مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ابن فضل الله العمري

الجزء الثالث

[الجزء الثالث] مقدمة المحقق - 1- أ- المؤلف: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين المبعوث رحمة للعالمين، أنطق العرب لسانا، وأفصحهم بيانا. مؤلف كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» هو أحمد بن يحيى بن فضل الله بن يحيى بن دعجان بن خلف بن نصر بن منصور بن عبد الله بن يحيى بن محمد بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر العدوي العمري. وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في درره، وابن تغرى بردى في نجومه وابن العماد في شذراته والسيوطي في المحاضرة وحاجي خليفة في كشف الظنون وابن الوردي في تاريخه، ولم يختلفوا حول اسمه ولقبه فهو شهاب الدين أبو العباس وهو القاضي الشافعي والمؤرخ الدمشقي. - 2- ولد ابن فضل الله العمري في ثالث شوال سنة سبعمائة على حد قول جل المؤرخين باستثناء ابن ناصر الدين في الدّر الوافر والذهبي في تاريخ الإسلام والصافي في المنهل إذ ذكروا مولده في سنة 697 هـ، وكان مولده بدمشق ويوافق 1301 م. - 3- قرأ ابن فضل الله العمري العربية على يد كمال الدين ابن قاضي شهبة، والفقه على يد ابن الفركاح وابنه برهان الدين وشهاب الدين ابن المجد، وقرأ الأحكام

الصغرى على ابن تيمية والأدب على جماعة منهم ابن الصائغ الكبير وابن الزملكاني وأبي حبان وسمع الحديث على جماعة، وأخذ الأصول عن الأصفهاني. - 4- كان أديبا، وناظما وناثرا ومؤرخا وفقيها، وكان يتوقد ذكاء مع حافظة قوية، وصورة جميلة واقتدار على النظم والنثر، مع سعة الصدر، وحسن الخلق وبشر المحيا. كان حسن المذاكرة سريع الاستحضار جيد الحفظ فصيح اللسان جميل الأخلاق، يحب العلماء والفقراء. - 5- عمل مع أبيه في كتابة السر، وكان يقرأ كتب البريد على السلطان ناصر الدين محمد بن قلاوون، وعمل كاتبا للسر في مصر ودمشق حتى تغير عليه السلطان سنة 738 هـ وسجنه بالقلعة لأنه فاجأ السلطان بكلام غليظ لقوة نفسه، ثم أطلق سراحه وولاه كتابة السر في دمشق حتى عزله، وظل بعدها حتى مات بالطاعون. - 6- مات ابن فضل الله العمري يوم عرفة سنة 749 هـ أي التاسع مع ذي الحجة، وذكر ابن العماد الحنبلي أنه مات بالطاعون، وقال ابن حجر العسقلاني أنه مات بحمى أصابته. - 7- ترك ابن فضل الله العمري آثارا طيبة في فنون مختلفة في الفقه والحديث والأدب والتاريخ والحضارة، ومنها: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار والمؤلف سنة

ب - المخطوط:

738 هـ، فواضل السمر (فواصل السمر) في فضائل آل عمر في أربعة مجلدات، والدعوة المستجابة، وصبابة المشتاق، ودمعة الباكي، ويقظة الساهي، ونفحة الروض، والتعريف بالمصطلح الشريف، وله ديوان في المدائح النبوية وأظنه صبابة المشتاق. وله قصائد وأراجيز ومقطعات ودو بيت، وأنشأ كثيرا من التقاليد والمناشير والتواقيع. وورد أيضا أن له كتابا بعنوان ممالك عبّاد الصليب وهو من الكتب النادرة التي تهتم بغير بلاد المسلمين كما أن له الدرر الفرائد وهو مختصر لقلائد العقبان لابن خاقان. ب- المخطوط: - 1- أهم مؤلفات ابن فضل الله العمري مسالك الأبصار في ممالك الأمصار (أخبار الملوك) ، وقد ذكره ابن حجر العسقلاني وابن تغرى بردى إنه في أزيد من عشرين مجلدا، وذكره ابن العماد الحنبلي أنه في سبعة وعشرين مجلدا، وورد بموسوعة العلوم الإسلامية إنه 32 جزءا. وقسم فؤاد سزكين المخطوط إلى سبعة وعشرين سفرا. - 2- وضع المؤلف هذا الكتاب سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة وقد ذكر ابن فضل الله هذا صراحة في ص 288 من السفر الثالث من المخطوط فقال: «وفي سنة تأليفي فيها هذا الكتاب وهي سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة» ، وهذا يعني أن المؤلف وضع هذا الكتاب خلال فترة عزله عن العمل في دمشق، وقبل موته بإحدى عشرة سنة.

ولا يمكن أن نجزم بأن المؤلف قد خط مخطوطه هذا في سنة واحدة فقط، حيث يبلغ المخطوط إلى سبعة وعشرين جزءا- طبقا لتقسيم سزكين- ولعله يخص بهذا القول السفر الثالث فقط. والذي أنا بصدد تحقيقه. - 3- السفر الثالث- طبقا لتقسيم سزكين- يتناول الممالك الإسلامية في مملكة الهند وبلاد المغول- مملكة القاآن الكبير، ومملكة إيران، ومملكة الجيل، ومملكة الجبال، ومملكة بلاد الروم، ومملكة مصر والشام والحجاز. والمخطوط يقع في مائتين وست وثمانين صفحة من القطع المتوسط وعدد أسطر كل صفحة يصل إلى ثلاثة وعشرين سطرا. - 4- والسفر الثالث من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار منه عدة نسخ في طوبقابو سراي باستانبول بتركيا وأخرى بتونس. وثالثة بدار الكتب المصرية بمصر، وقد اعتمدت في هذا التحقيق على نسختي استانبول وتونس- والأولى هي أوالثانية ب وناسخ النسخة التركية التي اعتمدت عليها هو ناسخ تركي ويدعى أبو الفضل محمد، وسبب اعتقادي أنه تركي الأصل تلك الأخطاء التي وردت في نسخه للمخطوط. والتي لا تصدر إلا من أعجمي ومن أمثلة ذلك: 1- إنه كان يكتب الضاد ظاء مثل مضفور كتبها مظفور وكذلك الظاء ضادا مثل حظائر كتبها حضائر وهذا يرجع إلى أن مخارج نطق الضاد والظاء في التركية واحدة. 2- قلب الهمزة التي على نبرة ياء مثل خزائن وعمائم ونسائم وشمائل ومسائل، فكتبها خزاين وعمايم ونسايم وشمايل ومسائل، وهذا يتوافق مع ما عند

الترك. 3- إنّ الناسخ يكتب الكلمات المنتهية بالألف المقصورة (ى) إلى ألف مثل: أعلى وأقصى وأمسى وأفنى فيكتبها أعلا وأقصا وأمسا وأفنى. 4- استعمال حرف السين مكان الصاد أحيانا مثل: سلقه كتبها صلقه، وهذا لأن السين والصاد في التركية من مخرج واحد. 5- كتابة الهمزة على الواو أو الألف بشكل يخالف المعروف مثل مآذن والمؤدى كان يكتبها مواذن والمآد. 6- كتابة حرف الألف بعد الأفعال المنتهية بالواو في الفعل المضارع مع المفرد الغائب مثل يصفو، ينمو- يعلو يسمو، كان يكتبها يصفوا وينموا ويعلوا ويسموا. 7- كان الناسخ شيعيا حيث إنه كان يضيف «عليه السلام» عقب أي ذكر لأي من أئمة الشيعة، وهذا لا يمكن أن يكون من المؤلف فهو عمري وينتسب إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب. - 5- إن التقسيم الذي سلكه فؤاد سزكين في تقسيم الكتاب إلى أسفار، قد جانبه الصواب، حيث أن السفر الثالث- الذي نحن بصدده هو الجزء الثاني من الكتاب، وقد ورد في صفحة 110 من السفر الرابع تبعا لتقسيم سزكين إنه آخر الجزء الثاني من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، يتلوه إن شاء الله تعالى في الجزء الثالث، الباب الخامس عشر في ذكر العرب الموحدين في زماننا وأماكنهم. كما جاء في صفحة 111 من ترقيم سزكين من السفر الرابع عنوان «الثالث من مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» .

ج - منهج المؤلف في تأليف الكتاب

ج- منهج المؤلف في تأليف الكتاب - 1- لقد سلك المؤلف منهجا فريدا في تأليف هذا السفر من كتابه «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» حيث اعتمد على أكثر من منهج في التأليف. أولها: منهج الرواية بالمشاهدة والرؤية وهذا فيما يتعلق باستعراضه لأحداث ووقائع عصره في ممالك مصر والشام والحجاز. ثانيها: منهج الرواية بالسماع، وهذا قائم على سماع رواية الذين شاهدوا تلك البلاد وأطلعوا على أخبارها من التجار والزوار، وقد ذكر ذلك في أحداث ووقائع ممالك الهند وممالك قانات المغول وممالك بلاد الجيل والجبل وممالك الروم. ثالثها: منهج النقل عن المتون السابقة، وهذا قليل للغاية، حيث يلجأ أحيانا إلى ذكر أحداث تاريخية قديمة وسابقة لعصره، فيلجأ إلى المؤلفات السابقة مثل تاريخ الطبري وتاريخ دمشق لابن عساكر وجها نگشاي لعلاء الدين عطا ملك جويني وجامع التواريخ لرشيد الدين فضل الله. - 2- وفي منهجه القائم على المشاهدة والرؤية يتحدث حديث الخبير المتخصص، ولا يذكر مصدر روايته أو مشاهدته باعتباره الشاهد عليها، ولا تفوته شاردة ولا واردة إلا وذكرها مما قد يجهله كثيرون غير مقربين من الحضرة السلطانية، ولذلك وجدناه يطنب في الحديث عن مصر وأحوالها وأحوال سلاطينها إطنابا، ويرسل الحديث إرسالا في كل الجوانب التاريخية والحضارية. - 3- وفي منهجه القائم على الرواية بالسماع، فقد تحدث عن ممالك الهند قائلا:

«كنت أسمع الأخبار الطائحة والكتب المصنفة، ما يملأ العين والسمع، وكنت لا أقف على حقيقة أخبارها، لبعدها منا، وتنائى ديارها عنا، فلما شرعت في تأليفي هذا الكتاب، تتبعت ثقاة الرواة، ووجدت أكثر مما كنت أسمع وأجل مما كنت أظن» . ويشرح هذا المنهج قائلا: كنت أسأل الرجل عن بلاده، ثم أسأل الآخر والآخر لأقف على الحق، فما اتفقت عليه أقوالهم، وتقاربت فيه أثبته، وما اختلفت فيه أقوالهم أو اضطربت تركته، ثم أنزل الرجل المسؤول مدة أناسيه فيها عما قال، ثم أعيد عليه السؤال عن بعض ما كنت سألت، فإن ثبت على قوله الأول، أثبت مقاله، وإن تزلزل أذهبت في الريح أقواله، كل هذا لأتروى في الرواية، وأتوثق في التصحيح. وهذا المنهج العلمي الصحيح الذي سلكه ابن فضل الله العمري مع رواته ومصادر أخباره، تؤكد مدى أهمية ما أورده وما أثبته، ولعل وظيفته في البلاط السلطاني قد أتاحت له فرصة مقابلة العديد من الواردين إلى البلاط، ويقول في ذلك: أسأل كل وارد على باب سلطاننا- أعزه الله بنصره- من جميع الآفاق، ووافد استكن تحت جناح لوائه الخفاق، وما أحدث مع رسول يصل من ملوك الأرض في مطارحة حديث ومرواحة قديم وحديث إلا وجريت بذلا ذل السؤال عن بلادهم وأوضاع ملوكها، ووظائف الرعايا في سلوكها وما للجنود بها، وطبقات أرباب الرتب العالية من الأرزاق، ومقدار تفرقة خزانة الإخلاق، وكيف زي كل إناس، وما يمتاز به كل طائفة من اللباس. - 4- وفي منهجه القائم على النقل من المتون السابقة والمؤلفات والكتب القديمة، فإنه يذكر عادة اسم المؤلف أو اسم الكتاب الذي أخذ عنه، ومن العجب أنه كان

يثبت أسماء كتب مكتوبة باللغة الفارسية، ويتحدث عن مؤلفين ألفوا كتبا بالفارسية مثل علاء الدين عطا ملك جويني ورشيد الدين فضل الله، كما اعتمد على مؤرخين عرب كالطبري وابن عساكر والمسعودي. - 5- والمؤلف في حديثه عن الممالك الإسلامية لا يستعرض أحداثا تاريخية بقدر ما يقدم لنا استعراضا حضاريا وإني لاعد كتابه هذا ضمن المؤلفات التي تؤرخ للحضارة فهو كتاب حضاري، يستعرض الجوانب الحضارية عند الشعوب في الهند والصين وبلاد ما وراء النهر وإيران وتركيا والشام ومصر والحجاز وبلاد أخرى، فهو يؤرخ للحضارة الإسلامية، وهذا النوع من المؤلفات قليل، ورجاله قلائل. ونطالع في حديثه عن الممالك الإسلامية استعراضه لأوضاع الملوك والوظائف وأرباب الرتب العالية وما لهم من أرزاق، وزي الناس ولباسهم، وطعام الناس ومأكلهم، والميزان والمكيال والعملة ومقدار كل منها، ومقارنتها بالمصري والشامي، واستعراض الجيوش وتكوينها وتسليحها، وعددها وعددها ومخصصات أهلها، وما تنتجه أراضي الممالك من بقلها وفومها وأشجارها، وأنواع المعادن وقيمتها واستعمالها. ولا يهمل الحديث عن كيفية جلوس السلاطين وأرباب الوظائف وتلقيهم القصص والشكاوى، وكيفية عرضها ووصولها إلى السلطان، وإصدار الفرمانات واليراليغ والأوامر، وختمها بالخاتم السلطاني. ويتحدث عن القصور والبيوت والخركاوات وما تحتويه من وسائل معيشية، ويستعرض نظام الإدارة وتولية المناصب والوظائف في الممالك الإسلامية المختلفة. نخلص من هذا أن المؤلف كان يسعى لتأريخ الحضارة الإسلامية في عصره، في الهند وإيران وبلاد الترك والصين والروم ومصر والشام والحجاز، مع عدم إهمال

د - التأريخ والمؤرخون في عصر المؤلف:

للجانب التاريخي. د- التأريخ والمؤرخون في عصر المؤلف: - 1- شهد أواخر القرن السابع الهجري والقرن الثامن الهجري مولد عدد من المؤرخين المعروفين من الفرس والعرب واشتهرت مؤلفاتهم في الأفاق، ومن ثم فإن ظهور ابن فضل الله العمري هو امتداد طبيعي لهذا الفيض من المؤرخين، ولما كان العالم الإسلامي متصلا ومتواصلا، ورحلات الرحالة وزيارات التجار والسفراء، وتنقلات العلماء والأدباء من وطن إلى آخر لا تنقطع، وكان سلاطين هذه العصور يهتمون بطرق التجارة والقوافل والبريد لذا أقاموا عليها العمارات وأنشأوا الرباطات، وأمنوا السالكين في الآفاق، ولذلك كانت أخبار الممالك الإسلامية معروفة ومتداولة، لا تخفى خافية عن جوابي البلاد من الرحالة والمؤرخين. - 2- ظهر في أواخر القرن السابع الهجري المؤرخ الكبير علاء الدين عطا ملك جويني المتوفى 681 هـ. وكان مقربا من خانات المغول في عهد هولاكو وخلفه، وتولى حكم بغداد، وقد ألف كتابا من أفضل كتب التاريخ في العصر المغولي وهي جهانگشاي «فاتح العالم» وهو في ثلاثة مجلدات ضخمة تناول فيها عادات وتقاليد المغول والقواعد التي سنها جنگيز خان وفتوحات جنكيز وسلطنة اوگتاى وگيوك و چغتاي، كما تناول تاريخ الخوارزمشاهية وأحوال ملوك القراختاي والگورخانية، وتحدث عن منگوقاآن وهولاكو، وتوجه الأخير إلى بغداد للقضاء على الإسماعيلية. وقد ترجم الجزء الأول منه على يد الاستاذ الدكتور السباعي محمد السباعي،

وترجم الكتاب أيضا تحت عنوان تاريخ فاتح العالم جهانگشاي الدكتور محمد التونجي. - 3- وكتاب نظام التواريخ للقاضي ناصر الدين البيضاوي والذي ألفه سنة 674 هـ من الكتب التاريخية التي تتناول التاريخ العام من عهد آدم إلى أواخر القرن السابع الهجري، ويتناول تاريخ الإسلام والملوك القدامى لإيران وأنبياء بني إسرائيل، وهو كتاب باللغة الفارسية. - 4- وكتاب جامع التواريخ لرشيد الدين فضل الله الوزير والمؤرخ الكبير في بلاط المغول الإيلخانيين، ألفه بأمر غازان خان وابنه اولجايتو خدابنده سنة 710 هـ، وهو كتاب كبير في ثلاثة مجلدات، الأول عن تاريخ المغول في فصلين والثاني في التاريخ العام في فصلين والثالث في الأقاليم والأمصار. والكتاب يتضمن وثائق ومستندات وشهادات حقيقية نظرا لأن مؤلفه شاهد على عصره، وهو قريب في منهجه من مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. وهذا الكتاب مؤلف بالفارسية وقد نقله إلى العربية محمد صادق نشأت ومحمد موسى هنداوي وفؤاد عبد المعطي الصياد. - 5- وكتاب تاريخ بناكتي أو روضة أولى الألباب في تواريخ الأكابر والأنساب تأليف أبي سليمان داوود البناكتي من مؤرخي وشعراء بلاط غازان خان، وقد ألف الكتاب بالفارسية وقدمه إلى السلطان أبي سعيد بهادر في سنة 707 هـ، وقد قسمه المؤلف إلى تسعة أقسام تناول فيها تاريخ الأنبياء والملوك القدامي والرسول

الكريم وخلفاءه وسلاطين إيران في عهد بني العباس واليهود والمسيحيين والفرنجة والهنود والصينيين والمغول. - 6- وفي الثلاثينات من القرن الثامن الهجري ظهر كتاب مؤلفنا ابن فضل الله العمري سنة 738 هـ وفي نفس العام ظهر كتاب تاريخ وصاف أو تجزية الأمصار وتزجية الأعصار لشهاب الدين عبد الله الشيرازي المعروف بوصاف الحضرة وهو باللغة الفارسية في خمسة مجلدات تناول فيها تاريخ المغول وأمراء النواحي والأطراف في عهد أبي سعيد بهادر ويعد متمما لجهانگشاي جويني. - 7- وظهر تاريخ گزيده لحمد الله المستوفى القزويني وهو تقليد وتلخيص لكتاب جامع التواريخ لرشيد الدين فضل الله، وقد قدمه المؤلف لابن رشيد الدين المسمى بغياث الدين وهو أيضا بالفارسية. - 8- وكانت رحلة ابن بطوطة المعروفة بتحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار لمحمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، من أهم مؤلفات القرن الثامن الهجري وقد كتبت هذه الرحلة سنة 757 هـ أي بعد تأليف مسالك الأبصار في ممالك الأمصار بفترة وجيزة، وقد جاب مؤلفها بلاد الهند والصين وإيران والشام ومصر وبلاد الروم وبلاد العرب، وقد قارنت بين أحداثه وأحداث ابن فضل الله العمري نظرا لقرب زمان التأليف. - 9- ونشير إلى كتاب مجمع الأنساب لمحمد بن علي بن محمد الشبانكاره الذي

هـ - منهج المحقق في تحقيق المخطوط:

وضعه بالفارسية سنة 743 هـ في التاريخ العام باعتباره يدخل ضمن ظاهرة التأليف والتصنيف في التاريخ الإسلامي. هـ- منهج المحقق في تحقيق المخطوط: - 1- تحدثت عن منهج المؤلف في التأليف، وكان لا بد لي من ملاحقته فيما ألفه، وأتبعت الخطوات التالية: 1- مراجعة المصادر التي استقى منها المؤلف معلوماته في نقوله عن الآخرين، فقد تحدث عن الطبري وابن عساكر والبلاذري، وذكر رشيد الله بن فضل الله وعطاملك جويني، فعدت إلى هذه المصادر لملاحقة النقول التي نقلها وأثبت ذلك في الحواشي. 2- مراجعة المصادر المماثلة والمعاصرة، فقد ألف وصنف في القرن الثامن الهجري عدة مؤلفات تاريخية وحضارية مماثلة منها ما هو بالعربية كرحلة ابن بطوطة ومنها ما هو بالفارسية مثل تاريخ جهانگشاي وجامع التواريخ. 3- تخريج النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، خاصة أن المؤلف كان يذكر أقوالا مشابهة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية دون ذكر كون هذا آية أو حديث نبوي، كما استخرجت النصوص الشعرية التي ذكرها المؤلف والتي نقلها عن الشعراء كالمتنبي وابن عنين وامرئ القيس. 4- مراجعة الألقاب والرتب والاصطلاحات الفارسية الشائعة في عصره واستخراج مدلولاتها من القواميس الفارسية. 5- توضيح الأماكن الجغرافية والتاريخية، وقد قمت بإعداد خرائط توضيحية للمدن والأماكن التي ذكرها المؤلف، وأردفتها في آخر التحقيق.

6- نظرا لكثرة أسماء الحكام والملوك لذا أضفت شجرات للأسر الحاكمة التي ورد ذكرها في ثنايا المخطوط مع تصحيح الأسماء والألقاب وذكر السنوات التي أهملها المؤلف تماما. 7- وضعت في آخر التحقيق فهرسا بالأعلام والأماكن الجغرافية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأبيات الشعر إكمالا للفائدة. - 2- إن هذا العمل الحضاري الضخم الذي يتعهده قسم المخطوطات بدار الكتب الوطنية بالمجمع الثقافي بدولة الإمارات العربية المتحدة، ويقوم بتحقيقه وطبعه، أمر يستحق الإشادة، فهذا العمل يخلد اسم دار الكتب الوطنية في أبو ظبي، ويجعلها تقف على قدم واحدة مع المؤسسات العلمية والثقافية في العالم العربي، وتثبت للأجيال القادمة أنها لم تدخر أي جهد في سبيل إظهار حضارتنا العربية والإسلامية الزاهرة. وأشكر قسم المخطوطات على دوره الفعّال في تنشيط الحركة الثقافية، وبناء الإمارات الحديثة. رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ. أبو ظبي 3/1993 أد. أحمد عبد القادر الشاذلي استاذ ورئيس قسم اللغات الشرقية كلية الآداب- جامعة المنوفية

النوع الثاني في ذكر ممالك الإسلام جملة

النّوع الثّاني في ذكر ممالك الإسلام جملة ممالك الإسلام واقعة بحمد الله في أحسن المعمور شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، لأنها لا تنتهي إلى غاية الحرارة المفرطة ولا إلى غاية البرد المفرط، إلا فيما قل [1] ، ولا يخرج عن حد المستطاب، وسيأتي بيان ذلك في تحديد كل مملكة، فغاية معمور الجنوب مساكن السودان من عبّاد النيران والأصنام، بما تغلغل من جزاير الهند وأطرافه «1» ، والنصارى بأطراف الحبشة، وعبّاد الحيّات [2] ، والهمج في سودان المغرب جنوب غانه. وغاية معمور الشمال من النصارى والهمج ببلاد الصقلب [3] ، في شماليها أحد قسمي إيران المسمّاة «2» ببلاد القبجاق [4] ، وما سامت ذلك الخط من القسطنطينية، وما وراءها إلى جليقية والأرض الكبيرة وجزاير البحر الرومي [5] . وغاية معمور الشرق من عباد النيران والأصنام بثالث أقسام توران [6] من بلاد

_ [1] وردت بالمخطوط في ما قبل. [2] وردت بالمخطوط وعبّاد بالحيّات. [3] بلاد الصقلب هي شعوب تسكن بين جبال الآرال والبحر الأدرياتي في أوروبا الشرقية والوسطى، يتكلمون بلغات تنتمي إلى العائلة الهند وأوروبية، ويقسمون عادة إلى ثلاثة أقسام كبرى: صقالبة الغرب وصقالبة الشرق وصقالبة الجنوب وهم السلاف (انظر الموسوعة العربية الميسرة- أشراق محمد شفيق غربال- دار الشعب- وهم جيل حمر الألوان، صهب الشعور يتاخمون بلاد الخزر في أعالي جبال الروم وقيل بين بلاد البلغار وقسطنطينية (مراصد الاطلاع 2/847) فرانكلين 1959 ص 1126) . [4] بلاد القبجاق هي بلاد القبجاق والقبجق الواقعة ما بين البحر الأسود وبحر خوارزم شمال بلاد الروم، قاعدتها السراي وهي تابعة لأبناء جوجي بن جنكيزخان (انظر الخرائط المرفقة) . [5] البحر الرومي: يقصد به البحر الأبيض المتوسط. [6] توران: هي البلاد الواقعة خلف نهر سيحون، وكانت لتوران بن فريدون- طبقا لشاهنامة الفردوسي والروايات التاريخية القديمة- وينسب الأتراك إلى ثور (انظر فرهنگ أدبيات فارسى- زهرا خانلرى كيا- چاپ سوم تونس 1366 ش ص 147) .

الصين إلى المحيط، وأمّا الغرب فانتهى فيه الإسلام إلى البحر المحيط [1] وكلاطر [2] في الشرق، والغرب بلاد صالحة وإن لم تكن الغاية، فالغرب إلى منتهى الغاية في ممالك الإسلام، والصين وإن كان خارجا من دعوة الإسلام، فإنه ملك عظيم جليل القدر، ضخم الملك، وهو معظم توران، ولم يزل لملك الترك، وبه تخت [3] فانهم «1» الآن لقانهم [4] من أبناء جنكيز خان [5] ، وسيأتي ذكره عند ذكر أبناء جنكيز خان. فممالك الإسلام واقعة على ما نذكره؛ فأوّلها الهند والسّند، وهو واقع في ممالك الإسلام بشرق محض آخذا في الجنوب على مسامت الصين، يحدها البحر من جنوبها، وبلاد الكفار من شرقيها، والإسلام في أحد قسمي توران «2» من شمالها، ثم أحد قسمي توران، مما بيد الإسلام، وهي مملكة تركستان [6] وما وراء النهر، وهي واقعة بشرق محضا آخذا إلى الجنوب، يحدها السّند من جنوبها، والصّين من شرقها، وممالك الإسلام وقسمها الثاني، وإيران (المخطوط ص 3) من

_ [1] البحر المحيط: المقصود به هنا المحيط الهادىء، ويقصد به إجمالا البحر المحيط بالكرة الأرضية وقد ذكره أيضا عند ذكره للمحيط الأطلسي يقول: صاحب مراصد الاطلاع إنه بحر محيط بالأرض من كل جوانبها يتصل به البحران الشرقي والغربي (البغدادي بيروت 1954 ج 1/166) . [2] كلاطر: هي كانتون، المدينة الواقعة على المحيط الهادي ببلاد الصين وكان العرب قد وصلوا إليها واطلقوا عليها اسمها الحالي. [3] تخت: كرسي الحكم، مقر جلوس السلاطين، والكلمة بهلوية Taxt وفي الفارسية تخت- واستعملت في العربية في عصور استعلاء الفرس والترك (فرهنگ عميد، حسن عميد، چاپ سوم، تهران 1360 ش جلد اول 548) . [4] القان: كلمة مغولية وهي في الأصل قاآن وتعني ملك كبير (فرهنگ عميد 2/1561) . [5] ترد دائما جنكيز خان وصوابها جنكيز خان وسيرد ترجمته فيما بعد. [6] تركستان: بلاد الترك- سيرد تفاصيل فيما بعد.

جنوبها. ثم القسم الثاني مما بيد الإسلام من مملكة توران، وهي خوارزم [1] وبلاد القبجاق، وهي واقعة في الشمال، آخذة إلى المشرق، يحدها أطراف الصين من شرقها، وبلاد الصقلب وما يليها من شمالها، فأما جنوبها فخراسان [2] وما سامتها «1» ، وغربها الخليج القاطع من بحر الروم على القرم [3] ، وراءها [4] ممالك الإسلام والروم، كلها من ممالك الإسلام، ثم إيران، وهي تلي قسمي توران المذكورين داخله، كالشعبة الفارقة بينهما، وذلك القسمان منشعب «2» عليهما مثل كمّى السراويل على سرجه، يحدها ممالك الإسلام من كل جهة، وفي بعض جنوبها لينتهي إلى البحر الفارسي [5] الآخذ على البصرة وما سامتها، وممالك كيلان [6] واللر [7] والشول [8] وشنكاره «3» [9] والأكراد [10] ، وبلاد أتراك الروم كلها في هذا القسم، خلا أن أتراك الروم وحدهم شمال «4» بلاد القسطنطينية ثم

_ [1] خوارزم: إقليم في بلاد ما وراء النهر، ومدينة خوارزم، أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها (رحلة ابن بطوطة 239) . [2] خراسان: إقليم بشرقي إيران قاعدته نيسابور وتابع في ذلك الحين لأولاد هولاكو. [3] القرم: شبه جزيرة بجنوب روسيا 32 ساحل البحر الأسود من الشمال ترتبط باليابس ببرزخ بريكوب (الموسوعة العربية الميسرة 1377) . [4] وردت بالمخطوط وراءها. [5] البحر الفارسي: شعبة من بحر الهند الأعظم، وهو فوهة دجلة التي تصب فيه، وتمتد سواحله نحو الجنوب إلى قطر وعمان والشحر- (مراصد الاطلاع 1/166) ويقصد به الخليج العربي الآن. [6] كيلان: وهي گيلان وجيلان شمال إيران. [7] اللر واللور واللار: اللور قوم يسكنون اللار وهي منطقة بإقليم فارس ويسمى اللورستان، واللار: جزيرة بين سيران وقيس فيها مغاص اللؤلؤ (مراصد الاطلاع 3/1194) . [8] الشول: قوم يقطنون إقليم فارس. [9] وردت بالمخطوط سكاره وهي شنكاره. [10] الأكراد: شعب يسكن هضبة فسيحة في آسيا الوسطى، وبلادهم موزعة بين تركيا وإيران والعراق وغيرهم.

يليها مملكة مصّر والشام والحجاز وتلك عمود الإسلام وفسطاط الدين، يحدها ممالك الإسلام من كل جهاتها الأربع، منتهية في الجنوب إلى اليمن، واليمن والحجاز كلاهما من جزيرة العرب على ما يأتي تبينه، ثم إلى البحر الآخذ على جدة إلى آيله [1] وينتهي في الشمال إلى البحر الرومي، ثم اليمن، وهو جنوب «1» الحجاز في نهاية جزيرة العرب، يحدها من جنوبها البحر الآخذ إلى الهند، ومن شرقها البحر الآخذ إلى جدة، ومن شمالها الحجاز، ومن غربها بحر الحبشة، ثم ممالك الإسلام بالحبشة، فالحبشة «2» متصلة بأطراف الواحات، آخذة إلى الجنوب محيط بها بحر الحبشة من شرقها، وممالك نصارى الحبش من جنوبها، وكفارهم، ثم الصحارى القفار من غربها، وشمالها الواحات، ثم الكانم [2] ، وهو على ضفة النيل على مسامته دنقله [3] ثم يليها من وراء برقة، مملكة إفريقية، يحدها من جنوبها كفار السودان، وبقية حدودها منتهية إلى ممالك الإسلام من «3» شمالها البحر الشامي [4] ثم بر العدوة، يحدها ممالك الإسلام، من جنوبها بلاد البربر ثم ما

_ [1] إيلة: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام قيل هي آخر الحجاز وهي الآن إيلات: ثغر شمال خليج العقبة وتسمى إيلة نسبة إلى إيلة ابن مدين، اشتهرت في القدم كان بها قلعة لابن طولون والغوري (مراصد الاطلاع 1/138، الموسوعة العربية الميسرة 291) . [2] الكانم: من بلاد البربر- أقصى المغرب في بلاد السودان- وقيل: كانم: صنف من السودان. [3] دنقلة: وهي دمقلة أو دمكلة مدينة كبيرة في بلاد النوبة (مراصد الاطلاع 3/1144) (مراصد الاطلاع 2/534) . [4] البحر الشامي: هو البحر الرومي أو البحر الأبيض المتوسط.

يلي، ومن شمالها بلاد إفريقية، (المخطوط ص 4) ومن غرب «1» البحر المحيط [1] ، ومن شمالها بحر الزقاق [2] إلى البحر الشامي «2» ، ثم بر العدوة، وشرقها القفار، ثم يليها ماء وما معها، جنوبها غانة وبلاد كفار السودان، وغربها المحيط، وشمالها جبال البربر وبر العدوة، وشرقها القفار ثم يليها جزيرة الأندلس، وهي نهاية ممالك الإسلام، ليست بجزيرة، ولكن «3» كالجزيرة، يحيط بها من جانبها الجنوبي البحر الشامي ومن غربها وشمالها البحر المحيط، ويبقى «4» شرقها مكشوفا متصلا بالأرض الكبيرة ذات الألسن الكثيرة، فلو مشى [3] ماش من نهاية غرب الأندلس عند مخرج بحر الزقاق، في الجانب الشمالي إلى ناحية شرقه انتهى «5» إلى الجبل المسمّى بهيكل الزهرة [4] ، وهو آخر حد الأندلس، وفيه الأبواب المفتوحة، وقد تقدم ذكرها. ثم يمشي الماشي من تلك الأبواب إلى أن يخرج من شرقي هذا الجبل، ويدخل في الأرض الكبيرة، ويمشي فيها إلى حيث شاء من الأرض «6» شمالا وشرقا وجنوبا لا يقطعه بحر، حتى أنه إذا أراد مشى على ساحل البحر الشامي، وما هو متصل به

_ [1] البحر المحيط يقصد به هنا المحيط الأطلسي (انظر مراصد الاطلاع 1/166) . [2] الزقاق: بضم أوله وآخره، مجاز البحر بين طنجة مدينة المغرب على البر، والجزيرة الخضراء وهي في جزيرة الأندلس (مراصد الاطلاع 2/668) . وهو الآن مضيق جبل طارق. [3] وردت بالمخطوط مشا. [4] هيكل الزهرة أظنه جبال البرانس، والزهراء مدينة صغيرة قرب قرطبة (مراصد الاطلاع 2/677) .

حتى ينتهي إلى حجزة، ثم يدور معها «1» عند حجزة ببلاد الشام على شرقه، ثم يدور معه على ساحله الجنوبي حتى يعود إلى نهاية الغرب قبالة المكان الذي بدأ منه عند مخرج الزقاق في الجانب الجنوبي، لا يقطعه دون ذلك قاطع، ولا يمنعه مانع. واعلم أن الأمر في تحديد الأقاليم العرفية لا يجري في تحديد الدار أو البستان ونحوهما لأن غالب الدور والبساتين تكون قطعا مربعة أو مثلثة أو متساوية الجوانب، وليس الأمر في الأقاليم العرفية كذلك، فإن بعض جوانبها يكون مداخلا لإقليم آخر، وبعضها يكون فيه تقويس، وبعض جوانبها أعرض من بعض، والذي يحدد المكان إنما يحدده بالجهات الأربع، وهي الشرق والغرب والجنوب والشمال، وذلك لا يصفو [1] في الأقاليم العرفية، لما ذكرناه، ولو كانت الأقاليم قطعا مربعة أو متساوية الجوانب لأمكن فيها ذلك، فينبغي أن يعرف العذر في التقصير في تحديدها، لا سيما عند من لم يشاهدها وإنما (المخطوط ص 5) نقلها من الأوراق وأفواه الرجال، فإن عذره في التقصير أوضح، وأيضا فإن بعض الأقاليم يكون على شكل مثلث كجزيرتي الأندلس وصقلية [2] ، وبعضها يكون ذا خمسة أضلاع وأكثر وأقل، فيتعدد ذكر ذلك بجهاته الأربع على الصحة «2» ، ومن هذا نشرع في ذكر الممالك مملكة مملكة، وهذا الباب هو المراد من هذا الكتاب، وبسببه ألف

_ [1] وردت بالمخطوط لا يصفوا، ويلاحظ وضعه حرف الألف أمام الأفعال المعتلة الآخر بالواو مثل يربو- يرنو- يسمو- ينجو- مع المفرد الغائب وقد حذفتها في الصفحات التالية دون الإشارة إليها. [2] صقلية: جزيرة، وإقليم متمتع بالحكم الذاتي تتبع إيطاليا عاصمتها بالرمو، من أكبر جزر البحر المتوسط تقع بين بحر إيجه والبحر التريني (الموسوعة العربية الميسرة 1126) وهي من جزائر بحر المغرب مقابلة إفريقية (مراصد الاطلاع 2/847) .

ولأجله صنف [1] ، ونحن نأخذ في هذا الباب على التحرير في أكثر ما عرفنا، والتحقيق لأكثر ما لم نعرف «1» بتكرار السؤال من واحد بعد واحد، عما يعلمه من أحوال بلاده وما فيها، وما اشتملت عليه في الغالب نواحيها، وكنت أسأل «2» الرجل عن بلاده ثم أسأل الآخر والآخر لأقف على الحق، فما اتفقت عليه أقوالهم أو تقاربت فيه أثبته، وما اختلفت فيه أقوالهم أو اضطربت [2] تركته، ثم أنزل الرجل المسؤول مدة أناسية فيها عما قال، ثم أعيد عليه السؤال عن بعض ما كنت سألت، فإن ثبت على «3» قوله الأول أثبت مقاله، وإن تزلزل، أذهبت في الريح أقواله، كل هذا ألا تروى [3] في الرواية وأتوثق في التصحيح مع أننا أهل بيت وظيفتهم «4» مجمع وفوده وموضع كل صدور وروده ولم نزل عند ملوك مصر والشام رحم الله من مضى منهم وحفظ من بقي بابهم المفتوح لكل طارق وسحابهم الممنوح به كل جود دافق فإلينا في أبوابهم أول كل وارد إليهم وآخر كل صادر عنهم ومنذ نيطت بي التمايم إلى أن اثبتت على العمائم [4] إلى أن صرت ركن هذا الباب وكن هذا السحاب اسأل كل وارد على باب «5» سلطاننا اعزه الله بنصره من جميع الآفاق

_ [1] منهج ابن فضل الله العمري في تاريخه، وهو التأليف من المشاهدات والروايات التي سمعها والتصنيف مما قرأه. [2] وردت بالمخطوط اطربت. [3] وردت بالمخطوط ألا تروّى. [4] يذكر الناسخ دائما الكلمات التي بها همزة في الوسط ياء مثل: مسائل عمائم، هيئة، خزائن، دقائق، وظائف يذكرها مسائل، عمايم، هيية، خزاين، دفاين، وظايف، مما يوحي بأن الناسخ ربما كان أعجميا فارسيا أو تركيا.

ووافد استكن تحت جناح لوائه الخفاق وما أحدث مع رسول يصل من ملوك الأرض في مطارحة حديث ومراوحة قديم وحديث إلا وجريت بذلا ذل «1» السؤال عن بلادهم وأوضاع ملوكها ووظائف الرعايا في سلوكها وما للجنود بها وطبقات أرباب الرتب العالية من الأرزاق ومقدار تفرقة قرائن الإطلاق وكيف زى كل أناس وما يمتاز به أهل كل طائفة من اللباس على ما يذكر ذلك. تعالى في مكانه، وبالله استعين، ومنه أسأل التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهذا النوع أربعة عشر بابا: الباب الأول: في مملكة الهند والسند. الباب الثاني: في مملكة بيت جنكيزخان: وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في الكلام عليهم جمليا. الفصل الثاني: في مملكة القان الكبير صاحب التخت وهو صاحب الصين والخطا. الفصل الثالث: في التوارنيين وهم فرقتان: الفرقة الأولى: ما وراء النهر، والفرقة الثانية؛ في خوارزم والقبجاق. الفصل الرابع: في الإيرانيين. الباب الثالث: في مملكة الجيل. وفيه أربعة فصول:

الفصل الأول: في بومن. الفصل الثاني: في توليم. الفصل الثالث: في كسكر. الفصل الرابع: في رسفت. الباب الرابع: (المخطوط ص 7) في مملكة الجبال. وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في الأكراد. الفصل الثاني: في اللّر. الفصل الثالث: في الشول. الفصل الرابع: في شنكاره. الباب الخامس: في مملكة الأتراك بالروم. وفيه ستة عشر فصلا: الفصل الأول: في مملكة كرميتسان. الفصل الثاني: في مملكة طنغزلوا. الفصل الثالث: في مملكة توازا. الفصل الرابع: في مملكة عبدلي. الفصل الخامس: في مملكة كصطمونيه. الفصل السادس: في مملكة قاويا. الفصل السابع: في مملكة برسا.

الفصل الثامن: في مملكة اكيرا. الفصل التاسع: في مملكة مرمرا. الفصل العاشر: في مملكة مغينسا. الفصل الحادي عشر: في مملكة نيف. الفصل الثاني عشر: في مملكة بركي. الفصل الثالث عشر: في مملكة فوكه. الفصل الرابع عشر: في مملكة أنطاليا. الفصل الخامس عشر: في مملكة قراصار. الفصل السادس عشر: في مملكة أزمناك. (المخطوط ص 8) الباب السادس: في مملكة مصر والشام والحجاز. الباب السابع: في مملكة اليمن. وفيه فصلان: الفصل الأول: فيما بيد أولاد رسول. الفصل الثاني: فيما بيد الأشراف. الباب الثامن: في ممالك المسلمين في الحبشة. وفيه سبعة فصول: الفصل الأول: في أوفات. الفصل الثاني: في دوارو.

الفصل الثالث: في اراتتسنى. الفصل الرابع: في هديه. الفصل الخامس: في شرخا. الفصل السادس: في بالي. الفصل السابع: في داره. الباب التاسع: في مملكتي مسلمي السودان على ضفة النيل الممتد إلى مصر. وفيه فصلان: الفصل الأول: في الكانم. الفصل الثاني: في النوبة. الباب العاشر: في مملكة مالي. الباب الحادي عشر: في مملكة جبال البربر. (المخطوط ص 9) الباب الثاني عشر: في مملكة أفريقية. الباب الثالث عشر: في مملكة بر العدوة. الباب الرابع عشر: في مملكة الأندلس.

الباب الأول في مملكة الهند والسند

الباب الأول في مملكة الهند والسّند

(المخطوط ص 9) . هذه مملكة عظيمة الشأن، لا تقاس في الأرض بمملكة سواها لاتساع أقطارها، وكثرة أموالها وعساكرها، وأبهة سلطانها في ركوبه ونزوله ودست [1] ملكه، وفي صيتها وسمعتها كفاية، ولقد كنت أسمع من الأخبار الطائحة والكتب المصنفة ما يملأ العين والسمع، وكنت لا أقف على حقيقة أخبارها، لبعدها منا، وتنائى ديارها عنا، فلما شرعت في تأليف هذا الكتاب، وتتبعت ثقاة الرواة «1» ، وجدت أكثر مما كنت أسمع، وأجل مما كنت أظن، وحسبك ببلاد في بحرها الدر، وفي برها الذهب، وفي جبالها الياقوت والماس، وفي شعابها العود [2] والكافور [3] ، وفي مدتها أسرة الملوك، ومن وحوشها الفيل والكركدن [4] ، ومن حديدها سيوف الهند، وبها معادن الحديد والزئبق والرصاص، ومن بعض منابتها الزعفران [5] ، وفي بعض أوديتها البلور، خيراتها موفورة «2» ، واسعارها رخية، وعساكرها لا تعد،

_ [1] دست ملكة: قاعدة ملكة، وكلمة دست فارسية بمعنى قاعدة ومقر (فرهنگ عميد 1/1945 فرهنگ جديد فارسي رازي، محمود سعيدي بور آذينفر- انتشارات خرد ص 332) . [2] العود: شجر ينبت في الهند، ذو رائحة ذكية- أحسن أنواع البخور منه (فرهنگ عميد 2/1459) . [3] الكافور نبات يزرع بالهند وإيران، أوراقه بيضاء اللون معطرة (فرهنگ رازي 681/فرهنگ عميد 2/1611- معجم الألفاظ العامية- أنيس فريحة بيروت 1973 ص 148- معجم الألفاظ الفارسية المعربة- آدي شير بيروت 1980 ص 136- الدخيل في لهجة أهل الخليج- أحمد الشاذلي- القاهرة 1992 ص 94) . [4] الفيل والكركدن: حيوانان مستأنسان- الفيل من بيل بهلوية الأصل (فرهنگ عميد 2/1559) . [5] الزعفران نبات منه الأصفر والأحمر، تستخدم زهوره في الأطعمة بالإضافة إلى رائحتها الذكية (فرهنگ عميد 2/1107) .

وممالكها لا تحد، لأهلها الحكمة ووفور العقل، أملك الأمم لشهواتهم، وأبذلهم للنفوس فيما يظن به الزلفى. قال محمد بن عبد الرحيم الأقليني الغرناطي [1] في تحفة الألباب [2] : والملك العظيم والعدل الكبير «1» والنعمة الجزيلة والسياسة الحسنة والرخاء الدائم والأمن الذي لا خوف معه في بلاد الهند والصين، وأهل الهند أعلم الناس بأنواع الحكمة والطب والهندسة والصناعات العجيبة؛ التي لا يقدر على منالها «2» ، وفي جبالهم وجزائرهم ينبت شجر العود والكافور وجميع أنواع الطيب كالقرنفل وجوزبوا [3] والسنبل [4] والدار صيني [5] والقرفة والسليخة [6]

_ [1] محمد بن عبد الرحيم الإقليني الغرناطي هو محمد بن عبد الرحيم بن سليمان بن ربيع المازني القيسي الأندلسي الغرناطي عالم وأديب وحافظ ورحالة ولد بغرناطة 473 هـ ومات بدمشق 565 هـ (انظر: الصفدي في الوافي 3/245- الزركلي الأعلام 7/71 المقرئ في نفح الطيب 7/303- معجم المؤلفين لعمر كحالة 10/158) . [2] تحفة الألباب: وهي رحلة ورد اسمها تحفة الأحباب ونخبة الأعجاب (معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة بيروت 10/158) . [3] جوزبوا: جوز الطيب، شجر ينمو في الهند، قشرته تسمى بسباسه وجوزبوا هو تمر الشجرة التي تشبه البلوط- والكلمة فارسية من جوز وبو بمعنى رائحة (فرهنگ عميد 1/711) . [4] السنبل: نبات له أوراق طويلة وورود بلون البنفسج يباع للزينة ويستخدم في أعياد النوروز (فرهنگ عميد 2/1233) . [5] الدار صيني: نوع من الأفاوية شبيه بالقرنفل، استعمله العرب قديما على أنه البهارات، شجرته بالهند والصين ويسمى دار جين (انظر: الدخيل في لهجة أهل الخليج للمحقق- معجم الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية طوبيا العنبسي- القاهرة 64- 1965 ص 19- معجم آدى شير 60- معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات العربية المتحدة فالح حنظل أبو ظبي 977 ص 208) . [6] السليخة: دهن ثمرة شجرة البان ولحاء شجرة طيبة الرائحة شبيهة بالدار صيني (فرهنگ عميد 2/1223) .

والقاقلة [1] والكبابة [2] والبسباسة [3] وأنواع العقاقير (المخطوط ص 10) ، وعندهم غزال المسك وقط الزباد، ويخرج من بلادهم أنواع اليواقيت، وأكثرها من جزيرة سرنديب [4] . وقد حكى ابن عبد ربه [5] في العقد [6] عن نعيم بن حماد قال: بعث ملك الهند إلى عمر بن عبد العزيز [7] كتابا فيه من ملك الأملاك؛ الذي هو ابن ألف ملك وتخته [8] بيت ألف ملك، وفي مربطه ألف فيل، وله نهران ينبتان العود والأكوة [9] والجوز والكافور؛ الذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلا، إلى ملك العرب؛ الذي لا يشرك بالله شيئا، أمّا بعد ... فإني بعثت بهدية وما هي هديّة

_ [1] القاقلة: شجرة لها زهور بيضاء شبيهة بالصنوبر تنمو بالهند، تستخدم في الطعام شبيه بالهيل (فرهنگ عميد 2/1566- 2/1973) . [2] الكبابة: شجيرة تنمو في الهند وجاوة وسومطرة ثمارها بلون القهوة وأقل حدة من الفلفل الأسود طعمها حار ومر- تستخدم في الطب (فرهنگ عميد 2/1618) . [3] البسباسة: لحاء جوز الطيب- يستخدم في الطب (فرهنگ عميد 1/352- 1/711) . [4] سرنديب: يفتح أوله وثانيه وسكون النون، والدال مهملة مكسورة وياء وباء وهي المنطقة التي هبط عليها آدم (انظر حاشية ابن الأثير 7/258) . [5] ابن عبد ربه هو أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب القرطبي عالم وأديب وشاعر، ولد وتوفي بقرطبة عاش ما بين 246 هـ 328 هـ له عدة مؤلفات (انظر الذهبي: سير النبلاء 10/69) ابن خلكان: وفيات الأعيان 1/39- معجم الأدباء لياقوت 4/211 نفح الطيب للمقرىء 4/217) . [6] العقد الفريد: أهم مؤلفات ابن عبد ربه، وقد رتبه على عدة فصول تشكل عقدا، وهو كتاب في الأدب (انظر البداية والنهاية لابن كثير 11/193- مصادر الأدب العربي للطاهر مكي القاهرة 1986) . [7] عمر بن عبد العزيز بن مروان (682- 719 م) أحد خلفاء بني أمية، ولى الخلافة بعهد من الخليفة سليمان بن عبد الملك لم يأخذ من بيت المال شيئا، وأبطل سب علي، واشتهر بالتقوى (الموسوعة 1237) . [8] التخت: هو العرش، وكرسي الحكم (فرهنگ عميد 1/548) وهو أيضا السرير (انظر الدخيل في لهجة أهل الخليج للمحقق ص 31) . [9] الألو: فاكهة شبيهة بالطماطم- تستخدم كفاكهة وفي الطب، وهي أنواع، أسود وأصفر (انظر فرهنگ عميد 1/49) .

ولكنها «1» تحية، وقد أحببت أن تبعث إليّ رجلا يعلّمني ويفهّمني الإسلام والسّلام، يعني بالهدية الكتاب «2» . حدثني الشيخ العارف المبارك بقية السلف الكرام مبارك بن محمود الأنبائي من ولد مجدشاه أن حاجب خاصي [1] نفع الله ببركاته، وهو الثقة الثبت، وله الأطلاع على كل ما يحكيه لمكانته ومكانة أسلافه من ملوك هذه البلاد، قال: إن هذه المملكة متسعة غاية الاتساع، يكون طولها ثلاث [2] سنين «3» ، وعرضها «4» ما بين سومنات [3] وسرنديب [4] إلى غزنة وطولها من العرصة المقابلة لعدن إلى سد الإسكندر، عند مخرج البحر الهندي من البحر المحيط [5] ، متصلة المدن ذوات المنابر والأسرة والأعمال والقرى والضياع والرساتيق [6] والأسواق، لا يقطع بينها «5» ولا يفصل بينها خراب.

_ [1] الحاجب الخاص: وهي وظيفة بالبلاط السلطان. [2] وردت بالمخطوط ثلث، وكذلك ترد ثلثمائة وثلثين وثلثون ... وقد صححتها بالرسم الحديث ثلاث وثلاثة وثلاثمائة وثلاثين وثلاثون ... الخ. [3] سومنات: موضع على المحيط الهندي في شبه جزيرة كاثباوار بالكجرات، وصل إليها السلطان محمود الغزنوى وفتحها أوائل القرن الخامس الهجري، كان بهار صنم كبير يتوجه إليه الهندوس (انظر: روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء لميرخواند ترجمة د. أحمد الشاذلي القاهرة 1988 ص 152- آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني 95- 96- ابن الأثير 7/320- طبقات أكبرى لنظام الدين أحمد ترجمة المحقق في رسالة دكتوراه بجامعة القاهرة 1/12- تاريخ گزيدة لحمد الله المستوفى 82) . [4] سرنديب: سيلان وسيرلانكا الحالية، وهي جزيرة في بحر هركند بأقصى بلاد الهند (مراصد الاطلاع 2/710) . [5] يقصد بحر العرب المؤدي إلى المحيط الهندي. [6] الرستانيق جمع مفرده رستاق والرستاق معرب رستا وروستا وتعني القرية والريف وتأتي بالعربية رستاق ورزداق ورسداق، وأصل الكلمة يهلوي من) Rostak انظر: الدخيل في لهجة أهل الخليج 62،-

قلت وفيما ذكره من هذه المسافة طولا وعرضا نظرا إذ لا يفي جميع المعمورة بهذه المسافة، اللهم إلا إن كان مراده أن هذه مسافة من يتنقل فيها حتى يحيط بجميعها مكانا فيحتمل على ما فيه. قال: وفي طاعة هذا السلطان؛ أهل قراجل [1] ، لهم منه هدية وأمان، على قطائع تحمل إليه منهم، يتحصّل منها مال، وهذا جبل قراجل به معادن «1» ذهبا، يحصل منها ما لا يحصى، وجميع هذه البلاد برا وبحرا مجموعة [2] لسلطانها القائم الآن، إلا الجزائر الموغلة «2» في البحر، فأما الساحل فلم يبق به قيد فتر [3] إلا بيده، فتح مغالقه (مخطوط ص 11) ، وملك معاقله، وله الآن السكة [4] والخطبة في جميع هذه البلاد، لا يشاركه فيها مشارك. قال: ولقد حضرت معه من الفتوحات العظيمة ما أقوله عن المشاهدة والعيان على الجملة لا على التفصيل خوفا من إطالة الشرح، فأول ما فتح مملكة تلنك، وهي واسعة البلاد، كثيرة القرى «3» ، عدة قراها تسعمائة ألف قرية، وتسعمائة قرية، ثم

_ - القاموس المحيط للفيروزآبادى 3/243، واژهـ هاى فارسي در زبان عربي، محمد علي إمام شوشتري تهران 1346 هـ ش ض 287، فقه اللغة وسر العربية للثعالبي تحقيق سليمان سليم البواب، دمشق 1984 ص 68، الكتاب لسبيويه 4/304، فرهنگ عميد 2/1041، لسان العرب لابن منظور القاهرة دار الشعب 2/1640- 1641) . [1] أهل قراجل: قراجل جبل كبير بالهند، بينه وبين دهلى مسيرة عشرة أيام، وأهله كفار (رحلة ابن بطوطة، تحقيق د. جمال الدين الرمادي، دار الكتاب اللبناني ص 322) . [2] وردت بالمخطوط المغلفة. [3] فتر مقياس يعادل الشبر، وردت شبر في نسخة ب 65. [4] السكة: ضرب العملة والسكة والخطبة دليلان على سيطرته واستيلائه على البلاد.

فتح بلاد جاجنكز، وبها سبعون قرية جليلة كلها بنادر على البحر [1] ، دخلها من الجواهر والفيلة والقماش المنوع والطيب والأفاوية، ثم فتح بلاد لكنوتى [2] وهي كرسي [3] تسعة [4] ملوك، ثم فتح بلاد دواكير، ولها أربع وثمانون قلعة، كلها جليلات المقدار. قال الشيخ برهان الدين «1» ابن الخلال البزي [5] : وبها ألف ألف قرية ومائتا ألف قرية. عدنا إلى حديث الشيخ مبارك «2» ، قال الشيخ مبارك: ثم فتح بلاد سمند، وكان بها السلطان بلال الديوا وخمسة ملوك [6] كفار، ثم فتح بلاد المعبر [7] ، وهو إقليم جليل، له تسعون مدينة، بنادر على البحر، يجيء من دخلها الطيب واللانس والقماش المنوع ولطائف الأفاق. وحدثني الفقيه العلامة سراج الدين أبو الصفاء عمر بن إسحاق بن أحمد

_ [1] بنادر وردت بالمخطوط بيادر وصوابها بنادر لوقوعها على البحر، والبنادر جمع مفرده بندر والبندر هو الميناء (الدخيل في لهجة أهل الخليج للمحقق 23، فرهنگ عميد 1/377 لسان العرب 1/358، تفسير الألفاظ الدخيلة 13) . [2] وهي لكهنوتي: إحدى الولايات الهندية الواقعة شرق أيوديا وغرب بهار ذكرها ابن بطوطة لكنوتي (الرحلة 292) وردت في نسخة ب 65 النوتي. [3] مقر حكم. [4] وردت بالمخطوط تسع ملوك. [5] برهان الدين بن الخلال البزي: ورد أكثر من شخص قريب من هذا الاسم إلا أن المعاصر لمؤلفنا هو محمد الخلال المتوفى 735 هـ وهو رجل فاضل من آثاره الجفر الكبير (معجم المؤلفين كحاله 10/16) . [6] وردت بالمخطوط خمس ملوك في أ 11 وب 65. [7] بلاد المعير هي أقصى بلاد الهند ناحية سيلان وأظنها المليبار (انظر رحلة ابن بطوطة 399) .

الشبلي العوضي من إقليم عوض [1] من الهند، وهو من أعيان الفقهاء؛ الذين يحضرون حضرة السلطان بدهلى [2] : أن أمهات الأقاليم التي في مملكة هذا السلطان ثلاثة وعشرون إقليما وهي: إقليم دهلى، وإقليم الدواكير، وإقليم الملتان [3] وإقليم كهران، وإقليم سامانا [4] ، وإقليم سيوستان، وإقليم وجا، وإقليم هاسى [5] ، وإقليم سرستى، وإقليم المعبر، وإقليم تلنك، وإقليم كجرات، وإقليم بدوان، وإقليم عوض، وإقليم القنوج [6] ، وإقليم لكنوتى، وإقليم بهار، وإقليم كره، وإقليم ملاوه [7] ، وإقليم نهاور، وإقليم كلانور، وإقليم حاجنكز، وإقليم تلنج، وإقليم دور سمند، وهذه الأقاليم «1» تشتمل على ألف مدينة ومائتي مدينة، كلها مدن ذوات بنايات (المخطوط 12) كبار أو صغار، إذ بجميعها الأعمال والقرى العامرة الآهلة، ولا أعرف ما عدد قراها، وإنما أعرف أن إقليم القنوج [8] مائة وعشرون لكا [9] كل لك مائة ألف قرية، فيكون اثني عشر ألف ألف قرية، وإقليم

_ [1] أظنه أوده التي هي الآن ايوديا وكانت من قبل الله باس ثم الله آباد. [2] دهلي: مدينة بشمال الهند، اتخذها أسر كثيرة مقرا للحكم بها القلعة الحمراء وقطب منار، تقع على نهر جمنة (الموسوعة العربية المسيرة 800) وهي أربعة مدن هي: دهلي وسيري وتغلق آباد وجهان پناه (رحلة ابن بطوطة 276) . [3] الملتان من بلاد السند أوردها العماد الحنبلي في تقويم البلدان المولتان وأن أهلها المطان، وذكره ابن حوقل بأنها أكبر من المنصورة (انظر روضة الصفا حاشية ص 176) . [4] ويقصد ساماته: (انظر طبقات أكبرى لنظام الدين أحمد) . [5] هاتس: (انظر منتخب التواريخ لعبد القادر بداوني) . [6] قنوج: (انظر أكبرنامة لابي الفضل بن المبارك) . [7] مالوه: (انظر تاريخ فرشته لمحمد قاسم فرشته) . [8] وردت بالمخطوط الفتوح وهو قنوج. [9] لك: كلمة هندية تعني مائة ألف، ويكتب لاكي ولكى وقد دخل اللفظ الأردية والفارسية والعربية، ويجمع بالعربية الكاك أو لكاك (انظر الدخيل في لهجة أهل الخليج 101- فرهنگ عميد 2/172- 2/1721.

تلنك، وهو ستة وثلاثون لكا، فيكون ثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف قرية، وإقليم مالوه أكبر من القنوج، ولكني لم «1» أحرّر كم عدده، وأما المعبر فيشتمل على عدة جزائر كبار، كل واحدة منها مملكة جليلة مثل كولم وفتن والسيلان ومليبار. وقال الشيخ مبارك: وعلى لكنوتي مائتا ألف مركب صغارا خفافا للسّير، إذا رمى الرامي في آخرها سهما «2» [1] وقع في وسطها لسرعة جريانها، هذا غير الكبار، ولا تبلغ بعض هذا العدد، ومنها ما فيه الطواحين والأفران والأسواق «3» ، وربما لا يتعرف بعض سكانه ببعض إلا بعد مدة، لاتساعها وعظمها، وجردت من جغرافيا «4» تحقيقا طولها وهو من الواق واق [2] إلى قبالة عدن، وعرضها من سرنديب إلى بوارو الواقعة غربي قراقرم [3] ، وأقوله بعبارة البسط من هذا وأوضح لمن تأمل لوح الرسم في الجغرافيا الكاملة فنقول طولها من مخرج البحر الهندي من المحيط في نهاية الصين في المشرق دون جزيرة الجوهر والواق واق المائلة إلى الجنوبي آخذا في البحر إلى حيث ينعطف مغربا على جزيرة الموجه أم جزائر الصين مع طول البحر حتى ينتهي إلى فرصة المغرب، ثم يمتد من هناك برا وبحرا

_ [1] وردت بالمخطوط سهم. [2] واق الواق: جبال بنواحي الصين. [3] قراقرم: عاصمة القاآن الكبير للمغول، أنشئت سنة 1235 وبنى اگداي بها أردوباليق واسكنها من الخطا والتركستان والفرس والمستعمرين (انظر: تركستان من الفتح العربي إلى الفتح المغولي، ف، ف، بارتولد ترجمه عن الروسية صلاح الدين عثمان هاشم، الكويت 1981 ص 650- 655) .

آخذا في الشمال إلى بوارو غربي قراقرم على حد بلاد كاشغر [1] إلى حد بلاد مكران [2] ممتدا على نهر مكران إلى أن يدخل السّند في حدة قريب كرمان [3] ، ثم ينتهي هناك إقليم الهند في البر «1» وآخره المنصورة [4] ، وتتصل جزائره في البحر إلى قبالة عدن، وأمّا عرضه فمن سرنديب، وما هو في سمتها في الجنوب، إلى بوارو وما هو في سمتها إلى الشمال، وحدود هذه المملكة من الجنوب البحر وما يمتد معه من كورة [5] قراجل ومن الشرق لها ور [6] وكلاور، ومن الشمال بلاد الترك، ومن الغرب سيالكوت «2» [7] والمفازة. (المخطوط ص 13) ومدينة دهلى [8] هي قاعدة الملك، ثم بعدها قبة الإسلام، وهي مدينة الدواكير، جددها هذا السلطان، وسماها قبة الإسلام «3» ، قال: ودهلى في الإقليم الرابع، قلت: وهكذا قال الملك المؤيد صاحب حماه رحمة الله في تقويم

_ [1] وردت بالمخطوط كشتغد وهي كاشغر وهي وسط بلاد الترك، وهي مدينة وقرى ورساتيق (مراصد الاطلاع 3/1143) . [2] مكران، إقليم من الأقاليم الإيرانية المجاورة لباكستان الحالية، ولاية واسعة غربيها كرمان وسجستان شمالها والبحر جنوبيها (مراصد الاطلاع 3/1302) . [3] كرمان: إقليم إيراني مجاور لمكران، ولاية مشهورة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان (مراصد الاطلاع 3/1160- 1161) . [4] المدينة التي بناها محمد بن القاسم الثقفي فاتح السند سنة 96 هـ وقيل كان اسمها وهفافا، فسميت المنصورة على اسم لما حلها منصور بن جمهور (مراصد الاطلاع 3/1321) . [5] كورة بمعنى ناحية أو منطقة (فرهنگ عميد 2/1662) . [6] لهاور وهي لوهور مدينة عظيمة من بلاد الهند (مراصد الاطلاع 3/1212) . [7] وردت بالمخطوط سايكوت. [8] وردت بالمخطوط دهلا أ 13.

البلدان [1] ، ونقله عمن يوثق به من أهل هذا الشأن. قال الشيخ مبارك: وأما قبة الإسلام فتكون في الثالث، وفارقتها وما تكاملت، ولي الآن عنها ست سنين «1» ، وما أظنها تكون قد تكملت، لعظم ما حصل الشروع فيه من اتساع خطة المدينة، وعظم البناء، وإن هذا السلطان كان قد قسمها على أن تبنى محلات، لأهل كل طائفة محلة، الجند في محلة، والوزراء والكتاب في محلة، والقضاة والعلماء في محلة، والمشايخ والفقراء في محلة، والتجار والكساب في محلة، وفي كل محلة «2» ما يحتاج إليه من المساجد والمآذن [2] والأسواق والحمامات والطواحين والأفران وأرباب الصنايع من كل نوع حتى الصبّاغ والصباغين «3» ، والدباغين، حتى لا تحتاج أهل محلة إلى أخرى في بيع ولا شراء، ولا أخذ ولا عطاء، لتكون في محلة كأنها مدينة مفردة قائمة بذاتها، غير مفتقرة في شيء إلى سواها، وليس في هذه المملكة خراب، إلا تقدير عشرين يوما مما يلي غزنة [3] لتجاذب صاحب الهند وصاحب تركستان [4] وما وراء النهر [5] بأطراف

_ [1] تقويم البلدان لعماد الدين إسماعيل بن محمد بن عمر، أبو الفداء متوفى سنة 732 هـ. [2] وردت بالمخطوط المواذن أ 13، ب 66. [3] غزنة: مدينة عامرة بأفغانستان الحالية، كانت قاعدة لملك السلطان محمود الغزنوي في النصف الثاني من القرن الرابع وأوائل الخامس الهجريين. [4] تركستان: اسم جامع لجميع الترك وأول حدهم من جهة المسلمين فاراب، ومدائنهم المشهورة ستة عشر، مدينة (انظر مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع تأليف صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي (م 739) تحقيق علي محمد البجاوي ط أولى، القاهرة 54- 1955 ج 1/259- وانظر تركستان، الفتح العربي حتى الغزو المغولي فاسيلي فلاديميروفتش بارتولد نقله عن الروسية صلاح الدين هاشم الكويت 1981 ج 1) . [5] ما وراء النهر وهي البلاد الواقعة بعد نهر جيحون المعروف بآمودريا وهي ضمن بلاد التركستان وفيها بخارى وسمرقند وخوارزم وفرغانة.

المنازعة أو جبال معطلة أو شعراء، مشتبكة، ومتحصلات تلك من نبات العطر والأفاويه والعقاقير الداخلة في أدوية الطب أعوّد نفعا من الغلات المزدرعة [1] بما لا يقاس. قلت: وقد أوقفني الفاضل نظام الدين يحيى بن الحكيم «1» علي تأليف قديم في البلاد، وذكر فيه أن قرى جميع الملتان مائة ألف قرية وستة عشرون ألف قرية مثبتة في الديوان، وهو ودهلى في الرابع، ومعظم المملكة في الثاني والثالث، وكلها فسيحة، وبلادها صحيحة، إلا مزارع الأرز، فإنها وخيمة، وبقاعها ذميمة. وحكى في ذلك التأليف أن محمد بن يوسف الثقفي [2] ، أصاب بالسند أربعين بهارا من الذهب، كل بهار ثلاثمائة (المخطوط ص 14) ، وثلاثة وثلاثون منا [3] قال: ومن بلاد غزنة والقندهار آخر حده، وسألت الشيخ مبارك: كيف بر الهند وضواحيه «2» ؟ فقال لي أن به أنهارا ممتدة، تقارب ألف نهر كبارا وصغارا، منها ما، يضاهي «3» النيل عظما، ومنها ما هو دونه، ومنها ما هو دون هذا المقدار، وما هو مثل بقية الأنهار، وعلى ضفاف «4» الأنهار، القرى والمدن، وبه الأشجار الكثيفة، والمروج الفيّح، وهي بلاد معتدلة «5» ، كل أوقاتها ربيع، وتهب بها الأهوية، ويتنسم النسيم «6» اللطيف، وتتوالى بها الأمطار مدة أربعة أشهر وأكثرها

_ [1] يقصد المزروعة وقد استخدم أزدرع ومزدرع كثيرا. [2] محمد بن يوسف الثقفي هو محمد بن القاسم الثقفي أول من فتح السند سنة 96 هـ. [3] المن: نوع من الوزن، يختلف من بلد لآخر وهو يعادل الآن 3 كيلو في إيران و 4 كيلو في الإمارات و 14 رطلا في الكويت (فرهنگ عميد 2/1851، الدخيل في لهجة أهل الخليج 106) .

في أخريات الربيع، إلى ما يليه من الصيف، وبها أنواع من الحبوب والحنطة والأرز والشعير والحمص والقدس، والماش [1] واللوبيا والسمسم وأمّا الفول فلا يكاد يوجد فيها. قلت: أظن عدم وجود «1» الفول بها لأنها بلاد حكماء وعندهم أن الفول يفسد جوهر العقل، ولهذا حرّمته الصابئة [2] ، قال: وبها من الفواكه شيء من التين والعنب والرمان الكثير الحلو والمر والحامض والموز والخوخ والأترج [3] ، والليمون واللبم والنارنج والجميز والتوت الأسود المسمى بالفرصاد والبطيخ الأصفر والأخضر والخيار والقثاء والعجور والتين، والعنب هو أقل ما يوجد من بقية هذه الأنواع، وأمّا السفرجل فيوجد بها ويجلب إليها، وأمّ الكمثرى والتفاح فهما أقل وجدا من السفرجل، وبها فواكه أخر لا تعهد في مصر والشام والعراق وهي العنبا والمهوا واللكح والكريكا وايجلى والفكي والنغزك وغير ذلك من الفواكه الفائقة اللذيذة، فأما النارجيل وهو المسمى بالجوز هندي، (لا يعادله شيء، وهو أخضر مملوء بدهنه، وأما الحمر وهو المسمى بالتمر هندي) [4] فهو شجر بري يلو الجبال، والنارجيل والموز بدهلى أقل مما حولها من بلادها على أنه الموجود الكثير، وأما

_ [1] الماش: نوع من الحبوب يشبه العدس، يطبخ، أبيض من الداخل وأخضر من الخارج (فرهنگ عميد 2/1737، الدخيل في لهجة أهل الخليج 104) . [2] الصابئة: فرقة دينية عقائدها خليط بين اليهودية والمسيحية، عدها القرآن الكريم ضمن أهل الكتاب، ومنهم عبدة أصنام في حران (فرهنگ عميد 2/1348) . [3] أترج: ضرب من الحمضيات بين البرتقال والليمون وهو يسمى ترنج وأترنج وترج وأترج وفي لهجة الخليج ترني (انظر: الدخيل في لهجة أهل الخليج 31- 32/لسان العرب 1/425 معجم الألفاظ الفارسية الدخيلة 34/معجم تيمور الكبير 2/312- 313. [4] ورد بهامش المخطوط أ 14 العبارة التي بين القوسين وهي مكملة للمتن ووضعتها في موضعها، ومثبتة في ب 67.

قصب السكر فإنه بجميع هذه البلاد كثير ممتهن، ومنه نوع أسود جف «1» صلب (المخطوط ص 15) العيدان، وهو أجوده للامتصاص لا للإعتصار، وهو مما لا يوجد في سواها، ويعمل من بقية أنواعه السكر الكثير العظيم الرخيص من السكر النبات والسكر المعتاد، ولكنه لا يجمد بل يكون كالسميد الأبيض، وبها الأرز؛ على ما حدثني الشيخ مبارك بن مجد شاذان؛ على أحد وعشرين نوعا، وعندهم اللفت والجزر والقرع والبادنجان والهليون «2» [1] والزنجبيل، وهم يطبخونه إذا كان أخضر، كما يطبخ الجزر، وله طعم طيب لا يعادله شيء، وبها السلق والبصل والفوم والشمار [2] والصعتر «3» [3] وأنواع الرياحين من الورد والنيلوفر [4] والبنفسج والبان وهو الخلاف، والنرجس، وهو العبهر [5] ، وثامر الحناء «4» ، وهو الفاغية، وكذلك الشيرج [6] ، ومنه وقيدهم [7] ، وأمّا «5» الزيت فلا يأتيهم إلا جلبا، وأما العسل فأكثر من الكثير، وأمّا الشمع فلا يوجد إلا في دور السلطان، ولا يسمح فيه لأحد،

_ [1] الهليون: نوع من العشب يفسد سم الثعبان ولدغات الهوام (فرهنگ عميد 2/1974، قاموس الفارسية عبد النعيم حسنين بيروت القاهرة 1982 ص 607) . [2] الفوم: الثوم، والشمار: الشمر. [3] الصعتر هو الزعتر، وهو نبات صحراوي له أوراق ذات نكهة طيبة، يستخدم كعلاج لأمراض الرئة والمعدة (فرهنگ عميد 2/1206) . [4] وردت بالمخطوط اللينوفر، والنيلوفر هو عشب ذات ألوان مختلفة يستخدم للزينة من الكلمة البهلوية) NiloPar فرهنگ عميد 2/1933) . [5] العبهر: هو النرجس والياسمين (فرهنگ عميد 2/1425) . [6] الشيرج: زيت السمسم معرب شيره الفارسية (الدخيل في لهجة أهل الخليج 77) . [7] وقيد يعني وقود، وردت وقودهم ب 68.

وما لا يحصى من الدواب السائمة من الجواميس والأبقار والأغنام والمعز، ودواجن الطير من الدجاج والحمام البلدي والأوز، وهو أقل أنواعه، فأما الدجاج الهندي فيكاد أن يكون كالأوز في عظم المقدار، وكل هذا يباع بأرخص الأسعار، وأقل الأثمان، وأما السمن واللبن على اختلاف أنواعه فكثير لا يعبأ به ولا له قيمة، ويباع بأسواقها من الأطعمة المنوعة كالشواء والأرز والمطجّن والمقلى والمنوع والحلوى [1] المنوعة [2] على خمسة وستين نوعا، والفقاع والأشربة ما لا يكاد يرى في مدينة سواها، وبها من أصحاب الصنائع للسيوف والقسى والرماح وأنواع الرماح والزردا، والصواغ «1» والزراكش [3] والسراجين وغير ذلك من أرباب كل صنف «2» مما يختص بالرجال والنساء وذوي السيوف والأقلام وعامة الناس ما لا يحصى لهم عدد، وأمّا الجمال فقليلة لا تكون إلا للسلطان ومن عنده من الخانات [4] والأمراء والوزراء وأكابر أرباب الدولة، وأما الخيل فكثيرة وهي نوعان (المخطوط ص 16) : عرّاب [5] وبراذين [6] ، وأكثرها مما لا يحمد فعله، ولهذا

_ [1] وردت بالمخطوط الحلوا وهو عادة يكتب الألف المقصورة ألفا مثل أحلى، أعلى، أسمى، وقد كتبتها على الرسم المستعمل الآن، وذلك في نسخة أ، ب. [2] انظر الزردخانة فيما بعد. [3] الزراكش جمع مفرده زركش وتعني وضع خطوط ذهبية على الثوب ويسمى ذلك تذهيبا والثوب مذهبا وهو من الفعل الفارسي زركشيدن ويعني التذهيب ومنه في العربية مزركش ويزركش وزركشة (انظر الدخيل في لهجة أهل الخليج 66 فرهنگ عميد 2/1104، قاموس الفارسية 320) . [4] الخانات جمع مفرده خان وهي كلمة تركية الأصل بمعنى رئيس وأمير وتطلق على رؤساء الترك والتاتار (انظر فرهنگ عميد 1/828، تفسير الألفاظ الدخيلة 23/معجم أنيس فريحة 42/معجم آدى شير 58، الدخيل في لهجة أهل الخليج 43) . [5] العرّاب: الخيول العربية ذات الأصول الكريمة. [6] براذين جمع مفرده برذون وهو الحصان التاتاري والبغل والحصان غير الأصيل (فرهنگ عميد 1/336) .

تجلب إلى الهند من جميع ما جاورها من بلاد الترك، وتقاد إليها العرّاب من البحرين وبلاد اليمن والعراق على أن في دواخل الهند خيلا عرابا كريمة الأحساب، يتغالى في أثمانها، ولكنها «1» قليلة، ومتى طال مكث الخيل بها انحلت، وأما البغال والحمر «2» فما يعاب عندهم ركوبها، ولا يستحسن فقيه ولا ذو علم «3» ركوب بغلة، فأما الحمار فإن ركوبه عندهم مذلة كبرى «4» ، وعار عظيم، بل ركوب الكل الخيل، وأمّا الأثقال فخاصتهم يحمل على الخيل، وعامتهم يحمل على البقر، يحمل عليها الأكفاء، فيحمل عليها، وهي سريعة المشي، ممتدة الخطا. وسألت الشيخ مبارك عن مدينة دهلى، وما هي عليه «5» ، فحدثني أن دهلى مدائن جمعت مدينة، ولكل واحدة اسم معروف، وإنما دهلى واحدة منها، وقد صار يطلق على الجميع اسمها، وهي ممتدة طولا وعرضا، يكون دور عمرانها [1] أربعين ميلا، بناؤها بالحجر والآجر، وسقوفها بالأخشاب، وأرضها مفروشة بحجر أبيض شبيه بالرخام، ولا يبنى بها أكثر من طبقتين، وفي بعضها طبقة واحدة، ولا يفرش بالرخام إلا السلطان. قال الشيخ أبو بكر بن الخلال: هذه دور دهلى [2] العتيقة، فأما ما أضيف إليها فغير ذلك «6» ، قال: وجملة ما يطلق عليه الآن اسم دلى () أحد وعشرون مدينة،

_ [1] دور عمرانها أي محيط عمراها، وليست جمع مفرد دار. [2] يقصد دهلي، ودلي هو النطق الصواب للكلمة لأن د هـ حرف واحد في الأردية، ودهلي أو دلي هي العاصمة وحاضرة الدول الإسلامية التي حكمت الهند.

وبساتينها على استقامة، كل خط اثنا عشر ميلا من ثلاث جهاتها، فأمّا الغربي فعاطل لمقاربة جبل لها به، وفي دهلى ألف مدرسة، وبها مدرسة واحدة للشافعية، وسائرها للحنفية، ونحو سبعين مارستانا [1] ، وتسمى بها دور الشفاء [2] ، وفيها وفي بلادها من الخوانق [3] والربط [4] عدة ألفين مكانا، وبها الديارات [5] العظيمة، والأسواق الممتدة، والحمامات الكثيرة، وجميع مياها من آبار محتفرة قريبة المستقى، أعمق ما يكون سبعة أذرع، عليها السواقي، وأمّا مشرب أهلها فمن ماء المطر في أحواض وسيعة تجتمع (المخطوط ص 17) فيها الأمطار، كل حوض يكون قنطرة، علوه سهم وأزيد، وبها الجامع المشهور المئذنة [6] ، التي قال أنه ما على بسيط الأرض لها شبيه في سمكها وارتفاعها [7] ، وقال الشيخ برهان الدين بن الخلال البزي الصوفي أن علوها ستمائة ذراع في الهواء. قال الشيخ مبارك: وأما قصور السلطان ومنازله بدهلى فإنها خاصّة

_ [1] مارستان: دار الشفاء، المستشفى، وهي بيمارستان ومارستان بالفارسية، وتأتي في العربية مارستان وبيمارستان وبيمارستان من بيمار بمعنى مرض وستان لاحقة تفيد المكان والكلمة فارسية (انظر الدخيل في لهجة أهل الخليج 104، معجم الألفاظ العامية لأنيس فريحة 166، معجم آدى شير 33- 145، فرهنگ عميد 1/409- 2/1734) . [2] وردت بالمخطوط دو الشفا. [3] الخوانق جمع مفرده خانقاه وهي مكان تجمع الصوفية، وهي الأماكن التي يأوي إليها رجال التصوف لعقد مجالس الذكر والعبادة (انظر فرهنگ عميد 1/829- فرهنگ أدبيات فارسي 191) . [4] الربط جمع مفرده رباط، وتجمع أيضا رباطات وهي تماثل الخانقاه في وظيفتها بالإضافة إلى كونها أماكن على الطرق للتجار والمسافرين كما أنها أماكن متقدمة للقتال (انظر فرهنگ رازي 388) . [5] الديارات جمع الجمع ديار. [6] وردت بالمخطوط الأذنة أ، ب. [7] أظنه يقصد مئذنة قطب منار المنسوب لقطب الدين أيبك أحد ملوك المماليك الغورية في الهند.

بسكونه «1» وسكن حريمه ومقاصير جواريه [1] وحظاياه [2] ، وبيوت خدمه ومماليكه، لا يسكن معه أحد من الخانات، ولا من الأمراء، ولا يكون به أحد منهم إلا إذا حضروا للخدمة، ثم ينصرف كل واحد إلى بيته، وخدمتهم مرتين في كل نهار في بكرة كل يوم وبعد العصر منه، ورتب الأمراء على هذه الأنواع، أعلاهم قدرا الخانات ثم الملوك ثم الأمراء، ثم الأصبهلاريه [3] ثم الجند، وفي خدمته ثمانون خانا أو أزيد، وعسكره تسعمائة ألف فارس من هؤلاء، منهم من هو بحضرته، ومنهم في سائر البلاد، يجرى عليهم كلهم ديوانه [4] ، ويشتملهم إحسانه، وعساكره من الأتراك والخطا والفرس والهند، ومنهم البهالوين [5] والشكار [6] ، ومن بقية الأنواع والأجناس، كلهم بالخيل المسومة، والسلاح الفائق والتجمل الظاهر الزائد، وغالب الأمراء والجند تشتغل بالفقه،

_ [1] وردت بالمخطوط جواره أ، جواريه ب 69. [2] حظاياه جمع مفرده حظية وهن الجواري أصحاب فنون الغناء والموسيقى (انظر حظية فرهنگ عميد 1/798) . [3] وردت بالمخطوط الأصفهسلايه وصوابها السبهسلارية وهي من سيه سالار، كلمة فارسية تعني قائد الجيش مأخوذ عن الپهلوية) SPah SalAx فرهنگ عميد 2/1168) . [4] الديوان: الكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وأول من وضعه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وأخذه عن الفرس وكان كسرى أنوشيروان ملك فارس قد أطلق اسم ديوان أو ديوانه على الموظفين الحكوميين (انظر: الدلالات اللفظية للكلمات الفارسية في كتاب سيبويه د. أحمد الشاذلي، المنوفية 1987 ص 28- واژهـ هاي فارسي در زبان عربي 273/275) . [5] البهالوين: جمع مفرده بهلوان، والباء مثلثة، ومعربها فهوي، واللفظ فارسي بمعنى البطل والشجاع (انظر الدخيل في لهجة أهل الخليج ص 91، فرهنگ عميد 1/496) . [6] الشطار جمع مفرده شاطر وهم جماعة تماثل العيارين والفتوة، وكانوا في القديم عبارة عن مشاة يسيرون أمام موكب السلاطين والأمراء في زمن خاص (فرهنگ عميد 2/1277- 1305) .

ويتمذهبون [1] خاصة وأهل الهند عامة لأبي حنيفة رضي الله عنه، وله [2] ثلاثة آلاف فيل محققة، تلبس في الحروب البركصطوانات [3] الحديد المذهب، وأمّا في أوقات السلم فتلبس جلال الديباج [4] والوشى وأنواع الحرير، وتزين بالقصور والأسرة المصفحة، وتشد عليها البروج من الخشب المسمرة، ويتبوأ بها رجال الهند مقاعد القتال، ويكون على الفيل من عشرة رجال إلى ستة رجال على قدر احتمال الفيل، وله عشرون ألف مملوك أتراك. قال البرس «1» وعشرة آلاف خادم خصى، وألف خزندار [5] وألف بشمقدار [6] وله مائتا ألف عند ركابيه [7] ، تلبس السلاح (المخطوط ص 18) ، وتمشي في ركاب السلطان، وتقاتل رجّالة بين يديه، وليس يستخدم أحد من الخانات والملوك والأمراء والأصفهلاريه «2» أجنادا، يقطع لهم الإقطاعات من قبلهم، كما هو في مصر والشام، بل ليس يتكلف الواحد منهم إلا نفسه وعدته من الجند، استخدامهم

_ [1] أي يعتنق كل منهم مذهبا، ويتعمق فيه كالمالكية والشافعية والحنابلة. [2] أي للسلطان. [3] البركصطوانات: من الكلمة الفارسية برگستوان وتعني غطاء مخصوص من الصلب يضعونه أثناء الحرب على الجسم أو على الجياد والأفيال وهي من برگستوان وبرگستان (فرهنگ عميد 1/342) . [4] الديباج: هو من اللفظ الفارسي ديبا بمعنى حرير وعربت ديباج ومنها الفعل ديج ويديج، والديباج حزب من الحرير، واللفظ الفارسي مأخوذ من الپهلوية (انظر لسان العرب 2/1316، قاموس شتايجس فارسي/ إنجليزي 551، فقه اللغة للثعالبي 325، واژهـ هاي فارس لشوشترى 268) . [5] خزندار: الخازن من الكلمة العربية خزانة واللاحقة الفارسية دار، وخزندار من خزانة دار أي القائم بأعمال الخزانة (فرهنگ عميد 1/820) . [6] بشمقدار من باشماق دار وباشماق تركية بمعنى حذاء وباشماقدار حامل الحذاء (فرهنگ عميد 1/306) . [7] قواد الجيش.

للسلطان، وأرزاقهم من ديوانه، ويبقى كلما تعين لذلك الخان أو الملك أو الأمير أو الأصفهلار خاص لنفسه والحجاب وأرباب الوظائف وأصحاب الأشغال من أرباب السيوف من الخانات والملوك والأمراء، لكل رتبة من يناسبها على مقدارها، فأمّا الأصفهلارية فلا يؤهل منهم أحد لقرب السلطان، وإنما يكون منهم نوع الولاة «1» ، ومن يجري مجراهم، والخان يكون له عشرة آلاف فارس، والملك ألف فارس، والأمير مائة فارس، والأصفهلارية دون ذلك. وأما أرزاقهم فيكون للخانات والملوك والأمراء والأصفهلارية بلاد مقررة عليهم من الديوان، إن كانت لا تزيد، فإنها لا تنقص، والغالب أن تجيء أضعاف ما عبرت به. ولكل خان لكان [1] ، كل لك مائة ألف تنكة [2] كل تنكة ثمانية دراهم، هذا خاص له، لا يخرج منه لجندي من أجناده شيء، ولكل ملك ستين ألف تنكة إلى خمسين ألف تنكة، ولكل أمير منه «2» أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة، والأصفهلارية من عشرين ألف تنكة وما حولها، وأما الجند فكل جندي من عشرة آلاف تنكة إلى ألف تنكة، وأما المماليك السلطانية، فكل مملوك من خمسة آلاف تنكة إلى ألف تنكة، وطعامهم وكساويهم وعليقهم [3] والجند والمماليك ليس لهم بلاد، وإنما يأخذون أموالهم نقدا من الخزانة، وأما أولئك «3» فبلاد تلك غيرها.

_ [1] لكان: مثنى لك، والك مائة ألف (الدخيل في لهجة أهل الخليج 101) . [2] تنگه: هي عملة فضية وذهبية، ولكنها في الغالب فضية (انظر معجم فريحة 23، فرهنگ عميد 1/628، الدخيل في لهجة أهل الخليج 35) . [3] ما يقدم للحيوانات التي يستخدمها الأمراء وأرباب الوظائف من خيل وإبل وبغال وخلافه.

قال: والآن إن لم يزد متحصلات البلاد المقتطعة لهم عن المعبر [1] وإلا فما تنقص، ومنهم من يحصل له قد عبرته مرتين وأكثر. وأما العبيد فكل عبد منهم في كل شهر منان [2] من الحنطة والأرز طعاما لهم وفي كل يوم (المخطوط ص 19) . ثلاثة أسيار [3] لحم مما يحتاج إليه، وفي كل شهر عشر تنكات بيضا، وفي كل سنة أربع كساوي. ولهذا السلطان دار طراز [4] ، فيها أربعة آلاف قزاز [5] تعمل الأقمشة المنوعة للخليع «1» [6] والكساوى والإطلاقات، مع ما يحمل له من قماش الصين والعراق والإسكندرية، وهو يفرق كل سنة مائتي ألف كسوة كاملة، مائة ألف كسوة في الربيع، ومائة ألف كسوة في الخريف. فأما كسوة الربيع فغالبها من القماش الإسكندري، عمل الإسكندرية، وأما كساوى الخريف فكلها حرير من عمل دار السلطان الطراز بدهلى، وقماش الصين والعراق، ويفرق على الخوانق والربط الكساوى، وله أربعة آلاف

_ [1] العير ما هو محدد ومقرر، الأراضي المحددة لكل صاحب وظيفة، تعادل كلمة اقطاع، وتعني خراج أيضا (فرهنگ عميد 2/1424) . [2] منان مثنى من، نوع من الوزن (انظر الدخيل في لهجة أهل الخليج 106) . [3] أسيار جمع مفرده سير، وهو وزن يعادل 16 مثقالا، ويأتي أيضا ستير من اللفظ الپهلوي) Ster انظر فرهنگ عميد 2/1241) . [4] دار طراز: أي الدار التي يتم تطريز ونسج الملابس فيها، وتعني دار النقش والتطريز (فرهنگ عميد 2/1395) . [5] قزّاز: وهو صانع القز، والقز والخز واحد وهو الحرير الخام (واژهـ هاي فارسي در زبان عربي 260) . [6] الخليع: الملابس التي تخلع على الأمراء وأصحاب الوظائف وتسمى خلعا، وهي لفظة غير الخلع المعروف عند القبائل العربية.

زركشي [1] ، يعمل الزراكش لباقي الحريم، ويعمل في مستعملاته، ولما يخلعه على أرباب دولته، ويعطى لنسائهم. ويفرق في كل سنة عشرة آلاف فرس عربي من الخيل العراب المسومة منها ما هو مسرج ملجم، ومنها ما هو عربي بلا سرج ولا لجام، والمسرجات والملجمات على أنواع منها ما هو ملبس، ومنها ما هو محلى، ثم إن تلك الملبسات والملجمات. منها ما هو بالذهب، ومنها ما هو بالفضة، فأمّا ما يعطى من الخيل والبراذين، فإنه بلا حساب، يعطى جسارات جسارات، ويفرق مئينا مئينا [2] . وهو على كثرة الخيل ببلاد، وكثرة ما يجلب إليه يتطلبها من كل قطر، ويبذل فيها أكثر الأثمان، لكثرة ما يعطى ويطلق، وهي مع هذا غالية الثمن، مربحة المكاسب، لمن يتاجر فيها، لكثرة المكاسب والعساكر وجمهرة الخلق. وحدثني علي بن منصور العقيلي «1» من أمراء عرب البحرين، وهم ممن يجلبون من البحرين، الخيل، إلى هذا السلطان؛ أن لأهل هذه البلاد علامة في الفريس، يعرفونها بينهم، متى ما رأوها «2» في فرس اشتروه بما عسى يبلغ ثمنه. ولهذا السلطان نائب من الخانات يسمى أميرت «3» أقطاعه يكون قدر إقليم عظيم نحو العراق، ووزير؛ أقطاعه يكون قدر إقليم «4» العراق وله أربعة (المخطوط

_ [1] الزركشي: مذهب، القائم بصناعة الملابس الموشاة بالذهب (الدخيل في لهجة أهل الخليج 66) . [2] مئات مئات.

ص 20) نواب، يسمى كل واحد منهم شق [1] ، ولكل «1» منهم أربعين ألف تنكة إلى عشرين ألف تنكة، وله أربعة دبيران [2] أي كتاب سر، لكل واحد مدينة من المدن البنادر العظيمة الدخل، ولكل واحد منهم بقدر ثلاثمائة كاتب أصغر من فيهم وأضيق رزقا له عشرة تنكة «2» . وأما أكابرهم فله قرى وضياع، وفيهم من له خمسون قرية، ولصدر جهان [3] ، وهو اسم قاضي القضاة، وهو في وقتنا كمال الدين بن البرهان، عشرة قرى، يكون متحصلها قريب من ستين ألف تنكة «3» ويسمى صدر الإسلام، وهو أكبر نواب الحكم بالقضاء، ولشيخ الإسلام وهو شيخ الشيوخ مثله، وللمحتسب قرية، يكون متحصلها قريب «4» ثمانية آلاف تنكة. وله ألف طبيب، ومائتا طبيب وعشرة آلاف بزدار [4] تركب الخيل، وتحمل الطيور المعلمة للصيد، وثلاثة آلاف سواق، تسوق لتحصيل الصيد، وخمسمائة نديم، وألف «5» ومائتان نفرا من الملاهي، غير مماليك الملاهي، وهم ألف مملوك، برسم تعليم الغناء خاصة، وألف شاعر من اللغات الثلاثة العربية والفارسية [5] والهندية [6]

_ [1] شق كلمة عربية بمعنى ناحية، وجاءت منها شقدار أي صاحب الناحية. [2] دبيران جمع مفرده دبير، وقد استخدم المؤلف الكلمة جمعا فارسيا وليس عربيا، وهي من الپهلوية DaPir ومعناها كاتب (فرهنگ عميد 1/926) . [3] صدر جهان: قاضي القضاة. [4] بزدار: بز رداء كتاني أو قطني وبزدار صاحب القماش (فرهنگ عميد 1/349) . [5] كانت الفارسية هي اللغة المستعملة في بلاد سلاطين الهند المسلمين لأنها لغة الجيش. [6] اللغة الهندية ليست هي الأردية، فالأردية هي لغة المسلمين واللغة الهندية هي اللغة المأخوذة عن السنسكريتية.

من ذوي الذوق اللطيف، يجرى على هؤلاء كلهم ديوانه، وتدر عليهم مواهبه، ومتى بلغه أن أحدا من ملاهيه غنى لأحد، قتله، وساءلته عما لهؤلاء من الأرزاق، فقال: لا أعلم من أرزاق هؤلاء إلا ما للندماء، فإن لبعضهم قريتين، ولبعضهم قرية، ولكل واحد منهم من أربعين ألف تنكة إلى ثلاثين ألف تنكة إلى عشرين ألف تنكة، على مقاديرهم من الخلع والكساوى والافتقادات «1» . (قال الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي الصوفي: وله مائتا تبع تسافر بأمواله في البلاد تبتاع له ولكل واحد منهم في كل مدينة ألف تنكة) «2» قال الشيخ مبارك: ويمد لهذا السلطان السماط أوقات الحزم في طرفي النهار مرتين، في كل يوم، ويطعم منه عشرون ألف نفر مثل الخانات والملوك والأمراء والأصفهلارية وأعيان الجند، وأما طعامه الخاص، فيحضر معه عليه الفقهاء، مائتا فقيه في الغداء والعشاء، ليأكلوا معه ويجثوا بين يديه. قال الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي: سألت طباخ السلطان كم يذبح في مطابخة «3» كل يوم؟ فقال: يذبح ألفين وخمسمائة رأس من البقر، وألفين رأس من الغنم غير الخيل (المخطوط ص 21) المسمنة، وأنواع الطير. قال الشيخ مبارك: ولا يحضر مجلس هذا السلطان من الجند إلا الأعيان ومن دعته ضرورة الحضور لكثرة عددهم، وكذلك مجالسه الخاصة لا يحضر بها جميع أرباب الخدم من الندماء والمغاني إلا بالنوب، وكذلك أرباب الوظائف مثل الدبيران [1] والأطباء، ومن يجرى مجراهم لا يحضرون إلا بالنوب «4» ، وأما الشعراء

_ [1] دبيران جمع مفرده دبير: وتعني الكاتب.

فلحضورهم أوقات مخصوصة في السنة مثل العيدين والمواسم ودخول شهر رمضان وعند ما تتجدد نصره على أعداء أو فتح «1» من الفتوحات أو غير ذلك مما تهنىء «2» به السلاطين، أو يتعرض إلى مدحهم فيه. وأمور الجند خاصة بل الناس عامة إلى آمريت [1] وأمور الفقهاء والعلماء والقاطنين والواردين كلها إلى صدر جهان وأمور الفقهاء القاطنين والواردين إلى شيخ الإسلام، وأمور عامة الواردين والوافدين والأدباء والشعراء القاطنين والواردين إلى الدبيران، وهم كتاب السر. وحدثني قاضي القضاة أبو محمد الحسن بن محمد الغوري الحنفي أن السلطان محمد بن طغلقشاة «3» [2] كان قد جهّز مغصان؛ أحد كتاب سره إلى جهة السلطان أبي سعيد [3] «4» ، وبعث معه ألف ألف تنكة ليتصدق بها في المشاهد [4] بالكوفة والعراق وتلك الآفاق، وكان هذا مغصان مخبث النية، فجمع أحواله عازما

_ [1] نائب السلطان. [2] السلطان محمد بن تغلقشاه هو ابن السلطان تغلقشاه تولى حكم دهلي بعد وفاة أبيه، وهو أحد سلاطين المماليك القطبية الغورية (انظر: صفته عن ابن بطوطة 292- 310- طبقات أكبري لنظام الدين أحمد، ترجمة المحقق ج 2) . [3] السلطان أبو سعيد بهادر آخر سلاطين الإيلخانيين (م 736 هـ) وهو ابن السلطان أولجايتو، حكم العراق وخراسان وآذربيجان والروم والجزيرة (انظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر العسقلاني بيروت ج 2/137- كتابنا عبيد زاكاني ومنظومته موش وگربه القاهرة 1990 ص 1- 10- تاريخ مفصل إيران لعباس إقبال تهران 1312 ش 1/38. [4] المشاهد جمع مشهد وهي أماكن مدافن الأئمة الشيعة وأشهرها مشهد الإمام علي بن أبي طالب في النجف الأشرف ومشهد الإمام حسين بن علي في كربلاء ومشهد موسى الكاظم في الكاظمية ببغداد، ومشهد علي موسى الرضا في مدينة مشهد.

على أنه لا يرجع إلى حضرة مرسله، وصادف وصوله وفاة أبي سعيد، فتمكن مما قصده، وحضر إلى بغداد ومعه نحو خمسمائة فرس له ولأصحابه، ثم توجه إلى دمشق، قال: ثم بلغني أنه عاد منها إلى العراق، وأقام ببغداد، واستوطنها. قلت وقد حدثني بحال هذا، الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم، وقال لي أنه رآه [1] بدمشق، لكنه «1» لم يذكر مبلغ هذه الصدقة، وكذا حكى لي عنه السبكي والملتاني والبزي، وإنما تخالفت ألفاظهم، فمعناها واحد، وقال كل منهم أن هذا مغصان من الفضلاء والأعيان والزينة الأخيار. قال الشيخ أبو بكر «2» البزي: وهذا السلطان ترعد الفرائص لمهابته، وتزلزل الأرض لموكبه، وهو كثير التصدي (المخطوط ص 22) لأمور مملكته «3» (و) لأمور ملكه [2] ، وهو يجلس بنفسه لإنصاف رعيته «4» . قال خواجه [3] أحمد بن خواجه عمر بن مسافر فيما حكاه عنه أنه يجلس لقراءة قصص [4] الناس عليه جلوسا عاما، ولا يدخل عليه من معه شيء من السلاح حتى ولا السكين، إلا كاتب السر لا غير. والسلطان عنده سلاح كامل حتى التركاش [5] «5» والقوس والنشاب، حيث

_ [1] وردت بالمخطوط رواه. [2] ما بين القوسين إضافة المحقق لإتمام المعنى. [3] وردت بالمخطوط خواجا وصوابها خواجه وتعني بالفارسية السيد، وهو لقب يحظى به أصحاب العلم والأدب (فرهنگ عميد 1/882 قاموس الفارسية 223) . [4] القصص هي الشكاوى. [5] التركاش هي تركش أو تيركش بفتح تاء وكاف كلمة فارسية تعني جعبة السهام (فرهنگ رازي 141) .

قعد، لا يفارقه سلاحه، قال: وهذا دأبه دائما أبدا. وأما ركوب هذا السلطان فإنه يختلف، تارة يكون للحرب، وتارة يكون للانتقال في دهلى من مكان إلى مكان، وتارة يكون في قصوره، وأما إذا ركب إلى حرب، فالجبال سائرة، والرمال سائلة، والبحار تتدفق، والبحور والبروق تلمع، وأمور يعتقد كذبها العيان، ويعتقل عن وصفها اللسان، وعلى الفيلة من الأبراج مدينة أو قلعة حصينة، ولا يرى الطرف إلّا النقع المثار، ودجى ليل ممتد على النهار، وشعار ولا يحمل أحد في الأعلام سواد إلّا له خاصة، وفي الميمنة له أعلام سود، وفي الميسرة أعلام حصر، وفيها التنينات الذهب، السلطان أعلام سود [1] ، في أوساطها تنين عظيم من الذهب، وأمّا بقية الأمراء فكل واحد يحمل ما يناسبه، وأما ما يدق للسلطان من الرهجيات [2] في الإقامة والسفر فإنه يدق له مثل الإسكندر ذي القرنين وهي مائتا جمل نقارات [3] ، وأربعون جملا من الكوسات [4] وعشرون بوقا، وعشرة صنوج [5] ، وتدق له النوب الخمس أيضا، ويحمل معه ما لا يحصى من الخزائن، وغير ذلك ما لا يكاد يعد من الجنائب. وأمّا في «1» الصيد فإنه يخرج من خف، لا يكون معه أكثر من مائة ألف فارس،

_ [1] الأعلام السود شعار الدولة العباسية. [2] الرهجيات جمع مفرده رهج والرهج من الكلمة الفارسية ره گو وتعني المغني والمغنية والرهجيات المغنيات (فرهنگ عميد 2/1078) مركب من ره بمعنى نغمه أو لحن وگوى (گوينده) أي المغني (فرهنگ رازي 411. [3] النقارات جمع مفرده نقاره والنقارة نوع من الطبل يضرب بعصاتين (فرهنگ عميد 2/19114) . [4] الكوسات جمع مفرده كوس وهو الطبل الكبير ويسمى أيضا كوست وهو طبل الحرب، وهو عالي وشديد الإيقاع (فرهنگ رازي 732- عميد 2/1663) . [5] الصنوج جمع مفرده صنج، من الآلات الموسيقية مكون من قطعتين تقرعان ببعضهما وهي في العربية صنج وسنج (الدخيل في لهجة أهل الخليج 75- فرهنگ عميد 2/1369) .

ومائتي فيل، ويحمل معه أربعة قصور خشب على ثمانمائة جمل، كل قصر على مائتي جمل ملبسة جميعها ستور حرير سود مذهبة، وكل قصر طبقتان غير الخيم والخركاوات [1] . وأمّا في الانتقال من مكان إلى مكان للتنزه أو ما هذا سبيله فيكون معه نحو ثلاثين ألف فارس، وهذه العدة من الفيلة وألف جنيب [2] مسرجة ملجمة ما بين ملبس بالذهب ومحلا «1» (المخطوط 23) ومطوق، ومنها المرصع بالجواهر واليواقيت. وأما ركوبه في قصوره، فقال لي الشيخ محمد الخجندي، وكان ممن دخل دهلى، واستخدم في الجند بها، أنه رآه قد خرج من قصر إلى آخر «2» وهو راكب وعلى رأسه الجتر [3] والسلاح داريه [4] ، ورآه محمولا بأيديهم السلاح «3» ، وحوله قريب اثني عشر ألف مملوك، جميعهم مشاة؛ ليس فيهم راكب إلا حامل الجتر والسلاح داريه والجمداريه [5] حملة القماش.

_ [1] الخركاوات جمع خركاه، والخرگاه بالكاف الفارسية خيمة كبيرة أو سرادق سلطاني وأميري (فرهنگ عميد 1/850- فرهنگ رازي 272) . [2] جنيب مفرد وجمعه جنائب وهي الجياد السلطانية المزينة التي تقف أمام البلاط السلطاني (فرهنگ عميد 1/708) . [3] جتر: كلمة فارسية بالجيم المثلثة وهي المظلة التي ترفع فوق السلطان (فرهنگ عميد 1/730 فرهنگ عميد رازي 215) . [4] السلاح داريه: مفرده سلاح دار، وتعني حامل السلاح- لفظ عربي وفارسي (فرهنگ عميد 2/1220) . [5] الجمدارية: مفرده جمدار من اللفظ الفارسي جامه دار وتعني المسؤول عن الملابس والقماش السلطاني (فرهنگ رازي 391) .

وقال لي الشيخ مبارك أن هذا السلطان يحمل على رأسه «1» سبعة جتورة [1] منها اثنان مرصعان ليس لهما قيمة [2] ولدسته [3] من الفخامة والعظمة والقوانين الشاهنشاهيه [4] ، والأوضاع السلطانية، ما لم يكن فعله إلا للإسكندر ذي القرنين أو لملكشاه بن ألب أرسلان [5] . وأما الخانات والملوك والأمراء، فإنه لا يركب أحد منهم في السفر والحضر إلا بأعلام، وأكثر ما يحمل الخان تسعة أعلام، وأقل ما يحمل الأمير ثلاثة، وأكثر ما يجرى الخان في الحضر عشرة جنايب، وأكثر ما يجرى الأمير في الحضر جنيبات. فأمّا في الأسفار فمهما وصلت قدرة كل واحد منهم ووسعة صدره وكرمه «2» مع أنهم إذا حضروا باب السلطان، تضاءلوا لطمس شمسه كواكبهم، ولطم بحره سحابيهم، وهذا السلطان مع هذا ذو بر وإحسان وتواضع لله تعالى «3» . حدثني أبو الصفاء عمر بن إسحاق السبكي [6] أنه رآه وقد نزل إلى جنازة فقير [7] صالح، ومات، وحمل نعشه على عنقه، وله فضيلة جمّة يحفظ كتاب الله

_ [1] جتوره: جمع جتر. [2] أي لا يقدران بمال، غالية الثمن. [3] مجموعة من كلمة دستة الفارسية. [4] الشاهنشاهية: السلطانية من اللفظ الفارسي شاهنشاه أي ملك الملوك. [5] وردت بالمخطوط الملك شاه بن ألب أرسلان ويعني ملكشاه. [6] أبو الصفا عمر بن إسحاق السبكي المتوفى 750 هـ (الدرر الكامنة 4/15) . [7] الفقير هو المتصوف (فرهنگ رازي 643- عميد 2/1545) .

تعالى «1» وكتاب الهداية [1] على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، ويجيد في المعقول، ويكتب خطا حسنا، وله يد ممتدة في الرياضة، وتأديب النفس، والأدب، ويقول الشعر، وينظمه، ويستنشده، ويفهم معانيه، ويباحث عنها «2» العلماء، ويناظر الفضلاء، ويؤاخذ خصوص الشعراء بالفارسية، فإنه عالق بأهدابها، عارف بشعابها. قال «3» : ولقد سمعته يبحث في معنى تقدم الأمس على اليوم، من أي قبيل هو، لأنهم قالوا إنما التقدم إما أن يكون بالزمان أو بالرتبة أو بالذات، وهذا لا يجوز أن يكون واحد من هذه الأقسام، وقرر أن (المخطوط ص 24) قولهم انتقض بهذا، لأن الأمس متقدم لا بشيء من هذا. قال: ولقد رأيته يأخذ بأطراف الكلام على كل من حضر على كثرة العلماء. قال: والعلماء تحضر مجلسه، وتفطر في شهر رمضان عنده، ويأمر صدر جهان كل ليلة واحدا ممن يحضر بأن يذكر نكتة [2] ثم تتجاذب الجماعة أطراف البحث فيها بحضرة السلطان، وهو كواحد منهم، يتكلم معهم، ويبحث بينهم، ويرد عليه [3] ، وهو ممن لا يرخص في محذور، ولا يقر أحدا على منكر، ولا يتجاسر

_ [1] كتاب الهداية في فقه الحنابلة لعبد الرحمن بن محمد بن علي بن محمد الحلواني البغدادي الحنبلي المتوفى سنة 546 هـ (انظر: إيضاح المكنون في الذيل في كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لإسماعيل باشا بن محمد أمين مير سليم الباباني أصلا البغدادي مولدا ومسكنا- بغداد ج 2/351) . [2] النكتة هي المسألة الدقيقة في الأمور العلمية والفقهية والدينية. [3] وردت بالمخطوط يورد عليه أ 24، ب 73.

أحد أن يتظاهر في بلاد بمحرم، وأشد ما ينكر على الخمر، ويقيم الحد فيه، ويبالغ في تأديب من يتعاطاه من المقربين إليه. حدثني السيد الشريف تاج الدين ابن أبي المجاهد الحسن السمرقندي أن بعض الخانات [1] الأكابر بدهلى، كان يشرب الخمرة، ويدمنها، ويصر عليها، وكان ينهى فلا ينتهى، فغضب عليه هذا السلطان غضبا شديدا، وأمسكه، وأخذ أمواله، فكان بحمله ما وجد له أربعمائة ألف ألف مثقال، وسبعة وثلاثون ألف مثقال ذهبا أحمرا، وفي هذه الحكاية كفاية في مبالغته في إنكار المنكر، وفي سعة أموال هذه البلاد، فإن هذا المال إذا حسب «1» بالقناطير المصرية كان ثلاثة وأربعين ألف قنطار أو سبعمائة قنطار ذهبا، وهذا مما لا يكاد يدخل تحت حصر ولا إحصاء. وحكى لي هذا الشريف حسن السمرقندي، وهو ممن جال الأرض وجاب الآفاق، عن أموال هذه البلاد وما تحار العقول فيه من مثل هذا أو أشباهه، وله من وجوه البر، والصدقات ما تسطره الدنيا في صحائف حسناتها، وترقمه الأيام في غرر حياتها، سمعت منه أحاديث جملتها ما علمت تفصيلها حتى حدثني الشيخ المبارك «2» مبارك أن هذا السلطان يتصدق في كل يوم بلكين [2] لا أقل منهما، يكون عنهما من نقد مصر والشام ألف ألف وستمائة ألف درهم في كل يوم، وربما بلغت صدقته في بعض الأيام خمسين لكا، ويتصدق عند رؤية كل هلال من كل شهر بكلين، عادة دائمة لا يقطعها، وعليه راتب مستمر لأربعين ألف فقير () ، لكل واحد منهم في كل يوم درهم واحد وخمسة (المخطوط ص 25) أرطال خبز قمح أو أرز، وقرر ألف فقيه في مكاتب أرزاقهم على ديوانه، تعلم الأيتام وأولاد الناس

_ [1] الأمراء الكبار. [2] بلكين مثنى لك، والك مائة ألف (انظر الدخيل في لهجة أهل الخليج 101) .

القراءة والكتابة، ولا يدع بدهلى سائلا يستعطى الناس، بل كل من استعطى منع من هذا، وأجرى عليه ما يجرى على أمثاله من الفقراء. فأما إحسانه إلى الغرباء، ومن يؤمله، فما يكاد يخرج عن حد التصديق. حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري قال: كان عندنا بالأردو [1] في خدمة السلطان أبي سعيد [2] ، رجل اسمه عضد بن قاضي يزد، يروم الوزارة، ولا يؤهل لها، ولا يعد من أكفائها، فلا يزال «1» يشغب على الوزراء، ويفتن بين أهل الأردو، فاتفق رأيهم على إبعاده، فبعثوه رسولا إلى دهلى برسالة مضمونها السلام والوداد والسؤال والافتقاد، وعملوا هذه صورة ظاهرة لإبعاده، وكان قصدهم أن لا يعود، فلما حصل «2» في دهلى، وحضر في «3» حضرة هذا السلطان، وأدى الرسالة له، أقبل عليه، وشرفه بالخلع والعطاء، وأحله من كنفه في محل الرحب والسعة، وأطلق له حملا من المال، ثم لما أراد الانصراف عائدا إلى مرسله، قال له: أدخل الخزانة، وخذ مما شئت، وكان هذا السيد عضد رجلا داهية، فلما دخل الخزانة لم يأخذ سوى مصحف واحد، فسمع السلطان بهذا، فأعجبه، وقال له لأي شيء ما أخذت إلا هذا المصحف؟ فقال: لأن السلطان قد أغناني بفضله، ولم أجد أشرف من كتاب الله، فازداد إعجابه بفعله وبكلامه، ووقع منه

_ [1] الأردو لفظ مغولي تعني المعسكر، وإنما سميت اللغة الأردية بذلك لأنها نشأت نتيجة لتعامل أهالي البلاد مع أهل الأردو (فرهنگ عميد 1/111) . [2] أبو سعيد بهادر آخر سلاطين الإيلخانيين العظام تولى الحكم وهو شاب، ونشأ على الخير، وكان معه بلاد العراق وخراسان وآذربيجان والروم والجزيرة ومات سنة 736 (انظر: الشرق الإسلامي في عهد الإيلخانيين د. فؤاد عبد المعطي الصياد الدوحة 1987 ص 346- تذكرة الشعراء لدولتشاه السمرقندي لاهور 317) .

موقع الاستحسان، وأعطاه مالا جما، منه ما هو خاص بنفسه، ومنه ما هو معه لأبي سعيد على سبيل المهاداة، وكان جملة ما اتصل إليه منه ما هو لأبي سعيد «1» وما هو له ثمانمائة، تومان [1] التومان عشرة آلاف دينار رايجا، الدينار ستة دراهم، فيكون هذا المبلغ ثمانية آلاف ألف دينار رايجا، عنها ثمانية وأربعون ألف ألف درهم، فلما عاد بهذا المال الممدود، خشى أن يؤخذ في الأردو ومنه، ففرقه أقساما، وغيبه عن العيون، وكان أمير أحمد بن خواجه [2] (المخطوط ص 26) رشيد، وهو أخو الوزير قد وقع له أمر أقتضى إخراجه من الأردو، وروعى لمكان أخيه الوزير غياث الدين محمد، فكتب له بأن يكون أمير الايلكاه [3] ، ومعنى هذا أنه يحكم حيث حل من المملكة حتى على حكامها، فصادف في طريقه هذا السيد عضد، فأخذ منه شيئا كثيرا، احتمل إنه عمل منه عدة حمول من أواني الذهب والفضة، ليقدمها إلى أبي سعيد والخواتين [4] «2» وأحسبه سبله له إلى العود إلى الأردو «3» ، فعاجله الموت، ثم مات أبو سعيد، والسيد عضد، وتصرمت تلك الأيام، وذهب الذهب، ولم يغن أحدا ما كسب [5] .

_ [1] تومان: هو رقم عشرة ويستخدمونه على أنه عشرة آلاف، ويعني قائد ألف في العصر المغولي ومن متحصلات الأمير قائد الألف بالتومان- والتومان الآن عملة في إيران تعادل عشرة ريالات (انظر: فرهنگ عميد 1/234 فرهنگ رازي 179) . [2] وردت بالمخطوط خواجا. [3] أيلكاه: أيل كلمة تركية تعني قوم أو قبيلة وگاه لاحقة تفيد المكان، وايلگاه موطن القوم (فرهنگ عميد 1/277) . [4] الخواتين جمع مفرده خاتون وهي زوجة وبنات الأمراء، اللفظ تركي مغولي يعني النساء ذوات النسب الرفيع (فرهنگ عميد 1/816) . [5] إشارة إلى قوله تعالى: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ [سورة المسد، الآية: 2] .

قال ابن الحكيم: وهذا السلطان صاحب دهلى، كرمه خارق، وإحسانه إلي الغرباء عظيم، قصده بعض الفضلاء من بلاد فارس، وقدم إليه كتبا حكيمة، منها الشفاء لابن سينا [1] ، واتفق أنه لما مثل بين يديه، وقدمه له، أحضر إليه حمل جليل من الجواهر الثمينة فحثا له منه ملء يده «1» ، وأعطاه له، وكان بعشرين ألف مثقال من الذهب، هذا غير بقية ما وصله به. وحدثني الشريف السمرقندي، أن أهل بخاري [2] يقصدونه بالبطيخ الأصفر المبقى عندهم في زمن الشتاء، فيعطيهم عطاء جزيلا. قال [3] : ومنهم واحد أعرفه، حمل إليه حملين من البطيخ، فتلف غالبه، ولم يصل معه إلا اثنتان وعشرون «2» بطيخة، فأعطاه ثلاثة آلاف مثقال من الذهب. قال الشيخ أبو بكر بن أبي الحسن الملتاني المعروف بابن التاج الحافظ [4] : الذي بلغنا بالملتان، واستقاض عندنا «3» بها، ثم أنى سافرت إلى دهلي، وأقمت بها،

_ [1] الشفاء: أحد كتب الشيخ الرئيس ابن سينا الطبيب والفيلسوف والأديب، الذي عمل في بلاط نوح الساماتي وخوارزم شاه علي بن مأمون وشمس الدين الديلمي وعلاء الدين كاكويه، له 240 كتابا ورسالة أهمها الشفاء والقانون والإشارات، مات سنة 428 هـ (فرهنگ أدبيات فارسي- زهرا خانلرى كيا 25) . [2] بخارى أشهر مدن بلاد ما وراء النهر، سكنها العرب، منها أعظم رواة الحديث على رأسهم البخاري (انظر مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع لصفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي (م 739 هـ) تحقيق علي محمد البجاوي ط 1 القاهرة 54- 1955 ج 1/169- تاريخ بخارى للنرشخي ترجمة د. أحمد الساداتي القاهرة) . [3] يقصد السمرقندي. [4] ابن التاج الحافظ: هو إسحاق بن علي بن علي بن أبي بكر بن سعيد الصوفي البكري الملتاني مفسر وفقيه من آثاره: خلاصة جواهر القرآن في بيان معاني لغات الفرقان، خلاصة الأحكام بشريعة الإسلام والحج ومناسكه (معجم المؤلفين- كحالة 2/235) .

ووجدت أيضا مستفيضا فيها، أن هذا السلطان التزم أنه لا ينطق في اطلاقاته بأقل من ذلك. وحدثني الخجندي [1] قال: قصدته، واتصلت به، فأنعم عليّ بألف مثقال من الذهب، ثم سأل إن كنت أختار الإقامة أو العود، فقلت: اخترت الإقامة، فأجراني في جملة الجند. وحدثني الشيخ أبو بكر بن الخلال البزي الصوفي، قال: بعث هذا السلطان مع جماعة أنا (المخطوط ص 27) منهم ثلاث لكوك [2] ذهبا إلى بلاد ما وراء النهر، لتفرق على العلماء لكا منها، ويتصدق على الفقهاء بلك منها، ويبتاع له باللك الثالث [3] . قال: وقال لنا بلغني أن الشيخ برهان الدين الصاغرجي شيخ سمرقند [4] مزيد في العلوم والزهد، وأنه لا يثبت عنده مالا «1» ، فأعطوه أربعين ألف تنكة يتزود بها إلى الملتان [5] ، ثم إذا دخل بلادنا جدنا عليه بالأموال، ثم قال: وإن لم تجدوه، أعطوا هذا المبلغ لأهله، ليوصلوه إليه إذا جاء، وعرفوه بأننا نطلبه ليتزود إلى الملتان «2» . قال: فلما وصلنا إلى سمرقند، وجدناه، قد دخل إلى بلاد الصين، فأعطينا المال

_ [1] نسبة إلى خجند إحدى المدن الإيرانية الشهيرة. [2] لكوك جمع لك وهي مائة ألف- انظر: فرهنگ عميد 2/1721) . [3] ورد بالمخطوط بالك الثالث. [4] سمرقند مدينة مشهورة ببلاد ما وراء النهر عاصمة الصغد (انظر مراصد الاطلاع ص 736) . [5] الملتان: إقليم بالسند تقع عند التقاء فرعي نهر السند، مملكة إسلامية (انظر: روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء ترجمة الشاذلي حاشية 176، وتقويم البلدان للعماد الحنبلي) .

لجاريته، وعرفناها برغبة السلطان فيه، وحثه على طلبه. وحدثني الفقيه أبو الصفاء عمر بن إسحاق الشبلي أن هذا السلطان لا يفارق العلماء سفرا ولا حضرا [1] ، قال: وكنا معه في بعض غزواته، فلما كنا في أثناء الطريق جاءته من مقدمة عساكره كتب البشرى بالفتوح، ونحن بين يديه، فحصل له السرور، وقال: هذا ببركة هؤلاء العلماء، ثم أمر بأن يدخلوا بيت المال، ويحملوا من بيت المال ما قدروا عليه، ومن كان منهم ضعيفا يستنيب من يحمل من ذلك المال عنه، قال: فدخلوا إلى الخزانة، ولم أدخل أنا ولا كثير من أمثالي لأننا لم نكن من تلك الطبقة، وحمل أولئك «1» كل واحد كيسين، كل كيس عشرة آلاف درهم إلا واحدا منهم، فإنه حمل ثلاثة أكياس، اثنين تحت إبطيه، وآخر فوق رأسه، فلما رآهم السلطان ضحك تعجبا من حرص الذي حمل الثلاثة، وسأل عن بقية الجماعة، ممن لم يدخل مثلي، فقيل له إن هؤلاء دون أولئك لأن هؤلاء من المدرسين، وهؤلاء من المعيدين، فأمر لكل واحد منا بعشرة آلاف درهم، ففرقت علينا. قال: ومنار الشرع عنده قائم، وسوق أهل العلم لديه رائج، يشار إليهم بالتوقير والإجلال، وهم في غاية المحافظة على ما ينقام به ناموسهم من اصطلاح «2» الظاهر والباطن والمداومة على قراءة العلم (المخطوط ص 28) ، وإقرائه، والتحري في كل أمورهم، والاقتصاد في جميع أحوالهم، وهذا السلطان لا يتأنى عن الاجتهاد في الجهاد برا وبحرا، لا يثنى عنه عنانه ولا سنانه، ولا يزال هذا دأبه، نصب عينه، ودبر أذنه، وقد بلغ مبلغا عظيما في إعلاء كلمة الإيمان، ونشر الإسلام في تلك

_ [1] عكس السفر ويعني الإقامة.

الأقطار، حتى سطع في ذلك السواد ضوء الإسلام، وبرقت في تلك الأنواء بوارق الهدى، وهدم بيوت النيران، وكسر البدود [1] والأصنام، وأخلا البرّ ممن ليس ببر إلا من هو تحت عقد الذمة، واتصل به الإسلام إلي أقصى المشرق، وقابل مطلع الشمس لألاء الصباح المشرق، وأوصل راية الأمة المحمدية كما قال أبو نصر العتبي [2] إلى حيث لم تصل إليه راية ولا تليت به سورة ولا آية، فعمر الجوامع والمساجد، وأبطل التطريب «1» بالآذان، وأسكت المزمزمة بالقرآن، وبوأ أهل هذه الملة قمم «2» الكفار، وأورثهم- بتأييد الله- «3» أموالهم وديارهم وأرضا لم يطأوها [3] ، وهو مع هذا تمد له خافقة مع كل خافقة، ففي البر عقبان الأعلام، وفي البحر غربان السفن الجواري المنشآت كالأعلام [4] حتى أنه لا يخلو في يوم من الأيام من بيع آلاف مؤلفة من الرقيق بأقل الأثمان لكثرة السبى والأخذ. حدثني كل هؤلاء أن الجارية الخادمة لا يتعدى ثمنها بمدينة دهلى ثمان تنكات، واللواتي يصلحن للخدمة والفراش خمس عشرة تنكة، وأما في غير دهلى فإنهن بأرخص من هذه الأثمان.

_ [1] البدود جمع ومفرده بد وصوابه بت بضم الباء وسكون التاء وهي كلمة فارسية تعني صنم (فرهنگ عميد 1/317) . [2] أبو نصر محمد بن عبد الجبار العتبي من أدباء ومؤرخي القرن الرابع والخامس الهجريين، له كتاب تاريخ يميني باسم السلطان محمود الغزنوي توفي 427 هـ (فرهنگ أدبيات فارسي 339) والعبارة عن محمود الغزنوي أصلا. [3] إشارة إلى قوله تعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [سورة الأحزاب، الآية: 27] . [4] إشارة إلى قوله تعالى: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [سورة الرحمن، الآية: 24] .

وقال لي أبو الصفاء عمر بن أبي إسحاق الشبلي أنه اشترى عبدا مراهقا نفّاعا بأربعة دراهم، وقس على مثل هذا، قال: ومع رخص قيمة الرقيق، وهو أنه يوجد من الجواري الهنديات «1» من يبلغ ثمنها عشرين ألف تنكة وأكثر وهكذا. قال لي ابن التاج الحافظ الملتاني، قلت: وكيف تبلغ الجارية هذا الثمن مع الرخص؟ قال لي: كل واحد في مجلس على انفراده لحسن خلقها، ولطف خلائقها، ولأن غالب مثل هذه الجوار يحفظن القرآن، ويكتبن (المخطوط ص 29) الخط، ويروين الأشعار والأخبار، ويجدن الغناء وضرب العود، ويلعبن [1] الشطرنج والنرد، وصل هذه الجواري يتفاخرن [2] في مثل هذا، فتقول الواحدة: أنا آخذ قلب سيدي في ثلاثة أيام، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في يوم، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في ساعة، فتقول الأخرى: أنا آخذ قلبه في طرفة عين. قالوا: إن ملاح الهنديات أكثر حسنا من الترك والقفجاق مع ما يتميزن به من التخريج العظيم والتفنن الفاتن، وغالبهن ذهبيات الألوان، وفيهن بيض ذوات بياض ساطع مختلطا بالحمرة، وعلى كثرة وجود الترك والقبجاق والروم وسائر الأجناس عندهم، لا يفضل أحد على ملاح الهنديات سواهن لكمال الحسن والحلاوة وأمور أخرى تدق عنها العبارة «2» «3» . حدثني سراج الدين عمر الشبلي أنه لا يلبس ثياب الكتان المجلوبة إلى هذه

_ [1] وردت بالمخطوط يلعب. [2] وردت بالمخطوط يتفاخرون.

المملكة من الروس [1] ، والإسكندرية إلا من لبسه السلطان منهم وإلا قميصهم وثيابهم من القطن الرفيع، قال: تعمل منه ثياب شبيهات بالمقاطع البغدادية، ولكن أين المقاطع البغدادية والنصافي [2] منها، لرفعتها ولطافة بشرتها، فإن بعضها يوازي اللوانس [3] في رفعتها مع الصنق والمآبية «1» . وحدثني الشيخ مبارك أنه لا يلبس ولا يركب بالسروج الملبسة أو المحلاة بالذهب إلا من أنعم السلطان عليه بشيء منها، فإذا أنعم عليه بشيء من المحلى بالذهب [4] ، كان إذنا له في اتخاذ ما شاء منه، أمّا عامة ركوبهم ففي الملبس أو المحلى بالفضة. قال: والسلطان ينعم على من في خدمته على اختلاف أنواعهم من أرباب السيف والقلم والعلم، بكل شيء جليل ونوع نفيس من البلاد [5] والأموال، والجواهر والخيول والسروج المحلاة بالذهب والمناطق الذهبية [6] والأقمشة المختلفة الأنواع والأجناس إلا الفيلة فإنها لا تكون إلا له، لا يشاركه فيها مشارك من جميع الناس، قال: والفيلة لها رواتب كثيرة لعلوفاتها، فإنها لعل هذه الثلاثة آلاف فيل (المخطوط ص 30) لا يكفيها إلا دخل مملكة كبيرة، فسألته: كم لها؟ قال:

_ [1] الروس: قوم يسكنون روسيا من أصل سلافي وهي مملكة واقعة غربي سيبيريا وشمالي الممالك الإسلامية (انظر: روس فرهنگ عميد 2/1072) وهم أمة من الأمم متاخمة للصقالبة والترك (مراصد الاطلاع 2/460) . [2] النصافي نوع من القماش الجيد. [3] لوانس قماش جيد. [4] وردت بالمخطوط المحلا في أ، ب. [5] أي البلاد التي يقطعها السلطان. [6] المناطق جمع مفرده نطاق ما يلف حول الوسط.

تختلف أجناسها وأشكالها، وعلى قدر اختلافها، علوفاتها، وأنا أقول لك أكثر ما يريد كل فيل في كل يوم، وأقل ما يريد، أما أكثر ما يريد [1] في كل يوم أربعون رطلا من أرز، وستون رطلا من شعير، وعشرون رطلا من سمن، ونصف حمل حشيش، وأما ما تريده سوّاسها [2] ، والقومة عليها فجملة كثيرة وأمور كثيرة، قال: وشحنه [3] الفيل رطل كبير من أكابر الدولة. قال الشبلي: يكون أقطاعه قدر إقليم كبير مثل العراق وهيئته، وفوق ملوك هذه المملكة في مواقف الحرب.. أن يقف السلطان في القلب وحوله الأئمة والعلماء والرماة قدامه وخلفه، وتمتد الميمنة والميسرة موصولة بالجناحين، وأمامه الفيول الملبسة بالأركصطوانات الحديد، وعليها الأبراج المسمرة فيها المقاتلة «1» على ما قدمنا القول فيه، وفي الأبراج منافذ لرمي النشاب ومرمى قوارير النفط، وقدام الفيول العبيد المشاة في خفّ من اللباس، بالسيوف والسلاح يفسحون لمجال الفيول، ويعرفون الخيل بالسيوف، الرماة في الأبراج تكشف عليهم من خلفهم من فوق، والخيل في الميمنة والميسرة، تضم أطراف الأرض على الأعداء، وتقاتل من حول الفيول وورائها، فلا يجد الهارب مفرا ولا مدخلا، فلا يكاد ينجو قدامهم، لاحتياط «2» العساكر المحدقة بهم، ومواقع النشاب والنفط من فوقهم، ومخالسة الرجالة لهم من تحتهم، فيأتيهم الموت من كل مكان، ويحيط بهم البلاء من كل جهة.

_ [1] كرر عبارة «واكثر ما يريد» . [2] سواس هو السائس القائم على رعاية الحيوان. [3] شحنة الفيل: حارس الفيل وراعيه، والشحنة هو الوالي أو الحاكم أو القيم وصاحب الشرطة (انظر فرهنگ عميد 2/1294- روضة الصفا ترجمة الشاذلي 176) .

ولقد تهيأ لهذا السلطان القائم بها الآن ما لا تهيأ لأحد قبله من ملوك هذه المملكة من النصر والاستظهار وفتوح الممالك، وهدم قواعد الكفار، وحل عقد السحرة، وإبطال ما كانت تتعلل به الهنود من الصور والتماثيل، ولم يبق إلا ما هو داخل البحار من القليل الشاذر والناذر «1» [1] الذي لا حكم له، (ولا معلم لهم عهد هذا السلطات حتى يستكمله، ويغسل بالسيف ما بقي (المخطوط ص 31) منه) «2» ، فتضوعت أندية الهند من ذكره بأطيب من طيبها، وتحلى زمانه بها بأعلى قيمة من جواهرها، وهو اليوم جامع ذويل تلك الأقطار، وماسك نطاق البراري والبحار، وإذا قيل اليوم «3» سلطان الهند لا يطلق على سواه، ولا يصح هذا الاسم الكريم إلا على مسماه. قال الشبلي: وحقيق على مسلم أن يدعو للسلطان هذا في الله جهاده، وذلك معروفه، وتلك سجاياه. وحكى لي محمد الخجندي: إن لهذا السلطان في كل أسبوع يوما عاما يجلس فيه للناس جلوسا عاما، وهو يوم الثلاثاء «4» ، يجلس في ساحة عظيمة متسعة إلى غاية يضرب له فيها جتر [2] كبير سلطاني، يجلس في صدره على تخت [3] عال مصفح بالذهب مرصع بالجواهر، ويقف أرباب الدولة حوله يمينا ويسارا وخلفه

_ [1] الشاذر والناذر: الشاذر من شذر وتشذر القوم أي تفرقوا- من نذر ونذروا الجيش جعلوه نذيرة أي طليعة ونذر نذرا به: علمه فحذره (انظر المنجد 379- 800 الشوزر الملحق- قميص دون كمين. [2] المظلة التي ترفع على رأس السلطان. [3] كرسي الحكم- عرش.

السلاح داريه [1] والجمداريه [2] ، ومن حكمه بين أرباب الأشغال الخاصة حكمهم، وأرباب الوظائف على منازلهم ولا يجلس إلا على الخانات وصدر جهان والدبيران [3] يعني كتاب السر، بين يديه، والحجاب وقوف، وينادى مناداة عامة أنه من كان له شكوى يحضر، فيحضر كل من له شكوى أو حاجة يسأل السلطان فيها، فإذا حضر أو وقف «1» بين يديه، لا يضرب، ولا يمنع حتى ينهى إليه شكواه، ويأمر السلطان فيه بأمره. وأما بقية الأيام فإنه يجلس في طرقى كل نهار ويركب في الخانات والملوك والأمراء جميعهم إلى بابه ومن رسمه أن أحدا لا يدخل عليه بسلاح كبيرا «2» ولا سكين صغيرة ومن جاء اعتبر قبل دخوله ودون المكان الذي يجلس فيه سبعة أبواب بعضها داخل بعض وعلى الباب الأول البراتي [4] منها رجل منها معه بوق فإذا جاء أحد من الخانات أو الملوك أو اكابر الأمراء نفخ في البوق اعلاما للسطان بأنه قد جاء كبير ليكون دائما على تيقظ واستعداد من أمره ومن جاء بابه كائنا من كان يترجل من الباب الأول البراني ويمشي إلى أن يدخل السبعة الأبواب إلى حضرة السلطان وثم من شرف بالإذن له بأن يعبر راكبا إلى الباب السادس ولا يزال البوق عمالا إلى أن يقارب الداخل الباب السابع ويجلس على ذلك الباب كل من دخل إلى أن يجتمعوا فإذا تكامل المجىء أذن لهم في الدخول إذا دخلوا جلس حوله من له أهلية الجلوس ووقف سائرهم وقعد القضاة والوزراء والدبيران وكتاب السر.

_ [1] حملة السلاح. [2] حملة الملابس والأقمشة. [3] الكتاب- وهنا تعني كتاب السر. [4] وهي من كلمة برون أو بيرون الفارسية بمعنى خارج، ودخلت العامية العربية، وصار منهابره وبراني.

وهم الموقعون إلى جانب المكان، لا يقع فيه نظر السلطان عليهم، ومدت الأسمطة، وقدمت الحجاب القصص «1» [1] إلي حاجبي صاحبه، وهو الحاجب الخاص المقدم على الكل، فيعرضها على السلطان، ثم إذا قام السلطان، جلس إلى كاتب السر فأدى إليه الرسائل بما رسمه السلطان في ذلك، فينفذها، ثم إذا قام السلطان من المجلس، جلس في مجلس خاص واستدعى العلماء، فيحضر من له عادة فيجالسهم، ويؤانسهم، ويأكل معهم، ويتحدث هو وإياهم وهم بطانته الخاصة، ثم يأمرهم بالإنصراف، ويخلو بالندماء والمغاني، تارة ينادم بالحديث، وتارة يغنى له، وهو على كل حال في المحافل والخلوات، عفيف الخلوة، طاهر الذيل، يحاسب نفسه على الحركات والسكوت، ويراقب الله في السر والعلن، لا يرتكب محرما، ولا يفسح فيه. قال لي الشبلي: حتى أنه لا يوجد بدهلى خمرا بالجملة الكافية، لا ظاهرا ولا مضمرا، لتشديد هذا الرجل فيه، وإنكاره على من يعانيه، قال: مع أن أهل الهند لا رغبة لهم في الخمر ولا في المسكرات استغناء بالتنبول [2] ، وهو حلال طيب لاشية فيه مع ما فيه من أشياء لا يوجد في الخمر بعضها، وهو أنه يطيب النكهة، ويصرف الأطعمة، ويبسط الأنفس بسطا عظيما، ويورثها سرورا زائدا، مع ثبوت العقل، وتصفية الذهن، ولذاذة الطعم، فأمّا أجزاؤه فهو ورق التنبول والقوقل ونون [3] «2» يعمل خاصة.

_ [1] القصص هي الشكاوى. [2] التنبول: هي تانبول شجيرة تنمو في الهند والصين وماليزيا، أوراقها معطرة (فرهنگ عميد 1/529) والتانبول شجر معظم عند الهنود (رحلة ابن بطوطة 175) . [3] القوقل: هو پوپل بالباء المثلثة، شجرة تنمو في الهند والمناطق الحارة طولها يبلغ 15 مترا، طعمها لذيذ مثل طعم التمر (فرهنگ عميد 2/1555) والنون أيضا شجيرة (فرهنگ عميد 2/1927) .

قال: ولا يعد أهل تلك البلاد كرامة أبلغ منه، فإنه إذا ضيف الرجل لآخر وأكرمه (المخطوط ص 33) بما عسى أن يكون من أنواع الأطعمة والأشربة «1» والرياحين والطيب، ولا يحضر معها التنبول لا يعتد له بكرامة، ولا يعد أنه أكرمه، وكذلك إذا أراد الرئيس إكرام أحد ممن يحضره، يناوله التنبول. قلت: وهذا نظير مسلك الأياق [1] في ممالك أولاد جنكيز خان، والأياق هو قدح خمر أو تمر يمسكه الكبير لمن أراد إكرامه أو الرجل لمن أراد خدمته، وهو أبلغ خدمة عندهم، وسيأتي بمشيئة الله تعالى ذكر هذا في موضعه. وحدثني العلامة سراج الدين أبو الصفاء عمر الشبلي أن هذا السلطان متطلعا «2» إلى معرفة أخبار ممالكه وبلاده، وأحوال من حوله من جنوده ورعاياه، وأن له ناسا يسمون المنهيين [2] ، وطبقاتهم مختلفة، فمنهم من يخالط الجند والعامة، فإذا علم ما يجب إنهاؤه إلى السلطان أنهاه إلى أعلى «3» طبقة منه، ثم ينهيها ذلك المنتهى، إلى آخر الأعلى فالأعلى إلى السلطان. فأمّا أخبار البلاد النائية فإن بين حضرة السلطان وبين أمهات الأقاليم أماكن متقاربة، بعضها من بعض شبيهة بمراكز البريد في مصر والشام، ولكن هذه قريبة المدى بين المكا [3] والمكان بقدر أربع علوات نشاب أو دونها، وفي كل مكان عشر سعاة ممن له خفة في الجري، يحمل الكتب بينه وبين تاليه «4» [4] ، إذا أخذ أحدهم

_ [1] مسك الإياق: الإياق كلمة تركية هي إياق وهي قدح خمر أو تمر يمسكه الرجل لمن أراد خدمته (فرهنگ عميد 1/273) . [2] المنهيون جمع مفرده منهي وناه وهو من ينهي الأمر إلى من يعلوه حتى يصل إلى السلطان وقد وردت بالمخطوط المنهين. [3] المكا هو الرسول ورجل البريد جمعه مكاكي، وردت في ب 79 المكان. [4] وردت بالمخطوط تولية.

الكتاب جرى به جريا قويا بأشد ما يمكنه أن يشتد، وأقوى ما يمكنه أن يجرى إلى أن يوصله إلي الآخر، فيجرى به كالأول إلى المكان الذي يليه، ويرجع حامله إلى مكانه على مهله، فيصل الكتاب من المكان البعيد إلى المكان البعيد في أقرب الأوقات أسرع من البريد والنجابة «1» . قال: وفي كل مكان من هذه الأماكن المركزة مساجد تقام بها الصلوات، ويأوى إليها السفّار، وبرك ماء للشرب، وأسواق للبيع للمكاكل «2» [1] وعلوفة الدواب، ولا يكاد يحتاج إلى حمل ماء ولا زاد ولا خيمة. قال: ومن جملة عناية هذا السلطان جعل بين قاعدتي ملكه وهما: دهلى وقبة الإسلام في هذه الأماكن (المخطوط ص 34) المعدة لإبلاغ الأخبار طبول، فحيثما «3» كان في مدينة وفتح باب الأخرى أو غلق يدق الطبل، فإذا سمعه مجاوره دق، فيعلم خبر فتح المدينة التي هو غاب عنها، وغلقه في وقت الحاضر كل يوم بنوبة. ولهذا السلطان مهابة يسقط لها القلوب مع قربه من الناس، ولينه في كلامه وحديثه، وكل من أراد الوصول إليه وصل إليه، لا يبعده عظم حجاب، ولا عموم حجاب، وقد أدر الله في أيامه الأرزاق، وكثّر المواد، وضاعف النعم، على أن الهند ما زال موصوفا بالرخاء، معروفا بالسخاء. حدثني الخجندي قال: أكلت أنا وثلاثة نفر رفاقا لي في بعض بلاد دهلى لحما بقريا وخبزا وسمنا حتى شبعنا بكتيل [2] «4» وهو أربع فلوس، وسأذكر معاملاتهم،

_ [1] الرسل. [2] كتيل يعادل 4 فلوس، جيتل ب 79.

ثم ذكر الأسعار عندهم لأنها مرتبة على المعاملة وبها تعرف. ولقد حدثني الشيخ مبارك قال: اللك الأحمر [1] مائة ألف تنكة، واللك الأبيض مائة ألف تنكة الذهب، وهي المسمى «1» عندهم التنكة الحمراء، ثلاثة مثاقيل، والتنكة النقرة [2] وهي تنكة الفضة، ثمانية دراهم هشتكانه [3] ، وهذا الدرهم الهشتكاني [4] هو وزن الدرهم النقرة معاملة مصر والشام، وجوازه «2» لا يكاد يتفاوت ما بينهما، وهذا الدرهم الهشتكاني هو أربعة دراهم سلطانية، وهي المسماة الدكانية، وهذا الدرهم السلطاني يجيء ثلث درهم ششتكاني، وهو درهم ثالث يتعامل به في الهند، وجوازه بنصف وربع درهم ششتكاني [5] (ولهذا الدرهم السلطاني نصف يسمى يكاني [6] وهو بكتيل واحد، وكلهم «3» درهم آخر اسمه شاتربكاني [7] جوازه بدرهمين، فحينئذ دراهم الهند ستة شاذودكاني ودوازديدكاني [8] هشتكاني [9] ششكاني [10] وسلطاني ويكاني [11] أصغرها

_ [1] مائة ألف. [2] النقرة كلمة فارسية بمعنى الفضة (فرهنگ عميد 2/1915) . [3] وردت بالمخطوط فشتكانه. [4] هشتكانه كلمة فارسية ومكونه من هشت تعني ثمانية وگانه لاحقة ويعني ثماني. [5] ششگاني كلمة فارسية من شش بمعنى ستة وگانه لاحقة وتعني سداسي. [6] اليكاني: من يك بمعنى واحد واليكاني يعني الأحادي. [7] وردت شاذردگاني من الكلمة الفارسية شانزده أي ستة عشر وگانه لاحقة وتعني المكون من ستة عشر جزءا. [8] دوازديدگاني: من الكلمة الفارسية دوازده گاني أي الاثنى عشري. [9] الثماني: نوع من العملة. [10] السداسي: نوع من العملة. [11] الأحادي: نوع من العملة.

السلطاني، وهذه الدراهم الثلاثة الأخيرة كلها مما يتعامل بها. والمعاملات بينهم بها دائرة والأكثر بالدرهم السلطاني، وهو الذي تقديره ربع درهم من نقد مصر والشام، وهذا الدرهم السلطاني هو بثمانية فلوس، والثمانية فلوس هي جيتلان كل جيتل أربعة فلوس، فيكون الدراهم الهشتكاني، الذي هو مثل درهم النقرة، معاملة مصر والشام (المخطوط ص 35) اثنتين وثلاثين فلسا. ورطلهم يسمى سير [1] وهو وزن سبعين مثقالا عنها بصنجة [2] الدراهم بمصر وفاته فإنه مائة ودرهمان وثلثان، وكل أربعين سيرا منّ [3] واحد، ولا يعرف عندهم الكيل. وأما الأسعار فإن أوسطها القمح، كل منّ بدرهم ونصف هشتكاني «1» ، والشعير كل منّ بدرهم واحد منه، والأرز كل منّ بدرهم ونصف وربع منه إلا أنواعا معروفة من الأرز فإنها أغلى من ذلك، والحمص كل منّين [4] بدرهم واحد هشتكاني، ولحم البقر والمعز سعر واحد، ويباع كل ستة أسيار [5] بدرهم سلطاني، وهو ربع درهم هشتكاني، والغنم كل أربعة أسيار بدرهم سلطاني، والأوز كل طائر بدرهمين هشتكانيه، والدجاج كل أربعة طيور بدرهم هشتكاني، والسكر كل

_ [1] ورد ستر وهي ترد سير وستير وأستر بمعنى واحد وهو نوع من الوزن (فرهنگ عميد 2/1241) . [2] صنجة هي السنجة وهنا ليست الآلة الموسيقية وإنما أداة وزن (انظر: الدخيل في لهجة أهل الخليج 75) . [3] المن: نوع من الوزن (انظر: الدخيل في لهجة أهل الخليج 106) . [4] منين مثنى من نوع من الوزن (فرهنگ عميد 2/1851) . [5] أسيار جمع مفرده سير نوع من الوزن (فرهنگ عميد 2/1241) .

خمسة أسيار بدرهم هشتكاني، والنبات كل أربعة أسيار بدرهم منه، ورأس من الغنم الجيدة السمينة الفائقة بتنكة واحدة عنها ثمانية دراهم هشتكانية، والرأس البقر الجيد بتنكتين، وربما كان بأقل، والجاموس كذلك، وأكثر مأكلهم لحوم البقر والمعز. قلت للشيخ مبارك: أهذا لقلة الغنم؟ قال: لا؛ ولكن «1» عادة؛ وإلا فالأغنام لا تعد في كل قرية في الهند بالآلاف المؤلفة، والدجاج كل أربعة طيور فائقة بدرهم واحد بالمصري، وأما الحمام والعصافير وأنواع الطير فبأقل الأشياء ثمنا. وأما أنواع الصيد من الوحش والطير بها فكثير، وبها الفنك [1] والكركند [2] «2» ، وإنما فيلة الزنج أجل، وأمارتهم «3» في الملبوس، لبسهم البياض وثياب الجوخ وثياب الصوف، إذا جلب إليهم، يباع بأربع الأثمان، ولا يلبس الصوف إلا أهل العلم والفقر [3] . ويلبس السلطان والخانات والملوك وسائر أرباب السيوف تتريات [4] وتكلاوات [5] وأقبية إسلامية مخصرة «4» الأوساط خوارزمية [6] وعمائم صغار لا

_ [1] الفنك: حيوان شبيه بالثعلب ولكنه أصغر، له أذنان طويلتان (فرهنگ عميد 2/1552) . [2] الكركند: حجر أحمر شبيه بالياقوت، وربما يقصد هنا حيوان الكركدن. [3] التصوف. [4] تتريات جمع تتر، وهي نوع من الحراب الخاصة بالتتار (انظر: فرهنگ عميد 1/538) . [5] تكلاوات: نوع من الرماح. [6] صنع خوارزم ببلاد ما وراء النهر.

تعدى العمامة خمسة ستة أذرع من اللانس الرفيع. وحدثني الشريف ناصر الدين محمد الحسيني الكارمي المعروف بالزمردى، وهو ممن دخل إلى الهند مرتين، وأقام عند السلطان قطب الدين [1] بدهلى، أن غالب (المخطوط ص 36) لباسهم البياض، وغالب جمعاتهم أكسباتهم «1» النتترية مزركشة بالذهب، ومنهم من يلبس مطرز الكمين بزرگش [2] ، ومنهم من يعمل الطراز بين كتفيه مثل المغل [3] وأتباعهم «2» ، مربعة الانبساط مرصعة بالجواهر، وغالب ترصيعهم بالياقوت والماس، وتضفير [4] شعورهم ذوءابات مرخية، كما كان يفعل عسكر مصر والشام، ويعمل في الذؤابات شراريب حرير، وتشد في أوساطهم المناطق [5] من الذهب والفضة وأخفاف ومهاميز [6] ، وأما السيوف فلا تشد إلا في الأسفار، وأما في الحضر فلا تشد، وأما الوزراء

_ [1] قطب الدين أيبك: هو أحد سلاطين المماليك الغورية- استقل بدهلي وبنى قطب منار، قتله السلطان تغلق (انظر: رحلة ابن بطوطة 287- 289 طبقات اكبرى لنظام الدين أحمد ج 1) . [2] يزركش: مذهب (عميد 2/1104) . [3] المغل هم المغال والمنغول والمنغووا قبائل تركية سكنت في المنطقة الواقعة جنوبي سيبيريا على شاطىء نهر أونون، وهي القبائل التي جاء منها جنكيز خان (انظر كتابي فتوحات هولاكو خان في ميزان النقد التاريخي القاهرة 1990 ص 1/تاريخ الإسلام حسن إبراهيم حسن القاهرة 82 ج 4/130/تاريخ الأمم الإسلامية محمد الخضري بك القاهرة 1970 ص 467- أخبار الدول وآثار الأول في التاريخ للقرماني مخطوط سنة 1282 عن نسخة مصورة ص 286- جامع التواريخ لرشيد الدين فضل الله 2/219) . [4] وردت بالمخطوط تطفير أ 36 وتطفير ب 81. [5] المناطق جمع مفرده نطاق وهو ما يشد وسط المرء. [6] مهاميز جمع مفرده مهماز ومهميز وهي آلة حديدية في رجل الفارس يحفز بها الجواد.

والكتاب فمثل زي الجند، ولكن «1» لا يشدون المناطق، وبعضهم يرخى له عذبات [1] أمامهم، مثل عذبات الصوفية، وأما القضاة والعلماء فلبسهم فرجيات (شبيهات بالجندات ودرايع [2] ، وأما عامة الناس فقمص، وفرجيات مقتدرة ودرايع) «2» . وحدثني الشبلي: أن أهل دهلى أهل ذكاء وفطنة فصحاء في اللسان الفارسي، والهندي، ومنهم من ينظم الشعر بالعربي ويجيد فيه النظم، وكثير ممن يمدح السلطان منهم ممن ليس لهم اسم في ديوانه، فيقبل عليهم ويجيزهم. قال الشبلي: وأخذ دبيران السلطان له عادة أن يمدحه إذا تجدد له فتح أو أمر كبير ورسمه عليه أن يأمر بأن تعد أبيات قصيدته، ويعطى لكل بيت عشرة آلاف تنكة، وكثيرا ممن يستحسن السلطان منه شيئا، (أو يعلم له دررا،) [3] «3» فما يأمر له بشيء مخصوص على التعيين وإنما يأمره بأن يدخل إلى الخزانة ليحمل ما أطاق. فلما رأني عجبت مما يحكيه من كثرة هذا الإنفاق والبسطة من المواهب والأطلاق، قال: وهو مع هذه السعة المفرطة في بذل الإعطاء، لا ينفق نصف دخل بلاده.

_ [1] عذبات جمع مفرده عذبه- شيء يتدلى من العمامة على الكتفين (فرهنگ عميد 2/1430) . [2] درايع جمع مفرده درعية، رداء يلبس على الصدر. [3] وردت بالمخطوط ضررا.

وحدثني شيخنا فريد الدهر «1» شمس الدين الأصفهاني، قال: كان قطب الدين الشيرازي رحمه الله [1] يثبت صحة الكيمياء، قال: فبحثت معه في بطلان الكيمياء، فقال لي: أنت تعلم ما يتلف (من الذهب) «2» في الأبنية والمستعملات، ومعادن الذهب لا يتحصل منها (المخطوط ص 37) نظير (ما يتلف) وينفذ، وأما الهند فإني حررت [2] أن له ثلاثة آلاف سنة، لم يخرج منه ذهب إلى البلاد، ولا دخل إليه ذهب، فخرج منه، والتجار من الآفاق تقصد الهند بالذهب العين، تتعوض عنه بأعراد، وحشائش وصموغ لا غير، فلولا أن الذهب يعمل لعدم بالجملة الكافية. قال شيخنا شهاب الدين: أما قوله عما يدخل إلى الهند من الذهب ثم لا يخرج منه فصحيح، وأما إثباته لصحة الكيمياء فباطل لا صحة له. قال [3] : بلغني أن ممن تقدم لهذا السلطان فتح فتوحا، فأخذ منه من الذهب وسق ثلاثة عشر ألف بقرة، قلت: والمشهور عن أهل هذه البلاد جمع الأموال وتحصيلها حتى أن بعضهم إذا سئل كم معك؟ فيقول: ما أعرف إلا أن ثاني ولد

_ [1] قطب الدين الشيرازي: هو قطب الدين محمود ابن ضياء الدين مسعود الشيرازي المعروف بالعلامة الشيرازي، لبس خرقة التصوف عشر سنوات كان طبيبا، عمل بخدمة نصير الدين الطوسي ولازم جلال الدين الرومي، وأرسله السلطان أحمد تكودار بسفارة إلى مصر سنة 681 ومنها إلى الشام، عمل في بلاط آباقا خان وغازان خان، له مؤلفات منها: نهاية الإدراك في دراية الأفلاك، والتحفة الشاهية، وفتح المنان في تفسير القرآن، وشرح حكمة الاستشراق للسهروردي، توفي سنة 710 هـ (انظر: فرهنگ أدبيات فارسي 400) . [2] أي كتبت. [3] يقصد البزى.

يجمع على مال جده أو ثالث ولد في هذا النقب أو في «1» هذا الجب، وما نعلم كم هو، وهم يتخذون أجبابا لجمع الأموال «2» ، ومنهم حق ينقب في بيته، ويتخذ به بركة ويسدها، ولا يدع إلا مقدار ما يسقط منه الدنانير ليجمع فيها الذهب، وهم لا يأخذون الذهب المصوغ ولا المكسور ولا السبائك خوفا من الغبن «3» ، ولا يأخذون إلا الدنانير المسكوكة. وفي بعض جزائرهم من ينصب على سطح داره علما، كلما تكامل لأحدهم جرة ذهب، حتى يكون لبعضهم عشرة أعلام وأكثر. وحدثني الشيخ برهان الدين أبو بكر بن الخلال محمد البزي الصوفي قال: بعث هذا السلطان عسكر إلى بلاد «4» مجاورة للدواكير في نهاية حدودها، وأهلها كفار، يدعى كل ملك منهم الرا [1] «5» ، فلما نازله جيوش السلطان بعث يقول لهم، قولوا للسلطان أن يكف عنا، ومهما أراد من الملك «6» يبعث له ما أراد من الدواب لأحمله له «7» ، فبعث أمير الجيش يعرفه بما قال، فأعاد جوابه بأنه يكف عنهم القتال، ويؤمنه للحضرة معه، فلما حضر إلى السلطان أكرمه إكراما كثيرا، وقال له: ما سمعت مثل ما قلت، فكم عندك من المال حتى قلت إنا نبعث لك مهما أردنا من الدواب لتحملها؟ فقال: تقدمني سبع رآات [2] في هذه المملكة،

_ [1] الرا تعني أمير في الهندية ومؤنثة راتا وراي لقب قديم لملوك الهند وحكامها وأمرائها (قاموس الفارسية د. عبد المنعم حسنين بيروت 1982 ص 290) . [2] الرآات جمع راي أي أمراء (انظر روضة الصفا ص 145، وحاشية روضة الصفا أيضا 178) .

جمع كل واحد منهم سبعين ألف بايين [1] ، (المخطوط ص 38) أموالا، وكلها عندي حاصلة، فقال: والباءين هو صهريج متسع جدا ينزل إليه بسلالم من أربع جهات، فأعجب السلطان مقاله، وأمر بأن يختم على الأموال باسمه، فختمت باسم السلطان، ثم أمر الرا بأن يجعل له نوابا من مملكته، ويقيم هو بنفسه في حضرته بدهلى، وعرض عليه الإسلام فإني أقره على دينه وأقام في حضرته وجعل له نوابا في مملكته وأجرى السلطان عليه ما يليق بمثله وبعث إلى ملك المملكة أموالا جمة فرقت على أهله صدقة عليهم لكونهم انتظموا في عديد رعاياه ولم يتعرض إلى البائينات [2] وإنما ختم عليها وأبقاها على حالها تحت ختمه وقد ذكرت هذا على ما ذكره البزي وهو معروف بالصدق والعهدة عليه والعائد فيها أن كان يعود فإليه. حدثني علي بن منصور العقيلي من أمراء «1» عرب البحرين قال إن اسفارنا ما تنقطع عن الهند وعندنا كثير من أخباره وتواترت الأخبار عندنا أن هذا السلطان محمد بن طغلقشاه «2» فتح فتوحات جليلة وأنه مما فتح مدينة لها بحيرة ماء في وسطها بيت بد [3] معظم عندهم يقصد بالنذور وكان كل نذر يجيء إليه يرمي في تلك البحيرة «3» وصرف الماء منها للى أن تصرف ثم أخذ ما كان هناك من الذهب وحمل منه وسعه مائتي قيل وآلاف من البقر قال وهو رجل جواد كريم

_ [1] بايين تعني هنا مخزن وسرداب تحت الأرض، وهي كلمة فارسية من باءين أي أسفل (قاموس الفارسية 121 فرهنگ عميد 1/436) . [2] البائينات جمع مفرده بايين وهو المخزن تحت الأرض (قاموس الفارسية 121، فرهنگ عميد 1/436) . [3] وردت بالمخطوط بيت بد وصوابها بيت بت أي معبد الصنم، وبت فارسية بضم الباء وسكون التاء.

يحسن إلى الغرباء سافر منا رجلان إليه وشملتهما السعادة بالحضور عنده فأنعم عليهما وشرفهما بالخلع وأجرى عليهما الأموال الجمة وكانا ممن لا يؤبه إليه من عربنا ثم خيرهما في المقام أو العودة فأختار الواحد منهما المقام فأعطاه بلدا جليلا ومالا جزيلا وأشياء كثيرا من مواشي الغنم والبقر وهو الآن هناك مملوءا فحولا [1] وأما الآخر سأل العود فأنعم عليه بثلاثة آلاف تنكة ذهبا وعاد محبوا محبورا [2] .

_ [1] متحولا ب 82. [2] سقطت من ب 82.

الباب الثاني في ممالك بيت جنكيز خان

الباب الثاني في ممالك بيت جنكيز خان وفيه فصول: الفصل الأول: في الكلام عليهم جمليا. الفصل الثاني: في مملكة القان الكبير صاحب التخت وهو صاحب الصين والخطا. الفصل الثالث: في التوارنيين وهم فرقتان: الفرقة الأولى: فيما وراء النهر الفرقة الثانية: في خوارزم والقبجاق. الفصل الرابع: في الإيرانيين.

الفصل الأول في الكلام عليهم جمليا

الفصل الأول في الكلام عليهم جمليا

(المخطوط ص 39) جعلت هذا فصلا جامعا لذكرهم، قبل ذكرهم على التفصيل في ممالكهم، لأن هؤلاء منهم أربعة سلاطين «1» بيد كل منهم مملكة عظيمة، استولوا بها على غالب المعمور من حدود الفرات إلى نهاية الشرق على الخط المستقيم المتصل بالسند [1] ، فالمسمى بالقان [2] الكبير، وهو المتغلغل في الشرق، منهم، وهو القائم مقام جنكيز خان [3] ، والجالس على تخته [4] «2» وسيأتي ذكره إن شاء الله. والثاني منهم، هو صاحب إيران بمجموعها، وهي التي كانت بيد الأكاسرة [5] ، والثالث منهم «3» ، هو صاحب القبجاق (والرابع منهم) «4» ، صاحب مملكة ما

_ [1] السند: هو النهر الفاصل بين إيران والهند قديما، والسند إقليم بباكستان الحديثة ونهر يجري بها، وذكره ابن بطوطة پنج آب وهي خمسة أودية تصب في النهر الأعظم (رحلة ابن بطوطة بتحقيق د. جمال الدين الرمادي، دار الشعب القاهرة ص 262) . [2] القان: كلمة مغولية وهي في الأصل فاآن وتعني ملك كبير وسلطان عظيم (فرهنگ عميد 2/1561) . [3] ورد بالمخطوط جنكيز خان وكذلك في كثير من المصادر العربية، ويرد كذلك تنكيز خان (رحلة ابن بطوطة 244) وصوابه جنگيز خان أو جنگيز خان كما ورد في جامع التواريخ لرشيد الدين فضل الله وجهانگشاى لعلاء الدين عطا ملك جويني وتاريخ وصاف. [4] تخت: كلمة فارسية تعني العرش، كرسي الحكم، من الكلمة البهوية Taxt تكلمت به العرب، ودخل في العربية بنفس المعاني ومعاني أخرى (انظر الدخيل في لهجة أهل الخليج، د. أحمد الشاذلي القاهرة 1992 ص 31- لسان العرب 1/422 قاموس والمعاني الفصيح 32 فرهنگ عميد 1/548) . [5] الأكاسرة:، جمع مفرده كسرى، من اللفظ الفارسي خسرو، وهو لقب ملوك الفرس قبل الإسلام (فرهنگ جديد رازي، محمود سعيدي پورآذينفر انتشارات فرد 277) .

وراء النهر، فانقسمت بينهم مملكة توران، وهي مملكة الترك القديمة، وبها كان افراسياب [1] وأما صاحب إيران، فهو يفخر على الملكين؛ صاحب القبجاق وصاحب ما وراء النهر؛ بأن جده الأكبر هولاكو بن تولى [2] ابن جنكيز خان، وهو جد القان الأكبر الآن. والملكان [3] الآخران يفخران بأن جنكيز خان لما قسم البلاد بين «1» ابنيه، ملك جديهما [4] ، ولم يملك تولى ولا هولاكو ولده جد صاحب إيران، بل كان هولاكو ابن تولى مندوبا من جهة أخيه منكوكبكاخان [5] ، وارث الملك والتخت. (حدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم نور الدين الطياري (المخطوط ص 40) الكاتب البوسعيدي [6] أنه كان أرسله لدفع

_ [1] أفراسياب: أكبر الملوك الأسطوريين التورانيين من نسل تنورين افريدون، جلس على ملك توران بعد يشنگ (انظر: حماسهء سراي وإيران ذبيح الله صفا تهران 1369 ش 616- 626) . [2] هولاكو بن تولوى (الابن الرابع لجنكيز خان) ابن سيورقوني بيگي من قبيلة الكرايت، والعامة يدعونه هلاوون، قاد جيوش المغول جنوب البلاد الإسلامية وقضى على الإسماعيلية والخلافة العباسية، واستولى على الشام، وهزمت جيوشه في عين جالوت سنة 658 هـ أمام المصريين وتوفي سنة 663 هـ (انظر: جامع التواريخ لرشيد الدين فضل الله ترجمة صادق نشأت وآخرين ج 2/219، وكتابي فتوحات هولاكوخان في ميزان النقد التاريخي- القاهرة 1990 ص 1- 6 تركستان لبارتولد 715) . [3] وردت بالمخطوط المكان. [4] جغتاي. [5] منكوكبكاخان هو مونكو بن تولوي بن جنگيز خان حكم ما بين سنة 1251- 1258 نجان باليق (انظر: تركستان لباتولة 715) . [6] البوسعيدي نسبة إلى أبي سعيد هاد بن أولجايتو وخدابنده بن أرغون بن آباقا بن هولاكو، من سلاطين الإيلخانيين (انظر الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ابن حجر العسقلاني حققه محمد سعيد جاد الحق القاهرة 1966 ج 3/469 وكذلك كتاب عبيد زاكاني ومنظومته موش وكربه د. أحمد الشاذلي القاهرة 1990 ص 7- 8) .

الإسماعيلية [1] والأكراد [2] ، فلما أخذ بغداد [3] ، تمكن وعصا، واستقل بنفسه، والواضح الجلي ما سنذكره عن شيخنا الفرد نادرة الوجود أبي الثناء الأصفهاني [4] إن شاء الله في ذلك) «1» . وأمّا أصل جنكيزخان، جد هؤلاء الملوك في النسب، فنحن نذكر منتهى نسبهم إلى أن نأتي إلى جنكيزخان (متبعهم، ومشرع الباسته [5] لهم) «2» ، ثم

_ [1] الإسماعيلية: فرقة دينية تنسب إلى إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق، والذي مات في عهد أمية سنة 143 هـ، واتباعه أسسوا مذهبا قائما على التأويل والتفكير الفلسفي، أظهر الفاطميون مذهبهم، وتفرقوا بعد ذلك إلى فرق منها الدروز والصباحية والبهرة والأغاضانية والمقصود بهم في هذا الكتاب هم الصباحية الذين يسمونه أيضا الباطنية والملاحدة والحشاشين (انظر كتاب حركات الغلو والتطرف أحمد الشاذلي القاهرة 1987 ص 35- 87) وكذلك روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء ترجمة المحقق 232 وما بعدها- نزهة القلوب حمد الله قزويني 61) . [2] الأكراد: شعب يسكن هضبة فسيحة في آسيا الوسطى، وبلادهم موزعة بين تركيا وإيران والعراق وغيرها (المعجم الوسيط ج 2/813) . [3] بغداد: مدينة السلام، على نهر دجلة، كانت حاضرة الدولة العباسية أسسها المنصور، كانت أم الدنيا وسيدة البلاد فيها سبع لغات بغداد وبغذاذ وبغذاد ومغداد ومغذاذ ومغدان وبغدان (مراصد الاطلاع 2/209) . [4] أبو الثناء الأصفهاني: محمود بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأصبهاني، مفسر وصوفي ومتكلم، ولد بأصبهان 674 هـ وقدم دمشق لازم المسجد الأموي ومات بالقاهرة 749 هـ (معجم المؤلفين لكحالة 12/177) . [5] الياسا: الأحكام والقانون وهي بالمغولية يساي (انظر: تركستان لبارتولد 114) وترد في العربية يسق ويساق والكلمة مغولية تعني قانون، وهي ياسا وباسق وباسا، وهي مجموعة من القوانين التي وضعها جنكيزخان ليسير عليها قومه (انظر فرهنگ رازي 1034- وفتوحات هولاكوخان 7 (وهو كتاب القواعد الكبير (تاريخ جهانكشاي وعطا الله جويني ترجمة د. محمد التونجي حلب 1985 ج 1/62) .

تفرع نسب كل ملك من هؤلاء الأربعة، فنقول وبالله التوفيق، (قيل) «1» أن جنكيزخان ينتهى (نسبه) «2» إلى امرأة تسمى آلان قوا [1] كانت متزوجة بزوج أولدها ولدين، اسم أحدهما بكتوت والآخر بلكوت، وأبناء هذين الولدين يسميان عند المغل [2] الدرلكيه، ثم مات زوجها، وبقيت مرحلة بغير زوج، فحملت فأنكر عليها المحمل، وحملت إلي من له الحكم بينهم، لينظر في أمرها، فسألها ممّن حملت؟ فقالت: ما حملت من أحد، إلا أني كنت قاعدة وفرجي مكشوف، فنزل نور دخل في فرجي ثلاث مرات فحملت منه هذا الحمل، وأنا حامل بثلاثة ذكور، لأن دخول ذلك النور كل مرة بولد ذكر، فأمهلوني حتى أضع، فإن وضعت ثلاثة ذكور، فأعلموا مصداق قولي، وإلا فرأيكم فيّ، فولدت ثلاثة أولاد ذكورا من بطن واحد؛ بوقن فوناغي، وبوسن سالجى، وبوذنجر، وهؤلاء الثلاثة هم المسمون بالنورانيين نسبة إلى النور الذي ادعت أمهم أنه نزل في فرجها [3] ، ولهذا يقال عن جنكيزخان أنه ابن الشمس وبوذنجر عليه عمود النسب إلى جنكيزخان. فنقول: إن هذا بوذنجر ابن الآن قوا أولد بغا وبغا أولد ذو توم منن، وذو توم منن

_ [1] آلان قوا وترد آلانقو (جامع التواريخ رشيد الدين فضل الله ج 2/25) وعند أحمد تبريزي شهنشاه نامة تبرزي آلان قوا ص 172- 164) . [2] المغل هم المنغول شعب لم يكن على عهد جنكيزخان سوى مصطلح رسمي وكان مجهولا لدى بقية الشعوب، وكان حكام الصين يطلقون عليهم التتار (تركستان لبارتولد 545) والمغول هم المغال والمنغووا قبائل تركية سكنت قرب نهر اونون (تاريخ التمدن الإسلامي جرجي زيدان بيروت 3/508. القرماني 286) . [3] انظر: قصة مشابهة مع اختلاف في الموضوع حول الشعاع الذي يبشر بالأولاد العظام، في حديث عطا ملك جويني عن الأويغور (انظر جهانگشاي الترجمة العربية 1/81) .

أولد قيدو، وقيدو أولد باي سنقر، وباي سنقر أولد تومنيه خان، وتومنيه خان أولد قبل خان، وقبل خان أولد تربان «1» ، وتربان أولد بيسوكي بهادر، وبيسكوي بهادر أولد جنكيزخان، جد هؤلاء الأربعة. (المخطوط ص 41) ونحن الآن نسرد نسبه منه إلى الآن، فواصل «2» أن تفرع أنساب هؤلاء «3» الأربعة منه، فنقول جنكيزخان بن بيسوكي بهادر ابن تريان بن قبل خان بن تومنيه خان بن باي سنقر بن قيدو ابن ذو توم منن بن بغابن بوذنجر بن الآن قوا، إلى هذه المرأة منتهى نسبهم [1] «4» . وهذه الحكاية في نسب جنكيزخان أكذوبة قبيحة، وأحدوثة غير صحيحة، وإن صحت عن المرأة، فلعلها احتالت على سلامة نفسها من القتل، ولعلها سمعت قصة مريم الزكية، فتعلقت بحبل الشبهة، حتى أضلت أقواما بشبيه ذلك الحق، وزورت كذبا على مثل هذا الصدق. [البسيط] قد يبعد الشيء من شيء يشابهه ... إن السماء نظير الماء في الزرق وها نحن نبدأ بذكر نبذة من ابتداء حال جنكيزخان وترقيه إلى أن ملك، ودانت له ملوك تلك الديار، وقبل الخوض في سياقة انتساب هؤلاء الملوك واتصالهم

_ [1] يدعى جنگيزخان نسبة إلى قوتولةخان زعيم قبيلة الموتغكو، تتار باعتلائه عرش القبيلة، وهو ادعاء لا يرقى إلى الصواب (تركستان من الفتح العربي إلى الفترة المغولية- فاسيلي فلاديميرو باتولد نقله عن الروسية صلاح الدين عثمان هاشم الكويت 1401 هـ 1981 م ص 545.

به، فنقول: حكى الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني [1] (أنه كان ملك الجويني) [2] ، أنه كان ملك عظيم في قبيلة عظيمة يدعى أونك خان [3] ، وكان مطاعا في قبيلته [4] ينقاد إليه عظماء رعيته، فتردد إليه جنكيزخان في حال صباه، وقربه وأدناه، وتوسم فيه النجابة والرياسة، فزاد في ارتقائه على أقربائه، وأعلاه على من سواه، حتى نشأ بينهما الاتحاد، وانتسج الوداد، فشبت نار الحسد في أقرباء ذلك السلطان، ونفخ في روعهم مخيل الشيطان. أن وضعوا لجنكيزخان المراصد والمصائد، ودفنوا له الأوابد والمكائد، وأعملوا الفكر في قطع حبل انفصال عنه، ووضع موجبات قتله واتصال منه، فلما بالغوا في الوقيعة، وأسرفوا في الغيبة والشنيعة، تغير أونك خان، على جنكيزخان تغيرا لم يظهره، وأسر كدرا لم ينقره، وجمع فكرا في ذنب يأخذه به، أو ينتحله، أو جرم يتقوله واستشار فيه أصحابه، وجعل التوقع لذلك دأبه، فاتفق أن سخط أونك خان على صبيين [5] (المخطوط ص 42) من مماليكه، فخافاه والتجأ إلى حوزة،

_ [1] علاء الدين عطا ملك جويني هو علاء الدين عطا ملك بن بهاء الدين جويني من كتاب التاريخ الإيرانيين المعروفين في العصر المغولي، كان أبوه وأخوه أصحاب ديوان جوين عمل في بغداد أربعة أعوام، ولكنه قبض عليه بوشاية وزير باقاخان وتوفي سنة 781 هـ وأهم كتبه جهانگشاي (انظر عطا ملك جويني وكتابه جهانگشاي والسباعي محمد السباعي- رسالة دكتوراه؛ جامعة القاهرة- فرهنگ أدبيات فارسي زهرا خانلرى كيا چاپ سوم توس 1366 ش ص 167- تاريخ فاتح العالم جهانگشاي تأليف عطا ملك الجويني حاكم بغداد ترجمة د. محمد التونجي حلب 1985 مقدمة القزويني ج 1/27 وما بعدها) . [2] جملة اعتراضية. [3] أونك خان رئيس قبائل الكرايت (الكريت) والساتيز، وكان ذا قوة ومكانة تفوق غيرها من القبائل، وتمتاز قبيلته بالعدة والعتاد والعدد (جهانكشاي الترجمة العربية 1/69) وهو أيضا ونك خان زعيم الكرايت (تركستان؟ -؟ - بارتولد ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم الكويت 1981 ص 545) . [4] قبيلة الكرايت. [5] كان الصبيان يدعى أحدهما كلك والثاني باده (جهانگشاي الترجمة العربية 1/70) .

جنكيزخان [1] ، واستجارا به، فأحسن إليهما، وحنا عليهما، ووعدهما بإزالة كدر السلطان، وتلاقى ما كان، فأنطقهما لسان الإحسان بهذه: «إذا التزم المقدار جبل سعادة ... أتاك جميع الكائنات مساعدا «وإذا جري القضاء على صعب سهّله ... وإذا أرادك الله لأمر همّاك له» وقالا له: إن السلطان أونك خان يتوقع لك الوقيعة، ويتربص لك الأجن الشنيعة، فخذ حذرك، وأصلح أمرك، فرحل من ليلته بأتباعه وجماعته، ودهمه أعداؤه سحرا، فلم يجدوا له أثرا، ولا عرفوا له خبرا، ونفر العسكر يتلوه، فلم يلقوه، وقيل بل لحقوه، فعطف بجماعته إليهم، وقاتلهم حتى أتى عليهم، وغنم مالهم، فلما جمع أتباعه وأقاربه، وأعز مقامه، وحمى جانبه، وربّ رجاله وآله، وبذل لهم قوته وماله، وخص بإحسانه دنيك الصغيرين دون الناس، وأنزلهما منزلة العينين من الراس، ويسمى كلا منهما ترخانا [2] ، وكتب له أمانا وفرمانا [3] بفراغه من جميع المؤن والكلف، وتفرغه لانتهاز الفرص، واقتطاف الطرف، وأن ينهب في الفتوح قبل كل ناهب، ويسلب قبل كل سالب، ويدخل على يده عامة البيوت فلا

_ [1] يذكر ابن بطوطة أنه لم يكن إلا حدادا بأرض الخطا، وجمع الناس حوله، وصارت له جماعة، فقدموه على أنفسهم، وغلب على بلده وقوي واشتدت شوكته، فغلب ملك الخطا ثم على ملك الصين (رحلته 244) . [2] ترخان: لقبه يحمله أمراء وملوك تركستان، ويأتي أحيانا طرخان، طرخون (فرهنگ رازي 274) ، وحامل لقب ترخان له مزايا عديدة ويمكنه مقابلة الملك في أي وقت- واللفظ تركي يعني في العربية رئيس ويجمع طراخنة (فرهنگ عميد 1/560- جامع التواريخ حاشية ج 2/17) . وقال عنه ابن بطوطة ترخان: الموضع المحرر من المغارم (رحلة ابن بطوطة 228) والطرخانات هم الطبقة الأب خراطية (جهانكشاي لعاط الله جويني 2/27- ابن العبري 395- تركستان لبارتولد 551- التاريخ السري للمغول طبقة كوزين 141- 167) . [3] فرمان: أمر وحكم وهو هنا يعني أمر سلطاني واللفظ فارسي من الپهلوية Faraman ودخل العربية وبجمع فرامين وفرمانات (انظر الدخيل في لهجة أهل الخليج للمحقق ص 89- معجم الألفاظ الفارسية المعربة لآدي شير بيروت 1980 ص 119، تفسير الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية لطوبيا العنيسي القاهرة 1964 ص 196 ص 51- معجم الألفاظ العامية لأنيس فريحة بيروت 1973 ص 129- فرهنگ-

يمنع، ويحكم فلا يدفع، وأن لا يؤخذ بذنوب كثيرة ولو تكررت ذنوبه، واستمرت عيوبه، وأجرى ذلك لجملتهما، وآحادهما، وأن يستمر ذلك إلى سبعة أبطن [1] من أولادهما، ومن نسلهما الآن قوم لا عادية عليهم، ولا لوم، محترمون عند الملوك، جارون على ذلك النهج المسلوك. ثم شرع في الإحسان إلى جميع من رحل عن أونك خان، وباعده، واتصل به، وعاضده، وأفشى فيهم الإنعام، وبث فيهم الإعزاز والإكرام، حتى تتالوا إليه أفواجا، وتواردوا إليه فرادى وأزواجا، وأولادهم الآن أقرب الأخصين، وأخص الأقربين، فقوى بذلك أمره وإمارته، واشتدت شوكته ومهابته، وراسل القواد، فانقادت، واستلان القلوب (المخطوط ص 43) فلانت أو كادت، فحينئذ جرد عسكرا كثيفا، وتبعا لفيفا لمحاربة السلطان أونك خان، وأمده بآخر يتلوه، فنازلته العساكر الجنكيزية، فقتل في أقرب أمد، وملك جنكيزخان ما كان له من عدة وعدد. ثم بعث جنكيزخان إلى القبائل المتباعدة، والبطون المتباينة [2] ، بما عرفهم به من حاله وعدله وبأسه وفضله وعلو شأنهم إن انضموا إليه، وتأييد سلطانهم إن عكفوا عليه، فتوالوا إليه كالسيل ورمل الفلا ورجل الجراد. وكان من أعظم القبائل المجيبة لدعوته، الداخلة في إيالته، القانعة برئاسته وباسته [3] قبيلتان، بالغتان في العدد، نهايتان في الاستعداد والعدد، إحداهما تدعى أويرات [4] ،

_ - عميد 2/1529- فرهنگ رازي 632) . [1] انظر: القصة كاملة في جهانگشاي الترجمة العربية 1/70- 71. [2] أخضع جنكيزخان قبائل التتار، الكرايت والنايمان والأيغور والاويرات (انظر تركستان من الفتح العربي حتى الغزو المغولي، فاسيلي يمروفتش بارتولد، نقله عن الروسية صلاح الدين عثمان هاشم الكويت 1981- ح 1/400) ، وأرسل إلى قبائل اويرات وقنقورات (جهانگشاي الترجمة 1/71) . [3] ياستة- قانونة (فرهنگ رازي 1034) . [4] اويرات وإحدى القبائل المغولية (جهانگشاي الترجمة العربية 1/71- جامع التواريخ نشر برزين ج 1 ص 100) .

نبذة من عقيدته وياسته وقاعدته وسيرته

والأخرى قنقورات [1] وأما القبيلة التي هي في خدمه، ومنها عظمه تسمى قيات [2] وهي أكثر القبائل شهرة، وأتمها كثرة، وكان اسمه القديم تموجين [3] فلما تؤخذ أمره، وعلا قدره، سمى جنكيز خان [4] . نبذة من عقيدته وياسته وقاعدته وسيرته قال الصاحب علاء الدين عطا ملك الجويني: الظاهر من عموم مذاهبهم الإدانة بوحدانية الله تعالى، وأنه خلق السماوات والأرض، وأنه يحيى ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع، وأنه على كل شيء قدير [5] . قال مؤلف جهانگشاي [6] : إن من أولاده من كان بملة عيسى، ومن دان بملة موسى، ومنهم من أخرج الجميع، وكل من اعتقد من بنيه مذهبا لم يكن له

_ [1] قنقورات قبيلة مغولية (جهانگشاي الترجمة العربية 1/71) . [2] ورد أنه كان من بين قبائل المغول، وبرز أثناء محاربة التتار، وإنه اتخذ اسم المغول علما له وحل محل قوتوله خاقان حاكم القبيلة السابقة (تركستان لبارتولد 545) . [3] تيموجين أو تمرجي أو تمجين (جهانگشاي الترجمة العربية 1/69) . [4] ذكره ابن بطوطة جنكيز خان وأنه كان يعمل حدادا بأرض الخطا، وكان له كرم نفس وقوة وبسطة في الجسم، كان يجمع الناس ويطعمهم حتى صار له جماعة، فقدموه على أنفسهم، وغلب على بلده وقوي واستفحل أمره، فغلب على ملك الخطا وملك الصين والختن وكاشخر والمالق (رحلة ابن بطوطة 244) . [5] انظر جهانگشاي عطا ملك جويني- الترجمة العربية ج 1/60) . [6] جهانگشاي: من تواريخ العصر المغولي، تأليف علاء الدين عطا ملك جويني، ألف سنة 658 هـ ويضم ثلاثة مجلدات عن أحوال وقائع المغول حتى سنة 655 هـ- المجلد الأول عن عادات وتقاليد المغول القديمة وقوانين الياسا التي وضعها جنكيز خان، وفتوحات جنكيز خان. وسلطنة أوكتاي قاآن وگيوك خان وجغتاي، والمجلد الثاني عن تاريخ الخوارزمشاهية وأحوال ملوك القراختاي والجرجانية والثالث عن تتويج منكو قاآن وسلطنته وهولاكو خان وتوجهه إلى بغداد والقضاء على الإسماعيلية- (انظر: جهانگشاي عطا ملك جويني جاب تهران- عطا ملك جويني وكتابه جهانگشاي د. السباعي محمد السباعي رسالة الدكتوراه بجامعة القاهرة، فرهنگ أدبيات فارسي 114- 115) (تركستان من الفتح العربي إلى الغزو المغولي؟ -؟ بارتولد نقله عن الروسية صلاح الدين عثمان هاشم- الكويت 1981 هـ ص 841) .

تعصب على غيره ومنهم من تقرب بالأصنام [1] ، وكان جنكيز خان [2] إذا تهدد أحدا من الملوك أو كاتبه بالتحذير من صولته، قال له: إن أطعت كان لك كذا وكذا من الإعزاز والتقريب، وإن عصيت فالله أعلم بما يكون حالك معنا، قال: ويلمح من هذا القول نوع من التوكل والتفويض. وأمّا السياسة وأحوالها كثيرة، فمنها ما يوافق الشريعة المحمدية، قال: وليعلم أن هذا الرجل لم يقف على سيرة ملوك، ولا طالع كتابا، وجميع ما نسب إليه من ذلك صادر عن قوة ذهنه (المخطوط ص 44) وحسه، واستدراك الأصلح من قبل نفسه، فإنه استخرج لكل منهم مبهمّ، وقعد قاعدة مفردة، ولكل مذنب عقوبة مقدرة، وعين حدودا، لا إمهال له عندهم، ولا مغير، وأوعز أن يتعلم ذلك صغار أهله، ويسرى امتثاله عن عقب الرجل منهم، ونسله، بعد أن أثبتها في كتاب سماه الياسا الكبيرة [3] ، وأمر أن يوضع في خزانته، ويتوارثها أقارب عصبته وذريته [4] . ونسخ ما كان لهم من قديم عواند مذمومة بتسليكات محمودة مفهومة، فمن ذلك أن من زنى سواء أن كان محصنا أو غير محصن قتل، ومن لاط قتل، ومن تعمد الكذب قتل، ومن سحر قتل، ومن يتجسس علي قوم قتل، ومن داخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال من الماء قتل، ومن أعطى بضاعة وخسر ثم أعطى ثانية وخسر إلى الثالثة قتل، ومن أطعم أسير قوم أو كساه أو شكاه بغير إذنهم قتل، ومن وجد هاربا أو أسيرا أو عبدا ولا يرده قتل.

_ [1] انظر: جهانگشاي الترجمة العربية ج 1/63. [2] ظل جنكيز خان متمسكا بديانته الشامانية (تركستان لبارلوله 560) . [3] كتاب القواعد الكبير (جهانگشاي الترجمة العربية 1/62) أي القانون العرفي للمغول (تركستان لباتولد 373) . [4] دونت الياسا باللغة الأويغورية بالإضافة إلى تعاليم جنكيز خان المسماة (بيللك) (انظر: تركستان ص 559) وانظر تفاصيل الياساي في جهانكشاي 1/62) .

وكانوا يعتمدون في ذبح الحيوان أن تكتف قوائمه ويشق جوفه، ويدخل أحدهم يده إلى قلبه ويهرسه فركا حتى يموت أو يخرج قلبه، ومن ذبح كذبيحة المسلمين ذبح، ومن وقع جمله أو فرسه وثقله في كر أو فر، ومر عليه من يتلوه بعده، ولم ينزل لمساعدته قتل، وقيل كانت لهم ياسه قديمة أن من ارتمس في الماء قتل. وكان جنكيز خان يعظم رؤساء كل أمة وملة، ويتخذ تعظيمهم، وسيلة إلى الله تعالى. قال: والمشهود من حالهم إسقاط المؤمن والكلف عن العلويين [1] والفقراء [2] والقراء والفقهاء والأطباء وأرباب العلوم على اختلافهم والزهاد حتى عن المؤذنين ومغسلي الموتى. ومن آدابهم المستعملة وقوانينهم أشياء كثيرة؛ منها أن لا يأكل أحد من يد أحد طعاما حتى يأكل المطعم منه أولا، ولو كان المطعم أميرا والمطعم أسيرا، ولا يختص أحد بالأكل وحده دون أن يطعم جميع من وقع نظره عليه ذلك الطعام، ولا يمتاز أمير بالشبع من الزاد دون أصحابه، بل يقسمون الزاد بالسوية، ولا يرمى أحد بالمأكول رميا، وقد قابل (المخطوط ص 45) مناولة باليد، ولا يخطو أحد موقد نار ولا طبق زاد، ومن اجتاز بقوم يأكلون فله أن يجلس إليهم، ويأكل معهم من غير استئذان، وأن لا يدخل الإنسان يده في الماء بل يأخذ ملء فيه، ويغسل يديه ووجهه، ولا يبول أحد على الرماد، ولا يطأ عتبة الخرگاه [3] .

_ [1] العلويون هم أتباع الإمام علي بن أبي طالب، وتطلق على الشيعة إجمالا إلا أن فرقة النصيريين وهي إحدى الفرق الشيعة الغلاة يسمون بالعلويين (حركات الغلو والتطرف في الإسلام د. أحمد الشاذلي القاهرة 1987 ص 92- 93) والعلويون هنا المقصود بهم أولاد وأحفاد الذين أقاموا جماعات علويين لهم في أنحاء متفرقة من إيران. [2] الفقراء: المتصوفة. [3] الخرگاه: خيمة كبيرة سرادق سلطاني (فرهنگ رازي 272) ، الخرگاه بيت يسمى عندهم الخرقة، هي-

قال: وسمعت أنهم كانوا لا يرون غسل الثياب البتة، ولا يميزون بين ما يميزه المسلمون في شيء من طاهر ونجس البتة [1] . قال: ومن قوانينهم التي ألفت منهم أن لا يتعصبوا لمذهب من المذاهب على مذهب، وأن لا يفخموا الألفاظ والألقاب من كلام بل يتلفظ باسم السلطان كما يسمى غيره، فيقال قد تقدم قاآن أو خان [2] بكذا وكذا، وأن لا يتعرضوا لمال ميت أصلا، ولو ترك ملأ الأرض ولا يدخلونه خزانة السلطان. قال: وأما ترتيب العساكر والقانون المقرر في ذلك، فأعلم أنه لا ينقل في تاريخ قديم ولا حديث أن عسكرا اجتمع لسلطان كثرة كما اجتمع لهم كثرة عدد وعدد وقوة وصبرا وطاعة لسلطانهم إلا لأجل مشاهرة، ولا توقع مال وجاه بل لمجرد الطاعة حسب، ثم إذا رجعوا من القتال وكرب الحرب إلى السكون، والسلم [3] ، أخذ السلطان فيهم القلان [4] والقبجور [5] والأولاق [6] والبدرقة [7] من غير ضجر

_ - عصى من الخشب يجمع شبه قبة، وتجعل عليها اللبود ويفتح أعلاه ولدخول الضوء والريح جعل البادهنج ويسد متى أحتيج إلى سده (رحلة ابن بطوطة 200) . [1] انظر جهانكشاي، الترجمة العربية 1/61- 680) . [2] القاآن: أول مرة يكتبها المؤلف صوابا، ويبدو أنه نقلها عن علاء الدين عطا الله جويني، والقاآن هو الملك الكبير والخان هو الأمير. [3] انظر: جهانكشاي 1/63. [4] القلان: دراهم ترصد برسم الكلق مقررة على البلاد (حاشية المخطوط ص 48) ضريبة كانت موجودة قبل القويجور، تجبى من المسلمين وغير المسلمين (تركستان 656) . [5] القبجور: من نوعه (أي أنه رسم مقرر) (حاشية المخطوط ص 45) القوپجور ضريبة تجبى (رأس من كل مائة رأس) وتوزع على الفقراء والمعوذين (تركستان 656) ويقول عن ابن العبري: مراعي ذوات اوربع (ابن العبري 459) . [6] الأولاق: خيل البريد (حاشية المخطوط 45) الولاق هو خيل البريد (رحلة ابن بطوطة 262) وهو اولاغ وهو البريد عامة والبريد الخاص يسمى ناريت أو بارين تاريت والبريد العادي بيات أو تيان ينات (تركستان 657) . [7] البدرقة: في معنى البائزة: البائزة لوح البريد (حاشية المخطوط 45) والبائزة كانت عبارة عن لوحة من-

منهم، ولا تأسف منهم، بل يؤدونه إليه مختارين، ومتى تجهزوا للقتال، عرضوا آلات الحرب وغيرها على أمرائهم حتى تعتبر أمراؤهم الخيط والإبرة، ويؤاخذونهم على تجويد آلة أو تقصير في سلاح. قال: وأغرب من ذلك أن نساءهم [1] تنهض في حال بعدهم وسفرهم بجميع ما يتوجه على رجالهم الغياب من الطلب والسخر السلطانية، ومن ذلك أن كل بنت حسناء تجمع من كل مكان، ويحملن جميعا في رأس كل سنة إلى السلطان، فيختار منهن ما يصطفيه له ولأولاده، ويرد الباقي. ومن أحسن الترتيبات وضعهم أمراء الألوف [2] والمئات [3] والعشرات [4] فهو أضبط نظام لما يحاولونه، وأسرع إفهام لما يطلبونه. ومن جملة ياسهم أنه إذا كان أمير في غاية القوة والعظيمة وبينه وبين السلطان كما بين المشرق (المخطوط ص 46) والمغرب، حتى أذنب ذنبا يوجب عقوبة، بعث إليه ولو من أخس أصحابه من يؤذ به بموجب ما يقتضيه ذنبه، ولو كان من ذنبه ما يوجب قتله، ألقى نفسه بين يديه ذليلا، وأخذه الرسول بموجب جرمه حقيرا كان أو جليلا. [5] ومنها أن كل أمير لا يتردد إلي سواه، ولا يتغير عن موضعه [6] فإن فعل ذلك

_ - الذهب أو الفضة وفي بعض الأحيان من الخشب، وذلك حسب رتب الأشخاص (حاشية جامع التواريخ ج 1/247) وجميع بايز. بايزات (تركستان 688- 738) . [1] وردت بالمخطوط نسائهم. [2] أمير الألف أي تحت إمرته ألف جندي وهو عادة لا يقل عن خان ويقال عن أمراء الألف هزاره (رحلة ابن بطوطة 227) . [3] أمير مائة أي تحت إمرته مائة جندي وهو عادة لا يقل عن بيگ. [4] أمير عشرة أي تحت إمرته عشرة جنود ويسمى أو نباشي وأدنى بمعنى عشرة وباشي بمعنى رئيس. [5] قوانينهم، ينقل ابن فضل الله العمري القوانين نقلا جيدا يكاد يترجمها من أصلها الفارسي انظر الترجمة (جهانگشاي 1/61- 68) . [6] انظر جهانگشاي 1/67.

عوقب أو قتل، لا يتردد إلى أحدهم أولاده. ومنها وضعهم البريد بكل مكان، طلبا لحفظ الأموال، وسرعة إيصال الأخبار، ومستجدات الأحوال. وكان لجنكيز خان عادة مستمرة، وإن كانت إلي الآن سارية في الأولاد، وهي وفور الرغبة في الصيد والأمر به والركوب إليه، في كل وقت يتفرغ فيه من القتال، والمنازلة، وربما اشتملت حركته على مسيرة ثلاثة أشهر، يحافظ العسكر على ما تحويه تلك الحلقة [1] ، ويضايقون ما بين الخراكي [2] والبيوت بالحبال، ولم يكن غرض السلطان من ذلك مجرد الصيد خاصة، وإنما مراده تمرين عساكره، واستمرار أوامره، وإدمانهم علي استعمال السلاح، وسفك الدماء، وتغلب القوة الغضبية والمضاهرة على الأرواح. ومن عاداتهم أنه متى خرج من قبل واحد منهم شيء من الصيود أدب بحسب ما تقدم من أمره بل ربما قتلوه، ويسوقون تلك الصيود كسوق الغنم [3] ، وتواتر الرسل إلى السلطان بصورة حالها وكثرتها وقلتها، فإذا ضاقت الحلقة، وتراكمت الصيود، مشحونة بغرائب الوحوش، والحيوانات السهلية والجبلية، ودخل هو وأولاده وخواصه، وتفوقوا في القتل والقبض والتفرج، وربما استثرف القان من مكان عال، لينظر فروسية أولاده، وقوة مراسهم، فإذا تخلف من تلك الصيود بعد ذلك شيء، اجتمع ولدانهم وصبيانهم، وشفعوا إلى السلطان في إطلاق ذلك المتخلف. وحكى أن في بعض صيودهم واجتماع ما اجتمع في بعض تلك الحلق لهم من الوحوش، وضاقت عليهم المذاهب، وعاينت التلف، فاستقبلت السلطان بوجهها

_ [1] انظر جهانگشاي 1/63. [2] الخراكي جمع مفرده خركاه- خيمة كبيرة (فرهنگ رازي 272) والخركاه غير البارگاه فالثانية بيت كبير له أربعة أعمدة من الخشب ومكسورة بصفائح الفضة (رحلة ابن بطوطة 227) . [3] انظر جهانگشاي 1/64.

وجاءت إليه بالصياح العالي على هيئة المستعطف (المخطوط ص 47) المستجير، فيتقدم بفك الحلقة، وإطلاق تلك الوحوش [1] . قال الصاحب علاء الدين الجويني [2] كان له عدة أولاد ذكور وإناث من الخواتين [3] والسراري [4] وكان أعظم نسائه أوبولجين بيگي، وفي رسم المغول تعظيم الولد بنسبة والدته، فكان له من هذه المذكورة، أربعة أولاد معدين للأمور الخطرة وهم لتخت ملكه بمنزلة أربعة قوائم سدته، وكان أكبرهم توش والد قردوا [5] وباته [6] وبركه [7] وتركجار [8] ، فرتب توش على الصيد والقبض لأنه أمر محبوب إليهم موصوف عندهم، ورتب چغتاي [9] الذي هو أصغر منه لتنفيذ الياسات والأرغوا [10] والمقابلات وأمثال ذلك، ورتب أوكتاي [11] لما يتعلق بالعقل والرأي والتدبير والولاية والعزل واختيار الرجال واختيار الأعمال وعرض الجيوش

_ [1] انظر: جهانگشاي 1/65. [2] أولاد جنكيز خان المذكور هم: جوجي وجغتاي واوگداي وتولوي (تركستان 715) . [3] الخواتين جمع مفرده خاتون وهي السيدة عريقة النسب (فرهنگ رازي 255) زوجة الملك (المسعودي: مروج الذهب ج 4/144) . [4] السراري جمع سرية وهي الجارية (فرهنگ عميد 2/1205) . [5] توشي ولد قرد ولعله يذكر جوجي بن جنكيز خان (انظر شجرة نسبه تركستان 715) . [6] باتن هو باتو بن جوجي (شجرة النسب عند بارتولد ص 715) . [7] بركة: هو نفسه بركا وبركاي وبركاء (انظر جامع التواريخ 1/14- 2/232 وما بعدها) ، هو بركة بن جوجي بن جنكيز خان حكم في القبيلة الذهبية ص 1237- 1256 م (انظر شجرة النسب في تركستان لبارتولد 719) . [8] تركجار: لعله يقصد تولوي الابن الرابع لجنكيز خان رتب للثلاثة الأول ولم يذكر الرابع منهم. [9] جغتاي هو جغتاي بن جنكيز خان حكم سنة 1227- 1242 م في مملكة بين القاآن الأكبر ومملكة جوجي وهولاكو (انظر الخريطة المرفقة) . [10] الأرغوا: هو يرغو أو يارغو- كلمة مغولية بمعنى العدل والقانون ويارغوجي بمعنى القاضي (جامع التواريخ ج 1/227) (انظر: تركستان 559- 683) . [11] أوكتاي: هو أوگتاي قاآن بن جنكيز خان (جامع التواريخ 2/21) وهو أوكداي خلف جنكيز خان 1229- 1241 م (تركستان 715) .

وتجهيزها. وحكى أنه قال لأولاده في جملة وصاياه إليهم، وحقه لهم على المؤالفة، وإجراء الأمور على انقياد الصغير للكبير، وضرب لهم أمثالا منها أنه دفع إليهم عدة أسهم مفردة، وأمر بكسر كل واحد منهم، فكسر في أسرع وقت، ثم جمع من تلك الأسهم عدة كثيرة، وأمر كل واحد منهم بكسرها مجتمعة، فعجزوا، قال: كذا حالكم في الوهن متفرقين. ولما عرضت لهم الممالك، وذلت لهم المسالك، عين لكل منهم إقليما بمفرده، ومنزلا يختص بحشده وعدد، فعين لأخيه أو تكين نويان [1] حدود بلاد الختا [2] وعين لولده الكبير توشى من حدود قيالق إلى أقصى شفشين وبلغار [3] ، وعين لچغتاي من حدود الأويغور [4] إلى سمرقند وبخاري، وجعل لنفسه مقاما في قياس مجاور أرمالق، وجعل ولده أوكتاي ولي عهده، وكان موضعه في عهد حدود آمل وقراباق [5] ، فلما جلس على تخت السلطان، انتقل إلى الموضع الأصلي بين الختا

_ [1] أوتكين نوين ويقصد به تولوي حيث كان يحمل لقب نوين الأكبر وكان أصغر إخوته، واللقب بالمغولية يكه نوين وبالتركية الوغ نوين (رشيد الدين فضل الله جامع التواريخ طبعة برزين ق 8/127) . [2] الختا: الختا والخطا قبائل سكنت شمال شرقي إيران في عهد السلاجقة وأقاموا دولة سنة 518 هـ كانت بين ممالك المغول وخوارزم، قضى عليهم سنة 609 هـ (انظر دولة السلاجقة د. عبد المنعم حسنين القاهرة 1975- 98- 100 المغول في التاريخ د. فؤاد عبد المعطي ص 6) وهم شعوب الختن بكسر الخاء- يعرفون لدى المغول باسم خادقوت (جامع التواريخ 1/115) . (انظر) تركستان 81 وما بعدها) . [3] البلغار: من بلغار القولجا (انظر: رحلة ابن بطوطة 225) وانظر: الخرائط المرفقة أخر الكتاب- والبلغار مدينة للصقالبة شديدة البرد لا يكاد البرد يقلع عن أرضهم صيفا ولا شتاء (مراصد الأطلاع 1/219) . [4] الأويغور: قوم من الأتراك يدينون بالمسيحية واليهودية والمانوية، وهم بصفة عامة أكثر أقوام الأتراك والمغول تمدنا، كانوا يقطنون شمال شرقي تركستان، وشمال نهر قاريم، وأهم مدنهم تورفان وبيش باليغ وبرقول وقره شهر وآلماليغ، كان لهم خط خاص لهم وهو الخط الأويغوري (انظر حاشية جامع التواريخ 1/195- تركستان لبارتولد 553- 554) . [5] قراباق: هي قره باغ أي الحديقة السوداء، أرض تقع ببلاد آذربيجان الحالية.

وبلاد الأويغور، وأعطى ذلك الموضع لولده كيوك [1] وكان ولده تولى [2] متصلا به، وبالجملة كان موضعه نقطة دائرة ملكه، وبنوه حوله كمحيط الدائرة. وكان أولاده وأحفاده أزيد من عشرة آلاف، هذا ما ذكره الصاحب علاء الدين، وقد سألت شيخنا فريد الدهر شمس الدين (المخطوط ص 48) الأصفهاني [3] عن بني جنكيز خان فقال: إن جنكيزخان أولد أربعة أولاد وهم جوجى [4] وجداري [5] وتولى [6] واوكتاي [7] فقتل جوجى في حياة أبيه، وكان أكبر أولاده، وأعزهم وخلف أولادا. قال ابن الحكيم: هو باتو [8] وأورده وبركه وتووك وجمنى [9] . قال شيخنا شمس الدين: المشهور باتو وبركة ابنا جوجي، فلما قتل أبوهم كان جنكيز خان؛ أبوه، قد عين له دمشق القبجاق [10] ، وما معه، وأضاف إليه آراك [11]

_ [1] هوكويوك بن أوكداي حكم ما بين 1246- 1248 م وهو ثالث القانات الكبار (تركستان لبارتولد 715) . [2] تولوي بن جنكيز خان. [3] شمس الدين الأصفهاني: شمس الدين محمد بن سعيد فخر الأصفهاني من أدباء وشعراء القرن الثامن الهجري ألف بالفارسية كتابا بعنوان معيار جمالي، عاشر الشيخ أبي إسحاق اينجو (فرهنگ أدبيات فارسي 305) . [4] ورد بالمخطوط جوخي وتصويبها جوجي استنادا إلى جهانكشاي وجامع التواريخ. [5] يقصد جغتاي الذي حكم ما بين 1227- 1242 م. [6] ورد بالمخطوط طولي وصوابه تولوي وتولي- لم يحكم. [7] ورد بالمخطوط لو كداي وصوابه أوكتاي بناء على ما ورد في جهانگشاي أو أوكداي بناء على ما ذكره بارتولد ص 715. [8] ورد بالمخطوط باتوا وهو باتوي. [9] أولاد جوجي هم آوردا وباتو وبركه وبوال وسيبان (انظر: شجرة نسب آل جنكيز خان بارتولد ص 719) . [10] دشت القبجاق: صحراء القبجاق. [11] آراك: مدينة إيرانية.

وتبريز [1] وهمدان [2] ومراغه [3] ، وأوصى جنكيز خان بأن يكون تخته لولده الصغير اوكتاي [4] وأن تكون مملكة ما وراء النهر وما معه لولده الآخر جداي [5] ولم يجعل لتولي [6] شيئا، فاستقل اوكتاي بتخت أبيه جنكيز خان، واستقل بدشت القبجاق وما معه، ولم يتمكن جداي مما له من ممالك ما وراء النهر. ثم مات اوكتاي وارث التخت، وملك بعده ولده كيوك، وكان رجلا شريرا جبارا متسلطا قوي النفس، فقوى على بني أبيه، وحكم عليهم حكما قاهرا [7] ، وهم بمعاندة باتو، ونزع يده، وبعث أميرا اسمه الجكداي إلى آران وبقية المضافات معها إلى باتو، وأمره بإمساك نواب باتو بها، وحملهم إليه، وسمع نواب باتو بذلك، فكتبوا إلى باتوا بالاستئذان على ما يكون اعتمادهم عليه. وصل الجكداي المجهز من جهة كيوك، وفي تلك الساعة بعينها، عاد جواب باتو على نوابه بمسك الجكداي، وتقييده، وحمله إليه، فقامت شيعة أولئك النواب المقيدين، ففكوا قيودهم، وأمسكوا الجكداي، وقيدوه وحملوه إلى حضرة باتو، فسلقه [8] بالماء، فلما بلغ هذا كيوك مرسله عز عليه، وعظم لديه، وجمع ستمائة ألف فارس، وسار كل واحد منهما لملتقى الآخر وقتاله.

_ [1] تبريز هي كوريز، كان بها مقر حكم هولاكو، أشهر مدن آذربيجان (انظر: تقويم البلدان 400- 401- مراصد الاطلاع 1/252) . [2] همدان وهمذان اسم لمدينة إيرانية مشهورة- وهي مدينة من الجبال أعذبها ماء وأطيبها هواء وهي أكبر مدينة بها (مراصد الاطلاع 3/1464) . [3] مراغة: من قواعد آذربيجان تقع غربي تبريز، بها مرصد بناه نصير الدين الطوسي (انظر تقويم البلدان 398- مراصد الاطلاع 3/1250) . [4] ورد بالمخطوط لو كداي وهو أوكتاي أو أوكداي. [5] جداي: وهو گداي أو أوگداي. [6] ورد بالمخطوط طولي وهذا موجود في كثير من مصادر العربية. [7] كان كيرك سفاحا، عقد حلفا بين المغول والعالم المسيحي ضد المسلمين (تركستان 694) . [8] ورد بالمخطوط فصلقة.

فلما تقاربا حتى كان بينهما نحو عشرة أيام مات كيوك [1] ، فاضطرب من كان معه، ثم اتفق رأي الخواتين والأمراء على مكاتبة باتو، فكتبوا إليه بإعلامه بموت كيوك، وأنه هو أحق بتخته، فيفعل ما يراه. فقال باتو: لا حاجة لي به وإنما أبعث إليه بعض أولاد تولي، وعين له منكوقان [2] بن تولى، وجهزه إليه هو وأخوه قبليه قان [3] (المخطوط ص 49) وهولاكو وجهز معهم باتو أخاه بركه في مائة ألف فارس من بهادرته [4] العسكر ليجلسه على التخت، ثم يعود. فأخذه معه وتوجه به ثم أجلسه، وعاد، فلما مر ببخارى، اجتمع بالشيخ سيف الدين الباخرزي [5] من أصحاب شيخ الطريقة نجم الدين كبرى [6] وحسن موقع كلام الباخرزي عنده، وأسلم على يده، وتأكدت الصحبة بينه وبين الباخرزي، فأشار عليه الباخرزي بمكاتبة المستعصم الخليفة [7] ومتابعته ومهاداته، فكاتب الخليفة، وبعث إليه هدية، وترددت بينهما الرسل والمكاتبات والتحف والمهاداة.

_ [1] مات كويوك سنة 1248 م. [2] منگوقاآن (جامع التواريخ مجلد 2 ج 2/82) مونكوين تولوي بن جنكيز خان حكم ما بين 1251- 1258 م (تركستان 715) . [3] قبيلة قان هو قوبلاي قاآن أو قوبيلاي بن تولوي بن جنكيز خان حكم ما بين 1260- 1294 م. [4] بهادرته: أي أبطاله وشجعانه من اللفظ الفارسي والتركي بهادر بمعنى شجاع، وكان هؤلاء يشكلون فرقة للحرس الخاص للقاآن (انظر تركستان 549) . [5] الشيخ سيف الدين الباخرزي من شعراء ق 6 هـ ومن مشايخ المتصوفة، كان مريدا للشيخ نجم الدين كبرى، عاصر العطار، أشعاره بالفارسية. مات 629 هـ (فرهنگ أدبيات فارسي 83) . [6] نجم الدين كبرى هو أبو الجناب أحمد بن عمر من رجال التصوف، مؤسس السلسلة الكبروية قتل سنة 610 هـ له فواتح الجمال ورسالة الخائف الهائم، وله أشعار كثيرة، فقتل في هجوم المغول (فرهنگ أدبيات فارسي 502) . [7] المستعصم: هو آخر الخلفاء العباسيين، تولى الخلافة العباسية سنة 640 هـ وقتل سنة 656 هـ على يد المغول، كان متدينا محبا للكتب، ولكنه ضعيف الرأي لم يكن له من الحكم شيئا، سيطر عليه نساؤه ووزراؤه (انظر كتابي فتوحات هولاكو خان في ميزان النقد التاريخي 31- تاريخ الخلفاء 464- البداية والنهاية 13/200 الفخري 333- أخبار الدول 180) .

ثم أن منكوقان لما استقل بالتخت ملك أولاد جغتاي [1] مملكة ما وراء النهر، تنفيذا لما كان جنكيز خان أوصى به لأبيهم چغتاي، ومات دونه. وعلت كلمة منكوقان، وجاءت إليه رسل أهل قزوين وبلاد الجبال [2] يشكون من سوء مجاورة الملاحدة [3] ، وضررهم بهم، فجهزهم [4] أخاه هولاكو في جيوش جمة لقتال الملاحدة، وأخذ قلاعهم [5] ، وقطع دابر دولتهم. فحسن هولاكو لأخيه منكوقان أخذ ممالك الخليفة وخرج على هذا، فبلغ هذا بركة بن جوجي، فصعب عليه، لما تأكد بينه وبين الخليفة من الصحبة [6] ، وقال لأخيه باتو: إننا نحن أقمنا منكوقان، وما جزانا منه أنه يكافئنا بالسوء في أصحابنا، وينقض عهدنا، ويحقر ذمتنا، ويتعرض إلى ممالك الخليفة، وهو صاحبي وبيني وبينه مكاتبات وعقود مودة، وفي هذا ما فيه من القبح. وقبح على أخيه باتو فعل هولاكو، فبعث باتو إلى هولاكو بأنه لا يتعدى مكانه، فجاءه رسالة باتو وهو وراء نهر جيحون ما غيره، فأقام في موضعه بمن معه سنتين كاملتين حتى مات باتو، وتسلطن أخوه بركة بعده، فحينئذ قويت أطماع هولاكو، وبعث إلى أخيه منكوقان يستأذنه في إمضاء ما كان أمره به، من قصد

_ [1] وردت بالمخطوط جغطاي وصوابها جغتاي. [2] بلاد الجبال هي گيلان وطبرستان الواقعة جنوبي بحر قزوين. [3] الملاحدة: هم الإسماعيلية والإسماعيلية فرق والفرقة المقصودة هنا هم الصباحية أتباع حسن الصباح المسمى بشيخ الجبل، وآخر حكامهم خورشاة المعتزل سنة 655 هـ، سكنوا قلاع أصفهان وقهسقان وأشهر قلاعهم آل موت (انظر: كتبي: فتوحات هلاكو خان 7- 10- حركات الغلو والتطرف في الإسلام- الشيعة الفاطميون يحكمون مصر- وترجمة روضة الصفا 235- 261) . [4] وردت بالمخطوط منجزهم. [5] أهم قلاع الملاحدة، آل موت وكردكوه ولا مستر وميمون درّ وطبس وجور وجوسف وزوزن وقاين (انظر نهاية الأرب في فنون الأدب شهاب الدين أحمد النوري تحقيق فوزي العنتيل- القاهرة 1985/ج 26/254) . [6] كان هذا سببا في العداء المستحكم بين هولاكو وبركة (انظر جامع التواريخ 2/332 وما بعدها) .

ممالك الخليفة وانتزاعها منه، وحسّن له ذلك، فأجابه إليه [1] . ودخل هولاكو إلى البلاد، وأوقع بالملاحدة [2] واتهم سبعمائة نفر من أكابر همذان وتلك البلاد المضافة إلى باتو ثم إلى بركة (المخطوط ص 50) بالميل إلى بركة والمباطنة على هولاكو ومنكوقان، وقتلهم عن آخرهم، وامتد في البلاد، وقصد دست [3] القبجاق، وعدى إليه، وأقام ثلاثة أيام، لا يجد مقاتلا، فلما كان في اليوم الرابع دهمتهم الخيل، وداسهم بركة بجنوده وعساكره، ودارت الدائرة على هولاكو حتى هم بالهزيمة، فترك أمير كبير [4] كان معه اسمه سنتاي، وهو المنسوب إليه عقبة سنتاي بالعراق، وأمسك برأس فرس هولاكو، وقال له: أين تروح؟ ثم استمر القتل في أصحابه فتأخر حتى صار نهر الكر، بينه وبين بركة [5] . وجاء بركة على نهر الكر، ولم يجد له سبيلا إلى العبور، ورجع هولاكو، وعاث في البلاد، وعام في تيار الفساد، وفعل فعلته، وقويت العداوة بينه وبين بركة قاآن [6] وخف حاذه من الجيش لمقاومة أعدائه. ثم لما جرى على بغداد ما أجرى العيون دما، وأسال النفوس أسفا، استأثر

_ [1] لم ترد هذه الرسالة عند رشيد الدين فضل الله في كتابه جامع التواريخ. [2] سنة إيقاع هولاكو بالملاحدة 654- 655 هـ (انظر فتوحات هولاكو خان 14- 17- روضة الصفا 259- 260- جامع التواريخ 1/243- 259- إسماعيليان در تاريخ- يعقوب آزند جاب دوم تهران 339) . [3] أي عاصمة القبجاق. [4] أمير كبير وظيفة تعادل وظيفة الوزير. [5] كانت الحرب بينهما سنة 1263 م. [6] قال بركاي (بركة) : إنه قد دمر جميع مدن المسلمين، وقضى على أسر ملوك الإسلام جميعهم، ولم يميز بين الصديق والعدو، وأعدم الخليفة دون مشورة كبار الأسرة، فلو أمدني الله تعالى لطالبته بدماء الأبرياء (انظر: جامع التواريخ 2/332) .

هولاكو بجلال الدين بن الدوادار [1] الخليفتي المستعصمي [2] ، واتخذه هولاكو موضع رأيه، ومكان سره، فلما كسر هولاكو، وتضعضعت رعان جيشه، كما ذكرنا، شكا إلى جلال الدين بن الدوادار ما أصابه من الكسرة وفناء جنوده، فقال له جلال الدين: عندي عسكر جيد خير من هؤلاء، قال: من هم؟ قال: عسكر الخليفة فإن ابن العلقمي [3] قطعهم وإلا فهم أحياء موجودين وأنا أجيبهم إليك، فأعجب هولاكو كلامه، ووقع منه موقعا حسنا، وكتب له يراليغ [4] مضمونها إننا قد جهزنا جلال الدين بن الدوادار في شغل مهم لنا، ورسمنا له بما يفعل، ومرسومنا أن يمتثل جميع الخواتين والأمراء والنواب والقراولات [5] وكافة الناس أمر جلال الدين المذكور، وأنه مهما شاء فعل، يقتل من يريد، ويخلى من يريد، وأن لا يعارض في أمر من الأمور، ولا يعترض عليه بسبب من الأسباب. ومن هذا ومثله فتوجه جلال الدين، وحط يده في كل من بقى بحده من أمراء المغل وأكابرهم، والمقربين عند هولاكو، وفعل فيهم ما أراد، وفتك فيهم أنواع الفتك، حتى وصل إلى بغداد واستعد فيها (المخطوط ص 51) لما يريد أن يعمله، وأخذ منها ما أراد ومن أراد، ودخل البرية هاربا من هولاكو على عزم الوصول إلى مملكة مصر، فأدركه أجله قبل الوصول إليها.

_ [1] جلال الدين بن الدوادار أحد أركان الحكم في عهد الخليفة المستعصم آخر الخلفاء العباسيين، وكان ينوي خلع الخليفة وإجلاس آخر (انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي 464) . [2] نسبة إلى الخليفة المستعصم آخر الخلفاء العباسيين والمقتول سنة 656 هـ. [3] ابن العلقمي: مؤيد بن محمد بن أحمد العلقمي، وزير المستعصم بالله، كان شيعيا، اختلفت الروايات حول موقفه من المغول، واتهم بأنه كان وراء هجوم المغول على بغداد، كان أديبا، جعله هولاكو وزيرا كما كان في عهد الخليفة (انظر: شذرات الذهب 5/272- الفخري 337- تاريخ ابن خلدون 5/1149- تاريخ الخلفاء 465- البداية والنهاية 13/196- مآثر الأناقة 2/92) . [4] يراليغ جمع مفرده، يرليغ، كلمة مغولية بمعنى حكم وأمر تعادل كلمة فرمان الفارسية (فرهنگ رازي 1038- صبح الأعشى للقلقشندي 4/423) - وهي ترد بارليغ مفرد (تركستان 588- 669) . [5] ورد بالمخطوط العراولات وأظنها القراولات ومفردها قراول وتعني الحارس من الكلمة التركية قراول (فرهنگ رازي 659) .

وبلغ هولاكو ما فعله جلال الدين في المغل من الفتك والقتل والتنكيل، ثم ما أخذه من بعده، وخرج به هاربا منه، فانفطرت كبده، ومات غبنا منه. قال شيخنا شمس الدين الأصفهاني: ومات هولاكو [1] ولم يملك ملكا مستقلا، وإنما كان نائبا عن أخيه منكوقان ثم كان هكذا أبغا [2] ومن بعده، إلى أن استقل أرغون بن أبغا [3] بالملك، وأضاف اسمه في السكة إلى اسم صاحب التخت أمير لا يزال مقيم في مملكة إيران مع هولاكو وبنيه له عندهم حرمة كبيرة ومكانة محفوظة حتى ملك محمود غازان بن أبغا [4] فكتب اسمه بمفرده على السكة، وأسقط اسم القان صاحب التخت وأهان أمر أميره حتى لم يبق له وضع ولا حرمة وامتهن ذلك الجانب، واستقل بالملك والسلطنة في أولاده. وقال: أنا ما أخذت البلاد إلا بالسيف، وقام الأمر على هذا مدة محمود غازان ومن بعده. قال الشيخ: ولهذا ينتقص ملوك بني جنكيز خان بيت هولاكو، يقولون أنهم ما نقلوا [5] الملك عن جنكيز خان ولا عن وارث [6] تخت جنكيز خان، وإنما أخذوه

_ [1] مات هولاكو سنة 663 هـ، أثناء توجهه لحرب بركاي (بركة) ودفن في جبل شاهو في- مواجهة دهخوارقان (تاريخ مغول از حملهء جنگيز خان تا تشكيل دولت تيموري- عباس إقبال تهران 1364 ش ص 197) . [2] أبغا بن هولاكو، هو آباقا حكم بعد والده ثمانية عشر عاما، ومات سنة 680 هـ (انظر ابن كثير 13/297- جامع التواريخ لرشيد الدين فضل الله مجلد 2 ح 1/3- 86) . [3] أرغون بن أبغا هو أرغون بن آباقا حكم بعد أبيه (683 هـ/ 284- 690 هـ/ 1291 م) انظر جامع التواريخ م 2 ح 1/123- 167) . [4] محمود غازان بن أبغا هو محمود قازان بن آباقا صاحب العراقين وخراسان وفارس وآذربيجان والروم، اسلم وحسن إسلامه سنة 694 هـ، وفشا الإسلام في التتار، طرق الشام وغلب عليه، مات قرب همدان سنة 703 هـ/ 1304 م (فوات الوفيات 4/97- جامع التواريخ 2/14) . [5] وردت ما نقولوا. [6] وردت بالمخطوط وراث.

باليد والعداوات ومطاولة الأيام. وسأذكر في ترجمة مملكة إيران شبهة أخرى في دعوى ملوك دشت القبجاق أن مراغة [1] وتوريز [2] لهم على ما كان يبلغنا من أخبارهم في كل وقت، ثم ما حدثني به الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكم، وسألت ابن الحكيم والشريف محمد بن حيدرة الشيرازي، عمن يعلمانه بقى من أولاد هولاكو، فقال كل منهما أنه لم يبق أحد محقق النسب إلا ما قيل عن محمد المنسوب إلى عنبرجي [3] على كثرة اختلاف فيه، ثم جاءت الأخبار وصحت بعدم هذا محمد. وقال لي (المخطوط ص 52) نظام الدين بن الحكيم أهل هذا البيت، تفانوا بعضهم على بعض، لخوف القائم منهم على ملكه، حتى أن كثيرا من أبناء ملوكهم كانوا يتخفون من الملك القائم حتى أن بعضهم كان يخلد إلى الحرف والمهانات لتستسقط همته، فيترك، ويجعل هذا سبيله للخلاص وطلبا للسلامة، حتى أن بعضهم كان قد عمل نساجة، وبعضهم عمل في الأدم [4] وبعضهم باع الشعير علافا، ومن هذا قال ويقال في أنساب كل منتسب منهم لكثرة التخليط من الأمهات، ومخالط آبائهم للعوام حتى خفت أنسابهم، فجهلت أحوالهم «1» . وأخبرني الأمير الكبير المقدم نسيب السلطنة طايربغا أنه أول من استقبل من هذا البيت بسلطان جدهم جنكيز خان [5] ،

_ [1] مراغة: من قواعد آذربيجان تقع غربي تبريز، وبها بنى نصير الدين المرصد الفلكي (تقويم البلدان 398) . [2] توريز هي تبريز، كان بها مقر هولاكو، أشهر بلد في آذربيجان (تقويم البلدان 400- 401) . [3] لم يرد اسم محمد عند أحد من المنتسبين إلى هولاكو سواء عند رشيد الدين فضل الله أو عند ابن بطوطة في رحلته ص 154:. [4] صناعة الجلود. [5] حكم بعد محمود غازان بن أرغون، أولجايتو خدابنده رغون (703- 716 هـ) وأبو سعيد بهادر بن أولجايتو (716- 736 هـ) واياخان بن ارتو، وموسى خان بن علي ومحمد خان بن منگو تيمور-

والتلفظ الصحيح جنكص خان [1] بالصاد ثم اوكديه والتلفظ الصحيح به اوكداي [2] «1» ثم كيوك قان [3] ثم مونككا قان [4] (بن طولى بن جنكيز خان) «2» ثم ادي يكا ثم قتلى قان [5] ثم دمرقان [6] ثم برياي ثم تزي طيزى ثم قيسان قان ثم سندمرقان، فأما نسبه إلى جنكيز خان فهو سند مرقان بن طرمالايا بن جمكم بن قبلى قان بن طولا بن جنكيز خان وهذا نسبه [7] . وأما ملوك الترك وهي تركستان وما وراء النهر وأولهم جغطاي بن جنكيز خان [8] ، وقد نبهنا على أنه لم يستقل، ثم (ولده مكتوكان [9] ثم ابنه قرا هولاوو [10] ثم ولده مباركشاه [11] ثم أن القان بلغه أن قيدو بن تاشى بن كيوك

_ - (736- 739 هـ وساتي بيگ بنت أولجايتو (739 هـ 739 هـ) وشاهجهان تيمور بن آلافرنگ (739- 740 هـ) وسليمان خان (741- 745 هـ) وطغا تيمور خان (746- 753 هـ) وانوشيروان العادل (754- 756 هـ) (انظر: جامع التواريخ ج 2/14) . [1] حكم ما بين 1206- 1227 م. [2] حكم ما بين 1229- 1241 م. [3] حكم ما بين 1246- 1248 م. [4] حكم ما بين 1251- 1258 م. [5] قوبيلاي قاآن 1260- 1294 م. [6] تيمور قاآن 1294- 1307 م. [7] الاسم ورد عند بارتولد من حيث الحكام آخرهم طغان تيمور 1332- 1370 سبقه رينجن بال إخوة 1332 ومن قبله أبوه قوتوقتو 1329- 1332 م ومن قبله طوطوق تيمور عن أبيه يسون تيمور (1323- 1329) وقبلهما ككن (1320- 1323 م) وبويانتو (1311- 1320 م) وفايشين (1307- 1311 م) ثم تيمور بن جينغكين (1294- 1307) عن جده قوبيلاتي. [8] جغتاي بن جنكيز خان حكم (1727- 1242 م) . [9] مكتو خان بن جغتاي أو منككو قاآن (جامع التواريخ 2/16) هو يسومونكو حكم سنة 1246- 1251 م بعد ابن أخيه أورقن بن موتكن. [10] قرا هولاود بن مكنوقان هو قرا هولاكو القاآن الرابع حكم ما بين سنة 1251- 1260 م. [11] مباركشاه بن قراهولاود هو مباركشاه بن قراهولاكو بن بيسوتوي بن مواتوكان بن جغتاي (جامع-

بن أوكداي بن جنكيز خان [1] تسلطن لهذه المملكة، فخافه لكوت كيوك عمه، كان وارث التخت عن أبيه اوكداي، وأبوه اكداي كان وارثه عن أبيه جنكيز خان، فسير براق [2] بن بسنطو ابن منكو كان بن جغطاي لدفع قيدو، فدفعه، وتعد مكانه) «1» ، ثم استقل براق ثم دوا [3] ولد براق ثم أولاد دوا واحدا بعد واحد وهم كنجك [4] ثم اسنيغا [5] ثم كيك [6] ثم الجكداي [7] ثم دواتمس [8] ثم ترماشيرين [9] رحمه الله ثم رجل ليس هو بابن دوا اسمه توزون [10] بن أو باكان «2» ابن (جنكيز خان) «3» وتخلل من خلال هؤلاء من توثب على الملك، ولم ينتظم لهم حال (المخطوط ص 53) ولا علت لهم أعلام دولة.

_ - التواريخ 2/18) ومباركشاه حكم سنة 1266 بعد ألغو بن بايدر بن جغتاي. [1] قيدو بن تاش بن كيوك بن أوكداي ليس هذا صوابا وصوابه قايدو بن قاشين بن أوكداي (انظر شجرة النسب تركستان 715) . [2] هو براق بن اسن دوا بن موتكن بن جغتاي حكم ما بين 1266- 1271 م. [3] دوا بن براق حكم ما بين سنة 1282- 1307 م وهو الحاكم العاشر في السلسلة الجغتاتية. [4] هو قونجوق بن دوا حكم سنة 1308 م. [5] هو ابن بغا بن دوا حكم ما بين 1310- 1318 م. [6] كيك: كان كافرا تولى حكم ما وراء النهر (رحلة ابن بطوطة 246) حكم ما بين سنة 1318- 1326 م. [7] جكداي: هو الجكطي كان كافرا تولى الحكم بعد أخيه كبگ (رحلة ابن بطوطة وهو ايلجيداي بن دوا حكم سنة 1326 م. [8] هو دواتمر بن دوا حكم سنة 1326 م. [9] ترماشيرين: سلطان ما وراء النهر هو طرمشيرين، عظيم المقدار، كثير الجيوش والعساكر، ضخم المملكة، شديد القوة، عادل الحكم، بلاده متوسطة بين أربعة ملوك (رحلة ابن بطوطة 246 هو ابن دوا حكم 1326- 1334 م. [10] هو بوزن بن دوا تيمور حكم سنة 1334 م.

وممن أراد الملك، وعلت كلمته، ولم يملك بيساوون ابن اركتمر بن بغاتمر بن براق «1» ، وبقى الملك بعد موت ترماشيرين رحمه الله متخبطا، حتى قام هذا جنغصوا «2» ، فأما نسبه إلى جنكيز خان [1] فهو جنغصو بن دراتمر بن طر بن براق بن بسنطو بن مكتوكان بن جغطاي بن جنكيز خان، (اسمه جداي وهو مصحح لما يقول عارف به) [2] «3» . وأما ملوك دشت القبجاق، فأول من ملك منهم باتو بن جوجى «4» بن جنكيز خان ثم أخوه بركة «5» . ثم وجميع ملوك بني جنكيز خان يغلب عليهم الكرم، وتخويل من قصدهم، لا يرضى أحد منهم بالقليل، فأما القان الكبير منهم صاحب الخطا فتلك شيمته لا تسح إلا بالذهب ديمته، ليس هذا من واحد بعينه، بل كل من تسنم [3] منهم ذروة ذلك التخت، كانت هذه سجاياه. أما ما يحكى في القديم منهم عن منكوقان بن طولى «6» ابن جنكيز خان، فيخشى حاكيه أن ينسب إلى الخرافة حديثه والمجاذفة في قوله. حكى الشيخ الفاضل شمس الدين أبو العباس أحمد بن أبو المحاسن الغيبي

_ [1] ذكره بارتولد بوزن بن دواتيمور بن دوا بن براق بن آسن دوا بن موتكن بن جغتاي (شجرة النسب 721) . [2] بركه بن جوجي هو بركاي جوجي بن جنكيز خان حكم ما بين 1257- 1266 م، (جامع التواريخ 2/332) . [3] تسنم: ارتقى.

قال: حدثني عز الدين أبو البقاء الأردويلي، قال: سمعت بكرم القان منكوتمر، فقصدت حضرته متفرجا بتلك البلاد، ومتوصلا إليه، ولازمت بابه مدة، ومالي من يوصلني إليه، ولا إلى أحد من أرباب دولته، فبينما أنا ذات يوم هناك من جملة الناس طلبت على التخصيص، فحملت إلى رجل سريّ بباب منكوتمرقان [1] ، فأمر الترجمان ذلك الرجل فسألني عن اسمي وبلدي وحالي ومقدمي، فشرحت له أمري، فقال: أشرف القان فرآك فاستغربك، فأمر بالسؤال عنك، ونحن نعلمه، ثم ذهب الرجل (هنيهة) «1» ، ثم طلبني فأحضرت إلى بين يدي منكوتمرقان وهو في خف من الناس، وبقى يحدث ذلك الرجل، وهو يحدث الترجمان، ويسألني عن أشياء من أمور بلادي، وطريقي وما رأيت، ثم قال: القان يقول لك: ما جاء بك من بلادك البعيدة إلى هنا؟ وأي شيء معك من طرف البلاد تقدمه له؟ فقلت (المخطوط ص 54) له: ما جاء بي إلا ما سمعت من كرم القان، وليس معي شيء، ولو كان معي شيء ما فارقت أهلي ووطني وجئت، فلما أعادوا عليه كلامي، ضحك خفيا ثم أشار إليهم، أي أنه صدق، وأمر ليّ بشيء ما فهمته، فلما خرجت قال لي ذلك الرجل المخاطب لي: قد أمر لك القان بما يصل إليك، ثم قال لي: على أي جهة تعود إلى بلادك؟ قلت: له: في البحر إلى الحجاز لأحج ثم أعود إلى بلادي، فحمل لي إلى المركب هناك أمتعة، بعتها بعدن، ومكة بألف ألف درهم. وحكى لي الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم قال: قصد رجل منكو تمرقان بزجاج من عمل حلب، ووصل إليه، وقدمه له، فشرب في بعض أوانيه، فأعجبه ما شف من جوهر الزجاج عن حمرة الشراب، فقال: هذا من أين؟ فقيل له: من حلب، فقال: يعطي له حلب، فقال بعض وزرائه، وإن حلب ليست

_ [1] منكو تمرقان هو موتكو تيمور بن كوقوخان بن باتوين جوجي حكم ما بين سنة 1267- 1280 م (انظر: شجرة النسب، تركستان 719) .

لنا قال: فيوقف هذا الرجل ويصب عليه الذهب حتى يغطيه، فقالوا له: نوقفه في خرگاه ويصب عليه الذهب، فقال: أنتم غرضكم بهذا أن يموت ولا يكون من فضاء، فعملوا ما قاله، فجاء جملا كثيرة عظيمة، فجمعوها، وقالوا له: قد عملنا ما رسم القان، ولكننا نريد أن يقع نظر القان عليه قبل أن يأخذه فقال: هاتوه، فلما رآه قال: أنتم ما قصدكم إلا أني أبصر هذا فاستكثره، أعطوه هذا وقدره معه مرة أخرى فأعطوه. وحكى أيضا أن فراشا كان يخدم تولي بن جنكيز خان أبا منكوتمر، ثم خدم منكوتمرقان بعده، ثم عدم، وتطلبه منكوتمر فلم يجده، فبينما هو يوما في الصيد رأى الفراش في بعض الجبال، وقد ساءت حاله، وطال شعره وظفره، فقال له: أين كنت؟ فقال: في هذه البرية، فقال: ما حملك على هذا؟ قال: القسمة قال: لا قل لي الصحيح، فقال: هو ما أقول للسكان، فقال له منكوتمر: لا حملك على هذا إلا العشق، فأطرق، فقال له منكوتمر؛ فلمن أنت عاشق، فسكت، فعلم منكوتمر أنه عاشق في أحد من جهته، فقال له: كأنك عاشق فلانة (المخطوط ص 55) لا، إلا فلانة لا إلا فلانة، يعد عليه واحدة بعد واحدة من خواتينه وأتباعهن، وهو يقول: لا إلى أن ذكر واحدة من أجلّ حظاياه، فسكت الفراش، فقال منكوتمر: أنت عاشق في هذه بلا شك، ثم أنه طلبها، وقال لها: فلان له علي أبي حق وعليّ، وهو عاشق فيك، وماله في هذا ذنب، ولا لك هذا شيء يتعلق بقلبه، ما له فيه حيلة، وأريد أزوجك به، فبكت وقالت: ياقان بعدك أتزوج بهذا، فقال: سوف تبصرين ما أعمل، ثم أنه عمل طودا، وسأل الأمراء أن ينصب للفراش كرسيا فوقهم، وأجلسه فوق الجميع، فقالوا له: الأمر أمر القان، فنصب له كرسيا فوقهم، وأجلسه عليه، وزوجّه بتلك الحظية [1] ، وعمل له يرتا [2] عظيما لا يصلح إلا

_ [1] الجارية. [2] برت: كلمة مغولية أصلها يورت أو أورت أو بورط وتعني خيمة أو مقر إقامة (فرهنگ عميد 2/2001) .

للتوامين [1] الكبار، وأجراه مجرى واحد منهم. قلت: ومن تأمل هذه الحكاية عرف سعة إحسان هذا الرجل وكرمه، فإنه أخذ غلاما لا يؤبه إليه، جعله ملكا، وسمح له بما لا يسمح بمثله من المال والجاه والمحبوب.

_ [1] توامين جمع مفرده تومان والتومان يعني أمير عشرة الآلاف، لأن التومان وحدها بمعنى عشرة (فرهنگ رازي 179) .

الفصل الثاني في مملكة القان الكبير

الفصل الثاني في مملكة القان الكبير

صاحب التخت، وهو صاحب الصين والخطا، قد ذكرنا في صدر الفصل الأول «1» أن القان الكبير هو القائم مقام جنكيز خان والجالس على تخته «2» ، وهو أجل ملوك توران، التي من مملكة الترك [1] من قديم الدهور والآباد، وبها أو بما جاورها أو قاربها كان أفراسياب [2] ، غير أنه خرج عن هذا القان ما هو الآن لأبنيّ عمه؛ الذين تقدم ذكرهما «3» ، وإلى هذا القان إشارة الثلاثة أبناء عمه وهو كالخليفة عليهم، فإذا تجدد من مملكة أحد منهم مهم كبير [3] مثل لقاء عسكر أو قتل أمير كبير بذنب أوصله إليه اليسق [4] أي الحكم أو ما يناسب هذا، أرسل إليه وأعلمه، ولا افتقار إلى استئذانه ولكنها «4» عادة مرعية. (المخطوط ص 56) قال الفاضل نظام الدين ابن الحكيم الكاتب البوسعيدي [5] «5» : أن هذا القان ما يزال يكتب إلى كل من القانات [6] الثلاثة،

_ [1] المغول فرع من الأتراك. [2] بطل أسطوري توراني قديم، حارب رستم حروبا طويلة، وأخيرا قتله رستم، وهو جزء من الصراع الإيراني التوراني (انظر: شاهنامة الفردوسي 35) . [3] أمر هام مشكلة كبرى ويسمى هذا الاجتماع باسم الطوى أي الضيافة (رحلة ابن بطوطة 248) أما القوريلتاي فهو اجتماع لتنصيب القاآن (تركستان 649) . [4] اليسق هي الياسا والياصا وهي الحكم والقاعدة (فرهنگ عميد 2/1991) واليساق (تركستان 114- 131) . [5] نسبة إلى أبي سعيد بهادر بن أولجايتو خدابنده بن أرغون بن القاآن هولاكو. [6] القانات جمع مفرده قان، وهي في الأصل قاآن تعادل كلمة شاهنشاه وخاقان وقيصر- والقان سمة لكل من يلي الملك عند المغول (رحلة ابن بطوطة 423) .

يأمرهم بالاتحاد والألفة، وأنه إذا كتب إليهم بدأ باسمه قبلهم، وكلهم مذعنون له بالتقدم عليهم. وحدثني بكثير مما عليه صاحب هذه المملكة، وأنهم على ما هم عليه من الجاهلية؛ على السيرة الفاضلة الشاملة لأهل مملكته، ومن يرد إليها من الجافهم «1» ، بجناح العدل والإحسان، ومعاملتهم بقشور من لحاء شجر التوت [1] ، مطبوعا باسمه، فإذا عتق ذلك المتعاطى به «2» ، حمله إلى ثواب هذا القان، وأخذ عوضه مع خسارة لطيفة [2] ، كما يؤخذ من دار الضرب على ما يؤخذ إليها «3» من الذهب والفضة، ليضرب بها. وأهل مملكته هم أهل الأعمال اللطيفة والصنائع البديعة التي سلمت إليهم فيها الأمم، وقد ملئت الكتب عن أحوالهم بما أغنانا عن ذكره. ومن عادة المجيدين في الصنائع أنهم إذا عملوا عملا بديعا، حملوه إلى باب الملك، وعلق به ليراه الناس، وتبقى سنة كاملة، فإن سلم من عائب، أسدى إلى صانعه صنائع الإحسان، وإن عيب عليه، وتوجه العيب، وضع قدر الصانع، وإن لم يتوجه العيب، قوبل من عاب عيبا غير متوجه قصد الأذية. ومما حكى في هذا أن صانعا منهم صور في نقوش الثياب الكمخاء عصفورا على سنبلة حتى مثله كأنه حقيقة، فلما علقه حيث يعلق مثله، استحسنه كل من

_ [1] هي نوع من العملة المستعملة، فهناك عملة من الذهب والفضة ولحاء الشجر وتسمى جميعها بايزه (حاشية جامع التواريخ 1/247) . [2] وتسمى كانمد وهي مختومة بخاتم السلطان (رحلة ابن بطوطة 415) .

رآه، حتى مر به رجل، فعابه، فسئل لأي شيء عبته؟ فقال: لأن العصفور إذا قعد على سنبلة أمالها، وهذه مستقيمة ما هي مائلة، فاستحسن قوله، ووضع قدر الصانع. هذا مما يحكى عنهم، وأما ما يحكى لي عن المشاهدة والعيان، فحكى لي الصدر [1] بدر الدين حسن الأسعردي التاجر، أن بعض صناعهم عمل سرجا من أختاء البقر ودهنه، وأبدع صناعته، ثم قدمه إلى القان، فأعجبه، ووقع منه موقع الاستحسان، ولم يشك أنه معمول من خشب (المخطوط ص 57) مثل بقية السروج، فقال له صانعه: أما علمتم هذا مما خشبه؟، فقالوا: لا، فأوقفهم على أنه من أختاء البقر، فاستحسنوا جودة صناعته، ولطف تدقيقه. وحكى لي أن بعض صنّاعهم عمل ثيابا من الورق، وباعها من التجار على أنها من الكمخاوات الخطائية [2] ، لا يشك فيها أحد، ثم أنه لما جاز هذا عليهم، أطلعهم على حقيقة حالها، فعجبوا لهذا. قال بدر الدين حسن: ولقد رأيت منهم من هذه الأعمال ما تحار فيه العقول، وتذهل الأفكار، وأما ما حدثني به السيد الشريف تاج الدين حسن بن الجلال السمرقندي، وهو ممن جال في الأرض، وجال في الآفاق وهو من الثقات، وقد دخل الصين، وجاز بلاده، وجاب آفاقه، وجاس خلاله، وجال في أقطاره، قال: إن قاعدة الملك به مدينة خان بالق [3] ، وهي مدينتان قديمة وجديدة، والجديدة بناها ديدو أحد ملوكها، سميت باسمه ديدوا، وفي وسط مدينة ديدوا المذكورة منزل القان

_ [1] الصدر، هي وظيفة مرموقة تقارب وزير، وصدر أعظم الآن بمعنى رئيس الوزراء في الأردية، وصدر تعني هنا الزعامة الدينية ومنها صدر جهان وصدر الصدور وهي ألقاب تمنح لرجال الدين آنذاك. [2] الخطائية نسبة إلى الخطا، وهم قوم من الترك سبق التعريف بهم- وتأتي الخطا والختا والقراخانية. [3] مدينة خان بالق أو خان بالغ أو باليق اسم قديم لمدينة بكين الحالية عاصمة الصين (انظر: فرهنگ عميد 1/828) وخان بالق من أعظم مدن الدنيا- مدينة السلطان في وسطها (رحلة ابن بطوطة 423) .

الكبير، وهو قصر عظيم يسمى كوك طاق ومعناه في اللغة المغولية «القصر الأخضر» لأن القصر عندهم «طاق» والأخضر «كوك» وهي خلاف اللغة التركية، فإن كوك فيها هو الأزرق. ونزول الأمراء حوله خارج قصره، قال: وأما ترتيب هذه المملكة فإن لهذا القان أميرين كبيرين هم [1] الوزراء ويسمى كل من يكون في هذه الرتبة جنكصان [2] ، ودونهما أميران آخران يسمى كل من يكون في هذه الرتبة بنجار «1» ودونهما أميران آخران يسمى كل من يكون في هذه الرتبة سمجين، ودونهما أميران آخران يسمى كل من يكون في هذه الرتبة يوجين، ورأس الكتاب ويسمى كل من يكون في هذه الرتبة كنجون «2» وهو بمنزلة كاتب السر. ويجلس القان كل يوم في صدر دار فسيحة تسمى شن «3» هي عندهم من دار العدل عندنا، ويقف حوله الأمراء المذكورون عن اليمين وعن الشمال على مقادير الرتب، ورأس الكتاب (المخطوط ص 58) المسمى لنجون في آخرهم، فإذا شكى أحد شكوى أو سأل حاجة المذكور، فيقف عليها (هو ومن معه في الرتبة) «4» ، ثم يوصلانها إلى من يليهما في الرتبة «5» ، وكذا إلى أن تصل إلى القان، ويأمر فيها بما يراه مع العدل التام، والإنصاف المفرط. قال: وهذا القان الكبير، ذو ملك كبير، وعسكر مديد، قال: والذي أعلم من أمره أن له بزدارا «6» تركب الخيل، وعساكره من المغل عشرون

_ [1] هما. [2] جنكسان: أمير يعادل درجة وزير وهي جنكساتك.

توماتا [1] وهي مائتا «1» ألف فارس، وأما من الخطا فما لا يحصى. قال: وبلاد الصين تشتمل على ألف مدينة، ورث كثيرا منها، والطريق إلى سمرقند إلى خان بالق على ما يذكر من سمرقند إلى نيلي عشرون يوما، ونيلي هي أربعة مدن، بين كل مدينة والأخرى فرسخ واحد، ولكل واحدة منها اسم يخصها، فالواحدة نيلي والأخرى نيلي بالق، والأخرى لنجك والأخرى تلان، ومن مدينة نيلي المذكورة إلى المالق عشرون يوما، ومن المالق إلى قراجواجا إلى قمحو هي أول بلاد الخطا، أربعون يوما، ومن قمحوا إلى خان بالق أربعون يوما، ثم من خان بالق إلى الخنسا [2] طريقان؛ طريق في البر، وطريق في البحر، وفي كل منهما من خان بالق إلى الخنساء أربعون يوما، وطول الخنساء [3] يوم كامل، وعرضها نصف يوم، وفي وسطها سوق واحد ممتد من أولها إلى آخرها، وكل شوارعها وأسواقها مبلطة بالبلاط، وبناؤها خمس طبقات، بعضها فوق بعض، وكلها مبنية بالأخشاب والمسامير، وشرب أهلها من الآبار، وأهلها في قشف عيش، وغالب أكلهم لحوم الجواميس والأوز «2» والدجاج، والأرز والموز وقصب السكر والليمون، وقليل رمان وهي شبيهة بمزاج مصر في حرها وهوائها، وأسعارها متوسطة، ويجلب إليها الغنم

_ [1] تومان: كتيبة من عشرة آلاف جندي وهي تعادل لقب ونشى واللقب الصيني يوان- شواي أي القائد الأكبر ولقب بخشى بزرگ كما استعمله رشيد الدين فضل الله تايشى (انظر: تركستان لبارتولد 560) . [2] الخنساء: هي كانتون الآن وهي ميناء صيني، اسماه ابن بطوطة الخنساء أو الخنسا (رحلة ابن بطوطة 420) والبحارة العرب اطلقوا عليها اسم الخنساء وحرف إلى خانسو ثم كانتون (انظر العالم الإسلامي- محمود شاكر القاهرة 1981 ص 203) . [3] انظر: وصف الخنساء وهي عاصمة الصين الجنوبية آنذاك بتاريخ وصاف المعروف بتجزية الأمصار وتزجية الأعصار لعبد الله بن فضل الله الشيرازي، وكذلك عند ابن بطوطة ص 420.

والقمح، ولكنه «1» قليل، ولا يوجد بها من الخيل إلا ما قل عند الأعيان الأكابر، وأما الجمال فلا يوجد بها شيء منها البتة، فإن دخل إليها جمل عجبوا منه. قال الشريف هلال الدين حسن السمرقندي: وأما مدينة خان بالق، فمدينة طيبة وافرة الأقوات، رخية الأسعار، ويجمد بها الماء في زمن (المخطوط ص 59) الشتاء، ويسيل إلى الصيف، فيبرد به الماء، ويشق أحد المدينتين منها، وهي مدينة ديدوانهر. وبها أنواع الفواكه إلا العنب، فإنه قليل، وليس بها نارنج ولا ليمون ولا زيتون، ويعمل بها السكر والنبات [1] مما يحمل إلينا من مدينة الزيتون، وأما ما بها من الزروع والدواب الجمال والخيل والأبقار والأغنام، فما لا يدخل في الإحصاء. قال: وبين خان بالق ومدينة الزيتون شهر واحد تقديرا، ومدينة الزيتون بندر على البحر المحيط [2] ، وهي آخر العمارة. قال: وأما مدينة قراقرم [3] فإنها مدينة جليلة، فيها غالب عساكر القان العظيم «2» ، ويعمل بها القماش المليح الفاخر والصنائع الفائقة، وغالب ما يحتاج القان إليه يستدعى منها، لأنها دار استعمال، وأهلها أهل صناعات فائقة وأعمال. قال الشريف حسن السمرقندي: وبلاد الصين كلها عمارة متصلة من بلد إلى بلد ومن قرية إلى قرية، ومعاملتهم بورق التوت، ومنها كبار ومنها صغار، فمنها ما

_ [1] يقصد به السكر النبات. [2] مدينة الزيتون على المحيط الهادىء وهي مدينة ليس بها زيتون وهي مدينة كبيرة تصنع بها ثياب الكمخا والأطلس وتعرف بالنسبة إليها، وبها مرسى كبير (رحلة ابن بطوطة 417) . [3] قرام قورم- جهانگشاي علاء الدين عطا الملك جويني ج 2/101.

يقوم في المعاملة مقام الدرهم الواحد، ومنها ما يقوم مقام درهمين، ومنها ما يقوم مقام خمسة دراهم وأكثر إلى ثلاثين وأربعين وخمسين ومائة، وهو يؤخذ من لحاء شجر التوت اللين، ويختم باسم القان، وتجري به المعاملات، (فإذا عتق) «1» ، واضمحل، حمل إلى الخزانة، وأعطى عوضه مع غرم قليل [1] . قال لي الشريف السمرقندي: ومن عجائب ما رأيت في مملكة هذا القان الكبير، أنه رجل كافر، وفي رعاياه من المسلمين أمم كثيرة، وهم عنده مكرمون محترمون، ومتى قتل أحد من الكفار مسلما، قتل الكافر القاتل، هو وأهل بيته، وتنهب أموالهم، وإن قتل مسلم كافرا، لا يقتل وإنما يطلب بالدية، ودية الكافر عندهم حمار، لا يطلب غير ذلك. وسألته عن أهل الصين، وما يحكى عنهم من رزانة العقل، وإتقان الأعمال، فقال: هم أكثر مما يقال، وكنا جماعة بحضرة سيدنا وشيخنا مزيد الدهر وارث العلم والحكمة شمس الدين (المخطوط ص 60) أبي الثناء محمود الأصفهاني فقال الشريف السمرقندي: أنا أحكي لكم ما جرى لي: كنت أشكو ضرسا في فمي، فرآني بعض من كنت ألغت به في بلاد الصين، وأنا أتألم لشدة الضربان، فسألني عما بي، فشكوت إليه وجع ضرس، فاستدعى [2] شخصا حطابا قصير القامة، فقال له: أبصر حال هذا المسكين، فنظر في فمي وبقى يقلب أضراس بيده هنيهة، ثم أخرج ضرس الواحد ونصف الآخر، ولم أشعر لهما بألم، ثم أخرج من خريطة له، كانت معه أضراسا كانت كوامل وأنصافا وأثلاثا وأرباعا معدة عنده لوضعها في مواضع ما يقلع، ثم لم يزل يقيس مواضع ما قلع لي حتى وضع موضعها من تلك

_ [1] انظر: المخطوط ص 156 به نفس المعلومة وانظر رحلة ابن بطوطة ص 415. [2] وردت بالمخطوط فأسند لها.

الأضراس، ثم ذر عليها ذرورا، ودهنها بدهن، التأمت به لوقتها، وأمرني أن لا أشرب عليها الماء يومي كله، ففعلت كأني ما قلعت شيئا، وأراني «1» أضراسه، فوجدناها كأحسن ما يكون فلا أن المستجدين «2» ظاهر عليها أنه ليسوا «3» من نوع البقية والضرس المشعوب، يظهر أن نصف الشعب من غير النصف الأول. وحدثني الفاضل نظام الدين علي بن الحكيم أن لأهل هذه البلاد عقولا راجحة وأعمالا دقيقة وهم يقولون الفرنج «4» عور وباقي الناس عمى يعني أن صنائعهم صناعة يصير لعين وباقي الناس صناعتهم صناعة من هو أعمى ما يبصر ما يعمل وحكى لي من أحوال هؤلاء القوم ما ينبئ عن عقول جمة وترتيب حسن وفقهته [1] في الأمور «5» . فمما يحكى عنهم أن في مدن الخطا مطابخ يطبخ فيها الأطعمة الفائقة والمشروب اللذيذ مما لا يوصف حسنه أن يقدم منه إلى الملوك معدة لمن يشتري منه من الأكابر حتى أن أحدهم إذا اهتم لضيافة كبير بعث إلى صاحب المطبخ من تلك المطابخ وقال له عندي ضيف وأريد له ضيافة بكذا في وقت كذا فإذا كان ذلك الوقت حمل إليه ما يناسب ارادته وشرطه من بدائع المأكول والمشروب كل شيء في وقته إن كان المضيف ماله مكان يصلح للضيافة أعد له صاحب المطبخ مكانا بكل ما يحتاج إليه من البسط والفرش والآلات والغلمان على قدر ما حده له المضيف من القيمة حسب صاحب المطبخ حساب مكسبه من كان ذلك عن أجرته والمطبخ

_ [1] فهقنه: أي دراية وعلم من فقه ويفقه.

والدار والفرش وكلفة الطعام والشراب واتمام كل شيء بحسابه بقانون متفق لا يزيد ولا ينقص من غير أن يحصل على المضيف تفريط ولا خيانة في شيء مما قل أو جل قلت وحدثني الشريف الفاضل أبو الحسن الكربلائي التاجر رحمه الله وكان قد اجتمع بقان هذه البلاد وكثير من ملوك الأرض مما شاهده من عظمة سلطان هذه السلطان وطاعة رعاياه له وأمنهم في دولته وقال لي أن لهذا القان أربعة وزراء يصدرون الأمر في مملكته كلها ولا يراجع القان إلا في القليل النادر ووصف لي أنه إذا أراد الركوب أنه لا يركب إلا في محقة لا يظهر للناس إلا في يوم واحد وهو مثل يوم مولده من كل سنة فإنه يركب فرسا ويخرج إلى الصحراء ويعمل بها الأطعمة والسماطات ما يغمر الناس ويكون مثل يوم العيد عندهم وحدثني الصدر بدر الدين عبد الوهاب بن الحداد البغدادي التاجر أنه وصل إلى الخنساء ووصف عظمة بنائها وسعة رقعة مدينتها مع تشكط الأقوات بها ووفور المكاسب فيها ورخص الرقيق الجيد فيها، ومن كل تلك البلاد قال وأهلها يتفاخرون بكثرة الجواري والسراري حتى أنه ليوجد لأحد التجار وآحاد الناس أربعون سرية فما زاد على ذلك قلت وكل ما ذكرناه في هذا هو على سبيل الاستطراد لبسط المقصود أن هذا القان هو أكبر الملوك الجنكيز خانيه الأربعة.

الفصل الثالث في التورانيين وهم فرقتان

الفصل الثالث في التورانيين وهم فرقتان

(المخطوط ص 62) الفرقة الأولى: فيما وراء النهر، الفرقة الثانية: في خوارزم والقبجاق «1» . الفرقة الأولى فيما وراء النهر وما قبلها وما بعدها «2» من ممالك تركستان، هي من أجل الممالك، وأشهرها، والنهر المشتهر لهم هو جيحون [1] ، وهو النهر الذي ينبع من ونج [2] حتى يصب في بحيرة خوارزم [3] وهي ممالك طائرة السمعة، طائلة البقعة، أسرة ملوك وأفق علماء ودارة أكابر، ومقعد ألوية وبنود [4] ومجرى سوابق وجنود، كانت بها سلطنة الخانية [5] وآل سامان [6] وبني سبكتكين [7]

_ [1] نهر جيحون ببلاد ما وراء النهر ويعرف في الفارسية بآمودريا والاسم الآري القديم له فخشوا أو وكشو وأحد روافده الآن وخش وعرف عند العرب تجربات (تركستان 146) . [2] ونج وهي ونه وهي ببلاد ما وراء النهر (انظر: ياقوت الحموي 4/931) . [3] بحيرة خوارزم هي بحيرة آرال في الوقت الحاضر ويصب بها نهري سيحون وجيحون. [4] بنود جمع مفرده بند، والعبد هو العلم الكبير (المعجم الوسيط إبراهيم مصطفى وآخرون القاهرة 1972 ج 1/73- انظر: كتابي الدخيل في لهجة أهل الخليج 23) . [5] يقصد خانية خوارزم، والخانية هو إقليم أو منطقة وخوارزم أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها، لها الأسواق المليحة والشوارع الفسيحة والعمارة الكبيرة والمحاسن الأثيرة (رحلة ابن بطوطة 239) . [6] آل سامان: هم أولاد سامان المنسوب إلى بهرام جوبين، وكان أسد بن سامان في خدمة غسان بن عباد وإلى خراسان فأكرمه وأنعم على أولاده وجعلهم ولاة على سمرقند وفرغانة واشروسنه وهرات، وقد استقلوا فيما بعد وأسسوا دولة آل سامان التي تكونت على يد إسماعيل الساماني سنة 279 هـ واستمرت حتى قضى عليها محمود الغزنوي أواخر القرن الرابع الهجري (انظر: روضة الصفا لميرخواند ترجمة د. أحمد الشاذلي القاهرة 1988 ص 79 وما بعدها- زين الأخبار گرديزى ترجمة د. عفاف زيدان ص 19) . [7] بنو سبكتكين: هم أولاد ناصر الدين سبكتكين، كان علاما تركيا وليتّكين صاحب خراسان في عهد منصور بن نوح الساماني، ولما مات اليتكين وابنه إسحاق استقل سبكتكين بحكم غزنة سنة 366 هـ وأسس الدولة الغزنوية (انظر: روضة الصفا النسخة الفارسية 4/28- النسخة العربية 129- ابن الأثير 7/86- ابن كثير 11/286) .

والغورية [1] ومن أفقها بزغت شمس آل سلجوق [2] وامتدت في الإشراق والشروق، وغير هذه الدول مما طم سيول هذه الممالك على قربها. فأما قبل انتقالها إلى الإسلام فكانت في ملوك الترك لا تروم، ولا ترام، ولا تشق لها سهام، خيم بها الإسلام، وجازت ملكها هذه الأمة، برقت بالإيمان أسرتها، وتطرزت بالجوامع والمساجد قراها، ثم بنيت بها المدارس والخوانق والربط والزوايا، وأجرى الوقف عليها، وكثر من العلماء أهلها، وسارت لهم التصانيف المشهورة في أهل البحث والنظر، ولبخاري [3] من هذه المزايا الفاضلة أوفر الأقسام، ولم يعد علم الفقه والبحث والنظر، ولبخاري [3] من هذه المزايا الفاضلة أوفر الأقسام، ولم يعدّ علم الفقه هذه الأفاق مشرقا، ولم يعد علم هذه الأرض محققا، وما يقال في مملكة من بلادها بخاري وسمرقند [4] ، وترمذ [5] ، وخجند [6] ،

_ [1] الغوريون: هم أهل بلاد الغور، حارب قائدهم محمد بن سوري محمود الغزنوي وذكر صاحب طبقات ناصري أنهم أسلموا في عهد خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ونقصه ذلك القول العتبي في تاريخ يميني، وقد أسس الغوريون دولة واتخذوا من غزنة عاصمة لها (انظر: روضة الصفا- الترجمة العربية للمحقق 141- طبقات أكبرى ترجمة المحقق 1/23 تاريخ گزيده 5/ر 4 [2] آل سلجوق: ظهر السلاجقة في بلاد ما وراء النهر واستولوا على خراسان بقيادة طغرل بيگ السلجوقي وحاربوا مسعود الغزنوي حتى طرده خارج خراسان وغزنة وأسسوا دولة السلاجقة. [3] بخارى: قاعدة ما وراء نهر جيحون، ينسب إليها إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، خربها اللعين تنكيز خان (رحلة ابن بطوطة 244- مراصد الاطلاع 1/169) ما زالت بخارى قائمة الآن في جمهورية أزبكستان. [4] سمرقند: من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالا، مبنية على شاطىء واد يعرف بوادي القصارين عليها النواعير (رحلة ابن بطوطة 251) مدينة ما زالت قائمة في جمهورية أزبكستان، بلد معروف مشهور بما وراء النهر (مراصد الاطلاع 1/736) . [5] ترمذ: مدينة كبيرة حسنة العمارة والأسواق، تخترقها الأنهار بها البساتين الكثيرة (رحلة ابن بطوطة 252) . [6] خجند هي خجنده من أعمال فرغانة ثم صارت في القرن العاشر الهجري وحدة إدارية قائمة بذاتها، ومدينة خجند من كبريات مدن ما وراء النهر بها قلعة وشهرستان وريصة (الاصطخري 333- ابن حوقل 394- 395- الطبري 2/1439) .

والمالق [1] وغزنة [2] وأخوات هذه الأمهات، وأخبارها مشهورة، وآثارها مشهودة، ومن نظر من كتب التواريخ رأى مثل عين المتوشم من أحوال هذه البلاد، ومن فيها، وهي وافقة في «1» (الرابع ونادر منه في الثالث أو تمايل إلى الخامس، ولا يكاد يبلغه) «2» من أوسط المعمورة، وأوسع الأرض إذا قيل أنها أخصب بلاد الله، وأكثر ماء ومرعى، لم نعد القائل الحق في أوصافها ذات الأنهار السارحة والمروج الممتدة، كأنما نشرت الحلل على آفاقها، أو كسرت الحلى على حصبائها، وهذه المملكة طولها من ماء السند إلى ماء ايلا (المخطوط ص 63) المسمى قراخوجا وهو يلى بر الخطا، وعرضها من ونج، وهو منبع ماء جيحون إلى حدود كركانج [3] ما عدا خوارزم، وحدها من الجنوب جبال البتم [4] ، وماء السند الفاصل بينها وبين السند، ومن الشرق أوائل بلاد الخطا على خيلام وكلسكان وما هو على سمت ذلك من الشمال مراعي بارات «3» وخجند وبعض خراسان إلى بحيرة خوارزم، ومن الغرب بعض خراسان إلى خوارزم إلى مجرى النهر آخذا إلى الختل [5] .

_ [1] المالق: الماليق أو الماليغ: مدينة كانت تقع بالقرب من مدينة كولجه الحالية على شاطىء نهر أيلي الذي يصب في بحيرة بلكاشن (انظر: حاشية بلوشيه على جامع التواريخ 410- 411) . [2] غزنة: هي غزني وغزنين، بلد محمود الغزنوي، شديدة البرد (رحلة ابن بطوطة 261) وهي قاعدة ملك محمود الغزنوي، وتقع الآن في أفغانستان. [3] كركانج: هي جرجانية حاضرة أمراء المأمونية في خوارزم، وهي گرگانج (تركستان 248- 250- فرهنگ أدبيات فارسي 26) وأطلق العرب عليها جرجانية وأطلق عليها المغول أرگينج (المقدسي 288- 289) . [4] البتم مرتفعات وجبال ينبع منها نهر زرفشان وهي أيضا تأتي بتمان (تركستان 168) . [5] الختل: مقاطعة واقعة بين نهري ينج ووخش وهي تسمى ختل وختلان، وأهم نواحيها وادي نهر كجي سرخاب (تركستان 151) .

ومن بلاد هذه المملكة فرغانة [1] والشاش [2] واستيجاب [3] وأسروشنه (آه) [4] «1» وبلاد الختل، وفيها طرف من السند من غزنة إلى جنوبها وأقاليم هذه المملكة واقعة فيها على ما يذكر، وبلاد الختل آخذة على جانب جبال اليتم مغربا بشمال، ويليها الصعورانات في الشمال، ثم تزيد إلى ما يتاخم خوارزم وبلاد فرغانة، آخذة على جانب جبال اليتم شرقا بشمال ويليها بلاد السابون في الشمال ثم الشاش وأعمالها إلى حائط عبد الله بن حميد المعروف بحائط القلاص في خارجه بلاد استيجاب في الشمال بشرق «2» . وبلاد الغزنة ممتدة في نهاية الشمال من أطراف بحيرة خوارزم في الغرب إلى بلاد استيجاب في الشرق ومراعي باران، وخجند داخل بلاد الغزنة، بينها وبين حائط القلاص، وبلاد أشروسنة في الوسط على نهاية الأنهار النازلة من جبال اليتم من جهة المشرق. وأما أكابر مدنها المشهورة وهي القواعد العظام والأمهات الكبار، فإقليم غزنة وإقليم ما وراء النهر وهو بخاري وسمرقند وخجنده وترمذ، وإقليم الشاش وهو الشاش. ومغالاق، وإقليم فرغانة، وهو بدغينان [5] ورباط سرهنك وايدكان وأوش

_ [1] فرغانة: مدينة عامرة في بلاد ما وراء النهر، ما زالت حتى الآن تابعة لجمهورية أزبكستان- (انظر: وصف فرغانة عند بارتولد 272 وما بعدها) . [2] الشاش هي جاج من أعمال أشروسنة، وهي ناحية من نواحي ما وراء نهر سيحون متاخمة لبلاد الترك وهي أكبر ثغر كان في وجه الترك وجاج هي طشقند الحالية (انظر آثار البلاد 548- تاريخ بخارى لغامبري ترجمة د. أحمد الساداتي 94) انظر الخريطة المرفقة. [3] استيجاب هي اسفيجاب أو اسبيجاب وهي قرب الشاش من بلاد فرغانة- معجم البلدان 4/1014) انظر الخريطة المرفقة. [4] اسروشنة: من قصبات ما وراء النهر من أعمال بخاري (آثار البلاد 540) (انظر الخريطة المرفقة) . [5] مرغينان: وهي أهم مدن القرا خانيين ومن أشهر نواحي فرغانة (ياقوت المعجم 4/500) .

وإقليم تركستان شهر كند وجند وفارجند ووأطرار [1] وشبرم وجكل وجاص كن وبرساكن وامزدابان ونيلي وكنجك وطران، وهو المسمى بلاس، ونيكي كن وسيكول والمالق وبيش مالق وحبوك وقرشي وختن وكاشغر وبدخشان ودراوران. (المخطوط ص 64) ودرّه وبلاصاغون، كل واحدة ذات مدن وأعمال ورساتق [2] وقرى وضياع، مأوى الأتراك، وغيل أسودهم وجو عقبانهم. وقرشي قاعدة الملك بها الآن وهي علي نهر قراخوجا في نهاية الحد، ثم بخاري ثم سمرقند ثم غزنة وإن كانت بخاري مما لا تسير إليها ركابهم ولا ترسى عليها خيامهم، ولكن «1» لعظمة مكانها، وسالف سلطاتها، وسيأتي ذكر هذه القواعد في مواضعها. ولم يسلم ملوك هذه المملكة إلا من عهد قريب فيما بعد خمس وعشرين وسبعمائة [3] ، أول من أسلم منهم ترماشيرين [4] رحمه الله، وأخلص لله وأيد الإسلام [5] ، وقام به أشد القيام وأمر به أمراءه وعساكره فمنهم من كان قد سبق إسلامه، ومنهم من أجاب داعيه، وأسلم، وفشا فيهم الإسلام، وعلا عليهم لواؤه، حتى لم تمض عشرة أعوام حتى اشتمل فيها بملأته الخاص والعام، وأعان على هذا ما

_ [1] أطرار وهي أترار: مدينة من بلاد الترك آخر ولاية خوارزمشاه قتل حاكمها جماعة من التجار المغول سنة 617 هـ، وكان هذا سببا في غزو المغول للمسلمين (ابن الأثير 12/361- 362) . [2] رساتق جمع مفرده رستاق وهي القرية (فرهنگ رازي 408) . [3] علاء الدين طرمشيرين (ترماشيرين) سلطان ما وراء النهر ولى الملك بعد أخيه وكان أخوه كافرا ويدعى الجكطي كما كان أخوه الملك الأسبق كبگ كافرا وقد أسلم طرمشرين، وملك بلادا واسعة (انظر: رحلة ابن بطوطة 246- 248) . [4] ورد بالمخطوط برماسيرين. [5] اسخط ترماشيرين المغول عليه بسبب ميله إلى الإسلام والحضارة الإسلامية، ولم يراع الياساق (تركستان 131) .

في تلك الممالك من الأئمة العلماء والمشايخ الأتقياء، فاغتنموا من الترك فرصة الإذعان، فعاجلوهم بدعوة الإيمان، وهم الآن على ما اشتهر عندنا، واستفاض، أحرص الناس على دين «1» ، وأوقفهم عن الشبهات بين الحلال والحرام، وعساكرهم هم أهل النجدة والبأس، لا يجحد هذا من طوائف الترك جاحد، ولا يخالف فيه مخالف [1] . حدثني خواجا مجد الدين إسماعيل السلامي قال: إذا قيل في بيت هولاكو أن العساكر قد تحركت من باب الحديد [2] يعني من بلاد خوارزم، والقبجاق لا يحمل أحد منهم لم هما، فإذا قيل أن العساكر تحركت من خراسان يعني من جهة هؤلاء السقط «2» ، لأن هؤلاء أقوى ناصرا، وأولئك أكثر عددا، لأنه يقال أن واحدا من هؤلاء بمائة من أولئك «3» . وقال: ولهذا خراسان عندهم ثغر عظيم لا يهمل سداده، ولا يزال فيه من يستحق ميراث التخت أو من يقوم مقامه لما وقر لهؤلاء في صدورهم من مهابة لا يقلقل طودها، فإنهم طال ما يلوهم في الحروب، وابتلوا بهم فيها. وحدثني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم ما معناه أن بلاد هؤلاء متصلة (المخطوط ص 65) بخراسان متداخلة بعضها ببعض، لا يفصل بينهما بحر ولا نهر ولا جبل «4» ولا شيء مما يمنع أهل هذه البلاد عن قصد خراسان، وبينهما وبين خراسان أنهار جارية ومراع متصلة، فإذا أرادوا خراسان تنقلوا في المرعى

_ [1] انظر: رحلة ابن بطوطة ص 248. [2] باب الحديد باب في بخارى (تركستان 197) وباب في كش من بلاد الصفد (تركستان 238) .

واستدرجوا استدراجا لا يبين ولا يظهر أنه لقصد بلاد بل للتوسع في المرعى، فلا يشعر بهم إلا وهم بخراسان، حتى إذا صاروا فيها، جاسوا بها خلال الديار، وعاثوا فيا عبث الذئاب، وهم مع سيرهم المجد من بلادهم إلى خراسان لا مشقة عليهم ولا على دوابهم، لأنهم من ماء إلى ماء، ومن مرعى إلى مرعى. قال ابن الحكيم: ولهذا يخاف ملوكنا عادية هؤلاء لأنهم لا يعلمون بهم إلا وهم معهم. قلت: ومن هذه البلاد نجم الدولة السلجوقية [1] في عهد السلطان مسعود السبكتكين [2] «1» ، ما بزغ كوكبهم ثم استعلى نيرهم ونبع معيتهم، ثم فاضت أبحرهم، وكان الاحتجاج بالتنقل في المرعى هو السبب لجر الملك إليهم حتى اشتهر من أعلامهم، وانتشرت أيامهم على ما هو مرقوم في صدر السير وصفحات التواريخ. ولم يزل لأهل هذه (المملكتين (قديمة) «2» وكان سكان الهند لا يلزمون مقاومتهم، ولا يتقون إلا بصدور الأفيال مصادمتهم، حتى علت والحمد لله بالهند دولة الإسلام، وزادت اليوم بلسطانها القائم علوا، وتناهت غلوا، فنامت عيون أهل هذه البلاد لهيبة ذلك السلطان لعدم هجوده، وسكتت ثعالبهم المخاتلة بزئير أسوده، ولقد كان أهل هذه المملكة لا تزال تجوس أطراف الهند خيولهم، وتحتجف به الأموال والأولاد سيوفهم، حتى نشأ بالهند سلطانه الآن، وشمر للحرب ذيله،

_ [1] دولة السلاجقة. [2] مسعود بن محمود الغزنوي حكم سنة 422 هـ بعد حبس أخيه محمد، ولم يستطع أن يواجه السلاجقة والغوريين ففر ألى الهند ولكنه قتل على يد جماعة من أتباع ابن أخيه أحمد (روضة الصفا 160- 164) .

وجاهد الأعداء في كل قطر، واختلفت كلمة أهل هذه البلاد على ملوكها، فانكفوا لبأس ذلك السلطان، واختلاف ذات البين، وكان ملوك هذه المملكة من أولاد جنكيز خان، وأتباعهم من المحافظة على ياسة «1» جنكيز خان، والتعبدات المعهودة (المخطوط ص 66) . من أهل هذا البيت من تعظيم الشمس، والميل إلى آراء البخشية [1] ، تابعين لما وجدوا عليه آباءهم، يعضون عليه بالنواجذ، مثل تمسك القان الكبير، ومن إلى مملكته بها، بخلاف الفخذين الآخرين ببلاد خوارزم والقبجاق، وأهل مملكة إيران، وإن كان الملوك الأربعة من أولاد جنكيز خان، ومن تبعته تبعوا، ومن أفقه طلعوا، لكن «2» بهذه المملكة والخطا، أشد بياسته تمسكا، ولطريقته إتباعا، وهما مع هذا أعدل بني أبيهما حكما وأنشرهما له في بلادهما ورعاياهما. وقد قدمنا التنبيه على أن رعايا هذه المملكة وقرارية أهلها من قدما الإسلام السابقين إليه، وكانوا مع كفر [2] ملوكهم في جانب ألا تزان «3» ، لا تتطرف إليهم أذيه في دين ولا حال ولا مال، فلما آل الملك إلي ترماشيرين [3] كما ذكرنا، دان بالإسلام، وأظهره في بلاده، ونشر في خانقى ملكه، واتبع الأحكام الشرعية،

_ [1] البخشية: كانت ديانة المغول الشامانية وهي عبادة الخان الأعظم ابن الإله المعبود (فتوحات هولاكو 5- 6) ولفظ بخشى من السنسكريتيت Bhikkshu وهو لقب يطلق في الأصل على الرهبان البوذيين (تركستان 555) . [2] وردت بالمخطوط كفرهم. [3] وهو السلطان المعظم علاء الدين طرمشيرين (ابن بطوطة 246) وهو ترمشيرين بن دوا بن براق بن آسن دوا بن موتكن بن جغتاي بن جنكيز خان حكم خانية جغتاي ما بين سنة 1326- 1334 م.

واقتدى بها، وأكرم التجار الواردين عليه من كل صوب، وكانت قبله الطرقات لا تفتح لتجار مصر والشام إليها، ولا يهم مضطرب «1» في الأرض منهم بالمرور عليها، فلما ملك ترماشيرين، كثر قصد التجار له، وعادوا شاكرين منه، حتى صارت بلاده لهم «2» طريقا قاصدا، ومنهجا مسلوكا [1] . حدثني الصدر بدر الدين حسن الأسعردي التاجر بما كان ترماشيرين يعامل به التجار والواردين عليه من الإكرام ومزيد الإحسان، وأخذ قلوبهم بكل إمكان. قال صاحب كتاب صفة أشكال الأرض ومقدارها [2] ، ما وراء النهر من أحضب الأقاليم منزلة، وأنزهها، وأكثرها خيرا، وأهلها يرجعون إلى رغبة في الخير، واستجابة لمن دعاهم إليه مع قلة غائله، وسلامة ناحية وسماحة بما ملك أيديهم، مع شدة شوكة ومنعة وبأس ونجدة وعدة وعدة وآلة وكراع وبسالة وعلم وصلاح. فأما الخصب فليس من إقليم ألا يقحط أهله مرارا قبل أن يقحط ما وراء النهر (المخطوط ص 67) من واحدة ثم أن أحسوا ببرد أو بحراد أو بآفة تأتي على زروعهم وغلاتهم، ففي فضل ما يسلم في عروض بلادهم، ما يقوم بأودهم حتى يستغنوا به عن شيء، ينقل إليهم من غير بلدهم، وليس بما وراء النهر مكان يخلو من مدن أو قرى أو مراع لسوائمهم [3] ، وليس بشيء لا بد للناس إلا وعندهم منه ما يقيم به أودهم، ويفضل عنهم لغيرهم. فأما طعامهم في السعة والكثرة فعلى ما ذكرناه، وأما مياههم فإنها أعذب المياه وأبردها وأخفها، قد عمت جبالها وضواحيها ومدنها إلى التمكن من الجمد في

_ [1] انظر: رحلة ابن بطوطة ص 246- 248. [2] كتاب صفة أشكال الأرض ومقدارها. [3] السوائم مفردها سائمة وهي كل إبل أو ماشية ترسل للرعي ولا تعلف (المعجم الوسيط 1/483) .

جميع أقطارها، والثلوج من جميع نواحيها، وأما الدواب ففيها من النتاج ما فيه كفايتهم، ولهم من نتاج الغنم الكثير، والسائمة المفرطة، وكذلك الملبوس فإن لهم من الصوف والقز [1] وطرائف البز [2] ، وببلادهم من المعادن وخصوصا الزئبق الذي لا يقاربه في الغزارة والكثرة معدن، وأمّا فواكههم فإنك إذا توطنت [3] السغد وأسروشنه [4] وفرغانة والشاش، رأيت في فواكههم ما يزيد على سائر الآفاق، حتى ترعاها دوابهم، ويجلب إليها من محاسن الأشياء، وطرف البلاد ما يتنافس الملوك فيه. وأما سماحتهم فإن الناس في ما وراء النهر كأنهم في دار واحدة، ما ينزل أحد بأحد إلا كأنه رجل دخل دار نفسه، لا يجد المضيف من طارق يطرقه كراهية، بل يستفرغ جهده في إقامة أوده، من غير معرفة تقدمت، ولا توقع لمكافأة بل اعتقاد السماحة بأموالهم، وهم في كل امرئ [5] على قدره فيما ملكت يده، وحسبك أنك لا ترى صاحب ضيعة يستقل بمئونته إلا كانت همته اقتناء قصر فسيح، ومنزل للأضياف، فتراه نهاره في إعداد ما يصلح لمن يطرقه، وهو متشوق إلى وارد عليه ليكرمه، فإذا حل بأهل ناحية طارق، تنافسوا فيه، وهم فيما بينهم يتبارون في مثل هذا الشأن، حتى يجحف بأموالهم، كما يتبارى سائر الناس في الجمع والمكاثرة والمال. قال: ولقد شهدت (المخطوط ص 68) آثار منزل بالصغد [6] ، قد ضربت الأوتاد على باب داره بخيول الضيفان، أن ما بها مكث لا يغلق ما يزيد على مائة

_ [1] القز وهو الخز ويعني الحرير الخام. [2] البزّ: نوع من الثياب (المعجم الوسيط 1/56) . [3] وردت بالمخطوط تبطنت. [4] وردت بالمخطوط أسروشة. [5] وردت بالمخطوط أمرء. [6] ترد بالسين والصاد- السغد والصغد من بلاد ما وراء النهر (انظر: الخرائط المرفقة) .

سنة: لا يمنع من نزولها طارق، وربما نزل به ليلا على بغتة المائة والمائتان والأكثر من الناس بدوابهم وحشمهم، فيجدون من طعامهم ودثارهم وعلف دوابهم ما يكفيهم، من غير أن يتكلف صاحب المنزل أمرا بذلك، أو يتجشم عبئا، لدوامه مع البشاشة بأضيافه لعلم سروره بهم كل من شهده. قال: وترى الغالب على أهل المال والثروة صرف أموالهم على خاصة أنفسهم في الملاهي، وما لا يرضى الله تعالى، والمنافسات فيما بينهم، والغالب على أهل الثروة والمال في ما وراء النهر صرف أموالهم في عمل المدارس وبناء الرباطات وعمارة الطرق والأوقاف على سبيل الجهاد ووجوه الخير وعقد القناطر إلا القليل من ذوي البطالة، وليس من بلد ولا سبيل مطروق ولا قرية آهلة إلا وفيها من الرباطات [1] ما يفضل عمن ينزل به. قال: وبلغني أن بما وراء النهر زيادة على عشرة آلاف رباط في كثير منها، إذا نزل النازل أطعم وعلق على دابته. قال: وقلّ ما رأيت خانا [2] أو طرف سكة أو محلة أو مجمع ناس بسمرقند في المدينة وظهرها إلا وبه ماء مسبل بجمد. قال: وحدثني من له خبرة أن بسمرقند وظواهرها ما يزيد على ألفي مكان يسقى فيها ماء الجمد مسبل عليه الوقوف، من بين سقاية مبنية وجباب نحاس منصوبة وقلال خزف مثبتة في الحيطان [3] . وأما بأسهم فمشهور مستفيض، وفي بعض الأخبار أن المعتصم سأل عبد الله [4]

_ [1] مفرده رباط وهو ملجأ الفقراء من المتصوفة (المعجم الوسيط 1/335) . [2] الخان مكان فسيح خاص لنزول التجار، وهو مكون من طابقين، طابق لنزول الدواب والثاني لإقامة التجار (انظر: فرهنگ رازي 260) والخان: الفندق (المعجم الوسيط 1/272) . [3] وردت بالمخطوط الحيطا. [4] عبد الله بن طاهر بن الحسين، تولى أمر خراسان لمدة سبع عشرة سنة كان كاتبا وأديبا وقائدا مشهورا، كان-

أو كتب إليه يسأله عن من يمكنه حشده من خراسان وما وراء النهر، فأنفذ إلى نوح ابن أسد بن سامان [1] فكتب إليه أن ثم ثلاثمائة ألف قرية، إذا خرج من كل قرية فارس وراجل لم يتبين أهلها فقدهم. قلت: ولقد حدثني الصدر مجد الملك يوسف بن زاذان (المخطوط ص 69) البخاري أنه يوجد عند آحاد العامة من عشرين دابة إلى خمسمائة دابة، لا كلفة عليه في اقتنائها لكثرة الماء والمرعى. قال: وهم أهل طاعة لسلاطينهم، وانقياد لأمرائهم حتى أن المتولى لأمورهم يتصرف في أموالهم وأمورهم وسائر أحوالهم تصرف المالك في ملكه، والمستحق في حقه، متبسطا في ذلك، مادا يده لا هو يتحشى، ولا صاحب المال والحال يتشكى، كلاهما طيب القلب، قرير العين، راض بصاحبه. وحدثني الشريف السمرقندي أن أهل هذه البلاد في الغالب، لهم بواعث هم على طلب العلم، والمظاهرة على الحق والمضاهاة في الخلال الحميدة، إلا من قل وقليل ما هم. وقد ذكر علي بن مشرف [2] في كتاب ألفه باسم الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل [3] ، ذكر فيه ما وراء النهر فقال: وهي في الدنيا أنموذج الجنة في

_ - عادلا وكريما، له أشعار بالعربية (انظر روضة الصفا 50- زبن الأخبار گرديزي 14- مروج الذهب للمسعودي 4/200- ابن الأثير 9/8- ابن كثير 1/35) . [1] نوح بن أسد بن سامان: تولى أمر سمرقند من قبل والي ما وراء النهر غسان بن عباد، وهو أحد أبناء أسد بن سامان مؤسس الدولة السامانية (روضة الصفا ص 79- 80) . [2] علي بن مشرف: هو علاء الدين أبو الحسن علي بن مشرف المارد بني الشافعي الأديب، كان في حدود سنة 620 هـ، له إثبات الدليل في صفات الخليل وهو ديوان شعر (انظر: هدية العارفين 1/705) . [3] بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل في عهد أرسلان شاه بن مسعود ثم في عهد ولده القاهر، ولما توفي القاهر سنة 615 هـ، انفرد بالسلطة ودام حكمه ثلاثة وأربعين عاما، وقد صالح هولاكو، ودخل في طاعته وحمل إليه الأموال في بغداد، توفي سنة 656 هـ (انظر: أبو الفداء 3/198- تاريخ ابن خلدون 5/1151- دائرة المعارف البستاني 5/241- 243) .

الآخرة، لا يحمل المسافر فيها ماء ولا زادا، ولا يحتاج رفيقا، ولا يستشكل طريقا مكان فاتك وناسك، ورد إليها قفل تجار [1] مات منهم واحد، له بضائع جليلة، وأموال كثر، ولم يكن ثم له وارث، فاحتاط نواب الديوان على ماله، وبلغ هذا سلطان الناحية، فأنكر غاية الإنكار، فقال: ما لنا نحن ولأموال التجار، ومعه رفاق هم أعلم بحاله، فإن كان له وارث بلغوه أمانتهم من ميراثهم، وإلا فهم أحق برفيقهم، وأولى بماله، ثم طلب التجار، وأمرهم بتسليمه، فامتنعوا، وقالوا: هذا رجل لا وارث له منا، ولا في بلده، ولا نعرف له وارثا بالجملة، ولا نعلم (من) [2] يرثه إلا بيت المال، وتجارته تقارب ثمانمائة ألف درهم، وقد مات منا، وأنتم أحق به، فغضب، وقال: لا والله نحن ما نأخذ إلا ميراث من مات من بلادنا، ولا وارث له، وأما هذا فملك بلاده، وأحق بميراثه، خذوا المال، فاحملوه إليه، قال: فأخذوه معهم إلى توريز [3] ، وأعطوه لصاحبها، لأن الرجل كان منها. ورأيت في كتاب آخر سماه مؤلفه تفضيل الرحلة ألفه لبدر الدين لؤلؤ أيضا، ولم يسم مؤلفه نفسه، قال: (المخطوط ص 70) ، وعبرنا [4] في طريقنا إلى خان بالق ببلاد كثيرة، أجلها ما وراء النهر، وهي مما تنفذ العبارة دونها ما شئت من حسن وإحسان وحور وولدان وفاكهة صنوان وغير صنوان [5] وماء- كما قال- عن برد إحسان ملك كبير، وخير كثير، وأقوام لهم يلذ العيش ويليق عند ثباتهم الطيش، قوم كرام لا يخف لهم أطواد أحلام، ومن بلادهم معادن أشرفها الرجال،

_ [1] قفل تجار: أي قافلة تجار. [2] ما بين القوسين للمحقق. [3] يقصد تبريز: وقد ذكرها توريز في مواضع كثيرة كما فعل أمثاله من المؤرخين العرب. [4] وردت بالمخطوط وعبر. [5] إشارة إلى قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد: الآية 4] .

ومنها اللعل الأحمر واللازورد الأزرق، وما هو من هذه الأمثال. قلت: وبالغ في وصفها وهي كذلك، وأما ما أشار إليه من المعادن فيها فهو بدخشان، وهي مع مملكة ما وراء النهر، وليس حقيقة منه، ولا من تركستان، بل هو إقليم قائم بذاته [1] معدود للمحاورة مع أخواته، قد حوى كل بديع من حيواته، ومعدته، ونباته. قلت: وبلغني ممن أثق به منهم أن من يسق [2] ملوكهم أنه إذا راح من عساكرهم ألف فارس إلى مكان وقتل منهم تسعمائة تسعة وتسعون فارسا، وسلم ذلك الفارس الواحد، قتل ذلك الواحد لكونه لم يقتل مع البقية، اللهم إلا أن حصل النصر لمن سلم. وملوك هذه المملكة من بني جنكيز خان، وقد قدمنا القول أن أحوال بني جنكيز خان متقاربة في ممالكهم، لمشيهم على ياسة جنكيز خان، ولا تكاد تمتاز أهل مملكة من ممالكهم عن الآخرين إلا فيما قل. ومعاملة ممالك قسمي إيران هؤلاء، وأهل خوارزم، والقبجاق ومعظم إيران بالدينار الرائج وهو ستة دراهم، وفي بعض هذه بالخراساني وهو أربعة دراهم، ودراهم أهل هذه المملكة خاصة من فضة خالصة غير مغشوشة، فهي وإن قل وزنها عن الدرهم معاملة مصر والشام فإنها تجوز مثل جوازها لخلوص هذه الدراهم وغش تلك، لأن ثم أن تلك الدراهم نوعان؛ درهم بثمانية فلوس ودرهم بأربعة فلوس، ويوجد بهذه المملكة من الحبوب القمح والشعير، والحمص والأرز والدخن وسائر الحبوب خلا الفول. وأسعارها جميعا رخية (المخطوط ص 71) فإذا غلت فيها الأسعار أغلى [3]

_ [1] ورد بالمخطوط بدادته. [2] يسمى هي الياسا والياصا الجنگيزية. [3] وردت بالمخطوط أغلا.

الغلو، كانت مثل أرخص الرخص بمصر والشام. وبها من الفواكه المنوعة الثمار العنب والتين والرمان والتفاح والكمثرى والسفرجل والخوخ والعين والمشمش والتوت والبطيخ الأصفر والأخضر والبطيخ الأصفر بهذه البلاد نهاية، والبخاري والسمرقندي أحسن أنواعه، وإن كان الخوارزمي يزيد عليه في الحسن واللذاذة على ما نذكره في مكانه. وبها الخيار والقثاء واللقف والجزر والكرنب والباذنجان والقرع وسائر أنواع البقول وأنواع الرياحين من الورد والنرجس والآس والنيلوفر [1] والحبق والبنفسج وإن قل، ولا يوجد بها الأترج والنارنج والليمون والليم ولا الموز ولا قصب السكر ولا القلقاس ولا الملوخيا، فإنها من ذلك عارية الحدائق، خالية الدوح، إلا ما يأتي من المحمضات إليها مجلوبا. فأما الدواب والخيل والبغال والحمير والإبل البخت [2] والبقر والغنم، وأقلها البغال والحمر وأكثرا الأغنام فإنها في هذه البلاد كما يقال أعورتها الزرائب بالمالق، وما يليها بملأ الفضاء، ويسد عين الشمس، وهي بلاد قريبة من الاعتدال، لا تفرط في حر ولا برد، ذات عيون دافقة، وأنهار سارحة، ومراع متسعة مربعة، وخصب مفرط، يزكو حيوانها ونباتها ومعادنها. قال لي الشيخان صدر الدين محمد ومحمد الخجنديان الصوفيان بالخانقاه الفوهية أنه لولا موتان يقع في خيل المالق [3] وأغنامها في بعض السنوات، لما أبتيعت، ولا يوجد من يشتريها، لكثرتها وبركات نتاجها. قالا: ومدينة بدخشان [4] بها معدل اللعل البدخشاني لم يمكنا أن نتكلم

_ [1] وردت بالمخطوط الليفوفر. [2] الإبل البخت: هي الإبل الخراسانية واحدها بختى. وجمعها بخاتي وبخات (المعجم الوسيط 1/42) . [3] المالق أو الماليق مدينة كانت قرب كولجه الحالية على شاطىء نهر إيلي الذي يصب في بحيرة بالكاش (انظر حاشية بلوشيه على جامع التواريخ 410- 411) . [4] وردت بالمخطوط برخشان.

بشيء قبله، فقال له: كم قيمة هذه القطعة يا نجم الدين؟ فقال ما يعرف قيمة هذه إلا من ملك مثلها، أو رأى مثلها، وأنا وأنت والسلطان وجميع من حضر ما رأى مثلها، ولا قريبا منها، فكيف نعرف قيمتها؟ فاستحسن هو وكل من حضر قوله وصالحوا صاحبها وهو المسمى في البلاد بالبلخش ومعدن اللازورد الفائق وهما في جبل بها يحفر عليهما في معادنهما فيوجد اللازورد بسهولة ولا يوجد اللعل إلا بنقب كبير وانفاق زائد وقد لا يوجد بعد النقت الشديد والانفاق الكبير ولهذا عز وجوده وغلت قيمته فكثر طالبه والتقت الأعناق إلى التحلي به. قلت: وأنفس قطعة وصلت إلى بلادنا من البلخش قطعة وصلت مع تاجر في الأيام العادلية الزينية واحضرت إلى العادل كتبغا [1] وهو بدمشق إذ ذاك. قال لي أحمد ناظر الصاغة أحضرني الصاحب شهاب الدين أحمد الحنفي ومن يعرف الجوهر وجماعة من الأكابر منهم نجم الدين الجوهري وارانا ملك القطعة فرأيناها قطعة جليلة مسننة على هيئة المشط.... زنتها خمسون درهما وهي نهاية في الحسن وغاية في الجود كاد يضيء إليها المكان وسألنا عن قيمتها كم تساوي [2] فأشرنا إلى نجم الدين الجوهري لأنا لا يمكننا أن نتكلم بشيء قبله، فقال له: كم قيمة هذه القطعة يا نجم الدين؟ فقال ما يعرف قيمة هذه إلا من ملك مثلها أو رأى مثلها وأنا وأنت والسلطان وجميع من حضر ما رأى مثلها ولا قريبا منها فكيف نعرف قيمتها؟ فاستحسن هو وكل من حضر قوله وصالحوا صاحبها. وسنذكر جملة مما هي عليه قواعد هذه البلاد، وأول ما نبدأ بفريبي [3] قاعدة الملك بها، وإن لم تكن شيئا مذكورا، ولها شيء على اختلاف حالات الزمان شهرة

_ [1] العادل كتبغا هو أنو شيروان بن طغا تيمور حكم ما بين 744 هـ- 756 هـ (جامع التواريخ 2/14) . [2] وردت بالمخطوط كم تسوى. [3] فرسبي أو فريبي، لم أعثر عليها وربما يقصد مدينة فروان أو يروان التي ما زالت تحتفظ بهذا الاسم حتى الآن مع أن عاصمة بدخشان هي جرم قرب فيض آباد- (بدخشان دائرة المعارف الإسلامية مادة بدخشان) .

تذكر، ولكن لما شملتها به في دولة ملوكها الآن من نظرات السعادة لنسبتها إلا أنها سكن لهم، وإن كانوا ليسوا بسكان جدار ولا متدبرين في ديار، ولكن لاسم وسمت به. وأما بخاري فأم أقاليم، ويم تقاسيم، وقد كانت للدولة السامانية قطب نجومهم السائرة، ومركز أفلاكهم الدائرة، وكانت تلك الممالك كلها تبعا له، وكان آل سامان بها، وإن لم يتسموا بالسلطنة، ولا وسموا بغير الإمرة كالخلفاء لا يباشروا الأمور إلا نوابهم، ولا يخرج إلى الحروب إلا قوادهم، ودست قواعد [1] دولتهم، وأذعنت لهم ملوك الأقطار، ولم تكن ملوك بين بويه [2] على عظمة سلطانهم إلا كالأتباع لهم، يحملون إليهم الحمول والقماش المطرز بأسمائهم وأسماء أرباب دولتهم كالوزير والحاجب. وحكى أبو نصر العتبي [3] :....... [4] (المخطوط ص 73) وكتب نوح [5] بن إلى ابن بويه كتابا يهدده فيه، فكتب جوابه: يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا، فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، ثم لم يرسل هذا الجواب، خوفا لما وقر في صدورهم من مهابة آل سامان إلى أن قضى الله فيهم بأمره، وولى زمانهم،

_ [1] دست: مقر حكم السلاطين (فرهنگ رازي 332) صدر المجلس (المعجم الوسيط 1/292) . [2] بنى بويه: ينسبون إلى بهرام گور، وقيل إنهم من نسب ديلم بن ضبة وذكرهم ابن مسكوية في تجارب الأمم إنهم يزعمون إنهم أبناء يزدجرد واكد ذلك صاحب الكامل في التاريخ، جدهم أبو شجاع بويه استولى أبناؤه على بلاد الديلم طبرستان وكيلان ومازندران والري وقزوين وهمدان وأصفهان، وسيطروا على الخليفة العباسي، واستمرت دولتهم حتى سنة 487 هـ (انظر: روضة الصفا 181 وما بعدها- تجارب الأمم لابن مسكويه 6/279- ابن كثير 11/173 وما بعدها- ابن الأثير 7/231 وما بعدها) . [3] أبو نصر العتبي: أبو نصر محمد بن عبد الجبار العتبي من المؤرخين والأدباء في القرن الرابع والخامس الهجري، عاصر الغزنويين، له كتاب تاريخ يمينى ألف للسلطان محمود الغزنوي توفي سنة 427 هـ (فرهنگ أدبيات فارسي 239) . [4] فراغ مقداره سطر ونصف. [5] فراغ مقداره 3 سم.

وجاء زمان سبكتكين على إثره، قال العتبي: وخمدت تلك الشعلة. قال صاحب كتاب أشكال الأرض ومقدارها: لم أر، ولم أسمع بظاهر بلد أحسن من بخاري، لأنك إذا علوت ولم يقع نظرك من جميع النواحي إلا على خضرة تتصل خضرتها بلون السماء فكأن السماء مكبة زرقاء على بساط أخضر، تلوح القصور فيما بين ذلك كالتراس الشتية والحجب الملطية وكالكواكب العلوية بياضا ونورا بين أراض وضياع مقسومة بالاستواء، مهذبة كوجه المرأة بغاية الهندسة، وليس بما وراء النهر ولا غيرها من البلاد أحسن قياما بالعمارة للضياع منهم، مع كثرة متنزهات في سعة المسافة وفسحة المساحة، متصلة بعضد سمرقند. قال: ويحيط ببخاري وقراها ومزارعها سور [1] ، قطره اثنا عشر فرسخا في مثلها، كلها عامرة ناضرة زاهرة، ولبخاري سبعة أبواب حديد وهي: باب المدينة، وباب بوت، وباب جفره، وباب الحديد، وباب قهندز [2] وباب بني أسد [3] ، وباب بني سعد [4] ، ولقهندز هنا بابان أحدهما يعرف الريكستان [5] ، والأخرى باب الجامع [6] ، يشرع إلى المسجد الجامع، وعلي الربض دروب، فمنها درب يخرج

_ [1] انظر: أسوار القلعة وأبوابها في تاريخ بخارى للنرشخي وتاريخ بخارى لفامبري ترجمة د. أحمد الساداتي) . [2] يقصد به كهن دز، وقد أوردها في كل المخطوط قهندز، وكهن دز تعني القلعة القديمة (فرهنگ رازي 331- 737) . [3] بني أسد وبني سعد بطون من قبائل عربية الأصل، صحبت قتيبة بن مسلم الباهلي عند فتحه بخارى، واستوطنت بجوار المدينة القديمة وبعضهم استقر بالمدينة (انظر: التخطيط المرفق في آخر الكتاب) . [4] يذكر الإصطخري أن أبوابها كانت أحد عشر بابا وهي: باب الميدان، إبراهيم، الريو، المردكشان، كلاباذ، النوبهار، سمرقند، فغاسكون، الراميثنة، حدشرون، غشج (المسالك والممالك 306 وما يليها) . [5] الريكستان في الغرب، وكان يسمى باب علف خروشان أو كاه فروشان (أي باعة العلف) (تاريخ بخارى نرشخى 7/22) . [6] باب المسجد الجامع في الشرق وأطلق عليه النرشخي باب غوريان.

إلى خراسان، يعرف بدرب الميدان، ودرب يلى المشرق، ويعرف بدرب إبراهيم، ويليه درب يعرف بالربعة، ويليه درب المردكسان [1] ، ويليه درب كلاباذ [2] ، ويليه درب الوفهار [3] ، ويليه درب سمرقند، ويليه درب (المخطوط ص 74) بغاشلوز [4] ، ويليه درب الرامينية [5] ، ويليه درب حدس [6] ، ويليه درب غشج [7] . وليس في مدينة بخاري ولا قهندزها [8] ، ماء جار لارتفاعها، ومياهها من النهر الأعظم الجاري من سمرقند، ويتشعب من هذا النهر الأعظم في مدينة بخاري نهر يعرف بنهر فنتيرديز [9] فيأخذ من نهر بخاري، ويجري في درب المردكشان على حد باب إبراهيم حتى ينتهى إلى باب البلعمي [10] ويقع في نهر ميركيده [11] ، وعلى هذا النهر نحو ألفي بستان وقصور وأراض كثيرة، وشهرتها منه. ومن فم هذا النهر إلى مفيضه نحو فرسخ ونهر يعرف بجوي بار بكار [12] يأخذ

_ [1] المردكشان وهو باب سلخانه الحالي (تركستان 196) . [2] كلّاباذ وهو باب كوله (قرشي) الحالي (تركستان 196) . [3] وهو النوبهار وهو الآن باب مزار. [4] فغاسكون وهو باب إمام خاليا. [5] الراميثنة وهو الآن باب أوغلان. [6] باب حدشرون وهو الآن باب طليج. [7] باب غشج وهو الآن باب شيركيران. [8] القلاع القديمة. [9] وهي منارة زر الكبرى كما ذكرها الإصطخري ص 307 وما يليها. [10] باب الشيخ الجليل أبي الفضل هذا هو اسمها ويقصد به أبا الفضل البلعمي وزير السامانيين المتوفى سنة 329 هـ (تركستان 199) . [11] هو قناة نوكنده وتأخذ من القناة الرئيسية عند دار حمدونه وهي مصب لبقية القنوات. [12] هو جويبار بكار وتعني المجرى الذي تعم به الفائدة ويخرج من موضع وسط المدينة.

من المذكور آنفا في وسط المدينة بموضع يعرف بمسجد أحمد [1] وبغيض بني كنده [2] ، وعلى هذا النهر مشرب بعض الربض ونحو ألف بستان ونهر يعرف بجود بار القواريريين [3] يأخذ من النهر المذكور بموضع يعرف بمسجد العارض، فيسقى بعض الربض، وهو أغزر وأعمر الأراضي من نهر بكار ونهر نوكنده يأخذ من النهر المذكور ومن المدينة عند رأس سكة ختع [4] ، فيسقى بعض الربض ويغيض في المفازة [5] ، ويليه نهر الطاحونة يأخذ من النهر المذكور في المدينة بموضع يعرف بالنوبهار [6] ، وعليه بيوت أهل الربض ويدير أرجية كثيرة حتى ينتهى إلى بيكند [7] ، ومنه شرب أهل بيكند، ونهر يعرف بنهر كشنه [8] ، يأخذ من النهر في المدينة عند النوبهار، عليه شرب أهل النوبهار، فيفضي «1» إلي حصون وضياع وبساتين حتى يجاور كشنه، ونهر يعرف بنهر تاج [9] يأخذ من النهر المعروف بالريكستان، ويسقى بعض الربض، وينتهى إلى قصر رباح، فيسقى نحو ألف بستان وقصور هناك وأراضي كثيرة دون البساتين.

_ [1] مسجد أحيد (تركستان 199) . [2] نوكنده. [3] جويبار القواريريين (أي مجرى صناع الزجاج) . [4] أي المرشد. [5] الصحراء. [6] النوبهار: موضع قديم كان به صنم، وبه معبد يعد من أعظم بيوت الأصنام في بلخ ببلاد خراسان والتي بناها منوجهر بن إيرج بن افريدون (آثار البلاد 9/476) . [7] بيكند: اسم مدينة ببلاد ما وراء النهر قرب بخارى، وبيكند هنا قناة تأخذ من القناة الرئيسية وتصب في نوكنده. [8] انظر: تركستان لفامبري ص ر 200 [9] هو نهر رباح ويخرج من القناة الرئيسية قرب الريكستان وتصل إلى قصر رباح.

ونهر الريكستان يأخذ من النهر المذكور بقرب إلى الريكستان ومنه يشرب الريكستان وأهل القهندز ودار الإمارة حتى ينتهى إلى قصور جلال ديزه. ونهر يأخذ من النهر المذكور بقرب قنطرة حمدونه تحت الأرض إلى حياض بباب بني أسد [1] ، ويقع فضله في فارقين القهندز. وهذه الأنهار طائفة ببخاري وجنانها «1» ولها رساتق [2] «2» كثيرة، ونواح نفيسة وأعمال جليلة وضياع ليس (المخطوط ص 75) مثلها لأهل بلد، وإن كان لأهل ناحية أو إقليم ما يضاهى بعضها، فليس كهي، على وفورها وكثرتها. وجميع أبنية بخاري على استماك البناء والتقدير في المساكن وارتفاع أراضي الأبنية، فهي محصنة بالقهندزات [3] وليس في داخل هذا الحائط جبل ولا مغارة ولأرض عامرة، وأقرب الجبال إليها جبل وزكر، ومنه حجارة أبنيتهم، وفرش أرضهم، ومنه طين الأواني والكلس والجص، ولهم خارج المدينة ملاحات، ومحتطبهم من بساتينهم، وما يحمل إليهم من المفاوز من الفضاء والطرق. وأراضي بخاري كلها قريبة من الماء لأنها مغيض ماء السغد [4] ، ولذلك لا تنبت الأشجار العالية بها مثل المركب «3» والجوز وما أشبهها، وإذا كان من هذا الشجر شيء فهو قصير غير تام.

_ [1] انظر: تركستان لبارتولد 200. [2] رساتق مفرده رستاق بمعنى قرى (فرهنگ عميد 2/1072) . [3] قهندزات جمع مفرده قهندز وهي بالفارسية كهن درّ أي القلعة القديمة (فرهنگ رازي 331) . [4] وردت بالقاموس ماء السعد.

ومن عمارة بخاري أن الرجل ربما أقام على الجريب [1] الواحد من الأرض، فيكون فيه معاشه وكفافه، هو وجماعة أهله. ولبخاري مدن في داخل حائطها وخارجه، فأما داخله فالطواويس [2] ومخلسب ومغركلن وزبيده وحجاره [3] ، وهي كلها في داخل الحائط، وكلها ذوات منابر، ومن خارجه بيكند وفرير وكرمنينه وجدمنكن وجزعامكت ومديا مجكث [4] ، وجميع المدن التي داخل الحائط متقاربة في القدر والعمارة ولجميعها قهندزات عامرة، وأسواق جادة، وبساتين كثيرة، سيما ما كان بييكند فإن بها من الرباطات ما ليس ببلدان ما وراء النهر كرباط هوا، وما يقاربه، ويقال أنه كان بها ألف رباط، ولها سور عظيم حصين، ولها مسجد جامع «1» تونق فيه، وفي بنائه، وزخرف محرابه، وليس بما ما وراء النهر أحسن زخرفة منه. وقرير مدينة قريبة من جيحون ولها قرى عامرة، وهي في نفسها حصينة، مقصودة بفاخر المطاعم والمآكل الطيبة اللذيذة، وهي مدينة بقية الحفاظ قدوة أهل المشرق والمغرب أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وكفى [5] به فخرا باقيا،

_ [1] الجريب: مساحة من الأرض المزروعة تعادل عشرة آلاف متر مربع (فرهنگ رازي 196) وتعني المزرعة ومكيال مقداره أربعة أقفزة (المعجم الوسيط 1/119- انظر: مادة جريب بدائرة المعارف الإسلامية وبتاج العروس 1/179) . [2] الطواويس على مسافة سبعة أو ثمانية فراسخ من بخارى، ولكنها داخل السور الذي يحيط ببخارى ضواحيها وقد أخذت اسمها منذ سنة 91 هـ حين شاهد العرب الطواويس، وكان الاسم القديم لهذه الناحية أرفود (انظر: الاصطخري 313- المقدسي 281 الطبري 2/1230- ياقوت المعجم 1/209) . [3] وردت المدن التالية زرمان وربنجن وحذيمتكن وطواويس (انظر الإصطخري 334- ابن خرداذبة 26- الطبري 2/1529 النرشخي 10- ياقوت 4/268) . [4] خراجر كرمينية وخديمنكن وجرغا نكث ومذيا مجكث. [5] أضاف في الهامش (لأهلها وغيرهم) .

وذكرا دائما، وأهل بخاري يرجعون إلى أدب وعلم وفقد وديانة وأمانة وحسن سيرة وجميل معاملة وإفاضة خير وبذل معروف وسلامة نية ونقاء طويلة. ويتحدث أهل بخاري على قديم الأيام بطريف من أحاديثهم، وهو أنهم يتفاوضون من غير خلاف، أن من بركة طلعهم وقدرهم «1» أنه ما خرج منها جنازة وال قط، ولا عقد فيه لواء، ولا راية خرجت منه، وكان أول من اتخذها دارا، وجعلها قرارا من آل سامان أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد [1] ، فإنه جاءته ولاية خراسان وهو مقيم بها، فنزل بساحتها، واتخذها قاعدة له، ثم توالى عليها بنوه إلى آخر أيامهم، وانقضاء أحكامهم على ما قدمنا. وأما سمرقند فإنها «2» مدينة مرتفعة، ولها قهندز [2] وربض يشرف الناظر بها على شجر أخضر وقصور تزهر وأنهار تطرد وعمارة تتقد، لا يقع الطرف بها على مكان إلا ملأه ولا بستان إلا استحسنه. قال صاحب كتاب أشكال الأرض: وقد قصصت أشكال السرو «3» ، فشهت بطرائف الحيوان من الأفيلة والإبل والبقر والوحوش المقبلة بعضها على بعض كالمناجية، هذا إلى أنهار تطرد وبرك منجورة «4» ظريفة المعاني وقصور مستشرفات. قال مسلم بن قتيبة: لما أشرفت على سمرقند، شبهوها، فلم يأتوا بشيء،

_ [1] إسماعيل بن أحمد الساماني: أول سلاطين السامانيين، تولى أمر بلاد ما وراء النهر سنة 279 هـ، وقضى على عمرو بن الليث الصفار كان خيرا كريم الطبع مات سنة 295 هـ (انظر: روضة الصفا، الترجمة العربية 81- الطبري 10/74- ابن الأثير 6/77- حمد الله المستوفى 4- تاريخ بخارى لفامبري 122- زين الأخبار 21- 22- ابن كثير 11/104) . [2] قلعة.

فقال: كأنها السماء في الخضرة، وكأن قصورها النجوم الزاهرة، وكأن جداولها أنهار المجرة، فاستحسنوا هذا التشبيه. وبسمرقند حصن ولها أربعة أبواب، باب مما يلي المشرق، ويعرف بباب الصين، مرتفع عن وجه الأرض ينزل إليه بدرج كثيرة، مطل على وادي السغد، وباب مما يلي المغرب يعرف بباب النوبهار، وهو على نشز من الأرض، وباب مما يلي الشمال، يعرف بباب بخاري، وباب مما يلي الجنوب، يعرف بباب كش [1] . وفي سمرقند ما في المدن العظام من الأسواق الحسان والحمامات والخانات [2] والمساكن، ولها مياه جارية، تدخل إليها في نهر، وقد بني عليه مسناة عالية من الأرض (في بعض المواضع، بل) «1» في وسط المشرق من حجاره يجرى عليها الماء من موضع يعرف بالصفارين [3] ، إلى أن مدخل باب «2» (المدينة خندق عظيم مستقل فاحتيج إلى مسناه في هذا الخندق (المخطوط ص 77) حتى يجرى الماء إلى المدينة، وهو نهر قديم جاهلي في وسط أسواقها بموضع يعرف برأس الطاق [4] ، من أعظم موضع بسمرقند، ولهذا النهر على حاشيته مستغلات موقوفة على مرماته ومصالحه، وعليه الحفظة صيفا وشتاء، وليس [5] لسور الربض بها أبواب تغلق،

_ [1] ذكر الإصطخري أن لها أربعة أبواب هي باب الصين، وباب النوبهار أو الحديد، وباب بخارى أو أشروسنة، وباب كش أو الباب الكبير (المسالك والممالك 316- 317- ابن حوقل 365- 366 المقدسي 378- 279) . [2] الخانات مفردها خان وهو بناء لإقامة التجار يدعونه أحيانا الفندق كما عند ابن بطوطة. [3] الصفارون جمع مفرده صفار بفتح الصاد وتشديد الفاء بمعنى صانع النحاس (فرهنگ رازي 562) . [4] انظر: ياقوت المعجم 1/446 فقد وصف نفس الوصف وذكرها السمعاني دروانوه كش. [5] وردت بالمخطوط ليسوا.

ويزعم بعض الناس أن تبعا المسمى أسعد أبا كرب ابتنى مدينة سمرقند، وأن هذا القرنين أتم بعض بنائها. قال صاحب كتاب أشكال الأرض: وأخبرني أبو بكر الدمشقي قال: رأيت على بابها الكبير صفيحة حديد [1] ، وعليها كتابة زعم أهلها أنها بالحميرية [2] وأنهم يتوارثون ذلك، إنها من صنعة تبع [3] ، وبعض الكتابة أن من صنعاء إلى سمرقند ألف فرسخ. قال: ثم وقعت الواقعة بسمرقند، وأحرق الباب الذي كانت عليه هذه الصفيحة، وأعاده أبو المظفر محمد بن لقمان بن نصر بن أحمد بن أسد [4] ، حديدا، كما كان من حديد وتغيرت الصفيحة. قال بعض الأطباء: تربة سمرقند صحيحة يابسة، ولولا كثرة البخارات من المياه الجارية في سكنهم «1» ودورهم، وكثرة أشجار الخلاف عنده لا ضربهم فرط يبسها، وبناؤها من طين وخشب. وكان أهلها من إظهار المروءات أكثر «2» من سواهم والبلد كله طرقه وسككه وأسواقه وأزقته مفروشة بالحجارة، ومياههم من وادي السغد، وهذا الوادي من بلاد البتم [5] على ظهر الصاغانيان [6] ، وله مجمع ماء يعرف بمجيء مثل بحيرة،

_ [1] ذكر الإصطخري نفس هذا القول ص 318. [2] الحميرية: لغة أهل اليمن، وحمير دولة ذات حضارة قامت في اليمن عقب دولة معين وقبيل دولة سبأ، وينسب إليها الخط واللغة الحميرية. [3] تبع: لقب أعاظم ملوك اليمن وجمعه تبابعه (المعجم الوسيط 1/85) وهي مثل شاه ملك وقيصر وكسرى وخان. [4] ابن عم الأمير نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني المتوفى 331 هـ (روضة الصفا 89) . [5] هي بلاد البتم وهي جبال ومرتفعات. [6] هي الصغانيان (الإصطخري 340- 341- المقدسي 283) .

حواليها القرى، ومن مبدأ هذا الوادي إلى أن ينتهى إلى سمرقند أزيد من عشرين فرسخا، فإذا جاور سمرقند بنحو مرحلتين، انشعب منه نهر يعرف بقى، وليس بالصغد نهر أوفر عمارة منه، ولا أعظم قصورا وقرى وماشية. ونهر قي [1] وهو ثلث السغد، ويتشعب «1» من وادي السغد أنهار كثيرة إلى حد بخاري حيث تأخذ منه أنهار بخاري المذكورة ستة مشتبكة القرى والبساتين والأنهار (المخطوط ص 78) . ولو اطلع مطلع من الجبل على وادي السغد لرأي خضرة متصلة لا يرى من أضعافها غير قهندز أبيض [2] أو قصر سامق مشيد، فأمّا فرجة مقطعة عن الخضرة أو أرض بائرة أو غابرة فقلما ترى. قال صاحب كتاب «2» أشكال الأرض: ومن حد بخاري إلى وادي السغد يمينا وشمالا ضياع «3» تتصل إلى جبال البتم لا ينقطع خضرتها، ومقدارها في المسافة ثمانية أيام، مشتبكة البساتين الخضرة، والرياض محفوفة بالأنهار الجارية والأحواض في صدور رياضها، ومبانيها مخضرة، الأشجار والزروع ممتدة على جانبي واديها من وراء الخضرة، ومن وراء الخضرة على جانبي النهر مزارعها وقصورها، والقهندزات من كل مدينة ومدينة تبصر «4» في أضعاف خضرتها كأنها ثوب ديباج أخضر، قد سير بمجارى مياهها، وزينت بين صيف قصورها في أبهى بلاد الله وأحسنها أشجارا وأطيبها ثمارا.

_ [1] نهر فى بين اشتيخن وكشانيه (ياقوت الحموي 3/963) . [2] قلعة بيضاء.

وعامة مساكن سمرقند بالبساتين والحياض والمياه الجارية، فما تخلو سكة ولا محلة ولا ناحية ولا سوق ولا دار ولا قصبة من نهر جار أو بركة واقفة ... وبسائر ما وراء النهر من الأنهار المتخرقة [1] والرياض المتصلة، والأشجار الملتفة، والثمار الكثيرة ما لا يوجد مثله في سائر الأمصار، ولا دمشق ولا غيرها، وإن قيل أن متنزهات الدنيا أربعة غوطة دمشق أحدها، وقال بعضهم أنها أفضلها، ولكن [2] سغد سمرقند [3] أطول وأعرض وأفسح وأكثر ماء، وأمد مدى، تجول العين في فضائه. حدثني السيد الشريف جلال الدين حسن بن أبي المجاهد الحسيني [4] السمرقندي عن طول مدى السغد فقال: بقدر عشرة أيام بالسير المعتاد. قلت: وقد قال صاحب أشكال الأرض أنه يكون ثمانية أيام، فقال: لا لا يكاد يقصر من عشرة أيام، فأين غوطة دمشق من هذا أو كلها من منبع الماء من واديها إلى تناهيه، لا يبلغ نصف يوم مع كون السغد مكشوفا، تسافر العين من أوله إلى آخره (المخطوط ص 79) في فرد مدى نظر، وما غوطة دمشق هكذا، لاكتناف الجبلين لواديها، ولأن أنهار السغد واضحة في خلال خمائلها، ممتدة في بسيط الخضرة، لا يحتجب ولا يخفى عن العين، وليست الأنهار بدمشق [5] مكشوفة إلا في مجرى الوادي بها، فأما إذا أشرف المستشرف عليها، فإنه لا يرى إلا ما يليه، ولا تقع عينيه إلا على ما يحاذيه، ولقد بقى من سمرقند متعة الأبصار على ما نابها من النوائب، وأعترت أنهارها من الشوائب، وبليت به أغصانها مما تشيب له الذوائب

_ [1] الحاربة ب 94. [2] لاكن ب 94. [3] أفضل ب 94. [4] الحسنى ب 95. [5] كذا ب 95.

أيام جنكيز خان وأبنائه، وما رميت به من حوادث الحدثان في تلك المدد، وإذا حصل الاتصاف قيل أن غوطة دمشق قطعة من سغد سمرقند. وأما البتم فهو جبال شاهقة سامقة «1» منيفة، والغالب عليها «2» النزهة والخضرة والبقلة المعروفة بالطرخون [1] ، وهي قرى آهلة بالناس. وبالبتم حصون منيعة جدا، وفيها معادن ذهب وفضة وزاج ونوشادر، وفي كل جبل من جبال البتم كالغار، وقد بني عليه، وأستوثق من أبوابه وكواه. وفيها عين يرتفع منها بخار يشبه الدخان بالنهار والنار بالليل، فإذا تلبد هذا الدخان في حائط ذلك البيت وسقفه قلع منه النوشادر، وداخل هذا البيت من شدة الحر ما لا يتهيأ لأحد أن يدخله إلا احترق، إلا أن يلبس اللبود المبلولة، ويدخل كالمختلس، ويأخذ ما يقدر عليه من ذلك. قال: وهذا البخار ينتقل من مكان إلى مكان فيحضر عليه حتى يظهر، فإذا خفى في مكان حضر عليه في آخر إلى أن يوجد، وإذا لم يكن عليه مبنيا يمنع البخار من التفرق، لم يضر من قاربه، حتى إذا اختنق من بيت، احترق من يدخله لشدة الحر. وإما غزنة فكانت مستقر سبكتكين [2] والد السلطان يمين الدولة وأمين الملة محمود، فلما انقرضت الدولة السامانية [3] بابتداء أيامه، وتبدلت ملاهيهم بحد

_ [1] الطرخون: هو الترخون نوع من الخضروات (فرهنگ رازي 574) بقلة زراعية معمرة، أوراقها تؤكل (المعجم الوسيط 2/573) . [2] سبكتكين هو ناصر الدين سبكتكين، كان مملوكا لأليتگين وعمل بحجابة أبي إسحاق حتى مات الأخير فتولى أمر غزنة وأسس دولة الغزنويين (انظر: أخبارها في زين الأخبار گرديزي 54- روضة الصفا 129 وما بعدها- ابن كثير 11/286- ابن الأثير 7/86) . [3] جرجان هي گرگان، إقليم في شمال إيران محاور لخوارزم ويقع الآن في جمهورية تركمانستان.

حسامه، وكانت غزنة دارهم ومثواهم، استمروا بها، ونقلوا عن بخاري قاعدة الملك إليها، ثم تناوب بنوه (المخطوط ص 80) الجلوس على سريرها، ثم استقرت ملوك الغورية [1] ، وقاعدة سلطانهم ومنبع أعوانهم. وغزنة مخصوصة بصحة الهواء وعذوبة الماء، والأغراض «1» بها قليلة، وأرضها لا تولد الحيات والعقارب والحشرات المؤذية، ومنها خرج الرجال الأنجاد، وتأمل مواقف ملوكها في غزو الهند والترك، وذبهم عن بيضة الإسلام والملك ما أبقيت الغورية رحمهم الله على قصور عددهم، وقصر مددهم. لقد كملوا ما بدأ به السلطان محمود بن سبكتكين في غزوات الهند، وسنوابها الفتوح حتى دخل الإسلام تلك الممالك العظمى «2» ، وعلي الحقيقة ما فتحوا الهند بل «3» فتحوا الدنيا، وبذلك على هذا ما تقدم ذكره. وأما غزنة [2] فهي مدينة مضايقة للسند «4» ، وقيل أنها منها، وقال صاحب كتاب صفة الأرض أن غزنة من بلاد السند وهي واقعة في الثالث. قال أبو سعيد منصور زعيم جرجان، ولم أر بلدة في الصيف أطيب، وفي الربيع أشبه، وفي الخيرات أنظف من غزنة، وهي قليلة الأشجار، ولهذا صح هواؤها،

_ [1] التتار وتتر والتاتار قبائل سكنت شمال وسط آسيا وجاورت قبائل المغول، وضمها جنكيز خان إلى قبائله ومن التاتار قبائل همجية وأخرى متحضرة، لهم جمهورية ذات حكم ذاتي الآن في الاتحاد الروسي هي تتارستان. يقول بارتولد: أن التتار عرفوا بهذا الاسم منغوليا وعرفوا في الصين باسم مونغكو- تتا (تركستان 545) . [2] غزنة: بلد السلطان المجاهد محمود بن سبكتكين، كانت كبيرة، شديدة البرد (رحلة ابن بطوطة 261) .

وسلم من مرورها على النقائع الوخمة «1» ، وأصول الشجر العفنة. وأما تركستان فمملكة لو انفردت لكانت ملكا كبيرا، وسلطنة جليلة، زهرة الدنيا، وطراز الأرض، بلاد الترك حقيقة، من كناسها رتعت غزلانها، ومن غاباتها سرحت ليوثهم، وهي أقليم فسيح المدى قديمة الذكر، منشأ حماة، ومشب كماه، وهي المرادة بقولهم بلاد الأتراك، ولم تزل الملوك تلحظها لإتقاء بوادرها، والتقاء زواخرها، فأشد ما نكرت الأيام معالمها، وغيرت الغير أحوالها، ولقد صادفت حدة التتار في أول التيار، فجاءت قدامهم في سورة غضبهم، ولفحة نارهم، وأمالت السيوف حصائد آجالهم، ولم يبق إلا من قل عديده. حكي لي من رجال في رساتيقها [1] وجاز في قراها أنه لم يبق من نعالها إلا رسوم دائرة، وأطلال بالية على البعد «2» القرية مشيدة البناء مخضرة الأكتاف فيأنس لعله يجد بها أنيسا ساكنا، فإذا جاءها، وجدها عالية البنيان خالية من الأهل والسكان، إلا أهل العمد، وأصحاب السائمة، ليست بذات حرث ولا زرع، وإنما خضرتها مروج أطلقها باريها، وبها من النباتات البرية لا يذرها باذر، ولا زرعها زارع، ويوجد بها خلف من بقايا العلماء، ويجري التيمم بالترب لعدم الماء. وأما الشاش [2] فمقدار عرضها مسيرة يومين في ثلاثة أيام، وليس بخراسان ولا ما وراء النهر أقليم صغير على قدرها في صغر المساحة، أكثر منها منابر وقرى عامرة، وقوة شوكة، وهي في أرض سهلة ليس بها جبل ولا أرض مرتفعة حزقة هي أكثر نفر، وأبنيتهم من طين، وعامة دورهم تجرى فيها المياه، وكلها مستترة بالخضرة، ولها مدن كثيرة تتدانى وتتقارب مسافتها.

_ [1] قراها. [2] الشاش: هي جاج من أعمال أشروسنة (آثار البلاد 548- تاريخ بخارى لفامبري 94) .

وأما استيجاب [1] فمدينة لها قهندز وربض، أما القهندز فخراب. والمدينة والربض عامران، وعلى المدينة سور ويحيط بها مقدار فرسخ، وفي ربضها مياه وبساتين، وبناؤها بطين، وهي مستوى من الأرض، ولها أربعة أبواب، وهي مدينة ذات خصب وسعة، ولا خراج عليها، ومن مدنها الطراز [2] وتوجكرت وكجنده «1» . وإما باراب فهو اسم الناحية، ومقدارها في الطول والعرض أقل من يوم، وبها منعة وبأس، وهي في سبخة، ولها غياض ومزارع، وقصبتها تسمى كندر، ومنها فيلسوف الإسلام [3] أبو نصر البارابي «2» [4] مفسر كتب القدماء، (المتقدم في العلوم العقلية على كل متقدم ومتأخر، والناس يقولون الفارابي) «3» والصحيح الباربي بالباء الموحدة لأن هذه تسمية تركية، وليس في اللغة التركية [5] فاء. وأما خجنده [6] فإنها متاخمة لفرغانه، وهي في جملتها، وهي منفردة بأعمال خاصة، وهي على نهر الشاش في غربيه، وطولها أكثر من عرضها، وبساتينها ودورها متفرقة، ولها قرى يسيره، وهي مدينة نزهة، وفواكهها حسنة (المخطوط

_ [1] استيجاب هي استيجاب واسييجاب قرية قرب الشاش من بلاد فرغانة (معجم البلدان 4/1014) . [2] الطراز هي تلاس الواقعة في صحراء لامس (الجويني 2/77- 91) . [3] أبو نصر الفارابي: هو أبو نصر محمد بن محمد الفارابي من أعظم الفلاسفة، ولد في فاراب ببلاد ما وراء النهر، رحل إلى بغداد وتعلم العربية ودرس كتب أرسطو وسافر دمشق وحلب، وشرح آثار أرسطو حتى لقب بالمعلم الثاني له كتب كثيرة مات سنة 339 هـ (انظر: فرهنگ أدبيات فارسي 365- 366) . [4] وباراب تقع على ضفتي سير دريا (سيحون) (تركستان 292) . [5] وردت بالمخطوط تركية. [6] لينين آباد الحالية في تاجيكستان.

ص 82) ولكنها تنبق بها من ذرعاتها فتجلب الغلات من فرغانه وأشروسنه «1» إليها، وينحدر إليهم بها السنن من نهر الشاش، وهو نهر عظيم، ويعظم بأنهار تجتمع إليه في حدود الترك، وعموده نهر يخرج من بلاد الترك في حدود دوازكند، ثم يجتمع إليه أنهار فيغزر، ويمتد على خجنده يمر على ساكت، فيجرى إلى باراب، وإذا جاوز حد صيران جرى في برية يكون في حاشية بلد الأتراك الغربية، فيمتد حتى يقع في بحيرة خوارزم. قال صاحب كتاب أشكال الأرض [1] : وهو نهر إذا امتد يكون نحو ثلثي نهر جيحون. وأما فرغانة فهو اسم الإقليم وهو عمل عريض موضوع على سعة مدنها وقراها، وقاعدتها مدينة اخشيلب [2] ، وهي على شط نهر الشاش، على أرض مستوية، ولها قهندز وربض، ومقدارها نحو ثلث فرسخ، وبناؤها من طين، وعلى ربضها سور وعليه أبواب من المدينة، وفي الربض مياه جارية وحياض كثيرة، وكل باب من أبواب ربضها يفضى إلى بساتين ملتفة، وأنهارها لا تنقطع مقدار فرسخين، ويحاذيها إذا عبر الشاش مروج ومزارع كثيرة، رمال مقدار مرحلة، ويليها مدينة قنا «2» وهي من فرغانة، من أنزه مدنها لها قهندز وربض القهندز خراب والجامع من القهندز، وأسواقها من ربضها، ودار الإمارة في الربض، وعليه سور محيط به، ولها بساتين كثيرة، ومياه غزيرة ويليها في الكبر أوش [3] من فرغانة، ملاصقة

_ [1] سقطت كلمة الأرمن. [2] هي أخسيكث قصبة فرغانة آنذاك- جنوب غربي نامجان تقع على نهر سردريار الأيمن، لها خمسة أبواب (انظر: وصفها عند ابن حوقل 393- 394، المقدسي 371) . [3] أوش: إحدى مدن فرغانة، وكانت من أكبر مدن الثغور مع الترك، وهي ثالث مدن فرغانة من حيث الرقعة وتتكون من شهرستان وقلعة وربض (الإصطخري 335) .

للجبل، وهي مدينة عامرة ذات قهندز عامرة، ولها ربض، وعليه سور ولها ثلاثة أبواب [1] وأوزكند [2] وهي آخر مدن فرغانة لها قهندز وربض، وأسواقها في الربض مطرزة بالبساتين والمياه الجارية. قال صاحب كتاب أشكال الأرض: وليس بما وراء النهر أكثر قرى من فرغانة، وربما بلغ حد القرية مرحلة لكثرة أهلها، وانتشار مواشيهم في المرعى، وسألت عن هذا العميد أبا المكارم حميد بن محمد الفرغاني فقال: كانت أكثر مما قال، والبلاد باقية على هذه الحال في الاتساع (المخطوط ص 83) ولكن قد قل ناسها. وأما أشروسنه [3] فهو اسم لإقليم كالسغد، وقاعدتها مدينة تومجكت [4] ، وبها من المدن ارسبانيكث [5] وعرق [6] وفنكت [7] وساباط [8] ورامين [9] . قال صاحب الروض المعطار في أخبار الأقطار [10] : أشروسنة أرض يحيط بها

_ [1] الأبواب الثلاثة هي: باب الجبل، وباب النهر، وبابا مغكدره (تركستان 267) . [2] أوزكند: تكتب أيضا يوزكند بها شهرستان وقلعة وربض ولها أربعة أبواب، وتقع على نهر قرادريا (ابن خرداذبه 30) . [3] أشروسنة: إقليم من بلاد الترك عاصمته بونجكث وهي تكتب أسروشنة (انظر: ابن خرداذبة 29، الإصطخري 343. [4] نومجكث هي بونجكث أو ينجكث كانت تتكون من قلعة وشهرستان يشقه النهر، وربض (الإصطخري 326- 327، ابن حوقل 379- 380، المقدس 377) . [5] هي مدينة ارسبانيكث أو ارسيانيكث، على حدود فرغانة (المقدسي 365) . [6] عرق وهي غزن على فرسخين من فغكث وستة من خجند (الإصطخري 326) . [7] فنكث هي فغكث على ثلاثة فراسخ بونجكث على طريق خجند (ابن حوقل 404، الإصطخري 326) . [8] ساباط: وتقع ما بين سمرقند وخجند، بينها وبين زامين ثلاثة فراسخ (انظر: الإصطخري 343، المقدسي 342، ابن خرداذية 27) ، ويذكر اسكفارسكي إنها قرية اسكي سقط (تركستان حاشية ص 279) . [9] رامين: هي زامين الواقعة على ضفتي نهر، بجوار مدينة سرسنده الجديدة (ابن حوقل 380- 381، المقدس 277) . [10] الروض المعطار في أخبار الأقطار.

من إقليم ما وراء النهر من شرقيها بعض فرغانة، ومن غربيها بلاد الصغد والصغانيان، وشمالها بلاد الشاش، ولأشروسنه مدن كثيرة، ومملكتها واسعة جليلة، ويقال أن فيها أربعمائة حصن ولها واد عظيم يأتي من نهر سمرقند، ويوجد في ذلك الوادي سبائك الذهب. وقال صاحب كتاب أشكال الأرض: أما مدينة تومجكث [1] فهي مسكن الولاة، تحزر رجالها نحو عشرة آلاف رجل [2] ، وبناؤها بطين وخشب، وعليها سور، ولها ربض وعلى ربضها سور، ولها سور ثالث من وراء ذلك. وللمدينة الداخلة بابان [3] ؛ وداخل المدينة المسجد الجامع والقهندز ودار الإمارة في الربض في مربعة الأمير. ويجري بالمدينة «1» نهر كبير عليه رحى [4] وأسواقها في المدينة الداخلة، وبها بساتين وكروم وزروع، وذلك كله دون السغد، ولها أربعة أبواب، ولها ستة أنهار، جميعها من عين واحدة، ومنبع واحد، مقدار ما بها يزيد على عشرة أرحية [5] ومن المدينة إلى منبع الماء مقدار نصف فرسخ، ويليها في الكبر مدينة زامين [6] ، وهي على طريق فرغانة إلى السغد، وباقي بلادها متقاربة في الكبر والنزهة والبساتين والمياه.

_ [1] بونجكث كبرى مدن أسروشنة وقصبتها. [2] في القرن العاشر الهجري (انظر الإصطخري 327) . [3] الباب الأعلى وباب المدينة (ابن حوقل 379- 380) . [4] وردت بالمخطوط رحا وهي الناعورة- الساقية (839- 97) . [5] جمع رحى. [6] زامين: تقع على ضفتي نهر ليس بعيدا عن مخرجه من الجبال (ابن حوقل 380- 381، المقدسي 277) .

الفرقة الثانية في خوارزم والقبجاق

الفرقة الثانية في خوارزم والقبجاق «1» حدثني الشيخ نجم الدين بن الشحام الموصلي أن هذه المملكة متسعة الجوانب طولا وعرضا، كثيرة الصحراء، قليلة المدن، وبها عالم كثير، لا يدخل تحت حد، وليس لهم كبير نفع لقلة السلاح ورداءه الخيل (المخطوط ص 84) . وأرضهم سهلة قليلة الحجر لا تطيق خيل، ربيت فيها الأوعار «2» ، فلهذا يقل غناء أهل هذه المملكة في الحروب، وليس لملوكهم عظيم عناية بالأوضاع، وترتيب سلطان هذه البلاد في أمور جيشه «3» وسلطانه ترتيب مملكة العراق والعجم، في عدة الأمراء والأحكام والخدم، ولكن «4» ليس لأمير الألوس [1] والوزير بها تصرف أمير الألوس والوزير بتلك المملكة، ولا لسلطان هذه المملكة نظير ما لذلك السلطان من الدخل والمجابي وعدد المدن والقرى، ولا مشى أهل هذه المملكة على قواعد الخلفاء مثل أولئك «5» . ولخواتين هؤلاء مشاركة في الحكم معهم، وإصدار الأمور عنهم مثل أولئك وأكثر إلا ما كانت عليه بغداد بنت جوبان [2] امرأة أبي سعيد بهادر بن خدابنده،

_ [1] الإلوس: كلمة مغولية تعني قبيلة وجماعة، فهناك الوس جوجي والوس جغتاي والوس هولاكو. [2] بغداد بنت جوبان: هي بنت جوبان أمير أمراء أبي سعيد بهادر وقد قتل أبو سعيد بهادر أخاها ثم قتل أبوها وأخويها على يد حاكم هراة، وتزوج أبو سعيد بهادر من بغداد خاتون وكانت أجمل النساء وتحت الشيخ حسن فطلقها الشيخ حسن وتزوجها، وكانت أحظى النساء لديه حتى قتلت أبا سعيد بهادر لأنها هجرها فقتلها الشيخ حسن وجلس على العرش (رحلة ابن بطوطة 152- 154) .

فإننا ما رأينا في زماننا، ولا سمعنا عمن قارب زماننا أن امرأة تحكمت تحكمها، وقد وقفت علي كثير من الكتب الصادرة عن ملوك هذه البلاد من عهد بركة [1] وما بعده، وفيها وانفقت آراء الخواتين والأمراء على كذا أو ما يجري هذا المجرى. وقاعدة الملك بها السراي [2] ، وهي مدينة صغيرة بين رمل ونهر، وقد بنى بها سلطانها القائم بها الآن ازبك خان [3] مدرسة للعلم، وهو معظم لجانب العلم وأهله. وحدثني الصدر زين الدين عمر بن مسافر أن هذا السلطان أزبك غير ملتفت من أمور مملكته إلا إلى جمليات الأمور دون تفصيل الأحوال، يقنع بما جمل إليه، ولا يفحص عن وجوهه في القبض والصرف، وإن لكل امرأة من خواتينه جانبا من الجمل [4] ، وهو يركب كل يوم إلى امرأة منهن يقيم ذلك اليوم عندها، يأكل في بيتها، ويشرب [5] ، وتلبسه بذلة قماش كاملة، ويخلع التي كانت عليه، على من يتفق ممن حوله، وقماشه ليس بفائق الجنس، ولا غالي الثمن، وهو مسلم، حسن

_ [1] بركاي خان من نسل جغتاي حارب هولاكو خان وابنه آباقا خان، وكان قد أسلم وحسن إسلامه (انظر: جامع التواريخ 1/341- ح 2/14) وهو بركة بن جوجي حكم ما بين سنة 1257- 1266، تركستان 719) . [2] مدينة السراي: حاضرة السلطان أزبك، وهي من أحسن المدن قال عنها ابن بطوطة أنها في بسيط من الأرض تغص بأهلها كثرة، حسنة الأسواق متسعة الشوارع بها الآص وهم مسلمون والقفجق والجركس والروس والروم وهم نصارى (رحلة ابن بطوطة 237- 238) . [3] أزبك خان: أحد الملوك السبعة الذين هم كبار، عظيم المملكة شديد القوة كبير الشأن، رفيع المكان، قاهر لأعداء الله أهل قسطنطينية العظمى، مجتهد في جهادهم، وبلاده متسعة، ومدنه عظيمة منها الكفا والقرم والماجر وآزاق وسودان وخوارزم وحاضرته سرا (رحلة ابن بطوطة 220) وهو أزبك بن طوغريلجه بن مونكو تيمور بن توقو خان بن باتو بن جوجي حكم ما بين 1313- 1341 م (تركستان 719) . [4] وكذلك كان يفعل أبو سعيد بهادر (انظر رحلة ابن بطوطة 154) . [5] تكون كل خاتون من خواتينه على حدة في محلتها، فإذا أراد أن يكون عند واحدة منهن، بعت إليها يعلمها بذلك فتتهيأ له (رحلة ابن بطوطة 221) .

الإسلام، متظاهر بالديانة، والتمسك بالشريعة، محافظ على إقامة الصلاة، ومداومة الصيام مع قربه من الرعايا والقاصدين إليه «1» . وليست يده بمبسوطة «2» بالعطاء، ولو أراد هذا لما وفي له به دخل «3» بلاده، وغالب رعاياها أصحاب عمد «4» في الصحراء، أقواتهم من مواشيهم من الخيل والبقر والغنم، والزرع عندهم قليل، وأقله القمح والشعير، وأما الفول فلا يكاد يوجد، وأكثر الموجود عندهم من الزروع، والدخن منه أكلهم، وعليه فيما يخرج الأرض كلهم، والأسعار في جميع هذه المملكة رخية إلى غاية. الاكركانج [1] أم إقليم خوارزم، وهي المعبر عنها بخوارزم، فإنها متماسكة فيها أسعار الغلات، قل أن ترخص، بل هي إما مغلية أو متوسطة، لا تعرف الرخص أبدا، وأما اللحوم فإنها رخيصة، وكثيرا ما تذبح الخيل بهذه البلاد. وأما سكان البر منهم فإنه لا يباع ولا يشترى بينهم اللحم، وغالب أكلهم من لحوم الصيد واللبن والسمن والدخن، فإن تلفت لأحد منهم دابة مثل فرس أو بقرة أو شاة، ذبحها، (وأكل هو، وأهله منها) «5» ، وأهدى إلى جيرانه، فإذا تلفت لهم أيضا شاة أو بقرة أو فرس، ذبحها، وأهدى إلى من أهدى إليه، فلا تكاد تخلو بيوتهم من اللحم بهذا السبب لأن هذا معروف بينهم كأن هدية اللحم بينهم قرض يؤتى.

_ [1] ي گرگانج التي سماها العرب المسلمون جرجانية وسماها المغول أوركنج.

وفي سلطان هذه المملكة طوائف الجركس [1] والروس [2] والآص [3] «1» وهم أهل مدن عامرة وآهلة، وجبال مشجرة مثمرة، ينبت عندهم الزرع، ويدر الضرع، وتجري الأنهار، وتجنى الثمار، ولا طاقة لهم بسلطان هذه البلاد، وهم معه، وإن كانت لهم ملوك كالرعايا فإن داروه بالطاعة والتحف والطرف، كف عنهم، وإلا شن عليهم الغارات، وضايقهم بالحصار، وكم مرة قتل رجالهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وجلب رقيقهم إلى أقطار الأرض. ومما ينضم إلى جناح هذا السلطان قوم من الترك في نهاية الشمال من حدوده، وهم في جهد من قشف العيش، لأنهم ليسوا أهل حاضرة لهم زرع، وشدة البرد تهلك، مواشيهم، وهم همج رعاع لا لهم مسكة بدين ولا رزانة في عقل، وهم لشدة ما بهم من سوء الحال إذا (المخطوط ص 86) وجد أحدهم لحما سلقة [4] ولم ينضجه، وشرب مرقه، وترك اللحم ليأكله مرة أخرى، ثم يجمع العظام، ويعاود سلقها «2» مرة أخرى، ويشرب مرقها، وقس على هذا بقية عيشهم. وأخبرني الصدر جمال الدين عبد الله الحصني التاجر؛ أن ليس كثير من أهل

_ [1] الجركس: أو الشركس أو نشر كسيا، قوم يقطنون إقليما شاسعا من ولاية كوبان في روسيا أوروبا، والشراكسة رعاة ومقاتلة، في الغالب طوال القامات، عراض المنكبين، نحاف الجسوم صغار اليدين والرجليين، (دائرة معارف البستاني 10/439) . [2] الروس: قوم كانوا ضمن أملاك الوس جوجي وأولاده وكان بعضهم يسكن مدينة السرا عاصمة دولتهم في القرن الثامن الهجري، وكانوا في المنطقة الواقعة شرقي جبال آرال. [3] الآص: هم الآس ويعرفون عند بعض الكتاب بالآلان والأوسنيت (جامع التواريخ ح 1/212) والأوسيت الآن إقليم ذات حكم ذاتي في الاتحاد الروسي وتسمى أوسيتيا الشمالية وآخر تابع لجورجيا ويسمى أوسيتيا الجنوبية وبها يسكن الآص. [4] ورد بالمخطوط صلقه.

بادية هذه المملكة الجلود، سواء أن كانت مذكاة أو ميتة، مدبوغة أو غير مدبوغة، من الحيوان الطاهر أو غير الحيوان [1] الطاهر «1» ، ولا يعرفون في المأكل ما يعاف مما لا يعاف ولا التحريم من التحليل، وأنهم في الأزمات يبيعون «2» أولادهم ليتقوتوا بأثمانهم إذا ضاقت بهم الأحوال في بعض السنين، ويقولون عمن يبيعونه من أولادهم: نعيش نحن (ولا) [2] وهو خير مما نموت نحن وهو. وجاريت «3» الصدر زين الدين عمر بن مسافر في حديث هذه البلاد، وسألته عما قاله عبد الله الحصني، فقال: كل ما أخبرك به صحيح. قلت: وترك هذه البلاد هم خيار الترك أجناسا، لوفائهم وشجاعتهم، وتجنبهم الغدر مع تمام قاماتهم، وحسن صورهم، وظرافة شمائلهم، ومنهم معظم جيش مصر لأن سلاطينها وأمراءها منهم منذ رغب الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل [3] في مشترى المماليك القبجاق، ثم انتقل الملك إليهم، مالت ملوكهم إلى الحبشية [4] ، ورغبت في الاستكثار منهم، حتى أصبحت مصر بهم آهلة المعالم، محمية الجوانب، منهم أقمار مواكبها، وصدور مجالسها وزعماء جيوشها «4» وعظماء أرضها، وحمد الإسلام مواقفهم في حماية الدين، وجهادهم أقاربهم،

_ [1] تكرار لعبارة غير الحيوان. [2] أظنها زائدة. [3] الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل: آخر سلاطين الدولة الأيوبية في مصر، حارب الفرنجة، ومات وخلفه ابنه تورانشاه ولكنه قتل وتولت حكم البلاد شجرة الدر ثم عز الدين أيبك ثم تولى حكم المماليك وانتهى عصر الأيوبيين بموته (انظر: دائرة المعارف الإسلامية) . [4] المماليك الذين يجلبون من الحبشة.

وأهل جنسهم، من الله، (لا تميل لهم جنة) «1» ، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، وكفى بالخيرة الأولى نوبة عين جالوت [1] لما خرج الملك المظفر قطز، صاحب مصر [2] ، إذ ذاك في سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكسر عساكر هولاكو أعلى عين جالوت، ورحل هولاكو عن حلب، عائدا، ونهض الجيش المصري بما عجزت عنه ملك أقطار الأرض مع اجتهاد السلطان جلال الدين محمد بن خوارزمشاه [3] (المخطوط ص 87) رحمه الله، حتى قتل. ولم يكن الجيش المصري بالنسبة إلى الجيوش الجلالية إلا كالنقطة في الدائرة، (والنغبة من البحر) «2» ، والله يؤيد بنصره من يشاء، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين [4] . «3» ، وهذا من المعجزات النبوية وهو قوله صلى الله عليه وسلم [5] لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين

_ [1] عين جالوت: من مدن الشام، وفيها وقعت معركة حامية بين المغول والمصريين بقيادة قطز في 2 سبتمبر سنة 658 هـ (النجوم الزاهرة 7/79، ابن كثير 13/220، السيوطي 475، ابن إياس 1/306، القلقشندي 2/105) . [2] قطز: الملك المظفر قطز المعزى، هزم التتار في عين جالوت، كان أتابك الملك المنصور علي بن عز الدين أيبك، وعزله، وقام في السلطة مكانه، قتله الظاهر بيبرس سنة 658 هـ بعد موقعة عين جالوت (العبر 5/247، ابن كثير 13/222، المقريزي ق 1 ج 2/434) . [3] جلال الدين محمد بن خوارزمشاه وآخر سلاطين الدولة الخورازمية حارب التتار وقاومهم، وضاعت دولته في أول هجماتهم، قتل سنة 629 هـ (العبر 5/114) ، وهو جلال الدين منكبرتي أو منكبرتي بن علاء الدين محمد ابن نكش بن إيل أرسلان بن أتسز بن قطب الدين محمد بن أنوشتكين غرجة حكم 1220- 1231 م (تركستان 511) . [4] إشارة إلى قوله تعالى: ... قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: من الآية 249] . [5] انظر: الحديث النبوي الشريف في سنن الترمذي 2192، مستدركات الحاكم تصوير بيروت 4/550، سنن ابن ماجه، عيسى الحلبي القاهرة 6.

على من عاداهم إلى يوم القيامة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ألا وهم الجند الغربي. وقوله ألا وهم الجند الغربي زيادة في الروايات، وهذه الرواية إن لم تصح روايتها، صحت بالمعنى، لأن هذه الطائفة وهي كانت الطائفة الظاهرة التي أرادها النبي صلى الله عليه وسلم في قولهم «1» وعناهم بها، لأنه لم يظهر على التتار سواهم، وبهذه النصرة، دامت النصرة على التتار، وكانت بهم لا بغيرهم مع كثرة من كان من ملوك الإسلام، واجتهادهم في الجهاد، فتماسك بهذه المرة رمق الإسلام، وبقيت بقية الدين، ولولا هم لا نصدع شعب الأمة، وو هي عمود الملة، ووصلت خيل عبدة الشمس إلى أقصى المغارب، ودكت جميع رعان «2» الأرض. وهذه جملة معترضة ساقها الاستطراد بذكر أهل تلك البلاد، ونعود الآن إلى ذكر «3» ما كنا فيه من ذكر بلادهم وأحوالهم فيها. هذه البلاد أكثر الأرض ماء ومرعى وأخصبها زرعا إذا زرع بها، ولكنهم أهل حل وترحال، أصحاب ماشية، ليس لهم مبالاة بالزرع والغراس، ولقد كانت قبل استيلاء التتار عليها، معمورة الجوانب، وهي الآن في بقايا تلك العمارة «4» فيها الأشجار المختلفة الأنواع، من الفواكه العنب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثرى والمشمش والخوخ والجوز، وبها فاكهة تسمى بلغة القبجاق بابيك شبيهة بالتين، والفواكه الموجودة عندهم الآن من بقايا ما باد من غراس من كان قبل هؤلاء ممن كان لهم عناية بالزرع والنصب، وهي كثيرة الوجود في جبالهم، وما يحدث إلى المدن (المخطوط ص 88) مع كثرة ما بادوا.

وأما البطيخ فسحت عندهم سحابه، وشحت على غيرها خاصة الأصغر، فإنه ما يبقى عندهم طول السنة، ويقدد منه وهو في غاية صدق الحلاوة، وطيب الطعم مع ما يحكى من كثرة وجوده ورخصه، ومنهم من يستخرج ماءه ويعقد منه الحلوى. وبمدنهم كثير من الخضراوات كاللفت والجزر والكرنب وغير ذلك، فأما في مدن الجركس والروس واللاص فإنه كثير عندهم جدا، وبها العسل الكثير الأبيض اللون اللذيذ الطعم الخالي من الحدة، وقد نشأ الآن فيهم الإسلام، وأشرق على أقطارهم نور الإيمان. وكان أول من دان بالدين الحنيف من ملوكهم بركة بن جوجي [1] «1» بن جنكيز خان ومنه لمعت في آفاقهم الشوارق إلى أن صدع الآن الضحى، وتقلصت في جمهورهم «2» المعظم جلابيب الدجى، إلا في النادر القليل، ومع استعلائهم على جيوش الجركس والروس والماجار [2] والأرمن [3] «3» تختلس تلك الطوائف أولاد هؤلاء وتبيعهم من التجار، ومع ظهور الإسلام في هذه الطائفة، وإقرارهم بالشهادتين فهم مخالفون لأحكامها في كثير من الأمور، وأول هذه الطائفة وآخرها لا يقفون مع ياسه «4» جنكيز خان وقوف غيرهم مع مؤاخذة بضهم لبعض أشد

_ [1] أسلم بركة بن جوجي بن جنكيز خان على يد معلمه المسلم (طبقات ناصري طبعه سخاو 446) . [2] الماجار: قوم من الترك كانوا يسكنون في مدينة الماجر وهي مدينة كبيرة من أحسن مدن الترك على نهر كبير وبها البساتين والفواكه الكثيرة (انظر: رحلة ابن بطوطة 219) . [3] الأرمن هم أهل أرمينية (أرمنستان) الذين بقاياهم ببلاد سيس (صبح الأعشى 1/370) وهي الآن جمهورية أرمينيا.

المؤاخذة في الكذب والزنى ونبذ المواثيق والعهود. ومن شأن ملوكهم إذا غضبوا على أحد من أتباعهم أخذوا ماله، وباعوا أولاده، وكذلك إذا سرق سرقة استحق المسروق له مال السارق وأولاده، وباعهم، ومن خطب إلي أحد «1» بنته، وأعطاه القليل، زوجه لها ثم لا يعود يسأله عنها كما ذكرنا في مملكة ما وراء النهر. وقال لي المولى الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم، أن لسلطان هذه المملكة على جميعهم خراج، يتأدى منهم زرعا «2» ، طولبوا بالخراج في سنة ممهلة لوقوع الموتان بدوابهم أو سقوط الثلج (وجماد الجمد) «3» ، فباعوا أولادهم لأداء ما عليهم. وحدثني الشريف (المخطوط ص 89) شمس الدين محمد الحسيني الكربلائي التاجر في شهر رجب الفرد «4» سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة حالة عوده من هذه البلاد، وكان قد تجول فيها في سفره وتغرب فيها، ووصل إلى أقجاكرمان وبلاد البلغار، وقال لي: أنه اشترى في سفرته هذه مماليك وجواري من آبائهم وأمهاتهم لإحتياجهم لخروج يسق [1] ملكهم إليهم بالركوب «5» إلى بلاد إيران، واحتاجوا إلى بيع أولادهم وجلب منهم رقيقا عاليا غاليا. وهذه المملكة قديما هي بلاد القبجاق فلما فاضت عليها التتار صارت القبجاق لهم رعايا، ثم خالطوهم وناسبوهم، وغلبت الأرض على الجبلة والأصل، فصار الكل كالقبجاق كأنهم جنس واحد لسكن المغل بأرض القبجاق ومصاهرتهم لهم،

_ [1] اليسق؛ الأمر والحكم.

وبلادهم في أرضهم، وهكذا طول المكث في كل بلد وأرض تجوز التجايز «1» إليها، ويحول الغرائز إلى طباعها كما قدمنا ذكره، (وقد يقل اختلاف الألوان ويزيد لسبب آخر غير البلدية) «2» . قلت: ولقد كان في السرب والبلغار من قديم دار إسلام ومستقر إيمان، ذكر هذا المسعودي في مروج الذهب [1] «3» . فأما الآن فقد تبدلت بإيماتها كفرا وتداولتها طائفة من عبّاد الصليب، ووصلت منهم رسل إلى حضرة سلطان «4» مصر سنة إحدى وثلاثين بكتاب إلى سلطانها من صاحب السرب والبلغار، يعرض نفسه على مودته، ويسأل منه سيفا يقلده «5» ، وسنجقا يقهر أعداؤه به، فأكرم رسوله، وأعد نزله وجهز له معه خلعة كاملة، طرد وحش مقصب بسنجاب مقندس على مفترح اسكندري، وكلوته زركش وشاش بطرزين رقم ومنطقة ذهب وكلاليب ذهب وسيف محلي، وسنجق سلطاني أصفر [2] مذهب، وهم يدارون سلطان القبجاق لعظمة سلطانه عليهم (المخطوط ص 90) وأخذه بخناقهم لقربهم منه. قلت: والقسطنطينية [3] مجاورة لأطراف ملك القبجاق، وملك الروم معه في

_ [1] مروج الذهب ومعادن الجوهر من أهم كتب التاريخ في القرن الرابع الهجري مؤلفه أبو الحسن بن علي حسين المسعودي المتوفي سنة 346 هـ، ويتناول الكتاب وقائع البشر من مولد آدم حتى سنة 332 هـ وهذا الكتاب مطبوع في أربعة مجلدات في عدة طبعات في القاهرة وبيروت ودمشق. [2] سنجق: اللواء (المعجم الوسيط 1/471) . [3] القسطنطينية: مدينة متناهية في الكبر، منقسمة قسمين بينها نهر، عظيم المد والجزر، أحد القسمين يسمى إصطنبول والثاني الغوطة (رحلة ابن بطوطة 232- 233) .

طلب دائم، واقتراحات متعددة في كل وقت وملك الروم على توقد جمرته وكثرة حماته وأنصاره يخاف عادية شره، ويتقرب إليه بالمداراة، ويدافع معه الأيام من وقت إلى وقت، وما زالت الأيام هكذا وما زالت تلك حالهم مع ملوك هذه من أبناء جنكيز خان، منذ تدبروا هذه الأرض، وما تخلو منهم «1» مدة من تجديد عهود، ومسالمة إلى مدد تؤجل بينهم، وأشياء تحمل من جهة ملوك الروم إلى القان بمملكة القبجاق. ذكر العز الحسن الأربيلي أن بدر الدين حسن الروسي التاجر السفّار، حدثه أن حدود هذه المملكة من جهة جيجون خوارزم وصقناق وسوداق وباركند. وجند وسراي ومدينة ماجروازاق والجاكرمان وكفه سوداق وسقسين والكل وبلغار، وأعمال سبروابو (وباشغرد، وجولمان ثم بصر جولمان يتصل حدود أعمال سبر بأوائل) «2» حدود بلاد الخطا. قال: ومدينة باكو [1] هي أحد مدن أقليم شروان [2] ، وعندها الباب الحديد الذي يسميه الترك دمرقبو ومن الباب الحديد الذي هو عبارة عن مدينة باكو إلى حدود بلاد الخطا من جهة سبر وأبر يكون مسير القفل مسيرة خمسة أشهر، هذا هو طول هذه المملكة «3» وفي هذه المملكة من الأنهار الكثيرة المشهورة، سيحون، وجيحون، وطونا، وايتل، وباين، وتن، وطرلو، فمن سيحون إلى طونا مسيرة أربعة أشهر، وبين سيحون وجيحون خمسة عشر يوما، ومن جيحون إلى باين خمسة عشر يوما، ومن باين إلى أتيل عشرة أيام، ومن أتيل إلى تن شهر واحد، ومن تن

_ [1] باكو مدينة عامرة على شاطىء بحر الخزر، عاصمة جمهورية آذربيجان الحالية. [2] شروان: إقليم في بلاد القوقاز وهي غير شيروان إحدى قرى بخارى بجوار بمجكث، وذكر البغدادي شروان قرب بحر الخزر (مراصد الاطلاع 2/793) .

إلى طرلو عشرة أيام، ومن طرلو إلى طونا شهر واحد، ويقلب «1» جيحون وأتيل إلى بحر القلزم وسيحون (المخطوط ص 91) منهى إلى مقصبة «2» ، ورمل تحت مدينة جند بثلاثة إيام فيقلب هناك، وتأتي الأنهر المذكورة تقلب إلى بحر عمان، وهذه السبعة أنهر في هذه المملكة، ويتصل منها إلى أقليم ما وراء النهر سيحون وجيحون. قلت: الذي يصح أن جيحون يقلب في بحيرة ملح نحو مائة فرسخ، ويقع بها نهر الشاش أيضا، وأما من زعم أن جيحون يرمى في القلزم [1] فغلط منه، وإنما اشتبه ذلك لعظم هذه البحرة «3» ، وبين مرمى جيحون ونهر الشاش نحو من عشرة أيام، وتعرف هذه ببحيرة خوارزم [2] ، وعلى وسطها جبل يسمى جفر يجمد عنده الماء حتى يبقى إلى الصيف. قال الأربيلي: ومن مشاهير مدنها بلغار، وأقصر ليلها أربع ساعات ونصف. قال حسن الرومي: ثم سألت مسعود الموقت بالبلغار عن هذا فقال جربناها بالآلات الرصدية، فوجدناه أربع ساعات ونصف تحريرا، وهو غاية نقصان الليل بها. وأما قصبة [3] افتكون فحررناها فوجدنا أقصر ليلها ثلاث ساعات ونصف أقصر من ليل البلغار بساعة واحدة. قال: وبين بلغار وافتكون مسافة عشرين يوما بالسير المعتاد، والقصبة في مصطلح العجم المدينة الصغيرة.

_ [1] القلزم أيضا هو البحر الأحمر الآن، نسبة إلى مدينة على ساحل بحر اليمن (الأحمر) وهي على آخره من جهة مصر وهي السويس حاليا (انظر: مراصد الاطلاع 3/1117) . [2] بحيرة خوارزم: يصب بها ماء جيحون وسيحون، ماؤها ملح ولا ينقص (مراصد الاطلاع 1/168) . [3] القصبة: المدينة (المعجم الوسيط 2/766) .

قال: وبعد افتكون بلاد سبر، وأبر، ثم بعدها بلاد جولمان فإذا سافر المسافر من جولمان على شرقيها يصل إلى مدينة قراقرم ثم إلى بلاد الخطا وبها القان الكبير، وهي من بلاد الصين، قال وإن سافر المسافر على غربيها وصل إلى بلاد الروس، ثم إلى بلاد الفرنج وسكان البحر الغربي، (قلت: أما الآن فمقر القان خان بالق) «1» ، قال وبلاد السبر وجولمان مضافة إلى باشغرد [1] وفي بلاد باشغرد قاضي مسلم معتبر، وبلاد السبر وجولمان شديدة البرودة لا يفارقهم الثلج مدة ستة أشهر، لا يزال يسقط على جبالهم وبيوتهم وبلادهم ولهذا (المخطوط ص 91) ولهذا تقل مواشيهم عندهم، وهم سكان قلب الشمال، والواصل عندهم «2» وإليهم من الناس قليل، والأقوات عندهم قليلة، ويحكى عنهم أن الإنسان منهم يجمع عظام أي حيوان كان، ثم أنه يغلي عليها بقدر كفايته ثم يتركها وبعد سبع مرات لا يبقى فيها شيء من الدهن. قال: وهم مع ضيق العيش ليس في أجناس الرقيق أنعم من أجسامهم ولا أحسن من بياضهم، صورهم تامة الخلقة في حسن وبياض ونعومة عجيبة زرق العيون. وقال العز حسن الأربيلي: وحسن الرومي سافر في هذه البلاد وذكر أكثرها، وقال: قال لي «3» الشيخ علاء الدين بن النعمان الخوارزمي أن طول هذه المملكة من بحر اسطنبول إلى نهر أرلين ستة أشهر، وعرضها من بلغار إلى بلاد بلغار إلى باب الحديد أربعة أشهر تقريبا، وأما الشبهة «4» في دعوى ملوك القبجاق أن توريز،

_ [1] باشغرد هي باشكرد أحد أقاليم بلاد ما وراء النهر، وهم جنس من الترك باسم البشكرديه لهم إقليم مستقل الآن داخل الاتحاد الروسي. وباشغرد بلاد بين القسطنطينية وبلغار (مراصد الاطلاع 1/153) .

ومراغة [1] لهم على ما أخبرني به المولى نظام الدين أبو الفضائل يحيى الطياري أن القان الكبير، لما جرد هولاكو لقتل الإسماعيلية، ومن كان يتعصي بالجبال، سأله هولاكو في تكثير الجيوش معه، فجرد معه من عسكر كل واحد من ملوك بني جنكيز خان عسكرا. فلما فتح بهم ما فتح من البلاد بقيت تلك العساكر معه فرتب لكل فرقة منهم علوفة على قطر من الأقطار، فكان ما رتب للعسكر المجرد معه من جهة صاحب بلاد القبجاق وخوارزم على توريز ومراغه، فبقوا يأخذوا علوفتهم منها، ثم لما مات هولاكو، وملك ولده ابغا خادعوه بطريق «1» أن سلطانهم بركة يريد أن يبنى جامعا بتوريز فمكنهم منه، فبنوه، وكتبوا عليه اسم السلطان بركة؛ ثم سألوا أن يعملوا لهم كرخاناه [2] «2» لاستعمال أقمشة لهم بها فمكنهم منها، وبقوا يستعملون بها القماش للسلطان بركة، ودام الحال على هذا إلى أن وقع بينهما، وتلاقيا، وكسر بركة لابغا فحنق أبغا (المخطوط ص 93) وأبطل الكرخاناه. ثم لما نسيت تلك الواقعة الكائنة وهدىء ما بين ملكي الملكين، أعيدت الكرخاناه، على أنهم هم يحضرون من بلادهم أموالا لاستعمال ما شاءوا فيها، فلما تمادت المدد، وجعلوا الجامع والكرخاناه المبنين باسم «3» السلطان بركة سببا لهذه «4» الدعوى، ولقد جاءت رسلهم إلى محمود غازان يطلب توريز ومراغه، وقالوا له هذه جيوش أبينا، فتحها بسيوفهم، وهي لنا وحقنا بالإرث عنهم، فأعطنا حقنا،

_ [1] وردت مراغا. [2] كرخاناه هي كارخانه وتعني مصنع أو معمل من الكلمة الفارسية كارخاته بنفس المعنى (فرهنگ رازي 676) .

فقال لهم قازان [1] : أنا ما أخذت الملك إلا بالسيف لا بالميراث، وما أخذته وحزته بسيفي توريز ومراغه، وبيني وبينكم السيف فيها، ثم لم يزل السلطان أزبك القائم الآن بمملكة القبجاق يتعلق بحبال هذه الشبهة ويطالب بدعوى هذه الوراثة، وسئل الشيخ علاء الدين بن النعمان عن جيوشه فقال كثيرة تفوق الحصر، فقال كم هم بالتقريب؟ فقال لا أعلم، لكن خرج مرة عليه وعلى القان الكبير أسنبغا [2] سلطان ما وراء النهر، وتغلب، وقطع الطريق، وقال: أنا أحق بالملك منهما، ونهب السيارة، وأخرج يدا عن طاعة القان فكتب القان إلي تقنقا بأن يقاتله، فجرد إليه من كل عشرة واحد، فبلغ عدد المجردين مائتا وخمسين ألفا، قال: النعمان وهذا الذي دخل تحت العدد والإحصاء سوى المجتمعة والطماغة. قال: وألزم كل فارس بغلامين، وثلاثين رأسا من الغنم وخمسة رءوس من الخيل وقدرين نحاسا، وعجلة يرسم حمل السلاح، وغزا استنبغا، وكسره، وانتصر عليه نصرة ظاهرة، ثم عاد مؤيدا منصورا. قال: النعمان مبدأ عرض هذه المملكة من دمر قبو وهي مدينة من بناء «1» الإسكندر كان عليها باب من الحديد، وليس هو الآن، إلى بلاد بوغزة، وطولها من ماء لمرنس «2» ، وهو أعظم من نيل مصر بكثير من ناحية بلاد الخطا إلى اصطنبول [3] وتجاوز هذا الطول قليلا إلى بلاد تمسى نمج [4] .

_ [1] قازان هو غازان بن أرغون بن آباقا بن هولاكو حكم ما بين سنة 1295- 1304 م (تركستان 717) . [2] أسن بغا بن دوا بن براق بن أسن دوا بن موتكن بن جغتاي حكم ما وراء النهر 1310- 1318 (تركستان 721) . [3] إصطنبول: هي أسطنبول، وهي القسم الواقع بالعدوة الشرقية من النهر وهي مدينة في سفح جبل داخل البحر نحو تسعة أميال وهي قسم من القسطنطينية (رحلة ابن بطوطة 233) وهي الآن إستانبول وأسلامبول والأستانة. [4] نمج من بلاد الروس.

(المخطوط ص 94) . قال: وبلاد نمج مشتركة بين بلاد الروس والفرنج. قال النعمان: والتجار لا يتعدون مدينة بلغار يسافرون إلى بلاد جولمان، وتجار جولمان يسافرون إلى بلاد بوغزه لأنها في أقصى الشمال وليس بعدها عمارة غير برج عظيم من بناء الإسكندر على هيئة المنارة العالية وليس بعده مذهب إلا الظلمات [1] ، فسئل: أي شيء عندك الظلمات؟ قال: صحار وجبال لا يفارقها الثلج والبرد، ولا تطلع عليها الشمس ولا ينبت فيها نبات، ولا يعيش فيها حيوان أصلا [2] ، متصلة ببحر أسود لا يزال يمطر، والغيم منعقد عليها، ولا تطلع عليه الشمس أصلا أبدا. قال: النعمان: «1» إن الإسكندر مر بأطراف أوائل جبال الظلمات القريبة من العمارة فرأى فيها إنسانا من جنس الأتراك أشبه الناس بالوحوش، لا يعرف أحد بلغتهم، وإذا مسكهم أحد فروا من يده، يأكلون من نبات الجبال المجاورة لهم، فإذا قحطوا أكل بعضهم بعضا فمر بهم ولم يعترضهم. قال: النعمان وقد ذكر صاحب مملكة القبجاق، وأكثر رعية هذا الملك سكان غربي الشمال، وهم أمم لا يحصون، وأكثر هم روس، ثم من بعدهم أتراك دشت القبجاق، وهم قبائل كثيرة، فيهم مسلمون، وفيهم كفار، ويبيعون أولادهم وقت الغلاء والقحط، وأما في الرخص فيسمحون ببيع البنات دون البنين، ولا يبيعون الولد الذكر إلا عن غلبة.

_ [1] أرض الظلمة (انظر: الحرائط المرفقة) . [2] والسفر إليها لا يكون إلا في عجلات صغار تجرها كلاب كبار فإن تلك المفازة فيها الجليد، فلا تثبت قدم الآدمي ولا حافر الدابة فيها، والكلاب لها الأظفار فتثبت أقدامها في الجليد (رحلة ابن بطوطة ووصف أرض الظلمة 225- 226) .

وحدثني الفاضل شجاع الدين عبد الرحمن الخوارزمي الترجمان أن مدينة السراي بناها بركة قان على شط نهر توران [1] ، وهي في أرض سبخة بغير سور، ودار الملك بها قصر عظيم، على عليائه هلال ذهب قنطاران بالمصري، ويحيط بالقصر سور به أبراج مساكن لأمرائه، وبهذا القصر مشتاهم. قال: وهذا النهر يكون قدر النيل ثلاث مرات أو أكثر، وتجري به السفن الكبار (المخطوط ص 95) تسافر إلى الروس والصقلب [2] ، وأصل هذا النهر أيضا من بلاد الصقلب. قال: وهي يعني السراي [3] مدينة كبيرة ذات أسواق وحمامات ووجوه «1» مقصودة بالأجلاب في وسطها بركة ماءوها «2» من هذا النهر، يستعمل ماءوها للاستعمال، وأما شربهم فمن النهر، يستقى لهم في جرار فخار، ويصف على العجلات، وتجر إلى المدينة، وتباع بها، وبعدها عن خوارزم نحو شهر ونصف، وبينها وبين السراي مدينة «3» وحق ومدينة قطلوكت، ودينارهم رائج عنه ستة دراهم. قال: والأسعار في خوارزم والسراي لا يكاد يتباين ما بينهما، والرطل الخوارزمي وزنه ثلاثمائة وثلاثون درهما، وأقواتها فيما يذكر من القمح والشعير

_ [1] نهر توران: اسم منطقة يحدها من الغرب خوارزم ومن الجنوب نهر جيحون (تقويم البلدان 483) ومدينة سراي بركة وسراي واقعة على نهر يسمى الآن بنهر أتيل (انظر: الخرائط المرفقة) وذكره ابن بطوطة نهر اتل (رحلة ابن بطوطة 237) . [2] الصقلب: هم الصقالبة، جيل من الناس كانت مساكنهم إلى الشمال من بلاد البلغار وانتشروا الآن في كثير من شرقي أوروبا وهم المسمون الآن بالسّلاف. [3] هناك مدينتان باسم السراي، إحداهما باسم سراي بركة والأخرى السراي ويقعان على نهر واحد مع بلغار.

والدخن ويسمى عندهم الأزرن [1] والماش [2] والجاورس [3] وهو شبيه بحب البرسيم وليس يباع عندهم هذه الحبوب إلا بالرطل يقال كل حمل حمار بكذا، وحمل الحمار عندهم مائة رطل، بهذا الرطل، والسعر المتوسط للقمح بدينارين ونصف، وكذلك الماش والشعير بدينارين، وكذلك الدخن وكذلك الجاورس أو أزيد، والغالب أن يكون سعره قياس سعر القمح، وسعر الشعير واللحم الضاني على السعر المتوسط في كل ثلاثة أرطال بدرهم. وبها من أنواع الفواكه إلا النخل والزيتون وقصب السكر والموز والأترج والليمون والنارنج، وفيها من أنواع الطير والوحش، وبها الغزلان كبارا جدا، يكون الغزال قد «1» بقر الوحش. وبها معدن يخرج منه أحجار يعمل منها قدور، تقيم القدرة نحو ستين سنة، ولا يتغير، وبها جبل يقال له جبل الخيل «2» من خوارزم، به عين تعرف به «3» ذوو الأمراض المزمنة، يقيمون عندها سبعة أيام في كل يوم يغتسلون بمائها بكرة وعشية، ويشربون عقيب كل اغتسال إلى أن يتضلعوا «4» فيحصل له البرء، ويجيحون سمكة لا يوجد بها عظم إلا الميل الذي في سلسلة الظهر بشعب وإلا فكلها لحم ورأسها (المخطوط ص 96) غضروف. وخوارزم [4] على جيحون بين شعبتين منه مثل السراويل، وبخوارزم مائة بيت

_ [1] الأزرن: نوع من الحبوب شبيه بالأرز وليس هو وقريب من القمح والشعير (فرهنگ عميد 1/112) . [2] الماش: نوع من الحبوب يشبه العدس وهو من نوعية القمح (انظر: فرهنگ عميد 2/1737) . [3] الجاورس هو گاورس الذرة العويجة، نوع من الذرة ثمرته في أعلاه (انظر: فرهنگ عميد 2/1674) . [4] أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها، لها الأسواق المليحة والشوارع الفسيحة والعمارة الكبيرة. (رحلة ابن بطوطة 239) .

يهود، ومائة بيت نصارى لا غير، ولا يسمح لهم في الزيادة على ذلك. ويلي خوارزم أرض مدورة وتسمى هذه الأرض المدورة منقشلاغ «1» [1] ، طولها خمسة أشهر، وعرضها كذلك، وكلها صحراء، وسكانها أمم كثيرة من البرجان، ويفصل بين هذه الأرض وبين جيحون جبل اسمه آق بلقان شمالي خراسان، وخوارزم أقليم منقطع عن خراسان وعما وراء النهر، ويحيط فيها المفاوز من كل جانب، وحده متصل بحد الغربة مما يلي الشمال، والغرب وجنوبيه وشرقيه خراسان، وهي على جانبي جيحون، وقصبته في الجنوبي الشمالي منه، ويسمى كات «2» [2] باللغة الخوازرمية، وفي الجانب الجنوبي الجرجانية «3» . وفي هذا الإقليم عدة مدن، وأول مدن خوارزم بلد يسمى الظاهرية مما يلي آمل، وتمتد العمارة في جانبي جيحون معا، وملوك هذه المملكة مشتاهم السراي كما ذكرنا، ومصيفهم بم. وجميع «4» ملوك توران وتتارها بجبل اسمه آراق طاغ طوله من أقصى الصين إلى أقصى الغرب، ينقطع بالبحر المحيط عند منتهى سبته، ويقع البحر الرومي، وكلما أشتق منه وسائر بلاد توران في جنوبه. وحدود مجموع مملكة أزبك طولا من درغان خوارزم من المشرق إلى كاشغر [3] «5»

_ [1] منقشلاغ، شبه جزيرة (انظر: معجم البلدان 4/670) . [2] كاث: رستاق عاصمة خوارزم (تركستان 250) . [3] وردت بالمخطوط باشغر.

وعرضا من خوارزم إلى أقصى «1» بلاد سبر [1] التي يجلب منها السمور والسنجاب، وهي من بلاد الصقالبة، قال: وليس بعدهم في العمارة شيء «2» . وقال: وقد جاء بعدي فتى من بعض «3» أهلها كيف تكون صلاة أهل بلد لا يغيب عندهم الشفق حتى يطلع الصبح لسرعة انقضاء الليل؟ قال: فلما صارت هذه المملكة بعد ملوك الخوارزمية إلى بني جنكيز خان استمروا بعساكر خوارزم على حالهم على إقطاعاتهم، وكل من كان بيد آبائه شيء، هو الآن بيد ابنائه «4» . قال: والأمراء لهم بلاد منهم من يغل «5» (المخطوط ص 97) بلاده في السنة مائتي ألف دينار رائجا وما دون ذلك إلى مائة ألف دينار رائجا «6» . وأما الجند فليس لأحد منهم إلا نقود تؤخذ من علي النطع، وكلهم سواء، لكل واحد منهم في السنة مائتا دينار رائجا، وقد كان زيهم زي عسكر مصر والشام في الدولة الإسلامية، وما يناسب ذلك فأما الآن فزيهم زي التتار إلا أنهم بعمائم صغار مدورة.

_ [1] يقصد بلاد سيبر وهي سيبيريا الآن، وهي أرض الظلمة التي ذكرها ابن بطوطة في رحلته ص 225.

الفصل الرابع في مملكة الإيرانيين

الفصل الرابع في مملكة الإيرانيين

«1» وهي العراق والعجم [1] وخراسان [2] ، هذه المملكة طولا من نهر جيحون المحيط بآخر حد خراسان إلى الفرات القاطع بينها وبين الشام، وعرضا من كرمان المتصل بالبحر الفارسي المنقسم من البحر الهندي إلى نهاية ما كان بيد بقايا الملوك السلجوقية بالروم، على نهاية حدود العلايا وأنطاكية من البحر الرومي [3] ، ويفصل في الجانب الشمالي بين هذه المملكة وبين بلاد القبجاق النهر المجاور لباب الحديد، وهو المسمى باللغة التركية دمرقابو [4] ، وبحر طبرستان وهو المسمى ببحر الخزر وبالقلزم [5] . أخبرني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري أن هذه المملكة تكاد تكون تربيعة [6] ، فيكون طولها بالسير المعتاد أربعة أشهر، وعرضها أربعة أشهر، وهذه هي المملكة الصائرة إلى بيت هولاكو بن تولي «2» بن جنكيزخان، وتداولها السلاطين من أبنائها «3» إلى الآن. وهي متوسطة في المعمور؛ من أجلّ ممالك الأرض وأوسطها في الطول والعرض، وبها تخت الأكاسرة [7] إلى أن تسلمه الإسلام، ثم استقرت بها قاعدة الخلافة

_ [1] إيران: العراق العجمي. [2] خراسان: أحد الأقاليم الإيرانية المشهورة يقع شمال شرق إيران، وعاصمته نيسابور. [3] البحر الرومي: البحر الأبيض المتوسط. [4] دمرقابو: من اللغة التركية بمعنى الباب الحديد. [5] ويدعى أيضا بحر قزوين وبحر مازندران وبحر طبرستان وبحر گيلان. [6] أي مربعة الشكل. [7] جمع مفرده كسرى وهو حاكم الفرس من الكلمة البهلوية خسرو (فرهنگ رازي 277) .

العباسية إلى آخر الأيام، ذات أقاليم كثيرة. ومدن كثيرة «1» ، مشتملة على رساتيق [1] وأعمال وخطط وجهات. وقاعدة الملك بها الآن توريز [2] ثم السلطانية وبيت هولاكو يرون أن الملك من قعد على التخت باوجان وأوجان (المخطوط ص 98) في ظواهر توريز. وفيها من الممالك العظيمة العراقان؛ عراق العرب، وعراق العجم وخراسان وكرمان وفارس وآذربيجان وآران والري والجبال وديار بكر وربيعة والجزيرة وأرمينية [3] وكرجستان [4] والروم [5] ، وإذا أنصفت هذه المملكة كانت قلب الدنيا على الحقيقة. وهذه المملكة تندرج في مطاويها عدة ملوك كلهم عبيد سلطانها، كصاحب هرى [6] ، وأصل اسمها «2» هراة، وصاحب كرمان [7] وصاحب كيلان [8] ، وصاحب سمنان وصاحب مالاين «3» وصاحب أرزن، ونحن نتكلم على قواعد الملك بها. أما توريز فواقعة في آذربيجان، وهي مدينة قديمة، أغرقت «4» في السعادة أنسابها، وثبتت في النعمة قواعدها.

_ [1] جمع مفرده رستاق وتعني قرى (فرهنگ رازي 408- فرهنگ عميد 2/1072) . [2] وهي تبريز. [3] هي جمهورية أرمينيا الآن. [4] هي جمهورية جورجيا الآن. [5] هي جمهورية تركيا الآن. [6] هرى وهراة: وهي مدينة قائمة الآن في أفغانستان. [7] كرمان: إقليم شرقي إيران. [8] كيلان هي گيلان وجيلان.

وأما السلطانية فواقعة في عراق العجم بناها السلطان محمد خدابنده أو بخانتوين «1» أرغون بن أبغا بن هولاكو [1] ، «2» بناءها، ووسع فناءها، وأتقنت قسمتها في الخطط والأسواق وجلب إليها الناس (من أقطار الأرض) «3» ، ومن أقطار مملكته، واستجلبهم إليها بما بسط لسكانها من العدل والإحسان، وهي الآن عامرة آهلة، كأنما مرت عليها مئين [2] سنين، لكثرة من استوطنها، وتأهل بها وأولد من الولد فيها، وقد مضت عليها مدة بلغ بنوها مبالغ الرجال، ومنهم من جاز إلى رتبة الاكتهال. وأما أوجان فهي بظاهر توريز ذات مروج ممتدة وماء جم، وبها قصر اتخذه أواخر ملوكهم صار معدا لمنزل السلطان، وبنى أكابر الأمراء قصورا لمنازلهم حوله، فأما عامة الخواتين والأمراء والكراء «4» ، فإنهم يتخذون زروبا [3] من القصب كالحظائر، ينزلون بها أيام نزولهم بأوجان [4] في مشاتيهم، وينصبون مع حظائرهم [5] الخركاوات [6] والخيم، وتمتد الأسواق، وتبقى مدة مشتهاهم بها «5» ، مدينة متسعة

_ [1] أولجايتو بن أرغون بن آباقا بن هولاكو المعروف عجمد خربنده ثم خدابنده حكم ما بين 1304- 1316 في إيران والعراق وهو السلطان الثامن في سلسلة أبناء هولاكو (تركستان 717) . [2] أمئات أو مئوية. [3] زروبا جمع مفرده زريبة وهي الحظيرة. [4] وردت بالمخطوط أوجاب. [5] وردت بالمخطوط حضائرهم. [6] خركاوات جمع مفرده خركاه وهي خيمة كبيرة (فرهنگ رازي 272، فرهنگ عميد 1/850) .

الجوانب، فسيحة المذاهب، حتى إذا رجعوا (عنها) «1» إلى مصيفهم راحلين عنها، أحرقوا تلك الحظائر، لكثرة ما يتولد فيها يحرق من الأفاعي (المخطوط ص 99) والحيات. أخبرني الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم أنه يغرم على تلك الحظائر خزائن أموال ثم يحرقونها لا يبالون؛ وملوك هذه المملكة مشتاهم باوجان، وفي بعض السنين ببغداد، وأما مصيفهم في قراباغ [1] «2» باللغة التركية وحتى البستان الأسود، وتربته سوداء، ثم قرى ممتدة، وهو صحيح الهواء والماء، كثير المرعى، وإذا نزل به الأردو، والأردو [2] هو محلة السلطان، وأحدث الأمراء به والخواتين منازلهم ينصب به مساجد جامعة وأسواق منوعة، يوجد بها من كل ما [3] في أمهات المدن الكبار، (حتى يكون للخياطات أسواق ومحلات) «3» ولا ينكر على أحد بل كل امرئ وما استحسن، وإنما الموجودات على كثرتها من (الملابس) «4» والمأكل والمشارب والماعون، وأجر الصنائع غالية جدا، لكلفة المحمل، ومؤنة الأسفار، حتى يبلغ الشيء ثمن مثله مرتين وأكثر. وأما الكلام في توريز فإنها مدينة غير كبيرة المقدار والماء مساق «5» إليها، وبها أنواع الفواكه، ولكنها ليست بغاية في الكثرة.

_ [1] قراباغ: إقليم ذات حكم ذاتي تابع لأرمينيا وواقع في آذربيجان، وهو قره باغ أي الحديقة السوداء باللغة التركية. [2] المعسكر. [3] وردت بالمخطوط كلما.

وأما أهلها فمن أظهر الناس حشمة، وأكثرهم تظاهرا بالنعمة، ولهم الأموال المديدة والنعم الوافرة والنفوس الأبية للدنايا، ولهم التجمل في زيهم جميعه من المأكول والمشروب، والملبوس والمركوب، وما منهم إلا من يأنف أن يذكر الدرهم في معاملته بل لا معاملة بينهم إلا بالدينار وهو مسمى عندهم بالرائج، عندهم ستة دراهم، هو معاملة تلك المملكة إلا بغداد وبلادها «1» وخراسان. فأما معاملات بغداد فستأتي في مكانها، وأما خراسان فدينارها أربعة دراهم، كما تقدم ذكره في مملكة ما وراء النهر، وفي بعضها هذا الرائج. ولنرجع إلى ما كنا في ذكره من أمور توريز، فذكرنا أنها مدينة ليست بخارقة في الكبر، ولا لها حواضر في خارجها، وهي اليوم أم إيران جميعا لتوجه القاصد (المخطوط ص 100) من كل جهة إليها، وبها محط رحال التجار والسفّار، وبها دور أكثر الأمراء الكبراء المصاحبين لسطاتها، لقربها من أوجان، وهي مستقر أكثر أوقاتهم، ويشتد البرد بتوريز كثيرا، وتتوالى الثلوج بها حتى أنه ليتخذ سروات أهلها في أدرهم أدر [1] «2» مستوية لا انفراج «3» وفي سقوفها ولا في دوائرها ولا ضوء لها إلا ما تؤديه طاقات حيطانها من وراء الزجاج المركب عليها. وأما السلطانية فأوسع بقعة وقضاء وأكثر فاكهة وماء، وهي مع كون بعض سلاطين هذا البيت أنشأها، إلمامهم بها أقل من توريز، وبها قلعة مبنية مرجلة على بسيطها، فأما الموجود بتوريز وبالسلطانية من الفواكه فمن أنواعها خلا ما لا يطلع في البلاد المفرطة البرد كالأترج والنارنج والليم والليمون والرطب والقصب والموز، وما يجري هذا المجرى، فإنه لا يجيء إليها إلا محمولا من العراق، هي بلاد ما

_ [1] أدر جمع مفردة دار، وتجمع دور وأدر.

للزيتون بها نبات، فأما ما عدا هذا من الثمار والرياحين وغالب الخضروات، فإنها لا تعدم، وأنواعها من كثير ومتوسط وقليل على اختلاف الشجر والنبات والقمح والشعير والحمص والعدس، والفول متوسط الوجود بها، ولو توفرت الدواعي على الفلاحة والزرع لكثرت مغلاتها، وعظمت جباياها «1» لكن «2» ملوكها لا التفات لهم إلى ذلك. فأما الأسعار بتوريز والسلطانية فمتى نزل السلطان على جهة، غلت أسعارها لكثرة أتباعه والنازلين معه، مع قلة الزرع في الأصل، وأما ما لا ينزل عليه السلطان، فأسعاره رخية، ولا إلى غاية، ولا يباع بتوريز والسلطانية وبلادهم (يعني أهل هذه المملكة غالبا) «3» ، في الغالب قمح ولا شعير ولا شيء مما سوى هذا إلا بالميزان، وليس لهم إلا المن [1] وهو بتوريز رطلان بالبغدادي فيكون زنته مائتين وستين درهما، وبالسلطانية المن زنته ستمائة درهم وأما معاملتهم فكما تقدم بالدينار الرائج. سألت الفاضل نظام الدين أبا الفضل يحيى بن (المخطوط ص 101) الحكيم عن السعر المتوسط في توريز والسلطانية، فقال: أما مع نزول السلطان فغلاء حيث كان، وأما مع عدم نزوله فلا يكاد يتفاوت، يباع الخبز كل منين بسدس دينار، وهو درهم واحد، وهكذا الشعير إذا رخص قليلا، وأما في السلطانية فعلى نسبة هذا السعر، وأما ما يباع بالأردو، فأغلى [2] لتكليفه حمولته، وأما اللحم في الكل فكثير جدا. ومما لابد من ذكره في هذه المملكة مدينة بغداد دار السلام ومدار الإسلام لأنه مما لا يجوز إهمال ذكرها وإخلاء هذا الكتاب من شيء عن حالها، فإنها، وإن لم

_ [1] المن: ميزان يختلف مقداره من مكان لآخر. [2] وردت بالمخطوط أغلا.

تكن اليوم كرسي ملك، فإنها كرسي ملك الوجود، وقد تقدم القول أن المنصور أبا جعفر [1] «1» بناها، وهي جنبان على ضفتي دجلة، شرقي وغربي كل منهما مدينة كبيرة عظيمة غنية بنفسها عن الأخرى، إحداهما بناء المنصور، والأخرى بناها «2» المهدي [2] موضع معسكره، وبينهما جسران منصوبان، أحدهما يعرف بالعتيق والثاني بالجديد [3] ، وهما منصوبان على دجلة شرقا بغرب على سفن وزواريق أوقفت في الماء، ومدت بينها السلاسل الحديد المكعبة بالكعاب الثقال، وفوقها الخشب الممدد وعليهما التراب مغدف بالقير [4] يمر عليها أهل كل جانب إلى الآخر بالجمال والخيل والحمول، وعلى ضفتي دجلة قصور الخلافة والمدارس والأبنية العلية، بالشبابيك والطاقات [5] المطلة على دجلة. وبناؤها بالآجر وهو المسمى بمصر الطوب، ومن بيوتها ما هو مفروش بالطوب وما هو مفروش بالقير، ولهم الصنائع العجيبة في التزويق بالطوب، وبها تتلاقى دجلة والفرات، وبها البساتين المونقة، والحدائق المحدقة. وأما النخيل فلثمراتها فضل على ما سواها من أنواع منوعة من التمر والرطب

_ [1] أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثالث، أنشأ بغداد ما بين سنة 145- 146 هـ وسماها مدينة السلام (انظر: بناء مدينة بغداد في كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 1/66- 79) . [2] المهدي: محمد بن المنصور ثالث خلفاء الدولة العباسية 158- 169 هـ/ 775- 785 م، اشتهر بحروبه مع البيزنطيين أنشأ الطرق العامة وحسن جهاز البريد (انظر تاريخ بغداد أو مدينة السلام لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى 463 هـ دار الفكر بيروت) . [3] انظر: ابن بطوطة 149. [4] مغدف بالقير: مغطى بالقير، من غدف وأغدف وأغدف الليل أرخى ستوره، والغدافى ما كان لونه أسود (المعجم الوسيط 2/669) . [5] طاق: فتحة جمعه طاقات وتعني النوافذ.

وبها أنواع الرياحين والخضروات والغلال، وسعرها متوسط في الغالب، لا يكاد يرخص، بها ديناران أحدهما يسمى العوان عنه اثنا عشر درهما، الدرهم بقيراط وحبتين، وذلك الدينار عشرون قيراطا (المخطوط ص 102) ، كل قيراط ثلاث حبات، كل حبة أربع فلوس نقرة [1] عن كل «1» فلسان أحمران. والثاني الدينار المرسل به أكثر ومبايعاتهم ومعاملات تجارهم عنه عشرة دراهم. فأما الرطل البغدادي فوزنه مائة وثلاثون درهما، والمن بها مثله من توريز، وهو رطلان بالتوراني، وأما كيل الغلال بها فأكثرها الكز [2] ، وهو ثلاثون كاره [3] وكل كاره قفيزان فيكون الكز ستون «2» قفيز [4] ، والقفيز مكوكان «3» والمكوك [5] خمس عشر آق [6] . وتختلف الكاره في الغلال والقمح والهرطبان «4» ، وهو كارة كل منهما مائتان وأربعون رطلا، وكارة الأرز ثلثمائة رطل، وكارة كل من الشعير والحمص والعدس

_ [1] النقرة هي الفضة (فرهنگ عميد 2/1915، فرهنگ رازي 959) . [2] الكز: گز مقياس يعادل متر، وهو كز بالكاف الفارسية (فرهنگ رازي 758) . [3] كاره: مقياس قديم. [4] وردت بالمخطوط قفيزان، والقفيز مقياس قديم (فرهنگ رازي 665) . [5] مكوك: مكيال قديم يختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، قيل: يسع صاعا ونصفا، جمعه مكاكيك (المعجم الوسيط 2/917) . [6] آق: هي آقة: نقل قدره أربعمائة درهم أو ثمانية وأربعون ومئتان وألف جرام، بطل استعمالها في مصر جمعه أقق (المعجم الوسيط 1/22) .

(والهرطبان) «1» مائتا رطل، وكارة الحبة السوداء المسماه بالشونيز مائة رطل. قال الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم إن القانون ببغداد أن كز القمح تسعة وثلاثون دينارا ونصف دينار، والشعير خمسة عشر دينارا، كلاهما من العوان «2» . قال: ولعل هذا السعر المتوسط، لا يكاد يميل فيه القانون عن معدله، وأما إذا كان المشتى ببغداد، فناهيك بقلة الأقوات والغلاء الزائد، وإذا شتى السلطان ببغداد (ناهيك بقلة الأقوات) «3» ، نزل بدار تعرف بالجاثليق [1] من أدر الخلافة، وهي الآن باقية البناء تامة البهجة صالحة لمنازل الملوك. قال قاضي القضاة أبو محمد الحسن الغوري أنها ليست من ديار الخلفاء، بل هي دار الدوادار [2] الكبير وكان قد نزلها الجاثليق في زمان هولاكو، وكان معظما عنده لمكانته من قطر خاتون زوجة هولاكو [3] . ولقد «4» سألت الصدر مجد الدين «5» بن الدوري عن السبب في قلة الغلال ببلاد العراق مع امتداد سوادها وقبول أرضها للنبات، فقال: لهذا سببان قلة الزّراع لما استهلكه القتل زمان هولاكو، ومبرة العراق لما جاوره من البلاد.

_ [1] الجاثليق: رئاسة الكهنة السريان في بلاد المشرق (الأعلام للزركلي 5/308 ومقدم الأساقفة جمعه جثالقة (المعجم الوسيط 1/111) . [2] الدوادار: من الكلمة دوات دار أي صاحب الدواة، يعني الكاتب (انظر: فرهنگ رازي 356) . [3] قطر خاتون زوجة هولاكو هي دوقوز خاتون كانت مسيحية وهي ابنة ملك الكرايت (جامع التواريخ 2/220) .

وببغداد خاصة وهذه المملكة عامة الآثار الجميلة والآثار الباقية من الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق [1] (المخطوط ص 103) والربط والبيمارستانات [2] «1» والصدقات الجارية ووجوه البر المتعددة. ومن يوفى صفات محاسن العراق «2» ، وقد كانت قبلة ملوك الآفاق، وما بالعهد من قدم، ومنها قلائد الأعناق، وترابها لمى القبل وإثمد الأحداق. وسألت الفاضل نظام الدين أبا الفضائل يحيى بن الحكيم إن كانت الأوقاف باقية في نواحي هذه المملكة عليها الآن أم تناولتها أيدي العدوان، فأخبرني بأنها جميعها جارية من مجاريها، لم يتعرض إليها متعرض لا في دولة هولاكو ولا فيما بعدها بل كل وقف بيد متوليه ومن له الولاية عليه وكل ما يقال من نقص أحوال الأوقاف بإيران جميعا هو من سوء ولاة أمورها لا من سواهم. وحدثني هذا الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري بكثير من أحوال هذه المملكة وقواعد ملوكها وترتيب جنودها وجيوشها، فمما حدثني أن السلاطين بها لا التفات لهم إلى أمر ولا نهي في البلاد، ولا في متحصلات الدخل والخرج فيها بل الوزير هو حامل هذه الأعباء، وله التصرف المطلق في الولاية والعزل والعطاء والمنع، لا يشاور السلطان إلا على ما جل من المهمات، وفيما قل من الأمور، بل هو السلطان حقيقة، وصاحب البلاد معنى، وإليه ترجع الأمور كلها، وبيده عقدها وحلها. فأما أمر الجيوش والعساكر فإلى كبير أمراء الألوس وهو المسمى بكلاري بك،

_ [1] خوانق جمع مفرده خانقاه، مكان يقيم فيه المتصوفة، وهي الصومعة والتكية (فرهنگ رازي 261) . [2] البيمارستانات جمع مفرده بيمارستان، وترد أحيانا مارستان في الفارسية وغالبا في العربية وهي دار الشفاء (فرهنگ رازي 74) ويذكرها ابن بطوطة مانستار (رحلته ص 235) .

أي أمير الأمراء، كما كان قطلوشاه [1] مع السلطانيين محمود غازان وأخيه محمد خدابنده وجوپان مع محمد خدابنده ثم بعده مع ولده السلطان بو سعيد بهادرخان، وهذا القائم الآن الشيخ حسن بن حسين بن آقبغا [2] مع أنه السلطان محمد بن طشتمر [3] بن استمر بن عبرجى «1» وأمراء الألوس أربعة بكلاري بك، وثلاثة آخر، ويسمى هؤلاء الأربعة أمراء القول، ويشترط أن يكون هؤلاء هم الذين تكتب أسماؤهم في اليراليغ [4] والفرمانات [5] بعد اسم السلطان، ثم اسم الوزير بعدهم ولا يتوقف في كتابة (المخطوط ص 104) اسم من الأسماء ممن هو غائب منهم عن الأردو، بل تكتب أسماؤهم كلهم، حضر منهم من حضر وغاب منهم من غاب، وكل ذي سيف لا يخرج أمره عن القائم بهذه الوظيفة التي هي إمرة أمراء الألوس، وكل ذي قلم ومنصب شرعي لا يخرج عن الوزير، وطبقات الأمراء أعلاها والنوين [6] وهو أمير عشرة آلاف، ثم أمير ألف، ثم أمير مائة، ثم أمير عشرة، هذه طبقات رتبهم لا نقص فيها ولا مزيد عليها وعامة العسكر لا تزال أسماؤهم في دواوينهم على الإفراد بل كل طائفة عليهم في الديوان فارس معين، إذا رسم له بالركوب، رعبوا «2» منهم العدة المطلوبة.

_ [1] قطلوشاه أو قتلوشاه من كبار القادة المغول، قتل سنة 707 هـ (انظر: الدرر الكامنة 7/339) . [2] حسن بن حسين بن أقبغا وهو ابن عمة السلطان أبو سعيد بهادر وقد تغلب على الملك بعد موت السلطان (انظر رحلة ابن بطوطة 154) . [3] طشتمر بن اسنتمر بن عبرجي هو طاش دمر. [4] يراليغ جمع مفرده يرليغ وهي كلمة مغولية بمعنى حكم أو أمر (فرهنگ رازي 1038) . [5] الفرمانات جمع مفرده فرمان والفرمان هو الحكم والأمر. [6] نوين: نوين ونويان، لفظ مغولي لأمراء وقواد المغول الكبار (فرهنگ رازي 971، فرهنگ عميد 1/234- 235) ونوين معناها رئيس تومان أي رئيس فرقة مكونه من عشرة آلاف (انظر حاشية كاترمير على جامع التواريخ 86- صبح الأعشى 4/423) .

وسألت الفاضل أبا الفضائل يحيى بن الحكيم عن مقدار عدة الجيش فقال: أما المنزل في دواوينهم فما يبلغ عشرين تومانا [1] ، وأما إذا أرادوا ركبوا بثلاثين تومانا، وما يزيد عليها وهم اليوم في انبتات شمل «1» ، وشتات آراء، لا يلتم لهم جمع، ولا يضمهم وفاق، قلت له: فكم مقدار «2» ما لهؤلاء من الأرزاق؟ فقال: أما ما هو مستقر لهم في دواوينهم من زمان هولاكو فلا يرضى أحدهم من كبارهم به ولا بأضعافه مرات، وأما الصغار فما يتجاوز واحد منهم المستقر له. قلت: فكم هو المستقر في الديوان؟ وبكم يقنع كبارهم الآن؟ فقال لي: المقرر من قديم لكل نوين أمير تومان، تومان وهو عشرة آلاف دينار رائج عنها ستون ألف درهم، وأما اليوم فما يقنع النوين منهم إلا بخمسين تومان وهي خمسمائة ألف دينار رائج، عنها ثلاثة آلاف ألف درهم، ومن خمسين تومان إلى أربعين تومان، وأما كبيرهم بكلاري بك فالذي استقر لجوبان ثم لمن بعده ثلاثمائة تومان، وهي ثلاثة ألف ألف دينار عنها ثمانية عشر ألف ألف درهم، مع ما يحصل لكل من أمراء الألوس الأربعة من الخدم الكثيرة في البلاد جميعها عند تقديرات الضمان لها على ضمانها، على ما تنبه عليه في موضعه. قال: وأما أمير الألف ومن دونه فلا يتجاوز أحد منهم مقرره القديم في الديوان لأمير الألف ألف دينار رائج عنها ستة آلاف (المخطوط ص 105) درهم، وأما أمير المائة والعشرة «3» ، وكل واحد من العسكرية أي الجند، فمائة دينار رائج، عنها ستمائة درهم لا تفاوت بينهم، هذا هو المقرر الجاري من قديم، وإنما تبقى مزية أمير المائة أو العشرة أنه يأخذ لنفسه شيئا مما هو للعسكرية.

_ [1] تومان: قائد ألف في العصر المغولي (فرهنگ عميد 1/234) وهي تعادل عشرة آلاف دينار (فرهنگ رازي 179) وتومان تعني عشرة ريال في العصر الحديث.

ولكل طائفة أرض لنزولهم توارثها الخلف عن السلف منذ ملك هولاكو هذه البلاد، فيها منازلهم، ولهم بها مزدرع لأقواتهم، لكنهم «1» لا يعيشون بالحرث والزرع. هذه جملة ما هو لعساكر إيران مما ازداد، وما هو مستقر في الديوان، وأما الخواتين فالذي لهن الآن منه ما يبلغ للخاتون الواحدة، مائتا تومان، وهو ألف ألف دينار، عنها اثنا عشر ألف ألف درهم، وما دون ذلك إلى عشرين تومان، وهو مائتا ألف دينار عنها ألفان ألف ومائتان ألف درهم. وقال لي الفاضل أبو الفضائل [1] يحيى بن الحكيم: وهذا قد يزيد وينقص. وأما الوزير فله مائة وخمسون تومانا، هو ألف ألف وخمسمائة ألف دينار رائج، عنها تسعة آلاف ألف «2» درهم، قال: ولا يقنع بعشرة أضعاف هذا في تقارير البلاد. وأمّا الخواجكية [2] من أرباب الأقلام فمنهم من يبلغ في السنة ثلاثين تومانا، وهي ثلاثمائة ألف دينار عنها ألف ألف. وثمانمائة ألف درهم، قال: وبهذه المملكة ما لا يحصى من الإدرارات والمعيشات والمرسومات، حتى أن بعض الرواتب تبلغ عشرين ألف دينار، وأما الإدرارات من المبلغ أو القرى فإنها تبقى لصاحبها كللك «3» يتصرف فيه كيف شاء، من بيع وهبة ووقف لمن أرادوا المعايش لمدة الحياة غير المرسومات والإنعامات، قال: وهي ما لا يحصى.

_ [1] ورد بالمخطوط أبي الفضائل. [2] الخواجكيه جمع مفرده خواجه وهو لقب يعادل كلمة السيد والرئيس، وهنا تعني الكاتب، وكان هذا اللقب يطلق على أهل العلم والأدب (انظر: فرهنگ رازي 290) .

قال: ومن هؤلاء من المستوفيين [1] من له الضبط على اتساع أقطار الممالك. قال: وأما وظيفة القضاة فعادة هذه المملكة أن يكون بها في صحبة السلطان قاضي قضاة الممالك وهو يولى في جميع المملكة على تنائى أقطارها إلا العراق، فإن لبغداد قاضي قضاة (المخطوط ص 106) مستقل بها، يولى بها، وفي بلادها جميع عراق الغرب «1» . وقال لي قاضي القضاة أبو محمد الحسن الغوري، أن آخر ما استقر له ست قرى وتومان «2» عشرة آلاف دينار في السنة. قال الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم: أن ملوك هذه المملكة وأمراءها «3» لهم ميل كلي إلى الشراب، فملوكها «4» اشتغالهم كله «5» بلذاتهم، وأمور دولتهم منقسمة بين أمراء الألوس والوزير على ما تقدم، ولاشتغال سلاطينهم «6» باللذات وانعكافهم «7» على منى نفوسهم، ومنتهى شهواتهم أعرضوا عن تدبير البلاد وأحوالهم، ولم يفكروا في مالها أن كثر أو قل، وبمملكتهم كيش [2] ونعمان، وهما مغامس اللؤلؤ، وبالدامغان في جبلها معدن ذهب. قال لي شيخنا الإمام العلّامة فريد الدهر شمس الدين أبو الثناء محمود

_ [1] المستوفى، هو المحاسب والمحصل للحقوق وهي وظيفة (انظر: فرهنگ رازي 860) . [2] كيس: تعجيم قيس، جزيرة في وسط البحر تعدين أعمال فارس وتعد من أعمال عمان (مراصد الاطلاع 3/1192) وهي الآن جزيرة كيش.

الأصفهاني: إن هذا المعدن قليل المتحصل لكثرة ما يحتاج من الكلف حتى يستخرج، وبشتكاره شرقي العجم البازهر [1] الحيواني، يوجد بمعاليق الأيائل وهو الذي لا يباريه شيء في مقاومة السموم. قال ابن البيطار [2] وأجوده الأصغر ثم الأغبر وخاصته النفع من السموم الحيوانية والنباتية، ومن عض الهوام ولدغها، وإذا شرب منه مسحوقا أو مسحولا وزن أثنى عشر شعيرة، خلص من الموت، وإذا امتصه تبادر للسم نقعه، وإن نثر على موضع لسع الهوام حين يلسع اجتذب السم، وبها الإثمد على مسافة يوم من أصبهان [3] في حفر بالأرض، وهو الذي لا يقوم شيء مقامه، وإنما قل النوع الجيد الآن. سألت شيخنا شمس الدين محمود الأصفهاني عن سبب قلته، فقال: لانقطاع عرقه، فما بقى منه يوجد إلا ما لا يرى منه. وبهذه المملكة مستعملات «1» القماش الفاخر من النخ والمخمل [4] والكمخا والعتابي والنصافي والصوف الأبيض المارديني [5] ، وهو في النهاية في بابه، ويعمل

_ [1] البازهر: هو من الكلمة الفارسية پادزهر المأخوذة من الپهلوية Patyahr وتعني ضد السم، الترياق المضاد للسم (فرهنگ عميد 1/417) . [2] ابن البيطار: أبو محمد عبد الله بن أحمد ضياء الدين ابن البيطار المالقي عالم النباتات والأعشاب، ولد أواخر القرن السادس الهجري، له الجامع في الأدوية المفردات أو الجامع لمفردات الأدوية والأغذية (دائرة المعارف الإسلامية 1/226- 227) . [3] أصبهان هي أصفهان إحدى المدن الإيرانية مجاورة لبلاد اللور (ياقوت الحموي 2/404) . [4] النخ والمخمل: النخ نوع من القماش القطني أو الحريري (فرهنگ رازي 944) والمخمل نوع من القماش الناعم (فرهنگ رازي 839) . [5] الكمخا والعتابي والنصافي والمارديني: أنواع من الأقمشة.

البسط الفاخرة في مواضع بها مثل شيراز [1] وأقصرا [2] وتوريز. وحدثني (المخطوط ص 107) شيخنا فريد الدهر شمس الدين أبو الثناء محمود الأصفهاني أن بمدينة قمشمير مسرة «1» ثلاثة أيام عن أصفهان عين ماء سارحة نزرة «2» ، يسمى ماؤها بماء الجرادلة، خاصيته أن يحمل من مائها في إناء إلى الأرض التي أتاها الجراد، فيعلق ذلك الإناء في تلك الأرض، فيقصدها ما لا يحصى من طير، يقال له سار [3] يأكل ما فيها من الجراد حتى يفنى «3» . قال شيخنا شمس الدين: وتعليق هذه الإناء شرط في خاصيته، بحيث لا يمس الأرض من طريقه ولا في مكان تعليق. وحكى لي الأمير السيد المجيد في كتابه محمد بن حيدر الشيرازي أنه بين الدامغان واسترآباذ من خراسان عينا ظاهرة إذا ألقى فيها نجاسة، فار ماؤها وأزيدت وتكدر جوها [4] «4» . وحدثني شيخنا فريد الدهر شمس الدين الأصفهاني أن بمازندران، وهي المسماة طبرستان عين ماء، من حمل من مائها، تبعته دودة طول أنملة الإنسان، فلو

_ [1] شيراز: قاعدة فارس، وهي مدينة أصيلة البناء، تضارع دمشق (انظر: وصفها عند ابن بطوطة ص 136) . [2] أقصرا: من بلاد الروم وتابعة لملك العراق (انظر: رحلة ابن بطوطة 196) . [3] سار: طائر صغير أكبر من العصفور يظهر أول الربيع غذاؤه العنب والتوت، لحمه حلال (فرهنگ عميد 2/1143) . [4] وردت هذه القصة عند كثير من المؤرخين وفي أماكن أخرى فقد ذكرها ميرخواند في كتابه روضة الصفا (انظر: الترجمة العربية ص 132) كما ذكرها نظام الدين أحمد في طبقات الكبرى (انظر: الترجمة في رسالة دكتوراه للمحقق بجامعة القاهرة 1/6، وعند ابن الأثير في كامله 7/87، وابن كثير في البداية والنهاية 11/286) .

حمل الماء تسعة، وكان معهم عاشر لم يحمل الماء، تبع كل واحد ممن حمل دودة، ولم يتبع العاشر الذي لم يحمل شيئا، فإن قتل واحد منهم تلك الدودة استحال الماء مرا لوقته، واستحال ماء كل من هو وراءه مرا، وأما من هو على جانبه فلا يستحيل ماؤه. ومن عادة هذا السلطان أن يصحبه في الأردو في كل حل ومرتحل أعيان من العلماء والمدرسين برواتب جاريات «1» على السلطان، ومع كل منهم فقهاء وطلبه، وهؤلاء هم المسمون بمدرس السيارة، ومعهم أعيان الحواصلية الرؤساء، وطوائف الدواوين والكتاب ومن جميع أرباب الصنائع والمهن، حتى يكون الأردو كالمدينة العظيمة، ينزل ويرحل معه «2» ، وأخبرني الصدر مجد الدين إسماعيل السلامي أنه يوجد بالأردو خيم وخركاوات منصوبة تكترى للناس [1] لمن يصحب الأردو وماله مأوى أو من يجيء غريبا إليه، يكتريها، وينزل فيها، وبها الكبار والمتوسطات والصغار وأسواقهم «3» ، وهي المسماة بالبازار [2] ، مشتملة على ما يكون في المدن العظام من الملبوس والمطعوم والمشروب وغير ذلك بما لا حاجة بنا إلى ذكره، وليس يعترض ناسكهم على فاتكهم، ولا قاتلهم من باسلهم. ومن قاعدة هذا السلطان أنه إذا نزل منزلا وهو المسمى عنده البيرق [3] ، ينصبه بالبعد منه علمان لا يتجاوزهم راكبه، وأمراؤه يلتزم معه أعظم الآداب، فما منهم أحد إذا قارب خركاه القان على نحو عشرين علوة نشاب أو أكثر إلا ينزل عن فرسه ويمشى.

_ [1] تؤجر للناس. [2] البازار: السوق (فرهنگ رازي 42) . [3] يرق: وهي يورت بمعنى مقام، خيمة (فرهنگ رازي 1043) وتأتي بمعنى أردو (تركستان 561) .

قال لي الصدر مجد الدين إسماعيل أنه رأى جوبان على ما كان بلغ من العظمة، وبو سعيد معه اسم بلا معنى، وهو متى وقعت عينه على الأردو، نزل، ومشى، فيتعب لبعد المسافة، فيقعد على كرسي صندلي [1] ليستريح، ثم يمشي، ثم يقعد ليستريح مرات حتى يصل إلى باب الكرباس [2] وهو باب الخان. قال: ولكل من الخواتين، وكل من الأمراء الأكابر يرق [3] بذاته، ينزل فيه، وكل يرق من هذه كاهل بالأسواق، وكل ما يحتاج إليه من عادة هذا السلطان أن لا يعمل مراكب ولا يجلس لخدمة، ولا لقراءة قصص [4] عليه، وإبلاغ مظالم إليه بل له من أبناء الأمراء خاصة له، يقال لهم الأبناء، فيه هؤلاء هم «1» ، لا يكاد منهم من يفارقه. فأما الأمراء فإنهم يركبون في غالب الأيام إلى باب الكرباس [5] ، وينصب لهم هناك كراسي صندليه [6] «2» ، يجلس كل أمير على كرسي بحسب مراتبهم الأعلى ثم الأدنى، ويدخل الوزير في بكرة كل يوم على القان، ويبقى الأمراء على باب الكرباس، إما يخرج القان أو يأذن لهم أو لا هذا ولا هذا، فإذا حضر طعام القان، بعث إلى كل أمير منهم شيئا للأكل بمفرده، يأكل هو ومن انتظم معه، لم يتفرقون كل واحد إلى برية من أنفق يخصون من الأمراء من حضر ومن لم يحضر لم يطلب بحضور إلا أن دعت الحاجة إلى طلب أحد منهم طلب.

_ [1] صندلي: وهو الكرسي (رازي 564) . [2] الكرباس: بفتح كاف، قماش من خيوط القطن ينسج باليد (فرهنگ رازي 695) . [3] يرق وهي يورت بمعنى المقام والخيمة. [4] شكاوى. [5] الكرباس: قماش قطني مصنوع باليد. [6] كراسي صندلية: وهي كنبة بمخدع، كرسي مخصوص بجوانب (فرهنگ رازي 564) .

ولهؤلاء شغل شاغل بالركوب إلى الصيد في غالب أيامهم فهم يجتمعون بعضهم ببعض «1» ، ولهذا ما لهم يوم مخصوص بموكب ولا خدمة، فأما من له ظلامة، فشكواه إن كانت متعلقة بالعسكرية (المخطوط ص 109) إلى أمير الألوس، وإن كانت متعلقة بالبلاد والأموال والرعايا فشكواه إلى الوزير، وفي الغالب ما يكون أمير الألوس بالأردو، ولانفراد في المصيف أو في المشتى أو الصيد أو قصد ثغر من الثغور، فغالب الشكاوى على إطلاقها مردودة إلى الوزير. وليست في هذه للبلاد قاعدة «2» محفوظة تمشي على نظامها، بل كل من انضوى إلى خاتون من الخواتين أو أمير من الأمراء أو كبير من الخواصكية، قام بأمره إما في قضاء حاجة يطلبها أو إزالة ظلامة يشكوها حتى من الخواتين والأمراء، من يقتل ويوسط بيده بغير أمر القان ولا أمير الألوس. وأما اليرالغ [1] والأحكام الصادرة عنهم فالمتعلق بالأموال يسمى الطرطمغا [2] ، وهذه صادرة عن رأي الوزارة، وأمره والمتعلق بالألجية [3] «3» وهو البريد يسمى ... [4] «4» وهي أيضا صادرة عن الوزير، قد أقام لها أناسا بذاتهم، ومرجوعهم إليه، والمتعلق بالعسكر يسمى ... [5] «5» ، وهو صادر عن أمير الألوس.

_ [1] اليراليغ جمع مفرده يرليغ، لفظ مغولي بمعنى حكم، مرسوم (صبح الأعشى 4/423- 428) . [2] الطرطمغا: المرسوم الخاص بالأموال يسمى بهذا الاسم. [3] الالجية: المرسوم الخاص بالوزارة. [4] فراغ بمسافة 3 سم. [5] فراغ بمسافة 1 سم.

وليس لأحد على الجميع خط إلا الوزير، وإنما العادة أن يأمر الوزير بكتابة ما يرى، ثم تؤخذ خطوط المحدثين في ذلك الذي يكتب، ثم تحرر مسودة، وتعرض على الوزير، فيأمر بتبيضها، فإذا بيضت كتب- كما نبهنا عليه فيما قبل- اسم السلطان، ثم تحته اسم الأمراء الأربعة ويخلى تحته مكان، هو موضع خط الوزير، ثم يكمل اليرليغ [1] أو الحكم، ويختمه بالتاريخ شخص معد لذلك، غير من يكتب، ثم يأتي الوزير ويكتب في المكان الخالي فلان سوري «1» ، أي هذا كلام فلان، يسمى نفسه، ثم إن كان متعلقا بالمال، أثبت حيث يثبته مثله، وإلا فلا، وأما المتعلق بالعسكر فمنشأ الأمر فيه عن أمير الألوس، يأمر به ثم على بقية الترتيب، ولا خط لأمير الألوس بيده. وقاعدة أصحاب الولائم من الدواوين عندهم كما هو بمصر والشام، لا يعلم صاحب علامة حتى يرى خط نائبه عليه أولا، ليعلم أنه قد نزل عنده. وأخبرني الفاضل أبو الفضائل يحيى بن الحكيم أن الذي للأمراء والعسكرية لا يكتب (المخطوط ص 110) مرسوم، لأن كل طائفة ورثت [2] مالها في ذلك عن آبائها، وهم على الجهات التي قررها لهم هولاكو لا يتغير بزيادة ولا نقص، إلا أكابر الأمراء الذين حصلت لهم الزيادات، فإن ذلك الوقت كتب لهم بها بأمر القان، أصدر بها الوزراء عنه. قال: ومن الخواتين والأمراء من أخذ بماله أو بعضه بلادا مما له، وكثير من أخذ بلدا عن مبلغ متحصل ذلك الملك أضعافه. وأهل هذه المملكة قد داخلهم العجم، وزوجوهم وتزوجوا منهم، وخلطوهم بالنفوس «2» في الأمور فلهذا تفخمت قواعدهم، وجرت على عوائد الخلفاء والملوك

_ [1] اليرليغ: مرسوم. [2] كررت عبارة (طائفة ورثت) .

في غالب الأمور قوانينهم، ولقد كان هولاكو من أول ما أخذ بغداد على نية إجراء الأمور في مجاريها، وإبقاء الأحوال على ما كانت، ولكنه ما تهيأ له لشدة من كان معه على المغولية، وإفراط تخوف الناس منهم، فإنهم لكثرة خوفهم منه تجنبوا لقاءه، فزالت عنهم رتبهم، وتغيرت عليهم أحوالهم، ولقد كان يقنع منهم بالطاعة والانقياد والمداراة بالمال عن استئصال البلاء، ولكن المقادير لا ترد سهامها، ولا تصد أحكامها. وفي هذه المملكة عدة ملوك مثل صاحب هرى [1] ، وهي هرى «1» من خراسان في أخريات البلاد، مجاورة لكرمان، وبها ملك من بقايا ملوك السبكتكينية [2] يتوارثون ملكها، ذات بلاد وأعمال وجباية وأموال ولسلطانها عسكر يقال أنها عشرون ألفا، وهم لا يبلغون ذلك، وكان قد آل ملكها إلى غياث الدين محمد السبكتكيني [3] ، وإليه لجأ جوبان بن جلو أمير ألوس إيران في واقعته مع السلطان بو سعيد، فإن لصحبة كانت بينهما، وكان مع جوبان ولده خلوقان [4] وهو ابن السلطان «2» محمد اولجايتو خدابنده وهي أخت السلطان أبو سعيد، فتلقاهما وأنزلهما في القلعة عنده، ثم خنقهما، تقربا إلى السلطان بو سعيد، وبعث بإبهام جوبان، وكان بها (المخطوط ص 111) أصبع زائدة، إلى حضرة بو سعيد، إعلاما بتحقيق قتله.

_ [1] هراة: مدينة عظيمة من مدن خراسان بناها الإسكندر وحولها سور عظيم، وليس بخراسان أجمل ولا أعمر ولا خصب ولا أكثر خيرا منها (آثار البلاد 481) ولأهلها صلاح وعفاف وديانة (رحلة ابن بطوطة 254) . [2] نسبة إلى سبكتكين. [3] انظر القصة في رحلة ابن بطوطة 152- 153. [4] أولاد جوبان هم حسن وطالش ودمرطاش وقد فر الأخير إلى مصر وهناك قتل (رحلة ابن بطوطة 153) .

وكان بو سعيد قد تزوج ببغداد خاتون بنت جوبان بعد تحيده منه، فأمر بإقامة العزاء عليهما، ثم نقل جثتيهما إلى حضرته، وجدد العزاء عليهما، ثم حملا إلى مكة المعظمة، فطيف بهما، ثم حملا إلى المدينة الشريفة النبوية، فدفنا بالبقيع منها [1] ، ومات غياث الدين المذكور، وانتقل الملك بعده لولده. وهذه هرى مدينة جليلة من أجل مدن خراسان، مشهورة موصوفة بالحسن والنعمة، وبها الماء السارح والشجر الكثير، رخية الأسعار، حكمها حكم ما سواها من خراسان، إلا أنها مملكة تتداولها ملوك، وكلهم في طاعة صاحب إيران، وتحت أمره، وعسكر هرى من الفرس، وفيهم البهالوين [2] ذوو البأس والقوة. وأخبرني شيخنا فريد الدهر شمس الدين أبو الثناء محمود الأصفهاني، أن بالقرب من هرى شيخ موجود اسمه شهاب الدين أحمد الجامي، جليل القدر، واسع الحرمة والمال، له خمسة آلاف مملوك يصرفهم في أرزاقه، ومكاسبهم كثيرة ومستغلات أملاكه وزروعه وتربية دودة القز واستخراج الحرير له وعمله بما يجيء منه الجمل الكثيرة التي لا تكاد تحصر. قال: وهذا الجامي مرعى الجانب عند سلاطين إيران، كان يفرش سجادته إلى جانب السلطان خدابنده، فقيل لخدابنده: كيف بلغ هذا منك هذه الرتبة؟ قال: كنت مجردا في زمان أخي محمود غازان بستين ألف فارس، فضاق بنا الوقت لقلة ما نأكل نحن ودوابنا، فأقام بنا جميعنا هذا الشيخ أربعة أشهر من ماله. وحكى لي من أثق بقوله أنه رآه على منى وهو حاج ومعه ألف جمل «1» وأثقل عليها «2» أمواله وأثقاله.

_ [1] دفنا في مكة (رحلة ابن بطوطة 154) . [2] البهالوين جمع مفرده بهلوي ويعني الشجاع والبطل.

قال: ورأيت غياث الدين صاحب هرى واقفا في خدمة الجامي [1] ، والجامي قاعد لا يكترث بوقوف صاحب هرى بين يديه. وبهذه المملكة أبلة البصرة [2] وشعب بوان [3] ، (المخطوط ص 112) وهما نصف متنزهات الدنيا الأربعة ذات المحاسن المنوعة. فأما الأبلة فمدينة قديمة دثرت الآن، وبقى متنزهها على ما كان، والأبلة نهر مشتق من دجلة، مرفوع إلى البصرة يسقى بساتينها، والبصرة أشهر من أن توصف حدائقها الملتفة، وجداولها المحتفة، وما تفتر به رياضها من بدائع الزهرات، وتفردت به حدائقها من يانع الثمرات. قال الجاحظ [4] ، ونهر الأبلة سعة زيادة مقابلة نهر معقل، وبينهما البساتين والقصور العالية والمباني البديعة، يتسلسل مجراه، وتتهلل بكرة وعشاياة، وتظله الشجر، وتغنى به زمر الطير، وهي من الحسن حيث يشهد، العيان، ويظهر فنون الأفتان، والأبلة هي المدينة القديمة، وإنما اختطت البصرة، عوضها، وفيه يقول القاضي التنوخي [5] . [الكامل] .

_ [1] جامي: أبو نصر أحمد بن أبو الحسن المعروف بشيخ جام من مشايخ المتصوفة في النصف الأول من القرن السادس الهجري قضى عمره في الرياضة والإرشاد، مات سنة 536 هـ وله عدة كتب أهمها: أنيس التائبين، كنوز الرحمة، روضة المذنبين، بحار الحقيقة ومفتاح النجات وهو غير الشاعر عبد الرحمن الجامي المتوفى 898 هـ. (انظر: فