِيًّا، (ثُمَّ ظَهَرَ أَنْ الْعَبْدَ) أَوْ الْأَمَةَ (كَانَ حُرًّا، فَلَهُ) ، أَيْ السَّيِّدَ (أَخْذُ مَا وَهَبَهُ لَهُ) ، لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ خِلَافُهُ رَجَعَ بِهِ [فَرْعٌ الزَّكَاةُ فِي مَالٍ مَوْقُوفٍ لِجَنِينٍ] (فَرْعٌ: لَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي مَالٍ مَوْقُوفٍ لِجَنِينٍ) ، أَيْ: الَّذِي وُقِفَ لَهُ فِي إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، (لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ) ، أَيْ: الْجَنِينِ (أَحْكَامُ الدُّنْيَا) مَا دَامَ حَمْلًا (إلَّا فِي عِتْقٍ) ، كَمَا لَوْ كَانَ رَقِيقًا وَعَتَقَهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ انْفَصِلْ حَيًّا، فَثَبَتَتْ لَهُ الْحُرِّيَّةُ بِالْعِتْقِ (عَنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ) ، أَمَّا عَنْهَا فَلَا يُجْزِئُ بَدَلًا. (وَ) إلَّا (فِي إرْثٍ وَ) إلَّا فِي (وَصِيَّةٍ) ، أَيْ: فَيَمْلِكُ مَا وَرِثَهُ أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ مِلْكًا مُرَاعًا (بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا) ، قَالَهُ الْمُوَفَّقُ، لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ مِلْكُهُ حِينَئِذٍ فَيُزْكِيهِ وَلِيُّهُ إذَا حَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ حِينِ تَمَامِ الْمِلْكِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَيًّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، فَيُزَكِّي مَا وُقِفَ لَهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ، وَأَمَّا وَصِيٌّ لَهُ بِهِ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُوصِي، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ. (وَ) لَوْ خَرَجَ الْجَنِينُ الْمَوْقُوفُ إرْثُهُ (مَيِّتًا، يَنْفُذْ تَصَرُّفٌ) صَدَرَ مِنْ (وَارِثٍ) فِي ذَلِكَ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ قُبَيْلَ خُرُوجِ الْجَنِينِ، لِعَدَمِ ثُبُوتِ مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ مُورِثِهِ ظَانًّا أَنَّهُ حَيٌّ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَيًّا حِينَ الْبَيْعِ، فَيَصِحُّ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا بِمَا ظَنَّ الْمُكَلَّفُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(الثَّالِثُ: مِلْكُ نِصَابٍ) ، وَهُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَيْضًا، فَلَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَيَكُونُ النِّصَابُ (تَقْرِيبًا فِي أَثْمَانٍ وَ) قِيَمِ (عُرُوضِ) تِجَارَةٍ، (فَلَا يَضُرُّ نَقْصٌ) يَسِيرٌ كَحَبَّةٍ وَ (حَبَّتَيْنِ) ، لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا، فَهُوَ كَنَقْصِ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمُوَاسَاةِ، لِأَنَّ النَّقْصَ الْيَسِيرَ لَا حُكْمَ لَهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ، وَانْكِشَافٍ يَسِيرٍ مِنْ الْعَوْرَةِ، وَالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ، فَكَذَا هُنَا، فَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بَيِّنًا كَالدَّانَقِ وَالدَّانَقَيْنِ لَمْ يَجِبْ. (وَتَحْدِيدًا فِي غَيْرِهِمَا) ، أَيْ: غَيْرِ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْمَوَاشِي، فَإِنْ نَقَصَ نِصَابُهَا، وَلَوْ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ، لَمْ تَجِبْ، (فَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (مَعَ نَقْصِ مَاشِيَةٍ جُزْءًا، وَ) لَا مَعَ نَقْصِ (حَبٍّ) وَلَوْ (يَسِيرًا) كَصَاعٍ، (لَكِنْ لَا اعْتِبَارَ بِنَقْصٍ يَتَدَاخَلُ فِي الْمَكَايِيلِ، كَأُوقِيَّةٍ. كَذَا قِيلَ) ، يُشِيرُ إلَى ضَعْفِهِ، مَعَ أَنَّهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": جَزَمَ بِهِ الْأَئِمَّةُ. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ) ، كَمَا يَأْتِي، (إلَّا السَّائِمَةَ، فَلَا زَكَاةَ فِي وَقْصِهَا) ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ

مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي الْأَوْقَاصِ صَدَقَةٌ» وَقَالَ: الْوَقْصُ مَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ «مُعَاذٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَمَرْت فِي الْأَوْقَاصِ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: لَا وَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ لَهُ تِسْعٌ مِنْ إبِلٍ مَغْصُوبَةٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا بَعِيرًا بَعْدَ الْحَوْلِ، زَكَّاهُ بِخُمْسِ شَاةٍ. (وَتَلْزَمُ) الزَّكَاةُ (مَالِكَ نِصَابٍ، وَلَوْ) كَانَ النِّصَابُ (مَغْصُوبًا) بِيَدِ غَاصِبٍ أَوْ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْهُ أَوْ تَالِفًا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْحَوَالَةِ، أَشْبَهَ الدَّيْنَ، فَيُزَكِّيهِ رَبُّهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى. (وَيَرْجِعُ) رَبُّهُ (بِزَكَاتِهِ) ، أَيْ: الْمَغْصُوبِ، (عَلَى غَاصِبٍ) لَا نَقْصَ حَصَلَ بِيَدِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ (أَوْ) كَانَ (ضَالًّا) ، فَيُزْكِيهِ مَالِكُهُ إذَا وَجَدَهُ لِحَوْلِ التَّعْرِيفِ، لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، (وَزَمَنُ مِلْكِهِ مُلْتَقَطٌ) وَهُوَ بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْمُلْتَقِطِ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فَيُزْكِيهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ. (وَيَرْجِعُ) رَبُّ مَالٍ ضَالٍّ (بِهَا) ، أَيْ: بِزَكَاتِهِ (عَلَى مُلْتَقِطٍ أَخْرَجَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (مِنْهَا) - أَيْ: اللَّقَطَةِ - وَلَوْ لِحَوْلِ التَّعْرِيفِ، لِتَعَدِّيهِ بِالْإِخْرَاجِ: وَلَا تُجَزِّئُ عَنْ رَبِّهَا، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى رَبِّهَا بِشَيْءٍ (أَوْ) كَانَ (غَائِبًا) فَتَجِبُ زَكَاتُهُ كَالْحَاضِرِ، (أَوْ) كَانَ (مَشْكُوكًا فِي بَقَائِهِ) فَتَجِبُ زَكَاتُهُ كَالْغَائِبِ (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") حَيْثُ قَالَ: لَا إنْ شَكَّ فِي بَقَائِهِ، قَالَ فِي شَرْحِهِ: بِأَنْ شَكَّ: هَلْ هُوَ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ؟ فَإِنَّ زَكَاتَهُ لَا تَجِبُ مَعَ الشَّكِّ، وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ: لِعَدَمِ تَيَقُّنِ السَّبَبِ لَكِنْ مَتَى وَصَلَ إلَى يَدِهِ زَكَّاهُ لِمَا مَضَى مُطْلَقًا. انْتَهَى. قُلْت: لَا فَائِدَةَ فِي قَوْلِهِ: أَوْ مَشْكُوكًا فِي بَقَائِهِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ عُلِمَ بَقَاؤُهُ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ إلَّا إذَا حَصَلَ فِي يَدِهِ،

(أَوْ) كَانَ (مَسْرُوقًا، أَوْ مَدْفُونًا مَنْسِيًّا) بِدَارٍ أَوْ غَيْرِهَا، (أَوْ) كَانَ (مَوْرُوثًا جَهِلَهُ) ، أَيْ: إرْثَهُ لَهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَوْتِ مُورِثِهِ، أَوْ كَانَ مَوْقُوفًا لِجَنِينٍ وَخَرَجَ مَيِّتًا، (أَوْ) كَانَ مَوْرُوثًا وَجَهِلَ (عِنْدَ مَنْ هُوَ) بِأَنْ عَلِمَ مَوْتَ مُورِثِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ مُورِثُهُ. (وَنَحْوُهُ) كَمَوْهُوبٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، (وَيُزَكِّي مَا مَرَّ) مِنْ مَغْصُوبٍ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (إذَا قَدَرَ) رَبُّهُ (عَلَيْهِ) بِأَخْذِهِ مِنْ غَاصِبِهِ وَمُلْتَقِطِهِ، أَوْ حُضُورِ غَائِبٍ أَوْ عِلْمِهِ بِمَشْكُوكٍ فِيهِ وَحُصُولِهِ أَوْ أَخْذِهِ مِنْ سَارِقِهِ، أَوْ عِلْمِهِ بِمَدْفُونٍ أَوْ مَوْرُوثٍ، وَقَبْضِ مَوْهُوبٍ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، فَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ جَمِيعِ النِّصَابِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، بَلْ كُلَّمَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ زَكَّاهُ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ فَلَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا، (أَوْ) كَانَ النِّصَابُ (مَرْهُونًا) ، فَتَجِبُ فِيهِ كَغَيْرِهِ، (وَيُخْرِجُهَا) ، أَيْ: زَكَاةَ الْمَرْهُونِ (رَاهِنٌ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَرْهُونَ، (بِلَا إذْنِ) مُرْتَهِنٍ (إنْ تَعَذَّرَ غَيْرُ) - أَيْ: الْمَرْهُونَ - بِأَنْ كَانَ غَيْرُهُ غَائِبًا أَوْ مَغْصُوبًا وَنَحْوَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ جِنَايَةُ رَهْنٍ عَلَى دَيْنِهِ، لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ، وَتَقَدَّمَ عَلَى حَقِّ مَالِكِهِ، فَكَذَا عَلَى حَقِّ مُرْتَهِنٍ، (وَيَأْخُذُ مُرْتَهِنٌ) مِنْ رَاهِنٍ أَخْرَجَ زَكَاةَ رَهْنٍ مِنْهُ (عِوَضَ زَكَاةٍ إنْ أَيْسَرَ) رَاهِنٌ بِأَنْ حَضَرَ مَالُهُ الْغَائِبُ، أَوْ انْتَزَعَ الْمَغْصُوبَ وَنَحْوَهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الرَّهْنَ أَوْ بَعْضَهُ، (أَوْ) كَانَ النِّصَابُ (دَيْنًا) عَلَى مُوسِرٍ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّ تَأْجِيلَهُ تَكَسُّبٌ، وَاسْتِنْمَاءٌ بِرِضَى رَبِّهِ وَاخْتِيَارِهِ، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَعَنْ عَلِيٍّ: فِي الدَّيْنِ الظَّنُونُ إنْ كَانَ صَادِقًا،

فَيَلْزَمُهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَحْوُهُ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ فِي مَادَّةِ ظَنَّ بِالْمُعْجَمَةِ، وَكَصَبُورٍ مِنْ الدُّيُونِ: مَا لَا يَدْرِي أَيَقْضِيهِ أَخْذُهُ أَوْ لَا؟ (غَيْرَ بَهِيمَةِ نِعَمٍ) ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا إذَا كَانَتْ دَيْنًا، بِأَنْ جَعَلَهَا مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ عِوَضًا فِي بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِعَدَمِ السَّوْمِ، فَإِنْ عُيِّنَتْ زُكِّيَتْ كَغَيْرِهَا. (وَيَتَّجِهُ: وَ) غَيْرَ دَيْنٍ عَلَى (مُعْسِرٍ) ، أَيْ: فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، لِتُعَذِّر قَبْضِهِ عَادَةً، وَلِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهِ، أَشْبَهَ التَّالِفَ قَبْلَ الْحَوْلِ، هَذَا عَلَى كَوْنِ مُعْسِرٍ - بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ - غَيْرُ مُتَّجِهٍ، لِإِمْكَانِ إيسَارِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَمُعَشَّرٌ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ: وَغَيْرَ مُعَشَّرٍ إذَا كَانَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ، عِوَضًا عَنْ نَحْوِ بَيْعٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ إلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَرْضَ تِجَارَةٍ فَتَجِبُ فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُرُوضِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ) غَيْرَ (دِيَةٍ وَاجِبَةٍ) عَلَى قَاتِلٍ أَوْ عَاقِلَتِهِ فَلَا تُزَكَّى، لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ مَالًا زَكَوِيًّا، لِأَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ أَوْ أَحَدُ الْأُصُولِ، (أَوْ) غَيْرَ (دَيْنِ سَلَمٍ) ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ وَالْحَوَالَةِ بِهِ، وَعَلَيْهِ (مَا لَمْ يَكُنْ) دَيْنُ السَّلَمِ (أَثْمَانًا) ، فَتَجِبُ فِيهَا لِوُجُوبِهَا فِي عَيْنِهَا، (أَوْ) يَكُنْ دَيْنُ السَّلَمِ (لِتِجَارَةٍ) ، فَتَجِبُ فِي قِيمَتِهِ كَسَائِرِ عُرُوضِهَا. (وَلَوْ) كَانَ

الدَّيْنُ الَّذِي قُلْنَا: تَجِبُ زَكَاتُهُ (مَجْحُودًا بِلَا بَيِّنَةٍ) ، لِأَنَّ جَحْدَهُ لَا يُزِيلُ مِلْكَ رَبِّهِ عَنْهُ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يُزَكِّيهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، (وَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ) ، أَيْ: الدَّيْنِ (إنْ سَقَطَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِلَا عِوَضٍ، وَلَا إسْقَاطٍ كَصَدَاقٍ سَقَطَ لِفَسْخٍ) مِنْ جِهَتِهَا، أَوْ تَنَصَّفَ لِطَلَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكَدَيْنٍ بِذِمَّةِ رَقِيقٍ يَبْلُغُ نِصَابًا فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، ثُمَّ مَلَكَ رَبُّ الدَّيْنِ الرَّقِيقَ سَقَطَ الدَّيْنُ وَزَكَاتُهُ لِسُقُوطِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَلَا إسْقَاطٍ. (وَثَمَنِ نَحْوِ مَكِيلٍ) كَمَوْزُونٍ (تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ) بَعْدَ الْحَوْلِ، (وَمَوْتِ مَدِينٍ مُفْلِسًا) فَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، وَلَا تَلْزَمُ فِي شَيْءٍ تَعَذَّرَ حُصُولُهُ، وَمِثْلُهُ مَوْهُوبٌ لَمْ يُقْبَضْ رَجَعَ فِيهِ وَاهِبٌ بَعْدَ الْحَوْلِ، فَتَسْقُطُ عَنْ مَوْهُوبٍ لَهُ، (وَإِلَّا) يَسْقُطْ قَبْلَ قَبْضِهِ بِلَا عِوَضٍ، وَلَا إسْقَاطٍ (فَلَا) تَسْقُطُ زَكَاتُهُ، (فَيُزَكِّي) الدَّيْنَ (إذَا قَبَضَ) أَوْ عُوِّضَ عَنْهُ، أَوْ أُحِيلَ بِهِ أَوْ عَلَيْهِ (أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ لِمَا مَضَى) مِنْ السِّنِينَ، وَلَا يَجِبُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَيْسَ مِنْهَا إخْرَاجُ زَكَاةِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ (وَيُجْزِئُ إخْرَاجُهَا) ، أَيْ: زَكَاةِ الدَّيْنِ (قَبْلَ) قَبْضِهِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ، لِقِيَامِ الْوُجُوبِ عَلَى رَبِّهِ، وَعَدَمُ إلْزَامِهِ بِالْإِخْرَاجِ إذَنْ رُخْصَةٌ، وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ، (وَلَوْ قَبَضَ) رَبُّ دَيْنٍ مِنْهُ (دُونَ نِصَابٍ) زَكَّاهُ، وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ، (أَوْ كَانَ بِيَدِهِ) دُونَ نِصَابٍ (وَبَاقِيهِ) ، أَيْ: النِّصَابِ (دَيْنٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ ضَالٌّ زَكَّاهُ) أَيْ: مَا بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ نِصَابٍ مِلْكًا تَامًّا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ كُلَّهُ، أَوْ كَانَ بِيَدِهِ كُلُّهُ. (وَفِي " الْإِقْنَاعِ " وَلَعَلَّهُ فِيمَا إذَا ظَنَّ رُجُوعَهُ) ، أَيْ: الضَّالِّ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ زَكَّتْ) امْرَأَةٌ (صَدَاقَهَا كُلَّهُ) بَعْدَ الْحَوْلِ، وَهُوَ فِي مِلْكِهَا، (ثُمَّ تَنَصَّفَ) الصَّدَاقُ بِطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، (أَوْ سَقَطَ) الصَّدَاقُ

كُلُّهُ بِفَسْخٍ مِنْ جِهَتِهَا لِفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، (رَجَعَ) الزَّوْجُ (فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الصَّدَاقِ (بِكُلِّ حَقِّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] فَلَوْ أَصْدَقهَا ثَمَانِينَ، فَحَالَ الْحَوْلُ وَزَكَّتْهَا أَوْ لَا، رَجَعَ بِأَرْبَعِينَ، وَتَسْتَقِرُّ الزَّكَاةُ عَلَيْهَا. (وَلَا تُجْزِئُهَا زَكَاتُهَا مِنْهُ) أَيْ: الصَّدَاقِ (بَعْدَ) طَلَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ حَالَ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. (وَيَتَّجِهُ: إجْزَاءُ) هَا الْإِخْرَاجَ (فِي قَدْرِ مَا يَخُصُّهَا) ، وَتَغْرَمُ لَهُ نِصْفَ مَا أَخْرَجَتْ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ عَبَّرَ عَنْهُ صَاحِبُ " الْإِنْصَافِ ": بِقِيلَ (وَيُزْكِي مُشْتَرٍ مَبِيعًا مُتَعَيَّنًا) كَنِصَابِ سَائِمَةٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مَوْصُوفٍ مِنْ قَطِيعٍ مُعَيَّنٍ، (أَوْ) مَبِيعًا (مُتَمَيِّزًا) : كَهَذِهِ الْأَرْبَعِينَ شَاةً، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ قُنْدُسٍ، قَالَ: فَكُلُّ مُتَمَيِّزَةٍ مُتَعَيِّنَةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُتَعَيِّنَةٍ مُتَمَيِّزَةً، (وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ) ، أَيْ: الْمَبِيعَ الْمُتَعَيِّنَ أَوْ الْمُتَمَيِّزَ مُشْتَرٍ (حَتَّى انْفَسَخَ) الْبَيْعُ (بَعْدَ الْحَوْلِ) ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ لَا مِنْ أَصْلِهِ، (وَمَا عَدَاهُمَا) ، أَيْ: الْمُتَعَيِّنَ أَوْ الْمُتَمَيِّزَ يُزَكِّيهِ (بَائِعٌ كَ) أَرْبَعِينَ شَاةً مَوْصُوفَةً (فِي ذِمَّةِ) بَائِعٍ (أَقَبَضَ) الْمُشْتَرِي ثَمَنَهَا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَهِيَ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَزَكَاتُهَا (عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ ذَلِكَ الْحَوْلِ عَلَى الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ يُزَكِّيهَا عَمَّا بَعْدَهُ (مَا) دَامَتْ (فِي يَدِهِ) إلَى أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا لَمْ تُوجَبْ زَكَاتُهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي وَلَوْ تَلِفَتْ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا، لَكِنَّ تَسْمِيَتَهَا مَبِيعَةً فِيهِ تَسَمُّحٌ؛ لِأَنَّهَا عَلَى صِفَةِ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا الْبَيْعُ فِي الذِّمَّةِ، أَيْ:

شَيْءٌ سَلَّمَهُ الْبَائِعُ عَنْهُ بِالصِّفَاتِ لَزِمَ قَبُولُهُ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا: إذَا لَمْ يَنْقُصْ النِّصَابُ بِهَا، وَإِلَّا، فَيَأْتِي لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ، وَلَا زَكَاةَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ فِي الْمِثَالِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ لَا زَكَاةَ فِيهَا، لِعَدَمِ السَّوْمِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَبِيعُ الْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ عُرُوضَ تِجَارَةٍ، فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي (وَلَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ فِي) مَالٍ (مُوصًى بِهِ) لِمُعَيَّنٍ (قَبْلَ قَبُولٍ وَرَدٍّ خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) ، حَيْثُ أَطْلَقَ فَقَالَ: وَالْمَالُ الْمُوصَى بِهِ يُزَكِّيهِ مَنْ حَالَ الْحَوْلُ، وَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَوْ وَصَّى بِنَفْعِ نِصَابِ سَائِمَةٍ زَكَّاهَا مَالِكُ الْأَصْلِ، وَقَالَ فِي الْوَصَايَا: لَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ زَكَوِيًّا وَتَأَخَّرَ الْقَبُولُ مُدَّةً تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا بِمِثْلِهَا، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ (الرَّابِعُ: تَمَامُ الْمِلْكِ) فِي الْجُمْلَةِ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ النَّاقِصَ لَيْسَ بِنِعْمَةٍ كَامِلَةٍ، وَهِيَ إنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَتِهَا، إذْ الْمِلْكُ التَّامُّ عِبَارَةٌ عَمَّا كَانَ بِيَدِهِ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى حَسْبِ اخْتِيَارِهِ، وَفَوَائِدُهُ حَاصِلَةٌ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. (وَلَوْ) كَانَ تَمَامُ الْمِلْكِ (فِي مَوْقُوفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ عَنْ سَائِمَةٍ) نَصًّا إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ، لِعُمُومِ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَمْلَاكِهِ، (أَوْ) مِنْ (غَلَّةِ أَرْضٍ وَ) غَلَّةِ (شَجَرٍ) مَوْقُوفَيْنِ عَلَى مُعَيَّنٍ

نَصًّا إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ لَيْسَا وَقْفًا بِدَلِيلِ بَيْعِهِمَا. (وَيُخْرِجُ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ (مِنْ غَيْرِ السَّائِمَةِ وَ) غَيْرِ (أَوْلَادِهَا) ، إذْ السَّائِمَةُ بِخُرُوجٍ عَنْهَا لَا مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ (إنْ بَلَغَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابًا) مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ غَلَّةِ أَرْضٍ وَشَجَرٍ (نِصَابًا) ، وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْخُلْطَةِ فِي غَيْر الْمَاشِيَةِ، (فَلَا زَكَاةَ عَلَى سَيِّدِ) مُكَاتَبٍ (فِي دَيْنِ كِتَابَةٍ) لِنَقْصِ مِلْكِهِ فِيهِ بِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ بِحَالٍ، وَعَدَمِ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، وَضَمَانِهِ، وَمَا قَبَضَهُ مِنْهُ سَيِّدُهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْحَوْلَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَإِلَّا فَكَمُسْتَفَادٍ، وَكَذَا إنْ عَجَزَ وَبِيَدِهِ شَيْءٌ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَا) تَجِبُ زَكَاةٌ (عَلَى مُسْتَحِقٍّ اسْتِحْقَاقُهُ دَيْنٌ مُوقَفٌ) ، لِعَدَمِ تَمَامِ مِلْكِهِ، فَإِذَا قَبَضَهُ ابْتَدَأَ حَوْلَهُ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) لَا زَكَاةَ فِي (حِصَّةِ مُضَارِبٍ) مِنْ رِبْحٍ (قَبْلَ قِسْمَتِهِ، وَلَوْ

مُلِكَتْ) حِصَّتُهُ (بِالظُّهُورِ) ، لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ فَمِلْكُهُ نَاقِصٌ، (وَابْتِدَاءُ حَوْلِهِ مِنْ قِسْمَةٍ) أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَاهَا، فَيُزْكِي رَبُّ الْمَالِ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ كَرَأْسِ الْمَالِ لِمِلْكِهِ الرِّبْحَ بِظُهُورِهِ وَتَبْقِيَتِهِ لِمَالِهِ، بِخِلَافِ الْمُضَارَبِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةُ حِصَّةِ الْمُضَارَبِ مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكِهِ لَهَا. (وَلَا) تَجِبُ زَكَاةٌ (فِي) مَالٍ (مُعَيَّنٍ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) وَلَمْ يَقُلْ: إذَا حَالَ الْحَوْلُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى رَبِّهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ أَوْ نَقْصِهِ، وَكِلَاهُمَا مُسْقِطٌ لِلزَّكَاةِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَحَالَ الْحَوْلُ، تَجِبُ زَكَاتُهُ، مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (وَ) لَا زَكَاةَ فِي (مَوْقُوفٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَعَلَى الْفُقَرَاءِ، (أَوْ) مَوْقُوفٍ عَلَى (مَسْجِدٍ) أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَالِكِ، (وَ) لَا زَكَاةَ فِي (غَنِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ) مِنْ أَجْنَاسٍ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ قَسْمَهَا بِرَأْيِهِ، فَيُعْطِي كُلًّا مِنْ أَيِّ صِنْفٍ شَاءَ، بِخِلَافِ مِيرَاثٍ، (إلَّا) إذَا كَانَتْ الْغَنِيمَةُ (مِنْ جِنْسٍ) وَاحِدٍ، فَيَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَيْهَا، (إنْ بَلَغَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْغَانِمِينَ (نِصَابًا) ، لِتَعَيُّنِ مِلْكِهِ فِيهِ، (وَإِلَّا) تَبْلُغْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابًا، (فَخُلْطَةٌ) . وَيَأْتِي أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ، وَلَا يَخْرُجُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالدَّيْنِ. (وَلَا) تَجِبُ زَكَاةٌ (فِي) مَالٍ (فَيْءٍ، وَ) لَا فِي (خُمُسِ) غَنِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الصَّرْفِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، (وَ) لَا فِي (نَقْدٍ مُوصًى بِهِ فِي وُجُوهِ بِرٍّ، أَوْ) مُوصًى (لِيُشْتَرَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ - (بِهِ وَقْفٌ) ، لِعَدَمِ تَعْيِينِ مَالِكِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ مُوصًى بِهِ لِشِرَاءِ وَقْفٍ: أَيْ: (عَلَى غَيْرِ وَارِثِهِ) ، أَمَّا عَلَيْهِمْ فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا حَالَ

الْحَوْلُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَقَبُولِهِمْ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ مِلْكًا تَامًّا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ الشِّرَاءِ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ كَبَقِيَّةِ أَمْوَالِهِمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَوْ رَبِحَ) ، لِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَالِكِهِ (وَالرِّبْحُ كَأَصْلٍ) ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَمَنْ وَصَّى بِدَرَاهِمَ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ لِيَشْتَرِيَ بِهَا مَا يُوقَفُ، فَاتَّجِرْ بِهَا الْوَصِيُّ، فَرِبْحُهُ مَعَ الْمَالِ فِيمَا وَصَّى بِهِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا، وَيَضْمَنُ إنْ خَسِرَ، نَقَلَ ذَلِكَ الْجَمَاعَةُ. (وَلَا) زَكَاةَ (فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ (يُنْقِصُ النِّصَابَ) ، بَاطِنًا كَانَ الْمَالُ، كَأَثْمَانٍ وَعُرُوضِ تِجَارَةٍ، أَوْ ظَاهِرًا، كَمَاشِيَةٍ وَحُبُوبٍ وَثِمَارٍ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: " سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلِيُؤَدِّهِ، حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ " وَفِي لَفْظٍ

مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِ دَيْنَهُ، وَلْيُزَكِّ بَقِيَّةَ مَالِهِ " وَقَدْ قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ، وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى، وَحَاجَةُ الْمَدِينِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ كَحَاجَةِ الْفَقِيرِ أَوْ أَشَدُّ، وَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَعْطِيلُ حَاجَةِ الْمَالِكِ لِدَفْعِ حَاجَةِ غَيْرِهِ. (وَلَوْ) كَانَ الدَّيْنُ (كَفَّارَةً وَنَحْوَهُ) كَنَذْرٍ، (أَوْ) كَانَ (خَرَاجًا) عَنْ الْأَرْضِ، (أَوْ) كَانَ (زَكَاةَ غَنَمٍ عَنْ إبِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ، يَجِبُ قَضَاؤُهُ فَمَنَعَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَفِي الْحَدِيث: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» وَالزَّكَاةُ مِنْ جِنْسِ مَا وَجَبَتْ فِيهِ تَمْنَعُ بِالْأَوْلَى (لَا مَا) أَيْ: دَيْنًا (بِسَبَبِ ضَمَانٍ) فَلَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ أَصْلٍ فِي لُزُومِ الدَّيْنِ، فَاخْتَصَّ الْمَنْعُ بِأَصْلِهِ لِتَرَجُّحِهِ، وَفِي مَنْعِ الدَّيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِهِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ، وَلَا قَائِلَ بِتَوْزِيعِهِ عَلَى الْجِهَتَيْنِ، فَلَوْ غَصَبَ الْغَانِمُ فَغَصَبَهُ مِنْهُ آخَرُ وَاسْتَهْلَكَهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَلْفٌ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى الثَّانِي، وَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى الْأَلْفَ لَرَجَعَ بِهِ عَلَى الثَّانِي. (أَوْ) إلَّا (دَيْنَ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ وَدِيَاسٍ، لِسَبْقِ وُجُوبِهَا) - أَيْ: الزَّكَاةِ - بِخِلَافِ الْخَرَاجِ، فَإِنْ لَمْ يُنْقِصْ الدَّيْنُ النِّصَابَ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا يُقَابِلُ الدَّيْنَ لِمَا سَبَقَ، وَيُزَكِّي بَاقِيَهُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ حَتَّى دَيْنُ خَرَاجٍ وَأَرْشِ جِنَايَةِ عَبْدِ التِّجَارَةِ، وَمَا اسْتَدَانَهُ لِمَئُونَةِ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ وَدِيَاسٍ، (وَمَتَى بَرِيءَ) مَدِينٍ مِنْ دَيْنٍ بِنَحْوِ قَضَاءٍ مِنْ مَالٍ مُسْتَحْدَثٍ مِنْ إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إبْرَاءٍ، (ابْتَدَأَ حَوْلًا) مُنْذُ بَرِئَ؛ لِأَنَّ مَا مَنَعَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ مَنَعَ انْعِقَادَ الْحَوْلِ وَقَطَعَهُ. (وَيَمْنَعُ أَرْشَ جِنَايَةِ عَبْدِ التِّجَارَةِ زَكَاةَ قِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ جَبْرًا لَا مُوَاسَاةً، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ. (وَمَنْ لَهُ عَرَضٌ قُنْيَةٌ يُبَاعُ لَوْ أَفْلَسَ) ،

أَيْ: حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلِسٍ، بِأَنْ كَانَ فَاضِلًا عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ، (يَفِي) الْعَرْضَ (بِدَيْنِهِ) الَّذِي عَلَيْهِ وَمَعَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ (جَعَلَ) الدَّيْنَ (فِي مُقَابَلَةِ مَا مَعَهُ) مِنْ مَالٍ زَكَوِيٍّ، (وَلَا يُزَكِّيهِ) لِئَلَّا تَخْتَلَّ الْمُوَاسَاةُ، وَلِأَنَّ عَرَضَ الْقُنْيَةِ كَمَلْبُوسِهِ فِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْعَرَضُ لِتِجَارَةٍ، زَكَّى مَا مَعَهُ نَصًّا. (وَكَذَا مَنْ بِيَدِهِ أَلْفٌ) لَهُ، (وَلَهُ عَلَى مَلِيءٍ) دَيْنٌ (أَلْفٌ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ) دَيْنٌ فَيُجْعَلُ الدَّيْنُ فِي مُقَابَلَةِ مَا بِيَدِهِ فَلَا يُزَكِّيهِ وَيُزَكِّي الدَّيْنَ إذَا قَبَضَهُ، (وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنَ) وُجُوبُ (خُمُسِ الزَّكَاةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَكَاةٍ حَقِيقِيَّةً كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي بَيَانِ مَصْرِفِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ نِصَابٌ (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (إذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِنِصَابٍ) إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، (أَوْ) نَذَرَ الصَّدَقَةَ (بِهَذَا النِّصَابِ إذَا حَالَ) عَلَيْهِ (الْحَوْلُ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ تَامٌّ، وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ. (وَيَبْرَأُ) النَّاذِرُ (مِنْ زَكَاةٍ وَنَذْرٍ بِقَدْرِ مَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ بِنِيَّةٍ عَنْهُمَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَدَقَةٌ، كَمَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالرَّاتِبَةَ، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِ النِّصَابِ، فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِعَشْرٍ مِنْ الْأَرْبَعِينَ، وَحَالَ الْحَوْلُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْعَشْرِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَأَجْزَأَتْهُ مِنْهَا، وَبَرِئَ بِقَدْرِهَا مِنْ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ إنْ نَوَاهُمَا جَمِيعًا. (وَيَلْزَمُ رَبَّ مَالٍ زَكَاةُ حِصَّتِهِ مِنْ رِبْحٍ كَأَصْلٍ) تَبَعًا لَهُ، (وَإِذَا أَدَّاهَا) ، أَيْ: زَكَاةَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ (مِنْ غَيْرِهِ) ، أَيْ غَيْرِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، (فَرَأْسُ الْمَالِ بَاقٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُنْقِصُهُ. (وَ) إنْ أَدَّى زَكَاتَهُ (مِنْهُ تُحْسَبُ) زَكَاتُهُ (مِنْ أَصْلِ الْمَالِ، وَ) مِنْ (قَدْرِ حِصَّتِهِ) ، أَيْ:

فصل شروط وجوب الزكاة في الأثمان والماشية وعروض التجارة

رَبِّ الْمَالِ (مِنْ رِبْحٍ) ، فَيُنْقِصُ رُبْعَ عُشْرِ رَأْسِ الْمَالِ مَعَ عَدِّ رُبْعِ عُشْرِ حِصَّةِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَا تُحْسَبُ كُلُّهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَحْدَهُ، وَلَا مِنْ الرِّبْحِ وَحْدَهُ، (وَلَيْسَ لِعَامِلٍ إخْرَاجُ زَكَاةٍ تَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ بِلَا إذْنِهِ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَلِيًّا لَهُ، وَلَا وَكِيلًا عَنْهُ فِيهَا (وَيَصِحُّ شَرْطُ كُلِّ مِنْهُمَا) ، أَيْ: مِنْ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ (زَكَاةَ حِصَّتِهِ مِنْ رِبْحٍ عَلَى الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِهِ لِنَفْسِهِ نِصْفَ الرِّبْحِ وَثُمُنَ عُشْرِهِ مَثَلًا، وَ (لَا) يَصِحُّ شَرْطُ (زَكَاةِ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ) زَكَاةِ (بَعْضِهِ مِنْ رِبْحٍ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحِيطُ بِالرِّبْحِ كَشَرْطِ فَضْلِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ [فَصْلٌ شُرُوط وُجُوبِ الزَّكَاة فِي الْأَثْمَان وَالْمَاشِيَة وَعُرُوضِ التِّجَارَة] (فَصْلٌ) (وَشُرِطَ مَعَ مَا مَرَّ) مِنْ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ، وَهَذَا شَرْطٌ خَامِسٌ لِوُجُوبِ زَكَاةٍ فِي (أَثْمَانٍ وَمَاشِيَةٍ وَعُرُوضِ تِجَارَةٍ، لَا لِخَارِجٍ مِنْ أَرْضٍ وَنَحْلٍ مُضِيُّ حَوْلٍ) عَلَى نِصَابٍ تَامٍّ، لِحَدِيثِ: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» رِفْقًا بِالْمَالِكِ، وَلِيَتَكَامَلَ النَّمَاءُ فَيُوَاسِيَ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ ضَابِطٍ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَعَاقُبِ الْوُجُوبِ فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَارِبِ فَيَفْنَى الْمَالُ، أَمَّا الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ وَالْمَعْدِنُ وَنَحْوُهُ، فَهِيَ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهَا تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهَا عِنْدَ وُجُودِهَا، ثُمَّ لَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ، لِعَدَمِ إرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْدِنُ أَثْمَانًا، وقَوْله تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] يَنْفِي اعْتِبَارَ الْحَوْلِ فِي الْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا، (وَيُعْفَى فِيهِ) أَيْ: الْحَوْلِ (عَنْ نَحْوِ نِصْفِ يَوْمٍ) ، صَحَّحَهُ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ " وَكَمَا يُعْفَى فِي أَثْمَانٍ عَنْ حَبَّةٍ وَحَبَّتَيْنِ، (لَكِنْ يَسْتَقْبِلُ) ، أَيْ: يَبْتَدِئُ الْحَوْلَ (بِصَدَاقٍ

وَأُجْرَةٍ وَعِوَضِ خُلْعٍ مُعَيَّنَيْنِ، وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِ) هَا (مِنْ عَقْدٍ) لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ عَقْدٍ، فَيَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُ مَنْ وَجَبَ لَهُ، وَفِي تَسْمِيَةِ الْخُلْعِ عَقْدًا تَجَوُّزٌ. (وَ) يَسْتَقْبِلُ (بِمُبْهَمٍ مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: الصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ (مِنْ) حِينِ (تَعْيِينٍ) لَا عَقْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفٌ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الضَّمَانِ إلَّا بِهِ، فَلَوْ أَصْدَقَهَا أَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ النِّصَابَيْنِ، أَوْ عَلَى نِصَابٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مَاشِيَةٍ فِي رَجَبٍ مَثَلًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ إلَّا فِي الْمُحَرَّمِ، فَهُوَ ابْتِدَاءُ حَوْلِهِ، وَلَوْ آجَرَ وَنَحْوُهُ بِمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ وَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ فَدَيْنٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَقِيَاسُهُ نَحْوُ ثَمَنٍ وَعِوَضِ صُلْحٍ. (وَيَتْبَعُهُ نِتَاجُ) - بِكَسْرِ النُّونِ - (سَائِمَةٍ) الْأَصْلُ فِي حَوْلِهِ إنْ كَانَ نِصَابًا، لِقَوْلِ عُمَرَ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ، وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ: عُدَّ عَلَيْهِمْ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ. وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ يَخْتَلِفُ وَقْتُ وِلَادَتِهَا فَإِفْرَادُ كُلٍّ بِحَوْلٍ يَشُقُّ فَجُعِلَتْ تَبَعًا لِأُمَّهَاتِهَا كَمَا تَتْبَعُهَا بِالْمِلْكِ. (وَ) يَتْبَعُ (رِبْحُ تِجَارَةٍ) وَهِيَ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلرِّبْحِ، وَهُوَ الْفَضْلُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ (الْأَصْلَ) أَيْ: رَأْسَ الْمَالِ (فِي حَوْلِهِ إنْ كَانَ) الْأَصْلُ (نِصَابًا) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النِّتَاجِ، وَمَا عَدَا النِّتَاجَ وَالرِّبْحَ مِنْ الْمُسْتَفَادِ، وَلَوْ مِنْ جِنْسِ مَا يَمْلِكُهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَيُضَمُّ إلَى نِصَابٍ بِيَدِهِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ الْأَصْلُ نِصَابًا (فَحَوْلُ الْجَمِيعِ) ، أَيْ: الْأُمَّهَاتِ وَالنِّتَاجِ، أَوْ رَأْسِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ (مِنْ حِينَ كَمُلَ النِّصَابُ) ، فَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ بَقَرَةً فَوَلَدَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا مُنْذُ بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ، أَوْ مَلَكَ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فِضَّةً وَرَبِحَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَنِصَابُهَا مُنْذُ كَمُلَتْ مِائَتِي دِرْهَمٍ، وَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ

مِنْهَا فَنَتَجَتْ سَخْلَةً، انْقَطَعَ الْحَوْلُ. وَكَذَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَنْفَصِلَ جَنِينُهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَتَجَتْ ثُمَّ مَاتَتْ. (وَحَوْلُ صِغَارٍ) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ (مِنْ حِينِ مِلْكٍ) كَحَوْلِ (كِبَارٍ) ، لِعُمُومِ حَدِيثِ: «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَلِأَنَّهَا تُعَدُّ مَعَ غَيْرِهَا، فَتُعَدُّ مُنْفَرِدَةً كَالْأُمَّهَاتِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " كَالْإِنْصَافِ " وَغَيْرِهِ بِمَا إذَا كَانَتْ تَتَغَذَّى بِغَيْرِ اللَّبَنِ، لِاعْتِبَارِ السَّوْمِ، وَلَا يَبْنِي وَارِثٌ عَلَى حَوْلِ مُورِثِهِ. (وَمَتَى نَقَصَ) النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ انْقَطَعَ (أَوْ بِيعَ) النِّصَابُ بَيْعًا صَحِيحًا وَلَوْ بِخِيَارٍ انْقَطَعَ حَوْلُهُ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ (أَوْ قُرِضَ) النِّصَابُ انْقَطَعَ حَوْلُهُ (أَوْ أُبْدِلَ مَا) ، أَيْ: نِصَابٌ (تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي عَيْنِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) ، كَإِبْدَالِ بَقَرٍ بِغَيْرِهَا، أَوْ إبِلٍ بِغَيْرِهَا، (لَا فِرَارًا مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (انْقَطَعَ حَوْلُهُ) أَيْ: النِّصَابِ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ، لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَلَمْ يُوجَدْ وَكَذَا كُلُّ مَا خَرَجَ بِهِ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ إقَالَةٍ وَفَسْخٍ لِنَحْوِ عَيْبٍ وَرُجُوعِ وَاهِبٍ فِي هِبَتِهِ، وَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَجَعْلِهِ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا أَوْ صَدَاقًا أَوْ أُجْرَةً وَنَحْوَهُ، (إلَّا فِي ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، وَعَكْسِهِ) كَفِضَّةٍ بِذَهَبٍ، فَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُضَمُّ إلَى الْآخِرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَبِخُرُوجٍ عَنْهُ، فَهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ. (وَ) إلَّا فِي (عُرُوضِ تِجَارَةٍ) ، فَلَا يَنْقَطِعُ حَوْلُهَا بِبَيْعِهَا أَوْ إبْدَالِهَا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي قِيمَتِهَا لَا فِي عَيْنِهَا، (وَ) إلَّا فِي (أَمْوَالِ صَيَارِفَ) ، فَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ بِإِبْدَالِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى سُقُوطِ الزَّكَاةِ فِي مَالٍ يَنْمُو، وَوُجُوبِهَا فِي مَالٍ لَا يَنْمُو، وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي عَكْسَهُ. (وَيُخْرِجُ) مَنْ أَبْدَلَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ أَوْ عَكْسُهُ (مِمَّا مَعَهُ) عِنْدَ تَمَامِ

الْحَوْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الْآخِرِ، وَ (لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ إذَا بِيعَ أَوْ أُبْدِلَ) مَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ (بِجِنْسِهِ) ، نُصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ نَوْعُهُ؛ لِأَنَّهُ نِصَابٌ يُضَمُّ إلَيْهِ نَمَاؤُهُ فِي الْحَوْلِ فَبُنِيَ حَوْلُهُ بَدَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى حَوْلِهِ كَالْعُرُوضِ، (فَلَوْ أَبْدَلَهُ) ، أَيْ: النِّصَابَ (بِأَكْثَرَ) مِنْ جِنْسِهِ (زَكَّاهُ) ، أَيْ: الْأَكْثَرَ (إذَا تَمَّ حَوْلُ) النِّصَابِ (الْأَوَّلِ) (كَنِتَاجٍ) نَصًّا، (فَبَائِعُ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ بِعِشْرِينَ) مِنْهَا (قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلٍ يُزَكِّي الْعِشْرِينَ) ، وَلَوْ بَاعَهَا بِأَرْبَعٍ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ. (وَإِنْ فَرَضَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِهِ) ، أَيْ: الْحَوْلِ، حَرُمَ، وَ (لَمْ تَسْقُطْ) الزَّكَاةُ (بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ) بِبَيْعٍ أَوْ إبْدَالٍ بِأَنْقَصَ مِنْ النِّصَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17] الْآيَاتِ، فَعَاقَبَهُمْ - تَعَالَى - بِذَلِكَ لِفِرَارِهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهُ قُصِدَ بِهِ إسْقَاطُ حَقِّ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ، كَالْمُطَلِّقِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِهِ، هُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْهَا لَا تَسْقُطُ مُطْلَقًا، أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ انْتَهَى، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى ". (وَيُزَكِّي) مَنْ نَقَّصَ النِّصَابَ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ فِرَارًا (مِنْ جِنْسِ مَا) ، أَيْ: النِّصَابِ الَّذِي (فَرَّ مِنْهُ) بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ، لِذَلِكَ الْحَوْلِ الَّذِي فَرَّ فِيهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي انْعَقَدَ فِيهِ الْوُجُوبُ دُونَ مَا بَعْدَهُ. (وَإِنْ ادَّعَى) مَالِكُ نِصَابٍ نَقَّصَ مِنْهُ أَوْ بَاعَ وَنَحْوُهُ (عَدَمَ) ، أَيْ: الْفِرَارِ، (وَثَمَّ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (قَرِينَةُ) فِرَارٍ، كَكَوْنِهِ شَحِيحًا، أَوْ تَخَاصَمَ مَعَ السَّاعِي، أَوْ الْفُقَرَاءِ (عُمِلَ بِهَا) ، أَيْ: الْقَرِينَةِ، وَرُدَّ قَوْلُهُ، لِدَلَالَتِهَا عَلَى كَذِبِهِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ (قُبِلَ قَوْلُهُ) فِي عَدَمِ الْفِرَارِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.

(وَيَتَّجِهُ) : قَبُولُ قَوْلِ مُدَّعٍ عَدَمَ الْفِرَارِ (بِلَا يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى -، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِذَا مَضَى حَوْلٌ) أَوْ بَدَأَ صَلَاحُ حَبٍّ وَثَمَرٍ وَنَحْوِهِ (وَجَبَتْ) الزَّكَاةُ (فِي عَيْنِ الْمَالِ) الَّذِي تُجْزِئُ زَكَاتُهُ مِنْهُ، كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ فَأَكْثَرَ سَائِمَةً، وَحُبُوبٍ وَثِمَارٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: 24] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» ، وَقَوْلُهُ: «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَنَظَائِرُهَا، وَ (لَا) يَجِبُ إخْرَاجُهَا (مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ عَيْنِ الْمَالِ الْمُزَكَّى، فَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَهَا بِالْعَيْنِ، كَالْعَبْدِ الْجَانِي إذَا فَدَاهُ سَيِّدُهُ. (وَيَتَّجِهُ) : تَعَلُّقُهَا بِعَيْنِ مَالٍ (لَا بِذِمَّتِهِ) مُزَكٍّ؛ لِأَنَّ " فِي " فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْحَدِيثَيْنِ وَنَظَائِرِهِمَا لِلظَّرْفِيَّةِ أَصَالَةً، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الْمَالِ وَصِفَاتِهِ حَتَّى وَجَبَتْ بِالْجَيِّدِ وَالْوَسَطِ وَالرَّدِيءِ بِحَسَبِهِ، فَكَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِعَيْنِهِ لَا بِالذِّمَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَكْسُ ذَلِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَمَعَ كَوْنِهَا تَجِبُ فِي عَيْنِ الْمَالِ (فَيَجُوزُ) أَنْ (تَخْرُجَ مِنْ غَيْرِهِ) ، أَيْ: الْمَالِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَفِي نِصَابٍ) فَقَطْ، كَعِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا، أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةً، أَوْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، (لَمْ يُزَكَّ) ذَلِكَ النِّصَابُ (حَوْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ حَوْلَيْنِ، (زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ) لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ مَلَكَ مَالًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، لِنَقْصِهِ عَنْ النِّصَابِ بِمَا وَجَبَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ (إلَّا مَا زَكَاتُهُ الْغَنَمُ عَنْ إبِلٍ) ، كَمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْهَا إذَا مَضَى عَلَيْهِ أَحْوَالٌ وَلَمْ يُزَكِّهِ، (فَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ زَكَاةٌ) نَصًّا، لِتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِذِمَّتِهِ لَا بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ

لَا يُخْرِجُ مِنْهُ، فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِهِ، (لَكِنْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى خَمْسٍ) مِنْ (إبِلٍ امْتَنَعَتْ زَكَاةُ) حَوْلٍ (ثَانٍ لِكَوْنِهَا دَيْنًا) فَيَنْقُصُ بِهَا النِّصَابُ، فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ. (وَمَا زَادَ عَلَى نِصَابٍ) مِمَّا زَكَاتُهُ فِي عَيْنِهِ (يَنْقُصُ مِنْ زَكَاتِهِ كُلَّ حَوْلٍ) مَضَى (بِقَدْرِ نَقْصِهِ بِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَيَنْقُصُ بِقَدْرِهَا، فَلَوْ مَلَكَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ غَنَمٍ، ثُمَّ مَضَى حَوْلَانِ فَأَكْثَرَ، فَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ شَاتَانِ، وَلِمَا بَعْدَهُ شَاةٌ حَتَّى تَنْقُصَ عَنْ أَرْبَعِينَ. وَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ، وَمَضَى أَحْوَالٌ، فَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ بِنْتُ مَخَاصٍ، وَلِمَا بَعْدَهُ أَرْبَعُ شِيَاهٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَتَعَلُّقُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (بِالنِّصَابِ) كَتَعَلُّقِ (أَرْشِ جِنَايَةٍ) بِرَقَبَةِ جَانٍ، (لَا) كَتَعَلُّقِ (دَيْنٍ بِرَهْنٍ، أَوْ) تَعَلُّقِ دَيْنٍ (بِمَالٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، وَلَا) (كَتَعَلُّقِ شَرِكَةٍ) بِمَالٍ مُشْتَرَكٍ، (فَلَهُ) ، أَيْ: الْمَالِكِ (إخْرَاجُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (مِنْ غَيْرِهِ) ، أَيْ: النِّصَابِ، كَمَا لِسَيِّدِ الْجَانِي فِدَاؤُهُ بِغَيْرِ ثَمَنِهِ (وَالنَّمَاءُ بَعْدَ وُجُوبِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لَهُ) ، أَيْ: الْمَالِكِ كَوَلَدِ الْجَانِيَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ، فَكَذَا إنْمَاءُ النِّصَابِ وَنِتَاجُهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ، فَلَا تَكُونُ الْفُقَرَاءُ شُرَكَاءَ فِيهِ. (وَإِنْ أَتْلَفَهُ) ، أَيْ: النِّصَابَ مَالِكٌ، (لَزِمَ) هـ (مَا وَجَبَ فِيهِ) مِنْ الزَّكَاةِ (لَا قِيمَتُهُ) ، أَيْ: النِّصَابِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الْجَانِي مَالِكَهُ، وَكَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ دُونَ قِيمَتِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ، بِخِلَافِ الرَّاهِنِ إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ مَكَانَهُ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمَالِكِ (التَّصَرُّفُ) فِيمَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ (بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ) كَهِبَةٍ وَإِصْدَاقٍ، كَمَا أَنَّ لَهُ ذَلِكَ فِي الْجَانِي، بِخِلَافِ رَاهِنٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ وَشَرِيكٍ (وَلَا يَرْجِعُ بَائِعٌ بَعْدَ لُزُومِ بَيْعٍ فِي قَدْرِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ حَيْثُ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِهِ. وَيُخْرِجُهَا الْبَائِعُ،

كَمَا لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِيَ لَزِمَ فِدَاؤُهُ وَلَزِمَ الْبَيْعُ، (إلَّا إنْ تَعَذَّرَ غَيْرُهُ) فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الْبَائِعِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ فُسِخَ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ لِسَبْقِ وُجُوبِهَا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ صَدَّقَهُ مُشْتَرٍ عَلَى وُجُوبِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ، وَعَجْزُهُ عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْبَائِعِ عَلَيْهِ. (وَلِمُشْتَرٍ الْخِيَارُ) إذَا رَجَعَ الْبَائِعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ، لِتَبَعُّضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ. وَمِثْلُهُ مُشْتَرٍ جَانٍ. وَلِبَائِعٍ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَبِيعٍ فِيهِ خِيَارٌ مِنْهُ، فَيَبْطُلُ فِي قَدْرِهِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (إمْكَانُ أَدَائِهَا) مِنْ الْمَالِ، فَتَجِبُ فِي الدَّيْنِ وَالْغَائِبِ وَالضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ لِلْعُمُومَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَطَ لَمْ يَنْعَقِدْ الْحَوْلُ الثَّانِي حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَنْعَقِدُ عَقِبَ الْأَوَّلِ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَالْعَاجِزِ عَنْ أَدَائِهِ. (وَلَا) يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا أَيْضًا (بَقَاءُ مَالٍ) وَجَبَتْ فِيهِ. (وَيَتَّجِهُ) : مَحِلُّ وُجُوبِهَا فِيهِ إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ (بِيَدِهِ) فَتَلِفَ، أَوْ أُتْلِفَ، فَلَا تَسْقُطُ زَكَاتُهُ فَرَّطَ أَوْ لَا، تَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّهَا حَقُّ آدَمِيٍّ أَوْ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَتْ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ تَسْلِيمِهَا إلَى مُسْتَحَقِّهَا فَضَمِنَهَا بِتَلَفِهَا بِيَدِهِ، كَعَارِيَّةٍ وَغَصْبٍ، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْجَانِي وَ (لَا) يَلْزَمُ إخْرَاجُ زَكَاةِ (نَحْوِ) مَالٍ (غَائِبٍ) عَنْ مُزْكٍ، كَمَغْصُوبٍ وَمُودَعٍ وَمُسَافَرٍ بِهِ لِتِجَارَةٍ حَتَّى يَصِلَ إلَى يَدِهِ فَيُزَكِّيهِ لِمَا مَضَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (إلَّا إذَا تَلِفَ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ بِجَائِحَةٍ

قَبْلَ وَضْعِ بَيْدَرٍ وَمِسْطَاحٍ، وَلَوْ بَعْدَ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ) ، فَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا، كَمَا يَسْقُطُ الثَّمَنُ إذَا تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ بِجَائِحَةٍ وَأَوْلَى. هَذَا الْمَذْهَبُ (خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى " (هُنَا) حَيْثُ قَالَا: قَبْلَ حَصَادٍ وَجِذَاذٍ، لَكِنَّ صَاحِبَ " الْإِقْنَاعِ " أَحَالَ عَلَى مَا يَأْتِي فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، ثُمَّ صَرَّحَ هُوَ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى " هُنَاكَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إلَّا بِجَعْلِهَا فِي جَرِينٍ وَبَيْدَرٍ وَمِسْطَاحٍ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ، خُرِصَتْ الثَّمَرَةُ أَوْ لَمْ تُخْرَصْ (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ أُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) نَصًّا، وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهَا كَالْعَشْرِ، وَلِحَدِيثِ: «فَدِينُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» ، وَلِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ أَشْبَهَ دَيْنَ الْآدَمِيِّ. (وَيَتَّجِهُ: وَمَعَ جَهْلِ) وَرَثَةٍ (بِإِخْرَاجِ) مُوَرِّثٍ (فَاسِقٍ) الزَّكَاةَ فِي حَيَاتِهِ (فَالْأَصْلُ عَدَمُ) ، أَيْ: الْإِخْرَاجِ، فَيُخْرِجُهَا وَارِثٌ مِنْ تَرِكَتِهِ. (وَفِي) جَهْلِ وَرَثَتِهِ بِإِخْرَاجِ مُوَرِّثٍ (عَدْلٍ يُحْتَمَلُ) الْإِخْرَاجُ وَعَدَمُهُ، وَحَيْثُ احْتَمَلَ فَالِاحْتِيَاطُ الْإِخْرَاجُ تَبْرِئَةً لِذِمَّةِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(وَ) زَكَاةٌ (مَعَ دَيْنٍ بِلَا رَهْنٍ وَضِيقِ مَالٍ) تَرِكَةِ مَيِّتٍ عَنْ زَكَاةٍ وَدَيْنٍ (يَتَحَاصَّانِ) ، أَيْ: الزَّكَاةُ وَدَيْنُ الْآدَمِيِّ نَصًّا لِلتَّزَاحُمِ، (كَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ) وَحَجٍّ ضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْ الْجَمِيعِ، تُقْسَمُ التَّرِكَةُ بِالْحِصَصِ لِعُمُومِ حَدِيثِ: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» . (وَ) دَيْنٌ (بِهِ) ، أَيْ: الرَّهْنِ (يُقَدَّمُ) فَيُوَفَّى مُرْتَهِنٌ دَيْنَهُ مِنْ الرَّهْنِ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَهُ شَيْءٌ صُرِفَ فِي الزَّكَاةِ. وَكَذَا جَانٍ (بَعْدَ نَذْرٍ) بِصَدَقَةٍ (بِمُعَيَّنٍ) وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِيَتَحَاصَّانِ، فَإِنْ كَانَ نَذَرَ بِمُعَيَّنٍ قُدِّمَ لِوُجُوبِ عَيْنِهِ. (ثُمَّ) بَعْدَ (أُضْحِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ) فَتُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ ذَبْحُهَا، فَلَمْ تُبَعْ فِي دَيْنِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا، وَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي ذَبْحِهَا وَتَفْرِقَتِهَا. (وَيَتَّجِهُ: هَذَا) ، أَيْ: مَحَلُّ وُجُوبِ تَقَدُّمِ النَّذْرِ بِمُعَيَّنٍ، وَالْأُضْحِيَّةَ الْمُعَيَّنَةِ عَلَى الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ (إذَا لَزِمَا ذِمَّتَهُ) ، أَيْ: ذِمَّةَ الْمَيِّتِ (بِإِتْلَافِهِ لَهُمَا) فِي حَيَاتِهِ، فَيُؤْخَذُ بَدَلُهُمَا مِنْ تَرِكَتِهِ (وَإِلَّا) بِتَلَفِهِمَا، فَإِنْ كَانَا بَاقِيَيْنِ أُخْرِجَا قَبْلَ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَا تَالِفَيْنِ، وَالْمُتْلِفُ لَهُمَا غَيْرُ الْمَيِّتِ، (فَلَا يُتَصَوَّرُ) أَخْذُ بَدَلِهِمَا مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بَدَلُهُمَا مِمَّنْ أَتْلَفَهُمَا، وَإِنْ كَانَا تَلِفَا بِفِعْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطِ أَحَدٍ، فَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا بَدَلُهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكَذَا لَوْ أَفْلَسَ حَيٌّ) وَلَهُ أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ

باب زكاة السائمة من بهيمة الأنعام

أَوْ نَذْرٌ مُعَيَّنٌ، فَيَخْرُجُ ثَمَّ دَيْنٌ بِرَهْنٍ، ثُمَّ يُتَحَاصُّ بَقِيَّةُ دُيُونِهِ مِنْ زَكَاةٍ وَغَيْرِهَا [بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ] (بَابُ زَكَاةِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) سُمِّيَتْ بَهِيمَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ، وَبَدَأَ بِهَا اقْتِدَاءً بِالصِّدِّيقِ فِي كِتَابِهِ لِأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِطُولِهِ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ مُفَرَّقًا. وَخَرَجَ بِالسَّائِمَةِ الْمَعْلُوفَةُ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، لِمَفْهُومِ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «فِي كُلِّ إبِلٍ سَائِمَةٍ، فِي كُلٍّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَحَدِيثِ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا: «وَفِي الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ» الْحَدِيثَ. وَفِي آخِرِهِ أَيْضًا «إذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» فَقَيَّدَ بِالسَّوْمِ، وَأَبْدَلَ

الْبَعْضَ مِنْ الْكُلِّ، وَأَعَادَ الْمُعْتَدَّ مَرَّةً أُخْرَى، وَذَلِكَ دَلِيلُ اشْتِرَاطِهِ خُصُوصًا مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى مُنَاسَبَةٍ. . (وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (إلَّا فِيمَا) ، أَيْ: سَائِمَةٍ (لِدَرٍّ، وَنَسْلٍ وَتَسْمِينٍ) ، فَ (لَا) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي سَائِمَةٍ (لِعَمَلٍ كَإِبِلٍ) تُؤَجَّرُ وَيُنْتَفَعُ بِظَهْرِهَا، وَبَقَرِ حَرْثٍ وَنَحْوِهِ أَكْثَرَ الْحَوْلِ، (وَالسَّوْمُ) الْمُشْتَقُّ مِنْهُ السَّائِمَةُ: (أَنْ تَرْعَى) ، فَالسَّائِمَةُ الرَّاعِيَةُ يُقَالُ: سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا، وَأَسَمْتُهَا: إذَا رَعَيْتُهَا، وَمِنْهُ {فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] ، (الْمُبَاحَ) غَيْرَ الْمَمْلُوكِ (أَكْثَرَ الْحَوْلِ) نَصًّا؛ لِأَنَّ عَلَفَ السَّوَائِمِ يَقَعُ عَادَةً فِي السَّنَةِ كَثِيرًا، وَيَنْدُرُ وُقُوعُهُ فِي جَمِيعِهَا لِعُرُوضِ مَوَانِعِهِ مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ وَثَلْجٍ، فَاعْتِبَارُهُ فِي كُلِّ الْعَامِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي بَعْضِهِ إجْحَافٌ بِالْمُلَّاكِ، وَاعْتِبَارُ الْأَكْثَرِ تَعْدِيلٌ بَيْنَهُمَا، وَدَفْعٌ لِأَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِأَدْنَاهُمَا، وَالْأَكْثَرُ أُلْحِقَ بِالْكُلِّ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ. (وَلَوْ) كَانَ الْأَكْثَرُ (أَثْنَاءَ) الْحَوْلِ طَرَفًا أَوْ وَسَطًا، (وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ) ، أَيْ: السَّوْمِ، (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي سَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا) كَمَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي زَرْعٍ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرَهُ إلَى أَرْضٍ فَنَبِتْ فِيهَا، (أَوْ) سَائِمَةٍ (بِفِعْلِ غَاصِبِهَا) بِأَنْ أَسَامَهَا الْغَاصِبُ، فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، كَزَرْعٍ غُصِبَ حَبُّهُ فَنَبَتَ، فَفِيهِ الْعُشْرُ عَلَى مَالِكِهِ. وَ (لَا) تَجِبُ (فِي مُعْتَلِفَةٍ بِنَفْسِهَا أَوْ بِفِعْلِ غَاصِبٍ لَهَا) ، أَيْ: الْبَهَائِمِ (أَوْ) بِفِعْلِ غَاصِبٍ (لِعَلَفِهَا) مَالِكًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى لَهَا، أَوْ زَرَعَ مَا تَأْكُلُهُ، أَوْ جَمَعَهُ مِنْ مُبَاحٍ، فَلَا زَكَاةَ، لِعَدَمِ السَّوْمِ، (وَعَدَمُهُ) ، أَيْ: السَّوْمِ (مَانِعٌ) مِنْ مُبَاحٍ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، لَا أَنَّ وُجُودَهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِهَا، كَمَا أَنَّ السَّقْيَ بِكُلْفَةٍ أَكْثَرَ الْحَوْلِ مَانِعٌ مِنْ

وُجُوبِ الْعُشْرِ كُلِّهِ (فَيَصِحُّ أَنْ تُعَجَّلَ) الزَّكَاةُ (قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ) ، أَيْ: السَّوْمِ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ إذَنْ، وَهُوَ الْعَلَفُ فِي نِصْفِ الْحَوْلِ فَأَكْثَرَ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِي بَابِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ، وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى السَّوْمِ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ؟ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِقْنَاعِ "، فَلَا يَصِحُّ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ. أَوْ عَدَمُ السَّوْمِ مَانِعٌ، كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " وَغَيْرُهُ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَيَصِحُّ التَّعْجِيلُ (وَيَنْقَطِعُ السَّوْمُ شَرْعًا) ، أَيْ: فِي حُكْمِ الشَّرْعِ (بِقَطْعِهَا) ، أَيْ: الْمَاشِيَةِ (عَنْهُ) ، أَيْ: السَّوْمِ (عُرْفًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ (بِقَصْدِ قَطْعِ طَرِيقٍ بِهَا) ، أَيْ: الْمَاشِيَةِ. (وَنَحْوِهِ) كَقَصْدِ جَلْبِ خَمْرٍ أَوْ امْرَأَةٍ يَزْنِي بِهَا عَلَيْهَا كَانْقِطَاعِ (حَوْلِ تِجَارَةٍ بِنِيَّةِ قِنْيَةِ عَبِيدِهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ (لِذَلِكَ) ، أَيْ: قَطْعِ الطُّرُقِ وَنَحْوِهِ (أَوْ) نِيَّةِ، قِنْيَةِ (ثِيَابِهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ (الْحَرِيرِ لِلُبْسٍ مُحَرَّمٍ) كَمَا يَنْقَطِعُ إذَا قَطَعَهَا لِأَجْلِ مُبَاحٍ. (وَيَتَّجِهُ) إنَّمَا يَنْقَطِعُ السَّوْمُ إذَا كَانَ فَاعِلُ مَا ذُكِرَ (غَيْرُ فَارٍّ فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلَّ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِرَارًا لَبَقِيَ السَّوْمُ مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَلَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ السَّوْمِ (بِنِيَّتِهَا) ، أَيْ: السَّائِمَةِ لِعَمَلٍ مِنْ حَمْلٍ أَوْ كِرَاء وَنَحْوِهِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: الْعَمَلِ الَّذِي نَوَيْتَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ خِلَافُهُ، وَلَمْ يُوجَدْ

(وَلَا شَيْءَ فِي إبِلٍ) سَائِمَةٍ (حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا) لِحَدِيثِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» وَبَدَأَ بِالْإِبِلِ تَأْسِيسًا بِكِتَابِ الشَّارِعِ حِينَ فَرَضَ زَكَاةَ الْأَنْعَامِ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ النَّعَمِ قِيمَةً وَإِحْسَانًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا (فَفِيهَا شَاةٌ) إجْمَاعًا (أَصَالَةً) ، فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ دَرَاهِمَ بَدَلًا عَنْهَا، سَوَاءٌ وُجِدَتْ أَوْ لَمْ تُوجَدْ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. (مِنْ ضَأْنٍ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَمِنْ مَعْزِلِهَا سَنَةٌ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَتَكُونُ الشَّاةُ (بِصِفَةِ) إبِلٍ جَوْدَةً وَرَدَاءَةً (غَيْرَ مَعِيبَةٍ) ، فَفِي إبِلٍ كِرَامٍ سِمَانٍ شَاةٌ كَرِيمَةٌ سَمِينَةٌ، (وَفِي) الْإِبِلِ (الْمَعِيبَةِ) شَاةٌ (صَحِيحَةٌ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا بِقَدْرِ نَقْصِ إبِلٍ) كَشَاةِ الْغَنَمِ، فَمَثَلًا لَوْ كَانَتْ الْإِبِلُ مِرَاضًا، وَقُوِّمَتْ لَوْ كَانَتْ صِحَاحًا بِمِائَةٍ، وَكَانَتْ الشَّاةُ فِيهَا قِيمَتُهَا خَمْسَةٌ، ثُمَّ قُوِّمَتْ مِرَاضًا بِثَمَانِينَ، كَانَ نَقْصُهَا بِسَبَبِ الْمَرَضِ عِشْرِينَ، وَذَلِكَ خُمْسُ قِيمَتِهَا لَوْ كَانَتْ صِحَاحًا، فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعَةٌ، بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ، وَهُوَ الْخُمُسُ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ (وَلَا يُجْزِئُ) عَنْ خَمْسٍ مِنْ إبِلٍ (بَعِيرٌ) نَصًّا، ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، (وَلَا بَقَرَةٌ) وَلَوْ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الشَّاةِ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً. (وَلَا) يُجْزِئُ (نِصْفَا شَاتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ تَشْقِيصٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ يَلْزَمُ مِنْهُ سُوءُ الشَّرِكَةِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يُجْزِئُ (مَعِيبَةٌ) لَا يُضَحَّى بِهَا، كَمَا لَوْ أُخْرِجَتْ عَنْ شِيَاهٍ (ثُمَّ) إنْ زَادَتْ إبِلٌ عَلَى خَمْسٍ، فَ (فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، فَتَجِبُ) فِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَجَبَتْ (بِنْتُ مَخَاضٍ) إجْمَاعًا، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: «فَإِذَا

بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» (وَهِيَ: مَا تَمَّ لَهَا سَنَةٌ) وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، (سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ غَالِبًا، وَلَيْسَ) حَمْلُ أُمِّهَا (بِشَرْطٍ) فِي إجْزَائِهَا وَلَا تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا بِغَالِبِ حَالِهَا (وَالْمَاخِضُ الْحَامِلُ، فَإِنْ كَانَتْ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (عِنْدَهُ وَهِيَ أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ فِيمَا بِيَدِهِ، (خُيِّرَ بَيْنَ إخْرَاجِهَا وَ) بَيْنَ (شِرَاءِ مَا) ، أَيْ: بِنْتِ مَخَاضٍ (بِصِفَتِهِ) ، أَيْ: الْوَاجِبِ، وَيُخْرِجُهَا وَلَا يُجْزِيهِ ابْنُ لَبُونٍ إذَنْ، لِوُجُودِ بِنْتِ مَخَاضٍ صَحِيحَةٍ فِي مَالِهِ. (وَإِنْ كَانَتْ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (مَعِيبَةً، أَوْ لَيْسَتْ فِي مَالِهِ، فَذَكَرٌ) ابْنُ لَبُونٍ (أَوْ خُنْثَى وَلَدُ لَبُونٍ، وَهُوَ: مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ) ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ قَدْ وَضَعَتْ غَالِبًا، فَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ،. (وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ) ، أَيْ: وَلَدَ اللَّبُونِ (عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ، فَفِيهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (أَوْ حِقٌّ: مَا تَمَّ لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ) ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَيُرْكَبَ، وَيُقَالُ لِلْأُنْثَى: حِقَّةٌ لِذَلِكَ، وَلِاسْتِحْقَاقِهَا طَرْقَ الْفَحْلِ لَهَا، (أَوْ جَذَعٌ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: (مَا تَمَّ لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ) ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُجْذَعُ إذَا سَقَطَتْ سِنُّهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ اسْمٌ لَهُ فِي زَمَنٍ لَيْسَ بِسِنٍّ تَنْبُتُ وَلَا تَسْقُطُ. (أَوْ ثَنِيٍّ: مَا تَمَّ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ) ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ. (وَ) الْحِقُّ وَالْجَذَعُ وَالثَّنِيِّ (أَوْلَى) بِالْإِجْزَاءِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ مِنْ ابْنِ اللَّبُونِ لِزِيَادَةِ سِنِّهِ (بِلَا جُبْرَانٍ) إذَا أَخْرَجَ ابْنَ اللَّبُونِ فَمَا فَوْقَهُ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ فِي ذَلِكَ. وَيُجْزِئُ الْحِقُّ أَوْ الْجَذَعُ أَوْ الثَّنِيُّ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ، وَلَوْ وُجِدَ ابْن لَبُونٍ لِزِيَادَةِ سِنِّهِ، فَإِنْ عُدِمَ ابْنُ اللَّبُونِ، لَزِمَ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ ابْنُ لَبُونٍ يَشْتَرِيهِ

إذَنْ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَمِ، فَلَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ لِتَرَجُّحِهَا بِالْأَصَالَةِ. (وَلَا يُجْبَرُ فَقْدُ أُنُوثَةٍ بِزِيَادَةِ سِنٍّ ذَكَرٍ غَيْرَ هُنَا) ، أَيْ: فِي غَيْرِ بِنْتِ الْمَخَاضِ، (فَلَا يُخْرِجُ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ حِقًّا) إذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا تُجْزِئُ (عَنْ حِقَّةٍ جِذَعًا) ، وَلَا عَنْ الْجَذَعَةِ ثَنِيًّا مَعَ وُجُودِهِمَا أَوْ عَدَمِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى ابْنِ اللَّبُونِ مَكَانَ بِنْتِ الْمَخَاضِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ سِنِّهِ عَلَيْهَا يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَيَرْعَى الشَّجَرَ بِنَفْسِهِ، وَيَرِدُ الْمَاءَ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي الْحِقِّ مَعَ بِنْتِ اللَّبُونِ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي هَذَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ زِيَادَةِ السِّنِّ، فَلَمْ يُقَابِلْ الْأُنُوثِيَّةَ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَهُ فِي الْحَدِيثِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ (أَوْ يُخْرِجُ) مَنْ عَدِمَ بِنْتَ مَخَاضٍ صَحِيحَةٍ (بِنْتَ لَبُونٍ) عَنْهَا، (وَيَأْخُذُ الْجُبْرَانَ، وَلَوْ وَجَدَ ابْنَ لَبُونٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ. (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) بَعِيرًا (بِنْتُ لَبُونٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا وَضَعَتْ) غَالِبًا (فَهِيَ ذَاتُ لَبَنٍ) ، وَلَيْسَ شَرْطًا بَلْ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ أَحْوَالِهَا (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) وَهِيَ أَعْلَى سِنٍّ يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ. (وَتُجْزِئُ ثَنِيَّةٌ) ، وَهِيَ: مَا دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ (وَ) مَا (فَوْقَهَا) عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ أَوْ حِقَّةٍ أَوْ جَذَعَةٍ (بِلَا جُبْرَانٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الثَّنِيَّةِ (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ) ، إجْمَاعًا، (وَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ فِيمَا كَتَبَ لَهُ الصِّدِّيقُ حِينَ وَجَّهَهُ إلَى الْيَمَنِ، (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ) الْفَرِيضَةُ (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ

وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ، وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ) ، لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ، وَلَا أَثَرَ بِزِيَادَةِ بَعْضِ بَعِيرٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ، أَوْ زِيَادَةِ بَعْضِ بَقَرَةٍ أَوْ بَعْضِ شَاةٍ، (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْإِبِلُ (مَا يَتَّفِقُ فِيهِ الْفَرْضَانِ كَمِئَتَيْنِ) فِيهَا أَرْبَعُ خَمْسِينِيَّاتٍ وَخَمْسُ أَرْبَعِينِيَّاتٍ (أَوْ أَرْبَعُمِائَةٍ) فِيهَا ثَمَانُ خَمْسِينِيَّاتٍ وَعَشْرُ أَرْبَعِينِيَّاتٍ، (خُيِّرَ) مُخْرِجٌ (بَيْنَ حِقَاقٍ وَ) بَيْنَ (بَنَاتِ لَبُونٍ) لِوُجُودِ مُقْتَضَى كُلٍّ مِنْ الْفَرْضَيْنِ، إلَّا وَلِيَّ يَتِيمٍ وَيَأْتِي، (وَيَصِحُّ) فِي إخْرَاجٍ عَنْ نَحْوِ أَرْبَعِمِائَةٍ (كَوْنُ الشَّطْرِ) ، أَيْ: النِّصْفَ (مِنْ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ، وَالشَّطْرِ مِنْ) النَّوْعِ (الْآخَرِ، فَيُخْرِجُ) عَنْهَا (أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) وَلَا يُجْزِئُ عَنْ مِئَتَيْنِ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ وَنِصْفُ التَّشْقِيصِ. (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) ، أَيْ: النَّوْعَيْنِ (نَاقِصًا يَحْتَاجُ لِجُبْرَانٍ كَمِئَتَيْنِ بِهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَأَرْبَعُ حِقَاقٍ) ، وَالْآخَرُ كَامِلًا، (تَعَيَّنَ الْكَامِلُ) وَهُوَ الْحِقَاقُ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ الْأَصْلِ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ، (وَمَعَ عَدَمِ النَّوْعَيْنِ أَوْ عَيْبِهِمَا أَوْ عَدَمِ) كُلِّ سِنٍّ وَجَبَ، (أَوْ عَيْبِ كُلِّ سِنٍّ) ، - أَيْ: ذَاتِ سِنٍّ - وَجَبَ فِي إبِلٍ وَلَهُ أَسْفَلُ كَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ وَجَذَعَةٍ، (فَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى مَا) ، أَيْ: سِنٍّ (يَلِيهِ مِنْ أَسْفَلَ وَيُخْرِجُ مَعَهُ جُبْرَانًا أَوْ) كَانَ لَهُ أَعْلَى كَبِنْتِ مَخَاضٍ وَبِنْتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ، فَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ (إلَى مَا يَلِيهِ مِنْ فَوْقٍ وَيَأْخُذَ جُبْرَانًا) ، لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ فِي الصَّدَقَاتِ قَالَ: «وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهُ تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنْ اسْتَيْسَرَتَا، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ وَيُعْطِيهِ

الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ» . إلَى آخِرِهِ. (فَإِنْ عَدِمَ مَا) ، أَيْ: سِنًّا (يَلِيهِ) ، أَيْ: الْوَاجِبُ مِنْ مَالِ مُزَكٍّ، بِأَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ، فَعَدِمَهَا وَالْحِقَّةَ، (انْتَقِلْ لِمَا بَعْدَهُ) وَهُوَ بِنْتُ اللَّبُونِ فِي الْمِثَالِ، (فَإِنْ عَدِمَ) ، أَيْ: مَا يَلِيهِ، وَهُوَ بِنْتُ اللَّبُونِ فِيهِ (أَيْضًا، انْتَقَلَ لِثَالِثٍ) وَهُوَ بِنْتُ الْمَخَاضِ، (فَيُخْرِجُ مَنْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ بِنْتَ مَخَاضٍ مَعَ ثَلَاثِ جُبْرَانَاتٍ بِشَرْطِ كَوْنِ ذَلِكَ) الْمُخْرِجِ مَعَ جُبْرَانٍ فَأَكْثَرَ (فِي مِلْكِهِ) لِلْخَبَرِ، وَ (إلَّا) يَكُنْ فِي مِلْكِهِ (تَعَيَّنَ الْأَصْلُ) الْوَاجِبُ، فَيُحَصِّلُهُ وَيُخْرِجُهُ، (وَالْجُبْرَانُ: شَاتَانِ، أَوْ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا) لِلْخَبَرِ، (وَيُجْزِئُ فِي جُبْرَانٍ) وَاحِدٍ (وَ) فِي (ثَانٍ وَثَالِثٍ، النِّصْفُ دَرَاهِمَ وَالنِّصْفُ شِيَاهًا) ، لِقِيَامِ الشَّاةِ مَقَامَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. فَإِذَا اخْتَارَ إخْرَاجَهَا وَعَشَرَةً جَازَ، وَكَإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ مِنْ جِنْسَيْنِ (وَيَتَعَيَّنُ عَلَى وَلِيِّ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ) جُنُونًا مُطْبِقًا. (وَيَتَّجِهُ: وَ) وَلِيُّ (سَفِيهٍ) كَذَلِكَ. - وَهُوَ مُتَّجِهٌ -، (إخْرَاجُ أَدْوَنَ مُجْزِئٍ) مُرَاعَاةً لَحَظِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (وَلِغَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرِ وَلِيِّ مَنْ ذُكِرَ (دَفْعُ سِنٍّ أَعْلَى إنْ كَانَ النِّصَابُ مَعِيبًا) بِلَا أَخْذِ جُبْرَانٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ وَفْقَ مَا بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ، وَمَا بَيْنَ الْمَعِيبِينَ أَقَلُّ مِنْهُ، فَإِذَا دَفَعَ السَّاعِي فِي مُقَابَلَتِهِ جُبْرَانًا كَانَ حَيْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلِمَالِكٍ دَفْعُ سِنٍّ أَسْفَلَ مَعَ الْجُبْرَانِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْحَيْفِ عَلَيْهِ كَإِخْرَاجِ أَجْوَدَ، بِخِلَافِ وَلِيِّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ. (وَلَا مَدْخَلَ لِجُبْرَانٍ فِي غَيْرِ إبِلٍ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ، إنَّمَا وَرَدَ فِيهَا، وَغَيْرُهَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهَا، فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ، فَلَوْ جَبَرَ الْوَاجِبَ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَتِهِ، فَأَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنْ الْجَيِّدِ، وَزَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِعَيْنِهَا، فَيَفُوتُ بَعْضُ

فرع يتعلق وجوب الزكاة بجميع النصاب

الْمَقْصُودِ. وَمِنْ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ، (فَعَادِمُ فَرِيضَةِ بَقَرٍ، أَوْ) فَرِيضَةِ (غَنَمٍ) يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُ الْفَرِيضَةِ وَإِخْرَاجُهَا، وَ (لَا يُخْرِجُ أَدُونَ) مِنْهَا، (بَلْ) يُخْرِجُ (أَعْلَى) مِنْهَا (إنْ شَاءَ مُتَطَوِّعًا) بِغَيْرِ جُبْرَانٍ كَمُسِنَّةٍ عَنْ تَبِيعٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ وَزِيَادَةً تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، (وَإِلَّا) يُخْرِجْ الْأَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ (كُلِّفَ شِرَاءَهَا) ، أَيْ: الْفَرِيضَةَ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ، لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ [فَرْعٌ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الزَّكَاة بِجَمِيعِ النِّصَابِ] (فَرْعٌ: يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِجَمِيعِ النِّصَابِ حَتَّى بِالْوَاحِدَةِ الَّتِي يَتَغَيَّرُ بِهَا الْفَرْضُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ النِّصَابِ، (وَلَا شَيْءَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ، وَيُسَمَّى) مَا بَيْنَهُمَا (الْوَقَصُ) بِفَتْحَتَيْنِ، وَقَدْ يُسَكَّنُ. (وَالْعَفْوُ) وَالشَّنَقُ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ. (وَأَكْثَرُ وَقَصِ إبِلٍ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ) ، وَأَكْثَرُ وَقَصِ (بَقَرٍ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ، وَ) أَكْثَرُ وَقَصِ (غَنَمٍ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَتِسْعُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ إلَى أَرْبَعمِائَةٍ) ، فَهَذِهِ الْأَوْقَاصُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الزَّكَاةُ بَلْ بِالنِّصَابِ فَقَطْ، فَلَوْ كَانَ لَهُ تِسْعُ إبِلٍ مَغْصُوبَةٍ حَوْلًا، فَخَلَّصَ مِنْهَا بَعِيرًا، لَزِمَهُ خَمْسُ شِيَاهٍ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكِيمِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الْأَوْقَاصَ لَا صَدَقَةَ فِيهَا» وَلِأَنَّ الْعَفْوَ مَالٌ نَاقِصٌ عَنْ نِصَابٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْوُجُوبُ قَبْلَهُ، كَمَا لَوْ نَقَصَ النِّصَابُ الْأَوَّلُ، وَعَكْسُهُ زِيَادَةُ نِصَابِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنَّ كَثُرَتْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا النِّصَابُ مُبْتَدَأً، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَهُ حَالَةٌ مُنْتَظَرَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُوبُ فَوَقَفَ عَلَى بُلُوغِهَا، (وَلَا وَقَصَ لِغَيْرِ سَائِمَةِ) بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وُقُوفًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، فَيَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَأَثْمَانٍ بِقَدْرِهَا

فصل في زكاة البقر

[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ] (فَصْلٌ) فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ وَهُوَ: اسْمُ جِنْسٍ، وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَدَخَلَتْهَا الْهَاءُ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسٍ. وَالْبَقَرَاتُ: الْجَمْعُ، وَالْبَاقِرُ: جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رُعَاتِهَا، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ: بَقَرْتُ الشَّيْءَ، إذَا شَقَقْتُهُ؛ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ بِالْحِرَاثَةِ. وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا: الْإِجْمَاعُ فِي الْأَهْلِيَّةِ، وَدَلِيلُهُ: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا جَاءَتْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، كُلَّمَا قَعَدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ إلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَأَقَلُّ نِصَابِ بَقَرٍ أَهْلِيَّةٍ أَوْ وَحْشِيَّةٍ ثَلَاثُونَ) ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَعَثَنِي إلَى الْيَمَنِ أَنْ لَا آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ شَيْئًا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ» (وَفِيهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثِينَ (تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ) ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ، (لِكُلٍّ مِنْهُمَا) ، أَيْ: التَّبِيعِ وَالتَّبِيعَةِ (سَنَةٌ) سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ، وَهُوَ جَذَعُ الْبَقَرِ الَّذِي اسْتَوَى قَرْنَاهُ، وَحَاذَى قَرْنَاهُ أُذُنَهُ غَالِبًا. (وَيُجْزِئُ) عَنْ تَبِيعٍ (مُسِنٍّ) ، أَيْ: مَالَهُ سَنَتَانِ. (وَيَتَّجِهُ: وَ) الْمُسِنُّ (أَوْلَى) بِالْإِجْزَاءِ مِنْ التَّبِيعِ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَى ثَمَنًا، وَأَوْفَرُ لَحْمًا، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) يَجِبُ (فِي أَرْبَعِينَ) مِنْ بَقَرٍ (مُسِنَّةٌ) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ، وَفِيهِ: «وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ مُتَّصِلٌ. (لَهَا) ، أَيْ: الْمُسِنَّةِ (سَنَتَانِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَلْقَتْ سِنَّهَا غَالِبًا، وَهِيَ

الثَّنِيَّةُ. وَلَا فَرْضَ فِي الْبَقَرِ غَيْرَ هَذَيْنِ السِّنَّيْنِ (وَتُجْزِئُ أُنْثَى) مِنْ بَقَرٍ (أَعْلَى مِنْهَا) ، أَيْ: الْمُسِنَّةِ (سِنًّا) عَنْهَا بِالْأَوْلَى، وَ (لَا) يُجْزِئُ (مُسِنٌّ) عَنْ مُسِنَّةٍ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، (وَلَا) يُجْزِئُ عَنْ مُسِنَّةٍ (تَبِيعَانِ) اقْتِصَارًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ (وَفِي سِتِّينَ) مِنْ بَقَرٍ (تَبِيعَانِ، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ بِزِيَادَةِ عَشَرَةٍ عَشَرَةٍ، فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَ) فِي (كُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ، فَفِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ) ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ وَفِيهِ: «فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ آخُذَ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ، وَمَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَمَا بَيْنَ الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ، فَأَبَيْتُ ذَلِكَ، وَقُلْت لَهُمْ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنْ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنْ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنْ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، قَالَ: وَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْ لَا آخُذَ فِيمَا بَيَّنَ ذَلِكَ سِنًّا إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا» . (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْبَقَرُ (مَا يَتَّفِقُ فِيهِ الْفَرْضَانِ، كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَكَإِبِلٍ، فَيُخَيَّرُ) مُخْرِجٌ (بَيْنَ) إخْرَاجِ (ثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ وَأَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ) لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا، (وَلَا يُجْزِئ ذَكَرٌ فِي زَكَاةٍ إلَّا هُنَا) وَهُوَ التَّبِيعُ، لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ وَيُجْزِئُ الْمُسِنُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ. (وَ) إلَّا (ابْنُ لَبُونٍ وَحِقٍّ وَجَذَعٍ) ، أَيْ: تَبِيعٌ وَمَا فَوْقَهُ (عِنْدَ عَدَمِ بِنْتِ مَخَاضٍ) عَنْهَا، وَتَقَدَّمَ، (وَ) إلَّا (إذَا كَانَ النِّصَابُ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ كُلُّهُ كَذَلِكَ) ، أَيْ: ذُكُورًا، كَأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلَّفُهَا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ

فصل في زكاة الغنم

[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ] (فَصْلٌ) فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ مُؤَنَّثٍ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ، (وَأَقَلُّ نِصَابِ غَنَمٍ أَهْلِيَّةٍ أَوْ وَحْشِيَّةٍ: أَرْبَعُونَ) إجْمَاعًا فِي الْأَهْلِيَّةِ، فَلَا شَيْءَ فِيمَا دُونَهَا. (وَ) يَجِبُ (فِيهَا شَاةٌ أُنْثَى) إجْمَاعًا فِي الْأَهْلِيَّةِ، (وَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ: شَاتَانِ) إجْمَاعًا (وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ: ثَلَاثُ) شِيَاهٍ (إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ) شَاةٍ، (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ) الْفَرِيضَةُ (وَاحِدَةٌ عَنْ كُلِّ مِائَةٍ) ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: " فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا، إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ: شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى مِئَتَيْنِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، وَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا " مُخْتَصَرٌ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَلَى هَذَا لَا تَتَغَيَّرُ بَعْدَ مِئَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ، فَيَجِبُ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ. كَالْوَقَصِ مَا بَيْنَ مِئَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ إلَى أَرْبَعمِائَةِ، وَهُوَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، (وَيُؤْخَذُ مِنْ مَعْزٍ ثَنِيٌّ) هُنَا، وَفِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ إبِلٍ، وَفِي جُبْرَانٍ. (وَ) هُوَ: مَا تَمَّ (لَهُ سَنَةٌ، وَ) يُؤْخَذُ (مِنْ ضَأْنٍ) كَذَلِكَ (جَذَعٌ، وَ) هُوَ: مَا تَمَّ (لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) ، لِحَدِيثِ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: «أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَمَرَنَا أَنْ نَأْخُذَ الْجَذَعَةَ مِنْ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيَّةَ مِنْ الْمَعْزِ» وَلِأَنَّهُمَا يُجْزِئَانِ فِي الْأُضْحِيَّةَ، فَكَذَا هُنَا. وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِهِ وَلَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِ الْبَلَدِ، فَإِنْ أُوجِدَ الْفَرْضُ فِي الْمَالِ أَخَذَهُ السَّاعِي، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى، خُيِّرَ مَالِكٌ بَيْنَ دَفْعِهِ، وَتَحْصِيلِ وَاجِبٍ فَيُخْرِجُهُ.

(وَلَا يُؤْخَذُ تَيْسٌ) فِي زَكَاةٍ، وَهُوَ الذَّكَرُ مِنْ الْمَعْزِ تَمَّ لَهُ حَوْلٌ (حَيْثُ يُجْزِئُ ذَكَرٌ) لِنَقْصِهِ وَفَسَادِ لَحْمِهِ، (إلَّا تَيْسَ ضِرَابٍ) فَلِسَاعٍ أَخْذُهُ (لِخَيْرِهِ بِرِضَى رَبِّهِ) حَيْثُ يُؤْخَذُ ذَكَرٌ، وَيُجْزِئُ أَخْذُهُ إذَنْ، (وَلَا) تُؤْخَذُ (هَرِمَةٌ) ، أَيْ: كَبِيرَةٌ طَاعِنَةٌ فِي السِّنِّ، (وَلَا مَعِيبَةٌ لَا يُضَحَّى بِهَا) نَصًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] (إلَّا إنْ كَانَ الْكُلُّ كَذَلِكَ) ، أَيْ: هَرِمَاتٍ أَوْ مَعِيبَاتٍ، فَيُجَزِّئُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلَّفُ إخْرَاجَهَا، مِنْ غَيْرِ مَالِهِ (وَلَا) تُؤْخَذُ (الرُّبَى) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (وَهِيَ: الَّتِي تُرَبِّي وَلَدَهَا) ، قَالَهُ أَحْمَدُ. وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي تُرَبَّى فِي الْبَيْتِ لِأَجْلِ اللَّبَنِ، (وَلَا تُؤْخَذُ حَامِلٌ) ، لِقَوْلِ عُمَرَ: " لَا تُؤْخَذُ الرُّبَى وَلَا الْمَاخِضُ " (وَلَا) تُؤْخَذُ (طَرُوقَةُ فَحْلٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ غَالِبًا، (وَ) لَا تُؤْخَذُ (كَرِيمَةٌ) وَهِيَ: النَّفِيسَةُ لِشَرَفِهَا، (وَ) لَا تُؤْخَذُ (أَكُولَةٌ) ، لِقَوْلِ عُمَرَ: " وَلَا الْأَكُولَةُ " وَمُرَادُهُ: السَّمِينَةُ (إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) ، أَيْ: الرُّبَى أَوْ الْحَامِلِ أَوْ طَرُوقَةِ الْفَحْلِ أَوْ الْكَرِيمَةِ أَوْ الْأَكُولَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَحَقِّهِ وَلَهُ إسْقَاطُهُ، (وَتُؤْخَذُ مَرِيضَةٌ مِنْ) نِصَابٍ كُلُّهُ (مِرَاضٌ) ، وَتَكُونُ وَسَطًا فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَتَكْلِيفُ الصَّحِيحَةِ عَنْ الْمِرَاضِ إخْلَالٌ بِهَا. (وَ) تُؤْخَذُ (صَغِيرَةٌ مِنْ صِغَارِ غَنَمٍ) ، لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ: " وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَدُّونَ الْعَنَاقَ وَ (لَا) تُؤْخَذُ صَغِيرَةٌ مِنْ صِغَارِ (إبِلٍ وَبَقَرٍ، فَلَا يُجْزِئُ فُصْلَانٌ، وَ) لَا (عَجَاجِيلُ) لِفَرْقِ الشَّارِعِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِزِيَادَةِ السِّنِّ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ.

مِثَالُ كَوْنِ النِّصَابِ صِغَارًا: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَمَا لَوْ نَتَجَتْ) أَرْبَعُونَ شَاةً مَثَلًا، ثُمَّ مَاتَتْ، الْأُمَّهَاتُ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى أَوْلَادِهَا (أَوْ أُبْدِلَتْ كِبَارٌ بِصِغَارٍ) فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، (فَيَقُومُ النِّصَابُ مِنْ الْكِبَارِ، وَيَقُومُ فَرْضُهُ ثُمَّ تَقُومُ الصِّغَارُ وَيُؤْخَذُ عَنْهَا) ، أَيْ: الصِّغَارِ (كَبِيرَةٌ بِالْقِسْطِ) مُحَافَظَةً عَلَى الْفَرْضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِلَا إجْحَافٍ بِالْمَالِكِ. (وَإِنْ اجْتَمَعَ) فِي نِصَابٍ (كِبَارٌ وَصِغَارٌ وَصِحَاحٌ وَمَعِيبَاتٌ وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، لَمْ يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) ، أَيْ: الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، أَوْ الصِّحَاحِ وَالْمَعِيبَاتِ، أَوْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ الصَّغِيرِ وَالْمَعِيبِ وَالْكَرِيمَةِ، لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِهِمْ» ، وَلِتَحْصِيلِ الْمُوَاسَاةِ، (فَلَوْ كَانَ قِيمَةُ مُخْرَجٍ مَعَ كَوْنِ نِصَابِ كُلِّهِ كِبَارًا صِحَاحًا عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ مَعَ كَوْنِهِ كُلِّهِ صِغَارًا مِرَاضًا عَشَرَةً، وَكَانَ) النِّصَابُ نِصْفَيْنِ، (نِصْفُهُ مِنْ ذَا) ، أَيْ: الْكِبَارِ الصِّحَاحِ، (وَنِصْفُهُ مِنْ ذَا) ، أَيْ: مِنْ الصِّغَارِ الْمِرَاضِ. (وَجَبَ إخْرَاجُ كَبِيرَةٍ صَحِيحَةٍ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ إلَّا) شَاةً (كَبِيرَةً مَعَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَخْلَةً، فَيُخْرِجُهَا) أَيْ: الْكَبِيرَةَ (وَ) يُخْرِجُ (سَخْلَةً) ، وَإِلَّا شَاةً (صَحِيحَةً مَعَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مَعِيبَةً، فَيُخْرِجُهَا) ، أَيْ: الصَّحِيحَةَ (وَ) تُخْرَجُ (مَعِيبَةٌ) ، لِئَلَّا تَخْتَلَّ الْمُوَاسَاةُ (فَإِنْ كَانَ) النِّصَابُ (نَوْعَيْنِ) وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ (كَبَخَاتِيٍّ) الْوَاحِدُ: بُخْتِي، وَالْأُنْثَى: بُخْتِيَّةٌ. قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إبِلٌ غِلَاظٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ (وَعِرَابٍ) هِيَ: إبِلٌ جُرْدٌ مُلْسٌ حِسَانُ الْأَلْوَانِ كَرِيمَةٌ (أَوْ) كَ (بَقَرٍ وَجَوَامِيسَ، أَوْ) كَ (ضَأْنٍ وَمَعْزٍ، أَوْ) كَ (أَهْلِيَّةٍ وَوَحْشِيَّةٍ) مِنْ بَقَرٍ وَغَنَمٍ (أُخِذَتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا) ، أَيْ: النَّوْعَيْنِ (عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) فَإِذَا كَانَ النَّوْعَانِ سَوَاءً، وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ أَحَدِهِمَا اثْنَيْ عَشَرَ، وَقِيمَةُ الْآخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، أَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ

عَشَرَ وَنِصْفٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ ضَمُّ الْأَنْوَاعِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ، (وَ) يَجِبُ (فِي) نِصَابِ (كِرَامٍ وَلِئَامٍ، وَ) نِصَابِ (سِمَانٍ وَمَهَازِيلَ الْوَسَطُ) لِلْخَبَرِ: «مِنْ أَيِّ النَّوْعَيْنِ شَاءَ» (بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) ، أَيْ: الْكِرَامِ وَاللِّئَامِ، وَالسِّمَانِ وَالْمَهَازِيلِ، عَدْلًا بَيْنَ الْمَالِكِ وَأَهْلِ الزَّكَاةِ. (وَمَنْ أَخْرَجَ عَنْ النِّصَابِ) الزَّكَوِيِّ (مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ مَا لَيْسَ مِنْ مَالِهِ) ، كَمَنْ عِنْدَهُ بَقَرٌ، فَأَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ الْجَوَامِيسِ، أَوْ ضَأْنٌ، فَأَخْرُج عَنْهُ مِنْ الْمَعْزِ وَبِالْعَكْسِ، (جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ النَّوْعَانِ فِي مَالِهِ وَأَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا (إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ) ، أَيْ: الْمُخْرَجِ (عَنْ الْوَاجِبِ) فِي النَّوْعِ الَّذِي فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ نَقَصَتْ لَمْ يَجُزْ. (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (سِنٍّ أَعْلَى مِنْ فَرْضٍ) عَلَيْهِ (مِنْ جِنْسِهِ) ، أَيْ: الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْوَاجِبَ وَزِيَادَةً. و (لَا) تُجْزِئُ (الْقِيمَةُ) ، أَيْ: قِيمَةُ مَا وَجَبَ فِي السَّائِمَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ نَحْوِ حَبٍّ وَتَمْرٍ (مُطْلَقًا) فِي الْفِطْرَةِ وَغَيْرِهَا، اُحْتِيجَ إلَيْهَا أَوْ لَا، لِمَصْلَحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ، وَالْإِبِلَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمَ مِنْ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (فَتُجْزِئُ بِنْتُ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَحِقَّةٌ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ، وَجَذَعَةٌ عَنْ حِقَّةٍ) ، وَثَنِيَّةٌ عَنْ جَذَعَةٍ، (وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ) ، أَيْ: الْمُخْرِجِ (الْوَاجِبُ) لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَفِيهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْكَ، فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد

فصل الخلطة في الماشية في الزكاة

[فَصْلٌ الْخُلْطَةُ فِي الْمَاشِيَة فِي الزَّكَاةِ] (فَصْلٌ) (الْخُلْطَةُ) بِضَمِّ الْخَاءِ: الشَّرِكَةُ (فِي مَاشِيَةٍ) دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ، (لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الزَّكَاةِ إيجَابًا وَإِسْقَاطًا) وَتَغْلِيظًا وَتَخْفِيفًا، (وَتُصَيِّرُ الْمَالَيْنِ كَ) مَالٍ (وَاحِدٍ) ، لِحَدِيثِ سَالِمٍ، وَيَأْتِي، (فَإِذَا اخْتَلَطَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِهَا) - أَيْ: أَهْلِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ -، فَلَا تَأْثِيرَ لِخُلْطَةِ كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا، وَمُكَاتَبٍ، وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ (فِي نِصَابٍ) ، فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةٍ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (مَاشِيَةً) ، فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةٍ فِي غَيْرِهَا لِمَا يَأْتِي (لَهُمْ) فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةِ مَغْصُوبٍ (جَمِيعَ الْحَوْلِ) ، فَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةٍ فِي بَعْضِهِ وَلَوْ أَكْثَرَهُ (خُلْطَةَ أَعْيَانٍ بِكَوْنِهِ) ، أَيْ: النِّصَابِ (مُشَاعًا) بَيْنَ الْخَلِيطَيْنِ أَوْ الْخُلَطَاءِ (كَمَمْلُوكٍ بِنَحْوِ إرْثٍ) كَوَصِيَّةٍ وَجَعَالَةٍ (وَهِبَةٍ) أَوْ شِرَاءٍ وَاسْتَمَرَّ بِلَا قِسْمَةٍ، مُتَسَاوِيًا أَوْ مُتَفَاضِلًا (أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ بِأَنْ تَمَيَّزَ مَا لِكُلٍّ) مِنْ الْخَلِيطَيْنِ أَوْ الْخُلَطَاءِ كَأَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا شَاةٌ، وَلِلْآخِرِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ، أَوْ لِأَرْبَعِينَ إنْسَانًا أَرْبَعُونَ شَاةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ، نُصَّ عَلَيْهِمَا (وَاشْتَرَكَا فِي مُرَاحٍ - بِضَمِّ مِيمٍ - وَهُوَ: الْمَبِيتُ وَالْمَأْوَى) لِلْمَاشِيَةِ (وَفِي مَسْرَحٍ وَهُوَ: مَا تَجْتَمِعُ فِيهِ لِتَذْهَبَ لِلْمَرْعَى وَ) فِي (مَحْلَبَةٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ (وَهُوَ: مَوْضِعُ الْحَلْبِ) بِأَنْ تُحْلَبَ كُلُّهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، (وَ) فِي (فَحْلٍ بِأَنْ لَا يَخْتَصَّ بِطَرْقِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ) الْمُخْتَلِطَيْنِ إنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ، فَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُمَا (لَا إنْ اخْتَلَفَ نَوْعٌ، كَبَقَرٍ وَجَامُوسٍ وَضَأْنٍ وَمَعْزٍ) فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ الْفَحْلِ لِلضَّرُورَةِ. (وَ) فِي (مَرْعًى، وَهُوَ: مَوْضِعُ الرَّعْيِ وَوَقْتُهُ) فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ، (فَكَوَاحِدٍ) - جَوَابُ إذَا - لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا

يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وَلَا يَجِيءُ التَّرَاجُعُ إلَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» ، إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْمَالُ لِجَمَاعَةٍ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ يَضُمُّ بَعْضَ مَالِهِ إلَى بَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ فِي أَمَاكِنَ، وَلِأَنَّ لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا فِي تَخْفِيفِ الْمُؤْنَةِ، فَجَازَ أَنْ تُؤَثِّرَ فِي الزَّكَاةِ كَالسَّوْمِ، (فَيَلْزَمُ ثَلَاثَةَ) خُلَطَاءَ (لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (أَرْبَعُونَ شَاةً شَاةٌ) ، عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ. (وَ) يَلْزَمُهُمْ (مَعَ عَدَمِ خُلْطَةٍ ثَلَاثُ) شِيَاهٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ. (وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ رَاعٍ) ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى " (وَنَصَّهُ) ، أَيْ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَلْ يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الرَّاعِي، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُذَهَّبِ " وَ " مَسْبُوكِ الذَّهَبِ " وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ، الْمُذَهَّبُ خِلَافُهَا (وَلَا) تُشْتَرَطُ (نِيَّةُ خُلْطَةٍ) بِنَوْعَيْهَا كَنِيَّةِ السَّوْمِ وَالسَّقْيِ بِكُلْفَةٍ، فَتُؤَثِّرُ خُلْطَةٌ وَقَعَتْ اتِّفَاقًا، أَوْ بِفِعْلِ رَاعٍ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا (اتِّحَادُ مَشْرَبٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ: مَكَانُ الشُّرْبِ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْإِقْنَاعِ " اشْتِرَاطَ اتِّحَادِ الرَّاعِي وَالْمَشْرَبِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ فِيهِمَا، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ (خَلْطُ لَبَنٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَتَّجِهُ: اشْتِرَاطُ رِضَاهُمَا) ، أَيْ: الْخَلِيطَيْنِ، أَيْ عَدَمُ إكْرَاهِهِمَا عَلَى الْخُلْطَةِ. فَلَوْ وَقَعَتْ اتِّفَاقًا، أَوْ بِفِعْلِ رَاعٍ لَمْ يَضُرَّ. وَمَتَى عَلِمَا بِهَا، وَمَضَى عَلَيْهَا حَوْلٌ، زَكَّيَاهَا زَكَاةَ خُلْطَةٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ

(وَحَرُمَ جَمْعُ) مَاشِيَةٍ خَشْيَةَ زَكَاةٍ، كَأَنْ يَكُونَ لَهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ شَاةً مَثَلًا بِبَلَدَيْنِ مُتَبَاعِدِينَ: عِشْرُونَ مِنْهَا خُلْطَةً مَعَ عِشْرِينَ لِآخَرَ، وَتِسْعَةَ عَشَرَ خُلْطَةً مَعَ إحْدَى وَعِشْرِينَ لِآخَرَ، فَلَا يُؤَثِّرُ جَمْعُهُ لَهَا فِي إسْقَاطِ زَكَاتِهَا. (وَ) حَرُمَ (تَفْرِيقُ) مَاشِيَةٍ (خَشْيَةَ زَكَاةٍ) ، كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً مَثَلًا، فَلَا يُؤَثِّرُ تَفْرِيقُهَا فِي أَمَاكِنَ مُتَبَاعِدَةٍ فِي إسْقَاطِ زَكَاتِهَا. (أَوْ) يُفَرِّقُ الْمَاشِيَةَ لِأَجْلِ (تَقْلِيلِهَا) ، كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً، فَيَخْلِطُ مِنْهَا عِشْرِينَ مَعَ مِثْلِهَا لِآخَرَ لِيُقَلَّلَ زَكَاتَهَا، فَلَا يُؤَثِّرُ خَلْطُهُ لَهَا (فَمَنْ جَمَعَ أَوْ فَرَّقَ) الْمَاشِيَةَ (خَشْيَتَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لَمْ يُؤَثِّرْ) جَمْعُهُ وَلَا تَفْرِيقُهُ نَصًّا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إلْغَاءُ جَمْعِهِ وَتَفْرِيقِهِ، وَإِخْرَاجُ مَا وَجَبَ فِي تِلْكَ الْمَاشِيَةِ، تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَمُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ. (وَإِنْ بَطَلَتْ خُلْطَةٌ بِفَوَاتِ أَهْلِيَّةِ خَلِيطٍ كَ) مَا لَوْ خَلَطَ مُسْلِمٌ سَائِمَتَهُ مَعَ (كَافِرٍ، وَ) كَذَا مَعَ سَائِمَةِ (مُكَاتَبٍ وَ) مَعَ سَائِمَةِ (مَدِينٍ) دَيْنًا يُنْقِصُ النِّصَابَ، (ضَمَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْحُرُّ (مَالَهُ) الْمُخْتَصَّ بِهِ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، (وَزَكَّاهُ إنْ بَلَغَ نِصَابًا) ، وَإِلَّا فَلَا، إذْ هَذِهِ الْخُلْطَةُ لَا أَثَرَ لَهَا، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، (وَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةِ غَاصِبٍ) مَالِهِ (بِمَغْصُوبٍ) لِإِلْغَاءِ تَصَرُّفِهِ فِي الْمَغْصُوبِ، (فَمَنْ مَلَكَا نِصَابًا) مَعًا، (أَوْ) مَلَكَا (نِصَابَيْنِ مَعًا بِنَحْوِ إرْثٍ) كَهِبَةٍ وَشِرَاءٍ، (وَاخْتَلَطَا) ، أَيْ: النِّصَابَانِ (مِنْ حِينَ مُلِكَا) ، وَتَمَّ الْحَوْلُ بِلَا قِسْمَةٍ، (زَكَّيَا زَكَاةَ خُلْطَةٍ شَاةً) وَاحِدَةً مِنْ وُجُودِ شُرُوطِ الْخُلْطَةِ مِنْ انْعِقَادِ السَّبَبِ إلَى الْوُجُوبِ. (وَإِنْ) ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ بِأَنْ مَلَكَا فِي أَثْنَائِهِ ثَمَانِينَ شَاةً، ثُمَّ (خَلَطَاهُمَا) ، أَيْ: الشِّيَاهَ (بِأَثْنَاءِ حَوْلٍ، زَكَّيَا) لِذَلِكَ الْحَوْلِ (كَمُنْفَرِدَيْنِ شَاتَيْنِ) ، كُلُّ وَاحِدٍ

شَاةٌ، لِوُجُودِ خُلْطَةٍ وَانْفِرَادٍ فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ، فَقُدِّمَ الِانْفِرَادُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَعَذَّرٌ. (وَ) يُزَكِّيَانِ (فِيمَا بَعْدَ حَوْلٍ أَوَّلِ زَكَاةِ خُلْطَةٍ) إنْ اسْتَمَرَّتْ؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِهِ فَثَبَتَ حُكْمُهَا، (فَإِنْ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا فَعَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ شَاةٌ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَالِ (عِنْدَ تَمَامِ) حَوْلِ (هِمَا) لِاتِّفَاقِهِ. (وَإِنْ اخْتَلَفَا) ، أَيْ: حَوْلَاهُمَا، (فَعَلَى كُلٍّ) مِنْهُمَا (نِصْفُ شَاةٍ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ) ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْحَوْلِ لَا يَمْنَعُ حَقِيقَةَ الْخُلْطَةِ، وَلَا يَرْفَعُ الْمَقْصُودَ مِنْهَا فِيمَا عَدَا الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، فَلَا مَعْنَى لِامْتِنَاعِ حُكْمِهَا فِيهِ (إلَّا إنْ أَخْرَجَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (الْأَوَّلُ) ، أَيْ: الَّذِي تَمَّ حَوْلُهُ أَوَّلًا (مِنْ الْمَالِ) الْمُخْتَلِطِ وَهُوَ الثَّمَانُونَ، (فَيَلْزَمُ الثَّانِيَ ثَمَانُونَ جُزْءًا مِنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ) ؛ لِأَنَّ حَوْلَهُ قَدْ تَمَّ عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ شَاةً وَنِصْفَ شَاةٍ، فَتُبْسَطُ أَنْصَافًا تَكُنْ مِائَةً وَتِسْعَةً وَخَمْسِينَ فِيهَا شَاةٌ، عَلَيْهِ مِنْهَا بِقَدْرِ مَالِهِ فِيهَا، وَهُوَ أَرْبَعُونَ شَاةً مَبْسُوطَةً أَنْصَافًا، وَالْبَاقِي زَكَّاهُ مَالِكُهُ أَوَّلًا (ثُمَّ كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيعِ بِقَدْرِ مَالِهِ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَالِ الْمُخْتَلِطِ. (وَإِنْ) ثَبَتَ حُكْمُ الِانْفِرَادِ لِأَحَدِ الْخَلِيطَيْنِ وَحْدَهُ، بِأَنْ (مَلَكَا نِصَابَيْنِ) ثَمَانِينَ شَاةً، كُلُّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ جَعَلَاهُمَا (خُلْطَةً، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ) وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ الَّتِي يَمْلِكُهَا (أَجْنَبِيًّا) ، أَيْ: غَيْرَ خَلِيطِهِ (فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ مَنْ لَمْ يَبِعْ زَكَّى كَمُنْفَرِدٍ شَاةً) لِانْفِرَادِهِ عَنْ خَلِيطِهِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ. (وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ مُشْتَرٍ) وَاسْتَدَامَا الْخُلْطَةَ (زَكَّى خُلْطَةً نِصْفَ شَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُ خَلِيطٌ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ (إلَّا إنْ أَخْرَجَ الْأَوَّلُ) الَّذِي لَمْ يَبِعْ (الشَّاةَ) الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ (مِنْ الْمَالِ) ، أَيْ: الثَّمَانِينَ شَاةً (فَيَلْزَمُ الثَّانِيَ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِيَ (أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ) ؛ لِأَنَّ حَوْلَهُ إذَنْ تَمَّ

عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ شَاةً، فِيهَا شَاةٌ عَلَيْهِ مِنْهَا بِقَدْرِ مَالِهِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ، وَالْبَاقِي أَخْرَجَ شَرِيكٌ زَكَاتَهُ (ثُمَّ كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا) ، أَيْ: أَحَدِ الْخَلِيطَيْنِ (لَزِمَتْهُ مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيعِ) ، أَيْ: الشَّاةُ الْوَاجِبَةُ فِي مَالِ الْخُلْطَةِ كُلِّهِ (بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ) ، أَيْ: فِي مَالِ الْخُلْطَةِ. (وَكَذَا) يَثْبُتُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ لِأَحَدِهِمَا كَمَا (لَوْ) (خَلَطَ مَنْ لَهُ مَالٌ دُونَ نِصَابٍ) كَثَلَاثِينَ شَاةً (بِنِصَابٍ لِآخَرَ بَعْضَ الْحَوْلِ) فَمَالِكُ النِّصَابِ عَلَيْهِ شَاةٌ لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَرَبُّ الثَّلَاثِينَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ أَسْبَاعِ شَاهٍ، إذَا تَمَّ حَوْلُ الْخُلْطَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ، إذْ لَا يَنْعَقِدُ لَهُ حَوْلٌ قَبْلَ الْخُلْطَةِ لِنَقْصِ نِصَابِهِ. (وَمَنْ بَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ شَاةً خُلْطَةً) لِكُلٍّ أَرْبَعُونَ (فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ) كُلَّهُ بِنَصِيبِ الْآخَرِ أَوْ دُونَهُ (أَوْ) بَاعَ (دُونَهُ) ، أَيْ: بَعْضَهُ (بِنَصِيبِ الْآخَرِ) كُلِّهِ (أَوْ دُونَهُ، وَاسْتَدَامَا الْخُلْطَةَ) (لَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُهُمَا) وَلَا خَلْطُهُمَا لِمَا مَرَّ أَنَّ إبْدَالَ النِّصَابِ بِجِنْسِهِ لَا يَقْطَعُ الْحَوْلَ، فَلَا تَنْقَطِعُ الْخُلْطَةُ (وَعَلَيْهِمَا) إذَا حَالَ الْحَوْلُ (زَكَاةُ خُلْطَةٍ) . بِخِلَافِ مَا لَوْ أَفْرَدَاهَا، ثُمَّ تَبَايَعَاهَا، ثُمَّ اخْتَلَطَا. أَوْ كَانَ مَالُ كُلٍّ مُنْفَرِدًا فَاخْتَلَطَا وَتَبَايَعَا، فَعَلَيْهِمَا لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ زَكَاةُ انْفِرَادٍ تَغْلِيبًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. (وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَا) شَخْصًا (لِرَعْيِ غَنَمٍ بِشَاةٍ مِنْهَا) مُمَيَّزَةٍ وَبَقِيَتْ مَعَ الْغَنَمِ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَالِهِ (وَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا دُونَ حَوْلٍ ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ) أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (مُشَاعًا) غَيْرَ فَارٍّ (أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ) ، أَيْ: النِّصَابِ (وَبَاعَهُ) ، أَيْ: الْبَعْضَ الْمُعَلَّمَ عَلَيْهِ (مُخْتَلِطًا أَوْ) بَاعَهُ (مُفْرَدًا ثُمَّ اخْتَلَطَا انْقَطَعَ الْحَوْلُ) بِالْبَيْعِ فِي الْمَبِيعِ وَفِيمَا لَمْ يَبِعْ لِنَقْصِهِ (فَإِنْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ) كَثَمَانِينَ مِنْ غَنَمٍ (ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا) ، أَيْ: النِّصَابَيْنِ (مُشَاعًا) بِأَنْ بَاعَ نِصْفَ الثَّمَانِينَ (قَبْلَ الْحَوْلِ زَكَّى عِنْدَ تَمَامِهِ) ، أَيْ: الْحَوْلِ (كَمُنْفَرِدٍ) لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ

لَهُ. (وَ) زَكَّى (مُشْتَرٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ كَخَلِيطٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ أَصْلًا، وَكَذَا إنْ أَعْلَمَ عَلَى النِّصْفِ وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا. وَإِنْ أَفْرَدَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ، ثُمَّ اخْتَلَطَا ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ (وَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا ثُمَّ) مَلَكَ (آخَرَ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ كَأَرْبَعِينَ شَاةً) مَلَكَهَا (بِرَمَضَانَ ثُمَّ) مَلَكَ (أَرْبَعِينَ بِشَوَّالٍ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ) النِّصَابِ (الْأَوَّلِ فَقَطْ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكٌ وَاحِدٌ، فَلَمْ يَزِدْ الْوَاجِبُ عَلَى شَاةٍ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ الْحَوْلَانِ. (وَإِنْ تَغَيَّرَ بِهِ) ، أَيْ: بِمَا مَلَكَهُ ثَانِيًا الْفَرْضُ (كَمِائَةٍ) مَلَكَهَا فِي شَوَّالٍ بَعْدَ مِلْكِهِ أَرْبَعِينَ بِرَمَضَانَ (زَكَّاهُ) ، أَيْ: النِّصَابَ الثَّانِيَ وَهُوَ الْمِائَةُ (إذَا تَمَّ حَوْلُهُ بِشَاةٍ أَيْضًا) ، أَيْ: بَعْدَ إخْرَاجِهِ زَكَاةَ الْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُجْعَلَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ لِمَالِكٍ، أَوْ كَمَالَيْنِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَجِبُ شَاةٌ أُخْرَى، وَيُقَدَّرُ زَكَاةُ الثَّانِي بِأَنْ يَنْظُرَ إلَى زَكَاةِ الْجَمِيعِ، وَهُوَ فِي الْمِثَالِ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَزَكَاتُهُ شَاتَانِ، فَيَسْقُطُ مِنْهَا مَا وَجَبَ فِي الْأَوَّلِ، وَهُوَ شَاةٌ وَيَجِبُ الْبَاقِي فِي الثَّانِي وَهُوَ شَاةٌ فَيُخْرِجُهَا (وَإِنْ تَغَيَّرَ) الْفَرْضُ (بِهِ) أَيْ: بِمَا مَلَكَ ثَانِيًا. (وَلَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا كَثَلَاثِينَ بَقَرَةً) مَلَكَهَا (بِرَمَضَانَ وَعَشْرٍ) مِنْ بَقَرٍ أَيْضًا مَلَكَهَا (بِشَوَّالٍ، فَفِي) الثَّلَاثِينَ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي (الْعَشْرِ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا رُبْعُ مُسِنَّةٍ) ؛ لِأَنَّ حَوْلَهَا تَمَّ عَلَى أَرْبَعِينَ وَفِيهِ مُسِنَّةٌ، وَقَدْ زَكَّى الثَّلَاثِينَ، فَوَجَبَ فِي الْعَشْرِ بِقِسْطِهَا مِنْ الْمُسِنَّةِ، وَهُوَ رُبْعُهَا. (وَإِنْ) كَانَ مَا مَلَكَهُ بَعْدَ النِّصَابِ (لَمْ يُغَيِّرْهُ) ، أَيْ: الْفَرْضُ (وَلَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا كَخَمْسِ) بَقَرَاتٍ مَلَكَهَا بَعْدَ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً (فَلَا شَيْءَ فِيهَا) ، أَيْ: الْخَمْسِ؛ لِأَنَّهَا وَقَصٌ، وَكَمَا لَوْ مَلَكَ الْجَمِيعَ مَعًا (وَمَنْ لَهُ سِتُّونَ شَاةً كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا) مُخْتَلِطَةٌ (مَعَ عِشْرِينَ لِآخَرَ) بِبَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِبِلَادٍ مُتَقَارِبَةٍ (فَعَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ) ؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ

فصل غير السائمة بمحلين بينهما مسافة قصيرة إذا كان مالكها واحد

صَيَّرَتْهُ كَمَالٍ وَاحِدٍ (نِصْفُهَا) ، أَيْ: الشَّاةِ (عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ) شَاةً. (وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ) عَلَى كُلِّ خَلِيطٍ سُدُسٌ بِنِسْبَةِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَهُ عِشْرُونَ، وَهِيَ سُدُسُ مَجْمُوعِ الْمَالِ (ضَمًّا لِمَالِ كُلِّ خَلِيطٍ لِ) مَالِ (الْكُلِّ فَيَصِيرُ) جَمِيعُ الْمَالِ (كَمَالٍ وَاحِدٍ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ. (وَإِنْ كَانَتْ) السِّتُّونَ (كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا) مُخْتَلِطَةٌ (مَعَ تِسْعَ عَشْرَةَ لِآخَرَ أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ كَانَ كُلُّ تِسْعَ عَشْرَةَ شَاةً مِنْ السِّتِّينَ مُخْتَلِطَةً بِعِشْرِينَ لِآخَرَ، (فَعَلَيْهِ) ، أَيْ: صَاحِبِ السِّتِّينَ (شَاةٌ) لِمِلْكِهِ نِصَابًا (وَلَا شَيْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ لِعَدَمِ) مِلْكِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (النِّصَابَ) وَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةٍ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ [فَصْلٌ غَيْر السَّائِمَة بِمَحَلَّيْنِ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ قَصِيرَةٌ إذَا كَانَ مَالِكهَا وَاحِد] (فَصْلٌ) (وَلَا أَثَرَ لِتَفَرُّقٍ أَوْ خُلْطَةِ مَالٍ) زَكَوِيٍّ (لِ) مَالِكٍ (وَاحِدٍ غَيْرَ سَائِمَةٍ بِمَحَلَّيْنِ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ قَصِيرَةٌ) نَصًّا، فَجَعَلَ التَّفْرِقَةَ فِي الْبَلَدَيْنِ كَالتَّفْرِقَةِ فِي الْمِلْكَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ مَالُ الْجَمَاعَةِ حَالَ الْخُلْطَةِ فِي مَرَافِقِ الْمِلْكِ وَمَقَاصِدِهِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ الْمُعْتَادَةِ، وَصَيَّرَهُ كَمَالٍ وَاحِدٍ، وَجَبَ تَأْثِيرُ الِافْتِرَاقِ الْفَاحِشِ فِي مَالِ الْوَاحِدِ حَتَّى يَجْعَلَهُ كَمَالَيْنِ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» وَلِأَنَّ كُلَّ مَالٍ تَخْرُجُ زَكَاتُهُ بِبَلَدِهِ، فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِذَلك الْبَلَدِ. فَإِذَا جَمَعَ أَوْ فَرَّقَ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، لَمْ يُؤْثِرْ، لِلْخَبَرِ. فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دُونَ الْمَسَافَةِ، أَوْ كَانَ التَّفْرِقَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ لَهُ تُؤَثِّرُ إجْمَاعًا (فَلِكُلِّ مَا) ، أَيْ: سَائِمَةٍ (فِي مَحِلٍّ مِنْهَا) ، أَيْ: الْمَحَالِّ الْمُتَبَاعِدَةِ (حُكْمٌ بِنَفْسِهِ فَعَلَى مَنْ لَهُ) سَوَائِمُ (بِمَحَالِّ مُتَبَاعِدَةٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فِي كُلِّ مَحِلٍّ) مِنْ تِلْكَ الْمَحَالِّ (شِيَاهٌ بِعَدَدِهَا) ، أَيْ: الْمَحَالِّ. (وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ نِصَابٌ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا) ، أَيْ:

الْمَحَالِّ الْمُتَبَاعِدَةِ (غَيْرَ خَلِيطٍ) لِأَهْلِهَا فِي نِصَابٍ (فَإِذَا كَانَ لَهُ) أَيْ: الشَّخْصِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (سِتُّونَ شَاةً) بِثَلَاثِ مَحَالَّ مُتَبَاعِدَةٍ (فِي كُلِّ مَحِلٍّ عِشْرُونَ) مِنْهَا (خُلْطَةً بِعِشْرِينَ لِآخَرَ لَزِمَ رَبَّ السِّتِّينَ شَاةٌ وَنِصْفُ) شَاةٍ (وَ) لَزِمَ (كُلَّ خَلِيطٍ نِصْفُ شَاةٍ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خُلْطَةً مَعَ أَهْلِهَا فِي نِصَابٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَ) يَجُوزُ (لِسَاعٍ) يَجْبِي الزَّكَاةَ (أَخْذُ) مَا وَجَبَ فِي مَالِ خُلْطَةٍ (مِنْ مَالٍ أَيِّ خَلِيطَيْنِ شَاءَ مَعَ حَاجَةٍ) بِأَنْ تَكُونَ الْفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً. (وَ) مَعَ (عَدَمِهَا) ، أَيْ: الْحَاجَةِ نَصًّا بِأَنْ أَمْكَنَ أَخْذُ زَكَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَالِهِ بِلَا تَشْقِيصٍ، لِحَدِيثِ: «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ» أَيْ: إذَا أَخَذَ السَّاعِي مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا، رَجَعَ عَلَى خَلِيطِهِ بِنِسْبَةِ مَالِهِ، وَلِأَنَّ الْمَالَيْنِ صَارَا كَمَالٍ وَاحِدٍ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَكَذَا فِي أَخْذِهَا. (وَلَوْ) كَانَ السَّاعِي أَخَذَ الزَّكَاةَ (بَعْدَ قِسْمَةٍ) فِي (خُلْطَةِ أَعْيَانٍ مَعَ بَقَاءِ النَّصِيبَيْنِ بَعْدَ وُجُوبِ زَكَاتِهِ) فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ أَيِّهِمَا شَاءَ لِسَبْقِ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ، وَظَاهِرُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا مَا عَلَى الْآخَرِ بَعْدَ انْفِرَادٍ فِي خُلْطَةِ أَوْصَافٍ. (وَمَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ كَذِمِّيٍّ) وَمُكَاتَبٍ وَمَدِينٍ مُسْتَغْرِقٍ (لَا أَثَرَ لِخُلْطَتِهِ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ) ، أَيْ: أَخْذِ سَاعٍ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِ نَحْوِ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ خُلْطَتَهُ لَا تُؤَثِّرُ فِي ضَمِّ أَحَدِ الْمَالَيْنِ إلَى الْآخَرِ، فَأَشْبَهَا الْمُنْفَرِدَيْنِ، (وَيَرْجِعُ) خَلِيطٌ مِنْ أَهْلِهَا (مَأْخُوذٌ مِنْهُ) زَكَاةُ جَمِيعِ مَالٍ خُلْطَةٍ (عَلَى خَلِيطِهِ بِقِيمَةِ) الـ (قِسْطِ) الَّذِي (قَابَلَ مَالَهُ) ، أَيْ: لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ (مِنْ مُخْرِجِ) زَكَاةٍ لِلْخَبَرِ. وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ أَخْذِ) سَاعٍ لَهُ، لِزَوَالِ مِلْكِهِ إذَنْ عَنْهُ (فَيَرْجِعُ رَبُّ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا مِنْ) أَصْلِ (خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ) بَعِيرًا خُلْطَةً (عَلَى رَبِّ عِشْرِينَ بِقِيمَةِ أَرْبَعَةِ أَسْبَاعِ بِنْتِ مَخَاضٍ) أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ الْخَمْسَةِ وَثَلَاثِينَ (وَبِالْعَكْسِ)

بِأَنْ أُخِذَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ مِنْ مَالِ رَبِّ الْعِشْرِينَ، رَجَعَ عَلَى رَبِّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ (بِثَلَاثَةِ أَسْبَاعِهَا) ؛ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ الْمَالِ، وَعَلَى نَحْوِ هَذَا حِسَابُهَا. (وَمَنْ بَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ شَاةً نِصْفَيْنِ وَعَلَى أَحَدِهِمَا دَيْنٌ بِقِيمَةِ عِشْرِينَ مِنْهَا فَعَلَيْهِمَا شَاةٌ) ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ يَبْلُغُ نِصَابًا، (عَلَى الْمَدِينِ) مِنْهَا (ثُلُثُهَا) ، أَيْ: الشَّاةِ لِمَنْعِ الدَّيْنِ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيمَا قَابَلَهُ، فَكَأَنَّهُ مَالِكٌ عِشْرِينَ خُلْطَةً بِأَرْبَعِينَ، فَهِيَ ثُلُثٌ. (وَعَلَى الْآخَرِ ثُلُثَاهَا) ، أَيْ: الشَّاةِ بِنِسْبَةِ مَالِهِ (وَيُقْبَلُ قَوْلُ مَرْجُوعٍ عَلَيْهِ فِي قِيمَةِ) مُخْرَجٍ مِنْ خَلِيطِهِ (بِيَمِينِهِ إنْ عُدِمَتْ بَيِّنَةٌ) بِالْقِيمَةِ (وَاحْتُمِلَ صِدْقُهُ) فِيمَا ادَّعَاهُ قِيمَةً؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَمُنْكِرٌ لِلزَّائِدِ. فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةٌ عُمِلَ بِهَا. (وَيَتَّجِهُ، وَإِلَّا) يُحْتَمَلُ صِدْقُ مَرْجُوعٍ عَلَيْهِ (أُخِذَ بِقَوْلِ غَرِيمِهِ) وَهُوَ الْخَلِيطُ فِي الشِّيَاهِ (إنْ صَدَّقَهُ الْحِسُّ) وَإِلَّا يُصَدِّقْهُ رُدَّ لِظُهُورِ كَذِبِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ غَارِمٍ) مُنْكِرٍ لِلزَّائِدِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ إنْ عُدِمَتْ الْبَيِّنَةُ وَاحْتُمِلَ صِدْقُهُ، وَإِلَّا أُخِذَ بِقَوْلِ غَرِيمِهِ إنْ صَدَّقَهُ الْحِسُّ (وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ بَعْضِ الْخُلَطَاءِ) الزَّكَاةَ (بِدُونِ إذْنِ بَقِيَّتِهِمْ مَعَ حُضُورِهِمْ وَغَيْبَتِهِمْ) ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْخُلْطَةِ صَيَّرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْآذِنِ لِخَلِيطِهِ فِي الْإِخْرَاجِ عَنْهُ، (وَالِاحْتِيَاطُ) الْإِخْرَاجُ (بِإِذْنِهِمْ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِدُونِ إذْنِ الْبَقِيَّةِ. (وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُمْ فَوْقَ الْوَاجِبِ، لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ) عَلَى خُلَطَائِهِ لِعَدَمِ الْإِذْنِ لَفْظًا وَحُكْمًا (وَيَرْجِعُ) مَأْخُوذٌ مِنْهُ الزَّكَاةُ عَلَى خَلِيطِهِ (بِقِسْطٍ زَائِدٍ) عَلَى وَاجِبٍ

(أَخَذَهُ سَاعٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَأَخْذِ مَالِكِيٍّ صَحِيحَةً عَنْ مِرَاضٍ، وَكَبِيرَةً عَنْ صِغَارٍ، أَوْ) أَخْذِ (حَنَفِيٍّ الْقِيمَةَ) ، أَيْ: قِيمَةَ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ السَّاعِيَ نَائِبُ الْإِمَامِ، فَفِعْلُهُ كَفِعْلِهِ. قَالَ الْمَجْدُ: فَلَا يُنْقَضُ كَمَا فِي " الْحَاكِمِ ". قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَجَبَ دَفْعُهُ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاجِبِ، وَلِأَنَّ فِعْلَ السَّاعِي فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ نَافِذٌ سَائِغٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِسَوَغَانِهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ، أَيْ: فِي أَخْذِ الْقِيمَةِ، وَلَوْ اعْتَقَدَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَدَمَهُ، انْتَهَى. وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَيُجْزِئُ، وَلَوْ اعْتَقَدَ مَأْخُوذٌ مِنْهُ عَدَمَ إجْزَاءٍ) . وَ (لَا) يَرْجِعُ مَأْخُوذٌ مِنْهُ (بِمَا) ، أَيْ: بِقِسْطٍ زَائِدٍ (أَخَذَهُ) سَاعٍ (ظُلْمًا) بِلَا تَأْوِيلٍ، (كَ) أَخْذِهِ (شَاتَيْنِ عَنْ أَرْبَعِينَ) شَاةً (خُلْطَةً وك) أَخْذِهِ (جَذَعَةً عَنْ ثَلَاثِينَ بَعِيرًا فَيَرْجِعُ) الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى خَلِيطِهِ فِي الْأُولَى (بِقِيمَةِ نِصْفِ بِنْتِ مَخَاضٍ أَوْ) يَرْجِعُ عَلَى خَلِيطِهِ بِنِصْفِ (شَاةٍ وَمَا زَادَ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ) أَوْ الْمُتَسَبِّبِ فِي ظُلْمِهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": إذَا أَسْقَطَ الْعَامِلُ، أَوْ أَخَذَ دُونَ مَا يَعْتَقِدُ الْمَالِكُ، يَلْزَمُ الْمَالِكَ الْإِخْرَاجُ، زَادَ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى -. (وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُؤْخَذُ (مِنْ هَذَا) ، أَيْ: قَوْلِهِمْ: فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ أَنَّهُ (لَا يَلْزَمُ أَهْلَ بَلْدَةٍ ظُلِمُوا التَّسَاوِي فِي الظُّلْمِ، بَلْ لِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمْ (دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ مَا أَمْكَنَ) بِمَشْيَخَةٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ رِشْوَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لِغَيْرِهِ، بِحَيْثُ إنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا مُتَّجِهٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ ظُلِمَ الرُّجُوعُ بِقِسْطِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يُظْلَمْ خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ (حَيْثُ أَلْزَمهُمْ بِهِ) ، أَيْ: أَهْلَ بَلْدَةِ ظُلِمُوا بِالتَّسَاوِي فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَقُلْ بِإِلْزَامِهِمْ

مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا قَالَ: إنَّ الْمَظَالِمَ الْمُشْتَرَكَةَ، وَالْكُلَفَ السُّلْطَانِيَّةَ الَّتِي تَطْلُبُهَا الْوُلَاةُ مِنْ الْقَرْيَةِ أَوْ الْقَافِلَةِ يَلْزَمُهُمْ الْعَدْلُ، فِي ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَاءِ قِسْطِهِ بِحَيْثُ تُؤْخَذُ مِنْ شُرَكَائِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظُلْمِ، نَحْوِ سُرَّاقٍ أَوْ قُطَّاعِ طَرِيقٍ، (إلَّا أَنْ يُحْمَلَ) كَلَامُ الشَّيْخِ (عَلَى أَنَّ الْمَظْلَمَةَ) الَّتِي طُلِبَتْ (كَانَتْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ. وَقَالَ) الشَّيْخُ: عَلَى الظَّالِمِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ الْمَظْلُومِينَ فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الطَّلَبِ ظُلْمًا، فَعَلَيْهِ الْتِزَامُ الْعَدْلِ فِيهِ، وَلَا يَظْلِمُ فِيهِ ظُلْمًا ثَانِيًا، فَيَبْقَى ظُلْمًا مُكَرَّرًا، فَإِنَّ الْوَاحِد مِنْهُمْ إذَا كَانَ قِسْطُهُ مِائَةً فَطُولِبَ بِمِائَتَيْنِ، كَانَ قَدْ ظُلِمَ ظُلْمًا مُكَرَّرًا، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَ مِنْ كُلٍّ قِسْطَهُ، وَ (لِأَنَّ النُّفُوسَ) تَرْضَى بِالْعَدْلِ بَيْنَهَا فِي الْحِرْمَانِ، وَفِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا ظُلْمًا، و (لَا تَرْضَى بِالتَّخْصِيصِ) ، أَيْ: بِأَنْ يُخَصَّ بَعْضُهَا بِالْعَطَاءِ أَوْ الْإِعْفَاءِ (وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَخْذِ الْجَمِيعِ مِنْ الضُّعَفَاءِ) الَّذِينَ لَا نَاصِرَ لَهُمْ، وَالْأَقْوِيَاءُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ وَظَائِفِ الْأَمْلَاكِ وَالرُّءُوسِ، وَأَكْبَرُهَا مِنْ أَنَّ أَمْلَاكَهُمْ وَأَتْبَاعَهُمْ أَكْثَرُ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ الْفَسَادِ وَالشَّرِّ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ، (انْتَهَى) . وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مُسْتَوْفًى فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ. (فَرْعٌ: كُلُّ مَنْ تَصَرَّفَ لِغَيْرِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ إذَا طَلَبَ مِنْهُ مَا يَنُوبُ

باب زكاة الخارج من الأرض

ذَلِكَ الْمَالَ مِنْ الْكُلَفِ فَلَهُ دَفْعُهُ مِنْ الْمَالِ، بَلْ إنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْهُ أَخَذَ الظَّلْمَةَ أَكْثَرَ، وَجَبَ) عَلَيْهِ الدَّفْعُ (لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الدَّفْعَ (مِنْ حِفْظِ الْمَالِ. وَلَوْ تَعَذَّرَ الدَّفْعُ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَالَ (فَاقْتَرَضَ عَلَيْهِ، أَوْ أَدَّى) عَنْهُ (مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ) عَلَى رَبِّ الْمَالِ (قَالَهُ الشَّيْخُ) تَقِيِّ الدِّينِ: وَهُوَ كَمَا قَالَ. [بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ] (بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ) (زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ) مِنْ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ (وَ) زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنْ (النَّحْلِ) وَهُوَ عَسَلُهُ. وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] وَالزَّكَاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] وقَوْله تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " حَقُّهُ الزَّكَاةُ " مَرَّةً الْعُشْرُ وَمَرَّةً نِصْفُ الْعُشْرِ، وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ. وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. (تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي كُلِّ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَدْخُلُهُ التَّوْسِيقُ لَيْسَ مُرَادًا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَإِلَّا لَكَانَ ذِكْرُ الْأَوْسُقِ لَغْوًا، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُدَّخَرِ لَا تَكْمُلُ فِيهِ النِّعْمَةُ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ مَآلًا (مِنْ حَبٍّ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَأُرْزٍ وَفُولٍ وَعَدَسٍ وَحِمَّصٍ وَذُرَةٍ وَدُخْنٍ وَجُلْبَانٍ

وَلُوبْيَا وَكِرْسِنَّةٍ وَتُرْمُسٍ) بِوَزْنِ بُنْدُقٍ (وَسِمْسِمٍ وَقِرْطِمٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالطَّاءِ وَضَمُّهَا لُغَةٌ: حَبُّ الْعُصْفُرِ (وَحُلْبَةٍ وَخَشْخَاشٍ وَسُلْتٍ) بِالضَّمِّ (وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ) لَوْنُهُ لَوْنُ الْحِنْطَةِ، وَطَبْعُهُ طَبْعُ الشَّعِيرِ فِي الْبُرُودَةِ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ الْحُبُوبِ بِهِ فِي صُورَتِهِ. (وَلَوْ) كَانَ الْحَبُّ (حَبَّ بُقُولٍ كَ) حَبِّ (رَشَادٍ وَفُجْلٍ وَخَرْدَلٍ وَبَصَلٍ وَهِنْدِبَاء وَكَرَفْسٍ وَبِزْرِ قَطُونَا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الطَّاءِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ (وَ) بِزْرِ (رَيَاحِينَ أَوْ حَبِّ مَا لَا يُؤْكَلُ كَأُشْنَانٍ وَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ) كَرُمَّانٍ (وَنِيلٍ وَقُنَّبٍ أَوْ حَبِّ أَبَازِيرَ كَكُسْفَرَةٍ وَكَمُّونٍ وَأَنْسِيُونٍ ورازيانج وَهُوَ الشَّمَرُ وَبِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ وَخِيَارٍ وَبَاذِنْجَانٍ وَيَقْطِينٍ وَخَسٍّ وَجَزَرٍ وَلِفْتٍ وَكُرُنْبٍ وَكَرَفْسٍ) وَبِزْرِ الْبَقْلَةِ الْحَمْقَاءِ (أَوْ) كَانَ الْمَكِيلُ (غَيْرَ حَبٍّ كَصَعْتَرٍ وَأُشْنَانٍ وَسُمَّاقٍ، أَوْ وَرَقِ شَجَرٍ يُقْصَدُ كَسِدْرٍ وَخِطْمِيٍّ وَآسٍ، أَوْ) كَانَ الْمَكِيلُ مِنْ (ثَمَرٍ كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَلَوْزٍ وَفُسْتُقٍ وَبُنْدُقٍ وَسُمَّاقٍ) لِأَنَّهُ مَكِيلٌ مُدَّخَرٌ و (لَا) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي (عُنَّابٍ وَزَيْتُونٍ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِادِّخَارِهِ (وَتُوتٍ وَمِشْمِشٍ وَجَوْزٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَعْدُودٌ. (وَ) لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي بَقِيَّةِ الْفَوَاكِهِ كَ (تُفَّاحٍ وَرُمَّانٍ وَسَفَرْجَلٍ وَخَوْخٍ وَإِجَّاصٍ وَكُمَّثْرَى وَنَبْقٍ وَزُعْرُورٍ وَأُتْرُجٍّ وَمَوْزٍ وَبَقِيَّةِ الْفَوَاكِهِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَكِيلَةً، وَلِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ الصَّدَقَةُ» وَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ مَعْنَاهُ. (وَ) لَا فِي (طَلْعِ فُحَّالٍ) - بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ ثَانِيهِ - ذَكَرِ النَّخْلِ (وَقَصَبِ) سُكَّرٍ (وَخُضَرٍ) كَبِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ وَخِيَارٍ وَبَاذِنْجَانٍ وَلِفْتٍ وَسَلْقٍ وَكُرُنْبٍ وَبَصَلٍ وَثُومٍ وَكُرَّاثٍ وَجَزَرٍ وَفُجْلٍ وَنَحْوِهِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ. وَلِلْأَثْرَمِ بِإِسْنَادِهِ " عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ وَكَانَ عَامِلًا لَهُ عَلَى الطَّابِقِ، أَنَّ قِبَلَهُ حِيطَانًا فِيهَا مِنْ الْفِرْسِكِ وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ أَكْثَرُ غَلَّةً مِنْ الْكُرُومِ

أَضْعَافًا فَكَتَبَ يَسْتَأْمِرُ فِي الْعُشْرِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ لَيْسَ عَلَيْهَا عُشْرٌ، وَقَالَ: هِيَ مِنْ الْعِضَاه كُلِّهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا عُشْرٌ " وَالْعَضَاةُ: كُلُّ شَجَرٍ، يَعْظُمُ وَلَهُ شَوْكٌ كَالطَّلْحِ وَالسِّدْرِ وَنَحْوِهِمَا. (وَ) لَا فِي (بُقُولٍ) كَهِنْدِبَاءَ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: تُفْتَحُ الدَّالُ فَتُقْصَرُ، وَتُكْسَرُ فَتُمَدُّ. وَكَرَفْسٍ وَنَعْنَاعٍ وَرَشَادٍ وَبَقْلَةٍ حَمْقَاءَ وَقَرَظٍ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": الْقَرَظُ مُحَرَّكَةٌ: وَرَقُ السَّلَمِ، أَوْ ثَمَرُ السَّنْطِ، قَالَهُ الشَّارِحُ فِي تَقْرِيرِهِ: وَكُزْبُرَةٌ بِضَمِّ الْبَاءِ، وَقَدْ تُفْتَحُ. وَجِرْجِيرٌ وَنَحْوُهُ. (وَ) لَا فِي (وَرْسٍ) وَهُوَ الْكُرْكُمُ: نَبْتٌ أَصْفَرُ بِالْيَمَنِ يُصْبَغُ بِهِ الثِّيَابُ (وَنِيلٍ وَحِنَّاءَ وَفُوَّةٍ وَبُقَّمٍ وَ) لَا فِي (زَهْرٍ كَعُصْفُرٍ وَزَعْفَرَانَ) وَوَرْدٍ وَبَنَفْسَجٍ وَنَيْلُوفَرَ وَخِيرِيٍّ، وَهُوَ: الْمَنْثُورُ وَزَنْبَقٍ وَرَيْحَانٍ (وَ) لَا فِي (نَحْوِ ذَلِكَ) كَقُشُورِ الْحَبِّ وَالتِّينِ وَالْخَشَبِ، وَالْحَطَبِ وَأَغْصَانِ الْخِلَافِ، وَوَرَقِ التُّوتِ وَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ، وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا وَالشَّعْرِ وَالْوَبَرِ وَالْحَرِيرِ وَدُودِ الْقَزِّ، وَجَرِيدِ النَّخْلِ وَخُوصِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ (وَإِنَّمَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِيمَا تَجِبُ) فِيهِ (بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْلُغَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ شَرِيكَيْنِ: أَوْ شُرَكَاءَ فِي مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ (نِصَابًا) لِلْخَبَرِ (وَقَدْرُهُ) ، أَيْ: النِّصَابِ (بَعْدَ تَصْفِيَةِ حَبٍّ) مِنْ قِشْرِهِ وَتِبْنِهِ. (وَ) بَعْدَ (جَفَافِ ثَمَرٍ وَ) جَفَافِ (وَرَقٍ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَهُوَ خَاصٌّ يَقْضِي عَلَى كُلِّ عَامٍّ وَمُطْلَقٍ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةُ مَالٍ، فَاعْتُبِرَ لَهَا النِّصَابُ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ. (وَهِيَ) ، أَيْ: الْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ (ثَلَاثُمِائَةِ صَاعٍ) وَبِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ سِتَّةُ أَرَادِبَ، لِأَنَّ الْوَسْقَ سِتُّونَ صَاعًا إجْمَاعًا، وَهُوَ أَرَدْبٌ وَرُبْعٌ (وَ) هِيَ (بِالرَّطْلِ الْعِرَاقِيِّ أَلْفٌ

وَسِتُّمِائَةِ) رَطْلٍ لِأَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ (وب) الرَّطْلِ (الْمِصْرِيِّ أَلْفُ) رَطْلٍ (وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ رَطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ) رَطْلٍ (وب) الرَّطْلِ (الدِّمَشْقِيِّ ثَلَاثُمِائَةِ) رَطْلٍ (وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رَطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ) رَطْلٍ، (وب) الرَّطْلِ (الْحَلَبِيِّ مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ رَطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ) رَطْلٍ، (وب) الرَّطْلِ (الْقُدْسِيِّ مِائَتَانِ وَسَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ) رَطْلًا (وَسُبْعُ رَطْلٍ، وب) الرَّطْلِ (الْبَعْلِيِّ مِائَتَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ رَطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ) رَطْلٍ. (وَالْأُرْزُ وَالْعَلْسُ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا (وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ) تَكُونُ الْحَبَّتَانِ مِنْهُ فِي كِمَامٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ طَعَامُ صَنْعَاءِ الْيَمَنِ (يُدَّخَرَانِ فِي قِشْرِهِمَا) عَادَةً لِحِفْظِهِمَا (فَنِصَابُهُمَا مَعَهُ) ، أَيْ: الْقِشْرِ (بِبَلَدٍ خُبِرَا) ، أَيْ: الْأُرْزُ وَالْعَلْسُ فِيهِ (فَوُجِدَا) بِالِاخْتِبَارِ (يَخْرُجُ مِنْهُمَا مُصَفًّى النِّصْفُ مَثَلًا ذَلِكَ فَيَكُونُ) نِصَابُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي قِشْرِهِ (عَشَرَةَ أَوْسُقٍ) وَإِنْ صُفِّيَا فَنِصَابُ كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ كَسَائِرِ الْحُبُوبِ (فَإِنْ شَكَّ) فِي بُلُوغِهِمَا نِصَابًا، وَهُمَا فِي قِشْرِهِمَا لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْعَادَةِ، فَإِنْ شَاءَ (احْتَاطَ) وَأَخْرَجَ عُشْرَهُ قَبْلَ قِشْرِهِ وَإِنْ شَاءَ اعْتَبَرَهُ بِنَفْسِهِ (كَمَغْشُوشِ أَثْمَانٍ) حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ (وَلَا يُقَدَّرُ غَيْرُهُ) ، أَيْ: الْعَلْسِ (مِنْ) الـ (حِنْطَةِ فِي قِشْرِهِ وَلَا يَخْرُجُ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِهِ، وَلَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَلَا يَعْلَمُ قَدْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ. (وَالْوَسْقُ وَالصَّاعُ وَالْمُدُّ مَكَايِيلُ) أَصَالَةً (نُقِلَتْ لِلْوَزْنِ) ، أَيْ: قُدِّرَتْ بِهِ (لِتُحْفَظَ) مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ (وَ) لِ (تُنْقَلَ) مِنْ الْحِجَازِ إلَى سَائِرِ الْبِلَادِ (وَالْمَكِيلُ) مُخْتَلِفٌ فَ (مِنْهُ ثَقِيلٌ كَأَرُزٍّ وَتَمْرٍ وَ) مِنْهُ (مُتَوَسِّطٌ كَبُرٍّ وَعَدَسٍ وَ) مِنْهُ (خَفِيفٌ كَشَعِيرٍ وَذُرَةٍ) وَأَكْثَرُ التَّمْرِ

أَخَفُّ مِنْ الْحِنْطَةِ إذَا كِيلَ غَيْرَ مَكْبُوسٍ (وَالِاعْتِبَارُ) مِنْ هَذِهِ الْمَكِيلَاتِ (بِمُتَوَسِّطٍ) وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالْعَدَسُ (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي خَفِيفٍ) بَلَغَ نِصَابًا كَيْلًا (قَارَبَ هَذَا الْوَزْنَ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ) ، أَيْ: الْوَزْنُ فِي الْكَيْلِ كَالرَّزِينِ (وَ) لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ (فِي ثَقِيلٍ) بَلَغَهُ وَزْنًا لَا كَيْلًا (وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: النِّصَابِ (فَمَنْ اتَّخَذَ مَا) ، أَيْ: مَكِيلًا (يَسَعُ) صَاعًا وَهُوَ (خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ مِنْ جَيِّدِ الْبُرِّ) وَهُوَ الرَّزِينُ مِنْهُ الْمُسَاوِي لِلْعَدَسِ فِي وَزْنِهِ، ثُمَّ كَالَ بِهِ مَا شَاءَ (عَرَفَ بِهِ مَا بَلَغَ حَدَّ الْوُجُوبِ) ، أَيْ: النِّصَابِ (مِنْ غَيْرِهِ) الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ. (وَمَنْ شَكَّ فِي بُلُوغِ قَدْرِ النِّصَابِ) وَلَمْ يَجِدْ مَكِيلًا يُقَدِّرُهُ بِهِ (احْتَاطَ وَأَخْرَجَ) الزَّكَاةَ لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَتِهَا (وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ إذَنْ (لِأَنَّهُ) أَيْ: عَدَمَ بُلُوغِ النِّصَابِ (الْأَصْلُ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ. قَالَهُ جَمْعٌ) مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا كَالْمُوَفَّقِ وَغَيْرِهِ. (وَيَضُمُّ أَنْوَاعَ الْجِنْسِ) بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ (مِنْ زَرْعِ عَامٍ وَاحِدٍ) وَلَوْ تَعَدَّدَ الْبَلَدُ (وَ) مِنْ (ثَمَرَتِهِ) ، أَيْ: الْعَامِ الْوَاحِدِ، كَتَمْرٍ مَعْقِلِيٍّ وَإِبْرَاهِيمِيٍّ فَيُضَمَّانِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَكَالْمَوَاشِي وَالْأَثْمَانِ. (وَلَوْ) كَانَ الثَّمَرُ (مِمَّا) ، أَيْ: شَجَرٍ (يَحْمِلُ فِي سَنَةٍ حَمْلَيْنِ) فَيُضَمُّ بَعْضُهَا (إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ، كَالذُّرَةِ الَّتِي تَنْبُتُ مَرَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصْلُحُ مَانِعًا لِحَمْلِ الذُّرَةِ (فَعَلْسٌ يُضَمُّ لِحِنْطَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا (وَسُلْتٌ) يُضَمُّ (لِشَعِيرٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ الْحُبُوبِ فِي صُورَتِهِ، فَهُوَ نَوْعٌ مِنْهُ (وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ) مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ (إلَى) جِنْسٍ (آخَرَ) فِي تَكْمِيلِ نِصَابٍ (كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ) فَلَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ (وَلَوْ قُطْنِيَّاتٍ كَبَاقِلَاءَ وَعَدَسٍ وَتُرْمُسٍ) بِالضَّمِّ حَمْلُ شَجَرٍ لَهُ حَبٌّ مُضَلَّعٌ مُحَزَّزٌ، أَوْ الْبَاقِلَاءُ

فصل زكاة الزروع فيما يشرب بلا كلفة

الْمِصْرِيُّ قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ " (وَسِمْسِمٍ وَحِمَّصٍ) فَلَا يُضَمُّ شَيْءٌ مِنْهَا إلَى غَيْرِهِ (وَلَا) يُضَمُّ (نَوْعٌ مِنْ عَامٍ لِ) نَوْعِ عَامٍ (آخَرَ) وَلَوْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ. الشَّرْطُ (الثَّانِي: مِلْكُهُ) ، أَيْ: النِّصَابِ (وَقْتَ وُجُوبِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (وَيَأْتِي، فَلَا تَجِبُ) زَكَاةٌ (فِي مُكْتَسَبِ لُقَاطٍ وَ) لَا فِي (أُجْرَةٍ نَحْوِ حَصَادٍ) كَجُذَاذٍ (وَلَا فِيمَا يُمْلَكُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحٍ بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ وَنَحْوِهِ) كَهِبَةٍ (أَوْ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِأَخْذٍ كَبُطْمِ وَزَعْبَلٍ) هُوَ شَعِيرُ الْجَبَلِ (وَبِزْرِ قَطُونَا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الطَّاءِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ (وَكُزْبُرَةٍ وَعَفْصٍ وَسُمَّاقٍ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ نَبَتَ بِأَرْضِهِ إذْ لَا يُمْلَكُ) شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (إلَّا بِأَخْذٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِحَوْزَةٍ (وَلَا يُشْتَرَطُ) لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ (فِعْلُ زَرْعٍ فَيُزَكِّي نِصَابًا حَصَلَ مِنْ حَبٍّ لَهُ سَقَطَ) لِنَحْوِ سَيْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِ) أَرْضٍ (مِلْكِهِ أَوْ) بِأَرْضٍ (مُبَاحَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ. قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْت: وَكَذَا لَوْ سَقَطَ بِمَمْلُوكَةٍ لِغَيْرِهِ إلَّا غَاصِبًا تَمَلَّكَ رَبُّ الْأَرْضِ زَرْعَهُ عَلَى مَا يَأْتِي [فَصْلٌ زَكَاة الزروع فِيمَا يَشْرَبُ بِلَا كُلْفَةٍ] (فَصْلٌ) (وَيَجِبُ فِيمَا يَشْرَبُ بِلَا كُلْفَةٍ) مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ (كِ) الَّذِي يَشْرَبُ (بِعُرُوقِهِ) وَيُسَمَّى بَعْلًا. (وَ) كَاَلَّذِي يَشْرَبُ بِ (غَيْثٍ) وَهُوَ الَّذِي يُزْرَعُ عَلَى الْمَطَرِ (وَ) الَّذِي يَشْرَبُ بِ (سَيْحٍ) ، أَيْ: مَاءٍ جَارٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَنَهْرِ وَعَيْنٍ. (وَلَوْ) كَانَ السَّقْيُ (بِإِجْرَاءِ مَاءِ حَفِيرَةٍ) حَصَلَ فِيهَا مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ أَوْ نَهْرٍ (شَرَاهُ) ، أَيْ: الْمَاءَ رَبُّ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ (الْعُشْرُ) فَاعِلُ يَجِبُ لِلْخَبَرِ، وَلِنُدْرَةِ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ وَهِيَ فِي مِلْكِ الْمَاءِ لَا فِي السَّقْيِ بِهِ. فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي مِنْ

النَّهْرِ فِي سَاقِيَةٍ إلَى الْأَرْضِ وَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان قَرِيبٍ مِنْ وَجْهِهَا إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ إلَى آلَةٍ مِنْ غَرْبٍ أَوْ دُولَابٍ، فَهُوَ مِنْ الْكُلْفَةِ الْمُسْقِطَةِ لِنِصْفِ الْعُشْرِ. (وَلَا يُؤَثِّرُ مُؤْنَةُ حَفْرِ نَهْرٍ) وَقَنَاةٍ لِقِلَّتِهَا، وَلِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ، وَلَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ (وَ) لَا تُؤَثِّرُ مُؤْنَةُ (تَحْوِيلِ مَا فِي سَوَاقٍ؛ لِأَنَّهُ كَحَرْثِ الْأَرْضِ) وَلِأَنَّهُ لِمُلَبِّدٍ مِنْهُ حَتَّى فِي السَّقْيِ بِكُلْفَةٍ (وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى مَاءَ بِرْكَةٍ أَوْ حَفِيرَةٍ أَوْ جَمَعَهُ وَسَقَى بِهِ سَيْحًا) فَيَجِبُ الْعُشْرُ لِنُدْرَةِ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ (وَ) يَجِبُ (فِيمَا يُسْقَى بِكُلْفَةٍ كَدَوَالٍ) : جَمْعُ دَالِيَةٍ (وَهِيَ الدُّولَابُ تُدِيرُهُ الْبَقَرُ وَنَوَاعِيرَ يُدِيرُهَا الْمَاءَ وَنَوَاضِحَ) وَاحِدُهَا نَاضِحٌ وَنَاضِحَةٌ وَهِيَ (إبِلٌ يُسْتَقَى عَلَيْهَا وَكَتَرْقِيَةِ) الْمَاءِ (بِغَرْفٍ وَنَحْوِهِ نِصْفُ الْعُشْرِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عُشْرِيًّا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَسُمِّيَ عَثْرِيًّا؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِي مَجْرَى الْمَاءِ عَاثُورًا، فَإِذَا صَدَمَهُ الْمَاءُ تَرَادَّ فَدَخَلَ تِلْكَ الْمَجَارِي فَتَسْقِيهِ، وَلِأَنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ، فَفِي تَخْفِيفِهَا أَوْلَى. (وَ) يَجِبُ (فِيمَا يَشْرَبُ بِكُلْفَةٍ وَ) بِ (دُونِهَا نِصْفَيْنِ) أَيْ: نِصْفِ مُدَّتِهِ بِكُلْفَةٍ، وَنِصْفِهَا بِلَا كُلْفَةٍ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ) نِصْفُهُ لِنِصْفِ الْعَامِ بِلَا كُلْفَةٍ، وَرُبْعُهُ لِلْأُخْرَى (فَإِنْ تَفَاوَتَا) ، أَيْ: السَّقْيُ بِكُلْفَةٍ وَالسَّقْيُ بِغَيْرِهَا بِأَنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ (فَالْحُكْمُ لِأَكْثَرِهِمَا) ، أَيْ: السَّقْيَيْنِ (نَفْعًا وَنُمُوًّا) نَصًّا، فَلَا اعْتِبَارَ بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَكَذَا

هُنَا. (فَإِنْ جَهِلَ) مِقْدَارَ السَّقْيِ فَلَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ، أَوْ جَهِلَ الْأَكْثَرَ نَفْعًا وَنُمُوًّا (فَالْعُشْرُ) وَاجِبٌ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْعُشْرِ تَعَارَضَ فِيهِ مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ، فَغَلَبَ الْمُوجِبُ لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ. (وَمَنْ لَهُ مَا) ، أَيْ: حَائِطَانِ أَحَدُهُمَا (يُسْقَى بِكُلْفَةٍ وَ) يُسْقَى الْآخَرُ بِ (دُونِهَا) ، أَيْ: بِلَا كُلْفَةٍ، (ضُمَّا) ، أَيْ: ضُمَّتْ ثِمَارُهُمَا وَزُرُوعُهُمَا بَعْضٌ إلَى بَعْضٍ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالْعَامِ (فِي) تَكْمِيلِ (النِّصَابِ، ثُمَّ لِكُلٍّ) مِنْهُمَا (حُكْمُ نَفْسِهِ) فِي سَقْيِهِ بِمُؤْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَيُخْرِجُ مِمَّا يَشْرَبُ بِمُؤْنَةٍ نِصْفُ عُشْرِهِ، وَمِمَّا يَشْرَبُ بِغَيْرِهَا عُشْرُهُ (وَيُصَدَّقُ مَالِكٌ بِلَا يَمِينٍ فِيمَا سَقَى بِهِ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُسْتَحْلَفُونَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ وَالْحَدِّ. (وَيَتَّجِهُ) قَبُولُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ سَقَى بِكُلْفَةٍ (مَا لَمْ يُكَذِّبْهُ حَبْسٌ) كَكَثْرَةِ أَمْطَارٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَوْ مِيَاهٍ لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِنْ السَّقْيِ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُصَدَّقُ قَوْلُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ كَامِلًا لِظُهُورِ كَذِبِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَوَقْتُ وُجُوبِ) زَكَاةٍ (فِي حَبٍّ إذَا اشْتَدَّ) ؛ لِأَنَّ اشْتِدَادَهُ حَالُ صَلَاحِهِ لِلْأَخْذِ وَالتَّوْسِيقِ وَالِادِّخَارِ (وَ) وَقْتُ وُجُوبِهَا (فِي ثَمَرَةٍ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا) ، أَيْ: طِيبُ أَكْلِهَا وَظُهُورُ نُضْجِهَا؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْخَرْصِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِحِفْظِ الزَّكَاةِ وَمَعْرِفَةِ قَدْرِهَا، فَدَلَّ عَلَى تَعَلُّقِ وُجُوبِهَا بِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ وَالْحَبَّ فِي الْحَالَيْنِ يُقْصَدَانِ لِلْأَكْلِ وَالِاقْتِيَاتِ. (وَيَتَّجِهُ وَ) وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (فِي وَرَقِ) سِدْرٍ وَصَعْتَرٍ (عِنْدَ أَوَانِ أَخْذِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ كَمَالِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْبُهُوتِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى " الْمُنْتَهَى " وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَلَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ) مَالِكٌ (الْحَبَّ) بَعْدَ اشْتِدَادِهِ (أَوْ) بَاعَ أَوْ وَهَبَ (الثَّمَرَةَ) بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا (أَوْ تَلِفَا) ،

أَيْ: الْحَبُّ وَالثَّمَرَةُ (بِتَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ) ، أَيْ: الْمَالِكِ (بَعْدَ) ذَلِكَ، (لَمْ تَسْقُطْ) زَكَاتُهُ. (وَكَذَا لَوْ مَاتَ) بَعْدَ الِاشْتِدَادِ أَوْ بُدُوِّ الصَّلَاحِ (أَوْ وَرِثَهُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) ، لَمْ يَمْنَعْ دَيْنُهُ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُورِثِ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، لَا عَلَى الْوَارِثِ الْمَدِينِ، (أَوْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ كُلٍّ) مِنْ مُشْتَرٍ وَمُتَّهِبٍ وَوَارِثٍ (نِصَابًا) ، لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ لِوُجُوبِهَا فِي عَيْنِ الْمَالِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِمْ قَبْلَ انْتِقَالِهِ. (وَيَصِحُّ) مِمَّنْ بَاعَ حَبًّا أَوْ ثَمَرَةً بَعْدَ الْوُجُوبِ (اشْتِرَاطُ إخْرَاجِ) زَكَاتِهِ (عَلَى مُشْتَرٍ) لِلْعِلْمِ بِهَا، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى قَدْرَهَا وَوَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِهَا. (وَيَتَّجِهُ وَ) كَذَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ وَاهِبٍ عَلَى (مُتَّهِبٍ) إخْرَاجَ زَكَاةِ حَبٍّ أَوْ ثَمَرَةٍ بَعْدَ الْوُجُوبِ، فَكَأَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْ ذَلِكَ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ وَوَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِ الْعُشْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (مُشْتَرٍ) شُرِطَتْ عَلَيْهِ (وَتَعَذَّرَ رُجُوعُ) سَاعٍ (عَلَيْهِ، أُلْزِمَ بِهَا بَائِعٌ) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَ (لَا) يَصِحُّ (اشْتِرَاطُ) بَائِعٍ (زَكَاةَ نِصَابِ مَاشِيَةٍ) عَلَى مُشْتَرٍ، بَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ (لِلْجَهَالَةِ) بِالْمُسْتَثْنَى، وَاسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُولِ مِنْ الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُهُ مَجْهُولًا (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ زَكَاةِ (مَا اُشْتُرِيَ بِأَصْلِهِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ) عَلَى بَائِعٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْعِوَضِ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ (وَ) لَوْ كَانَ الْبَيْعُ، أَوْ الْهِبَةُ، أَوْ مَوْتُ الْمَالِكِ عَمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ نِصَابًا، أَوْ عَنْ مَدِينٍ (قَبْلَ) اشْتِدَادِ الْحَبِّ أَوْ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، (تَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ) فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِي مَسْأَلَتَيْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، وَتَسْقُطُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ (وَلَا زَكَاةَ) عَلَى بَائِعٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ. وَكَذَا لَوْ

مَاتَ قَبْلُ وَلَهُ وَرَثَةٌ مَدِينُونَ، أَوْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا (إلَّا إنْ قَصَدَ) بِبَيْعِهِ أَوْ إتْلَافِهِ قَبْلَ وُجُوبِهَا (الْفِرَارَ مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (فَتَلْزَمُهُ) وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ. (وَيَتَّجِهُ هَذَا) ، أَيْ: وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُتْلِفِ فِرَارًا مِنْهَا (إنْ بَاعَهَا لِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ) الزَّكَاةُ كَالذِّمِّيِّ (وَإِلَّا) نَقُلْ بِذَلِكَ بِأَنْ أَوْجَبْنَا عَلَى الْفَارِّ زَكَاةً، وَعَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ أَهْلِهَا أُخْرَى، (أَدَّى) ذَلِكَ (لِوُجُوبِ زَكَاتَيْنِ فِي عَيْنٍ) وَاحِدَةٍ بِعَامٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إجْحَافٌ بِالْمُلَّاكِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَتُقْبَلُ) مِنْهُ (دَعْوَى عَدَمِهِ) ، أَيْ: الْفِرَارِ بِلَا قَرِينَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَ) تُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى (التَّلَفِ) لِلْمَالِ قَبْلَ وُجُوبِ زَكَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ (بِلَا يَمِينٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ أُتْهِمَ) فِيهِ لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ) ، أَيْ: التَّلَفَ (بِ) سَبَبٍ (ظَاهِرٍ فَيُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: إنْ السَّبَبُ وُجِدَ، لِإِمْكَانِهِ (ثُمَّ يُصَدَّقُ فِيمَا تَلِفَ) مِنْ مَالِهِ بِذَلِكَ كَالْوَدِيعِ وَالْوَكِيلِ (وَلَا تَسْتَقِرُّ) زَكَاةُ نَحْوِ حَبٍّ وَثَمَرٍ (إلَّا بِجَعْلٍ) لَهُ (فِي جَرِينٍ أَوْ بَيْدَرٍ أَوْ مِسْطَاحٍ) : مَوْضِعِ تَشْمِيسِهَا، سُمِّيَ بِذَلِكَ بِمِصْرَ وَالْعِرَاقِ، وَيُسَمَّى بِالشَّرْقِ وَالشَّامِ الْبَيْدَرَ، وَيُسَمَّى بِالْحِجَازِ الْمِرْبَدَ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ التَّمْرُ لِيَتَكَامَلَ جَفَافُهَا، وَيُسَمَّى بِالْبَصْرَةِ الْجُوجَانُ، وَيُسَمَّى بِلُغَةِ آخَرِينَ الْمِسْطَاحُ، وَبِلُغَةِ آخَرِينَ الطِّبَابَةَ، وَمُسَمَّى الْجَمِيعِ وَاحِدٌ (فَإِنْ تَلِفَتْ) الْحُبُوبُ أَوْ الثِّمَارُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ (قَبْلَ) وَضْعِهَا بِجَرِينٍ وَنَحْوِهِ (بِلَا تَعَدِّيهِ) ، أَيْ: مَالِكِهَا (سَقَطَتْ) الزَّكَاةُ

(خَرَصَتْ) الثَّمَرَةُ (أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَا لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فَذَهَبَتْ بِعَطَشٍ أَصَابَهَا وَنَحْوِهِ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِثَمَنِهَا. وَالْخَرْصُ لَا يُوجَبُ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ السَّاعِي لِيَتَمَكَّنَ الْمَالِكُ مِنْ التَّصَرُّفِ، فَوَجَبَ سُقُوطُ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُودِهِ كَعَدَمِهِ. وَإِنْ تَلِفَ الْبَعْضُ زَكَّى الْبَاقِيَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَإِلَّا فَلَا (وَ) إنْ تَلِفَتْ الزُّرُوعُ أَوْ الثِّمَارُ (بَعْدَ اسْتِقْرَارٍ) ، أَيْ: وَضْعِهَا بِجَرِينٍ وَنَحْوِهِ (فَلَا) تَسْقُطُ زَكَاتُهَا كَتَلَفِ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ. وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَهَا، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَلَوْ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ. صَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي " " وَالشَّرْحِ " (وَيَلْزَمُ) رَبَّ مَالٍ (إخْرَاجُ حَبٍّ وَمَعْدِنٍ مُصَفَّى) مِنْ تِبْنِهِ وَقِشْرِهِ (وَ) إخْرَاجُ (ثَمَرٍ يَابِسًا) لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ «عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ زَبِيبًا كَمَا يُخْرَصُ التَّمْرُ» وَلَا يُسَمَّى زَبِيبًا وَتَمْرًا حَقِيقَةً إلَّا الْيَابِسُ، وَقِيسَ الْبَاقِي عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ حَالَ تَصْفِيَةِ الْحَبِّ وَجَفَافِ التَّمْرِ حَالُ كَمَالٍ وَنِهَايَةُ صِفَاتِ ادِّخَارِهِ، وَوَقْتُ لُزُومِ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ (فَإِنْ خَالَفَ) وَأَخْرَجَ سُنْبُلًا وَرُطَبًا وَعِنَبًا، لَمْ يُجْزِئْهُ إخْرَاجُهُ، وَ (وَقَعَ نَفْلًا) إنْ كَانَ الْإِخْرَاجُ لِلْفُقَرَاءِ (فَلَوْ أَخَذَهُ سَاعٍ رُطَبًا رَدَّهُ) إنْ كَانَ (بَاقِيًا) لِفَسَادِ الْقَبْضِ (وَ) عَلَيْهِ (ضَمَانُهُ) إنْ كَانَ (تَالِفًا. فَإِنْ جَفَّ) الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ (عِنْدَهُ) ، أَيْ: السَّاعِي وَصَفَّاهُ (أَجْزَأَ إنْ كَانَ بِقَدْرِ زَكَاةٍ وَإِلَّا) بِأَنْ نَقَصَ عَنْ الْوَاجِبِ (أَخَذَ) السَّاعِي (التَّفَاوُتَ) ، أَيْ: مَا بَقِيَ مِنْ الْوَاجِبِ (أَوْ) زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ (رَدَّهُ) ، أَيْ: الزَّائِدَ لِمَالِكِهِ، لِبَقَائِهِ فِي مِلْكِهِ (وَيَجُوزُ) لِلْمَالِكِ (قَطْعُ مَا بَدَا صَلَاحُهُ قَبْلَ كَمَالِهِ لِضَعْفِ أَصْلٍ أَوْ خَوْفِ عَطَشٍ أَوْ تَحْسِينِ بَقِيَّةِ) حَبٍّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ

(وَيَجِبُ) قَطْعُ ثَمَرٍ بَدَا صَلَاحُهُ (إنْ كَانَ رُطَبُهُ لَا يُتَمَّرُ وَعِنَبُهُ لَا يُزَبَّبُ) ، أَيْ: لَا يَصِيرُ تَمْرًا وَلَا زَبِيبًا. وَإِنْ قَطَعَهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ لِمَصْلَحَةٍ مَا غَيْرَ فَارٍّ مِنْهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ (وَنِصَابُهُ يَابِسًا) بِحَسَبِ مَا يَئُولَ إلَيْهِ إذَا جَفَّ (لِيَخْرُجَ يَابِسٌ) . وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى (وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ " (يَخْرُجُ مِنْهُ رُطَبٌ وَعِنَبٌ) ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَا مُوَاسَاةَ بِإِلْزَامِهِ مَا لَيْسَ بِمِلْكِهِ (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمْعٌ (فَ) لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَ الْوَاجِبَ مِنْ الرُّطَبِ أَوْ الْعِنَبِ مُشَاعًا، بِأَنْ يُسَلِّمَ السَّاعِي الْعُشْرَ مَثَلًا شَائِعًا، أَوْ مَقْسُومًا بَعْدَ الْجُذَاذِ أَوْ قَبْلَهُ بِالْخَرْصِ وَ (لِسَاعٍ) التَّخْيِيرُ بَيْنَ مُقَاسَمَةِ رَبِّ الْمَالِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ الْجُذَاذِ و (أَخْذُ نَصِيبِ الْفُقَرَاءِ شَجَرَاتٍ) مُفْرَدَةً (خَرْصًا) وَبَيْنَ مُقَامَسَتِهِ بَعْدَ جَذِّهَا بِالْكَيْلِ فِي الرُّطَبِ، وَالْوَزْنِ فِي الْعِنَبِ. وَلِلسَّاعِي بَيْعُ الزَّكَاةِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَقِسْمٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَبْذُلُ مِنْهَا عِوَضَ مِثْلِهَا، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْقَاضِي وَمُتَابِعِيهِ. وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا يَابِسًا. جَذَمَ بِهِ فِي " التَّنْقِيحِ " وَغَيْرِهِ (وَحَرُمَ قَطْعُ) ثَمَرٍ (مَعَ حُضُورِ سَاعٍ بِلَا إذْنِهِ) لِحَقِّ أَهْلِ الزَّكَاةِ فِيهَا. وَكَوْنِ السَّاعِي كَالْوَكِيلِ عَنْهُمْ. وَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ بِحَسَبِ الْغَالِبِ (وَسُنَّ) لِإِمَامٍ (بَعْثُ خَارِصٍ) ، أَيْ: حَازِرٍ يَطُوفُ بِالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ، ثُمَّ يَحْزِرُ قَدْرَ مَا عَلَيْهَا جَافًّا (لِثَمَرَةِ نَخْلٍ وَكَرْمٍ بَدَا صَلَاحُهَا) ، أَيْ: الثَّمَرَةِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إلَى يَهُودَ لِيَخْرُصَ عَلَيْهِمْ النَّخْلَ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد «لِكَيْ يُحْصِيَ الزَّكَاةَ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ» وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ

«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ خَرَصَ عَلَى امْرَأَةٍ بِوَادِي الْقُرَى حَدِيقَةً لَهَا» وَحَدِيثُهَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ. وَقَوْلُ الْمَانِعِ إنَّهُ خَطَرٌ وَغَرَرٌ يُرَدُّ بِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِغَالِبِ الظَّنِّ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَالْمُجْتَهَدَاتِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَسَائِرِ الظَّوَاهِرِ الْمَعْمُولِ بِهَا، وَإِنْ احْتَمَلَتْ الْخَطَأَ. (وَيَكْفِي) خَارِصٌ (وَاحِدٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهُ يُنَفِّذُ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَقَائِفٍ وَحَاكِمٍ (وَشُرِطَ كَوْنُهُ) ، أَيْ: الْخَارِصِ (مُسْلِمًا أَمِينًا مُكَلَّفًا عَدْلًا خَبِيرًا) بِخَرْصٍ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْخَبِيرِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَلَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ (لَا يُتَّهَمُ) بِكَوْنِهِ مِنْ عَمُودِيِّ نَسَبٍ مَخْرُوصٍ عَلَيْهِ، دَفْعًا لِلرِّيبَةِ. (وَلَوْ) كَانَ (عَبْدًا) كَالْفَتْوَى وَرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ (وَأُجْرَتُهُ) ، أَيْ: الْخَارِصِ (عَلَى رَبِّ ثَمَرٍ) لِعَمَلِهِ فِي مَالِهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُ خَارِصًا) مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ (فَعَلَى مَالِكِهَا) ، أَيْ: الثَّمَرَةِ (فِعْلُ مَا يَفْعَلُهُ خَارِصٌ) فَيَخْرُصُ الثَّمَرَةَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِثِقَةٍ عَارِفٍ (لِيَعْرِفَ) قَدْرَ (مَا يَجِبُ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ) فِي الثَّمَرِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخْلَفٌ فِيهِ. وَإِنْ أَرَادَ إبْقَاءَهُ إلَى الْجُذَاذِ وَالْجَفَافِ لَمْ يَحْتَجْ لِخَرْصٍ (وَلِخَارِصٍ) أَوْ رَبِّ مَالٍ إنْ لَمْ يُبْعَثْ لَهُ خَارِصٌ (الْخَرْصُ كَيْفَ شَاءَ) إنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ. فَإِنْ شَاءَ خَرَصَ (كُلَّ شَجَرَةٍ) مِنْ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ (عَلَى حِدَةٍ أَوْ) خَرَصَ الْجَمِيعَ (دَفْعَةً) وَاحِدَةً، بِأَنْ يَطُوفَ بِهِ، وَيَنْظُرَ كَمْ فِيهِ رُطَبًا أَوْ عِنَبًا، ثُمَّ مَا يَجِيءُ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ. (وَيَجِبُ خَرْصُ) ثَمَرٍ (مُتَنَوِّعٍ) كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ (وَ) يَجِبُ (تَزْكِيَةُ) الْمُتَنَوِّعِ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ (كُلُّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ) فَيُخْرِجُ عَنْ الْجَيِّدِ جَيِّدًا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ رَدِيءٌ، وَلَا يُلْزَمُ بِإِخْرَاجِ جَيِّدٍ عَنْ رَدِيءٍ (وَلَوْ شَقَّ)

عَلَيْهِ خَرْصُ وَتَزْكِيَةُ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ لِاخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ حَالَ الْجَفَافِ قِلَّةً وَكَثْرَةً بِحَسَبِ اللَّحْمِ وَالْمَاوِيَّةِ (وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ نَوْعٍ عَنْ) نَوْعٍ (آخَرَ) مِثْلِهِ أَوْ دُونَهُ لَا بِالْقِيمَةِ فَلَوْ تَطَوَّعَ رَبُّ الْمَالِ بِإِخْرَاجِ الْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ جَازَ، وَلَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ. وَ (لَا) يُجْزِئُ إخْرَاجُ (جِنْسٍ عَنْ) جِنْسِ (آخَرَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبَّ، وَالْإِبِلَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمَ مِنْ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (وَظَاهِرُ مَا يَأْتِي فِي النَّقْدِ إجْزَاءِ نَوْعٍ رَدِيءٍ عَنْ) نَوْعٍ (جَيِّدٍ) بِالْقِيَمِ (مَعَ الْفَضْلِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِالْقِيمَةِ، وَمِنْ غَيْرِهَا النَّفْعُ بِالْعَيْنِ، فَافْتَرَقَا. (وَيَجِبُ تَرْكُهُ) ، أَيْ: الْخَارِصِ (لِرَبِّ ثَمَرَةٍ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ فَيَجْتَهِدُ) خَارِصٌ فِي أَيِّهِمَا يَتْرُكُ (بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ) لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ مَرْفُوعًا «فَجُذُّوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ، فَدَعُوا الرُّبْعَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَلِمَا يَعْرِضُ لِلثِّمَارِ، وَهَذَا تَوْسِعَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْأَكْلِ هُوَ وَأَضْيَافُهُ وَجِيرَانُهُ وَأَهْلُهُ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا الْمَارَّةُ، وَفِيهَا السَّاقِطَةُ، فَلَوْ اسْتَوْفَى الْكُلُّ أَضَرَّ بِهِمْ، (فَإِنْ أَبَى) خَارِصٌ التَّرْكَ (فَلِرَبِّ الْمَالِ أَكْلُ قَدْرِ ذَلِكَ) ، أَيْ: الثُّلُثِ أَوْ الرُّبْعِ نَصًّا (لَا هَدِيَّةٌ) ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ مِنْ الْحُبُوبِ قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهَا شَيْئًا. قَالَ أَحْمَدُ، وَقَدْ سَأَلَهُ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ فَرِيكِ السُّنْبُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ صَاحِبُهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ. قَالَ: فَيُهْدِي لِلْقَوْمِ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا حَتَّى يُقَسَّمَ وَأَمَّا مَا يَتْرُكُهُ لَهُ الْخَارِصُ (مِنْ ثَمَرٍ) فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْمُتُونِ بَلْ هُوَ الصَّوَابُ. (وَ) يَأْكُلُ مَالِكٌ (مِنْ حَبِّ الْعَادَةِ وَمَا يَحْتَاجُهُ وَلَا يُحْتَسَبُ) ذَلِكَ (عَلَيْهِ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ مِنْ

غَلَّتِهِ بِقَدْرِ مَا يَأْكُلُ هُوَ وَعِيَالُهُ وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ (وَيُكْمِلُ بِهِ) ، أَيْ: بِمَا لَهُ أَكْلُهُ (النِّصَابَ إنْ لَمْ يَأْكُلْهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكَلَهُ (وَتُؤْخَذُ زَكَاةُ مَا سِوَاهُ بِالْقِسْطِ) فَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ كُلُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، حُسِبَ الرُّبْعُ الَّذِي كَانَ لَهُ أَكْلُهُ مِنْ النِّصَابِ فَيُكْمَلُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاةُ الْبَاقِي وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَوْسُقٍ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ وَسْقٍ (وَيُزَكِّي) رَبُّ مَالٍ (مَا تَرَكَهُ خَارِصٌ مِنْ وَاجِبٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ الْخَارِصِ (وَ) يُزَكِّي رَبُّ مَالٍ (مَا زَادَ عَلَى قَوْلِهِ) ، أَيْ: الْخَارِصِ أَنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ كَذَا (عِنْدَ جَفَافٍ) لِمَا سَبَقَ. وَ (لَا) يُزَكِّي رَبُّ مَالٍ (مَا نَقَصَ) عَنْ قَوْلِ الْخَارِصِ؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ (وَمَا تَلِفَ مِنْ عِنَبٍ أَوْ رُطَبٍ بِفِعْلِ مَالِكٍ) هِمَا (أَوْ تَفْرِيطِهِ ضَمِنَ زَكَاتَهُ) ، أَيْ: التَّالِفِ (بِخَرْصِهِ زَبِيبًا أَوْ تَمْرًا) ، أَيْ: بِمَا كَانَ يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا لَوْ لَمْ يَتْلَفْ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَلْزَمُهُ تَجْفِيفُ الرُّطَبِ، وَالْعِنَبِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لَوْ أَتْلَفَهُمَا، فَيَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ رُطَبًا أَوْ عِنَبًا. وَإِنْ تَلِفَا لَا بِفِعْلِ مَالِكٍ وَلَا بِتَفْرِيطِهِ سَقَطَتْ زَكَاتُهُمَا، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا يَخْرُصُ غَيْرَ نَخْلٍ وَكَرْمٍ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ فِي غَيْرِهِمَا، وَثَمَرَتُهُمَا تَجْتَمِعُ فِي الْعُذُوقِ وَالْعَنَاقِيدِ، فَيُمْكِنُ إتْيَانُ الْخَرْصِ عَلَيْهَا، وَالْحَاجَةُ إلَى أَكْلِهَا رَطْبَةً أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهَا، فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْخَرْصَ لَا يَدْخُلُ الْحُبُوبَ (وَيُقْبَلُ مِنْ مَالِكٍ بِلَا يَمِينٍ دَعْوَى غَلَطِ) خَارِصٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِي غَيْرُ كَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ بَعْضُهُ بِآفَةٍ لَا يَعْلَمُهَا (أَوْ) ، أَيْ: وَيُقْبَلُ مِنْ مَالِكٍ بِلَا يَمِينٍ دَعْوَى (عَمْدِ خَارِصٍ) الْكَذِبَ عَلَيْهِ، هَكَذَا فِي النُّسَخِ. وَالصَّوَابُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ إذْ الظَّنُّ أَنَّ الْخَارِصَ أَمِينٌ، وَالْأَمِينُ لَا يَكْذِبُ، وَمَحِلُّ قَبُولِ دَعْوَى الْمَالِكِ غَلَطُ خَارِصٍ،

فرع الخرص في زكاة الزروع

(إنْ احْتَمَلَ) الْغَلَطَ كَالسُّدُسِ (فَإِنْ فَحَشَ) مَا ادَّعَاهُ الْمَالِكُ مِنْ غَلَطِ الْخَارِصِ كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ، (فَلَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَل، فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ [فَرْعٌ الْخَرْصُ فِي زَكَاة الزروع] (فَرْعٌ: الْخَرْصُ: حَزْرُ مِقْدَارِ ثَمَرَةِ) نَخْلٍ وَكَرْمٍ (فِي رُءُوسِ شَجَرِهَا كَمْ تَبْلُغُ تَمْرًا) أَوْ زَبِيبًا (وَذَكَرَ) أَبُو الْمَعَالِي (بْنُ الْمُنَجَّى أَنَّ نَخْلَ الْبَصْرَةِ لَا يُخْرَصُ لِلْمَشَقَّةِ) وَلِكَثْرَتِهِ وَقِلَّةِ ثَمَنِهِ، فَلَا يَخْرُصُ عَلَيْهِ فِيهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ، فَإِنَّهُمْ يَتَغَالَوْنَ بِهِ لِعِزَّتِهِ، (وَادَّعَى) أَبُو الْمَعَالِي (عَلَى ذَلِكَ) ، أَيْ: عَدَمِ خَرْصِ نَخْلِ الْبَصْرَةِ (الْإِجْمَاعَ) مِنْ أَصْحَابِنَا وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": كَذَا قَالَ [فَصْلٌ الزَّكَاةُ فِي خَارِجٍ مِنْ أَرْضٍ مُسْتَعَارَةٍ] (فَصْلٌ) (وَالزَّكَاةُ) فِي خَارِجٍ مِنْ أَرْضٍ مُسْتَعَارَةٍ (عَلَى مُسْتَعِيرٍ) دُونَ مُعِيرٍ، (وَ) الزَّكَاةُ فِي خَارِجٍ مِنْ أَرْضٍ مُؤَجَّرَةٍ عَلَى (مُسْتَأْجِرِ) أَرْضٍ (دُونَ مَالِكِ) هَا؛ لِأَنَّهَا زَكَاةُ مَالٍ فَكَانَتْ عَلَى مَالِكِهِ كَالسَّائِمَةِ، وَكَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا يَتَّجِرُ فِيهِ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حُقُوقِ الزَّرْعِ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ تُزْرَعُ لَمْ تَجِبْ، وَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الزَّرْعِ، وَعَكْسُهُ الْخَرَاجُ، فَهُوَ عَلَى مَالِكِ الْأَرْضِ دُونَ مُسْتَعِيرِهَا وَمُسْتَأْجِرِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ، وَلَا زَكَاةَ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُقَابِلُهُ؛ لِأَنَّهُ كَدَيْنِ آدَمِيٍّ، وَلِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ كَنَفَقَةِ زَرْعِهِ مِنْ أُجْرَةِ الْحَرْثِ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ مُؤْنَةِ الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ. (وَ) إذَا لَمْ يَكُنْ لِمَالِكٍ لِأَرْضٍ سِوَى غَلَّتِهَا وَفِيهَا مَا فِيهِ زَكَاةٌ، كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَنَحْوِهِ، وَفِيهَا مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ ف (يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ) الزَّكَاةُ (كَخُضَرٍ) مِنْ بِطِّيخٍ وَيَاقْطِينٍ وَقِثَّاءٍ وَنَحْوِهَا (وَيُزَكِّي مَا تَجِبُ فِيهِ) الزَّكَاةُ،

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ إلَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَدَّى الْخَرَاجَ مِنْ غَلَّتِهَا وَزَكَّى مَا بَقِيَ (وَإِنْ حَصَدَ غَاصِبٌ أَرْضِ زَرْعِهِ) مِنْ أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، بِأَنْ لَمْ يَتَمَلَّكْهُ رَبُّهُ قَبْلَ حَصَادِهِ (زَكَّاهُ) غَاصِبٌ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ (وَيُزَكِّيهِ) ، أَيْ: الزَّرْعَ (رَبُّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ (إنْ تَمَلَّكَهُ) ، أَيْ: الزَّرْعَ (قَبْلَ حَصَادِهِ وَلَوْ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " " وَالْمُبْدِعِ " " وَالْإِنْصَافِ " وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِمِثْلِ بَذْرِهِ وَعِوَضِ لَوَاحِقِهِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ تَمَلَّكَهُ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ زَكَّاهُ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْغَصْبِ أَيْضًا وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (فَإِنَّهُ) ، أَيْ: الْمَالِكَ (اسْتَنَدَ) مِلْكُهُ (إلَى أَوَّلِ زَرْعِهِ) فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ حِينَئِذٍ (وَيَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي) أَرْضٍ (خَرَاجِيَّةٍ) نَصًّا، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] وَحَدِيثِ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَغَيْرِهِ، فَالْخَرَاجُ فِي رَقَبَتِهَا سَوَاءٌ زَرَعَتْ أَوْ لَا، لَمُسْلِمٍ كَانَتْ أَوْ كَافِرٍ. وَالْعُشْرُ فِي غَلَّتِهَا، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْخَرَاجِ التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ، وَسَبَبَ الْعُشْرِ وُجُودُ الْمَالِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا، كَأُجْرَةِ حَانُوتِ الْمَتْجَرِ وَزَكَاتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا، كَالْجَزَاءِ وَقِيمَةِ الصَّيْدِ. وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» ضَعِيفٌ جِدًّا. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ الْجِزْيَةُ. وَلَوْ كَانَ عُقُوبَةً لَمَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ كَالْجِزْيَةِ (وَهِيَ) أَيْ: الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: إحْدَاهَا: (مَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ تُقَسَّمْ) بَيْنَ الْغَانِمِينَ. (وَ) الثَّانِيَةُ: (مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا

خَوْفًا مِنَّا. وَ) الثَّالِثَةُ: (مَا صُولِحُوا) ، أَيْ: أَهْلُهَا (عَلَى أَنَّهَا لَنَا وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ) الَّذِي يَضْرِبُهُ عَلَيْهَا الْإِمَامُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأَرَاضِي الْمَغْنُومَةِ. وَلَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ إذَا لَمْ يَكُ لَهُ مَالٌ آخَرُ يُقَابِلُهُ، فَإِنْ كَانَ فِي غَلَّتِهَا مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَخَوْخٍ وَمِشْمِشٍ وَخَضْرَاوَاتٍ، وَفِيهَا زَرْعٌ فِيهِ الزَّكَاةُ، جَعَلَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ فِي مُقَابَلَةِ الْخَرَاجِ إنْ وَفَّى بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْفُقَرَاءِ وَزَكَّى مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَلَّةٌ إلَّا مَا فِيهِ الزَّكَاةُ أَدَّى الْخَرَاجَ مِنْ غَلَّتِهَا، وَزَكَّى الْبَاقِيَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا (وَ) الْأَرْضُ (الْعُشْرِيَّةُ) خَمْسَةُ أَضْرُبٍ، إحْدَاهَا: (مَا أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا كَالْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ، وَجُوَاثَى مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ. (وَ) الثَّانِيَةُ: (مَا اخْتَطَّهُ الْمُسْلِمُونَ كَالْبَصْرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ، بُنِيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فِي سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ بَعْدَ وَقْفِ السَّوَادِ، وَلِهَذَا دَخَلَتْ فِي حَدِّهِ دُونَ حُكْمِهِ (وَوَاسِطُ) مِثْلُهَا. (وَ) الثَّالِثَةُ: (مَا صُولِحَ أَهْلُهَا عَلَى أَنَّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضَ (لَهُمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ كَالْيَمَنِ. وَ) الرَّابِعَةُ: (مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ) بَيْنَ غَانِمِيهِ (كَنِصْفِ خَيْبَرَ) : بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى جِهَةِ الشَّامِ، ذَاتُ نَخِيلٍ وَمَزَارِعَ وَحُصُونٍ، وَهِيَ بِلَادُ طَيِّئٍ، فَتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ. (وَ) الْخَامِسَةُ: (مَا أَقْطَعَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ السَّوَادِ) ، أَيْ: أَرْضِ الْعِرَاقِ (إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَالْأَرْضُونَ الَّتِي يَمْلِكُهَا أَرْبَابُهَا لَيْسَ فِيهَا خَرَاجٌ مِثْلُ هَذِهِ الْقَطَائِعِ الَّتِي أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ فِي السَّوَادِ لِسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَخَبَّابٌ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَقْطَعَهُمْ مَنَافِعَهَا وَخَرَاجَهَا. وَلِلْإِمَامِ إسْقَاطُ الْخَرَاجِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَاضِي هَذَا أَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا الْأَرْضَ،

بَلْ أُقْطِعُوا الْمَنْفَعَةَ، وَأُسْقِطَ الْخَرَاجُ لِلْمَصْلَحَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ هَذَا الْقِسْمَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ، انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ السَّوَادِ وَقْفٌ، فَلَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ. لَكِنْ يَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ الْإِمَامِ وَوَقْفُهُ لَهُ، فَلِذَلِكَ أَبْقَى الْأَكْثَرُ كَلَامَ الْإِمَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ تَمْلِيكٌ (وَأَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْ) الْأَرْضِ (الْعُشْرِيَّةِ ظُلْمٌ) إجْمَاعًا، لِدُخُولِهِ فِي إقْطَاعِ الْإِمَامِ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، (وَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ) أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ أَوْ خَرَاجِيَّةٍ مِنْ مُسْلِمٍ. (وَ) لَهُمْ أَيْضًا (اسْتِئْجَارُ) أَرْضٍ (عُشْرِيَّةٍ وَخَرَاجِيَّةٍ) مِنْ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُمَا مَالُ مُسْلِمٍ يَجِبُ فِيهِ حَقٌّ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ، فَلَمْ يُمْنَعْ الذِّمِّيُّ مِنْ شِرَائِهِ كَالسَّائِمَةِ (وَيُكْرَهُ لِ) مُسْلِمٍ بَيْعُهَا أَوْ إجَارَتُهَا أَوْ إعَارَتُهَا لِذِمِّيٍّ (غَيْرِ تَغْلِبِيٍّ) لِإِفْضَائِهِ إلَى إسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا. وَأَمَّا التَّغْلِبِيُّ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ شِرَائِهَا؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرَانِ يُصْرَفَانِ مَصْرِفَ الْجِزْيَةِ، وَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ أَحَدُهُمَا، وَصُرِفَ الْآخَرُ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ. وَلَا تَصِيرُ الْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ إذَا اشْتَرَاهَا ذِمِّيٌّ خَرَاجِيَّةً، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ تَغْلِبِيٌّ. وَدَعْوَى كَوْنِ الْعُشْرِ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ مِنْ حُقُوقِ الزَّرْعِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ عُشْرٌ إذَا لَمْ تُزْرَعْ. وَمَعْنَى شِرَاءِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، قَبُولُهَا بِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْخَرَاجِ، وَلَيْسَ بَيْعًا شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ عَلَى الْمَذْهَبِ إلَّا إذَا بَاعَهَا الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ، وَحَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ. (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: أَهْلِ الذِّمَّةِ (فِيهَا) ، أَيْ: فِي الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ أَوْ الْخَرَاجِيَّةِ إذَا اشْتَرُوهُمَا أَوْ اسْتَأْجَرُوهُمَا وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ وَقُرْبَةٌ، وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا (وَلَا خَرَاجَ) عَلَيْهِمْ فِي الْأَرْضِ غَيْرِ الْخَرَاجِيَّةِ (كَمُسْلِمٍ) أَوْ ذِمِّيٍّ (جَعَلَ دَارِهِ مَزْرَعَةً) أَوْ بُسْتَانًا، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ فِيمَا زَرَعَهُ أَوْ غَرَسَهُ فِيهَا (أَوْ أَحْيَا) الْمُسْلِمُ (مَوَاتًا) ثُمَّ زَرَعَهُ أَوْ غَرَسَهُ، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ،

فصل يجب في العسل من النحل العشر

فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ خَرَاجُ مَا أَحْيَاهُ مِنْ مَوَاتٍ عَنْوَةً، وَيَأْتِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ (أَوْ أَقْطَعَهُ) ، أَيْ: أَقْطَعَ (إمَامٌ) مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَرْضًا مِنْ الْغَنِيمَةِ، فَزَرَعَهَا أَوْ غَرَسَهَا، فَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ فِيهَا [فَصْلٌ يَجِبُ فِي الْعَسَلِ مِنْ النَّحْلِ الْعُشْرُ] (فَصْلٌ) (وَ) يَجِبُ (فِي الْعَسَلِ) مِنْ النَّحْلِ (الْعُشْرُ) قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَنْتَ تَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً؟ قَالَ: نَعَمْ، أَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةَ الْعُشْرِ، قَدْ أَخَذَ عُمَرُ مِنْهُمْ الزَّكَاةَ. قُلْت: ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ يَطَّوَّعُونَ، قَالَ: لَا بَلْ أُخِذَ مِنْهُمْ (سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ) كَرُءُوسِ الْجِبَالِ (أَوْ) أُخِذَ مِنْ أَرْضٍ (مَمْلُوكَةٍ) وَلَوْ (لِغَيْرِهِ) عُشْرِيَّةٍ أَوْ خَرَاجِيَّةٍ (لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ) أَرْضٍ وُجِدَ فِيهَا (كَصَيْدٍ) وَطَائِرٍ يُعَشِّشُ بِمِلْكِهِ، " لِمَا رَوَى عَمْرو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤْخَذُ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِرَبِ الْعَسَلِ مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِنْ أَوْسَطِهَا» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَ " عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي سَيَّارَةَ الْمُتَعِيِّ قَالَ: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي نَحْلًا. قَالَ: فَأَدِّ الْعُشُورَ. قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْمِ لِي جَبَلَهَا قَالَ: فَحَمَى لِي جَبَلَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا سُلَيْمَانَ الْأَشْدَقَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ. وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا سَيَّارَةَ، وَلِذَلِكَ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْعَسَلِ وَاللَّبَنِ بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي أَصْلِ اللَّبَنِ وَهُوَ السَّائِمَةُ، بِخِلَافِ الْعَسَلِ، وَبِأَنَّ الْعَسَلَ مَأْكُولٌ فِي الْعَادَةِ، مُتَوَكِّدٌ مِنْ الشَّجَرِ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، فَأَشْبَهَ التَّمْرَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّحْلَ يَقَعُ عَلَى نَوْرِ الشَّجَرِ فَيَأْكُلُهُ، فَهُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ

(وَنِصَابُهُ) ، أَيْ: الْعَسَلِ (مِائَةٌ وَسِتُّونَ رَطْلًا عِرَاقِيَّةً) وَمِائَةٌ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رَطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ مِصْرِيٍّ، وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَطْلًا وَسُبْعَا رَطْلٍ دِمَشْقِيٍّ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ حَلَبِيٍّ، وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رَطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ قُدْسِيٍّ، وَعِشْرُونَ رَطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ بَعْلِيٍّ. (وَهِيَ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ كُلُّ فَرَقٍ: سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا) عِرَاقِيَّةً، " لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّ نَاسًا سَأَلُوهُ فَقَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ لَنَا وَادِيًا بِالْيَمَنِ، فِيهِ خَلَايَا مِنْ نَحْلٍ، وَإِنَّا نَجِدُ نَاسًا يَسْرِقُونَهَا. فَقَالَ عُمَرُ: إنْ أَدَّيْتُمْ صَدَقَتَهَا مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرَقًا حَمَيْنَاهَا لَكُمْ " وَهَذَا تَقْدِيرٌ مِنْ عُمَرَ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ. وَالْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ: مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ. ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ. فَحَمْلُ كَلَامِ عُمَرَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بِبَلَدِهِ أَوْلَى، وَهُوَ سِتَّةُ أَقْسَاطٍ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ فَتَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ مُدًّا. وَأَمَّا الْفَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاءِ: فَمِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَهُ الْخَلِيلُ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: يَسَعُ مِائَةً وَعِشْرِينَ رَطْلًا. (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى الشَّجَرِ كَمَنٍّ وترنجبيل وشيرخشك ولادن وَهُوَ طَلٌّ يَنْزِلُ عَلَى نَبْتٍ تَأْكُلُهُ الْمَعْزُ فَتَعْلَقُ تِلْكَ الرُّطُوبَةُ بِهَا فَتُؤْخَذُ) لِعَدَمِ النَّصِّ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ. (وَتَضْمِينُ أَمْوَالِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ بَاطِلٌ) نَصًّا (لِعَدَمِ) جَوَازِ (تَمَلُّكِ زَائِدٍ) عَنْ الْقَدْرِ الْمَضْمُونِ بِهِ، بَلْ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ، (وَ) يَقْتَضِي (غُرْمَ نَقْصٍ) عَنْهُ (وَهُوَ) ، أَيْ: تَمَلُّكُ الزَّائِدِ، وَغُرْمُ مَا نَقَصَ (مُنَافٍ لِمَوْضُوعِ الْعَمَالَةِ وَحُكْمِ الْأَمَانَةِ) سُئِلَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «الْقَبَالَاتُ رِبًا» قَالَ هُوَ أَنْ يَتَقَبَّلَ الْقَرْيَةَ وَفِيهَا الْعُلُوجُ وَالنَّخْلُ، فَسَمَّاهُ رِبًا، أَيْ: فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلَانِ.

تتمة الزكاة إذا رفعت لمن التزم بها بمال معلوم

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " إيَّاكُمْ وَالرِّبَا، أَلَا وَهِيَ الْقَبَالَاتُ، أَلَا وَهِيَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ " قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْقَبِيلُ: الْكَفِيلُ وَالْعَرِّيفُ، وَقَدْ قَبِلَ بِهِ يَقْبَلُ، وَيَقْبَلُ قَبَالَةً، وَنَحْنُ فِي قَبَالَتِهِ، أَيْ: عَرَافَتِهِ. [تَتِمَّةٌ الزَّكَاةُ إذَا رُفِعَتْ لِمَنْ الْتَزَمَ بِهَا بِمَالٍ مَعْلُومٍ] تَتِمَّةٌ: وَتَجُوزُ الزَّكَاةُ إذَا رُفِعَتْ لِمَنْ الْتَزَمَ بِهَا بِمَالٍ مَعْلُومٍ، وَكَذَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَضَلَ عَلَيْهِ مِمَّا الْتَزَمَ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ زَادَ الْمَالُ الَّذِي الْتَزَمَ بِهِ يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لِلْإِمَامِ [فَصْلٌ زَكَاة الْمَعْدِن] (فَصْلٌ) (وَفِي الْمَعْدِنِ) بِكَسْرِ الدَّالِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي عَدَنَ بِهِ الْجَوْهَرُ وَنَحْوُهُ، سُمِّيَ بِهِ لِعُدُونِ مَا أَنْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ، أَيْ: إقَامَتِهِ بِهِ، مِنْ تَسْمِيَةِ الْحَالِّ بِاسْمِ الْمَحِلِّ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْمَعْدِنِ يُوصَفُ بِهِ الْمُسْتَقِرُّ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَحْصَيْتُ الْمَعَادِنَ فَوَجَدْتُ تِسْعَمِائَةِ مَعْدِنٍ. (وَهُوَ) ، أَيْ: الْمَعْدِنُ (كُلُّ مُتَوَلِّدٍ فِي الْأَرْضِ لَا مِنْ جِنْسِهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ لِيُخْرِجَ التُّرَابَ. (وَلَا نَبَاتَ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَجَوْهَرٍ وَيَاقُوتٍ وَبِلَّوْرٍ وَعَقِيقٍ وَزَبَرْجَدٍ وفيروزج) حَجَرٌ أَخْضَرُ مَشُوبٌ بِزُرْقَةٍ يُوجَدُ بِخُرَاسَانَ. وَزَعَمَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ يَصْفُو بِصَفَاءِ الْجَوِّ، وَيَتَكَدَّرُ بِكَدَرِهِ (وبلخش) وَهُوَ والبنفش والبجاري مِنْ أَشْبَاهِ الْيَاقُوتِ، كَمَا أَنَّ الزَّبَرْجَدَ وَالْمَاسَ مِنْ أَشْبَاهِ الزُّمُرُّدِ، وَيُؤْتَى بِهِ مِنْ بلخشان الْعَجَمِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحْمَرُ وَأَخْضَرُ وَأَصْفَرُ، وَأَجْوَدُهُ الْأَحْمَرُ. (وَصُفْرٍ وَرَصَاصٍ وَحَدِيدٍ وَكُحْلٍ وَزِرْنِيخٍ وَمَغْرَةٍ وَكِبْرِيتٍ وَزِفْتٍ وَمِلْحٍ وَزِئْبَق) بِكَسْرِ الزَّايِ وَالْبَاءِ وَبِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَقَارٍ وَنِفْطٍ) بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْفَاءِ (وَمُومْيَا) قَالَ فِي " مِنْهَاجِ

الْبَيَانِ " هِيَ مَعْدِنٌ فِي قُوَّةِ الزِّفْتِ (وسندروس وَزُجَاجٍ) بِتَثْلِيثِ الزَّايِ بِخِلَافِ زِجَاجٍ، جَمْعِ: زُجٍّ: الرُّمْحُ، فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ. (وَزَاجٍّ وَيَشْمٍ وَرُخَامٍ وَ) حَجَرِ (مِسَنٍّ وَنَحْوِهِ) كَبِرَامٍ وَهُوَ الصَّوَّانُ، وَحَدِيثُ: «لَا زَكَاةَ فِي حَجَرٍ» إنْ صَحَّ، مَحْمُولٌ عَلَى الْأَحْجَارِ الَّتِي لَا يُرْغَبُ فِيهَا عَادَةً، قَالَهُ الْقَاضِي. (مِمَّا يُسَمَّى مَعْدِنًا) قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَعْدِنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، حَيْثُ كَانَ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي الْبَرَارِيِّ (إذَا اُسْتُخْرِجَ رُبْعُ الْعُشْرِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] وَلِأَنَّهُ مَالٌ لَوْ غَنِمَهُ أَخْرَجَ خُمُسَهُ، فَإِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ مَعْدِنٍ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (مِنْ عَيْنِ نَقْدٍ) ، أَيْ: ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَ) مِنْ (قِيمَةِ غَيْرِهِ) ، أَيْ: النَّقْدِ يُصْرَفُ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ، لِحَدِيثِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ وَأَبِي دَاوُد «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ الْمَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةَ» وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفَرْعِ، فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إلَّا الزَّكَاةُ إلَى الْيَوْمِ، وَالْقَبَلِيَّةُ: بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، هِيَ نَاحِيَةٌ مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ (بِشَرْطِ كَوْنِ مُخْرِجِ) ذَلِكَ (مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ، وَلَوْ صَغِيرًا. فَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مَدِينًا دَيْنًا يَنْقُصُ بِهِ النِّصَابُ لَمْ تَلْزَمُهُ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ. وَحَدِيثُ: «الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: الْمَعْدِنُ جُبَارٌ إذَا وَقَعَ عَلَى الْأَجِيرِ شَيْءٌ (وَ) بِشَرْطِ (بُلُوغِهِمَا) ، أَيْ: النَّقْدِ، وَقِيمَةِ غَيْرِهِ (نِصَابًا بَعْدَ سَبْكٍ وَتَصْفِيَةٍ) كَحَبٍّ وَثَمَرٍ. فَلَوْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرٍ بِتُرَابِهِ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ رُدَّ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ. وَيُقْبَلُ قَوْلُ آخِذٍ فِي قَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، فَإِنْ صَفَّاهُ فَكَانَ قَدْرَ الْوَاجِبِ أَجْزَأَ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَى الْمُخْرِجِ النَّقْصُ،

وَإِنْ زَادَ رَدَّ الْقَابِضُ الزِّيَادَةَ، إلَّا أَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِهَا الْمُخْرِجُ، وَهَذَا إنْ كَانَ الْقَابِضُ السَّاعِيَ - وَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ الْفَقِيرَ فَلَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ. (وَلَا يُحْتَسَبُ بِمُؤْنَتِهِمَا) ، أَيْ: السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، فَيُسْقِطُهَا وَيُزَكِّي الْبَاقِيَ، بَلْ يُزَكِّي الْكُلَّ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ دَيْنًا، كَمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَدِيَاسٍ. (وَلَا) يُحْتَسَبُ بِ (مُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِ) مَعْدِنٍ (إنْ لَمْ تَكُنْ دَيْنًا) فَإِنْ كَانَتْ دَيْنًا زَكَّى مَا سِوَاهَا كَالْخَرَاجِ لِسَبْقِهَا الْوُجُوبَ. (وَيُضَمُّ مَا اُسْتُخْرِجَ) مِنْ مَعْدِنٍ فِي (دَفَعَاتٍ) كَثِيرَةٍ (لَمْ يُهْمَلْ عَمَلٌ بَيْنَهَا) ، أَيْ: الدَّفَعَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَأَدَّى إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهِ لِبُعْدِ اسْتِخْرَاجِ نِصَابٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً (بِلَا عُذْرٍ كَمَرَضٍ وَإِصْلَاحِ آلَةٍ) وَسَفَرٍ وَاشْتِغَالٍ بِتُرَابٍ يَخْرُجُ بَيْنَ النِّيلَيْنِ، أَوْ هَرَبِ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إعْرَاضًا، أَوْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ وَلَمْ يُهْمِلْ الْعَمَلَ (بَعْدَ زَوَالِهِ) ، أَيْ: الْعُذْرِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) ، أَيْ: فَلَا يَنْقَطِعُ الْعَمَلُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَّصِلِ؛ لِأَنَّهَا حَدُّ تَرْكِ الْإِهْمَالِ حَكَاهُ فِي " الْمُبْدِعِ " عَنْ ابْنِ الْمُنَجَّى (فَإِنْ أَهْمَلَهُ) ، أَيْ: الْعَمَلَ (لِغَيْرِ عُذْرٍ ثَلَاثًا) فَأَكْثَرَ (فَلِكُلِّ مَرَّةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا) فَمَا بَلَغَتْ نِصَابًا زَكَّاهُ، وَمَا بَلَغَتْ دُونَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا. فَإِنْ أَخْرَجَ دُونَ النِّصَابِ، ثُمَّ تَرَكَ الْعَمَلَ مُهْمِلًا لَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ بَقِيَّةَ النِّصَابِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا، وَإِنْ بَلَغَا بِمَجْمُوعِهِمَا نِصَابًا لِفَوَاتِ الشَّرْطِ. (وَيَتَّجِهُ) : مَحِلُّ سُقُوطِهَا فِيمَا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا (إنْ لَمْ يَكُنْ فَارًّا) مِنْ الزَّكَاةِ بِإِهْمَالِهِ الْعَمَلَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمُّ مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِمَعْنَاهُ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى آخَرَ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ قَارَبَهُ كَقَارٍ وَنَفْطٍ وَحَدِيدٍ

وَنُحَاسٍ، أَوْ لَا كَحُبُوبٍ وَغَيْرِهَا (غَيْرَ نَقْدٍ) ، أَيْ: ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ (فِي تَكْمِيلِ نِصَابِ غَيْرِهِ) أَمَّا الْجِنْسُ الْوَاحِدُ فَيُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ (وَيُضَمُّ مَا تَعَدَّدَتْ مَعَادِنُهُ) ، أَيْ: أَمَاكِنُ اسْتِخْرَاجِهِ (وَاتَّحَدَ جِنْسُهُ) وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ، كَصُفْرٍ وَنُحَاسٍ، وَتَمْرٍ وَبُرٍّ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهَا، وَاتَّحَدَتْ أَجْنَاسُهَا، (وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبٌ) فِي زَكَاةِ مَعْدِنٍ (بِإِحْرَازٍ، فَلَا تَسْقُطُ) زَكَاتُهُ (بِتَلَفٍ بَعْدَ) إحْرَازِهِ مُطْلَقًا، وَقَبْلَهُ بِلَا فِعْلِهِ وَلَا تَفْرِيطِهِ تَسْقُطُ، (وَمَا بَاعَهُ) مِنْ مُحْرَزٍ مِنْ مَعْدِنٍ (تُرَابًا) بِلَا تَصْفِيَةٍ وَبَلَغَ نِصَابًا وَلَوْ بِالضَّمِّ، (زَكَّاهُ كَتُرَابِ صَاغَةٍ) (وَيَجُوزُ بَيْعُ) تُرَابِ مَعْدِنٍ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ) وَإِنْ اسْتَتَرَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، كَبَيْعِ نَحْوِ لَوْزٍ فِي قِشْرِهِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ تُرَابُ صَاغَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ عَنْ تُرَابِهِ إلَّا فِي تَأَنِّي الْحَالِ بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَلِذَلِكَ اُحْتُمِلَتْ جَهَالَةُ اخْتِلَاطِ الْمُرَكَّبَاتِ مِنْ مَعَاجِينَ وَنَحْوِهَا، وَنَحْوِ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ (وَالْجَامِدُ الْمُخْرَجُ مِنْ) أَرْضٍ (مَمْلُوكَةٍ لِرَبِّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ، أَخْرَجَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، (لَكِنْ لَا تَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ حَتَّى يَصِلَ لِيَدِهِ) كَمَدْفُونٍ مَنْسِيٍّ (فَلَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ زَكَاتِهِ) لِاحْتِمَالِ خَلْقِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَا يَتَحَقَّقُ سَبَبُ الْمِلْكِ فِيهِ (كِ) مَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ (خُمْسِ رِكَازٍ) لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ فِيهِ قَبْلَ أَخْذِهِ (بِخِلَافِ) مَعْدِنٍ (جَارٍ، فَلِآخِذِهِ، لِإِبَاحَتِهِ) سَوَاءٌ كَانَ بِمَوَاتٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ بَلْ كَالْمَاءِ (وَلَا زَكَاةَ فِي مِسْكٍ وَزَبَادٍ وَ) لَا فِي (مُخْرَجٍ مِنْ بَحْرٍ كَسَمَكٍ وَلُؤْلُؤٍ وَجَوْهَرٍ وَمَرْجَانٍ) هُوَ: نَبَاتٌ حَجَرِيٌّ مُتَوَسِّطٌ فِي خَلْقِهِ بَيْنَ النَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ، وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ يَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ، (وَ) لَا فِي (عَنْبَرٍ) وَلَوْ بَلَغَ نِصَابًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ

فرع لا تتكرر زكاة معشرات

الْوُجُوبِ، وَكَانَ الْعَنْبَرُ وَغَيْرُهُ يُوجَدُ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْهُمْ فِيهِ سُنَّةٌ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ ذَعَرَهُ الْبَحْرُ ". وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ، وَلِأَنَّ وُجُودَهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، فَهُوَ كَالْمُبَاحَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْبَرِّ [فَرْعٌ لَا تَتَكَرَّرُ زَكَاةُ مُعْشِرَاتٍ] (فَرْعٌ: لَا تَتَكَرَّرُ زَكَاةُ مُعْشِرَاتٍ) ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُوَصَّدَةٍ لِلنَّمَاءِ، فَهِيَ كَعَرَضِ الْقِنْيَةِ بَلْ أَوْلَى لِنَقْصِهَا بِنَحْوِ أَكْلٍ (وَلَا) زَكَاةُ (مَعْدِنٍ) ؛ لِأَنَّهُ عَرَضٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ أَشْبَهَ الْمُعْشِرَاتِ (غَيْرَ نَقْدٍ وَعَرَضٍ) فَتَتَكَرَّرُ زَكَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلنَّمَاءِ كَالْمَوَاشِي. [فَصْلٌ الرِّكَازُ] (فَصْلٌ) (الرِّكَازُ الْكَنْزُ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ) بِكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ: دَفِينِهِمْ (أَوْ) دِفْنُ (مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ كُفَّارٍ فِي الْجُمْلَةِ) فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا إذَا كَانَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ خَرِبَةٍ، سُمِّيَ بِهِ مِنْ الرُّكُوزِ، أَيْ: التَّغْيِيبِ، وَمِنْهُ: رَكَزْت الرُّمْحَ، إذَا غَيَّبْتُ أَسْفَلَهُ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْهُ الرِّكْزُ: الصَّوْتُ الْخَفِيُّ (عَلَيْهِ) كُلِّهِ (أَوْ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ كُفْرٍ فَقَطْ) ، أَيْ: لَا عَلَامَةُ إسْلَامٍ (وَفِيهِ) ، أَيْ: الرِّكَازِ إذَا وُجِدَ. (وَلَوْ) كَانَ (قَلِيلًا أَوْ عَرْضًا الْخُمُسُ) عَلَى وَاجِدِهِ (وَلَوْ) كَانَ وَاجِدُهُ (ذِمِّيًّا أَوْ مَدِينًا) كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، حُرًّا أَوْ مُكَاتَبًا، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْخُمُسِ مِنْ الرِّكَازِ وَمِنْ غَيْرِهِ (وَلَهُ تَفْرِقَتُهُ بِنَفْسِهِ) وَاحْتُجَّ بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ. وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ أَنْ يُمْسِكَ الْوَاجِبَ فِيهِمَا لِنَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا

(يَصْرِفُ) ، أَيْ: يَصْرِفُهُ الْإِمَامُ (مَصْرِفَ الْفَيْءِ الْمُطْلَقِ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا) نَصًّا، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ بِإِسْنَادِهِ " عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَلْفَ دِينَارٍ مَدْفُونَةٍ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَأَتَى بِهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخَذَ مِنْهَا مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَدَفَعَ إلَى الرَّجُلِ بَقِيَّتَهَا، وَجَعَلَ عُمَرُ يَقْسِمُ الْمِائَتَيْنِ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَنْ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلَةٌ، فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُ الدَّنَانِيرِ؟ فَقَامَ إلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَهِيَ لَكَ " وَلَوْ كَانَ الْخُمُسُ زَكَاةً لَخُصَّ بِهِ أَهْلُ الزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلِلْإِمَامِ رَدُّ خُمُسِ الرِّكَازِ أَوْ بَعْضِهِ لِوَاجِدِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ، وَتَرْكُهُ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْخَرَاجِ، لِأَنَّهُ فَيْءٌ (وَبَاقِيهِ) ، أَيْ: الرِّكَازَ (لِوَاجِدِهِ) لِلْخَبَرِ. (وَلَوْ) كَانَ (أَجِيرًا) لِنَقْضِ حَائِطٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ (لَا) إنْ كَانَ أَجِيرًا (لِطَلَبِهِ) ، أَيْ: الرِّكَازِ فَيَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ، لِأَنَّ الْوَاجِدَ نَائِبُهُ فِيهِ (أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا) فَبَاقِي مَا وَجَدَهُ بَعْدَ أَدَاءِ الْخُمُسِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قِنًّا فَلِسَيِّدِهِ، وَسَوَاءٌ وَجَدَهُ (مَدْفُونًا) بِدَارٍ أَوْ (بِمَوَاتٍ أَوْ شَارِعٍ أَوْ) فِي (أَرْضٍ مُنْتَقِلَةٍ إلَيْهِ) ، أَيْ: الْوَاجِدِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَمْ يَدَّعِهِ مُنْتَقِلَةٌ عَنْهُ (أَوْ) فِي أَرْضٍ (لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا أَوْ عُلِمَ) مَالِكُهَا (وَلَمْ يَدَّعِهِ) ، أَيْ: الرِّكَازَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، بَلْ مُودَعٌ فِيهَا، أَشْبَهَ الصَّيْدَ يَمْلِكُهُ آخِذُهُ (فَإِنْ ادَّعَاهُ) ، أَيْ: الرِّكَازَ (مَالِكُهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ (أَوْ) ادَّعَاهُ (مَنْ انْتَقَلَتْ) الْأَرْضُ (عَنْهُ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا وَصْفٍ) لِلرِّكَازِ (حَلَفَ وَأَخَذَهُ) ، أَيْ: الرِّكَازَ، لِأَنَّ يَدَ مَالِكَ الْأَرْضِ عَلَى الرِّكَازِ، وَيَدَ مَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ الْأَرْضُ كَانَتْ عَلَيْهِ بِكَوْنِهَا عَلَى مَحَلِّهِ (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ وَنَفَاهُ وَاجِدُهُ فَ) هُوَ (لِمَنْ فَوْقَ) ، أَيْ: لِمَنْ قَبْلَهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِلَّا فَلِمَنْ قَبْلَهُ كَذَلِكَ إلَى أَوَّلِ مَالِكٍ اعْتَرَفَ بِهِ (وَ) هـ (كَذَا

إلَى الْمُحْيِي أَوَّلًا إنْ كَانَ أَوْ) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ (لِوَارِثِهِ بِلَا دَعْوَى؛ إذْ الْكَنْزُ يُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ مَوَاتٍ) . وَفِي " الشَّرْحِ "، وَالْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْمُصَنِّفُ مَشَى هُنَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ (فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا) ، أَيْ: الْوَرَثَةَ (فَلِبَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ نَفَاهُ بَعْضُ وَرَثَةٍ سَقَطَ حَقُّهُ) مِنْ الرِّكَازِ (فَقَطْ) وَيَكُونُ نَصِيبُهُ لِلْوَاجِدِ وَيَبْقَى نَصِيبُ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لِمُوَرِّثِهِ، فَيَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ. وَكَذَا وَرَثَةُ مَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ (أَوْ ظَاهِرًا) بِأَنْ وَجَدَهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ (بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ) فَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا بِطَرِيقٍ مَسْلُوكٍ فَلُقَطَةٌ (أَوْ) وَجَدَهُ ظَاهِرًا بِ (خَرِبَةٍ بِدَارِ إسْلَامٍ أَوْ) بِدَارِ (عَهْدٍ أَوْ) بِدَارِ (حَرْبٍ وَقَدَرَ) وَاجِدُهُ (عَلَيْهِ وَحْدَهُ أَوْ) قَدَرَ عَلَيْهِ (بِجَمَاعَةٍ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ) ، أَيْ: لَا قُوَّةَ لَهُمْ عَلَى دَفْعِ الْعَدُوِّ عَنْهُمْ، لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ بِمَوَاتٍ . (وَ) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَعْدِنٍ بِدَارِ حَرْبٍ (مَعَ) جَمَاعَةٍ ذِي (مَنَعَةٍ فَ) هُوَ (غَنِيمَةٌ) لِأَنَّ قُوَّتَهُمْ أَوْصَلَتْهُمْ إلَيْهِ (كَمَعْدِنٍ) وُجِدَ بِدَارِ حَرْبٍ، فَيُخَمَّسُ بَعْدَ إخْرَاجِ رُبُعِ عُشْرِهِ. (وَمَا) وُجِدَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَ (خَلَا مِنْ عَلَامَةِ كُفْرٍ) كَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ، أَوْ صُوَرِهِمْ، أَوْ صُوَرِ أَصْنَامِهِمْ أَوْ صُلْبَانِهِمْ وَنَحْوِهَا (أَوْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ عَلَامَةُ مُسْلِمِينَ فَ) هُوَ (لُقَطَةٌ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُ مِلْكِهِ، وَتَغْلِيبًا لِحُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ. (وَوَاجِدُهَا) ، أَيْ: اللُّقَطَةِ (فِي) أَرْضٍ (مَمْلُوكَةٍ أَحَقُّ) بِهَا (مِنْ مَالِكِ) أَرْضٍ، فَيُعَرِّفُهَا ثُمَّ يَمْلِكُهَا (وَرَبُّهَا) ، أَيْ: الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ (أَحَقُّ بِرِكَازٍ وَلُقَطَةٍ) بِهَا (مِنْ وَاجِدٍ مُتَعَدٍّ بِدُخُولِهِ) فِيهَا (وَإِذَا تَدَاعَى دَفِينَةً بِدَارِ مُؤَجِّرِهَا وَمُسْتَأْجِرِهَا فَ) هِيَ (لِوَاصِفِهَا) لِوُجُوبِ دَفْعِ اللُّقَطَةِ لِمَنْ وَصَفَهَا (بِيَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ الْآخَرِ فِي

فرع لو أخرج واجد ركاز خمسه ثم استحقه غيره

دَعْوَاهَا (وَإِلَّا) تُوصَفُ (فَ) هِيَ (لِوَاجِدِهَا) بِيَمِينِهِ (فَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ) مِنْهُمَا (وِجْدَانَهَا أَوَّلًا فَقَوْلُ مُكْتَرٍ لِزِيَادَةِ يَدِ) هـ، وَمِثْلُهُ مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ اخْتَلَفَا فِيهَا، فَوَصَفَهَا أَحَدُهُمَا فَهِيَ لَهُ بِيَمِينِهِ تَرْجِيحًا لَهُ بِالْوَصْفِ، فَإِنْ وَصَفَاهَا تَسَاقَطَا، وَرَجَحَ مُسْتَعِيرٌ لِزِيَادَةِ الْيَدِ. [فَرْعٌ لَوْ أخرج وَاجِدُ رِكَازٍ خُمُسَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ غَيْرُهُ] (فَرْعٌ لَوْ أَخْرَجَ وَاجِدُ رِكَازٍ خُمُسَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ غَيْرُهُ) بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ (غَرِمَ) الْوَاجِدُ بَدَلَ (الْخُمُسِ) لِلْمُسْتَحِقِّ، لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ (وَيَرْجِعُ بِهِ) ، أَيْ: بِبَدَلِ الْخُمُسِ الَّذِي غَرِمَهُ (عَلَى إمَامٍ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا) فَيَأْخُذُهُ مِنْ مَالِهِ، مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِيَيْنِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ ". [بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ] (بَابُ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ) جَمْعُ: ثُمْنٍ، (وَهِيَ: الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ) ، وَهُمَا مِنْ أَشْرَفِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، إذْ بِهِمَا قِوَامُ الدُّنْيَا وَنِظَامُ الْخَلْقِ، لِأَنَّ حَاجَاتِ النَّاسِ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّهَا تُقْضَى بِهِمَا، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَمْوَالِ، فَمَنْ كَنَزَهُمَا فَقَدْ أَبْطَلَ الْحِكْمَةَ الَّتِي خُلِقَا لَهَا، كَمَنْ حَبَسَ قَاضِيَ الْبَلَدِ، وَمَنَعَهُ أَنْ يَقْضِيَ حَوَائِجَ النَّاسِ، فَالْفُلُوسُ وَلَوْ رَائِجَةً عُرُوضٌ، وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (رُبُعُ عُشْرِهِمَا) لِلْأَخْبَارِ. وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِمَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34] . الْآيَةُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ

لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَأَقَلُّ نِصَابِ ذَهَبٍ: عِشْرُونَ مِثْقَالًا) ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنْ الذَّهَبِ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ مِثْقَالًا نِصْفَ مِثْقَالٍ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَهِيَ) ، أَيْ: الْعِشْرُونَ مِثْقَالًا (ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ إسْلَامِيِّ) إذْ الْمِثْقَالُ دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ (وَقَدْرُهَا) بِالدَّنَانِيرِ (خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَسُبْعَا دِينَارٍ وَتُسْعُهُ بِ) الدِّينَارِ (الَّذِي زِنَتُهُ دِرْهَمٌ وَثُمْنُ) دِرْهَمٍ (تَحْدِيدًا) وَتَقَدَّمَ أَنَّ نِصَابَ الْأَثْمَانِ تَقْرِيبٌ يُعْفَى فِيهِ عَنْ نَحْوِ حَبَّةٍ وَحَبَّتَيْنِ (وَالْمِثْقَالُ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ جَاهِلِيَّةً وَإِسْلَامًا: دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيِّ، (فَإِذَا زِيدَ عَلَى الدِّرْهَمِ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ فَ) هُوَ (مِثْقَالٌ، وَإِنْ نَقَصَ مِنْ الْمِثْقَالِ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِهِ فَ) هُوَ (دِرْهَمٌ، وَ) الْمِثْقَالُ (بِالدَّوَانِقِ: ثَمَانِيَةُ) دَوَانِقَ. (وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ) دَانِقٍ (وَ) الْمِثْقَالُ (بِالشَّعِيرِ الْمُتَوَسِّطِ: ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً، وَالدِّرْهَمُ) الْإِسْلَامِيُّ نِسْبَةٌ لِلْمِثْقَالِ، (كَمَا قَدَّرَهُ بَنُو أُمَيَّةَ: نِصْفُ مِثْقَالٍ وَخُمُسُهُ) فَالْعَشَرَةُ مِنْ الدَّرَاهِمِ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، (وَ) الدِّرْهَمُ بِالدَّوَانِقِ: (سِتَّةُ دَوَانِقَ، وَهِيَ) ، أَيْ: السِّتَّةُ دَوَانِقَ: (خَمْسُونَ) حَبَّةَ شَعِيرٍ (وَخُمُسَا حَبَّةٍ) شَعِيرٍ، وَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ حَبَّةَ خرنوب، (وَالدَّانِقُ: ثَمَانِ حَبَّاتِ شَعِيرٍ وَخُمُسَا حَبَّةٍ) مِنْهُ. (وَأَقَلُّ نِصَابِ فِضَّةٍ: مِائَتَا دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ

فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» ، وَالْأُوقِيَّةُ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَهِيَ بِالْمَثَاقِيلِ: (مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِثْقَالًا. وَتُرَدُّ الدَّرَاهِمُ الْخُرَاسَانِيَّةُ وَهِيَ دَانِقٌ أَوْ نَحْوُهُ) إلَى الدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ، (وَ) تُرَدُّ (الْيَمَنِيَّةُ وَهِيَ دَانِقَانِ وَنِصْفٌ) إلَى الدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ، (وَ) تُرَدُّ الدَّرَاهِمُ (الطَّبَرِيَّةُ) ، نِسْبَةً إلَى طَبَرِيَّةِ الشَّامِ: بَلَدٌ مَعْرُوفٌ، (وَهِيَ: أَرْبَعَةُ) دَوَانِقَ إلَى الدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ (وَ) تُرَدُّ الدَّرَاهِمُ (الْبَغْلِيَّةُ) نِسْبَةً إلَى مَلِكٍ يُقَالُ لَهُ: رَأْسُ الْبَغْلِ، (وَتُسَمَّى السَّوْدَاءُ، وَهِيَ: ثَمَانِيَةُ) دَوَانِقَ (إلَى الدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ) ، قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوَانِقَ. (وَيُزَكَّى مَغْشُوشٌ) ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ إذَا كَانَ الْغِشُّ غَيْرَ الْفِضَّةِ فِي الذَّهَبِ، كَمَا لَوْ كَانَ نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ نَحْوَهُمَا (بَلَغَ خَالِصُهُ نِصَابًا) نَصًّا، وَإِلَّا فَلَا. وَيُكْرَهُ ضَرْبُ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ وَاِتِّخَاذُهُ نَصًّا، وَالضَّرْبُ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. (وَيُجْزِئُ إخْرَاجٌ مِنْ مَغْشُوشٍ إنْ عَلِمَ قَدْرَ غِشٍّ فِي كُلِّ دِينَارٍ) أَوْ دِرْهَمٍ لِلْعِلْمِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْغِشِّ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا أَنْ يَسْتَظْهِرَ، فَيُخْرِجَ مِنْهُمَا قَدْرَ الزَّكَاةِ بِيَقِينٍ، فَيُجْزِئَهُ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، (فَإِنْ شَكَّ فِيهِ) ، أَيْ: فِي بُلُوغِ مَغْشُوشٍ نِصَابًا (سَبَكَهُ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشَ، لِيَعْلَمَ خَالِصَهُ، (أَوْ احْتَاطَ فَأَخْرَجَ) عَنْ مَغْشُوشٍ (مَا يُجْزِئُهُ) إخْرَاجُهُ عَنْهُ (بِيَقِينٍ) لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ، وَالْأَفْضَلُ إخْرَاجُهُ عَنْهُ مَا لَا غِشَّ فِيهِ. وَإِنْ أَخْرَجَ مِمَّا تَيَقَّنَ أَنَّ فِيهِ قَدْرَ الزَّكَاةِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ ادَّعَى رَبُّ مَالٍ عَلِمَ غِشَّ، أَوْ أَنَّهُ اسْتَظْهَرَ وَأَخْرَجَ الْفَرْضَ، قُبِلَ بِلَا يَمِينٍ. (وَيُزَكَّى غِشٌّ) مِنْ نَقْدٍ (بَلَغَ بِضَمٍّ) إلَى غَيْرِهِ (نِصَابًا) فَأَرْبَعُمِائَةٍ

ذَهَبٌ فِيهَا مِائَةٌ فِضَّةٌ، وَعِنْدَهُ مِائَةٌ فِضَّةٌ، يُزَكِّي الْمِائَةَ الْغِشَّ لِأَنَّهَا بَلَغَتْ نِصَابًا بِضَمِّهَا إلَى الْمِائَةِ الْأُخْرَى، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِضَّةٌ، لِأَنَّهَا تُضَمُّ إلَى الذَّهَبِ، (أَوْ) بَلَغَ نِصَابًا (بِدُونِهِ) ، أَيْ الضَّمِّ (كَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِيهَا ذَهَبٌ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ) فِيهَا (فِضَّةٌ مِائَتَانِ) فَيُزَكِّي الْمِائَتَيْنِ الْغِشَّ لِأَنَّهَا نِصَابٌ بِنَفْسِهَا. (وَإِنْ شَكَّ مِنْ أَيِّهِمَا) ، أَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (الثَّلَاثُمِائَةِ) دِرْهَمٍ، (احْتَاطَ فَجَعَلَهَا ذَهَبًا) فَيُخْرِجُ زَكَاةَ ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ ذَهَبًا وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةً احْتِيَاطًا (وَيُعْرَفُ غِشُّهُ) ، أَيْ: الذَّهَبَ الْمَغْشُوشَ (بِوَضْعِ ذَهَبٍ خَالِصٍ وَزْنَهُ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشِ (بِمَاءٍ) ، أَيْ: فِيهِ (فِي إنَاءٍ أَسْفَلُهُ) ، أَيْ: الْإِنَاءِ (كَأَعْلَاهُ) قَدْرًا، ثُمَّ يُرْفَعُ الذَّهَبُ (ثُمَّ) يُوضَعُ (فِضَّةٌ) خَالِصَةٌ (وَزْنَهُ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشِ (وَهِيَ) ، أَيْ الْفِضَّةُ (أَضْخَمُ) مِنْ الذَّهَبِ أَغْلَظُ، ثُمَّ تُرْفَعُ (ثُمَّ) يُوضَعُ (مَغْشُوشٌ) ثُمَّ يُرْفَعُ (وَيُعْلَمُ عِنْدَ وَضْعِ كُلٍّ) مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَمَغْشُوشٍ (عُلُوَّ الْمَاءِ) فِي الْإِنَاءِ، وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ ضَيِّقًا لِيَظْهَرَ ذَلِكَ (فَإِنْ تَنَصَّفَتْ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: عَلَامَتَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (عَلَامَةُ مَغْشُوشٍ، فَنِصْفُهُ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشِ (ذَهَبٌ وَنِصْفُهُ فِضَّةٌ وَإِلَّا) يَتَنَصَّفْ، (فَإِلَى أَيِّهِمَا) ، أَيْ: الْعَلَامَتَيْنِ (كَانَ ارْتِفَاعُهُ أَقْرَبَ فَهُوَ الْأَكْثَرُ بِحِسَابِهِ) ، فَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْعُلْيَا إلَى الْوُسْطَى ثُلُثَيْ مَا بَيْنَ عَلَامَتَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ، وَمَا بَيْنَ السُّفْلَى إلَى الْوُسْطَى ثُلُثَهُ، كَانَتْ الْفِضَّةُ ثُلُثَيْنِ وَالذَّهَبُ ثُلُثٌ. وَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْعُلْيَا إلَى الْوُسْطَى ثُلُثُ مَا بَيْنَ الْعَلَامَتَيْنِ، وَمَا بَيْنَ السُّفْلَى إلَى الْوُسْطَى ثُلُثَاهُ فَالذَّهَبُ ثُلُثَانِ، وَالْفِضَّةُ ثُلُثٌ، إذْ الِارْتِفَاعُ لِلْفِضَّةِ لِضَخَامَتِهَا، وَالِانْخِفَاضُ لِلذَّهَبِ لِثِقَلِهِ (وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ مَغْشُوشٍ بِصَنْعَةِ الْغِشِّ وَفِيهِ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشِ (نِصَابٌ) مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَوْ مِنْهُمَا (أَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهِ) ، أَيْ: الْمَغْشُوشِ، فَعِشْرُونَ مِثْقَالًا غُشَّتْ فَصَارَتْ تُسَاوِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مِثْقَالًا " أَخْرَجَ عَنْهَا

فصل يخرج مزك عن جيد صحيح

رُبُعَ الْعُشْرِ فِيمَا قِيمَتُهُ كَقِيمَتِهَا كَمَا يُخْرِجُ عَنْ الْجَيِّدِ الصَّحِيحِ بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ عَنْ قِيمَتِهِ (كَحُلِيِّ الْكِرَاءِ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ بِصِنَاعَتِهِ) فَيُعْتَبَرُ فِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ كَعَرْضِ التِّجَارَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَغْشُوشِ نِصَابٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ قِيمَةِ النَّقْدِ بِالصِّنَاعَةِ وَالضَّرْبِ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ. [فَصْلٌ يُخْرِجُ مُزَكٍّ عَنْ جَيِّدٍ صَحِيحٍ] (فَصْلٌ) (وَيُخْرِجُ) مُزْكٍ (عَنْ جَيِّدٍ صَحِيحٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مِنْ نَوْعِهِ كَالْمَاشِيَةِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي عَيْنِهِ، فَلَا يُجْزِئُ أَدْنَى عَنْ أَعْلَى إلَّا مَعَ الْفَضْلِ (وَ) يُخْرِجُ عَنْ (رَدِيءٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (مِنْ نَوْعِهِ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ أَعْلَى مِمَّا وَجَبَتْ فِيهِ . (وَ) إنْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُ الْمُزَكَّى أَخْرَجَ (مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِصَّتِهِ) فَلَوْ كَانَ النِّصَابُ رُبُعَهُ جَيِّدٌ وَرُبُعَهُ رَدِيءٌ، وَنِصْفُهُ مُكَسَّرٌ، أَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ الْجَيِّدِ الرُّبْعَ، وَمِنْ الرَّدِيءِ كَذَلِكَ، وَمِنْ الْمُكَسَّرِ النِّصْفَ، (وَلَوْ شَقَّ) ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ (وَالْأَفْضَلُ) الْإِخْرَاجُ (مِنْ الْأَعْلَى) الْأَجْوَدِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ خَيْرٍ لِلْفُقَرَاءِ . (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (رَدِيءٍ عَنْ أَعْلَى) مَعَ الْفَضْلِ، كَدِينَارٍ وَنِصْفٍ مِنْ الرَّدِيءِ عَنْ دِينَارٍ جَيِّدٍ مَعَ تَسَاوِي الْقِيمَةِ نَصًّا، لِأَنَّ الرِّبَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ. (وَ) يُجْزِئُ (مُكَسَّرٌ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (عَنْ صَحِيحٍ) مِنْهُمَا مَعَ الْفَضْلِ (وَ) يُجْزِئُ (مَغْشُوشٌ عَنْ) خَالِصٍ (جَيِّدٍ) مَعَ الْفَضْلِ (وَ) تُجْزِئُ دَرَاهِمُ (سُودٍ عَنْ) دَرَاهِمَ (بِيضٍ مَعَ الْفَضْلِ فِي الْكُلِّ) نَصًّا، لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ قِيمَةً وَقَدْرًا، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ مِنْ عَيْنِهِ . (وَ) يُجْزِئُ (قَلِيلُ الْقِيمَةُ عَنْ كَثِيرِهَا) ، أَيْ: الْقِيمَةِ مِنْ نَوْعِهِ (مَعَ) اتِّفَاقِ

(الْوَزْنِ) لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالنَّوْعِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْهُ. وَ (لَا) يُجْزِئُ (عَكْسُهُ) ، أَيْ: فَلَا يُجْزِئُ أَعْلَى مِنْ وَاجِبٍ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْوَزْنِ. فَلَوْ وَجَبَ نِصْفُ دِينَارٍ رَدِيءٍ، فَأَخْرَجَ عَنْهُ ثُلُثَ جَيِّدٍ يُسَاوِيهِ قِيمَةً، لَمْ يُجْزِئْهُ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ، فَيُخْرِجُ أَيْضًا سُدُسًا (وَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ رَدِيءٍ عَنْ جَيِّدٍ فِي عَقْدٍ وَغَيْرِهِ) كَقِيمَةِ مُتْلَفٍ، وَأَرْشِ جِنَايَةٍ، لِانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ إلَى الْجَيِّدِ (وَيَثْبُتُ الْفَسْخُ) فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إذَا بَانَ عِوَضُهُ الْمُعَيَّنُ مُعَيَّبًا كَالْمَبِيعِ (وَيُضَمُّ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ بِالْأَجْزَاءِ) لَا بِالْقِيمَةِ (فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) لِأَنَّ زَكَاتَهُمَا وَمَقَاصِدَهُمَا مُتَّفِقَةٌ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُضَمُّ إلَى مَا يُضَمُّ إلَيْهِ الْآخَرُ فَيُضَمُّ إلَى الْآخَرِ كَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ، فَمَنْ مَلَكَ عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ ذَهَبًا وَمِائَةَ دِرْهَمٍ فِضَّةٍ، زَكَّاهُمَا وَلَوْ مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةَ مَثَاقِيلَ تُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، لَمْ تَجِبْ، لِأَنَّ مَا لَا يَقُومُ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يَقُمْ مَعَ غَيْرِهِ كَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ. (وَيُخْرِجُ عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ (مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ) فَيُخْرِجُ ذَهَبًا عَنْ فِضَّةٍ وَعَكْسَهُ بِالْقِيمَةِ (لِإِجْزَاءِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ) وَاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَقْصُودِ مِنْ الثَّمَنِيَّةِ، وَالتَّوَسُّلِ إلَى الْمَقَاصِدِ، فَهُوَ كَإِخْرَاجِ مُكَسَّرَةٍ عَنْ صِحَاحٍ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ لِاخْتِلَافِ مَقَاصِدِهِمَا، وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْمُعْطِي وَالْآخِذِ، وَلِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى التَّشْقِيصِ وَالْمُشَارَكَةِ، أَوْ بَيْعِ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ مِنْ الْآخَرِ فِي زَكَاةِ مَا دُونَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا. وَإِنْ اخْتَارَ مَالِكٌ الدَّفْعَ مِنْ الْجِنْسِ، وَأَبَاهُ فَقِيرٌ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِي أَخَذَهُ، لَمْ يَلْزَمْ مَالِكًا إجَابَتُهُ، لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ، فَلَمْ يُكَلَّفْ سِوَاهُ. وَ (لَا) يُجْزِئُ إخْرَاجُ (فُلُوسٍ) عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ لِأَنَّهَا عُرُوضٌ (وَيُضَمُّ جَيِّدُ كُلِّ جِنْسٍ وَمَضْرُوبُهُ إلَى رَدِيئِهِ وَتِبْرِهِ) كَأَنْوَاعِ الْمَوَاشِي وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، بَلْ هُنَا أَوْلَى (وَ) تُضَمُّ (قِيمَةُ عَرْضِ تِجَارَةٍ إلَى) أَحَدِ (ذَلِكَ مَضْرُوبَةً

فرع الفلوس كعروض التجارة فيها إذا بلغت نصابا زكاة

وَخَمْسَةُ) مَثَاقِيلَ (تِبْرٍ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا) مِنْ فِضَّةِ الْجَمِيعِ (نِصَابٌ بِالضَّمِّ) فَيُخْرِجُ رُبُعَ الْعُشْرِ مِنْ أَيِّ نَقْدٍ شَاءَ. [فَرْعٌ الْفُلُوسُ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فِيهَا إذَا بَلَغَتْ نِصَابًا زَكَاةُ] (فَرْعٌ: الْفُلُوسُ كَعُرُوضِ) الـ (تِجَارَةِ فِيهَا) إذَا بَلَغَتْ نِصَابًا (زَكَاةُ قِيمَةٍ مَا لَمْ تَكُنْ) الْفُلُوسُ (لِلنَّفَقَةِ) فَإِنْ كَانَتْ لِلنَّفَقَةِ (فَلَا) زَكَاةَ فِيهَا. [فَصْلٌ وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ] (فَصْلٌ) (وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ مُعَدٍّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ أَوْ إعَارَةٍ) لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ أَوْ يَعُدَّهُ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَلِأَنَّهُ مَرْصَدٌ لِلِاسْتِعْمَالِ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْعَوَامِلِ وَثِيَابِ الْقِنْيَةِ، وَمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِامْرَأَةٍ فِي يَدِهَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ: وَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْوَرِقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» ، فَجَوَابُهُ أَنَّهَا الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُعْلَمُ هَذَا الِاسْمُ فِي الْكَلَامِ الْمَعْقُولِ عِنْدَ الْعَرَب إلَّا عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ ذَاتِ السِّكَّةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الشُّمُولِ يَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَا ذَكَرْنَا (وَلَوْ) كَانَ الْحُلِيُّ (لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَرَجُلٍ اتَّخَذَ حُلِيَّ نِسَاءٍ لِإِعَارَتِهِنَّ وَعَكْسُهُ) كَامْرَأَةٍ اتَّخَذَتْ حُلِيَّ رِجَالٍ لِإِعَارَتِهِمْ (غَيْرِ فَارٍّ) مِنْ زَكَاةٍ بِاِتِّخَاذِ الْحُلِيِّ فَإِنْ اتَّخَذَهُ فِرَارًا (فَ) أَنَّهَا (تَلْزَمُهُ) الزَّكَاةُ (فَإِنْ كَانَ الْحُلِيُّ لِيَتِيمٍ لَا يَلْبَسُهُ) الْيَتِيمُ (فَلِوَلِيِّهِ إعَارَتُهُ فَإِنْ فَعَلَ) ، أَيْ: أَعَارَهُ (فَلَا زَكَاةَ) فِيهِ (وَإِلَّا فَفِيهِ الزَّكَاةُ نَصًّا) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.

(وَيَتَّجِهُ: لَا) أَيْ. لَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ (بَلْ حَيْثُ كَانَ) حُلِيُّ الْيَتِيمِ (مُعَدًّا لِاسْتِعْمَالٍ فَلَا زَكَاةَ) فِيهِ. (وَلَوْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ) إذْ نَفْسُ إعَارَةِ مَالِ الْيَتِيمِ مُتَوَقَّفٌ فِيهَا لَوْلَا النَّصُّ، لِمَا يَأْتِي فِي الْعَارِيَّةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمُعِيرِ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ، وَالْيَتِيمُ لَيْسَ كَذَلِكَ، نَعَمْ، قَالُوا بِجَوَازِ إعَارَةِ مَالِ الْيَتِيمِ إذَا كَانَ لِمَصْلَحَتِهِ، أَوْ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ عَنْهُ، وَإِعَارَةُ حُلِيِّهِ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَبَلَغَ مُجَرَّدُ اسْتِعْدَادِهِ وَإِرْصَادِهِ إلَى بُلُوغِهِ وَاسْتِئْنَاسِ رُشْدِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَإِنْ تَكَسَّرَ الْحُلِيُّ) الْمُبَاحُ (كَسْرًا لَا يَمْنَعُ لُبْسَهُ) كَانْشِقَاقِهِ وَنَحْوِهِ، (فَ) هُوَ (كَصَحِيحٍ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَ لُبْسِهِ. (وَإِنْ مَنَعَهُ) ، أَيْ: مَنَعَ تَكَسُّرَهُ لَبِسَهُ، (فَ) هُوَ (كَنَقْرَةٍ فَيُزَكَّى) وَلَوْ نَوَى إصْلَاحَهُ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي) حُلِيِّ (مُحَرَّمٍ كَحِلْيَةِ نَحْوِ سَرْجٍ وَلِجَامٍ وَكُتُبِ عِلْمٍ وَطَوْقِ رَجُلٍ وَسِوَارِهِ وَخَاتَمِ الذَّهَبِ) (وَ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي (حُلِيِّ صَيَارِفَ) لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلتِّجَارَةِ (أَوْ) ، أَيْ: وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي حُلِيٍّ مُعَدٍّ لِ (قِنْيَةٍ أَوْ) مُعَدٍّ لِ (نَفَقَةٍ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ) مُعِدُّهُ (بِهِ) ، أَيْ: بِاعْتِدَادِهِ (شَيْئًا، وَ)

تَجِبُ أَيْضًا فِي (آنِيَةِ) الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ كَالْعَدَمِ. (وَ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ (مُعَدٍّ لِكِرَاءٍ إذَا بَلَغَ نِصَابًا وَزْنًا فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا ذُكِرَ، لِأَنَّ سُقُوطَ الزَّكَاةِ فِيمَا أُعِدَّ لِاسْتِعْمَالٍ أَوْ إعَارَةٍ بِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، (وَلَا أَثَرَ لِزِيَادَةِ قِيمَةِ) حُلِيٍّ (مُحَرَّمٍ) لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِوَاسِطَةِ صَنْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ يَجِبُ إتْلَافُهَا شَرْعًا، فَلَمْ تُعْتَبَرْ لِذَلِكَ (وَتُعْتَبَرُ) زِيَادَةُ الْقِيمَةِ (فِي) حُلِيٍّ (مُبَاحِ) الصِّنَاعَةِ حَيْثُ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالٍ أَوْ إعَارَةٍ (فَتُزَكَّى) الزِّيَادَةُ، إذْ لَوْ أَخْرَجَ رُبُعَ عُشْرِهِ وَزْنًا لَفَاتَتْ الصَّنْعَةُ الْمُتَقَوِّمَةُ عَلَى الْفُقَرَاءِ. (وَحَرُمَ كَسْرُهُ) ، أَيْ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ وَقْتَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ (لِنَقْصِهَا) ، أَيْ: الْقِيمَةِ، وَلِأَنَّ فِي كَسْرِهِ إضَاعَةَ مَالٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ (وَ) يَحْرُمُ (أَنْ يُحَلَّى مَسْجِدٌ أَوْ مِحْرَابٌ) بِنَقْدٍ (أَوْ) أَنْ (يَمُدَّهُ سَقْفٌ أَوْ حَائِطٌ) مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (بِنَقْدٍ، وَتَجِبُ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ) إنْ بَلَغَ نِصَابًا لِأَنَّهَا إنَّمَا سَقَطَتْ فِي الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ، لِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ (إلَّا إذَا اُسْتُهْلِكَ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ) لَوْ أُزِيلَ (فَلَا تَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ) لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ ذَهَبَتْ فَلَا فَائِدَةَ فِي إتْلَافِهِ وَإِزَالَتِهِ. وَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ: أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ. فَقِيلَ: إنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَتَرَكَهُ (وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ اسْتِدَامَةِ) مُحَرَّمٍ (أَوْ اسْتِعْمَالِ مُحَرَّمٍ جَوَازُ صَنْعَتِهِ كَاسْتِعْمَالِ مُصَوَّرٍ) فِي افْتِرَاشٍ وَجَعْلِهِ مِخَدًّا، فَيَجُوزُ مَعَ حُرْمَةِ التَّصْوِيرِ. تَتِمَّةٌ: لَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ زَاوِيَةٍ قِنْدِيلًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَمْ يَصِحَّ وَقْفُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَيَحْرُمُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْآنِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا.

فصل في التحلي

[فَصْلٌ فِي التَّحَلِّي] (فَصْلٌ) فِي التَّحَلِّي (وَيُبَاحُ لِذَكَرٍ وَخُنْثَى وَلَوْ بِقَصْدِ تَزَيُّنٍ مِنْ فِضَّةٍ خَاتَمٌ فَأَكْثَرُ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ. (وَ) لُبْسُهُ (بِخِنْصَرِ يَسَارٍ أَفْضَلُ) مِنْ لُبْسِهِ بِخِنْصَرِ يُمْنَى نَصًّا. وَضَعَّفَ الْحَدِيثُ التَّخَتُّمَ فِي الْيُمْنَى فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ: الْمَحْفُوظُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ» ، وَكَانَ بِالْخِنْصَرِ لِأَنَّهَا طَرَفٌ، فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الِامْتِهَانِ فِيمَا تَتَنَاوَلُهُ الْيَدُ، وَلَا يَشْغَلُ الْيَدَ عَمَّا تَتَنَاوَلُهُ، وَلَهُ جَعْلُ فَصِّهِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ فَصُّهُ مِنْهُ» وَلِمُسْلِمٍ «كَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا» . (وَيَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ يَجْعَلُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَ كَفِّهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " (وَكُرِهَ) لُبْسُهُ (بِسَبَّابَةٍ وَوُسْطَى فَقَطْ) لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ. وَظَاهِرُهُ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِهِمَا اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ، وَإِنْ كَانَ الْخِنْصَرُ أَفْضَلَ (وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ) ، أَيْ: الْخَاتَمِ مِنْ فِضَّةٍ (أَكْثَرَ مِنْ مِثْقَالٍ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ عَادَةٍ فَيَحْرُمُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ خَرَجَ الْمُعْتَادُ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ. وَلُبْسُ خَاتَمَيْنِ فَأَكْثَرَ جَمِيعًا، الْأَظْهَرُ الْجَوَازُ وَعَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ. قَالَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " بَعْدَ ذِكْرِهِ اخْتِلَافَ ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِيهِ. (وَسُنَّ) كَوْنُ الْخَاتَمِ (دُونَهُ) ، أَيْ: الْمِثْقَالِ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْحَاوِيَيْنِ " وَ " الْآدَابِ " (وَ) يُبَاحُ لِذَكَرٍ (قَبِيعَةُ

سَيْفٍ) مِنْ فِضَّةٍ، لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِضَّةً» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَالْقَبِيعَةُ: مَا يُجْعَلُ عَلَى طَرَفِ الْقَبْضَةِ، وَلِأَنَّهَا حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ أَشْبَهَتْ الْخَاتَمَ (وَ) يُبَاحُ لَهُ (حِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ) وَهِيَ مَا شَدَدْتَ بِهِ وَسَطَكَ. قَالَهُ الْخَلِيلُ. وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ حِيَاصَةً، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّخَذُوا الْمَنَاطِقَ مُحَلَّاةً بِالْفِضَّةِ، وَهِيَ كَالْخَاتَمِ (وَ) يُبَاحُ لَهُ حِلْيَةُ (جَوْشَنٍ) وَهُوَ الدِّرْعُ (وَخُوذَةٍ) وَهِيَ الْبَيْضَةُ (وَ) حِلْيَةُ (خُفٍّ وَنَعْلٍ وَرَادٍّ وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ وَحَمَائِلِ) سَيْفٍ، وَاحِدَتُهَا: حَمَالَةُ. قَالَهُ الْخَلِيلُ (وَ) حِلْيَةُ (مِغْفَرٍ وَرَأْسِ رُمْحٍ وَشَعِيرَةِ سِكِّينٍ وتركاش نَشَّابٍ) لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْمِنْطَقَةَ مَعْنًى، فَوَجَبَ أَنَّهُ يُسَاوِيهَا حُكْمًا. وَعَلَّلَ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ يَسِيرُ فِضَّةٍ فِي لِبَاسِهِ، وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ تَابِعٌ. وَ (لَا) يُبَاحُ (حِلْيَةُ رِكَابٍ وَلِجَامٍ وَسَرْجٍ وَدَوَاةٍ وَمِقْلَمَةٍ وَمِرْآةٍ وَمُشْطٍ وَمُكْحُلَةٍ وَمِجْمَرَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَمِيلٍ وَمِرْوَحَةٍ وَمَشْرَبَةٍ وَمُدْهِنَةٍ وَمِسْعَطٍ وَمِلْعَقَةٍ وَقِنْدِيلٍ وَمِسْرَجَةٍ (وَيُبَاحُ) لِذَكَرٍ (مِنْ ذَهَبٍ قَبِيعَةُ سَيْفٍ) لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ لَهُ سَيْفٌ فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ، وَعُثْمَانَ بْنُ حُنَيْفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ. ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ. وَيُبَاحُ لِذَكَرٍ أَيْضًا مِنْ ذَهَبٍ (يَسِيرٍ فَصِّ خَاتَمٍ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْمَجْدُ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَفِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ " يَسِيرُ الذَّهَبِ التَّابِعِ لِغَيْرِهِ كَالطِّرَازِ وَنَحْوِهِ جَائِزٌ فِي الْأَصَحِّ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. (وَ) يُبَاحُ لِذَكَرٍ مِنْ ذَهَبٍ (مَا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَأَنْفٍ) وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ، «لِأَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلَابِ،

فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ. فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَالْحِكْمَةُ فِي الذَّهَبِ أَنَّهُ لَا يَصْدَأُ بِخِلَافِ الْفِضَّةِ (وشلسن) رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ. وَثَابِتٍ الْبُنَانِيَّ وَغَيْرِهِمَا، وَلِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ فَأُبِيحَ كَالْأَنْفِ «وَكَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيَةَ مَثَاقِيلَ» ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَحَكَاهُ فِي " الْمُبْدِعِ " عَنْ الْإِمَامِ، قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَلِكَ (وَ) يُبَاحُ (لِنِسَاءٍ مِنْهُمَا) ، أَيْ: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ وَلَوْ زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ كَطَوْقٍ وَخَلْخَالٍ وَسِوَارٍ وَدُمْلُجٍ وَقُرْطٍ) فِي أُذُنٍ (وَقِلَادَةٍ وَتَاجٍ وَمَا فِي مخانق وَمَقَالِدَ مِنْ حِرْزٍ وَتَعَاوِيذَ وَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ) ، أَيْ ذَاتِ عُرْيٍ، وَكَذَا عُقُودُ وَأُكَرٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (أَوْ) جُعِلَتْ الدَّنَانِيرُ (فِي مُرْسَلَةٍ) . أَيْ: قِلَادَةً طَوِيلَةً تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَى التَّجَمُّلِ، وَالتَّزَيُّنِ لِزَوْجِهَا. وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ كَالنِّعَالِ الْمُذَهَّبَةِ لَا يُبَاحُ لَهُنَّ لِانْتِفَاءِ التَّجَمُّلِ، فَلَوْ اتَّخَذَتْهُ حَرُمَ وَفِيهِ الزَّكَاةُ. (وَ) يُبَاحُ (لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَحِلُّ بِجَوْهَرٍ وَزُمُرُّدٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ وَفَيْرُوزَجَ وَنَحْوِهِ) كَلُؤْلُؤٍ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلِاسْتِعْمَالِ كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ . (وَكُرِهَ تَخَتُّمُهُمَا) ، أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (بِحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ وَنُحَاسٍ وَصُفْرٍ) نَصًّا. وَنَقَلَ مُهَنَّا: أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ (وَيُسْتَحَبُّ) تَخَتُّمُهُمَا (بِعَقِيقٍ) ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ.» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ: كَذَا ذُكِرَ. قَالَ

فرع كره أن يكتب على خاتم ذكر الله

الْعُقَيْلِيُّ، لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا شَيْءٌ. وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، فَلَا يُسْتَحَبُّ هَذَا عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ جَمَاعَةٌ فَظَاهِرُهُ لَا يُسْتَحَبُّ (وَ) لِذَلِكَ قَالَ (فِي " الْإِقْنَاعِ " يُبَاحُ) التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ، لِمَا فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا - وَقَدْ سَأَلَ الْإِمَامُ: مَا السُّنَّةُ؟ يَعْنِي فِي التَّخَتُّمِ - لَمْ تَكُنْ خَوَاتِيمُ الْقَوْمِ إلَّا مِنْ الْفِضَّةِ. وَتَبِعَ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " الْقَائِلِينَ بِالِاسْتِحْبَابِ. وَهَذَا الْخَبَرُ فِي إسْنَادِهِ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ الَّذِي قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ. وَبَاقِيهِ جَيِّدٌ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ مِنْ الْمَوْضُوعِ. [فَرْعٌ كُرِهَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى خَاتَمٍ ذِكْرُ اللَّهِ] (فَرْعٌ: كُرِهَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى خَاتَمٍ ذِكْرُ اللَّهِ قُرْآنٌ أَوْ غَيْرُهُ) نَصًّا (وَكَذَا عَلَى دَرَاهِمَ) قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: لَا يَدْخُلُ الْخَلَاءُ فِيهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَهُ لِذَلِكَ، قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ لِلْكَرَاهَةِ دَلِيلًا سِوَى هَذَا، وَهِيَ تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. (وَحَرُمَ نَقْشُ صُورَةِ حَيَوَانٍ) عَلَى الْخَاتَمِ (وَلُبْسُهُ بِهَا) ، أَيْ: الصُّورَةِ كَالثَّوْبِ الْمُصَوَّرِ. (بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ) أَيْ: عُرُوضَ التِّجَارَةِ. الْعُرُوض، جَمْعُ: عَرْضٍ، بِإِسْكَانِ الرَّاءِ، وَهُوَ. مَا عَدَا الْأَثْمَانَ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ، وَبِفَتْحِهَا: كَثْرَةُ الْمَالِ وَالْمَتَاعِ، وَسُمِّيَ عَرَضًا لِأَنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ وَيَفْنَى، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُعْرَضُ لِيُبَاعَ وَيُشْتَرَى تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَتَسْمِيَةِ الْمَعْلُومِ عَلَمًا. وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَمِّلِينَ الْعَرَضُ بِفَتْحَتَيْنِ: مَا لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ. (لَا تُجْزِئُ) زَكَاةُ الْعُرُوضِ (مِنْهَا وَلَوْ) كَانَتْ الْعُرُوض (بَهِيمَةَ أَنْعَامٍ، بَلْ) تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ (مِنْ قِيمَتِهَا نَقْدًا) لِأَنَّ النِّصَابَ مُعْتَبَرٌ

بِالْقِيمَةِ، فَهِيَ مَحَلُّ الْوُجُوبِ. (وَالْعَرْضُ مَا يُعَدُّ لِبَيْعٍ وَشِرَاءٍ لِأَجْلِ رِبْحٍ وَلَوْ مَنْفَعَةً) كَالْإِجَارَةِ (وَإِنَّمَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي قِيمَةِ) عُرُوضِ تِجَارَةٍ إذَا (بَلَغَتْ) قِيمَتُهَا (نِصَابًا) مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، لَا فِي نَفْسِ الْعَرْضِ (لِمَا) ، أَيْ: عَرْضٍ (مُلِكَ بِفِعْلٍ) كَمَبِيعٍ وَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ (بِنِيَّةِ تِجَارَةٍ حَالَ مِلْكِهِ) بِأَنْ يَقْصِدَ التَّكَسُّبَ بِهِ، لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ، وَالتِّجَارَةُ عَمَلٌ، فَوَجَبَ اقْتِرَانُهَا بِالنِّيَّةِ، وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ فِي الْأَصْلِ لِلِاسْتِعْمَالِ، فَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ (أَوْ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا) ، أَيْ: نِيَّةَ التِّجَارَةِ (فِيمَا تُعَوِّضُ عَنْ عَرْضِهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ وَلَوْ بِصُلْحٍ عَنْ قِنِّهَا الْمَقْتُولِ بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، كَأَنْ تُعَوِّضَ عَنْ عَرْضِهَا شَيْئًا بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ (وَسَوَاءٌ مَلَكَ الْعَرْضَ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ) ، أَيْ: خَالِصَةٍ (كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَصُلْحٍ عَنْ مَالٍ بِمَالٍ وَأَخْذٍ بِشُفْعَةٍ وَاسْتِرْدَادِ مَا بَاعَهُ) بِإِقَالَةٍ أَوْ إعْسَارِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَنَحْوِهِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ (أَوْ) بِمُعَاوَضَةٍ (غَيْرِ مَحْضَةٍ كَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ وَصُلْحٍ عَنْ دَمِ عَمْدٍ) وَعِوَضِ خُلْعٍ (أَوْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَهِبَةٍ) لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا ثَوَابٌ. (وَغَنِيمَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَاحْتِشَاشٍ وَاحْتِطَابٍ وَاصْطِيَادٍ) لِعُمُومِ خَبَرِ «سَمُرَةَ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي إسْنَادِهِ جَعْفَرٌ وَخُبَيْبٌ مَجْهُولَانِ. وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: 24] ، وَقَوْلُهُ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وَمَالُ التِّجَارَةِ أَعَمُّ الْأَمْوَالِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالدُّخُولِ، وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «وَفِي الْبَزِّ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقَيْنِ، وَصَحَّحَ إسْنَادَهُمَا، وَقَالَ:

إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ لِحِمَاسٍ: " أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فَقَالَ: مَا لِي إلَّا جِعَابٌ وَأُدْمٌ. فَقَالَ: قَوِّمْهَا وَأَدِّ زَكَاتَهَا " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَسَعِيدٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ، وَالْجِعَابُ: جَمْعُ جَعْبَةٍ، كِنَانَةُ النَّشَّابِ، وَهِيَ مِنْ جِلْدٍ لَا خَشَبَ فِيهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ نَامٍ فَوَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ كَالسَّائِمَةِ. وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ لَا الْقِيمَةِ، عَلَى أَنَّ خَبَرَنَا خَاصٌّ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ. (فَإِنْ مَلَكَهُ) ، أَيْ: الْعَرْضَ (بِإِرْثٍ) أَوْ عَادَ إلَيْهِ بِطَلَاقٍ قَبْلَ دُخُولٍ، أَوْ فَسْخٍ مِنْ قِبَلَهَا قَبْلَهُ (أَوْ) مَلَكَهُ بِ (لُقَطَةٍ) مَضَى حَوْلُ تَعْرِيفِهَا، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ (أَوْ) مَلَكَهُ (بِفِعْلِهِ بِلَا نِيَّةِ تِجَارَةٍ ثُمَّ نَوَاهَا) ، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ بِعَرْضِ تِجَارَةٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، بَلْ يَكْفِيهِ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا بِأَنْ لَا يَنْوِيَهَا لِلْقِنْيَةِ. (أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ لِتِجَارَةٍ فَنَوَاهُ لِقِنْيَةٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا: الْإِمْسَاكُ لِلِانْتِفَاعِ دُونَ التِّجَارَةِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَنْوِيُّ لِلْقِنْيَةِ (ثِيَابَ حَرِيرٍ لِلُبْسٍ مُحَرَّمٍ ثُمَّ) نَوَاهُ (لِتِجَارَةٍ لَمْ يَصِرْ لَهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ (فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الْقِنْيَةَ هِيَ الْأَصْلُ، فَيَكْفِي فِي الرَّدِّ إلَيْهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فِيهَا، فَإِذَا نَوَى الْقِنْيَةَ زَالَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ، فَفَاتَ شَرْطُ الْوُجُوبِ، بِخِلَافِ السَّائِمَةِ إذَا نَوَى عَلَفَهَا، فَإِنَّ الشَّرْطَ السَّوْمُ دُونَ نِيَّةٍ (حَتَّى تُبَاعَ) بِنَقْدٍ مُطْلَقًا أَوْ بِعَرْضٍ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ (وَيَمْضِي حَوْلٌ) فَيُزَكِّيهِ عِنْدَ تَمَامِهِ (غَيْرَ حُلِيِّ لُبْسٍ) إذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، فَيَصِيرُ لَهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (لِأَنَّ التِّجَارَةَ أَصْلٌ فِيهِ) ، أَيْ: الْحُلِيِّ، فَإِذَا نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ فَقَدْ رَدَّهُ إلَى الْأَصْلِ.

(وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ حُلِيُّ اللُّبْسِ (غَيْرَ نَقْدٍ) كَجَوْهَرٍ وَزُمُرُّدٍ وَلُؤْلُؤٍ وَيَاقُوتٍ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَوْ قَتَلَ عَبْدَ تِجَارَةٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَصَالَحَ) سَيِّدَهُ (عَلَى مَالٍ، صَارَ) الْمَالُ (لِتِجَارَةٍ) بِاسْتِصْحَابِ نِيَّتِهَا، كَمَا لَوْ اعْتَاضَ عَنْهُ (أَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لَهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ (فَتَخَمَّرَ) الْعَصِيرُ (ثُمَّ تَخَلَّلَ عَادَ حُكْمُ تِجَارَةٍ) اسْتِصْحَابًا لِلْيَدِ كَالرَّهْنِ. (وَتُقَوَّمُ عُرُوضُ) تِجَارَةٍ (عِنْدَ) تَمَامِ (حَوْلٍ. وَأَوَّلِهِ) ، أَيْ: الْحَوْلِ (مِنْ حِينِ بَلَغَتْ) الْعُرُوض (نِصَابًا فَيَسْتَأْنِفُ) الْحَوْلَ (لَوْ نَقَصَتْ) قِيمَةُ الْعُرُوضِ (بِأَثْنَائِهِ) ، أَيْ: الْحَوْلِ (بِالْأَحَظِّ) مُتَعَلِّقٌ بِتُقَوَّمُ (لِفُقَرَاءَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَلَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ بَلَدٍ) وَبِهِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْآخِذِ (أَوْ نَقَصَتْ) الْقِيمَةُ (بَعْدَ) التَّقْوِيمِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَقَرَّتْ، كَمَا لَوْ تَلِفَ النِّصَابُ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ. وَ (لَا) تُقَوَّمُ الْعُرُوض (بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ) مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ، لَا قَدْرًا وَلَا جِنْسًا،

رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، لِأَنَّ فِي تَقْوِيمِهَا بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ إبْطَالًا لِلتَّقْوِيمِ بِالْأَنْفَعِ. فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا بِالدَّرَاهِمِ فَقَطْ قُوِّمَتْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِالذَّهَبِ، وَكَذَا عَكْسُهُ (وَلَا اعْتِبَارَ بِصِفَةٍ أَوْ صَنْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَتُقَوَّمُ مُغَنِّيَةٌ سَاذَجَةٌ) بِفَتْحِ الذَّالِ، أَيْ: عَارِيَّةٌ عَنْ صِفَةِ مَعْرِفَةِ الْغِنَاءِ، وَكَذَا الزَّامِرَةُ وَالضَّارِبَةُ بِآلَةِ لَهْوٍ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا (وَ) اعْتِبَارُ (حُلِيٍّ مُحَرَّمٍ بِوَزْنِهِ) لَا بِقِيمَتِهِ (كَآنِيَةِ نَقْدٍ) وَرِكَابٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ لِتَحْرِيمِهَا (وَيُعْتَبَرُ مُبَاحُ صِنَاعَةٍ) كَحُلِيِّ تِجَارَةٍ (بِقِيمَتِهِ) لَا بِوَزْنِهِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا زَكَّاهُ، وَإِلَّا فَلَا. (وَ) يُقَوَّمُ عَبْدٌ (خَصِيٌّ بِصِفَتِهِ لِحِلِّ اسْتِخْدَامِهِ) وَلِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْفِعْلُ، وَقَدْ انْقَطَعَ. (وَمَنْ اشْتَرَى) أَوْ بَاعَ (عَرْضًا) لِلتِّجَارَةِ (بِعَرْضٍ أَوْ أَثْمَانٍ) بَنَى عَلَى حَوْلِ الْأَوَّلِ وِفَاقًا، لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ وَهِيَ الْأَثْمَانُ، وَالْأَثْمَانُ يُبْنَى حَوْلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ لِلتَّقَلُّبِ وَالِاسْتِبْدَالُ بِثَمَنٍ وَعُرُوضٍ، فَلَوْ لَمْ يَبْنِ بَطَلَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّقْدُ نِصَابًا، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا، لِأَنَّ مِنْ حِينِ اشْتَرَاهُ. (أَوْ) اشْتَرَى نِصَابَ (سَائِمَةٍ لِقِنْيَةٍ بِ) نِصَابِ سَائِمَةٍ (مِثْلِهَا لِتِجَارَةٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ) ، أَيْ: مَا اشْتَرَى بِهِ، لِأَنَّهُمَا مَالَانِ مُتَّفِقَانِ فِي النِّصَابِ وَالْجِنْسِ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ فِيهِمَا

بِالْمُبَادَلَةِ. قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُنْتَهَى " قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ نِصَابَ السَّائِمَةِ غَيْرُ نِصَابِ التِّجَارَةِ، وَالزَّكَاةُ فِي عَيْنِ السَّائِمَةِ وَقِيمَةِ التِّجَارَةِ، فَلَمْ يَتَّحِدْ النِّصَابُ، وَلَا الْجِنْسُ، وَيَأْتِي: مَنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ نِصْفَ حَوْلِهِ، ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ اسْتَأْنَفَهُ لِلسَّوْمِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَعِبَارَةُ " التَّنْقِيحِ ": وَإِنْ اشْتَرَى نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ لِقِنْيَةٍ، بَنَى. انْتَهَى. وَمَعْنَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ: لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِلزَّكَاةِ قَدَّمَ عَلَيْهِ زَكَاةَ التِّجَارَةِ لِقُوَّتِهِ، فَبِزَوَالِ الْمُعَارِضِ يَثْبُتُ حُكْمُ السَّوْمِ لِظُهُورِهِ. انْتَهَى. قَالَ الْخَلْوَتِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ " اشْتَرَى الْمُقَدَّرَةَ " فِي كَلَامِ الْمُصَنَّفِ، أَيْ: صَاحِبِ " الْمُنْتَهَى " بِمَعْنَى " بَاعَ " فَيُسَاوِي مَا سَيَأْتِي، وَيُوَافِقُ كَلَامَ " الْفُرُوعِ " وَ " التَّنْقِيحِ " وَغَيْرِهِمَا. انْتَهَى. وَالْمُصَنِّفُ تَابَعَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ " الْمُنْتَهَى ". وَ (لَا) يَبْنِي عَلَى الْحَوْلِ (إنْ اشْتَرَى عَرْضًا) غَيْرَ سَائِمَةٍ (بِ) نِصَابِ (سَائِمَةٍ أَوْ بَاعَهَا) ، أَيْ: السَّائِمَةَ (بِهِ) ، أَيْ: بِعَرْضٍ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي النِّصَابِ وَالْوَاجِبِ (وَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ) نِصَابُ السَّائِمَةِ (بِعَيْبٍ) فَيَسْتَأْنِفُ الْحَوْلَ لِلسَّوْمِ (أَوْ مَلَكَ) نِصَابَ (سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ نِصْفَ حَوْلٍ) ، أَيْ: النِّصَابَ (ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ تِجَارَةٍ فَيَسْتَأْنِفُهُ) ، أَيْ: الْحَوْلَ (لِسَوْمٍ) لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الِاقْتِنَاءِ، وَحَوْلُ السَّوْمِ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ . (وَمَنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ) فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ فَقَطْ (وَلَوْ سَبَقَ حَوْلُ سَوْمٍ بُلُوغَ قِيمَةِ تِجَارَةٍ) كَمَا لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ صَارَتْ قِيمَتُهَا فِي نِصْفِ الْحَوْلِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَيُزَكِّيهَا زَكَاةَ تِجَارَةٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا، لِأَنَّ وَصْفَهَا يُزِيلُ سَبَبَ زَكَاةِ السَّوْمِ، وَهُوَ الِاقْتِنَاءُ لِطَلَبِ النَّمَاءِ فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِلَا خِلَافٍ لِوُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ فِيهِ بِلَا مُعَارِضٍ. فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً لِلتِّجَارَةِ لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابَ نَقْدٍ، زَكَّاهَا لِلسَّوْمِ

فرع من أكثر من شراء عقار فارا من زكاة

عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ (أَوْ) مَلَكَ (أَرْضًا) لِتِجَارَةٍ (فَزُرِعَتْ بِبَذْرِ تِجَارَةٍ) فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ فَقَطْ (أَوْ) مَلَكَ (نَخْلًا) لِلتِّجَارَةِ (فَأَثْمَرَ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ) وَلَوْ سَبَقَ وَقْتُ الْوُجُوبِ حَوْلَ التِّجَارَةِ (فَقَطْ) لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَةَ جُزْءُ مَا خَرَجَا مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَا مَعَ الْأَصْلِ كَالسِّخَالِ وَالرِّبْحِ الْمُتَجَدِّدِ (إلَّا أَنْ لَا تَبْلُغَ قِيمَةُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ سَائِمَةٍ وَأَرْضٍ مَعَ زَرْعٍ وَنَخْلٍ مَعَ ثَمَرٍ (نِصَابًا) بِأَنْ نَقَصَتْ عَنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا، وَعَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةً (فَيُزَكِّي) ذَلِكَ (لِغَيْرِ تِجَارَةٍ) فَيُخْرِجُ مِنْ السَّائِمَةِ زَكَاتَهَا، وَمِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ مَا وَجَبَ فِيهِ، لِئَلَّا تَسْقُطَ الزَّكَاةُ بِالْكُلِّيَّةِ. (فَلَوْ زَرَعَ بَذْرَ قِنْيَةٍ بِأَرْضِ تِجَارَةٍ أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ زَرَعَ بَذْرَ التِّجَارَةِ فِي أَرْضِ الْقِنْيَةِ (فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) فَوَاجِبُ الزَّرْعِ فِي الْأُولَى الْعُشْرُ لِأَنَّهُ لِلْقِنْيَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَوَاجِبُ الْأَرْضِ زَكَاةُ الْقِيمَةِ، لِأَنَّهَا مَالُ تِجَارَةٍ. وَمُقْتَضَى " الْمُنْتَهَى " أَنَّ الْكُلَّ يُزَكَّى زَكَاةَ قِيمَةٍ، لِأَنَّ الزَّرْعَ فِي الثَّانِيَةِ زَكَاةُ قِيمَةٍ، لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ، وَلَا شَيْءَ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهَا لِلْقِنْيَةِ. [فَرْعٌ مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شِرَاءِ عَقَارٍ فَارًّا مِنْ زَكَاةٍ] (فَرْعٌ: مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شِرَاءِ عَقَارٍ فَارًّا مِنْ زَكَاةٍ زَكَّى قِيمَتَهُ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " وَ " الْفَائِقِ " قَالَ فِي " تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ ": وَهُوَ الصَّوَابُ، مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ مَقْصُودِهِ، كَالْفَارِّ مِنْ الزَّكَاةِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. (وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ) أَوْ صَرِيحُهُ (لَا) زَكَاةَ فِيهِ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَيَتَّجِهُ وَهُوَ) ، أَيْ: الْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (أَصَحُّ) مِنْ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا (مَا لَمْ يَكُنْ) وُجُودُ الشِّرَاءِ (بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ الْحَوْلِ) بِأَنْ بَقِيَ مِنْهُ نَحْوُ يَوْمَيْنِ عَلَى مَا فِي الرِّعَايَةِ " فَفِيهِ الزَّكَاةُ لِاقْتِضَاءِ الْقَرِينَةِ الْفِرَارَ. وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

فصل اشترى صباغ ما يصبغ به للتكسب

[فَصْلٌ اشْتَرَى صَبَّاغٌ مَا يَصْبُغُ بِهِ لِلتَّكَسُّبِ] (فَصْلٌ) (وَإِنْ اشْتَرَى صَبَّاغٌ مَا يَصْبُغُ بِهِ) لِلتَّكَسُّبِ (وَيَبْقَى أَثَرُهُ كَزَعْفَرَانٍ وَنِيلٍ وَعُصْفُرٍ وَبَقَّمٍ وَفُوَّةٍ فَهُوَ عَرْضُ تِجَارَةٍ يُقَوَّمُ عِنْدَ) تَمَامِ (حَوْلِهِ لِاعْتِيَاضِهِ) ، أَيْ: الصَّبَّاغِ عَنْ صَبْغٍ (قَائِمٍ بِالثَّوْبِ فَفِيهِ مَعْنَى التِّجَارَةِ، وَكَذَا مَا يَشْتَرِيهِ دَبَّاغٌ لِدَبْغٍ كَعَفْصٍ وَقَرَظٍ وَ) مَا يُدْهَنُ بِهِ كَ (مِلْحٍ وَسَمْنٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ، وَفِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ": لَا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، ذَكَرَهُ عَنْهُمَا فِي " الْفُرُوعِ ". و (لَا) زَكَاةَ فِي (مَا يَشْتَرِيهِ قَصَّارٌ مِنْ نَحْوِ قَلْيٍ وَصَابُونٍ وَنَوْرَةٍ وَنَطَرُونِ) وَأُشْنَانٍ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ، وَلَا يُعْتَاضُ عَنْ شَيْءٍ يُقَوَّمُ بِالثَّوْبِ، وَإِنَّمَا يُعْتَاضُ عَنْ عَمَلِهِ (وَ) أَمَّا (آنِيَةُ عَرْضِ) الـ (تِجَارَةِ) كَغَرَائِرَ وَأَكْيَاسٍ (وَآلَةِ دَابَّتِهَا) ، أَيْ: التِّجَارَةِ، كَسَرْجٍ وَلِجَامٍ وَبَرْذَعَةٍ وَمَعْقُودٍ، فَ (إنْ أُرِيدَ بَيْعَهُمَا) ، أَيْ: الْآنِيَةِ وَالْآلَةِ مَعَ الْعَرْضِ وَالدَّابَّةِ، (فَ) هُمَا (مَالُ تِجَارَةٍ) يُقَوَّمَانِ مَعَهُمَا (وَإِلَّا) يُرَدُّ بَيْعُهُمَا، (فَلَا) يُقَوَّمَانِ كَسَائِرِ عُرُوضِ الْقِنْيَةِ. (وَمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا) مَشْفُوعًا (لِتِجَارَةٍ بِأَلْفٍ فَصَارَ عِنْدَ الْحَوْلِ بِأَلْفَيْنِ زَكَّاهُمَا) ، أَيْ: الْأَلْفَيْنِ لِأَنَّهُمَا قِيمَتُهُ (وَأَخَذَهُ شَفِيعٌ) بِالشُّفْعَةِ (بِأَلْفٍ) لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ (وَيَنْعَكِسُ الْحُكْمُ بِعَكْسِهَا) فَإِذَا اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ فَصَارَ عِنْدَ الْحَوْلِ بِأَلْفٍ، زَكَّى أَلْفًا، وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ إنْ شَاءَ بِأَلْفَيْنِ. وَكَذَا لَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ. (وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ) وَاحِدٍ (مِنْ شَرِيكَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا لِصَاحِبِهِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ) ، أَيْ: الْإِذْنِ (خَمَّسَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (نَصِيبَ صَاحِبِهِ) مِنْ الْمُخْرَجِ (إنْ أَخْرَجَا) الزَّكَاةَ عَنْهُمَا (مَعًا) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، لِانْعِزَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ عَنْ الْوَكَالَةِ بِإِخْرَاجِ الْمُوَكِّلِ زَكَاتَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِسُقُوطِهَا عَنْهَا، وَالْعَزْلُ حُكْمًا الْعِلْمُ وَعَدَمُهُ فِيهِ سَوَاءٌ، فَيَقَعُ الْمَدْفُوعُ

تَطَوُّعًا، وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى نَحْوِ فَقِيرٍ، لِتَحَقُّقِ التَّفْوِيتِ بِفِعْلِ الْمُخْرِجِ (أَوْ جَهِلَ سَابِقٌ) مِنْهُمَا إخْرَاجًا وَنَسِيَ، فَيَضْمَنُ كُلَّ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي إخْرَاجِ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ وَقَعَ الْمَوْقِعَ، بِخِلَافِ الْمُخْرِجِ عَنْ غَيْرِهِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ عَلِمَ سَابِقٌ (ضَمِنَ الثَّانِي) مَا أَخْرَجَهُ عَنْ الْأَوَّلِ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ) الثَّانِي إخْرَاجَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ انْعَزَلَ حُكْمًا، كَمَا لَوْ مَاتَ. وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُوَكِّلٍ " إنَّهُ أَخْرَجَ قَبْلَ دَفْعِ وَكِيلِهِ لِسَاعٍ "، وَقَوْلُ دَافِعٍ إلَيْهِ " إنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهَا، وَتُؤْخَذُ مِنْ سَاعٍ إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ، وَإِلَّا فَلَا (وَيُقْبَلُ قَوْلُ مُوَكِّلٍ: إنَّهُ أَخْرَجَ) زَكَاتَهُ (قَبْلَ) دَفْعِ (وَكِيلِهِ) إلَى السَّاعِي لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فِي أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (وَلَا يَضْمَنُ) وَكِيلٌ (إنْ أَدَّى دَيْنًا) عَنْ مُوَكِّلِهِ (بَعْدَ أَدَاءِ مُوَكِّلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ) الْوَكِيلُ بِأَدَاءِ مُوَكِّلِهِ، لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ غَرَّهُ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَا التَّفْوِيتُ (لِرُجُوعِ مُوَكِّلٍ عَلَى قَابِضٍ) بِمَا قَبَضَ مِنْ وَكِيلِهِ (كَوَكِيلٍ) بِإِخْرَاجِ (زَكَاةٍ دَفَعَهَا لَسَاعٍ) وَلَمْ يَعْلَمْ مُوَكَّلٌ (لِرُجُوعِ مُوَكِّلٍ بِهَا) عَلَى السَّاعِي (مَا دَامَتْ بِيَدِهِ) لِتَبَيُّنِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ، فَإِنْ تَلِفَتْ بِيَدِ السَّاعِي، أَوْ كَانَ السَّاعِي دَفَعَهَا لِلْفَقِيرِ، أَوْ كَانَ الْوَكِيلُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَرَبُّ الْمَالِ فِي الثَّانِيَةِ دَفَعَا لِلْفَقِيرِ، فَلَا رُجُوعَ، لِأَنَّهَا انْقَلَبَتْ تَطَوُّعًا، كَمَنْ دَفَعَ زَكَاةً يَعْتَقِدُهَا عَلَيْهِ فَلَمْ تَكُنْ (وَكَمَنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا قَبْلَ إخْرَاجِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ كَالتَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهَا، وَتُقَدَّمَ عَلَى نَذْرٍ، فَإِنْ قَدَّمَهُ لَمْ يَصِرْ زَكَاةً.

باب زكاة الفطر

[بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ] (بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ) هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ قَوْلِكَ: أَفْطَرَ الصَّائِمُ إفْطَارًا. وَأُضِيفَتْ إلَى الْفِطْرِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي وُجُوبِهَا، فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ. وَقِيلَ لَهَا: فِطْرَةٌ، لِأَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ. قَالَ تَعَالَى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ، وَهَذِهِ يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ عَنْ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ، وَهِيَ بِضَمِّ الْفَاء: كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِمَّا يَلْحَنُ فِيهِ الْعَامَّةُ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ لَهَا، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". وَهِيَ (صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ بِالْفِطْرِ مِنْ) آخِرِ (رَمَضَانَ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَوْله تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] هُوَ زَكَاةُ الْفِطْرِ (وَلَا تَسْقُطُ) الْفِطْرَةُ (بَعْدَ وُجُوبِهَا) وَهُوَ غُرُوبُ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ (بِمَوْتٍ وَلَا غَيْرِهِ) كَعِتْقِ عَبْدٍ أَوْ بَيْعِهِ، وَإِبَانَةِ زَوْجَةٍ لِاسْتِقْرَارِهَا. (وَلَا تَجِبُ) الْفِطْرَةُ (إنْ وُجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ) شَمْسِ (لَيْلَةِ الْعِيدِ مَوْتٌ أَوْ رِدَّةٌ أَوْ بَانَتْ زَوْجَةٌ أَوْ عَتَقَ أَوْ بِيعَ عَبْدٌ أَوْ أَيْسَرَ قَرِيبٌ مُعْسِرٌ) بِسَبَبٍ، أَوْ انْتِقَالِ مِلْكٍ، فَلَا فِطْرَةَ فِي الْكُلِّ لِزَوَالِ السَّبَبِ قَبْلَ زَمَنِ الْوُجُوبِ (وَلَا) تَجِبُ الْفِطْرَةُ (إنْ أَسْلَمَ) كَافِرٌ أَوْ زَوْجَةٌ أَوْ قَرِيبٌ بَعْدَ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْعِيدِ (أَوْ مَلَكَ قِنًّا أَوْ) تَزَوَّجَ (زَوْجَةً أَوْ وُلِدَ لَهُ) مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ نَحْوِ وَلَدٍ أَوْ أَخٍ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْعِيدِ.

(وَهِيَ) ، أَيْ: زَكَاةُ الْفِطْرِ: (طُهْرَةٌ لِصَائِمٍ مِنْ لَغْوٍ وَرَفَثٍ وَتُسَمَّى فَرْضًا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ. وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَدَعْوَى أَنَّ فَرَضَ بِمَعْنَى قَدَّرَ، مَرْدُودَةٌ بِأَنَّ كَلَامَ الرَّاوِي لَا يُحْمَلُ إلَّا عَلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ. بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِهَا فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (وَمَصْرِفُهَا) ، أَيْ: زَكَاةِ الْفِطْرِ (كَزَكَاةِ الْمَالِ) ، لِعُمُومِ: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] الْآيَةُ (وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا) ، أَيْ: زَكَاةِ الْفِطْرِ (دَيْنٌ) لِتَأَكُّدِهَا، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ وَكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَتَحَمَّلَهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَالدَّيْنُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْمَالِ (إلَّا مَعَ طَلَبٍ) بِالدَّيْنِ فَتَسْقُطُ لِوُجُوبِ أَدَائِهِ بِالطَّلَبِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، وَبِكَوْنِهِ أَسْبَقُ سَبَبًا. (وَتَجِبُ) الْفِطْرَةُ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ (فَلَا تَلْزَمُ) الْفِطْرَةُ (كَافِرًا مَانَ مُسْلِمًا تَلْزَمُهُ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْمُسْلِمَ (مُؤْنَةُ نَفْسِهِ) بِخِلَافِ مَنْ لَا يُمَوِّنُ

نَفْسَهُ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، كَعَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ، هَلَّ عَلَيْهِ شَوَّالٌ، فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُهَا عَلَى الْكَافِرِ، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ ". (وَلَوْ) كَانَ (مُكَاتَبًا) فَتَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ كَمُؤْنَتِهَا (أَوْ صَغِيرًا) لِأَنَّهُ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ لِغِنَاهُ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ (فَيُخْرِجُ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ وَلِيُّهُ) لِمَفْهُومِ حَدِيثِ «أَدُّوا الْفِطْرَ عَمَّنْ تَمُونُونَ» فَإِنَّهُ خَاطَبَ بِالْوُجُوبِ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ لَخُوطِبَ بِهَا (بِفَاضِلٍ عَنْ قُوتِهِ) ، أَيْ: الْمُسْلِمِ الَّذِي يُمَوِّنُ نَفْسَهُ (وَ) عَنْ (مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ وَلَوْ) كَانَ الْفَاضِلُ (دُونَ صَاعٍ وَيُكْمِلُهُ) ، أَيْ: الصَّاعَ (مَنْ تَلْزَمُهُ) فِطْرَةُ مَنْ فَضَلَ عَنْهُ بَعْضُ صَاعٍ (لَوْ عَدِمَ) وَلَمْ يَفْضُلْ عِنْدَهُ شَيْءٌ (بَعْدَ حَاجَتِهِمَا) ، أَيْ: الْمُخْرِجِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ (لِمَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَدَابَّةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ) بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ، أَيْ: مِهْنَةٍ فِي الْخِدْمَةِ (وَلِحَافٍ وَفِرَاشٍ وَمِخَدَّةٍ، وَكُتُبِ عِلْمٍ يَحْتَاجُهَا لِنَظَرٍ وَحِفْظٍ وَدَارٍ يَحْتَاجُ أُجْرَتَهَا لِنَفَقَةٍ، وَسَائِمَةٍ يَحْتَاجُ لِنَمَائِهَا، وَبِضَاعَةٍ يَحْتَاجُ لِرِبْحِهَا، وَحُلِيِّ امْرَأَةٍ لِلُبْسِهَا أَوْ كِرَاءٍ تَحْتَاجُ إلَيْهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْفِطْرَةِ. (وَتَلْزَمُهُ) ، أَيْ: الْمُسْلِمَ إذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَمَّا تَقَدَّمَ وَعَنْ فِطْرَتِهِ (عَمَّنْ يُمَوِّنُهُ مِنْ مُسْلِمٍ) كَزَوْجَةٍ وَوَلَدٍ (حَتَّى زَوْجَةِ عَبْدِهِ الْحُرَّةَ وَقِنِّ تِجَارَةٍ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ، وَكَذَا زَوْجَةُ وَالِدٍ وَوَلَدٍ تَجِبُ نَفَقَتُهُمَا عَلَيْهِ. (وَ) حَتَّى (مَالِكِ نَفْعِ قِنٍّ فَقَطْ) بِأَنْ وَصَّى لَهُ بِنَفْعِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ، فَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ كَفِطْرَتِهِ (وَ) حَتَّى قِنٍّ (مَرْهُونٍ) وَكَذَا مَبِيعٌ فِي مُدَّةِ خِيَارٍ تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى مَنْ حَكَمَ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِرَاهِنٍ) شَيْءٌ (غَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ الْقِنِّ الْمَرْهُونِ، (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ فِطْرَتِهِ) كَأَرْشِ جِنَايَةٍ. (وَ) حَتَّى (مَرِيضٍ لَا يَحْتَاجُ نَفَقَةً) لِعُمُومِ حَدِيث ابْنِ عُمَرَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَدَقَةِ

الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَعَبْدُ الْمُضَارَبَةِ فِطْرَتُهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ كَنَفَقَتِهِ (وَ) حَتَّى (عَمَّنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَتِهِ رَمَضَانَ كُلَّهُ) نَصًّا، لِعُمُومِ حَدِيثِ «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَلِيٍّ " زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُكَ " وَإِنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَتِهِ بَعْضَ الشَّهْرِ أَوْ جَمَاعَةٌ فَلَا (وَ) حَتَّى (آبِقٍ وَمَغْصُوبٍ وَمَأْسُورٍ وَغَائِبٍ) وَمَحْبُوسٍ (وَلَوْ أَيْسَرَ مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُمْ، وَكَنَفَقَتِهِمْ، بِدَلِيلِ رُجُوعِ مَنْ رَدَّ الْآبِقَ بِنَفَقَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَا يَلْزَمُ إخْرَاجُهَا حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ. زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يَعْلَمَ مَكَانَ الْآبِقِ. قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ " (لَكِنْ لَا تَجِبُ) فِطْرَةُ الْآبِقِ (مَعَ شَكِّ) سَيِّدِهِ (فِي حَيَاتِهِ) نَصًّا، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَقَاءَ مِلْكِهِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ، وَكَالنَّفَقَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ (فَإِنْ تَبَيَّنَتْ) حَيَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (أَخْرَجَ لِمَا مَضَى) لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ وُجُودٌ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي الْمَاضِي، فَوَجَبَ الْإِخْرَاجُ، كَمَالِ غَائِبٍ بَانَتْ سَلَامَتُهُ. (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ) مَا يَكْفِي (لِجَمِيعِهِمْ، بَدَأَ بِنَفْسِهِ) لِحَدِيثِ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» وَكَالنَّفَقَةِ، وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ تُبْنَى عَلَيْهَا (فَزَوْجَتُهُ) إنْ فَضَلَ عَنْ فِطْرَةِ نَفْسِهِ شَيْءٌ، لِتَقَدُّمِ نَفَقَتِهَا عَلَى سَائِرِ النَّفَقَاتِ، وَلِوُجُوبِهَا مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، لِأَنَّهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ (فَرَقِيقُهُ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ مَعَ الْإِعْسَارِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ لِأَنَّهَا صِلَةٌ (فَأُمُّهُ) لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ قَالَ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوكَ» وَلِضَعْفِهَا عَنْ الْكَسْبِ (فَأَبِيهِ) لِحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ، (فَوَلَدُهُ) لِقُرْبِهِ (فَأَقْرَبُ فِي مِيرَاثٍ) لِأَوْلَوِيَّتِهِ، فَقُدِّمَ كَمِيرَاثٍ (وَيُقْرَعُ مَعَ تَسَاوٍ) كَأَوْلَادٍ وَإِخْوَةٍ وَأَعْمَامٍ، وَلَمْ يَفْضُلْ

مَا يَكْفِيهِمْ، لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ (وَتُسَنُّ) الْفِطْرَةُ (عَنْ جَنِينٍ) لِفِعْلِ عُثْمَانَ. " وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ " رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي. وَلَا تَجِبُ عَنْهُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، إجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. (وَيَتَّجِهُ: لَا) يُسَنُّ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ (مِنْ مَالِهِ) ، أَيْ: الْجَنِينِ بَلْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَنْمِيَتُهُ لَهُ، وَالْإِخْرَاجُ مِنْهُ يُنَافِيهَا وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَكَانَ عَطَاءٌ يُعْطِي عَنْ أَبَوَيْهِ) بَعْدَ مَوْتِهِمَا (صَدَقَةَ الْفِطْرِ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ تَبَرُّعٌ) مِنْهُ (اسْتَحْسَنَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (وَفِطْرَةُ مُبَعَّضٍ) ، وَلَوْ مُهَايَأَةً تُقَسَّطُ (وَ) فِطْرَةُ (قِنٍّ مُشْتَرَكٍ) بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ تُقَسَّطُ (وَ) فِطْرَةُ (مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَارِثٍ) كَجَدٍّ وَأَخٍ لِغَيْرِ أُمٍّ وَكَجَدَّةٍ وَبِنْتٍ تُقَسَّطُ (أَوْ مُلْحَقٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ (بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ) بِأَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَبَوَيْنِ فَأَكْثَرَ (تُقَسَّطُ) فِطْرَتُهُ (بِحَسَبِ مِلْكٍ) فِي الْأُولَيَيْنِ (أَوْ إرْثٍ) فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ تُقْسَمُ بِحَسَبِ الْمُلَّاكِ وَالْوَرَثَةِ، وَالْفِطْرَةُ تَابِعَةٌ لَهَا، وَلِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ، فَكَانَتْ عَلَى السَّادَةِ وَالْوَارِثِ بِالْحِصَصِ، كَمَاءِ غُسْلِ جَنَابَةٍ. وَلَا تَدْخُلُ فِطْرَةٌ فِي مُهَايَأَةٍ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ كَالصَّلَاةِ (وَمَنْ عَجَزَ مِنْهُمْ) ، أَيْ: الْمُلَّاكِ وَالْوَارِثِ (لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ) الَّذِي لَمْ يَعْجَزْ (سِوَى قِسْطِهِ) مِنْ فِطْرَةٍ (كَشَرِيكٍ ذِمِّيٍّ) فِي مَالٍ زَكَوِيٍّ (وَلَا تَجِبُ) فِطْرَةٌ (عَمَّنْ نَفَقَتُهُ بِبَيْتِ مَالٍ كَلَقِيطٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْفَاقِ، بَلْ إيصَالُ مَالٍ فِي حَقِّهِ (أَوْ) قِنٍّ (لَا مَالِكَ لَهُ مُعَيَّنٌ كَعَبْدِ غَنِيمَةٍ وَفَيْءٍ) قَبْلَ قِسْمَتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) فِطْرَةُ أَجِيرٍ وَظِئْرٍ (عَلَى مُسْتَأْجِرٍ أَجِيرًا وَ) مُسْتَأْجِرِ (ظِئْرٍ بِطَعَامِهِمَا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا أُجْرَةٌ تَعْتَمِدُ الشَّرْطَ فِي الْعَقْدِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِدَرَاهِمَ، وَلِهَذَا تَخْتَصُّ بِزَمَنٍ مُقَدَّرٍ كَسَائِرِ الْأُجَرِ

(وَلَا) فِطْرَةَ (عَنْ زَوْجَةٍ نَاشِزٍ، وَإِنْ) كَانَتْ (حَامِلًا) ، لِأَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا فَهِيَ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَنَفَقَةُ الْحَامِلِ لِلْحَمْلِ، وَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ، (أَوْ) زَوْجَةٍ (لَا تَجِبُ نَفَقَتُهَا لِنَحْوِ صِغَرٍ) لَهُمَا عَنْ تِسْعِ سِنِينَ (وَحَبْسِ) هَا وَغِيبَتهَا لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا وَلَوْ بِإِذْنِهِ، لِأَنَّهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ، (أَوْ) زَوْجَةٍ (أَمَةٍ تَسَلَّمَهَا) زَوْجُهَا (لَيْلًا فَقَطْ) دُونَ نَهَارٍ، لِأَنَّهَا زَمَنُ وُجُوبٍ فِي نَوْبَةِ سَيِّدٍ، (وَهِيَ) ، أَيْ: نَفَقَةُ أَمَةٍ تَسَلَّمَهَا زَوْجُهَا لَيْلًا فَقَطْ، (عَلَى سَيِّدِهَا، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ الْفِطْرَةِ (مَنْ لَزِمَتْهُ) وَهُوَ زَوْجُ الْأَمَةِ (بِتَسَلُّمِهَا نَهَارًا) وَلَيْلًا مَعًا، لِأَنَّهُ إذَنْ كَالْمَعْدُومِ، (أَوْ عَجَزَ عَنْهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةِ (زَوْجُ حُرَّةٍ، فَتُخْرِجُ) الْفِطْرَةَ (هِيَ) ، أَيْ: الزَّوْجَةُ الْحُرَّةَ عَنْ نَفْسِهَا. (وَلَا يَرْجِعَانِ) ، أَيْ: الزَّوْجَةُ وَالسَّيِّدُ (بِهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةُ (عَلَى زَوْجٍ أَيْسَرَ) ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلُ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّحَمُّلِ وَالْمُوَاسَاةِ. (وَلِمَنْ لَزِمَتْ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ) كَزَوْجَةٍ وَوَلَدٍ مُعْسِرٍ (طَلَبُهُ بِإِخْرَاجِهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةِ عَنْهُ كَالنَّفَقَةِ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا، (وَ) لَهُ (أَنْ يُخْرِجَهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةَ (حُرٌّ) مُكَلَّفٌ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ (عَنْ نَفْسِهِ) مِمَّا اقْتَرَضَهُ أَوْ اتَّهَبَهُ. (وَيَتَّجِهُ: لَا) يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا (مِنْ مَالِ مَنْ تَلْزَمُهُ) فِطْرَتُهُ بِدُونِ إذْنِهِ إلَّا أَنْ يُطَالَبَ، وَيَمْتَنِعَ مِنْ إخْرَاجِهَا عَنْهُ، فَلَهُ الْأَخْذُ حِينَئِذٍ مِنْ مَالِهِ وَالْإِخْرَاجُ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

فرع الأفضل إخراج فطرة يوم عيد قبل صلاته

(وَتُجْزِئُ) عَنْهُ وَلَوْ أَخْرَجَهَا (بِلَا إذْنِهِ) ، أَيْ: إذْنِ مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، لِأَنَّهُ مُتَحَمِّلٌ، وَالْمُخَاطَبُ بِهَا ابْتِدَاءً الْمُخْرِجُ. (وَمَنْ أَخْرَجَ) فِطْرَةً (عَمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ بِإِذْنِهِ، أَجْزَأَ) ، لِأَنَّهُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ، (وَإِلَّا) يُخْرِجْهَا بِإِذْنِهِ، (فَلَا) يُجْزِئُهُ إخْرَاجُهَا، (وَيُخْرِجُهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةَ (عَمَّنْ تَلْزَمُهُ) فِطْرَتُهُ (مَعَ فِطْرَتِهِ) ، أَيْ: فِطْرَةِ نَفْسِهِ (مَكَانَ نَفْسِهِ) ، أَيْ: فَلَا يُخْرِجُهَا بِمَكَانِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ، بَلْ يُخْرِجُهَا بِالْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ، لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلْمُخْرَجِ عَنْهُ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ. [فَرْعٌ الْأَفْضَلُ إخْرَاجُ فِطْرَةِ يَوْمِ عِيدٍ قَبْلَ صَلَاتِهِ] (فَرْعٌ: الْأَفْضَلُ إخْرَاجُ فِطْرَةِ يَوْمِ عِيدٍ قَبْلَ صَلَاتِهِ) ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» (أَوْ) مَضَى (قَدْرُهَا) ، أَيْ: صَلَاةِ الْعِيدِ حَيْثُ لَا تُصَلَّى، (وَيَأْثَمُ مُؤَخِّرُهَا عَنْهُ) ، أَيْ: عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ لِجَوَازِهَا فِيهِ كُلِّهِ، لِحَدِيثِ «أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ» وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِهِ. «وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقْسِمُهَا مَا بَيْنَ مُسْتَحَقِّيهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ» . فَدَلَّ عَلَى الْأَمْرِ بِتَقْدِيمِهَا عَلَى الصَّلَاةِ لِلِاسْتِحْبَابِ. (فَتَجِبُ) ، أَيْ: يَجِبُ إخْرَاجُهَا (مَعَ ضِيقِهِ) ، أَيْ: وَقْتِهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ، لِخُرُوجِ وَقْتِهَا بِغُرُوبِ شَمْسِهِ. (وَتُقْضَى) إنْ أَخَّرَهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَالصَّلَاةِ، وَيَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهَا لِمُخَالَفَتِهِ الْأَمْرَ. (وَتُكْرَهُ بِبَاقِيهِ) ، أَيْ: يَوْمِ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِهَا، وَ (لَا) تُكْرَهُ (بِيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ) ، أَيْ: يَوْمِ الْعِيدِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: " كَانُوا

فصل الواجب في الفطرة صاع بر

يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ تَعْجِيلَهَا كَذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِهَا إذْ الظَّاهِرُ بَقَاؤُهَا أَوْ بَعْضِهَا إلَى يَوْمِ الْعِيدِ. (وَلَا تُجْزِئُ) فِطْرَةٌ أَخْرَجَهَا (قَبْلَهُمَا) ، أَيْ: الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيهِمَا الْعِيدُ، لِحَدِيثِ «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» وَمَتَى قَدَّمَهَا بِزَمَنٍ كَثِيرٍ فَاتَ الْإِغْنَاءُ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَقْصُودٌ، وَفِي يَوْمِ عِيدٍ، فَاخْتَصَّ بِهِ وَبِمَا قَارَبَهُ كَالْأُضْحِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ عَنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يُجْزِئْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ بِالزَّمَنِ الْكَثِيرِ. [فَصْلٌ الْوَاجِبُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعُ بُرٍّ] (فَصْلٌ) (وَالْوَاجِبُ فِيهَا) ، أَيْ: الْفِطْرَةِ: (صَاعُ بُرٍّ) ، لِأَنَّهُ الَّذِي أُخْرِجَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحِكْمَتُهُ: كِفَايَةُ الصَّاعِ لِلْفَقِيرِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ، (وَ) إنْ أَخْرَجَ (فَوْقَهُ) ، أَيْ: الصَّاعِ، فَهُوَ (أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ زَادَ الْفَقِيرَ خَيْرًا، وَاسْتَبْعَدَ أَحْمَدُ مَا نُقِلَ لَهُ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَزِيدُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ خَمْسًا، (وَهُوَ مُخْتَلِفٌ وَزْنًا بِاخْتِلَافِ حَبِّهِ ثِقَلًا وَخِفَّةً) كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، (فَالْعِبْرَةُ بِمِثْلِ مَكِيلِهِ) ، أَيْ: الْبُرِّ (مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقِطٍ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (أَوْ) صَاعَ (مَجْمُوعٍ مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: مِنْ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى إجْزَاءِ صَاعٍ مِنْ أَجْنَاسٍ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَجُوزُ مُنْفَرِدًا، فَجَازَ مَعَ غَيْرِهِ، لِتَقَارُبِ مَقْصُودِهَا وَاتِّحَادِهِ. (وَإِنْ لَمْ يَكُ

مُخْرِجًا قُوتًا لَهُ) كَالْأَقِطِ، مَعَ وُجُودِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. (وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ) الْأُصُولِ (الْخَمْسَةِ لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِهَا) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ. (وَيُحْتَاطُ فِي ثَقِيلٍ) كَتَمْرٍ (مَنْ أَخْرَجَ وَزْنًا أَوْ جُزَافًا) فَيَزِيدُ شَيْئًا (لِيَبْلُغَ قَدْرَ صَاعٍ لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ) خُرُوجًا مِنْ الْعُهْدَةِ. (وَقَدَّرَ جَمَاعَةٌ) مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ شَارِحُ " الْمُنْتَهَى " (الصَّاعَ بِأَرْبَعِ حَفَنَاتٍ) جَمْعُ: حَفْنَةٍ مِنْ الْحَفْنِ، وَهُوَ: أَخْذُ الشَّيْءِ بِالرَّاحَةِ وَالْأَصَابِعُ مَضْمُومَةٌ، أَوْ: الْجَرْفُ بِكِلْتَا الْيَدَيْنِ، (بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْخِلْقَةِ) وَهُوَ قَدَحَانِ. (وَيُجْزِئُ دَقِيقُ بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَسَوِيقُهُمَا، وَهُوَ: مَا يُحَمَّصُ ثُمَّ يُطْحَنُ، بِوَزْنِ حَبِّهِ) نَصًّا، لِتَفَرُّقِ الْأَجْزَاءِ بِالطَّحْنِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى إجْزَاءِ الدَّقِيقِ بِزِيَادَةٍ تَفَرَّدَ بِهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ» قِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: إنَّ أَحَدًا لَا يَذْكُرُهُ فِيهِ، قَالَ: بَلْ هُوَ فِيهِ، أَيْ: حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، قَالَ الْمَجْدُ: بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ، لِأَنَّهُ كَفَى مُؤْنَتَهُ كَتَمْرٍ مَنْزُوعٍ نَوَاهُ. (وَلَوْ) كَانَ الدَّقِيقُ (بِلَا نَخْلٍ) ، لِأَنَّهُ بِوَزْنِ حَبِّهِ. (كَ) مَا يُجْزِئُ حَبٌّ (بِلَا تَنْقِيَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا شَيْءٌ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُحِبُّ أَنْ يُنَقِّيَ الطَّعَامَ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ لِيَكُونَ عَلَى الْكَمَالِ، وَيَسْلَمَ مِمَّا يُخَالِطُهُ مِنْ غَيْرِهِ. وَ (لَا) يُجْزِئُ (خُبْزٌ) لِخُرُوجِهِ عَنْ الْكَيْلِ وَالِادِّخَارِ، وَكَذَا بِكِصْمَاتٍ وَهَرِيسَةٌ. (وَ) لَا يُجْزِئُ (مَعِيبٌ) مِمَّا تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] ، (كَمُسَوَّسٍ) ، لِأَنَّ السُّوسَ أَكَلَ جَوْفَهُ،

(وَمَبْلُولٍ) لِأَنَّ الْبَلَلَ يَنْفُخُهُ، (وَقَدِيمٍ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ) لِعَيْبِهِ بِتَغَيُّرِ طَعْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أَجْزَأَ لِعَدَمِ عَيْبِهِ. وَالْجَدِيدُ أَفْضَلُ. (وَنَحْوِهِ) ، أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَعِيبِ. (وَ) لَا يُجْزِئُ صِنْفٌ مِنْ الْخَمْسَةِ (مُخْتَلِطٌ) بِ (كَثِيرٍ مِمَّا لَا يُجْزِئُ) كَقَمْحٍ اخْتَلَطَ بِكَثِيرِ زُوَانٍ أَوْ عَدَسٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرٌ مُجْزِئٌ مِنْهُ (وَيُزَادُ) عَلَى صَاعٍ (إنْ قَلَّ) خَلِيطٌ لَا يُجْزِئُ (بِقَدْرِهِ) ، أَيْ: الْخَلِيطِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُصَفَّى صَاعًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَيْبًا لِقِلَّةِ مَشَقَّةِ تَنْقِيَتِهِ. وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ قِيمَةِ الصَّاعِ نَصًّا. (وَيَتَّجِهُ: وَإِلَّا) يَكُنْ الْمُخْتَلَطُ قَلِيلًا (صَفَّاهُ) لِيَخْتَبِرَ خَالِصَهُ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ تَصْفِيَتِهِ (زَادَ بِقَدْرِهِ) ، أَيْ: الْمَعِيبِ الْمُخْتَلَطِ، لِيُخْرِجَ قَدْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ يَقِينًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُخْرِجُ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ) ، أَيْ: الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ (مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ حَبٍّ) يُقْتَاتُ، (وَ) مِنْ (ثَمَرٍ مَكِيلٍ يُقْتَاتُ كَذُرَةٍ وَدُخْنٍ وَرُزٍّ وَعَدَسٍ وَتِينٍ) يَابِسٍ وَنَحْوِهَا، لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى. و (لَا) يُجْزِئُ إخْرَاجُ (مَا يُقْتَاتُ مِنْ نَحْوِ لَحْمٍ وَلَبَنٍ) وَكِشْكٍ وَبَقْلٍ وَشِبْهَهُ. (وَأَفْضَلُ مُخْرَجٍ تَمْرٌ) " لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ لَهُ أَبُو مِجْلَزٍ: " إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالْبُرُّ أَفْضَلُ، فَقَالَ: إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قُوَّةٌ وَحَلَاوَةٌ، وَأَقْرَبُ تَنَاوُلًا، وَأَقَلُّ كُلْفَةً، (فَزَبِيبٌ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّمْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ (فَبُرٌّ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ فِي الِاقْتِيَاتِ، وَأَبْلَغُ فِي دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، (فَشَعِيرٌ فَدَقِيقُهُمَا) ، أَيْ: دَقِيقُ بُرٍّ، فَدَقِيقُ شَعِيرٍ،

تنبيه لا يجزئ في فطرة وزكاة إخراج قيمة

(فَسَوِيقُهُمَا) كَذَلِكَ، (فَأَقِطٌ، وَهُوَ: شَيْءٌ يُعْمَلُ مِنْ الْمَخِيضِ) أَوْ مِنْ لَبَنِ إبِلٍ فَقَطْ. (وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَنْقُصَ مُعْطًى) مِنْ فِطْرَةٍ (عَنْ مُدِّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) ، أَيْ: الْبُرِّ لِيُغْنِيَهُ عَنْ السُّؤَالِ ذَلِكَ الْيَوْمَ. (وَيَجُوزُ إعْطَاءُ) نَحْوِ فَقِيرٍ (وَاحِدٍ مَا عَلَى جَمَاعَةٍ) مِنْ فِطْرَةٍ، (وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) ، أَيْ: إعْطَاءُ جَمَاعَةٍ مَا عَلَى وَاحِدٍ. (وَلِإِمَامٍ وَنَائِبِهِ رَدُّ زَكَاةٍ وَ) رَدُّ (فِطْرَةٍ وَخُمْسِ رِكَازٍ إلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُ إنْ كَانَ أَهْلًا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ (وَلِفَقِيرٍ دَفْعُ فِطْرَةٍ وَزَكَاةٍ لِمَنْ دَفَعَهُمَا إلَيْهِ) فَيَرُدُّهُمَا بَعْدَ أَخْذِهِمَا إلَى مَنْ أَخَذَهُمَا مِنْهُ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ قَبْضَ الْإِمَامِ أَوْ الْفَقِيرِ أَزَالَ مِلْكَ الْمُخْرِجِ، وَعَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ، فَإِنَّ تَرِكَتَهُ الزَّكَاةُ أَوْ الْفِطْرَةُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِلَا قَبْضٍ، وَلَمْ يَبْرَأْ (حَتَّى) وَلَوْ كَانَ دَفَعَهُمَا إلَيْهِ (عَنْ زَكَاتِهِ) . قَالَ (الْمُنَقِّحُ: مَا لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ) ، أَيْ: عَلَى عَدَمِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ، فَيَمْتَنِعُ كَسَائِرِ الْحِيَلِ عَلَى مُحَرَّمٍ [تَنْبِيهٌ لَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ وَزَكَاةٍ إخْرَاجُ قِيمَةٍ] (تَنْبِيهٌ: لَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ وَزَكَاةٍ إخْرَاجُ قِيمَةٍ وَلَوْ لِحَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. (وَحَرُمَ، وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ زَكَاتِهِ أَوْ) شِرَاءُ (صَدَقَتِهِ) لِحَدِيثِ عُمَرَ قَالَ: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي عِنْدَهُ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعَهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ شِرَاءَهَا وَسِيلَةٌ إلَى اسْتِرْجَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا، لِأَنَّهُ يَسْتَحْيِي أَنْ يُمَاكِسَهُ فِي ثَمَنِهَا، وَرُبَّمَا سَامَحَهُ طَمَعًا بِمِثْلِهَا، أَوْ خَوْفًا مِنْهُ إذَا لَمْ يَبِعْهَا مِنْهُ أَنْ لَا يُعْطِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَفَاسِدُ، فَوَجَبَ حَسْمُ الْمَادَّةِ، (وَلَوْ) كَانَ شِرَاؤُهُ لَهَا (مِنْ غَيْرِ مَنْ

باب إخراج الزكاة

أَخَذَهَا مِنْهُ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ. (فَإِنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ) زَكَاتُهُ أَوْ صَدَقَتُهُ (بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ) ، جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ، لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيُّ. (أَوْ أَخَذَهَا مِنْ دَيْنِهِ) بِلَا مُوَاطَأَةٍ، (جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ) ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ. [بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ] (بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حُكْمِ النَّقْلِ وَالتَّعْجِيلِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ (وَاجِبٌ فَوْرًا، فَيَضْمَنُ سَاعٍ وَوَكِيلٌ أَخَّرَا دَفْعَهَا لِفُقَرَاءَ) وَنَحْوِهِمْ (بِلَا عُذْرٍ) لِتَفْرِيطِهِمَا، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ وَمِنْهُ {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] ، يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ، بِدَلِيلِ:. {مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] فَوَبَّخَهُ إذْ لَمْ يَسْجُدْ حِينَ أُمِرَ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ أُجِبْهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] ،؟» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا أَمَرَ عَبْدَهُ بِشَيْءٍ فَأَهْمَلَهُ حَسُنَ لَوْمُهُ وَتَوْبِيخُهُ عُرْفًا، وَلَمْ يَكُنْ انْتِفَاءُ قَرِينَةِ الْفَوْرِ عُذْرًا. (كَ) مَا يَجِبُ إخْرَاجُ (نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ) عَلَى الْفَوْرِ (إنْ أَمْكَنَ) إخْرَاجُهَا، كَمَا لَوْ طُولِبَ بِهَا، وَلِأَنَّ النُّفُوسَ جُبِلَتْ عَلَى الشُّحِّ، وَحَاجَةُ الْفَقِيرِ نَاجِزَةٌ، فَإِذَا أُخِّرَ الْإِخْرَاجُ اخْتَلَّ الْمَقْصُودُ، وَرُبَّمَا فَاتَ بِطُرُوِّ نَحْوِ إفْلَاسٍ أَوْ مَوْتٍ، (وَلَمْ يَخَفْ) مُزَكٍّ (رُجُوعَ سَاعٍ) عَلَيْهِ بِهَا

إنْ أَخْرَجَهَا بِلَا عِلْمِهِ (أَوْ) لَمْ يَخَفْ بِدَفْعِهَا فَوْرًا ضَرَرًا (عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَنَحْوِهِ) كَمَعِيشَةٍ، لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ، فَالزَّكَاةُ أَوْلَى. (وَلَهُ تَأْخِيرُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لِأَشَدِّ حَاجَةٍ) ، أَيْ: لِيَدْفَعَهَا لِمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ مِمَّنْ هُوَ حَاضِرٌ نَصًّا، وَقَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ، (وَ) لَهُ تَأْخِيرُهَا لِ (قَرِيبٍ وَلِحَاجَتِهِ) أَيْ: الْمَالِكِ إلَيْهَا (إلَى يَسَارِهِ) نَصًّا، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ " أَنَّهُمْ احْتَاجُوا عَامًا، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ الصَّدَقَةَ فِيهِ، وَأَخَذَهَا مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى " (وَ) لَهُ تَأْخِيرُهَا (لِتَعَذُّرِ إخْرَاجِهَا مِنْ مَالٍ لِنَحْوِ غَيْبَتِهِ) كَغَصْبِهِ وَسَرِقَتِهِ وَكَوْنِهِ دَيْنًا (إلَى قُدْرَتِهِ) عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، فَلَا يُكَلَّفُهَا مِنْ غَيْرِهِ. (وَلَوْ قَدَرَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ غَيْرِهِ) لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ مِنْ عَيْنِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهِ رُخْصَةٌ، فَلَا تَنْقَلِبُ تَضْيِيقًا. (وَلِإِمَامٍ وَسَاعٍ تَأْخِيرُهَا عِنْدَ رَبِّهَا لِمَصْلَحَةٍ كَحِفْظٍ) نَصًّا، لِفِعْلِ عُمَرَ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْعَبَّاسِ: «فَهِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَذَا أَوَّلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ. " (وَمَنْ بَذَلَ الْوَاجِبَ) عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ لِإِمَامٍ أَوْ سَاعٍ أَوْ فَقِيرٍ (لَزِمَ) مَدْفُوعًا إلَيْهِ (قَبُولُهُ) ، أَيْ: الْمَبْذُولِ، (وَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْبَاذِلِ، لِأَنَّهُ أَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ شَرْعًا. (وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، (لَا) إنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا، (حَيْثُ اُخْتُلِفَ فِيهِ كَ) جَحْدِهِ وُجُوبَهَا عَنْ (مَالِ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، وَ) عَنْ (رِكَازٍ وَ) عَنْ (عَرَضِ) تِجَارَةٍ، (وَ) عَنْ (فِطْرَةٍ) عَلَى أَهْلِ بَادِيَةٍ، فَلَا ارْتِدَادَ لِقُوَّةِ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا فِيمَا ذُكِرَ، (عَالِمًا) وُجُوبَهَا، (أَوْ جَاهِلًا) بِهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِإِسْلَامٍ، أَوْ

كَوْنِهِ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْقُرَى (وَعَرَفَ) جَاهِلٌ (فَعَلِمَ وَأَصَرَّ) عَلَى جُحُودِهِ عِنَادًا، (فَقَدْ ارْتَدَّ) لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، (وَلَوْ أَخْرَجَهَا) جَاحِدًا لِظُهُورِ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ، فَلَا عُذْرَ لَهُ، (وَتُؤْخَذُ) مِنْهُ (بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا) لِاسْتِحْقَاقِ أَهْلِ الزَّكَاةِ لَهَا (وَيُعَامَلُ كَمُرْتَدٍّ) ، أَيْ: فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ. (وَمَنْ مَنَعَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (بُخْلًا) بِهَا (أَوْ تَهَاوُنًا) بِلَا جَحْدٍ، (أُخِذَتْ) مِنْهُ قَهْرًا كَدَيْنِ آدَمِيٍّ، وَخَرَاجٍ (وَعَزَّرَ مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ) ، أَيْ: الْمَنْعِ بُخْلًا أَوْ تَهَاوُنًا (إمَامٌ) فَاعِلُ عَزَّرَ (عَادِلٌ) فِي الزَّكَاةِ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي غَيْرِهَا (أَوْ) عَزَّرَهُ (عَامِلٌ) عَدْلٌ لِمَنْعِهِ الزَّكَاةَ، (وَ) إنْ كَانَ الْإِمَامُ (غَيْرَ عَادِلٍ) لَا يَصْرِفُهَا فِي مَصْرِفِهَا، فَهُوَ عُذْرٌ فِي عَدَمِ دَفْعِهَا إلَيْهِ، فَ (لَا) يُعَزِّرُهُ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ (فَإِنْ غَيَّبَ مَالَهُ أَوْ كَتَمَهُ أَوْ قَاتَلَ دُونَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ، أَيْ: قَاتَلَ جَابِيَهَا، (وَأَمْكَنَ أَخْذَهَا) مِنْهُ (بِقِتَالِهِ) ، أَيْ: قِتَالِ الْإِمَامِ إيَّاهُ، (وَجَبَ قِتَالُهُ عَلَى إمَامٍ وَضَعَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (مَوَاضِعَهَا) " لِاتِّفَاقِ الصِّدِّيقِ وَالصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا - وَفِي لَفْظٍ عِقَالًا - كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ (فَقَطْ) ، أَيْ: بِلَا زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ. وَمَنْ سَأَلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطَاهُ. وَكَانَ مَنْعُ الزَّكَاةِ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ مَعَ تَوَفُّرِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ أَخْذُ زِيَادَةٍ، وَلَا قَوْلٌ بِهِ. وَحَدِيثُ: «فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إبِلِهِ أَوْ مَالِهِ» كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ بِالْمَالِ، ثُمَّ نُسِخَ فِي حَدِيثِ الصِّدِّيقِ. (وَلَا يُكَفَّرُ) مَانِعُ زَكَاةٍ غَيْرُ جَاحِدٍ إذَا قَاتَلَ عَلَيْهَا (بِقِتَالِهِ

لِلْإِمَامِ) ، لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ إلَّا الصَّلَاةَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَمَا وَرَدَ مِنْ التَّكْفِيرِ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى جَاحِدِ الْوُجُوبِ أَوْ التَّغْلِيظِ، (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (مِنْهُ) وَهُوَ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ، (اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا) لِأَنَّهَا مِنْ مَبَانِي الْإِسْلَامِ، فَيُسْتَتَابُ تَارِكُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَالصَّلَاةِ، (فَإِنْ) تَابَ وَ (أَخْرَجَ) الزَّكَاةَ كُفَّ عَنْهُ، (وَإِلَّا قُتِلَ) ، لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِيهَا (حَدًّا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ، (وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ (مِنْ تَرِكَتِهِ) كَمَا لَوْ مَاتَ، وَالْقَتْلُ لَا يُسْقِطُ دَيْنَ الْآدَمِيِّ، فَكَذَا الزَّكَاةُ (وَمَنْ ادَّعَى أَدَاءَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ وَقَدْ طُولِبَ بِهَا، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، (أَوْ) ادَّعَى (بَقَاءَ حَوْلٍ، أَوْ) ادَّعَى (نَقْصَ نِصَابٍ، أَوْ) ادَّعَى (زَوَالَ مِلْكِهِ) عَنْ النِّصَابِ فِي الْحَوْلِ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ) ادَّعَى (تَجَدُّدَهُ) ، أَيْ: مِلْكِ النِّصَابِ (قَرِيبًا، أَوْ) ادَّعَى (أَنْ مَا بِيَدِهِ) مِنْ مَالٍ زَكَوِيٍّ (لِغَيْرِهِ) ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ) ادَّعَى (أَنَّهُ) ، أَيْ: مَالَ السَّائِمَةِ (مُفْرَدٌ أَوْ مُخْتَلِطٌ) ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، (أَوْ) ادَّعَى (عَلَفَ سَائِمَةٍ) نِصْفَ الْحَوْلِ فَأَكْثَرَ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ) ادَّعَى (بِلَا قِنْيَةِ عَرَضِ) تِجَارَةٍ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (أَوْ أَقَرَّ بِقَدْرِ زَكَاتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ مَالِهِ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ) ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا (كَصَلَاةٍ وَكَفَّارَةٍ، بِخِلَافِ وَصِيَّتِهِ لِفُقَرَاءَ) بِمَالٍ، وَكَذَا إنْ مَرَّ بِعَاشِرٍ وَادَّعَى أَنَّهُ عَشَرَهُ عَاشِرٌ آخَرَ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَخَذَ مِنْهُ الْمُصَدِّقُ كَتَبَ لَهُ بَرَاءَةً، فَإِذَا جَاءَ آخَرُ أَخْرَجَ إلَيْهِ بَرَاءَتَهُ لِتَنْتِفِي التُّهْمَةُ عَنْهُ. (وَيَلْزَمُ) بِإِخْرَاجٍ (عَنْ) مَالِ (صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَلِيَّهُمَا) ، فَيُخْرِجُ (مِنْ مَالِهِمَا) لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا، فَوَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَدَاؤُهَا

عَنْهُمَا (بِنِيَّةٍ مِنْهُ) ، أَيْ: الْوَلِيِّ (كَنَفَقَةِ قَرِيبٍ) لَهُمَا، (وَ) نَفَقَةِ (زَوْجَةٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ لَهُمَا) . (وَسُنَّ) لِمُخْرِجِ زَكَاةٍ (مُطْلَقًا) - سَوَاءٌ فَرَّقَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ، وَسَوَاءٌ الْمَالُ الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِطْرَةٌ أَوْ زَكَاةُ مَالٍ، وَسَوَاءٌ نَفَى التُّهْمَةَ عَنْهُ بِإِخْرَاجِهِ لَهَا أَوْ لَا - (إظْهَارُ زَكَاةٍ) ، لِتَنْتِفِي التُّهْمَةُ عَنْهُ وَيُقْتَدَى بِهِ. (وَ) سُنَّ (تَفْرِقَةُ رَبِّهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (بِنَفْسِهِ) لِتَيَقُّنِ وُصُولِهَا إلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَكَالدَّيْنِ (بِشَرْطِ أَمَانَتِهِ) ، أَيْ: رَبِّ الْمَالِ، (وَهُوَ) ، أَيْ: دَفْعُهَا مِنْ يَدِهِ (أَفْضَلُ مِنْ دَفْعِهَا لِإِمَامٍ عَادِلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271] الْآيَةُ. وَكَالدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِنَفْسِهِ فَالْأَفْضَلُ دَفْعُهَا إلَى السَّاعِي. وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَنَعَهُ الشُّحُّ مِنْ إخْرَاجِهَا أَوْ بَعْضِهَا. (وَ) سُنَّ (قَوْلُهُ) ، أَيْ: رَبِّ الْمَالِ (عِنْدَ دَفْعِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا) ، أَيْ: مُثْمِرَةً، (وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا) ، أَيْ: مُنْقِصَةً، لِأَنَّ التَّثْمِيرَ كَالْغَنِيمَةِ، وَالتَّنْقِيصَ كَالْغَرَامَةِ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا أَعْطَيْتُمْ الزَّكَاةَ فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ الْبَخْتَرِيُّ بْنُ عُبَيْدٍ ضَعِيفٌ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ لِأَدَائِهَا. (وَ) سُنَّ (قَوْلُ آخِذٍ) مِنْ مُسْتَحَقٍّ، (وَعَامِلٍ آكَدَ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا) . (وَلَا يُكْرَهُ دُعَاؤُهُ) ، أَيْ: الْآخِذِ (بِلَفْظِ صَلَاةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] ، أَيْ: اُدْعُ لَهُمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

إذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ. فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ سُعَاتَهُ. (وَلَهُ) ، أَيْ: رَبِّ الْمَالِ (دَفْعُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لِسَاعٍ وَإِمَامٍ وَلَوْ فَاسِقًا يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا) ، لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " أَتَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقُلْتُ: لِي مَالٌ، وَأُرِيدُ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ: ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ " رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا، فَجَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ. (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا، (حَرُمَ) دَفْعُهَا إلَيْهِ (وَيَجِبُ كَتْمُهَا إذَنْ) ، قَالَهُ فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " وَنَصَّ الْإِمَامُ عَلَى خِلَافِهِ. قَالَ فِي. " الشَّرْحِ ": لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ دَفْعَهَا لِلْإِمَامِ جَائِزٌ، سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةُ أَوْ الْبَاطِنَةُ، وَيَبْرَأُ بِدَفْعِهَا سَوَاءٌ تَلِفَتْ فِي يَدِ الْإِمَامِ أَوْ لَا، أَوْ صَرَفَهَا فِي مَصَارِفِهَا أَوْ لَمْ يَصْرِفْهَا. انْتَهَى. وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ بِهَا الْكِلَابَ، وَيَشْرَبُونَ بِهَا الْخُمُورَ. قَالَ: ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ " حَكَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ. وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ: " ادْفَعُوهَا لِمَنْ غَلَبَ " وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: " ادْفَعُوهَا إلَى الْأُمَرَاءِ وَإِنْ كَرَعُوا بِهَا لُحُومَ الْكِلَابِ عَلَى مَوَائِدِهِمْ " رَوَاهُمَا عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: كَانُوا يَدْفَعُونَ الزَّكَاةَ إلَى الْأُمَرَاءِ، وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُونَ بِدَفْعِهَا، وَقَدْ عَلِمُوا فِيمَا يُنْفِقُونَهَا، فَمَا أَقُولُ أَنَا؟ ، (وَيَبْرَأُ) دَافِعُ زَكَاةٍ إلَى السَّاعِي أَوْ الْإِمَامِ (بِدَفْعِهَا إلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَصْرِفْهَا مَصَارِفَهَا) لِمَا سَبَقَ.

فصل يشترط لإخراج الزكاة نية

(وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) ، أَيْ: كَالزَّكَاةِ فِي الْحُكْمِ (كُلُّ مَالٍ ضَائِعٍ أَوْ لَا وَارِثَ لَهُ) يُدْفَعُ إلَى الْإِمَامِ لِيَصْرِفَهُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَيَبْرَأُ دَافِعُهُ مِنْ عُهْدَتِهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ فِي يَدِ الْإِمَامِ أَوْ لَا، صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ أَوْ لَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ لِخَوَارِجَ وَبُغَاةٍ) إذَا غَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ، وَأَخَذُوا مِنْهُ الْعُشْرَ، وَقَعَ مَوْقِعَهُ نَصًّا، (وَكَذَلِكَ مَنْ أَخَذَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ (مِنْ السَّلَاطِينِ قَهْرًا أَوْ اخْتِيَارًا عَدَلَ فِيهَا أَوْ جَارَ) ، وَيَأْتِي فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ. (وَلِإِمَامٍ طَلَبُ نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ، الظِّهَارِ: (وَ) لَهُ طَلَبُ (زَكَاةٍ) مِنْ الْمَالِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ (إنْ وَضَعَهَا فِي أَهْلِهَا، وَلَا يَلْزَمُ دَفْعُهَا لَهُ إذَا طَلَبَهَا) بَلْ لِرَبِّهَا تَفْرِقَتُهَا بِنَفْسِهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَيْسَ لَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ (إجْبَارُ مُمْتَنِعٍ إذَنْ) ، أَيْ: حَيْثُ لَمْ يَمْنَعْ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ إخْرَاجَهَا بِالْكُلِّيَّةِ، إذْ الْوَاجِبُ الْإِخْرَاجُ، لَا الدَّفْعُ إلَى الْإِمَامِ. [فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ نِيَّةٌ] (فَصْلٌ) (وَيُشْتَرَطُ لِإِخْرَاجِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (نِيَّةٌ) ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا، فَافْتَقَرَتْ إلَى تَبْيِينِ النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ مَصْرِفَ الْمَالِ إلَى الْفُقَرَاءِ لَهُ جِهَاتٌ مِنْ زَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ، فَاعْتُبِرَتْ نِيَّةُ التَّمَيُّزِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُهَا (مِنْ مُكَلَّفٍ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ أَشْبَهَ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ (إلَّا أَنْ تُؤْخَذَ) مِنْهُ الزَّكَاةُ (قَهْرًا) ، فَتُجْزِئُ ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ رَبِّ الْمَالِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِهَا ثَانِيًا (أَوْ يُغَيِّبُ مَالَهُ)

فَتُؤْخَذُ مِنْهُ حَيْثُ وُجِدَ. وَتُجْزِئُ بِلَا نِيَّةٍ كَمَأْخُوذٍ قَهْرًا (أَوْ يَتَعَذَّرُ وُصُولٌ إلَى مَالِكٍ) لِتُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ (بِنَحْوِ حَبْسٍ) كَأَسْرٍ، (فَيَأْخُذُهَا سَاعٍ) مِنْ مَالِهِ، (وَتُجْزِئُ) ظَاهِرًا وَ (بَاطِنًا فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأَخِيرَةِ) بِخِلَافِ الْأُولَتَيْنِ قَبْلَهَا، فَتُجْزِئُ ظَاهِرًا (فَقَطْ، وَالْأَوْلَى قَرْنُهَا) ، أَيْ: النِّيَّةَ (بِدَفْعٍ) كَصَلَاةٍ، (وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) عَلَى الْإِخْرَاجِ (بِ) زَمَنٍ (يَسِيرٍ كَصَلَاةٍ) ، وَلَوْ عَزَلَ الزَّكَاةَ، لَمْ تَكْفِ النِّيَّةُ إذَنْ مَعَ طُولِ زَمَنٍ، (فَيَنْوِي) بِمُخْرَجٍ (الزَّكَاةَ أَوْ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ، أَوْ صَدَقَةَ الْمَالِ أَوْ الْفِطْرِ، وَلَا تُجْزِئُ إنْ نَوَى صَدَقَةً مُطْلَقَةً وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ) كَنِيَّةِ صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ. وَتَقَدَّمَ. (وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ فَرْضٍ) اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فَرْضًا، (وَلَا) يَجِبُ (تَعْيِينُ) مَالٍ (مُزَكًّى عَنْهُ وَلَوْ اخْتَلَفَ جِنْسُهُ) ، أَيْ: الْمَالِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ (فَلَوْ نَوَى بِشَاةٍ) حِينَ أَخْرَجَهَا (عَنْ خَمْسِ إبِلٍ أَوْ أَرْبَعِينَ شَاةً، أَجْزَأَتْ عَنْ أَحَدِهِمَا) ، وَيُخْرِجُ شَاةً أُخْرَى عَنْ الْآخَرِ، (أَوْ نَوَى) زَكَاةً (عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ) الْغَائِبُ (تَالِفًا فَعَنْ الْحَاضِرِ أَجْزَأَ عَنْ حَاضِرٍ مَعَ تَلَفِ غَائِبٍ) ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، لِاعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِيهَا. (وَإِنْ أَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا) ، أَيْ: الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، (صَرَفَهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ (لِأَيِّهِمَا شَاءَ كَتَعْيِينِهِ ابْتِدَاءً) حِينَ أَخْرَجَ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا مِنْهُمَا (أَجْزَأَ) مُخْرَجٌ (عَنْ أَحَدِهِمَا) ، فَيُخْرِجُ عَنْ الْآخَرِ. (وَلَوْ نَوَى عَنْ) مَالٍ (غَائِبٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ) ، أَيْ: لَمْ يَنْوِ إنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا، فَعَنْ الْحَاضِرِ (فَبَانَ) الْغَائِبُ (تَالِفًا لَمْ يَصْرِفْهُ) ، أَيْ: الْمُخْرِجُ (إلَى غَيْرِهِ) ، لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ، كَعِتْقٍ فِي كَفَّارَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَمْ تَكُنْ. (وَيَتَّجِهُ: وَيَرْجِعُ) مُخْرِجٌ (فِيمَا) كَانَ مَوْجُودًا (بِيَدِ سَاعٍ

لِتَبَيُّنِ مُخْرِجِ غَيْرِ زَكَاةٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ نَوَى) الزَّكَاةَ (عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا) أَجْزَأَ عَنْهُ إنْ كَانَ سَالِمًا، (أَوْ نَوَى) عَنْ الْغَيْرِ إنْ كَانَ سَالِمًا (وَإِلَّا) يَكُنْ سَالِمًا (فَ) هِيَ (نَفْلٌ، فَبَانَ) الْغَائِبُ (سَالِمًا، أَجْزَأَ) عَنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يَضُرُّ تَقْيِيدُهُ بِهِ. (وَإِنْ شَرَطَ) بِأَنْ نَوَى: إنْ كَانَ الْغَائِبُ سَالِمًا فَهَذِهِ زَكَاتُهُ، (وَإِلَّا) يَكُنْ سَالِمًا (فَأَرْجِعْ) فِيهَا (فَلَهُ الرُّجُوعُ إنْ بَانَ) الْغَائِبُ (تَالِفًا) ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي. وَمَنْ شَكَّ فِي بَقَاءِ غَائِبٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجٌ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ عَلِمَ بَقَاءَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ مَتَى وَصَلَ إلَيْهِ زَكَّاهُ لِمَا مَضَى، كَمَا لَوْ قَالَ (عَنْ قِنٍّ: أَعْتَقْتُهُ عَنْ كَفَّارَتِي، وَإِنْ لَمْ يُجْزِئْ رَدَدْته لِرِقٍّ) ، فَلَهُ رَدُّهُ إلَى الرِّقِّ عَمَلًا بِالشَّرْطِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ، فَبَانَ أَنَّهُ غَيْرُ مُجْزِئٍ، عَتَقَ وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ. وَإِنْ قَالَ: هَذَا زَكَاةُ مَالِي، (أَوْ نَفْلٌ) لَمْ يُجْزِئْهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ النِّيَّةَ لِلزَّكَاةِ، (أَوْ) قَالَ: (هَذَا زَكَاةُ إرْثِي إنْ كَانَ مَاتَ مُوَرِّثِي، لَمْ يُجْزِئْهُ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ عَلَى أَصْلٍ. قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: كَقَوْلِهِ لَيْلَةَ الشَّكِّ: إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي، وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ ": كَقَوْلِهِ: إنْ كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ دَخَلَ، فَصَلَاتِي هَذِهِ عَنْهَا. قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: التَّرَدُّدُ فِي الْعِبَادَةِ يُفْسِدُهَا. (وَإِنْ وَكَّلَ) رَبُّ مَالٍ (فِي) إخْرَاجِ (الزَّكَاةِ مُسْلِمًا) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ

يَكُونَ ثِقَةً. نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " وَالْمُنْتَهَى " لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَغَيْرُ الثِّقَةِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا. (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ الْمُسْلِمُ (غَيْرَ ثِقَةٍ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمَنْصُوصِ) عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. (وَيُحْمَلُ نَصُّهُ عَلَى مَنْ) ، أَيْ: مُوَكِّلَ لَمْ يَعْلَمْ (هَلْ دَفَعَ) وَكِيلُهُ الزَّكَاةَ (أَوْ لَا) ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ الْمُوَكِّلُ أَنَّ الْوَكِيلَ قَدْ أَخْرَجَهَا، فَلَا مَانِعَ مِنْ إجْزَائِهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا الِاتِّجَاهَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ، (أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ مُوَكِّلٍ) فَقَطْ (مَعَ قُرْبِ زَمَنِ إخْرَاجٍ) مِنْ زَمَنِ تَوْكِيلٍ، لِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُوَكِّلِ، وَتَأَخُّرُ الْأَدَاءِ عَنْ النِّيَّةِ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ جَائِزٌ. (وَيَتَّجِهُ) : الْإِجْزَاءُ (وَلَوْ مَعَ كُفْرِ وَكِيلٍ) ، حَكَاهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " (لِأَنَّهُ مُنَاوِلٌ إذَنْ) ، كَمَا لَوْ اسْتَنَابَ ذِمِّيًّا فِي ذَبْحِ أُضْحِيَّةٌ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ ": (وَ) يَجُوزُ تَوْكِيلُ الذِّمِّيِّ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ إذَا نَوَى الْمُوَكِّلُ، وَكَفَتْ نِيَّتُهُ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَهُوَ قَوِيٌّ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ لَكَ أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ. (وَمَعَ بُعْدِ زَمَنِ) إخْرَاجٍ، (فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ مُوَكِّلٍ حَالَ دَفَعَ)

(وَيَتَّجِهُ: أَوْ) مَالُ (تَوْكِيلِ) مَنْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَنَحْوُهَا فِي إخْرَاجِهِ عَنْهُ مِنْهَا - وَهُوَ مُتَّجِهٌ (لِوَكِيلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِدَفَعَ، (وَ) لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ (وَكِيلٍ) أَيْضًا (عِنْدَ دَفْعٍ لِمُسْتَحِقٍّ) ، وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ (الْإِمَامِ) أَوْ السَّاعِي (حَالَ دَفَعَ لِمُسْتَحِقٍّ) ، لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ نِيَّةُ وَكِيلِ رَبِّ الْمَالِ عِنْدَ الدَّفْعِ (لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُ) لِئَلَّا يَخْلُوَ الدَّفْعُ عَنْ نِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ أَوْ مُقَارِبَةٍ، فَيَنْوِي مُوَكِّلُ عِنْدَ التَّوْكِيلِ، وَوَكِيلٌ عِنْدَ الدَّفْعِ لِنَحْوِ الْفُقَرَاءِ وَقَرِيبًا مِنْهُ، وَلَوْ نَوَى وَكِيلٌ فَقَطْ لَمْ تَجُزْ، لِتَعَلُّقِ الْفَرْضِ بِالْمُوَكِّلِ، وَوُقُوعِ الْإِجْزَاءِ عَنْهُ، وَلَوْ دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْإِمَامِ أَوْ السَّاعِي نَاوِيًا أَجْزَأَهُ (وَتَلَفُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (بِلَا تَفْرِيطٍ بِيَدِ وَكِيلٍ، لَا) تَلَفُهَا بِيَدِ (سَاعٍ مِنْ ضَمَانِ رَبِّ مَالٍ) ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يُوَصِّلْهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا، فَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُوَكِّلِ، لِتَعَلُّقِ الْفَرْضِ بِهِ، وَأَمَّا السَّاعِي، فَإِنَّهُ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ، وَقَبْضُهُ لَهَا قَائِمٌ مَقَامَ قَبْضِهِمْ، وَتَلَفُهَا بِيَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِهِمْ. (وَفِي

فرع في توكيل المميز في دفع الزكاة

الْإِقْنَاعِ ": لَوْ قَالَ) لِوَكِيلِهِ: (تَصَدَّقْ بِهَذَا) الْمَالِ (نَفْلًا أَوْ عَنْ كَفَّارَتِي، ثُمَّ نَوَى) الْمُوَكِّلُ (الزَّكَاةَ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ) وَكِيلُهُ (أَجْزَأَ عَنْهَا، لِأَنَّ دَفْعَ وَكِيلِهِ كَدَفْعِهِ) فَكَأَنَّهُ نَوَى الزَّكَاةَ، ثُمَّ دَفَعَ بِنَفْسِهِ، (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ (كَمَا فِي " الْفُرُوعِ " لَا يُجْزِئُ) بِهَذَا الدَّفْعِ (لِاعْتِبَارِهِمْ نِيَّةَ وَكِيلٍ عِنْدَ دَفْعٍ) ، هَكَذَا وُجِدَ فِي نُسَخِ الْمَتْنِ، وَاَلَّذِي فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ لِاعْتِبَارِهِمْ النِّيَّةَ عِنْدَ التَّوْكِيلِ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَمَا قَالَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ " قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ " وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ الْمَجْدِ لَا يُجْزِئُ لِاعْتِبَارِهِمْ النِّيَّةَ عِنْدَ التَّوْكِيلِ. [فَرْعٌ فِي تَوْكِيلِ الْمُمَيِّز فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ] (فَرْعٌ: فِي صِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُمَيِّزِ) فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ (وَجْهَانِ) ذَكَرَهُمَا فِي " الْمُذَهَّبِ " وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ " الْأَوَّلُ: الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْعِبَادَةِ. الثَّانِي، وَهُوَ (الصَّوَابُ: عَدَمُ الصِّحَّةِ، خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ جَزَمَ بِصِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُمَيِّزِ فِي دَفْعِهَا بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ (لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِأَدَاءِ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْمُمَيِّزَ (لَا يُخْرِجُ زَكَاةَ نَفْسِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى) وَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " تَبِعَ فِيهِ " الْإِنْصَافَ " وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ تَبِعَ فِيهِ تَصْحِيحَ الْفُرُوعِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْإِنْصَافِ فَمَا فِيهِ يُخَالِفُ " الْإِنْصَافَ " يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْهُ. (وَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ مِنْ مَالٍ غَصْبٍ لَمْ تُجْزِئْهُ وَلَوْ أُجِيزَ بَعْدُ)

فصل الأفضل جعل زكاة كل مال في فقراء بلده

كَبَيْعِهِ وَإِجَارَتِهِ، لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءً لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِالْإِجَازَةِ. (وَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ شَخْصٍ حَيٍّ أَوْ كَفَّارَتَهُ مِنْ مَالِهِ) ، أَيْ: مَالِ الْمُخْرِجِ (بِإِذْنِهِ) ، أَيْ: إذْنَ مُخْرَجٍ عَنْهُ (صَحَّ) إخْرَاجُهُ عَنْهُ كَالْوَكِيلِ، (وَرَجَعَ) الْمُخْرِجُ عَلَى مُخْرَجٍ عَنْهُ (إنْ نَوَاهُ) ، أَيْ الرُّجُوعَ (وَإِلَّا) يَنْوِ الرُّجُوعَ، أَوْ أَطْلَقَ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي الْإِخْرَاجِ، (فَلَا) يَرْجِعُ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ وَوَكَالَتِهِ عَنْهُ. (وَمَنْ عَلِمَ) قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ " (وَالْمُرَادُ ظَنُّ أَهْلِيَّةِ آخِذٍ لِزَكَاةٍ) لِمَقَامِ الظَّنِّ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الدَّفْعِ إلَيْهِ، (كُرِهَ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا) نَصًّا (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: لَا يُبَكِّتُهُ، يُعْطِيهِ وَيَسْكُتُ) مَا حَاجَتُهُ إلَى أَنْ يُقْرِعَهُ؟ (وَمَعَ عِلْمِ) مُعْطٍ (عَدَمُ عَادَتِهِ) ، أَيْ: الْآخِذِ (بِأَخْذِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) دَفْعُهَا (إلَّا إنْ أَعْلَمَهُ) أَنَّهَا زَكَاةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ زَكَاةً ظَاهِرًا. [فَصْلٌ الْأَفْضَلُ جَعْلُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ] (فَصْلٌ) (وَالْأَفْضَلُ جَعْلُ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ) ، أَيْ: الْمَالِ، وَلَوْ تَفَرَّقَ، أَوْ كَانَ الْمَالِكُ بِغَيْرِهِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ مُعَاذٍ الْآتِي، (مَا لَمْ تَنْشَقِصْ زَكَاةُ سَائِمَةٍ) كَأَرْبَعِينَ شَاةً بِبَلَدَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ، (فَ) يُخْرِجُ زَكَاتَهَا (فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ) شَاةً وَاحِدَةً، فِي أَيِّ الْبَلَدَيْنِ شَاءَ. دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ، (وَحَرُمَ حَتَّى عَلَى سَاعٍ نَقْلُهَا لِمَسَافَةِ قَصْرٍ) مَعَ وُجُودِ مُسْتَحِقٍّ لَهَا، (وَلَوْ) كَانَ نَقْلُهَا (لِرَحِمٍ وَشِدَّةِ حَاجَةٍ) ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ

فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فَظَاهِرُهُ: عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، وَ " لِإِنْكَارِ عُمَرَ عَلَى مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَ إلَيْهِ بِثُلُثِ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ شَطْرَهَا، ثُمَّ بِهَا، وَأَجَابَهُ مُعَاذٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِ شَيْئًا وَهُوَ يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنْهُ " رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَمَحَلُّهُ: إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى تَشْقِيصٍ. (وَتُجْزِئُ) زَكَاةٌ نَقَلَهَا فَوْقَ الْمَسَافَةِ، وَأَخْرَجَهَا فِي غَيْرِ بَلَدِ الْمَالِ مَعَ حُرْمَةِ النَّقْلِ، لِأَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَبَرِئَ كَالدَّيْنِ. وَلَا يَحْرُمُ نَقْلُ زَكَاةٍ إلَى بَلَدٍ (دُونَ مَسَافَةِ) قَصْرٍ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ (وَلَا) يَحْرُمُ (نَقْلُ نَذْرٍ) مُطْلَقٍ (وَكَفَّارَةٍ وَوَصِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ) ، أَيْ: لَمْ يَخُصَّهَا مُوصٍ بِمَكَانٍ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ رَاتِبَةٌ فِي الْمَالِ، فَكَانَتْ لِجِيرَانِهِ، بِخِلَافِ الْمَذْكُورَاتِ، (لَا) إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَنَحْوُهَا (مُقَيَّدَةً بِ) فُقَرَاءِ مَكَانٍ (مُعَيَّنٍ) فَيَتَعَيَّنُوا لَهَا. (وَمَنْ بِبَادِيَةٍ) وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ، فَرَّقَهَا بِأَقْرَبِ بَلَدٍ مِنْهُ (أَوْ خَلَا بَلَدُهُ عَنْ مُسْتَحِقٍّ) لِلزَّكَاةِ يَسْتَغْرِقُهَا، (فَرَّقَهَا) أَوْ مَا بَقِيَ (بِأَقْرَبِ بَلَدٍ) ، أَيْ: مَكَان (مِنْهُ) لِأَنَّهُمْ أَوْلَى نَصًّا . (وَمُؤْنَةُ نَقْلِ) زَكَاةٍ مَعَ حِلِّ نَقْلِهَا بِأَنْ كَانَ لِدُونِ الْمَسَافَةِ، أَوْ حُرْمَتِهِ بِأَنْ كَانَ لِمَحَلٍّ فَوْقَ الْمَسَافَةِ عَلَى مُزْكٍ (وَ) مُؤْنَةِ (دَفْعِ) زَكَاةٍ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمُزَكِّي (كَ) مُؤْنَةِ (كَيْلٍ وَوَزْنٍ) ، لِأَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ تَسْلِيمِهَا لِمُسْتَحِقِّهَا كَامِلَةً، وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ التَّوْفِيَةِ. (وَمُسَافِرٌ بِالْمَالِ) الزَّكَوِيِّ (يُفَرِّقُهَا) ، أَيْ: زَكَاتَهُ (بِبَلَدِ، أَكْثَرَ إقَامَتِهِ) ، أَيْ: رَبِّ الْمَالِ (بِهِ) ، أَيْ: الْمَالِ (فِيهِ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْبَلَدِ نَصًّا. لِأَنَّ الْأَطْمَاعَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ غَالِبًا بِمُضِيِّ زَمَنِ الْوُجُوبِ أَوْ مَا قَارَبَهُ. (وَيَتَّجِهُ: وَمَعَ تَسَاوٍ) فِي الْإِقَامَةِ (يُخَيَّرُ) رَبُّ الْمَالِ فِي إخْرَاجِهَا،

فصل تعجيل الزكاة

فَيُخْرِجُهَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ، وَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَهَا فِي أَحَدِ الْمَكَانَيْنِ وَبَاقِيَهَا فِي الْمَكَانِ الْآخَرِ فَهُوَ أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ بَعْثُ السُّعَاةِ قُرْبَ زَمَنِ الْوُجُوبِ لِقَبْضِ زَكَاةِ الْمَالِ الظَّاهِرِ كَزَرْعٍ وَثَمَرٍ وَمَاشِيَةٍ) ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُزَكِّي، وَلَا يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ، فَفِي إهْمَالِ ذَلِكَ تَرْكٌ لِلزَّكَاةِ (وَيَجْعَلُ أَوَّلُ حَوْلِ مَاشِيَةٍ الْمُحَرَّمَ) ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ (وَتَوَقَّفَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِي ذَلِكَ (وَمَيْلُهُ لِرَمَضَانَ) لِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ فِي الزَّمَانِ الْفَاضِلِ. (وَسُنَّ) لِلْإِمَامِ (وَسْمُ مَا حَصَلَ) عِنْدَهُ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ جِزْيَةٍ (مِنْ إبِلِ وَبَقَرٍ فِي أَفْخَاذِهَا) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «غَدَوْتُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ لِيَسِمَ إبِلَ الصَّدَقَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) وَسْمُ مَا حَصَلَ مِنْ (غَنَمٍ فِي آذَانِهَا) لِخَبَرِ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ: «وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا فِي آذَانِهَا» (فَ) الْوَسْمُ (عَلَى زَكَاةٍ لِلَّهِ أَوْ زَكَاةٍ وَ) الْوَسْمُ (عَلَى جِزْيَةِ صِغَارٍ أَوْ جِزْيَةٍ) لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهَا، وَخُصَّ الْفَخِذُ وَالْأُذُنُ بِالْوَسْمِ لِخِفَّتِهِ، وَقِلَّةِ أَلَمِهِ فِيهِمَا. [فَصْلٌ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ] (فَصْلٌ) (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ زَكَاةٍ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّ «الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَعْجِيلِ صَدَقَةٍ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَكَالْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، فَيَصِيرُ مِنْ تَقْدِيمِ الْحُكْمِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَقَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ وَتَرْكُ التَّعْجِيلِ،

أَفْضَلُ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (لِحَوْلَيْنِ فَقَطْ) ، اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ أَفْضَلُ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (لِحَوْلَيْنِ فَقَطْ) ، اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ، لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ ": عَنْ عَلِيٍّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَجَّلَ مِنْ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ» وَيُعَضِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٌ: " فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا " (لِغَيْرِ وَلِيٍّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ) ، لِوُجُوبِ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِي التَّعْجِيلِ (إذَا كَمُلَ النِّصَابُ) لِأَنَّهُ سَبَبُهَا، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ كَالْكَفَّارَةِ عَلَى الْحَلِفِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. وَ (لَا) يَجُوزُ التَّعْجِيلُ (مِنْهُ) ، أَيْ: النِّصَابِ (لِحَوْلَيْنِ إنْ نَقَصَ) بِالتَّعْجِيلِ (وَلَا عَمَّا يَسْتَفِيدُهُ) النِّصَابُ نَصًّا، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، فَقَدْ عَجَّلَ زَكَاةً عَمَّا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، (أَوْ) عَنْ (مَعْدِنٍ أَوْ رِكَازٍ أَوْ زَرْعٍ قَبْلَ حُصُولِ) مَا ذُكِرَ، (أَوْ) قَبْلَ (نَبَاتِ زَرْعٍ أَوْ) عَنْ زَكَاةِ ثَمَرٍ قَبْلَ (طُلُوعِ طَلْعٍ، أَوْ) عَنْ زَبِيبٍ قَبْلَ طُلُوعِ (حِصْرِمٍ) ، لِأَنَّهُ تَقْدِيمُ زَكَاةٍ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا (وَبَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ نَبَاتِ زَرْعٍ وَطُلُوعِ طَلْعٍ وَحِصْرِمٍ (يَصِحُّ تَعْجِيلٌ) ، لِأَنَّ وُجُودَهُ بِمَنْزِلَةِ مِلْكِ النِّصَابِ، وَالْإِدْرَاكُ بِمَنْزِلَةِ حَوَلَانِ الْحَوْلِ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ، وَتَعْلِيقُ زَكَاتِهِ بِالْإِدْرَاكِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّعْجِيلِ، لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِدُخُولِ شَوَّالٍ، وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا قَبْلَهُ، (وَإِنْ عَجَّلَ عَنْ نِصَابٍ) مَوْجُودٍ (وَمَا يَنْمِي) فِي حَوْلِهِ أَجْزَأَ تَعْجِيلُهُ عَنْ النِّصَابِ فَقَطْ، (وَلَمْ يُجْزِئْ عَنْ نَمَاءٍ) لِأَنَّهُ عَجَّلَ زَكَاةَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ كَمَا فِي النِّصَابِ الْأَوَّلِ، (فَلَوْ عَجَّلَ مُسِنَّةً عَنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً وَنِتَاجِهَا، فَنَتَجَتْ عَشْرًا، أَجْزَأَتْ) الْمُعَجَّلَةُ (عَنْ ثَلَاثِينَ) فَقَطْ، لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّعْجِيلِ عَنْ النِّتَاجِ، (وَلَزِمَ لِلْعَشْرِ) النِّتَاجِ (رُبْعُ مُسِنَّةٍ) زَكَاتُهَا، (وَإِنْ تَمَّ الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ نَاقِصٌ بِقَدْرٍ مُعَجَّلٍ، صَحَّ) تَعْجِيلُهُ وَأَجْزَأَ

(إذْ الْمُعَجَّلُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ) فِي مِلْكِهِ يَتِمُّ النِّصَابُ بِهِ. وَإِنْ نَقَصَ أَكْثَرَ مِمَّا عَجَّلَهُ كَمَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً عَجَّلَ وَاحِدَةً، ثُمَّ تَلِفَتْ أُخْرَى، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلزَّكَاةِ. فَإِنْ زَادَ بَعْدَ نِتَاجِ أَوْ شِرَاءِ مَا تَمَّ بِهِ النِّصَابُ، اُسْتُؤْنِفَ الْحَوْلُ مِنْ كَمَالِ النِّصَابِ، وَلَمْ يُجْزِئْ مُعَجَّلٌ، (فَيَصِحُّ) التَّعْجِيلُ (عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً) بِشَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا لِحَوْلَيْنِ، وَيُجْزِئُ لِبَقَاءِ النِّصَابِ، أَوْ (بِشَاةٍ مِنْهَا) وَأُخْرَى مِنْ غَيْرِهَا، و (لَا) يُجْزِئُ (بِشَاتَيْنِ مِنْهَا لِحَوْلَيْنِ) ، لِنَقْصِ النِّصَابِ. (وَلَا) يَصِحُّ تَعْجِيلٌ (بِ) شَاةٍ (وَاحِدَةٍ) مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (لِ) حَوْلٍ (ثَانٍ فَقَطْ) ، لِأَنَّ مَا عَجَّلَهُ مِنْ النِّصَابِ لِلْحَوْلِ الثَّانِي زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، فَيَنْقُصُ النِّصَابُ بِهِ، (وَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ) ، بِخِلَافِ مَا عَجَّلَهُ عَنْ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ، (وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ مِائَتَيْ شَاةٍ) شَاتَيْنِ (فَنُتِجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةٌ، لَزِمَتْهُ) شَاةٌ (ثَالِثَةٌ) ، لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ فِي إجْزَائِهِ عَنْ مَالِهِ، فَكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ فِي تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ. (وَلَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ أَرْبَعِينَ) شَاةً (ثُمَّ أَبْدَلَهَا) ، أَيْ: الْأَرْبَعِينَ (بِمِثْلِهَا أَوْ نُتِجَتْ سَخْلَةٌ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّاتُ، أَجْزَأَ مُعَجَّلُ بَدَلٍ وَسِخَالٍ) لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ بَقَاءِ الْأُمَّاتِ عَنْ الْكُلِّ، فَعَنْ أَحَدِهِمَا أَوْلَى (وَمَنْ عَجَّلَ عَنْ ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ) فِضَّةً (خَمْسَةً مِنْهَا، ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ، لَزِمَهُ أَيْضًا دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ) نَصًّا، لِيُتِمَّ رُبْعَ الْعُشْرِ. (وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ أَلْفِ) دِرْهَمٍ فَقَطْ (خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مِنْهَا ثُمَّ رَبِحَتْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ) دِرْهَمًا، (لَزِمَهُ زَكَاتُهَا) ، أَيْ: الْخَمْسَةَ وَالْعِشْرِينَ، (وَمَنْ عَجَّلَ) زَكَاةً (عَنْ أَلْفِ) دِرْهَمٍ (يَظُنُّهَا) ، أَيْ: الدَّرَاهِمَ (لَهُ فَبَانَتْ) الَّتِي لَهُ مِنْهَا (خَمْسَمِائَةٍ، أَجْزَأَ) مَا عَجَّلَهُ (عَنْ عَامَيْنِ) ، لِأَنَّهُ نَوَاهَا زَكَاةً مُعَجَّلَةً، وَالْأَلْفُ كُلُّهَا لَيْسَتْ لَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ زَكَاةُ مَا لَيْسَ لَهُ، (وَمَنْ عَجَّلَ) زَكَاةً (عَنْ أَحَدِ نِصَابَيْهِ، بِعَيْنِهِ، وَلَوْ)

كَانَ الْوَاجِبُ (مِنْ جِنْسٍ) وَاحِدٍ، (فَتَلِفَ) النِّصَابُ الْمُعَجَّلُ عَنْهُ، (لَمْ يَصْرِفْهُ) ، أَيْ: الْمُعَجَّلُ (لِلْآخَرِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، كَمَنْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَلَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً، فَتَلِفَ إبِلُهُ، لَمْ يَصْرِفْ الشَّاةَ إلَى الْأَرْبَعِينَ. (وَيَتَّجِهُ: مَا لَمْ يَشْتَرِطْ) مَا عَجَّلَهُ، فَإِنْ اشْتَرَطَ بِنِيَّةٍ، إنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ تَالِفًا، فَعَنْ الْبَاقِي صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا، لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَهُوَ مُتَّجَهٌ (وَإِنْ) (مَاتَ قَابِضُ) زَكَاةٍ (مُعَجَّلَةِ الْمُسْتَحَقِّ) لَقَبَضَهَا لِنَحْوِ فَقْرِهِ (أَوْ ارْتَدَّ) قَابِضُ مُعَجَّلَةٍ، (أَوْ اسْتَغْنَى قَبْلَ) مُضِيِّ (الْحَوْلِ) الَّذِي تَعَجَّلَ زَكَاتُهُ، (أَجْزَأَتْ) الزَّكَاةُ عَمَّنْ عَجَّلَهَا، لِأَنَّهُ أَدَّاهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، كَدَيْنٍ لَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ وَ (لَا) تُجْزِئُ زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ (إنْ دَفَعَهَا) رَبُّ الْمَالِ (لِمَنْ يَعْلَمُ غِنَاهُ فَافْتَقَرَ) عِنْدَ الْحَوْلِ أَوْ قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ. (وَإِنْ مَاتَ مُعَجِّلُ) زَكَاةٍ (أَوْ ارْتَدَّ أَوْ تَلِفَ النِّصَابُ) الْمُعَجَّلُ زَكَاتُهُ، (أَوْ نَقَصَ) قَبْلَ الْحَوْلِ، (فَقَدْ بَانَ الْمُخْرَجُ غَيْرَ زَكَاةٍ) لِانْقِطَاعِ الْوُجُوبِ بِذَلِكَ، (وَلَا رُجُوعَ) لِمُعَجِّلٍ بِشَيْءٍ مِمَّا عَجَّلَهُ (إلَّا فِيمَا بِيَدِ سَاعٍ عِنْدَ تَلَفِ نِصَابٍ) ، وَلَوْ تَعَمَّدَ الْمَالِكُ تَلَفَهُ غَيْرَ قَاصِدٍ الْفِرَارَ مِنْهَا، فَإِنْ دَفَعَهَا سَاعٍ أَوْ رَبُّ مَالٍ لِفَقِيرٍ، فَلَا رُجُوعَ حَتَّى فِي تَلَفِ النِّصَابِ.

فرع أرض صلح يأخذ السلطان منها نصف الغلة

وَيُشْتَرَطُ لِإِجْزَائِهَا وَمِلْكِ فَقِيرٍ لَهَا قَبْضُهُ، فَلَوْ عَزَلَهَا فَتَلِفَتْ قَبْلَهُ، أَوْ غَدَّى الْفُقَرَاءَ، أَوْ عَشَّاهُمْ لَمْ يَجُزْ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ فَقِيرٍ فِيهَا قَبْلَ قَبْضِهَا نَصًّا. (وَلِمَنْ أَخَذَ السَّاعِي مِنْهُ زِيَادَةً) عَنْ زَكَاةٍ عَلَيْهِ (أَنْ يَعْتَدَّ بِهَا) ، أَيْ: الزِّيَادَةِ (مِنْ) عَامٍ (قَابِلٍ) نَصًّا (قَالَ الْمُوَفَّقُ: إنْ نَوَى الْمَالِكُ التَّعْجِيلَ) حَالَ الدَّفْعِ. [فَرْعٌ أَرْضِ صُلْحٍ يَأْخُذُ السُّلْطَانُ مِنْهَا نِصْفَ الْغَلَّةِ] (فَرْعٌ: قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي أَرْضِ صُلْحٍ يَأْخُذُ السُّلْطَانُ مِنْهَا نِصْفَ الْغَلَّةِ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ ظُلْمٌ، (قِيلَ لَهُ: فَيُزَكِّي الْمَالَ عَمَّا بَقِيَ فِي يَدِهِ؟ قَالَ: يُجْزِئُ مَا أَخَذَ السُّلْطَانُ عَنْ الزَّكَاةِ) يَعْنِي: إذَا نَوَى بِهِ الْمَالِكُ، (وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَيْضًا: يَحْسُبُ مَا أَهْدَاهُ لِلْعَامِلِ مِنْ الزَّكَاةِ) بِنِيَّةِ الْمَالِكِ وَقْتَ الْأَخْذِ، وَإِلَّا فَلَا (وَمَنْ) عِنْدَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ لَمْ يَحُلْ حَوْلَهُ (لَمْ يُعَجِّلْ) زَكَاتَهُ (لِسَاعٍ وَكَّلَ) السَّاعِي (ثِقَةً فِي قَبْضِهَا) وَقْتَ وُجُوبِهَا، وَصَرَفَهَا فِي مَصْرِفِهَا (أَوْ فَوَّضَ) السَّاعِي (تَفْرِيقَهَا لِمَالِكِهَا الثِّقَةِ) ، لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِذَلِكَ (وَلِإِمَامِ وَنَائِبِهِ اسْتِسْلَافُ زَكَاةٍ بِرِضَى رَبِّهَا، وَتَلَفُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ وَلَوْ مُعَجَّلَةً (بِيَدِهِ) ، أَيْ: الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ (بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ لَيْسَ مِنْ ضَمَانِهِ، بَلْ (مِنْ ضَمَانِ فُقَرَاءَ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ سَأَلَهُ الْفُقَرَاءُ ذَلِكَ أَوْ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ، هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ ". [بَابٌ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَشُرُوطِهِمْ وَقَدْرِ مَا يعطى كُلُّ وَاحِدٍ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ] (بَابٌ) ذِكْرُ (أَهْلِ الزَّكَاةِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ بَيَانِ شُرُوطِهِمْ، وَقَدْرِ مَا يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ، وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. وَهُمْ: (ثَمَانِيَةُ) أَصْنَافٍ (لَا يَحِلُّ صَرْفُهَا لِغَيْرِهِمْ مِنْ نَحْوِ مَسَاجِدَ وَقَنَاطِرَ وَأَكْفَانٍ) وَسَدِّ بُثُوقٍ، وَوَقْفِ مَصَاحِفَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتِ الْخَيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60] وَكَلِمَةُ إنَّمَا تُفِيدُ الْحَصْرَ، أَيْ: تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ، وَتَنْفِي مَا عَدَاهُ. وَكَذَلِكَ تَعْرِيفُ الصَّدَقَاتِ بِأَلْ، فَإِنَّهَا تَسْتَغْرِقُهَا، فَلَوْ جَازَ صَرْفُ شَيْءٍ إلَى غَيْرِ الثَّمَانِيَةِ، لَكَانَ لَهُمْ بَعْضُهَا لَا كُلُّهَا. وَرُوِيَ عَنْ «زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَايَعْتُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنْ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا هِيَ لِمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، (وَجَوَّزَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (الْأَخْذَ) مِنْ الزَّكَاةِ (لِمُحْتَاجٍ لِشِرَاءِ كُتُبِ عِلْمٍ) نَافِعٍ (لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ) مِنْهَا قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت وَلَعَلَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْتَاجُهُ طَالِبُ الْعِلْمِ وَكَنَفَقَتِهِ. (الْأَوَّلُ) مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، (فَقِيرٌ) بَدَأَ بِهِ إتْبَاعًا لِلنَّصِّ، وَلِشِدَّةِ حَاجَتِهِ (وَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمِسْكِينِ) لَبُدَاءَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهِ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمُّ، قَالَ تَعَالَى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79] فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً يَعْمَلُونَ فِيهَا. «وَقَدْ سَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْكَنَةَ وَاسْتَعَاذَ مِنْ الْفَقْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ شِدَّةَ الْحَاجَةِ، وَيَسْتَعِيذَ مِنْ حَالَةٍ أَصْلَحَ مِنْهَا، وَلِأَنَّ الْفَقِيرَ مُشْتَقٌّ مِنْ: فَقْرِ الظَّهْرِ: فَعِيلٌ، بِمَعْنَى: مَفْعُولٍ، وَهُوَ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةُ ظَهْرِهِ، فَانْقَطَعَ صُلْبُهُ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الْفَقِيرُ: (مَنْ لَمْ يَجِدْ نِصْفَ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةَ عَوْنِهِ

مِنْ نَحْوِ كَسْبٍ لَائِقٍ بِهِ، أَوْ لَا يَجِدُ شَيْئًا) أَلْبَتَّةَ، وَمِثْلُهُ الْخِرَقِيِّ وَالشَّارِحُ بِالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى، لِأَنَّهُمَا فِي الْغَالِبِ كَذَلِكَ. (الثَّانِي: مِسْكِينٌ وَهُوَ) ، أَيْ: الْمِسْكِينُ (مَنْ يَجِدُ نِصْفَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا) مِنْ كَسْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، مِفْعِيلٌ، وَهُوَ: الَّذِي أَسْكَنَتْهُ الْحَاجَةُ، (وَلَا يَقْدَحُ مِلْكُهُ نِصَابًا زَكَوِيًّا فَأَكْثَرَ، فَمَنْ مَلَكَ وَلَوْ مِنْ أَثْمَانِ مَا لَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ) ، فَيَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ تَمَامَ كِفَايَتِهِ سَنَةً. (وَلِمَنْ لَهُ عُرُوضُ تِجَارَةٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ) مِنْ ذَلِكَ (لَا يَرِدُ عَلَيْهِ رِبْحُهَا) ، أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْهُ (قَدْرُ كِفَايَتِهِ) يَجُوزُ لَهُ (الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةٍ) أَوْ كَانَ لَهُ مَوَاشِي تَبْلُغُ نِصَابًا، أَوْ لَهُ زَرْعٌ يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ لَا يَقُومُ ذَلِكَ بِجَمِيعِ كِفَايَتِهِ، يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، وَلَا (يَمْنَعُ) ذَلِكَ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: (إذَا كَانَ لَهُ عَقَارٌ أَوْ ضَيْعَةٌ يَسْتَغِلُّهَا عَشْرَةُ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرُ وَلَا تَكْفِيهِ أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ) تَمَامَ كِفَايَتِهِ، (وَقِيلَ لَهُ) - أَيْ: لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ -: (يَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ الْقَائِمُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَحْصُدُهُ أَيَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَفِي مَعْنَاهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِقَامَةِ مُؤْنَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُنْفِقْهُ بِعَيْنِهِ فِي الْمُؤْنَةِ) . وَكَذَا مَنْ لَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُهَا لِلْحِفْظِ وَالْمُطَالَعَةِ، أَوْ لَهَا حُلِيٌّ لِلُّبْسِ، أَوْ كِرَاءٌ تَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَلَا يَمْنَعُهَا ذَلِكَ الْأَخْذَ مِنْ الزَّكَاةِ، فَالْغِنَى فِي بَابِ الزَّكَاةِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُوجِبُهَا، وَنَوْعٌ يَمْنَعُهَا. وَالْغِنَى هُنَا: مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: قَوْلِ الْإِمَامِ، (فَيُعْطَى مُحْتَرِفٌ ثَمَنَ

آلَةِ حِرْفَةٍ، وَإِنْ كَثُرَتْ، وَتَاجِرٌ يُعْطَى رَأْسُ مَالٍ يَكْفِيهِ) ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا حَلَّتْ لَهُ، وَلَوْ مَلَكَ نِصَابًا فَأَكْثَرَ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ: فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالسِّدَادُ: الْكِفَايَةُ. وَذَكَرَ أَحْمَدُ قَوْلَ عُمَرَ: " أَعْطَوْهُمْ، وَإِنْ رَاحَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا " وَأَمَّا حَدِيثُ «ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ سَأَلَهُ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا، أَوْ كُدُوشًا فِي وَجْهِهِ» فَأُجِيبَ عَنْهُ بِضَعْفِ الْخَبَرِ، وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ فِي وَقْتٍ كَانَتْ الْكِفَايَةُ الْغَالِبَةُ فِيهِ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَلِذَلِكَ جَاءَ التَّقْدِيرُ عَنْهُ بِأَرْبَعِينَ وَبِخَمْسِينَ أَوَاقٍ، وَهِيَ: مِائَتَا دِرْهَمٍ. (وَ) يُعْطَى (غَيْرُهُمَا) ، أَيْ: الْمُحْتَرِفِ وَالتَّاجِرِ (مِنْ فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا مَعَ) كِفَايَةِ (عَامِلَتِهِمَا سَنَةً) ، لِتَكَرُّرِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ، فَيُعْطَى مَا يَكْفِيهِ إلَى مِثْلِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَامِلَتِهِمَا مَقْصُودٌ دَفْعُ حَاجَتِهِ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلْمُنْفَرِدِ، حَتَّى (وَلَوْ كَانَ احْتِيَاجُهُمَا بِ) سَبَبِ (إتْلَافِ مَالِهِمَا فِي الْمَعَاصِي أَوْ لَمْ يَتُوبَا) : لِصِدْقِ اسْمِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ عَلَيْهِمَا حِينَ الْأَخْذِ، (وَيُعْطَى لِمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ بِنِسْبَتِهِ) ، أَيْ: الْبَعْضِ الْحُرِّ مِنْهُ، فَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ يَأْخُذُ مِنْ الزِّيَادَةِ مِنْ الزَّكَاةِ نِصْفَ كِفَايَتِهِ سَنَةً، وَمَنْ ثُلُثُهُ حُرٌّ يَأْخُذُ ثُلُثَ كِفَايَتِهِ سَنَةً وَهَكَذَا (وَ) يُعْطَى (لِفَقِيرَةٍ تَجِدُ مَنْ

يَنْكِحُهَا) مِنْ الزَّكَاةِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا، (إذْ تَحْصِيلُ الْمَالِ بِالْبُضْعِ لَيْسَ بِغِنًى مُعْتَبَرٍ مُطْلَقًا) فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا، فَلَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ لِتَحُجَّ، وَكَذَا لَا تُجْبَرُ عَلَى التَّزَوُّجِ لِتُنْفِقَ عَلَى قَرِيبِهَا الْفَقِيرِ. (وَإِنْ تَفَرَّغَ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ لِلْعِلْمِ) الشَّرْعِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَهُ (لَا) إنْ تَفَرَّغَ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ (لِلْعِبَادَةِ) لِقُصُورِ نَفْعِهَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْعِلْمِ (وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَ الْعِلْمِ وَالتَّكَسُّبِ (أُعْطِيَ) مِنْ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ، (وَمَنْ أُعْطِيَ مَالًا) مِنْ زَكَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا (لِيُفَرِّقَهُ، جَازَ لَهُ) تَنَاوُلُهُ لِذَلِكَ (إنْ أَمِنَ نَفْسَهُ) عَلَى تَفْرِقَتِهِ. (الثَّالِثُ: عَامِلٌ عَلَيْهَا كَجَابٍ) يَبْعَثُهُ إمَامٌ لِأَخْذِ زَكَاةٍ مِنْ أَرْبَابِهَا، (وَحَافِظٍ وَكَاتِبٍ وَقَاسِمٍ) وَمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا، لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60] «وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَبْعَثُ عَلَى الصَّدَقَةِ سُعَاةً وَيُعْطِيهِمْ عِمَالَتَهُمْ» . (وَشُرِطَ كَوْنُهُ) ، أَيْ: الْعَامِلِ (مُسْلِمًا) ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَاشْتُرِطَ فِيهَا الْإِسْلَامُ كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ (مُكَلَّفًا) ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ أَيْضًا، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ مُوَلًّى عَلَيْهِ (أَمِينًا عَالِمًا بِأَحْكَامِ زَكَاةٍ) إنْ كَانَ مِمَّنْ يُفَوَّضُ إلَيْهِ عُمُومُ الْأَمْرِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ، وَيَصِيرُ خَطَؤُهُ أَكْثَرَ مِنْ صَوَابِهِ (كَافِيًا) فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْوِلَايَةِ، فَاشْتُرِطَ فِيهَا ذَلِكَ كَغَيْرِهَا. (وَيَتَّجِهُ: اشْتِرَاطُ ذُكُورِيَّتِهِ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: لَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ ذُكُورِيَّتِهِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ امْرَأَةً وُلِّيَتْ عِمَالَةَ زَكَاةٍ أَلْبَتَّةَ، وَتَرْكُهُمْ ذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ، وَأَيْضًا ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60] ، لَا يَشْمَلُهَا.

وَقَالَ فِي الْإِقْنَاعِ ": وَاشْتِرَاطُ ذُكُورِيَّتِهِ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى) ، وَهُمْ: بَنُو هَاشِمٍ، وَمِثْلُهُمْ مَوَالِيهِمْ، «لِأَنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمُطَّلِبَ بْنَ رَبِيعَةَ سَأَلَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِمَالَةَ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَقَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَهُوَ نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ، لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، إلَّا أَنْ نَدْفَعَ إلَيْهِ أُجْرَتَهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ. قَالَهُ فِي الْمُغْنِي ": (وَلَوْ كَانَ قِنًّا) فَلَا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ، لِحَدِيثِ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ. وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ، أَشْبَهَ الْحُرَّ، (أَوْ) كَانَ الْعَامِلُ (غَنِيًّا) لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: الْعَامِلُ، أَوْ رَجُلٌ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٌ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٌ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى لِغَنِيٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَيُعْطَى) عَامِلٌ (قَدْرَ أُجْرَتِهِ مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ جَاوَزَتْ ثَمَنَ مَا جَبَاهُ أَوْ لَا نَصًّا، وَذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (إنْ لَمْ يَعْقِدْ لَهُ عَقْدَ إجَارَةٍ) فَإِنْ عَقَدَ لَهُ عَقْدَ إجَارَةٍ، وَسَمَّى لَهُ شَيْئًا مَعْلُومًا، اسْتَحَقَّهُ (إلَّا إنْ تَلِفَتْ) الزَّكَاةُ (بِيَدِهِ) ، أَيْ: الْعَامِلِ (بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ، (وَلَا يَضْمَنُ) مَا تَلِفَ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَحَيْثُ لَا ضَمَانَ (فَ) يُعْطَى أُجْرَتُهُ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْهَا. (وَإِنْ تَطَوَّعَ) الْعَامِلُ (بِعَمَلِهِ فَأُعْطِيَ) ، أَيْ: أَعْطَاهُ إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ أُجْرَتَهُ، (فَلَهُ الْأَخْذُ) لِقِصَّةِ عُمَرَ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُسَمِّيَ أَوْ يَعْقِدَ لَهُ إجَارَةً وَأَنْ يَبْعَثَهُ بِغَيْرِهِمَا. (وَإِنْ عَمِلَ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (إمَامٌ، أَوْ) عَمِلَ عَلَيْهَا (نَائِبُهُ)

بِأَنْ جَبَاهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِلَا بَعْثِ عُمَّالٍ، (لَمْ يَأْخُذْ) مِنْهَا (شَيْئًا) ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. (وَيَجُوزُ كَوْنُ حَامِلِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (وَرَاعِيهَا وَنَحْوِ كَيَّالٍ) كَسَائِقٍ وَحَافِظٍ (مِمَّنْ مَنَعَهَا كَكَافِرٍ وَذَوِي قُرْبَى، لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً لِعَمَلِهِ لَا لِعِمَالَتِهِ) ، بِخِلَافِ الْعَامِلِ وَالْجَابِي وَنَحْوِهِمَا. (وَإِنْ شَاءَ إمَامٌ جَعَلَ لِعَامِلٍ أَخْذَ زَكَاةٍ وَتَفْرِيقِهَا) لِقِصَّةِ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ، (أَوْ) جَعَلَ لَهُ (أَخْذَهَا فَقَطْ) وَيُفَرِّقُهَا الْإِمَامُ إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ أَوْ مَا دُونَ الْمَسَافَةِ، (فَإِنْ) أَذِنَ لَهُ فِي جَمْعِهَا وَ (أَطْلَقَ) ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّفْرِيقِ، وَلَمْ يَنْهَهُ، (فَلَهُ تَفْرِيقُهَا) فِي مُسْتَحَقِّيهَا، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد " أَنَّ زِيَادًا وَلَّى عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ الصَّدَقَةَ، فَلَمَّا جَاءَ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: وَلِلْمَالِ أَرْسَلْتَنِي؟ أَخَذْنَاهَا كَمَا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (وَإِلَّا) بِأَنْ قَالَ لَهُ: لَا تُفَرِّقْهَا (فَلَا) يُفَرِّقُهَا لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ. (وَتُقْبَلُ) شَهَادَةُ (مَالِكِ) مَالٍ مُزَكًّى (عَلَى عَامِلٍ بِوَضْعِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ فِي (غَيْرِ مَوْضِعِهَا) ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا، وَلَا تَجُرُّ لَهُ نَفْعًا، لِبَرَاءَتِهِ بِالدَّفْعِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ فِيهَا، (وَيُصَدَّقُ) رَبُّ الْمَالِ (فِي دَفْعِهَا لَهُ) ، أَيْ: الْعَامِلِ (بِلَا يَمِينٍ وَلَوْ بَعْدَ دَفْعِهَا لَهُ) ، لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى عِبَادَتِهِ (وَيَسْتَرِدُّهَا) الْمَالِكُ (مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الْعَامِلِ بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ (مَا بَقِيَتْ بِيَدِهِ) لِيَضَعَهَا فِي مَوَاضِعِهَا، (وَإِلَّا) تَكُنْ بَاقِيَةً، بَلْ ادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهَا تَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ (فَلَا) اسْتِرْدَادَ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ دَفْعِهَا لَهُ، إلَى قَوْلِهِ: وَإِلَّا فَلَا، هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ فِي الْإِقْنَاعِ " وَلَا فِي الْمُنْتَهَى " وَهِيَ كَمَا تَرَى لَا طَائِلَ تَحْتَهَا.

(وَيَحْلِفُ عَامِلٌ لِمُسْتَحِقٍّ) زَكَاةً أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ رَبِّ الْمَالِ (وَيَبْرَأُ) مِنْ عُهْدَتِهَا، فَتَضِيعُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ. (وَإِنْ ثَبَتَ) عَلَى عَامِلٍ أَخْذُ زَكَاةٍ مِنْ أَرْبَابِهَا (دَفَعَهَا) الْعَامِلُ (لَهُ) ، أَيْ: لِرَبِّ الْمَالِ، (وَلَوْ بِشَهَادَةِ أَرْبَابِ أَمْوَالِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِلَا تَخَاصُمٍ) بَيْنَ عَامِلٍ وَشَاهِدٍ، قُبِلَتْ، وَ (غَرِمَ) عَامِلٌ لِلْفُقَرَاءِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، وَإِنَّمَا قُبِلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَانِعِ. (وَإِنْ شَهِدَ مُسْتَحِقٌّ) كَفَقِيرٍ وَنَحْوِهِ (لِعَامِلٍ أَوْ عَلَيْهِ، لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ جَلْبِ النَّفْعِ. (وَيَصْدُقُ عَامِلٌ فِي قَبْضِ زَكَاةٍ مِنْ رَبِّهَا وَلَوْ عُزِلَ) كَحَاكِمٍ أَقَرَّ بِحُكْمِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ، (أَوْ) أَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَيْهَا إلَّا (بِجُعْلٍ) وَيَأْخُذُهُ (وَ) يُصَدَّقُ عَامِلٌ (فِي) دَعْوَى (دَفْعِ) زَكَاةٍ (لِفَقِيرٍ) فَيَبْرَأُ مِنْهَا. (وَ) يُصَدَّقُ (فَقِيرٌ فِي عَدَمِهِ) ، أَيْ: الدَّفْعِ إلَيْهِ مِنْهَا، وَظَاهِرُهُ: بِلَا يَمِينٍ، وَيَأْخُذُ زَكَاةً أُخْرَى. (وَمَا خَانَ) الْعَامِلُ (فِيهِ أَخَذَهُ الْإِمَامُ) لِيَرُدَّهُ إلَى مُسْتَحَقِّيهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَ (لَا) يَأْخُذُهُ (أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ) لِأَنَّهُ زَكَاةٌ، لَكِنْ إنْ أَخَذَ مِنْهُمْ شَيْئًا ظُلْمًا بِلَا تَأْوِيلٍ، فَلَهُمْ أَخْذُهُ، (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (وَيَلْزَمُهُ) ، أَيْ: الْعَامِلَ (دَفْعُ حِسَابِ مَا تَوَلَّاهُ إذَا طَلَبَ مِنْهُ) ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يَلْزَمُهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْدِعِ ".

(فَرْعٌ: لِعَامِلٍ بَيْعُ زَكَاةٍ مِنْ مَاشِيَةٍ وَغَيْرِهَا لِمَصْلَحَةٍ، وَيَصْرِفُهَا فِي الْأَحَظِّ لِفُقَرَاءَ حَتَّى فِي إجَارَةُ مَسْكَنٍ) لِنَحْوِ فَقِيرٍ، وَ (لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ لَا يَصِحُّ) بَيْعُهُ شَيْئًا مِنْهَا، (وَيَضْمَنُ) إنْ بَاعَ شَيْئًا بِمِثْلِ مِثْلِيٍّ وَقِيمَةِ مُتَقَوِّمٍ. (الرَّابِعُ: مُؤَلَّفٌ) لِلْآيَةِ، (وَحُكْمُهُ بَاقٍ) " لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَيُعْطَوْنَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيُحْمَلُ تَرْكُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إعْطَاءَهُمْ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى إعْطَائِهِمْ فِي خِلَافَتِهِمْ، لَا لِسُقُوطٍ سَهْمِهِمْ، فَإِنَّ الْآيَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، وَ " أَعْطَى أَبُو بَكْرٍ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ، وَمَنَعَ وُجُودَ الْحَاجَةِ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ، وَاخْتِلَافُ أَحْوَالِ النُّفُوسِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ لَا يُخْفِي فَسَادَهُ. (وَهُوَ) ، أَيْ: الْمُؤَلَّفُ: (السَّيِّدُ الْمُطَاعُ فِي عَشِيرَتِهِ) ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِلتَّأْلِيفِ، وَإِنْ خُشِيَ شَرُّهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى ظَالِمٍ، لِعَدَمِ تَنَاوُلِ اسْمِ الْمُؤَلَّفِ لَهُ. (مِمَّنْ) ، أَيْ: كَافِرٍ (يُرْجَى إسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشَى شَرُّهُ كَخَوَارِجَ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «بَعَثَهُ عَلِيٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا؟ فَقَالَ: إنِّي إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (أَوْ) مُسْلِمٌ (يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إيمَانِهِ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: " هُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرْضِخُ لَهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ، فَإِذَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الصَّدَقَةِ قَالُوا: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ،

وَإِذَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَابُوهُ " رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّفْسِيرِ ". (أَوْ) يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ (إسْلَامُ نَظِيرِهِ) ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْطَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ مَعَ حُسْنِ نِيَّاتِهِمَا وَإِسْلَامِهِمَا رَجَاءَ إسْلَامِ نَظِيرِهِمَا، (أَوْ) لِأَجْلِ (جِبَايَتِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا) إلَّا بِالتَّخْوِيفِ، (أَوْ) لِأَجْلِ (دَفْعٍ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) بِأَنْ يَكُونُوا فِي أَطْرَافِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، إذَا أُعْطُوا مِنْ الزَّكَاةِ دَفَعُوا الْكُفَّارَ عَمَّنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَلَا. (أَوْ) يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ (نُصْحٌ فِي الْجِهَادِ) ، فَيُعْطَى لِذَلِكَ (وَيُعْطَى) مُؤَلَّفٌ مِنْ زَكَاةٍ (مَا) ، أَيْ: قَدْرًا (يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ) ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) ، أَيْ: الْمُطَاعِ فِي عَشِيرَتِهِ (فِي ضَعْفِ إسْلَامِهِ) ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ، وَ (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ: (إنَّهُ مُطَاعٌ) فِي عَشِيرَتِهِ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِعَدَمِ تَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ. (وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ) مُؤَلَّفٍ (مَا أَخَذَهُ) إنْ أُعْطِيَ (لِكَفِّ شَرِّهِ كَهَدِيَّةٍ لِعَامِلٍ) وَرِشْوَةٍ، لِحَدِيثِ: «هَدَايَا الْعُمَّالُ غُلُولٌ» (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُعْطِيَ لِكَفِّ شَرِّهِ، بَلْ لِيَقْوَى إيمَانُهُ، أَوْ يُسْلِمَ نَظِيرَهُ، أَوْ يَنْصَحَ فِي الْجِهَادِ، أَوْ يَدْفَعَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِ (حَلَّ) لَهُ مَا أَخَذَهُ كَبَاقِي أَهْلِ الزَّكَاةِ. (الْخَامِسُ: مُكَاتَبٌ) قَدَرَ عَلَى تَكَسُّبٍ، أَوَّلًا: لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60] ، (وَلَوْ قَبْلَ حُلُولِ نَجْمِ) كِتَابَةٍ لِئَلَّا يَحِلَّ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ. فَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ (فَيُعْطَى) الْمُكَاتَبُ (وَفَاءَ دَيْنِ كِتَابَتِهِ، وَلَوْ مَعَ قُوَّةِ كَسْبٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَ (لَا) يُعْطَى الْمُكَاتَبُ مِنْ الزَّكَاةِ (لِجِهَةِ فَقْرِهِ، لِأَنَّهُ قِنٌّ) مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَالْقِنُّ لَا يُعْطَى مِنْهَا. (وَيُجْزِئُ) مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ، و (لَا) يَشْتَرِي (بِعَرْضٍ رَقَبَةٍ لَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ) لِرَحِمٍ أَوْ تَعْلِيقٍ،

(فَيُعْتِقُهَا) عَنْ زَكَاتِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60] وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِلْقِنِّ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، لِأَنَّ الرَّقَبَةَ إذَا أُطْلِقَتْ انْصَرَفَتْ إلَيْهِ، وَتَقْدِيرُهَا: وَهِيَ فِي إعْتَاقِ الرِّقَابِ، (وَلَهُ وَلَاؤُهَا) لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . (وَ) يُجْزِئُ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (أَنْ يَفْدِيَ بِهَا أَسِيرًا مُسْلِمًا) نَصًّا، لِأَنَّهُ فَكُّ رَقَبَةٍ مِنْ الْأَسْرِ، فَهُوَ كَفَكِّ الْقِنِّ مِنْ الرِّقِّ، وَإِعْزَازًا لِلدِّينِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: (وَمِثْلُهُ) لَوْ (دَفَعَ لِفَقِيرٍ مُسْلِمٍ غَرَّمَهُ سُلْطَانٌ مَالًا لِيَدْفَعَ جَوْرَهُ) ، فَيُجْزِئُهُ. وَ (لَا) يُجْزِئُ مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (أَنْ يُعْتِقَ قِنَّهُ أَوْ مُكَاتَبًا عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ زَكَاتِهِ، لِأَنَّ أَدَاءَ زَكَاةِ كُلِّ مَالٍ تَكُونُ مِنْ جِنْسِهِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ. وَكَذَا لَا يُجْزِئُ الدَّفْعُ مِنْهَا لِمَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِأَدَاءِ مَالٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ. وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ التِّجَارَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي قِيمَتِهِمْ لَا فِي عَيْنِهِمْ. (وَمَا أَعْتَقَ إمَامٌ أَوْ سَاعٍ مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (فَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ نَائِبُهُمْ، وَمَا أَعْتَقَهُ رَبُّ الْمَالِ فَوَلَاؤُهُ لَهُ. (السَّادِسُ: غَارِمٌ) وَهُوَ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (تَدَيَّنَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ) ، أَيْ: وَصْلٍ، كَقَبِيلَتَيْنِ، أَوْ أَهْلِ قَرْيَتَيْنِ، (وَلَوْ بَيْنَ أَهْلِ ذِمَّةٍ) تَشَاجَرُوا فِي دِمَاءٍ أَوْ أَمْوَالٍ وَخِيفَ مِنْهُ، فَتَوَسَّطَ بَيْنَهُمْ رَجُلٌ وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَالْتَزَمَ فِي ذِمَّتِهِ مَالًا عِوَضًا عَمَّا بَيْنَهُمْ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ، فَقَدْ أَتَى مَعْرُوفًا عَظِيمًا، فَكَانَ مِنْ الْمَعْرُوفِ حَمْلُهُ عَنْهُ مِنْ الصَّدَقَةِ لِئَلَّا يُجْحِفَ بِسَادَةِ الْقَوْمِ الْمُصْلِحِينَ ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَيَتَحَمَّلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْحَمَالَةَ - بِفَتْحِ الْحَاءِ - ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْقَبَائِلِ يَسْأَلُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، فَأَقَرَّتْ

الشَّرِيعَةُ ذَلِكَ، وَأَبَاحَتْ الْمَسْأَلَةَ فِيهِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ تَحَمَّلَ، (إتْلَافًا أَوْ نَهْبًا عَنْ غَيْرِهِ، أَوْ) تَحَمَّلَ مَالًا (لِتَسْكِينِ فِتْنَةٍ) ، فَيَأْخُذُ مِنْ زَكَاةٍ. (وَلَوْ) كَانَ (غَنِيًّا) ، لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَأَشْبَهَ الْمُؤَلَّفَ وَالْعَامِلَ. (إنْ لَمْ يَدْفَعْ مِنْ مَالِهِ) مَا تَحَمَّلَهُ، لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ مِنْهُ لَمْ يَصِرْ مَدِينًا، وَإِنْ اقْتَرَضَ وَوَفَّاهُ، فَلَهُ الْأَخْذُ لِوَفَائِهِ، لِبَقَاءِ الْغُرْمِ (أَوْ لَمْ يَحِلَّ دَيْنُهُ) فَلَهُ الْأَخْذُ، لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: «تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَأَلْتُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَك بِهَا.» (أَوْ) تَحَمَّلَ (دَيْنَ ضَمَانٍ) ، بِأَنْ ضَمِنَ غَيْرَهُ فِي دَيْنٍ (وَأَعْسَرَ) ضَامِنٌ مَعَ مَضْمُونٍ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةٍ لِوَفَائِهِ، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا، لَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِمَا، وَلَا إلَى أَحَدِهِمَا. الثَّانِي مِنْ ضَرْبَيْ الْغَارِمِ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ تَدَيَّنَ لِشِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ كُفَّارٍ، أَوْ) تَدَيَّنَ (مُكَاتَبٌ لِعِتْقِ) نَفْسِهِ (أَوْ) تَدَيَّنَ (لِنَفْسِهِ) فِي (شَيْءٍ) مُبَاحٍ، (أَوْ) تَدَيَّنَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ (مُحَرَّمٍ وَتَابَ) مِنْهُ (وَأَعْسَرَ) بِالدِّينِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة: 60] (وَيُعْطَى) غَارِمٌ (وَفَاءَ دَيْنِهِ كَمُكَاتَبٍ) ، لِانْدِفَاعِ حَاجَتِهِمَا بِهِ. (وَلَوْ) كَانَ مَا لَزِمَهُ (دَيْنًا لِلَّهِ) تَعَالَى، كَحَجٍّ فَسَدَ، وَعَجَزَ عَنْ قَضَائِهِ، فَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِيَقْضِيَهُ، لِأَنَّهُ دَيْنُ اللَّهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ مِنْ دَيْنِ الْآدَمِيِّينَ (وَلَا يَقْضِي مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ، (دَيْنٌ) عَلَى (مَيِّتٍ) ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ، لِقَبُولِهَا، كَمَا لَوْ كَفَّنَهُ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ اسْتَدَانَهُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ، أَوْ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ. (وَلِإِمَامٍ قَضَاءُ دَيْنٍ مِنْهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (عَنْ حَيٍّ) بِلَا وَكَالَةٍ،

لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي إيفَائِهِ، وَلِهَذَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ. (وَالْأَوْلَى لَهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ، (وَلِمَالِكِ) مَالٍ مُزَكًّى (دَفْعُهَا لِسَيِّدِ مُكَاتَبٍ) مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ (لِرَدِّهِ) ، أَيْ: السَّيِّدِ (مَا قَبَضَ) مِنْ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ لِمَنْ قَبَضَهُ مِنْهُ (إنْ رَقَّ) الْمُكَاتَبُ (لِعَجْزٍ) عَنْ أَدَاءِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْعِتْقِ الَّذِي قَبَضَ لِأَجْلِهِ، وَ (لَا) يَرُدُّ سَيِّدُ مُكَاتَبٍ (مَا قَبَضَ مُكَاتَبٌ) مِنْ زَكَاةٍ وَدَفَعَهُ لِسَيِّدِهِ، ثُمَّ عَجَزَ، لِأَنَّهُ مَلَكَ مَا قَبَضَهُ بِالْقَبْضِ، فَلَمَّا عَجَزَ عَادَ هُوَ وَمَا بِيَدِهِ لِسَيِّدِهِ (وَلِمَالِكٍ دَفْعُهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لِغَرِيمٍ مَدِينٍ، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا) الْمَدِينُ (أَوْ) لَمْ (يَأْذَنْ لَهُ) فِي دَفْعِهَا نَصًّا، لِأَنَّهُ دَفَعَ عَنْهُ الزَّكَاةَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ فَقَضَى بِهَا دَيْنَهُ، (وَإِنْ دَفَعَ) مُزْكٍ زَكَاةَ مَالِهِ (لِغَارِمٍ لِفَقْرِهِ، جَازَ) لِلْغَارِمِ (أَنْ يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ) لِمِلْكِهِ إيَّاهُ مِلْكًا تَامًّا. (وَإِنْ دَفَعَ لَهُ لِقَضَاءِ دَيْنَهُ، لَمْ يَجُزْ) لَهُ (صَرْفُهُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ) كَانَ (فَقِيرًا) ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ أَخْذًا مُرَاعًى. (وَيَتَّجِهُ: لَوْ دَفَعَ) إنْسَانٌ (نَحْوَ تَمْرَةٍ لِصَائِمٍ) لِيُفْطِرَ عَلَيْهَا. (وَ) كَذَا (نَحْوُ ثَوْبٍ لِفَقِيرِ لِيَلْبَسَهُ تَعَيَّنَ مَدْفُوعٌ لَهُ) ، أَيْ: لِمُسْتَحِقِّ قَبْضِهِ، فَلَا يَسْتَعْمِلُهُ الْمُسْتَحِقُّ فِي غَيْرِ مَا دَفَعَ لِأَجْلِهِ (إلَّا لِغَرَضٍ أَعْلَى) مِمَّا قَصَدَ الدَّافِعُ اسْتِعْمَالَ مَدْفُوعٍ بِهِ، كَاطِّعَامِ مُسْتَحِقِّ التَّمْرَةِ (لِصَائِمٍ آخَرَ) أَحْوَجَ مِنْهُ لِأَكْلِهَا، أَوْ إلْبَاسِهِ الثَّوْبَ لِفَقِيرٍ أَحْوَجَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ عُرْيَانًا. وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ، إذْ مُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ التَّصَرُّفَ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ، وَلَا يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ قَصْدِ الدَّافِعِ، وَهَذَا الْمُسْتَحِقُّ لِمَا مَلَكَ، قَبَضَ نَحْوَ التَّمْرَةِ أَوْ الثَّوْبِ، إنْ شَاءَ اسْتَعْمَلَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهُ لِغَيْرِهِ. فَإِلْزَامُهُ بِاسْتِعْمَالِهِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ تَحَكُّمٌ.

نَعَمْ، إذَا وُجِدَ مُضْطَرٌّ وَعِنْدَهُ مَا يَدْفَعُ اضْطِرَارَهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عِنْدَهُ مَوْهُوبًا لَهُ، أَوْ مَمْلُوكًا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ. (السَّابِعُ: غَازٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 60] (بِلَا دِيوَانٍ، أَوَّلُهُ) فِي الدِّيوَانِ شَيْءٌ، (وَلَا يَكْفِيهِ) لِفَرْدِهِ (فَيُعْطَى مِنْهَا) - أَيْ: الزَّكَاةِ، (وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا) لِأَنَّهُ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ - (مَا يَحْتَاجُ) إلَيْهِ (لِغَزْوِهِ ذَهَابًا وَإِقَامَةً) بِأَرْضِ الْعَدُوِّ، (وَإِيَابًا) إلَى بَلَدِهِ. (وَنَحْوُهُ ثَمَنُ سِلَاحٍ) وَدِرْعٍ (وَفَرَسٍ لِفَارِسٍ وَحُمُولَتِهِ) ، أَيْ: مَا يَحْمِلُهُ مِنْ بَعِيرٍ وَنَحْوِهِ، (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) إنْ ادَّعَى (أَنَّهُ يُرِيدُ الْغَزْوَ) ، لِأَنَّ إرَادَتَهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ. (وَيُجْزِئُ) أَنْ يُعْطِيَ مِنْ زَكَاةٍ (لِحَجِّ فَرْضِ فَقِيرٍ وَعُمْرَتِهِ) فَيُعْطِي مَا يَحُجُّ بِهِ فَقِيرٌ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَعْتَمِرُ، أَوْ يُعِينُهُ فِيهِمَا، لِحَدِيثِ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ: أَنَّ الرِّبَاطَ كَالْغَزْوِ. (وَلَوْ لَمْ يَجِبَا) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، قَالَهُ

الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْفَقِيرُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنْهُ كَالتَّطَوُّعِ. (وَيَتَّجِهُ: بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (لَا) يُعْطِي أَعْزَبَ مَكْفِيَّ الْمُؤْنَةِ غَيْرَ تَائِقٍ مِنْ الزَّكَاةِ (لِتَزْوِيجِهِ، فَإِنْ اسْتَدَانَ لَهُ) ، أَيْ: التَّزْوِيجِ، (جَازَ) أَنْ يُعْطَى مِنْهَا مَا يُوَفِّي بِهِ دَيْنَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَ (لَا) يُجْزِئُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا فَرَسًا، يَحْبِسُهَا) فِي سَبِيلِ اللَّهِ، (أَوْ) أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا (عَقَارًا يَقِفُهُ عَلَى غُزَاةٍ) ، لِعَدَمِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، (وَلَا) يُجْزِئُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ (غَزْوُهُ عَلَى فَرَسٍ) أَوْ بِدِرْعٍ وَنَحْوِهِ (مِنْهَا) ، أَيْ: زَكَاتِهِ، لِأَنَّ نَفْسَهُ لَيْسَتْ مَصْرِفًا لِزَكَاتِهِ، كَمَا لَا يَقْضِي بِهَا دَيْنَهُ. (وَلِإِمَامٍ شِرَاءُ فَرَسٍ بِزَكَاةِ رَجُلٍ وَدَفَعَهَا) ، أَيْ: الْفَرَسَ (إلَيْهِ) أَيْ: رَبِّ الزَّكَاةِ (لِيَغْزُوَ عَلَيْهَا) لِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهَا بِدَفْعِهَا لِلْإِمَامِ، وَتَقَدَّمَ

لِإِمَامٍ دَفْعُ زَكَاةٍ وَصَدَقَةٍ لِمَنْ أُخِذَتَا مِنْهُ. (وَإِنْ لَمْ يَغْزُ) مَنْ أَخَذَ فَرَسًا أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الزَّكَاةِ، (رَدَّهَا) عَلَى إمَامٍ، لِأَنَّهُ أُعْطِيَ عَلَى عَمَلٍ وَلَمْ يَعْمَلْهُ. نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: إذَا خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَخَذَ مِنْ الصَّدَقَةِ. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ وَ (كَفَرَسٍ حَيَوَانٌ) كَبَغْلٍ وَفِيلٍ (يُقَاتِلُ عَلَيْهِ) فَلِلْإِمَامِ شِرَاؤُهُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ، (وَ) شِرَاءُ (سُفُنٍ لِجِهَادٍ، لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْمَذْكُورَ (مِنْ حَاجَةِ الْغَازِي) وَمَصْلَحَتِهِ، وَكُلُّ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ فِعْلُهُ، لِأَنَّهُ بِالْمَصَالِحِ أَدْرَى مِنْ غَيْرِهِ. (الثَّامِنُ: ابْنُ سَبِيلٍ) لِلْآيَةِ (وَهُوَ: الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ) بِسَفَرِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : كَوْنُهُ مُنْقَطِعًا (عُرْفًا) فَلَا يَقْدَحُ وُجُودُ بَقِيَّةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ نَفَقَتِهِ، إذْ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (بِغَيْرِ بَلَدِهِ وَلَا يُعْطَى مُنْشِئٌ سَفَرًا مِنْهَا) ، أَيْ: بَلَدِهِ، لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يَصِيرُ ابْنَ سَبِيلٍ فِي ثَانِي الْحَالِ، وَالسَّبِيلُ هِيَ: الطَّرِيقُ، وَسُمِّيَ مَنْ يُغَيِّرُ بَلَدَهُ: ابْنَ سَبِيلٍ، لِمُلَازِمَتِهِ لَهَا، كَمَا يُقَالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ لِمَنْ يَكْثُرُ خُرُوجُهُ فِيهِ، وَابْنُ الْمَاءِ لِطَيْرِهِ، وَلِمُلَازَمَتِهِ لَهُ، (فَيُعْطَى) ابْنُ السَّبِيلِ. (وَلَوْ مَعَ غِنَاهُ بِبَلَدِهِ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَى مَالِهِ، وَعَنْ الِانْتِفَاعِ

بِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ سَقَطَ مَتَاعُهُ فِي الْبَحْرِ أَوْ ضَاعَ. (وَ) لَوْ (وَجَدَ مُقْرِضًا) ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فِي بَلَدِهِ، أُعْطِيَ لِفَقْرِهِ مَا يَكْفِيهِ سَنَةً، وَأُعْطِي لِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ (مَا يُبَلِّغُهُ بَلَدَهُ) إنْ كَانَ ذَاهِبًا إلَيْهَا (أَوْ) يُبَلِّغُهُ (مُنْتَهَى قَصْدِهِ) إنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهَا، وَانْقَطَعَ قَبْلَ الْبَلَدِ الَّذِي قَصَدَهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، (وَعَوْدُهُ إلَيْهَا) ، أَيْ: بَلَدِهِ، لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى بُلُوغِ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ، وَمَحَلُّهُ (إنْ كَانَ بِسَفَرٍ مُبَاحٍ) كَطَلَبِ رِزْقٍ أَوْ سَفَرِ طَاعَةٍ، كَحَجٍّ، وَعِلْمٍ شَرْعِيٍّ، وَوَسَائِلُهُ، وَصِلَةِ رَحِمٍ (أَوْ) سَفَرٍ (مُحَرَّمٍ، وَتَابَ) مِنْهُ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا، وَ (لَا) يُعْطَى ابْنُ سَبِيلٍ فِي سَفَرٍ (مَكْرُوهٍ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَ) لَا فِي سَفَرِ (نُزْهَةٍ) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. (وَيَتَّجِهُ: مَا لَمْ يَتُبْ) مَنْ سَافَرَ سَفَرًا مَكْرُوهًا أَوْ نُزْهَةً، (بِأَنْ نَوَى) قَلْبَ سَفَرِهِ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ (مُبَاحًا) كَالتِّجَارَةِ، لِأَنَّ التَّائِبَ مِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ يُعْطَى، فَهَذَا أَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لِتِجَارَةٍ بَعْدَ وُجُوبِ زَكَاةِ قِيمَتِهِ) وَقَبْلَ إخْرَاجِهَا (أَجْزَأَ) سَيِّدَهُ (دَفْعُهَا) ، أَيْ: زَكَاةِ قِيمَتِهِ (إلَيْهِ) - أَيْ: الْعَتِيقِ - لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا مِنْ أَهْلِهَا، مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ مَانِعٌ مِنْ كُفْرٍ وَنَحْوِهِ (وَيُجْزِئُ دَفْعُ نَحْوِ زَكَاةٍ) كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ، (وَكَفَّارَةٍ لِصَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا) لِصِغَرِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، لِلْعُمُومِ، فَيَصْرِفُ فِي أُجْرَةِ رَضَاعِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ (وَيَقْبَلُ) لَهُ وَلِيُّهُ، (وَيَقْبِضُ لَهُ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ، نَحْوَ الزَّكَاةِ (وَلَوْ) كَانَ (مُمَيِّزًا وَلِيُّهُ) فِي مَالِهِ (وَمَعَ عَدَمِهِ) ، أَيْ: الْوَلِيِّ، يَقْبِضُ لَهُ (مَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمٍّ وَقَرِيبٍ وَغَيْرِهِمْ نَصًّا) لِأَنَّ حِفْظَهُ مِنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ.

(وَسُنَّ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ) ، أَيْ: أَهْلِ الزَّكَاةِ (الثَّمَانِيَةِ بِلَا تَفْضِيلٍ) بَيْنَهُمْ (إنْ وُجِدَتْ) الْأَصْنَافُ (بِمَحَلٍّ وَجَبَتْ) الزَّكَاةُ (فِيهِ) ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَتَحْصِيلًا لِلْإِجْزَاءِ يَقِينًا. (وَيُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى) صِنْفٍ (وَاحِدٍ) مِنْهَا، أَوْ شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِهَا. نَصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَبِيصَةَ: أَقِمْ عِنْدَنَا حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا وَأَمَرَ بَنِي زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ» وَلَوْ وَجَبَ الِاسْتِيعَابُ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا إلَى وَاحِدٍ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا. (وَ) يُجْزِئُ دَفْعُهَا (لِذَوِي أَرْحَامِهِ كَعَمَّةٍ) وَبِنْتِ أَخٍ (وَلَوْ وَرِثُوا لِضَعْفِ قَرَابَتِهِمْ) ، لِكَوْنِهِمْ لَا يَرِثُونَ بِهَا مَعَ عَصَبَةٍ، وَلَا ذَوِي فَرْضٍ غَيْرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَ (غَيْرِ عَمُودِيٍّ نَسَبُهُ) لِأَمَةٍ لَا يُجْزِئُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ، وَيَجُوزُ إعْطَاءُ ذَوِي الرَّحِمِ غَيْرَهُمْ. (وَ) يُجْزِئُ دَفْعُهَا (لِمَنْ تَبَرَّعَ) مُزْكٍ (بِنَفَقَتِهِ بِضَمِّهِ إلَى عِيَالِهِ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى . (وَشُرِطَ) لِإِجْزَاءِ زَكَاةٍ (تَمْلِيكُ مُعْطًى وَإِقْبَاضُهَا لَهُ عَيْنًا) لَا قِيمَةً فِي غَيْرِ الْعُرُوضِ، (فَلَا يُجْزِئُ إبْرَاءُ مَدِينِهِ) مِنْ دَيْنِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، (وَلَا) تُجْزِئُ (حَوَالَةٌ بِهَا) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ إيتَاءً، وَكَذَا الْحَوَالَةُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ لَهُ يُحِيلُ عَلَيْهِ. (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ مُسْتَحِقٍّ) لِلزَّكَاةِ بِهَا (قَبْلَ قَبْضِهَا) ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِهِ (وَهِيَ) ، أَيْ: الزَّكَاةُ (مِنْ ضَمَانِ مَالِكٍ) إنْ تَلِفَتْ، وَلَوْ بَعْدَ عَزْلِهِ لَهَا، لِبَقَائِهَا فِي مِلْكِهِ، (وَلَوْ قَالَ) مُسْتَحِقُّهَا (لِمَالِكٍ قَبْلَ قَبْضِهَا) مِنْهُ (اشْتَرِ لِي بِهَا ثَوْبًا) أَوْ غَيْرَهُ، (فَشَرَاهُ) لَهُ، (لَمْ يُجْزِئْهُ وَهُوَ) ، أَيْ: الثَّوْبُ (لِمَالِكٍ) دُونَ مُسْتَحِقٍّ.

فصل الغارم والمكاتب إذا سقط ما عليهما من مال هل يخرجا الزكاة

[فَصَلِّ الْغَارِم وَالْمُكَاتَب إذَا سقط مَا عَلَيْهِمَا مِنْ مَال هَلْ يخرجا الزَّكَاة] فَصْلٌ) (وَإِنْ سَقَطَ مَا عَلَى غَارِمٍ) مِنْ دَيْنٍ، (أَوْ) سَقَطَ مَا عَلَى (مُكَاتَبٍ) مِنْ مَالِ كِتَابَةٍ، (أَوْ فَضَلَ مَعَهُمَا) ، أَيْ: الْغَارِمِ وَالْمُكَاتَبِ شَيْءٌ عَنْ الْوَفَاءِ، (أَوْ) فَضَلَ (مَعَ غَازٍ أَوْ ابْنِ سَبِيلٍ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِ، رَدَّ) غَارِمٌ، أَوْ مُكَاتَبٌ سَقَطَ مَا عَلَيْهِ (الْكُلُّ) ، أَيْ: مَا أَخَذَهُ (أَوْ) رَدَّ مَنْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ غَارِمٍ وَمُكَاتَبٍ وَغَازٍ وَابْنِ سَبِيلٍ (مَا فَضَلَ) مَعَهُ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ مُرَاعًى، فَإِنْ صَرَفَهُ فِي جِهَتَهُ الَّتِي اسْتَحَقَّ أَخَذَهُ لَهَا، وَإِلَّا اسْتَرْجَعَ مِنْهُ، (وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ) الْأَرْبَعَةِ (مِنْ فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ وَعَامِلٍ وَمُؤَلَّفٍ، يَتَصَرَّفُ فِي فَاضِلٍ بِمَا شَاءَ) ، لِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَضَافَ الزَّكَاةَ إلَيْهِمْ فَاللَّامُ الْمِلْكِ، ثُمَّ قَالَ: {وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60] وَلِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ لِمَعْنًى يَحْصُلُ بِأَخْذِهِمْ، وَهُوَ: غِنَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَأَدَاءِ أَجْرِ الْعَامِلِينَ، وَتَأْلِيفِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَالْأَرْبَعَةُ الْآخَرُونَ يَأْخُذُونَ لِمَعْنًى لَا يَحْصُلُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ فَافْتَرَقُوا. (وَمَنْ سَأَلَ وَاجِبًا) كَمَنْ طَلَبَ شَيْئًا مِنْ زَكَاةٍ (مُدَّعِيًا كِتَابَةً) ، أَيْ: أَنَّهُ مُكَاتَبٌ، (أَوْ) مُدَّعِيًا (غُرْمًا) ، أَيْ: أَنَّهُ غَارِمٌ لِنَفْسِهِ، (أَوْ) مُدَّعِيًا (أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ، أَوْ) مُدَّعِيًا (فَقْرًا، وَعُرِفَ بِغِنًى) قَبْلَ ذَلِكَ، (لَمْ يُقْبَلْ) قَوْلُهُ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ، وَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ، صُدِّقَ فِي إرَادَةِ السَّفَرِ كَمَا تَقَدَّمَ بِلَا يَمِينٍ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّهُ غَارِمٌ، لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَيَكْفِي الِاشْتِهَارُ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ، وَتَبِعَهُمَا فِي: " الْإِقْنَاعِ " (وَهِيَ) ، أَيْ: الْبَيِّنَةُ (فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأَخِيرَةِ) إذَا ادَّعَى فَقْرًا مَنْ عُرِفَ بِغِنًى: (ثَلَاثَةُ رِجَالٍ) ، لِحَدِيثِ: «إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ إلَّا لِثَلَاثَةٍ:

رَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالسَّدَادُ بِالْفَتْحِ: الْقَصْدُ فِي الدِّينِ، وَبِالْكَسْرِ: الْبُلْغَةُ. قَالَهُ فِي ثَمَرَاتِ الْأَوْرَاقِ ". (وَإِنْ صَدَّقَ مُكَاتَبًا سَيِّدُهُ) ، قُبِلَ وَأُعْطِيَ، (أَوْ) صَدَّقَ (غَارِمًا غَرِيمُهُ) أَنَّهُ مَدِينُهُ، (قُبِلَ وَأُعْطِيَ) مِنْ الزَّكَاةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ. (وَيُقَلَّدُ مَنْ ادَّعَى) مِنْ فُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينَ (عِيَالًا) ، فَيُعْطَى لَهُ وَلَهُمْ بِلَا بَيِّنَةٍ، (أَوْ) ادَّعَى (فَقْرًا وَلَمْ يُعْرَفْ بِغِنًى) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَالِ، فَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً بِهِ، (وَكَذَا) يُقَلَّدُ (جَلْدٌ) - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ، أَيْ: صَحِيحٌ - (ادَّعَى عَدَمَ مَكْسَبٍ) ، وَيُعْطَى مِنْ زَكَاةٍ (وَلَوْ مُتَجَمِّلًا) ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّجَمُّلِ الْغِنَى، قَالَ تَعَالَى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ، وَإِنْ رَآهُ ظَاهِرَ الْمَسْأَلَةِ أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ (بَعْدَ إعْلَامِهِ) ، أَيْ: الْجَلْدِ (وُجُوبًا) عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَيَتَّجِهُ) وُجُوبُ الْإِعْلَامِ (لِجَاهِلِ) الْحُكْمِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": يُتَوَجَّهُ وُجُوبُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَعْطَاهُ بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ، وَقَوْلُهُمْ: أَخْبَرَهُ وَأَعْطَاهُ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ - (أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الرَّجُلَيْنِ الَّذِينَ سَأَلَاهُ وَلَمْ يُحَلِّفْهُمَا» وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْنَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، فَصَعَّدَ فِينَا النَّظَرَ،

فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَحَرُمَ أَخْذُ) صَدَقَةٍ (بِدَعْوَى غَنِيٍّ فَقْرًا وَلَوْ مِنْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَسُنَّ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ فِي أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ) كَذَوِي رَحِمِهِ، وَمَنْ لَا يَرِثُهُ مِنْ نَحْوِ أَخٍ أَوْ عَمٍّ (عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ) فَيَزِيدُ ذَا الْحَاجَةِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، لِحَدِيثِ: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (وَيَبْدَأُ بِأَقْرَبِهِمْ) ، أَيْ: قَرَابَاتِهِ مِنْهُ (كَ) مَا لَوْ دَفَعَهَا لِ (جِيرَانِهِ) ، فَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، (وَلَا يَسْتَخْدِمُ بِهَا) ، أَيْ: الزَّكَاةِ (مُعَطِّلٌ) قَرِيبًا وَلَا غَيْرَهُ، مُرَاعَاةً لِلْإِخْلَاصِ، (وَلَا يَدْفَعُ بِهَا مَذَمَّةً) عَنْ نَفْسِهِ بَلْ يَقْصِدُ بِدَفْعِهَا الِامْتِثَالَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، (وَلَا يَقِي بِهَا مَالَهُ كَقَوْمٍ عَوَّدَهُمْ بُرًّا فَيُعْطِيهِمْ مِنْهَا لِدَفْعِ مَا عَوَّدَهُمْ) ، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": هَذَا إذَا كَانَ الْمُعْطِي غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلزَّكَاةِ. انْتَهَى. لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَصْرِفُهَا إلَى نَفْعِهِ ،. (وَمَنْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ زَكَاةٍ سَبَبَانِ) كَفَقِيرٍ غَارِمٍ، أَوْ ابْنِ سَبِيلٍ، (أَخَذَ بِهِمَا) ، أَيْ: السَّبَبَيْنِ، فَيُعْطَى بِفَقْرِهِ كِفَايَتَهُ مَعَ عَائِلَتِهِ سَنَةً، وَبِغُرْمٍ مَا يَفِي بِهِ دَيْنَهُ، (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى بِأَحَدِهِمَا) ، أَيْ: السَّبَبَيْنِ، (لَا بِعَيْنِهِ) لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ وَعَدَمِهِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: إنْ لَمْ تَخْتَلِفْ أَحْكَامُهُمَا كَفَقِيرٍ مُؤَلَّفٍ، جَازَ أَنْ يُعْطَى بِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، لِعَدَمِ اخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا. (وَإِنْ أُعْطِيَ بِهِمَا) ، أَيْ: السَّبَبَيْنِ، (وَعُيِّنَ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرٌ) مَعْلُومٌ، فَذَاكَ، (وَإِلَّا) يُعَيَّنْ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرٌ، (كَانَ) مَا أُعْطِيَهُ (بَيْنَهُمَا) ،

فصل لا تجزئ زكاة لكافر غير مؤلف

أَيْ: السَّبَبَيْنِ، (نِصْفَيْنِ) وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّعْيِينِ لِكُلٍّ قَدْرًا، أَوْ الْقِسْمَةُ عَنْ عَدَمِهِ، لَوْ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الرَّدَّ، كَمَا لَوْ أُبْرِئَ الْغَارِمُ فِي الْمِثَالِ، فَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ لِلْغُرْمِ دُونَ الْفَقْرِ. (وَتُجْزِئُ) الزَّكَاةُ، أَيْ: دَفْعُهَا (لِغَرِيمِهِ) لِيَقْضِيَ بِهَا دَيْنَهُ (وَمُكَاتَبِهِ) لِيَفُكَّ بِهَا رَقَبَتَهُ، (مَا لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ) ، قَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ حِيلَةٌ، فَلَا يُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يَجُوزُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ قَصَدَ بِالدَّفْعِ الْحِيلَةَ (عَلَى إحْيَاءِ مَالِهِ) وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ، لَمْ يَجُزْ. (وَلَوْ) كَانَتْ الْحِيلَةُ (بِمُوَاطَأَةٍ) مِنْ الدَّائِنِ وَغَرِيمِهِ، عَلَى أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْهَا دَيْنَهُ، لَمْ يَجُزْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَدَّ الْغَرِيمُ مِنْ نَفْسِهِ مَا قَبَضَهُ وَفَاءً عَنْ دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا مُوَاطَأَةٍ، فَيَجُوزُ أَخْذُهُ (وَعِنْدَ الْقَاضِي) أَبِي يَعْلَى (وَغَيْرِهِ: الْحِيلَةُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ) ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا تَمْلِيكًا صَحِيحًا، فَإِذَا شَرَطَ الرُّجُوعَ لَمْ يُوجَدْ التَّمْلِيكُ الصَّحِيحُ. [فَصْلٌ لَا تُجْزِئُ زَكَاةٌ لِكَافِرٍ غَيْرِ مُؤَلَّفٍ] (فَصْلٌ) (وَلَا تُجْزِئُ) زَكَاةٌ (لِكَافِرٍ غَيْرِ مُؤَلَّفٍ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ. (وَلَا) تُجْزِئُ إلَى (كَامِلِ رِقٍّ) مِنْ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَلَوْ كَانَ سَيِّدُهُ فَقِيرًا وَنَحْوِهِ، لِاسْتِغْنَائِهِ بِنَفَقَةِ سَيِّدِهِ، (غَيْرِ عَامِلٍ) لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ سَيِّدُهُ أُجْرَةَ عَمَلِهِ يَسْتَحِقُّهَا، (وَ) غَيْرِ (مُكَاتَبٍ) لِأَنَّهُ فِي الرِّقَابِ. (وَلَا) تُجْزِئُ (لِزَوْجَةِ) الْمُزَكِّي، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ، فَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ. وَكَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، وَالنَّاشِزُ كَغَيْرِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَغَيْرِهِ. (وَ) لَا تُجْزِئُ إلَى (فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (مُسْتَغْنِيَيْنِ بِنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ) عَلَى

قَرِيبٍ أَوْ زَوْجٍ غَنِيَّيْنِ (وَلَمْ تَتَعَذَّرْ) النَّفَقَةُ مِنْهُمَا، لِحُصُولِ الْكِفَايَةِ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لَهُمَا، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ عَقَارٌ يَسْتَغْنِي بِأُجْرَتِهِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ تَعَذَّرَتْ مِنْهُمَا، (فَتُجْزِئُ) زَكَاةٌ دُفِعَتْ إلَيْهِمَا (إذَنْ) ، أَيْ: عِنْدَ التَّعَذُّرِ لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا. وَ (لَا) تُجْزِئُ لِزَوْجَةٍ غَنِيٍّ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا (لِنُشُوزِ) هَا، ذَكَرَهُ فِي " الِانْتِصَارِ " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهَا وَإِنْ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِالنُّشُوزِ، فَهِيَ كَمَنْ غَيَّبَ مَالَهُ لِوُجُوبِ الطَّاعَةِ عَلَيْهَا. (وَلَا) تُجْزِئُ إلَى (عَمُودِيٍّ نَسَبُهُ) ، أَيْ: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ عَلَوْا أَوْ سَفَلُوا مِنْ أَوْلَادِ الْبَنِينَ أَوْ الْبَنَاتِ، الْوَارِثُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ نَصًّا، لِأَنَّ دَفْعَهَا إلَيْهِمْ يُغْنِيهِمْ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَيُسْقِطُهَا عَنْهُ، فَيَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى نَفْسِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ، (إلَّا أَنْ يَكُونَا) ، أَيْ: عَمُودِيٌّ نَسَبُهُ (عُمَّالًا) عَلَيْهَا، لِأَنَّهُمْ يُعْطُونَ أَجْرَ عَمَلِهِمْ، كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَهُمْ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ، (أَوْ) يَكُونَا (مُؤَلَّفَيْنِ) ، لِأَنَّهُمْ يُعْطُونَ لِلتَّأْلِيفِ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَجَانِبَ، (أَوْ) يَكُونَا (غُزَاةً) ، لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، أَشْبَهُوا الْعَامِلِينَ، (أَوْ) يَكُونَا (غَارِمَيْنِ) لِإِصْلَاحِ (ذَاتِ بَيْنٍ، وَلَا) يُعْطُونَ إنْ كَانُوا غَارِمَيْنِ (لِأَنْفُسِهِمْ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا) تُجْزِئُ لِعَمُودِيٍّ نَسَبُهُ إذَا كَانُوا (مُكَاتَبِينَ أَوْ أَبْنَاءَ سَبِيلٍ) ، لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ. (وَلَا) تُجْزِئُ (امْرَأَةً) دَفْعُ زَكَاتِهَا إلَى (زَوْجِ) هَا، لِأَنَّهَا تَعُودُ إلَيْهَا بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهَا. (وَلَا) يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةِ إنْسَانٍ إلَى (سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِمَّنْ يَرِثُهُ حَالَ دَفْعٍ بِفَرْضٍ) كَأُخْتٍ، (أَوْ تَعْصِيبٍ) كَعَمٍّ وَعَتِيقٍ حَيْثُ لَا حَاجِبَ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ، وَالْآخَرُ لَا يَرِثُهُ، كَعَتِيقٍ وَمُعْتِقِهِ، وَأَخَوَيْنِ، لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ وَنَحْوُهُ، فَالْوَارِثُ مِنْهُمَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الْآخَرِ، فَلَا يَدْفَعُ زَكَاتَهُ إلَى مَنْ تَجِبُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ

عَكْسُهُ (مَا لَمْ يَكُنْ) مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ (عَامِلًا أَوْ غَازِيًا أَوْ مُؤَلَّفًا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ ابْنَ سَبِيلٍ، أَوْ غَارِمًا لِإِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنٍ) ، لِأَنَّهُ يُعْطَى لِغَيْرِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ، بِخِلَافِ عَمُودِيِّ النَّسَبِ، لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ. (وَلَا) يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ (لِبَنِي هَاشِمٍ وَهُمْ سُلَالَتُهُ) ، أَيْ: هَاشِمٍ، ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، (فَدَخَلَ آلُ عَبَّاسٍ) بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، (وَ) آلُ (عَلِيٍّ وَ) آلُ (جَعْفَرٍ وَ) آلُ (عَقِيلٍ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ (وَ) آلُ (الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ) آلُ (أَبِي لَهَبٍ) سَوَاءٌ أُعْطُوا مِنْ الْخُمُسِ أَوْ لَا. هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِعُمُومِ: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَخَذَ الْحَسَنُ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كِخْ كِخْ، لِيَطْرَحَهَا، وَقَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مَا لَمْ يَكُونُوا) ، أَيْ: آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (غُزَاةً أَوْ مُؤَلَّفَةً، أَوْ غَارِمِينَ كَإِصْلَاحِ) ذَاتِ بَيْنٍ، فَيُعْطُونَ لِذَلِكَ مَعَ الْغِنَى، لِجَوَازِ الْأَخْذِ لِذَلِكَ مَعَ الْغِنَى، وَعَدَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (لَا) يُجْزِئُ دَفْعُ زَكَاةٍ إلَى بَنِي هَاشِمٍ (إنْ كَانُوا مُكَاتَبِينَ أَوْ أَبْنَاءَ سَبِيلٍ) لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى جَوَازِ الدَّفْعِ لِلْغُزَاةِ وَالْمُؤَلَّفَةِ وَالْغَارِمِينَ. (وَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُمْ) ، أَيْ: بَنِي هَاشِمٍ (عَامِلِينَ) عَلَى الزَّكَاةِ، لِشَرَفِهِمْ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ (وَجَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: الْقَاضِي يَعْقُوبُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ الْإِصْطَخْرِيُّ

مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: (جَوَازَ أَخْذِهِمْ إنْ مُنِعُوا الْخُمُسَ) ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، وَقَالَ أَيْضًا: وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةِ الْهَاشِمِيِّينَ، ذَكَرَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ". (وَكَزَكَاةِ كَفَّارَةٍ) ، فَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا لِبَنِي هَاشِمٍ لِوُجُوبِهَا بِالشَّرْعِ، (وَمِثْلُهُمْ) ، أَيْ: بَنِي هَاشِمٍ (مَوَالِيهِمْ) ، أَيْ: عُتَقَاؤُهُمْ، لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا نُصِيبَ مِنْهَا، فَقَالَ: حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. و (لَا) كَذَلِكَ (مَوَالِي مَوَالِيهِمْ) ، فَيُجْزِئُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى مَوَالِي مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ، لِأَنَّ النَّصَّ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ، (وَلَا) كَذَلِكَ أَيْضًا (وَلَدُ بَنِي الْمُطَّلِبِ) ، لِأَنَّ الْمُطَّلِبَ أَخُو هَاشِمٍ، فَهُوَ أَبْعَدُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَنِي هَاشِمٍ (وَهُمْ) ، أَيْ: بَنُو الْمُطَّلِبِ (فِي دَرَجَةِ بَنِي أُمَيَّةَ) ، وَبَنُو أُمَيَّةَ تُجْزِئُ لَهُمْ اتِّفَاقًا، وَلِشُمُولِ الْأَدِلَّةِ لِبَنِي الْمُطَّلِبِ، خَرَجَ مِنْهَا بَنُو هَاشِمٍ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ بَنِي هَاشِمٍ أَشْرَفُ وَأَقْرَبُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَارَكُوهُمْ فِي الْخُمُسِ بِالنُّصْرَةِ مَعَ الْقَرَابَةِ، بِدَلِيلِ، قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ» وَالنُّصْرَةُ لَا تَقْتَضِي حِرْمَانَ الزَّكَاةِ. (وَ) يُجْزِئُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى (وَلَدِ هَاشِمِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَقَالَهُ الْقَاضِي اعْتِبَارًا بِالْأَبِ. (وَلَا) يَمْتَنِعُ أَخْذُ الزَّكَاةِ عَلَى (أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ

فرع من دفع زكاة لغير مستحقها

وَالْأَصْحَابِ. (وَلِهَاشِمِيٍّ أَخْذُ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ وَنَذْرٍ وَوَصِيَّةٍ لِفُقَرَاءَ) ، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا مُنِعُوا مِنْ الزَّكَاةِ، لِأَنَّهَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ، وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ (إلَّا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ مُطْلَقًا، فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا، لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَعَلَامَاتِهَا، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهِ، فَرُوِيَ فِي «حَدِيثِ سَلْمَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَصْفِهِ لَهُ. قَالَ: إنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» ، وَلِأَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَمَّا مُنِعُوا فَرْضِ الصَّدَقَةِ لِشَرَفِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَجَبَ أَنْ يُنَزَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَفْلِهَا وَفَرْضِهَا، لِشَرَفِهِ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ، تَمْيِيزًا لَهُ بِذَلِكَ، كَمَا خَصَّ مَعَ خُمُسِ الْخُمُسِ بِالصَّفِيِّ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَبِالْإِسْهَامِ لَهُ مَعَ غَيْبَتِهِ مِنْ الْمَغَانِمِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَرِضَ، وَلَا أَنْ يُهْدَى لَهُ، أَوْ يُنْظَرَ بِدَيْنِهِ، أَوْ يُوضَعَ عَنْهُ، أَوْ يَشْرَبَ مِنْ سِقَايَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْمَارَّةِ، أَوْ يَأْوِيَ إلَى مَكَانٍ جُعِلَ لِلْمَارَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ الَّتِي لَا غَضَاضَةَ فِيهَا، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهَا فِي حَقِّ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الصَّدَقَةِ، لِحَدِيثِ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» . (وَلِمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ) مِنْ هَاشِمِيٍّ وَغَنِيٍّ وَنَحْوِهِمَا (قَبُولُهَا هَدِيَّةً وَتَطَوُّعًا مِمَّنْ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِهَا) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى لِغَنِيٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى أُمِّ عَطِيَّةَ، وَقَالَ: إنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقِسْ الْبَاقِيَ عَلَى ذَلِكَ. [فَرْعٌ مَنْ دَفَعَ زَكَاةً لِغَيْرِ مُسْتَحَقِّهَا] (فَرْعٌ: مَنْ) (دَفَعَ زَكَاةً لِغَيْرِ مُسْتَحَقِّهَا) كَهَاشِمِيٍّ، أَوْ قِنٍّ غَيْرِ

فصل من أبيح له أخذ شيء من زكاة أو نذر أو كفارة أو صدقة

مُكَاتَبٍ وَنَحْوِهِ (جَهْلًا) مِنْهُ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهِ، (ثُمَّ عَلِمَ) ذَلِكَ، (لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ، وَلَا يَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا، فَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهَالَتِهِ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، (إلَّا) إذَا دَفَعَهَا (لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا) ، فَيُجْزِئُهُ، لِأَنَّ الْفَقْرَ قَدْ يَخْفَى، «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَعْطَى الرَّجُلَيْنِ الْجَلْدَيْنِ، وَقَالَ: وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» وَلَوْ اعْتَبَرَ حَقِيقَةَ انْتِفَاءِ الْغِنَى، لَمَا اكْتَفَى بِقَوْلِهِمَا. (وَ) إنْ دَفَعَهَا (لِمَنْ لَمْ يَظُنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ) ، لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، فَاحْتَاجَ إلَى الْعِلْمِ بِهِ، لِتَحْصِيلِ الْبَرَاءَةِ، وَالظَّنُّ يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ لِتَعَسُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ. (وَلَوْ بَانَ مِنْهُمْ) كَمَا لَوْ هَجَمَ وَصَلَّى، فَبَانَ فِي الْوَقْتِ. (وَحَيْثُ دُفِعَتْ) الزَّكَاةُ (لِغَيْرِ مُسْتَحَقِّهَا، لِجَهْلِ دَافِعٍ) بِهِ، (وَجَبَ) عَلَى آخِذِهَا (رَدُّهَا لَهُ بِنَمَائِهَا مُطْلَقًا) ، مُتَّصِلًا كَانَ كَالسِّمَنِ، أَوْ مُنْفَصِلًا كَالْوَلَدِ، لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ. (وَإِنْ تَلِفَتْ) الزَّكَاةُ بِيَدِ قَابِضِهَا مَعَ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ، (فَمِنْ ضَمَانِهِ) فَيَغْرَمُ مِثْلَ مِثْلِيٍّ، وَقِيمَةَ مُتَقَوِّمٍ، لِبُطْلَانِ قَبْضِهِ. (وَيُتَّجَهُ: هَذَا) الضَّمَانُ لَازِمٌ لَهُ إنْ قَبَضَهَا (مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا زَكَاةٌ) ، لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِقَبْضِهَا، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا زَكَاةٌ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ] (فَصْلٌ) (مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ) مِنْ زَكَاةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ (أُبِيحَ لَهُ سُؤَالُهُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ: «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» وَلِأَنَّهُ يَطْلُبُ حَقَّهُ الَّذِي فُرِضَ لَهُ. (وَمَنْ لَا) يُبَاحُ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ كَالْغَنِيِّ، لَا يُبَاحُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، (فَلَا) يُبَاحُ لَهُ سُؤَالُهُ. قَالَ أَحْمَدُ:

أَكْرَهُ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ، إلَّا أَنَّهُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْأَبِ أَيْسَرُ، (فَيَحْرُمُ سُؤَالُهُ) الزَّكَاةَ أَوْ الْكَفَّارَةَ لِنَحْوِ فَقْرٍ لَا غَزْوٍ، (وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ) لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى أَخْذِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ، وَلِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ. (وَلَا بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ شُرْبِ مَاءٍ) نَصًّا، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ فِي الْعَطْشَانِ لَا يَسْتَسْقِي: يَكُونُ أَحْمَقَ. قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَجِبُ عَلَى السَّائِلِ أَنْ يَعْلَمَ حِلَّ الْمَسْأَلَةِ، وَمَتَى تَحِلُّ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: إنَّ تَعَلُّمَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي دِينِهِ فَرْضٌ. (وَ) لَا بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ (عَارِيَّة وَقَرْضٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، (وَ) لَا بَأْسَ بِسُؤَالِ (شَيْءٍ يَسِيرٍ كَشِسْعِ نَعْلٍ) ، أَيْ: سَيْرِهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ، (وَلَا بَأْسَ بِسُؤَالِهِ) ، أَيْ: الشَّخْصِ غَيْرَهُ (لِمُحْتَاجٍ غَيْرَهُ) صَدَقَةً أَوْ حَاجَةً، لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْكُرْبَةِ عَنْ الْمُسْلِمِ. (وَ) الطَّلَبُ لِلْغَيْرِ إذَا كَانَ (بِتَعْرِيضٍ أَعْجَبُ إلَى) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) مِنْ السُّؤَالِ صَرِيحًا، قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ لِغَيْرِهِ يُعَرِّضُ أَحَبُّ إلَيَّ، (وَإِعْطَاءُ السُّؤَالِ) جَمْعُ: سَائِلٍ (مَعَ صِدْقِهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ) ، لِحَدِيثِ: «لَوْ صَدَقَ مَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ بِأَنَّ السَّائِلَ إذَا قَالَ: أَنَا جَائِعٌ، وَظَهَرَ صِدْقُهُ، وَجَبَ إطْعَامُهُ. وَإِنْ سَأَلُوا مُطْلَقًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجِبْ إعْطَاؤُهُمْ وَلَوْ أَقْسَمُوا، لِأَنَّ إبْرَارَ الْقَسَمِ إنَّمَا هُوَ إذَا أَقْسَمَ عَلَى مُعَيَّنٍ. (وَلَوْ جَهِلَ حَالَ سَائِلٍ فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ) ، وَلَوْ سَأَلَهُ مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ يُعْطِيهِ شَيْئًا، وَأَطْلَقَ، فَدَفَعَ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا: هَلْ هُوَ قَرْضٌ أَوْ صَدَقَةٌ؟ قُبِلَ: قَوْلُ الدَّافِعِ فِي كَوْنِهِ قَرْضًا، لِأَنَّهُ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ، كَسُؤَالِهِ مِقْدَارًا كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ قَرِينَةُ الْقَرْضِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَعْطِنِي شَيْئًا إنِّي فَقِيرٌ، قُبِلَ قَوْلُ الْفَقِيرِ فِي كَوْنِهِ صَدَقَةً، عَمَلًا بِقَرِينَةِ قَوْلِ أَنَّهُ فَقِيرٌ.

(وَلَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ وَاجِبٌ سِوَى الزَّكَاةِ) وِفَاقًا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ» وَعَنْ أُبَيٍّ مَرْفُوعًا: «إذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ فِي الْآيَةِ: الزَّكَاةُ، وَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ، وَمَا جَاءَ غَيْرَ ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. (وَقَدْ يَعْرِضُ مَا يُوجِبُهُ كَإِطْعَامِ جَائِعٍ وَنَحْوِهِ) كَأَسِيرٍ، فَيَجِبُ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَلَا تَعَارُضَ. (وَمَنْ أُعْطِيَ لِاتِّقَاءِ ذَمِّهِ أَوْ إلْحَاحٍ أَوْ إيذَاءِ مَسْئُولٍ فَحَرَامٌ) عَلَى الْآخِذِ، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى دَافِعٍ، كَهَدِيَّةِ عَامِلٍ لِدَفْعِ ظُلْمٍ. (وَيَجِبُ أَخْذُ مَالٍ) طَيِّبٍ (لَا شُبْهَةَ فِيهِ أَتَى بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ) نَقَلَ الْأَثْرَمُ: عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خُذْهُ» ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ حَرَامًا بِيَقِينٍ، وَجَبَ رَدُّهُ، (وَإِلَّا) بِأَنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِ شُبْهَةً، أَوْ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ، (فَلَا بَأْسَ بِرَدِّهِ) نَصًّا فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِشْرَافِ. (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (لَا يَجِبُ) قَبُولُ مَالٍ طَيِّبٍ جَاءَ بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ، وَقَالَ: دَعْنَا نَكُونُ أَعِزَّاءَ (قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ) ، أَيْ: عَدَمُ وُجُوبِ الْقَبُولِ: (مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ) وَفِي الْإِقْنَاعِ " وَالْمُنْتَهَى ": فِي الْهِبَةِ

مَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسَنُّ الْقَبُولُ، وَيُكْرَهُ الرَّدُّ، (قَالُوا) ، أَيْ: الْأَصْحَابُ (فِي الْحَجِّ: لَا يَكُونُ) مَبْذُولٌ لَهُ (مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ لَهُ، وَ) قَالُوا (فِي الصَّلَاةِ) : إنَّ الْعَارِيَ (لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ السُّتْرَةِ) هِبَةً لَا عَارِيَّةً، (وَصَوَّبَهُ) ، أَيْ: عَدَمَ وُجُوبِ الْقَبُولِ (فِي " الْإِنْصَافِ ") لِمَا فِي قَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ الْمِنَّةِ. (وَيُتَّجَهُ: وَهُوَ) ، أَيْ: عَدَمُ وُجُوبِ الْقَبُولِ (الْأَصَحُّ) ، لِمَا فِيهِ مِنْ شَرَفِ النَّفْسِ، وَعِفَّتِهَا، وَزُهْدِهَا فِي الدُّنْيَا، وَطَلَبِ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِحُسْنِ التَّوَكُّلِ، وَقَمْعِ النَّفْسِ عَنْ مُشْتَهَيَاتِهَا (وَإِلَّا) تُعْتَبَرْ أَنَّهُ الْأَصَحُّ (تَنَاقَضَ قَوْلُهُمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَحَرُمَ أَخْذُ) صَدَقَةٍ (بِدَعْوَى غَنِيٍّ) فَقْرًا، (أَوْ إظْهَارِهِ) ، أَيْ: الْغَنِيِّ (فَقْرًا وَلَوْ) أَخَذَ ذَلِكَ (مِنْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ) وَتَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَسُنَّ تَعَفُّفُ غَنِيٍّ عَنْهَا) ، أَيْ: صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، (فَلَا يَأْخُذُهَا) وَلَوْ بُذِلَتْ لَهُ. (وَ) سُنَّ (عَدَمُ تَعَرُّضِهِ) ، أَيْ: الْغَنِيِّ (لَهَا) رَغْبَةً عَنْهَا، رَجَاءَ وُقُوعِهَا فِي يَدِ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا. (وَتَجُوزُ) صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ (لَهُ) ، أَيْ: لِلْغَنِيِّ (وَلِكَافِرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] وَلَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كَافِرًا " وَكَسَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا صِلَةً كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَسَاهُ إيَّاهَا "، «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: صِلِي أُمَّكِ» ، وَكَانَتْ قَدِمَتْ

فصل صدقة التطوع

عَلَيْهَا مُشْرِكَةً. (وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي جَائِزَةِ السُّلْطَانِ وَمُعَامَلَتِهِ: أَكْرَهُهُمَا) لِمَا فِيهِمَا مِنْ الشُّبْهَةِ، وَقَالَ: جَائِزَتُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّ الْجَائِزَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلِلْأَخْذِ فِيهِ شُبْهَةٌ. (وَقَالَ: هِيَ) ، أَيْ: جَائِزَةُ السُّلْطَانِ (خَيْرٌ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ) ، لِمَا فِي صِلَتِهِمْ مِنْ الْمِنَّةِ، وَأُجْرَةُ التَّعْلِيمِ خَيْرٌ مِنْهَا، وَقَالَ أَيْضًا: لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَقَالَ أَيْضًا: يَمُوتُ بِدَيْنِهِ وَلَا يَعْمَلُ مَعَ الْحُكَّامِ. (وَمَعَ ذَلِكَ) ، أَيْ: كَوْنِ الْجَائِزَةِ أَحَبَّ مِنْ الصَّدَقَةِ، (فَقَدْ هَجَرَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَوْلَادَهُ وَعَمَّهُ لَمَّا أَخَذُوهَا) ، أَيْ: جَائِزَةَ السُّلْطَانِ وَقَالَ: يَهْجُرُ ابْنَهُ وَيُخْرِجُهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ مُعَامَلَةِ السُّلْطَانِ وَأَخْذِ جَائِزَتِهِ. (قَالَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى: (وَهُوَ) ، أَيْ: فِعْلُ الْإِمَامِ، (يَقْتَضِي جَوَازَ الْهَجْرِ بِأَخْذِ الشُّبْهَةِ) خِيفَةً مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ. (وَقَدْ هَجَرَتْ الصَّحَابَةُ بِمَا فِي مَعْنَاهُ) ، أَيْ: أَخْذِ الشُّبْهَةِ، (كَهَجْرِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ ضَحِكَ فِي جِنَازَةٍ، وَ) هَجْرِ (حُذَيْفَةَ مَنْ شَدَّ الْخَيْطَ لِلْحُمَّى) ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، (وَ) هَجْرِ (عُمَرَ مَنْ سَأَلَ عَنْ الذَّارِيَاتِ، وَالْمُرْسَلَاتِ، وَالنَّازِعَاتِ) ، لِأَنَّهُ مِنْ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يَعْنِي، (وَ) هَجْرِ (عَائِشَةَ لِابْنِ) أُخْتِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (الزُّبَيْرِ حِينَ قَالَ: لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا) ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَتَصَدَّقُ بِمَا جَاءَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَهَا قَوْلُهُ نَذَرَتْ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ، ثُمَّ اسْتَشْفَعَ بِأَخْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمَتْهُ ". [فَصْلٌ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ] (فَصْلٌ) (صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ تُسَنُّ بِفَاضِلٍ عَنْ كِفَايَةٍ دَائِمَةٍ بِمَتْجَرٍ أَوْ غَلَّةٍ أَوْ صَنْعَةٍ عَنْهُ) ، أَيْ: الْمُتَصَدِّقِ، (وَعَمَّنْ يُمَوِّنُهُ) لِحَدِيثِ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (كُلَّ وَقْتٍ) ، لِإِطْلَاقِ الْحَثِّ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ وَالْأَخْبَارِ. (وَ) كَوْنُهَا (سِرًّا مِمَّا يَجِبُ، وَكَسْبُ يَدِهِ بِطِيبِ نَفْسٍ فِي صِحَّةٍ) أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271] وقَوْله تَعَالَى {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] «وَلِحَدِيثِ: وَأَنْتَ صَحِيحٌ» . (وَ) كَوْنُهَا (فِي) شَهْرِ (رَمَضَانَ) أَفْضَلُ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) كَوْنُهَا (فِي وَقْتِ حَاجَةٍ) أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14] : (وَ) فِي (كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ فَاضِلٍ كَالْعَشْرِ) الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، (وَ) كَ (الْحَرَمَيْنِ) أَفْضَلُ، لِكَثْرَةِ التَّضَاعُفِ. (وَ) كَوْنُهَا (عَلَى جَارٍ) أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] وَحَدِيثِ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» . (وَ) كَوْنُهَا عَلَى (عَالِمٍ وَدَيِّنٍ) أَفْضَلُ، لِمَزِيَّةِ الْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ، (وَ) كَوْنُهَا عَلَى (ذِي عَائِلَةٍ) أَفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، (وَ) كَوْنُهَا عَلَى (ذَوِي رَحِمٍ) لَهُ، (لَا سِيَّمَا مَعَ عَدَاوَةٍ) بَيْنَهُمَا، لِحَدِيثِ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. وَالْكَاشِحُ: مُضْمِرُ الْعَدَاوَةِ، (وَهِيَ) ، أَيْ: الصَّدَقَةُ، (عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: ذَوِي رَحِمِهِ صَدَقَةٌ، وَ (صِلَةٌ) لِلْخَبَرِ (أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36] وَيُسَنُّ أَنْ

يَخُصَّ مَنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14] {يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} [البلد: 15] {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] . (وَمَنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةً تَلْزَمُهُ) كَمُؤْنَةِ زَوْجَتِهِ أَوْ قَرِيبٍ أَثِمَ، لِحَدِيثِ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» إلَّا أَنْ يُوَافِقَهُ عِيَالُهُ عَلَى الْإِيثَارِ، فَهُوَ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلَى فَقِيرٍ فِي السِّرِّ» وَالْمُرَادُ: جُهْدُ الْمُقِلِّ بَعْدَ حَاجَةِ عِيَالِهِ، وَمَا يَلْزَمُهُ، فَهُوَ جُهْدُهُ. (أَوْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ) بِ (غَرِيمِهِ أَوْ) بِ (كَفِيلِهِ) بِسَبَبِ صَدَقَتِهِ (أَثِمَ) ، لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . (وَمَنْ أَرَادَهَا) ، أَيْ: الصَّدَقَةَ، (بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَلَهُ عَائِلَةٌ لَهُمْ كِفَايَةٌ، أَوْ) لَهُ عَائِلَةٌ (يَكْفِيهِمْ بِمَكْسَبِهِ) ، فَلَهُ ذَلِكَ، لِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ، (أَوْ) كَانَ (وَحْدَهُ) لَا عِيَالَ لَهُ، (وَيَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ) عَنْ الْمَسْأَلَةِ، (فَلَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ الضَّرَرِ (وَإِلَّا) يَكُنْ لِعِيَالِهِ كِفَايَةٌ وَلَمْ يَكْفِهِمْ بِمَكْسَبِهِ، (حَرُمَ) ، وَحُجِرَ عَلَيْهِ لِإِضَاعَةِ عِيَالِهِ، وَلِحَدِيثِ: «يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ؟ ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَكَذَا إنْ كَانَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ. (وَكُرِهَ لِمَنْ لَا صَبْرَ) لَهُ عَلَى الضِّيقِ (أَوْ لَا عَادَةَ) لَهُ (عَلَى الضِّيقِ أَنْ يَنْقُصَ نَفْسَهُ عَنْ الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ) نَصًّا، لِأَنَّهُ نَوْعُ إضْرَارٍ بِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَقْتَرِضُ لِيَتَصَدَّقَ. (قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ) فِي كِتَابِهِ " السِّرُّ الْمَصُونُ ": الْأَوْلَى أَنْ

يَدَّخِرَ لِحَاجَةٍ تَعْرِضُ، وَإِنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ لَهُ مِرْفَقٌ، فَيُخْرِجُ مَا فِي يَدِهِ، فَيَنْقَطِعُ مِرْفَقُهُ، فَيُلَاقِي مِنْ الضَّرَرِ وَالذُّلِّ مَا يَكُونُ الْمَوْتُ دُونَهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يَعْمَلَ بِمُقْتَضَى الْحَالِ الْحَاضِرَةِ، بَلْ يُصَوِّرُ كُلَّ مَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَنْظُرُونَ فِي الْعَوَاقِبِ، (وَقَدْ تَزَهَّدَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأَخْرَجُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ احْتَاجُوا، فَدَخَلُوا فِي الْمَكْرُوهَاتِ) ، وَالْحَازِمُ مَنْ يَحْفَظُ مَا فِي يَدِهِ، وَالْإِمْسَاكُ فِي حَقِّ الْكَرِيمِ جِهَادٌ، كَمَا أَنَّ إخْرَاجَ مَا فِي يَدِ الْبَخِيلِ جِهَادٌ، وَالْحَاجَةُ تُخْرِجُ إلَى كُلِّ مِحْنَةٍ. (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُحِبُّ الْمَالَ، يَعْبُدُ بِهِ رَبَّهُ وَيُؤَدِّي بِهِ أَمَانَتَهُ، وَيَصُونَ بِهِ نَفْسَهُ وَيَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ الْخَلْقِ) . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ، فَلْيَجْعَلْهُ فِي قَرْنِ ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ زَمَانٌ، مَنْ احْتَاجَ فِيهِ كَانَ أَوَّلَ مَا يَبْذُلُ دِينَهُ. وَقَالَ بِشْرٌ الْحَافِي: لَوْ أَنَّ لِي دَجَاجَةً أَعُولُهَا خِفْتُ أَنْ أَكُونَ عَشَّارًا عَلَى الْجِسْرِ. (وَمَنْ مَيَّزَ شَيْئًا لِلصَّدَقَةِ) بِهِ (أَوْ وَكَّلَ فِيهِ) ، أَيْ: بِالصَّدَقَةِ بِشَيْءٍ، (ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ) عَنْ الصَّدَقَةِ، (سُنَّ) لَهُ (إمْضَاؤُهُ) مُخَالَفَةً لِلنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْضَاؤُهُ، لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ. و (لَا) يُسَنُّ لَهُ (إبْدَالُ مَا أَعْطَى سَائِلًا فَسَخِطَهُ) ، فَإِنْ قَبَضَهُ وَسَخِطَهُ، لَمْ يُعْطَ غَيْرَهُ. (وَالْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ كَبِيرَةٌ) عَلَى نَصِّهِ، الْكَبِيرَةُ: مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ. (وَيَبْطُلُ الثَّوَابُ بِهِ) ، أَيْ: الْمَنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} [البقرة: 264] ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ فِيهِ، وَفِي إبْطَالِ طَاعَةٍ بِمَعْصِيَةٍ، وَاخْتَارَ شَيْخُنَا: الْإِحْبَاطَ بِمَعْنَى الْمُوَازَنَةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ. قَالَ بَعْضُهُمْ:

فرع الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر

(لَا) يَبْطُلُ الثَّوَابُ بِالْمَنِّ إذَا كَانَ (لِقَصْدِ تَرْبِيَةٍ وَتَأْدِيبٍ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. «أَنَّ النَّبِيَّ. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا، فَهَدَاكُمْ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ، فَأَلَّفَكُمْ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا يَحِلُّ أَنْ يَمُنَّ إلَّا مَنْ كُفِرَ إحْسَانُهُ وَأُسِيءَ إلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يُعَدِّدَ إحْسَانَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إقَامَةِ الْحُجَّةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا عَلَى الْخَصْمِ. [فَرْعٌ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ] (فَرْعٌ: الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ) ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يَصْبِرُ، وَيَفْسُدُ دِينُهُ بِفَقْرِهِ. فَالْغِنَى لَهُ أَفْضَلُ، وَبِخِلَافِ غَنِيٍّ لَا يَشْكُرُ، وَيَحْمِلُهُ مَالُهُ عَلَى الطُّغْيَانِ. فَالْفَقْرُ لَهُ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَسْتَقِيمُ عَلَى الْحَالَتَيْنِ (وَفِي الصَّحِيحِ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى» ) ، أَيْ: يَدُ الْمُعْطِي خَيْرٌ مِنْ يَدِ الْآخِذِ. (وَوَقَعَ خِلَافٌ: هَلْ الْأَفْضَلُ كَسْبُ الْمَالِ وَصَرْفُهُ لِمُسْتَحِقَّيْهِ، أَوْ الِانْقِطَاعُ لِلْعِبَادَةِ) ، وَتَرْكُ مُخَالَطَةِ النَّاسِ؟ (وَيَتَّجِهُ) : الْأَصَحُّ: (الْأَوَّلُ لَتَعْدِي نَفْعِهِ، لَا مُطْلَقًا، بَلْ عَلَى مَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ أَوَّلَ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ) مِنْ أَنَّهُ إذَا صَرَفَهُ فِي نَفَقَةٍ وَجِهَادٍ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَالْمُنْقَطِعُ لِلْعِبَادَةِ أَفْضَلُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

كتاب الصيام

[كِتَاب الصِّيَام] ِ لُغَةً: الْإِمْسَاكُ، يُقَالُ صَامَ النَّهَارُ، إذَا وَقَفَ سَيْرُ الشَّمْسِ، وَلِلسَّاكِتِ: صَائِمٌ، لِإِمْسَاكِهِ عَنْ الْكَلَامِ. وَمِنْهُ: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] ، وَصَامَ الْفَرَسُ، إذَا أَمْسَكَ عَنْ الْعَلَفِ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ: عَنْ الصَّهِيلِ فِي مَوْضِعِهِ. وَشَرْعًا: (إمْسَاكٌ بِنِيَّةٍ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ) هِيَ مُفْسِدَاتُهُ، الْآتِيَةُ (فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ) . وَهُوَ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ (مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ) ، وَهُوَ: الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ، غَيْرُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ. (وَصَوْمُ) شَهْرِ (رَمَضَانَ) مِنْ كُلِّ عَامٍ (أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ) الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» . . . الْحَدِيثُ (وَفُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ) إجْمَاعًا، (فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ) إجْمَاعًا. (وَالْمُسْتَحَبُّ قَوْلُ: شَهْرُ رَمَضَانَ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] . (وَلَا يُكْرَهُ قَوْلُ: رَمَضَانُ، بِإِسْقَاطِ: شَهْرٍ) ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَسُمِّيَ رَمَضَانَ لِحَرِّ جَوْفِ الصَّائِمِ فِيهِ وَرَمَضِهِ، الرَّمْضَاءُ: شِدَّةُ الْحَرِّ، وَقِيلَ: لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنْ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ وَافَقَ شِدَّةَ الْحَرِّ، وَقِيلَ:

لِأَنَّهُ يَحْرُقُ الذُّنُوبَ. وَقِيلَ: مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ. وَجَمْعُهُ: رَمَضَانَاتٌ، وَأَرْمِضَةٌ، وَرَمَاضِينُ، وَأَرْمُضٌ، وَرَمَاضٌ، وَأَرَامِيضُ. (وَصَوْمُهُ) ، أَيْ: شَهْرِ رَمَضَانَ (فَرْضٌ يَجِبُ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) ، لِحَدِيثِ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِهِ إذَنْ. وَيُسْتَحَبُّ تَرَائِي الْهِلَالِ وَقَوْلُ رَاءٍ مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ» رَوَاهُ ابْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ " وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ» (فَلَوْ طَلَعَ) هِلَالُ رَمَضَانَ، وَيُعَبِّرُ الْفَلَكِيُّونَ عَنْ طُلُوعِهِ بِالْوِلَادَةِ (فِي السَّمَاءِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلنَّاسِ، لَمْ يَكُنْ هِلَالًا) ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. إذْ مَنَاطُ الْحُكْمِ بِرُؤْيَتِهِ لَا بِطُلُوعِهِ، لِحَدِيثِ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (فَإِنْ لَمْ يُرَ) الْهِلَالُ (مَعَ صَحْوِ) مَطْلَعِهِ (لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، لَمْ يَصُومُوا) يَوْمَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، أَيْ: مَعَ صَحْوِ الْمَطْلَعِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، (وَلَوْ) كَانُوا (مُعْتَمَدِينَ حِسَابًا) مِمَّا هُوَ مَوْضُوعٌ فِي التَّقَاوِيمِ، وَلَوْ كَثُرَتْ إصَابَتُهُ، (فَبَانَ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ، (لَمْ يُجْزِئْ) هُمْ صَوْمُهُ، لِعَدَمِ اسْتِنَادِهِمْ إلَى مَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ شَرْعًا. (وَإِنْ حَالَ دُونَ مَطْلَعِهِ) ، أَيْ: الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ (نَحْوُ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ) بِالتَّحْرِيكِ: الْغَبَرَةُ، كَالْعَشَرَةِ، (وَجَبَ صِيَامُهُ) ،

أَيْ يَوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ (حُكْمًا ظَنِّيًّا احْتِيَاطِيًّا) خُرُوجًا مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ (بِنِيَّةِ) أَنَّهُ مِنْ (رَمَضَانَ) ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ، وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ: عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ ابْنَتَيْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِحَدِيثِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لَهُ» قَالَ نَافِعٌ: " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ الْهِلَالَ، فَإِنْ رُئِيَ فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُرَ، وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ، أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ، أَصْبَحَ صَائِمًا ". وَمَعْنَى اُقْدُرُوا لَهُ: ضَيِّقُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 11] وَالتَّضْيِيقُ: جَعْلُ شَعْبَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ رَاوِيهِ، وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، كَتَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ فِي خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ. وَقَدْ صَنَّفَ الْأَصْحَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ التَّصَانِيفِ، وَنَصَرُوا الْمَذْهَبَ، وَرَدُّوا حُجَجَ الْمُخَالِفِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَإِنْ اشْتَغَلُوا عَنْ التَّرَائِيِ لِعَدُوٍّ، أَوْ حَرِيقٍ وَنَحْوِهِ، وَذَلِكَ نَادِرٌ، فَيَنْسَحِبُ عَلَيْهِ ذَيْلُ الْغَالِبِ، وَفَارَقَ الْغَيْمَ وَالْقَتَرَ، فَإِنَّ وُقُوعَهُمَا غَالِبٌ، وَقَدْ اسْتَوَى مَعَهُمَا الِاحْتِمَالَانِ، فَعَمَلنَا بِأَحْوَطِهِمَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. (وَلَيْسَ ذَلِكَ) ، أَيْ: وُجُوبُ صِيَامِهِ حُكْمًا ظَنِّيًّا (بِشَكٍّ فِي النِّيَّةِ،

بَلْ) شَكٍّ (فِي الْمَنْوِيِّ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " دَرْءِ اللَّوْمِ وَالضَّيْمِ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْغَيْمِ ". (وَيُجْزِئُ) صَوْمُ هَذَا الْيَوْمِ (إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْهُ) ، أَيْ: رَمَضَانَ، بِأَنْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، لِأَنَّ صَوْمَهُ قَدْ وُضِعَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ لِمُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ، أَشْبَهَ الصَّوْمَ لِلرُّؤْيَةِ. (وَتَثْبُتُ) تَبَعًا لِوُجُوبِ صَوْمِهِ (أَحْكَامُ صَوْمِ) رَمَضَانَ (مِنْ صَلَاةِ تَرَاوِيحَ) احْتِيَاطًا، لِوَعْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ بِالْغُفْرَانِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ قِيَامُهُ كُلُّهُ إلَّا بِذَلِكَ، (وَ) مِنْ (وُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ) ، أَيْ: ذَلِكَ الْيَوْمِ، (وَ) مِنْ وُجُوبٍ (إمْسَاكٍ) عَلَى (مَنْ أَفْطَرَ) جَاهِلًا، أَوْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ (مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ) بِأَنْ لَمْ يَرَ مَعَ صَحْوٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي غُيِّرَ فِيهَا هِلَالُ رَمَضَانَ، فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَ (لَا) تَثْبُتُ (بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ حُلُولِ أَجَلٍ وَوُقُوعِ) نَحْوِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ (مُعَلَّقٍ) بِدُخُولِ رَمَضَانَ، (وَانْقِضَاءِ عِدَّةٍ) ، وَمُدَّةِ إيلَاءٍ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، خُولِفَ لِلنَّصِّ، وَاحْتِيَاطًا لِعِبَادَةٍ عَامَّةٍ. (وَكَذَا) ، أَيْ: كَرَمَضَانَ فِي وُجُوبِ صَوْمِهِ إذَا غُمَّ هِلَالُهُ (حُكْمُ شَهْرٍ) مُعَيَّنٍ (نَذَرَ صَوْمَهُ أَوْ) نَذَرَ (اعْتِكَافَهُ فِي وُجُوبِ شُرُوعٍ) فِي الْمَنْذُورِ فِيهِ (إذَا غُمَّ هِلَالُهُ) ، أَيْ: الشَّهْرِ الْمَنْذُورِ احْتِيَاطًا، لَا فِي تَرَاوِيحَ، أَوْ وُجُوبِ كَفَّارَةٍ لِوَطْءٍ فِيهِ أَوْ إمْسَاكٍ، إنْ لَمْ يَكُنْ يُبَيِّتُ النِّيَّةَ وَنَحْوَهُ، لِخُصُوصِ ذَلِكَ بِرَمَضَانَ. (وَالْهِلَالُ الْمَرْئِيُّ نَهَارًا وَلَوْ) رُئِيَ (قَبْلَ الزَّوَالِ) فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ فِي آخِرِهِ (لِ) اللَّيْلَةِ (الْمُقْبِلَةِ) نَصًّا، (فَلَا يَجِبُ بِهِ صَوْمٌ) إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ. (وَلَا) يُبَاحُ بِهِ (فِطْرٌ) إنْ كَانَ فِي آخِرِهِ، لِمَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ قَالَ: " جَاءَ كِتَابُ عُمَرَ أَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ نَهَارًا، فَلَا تُفْطِرُوا

حَتَّى تُمْسُوا، أَوْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا مُمْكِنَةٌ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِي الْجَوِّ يَقِلُّ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ، أَوْ يَكُونُ قَوِيَّ النَّظَرِ. وَيَأْتِي أَنَّ مَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، أَنَّهَا تَطْلُقُ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا. (وَإِذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ) ، أَيْ: هِلَالِ رَمَضَانَ (بِبَلَدٍ، لَزِمَ الصَّوْمُ جَمِيعَ النَّاسِ) فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَيَكُونُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَرَهُ كَمَنْ رَآهُ - نَصَّ عَلَيْهِ - لِحَدِيثِ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَهُوَ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ كَافَّةً، لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ، كَحُلُولِ دَيْنٍ، وَوُقُوعِ طَلَاقٍ، وَعِتْقٍ مُعَلَّقَيْنِ بِهِ، وَنَحْوِهِ، فَكَذَا حُكْمُ الصَّوْمِ، وَلَوْ قُلْنَا بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَخْتَلِفُ الْمَطَالِعُ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ، وَأَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ حُكْمَ نَفْسِهِ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهَا، بِخِلَافِ الْهِلَالِ، فَإِنَّهُ فِي السَّنَةِ مَرَّةٌ. (وَإِنْ ثَبَتَتْ) رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ (نَهَارًا) وَلَمْ يَكُونُوا بَيَّتُوا النِّيَّةَ لِنَحْوِ غَيْمٍ (أَمْسَكُوا) عَنْ مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، (وَقَضَوْا) ذَلِكَ الْيَوْمَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصُومُوا (كَمَنْ أَسْلَمَ) فِي أَثْنَاءِ نَهَارٍ، (أَوْ عَقَلَ) مِنْ جُنُونٍ، (أَوْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ) فِي أَثْنَاءِ نَهَارٍ، فَيَجِبُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ (أَوْ تَعَمَّدَ مُقِيمٌ) الْفِطْرَ، (أَوْ) تَعَمَّدَتْ (طَاهِرٌ الْفِطْرَ، فَسَافَرَ) الْمُقِيمُ بَعْدَ فِطْرِهِ عَمْدًا، (أَوْ حَاضَتْ) الطَّاهِرُ بَعْدَ فِطْرِهَا تَعَمُّدًا، لَزِمَهُمَا إمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعَ السَّفَرِ وَالْحَيْضِ نَصًّا، عُقُوبَةً وَالْقَضَاءُ، (أَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ أَوْ بَرِئَ مَرِيضٌ مُفْطِرَيْنِ) فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، لَزِمَهُمَا الْإِمْسَاكُ لِزَوَالِ الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ، وَالْقَضَاءُ، (وَلَهُمْ)

فصل يقبل في هلال رمضان خاصة خبر مكلف

الْمَذْكُورِينَ (ثَوَابُ إمْسَاكٍ لَا ثَوَابُ صِيَامٍ) ، لِأَنَّهُمْ مُمْسِكُونَ لَا صَائِمُونَ، (وَكَذَا لَوْ بَلَغَ صَغِيرٌ) ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى (فِي أَثْنَائِهِ) ، أَيْ: يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ (بِسِنٍّ) ، أَيْ: تَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (أَوْ) بَلَغَ بِ (احْتِلَامٍ) ، أَيْ: إنْزَالِ مَنِيٍّ حَالَ كَوْنِهِ (مُفْطِرًا) ، لَزِمَهُ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِتَكْلِيفِهِ وَالْقَضَاءُ. (وَ) إنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ (صَائِمًا وَقَدْ نَوَى) الصَّوْمَ (مِنْ اللَّيْلِ، أَتَمَّ) صِيَامَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَأَجْزَأَ) ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (كَنَذْرِ إتْمَامِ نَفْلٍ) بِخِلَافِ صَلَاةٍ وَحَجٍّ بَلَغَ فِيهِمَا غَيْرَ مَا يَأْتِي فِي الْحَجِّ، (وَإِنْ عَلِمَ مُسَافِرٌ) بِرَمَضَانَ (أَنَّهُ يَقْدَمُ غَدًا) بَلَدَ قَصْدِهِ (لَزِمَهُ الصَّوْمُ) نَصًّا، كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، وَعَلِمَ يَوْمَ قُدُومِهِ، فَيَنْوِيهِ مِنْ اللَّيْلِ، (لَا صَغِيرٌ عَلِمَ أَنَّهُ يَبْلُغُ غَدًا) بِرَمَضَانَ، فَلَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ مِنْ أَوَّلِ الْغَدِ (لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ) قَبْلَ دُخُولِ الْغَدِ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ. [فَصْلٌ يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ خَاصَّةً خَبَرُ مُكَلَّفٍ] (فَصْلٌ) (وَيُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ خَاصَّةً خَبَرُ مُكَلَّفٍ) لَا مُمَيِّزٍ، (عَدْلٍ) لَا مَسْتُورِ الْحَالِ نَصًّا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «جَاءَ أَعْرَابِيُّ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَا بِلَالُ، أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ «وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ آخِرِ الشَّهْرِ. (وَلَوْ) كَانَ الْمُخْبِرُ بِهِ (عَبْدًا أَوْ أُنْثَى) كَالرِّوَايَةِ، (أَوْ) كَانَ إخْبَارُهُ (بِدُونِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ) لِلْخَبَرَيْنِ، (أَوْ) كَانَ مَعَ مَنْ رَآهُ جَمَاعَةٌ وَلَمْ يَرَوْهُ، أَوْ رَآهُ وَحْدَهُ (بِصَحْوٍ) أَوْ غَيْمٍ، دَاخِلَ الْبَلَدِ أَوْ خَارِجَهُ، (وَلَا يَخْتَصُّ)

ثُبُوتُهُ (بِحَاكِمٍ، فَيَلْزَمُ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَ رُؤْيَتَهُ مِنْ عَدْلٍ وَلَوْ رَدَّهُ الْحَاكِمُ) ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِ الْمُخْبِرِ، وَقَدْ يَجْهَلُ الْحَاكِمُ مَنْ يَعْلَمُ غَيْرُهُ عَدَالَتَهُ. (وَتَثْبُتُ) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ وُقُوعِ) طَلَاقٍ (مُعَلَّقٍ وَنَحْوِهِ) كَحُلُولِ دَيْنٍ تَبَعًا، (وَلَا يُقْبَلُ فِي بَاقِي الشُّهُورِ إلَّا رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ) كَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ الِاحْتِيَاطُ لِلْعِبَادَةِ (وَلَوْ صَامُوا) ، أَيْ: النَّاسُ (ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ) ، أَيْ: هِلَالَ شَوَّالٍ، (قَضَوْا يَوْمًا) وَاحِدًا (فَقَطْ) نَصًّا، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَلِبُعْدِ الْغَلَطِ بِيَوْمَيْنِ. (وَ) إنْ صَامُوا (بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ) عَدْلَيْنِ (ثَلَاثِينَ) يَوْمًا (وَلَمْ يَرَوْهُ) ، أَيْ: هِلَالَ شَوَّالٍ، (أَفْطَرُوا) مَعَ الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلَيْنِ يَثْبُتُ بِهَا الْفِطْرُ ابْتِدَاءً، فَتَبَعًا لِثُبُوتِ الصَّوْمِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمَا أَخْبَرَا بِالرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ عَنْ يَقِينٍ وَمُشَاهَدَةٍ، فَلَا يُقَابِلُهَا الْإِخْبَارُ بِنَفْيٍ وَعَدَمِ يَقِينٍ مَعَهُ، لِاحْتِمَالِ حُصُولِ الرُّؤْيَةِ بِمَكَانٍ آخَرَ، وَ (لَا) يُفْطِرُوا إنْ صَامُوا (بِ) شَهَادَةِ (وَاحِدٍ) ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَرَوْهُ، لِحَدِيثِ: «وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» وَلِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يَسْتَنِدُ إلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِلَالِ شَوَّالٍ، بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْقَرَائِنِ، (وَلَا) إنْ صَامُوا (لِغَيْمٍ) ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَرَوْهُ، فَلَا يُفْطِرُونَ، لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا، فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ الْأَصْلَ، وَهُوَ بَقَاءُ رَمَضَانَ أَوْلَى. (فَلَوْ غُمَّ) الْهِلَالُ (لِشَعْبَانَ، وَ) غُمَّ أَيْضًا لِ (رَمَضَانَ، وَجَبَ تَقْدِيرُ رَجَبٍ، وَ) تَقْدِيرُ (شَعْبَانَ نَاقِصَيْنِ) احْتِيَاطًا، لِوُجُوبِ الصَّوْمِ (فَلَا يُفْطِرُوا قَبْلَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ) يَوْمًا (بِلَا رُؤْيَةٍ) ، لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ رَمَضَانَ (وَكَذَا الزِّيَادَةُ) ، أَيْ: زِيَادَةُ صَوْمِ يَوْمَيْنِ عَلَى الصَّوْمِ الْوَاجِبِ (لَوْ غُمَّ) الْهِلَالُ (لِرَمَضَانَ وَشَوَّالٍ، وَ) صُمْنَا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ثُمَّ (أَكْمَلْنَا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ) ، أَيْ: فَرَضْنَاهُمَا

كَامِلَيْنِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ (وَ) بَانَ أَنَّهُمَا (كَانَا نَاقِصَيْنِ) قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " (وَ) عَلَى هَذَا فَ (قِسْ لَوْ غُمَّ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَرَمَضَانُ) ، أَيْ: فَلَا يُفْطِرُونَ قَبْلَ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ بِلَا رُؤْيَةٍ. (وَلَا يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا فِي أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ") نَقْلًا عَنْ الْعُلَمَاءِ وَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: قَدْ يَتَوَالَى شَهْرَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ، وَقَدْ يَتَوَالَى شَهْرَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، يَعْنِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَقَطْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُمَا: لَا يَجْتَمِعُ نُقْصَانُهُمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: غَالِبًا، وَقِيلَ لَا يَنْقُصُ أَجْرُ الْعَمَلِ فِيهِمَا بِنَقْصِ عَدَدِهِمَا، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ تَأْوِيلَهُ عَلَى السَّنَةِ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فِيهَا. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: لَا أَدْرِي مَا هَذَا، وَقَدْ رَأَيْنَاهُمَا يَنْقُصَانِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (مَنْ قَالَ: إنْ رُئِيَ الْهِلَالُ صَبِيحَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، فَالشَّهْرُ تَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يُرَ، فَنَاقِصٌ) هَذَا إنْ ثَبَتَ (فَ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اسْتِتَارَ الْهِلَالِ لَا يَكُونُ إلَّا لَيْلَتَيْنِ، وَ (لَيْسَ بِصَحِيحٍ) ، لِوُجُودِ خِلَافِهِ، بَلْ قَدْ يَسْتَتِرُ لَيْلَةً تَارَةً، وَثَلَاثَ لَيَالٍ أُخْرَى. (وَمَنْ رَآهُ) ، أَيْ: الْهِلَالَ (وَحْدَهُ لِ) شَهْرِ (رَمَضَانَ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لِفِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ، (لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الشَّهْرِ مِنْ نَحْوِ طَلَاقٍ) كَظِهَارٍ (وَعِتْقٍ مُعَلَّقٍ بِهِ) ، لِأَنَّهُ يَوْمٌ عَلِمَهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ، كَاَلَّذِي بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مِنْ شَعْبَانَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ظَاهِرًا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ، وَيَلْزَمُهُ إمْسَاكُهُ لَوْ أَفْطَرَ فِيهِ، وَالْكَفَّارَةُ إنْ جَامَعَ فِيهِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عُقُوبَةً مَحْضَةً بَلْ عِبَادَةً أَوْ فِيهَا شَائِبَتُهَا.

(وَ) إنْ رَآهُ وَحْدَهُ (لِ) شَهْرِ (شَوَّالٍ لَمْ يُفْطِرْ وُجُوبًا) نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ، لِحَدِيثِ «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحُّونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ الْفِطْرُ سِرًّا، وَحَسَّنَهُ فِي) " الْإِنْصَافِ " (" وَالْإِقْنَاعِ ") لِأَنَّهُ تَيَقَّنَهُ يَوْمَ عِيدٍ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَهُوَ) ، أَيْ: مَا قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: (الصَّوَابُ لِمَنْ تَيَقَّنَهُ تَيَقُّنًا لَا لَبْسَ مَعَهُ) وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ": وَعَنْهُ: يُفْطِرُ، وَقِيلَ: سِرًّا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ رُؤْيَتَهُ وَحْدَهُ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْيَقِينُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إذْ يَجُوزُ أَنَّهُ خُيِّلَ إلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَّهَمَ فِي رُؤْيَتِهِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، وَمُوَافَقَةً لِمَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. (وَالْمُنْفَرِدُ بِرُؤْيَتِهِ) أَيْ: هِلَالِ شَوَّالٍ (بِنَحْوِ مَفَازَةٍ) كَمُعْتَقَلٍ فِي مَكَان لَا يَدْخُلُ إلَيْهِ أَحَدٌ (يَبْنِي عَلَى يَقِينِ رُؤْيَتِهِ) فَيُفْطِرُ (لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ) ، قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ عَلَى " الْهِدَايَةِ ". (وَإِنْ شَهِدَا) أَيْ: شَهِدَ اثْنَانِ (بِهِ) ، أَيْ: بِهِلَالِ شَوَّالٍ (عِنْدَ حَاكِمٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا) ، أَيْ: رَدَّهَا الْحَاكِمُ لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا، وَلَا لِمَنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمَا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ، وَتَشْتِيتِ الْكَلِمَةِ، وَجَعْلِ مَرْتَبَةِ الْحَاكِمِ لِكُلِّ إنْسَانٍ، قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " وَقَالَ الْمُوَفَّقُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ ": وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عِنْدَ حَاكِمٍ فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا، (فَلِعَالَمٍ بِعَدَالَتِهِمَا) الْفِطْرُ. (وَيَتَّجِهُ: بَلْ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) - أَيْ: عَلَى الْعَالِمِ بِعَدَالَتِهِمَا، وَهَذَا

الِاتِّجَاهُ لَا بَأْسَ بِهِ، - (الْفِطْرُ لِأَنَّ رَدَّهُ) ، أَيْ: الْحَاكِمِ لِشَهَادَتِهِمَا هَهُنَا (تَوَقُّفٌ) مِنْهُ عَنْ الْحُكْمِ بِهَا، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِهِمَا (لَا حُكْمٌ) ، أَيْ: لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْهُ بِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا، فَأَشْبَهَ الْمُنْتَظِرَ لِبَيِّنَةٍ بِخَبَرِ عَدَالَتِهِمَا، وَلِهَذَا لَوْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْ زَكَّاهُمَا كَانَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِهَا، لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَأَمَّا إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا لِفِسْقِهِمَا، فَلَيْسَ لَهُمَا، وَلَا لِغَيْرِهِمَا الْفِطْرُ بِشَهَادَتِهِمَا. وَإِنْ رَآهُ عَدْلَانِ، وَلَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ جَازَ لِمَنْ سَمِعَ بِشَهَادَتِهِمَا الْفِطْرُ إذَا عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا، (وَيُفْطِرُ كُلٌّ مِنْهُمَا) ، أَيْ: الشَّاهِدَيْنِ (بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ وَ) رُؤْيَةِ (رَفِيقِهِ) إذَا عَرَفَ عَدَالَتَهُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدُهُمَا عَدَالَةَ الْآخَرِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ، لِاحْتِمَالِ فِسْقِهِ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ فَيَزُولُ اللَّبْسُ، وَكَذَا لَوْ جَهِلَ غَيْرُهُمَا عَدَالَتَهُمَا، أَوْ عَدَالَةَ أَحَدِهِمَا. فَلَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ الْحَاكِمُ. (وَيُنْكَرُ عَلَى مَنْ أَكَلَ بِرَمَضَانَ ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ) ، قَالَهُ الْقَاضِي. (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ كَانَتْ أَعْذَارٌ خَفِيَّةٌ مَنَعَتْ مِنْ إظْهَارِهِ كَ) مَرِيضٍ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ، وَ (مُسَافِرٍ لَا عَلَامَةَ عَلَيْهِ) بِخِلَافِ الْأَعْذَارِ الظَّاهِرَةِ، (وَإِنَّمَا مُنِعَ) إظْهَارُهُ (لِئَلَّا يُتَّهَمَ) . انْتَهَى. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: أَكْرَهُ الْمَدْخَلَ السُّوءَ) لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّيبَةِ. (وَإِنْ اشْتَبَهَتْ الْأَشْهُرُ عَلَى مَنْ أُسِرَ أَوْ طُمِرَ أَوْ بِمَفَازَةٍ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ بِدَارِ حَرْبٍ، (تَحَرَّى) ، أَيْ: اجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ (وُجُوبًا) ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَزِمَهُ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ،

فصل علي من يجب الصوم

(وَصَامَ) الَّذِي ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ رَمَضَانُ، (وَيُجْزِئُهُ) الصَّوْمُ (إنْ شَكَّ هَلْ وَقَعَ صَوْمُهُ قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ رَمَضَانَ، (أَوْ) وَقَعَ (بَعْدَهُ) ، لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِاجْتِهَادٍ، وَلَا يَضُرُّ تَرَدُّدُهُ فِي النِّيَّةِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، (كَمَا لَوْ وَافَقَهُ) ، أَيْ: رَمَضَانَ (أَوْ) وَافَقَ (مَا بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ رَمَضَانَ كَذِي الْحِجَّةِ أَوْ مُحَرَّمٍ وَنَحْوِهِ كَالصَّلَاةِ، (لَا إنْ وَافَقَ) صَوْمُهُ رَمَضَانَ (الْقَابِلَ، فَلَا يُجْزِئُ) هـ (عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) ، أَيْ: الرَّمَضَانَيْنِ (اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ التَّعْيِينِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (وَ) إنْ صَامَ شَوَّالًا أَوْ ذِي الْحِجَّةِ، فَإِنَّهُ (يَقْضِي مَا وَافَقَ عِيدًا أَوْ أَيَّامَ تَشْرِيقٍ) ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ رَمَضَانَ، (وَلَوْ صَامَ) مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَشْهُرُ (شَعْبَانَ ثَلَاثَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةً، ثُمَّ عَلِمَ) الْحَالَ، (قَضَى مَا فَاتَ) وَهُوَ رَمَضَانُ ثَلَاثَ سِنِينَ قَضَاءً، (مُرَتِّبًا شَهْرًا عَلَى إثْرِ شَهْرٍ) بِالْبَيِّنَةِ (كَصَلَاةٍ فَائِتَةٍ) نَصًّا، نَقَلَهُ مُهَنَّا. (وَيَتَّجِهُ: أَنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلصِّحَّةِ) ، فَيَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُهُ عَنْ شَعْبَانَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُلْ) فَصَامَ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ أَصَابَ، (أَوْ شَكَّ) أَنْ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُلْ (فَصَامَ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ أَصَابَ) كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ. [فَصْلٌ عَلَيَّ مِنْ يَجِب الصَّوْم] (فَصْلٌ) (وَيَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] ، فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَائِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ مَا مَضَى مِنْ الْأَيَّامِ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ «قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ قُبَّةً بِالْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا صَامُوا مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ» وَلِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُفْرَدَةٌ. (قَادِرٍ) عَلَى صَوْمٍ لَا عَلَى عَاجِزٍ عَنْهُ لِنَحْوِ مَرَضٍ لِلْآيَةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ، وَلَا صَغِيرٍ، وَلَوْ مُرَاهِقًا، لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» وَيَصِحُّ مِنْ مُمَيِّزٍ كَالصَّلَاةِ لَا مِنْ مَجْنُونٍ، (لَكِنْ عَلَى وَلِيِّ صَغِيرٍ مُطِيقٍ) لِلصَّوْمِ (أَمْرُهُ بِهِ، وَضَرْبُهُ عَلَيْهِ لِيَعْتَادَهُ) إذَا بَلَغَ كَالصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الصَّوْمَ أَشَقُّ فَاعْتُبِرَتْ الطَّاقَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطِيقُ الصَّلَاةَ مَنْ لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ. (وَفِي " الْمُغْنِي " اعْتِبَارُهُ) ، أَيْ: أَمْرِ الصَّغِيرِ بِالصَّوْمِ (بِالْعَشْرِ أَوْلَى) ، لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالضَّرْبِ عِنْدَهَا. (وَيَتَّجِهُ: أَنَّ تَفْصِيلَهُ) أَيْ: الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ (كَ) تَفْصِيلِ الْأَمْرِ بَال (صَّلَاةِ) ، مِنْ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ لِسَبْعٍ إنْ أَطَاقَهُ، وَحَدَّ الْإِطَاقَةَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ وَلَا يَضُرُّهُ، (فَهِيَ) ، أَيْ: الصَّلَاةُ (آكَدُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهَا لَا مَضَرَّةَ فِي مُدَاوَمَةِ الْمُمَيِّزِ عَلَيْهَا. (وَلَا يُضْرَبُ) مُمَيِّزٌ عَلَى تَرْكِهِ (إلَّا لِعَشْرٍ) وَلَوْ أَطَاقَهُ؛ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ إذَنْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ) أَيْ: الصَّوْمِ (لِكِبَرٍ) كَشَيْخٍ هَرِمٍ وَعَجُوزٍ يُجْهِدُهُمَا

الصَّوْمُ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً (أَوْ) عَجَزَ عَنْهُ (لِمَرَضٍ لَا يُرْجَى بَرْؤُهُ، أَفْطَرَ وَعَلَيْهِ) ، أَيْ مَنْ عَجَزَ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بَرْؤُهُ، إنْ كَانَ فِطْرُهُ (لَا مَعَ) عُذْرٍ مُعْتَادٍ (نَحْوِ سَفَرٍ: عَنْ كُلِّ يَوْمٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ، أَوْ مُدَّانِ مِنْ غَيْرِهِ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة: 184] لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هِيَ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَاهُ: عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَذَكَرَهُ وَأَلْحَقَ بِهِ مَنْ لَا يُرْجَى بَرْءُ مَرَضِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْعَاجِزُ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بَرْؤُهُ مُسَافِرًا فَلَا فِدْيَةَ لِفِطْرِهِ بِعُذْرٍ مُعْتَادٍ وَلَا قَضَاءَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ فَيُعَايَا بِهَا. (وَلَا يَسْقُطُ) الْإِطْعَامُ (بِعَجْزٍ) عَنْهُ (وَلَا يُجْزِئُ صَوْمُ غَيْرِهِ) أَيْ: الْمَعْذُورِ (عَنْهُ) كَالصَّلَاةِ. (وَمَنْ أَيِسَ) مِنْ بَرْئِهِ (ثُمَّ قَدَرَ عَلَى قَضَاءٍ لَمْ يَقْضِ) مَا أَفْطَرَهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَعْضُوبٍ عَجَزَ عَنْ حَجٍّ، وَأَحَجَّ عَنْهُ، ثُمَّ عُوفِيَ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ. (وَيَتَّجِهُ: هَذَا) أَيْ: عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ (إنْ كَانَ قَدْ أَطْعَمَ) قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ (لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ بَدَلٍ وَمُبْدَلٍ) أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَطْعَمَ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَمَعْضُوبٍ عُوفِيَ قَبْلَ إحْرَامِ نَائِبِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَّ فِطْرٌ وَكُرِهَ صَوْمٌ) لِمُسَافِرٍ (بِسَفَرِ قَصْرٍ) أَيْ: فِي أَثْنَائِهِ (وَلَوْ بِلَا مَشَقَّةٍ) لِحَدِيثِ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَزَادَ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا»

وَإِنْ صَامَ أَجْزَأَهُ نَصًّا؛ لِحَدِيثِ «هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا، فَهُوَ حَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ. (فَلَوْ سَافَرَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ بِرَمَضَانَ (لِيُفْطِرَ) فِيهِ، (حَرُمَ) عَلَيْهِ (فِطْرٌ) أَمَّا السَّفَرُ فَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْفِطْرِ الْمُحَرِّمِ، وَأَمَّا الْفِطْرُ فَلِعَدَمِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ، وَهُوَ السَّفَرُ الْمُبَاحِ. (وَيَتَّجِهُ احْتِمَالٌ) قَوِيٌّ: (وَكَذَا) لَوْ سَافَرَ (لِيَقْصُرَ) الرَّبَاعِيَةَ (وَيَمْسَحَ ثَلَاثًا) ، فَيَحْرُمُ السَّفَرُ لِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) سُنَّ فِطْرٌ وَكُرِهَ صَوْمٌ (لِخَوْفِ مَرَضٍ بِعَطَشٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَرِيضِ بِتَضَرُّرِهِ بِالصَّوْمِ. (وَ) سُنَّ فِطْرٌ وَكُرِهَ صَوْمٌ (لِخَوْفِ مَرِيضٍ وَحَادِثٍ بِهِ فِي يَوْمِهِ ضَرَرًا بِزِيَادَتِهِ أَوْ طُولِهِ) أَيْ: الْمَرَضِ، (وَلَوْ بِقَوْلِ) طَبِيبٍ غَيْرِ مُسْلِمٍ (ثِقَةٍ) مَا لَمْ يَكُنْ الْمَرِيضُ طَبِيبًا، وَلَوْ فَاسِقًا كَإِفْتَاءِ فَاسِقٍ نَفْسَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] . إلَى قَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وَ (لَا) يُبَاحُ فِطْرٌ (لِمَنْ) أَيْ: مَرِيضٍ (لَمْ يَتَضَرَّرُ بِهِ) أَيْ: الصَّوْمِ (كَمَنْ بِهِ جَرَبٌ أَوْ وَجَعُ ضِرْسٍ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ دُمَّلٌ وَنَحْوُهُ) ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ، قِيلَ: مِثْلُ الْحُمَّى؟ قَالَ: وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنْ الْحُمَّى؟ (وَيُبَاحُ فِطْرٌ بِقَوْلِهِ) أَيْ: الطَّبِيبِ الثِّقَةِ: (إنَّ الصَّوْمَ مِمَّا يُمَكِّنُ الْعِلَّةَ، أَوْ) بِقَوْلِهِ: إنَّ الصَّوْمَ (لَا يَنْفَعُ مَعَهُ تَدَاوٍ) كَمَنْ بِهِ (نَحْوُ مَرَضٍ) يَضُرُّهُ تَرْكُ التَّدَاوِي، (وَرَمَدٍ) يُخْشَى زِيَادَتُهُ بِتَرْكِ الِاكْتِحَالِ

(وَجَائِفَةٍ وَمَأْمُومَةٍ) كَذَلِكَ (وَقَالَ) أَبُو بَكْرٍ (الْآجُرِّيُّ: مَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ فَإِنْ خَافَ) بِالصَّوْمِ (تَلَفًا، أَفْطَرَ وَقَضَى) إنْ ضَرَّهُ تَرْكُ الصَّنْعَةِ، (فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكُهَا أَثِمَ) بِالْفِطْرِ وَيَتْرُكُهَا، (وَإِلَّا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِ الضَّرَرُ بِتَرْكِهَا، (فَلَا) إثْمَ عَلَيْهِ بِالْفِطْرِ لِلْعُذْرِ (وَمَنْ قَاتَلَ عَدُوًّا أَوْ أَحَاطَ الْعَدُوُّ بِبَلَدِهِ، وَالصَّوْمُ يُضْعِفُهُ) عَنْ الْقِتَالِ، (سَاغَ لَهُ الْفِطْرُ) بِدُونِ سَفَرٍ (نَصًّا) فَعَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَأَمَرَ بِهِ لَمَّا نَازَلَ الْعَدُوُّ دِمَشْقَ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ نَوَى حَاضِرٌ صَوْمَ يَوْمٍ) بِرَمَضَانَ (وَسَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الْيَوْمِ طَوْعًا أَوْ كُرْهًا، (فَلَهُ الْفِطْرُ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ كَالْمَرَضِ الطَّارِئِ وَلَوْ بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا حَيْثُ وَجَبَ إتْمَامُهَا لَمْ تَقْصُرْ، لِآكَدِيَّتِهَا، وَعَدَمِ مَشَقَّةِ إتْمَامِهَا، (إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ) الْعَامِرَةَ وَنَحْوَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَهُ لَا يُسَمَّى مُسَافِرًا، (وَالْأَفْضَلُ) لِحَاضِرٍ نَوَى صَوْمًا، وَسَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ (عَدَمُهُ) ، أَيْ: عَدَمِ الْفِطْرِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. (وَيَتَّجِهُ: لُزُومُ تَبْيِيتِ نِيَّةِ) الصَّوْمِ (مِمَّنْ نَوَى السَّفَرَ نَهَارًا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ لَهُ عَائِقٌ عَنْ السَّفَرِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ الْفِطْرُ لِلْمُسَافِرِ إلَّا إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةَ (وَجَازَ وَطْءٌ لِمَنْ بِهِ مَرَضٌ يَنْتَفِعُ بِهِ) ، أَيْ: الْوَطْءِ (فِيهِ) ، أَيْ: الْمَرَضِ، كَالْمُدَاوَاةِ (وَمَنْ بِهِ شَبَقٌ يَخَافُ تَشَقُّقَ نَحْوِ ذَكَرِهِ) - كَأُنْثَيَيْهِ إنْ لَمْ يَطَأْ، (وَلَمْ تَنْدَفِعْ شَهْوَتُهُ بِدُونِ وَطْءٍ كَاسْتِمْنَاءٍ بِيَدِهِ، أَوْ يَدِ زَوْجَتِهِ) كَسُرِّيَّتِهِ -، (جَامَعَ، وَلَا كَفَّارَةَ) نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ، فَإِنْ انْدَفَعَتْ شَهْوَتُهُ بِدُونِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَيَقْضِي) عَدَدَ مَا أَفْسَدَهُ مِنْ الْأَيَّامِ،

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] (مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ) عَلَيْهِ (قَضَاءٌ لِشَبَقٍ فَيُطْعِمُ) لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، (كَكَبِيرٍ) عَاجِزٍ عَنْ صَوْمٍ، (وَمَتَى لَمْ يُمْكِنْهُ) الْوَطْءُ لِدَفْعِ الشَّبَقِ (إلَّا بِإِفْسَادِ صَوْمِ مَوْطُوءَةٍ) ، بِأَنْ لَمْ تَنْدَفِعْ شَهْوَتُهُ بِاسْتِمْنَاءٍ بِيَدِ زَوْجَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ، وَلَا بِمُبَاشَرَةٍ دُونَ الْفَرْجِ، (جَازَ) لَهُ الْوَطْءُ (ضَرُورَةً) أَيْ لِدُعَاءِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ كَأَكْلِ مُضْطَرٍّ مَيِّتَةً، فَإِنْ كَانَ حَائِضٌ وَصَائِمَةٌ طَاهِرٌ مِنْ زَوْجَةٍ وَسُرِّيَّةٍ (فَ) وَطْءُ طَاهِرٍ (صَائِمَةٍ أَوْلَى مِنْ) وَطْءِ (حَائِضٍ) ، لِنَهْيِ الْكِتَابِ عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ، وَتَعَدِّي ضَرَرِهِ. (وَتَتَعَيَّنُ) لِلْوَطْءِ (مَنْ لَمْ تَبْلُغْ) مِنْ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ مُبَاحَةٍ (كَمَجْنُونَةٍ وَكِتَابِيَّةٍ) لِتَحْرِيمِ إفْسَادِ صَوْمِ الْبَالِغَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ إلَيْهِ. (وَكُرِهَ صَوْمُ حَامِلٍ وَمُرْضِعٍ خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِنَّ أَوْ) خَافَتَا عَلَى (الْوَلَدِ) كَالْمَرِيضِ، وَأَوْلَى، (وَيَقْضِيَانِ لِفِطْرٍ) عَدَدَ أَيَّامِ فِطْرِهِمَا لِقُدْرَتِهِمَا عَلَى الْقَضَاءِ (وَيَلْزَمُ مَنْ يُمَوِّنُ الْوَلَدَ إنْ خِيفَ عَلَيْهِ فَقَطْ) مِنْ الصَّوْمِ (إطْعَامُ مِسْكِينٍ فَوْرًا) لِوُجُوبِهِ كَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهَذَا أَقْيَسُ (لِكُلِّ يَوْمٍ) أَفْطَرَتْهُ حَامِلٌ أَوْ مُرْضِعٌ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ (مَا) أَيْ: طَعَامًا (يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " كَانَتْ رُخْصَةٌ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا، أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عَاجِزَةٍ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ. (وَتُجْزِئُ) كَفَّارَةٌ (لِ) مِسْكِينٍ (وَاحِدٍ جُمْلَةً) وَاحِدَةً، قَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": إنْ أَتَى بِهِ مَعَ الْقَضَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّكْمِلَةِ لَهُ (وَمَتَى قَبِلَ

رَضِيعٌ ثَدْيِ غَيْرِهَا) أَيْ أُمِّهِ (وَقَدَرَ وَلِيُّهُ يَسْتَأْجِرُ لَهُ، لَمْ تُفْطِرْ أُمُّهُ) ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، (وَظِئْرٌ) أَيْ: مُرْضِعَةٌ لِوَلَدِ غَيْرِهَا (كَأُمٍّ) فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ إنْ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ الرَّضِيعِ، فَإِنْ وَجَبَ إطْعَامٌ فَعَلَى مَنْ يُمَوِّنُهُ، (فَلَوْ تَغَيَّرَ لَبَنُهَا) أَيْ الظِّئْرِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلْإِرْضَاعِ (بِ) سَبَبِ (صَوْمِهَا أَوْ نَقَصَ) لَبَنُهَا بِصَوْمِهَا، (فَلِمُسْتَأْجَرِ) هَا (الْفَسْخُ) لِلْإِجَارَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ. (وَتَأْثَمُ) مُرْضِعَةٌ صَامَتْ (بِقَصْدِ إضْرَارِ) مُرْتَضِعٍ (وَتُجْبَرُ) أَيْ: يُجْبِرُهَا الْحَاكِمُ بِطَلَبِ مُسْتَأْجِرٍ (عَلَى فِطْرٍ إنْ تَأَذَّى رَضِيعٌ) بِصَوْمِهَا، فَإِنْ قَصَدَتْ الْأَضْرَارَ أَثِمَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ. (وَيَجِبُ فِطْرٌ عَلَى مَنْ احْتَاجَهُ) أَيْ: الْفِطْرَ (لِإِنْقَاذِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ كَغَرَقٍ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَدَارُكُ الصَّوْمِ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ. (وَ) إنْ جُعِلَ لِمُنْقِذِ مَعْصُومٍ ضَعُفَ فِي نَفْسِهِ بِسَبَبِ إنْقَاذِهِ فَأَفْطَرَ، فَ (لَا يَفْدِي) هُوَ وَلَا الْمَعْصُومُ، كَالْمَرِيضِ، (وَإِنْ قَدَرَ) الْمُنْقِذُ عَلَى الْإِنْقَاذِ (بِدُونِ فِطْرٍ) وَجَبَ عَلَيْهِ وَ (حَرُمَ) الْفِطْرُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، (فَإِنْ دَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يُفْطِرْ) لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ بِذَلِكَ. (وَيَتَّجِهُ كَآدَمِيٍّ) فِي وُجُوبِ إنْقَاذِهِ، وَوُجُوبِ الْفِطْرِ عَلَى مُضْطَرٍّ إلَيْهِ لِإِنْقَاذِ (حَيَوَانٍ مُحْتَرِمٍ) تَخْلِيصًا لَهُ مِنْ الْمَهْلَكَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَصِحُّ صَوْمُ مَنْ خَافَ تَلَفًا) بِصَوْمِهِ (وَيُكْرَهُ) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ: صَاحِبُ " الِانْتِصَارِ " وَ " فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ " وَ " الْحَاوِيَيْنِ " وَ " الْفَائِقِ " وَغَيْرِهِمْ: (يَحْرُمُ) صَوْمُهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَمْ أَجِدْهُمْ ذَكَرُوا فِي الْإِجْزَاءِ خِلَافًا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِي صَوْمِ الظِّهَارِ: يَجِبُ فِطْرُهُ بِمَرَضٍ مَخُوفٍ.

فرع من أبيح له فطر برمضان

(وَيَتَّجِهُ: وَهُوَ) أَيْ: الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ؛ (الْأَصَحُّ) لَكِنَّ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلُ. قَالَ الْآجُرِّيُّ: (وَلَيْسَ لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ فِطْرٌ بِرَمَضَانَ) كَمُسَافِرٍ (صَوْمُ غَيْرِهِ) أَيْ: رَمَضَانَ (فِيهِ) لِأَنَّهُ لَا يَسَعُ غَيْرَ مَا فُرِضَ فِيهِ، (وَيَلْغُو صَوْمُهُ) إذَا صَامَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَا يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ، لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ، (وَكَذَا لَوْ قَلَبَهُ) أَيْ: صَوْمَ رَمَضَانَ (نَفْلًا) ، لَمْ يَصِحَّ لَهُ النَّفَلُ، وَبَطَلَ فَرْضُهُ لِقَطْعِ نِيَّتِهِ. [فَرْعٌ مَنْ أُبِيحَ لَهُ فِطْرٌ بِرَمَضَانَ] (فَرْعٌ: لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ فِطْرٌ بِرَمَضَانَ) كَمَرِيضٍ وَنَحْوِهِ (وَصَامَ، أَنْ يُفْطِرَ بِمَا شَاءَ مِنْ جِمَاعٍ وَغَيْرِهِ) كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ، (وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ لِحُصُولِ الْفِطْرِ بِالنِّيَّةِ قَبْلَ الْجِمَاعِ، فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَهُ. [فَصْلٌ شُرُوط صِحَّةِ الصَّوْمِ] (فَصْلٌ) (وَشُرِطَ لِصِحَّةِ صَوْمٍ: إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ، وَتَمْيِيزٌ، وَطُهْرٌ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ. وَ) شُرِطَ لِصِحَّتِهِ (نِيَّةٌ مُعَيِّنَةٌ لِمَا يَصُومُ) بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَصُومُ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ قَضَائِهِ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ، (مِنْ اللَّيْلِ) لِحَدِيثِ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَكَالْقَضَاءِ. وَأَوَّلُ اللَّيْلِ وَوَسَطُهُ وَآخِرُهُ مَحِلٌّ لِلنِّيَّةِ، فَأَيُّ جُزْءٍ نَوَى فِيهِ أَجْزَأَهُ، (لِ) صَوْمِ (كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ) ، لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُفْرَدَةٌ فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُ يَوْمٍ بِفَسَادِ صَوْمِ يَوْمٍ آخَرَ كَالْقَضَاءِ. (وَلَا تَسْقُطُ) النِّيَّةُ (بِسَهْوٍ أَوْ غَيْرِهِ) ، فَلَوْ تَرَكَهَا جَهْلًا

أَوْ نِسْيَانًا أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْغُرُوبِ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ لَمْ يَصِحَّ صَوْمٌ لِعَدَمِ النِّيَّةِ، (وَلَا يَضُرُّ لَوْ أَتَى بَعْدَهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ (لَيْلًا بِمُنَافٍ لِلصَّوْمِ) لَا لِلنِّيَّةِ (مِنْ نَحْوِ جِمَاعٍ) كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ الْأَكْلَ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ، فَلَوْ بَطَلَتْ فَاتَ مَحِلُّهَا. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إتْيَانُهُ بِمُنَافٍ لِلصَّوْمِ إذَا كَانَ مَا أَتَى بِهِ (غَيْرَ رِدَّةٍ) ، أَمَّا الرِّدَّةُ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهَا تُبْطِلُ النِّيَّةَ، وَتُزِيلُ التَّأَهُّلَ لِلْعِبَادَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَا بُدَّ لِصِحَّتِهَا بِإِتْيَانِهِ بِالْإِسْلَامِ، بِخِلَافِ طُرُوءِ الْجُنُونِ عَلَى مُبَيِّتِ النِّيَّةِ، فَإِنَّ الْمَجْنُونَ بِمُجَرَّدِ إفَاقَتِهِ مِنْ الْجُنُونِ تَصِحُّ عِبَادَتُهُ؛ لِعَدَمِ صُنْعِهِ فِيهِ، فَلَا يُفْتَقَرُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَ (لَا) تُعْتَبَرُ (نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ) بِأَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ فَرْضًا، (اكْتِفَاءً بِالتَّعْيِينِ) عَنْهُ، وَكَالصَّلَاةِ، (وَلَوْ نَوَتْ حَائِضٌ صَوْمَ غَدٍ، وَتَعْرِفُ أَنَّهَا تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرٍ، صَحَّ) لِمَشَقَّةِ الْمُقَارَنَةِ، (وَمَنْ نَوَى) لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ: (إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَفَرْضِيٌّ، وَإِلَّا فَنَفْلٌ) ، لَمْ يُجْزِئْهُ، (أَوْ) نَوَى (عَنْ وَاجِبٍ) مِنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ (عَيَّنَهُ) ، أَيْ: الْوَاجِبَ (بِنِيَّتِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ) إنْ بَانَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ لَا عَنْ رَمَضَانَ، وَلَا عَنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ؛ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ لِأَحَدِهِمَا، (إلَّا إنْ قَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ) : إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، فَفَرْضِيٌّ (وَإِلَّا، فَأَنَا مُفْطِرٌ) ، فَيُجْزِئُهُ إنْ بَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ بَنَى عَلَى أَصْلٍ لَمْ يَثْبُتْ زَوَالُهُ، وَلَا يَقْدَحُ تَرَدُّدُهُ، لِأَنَّهُ حُكْمُ صَوْمِهِ مَعَ الْجَزْمِ. (وَمَنْ قَالَ: أَنَا صَائِمٌ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنْ قَصَدَ

بِالْمَشِيئَةِ الشَّكَّ) بِأَنْ شَكَّ: هَلْ يَصُومُ أَوْ لَا؟ (أَوْ) قَصَدَ بِهَا (التَّرَدُّدَ فِي الْعَزْمِ) ، أَوْ الْقَصْدُ بِأَنْ تَرَدَّدَ: هَلْ يَنْوِي الصَّوْمَ بَعْدَ ذَلِكَ جَزْمًا أَوْ لَا؟ (فَسَدَتْ نِيَّتُهُ) ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِهَا، (وَإِلَّا) يَقْصِدْ الشَّكَّ، وَلَا التَّرَدُّدَ، (فَلَا) تَفْسُدُ نِيَّتُهُ (كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ) ، قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنَّ صَوْمَهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَيْسِيرِهِ. (وَكَقَوْلِهِ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى (غَيْرَ مُتَرَدِّدٍ فِي الْحَالِ) ، فَلَا يَفْسُدُ إيمَانُهُ بِذَلِكَ وَفِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ ": يَحْرُمُ قَوْلُهُ: أَنَا مُسْلِمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَمَنْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ لَيْلًا أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا فَقَدْ نَوَى، وَكَذَا أَكْلٌ وَشُرْبٌ بِنِيَّةِ صَوْمٍ) لِأَنَّ مَحَلَّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ حِينَ يَتَعَشَّى يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ عَشَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَعَشَاءِ لَيَالِي رَمَضَانَ. (وَلَا يَصِحُّ) صَوْمٌ (مِمَّنْ جُنَّ) كُلَّ النَّهَارِ (أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ كُلَّ النَّهَارِ) ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْإِمْسَاكُ مَعَ النِّيَّةِ؛ لِحَدِيثِ «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» فَأَضَافَ التَّرْكَ إلَيْهِ، وَهُوَ لَا يُضَافُ إلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ، وَالنِّيَّةُ وَحْدَهَا لَا تُجْزِئُ. (وَيَصِحُّ) الصَّوْمُ (مِمَّنْ أَفَاقَ) مِنْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ (جُزْءًا مِنْهُ) ، أَيْ: النَّهَارِ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ (حَيْثُ نَوَى لَيْلًا) ، لِصِحَّةِ إضَافَةِ التَّرْكِ إلَيْهِ إذَنْ، وَيُفَارِقُ الْجُنُونُ الْحَيْضَ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ بَلْ الصِّحَّةَ، وَيُحَرِّمُ فِعْلَهُ، (أَوْ نَامَ كُلَّهُ) ، أَيْ: النَّهَارِ، فَيَصِحُّ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ عَادَةٌ، وَلَا يَزُولُ بِهِ الْإِحْسَاسُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى نُبِّهَ انْتَبَهَ. (وَيَقْضِي مُغْمًى عَلَيْهِ) زَمَنَ إغْمَائِهِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَمُدَّةُ الْإِغْمَاءِ لَا تَطُولُ غَالِبًا، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ. وَ (لَا) يَقْضِي (مَجْنُونٌ) زَمَنَ

جُنُونِهِ، (لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ) سَوَاءٌ كَانَ زَمَنُ الْجُنُونِ كُلَّ الشَّهْرِ أَوْ بَعْضَهُ. (وَمَنْ) (نَوَى الْفِطْرَ) وَلَوْ سَاعَةً أُخْرَى بَطَلَ صَوْمُهُ، (أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ) ، أَيْ: الْفِطْرِ بَطَلَ صَوْمُهُ (أَوْ) نَوَى (إنْ وَجَدْتُ طَعَامًا أَكَلْتُ وَإِلَّا) أَجِدُ طَعَامًا (أَتْمَمْتُ، بَطَلَ صَوْمُهُ) لِتَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّةِ (كَصَلَاةٍ) ، أَيْ: كَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِفَسْخِ النِّيَّةِ، إذْ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا، إلَى فَرَاغِ كُلِّ عِبَادَةٍ شَرْطٌ. (وَصَحَّ أَنْ يَنْوِيَهُ) ، أَيْ: صَوْمَ الْيَوْمِ الَّذِي نَوَى الْإِفْطَارَ (فِيهِ نَفْلًا بِغَيْرِ رَمَضَانَ) نَصَّ عَلَيْهِ، (لِصِحَّةِ نِيَّةِ صَوْمِ نَفْلٍ نَهَارًا، وَلَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ) نَصًّا؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْنَا: لَا، فَقَالَ: إنِّي إذَنْ صَائِمٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَمْرُهُ بِصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فِي أَثْنَائِهِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ نِيَّةِ التَّبْيِيتِ لِنَفْلِ الصَّوْمِ تُقَلِّلُهُ، وَتُفَوِّتُ كَثِيرًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبْدُو لَهُ الصَّوْمُ بِالنَّهَارِ لِنَشَاطٍ يَبِينُ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَبِينُ لَهُ فِي اللَّيْلِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ يُسَامَحَ فِيهِ بِذَلِكَ، كَمَا سُومِحَ فِي نَفْلِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَالتَّوَجُّهِ فِي السَّفَرِ، وَفَارِقُ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ نَفْلِ الصَّلَاةِ كَفَرْضِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْضِي إلَى تَقْلِيلِهَا، وَلِأَنَّ جَعْلَهُ مِنْ حِينِ النِّيَّةِ سَائِغٌ مُمْكِنٌ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْفَرْضِ؛ لِوُجُوبِهِ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ. (وَيُحْكَمُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُثَابِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، فَلَا يَقَعُ عِبَادَةً؛ لِحَدِيثِ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (فَيَصِحُّ تَطَوُّعٌ مِنْ) حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ (طَهُرَتْ) فِي يَوْمٍ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ بَقِيَّتِهِ، (أَوْ) ، أَيْ: يَصِحُّ تَطَوُّعُ كَافِرٍ (أَسْلَمَ فِي يَوْمٍ لَمْ يَأْتِيَا) ، أَيْ: الَّتِي طَهُرَتْ، وَاَلَّذِي أَسْلَمَ (فِيهِ) ، أَيْ: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (بِمُفْسِدٍ مِنْ نَحْوِ أَكْلٍ) كَشُرْبٍ وَجِمَاعٍ. (وَمَنْ قَطَعَ نِيَّةَ صَوْمِ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ ثُمَّ نَوَى صَوْمًا

باب ما يفسد الصوم

نَفْلًا، صَحَّ) نَفْلُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " التَّنْقِيحِ " (وَحَرُمَ الْقَطْعُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] (وَإِنْ قَلَبَ صَائِمٌ نِيَّةً نَحْوَ نَذْرٍ) كَقَضَاءٍ (نَفْلًا، صَحَّ) كَقَلْبِ فَرْضِ الصَّلَاةِ نَفْلًا، (وَكُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ (لِغَيْرِ غَرَضٍ) صَحِيحٍ كَالصَّلَاةِ، (وَكَذَا قَضَاءٌ) وَيَصِحُّ قَلْبُهُ نَفْلًا (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (مُسْتَدِلًّا بِعَدَمِ صِحَّةِ نَفْلِ مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ) قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ قَلْبِهِ نَفْلًا، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَلَوْ قَلَبَ نِيَّةَ نَذْرٍ وَقَضَاءٍ إلَى النَّفْلِ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضِ صَلَاةٍ إلَى نَفْلِهَا، وَجَزَمَ بِصِحَّتِهِ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " التَّنْقِيحِ " " وَالْمُنْتَهَى " (وَمَنْ نَوَى خَارِجَ رَمَضَانَ قَضَاءً وَنَفْلًا أَوْ) نَوَى قَضَاءً وَ (نَذْرًا) أَوْ نَوَى قَضَاءً (وَكَفَّارَةً فَ) هُوَ (نَفْلٌ) ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَقَوْلُهُ: وَمَنْ نَوَى. . . إلَى آخِرِهِ: هَذَا مُخَالِفٌ أَيْضًا لِمَا فِي " الْإِقْنَاعِ " فَلَوْ أَخَّرَ الْمُصَنِّفُ الْإِشَارَةَ، أَوْ قَالَ: وَكَذَا مَنْ نَوَى خَارِجَ رَمَضَانَ. . . إلَى آخِرِهِ، لَسَلِمَ مِنْ إهْمَالِ الْإِشَارَةِ لِلْخِلَافِ. [بَابٌ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ] (بَابٌ) (مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ) فَقَطْ، وَمَا يُفْسِدُهُ (وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ) ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. (يَفْسُدُ) صَوْمٌ (بِ) مُجَرَّدِ خُرُوجِ دَمِ (حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَرِدَّةٍ) ، سَوَاءٌ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي يَوْمِهِ، أَوْ لَمْ يَعُدْ، وَكَذَا كُلُّ عِبَادَةٍ ارْتَدَّ فِي أَثْنَائِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] (وَ) كَمَا يَفْسُدُ (بِمَوْتٍ) لِزَوَالِ أَهْلِيَّتِهِ، وَيُطْعِمُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَيَأْتِي. (وَ) كَمَا

يَفْسُدُ (بِعَزْمٍ عَلَى فِطْرٍ) وَتَقَدَّمَ. (وَ) يَفْسُدُ أَيْضًا (بِعَمْدِ قَيْءٍ، وَلَوْ قَلَّ) سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. (وَيَتَّجِهُ: لَا) يَفْسُدُ صَوْمٌ (بِ) تَعَمُّدِ قَيْءٍ (نَحْوِ بَلْغَمٍ) كَدَمٍ وَمِرَارٍ وَنَحْوِهِ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ صَرَّحَ بِفَسَادِ صَوْمِ مَنْ اسْتَقَاءَ فَقَاءَ طَعَامًا أَوْ مِرَارًا أَوْ بَلْغَمًا أَوْ دَمًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ قَلَّ. انْتَهَى. وَالْمَذْهَبُ مَا قَالَ صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ "، (أَوْ) أَيْ: وَيَفْسُدُ صَوْمٌ (بِحَجْمٍ أَوْ احْتِجَامٍ خَاصَّةً) ، أَيْ: لَا بِفَصْدٍ أَوْ تَشْرِيطٍ أَوْ بِإِخْرَاجِ دَمِ رُعَافٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَجْمُ فِي الْقَفَا أَوْ السَّاقِ نَصًّا (إنْ ظَهَرَ دَمٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مِنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ، قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ثَوْبَانَ وَشَدَّادٍ وَصَحَّحَهُمَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. - مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَاوِيهِ كَانَ يُعِدُّ الْحِجَامَ وَالْمَحَاجِمَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَإِذَا غَابَتْ احْتَجَمَ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ دَمٌ فَلَا فِطْرَ.

(وَ) يَفْسُدُ صَوْمٌ (بِإِنْزَالِ مَنِيٍّ) بِتَكْرَارِ نَظَرٍ؛ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ بِفِعْلٍ يَلْتَذُّ بِهِ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِاللَّمْسِ، وَ (لَا) يَفْسُدُ صَوْمٌ بِإِنْزَالِ (مَذْيٍ بِتَكْرَارِ نَظَرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى إنْزَالِ الْمَنِيِّ لَا يَصِحُّ؛ لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ فِي الْأَحْكَامِ. (وَ) يَفْسُدُ صَوْمٌ (بِإِنْزَالِهِمَا) أَيْ: الْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ (بِاسْتِمْنَاءٍ) ، أَيْ: اسْتِدْعَاءٍ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا، (أَوْ تَقْبِيلٍ أَوْ لَمْسٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ دُونَ فَرْجٍ عَمْدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ، أَمَّا الْإِمْنَاءُ، فَلِمُشَابَهَتِهِ الْإِمْنَاءَ بِجِمَاعٍ، لِأَنَّهُ إنْزَالٌ بِمُبَاشَرَةٍ، وَأَمَّا الْإِمْذَاءُ فَلِتَخَلُّلِ الشَّهْوَةِ لَهُ، وَخُرُوجِهِ بِالْمُبَاشَرَةِ فَيُشْبِهُ الْمَنِيَّ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْبَوْلَ (وَلَوْ جَهِلَ التَّحْرِيمَ) ؛ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (وَكَذَا) يَفْسُدُ صَوْمٌ بِ (كُلِّ مَا يَصِلُ لِمُسَمًّى جَوْفٌ) كَالدِّمَاغِ وَالْحَلْقِ وَالدُّبُرِ، وَبَاطِنِ الْفَرْجِ، (فَيُفْطِرُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، وَلَوْ رِيقًا أَخْرَجَهُ بَيْنَ شَفَتَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] فَأَبَاحَهَا إلَى غَايَةٍ، وَهِيَ تَبَيُّنُ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهُمَا إلَى اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا، (أَوْ اسْتَعَطَ) فِي أَنْفِهِ بِدُهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَوَصَلَ إلَى حَلْقِهِ أَوْ دِمَاغِهِ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّائِمَ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، وَلِأَنَّ الدِّمَاغَ جَوْفٌ، وَالْوَاصِلُ إلَيْهِ يُغَذِّيهِ، فَيُفْطِرُ كَجَوْفِ الْبَدَنِ. (أَوْ احْتَقَنَ) فِي دُبُرِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَادِ كَالْمُعْتَادِ فِي الْوَاصِلِ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَوْلَى مِنْ الِاسْتِعَاطِ. (أَوْ دَاوَى الْجَائِفَةَ، فَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ) لِإِيصَالِهِ إلَى جَوْفِهِ شَيْئًا بِاخْتِيَارِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ (أَوْ اكْتَحَلَ بِمَا عَلِمَ وُصُولَهُ إلَى حَلْقِهِ مِنْ كُحْلٍ أَوْ صَبِرٍ أَوْ قُطُورٍ أَوْ ذَرُورٍ أَوْ إثْمِدٍ) وَلَوْ يَسِيرًا، أَوْ غَيْرَ مُطَيِّبٍ

يَتَحَقَّقُ وُصُولُهُ إلَى حَلْقِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقَالَ: لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْبُخَارِيُّ فِي " تَارِيخِهِ " وَلِأَنَّ الْعَيْنَ مَنْفَذٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَكَالْوَاصِلِ مِنْ الْأَنْفِ. (أَوْ وَجَدَ طَعْمَ عِلْكٍ مَضَغَهُ) بِحَلْقِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ، (أَوْ) وَجَدَ طَعْمَ (طَعَامٍ ذَاقَهُ بِحَلْقِهِ) فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ وُصُولِ أَجْزَائِهِ إلَيْهِ، (أَوْ أَدْخَلَ إلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ مَائِعٍ وَغَيْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ مُغَذِّيًا أَوْ لَا، كَحَصَاةٍ وَرَأْسِ سِكِّينٍ، وَقِطْعَةِ حَدِيدٍ وَرَصَاصٍ، مَنْ فَعَلَهُ أَوْ فَعَلَ غَيْرَهُ بِإِذْنِهِ، فَسَدَ صَوْمُهُ، (أَوْ قَطَرَ) بِالتَّخْفِيفِ (فِي أُذُنِهِ مَا) ، أَيْ: شَيْئًا (وَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ) فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الدِّمَاغَ أَحَدُ الْجَوْفَيْنِ، (وَكَذَا لَوْ وَصَلَ إلَى فَمِهِ نُخَامَةٌ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ دِمَاغِهِ أَوْ حَلْقِهِ أَوْ صَدْرِهِ، فَابْتَلَعَهَا، فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِعَدَمِ مَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا، بِخِلَافِ الْبُصَاقِ، (أَوْ) وَصَلَ إلَى فَمِهِ (قَيْءٌ أَوْ قَلْسٌ) بِسُكُونِ اللَّامِ، وَهُوَ: مَا خَرَجَ مِنْ الْحَلْقِ مِلْءَ الْفَمِ أَوْ دُونَهُ، وَلَيْسَ بِقَيْءٍ، فَإِنْ عَادَ فَهُوَ قَيْءٌ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ "، (أَوْ تَنَجَّسَ رِيقُهُ فَابْتَلَعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: مِنْ النُّخَامَةِ أَوْ الْقَيْءِ وَنَحْوِهِ، أَوْ رِيقِهِ الْمُتَنَجِّسِ فَسَدَ صَوْمُهُ. (وَيَحْرُمُ بَلْعُهُ) شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (وَلَوْ غَيْرَ صَائِمٍ لِاسْتِقْذَارِهِ) فِي النُّخَامَةِ (أَوْ نَجَاسَةٍ) فِي غَيْرِهَا، (وَلَكِنْ لَوْ بَصَقَ حَتَّى انْقَطَعَ أَثَرُ نَجَاسَةٍ، ثُمَّ بَلَعَ رِيقَهُ، لَمْ يُفْطِرْ) ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَإِنْ بَصَقَهُ،

وَبَقِيَ فِي فَمِهِ نَجِسًا فَبَلَعَ رِيقَهُ، فَإِنَّ تَحَقَّقَ أَنَّهُ بَلَعَ شَيْئًا نَجِسًا، أَفْطَرَ، وَإِلَّا فَلَا. (كَمَا لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا يُفْطِرُ نَاسِيًا) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَجِبُ تَذْكِيرُهُ) ، أَيْ: النَّاسِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، (كَإِعْلَامِ جَاهِلٍ) أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مِمَّا يُضْطَرُّ بِهِ فَاعِلُهُ، (أَوْ) فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا يُفْطِرُ (مُكْرَهًا) ؛ لِحَدِيثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (أَوْ) كَانَ (غَيْرَ قَاصِدٍ لِبَلْعِ نَحْوِ غُبَارٍ) كَذُبَابٍ طَارَ إلَى حَلْقِهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْقَاصِدِ عَاقِلٌ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَإِلَّا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، (وَلَوْ بِوَجُورِ مُغْمًى عَلَيْهِ مُعَالَجَةً) ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . (وَلَا) يَفْسُدُ صَوْمٌ (بِفَصْدٍ) لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَقْتَضِيهِ، (وَ) لَا بِ (شَرْطٍ) ، وَلَا جَرْحٍ بَدَلَ حِجَامَةٍ لِلتَّدَاوِي، (وَ) لَا يَفْسُدُ صَوْمٌ بِ (غِيبَةٍ وَسَمَاعِهَا) لِمَا يَأْتِي، (وَلَا) يَفْسُدُ صَوْمُ غَيْرِ قَاصِدٍ لِلْفِعْلِ كَ (إنْ طَارَ إلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ أَوْ دُخَانٌ) أَوْ نَخْلٌ، نَحْوُ دَقِيقٍ كَاكْتِيَالِهِ حَبًّا فَدَخَلَ الْغُبَارُ حَلْقَهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ ابْتَلَعَ الدُّخَانَ قَصْدًا فَسَدَ صَوْمُهُ. (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَفْسُدُ صَوْمٌ إنْ (دَخَلَ فِي قُبُلٍ) - كَإِحْلِيلٍ، (وَلَوْ) كَانَ الْقُبُلُ (لِأُنْثَى - غَيْرَ ذَكَرٍ أَصْلِيٍّ كَإِصْبَعِ وَعُودٍ) ، وَذَكَرِ خُنْثَى مُشْكِلٍ بِلَا إنْزَالٍ؛ لِأَنَّ مَسْلَكَ الذَّكَرِ مِنْ الْفَرْجِ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ كَالْفَمِ لِوُجُوبِ غَسْلِ نَجَاسَةٍ، وَإِذَا ظَهَرَ حَيْضُهَا إلَيْهِ فَسَدَ صَوْمُهَا، وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْ، وَلَوْ كَانَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ، وَلَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ كَالدُّبُرِ، وَإِنَّمَا فَسَدَ صَوْمُهَا بِإِيلَاجِ ذَكَرِ الرَّجُلِ فِيهِ لِكَوْنِهِ جِمَاعًا لَا لِكَوْنِهِ وُصُولًا إلَى بَاطِنٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَوْلَجَ أُصْبُعَهُ فِي قُبُلِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ صَوْمُهَا، وَالْجِمَاعُ يَفْسُدُ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الْإِنْزَالِ، فَأُقِيمَ مَقَامَ الْإِنْزَالِ؛ وَلِهَذَا يَفْسُدُ

بِهِ صَوْمُ الرَّجُلِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى جَوْفِهِ شَيْءٌ، أَفَادَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَقَالَا: وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ أَوْ غَيَّبَ فِيهِ شَيْئًا فَوَصَلَ إلَى الْمَثَانَةِ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ نُفَطِّرْهُ بِذَلِكَ، وَالْمَثَانَةُ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، فَمَسْلَكُ الذَّكَرِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ أَوْلَى (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ أَوْلَجَ بِغَيْرِ أَصْلِيٍّ فِي أَصْلِيٍّ فَسَدَ صَوْمُهَا فَقَطْ، لِأَنَّ دَاخِلَ فَرْجِهَا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ فَيَفْسُدُ بِإِدْخَالِ غَيْرِ الْأَصْلِيِّ كَأُصْبُعِهَا وَأُصْبُعِ غَيْرِهَا، وَأَوْلَى، وَمَا قَالَ صَاحِبُ " الْإِقْنَاعِ " أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي فِي الْخِصَالِ. الصَّوْمُ يَفْسُدُ بِوَاصِلٍ أَوْ بِخَارِجٍ، ثُمَّ قَالَ: وَالْوَطْءُ فِي حُكْمِ الْوَاصِلِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " إنَّمَا جَعَلَ الْقَاضِي الْوَطْءَ فِي حُكْمِ الْوَاصِلِ؛ لِيُدْخِلَهُ تَحْتَ حَصْرِهِ لِأَقْسَامِ الْفِطْرِ فِي الْقِسْمَيْنِ الْوَاصِلِ وَالْخَارِجِ لَا لِعِلَّةِ الْوُصُولِ، وَلِهَذَا يَبْطُلُ بِهِ صَوْمُ الرَّجُلِ، وَلَا وَاصِلَ، وَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِكُلِّ وَاصِلٍ بِدَلِيلِ مَا وَصَلَ مِنْ إحْلِيلِهِ إلَى الْمَثَانَةِ، وَلَا بِكُلِّ خَارِجٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِخُرُوجِ دَمِ الْفَصْدِ وَالْغَائِطِ وَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ. انْتَهَى. (وَيَتَّجِهُ) : لَا يَفْسُدُ صَوْمُ مَنْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرًا غَيْرَ (مُتَّصِلٍ) ، إذْ الْمُنْفَصِلُ كَالزَّائِدِ وَأَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (أَوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ) لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَلَا نَظَرٍ، أَشْبَهَ الِاحْتِلَامَ وَالْفِكْرَةَ الْغَالِبَةَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ وَالنَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُمَا. (أَوْ أَنْزَلَ) نَهَارًا (مِنْ وَطْءِ لَيْلٍ) لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهِ فِي النَّهَارِ (أَوْ) أَنْزَلَ (لَيْلًا مِنْ مُبَاشَرَتِهِ نَهَارًا أَوْ احْتَلَمَ)

أَوْ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، كَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ أَوْ الْمَذْيُ لِمَرَضٍ، أَوْ حِمْلٍ ثَقِيلٍ، أَوْ سَقَطَ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ، أَوْ لِهَيَجَانِ شَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا فِطْرَ بِذَلِكَ كُلِّهِ. (أَوْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ) لَمْ يُفْطِرْ وَلَوْ عَادَ شَيْءٌ مِنْ فِيهِ إلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ، (أَوْ أَصْبَحَ، وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ) ، أَيْ: رَمَاهُ، لَمْ يُفْطِرْ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَقَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ فَبَلَعَهُ مَعَ رِيقِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ أَوْ جَرَى رِيقُهُ بِبَقِيَّةِ طَعَامٍ تَعَذَّرَ رَمْيُهُ، لَمْ يُفْطِرْ، (أَوْ لَطَّخَ بَاطِنَ نَحْوِ قَدَمِهِ) بِشَيْءٍ (أَوْ) لَطَّخَ (ظَهْرَهُ بِشَيْءٍ فَوَجَدَ طَعْمَهُ بِحَلْقِهِ) لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ غَيْرُ نَافِذٍ لِلْجَوْفِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، (أَوْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ) أَوْ غَيَّبَ فِيهِ (مَا) ، أَيْ: شَيْئًا (وَصَلَ لِمَثَانَتِهِ) لَمْ يُفْطِرْ نَصًّا، (أَوْ تَمَضْمَضَ أَوْ اسْتَنْشَقَ) فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ بِلَا قَصْدٍ لَمْ يُفْطِرْ. (وَلَوْ) تَمَضْمَضَ أَوْ اسْتَنْشَقَ (فَوْقَ ثَلَاثٍ أَوْ بَالَغَ فِيهِمَا أَوْ) كَانَا (لِنَجَاسَةٍ وَنَحْوِهَا) كَقَذَرٍ لَمْ يُفْطِرْ لِحَدِيثِ عُمَرَ «لَمَّا سَأَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلْتُ: لَا بَأْسَ، قَالَ: فَفِيمَ» وَلِوُصُولِهِ إلَى حَلْقِهِ بِلَا قَصْدٍ، أَشْبَهَ الْغُبَارَ (وَكُرِهَا) ، أَيْ: التَّمَضْمُضُ وَالِاسْتِنْشَاقُ (عَبَثًا أَوْ سَرَفًا أَوْ لِحَرٍّ أَوْ عَطَشٍ) نَصًّا، وَقَالَ: يَرُشُّ عَلَى صَدْرِهِ أَعْجَبُ إلَيَّ (كَغَوْصِهِ) ، أَيْ: الصَّائِمِ (فِي مَاءٍ) ، فَيُكْرَهُ إنْ كَانَ (لَا لِغُسْلٍ مَشْرُوعٍ أَوْ تَبَرُّدٍ) وَلَهُمَا لَا يُكْرَهُ فَإِنْ غَاصَ فِي مَاءٍ (فَدَخَلَ) الْمَاءُ (حَلْقَهُ) لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ صَائِمٍ لِحَرٍّ أَوْ عَطَشٍ لِقَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ الْعَطَشِ أَوْ الْحَرِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، قَالَ " الْمَجْدُ ": وَلِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ الضَّجَرِ مِنْ الْعِبَادَةِ كَالْجُلُوسِ فِي الظِّلَالِ الْبَارِدَةِ، (أَوْ بَلَعَ مَا بَقِيَ فِي فَمِهِ مِنْ أَجْزَاءِ مَاءٍ مَجَّهُ أَوْ مَا عَلَى لِسَانِهِ مِنْ رِيقٍ أَخْرَجَهُ، وَلَوْ كَثُرَ) لَمْ يُفْطِرْ، (أَوْ) بَلَعَ (مَا قَلَّ

مِنْهُ) ، أَيْ: الرِّيقِ (عَلَى نَحْوِ دِرْهَمٍ) كَعُودٍ (أَوْ خَيْطٍ؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ انْفِصَالِهِ) ، أَيْ: الرِّيقِ عَنْ نَحْوِ الدِّرْهَمِ وَلَوْ أَخْرَجَ الْخَيْطَ أَوْ نَحْوَ الدِّرْهَمِ، وَأَعَادَهُ إلَى فَمِهِ لَمْ يُفْطِرْ؛ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، (أَوْ أَكَلَ وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ (شَاكًّا فِي طُلُوعِ فَجْرٍ) ثَانٍ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ طُلُوعَهُ إذْ ذَاكَ، لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: إذَا شَكَّ فِي الْفَجْرِ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَهُ) فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ نِيَّةَ الصَّوْمِ، وَقَصْدُهُ غَيْرُ الْيَقِينِ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَالْمُرَادُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: اعْتِقَادُ طُلُوعِهِ انْتَهَى. وَفِي " الْإِقْنَاعِ " وَإِنْ أَكَلَ يَظُنُّ طُلُوعَهُ، فَبَانَ لَيْلًا، وَلَمْ يُجَدِّدْ نِيَّةَ صَوْمِ الْوَاجِبِ، قَضَى، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": كَذَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ صَاحِبَ " الْإِقْنَاعِ " جَزَمَ بِمَا جَزَمَ بِهِ ذَلِكَ الْبَعْضُ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الشَّكِّ وَالظَّنِّ، مَعَ أَنَّ صَاحِبَ " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرَهُ جَعَلُوهُمَا هَا هُنَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَخَصُّوا الْمَنْعَ بِالْيَقِينِ، وَاعْتَبَرُوهُ بِالشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ طَاهِرٍ، فَقَالُوا: إنَّ الظَّانَّ شَاكٌّ، فَلَا أَثَرَ لِلظَّنِّ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: خِلَافًا لَهُ، (فَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ) مِنْ مُجْتَهِدَيْنِ: (طَلَعَ) الْفَجْرُ، (وَقَالَ آخَرُ) مِنْهُمَا: (لَمْ يَطْلُعْ) الْفَجْرُ، (أَكَلَ) الْقَائِلُ بِعَدَمِ الطُّلُوعِ (حَتَّى يَتَّفِقَا) ، إذْ الْأَكْلُ بِالِاجْتِهَادِ جَائِزٌ، (أَوْ أَكَلَ وَنَحْوَهُ ظَانًّا غُرُوبَ شَمْسٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ) ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ يَقِينٌ يُزِيلَ ذَلِكَ الظَّنَّ، كَمَا لَوْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ، ثُمَّ شَكَّ فِي الْإِصَابَةِ بَعْدَ صَلَاتِهِ (وَإِنْ بَانَ) لِمَنْ أَكَلَ وَنَحْوَهُ ظَانًّا (أَنَّهُ طَلَعَ) الْفَجْرُ قَضَى؛ لِتَبَيُّنِ خَطَئِهِ، (أَوْ أَكَلَ وَنَحْوَهُ شَاكًّا فِي غُرُوبِ) شَمْسٍ (وَدَامَ شَكُّهُ) ، قَضَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ وَقْتٍ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ غَرَبَتْ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِتَمَامِ صَوْمِهِ، (أَوْ) أَكَلَ وَنَحْوَهُ فِي وَقْتٍ (يَعْتَقِدُهُ نَهَارًا، فَبَانَ لَيْلًا، وَلَمْ يُجَدِّدْ

فرع ما يسن لمن لزمه غسل في رمضان

نِيَّتَهُ لِ) صَوْمِ (وَاجِبٍ) ، قَضَى؛ لِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ بِذَلِكَ، فَيَحْصُلُ الْإِمْسَاكُ بِلَا نِيَّةٍ، فَلَا يُجْزِئُهُ، قَالَ شَكَّ أَوْ ظَنَّهُ لَيْلًا، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ نِيَّةَ الصَّوْمِ غَيْرُ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الظَّانَّ شَاكٌّ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا، (أَوْ) أَكَلَ وَنَحْوُهُ فِي وَقْتٍ يَعْتَقِدُهُ (لَيْلًا فَبَانَ نَهَارًا) فِي أَوَّلِ الصَّوْمِ أَوْ آخِرِهِ، قَضَى؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - أَمَرَ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ إلَى اللَّيْلِ، وَلَمْ يُتِمَّ. وَعَنْ أَسْمَاءَ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ - وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ -: أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ. (أَوْ أَكَلَ) وَنَحْوَهُ (نَاسِيًا، فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ) بِذَلِكَ، (فَأَكَلَ) وَنَحْوَهُ (عَمْدًا قَضَى فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ. [فَرْعٌ مَا يَسُنّ لِمَنْ لَزِمَهُ غُسْلٌ فِي رَمَضَان] (فَرْعٌ: سُنَّ لِمَنْ لَزِمَهُ غُسْلٌ لَيْلًا مِنْ نَحْوِ جُنُبٍ وَحَائِضٍ) وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهَا وَكَافِرٍ أَسْلَمَ (أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرٍ) ثَانٍ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَاحْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ (فَلَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ مُطْلَقًا) لَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَا بَعْدَهُ، (صَحَّ صَوْمُهُ، وَأَثِمَ مِنْ حَيْثُ) تَأْخِيرُ. (الصَّلَاةِ) عَنْ وَقْتِهَا. [فَصْلٌ فِيمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ] (فَصْلٌ) فِيمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ (وَإِنْ جَامَعَ مُكَلَّفٌ نَهَارَ رَمَضَانَ لِغَيْرِ شَبَقٍ وَعُذْرٍ مُبِيحٍ لِفِطْرٍ كَمَرَضٍ) يَنْتَفِعُ بِالْوَطْءِ فِيهِ، (وَسَفَرٍ وَلَوْ اعْتَقَدَهُ لَيْلًا) ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ (أَوْ) وَطِئَ (فِي يَوْمٍ لَزِمَهُ إمْسَاكُهُ بَعْدَ لُزُومِهِ) بِثُبُوتِ رُؤْيَةٍ نَهَارًا، أَوْ عَدَمِ تَبْيِيتِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَعَاطِي مَا يُنَافِي الصَّوْمَ، (أَوْ) جَامَعَ فِي يَوْمٍ (رَأَى الْهِلَالَ لَيْلَتَهُ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ

وَالْكَفَّارَةُ، (أَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا) ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَنْتَشِرُ إلَّا عَنْ شَهْوَةٍ، فَكَانَ كَغَيْرِ الْمُكْرَهِ، (أَوْ نَاسِيًا) أَوْ مُخْطِئًا، كَأَنْ اعْتَقَدَهُ لَيْلًا فَبَانَ نَهَارًا، (أَوْ نَائِمًا أَوْ لَمْ يُنْزِلْ) ، وَكَذَا لَوْ جَامَعَ مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ، ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ الْمَوَاقِعَ عَنْ حَالِهِ، وَلِأَنَّ الْوَطْءَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، فَأَفْسَدَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ (بِذَكَرٍ) - مُتَعَلِّقٌ بِ جَامَعَ - (أَصْلِيٍّ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، وَلَوْ) كَانَ الْفَرْجُ دُبُرًا أَوْ (لِمَيْتَةٍ أَوْ) لِ (بَهِيمَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ، (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) لِجِمَاعِهِ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَالَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي، وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، فَمَكَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ، فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَ بَيْتِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: " وَتَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ ". (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ فَرْجٍ، وَلَوْ عَمْدًا) ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ إنْ أَمْنَى أَوْ مَذَى، (أَوْ) جَامَعَ (بِغَيْرِ) فَرْجٍ (أَصْلِيٍّ) كَفَرْجِ الْخُنْثَى (فِي) فَرْجٍ (أَصْلِيٍّ وَعَكْسُهُ) ، كَمَا لَوْ جَامَعَ بِفَرْجٍ أَصْلِيٍّ فِي فَرْجٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ، (فَ) عَلَيْهِ (الْقَضَاءُ، فَقَطْ إنْ أَمْنَى أَوْ مَذَى) وَمِثْلُهُ لَوْ جَامَعَ بِفَرْجٍ

غَيْرِ أَصْلِيٍّ فِي فَرْجٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ، كَمَا لَوْ جَامَعَ خُنْثَى مُشْكِلٌ خُنْثَى مُشْكِلًا، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَفْسُدْ صَوْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ أَوْ يُمْذِيَ كَالْغُسْلِ، (وَمِثْلُهُ) ، أَيْ. مِثْلُ الْجِمَاعِ دُونَ الْفَرْجِ وَنَحْوِهِ فِي الْحُكْمِ: (الْمُسَاحَقَةُ مِنْ مَجْبُوبٍ) ، أَيْ: مَقْطُوعٍ ذَكَرُهُ أَوْ مَمْسُوحٍ، (أَوْ) الْمُسَاحَقَةُ مِنْ (امْرَأَةٍ لِامْرَأَةٍ) فِي أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُ مَنْ أَمْنَى مِنْهُمَا أَوْ مَذَى، وَلَا كَفَّارَةَ صَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَنَقَلَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " عَنْ الْأَصْحَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْبُوبِ، (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى ") حَيْثُ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ بِالْإِنْزَالِ بِالْمُسَاحَقَةِ، وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلْأَصْحَابِ أَصَحُّهُمَا: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ جَامَعَ بِحَائِلٍ وَلَمْ يُنْزِلْ) ، أَوْ يُمْذِ، (كَ) مَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ (غُسْلٌ) ، وَهُوَ اتِّجَاهٌ حَسَنٌ.

(وَالنَّزْعُ جِمَاعٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَلَذَّذُ بِهِ كَالْإِيلَاجِ، (فَيَلْزَمَانِ) ، أَيْ: الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ (مَنْ نَزَعَ طُلُوعَ فَجْرٍ) وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ لَا يُجَامِعُ، فَنَزَعَ، فَلَا حِنْثَ؛ لِتَعَلُّقِ الْيَمِينِ بِالْمُسْتَقْبَلِ أَوَّلَ أَوْقَاتِ إمْكَانِهِ. (وَامْرَأَةٌ طَاوَعَتْ غَيْرَ جَاهِلَةٍ) الْحُكْمَ، (أَوْ) غَيْرَ (نَاسِيَةٍ) الصَّوْمَ (كَرَجُلٍ) فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهَا هَتَكَتْ صَوْمَ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ مُطَاوِعَةً، فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ، وَلِأَنَّ تَمْكِينَهَا كَفِعْلِ الرَّجُلِ فِي حَدِّ الزِّنَا فَفِي الْكَفَّارَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ جَاهِلَةً أَوْ نَاسِيَةً، (فَ) عَلَيْهَا (الْقَضَاءُ فَقَطْ) دُونَ الْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمُضْطَرَّاتِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَالْأَكْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُكْرَهَةِ. (وَتَدْفَعُهُ) الْمُكْرَهَةُ، زَوْجَةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، (بِالْأَسْهَلِ، فَالْأَسْهَلِ، وَلَوْ أَدَّى) ذَلِكَ (لِقَتْلِهِ) كَالْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْفُرُوعِ ". (وَيَتَّجِهُ: تَفْصِيلُ) غُلَامٍ (مَفْعُولٍ بِهِ، كَ) تَفْصِيلِ (امْرَأَةٍ) فِي الْمُطَاوَعَةِ وَالْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ، وَضِدِّ ذَلِكَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا كَفَّارَةَ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ نَهَارَ رَمَضَانَ مِنْ أَكْلٍ وَنَحْوِهِ عَمْدًا) كَمُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ مَعَ إنْزَالٍ، وَلَا بِالْجِمَاعِ لَيْلًا، أَوْ فِي قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ أَنَّمَا وَرَدَ بِالْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ، وَلَيْسَ غَيْرُهُ فِي مَعْنَاهُ، لِاحْتِرَامِهِ وَتَعْيِينِهِ لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ، فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ. (وَمَنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ، ثُمَّ) جَامَعَ (فِي) يَوْمٍ (آخَرَ، فَلِكُلِّ)

جِمَاعٍ (كَفَّارَةٌ) ، لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِفَسَادِهِ لَوْ انْفَرَدَ، فَإِذَا فَسَدَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، وَجَبَ كَفَّارَتَانِ، كَحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَيْنِ، (كَمَنْ أَعَادَهُ) ، أَيْ: الْجِمَاعَ (فِي يَوْمِهِ بَعْدَ أَنَّ كَفَّرَ) ؛ لِجِمَاعِهِ الْأَوَّلِ، فَتَلْزَمُهُ ثَانِيَةً نَصًّا، قَالَ الْبُهُوتِيُّ: قُلْتُ: فَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَ الْكَفَّارَةِ، ثُمَّ وَطِئَ فِي يَوْمِهِ، دَخَلَتْ بَقِيَّتُهُ الْأُولَى فِي الثَّانِيَةِ، وَكَذَا مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ إذَا جَامَعَ وَكَفَّرَ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهِ، لَزِمَتْهُ أُخْرَى، (أَوْ وَطِئَ فِي حَيْضَةٍ بَعْدَهُ) ، أَيْ: التَّكْفِيرِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ لِلْوَطْءِ الثَّانِي وَ (لَا) يُكَفِّرُ ثَانِيًا إذَا وَطِئَ فِي ذَلِكَ الْحَيْضِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَبْلَ التَّكْفِيرِ؛ لِتَدَاخُلِ الْكَفَّارَاتِ، (إلَّا) إنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ (بِحَيْضَةٍ ثَانِيَةٍ) ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَتَيْنِ، لِأَنَّ لِكُلِّ حَيْضَةٍ حُكْمَ نَفْسِهَا. (وَلَوْ حَاضَتْ) الْمَرْأَةُ وَهِيَ مُجَامَعَةٌ، (فَنَزَعَ) فِي الْحَالِ، (لَزِمَتْهُ) الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا تَسْقُطُ) كَفَّارَةُ وَطْءٍ عَنْ امْرَأَةٍ (إنْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ نَفِسَتْ) فِي يَوْمٍ بَعْدَ تَمْكِينِهَا طَاهِرًا، (أَوْ مَرِضَا) ، أَيْ: الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ بَعْدَ الْجِمَاعِ حَالَ الصِّحَّةِ، (أَوْ جُنَّا أَوْ سَافَرَا بَعْدَ) وَطْءٍ مُحَرَّمٍ (فِي يَوْمِهِ) ، فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُمَا الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْأَلْ الْأَعْرَابِيَّ: هَلْ طَرَأَ لَهُ بَعْدَ وَطْئِهِ مَرَضٌ أَوْ غَيْرُهُ، بَلْ أَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لَسَأَلَهُ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا مِنْ رَمَضَانَ، فَاسْتَقَرَّتْ كَفَّارَتُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ الْعُذْرُ، لَا يُقَالُ: تَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّوْمَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عِنْدَ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الصَّادِقَ لَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَيَمْرَضُ أَوْ يَمُوتُ، لَمْ يَجُزْ الْفِطْرُ. (وَهِيَ) ، أَيْ: كَفَّارَةُ وَطْءِ نَهَارٍ: (عِتْقُ رَقَبَةٍ) مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الظِّهَارِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الرَّقَبَةَ، أَوْ وَجَدَهَا تُبَاعُ وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ، (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) لِلْخَبَرِ، (وَيَتَعَيَّنُ صَوْمٌ لِقِنٍّ) ذَكَرٍ

وَطِئَ مُطْلَقًا، أَوْ أُنْثَى وُطِئَتْ مُطَاوِعَةً، وَلَوْ مُدَبَّرَةً، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لِعَدَمِ الْمَالِ. وَ (لَا) يَتَعَيَّنُ (عِتْقٌ لِ) حُرٍّ (مُعْسِرٍ أَيْسَرَ، وَلَوْ) كَانَ إيسَارُهُ (قَبْلَ شُرُوعٍ فِي صَوْمٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَقْتُ الْوُجُوبِ، وَيَأْتِي فِي الظِّهَارِ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) ، أَيْ: فِي هَذَا الْمَحَلِّ، حَيْثُ اعْتَمَدَ تَبَعًا لِلشَّارِحِ، وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْعِتْقِ نَصًّا إلَّا أَنْ يَشَاءَ فَيُجْزِئُهُ، (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصَّوْمَ، (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) لِلْخَبَرِ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ، لِمَا يَأْتِي فِي الظِّهَارِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَا يُطْعِمُهُ لِلْمَسَاكِينِ، (سَقَطَتْ، كَكَفَّارَةِ حَيْضٍ وَفِطْرَةٍ) ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ أَهْلَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى، وَلَا بَيَّنَ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ، (بِخِلَافِ كَفَّارَةِ حَجٍّ) ، أَيْ: فِدْيَةٍ تَجِبُ فِيهِ، (وَ) كَفَّارَةِ (ظِهَارٍ، وَ) كَفَّارَةِ (يَمِينٍ) بِاَللَّهِ، (وَ) كَفَّارَةِ (نَذْرٍ، وَ) كَفَّارَةِ (قَتْلٍ) ؛ لِعُمُومِ أَدِلَّتِهَا لِلْوُجُوبِ حَالَ الْإِعْسَارِ، وَلِأَنَّهُ الْقِيَاسُ خُولِفَ فِي رَمَضَانَ لِلنَّصِّ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: لَيْسَ الصَّوْمُ سَبَبًا، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ إلَّا بِالصَّوْمِ وَالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا، (وَ) كَ (إطْعَامِ عَاجِزٍ عَنْ صَوْمٍ، وَمُؤَخِّرٍ قَضَاءَ رَمَضَانَ لِ) رَمَضَانَ (آخَرَ،) (وَيَسْقُطُ الْجَمِيعُ) ، أَيْ: كَفَّارَةُ وَطْءِ نَهَارِ رَمَضَانَ، وَحَجٍّ وَظِهَارٍ وَيَمِينٍ، وَنَذْرٍ وَقَتْلٍ وَإِطْعَامِ عَاجِزٍ عَنْ صَوْمٍ، وَمُؤَخِّرٍ الْقَضَاءَ (بِتَكْفِيرِ غَيْرِهِ) بِعِتْقٍ أَوْ إطْعَامٍ (عَنْهُ بِإِذْنِهِ) ؛ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ كَإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ عَنْهُ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْهُ فَلَا؛ لِعَدَمِ النِّيَّةِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (إنْ مَلَكَ) ، أَيْ: مَلَّكَهُ غَيْرُهُ (كَفَّارَةَ جِمَاعِ رَمَضَانَ

باب ما يكره ويسن للصائم

إخْرَاجُهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَ) لَهُ (أَكْلُهَا إنْ كَانَ أَهْلًا) لِأَكْلِهَا لِلْخَبَرِ. (فَرْعٌ: لَا يَحْرُمُ وَطْءٌ قَبْلَ كَفَّارَةِ) رَمَضَانَ، (وَلَا فِي لَيَالِي صِيَامِهَا) أَيْ: الْكَفَّارَةِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ " وَ " التَّلْخِيصِ " كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ، (عَكْسُ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ) ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ. [بَابٌ مَا يُكْرَهُ وَيُسَنُّ للصائم] (بَابٌ) (مَا يُكْرَهُ وَيُسَنُّ بِصَوْمٍ، وَحُكْمُ الْقَضَاءِ) لِصَوْمِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ. (كُرِهَ لِصَائِمٍ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (أَنْ يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْلَعَهُ) ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ يُفْطِرُ بِهِ، وَلَا يُفْطِرُ بِبَلْعِهِ مَجْمُوعًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْمَعْهُ وَابْتَلَعَهُ قَصْدًا لَا يُفْطِرُ إجْمَاعًا، فَكَذَا إذَا جَمَعَهُ. (وَ) يُكْرَهُ لَهُ (ذَوْقُ طَعَامٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَصِلَ إلَى حَلْقِهِ فَيُفْطِرَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: أُحِبُّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ، فَإِنْ فَعَلَ لَا بَأْسَ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَأَطْلَقُوا (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) إلَى ذَوْقِهِ، أَمَّا لِلْحَاجَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، ذَكَرَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ. (وَ) كُرِهَ لَهُ (تَرْكُ بَقِيَّةِ) طَعَامٍ (بَيْنَ أَسْنَانِهِ) خَشْيَةَ خُرُوجِهِ، فَيَجْرِي بِهِ رِيقُهُ إلَى جَوْفِهِ. (وَ) كُرِهَ لَهُ (شَمُّ مَا لَا يُؤْمَنُ) مِنْ شَمِّهِ (أَنْ يَجْذِبَهُ) ، أَيْ: يَجْذِبَ جِرْمَ (نَفَسٍ) لِحَلْقِ شَامٍ (كَسَحِيقِ مِسْكٍ، وَ) سَحِيقِ (كَافُورٍ، وَ) كَ (دُهْنٍ) وَبَخُورٍ وَنَحْوِ عُودٍ خَشْيَةَ وُصُولِهِ مَعَ نَفَسِهِ إلَى جَوْفِهِ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ شَمُّ نَحْوِ وَرْدٍ وَقِطَعِ عَنْبَرٍ وَمِسْكٍ غَيْرِ مَسْحُوقٍ. (وَ) كُرِهَ لَهُ (قُبْلَةٌ، وَدَوَاعِي وَطْءٍ) كَمُعَانَقَةٍ وَلَمْسٍ، وَتَكْرَارِ نَظَرٍ لِمُبَاحَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْقُبْلَةِ: قُبْلَةُ التَّلَذُّذِ، لَا قُبْلَةُ التَّرَحُّمِ وَالتَّوَدُّدِ، فَأَمَّا مَنْ تُحْرَمُ قُبْلَتُهُ فِي الْفِطْرِ فَفِي الصَّوْمِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا، (لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَهَى عَنْ الْقُبْلَةِ شَابًّا، وَرَخَّصَ لِشَيْخٍ» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَوَاهُ سَعْدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَكَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، فَإِنْ لَمْ تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ لَمْ تُكْرَهْ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهُ

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُقَبِّلُ، وَهُوَ صَائِمٌ؛ لَمَّا كَانَ مَالِكًا لِإِرْبِهِ» وَغَيْرُ ذِي الشَّهْوَةِ بِمَعْنَاهُ. (وَ) كُرِهَ لَهُ (مَضْغُ عِلْكٍ لَا يَتَحَلَّلُ) مِنْهُ أَجْزَاءٌ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرِّيقَ وَيَحْلُبُ الْفَمَ، وَيُورِثُ الْعَطَشَ، فَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ أَجْنَبِيٌّ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَتَقَدَّمَ (وَحَرُمَ) مَضْغُ (مَا يَتَحَلَّلُ) مِنْهُ أَجْزَاءٌ مِنْ عِلْكٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَاصِدًا لِإِيصَالِ شَيْءٍ خَارِجٍ إلَى جَوْفِهِ مَعَ الصَّوْمِ، وَهُوَ حَرَامٌ، (وَلَوْ لَمْ يَبْلَعْ رِيقَهُ) إقَامَةً لِلْمَظِنَّةِ مَقَامَ الْمَئِنَّةِ. (وَ) حَرُمَ (نَحْوُ قُبْلَةٍ) كَمُعَانَقَةٍ وَلَمْسٍ وَتَكْرَارِ نَظَرٍ (لِمَنْ ظَنَّ إنْزَالًا) ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ. (وَ) حَرُمَ (تَعَاطِي كُلِّ مُفْطِرٍ) إجْمَاعًا. (وَيَجِبُ) مُطْلَقًا (اجْتِنَابُ كَذِبٍ) مُحَرَّمٍ، أَمَّا الْكَذِبُ لِتَخْلِيصِ مَعْصُومٍ مِنْ قَتْلٍ فَوَاجِبٌ، وَلِإِصْلَاحٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَمُبَاحٌ، (وَغِيبَةٍ) مُحَرَّمَةٍ، أَمَّا الْغِيبَةُ فِي حَقِّ ذَوِي الْبِدَعِ وَالْمُتَجَاهَرِينَ بِالْمَعَاصِي، وَلِغَرَضٍ صَحِيحٍ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا بِهَا كَالتَّظَلُّمِ، وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَالتَّحْذِيرِ وَالتَّعْرِيفِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ إلَّا بِهِ، فَمُبَاحَةٌ، (وَنَمِيمَةٍ) ، وَهِيَ: ذِكْرُ الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِ إفْسَادِ الْمَوَدَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ نَقْلُ كَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ إلَى بَعْضٍ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ بَيْنَهُمْ، (وَشَتْمٍ) ، أَيْ: سَبٍّ (وَفُحْشٍ) ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: كُلُّ مَا اشْتَدَّ قُبْحُهُ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي (وَنَحْوِهِ) كُلَّ وَقْتٍ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، وَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) وُجُوبُ اجْتِنَابِ ذَلِكَ (فِي

فصل ما يسن للصائم

رَمَضَانَ، وَ) فِي كُلِّ (مَكَانٍ فَاضِلٍ) كَالْحَرَمَيْنِ (آكَدُ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَمَعْنَاهُ الزَّجْرُ وَالتَّحْذِيرُ، وَلِأَنَّ الْحَسَنَاتِ تَتَضَاعَفُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ الْفَاضِلَيْنِ، وَكَذَا السَّيِّئَاتُ عَلَى مَا يَأْتِي. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) : يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ (يَتَعَاهَدَ صَوْمَهُ مِنْ لِسَانِهِ، وَلَا يُمَارِيَ) ، أَيْ: يُجَادِلَ (وَيَصُونَ صَوْمَهُ) وَلَا يَغْتَابَ أَحَدًا، أَيْ: يَذْكُرَهُ بِمَا يَكْرَهُ، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَهُوَ الْغِيبَةُ فِي بَهْتٍ، وَالْغِيبَةُ مُحَرَّمَةٌ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَتَقَدَّمَ. (وَأَسْقَطَ أَبُو الْفَرَجِ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَوْزِيِّ (ثَوَابَهُ) ، أَيْ: الصَّوْمِ (بِغِيبَةٍ وَنَحْوِهَا) كَنَمِيمَةٍ، (وَلَا فِطْرَ) بِذَلِكَ، (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: لَوْ كَانَتْ الْغِيبَةُ تُفْطِرُ مَا كَانَ لَنَا صَوْمٌ) . تَتِمَّةٌ: لَا يَجُوزُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يَجْرَحُ بِهِ صَوْمَهُ، فَإِنَّ السَّلَفَ كَانُوا إذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسَاجِدِ، وَقَالُوا: نَحْفَظُ صَوْمَنَا، وَلَا نَغْتَابُ أَحَدًا فَيَجِبُ كَفُّ لِسَانِ الصَّائِمِ عَمَّا يَحْرُمُ. [فَصْلٌ مَا يَسُنّ للصائم] (فَصْلٌ) (وَسُنَّ لَهُ) ، أَيْ: الصَّائِمِ (كَثْرَةُ قِرَاءَةٍ) لِتُضَاعَفَ الْحَسَنَاتُ بِهِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": كَانَ مَالِكٌ يَتْرُكُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَيُقْبِلُ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقْرَأُ سِتِّينَ خَتْمَةً، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ فِيمَا سِوَاهُ. (وَ) كَثْرَةُ (ذِكْرٍ وَصَدَقَةٍ، وَكَفِّ لِسَانِهِ عَمَّا يُكْرَهُ، كَحَدِيثِ يَأْمُرُ دُنْيَا بِمَقَابِرَ) قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْتُ: وَعَنْ الْمُبَاحِ أَيْضًا لِحَدِيثِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» .

(وَ) سُنَّ (قَوْلُهُ) ، أَيْ: الصَّائِمِ (جَهْرًا) بِرَمَضَانَ (إنْ شُتِمَ) ؛ لِلْأَمْنِ مِنْ الرِّيَاءِ، وَفِيهِ زَجْرُ مَنْ شَاتَمَهُ، لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ: (إنِّي صَائِمٌ) (وَ) إنْ شُتِمَ (بِغَيْرِ رَمَضَانَ) ، سُنَّ قَوْلُهُ ذَلِكَ (سِرًّا يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ) خَوْفَ الرِّيَاءِ. (وَ) سُنَّ (تَعْجِيلُ فِطْرٍ إذَا تَحَقَّقَ غُرُوبٌ) ؛ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَكْفِي) فِي الْغُرُوبِ (خَبَرُ وَاحِدٍ) ثِقَةٍ كَالْقِبْلَةِ، (وَيُبَاحُ) فِطْرُهُ (إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ) غُرُوبُ شَمْسٍ، إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ، وَلَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ، وَالْفِطْرُ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَفْضَلُ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَوْ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. (وَيَحْرُمُ) فِطْرُهُ (مَعَ شَكِّهِ) فِي غُرُوبِ شَمْسٍ، فَإِنْ أَفْطَرَ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ. (وَكُرِهَ جِمَاعٌ مَعَ شَكٍّ فِي طُلُوعِ فَجْرٍ ثَانٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الصَّوْمِ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ. وَ (لَا) يُكْرَهُ (سَحُورٌ) إذَنْ نَصًّا، (وَأَوَّلُهُ) ، أَيْ: السَّحُورِ (نِصْفُ لَيْلٍ، وَيُسَنُّ) ؛ لِحَدِيثِ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (كَ) مَا يُسَنُّ (تَأْخِيرُهُ) ، أَيْ: السَّحُورِ (إنْ لَمْ يَخْشَهُ) ، أَيْ: طُلُوعَ الْفَجْرِ الثَّانِي؛ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قُمْنَا إلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ، وَلِلتَّحَفُّظِ مِنْ الْخَطَأِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. (وَتَحْصُلُ فَضِيلَةُ) السَّحُورِ (بِشُرْبٍ) ؛ لِحَدِيثِ: «وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ» ، (وَ) يَحْصُلُ (كَمَالُهَا) ، أَيْ: فَضِيلَةِ السَّحُورِ (بِأَكْلٍ) ، لِلْخَبَرِ.

(وَ) يُسَنُّ (فِطْرٌ عَلَى رُطَبٍ، فَإِنْ عَدِمَ) الرُّطَبَ، (فَتَمْرٌ، فَإِنْ عَدِمَ) التَّمْرَ، (فَمَاءٌ) ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَرَاتٌ، حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. (وَ) يُسَنُّ (دُعَاؤُهُ عِنْدَ فِطْرِهِ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةٌ لَا تُرَدُّ» . (وَمِمَّا وَرَدَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ، وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا، فَتَقَبَّلْ مِنَّا، إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَفْطَرَ قَالَ: ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَتْ الْعُرُوقُ، وَوَجَبَ الْأَجْرُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ الْفِطْرِ لَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: عِنْدَ فِطْرِهِ، يَحْتَمِلُهُمَا. (وَإِذَا غَابَ حَاجِبُهَا) ، أَيْ: حَاجِبُ الشَّمْسِ (الْأَعْلَى أَفْطَرَ الصَّائِمُ حُكْمًا، وَإِنْ لَمْ يَطْعَمْ) ، أَيْ: يَأْكُلْ أَوْ يَشْرَبْ، (فَلَا يُثَابُ بِوِصَالٍ) ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَفِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ شَرْعًا. (وَ «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ) ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ» رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ مَرْفُوعًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": (وَظَاهِرُهُ) ، أَيْ: كَلَامِهِمْ: (بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَوَابًا عَظِيمًا إنْ أَشْبَعَهُ، (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (الْمُرَادُ) بِتَفْطِيرِهِ (إشْبَاعُهُ) .

فصل من فاته شيء من رمضان

[فَصْلٌ مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ] (فَصْلٌ) (سُنَّ فَوْرًا) لِمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ (تَتَابُعُ قَضَاءِ رَمَضَانَ) نَصًّا، وِفَاقًا، مُسَارَعَةً لِوَفَاءِ ذِمَّتِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُفَرِّقَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «قَضَاءُ رَمَضَانَ: إنْ شَاءَ فَرَّقَ، وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَلَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرَ سُفْيَانَ بْنِ بِشْرٍ، قَالَ الْمَجْدُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا طَعَنَ فِيهِ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّتَابُعُ، كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ. (إلَّا إذَا بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ قَدْرُ مَا عَلَيْهِ) مِنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يَصُمَّهَا مِنْ رَمَضَانَ، (فَيَجِبُ) التَّتَابُعُ؛ لِضِيقِ الْوَقْتِ، كَأَدَاءِ رَمَضَانَ فِي حَقِّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، (كَ) وُجُوبِ (عَزْمٍ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْقَضَاءِ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ فَوْرًا، (وَلَوْ اتَّسَعَ لَهُ) الْوَقْتُ، (وَكَذَا كُلُّ عِبَادَةٍ مُتَرَاخِيَةٍ) يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَيْهَا، كَالصَّلَاةِ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا الْمُتَّسِعِ. (وَمَنْ فَاتَهُ) صَوْمُ (رَمَضَانَ) كُلِّهِ تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا؛ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَالْأَسِيرِ وَالْمَطْمُورِ وَغَيْرِهِمَا، (قَضَى عَدَدَ أَيَّامِهِ) ، سَوَاءٌ ابْتَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، أَوْ مِنْ أَثْنَائِهِ، كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ مَا فَاتَهُ. (وَيُجْزِئُ) قَضَاءُ (يَوْمِ شِتَاءٍ عَنْ) يَوْمِ (صَيْفٍ، كَعَكْسِهِ) بِأَنْ يَقْضِيَ يَوْمَ صَيْفٍ عَنْ يَوْمِ شِتَاءٍ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ. (وَيُقَدِّمُ) - قَضَاءَ رَمَضَانَ (وُجُوبًا عَلَى) صَوْمِ (نَذْرٍ لَا يَخَافُ فَوْتَهُ) ؛ لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ؛ لِتَأَكُّدِ الْقَضَاءِ؛ لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ النَّذْرِ، قَدَّمَهُ لِاتِّسَاعِ وَقْتِ الْقَضَاءِ. (وَيَتَّجِهُ مَعَ خَوْفِ فَوْتِ كُلٍّ) مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَصَوْمِ النَّذْرِ: (تَقْدِيمُ) صَوْمِ (نَذْرٍ) عَلَى قَضَاءِ رَمَضَانَ، كَذَا قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ "

قُلْتُ: إلَّا أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَنْ قَضَاءٍ، بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ مَثَلًا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَذَرَ أَنْ يَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعَشَرَةِ، فَيَصُومُهَا عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ؛ لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لَهَا. انْتَهَى. وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمْ آنِفًا بِاتِّسَاعِ الْوَقْتِ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْقَضَاءُ عَلَى النَّذْرِ عِنْدَ تَزَاحُمِهِمَا فِي الْوَقْتِ (وَحَرُمَ ابْتِدَاءُ تَطَوُّعٍ قَبْلَهُ) ، أَيْ: قَضَاءِ رَمَضَانَ، (وَلَا يَصِحُّ) تَطَوُّعُهُ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ، نَصَّ عَلَيْهِ. نَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهُ لَا يَجْدُرُ، بَلْ يَبْدَأُ بِالْفَرْضِ حَتَّى يَقْضِيَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ صَامَهُ، يَعْنِي: بَعْدَ الْفَرْضِ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَكَذَا) يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ تَطَوُّعٍ (قَبْلَ) صَوْمٍ (وَاجِبٍ نَحْوِ نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ) ، وَلَا يَصِحُّ التَّطَوُّعُ؛ لِاحْتِمَالِ انْقِضَاءِ أَجَلِهِ فِي مُدَّةِ اشْتِغَالِهِ فِي التَّطَوُّعِ، فَيَمُوتُ مَشْغُولَ الذِّمَّةِ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنْهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَيَحْرُمُ (تَأْخِيرُهُ) أَيْ: قَضَاءِ رَمَضَانَ، (لِرَمَضَانَ آخَرَ بِلَا عُذْرٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: «مَا كُنْتُ أَقْضِي مَا عَلَيَّ مِنْ رَمَضَانَ إلَّا فِي شَعْبَانَ، لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَكَمَا لَا تُؤَخَّرُ الصَّلَاةُ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ. (فَإِنْ أَخَّرَهُ) ، أَيْ: قَضَاءَ

رَمَضَانَ، (بِلَا عُذْرٍ لِرَمَضَانَ فَأَكْثَرَ، لَزِمَهُ مَعَ قَضَاءٍ) عَدَدُ مَا عَلَيْهِ: (إطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ) أَخَّرَهُ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ، (مَا) أَيْ: طَعَامًا (يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ) . رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا إذَا أَخَّرَهُ لِرَمَضَانَ آخَرَ، وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (وَيُجْزِئُ) الْإِطْعَامُ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: الْقَضَاءِ، (وَ) يُجْزِئُ (مَعَهُ، وَالْأَفْضَلُ) إطْعَامُهُ (قَبْلَهُ) ، قَالَ الْمَجْدُ: الْأَفْضَلُ عِنْدَنَا تَقْدِيمُهُ، مُسَارَعَةً إلَى الْخَيْرِ وَتَخَلُّصًا مِنْ آفَاتِ التَّأْخِيرِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَتَكَرَّرْ الْفِدْيَةُ بِتَعَدُّدِ الرَّمَضَانَاتِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لَا يُزَادُ بِهَا الْوَاجِبُ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ سِنِينَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ. (وَ) إنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى أَدْرَكَهُ آخَرُ أَوْ أَكْثَرُ، (لِعُذْرٍ) نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، (قَضَى) مَا عَلَيْهِ (فَقَطْ) ، أَيْ: بِلَا إطْعَامٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ. وَإِنْ أَخَّرَ، الْبَعْضَ لِعُذْرٍ، وَالْبَعْضَ لِغَيْرِهِ، فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ: مَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ لِعُذْرٍ، (إنْ مَاتَ) ، نَصًّا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ وَجَبَ بِالشَّرْعِ، مَاتَ قَبْلَ إمْكَانِ فِعْلِهِ، فَسَقَطَ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ، كَالْحَجِّ. (وَ) إنْ أَخَّرَهُ (لِغَيْرِهِ) ، أَيْ: لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ رَمَضَانُ، أَوْ (بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ فَأَكْثَرُ، أُطْعِمَ عَنْهُ؛ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ فَقَطْ) ، أَيْ: بِلَا قَضَاءٍ (لِأَنَّ وَاجِبَ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَا يُقْضَى عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ حَالَ الْحَيَاةِ، فَبَعْدَ الْمَوْتِ كَذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أَكْثَرُ مِنْ إطْعَامِ مِسْكِينٍ، وَالْإِطْعَامُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، أَوْصَى بِهِ أَوْ لَا، كَسَائِرِ الدُّيُونِ، (فَلَوْ أَوْصَى بِدَرَاهِمَ لِمَنْ يُصَلِّي أَوْ يَصُومُ عَنْهُ، تُصُدِّقَ بِهَا عَنْهُ) ، وَلَا يَجِبُ عَلَى فَقِيرٍ تَنَاوَلَ مِنْهَا صَوْمٌ وَلَا صَلَاةٌ فِي مُقَابَلَةِ تَنَاوُلِهِ لِذَلِكَ. (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ صَوْمٍ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ) عَلَيْهِ نَذْرُ (حَجٍّ أَوْ)

نَذْرُ (عُمْرَةٍ) فِي الذِّمَّةِ، (أَوْ) نَذْرُ (طَوَافٍ) فِي الذِّمَّةِ، (أَوْ) نَذْرُ (صَلَاةٍ) فِي الذِّمَّةِ، (أَوْ) نَذْرُ (اعْتِكَافٍ) فِي الذِّمَّةِ، نَصًّا، (لَمْ يَفْعَلْ مِنْهُ) ، أَيْ: مَا ذُكِرَ، (شَيْئًا، مَعَ إمْكَانِ) فِعْلِ مَنْذُورٍ، بِأَنْ مَضَى مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، (غَيْرَ حَجٍّ، وَلَمْ يُخَلِّفْ مَالًا) ، فَيَفْعَلُ عَنْهُ مُطْلَقًا، تَمَكَّنَ مِنْهُ أَوْ لَا؛ لِجَوَازِ النِّيَابَةِ فِيهِ حَالَ الْحَيَاةِ، فَبَعْدَ الْمَوْتِ أَوْلَى، (سُنَّ لِوَلِيِّهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ (فِعْلُهُ) ، أَيْ: النَّذْرِ الْمَذْكُورِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، فَقَضَيْتِهِ عَنْهَا، أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَصَوْمِي عَنْ أُمِّكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي الْبَابِ غَيْرُهُ، وَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطَّإِ " أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ "، فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ النَّذْرِ؛ لِلنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي النَّذْرِ، وَالنِّيَابَةُ تَدْخُلُ الْعِبَادَةَ بِحَسَبِ خِفَّتِهَا، وَالنَّذْرُ أَخَفُّ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِأَصْلِ الشَّرْعِ. (وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرِ الْوَلِيِّ، فِعْلُ مَا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ نَذْرٍ (بِإِذْنِهِ) ، أَيْ: الْوَلِيِّ، (وَدُونَهُ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ. (وَيُجْزِئُ صَوْمُ جَمَاعَةٍ) عَنْ مَيِّتٍ نَذْرًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، بِأَنْ نَذَرَ شَهْرًا وَمَاتَ، فَصَامَهُ عَنْهُ ثَلَاثُونَ (فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ) ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، مَعَ نِجَازِ إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُتَتَابِعًا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَضُرُّ فِي التَّتَابُعِ التَّفَرُّقُ وَالْمَعِيَّةُ لَا تَفْرِيقَ فِيهَا، بَلْ هِيَ أَقْوَى اتِّصَالًا مِنْ التَّتَابُعِ. تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَ الْحَجِّ مِنْ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالطَّوَافِ، وَالِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ فِي الذِّمَّةِ، إنَّمَا يُفْعَلُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّذْرَ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، لَكِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَيَّامِ

الْآتِيَةِ بَعْدَ النَّذْرِ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَعِيشَ الْمُدَّةَ، تَبَيَّنَّا أَنَّ مِقْدَارَ مَا بَقِيَ مِنْهَا صَادَفَ نَذْرَهُ حَالَ مَوْتِهِ، وَهُوَ يَمْنَعُ الثُّبُوتَ فِي حَقِّهِ. (وَإِنْ خَلَّفَ) مَيِّتٌ نَاذِرٌ (مَالًا، وَجَبَ) فِعْلُ نَذْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّتِهِ، كَقَضَاءِ دَيْنٍ مِنْ تَرِكَتِهِ، (فَيَفْعَلُهُ) ، أَيْ: النَّذْرَ، (وَلِيُّهُ) إنْ شَاءَ (نَدْبًا، أَوْ يَدْفَعُ) مَالًا (لِمَنْ يَفْعَلُ عَنْهُ) ذَلِكَ، وَكَذَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، (أَوْ يَدْفَعُ) عَنْ حَرٍّ (فِي صَوْمٍ، عَنْ كُلِّ يَوْمٍ طَعَامَ مِسْكِينٍ) فِي كَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَدْلُهُ فِي جَزَاءِ صَيْدٍ وَغَيْرِهِ. (وَلَا كَفَّارَةَ) مَعَ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مَنْذُورًا، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ النَّاذِرُ. (وَلَا يُصَامُ عَنْ أَحَدٍ فِي حَيَاتِهِ إجْمَاعًا) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا يُقْضَى) عَنْ مَيِّتٍ مَا نَذَرَهُ فِي زَمَنٍ (مُعَيَّنٍ مَاتَ قَبْلَهُ) ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، فَمَاتَ قَبْلَ دُخُولِهِ، لَمْ يُصَمْ عَنْهُ إذَا دَخَلَ، وَلَا يُطْعَمُ عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا كَذَلِكَ الْمِقْدَارُ الَّذِي أَدْرَكَهُ حَيًّا وَهُوَ مَرِيضٌ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ الصَّوْمِ فِي الذِّمَّةِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى الْمَرِيضِ. (أَوْ) ، أَيْ: وَكَذَلِكَ لَوْ (جُنَّ، وَدَامَ) جُنُونُهُ (حَتَّى انْقَضَى الْمُعَيَّنُ) ، فَلَا يُصَامُ، وَلَا يُطْعَمُ عَنْهُ، (وَمَوْتُهُ) ، أَيْ: النَّاذِرِ (بِأَثْنَائِهِ) ، أَيْ: أَثْنَاءِ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ (يُسْقِطُ الْبَاقِيَ) مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ دُخُولِهِ (وَالْمَاضِي إنْ كَانَ) تَأْخِيرُهُ (لِعُذْرِ جُنُونٍ) وَنَحْوِهِ، (سَقَطَ) عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، (وَإِلَّا) يَكُنْ مَعْذُورًا بِالتَّأْخِيرِ، (فَلَا) يَسْقُطُ عَنْهُ؛ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّتِهِ، (وَتَفْصِيلُهُ مَا مَرَّ) فِيمَا إذَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فُعِلَ عَنْهُ وُجُوبًا إنْ خَلَّفَ تَرِكَةً، وَاسْتِحْبَابًا إنْ لَمْ يُخَلِّفْ شَيْئًا. (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ مُتْعَةٍ) أَوْ قِرَانٍ، (وَلَوْ) كَانَ مَا عَلَيْهِ (يَوْمَ مَوْتِهِ فَقَطْ، أُطْعِمَ عَنْهُ) مِنْ رَأْسِ مَالِهِ (ثَلَاثَةُ

باب صوم التطوع

مَسَاكِينَ) عَنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، (كَذَا قِيلَ) وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَى صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، وَلَمْ يَفْعَلْ، أُطْعِمَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِينَ؛ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ. وَأَمَّا الْإِطْعَامُ عَنْ صَوْمِ الْمُتْعَةِ وَالظِّهَارِ، فَيُطْعَمُ عَنْهُ عَدَدُ الْأَيَّامِ الْبَاقِيَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ. [بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ] (بَابُ) (صَوْمِ التَّطَوُّعِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ: (أَفْضَلُهُ) ، أَيْ: صَوْمِ التَّطَوُّعِ: صَوْمُ (يَوْمٍ وَ) فِطْرُ (يَوْمٍ) نَصًّا؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ عُمَرَ: «وَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُد، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَا يُكْرَهُ صَوْمُ الدَّهْرِ) ، لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَسْرُدُونَ الصَّوْمَ، مِنْهُمْ: أَبُو طَلْحَةَ، قِيلَ: إنَّهُ صَامَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ سَنَةً. (إلَّا لِخَائِفِ ضَرَرٍ) فِي جَسَدِهِ، أَوْ مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا، (أَوْ) إلَّا لِخَائِفِ (فَوْتِ حَقٍّ) ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ. (وَسُنَّ) صَوْمُ (ثَلَاثَةِ) أَيَّامٍ (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَ " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (وَكَوْنُهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثَةِ (أَيَّامَ) : اللَّيَالِي (الْبِيضِ أَفْضَلُ، وَسَمَّيْتُ بِيضًا؛ لِابْيِضَاضِهَا لَيْلًا بِالْقَمَرِ، وَنَهَارًا بِالشَّمْسِ) . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي كَلَامِهِ بَيَانِيَّةٌ، وَأَنَّ الْبِيضَ وَصَفٌّ لِلْأَيَّامِ، وَكَلَامُهُ فِي " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَغَيْرِهِ يُخَالِفُهُ، قَالَ: وَسُمِّيَتْ لَيَالِيهَا بِالْبِيضِ؛ لِبَيَاضِ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْقَمَرِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالتَّقْدِيرُ: لَيَالِي الْأَيَّامِ الْبِيضِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - تَابَ فِيهَا عَلَى آدَمَ، وَبَيَّضَ صَحِيفَتَهُ (وَهِيَ) : أَيْ: الْأَيَّامُ

الْبِيضُ: (ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ) ، لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: إذَا صُمْتُ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. (وَذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) ، أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ بِصِيَامِهَا أَجْرُ صِيَامِ الدَّهْرِ بِتَضْعِيفِ الْأَجْرِ، (فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) ، مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي فِي صِيَامِ الدَّهْرِ. (وَ) سُنَّ صَوْمُ يَوْمِ (الِاثْنَيْنِ) - بِهَمْزَةِ وَصْلٍ - سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ. (وَ) يَوْمِ (الْخَمِيسِ) ؛ لِقَوْلِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ الِاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ: " وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ". (وَ) سُنَّ صَوْمُ (سِتَّةِ) أَيَّامٍ (مِنْ شَوَّالٍ) ، وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً، (وَالْأَوْلَى تَتَابُعُهَا) ، وَكَوْنُهَا (عَقِبَ الْعِيدِ، إلَّا لِمَانِعٍ، كَقَضَاءٍ) وَنَذْرٍ، (وَصَائِمُهَا) ، أَيْ: السِّتَّةِ مِنْ شَوَّالٍ (مَعَ رَمَضَانَ) ، أَيْ: بَعْدَهُ، (كَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ) فَرْضًا، كَمَا فِي " اللَّطَائِفِ " وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْدِيمِ لِرَمَضَانَ، لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ فَاصِلٌ. وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، شَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ، فَذَلِكَ سَنَةٌ» وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ: التَّشْبِيهُ بِهِ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، كَمَا فِي صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَلَا يُقَالُ: الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ

عَلَى فَضِيلَتِهَا؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ صِيَامَهَا بِصِيَامِ الدَّهْرِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ؛ لِانْتِفَاءِ الْمَفْسَدَةِ فِي صَوْمِهَا دُونَ صَوْمِهِ. (وَ) سُنَّ (صَوْمُ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ) صِيَامِ شَهْرِ (رَمَضَانَ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ: جَوْفُ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَضَافَهُ إلَيْهِ تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا، وَلَمْ يُكْثِرْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الصَّوْمَ فِيهِ، إمَّا لِعُذْرٍ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَهُ إلَّا أَخِيرًا. وَالْمُرَادُ: أَفْضَلُ شَهْرِ تَطَوَّعَ بِهِ كَامِلًا بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ التَّطَوُّعِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ أَيَّامِهِ، كَعَرَفَةَ وَذِي الْحِجَّةِ، فَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُهُ: الْمُحَرَّمُ، كَمَا أَنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ: قِيَامُ اللَّيْلِ. (وَآكَدُهُ) ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: وَأَفْضَلُهُ: (عَاشُورَاءُ) بِالْمَدِّ فِي الْأَشْهَرِ، وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ. (وَهُوَ) ، أَيْ: صَوْمُ عَاشُورَاءَ (كَفَّارَةُ سَنَةٍ) ؛ لِحَدِيثِ «إنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَإِنَّمَا كَفَّرَ عَاشُورَاءُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ، لِأَنَّهُ تَبَعُهَا، وَجَاءَ بَعْدَهَا، وَالتَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ إنَّمَا يَكُونُ لَا لِمَا يَأْتِي. (وَلَمْ يَجِبْ) صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ (ثُمَّ نُسِخَ) ، لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ هَذَا عَاشُورَاءُ، لَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» قَالَ الْقَاضِي: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ: الْمُوَفَّقُ، وَالشَّارِحُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": لَمْ يَجِبْ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، مِنْهُمْ: الْقَاضِي، قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا.

(ثُمَّ) يَلِي عَاشُورَاءَ فِي الْآكَدِيَّةِ: (تَاسُوعَاءُ) بِالْمَدِّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ: التَّاسِعُ مِنْ الْمُحَرَّمِ. وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ، لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: إنْ اشْتَبَهَ أَوَّلُ الشَّهْرِ، صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِتَيَقُّنِ صَوْمِهِمَا. (وَ) سُنَّ صَوْمُ (أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) ، أَيْ: التِّسْعَةِ الْأُوَلِ مِنْهُ، (وَهِيَ) ، أَيْ: الْأَيَّامُ الْعَشَرَةُ: بِاعْتِبَارِ ضَمِّ يَوْمِ الْعِيدِ إلَيْهَا (أَفْضَلُ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ) ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَيَّامٍ، الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَآكَدُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَهُوَ) أَيْ: صَوْمُهُ (كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ) ؛ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا فِي صَوْمِهِ «إنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» (وَالْمُرَادُ: كَفَّارَةُ الصَّغَائِرِ) حَكَاهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " عَنْ الْعُلَمَاءِ، (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) صَغَائِرُ (رُجِيَ تَخْفِيفُ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) كَبَائِرُ، (فَرَفْعُ دَرَجَاتٍ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُبْدِعِ " وَغَيْرِهِ، (وَ) قَالَ (فِي " الْفُرُوعِ ": تُكَفِّرُ طَهَارَةٌ وَصَلَاةٌ وَرَمَضَانُ وَعَرَفَةُ وَعَاشُورَاءُ الصَّغَائِرَ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ، وَمَنْ قَالَ بِالْعُمُومِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» قَالَ الْعَيْنِيُّ وَابْنُ الْمُحِبِّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى غُفْرَانِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، وَفَضْلُ اللَّهِ أَعَمُّ وَأَوْسَعُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ قَوْلٌ عَامٌّ، يُرْجَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُ جَمِيعَ ذُنُوبِهِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا. انْتَهَى. وَأَمَّا الدَّيْنُ وَمَظَالِمُ الْعِبَادِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُكَفِّرُهَا، فَلَأَنْ لَا يُكَفِّرَهَا

الصَّوْمُ مِنْ بَابِ أَوْلَى. (وَنَقَلَ) أَبُو بَكْرٍ (الْمَرُّوذِيُّ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ: نِسْبَةً إلَى مَرْوِالرَّوْذِ: أَحَدُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: - (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ كَفَّارَةُ الْكَبَائِرِ) لِأَنَّ رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَاهُمَا، وَسَخَطُهُ فِي عُقُوقِهِمَا. (وَفِي الصَّحِيحِ، الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ) : هَذَا الْحَدِيثُ (فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كِبَارَ الطَّاعَاتِ) إذَا فَعَلَهَا الشَّخْصُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ (يُكَفِّرُ اللَّهُ مَا) اقْتَرَفَهُ (بَيْنَهُمَا) مِنْ الذُّنُوبِ (لِأَنَّهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لَمْ يَقُلْ: كَفَّارَةٌ لِصِغَارِ ذُنُوبِهِ، بَلْ إطْلَاقُهُ) فِي قَوْلِهِ: الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، (يَتَنَاوَلُ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ) ، يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ فِي " الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ " - جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ رُفِعَ إلَيْهِ، صُورَتُهُ: (فِي أَهْلِ مَدِينَةٍ رَأَى بَعْضُهُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ حَاكِمِ الْمَدِينَةِ) ، فَهَلْ (لَهُمْ أَنْ يَصُومُوا الْيَوْمَ الَّذِي هُوَ التَّاسِعُ ظَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ الْعَاشِرَ؟ ،) - نَعَمْ، يَصُومُونَ التَّاسِعَ فِي الظَّاهِرِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَكُونُ عَاشِرًا، وَلَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ، (لِحَدِيثِ) أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» ) ، وَفِي لَفْظٍ: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ، فَإِنَّ النَّاسَ لَوْ وَقَفُوا خَطَأً بِعَرَفَةَ فِي الْعَاشِرِ، أَجْزَأَهُمْ الْوُقُوفُ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ هُوَ يَوْمَ

ما روي في فضل اكتحال وخضاب واغتسال ومصافحة وصلاة بيوم عاشوراء

عَرَفَةَ فِي حَقِّهِمْ، وَلَوْ وَقَفُوا الثَّامِنَ خَطَأً، فَفِي الْإِجْزَاءِ نِزَاعٌ، وَالْأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْوُقُوفِ أَيْضًا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «إنَّمَا عَرَفَةُ الْيَوْمُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ» انْتَهَى. (وَلَا يُسَنُّ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِمَنْ بِهَا) ، أَيْ: بِعَرَفَةَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُهُ، وَيَمْنَعُهُ الدُّعَاءَ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الشَّرِيفِ، (غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ، وَ) غَيْرَ (قَارِنٍ عَدِمَا الْهَدْيَ) ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَا آخِرَ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، (ثُمَّ) يَلِي يَوْمَ عَرَفَةَ فِي الْآكَدِيَّةِ يَوْمُ (التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ: الثَّامِنُ) مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، لِحَدِيثِ: «صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَفَّارَةُ سَنَةٍ» الْحَدِيثَ، رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ، وَابْنُ النَّجَّارِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. [مَا رُوِيَ فِي فَضْل اكْتِحَال وَخِضَاب وَاغْتِسَال وَمُصَافَحَة وَصَلَاة بيوم عَاشُورَاء] (فَرْعٌ: مَا رُوِيَ فِي فَضْلِ اكْتِحَالٍ وَخِضَابٍ وَاغْتِسَالٍ وَمُصَافَحَةٍ وَصَلَاةٍ بِ) يَوْمِ (عَاشُورَاءَ) ، فَكَذِبٌ، وَكَذَا مَا رُوِيَ فِي مَسْحِ رَأْسِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلِ الْحُبُوبِ، وَالذَّبْحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، (فَ) هُوَ (كَذِبٌ) عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِثْلُ ذَلِكَ بِدْعَةٌ لَا يُسْتَحَبُّ شَيْءٌ مِنْهُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدِّينِ، قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَيَنْبَغِي فِيهِ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ سَأَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَحْمَدَ عَنْهُ، فَقَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ: مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَدْ جَرَّبْنَاهُ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ، فَمَا رَأَيْنَا إلَّا خَيْرًا. تَنْبِيهٌ: قَالَ حَرْبٌ الْكَرْمَانِيُّ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَرَهُ شَيْئًا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَعْلَى مَا عِنْدَهُمْ أَثَرٌ يُرْوَى

عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِمَّنْ سَمِعَ هَذَا، وَلَا عَمَّنْ بَلَغَهُ. (وَمَا رُوِيَ فِي فَضْلِ صَوْمِ رَجَبٍ وَصَلَاةٍ فِيهِ، فَكَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ) بِالْحَدِيثِ، (فَيُكْرَهُ إفْرَادُهُ) ، أَيْ: رَجَبٍ (بِصَوْمٍ) ، قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ كَانَ يَصُومُ السَّنَةَ صَامَهُ، وَإِلَّا، فَلَا يَصُومُهُ مُتَوَالِيًا، بَلْ يُفْطِرُ فِيهِ، وَلَا يُشَبِّهُهُ بِرَمَضَانَ. وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ أَكُفَّ الْمُتَرَجِّبِينَ حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الطَّعَامِ، وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُعَظِّمُهُ " (وَتَزُولُ) الْكَرَاهَةُ (وَلَوْ بِفِطْرِ يَوْمٍ مِنْهُ) أَوْ بِصَوْمِ شَهْرٍ آخَرَ، قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنْ لَمْ يَلِ الشَّهْرَ الْآخَرَ رَجَبٌ. (وَكُرِهَ إفْرَادُ) يَوْمِ (جُمُعَةٍ) بِصَوْمٍ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ وَبَعْدَهُ يَوْمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ مِنْ صَوْمِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، عَلَى صَوْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ، فَلَا تَعَارُضَ. (وَ) يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ (سَبْتٍ بِصَوْمٍ) ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ، فَفِي إفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ، وَيَوْمُ السَّبْتِ آخِرُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: سُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ، لِانْقِطَاعِ الْأَيَّامِ عِنْدَهُ. (وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ) تَطَوُّعًا؛ لِقَوْلِ عَمَّارٍ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا. وَيَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، بِنِيَّتِهِ الرَّمَضَانِيَّةِ احْتِيَاطًا، وَلَا يُجْزِئُ، إنْ ظَهَرَ مِنْهُ، (وَهُوَ) ، أَيْ: يَوْمُ الشَّكِّ: (الثَّلَاثُونَ مِنْ شَعْبَانَ، حَيْثُ لَا عِلَّةَ) فِي

مَطْلَعِ الْهِلَالِ مِنْ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ، وَلَمْ يَرَ الْهِلَالَ، أَوْ شَهِدَ بِالْهِلَالِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً فِي الْكُلِّ) ، كَمَنْ عَادَتُهُ يَصُومُ الْخَمِيسَ وَالِاثْنَيْنِ، فَوَافَقَ يَوْمَ الشَّكِّ أَحَدَهُمَا، أَوْ كَانَ عَادَتُهُ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، فَوَافَقَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، أَوْ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ الْجُمُعَةِ، فَلَا كَرَاهَةَ، لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ (أَوْ يَصِلَهُ) ، أَيْ: يَوْمَ الشَّكِّ (بِصَوْمٍ قَبْلَهُ) ؛ لِقَوْلِهِ: «لَا تُقَدِّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (أَوْ) يَصُومُ يَوْمَ الشَّكِّ (نَذْرًا أَوْ قَضَاءً) أَوْ كَفَّارَةً، فَلَا كَرَاهَةَ، فَلَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ وَاجِبٌ إذَنْ. (وَ) يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ (النَّيْرُوزِ) ، وَهُوَ: الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ فَصْلِ الرَّبِيعِ، (وَ) صَوْمُ يَوْمِ (الْمِهْرَجَانِ) ، وَمَعْنَاهُ: رُوحُ السَّنَةِ، وَهُوَ: الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ فَصْلِ الْخَرِيفِ، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْكُفَّارِ فِي تَعْظِيمِهَا. (وَ) يُكْرَهُ إفْرَادُ (كُلِّ عِيدٍ لِكُفَّارٍ) بِصَوْمٍ، (أَوْ) كُلِّ (يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِتَعْظِيمٍ) ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، إلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً، فَلَا كَرَاهَةَ. (وَ) يُكْرَهُ (تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِ) صَوْمِ (يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَقَطْ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يُكْرَهُ (وِصَالٌ - وَهُوَ) ، أَيْ: الْوِصَالُ: (أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ) الصَّائِمُ (عَمْدًا مُفْطِرًا بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ - لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ، فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْوِصَالِ، فَقَالُوا: إنَّكَ تُوَاصِلُ، فَقَالَ: إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": قَوْلُهُ: إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ: أَنَّهُ يُعَانُ عَلَى الصِّيَامِ، وَيُغْنِيهِ اللَّهُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَعِمَ وَشَرِبَ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ: أَنَّهُ يُطْعَمُ حَقِيقَةً، وَيُسْقَى حَقِيقَةً، حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ طَعِمَ وَشَرِبَ حَقِيقَةً لَمَا كَانَ مُوَاصِلًا، وَلَا أَقَرَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ: إنَّكَ تُوَاصِلُ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: «إنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي النَّهَارِ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ فِي النَّهَارِ، لَا لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ: مَا يُغَذِّيهِ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعَارِفِهِ، وَمَا يَفِيضُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذَّةِ مُنَاجَاتِهِ، وَقُرَّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ، وَنَعِيمِهِ بِحُبِّهِ، قَالَ: وَمَنْ لَهُ أَدْنَى تَجْرِبَةٍ وَشَوْقٍ، يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ؛ لِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ، عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْغِذَاءِ الْحَيَوَانِيِّ، وَلَا سِيَّمَا الْفَرْحَانُ الظَّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ الَّذِي قَدْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ انْتَهَى. وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ وَلَا يَحْرُمُ الْوِصَالُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ رِفْقًا وَرَحْمَةً، وَلِهَذَا وَاصَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَاصَلُوا بَعْدَهُ. (وَتَزُولُ) الْكَرَاهَةُ (بِ) أَكْلِ (لُقْمَةٍ، أَوْ شُرْبٍ) لِانْتِفَاءِ الْوِصَالِ، (وَلَا يُكْرَهُ لِلسَّحَرِ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَتَرْكُهُ) ، أَيْ: الْوِصَالِ (أَوْلَى) مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ، (وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَاصَلَ) بِالْعَسْكَرِ (ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَرَهُ) ، أَيْ: مَا رَأَى حَنْبَلٍ الْإِمَامَ (أَكَلَ) فِيهَا (وَلَا شَرِبَ فِيهَا) حَتَّى كَلَّمَهُ حَنْبَلٌ فِي ذَلِكَ، فَشَرِبَ سَوِيقًا، (وَلَعَلَّهُ كَانَ يَتَعَاطَى مَا يُفْطِرُهُ، كَ) بَلْعِ (قِشْرِ سِوَاكٍ) ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَهُ حَيْثُ لَا يَرَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَالِفُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَحَرُمَ، وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ يَوْمِ عِيدٍ) فَرْضًا وَلَا نَفْلًا؛ لِمَا رَوَى

فصل من دخل في تطوع صوم أو غيره هل يتمه

أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ فِطْرٍ، وَيَوْمِ أَضْحَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَحْرِيمَهُ. (وَكَذَا أَيَّامُ تَشْرِيقٍ) يَحْرُمُ صَوْمُهَا، وَلَا يَصِحُّ فَرْضًا، وَلَا نَفْلًا؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ مَرْفُوعًا: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ» (إلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ) ، وَيَأْتِي، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ: " لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [فَصْلٌ مَنْ دَخَلَ فِي تَطَوُّعِ صَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ هَلْ يُتِمّهُ] (فَصْلٌ) (مَنْ دَخَلَ فِي تَطَوُّعِ) صَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ (غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ) ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَفِيهِ: «إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ يَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» رَوَاهُ النَّسَائِيّ. (وَيُسَنُّ) إتْمَامُ تَطَوُّعٍ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ " وَيُكْرَهُ قَطْعُهُ بِلَا حَاجَةٍ، ذَكَرَهُ النَّاظِمُ. (وَإِنْ أَفْسَدَهُ) ، أَيْ: أَفْسَدَ تَطَوُّعًا دَخَلَ فِيهِ غَيْرَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ؛ (فَلَا قَضَاءَ) عَلَيْهِ نَصًّا، بَلْ يُسَنُّ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَأَمَّا تَطَوُّعُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَيَجِبُ إتْمَامُهُ؛ لِأَنَّ نَفْلَهُمَا كَفَرْضِهِمَا نِيَّةً وَفِدْيَةً وَغَيْرَهُمَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِالْمَحْظُورَاتِ. (وَيَجِبُ حَيْثُ لَا عُذْرَ إتْمَامُ فَرْضٍ) شَرَعَ فِيهِ (إجْمَاعًا، وَلَوْ) كَانَ الْمَشْرُوعُ فِيهِ فَرْضَ (كِفَايَةٍ) ، كَصَلَاةِ جِنَازَةٍ، (أَوْ) كَانَ (نَذْرًا، أَوْ) كَانَ وَقْتُهُ (مُوَسَّعًا كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَطَوَافٍ) ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ مُتَعَيَّنٌ، وَدَخَلَتْ التَّوْسِعَةُ فِي وَقْتِهِ رِفْقًا، وَمَظِنَّةَ الْحَاجَةِ، فَإِذَا شَرَعَ فِيهِ، تَعَيَّنَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إتْمَامِهِ، (وَإِنْ بَطَلَ) الْفَرْضُ لِوُجُودِ مُبْطِلٍ، (فَلَا مَزِيدَ) عَلَيْهِ، فَيُعِيدُهُ أَوْ يَقْضِيهِ فَقَطْ، (وَلَا كَفَّارَةَ) مُطْلَقًا؛ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهَا.

باب أفضل الشهور شهر رمضان

(وَيَجِبُ قَطْعُ) فَرْضٍ وَنَفْلٍ (لِرَدِّ مَعْصُومٍ عَنْ مَهْلَكَةٍ كَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ) ، وَإِطْفَاءِ حَرِيقٍ، وَتَخْلِيصِ مَنْ تَحْتَ هَدْمٍ مِنْ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَاتَ لَمْ يُمْكِنْ تَدَارُكُهُ. (وَ) يَجِبُ قَطْعُ فَرْضٍ (إذَا دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِإِجَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ. (وَيُجِيبُ) مُصَلٍّ (وَالِدَيْهِ بِنَفْلٍ) ، رِعَايَةً لِحَقِّهِمَا وَبِرِّهِمَا، (وَتَخْرُجُ زَوْجَةٌ مِنْ) صَلَاةِ (نَفْلٍ لِحَقِّ زَوْجٍ) لِوُجُوبِ إجَابَتِهِ عَلَيْهَا. (وَجَازَ قَطْعُ فَرْضٍ لِهَرَبِ نَحْوِ غَرِيمٍ) ، كَشُرُودِ دَابَّةٍ، وَإِبَاقِ رَقِيقٍ، (وَ) جَازَ (قَلْبُهُ) ، أَيْ: الْفَرْضِ، (نَفْلًا) مَعَ سَعَةِ وَقْتِهِ، وَتَقَدَّمَ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (الْمَنْعُ) مَنْ قَلْبِ صَوْمِ وَاجِبٍ، وَلَوْ مُوَسَّعًا، نَذْرًا كَانَ أَوْ قَضَاءً، نَفْلًا (حِيلَةً، لِيَتَوَصَّلَ لِفِطْرٍ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ. [بَابٌ أَفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضَانَ] (بَابٌ) (أَفْضَلُ الشُّهُورِ) شَهْرُ (رَمَضَانَ) ، وَيُكَفَّرُ مَنْ فَضَّلَ رَجَبًا عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ". (وَ) أَفْضَلُ (الْأَيَّامِ) يَوْمُ (الْجُمُعَةِ) إجْمَاعًا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. وَتَقَعُ فِيهِ زِيَارَةُ الْمُؤْمِنِينَ الرَّبَّ فِي الْجَنَّةِ، فَيَرْفَعُ مَوَانِعَ الْإِدْرَاكِ عَنْ أَبْصَارِهِمْ، حَتَّى يَرَوْهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ نُعُوتِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ. أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ

أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ، قَالَ سَعِيدٌ: أَفِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ، وَيُبْرِزُ لَهُمْ عَرْشَهُ، وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ، وَمَا فِيهِمْ مِنْ دَنِيٍّ، عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ، وَمَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، هَلْ تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: كَذَلِكَ لَا تُمَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً، حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ، أَتَذْكُرُ يَوْمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيُذَكِّرُهُ بِبَعْضِ غَدَرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى، بِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ.» . الْحَدِيثَ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: (هُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ إجْمَاعًا، وَقَالَ: يَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ) ، وَكَذَا ذَكَرَهُ جَدُّهُ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " فِي صَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ شَرْحِهِ مُنْتَهَى الْغَايَةِ " (وَاخْتَارَ) جَمْعٌ (غَيْرَهُ) ، مِنْهُمْ: أَبُو حَكِيمٍ النَّهْرَوَانِيُّ، وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ: (بَلْ يَوْمُ عَرَفَةَ) أَفْضَلُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَالَ فِي " الْغُنْيَةِ " إنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مِنْ الْأَيَّامِ أَرْبَعَةً: الْفِطْرَ، وَالْأَضْحَى، وَعَرَفَةَ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَاخْتَارَ مِنْهَا يَوْمَ عَرَفَةَ. (وَأَفْضَلُ اللَّيَالِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ) قَالَ تَعَالَى:

{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ: قِيَامُهَا، وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ خَالِيَةٍ مِنْهَا، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» زَادَ أَحْمَدُ: " وَمَا تَأَخَّرَ ". (وَخُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ) إكْرَامًا لِنَبِيِّهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَهِيَ بَاقِيَةٌ) لَمْ تُرْفَعْ؛ لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ فِي طَلَبِهَا وَقِيَامِهَا، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فِي رَفْعِهَا. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) ، وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ، وَالْبُلْقِينِيِّ. قَالَ فِي " الْهَدْيِ ": إنْ كَانَ الْمُرَادُ: لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ، وَنَظَائِرُهَا مِنْ كُلِّ عَامٍ، أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، بِحَيْثُ يَكُونُ قِيَامُهَا، وَالدُّعَاءُ فِيهَا أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَهَذَا بَاطِلٌ، لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ، وَإِنْ أَرَادَ اللَّيْلَةَ الْمُعَيَّنَةَ الَّتِي أُسْرِيَ فِيهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَصَلَ لَهُ فِيهَا مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فِي غَيْرِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْرَعَ تَخْصِيصُهَا بِقِيَامٍ وَلَا عِبَادَةٍ، فَهَذَا صَحِيحٌ إنْ قَامَ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إنْعَامَ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ كَانَ أَعْظَمَ مِنْ إنْعَامِهِ عَلَيْهِ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَهَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالْوَحْيِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهِ بِلَا عِلْمٍ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ خُصَّتْ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ بِأَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ، وَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ أَيَّ لَيْلَةٍ كَانَتْ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْرَاءُ فِي نَفْسِهِ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهِ، كَمَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُفَضِّلْ غَارَ حِرَاءَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِ الْوَحْيُ، وَلَا خَصَّ الْيَوْمَ الَّذِي ابْتَدَأَهُ فِيهِ الْوَحْيُ بِشَيْءٍ. انْتَهَى. قَالَ فِي حَاشِيَةِ " الْإِقْنَاعِ ": فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَلَامُ أَبِي أُمَامَةَ وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ الْمُعَيَّنَةِ مَعَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ كُلِّ عَامٍ، غَيْرَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ.

(وَسُمِّيَتْ) لَيْلَةَ (الْقَدْرِ، لِتَقْدِيرِ مَا يَكُونُ تِلْكَ السَّنَةَ فِيهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] ، (أَوْ) سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، (لِشَرَفِ قَدْرِهَا) ، وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ. (وَ) هِيَ (مُخْتَصَّةٌ بِالْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ) ، فَتُطْلَبُ فِيهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَأَوْتَارُهُ) ، أَيْ: الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، (آكَدُ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اُطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ، أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ، أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» (وَأَرْجَاهَا سَابِعَتُهُ) نَصًّا، وَهُوَ قَوْلُ: أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ. وَلَا يَسْتَثْنِي، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ: " وَاَللَّهِ، لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ، فَتَتَّكِلُوا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَعَلَامَتُهَا) ، أَيْ: لَيْلَةِ الْقَدْرِ: (عَدَمُ حَرِّهَا وَ) عَدَمُ (بَرْدِهَا) ؛ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا أَمَارَةُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا لَيْلَةٌ صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا، سَاكِنَةٌ سَاجِيَةٌ، لَا بَرْدَ فِيهَا وَلَا حَرَّ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ، وَإِنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ الشَّمْسُ مُسْتَوِيَةً، لَيْسَ فِيهَا شُعَاعٌ، مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ» (وَ) مِنْ عَلَامَتِهَا أَنَّ (طُلُوعَ شَمْسِ صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءُ بِلَا كَثِيرِ شُعَاعٍ) ؛ لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا» وَفِي رِوَايَةٍ: " مِثْلَ الطَّسْتِ ". (وَسُنَّ كَوْنُ مِنْ دُعَائِهِ فِيهَا) ، أَيْ: لَيْلَةِ الْقَدْرِ، مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ وَافَقْتُهَا فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ

كتاب الاعتكاف

إنَّكَ عَفُوٌّ تَحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. (وَتَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ) لَا أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، (وَحُكِيَ) ذَلِكَ (عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ) وَغَيْرِهِمْ، (فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ) ، إنْ كَانَ (قَبْلَ) مُضِيِّ (لَيْلَةِ أَوَّلِ الْعَشْرِ) الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، (وَقَعَ) الطَّلَاقُ (بِلَيْلَةِ آخِرِهِ) ، أَيْ: آخِرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ لَا يَخْلُو مِنْهَا خِلَافًا لِابْنِ عَادِلٍ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مَضَى مِنْ الْعَشْرِ لَيْلَةٌ فَأَكْثَرُ، (فَ) يَقَعُ الطَّلَاقُ (فِي) اللَّيْلَةِ (الْأَخِيرَةِ مِنْهُ) ، أَيْ: رَمَضَانَ، (فِي) الْعَامِ (الْقَابِلِ) ؛ لِيَتَحَقَّقَ وُجُودُهَا، (وَكَطَلَاقٍ نَحْوُ عِتْقٍ) وَظِهَارٍ (وَيَمِينٍ) بِاَللَّهِ تَعَالَى. (وَمَنْ نَذَرَ قِيَامَهَا) ، أَيْ: لَيْلَةِ الْقَدْرِ، (قَامَ الْعَشْرَ) الْأَخِيرَ (كُلَّهُ) . تَتِمَّةٌ: لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ لَيَالِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ رَمَضَانَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ: أَنَّ لَيَالِيَ الْعَشْرِ مِنْ رَمَضَانَ إنَّمَا فُضِّلَتْ بِاعْتِبَارِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَهِيَ مِنْ اللَّيَالِي، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ إنَّمَا فُضِّلَ بِاعْتِبَارِ أَيَّامِهِ، إذْ فِيهِ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ التَّرْوِيَةِ. [كِتَابُ الِاعْتِكَافِ] (كِتَابُ الِاعْتِكَافِ) الِاعْتِكَافُ، لُغَةً: لُزُومُ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138] بِفَتْحِ الْكَافِ فِي الْمَاضِي، وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ. وَشَرْعًا: (لُزُومُ مُسْلِمٍ، لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، عَاقِلٍ وَلَوْ كَانَ مُمَيَّزًا، مَسْجِدًا) مَفْعُولٌ: لُزُومِ. (وَلَوْ) كَانَ وَقْتُ اللُّزُومِ (سَاعَةً) مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ (لِطَاعَةٍ) ، مُتَعَلِّقٌ بِلُزُومٍ، (عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) يَأْتِي بَيَانُهَا. فَلَا

يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَلَا مُحْدِثٍ حَدَثًا أَكْبَرَ، وَلَا غَيْرِ، عَاقِلٍ، وَلَا مِمَّنْ دُونَ تِسْعٍ، وَلَا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ، أَوْ بِغَيْرِ لَبْثٍ وَلَا بِلُزُومِ مَسْجِدٍ لِنَحْوِ صِنَاعَةٍ. وَمَشْرُوعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي أَنَّهُ مَسْنُونٌ، (فَمَنْ نَذَرَ) اعْتِكَافًا (وَأَطْلَقَ) ، فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمُدَّةٍ، (أَجْزَأَتْهُ سَاعَةٌ) ، و (لَا) يَكْفِي (عُبُورُهُ) الْمَسْجِدَ مِنْ غَيْرِ لَبْثٍ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُعْتَكِفًا. (وَسُنَّ أَنْ لَا يَنْقُصَ) الِاعْتِكَافُ (عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ يَقُولُ: أَقَلُّهُ ذَلِكَ، (وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهُ) ، أَيْ: الِاعْتِكَافِ، (جِوَارًا) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيُكْرَهُ تَسْمِيَتُهُ) ، أَيْ: الِاعْتِكَافِ، (خَلْوَةً وَحَرَّمَهُ) ، أَيْ: حَرَّمَ (ابْنُ هُبَيْرَةَ) أَنْ يُسَمَّى بِذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا الِاعْتِكَافُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُسَمَّى خَلْوَةً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إذَا مَا خَلَوْت الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْت وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبٌ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْكَرَاهَةَ أَوْلَى، أَيْ: مِنْ التَّحْرِيمِ. (وَسُنَّ) الِاعْتِكَافُ (كُلَّ وَقْتٍ) إجْمَاعًا، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ، وَاعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مَعَهُ وَبَعْدَهُ. (وَ) هُوَ (بِرَمَضَانَ آكَدُ) ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَآكَدُهُ) ، أَيْ: آكَدُ رَمَضَانَ (عَشْرُهُ الْأَخِيرُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «كُنْت أُجَاوِرُ هَذَا الْعَشْرَ - يَعْنِي الْأَوْسَطَ - ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذَا الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَلْبَثْ فِي مُعْتَكَفِهِ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

(وَيَجِبُ) اعْتِكَافٌ (بِنَذْرٍ) ، لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ، فَلْيُطِعْهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَإِنْ عَلَّقَ) نَذْرَ اعْتِكَافٍ (أَوْ غَيْرِهِ) ، كَنَذْرِ صَوْمٍ أَوْ عِتْقٍ، (بِشَرْطِ، تَقَيُّدٍ بِهِ) ، فَلَا يَلْزَمُ حَتَّى يُوجَدَ شَرْطُهُ، (ك) قَوْلِهِ: (لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ رَمَضَانَ إنْ كُنْت مُقِيمًا مَثَلًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) النَّاذِرُ (مُقِيمًا لَمْ يَلْزَمْهُ) الِاعْتِكَافُ، لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ. (وَيُجْزِئُ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ (بِلَا صَوْمٍ) ، لِحَدِيثِ عُمَرَ، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ بِنَذْرِك» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا، لَمَا صَحَّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ لَا صَوْمَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَصِحُّ فِي اللَّيْلِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصِّيَامُ كَالصَّلَاةِ وَكَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلِأَنَّ إيجَابَ الصَّوْمِ حُكْمٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: «لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ» ، فَمَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ وَهِمَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ لَوْ صَحَّ، فَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ، (إلَّا أَنْ يَقُولَ فِي نَذْرِهِ) : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ (بِصَوْمٍ) ، فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، (فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا) ، لَزِمَهُ، (أَوْ) نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ (بِصَوْمٍ) ، لَزِمَهُ الْجَمْعُ، (أَوْ) نَذَرَ (أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا) ، لَزِمَهُ الْجَمْعُ، (أَوْ) نَذَرَ أَنْ يَصُومَ (بِاعْتِكَافٍ) ، لَزِمَهُ الْجَمْعُ، (أَوْ) نَذَرَ أَنْ (يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا) ، لَزِمَهُ الْجَمْعُ، (أَوْ) نَذَرَ أَنْ (يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا، لَزِمَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصِّيَامِ أَوْ الصَّلَاةِ، لِحَدِيثِ: «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» وَقِسْ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ، فَلَزِمَتْهُ بِالنَّذْرِ كَالتَّتَابُعِ وَالْقِيَامِ فِي النَّافِلَةِ، و (كَنَذْرِ صَلَاةٍ بِسُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ) مِنْ الْقُرْآنِ، فَلَوْ فَرَّقَ النَّذْرَ وَالصَّلَاةَ مَثَلًا، بِأَنْ صَلَّى فِي وَقْتٍ، وَاعْتَكَفَ فِي وَقْتٍ

آخَرَ، لَمْ يُجْزِئْهُ. (وَلَا يَلْزَمُهُ) إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا مَثَلًا مُصَلِّيًا (صَلَاةَ جَمِيعِ زَمَنِ نَذْرِ) اعْتِكَافِهِ، (فَيُجْزِئُهُ رَكْعَتَانِ) فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ. (وَيَتَّجِهُ: لَا) تُجْزِئُهُ (رَكْعَةٌ) وَاحِدَةٌ (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " فَإِنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ يَكْفِيه رَكْعَةٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي بَابِ النَّذْرِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ، فَقَالَ: وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً، فَرَكْعَتَانِ قَائِمًا لِقَادِرٍ، لَانَ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي الْفَرْضِ انْتَهَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا يُجْزِئُهُ) ، أَيْ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا أَوْ بِصَوْمٍ (اعْتِكَافٌ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ) ، كَاعْتِكَافِهِ فِي صَوْمِ كَفَّارَةٍ، إذْ لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ عَنْ وَاجِبَيْنِ. (وَيَتَّجِهُ) : لَوْ نَذَرَ صَوْمًا (فِي اعْتِكَافٍ) ، وَكَانَ نَذْرُهُ أَنْ يَصُومَ (بَعْضَ يَوْمٍ) ، فَنَوَى الصِّيَامَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، ثُمَّ اعْتَكَفَ، (صِحَّةُ) فَاعِلُ يَتَّجِهُ (نِيَّةِ صَوْمٍ إذَنْ) ، أَيْ: وَقْتَ إرَادَتِهِ الِاعْتِكَافِ، وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَتَى بِمُنَافٍ لِلصَّوْمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ يَأْبَى صِحَّةَ هَذِهِ النِّيَّةِ، لِاشْتِرَاطِهِمْ تَبْيِيتَهَا لِكُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ.

(وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ إنْ أَفْطَرَ) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (أَثْنَاءَ أَيَّامٍ) مَنْذُورٍ تَتَابُعُهَا، (اعْتَكَفَهَا) حَالَ كَوْنِهِ (صَائِمًا) ، فَإِنَّهُ (يَسْتَأْنِفُ) اعْتِكَافَهَا صَائِمًا، لِقَطْعِهِ التَّتَابُعَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إيصَالُهُ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ الْأَخِيرُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَعِبَارَتُهُ: فَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ بِصَوْمٍ، فَأَفْطَرَ يَوْمًا، أَفْسَدَ تَتَابُعَهُ، وَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ لِإِخْلَالِهِ بِالْإِتْيَانِ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ انْتَهَى. (وَحَرُمَ اعْتِكَافُ زَوْجَةٍ وَقِنٍّ) وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ (بِلَا إذْنِ زَوْجٍ) لِزَوْجَتِهِ، (وَسَيِّدٍ) لِرَقِيقِهِ، لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمَا وَتَفُوتُ بِالِاعْتِكَافِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الشَّرْعِ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ، (وَلَهُمَا) ، أَيْ: الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ (تَحْلِيلُهُمَا) ، أَيْ: الزَّوْجَةِ وَالْقِنِّ (مِمَّا شَرَعَا فِيهِ) مِنْ اعْتِكَافٍ وَلَوْ مَنْذُورًا (بِلَا إذْنِ) زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، لِحَدِيثِ: «لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ غَيْرِهِمَا إذَنْ، فَكَانَ لِرَبِّ الْحَقِّ الْمَنْعُ، (أَوْ) كَانَا شَرَعَا فِيهِ (بِهِ) ، أَيْ: بِإِذْنِ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ، (وَهُوَ) ، أَيْ: مَا شَرَعَا فِيهِ (تَطَوُّعٌ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَذِنَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي الِاعْتِكَافِ، ثُمَّ مَنَعَهُنَّ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلْنَ» وَيُخَالِفُ الْحَجَّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا مِنْ مَنْذُورٍ شَرَعَا فِيهِ بِالْإِذْنِ، (وَالْإِذْنُ) لِلزَّوْجَةِ وَالْقِنِّ (فِي عَقْدِ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ) ، كَمَا لَوْ أَذِنَ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ لَهُمَا فِي نَذْرِ اعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، (إذَنْ) لَهُمَا (فِي فِعْلِهِ) ، وَإِنْ أَذِنَا لَهُمَا فِي عَقْدٍ نَذْرٍ زَمَنًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَكُونُ الْإِذْنُ فِي النَّذْرِ إذْنًا فِي الْفِعْلِ، لِأَنَّ زَمَنَ الشُّرُوعِ لَمْ يَقْتَضِهِ الْإِذْنُ

فصل في النية وغيرها

السَّابِقُ. (وَإِنْ لَمْ يُحَلِّلَاهُمَا مِنْ نَذْرٍ) غَيْرِ مُعَيَّنٍ (خَالَفَا) ، وَشَرَعَا (فِيهِ) بِغَيْرِ إذْنٍ، (صَحَّ وَأَجْزَأَ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، (مَعَ أَنَّهُ) ، أَيْ: اعْتِكَافَهُمَا بِغَيْرِ إذْنٍ، (حَرَامٌ، فَلَعَلَّ الْحُرْمَةَ عَارِضَةٌ) لِحَقِّ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ، (وَلِمُكَاتَبٍ، لَا نَحْوُ أُمِّ وَلَدٍ) كَمُدَبَّرٍ، (اعْتِكَافٌ بِلَا إذْنِ) سَيِّدِهِ نَصًّا، لِمِلْكِهِ مَنَافِعَ نَفْسِهِ. (وَ) لِمُكَاتَبٍ أَيْضًا (حَجٌّ) بِلَا إذْنٍ نَصًّا، كَاعْتِكَافٍ وَأَوْلَى، لِإِمْكَانِ التَّكَسُّبِ مَعَهُ، لَكِنْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ، وَيَأْتِي، (مَا لَمْ يَحِلَّ) عَلَيْهِ (نَجْمٌ) فِي غَيْبَتِهِ مِنْ كِتَابَةٍ، فَإِنْ حَلَّ لَمْ يَحُجَّ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ، (وَمُبَعَّضٌ كَقِنٍّ) كُلِّهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، لِأَنَّ لَهُ مِلْكًا فِي مَنَافِعِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، (إلَّا مَعَ مُهَايَأَةٍ) فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ (فِي نَوْبَتِهِ) بِلَا إذْنِ مَالِكِ بَعْضِهِ، (ف) إنَّهُ فِي نَوْبَتِهِ (كَحُرٍّ) ، لِمِلْكِهِ اكْتِسَابَهُ وَمَنَافِعَهُ. (وَسُنَّ لِامْرَأَةٍ اسْتِتَارٌ بِخِبَاءٍ، وَنَحْوِهِ) ، «لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، (بِمَكَانٍ لَا يُصَلِّي بِهِ الرِّجَالُ) ، لِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التَّحَفُّظِ لَهَا، نَقَلَ أَبُو دَاوُد: يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَيُضْرَبُ لَهُنَّ فِيهَا الْخِيَمُ. (وَلَا بَأْسَ بِهِ) ، أَيْ: الْخِبَاءِ (لِرَجُلٍ) ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ أَخْفَى لِعَمَلِهِمْ. [فَصْلٌ فِي النِّيَّة وَغَيْرهَا] (فَصْلٌ) (وَشُرِطَ مَعَ مَا مَرَّ نِيَّةٌ) ، لِحَدِيثِ: «وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . (وَيَجِبُ أَنْ يُعَيَّنَ نَذْرٌ بِهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ، لِيَتَمَيَّزَ الْمَنْذُورُ عَنْ التَّطَوُّعِ. (وَ) يَجِبُ (كَوْنُهُ) ، أَيْ: الِاعْتِكَافِ (بِمَسْجِدٍ تُقَامُ بِهِ الْجَمَاعَةُ) ، فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ بِلَا خِلَافٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

{وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] فَلَوْ صَحَّ بِغَيْرِهَا لَمْ تَخْتَصَّ بِتَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ، إذْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُدْخِلُ رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَتُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِمَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ، حِذَارًا مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ تَكَرُّرِ الْخُرُوجِ الْمُنَافِي لَهُ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، (وَلَوْ) كَانَتْ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ (مِنْ مُعْتَكِفِينَ) ، لِانْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ بِهِمَا، فَيَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ (إنْ لَزِمَتْهُ) الْجَمَاعَةُ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَعْذُورُ وَالصَّبِيُّ، وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ، لِأَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ، وَهِيَ مُنْقَضِيَةٌ هُنَا. (وَأَتَى عَلَيْهِ فِعْلُ صَلَاةٍ) زَمَنَ اعْتِكَافِهِ، (وَإِلَّا) تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ، (صَحَّ) اعْتِكَافُهُ (بِكُلِّ مَسْجِدٍ) ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، (ك) مَا يَصِحُّ اعْتِكَافٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ (مِنْ أُنْثَى) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (8 لَا بِمَسْجِدِ) بَيْتِهَا، (وَهُوَ مَا تَتَّخِذُهُ لِصَلَاتِهَا) ، فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا، (لِعَدَمِ صَوْنِهِ عَمَّا حَرُمَ) مِنْ نَجَاسَتِهِ، وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَجُنُبٍ، (وَتَسْمِيَتُهُ مَسْجِدًا مَجَازٌ) ، وَمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، فَقَالَ: بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الْبِدَعُ. تَنْبِيهٌ: إذَا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ تُقَامُ فِي مَسْجِدٍ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ دُونَ بَعْضٍ، جَازَ الِاعْتِكَافُ فِيهِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ فَقَطْ، دُونَ الزَّمَانِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ. (وَيَتَّجِهُ: لَوْ نَذَرَ) مُكَلَّفٌ (أَنْ يَعْتَكِفَ بِبَيْتِهِ بِصَوْمٍ، لَزِمَهُ الصَّوْمُ لَا الِاعْتِكَافُ، لِفَقْدِ شَرْطِهِ) ، أَيْ: الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ: كَوْنُهُ بِمَسْجِدٍ،

(وَعَكْسِهِ) فِي لُزُومِ الِاعْتِكَافِ بِلَا صَوْمٍ: لَوْ نَذَرَ (أَنْ يَعْتَكِفَ) يَوْمَ (الْعِيدِ) ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (صَائِمًا) ، فَيَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ دُونَ الصَّوْمِ، لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا إلَّا عَنْ النُّسُكِ لِحَدِيثِ: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، فَلَا يَعْصِهِ» (لَكِنْ يَقْضِي صَوْمَهُ) ، أَيْ: الْيَوْمَ الْمَنْذُورَ، (وَيُكَفِّرُ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ، لِفَقْدِ الشَّرْطِ فِي الْأُولَى، وَفَوَاتِ الزَّمَنِ فِيهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمِنْ الْمَسْجِدِ ظَهْرُهُ) ، أَيْ: سَطْحُهُ، (وَمِنْهُ رَحْبَتُهُ الْمَحُوطَةُ) قَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ وَبَابٌ، كَرَحْبَةِ جَامِعِ الْمَهْدِيِّ بِالرُّصَافَةِ، فَهِيَ كَالْمَسْجِدِ، لِأَنَّهَا مَعَهُ، وَتَابِعَةٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَحُوطَةً، كَرَحْبَةِ جَامِعِ الْمَنْصُورِ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ، (وَمِنْهُ مَنَارَتُهُ الَّتِي هِيَ، أَوْ بَابُهَا، بِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، لِمَنْعِ الْجُنُبِ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَوْ بَابُهَا خَارِجَةً، وَلَوْ قَرِيبَةً، وَخَرَجَ الْمُعْتَكِفُ إلَيْهَا لِلْأَذَانِ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِأَنَّهُ مَشَى حَيْثُ يَمْشِي جُنُبٌ لِأَمْرٍ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، كَخُرُوجِهِ إلَيْهَا لِغَيْرِهِ. (وَمِنْهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (مَا زِيدَ فِيهِ حَتَّى فِي الثَّوَابِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ، (وَعِنْدَ جَمْعٍ) مِنْهُمْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَابْنُ رَجَبٍ، (وَحُكِيَ عَنْ السَّلَفِ. وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ أَيْضًا) زِيَادَتُهُ كَهُوَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

«لَوْ بُنِيَ هَذَا الْمَسْجِدُ إلَى صَنْعَاءَ، كَانَ مَسْجِدِي» وَقَالَ عُمَرُ لِمَا زَادَ فِي الْمَسْجِدِ: " لَوْ زِدْنَا فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَبَّانَةَ، كَانَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي " شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ": وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ عَنْ السَّلَفِ خِلَافًا فِي الْمُضَاعَفَةِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَيْ: الْمُشَارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: (خِلَافًا لِجَمْعٍ، كَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ) ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا. (وَتَوَقَّفَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِي ذَلِكَ، قَالَ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى ": هَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ تَخْتَصُّ الْمَسْجِدَ غَيْرَ الزِّيَادَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ، مِنْ أَصْحَابُنَا وَغَيْرَهُمْ، - أَيْ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: فِي مَسْجِدِي - هَذَا لِأَجْلِ الْإِشَارَةِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ حُكْمَ الزَّائِدِ حُكْمُ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ. قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ " قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ. (وَالْأَفْضَلُ لِرَجُلٍ تَخَلَّلَ اعْتِكَافَهُ جُمُعَةٌ) أَنْ يَعْتَكِفَ فِي (جَامِعٍ) ، أَيْ: مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ لِلْخُرُوجِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاعْتِكَافُ فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَيْهَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، كَالْخُرُوجِ لِحَاجَتِهِ، وَالْخُرُوجُ إلَيْهَا مُعْتَادٌ، فَكَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى. (وَيَتَعَيَّنُ) مَسْجِدٌ جَامِعٌ لِاعْتِكَافٍ (إنْ عُيِّنَ بِنَذْرٍ) ، فَلَا يُجْزِئُهُ مَسْجِدٌ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، حَيْثُ عَيَّنَ الْجَامِعَ بِنَذْرِهِ، (وَلَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْهُ) ، أَيْ: اعْتِكَافَهُ، (جُمُعَةٌ) ، لِأَنَّهُ تَرَكَ لَبْثًا مُسْتَحَقًّا الْتَزَمَهُ بِنَذْرِهِ، (وَلِمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ) كَامْرَأَةٍ، وَمَرِيضٍ وَمُسَافِرٍ مَعْذُورٍ بِسَفَرِهِ، وَمَنْ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ، (أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِهِ) ، أَيْ: الْجَامِعِ مَعَ الْمَسَاجِدِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، (وَيَبْطُلُ) اعْتِكَافُهُ (بِخُرُوجِهِ إلَيْهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، لِأَنَّ لَهُ مِنْهُ بُدًّا، (مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ) ، أَيْ: الْخُرُوجَ إلَى الْجُمُعَةِ، كَعِيَادَةِ مَرِيضٍ. (وَمَنْ عَيَّنَ) بِنَذْرِهِ لِاعْتِكَافِهِ أَوْ صَلَاتِهِ

(مَسْجِدًا غَيْرَ) الْمَسَاجِدِ (الثَّلَاثَةِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، (لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَيُخَيَّرُ) مَنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ مَسْجِدًا غَيْرَ الثَّلَاثَةِ (بَيْنَ اعْتِكَافٍ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَوْضِعًا، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ، وَلَوْ تَعَيَّنَ غَيْرُهَا بِالتَّعْيِينِ، لَزِمَ الْمُضِيُّ إلَيْهِ، وَاحْتَاجَ إلَى شَدِّ الرَّحْلِ، لِقَضَاءِ نَذْرِهِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُشَدُّ الرَّحَّالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنْ أَرَادَ النَّاذِرُ الِاعْتِكَافَ فِيمَا عَيَّنَهُ غَيْرَهَا، فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا، فَهُوَ الْأَفْضَلُ، وَإِلَّا، بِأَنْ احْتَاجَ لِشَدِّ الرَّحْلِ، خُيِّرَ عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ، وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَاحْتَجَّ بِخَبَرِ قُبَاءَ، فَإِنَّهُ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْتِيه كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحُمِلَ النَّهْيُ عَلَى أَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِيهِ، وَحَكَاهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يُجَوِّزْهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. (وَيُكَفِّرُ) إنْ اعْتَكَفَ بِغَيْرِ مَا عَيَّنَهُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ فِي وَجْهٍ قَالَهُ فِي " الرِّعَايَتَيْنِ " وَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يُكَفِّرُ، صَحَّحَهُ فِي " الْإِنْصَافِ " وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ فِي " الْمُقْنِعِ " وَالشَّارِحُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ " الْمُنْتَهَى " وَ " الْإِقْنَاعِ " وَأَمَّا إذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا يُجْزِئُهُ فِي غَيْرِهَا، لِفِعْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا، فَتَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَلَهُ شَدُّ الرَّحْلِ إلَيْهَا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. (وَأَفْضَلُهَا) ، أَيْ: الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: (الْحَرَامُ) ، وَهُوَ: مَسْجِدُ مَكَّةَ، (ف) الْمَسْجِدُ (النَّبَوِيِّ، ف) الْمَسْجِدُ (الْأَقْصَى) ، وَهُوَ: مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد. وَلِأَحْمَدَ،

وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلُهُ. (فَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا، أَوْ) نَذَرَ (صَلَاةً فِي أَحَدِهَا) ، أَيْ: الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، (لَمْ يُجْزِئْهُ) اعْتِكَافٌ وَلَا صَلَاةٌ (فِي غَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرُ مَا عَيَّنَهُ لِتَعَيُّنِهِ لِذَلِكَ، (إلَّا) أَنْ يَكُونَ مَا فَعَلَهُ فِيهِ (أَفْضَلَ مِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الَّذِي عَيَّنَهُ، فَيُجْزِئُهُ، فَمَنْ نَذَرَ فِي الْحَرَمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ، فِي غَيْرِهِ، وَفِي الْأَقْصَى، أَجْزَأَهُ فِي الثَّلَاثَةِ، وَفِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَجُزْأَهُ فِيهِ، وَفِي الْحَرَمِ لَا الْأَقْصَى، لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْك مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: صَلِّ هَا هُنَا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: صَلِّ هَا هُنَا، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: شَأْنُك إذَنْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَلَا يُكَفِّرُ) مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا أَوْ صَلَاةً فِي مَسْجِدٍ، ثُمَّ فَعَلَ مَا نَذَرَهُ فِي مَسْجِدٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، (لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، لِأَنَّهُ) عَدَلَ عَمَّا عَيَّنَهُ (لِغَرَضٍ) صَحِيحٍ (وَهُوَ الْأَفْضَلِيَّةُ) ، وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا. (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ) لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً (فِي سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّهُ (يُجْزِئُهُ فِعْلُ) الصَّلَاةِ (الْمَنْذُورَةِ فِي) سُورَةٍ (أَفْضَلَ مِنْهَا) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَمَنْ نَذَرَ) اعْتِكَافًا وَنَحْوَهُ (زَمَنًا مُعَيَّنًا كَيَوْمٍ وَشَهْرٍ) مَثَلًا، (شَرَعَ) فِيهِ (قَبْلَ دُخُولِهِ) ، أَيْ: الْمُعَيَّنِ، فَيَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْعِشْرِينَ، لِأَنَّ أَوَّلَهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، كَحُلُولِ دُيُونٍ، وَوُقُوعِ عِتْقٍ، وَطَلَاقِ مُعَلَّقَةٍ بِهِ، (وَتَأَخَّرَ) عَنْ الْخُرُوجِ (حَتَّى يَنْقَضِيَ) ، بِأَنْ تَغْرُبَ شَمْسُ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ نَصًّا، لِيَسْتَوْفِيَ جَمِيعَهُ. (وَ) مَنْ نَذَرَ زَمَنًا مُعَيَّنًا صَوْمًا أَوْ اعْتِكَافًا وَنَحْوَهُ، (تَابَعَ وُجُوبًا وَلَوْ أَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَيِّدْ بِالتَّتَابُعِ لَا بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ، (فَلَا يُفَرِّقُ يَوْمًا) نَذَرَ اعْتِكَافَهُ (بِسَاعَاتٍ) مِنْ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّتَابُعُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَيَّدَهُ بِهِ. (وَ) لَا يُفَرِّقُ (شَهْرًا) نَذَرَ اعْتِكَافَهُ (بِأَيَّامٍ) مِنْ أَشْهُرٍ (إلَّا إنْ قَالَ) : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ (أَيَّامَ شَهْرٍ) ، فَإِنَّ لَهُ تَفْرِيقَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ أَشْهُرٍ، (وَ) مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَوْ يَعْتَكِفَ (عَدَدًا) مِنْ أَيَّامٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، (وَلَوْ) كَانَ الْعَدَدُ (ثَلَاثِينَ) يَوْمًا، (فَلَهُ) ، أَيْ: النَّاذِرُ (تَفْرِيقُهُ) ، أَيْ: الْعَدَدِ، لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَالْأَيَّامُ الْمُطْلَقَةُ تُوجَدُ بِدُونِ تَتَابُعٍ (مَا لَمْ يَنْوِ) فِي الْعَدَدِ (تَتَابُعًا، فَيَجِبُ) ، كَمَا لَوْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا، (وَلَا تَدْخُلُ لَيْلَةُ يَوْمَ نَذَرَ) اعْتِكَافَهُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الْيَوْمُ: اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ، (ك) مَا لَا يَدْخُلُ (يَوْمٌ لَيْلَةً) نَذَرَ اعْتِكَافَهَا فِيهَا، لِأَنَّ الْيَوْمَ لَيْسَ مِنْ اللَّيْلَةِ، (لَكِنْ لَوْ قَالَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ، أَوْ) أَثْنَاءَ (لَيْلَةٍ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أَعْتَكِفَ يَوْمًا، أَوْ لَيْلَةً مِنْ الْآنِ أَوْ مِنْ وَقْتِهِ هَذَا، لَزِمَهُ) الِاعْتِكَاف (مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ) مِنْ الَّذِي يَلِيه، لِيَتَحَقَّقَ مُضِيُّ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَاللَّيْلُ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَطْعًا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا. (وَمَنْ نَذَرَ) أَنْ يَعْتَكِفَ وَنَحْوَهُ (يَوْمَيْنِ) فَأَكْثَرَ مُتَتَابِعَيْنِ، (أَوْ) نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ وَنَحْوَهُ (لَيْلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ) ، كَثَلَاثٍ أَوْ عَشْرٍ (مُتَتَابِعَةٍ، لَزِمَهُ) اسْتِغْرَاقُ (مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) ، نَصَّ

عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ، وَاللَّيْلُ اسْمٌ لِسَوَادِ اللَّيْلِ، وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ تَكْرَارُ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مَا تَخَلَّلَ لِلُزُومِ التَّتَابُعِ ضِمْنًا، وَهُوَ حَاصِلٌ بِمَا بَيْنَهَا خَاصَّةً، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَتَابِعَةً، لَمْ يَلْزَمْهُ مَا تَخَلَّلَهَا مِنْ ذَلِكَ، (وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ، فَقَدِمَ) فُلَانٌ (بِأَثْنَائِهِ) ، أَيْ: بِأَثْنَاءِ يَوْمٍ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَمْ يَكُنْ أُخْبِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَنَّهُ) ، أَيْ: فُلَانًا (يَقْدَمَ يَوْمُ كَذَا) ، إذْ لَوْ أُخْبِرَ أَنَّهُ يَقْدَمُ يَوْمَ كَذَا، لَلَزِمَهُ دُخُولُ مُعْتَكَفِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، لِيَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ اعْتَكَفَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (اعْتَكَفَ الْبَاقِي) مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، (وَلَمْ يَقْضِ الْمَاضِي) مِنْ الْيَوْمِ قَبْلَ قُدُومِهِ، لِفَوَاتِهِ قَبْلَ شَرْطِ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَجِبْ، (كَنَذْرِ اعْتِكَافٍ زَمَنٍ مَاضٍ) لِعَدَمِ انْعِقَادِهِ، (وَإِنْ كَانَ لَهُ) ، أَيْ: النَّاذِرِ، (عُذْرٌ) مِنْ حَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ الِاعْتِكَافَ، (حَالَ قُدُومِهِ) ، أَيْ: فُلَانٍ، (قَضَى وَكَفَّرَ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ، لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، وَيَقْضِي بَقِيَّةَ الْيَوْمِ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ فُلَانٌ فَقَطْ دُونَ مَا مَضَى مِنْهُ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ تَابِعٌ لِلْأَدَاءِ، (وَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ إنَّمَا نَذَرَ يَوْمَ يَقْدَمُ لَا لَيْلَةَ يَقْدَمُ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرُوهُ فِي: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ لَيْلًا، يَحْنَثُ، لِأَنَّ

الْيَوْمَ بِمَعْنَى الْوَقْتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا الِاحْتِيَاطُ لِلْفُرُوجِ، قَالَهُ فِي حَاشِيَةِ " الْإِقْنَاعِ ". (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) ، أَيْ: وَلَا شَيْءَ عَلَى النَّاذِرِ: لَوْ جِيءَ بِفُلَانٍ (نَهَارًا مُكْرَهًا أَوْ) جِيءَ بِهِ (مَيِّتًا) ، إذْ هُوَ لَمْ يَجِئْ وَإِنَّمَا جِيءَ بِهِ، فَلَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ قُدُومٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحِنْثُ بِسَبَبِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشَرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ مَثَلًا فَنَقَصَ) الْعَشَرُ، (أَجُزْأَهُ) صِيَامُ تِسْعَةٍ مِنْ آخِرِهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، و (لَا) يُجْزِئُهُ صِيَامُ هَذِهِ التِّسْعَةِ أَيَّامٍ (إنْ) كَانَ (نَذَرَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ) ، وَصَامَ تِسْعَةً، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الشَّهْرَ نَاقِصٌ، (فَيَقْضِي يَوْمًا) وُجُوبًا، وَيُكَفِّرُ لِفَوَاتِ الْمَحِلِّ. (وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا، كَفَاهُ شَهْرٌ هِلَالِيٌّ نَاقِصٌ) بِلَيَالِيِهِ، أَوْ ثَلَاثُونَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا، لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا، وَلِثَلَاثِينَ يَوْمًا، (وَمَنْ اعْتَكَفَ رَمَضَانَ أَوْ عَشَرَهُ) الْأَخِيرَ، (سُنَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي مُعْتَكَفِهِ) لِإِحْيَائِهَا، (وَيَخْرُجَ مِنْهُ لِلْمُصَلَّى) نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُحِبُّونَ لِمَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَغْدُوَ إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْمَسْجِدِ. انْتَهَى. وَيَكُونُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ.

فصل خروج المعتكف

[فَصْلٌ خُرُوج الْمُعْتَكَف] (فَصْلٌ) (يَحْرُمُ خُرُوجٌ مِنْ) ، أَيْ: مُعْتَكَفٍ (لَزِمَهُ تَتَابُعٌ) ، لِأَنَّهُ قَيَّدَ نَذْرَهُ بِالتَّتَابُعِ أَوْ نِيَّةٍ لَهُ، أَوْ إتْيَانِهِ بِمَا يَقْتَضِيه كَشَهْرٍ (مُخْتَارًا ذَاكِرًا) لِاعْتِكَافِهِ، فَلَا يَحْرُمُ خُرُوجُهُ مُكْرَهًا بِلَا حَقٍّ أَوْ نَاسِيًا (إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، كَإِتْيَانِهِ بِمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ، لِعَدَمِ) مَنْ يَأْتِيه بِهِ نَصًّا، (وَلَا يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ بِبَيْتِهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا. يَأْكُلُ فِي (سُوقٍ) ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، لِإِبَاحَةِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ. (وَ) لَهُ الْخُرُوجُ (لِبَوْلٍ وَغَائِطٍ) إجْمَاعًا. قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ " لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَوْ بَطَلَ الِاعْتِكَافُ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ اعْتِكَافٌ. (وَ) لَهُ الْخُرُوجُ ل (قَيْءٍ) بَغَتَهُ، (وَغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، (وَ) لَهُ الْخُرُوجُ ل (طَهَارَةٍ وَاجِبَةٍ) كَوُضُوءٍ وَغُسْلٍ لِحَدَثٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْجُنُبَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللَّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمُحْدِثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ وُضُوءٍ (وَلَوْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ) ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْمُحْدِثِ، وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ، وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى وُضُوءٍ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ (مَعَ أَنَّهُ) ، أَيْ: فِعْلَ الطَّهَارَةِ، (يُبَاحُ بِمَسْجِدٍ، وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (مِنْهُ) ، أَيْ: الْخُرُوجِ (بُدٌّ) ، أَيْ: مَنْدُوحَةٌ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَذِيَّةٍ بِهِمَا، فَإِنْ آذَى بِهِمَا الْمَسْجِدَ، حَرُمَ عَلَيْهِ. (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (الْمَشْيُ إذَا خَرَجَ) لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ (عَلَى عَادَتِهِ) ، فَلَا يَلْزَمُهُ مُخَالَفَتُهَا فِي سُرْعَةٍ، (وَ) لَهُ (قَصْدُ بَيْتِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ بِلَا ضَرَرٍ وَلَا مِنَّةٍ) ، كَسِقَايَةٍ لَا يَحْتَشِمُ مِثْلُهُ مِنْهَا، وَلَا نَقْصٍ

عَلَيْهِ. (وَيَلْزَمُ قَصْدُ أَقْرَبِ مَنْزِلَيْهِ) لِدَفْعِ حَاجَتِهِ بِهِ، بِخِلَافِ مَنْ اعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَبْعَدِ مِنْهُ، لِعَدَمِ تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ دُخُولِهِ لِلِاعْتِكَافِ. و (لَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (مَا) ، أَيْ: مَنْزِلٍ (بُذِلَ لَهُ) لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ بِهِ، (لِلْمِنَّةِ) وَالْمَشَقَّةِ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَالِاحْتِشَامِ مِنْهُ. (وَ) لَهُ أَنْ (يَغْسِلَ يَدَهُ بِمَسْجِدٍ فِي إنَاءٍ مِنْ نَحْوِ وَسَخٍ وَزَفَرٍ وَ) قِيَامٍ مِنْ (نَوْمِ لَيْلٍ) ، وَيُفْرِغُ الْإِنَاءَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُصَلِّينَ بِهِ، وَلَا يَخْرُجُ لِذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ مِنْهُ بُدًّا. وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ مَا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ (مِنْ نَجَاسَةٍ بِإِنَاءٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (أَوْ فِي هَوَائِهِ) ، مُعْتَكِفًا كَانَ الْغَاسِلُ أَوْ لَا، (كَبَوْلٍ وَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ، فَوَجَبَ صِيَانَتُهُ عَنْهُ، وَهَوَاؤُهُ كَقَرَارِهِ. (وَإِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ لَهُمَا) ، أَيْ: لِلْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، (جَازَ خُرُوجُهُ) لِذَلِكَ، (ك) خُرُوجِهِ لِصَلَاةِ (جُمُعَةٍ وَشَهَادَةٍ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً (لَزِمَتَاهُ) ، لِوُجُوبِهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَيَخْرُجُ لَهُمَا، (وَ) ك (مَرِيضٍ وَجِنَازَةٍ تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لَهَا) ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَإِنْ تَعَيَّنَتْ صَلَاةُ جِنَازَةٍ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، أَوْ دَفْنُ مَيِّتٍ أَوْ تَغْسِيلُهُ، فَكَشَهَادَةٍ مُتَعَيِّنَةٍ عَلَى مَا سَبَقَ، وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ مَرِيضٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَمْرِيضُهُ. (وَلَا يَلْزَمُهُ) إذَا خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ (سُلُوكُ طَرِيقٍ أَقْرَبَ) ، بَلْ لَهُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ، (وَلَا) يَلْزَمُهُ (رُجُوعُهُ بَعْدَ) صَلَاةِ (جُمُعَةٍ فَوْرًا، بَلْ يُسَنُّ) رُجُوعُهُ إلَى مُعْتَكَفِهِ فَوْرًا لِيُتِمَّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، (ك) مَا يُسَنُّ (عَدَمُ تَبْكِيرٍ لَهَا) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ، اقْتِصَارًا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُعْتَكِفِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ نَذْرِ اعْتِكَافِهِ (شَرْطُ الْخُرُوجِ إلَى مَا لَا يَلْزَمُهُ) خُرُوجُهُ إلَيْهِ (مِنْ ذَلِكَ) ، أَيْ: الْجُمُعَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْمَرِيضِ وَالْجِنَازَةِ، (وَلِكُلِّ قِرْبَةٍ لَمْ تَتَعَيَّنْ) عَلَيْهِ (كَزِيَارَةِ) صَدِيقٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ (وَغُسْلِ

مَيِّتٍ، أَوْ مَا لَهُ عَنْهُ غِنًى، وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ ك) شَرْطِ (عَشَاءٍ وَمَبِيتٍ بِمَنْزِلِهِ) ، لِأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ كَالْوَقْفِ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ نَذَرَ الزَّمَنَ الَّذِي أَقَامَهُ فَقَطْ، وَلِتَأَكُّدِ الْحَاجَةِ إلَى الْعَشَاءِ وَالْمَبِيتِ، وَامْتِنَاعِ النِّيَابَةِ فِيهَا. و (لَا) يَصِحُّ (شَرْطُ خُرُوجٍ لِتِجَارَةٍ أَوْ لِمَا شَاءَ، أَوْ) شَرْطُ (تَكَسُّبٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (بِصَنْعَةٍ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الِاعْتِكَافَ صُورَةً وَمَعْنًى، كَشَرْطِ تَرْكِ الْإِقَامَةِ بِالْمَسْجِدِ، وَكَالْوَقْفِ، لَا يَصِحُّ فِيهِ شَرْطُ مَا يُنَافِيه، (وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ) إذَا تَكَسَّبَ (بِهَا) ، أَيْ: صَنْعَتِهِ (فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ قَبْلَ اعْتِكَافِهِ، (لِأَنَّهُ عَاصٍ) بِتَكَسُّبِهِ (فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (لَا) عَاصٍ (بِهِ) ، أَيْ: الِاعْتِكَافِ، قِيَاسًا لَهُ عَلَى مَسْحِ الْمُسَافِرِ وَقَصْرِهِ، (وَلِأَنَّهُ) ، أَيْ: التَّكَسُّبَ بِالصَّنْعَةِ (إنَّمَا يُنَافِي حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ) وَفِي التَّكَسُّبِ فِي الصِّنَاعَاتِ نَوْعُ انْتِهَاك، لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ، وَنَحْوِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، فَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْمُعْتَكِفُ الْمَسْجِدَ فِي غَيْرِ مَا بُنِيَ لَهُ، مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الِاعْتِكَافِ، لَمْ يَبْطُلْ، وَيَكُونُ آثِمًا عَاصِيًا فِيهِ، وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ، فَهُوَ عَاصٍ بِهِ، وَلَا اعْتِكَافَ لَهُ. (وَإِنَّ قَالَ: مَتَى مَرِضْت أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ خَرَجْت، جَازَ كَشَرْطِ إحْرَامٍ) فَيَسْتَفِيدُ جَوَازَ التَّحَلُّلِ إذَا حَدَثَ عَائِقٌ عَنْ الْمُضِيِّ. (وَيَتَّجِهُ: مِثْلُهُ) ، أَيْ: مِثْلُ شَرْطٍ فِي نَذْرِ اعْتِكَافٍ (خُرُوجٌ مِنْ صَلَاةٍ نَذَرَهَا) وَشَرْطُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِهَا، (إنْ عَرَضَ) لِي (عَارِضٌ) مِنْ فَوَاتِ رُفْقَةٍ، أَوْ تَخْلِيصِ مَعْصُومٍ مِنْ هَلَكَةٍ، أَوْ إطْفَاءِ حَرِيقٍ، خَرَجْتُ، فَلَهُ شَرْطُهُ، (أَوْ) شَرَطَ خُرُوجًا (مِنْ صَوْمٍ إنْ جَاعَ) جُوعًا مُفْرِطًا، فَلَهُ شَرْطُهُ اسْتِبْقَاءً لِنَفْسِهِ، (أَوْ) شَرَطَ إنْ (ضُيِّفَ) - بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ،

أَيْ: دُعِيَ إلَى ضِيَافَةٍ - وَعَلِمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا يَنَالُهُ مِنْ رَبِّهَا ضَرَرٌ، فَلَهُ شَرْطُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ (تَعَيُّنُ نَفِيرٍ) اُحْتِيجَ إلَيْهِ، (وَإِطْفَاءُ حَرِيقٍ وَإِنْقَاذُ نَحْوِ غَرِيقٍ) كَمَنْ تَحْتَ هَدْمٍ، (وَمَرَضٍ شَدِيدٍ) يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمَقَامُ، كَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْمَقَامُ مَعَهُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى خِدْمَةٍ أَوْ فِرَاشٍ، (وَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ وَنَحْوِهِ) ، جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ، لِأَنَّهُ عُذِرَ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِمَرَضٍ خَفِيفٍ، كَصُدَاعٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ، وَوَجَعِ ضِرْسٍ، لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، (وَ) كَذَا (عِدَّةُ وَفَاةٍ) إذَا مَاتَ زَوْجُ مُعْتَكِفَةٍ، فَلَهَا الْخُرُوجُ لِتَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِهَا، لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَكَوْنِهِ حَقَّ اللَّهِ، وَحَقَّ آدَمِيٍّ يَفُوتُ إذَا تُرِكَ لَا إلَى بَدَلٍ، بِخِلَافِ النَّذْرِ.

(وَتُتَحَيَّضُ نَدْبًا) مُعْتَكِفَةٌ حَاضَتْ (بِخِبَاءٍ فِي رَحْبَتِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (غَيْرِ الْمَحُوطَةِ إنْ كَانَتْ) لَهُ رَحْبَةٌ (وَأَمْكَنَ) تَحَيُّضُهَا فِيهَا (بِلَا ضَرَرٍ) فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كُنَّ الْمُعْتَكِفَاتِ إذَا حِضْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَطْهُرْنَ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ. (إلَّا) يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ رَحْبَةٌ، أَوْ كَانَتْ، وَفِيهِ ضَرَرٌ، تَحَيَّضَتْ (بِبَيْتِهَا) ، لِأَنَّهُ أَوْلَى فِي حَقِّهَا إلَى أَنْ تَطْهُرَ فَتَعُودَ، وَتُتَمِّمَ اعْتِكَافَهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا إلَّا الْقَضَاءُ أَيَّامَ حَيْضِهَا. (وَتَقْضِي أَيَّامَ نَحْوِ حَيْضِهَا) كَإِخْرَاجِهَا وَحَبْسِهَا لِحَقٍّ وَاجِبٍ. (وَكَحَيْضٍ) فِيمَا تَقَدَّمَ (نِفَاسٌ) ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ (لَا اسْتِحَاضَةٌ) ، لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ الصَّلَاةَ (فَتَتَلَجَّمُ وَتَسْتَمِرُّ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا، وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَيَجِبُ) عَلَى مُعْتَكِفٍ (فِي) اعْتِكَافٍ (وَاجِبٍ) خَرَجَ لِعُذْرٍ يُبِيحُهُ (رُجُوعٌ) إلَى مُعْتَكَفِهِ (بِزَوَالِ عُذْرٍ) ، لِأَنَّهُ الْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، (فَإِنْ أَخَّرَ) رُجُوعَهُ إلَى مُعْتَكَفِهِ (عَنْ وَقْتِ إمْكَانِهِ) ، أَيْ: إمْكَانِ الرُّجُوعِ، وَلَوْ يَسِيرًا (بِلَا عُذْرٍ، بَطَلَ) مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِ، (وَلَا يَضُرُّ تَطَاوُلُ خُرُوجٍ مُعْتَادٍ، ك) خُرُوجٍ (لِحَاجَةِ بَوْلٍ) أَوْ غَائِطٍ، (وَطَهَارَةٍ) مِنْ حَدَثٍ (وَطَعَامٍ وَشَرَابٍ وَجُمُعَةٍ، ف) لَا يَنْقُصُ تَطَاوُلُهُ مُدَّةَ الِاعْتِكَافِ، و (لَا يَقْضِي مُدَّةَ خُرُوجِهِ) ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِلْمُعْتَادِ كَالْمُسْتَثْنَى لِكَوْنِهِ مُعْتَادًا، وَلَا كَفَّارَةَ، (ك) مَا لَا يَضُرُّ (يَسِيرُ) خُرُوجٍ لِعُذْرٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، كَنَفِيرٍ وَشَهَادَةٍ وَاجِبَةٍ، وَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ، وَمَرَضٍ وَقَيْءٍ بَغَتَهُ، وَغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ، وَإِطْفَاءِ حَرِيقٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا يَقْضِي الْوَقْتَ الْفَائِتَ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، أَشْبَهَ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ، (لَا تَطَاوُلَهُ) ، أَيْ:

فصل خرج معتكف لما لا بد له منه

الْخُرُوجَ، لِعُذْرٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، (فَإِنْ تَطَاوَلَ) غَيْرُ الْمُعْتَادِ (عُرْفًا) ، فَإِنْ كَانَ (فِي تَطَوُّعٍ، خُيِّرَ بَيْنَ رُجُوعٍ وَعَدَمِهِ) ، لِعَدَمِ وُجُوبِهِ بِالشُّرُوعِ (وَ) إنْ كَانَ (فِي) اعْتِكَافٍ (وَاجِبٍ) ، فَإِنَّهُ (يَجِبُ رُجُوعُهُ لِمُعْتَكَفِهِ) لِأَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. (وَلَهُ) ، أَيْ: النَّاذِرِ (ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ) بِالِاسْتِقْرَاءِ: الْحَالُ الْأُولَى، أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (فَفِي نَذْرٍ مُتَتَابِعٍ) كَشَهْرٍ (غَيْرِ مُعَيَّنٍ) ، اعْتَكَفَ بَعْضَهُ، (ثُمَّ خَرَجَ لِعُذْرٍ) غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَطَالَ خُرُوجُهُ، (يُخَيَّرُ بَيْنَ بِنَاءٍ) عَلَى مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِ، وَقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، فَيَبْتَدِئُ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ، فَيَكُونُ مُتَتَابِعًا، (وَيُكَفِّرُ كَكَفَّارَةِ يَمِينٍ) ، لِأَنَّ النَّذْرَ حَلْفَةٌ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ عَلَى وَجْهِهِ، (وَبَيْنَ اسْتِئْنَافِ الِاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ، لِإِتْيَانِهِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ) ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ أَتَى بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَهُ الِاعْتِكَافُ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ. وَأُشِيرَ إلَى الْحَالِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي نَذْرٍ مُعَيَّنٍ) كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي سَنَةِ كَذَا مَثَلًا، (يَقْضِي) مَا فَاتَهُ مِنْهُ زَمَنَ خُرُوجِهِ، (وَيُكَفِّرُ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ، (لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ) . وَأُشِيرَ إلَى الْحَالِ الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي نَذْرِ أَيَّامٍ مُطْلَقَةٍ كَخَمْسٍ) ، وَلَمْ يَقُلْ مُتَتَابِعَةٌ، وَلَمْ يَنْوِهِ، (يُتَمِّمُ) ، أَيْ: يُتَمِّمُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا (بِلَا كَفَّارَةٍ) ، لِأَنَّهُ أَتَى بِالنَّذْرِ عَلَى وَجْهِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَخْرُجْ، (لَكِنَّهُ لَا يَبْنِي عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ الْيَوْمِ) الَّذِي خَرَجَ فِيهِ، بَلْ يَسْتَأْنِفُ بَدَلَهُ يَوْمًا كَامِلًا لِئَلَّا يُفَرِّقَهُ. [فَصْلٌ خَرَجَ مُعْتَكِفٌ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ] (فَصْلٌ) (وَإِنْ خَرَجَ) مُعْتَكِفٌ (لِمَا) ، أَيْ: أَمْرٍ (لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِمَّا مَرَّ،

فَبَاعَ وَاشْتَرَى) وَلَمْ يُعَرِّجْ أَوْ يَقِفْ لِذَلِكَ، جَازَ، (أَوْ سَأَلَ عَنْ مَرِيضٍ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ) ، أَيْ: الْمَرِيضِ (وَلَمْ يُعَرِّجْ) ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: عَرَّجَ تَعْرِيجًا: مَيَّلَ وَأَقَامَ، وَحَبَسَ الْمَطِيَّةَ عَلَى الْمَنْزِلِ. (أَوْ يَقِفْ لِذَلِكَ) ، جَازَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَعَنْ عَائِشَةَ: «إنِّي كُنْت لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْ اللَّبْثِ الْمُسْتَحَقِّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ، أَوْ رَدَّ السَّلَامَ فِي مُرُورِهِ، (أَوْ) خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ثُمَّ (دَخَلَ مَسْجِدًا يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ بِهِ أَقْرَبَ لِمَحَلِّ حَاجَتِهِ مِنْ) الْمَسْجِدِ (الْأَوَّلِ) الَّذِي كَانَ فِيهِ، جَازَ، (أَوْ انْهَدَمَ مُعْتَكَفُهُ فَخَرَجَ) لِمَسْجِدٍ (غَيْرِهِ، جَازَ) ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِصَرِيحِ النَّذْرِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ بِشُرُوعِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ بِذَلِكَ لَبْثًا مُسْتَحَقًّا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ سُلْطَانٌ، فَخَرَجَ إلَى الْآخَرِ، وَأَتَمَّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، (وَإِنْ وَقَفَ) فِي طَرِيقِهِ، (أَوْ كَانَ) الْمَسْجِدُ الَّذِي دَخَلَهُ (أَبْعَدَ) مِنْ مَحَلِّ حَاجَتِهِ مِنْ الْأَوَّلِ، بَطَلَ، (أَوْ خَرَجَ لَهُ ابْتِدَاءً) بِلَا عُذْرٍ، بَطَلَ، (أَوْ تَلَاصَقَا) ، أَيْ: الْمَسْجِدَانِ، (وَمَشَى فِي انْتِقَالِهِ) بَيْنَهُمَا خَارِجًا عَنْهُمَا (بِلَا عُذْرٍ) ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِتَرْكِهِ لَبْثًا مُسْتَحَقًّا، فَإِنْ لَمْ يَمْشِ خَارِجًا عَنْهُمَا فِي انْتِقَالِهِ لِلثَّانِي، لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ. (أَوْ أَخْرَجَ) مُعْتَكَفٌ (لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، وَأَمْكَنَهُ وَفَاؤُهُ) بِلَا خُرُوجٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِأَنَّ لَهُ بُدًّا مِنْ أَنْ لَا يَخْرُجَ (أَوْ سَكِرَ) مُعْتَكِفٌ. (وَيَتَّجِهُ) حَيْثُ كَانَ (آثِمًا) بِسُكْرِهِ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَلَوْ كَانَ سُكْرُهُ لَيْلًا، لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ، كَالْمَرْأَةِ تَحِيضُ، لَكِنَّ الْمَرْأَةَ مَعْذُورَةٌ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْذُورٍ، أَمَّا لَوْ شَرِبَ جَاهِلًا أَنَّهُ خَمْرٌ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الشُّرْبِ فَسَكِرَ، لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ، كَمَا لَوْ نَامَ وَيَبْنِي

بَعْدَ إفَاقَتِهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (أَوْ ارْتَدَّ) مُعْتَكِفٌ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] وَلِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْعِبَادَةِ فَأَشْبَهَ رِدَّتَهُ فِي الصَّوْمِ. (أَوْ خَرَجَ) الْمُعْتَكِفُ (كُلُّهُ) لِمَا لَهُ، مِنْهُ بُدٌّ (بِلَا عُذْرٍ وَلَوْ قَلَّ زَمَنُ خُرُوجِهِ) ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ لِتَرْكِهِ اللَّبْثَ بِلَا حَاجَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ طَالَ، فَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَ جَسَدِهِ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ نَصًّا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي رَأْسَهُ إلَيَّ فَأُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (أَوْ نَوَاهُ) ، أَيْ: الْخُرُوجَ (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ إنْ كَانَ) حِينَ فَعَلَهُ شَيْئًا مِمَّا تَقَدَّمَ (ذَاكِرًا عَامِدًا مُخْتَارًا، أَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا بِحَقٍّ) كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَخْرَجَ لِاسْتِيفَائِهِ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ نَوَاهُ، فِيهِ نَظَرٌ، وَتَأْبَاهُ الْقَوَاعِدُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي صَنِيعِهِمْ مُسَاعِدٌ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَبْطُلُ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ، بَلْ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، كَمَا إذَا نَوَى مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ فِيهَا، فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ حَتَّى يَنْوِيَ قَطْعَهَا. (وَلَزِمَ) مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا مَرَّ (اسْتِئْنَافُ اعْتِكَافٍ) عَلَى صِفَةِ مَا بَطَلَ (مُتَتَابِعٍ بِشَرْطِ) كُلِّهِ عَلَى إنْ اعْتَكَفَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةً، أَوْ شَهْرًا (أَوْ) مُتَتَابِعًا ب (نِيَّةِ) ، كَأَنْ نَذَرَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ وَنَوَاهَا مُتَتَابِعَةً، ثُمَّ شَرَعَ، وَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَنْذُورِ عَلَى صِفَتِهِ، فَلَزِمَهُ كَحَالِ الِابْتِدَاءِ (وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ، (وَ) لَزِمَ (اسْتِئْنَافُ) نَذْرٍ (مُعَيَّنٍ قُيِّدَ بِتَتَابُعٍ) كُلُّهُ عَلَى إنْ اعْتَكَفَ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ مُتَتَابِعًا (أَوْ لَا) ، أَيْ: لَمْ يُقَيِّدْ بِتَتَابُعٍ، كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ

يَعْتَكِفَ الْمُحَرَّمَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لِدَلَالَتِهِ التَّعْيِينَ عَلَيْهِ، (وَيُكَفِّرُ) فِي الصُّورَتَيْنِ، لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، (وَيَكُونُ قَضَاءُ كُلٍّ) مِنْ التَّتَابُعِ بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ، وَالْمُعَيَّنِ، (وَ) يَكُونُ (اسْتِئْنَافُهُ) ، أَيْ: كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الِاعْتِكَافِ الْمَقْضِيِّ وَالْمُسْتَأْنَفِ (عَلَى صِفَةِ أَدَائِهِ فِيمَا يُمْكِنُ) ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَشْرُوطًا فِيهِ الصَّوْمُ أَوْ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَقْضِيَّ أَوْ الْمُسْتَأْنَفَ يَكُونُ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ، كَمَا لَوْ عَيَّنَ زَمَنًا وَمَضَى، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ رَمَضَانَ فَفَاتَهُ، لَزِمَهُ شَهْرٌ غَيْرُهُ بِلَا صَوْمٍ) ، لِأَنَّ الْفَائِتَ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَعَ فِي اعْتِكَافِهِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، لِأَنَّ فِي هَذَا الزَّمَنِ فَضِيلَةً لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، فَلَا يُجْزِئُ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِهِ كَمَا لَوْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أَفْسَدَهُ. (وَيَبْطُلُ اعْتِكَافٌ بِوَطْءِ) مُعْتَكِفٍ فِيهِ (وَلَوْ) وَطِئَ (نَاسِيًا) نَصًّا. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ) وَطِئَ (مُكْرَهًا) إذْ الْمُكْرَهُ كَالنَّاسِي، وَأَوْلَى، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَفِي فَرْجٍ) ، لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «إذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَاسْتَأْنَفَ الِاعْتِكَافَ» وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ تَفْسُدُ بِالْوَطْءِ عَمْدًا فَكَذَلِكَ سَهْوًا كَالْحَجِّ، (أَوْ دُونَهُ) ، أَيْ: الْفَرْجِ (وَأَنْزَلَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] فَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ، كَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ، (ف) إنْ وَطِئَ مُعْتَكِفٌ (فِي

فصل ما يسن للمعتكف

نَفْلٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَلَمْ يَجِبْ بِإِفْسَادِهَا كَفَّارَةٌ كَالصَّوْمِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِإِيجَابِهَا، فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ. (وَ) إنْ وَطِئَ (فِي نَذْرٍ، فَكَمَا مَرَّ) مُفَصَّلًا، (قَالَ الْمُنَقِّحُ: فَهُوَ كَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ بِالْخُرُوجِ) ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا، (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ: (لَا يَبْطُلُ) الِاعْتِكَافُ (بِإِنْزَالٍ بِنَحْوِ لَمْسٍ وَتَقْبِيلٍ) وَاسْتِمْنَاءٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ لِهَذَا الْإِنْزَالِ بَلْ لِإِفْسَادِ نَذْرِهِ. (وَجَازَ) لِلْمُعْتَكِفِ تَقْبِيلٌ و (مُبَاشَرَةٌ) دُونَ فَرْجٍ (بِغَيْرِ شَهْوَةٍ) كَغُسْلِ رَأْسِهِ، وَتَرْجِيلِ شَعْرِهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ. (وَلَا يَبْطُلُ) الِاعْتِكَافُ (بِإِغْمَاءٍ) ، لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ لَهُ كَالنَّوْمِ وَأَوْلَى. (وَيَتَّجِهُ وَ) لَا يَبْطُلُ ب (جُنُونٍ) ، لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِ. (وَ) يَتَّجِهُ (أَنَّهُ لَا يَقْضِي) مُعْتَكِفٌ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ (زَمَنَ إغْمَاءِ) هـ إذْ هُوَ (كَنَائِمٍ) وَالنَّائِمُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (وَلَا) يَقْضِي (زَمَنَ جُنُونِهِ) أَيْضًا (لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ) إذَنْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَصْلٌ مَا يَسُنّ لِلْمُعْتَكِفِ] (فَصْلٌ) (سُنَّ لِمُعْتَكِفٍ تَرْكُ لُبْسِ رَفِيعِ ثِيَابٍ، وَتَلَذُّذٌ بِمُبَاحٍ لَهُ قَبْلَ اعْتِكَافِهِ وَعَدَمُ نَوْمٍ إلَّا عَنْ غَلَبَةِ) نُعَاسٍ وَلَوْ مَعَ قُرْبِ الْمَاءِ، وَلَا يَنَامُ مُضْطَجِعًا بَلْ (مُتَرَبِّعًا أَوْ مُسْتَنِدًا) . وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ.

(وَيَتَّجِهُ: وَ) سُنَّ (قَوْلُهُ إنْ شُتِمَ: إنِّي مُعْتَكِفٌ) قِيَاسًا لَهُ عَلَى الصَّوْمِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) سُنَّ لَهُ (تَشَاغُلٌ) بِفِعْلِ الْقُرَبِ، أَيْ: كُلِّ (مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى (كَصَلَاةٍ وَذِكْرٍ) وَتِلَاوَةِ قُرْآنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (وَ) سُنَّ لَهُ (اجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيه) - بِفَتْحٍ أَوَّلِهِ، أَيْ: يَهُمُّهُ - (كَجِدَالٍ وَمِرَاءٍ وَكَثْرَةِ كَلَامٍ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» . (وَكُرِهَ ذَلِكَ لِمُعْتَكِفٍ وَغَيْرِهِ) . رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُولَ الْكَلَامِ مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ أَنْ تَقْرَأَهُ، أَوْ أَمْرٌ بِمَعْرُوفِ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ تَنْطِقُ فِي مَعِيشَتِك بِمَا لَا بُدَّ لَك مِنْهُ. وَالْجَدَلُ: مُقَابَلَةُ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ، وَالْمُجَادَلَةُ الْمُنَاظَرَةُ، وَالْمُخَاصَمَةُ، وَالْمِرَاءُ: هُوَ الْجِدَالُ، فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَا أُوتِيَ قَوْمٌ الْجَدَلَ إلَّا ضَلُّوا» وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ» . (وَلَا يُسَنُّ لَهُ) ، أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (إقْرَاءُ قُرْآنٍ، وَ) تَدْرِيسُ (عِلْمٍ، وَمُنَاظَرَةٌ فِيهِ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ، وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْمَسْجِدُ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ فِيهَا ذَلِكَ كَالطَّوَافِ، (فَإِنْ فَعَلَ) الِاعْتِكَافَ مَعَ إقْرَاءِ الْقُرْآنِ، وَتَدْرِيسِ الْعِلْمِ، وَمُنَاظَرَةِ الْفُقَهَاءِ بِلَا مُبَاهَاةٍ، (فَلَا بَأْسَ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ لِتَعَدِّي نَفْعِهِ، وَكُرِهَ

أَنْ يَتَطَيَّبَ) الْمُعْتَكِفُ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ مَكَانًا فَكَانَ تَرْكُ التَّطَيُّبِ فِيهَا مَشْرُوعًا كَالْحَجِّ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَطَيَّبَ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَظَّفَ، وَ) لَا (أَنْ تَزُورَهُ) فِي الْمَسْجِدِ (نَحْوُ زَوْجَتِهِ) كَأَمَتِهِ (وَتَتَحَدَّثُ مَعَهُ، وَتُصْلِحُ نَحْوَ شَعْرِهِ مَا لَمْ يَلْتَذَّ) بِشَيْءٍ مِنْهَا، (وَ) لَهُ أَنْ (يَتَحَدَّثَ مَعَ مَنْ يَأْتِيه لَا كَثِيرًا) «لِأَنَّ صَفِيَّةَ زَارَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَحَدَّثَ مَعَهَا» ، «وَرَجَّلَتْ عَائِشَةُ رَأْسَهُ» ، (وَ) لَهُ أَنْ (يَأْمُرَ بِمَا يُرِيدُ خَفِيفًا) بِحَيْثُ لَا يَشْغَلُهُ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ: " أَيُّمَا رَجُلٍ اعْتَكَفَ فَلَا يُسَابُّ، وَلَا يَرْفُثُ، وَيَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالْحَاجَةِ - أَيْ: وَهُوَ يَمْشِي - وَلَا يَجْلِسْ عِنْدَهُمْ " رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَ) لَا بَأْسَ أَنْ (يَتَزَوَّجَ بِالْمَسْجِدِ، وَيَشْهَدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ) ، لِأَنَّهُ طَاعَةٌ، وَحُضُورُهُ قُرْبَةٍ، وَمُدَّتُهُ لَا تَتَطَاوَلُ، فَهُوَ كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَرَدِّ السَّلَامِ. (وَ) لَهُ أَنْ (يُصْلِحَ) بَيْنَ النَّاسِ (وَيَعُودَ) الْمَرِيضَ، وَيُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ، (وَيُهَنِّئَ وَيُعَزِّيَ، وَيُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ بِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيه. (وَيُكْرَهُ صَمْتُهُ عَنْ الْكَلَامِ إلَى اللَّيْلِ) ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. (وَإِنْ نَذَرَهُ) ، أَيْ: الصَّمْتَ، (لَمْ يَفِ بِهِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، إذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ، وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَأَنْ يَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرُوهُ فَلْيَسْتَظِلَّ وَيَتَكَلَّمْ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد. و" دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ، يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ، فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالُوا: حَجَّتْ مُصْمَتَةً، فَقَالَ لَهَا:

تَكَلَّمِي، فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَكَلَّمَتْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. و (قَالَ الشَّيْخَانِ) الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ: (ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ: تَحْرِيمُهُ) ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي ". (وَيَتَّجِهُ) : تَحْرِيمُ الصَّمْتِ: (إنْ اعْتَقَدَهُ قُرْبَةً) ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَ فِي " الِاخْتِيَارَاتِ ": وَالتَّحْقِيقُ فِي الصَّمْتِ أَنَّهُ إنْ طَالَ حَتَّى تَضَمَّنَ تَرْكَ الْكَلَامِ الْوَاجِبِ، صَارَ حَرَامًا، كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ، وَكَذَا إنْ تَعَبَّدَ بِالصَّمْتِ عَنْ الْكَلَامِ الْمُسْتَحَبِّ، وَالْكَلَامُ الْمُحَرَّمُ يَجِبُ الصَّمْتُ عَنْهُ، وَفُضُولُ الْكَلَامِ يَنْبَغِي الصَّمْتُ عَنْهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَيْسَ هُوَ) ، أَيْ: الصَّمْتُ، (مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ) ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ. وَتَقَدَّمَ، (وَ) لَا يُعَارِضُهُ (حَدِيثُ) أَبِي بَكْرٍ الْمُتَقَدِّمِ، حَدِيثُ: «مَنْ صَمَتَ نَجَا» ) ، لِأَنَّ هَذَا (مَحْمُولٌ عَلَى الصَّمْتِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ) كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] (وَمَرَّ فِي فَصْلِ الْقِرَاءَةِ تَحْرِيمُ جَعْلِ الْقُرْآنِ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ) مُسْتَوْفًى فَرَاجِعْهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ قَرَأَ عِنْدَ الْحُكْمِ الَّذِي أُنْزِلَ لَهُ، أَوْ قَرَأَ مَا يُنَاسِبُهُ، فَحَسَنٌ، كَقَوْلِهِ لِمَنْ دَعَاهُ لِذَنْبٍ تَابَ عَنْهُ: {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} [النور: 16] وَقَوْلِهِ عِنْدَمَا أَهَمَّهُ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] . و (يَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ لَبْثِهِ فِيهِ) لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ صَائِمًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمِنْهَاجِ " وَمَعْنَاهُ فِي " الْغُنْيَةِ ".

فصل في أحكام المساجد

[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ] (فَصْلٌ) فِي أَحْكَامِ (الْمَسَاجِدِ) (بِنَاؤُهَا) ، أَيْ: الْمَسَاجِدِ (بِقُرَى وَاجِبٌ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ) ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهَا: الْجُسُورُ وَالْقَنَاطِرُ، وَأَرَاهُ ذَكَرَ الْمَصَانِعَ وَالْمَسَاجِدَ انْتَهَى. وَبِنَاءُ الْمَسَاجِدِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفِي الْحَثِّ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَمُرَاعَاةِ مَصَالِحِهَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ، وَأَحَادِيثُ بَعْضُهَا صَحِيحٌ، وَيُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَتَنْظِيفُهَا وَتَطْيِيبُهَا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَهِيَ) ، أَيْ: الْمَسَاجِدُ (أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى، (وَعَكْسُهَا الْأَسْوَاقُ) ، وَأَبْغَضُ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ الْأَسْوَاقُ، وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ، بَنَى لَهُ اللَّهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْر: حَسِبْت أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ -، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَسُنَّ مُرَاعَاةُ أَبْنِيَتِهَا) بِإِصْلَاحِهَا وَتَرْمِيمِهَا لِلْأَخْبَارِ. (وَ) سُنَّ (صَوْنُهَا عَنْ كُلِّ قَذَرٍ كَمُخَاطٍ) وَوَسَخٍ، وَقَذَاةِ عَيْنٍ، وَقُلَامَةِ أَظْفَارٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ، وَحَلْقِ رَأْسٍ، وَنَتْفِ إبِطٍ. (وَ) سُنَّ صَوْنُهُ أَيْضًا عَنْ (تَلْوِيثٍ بِطَاهِرٍ) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَخْرَجَ أَذًى مِنْ الْمَسْجِدِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ. (مَا لَمْ يُؤْذِ الْمُصَلِّينَ، فَيَحْرُمُ) عَلَيْهِ ذَلِكَ، (وَعَلَى مَنْ لَوَّثَهُ تَنْظِيفُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ وُجُوبًا. (وَ) يُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يُصَانَ (عَنْ) ذِي (رَائِحَةٍ) كَرِيهَةٍ مِنْ (نَحْوِ

بَصَلٍ) كَثُومٍ وَفُجْلٍ وَكُرَّاثٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» وَفِي رِوَايَةٍ: " فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (فَإِنْ دَخَلَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدَ (آكِلُهُ) ، أَيْ: آكِلُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، (أَوْ) دَخَلَهُ (مَنْ لَهُ صُنَانٌ أَوْ بَخْرٌ قَوِيٌّ، أُخْرِجَ) ، أَيْ: اُسْتُحِبَّ إخْرَاجُهُ. (وَتَقَدَّمَ) فِي زَكَاةِ الْأَثْمَانِ (تَحْرِيمُ زَخْرَفَتِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (بِنَقْدٍ) ، فَلْيُرَاجَعْ. (وَتُكْرَهُ) زَخْرَفَتُهُ (بِنَقْشٍ وَصَبْغٍ وَكِتَابَةٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ) عَنْ صَلَاتِهِ غَالِبًا، (وَإِنْ كَانَ) فَعَلَ ذَلِكَ (مِنْ مَالِ الْوَقْفِ، حَرُمَ) فِعْلُهُ، (وَوَجَبَ الضَّمَانُ) لِجِهَةِ الْوَقْفِ، لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ، (وَلَا بَأْسَ بِتَجْصِيصِهِ وَتَبْيِيضِ حِيطَانِهِ) ، قَالَهُ فِي " الْغُنْيَةِ " وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ، (وَلَمْ يَرَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا) قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْمَسَاجِدِ وَزَخْرَفَتُهَا، لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أُمِرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. فَعَلَيْهِ، يَحْرُمُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ لَا عَلَى الْأَوَّلِ. (وَيُصَانُ) الْمَسْجِدُ (عَنْ تَعْلِيقِ نَحْوِ مُصْحَفٍ بِقِبْلَةٍ) دُونَ وَضْعِهِ بِالْأَرْضِ، قَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يُكْرَهْ أَنْ يُوضَعَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُصْحَفُ وَنَحْوُهُ. (وَحَرُمَ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (بَيْعٌ وَشِرَاءُ، وَلَا يَصِحَّانِ) ، أَيْ: الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ،

قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، اُحْتِيجَ إلَيْهِ أَوْ لَا، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ، وَعَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. وَرَأَى عُمَرُ أَنَّ الْقَصِيرَ رَجُلًا يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا هَذَا إنَّ هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ، فَإِنْ أَرَدْت الْبَيْعَ فَاخْرُجْ إلَى سُوقِ الدُّنْيَا. (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَالشَّارِحُ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: يُكْرَهُ وَيَصِحُّ، وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الْبَيْعَ هُنَا لِلْحَاجَةِ (وَالْإِجَارَةَ كَبَيْعٍ) ، لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْهُ. (وَسُنَّ قَوْلُ) مَنْ رَأَى إنْسَانًا يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي فِي الْمَسْجِدِ: (لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك) رَدْعًا لَهُ، (وَتَقَدَّمَ آخِرَ الْغُسْلِ مَنْعُ نَحْوِ سَكْرَانَ) كَمَجْنُونٍ (مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، صِيَانَةً لَهُ، (وَتَحْرِيمُ تَكَسُّبٍ بِصَنْعَةٍ فِيهِ) كَخِيَاطَةٍ وَغَيْرِهَا، لِحَاجَةٍ وَغَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يَرْعَى الْمَسْجِدَ بِكَنْسٍ وَرَشٍّ وَنَحْوِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التِّجَارَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِنَّ الِاعْتِكَافُ، كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا تُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْعِبَادَةِ، (وَلَا بَأْسَ ب) عَمَلٍ (يَسِيرٍ) فِي الْمَسْجِدِ (لِغَيْرِ تَكَسُّبٍ، كَرَفْعِ ثَوْبِهِ) وَخَصْفِ نَعْلِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَعَاشِ. (وَقُعُودُ صَانِعٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (لِيَنْظُرَ مَنْ يَكْرِيه) بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْبَضَائِعِ فِيهِ يَنْتَظِرُ مَنْ يَشْتَرِيهَا، وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعٌ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ، كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ. (وَإِنْ وَقَفَ) صَانِعٌ وَغَيْرُهُ (خَارِجَ بَابِهِ) يَنْتَظِرُ مَنْ يَكْرِيه، (فَلَا بَأْسَ) ، لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ. (قَالَ) (الْإِمَامُ أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: (لَا أَرَى لِرَجُلٍ) ، أَيْ:

شَخْصٍ (دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَّا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ الذِّكْرَ وَالتَّسْبِيحَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِذَلِكَ وَلِلصَّلَاةِ) ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، خَرَجَ إلَى مَعَاشِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] (وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتَأَدَّبُوا بِآدَابِ الْعِلْمِ) ، وَلَمْ يَعْصِمْهُمْ مِنْ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ إلَّا الْعَجْزُ عَنْهُ: (وَهَلْ هَذِهِ إلَّا أَفْعَالُ الْأَجْنَادِ، يَصُولُونَ فِي دَوْلَتِهِمْ، وَيَلْزَمُونَ الْمَسَاجِدَ فِي بَطَالَتِهِمْ،،) وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. (وَيَجُوزُ تَعْلِيمُ كِتَابَةٍ لِصِبْيَانٍ) فِي الْمَسْجِدِ بِالْأُجْرَةِ، قَالَهُ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى " بِشَرْطِ أَنْ (لَا يَحْصُلَ مِنْهُمْ ضَرَرٌ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، كَتَلْوِيثِهِ بِحِبْرٍ وَنَحْوِهِ. (وَسُنَّ صَوْنُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (عَنْ) صَغِيرٍ (غَيْرِ مُمَيِّزٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ) وَلَا فَائِدَةٍ. وَصَوْنُهُ (عَنْ لَغَطٍ وَخُصُومَةٍ، وَكَثْرَةِ حَدِيثٍ) لَغْوٍ، (وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ وَ) صَوْنُهُ (عَنْ اتِّخَاذُهُ طَرِيقًا بِلَا حَاجَةٍ، وَكَوْنِهِ) ، أَيْ: الِاتِّخَاذُ طَرِيقًا (أَقْرَبَ) إلَى غَرَضِهِ (حَاجَةً) ، فَلَا كَرَاهَةَ إذَنْ. (وَكُرِهَ رَفْعُ صَوْتٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (وِفَاقًا) لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، (بِغَيْرِ عِلْمٍ) شَرْعِيٍّ وَوَسَائِلِهِ، إذْ لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ (وَنَحْوِهِ) كَذِكْرٍ مَشْرُوعٍ، (خِلَافًا لِ) الْإِمَامِ (مَالِكٍ) فِي كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، (وَلَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ) ، أَيْ: رَفْعِ الصَّوْتِ. (وَ) سُنَّ أَنْ (يُصَانَ) الْمَسْجِدُ عَنْ رَفْعِ الصِّبْيَانِ أَصْوَاتَهُمْ بِاللَّعِبِ، و (عَنْ مَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ مِنْ غِنَاءٍ وَتَصْفِيقٍ، وَضَرْبٍ بِدُفٍّ، وَإِنْشَادِ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ، وَعَمَلِ سَمَاعٍ، وَإِنْشَادِ ضَالَّةٍ) ، أَيْ: تَعْرِيفُهَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ:

(وَنِشْدَانُهَا) ، أَيْ: طَلَبُهَا، (وَسُنَّ لِسَامِعِهِ) ، أَيْ: سَامِعِ نِشْدَانِ الضَّالَّةِ، (قَوْلُ: لَا وَجَدْتهَا، وَلَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك، إنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» . (وَ) أَنْ يُصَانَ (عَنْ إقَامَةِ حَدٍّ) ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى "، (وَسَلِّ سَيْفٍ) ، وَنَحْوِهِ مِنْ السِّلَاحِ احْتِرَامًا لَهُ. (وَيُمْنَعُ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (اخْتِلَاطُ رِجَالٍ بِنِسَاءٍ) لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ، (وَ) يُمْنَعُ فِيهِ (إيذَاءُ مُصَلِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) ، لِحَدِيثِ «مَا أَنْصَفَ الْقَارِئُ الْمُصَلِّيَ» وَحَدِيثِ «أَلَّا كُلُّكُمْ يُنَاجِي رَبَّهُ» . (وَ) يُمْنَعُ فِيهِ (مُنَاظَرَةٌ بِعِلْمٍ لِمُغَالَبَةٍ وَمُنَافَرَةٍ) ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا بَأْسَ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَسَاجِدِ إذَا كَانَ الْقَصْدُ طَلَبَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مُغَالَبَةً وَمُنَافَرَةً، دَخَلَ فِي حَيِّزِ الْمُلَاحَاةِ وَالْجِدَالِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَسَاجِدِ انْتَهَى. (وَيُبَاحُ بِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (عَقْدُ نِكَاحٍ) بَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، (وَقَضَاءٌ وَحُكْمٌ وَلِعَانٌ) ، لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَفِيهِ: «قَالَ: فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَإِنْشَادُ شِعْرٍ مُبَاحٍ) ، لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ وَأَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَرُبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَ) يُبَاحُ (إدْخَالُ نَحْوِ بَعِيرٍ فِيهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَنَوْمٌ بِهِ لِمُعْتَكِفٍ وَغَيْرِهِ) ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى بَطْنِهِ، فَقَالَ:

إنَّ هَذِهِ ضَجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، حَدِيثٌ صَحِيحٌ، فَأَنْكَرَ الضَّجْعَةَ، وَلَمْ يُنْكِرْ نَوْمَهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ يَنَامُونَ فِي الْمَسْجِدِ. (وَ) يُبَاحُ (مَبِيتُ ضَيْفٍ وَمَرِيضٍ وَ) تُبَاحُ (قَيْلُولَةٌ) فِيهِ لِمُجْتَازٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ، وَأَمَّا مَا يُسْتَدَامُ مِنْ النَّوْمِ كَنَوْمِ الْمُقِيمِ، فَعَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَإِنْ نَامَ قُدَّامَ الْمُصَلِّينَ، فَلَهُمْ إقَامَتُهُ، لِكَرَاهَةِ الِاسْتِقْبَالِ. (وَكُرِهَ تَطْيِينُهُ وَبِنَاؤُهُ بِنَجِسٍ) مِنْ لَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيَاسُهُ تَجْصِيصُهُ بِجِصٍّ نَجِسٍ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَالتَّحْرِيمُ فِي الْكُلِّ أَظْهَرُ. (وَ) كُرِهَ (خَوْضٌ وَفُضُولٌ) مِنْ كَلَامٍ، (وَحَدِيثٍ فِيهِ بِأَمْرِ دُنْيَا وَارْتِفَاقٌ بِهِ) ، أَيْ: بِالْمَسْجِدِ، (وَإِخْرَاجُ حَصَاهُ وَتُرَابِهِ لِتَبَرُّكٍ) بِهِ وَغَيْرِهِ. (وَلَا تُسْتَعْمَلُ حُصْرُهُ وَقَنَادِيلُهُ) ، وَسَائِرُ مَا وُقِفَ لِمَصَالِحِهِ (فِي نَحْوِ عُرْسٍ وَتَعْزِيَةٍ) وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهَا لَمْ تُوقَفْ لِذَلِكَ. وَيَجِبُ صَرْفُ الْوَقْفِ لِلْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ. (وَحَرُمَ حَفْرُ بِئْرٍ) فِي الْمَسْجِدِ نَصًّا (وَ) حَرُمَ (غَرْسُ شَجَرٍ بِهِ) ، وَيُقْلَعُ مَا غُرِسَ فِيهِ وَلَوْ بَعْدَ إيقَافِهِ، (و) حَرُمَ (جِمَاعٌ فِيهِ) وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ، وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ لِمَنْ بَالَ أَنْ يَمْسَحَ ذَكَرَهُ بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَالْمُرَادُ بِهِ: الْحَظْرُ، (خِلَافًا ل) صَاحِبِ (الرِّعَايَةِ ") حَيْثُ جَوَّزَ الْوَطْءَ فِيهِ وَعَلَى سَطْحِهِ. (وَ) حَرُمَ (جِمَاعٌ عَلَيْهِ) ، أَيْ: فَوْقَهُ (خِلَافًا لِابْنِ تَمِيمٍ) حَيْثُ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْوَطْءِ فَوْقَ الْمَسْجِدِ. (وَ) حَرُمَ (بَوْلٌ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا غَسْلُ نَجَاسَةِ بِهِ أَوْ بِهَوَائِهِ) فَلْيُرَاجَعْ. وَإِنْ بَالَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَجَسَدُهُ فِيهِ دُونَ ذَكَرِهِ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ. (وَيُبَاحُ غَلْقُ أَبْوَابِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ صَوْنًا لَهُ) عَمَّا يُقْذِرُهُ.

(وَ) يُبَاحُ (قَتْلُ قُمَّلٍ وَبَرَاغِيثَ بِهِ، وَلَا يَحْرُمُ إلْقَاؤُهُ فِيهِ لِطَهَارَتِهِ، خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " حَيْثُ حَرَّمَ إلْقَاءَهُ فِيهِ. (وَكَلَامُهُ) ، أَيْ: صَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " (هُنَا) ، أَيْ: فِي هَذَا الْفَصْلِ، (فِي كَثِيرِ مَسَائِلَ غَيْرُ مُحَرَّرٍ) ، كَقَوْلِهِ: وَيُمْنَعُ نَجِسُ الْبَدَنِ مِنْ اللُّبْسِ فِيهِ - أَيْ: الْمَسْجِدِ - مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ إلَّا إذَا كَانَتْ نَجَاسَتُهُ تَتَعَدَّى. وَقَوْلُهُ: وَيُسَنُّ صَوْنُهُ عَنْ إنْشَادِ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ، وَقَوْلُهُ: عَنْ إقَامَةِ حَدٍّ، يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قِصَّةِ مَاعِزٍ، حَيْثُ أَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَوْلُهُ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ، وَعَلَيْهِ، مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ، مَعَ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ أَحْمَدُ: حُكْمُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ فِي الطَّرِيقِ أَنْ تُهْدَمَ. (وَأَكْثَرُهُ) ، أَيْ: كَلَامِهِ هُنَا (ضَعِيفٌ مُكَرَّرٌ) ، كَقَوْلِهِ: وَيُبَاحُ فِيهِ عَقْدُ النِّكَاحِ، مَعَ أَنَّهُ قُدِّمَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَشْهَدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَقَوْلِهِ: فَلَا يُلَوِّثُ حُصْرَهُ، مَعَ أَنَّهُ قُدِّمَ: وَأَنْ يَأْكُلَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَضَعَ سُفْرَةً يَسْقُطُ عَلَيْهَا مَا يَقَعُ، لِئَلَّا يُلَوَّثَ الْمَسْجِدُ وَغَيْرُهَا، وَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَأَكْثَرُهُ. . . إلَى آخِرِهِ، نَظَرٌ، إذْ بَعْضُهُ ضَعِيفٌ مُكَرَّرٌ، لَا أَكْثَرُهُ، كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ تَتَبَّعَهُ.

(وَيُخْرَجُ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (مُعَبِّرٌ) لِلرُّؤْيَا، و (لَا) يُخْرَجُ مِنْهُ (قَاصٌّ) يَعِظُ النَّاسَ، (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي قَاصٌّ إذَا كَانَ صَدُوقًا) يَذْكُرُ أَخْبَارَ الْأَوَائِلِ عَلَى وَجْهِهَا، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الِاعْتِبَارِ، (مَا أَحْوَجَ النَّاسُ إلَيْهِ) ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ وَعْظُهُ عَارِيًّا عَنْ شَائِبَةِ الرِّيَاءِ، وَاسْتِجْلَابِ حُطَامِ الدُّنْيَا، قَاصِدًا بِذَلِكَ نُصْحَ إخْوَانِهِ، مُخْلِصًا لِلَّهِ فِي سِرِّهِ وَإِعْلَانِهِ، مُتَّعِظًا بِمَا يُلْقِيه مِنْ النَّصَائِحِ، قَامِعًا نَفْسَهُ عَنْ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ، فَحِينَئِذٍ يَنْشَأُ وَعْظُهُ عَنْ نَفْسٍ زَكِيَّةٍ، فَيُؤَثِّرُ فِي النُّفُوسِ الْجَمُوحَةِ الْأَبِيَّةِ. (وَقَالَ) الْإِمَامُ أَيْضًا: (مَا أَنْفَعَهُمْ) ، أَيْ: الْقُصَّاصَ فِي الْجُمْلَةِ، (وَإِنْ كَانَ عَامَّةً) ، أَيْ: غَالِبُ (حَدِيثُهُمْ كَذِبًا) ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَخْبَارٍ إسْرَائِيلِيَّةٍ وَغَيْرِهَا، وَلَا يَخْلُو عَنْ مُبَالَغَاتٍ غَيْرِ وَارِدَةٍ. (وَقَالَ) أَيْضًا: (يُعْجِبُنِي الْقَصَّاصُ، لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ الْمِيزَانَ وَعَذَابَ الْقَبْرِ) ، وَمَا يَكُونُ فِي الْبَرْزَخِ، (وَذَكَرَ) الْإِمَامُ (أَلْفَاظًا كَثِيرَةً) تَدُلُّ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الْوَعْظِ، وَحُسْنُ حَالِ الْوُعَّاظِ، لِمَا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى وَعْظِهِمْ مِنْ الْفَوَائِدِ. (وَسُنَّ كَنْسُهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (يَوْمَ الْخَمِيسِ) ، وَإِخْرَاجُ كُنَاسَةٍ مِنْهُ، (وَتَنْظِيفُهُ) فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ، (وَتَطْيِيبُهُ) فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ. (وَ) سُنَّ (ضَوْءُ قَنَادِيلِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ) بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فَقَطْ، لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ، مَوْلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ - وَكَانَتْ الْبِلَادُ إذْ ذَاكَ خَرَبًا - قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَكَثْرَةُ إيقَادِهَا زِيَادَةً عَلَى الْحَاجَةِ مَمْنُوعٌ) ، لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ، (فَمَنْ زَادَ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْحَاجَةِ، (ك) مَا لَوْ زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ فِي (لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ، أَوْ) لَيْلَةِ (خَتْمٍ) فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ فِي

التَّرَاوِيحِ، أَوْ لَيْلَةِ الْمُشْتَهِرَةِ بِالرَّغَائِبِ أَوَّلَ جُمُعَةٍ فِي رَجَبٍ (مِنْ مَالِ وَقْفٍ، ضَمِنَ، لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ، لِخُلُوِّهِ عَنْ نَفْعِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيُؤَدِّي عَادَةً لِكَثْرَةِ لَغَطٍ وَلَهْوٍ وَشُغْلِ قُلُوبِ الْمُصَلِّينَ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: تَوَهَّمَ كَوْنَهُ قُرْبَةً بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ) بَلْ فِي كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ إدْخَالِ بَعْضِ الْمَجُوسِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ إيقَادُ الْمَآذِنِ، لَكِنَّهُ فِي رَمَضَانَ صَارَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ عَلَامَةً عَلَى بَقَاءِ اللَّيْلِ. (وَيُمْنَعُ مَارٌّ مِنْ اسْتِطْرَاقِ حِلَقِ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ) ، صِيَانَةً لِحُرْمَتِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: الْبِئْرِ، وَالْفَرَسِ، وَحَلْقَةِ الْقَوْمِ» . فَأَمَّا الْبِئْرُ، فَهُوَ: مُنْتَهَى حَرِيمِهَا، وَأَمَّا طُولُ الْفَرَسِ، فَهُوَ: مَا دَارَ فِيهِ برسنه إذَا كَانَ مَرْبُوطًا، وَأَمَّا حَلْقَةُ الْقَوْمِ، فَهُوَ: اسْتِدَارَتُهُمْ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَاوُرِ وَالْحَدِيثِ " وَهَذَا الْخَبَرُ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، قَالَهُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ ". (وَحَرُمَ أَنْ يُقِيمَ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ (أَحَدًا) وَلَوْ عَبْدَهُ أَوْ وَلَدَهُ، (وَيَجْلِسَ) مَكَانَهُ، (أَوْ يُجْلِسَ غَيْرَهُ فِيهِ) . لِمَا سَبَقَ (إلَّا لِصَبِيٍّ) ، فَيُؤَخَّرُ عَنْ الْمَكَانِ الْفَاضِلِ، وَتَقَدَّمَ. (وَمَنْ أَتْلَفَ مَسْجِدًا ضَمِنَهُ إجْمَاعًا، وَيَضْمَنُ بِغَصْبٍ) ، قَالَ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى ": وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ اتَّخَذَهُ مَسْكَنًا أَوْ مَخْزَنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَضْمَنُ أُجْرَتَهُ، كَمَا نَقُولُ فِي الْحُرِّ إذَا اسْتَعْمَلَهُ كُرْهًا. (وَيَجُوزُ أَنْ يُهْدَمَ مَسْجِدٌ وَيُجَدَّدَ) بِنَاؤُهُ (لِمَصْلَحَةٍ) كَضِيقِهِ بِأَهْلِهِ (نَصًّا) ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مَسْجِدٍ لَهُ حَائِطٌ قَصِيرٌ غَيْرُ حَصِينٍ، وَلَهُ مَنَارَةٌ، لَا بَأْسَ أَنْ تُهْدَمَ وَتُجْعَلَ فِي الْحَائِطِ، لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْكِلَابُ. (وَ) يَجُوزُ (ارْتِفَاقٌ بِحَرِيمِهِ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، (مَا لَمْ يَضُرَّ بِمُصَلِّينَ) ، قَالَهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ الْحَقَّ فِي حَرِيمِهِ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ

إذْنُ السُّلْطَانِ، وَلَا نَائِبِهِ لِلْحَرَجِ، وَلَا يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فِي الِارْتِفَاقِ فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ الْمُصَلِّينَ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ. (وَلَا يُكْرَهُ تَسَوُّكٌ بِهِ) ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ السِّوَاكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ. (وَمِنْ سَرَّحَ شَعْرَهُ، وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ قَصَّ أَظْفَارَهُ، (وَجَمَعَهُ) ، أَيْ: الشَّعْرَ وَنَحْوَهُ، (فَأَلْقَاهُ خَارِجَهُ) ، فَلَا بَأْسَ، (وَإِلَّا) يُلْقِهِ خَارِجَهُ، بَلْ تَرَكَهُ فِيهِ، (كُرِهَ، لِأَنَّهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدَ، (يُصَانُ عَنْ الْقَذَاةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعَيْنِ) ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ إذَا دَفَنَهُ بِالْمَسْجِدِ لَا كَرَاهَةَ. تَتِمَّةٌ: لَا بَأْسَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْأَكْلِ فِيهِ، وَالِاسْتِلْقَاءِ فِيهِ لِمَنْ لَهُ سَرَاوِيلُ، وَإِذَا دَخَلَهُ وَقْتَ السَّحَرِ فَلَا يَتَقَدَّمُ إلَى صَدْرِهِ، قَالَ جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ: كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكُونُ قَبْلَ الصُّبْحِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ. وَلَا يَجُوزُ لِكَافِرٍ دُخُولُ حَرَمِ مَكَّةَ، وَلَا الْمَدِينَةَ، وَلَا مَسَاجِدِ الْحِلِّ، وَلَوْ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ، وَيَجُوزُ دُخُولُهَا لِلذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ وَالْمُسْتَأْمَنِ، إذَا اُسْتُؤْجِرَ لِعِمَارَتِهَا. وَيُكْرَهُ السُّؤَالُ وَالتَّصَدُّقُ عَلَيْهِ فِيهِ، لَا عَلَى غَيْرِ سَائِلٍ، وَلَا عَلَى مِنْ سَأَلَ لَهُ الْخَطِيبُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ، قَالَ: صَلَّيْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُقَرِّبُ مِنِّي، فَقَامَ سَائِلٌ فَسَأَلَ، فَأَعْطَاهُ أَحْمَدُ قِطْعَةً، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ قَامَ رَجُلٌ إلَى ذَلِكَ السَّائِلِ، وَقَالَ: أَعْطِنِي تِلْكَ الْقِطْعَةَ، فَأَبَى، فَقَالَ: أَعْطِنِي وَأُعْطِيك دِرْهَمًا، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَمَا زَالَ يَزِيدُهُ حَتَّى بَلَغَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَإِنِّي أَرْجُو مِنْ بَرَكَةِ هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَا تَرْجُو أَنْتَ.

كتاب الحج

[كِتَابُ الْحَجِّ] ُّ: بِفَتْحِ الْحَاءِ لَا بِكَسْرِهَا فِي الْأَشْهَرِ، وَعَكْسُهُ شَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ. وَأَخَّرَ الْحَجَّ عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِمَادُ الدِّينِ، وَلِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الزَّكَاةُ، لِكَوْنِهَا قَرِينَةً لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَلِشُمُولِهَا الْمُكَلَّفَ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ الصَّوْمُ، لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ سَنَةٍ، لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدَّمَ رِوَايَةَ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ لِلتَّغْلِيظَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ، نَحْوُ: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] وَنَحْوُ: «فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وَلِعَدَمِ سُقُوطِهِ بِالْبَدَلِ، بَلْ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ. (فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ) عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا، نَقَلَهُ فِي " الْآدَابِ الْكُبْرَى " عَنْ " الرِّعَايَةِ " ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ. انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّمَا فَرْضُ الْكِفَايَةِ إنَّمَا هُوَ إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالنَّفْلِ، وَيَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ بُطْلَانُ تَقْسِيمِ الْأَئِمَّةِ الْحَجَّ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، فَالْمَلْزُومُ كَذَلِكَ. (وَهُوَ) لُغَةً: الْقَصْدُ إلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ أَوْ كَثْرَةُ الْقَصْدِ إلَيْهِ. وَشَرْعًا: (قَصْدُ مَكَّةَ وَعَرَفَةَ لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ، (وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ) وَمَبَانِيه الْمُشَارُ إلَيْهَا بِحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» . (وَفُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْعُلَمَاءِ، قِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ: وَقِيلَ: خَمْسٍ، وَالْأَصْلُ فِي فَرْضِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى:

{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] . (وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْهِجْرَةِ سِوَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ) ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَى مَكَّةَ بَعْدَهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا كَانَتْ (سَنَةَ عَشْرٍ) مِنْ الْهِجْرَةِ (وَكَانَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (قَارِنًا نَصًّا) ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَشُكُّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ. انْتَهَى. وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا رَوَى أَنَسٌ: «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا، يَقُولُ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ: «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «قُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ. وَاعْتَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَرْبَعًا، قَالَ أَنَسٌ: «حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةً وَاحِدَةً، وَاعْتَمَرَ أَرَبْعَ عُمَرَ: وَاحِدَةً فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَعُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةٌ مَعَ حَجَّتِهِ، وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ، إذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَالْعُمْرَةُ) لُغَةً: الزِّيَارَةُ، يُقَالُ: اعْتَمَرَهُ، إذَا زَارَهُ. وَشَرْعًا: (زِيَارَةُ الْبَيْتِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ. (وَيَجِبَانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ " وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ وَقَالَ: نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ «أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ، وَلَا الْعُمْرَةَ، وَلَا الظَّعْنَ، قَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيك

وَاعْتَمِرْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ قُلْت: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ. (إلَّا لِعَارِضِ نَذْرٍ وَقَضَاءٍ) ، فَيَجِبُ فَوْرًا، نَصَّ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَخَّرَ الْفَرِيضَةَ أَوْ النَّذْرَ أَوْ الْقَضَاءَ بِلَا عُذْرٍ، أَثِمَ، لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ، قَالَ: «تَعَجَّلُوا إلَى الْحَجِّ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَامِطٍ يَرْفَعُهُ، قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ: يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ " (بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ) : أَحَدُهَا: (إسْلَامٌ) . (وَ) الثَّانِي: (عَقْلٌ) ، وَهُمَا شَرْطَانِ ل (لِوُجُوبٍ وَ) الـ (صِحَّةٍ وَالْإِجْزَاءِ، فَلَا يَجِبَانِ) أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (عَلَى كَافِرٍ، وَلَوْ مُرْتَدًّا) ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، وَهُوَ مُنَافٍ لَهُ، (وَيُعَاقَبُ) الْكَافِرُ (عَلَى حَجٍّ) ، وَكَذَا عُمْرَةٌ، (وَسَائِرُ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ) كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ (كَالتَّوْحِيدِ إجْمَاعًا) ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا) يَجِبُ الْحَجُّ (عَلَى مَجْنُونٍ) كَالْعُمْرَةِ، لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ. . .» (وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ، وَلَوْ عَقَدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ) كَالصَّوْمِ، وَإِنَّمَا صَحَّ مِنْ الصَّغِيرِ دُونَ التَّمْيِيزِ إذَا عَقَدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ لِلنَّصِّ. تَنْبِيهٌ: لَا تَبْطُلُ اسْتِطَاعَةٌ بِجُنُونٍ، فَيُحَجُّ عَمَّنْ جُنَّ بَعْدَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَا يَبْطُلُ إحْرَامٌ بِجُنُونٍ كَالصَّوْمِ، وَلَا بِإِغْمَاءٍ وَمَوْتٍ وَسُكْرٍ كَالنَّوْمِ.

(وَيُجْزِئُ) الْحَجُّ (مَنْ) ، أَيْ: كَافِرًا (أَسْلَمَ) ، وَهُوَ حُرٌّ مُكَلَّفٌ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجٍّ قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ إنْ عَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ، أَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ طَافَ وَسَعَى لَهَا، (أَوْ أَفَاقَ) مِنْ جُنُونٍ وَهُوَ حُرٌّ بَالِغٌ (فَأَحْرَمَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (وَأَدْرَكَ الْوُقُوفَ) ، وَفَعَلَ مَا تَقَدَّمَ. الشَّرْطُ (الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: بُلُوغٌ، وَكَمَالُ حُرِّيَّةٍ) ، وَهُمَا شَرْطَانِ (لِغَيْرِ صِحَّةٍ) ، بَلْ لِوُجُوبٍ وَإِجْزَاءٍ، (فَلَا يَجِبَانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، (عَلَى صَغِيرٍ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، (وَ) لَا عَلَى (قِنٍّ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ) كَخَالِصِ رِقٍّ وَمُدَبَّرٍ وَمُكَاتَبٍ وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، (وَلَوْ) كَانَ الْقِنُّ (مُبَعَّضًا بِمُهَايَأَةٍ) ، وَيَصِحَّانِ مِنْهُمَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَبِيًّا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَك أَجْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْقِنُّ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، فَصَحَّا مِنْهُ كَالْحُرِّ، (وَلَا يُجْزِئَانِهِمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ، فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ عَتَقَ، فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إلَّا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَهُوَ ثِقَةٌ. وَلِأَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُمَا إذَا صَارَا مِنْ أَهْلِهِ كَالصَّبِيِّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَبْلُغُ فِي الْوَقْتِ، (وَيُجْزِئَانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ الصَّبِيَّ وَالْقِنَّ (إنْ بَلَغَ) الصَّبِيُّ مُحْرِمًا أَوْ لَا، (أَوْ عَتَقَ) الْقِنُّ (مُحْرِمًا أَوْ لَا، وَأَحْرَمَ قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ إنْ عَادَ فَوَقَفَ وَأَدْرَكَهُ) ، أَيْ: الْوُقُوفَ، بِأَنْ وَقَفَ فِي وَقْتِهِ لِإِتْيَانِهِمَا بِالنُّسُكِ حَالَ الْكَمَالِ، فَأَجْزَأَهُمَا كَمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَاسْتَدَلَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " إذَا عَتَقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ، وَإِنْ أُعْتِقَ بِجَمْعٍ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ ". (وَيَلْزَمُهُ) ، أَيْ: الْقِنَّ إذَا عَتَقَ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ، قَبْلَ فَوَاتِ

وَقْتِهِ، الْعَوْدُ إلَى عَرَفَةَ إنْ أَمْكَنَهُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ، (أَوْ) بَلَغَ أَوْ عَتَقَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ (قَبْلَ طَوَافِ عُمْرَةٍ) ، ثُمَّ طَافَ وَسَعَى لَهَا، فَيُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، كَمَنْ أَحْرَمَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَعِتْقِهِ، لِأَنَّهَا حَالٌ تَصْلُحُ لِتَعْيِينِ الْإِحْرَامِ كَحَالِ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ، (مَا لَمْ يَكُنْ) الصَّغِيرُ وَالْقِنُّ (فِي حَجٍّ، وَسَعْيٌ بَعْدَ طَوَافِ قُدُومٍ) ، وَبَلَغَ صَغِيرٌ، وَعَتَقَ قِنٌّ قَبْلَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ، (فَلَا يُجْزِئُهُ) مَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَعَادَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (السَّعْيَ، لِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ مُجَاوَزَةُ عَدَدِهِ) ، أَيْ: السَّعْيِ، (وَلَا) يُشْرَعُ (تَكْرَارُهُ، وَخَالَفَ الْوُقُوفَ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا بَلَغَ أَوْ عَتَقَ بَعْدَهُ، وَأَعَادَهُ فِي وَقْتِهِ، يُجْزِئُهُ (إذْ) اسْتِدَامَتُهُ مَشْرُوعَةٌ، و (لَا قَدْرَ لَهُ مَحْدُودٌ) ، وَلَا تُجْزِئُ الْعُمْرَةُ مَنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ فِي طَوَافِهِمَا، وَإِنْ أَعَادَهُ وِفَاقًا، وَمَحَلُّ لُزُومِ عَدَدٍ صَغِيرٌ وَقِنٌّ بَلَغَ وَعَتَقَ بَعْدَ دَفْعٍ مِنْ عَرَفَةَ: (مَا لَمْ يُتِمَّ حَجَّهُ) نَفْلًا، (ثُمَّ يُحْرِمُ) لِلْفَرْضِ، (وَيَقِفُ ثَانِيًا إنْ أَمْكَنَهُ) ، وَقَدْ تَمَّ لَهُ حِينَئِذٍ حَجَّتَانِ فِي عَامٍ إحْدَاهُمَا نَفْلٌ، وَالْأُخْرَى فَرْضٌ. (وَيَتَّجِهُ: الصِّحَّةُ) ، أَيْ: صِحَّةُ حَجِّ صَغِيرٍ وَقِنٍّ صَارَا أَهْلًا، (وَلَوْ بَعْدَ سَعْيٍ إنْ فَسَخَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (حَجَّهُ عُمْرَةٌ) ، بِأَنْ أَحْرَمَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، (وَلَمْ يَسُقْ هَدْيًا أَوْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، كَمَا يَأْتِي) فِي بَابِ الْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَحُكْمُ إحْرَامِهِمَا) ، أَيْ: الصَّغِيرِ وَالْقِنِّ: (كَصَوْمِ

فصل الحج والعمرة من صغير

صَغِيرٍ بَلَغَ بِأَثْنَائِهِ) صَائِمًا فِي أَنَّ مَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ نَفْلٌ، وَمَا بَعْدَهُ فَرْضٌ، فَلَا يُعْتَدَّانِ إلَّا بِإِحْرَامٍ وَوُقُوفٍ مَوْجُودَيْنِ حَالَ أَهْلِيَّتِهِمَا. (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: صَاحِبُ " الْخِلَافِ " وَ " الِانْتِصَارِ " وَالْمَجْدُ: إذَا تَغَيَّرَ حَالُهُمَا بِالْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ، (يَنْقَلِبُ كُلُّهُ فَرْضًا) كَزَكَاةٍ مُعَجَّلَةٍ، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ، لَا فِي الصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ، إذْ حَجُّهُمَا صَحِيحٌ مُجْزِئٌ. (وَيَتَّجِهُ: لَوْ حَجَّ، وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ قِنٌّ، فَبَانَ بَالِغًا حُرًّا، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ) عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، إذْ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ لَيْسَتْ شَرْطًا، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ تَمِيلُ إلَيْهِ النَّفْسُ، لَكِنْ يَأْبَاهُ قَوْلُهُمْ: إنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِبَادَاتِ بِمَا فِي ظَنِّ الْمُكَلَّفِ، لَا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. [فَصْلٌ الْحَجّ وَالْعُمْرَة مِنْ صَغِير] (فَصْلٌ) (وَيَصِحَّانِ) ، أَيْ: الْحَجَّةُ وَالْعُمْرَةُ، (مِنْ صَغِيرٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَلَوْ وُلِدَ لَحْظَةً، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَقَدَّمَ. (وَيُحْرِمُ وَلِيٌّ فِي مَالٍ عَمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ) ، لِتَعَذُّرِ النِّيَّةِ مِنْهُ، وَوَلِيُّ الْمَالِ: الْأَبُ، وَوَصِيُّهُ، وَالْحَاكِمُ، فَيَعْقِدُ لَهُ وَلِيُّهُ الْإِحْرَامَ (وَلَوْ) كَانَ الْوَالِي (مُحْرِمًا، أَوْ)

كَانَ الْوَلِيُّ (لَمْ يَحُجَّ) عَنْ نَفْسِهِ. كَمَا يَعْقِدُ لَهُ النِّكَاحَ، (وَلَوْ كَانَ) مَعَ الْوَلِيِّ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ مِنْ غَيْرِ الْوَلِيِّ مِنْ الْأَقَارِبِ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمْ لَهُ، وَلَا شِرَاؤُهُمْ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: يَصِحُّ مِنْ الْأُمِّ أَيْضًا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ، يَقْبِضُ لَهُ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ مَنْ يَلِيه، فَيَنْبَغِي هُنَا كَذَلِكَ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (وَمَعْنَى إحْرَامِهِ) ، أَيْ: الْوَلِيِّ (عَنْهُ) ، أَيْ: عَمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ (نِيَّتُهُ الْإِحْرَامَ لَهُ) فَيَصِيرُ الصَّغِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا (وَيَصِحُّ إحْرَامٌ مِنْ أَجْنَبِيٍّ) عَمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ (بِإِذْنِ وَلِيٍّ كَمُمَيِّزٍ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ بِإِذْنِهِ) ، أَيْ: بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ فَصَحَّ إحْرَامُهُ كَالْبَالِغِ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ أَحَدُ نَوْعَيْ الْعُقُودِ، فَكَانَ مِنْهُ يَعْقِدُهُ الْمُمَيِّزُ لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَالْبَيْعِ، وَلَا يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُهُ فِي الضَّمَانِ. وَيُجَنَّبُ الطِّيبَ وُجُوبًا، (وَلَيْسَ لَهُ) ، أَيْ: الْوَلِيِّ (تَحْلِيلُهُ بَعْدَ) أَنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ كَالْبَالِغِ. (وَ) إحْرَامُ الْمُمَيِّزِ (بِلَا إذْنِهِ) ، أَيْ: وَلِيِّهِ (لَا يَصِحُّ) ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى لُزُومِ مَالٍ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ. (وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (الصِّحَّةُ لَوْ أَحْرَمَ) الْوَلِيُّ (عَنْ نَفْسِهِ، وَ) عَنْ (مُوَلِّيهِ) غَيْرِ الْمُمَيِّزِ (مَعًا) ، كَمَا لَوْ جَعَلَ لِكُلٍّ إحْرَامًا عَلَى حِدَتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَفْعَلُ وَلِيٌّ) عَنْ (صَغِيرٍ وَمُمَيِّزٍ مَا يُعْجِزُهُمَا) مِنْ أَفْعَالِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الرَّمْيِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ " أَنَّهُ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ " رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ. وَعَنْ جَابِرٍ: «حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَبَّيْنَا عَنْ الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. و " كَانَتْ عَائِشَةُ تُجَرِّدُ الصِّبْيَانَ

لِلْإِحْرَامِ ". (وَمَا لَا) يُعْجِزُ الْمُمَيِّزَ (فَلَا) يَصِحُّ أَنْ يَفْعَلَهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ، وَكُلُّ مَا أَمْكَنَهُمَا فِعْلُهُ، (كَوُقُوفٍ) بِعَرَفَةَ، (وَمَبِيتٍ) بِمُزْدَلِفَةَ وَلَيَالِي مِنًى، لَزِمَهُمَا فِعْلُهُ، وَلَيْسَ مَعْنَى لُزُومِ مُبَاشَرَتِهِمَا لَهُ أَنَّهُمَا يَأْثَمَانِ بِتَرْكِهِ، لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَيْنِ، بَلْ لَيْسَ لِغَيْرِهِمَا فِعْلُهُ عَنْهُمَا، لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِمَا إلَيْهِ. (وَلَا يَبْدَأُ وَلِيٌّ فِي رَمْيِ) جَمَرَاتٍ (إلَّا بِنَفْسِهِ) ، كَنِيَابَةِ حَجٍّ، (فَإِنْ خَالَفَ) ، وَرَمَى عَنْ مُوَلِّيه، (وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِفَرْضِهِ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ رَمْيٌ لِنَفْسِهِ، فَلَا يَصِحُّ عَنْ غَيْرِهِ، (ك) مَا لَا يَصِحُّ (إحْرَامُ مَنْ لَا يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ) ، وَيَأْتِي. (وَلَا يُعْتَدُّ بِرَمْيِ حَلَالٍ) لَا عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ (لَا يَصِحُّ رَمْيٌ) عَنْ صَغِيرٍ (مِنْ غَيْرِ وَلِيِّهِ) فِي مَالِهِ، كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ، كَمَا لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِ الْإِحْرَامُ عَنْهُ، وَتَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ أَمْكَنَ صَغِيرًا) ، أَيْ: أَطَاقَ (مُنَاوَلَةَ حَصًى لِنَائِبِهِ، نَاوَلَهُ إيَّاهُ، وَإِلَّا) يُطِقْ مُنَاوَلَةَ الْحَصَى، (سُنَّ وَضْعُ حَصَاةٍ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ فَتُرْمَى) عَنْهُ، (وَإِنْ وَضَعَهَا نَائِبٌ فِي يَدِ صَغِيرٍ، وَرَمَى بِهَا، فَجَعَلَ يَدَهُ كَالْآلَةِ، فَحَسَنٌ) ، لِيُوجَدَ مِنْهُ نَوْعُ عَمَلٍ. (وَيُطَافُ بِهِ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ، (لِعَجْزِهِ) عَنْ طَوَافِ نَفْسِهِ (رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا) كَكَبِيرٍ عَاجِزٍ. (وَتُعْتَبَرُ) لِطَوَافِ صَغِيرٍ (نِيَّةُ طَائِفٍ بِهِ) ، لِتَعَذُّرِ النِّيَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا، (وَكَوْنُهُ) ، أَيْ: الطَّائِفِ بِهِ، (مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ الْإِحْرَامَ) بِأَنْ يَكُونَ وَلِيُّهُ أَوْ نَائِبُهُ، لِتَتَأَتَّى نِيَّتُهُ عَنْهُ، و (لَا) يُعْتَبَرُ (كَوْنُهُ) ، أَيْ: الطَّائِفِ بِهِ (طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ) كَوْنُهُ (مُحْرِمًا) ،

لِوُجُودِ الطَّوَافِ مِنْ الصَّغِيرِ، (فَإِنْ نَوَى) الطَّائِفُ (عَنْ نَفْسِهِ، وَ) عَنْ (الصَّبِيِّ، فَ) يَقَعُ (عَنْ الصَّبِيِّ) ، كَالْكَبِيرِ الْمَعْذُورِ إذَا طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا. (وَكَفَّارَةُ حَجِّهِ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ فِي مَالِ وَلِيِّهِ، (وَمَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ حَضَرٍ فِي مَالِ وَلِيِّهِ إنْ أَنْشَأَ وَلِيُّهُ السَّفَرَ بِهِ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ (تَمْرِينًا) لَهُ (عَلَى الطَّاعَةِ) ، لِأَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ لِتَرْكِهِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ (الْأَمْرُ) كَذَلِكَ، (فَلَا) يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ، بَلْ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، (ك) مَا لَوْ سَافَرَ بِهِ (لِمَصْلَحَتِهِ) مِنْ تِجَارَةٍ وَخِدْمَةٍ، (وَلِاسْتِيطَانِهِ مَكَّةَ) ، أَوْ لِإِقَامَتِهِ بِهَا لِعِلْمٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُبَاحُ لَهُ السَّفَرُ بِهِ فِي وَقْتِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ. وَمَعَ الْإِحْرَامِ وَعَدَمِهِ، (وَعَمْدُ صَغِيرٍ) خَطَأٌ، (وَ) عَمْدُ (مَجْنُونٍ) لِمَحْظُورٍ (خَطَأٌ، لَا يَجِبُ فِيهِ إلَّا مَا يَجِبُ فِي خَطَأِ مُكَلَّفٍ أَوْ نِسْيَانِهِ) ، لِعَدَمِ اعْتِبَارِ قَصْدِهِ، (كَحَلْقِ) شَعْرِهِ (وَتَقْلِيمِ) ظُفْرٍ، وَقَتْلِ صَيْدٍ وَوَطْءٍ، (بِخِلَافِ نَحْوِ لُبْسِ) مَخِيطٍ، (وَتَطَيُّبٍ) ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، (لَكِنْ لَوْ فَعَلَ وَلِيُّهُ) ، أَيْ: الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ، (بِهِ ذَلِكَ) ، أَيْ: اللُّبْسَ وَالتَّطَيُّبَ، (لِمَصْلَحَةٍ) كَأَنْ غَطَّى رَأْسَهُ لِبَرْدٍ أَوْ حَرٍّ، أَوْ طَيَّبَهُ لِمَرَضٍ، (أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) لِأَذًى، (ف) كَفَّارَتُهُ (عَلَى وَلِيِّهِ) كَحَلْقِ رَأْسِ مُحْرِمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَإِنْ وَجَبَ فِي كَفَّارَةٍ مُطْلَقًا) ، أَيْ: سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى الصَّبِيِّ أَوْ الْوَلِيِّ (صَوْمٌ، صَامَ وَلِيٌّ) ، قَالَ فِي " التَّنْقِيحِ " (خِلَافًا " لِلْمُنْتَهَى " فِي تَفْصِيلِهِ) بِقَوْلِهِ: وَإِنْ وَجَبَ فِي كَفَّارَةٍ عَلَى وَلِيٍّ صَوْمٌ، صَامَ عَنْهُ، فَصَدْرُ الْعِبَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْوَلِيِّ الْمُنْشِئِ السَّفَرَ بِهِ تَمْرِينًا عَلَى الطَّاعَةِ، وَقَوْلُهُ: عَنْهُ، يَقْتَضِي أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى مُوَلِّيهِ، لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، كَصَوْمِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَظَاهِرُ عِبَارَةِ " الْمُنْتَهَى " التَّنَاقُضُ، وَالْجَوَابُ عَنْ التَّنَاقُضِ اللَّازِمِ عَلَيْهَا بِأَنَّ قَوْلَهُ: صَامَ عَنْهُ،

لَيْسَ لِكَوْنِ الْكَفَّارَةِ اسْتَقَرَّتْ عَلَى الصَّبِيِّ، بَلْ لِكَوْنِ الْوُجُوبِ جَاءَ مِنْ جِهَتِهِ، لِكَوْنِ أَصْلِ الْفِعْلِ عَنْهُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْإِنْصَافِ ": حَيْثُ أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْوَلِيِّ بِسَبَبِ الصَّبِيِّ وَدَخَلَهَا الصَّوْمُ، صَامَ عَنْهُ، لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً. انْتَهَى. أَيْ: فَصَوْمُ الْوَلِيِّ عَنْ نَفْسِهِ، لَا بِالنِّيَابَةِ عَنْ الصَّبِيِّ إذْ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ. وَعَلَى هَذَا: لَوْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَوَجَبَ فِيهَا صَوْمٌ، لَمْ يَصُمْ الْوَلِيُّ عَنْهُ، بَلْ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَإِنْ مَاتَ أُطْعِمَ عَنْهُ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي " شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَيْضًا فِي " الْمُبْدِعِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عُمُومِ عِبَارَةِ " التَّنْقِيحِ " و " الْإِقْنَاعِ " فَقَوْلُهُ: (إذْ الصَّوْمُ لَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ، وَمِنْ مُمَيِّزٍ نَفْلٌ) ، فِيهِ نَظَرٌ كَمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْ الصَّبِيِّ وُجُوبُهُ عَلَى الْوَلِيِّ. (وَوَطْؤُهُ) ، أَيْ: الصَّبِيِّ، وَلَوْ عَمْدًا، (ك) وَطْءِ (بَالِغٍ نَاسِيًا، يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ، وَيَقْضِيه) ، أَيْ: الْحَجَّ إذَا بَلَغَ كَبَالِغٍ، وَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ قَبْلَهُ نَصًّا، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) وَطْءُ (مَجْنُونٍ) كَبَالِغٍ فِي أَنَّهُ يُفْسِدُ حَجَّهُ، (وَيَقْضِي إذَا أَفَاقَ) مِنْ جُنُونِهِ (بَعْدَ حَجَّةِ إسْلَامٍ) ، إنْ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهَا قَبْلَ جُنُونِهِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ: احْتِلَامُهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلَ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ إفَاقَتِهِ، لِفَقْدِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْغُسْلِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

فصل الحج والعمرة من قن

[فَصَلِّ الْحَجّ وَالْعُمْرَة مِنْ قن] (فَصْلٌ) (وَيَصِحَّانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، (مِنْ قِنٍّ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّغِيرِ الْحُرِّ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ، (وَيَلْزَمَانِهِ) ، أَيْ: يَلْزَمُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ الْقِنَّ الْبَالِغَ (بِنَذْرِهِ) لَهُمَا، لِعُمُومِ حَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ هُوَ) ، أَيْ: الْقِنُّ بِنَذْرٍ وَلَا نَفْلٍ، وَمِثْلُهُ مُدَبَّرٌ، وَأُمُّ وَلَدٍ، (وَلَا) أَنْ تُحْرِمَ (زَوْجَتُهُ بِنَفْلٍ) حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (بِلَا إذْنِ سَيِّدٍ وَزَوْجٍ) ، لِتَفْوِيتِ حَقِّهِمَا بِالْإِحْرَامِ، (فَإِنْ فَعَلَا) ، أَيْ: عَقَدَ الْقِنُّ وَالْمَرْأَةُ الْإِحْرَامَ بِنَفْلٍ بِلَا إذْنِ سَيِّدٍ وَزَوْجٍ، (حُلِّلَا) ، أَيْ: حَلَّلَهُمَا السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ، لِتَفْوِيتِ حَقِّهِمَا، (وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُمَا) مُحْرِمَيْنِ، (وَيَكُونَانِ) ، أَيْ: الْقِنُّ وَالزَّوْجَةُ، (كَمُحْصَرٍ) عَلَى مَا يَأْتِي (وَيَأْثَمُ مَنْ لَمْ يَمْتَثِلْ) مِنْ قِنٍّ وَزَوْجَةٍ، (وَلَهُ وَطْءُ مُخَالِفَةٍ) مِنْ (أَمَةٍ وَزَوْجَةٍ) أَحْرَمَتْ بِدُونِ إذْنِهِ بِنَفْلٍ. (وَيَتَّجِهُ) ب (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَتَلْزَمُهُمَا) ، أَيْ: الْأَمَةَ وَالزَّوْجَةَ، (الْفِدْيَةُ) عُقُوبَةً لَهُمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

و (لَا) يَجُوزُ لِسَيِّدٍ وَزَوْجٍ تَحْلِيلُهُمَا (مَعَ إذْنِهِ) لَهُمَا فِي إحْرَامٍ، لِوُجُوبِهِ بِالشُّرُوعِ، (وَيَصِحُّ) مِنْ سَيِّدٍ وَزَوْجٍ (رُجُوعٌ فِيهِ) ، أَيْ: إذْنٍ بِإِحْرَامٍ، (قَبْلَ) شُرُوعٍ ب (إحْرَامٍ) كَوَاهِبٍ أَذِنَ لِمَوْهُوبٍ لَهُ فِي قَبْضِ هِبَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَهُ (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمَا) بِالرُّجُوعِ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَمَتَى عَلِمَا بِرُجُوعٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِمَا الْإِحْرَامُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِالرُّجُوعِ فِي الْإِذْنِ، فَالْخِلَافُ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِ مُوَكِّلِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ، وَالْحُكْمُ هُنَا كَذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رُجُوعٌ فِي إذْنٍ بَعْدَ إحْرَامٍ لِلُزُومِهِ، و (لَا) يَجُوزُ لِسَيِّدٍ وَزَوْجٍ تَحْلِيلُ قِنٍّ وَزَوْجَةٍ أَحْرَمَا (بِنَذْرٍ أُذِنَ) ، أَيْ: أَذِنَ (فِيهِ) زَوْجٌ وَسَيِّدٌ (لَهُمَا) ، أَيْ: الْقِنِّ وَالزَّوْجَةِ، لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي نَذْرِهِ إذْنٌ فِي فِعْلِهِ، (أَوْ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ) ، أَيْ: النَّذْرِ (لَهَا) ، أَيْ: الزَّوْجَةِ، فَلَا يُحَلِّلُهَا فِيهِ لِوُجُوبِهِ كَالْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ. (وَحَرُمَ) عَلَى الزَّوْجِ (مَنْعُهَا مِنْ حَجٍّ فَرْضٍ كَمُلَتْ شُرُوطُهُ) كَبَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ. (وَسُنَّ لَهَا اسْتِئْذَانُهُ) نَصًّا، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا كَتَبَتْ إلَيْهِ، فَإِنْ أَذِنَ، وَإِلَّا حَجَّتْ بِمَحْرَمٍ، (فَلَوْ لَمْ تَكْمُلْ) شُرُوطُهُ، فَلَهُ مَنْعُهَا، (وَ) إنْ (أَحْرَمَتْ بِهِ بِلَا إذْنِهِ لَمْ) يَمْلِكْ أَنْ (يُحَلِّلَهَا) ، لِوُجُوبِ إتْمَامِهِ بِشُرُوعِهَا فِيهِ، (فَلَوْ أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ) مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، (فَحَلَفَ) زَوْجُهَا، (وَلَوْ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ لَا تَحُجُّ الْعَامَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تَحِلَّ) مِنْ إحْرَامِهَا لِلُزُومِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.

(وَإِنْ أَفْسَدَ قِنٌّ حَجَّهُ بِوَطْءٍ) فِيهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، (مَضَى) فِي فَاسِدِهِ (وَقَضَاهُ) كَحُرٍّ، (وَيَصِحُّ) الْقَضَاءُ مِنْ قِنٍّ مُكَلَّفٍ (فِي رِقِّهِ) كَصَوْمٍ وَصَلَاةٍ، فَإِنْ عَتَقَ بَدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، (وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ) مِنْ قَضَاءٍ (إنْ) كَانَ (شَرَعَ فِيمَا أَفْسَدَهُ) مِنْ حَجٍّ أَوَعُمْرَةً (سَابِقًا بِإِذْنِهِ) ، أَيْ: السَّيِّدِ، لِأَنَّ إذْنَهُ فِيهِ إذْنٌ فِي مُوجَبِهِ، وَمِنْهُ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ، فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ، (وَإِنْ عَتَقَ) الْقِنُّ فِي حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ، (أَوْ بَلَغَ الْحُرُّ فِي حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ) ، وَكَانَ عِتْقُهُ أَوْ بُلُوغُهُ (فِي حَالٍ تُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ لَوْ كَانَتْ) الْحَجَّةُ الْفَاسِدَةُ (صَحِيحَةً) بِأَنْ كَانَ قَبْلَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَادَ وَوَقَفَ، وَلَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، (مَضَى) فِيهَا وَقَضَاهَا فَوْرًا (وَأَجْزَأَتْهُ حَجَّةُ) الْقَضَاءِ عَنْ حَجَّةِ (الْإِسْلَامِ وَعَنْ حَجَّةِ الْقَضَاءِ) ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِيُوَافِقَ أَصْلَيْهِ وَغَيْرَهُمَا (وَقِنٌّ فِي جِنَايَتِهِ) بِفِعْلِ مَحْظُورٍ فِي إحْرَامِهِ، (كَحُرٍّ مُعْسِرٍ) فِي الْفِدْيَةِ بِالصَّوْمِ عَلَى مَا يَأْتِي، (وَإِنْ تَحَلَّلَ) قِنٌّ (بِحَصْرِ) عَدُوٍّ لَهُ، (أَوْ حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ) لِإِحْرَامِهِ بِلَا إذْنِهِ، (لَمْ يَتَحَلَّلْ قَبْلَ صَوْمٍ) ، كَحُرٍّ أُحْصِرَ وَأُعْسِرَ، فَيَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ، ثُمَّ يَتَحَلَّلُ. (وَلَا يُمْنَعُ) الْقِنُّ (مِنْهُ) ، أَيْ: الصَّوْمِ نَصًّا، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، (وَإِنْ مَاتَ) قِنٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمٌ بِسَبَبِ إحْرَامِهِ، (وَلَمْ يَصُمْ، فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ) ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ وَالْمُرَادُ: يُسَنُّ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، (عَلَى مَا مَرَّ قُبَيْلَ صَوْمِ التَّطَوُّعِ) فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْتَ. (وَإِنْ أَفْسَدَ) قِنٌّ (حَجَّهُ، صَامَ) عَنْ الْبَدَنَةِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَحُرٍّ مُعْسِرٍ، (وَكَذَا إنْ تَمَتَّعَ) قِنٌّ (أَوْ قَرَنَ) ، أَوْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ، صَامَ عَنْ الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَمُشْتَرِي) الْقِنِّ (الْمُحْرِمِ كَبَائِعِهِ فِي تَحْلِيلِهِ) إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِلَا إذْنٍ، (وَ) فِي (عَدَمِهِ)

إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِإِذْنٍ، لِقِيَامِ الْمُشْتَرِي مَقَامَ بَائِعِهِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُشْتَرِي (الْفَسْخُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ) بِإِحْرَامِ الْقِنِّ، (وَلَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهُ) ، لِتَعَطُّلِ مَنَافِعِهِ عَلَيْهِ زَمَنَ إحْرَامِهِ، فَإِنْ مَلَكَ مُشْتَرٍ تَحْلِيلَهُ، فَلَا فَسْخَ لَهُ، لِأَنَّ إبْقَاءَهُ فِي الْإِحْرَامِ كَإِذْنِهِ فِيهِ ابْتِدَاءً. وَكَذَا لَا فَسْخَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ. (وَلِكُلٍّ مِنْ أَبَوَيْ) حُرٍّ (بَالِغٍ مَنْعُهُ) ، أَيْ: الْوَلَدِ الْبَالِغِ (مِنْ إحْرَامٍ بِنَفْلٍ) حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (ك) مَنْعِهِ مِنْ نَفْلِ (جِهَادٍ) لِلْأَخْبَارِ، وَمَا يَفْعَلُهُ فِي الْحَضَرِ مِنْ نَفْلٍ، نَحْوِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنٌ، وَكَذَا السَّفَرُ لِوَاجِبٍ كَحَجٍّ وَعِلْمٍ، لِأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ كَالصَّلَاةِ (وَلَا يُحَلِّلَانِهِ) ، أَيْ: الْبَالِغَ إذَا أَحْرَمَ، (وَحَرُمَ طَاعَتُهُمَا) ، أَيْ: وَالِدَيْهِ (فِي مَعْصِيَةٍ، كَتَرْكِ حَجٍّ وَسَفَرٍ لِعِلْمٍ وَاجِبَيْنِ) ، لِحَدِيثِ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . (وَلَيْسَ لَهُمَا مِنْ نَحْوِ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ) قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ يَتَأَخَّرُ عَنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِأَجْلِ أَبِيهِ: لَا يُعْجِبُنِي، هُوَ يَقْدِرُ أَنْ يَبَرَّ أَبَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا (وَوَقَعَ خِلَافٌ) بَيْنَ الْأَصْحَابِ فِي وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا (فِي الْمُبَاحِ) كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ (فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ طَاعَتُهُمَا) فِيهِ (وَلَوْ كَانَا فَاسِقَيْنِ) ، هَذَا ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، (ف) عَلَى هَذَا (لَا يُسَافِرُ) لِنَحْوِ تِجَارَةٍ (إلَّا بِإِذْنِهِمَا) ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا، أَيْ: وُجُوبُ طَاعَتِهِمَا، فِيمَا فِيهِ نَفْعٌ لَهُمَا وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَضُرَّهُ، وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى. (وَيَتَّجِهُ: صِحَّةُ هَذَا) الْقَوْلِ، أَيْ: وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي الْمُبَاحِ (فِي سَفَرِهِ، وَفِي كُلِّ مَا يَخَافَانِ عَلَيْهِ مِنْهُ) كَسِبَاحَةٍ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَمُسَابَقَةٍ عَلَى نَحْوِ خَيْلٍ، وَهَذَا اتِّجَاهٌ حَسَنٌ، (وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ) الْحُرُّ الْبَالِغُ

(حَضَرًا كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ، (فَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي " الْآدَابِ ": لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُهُمَا، وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَعْتَبِرُهُ وَلَا وَجْهَ لَهُ) قَطْعًا، (وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ. انْتَهَى) مَا قَالَهُ فِي " الْآدَابِ "، وَهُوَ صَحِيحٌ بِلَا ارْتِيَابٍ (وَلَا يَحِلُّ غَرِيمٌ مَدِينًا) أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوَعُمْرَة لِوُجُوبِهِمَا بِالشُّرُوعِ، (وَلَيْسَ لِوَلِيِّ سَفِيهٍ مُبَذِّرٍ) بَالِغٍ (مَنْعُهُ مِنْ حَجِّ فَرْضٍ) وعُمْرَتِهِ، (وَلَا تَحْلِيلُهُ) مِنْ إحْرَامٍ بِأَحَدِهِمَا لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ، (وَتُدْفَعُ نَفَقَتُهُ لِثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ) نِيَابَةً عَنْ وَلِيِّهِ، (وَيُحَلَّلُ) سَفِيهٌ (بِصَوْمٍ) كَحُرٍّ مُعْسِرٍ (إنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ وَزَادَتْ نَفَقَتُهُ) ، أَيْ: السَّفَرِ (عَلَى نَفَقَةِ الْإِقَامَةِ وَلَمْ يَكْتَسِبْهَا) السَّفِيهُ فِي سَفَرِهِ فَإِنْ كَانَتْ تَعْدِلُ نَفَقَةَ الْحَضَرِ، أَوْ زَادَتْ وَكَانَ يَكْتَسِبُ الزَّائِدَ لَمْ يُحَلَّلْ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الزَّائِدِ فِي مَالِهِ. الشَّرْطُ (الْخَامِسُ) لِوُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: (الِاسْتِطَاعَةُ) لِلْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ (لِمُكَلَّفٍ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (وَلَا تَبْطُلُ) الِاسْتِطَاعَةُ (بِجُنُونٍ) وَلَوْ مُطْبِقًا، فَيُحَجُّ عَنْهُ، (و) كَذَا لَا تَبْطُلُ الِاسْتِطَاعَةُ (بِرِدَّةٍ، وَتُشْتَرَطُ) الِاسْتِطَاعَةُ (لِوُجُوبِ) الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (فَقَطْ) دُونَ إجْزَائِهِمَا، (وَهِيَ) ، أَيْ: الِاسْتِطَاعَةُ: (مِلْكُ زَادٍ يَحْتَاجُهُ فِي سَفَرِهِ) ذَهَابًا وَإِيَابًا مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَكِسْوَةٍ، (وَ) مِلْكُ (وِعَائِهِ) ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، (وَلَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ) ، أَيْ: الزَّادِ، (إنْ وُجِدَ) بِثَمَنٍ مِثْلِهِ، أَوْ زَائِدٍ يَسِيرًا (بِالْمَنَازِلِ) فِي طَرِيقِ الْحَاجِّ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، (وَمِلْكُ رَاحِلَةٍ) لِرُكُوبِهِ (بِآلَتِهَا) ، أَيْ: الرَّاحِلَةِ بِشِرَاءٍ أَوْ كِرَاءٍ (تَصْلُحُ) ، أَيْ: الرَّاحِلَةُ، (لِمِثْلِهِ مِنْ نَحْوِ رَحْلٍ وَقَتَبٍ وَهَوْدَجٍ) ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَمِنْ الِاسْتِطَاعَةِ تَحْصِيلُ خَادِمٍ إنْ خُدِمَ مِثْلُهُ، إذْ هُوَ كَآلَةِ الرَّاحِلَةِ وَأَوْلَى، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «جَاءَ

رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَعَنْ أَنَسٍ " «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ، فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. (بِمَسَافَةِ قَصْرٍ) عَنْ مَكَّةَ، و (لَا) يُعْتَبَرُ مِلْكُ رَاحِلَةٍ فِي (مَا دُونَهُ) ، أَيْ: مَسَافَةِ الْقَصْرِ عَنْ مَكَّةَ، لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ فِيهَا غَالِبًا، وَلِأَنَّ مَشَقَّتَهَا يَسِيرَةٌ، وَلَا يَخْشَى فِيهَا عَطَبٌ لَوْ انْقَطَعَ بِهَا، بِخِلَافِ الْبَعِيدَةِ (إلَّا لِعَاجِزٍ عَنْ مَشْيٍ) كَشَيْخٍ كَبِيرٍ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مِلْكُ الرَّاحِلَةِ بِآلَتِهَا، (وَلَا يَلْزَمُهُ) السَّيْرُ (حَبْوًا وَلَوْ أَمْكَنَهُ) ، وَأَمَّا الزَّادُ فَيُعْتَبَرُ، قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، (أَوْ مِلْكُ مَا يَقْدِرُ بِهِ) مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَرْضٍ (عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ) ، أَيْ: الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَآلَتِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ، (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ عُرْفًا مِنْ كُتُبٍ) ، فَإِنْ اسْتَغْنَى بِإِحْدَى نُسْخَتَيْنِ مِنْ كِتَاب بَاعَ الْأُخْرَى، (وَ) مِنْ (مَسْكَنٍ) لِمِثْلِهِ، (وَ) مِنْ (خَادِمٍ) لِنَفْسِهِ، (وَ) عَنْ (مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ نَحْوِ لِبَاسٍ وَغِطَاءٍ) وَوِطَاءٍ وَأَوَانٍ، (فَإِنْ أَمْكَنَ بَيْعُ فَاضِلٍ عَنْ حَاجَتِهِ وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيه) ، بِأَنْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَاسِعًا، أَوْ الْخَادِمُ نَفِيسًا فَوْقَ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَأَمْكَنَ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ مِنْهُ، (وَيَفْضُلُ مَا يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ) ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ (وَ) يُعْتَبَرُ كَوْنُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ وَآلَتِهِمَا، أَوْ ثَمَنِ ذَلِكَ فَاضِلًا (عَنْ قَضَاءِ دَيْنٍ) حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ (لِلَّهِ أَوْ آدَمِيٍّ) ، لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِهِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى بَرَاءَتهَا، (وَ) أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ (مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ) ، لِحَدِيثِ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مِنْ يَقُوتُ» (عَلَى الدَّوَامِ) ، أَيْ: بِأَنْ يَكُونَ لَهُ إذَا رَجَعَ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ دَائِمًا (مِنْ عَقَارٍ أَوْ بِضَاعَةٍ) يَتَّجِرُ فِيهَا، (أَوْ صِنَاعَةٍ وَنَحْوِهَا) ، كَعَطَاءِ مِنْ دِيوَانٍ، وَإِلَّا، لَمْ يَلْزَمْهُ، لِتَضَرُّرِهِ بِإِنْفَاقِ مَا فِي يَدِهِ إذَنْ. (وَلَا يَصِيرُ) مَنْ

لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ (مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ) غَيْرِهِ (ذَلِكَ) ، أَيْ: مَا يَحْتَاجُهُ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ، (لَهُ وَلَوْ) كَانَ الْبَذْلُ (مِنْ) وَالِدِهِ أَوْ (وَلَدِهِ) لِلْمِنَّةِ، كَبَذْلِ رَقَبَةٍ لِمُكَفِّرٍ، وَكَبَذْلِ إنْسَانٍ نَفْسَهُ لِيَحُجَّ عَنْ نَحْوِ مَرِيضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَلَيْسَ لَهُ مَا يَسْتَنِيبُ بِهِ. (وَيَنْبَغِي إكْثَارٌ مِنْ زَادٍ وَنَفَقَةٍ) عِنْدَ إمْكَانِهِ، (لِيُؤْثِرَ مُحْتَاجًا وَرَفِيقًا) ، وَأَنْ تَطِيبَ نَفْسُهُ بِمَا يُنْفِقُهُ، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي أَجْرِهِ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39] . (وَسُنَّ أَنْ لَا يُشَارِكَ غَيْرَهُ فِي زَادٍ وَنَحْوِهِ) ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى النِّزَاعِ، أَوْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْ رَفِيقِهِ، وَقَدْ لَا يَرْضَى بِهِ، وَاجْتِمَاعُ الرِّفَاقِ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامِ أَحَدِهِمْ أَلْيَقُ عَلَى الْمُنَاوَبَةِ فِي الْوَرِعِ مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِي الزَّادِ، (فَإِنْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ مَنْ لَا 64 يَلْزَمُهُ) وَحَجَّ أَجُزْأَهُ، لِأَنَّ خَلْقًا مِنْ الصَّحَابَةِ حَجُّوا وَلَا شَيْءَ لَهُمْ، وَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِعَادَةِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِلْوُصُولِ، فَإِذَا وَصَلَ وَفَعَلَ، أَجْزَأَ كَالْمَرِيضِ، فَمَنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُ ذَلِكَ، (وَلَا ضَرَرَ) عَلَيْهِ (وَلَا مَسْأَلَةَ) أَحَدٍ (لِاسْتِغْنَائِهِ بِصَنْعَتِهِ؛ سُنَّ لَهُ الْحَجُّ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. (وَكُرِهَ) الْحَجُّ (لِمَنْ حِرْفَتُهُ الْمَسْأَلَةُ، قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِيمَنْ يَدْخُلُ الْبَادِيَةَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ (لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ، يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ النَّاسِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْت: فَإِنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَحَسُنَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَمْ يَسْأَلْ النَّاسَ، فَلَا كَرَاهَةَ، (فَإِنْ) كَلَّفَ نَفْسَهُ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ (وَتَرَكَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (وَاجِبًا) مِنْ نَحْوِ صَلَاةٍ، وَأَدَاءِ دَيْنٍ وَسَعْيٍ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، (حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ. (وَمِنْ الِاسْتِطَاعَةِ سِعَةُ وَقْتٍ) بِأَنْ يُمْكِنَ الْخُرُوجُ وَالسَّيْرُ فِيهِ حَسَبَ الْعَادَةِ، لِتَعَذُّرِ الْحَجِّ مَعَ ضِيقِ وَقْتِهِ، فَلَوْ شَرَعَ وَقْتَ وُجُوبِهِ، فَمَاتَ فِي

الطَّرِيقِ، تَبَيَّنَّا عَدَمَ وُجُوبِهِ، لِعَدَمِ وُجُودِ الِاسْتِطَاعَةِ. (وَ) مِنْهَا (أَمْنُ طَرِيقٍ) - إذْ الْإِلْزَامُ بِدُونِهِ ضَرَرٌ، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرَعَا، (وَإِلَّا) يَكُنْ الطَّرِيقُ آمِنًا وَسَلَكَهُ، وَعَطِبَ، (فَلَا يَكُونُ شَهِيدًا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ، (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّهُ (أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ) بِتَفْرِيطِهِ بِهَا - (يُمْكِنُ سُلُوكُهُ) ، أَيْ: الطَّرِيقَ عَلَى الْعَادَةِ، (وَلَوْ) كَانَ الطَّرِيقُ (بَحْرًا) يَغْلِبُ فِيهِ السَّلَامَةُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ سُلُوكُهُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى، أَشْبَهَ الْبَرَّ، (أَوْ) كَانَ الطَّرِيقُ (غَيْرَ مُعْتَادٍ) ، لِأَنَّ قُصَارَاهُ أَنَّهُ مَشَقَّةٌ وَهُوَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ كَبُعْدِ الْبَلَدِ. وَيُشْتَرَطُ فِي الطَّرِيقِ إمْكَانُ سُلُوكِهِ (بِلَا خِفَارَةٍ) بِتَثْلِيثِ الْخَاءِ (لَا يَسِيرَةٍ) ، فَإِنْ كَانَتْ الْخَفَارَةُ يَسِيرَةً لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ؛ لَزِمَهُ بَذْلُهَا، (قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) كَابْنِ حَامِدٍ وَالْمَجْدِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِفَادَاتِ " وَ " تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَ " تَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ " وَصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " وَزَادَ الْمَجْدُ: إذَا أَمِنَ الْقَدْرَ مِنْ الْمَبْذُولِ لَهُ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْخَفَارَةُ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي الدَّفْعِ عَنْ الْمُخَفَّرِ، وَلَا تَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا، كَمَا فِي أَخْذِ السُّلْطَانِ مِنْ الرَّعَايَا، وَظَاهِرُ " الْمُنْتَهَى ": لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ مَعَ الْخَفَارَةِ وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً، لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ، وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْمُنْتَهَى " عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتَصِرْ الْمُصَنَّفُ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يَسِيرَةٍ، بَلْ ذَكَرَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَرِّي بِقَوْلِهِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ. (يُوجَدُ فِيهِ) ، أَيْ الطَّرِيقِ، (الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ) ، بِأَنْ يَجِدَهُ فِي الْمَنَاهِلِ الَّتِي يَنْزِلُهَا، إذْ لَوْ كُلِّفَ لِحَمْلِ مَائِهِ وَعَلَفِ بَهَائِمِهِ فَوْقَ الْمُعْتَادِ مِنْ ذَلِكَ، أَدَّى إلَى مَشَقَّةٍ

عَظِيمَةٍ، فَإِنْ وُجِدَ عَلَى الْعَادَةِ وَلَوْ يَحْمِلُ مِنْ مَنْهَلٍ إلَى آخَرَ، أَوْ الْعَلَفَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ، لَزِمَهُ، لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ. (وَ) مِنْ الِاسْتِطَاعَةِ (دَلِيلٌ لِجَاهِلٍ) طَرِيقَ مَكَّةَ، (وَ) مِنْهَا (قَائِدٌ لِأَعْمَى) ، لِأَنَّ فِي إيجَابِهِ عَلَيْهِمَا بِلَا دَلِيلٍ وَقَائِدٍ ضَرَرًا عَظِيمًا، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا، (وَيَلْزَمُهُمَا) ، أَيْ: الْجَاهِلَ وَالْأَعْمَى (أُجْرَةُ مِثْلِهِمَا) أَيْ: الدَّلِيلِ وَالْقَائِدِ، لِتَمَامِ الْوَاجِبِ بِهِمَا، (فَيُعْتَبَرُ قُدْرَةٌ عَلَيْهَا) ، أَيْ: أُجْرَةِ مِثْلِهِمَا، (فَإِنْ تَبَرَّعَا) ، أَيْ: الدَّلِيلُ وَالْقَائِدُ، (لَمْ يَلْزَمْ) الْجَاهِلَ وَالْأَعْمَى ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ. (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ (هَذِهِ) الشَّرَائِطَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ سِعَةِ الْوَقْتِ، وَأَمْنِ الطَّرِيقِ، وَدَلِيلِ الْجَاهِلِ، وَقَائِدِ الْأَعْمَى (مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ وَالسَّعْيِ) ، لِأَنَّهُ، - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَسَّرَ السَّبِيلَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَلِأَنَّ إمْكَانَ الْأَدَاءِ لَيْسَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْعِبَادَةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ مَا يُمْكِنُ الْأَدَاءُ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ، كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ، وَعَدَمُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ، (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ أَنَّ هَذِهِ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ، (فَلَوْ مَاتَ) مَنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ (قَبْلَ ذَلِكَ) ، أَيْ: قَبْلَ وُجُودِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ، (وَجَبَ الْحَجُّ فِي مَالِهِ) بِمَوْتِهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ شَرْطِ الْوُجُوبِ وَشَرْطِ الْأَدَاءِ أَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ إذَا مَاتَ قَبْلَ وُجُودِهِ، لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ فِي مَالِهِ، وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي الْأَدَاءِ وَوُجُوبِ السَّعْيِ إذَا مَاتَ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَقَدْ كَمُلَتْ فِي حَقِّهِ شَرَائِطُ الْوُجُوبِ، وَوَجَبَ الْحَجُّ فِي مَالِهِ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي (اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ) مِنْ الْأَصْحَابِ. (وَ) عَلَيْهِ: فَ (يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَعْزِمْ

عَلَى الْفِعْلِ) ، أَيْ: فِعْلِ الْحَجِّ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَأُمِنَتْ الطَّرِيقُ، وَوَجَدَ الدَّلِيلَ أَوْ الْقَائِدُ، (كَمَا نَقُولُ فِي طُرُوءِ حَيْضٍ) بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ الْحَائِضَ تَأْثَمُ إنْ لَمْ تَعْزِمْ عَلَى الْقَضَاءِ إذَا زَالَ، (فَالْعَزْمُ عَلَى الْعِبَادَةِ مَعَ الْعَجْزِ) عَنْهَا (يَقُومُ مَقَامَ الْأَدَاءِ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ) حَالَ الْعَجْزِ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ الشُّرُوطُ) الْخَمْسَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، (وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ) لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (فَوْرًا) نَصًّا (إذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ) ، فَيَأْثَمُ إنْ أَخَّرَهُ بِلَا عُذْرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْفَوْرِ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «تَعَجَّلُوا إلَى الْحَجِّ - يَعْنِي: الْفَرِيضَةَ - فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ، يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَرْضُ الْعُمْرِ، أَشْبَهَا الْإِيمَانَ، وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ، إمَّا لِأَنَّ اللَّهَ أَطْلَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَحُجَّ، فَكَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْإِدْرَاكِ، أَوْ لِخَوْفِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَمُرَاسَلَتِهِمْ لِلرُّومِ الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا لَهُ فِي قَرْيَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ فِي غَزْوِهِمْ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (وَالْعَاجِزُ) عَنْ سَعْيٍ لِحَجٍّ وعُمْرَةٍ (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) لِنَحْوِ زَمَانَةٍ. (وَيَتَّجِهُ: وَمِنْهُ) ، أَيْ: الْمَرَضِ الْمَيْئُوسِ مِنْ بُرْئِهِ، الْمُعْجِزِ - مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ - عَنْ فِعْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: (شَبَقٌ) شَدِيدٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الصَّبْرَ عَنْ الْجِمَاعِ، (وَجُنُونٌ) مُطْبِقٌ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ صَاحِبِهِ لِلنِّيَّةِ، أَوْ غَيْرُ

مُطْبِقٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَنْ يُدَارِيهِ حَالَ جُنُونِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (أَوْ) ل (ثِقَلٍ) بِحَيْثُ يَصِيرُ (لَا يَقْدِرُ مَعَهُ) ، أَيْ: الثِّقَلِ، (رُكُوبًا) عَلَى رَاحِلَةٍ أَوْ فِي مَحْمَلٍ، (إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ نِضْوَ الْخِلْقَةِ لَا يَقْدِرُ ثُبُوتًا عَلَى رَاحِلَةٍ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ، يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِيمَ نَائِبًا حُرًّا وَلَوْ) كَانَ النَّائِبُ (امْرَأَةً يَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ عَنْهُ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَوْرًا مِنْ بَلَدِهِ) ، أَيْ: الْعَاجِزِ، لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ. وَيَكْفِي أَنْ يَنْوِيَ النَّائِبُ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ لَفْظًا. وَإِنْ نَسِيَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، نَوَى مَنْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ عَنْهُ، (أَوْ) مِنْ (مَوْضِعٍ أَيْسَرَ فِيهِ) ، أَيْ: قَدَرَ فِيهِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَلَدِهِ. (وَأَجْزَأَ) فِعْلُ نَائِبٍ (عَمَّنْ عُوفِيَ) مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ أُبِيحَ لِأَجْلِهِ الِاسْتِنَابَةُ، لِإِتْيَانِهِ بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ، وَالْمُعْتَبَرُ لِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ الْيَأْسُ ظَاهِرًا، سَوَاءٌ عُوفِيَ قَبْلَ فَرَاغِ نَائِبِهِ مِنْ النُّسُكِ أَوْ بَعْدَهُ، و (لَا) يُجْزِئُ مُسْتَنِيبًا إنْ عُوفِيَ (قَبْلَ إحْرَامِ نَائِبِهِ) ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ، وَمَنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ لَا يَسْتَنِيبُ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَا يَرْجِعُ) الْمُسْتَنِيبُ (عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى نَائِبِهِ (بِمَا

أَنْفَقَ قَبْلَ أَنْ عُوفِيَ) الْمُسْتَنِيبُ، (بَلْ) يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِ مُسْتَنِيبِهِ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ أَنْ شُفِيَ وَعَادَتْ عَافِيَتُهُ إلَيْهِ، (لِعَزْلِهِ) إيَّاهُ (إذَنْ) ، أَيْ: بِمُجَرَّدِ شِفَائِهِ انْعَزَلَ نَائِبُهُ حُكْمًا، سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، قِيَاسًا عَلَى الْوَكِيلِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَسْقُطَانِ) ، أَيْ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (عَمَّنْ مَاتَ وَلَمْ يَجِدْ نَائِبًا) ، لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا نَائِبِهِ. (وَمَنْ لَزِمَهُ) حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَوْ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، (فَتُوُفِّيَ) قَبْلَهُ (وَلَوْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْ فِعْلِهِ: (بِحَبْسٍ بِحَقٍّ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ اعْتِدَاءٍ) ، وَكَانَ قَدْ اسْتَطَاعَ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ، وَخَلَّفَ مَالًا، (أُخْرِجَ عَنْهُ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ، (مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةً وَعُمْرَةً) ، أَيْ: مَا يَفْعَلَانِهِ بِهِ (مِنْ حَيْثُ وَجَبَا) ، أَيْ: بَلَدِ الْمَيِّتِ نَصًّا، لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ، أَكُنْت قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ

(وَيُجْزِئُ) أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْ مَعْضُوبٍ أَوْ مَيِّتٍ لَهُ وَطَنَانِ (مِنْ أَقْرَبِ وَطَنَيْهِ) ، لَتَخَيُّرِ الْمَنُوبِ عَنْهُ لَوْ أَدَّى بِنَفْسِهِ، (وَ) يُجْزِئُ أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْهُ (مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ لِدُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ، لِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، و (لَا) يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْهُ مِمَّا (فَوْقَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ، (فَلَا يُجْزِئُهُ) حَجُّ مَنْ اُسْتُنِيبَ عَنْهُ مِمَّا فَوْقَ الْمَسَافَةِ لِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ. (وَيَسْقُطُ) حَجٌّ عَنْ مَيِّتٍ (بِحَجِّ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْوَارِثُ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ. (وَيَرْجِعُ) الْأَجْنَبِيُّ (عَلَى تَرِكَتِهِ) ، أَيْ: الْمَيِّتِ بِمَا أَنْفَقَ (إنْ نَوَاهُ) ، أَيْ: الرُّجُوعَ، لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ. و (لَا) يَسْقُطُ حَجٌّ (عَنْ) مَعْضُوبٍ (حَيٍّ) وَلَوْ مَعْذُورًا (بِلَا إذْنِهِ) كَدَفْعِ زَكَاةِ مَالِ حَيٍّ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، (وَيَقَعُ) حَجُّ مَنْ حَجَّ عَنْ حَيٍّ بِلَا إذْنِهِ (عَنْ نَفْسِهِ) ، أَيْ: الْحَاجِّ، (وَلَوْ) كَانَ الْحَجُّ (نَفْلًا) عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ، (فَإِنْ جَعَلَ) الْحَاجُّ (ثَوَابَهُ) ، أَيْ: ثَوَابَ حَجِّهِ، (لَهُ) ، أَيْ: لِمَحْجُوجٍ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ، (حَصَلَ) لَهُ ذَلِكَ (لِمَا مَرَّ آخِرَ الْجَنَائِزِ) مِنْ قَوْلِهِمْ: وَكُلُّ قُرْبَةٍ فُعِلَتْ وَجُعِلَ ثَوَابُهَا لِحَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، نَفَعَهُ ذَلِكَ. (وَمَنْ) وَجَبَ عَلَيْهِ نُسُكٌ وَمَاتَ قَبْلَهُ، و (ضَاقَ مَالُهُ) عَنْ أَدَائِهِ مِنْ بَلَدِهِ، اُسْتُنِيبَ بِهِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ، (أَوْ لَزِمَهُ دَيْنٌ) وَعَلَيْهِ حَجٌّ، وَضَاقَ مَالُهُ عَنْهُمَا (أُخِذَ) مِنْ مَالِهِ (لِحَجٍّ بِحِصَّتِهِ) ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ، (وَحُجَّ بِهِ) ، أَيْ: بِمَا أُخِذَ لِلْحَجِّ (مِنْ حَيْثُ بَلَغَ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَإِنْ مَاتَ) هُوَ (أَوْ) مَاتَ (نَائِبُهُ بِطَرِيقِهِ، حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ) هُوَ أَوْ نَائِبُهُ، لِأَنَّ الِاسْتِنَابَةَ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ الْقَضَاءُ، وَالْمَنُوبُ عَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى

فصل هل يصح ممن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره

وَطَنِهِ، ثُمَّ الْعَوْدُ لِلْحَجِّ مِنْهُ، فَيُسْتَنَابُ عَنْهُ (فِيمَا بَقِيَ) نَصًّا (مَسَافَةً وَفِعْلًا وَقَوْلًا) ، لِوُقُوعِ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ مَوْقِعِهِ وَإِجْزَائِهِ، (وَإِنْ صُدَّ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَجٌّ أَوْ نَائِبُهُ بِطَرِيقِهِ، (فَعَلَ مَا بَقِيَ) مَسَافَةً وَقَوْلًا وَفِعْلًا، لِأَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ الْوَاجِبِ. (وَإِنْ وَصَّى) شَخْصٌ (ب) نُسُكٍ (نَفْلٍ وَأَطْلَقَ) ، فَلَمْ يَقُلْ مِنْ مَحَلِّ كَذَا، (جَازَ) أَنْ يَفْعَلَ (مِنْ مِيقَاتِ بَلَدٍ) مَاتَ فِيهِ (مُوصٍ) نَصًّا، (مَا لَمْ تَمْتَنِعْ قَرِينَةٌ، كَبَذْلِ مَالٍ كَثِيرٍ) يُمْكِنُ الْحَجُّ بِهِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُسْتَنَابُ بِهِ مِنْهُ لِحَجٍّ وَجَبَ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِحَجٍّ مِنْ مَحَلِّ وَصِيَّتِهِ، حُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ، أَوْ يُعَانُ بِهِ فِي الْحَجِّ نَصًّا [فَصْلٌ هَلْ يَصِحّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ] (فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرْ عَنْ نَفْسِهِ) أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ عَنْ غَيْرِهِ، (وَلَوْ) كَانَ حَجَّ حَجَّةً فَاسِدَةً وَوَجَبَ عَلَيْهِ (الْقَضَاءُ) ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرُ حَجٍّ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ (حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ عَنْ غَيْرِهِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ قَالَ: حَجَجْت عَنْ نَفْسِك؟ قَالَ: لَا؟ قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. وَفِي رِوَايَةِ: صَالِحٍ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَلِأَنَّهُ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ حَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَ صَبِيًّا، (وَلَا) عَنْ (نَذْرِهِ وَ) لَا عَنْ (نَافِلَتِهِ) ، أَيْ: الْغَيْرِ حَيًّا كَانَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ أَوْ مَيِّتًا. وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِنَذْرِهِ وَلَا نَافِلَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَجُّ الْإِسْلَامِ أَوْ عُمْرَتُهُ، (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَحْرَمَ بِنَذْرٍ أَوْ نَافِلَةٍ إذَنْ، (انْصَرَفَ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ أَوْ الْقَضَاءِ) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «هَذِهِ عَنْك، وَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» ، وَقَوْلُهُ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِك» ،

أَيْ: اسْتَدِمْهُ عَنْ نَفْسِك، كَقَوْلِك لِلْمُؤْمِنِ: آمِنْ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ مُلْغَاةٌ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا وَحِينَئِذٍ: فَيَرُدُّ النَّائِبُ مَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِ لِيَحُجَّ عَنْهُ لِعَدَمِ إجْزَاءِ حَجِّهِ عَنْهُ، وَوُقُوعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، (وَالنَّائِبُ كَمَنُوبٍ عَنْهُ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرِ مَنُوبِهِ وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجُّ قَضَاءٍ، وَأَحْرَمَ بِنَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ، وَقَعَ عَنْ الْقَضَاءِ دُونَ مَا نَوَاهُ. (وَيَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ عَاجِزٍ أَوْ مَيِّتٍ وَاحِدٍ فِي فَرْضِهِ وَآخَرَ فِي نَذْرِهِ فِي عَامٍ) وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ نَوْعُهُمَا، (وَأَيُّهُمَا) ، أَيْ: النَّائِبَيْنِ (أَحْرَمَ أَوَّلًا) ، أَيْ: قَبْلَ الْآخَرِ، (فَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ) الْحَجَّةُ (الْأُخْرَى) الَّتِي تَأَخَّرَ إحْرَامُ نَائِبِهَا (عَنْ نَذْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ) ، أَيْ: الثَّانِي عَنْ النَّذْرِ، لِأَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ فِيهِ عَنْ التَّعْيِينِ ابْتِدَاءً، لِانْعِقَادِهِ بِهِمَا ثُمَّ يُعَيَّنُ، وَالْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ. (وَ) إنْ أَحْرَمَ (بِنَفْلٍ مَنْ عَلَيْهِ نَذْرٌ، ف) يَقَعُ إحْرَامُهُ (عَنْ نَذْرِهِ، أَشْبَهَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ) ، وَتَقَدَّمَ. (وَيَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وَ) أَنْ (يَتَنَفَّلَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، (مَنْ) حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَلَكِنْ (عَلَيْهِ عُمْرَةٌ، وَعَكْسُهُ) ، أَيْ: يَصِحُّ أَنْ يَعْتَمِرَ عَنْ غَيْرِهِ وَيَتَنَفَّلَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ حَجٌّ، لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنُوبَ مَنْ عَلَيْهِ نُسُكٌ عَنْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ النُّسُكِ. (وَ) يَصِحُّ (أَنْ يَجْعَلَ قَارِنٌ) أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ أَوْ بِهَا، ثُمَّ بِهِ، عَلَى مَا يَأْتِي، (الْحَجَّ عَنْ شَخْصٍ) اسْتَنَابَهُ فِيهِ، (وَالْعُمْرَةَ عَنْ) شَخْصٍ (آخَرَ) اسْتَنَابَهُ فِيهَا (بِإِذْنِهِمَا) ، أَيْ: الشَّخْصَيْنِ، لِأَنَّ الْقِرَانَ نُسُكٌ مَشْرُوعٌ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنَا، وَقَعَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَنْ النَّائِبِ، وَرَدَّ لَهُمَا مَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا، كَمَنْ أُمِرَ بِحَجٍّ فَاعْتَمَرَ، أَوْ عَكْسِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. (وَ) يَصِحُّ (أَنْ يَسْتَنِيبَ قَادِرٌ) عَلَى حَجٍّ (وَغَيْرُهُ) ، أَيْ: غَيْرُ

الْقَادِرِ عَلَيْهِ، (فِي نَفْلِ حَجٍّ وَ) فِي (بَعْضِهِ) كَالصَّدَقَةِ، وَكَذَا عُمْرَةٍ. وَيَصِحُّ نُسُكُ نَفْلٍ عَنْ مَيِّتٍ، وَيَقَعُ عَنْهُ وَكَأَنَّهُ مُهْدٍ إلَيْهِ ثَوَابَهُ، (وَالنَّائِبُ) فِي نُسُكٍ (أَمِينٌ فِيمَا أُعْطِيَهُ) مِنْ مَالٍ (لِيَحُجَّ مِنْهُ) أَوْ يَعْتَمِرَ فَيَرْكَبُ وَيُنْفِقُ مِنْهُ بِمَعْرُوفٍ، فَإِنْ زَادَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ (ف) إنَّهُ (يَضْمَنُ) . (وَيَتَّجِهُ) : مَحِلُّ ذَلِكَ (حَيْثُ لَا عَقْدَ بِجُعْلٍ مَعْلُومٍ) ، أَمَّا لَوْ عَقَدَ مَعَ الْمُسْتَنِيبِ عَلَى جُعْلٍ مَعْلُومٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ حِينَئِذٍ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (مَا زَادَ) ، أَيْ: أَنْفَقَهُ زَائِدًا (عَلَى نَفَقَةِ الْمَعْرُوفِ، أَوْ) مَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ (طَرِيقٍ أَقْرَبَ) مِنْ الطَّرِيقِ الْبَعِيدِ إذَا سَلَكَهُ (بِلَا ضَرَرٍ) فِي سُلُوكِ أَقْرَبَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا، (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَرُدَّ مَا فَضَلَ) مِنْ نَفَقَتِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ لَهُ الْمُسْتَنِيبُ، وَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ النَّفَقَةَ مِنْهُ، قَالَ فِي الْإِرْشَادِ " وَغَيْرِهِ فِي: حُجَّ عَنِّي بِهَذَا، فَمَا فَضَلَ لَك: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ تِجَارَةً قَبْلَ حَجِّهِ. (وَيَحْسِبُ لَهُ) ، أَيْ: النَّائِبُ (نَفَقَةَ رُجُوعِهِ) بَعْدَ أَدَاءِ النُّسُكِ بِمَكَّةَ إلَّا أَنْ يَتَّخِذَهَا دَارَ إقَامَةٍ وَلَوْ سَاعَةً، فَلَا يَحْتَسِبُ لَهُ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ، لِسُقُوطِهَا، فَلَمْ تُعَدَّ اتِّفَاقًا. (وَ) يَحْسِبُ لَهُ نَفَقَةَ (خَادِمِهِ إنْ خُدِمَ) ، بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، (مِثْلُهُ) ، لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ. وَإِنْ مَاتَ أَوْ ضَلَّ أَوْ صُدَّ أَوْ مَرِضَ أَوْ تَلِفَ بِلَا تَفْرِيطٍ، أَوْ أَعْوَزَ بَعْدَهُ، لَمْ يَضْمَنْ، وَيُصَدَّقُ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَمْرًا ظَاهِرًا فَيُبَيِّنُهُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ لَهُ صَرْفُ نَقْدٍ بِآخَرَ لِمُصْلِحَتِهِ، وَشِرَاءُ مَاءٍ لِطَهَارَتِهِ، وَتَدَاوٍ، وَدُخُولِ حَمَّامٍ. (وَيَرْجِعُ) نَائِبٌ (بِمَا اسْتَدَانَهُ لِعُذْرٍ) عَلَى مُسْتَنِيبِهِ، (وَ) يَرْجِعُ (بِمَا أَنْفَقَ عَنْ) ، أَيْ: عَلَى

(نَفْسِهِ بِنِيَّةِ رُجُوعٍ) ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ حَاكِمًا، لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ، (وَمَا لَزِمَ نَائِبًا مِنْ دَمٍ وَغَيْرِهِ) كَفِعْلِ مَحْظُورٍ (ب) سَبَبِ (مُخَالَفَتِهِ، فَمِنْهُ) ، أَيْ: النَّائِبِ، لِأَنَّهُ بِجِنَايَتِهِ (حَتَّى دَمِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِمَا) ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُسْتَنِيبُهُ، فَعَلَيْهِ. (وَنَفَقَةُ حَجٍّ فَسَدَ عَلَى نَائِبٍ، كَقَضَائِهِ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ) ، لِأَنَّ النُّسُكَ لَمْ يَقَعْ عَنْ مُسْتَنِيبِهِ لِجِنَايَتِهِ وَتَفْرِيطِهِ. (وَيَتَّجِهُ: تَبَيُّنُ وُقُوعِ) فِعْلِ (الْحَجِّ مِنْ أَصْلِهِ عَنْ النَّائِبِ) ، لِيَتَوَجَّهَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ اثْنَيْنِ) اسْتَنَابَاهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَنْهُمَا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِوُقُوعِهِ عَنْهُ مِنْ الْآخَرِ، (أَوْ) أَحْرَمَ عَنْ (أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ) ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ دُونَهُمَا، أَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، (وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ) ، لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ فِيمَا سَبَقَ وَلَمْ يَنْوِهَا، فَمَعَ نِيَّتِهِ أَوْلَى، وَيَرُدُّ لَهُمَا مَا أَخَذَهُ مِنْهُمَا. (وَمَنْ أَخَذَ مِنْ اثْنَيْنِ أُجْرَةَ حَجَّتَيْنِ لِيَحُجَّ عَنْهُمَا فِي عَامٍ) وَاحِدٍ، (أُدِّبَ) ، لِفِعْلِهِ مُحَرَّمًا، نَصَّ عَلَيْهِ، (وَمَنْ اسْتَنَابَهُ اثْنَانِ بِعَامٍ) وَاحِدٍ (فِي نُسُكٍ، فَأَحْرَمَ) بِهِ (عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَنْسَهُ، صَحَّ، وَلَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ لِلْآخَرِ بَعْدَهُ) نَصًّا، وَلَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَرَمَى، لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمَبِيتِ لَيَالِيَ مِنًى، وَرَمْيُ الْجِمَارِ أَيَّامُهَا بَاقِيَةٌ، فَلَا يَصِحُّ إدْخَالُ إحْرَامٍ عَلَى إحْرَامٍ. (وَإِنْ نَسِيَهُ) ، أَيْ: نَسِيَ مَنْ أَحْرَمَ عَنْهُ مِنْهُمَا، (وَتَعَذَّرَ) عَلَيْهِ (عِلْمُهُ فَإِنْ فَرَّطَ) النَّائِبُ (أَعَادَ الْحَجَّ عَنْهُمَا) ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا، لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّتِهِ، بَلْ

فرع هل يجوز أن يحج ويعتمر عن أبويه الميتين

يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ، (وَإِنْ فَرَّطَ مُوصًى إلَيْهِ) بِذَلِكَ، بِأَنْ لَمْ يُسَمِّهِ لِلنَّائِبِ، (غَرِمَ) مُوصًى إلَيْهِ (ذَلِكَ) ، أَيْ: نَفَقَةَ الْحَجِّ عَنْهُمَا، (وَإِلَّا) يَكُنْ ذَلِكَ بِتَفْرِيطِ النَّائِبِ وَلَا الْمُوصَى إلَيْهِ، بِأَنْ سَمَّاهُ لِلنَّائِبِ وَعَيَّنَهُ ابْتِدَاءً، لَكِنَّهُ نَسِيَهُ، فَالنَّفَقَةُ عَنْهُمَا (مِنْ تَرِكَةِ مُوصِيَيْهِ) الْمُسْتَنَابِ عَنْهُمَا، لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ، (وَلَا تُعْتَبَرُ تَسْمِيَةُ نَائِبٍ) مَنْ اسْتَنَابَهُ (لَفْظًا) نَصًّا، (فَلَوْ جَهِلَ) النَّائِبُ (اسْمَهُ) ، أَيْ: الْمُسْتَنِيبِ، (أَوْ نَسِيَهُ، لَبَّى عَمَّنْ سَلَّمَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ) ، لِحَلِّ التَّمْيِيزِ بِذَلِكَ. (وَيَتَعَيَّنُ نَائِبٌ بِتَعْيِينِ وَصِيٍّ) جُعِلَ (لَهُ التَّعْيِينُ) ، لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي، (فَإِنْ أَبَى) الْوَصِيُّ التَّعْيِينَ، (عَيَّنَ غَيْرَهُ) كَوَارِثٍ أَوْ حَاكِمٍ، (وَيَأْتِي فِي) بَابِ (الْمُوصَى لَهُ) بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا [فَرْعٌ هَلْ يَجُوز أَنْ يَحُجَّ وَيَعْتَمِرَ عَنْ أَبَوَيْهِ الميتين] (فَرْعٌ) (سُنَّ أَنْ يَحُجَّ) وَيَعْتَمِرَ (عَنْ أَبَوَيْهِ) إنْ كَانَا (مَيِّتَيْنِ أَوْ عَاجِزَيْنِ) ، زَادَ بَعْضُهُمْ: إنْ لَمْ يَحُجَّا، (وَيُقَدِّمُ أُمَّهُ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْبِرِّ، وَ) يُقَدِّمُ (وَاجِبَ أَبِيهِ عَلَى نَفْلِهَا) لِإِبْرَائِهِ ذِمَّتَهُ، نَصَّ عَلَيْهِمَا. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: " إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ وَالِدَيْهِ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَعَنْهُمَا، وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بِرًّا " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْبَقَّالُ ضَعِيفَانِ. [فَصْلٌ شُرُوط وُجُوب السَّعْيِ لِحَجٍّ أوعمرة] (فَصْلٌ) (وَشُرِطَ لِوُجُوبِ سَعْيٍ) لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (عَلَى أُنْثَى مَحْرَمٌ) شَابَّةً كَانَتْ أَوَعَجُوزًا نَصًّا. قَالَ: الْمَحْرَمُ مِنْ السَّبِيلِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ، لَمْ يَلْزَمْهَا الْحَجُّ بِنَفْسِهَا وَلَا بِنَائِبِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يُدْخَلُ عَلَيْهَا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَالَ: اُخْرُجْ مَعَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمٌ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمٍ: «ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» وَالْخُنْثَى كَالرَّجُلِ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ فِي حَقِّهِ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (وَيُعْتَبَرُ) الْمَحْرَمُ (لَهَا) ، أَيْ: لِلْأُنْثَى (حَيْثُ بَلَغَتْ سَبْعًا) فَأَكْثَرَ (فِي كُلِّ سَفَرٍ) حَجًّا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا، (فَلَا يَحِلُّ) لَهَا السَّفَرُ (بِدُونِهِ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ لِخُرُوجِهَا (بِأَطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ أَمْنٍ) عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ (وَهُوَ) ، أَيْ: الْمَحْرَمُ الْمُعْتَبَرُ لِوُجُوبِ النُّسُكِ وَجَوَازِ السَّفَرِ مَعَهُ: (زَوْجٌ) ، وَسُمِّيَ مَحْرَمًا مَعَ حِلِّهَا لَهُ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا بِهِ، مَعَ إبَاحَةِ الْخَلْوَةِ بِهَا، (أَوْ سَيِّدٌ) ، لِأَنَّهُ كَالزَّوْجِ (لَا سَيِّدَةٌ) لِأَنَّهَا لَا تَقْوَى عَلَى صِيَانَةِ نَفْسِهَا فَضْلًا عَنْ أَمَتِهَا. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، أَيْ: الْأَصْحَابِ: اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِلْكُلِّ، أَيْ: الْأَحْرَارِ وَإِمَائِهِنَّ وَعُتَقَائِهِنَّ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَعَدَمِ الْمَحْرَمِ لَهُنَّ كَعَدَمِهِ لِلْحُرَّةِ الْأَصْلِ، (خِلَافًا لِلشَّيْخِ) تَقِيِّ الدِّينِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ يُسَافِرْنَ مَعَهَا تَبَعًا لَهَا، فَلَا يَفْتَقِرْنَ إلَى مَحْرَمٍ، لِأَنَّهُنَّ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ. انْتَهَى. (وَيَتَّجِهُ) : اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ مُطْلَقًا، (إلَّا إنْ سَافَرَتْ السَّيِّدَةُ مَعَ مَحْرَمٍ، وَاحْتَاجَتْ إلَيْهَا) ، أَيْ: إلَى أَمَتِهَا، فَلَهَا أَنْ تَصْحَبَهَا مَعَهَا مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ اكْتِفَاءً بِمَحْرَمِ سَيِّدَتِهَا، وَلَوْ حَمَلَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ الشَّيْخِ عَلَى هَذَا، لَكَانَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: خِلَافًا لَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (أَوْ ذَكَرٌ) مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا، فَأُمُّ الْمَرْأَةِ وَبِنْتُهَا لَيْسَتْ مَحْرَمًا لَهَا، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَذَلِكَ (مُسْلِمٌ) ، فَأَبٌ وَنَحْوُهُ كَافِرٌ لَيْسَ مَحْرَمًا لِمُسْلِمَةٍ نَصًّا، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْحَضَانَةِ، وَكَالْمَجُوسِيِّ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهَا، (مُكَلَّفٌ) ،

إذْ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ: لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِفْظِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَحْرَمُ (عَبْدًا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ (تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا) كَأَبٍ وَأَخٍ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ وَلَدِ زَوْجٍ أَوْ أَبِيهِ (لِحُرْمَتِهَا، بِخِلَافِ مُلَاعَنَةٍ) ، فَلَيْسَ الْمُلَاعِنُ مَحْرَمًا لَهَا، لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ أَبَدًا تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ (بِنَسَبٍ) كَأُبُوَّةٍ وَبُنُوَّةٍ وَأُخُوَّةٍ وَنَحْوِهَا، (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ، كَحَلَائِلِ آبَاءٍ وَأَبْنَاءٍ وَأُمَّهَاتِ نِسَاءٍ، بِخِلَافِ وَطْءِ زِنًا أَوْ شُبْهَةٍ) ، لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ نِعْمَةٌ، فَاعْتُبِرَ إبَاحَةُ سَبَبِهَا كَسَائِرٍ الرُّخَصِ. (وَيَتَّجِهُ: احْتِمَالُ لَوْ تَزَوَّجَهَا) ، أَيْ: الْمَزْنِيَّ بِهَا (بَعْدُ) ، أَيْ: بَعْدَ زِنَاهُ بِهَا، وَبَعْدَ أَنْ تَابَتْ، (لَا يَعُودُ مَحْرَمًا) لَهَا وَلَا لِأُمَّهَاتِهَا وَبَنَاتِهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، كَذَا قَالَ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ تَصْرِيحًا وَلَا تَلْوِيحًا، بَلْ مَتَى تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ صَارَ مَحْرَمًا لَهَا، فَيَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا وَالسَّفَرُ بِلَا رَيْبٍ، (سِوَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّحْرِيمِ دُونَ الْمَحْرَمِيَّةِ. (وَنَفَقَتُهُ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ زَمَنَ سَفَرِهِ مَعَهَا لِأَدَاءِ نُسُكِهَا (وَلَوْ) كَانَ الْمَحْرَمُ (زَوْجَهَا) ، فَيَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَمَا زَادَ ف (عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْمَرْأَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا، (فَيُشْتَرَطُ لَهَا) ، أَيْ: لِوُجُوبِ النُّسُكِ عَلَيْهَا (مِلْكُ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ) بِآلَتِهِمَا (لَهُمَا) ، أَيْ: لِلْمَرْأَةِ وَمَحْرَمِهَا، وَأَنْ تَكُونَ الرَّاحِلَةُ وَآلَتُهَا صَالِحِينَ لَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ لَمْ تَمْلِكْ ذَلِكَ لَهُمَا، لَمْ يَلْزَمْهَا (وَلَا يَلْزَمُهُ) ، أَيْ: الْمَحْرَمُ، (مَعَ بَذْلِهَا ذَلِكَ) ، أَيْ: الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ لَهُ وَمَا يَحْتَاجُهُ، (سَفَرٌ مَعَهَا) لِلْمَشَقَّةِ كَحَجِّهِ عَنْ نَحْوِ كَبِيرَةٍ عَاجِزَةٍ، وَأَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فِيمَا سَبَقَ الزَّوْجَ بِسَفَرِهِ مَعَهَا إمَّا بَعْدَ الْحَظْرِ أَوْ أَمْرَ تَخْيِيرٍ، لِعِلْمِهِ

فرع هل يصح حج معضوب

مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ السَّفَرُ مَعَهَا، (وَتَكُونُ) إنْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ سَفَرٍ مَعَهَا (كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا) ، فَلَا وُجُوبَ عَلَيْهَا، (فَإِنْ) لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ و (تَزَوَّجَتْ مَنْ) ، أَيْ: زَوْجًا (يَحُجُّ بِهَا، فَلَا بَأْسَ) ، وَلَيْسَ الْعَبْدُ مَحْرَمًا لِسَيِّدَتِهِ نَصًّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَالِكَةً لَهُ، لِحَدِيثِ: «سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ» وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَوْ جَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، لِأَنَّهُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ. (وَمَنْ أَيِسَتْ مِنْهُ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ، (اسْتَنَابَتْ) مَنْ يَفْعَلُ النُّسُكَ عَنْهَا كَكَبِيرٍ عَاجِزٍ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ أَنْ أَيِسَتْ مِنْ الْمَحْرَمِ، وَبَعْدَ أَنْ حُجَّ عَنْهَا، أَجْزَأَهَا، لِأَنَّهَا كَالْمَعْضُوبِ إذَا عُوفِيَ بَعْدَ الْحَجِّ عَنْهُ وَالْمُرَادُ: أَيِسَتْ بَعْدَ أَنْ وَجَدَتْ الْمَحْرَمَ، وَفَرَّطَتْ بِالتَّأْخِيرِ حَتَّى فُقِدَ، لِنَقْلِ إِسْحَاقَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ لَيْسَ لَهَا مَحْرَمٌ: هَلْ تَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ يَحُجُّ عَنْهَا؟ فَقَالَ: إذَا كَانَتْ قَدْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحْرَمِ، فَأَرَى أَنْ تُجَهِّزَ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْهَا، (وَإِنْ حَجَّتْ) امْرَأَةٌ (بِدُونِهِ) ، أَيْ: الْمَحْرَمِ، (حَرُمَ) سَفَرُهَا بِدُونِهِ (وَأَجْزَأَ) حَجُّهَا، كَمَنْ حَجَّ وَتَرَك حَقًّا يَلْزَمُ مِنْ نَحْوِ دَيْنٍ، لَكِنْ لَا يَتَرَخَّصُ. (وَإِنْ مَاتَ) مَحْرَمٌ سَافَرَتْ مَعَهُ (بِالطَّرِيقِ) وَكَانَ (بَعِيدًا) عَنْ وَطَنِهَا (مَضَتْ فِي حَجِّهَا) لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِرُجُوعِهَا شَيْئًا، لِأَنَّهُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، (وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةٍ) ، إذْ لَا تَسْتَفِيدُ بِالتَّحْلِيلِ زَوَالُ مَا بِهَا كَالْمَرِيضِ (وَ) وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ (قَرِيبًا) ، فَعَلَيْهَا أَنْ (تَرْجِعَ) ، لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْعَاجِزَةِ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَحْرَمُ (زَوْجًا، فَيَأْتِي فِي الْعِدَدِ) أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحْرِمَ، فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ اعْتَدَّتْ بِمَنْزِلِهِ، وَبَعْدَهَا تُخَيَّرُ بَيْنَ مُضِيٍّ وَرُجُوعٍ [فَرْعٌ هَلْ يَصِحُّ حَجُّ مَعْضُوبٍ] (فَرْعٌ) (يَصِحُّ حَجُّ مَعْضُوبٍ وَأَجِيرِ خِدْمَةٍ) بِأُجْرَةٍ وَدُونِهَا، (وَتَاجِرٍ) ، وَلَا إثْمَ نَصًّا قَالَ فِي " الْفُصُولِ " وَ " الْمُنْتَخَبِ ":

باب مواقيت الحج

(وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ الْإِخْلَاصِ) . قَالَ أَحْمَدُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَك تِجَارَةٌ كَانَ أَخْلَصَ. (وَمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُبَادِرْ) فَعَلَى كُلِّ خَيْرٍ مَانِعٌ. وَلْيَجْتَهِدْ (فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) بِرَدِّهَا إلَى أَرْبَابِهَا، وَكَذَلِكَ الْوَدَائِعُ وَالْعَوَارِيّ وَالدُّيُونُ، وَيَسْتَحِلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ ظُلَامَةٌ، وَيَسْتَمْهِلُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَتِهِ، (وَ) يَجْتَهِدُ فِي (تَحْصِيلِ رَفِيقٍ حَسَنِ) الْخُلُقِ وَالسَّمْتِ يَكُونُ عَوْنًا لَهُ عَلَى نَصَبِهِ وَأَدَاءِ نُسُكِهِ، يَهْدِيهِ إذَا ضَلَّ وَيُذَكِّرُهُ إذَا نَسِيَ، (سِيَّمَا) إنْ تَيَسَّرَ رَفِيقٌ (عَالِمٌ) ، فَلَا يَرْغَبُ عَنْهُ، فَإِنَّ بُلُوغَ رُشْدِهِ فِي اسْتِمْسَاكِهِ بِهِ. قَالَ الْإِمَام أَحْمَدُ: (كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ يُبَادِرُ بِهِ) ، وَمِنْهُ صُحْبَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ. (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ) بَعْدَهُمَا (بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ) قَبْلَ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ، وَيَسْتَخِيرُ: هَلْ يَحُجُّ الْعَامَ أَوْ غَيْرَهُ؟ إنْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا، وَأَمَّا الْفَرْضُ فَوَاجِبٌ فَوْرًا، (وَيُصَلِّي بِمَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَقُولُ) بَعْدَهُمَا: (اللَّهُمَّ هَذَا دِينِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَوَلَدِي وَدِيعَةً عِنْدَك، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ) ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (يَدْعُو قَبْلَ السَّلَامِ أَفْضَلُ، وَيَخْرُجُ مُبَكِّرًا يَوْمَ خَمِيسٍ) ، قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُ: (أَوْ) يَوْمَ (اثْنَيْنِ، وَيَقُولُ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا) مَا وَرَدَ وَمِنْهُ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» (أَوْ دَخَلَ بَلَدًا مَا وَرَدَ) وَمِنْهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا» . وَيَقُولُ أَيْضًا إذَا رَكِبَ وَنَحْوُهُ مَا وَرَدَ [بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجّ] بَابُ (الْمَوَاقِيتُ) جَمْعُ: مِيقَاتٍ، وَهُوَ لُغَةً: الْحَدُّ، وَاصْطِلَاحًا: (مَوَاضِيعُ وَأَزْمِنَةٌ)

(مُعَيَّنَةٌ لِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ) مِنْ حَجٍّ وَغَيْرِهِ. وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. (فَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ: أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ، بُعْدُهُ (عَنْ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَعَنْ مَكَّةَ: عَشْرُ مَرَاحِلَ) وَتُعْرَفُ الْآنَ بِأَبْيَارِ عَلِيٍّ، (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: (قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ) عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ خَرِبَةٌ (بِقُرْبِ رَابِغٍ، وَالْجُحْفَةُ دُونَهَا بِيَسِيرٍ عَنْ مَكَّةَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ) ، وَهِيَ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ لِمَكَّةَ، تُعْرَفُ الْآنَ بِالْمَقَابِرِ، كَانَ اسْمُهَا مَهْيَعَةَ، فَجَحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ، وَتَلِي ذَا الْحُلَيْفَةِ فِي الْبُعْدِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ أَوْ أَرْبَعُ، وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ رَابِغٍ فَقَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ بِيَسِيرٍ. (وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ) مِنْ الْمَوَاقِيتِ (بَيْنَ كُلٍّ مِنْهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ) ، فَهِيَ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَقَارِبَةٌ. (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (الْيَمَنِ) - وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى يَمِينِ الْكَعْبَةِ مِنْ بِلَادِ الْغَوْرِ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ: يَمَنِيٌّ، عَلَى الْقِيَاسِ، وَيَمَانِيٌّ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ -: (يَلَمْلَمُ، وَيُقَالُ: أَلَمْلَمُ) ، لُغَةٌ فِيهِ: (جَبَلٌ) مَعْرُوفٌ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ ثَلَاثُونَ مِيلًا. (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (نَجْدٍ الْحِجَازُ، وَ) أَهْلِ (نَجْدٍ الْيَمَنِ وَ) أَهْلِ (الطَّائِفِ: قَرْنًا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَيُقَالُ لَهُ: قَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ: (جَبَلٌ أَيْضًا) عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ مَكَّةَ. (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ (الْمَشْرِقِ وَخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ: ذَاتُ عِرْقٍ) : مَنْزِلٌ مَعْرُوفٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعِرْقٍ فِيهِ، أَيْ: جَبَلٍ صَغِيرٍ، أَوْ: أَرْضٍ سَبْخَةٍ تُنْبِتُ الطَّرْفَاءَ وَهُوَ (قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ قَدِيمَةٌ، وَعِرْقٌ: جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى الْعَقِيقِ) . (وَ) هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ (كُلُّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ لَا بِاجْتِهَادِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ

نَجْدٍ قَرْنًا، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَهِيَ) ، أَيْ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ، (لِأَهْلِهَا) الْمَذْكُورِينَ (وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا) مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا (كَشَامِيٍّ) وَمِصْرِيٍّ (مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) فَيَحْرُمُ مِنْهَا، لِأَنَّهَا صَارَتْ مِيقَاتَهُ (وَمَدَنِيٍّ سَلَكَ طَرِيقَ الْجُحْفَةِ، فَيُحْرِمُ مِنْهَا) وُجُوبًا لِلْحَدِيثِ، (وَالْأَفْضَلُ) لِلْمَارِّ (إحْرَامٌ مِنْ أَوَّلِ مِيقَاتٍ، وَ) هُوَ (طَرَفُهُ الْأَبْعَدُ عَنْ مَكَّةَ) احْتِيَاطًا، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ مِنْ الطَّرَفِ الْأَقْرَبِ، جَازَ لِإِحْرَامِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ، (وَالْعِبْرَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ بِالْبِقَاعِ) الَّتِي عَيَّنَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - و (لَا) عِبْرَةَ فِي (مَا بُنِيَ بِقُرْبِهَا وَسُمِّيَ بِاسْمِهَا، فَيَنْبَغِي) لَمُرِيدِ الْإِحْرَامِ (تَحَرِّي آثَارِ الْقُرَى الْقَدِيمَةِ) ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، (وَمِنْ مَنْزِلِهِ دُونَهَا) ، أَيْ: هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، مِنْ مَكَّةَ، كَأَهْلِ عُسْفَانَ، (فَمِيقَاتُهُ مَنْزِلُهُ) ، لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَقَدَّمَ (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ (بَلَدَهُ كُلَّهَا مَنْزِلُهُ) فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَيِّ مَحَالِّهَا شَاءَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ لَهُ مَنْزِلَانِ، جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْرَبَ لِمَكَّةَ وَ) إحْرَامُهُ مِنْ (أَبْعَدَ) عَنْ مَكَّةَ (أَفْضَلُ) ، لِأَنَّهَا أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ، (وَيُحْرِمُ مَنْ) كَانَ مُقِيمًا (بِمَكَّةَ لِحَجٍّ مِنْهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، (وَنَصُّهُ) فِي رِوَايَةِ

حَرْبٍ (مِنْ الْمَسْجِدِ وَفِي " الْمُبْهِجِ ") وَ " الْإِيضَاحِ " تُحْرِمُ (مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ) . وَيُسَمَّى الْحَطِيمَ. (وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِهِ، (وَجَازَ وَصَحَّ) أَنْ يُحْرِمَ مَنْ بِمَكَّةَ بِحَجٍّ مِنْ سَائِرِ الْحَرَمِ (وَمِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ) . وَهُوَ الْحِلُّ كَعَرَفَةَ، (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهِ (وَ) يُحْرِمُ مَنْ بِمَكَّةَ (لِعُمْرَةٍ مِنْ الْحِلِّ) ، " لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ كُلِّهَا فِي الْحَرَمِ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَهُمَا. بِخِلَافِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى عَرَفَةَ فَيَحْصُلُ الْجَمْعَ، (وَيَصِحُّ) إحْرَامُهُ (مِنْ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: مَنْ أَحْرَمَ لِعُمْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ، (دَمٌ) لِتَرْكِهِ وَاجِبًا، كَمَنْ جَاوَزَ مِيقَاتًا بِلَا إحْرَامٍ، (وَتُجْزِئُهُ) عُمْرَةٌ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ مَكَّةَ، (وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ لِلْحِلِّ) قَبْلَ إتْمَامِهَا وَلَوْ بَعْدَ الطَّوَافِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ. لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْحِلِّ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا وَكَالْحَجِّ، (وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ) أَوْ الْحَرَمِ (قَارِنًا فَلَا دَمَ) عَلَيْهِ. لِأَجَلِ إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ، (تَغْلِيبًا لِلْحَجِّ) عَلَى الْعُمْرَةِ، لِانْدِرَاجِهَا فِيهِ وَسُقُوطِ أَفْعَالِهَا. (وَمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِمِيقَاتٍ) مِنْ الْمَذْكُورَاتِ، (أَحْرَمَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وُجُوبًا (إذَا عَلِمَ أَنَّهُ حَاذَى أَقْرَبَهَا) ، أَيْ: الْمَوَاقِيتَ (مِنْهُ) . لِقَوْلِ عُمَرَ: " اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ قَدِيدٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَسُنَّ) لَهُ (أَنْ يَحْتَاطَ) لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَذْوَ الْمِيقَاتِ، أَحْرَمَ مِنْ بُعْدٍ، إذْ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ جَائِزٌ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ حَرَامٌ، (فَإِنْ اسْتَوَيَا) ، أَيْ: الْمِيقَاتَانِ فِي الْقُرْبِ، (ف) يُحْرِمُ (مِنْ أَبْعَدِهِمَا مِنْ مَكَّةَ) لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، (فَإِنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا) كَاَلَّذِي يَجِيءُ مِنْ سَوَاكِنَ إلَى جُدَّةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُرَّ بِرَابِغَ وَلَا يَلَمْلَمُ، لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ أَمَامَهُ، فَيَصِلُ جُدَّةَ قَبْلَ مُحَاذَاتِهِمَا، (أَحْرَمَ عَنْ مَكَّةَ ب) قَدْرِ (مَرْحَلَتَيْنِ) فَيُحْرِمُ فِي الْمِثَالِ مِنْ جُدَّةَ لِأَنَّهَا عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْمَوَاقِيتِ.

فصل تجاوز المكلف الميقات بلا إحرام

[فَصْلٌ تجاوز الْمُكَلَّف الْمِيقَات بِلَا إحْرَام] (فَصْلٌ) (وَلَا يَحِلُّ لِمُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ أَرَادَ مَكَّةَ) نَصًّا، (أَوْ) أَرَادَ (الْحَرَمَ، أَوْ) أَرَادَ (نُسُكًا، تَجَاوُزُ مِيقَاتٍ بِلَا إحْرَامٍ) ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ تَجَاوَزَ مِيقَاتًا بِلَا إحْرَامٍ (إلَّا) إنْ تَجَاوَزَهُ (لِقِتَالٍ مُبَاحٍ) لِدُخُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا ذَلِكَ الْيَوْمَ، (أَوْ خَوْفٍ أَوْ حَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَحَطَّابٍ) وَنَاقِلِ مِيرَةٍ وَحَشَّاشٍ، فَلَهُمْ الدُّخُولُ بِلَا إحْرَامٍ، لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لَا يَدْخُلُ إنْسَانٌ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمًا إلَّا الْحَمَّالِينَ وَالْحَطَّابِينَ وَأَصْحَابِ مَنَافِعِهَا " احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. (وَمَكِّيٍّ يَتَرَدَّدُ لِقَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ) دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَالضَّرَرِ لِتَكَرُّرِهِ. (وَيَتَّجِهُ أَوْ) يَكُونُ لَهُ وَطَنٌ (خَارِجَ الْمِيقَاتِ) يَكْثُرُ التَّرَدُّدُ مِنْهُ إلَى مَكَّةَ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ كُلَّمَا مَرَّ عَلَى الْمِيقَاتِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ، كَمَا لَا تُسَنُّ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ لِقَيِّمِهِ كُلَّمَا دَخَلَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (ثُمَّ إنْ زَالَ عُذْرُ مَنْ حَلَّ لَهُ التَّجَاوُزُ بِلَا إحْرَامٍ) ، كَرَقِيقٍ عَتَقَ وَصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ كُلِّفَ، فَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهُ كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَكَذَا كَافِرٌ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، (أَوْ أَرَادَ) مَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ (مَكَّةَ بَعْدَ تَجَاوُزِهِ، فَمِنْ مَوْضِعِهِ) يُحْرِمُ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ، (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ حَالَ وُجُوبِ الْإِحْرَامِ، (وَمَنْ أَحْرَمَ لِدُخُولِ مَكَّةَ) أَوْ الْحَرَمِ (لَا لِنُسُكٍ، طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَحَلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ «وَأُبِيحَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ دُخُولُ مَكَّةَ مُحِلِّينَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَهِيَ مِنْ طُلُوعِ

فرع حكم إحرام بحج أوعمرة قبل ميقات

الشَّمْسِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (لَا قَطْعَ شَجَرٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَامَ الْغَدَ مِنْ يَوْمٍ فَتْحِ مَكَّةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا كَحُرْمَتِهَا، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ» (وَمَنْ جَاوَزَهُ) ، أَيْ: الْمِيقَاتَ، (يُرِيدُ نُسُكًا) ، أَوْ كَانَ النُّسُكُ فَرْضَهُ، بِأَنْ لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ، وَلَوْ كَانَ (جَاهِلًا) أَوْ (نَاسِيًا) أَوْ مُكْرَهًا، (لَزِمَهُ أَنْ يَرْجِعَ) إلَى الْمِيقَاتِ، (فَيُحْرِمَ مِنْهُ) ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، (إنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ حَجٍّ أَوْ) يَخَفْ فَوْتَ (غَيْرِهِ) ، كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، فَإِنْ خَافَ، لَمْ يَلْزَمْهُ رُجُوعٌ، وَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ، (وَيَلْزَمُهُ إنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ دَمٌ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: " مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ " وَلِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَلَا يَسْقُطُ) عَنْهُ الدَّمُ (إنْ أَفْسَدَهُ) ، أَيْ: النُّسُكَ نَصًّا لِأَنَّهُ كَالصَّحِيحِ، (أَوْ رَجَعَ لِمِيقَاتٍ) بَعْدَ إحْرَامِهِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ نَصًّا. (وَيَتَّجِهُ: أَنْ لَا دَمَ) عَلَيْهِ لَوْ رَجَعَ لِمِيقَاتٍ (بِغَيْرِ إحْرَامٍ) ، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ: وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ [فَرْعٌ حُكْم إحْرَامٌ بِحَجٍّ أوعمرة قَبْلَ مِيقَاتٍ] (فَرْعٌ) (كُرِهَ إحْرَامٌ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا (قَبْلَ مِيقَاتٍ) مَكَانِيٍّ، وَيَنْعَقِدُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ كَوِصَالِ الصَّوْمِ، وَلِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ الْمَحْظُورِ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ الْحَسَنِ: " أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ

مِنْ مِصْرِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: يَتَسَامَعُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ " وَقَالَ: " إنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ " وَلِحَدِيثِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا: «وَيَسْتَمْتِعُ أَحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي إحْرَامِهِ» . (وَكُرِهَ) إحْرَامٌ (بِحَجٍّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، (وَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُ الْحَجِّ بِحَجٍّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] وَكُلُّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ، فَكَذَا الْحَجُّ، وَكَالْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ، وَقَوْلُهُ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ} [البقرة: 197] أَيْ: مُعْظَمُهُ فِيهَا كَحَدِيثِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» . (وَهِيَ) ، أَيْ: أَشْهُرُ الْحَجِّ: (شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) ، وَكَانَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا الْأَمَدُ الَّذِي يَصِلُ فِيهِ الْحَاجُّ مِنْ أَقْصَى الْبِلَادِ، (وَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] ، أَيْ: فِي أَكْثَرِهِنَّ، وَإِنَّمَا فَاتَ الْحَجُّ بِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِفَوَاتِ الْوُقُوفِ لَا بِخُرُوجِ وَقْتِ الْحَجِّ، ثُمَّ الْجَمْعُ يَقَعُ عَلَى اثْنَيْنِ وَبَعْضِ آخَرَ، وَالْعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً لَسَبْقِ اللَّيَالِي، فَتَقُولُ: سِرْنَا عَشْرًا. (وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ) الزَّمَانِيُّ (جَمِيعُ الْعَامِ) ، لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ لَهَا بِوَقْتٍ دُونَ آخَرَ، (وَيَأْتِي) لِذَلِكَ مَزِيدُ إيضَاحٍ. وَلَا يُكْرَهُ

باب الإحرام

الْإِحْرَامُ (بِهَا) يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَلَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كَالطَّوَافِ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. [بَابُ الْإِحْرَامِ] (بَابُ الْإِحْرَامِ) قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: هُوَ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي التَّحْرِيمِ، كَأَنَّهُ يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّيِّبَ وَالنِّكَاحَ وَأَشْيَاءَ مِنْ اللِّبَاسِ، كَمَا يُقَالُ: أَشْتَى، إذَا دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ، وَأَرْبَعَ، إذَا دَخَلَ فِي الرَّبِيعِ. وَشَرْعًا: (نِيَّةُ النُّسُكِ، أَيْ: الدُّخُولِ فِيهِ) ، لَا نِيَّةَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ، (فَلَا يَنْعَقِدُ) ، أَيْ: النُّسُكُ، (بِدُونِهَا) ، أَيْ: النِّيَّةِ، لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . (وَسُمِّيَ) الدُّخُولُ فِي النُّسُكِ (إحْرَامًا، لِتَحْرِيمِ) الْمُحْرِمِ بِإِحْرَامِهِ عَلَى نَفْسِهِ (مَا كَانَ يَحِلُّ) لَهُ مِنْ النِّكَاحِ وَالطِّيبِ وَأَشْيَاءَ مِنْ اللِّبَاسِ وَنَحْوِهَا. (وَسُنَّ لِمُرِيدِهِ) ، أَيْ: الْإِحْرَامَ (غُسْلٌ) لِلْخَبَرِ، وَلَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ «لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ أَنْ تَغْتَسِلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. «وَأَمَرَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِإِهْلَالِ الْحَجِّ وَهِيَ حَائِضٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ رَجَتَا الطُّهْرَ قَبْلَ فَوَاتِ الْمِيقَاتِ أَخَّرَتَاهُ حَتَّى تَطْهُرَا، (أَوْ تَيَمُّمٌ لِعَدَمِ) مَاءٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ لِنَحْوِ مَرَضٍ، لِعُمُومِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] (وَلَا يَضُرُّ حَدَثُهُ بَيْنَ غُسْلٍ وَإِحْرَامٍ) كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَ حَدَثُهُ (بِجِمَاعٍ) بَيْنَ غُسْلٍ وَإِحْرَامٍ، فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي إحْرَامِهِ، إذْ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ، (وَ) يَضُرُّ حَدَثُ الْمَرْأَةِ بِطُرُوءِ (حَيْضٍ) بَعْدَ اغْتِسَالِهَا لِلْإِحْرَامِ، كَالْوَاطِئِ وَأَوْلَى، إذْ طُرُوءُ الْحَيْضِ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا، (وَ) يَتَّجِهُ

(أَنَّ الطِّفْلَ يُغَسِّلُهُ وَلِيُّهُ) إذَا أَرَادَ إدْخَالَهُ فِي النُّسُكِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) سُنَّ لَهُ (تَنَظُّفٌ بِأَخْذِ شَعْرٍ) مِنْ حَلْقِ عَانَةٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ وَنَتْفِ إبِطٍ، (وَ) تَقْلِيمِ (ظُفْرٍ وَقَطْعِ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ) ، لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ: " كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَلْبَسُونَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ " رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ، فَسُنَّ فِيهِ ذَلِكَ كَالْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ (وَ) سُنَّ لَهُ (تَطَيُّبٌ بِنَحْوِ مِسْكٍ وَعُودٍ وَمَاءِ وَرْدٍ) ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَتْ: " كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُحْرِمٌ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) سُنَّ (خِضَابٌ لَهَا) ، أَيْ: لِلْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ الْإِحْرَامَ (بِحِنَّاءٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: " مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُدَلِّكَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا فِي حِنَّاءٍ " وَلِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ أَشْبَهَ الطِّيبَ، (وَكُرِهَ) لَهَا أَنْ تَتَخَضَّبَ (بَعْدَهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ، (كَتَطَيُّبِ) مَرِيدِ الْإِحْرَامِ (فِي ثَوْبِهِ قَبْلَهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ، (وَلَهُ) إنْ طَيَّبَ ثَوْبَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ (اسْتِدَامَتُهُ) ، أَيْ: اسْتِدَامَةُ لِبْسِهِ، (مَا لَمْ يَنْزِعْهُ) ، فَإِنْ نَزَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ لِبْسُهُ وَالطِّيبُ فِيهِ، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ الطِّيبَ وَلِبْسُ الْمُطَيَّبِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ، (فَإِنْ لَبِسَهُ) بَعْدَ نَزْعِهِ، وَأَثَرُ الطِّيبِ بَاقٍ لَمْ يَغْسِلْهُ حَتَّى يَذْهَبَ، فَدَى، لِاسْتِعْمَالِهِ الطِّيبَ،

(أَوْ نَقَلَ طِيبَ بَدَنِهِ) مِنْ مَوْضِعِهِ (لِمَوْضِعٍ آخَرَ، فَدَى) ، أَوْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ بِيَدِهِ، فَعَلِقَ الطِّيبُ بِهَا، أَوْ نَحَّاهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ بَعْدَ إحْرَامِهِ، فَدَى، لِأَنَّهُ ابْتِدَاءٌ لِلطِّيبِ (لَا إنْ سَالَ) الطِّيبُ (بِعَرَقٍ أَوْ شَمْسٍ) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْهَانَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَسُنَّ) لِمَرِيدِهِ (لِبْسُ إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفِينَ) جَدِيدَيْنِ أَوْ خَلِيقَيْنِ (وَنَعْلَيْنِ) ، لِحَدِيثِ: «وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَنَعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ ذَلِكَ. وَفِي " تَبْصِرَةِ الْحَلْوَانِيِّ " إخْرَاجُ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ الرِّدَاءِ أَوْلَى، وَالنَّعْلَانِ التَّاسُومَةُ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ لِبْسُ سرموزة وَنَحْوِهَا إنْ وَجَدَ النَّعْلَيْنِ، وَيَكُونُ لِبْسُهُ ذَلِكَ (بَعْدَ تَجَرُّدِ ذَكَرٍ عَنْ مَخِيطٍ) كَقَمِيصٍ وَسَرَاوِيلَ وَخُفٍّ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَ) يُسَنُّ (إحْرَامٌ عَقِبَ صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا) نَصًّا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَهَلَّ فِي دُبُرِ صَلَاةٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ. و (لَا) يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ النَّفْلِ (وَقْتَ نَهْيٍ) ، لِتَحْرِيمِ النَّفْلِ إذَنْ، (وَلَا) يَرْكَعُهُمَا (عَادِمُ مَاءٍ وَتُرَابٍ) ، لِحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ إحْرَامِهِ، صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. (وَ) سُنَّ لَهُ (أَنْ يُعَيِّنَ نُسُكًا) فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ مِنْ عُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، (وَيَلْفِظُ بِهِ) ، أَيْ: بِمَا عَيَّنَهُ، لِلْأَخْبَارِ، (وَأَنْ يَشْتَرِطَ) ، لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ مُسْتَحَبٌّ، وَكَوْنُهُ بِالْقَوْلِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ

عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ " لِحَدِيثِ «ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ حِينَ قَالَتْ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَجِدُنِي وَجِعَةً، فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقَوْلِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ النَّسَائِيّ: «فَإِنَّ لَك عَلَى رَبِّك مَا اسْتَثْنَيْت» . (فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ، فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي) . وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَهُ فِي الصَّلَاةِ لِقِصَرِ مُدَّتِهَا (وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) ، أَوْ: فَلِي أَنْ أُحِلَّ، (وَكَيْف اشْتَرَطَ جَازَ) ، فَلَوْ اشْتَرَطَ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَى الِاشْتِرَاطِ، (كَقَوْلِهِ) : اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الْفُلَانِيَّ (أَنْ تُيَسِّرَ لِي وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ) ، جَازَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ (وَيَسْتَفِيدُ بِهِ) ، أَيْ: بِاشْتِرَاطِهِ، (أَنَّهُ مَتَى حُبِسَ بِمَرَضٍ) أَوْ عَاقَهُ عَدُوٌّ (أَوْ غَيْرُهُ) كَذَهَابِ نَفَقَتِهِ (حَلَّ مَجَّانًا) نَصًّا. قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَيَلْزَمُهُ نَحْوُهُ، (وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِشَرْطٍ، أَوْ شَرَطَ أَنْ يَحِلَّ مَتَى شَاءَ، أَوْ إنْ أَفْسَدَهُ لَمْ يَقْضِهِ، لَمْ يَصِحَّ) شَرْطُهُ، لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ، (وَشُرِطَ تَنْجِيزُ إحْرَامٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ (مُعَلَّقًا، ك) قَوْلِهِ: (إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ، أَوْ قَدِمَ) زَيْدٌ، (فَأَنَا مُحْرِمٌ) ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِذَلِكَ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ عَلَّقَ) إحْرَامَهُ عَلَى الْمَشِيئَةِ، كَقَوْلِهِ: أَنَا مُحْرِمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ: بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَيْسِيرِهِ، فَحُكْمُهُ (كَصَوْمٍ) عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إنْ قَصَدَ بِالْمَشِيئَةِ التَّبَرُّكَ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ إنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي الْعَزْمِ وَالْقَصْدِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ (مُتَلَاعِبًا) ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

فصل تخيير المحرم بين ثلاثة أشياء

(وَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ (فَاسِدًا حَالَ جِمَاعٍ) ، لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِهِ إنْ وَقَعَ فِي أَثْنَائِهِ، وَإِنَّمَا يَفْسُدُ (وَيَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) وَيَقْضِيهِ كَمَا يَأْتِي، (وَيَبْطُلُ) إحْرَامُهُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ (بِرِدَّةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، و (لَا) يَبْطُلُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ (بِجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ وَسُكْرٍ وَمَوْتٍ) ، لِخَبَرِ الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، (وَلَا يَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ (مَعَ وُجُودِ أَحَدِهَا) ، أَيْ: الْإِغْمَاءِ أَوْ الْجُنُونِ أَوْ السُّكْرِ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ [فَصْلٌ تخيير الْمُحْرِم بَيْن ثَلَاثَة أَشْيَاء] (فَصْلٌ) (وَيُخَيَّرُ مَرِيدُ إحْرَامٍ بَيْنَ) ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: (تَمَتُّعٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ) نَصًّا، قَالَ: لِأَنَّهُ آخِرُ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: كَانَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدُّخُولَ بِعُمْرَةٍ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا وَسَعَوْا أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ هَدْيًا وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ، لَسَوْقِهِ الْهَدْيَ، وَتَأَسَّفَ بِقَوْلِهِ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْت مَعَكُمْ» وَلَا يَنْقُلُ أَصْحَابَهُ إلَّا إلَى الْأَفْضَلِ، وَلَا يَتَأَسَّفُ إلَّا عَلَيْهِ، لَا يُقَالُ: أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ، لَيْسَ لِفَضْلِ التَّمَتُّعِ، وَأَنَّمَا هُوَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ، ثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ، لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الِاعْتِقَادِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَأَسَّفْ هُوَ، لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَجَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ سَوْقَ الْهَدْيِ، وَلِمَا فِي التَّمَتُّعِ مِنْ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ مَعَ كَمَالِ أَفْعَالِ النُّسُكَيْنِ. (فَإِفْرَادٌ) ، لِأَنَّ فِيهِ كَمَالَ أَفْعَالِ النُّسُكَيْنِ.

(فَقِرَانٌ) ، وَاخْتُلِفَ فِي حَجَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَشُكُّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا، وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ. (فَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَيَفْرُغُ مِنْهَا، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " (ثُمَّ) يُحْرِمُ (بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ فِي عَامِهِ (مِنْ أَيْنَ شَاءَ) ، أَيْ: مَكَّةَ أَوْ قُرْبِهَا أَوْ بَعِيدٍ مِنْهَا، (بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، فَلَوْ كَانَ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا وَلَوْ أَتَمَّ أَفْعَالَهَا فِي أَشْهُرِهِ، وَإِنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ صَارَ قَارِنًا. (وَالْإِفْرَادُ: أَنْ يُحْرِمَ) ابْتِدَاءً (بِحَجٍّ ثُمَّ) يُحْرِمَ (بِعُمْرَةٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ) ، أَيْ: الْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ، اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ. (وَالْقِرَانُ: أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا) أَيْ: بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (مَعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، ابْتِدَاءً (ثُمَّ يُدْخِلَهُ) ، أَيْ: الْحَجَّ، (عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، وَيَصِحُّ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ، وَقَالَ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيَكُونُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا (قَبْلَ شُرُوعٍ فِي طَوَافِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، كَمَا لَوْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ سَعْيِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ لَا (وَيَصِحُّ) إدْخَالُ حَجٍّ عَلَى عُمْرَةٍ (مِمَّنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَلَوْ بَعْدَ سَعْيِهَا) ، بَلْ يَلْزَمُهُ كَمَا يَأْتِي لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ، (وَيَصِيرُ قَارِنًا) عَلَى الْمَذْهَبِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُبْدِعِ وَ " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى " هُنَا، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي " الْإِنْصَافِ "، وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ": فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يَصِيرُ قَارِنًا (وَلَوْ)

كَانَ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ (بِغَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، لِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ قَبْلَهَا، كَمَا تَقَدَّمَ. (وَتَنْدَرِجُ أَفْعَالُ عُمْرَةِ قَارِنٍ بِحَجٍّ) ، فَيَكْفِيهِ طَوَافٌ وَسَعْيٌ لَهُمَا، قَالَ فِي " الْإِقْنَاعِ وَشَرْحِهِ ": وَيَسْقُطُ تَرْتِيبُ الْعُمْرَةِ، وَيَصِيرُ التَّرْتِيبُ لِلْحَجِّ، كَمَا يَتَأَخَّرُ الْحِلَاقُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَوَطْؤُهُ قَبْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَا يُفْسِدُ عُمْرَتَهُ، أَيْ: إذَا وَطِئَ وَطْئًا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ، مِثْلُ إنْ وَطِئَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ دَخَلَهَا وَلَمْ يَطُفْ لِقُدُومِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ، وَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ لَمْ تَفْسُدْ عُمْرَتُهُ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: " وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَمَنْ أَحْرَمَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (ثُمَّ أَدْخَلَهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةَ (عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ بِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ وَلَمْ يُسْتَفَدْ بِهِ فَائِدَةٌ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَلَا يَصِيرُ قَارِنًا. (وَيَجِبُ عَلَى مُتَمَتِّعٍ دَمٌ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، (وَ) يَجِبُ عَلَى (قَارِنٍ دَمٌ) ، لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ كَالْمُتَمَتِّعِ، وَهُوَ دَمُ (نُسُكٍ لَا) دَمُ (جُبْرَانٍ) ، إذْ لَا نَقْصَ فِي التَّمَتُّعِ يُجْبَرُ بِهِ، (بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَا) ، أَيْ: الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ (مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196] (وَهُمْ) ، أَيْ: حَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: (أَهْلُ الْحَرَمِ، وَمَنْ هُوَ مِنْهُ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ، لِأَنَّ حَاضِرَ الشَّيْءِ مَنْ حَلَّ فِيهِ، أَوْ قَرُبَ مِنْهُ، أَوْ جَاوَرَهُ، بِدَلِيلِ رُخَصِ السَّفَرِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْزِلَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ،

فَلَا دَمَ، (فَلَوْ اسْتَوْطَنَ أُفُقِيٌّ) لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ (مَكَّةَ، أَوْ مَا قَارَبَهَا، فَحَاضِرٌ) لَا دَمَ عَلَيْهِ، لِدُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ، (أَوْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ بِمَكَّةَ) ، أَوْ قُرْبَهَا، (وَالْبَعْضُ الْآخَرُ عَنْهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، بِمَنْزِلِهِ (فَوْقَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. (وَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ الْمَنْزِلِ الْأَبْعَدِ، أَوْ كَانَتْ إقَامَتُهُ أَوْ إقَامَةُ مَالِهِ بِهِ) ، أَيْ: الْبَعِيدِ، (أَكْثَرَ) ، لَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ تَمَتُّعٍ، لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِهِ (مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ. (وَمَنْ دَخَلَهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، (وَلَوْ نَاوِيًا لِإِقَامَةٍ) بِهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ، (أَوْ) كَانَ الدَّاخِلُ (مَكِّيًّا اسْتَوْطَنَ بَلَدًا بَعِيدًا) مَسَافَةَ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ عَنْ الْحَرَمِ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا (مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، لَزِمَهُ دَمٌ) ، وَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهَا، لِأَنَّهُ حَالَ أَدَاءِ نُسُكِهِ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا. (وَشُرِطَ فِي) وُجُوبِ دَمِ (مُتَمَتِّعٍ وَحْدَهُ) ، أَيْ: دُونَ الْقَارِنِ، زِيَادَةً عَمَّا تَقَدَّمَ (سِتَّةُ) شُرُوطٍ: (أَحَدُهَا: أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) ، وَالِاعْتِبَارُ بِالشَّهْرِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهَا فِيهِ، لَا بِاَلَّذِي حَلَّ مِنْهَا فِيهِ، (فَمَنْ أَحْرَمَ بِرَمَضَانَ، وَفَعَلَ الْعُمْرَةَ بِشَوَّالٍ، فَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) : لِأَنَّ الْإِحْرَامَ نُسُكٌ يُعْتَبَرُ لِلْعُمْرَةِ لَا مِنْ أَعْمَالِهَا، فَاعْتُبِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ. (وَالثَّانِي أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ) ، فَلَوْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحَجَّ مِنْ عَامٍ آخَرَ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، لِلْآيَةِ، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُمْ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، فَهَذَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَبَاعُدًا. (وَ) الثَّالِثُ: (أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ (مَسَافَةَ قَصْرٍ، فَإِنْ سَافَرَ) بَيْنَهُمَا الْمَسَافَةَ (فَأَحْرَمَ بِحَجٍّ، فَلَا دَمَ) نَصًّا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ

مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ مَا دُونَهُ، لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَقَدْ أَنْشَأَ سَفَرًا بَعِيدًا لِحَجِّهِ، فَلَمْ يَتَرَفَّهْ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ. (وَ) الرَّابِعُ: (أَنْ يَحِلَّ مِنْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (قَبْلَ إحْرَامِهِ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (وَأَلَّا) يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بِأَنْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (صَارَ قَارِنًا) ، فَيَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ (بِشَرْطِهِ) ، وَهُوَ أَنْ لَا يُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ سَعْيِهَا، لِكَوْنِهِ سَاقَ الْهَدْيَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَفِي الْإِنْصَافِ يَصِيرُ قَارِنًا، وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ (وَ) الْخَامِسُ: (أَنْ يُحْرِمَ بِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (مِنْ مِيقَاتِ) بَلَدِهِ، (أَوْ مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ مَكَّةَ) ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ دُونِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، (وَإِلَّا، بِأَنْ) جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ فِي حَالٍ يَجِبُ فِيهَا الْإِحْرَامُ، (لَزِمَهُ دَمٌ، لِمُجَاوَزَةِ مِيقَاتٍ) مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ بِلَا إحْرَامٍ، (وَكَلَامُ الْإِقْنَاعِ هُنَا غَيْرُ مُحَرَّرٍ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ. (وَ) السَّادِسُ: (أَنْ يَنْوِيَ التَّمَتُّعَ فِي ابْتِدَائِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (أَوْ) فِي (أَثْنَائِهَا) ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَحُصُولِ التَّرَفُّهِ، هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ، إذْ لَا يُقَالُ مُتَمَتِّعٌ لِمُحْرِمٍ قَبْلَ فَرَاغِهِ، إلَّا إذَا كَانَ عَازِمًا عَلَى ذَلِكَ، نَاوِيًا لَهُ، خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ، (فَلَا تَكْفِي نِيَّةُ الْعُمْرَةِ فَقَطْ) ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْحَجِّ، وَلَا يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِ دَمِ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ (وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ) ، أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، (فَلَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ وَحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ) ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ

اعْتَمَرَ عَنْ غَيْرِهِ، وَحَجَّ لِنَفْسِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ اثْنَيْنِ) بِأَنْ اعْتَمَرَ عَنْ وَاحِدٍ وَحَجَّ عَنْ آخَرَ (بِلَا إذْنٍ) مِنْهُمَا، (فَعَلَيْهِ دَمُ تَمَتُّعٍ) مِنْ مَالِهِ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ، فَيُحْرِمُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ بِسَبَبِ مُخَالِفَتِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَإِلَّا) يُحْرِمُ مُتَمَتِّعًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، (فَعَلَيْهِمَا) الدَّمُ (نِصْفَيْنِ إنْ تَمَتَّعَ بِإِذْنِهِمَا) ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَذِنَا لَهُ فِيهِ، وَإِنْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ، فَعَلَيْهِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي عَلَى النَّائِبِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَيَتَّجِهُ أَيْضًا: (وَكَذَا صَوْمٌ) وَجَبَ عَلَى نَائِبٍ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّمَتُّعِ، فَعَلَى مُسْتَنِيبِهِ وَإِنْ كَانَ بِلَا إذْنٍ؛ فَعَلَيْهِ. هَذَا إنْ كَانَ نَائِبًا عَنْ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ نَائِبًا عَنْ اثْنَيْنِ فَأَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا بِلَا إذْنِهِمَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ، (وَ) إنْ كَانَ بِإِذْنِهِمَا (احْتَمَلَ) أَنَّهُ (يَصُومُ نَائِبٌ الثَّلَاثَةَ، وَهُمَا) ، أَيْ: الْآذِنَانِ (السَّبْعَةَ) ، وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ، فَيَصُومُ كُلُّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، لِأَنَّ الْيَوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي الصِّيَامِ، (أَوْ) احْتَمَلَ أَنْ يَصُومَا (الْعَشَرَةَ) ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، لِوُجُوبِ ذَلِكَ بِسَبَبِهِمَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا) تُعْتَبَرُ

(هَذِهِ الشُّرُوطُ) جَمِيعُهَا (فِي كَوْنِهِ) يُسَمَّى (مُتَمَتِّعًا) ، فَإِنَّ الْمُتْعَةَ تَصِحُّ مِنْ الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَى الْمَكِّيِّ، (وَيَلْزَمُ الدَّمُ) ، أَيْ: دَمُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، (بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، أَيْ: فَلْيُهْدِ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَفْعَالِهِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى إحْرَامِهِ، كَقَوْلِهِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَيَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، (وَيَأْتِي وَقْتُ ذَبْحِهِ) فِي بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ. (وَلَا يَسْقُطُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ بِفَسَادِ نُسُكِهِمَا) ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ وَجَبَ فِي الْفَاسِدِ، كَالطَّوَافِ وَغَيْرِهِ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَسْقُطُ دَمُهُمَا (بِفَوَاتِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، كَمَا لَوْ فَسَدَ، (وَإِذَا قَضَى

الْقَارِنُ قَارِنًا، لَزِمَهُ دَمَانِ، دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ، وَدَمٌ ل) قِرَانٍ (ثَانٍ وَإِنْ قَضَى) الْقَارِنُ (مُفْرِدًا، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) ، لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِنُسُكٍ أَفْضَلَ مِنْ نُسُكِهِ، (وَجَزْمُ جَمْعٍ) بِأَنَّهُ (يَلْزَمُهُ دَمٌ لِقِرَانِهِ الْأَوَّلِ) ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْأَدَاءُ، وَهَذَا مَرْجُوحٌ، وَالْمَذْهَبُ: لَا دَمَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، (فَإِذَا فَرَغَ) مَنْ قَضَى مُفْرَدًا مِنْ الْحَجِّ، (أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَبْعَدِ مِيقَاتَيْهِ) اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِي أَحَدِهِمَا بِالْقِرَانِ، وَفِي الْآخَرِ بِالْحَجِّ، كَمَنْ فَسَدَ حَجُّهُ ثُمَّ قَضَاهُ، يُحْرِمُ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، (وَإِلَّا) يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ، (ف) يَلْزَمُهُ (دَمٌ) ، لِتَرْكِهِ وَاجِبًا، (وَإِنْ قَضَى) الْقَارِنُ (مُتَمَتِّعًا، أَحْرَمَ بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (مِنْ الْأَبْعَدِ) مِنْ الْمِيقَاتَيْنِ (إذَا فَرَغَ مِنْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَبْعَدُ الْأَوَّلَ فَالْقَضَاءُ يَحْكِيهِ، لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ قِصَاصٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِحُلُولٍ فِيهِ، لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى صِفَةٍ أَعْلَى وَلَا لِلْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ لَا تَرَفُّهَ فِيهِ بِتَرْكِ السَّفَرِ، إذْ يَلْزَمُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْعُمْرَةِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ أَبْعَدِ الْمِيقَاتَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ مِنْ أَحَدِهِمَا قَارِنًا، وَمِنْ آخَرَ بِالْعُمْرَةِ. (وَسُنَّ لِمُفْرَدٍ وَقَارِنٍ فَسْخُ نِيَّتِهِمَا بِحَجٍّ) نَصًّا، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ، وَقَرَنُوا أَنْ يَحِلُّوا كُلُّهُمْ، وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْك حَسَنٌ جَمِيلٌ، إلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً، فَقَالَ مَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ بِفَسْخِ الْحَجِّ، قَالَ: كُنْت أَرَى أَنَّ لَك عَقْلًا، عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا جِيَادًا، كُلُّهَا فِي فَسْخِ الْحَجِّ، أَتْرُكُهَا لِقَوْلِك؟ ، وَقَدْ رَوَى فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ: ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ، وَأَحَادِيثُهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَرَوَاهُ غَيْرُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ. وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ":

لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ وُجُوبَ الْفَسْخِ لَمْ يَبْعُدْ، مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ: وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا قَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، صَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا» وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَسْخَ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ لَا إبْطَالَهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَسْأَلَتِنَا، قَالَهُ الْقَاضِي. (وَيَنْوِيَانِ) ، أَيْ: الْمُفْرَدُ وَالْقَارِنُ (بِإِحْرَامِهِمَا ذَلِكَ) الَّذِي هُوَ إفْرَادٌ أَوْ قِرَانٌ، (عُمْرَةً مُفْرِدَةً) ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمَا قَدْ طَافَ وَسَعَى، قَصَّرَ وَحَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَافَ وَسَعَى، فَإِنَّهُ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيُقَصِّرُ وَيَحِلُّ، (فَإِذَا حَلَّا) مِنْ الْعُمْرَةِ (أَحْرَمَا بِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (لِيَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْنِ) ، وَيُتِمَّانِ أَفْعَالَ الْحَجِّ، (وَلَوْ طَافَا وَسَعَيَا، فَيُقَصِّرَانِ وَقَدْ حَلَّا، مَا لَمْ يَسُوقَا هَدْيًا) ، فَإِنْ سَاقَاهُ لَمْ يَصِحَّ الْفَسْخُ لِلْخَبَرِ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: الْهَدْيُ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَلُّلِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَفِي الْعَشْرِ وَغَيْرِهِ، (أَوْ يَقِفَا بِعَرَفَةَ) ، فَلَا يَفْسَخَانِ، فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَتَى بِمُعْظَمِ الْحَجِّ، وَأَمِنَ مِنْ فَوْتِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ. (فَلَوْ فَسَخَا فِي الْحَالَتَيْنِ) ، أَيْ: فِيمَا إذَا سَاقَا هَدْيًا أَوْ وَقَفَا بِعَرَفَةَ، (فَلَغْوٌ) لِمَا سَبَقَ، وَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى نُسُكِهِمَا الَّذِي أَحْرَمَا بِهِ، (وَإِنْ سَاقَهُ) ، أَيْ: الْهَدْيَ (مُتَمَتِّعٌ) ، بِأَنْ أَتَى بِهِ مَعَهُ مِنْ الْحِلِّ، (لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحِلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ، (فَيُحْرِمُ بِحَجٍّ إذَا طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ قَبْلَ تَحْلِيلٍ بِحَلْقٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَقَالَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ» (فَإِذَا ذَبَحَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، حَلَّ مِنْهُمَا) ،

أَيْ: مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (مَعًا) نَصًّا، لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَحَدُ نَوْعِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كَالْقِرَانِ، وَلَا يَصِيرُ قَارِنًا لِاضْطِرَارِهِ لِإِدْخَالِ حَجٍّ عَلَى عُمْرَتِهِ. (وَيَتَّجِهُ: أَنَّهُ) ، أَيْ: سَائِقُ الْهَدْيِ (فِي هَذِهِ) الْحَالَةِ (قَارِنٌ) لَا مُتَمَتِّعٌ، عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْإِنْصَافِ " وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ " وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، بَلْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا، صَارَ قَارِنًا، وَمُقْتَضَى صَنِيعِ شَارِحِ الْمُنْتَهَى " فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ يَأْبَى ذَلِكَ. (وَالْمُعْتَمِرُ غَيْرُ الْمُتَمَتِّعِ، يَحِلُّ بِكُلِّ حَالٍ) إذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) " لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهَا، بَعْضُهُنَّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، فَكَانَ يَحِلُّ» . (وَالْمُتَمَتِّعَةُ إنْ حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ (قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ، فَخَشِيَتْ) فَوَاتَ الْحَجِّ، (أَوْ) خَشِيَ (غَيْرُهَا فَوَاتَ الْحَجِّ، أَحْرَمَتْ بِهِ) وُجُوبًا، كَغَيْرِهَا مِمَّنْ خَشِيَ فَوْتَهُ، لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ، فَهَذَا طَرِيقُهُ، (وَصَارَتْ قَارِنَةً) ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «إنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً، فَحَاضَتْ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَهِلِّي بِالْحَجِّ» (وَلَمْ تَقْضِ طَوَافَ الْقُدُومِ) ، لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ، كَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ، (وَيَجِبُ عَلَى قَارِنٍ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ زَمَنَهُ (قَبْلَ طَوَافٍ وَسَعْيٍ) ، أَوْ بَعْدَهُ (دَمُ قِرَانٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ، كَمَا تَقَدَّمَ، (وَتَسْقُطُ الْعُمْرَةُ) عَنْ الْقَارِنِ، فَتَنْدَرِجُ أَفْعَالُهَا فِي الْحَجِّ، (كَذَا) مُقْتَضَى

فصل من أحرم وأطلق بأن لم يعين نسكا

صَنِيعِهِ (فِي الْمُنْتَهَى ") أَنَّهُ إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَطَافَ وَسَعَى لَهَا، ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا لَسَوْقِهِ الْهَدْيَ، فَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، وَلَيْسَ بِقَارِنٍ، وَالْمُعْتَمَدُ: أَنَّهُ قَارِنٌ، وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ. [فَصْلٌ مَنْ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا] (فَصْلٌ) (وَمَنْ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ، بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ نُسُكًا، صَحَّ) إحْرَامُهُ، (وِفَاقًا) ، نَصَّ عَلَيْهِ كَإِحْرَامِهِ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ فُلَانٌ، (وَصَرْفُهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ (لِمَا شَاءَ) مِنْ الْأَنْسَاكِ (بِنِيَّتِهِ) لَا بِلَفْظِهِ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ بِأَيِّهَا شَاءَ، فَكَانَ لَهُ صَرْفُ الْمُطْلَقِ إلَى ذَلِكَ، (وَمَا عَمِلَ) مَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا (قَبْلَ) صَرْفِهِ، (فَلَغْوٌ) لَا يُعْتَدُّ بِهِ، (وَ) إنْ أَحْرَمَ (بِمَا) أَحْرَمَ فُلَانٌ (أَوْ) أَحْرَمَ (بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ) بِهِ (فُلَانٌ، وَعَلِمَ) مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ قَبْلَ إحْرَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ، (انْعَقَدَ) إحْرَامُهُ (بِمِثْلِهِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِمَ أَهْلَلْت؟ فَقَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَاهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا» وَعَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوَهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (فَإِنْ تَبَيَّنَ إطْلَاقُهُ) ، أَيْ: إحْرَامِ فُلَانٍ، بِأَنْ كَانَ أَحْرَمَ وَأَطْلَقَ، (فَلِلثَّانِي) الَّذِي أَحْرَمَ بِمِثْلِهِ (صَرْفُهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ (لِمَا شَاءَ) مِنْ الْأَنْسَاكِ، و (لَا) يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ (لِمَا يَصْرِفُهُ) إلَيْهِ الْأَوَّلُ (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا إلَى مَا كَانَ (صَرَفَهُ) إلَيْهِ (فُلَانٌ) بَعْدَ إحْرَامِهِ مُطْلَقًا، وَيَعْمَلُ الثَّانِي بِقَوْلِ الْأَوَّلِ، لَا بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ، (وَإِنْ جَهِلَ) مَنْ أَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ فُلَانٌ صِفَةَ (إحْرَامِهِ) ، أَيْ: فُلَانٍ، (سُنَّ) لِلثَّانِي (صَرْفُهُ عُمْرَةً) ، لِصِحَّةِ فَسْخِ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ إلَيْهَا، (وَلَوْ

شَكَّ) الَّذِي أَحْرَمَ فُلَانٌ بِمِثْلِهِ، (هَلْ أَحْرَمَ الْأَوَّلُ، فَكَمَا لَوْ لَمْ يُحْرِمْ) الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمٌ، (فَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ (مُطْلَقًا، فَيَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ) مِنْ الْأَنْسَاكِ. (وَيَتَّجِهُ: لَوْ تَبَيَّنَ) لِلثَّانِي (الْحَالُ) ، أَيْ: حَالُ الْأَوَّلِ مِنْ إطْلَاقٍ أَوْ تَعْيِينٍ (بَعْدَ) جَهْلِهِ بِحَالِهِ، (ف) حُكْمُهُ (مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ) ، عَلَى مَا يَأْتِي قَرِيبًا. (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ كَإِحْرَامِ اثْنَيْنِ، وَاتَّفَقَ نُسُكُهُمَا) ، أَيْ: الِاثْنَيْنِ، (فَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمَا) ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، (وَإِلَّا) يَتَّفِقُ نُسُكُهُمَا، فَمَنْ أَحْرَمَ بِإِحْرَامِهِمَا أَوْ بِمِثْلِ إحْرَامِهِمَا، (ف) هُوَ (قَارِنٌ) ، لِأَنَّ الْقِرَانَ صِفَةُ حَجِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَوْ كَانَ إحْرَامُ الْأَوَّلِ فَاسِدًا) بِأَنْ وَطِئَ فِيهِ، (انْعَقَدَ) إحْرَامُ (الثَّانِي بِمِثْلِهِ) مِنْ الْأَنْسَاكِ (صَحِيحًا) ، وَيَأْتِي بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. (وَيَصِحُّ) وَيَنْعَقِدُ إحْرَامُ قَائِلٍ: (أَحْرَمْت يَوْمًا، أَوْ) : أَحْرَمْت (بِنِصْفِ نُسُكٍ وَنَحْوِهِمَا) ، كَأَحْرَمْت نِصْفَ يَوْمٍ، أَوْ بِثُلُثِ نُسُكٍ، (فَلَا يَتَبَعَّضُ) ، لِأَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ زَمَنًا لَمْ يَصِرْ حَلَالًا فِيمَا بَعْدَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ نُسُكَهُ، (كَطَلَاقِ) امْرَأَتِهِ نِصْفَ طَلْقَةٍ، فَتَطْلُقُ طَلْقَةً كَامِلَةً إذْ الطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ. (وَلَا) يَصِحُّ إحْرَامُ قَائِلٍ: (إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ) مَثَلًا

(فَأَنَا مُحْرِمٌ) ، لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِتَعْلِيقِهِ إحْرَامَهُ، وَكَذَا: إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا، فَقَدْ أَحْرَمْت، فَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، لِعَدَمِ جَزْمِهِ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْبَابِ السَّابِقِ: وَشُرِطَ تَنْجِيزُ إحْرَامٍ، فَلَا يَنْعَقِدُ مُعَلَّقًا ك: إنْ أَحْرَمَ زَيْدٌ أَوْ قَدِمَ، فَأَنَا مُحْرِمٌ. (وَمَنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ) انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا، (أَوْ) أَحْرَمَ (بِعُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا، وَلَغَتْ الْأُخْرَى) ، لِأَنَّ الزَّمَنَ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا مُجْتَمِعَتَيْنِ، فَصَحَّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا كَبَقِيَّةِ أَفْعَالِهِمَا، وَكَنَذْرِهِمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ إحْدَاهُمَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ، لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ لَهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ اللَّاغِيَةِ، وَكَنِيَّةِ صَوِّمِينِ فِي يَوْمٍ. (وَ) مَنْ أَحْرَمَ (بِنُسُكٍ) تَمَتُّعٍ، أَوْ إفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ، أَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرٍ (وَنَسِيَهُ) ، أَيْ: مَا أَحْرَمَ بِهِ، أَوْ نَسِيَ مَا نَذَرَهُ (قَبْلَ طَوَافٍ، صَرَفَهُ لِعُمْرَةٍ نَدْبًا) ، لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، (وَيَجُوزُ) صَرْفُ إحْرَامِهِ (لِغَيْرِهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمَانِعِ، فَإِنَّ صَرَفَهُ. (إلَى قِرَانٍ أَوْ) إلَى (إفْرَادٍ، يَصِحُّ حَجًّا فَقَطْ، لِاحْتِمَالِ) أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ حَجًّا مُفْرَدًا، فَلَا يَصِحُّ (إدْخَالُهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (عَلَيْهِ) ، فَلَا تَسْقُطُ بِالشَّكِّ، (وَلَا دَمَ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَلَا قَارِنٍ، (وَ) إنْ صَرَفَهُ (إلَى تَمَتُّعٍ فَكَفَسْخِ حَجٍّ لِعُمْرَةٍ) ، فَيَصِحُّ إنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَسُقْ هَدْيًا، لِأَنَّ قُصَارَاهُ أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ قَارِنًا أَوْ مُفْرَدًا، وَفَسْخُهُمَا صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ، و (يَلْزَمُهُ دَمُ مُتْعَةٍ بِشُرُوطِهِ) ، لِلْآيَةِ، وَيُجْزِئُهُ تَمَتُّعُهُ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لِصِحَّتِهِمَا بِكُلِّ حَالٍ. (وَ) إنْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، أَوْ نَذَرَهُ (بَعْدَ طَوَافٍ وَلَا هَدْيَ مَعَهُ) ، أَيْ: النَّاسِي، (يَتَعَيَّنُ) صَرْفُهُ (إلَيْهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (لِامْتِنَاعِ إدْخَالِهِ) ، أَيْ: الْحَجِّ، (عَلَيْهَا إذَنْ) ، أَيْ: بَعْدَ طَوَافِهَا لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ.

(وَيَتَّجِهُ: لُزُومُ) نَاسِي مَا أَحْرَمَ بِهِ بَعْدَهُ، وَقَدْ صَرَفَ نُسُكَهُ إلَى الْعُمْرَةِ لِعَدَمِ الْهَدْيِ (إعَادَةُ طَوَافٍ) ، لِعَدَمِ صَرْفِهِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ إلَى نُسُكٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِأَنَّهُ طَافَ لَا فِي حَجٍّ وَلَا فِي عُمْرَةٍ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي " وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَيَسْعَى) النَّاسِي (وَيَحْلِقُ) أَوْ يُقَصِّرُ (ثُمَّ يُحْرِمُ بِحَجٍّ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ وُقُوفٍ) بِعَرَفَةَ، (وَيُتِمُّهُ) ، أَيْ: الْحَجَّ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهُ لِتَأْدِيَتِهِ إيَّاهُ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَا دَمَ لِلْحَلْقِ إذْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَاجًّا بِإِفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ، خِلَافًا لَهُمَا) ، أَيْ: " لِلْمُنْتَهَى " والْإِقْنَاعِ " حَيْثُ أَوْجَبَا عَلَيْهِ الدَّمَ لِحَلْقِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، (لِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ فُسِخَ بِالصَّرْفِ) إلَى الْعُمْرَةِ، كَذَا قَالَ، وَعِبَارَةُ الْإِقْنَاعِ: وَإِنْ كَانَ شَكُّهُ بَعْدَ الطَّوَافِ، صَرَفَهُ إلَى الْعُمْرَةِ، وَلَا يَجْعَلُهُ حَجًّا وَلَا قِرَانًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ لِمَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ، فَيَسْعَى وَيَحْلِقُ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِهِ، وَيُتِمُّهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهُ، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ حَجًّا أَوْ قِرَانًا، فَقَدْ حَلَقَ فِيهِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، وَفِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، فَقَدْ تَحَلَّلَ، ثُمَّ حَجَّ، وَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَقَالَ فِي " الْمُنْتَهَى " فَإِنْ حَلَقَ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْوُقُوفِ، يُحْرِمُ بِحَجٍّ وَيُتِمُّهُ، وَعَلَيْهِ لِلْحَلْقِ دَمٌ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَاجًّا، وَمَا قَالَهُ جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَ " الْمُبْدِعِ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ " وَغَيْرُهُمْ. (وَمَعَ مُخَالِفَتِهِ) مَا سَبَقَ،

(بِصَرْفِهِ) نُسُكَهُ مَعَ نِسْيَانِهِ بَعْدَ طَوَافٍ، وَلَا هَدْيَ مَعَهُ (لِحَجٍّ أَوْ قِرَانٍ، وَجَهِلَ الْحَالَةَ يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ حَجٍّ) كَمَا يَأْتِي، (وَلَمْ يُجْزِئْهُ) فِعْلُهُ ذَلِكَ (عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ لِلشَّكِّ) فِي سَبَبِهِمَا، (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ (وَلَا قَضَاءَ) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ، (وَمَا) كَانَ (عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبٍ) فَهُوَ بَاقٍ (فِي ذِمَّتِهِ يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ) ، لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (لُزُومُ قَضَاءِ حَجٍّ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ حَلْقٍ) فَقَطْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ إحْلَالُهُ بِذَلِكَ، إذْ عِبَارَاتُهُمْ طَافِحَةٌ فِي أَنَّ مَنْ حَلَقَ وَطَافَ، ثُمَّ وَاقَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ الرَّمْيِ، فَحَجُّهُ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ) كَانَ (مَعَهُ هَدْيٌ) وَطَافَ، ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، (صَرَفَهُ لِحَجٍّ) وُجُوبًا، (وَأَجْزَأَهُ حَجُّهُ) عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (فَقَطْ) ، لِصِحَّتِهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ تَمَامِ نُسُكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَيَأْتِي) فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ (حُكْمُ) مَنْ طَافَ (أَحَدَ طَوَافَيْنِ بِحَدَثٍ، وَجَهْلٍ) ، مُسْتَوْفًى.

فصل ما يسن لمن أحرم سواء عين نسكا أو أطلق

(وَمَنْ أَهَلَّ لِعَامَيْنِ، بِأَنْ قَالَ: لَبَّيْكَ الْعَامَ وَالْعَامَ الْقَابِلَ، حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَاعْتَمَرَ مِنْ) عَامٍ (قَابِلٍ) ، قَالَهُ عَطَاءٌ، حَكَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ وَمُقْتَضَاهُ: وُجُوبُ ذَلِكَ. (وَيَتَّجِهُ: بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: أَنْ فَعَلَ (ذَلِكَ) ، أَيْ: كَوْنُهُ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ وَيَعْتَمِرُ مِنْ قَابِلٍ، (نَدْبٌ) إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ، لَوْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَرْفَقُ فِي حَقِّهِ، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ عُهْدَةِ الْعَوْدِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ عَلَى فَرْضِ بَقَائِهِ حَيًّا مُسْتَطِيعًا، وَإِلَّا فَتَبْقَى ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً إلَى أَنْ يُقْضَى عَنْهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْوُجُوبِ وَلَا النَّدْبِ، لِعَدَمِ جَزْمِهِمْ بِهِ، فَصَارَ لِلِاحْتِمَالِ مَجَالٌ. [فَصْلٌ مَا يَسُنّ لِمَنْ أَحْرَمَ سَوَاءٌ عَيَّنَ نُسُكًا أَوْ أَطْلَقَ] (فَصْلٌ) (وَسُنَّ) لِمَنْ أَحْرَمَ سَوَاءٌ عَيَّنَ نُسُكًا أَوْ أَطْلَقَ (عَقِبَ إحْرَامِهِ تَلْبِيَةٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك، وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك» . الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (حَتَّى عَنْ أَخْرَسَ وَمَرِيضٍ) ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَنَائِمٍ، وَأَنْ تَكُونَ (كَتَلْبِيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] وَهِيَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك» ) لِلْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ

قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ: أَلَبَّ بِالْمَكَانِ، إذَا لَزِمَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِك، وَكَرَّرَهُ لِأَنَّهُ أَرَادَ إقَامَةً بَعْدَ إقَامَةٍ، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّثْنِيَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ التَّكْثِيرُ كَحَنَانَيْكَ، وَالْحَنَانُ الرَّحْمَةُ. وَقِيلَ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ: إجَابَةُ دَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ حِينَ نَادَى بِالْحَجِّ، وَقِيلَ: مُحَمَّدٍ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ اللَّهُ تَعَالَى. (وَاخْتِيرَ كَسْرُ هَمْزَةِ إنَّ) نَصًّا، لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ، قَالَ ثَعْلَبٌ: مَنْ كَسَرَ فَقَدْ عَمَّ، يَعْنِي: حَمِدَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتَحَ فَقَدْ خَصَّ، أَيْ: لَبَّيْكَ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَك. (وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ) عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَزِمَ تَلْبِيَةً فَكَرَّرَهَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، وَلَمْ تُكْرَهْ نَصًّا، (فَقَدْ زَادَ ابْنُ عُمَرَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ) ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ عُمَرُ: لَبَّيْكَ وَالنَّعْمَاءُ وَالْفَضْلُ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًا إلَيْك لَبَّيْكَ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرُوِيَ أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَزِيدُ: لَبَّيْكَ حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا. (وَسُنَّ ذِكْرُ نُسُكِهِ فِيهَا) ، أَيْ: التَّلْبِيَةِ، (وَ) سُنَّ (بَدْءُ قَارِنٍ بِذِكْرِ عُمْرَةٍ) كَقَوْلِهِ: (لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا) ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. (و) سُنَّ (دُعَاءٌ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ، وَيَسْأَلُ) اللَّهَ (الْجَنَّةَ، يَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ النَّارِ) ، لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ مَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْ النَّارِ» (وَ) سُنَّ (صَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، بَعْدَ التَّلْبِيَةِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ شُرِعَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَشُرِعَ فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِهِ، كَأَذَانٍ. (وَ) سُنَّ (إكْثَارُ تَلْبِيَةٍ) ، لِخَبَرِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَابْنُ مَاجَهْ. (وَتَتَأَكَّدُ) التَّلْبِيَةُ (إذَا عَلَا نَشَزًا) ، بِالتَّحْرِيكِ، أَيْ: مَكَانًا مُرْتَفِعًا، (أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً، أَوْ أَقْبَلَ لَيْلٌ أَوْ نَهَارٌ، أَوْ الْتَقَتْ رِفَاقٌ، أَوْ سَمِعَ مُلَبِّيًا، أَوْ أَتَى مَحْظُورًا نَاسِيًا، أَوْ رَكِبَ) دَابَّتَهُ، (أَوْ نَزَلَ) عَنْهَا، (أَوْ رَأَى الْكَعْبَةَ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي فِي حَجَّتِهِ إذَا لَقِيَ رَاكِبًا أَوْ عَلَا أَكَمَةً أَوْ هَبَطَ وَادِيًا، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ» وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا، وَإِذَا عَلَا نَشَزًا وَإِذَا لَقِيَ رَاكِبًا، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. (وَ) سُنَّ (جَهْرُ ذَكَرٍ بِهَا) ، لِقَوْلِ أَنَسٍ: " سَمِعْتهمْ يَصْرُخُونَ بِهَا صُرَاخًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَخَبَرُ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا، أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ» أَسَانِيدُهُ جَيِّدَةٌ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (فِي غَيْرِ مَسَاجِدِ الْحِلِّ وَأَمْصَارِهِ) ، بِخِلَافِ الْبَرَارِي وَعَرَفَاتٍ وَالْحَرَمِ وَمَكَّةَ، قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَحْرَمَ فِي مِصْرِهِ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ حَتَّى يَبْرُزَ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَنْ سَمِعَهُ يُلَبِّي بِالْمَدِينَةِ: إنَّ هَذَا لَمَجْنُونٌ، إنَّمَا التَّلْبِيَةُ إذَا بَرَزْت. (وَ) فِي غَيْرِ (طَوَافِ قُدُومٍ وَسَعْيٍ بَعْدَهُ) ، لِئَلَّا يُخَلِّطَ عَلَى الطَّائِفِينَ وَالسَّامِعِينَ (وَتُشْرَعُ) تَلْبِيَةٌ (بِالْعَرَبِيَّةِ لِقَادِرٍ) عَلَيْهَا كَأَذَانٍ، (وَإِلَّا) يَقْدِرَ عَلَيْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ فَيُلَبِّي (بِلُغَتِهِ) ، لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى، (وَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُ تَلْبِيَةٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ) نَصًّا، قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: سُئِلَ الْأَثْرَمُ: مَا شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ يُلَبُّونَ دُبُرَ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا؟ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: لَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ، قُلْت: أَلَيْسَ يُجْزِئُهُ مَرَّةً؟ قَالَ: بَلَى. (وَاخْتَارَ بَعْضٌ) مِنْ الْأَصْحَابِ كَالْمُوَفَّقِ وَالشَّارِحِ، قَالَا: (تَكْرَارُهَا ثَلَاثًا دُبُرَ الصَّلَاةِ حَسَنٌ) ، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ. (وَكُرِهَ لِأُنْثَى جَهْرٌ) بِتَلْبِيَةٍ

باب محظورات الإحرام

(بِأَكْثَرَ مَا تَسْمَعُ رَفِيقَتُهَا) مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ بِهَا، لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا التَّلْبِيَةَ وِفَاقًا قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ ": قُلْت: وَخُنْثَى مُشْكِلٌ كَأُنْثَى (وَ) كُرِهَ (لَطَائِفٍ بِالْبَيْتِ) جَهْرٌ بِهَا لِئَلَّا يُشْغِلَ الطَّائِفِينَ عَنْ طَوَافِهِمْ وَأَذْكَارِهِمْ الْمَشْرُوعَةِ لَهُمْ. (وَلَا بَأْسَ بِتَلْبِيَةِ حَلَالٍ) كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ [بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ] (بَابُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ) أَيْ: الْمَمْنُوعِ، فِعْلُهُنَّ فِي الْإِحْرَامِ شَرْعًا، وَهِيَ (مَا حُرِّمَ عَلَى مُحْرِمٍ) فِعْلُهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ (وَهِيَ تِسْعَةٌ) : (أَحَدُهَا إزَالَةُ شَعْرٍ مِنْ جَمِيعِ بَدَنِهِ، وَلَوْ مِنْ أَنْفٍ بِلَا عُذْرٍ) بِحَلْقٍ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ، نَصَّ عَلَى حَلْقِ الرَّأْسِ وَعَدَّى إلَى شَعْرِ الْبَدَنِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، إذْ حَلْقُهُ يُؤْذِنُ بِالرَّفَاهِيَةِ، وَهُوَ يُنَافِي الْإِحْرَامَ لِكَوْنِ الْمُحْرِمِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ وَقِيسَ عَلَى الْحَلْقِ النَّتْفُ وَالْقَلْعُ، لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا عُبِّرَ بِهِ فِي النَّصِّ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، فَإِنْ حَصَلَ لَهُ أَذًى (كَخُرُوجِ شَعْرٍ بِعَيْنَيْهِ، وَنُزُولِ شَعْرِ حَاجِبَيْهِ عَلَيْهِمَا فَيُزِيلُهُ، وَلَا فِدْيَةَ كَإِزَالَتِهِ) ، أَيْ: الشَّعْرِ (مَعَ غَيْرِهِ بِقَطْعِ عُضْوٍ أَوْ جِلْدٍ) عَلَيْهِمَا شَعْرٌ، فَلَا فِدْيَةَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّبَعِيَّةِ لِغَيْرِهِ وَالتَّابِعُ لَا يُفْرَدُ بِحُكْمٍ، كَقَطْعِ أَشْعَارِ عَيْنَيْ إنْسَانٍ يَضْمَنُهُمَا دُونَ أَهْدَابِهِمَا. (وَإِنْ حَصَلَ أَذًى بِغَيْرِ شَعْرٍ كَمَرَضٍ وَحَرٍّ وَقَمْلٍ وَصُدَاعٍ وَقَرْعٍ أَزَالَهُ) ، أَيْ: الشَّعْرَ، (وَفَدَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] ، وَلِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ قَالَ: " حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ:

«مَا كُنْتُ أَرَى الْجَهْدَ يَبْلُغُ بِكَ مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟ قُلْتُ: لَا فَنَزَلَتْ {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ} [البقرة: 196] قَالَ: هُوَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ نِصْفَ صَاعٍ طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (الثَّانِي: إزَالَةُ ظُفْرِ يَدٍ، أَوْ) ظُفْرِ (رِجْلٍ) أَصْلِيَّةً أَوْ زَائِدَةً؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الرَّفَاهِيَةُ، فَأَشْبَهَ إزَالَةَ الشَّعْرِ (بِلَا عُذْرٍ، فَإِنْ) عُذِرَ، بِأَنْ (كُسِرَ ظُفْرُهُ أَوْ وَقَعَ بِهِ مَرَضٌ فَأَزَالَهُ) ، لَمْ يُحَرَّمْ، (أَوْ) زَالَ الظُّفْرُ (مَعَ غَيْرِهِ) كَمَا لَوْ زَالَ (مَعَ أُصْبُعِهِ، فَلَا فِدْيَةَ) لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ. (وَتَجِبُ) الْفِدْيَةُ (فِيمَا) ، أَيْ: لِشَعْرٍ، (عُلِمَ أَنَّهُ بَانَ بِمُشْطٍ أَوْ) بَانَ (بِتَخْلِيلٍ) ، كَمَا لَوْ زَالَ بِغَيْرِهِمَا، (وَلَوْ) كَانَ (نَاسِيًا) إذْ لَا أَثَرَ لِلْقَصْدِ وَعَدَمِهِ فِيمَا فِيهِ فِدْيَةٌ، وَإِنْ كَانَ مَيْتًا فَقَطْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (وَهِيَ) ، أَيْ: الْفِدْيَةُ (فِي كُلِّ فَرْدٍ) ، أَيْ: لِشَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ ظُفْرٍ وَاحِدٍ (أَوْ بَعْضِهِ) ، أَيْ: الْفَرْدِ (مِنْ دُونِ ثَلَاثٍ مِنْ شَعْرٍ أَوْ ظُفْرٍ) ، كَشَعْرَتَيْنِ أَوْ ظُفْرَيْنِ أَوْ بَعْضِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا وَبَعْضِ آخَرَ (إطْعَامُ مِسْكِينٍ) وَعَنْ كُلِّ ظُفْرٍ أَوْ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا وَجَبَ فِدْيَةً شَرْعًا. (وَفِي ثَلَاثِ) شَعَرَاتٍ أَوْ أَظْفَارٍ (الْفِدْيَةُ) ، وَهِيَ: شَاةٌ أَوْ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ كَمَا يَأْتِي فِي الْفِدْيَةِ. (وَتُسْتَحَبُّ) الْفِدْيَةُ (مَعَ شَكٍّ) : هَلْ بَانَ الشَّعْرُ بِمَشْطٍ أَوْ تَخْلِيلٍ، أَوْ كَانَ مَيْتًا؟ وَكَذَا لَوْ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ، وَشَكَّ: هَلْ سَقَطَ شَيْءٌ، احْتِيَاطًا (وَمَنْ طَيَّبَ حَيًّا) بِإِذْنِهِ، (أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) بِإِذْنِهِ، (أَوْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ بِإِذْنِهِ) ، فَعَلَى الْمُطَيَّبِ وَالْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ وَالْمُقَلَّمِ ظُفْرُهُ بِإِذْنِهِ الْفِدْيَةُ؛ لِتَفْرِيطِهِ، (أَوْ سَكَتَ) مَفْعُولٌ بِهِ ذَلِكَ: (وَلَمْ يَنْهَهُ) ، أَيْ: وَلَمْ يَنْهَ الْفَاعِلَ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، (وَلَوْ) وَقَعَ ذَلِكَ (مِنْ مُحْرِمٍ) لِمُحْرِمٍ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ دُونَ الْفَاعِلِ، (وَ) حَلَقَ رَأْسَ نَفْسِهِ، أَوْ قَلَّمَ

ظُفْرَ نَفْسِهِ (بِيَدِهِ كُرْهًا، فَعَلَيْهِ) -، أَيْ: الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ، وَالْمُقَلَّمِ ظُفْرُهُ، لَا مَنْ تَطَيَّبَ مُكْرَهًا - (الْفِدْيَةُ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ بِحَلْقِ الرَّأْسِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ غَيْرَهُ يَحْلِقُهُ، وَلِأَنَّ الشَّعْرَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ كَوَدِيعَةٍ، فَإِذَا سَكَتَ، وَلَمْ يَنْهَ الْحَالِقَ، فَقَدْ فَرَّطَ فِيهِ فَيَضْمَنُهُ، وَلِأَنَّهُ إتْلَافٌ، وَهُوَ يَسْتَوِي فِيهِ مَنْ بَاشَرَهُ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا، (وَ) إنْ كَانَ مَحْلُوقًا رَأْسُهُ (مُكْرَهًا) وَحُلِقَتْ رَأْسُهُ (بِيَدِ غَيْرِهِ، أَوْ) كَانَ (نَائِمًا) وَحُلِقَتْ رَأْسُهُ، فَالْفِدْيَةُ (عَلَى فَاعِلٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ مِنْ إزَالَتِهِ كَحَلْقِ مُحْرِمٍ رَأْسَ نَفْسِهِ، (وَلَا فِدْيَةَ بِحَلْقِ مُحْرِمٍ) شَعْرَ حَلَالٍ (أَوْ تَطْيِيبِهِ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ (حَلَالًا) بِلَا مُبَاشَرَةِ طِيبٍ، وَكَذَا لَوْ قَلَّمَ ظُفْرَ حَلَالٍ، أَوْ أَلْبَسَهُ مِخْيَطًا؛ لِإِبَاحَتِهِ لِلْحَلَالِ، (وَيُبَاحُ) لِمُحْرِمٍ (غَسْلُ شَعْرِهِ بِنَحْوِ سِدْرٍ) كَصَابُونٍ وَأُشْنَانٍ، (وَ) لَهُ (حَكُّ بَدَنِهِ) وَرَأْسِهِ (بِرِفْقٍ) نَصًّا (بِلَا قَطْعِ شَعْرٍ) ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ وَابْنُهُ وَأَرْخَصَ فِيهِ عَلِيٌّ وَجَابِرٌ، وَلَيْسَ لَهُ تَسْرِيحُ شَعْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ لِقَطْعِهِ. (فَرْعٌ حُكْمُ رَأْسٍ وَبَدَنٍ فِي إزَالَةِ شَعْرٍ وَطِيبٍ وَلِبْسٍ وَاحِدٌ) لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ إلَّا مَوْضِعُهُ، (فَلَوْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ) فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، (أَوْ) حَلَقَ (ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ مِنْهُمَا) ، أَيْ: رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، (أَوْ تَطَيَّبَ) فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، (أَوْ لَبِسَ فِيهِمَا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ إتْلَافٌ فَهُوَ آكَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، فَهُنَا أَوْلَى (الثَّالِثُ: تَعَمُّدُ تَغْطِيَةِ رَأْسٍ) لِذَكَرٍ إجْمَاعًا، (وَمِنْهُ الْأُذُنَانِ) «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْمُحْرِمَ عَنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ» وَقَوْلِهِ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَمَتَى غَطَّاهُ) ، أَيْ: الرَّأْسَ، بِلَاصِقٍ مُعْتَادٍ كَبُرْنُسٍ وَعِمَامَةٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَوْ بِقِرْطَاسٍ بِهِ دَوَاءٌ، أَوْ لَا)

دَوَاءَ بِهِ، (أَوْ) غَطَّاهُ (بِطِينٍ أَوْ نُورَةٍ أَوْ حِنَّاءٍ أَوْ عَصَبَهُ وَلَوْ بِيَسِيرٍ) بِلَا عُذْرٍ، حَرُمَ وَفَدَى؛ لِحَدِيثِ: «إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا» وَغَيْرَ أَنْ يَشُدَّ الرَّجُلُ رَأْسَهُ بِالسَّيْرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. (أَوْ) سَتَرَهُ بِغَيْرِ لَاصِقٍ، بِأَنْ (اسْتَظَلَّ بِمَحْمَلٍ وَنَحْوِهِ) كَمِحَفَّةٍ، (أَوْ) اسْتَظَلَّ (بِنَحْوِ ثَوْبٍ) كَخُوصٍ أَوْ رِيشٍ يَعْلُو الرَّأْسَ وَلَا يُلَاصِقُهَا، (رَاكِبًا أَوْ لَا حَرُمَ بِلَا عُذْرٍ وَفَدَى) لُزُومًا؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّرَفُّهُ، أَوْ لِأَنَّهُ سَتَرَهُ بِمَا يُسْتَدَامُ وَيُلَازِمُهُ غَالِبًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَتَرَهُ بِشَيْءٍ يُلَاقِيهِ بِخِلَافٍ نَحْوَ خَيْمَةٍ. وَيُحْرِمُ وَلَا يَفْدِي مُحْرِمٌ (إنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ شَيْئًا) كَطَبَقٍ وَمِكْتَلٍ، (أَوْ نَصَبَهُ حِيَالَهُ) ، أَيْ: نَصَبَ شَيْئًا بِإِزَائِهِ وَمُقَابَلَتِهِ، وَاسْتَظَلَّ بِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، أَشْبَهَ الِاسْتِظْلَالَ بِحَائِطٍ تَحْتَهَا، (أَوْ اسْتَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ) ، وَلَوْ بِطَرْحِ شَيْءٍ عَلَيْهَا يَسْتَظِلُّ بِهِ تَحْتَهَا (أَوْ بِبَيْتٍ) ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَأَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ» . (أَوْ غَطَّى) مُحْرِمٌ ذَكَرٌ (وَجْهَهُ) بِلَا مَخِيطٍ، فَلَا إثْمَ وَلَا فِدْيَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ سُنَّةُ التَّقْصِيرِ مِنْ الرِّجْلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ سُنَّةُ التَّخْمِيرِ كَبَاقِي بَدَنِهِ (أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ لَبَّدَهُ بِعَسَلٍ وَصَمْغٍ وَنَحْوِهِ خَوْفَ نَحْوَ غُبَارٍ أَوْ شُعْثٍ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهِلُّ مُلَبِّدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (الرَّابِعُ: تَعَمَّدَ لُبْسَ) ذَكَرٍ (الْمَخِيطَ مُطْلَقًا) قَلَّ أَوْ كَثُرَ فِي بَدَنِهِ أَوْ بَعْضِهِ مِمَّا عَمِلَ عَلَى قَدْرِهِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَلْبُوسُ (عِمَامَةً أَوْ قُفَّازَيْنِ) : تَثْنِيَةُ قُفَّازٍ كَتُفَّاحٍ، وَهُمَا (يُعْمَلَانِ لِلْيَدَيْنِ) كَمَا يُعْمَلُ لِأَجْلِ (الْبُزَاةِ، أَوْ) كَانَ الْمَخِيطُ (خُفَّيْنِ) لِأَنَّهُمَا مِنْهُ (إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ) الْمُحْرِمُ (إزَارًا

فَيَلْبَسَ سَرَاوِيلَ أَوْ) لَا يَجِدَ (نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسَ نَحْوَ خُفَّيْنِ كَرَانٍ) ، وسرموزة؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا الْخُفَّيْنِ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ اللُّبْسِ وَغَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلَوْ غَيْرَ مُعْتَادٍ كَجَوْرَبٍ فِي كَفٍّ، وَخُفٍّ فِي رَأْسٍ. (وَحَرُمَ قَطْعُهُمَا) ، أَيْ: الْخُفَّيْنِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، يَقُولُ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْأَثْبَاتُ، وَلَيْسَ فِيهِ بِعَرَفَاتٍ وَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا شُعْبَةُ، وَتَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ " يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ " وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثَيْنِ قَطْعَ الْخُفَّيْنِ، قَالَ عَلِيٌّ: قَطْعُ الْخُفَّيْنِ فَسَادٌ، وَلِأَنَّ قَطْعَهُمَا لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَالَةِ الْحَظْرِ؛ إذْ لُبْسُ الْمَقْطُوعِ كَلُبْسِ الصَّحِيحِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَفِيهِ إتْلَافُ مَالِيَّةِ الْخُفِّ، وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ زِيَادَةَ الْقَطْعِ اُخْتُلِفَ فِيهَا، فَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ بِالْمَدِينَةِ؛ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْهُ: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ. فَذَكَرَهُ، وَخَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِلْجَمْعِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ أَكْثَرُهُمْ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَوْلُ الْمُخَالِفِ -: الْمُطْلَقُ يَقْضِي عَلَى الْمُقَيَّدِ - مَحِلُّهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ تَأْوِيلُهُ، وَعَنْ قَوْلِهِ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ زِيَادَةُ لَفْظٍ بِأَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ فِيهِمَا زِيَادَةُ حُكْمٍ هُوَ جَوَازُ اللُّبْسِ بِلَا قَطْعٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ، وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ: الْعَجَبُ مِنْ أَحْمَدَ

فِي هَذَا، أَيْ: قَوْلِهِ بِعَدَمِ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ قَدْ يُخَالِفُ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ، كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُتَبَحِّرِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ أَيَّدَهُمْ اللَّهُ بِمَعُونَتِهِ فِي جَمْعِهِمْ بَيْنَ الْأَخْبَارِ، (حَتَّى يَجِدَ إزَارًا وَنَعْلَيْنِ وَلَا فِدْيَةَ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَإِنْ شَقَّ إزَارُهُ وَشَدَّ كُلَّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ، فَكَسَرَاوِيلَ، وَإِنْ وَجَدَ نَعْلًا لَا يُمْكِنُهُ لُبْسُهَا فَلَبِسَ الْخُفَّ، فَدَى نَصًّا، قَالَ فِي " الْإِنْصَافِ ": هَذَا الْمَذْهَبُ، (وَعَنْهُ) ، أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ، (بِقَطْعِهِمَا) ، أَيْ: الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَجَوَّزَهُ) ، أَيْ: الْقَطْعَ، (جَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: أَبُو الْخَطَّابِ وَالْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ، (عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ) ، أَيْ: حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَقَدَّمَ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَأَخَذُوا بِالِاحْتِيَاطِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ. (وَيَتَّجِهُ: صِحَّتُهُ) ، أَيْ: الْقَوْلِ بِقَطْعِ الْخُفَّيْنِ (إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ) ، أَيْ: الْمَقْطُوعِ بِالْقَطْعِ؛ إذْ الْعِلَّةُ فِيهِ إفْسَادُهُ بِالْإِتْلَافِ، وَحَيْثُ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ، وَلَا إتْلَافَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ لَوْلَا قُوَّةُ الْمُعَارِضِ. (وَإِنْ لَبِسَ مَقْطُوعًا) مِنْ خُفٍّ وَنَحْوِهِ (دُونَ الْكَعْبَيْنِ مَعَ وُجُودِ نَعْلٍ، حَرُمَ) كَلُبْسِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ كَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَخِيطًا، (وَفَدَى) لِلُبْسِهِ كَذَلِكَ، (وَتُبَاحُ) لِلْمُحْرِمِ (نَعْلٌ) لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ، وَهِيَ الْحِذَاءُ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، وَتُطْلَقُ عَلَى التَّاسُومَةِ. (وَلَوْ كَانَتْ النَّعْلُ بِعَقِبٍ وَقُيِّدَ، وَهُوَ: السَّيْرُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الزِّمَامِ) لِلْعُمُومَاتِ، (وَلَا يَعْقِدُ) الْمُحْرِمُ (عَلَيْهِ رِدَاءً، أَوْ) ، أَيْ: وَلَا (مِنْطَقَةً

أَوْ غَيْرَهُمَا) ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: وَلَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِذَلِكَ، أَشْبَهَ اللِّبَاسَ، (وَلَا يَجْعَلُ لِذَلِكَ) ، أَيْ: الْمِنْطَقَةِ وَالرِّدَاءِ وَنَحْوِهِمَا (زِرًّا وَعُرْوَةً، وَلَا يُخِلُّهُ بِشَوْكَةٍ أَوْ إبْرَةٍ أَوْ خَيْطٍ، أَوْ، أَيْ: وَلَا يَغْرِزُ أَطْرَافَهُ فِي إزَارِهِ، فَإِنْ فَعَلَ) مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ أَثِمَ وَ (فَدَى) ؛ لِأَنَّهُ كَمَخِيطٍ، (إلَّا إزَارَهُ) ، فَلَهُ عَقْدُهُ لِذَلِكَ؛ لِحَاجَةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، (وَ) إلَّا (مِنْطَقَةً وَهِمْيَانًا فِيهِمَا نَفَقَةٌ مَعَ حَاجَةٍ لِعَقْدٍ) ، وَهِيَ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْهِمْيَانُ أَوْ الْمِنْطَقَةُ إلَّا بِالْعَقْدِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ: أَوْثِقْ عَلَيْكَ نَفَقَتَكَ، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى عَقْدِهِ، فَجَازَ كَعَقْدِ الْإِزَارِ، فَإِنْ ثَبَتَ بِإِدْخَالِ السُّيُورِ بَعْضِهَا فِي بَعْضِ، لَمْ يَجُزْ عَقْدُهُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفَقَةٌ. (وَيَتَقَلَّدُ) الْمُحْرِمُ (بِسَيْفٍ لِحَاجَةٍ) ؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: «لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ صَالَحَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ الْقِرَابِ بِمَا فِيهِ» وَهَذَا ظَاهِرٌ بِإِبَاحَتِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَأْمَنُونَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ، (وَحَرُمَ) التَّقَلُّدُ بِسَيْفٍ (بِدُونِهَا) ، أَيْ: الْحَاجَةِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَحْمِلُ الْمُحْرِمُ السِّلَاحَ فِي الْحَرَمِ. (وَ) لَا يَجُوزُ (حَمْلُ سِلَاحٍ بِمَكَّةَ) نَقَلَ الْأَثْرَمُ لَا يَتَقَلَّدُ بِمَكَّةَ إلَّا لِخَوْفٍ، وَلِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ أَنْ يُحْمَلَ السِّلَاحُ بِمَكَّةَ» (وَيَحْمِلُ) مُحْرِمٌ (جِرَابَهُ وَقِرْبَةَ الْمَاءِ فِي عُنُقِهِ) ، قَالَ أَحْمَدُ: أَرْجُو لَا بَأْسَ وَ (لَا) يُدْخِلُ حَبْلَهَا فِي (صَدْرِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، (شَدُّ وَسَطٍ بِنَحْوِ مِنْدِيلٍ وَحَبْلٍ إذَا لَمْ يَعْقِدْهُ) ، قَالَ أَحْمَدُ فِي مُحْرِمٍ حَزَّمَ عِمَامَتَهُ عَلَى وَسَطِهِ: لَا يَعْقِدُهَا وَيُدْخِلُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، قَالَ طَاوُسٌ: فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ (وَ) لَهُ (أَنْ يَتَّزِرَ وَيَلْتَحِفَ) ، أَيْ: يَتَغَطَّى، (بِقَمِيصٍ وَيَرْتَدِيَ بِهِ) ، أَيْ: يَجْعَلَهُ مَكَانَ الرِّدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يُلْبَسُ مَخِيطٌ مَصْنُوعٌ لِمِثْلِهِ،

(وَ) لَهُ أَنْ يَرْتَدِيَ (بِرِدَاءٍ مُوَصَّلٍ بِلَا عَقْدٍ) ؛ لِأَنَّ الرِّدَاءَ لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ صَحِيحًا، (وَإِنْ طَرَحَ) مُحْرِمٌ (عَلَى كَتِفَيْهِ قَبَاءً، فَدَى وَلَوْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي كُمَّيْهِ) «لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ لُبْسِهِ لِلْمُحْرِمِ» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَرَوَاهُ النِّجَادُ عَنْ عَلِيٍّ، وَلِأَنَّهُ عَادَةُ لُبْسِهِ كَالْقَمِيصِ (وَإِنْ غَطَّى خُنْثَى مُشْكِلٌ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ) فَدَى لِتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ إنْ كَانَ ذَكَرًا، أَوْ وَجْهِهِ إنْ كَانَ أُنْثَى، (أَوْ) غَطَّى خُنْثَى مُشْكِلٌ (وَجْهَهُ، وَلَبِسَ مَخِيطًا، فَدَى) لِلُبْسِ الْمَخِيطِ إنْ كَانَ ذَكَرًا، أَوْ لِتَغْطِيَةِ الْوَجْهِ إنْ كَانَ أُنْثَى، وَيَفْدِي خُنْثَى مُشْكِلٌ (إنْ لَبِسَهُ) ، أَيْ: الْمَخِيطَ وَلَمْ يُغَطِّ وَجْهَهُ، (أَوْ غَطَّى وَجْهَهُ وَجَسَدَهُ بِلَا لُبْسِ) مَخِيطٍ لِلشَّكِّ، (وَمَنْ خَافَ) بِتَرْكِ اللُّبْسِ (بَرْدًا) لَبِسَ وَفَدَى، كَمَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ صَيْدٍ، (أَوْ اسْتَحْيَا مِنْ عَيْبٍ) ، كَقُرُوحٍ بِبَدَنِهِ أَوْ غَيْرِهَا (يَطَّلِعُ عَلَيْهِ) أَحَدٌ، (لَبِسَ وَفَدَى) ، نَصَّ عَلَيْهِ. (الْخَامِسُ: تَعَمَّدَ الطِّيبَ) إجْمَاعًا (مَسًّا وَشَمًّا وَاسْتِعْمَالًا) ؛ لِحَدِيثٍ: «وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» وَ «أَمْرِهِ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ بِغَسْلِ الطِّيبِ» وَقَوْلِهِ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: «لَا تُحَنِّطُوهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَلِمُسْلِمٍ: «لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ» (فَمَتَى طَيَّبَ مُحْرِمٌ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ) أَوْ شَيْئًا مِنْهُمَا حَرُمَ وَفَدَى (أَوْ اسْتَعْمَلَ) مُحْرِمٌ (فِي أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ ادِّهَانٍ أَوْ اكْتِحَالٍ أَوْ إسْقَاطٍ أَوْ احْتِقَانٍ طِيبًا يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ) فِي الْمَذْكُورَاتِ، حَرُمَ وَفَدَى، (أَوْ قَصَدَ) مُحْرِمٌ (شَمَّ دُهْنٍ مُطَيِّبٍ أَوْ) قَصَدَ شَمَّ (مِسْكٍ، أَوْ) شَمَّ (كَافُورٍ أَوْ عَنْبَرٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ) : نَبْتٍ أَصْفَرَ كَالسِّمْسِمِ بِالْيَمَنِ تُتَّخَذُ مِنْهُ الْحُمْرَةُ لِلْوَجْهِ، حَرُمَ وَفَدَى، وَلَوْ جَلَسَ عِنْدَ عَطَّارٍ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَشَمُّ الطِّيبَ، (أَوْ) قَصَدَ شَمَّ (بَخُورِ عُودٍ وَنَحْوِهِ) كَعَنْبَرٍ وَلَوْ حَالَ تَجْمِيرِ الْكَعْبَةِ حَرُمَ وَفَدَى (أَوْ) قَصَدَ شَمَّ (مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ لِطِيبٍ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ)

الطِّيبُ (كَوَرْدٍ وَبَنَفْسَجٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ وَالسِّينِ مُعَرَّبٌ، (وَكَمَنْثُورٍ) ، وَهُوَ: الْخَيْرِيُّ (وَنَيْلُوفَرَ وَيَاسَمِينٍ وَبَانٌ، وَزَنْبَقٍ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ، يُقَالُ: إنَّهُ الْيَاسَمِينُ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ فِي طَبْعِهِ (وَشَمِّهِ) ، حَرُمَ وَفَدَى، (أَوْ مَسَّ مَا يَعْلَقُ بِهِ) ، أَيْ: الْمَمْسُوسِ، (كَمَاءِ وَرْدٍ وَسَحِيقٍ نَحْوَ مِسْكٍ، حَرُمَ وَفَدَى) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ، فَوَجَبَ بِهِ الْفِدْيَةُ كَاللِّبَاسِ، وَ (لَا) إثْمَ وَلَا فِدْيَةَ (إنْ شَمَّ) مُحْرِمٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (بِلَا قَصْدٍ) ، كَمَنْ دَخَلَ سُوقًا، أَوْ الْكَعْبَةَ لِلتَّبَرُّكِ، وَمُشْتَرِي الطِّيبِ لِنَحْوِ تِجَارَةٍ، وَلَمْ يَمَسَّهُ، وَلَهُ تَقْلِيبُهُ وَحَمْلُهُ وَلَوْ ظَهَرَ رِيحُهُ؛ لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ. (أَوْ مَسَّ) مُحْرِمٌ مِنْ طِيبٍ، (مَا لَا يَعْلَقُ بِهِ، كَقِطَعٍ نَحْوَ مِسْكٍ) وَعَنْبَرٍ وَكَافُورٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِلطِّيبِ، (أَوْ شَمَّ) مُحْرِمٌ (وَلَوْ قَصْدًا فَوَاكِهَ) مِنْ نَحْوِ تُفَّاحٍ وَأُتْرُجٍّ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ طِيبًا، (أَوْ) شَمَّ وَلَوْ قَصْدًا (عُودًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَطَيَّبُ بِهِ بِالشَّمِّ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بَخُورَهُ (أَوْ) شَمَّ وَلَوْ قَصْدًا (نَبَاتَ صَحْرَاءَ، كَخُزَامَى وَشِيحٍ وَقَيْصُومٍ وَنَرْجِسَ وَإِذْخِرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، وَلَا يُسَمَّى مُتَطَيِّبًا عَادَةً، (أَوْ) شَمَّ (مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ لَا بِقَصْدِ طِيبٍ كَحِنَّاءٍ وَعُصْفُرٍ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، (وَقَرَنْفُلٍ) ، وَيُقَالُ: قرنفول: ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ بسغالة الْهِنْدِ أَفْضَلُ الْأَفَاوِيهِ الْحَارَّةِ وَأَزْكَاهَا، (وَدَارُ صِينِيٍّ) ، وَمِنْ أَنْوَاعِهِ الْقِرْفَةُ (وَنَحْوُهَا) كَالزَّرْنَبِ، (أَوْ شَمَّ) مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ (لِقَصْدِهِ) ، أَيْ: الطِّيبِ، (وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ) طِيبٌ (كَرَيْحَانٍ فَارِسِيٍّ وَهُوَ الْحَبَقُ) يُشْبِهُ النَّمَّامَ: نَبَاتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، وَالرَّيْحَانُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الْآسُ، وَلَا شَيْءَ فِي شَمِّهِ، (وَكَنَمَّامٍ وَبَرَمٍ) ، بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ، (وَهُوَ: ثَمَرُ الْعِضَاه كَأُمِّ غِيلَانٍ) ، وَنَرْجِسَ (وَمَرْدَقُوشٍ) ، وَهُوَ السمسق، نَافِعٌ لِعُسْرِ الْبَوْلِ وَالْمَغَصِ، وَلَسْعَةِ الْعَقْرَبِ، (أَوْ ادَّهَنَ) مُحْرِمٌ بِدُهْنٍ (غَيْرِ مُطَيِّبٍ كَزَيْتٍ وَشَيْرَجٍ نَصًّا،

وَلَوْ فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ) ، فَلَا إثْمَ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ، (أَوْ شَمَّ) طِيبًا (بِلَا قَصْدٍ، كَجَالِسٍ عِنْدَ عَطَّارٍ لِحَاجَةٍ) لَا لِشَمِّ الطِّيبِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، (وَ) لَا عَلَى (حَامِلِهِ) ، أَيْ: الطِّيبِ، (وَمُقَلِّبِهِ بِلَا مَسٍّ وَ) لَا عَلَى (دَاخِلِ سُوقٍ وَكَعْبَةٍ) لِيَتَبَرَّكَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ (وَيَأْتِي) فِي بَابِ الْفِدْيَةِ (إذْ اسْتَعْمَلَهُ) ، أَيْ: الطِّيبَ، (نَحْوَ نَاسٍ وَذَكَرَ) ، فَيَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ بِمَهْمَا أَمْكَنَ مِنْ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِزَالَةُ. (السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ بَرٍّ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ أَذَاهُ وَتَنْفِيرُهُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَكَّةَ: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» (وَاصْطِيَادُهُ) ، أَيْ: صَيْدِ الْبَرِّ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ أَوْ يَجْرَحْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] (وَهُوَ) ، أَيْ: صَيْدُ الْبَرِّ، (الْوَحْشِيُّ الْمَأْكُولُ، أَوْ الْمُتَوَلَّدُ مِنْهُ) ، أَيْ: الْوَحْشِيِّ الْمَأْكُولِ، (وَمِنْ غَيْرِهِ) كَمُتَوَلَّدٍ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ، أَوْ مَأْكُولٍ وَحْشِيٍّ وَغَيْرِهِ، كَسَمْعٍ، تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، (وَالِاعْتِبَارُ) فِي كَوْنِهِ وَحْشِيًّا أَوْ أَهْلِيًّا (بِأَصْلِهِ، فَحَمَامٌ وَبَطٌّ، وَهُوَ: الْإِوَزُّ، وَحْشِيٌّ وَإِنْ تَأَهَّلَ) اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ، (وَعَكْسُهُ نَحْوُ جَامُوسٍ) كَإِبِلٍ (تَوَحَّشَ) ، فَلَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي بَقَرَةٍ صَارَتْ وَحْشِيَّةً: لَا شَيْءَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْأَبْنِيَةُ، (فَإِذَا أَتْلَفَ مُحْرِمًا صَيْدًا، أَوْ) أَتْلَفَ (بَعْضَهُ، أَوْ أَتْلَفَ بِيَدِهِ بِمُبَاشَرَةٍ، أَوْ بِسَبَبٍ، وَلَوْ) كَانَ السَّبَبُ (بِجِنَايَةِ دَابَّةِ) مُحْرِمٍ (مُتَصَرِّفٍ فِيهَا) ، بِأَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَوْ سَائِقًا أَوْ قَائِدًا، فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا وَفَمِهَا، لَا مَا نَفَحَتْ بِرِجْلِهَا نَفْحًا لَا وَطْئًا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْغَصْبِ،

وَإِنْ انْفَلَتَتْ، لَمْ يَضْمَنْ مَا أَتْلَفَتْهُ، (أَوْ أَشَارَ) مُحْرِمٌ، (أَوْ دَلَّ مُرِيدَ صَيْدِهِ، وَلَمْ يَرَهُ) الصَّائِدُ قَبْلَ دَلَالَةِ الْمُحْرِمِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى دَالِّهِ، وَلَا مُشِيرَ بَعْدَ أَنْ رَآهُ مَنْ يُرِيدُ صَيْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي تَلَفِهِ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ ضَحِكَ) مُحْرِمٌ (وَقَصَدَهَا) ، أَيْ: دَلَالَةَ مُرِيدِ الصَّيْدِ، تَنْزِيلًا لِلضَّحِكِ مَنْزِلَةَ الْإِشَارَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا فِي " الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِ: مِنْ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ مِنْ الْمُحْرِمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ ضَحِكٌ، أَوْ اسْتِشْرَافُ نَفْسٍ فَفَطِنَ لَهُ الْحَلَالُ؛ فَلَا تَحْرِيمَ وَلَا ضَمَانَ، إذْ حُصُولُ ذَلِكَ مِنْهُ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ دَلَالَةٍ، فَلَا يَكُونُ مُفْرِطًا. (أَوْ أَعَانَهُ) ، أَيْ: أَعَانَ الْمُحْرِمُ مَنْ يُرِيدُ صَيْدًا، (وَلَوْ) كَانَتْ إعَانَتُهُ (بِمُنَاوَلَةٍ أَوْ إعَارَةِ آلَةِ صَيْدٍ) ، كَرُمْحٍ وَسِكِّينٍ (لِصَيْدٍ) ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الصَّائِدِ مَا يَقْتُلُهُ بِهِ، أَوْ لَا، (حَرُمَ، وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْمُحَرَّمِ، وَلِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ؛ لِحَدِيثِ «أَبِي قَتَادَةَ، لَمَّا صَادَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ؛ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ أَشَارَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْكُمْ، أَوْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا» . وَفِيهِ: أَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَلَمْ يَأْذَنُونِي، وَأَحَبُّوا أَنِّي لَوْ أَبْصَرْتُهُ، فَالْتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ، وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، قَالُوا: لَا وَاَللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ. وَفِيهِ: إذْ أَبْصَرْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ. وَفِيهِ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِي، فَضَحِكَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ إذْ نَظَرْتُ، فَإِذَا بِحِمَارٍ وَحْشِيٍّ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَاسْتَعَنْتَهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي " مُتَّفَقٌ

عَلَيْهِ. (إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (مُحْرِمٌ) ، وَيَكُونُ الدَّالُ وَنَحْوُهُ مُحْرِمًا، فَجَزَاؤُهُ (بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الْقَاتِلِ وَالدَّالِ وَنَحْوِهِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ، فَكَذَا فِي الْجَزَاءِ، وَ (لَا) حُرْمَةَ (إنْ دَلَّ) مُحْرِمٌ حَلَالًا (عَلَى طِيبٍ وَلِبَاسٍ) ؛ لِعَدَمِ ضَمَانِهِمَا بِالسَّبَبِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالدَّالِ عَلَيْهِمَا، بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّيْدِ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِالدَّالِ، وَهُوَ: تَحْرِيمُ الْأَكْلِ مِنْهُ، وَوُجُوبُ الْجَزَاءِ إذَا كَانَ مَنْ دَلَّهُ الْمُحْرِمُ حَلَالًا، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا حُرْمَةَ، وَلَا جَزَاءَ إنْ (نَاوَلَهُ) ، أَيْ: نَاوَلَهُ، أَيْ: نَاوَلَ الْمُحْرِمُ حَلَالًا (وَنَحْوَهُ) ، أَيْ: نَحْوَ الْمُنَاوَلَةِ، بِأَنْ أَعَارَهُ (الْآلَةَ) الْمُعَدَّةَ لِلصَّيْدِ (لَا لِ) أَجْل (صَيْدٍ، فَصَادَ) الْحَلَالُ (بِهَا) ؛ لِعَدَمِ قَصْدِهِ بِالْمُنَاوَلَةِ وَنَحْوِهَا ذَلِكَ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا حُرْمَةَ، وَلَا جَزَاءَ إنْ (دَلَّ حَلَالٌ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ) بِغَيْرِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ صَيْدَ الْحَلَالِ حَلَالٌ، فَدَلَالَتُهُ أَوْلَى. (وَيَتَّجِهُ: وَيَحْرُمُ) أَنْ يَدُلَّ حَلَالٌ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ، (خِلَافًا لَهُ) ، أَيْ: لِصَاحِبِ " الْإِقْنَاعِ " كَذَا قَالَ، وَلَعَلَّ هَذَا وَقَعَ سَهْوًا مِنْ الْمُصَنِّفِ إذْ عِبَارَةُ " الْإِقْنَاعِ " كَعِبَارَتِهِ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ مُوَافِقٌ " لِلْإِقْنَاعِ فِي إبَاحَةِ دَلَالَةِ الْحَلَالِ مُحْرِمًا عَلَى الصَّيْدِ، (وَيَضْمَنُهُ مُحْرِمٌ وَحْدَهُ) أَيْ: دُونَ الْحَلَالِ الدَّالِ وَنَحْوِهِ، (كَشَرِيكِ سَبُعٍ) ، أَيْ: كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ مُحْرِمٌ وَسَبُعٌ فِي الْحِلِّ، فَالْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ، فَغَلَبَ الْإِيجَابُ، كَمَا لَوْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْضَهُ فِي الْحَرَمِ، (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ (بِحَرَمٍ، فَيَشْتَرِكَانِ)

أَيْ: الْحَلَالُ وَالْمُحْرِمُ فِي الْجَزَاءِ كَالْحَرَمَيْنِ؛ لِتَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ. (وَلَوْ جَرَحَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (نَحْوُ حَلَالٍ) كَسَبْعٍ، (ثُمَّ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا) اعْتِبَارًا بِحَالِ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الضَّمَانِ، (وَعَكْسُهُ) بِأَنْ جَرَحَهُ مُحْرِمٌ، ثُمَّ قَتَلَهُ حَلَالٌ؛ فَعَلَى الْمُحْرِمِ (أَرْشُ جَرْحِهِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سِوَى الْجَرْحِ، وَلَوْ كَانَ جَرْحُهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، وَمَاتَ مِنْهُمَا؛ فَالْجَزَاءُ كُلُّهُ عَلَى الْمُحْرِمِ، تَغْلِيبًا لِلْوُجُوبِ، وَإِنْ جَرَحَهُ مُحْرِمٌ، ثُمَّ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ جَرْحِهِ، وَعَلَى الثَّانِي تَتِمَّةُ الْجَزَاءِ. (وَلَوْ رَمَاهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ شَخْصٌ حَالَ كَوْنِهِ (حَلَالًا، ثُمَّ أَحْرَمَ قَبْلَ إصَابَةٍ) لِصَيْدٍ، (ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْجِنَايَةِ كَانَ مُحْرِمًا، (وَ) لَوْ رَمَاهُ (مُحْرِمًا، ثُمَّ حَلَّ قَبْلَهَا) ، أَيْ: الْإِصَابَةِ، (لَمْ يَضْمَنْ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْجِنَايَةِ. (وَلَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدِ حَرَمٍ، فَ) جَزَاؤُهُ (بَيْنَهُمَا) ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَلَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا، أَوْ) دَلَّ (حَلَالٌ حَلَالًا) عَلَى صَيْدٍ (بِحَرَمٍ، ثُمَّ دَلَّ الْآخَرُ آخَرَ) ثُمَّ كَذَلِكَ (إلَى عَشَرَةٍ مَثَلًا، فَقَتَلَهُ عَاشِرٌ، فَ) الْجَزَاءُ (عَلَى الْكُلِّ) ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْإِثْمِ وَالتَّسَبُّبِ، (وَإِنْ نَصَبَ) حَلَالٌ (نَحْوَ شَبَكَةٍ) كَفَخٍّ، (ثُمَّ أَحْرَمَ، أَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ حَفَرَ بِئْرًا بِحَقٍّ) ، كَمَا لَوْ حَفَرَهَا فِي دَارِهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي مَوَاتٍ؛ (لَمْ يَضْمَنْ) مَا حَصَلَ مِنْ تَلَفِ صَيْدٍ بِنَصْبِ الشَّبَكَةِ وَنَحْوِهَا، وَحَفْرِ الْبِئْرِ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ (إلَّا أَنْ تُحِيلَ) عَلَى الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ بِنَصْبِ نَحْوِ الشَّبَكَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ، لِيَأْخُذَهُ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْهُ؛ فَيَضْمَنُ عُقُوبَةً لَهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ، كَنَصْبِ الْيَهُودِ الشَّبَكَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَخْذِهِمْ يَوْمَ الْأَحَدِ مَا سَقَطَ فِيهَا، فَعُوقِبُوا عَلَى ذَلِكَ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَفَرَ الْبِئْرَ بِحَقٍّ، كَحَفْرِهَا بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ، ضَمِنَ كَالْآدَمِيِّ إذَا تَلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

(وَحَرُمَ أَكْلُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ (مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ) ، أَيْ: مَا صَادَهُ أَوَّلُ، أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ، أَوْ أَشَارَ وَنَحْوَهُ، لِمَفْهُومِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ، (وَكَذَا مَا ذُبِحَ) لِلْمُحْرِمِ، (أَوْ صِيدَ لِأَجْلِهٍ) نَصًّا؛ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ «أَهْدَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» وَكَذَا مَا أُخِذَ مِنْ بَيْضِ الصَّيْدِ أَوْ لَبَنِهِ لِأَجْلِهِ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُحْرِمَ، (بِأَكْلِهِ) ، أَيْ: مَا صِيدَ أَوْ ذُبِحَ لِأَجْلِهِ (كُلِّهِ الْجَزَاءُ) ، أَيْ: جَزَاؤُهُ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ مُنِعَ مِنْهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ بِهِ الْجَزَاءُ كَقَتْلِ الصَّيْدِ، بِخِلَافِ قَتْلِ الْمُحْرِمِ صَيْدًا، ثُمَّ يَأْكُلُهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ لِقَتْلِهِ، لَا لِأَكْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ، فَلَمْ يَتَكَرَّرْ، كَإِتْلَافِهِ بِغَيْرِ أَكْلِهِ، وَكَصَيْدِ الْحَرَمِ إذَا قَتَلَهُ حَلَالٌ، وَأَكَلَهُ. (وَ) يَلْزَمُهُ بِأَكْلِ (بَعْضِهِ) ، أَيْ: بَعْضِ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ، (قِسْطُهُ) ، أَيْ: مِثْلُهُ (لَحْمًا) ، كَضَمَانِ أَصْلِهِ لَوْ أَكَلَهُ كُلَّهُ، (وَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، (لِدَلَالَتِهِ) عَلَيْهِ، (أَوْ إعَانَةِ حَلَالٍ) عَلَيْهِ، (أَوْ صِيدَ) أَوْ ذُبِحَ (لَهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، (لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ غَيْرِهِ، كَ) مَا لَا يُحْرَمُ (حَلَالٌ) ؛ لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ عَنْ عُثْمَانَ " أَنَّهُ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أَلَا تَأْكُلُ؟ فَقَالَ: إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنَّمَا صِيدَ لِأَجْلِي " (وَإِنْ قَتَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ مُحْرِمٌ، (أَوْ أَمْسَكَهُ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ بِالْحَرَمِ، فَذَبَحَهُ) الْحَلَالُ أَوْ الْمُحْرِمُ، (وَلَوْ بَعْدَ حِلِّهِ، أَوْ) ذَبَحَهُ بَعْدَ (إخْرَاجِهِ) ، أَيْ: الصَّيْدِ، (مِنْ الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ) لِمَا يَأْتِي، (وَكَانَ مَا) صِيدَ أَوْ ذُبِحَ مِنْ صَيْدِ مُحْرِمٍ، وَحَرُمَ (لِغَيْرِ حَاجَةِ أَكْلِهِ) كَلِأَخْذِ جِلْدِهِ، أَوْ لِلتَّمَرُّنِ عَلَى الصَّيْدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، (مَيْتَةً) يَحْرُمُ أَكْلُهُ (عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ) ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ، فَلَمْ يُبَحْ بِذَبْحِهِ، (وَ) مَا صِيدَ أَوْ ذُبِحَ مِنْ ذَلِكَ (لِحَاجَةِ

أَكْلِهِ) بِأَنْ اُضْطُرَّ لِأَكْلِهِ، كَانَ (مَيْتَةً نَجَسًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرِ الْمُحْتَاجِ لِأَكْلِهِ، وَ (لَا) يَكُونُ مَيْتَةً نَجَسًا (فِي حَقِّ نَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] . (وَإِنْ كَسَرَ مُحْرِمٌ بَيْضَ صَيْدٍ) ، حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهِ، (وَحَلَّ) أَكْلُهُ (لِمُحِلٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَكْلُ الصَّيْدِ، فَكَذَا بَيْضُهُ، وَ (لَا) يَحِلُّ (لِمُحْرِمٍ) أَكْلُهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَكَذَا) حُكْمُ (حَلْبِ) مُحْرِمٍ (لَبَنَ صَيْدٍ) ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ كَجُزْئِهِ، (وَإِنْ نَقَلَ) مُحْرِمٌ (بَيْضَ صَيْدٍ) سَلِيمًا، (فَفَسَدَ) بِنَقْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَاضَ عَلَى فِرَاشِهِ، أَوْ مَتَاعِهِ، وَنَقَلَهُ بِرِفْقٍ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ مَكَانَهُ لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ، (أَوْ أَتْلَفَ) مُحْرِمٌ بَيْضَ صَيْدٍ (غَيْرَ مَذَرٍ، وَ) غَيْرَ (مَا بِهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ) ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ مَكَانَهُ؛ لِإِتْلَافِهِ إيَّاهُ، فَإِنْ كَانَ الْبِيضُ مَذَرًا، وَفِيهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، (إلَّا) مَا كَانَ مِنْ (بَيْضِ نَعَامٍ) ، فَيَضْمَنُهُ، (لِأَنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً) ، فَيَضْمَنُهُ بِهَا، وَإِنْ فَسَدَ مَا فِيهِ (أَوْ حَلَبَ) مُحْرِمٌ (صَيْدًا) صَادَهُ فِي إحْرَامِهِ، وَلَوْ بَعْدَ حِلِّهِ، أَوْ حَلَالٌ مَا صَادَهُ بِالْحَرَمِ، وَلَوْ بَعْدَ إخْرَاجِهِ إلَى الْحِلِّ، (ضَمِنَهُ) ، أَيْ: الْحَلِيبَ، (بِقِيمَتِهِ) نَصًّا (مَكَانَهُ) ، أَيْ: الْإِتْلَافِ، وَأَمَّا الْبَيْضُ، فَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ. وَلِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:

فِي «بَيْضِ النَّعَامِ ثَمَنُهُ» الْمُرَادُ: قِيمَتُهُ، وَأَمَّا اللَّبَنُ، فَلِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَكَانَ فِيهِ قِيمَتُهُ يَفْعَلُ بِهَا كَجَزَاءِ صَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ. وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَهُ، فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ، وَعَاشَ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتْلِفُ شَيْئًا. (وَلَا يَمْلِكُ مُحْرِمٌ صَيْدًا ابْتِدَاءً) ، أَيْ، مِلْكًا مُتَجَدِّدًا (بِغَيْرِ إرْثٍ) ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِشِرَاءٍ وَلَا هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَوْ بِوَكِيلِهِ، أَوْ بِنَصْبِ أُحْبُولَةٍ قَبْلَ إحْرَامِهِ، فَوَقَعَ فِيهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، لِخَبَرِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ السَّابِقِ، وَلِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ مَحِلًّا لِتَمَلُّكِ الْمُحْرِمِ؛ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ كَالْخَمْرِ، وَيَمْلِكُهُ بِالْإِرْثِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا فِعْلَ مِنْهُ فِيهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَيَمْلِكُ بِهِ الْكَافِرُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ، فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ. (وَيَتَّجِهُ) : عَدَمُ دُخُولِ صَيْدٍ فِي مِلْكِ الْمُحْرِمِ ابْتِدَاءً (حَتَّى مَا) ، أَيْ: صَيْدًا وُجِدَ (بِيَدِ مُكَاتَبٍ) حِينَ (عَجَزَ) عَنْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ كِتَابَةً، وَعَادَ رَقِيقًا، فَلَا يَدْخُلُ مَا بِيَدِهِ مِنْ الصَّيْدِ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ، (وَاحْتَمَلَ: وَ) حَتَّى مَا بِيَدِ (زَوْجَةٍ) مِنْ صَيْدٍ قَبَضَتْهُ مَهْرًا، ثُمَّ (بَانَتْ قَبْلَ دُخُولٍ) ، فَتَنَصَّفَ صَدَاقُهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَلَا يَدْخُلُ نِصْفُ صَيْدٍ فِي مِلْكِ الْمُحْرِمِ، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا بِيَدِ الْمُكَاتَبِ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ ابْتِدَاءً، بَلْ دَخَلَ تَبَعًا، فَهُوَ فِي الْإِرْثِ أَشْبَهُ؛ إذْ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَصْدَقَ زَوْجَتَهُ صَيْدًا، وَهُوَ حَلَالٌ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ قَبْلَ دُخُولٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ، عَادَ نِصْفُهُ إلَيْهِ قَهْرًا، كَمَا يَأْتِي فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَاقِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا هُنَاكَ، لَهُ إمْسَاكُهُ - أَيْ: بِيَدِهِ الْحُكْمِيَّةُ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ (فَلَا يَسْتَرِدُّ) مُحْرِمٌ صَيْدًا

(مَبِيعًا) مِنْهُ زَمَنَ حِلِّهِ (بِخِيَارِ) مَجْلِسٍ أَوْ شَرْطٍ، (أَوْ) ، أَيْ: وَلَا يَسْتَرِدُّهُ (بِعَيْبٍ) ، وَلَا إقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، (وَلِمُشْتَرٍ رَدُّهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ، عَلَى بَائِعٍ مُحْرِمٍ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ؛ لِوُجُودِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلرَّدِّ، (وَلَا يَدْخُلُ) فِي (مِلْكِ مُحْرِمٍ إذَا) ، أَيْ: فِي حَالِ إحْرَامِهِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّمَلُّكِ، وَيَمْلِكُ إذَا حَلَّ، كَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ، ثُمَّ انْقَلَبَ خَلًّا. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَلِكُلِّ حَلَالٍ تَمَلُّكُهُ) بَعْدَ رَدِّهِ عَلَى الْمُحْرِمِ، إذْ لَيْسَ لَهُ إمْسَاكُهُ حِينَئِذٍ، وَحَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ؛ صَارَ فِي حُكْمِ الْمُبَاحِ، فَمَنْ أَمْسَكَهُ كَانَ أَحَقَّ بِهِ وَإِنْ بَقِيَ حَتَّى حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ؛ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ؛ لِعَوْدِهِ إلَى مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ إحْلَالِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (فَمَنْ قَبَضَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، (بِنَحْوِ هِبَةٍ أَوْ رَهْنٍ، أَوْ شِرَاءٍ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَى مَنْ أَقْبَضَهُ إيَّاهُ، لِفَسَادِ الْعَقْدِ، (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: قَابِضِ الصَّيْدِ (إنْ تَلِفَ قَبْلَ رَدِّ الْجَزَاءِ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ (مَعَ قِيمَتِهِ) لِمَالِكِهِ (فِي هِبَةٍ وَشِرَاءٍ) ؛ لِوُجُودِ مُقْتَضَى الضَّمَانَيْنِ، (وَ) أَمَّا (فِي الرَّهْنِ) ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا (الْجَزَاءُ، فَقَطْ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِمَا سَبَقَ، وَلَا يَضْمَنُهُ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّ صَحِيحَ الرَّهْنِ لَا ضَمَانَ فِيهِ، فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ، (كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ) ، أَيْ: الرَّهْنَ، فَتَلِفَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْجَزَاءُ، (مَا لَمْ يَتَعَدَّ) مُرْتَهَنٌ عَلَيْهِ، فَيَتْلَفُ الرَّهْنُ، فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَعَ جَزَائِهِ أَيْضًا. (وَمَنْ أَحْرَمَ، وَبِمِلْكِهِ صَيْدٌ؛ لَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ) عَنْهُ؛ لِقُوَّةِ الِاسْتِدَامَةِ،

(وَلَا) تَزُولُ عَنْهُ (يَدُهُ الْحُكْمِيَّةُ) الَّتِي لَا يُشَاهِدُهَا، (كَكَوْنِهِ) ، أَيْ: الصَّيْدِ (فِي بَلَدِهِ أَوْ بَيْتِهِ، أَوْ فِي يَدِ نَائِبِهِ بِغَيْرِ مَكَانِهِ، وَلَا يَضْمَنُهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، (مَعَهَا) ، أَيْ: يَدِهِ الْحُكْمِيَّةِ، إذَا تَلِفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إزَالَتُهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبٌ فِي تَلَفِهِ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِنَحْوِ بَيْعٍ وَهِبَةٍ. (وَمَنْ غَصَبَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ مِنْ يَدِ مُحْرِمٍ حُكْمِيَّةٍ؛ (لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَيْهَا لِاسْتِدَامَتِهَا عَلَيْهِ. (وَمَنْ أَدْخَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ (الْحَرَمَ) الْمَكِّيَّ؛ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ، (أَوْ أَحْرَمَ) رَبُّ صَيْدٍ (وَهُوَ بِيَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ، كَفِي قَبْضَتِهِ، أَوْ رَحْلِهِ) ، أَوْ قَفَصِهِ، (أَوْ خَيْمَتِهِ؛ لَزِمَهُ إزَالَتُهَا) ، أَيْ: الْيَدِ الْمُشَاهَدَةِ عَنْهُ، (بِإِرْسَالِهِ) فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مُمْسِكًا لَهُ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ. (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْ الْأَصْحَابِ: (أَوْ) يُزِيلُ يَدَهُ الْمُشَاهَدَةَ عَنْ الصَّيْدِ، (بِوَضْعِهِ تَحْتَ يَدِ وَكِيلِهِ) الْحَلَالِ، وَهُوَ اخْتِيَارٌ حَسَنٌ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ، (فَإِنْ تَلِفَ) الصَّيْدُ فِي يَدِهِ (قَبْلَ التَّمَكُّنِ) ، أَيْ: تَمَكُّنِ الْمُحْرِمِ (مِنْ إرْسَالِهِ) ، بِأَنْ نَفَرَهُ لِيَذْهَبَ، فَلَمْ يَذْهَبْ حَتَّى تَلِفَ، (لَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ وَلَا مُتَعَدٍّ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ إرْسَالِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ؛ ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ، (وَ) إنْ أَرْسَلَهُ غَيْرُهُ، (فَلَا ضَمَانَ عَلَى مُرْسِلِهِ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا) ، لِزَوَالِ حُرْمَةِ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، (وَمِلْكُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، وَبِيَدِهِ صَيْدٌ (بَاقٍ) عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَرْسَلَهُ، أَوْ اسْتَمَرَّ تَحْتَ يَدِهِ إلَى أَنْ حَلَّ، كَعَدَمِ مَا يُزِيلُهُ، (فَيَرُدُّهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (أَخْذُهُ) لِمَالِكِهِ (إذَا حَلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ، (وَيَضْمَنُهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، (مُتَعَدٍّ) عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ لِمَالِكِهِ؛ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، وَزَوَالُ الْيَدِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، كَالْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ. (وَمَنْ قَتَلَ) وَهُوَ مُحْرِمٌ (صَيْدًا صَائِلًا) عَلَيْهِ (دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ)

أَوْ غَيْرِهِ؛ لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَضْمَنْهُ، لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْمُؤْذِيَاتِ طَبْعًا، كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَكَالْآدَمِيِّ الصَّائِلِ، وَسَوَاءٌ خَشِيَ مَعَهُ تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا بِجَرْحِهِ، أَوْ إتْلَافَ مَالِهِ، أَوْ بَعْضَ حَيَوَانَاتِهِ أَوْ أَهْلِهِ، (أَوْ) قَتَلَ صَيْدًا (بِتَخْلِيصِهِ مِنْ نَحْوِ سَبُعٍ، أَوْ شَبَكَةٍ لِيُطْلِقَهُ) ، لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ. (أَوْ قَطَعَ) مُحْرِمٌ (مِنْهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ، (عُضْوًا مُتَآكِلًا، فَمَاتَ، لَمْ يَحِلَّ وَلَمْ يَضْمَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لِمُدَاوَاةِ الْحَيَوَانِ، أَشْبَهَ مُدَاوَاةَ الْوَلِيِّ مَحْجُورَهُ، وَلَيْسَ بِمُتَعَمِّدٍ قَتْلَهُ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ، (وَلَوْ أَخَذَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ الضَّعِيفَ، مُحْرِمٌ (لِيُدَاوِيَهُ، فَوَدِيعَةٌ) عِنْدَهُ، (فَإِنْ فَرَّطَ) فِي حِفْظِهِ، أَوْ تَعَدَّى؛ (ضَمِنَ) ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ. (وَلَا تَأْثِيرَ لِحَرَمٍ وَإِحْرَامٍ فِي تَحْرِيمِ) حَيَوَانٍ (إنْسِيٍّ كَخَيْلٍ وَدَجَاجٍ) ، وَبَهِيمَةِ أَنْعَامٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَقَدْ «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَذْبَحُ الْبُدْنَ فِي إحْرَامِهِ فِي الْحَرَمِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى» ، وَقَالَ: «أَفْضَلُ الْحَجِّ: الْعَجُّ - رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ - وَالثَّجُّ» ، أَيْ: إسَالَةُ الدِّمَاءِ بِالنَّحْرِ وَالذَّبْحِ. (وَلَا) تَأْثِيرَ لِحَرَمٍ وَإِحْرَامٍ فِي (مُحْرِمٍ أَكَلَ غَيْرَ مُتَوَلَّدٍ) بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ كَسَمْعٍ، فَيَحْرُمُ قَتْلُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَفِي الْحَرَمِ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ، وَيَفْدِي. وَأَشَارَ لِمُحَرَّمِ الْأَكْلُ بِقَوْلِهِ: (كَذِئْبٍ وَثَعْلَبٍ وَرَخَمٍ وَبُومٍ، وَكَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ) ، وَهُنَّ: (حِدَأَةٌ وَغُرَابٌ وَفَأْرَةٌ وَعَقْرَبٌ وَكَلْبٌ عَقُورٌ) ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتْلِ خَمْسٍ فَوَاسِقَ فِي الْحَرَمِ: الْحِدَأَةِ، وَالْغُرَابِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيُسَنُّ قَتْلُهَا) ، أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ (حِلًّا وَحُرُمًا) لِلْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ: فِي الْجُمْلَةِ، وَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ: أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ يَجِبُ قَتْلُهُ، (وَ) يُسْتَحَبُّ أَيْضًا (قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ طَبْعًا) ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَذًى (غَيْرَ

آدَمِيٍّ، كَأَسَدٍ وَفَهْدٍ) وَذِئْبٍ، (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) مِمَّا فِيهِ أَذًى لِلنَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، (وَبَازٍ وَصَقْرٍ وَشَاهِينِ وَعُقَابٍ، وَحَشَرَاتٍ مُؤْذِيَةٍ، كَزُنْبُورٍ وَبَقٍّ وَبَعُوضٍ وَبَرَاغِيثَ) وَطُبُوعٍ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، (وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": وَرَخَمٍ وَبُومٍ وَدِيدَانٍ، وَفِيهِ شَيْءٌ) ، فَإِنَّهُ، جَزَمَ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَغَيْرِهِ بِكَرَاهَةِ قَتْلِهِ وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد: يَحْرُمُ قَتْلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْذِي بِطَبْعِهِ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مُطْلَقًا) ، أَيْ: فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، (قَتْلُ) كُلِّ (مَا) أَيْ: حَيَوَانٍ (لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، قَالُوا) ، أَيْ: فُقَهَاؤُنَا: (كَنَمْلٍ وَنَحْلٍ، وَهُدْهُدٍ وَصُرَدٍ، وَضَفَادِعَ، وَكِلَابٍ) ، وَلَا جَزَاءَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إنَّمَا أَوْجَبَ الْجَزَاءَ فِي الصَّيْدِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِصَيْدٍ. (وَسُئِلَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (هَلْ يَجُوزُ إحْرَاقُ بُيُوتِ النَّمْلِ بِالنَّارِ؟ فَقَالَ: يُدْفَعُ ضَرَرُهُ بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ) إنْ انْدَفَعَ، وَإِلَّا؛ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ، ذَكَرَهُ النَّاظِمُ. (وَلَا بَأْسَ بِنَزْعِ قُرَادٍ عَنْ دَابَّتِهِ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَسَائِرِ الْمُؤْذِي. (وَيَحْرُمُ) عَلَى مُحْرِمٍ، لَا عَلَى حَلَالٍ، وَلَوْ فِي الْحَرَمِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَرُمَ فِي الْمُحْرِمِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الرَّفَاهِيَةِ، فَأُبِيحَ لِلْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ كَغَيْرِهِ، (بِ) سَبَبِ (إحْرَامٍ، لَا بِ) سَبَبِ (حَرَمٍ، قَتْلُ قَمْلٍ وَصِئْبَانٍ) مِنْ رَأْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، (وَلَوْ بِزِئْبَقٍ، وَ) يَحْرُمُ (رَمْيُهُ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ بِإِزَالَتِهِ، أَشْبَهَ قَطْعَ الشَّعْرِ، (وَلَا جَزَاءَ فِيهِ) ، أَيْ: الْقَمْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَلَا يَحْرُمُ قَتْلُ بَرَاغِيثَ، وَدَلَمٍ وَبَقٍّ، وَنَحْوِهَا مِنْ الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ. (وَيُضْمَنُ جَرَادٌ) أَتْلَفَهُ مُحْرِمٌ (بِقِيمَتِهِ) فِي مَكَانِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتْلَفٌ غَيْرُ مِثْلِيٍّ (وَلَوْ بِمَشْيِ) مُحْرِمٍ (عَلَى) جَرَادٍ (مُفْتَرِسٍ بِطَرِيقٍ) ، وَإِنْ لَمْ

يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ (وَكَذَا) كَانَ (بَيْضُ صَيْدٍ أُتْلِفَ) ، أَيْ: أَتْلَفَهُ مُحْرِمٌ، (لِحَاجَةِ مَشْيٍ) عَلَيْهِ؛ فَيَضْمَنُهُ، (وَيُبَاحُ) لِمُحْرِمٍ وَغَيْرِهِ، (لَا بِالْحَرَمِ، صَيْدُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ كَسَمَكٍ، وَلَوْ عَاشَ فِي بَرٍّ أَيْضًا، كَسُلَحْفَاةٍ وَسَرَطَانٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96] ، وَأَمَّا الْبَحْرُ بِالْحَرَمِ؛ فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِيهِ لِلْمَكَانِ، فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَطَيْرُ الْمَاءِ بَرِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَبِيضُ وَيُفَرِّخُ فِي الْبَرِّ، فَيَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ صَيْدُهُ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ (وَلِمُحْرِمٍ احْتَاجَ لِفِعْلِ مَحْظُورٍ) غَيْرِ مُفْسِدٍ (فِعْلُهُ) ، وَيَفْدِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] ، وَحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَأُلْحِقَ بِالْحَلْقِ بَاقِي الْمَحْظُورَاتِ. وَمَنْ بِبَدَنِهِ شَيْءٌ لَا يُحِبُّ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ لَبِسَ، وَفَدَى نَصًّا. (وَكَذَا لَوْ اُضْطُرَّ كَمَنْ بِحَرَمٍ إلَى ذَبْحِ صَيْدٍ؛ فَلَهُ) ، أَيْ: الْمُضْطَرِّ ذَبْحُهُ (وَأَكْلُهُ، وَيَفْدِي، وَهُوَ مَيْتَةٌ لِغَيْرِهِ) ، أَيْ: كَمَيْتَةٍ فِي التَّحْرِيمِ، لَا فِي النَّجَاسَةِ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ. (وَتُقَدَّمُ هِيَ) ، أَيْ: الْمَيْتَةُ (عَلَى صَيْدٍ حَيًّا) ؛ لِأَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهَا، (وَيَأْتِي) فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ. (السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ) ، فَيَحْرُمُ، (وَلَا يَصِحُّ) مِنْ مُحْرِمٍ؛ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ» وَلِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّ عُمَرُ نِكَاحَهُ. وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَدَوَاعِيَهُ، فَمُنِعَ عَقْدُ النِّكَاحِ كَالْعِدَّةِ، (إلَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، فَلَا يَكُونُ مَحْظُورًا (إنْ

سَلَّمْنَا نِكَاحَهُ مَيْمُونَةَ مُحْرِمًا) ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» . قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي، وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِأَبِي دَاوُد «وَتَزَوَّجَنِي وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفٍ» وَلِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا وَبَنَى بِهَا حَلَالًا» ، وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا " وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهِلَ، وَقَالَ أَيْضًا: أَوْهَمَ رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ، أَيْ: ذَهَبَ وَهْمُهُ إلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: نَقَلَ ابْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَطَأٌ، ثُمَّ قِصَّةُ مَيْمُونَةَ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَتَعَارَضُ ذَلِكَ، وَمَا سَبَقَ لَا مُعَارِضَ لَهُ، ثُمَّ رِوَايَةُ الْحِلِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ، وَفِيهَا صَاحِبُ الْقِصَّةِ، وَالسَّفِيرُ فِيهَا، وَلَا مَطْعَنَ فِيهَا، وَيُوَافِقُهَا مَا سَبَقَ، وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَعَ صِغَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَنْ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ ظَهَرَ تَزْوِيجُهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ. (وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ لِلْإِحْرَامِ، كَشِرَاءِ الصَّيْدِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِحْرَامُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا؛ (فَلَا يَتَزَوَّجُ) الْمُحْرِمُ، (وَلَوْ) كَانَ تَزَوُّجُهُ (بِوَكِيلٍ حَلَالٍ) يُقْبَلُ لَهُ النِّكَاحُ (وَلَا يُزَوِّجُ) الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ (بِوِلَايَةٍ أَوْ) ، أَيْ: وَلَا (بِوَكَالَةٍ) ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرَفَعَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (وَتُعْتَبَرُ حَالَةَ عَقْدٍ لَا) حَالَةَ (تَوْكِيلٍ، فَلَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا؛ صَحَّ عَقْدُهُ) ، أَيْ: الْوَكِيلِ (بَعْدَ حِلِّ مُوَكِّلِهِ) ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا، فَعَقْدُ النِّكَاحِ بَعْدَ حِلِّهِمَا، (وَلَوْ وَكَّلَهُ) ، أَيْ: الْحَلَالَ فِي الْعَقْدِ، (حَلَالًا) - حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي: وَكَّلَ - (فَأَحْرَمَ) مُوَكِّلٌ، (فَعَقَدَهُ) الْوَكِيلُ (حَالَ إحْرَامِهِ) ، أَيْ: الْمُوَكِّلِ؛ (لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ لِلْخَبَرِ، (وَلَا يَنْعَزِلُ وَكِيلُهُ) ، أَيْ: الْحَلَالِ فِي

الْعَقْدِ (بِإِحْرَامِهِ) ، أَيْ: الْمُوَكِّلِ، (فَإِذَا حَلَّ، عَقَدَهُ) وَكِيلُهُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ. (وَلَوْ) وَقَعَ الْعَقْدُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ، فَ (قَالَ زَوْجٌ لِزَوْجَتِهِ: عُقِدَ قَبْلَ إحْرَامِي) ، وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ: بَعْدَهُ؛ (قُبِلَ) قَوْلُ الزَّوْجِ لِدَعْوَاهُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، ثُمَّ إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكَانَ أَقْبَضَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ؛ لَا رُجُوعَ لَدَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَقْبَضَهَا؛ فَلَا طَلَبَ لَهَا بِهِ؛ لِتَضَمُّنِ دَعْوَاهَا أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، لِفَسَادِ الْعَقْدِ، (وَكَذَا إنْ عُكِسَ) ، فَقَالَتْ: عُقِدَ قَبْلَ إحْرَامِكَ، وَقَالَ: بَعْدَهُ؛ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ قُلْتُ: وَيَلْزَمُهُ تَطْلِيقُهَا احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ، (لَكِنْ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْمَهْرِ) فِي الثَّانِيَةِ (تَبْعِيضًا لِلْحُكْمِ) ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَيْهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، (وَيَصِحُّ) النِّكَاحُ (مَعَ جَهْلِهِمَا) ، أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (وُقُوعَهُ) ، بِأَنْ جَهِلَا: هَلْ وَقَعَ حَالَ إحْرَامِ أَحَدِهِمَا أَوْ إحْلَالِهِمَا؟ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ (وَ) إنْ قَالَ الزَّوْجُ: (تَزَوَّجْتُكِ وَقَدْ حَلَلْتِ، فَقَالَتْ: بَلْ) وَأَنَا (مُحْرِمَةٌ؛ صَدَقَ) الزَّوْجُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) لَوْ قَالَ: (تَزَوَّجْتُكِ وَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتك، فَقَالَتْ: بَلْ) تَزَوَّجْتَنِي (فِيهَا) ، أَيْ: الْعِدَّةِ، وَلَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا؛ (صَدَقَتْ) ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا، (وَمَتَى أَحْرَمَ الْإِمَامُ) الْأَعْظَمُ (أَوْ نَائِبُهُ؛ امْتَنَعَتْ مُبَاشَرَتُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ مِنْهُمَا (لَهُ) ، أَيْ: لِلنِّكَاحِ، لِلْخَبَرِ، فَلَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ وَلَا بِوِلَايَةٍ عَامَّةٍ، وَ (لَا) تُمْنَعُ مُبَاشَرَةُ (نُوَّابِهِ) لِلنِّكَاحِ بِإِحْرَامِهِ (بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ) ، فَلَهُمْ إذَا كَانُوا مُحَلِّينَ تَزْوِيجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ فِيهِ حَرَجٌ. (وَيَتَّجِهُ: فَيَمْتَنِعُ) عَقْدُ النِّكَاحِ (عَلَى نُوَّابِهِ بِوِلَايَتِهِ الْخَاصَّةِ، كَنَائِبِهِ فِي تَزْوِيجِ نَحْوِ بِنْتِهِ) مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهَا الْوِلَايَةُ، فَلَيْسَ لِلنَّائِبِ عَقْدُهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ حَتَّى يَحِلَّ، وَأَمَّا تَزْوِيجُ نُوَّابِهِ لِنَحْوِ بَنَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ

إذَا كَانُوا حَلَالًا؛ فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا نِيَابَةَ لَهُمْ عَنْهُ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَتُكْرَهُ خِطْبَةُ مُحْرِمٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ، أَيْ: أَنْ يَخْطُبَ امْرَأَةً، أَوْ يَخْطُبَ حَلَالٌ مُحْرِمَةً، لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَتَقَدَّمَ، (كَ) مَا يُكْرَهُ لَهُ (خِطْبَةُ عَقْدِهِ) ، أَيْ: النِّكَاحِ، وَتَأْتِي لِدُخُولِهَا فِي عُمُومٍ، وَلَا يَخْطُبُ، (وَ) كَمَا يُكْرَهُ لَهُ (حُضُورُهُ) عَقْدَ النِّكَاحِ، (وَكَذَا شَهَادَتُهُ فِيهِ) ، أَيْ: النِّكَاحِ بَيْنَ حَلَالَيْنِ نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَخْطُبُ، قَالَ: مَعْنَاهُ: لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَ. (وَيَتَّجِهُ) : كَرَاهَةُ، شَهَادَةِ الْمُحْرِمِ (لِ) عَقْدِ نِكَاحِ (حَلَالٍ) ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْحَلَالِ لَا يَعْقِدُ لَهُ، وَمُعَاطَاةُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ حَرَامٌ. (وَأَلَّا) يَحْمِلَ عَلَى شَهَادَةِ الْمُحْرِمِ عَلَى نِكَاحٍ بَيْنَ حَلَالَيْنِ، بِأَنْ حَمَلَ عَلَى شَهَادَتِهِ عَلَى نِكَاحٍ بَيْن مُحْرِمَيْنِ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ، (وَالشَّهَادَةُ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ حَرَامٌ) ، وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ (وَتُبَاحُ رَجْعَتُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ؛ لِمُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ، لِأَنَّهَا إمْسَاكٌ، وَلِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُبَاحَةٌ قَبْلَ الرَّجْعَةِ، فَلَا إحْلَالَ، وَكَالتَّكْفِيرِ لِلْمُظَاهِرِ (وَ) يُبَاحُ (شِرَاءُ أَمَةٍ لِوَطْءٍ) ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ وَاقِعٌ عَلَى عَيْنِهَا، وَهِيَ تُرَادُ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ شِرَاءٌ نَحْوُ الْمَجُوسِيَّةِ، بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبِضْعِ خَاصَّةً، وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ نَحْوِ مَجُوسِيَّةٍ. (وَ) يَصِحُّ (اخْتِيَارُهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ (إنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ) نِسْوَةٍ لِبَعْضِهِنَّ فِي حَالِ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ إمْسَاكٌ وَاسْتِدَامَةٌ، لَا ابْتِدَاءُ نِكَاحٍ، كَالرَّجْعَةِ وَأَوْلَى. (الثَّامِنُ: وَطْءٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ} [البقرة: 197] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَدُّ الْجِمَاعِ إلَى قَوْلِهِ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] . (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (فَلَا يَفْسُدُ) إحْرَامُ مَنْ أَوْلَجَ (بِلَا إنْزَالٍ) إذَا كَانَ إيلَاجُهُ (بِحَائِلٍ) صَفِيقٍ، بِحَيْثُ لَا يُحِسُّ بِالْحَرَارَةِ، أَمَّا إذَا أَوْلَجَ بِلَا حَائِلٍ، أَوْ بِحَائِلٍ غَيْرِ صَفِيقٍ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ إحْرَامُهُ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَالْوَطْءُ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ هُوَ: تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ (فِي فَرْجٍ) أَصْلِيٍّ، (أَوْ دُبُرٍ لِآدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا أَوْ) كَانَ الْوَاطِئُ (مُكْرَهًا) ، إذْ الْوَطْءُ لَا يَتَأَتَّى مَعَ الْإِكْرَاهِ، (أَوْ) كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ (نَائِمَةً) ، أَوْ مَيِّتَةً، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. (وَيَتَّجِهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ: أَوْ) كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ (مَجْنُونَةً) ، لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا. (وَهُوَ) ، أَيْ: الْوَطْءُ (يُفْسِدُ النُّسُكَ قَبْلَ تَحَلُّلٍ أَوَّلِ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا، (وَلَوْ بَعْدَ وُقُوفٍ) نَصًّا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَضَوْا بِفَسَادِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا، وَحَدِيثُ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ، أَيْ: قَارَبَهُ، وَأَمِنَ فَوَاتَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَامِدٍ وَنَاسٍ، وَجَاهِلٍ وَعَالِمٍ وَمُكْرَهٍ وَغَيْرِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ، (وَعَلَيْهِمَا) ، أَيْ: الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ، (الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) ، أَيْ: النُّسُكِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْوَطْءِ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. (وَحُكْمُهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ الَّذِي فَسَدَ بِالْجِمَاعِ، (كَ) حُكْمِ إحْرَامٍ (صَحِيحٍ فِيمَا يُفْعَلُ

وَيُتَجَنَّبُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وَرُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْمُجَامِعَ بِذَلِكَ " لِأَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَالْفَوَاتِ، فَيَفْعَلُ بَعْدَ الْإِفْسَادِ، كَمَا يَفْعَلُ قَبْلَهُ مِنْ وُقُوفٍ وَغَيْرِهِ، وَيَتَجَنَّبُ مَا يَتَجَنَّبُهُ قَبْلَهُ مِنْ وَطْءٍ وَغَيْرِهِ، وَيَفْدِي مَحْظُورَ فِعْلِهِ بَعْدَهُ. (وَيَقْضِي) مَنْ فَسَدَ نُسُكُهُ بِالْوَطْءِ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، نَصًّا، وَاطِئًا أَوْ مَوْطُوءًا، فَرْضًا كَانَ الَّذِي أَفْسَدَهُ، أَوْ نَفْلًا، (فَوْرًا وُجُوبًا) ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: فَإِذَا أَدْرَكْتَ قَابِلًا؛ حُجَّ وَاهْدِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْأَثْرَمُ. وَزَادَ: وَحُلَّ إذَا حَلُّوا، فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ؛ فَاحْجُجْ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ، وَاهْدِيَا هَدْيًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدَا، فَصُومَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْتُمَا. (إنْ كَانَ) الْمُفْسِدُ نُسُكَهُ (مُكَلَّفًا) لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ مُكَلَّفًا، بَلْ كُلِّفَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ، فَيَقْضِي (بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَوْرًا) ؛ لِزَوَالِ عُذْرِهِ. (وَيُحْرِمُ) مَنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ فِي الْقَضَاءِ (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ فِي) نُسُكٍ (فَاسِدٍ إنْ كَانَ) أَحْرَمَ بِهِ (قَبْلَ مِيقَاتٍ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ، وَلِأَنَّ دُخُولَهُ فِي النُّسُكِ سَبَبٌ لِوُجُوبِهِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَوْضِعِ الْإِيجَابِ، كَالنَّذْرِ، (وَإِلَّا) يَكُنْ أَحْرَمَ بِمَا فَسَدَ قَبْلَ مِيقَاتٍ، بَلْ أَحْرَمَ مِنْهُ، أَوْ دُونَهُ إلَى مَكَّةَ، (فَ) إنَّهُ يُحْرِمُ (مِنْهُ) ، أَيْ: الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُجَاوَزَتُهُ بِلَا إحْرَامٍ، (فَمَنْ نَذَرَ حَجًّا مِنْ دُوَيْرَةٍ أَهْلِهِ، لَزِمَهُ إحْرَامٌ، مِنْهَا) ، لَا مِنْ الْمِيقَاتِ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَبْلَهُ أَوْ دُونَهُ. (وَمَنْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ) فَوَطِئَ فِيهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ؛ (قَضَى الْوَاجِبَ) الَّذِي عَلَيْهِ (أَوَّلًا) ، وَ (لَا) يَقْضِي (الْقَضَاءَ) ، كَقَضَاءِ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَفْسَدَهُ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَزْدَادُ بِفَوَاتِهِ، بَلْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ قَضَاءُ الْوَاجِبِ فَقَطْ (خَوْفَ تَسَلْسُلٍ) إذْ لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ قَضَاءَ

الْقَضَاءِ؛ لَوَقَعَ فَاسِدًا؛ لِتَقْدِيمِهِ عَلَى الْوَاجِبِ، فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ، وَهَلُمَّ جَرًّا، فَيُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ. (وَنَفَقَةُ قَضَاءِ) نُسُكِ (مُطَاوِعَةٍ) عَلَى وَطْءٍ (عَلَيْهَا) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَمْرٍو: هَدْيًا هَدْيًا. أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِمَا، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اهْدِ نَاقَةً، وَلْتُهْدِ نَاقَةً، وَلِإِفْسَادِهَا نُسُكَهَا بِمُطَاوَعَتِهَا، أَشْبَهَتْ الرَّجُلَ. (وَ) نَفَقَةُ، قَضَاءِ نُسُكِ (نَحْوِ مُكْرَهَةٍ، عَلَى مُكْرِهٍ) ، وَلَوْ طَلَّقَهَا؛ لِإِفْسَادِهِ نُسُكَهَا، كَنَفَقَةِ نُسُكِهِ، وَقِيَاسُهُ: لَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ نَائِمٍ؛ فَعَلَيْهَا نَفَقَةُ قَضَائِهِ. (وَلَا فِدْيَةَ) عَلَى مُكْرَهَةٍ عَلَى الْوَطْءِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . (وَسُنَّ تَفَرُّقُهُمَا) ، أَيْ: وَاطِئٍ وَمَوْطُوءَةٍ (فِي قَضَاءٍ مِنْ مَوْضِعِ وَطْءٍ، فَلَا يَرْكَبْ مَعَهَا فِي مَحْمَلٍ، وَلَا) يَنْزِلْ مَعَهَا فِي (فُسْطَاطٍ) ، أَيْ: (بَيْتٍ مِنْ شَعْرٍ، وَلَا) فِي (خَيْمَةٍ إلَّا أَنْ يَحِلَّا) مِنْ إحْرَامِ الْقَضَاءِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ " أَنَّ رَجُلًا جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا، مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «أَتِمَّا حَجَّكُمَا، ثُمَّ ارْجِعَا، وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى مِنْ قَابِلٍ، حَتَّى إذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ؛ فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا، وَلَا يُوَاكِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ أَتِمَّا مَنَاسِكَكُمَا، وَاهْدِيَا» وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ. (وَيَكُونُ قَرِيبًا مِنْهَا، يُرَاعِي أَحْوَالَهَا؛ لِأَنَّهَا مُحْرِمَةٌ وَ) الْوَطْءُ (بَعْدَ تَحَلُّلٍ أَوَّلَ لَا يَفْسُدُ نُسُكٌ) بِهِ، (بَلْ) يَفْسُدُ بِهِ (إحْرَامٌ) ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَوْمَ النَّحْرِ: «يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ» رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَعَلَيْهِ) ، أَيْ: الْوَاطِئِ بَعْدَ تَحَلُّلٍ أَوَّلِ (شَاةٌ) ، لِفَسَادِ إحْرَامِهِ، (وَ) عَلَيْهِ (الْمُضِيُّ لِلْحِلِّ، فَيُحْرِمُ) ؛ لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، (لِيَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ مُحْرِمًا إحْرَامًا صَحِيحًا) ، لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، (وَيَسْعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى)

قَبْلَ ذَلِكَ، (وَيَحِلُّ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَلَيْسَ هَذَا عُمْرَةً حَقِيقَةً، وَالْإِحْرَامُ إنَّمَا وَجَبَ لِيَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْحَجِّ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: الْخِرَقِيِّ، فَقَوْلُ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ: إنَّهُ يَعْتَمِرُ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا، وَسَمَّوْهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَفْعَالُهَا، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقَةً، فَيَلْزَمُهُ سَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ، وَعَلَى هَذَا نُصُوصُ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ لِمَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ إحْرَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَكَانَ فِيهِ طَوَافٌ وَسَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ، كَالْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ، وَهِيَ تَجْرِي مَجْرَى الْحَجِّ، بِدَلِيلِ الْقِرَانِ بَيْنَهُمَا، قَالَهُ فِي " الْمُبْدِعِ. (وَالْقَارِنُ كَمُفْرِدٍ) لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لِلْحَجِّ لَا لِلْعُمْرَةِ، بِدَلِيلِ تَأْخِيرِ الْحَلْقِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، (فَإِنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ) ، أَيْ: وَحَلَقَ، (وَلَمْ يَرْمِ) جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، (ثُمَّ وَطِئَ؛ فَفِي " الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ": لَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ مِنْ الْحِلِّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِوُجُودِ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَقَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ كَمَا سَبَقَ) يَعْنِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ، وَلَوْ كَانَ قَدْ طَافَ لِوُجُودِ الْوَطْءِ قَبْلَ مَا يَتِمُّ بِهِ التَّحَلُّلُ، (وَلِأَنَّهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ مُحْرِمٌ؛ لِبَقَاءِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ الْمُنَافِي وُجُودُهُ صِحَّةَ الْإِحْرَامِ) ، فَيَفْسُدُ إحْرَامُهُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، قَالَ فِي " الْمُبْدِعِ ": وَالْمُرَادُ فَسَادُ مَا بَقِيَ مِنْهُ، لَا مَا مَضَى، إذْ لَوْ فَسَدَ كُلُّهُ؛ لَوَقَعَ الْوُقُوفُ فِي غَيْرِ إحْرَامٍ. (وَعُمْرَةٌ) وَطِئَ فِيهَا (كَحَجٍّ) فِيمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (فَيُفْسِدُهَا) وَطْءٌ (قَبْلَ تَمَامِ سَعْيٍ لَا بَعْدَهُ) ، أَيْ: السَّعْيِ، (وَقَبْلَ حَلْقٍ) ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ تَحَلُّلٍ أَوَّلَ، (وَعَلَيْهِ) بِوَطْئِهِ فِي عُمْرَةٍ (لِإِفْسَادِهَا شَاةٌ) ؛ لِنَقْصِ حُرْمَةِ إحْرَامِهَا عَنْ الْحَجِّ؛ لِنَقْصِ أَرْكَانِهَا، وَدُخُولِهَا فِيهِ، إذَا جَامَعَتْهُ، سَوَاءٌ وَطِئَ قَبْلَ تَمَامِ السَّعْيِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْحَلْقِ، (وَلَا فِدْيَةَ عَلَى

فصل إحرام المرأة في وجهها

مُكْرَهَةٍ) فِي وَطْءٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؛ لِعُمُومِ: «وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَمِثْلُهَا النَّائِمَةُ، وَلَا يَلْزَمُ الْوَاطِئَ أَنْ يَفْدِيَ عَنْهُمَا. (التَّاسِعُ: الْمُبَاشَرَةُ) مِنْ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ فِيمَا (دُونَ الْفَرْجِ، لِشَهْوَةٍ) بِوَطْءٍ لِلَذَّةٍ، وَاسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ الْمُنَافِي لِلْإِحْرَامِ، (وَلَا تُفْسِدُ) الْمُبَاشَرَةُ (الْمَنْسَكَ) وَلَوْ أَنْزَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ؛ لِأَنَّ نَوْعَهُ يُوجِبُ الْحَدَّ، (وَكَذَا قُبْلَةٌ وَلَمْسٌ، وَنَظَرٌ لِشَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ، فَكَانَ حَرَامًا. [فَصْلٌ إحْرَام الْمَرْأَةُ فِي وَجْهِهَا] فَصْلٌ (وَالْمَرْأَةُ إحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا، فَتَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ بِنَحْوِ بُرْقُعٍ وَنِقَابٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: " إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا، وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. (وَتُسْدِلُ) ، أَيْ: تَضَعُ الثَّوْبَ فَوْقَ رَأْسِهَا، وَتُرْخِيهِ عَلَى وَجْهِهَا، (لِحَاجَةٍ) إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا، (كَمُرُورِ رِجَالٍ) أَجَانِبَ (بِهَا) ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا حَاذَوْنَا؛ سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ. قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا لَهَا أَنْ تُسْدِلَ عَلَى وَجْهِهَا مِنْهُ فَوْقَ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْفَعَ الثَّوْبَ مِنْ أَسْفَلَ. (وَلَوْ أَصَابَ) مَسْدُولٌ (وَجْهَهَا، وَلَا يُمْكِنُهَا تَغْطِيَةُ جَمِيعِ رَأْسِهَا إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ وَجْهِهَا، وَلَا كَشْفُ جَمِيعِ وَجْهِهَا إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ رَأْسِهَا، فَسَتْرُ رَأْسِهَا كُلِّهِ أَوْلَى، لِكَوْنِهِ) أَيْ: الرَّأْسِ (عَوْرَةً) فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، (وَلَا يَخْتَصُّ سَتْرُهُ بِإِحْرَامٍ) ، وَكَشْفُ الْوَجْهِ بِخِلَافِهِ. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا) ، أَيْ: الْمُحْرِمَةِ (مَا يَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ) مُحْرِمٍ مِنْ

إزَالَةِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَطِيبٍ، وَقَتْلِ صَيْدٍ، وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ الْخِطَابَ يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ (غَيْرَ لِبَاسٍ وَ) غَيْرَ (خُفَّيْنِ، وَغَيْرَ تَظْلِيلٍ بِمَحْمَلٍ) ، لِحَاجَتِهَا إلَيْهِ، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ إلَى وَجْهِهَا (وَيُبَاحُ لَهَا) أَيْ: الْمُحْرِمَةِ (خَلْخَالٌ، وَنَحْوُهُ مِنْ حُلِيٍّ) ، كَسِوَارٍ وَدُمْلُجٍ، وَقُرْطٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ، وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنْ الثِّيَابِ، وَلْيَلْبَسْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ حُلِيٍّ» (وَلَهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، لُبْسُ (خَاتَمٍ) مِنْ فِضَّةٍ أَوْ عَقِيقٍ وَنَحْوِهِمَا، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «لَا بَأْسَ بِالْهِمْيَانِ، وَالْخَاتَمِ لِلْمُحْرِمِ» (وَإِنْ شَدَّتْ) مُحْرِمَةٌ (يَدَيْهَا بِخِرْقَةٍ فَدَتْ) ، كَشَدِّ الرَّجُلِ شَيْئًا عَلَى جَسَدِهِ، (وَكَلُبْسِهَا قُفَّازًا) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ لُبْسُهُمَا كَالْمَرْأَةِ وَأَوْلَى وَالْقُفَّازَانِ كُلُّ مَا يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ، يُدْخِلُهُمَا فِيهِ، يَسْتُرُهُمَا مِنْ الْحَرِّ كَالْجَوْرَبِ لِلرِّجْلَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ تَغْطِيَةِ يَدَيْهَا بِكُمِّهَا لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ، جَوَازُهُ بِالْقُفَّازَيْنِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ تَغْطِيَةِ الرَّجُلِ قَدَمَهُ بِإِزَارِهِ لَا بِخُفٍّ، وَإِنَّمَا جَازَ تَغْطِيَةُ قَدَمَيْهَا بِكُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّهُمَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، (لَا إنْ لَفَّتْهَا) ، أَيْ: يَدَهَا، (بِلَا شَدٍّ) ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ اللُّبْسُ لَا التَّغْطِيَةُ، كَيَدِ الرَّجُلِ. (وَكُرِهَ لَهُمَا) ، أَيْ: الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (اكْتِحَالٌ بِإِثْمِدٍ، وَنَحْوِهِ) مِنْ كُلِّ كُحْلٍ أَسْوَدَ، (لِزِينَةٍ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِامْرَأَةٍ مُحْرِمَةٍ: " اكْتَحِلِي بِأَيٍّ شِئْت، غَيْرَ الْإِثْمِدِ أَوْ الْأَسْوَدِ، وَ (لَا) يُكْرَهُ اكْتِحَالُهُمَا بِذَلِكَ (لِغَيْرِهَا) ، أَيْ: الزِّينَةِ، كَوَجَعِ عَيْنٍ لِحَاجَةٍ (وَلَهُمَا) ، أَيْ: لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مُحْرِمَيْنِ، (لُبْسُ مُعَصْفَرٍ) ، أَيْ مَصْبُوغٌ بِعُصْفُرٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ

بِطِيبٍ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَشَمِّهِ، (وَ) لَهُمَا لُبْسُ (كَحُلِيٍّ) ، وَكُلُّ مَصْبُوغٍ بِغَيْرِ وَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ، أَوْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ. (وَ) لَهُمَا (قَطْعُ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ بِغَيْرِ طِيبٍ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، بَلْ هَذَا مَطْلُوبٌ. (وَ) لَهُمَا (اتِّجَارٌ وَعَمَلُ صَنْعَةٍ مَا لَمْ يَشْغَلَا) ، أَيْ: الِاتِّجَارُ وَعَمَلُ الصَّنْعَةِ، (عَنْ وَاجِبٍ؛ فَيَحْرُمُ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو الْمَجَازِ، أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ، فَنَزَلَتْ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. مَا لَمْ يَشْغَلْ الِاتِّجَارُ وَعَمَلُ. الصَّنْعَةِ عَنْ (مُسْتَحَبٍّ) . (وَيَتَّجِهُ: فَيُكْرَهُ) تَعَاطِيهِمَا إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِمَا، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ " الْمُنْتَهَى ". (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّ كُلَّ) فِعْلٍ (مُبَاحٍ أَشْغَلَ عَنْ) فِعْلٍ (وَاجِبٍ) ضَاقَ، وَقْتُهُ (حَرَامٌ) ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَسْتَرِيبُ بِهِ عَاقِلٌ. (وَلَهُمَا نَظَرٌ فِي مِرْآةٍ لِحَاجَةٍ، كَإِزَالَةِ شَعْرٍ بِعَيْنٍ) دَفْعًا لِضَرَرِهِ. (وَكُرِهَ) نَظَرُهُمَا فِي مِرْآةٍ (لِزِينَةٍ) ، وَلَا يُصْلِحُ الْمُحْرِمُ شَعَثًا، وَلَا يُنْفِضُ عَنْهُ غُبَارًا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ: اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي

باب الفدية وبيان أقسامها

شُعْثًا غُبْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَيَجِبُ اجْتِنَابُ رَفَثٍ، وَهُوَ: الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ) مِنْ تَقْبِيلٍ وَلَمْسٍ لِشَهْوَةٍ، (وَفُسُوقٍ وَهُوَ: السِّبَابُ) ، وَقِيلَ: الْمَعَاصِي، (وَجِدَالٍ) وَهُوَ: الْمِرَاءُ (فِيمَا لَا يَعْنِي) ، أَيْ: يُهِمُّ، لِحَدِيثِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَك حَتَّى تُغْضِبَهُ) ، قَالَ الْمُوَفَّقُ: الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. (وَتُسَنُّ قِلَّةُ كَلَامِهِمَا) ، أَيْ: الْمُحْرِمِ، وَالْمُحْرِمَةِ (إلَّا فِيمَا يَنْفَعُ) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يُسَنُّ لِلْمُحْرِمِ (إشْغَالُهُ بِتَلْبِيَةٍ وَذِكْرٍ وَ) قِرَاءَةِ (قُرْآنٍ، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَتَعْلِيمِ جَاهِلٍ، وَنَحْوِهِ) مِنْ الْمَطْلُوبَاتِ. [بَابُ الْفِدْيَةِ وَبَيَانُ أَقْسَامِهَا] (بَابُ الْفِدْيَةِ) وَبَيَانُ أَقْسَامِهَا وَهِيَ مَصْدَرُ: فَدَى يَفْدِي فِدَاءً. وَشَرْعًا: (مَا يَجِبُ بِسَبَبِ نُسُكٍ) كَدَمِ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ، وَوَاجِبٌ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ فِي إحْرَامٍ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، (أَوْ) بِسَبَبٍ (حَرُمَ) ، كَصَيْدِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ وَنَبَاتِهِ، (وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) ، أَيْ: الْفِدْيَةُ (عَلَى فِعْلٍ مَحْظُورٍ) إذَا احْتَاجَ إلَى فِعْلِهِ (لِعُذْرٍ) ، كَأَنْ يَحْتَاجُ إلَى (نَحْوِ حَلْقٍ) وَلُبْسٍ وَطِيبٍ، (وَيَأْتِي) ذَلِكَ. (وَهِيَ) ، أَيْ: الْفِدْيَةُ (قِسْمَانِ: تَخْيِيرٌ، وَتَرْتِيبٌ) : (فَالتَّخْيِيرُ) نَوْعَانِ: أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ: (كَفِدْيَةِ لُبْسِ) مَخِيطٍ، (وَطِيبٍ، وَتَغْطِيَةِ رَأْسِ) ذَكَرٍ، أَوْ وَجْهِ أُنْثَى، (وَإِزَالَةِ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرَتَيْنِ أَوْ) أَكْثَرَ مِنْ (ظُفْرَيْنِ، وَإِمْنَاءٍ بِنَظْرَةٍ، وَمُبَاشَرَةٍ بِغَيْرِ إنْزَالٍ، وَإِمْذَاءٍ بِتَكْرَارِ

نَظَرٍ أَوْ تَقْبِيلٍ أَوْ لَمْسٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] ، وَقَوْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «لَعَلَّك آذَاك هَوَامُّ رَأْسِك؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: احْلِقْ رَأْسَك، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ اُنْسُكْ شَاةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: " أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ". (فَيُخَيَّرُ) مُحْرِمٌ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (بَيْنَ ذَبْحِ شَاةٍ، أَوْ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ) مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقِطٍ. وَيَتَعَيَّنُ تَمْلِيكُ مَا (يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ) ، وَهُوَ: أَحَدُ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَلَفْظُ " أَوْ " فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ: لِلتَّخْيِيرِ، وَخُصَّتْ الْفِدْيَةُ بِالثَّلَاثَةِ مِنْ الْأَظْفَارِ وَالشَّعَرَاتِ، لِأَنَّهَا جَمْعٌ، وَاعْتُبِرَتْ فِي مَوَاضِعَ بِخِلَافِ رُبْعِ الرَّأْسِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ بِاعْتِبَارِ حَلْقِ الرَّأْسِ فِي الْفِدْيَةِ، وَقِيسَ عَلَى بَاقِي الْمَذْكُورَاتِ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا فِيهَا لِلتَّرَفُّهِ أَشْبَهَتْ الْحَلْقَ، وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا لَهُ. (وَيَتَّجِهُ: إجْزَاءُ قُوتِ غَيْرِهِ) ، أَيْ: غَيْرَ مَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ (مَعَ عَدَمِهِ) ، أَيْ: الْمُجْزِئِ فَيُجْزِئُ كُلُّ مَا يُقْتَاتُ مِنْ خُبْزٍ وَذُرَةٍ وَأَرُزٍّ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي " خِلَافِهِ "، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَحَيْثُ أَخْرَجَ خُبْزًا؛ فَيَدْفَعُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ رِطْلَيْنِ عِرَاقِيَّةً، وَيَنْبَغِي كَوْنُهُ مَعَ أُدُمٍ، لِيَكْفِيَ الْمَسَاكِينَ

الْمُؤْنَةَ، عَلَى قِيَاسِ الْكَفَّارَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَ) النَّوْعُ الثَّانِي (مِنْ) نَوْعَيْ (التَّخْيِيرِ: جَزَاءُ الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ فِيهِ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ (بَيْنَ) : ذَبْحِ (مِثْلِ) الصَّيْدِ مِنْ النَّعَمِ، وَإِعْطَائِهِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، فَلَا يَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا. (أَوْ: تَقْوِيمِهِ) ، أَيْ: الْمِثْلِ، (بِمَحَلٍّ تَلَفِ) الصَّيْدِ (وَبِقُرْبِهِ) ، أَيْ: مَحَلِّ التَّلَفِ (بِدَرَاهِمَ) مَثَلًا (يَشْتَرِي بِهَا) ، أَيْ: الدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ قِيمَةُ الْمِثْلِ (طَعَامًا، إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ) فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ؛ أَخْرَجَ مِنْهُ (مَا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ) كَوَاجِبٍ فِي فِدْيَةِ أَذًى وَكَفَّارَةٍ، (فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقِطٍ، (أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] ، (وَإِنْ بَقِيَ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ صَامَ) عَنْهُ (يَوْمًا) كَامِلًا، لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ، فَأَخْرَجَ مَا وَجَدَهُ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ؛ صَوْمُ يَوْمٍ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاءُ طَعَامٍ لَيْسَ عِنْدَهُ، (وَيُخَيَّرُ فِي شِرَاءِ) طَعَامٍ (رَخِيصٍ، أَوْ) شِرَاءِ طَعَامٍ (غَالٍّ) ، فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ شِرَاءُ الْأَنْفَعِ، وَلَا الْأَجْوَدِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ ذَلِكَ وَإِخْرَاجُهُ، (لِقِلَّةِ الصَّوْمِ) ، إذْ هُوَ يَوْمٌ وَاحِدٌ،

وَنَفْعُهُ قَاصِرٌ عَلَى فَاعِلِهِ، بِخِلَافِ الْإِطْعَامِ، فَإِنَّ فِيهِ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَيُخَيَّرُ فِيمَا) ، أَيْ: صَيْدٍ (لَا مِثْلَ لَهُ) مِنْ النَّعَمِ، إذَا قَتَلَهُ (بَيْنَ إطْعَامِ) مَا اشْتَرَاهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ إخْرَاجِهِ عَنْهَا مِنْ طَعَامِهِ بِعَدْلِهَا، (وَصِيَامٍ) كَمَا تَقَدَّمَ. لِعُذْرِ الْمِثْلِ، (وَلَا يَجِبُ تَتَابُعٌ فِيهِ) ، أَيْ: فِي هَذَا الصَّوْمِ، لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ بِهِ مُطْلَقٌ، فَيَتَنَاوَلُ الْحَالَيْنِ. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ الْجَزَاءِ، وَيُطْعِمَ عَنْ بَعْضٍ) ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ. (وَ) الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْفِدْيَةِ (قِسْمٌ) يَجِبُ عَلَى (التَّرْتِيبِ، كَدَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ) ، فَيَجِبُ الْهَدْيُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، وَقِيسَ الْقَارِنُ عَلَيْهِ، (وَ) كَدَمٍ وَجَبَ (لِتَرْكِ وَاجِبٍ) كَتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ إلَى اللَّيْلِ لِمَنْ وَقَفَ نَهَارًا، وَسَائِرَ الْوَاجِبَاتِ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَتَأْتِي (وَ) كَدَمٍ وَجَبَ (لِفَوَاتِ) حَجٍّ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ: إنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي، (وَلَا حِصَارَ) إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ (وَ) كَدَمٍ وَجَبَ (لِوَطْءٍ، وَإِنْزَالِ مَنِيٍّ بِمُبَاشَرَةٍ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ) إنْزَالِ مَنِيٍّ (بِتَكْرَارِ نَظَرٍ، أَوْ تَقْبِيلٍ، أَوْ لَمْسٍ لِشَهْوَةِ، أَوْ اسْتِمْنَاءٍ وَلَوْ خَطَأً فِي الْكُلِّ) ، أَيْ: كُلُّ مَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ مِنْ قِسْمِ التَّرْتِيبِ. (وَأُنْثَى مَعَ شَهْوَةٍ) فِيمَا سَبَقَ، (كَرَجُلٍ) فِيمَا يَجِبُ مِنْ الْفِدْيَةِ، كَالْوَطْءِ، (فَعَلَى مُتَمَتِّعٍ وَقَارِنٍ وَتَارِكِ وَاجِبٍ)

دَمٌ، (وَ) كَذَا عَلَى مَنْ لَزِمَهُ هَدْيٌ، (لِفَوَاتِ) حَجٍّ (دَمٌ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] الْآيَةَ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْقَارِنُ، (فَإِنْ عَدِمَهُ) ، أَيْ: الدَّمَ، مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، (أَوْ) عَدِمَ (ثَمَنَهُ، وَلَوْ وَجَدَ مُقْرِضًا) نَصًّا، لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِمْرَارُ عُسْرَتِهِ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الشِّرَاءِ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِبَلَدِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ "؛ (صَامَ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ) ، أَيْ: وَقْتَهُ، لِأَنَّ الْحَجَّ أَفْعَالٌ لَا يُصَامُ فِيهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] أَيْ: فِيهَا (وَالْأَفْضَلُ كَوْنُ آخِرِهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثَةِ: (يَوْمَ عَرَفَةَ) نَصًّا، فَيُقَدَّمُ الْإِحْرَامُ لِيَصُومَهَا فِي إحْرَامِ الْحَجِّ، وَاسْتُحِبَّ لَهُ هُنَا صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ، (وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ (قَبْلَ إحْرَامٍ بِحَجٍّ) ، فَيَصُومَهَا (بَعْدَ إحْرَامٍ بِعُمْرَةٍ) ، لِأَنَّهُ أَحَدُ إحْرَامِ التَّمَتُّعِ، فَجَازَ الصَّوْمُ فِيهِ، كَإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَلِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْوَاجِبِ هُنَا عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ، حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ، وَهُوَ هُنَا: الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، (إذْ الظَّاهِرُ مِنْ الْمُعْسِرِ اسْتِمْرَارُ إعْسَارِهِ) ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا قَبْلَ إحْرَامِ عُمْرَةٍ. (وَوَقْتُ وُجُوبِهَا) ، أَيْ: الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَيْ: صَوْمُهَا: (كَ) وَقْتِ وُجُوبِ (هَدْيٍ) ، لِأَنَّهَا بَدَلُهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ. (وَ) صَامَ (سَبْعَةَ) أَيَّامٍ (إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] (وَإِنْ صَامَهَا) ، أَيْ: السَّبْعَةَ أَيَّامٍ (قَبْلَ رُجُوعِهِ) إلَى أَهْلِهِ (قَبْلَ

فَرَاغِ حَجٍّ؛ أَجْزَأَهُ) صَوْمُهَا، وَالْأَفْضَلُ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ. (وَكَلَامُ " الْمُنْتَهَى ") هُنَا (غَيْرُ مُحَرَّرٍ) ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ صَامَهَا قَبْلَ إحْرَامٍ بِحَجٍّ، أَجْزَأَ. مَعَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ، وَفَرَاغُهُ مِنْهُ وَمِنْ أَيَّامِ مِنًى، هَذَا مُرَادُهُ قَطْعًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: لَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيَّامَ مِنًى، قَالَ فِي " شَرْحِهِ ": لِبَقَاءِ أَعْمَالٍ مِنْ الْحَجِّ، فَفِي عِبَارَتِهِ مِنْ الْإِيهَامِ مَا لَا يَخْفَى. (وَمَنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ فِي أَيَّامِ مِنًى) وَهِيَ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، (صَامَ بَعْدَ) ذَلِكَ (عَشَرَةً) كَامِلَةً، (وَعَلَيْهِ دَمٌ) ، لِتَأْخِيرِهِ وَاجِبًا عَنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ عَنْ وَقْتِهِ، كَتَأْخِيرِ رَمْيِ جِمَارٍ عَنْهَا (مُطْلَقًا) ، أَيْ: لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، (وَكَذَا إنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بِلَا عُذْرٍ) ، فَيَلْزَمُهُ دَمٌ بِتَأْخِيرِهِ لِذَلِكَ، لِمَا مَرَّ. (وَلَا يَجِبُ تَتَابُعٌ، وَلَا تَفْرِيقٌ فِي) صَوْمِ (الثَّلَاثَةِ، وَ) لَا فِي صَوْمِ (السَّبْعَةِ، وَلَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ إذَا قَضَا) هَا، وَكَذَا لَوْ صَامَ الثَّلَاثَةَ أَيَّامٍ بِمِنًى، وَأَتْبَعَهَا بِالسَّبْعَةِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهَا مُطْلَقٌ، فَلَا يَقْتَضِي جَمْعًا، (وَلَا يَلْزَمُ مَنْ قَدَرَ عَلَى هَدْيٍ بَعْدَ وُجُوبِ صَوْمٍ) ، بِأَنْ كَانَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، (انْتِقَالٌ عَنْهُ) ، أَيْ: الصَّوْمِ، (شَرَعَ فِيهِ أَوْ لَا) ، اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ الصَّوْمُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْهَدْيَ إذَنْ، أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. (وَمَنْ لَزِمَهُ صَوْمُ مُتْعَةٍ، فَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ) كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، (لِغَيْرِ عُذْرٍ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ كَانَتْ، وَإِلَّا، اُسْتُحِبَّ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَلَا يُصَامُ عَنْهُ، لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، بِخِلَافِ النَّذْرِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ تَرْكُهُ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ، (فَلَا) إطْعَامَ عَنْهُ، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ. (وَعَلَى مُحْصِرٍ دَمٌ) ، بِنَحْرِهِ مَكَانَ الْإِحْصَارِ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ، وَيَأْتِي (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُحْصِرُ الدَّمَ، (صَامَ عَشَرَةَ

فصل من كرر محظورا في الإحرام

أَيَّامٍ) قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ (بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (ثُمَّ حَلَّ وَلَا إطْعَامَ فِيهِ) ، أَيْ: هَذَا النَّوْعِ، وَيَأْتِي. (وَعَلَى وَاطِئٍ قَبْلَ تَحَلُّلٍ أَوَّلِ) بَدَنَةٌ، (وَ) كَذَا عَلَى (مُنْزِلِ مَنِيٍّ بِنَحْوِ تَكْرَارِ نَظَرٍ) ، كَلَمْسٍ لِشَهْوَةٍ، أَوْ مُبَاشَرَةٍ دُونَ فَرْجٍ (بَدَنَةٌ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهَا) ، كَبَقَرَةٍ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْبَدَنَةَ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهَا، (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ) أَيْ فَرَغَ مِنْ إهْلَالِ الْحَجِّ (وَ) يَجِبُ بِوَطْءٍ (فِي عُمْرَةٍ شَاةٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَامْرَأَةٌ طَاوَعَتْ لِرَجُلٍ) فِيمَا ذُكِرَ، وَ (لَا) فِدْيَةَ عَلَى مَنْ وُطِئَتْ فِي الْعُمْرَةِ، وَهِيَ (نَائِمَةٌ وَمُكْرَهَةٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا فِدْيَةَ) أَيْضًا (عَلَى مُكْرِهِهَا) عَنْهَا (كَهِيَ) ، أَيْ: كَمَا أَنَّهَا لَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا. (وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أَوْ احْتَلَمَ، أَوْ أَمْذَى بِنَظْرَةٍ) لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ. [فَصْلٌ مَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا فِي الْإِحْرَام] (فَصْلٌ) (وَمَنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ غَيْرِ قَتْلِ صَيْدٍ، بِأَنْ حَلَقَ) شَعْرًا وَأَعَادَهُ، (أَوْ قَلَّمَ) ظُفْرًا وَأَعَادَهُ، (أَوْ لَبِسَ) . مَخِيطًا وَأَعَادَهُ، (أَوْ تَطَيَّبَ) وَأَعَادَهُ، (أَوْ وَطِئَ وَأَعَادَهُ بِالْمَوْطُوءَةِ أَوْ غَيْرِهَا، قَبْلَ تَكْفِيرٍ) عَنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (وَاحِدَةٌ) ، سَوَاءٌ تَابَعَ الْفِعْلَ أَوْ فَرَّقَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي دُفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَفَّرَ لِلْمَرَّاتِ الْأُولَى، (لَزِمَهُ) ، لِإِعَادَةِ الْفِعْلِ، كَفَّارَةٌ (أُخْرَى) لِلْمَرَّاتِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ عَيْنِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ الْأُولَى، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَقَ، ثُمَّ حَنِثَ وَكَفَّرَ، ثُمَّ حَلَفَ وَحَنِثَ. (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا لَوْ قَلَّمَ ظُفْرًا) وَاحِدًا مِنْ أَظْفَارِهِ (مَرَّاتٍ) مُتَعَدِّدَةً؛ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يُعَارَضُ

قَوْلُهُمْ: لَوْ قَطَعَ بَعْضَ شَعْرِهِ، ثُمَّ قَطَعَهَا ثَانِيًا، ثُمَّ ثَالِثًا؛ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِابْتِنَاءِ الْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ فِي تَكْمِيلِ الدَّمِ، وَهُوَ بِتَمَامِ الْفِعْلَةِ الْوَاحِدَةِ؛ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا فِيهَا، وَالْبَاقِي حُرْمَتُهُ بَاقِيَةٌ، فَإِذَا أَعَادَهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُ ثَانِيًا إلَى أَنْ يَبْلُغَ الثَّالِثَةَ، فَيَسْتَقِرَّ الْجَزَاءُ (وَ) إنْ فَعَلَ مَحْظُورًا (مِنْ أَجْنَاسٍ؛ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ جِنْسٍ فِدَاءٌ) ، سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، اتَّحَدَتْ فِدْيَتُهَا أَوْ اخْتَلَفَتْ، لِأَنَّهَا مَحْظُورَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلْ مُوجِبُهَا، كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ. (وَ) تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَاتُ (فِي الصُّيُودِ، وَلَوْ قُتِلَتْ مَعًا) ، فَيَجِبُ كَفَّارَاتٌ (بِعَدَدِهَا) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] ، (وَيُكَفِّرُ مَنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ وَطِئَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا نَاسِيًا) ، أَوْ مُخْطِئًا، (أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ نَائِمًا، كَأَنْ عَبِثَ بِشَعْرِهِ فَقَطَعَهُ) أَوْ صَوَّبَ رَأْسَهُ إلَى تَنُّورٍ فَأَحْرَقَ اللَّهَبُ شَعْرَهُ، إذْ هَذِهِ إتْلَافَاتٌ يَسْتَوِي عَمْدُهَا، أَوْ سَهْوُهَا، وَجَهْلُهَا، كَإِتْلَافِ مَالٍ لِآدَمِيٍّ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِأَذًى فِيهِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ، فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ، وَدَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَعْذُورِ بِنَوْعٍ آخَرَ، كَالْمُحْتَجِمِ يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحَاجِمِهِ. وَ (لَا) يُكَفِّرُ (مَنْ لَبِسَ) مَخِيطًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، (أَوْ تَطَيَّبَ) نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، (أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ فِي حَالِ مِنْ ذَلِكَ) ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا

اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَلَا) كَفَّارَةَ (عَلَى مُكْرَهَةٍ) عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. (وَمَتَى زَالَ عُذْرُهُ) مِنْ جَهْلٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ (أَزَالَهُ) ، أَيْ: اللُّبْسَ أَوْ الطِّيبَ وَنَحْوَهُ (فِي الْحَالِ) ، لِخَبَرِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ، أَوْ قَالَ: أَثَرُ مَغْرَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: اخْلَعْ عَنْك هَذِهِ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ عَنْك أَثَرَ الْخَلُوقِ، أَوْ قَالَ: الصُّفْرَةِ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ مَعَ سُؤَالِ عَمَّا يَصْنَعُ. وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ، وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهُ فِي مَعْنَاهُ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً لِغَسْلِ طِيبٍ مَسَحَهُ) بِنَحْوِ خِرْقَةٍ، (أَوْ حَكَّهُ بِنَحْوِ تُرَابٍ) ، كَنُخَالَةٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إزَالَتُهُ (حَسَبَ الْإِمْكَانِ) . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي إزَالَتِهِ بِحَلَالٍ لِئَلَّا يُبَاشِرَهُ الْمُحْرِمُ، (وَلَهُ غَسْلُهُ بِيَدِهِ بِلَا حَائِلٍ) ، لِعُمُومِ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِغَسْلِهِ، وَلِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهُ، (وَ) لَهُ غَسْلُهُ (بِمَائِعٍ) لِمَا مَرَّ، (فَإِنْ أَخَّرَهُ) ، أَيْ: غَسْلَ الطِّيبِ عَنْهُ (بِلَا عُذْرٍ؛ حَرُمَ) عَلَيْهِ، (وَفَدَى) لِلِاسْتِدَامَةِ، أَشْبَهَ الِابْتِدَاءَ، وَإِنْ وَجَدَ مَا لَا يَكْفِي لِوُضُوئِهِ وَغَسْلِ الطِّيبِ؛ غَسَلَهُ بِهِ، وَتَيَمَّمَ، إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَطْعِ رَائِحَتِهِ بِغَيْرِ الْمَاءِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إزَالَةِ الطِّيبِ قَطْعُ الرَّائِحَةِ. (وَيَفْدِي مَنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ، ثُمَّ فَعَلَ مَحْظُورًا) لِلْمَحْظُورِ، لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْإِحْرَامِ إمَّا بِكَمَالِ النُّسُكِ أَوْ عِنْدَ الْحَصْرِ أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شُرِطَ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِهِ، وَلَا يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِرَفْضِهِ، كَمَا لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِفَسَادِهِ، فَإِحْرَامُهُ بَاقٍ، وَتَلْزَمُهُ أَحْكَامُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِرَفْضِ الْإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ، لَمْ تُؤَثِّرْ شَيْئًا. (وَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ؛ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ فِيهِ) ، لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَبِي دَاوُد عَنْهَا «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا؛ سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَنْهَانَا» . وَ (لَا) يَجُوزُ لِمُحْرِمٍ (لُبْسُ مُطَيَّبٍ بَعْدَهُ) ، أَيْ: الْإِحْرَامِ، لِحَدِيثِ: «لَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَإِنْ فَعَلَ) ، أَيْ: لَبِسَ مُطَيَّبًا بَعْدَ إحْرَامٍ؛ فَدَى، (أَوْ اسْتَدَامَ لُبْسَ مَخِيطٍ أَحْرَمَ فِيهِ، وَلَوْ لَحْظَةً فَوْقَ) الْوَقْتِ (الْمُعْتَادِ مِنْ خَلْعِهِ؛ فَدَى) لِأَنَّ اسْتِدَامَتَهُ كَابْتِدَائِهِ، (وَلَا يَشُقُّهُ) ، لِأَنَّهُ إتْلَافُ مَالٍ بِلَا حَاجَةٍ، وَلَوْ وَجَبَ الشَّقُّ أَوْ الْفِدْيَةُ بِالْإِحْرَامِ فِيهِ؛ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (وَيَتَّجِهُ: وَ) إنْ احْتَاجَ مُحْرِمٌ اسْتِدَامَةَ لُبْسِ مَخِيطٍ لِلسُّتْرَةِ (مَعَ عَدَمِ إزَارٍ إذَنْ) ، أَيْ: وَقْتَ إحْرَامِهِ؛ فَلَهُ أَنْ (يُرْخِيَ قَمِيصًا) ، بِأَنْ يُخْرِجَ يَدَيْهِ مِنْهُ تَغْيِيرًا لِهَيْئَةِ لُبْسِهِ، وَيُدْخِلَ بَعْضَ أَطْرَافِهِ فِي بَعْضٍ لِيَصِيرَ سَاتِرًا (لِوَسَطِهِ) وَعَوْرَتِهِ، (كَسَرَاوِيلَ) ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ لَبِسَ) مُحْرِمٌ، (أَوْ افْتَرَشَ مَا كَانَ مُطَيَّبًا وَانْقَطَعَ رِيحُهُ) ، أَيْ: الطِّيبِ مِنْهُ، (وَيَفُوحُ) رِيحُهُ (بِرَشِّ مَاءٍ) عَلَى مَا كَانَ مُطَيَّبًا، وَانْقَطَعَ رِيحُهُ، (وَلَوْ) افْتَرَشَهُ (تَحْتَ حَائِلٍ غَيْرِ ثِيَابِهِ، لَا يَمْنَعُ) الْحَائِلُ (رِيحَهُ، وَ) لَا (مُبَاشَرَتَهُ؛ فَدَى) ، لِأَنَّهُ مُطَيَّبٌ، اسْتَعْمَلَهُ لِظُهُورِ رِيحِهِ عِنْدَ رَشِّ الْمَاءِ، وَالْمَاءُ لَا رِيحَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الطِّيبِ فِيهِ. (وَلَوْ مَسَّ طِيبًا يَظُنُّهُ يَابِسًا، فَبَانَ رَطْبًا، لَا فِدْيَةَ) عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " وَصَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ".

فصل يلزم ذبح الهدي بالحرم وجوانبه

[فَصْلٌ يَلْزَم ذبح الْهَدْي بالحرم وَجَوَانِبه] (فَصْلٌ) (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إطْعَامٍ يَتَعَلَّقُ بِحَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ كَجَزَاءِ صَيْدِ) حَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ، (وَمَا وَجَبَ) مِنْ فِدْيَةٍ (لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فَوَاتِ حَجٍّ، أَوْ) وَجَبَ (بِفِعْلِ مَحْظُورٍ بِحَرَمٍ) ، كَلُبْسٍ وَوَطْءٍ فِيهِ؛ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ. (وَ) كَذَا (هَدْيُ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ مَنْذُورٌ) وَنَحْوُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] وَقَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي. (يَلْزَمُ ذَبْحُهُ) ، أَيْ: الْهَدْيِ، (بِالْحَرَمِ وَجَوَانِبِهِ) ، أَيْ: الْحَرَمِ، (كَهُوَ) قَالَ أَحْمَدُ: مَكَّةُ وَمِنًى وَاحِدٌ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: " مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ". وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ، لِأَنَّهُ كُلُّهُ طَرِيقٌ إلَيْهَا، وَالْفَجُّ: الطَّرِيقُ. (وَ) يَلْزَمُ (تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ) ، أَيْ: الْهَدْيِ الْمَذْكُورِ لِمَسَاكِينِهِ، (أَوْ إطْلَاقُهُ لِمَسَاكِينِهِ) أَيْ: الْحَرَمِ، (مَيِّتًا) ، أَيْ: مَذْبُوحًا، أَوْ مَنْحُورًا، (أَوْ) دَفْعُهُ إلَيْهِمْ (حَيًّا لِيَنْحَرُوهُ) بِالْحَرَمِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَبْحِهِ بِالْحَرَمِ التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَحْصُلُ بِإِعْطَاءِ غَيْرِهِمْ، وَكَذَا الْإِطْعَامُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ. وَلِأَنَّهُ يَنْفَعُهُمْ كَالْهَدْيِ، قَالَ فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَيْهِمْ حَيًّا، فَنَحَرُوهُ فِي الْحَرَمِ؛ أَجْزَأَ، (وَإِلَّا) يَنْحَرُوهُ، أَوْ أَرَادُوا نَحْرَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ؛ (اسْتَرَدَّهُ) مِنْهُمْ وُجُوبًا (وَنَحَرَهُ) وَفَرَّقَ لَحْمَهُ أَوْ أَطْلَقَهُ لَهُمْ (فَإِنْ أَبَى) اسْتِرْدَادُهُ (أَوْ عَجَزَ) عَنْهُ (ضَمِنَهُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، لِعَدَمِ خُرُوجِهِ مِنْ عُهْدَتِهِ. (وَيَتَّجِهُ: فَلَا يُجْزِئُ اقْتِصَارُهُ عَلَى) مِسْكِينٍ (وَاحِدٍ، بَلْ) لَا بُدَّ مِنْ (ثَلَاثَةِ) مَسَاكِينَ، لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ، كَذَا قَالَ (وَاحْتَمَلَ: أَوْ اثْنَيْنِ) ، لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ فِي قَوْلٍ. (وَقِيَاسُ الْفِطْرَةِ: يُجْزِئُ

اقْتِصَارُهُ عَلَى) مِسْكِينٍ (وَاحِدٍ) ، وَهُوَ قِيَاسٌ جَيِّدٌ، إذْ كُلٌّ مِنْ الْهَدْيِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ تُجْزِئُ لِوَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ؛ فَلَفْظُ أَلْ فِي الْمَسَاكِينِ: لِلْجِنْسِ، كَمَا فِي الزَّكَاةِ، وَعُدُولُ الْأَصْحَابِ عَنْ ذِكْرِ الْعَدَدِ يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ الِاقْتِصَارِ عَلَى وَاحِدٍ. (وَمَسَاكِينُ الْحَرَمِ هُمْ: الْمُقِيمُ بِهِ، وَالْمُجْتَازُ بِهِ مِنْ حَاجٍّ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَةٍ) وَلَوْ تَبَيَّنَ غِنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَكَزَكَاةٍ (وَيُجْزِئُ) هَدْيٌ أَوْ إطْعَامٌ (لَوْ ظَنَّهُ فَقِيرًا، فَبَانَ غَنِيًّا) كَالزَّكَاةِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. (وَيَتَّجِهُ: لَا) يُجْزِئُ (إنْ) دَفَعَهُ مَذْبُوحًا لِمَنْ (ظَنَّهُ نَحْوَ مُسْلِمٍ) ، كَمُبْتَدِعٍ غَيْرِ دَاعِيَةٍ، (فَبَانَ) مَدْفُوعًا لَهُ (عَكْسُهُ) ، بِأَنْ كَانَ كَافِرًا، أَوْ مُبْتَدِعًا دَاعِيَةً، وَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ مِنْهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِلَّا؛ فَيَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَتَهُ يَشْتَرِي بِهَا هَدْيًا يُفَرِّقُهُ، أَوْ يُطْلِقُهُ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَالْأَفْضَلُ نَحْرُ مَا وَجَبَ بِحَجٍّ بِمِنًى، وَ) نَحْرُ (مَا وَجَبَ بِعُمْرَةٍ بِالْمَرْوَةِ) ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ. (وَالْعَاجِزُ عَنْ إيصَالِهِ) ، أَيْ: مَا وَجَبَ ذَبَحَهُ بِالْحَرَمِ، (لِلْحَرَمِ حَتَّى بِوَكِيلِهِ، يَنْحَرُهُ حَيْثُ قَدَرَ،

وَيُفَرِّقُهُ بِمَنْحَرِهِ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] (وَتُجْزِئُ فِدْيَةُ أَذًى، وَ) فِدْيَةُ (لُبْسٍ، وَ) فِدْيَةُ (طِيبٍ وَتَغْطِيَةِ رَأْسٍ، وَمُوجِبِ شَاةٍ بِنَحْوِ مُبَاشَرَةٍ) دُونَ فَرْجٍ (بِلَا إنْزَالٍ وَمَا وَجَبَ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ غَيْرِ) جَزَاءِ (صَيْدٍ) ؛ فِعْلُهُ (خَارِجَ؛ الْحَرَمِ، وَلَوْ) فَعَلَهُ (بِلَا عُذْرٍ) ؛ فَلَهُ تَفْرِقَتُهَا (حَيْثُ وَجَبَ السَّبَبُ) ، لِأَنَّهُ، «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِالْفِدْيَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ» وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ، وَاشْتَكَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَأْسَهُ، فَحَلَقَهُ عَلِيٌّ، وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا بِالسُّقْيَا " رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُمَا (وَ) لَهُ تَفْرِقَتُهَا (بِالْحَرَمِ أَيْضًا) كَسَائِرِ الْهَدَايَا. (وَيَدْخُلُ وَقْتُ ذَبْحِ فِدْيَةِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْأَذَى وَالْمَلْبَسِ، وَالطِّيبِ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ، (مِنْ حِينِ فَعَلَهُ) ، أَيْ: الْمَحْظُورَ. (وَلَهُ) الذَّبْحُ (قَبْلَهُ، بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ الْمُبِيحِ) لِفِعْلِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِعْلُهُ لِعُذْرٍ، (كَكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَ) وَقْتِ (جَزَاءِ صَيْدٍ بَعْدَ جَرْحِهِ) ، وَلَا يَضُرُّ تَلَفُهُ بَعْدَ إخْرَاجِ جَزَائِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ آخَرُ، كَمَا لَوْ قَدَّمَ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْحَلْقُ فِدْيَتَهُ قَبْلَ الْحَلْقِ، (وَ) وَقْتَ فِدْيَةِ (وَاجِبٍ، لِتَرْكِ وَاجِبٍ، عِنْدَ تَرْكِهِ) أَيْ: ذَلِكَ الْوَاجِبِ. (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (دَمِ إحْصَارٍ حَيْثُ أُحْصِرَ) مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ نَصًّا، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ» وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25] وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حِلِّهِ، فَكَانَ مَوْضِعَ نَحْرِهِ كَالْحَرَمِ (وَ) يُجْزِئُ (صَوْمٌ وَحَلْقٌ بِكُلِّ مَكَانٍ) ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى أَحَدٍ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَخْصِيصِهِ بِالْحَرَمِ، وَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. (وَالدَّمُ الْمُطْلَقُ كَأُضْحِيَّةٍ) ، فَيُجْزِئُ فِيهِ مَا يُجْزِئُ فِيهَا - فَإِنْ

قَيَّدَ بِنَحْوِ بَدَنَةٍ، تَقَيَّدَ - (جَذَعُ ضَأْنٍ) لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، (أَوْ ثَنِيُّ مَعْزٍ) لَهُ سَنَةٌ، (أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ، أَوْ) سُبْعُ (بَقَرَةٍ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُتَمَتِّعِ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ. وَقَوْلُهُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] ، وَفَسَّرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ بِذَبْحِ شَاةٍ، وَمَا سِوَى هَذَيْنِ مَقِيسٌ عَلَيْهِمَا. (فَإِنْ ذَبَحَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ مُطْلَقٌ (إحْدَاهُمَا) ، أَيْ: بَدَنَةً، أَوْ بَقَرَةً، فَهُوَ (أَفْضَلُ) مِمَّا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهَا أَوْفَرُ لَحْمًا، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (وَتَجِبُ كُلُّهَا) ، لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْأَعْلَى لِأَدَاءِ فَرْضِهِ، فَكَانَ كُلُّهُ وَاجِبًا، كَمَا لَوْ اخْتَارَ الْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ. (وَيَتَّجِهُ) : مَحَلُّ وُجُوبِهَا كُلِّهَا: (إنْ كَانَتْ كُلُّهَا مِلْكَهُ) ، أَمَّا إنْ كَانَ يَمْلِكُ بَعْضَهَا، وَذَبَحَهَا بِنِيَّةِ إخْرَاجِ ذَلِكَ الْبَعْضِ الْمَمْلُوكِ لَهُ، فَلَا وَجْهَ لِوُجُوبِهَا كُلِّهَا عَلَيْهِ، إذْ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَتُجْزِئُ عَنْ بَدَنَةٍ وَجَبَتْ وَلَوْ فِي) جَزَاءِ (صَيْدٍ وَنَذْرٍ) مُطْلَقٍ، فَإِنْ نَوَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ (بَقَرَةٌ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ «عَنْ جَابِرٍ: كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: وَالْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ: وَهَلْ هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ؟» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (كَعَكْسِهِ) ، أَيْ: كَمَا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ عَنْ بَقَرَةٍ وَجَبَتْ وَلَوْ فِي صَيْدٍ، (وَ) يُجْزِئُ (عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ، وَلَوْ لَمْ تَتَعَذَّرْ) الشِّيَاهُ، (بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ،

باب جزاء الصيد على طريق التفصيل

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ] (بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ) جَزَاؤُهُ: (مَا يُسْتَحَقُّ بَدَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ (مِنْ مِثْلِهِ، وَمُقَارِبِهِ، وَشِبْهِهِ) ، لَعَلَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِلْمُرَادِ مِنْ الْمِثْلِ، دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ إرَادَةِ الْمُمَاثَلَةِ اللُّغَوِيَّةِ، وَهِيَ: اتِّحَادُ الِاثْنَيْنِ فِي النَّوْعِ. (وَيَجْتَمِعُ) عَلَى مُتْلِفِ صَيْدٍ (ضَمَانُ) قِيمَته لِمَالِكِهِ (وَجَزَاؤُهُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ (فِي) صَيْدِ (مَمْلُوكٍ) ، لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ، فَجَازَ التَّقْوِيمُ وَالتَّكْفِيرُ فِي ضَمَانِهِ، كَالْعَبْدِ إذَا قُتِلَ. (وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ (ضَرْبَانِ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مَا) ، أَيْ: ضَرْبٌ (لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ) خِلْقَةً لَا قِيمَةً (فَيَجِبُ فِيهِ) ذَلِكَ (الْمِثْلُ) نَصًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] (وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ، (نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ) ، أَيْ: وَلَوْ بَعْضُهُمْ، (فَيُتَّبَعُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، وَأَعْرَفُ بِمَوَاقِعِ الْخِطَابِ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ، كَالْعَامِّيِّ مَعَ الْعَالِمِ. (فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ) حَكَمَ بِهِ: عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ، " لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خَلْقِهِ، فَكَانَ مِثْلًا لَهَا، (وَفِي حِمَارِ وَحْشٍ) بَقَرَةٌ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، (وَ) فِي (بَقَرَةٍ) ، أَيْ: الْوَحْشِ، بَقَرَةٌ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، (وَ) فِي (أُيَّلٍ) بِوَزْنِ: قُنَّبٍ وَحَلَبٍ وَسَيِّدٍ، وَهُوَ: ذَكَرُ الْأَوْعَالِ - بَقَرَةٌ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، (وَ) فِي (تيشل) - بِوَزْنِ: جَعْفَرٍ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْوَعْلُ الْمُسِنُّ -

بَقَرَةٌ، (وَ) فِي (وَعَل) - بِفَتْحِ الْوَاوِ مَعَ الْعَيْنِ، وَكَسْرِهَا، وَسُكُونِهَا: تَيْسُ الْجَبَلِ، قَالَهُ فِي " الْقَامُوسِ "، وَفِي " الصِّحَاحِ " هُوَ: الْأَرْوَى، وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: الْأَرْوَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، جَمْعُ: أُرْوِيَّةٍ بِضَمِّهَا، وَكَسْرِ الْوَاوِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ: هِيَ الْأُنْثَى مِنْ الْوُعُولِ - (بَقَرَةٌ) ، يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ: " فِي الْأَرْوَى بَقَرَةٌ ". (وَفِي ضَبُعٍ كَبْشٌ) ، لِقَوْلِ «جَابِرٍ: سَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الضَّبُعِ، فَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ، وَفِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَضَى بِهِ عُمَرُ وابْنُ عَبَّاسٍ. (وَفِي غَزَالٍ شَاةٌ) ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا «فِي الظَّبْيِ شَاةٌ» ، (وَفِي وَبْرٍ) : بِسُكُونِ الْبَاءِ، وَالْأُنْثَى: وَبْرَةٌ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": وَهُوَ دُوَيْبَّةٌ كَحْلَاءُ دُونَ السِّنَّوْرِ، لَا ذَنَبَ لَهَا، (وَ) فِي (ضَبٍّ جَدْيٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ، وَأَرْبَدُ، وَالْوَبْرُ مَقِيسٌ عَلَى الضَّبِّ، وَالْجَدْيُ مِنْ أَوْلَادِ (الْمَعْزِ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَفِي يَرْبُوعٍ جَفَرَةٌ، لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) ، قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرٌ (وَفِي أَرْنَبٍ عَنَاقٌ) ، أَيْ: (أُنْثَى) مِنْ (مَعْزٍ أَصْغَرَ مِنْ الْجَفَرَةِ) يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ، (وَفِي) كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ (حَمَامٍ - وَهُوَ: كُلُّ مَا عَبَّ الْمَاءَ) أَيْ: وَضَعَ مِنْقَارَهُ فِيهِ، وَكَرَعَ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ، وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً، كَالدَّجَاجِ وَالْعَصَافِيرِ، (وَهَدَرَ) ، أَيْ: صَوَّتَ - (شَاةٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُهُ، وَعُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ حَمَامُ الْإِحْرَامِ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَضَى بِهِ فِي حَمَامِ الْإِحْرَامِ، (فَدَخَلَ فِيهِ نَحْوُ فَوَاخِتَ، وَقَطَا، وَقَمَرِيٌّ، وَرَاشِينُ) ، وَدُبْسِيٌّ، بِضَمِّ الدَّالِ: طَائِرٌ لَوْنُهُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ يُقَرْقِرُ، وَالْأُنْثَى دِبْسِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ السِّفَانِينُ، جَمْعُ: سِفَنَّةٍ، بِكَسْرِ السِّينِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَتَشْدِيدِ النُّونِ، قَالَ فِي " الْقَامُوسِ ": طَائِرٌ بِمِصْرَ، لَا يَقَعُ عَلَى شَجَرَةٍ

إلَّا أَكَلَ جَمِيعَ وَرَقِهَا. لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهَا حَمَامًا، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُلُّ مُطَوَّقٌ حَمَامٌ، فَدَخَلَ فِيهِ الْحَجَلُ، لِأَنَّهُ مُطَوَّقٌ. (الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ) الصَّحَابَةُ، وَلَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ، (فَيُرْجَعُ فِيهِ لِقَوْلِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] ، (خَبِيرَيْنِ) ، لِأَنَّهُ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمِثْلِ إلَّا بِهِمَا، فَيَعْتَبِرَانِ الشَّبَهَ خِلْقَةً لَا قِيمَةً، كَفِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَقِيهًا، لِظَاهِرِ الْآيَةِ، (وَيَجُوزُ كَوْنُ الْقَاتِلِ أَحَدَهُمَا) ، أَيْ الْعَدْلَيْنِ، (أَوْ هُمَا) ، فَيَحْكُمَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْمِثْلِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ عُمَرَ أَمَرَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجَرَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَادَهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَأَمَرَ أَيْضًا، أَرْبَدَ بِذَلِكَ، حِينَ وَطِئَ الضَّبَّ، فَحَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِجَدْيٍ، فَأَقَرَّهُ، وَكَتَقْوِيمِهِ عَرْضَ التِّجَارَةِ لِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ، وَحَمَلَهُ (ابْنُ عَقِيلٍ) عَلَى مَا إذَا قَتَلَهُ (خَطَأً، أَوْ) قَتَلَهُ (لِحَاجَةِ) أَكْلِهِ، لِأَنَّهُ قَتْلٌ مُبَاحٌ يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ، (أَوْ) قَتَلَهُ (جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ) ، لِعَدَمِ فِسْقِهِ، قَالَ (الْمُنَقِّحُ: وَهُوَ قَوِيٌّ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ) ، أَيْ: الْأَصْحَابِ، (لِأَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ يُنَافِي الْعَدَالَةَ) إنْ لَمْ يَتُبْ، وَهُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ. (وَيَتَّجِهُ: عَدَمُ) اعْتِبَارِ (هَذَا) ، أَيْ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، (وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ مِنْ الْعَدَالَةِ حَالَ الْحُكْمِ) ، لَا حَالَ الْقَتْلِ، إذْ لَا رَيْبَ فِي الْفِسْقِ حِينَئِذٍ، (فَلَوْ تَابَا) ، أَيْ: الْحَاكِمَانِ، بَعْدَ أَنْ قَتَلَا صَيْدًا، عَامِدَيْنِ، عَالِمَيْنِ تَحْرِيمَ قَتْلِهِ (قَبْلَهُ) ، أَيْ: تَابَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهِ (قُبِلَ) حُكْمُهُمَا بِهِ، (كَالشَّهَادَةِ) إذَا تَحَمَّلَهَا وَهُوَ فَاسِقٌ، ثُمَّ تَابَ وَأَدَّاهَا؛ فَلَا رَيْبَ فِي قَبُولِهَا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

(وَيُضْمَنُ صَغِيرٌ) بِمِثْلِهِ، (وَكَبِيرٌ) بِمِثْلِهِ، (وَصَحِيحٌ) بِمِثْلِهِ، (وَمَعِيبٌ) بِمِثْلِهِ، (وَمَاخِضٌ، وَهِيَ: الْحَامِلُ) مِنْ صَيْدٍ (بِمِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] . وَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَمِثْلُ الْمَعِيبِ مَعِيبٌ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ، وَالْجِنَايَةِ، يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالصِّغَرِ وَالْعَيْبِ وَغَيْرِهِمَا، كَالْبَهِيمَةِ، وقَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] ؛ مُقَيَّدٌ بِالْمِثْلِ، وَقَدْ اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى إيجَابِ مَا لَا يَصِحُّ هَدْيًا كَالْجَفَرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ، وَإِنْ فَدَى الصَّغِيرَ وَالْمَعِيبَ مَا لَا يَصِحُّ هَدْيًا كَالْجَفَرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ، وَإِنْ فَدَى الصَّغِيرَ وَالْمَعِيبَ بِكَبِيرٍ صَحِيحٍ فَاضِلٍ. (وَ) يَجُوزُ فِدَاءُ (ذَكَرٍ بِأُنْثَى) ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ فِدَائِهِ بِذَكَرٍ كَمَا فِي " الْإِقْنَاعِ "، لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ وَأَرْطَبُ، (وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) ، أَيْ: فِدَاءُ أُنْثَى بِذَكَرٍ، لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ، (وَيَجُوزُ فِدَاءُ) صَيْدٍ (أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ) يُمْنَى أَوْ يُسْرَى، (وَ) فِدَاءُ صَيْدٍ (أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ) يُمْنَى أَوْ يُسْرَى بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ، (أَعْوَرَ) عَنْ الْأَعْوَرِ مِنْ أُخْرَى، كَفِدَاءِ أَعْوَرَ يُمْنَى بِأَعْوَرَ يَسَارٍ وَعَكْسُهُ، (وَ) أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ بِمِثْلِهِ (أَعْرَجَ مِنْ) قَائِمَةٍ (أُخْرَى) ، كَأَعْرَجِ يُمْنَى بِأَعْرَجِ يَسَارٍ، وَعَكْسُهُ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ يَسِيرٌ، وَنَوْعُ الْعَيْبِ وَاحِدٌ. وَ (لَا) يَجُوزُ فِدَاءُ (أَعْوَرَ بِأَعْرَجَ وَنَحْوِهِ) ، لِاخْتِلَافِ نَوْعِ الْعَيْبِ وَمَحَلِّهِ. ب - (الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ لَهُ) مِنْ النَّعَمِ، (وَهُوَ: بَاقِي الطَّيْرِ، وَ) يَجِبُ (فِيهِ قِيمَةُ مَكَانِهِ) ، أَيْ: مَكَانِ التَّلَفِ، (وَلَوْ أَكْبَرَ مِنْ الْحَمَامِ، كَإِوَزٍّ، وَحُبَارَى، وَحَجَلٍ وَكُرْكِيٍّ، وَكَبِيرِ طَيْرِ مَاءٍ) ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَرَكْنَاهُ فِي الْحَمَامِ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ.

فصل أتلف محرم جزاء من صيد فاندمل

[فَصْلٌ أَتْلَفَ مُحْرِمٌ جَزَاءً مِنْ صَيْدٍ فَانْدَمَلَ] (فَصْلٌ) (وَإِنْ أَتْلَفَ) مُحْرِمٌ أَوْ مَنْ بِالْحَرَمِ (جَزَاءً مِنْ صَيْدٍ، فَانْدَمَلَ) جُرْحُهُ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الصَّيْدُ، (مُمْتَنِعٌ، وَلَهُ مِثْلٌ) مِنْ النَّعَمِ؛ (ضُمِنَ) الْجُزْءُ الْمُتْلَفُ (بِمِثْلِهِ مِنْ مِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ (لَحْمًا) ، لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ، وَجَبَ فِي بَعْضِهِ مِثْلُهُ كَالْمَكِيلَاتِ، (أَوْ عَدْلُهُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَوْمٍ) كَمَا سَبَقَ، (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ؛ (فَ) إنَّهُ يَضْمَنُهُ (بِنَقْصِهِ مِنْ قِيمَتِهِ) ، لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ، فَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ سَلِيمًا، ثُمَّ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ، فَيَجِبُ مَا بَيْنَهُمَا، يَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ جَنَى بِحَرَمٍ أَوْ مُحْرِمٌ عَلَى حَامِلٍ، فَأَلْقَتْ مَيِّتًا؛ ضَمِنَ نَقْصَهَا) ، أَيْ: الْإِمَامُ (فَقَطْ، كَمَا لَوْ جَرَحَهَا) ، لِأَنَّ الْحَمْلَ زِيَادَةٌ فِي الْبَهَائِمِ، (وَإِنْ وَلَدَتْهُ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ) ، ثُمَّ مَاتَ؛ (فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ) ، وَإِلَّا، فَكَالْمَيِّتِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ". (وَمَا أُمْسِكَ) مِنْ صَيْدٍ، (فَتَلِفَ فَرْخُهُ) أَوْ وَلَدُهُ، ضَمِنَهُ، (أَوْ نَفَرَ) مِنْ صَيْدٍ، (فَتَلِفَ) حَالَ نُفُورِهِ، (وَلَوْ بِآفَةٍ) سَمَاوِيَّةٍ، (أَوْ نَقَصَ حَالَ نُفُورِهِ لَا بَعْدَهُ) ، أَيْ: إلَّا إنْ تَلِفَ، أَوْ نَقَصَ بَعْدَ أَمْنِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، (فَمِنْهُ) لِحُصُولِ تَلَفِهِ، أَوْ نَقْصِهِ بِسَبَبِهِ. (وَإِنْ جَرَحَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ جُرْحًا (غَيْرَ مُوحٍ، فَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ) ضَمِنَهُ بِمَا نَقَصَهُ، (أَوْ وَجَدَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، بَعْدَ أَنْ جَرَحَهُ (مَيِّتًا، وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ بِجِنَايَتِهِ، قُوِّمَ الصَّيْدُ صَحِيحًا وَجَرِيحًا غَيْرَ مُنْدَمِلٍ، ثُمَّ يُخْرَجُ بِقِسْطِهِ مِنْ مِثْلِهِ، فَإِنْ نَقَصَ رُبْعُ الْقِيمَةِ مَثَلًا، وَجَبَ إخْرَاجُ رُبْعِ مِثْلِهِ) ، أَوْ سُدُسًا أُخْرِجَ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، فَعَلَ بِأَرْشَدَ مَا يُفْعَلُ بِقِيمَةِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ، لِأَنَّهُ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كُلُّهُ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَوْتُهُ

بِفِعْلِهِ. (وَإِنْ وَقَعَ) صَيْدٌ جَرَحَهُ (فِي مَاءٍ) يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ، أَوْ لَا، فَمَاتَ، ضَمِنَهُ، (أَوْ تَرَدَّى) بَعْدَ، جُرْحِهِ مِنْ عُلُوٍّ (فَمَاتَ؛ ضَمِنَهُ) جَارِحُهُ، لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ. (وَإِنْ رَمَى) الْمُحْرِمُ (صَيْدًا) فَأَصَابَهُ، ثُمَّ (سَقَطَ) الْمَرْمِيُّ (عَلَى آخَرَ فَمَاتَا؛ ضَمِنَهُمَا) ، لِتَلَفِهَا بِجِنَايَتِهِ. (فَلَوْ مَشَى مَجْرُوحٌ فَسَقَطَ عَلَى آخَرَ) فَمَاتَا، (ضَمِنَ الْمَجْرُوحَ) ، لِمَوْتِهِ بِجِنَايَتِهِ (فَقَطْ) ، أَيْ: دُونَ مَا أُسْقِطَ، لِأَنَّ سُقُوطَهُ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ. (وَ) يَجِبُ (فِيمَا انْدَمَلَ) جُرْحُهُ مِنْ الصُّيُودِ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ) مِنْ قَاصِدِهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ، (أَوْ جُرِحَ) جُرْحًا (مُوحِيًا) لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ غَالِبَةٌ (جَزَاءُ جَمِيعِهِ) ، لِمَا سَبَقَ. (وَإِنْ نَتَفَ) مُحْرِمٌ أَوْ مَنْ بِالْحَرَمِ (رِيشَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدِ، (أَوْ شَعْرَهُ أَوْ وَبَرَهُ فَعَادَ، فَلَا شَيْءَ) عَلَيْهِ (فِيهِ) ، لِزَوَالِ نَقْصِهِ، (وَإِنْ صَارَ) الصَّيْدُ بِمَا ذُكِرَ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ؛ فَكَجُرْحٍ مُوحٍ) صَارَ بِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ، (وَإِنْ) نَتَفَهُ (فَغَابَ، فَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ) ، فَعَلَيْهِ (مَا نَقَصَهُ) بِجِنَايَتِهِ. (وَمَا أَتْلَفَتْهُ دَابَّتُهُ) مِنْ صَيْدٍ؛ (فَمَضْمُونٌ بِشَرْطِهِ) ، وَهُوَ: كَوْنُهُ رَاكِبَهَا أَوْ قَائِدَهَا أَوْ سَائِقَهَا لِلتَّصَرُّفِ فِيهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُتْلِفُ آدَمِيًّا، (عَلَى مَا فَصَّلَ فِي بَابِ الْغَصْبِ) وَمَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ كَذَنَبِهَا، بِخِلَافِ وَطْئِهَا بِهَا. (وَعَلَى جَمَاعَةٍ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِ صَيْدٍ) وَاحِدٍ (مَعًا) جَزَاءٌ وَاحِدٌ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. (أَوْ جَرَحَاهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ مُحْرِمَانِ، أَوْ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ (مُرَتَّبًا) ، بِأَنْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ (وَمَاتَ مِنْهُمَا) ، أَيْ: مِنْ الْجُرْحَيْنِ بِالسِّرَايَةِ (جَزَاءٌ وَاحِدٌ) عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْجُرْحِ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ جِهَةُ التَّحْرِيمِ فِي أَحَدِهِمَا، وَاتَّحَدَتْ فِي الْآخَرِ، (وَلَوْ كَفَّرُوا) ، أَيْ: الْجَمَاعَةُ الْمُشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، (بِصَوْمٍ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْمِثْلَ أَوْ عَدْلَهُ مِنْ الصِّيَامِ،

باب صيد الحرمين ونباتهما

أَوْ الطَّعَامَ بِقَتْلِهِ، فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ، وَيَحْتَمِلُ التَّبْعِيضَ، فَكَانَ وَاحِدًا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَالدِّيَةُ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، (أَوْ) أَيْ: وَلَوْ (كَانَ بَعْضُهُمْ مُمْسِكًا) لِصَيْدٍ، وَالْآخَرُ قَاتِلًا، (أَوْ) كَانَ بَعْضُهُمْ (مُتَسَبِّبًا) كَالْمُشِيرِ وَالدَّالِّ وَالْمُعِينِ، وَالْآخَرُ أَيْ: الصَّيْدُ، (أَحَدُهُمَا، وَقَتَلَهُ الْآخَرُ؛ فَعَلَى جَارِحٍ مَا نَقَصَ) ، أَيْ: أَرْشُ نَقْصِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُشَارِكْ فِي الْقَتْلِ، (وَ) عَلَى (قَاتِلٍ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ كَذَلِكَ، وَإِذَا قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا، فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، لِعُمُومِ الْآيَةِ. [بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبَاتِهِمَا] (بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبَاتِهِمَا) أَيْ: حَرَمُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَحُكْمُ ذَلِكَ. (حُكْمُ صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ حُكْمُ صَيْدِ الْإِحْرَامِ) فَيَحْرُمُ حَتَّى عَلَى مُحِلٍّ إجْمَاعًا، لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. . . الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُضْمَنُ بَرِّيُّهُ بِالْجَزَاءِ نَصًّا لِمَا سَبَقَ عَنْ الصَّحَابَةِ. وَيَدْخُلُهُ الصَّوْمُ كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ، وَصَغِيرٌ وَكَافِرٌ كَغَيْرِهِمَا (حَتَّى فِي تَمَلُّكِهِ) ، فَلَا يَمْلِكُهُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ إرْثٍ، (إلَّا أَنَّهُ) ، أَيْ: الْمُحْرِمُ (يَحْرُمُ صَيْدُ بَحْرِيِّهِ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ) ، أَيْ: صَيْدِ بَحْرٍ بِالْحَرَمِ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (فَإِنْ قَتَلَ مُحِلٌّ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، كُلَّهُ أَوْ جُزْأَهُ) ، ضَمِنَهُ، لِعُمُومِ: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» وَتَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ؛ لَا يَضْمَنُهُ مُحِلٌّ قَتَلَهُ، إنْ كَانَ بِالْحَرَمِ، (غَيْرَ قَوَائِمِهِ) ، أَيْ: الصَّيْدِ، (قَائِمًا)

كَذَنَبِهِ وَرَأْسِهِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ قَائِمًا بِالْحِلِّ بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ، لَمْ يَكُنْ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، كَشَجَرَةٍ أَصْلُهَا بِالْحِلِّ وَأَغْصَانُهَا بِالْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ أَوْ ذَنَبُهُ بِالْحَرَمِ، وَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ، فَقَتَلَهُ (بِسَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا، ضَمِنَهُ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ. (أَوْ قَتَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (عَلَى غُصْنٍ بِالْحَرَمِ، وَلَوْ أَنْ أَصْلِهِ بِالْحِلِّ) ، ضَمِنَهُ، لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ، (أَوْ أَمْسَكَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، (بِالْحِلِّ، فَهَلَكَ فَرْخُهُ) بِالْحَرَمِ، (أَوْ) هَلَكَ (وَلَدُهُ بِالْحَرَمِ، أَوْ أَمْسَكَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ (بِالْحِلِّ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ) مِنْ الْحَرَمِ (أَوْ لَا، وَهَلَكَ، ضَمِنَ) ذَلِكَ الصَّيْدَ (فِي الْكُلِّ) ، لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمُتْلِفُ (كَافِرًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ عَبْدًا) ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ كَالْمَالِ وَأَوْلَى. (وَيَتَّجِهُ: ضَمَانُ مَنْ غَصَبَ حَيَوَانًا فَهَلَكَ وَلَدُهُ) ، سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَهُ أَوْ لَا، فَيَضْمَنُهُ، لِتَعَدِّيهِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُ، قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْكَافِي " نَقْلًا عَنْ الْقَاضِي: ضَمَانُ الصَّيْدِ آكَدُ مِنْ ضَمَانِ الْمَالِ. . . إلَى أَنْ قَالَ: وَلَوْ أَمْسَكَهُ فَتَلِفَ فَرْخُهُ؛ ضَمِنَهُ، وَلَوْ غَصَبَهُ فَمَاتَ فَرْخُهُ؛ فَلَا ضَمَانَ لِفَرْخِهِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَيْضًا. (وَإِنْ قَتَلَهُ) - أَيْ: الصَّيْدَ، (فِي الْحِلِّ مُحِلٌّ بِالْحَرَمِ، وَلَوْ) كَانَ الصَّيْدُ (عَلَى غُصْنٍ) فِي هَوَاءِ الْحِلِّ، (أَصْلُهُ) ، أَيْ: الْغُصْنِ، (بِالْحَرَمِ - بِسَهْمٍ، أَوْ كَلْبٍ) أَوْ غَيْرِهِمَا، لَمْ يَضْمَنْ، (أَوْ أَمْسَكَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ حَلَالٌ (بِالْحَرَمِ، فَهَلَكَ فَرْخُهُ) بِالْحِلِّ، (أَوْ) هَلَكَ (وَلَدُهُ بِالْحِلِّ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ، (أَوْ أَرْسَلَ) حَلَالٌ (كَلْبَهُ مِنْ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ بِهِ) ، أَيْ: الْحِلِّ، (فَقَتَلَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ الَّذِي كَانَ بِالْحِلِّ فِي الْحَرَمِ، (أَوْ) قَتَلَ (غَيْرَهُ) ، أَيْ: الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِ الْكَلْبُ (فِي الْحَرَمِ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ، (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ، بِأَنْ) رَمَى مُحِلٌّ بِهِ

فصل في قلع شجرة من حرم مكة

صَيْدًا بِالْحِلِّ فَ (شَطَحَ) السَّهْمُ (فَقَتَلَ) صَيْدًا (فِي الْحَرَمِ) ؛ لَمْ يَضْمَنْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْمِ وَلَمْ يُرْسِلْ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ بِالْحَرَمِ، وَإِنَّمَا دَخَلَ الْكَلْبُ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، وَكَذَا سَهْمُهُ إذَا شَطَحَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، (أَوْ دَخَلَ سَهْمُهُ) ، أَيْ: الرَّامِي، لِصَيْدٍ فِي الْحِلِّ. (أَوْ) دَخَلَ (كَلْبُهُ الْحَرَمَ، ثُمَّ خَرَجَ) مِنْهُ، (فَقَتَلَ) صَيْدًا (أَوْ جَرَحَهُ) مُحِلٌّ (بِالْحِلِّ) ، ثُمَّ دَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ، (فَمَاتَ فِي الْحَرَمِ، لَمْ يَضْمَنْ) ، لِأَنَّ الْقَتْلَ وَالْجُرْحَ بِالْحِلِّ (كَمَا لَوْ جَرَحَهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ، (ثُمَّ أَحْرَمَ، ثُمَّ مَاتَ) الصَّيْدُ فِي إحْرَامِهِ؛ فَلَا يَضْمَنُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ، (وَلَا يَحِلُّ مَا) ، أَيْ: صَيْدٌ، (وُجِدَ لِسَبَبِ مَوْتِهِ بِالْحَرَمِ) ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ سَبَبُهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَهُوَ مَيْتَةٌ. [فَصْلٌ فِي قلع شَجَرَة مِنْ حرم مَكَّة] (فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ قَلْعُ شَجَرِهِ) ، أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ الَّذِي لَمْ يَزْرَعْهُ آدَمِيٌّ إجْمَاعًا، لِقَوْلِهِ، «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا» (وَ) يَحْرُمُ قَلْعُ (حَشِيشِهِ) ، أَيْ: الْحَرَمِ، لِحَدِيثِ: «وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (حَتَّى الشَّوْكُ وَلَوْ ضَرَّ) ، لِعُمُومِ " لَا تُخْلَى شَوْكُهَا " (وَ) حَتَّى (الْمِسْوَاكُ وَنَحْوُهُ وَالْوَرَقُ) لِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الشَّجَرِ (إلَّا الْيَابِسَ) مِنْ شَجَرٍ وَحَشِيشٍ، لِأَنَّهُ كَمَيِّتٍ، (وَ) إلَّا (الْإِذْخِرَ) ، لِقَوْلِ «الْعَبَّاسِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، قَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ» ، وَهُوَ: نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، وَالْقَيْنُ: الْحَدَّادُ. (وَ) إلَّا (الْكَمْأَةَ وَالْفَقْعَ) ، وَهِيَ: الْبَيْضَاءُ مِنْ الْكَمْأَةِ، وَهُمَا مَعْرُوفَانِ، لِأَنَّهُمَا لَا أَصْلَ لَهُمَا، (وَ) إلَّا (الثَّمَرَةَ) ، لِأَنَّهَا سَتُخْلَقُ، (وَ) إلَّا (مَا زَرَعَهُ آدَمِيٌّ مِنْ نَحْوِ بَقْلٍ وَرَيَاحِينَ وَزَرْعٍ) ، إجْمَاعًا نَصًّا (حَتَّى مِنْ الشَّجَرِ) ، لِأَنَّهُ أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ،

كَزَرْعٍ وَعَوْسَجٍ، (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: مَا زَرَعْته أَنْتَ؛ فَلَا بَأْسَ) ، أَيْ: فَيُبَاحُ أَخْذُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكُ الْأَصْلِ كَالْأَنْعَامِ، (وَمَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ؛ فَلَا) يُبَاحُ أَخْذُهُ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ. (وَيُبَاحُ رَعْيُ حَشِيشِهِ) ، أَيْ: الْحَرَمِ، لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تَدْخُلُ الْحَرَمَ، فَتَكْثُرُ فِيهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ سَدُّ أَفْوَاهِهَا، وَلِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، أَشْبَهَ قَطْعَ الْإِذْخِرِ، بِخِلَافِ الِاحْتِشَاشِ لَهَا. (وَ) يُبَاحُ (انْتِفَاعٌ بِمَا زَالَ) مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ، (أَوْ انْكَسَرَ) مِنْهُ (بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ) نَصًّا، (وَلَوْ لَمْ يَبْنِ) ، أَيْ: يَنْفَصِلُ لِتَلَفِهِ، فَصَارَ كَالظُّفْرِ الْمُنْكَسِرِ، (وَ) إنْ انْكَسَرَ (بِفِعْلِهِ) ، أَيْ: الْآدَمِيِّ، فَإِنَّهُ (يَحْرُمُ انْتِفَاعٌ بِهِ مُطْلَقًا) ، أَيْ: لَا يَنْتَفِعُ بِهِ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِهِ، لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ. (وَتُضْمَنُ شَجَرَةٌ) قُلِعَتْ أَوْ كُسِرَتْ (صَغِيرَةٌ عُرْفًا بِشَاةٍ، وَ) يُضْمَنُ (مَا فَوْقَهَا) ، أَيْ: الصَّغِيرَةُ مِنْ الشَّجَرِ، وَهِيَ: الْمُتَوَسِّطَةُ وَالْكَبِيرَةُ، (بِبَقَرَةٍ) ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِي الْجَزْلَةِ شَاةٌ» وَقَالَهُ عَطَاءٌ. وَالدَّوْحَةُ: الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْجَزْلَةُ: الصَّغِيرَةُ، (وَيُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ) ، أَيْ: الشَّاةِ أَوْ الْبَقَرِ، فَيَذْبَحُهَا وَيُفَرِّقُهَا أَوْ يُطْلِقُهَا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، (وَبَيْنَ تَقْوِيمِ) مَا ذُكِرَ مِنْ (الْجَزَاءِ) بِدَرَاهِمَ، (وَيَفْعَلُ بِقِيمَتِهِ كَجَزَاءِ صَيْدٍ) ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا يُجْزِئُ فِي فِطْرَةٍ، فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا، (وَ) يُضْمَنُ (حَشِيشٌ وَوَرَقٌ بِقِيمَتِهِ) نَصًّا، لِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ، وَيَفْعَلُ بِقِيمَتِهِ كَمَا سَبَقَ، (وَ) يُضْمَنُ (غُصْنٌ بِمَا نَقَصَ) كَأَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ، وَكَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَالِ آدَمِيٍّ، فَنَقَصَ، وَيَفْعَلُ بِأَرْشِهِ كَمَا مَرَّ، (فَإِنْ اُسْتُخْلِفَ شَيْءٌ مِنْهَا) ، أَيْ: الْحَشِيشُ وَالْوَرَقُ وَالشَّجَرُ وَنَحْوُهُ؛ (سَقَطَ ضَمَانُهُ) كَرِيشِ صَيْدٍ نَتَفَهُ وَعَادَ، (كَرَدِّ شَجَرَةٍ، فَثَبَتَتْ وَيُضْمَنُ

نَقْصُهَا) ، أَيْ: الْمَرْدُودَةِ (إنْ كَانَ) لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ. (وَ) لَوْ قَلَعَ شَجَرَةً، ثُمَّ (غَرَسَهَا فِي الْحِلِّ، وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا، أَوْ يَبِسَتْ؛ ضَمِنَهَا) لِإِتْلَافِهَا، (فَلَوْ قَلَعَهَا) ، أَيْ: الْمَنْقُولَةَ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ (غَيْرُهُ مِنْ الْحِلِّ) بَعْدَ أَنْ غَرَسَهَا قَالِعُهَا مِنْ الْحَرَمِ؛ (ضَمِنَهَا) ذَلِكَ (الْغَيْرُ) ، وَهُوَ قَالِعُهَا مِنْ الْحِلِّ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَحْدَهُ، بَدَلُ الْغَيْرِ، لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا. (وَيَتَّجِهُ) : مَحَلُّ ضَمَانِ قَالِعِهَا مِنْ الْحِلِّ (مَعَ إمْكَانِ رَدِّهَا) مِنْ الْحَرَمِ (لَا بِدُونِهِ) ، أَيْ: لَا بِدُونِ إمْكَانِ الرَّدِّ، (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّهُ) يُبَاحُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ (يَنْتَفِعَ بِهَا إذَنْ) ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهَا، كَذَا قَالَ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ، إذْ حُرْمَةُ الشَّجَرَةِ بَاقِيَةٌ لَا تَزُولُ بِنَقْلِهَا لِغَيْرِ مَحَلِّهَا، وَغَرَسَهَا فِيهِ، فَمَنْ قَلَعَهَا؛ لَزِمَهُ جَزَاؤُهَا، وَاَلَّذِي غَرَسَهَا خَارِجَ الْحَرَمِ، قَدْ عَرَّضَهَا لِلتَّلَفِ؛ فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمَّا اجْتَمَعَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ، قُدِّمَتْ الْمُبَاشَرَةُ لِقُوَّتِهَا، فَإِنْ كَانَ مَنْ قَلَعَهَا مِنْ الْحَرَمِ، وَغَرَسَهَا خَارِجَهُ، قَدْ أَخْرَجَ جَزَاءَهَا، فَقَلَعَهَا غَيْرُهُ مِنْ الْحِلِّ؛ لَزِمَ الثَّانِيَ جَزَاءٌ آخَرُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّجَرِ وَالطَّيْرِ: أَنَّ الشَّجَرَ لَهُ نَبَاتٌ فِي مَوْضِعِهِ، لَا يُنْقَلُ بِنَفْسِهِ، فَحُرْمَتُهُ لَا تَزُولُ عَنْهُ، وَالصَّيْدُ حُرْمَتُهُ بَاقِيَةٌ مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ زَالَتْ حُرْمَتُهُ، لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا فِي الْحَرَكَةِ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ، أَفَادَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَغَيْرُهُ. (وَيَضْمَنُ مُنَفِّرٌ صَيْدًا) مِنْ الْحَرَمِ (قُتِلَ بِالْحِلِّ) ، لِتَفْوِيتِهِ حُرْمَتَهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ بِالْحِلِّ.

(وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يَضْمَنُ مَنْ نَفَّرَ صَيْدًا (مَعَ قَصْدِ تَنْفِيرِهِ) ، أَمَّا إذَا نَفَّرَ الصَّيْدَ فَزَعًا مِنْ شَخْصٍ مَرَّ قَرِيبًا مِنْهُ، أَوْ أَرَادَ ضَرْبَ دَابَّتِهِ وَنَحْوِهَا، فَنَفَّرَ فَتَلِفَ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَنْفِيرَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكَذَا مُخْرِجُهُ) ، أَيْ: صَيْدِ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، فَيُقْتَلُ بِهِ، فَيَضْمَنُهُ (إنْ لَمْ يَرُدَّهُ) إلَى الْحَرَمِ، فَإِنْ رَدَّهُ إلَيْهِ؛ فَلَا ضَمَانَ، (فَلَوْ فَدَاهُ) ، أَيْ: الصَّيْدَ الَّذِي نَفَّرَهُ أَوْ أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ، (ثُمَّ وَلَدَ) الصَّيْدُ وَقُتِلَ وَلَدُهُ؛ (لَمْ يَضْمَنْ) مُنَفِّرٌ أَوْ مُخْرِجٌ (وَلَدَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدِ حَرَمٍ، وَيُضْمَنُ غُصْنٌ فِي هَوَاءِ الْحِلِّ أَصْلُهُ) ، أَيْ: الْغُصْنُ بِالْحَرَمِ، (أَوْ بَعْضُ أَصْلِهِ بِالْحَرَمِ) ، لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ، وَ (لَا) يَضْمَنُ (مَا) قَطَعَهُ مِنْ غُصْنٍ (بِهَوَاءِ الْحَرَمِ، وَأَصْلُهُ بِالْحِلِّ) لِمَا سَبَقَ. (وَكُرِهَ إخْرَاجُ تُرَابٍ وَ) إخْرَاجُ (حِجَارَتِهِ إلَى الْحِلِّ) نَصًّا، قَالَ: لَا يُخْرَجُ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ، وَلَا يُدْخَلُ مِنْ الْحِلِّ كَذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: " وَلَا يُخْرَجُ مِنْ حِجَارَةِ مَكَّةَ إلَى الْحِلِّ " وَالْخُرُوجُ أَشَدُّ كَرَاهَةً. وَ (لَا) يُكْرَهُ إخْرَاجُ (مَاءِ زَمْزَمَ) ، لِأَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ، فَهُوَ

فصل حد حرم مكة

كَالثَّمَرَاتِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَخْرَجَهُ كَعْبٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا " كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْمِلُهُ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. (وَلَا) يُكْرَهُ (وَضْعُ الْحَصَى بِالْمَسَاجِدِ) كَمَا فِي مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنَهُ وَبَعْدَهُ. (وَيَحْرُمُ إخْرَاجُ تُرَابِهَا) ، أَيْ: الْمَسَاجِدِ، (وَ) إخْرَاجُ (طِيبِهَا) فِي الْحِلِّ والْحَرَمِ لِتَبَرُّكٍ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْمَوْقُوفِ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ. (وَيُتَصَدَّقُ بِثِيَابِ الْكَعْبَةِ إذَا نُزِعَتْ) عَنْهَا (نَصًّا) ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي إبْقَائِهَا، (وَيَجُوزُ بَيْعُهَا) ، أَيْ: الثِّيَابِ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا (وَمُتَشَفٍّ بِطِيبِهَا) ، أَيْ: الْكَعْبَةِ، (يُلْصَقُ عَلَيْهِ) ، أَيْ: عَلَى مَحَلِّ الطِّيبِ مِنْ الْحَائِطِ (طِيبًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ، وَلَا) يَجُوزُ لَهُ (أَنْ يَأْخُذَ مِنْ طِيبِهَا) شَيْئًا. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَشَفَّى بِطِيبِ الْكَعْبَةِ؛ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، وَيَلْزَقُ عَلَيْهَا طِيبًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ. [فَصْلٌ حَدّ حرم مَكَّة] (فَصْلٌ) (وَحَدُّ حَرَمِ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا) ، وَيُقَالُ: بُيُوتُ نِفَارٍ، بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ، ثُمَّ فَاءٌ: دُونَ التَّنْعِيمِ. (وَحَدُّهُ مِنْ الْيَمَنِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ أَضَاةِ) بِالْمُعْجَمَةِ: عَلَى وَزْنِ قَنَاةٍ، (لِبْنٍ) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، (وَ) حَدُّهُ (مِنْ الْعِرَاقِ كَذَلِكَ) ، أَيْ: سَبْعَةُ أَمْيَالٍ، (عَلَى الثَّنِيَّةِ رِجْلٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ: (جَبَلٌ بِالْمُنْقَطِعِ وَحَدُّهُ مِنْ الطَّائِفِ وَبَطْنِ نَمِرَةَ كَذَلِكَ) أَيْ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ (عِنْدَ طَرَفِ عَرَفَةَ وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (الْجِعْرَانَةِ: تِسْعَةُ) أَمْيَالٍ (فِي شِعْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (جُدَّةَ: عَشْرَةُ) أَمْيَالٍ (عِنْدَ مُنْقَطِعِ الْأَعْشَاشِ) بِشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ: جَمْعُ عُشٍّ، بِضَمِّ الْعَيْنِ

فائدة ابتداء الأميال في الحج

الْمُهْمَلَةِ. (وَ) حَدُّهُ (مِنْ بَطْنِ عَرَفَةَ أَحَدَ عَشَرَ) مِيلًا، وَعَلَى تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ أَنْصَابُ الْحَرَمِ لَمْ تَزَلْ مَعْلُومَةً. [فَائِدَةٌ ابْتِدَاءُ الْأَمْيَالِ فِي الْحَجّ] فَائِدَةٌ: ابْتِدَاءَ الْأَمْيَالِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ أَضَاءَ نُورُهُ شَرْقًا وَغَرْبًا، فَانْتِهَاءُ الْحَرَمِ حَيْثُ انْتَهَى النُّورُ. (وَحُكْمُ وَجٍّ) ، وَهُوَ: (وَادٍ بِالطَّائِفِ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْحِلِّ) ، فَيُبَاحُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ وَحَشِيشُهُ بِلَا ضَمَانٍ، وَالْخَبَرُ فِيهِ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْأَزْدِيُّ: لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ. (وَتُسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ لِمَنْ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ) ، قَالَ أَحْمَدُ: الْمَقَامُ بِالْمَدِينَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمَقَامِ بِمَكَّةَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُهَاجَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا، إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (وَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْهَا) ، أَيْ: الْمَدِينَةَ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقٍ: وَاَللَّهِ إنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجَتْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِمُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ أَكْثَرُ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «الْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» ؛ فَلَمْ يَصِحَّ، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا قَبْلَ الْفَتْحِ. وَحَدِيثُ: «اللَّهُمَّ إنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَامْسِكْنِي فِي أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيْك.» . رُدَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ؛ فَمَعْنَاهُ: أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَيْك بَعْدَ مَكَّةَ. (فَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ) فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْبِقَاعِ، صَحَّتْ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ. (وَ) الصَّلَاةُ (بِمَسْجِدِهِ) ، أَيْ: مَسْجِدِ النَّبِيِّ، (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِأَلْفِ) صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْبِقَاعِ الَّتِي دُونَهُ،

وَدُونَ الْأَقْصَى فِي الْفَضِيلَةِ (وَ) الصَّلَاةُ (فِي) الْمَسْجِدِ (الْأَقْصَى: بِخَمْسِمِائَةِ) صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا دُونَهُ، لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ بِذَلِكَ. (وَبَقِيَّةُ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ) الْمَكِّيِّ (كَصَلَاةٍ فِيهِ، فَكُلُّ عَمَلِ بِرٍّ) مِنْ صَدَقَةٍ وَذِكْرٍ وَكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَاتِ الَّتِي تَقَعُ (فِيهِ) ، أَيْ: الْحَرَمِ: (بِمِائَةِ أَلْفٍ) فِي غَيْرِهِ. (وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَام أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ» مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِأَلْفٍ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، تَكُونُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْمَكِّيِّ: بِمِائَةِ أَلْفِ أَلْفِ صَلَاةٍ بِمَا سِوَاهُ، عَدَا الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَالْأَقْصَى، وَفَضْلُ اللَّهِ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ. (وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ، مِنْ إطْلَاقِ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ (غَيْرُ صَلَاةِ النِّسَاءِ فِي الْبُيُوتِ) ، إذْ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ، لِحَدِيثِ «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أُمِّ حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا «جَاءَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَك، قَالَ: قَدْ عَلِمْت أَنَّك تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُك فِي بَيْتِك خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِك فِي حُجْرَتِك، وَصَلَاتُك فِي حُجْرَتِك خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِك فِي دَارِك، وَصَلَاتُك فِي مَسْجِدِ قَوْمِك خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِك فِي مَسْجِدِي» . قَالَ: فَأَمَرْت، فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهَا، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ (وَإِنَّ النَّفَلَ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهِ فِي مَسْجِدٍ، حَرَامًا كَانَ أَوْ لَا، لِحَدِيثِ: «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ

فرع موضع قبره أفضل بقاع الأرض

إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْضًا: (أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ نَفْسُ الْمَسْجِدِ) ، وَمَعَ مَا يَزِيدُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَقِيلَ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ) ، فَتَحْصُلُ فِيهِ الْمُضَاعَفَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. (وَمَعَ هَذَا) ، أَيْ: كَوْنِ الْحَرَمِ كُلِّهِ مَسْجِدًا؛ (فَالْحَرَمُ أَفْضَلُ مِنْ الْحِلِّ) ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَسْتَرِيبُ بِهِ عَاقِلٌ [فَرْعٌ مَوْضِعُ قَبْرِهِ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ] (فَرْعٌ: مَوْضِعُ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) (أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُلِقَ مِنْ تُرْبَتِهِ، وَهُوَ خَيْرُ الْبَشَرِ، فَتُرْبَتُهُ خَيْرُ التُّرَبِ، وَأَمَّا نَفْسُ تُرَابِ التُّرْبَةِ؛ فَلَيْسَ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ، بَلْ الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْجَسَدِ الشَّرِيفِ. (وَقَالَ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ (بْنُ عَقِيلٍ فِي) كِتَابِهِ (" الْفُنُونِ ") الَّذِي لَمْ يُؤَلَّفْ مِثْلُهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَا مِقْدَارُهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مُجَلَّدٌ لَكِنْ لَمَّا اسْتَوْلَى التَّتَارُ عَلَى بَغْدَادَ طَرَحُوا مُعْظَمَ كُتُبِهَا فِي الدِّجْلَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا هَذَا الْكِتَابُ: (الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْحُجْرَةِ، فَأَمَّا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا؛ فَلَا وَاَللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمَلَتُهُ) وَالْجَنَّةُ، (لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِهِ) سَائِرُ الْمَخْلُوقَاتِ (لَرَجَحَ) . (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ يُؤْخَذُ (مِنْ هَذَا) ، أَيْ: مِنْ أَنَّ الْحُجْرَةَ الشَّرِيفَةَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْجَسَدِ الشَّرِيفِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْبِقَاعِ: (أَنَّ الْأَرْضَ أَفْضَلُ مِنْ السَّمَاءِ، لِأَنَّ شَرَفَ الْمَحَلِّ بِشَرَفِ الْحَالِّ فِيهِ) ، قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ فِي

الذَّرِيعَةِ ": اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ أَفْضَلُ مِنْ السَّمَاءِ بِمَوَاطِئِ أَقْدَامِهِ الشَّرِيفَةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، خُلِقُوا مِنْهَا، وَلِأَنَّ السَّمَاوَاتِ تُطْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الْأَرْضُ؛ فَإِنَّهَا تَصِيرُ خُبْزَةً يَأْكُلُهَا أَهْلُ الْمَحْشَرِ مَعَ زِيَادَةِ كَبِدِ الْحُوتِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَتُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ بِمَكَانٍ) فَاضِلٍ كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَفِي الْمَسَاجِدِ، (وَبِزَمَانٍ فَاضِلٍ) كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَرَمَضَانَ. أَمَّا مُضَاعَفَةُ الْحَسَنَةِ؛ فَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا مُضَاعَفَةُ السَّيِّئَةِ؛ فَقَالَ بِهَا جَمَاعَةٌ تَبَعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، ذَكَرَهُ: الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَوَقَعَ خُلْفٌ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (فِي كَوْنِ السَّيِّئَةِ تُضَاعَفُ) كَمَا تُضَاعَفُ (الْحَسَنَةُ) ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ تُكْتَبُ السَّيِّئَةُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ: لَا إلَّا بِمَكَّةَ، لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بِعَدَنَ، وَهَمَّ أَنْ يَقْتُلَ عِنْدَ الْبَيْتِ؛ أَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ إنَّ السَّيِّئَةَ تُضَاعَفُ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ السَّيِّئَةَ تَبْلُغُ فِي التَّضْعِيفِ مَبْلَغَ الْحَسَنَةِ، وَهُوَ: مِائَةُ أَلْفٍ، وَيَدُلُّ. لِذَلِكَ: مَا رَوَاهُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ "، أَنَّ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ الْحَسَنَةَ تُضَاعَفُ فِيهَا إلَى مِائَةِ أَلْفٍ، وَأَنَّ السَّيِّئَةَ كَذَلِكَ» (وَالْأَظْهَرُ) : أَنَّ السَّيِّئَةَ (لَا) تُضَاعَفُ كَالْحَسَنَةِ، (بَلْ) تُضَاعَفُ (فِي الْجُمْلَةِ) إذْ التَّشْبِيهُ فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ فِي مُطْلَقِ الْمُضَاعَفَةِ، وَأَيْضًا: فَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ فِي بَابِ الْمُضَاعَفَةِ الْمُحَقَّقَةِ مُقْتَضِيَةٌ أَنَّ السَّيِّئَةَ عُشْرُ الْحَسَنَةِ، فَإِذَا كَانَتْ الْحَسَنَةُ بِمِائَةِ

فصل صيد حرم المدينة

أَلْفٍ؛ كَانَتْ السَّيِّئَةُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ كَذَلِكَ عَائِدًا إلَى التَّضْعِيفِ فَقَطْ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَحْمَدَ تَبَعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي تَضْعِيفِ السَّيِّئَاتِ: إنَّمَا أَرَادُوا مُضَاعَفَتَهَا فِي الْكَيْفِيَّةِ دُونَ الْكَمِّيَّةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَقَدْ أَوْضَحْته) ، أَيْ: هَذَا الْمَقَامَ (فِي) كِتَابِي " (تَشْوِيقِ الْأَنَامِ) فِي الْحَجِّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ "، وَعِبَارَتُهُ: تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ وَفَّقَك اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ هُنَا، بَلْ وَالسَّيِّئَاتُ كَذَلِكَ، فَقَدْ عُلِمَ مِنْ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ، وَالْمِلَّةِ الزَّهْرَاءِ، تَضَاعُفُ الذَّنْبِ فِي شَرَائِفِ الزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ، فَكَذَا فِي شَرَائِفِ الْأَمْكِنَةِ، أَلَا تَرَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الرَّفَثِ فِي رَمَضَانَ، وَفِي مُدَّةِ الْإِحْرَامِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ مِنْ تَغْلِيظِ دِيَةِ الْخَطَأِ فِي الْحَرَمِ، وَقَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى لِنِسَاءِ نَبِيِّهِ: {مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] ، فَانْظُرْ كَيْف صَارَتْ مَعْصِيَتُهُنَّ - إنْ وَقَعَتْ - ضِعْفَيْنِ، لِشَرَفِهِنَّ، وَقَالَ تَعَالَى فِي أَجْرِهِنَّ: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب: 31] فَأَيُّ مَكَان أَوْ زَمَانٍ فِيهِ الشَّرَفُ أَكْثَرُ؛ فَالْمَعْصِيَةُ فِيهِ أَفْظَعُ وَأَشْنَعُ، لِأَنَّ الشَّامَةَ السَّوْدَاءَ فِي الْبَيَاضِ أَظْهَرُ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ. [فَصْلٌ صَيْدُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ] (فَصْلٌ) (وَيَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ) ، وَتُسَمَّى: طَابَةٌ وَطِيبَةٌ، لِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُسَمَّى يَثْرِبَ) ،

لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيَّرَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّثْرِيبِ، وَهُوَ: التَّعْيِيرُ وَالِاسْتِقْصَاءُ فِي اللَّوْمِ، وَمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حِكَايَةٌ لِمَقَالَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَيَثْرِبُ فِي الْأَصْلِ: اسْمٌ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَمَالِقَةِ بَنَى الْمَدِينَةِ فَسُمِّيَتْ بِهِ، وَقِيلَ يَثْرِبُ: اسْمُ أَرْضِهَا. (وَ) إذَا صِيدَ مِنْ حَرَمِ الْمَدِينَةِ صَيْدٌ وَذُكِّيَ فَ (تَصِحُّ تَذْكِيَتُهُ) ، لِعَدَمِ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي زَوَالِ مِلْكِ الصَّيْدِ نَصًّا. (وَ) يَحْرُمُ (قَطْعُ شَجَرِهِ وَحَشِيشِهِ) الرَّطْبِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْخَلَى مَقْصُورٌ: الْعُشْبُ الرَّطْبُ مِنْهُ. (إلَّا لِحَاجَةٍ نَحْوِ مَسَانِدَ) جَمْعُ: مَسْنَدٍ، وَهُوَ: عُودُ الْبَكَرَةِ الَّذِي يَكُونُ مَجْرُورَةُ الْبَكَرَةِ عَلَيْهَا، قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ، وَفِي " الْإِقْنَاعِ ": وَالْمَسَانِدُ مِنْ الْقَائِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُنْصَبُ الْبَكَرَةُ عَلَيْهَا. (وَآلَةِ حَرْثٍ، وَ) عَوَارِضَ قَتَبٍ، وَ (رَحْلٍ) ، وَعَارِضَةٍ لِسَقْفِ مَحْمَلٍ، وَآلَةِ دِيَاسٍ وَجُذَاذٍ وَحَصَادٍ، فَيَجُوزُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ الشَّجَرِ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَرَّمَ الْمَدِينَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا أَصْحَابُ عَمَلٍ، وَأَصْحَابُ نَضْحٍ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَرْضًا غَيْرَ أَرْضِنَا، فَرَخِّصْ لَنَا، فَقَالَ: الْقَائِمَتَانِ، وَالْوِسَادَتَانِ، وَالْعَارِضَةُ، وَالْمَسْنَدُ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَا يُعْضَدُ وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَيْءٌ» (وَإِلَّا لِعَلَفٍ) مِنْ حَشِيشٍ، لِحَدِيثِ «وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَمَنْ أَدْخَلَهَا) ، أَيْ: الْمَدِينَةَ (صَيْدًا، فَلَهُ إمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ أَنَسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ، قَالَ: أَحْسَبُهُ فَطِيمًا،

باب دخول مكة وما يتعلق به من طواف وسعي وغيره

وَكَانَ إذَا جَاءَ قَالَ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ: طَائِرٌ صَغِيرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا جَزَاءَ فِيمَا حَرُمَ مِنْ نَحْوِ صَيْدٍ وَشَجَرٍ) وَحَشِيشٍ، قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَكَمُوا فِيهِ بِجَزَاءٍ، لِجَوَازِ دُخُولِهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَلِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهَا لِأَدَاءِ النُّسُكِ وَذَبْحِ الْهَدَايَا، فَهِيَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبُلْدَانِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الضَّمَانُ، وَلَا مِنْ عَدَمِهَا عَدَمُهُ. (وَحَرَمُهَا: بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ) نَصًّا، وَهُوَ: (مَا بَيْنَ ثَوْرٍ: جَبَلٌ صَغِيرٌ يَمِيلُ) لَوْنُهُ (إلَى الْحُمْرَةِ بِتَدْوِيرٍ) ، أَيْ: الِاسْتِطَالَةِ فِيهِ، وَهُوَ (خَلْفَ أُحُدٍ مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ، وَعَيْرٌ) ، وَهُوَ: (جَبَلٌ مَشْهُورٌ بِهَا) ، أَيْ: بِالْمَدِينَةِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «حَرَمُ الْمَدِينَةِ: مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَذَلِكَ) أَيْ: الْحَدُّ الْمَذْكُورُ: (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّابَةُ: الْحَرَّةُ، وَهِيَ: أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ. (وَ «جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَالْحِمَى: الْمَكَانُ الْمَمْنُوعُ مِنْ الرَّعْيِ. [بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ طَوَافٍ وَسَعْيٍ وَغَيْرِهِ] (يُسَنُّ) دُخُولُهَا (نَهَارًا) ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، (مِنْ أَعْلَاهَا) ، أَيْ: مَكَّةَ، (مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ، مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ، مَصْرُوفٌ وَغَيْرُ مَصْرُوفٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْمَطَالِعِ " وَيُعْرَفُ الْآنَ بِبَابِ الْمُصَلَّى. (وَ) سُنَّ خُرُوجٌ مِنْ مَكَّةَ (مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كُدَيٍّ) بِضَمِّ الْكَافِ وَالتَّنْوِينِ، عِنْدَ ذِي طَوَى، بِقُرْبِ شِعْبِ الشَّامِيِّينَ. (وَ) سُنَّ

(دُخُولُ الْمَسْجِدِ) الْحَرَمِ (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) ، وَبِإِزَائِهِ الْبَابُ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عَنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، ثُمَّ دَخَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي " أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ ": يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَبِاَللَّهِ، وَمِنْ اللَّهِ، وَإِلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك. (فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ) ، أَيْ: عَلِمَ بِهِ، يَشْمَلُ الْأَعْمَى، وَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ (رَفَعَ يَدَيْهِ) نَصًّا، لِحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَأَى الْبَيْتَ، رَفَعَ يَدَيْهِ» وَقَوْلُ جَابِرٍ: " مَا كُنْت أَظُنُّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا الْيَهُودَ ". الْحَدِيثَ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ. رُدَّ بِأَنَّهُ قَوْلُ جَابِرٍ عَنْ ظَنِّهِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ. (وَقَالَ) بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ: (" اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْك السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ،) كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. وَالسَّلَامُ الْأَوَّلُ: اسْمُ اللَّهِ، وَالثَّانِي، مَنْ: أَكْرَمْته بِالسَّلَامِ، وَالثَّالِثُ: السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ. (اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا) ، أَيْ: تَبْجِيلًا، (وَتَشْرِيفًا) ، أَيْ: رِفْعَةً وَعُلَا، (وَتَكْرِيمًا) : تَفْضِيلًا، (وَمَهَابَةً) : تَوْقِيرًا، وَإِجْلَالًا، (وَبِرًّا) بِكَسْرِ الْبَاءِ: هُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، (وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً وَبِرًّا) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مَرْفُوعًا. (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ عِزِّ جَلَالِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إنَّك دَعَوْت إلَى حَجِّ بَيْتِك الْحَرَامِ) ، سُمِّيَ بِهِ لِانْتِشَارِ حُرْمَتِهِ، وَأُرِيدَ بِتَحْرِيمِهِ سَائِرُ الْحَرَمِ، (وَقَدْ جِئْتُك لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ) ، ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ: «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَى

مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ» «وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (وَيَرْفَعُ رَجُلٌ بِذَلِكَ) الدُّعَاءِ (صَوْتَهُ) كَالتَّلْبِيَةِ، (وَمَا زَادَ مِنْ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ) ، لِأَنَّ تِلْكَ الْبِقَاعَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ، (وَيَدْنُو مِنْ الْكَعْبَةِ بِخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ) ، لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِالْحَالِ، (ثُمَّ يَطُوفُ ابْتِدَاءً) ، أَيْ: قَبْلَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، (نَدْبًا) (وَهُوَ) ، أَيْ: الطَّوَافُ: (تَحِيَّةُ الْكَعْبَةِ، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ: الصَّلَاةُ، وَتُجْزِئُ عَنْهَا) ، أَيْ: عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ (رَكْعَتَاهُ) ، أَيْ: الطَّوَافُ (بَعْدَهُ) ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافُ، لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ، وَهَذَا تَفْصِيلُهُ. (فَإِنْ أُقِيمَتْ) صَلَاةٌ (مَكْتُوبَةٌ، أَوْ ذَكَرَ) فَرِيضَةً (فَائِتَةً، أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ، قَدَّمَهَا) عَلَى الطَّوَافِ، لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ، وَأَمْنِ فَوَاتِهِ. (وَيَنْوِي مُتَمَتِّعٌ بِطَوَافِهِ الْعُمْرَةَ، وَهُوَ) ، أَيْ: الطَّوَافُ، (رُكْنٌ) مِنْ أَرْكَانِهَا. (وَ) يَنْوِي (مُفْرِدٌ) بِطَوَافِهِ الْقُدُومَ، (وَ) كَذَا يَنْوِي (قَارِنٌ) بِطَوَافِهِ (الْقُدُومَ، وَهُوَ: الْوُرُودُ، وَهُوَ سُنَّةٌ) فَتُسْتَحَبُّ الْبَدَاءَةَ بِهِ، (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ) اسْتِحْبَابًا، (غَيْرَ حَامِلِ مَعْذُورٍ فِي كُلِّ أُسْبُوعِهِ) نَصًّا، وَإِنَّمَا شُرِعَ الِاضْطِبَاعُ فِي هَذَا الطَّوَافِ (فَقَطْ) ، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا فِي الْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَأَشَارَ إلَى صِفَةِ الِاضْطِبَاعِ بِقَوْلِهِ: (فَيَجْعَلُ مِنْ وَسَطِهِ) ، أَيْ: الرِّدَاءِ، (تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَ) يَجْعَلُ (طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ) ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ مُضْطَبِعًا» ، (وَيَبْتَدِئُ طَوَافَهُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) ، لِبُدَاءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ، وَقَوْلِهِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَهُوَ جِهَةُ الْمَشْرِقِ، فَيُحَاذِيهِ) ، أَيْ: الْحَجَرِ، (أَوْ) يُحَاذِي (بَعْضَهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ) ، بِأَنْ

يَقِفَ مُقَابِلَ الْحَجَرِ حَتَّى يَكُونَ مُبْصِرًا لِضِلْعَيْ الْبَيْتِ الَّذِي عَنْ أَيْمَنِ الْحَجَرِ وَأَيْسَرِهِ، وَهَذَا احْتِرَازٌ مِنْ أَنْ يَقِفَ فِي ضِلْعِ الْبَابِ وَيَسْتَلِمَهُ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ مُحَاذِيًا لَهُ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ، فَمَتَى رَأَى الضِّلْعَ الْآخَرَ فَقَدْ حَاذَاهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ (وَيَسْتَلِمَهُ) ، أَيْ: يَمْسَحُ الْحَجَرَ (بِيَدِهِ الْيُمْنَى) ، لِقَوْلِ جَابِرٍ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ، فَاسْتَلَمَهُ.» . الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالِاسْتِلَامُ: مِنْ السَّلَامِ، وَهُوَ: التَّحِيَّةُ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ: الْمُحَيَّا، لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالِاسْتِلَامِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: " لَمَّا أَخَذَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، الْمِيثَاقَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، كَتَبَ كِتَابًا فَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِ بِالْجُحُودِ ". (وَيُقَبِّلُهُ بِلَا صَوْتٍ يَظْهَرُ لِلْقُبْلَةِ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ، وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، هَهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَيَسْجُدُ) ، أَيْ: يُمَرِّغُ الرَّجُلُ وَجْهَهُ (عَلَيْهِ) ، فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبَّاسٍ، (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ لِنَحْوِ زِحَامٍ، (لَمْ يُزَاحِمْ، وَاسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ وَقَبَّلَهَا) ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ بِيَدِهِ، (فَ) إنَّهُ يَسْتَلِمُهُ (بِشَيْءٍ، وَيُقَبِّلُهُ) ، أَيْ: مَا اسْتَلَمَهُ بِهِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، (فَإِنْ شَقَّ) عَلَيْهِ اسْتِلَامُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ، (أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ) ، لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَتَى الْحَجَرَ، أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ،

وَكَبَّرَ» ، (وَلَا يُقَبِّلُهُ) ، أَيْ: مَا أَشَارَ بِهِ إلَيْهِ، (وَاسْتَقْبَلَهُ) ، أَيْ الْحَجَرَ، إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ، (بِوَجْهِهِ، وَقَالَ " بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقُولُ ذَلِكَ كُلَّ مَا اسْتَلَمَهُ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ، (وَزَادَ جَمَاعَةٌ) كَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى الْأَوَّلِ: (" اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَجَرُ مَوْجُودًا) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ؛ (وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ) ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ إذَا هُدِمَتْ، (وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَقَبَّلَهُ، فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ) ، لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَيَقْرَبُ طَائِفٌ جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ لِلْبَيْتِ، وَشُرِطَ جَعْلُهُ عَنْ يَسَارِهِ) ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعَ قَوْلِهِ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ) ، الطَّائِفُ (يُسَمَّى: الشَّامِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ، وَهُوَ) : الرُّكْنُ (جِهَةُ الشَّامِ، ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ، وَهُوَ: جِهَةُ الْمَغْرِب، ثُمَّ الْيَمَانِيُّ: جِهَةُ الْيَمَنِ، فَيَسْتَلِمَهُ إذَا أَتَى عَلَيْهِ وَلَا يُقَبِّلَهُ) . وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ اسْتَلَمَهُ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ» فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يَصِحُّ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (ثُمَّ كُلَّمَا حَاذَى) طَائِفٌ (الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ (وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، اسْتَلَمَهَا) نَدْبًا، لِحَدِيثِ ابْن عُمَرَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ، الرُّكْنَ الْيَمَانِي، وَالْحَجَرَ فِي طَوَافِهِ» قَالَ نَافِعٌ: " وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. لَكِنْ لَا يُقَبِّلُ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (أَوْ أَشَارَ إلَيْهِمَا) ، أَيْ: الْحَجَرِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إنْ شَقَّ اسْتِلَامُهُمَا. وَ (لَا) يُسَنُّ اسْتِلَامُ

الرُّكْنِ (الشَّامِيِّ) ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ أَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ، (وَ) لَا اسْتِلَامُ الرُّكْنِ (الْغَرْبِيِّ) وَهُوَ: مَا يَلِي الشَّامِيَّ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا أَرَاهُ - يَعْنِي: النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ إلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ، وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ إلَّا لِذَلِكَ. " وَطَافَ مُعَاوِيَةُ، فَجَعَلَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقَتْ ". (وَ) لَا يُسَنُّ (تَقْبِيلُ الْمَقَامِ وَ) لَا (مَسْحُهُ وَلَا) تَقْبِيلُ وَمَسْحُ (مَسَاجِدَ وَ) لَا (قُبُورٍ) ؛ فِيهَا أَنْبِيَاءٌ أَوْ صَالِحُونَ (وَ) لَا تَقْبِيلُ وَمَسْحُ (صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وَلَا غَيْرِهَا، لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ، بَلْ هَذَا أَوْلَى (وَيَقُولُ) طَائِفٌ (كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ ": (اللَّهُ أَكْبَرُ) فَقَطْ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «طَافَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ بِيَدِهِ وَكَبَّرَ» ، (وَ) يَقُولُ (بَيْنَهُ) ، أَيْ: الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (وَبَيْنَ) الرُّكْنِ (الْيَمَانِيِّ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ فِي الْمَنَاسِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «وَحَلَّ بِهِ - يَعْنِي: الرُّكْنَ الْيَمَانِي - سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قَالُوا: آمِينَ» ، (وَيَقُولُ فِي بَقِيَّةِ طَوَافِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الْأَقْوَمَ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ

الْأَكْرَمُ) ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ: " رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي ". وَعَنْ عُرْوَةَ: " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَأَنْتَ تُحْيِي بَعْدَ مَا أَمَتّ " (وَيَذْكُرُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدَعُ. . . " الْحَدِيثَ. إلَّا ذِكْرًا وَقِرَاءَةً أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، لِحَدِيثِ: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ، فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» (وَسُنَّ قِرَاءَةٌ فِيهِ) ، أَيْ: الطَّوَافِ نَصًّا، لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الذِّكْرِ، لَا الْجَهْرُ بِهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ أَيْضًا: جِنْسُ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ مِنْ الطَّوَافِ. (وَلَا تُزَاحِمُ امْرَأَةٌ رِجَالًا، لِتَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَلَا تُشِيرُ إلَيْهِ) بِيَدِهَا، قَالَ عَطَاءٌ: " كَانَتْ عَائِشَةَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَجْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْك، وَأَبَتْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَمَعْنَى انْطَلِقِي عَنْك: انْطَلِقِي، وَاتْرُكِي الِاسْتِلَامَ عَنْك. (وَالْأَوْلَى لَهَا تَأْخِيرُ طَوَافٍ إلَى اللَّيْلِ) ، لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا (إنْ أَمِنَتْ نَحْوَ حَيْضٍ) ، كَنِفَاسٍ وَفَوْتِ رُفْقَةٍ. (وَسُنَّ أَنْ يَرْمُلَ مَاشٍ غَيْرَ حَامِلِ مَعْذُورٍ، وَ) غَيْرَ نِسَاءٍ، وَغَيْرَ (مُحْرِمٍ مِنْ مَكَّةَ أَوْ) مِنْ (قُرْبِهَا) ، فَلَا يُسَنُّ لَهُمْ الرَّمَلُ، فَالرَّمَلُ هُوَ: أَنْ (يَسْرُعَ الْمَشْيَ، وَيُقَارِبَ الْخَطَأَ فِي ثَلَاثِ طَوْفَاتٍ أُوَلٍ مِنْ غَيْرِ وَثْبٍ) ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «رَمَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا، وَفِي حَجِّهِ» ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. (ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةَ) أَشْوَاطٍ (بِلَا رَمَلٍ) ، لِلْأَخْبَارِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، (وَلَا يُقْضَى فِيهَا) ، أَيْ: فِي هَذِهِ الْأَشْوَاطِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا فِي طَوَافٍ غَيْرِ هَذَا (رَمَلٌ) ، وَلَا اضْطِبَاعٌ (فَاتَ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ. (وَالرَّمَلُ) مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْبَيْتِ (أَوْلَى مِنْ الدُّنُوِّ لِلْبَيْتِ) بِدُونِهِ، لِعَدَمِ

تَمَكُّنِهِ مِنْهُ مَعَ الْقُرْبِ لِلزِّحَامِ، لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا أَوْ زَمَانِهَا، (وَالتَّأْخِيرُ) ، أَيْ: تَأْخِيرُ الطَّوَافِ حَتَّى يَزُولَ الزِّحَامُ (لَهُ) ، أَيْ: لِأَجْلِ الرَّمَلِ، (وَلِلدُّنُوِّ) مِنْ الْبَيْتِ، (أَوْلَى) مِنْ تَقْدِيمِهِ مَعَ فَوَاتِ الرَّمَلِ، أَوْ الدُّنُوِّ أَوْ فَوَاتِ أَحَدِهِمَا، لِيَأْتِيَ بِالطَّوَافِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّمَلِ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْبَيْتِ، لِقُوَّةِ الزِّحَامِ، فَالدُّنُوُّ مِنْهُ أَوْلَى، وَيَطُوفُ مَعَ الزِّحَامِ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ، بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي أَحَدًا، فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً، رَمَلَ فِيهَا مَا دَامَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ؛ لِبَقَاءِ مَحَلِّهِ. (وَلَا يُسَنُّ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ إنَّمَا رَمَلُوا وَاضْطَبَعُوا فِيهِ. (وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا، لَمْ يُجْزِئْهُ) طَوَافُهُ كَذَلِكَ، (إلَّا) إنْ كَانَ رُكُوبُهُ أَوْ حَمْلُهُ (لِعُذْرٍ) ، لِحَدِيثِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاكِبًا لِعُذْرٍ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْبُيُوتِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ، رَكِبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَلَا يُجْزِئُ) الطَّوَافُ (عَنْ حَامِلِهِ) ، أَيْ: الْمَعْذُورِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ هُنَا الْفِعْلُ وَهُوَ وَاحِدٌ، فَلَا يَقَعُ عَنْ اثْنَيْنِ، وَوُقُوعُهُ عَنْ الْمَحْمُولِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ إلَّا لِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْحَامِلِ، (إلَّا إنْ نَوَى) حَامِلُ الطَّوَافِ (وَحْدَهُ) ، أَيْ: دُونَ الْمَحْمُولِ، (أَوْ نَوَيَا) ، أَيْ: الْحَامِلُ وَالْمَحْمُولُ. (جَمِيعًا) الطَّوَافَ (عَنْهُ) ، أَيْ: الْحَامِلِ، فَيُجْزِئُ عَنْهُ، لِخُلُوصِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا لِلْحَامِلِ، (فَإِنْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا) الطَّوَافَ عَنْ نَفْسِهِ، (صَحَّ لِمَحْمُولٍ فَقَطْ) ، لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ أَدَّى

بِهَا الْحَامِلُ فَرْضَ غَيْرِهِ، فَلَمْ تَقَعْ عَنْ فَرْضِهِ، كَالصَّلَاةِ، وَصِحَّةُ أَخْذِ الْحَامِلِ عَنْ الْمَحْمُولِ الْأُجْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَصْدُهُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَخْذُهُ بِهِ عَنْ شَيْءٍ يَقَعُ لِنَفْسِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. (فَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا) الطَّوَافَ عَنْ (نَفْسِهِ، وَالْآخَرُ لَمْ يَنْوِ، صَحَّ) الطَّوَافُ (لِنَاوٍ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (فَإِنْ لَمْ يَنْوِيَا، أَوْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ، لَمْ يَصِحَّ) الطَّوَافُ (لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) ، لِخُلُوِّ طَوَافِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ نِيَّةٍ مِنْهُ. (وَ) حُكْمُ (سَعْيٍ رَاكِبًا كَطَوَافٍ) رَاكِبًا نَصًّا، فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا لِعُذْرٍ، (وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ لَا) عَلَى سَطْحِ (الْبَيْتِ) ، تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ، كَصَلَاتِهِ إلَيْهَا، (أَوْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا، وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ) ، أَيْ: مُقَارَنَةً لِلطَّوَافِ (لَا حُكْمِيَّةً، تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ) فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ. وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً، (قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ") . وَالنِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ: أَنْ يَنْوِيَهُ قَبْلُ، وَيَسْتَمِرَّ حُكْمُهَا، وَهِيَ مَعْنَى اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ. (وَيُجْزِئُ) طَوَافٌ (فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ) نَحْوِ قُبَّةٍ، وَ (لَا) يُجْزِئُ طَوَافُهُ (خَارِجَهُ) ، أَيْ: الْمَسْجِدِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ (أَوْ مَنْسَكًا) ، بِأَنْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ وَطَافَ، لَمْ يُجْزِئْهُ، (أَوْ) طَافَ (مُتَقَهْقِرًا) ، بِأَنْ جَعَلَهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَلَا يُجْزِئُهُ، لِمُخَالَفَتِهِ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ) طَافَ (عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ: الْقَدْرُ الَّذِي تُرِكَ خَارِجًا عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ، مُرْتَفِعًا عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، فَلَا يُجْزِئُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] وَالْحِجْرُ مِنْهُ،

لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «هُوَ مِنْ الْبَيْتِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (أَوْ) طَافَ عَلَى (شَاذَرْوَانَ الْكَعْبَةِ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، (وَهُوَ: مَا فَضَلَ مِنْ جِدَارِهَا) ، فَلَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ يَطُفْ بِهِ، لَمْ يَطُفْ بِكُلِّ الْبَيْتِ، وَإِنْ مَسَّ الْجِدَارَ بِيَدِهِ فِي مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ، صَحَّ طَوَافُهُ، (أَوْ) طَافَ طَوَافًا (نَاقِصًا، وَلَوْ) نَقْصًا (يَسِيرًا) ، فَلَا يُجْزِئُهُ لِمَا، تَقَدَّمَ، «وَقَدْ طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، وَالشَّاذَرْوَانُ: مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ» ، (أَوْ) طَافَ (بِلَا نِيَّةٍ) ، لَمْ يُجْزِئْهُ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكَالصَّلَاةِ، (أَوْ) طَافَ (عُرْيَانَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَهُ بِالْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ، يُؤَذِّنُ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (أَوْ) طَافَ (مُحْدِثًا) أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ، (أَوْ) طَافَ (نَجِسًا) ، لِحَدِيثِ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إلَّا أَنَّكُمْ، تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» (فَيَلْزَمُ النَّاسَ انْتِظَارُ حَائِضٍ) إنْ أَمْكَنَ لَا نُفَسَاءَ، لِطُولِ مُدَّتِهَا. (وَيُسَنُّ فِعْلُ بَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ كُلِّهَا) مِنْ سَعْيٍ وَوُقُوفٍ وَرَمْيٍ، وَغَيْرِهَا (مُتَطَهِّرًا) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) مِنْهُ (عَدَمُ الصِّحَّةِ) ، أَيْ: عَدَمُ صِحَّةِ الطَّوَافِ، (بِحَرِيرٍ وَمَغْصُوبٍ) إذَا كَانَا سَاتِرَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، لِمَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ، قِيَاسًا عَلَيْهَا إذْ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ بِمُبَاحٍ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: الطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي إبَاحَةِ النُّطْقِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ. (وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا: (أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) حَالَ كَوْنِهِ (طَائِفًا، لَا يَضُرُّ) ذَلِكَ فِي طَوَافِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ، لِإِشْعَارِهِ بِعَدَمِ

الْمُبَالَاةِ فِي الْعِبَادَةِ، أَفَادَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ "، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَيَصِحُّ) الطَّوَافُ (فِيمَا لَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ لُبْسُهُ) كَذَكَرٍ فِي مَخِيطٍ أَوْ مُطَيَّبٍ، لِعَوْدِ النَّهْيِ لِخَارِجٍ (وَيَفْدِي) طَائِفٌ (عَامِدٌ) لِفِعْلِ الْمَحْظُورِ، (وَيَبْتَدِئُ) الطَّوَافَ (لِحَدَثٍ فِيهِ) تَعَمَّدَهُ أَوْ سَبَقَهُ بَعْدَ أَنْ يَتَطَهَّرَ كَالصَّلَاةِ، (وَ) يَبْتَدِئُهُ (لِقَطْعٍ طَوِيلٍ) عُرْفًا، لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِيهِ كَالصَّلَاةِ، «وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالَى طَوَافَهُ، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَإِنْ كَانَ) قَطْعُهُ (يَسِيرًا، أَوْ أُقِيمَتْ

صَلَاةٌ) وَهُوَ فِي الطَّوَافِ. (وَيَتَّجِهُ: وَلَوْ) كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي أُقِيمَتْ نَافِلَةً (كَوِتْرٍ وَتَرَاوِيحَ) ، أَيْ: فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا، وَيَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ الْأَشْوَاطِ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ فِيهِ مَا فِيهِ، إذْ صَرِيحُ الْإِقْنَاعِ: أَنَّهُ يُصَلِّي، وَيَبْنِي إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، (أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ) وَهُوَ فِيهِ، (صَلَّى وَبَنَى) عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ طَوَافِهِ، لِحَدِيثِ: «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ تَفُوتُ بِالتَّشَاغُلِ. وَيَبْتَدِئُ الشَّوْطَ (مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَلَا يَعْتَدَّ بِبَعْضِ شَوْطٍ قَطَعَ فِيهِ) قَالَهُ أَحْمَدُ، وَكَذَا لِسَعْيٍ، أَيْ: حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ كَطَوَافٍ، (فَإِذَا تَمَّ) طَوَافُهُ، (تَنَفَّلَ بِرَكْعَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ) ، أَيْ: مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَفِيهِ: «ثُمَّ تَقَدَّمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَقَرَأَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] » فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. . "، الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلَا يُشْرَعُ تَقْبِيلُهُ وَلَا مَسْحُهُ، فَسَائِرُ الْمَقَامَاتِ أَوْلَى. (وَ) وَيَقْرَأُ فِيهِمَا (بِ) : {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] فِي) رَكْعَةٍ (أُولَى، وَ) سُورَةِ (الْإِخْلَاصِ) بِرَكْعَةٍ (ثَانِيَةٍ، بَعْدَ) قِرَاءَةِ (الْفَاتِحَةِ) لِلْخَبَرِ. (وَتُجْزِئُ مَكْتُوبَةٌ، وَرَاتِبَةٌ عَلَيْهِمَا) ، أَيْ: عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، كَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.

فائدة ما يدعى به بعد الركعتين خلف المقام

[فَائِدَةٌ مَا يُدْعَى بِهِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ] فَائِدَةٌ: وَمِمَّا يُدْعَى بِهِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ: «اللَّهُمَّ أَنَا عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك، أَتَيْتُك بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ، وَأَعْمَالٍ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ النَّارِ، فَاغْفِرْ لِي إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قَوْلُهُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك: كَلَامٌ يَقُولُهُ الْمُسْتَعِيذُ، وَيَعْنِي بِالْعَائِذِ: نَفْسَهُ، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ: هَذَا مَقَامُ الذَّلِيلِ، وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ مُصَنِّفِي الْمَنَاسِكِ الْمَشْهُورَةِ مِنْ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ وَقَعَ إلَى بَعْضِ عَوَامِّ مَكَّةَ، رَأَيْت مِنْهُمْ مَنْ يُطَوِّفُ بَعْضَ الْغُرَبَاءِ وَيُشِيرُ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عِنْدَ انْتِهَائِهِ إلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ دُعَائِهِ. (وَسُنَّ عَوْدُهُ) ، أَيْ: الطَّائِفِ، (قَبْلَ صَلَاةٍ وَقَبْلَ سَعْيٍ لِلْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (فَيَسْتَلِمَهُ) نَصًّا، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) سُنَّ (الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ كُلَّ وَقْتٍ) لَيْلًا وَنَهَارًا، وَالطَّوَافُ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ نَصًّا، (وَلَهُ) ، أَيْ: الطَّائِفِ، (جَمْعُ أَسَابِيعَ بِرَكْعَتَيْنِ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ) مِنْ تِلْكَ الْأَسَابِيعِ، فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، وَكَوْنُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَفْعَلْهُ لَا يُوجِبُ كَرَاهَةً، لِأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ أُسْبُوعَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً، وَذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالرَّكْعَتَيْنِ، لِأَنَّ عُمَرَ صَلَّاهُمَا بِذِي طَوَى، وَأَخَّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ الرَّكْعَتَيْنِ حِينَ طَافَتْ رَاكِبَةً بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَالْأَوْلَى) أَنْ يَرْكَعَهُمَا (عَقِبَ كُلِّ أُسْبُوعٍ) ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَ) لَطَائِفٍ (تَأْخِيرُ سَعْيِهِ عَنْ طَوَافِهِ بِطَوَافٍ وَغَيْرِهِ، فَلَا تَجِبُ مُوَالَاةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَافِهِ) ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَيَسْعَى آخِرَهُ.

تنبيه شروط طواف أربعة عشر شيئا

[تَنْبِيهٌ شُرُوطُ طَوَافٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَيْئًا] (تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ طَوَافٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) شَيْئًا: (إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ، وَنِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ) كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، (وَدُخُولُ وَقْتٍ) لِوَاجِبٍ، (وَلِقَادِرٍ وَسَتْرُ عَوْرَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، (وَطَهَارَةُ حَدَثٍ) ، لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَ (لَا) تُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ (لِطِفْلٍ) دُونَ التَّمْيِيزِ، لِعَدَمِ إمْكَانِهِ مِنْهُ، (وَطَهَارَةُ خُبْثٍ) حَتَّى لِلطِّفْلِ، (وَتَكْمِيلُ السَّبْعِ يَقِينًا، فَإِنْ شَكَّ أَخَذَ بِالْيَقِينِ) وَهُوَ الْأَقَلُّ، (وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلَيْنِ) فِي أَنَّهُ أَكْمَلَهَا، (وَجَعْلُ، الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ غَيْرَ مُتَقَهْقِرٍ) ، وَتَقَدَّمَ، (وَمَشْيٌ لِقَادِرٍ) عَلَيْهِ، (وَمُوَالَاتُهُ) بَيْنَ الْأَشْوَاطِ، إلَّا إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ أَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، وَتَقَدَّمَ، (وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) ، يَعْنِي: أَنَّهُ يَطُوفُ دَاخِلَهُ، (وَأَنْ يَبْتَدِئَهُ) ، أَيْ: الطَّوَافَ، (مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيُحَاذِيهِ) بِكُلِّ بَدَنِهِ، وَتَقَدَّمَ. (وَسُنَنُهُ) ، أَيْ: الطَّوَافِ: عَشْرًا: (اسْتِلَامُ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ، (وَتَقْبِيلُهُ وَنَحْوُهُ) كَالْإِشَارَةِ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِلَامِ، (وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ) الْيَمَانِي، (وَاضْطِبَاعٌ وَرَمَلٌ، وَمَشْيٌ فِي مَوَاضِعِهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا، (وَدُعَاءٌ وَذِكْرٌ، وَدُنُوٌّ مِنْ الْبَيْتِ، وَالرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ) ، وَتَقَدَّمَتْ أَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ (يُكْرَهُ فِيهِ) ، أَيْ: الطَّوَافِ، (مَا يُكْرَهُ فِي صَلَاةٍ) ، كَعَبَثٍ وَتَخَصُّرٍ وَالْتِفَاتٍ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَفَرْقَعَةِ أَصَابِعَ وَنَحْوِهَا، (لَا مُطْلَقًا) بَلْ غَالِبًا، لِأَنَّهُ يُفْتَقَرُ فِيهِ مَا لَا يُفْتَقَرُ فِيهَا، (وَلَمْ يُرَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ فَضَّلَ بَيْنَ الْأَرْكَانِ) ، بِأَنْ جَعَلَ بَعْضَهَا أَفْضَلَ

فرع علم متمتع بعد فراغ حجه بطلان أحد طوافيه

مِنْ بَعْضٍ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا عَلَى حَدٍّ سَوِيٍّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. [فَرْعٌ عَلِمَ مُتَمَتِّعٌ بَعْدَ فَرَاغِ حَجِّهِ بُطْلَانَ أَحَدِ طَوَافَيْهِ] (فَرْعٌ: لَوْ عَلِمَ مُتَمَتِّعٌ بَعْدَ فَرَاغِ، حَجٍّ، بُطْلَانَ أَحَدِ طَوَافَيْهِ) لِلْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، كَكَوْنِهِ طَافَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، (وَجَهِلَهُ) أَيْ: الطَّوَافَ الَّذِي كَانَ فِيهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، (لَزِمَهُ الْأَشَدُّ) يُبْرِئُ ذِمَّتَهُ بِيَقِينٍ، (وَهُوَ) ، أَيْ: الْأَشَدُّ (جَعْلُهُ) ، أَيْ: الطَّوَافُ الْكَائِنُ بِلَا طَهَارَةٍ، (لِلْعُمْرَةِ) ، فَلَا يَحِلُّ مِنْهَا بِحَلْقٍ، لِعَدَمِ صِحَّتِهَا بِفَسَادِ طَوَافِهَا، وَيَكُونُ قَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، (فَيَصِيرُ قَارِنًا، كَمَا لَوْ عَلِمَهُ) ، أَيْ: الطَّوَافَ الْبَاطِلَ (لَهَا) ، أَيْ: الْعُمْرَةِ، (وَعَلَيْهِ دَمُ قِرَانٍ وَحَلْقٌ) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ (وَيُجْزِئُهُ الطَّوَافُ لِحَجٍّ) ، أَيْ: طَوَافُ الْإِفَاضَةِ (عَنْ النُّسُكَيْنِ) ، أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كَالْقَارِنِ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ، وَلَوْ قَدَّرَ الطَّوَافَ الْوَاقِعَ بِلَا طَهَارَةٍ مِنْ الْحَجِّ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ، لِوُقُوعِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ، (وَيُعِيدُ السَّعْيَ) لُزُومًا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، (لِفَقْدِ شَرْطِهِ) ، وَهُوَ: وُقُوعُهُ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ، وَقَدْ وُجِدَ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ. (وَيَتَّجِهُ: نَدْبُ إعَادَةِ طَوَافِ حَجٍّ وَسَعْيِهِ احْتِيَاطًا) ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي قُدِّرَتْ صِحَّتُهُ مُجْزِئٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ غَيْرِ السَّعْيِ فَقَطْ، لَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ إعَادَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، لِيَصْدُقَ عَلَيْهِ الْتِزَامُ الْأَشَدِّ، (وَإِنْ كَانَ) الْمُتَمَتِّعُ (وَطِئَ بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ) ، ثُمَّ عَلِمَ أَحَدَ طَوَافَيْهِ بِلَا طَهَارَةٍ، وَفَرَضْنَاهُ طَوَافَ الْعُمْرَةِ، (وَإِحْرَامٍ بِهِ قَبْلَ

تَحَلُّلِهِ) مِنْ الْعُمْرَةِ. (بِفِعْلِهَا ثَانِيًا فَقَدْ) ، حَكَمْنَا بِأَنَّهُ (أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ، لِوَطْئِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَصِحَّ) إدْخَالُهُ عَلَيْهَا، (فَيَلْغُو حَجُّهُ) ، أَيْ: مَا فَعَلَهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ، (وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافِهِ الَّذِي نَوَاهُ لِلْحَجِّ مِنْ عُمْرَتِهِ الْفَاسِدَةِ، وَعَلَيْهِ) دَمَانِ: (دَمُ حَلْقٍ) فَعَلَهُ قَبْلَ إتْمَامِ عُمْرَتِهِ، (وَ: دَمُ وَطْءٍ فِي عُمْرَتِهِ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ) ، لِفَسَادِ الْعُمْرَةِ بِالْوَطْءِ. فِيهَا، وَعَدَمِ صِحَّةِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ، (فَلَا يَبْرَأُ مِنْ وَاجِبٍ) حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ. (وَيَتَّجِهُ وَلَا) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَقْضِيَ) مُتَمَتِّعٌ كَانَ وَطِئَ قَبْلَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ (تَطَوُّعًا) مِنْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (لِلشَّكِّ) فِي وُقُوعِهِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا، - وَالْأَصْلُ صِحَّتُهُ وَالْبَرَاءَةُ مِنْهُ (وَ) لَكِنَّ (الِاحْتِيَاطَ الْقَضَاءُ) لِيَبْرَأَ مِنْهُ بِيَقِينٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، (وَلَوْ عَلِمَهُ) ، أَيْ: الطَّوَافَ الَّذِي وَقَعَ بِلَا طَهَارَةٍ أَنَّهُ كَانَ (لِحَجٍّ، لَزِمَهُ طَوَافٌ) ، أَيْ: الْحَجُّ (وَسَعْيُهُ) ، فَيُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ، (وَ) يَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ (دَمٌ) ، يَعْنِي لِلْحَلْقِ، (لِحِلِّهِ قَبْلَ وَقْتِهِ) ، فَلَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى "، (وَ) يَلْزَمُهُ (دَمُ تَمَتُّعٍ بِشَرْطِهِ) قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى " عَنْ لُزُومِ الدَّمِ لِلْحَلْقِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَهُ طَوَافَ الْحَجِّ، فَالْعُمْرَةُ قَدْ تَمَّتْ، فَحَلْقُهُ فِي مَحَلِّهِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ " تَبَعًا " لِلْإِنْصَافِ " وَالْمُغْنِي "، وَلَوْ قَدَّرْنَاهُ لِلْحَجِّ، لَمْ يَلْزَمْ أَكْثَرُ مِنْ إعَادَةِ الطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ،

فصل في الخروج للسعي

يَعْنِي: فِي صُورَةِ مَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ فَرَاغِ عُمْرَتِهِ، وَكَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِمَا فِيمَا إذَا لَمْ يَطَأْ: أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ لِحَلْقِهِ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعِبَارَةُ الْمَتْنِ تَبِعَ فِيهَا " الْفُرُوعِ " وَلَوْ وَجَّهَ الدَّمَ لِلتَّمَتُّعِ، لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ لَهُمَا. انْتَهَى. وَغَيْرُ خَافٍ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ هَذَا التَّنْظِيرَ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ، بَلْ الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى "، لِوُقُوعِ الْحَلْقِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بَعْدَ فَرَاغِ الْعُمْرَةِ، وَمَرَّةً بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ، فَحَلْقُ الْعُمْرَةِ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ، وَحَلْقُ الْحَجِّ وَقَعَ قَبْلَ تَمَامِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَهَذَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، فَالِاعْتِرَاضُ سَاقِطٌ بِالْمَرَّةِ. [فَصْلٌ فِي الْخُرُوجِ لِلسَّعْيِ] (فَصْلٌ) (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، (يَخْرُجُ لِلسَّعْيِ بَعْدَ عَوْدِهِ لِلْحَجَرِ، وَاسْتِلَامِهِ مِنْ بَابِ) الْمَسْجِدِ الْمَعْرُوفِ بِبَابِ (الصَّفَا، وَهُوَ) ، أَيْ: الصَّفَا: (طَرَفُ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، عَلَيْهِ دَرَجٌ وَفَوْقَهُ أَزَجٌ كَالْإِيوَانِ فَيَرْقَى ذَكَرَ الصَّفَا نَدْبًا، لِيَرَى الْبَيْتَ) إنْ أَمْكَنَهُ، (فَيَسْتَقْبِلَهُ) ، لِحَدِيثِ

أَبِي هُرَيْرَةَ: «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَهُ، وَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَدْعُو مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. «وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ ثَلَاثًا: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» أَيْ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَهُمْ: قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَالْيَهُودُ، (وَيَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وَطَوَاعِيَتِكَ وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ) ، أَيْ: مَحَارِمَكَ (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ، وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ وَعِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى، وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ: اُدْعُونِي اسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، اللَّهُمَّ إذْ هَدَيْتَنِي لِلْإِسْلَامِ، فَلَا تَنْزِعْنِي مِنْهُ، وَلَا تَنْزِعْهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي عَلَى الْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي إلَى الْعَذَابِ، وَلَا تُؤَخِّرْنِي إلَى سُوءِ الْفِتَنِ) ، هَذَا دُعَاءُ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ أَحْمَدُ: يَدْعُو بِهِ، قَالَ نَافِعٌ بَعْدَهُ: وَيَدْعُو دُعَاءً كَثِيرًا حَتَّى إنَّهُ لَيُمِلَّنَا وَنَحْنُ شَبَابٌ. (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا يُلَبِّي) عَلَى الصَّفَا، لِعَدَمِ وُرُودِهِ، (ثُمَّ يَنْزِلُ مِنْ الصَّفَا، وَيَمْشِي حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَلَمِ - وَهُوَ: الْمِيلُ الْأَخْضَرُ، الْمُعَلَّقُ بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ) عَلَى

يَسَارِهِ - (نَحْوَ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، فَيَسْعَى ذَكَرٌ مَاشٍ سَعْيًا شَدِيدًا نَدْبًا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ، وَلَا يُؤْذَى إلَى الْعَلَمِ الْآخَرِ، وَهُوَ: الْمِيلُ الْأَخْضَرُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ حِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ، فَيَتْرُكُ شِدَّةَ السَّعْيِ، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَرْقَى الْمَرْوَةَ نَدْبًا، وَيَسْتَقْبِلَ) الْقِبْلَةَ، (وَيَقُولَ عَلَيْهَا مَا قَالَ عَلَى الصَّفَا) ، لِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا، قَرَأَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] فَبَدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، حَتَّى إذَا صَعِدْنَا مَشَى، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ مَا بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (فَيُلْصِقُ عَقِبَهُ بِأَصْلِهِمَا ابْتِدَاءً) أَيْ: فِي ابْتِدَائِهِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، (وَ) يُلْصِقُ (أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ) بِأَصْلِهِمَا (انْتِهَاءً) ، لِيَسْتَوْعِبَ مَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ، فَعَلَ ذَلِكَ بِدَابَّتِهِ، لَكِنْ قَدْ حَصَلَ عُلُوٌّ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْأَتْرِبَةِ وَالْأَمْطَارِ بِحَيْثُ تَغَطَّى عِدَّةٌ مِنْ دَرَجِهِمَا، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ قَدْرُ الْمُغَطَّى، فَيَحْتَاطُ لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينٍ، (ثُمَّ يَنْقَلِبُ) ، فَيَنْزِلُ عَنْ الْمَرْوَةِ (إلَى الصَّفَا، فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ، يَفْعَلُ) السَّاعِي (ذَلِكَ سَبْعًا، ذَهَابُهُ سَعْيَةٌ، وَرُجُوعُهُ سَعْيَةٌ) ، يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ، (فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ) ، لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ، - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . (وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (وَمِنْهُ) ، أَيْ: مِنْ الدُّعَاءِ: مَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ

أَنَّهُ كَانَ إذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَ (رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ) ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَلَا يُسَنُّ سَعْيٌ مَا بَيْنَهُمَا) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) فَهُوَ رُكْنٌ فِيهِمَا كَمَا يَأْتِي، بِخِلَافِ الطَّوَافِ، فَإِنَّهُ مَسْنُونٌ كُلَّ وَقْتٍ، (وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَى) الصَّفَا، وَلَا الْمَرْوَةَ، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، (وَلَا تَسْعَى) سَعْيًا (شَدِيدًا) ، لِأَنَّهُ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ، وَلَا يُقْصَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّهَا، بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا السِّتْرُ، وَذَلِكَ تَعْرِيضٌ لِلِانْكِشَافِ. (وَتُسَنُّ مُبَادَرَةُ مُعْتَمِرٍ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، (وَ) يُسَنُّ (تَقْصِيرُ مُتَمَتِّعٍ لَا هَدْيَ مَعَهُ، لِيَحْلِقَ) شَعْرَهُ (لِلْحَجِّ، وَيَتَحَلَّلُ مُتَمَتِّعٌ) - لِأَنَّ عُمْرَتَهُ تَمَّتْ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالتَّقْصِيرِ - (لَمْ يَسْقِ هَدْيًا، وَلَوْ لَبَّدَ رَأْسَهُ) ، لِحَدِيثِ ابْن عُمَرَ: «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ، قَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ أَحْرَمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحِلَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ مِنْهُمَا جَمِيعًا نَصًّا. (وَمُعْتَمِرٌ) غَيْرُ مُتَمَتِّعٍ، يَحِلُّ (مُطْلَقًا) ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَوْ لَا، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ تَرَكَ الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ فِي عُمْرَتِهِ، وَوَطِئَ قَبْلَهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ، رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ مُعْتَمِرَةٍ وَقَعَ بِهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُقَصِّرَ، قَالَ: " مَنْ تَرَكَ مِنْ مَنَاسِكِهِ شَيْئًا، أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا، قِيلَ: فَإِنَّهَا مُوسِرَةٌ، قَالَ: فَلْتَنْحَرْ نَاقَةً " (وَلَا يُسَنُّ تَأْخِيرُ تَحَلُّلٍ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَتَقَدَّمَ.

تنبيه شروط السعي في الحج

(وَيَسْتَبِيحَانِ) ، أَيْ: الْمُعْتَمِرُ وَالْمُتَمَتِّعُ (بِهِ) ، أَيْ: بِالتَّحَلُّلِ، (جَمِيعَ الْمَحْظُورَاتِ) فِي الْإِحْرَامِ، (وَيَقْطَعَانِ التَّلْبِيَةَ فِي شُرُوعِهِمَا فِي طَوَافٍ) نَصًّا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «كَانَ يُمْسِكُ عَنْ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. كَقَطْعِ (حَاجٍّ) لَهَا (بِأَوَّلِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) ، لِاشْتِغَالِهِ حِينَئِذٍ بِالدُّعَاءِ. (وَلَا بَأْسَ بِهَا) ، أَيْ: التَّلْبِيَةِ (فِي طَوَافِ الْقُدُومِ) نَصًّا (سِرًّا) ، قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهَا، لِئَلَّا يَخْلِطَ عَلَى الطَّائِفِينَ، وَكَذَا السَّعْيُ بَعْدَهُ، (وَإِنْ سَاقَهُ) ، أَيْ: الْهَدْيَ، (مُتَمَتِّعٌ، لَمْ يَحِلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ، (بَلْ يُحْرِمُ بِحَجٍّ بَعْدَ سَعْيِهِ) وُجُوبًا، (وَتَقَدَّمَ) أَنَّهُ يَصِيرُ قَارِنًا، ثُمَّ يَحِلُّ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا يَوْمَ النَّحْرِ نَصًّا، لِحَدِيثِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ، وَلَمْ تُحِلَّ أَنْتَ؟ ، قَالَ: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [تَنْبِيهٌ شُرُوطُ السَّعْيِ فِي الْحَجِّ] (تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ سَعْيٍ تِسْعٌ) : (إسْلَامٌ، وَعَقْلٌ، وَنِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ) كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، (وَمُوَالَاةٌ) بَيْنَ الْأَشْوَاطِ. (وَيَتَّجِهُ) : كَمُوَالَاةِ (طَوَافٍ) ، فَلَيْسَ لَهُ الْفَصْلُ بَيْنَ أَشْوَاطِ السَّعْيِ، إلَّا لِمَكْتُوبَةٍ أُقِيمَتْ أَوْ جِنَازَةٍ حَضَرَتْ، فَلَهُ فِعْلُهَا وَالْبِنَاءُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَشْيٌ لِقَادِرٍ، وَتَكْمِيلُ السَّبْعِ، وَاسْتِيعَابُ مَا بَيْنَ الصَّفَوَيْنِ) ، أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، (وَكَوْنُهُ) ، أَيْ:

باب صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك

السَّعْيِ، (بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ) مُسْتَكْمِلٍ لِشُرُوطِ الصِّحَّةِ، (وَلَوْ) كَانَ الطَّوَافُ (مَسْنُونًا) ، كَطَوَافِ الْقُدُومِ. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ، سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ، فَكَانَ يَسْعَى بَعْدَ الطَّوَافِ ". (وَيَتَّجِهُ: وَ) عَلَى السَّاعِي (بَدْءُ أَوْتَارِ) سَعْيِهِ (مِنْ الصَّفَا) كَمَا بَدَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَ) بَدْءُ (إشْفَاعِهِ مِنْ الْمَرْوَةِ) كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ الْمَشْرُوعُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَنُهُ) ، أَيْ السَّعْيِ: (طَهَارَةُ) سَاعٍ مِنْ (حَدَثٍ، وَ) طَهَارَتُهُ أَيْضًا مِنْ (خَبَثٍ) فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، (وَسَتْرِ عَوْرَةٍ) ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَوْ سَعَى عُرْيَانًا أَجْزَأَهُ، وَأَمَّا كَشْفُ الْعَوْرَةِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ، (وَذِكْرٌ وَدُعَاءٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ، (وَإِسْرَاعٌ وَمَشْيٌ بِمَوَاضِعِهِ، وَرُقِيٌّ، وَمُوَالَاةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَافٍ فَإِنْ طَافَ بِيَوْمٍ، وَسَعَى فِي) يَوْمٍ (آخَرَ، فَلَا بَأْسَ، وَلَا يُسَنُّ عَقِبَهُ) ، أَيْ: السَّعْيِ، (صَلَاةٌ) ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ. [بَابٌ صِفَةُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] (صِفَةُ الْحَجِّ) وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. (بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ) (يُسَنُّ لِمُحَلٍّ بِمَكَّةَ وَقُرْبَهَا وَلِمُتَمَتِّعٍ حَلَّ) مِنْ عُمْرَتِهِ (إحْرَامٌ بِحَجٍّ فِي ثَامِنِ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ

التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ» سُمِّيَ الثَّامِنُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَوَّوْنَ فِيهِ الْمَاءَ لِمَا بَعْدَهُ، أَوْ: لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ أَصْبَحَ يَتَرَوَّى فِيهِ فِي أَمْرِ الرُّؤْيَا (إلَّا مَنْ) ، أَيْ: مُتَمَتِّعًا، (لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَصَامَ) ، أَيْ: أَرَادَهُ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ (فِي سَابِعِهِ) ، أَيْ: ذِي الْحِجَّةِ، (لِيُتِمَّ صَوْمَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ) ، فَيَصُومَ السَّابِعَ وَالثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَفْعَلَ عِنْدَ إحْرَامِهِ) مِنْ مَكَّةَ أَوْ قُرْبَهَا (مَا يَفْعَلُهُ مُحْرِمٌ مِنْ مِيقَاتٍ مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ) ، أَيْ: تَنَظُّفٍ وَتَطَيُّبٍ فِي بَدَنِهِ، وَتَجَرُّدِ ذِكْرٍ مِنْ مَخِيطٍ، وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ، وَنَعْلَيْنِ، (وَ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَطُوفُ) أُسْبُوعًا (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يَطُوفُ بَعْدَهُ) أَيْ: إحْرَامِهِ (لِوَدَاعِهِ) نَصًّا، لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهِ، (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ طَافَ (وَسَعَى بَعْدَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ) سَعْيُهُ (عَنْ وَاجِبِ سَعْيٍ) لِحَجِّهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ طَوَافٌ وَاجِبٌ وَلَا مَسْنُونٌ، (وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَكُونَ (إحْرَامُهُ) مِنْ الْمَسْجِدِ (مِنْ تَحْتَ الْمِيزَابِ) وَكَانَ عَطَاءٌ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ، (وَجَازَ وَصَحَّ) إحْرَامُهُ (مِنْ خَارِجِهِ) أَيْ: الْحَرَمِ، (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ نَصًّا، (ثُمَّ يَخْرُجُ لِمِنًى) وَهِيَ: (فَرْسَخٌ عَنْ مَكَّةَ) وَيَكُونُ خُرُوجُهُ (قَبْلَ الزَّوَالِ) نَدْبًا، (فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ مَعَ الْإِمَامِ، وَيُقِيمُ بِهَا لِلْفَجْرِ) وَيُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مِنًى، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، سَارَ مِنْ مِنًى، فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ: مَوْضِعٌ بِعَرَفَةَ وَهُوَ: جَبَلٌ عَلَيْهِ أَنْصَابُ الْحَرَمِ عَلَى يَمِينِكَ إذَا خَرَجْتَ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ تُرِيدُ الْمَوْقِفَ إلَى الزَّوَالِ، فَيَخْطُبُ بِهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ خُطْبَةً قَصِيرَةً مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ، يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا الْوُقُوفَ وَوَقْتَهُ، وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَنَحْوَهُ مِنْ الْحَلْقِ

وَالنَّحْرِ» لِحَدِيثِ جَابِرٍ " حَتَّى إذَا جَاءَ عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ " قَالَ الْخَطَّابِيِّ: الْقَصْوَاءُ: مَفْتُوحَةُ الْقَافِ، مَمْدُودَةُ الْأَلِفِ، وَهِيَ: الْمَقْطُوعَةُ طَرَفِ الْأُذُنِ، وَفِي " الصِّحَاحِ ": وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقَةٌ تُسَمَّى قَصْوَاءَ، وَلَمْ تَكُنْ مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ. (ثُمَّ يَجْمَعُ تَقْدِيمًا مَنْ يَجُوزُ لَهُ) الْجَمْعُ، وَهُوَ الْمُسَافِرُ، (وَلَوْ) صَلَّى (مُنْفَرِدًا) نَصًّا (بَيْنَ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ) بِأَذَانِ الْأُولَى وَإِقَامَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» «وَقَالَ سَالِمٌ لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ يَوْمَ عَرَفَةَ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ، فَقَصِّرْ الْخُطْبَةَ، وَعَجِّلْ الصَّلَاةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (ثُمَّ يَأْتِي عَرَفَةَ، وَكُلُّهَا مَوْقِفٌ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَقَدْ وَقَفْت هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ) لِحَدِيثِ: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. فَلَا يُجْزِئُ وُقُوفُهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ كَمُزْدَلِفَةَ. (وَحَدُّ عَرَفَاتٍ: مِنْ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عُرَنَةَ، إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ، إلَى مَا يَلِي بَسَاتِينَ بَنِي عَامِرٍ. وَسُنَّ وُقُوفُهُ) أَيْ: الْحَاجِّ، بِعَرَفَةَ (رَاكِبًا) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءَ إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ جَبَلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ» (بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ) فَيَفْعَلُهَا غَيْرَ رَاكِبٍ، وَتَقَدَّمَ حُكْمُ طَوَافٍ وَسَعْيٍ رَاكِبًا، (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمُفْتَرَشَةِ أَسْفَلَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ) ، وَاسْمُهُ: إلَالٌ عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ وَيُقَالُ لَهُ: جَبَلُ الدُّعَاءِ، لِقَوْلِ جَابِرٍ

فائدة أفضلية المشي في الحج على الركوب

وَتَقَدَّمَ. (وَلَا يُشْرَعُ صُعُودُهُ) أَيْ: جَبَلِ الرَّحْمَةِ إجْمَاعًا، (فَرَاكِبٌ يَجْعَلُ بَطْنَ رَاحِلَتِهِ لِلصَّخَرَاتِ) لِلْخَبَرِ (وَرَاجِلٌ يَقِفُ عَلَيْهَا) أَيْ: الصَّخَرَاتِ. [فَائِدَةٌ أَفْضَلِيَّةُ الْمَشْيِ فِي الْحَجِّ عَلَى الرُّكُوبِ] فَائِدَةٌ: قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ " أَفْضَلِيَّةُ الْمَشْيِ فِي الْحَجِّ عَلَى الرُّكُوبِ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مُثِيرِ الْعَزْمِ السَّاكِنِ " فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْأَخْبَارَ فِي ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُبَّادِ، وَأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ حَجَّ خَمْسَ عَشْرَةَ حَجَّةً مَاشِيًا، وَذَكَرَ غَيْرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَالْجَنَائِبُ تُقَادُ مَعَهُ. وَقَالَ فِي " أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ ": فَصْلٌ فِي فَضْلِ الْمَاشِي: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ، وَقِيلَ لَهُ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ؟ قَالَ: بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ» قَالَ: وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُصَافِحُ رُكْبَانَ الْحَجِّ، وَتَعْتَنِقُ الْمُشَاةَ» . (وَيَرْفَعُ وَاقِفٌ) بِعَرَفَةَ (يَدَيْهِ نَدْبًا) وَلَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ، (وَيُكْثِرُ مِنْ دُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ، وَتَضَرُّعٍ وَخُشُوعٍ، وَإِظْهَارِ ضَعْفٍ وَافْتِقَارٍ، وَيُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ، وَيُكَرِّرُ كُلَّ دُعَاءٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا) إلَى آخِرِ (الْآيَةِ، اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً، إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ " عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ - بِفَتْحِ الْكَافِ، وَآخِرُهُ زَايٌ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ

دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» وَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . (وَيُكْثِرُ الْبُكَاءَ مَعَ ذَلِكَ) الذِّكْرِ، وَيُكْثِرُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ، فَإِنَّ الْبُكَاءَ عَلَامَةُ الْقَبُولِ، (فَهُنَالِكَ) أَيْ: فِي هَذَا الْمَقَامِ الْعَظِيمِ، (تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ) إذْ ذَاكَ الْيَوْمُ أَعْظَمُ الْأَيَّامِ، وَمَوْقِفُهُ أَشْرَفُ مَوَاقِفِ الْإِسْلَامِ، (وَتُقَالُ الْعَثَرَاتُ) ، وَتُغْفَرُ الزَّلَّاتُ، فَيَا هَنِيئًا لِمَنْ حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، مُخْلِصًا لِلَّهِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ، وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالٍ حَلَالٍ، وَاتَّقَى الرَّفَثَ وَالْفُسُوقَ وَالْجِدَالَ، وَوَقَفَ مَوْقِفَ الذَّلِيلِ الْحَقِيرِ وَدَعَا بِمَا وَرَدَ عَنْ الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَهُوَ: اللَّهُمَّ إنَّك تَرَى مَكَانِي، وَتَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ، الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ، الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ، الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُك مَسْأَلَةَ الْمَسَاكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إلَيْك ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ وَأَدْعُوك دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ، مَنْ خَشَعَتْ لَك رَقَبَتُهُ، وَذَلَّ لَك جَسَدُهُ، وَفَاضَتْ لَك عَيْنَاهُ، وَرَغِمَ لَك أَنْفُهُ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي بِالْهُدَى، وَقِنِي بِالتَّقْوَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى. وَيَرُدُّ يَدَيْهِ، وَيَسْكُتُ قَدْرَ مَا كَانَ إنْسَانٌ قَارِئًا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، ثُمَّ يَعُودُ، فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى أَفَاضَ. (وَوَقْتُ وُقُوفٍ: مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي جِئْت مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ، أَكْلَلْت رَاحِلَتِي، وَأَتْعَبْت نَفْسِي، وَاَللَّهِ مَا تَرَكْت مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْت عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ كَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَرْكُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْوُقُوفَ فِيهِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كَمَا بَعْدَ الْعِشَاءِ. وَإِنَّمَا وَقَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْتَ الْفَضِيلَةِ. (فَمَنْ حَصَلَ فِيهِ) أَيْ: فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ، (لَا مَعَ سُكْرٍ أَوْ إغْمَاءٍ) مَا لَمْ يُفِقْ بِهَا. (وَيَتَّجِهُ: أَوْ جُنُونٍ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ، مُصَرَّحٌ بِهِ فِي مَتْنِ الْإِقْنَاعِ " وَغَيْرِهِ (بِعَرَفَةَ) وَلَوْ (لَحْظَةً) مُخْتَارًا، (وَهُوَ) أَيْ: الْحَاصِلُ بِعَرَفَةَ لَحْظَةً (أَهَلَّ) لِلْحَجِّ، بِأَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِهِ مُسْلِمًا عَاقِلًا، (وَلَوْ مَارًّا) بِعَرَفَةَ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا، (أَوْ) مَرَّ بِهَا (نَائِمًا أَوْ جَاهِلًا أَنَّهَا عَرَفَةُ، صَحَّ حَجُّهُ) لِلْخَبَرِ، وَأَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَ حُرًّا بَالِغًا، وَإِلَّا، فَنَفْلٌ (وَيَأْتِي) قُبَيْلَ بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيّ، (وَلَوْ أَخْطَئُوا الْوُقُوفَ) مُفَصَّلًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ طَاهِرًا مِنْ الْحَدَثَيْنِ، وَمِنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، كَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ. (وَيَصِحُّ وُقُوفُ حَائِضٍ إجْمَاعًا كَعَائِشَةَ) الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -) وَعَنْ أَبِيهَا، وَعَنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَإِنَّهَا وَقَفَتْ حَائِضًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَمَنْ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ (نَهَارًا، وَدَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَلَمْ يَعُدْ) بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ إلَى عَرَفَةَ (أَوْ عَادَ) إلَيْهَا (قَبْلَهُ) أَيْ: الْغُرُوبِ (وَلَمْ يَقَعْ)

أَيْ: الْغُرُوبُ (وَهُوَ بِهَا) أَيْ: عَرَفَةَ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ وَاجِبًا، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ، وَهُوَ: الْوُقُوفُ فِي النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، كَمَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ (بِخِلَافِ وَاقِفٍ لَيْلًا فَقَطْ) فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. لِحَدِيثِ: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ، فَأَشْبَهَ مِنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ إذَا أَحْرَمَ مِنْهُ (فَرْعٌ) : وَقْفَةُ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ يَوْمِهَا سَاعَةَ الْإِجَابَةِ (إنْ وَافَقَ) يَوْمُ (عَرَفَةَ) يَوْمَ (الْجُمُعَةِ كَانَ لَهَا مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ) قِيلَ وَلِهَذَا اُشْتُهِرَ الْحَجُّ بِالْأَكْبَرِ إذَا كَانَتْ الْوَقْفَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ فِيهَا مُوَافَقَةَ حَجِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ وَقْفَةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْحَدِيثَيْنِ الْآتِيَيْنِ. (قَالَ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي " الْهَدْيِ) النَّبَوِيِّ ": (مَا اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ مِنْ أَنَّهَا) أَيْ: وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ (تَعْدِلُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَجَّةً، فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. انْتَهَى. وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِي التَّضْعِيفَ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحَسَنَةَ تَتَضَاعَفُ بِزَمَنٍ فَاضِلٍ، وَلِحَدِيثِ رَزِينٍ مَرْفُوعًا: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ، إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ، وَالْكَازَرُونِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْأَخَوَيْنِ " وَالشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الزِّيَادِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ، وَحَدِيثُ - «إذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، غَفَرَ اللَّهُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ» - قَدْ يَسْتَشْكِلُ أَنَّهُ وَرَدَ مِثْلُهُ فِي مُطْلَقِ الْحَجِّ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَغْفِرَتِهِ لَهُمْ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَحُمِلَ غَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ يَهَبُ قَوْمًا لِقَوْمٍ، ذَكَرَهُ الْكَازَرُونِيُّ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ أَبِيهِ.

فصل الدفع بعد الغروب من عرفة لمزدلفة

[فَصْلٌ الدَّفْعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ عَرَفَةَ لِمُزْدَلِفَةَ] (فَصْلٌ) (ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ) مِنْ عَرَفَةَ (لِمُزْدَلِفَةَ) مِنْ الزُّلَفِ، وَهُوَ: التَّقْرِيبُ، لِأَنَّ الْحَاجَّ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إلَيْهَا أَيْ: تَقَرَّبُوا وَمَضَوْا إلَيْهَا، وَتُسَمَّى جَمْعًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا (مَعَ إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ، كَأَمِيرٍ حَاجٍّ، فَيُكْرَهُ) الدَّفْعُ (قَبْلَهُ) لِقَوْلِ أَحْمَدَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ لَكِنْ لَوْ دَفَعَ قَبْلَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (وَهِيَ) أَيْ: مُزْدَلِفَةُ: (مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ) بِالْهَمْزِ وَكَسْرِ الزَّايِ، وَهُمَا: جَبَلَانِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ (وَوَادِي مُحَسِّرٍ) بِالْحَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ: وَادٍ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَحْسَرُ سَالِكَهُ (بِسَكِينَةٍ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ شَنَقَ الْقَصْوَاءَ بِالزِّمَامِ حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» وَقَوْلُهُ: شَنَقَ، أَيْ: كَفَّ رَأْسَهَا إلَى مُقَدَّمَةِ الرَّحْلِ، وَقَوْلُهُ: مَوْرِكَ رَحْلِهِ، الْوَرِكُ: مَا فَوْقَ الْفَخِذِ (يُسْرِعُ فِي الْفُرْجَةِ) لِحَدِيثِ أُسَامَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» ، أَيْ: أَسْرَعَ لِأَنَّ الْعَنَقَ انْبِسَاطُ السَّيْرِ، وَالنَّصُّ: فَوْقَ الْعَنَقِ (فَإِذَا بَلَغَهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (جَمَعَ الْعِشَاءَيْنِ بِهَا) أَيْ: مَنْ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ (نَدْبًا، وَلَوْ مُنْفَرِدًا قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ) لِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إذَا كَانَ بِالشِّعْبِ، نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَقُلْت لَهُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَك، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ مُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

تنبيه صلى الذاهب إلى مزدلفة المغرب بالطريق

[تَنْبِيهٌ صَلَّى الذَّاهِب إلَى مُزْدَلِفَة الْمَغْرِبَ بِالطَّرِيقِ] تَنْبِيهٌ: لَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِالطَّرِيقِ، تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَهُ، لِأَنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَفِعْلُهُ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، مَحْمُولٌ عَلَى الْأَفْضَلِ. (ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا) أَيْ: بِمُزْدَلِفَةَ (وُجُوبًا لِنِصْفِ لَيْلٍ) وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْقَى بِهَا إلَى الصَّبَاحِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، بَاتَ بِهَا وَقَالَ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَلَيْسَ بِرُكْنٍ لِحَدِيثِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ، أَيْ جَاءَ عَرَفَةَ (وَلَهُ) أَيْ: الْحَاجِّ (الدَّفْعُ مِنْهَا) ، أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «كُنْت فِيمَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَفِيهِ) أَيْ: الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ (قَبْلَهُ) أَيْ: نِصْفِ اللَّيْلِ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِالْحُكْمِ أَوْ جَاهِلًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا (عَلَى غَيْرِ رُعَاةٍ، وَ) غَيْرِ (سُقَاةِ) زَمْزَمَ (دَمٌ) لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا، وَالنِّسْيَانُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي جَعْلِ الْمَوْجُودِ كَالْمَعْدُومِ، لَا فِي جَعْلِ الْمَعْدُومِ كَالْمَوْجُودِ، وَأَمَّا السُّقَاةُ وَالرُّعَاةُ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ، وَرَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ، لِأَجْلِ سِقَايَتِهِ وَلِلْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ بِالْمَبِيتِ (مَا لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (قَبْلَ الْفَجْرِ) نَصًّا، فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا قَبْلَهُ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (كَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (إلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي) مِنْ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ فِيهَا جُزْءًا مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُهُ، كَمَنْ لَمْ يَأْتِ عَرَفَةَ إلَّا لَيْلًا. (وَمَنْ أَصْبَحَ بِهَا)

أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ «صَلَّى الصُّبْحَ بِهَا حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ» وَلِيَتَّسِعَ وَقْتُ وُقُوفِهِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (ثُمَّ أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَجِّ، وَهُوَ: (جَبَلٌ صَغِيرٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ) اسْمُهُ فِي الْأَصْلِ: قُزَحٌ (فَرَقَى عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ، أَوْ وَقَفَ عِنْدَهُ وَحَمِدَ اللَّهَ، وَهَلَّلَ وَكَبَّرَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، وَرَقِيَ عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَهَلَّلَهُ وَكَبَّرَهُ» (وَدَعَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ كَمَا أَوْقَفْتَنَا فِيهِ، وَأَرَيْتَنَا إيَّاهُ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدَتْنَا بِقَوْلِك، وَقَوْلُك الْحَقُّ: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] الْآيَتَيْنِ (إلَى: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] . ثُمَّ لَا يَزَالُ يَدْعُو إلَى أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَمْ يَزَلْ وَاقِفًا عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا» (فَيَسِيرُ) قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لِقَوْلِ عُمَرَ: «كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالَفَهُمْ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» وَثَبِيرُ: جَبَلٌ مَعْرُوفٌ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَاتٍ. (بِسَكِينَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» . (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا، أَسْرَعَ) قَدْرَ (رَمْيَةِ حَجَرٍ) إنْ كَانَ (مَاشِيًا، أَوْ) حَرَّكَ دَابَّتَهُ إنْ كَانَ (رَاكِبًا) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا» وَعَنْ عُمَرَ: «أَنَّهُ لَمَّا أَتَى مُحَسِّرًا، أَسْرَعَ، وَقَالَ: إلَيْكَ يَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا ... مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا »

الْقَلَقُ: الِانْزِعَاجُ. وَالْوَضِينُ، بِمُعْجَمَةٍ: حِزَامُ الرَّحْلِ. (وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ سَبْعِينَ حَصَاةً) كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُهُ مِنْ جَمْعٍ، وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَ: كَانُوا يَتَزَوَّدُونَ الْحَصَى مِنْ جَمْعٍ، وَذَلِكَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنًى بِشَيْءٍ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَهُوَ تَحِيَّتُهَا، فَلَا يَشْتَغِلُ قَبْلَهُ بِشَيْءٍ، وَتَكُونُ الْحَصَاةُ (أَكْبَرَ مِنْ الْحِمَّصِ، وَدُونَ الْبُنْدُقِ) ، كَحَصَى الْخَذْفِ، بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، أَيْ الرَّمْيِ بِنَحْوِ حَصَاةٍ، أَوْ نَوَاةٍ بَيْنَ السَّبَّابَتَيْنِ تُحْذَفُ بِهَا (مِنْ حَيْثُ شَاءَ) أَخَذَ حَصَى الْجِمَارِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مِنًى، وَلَهُ أَخْذُهُ (مِنْ مُزْدَلِفَةَ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَاةَ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ: اُلْقُطْ لِي حَصًى، فَلَقَطْت لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهُنَّ فِي كَفِّهِ، وَيَقُولُ: أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ". (وَكَرِهَ) أَخْذُ الْحَصَى (مِنْ مِنًى وَسَائِرِ الْحَرَمِ) وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ " وَ " الْإِنْصَافِ " وَ " التَّنْقِيحِ " " وَالْمُنْتَهَى " بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ فِي " الْإِنْصَافِ ": أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ طَرِيقِهِ، وَمِنْ مُزْدَلِفَةُ، وَمِنْ حَيْثُ شَاءَ، وَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مِنْ حَيْثُ شَاءَ، وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: خُذْ الْحَصَى مِنْ حَيْثُ شِئْت، وَفِي حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ «حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا قَالَ: عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي تُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِذَلِكَ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ "، عَمَّا فِي " الْفُرُوعِ ": إنَّهُ سَهْوٌ، وَقَالَ: لَعَلَّهُ أَرَادَ حَرَمَ الْكَعْبَةِ، وَفِي مَعْنَاهُ قُوَّةٌ. انْتَهَى. أَيْ: أَرَادَ بِالْحَرَمِ: الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهَا، جَازَ، إلَّا مِنْ الْمَسْجِدِ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ حَصْبَاءِ الْحَرَمِ وَتُرَابِهِ.

انْتَهَى. وَقَوْلُ ابْنِ جَمَاعَةَ فِي " الْمَنَاسِكِ الْكُبْرَى ": وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَمِنْ الْحِلِّ. انْتَهَى. وَمَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ " الْفُرُوعِ " لَا يَتَأَتَّى الْجَوَابُ بِهِ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. (وَ) كُرِهَ أَخْذٌ (مِنْ الْحَشِّ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ نَجَاسَتِهِ (وَ) كُرِهَ (تَكْسِيرُهُ) أَيْ: الْحَصَى، لِئَلَّا يَطِيرَ إلَى وَجْهِهِ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ (وَلَا يُسَنُّ غَسْلُ غَيْرِ نَجَسٍ) مِنْهُ، قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ (وَتُجْزِئُ حَصَاةٌ نَجِسَةٌ بِكَرَاهَةٍ) لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا» . (وَ) تُجْزِئُ حَصَاةٌ (فِي خَاتَمٍ إنْ قَصَدَهَا) بِالرَّمْيِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُمَا، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، لِحَدِيثِ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (وَ) تُجْزِئُ حَصَاةٌ (غَيْرُ مَعْهُودَةٍ) كَحَصَاةٍ (مِنْ مسن وَبِرَامٍ وَمَرْمَرٍ وكدان) وَسَوَاءٌ السَّوْدَاءُ، وَالْحَمْرَاءُ، وَالْبَيْضَاءُ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ. (لَا) تُجْزِئُ حَصَاةٌ (صَغِيرَةٌ جِدًّا أَوْ كَبِيرَةٌ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا لَا يُسَمَّى حَصًى وَالْكَبِيرَةُ تُسَمَّى حَجَرًا (أَوْ) أَيْ: وَلَا تُجْزِئ (مَا) أَيْ: حَصَاةٌ (رَمَى بِهَا) لِأَخْذِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، ` الْحَصَى مِنْ غَيْرِ الْمَرْمِيِّ، وَلِأَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي عِبَادَةٍ، فَلَا تُسْتَعْمَلُ فِيهَا ثَانِيًا، كَمَاءِ وُضُوءٍ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُجْزِئُ الرَّمْيُ (بِغَيْرِ الْحَصَى، كَجَوْهَرٍ وَذَهَبٍ) وَزُمُرُّدٍ (وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ وبلخش وَفَيْرُوزَجَ، وَنَحْوِ نُحَاسٍ) كَحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ (فَإِذَا وَصَلَ مِنًى - وَحَدُّهَا: مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسِّرٍ وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ - بَدَأَ بِهَا) أَيْ: جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (فَرَمَاهَا) رَاكِبًا إنْ كَانَ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: مَاشِيًا نَصًّا (بِسَبْعٍ) وَاحِدَةٌ بَعْدَ أُخْرَى، لِحَدِيثِ جَابِرٍ «حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا» (وَهُوَ) أَيْ: الرَّمْيُ: (تَحِيَّةُ مِنًى) كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، فَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَهُ.

(وَشَرْطُ وَقْتٍ) وَهُوَ وَقْتُ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ إنْ كَانَ وَقَفَ، وَإِلَّا، فَبَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. (وَرَمْيٍ، فَلَا يُجْزِئُ وَضْعٌ) فِي الْمَرْمَى (بِدُونِهِ) أَيْ: الرَّمْيِ، وَيُجْزِئُ طَرْحُهَا. (وَ) يُشْتَرَطُ (عَدَدٌ) وَهُوَ سَبْعٌ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَوْلِهِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَكَوْنُهُ) أَيْ: الرَّامِي يَرْمِي الْحَصَى (بِنَفْسِهِ) إنْ كَانَ قَادِرًا. (وَيَسْتَنِيبُ) بَالِغٌ أَوْ مُمَيِّزٌ (لِعَجْزِهِ) عَنْ الرَّمْيِ لِزَمَانَةٍ وَنَحْوِهَا (وَكَوْنُهُ) أَيْ: الرَّمْيِ (وَاحِدَةٌ) مِنْ الْحَصَى (فَوَاحِدَةٌ) مِنْهُ (فَلَوْ رَمَى) أَكْثَرَ مِنْ حَصَاةٍ (دَفْعَةً) بِفَتْحِ الدَّالِ (فَوَاحِدَةً) يَحْتَسِبُ بِهَا وَيُتِمُّ عَلَيْهَا (وَأَدَبٍ) لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ (وَ) يُشْتَرَطُ (عِلْمُ الْحُصُولِ) لِحَصًى يَرْمِيهِ (بِالْمَرْمَى) فَلَا يَكْفِي ظَنُّهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ بِذِمَّتِهِ، فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ عَلَى الْمَذْهَبِ (فَلَوْ) رَمَى حَصَاةً، فَالْتَقَطَهَا طَائِرٌ، أَوْ ذَهَبَتْ بِهَا الرِّيحُ قَبْلَ وُقُوعِهَا بِالرَّمْيِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ (وَقَعَتْ) الْحَصَاةُ (خَارِجَهُ) أَيْ: الْمَرْمَى (ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ فِيهِ) أَيْ: الْمَرْمَى، أَجْزَأَتْهُ (أَوْ) رَمَاهَا فَوَقَعَتْ (عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ، ثُمَّ صَارَتْ فِيهِ) أَيْ: الْمَرْمَى، (وَلَوْ بِنَفْضِ غَيْرِهِ) أَيْ الرَّامِي (أَجْزَأَتْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَ " الْفَائِقِ " وَالْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّلْخِيصِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْإِقْنَاعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى "، لِأَنَّ الرَّامِيَ انْفَرَدَ بِهَا (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَوْلٌ لِصَاحِبِ " الْفُرُوعِ ": صَوَّبَهُ فِي " الْإِنْصَافِ ". تَنْبِيهٌ: قَدْ عَلِمْت مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْمَرْمَى مُجْتَمَعُ الْحَصَى، لَا نَفْسُ الشَّاخِصِ وَلَا مَسِيلُهُ. (وَيَتَّجِهُ) : مَحَلُّ إجْزَاءِ حَصَاةٍ نُفِضَتْ عَنْ ثَوْبِ غَيْرِ رَامِيهَا: (إنْ

نَفَضَهَا) عَنْ ثَوْبِهِ (فَوْرًا) وَحَصَلَتْ فِي الْمَرْمَى، وَهَذَا مُتَّجِهٌ (وَ) يَتَّجِهُ أَيْضًا: (أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَمْيٍ) مِنْ نَافِضٍ (بِيَدٍ) فَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَوْ نَفَضَهَا عَنْ ثَوْبِهِ بِغَيْرِ يَدِهِ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ وَاَلَّذِي يَتَبَادَرُ خِلَافُهُ، إذْ النَّفْضُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا. (وَوَقْتُ رَمْيٍ مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) لِمَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «أَمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرُوِيَ «أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تُعَجِّلَ الْإِفَاضَةَ وَتُوَافِيَ مَكَّةَ مَعَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، أَشْبَهَ مَا بَعْدَ الشَّمْسِ (كَ) مَا أَنَّ وَقْتَ (طَوَافِ) الزِّيَارَةِ: مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ لِمَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ. (وَيَتَّجِهُ: وَكَذَا) وَقْتُ (حَلْقٍ) مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَنُدِبَ رَمْيٌ بَعْدَ الشُّرُوقِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

يَرْمِي الْجَمْرَةَ ضُحَى النَّحْرِ وَحْدَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَوْلُهُ: وَحْدَهُ، رَاجِعٌ لِيَوْمِ الْعِيدِ لَا لِلرَّامِي، وَأَمَّا بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ، فَشُرِعَ الرَّمْيُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَحَدِيثُ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» ، مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الْفَضِيلَةِ (فَإِنْ غَرَبَتْ) شَمْسُ يَوْمِ النَّحْرِ، (وَلَمْ يَرْمِ فَ) يَرْمِي تِلْكَ الْجَمْرَةَ (مِنْ غَدِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: " مَنْ فَاتَهُ الرَّمْيُ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَلَا يَرْمِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ الْغَدِ " (فَلَا يُجْزِئُ) الرَّمْيُ (قَبْلَهُ) أَيْ: الزَّوَالِ، لِلْخَبَرِ. (وَ) نُدِبَ (أَنْ يُكَبِّرَ رَامٍ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ (وَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا) لِمَا رَوَى حَنْبَلٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: «رَأَيْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَذَكَرَهُ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا صَنَعَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى الْجَمْرَةَ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، وَيَقُولُ كُلَّمَا رَمَى مِثْلَ ذَلِكَ» . (وَ) نُدِبَ (أَنْ يَسْتَبْطِنَ الْوَادِيَ، وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَأَنْ يَرْمِيَ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ: «لَمَّا أَتَى عَبْدُ اللَّهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ، مِنْ هَا هُنَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (وَيَرْفَعُ يُمْنَاهُ عِنْدَ رَمْيٍ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ) لِأَنَّهُ مَعُونَةٌ عَلَى الرَّمْيِ. (وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) أَيْ: جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ

مَرْفُوعًا: «كَانَ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، انْصَرَفَ وَلَا يَقِفُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِلْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِضِيقِ الْمَكَانِ (بَلْ يَرْمِيهَا مَاشِيًا) نَدْبًا، وَأَمَّا كَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَاهَا رَاكِبًا، فَلِأَجْلِ أَنْ يَرَاهُ عَامَّةُ النَّاسِ (وَلَهُ رَمْيُهَا) أَيْ: جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (مِنْ فَوْقِهَا) لِفِعْلِ عُمَرَ لَمَّا رَأَى مِنْ الزِّحَامِ عِنْدَهَا. (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِأَوَّلِ الرَّمْيِ) لِحَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: «حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَطَعَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ» رَوَاهُ حَنْبَلٌ فِي الْمَنَاسِكِ. (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا مَعَهُ) وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا، لِقَوْلِ جَابِرٍ: «ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ» فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَعَلَيْهِ وَاجِبٌ، اشْتَرَاهُ، وَإِذَا نَحَرَهَا فَرَّقَهَا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، أَوْ أَطْلَقَهَا لَهُمْ (وَيَأْتِي) فِي بَابِ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ (وَقْتُ ذَبْحِهِ) وَحُكْمُ جِلَالٍ وَجُلُودٍ وَإِعْطَاءِ جَازِرٍ مِنْهَا (ثُمَّ يَحْلِقُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27] (وَهُوَ) أَيْ: الْحَلْقُ (أَفْضَلُ) مِنْ التَّقْصِيرِ، (وَلَوْ لَبَّدَ رَأْسَهُ) أَيْ: الْمُلَبِّدُ لَا يُمْكِنُ التَّقْصِيرُ مِنْهُ كُلِّهِ، قَالَ فِي " الْفَائِقِ ": وَلَوْ كَانَ مُلَبَّدًا تَعَيَّنَ الْحَلْقُ فِي الْمَنْصُوصِ، وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحِ، وَيَكُونُ حَلْقُهُ (بِنِيَّةِ النُّسُكِ) وُجُوبًا، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ. (وَسُنَّ اسْتِقْبَالُهُ) أَيْ: الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ الْقِبْلَةَ، كَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ (وَ) سُنَّ (تَكْبِيرٌ وَدُعَاءٌ) وَقْتَ الْحَلْقِ كَالرَّمْيِ (وَ) سُنَّ (بَدَاءَةً بِشِقٍّ أَيْمَنَ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ:

خُذْ، وَأَشَارَ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) سُنَّ (بُلُوغٌ بِحَلْقِ الْعَظْمَيْنِ عِنْدَ مُنْتَهَى الصُّدْغَيْنِ) مِنْ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لِلْحَالِقِ: " أَبْلِغْ الْعَظْمَيْنِ، افْصِلْ الرَّأْسَ مِنْ اللِّحْيَةِ "، وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: مِنْ السُّنَّةِ إذَا حَلَقَ أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَيْنِ (أَوْ يُقَصِّرَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (لَا مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِعَيْنِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِحَلْقِهِ، وَلَا يُجْزِئُ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ أَوْ تَقْصِيرُهُ، لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ» فَكَانَ تَفْسِيرًا لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ بِالْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ. (وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ) مِنْ شَعْرِهَا (كَذَلِكَ أُنْمُلَةٌ فَأَقَلُّ) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ الْحَلْقَ مُثْلَةٌ فِي حَقِّهِنَّ، فَتُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ (كَعَبْدٍ، وَلَا يَحْلِقُ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ بَقَاءَ شَعْرِهِ يَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : إنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَبْدِ التَّقْصِيرُ (إنْ نَقَصَتْ بِهِ) أَيْ: الْحَلْقِ (قِيمَتُهُ) وَهَذَا الِاتِّجَاهُ مُوَافِقٌ لِتَعْلِيلِهِمْ، بَلْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ " فَقَالَ: لِأَنَّ الْحَلْقَ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسَنُّ) لِمَنْ حَلَقَ (أَخْذُ ظُفُرٍ وَشَارِبٍ، وَشَعْرِ إبْطٍ وَنَتْفِ عَانَةٍ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ،

قَلَّمَ أَظْفَارَهُ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ وَأَظْفَارِهِ. (وَتَطَيُّبٌ عِنْدَ تَحَلُّلٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَيَأْتِي. (وَ) سُنَّ أَنْ (لَا يُشَارِطَ الْحَلَّاقَ عَلَى أُجْرَةٍ) لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ. (وَسُنَّ إمْرَارُ مُوسَى عَلَى مَنْ عَدِمَهُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَجِبْ، لِأَنَّ الْحَلْقَ مَحَلُّهُ الشَّعْرُ، فَيَسْقُطُ بِعَدَمِهِ كَغَسْلِ عُضْوٍ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَبِأَيِّ شَيْءٍ قَصَّرَ أَجْزَأَهُ، وَكَذَا إنْ نَتَفَهُ أَوْ أَزَالَهُ بِنُورَةٍ، لَكِنَّ السُّنَّةَ الْحَلْقُ، أَوْ التَّقْصِيرُ. (ثُمَّ) بَعْدَ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ (قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ (إلَّا النِّسَاءِ) نَصًّا (مِنْ وَطْءٍ وَدَوَاعِيهِ) كَالْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ (وَعَقْدِ نِكَاحٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ، وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا حَدَّ لِآخِرِ حَلْقٍ كَطَوَافٍ، فَلَا دَمَ عَلَى مَنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ (عَنْ أَيَّامِ مِنًى) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] فَبَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ دُونَ آخِرِهِ، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ كَالطَّوَافِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِ نُسُكًا كَالطَّوَافِ، وَتَقَدَّمَ (أَوْ قَدَّمَهُ) أَيْ: الْحَلْقَ (عَلَى رَمْيٍ، أَوْ) قَدَّمَهُ عَلَى (نَحْرٍ) أَوْ نَحْرٍ قَبْلَ رَمْيِهِ (أَوْ طَافَ) لِلْإِفَاضَةِ (قَبْلَ رَمْيِ) جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَطَاءٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَفَضْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: ارْمِ، وَلَا حَرَجَ» وَعَنْهُ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ، فَقَالَ آخَرُ: ذَبَحْت

فصل للحج تحللان

قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: ارْمِ، وَلَا حَرَجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَمَا سَمِعْته سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ أَوْ يَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ عَلَى بَعْضٍ وَأَشْبَاهِهِمَا إلَّا قَالَ: افْعَلُوا، وَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَوْ) كَانَ (عَالِمًا) لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَعْضُ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَلَا حَرَجَ» ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا إثْمَ وَلَا دَمَ فِيهِ (لَكِنَّ السُّنَّةَ تَقْدِيمُ رَمْيٍ فَنَحْرٍ فَحَلْقٍ فَطَوَافٍ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. [فَصْلٌ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ] (فَصْلٌ) (لِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ، يَحْصُلُ أَوَّلُهُمَا بِاثْنَيْنِ) مِنْ ثَلَاثَةٍ: (رَمْيٍ وَحَلْقٍ، وَطَوَافِ) إفَاضَةٍ، فَلَوْ حَلَقَ وَطَافَ، ثُمَّ وَطِئَ وَلَمْ يَرْمِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ لِوَطْئِهِ، وَدَمٌ لِتَرْكِهِ الرَّمْيَ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ. (وَ) يَحْصُلُ (ثَانِيهِمَا) أَيْ: التَّحَلُّلَيْنِ (بِمَا بَقِيَ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (مَعَ سَعْيٍ) لِتَمَتُّعٍ، سَوَاءٌ طَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ، أَوْ لَا، وَيَحْصُلُ التَّحْلِيلُ (لِمَنْ لَمْ يَسْعَ) مِنْ مُفْرِدٍ وَقَارِنٍ (قَبْلَ) ذَلِكَ بِالسَّعْيِ مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، لِأَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ (فَإِنْ كَانَ) أَيْ: وُجِدَ مِنْ الْمُفْرِدِ أَوْ الْقَارِنِ سَعْيٌ مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ (لَمْ تُسَنَّ إعَادَتُهُ) أَيْ: السَّعْيِ (كَ) مَا لَا تُسَنُّ إعَادَةُ (سَائِرِ الْأَنْسَاكِ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (وَيَخْطُبُ إمَامٌ) أَوْ نَائِبُهُ (نَدْبًا بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، خُطْبَةً يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَيُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالْإِفَاضَةَ وَالرَّمْيَ) كُلُّهَا أَيَّامَهُ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ» يَعْنِي بِمِنًى، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: «سَمِعْت خُطْبَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَهُوَ) أَيْ: يَوْمُ

النَّحْرِ (يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ (لِكَثْرَةِ أَفْعَالِ حَجٍّ بِهِ، مِنْ وُقُوفٍ بِمَشْعَرٍ حَرَامٍ، وَدَفْعٍ مِنْهُ لِمِنًى، وَرَمْيٍ وَنَحْرٍ، وَحَلْقٍ، وَطَوَافِ إفَاضَةٍ، وَرُجُوعٍ لِمِنًى) لِيَبِيتَ بِهَا، وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِثْلُهُ، وَلِهَذَا «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ: هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (ثُمَّ يُفِيضُ إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ مُفْرِدٌ وَقَارِنٌ لَمْ يَدْخُلَاهَا) أَيْ: مَكَّةَ (قَبْلَ) وُقُوفِهِمَا بِعَرَفَةَ (لِلْقُدُومِ) نَصًّا، هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ «فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَقَ، ثُمَّ طَافَ طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» ، فَحَمَلَهُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُمْ لِحَجِّهِمْ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ، وَلِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ، فَلَا يَسْقُطُ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْفَرْضِ (خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ) ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ الْمَشْرُوعُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِلزِّيَارَةِ، كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهَا عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَصْحَابِهِ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا (وَ) مَا قَالَهُ الْمُوَفَّقُ، اخْتَارَهُ (الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَجَبٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَيَطُوفُ لِلْقُدُومِ (بِرَمَلٍ) وَاضْطِبَاعٍ، ثُمَّ لِلزِّيَارَةِ، (وَ) يَطُوفُ (مُتَمَتِّعٌ) لِلْقُدُومِ (بِلَا رَمَلٍ) وَلَا اضْطِبَاعٍ (ثُمَّ) يَطُوفُ (لِلزِّيَارَةِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مِنًى، فَيَزُورُ الْبَيْتَ، وَلَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ، بَلْ يَرْجِعُ إلَى مِنًى (وَهِيَ) أَيْ: الزِّيَارَةُ، يُسَمَّى طَوَافُهَا طَوَافَ (الْإِفَاضَةِ) لِأَنَّهُ يُفْعَلُ بَعْدَهَا، وَلَمَّا كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ، وَلَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ بَلْ يَرْجِعُ إلَى مِنًى، يُسَمَّى أَيْضًا طَوَافَ الزِّيَارَةِ.

(وَيُعَيِّنُهُ) أَيْ: طَوَافُ الزِّيَارَةِ (بِالنِّيَّةِ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكَالصَّلَاةِ، يَكُونُ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - طَافَ كَذَلِكَ «وَقَالَ: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَهُوَ) أَيْ: طَوَافُ الزِّيَارَةِ (رُكْنٌ لَا يَتِمُّ حَجٌّ إلَّا بِهِ) قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا حَائِضٌ، قَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، كَانَتْ حَابِسَتَهُمْ، فَيَكُونُ الطَّوَافُ حَابِسًا لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ. (وَوَقْتُهُ) ، أَيْ أَوَّلُهُ (مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ لِمَنْ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ قَبْلُ (وَإِلَّا) يَكُنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ (فَ) وَقْتُهُ (بَعْدَ الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ قَبْلَهُ (وَ) فِعْلُهُ (يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: طَوَافَ الزِّيَارَةِ (عَنْ أَيَّامِ مِنًى، جَازَ) لِأَنَّهُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ (وَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ: تَأْخِيرِ الطَّوَافِ (كَ) تَأْخِيرِ (السَّعْيِ) لِمَا سَبَقَ (ثُمَّ يَسْعَى مُتَمَتِّعٌ) لِحَجِّهِ، وَلَا يَكْتَفِي بِسَعْيِهِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ كَانَ لِعُمْرَتِهِ (وَ) يَسْعَى (مَنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ) مِنْ مُفْرِدٍ وَقَارِنٍ، وَمَنْ سَعَى مِنْهُمَا، لَمْ يَعُدَّهُ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّطَوُّعُ بِهِ كَسَائِرِ الْأَنْسَاكِ، إلَّا الطَّوَافَ، لِأَنَّهُ صَلَاةٌ. (ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ، وَيَرُشُّ عَلَى بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ) لِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: «كُنْت جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْت؟

فرع الطواف المشروع في الحج

قَالَ: مِنْ زَمْزَمَ، قَالَ: فَشَرِبْتَ مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي؟ قَالَ: كَيْف؟ قَالَ: إذَا شَرِبْتَ مِنْهَا فَاسْتَقْبِلْ الْكَعْبَةَ، وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَتَنَفَّسْ ثَلَاثًا مِنْ زَمْزَمَ، وَتَضَلَّعْ مِنْهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْهَا فَاحْمَدْ اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وَامْلَأْهُ مِنْ خَشْيَتِك) زَادَ بَعْضُهُمْ: (وَحِكْمَتِك) لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَهَذَا الدُّعَاءُ شَامِلٌ لِخَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. [فَرْعٌ الطَّوَافُ الْمَشْرُوعُ فِي الْحَجِّ] (فَرْعٌ: الطَّوَافُ الْمَشْرُوعُ فِي حَجٍّ ثَلَاثَةٌ) : طَوَافُ (زِيَارَةٍ) وَهُوَ: رُكْنٌ، وَيُسَمَّى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَالْقُدُومِ (وَ) طَوَافُ (قُدُومٍ) وَهُوَ: سُنَّةٌ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا، (وَ) طَوَافُ (وَدَاعٍ) وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ خَارِجٍ مِنْ مَكَّةَ مِنْ حَاجٍّ وَغَيْرِهِ، وَيُسَمَّى طَوَافَ الصَّدَرِ، وَيَأْتِي. (وَسِوَاهَا) أَيْ: سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (نَفْلٌ) فَلَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ. [فَصْلٌ فِي رُجُوع الْحَاجّ إلَى منى بَعْد الْإِفَاضَة لِصَلَاةِ الظُّهْر يَوْم النَّحْر] (فَصْلٌ) (ثُمَّ يَرْجِعُ) مَنْ أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ عَلَى مَا سَبَقَ (فَيُصَلِّي ظُهْرَ يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى) لِحَدِيثِ ابْن عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَبِيتُ بِهَا) أَيْ: بِمِنًى. (وَيَتَّجِهُ: الْمُرَادُ) مِنْ الْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى: (مُعْظَمُ اللَّيْلِ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ (ثَلَاثَ لَيَالٍ) إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ، وَإِلَّا فَلَيْلَتَيْنِ (وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ) الثَّلَاثَ (بِهَا) أَيْ: مِنًى (أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ (كُلَّ جَمْرَةٍ) مِنْهَا (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، كَمَا تَقَدَّمَ.

وَلَا يُجْزِئُ رَمْيٌ إلَّا نَهَارًا بَعْدَ (الزَّوَالِ) حَتَّى يَوْمَ يَعُودَ إلَى مَكَّةَ، فَإِنْ رَمَى لَيْلًا، أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ، لَمْ يُجْزِئْهُ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْمِي الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمَى ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَقَدْ قَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ حَتَّى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ قَدْرَ مَا إذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِهِ، صَلَّى الظُّهْرَ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَأَنْ يُحَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ مَعَ الْإِمَامِ، فِي مَسْجِدٍ بِالْخَيْفِ، فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ مَرْضِيٍّ صَلَّى بِرُفْقَتِهِ. (وَيَجِبُ بَدَاءَةً) بِجَمَرَاتٍ (أُولَى، وَهِيَ أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ، وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ فَيَجْعَلُهَا عِنْدَ يَسَارِهِ مُسْتَقْبِلًا) الْقِبْلَةَ، (وَيَرْمِيهَا) بِسَبْعٍ، (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ) مِنْهَا (قَلِيلًا لِئَلَّا يُصِيبَهُ حَصًى، فَيَقِفُ يَدْعُو وَيُطِيلُ رَافِعًا يَدَهُ) نَصًّا، (ثُمَّ) يَأْتِي الْجَمْرَةَ (الْوُسْطَى، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ مُسْتَقْبِلًا) الْقِبْلَةَ (وَيَرْمِيهَا) بِسَبْعٍ (وَيَقِفُ عِنْدَهَا، فَيَدْعُوَ) رَافِعًا يَدَيْهِ وَيُطِيلُ (ثُمَّ) يَأْتِي (جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ مُسْتَقْبِلًا) الْقِبْلَةَ (وَيَتَبَطَّنُ الْوَادِيَ) وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ (وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) لِضِيقِ الْمَكَانِ. (وَتَرْتِيبُهَا) أَيْ: الْجَمَرَاتِ (كَمَا مَرَّ) بِأَنَّهُ يَبْدَأُ بِرَمْيِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ، لَا الْوُسْطَى، ثُمَّ الْعَقَبَةَ (شَرْطٌ) فَإِنْ نَكَّسَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ مَا قَدَّمَهُ عَلَى الْأُولَى نَصًّا، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَتَّبَهَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» كَالْعَدَدِ، أَيْ: السَّبْعِ حَصَيَاتٍ، فَهُوَ شَرْطٌ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَمَى كُلًّا مِنْهَا بِسَبْعٍ» كَمَا مَرَّ، فَإِنْ أَخَلَّ الرَّامِي بِحَصَاةٍ مِنْ الْأُولَى لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ مَا بَعْدَهَا، لِإِخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ، فَإِذَا تَرَكَ حَصَاةً فَأَكْثَرَ، وَجَهِلَ مِنْ أَيُّهَا، أَيْ: الْجِمَارِ، تُرِكَتْ الْحَصَاةُ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، فَيَجْعَلُهَا

مِنْ الْأُولَى فَيُتِمُّهَا، ثُمَّ يَرْمِي الْآخَرِينَ مُرَتَّبًا لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ، وَكَذَا إنْ جَهِلَ: أَمِنَ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ؟ فَيَجْعَلُهَا مِنْ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ، وَلَوْ كَانَ الْمُؤَخَّرُ رَمْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى غَدِهِ أَوْ أَكْثَرَ، أَجْزَأَ أَدَاءٌ، لِأَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كُلَّهَا وَقْتُ الرَّمْيِ، فَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ إلَى آخِرِهِ، أَجْزَأَهُ، كَتَأْخِيرِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ إلَى آخِرِ وَقْتِهِ مَعَ تَرْكِ الْأَفْضَلِ، وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِالرَّمْيِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ (لَا يَجِبُ) عَلَى رَامٍ (مُوَالَاةُ) رَمْيٍ، فَلَوْ رَمَى حَصَاةً، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِذَلِكَ وَدَعَا مُسْتَصْحِبًا لِحُكْمِ النِّيَّةِ وَلَوْ طَالَ فَصْلٌ عُرْفًا، بَنَى عَلَيْهَا (وَ) يَتَّجِهُ أَنَّ (أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) بِالنِّسْبَةِ (لِرَمْيٍ كَيَوْمٍ) أَيْ: بِمَثَابَةِ يَوْمٍ (وَاحِدٍ) هَذَا إذَا كَانَ رَمْيُهُ لِحَصَى (تَأْخِيرًا) كَتَأْخِيرِ رَمْيِ أَوَّلِ يَوْمٍ إلَى غَيْرِهِ، فَلَا يَضُرُّهُ التَّأْخِيرُ، وَيَكُونُ رَمْيُهُ أَدَاءً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ، الْمَذْهَبِ، وَ (لَا) يُجْزِئُهُ رَمْيُ جَمِيعِ الْجَمَرَاتِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ رَمَاهُنَّ يَوْمَ الْعِيدِ (تَقْدِيمًا) لَهُنَّ عَلَى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لِأَنَّ الرَّمْيَ عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَلَا يَتَقَدَّمُ وَقْتُهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَجِبُ تَرْتِيبُهُ) أَيْ: الرَّمْيُ (بِالنِّيَّةِ كَ) صَلَوَاتٍ (فَائِتَةٍ) فَإِذَا أَخَّرَ الْكُلَّ مَثَلًا بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَنَوَى رَمْيَهَا لِيَوْمِ النَّحْرِ، ثُمَّ يَأْتِي الْأُولَى، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْعَقَبَةَ نَاوِيًا عَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَبْدَأُ مِنْ الْأُولَى حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى الْأَخِيرَةِ نَاوِيًا عَنْ الثَّانِي، وَكَذَا عَنْ الثَّالِثِ. (وَفِي. تَأْخِيرِهِ) أَيْ: الرَّمْيِ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (دَمٌ) لِفَوَاتِ وَقْتِ الرَّمْيِ، فَيَسْتَقِرُّ الْفِدَاءُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ تَرَكَ نُسُكًا أَوْ نَسِيَهُ فَإِنَّهُ يُهْرِيقُ دَمًا. (وَلَا

يُسَنُّ) لِمَنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (إتْيَانٌ بِهِ لِفَوَاتِ وَقْتِهِ كَتَرْكِ مَبِيتِ لَيْلَةٍ بِمِنًى) غَيْرَ الثَّالِثَةِ لِمَنْ تَعَجَّلَ، لِاسْتِقْرَارِ الْفِدَاءِ الْوَاجِبِ فِيهِ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَهَا كُلَّهَا فَيَجِبُ بِهِ دَمٌ. (وَفِي تَرْكِ حَصَاةٍ) وَاحِدَةٍ (مِنْ جَمْرَةٍ أَخِيرَةٍ مَا فِي) إزَالَةِ (شَعْرَةٍ) طَعَامُ مِسْكِينٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ، لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ مَا بَعْدَ الْجَمْرَةِ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا، وَلَوْ كَانَ مَا قَبْلَ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ مَا بَعْدَهُ بِالْمَرَّةِ، وَلَوْ كَانَ التَّرْكُ بَعْدَ مُضِيِّ جَمِيعِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا طَعَامٌ، لِبَقَاءِ وَقْتِ الرَّمْيِ. (وَفِي) تَرْكِ (حَصَاتَيْنِ مَا فِي) إزَالَةِ (شَعْرَتَيْنِ) مِثْلَا ذَلِكَ وَفِي أَكْثَرِ مِنْ حَصَاتَيْنِ دَمٌ، وَمَنْ لَهُ عُذْرٌ مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ وَحَبْسٍ جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَشْهَدَهُ إنْ قَدَرَ، وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ لَمْ تَبْطُلْ النِّيَابَةُ، فَلَهُ الرَّمْيُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ اسْتَنَابَهُ فِي الْحَجِّ، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ (وَلَا مَبِيتَ عَلَى سُقَاةٍ وَرُعَاةٍ بِمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِحَدِيثِ مَالِكٍ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ يَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا. قَالَ مَالِكٌ: ظَنَنْت أَنَّهُ قَالَ: فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَرْمُونَهُ يَوْمَ النَّحْرِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. (فَإِنْ غَرَبْت) الشَّمْسُ (وَهُمْ) أَيْ: السُّقَاةُ وَالرُّعَاةُ (بِمِنًى لَزِمَ الرِّعَاءَ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ السُّقَاةِ (الْمَبِيتُ) لِفَوَاتِ وَقْتِ الرَّعْيِ بِالْغُرُوبِ، بِخِلَافِ السَّقْيِ (وَكَرِعَاءِ نَحْوِ مَرِيضٍ وَخَائِفِ ضَيَاعَ مَالِهِ) فِي تَرْكِ

الْبَيْتُوتَةِ، جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ، وَالشَّارِحُ وَابْنُ تَمِيمٍ. (وَيَسْتَنِيبُ نَحْوُ مَرِيضٍ وَمَحْبُوسٍ فِي رَمْيِ جِمَارٍ) كَالْمَغْصُوبِ يَسْتَنِيبُ فِي الْحَجِّ كُلِّهِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَشْهَدَهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الْحُضُورِ لِيُخَفِّفَ الرَّمْيَ (وَلَا تَنْقَطِعُ نِيَابَةٌ بِإِغْمَاءِ مُسْتَنِيبٍ) ، كَمَا لَوْ نَامَ. (وَيَخْطُبُ إمَامٌ) أَوْ نَائِبُهُ (نَدْبًا ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ) فِيهَا (حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ، وَ) حُكْمَ (تَوْدِيعِهِمْ) لِحَدِيثِ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ قَالَتْ: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الرُّءُوسِ فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَلَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيَحُثُّهُمْ عَلَى خَتْمِ حَجَّتِهِمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى ذَلِكَ. (وَلِغَيْرِ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ لِلْمَنَاسِكِ التَّعْجِيلُ فِي) الْيَوْمِ (الثَّانِي) مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالرَّمْيِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (وَهُوَ النَّفْرُ الْأَوَّلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] وَلِحَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ: «وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ» وَلِأَنَّهُ دَفَعَ مِنْ مَكَان فَاسْتَوَى فِيهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ كَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ (فَإِنْ غَرَبَتْ) الشَّمْسُ (وَهُوَ) أَيْ: مَرِيدُ التَّعْجِيلِ (بِهَا) أَيْ: مِنًى (لَزِمَهُ مَبِيتٌ وَرَمْيٌ مِنْ غَدٍ) بَعْدَ الزَّوَالِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلْيُقِمْ إلَى الْغَدِ حَتَّى يَنْفِرَ مَعَ النَّاسِ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ إدْرَاكِهِ اللَّيْلَ لَمْ يَتَعَجَّلْ فِي يَوْمَيْنِ (وَيَسْقُطُ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَنْ مُتَعَجِّلٍ) نَصًّا لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَكَذَا مَبِيتُ الثَّالِثَةِ (وَيَدْفِنُ) مُتَعَجِّلٌ (حَصَاهُ) أَيْ: الْيَوْمِ الثَّالِثِ (فِي الْمَرْمَى) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ

فصل لا يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف

(وَيَتَّجِهُ: ذَلِكَ) أَيْ: دَفْنُهُ حَصَاهُ فِي الْمَرْمَى: (نَدْبٌ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْعُمْدَةِ الْفِقْهِيَّةِ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ ": وَيَدْفِنُ بَقِيَّةَ الْحَصَى عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: لَا أَصْلَ لِذَلِكَ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (بَلْ يَطْرَحُهُ أَوْ يُعْطِيهِ مَنْ لَمْ يَرْمِ) وَهَذِهِ دَعْوَى فَتَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ، إذْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَى عَدَمِ الدَّفْنِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا سِوَى ابْنِ الزَّاغُونِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَنْسَكِهِ: أَوْ يَرْمِي بِهِنَّ كَفِعْلِهِ فِي اللَّوَاتِي قَبْلَهُنَّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَلَا يَضُرُّ رُجُوعُهُ) إلَى مِنًى بَعْدُ لِحُصُولِ الرُّخْصَةِ. وَسُنَّ إذَا نَفَرَ مِنْ مِنًى نُزُولُهُ بِالْأَبْطَحِ، (وَهُوَ الْمُحَصَّبُ) وَالْخَيْفُ وَالْبَطْحَاءُ وَالْحَصَبَةِ (وَحَدُّهُ: مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ، فَيُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَيْنِ وَالْعِشَاءَيْنِ، وَيَهْجَعُ يَسِيرًا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ) قَالَ نَافِعٌ: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَيَهْجَعُ هَجْعَةً، وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " التَّحْصِيبُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، " إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَعَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ نُزُولَ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَكُونَ أَسْمَحَ بِخُرُوجِهِ إذَا خَرَجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَمَنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ فَلِاتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ يَنْزِلُهُ. [فَصْلٌ لَا يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ] (فَصْلٌ) (فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ) مُتَعَجِّلٌ أَوْ غَيْرُهُ (لَمْ يَخْرُجْ) مِنْهَا (حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ وُجُوبًا عَلَى كُلِّ خَارِجٍ مِنْ مَكَّةَ لِوَطَنِهِ) أَوْ غَيْرِهِ عَلَى

الْمَذْهَبِ، إذْ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ خَارِجٍ مِنْ مَكَّةَ حَاجًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِلْخَبَرِ، قَالَ أَرَادَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ النَّفْرِ أَوْ بَعْدَهُ (إذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُسَمَّى طَوَافَ الْوَدَاعِ، لِأَنَّهُ لِتَوْدِيعِ الْبَيْتِ، وَطَوَافَ الصَّدَرِ لِأَنَّهُ عِنْدَ صُدُورِ النَّاسِ مِنْ مَكَّةَ. (وَسُنَّ بَعْدَهُ) أَيْ: طَوَافِ الْوَدَاعِ (تَقْبِيلُ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (وَرَكْعَتَانِ) كَغَيْرِهِ (فَإِنْ وَدَّعَ ثُمَّ اشْتَغَلَ بِ) شَيْءٍ (غَيْرِ شَدِّ رَحْلِهِ) نَصًّا (وَنَحْوِهِ) كَقَضَاءِ حَاجَةٍ فِي طَرِيقِهِ أَوْ شِرَاءِ زَادٍ أَوْ شَيْءٍ لِنَفْسِهِ (أَوْ أَقَامَ، أَعَادَهُ) أَيْ: طَوَافَ الْوَدَاعِ (وُجُوبًا) لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ نَحْوُ شَدِّ رَحْلٍ. (وَمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَنَصُّهُ، أَوْ الْقُدُومِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، أَجْزَأَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ) لِأَنَّ الْمَأْمُورَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ فَعَلَ، وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ، فَأَجْزَأَتْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَعَكْسِهِ، وَإِنْ نَوَى بِطَوَافِ الْوَدَاعِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الزِّيَارَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . (وَيَتَّجِهُ مِنْ تَعْلِيلِهِ) هُنَا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَحَدُ هَذَيْنِ الطَّوَافَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ: (وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ) أَيْ: الْوَدَاعَ بِطَوَافٍ، لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ فَعَلَ، وَلِأَنَّ مَا شَرَعَ مِثْلَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ يُجْزِئُ عَنْهُ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِهِ، كَدُخُولِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي

صَلَاةٍ أُقِيمَتْ حَالَ دُخُولِهِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ وَدَاعٍ رَجَعَ) إلَيْهِ وُجُوبًا بِلَا إحْرَامٍ وَإِنْ لَمْ يَبْعُدْ عَنْ مَكَّةَ، لِأَنَّهُ لِإِتْمَامِ نُسُكٍ مَأْمُورٍ بِهِ، كَمَا لَوْ رَجَعَ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ. (وَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ وُجُوبًا إنْ بَعُدَ) عَنْ مَكَّةَ (فَيَأْتِي بِمَا، ثُمَّ يَطُوفُ لَهُ) أَيْ: لِلْوَدَاعِ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرْ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) إذَا رَجَعَ قَرِيبًا، لِأَنَّ الدَّمَ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، ثُمَّ يُوَدِّعُ عِنْدَ خُرُوجِهِ (فَإِنْ شَقَّ رُجُوعٌ مِنْ بُعْدٍ) وَلَمْ يَبْلُغْ الْمَسَافَةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ (أَوْ بُعْدٍ) عَنْهَا (مَسَافَةَ قَصْرٍ) فَأَكْثَرَ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) بِلَا رُجُوعٍ دَفْعًا لِلْحَرَجِ (وَلَوْ رَجَعَ) لِلْوَدَاعِ مِنْ بُعْدٍ عَنْ مَكَّةَ مَسَافَةً قَصَرَ فَأَكْثَرَ، لَمْ يَسْقُطْ دَمُهُ، لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْقَرِيبِ (أَوْ تَرَكَهُ) أَيْ: طَوَافَ الْوَدَاعِ (خَطَأً أَوْ نَاسِيًا) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، لِأَنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ، وَالْمَعْذُورُ وَغَيْرُهُ، كَسَائِرِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ (وَلَا وَدَاعَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَى حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ» وَالنُّفَسَاءُ فِي مَعْنَاهَا. (وَيَتَّجِهُ: بِخِلَافِ مَعْذُورٍ غَيْرِهِمَا) أَيْ: الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ كَمَنْ عُذِرَ بِمَرَضٍ أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْ خَافَ ضَيَاعَ مَالِهِ، أَوْ فَوَاتَ رُفْقَتِهِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ (فَإِنْ طَهُرَتَا) أَيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءِ (قَبْلَ مُفَارَقَةِ بِنَاءِ مَكَّةَ، لَزِمَهُمَا) الْعَوْدُ، لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ، بِدَلِيلِ عَدَمِ اسْتِبَاحَةِ الرُّخَصِ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ، فَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ مَنْ طَهُرَتْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبِنَاءِ، فَعَلَيْهَا دَمٌ.

(وَسُنَّ لِمُوَدِّعٍ وُقُوفٌ بِمُلْتَزَمٍ) وَهُوَ: (مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَبَابِ) الْكَعْبَةِ، مِسَاحَتُهُ (قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ) بِذِرَاعِ الْيَدِ (فَيَلْتَزِمُهُ مُلْصِقًا بِهِ صَدْرَهُ، وَوَجْهَهُ وَبَطْنَهُ، وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ، وَيَجْعَلُ يَمِينَهُ نَحْوَ الْبَابِ وَيَسَارَهُ نَحْوَ الْحَجَرِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا جَاءَ دُبُرَ الْكَعْبَةِ قُلْت: أَلَّا تَتَعَوَّذُ؟ قَالَ: نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ، ثُمَّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ، فَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هَكَذَا، وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْهُ: " اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُك وَأَنَا عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك حَمَلْتنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك، وَسَيَّرْتنِي فِي بِلَادِك حَتَّى بَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِك إلَى بَيْتِك، وَأَعَنْتنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي، فَإِنْ كُنْت رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضَاءً وَإِلَّا فَمُنَّ) - بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ: فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ: مَنَّ يَمُنُّ لِلدُّعَاءِ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ (الْآنَ) أَيْ: هَذَا الْوَقْتَ الْحَاضِرَ، وَجَمْعُهُ: آوِنَةٌ، كَزَمَانٍ وَأَزْمِنَةٌ - (قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، وَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْت لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِك، وَلَا بِبَيْتِك، وَلَا رَاغِبٍ عَنْك، وَلَا عَنْ بَيْتِك، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي) - بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ - (الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي) وَهِيَ: الْمَنْعُ مِنْ الْمَعَاصِي (وَأَحْسِنْ) - بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ - (مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طَاعَتَك مَا أَبْقَيْتنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَأْتِي الْحَطِيمَ أَيْضًا) نَصًّا (وَهُوَ: تَحْتَ الْمِيزَابِ) فَيَدْعُو (ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْ) مَاءِ (زَمْزَمَ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ (وَيُقَبِّلُهُ)

ثُمَّ يَخْرُجُ (فَإِذَا خَرَجَ وَلَّاهَا ظَهْرَهُ، قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: فَإِذَا وَلَّى لَا يَقِفُ وَلَا يَلْتَفِتُ فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: الْتَفَتَ (أَعَادَ الْوَدَاعَ نَدْبًا) قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إذْ لَا نَعْلَمُ لِإِيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، قَالَ مُجَاهِدٌ: إذَا كِدْت تَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْتَفِتْ، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الْكَعْبَةِ، فَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ. وَرَوَى حَنْبَلٌ عَنْ الْمُهَاجِرِ، قَالَ: قُلْت لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيُصَلِّي، فَإِذَا انْصَرَفَ خَرَجَ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَامَ؟ فَقَالَ جَابِرٌ: مَا كُنْت أَحْسَبُ يَصْنَعُ هَذَا إلَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَكْرَهُ ذَلِكَ. (وَتَدْعُو حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ) نَدْبًا. (وَسُنَّ دُخُولُ الْبَيْتِ) أَيْ: الْكَعْبَةِ (وَالْحِجْرُ مِنْهُ) أَيْ: الْبَيْتِ (حَافِيًا بِلَا خُفٍّ، وَ) بِلَا (نَعْلٍ، وَ) بِلَا (سِلَاحٍ) نَصًّا (وَيُكَبِّرُ وَيَدْعُو فِي نَوَاحِيهِ وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِلَالٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقُلْت لِبِلَالٍ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: نَعَمْ قُلْت: أَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، قَالَ: وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الْبَيْتَ فَلَا بَأْسَ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «خَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا وَهُوَ مَسْرُورٌ، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ كَئِيبٌ، فَقَالَ: إنِّي دَخَلْت الْكَعْبَةَ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا دَخَلْتهَا، إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْت عَلَى أُمَّتِي» . (وَيُكْثِرُ النَّظَرَ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ) أَيْ: النَّظَرَ إلَى الْبَيْتِ (عِبَادَةٌ) وَفِي " الْفُصُولِ ": وَكَذَا رُؤْيَتُهُ لِمَقَامِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَوَاضِعِ الْأَنْسَاكِ (وَلَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ لِسَقْفِهِ) لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ (وَلَا يَشْتَغِلُ بِذَاتِهِ) أَيْ: الْبَيْتِ (بَلْ) بِكَوْنِهِ مُشْتَغِلًا

فصل زيارة قبر النبي وقبري صاحبيه

(بِإِقْبَالِهِ عَلَى رَبِّهِ) خَاشِعًا بِقَلْبِهِ، مُتَوَاضِعًا مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا مُتَبَتِّلًا مُتَوَسِّلًا إلَى اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَآيَاتِهِ وَكَلِمَاتِهِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِحُسْنِ الْخِتَامِ، وَيَدْخُلَهُ الْجَنَّةَ دَارَ السَّلَامِ. [فَصْلٌ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ وَقَبْرَيْ صَاحِبِيهِ] (فَصْلٌ) (وَسُنَّ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرَيْ صَاحِبِيهِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» قَالَ أَحْمَدُ: وَإِذَا حَجَّ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ - يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الشَّامِ لَا يَأْخُذُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَحْدُثَ بِهِ حَدَثٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ مَكَّةَ مِنْ أَقْصَرِ الطُّرُقِ، وَلَا يَتَشَاغَلُ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا بَدَأَ بِالْمَدِينَةِ. (فَإِذَا دَخَلَ مَسْجِدَهُ) قَالَ: مَا يَقُولُهُ فِي دُخُولِهِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ، ثُمَّ (بَدَأَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (بِالتَّحِيَّةِ) أَيْ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّتُهُ، لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ (ثُمَّ يَأْتِي الْقَبْرَ الشَّرِيفَ فَيَقِفَ قُبَالَةَ وَجْهِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ) وَيَسْتَقْبِلُ جِدَارَ الْحُجْرَةِ وَالْمِسْمَارِ الْفِضِّيِّ فِي الرُّخَامَةِ الْحَمْرَاءِ، وَيُسَمَّى الْآنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ، وَيَكُونُ

(مُطْرِقًا غَاضَّ الْبَصَرِ خَاضِعًا خَاشِعًا مَمْلُوءَ الْقَلْبِ هَيْبَةً، كَأَنَّهُ يَرَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَإِنَّهُ اللَّائِقُ بِالْحَالِ (فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ) عَبْدُ اللَّهِ (ابْنُ عُمَرَ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ زَادَ) عَلَيْهِ (فَحَسَنٌ كَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ) قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى ": وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَخِيرَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (وَأَشْهَدُ أَنَّك قَدْ بَلَّغْت رِسَالَاتِ رَبِّك، وَنَصَحْت لِأُمَّتِك، وَدَعَوْت إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَعَبَدْت اللَّهَ حَتَّى أَتَاك الْيَقِينُ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْك كَثِيرًا كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى) اللَّهُمَّ اجْزِ عَنَّا نَبِيَّنَا أَفْضَلَ مَا جَزَيْت أَحَدًا مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ إنَّك قُلْت وَقَوْلُك الْحَقُّ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64] وَقَدْ أَتَيْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي مُسْتَشْفِعًا بِك إلَى رَبِّي فَأَسْأَلُك يَا رَبِّ أَنْ تُوجِبَ لِي الْمَغْفِرَةَ كَمَا أَوْجَبْتهَا لِمَنْ أَتَاهُ فِي حَيَاتِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أَوَّلَ الشَّافِعِينَ، وَأَنْجَحَ السَّائِلِينَ، وَأَكْرَمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ بِرَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. ثُمَّ يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ وَإِخْوَانِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا مِنْ مَقَامِ سَلَامِهِ) عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (نَحْوَ ذِرَاعٍ عَلَى يَمِينِهِ، وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) ثُمَّ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ ذِرَاعٍ عَلَى

يَمِينِهِ أَيْضًا وَيَقُولُ: (السَّلَامُ عَلَيْك يَا عُمَرُ الْفَارُوقُ) وَيَقُولُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمَا يَا صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَضَجِيعِيهِ وَوَزِيرِيهِ، اللَّهُمَّ اجْزِهِمَا عَنْ نَبِيِّهِمَا وَعَنْ الْإِسْلَامِ خَيْرًا، {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 24] اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ قَبْرِ نَبِيِّك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ حَرَمِ مَسْجِدِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. (ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَجْعَلُ الْحُجْرَةَ عَنْ يَسَارِهِ، وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) لِنَفْسِهِ وَوَالِدِيهِ وَإِخْوَانِهِ وَالْمُسْلِمِينَ. (وَيَحْرُمُ الطَّوَافُ بِهَا) أَيْ: الْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ (قَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: بَلْ (يَحْرُمُ طَوَافُهُ بِغَيْرِ الْبَيْتِ) الْعَتِيقِ (اتِّفَاقًا، وَكُرِهَ تَمَسُّحٌ بِالْحُجْرَةِ) اتِّفَاقًا أَيْضًا - وَتَقْبِيلُهَا (وَ) كُرِهَ (رَفْعُ صَوْتٍ عِنْدَهَا) أَيْ: الْحُجْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات: 2] وَحُرْمَتُهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا. (وَلَا يَمَسُّ قَبْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا حَائِطَهُ، وَلَا يُلْصِقُ بِهِ صَدْرَهُ، وَلَا يُقَبِّلُهُ) أَيْ: يُكْرَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ وَالِابْتِدَاعِ، قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْت أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُومُونَ مِنْ نَاحِيَةٍ فَيُسَلِّمُونَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَكَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ. (وإذَا أَوْصَاهُ أَحَدٌ بِالسَّلَامِ، فَلْيَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) وَيُبَلِّغُهُ وُجُوبًا إنْ تَحَمَّلَهُ لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَتِهِ (وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ) مِنْ الْمَدِينَةِ لِيَعُودَ إلَى وَطَنِهِ بَعْدَ فِعْلِ مَا تَقَدَّمَ، وَزِيَارَةِ الْبَقِيعِ، وَمَنْ فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، عَادَ إلَى الْمَسْجِدِ، فَ (صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَعَادَ لِلْقَبْرِ) الشَّرِيفِ، (فَوَدَّعَ

وَأَعَادَ الدُّعَاءَ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ") وَقَالَ: وَيَعْزِمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ حَجِّهِ مِنْ عَمَلٍ لَا يُرْضِي فَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّهُ يَعُودُ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَيُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُ إلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ عُمَرُ: يُغْفَرُ لِلْحَاجِّ، وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ وَمُحَرَّمٍ وَصَفَرٍ وَعَشْرٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " اللَّطَائِفِ ". (وَإِذَا تَوَجَّهَ إلَى بَلَدِهِ قَالَ) نَدْبًا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آيِبُونَ) أَيْ: رَاجِعُونَ (تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ، ثُمَّ يَقُولُ: فَذَكَرَهُ» . (وَسُنَّ زِيَارَةُ مُشَاهَدِ الْمَدِينَةِ وَالْبَقِيعِ، وَمَنْ عُرِفَ قَبْرُهُ بِهَا) أَيْ: بِالْمَدِينَةِ (كَإِبْرَاهِيمَ ابْنِهِ) أَيْ: ابْنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (وَعُثْمَانَ وَالْعَبَّاسِ وَالْحَسَنِ وَأَزْوَاجِهِ) الطَّاهِرَاتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لِتَحْصُلَ لَهُ بَرَكَتُهُمْ. (وَ) سُنَّ (زِيَادَةُ شُهَدَاءِ أُحُدٍ، وَ) زِيَارَةُ (مَسْجِدِ قُبَاءَ) : بِضَمِّ الْقَافِ، يُقْصَرُ وَيُمَدُّ، وَيُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الْجَنُوبِ (وَالصَّلَاةُ فِيهِ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِيهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» وَفِيهِمَا: «كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ " (وَ) سُنَّ زِيَارَةُ (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) وَالصَّلَاةُ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَالَ لِلْحَاجِّ إذَا قَدِمَ: " تَقَبَّلَ اللَّهُ مَنْسَكَك، وَأَعْظَمَ أَجْرَك، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَك ") رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. (وَقَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ

فصل في صفة العمرة

لِرَجُلٍ: تَقَبَّلَ اللَّهُ حَجَّك، وَزَكَّى عَمَلَك، وَرَزَقَنَا وَإِيَّاكَ الْعَوْدَ إلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ) (وَ) قَالَ (فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " كَانُوا) أَيْ السَّلَفُ (يَغْتَنِمُونَ أَدْعِيَةَ الْحَاجِّ قَبْلَ أَنْ يَتَلَطَّخُوا بِالذُّنُوبِ) وَفِي الْخَبَرِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ» . [فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْعُمْرَةِ] (فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْعُمْرَةِ) (وَمَنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ وَهُوَ بِالْحَرَمِ) مَكِّيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (خَرَجَ فَأَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ) وُجُوبًا، لِأَنَّهُ مِيقَاتُهُ لِلْجَمِيعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ (وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يُحْرَمَ (مِنْ التَّنْعِيمِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ» وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَلَغَنِي «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ» (فَالْجِعْرَانَةُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ، وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَقَدْ تُكْسَرُ الْعَيْنُ وَتُشَدَّدُ الرَّاءُ: مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، سُمِّيَ بِرَبْطَةِ بِنْتِ سَعْدٍ، وَكَانَتْ تُلَقَّبُ بِالْجِعْرَانَةِ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا} [النحل: 92] (تَلِيهِ) أَيْ: تَلِي التَّنْعِيمَ (فَالْحُدَيْبِيَةُ) مُصَغَّرَةٌ وَقَدْ تُشَدَّدُ: بِئْرٌ قُرْبَ مَكَّةَ أَوْ شَجَرَةٌ حَدْبَاءُ كَانَتْ هُنَاكَ (فَمَا بَعُدَ) عَنْ مَكَّةَ. وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَكِّيِّ كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِي الْعُمْرَةِ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ. (وَحَرُمَ) إحْرَامٌ بِعُمْرَةٍ (مِنْ الْحَرَمِ) لِتَرْكِهِ مِيقَاتَهُ (وَيَنْعَقِدُ) إحْرَامُهُ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) كَمَنْ تَجَاوَزَ مِيقَاتَهُ بِلَا إحْرَامٍ، ثُمَّ أَحْرَمَ (ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى) لِعُمْرَتِهِ (وَلَا يَحِلُّ) مِنْهَا (حَتَّى يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ) فَهُوَ نُسُكٌ فِيهَا كَالْحَجِّ (وَلَا بَأْسَ بِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةُ (فِي السَّنَةِ مِرَارًا) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ،

«وَاعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمْرَةً مَعَ قِرَانِهَا، وَعُمْرَةً بَعْدَ حَجِّهَا، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) الْعُمْرَةُ (فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ) نَصًّا. (وَكُرِهَ مُوَالَاةٌ بَيْنَهُمَا وَإِكْثَارٌ مِنْهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ (هُوَ) أَيْ: الْإِكْثَارُ مِنْهَا (بِرَمَضَانَ أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهَا بِغَيْرِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ كَثْرَةٍ، وَإِلَّا فَتَكُونُ مَكْرُوهَةً، فَلَا تَكُونُ الْمُفَاضَلَةُ عَلَى بَابِهَا (فَعُمْرَةٌ بِهِ) أَيْ: رَمَضَانِ (تَعْدِلُ حَجَّةً) ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا يُكْرَهُ إحْرَامٌ بِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ (يَوْمَ عَرَفَةَ، وَ) لَا يَوْمَ (النَّحْرِ وَ) لَا (أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) ، لِعَدَمِ نَهْيٍ خَاصٍّ عَنْهُ (وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْقَارِنِ) عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ (وَ) تُجْزِئُ لَوْ أَحْرَمَ بِهَا (مِنْ الْحَرَمِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ) لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ دَمٌ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَتُجْزِئُ عُمْرَةٌ مِنْ التَّنْعِيمِ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ حَيْثُ قَرَنَتْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، قَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ حَلَّتْ مِنْهُمَا «قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجِّك وَعُمْرَتِك» وَإِنَّمَا أَعَمْرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ قَصْدًا لِتَطْيِيبِ خَاطِرِهَا وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهَا (وَتُسَمَّى) الْعُمْرَةُ (حَجًّا أَصْغَرَ) لِمُشَارَكَتِهَا لِلْحَجِّ فِي الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ، كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَقَدَّمَ.

فصل أركان الحج والعمرة

[فَصْلٌ أَرْكَانُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ] (فَصْلٌ) (أَرْكَانُ حَجٍّ أَرْبَعَةٌ) : (إحْرَامٌ) بِحَجٍّ، وَهُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ، فَلَا يَصِحُّ إحْرَامٌ بِدُونِهَا، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . (وَسَعْيٌ) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ - تَعْنِي: بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - فَكَانَتْ سُنَّةً، فَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِحَدِيثِ «اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَوُقُوفٌ بِعَرَفَةَ) لِحَدِيثِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ جَاءَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَطَوَافُ زِيَارَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] (فَلَوْ تَرَكَهُ) أَيْ: طَوَافَ الزِّيَارَةِ، وَأَتَى بِغَيْرِهِ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ (وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ) وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا (رَجَعَ) إلَيْهَا (مُعْتَمِرًا) فَأَتَى بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ مِنْ سَعْيٍ وَطَوَافِ زِيَارَةٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ مُعْتَمِرًا (إنْ بَعُدَ) عَنْ مَكَّةَ مَسَافَةً قَصِيرَةً فَأَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ وَطِئَ أَحْرَمَ مِنْ التَّنْعِيمِ أَوْ غَيْرِهِ وَطَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ، وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ مِنْ إحْرَامٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لَوَطِئَهُ، وَهَذَا الِاتِّجَاهُ " لَا رَيْبَ فِيهِ إذْ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِيهِ.

(وَأَرْكَانُ عُمْرَةٍ) ثَلَاثَةٌ: (إحْرَامٌ) بِهَا لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ (وَطَوَافٌ وَسَعْيٌ) كَانَ كَالْحَجِّ. (وَوَاجِبَاتُهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ (شَيْئَانِ: حَلْقٌ أَوْ تَقْصِيرٌ، وَإِحْرَامٌ مِنْ الْحِلِّ) كَالْحَجِّ (فَمَنْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ لَمْ يَنْعَقِدْ نُسُكُهُ) حَجًّا كَانَ أَوْ عُمْرَةً، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا غَيْرَهُ) أَيْ: الْإِحْرَامِ (لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ) إلَّا بِهِ (أَوْ) تَرَكَ (شَرْطًا فِيهِ) أَيْ: فِي الرُّكْنِ كَالنِّيَّةِ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ فِيهِ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إلَّا بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الرُّكْنِ بِنِيَّتِهِ. (وَوَاجِبَاتُهُ) أَيْ: الْحَجُّ ثَمَانِيَةٌ: (إحْرَامٌ مِنْ مِيقَاتٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيتِ. (وَوُقُوفُ مَنْ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ (نَهَارًا لِلْغُرُوبِ) أَيْ: لِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَلَوْ غَلَبَهُ نَوْمٌ بِعَرَفَةَ (وَمَبِيتٌ بِمُزْدَلِفَةَ لِبَعْدِ نِصْفِ لَيْلٍ إنْ وَافَاهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (قَبْلَهُ) أَيْ: نِصْفِ اللَّيْلِ، وَتَقَدَّمَ مُوَضَّحًا (وَمَبِيتٌ بِمِنًى) لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرِهِ بِهِ، (وَرَمْيٌ) لِلْجِمَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا، وَكَوْنُهُ (مُرَتَّبًا) وَتَقَدَّمَ أَيْضًا (وَحَلْقٌ أَوْ تَقْصِيرٌ وَطَوَافُ وَدَاعٍ وَهُوَ الصَّدْرُ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَدَّمَ الزَّرْكَشِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الْإِقْنَاعِ ": أَنَّ طَوَافَ الصَّدَرِ هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (طَوَافُ الْوَدَاعِ لَيْسَ مِنْ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا هُوَ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ) أَيْ: قَوْلُ الشَّيْخِ (أَظْهَرُ) وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ. (فَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا وَلَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) بِتَرْكِهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ عَدَمَهُ) أَيْ: الدَّمِ (فَكَصَوْمِ مُتْعَةٍ) يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثَلَاثَةٌ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٌ إذَا رَجَعَ وَتَقَدَّمَ فِي الْفِدْيَةِ.

(وَيَتَّجِهُ: مِنْهُ) أَيْ: مِنْ كَوْنِ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ لَوْ تَحَلَّلَ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ بِالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ سِوَى الْحَلْقِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْحَلْقَ لَا حَدَّ لِآخِرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِذَا أَخْرَجَ الدَّمَ سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ الْحَلْقِ، وَحِينَئِذٍ (لَا شَيْءَ عَلَى فَاعِلِ مَحْظُورٍ) مِنْ مُبَاشَرَةٍ وَوَطْءٍ (قَبْلَ حَلْقِهِ) لِأَنَّ إخْرَاجَهُ الدَّمَ قَامَ مَقَامَ الْحَلْقِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (لَكِنَّهُ يَحْرُمُ) عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ، أَيْ: قَبْلَ الْحَلْقِ، فَفِيهِ خَفَاءٌ، لِأَنَّ الْفِدْيَةَ قَامَتْ مَقَامَ الْحَلْقِ، نَعَمْ: لَوْ وَطِئَ قَبْلَ الْحَلْقِ وَقَبْلَ الْفِدْيَةِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ، لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي. (وَالْمَسْنُونُ) مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَأَقْوَالِهِ (كَمَبِيتٍ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ وَطَوَافِ قُدُومٍ وَرَمَلٍ وَاضْطِبَاعٍ) فِي مَوَاضِعِهَا (وَتَلْبِيَةٍ وَاسْتِلَامٍ

فوائد تسمية من لم يحج صرورة

الرُّكْنَيْنِ وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (وَمَشْيٍ وَسَعْيٍ فِي مَوَاضِعِهِمَا، وَخُطَبٍ وَأَذْكَارٍ وَدُعَاءٍ وَرُقِيٍّ بِصَفَا وَمَرْوَةَ، وَاغْتِسَالٍ وَتَطَيُّبٍ فِي بَدَنٍ، وَصَلَاةٍ قَبْلَ إحْرَامٍ، وَ) صَلَاةٍ (عَقِبَ طَوَافٍ وَاسْتِقْبَالِ قِبْلَةٍ عِنْدَ رَمْيٍ) لِجِمَارٍ، وَتَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا (وَلَا شَيْءَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ) لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، وَلَا الِاسْتِحْبَابِ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (وَيَجِبُ) ذَلِكَ كُلُّهُ (بِنَذْرٍ) لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . [فَوَائِدُ تَسْمِيَةُ مَنْ لَمْ يَحُجَّ صَرُورَةً] (فَوَائِدُ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: (كُرِهَ تَسْمِيَةُ مَنْ لَمْ يَحُجَّ صَرُورَةً) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ» وَ (لِأَنَّهُ اسْمٌ جَاهِلِيٌّ، وَ) يُكْرَهُ (قَوْلُ: حَجَّةِ الْوَدَاعِ، لِأَنَّهُ اسْمٌ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ وَقَوْلُ: شَوْطٌ، بَلْ) يُقَالُ: (طَوْفَةٌ وَطَوْفَتَانِ. وَيُعْتَبَرُ فِي وِلَايَةِ أَمِيرِ حَاجٍّ كَوْنُهُ مُطَاعًا ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ وَهِدَايَةٍ، وَعَلَيْهِ جَمْعُهُمْ وَتَرْتِيبُهُمْ وَحِرَاسَتُهُمْ فِي الْمَسِيرِ، وَالنُّزُولِ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَالنُّصْحِ) لَهُمْ (وَيَلْزَمُهُمْ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ، وَيُصْلِحُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَلَا يَحْكُمُ إلَّا إنْ فُوِّضَ إلَيْهِ) الْحُكْمُ، (فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ أَهْلًا) وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَلْزَمُهُ عِلْمُ خُطَبِ الْحَجِّ وَالْعَمَلِ بِهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ جُرِّدَ مَعَهُمْ وَجُمِعَ لَهُ مِنْ الْجُنْدِ الْمُقَطَّعِينَ مَا يُعِينُهُ عَلَى كُلْفَةِ الطَّرِيقِ أُبِيحَ لَهُ، وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ، وَلَهُ أَجْرُ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَهَذَا كَأَخْذِهِ بَعْضَ الْإِقْطَاعِ لِيَصْرِفَهُ فِي الْمَصَالِحِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ، وَيَلْزَمُ الْمُعْطِيَ بَذْلُ مَا أُمِرَ بِهِ. (وَشَهْرُ السِّلَاحِ عِنْدَ قُدُومِ) الْحَاجِّ الشَّامِيِّ (تَبُوكُ بِدْعَةٌ، زَادَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (مُحَرَّمَةٌ) وَمِثْلُهُ مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ الْمِصْرِيُّ لَيْلَةَ بَدْرٍ فِي الْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ بِجَبَلِ الزِّينَةِ، قَالَ: وَمَا يَذْكُرُهُ الْجُهَّالُ مِنْ حِصَارِ تَبُوكَ كَذِبٌ فَلَمْ يَكُنْ بِهَا حِصْنٌ، وَلَا مُقَاتِلَةٌ، فَإِنَّ مَغَازِيَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَمْ يُقَاتِلْ فِيهَا إلَّا فِي تِسْعٍ: بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ

وَالْغَابَةِ وَفَتْحِ خَيْبَرَ وَفَتْحِ مَكَّةَ وَفَتْحِ حُنَيْنٌ وَالطَّائِفِ. (وَقَالَ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْحَجَّ يُسْقِطُ مَا عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ إنْ كَانَ جَاهِلًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ آدَمِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ عِرْضٍ أَوْ دَمٍ بِالْحَجِّ إجْمَاعًا. انْتَهَى) . وَقَالَ الدَّمِيرِيِّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ - «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» - وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمَعَاصِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً دُونَ الْعِبَادِ، وَلَا تَسْقُطُ الْحُقُوقُ أَنْفُسُهَا، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ وَنَحْوُهَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لَا ذُنُوبٌ إنَّمَا الذَّنْبُ تَأْخِيرُهَا، فَنَفْسُ التَّأْخِيرِ يَسْقُطُ بِالْحَجِّ لَا هِيَ نَفْسُهَا، فَلَوْ أَخَّرَهَا بَعْدَهُ تَجَدَّدَ إثْمٌ آخَرَ، فَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ يُسْقِطُ إثْمُ الْمُخَالَفَةِ لَا الْحُقُوقَ، قَالَهُ فِي " الْمَوَاهِبِ ". (وَيَتَّجِهُ: وَحَدِيثُ «الْحَجُّ يُكَفِّرُ حَتَّى التَّبَعَاتِ» مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ) صَمَّمَ عَلَى التَّنَصُّلِ مِنْهَا ثُمَّ (مَاتَ قَبْلَ تَمَكُّنٍ مِنْ قَضَائِهَا، وَاحْتَمَلَ) تَكْفِيرُهَا عَنْهُ بِالْحَجِّ (وَلَوْ لَمْ يَتُبْ) مِنْهَا (وَإِلَّا) يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ (فَلَا مَزِيَّةَ لِلْحَجِّ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ) النَّصُوحَةَ الْمُسْتَوْفِيَةَ لِلشُّرُوطِ (بِدُونِهِ) أَيْ: الْحَجِّ (كَذَلِكَ) أَيْ: تُكَفِّرُ مَا قَبْلَهَا حَتَّى التَّبَعَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مَنْ تَابَ، فَمَاتَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ قَضَائِهَا. (وَ) يَتَّجِهُ: (أَنَّ مِثْلَهُ) أَيْ: الْحَجِّ الْمَبْرُورِ (الشَّهَادَةُ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ إذَا قَصَدَ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ فَاسْتُشْهِدَ، فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ التَّبَعَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، إذْ حُقُوقُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَوَقَعَ خُلْفٌ) بَيْنَ عُلَمَائِنَا وَغَيْرِهِمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا:

باب الفوات والإحصار وما يتعلق بهما

(هَلْ الْأَفْضَلُ الْحَجُّ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا) ؟ اخْتَارَ الْأَوَّلَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَاخْتَارَ الثَّانِي صَاحِبُ " الِانْتِصَارِ " وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ فِي " مُفْرَدَاتِهِ " وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُثِيرِ الْعَزْمِ السَّاكِنِ إلَى زِيَارَةِ أَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ ". (وَيَتَّجِهُ: الْحَجُّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا أَفْضَلُ وَلِلْبَعِيدِ) مِنْهَا (رَاكِبًا) أَفْضَلُ (لِحَدِيثِ: «مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ» ) وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَغَيْرَهُ فِي بَابِ صِفَةِ الْحَجِّ، وَهَذَا اتِّجَاهٌ حَسَنٌ وَجَمْعٌ لَطِيفٌ مُسْتَحْسَنٌ. [بَابُ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا] (الْفَوَاتُ) : مَصْدَرُ فَاتَهُ يَفُوتُهُ فَوَاتًا وَفَوْتًا، وَهُوَ: (السَّبَقُ) الَّذِي لَا يُدْرَكُ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ السَّبْقِ. (وَالْإِحْصَارُ) مَصْدَرُ أَحْصَرَهُ، أَيْ: حَبَسَهُ، فَهُوَ: (الْحَبْسُ) أَيْ: الْمَنْعُ (فَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ) فِي وَقْفَةٍ (لِعُذْرٍ مِنْ حَصْرٍ أَوْ غَيْرِهِ) أَوَّلًا لِعُذْرٍ (فَاتَهُ الْحَجُّ) ذَلِكَ الْعَامَ، لِقَوْلِ جَابِرٍ: «لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ» ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَقُلْت لَهُ: أَوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. وَلِحَدِيثِ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فَمَفْهُومُ فَوْتِ الْحَجِّ بِخُرُوجِ لَيْلَةِ جَمْعٍ (وَانْقَلَبَ إحْرَامُهُ) بِالْحَجِّ (عُمْرَةً) نَصًّا فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، لِقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي أَيُّوبَ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ: اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْت، فَإِنْ أَدْرَكْت الْحَجَّ قَابِلًا

فَحُجَّ، وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ فَوَاتٍ، فَمَعَهُ أَوْلَى (إنْ لَمْ يَخْتَرْ بَقَاءَهُ) عَلَى إحْرَامِهِ (لِيَحُجَّ مِنْ) عَامٍ (قَابِلٍ) بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ، فَإِنْ اخْتَارَ ذَلِكَ، فَلَهُ اسْتِدَامَةُ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْمَشَقَّةِ عَلَى نَفْسِهِ (فَيَتَحَلَّلُ بِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ، سَوَاءٌ كَانَ قَارِنًا أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ لَا يَلْزَمُهُ أَفْعَالُهَا، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ عُمْرَةٍ عَلَى عُمْرَةٍ إذَا لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ) أَيْ: التَّحَلُّلَ (وَلَا تُجْزِئُ) هَذِهِ الْعُمْرَةُ الَّتِي انْقَلَبَ إحْرَامُهُ إلَيْهَا (عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ) نَصًّا، لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَهَذِهِ لَمْ يَنْوِهَا وَ (لِوُجُوبِهَا) عَلَيْهِ (كَمَنْذُورَةٍ) فَلَمْ تُجْزِئْهُ (وَتَسْقُطُ عَنْهُ تَوَابِعُ وُقُوفٍ مِنْ نَحْوِ مَبِيتٍ) بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى (وَرَمْيِ) جِمَارٍ، لِفَوَاتِ مَتْبُوعِهَا كَمَنْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ بِالْجَبْهَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِغَيْرِهَا. (وَعَلَى مَنْ) فَاتَهُ الْوُقُوفُ وَ (لَمْ يَتَحَلَّلْ قَبْلَ فَوْتٍ) كَمَا لَوْ قَدِمَ مَكَّةَ آخِرَ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ لِعَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مَعَ تَحَقُّقِ الْفَوَاتِ. (بِنَحْوِ عُمْرَةٍ) وَلَا يَلْزَمُ قَضَاءُ نَفْلٍ، وَهَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَكَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الْمُحْصَرِ، وَلَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ، لَكِنْ عِبَارَاتُهُمْ لَا تُسَاعِدُهُ (وَ) عَلَى مَنْ (لَمْ يَشْتَرِطْ أَوَّلُ إحْرَامِهِ) بِأَنْ

لَمْ يَقُلْ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ: وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَتْنِي (قَضَاءُ) حَجٍّ فَاتَهُ (حَتَّى النَّفَلُ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلْيَتَحَلَّلْ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» وَعُمُومُهُ شَامِلٌ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ فَيَصِيرُ كَالْمَنْذُورِ كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَجُّ مَرَّةٌ» ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْوَاجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَهَذَا إنَّمَا وَجَبَ بِإِيجَابِهِ لَهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ كَالْمَنْذُورِ، وَأَمَّا الْمُحْصَرُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى تَفْرِيطٍ بِخِلَافِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ (وَ) عَلَى مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَوَّلًا (هَدْيُ) شَاةٍ أَوْ سُبْعِ بَدَنَةٍ أَوْ سُبْعِ بَقَرَةٍ (أَوْ نَحْوِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ، مِنْ إطْعَامٍ عَلَى مَا يَأْتِي (مِنْ وَقْتِ الْفَوَاتِ) سَوَاءٌ سَاقَهُ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ (يُؤَخِّرُهُ لِلْقَضَاءِ) يَذْبَحُهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ تَمَامِهِ فَلَزِمَهُ هَدْيٌ كَالْمُحْصَرِ (فَإِنْ عُدِمَ) أَيْ: الْهَدْيُ (زَمَنَ وُجُوبِهِ) وَهُوَ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ عَامِ الْفَوَاتِ (صَامَ كَمُتَمَتِّعٍ) عَشَرَةَ أَيَّامٍ (ثَلَاثَةٌ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٌ إذَا رَجَعَ) أَيْ: فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ الْقَضَاءُ، لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حَجَّ مِنْ الشَّامِ، فَقَدِمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا حَبَسَك؟ قَالَ: حَسِبْت أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمَ عَرَفَةَ. قَالَ: فَانْطَلِقْ إلَى الْبَيْتِ فَطُفْ بِهِ سَبْعًا، وَإِنْ كَانَ مَعَك هَدِيَّةٌ فَانْحَرْهَا، ثُمَّ إذَا كَانَ قَابِلٌ فَاحْجُجْ، فَإِنْ وَجَدْت سِعَةً فَأَهْدِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْت إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمُفْرِدٌ وَقَارِنٌ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (أَنَّ زَمَنَ الْوُجُوبِ) أَيْ: وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَى مَنْ عَدِمَهُ (وَقْتَ الْفَوَاتِ) وَهُوَ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ عَامِ الْفَوَاتِ (وَالْأَثَرُ) الْمَذْكُورُ آنِفًا (بِخِلَافِهِ) فَلْيُحْفَظْ. (وَلَا يُهْدِي قِنٌّ) فَاتَهُ

الْحَجُّ (وَلَوْ أَذِنَ) لَهُ (سَيِّدُهُ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَلَوْ مَلَكَ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ (فَيَصُومُ) الْقِنُّ الصَّوْمَ الْمَذْكُورَ بَدَلَ الْهَدْيِ، وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا كُلُّ دَمٍ لَزِمَ الْقِنَّ فِي الْإِحْرَامِ لِفِعْلٍ مَحْظُورٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْهُ إلَّا الصِّيَامُ. (وَيَجِبُ قَضَاءٌ عَلَى صِفَةِ أَدَاءً، فَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ قَارِنًا، قَضَى قَارِنًا) أَيْ: لَزِمَهُ فِي الْعَامِ الثَّانِي مِثْلُ مَا أَهَلَّ بِهِ أَوَّلًا (وَهُوَ) أَيْ: وُجُوبُ قَضَائِهِ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ: (خِلَافُ قَوْلِهِمْ فِي دَمِ التَّمَتُّعِ وَإِذَا قَضَى مُفْرِدًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) فَإِذَا فَاتَهُ النُّسُكُ الْمَفْضُولُ جَازَ قَضَاؤُهُ عَلَى صِفَتِهِ، وَجَازَ قَضَاؤُهُ بِنُسُكٍ أَفْضَلَ مِنْهُ لَا عَكْسَهُ، فَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ قَارِنًا قَضَى قَارِنًا، وَجَازَ مُفْرَدًا وَمُتَمَتِّعًا، وَإِنْ فَاتَهُ أَوْ فَسَدَ النُّسُكُ الْفَاضِلُ لَمْ يَجُزْ الْقَضَاءُ بِالنُّسُكِ الْمَفْضُولِ، فَالْأَفْضَلُ التَّمَتُّعُ، ثُمَّ الْإِفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ، فَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ مُتَمَتِّعًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مُتَمَتِّعًا، وَلَمْ يَجُزْ مُفْرِدًا وَلَا قَارِنًا، مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ مُفْرِدًا جَازَ الْقَضَاءُ مُتَمَتِّعًا مُفْرِدًا، وَلَا يَجُوزُ قَارِنًا، وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ قَارِنًا جَازَ الْقَضَاءُ قَارِنًا وَمُتَمَتِّعًا، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ الْقَضَاءُ بِالنُّسُكِ الْفَاضِلِ عَنْ الْمَفْضُولِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ، فَلَوْ خَالَفَ وَأَتَى بِالنُّسُكِ الْمَفْضُولِ قَضَاءً عَنْ الْفَاضِلِ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ صِحَّةُ ذَلِكَ النُّسُكِ، لَكِنْ لَمْ يَزَلْ الْقَضَاءُ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ بِمِثْلِ نُسُكِهِ الْفَائِتِ أَوْ نُسُكٍ أَفْضَلَ مِنْهُمَا.

(وَمَنْ مُنِعَ الْبَيْتَ ظُلْمًا) كَأَنْ يُحْبَسَ بِغَيْرِ حَقٍّ. أَوْ تَأْخُذُهُ اللُّصُوصُ. (وَلَوْ) كَانَ مَنْعُهُ (بَعْدَ الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ (وَلَمْ يَرْمِ وَ) لَمْ (يَحْلِقْ) . إذْ لَوْ كَانَ رَمَى وَحَلَقَ لِتَحَلُّلِ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ. (أَوْ) كَانَ مَنْعُهُ (فِي) إحْرَامِ (عُمْرَةٍ) وَأَرَادَ التَّحَلُّلَ (ذَبَحَ هَدْيًا حَيْثُ أُحْصِرَ) حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا، «لِذَبْحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ حِينَ حُصِرُوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ» ، وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ وَتَقَدَّمَ. وَيَكُونُ ذَبْحُهُ هُنَاكَ (بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ وُجُوبًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ حِينَ حُصِرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَنْحَرُوا وَيَحْلِقُوا أَوْ يَحِلُّوا» (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ) أَيْ: الْهَدْيَ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِالنِّيَّةِ) أَيْ: نِيَّةِ التَّحَلُّلِ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ (وَحَلَّ) نَصًّا. (وَيَتَّجِهُ: صِحَّةَ تَتْمِيمِ مَا بَقِيَ) عَلَى مُحْصَرٍ (مِنْ أَرْكَانِ حَجِّهِ) فَيَفْعَلُ ذَلِكَ (بِإِحْرَامٍ ثَانٍ إذَا زَالَ حَصْرُهُ) وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا إطْعَامَ فِي ذَلِكَ) أَيْ: الْإِحْصَارِ، لِعَدَمِ وُرُودِهِ (وَلَا مَدْخَلَ لِحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ) أَيْ: فَلَا يَجِبُ إذْ التَّحَلُّلُ يَحْصُلُ بِدُونِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، قُدِّمَ فِي الْمُحَرَّرِ وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْوُقُوفِ كَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.

(خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِصَاحِبِ الْإِقْنَاعِ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِوُجُوبِ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ تَبَعًا لِمَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ مَرْجُوحٌ (وَعِنْدَ بَعْضٍ) مِنْهُمْ الْآجُرِّيُّ (إنْ عَجَزَ عَنْ صَوْمٍ لِعُذْرٍ حَلَّ، ثُمَّ صَامَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ، قَالَ الْآجُرِّيُّ: إنَّ عَدِمَ الْهَدْيَ مَكَانَهُ قَدَّمَ طَعَامًا، وَصَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَحَلَّ، وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَصُومَ فَإِنْ صَعُبَ عَلَيْهِ حَلَّ، ثُمَّ صَامَ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. (وَمَنْ) كَانَ مُحْصَرًا فَ (نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ ذَبْحٍ) لِهَدْيٍ وَجَدَهُ (أَوْ صَوْمٍ) عِنْدَ عَدَمِهِ (لَمْ يَحِلَّ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الذَّبْحُ أَوْ الصَّوْمُ بِالنِّيَّةِ، وَاعْتُبِرَتْ النِّيَّةُ فِي الْمُحْصَرِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ مَنْ أَتَى بِأَفْعَالِ النُّسُكِ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ، فَحَلَّ بِإِكْمَالِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ، بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ الْعِبَادَةِ قَبْلَ إكْمَالِهَا فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةٍ (وَلَزِمَهُ دَمٌ لِكُلِّ مَحْظُورٍ) فَعَلَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ (وَ) لَزِمَ مِنْ تَحَلُّلٍ قَبْلَ الذَّبْحِ وَالصَّوْمِ (دَمٌ لِتَحَلُّلِهِ بِالنِّيَّةِ) صَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ هُنَا: إنَّهُ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَزِمَهُ دَمٌ خِلَافًا لِلْمُوَفَّقِ وَيَأْتِي، وَمَا جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِرَفْضِهِ الْإِحْرَامَ فَهُوَ فِي غَيْرِ الْمُحْصَرِ لِإِلْغَاءِ رَفْضِهِ، وَلُزُومِ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَهَذَا فِي الْمُحْصَرِ الْمَمْنُوعِ مِنْ تَتْمِيمِ أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَإِذَا عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنْ هَدْيٍ أَوْ صَوْمٍ، لَزِمَهُ دَمٌ. (وَفِي الْمُغْنِي، والشَّرْحِ لَا) : يَلْزَمُهُ دَمٌ، (لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ) أَيْ: رَفْضِ الْإِحْرَامِ، لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ، فَلَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا، وَمُعْظَمُ الْأَصْحَابِ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا. (وَلَا قَضَاءَ عَلَى مُحْصَرٍ تَحَلَّلَ قَبْلَ فَوْتِ حَجٍّ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي الْإِقْنَاعِ بِقَبْلِ فَوْتِ الْحَجِّ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى خِلَافِهِ. (وَمِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ الْمُحْصَرِ فِي عَدَمِ

وُجُوبِ الْقَضَاءِ (مَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ) قَالَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ (لَكِنْ مَنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُ الْحَجِّ ذَلِكَ الْعَامَ لَزِمَهُ) فِعْلُهُ (وَإِلَّا) . يُمْكِنْهُ فِعْلُهُ ذَلِكَ الْعَامَ (فَلَا) يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ (فَلَوْ أُحْصِرَ فِي) حَجٍّ (فَاسِدٍ) فَلَهُ التَّحَلُّلُ مِنْهُ بِذَبْحِ هَدْيٍ إنْ وَجَدَهُ أَوْ صَوْمٍ إنْ عَدِمَهُ كَالصَّحِيحِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ (وَتَحَلَّلَ، ثُمَّ) زَالَ الْحَصْرُ وَفِي الْوَقْتِ سِعَةٌ، وَ (أَمْكَنَهُ) الْقَضَاءُ (فَلَهُ الْقَضَاءُ فِي عَامِهِ) ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ فَوْرًا، فَمَتَى أَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ لَزِمَهُ، قَالَ الْمُوَفَّقُ وَجَمَاعَةٌ: وَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ الْقَضَاءُ فِي الْعَامِ الَّذِي أُفْسِدَ الْحَجُّ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (وَمَنْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ) دُونَ الْحَرَمِ (فِي حَجٍّ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ مَجَّانًا) أَيْ: وَلَمْ يَلْزَمْهُ بِهِ دَمٌ، لِأَنَّ قَلْبَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ مُبَاحٌ بِلَا حَصْرٍ. فَمَعَهُ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَافَ، وَسَعَى لِلْقُدُومِ، ثُمَّ أُحْصِرَ أَوْ مَرِضَ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ آخَرَيْنِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَمْ يَقْصِدْهُمَا لِلْعُمْرَةِ. (وَإِنْ أَمْكَنَ الْمُحْصَرُ وُصُولًا) إلَى الْحَرَمِ (مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى) غَيْرِ الَّتِي أُحْصِرَ فِيهَا لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّحَلُّلُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْحَرَمِ، فَلَيْسَ بِمُحْصَرٍ، و (لَزِمَهُ) سُلُوكُهَا لِيُتِمَّ نُسُكَهُ، لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (وَلَوْ بَعُدَتْ) تِلْكَ الطَّرِيقُ (أَوْ خَشِيَ الْفَوَاتَ) ، أَيْ: فَوَاتَ الْحَجِّ. (وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْبَيْتِ) لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِالْإِحْلَالِ الِانْتِقَالَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ خَيْرٍ مِنْهَا، وَلَا التَّخَلُّصُ مِنْ أَذًى بِهِ بِخِلَافِ حَصْرِ الْعَدُوِّ، «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ،

وَقَالَتْ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ. قَالَ حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» فَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ يُبِيحُ التَّحَلُّلَ لَمَا احْتَاجَتْ إلَى شَرْطٍ، وَحَدِيثِ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَلَّ» ، مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ بِمُجَرَّدِهِ حَلَالًا، فَإِنْ حَمَلُوهُ عَلَى إبَاحَةِ التَّحَلُّلِ حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا إذَا اشْتَرَطَهُ، عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ كَلَامًا لِابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ، وَمَذْهَبُهُ بِخِلَافِهِ. (وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ) ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْبَيْتِ، (تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ) نَصًّا كَغَيْرِهِ (وَلَا يَنْحَرُ) مَنْ مَرِضَ أَوْ ذَهَبَتْ نَفَقَتُهُ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ (هَدْيًا إلَّا بِالْحَرَمِ) فَلَيْسَ كَالْمُحْصَرِ مِنْ عَدُوٍّ نَصًّا، فَيَبْعَثُ مَا مَعَهُ مِنْ الْهَدْيِ، فَيُذْبَحُ بِالْحَرَمِ، وَصَغِيرٍ كَبَالِغٍ فِيمَا سَبَقَ، لَكِنْ لَا يَقْضِي حَيْثُ وَجَبَ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَبَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَفَاسِدُ حَجٍّ فِي ذَلِكَ كَصَحِيحِهِ. (وَيُبَاحُ) لِمُحْرِمٍ (تَحَلُّلٌ) مِنْ إحْرَامٍ (لِحَاجَةٍ) إلَى (قِتَالِ عَدُوٍّ أَوْ إلَى بَذْلِ مَالٍ) كَثِيرٍ مُطْلَقًا وَمَسِيرِ كَافِرٍ وَيَجُوزُ قِتَالٌ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ الِانْصِرَافُ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ وَهُوَ أَوْلَى صَوْنًا لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الْإِقْنَاعِ: مَتَى كَانَتْ يَسِيرَةً وَجَبَ الْبَذْلُ، وَلَوْ لِكَافِرٍ، وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُشِيرَ إلَى خِلَافِهِ. (وَنُدِبَ قِتَالُ كَافِرٍ) إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ الظَّفَرُ بِهِ، وَلَا يَجِبُ إلَّا إذَا بَدَأَنَا بِالْقِتَالِ، أَوْ وَقَعَ النَّفِيرُ مِمَّنْ لَهُ الِاسْتِنْفَارُ فَيَتَعَيَّنُ إذْ ذَاكَ لِمَا يَأْتِي فِي الْجِهَادِ (وَمَنْ قَاتَلَ) مِنْ الْحُجَّاجِ (قَبْلَ تَحَلُّلٍ) أَوَّلٍ (وَلَبِسَ مَا تَجِبُ فِيهِ فِدْيَةٌ لِحَاجَةٍ) إلَيْهِ (جَازَ) لَهُ اللِّبْسُ (وَفَدَى) كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ وَتَغْطِيَتِهِ. وَإِنْ أَذِنَ الْعَدُوُّ لِلْحَاجِّ فِي الْعُبُورِ فَلَمْ يَثِقُوا بِهِمْ، فَلَهُمْ الِانْصِرَافُ وَالتَّحَلُّلُ، وَإِنْ وَثِقُوا بِهِمْ، لَزِمَهُمْ الْمُضِيُّ عَلَى الْإِحْرَامِ لِإِتْمَامِ النُّسُكِ، إذْ لَا عُذْرَ لَهُمْ إذَنْ.

فرع وقف الناس كلهم في غير يوم عرفة

(وَمَنْ حُصِرَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ رَمَى) الْجِمَارَ (وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ، لَمْ يَجُزْ تَحَلُّلُهُ لِنَحْوِ جِمَاعٍ) وَدَوَاعِيهِ وَعَقْدِ نِكَاحٍ (حَتَّى يَطُوفَ) لِلْإِفَاضَةِ، وَيَسْعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى، وَكَذَا لَوْ حُصِرَ عَنْ السَّعْيِ فَقَطْ، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ إحْرَامٍ تَامٍّ يُحَرِّمُ جَمِيعَ الْمَحْظُورَاتِ، وَهَذَا يُحَرِّمُ النِّسَاءَ خَاصَّةً، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، وَمَتَى زَالَ الْحَصْرُ أَتَى بِالطَّوَافِ وَسَعَى. (وَمَنْ حُصِرَ عَنْ) فِعْلٍ (وَاجِبٍ لَمْ يَتَحَلَّلْ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (وَعَلَيْهِ) لِتَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ (دَمٌ) كَمَا لَوْ تَرَكَهُ اخْتِيَارًا، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ لِتَمَامِ أَرْكَانِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَيَرْجِعُ) الْمُحْصَرُ (بِهِ) أَيْ: بِالدَّمِ (عَلَى مَنْ حَصَرَهُ) لِأَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي أَوْ) قَالَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ: (إنْ مَرِضْت فَلِي أَنْ أَحِلَّ، خُيِّرَ بِ) مُجَرَّدِ (وُجُودِ شَرْطِهِ) وَهُوَ الْحَبْسُ أَوْ الْمَرَضُ (بَيْنَ تَحَلُّلٍ مَجَّانًا وَ) بَيْنَ (بَقَاءٍ عَلَى إحْرَامِهِ) حَتَّى يَزُولَ عُذْرُهُ وَيُتِمَّ نُسُكَهُ (وَإِنْ قَالَ: إنْ مَرِضْت مَثَلًا فَأَنَا حَلَالٌ، حَلَّ بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ) أَيْ: الْمَرَضِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ، لِخَبَرِ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنَّ لَك عَلَى رَبِّك مَا اشْتَرَطْت» وَلِأَنَّ لِلشَّرْطِ تَأْثِيرًا فِي الْعِبَادَاتِ، بِدَلِيلِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي صُمْت شَهْرًا، لَكِنْ. إنْ تَحَلَّلَ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، فَوُجُوبُهَا بَاقٍ لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ. [فَرْعٌ وَقَفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ] (فَرْعٌ: لَوْ وَقَفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَوْ) وَقَفُوا (إلَّا يَسِيرًا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ) بِأَنْ وَقَفُوا الثَّامِنَ أَوْ الْعَاشِرَ (خَطَأً أَجْزَأَهُمْ) نَصًّا، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَابِرِ بْنِ أَسِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ» وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ. وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا قِيلَ بِالْقَضَاءِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَخْطَئُوا فِي الْعَدَدِ أَوْ الرُّؤْيَةِ، أَوْ الِاجْتِهَادِ فِي الْغَيْمِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ (وَيُجْزِئُ وُقُوفُ الْعَاشِرِ) مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إنْ كَانَ الْخَطَأُ لِأَجْلِ إغْمَاءِ الشَّهْرِ لَا إنْ كَانَ لِتَقْصِيرِهِمْ فِي الْعَدَدِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ (إجْمَاعًا) لِأَنَّ الْهِلَالَ لَمَّا يَرَهُ النَّاسُ وَيَعْلَمُوهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَطَأٌ وَصَوَابٌ لَا يُسْتَحَبُّ الْوُقُوفُ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا خَطَأَ. وَقَالَ: (وَلَوْ رَآهُ) أَيْ: الْهِلَالَ (طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، لَمْ يَنْفَرِدُوا بِالْوُقُوفِ، بَلْ الْوُقُوفُ مَعَ الْجُمْهُورِ) وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ فَاتَهُ الْحَجُّ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَفِي الِانْتِصَارِ وَإِنْ أَخْطَأَ عَدَدٌ يَسِيرٌ، وَفِي الْكَافِي وَالْمُجَرَّدِ: وَإِنْ أَخْطَأَ نَفَرٌ مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقَالُ: إنَّ النَّفَرَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ وَقَفَ النَّاسُ، أَوْ إلَّا يَسِيرًا، الثَّامِنَ وَالْعَاشِرَ خَطَأً أَجْزَأَهُمْ (وَاخْتَارَ فِي الْفُرُوعِ) أَنَّهُ (يَقِفُ مَنْ رَآهُ) أَيْ: الْهِلَالَ، يَقِينًا وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ (فِي) الْيَوْمِ (التَّاسِعِ) حَسْبَمَا (عِنْدَهُ) مِنْ الْيَقِينِ (وَ) يَقِفُ (مَعَ الْجُمْهُورِ) أَيْضًا لِئَلَّا يُنْسَبَ إلَى الِابْتِدَاعِ (وَهُوَ) اخْتِيَارٌ (حَسَنٌ) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَبُلُوغِ مَقْصُودِهِ بِنَفْيِ الشَّكِّ وَالِاحْتِيَاطِ.

باب الهدي والأضاحي والعقيقة وما يتعلق بها

[بَابُ الْهَدْيِ وَالْأَضَاحِيِّ وَالْعَقِيقَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] (الْهَدْيُ) مِنْ: هَدَى يَهْدِي، وَمِنْ أَهْدَى يُهْدِي، وَهُوَ: (مَا يُهْدَى لِلْحَرَمِ مِنْ نَعَمٍ وَغَيْرِهَا) وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّى: مَا يُذْبَحُ بِمِنًى، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ يُهْدَى إلَى اللَّهِ تَعَالَى (وَالْأُضْحِيَّةُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا: (مَا يُذْبَحُ) أَيْ: يُذَكَّى (مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ) أَهْلِيَّةٍ (وَغَنَمٍ أَهْلِيَّةٍ أَيَّامَ النَّحْرِ) يَوْمَ الْعِيدِ وَتَالِيَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي (بِسَبَبِ الْعِيدِ) لَا لِنَحْوِ بَيْعٍ (تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) وَيُقَالُ فِيهَا: ضَحِيَّةٌ، وَجَمْعُهَا: ضَحَايَا، وَأَضْحَاةٌ وَالْجَمْعُ أَضْحَى، وَأَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] قَالَ جَمْعٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ التَّضْحِيَةُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا تُجْزِئُ أُضْحِيَّةٌ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ: الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الْأَهْلِيَّةِ (بِأَنْوَاعِهَا، فَلَا يُجْزِئُ) فِي أُضْحِيَّةٍ (وَحْشِيٌّ وَلَا مُتَوَلِّدٌ) بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْمَنْعِ (وَيَصِحُّ هَدْيُ كُلِّ مُتَمَوَّلٍ) مِنْ أَثَاثٍ وَسِلَاحٍ وَنَقْدٍ وَحَيَوَانٍ (وَهُوَ) أَيْ: الْهَدْيُ بِأَنْوَاعِهِ (سُنَّةٌ لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ) ولَمْ يَأْتِهَا، لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ الْهَدْيَ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ» فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ «وَأَهْدَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّتِهِ مِائَةَ بَدَنَةٍ» قَالَ جَابِرٌ «فِي صِفَةِ حَجِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ، وَاَلَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

مِائَةً وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ إلَى مَكَّةَ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ» . (وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا) أَيْ: الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ (إبِلٌ فَبَقَرٌ إنْ أُخْرِجَ كَامِلًا وَإِلَّا) يُخْرِجْ كَامِلًا (فَغَنَمٌ) يُهْدِيهِ أَوْ يُضَحِّي بِهِ أَفْضَلُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ. . . الْحَدِيثَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ ثَمَنًا وَلَحْمًا وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (ثُمَّ شَرَكَ سَبْعٌ) فَأَكْثَرُ (فِي بَدَنَةٍ، ثُمَّ شَرَكَ فِي بَقَرَةٍ) لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ مَقْصُودَةٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَالْمُنْفَرِدُ تَقَرَّبَ بِإِرَاقَتِهِ كُلِّهِ، (وَ) الْأَفْضَلُ (مِنْ كُلِّ جِنْسٍ أَسْمَنُ، فَأَغْلَى ثَمَنًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْظِيمُهَا: اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا، وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا، وَأَكْثَرُ لِنَفْعِهَا (فَأَشْهَبُ) أَيْ: أَفْضَلُ أَلْوَانِهَا الْأَشْهَبُ (وَهُوَ: الْأَمْلَحُ، وَهُوَ: الْأَبْيَضُ) النَّقِيُّ الْبَيَاضِ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ (أَوْ مَا) فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، وَ (بَيَاضُهُ أَكْثَرُ مِنْ سَوَادِهِ) قَالَ الْكِسَائِيُّ، لِحَدِيثِ مَوْلَاةِ أَبِي وَرَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «دَمُ عَفْرَاءَ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: دَمُ بَيْضَاءَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ سَوْدَاوَيْنِ. وَلِأَنَّهُ لَوْنُ أُضْحِيَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَأَصْفَرُ فَأَسْوَدُ) أَيْ: كُلَّمَا كَانَ أَحْسَنَ لَوْنًا كَانَ أَفْضَلَ (قَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي الْبَيَاضُ، (وَقَالَ: أَكْرَهُ السَّوَادَ) انْتَهَى. (وَجَذَعُ ضَأْنٍ أَفْضَلُ مِنْ ثَنِيِّ مَعْزٍ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا تُعْجِبُنِي

الْأُضْحِيَّةُ إلَّا بِالضَّأْنِ، وَلِأَنَّهُ أَطْيَبُ لَحْمًا مِنْ ثَنِيِّ الْمَعْزِ (وَكُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ جَذَعِ الضَّأْنِ، وَثَنِيِّ الْمَعْزِ (أَفْضَلُ مِنْ سُبْعِ بَدَنَةٍ أَوْ) سُبْعِ (بَقَرَةٍ وَأَفْضَلُ مِنْ إحْدَاهُمَا) أَيْ: الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ (سَبْعُ شِيَاهٍ) لِكَثْرَةِ إرَاقَةِ الدِّمَاءِ (وَتَعَدُّدٍ فِي جِنْسٍ أَفْضَلُ مِنْ غَالٍ بِدُونِهِ) أَيْ: التَّعَدُّدِ، سَأَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ الْإِمَامَ أَحْمَدَ (فَ) قَالَ لَهُ: (بَدَنَتَانِ) سَمِينَتَانِ (بِتِسْعَةٍ أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ بِعَشَرَةٍ) أَمْ لَا؟ قَالَ: بَدَنَتَانِ أَعْجَبُ إلَيَّ. (وَذَكَرٌ وَأُنْثَى سَوَاءٌ) لِعُمُومِ، {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج: 34] وَقَوْلِهِ: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج: 36] «وَأَهْدَى، النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَيَتَّجِهُ: لَكِنَّ الْخَصِيَّ رَاجِحٌ) عَلَى غَيْرِهِ مِنْ النِّعَاجِ، وَصُرِّحَ بِهِ فِي الْفَائِقِ (وَالْإِقْنَاعِ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الْخَصِيُّ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ النَّعْجَةِ، لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا النَّصِّ، إذْ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمَا ذَكَرَهُ اتِّجَاهًا. (وَرَجَّحَ الْمُوَفَّقُ الْكَبْشَ) فِي الْأُضْحِيَّةِ (عَلَى سَائِرِ النَّعَمِ) لِأَنَّهُ أُضْحِيَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا يُجْزِئُ) فِي هَدْيٍ وَاجِبٍ وَلَا أُضْحِيَّةٍ (دُونَ جَذَعِ ضَأْنٍ) وَهُوَ (مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ) كَوَامِلَ، لِحَدِيثِ: «يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ أُضْحِيَّةً» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَالْهَدْيُ مِثْلُهَا، وَيُعْرَفُ بِنَوْمِ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِهِ، قَالَهُ الْخِرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ (وَ) لَا يُجْزِئُ دُونَ (ثَنِيِّ مَعْزٍ) وَهُوَ: (مَا لَهُ سَنَةٌ) كَامِلَةٌ، لِأَنَّهُ قَبْلَهَا لَا يُلَقِّحُ، بِخِلَافِ جَذَعِ الضَّأْنِ، فَإِنَّهُ

يَنْزُو فَيُلَقِّحُ (وَ) لَا يُجْزِئُ دُونَ (ثَنِيِّ بَقَرٍ) وَهُوَ (مَا لَهُ سَنَتَانِ) كَامِلَتَانِ، (وَ) لَا يُجْزِئُ دُونَ (ثَنِيِّ إبِلٍ) وَهُوَ (مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ) كَوَامِلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ. (وَتُجْزِئُ شَاةٌ عَنْ وَاحِدٍ وَ) عَنْ (أَهْلِ بَيْتِهِ وَعِيَالِهِ وَمَمَالِيكِهِ) نَصًّا، لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ» قَالَ فِي الشَّرْحِ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (وَ) تُجْزِئُ (بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ عَنْ سَبْعَةٍ فَأَقَلَّ لَا أَكْثَرَ) ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «نَحَرْنَا بِالْحُدَيْبِيَةِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيُعْتَبَرُ ذَبْحُهَا) أَيْ: الْبَدَنَةِ (عَنْهُمْ) نَصًّا لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (فَلَا يُجْزِئُ اشْتِرَاكُ) جَمَاعَةٍ فِيهَا (بَعْدَ ذَبْحٍ) قَالَهُ الشِّيرَازِيُّ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُجْزِئُ (شِرَاءُ) بَدَنَةٍ وَنَحْوِهَا (مَذْبُوحَةً) لِأَنَّهَا ذُبِحَتْ لِلَّحْمِ لَا لِغَيْرِهِ (وَتُجْزِئُ) الْبَدَنَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ (لَوْ) أَرَادُوا كُلُّهُمْ قُرْبَةً، أَوْ (أَرَادَ بَعْضُهُمْ قُرْبَةً، وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ لَحْمًا، أَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ) مُسْلِمًا وَبَعْضُهُمْ (ذِمِّيًّا) فِي قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَهُ الْقَاضِي. (وَلَوْ ذَبَحُوهَا) أَيْ: الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ (عَلَى أَنَّهُمْ سَبْعَةٌ، فَبَانُوا ثَمَانِيَةً، ذَبَحُوا شَاهً وَأَجْزَأَتْهُمْ) الشَّاةُ مَعَ الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ، فَإِنْ بَانُوا تِسْعَةً ذَبَحُوا شَاتَيْنِ وَهَكَذَا (وَلَوْ اشْتَرَكَا) أَيْ: اثْنَانِ (فِي شَاتَيْنِ مَشَاعًا، أَجْزَأَ) ذَلِكَ عَنْهُمَا، كَمَا لَوْ ذَبَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاةً. (وَتُجْزِئُ) فِي الْهَدِيَّةِ وَالْأُضْحِيَّةِ (جَمَّاءُ، وَهِيَ: مَا خُلِقَتْ بِلَا قَرْنٍ، وَبَتْرَاءُ) وَهِيَ: (مَا لَا ذَنَبَ لَهَا خِلْقَةً، أَوْ) كَانَ ذَنَبُهَا (مَقْطُوعًا، وَ) تُجْزِئُ (صَمْعَاءُ) بِصَادٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَتَيْنِ، هِيَ:

(صَغِيرَةُ أُذُنٍ، وَمَا خُلِقَتْ بِلَا أُذُنٍ، وَ) يُجْزِئُ (خَصِيٌّ) وَهُوَ: مَا قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أَوْ سُلَّتَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ أَرْجَحُ مِنْ غَيْرِهِ (وَ) يُجْزِئُ (مَرْضُوضُ خُصْيَتَيْنِ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ» وَالْوِجَاءُ: رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ، وَلِأَنَّ الْخِصَاءَ إذْهَابُ عُضْوٍ غَيْرِ مُسْتَطَابٍ يَطِيبُ اللَّحْمُ بِذَهَابِهِ وَيَسْمَنُ (وَ) تُجْزِئُ (حَامِلٌ) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ (وَ) يُجْزِئُ كَبْشٌ (ذَاهِبٌ نِصْفُ أَلْيَتِهِ) (أَوْ) أَيْ: وَيُجْزِئُ ذَاهِبُ (نِصْفِ أُذُنِهِ أَوْ) نِصْفِ قَرْنِهِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، وَيَأْتِي، وَلَا يُجْزِئُ مَا ذَهَبَ (أَكْثَرُ) مِنْ نِصْفِ أَلْيَتِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ قَرْنِهِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ، قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ» قَالَ قَتَادَةُ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: الْعَضْبُ النِّصْفُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ أَحْمَدُ: الْعَضْبَاءُ: مَا ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ كَالْكُلِّ (وَلَا) يُجْزِئُ (مَا انْكَسَرَ غِلَافُ قَرْنِهَا، وَهِيَ: الْعَصْمَاءُ) قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ (وَلَا) يُجْزِئُ (مَا ذَهَبَ ثَنَايَاهَا مِنْ أَصْلِهَا، وَهِيَ: الْهَتْمَاءُ) فَلَوْ بَقِيَ مِنْ الثَّنَايَا بَقِيَّةٌ أَجْزَأَ (وَ) لَا تُجْزِئُ (مَا شَابَ وَنَشَفَ ضَرْعُهَا. وَهِيَ: الْجَدَّاءُ وَالْجَدْبَاءُ) لِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ مِنْ غَيْرِهَا (وَلَا) تُجْزِئُ (عَرْجَاءُ لَا تُطِيقُ مَشْيًا مَعَ صَحِيحَةٍ) إلَى الْمَرْعَى (وَلَا) تُجْزِئُ (بَيِّنَةُ الْعَوَرِ، بِأَنْ انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا) لِلْخَبَرِ الْآتِي (وَلَا) تُجْزِئُ (قَائِمَةُ عَيْنَيْنِ مَعَ ذَهَابِ إبْصَارِهِمَا) لِأَنَّ الْعَمَى يَمْنَعُ مَشْيَهَا مَعَ رَفِيقَتِهَا، وَيَمْنَعُ مُشَارَكَتَهَا فِي الْعَلَفِ، وَفِي النَّهْيِ عَنْ الْعَوْرَاءِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْعَمْيَاءِ. (وَلَا) تُجْزِئُ (عَجْفَاءُ لَا تُنْقِي) بِضَمِّ التَّاءِ، وَكَسْرِ الْقَافِ (وَهِيَ: الْهَزِيلَةُ الَّتِي لَا مُخَّ فِيهَا، وَلَا بَيِّنَةُ الْمَرَضِ بِجَرَبٍ

أَوْ غَيْرِهِ) لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. فَإِنْ كَانَ عَلَى عَيْنِهَا بَيَاضٌ، وَلَمْ يَذْهَبْ أَجْزَأَتْ، لِأَنَّ عَوَرَهَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ، وَلَا يَنْقُصُ بِهِ لَحْمُهَا (وَلَا) يُجْزِئُ (خَصِيٌّ مَجْبُوبٌ) وَهُوَ: مَا قُطِعَ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ، نَصًّا، فَإِنْ قُطِعَتْ أُنْثَيَاهُ فَقَطْ، أَوْ سُلَّتَا أَوْ رُضَّتَا أَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ فَقَطْ، أَجْزَأَ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُجْزِئُ (غَيْرُ مِلْكِهِ وَلَوْ أُجِيزَ بَعْدُ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَكُرِهَ مَعِيبَةُ أُذُنٍ وَقَرْنٍ بِخَرْقٍ أَوْ شَقٍّ أَوْ قَطْعِ نِصْفٍ فَأَقَلَّ، وَهِيَ: الْعَضْبَاءُ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ وَلَا شَرْقَاءَ» قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ: مَا الْمُقَابَلَةُ؟ قَالَ: تَقْطَعُ طَرَفَ الْأُذُنِ، قُلْت: فَمَا الْمُدَابَرَةُ؟ قَالَ: تَقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ الْأُذُنِ، قُلْت: فَمَا الْخَرْقَاءُ؟ قَالَ: تَشُقُّ الْأُذُنَ، قُلْت: فَمَا الشَّرْقَاءُ؟ قَالَ تَشُقُّ أُذُنَهَا لِلسِّمَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ، فَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهَا، لِأَنَّ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. (وَيَتَّجِهُ) : بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: أَنَّ مَقْطُوعَةَ نِصْفِ (الْأَلْيَةِ كَذَلِكَ) أَيْ: تُكْرَهُ مَعَ الْإِجْزَاءِ، لِمَا فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: لَا بَأْسَ بِكُلِّ نَقْصٍ دُونَ النِّصْفِ، قَالَ: وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النِّصْفَ يَكْرَهُهُ، وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهَا تُكْرَهُ حَامِلًا، لِلْخِلَافِ فِي عَدَمِ إجْزَائِهَا، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْإِمَامِ

فرع لا يمنع الإجزاء في الهدي والأضحية عيب حدث بمعالجة ذبح

أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، قِيلَ لِلْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: الْحَامِلُ لَا تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، فَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: الْقَصْدُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ اللَّحْمُ، وَالْحَمْلُ يُنْقِصُ اللَّحْمَ، وَالْقَصْدُ مِنْ الزَّكَاةِ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ، وَالْحَامِلُ أَقْرَبُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْحَائِلِ فَأَجْزَأَتْ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا الِاتِّجَاهَ مَسْبُوقٌ إلَيْهِ. [فَرْعٌ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ عَيْبٌ حَدَثَ بِمُعَالَجَةِ ذَبْحٍ] . (فَرْعٌ: قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ) فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ (عَيْبٌ حَدَثَ بِمُعَالَجَةِ ذَبْحٍ) كَانَ أَصَابَتْ الشَّفْرَةُ عَيْنَ الْمَذْبُوحِ فَقَلَعَتْهَا، أَوْ تَعَاصَى فَأَلْقَاهُ الذَّابِحُ بِعُنْفٍ، فَكَسَرَ رِجْلَهُ أَوْ غِلَافَ قَرْنِهِ وَنَحْوَهُ. [فَصْلٌ سُنَّ نَحْرُ إبِلٍ قَائِمَةٍ] (فَصْلٌ) (وَسُنَّ نَحْرُ إبِلٍ قَائِمَةٍ مَعْقُولَةٍ يَدُهَا الْيُسْرَى بِأَنْ يَطْعَنَهَا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا بِنَحْوِ حَرْبَةٍ (فِي الْوَهْدَةِ) وَهِيَ (بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ) لِحَدِيثِ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ أَنَاخَ بَدَنَةً لِيَنْحَرَهَا، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قَائِمَةً مُقَيَّدَةً سُنَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا وَيُؤَيِّدُهُ: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36] أَيْ: سَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، لَكِنْ إنْ خَشِيَ أَنْ تَنْفِرَ أَنَاخَهَا» .

(وَ) سُنَّ (ذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ مُوَجَّهَةً لِلْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] وَلِحَدِيثِ: «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» وَيَجُوزُ نَحْرُ مَا يُذْبَحُ، وَذَبْحُ مَا يُنْحَرُ وَيَحِلُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ مَحِلَّ الذَّبْحِ، وَلِعُمُومِ حَدِيثِ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (وَيَقُولُ) عِنْدَ تَوْجِيهِ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ} [الأنعام: 79] الْآيَةَ) أَيْ: اُذْكُرْ تَمَامَ الْآيَةِ، وَهُوَ: {السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162] إلَى آخِرِ (الْآيَةِ) وَهُوَ {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] {لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163] . وَقَوْلُهُ: " مِنْ " بَدَلُ " أَوَّلُ " لِمُنَاسَبَةِ الْمَعْنَى. (وَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ) أَيْ: نَحْوِ الذَّابِحِ: (اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ) لِحَدِيثِ: «تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ ضَحَّى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. كَقَوْلِ وَكِيلِ ذَلِكَ، أَوْ يَقُولُ ذَابِحٌ بِيَدِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ شَاهِدٌ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَ مِنْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِك (وَيُسَمِّي ذَابِحٌ حِينَ يُحَرِّكُ يَدَهُ وُجُوبًا) وَتَسْقُطُ التَّسْمِيَةُ سَهْوًا، وَيُكَبِّرُ نَدْبًا (وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذَبَحَ يَوْمَ الْعِيدِ كَبْشَيْنِ، ثُمَّ قَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79] {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] {لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163] ، بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّسْمِيَةِ فَقَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ، وَيَذْبَحُ أَوْ يَنْحَرُ وَاجِبًا مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ قَبْلَ ذَبْحِ أَوْ نَحْرِ نَفْلٍ مِنْهُمَا مُسَارَعَةً

لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ وَسُنَّ إسْلَامُ ذَابِحٍ، لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلِيَهَا غَيْرُ أَهْلِهَا، وَإِلَّا بِأَنْ اسْتَنَابَ ذَابِحًا كِتَابِيًّا، كُرِهَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «وَلَا يَذْبَحُ ضَحَايَاكُمْ إلَّا طَاهِرٌ» (وَتُوَلِّيهِ) أَيْ: الْمُهْدِي أَوْ الْمُضَحِّي الذَّبْحَ (بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ) نَصًّا لِلْأَخْبَارِ (كَحُضُورِهِ) إنْ وَكَّلَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ: «وَاحْضُرُوهَا إذَا ذَبَحْتُمْ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكُمْ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا» (وَتُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ) أَيْ: الْمُوَكِّلِ حَالَ تَوْكِيلٍ فِي الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: أَنَّهَا (لَا) تُعْتَبَرُ (نِيَّةُ وَكِيلٍ) فِي ذَبْحِ أَوْ نَحْرِ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ مَعَ طُولِ الزَّمَنِ بَيْنَ التَّوْكِيلِ وَالْإِرَاقَةِ، لِأَنَّ الْهَدْيَ وَالْأُضْحِيَّةَ غَالِبًا يُخْرِجُهُمَا الْمُوَكِّلُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لِلَّهِ طَلَبًا لِلثَّوَابِ، فَلَا يَفْتَقِرُ فِعْلُ الْوَكِيلِ، إلَى نِيَّةٍ حِينَهُ، بِخِلَافِ وَكِيلٍ فِي دَفْعِ زَكَاةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهِ حَالَ دَفْعِهَا مَعَ طُولِ الزَّمَنِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ وَكِيلٍ وَلَا مُوَكِّلٍ وَقْتَ الْإِرَاقَةِ مَعَ تَعْيِينِ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ (مُطْلَقًا) طَالَ الزَّمَنُ أَوْ قَصُرَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا) تُعْتَبَرُ (تَسْمِيَةُ مُضْحًى عَنْهُ) وَلَا مُهْدًى عَنْهُ اكْتِفَاءً بِالنِّيَّةِ. (وَوَقْتُ ذَبْحِ أُضْحِيَّةٍ وَهَدْيِ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَ) هَدْيِ (مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ مِنْ بَعْدِ أَسْبَقِ صَلَاةِ الْعِيدِ بِالْبَلَدِ) الَّذِي تُصَلَّى بِهِ، وَلَوْ قَبْلَ

الْخُطْبَةِ (أَوْ مِنْ) بَعْدِ (قَدْرِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ) يَعْنِي: لِمَنْ بِمَحِلٍّ لَا تُصَلَّى فِيهِ. (وَيَتَّجِهُ) : كَكَوْنِهِ بِبَلَدٍ لَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، فَوَقْتُ ذَبْحِهِ مُضِيُّ قَدْرِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَلَدٍ تُقَامُ فِيهِ فَوْقَ فَرْسَخٍ، وَكَأَهْلِ الْبَوَادِي مِنْ أَصْحَابِ الطنبو الخركاوات وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ فِي حَقِّهِمْ تُعْتَبَرُ، فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِقَدْرِهَا، أَمَّا مَنْ كَانَ بِمِصْرٍ أَوْ بَلَدٍ تُصَلَّى فِيهِ الْعِيدُ فَلَيْسَ لَهُ الذَّبْحُ قَبْلَ الصَّلَاةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَإِنْ فَاتَتْ صَلَاةٌ بِزَوَالٍ ذَبَحَ بَعْدَهُ، لِحَدِيثِ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» وَحَدِيثِ: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (إلَى آخِرِ ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) قَالَ أَحْمَدُ: أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ خَمْسَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ: عُمَرُ وَابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ، وَالتَّضْحِيَةُ (فِي أَوَّلِهَا) أَيْ: أَيَّامِ الذَّبْحِ، وَهُوَ يَوْمُ الْعِيدِ أَفْضَلُ، وَأَفْضَلُهُ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، وَذَبْحُ الْإِمَامِ إنْ كَانَ (فَمَا يَلِيهِ) أَيْ: يَوْمَ الْعِيدِ، أَفْضَلُ مُسَارَعَةً لِلْخَيْرِ. (وَتُكْرَهُ) التَّضْحِيَةُ (لَيْلًا) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَتُجْزِئُ) لِأَنَّ اللَّيْلَ زَمَنٌ يَصِحُّ فِيهِ الرَّمْيُ فِي الْجُمْلَةِ كَالسُّقَاةِ وَالرُّعَاةِ، وَدَاخِلٌ فِي مُدَّةِ الذَّبْحِ، فَجَازَ فِيهِ كَالْأَيَّامِ (فَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ) لِلذَّبْحِ (قَضَى

فصل التضحية سنة مؤكدة

الْوَاجِبَ) وَفَعَلَ بِهِ (كَأَدَاءِ) مَذْبُوحٍ فِي وَقْتِهِ فَلَا يَسْقُطُ الذَّبْحُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهَا فِي وَقْتِهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْهَا حَتَّى خَرَجَ (وَسَقَطَ التَّطَوُّعُ) بِخُرُوجِ وَقْتِهِ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا (فَلَوْ ذَبَحَهُ) أَيْ: التَّطَوُّعَ (بَعْدُ) وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَلَحْمٌ لَا أُضْحِيَّةٌ يَصْنَعُ بِهِ (مَا شَاءَ كَذَبْحٍ قَبْلَ وَقْتِهِ) فَلَمْ يُجْزِئْهُ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَوَقْتُ ذَبْحِ هَدْيٍ وَاجِبٍ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ (مِنْ حِينِهِ) أَيْ: فِعْلُ الْمَحْظُورِ كَالْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ. وَإِذَا أَرَادَ فِعْلَ الْمَحْظُورِ لِعُذْرٍ يُبِيحُهُ، فَلَهُ ذَبْحُ مَا يَجِبُ بِهِ قَبْلَ فِعْلِهِ، لِوُجُودِ سَبَبِهِ، كَإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ عَنْ يَمِينٍ بَعْدَ حَلِفٍ (كَدَمٍ وَاجِبٍ لِتَرْكِ وَاجِبٍ) يَدْخُلُ وَقْتُهُ مِنْ تَرْكِهِ. (تَنْبِيهٌ: شُرُوطُ أُضْحِيَّةٍ) أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: (نَعَمٌ أَهْلِيَّةٌ) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ. (وَ) الثَّانِي: (سَلَامَتُهَا) مِنْ عُيُوبٍ مُضِرَّةٍ. (وَ) الثَّالِثُ: (دُخُولُ وَقْتِ) ذَبْحٍ. (وَ) الرَّابِعُ: (صِحَّةُ ذَكَاةٍ) بِأَنْ يَذْبَحَهَا مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا. [فَصْلٌ التَّضْحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ] (فَصْلٌ) (التَّضْحِيَةُ) : بِفَتْحِ التَّاءِ: ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ أَيَّامَ النَّحْرِ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَنْ مُسْلِمٍ تَامِّ الْمِلْكِ) وَهُوَ الْحُرُّ وَالْمُبَعَّضُ فِيمَا يَمْلِكُهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ (أَوْ مُكَاتَبٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الْوِتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» وَلِحَدِيثِ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَعَلَّقَهُ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا، وَكَالْعَقِيقَةِ، وَمَا اُسْتُدِلَّ بِهِ لِلْوُجُوبِ مِنْ

قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً» فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى تَأَكُّدِ الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، كَحَدِيثِ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَحَدِيثِ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (وَقَالَ الشَّيْخُ) تَقِيُّ الدِّينِ: (الْأُضْحِيَّةُ مِنْ النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ فَتُضَحِّي الْمَرْأَةُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ بِلَا إذْنِهِ) عِنْدَ غَيْبَتِهِ أَوْ امْتِنَاعِهِ كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ أَيْضًا: (وَ) يُضَحِّي (مَدِينٌ لَمْ يُطَالِبْهُ رَبُّ الدَّيْنِ. انْتَهَى) . وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: إذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ. (وَيَتَّجِهُ: وَيَقْتَصِرُ) مَدِينٌ ضَحَّى (عَلَى أَدْوَنَ) و (مُجْزِئٍ) فَلَا يَتَغَالَى فِي ثَمَنِهَا لِئَلَّا يَضُرَّ بِغَرِيمِهِ، لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكَذَا وَلِيُّ يَتِيمٍ) ضَحَّى (عَنْهُ) فَيَقْتَصِرُ عَلَى أَدْوَنَ مُجْزِئٍ حَيْثُ كَانَتْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ (وَكُرِهَ تَرْكُهَا) أَيْ: التَّضْحِيَةِ (لِقَادِرٍ) عَلَيْهَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (وَ) التَّضْحِيَةُ (عَنْ مَيِّتٍ أَفْضَلُ مِنْهَا عَنْ حَيٍّ) لِعَجْزِهِ وَاحْتِيَاجِهِ لِلثَّوَابِ (وَيُعْمَلُ بِهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ عَنْ مَيِّتٍ (كَ) أُضْحِيَّةٍ (عَنْ حَيٍّ) مِنْ أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ وَهَدِيَّةٍ (وَتَجِبُ) التَّضْحِيَةُ (بِنَذْرٍ) ، لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (وَكَانَتْ) التَّضْحِيَةُ (وَاجِبَةً عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَالْوِتْرِ وَقِيَامِ اللَّيْلِ لِلْخَبَرِ (وَذَبْحُهَا)

أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ (وَ) ذَبْحُ (عَقِيقَةٍ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةٍ بِثَمَنِهَا) نَصًّا، وَكَذَا هَدْيٌ، لِحَدِيثِ: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي فُرُشِهِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «وَقَدْ ضَحَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْدَى الْهَدَايَا، وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ» ، وَلَوْ أَنَّ الصَّدَقَةَ بِالثَّمَنِ أَفْضَلُ لَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ. (وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ ذَبْحِهَا) أَوْ قَبْلَهُ (قَامَ وَارِثُهُ مُقَامَهُ) فِي الْأَكْلِ وَالْإِهْدَاءِ وَالصَّدَقَةِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلَا تُبَاعُ فِي دَيْنِهِ. (وَسُنَّ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ وَصَدَقَتُهُ) مِنْهَا (أَثْلَاثًا) أَيْ: يَأْكُلُ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُهْدِي الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ (مِنْ أُضْحِيَّةٍ، وَلَوْ) كَانَتْ (وَاجِبَةً، وَهَدْيَ تَطَوُّعٍ. وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُهْدِيَ لِكَافِرٍ مِنْ أُضْحِيَّةِ تَطَوُّعٍ) قَالَ أَحْمَدُ: نَحْنُ نَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ: «يَأْكُلُ هُوَ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ مَنْ أَرَادَ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ عَلَى الْمَسَاكِينِ» قَالَ عَلْقَمَةُ: بَعَثَ مَعِي عَبْدُ اللَّهِ بِهَدِيَّةٍ فَأَمَرَنِي أَنْ آكُلَ ثُلُثًا وَأَنْ أُرْسِلَ إلَى أَهْلِ أَخِيهِ بِالثُّلُثِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] وَالْقَانِعُ: السَّائِلُ، وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرِيك، أَيْ: يَتَعَرَّضُ لَك لِتُطْعِمَهُ وَلَا يَسْأَلُ، فَذَكَرَ ثَلَاثَةً، فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَلَا يَجِبُ الْأَكْلُ مِنْهَا وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا» ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْهَدِيَّةُ مِنْ وَاجِبَةٍ لِكَافِرٍ، كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ، بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ (لَا مِنْ مَالِ يَتِيمٍ وَمُكَاتَبٍ فِي إهْدَاءٍ وَصَدَقَةٍ) أَيْ: إذَا ضَحَّى وَلِيُّ الْيَتِيمِ

عَنْهُ لَا يُهْدِي مِنْهَا، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ مِنْ مَالِهِ (وَيُوَفِّرُهَا لَهُ) وَكَذَا مُكَاتَبٌ ضَحَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِمَا ذُكِرَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إذْنِ سَيِّدِهِ فِي التَّضْحِيَةِ إذْنُهُ فِي التَّبَرُّعِ، (وَيَلْزَمُ غَيْرَهُمَا) أَيْ: الْيَتِيمِ وَالْمُكَاتَبِ (تَصَدُّقٌ بِأَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ لَحْمٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ الْأُوقِيَّةُ (لِوُجُوبِ صَدَقَةٍ بِبَعْضِهَا) فَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا ضَمِنَ قَدْرَ أُوقِيَّةٍ، لِأَنَّ مَا أُبِيحَ لَهُ أَكْلُهُ لَا تَلْزَمُهُ غَرَامَتُهُ، وَيَلْزَمُ غُرْمُ مَا وَجَبَتْ الصَّدَقَةُ بِهِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ مَعَ بَقَائِهِ، فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ إذَا أَتْلَفَهُ كَالْوَدِيعَةِ (وَيُعْتَبَرُ تَمْلِيكُ فَقِيرٍ لَحْمًا نِيئًا فَلَا يَكْفِي إطْعَامُهُ) كَالْوَاجِبِ فِي كَفَّارَةٍ. (وَنُسِخَ تَحْرِيمُ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ) فَيَدَّخِرُ مَا شَاءَ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ» وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ، لِأَنَّهُمَا لَمْ تَبْلُغْهُمَا الرُّخْصَةُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إلَّا زَمَنَ مَجَاعَةٍ، لِأَنَّهُ سَبَبُ تَحْرِيمِ الِادِّخَارِ. وَالدَّافَّةُ: قَوْمٌ مِنْ الْأَعْرَابِ يَرِدُونَ الْمِصْرَ لِيَتَوَسَّعُوا بِلُحُومِ الْأَضَاحِيِّ. (وَكَانَ مِنْ شِعَارِ الصَّالِحِينَ تَنَاوُلُ لُقْمَةٍ مِنْ نَحْوِ كَبِدِهَا) ، أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ (تَبَرُّكًا) وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ الْأَكْلَ (وَلَهُ إعْطَاءُ الْجَازِرِ مِنْهَا هَدِيَّةً وَصَدَقَةً) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أُقْسِمَ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمَفْهُومِ حَدِيثِ: «لَا تُعْطِ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا» قَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادٌ جَيِّدٌ. وَلِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ بَلْ أُولَى، لِأَنَّهُ

بَاشَرَهَا، وَتَاقَتْ إلَيْهَا نَفْسُهُ، وَ (لَا) يَجُوزُ إعْطَاؤُهُ مِنْهَا (بِأُجْرَتِهِ) لِلْخَبَرِ (وَيَتَصَدَّقُ نَدْبًا أَوْ يَنْتَفِعُ بِجِلْدِهَا وَجَلِّهَا) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا أَوْ تَبَعٌ لَهَا، فَجَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَاللَّحْمِ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَمِثْلِهِ) فِي الْحُكْمِ (هَدْيٌ، وَلَوْ) كَانَ (وَاجِبًا) حَيْثُ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ دَمَ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ، فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَازِرَ مِنْهُ صَدَقَةً، وَيَنْتَفِعَ بِجِلْدِهِ وَجَلِّهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَحَرُمَ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ: الذَّبِيحَةِ هَدْيًا كَانَتْ أَوْ أُضْحِيَّةً (وَلَوْ) كَانَتْ (تَطَوُّعًا) لِتَعَيُّنِهَا بِالذَّبْحِ، وَلِحَدِيثِ عَلِيٍّ السَّابِقِ (وَمِنْ جِلْدٍ وَجَلٍّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ: «وَلَا تَبِيعُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدْيِ، وَتَصَدَّقُوا وَاسْتَمْتِعُوا بِجُلُودِهَا» قَالَ أَحْمَدُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْف نَبِيعُهَا، وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أُضْحِيَّةً؟ ، (وَلَا يَأْكُلُ مِنْ هَدْيٍ وَاجِبٍ، وَلَوْ) كَانَ إيجَابُهُ (بِنَذْرٍ أَوْ تَعْيِينٍ غَيْرِ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَهُمَا غَيْرُ مَحْظُورٍ، فَأَشْبَهَا هَدْيَ التَّطَوُّعِ «وَلِأَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَمَتَّعْنَ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَدْخَلَتْ عَائِشَةُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَصَارَتْ قَارِنَةً، ثُمَّ ذَبَحَ عَنْهُنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَقَرَ فَأَكَلْنَ مِنْ لُحُومِهَا» قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ أَكَلَ مِنْ الْبَقَرِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ خَاصَّةً (فَإِنْ أَكَلَ هُوَ) أَيْ: الْمُهْدِي مِنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ (أَوْ) أَطْعَمَ (خَاصَّتَهُ) الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ (وَلَوْ) كَانُوا (فُقَرَاءَ حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ غَنِيًّا (وَضُمِنَ) مَأْكُولٌ (بِمِثْلِهِ لَحْمًا) لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ (وَمَا مَلَكَ أَكْلَهُ) كَأَكْثَرِ هَدْيِ

التَّطَوُّعِ (فَلَهُ هَدِيَّتُهُ) لِغَيْرِهِ، لِقِيَامِ الْمُهْدِي لَهُ مُقَامَهُ (وَإِلَّا) يَمْلِكْ أَكْلَهُ كَهَدْيٍ وَاجِبٍ غَيْرِ دَمِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ (ضَمِنَ) أَيْ: مُهْدِيهِ (بِمِثْلِهِ) لَحْمًا، لِأَنَّ الْجَمْعَ مَصْحُوبٌ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ، وَكَذَا إنْ أَعْطَى الْجَزَّارَ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا (كَبَيْعِهِ وَإِتْلَافِهِ) أَيْ: كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْهَدْيِ أَوْ أَتْلَفَهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا، وَإِنْ أَطْعَمَ مِنْهُ غَنِيًّا عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ جَازَ، كَالْأُضْحِيَّةِ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ: الْمُتْلِفُ مِنْ الْهَدْيِ (أَجْنَبِيٌّ بِقِيمَتِهِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لِأَنَّ اللَّحْمَ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ لَحْمًا لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ. انْتَهَى. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ لَا صِنَاعَةَ فِيهِ يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ فَهُوَ مِثْلِيٌّ (وَإِنْ مَنَعَ الْفُقَرَاءَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَخْذِهِ (حَتَّى أَنْتَنَ ضَمِنَ نَقْصَهُ إنْ انْتَفَعَ بِهِ، وَإِلَّا) يَنْتَفِعْ بِهِ (فَ) يَضْمَنْ (قِيمَتَهُ) قَالَهُ فِي الْفُصُولِ. (وَيَتَّجِهُ: يَشْتَرِي بِهَا) أَيْ: بِقِيمَتِهِ لَحْمًا (مِثْلَهُ) لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَمَنْ فَرَّقَ وَاجِبًا) مِنْ هَدْيِ نَذْرٍ (وَلَوْ أُضْحِيَّةً بِلَا

إذْنٍ) مِنْ مَالِكِهَا (لَمْ يَضْمَنْ) شَيْئًا (وَأَجْزَأَ) لِوُقُوعِ ذَلِكَ مَوْقِعَهُ (وَيُبَاحُ لِفُقَرَاءَ أَخْذٌ مِنْهُ) أَيْ: الْهَدْيِ، إذَا لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِمْ مَالِكُهُ (بِإِذْنٍ) مِنْهُ (كَقَوْلِهِ) أَيْ: الْمَالِكِ: (مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ، أَوْ بِتَخْلِيَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ وَقَالَ لِسَائِقِ الْبُدْنِ: اُصْبُغْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، وَاضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اكْتِفَاءِ الْفُقَرَاءِ بِذَلِكَ بِغَيْرِ لَفْظٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا (وَإِنْ سُرِقَ بِلَا تَفْرِيطٍ مَذْبُوحٌ لَا حَيٌّ مِنْ أُضْحِيَّةٍ) مُعَيَّنَةٍ (أَوْ هَدْيٍ مُعَيَّنٍ ابْتِدَاءً، أَوْ عَنْ وَاجِبٍ بِذِمَّةٍ وَلَوْ) كَانَ وَاجِبًا (بِنَذْرٍ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ) لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ، فَلَا يَضْمَنُهُ بِتَلَفِهِ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ. (وَيَتَّجِهُ) بِ (احْتِمَالٍ) قَوِيٍّ: (وَمِثْلُهُ) أَيْ: الْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ (مَسْرُوقٌ مِنْ نَحْوِ) دَمِ (مُتْعَةٍ) كَقِرَانٍ (وَمَا) أَيْ: دَمٍ (وَجَبَ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ) أَيْ: فَلَا شَيْءَ فِيهِ مَا لَمْ يُفَرِّطْ فِي حِفْظِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) مَا ذَبَحَهُ عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ (قَبْلَ ذَبْحٍ فَسُرِقَ، ضَمِنَ) مَا فِي ذِمَّتِهِ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِ عَنْ مَا لَهُ فَضَمِنَهُ، كَبَقِيَّةِ مَالِهِ. (وَيَتَّجِهُ) : أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّتِهِ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ سُرِقَ (أَوْ لَمْ يُسْرَقْ) وَمِثْلُهُ لَوْ تَلِفَ أَوْ ضَاعَ أَوْ غُصِبَ بَعْدَ ذَبْحِهِ، لِاشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَإِنْ ذَبَحَهَا) أَيْ: الْمُعَيَّنَةَ مِنْ هَدْيٍ

فرع أخذ المضحي شيئا من شعر الأضحية بعد دخول عشر ذي الحجة

وَأُضْحِيَّتَهُ (ذَابِحٌ فِي وَقْتِهَا بِلَا إذْنٍ) مِنْ رَبِّهَا (فَإِنْ) كَانَ الذَّابِحُ (نَوَاهَا عَنْ نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ) لَمْ تُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرَّقَ لَحْمَهَا أَوْ لَا (أَوْ) نَوَاهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ وَ (فَرَّقَ لَحْمَهَا، لَمْ تُجْزِ) عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَضَمِنَ) ذَابِحٌ (مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ) أَيْ: قِيمَتِهَا صَحِيحَةً وَمَذْبُوحَةً، (إنْ لَمْ يُفَرِّقْ لَحْمَهَا، وَ) ضَمِنَ (قِيمَتَهَا) صَحِيحَةً (إنْ فَرَّقَهُ) أَيْ: اللَّحْمَ، لِأَنَّهُ غَاصِبٌ مُتْلِفٌ عُدْوَانًا (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) ذَابِحٌ أَنَّهَا أُضْحِيَّةُ الْغَيْرِ بِأَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ لَحْمَهَا أَوْ عَلِمَهُ، وَنَوَى الْمُعَيَّنَةَ مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ عَنْ رَبِّهَا، أَوْ أَطْلَقَهُ (أَجْزَأَتْ) عَنْ مَالِكِهَا (لِعَدَمِ افْتِقَارِ نِيَّةِ ذَبْحٍ وَلَا ضَمَانَ) نَصًّا، لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا (فَلَوْ ضَحَّى اثْنَانِ) كُلٌّ مِنْهُمَا ضَحَّى (بِأُضْحِيَّةِ الْآخَرِ غَلَطًا، كَفَتْهُمَا) لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا بِذَبْحِهَا فِي وَقْتِهَا (وَلَا ضَمَانَ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ اسْتِحْسَانًا، لِإِذْنِ الشَّرْعِ فِيهِ، وَلَوْ فَرَّقَا اللَّحْمَ (وَإِنْ بَقِيَ اللَّحْمُ) أَيْ: لَحْمُ مَا ذَبَحَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، (تَرَادَّاهُ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُفَرِّقَ أُضْحِيَّتَهُ بِنَفْسِهِ فَكَانَ أُولَى بِهِ. [فَرْعٌ أَخَذَ المضحي شَيْئًا مِنْ شعر الْأُضْحِيَّة بَعْد دُخُول عَشْر ذِي الْحَجَّة] (فَرْعٌ: إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) أَيْ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ (حَرُمَ فَقَطْ عَلَى مَنْ يُضَحِّي أَوْ يُضَحَّى عَنْهُ أَخَذَ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفْرِهِ أَوْ بَشَرَتِهِ إلَى الذَّبْحِ) أَيْ: ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ

أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَا مِنْ بَشَرَتِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ: «كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُقَلِّدُهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَهُوَ فِي الْهَدْيِ لَا فِي الْأُضْحِيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ، وَمَا قَبْلَهُ خَاصٌّ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَحْوِ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَالْجِمَاعِ، فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ حَلْقِ شَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ قَبْلَ أَنْ يُضَحِّيَ، اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهُ، وَلَا فِدْيَةَ عَمْدًا فَعَلَهُ أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا. فَائِدَةٌ: الْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ أَخْذِ مَنْ يُرِيدُ التَّضْحِيَةَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفْرِهِ أَوْ بَشَرَتِهِ، لِتَشْمَلَ الْمَغْفِرَةُ وَالْعِتْقُ مِنْ النَّارِ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا، وَتَوْجِيهُهُ بِالتَّشْبِيهِ بِالْمُحْرِمِينَ فَاسِدٌ، لِعَدَمِ كَرَاهَةِ مَسِّهِ الطِّيبَ وَالْمَخِيطَ وَالنِّسَاءَ اتِّفَاقًا. قَالَهُ الْمُنَقِّحُ. (وَلَوْ) ضَحَّى (بِوَاحِدَةٍ لِمَنْ يُضَحِّي بِأَكْثَرَ) مِنْهَا فَيَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ، لِعُمُومِ حَتَّى يُضَحِّيَ. (وَيَتَّجِهُ هَذَا) أَيْ: الْأَخْذُ مِنْ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ وَبَشَرَتِهِ مَمْنُوعٌ (فِي) حَقِّ (غَيْرِ مُتَمَتِّعٍ حَلَّ) إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَسُنَّ حَلْقُ) مُضَحٍّ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الصُّبْحِ، قَالَ أَحْمَدُ: عَلَى الذَّابِحِ مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ تَعْظِيمًا لِذَلِكَ الْيَوْمِ.

فصل الهدي يتعين بقوله هذا هدي

[فَصْلٌ الْهَدْيُ يَتَعَيَّنُ بِقَوْلِهِ هَذَا هَدْيٌ] (فَصْلٌ) (الْهَدْيُ يَتَعَيَّنُ بِ) قَوْلِهِ: (هَذَا هَدْيٌ) لِاقْتِضَائِهِ الْإِيجَابَ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ (أَوْ بِتَقْلِيدِهِ) النَّعْلَ وَالْعُرَى وَآذَانَ الْقُرَبِ بِنِيَّةِ كَوْنِهِ هَدْيًا (أَوْ) بِ (إشْعَارِهِ بِنِيَّتِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ، لِقِيَامِ الْفِعْلِ الدَّالِ عَلَى الْمَقْصُودِ مَعَ النِّيَّةِ مَقَامَ اللَّفْظِ كَبِنَاءِ مَسْجِدٍ، وَيَأْذَنُ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ (وَ) تَتَعَيَّنُ (أُضْحِيَّةٌ بِ) قَوْلِهِ: (هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) أَيْ: وَيَتَعَيَّنُ هَدْيٌ وَأُضْحِيَّةٌ بِقَوْلِهِ: هَذَا، أَوْ: هَذِهِ (لِلَّهِ، أَوْ) : هَذِهِ (صَدَقَةٌ، وَنَحْوُهُ مِنْ أَلْفَاظِ النَّذْرِ) كَلِلَّهِ عَلَيَّ ذَبْحُهُ (فِيهِمَا) أَيْ: الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ. (وَيَتَّجِهُ: لَا) يَتَعَيَّنُ هَدْيٌ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْيٌ وَنَحْوُهُ (إنْ قَالَهُ نَحْوُ مُتَلَاعِبٍ) كَمَازِحٍ، إذْ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا. (وَيَدِينُ) مُدَّعٍ عَدَمَ التَّعْيِينِ بِقَوْلِ أَوْ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيُقْبَلُ مِنْهُ حُكْمًا، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَلَا تَعْيِينَ) لِهَدْيٍ وَلَا أُضْحِيَّةٍ (بِنِيَّةِ) ذَلِكَ حَالَ (شِرَاءٍ) لِأَنَّ التَّعْيِينَ إزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا تَعْيِينَ (بِسَوْقٍ) مَعَ نِيَّةِ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ أَوْ إشْعَارٍ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْهَدْيِ (كَإِخْرَاجِهِ مَالًا لِصَدَقَةٍ بِهِ) فَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ لِلْخَبَرِ (وَمَا تَعَيَّنَ) مِنْ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ (جَازَ نَفْلٌ فِيهِ وَشِرَاءُ خَيْرٍ مِنْهُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ مِنْ نَفْعِ

الْفُقَرَاءِ بِالزِّيَادَةِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا، وَالْإِبْدَالُ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ. (وَيَصِيرُ) مَا اشْتَرَاهُ (مُعَيَّنًا بِمُجَرَّدِ شِرَائِهِ) اكْتِفَاءً بِالتَّعْيِينِ الْأَوَّلِ (وَ) جَازَ (إبْدَالُ لَحْمِ) مَا تَعَيَّنَ مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ (بِخَيْرٍ مِنْهُ) لِحَظِّ الْفُقَرَاءِ، وَ (لَا) يَجُوزُ إبْدَالُ مَا تَعَيَّنَ مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَّةٍ أَوْ لَحْمِهِمَا (بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ) بِمَا (دُونَهُ) إذْ لَا حَظَّ فِي ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ (وَلَا) يَجُوزُ (بَيْعُهُ) أَيْ: مَا تَعَيَّنَ (فِي دَيْنٍ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتٍ) كَعِتْقِ مَعِيبٍ عَنْ كَفَّارَتِهِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْكَفَّارَةِ (وَذَبْحٌ) وُجُوبًا (بِوَقْتِ أُضْحِيَّةٍ) وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا، وَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مُقَامَهُ فِي أَكْلٍ وَصَدَقَةٍ وَهَدِيَّةٍ (وَإِنْ عَيَّنَ فِيهِمَا) أَيْ: الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ (مَعْلُومَ عَيْبِهِ، تَعَيَّنَ) كَمَا لَوْ نَذَرَهُ (وَكَانَ قُرْبَةً) يُثَابُ عَلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ مِنْهُ لَحْمًا (لَا أُضْحِيَّةً) - قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِنْ حَدَثَ بِهَا، أَيْ: بِالْمُعَيَّنَةِ أُضْحِيَّةً، عَيْبٌ كَالْعَمَى وَالْعَرَجِ وَنَحْوِهِ، أَجْزَأَهُ، ذَبْحُهَا، وَكَانَتْ أُضْحِيَّةً - (مَا لَمْ يَزُلْ عَيْبُهُ) الْمَانِعُ مِنْ الْإِجْزَاءِ (قَبْلَ ذَبْحٍ) فَيُجْزِئُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ. (وَيَتَّجِهُ: لَا إنْ عَيَّنَ) هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً (نَحْوَ ضَبٍّ) كَضَبُعٍ (وَظِبَاءٍ) مِمَّا يُؤْكَلُ مِنْ الْوُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ وَالْبَحْرِيَّةِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ، وَحُكْمُهُ كَنَذْرٍ، فَلَوْ ذَبَحَهُ وَقْتَ الْأُضْحِيَّةِ، وَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ جَازَ، وَلَهُ ثَوَابُهُ لَحْمًا لَا أُضْحِيَّةً، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُ بَدَلِهِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، لِفَسَادِ التَّعْيِينِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَيَمْلِكُ) مَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَجْهَلُهُ وَعَيَّنَهُ

(رَدَّ مَا عَلِمَ عَيْبَهُ بَعْدَ تَعْيِينِهِ، أَوْ) أَيْ: وَيَمْلِكُ (أَخْذَ أَرْشِهِ، وَهُوَ) أَيْ: الْأَرْشُ (كَفَاضِلِ قِيمَةٍ فِيمَا يَأْتِي) قَرِيبًا (وَلَوْ بَانَتْ مَعِيبَةً) مُعَيَّنَةً (مُسْتَحَقَّةً، لَزِمَهُ بَدَلُهَا) نَصًّا (اعْتِبَارًا بِمَا فِي ظَنِّهِ) . (وَ) يُبَاحُ لِمُهْدٍ وَمُضَحٍّ أَنْ (يَرْكَبَ) هَدْيًا وَأُضْحِيَّةً مُعَيَّنَيْنِ (لِحَاجَةٍ فَقَطْ بِلَا ضَرَرٍ) لِحَدِيثِ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْت إلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَسَاكِينِ بِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ، لِلْحَدِيثِ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ بِهَا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (وَيَضْمَنُ النَّقْصَ) بِرُكُوبِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِ بِهَا (وَحَرُمَ) رُكُوبُهَا (بِلَا حَاجَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَوَلَدُ مُعَيَّنَةٍ) ابْتِدَاءً، أَوْ عَمَّا فِي ذِمَّةٍ مِنْ هَدْيٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ (كَهِيَ، وَلَوْ) كَانَ (حَادِثًا) بِأَنْ حَدَثَ بَعْدَ تَعْيِينِهَا، (فَيُذْبَحُ مَعَهَا إنْ أَمْكَنَ حَمْلُهُ) أَيْ: الْوَلَدِ، وَلَوْ عَلَى ظَهْرِهَا (أَوْ) أَمْكَنَ (سَوْقُهُ) إلَى الْمَنْحَرِ (وَإِلَّا) يُمْكِنْ حَمْلُهُ، وَلَا سَوْقُهُ (فَ) هُوَ (كَهَدْيٍ عَطِبَ) فَيَذْبَحُهُ مَوْضِعَهُ، وَيَأْتِي. (وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُ) أَيْ: وَلَدِهَا، وَلَمْ يَضُرَّهَا، وَلَا يُنْقِصُ لَحْمَهَا، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا يَضُرُّهَا، وَلَا وَلَدَهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ أَضَرَّ بِهَا أَوْ بِوَلَدِهَا (حَرُمَ، وَ) عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِهِ، فَإِنْ شَرِبَهُ (ضَمِنَهُ) لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذٍ. (وَ) يُبَاحُ أَنْ (يَجُزَّ صُوفَهَا) أَيْ: الْمُعَيَّنَةَ هَدْيًا أَوْ أُضْحِيَّةً (وَنَحْوَهُ) كَوَبَرِهَا (لِمَصْلَحَةٍ) لِانْتِفَاعِهَا بِهِ (وَيَتَصَدَّقُ)

بِهِ نَدْبًا (أَوْ يَنْتَفِعُ بِهِ كَجِلْدٍ) لِلِانْتِفَاعِ بِهِ دَوَامًا، فَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهَا لِيَقِيَهَا حَرًّا أَوْ بَرْدًا، حَرُمَ جَزُّهُ كَأَخْذِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا. (وَإِنْ أَتْلَفَهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةَ الْمُعَيَّنَةَ (أَجْنَبِيٌّ) غَيْرُ صَاحِبِهَا (أَوْ) أَتْلَفَهَا (صَاحِبُهَا ضَمِنَهَا) مُتْلِفُهَا (بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلِفَ) كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ (تُصْرَفُ فِي مِثْلِهَا كَهَدْيٍ) مُعَيَّنٍ (أُتْلِفَ أَوْ عَابَ بِفِعْلِهِ) أَيْ: صَاحِبِهِ (أَوْ تَفْرِيطِهِ) وَلَوْ كَانَ مَا عَيَّنَهُ زَائِدًا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ شَاةٌ، فَعَيَّنَ عَنْهَا بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً فَتَلِفَتْ، أَوْ تَعَيَّبَتْ، يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ نَظِيرَ الَّتِي عَيَّنَهَا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَفِي الْمُغْنِي لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ وَجَبَتْ بِتَعْيِينِهِ، وَقَدْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَسَقَطَتْ، كَمَا لَوْ عَيَّنَ هَدْيًا تَطَوُّعًا، ثُمَّ تَلِفَ (بِخِلَافِ قِنٍّ تَعَيَّنَ لِعِتْقٍ) بِأَنْ نَذَرَ عِتْقَهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ (فَأَتْلَفَهُ) مَالِكُهُ أَوْ غَيْرُهُ (فَلَا) يَلْزَمُهُ صَرْفُ قِيمَتِهِ فِي مِثْلِهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ حَقٌّ لِلرَّقِيقِ، وَقَدْ هَلَكَ. (وَإِنْ فَضَلَ) مِنْ قِيمَةِ الْمُعَيَّنِ (عَنْ شِرَاءِ الْمِثْلِ شَيْءٌ) لِنَحْوِ رُخْصٍ عَرَضَ (اشْتَرَى بِهِ) أَيْ: الْفَاضِلِ (شَاةً أَوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ، أَوْ) سُبْعَ (بَقَرَةٍ) إنْ بَلَغَ (فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ) ثَمَنَ شَاةٍ أَوْ سُبْعِ بَدَنَةٍ، أَوْ بَقَرَةٍ (تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِلَحْمٍ يَشْتَرِي بِهِ) أَيْ: بِالْفَاضِلِ، وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ مَا شَرَاهُ يُجْزِئُ فِي أُضْحِيَّةٍ، بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّدَقَةِ بِهِ (كَأَرْشِ جِنَايَةٍ فِي نُقْصَانِهَا) أَيْ: الذَّبِيحَةِ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَوْ مَرِضَتْ) أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ (فَخَافَ) صَاحِبُهَا (عَلَيْهَا) مَوْتًا (فَذَبَحَهَا، فَعَلَيْهِ بَدَلُهَا) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا (وَلَوْ تَرَكَهَا) بِلَا ذَبْحٍ (فَمَاتَتْ، فَلَا) شَيْءَ عَلَيْهِ نَصًّا، لِأَنَّهَا كَالْوَدِيعَةِ عِنْدَهُ وَلَمْ يُفَرِّطْ (وَعَكْسُهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةِ، (هَدْيُ، فَلَوْ عَطِبَ) كَتَعِبَ (بِطَرِيقٍ هَدْيُ وَاجِبٍ أَوْ تَطَوُّعٍ بِنِيَّةٍ دَامَتْ)

أَيْ: اسْتَمَرَّتْ، أَوْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ صُحْبَةَ الرِّفَاقِ (ذَبَحَهُ مَوْضِعَهُ) وُجُوبًا، لِئَلَّا يَمُوتَ (فَلَوْ فَرَّطَ) بِأَنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ (ضَمِنَهُ) بِقِيمَتِهِ يُوَصِّلُهَا (لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ) لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيصَالُهَا إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ مَا عَطِبَ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ يَشْتَرِي بِهَا بَدَلَهُ، وَإِنْ فَسَخَ نِيَّةَ التَّطَوُّعِ قَبْلَ ذَبْحِهِ فَعَلَ بِهِ مَا شَاءَ (وَسُنَّ غَمْسُ نَعْلٌ) الْهَدْيِ الْعَاطِبِ الْمُقَلَّدِ بِهِ (بِعُنُقِهِ فِي دَمِهِ وَضَرْبُ صَفْحَتِهِ بِهَا) أَيْ: النَّعْلِ الْمَغْمُوسَةِ فِي دَمِهِ (لِيَأْخُذَهُ الْفُقَرَاءُ، وَحَرُمَ أَكْلُهُ وَ) أَكْلُ (خَاصَّتِهِ مِنْهُ) أَيْ: الْهَدْيِ الَّذِي عَطِبَ غَيْرَ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ (كَمَا مَرَّ) لِحَدِيثِ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: إنْ عَطِبَ شَيْءٌ مِنْهَا فَخَشِيتَ عَلَيْهِ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهُمَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ: «وَتُخْلِيهَا وَالنَّاسَ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَإِنَّمَا مُنِعَ السَّائِقُ وَرُفْقَتُهُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يُقَصِّرَ فِي الْحِفْظِ، فَيُعْطِبَ لِيَأْكُلَ هُوَ وَرُفْقَتُهُ مِنْهُ، فَلَحِقَتْهُ التُّهْمَةُ فِي عَطْبِهِ لِنَفْسِهِ وَرُفْقَتِهِ (وَيُجْزِئُ ذَبْحُ مَا) أَيْ: هَدْيٍ (تَعَيَّبَ لَا بِتَفْرِيطِهِ مِنْ وَاجِبٍ) بِالتَّعْيِينِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِيمَنْ جَرَّ بَقَرَةً بِقَرْنِهَا إلَى الْمَنْحَرِ فَانْقَلَعَ، (كَتَعْيِينِهِ مَعِيبًا، فَبَرِئَ) مِنْ عَيْبِهِ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «ابْتَعْنَا كَبْشًا نُضَحِّي بِهِ، فَأَصَابَ الذِّئْبُ مِنْ أَلْيَتِهِ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَنَا أَنْ نُضَحِّيَ بِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَإِنْ عَيَّنَهُ) أَيْ: عَيَّنَ صَحِيحًا فَتَعَيَّبَ بِلَا فِعْلِهِ وَلَا تَفْرِيطِهِ (عَنْ) دَمٍ (وَاجِبٍ سَلِيمٍ بِذِمَّتِهِ كَفِدْيَةٍ) وَهِيَ الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ مِنْ هَدْيِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ، وَمَا وَجَبَ بِتَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ (وَ) كَدَمٍ (مَنْذُورٍ) بِذِمَّتِهِ (تَعَيَّنَ) ذَلِكَ

الْمُتَعَيَّبُ (وَلَمْ يُجْزِهِ) ذَبْحُهُ عَمَّا بِذِمَّتِهِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِذِمَّتِهِ دَمٌ صَحِيحٌ، فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ دَمٌ مَعِيبٌ، وَيَعُودُ الْوُجُوبُ إلَى الذِّمَّةِ، كَمَا لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ، فَاشْتَرَى بِهِ مَكِيلًا، ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَعَادَ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تَبْرَأْ مِنْ الْوَاجِبِ بِالتَّعْيِينِ عَنْهُ، كَالدَّيْنِ يَضْمَنُهُ ضَامِنٌ، أَوْ يَرْهَنُ بِهِ رَهْنًا، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِالضَّامِنِ، وَالرَّهْنُ مَعَ بَقَائِهِ بِذِمَّةِ الْمَدِينِ فَمَتَى تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الضَّامِنِ، أَوْ تَلِفَ الرَّهْنُ، بَقِيَ الْحَقُّ فِي الذِّمَّةِ بِحَالِهِ، وَيَحْصُلُ التَّعْيِينُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِالْقَوْلِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَنْ بِذِمَّتِهِ دَمٌ وَاجِبٌ (نَظِيرُهُ) أَيْ: نَظِيرُ مَا تَعَيَّبَ (سَلِيمًا وَلَوْ زَادَ) الَّذِي عَيَّنَهُ (عَمَّا) أَيْ: عَنْ الَّذِي (بِذِمَّتِهِ كَبَدَنَةٍ عُيِّنَتْ) أَيْ: كَأَنْ عَيَّنَهَا (عَنْ شَاةٍ) فَتَعَيَّبَتْ الْبَدَنَةُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ نَظِيرُ الَّتِي تَعَيَّبَتْ، لِتَعَلُّقِ الْوَاجِبِ بِهَا، فَلَزِمَهُ مِثْلُهَا، وَإِنْ كَانَ أَزْيَدَ مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ (وَكَذَا لَوْ سُرِقَ) الْمُعَيَّنُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ (أَوْ ضَلَّ أَوْ غُصِبَ) فَيَلْزَمُهُ نَظِيرُهُ، وَلَوْ زَادَ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ سَاقَ هَدْيًا وَاجِبًا فَعَطِبَ أَوْ مَاتَ، فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ، وَإِنْ نَحَرَهُ جَازَ أَكْلُهُ مِنْهُ، وَيُطْعِمُ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّ عَلَيْهِ الْبَدَلَ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَلَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ) أَيْ: الْعَاطِبِ وَالْمَسْرُوقِ وَالضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ (لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ أَوْ تَعْيِينِهِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا أَهْدَتْ هَدْيَيْنِ، فَأَضَلَّتْهُمَا، فَبَعَثَ إلَيْهَا ابْنَ الزُّبَيْرِ بِهَدْيَيْنِ، فَنَحَرَتْهُمَا، ثُمَّ عَادَ الضَّالَّانِ فَنَحَرَتْهُمَا، وَقَالَتْ: هَذِهِ سُنَّةُ الْهَدْيِ وَلِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِذَبْحِ غَيْرِهِ بَدَلَهُ.

فصل يجب هدي بنذر

[فَصْلٌ يَجِبُ هَدْيٌ بِنَذْرٍ] (فَصْلٌ) (يَجِبُ هَدْيٌ بِنَذْرٍ) لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ، وَلِأَنَّهُ طَاعَةٌ، فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ النُّذُورِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا (وَمِنْهُ) أَيْ: النَّذْرِ (إنْ لَبِسْتُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ، فَلَبِسَهُ بَعْدَ مِلْكِهِ) فَيَصِيرُ هَدْيًا وَاجِبًا يَلْزَمُهُ إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ. (وَسُنَّ سَوْقُ حَيَوَانٍ) أَهْدَاهُ (مِنْ الْحِلِّ) «لِسَوْقِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَجَّتِهِ الْبُدْنَ وَكَانَ يَبْعَثُ هَدْيَهُ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ» . (وَ) سُنَّ (أَنْ يَقِفَهُ) أَيْ: الْهَدْيَ (بِعَرَفَةَ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى هَدْيًا إلَّا مَا وَقَفَهُ بِعَرَفَةَ. وَلَنَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْهَدْيِ نَحْرُهُ، وَنَفْعُ الْمَسَاكِينِ بِلَحْمٍ، وَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهِ دَلِيلٌ. (وَ) سُنَّ (إشْعَارُ بُدْنٍ) بِضَمِّ الْبَاءِ، جَمْعُ: بَدَنَةٍ. (وَ) إشْعَارُ (بَقَرٍ بِشَقِّ صَفْحَةٍ يُمْنَى مِنْ سَنَامٍ) بِفَتْحِ السِّينِ (أَوْ) شَقِّ (مَحِلِّهِ) أَيْ: السَّنَامِ، مِمَّا لَا سَنَامَ لَهُ مِنْ بَقَرٍ وَإِبِلٍ (حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ. وَ) سُنَّ (تَقْلِيدُهُمَا) أَيْ: الْبُدْنِ وَالْبَقَرِ (مَعَ) تَقْلِيدِ (غَنَمٍ النَّعْلَ وَآذَانَ قُرَبٍ وَعُرًى) بِضَمِّ الْعَيْنِ: جَمْعُ: عُرْوَةٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ إيلَامٌ لِفَرْضٍ صَحِيحٍ، فَجَازَ كَالْكَيِّ وَالْوَسْمِ وَالْحِجَامَةِ، وَفَائِدَتُهُ تَوَقِّي نَحْوِ لِصٍّ لَهَا، وَعَدَمُ اخْتِلَاطِهَا بِغَيْرِهَا. وَسُنَّ أَنْ يَكُونَ بِالْمِيقَاتِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا بِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ، فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ مِنْهَا بِيَدِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِنْ بَعَثَ بِهَا فَمِنْ بَلَدِهِ وَأَمَّا الْغَنَمُ فَلَا تُشْعَرُ، لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَصُوفُهَا وَشَعْرُهَا

يَسْتُرُهُ، وَأَمَّا تَقْلِيدُهَا فَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَمِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَإِنْ نَذَرَ هَدْيًا وَأَطْلَقَ) بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ (فَأَقَلُّ مُجْزِئٍ) عَنْ نَذْرِهِ (شَاةٌ) جَذَعُ ضَأْنٍ، أَوْ ثَنِيُّ مَعْزٍ (أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ) سُبْعُ (بَقَرَةٍ) لِحَمْلِ الْمُطْلَقِ فِي النَّذْرِ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ (وَإِنْ ذَبَحَ إحْدَاهُمَا) أَيْ: بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ (كَانَتْ) الْبَدَنَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ (كُلُّهَا وَاجِبَةً) لِتَعَيُّنِهَا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِذَبْحِهَا عَنْهُ. (وَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ إنْ أَطْلَقَ) الْبَدَنَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ (وَإِلَّا) يُطْلِقْ الْبَدَنَةَ، بِأَنْ نَوَى مُعَيَّنَةً (لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ) . كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ بِلَفْظِهِ (وَإِنْ نَذَرَ مُعَيَّنًا أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ، وَلَوْ) كَانَ (صَغِيرًا أَوْ مَعِيبًا أَوْ غَيْرَ حَيَوَانٍ) كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: النَّاذِرِ (إيصَالُهُ) إنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ، (وَ) إيصَالُ (ثَمَنِ غَيْرِ مَنْقُولٍ) كَعَقَارٍ (لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] وَلِأَنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ، شَرْعًا. وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تُهْدِيَ دَارًا قَالَ: تَبِيعُهَا وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ. (وَيَتَّجِهُ: فِي هَدْيِ صَيْدٍ) أَتَى بِهِ مِنْ الْجَبَلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ (ذَبْحُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ) وَإِيصَالُ لَحْمِهِ إنْ أَمْكَنَ (أَوْ بَيْعُهُ) إنْ خَشِيَ فَسَادَهُ (وَنَقْلُ ثَمَنِهِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ) وَهُوَ مُتَّجِهٌ. (وَكَذَا إنْ نَذَرَ سَوْقَ أُضْحِيَّةٍ لِمَكَّةَ، أَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ بِهَا) فَيَلْزَمُهُ لِلْخَبَرِ (وَإِنْ عَيَّنَ) بِنَذْرِهِ (شَيْئًا لِمَوْضِعٍ غَيْرِ الْحَرَمِ، وَلَا مَعْصِيَةَ فِيهِ) أَيْ: النَّذْرِ

فصل في العقيقة

لِذَلِكَ الْمَكَانِ (تَعَيَّنَ ذَبْحًا وَتَفْرِيقًا لِفُقَرَائِهِ) أَيْ: ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (أَوْ إطْلَاقُهُ لَهُمْ) فِي مَوْضِعِهِمْ. (وَيَتَّجِهُ) : إطْلَاقُهُ لَهُمْ (لِيَنْحَرُوهُ) وَيَنْتَفِعُوا بِهِ، لَا لِيَبِيعُوهُ وَيَقْتَسِمُوا ثَمَنَهُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ. لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ: أَبِهَا صَنَمٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ» وَلِأَنَّهُ قَصَدَ نَفْعَ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَكَانَ عَلَيْهِ إيصَالُهُ إلَيْهِمْ (فَإِنْ كَانَ بِهِ) أَيْ: ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (نَحْوُ صَنَمٍ) كَبُيُوتِ نَارٍ أَوْ كَنِيسَةٍ أَوْ أَمْرِ كُفْرٍ (فَ) هُوَ (نَذْرُ مَعْصِيَةٍ) يَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهِ، لِحَدِيثِ «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . تَتِمَّةٌ: لَوْ عَيَّنَ مَكَانًا لَيْسَ فِيهِ فُقَرَاءُ، لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْمَكَانُ، وَلَهُ الذَّبْحُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، كَالْمَنْذُورِ ذَبْحُهُ لَا بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ، فَلَهُ ذَبْحُهُ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ. [فَصْلٌ فِي الْعَقِيقَةُ] (فَصْلٌ) (الْعَقِيقَةُ) : الذَّبِيحَةُ عَنْ الْمَوْلُودِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْعَقِّ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ عَقَّ وَالِدَيْهِ: إذَا قَطَعَهُمَا. وَالذَّبْحُ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ. وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ قَالَ أَحْمَدُ: الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَدْ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. فِي حَقِّ أَبٍ لَا غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَيَقْتَرِضُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إذَا لَمْ يَكُنْ مَا يَعُقُّ

فَاسْتَقْرَضَ أَرْجُو أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إحْيَاءُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ، وَإِلَّا فَلَا يَقْتَرِضُ، لِأَنَّهُ إضْرَارٌ لِنَفْسِهِ وَغَرِيمِهِ. (وَلَا يَعُقُّ غَيْرُ أَبٍ) إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ بِمَوْتٍ أَوْ امْتِنَاعٍ، قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْت: وَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، فَلِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. (وَلَا يَعُقُّ مَوْلُودٌ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَبِرَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْأَبِ، فَلَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ (خِلَافًا لِجَمْعٍ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالرَّوْضَةِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ وَالنَّظْمِ وَغَيْرِهِمْ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: عَقَّ غَيْرُ الْأَبِ وَالْمَوْلُودُ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ كَبِرَ لَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا، قَالَ فِي شَرْحِ الْإِقْنَاعِ: قُلْت: لَكِنْ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْعَقِيقَةِ (فَ) تُسَنُّ (عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُتَقَارِبَتَانِ سِنًّا وَشَبَهًا، فَإِنْ عَدِمَ) الشَّاتَيْنِ (فَوَاحِدَةٌ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ تُجْزِئُ فِي أُضْحِيَّةٍ) جَذَعُ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيُّ مَعْزٍ، لِحَدِيثِ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» وَفِي لَفْظٍ: «عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» . (وَلَا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ) تُذْبَحُ عَقِيقَةً (إلَّا كَامِلَةً) نَصًّا، قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَأَفْضَلُهُ شَاةٌ تُذْبَحُ (فِي سَابِعِ وِلَادَةٍ) بِنِيَّةِ الْعَقِيقَةِ نَدْبًا ضَحْوَةً، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: ذَبْحُهَا يَوْمَ السَّابِعِ أَفْضَلُ (وَتُجْزِئُ قَبْلَهُ) أَيْ: السَّابِعِ، وَلَا تُجْزِئُ ذَبْحُهَا قَبْلَ وِلَادَةٍ، كَالْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْيَمِينِ، لِتَقَدُّمِهَا عَلَى سَبَبِهَا. (وَيَحْلِقُ فِيهِ) أَيْ: السَّابِعِ (رَأْسَ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ وَيَتَصَدَّقُ بِوَزْنِهِ وَرِقًا) لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَتُهُ بِعَقِيقَتِهِ

تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَأَبُو دَاوُد. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ، قَالَ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ لَمَّا وَلَدَتْ الْحَسَنَ: «احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالْأَوْقَاصِ» يَعْنِي: أَهْلَ الصُّفَّةِ. (وَكُرِهَ لَطْخُهُ) أَيْ: الْمَوْلُودِ (مِنْ دَمِهَا) أَيْ: الْعَقِيقَةِ، لِأَنَّهُ أَذًى وَتَنْجِيسٌ، لِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدٍ الْمُزَنِيّ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يُعَقُّ عَنْ الْغُلَامِ، وَلَا يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ مُهَنَّا: ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ، فَقَالَ: مَا أَظْرَفَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ يُدَمَّى رَوَاهُ دَمَّامٌ فَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَيُسَمَّى: أَيْ: مَكَانَ يُدَمَّى، قَالَ: وَهِمَ هَمَّامٌ، فَقَالَ: وَيُدَمَّى، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا أُرَاهُ إلَّا خَطَأً. وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلَطَّخَ رَأْسُهُ بِزَعْفَرَانٍ، لِقَوْلِ بُرَيْدَةَ: «كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ، ذَبَحَ عَنْهُ شَاةً، وَيُلَطِّخُ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَسُنَّ أَذَانٌ فِي يُمْنَى أُذُنَيْ مَوْلُودٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حِينَ يُولَدُ، وَإِقَامَةٌ بِيُسْرَى أُذُنَيْهِ، لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَاهُ. وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَأَقَامَ فِي أُذُنِهِ الْيُسْرَى، رُفِعَتْ عَنْهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ.» وَسُنَّ أَنْ يُحَنَّكَ الْمَوْلُودُ بِتَمْرَةٍ بِأَنْ تُمْضَغَ وَيُدَلَّكَ بِهَا دَاخِلَ فَمِهِ، وَيُفْتَحُ فَمُهُ لِيَنْزِلَ شَيْءٌ مِنْهَا جَوْفَهُ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: «وُلِدَ لِي غُلَامٌ، فَأَتَيْت بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمَّاهُ إبْرَاهِيمَ، وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ» زَادَ

الْبُخَارِيُّ: «وَدَعَا بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إلَيَّ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِي مُوسَى» فَإِنْ فَاتَ ذَبْحٌ بِيَوْمِ سَابِعٍ، فَفِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ يُسَنُّ، فَإِنْ فَاتَ ذَبْحٌ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَفِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ مِنْ وِلَادَتِهِ يُسَنُّ، رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ. وَلَا تُعْتَبَرُ الْأَسَابِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَعُقُّ فِي أَيِّ يَوْمٍ شَاءَ كَقَضَاءِ أُضْحِيَّةٍ وَغَيْرِهَا. وَيَنْزِعُهَا أَعْضَاءً نَدْبًا، وَلَا يُكَسِّرُ عَظْمَهَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «السُّنَّةُ شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ عَنْ الْغُلَامِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ تُطْبَخُ جُدُولًا لَا يُكْسَرُ لَهَا عَظْمٌ» ، أَيْ: عُضْوًا عُضْوًا، وَهُوَ الْجَدْلُ، بِدَالٍ، وَالْإِرْبُ وَالشِّلْوُ وَالْعُضْوُ أَوْ الْوَصْلُ كُلُّهُ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ لِلتَّفَاؤُلِ بِالسَّلَامَةِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ. (وَطَبْخُهَا أَفْضَلُ مِنْ إخْرَاجِهَا نِيئًا) نَصًّا (وَيَكُونُ مِنْهُ) أَيْ: الطَّبْخِ (شَيْءٌ بِحُلْوٍ) تَفَاؤُلًا بِحَلَاوَةِ أَخْلَاقِهِ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) فِي التَّنْبِيهِ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْطِيَ الْقَابِلَةَ مِنْهَا فَخْذًا) لِمَا فِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْعَقِيقَةِ الَّتِي عَقَّتْهَا فَاطِمَةُ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: أَنْ يَبْعَثُوا إلَى الْقَابِلَةِ بِرِجْلٍ، وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَلَا تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْمًا» وَحُكْمُهَا، أَيْ: الْعَقِيقَةِ كَأُضْحِيَّةٍ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا إلَّا مَا يُجْزِئُ فِي أُضْحِيَّةٍ، وَكَذَا فِيمَا يُسْتَحَبُّ وَيُكْرَهُ، وَفِي أَكْلٍ وَهَدِيَّةٍ وَصَدَقَةٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا تَمْلِيكٌ، قَالَ أَحْمَدُ: يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ جِيرَانَهُ، وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُؤْكَلُ مِنْ الْعَقِيقَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُؤْكَلُ مِنْهَا، قُلْت: كَمْ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. أَمَّا الْأَضَاحِيُّ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَلَكِنْ الْعَقِيقَةُ يُؤْكَلُ مِنْهَا، قُلْت: يُشْبِهُهَا فِي الْأَكْلِ الْأُضْحِيَّةُ، قَالَ: نَعَمْ، يُؤْكَلُ مِنْهَا فَتُطْبَخُ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ نَصًّا. (وَيُطْعِمُ مِنْهَا لِأَوْلَادٍ وَجِيرَانٍ وَمَسَاكِينَ) قِيلَ لِأَحْمَدَ، فَإِنْ طُبِخَتْ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَالْمِلْحِ؟ فَقَالَ: مَا ضَرَّ ذَلِكَ (لَكِنْ يُبَاعُ جِلْدٌ

وَرَأْسٌ وَسَوَاقِطُ) مِنْ عَقِيقَةٍ (وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ) أَيْ: مَا بِيعَ مِنْ ذَلِكَ (وَلَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِذَبْحِهَا، فَلَهُ بَيْعُهَا، بِخِلَافِ أُضْحِيَّةٍ) فِي بَيْعِ مَا ذُكِرَ (لِأَنَّهَا) أَيْ: الْأُضْحِيَّةَ (أَدْخَلُ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْعَقِيقَةِ (فِي التَّعَبُّدِ) وَالْعَقِيقَةُ إنَّمَا شُرِعَتْ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، أَشْبَهَتْ الْوَلِيمَةَ، وَالذَّكَرُ فِيهَا أَفْضَلُ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِكَبْشٍ كَبْشٍ» (وَيَقُولُ عِنْدَ ذَبْحِهَا: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ لَكَ وَإِلَيْكَ، هَذِهِ عَقِيقَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اذْبَحُوا عَلَى اسْمِهِ فَقُولُوا بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ لَكَ وَإِلَيْكَ، هَذِهِ عَقِيقَةُ فُلَانٍ» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَسَنٌ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَرَوَيْنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَ الْحَسَنِ يُهَنِّئُهُ بِابْنٍ: لِيَهْنِكَ الْفَارِسُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَا يُدْرِيكَ أَفَارِسٌ هُوَ أَوْ حِمَارٌ؟ فَقَالَ: كَيْف نَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: بُورِكَ فِي الْمَوْهُوبِ، وَشَكَرْتَ الْوَاهِبَ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَرُزِقْتَ بِرَّهُ (وَإِنْ اتَّفَقَ وَقْتُ عَقِيقَةٍ وَأُضْحِيَّةٍ، فَعَقَّ أَوْ ضَحَّى) وَنَوَى عَنْهُمَا (أَجْزَأَ) مَا ذَبَحَهُ (عَنْ الْأُخْرَى) كَمَا لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَنْوِي بِهِمَا تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، وَسُنَّةَ الْمَكْتُوبَةِ، أَوْ صَلَّى بَعْدَ الطَّوَافِ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً مَكْتُوبَةً وَقَعَ عَنْهُ وَعَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِن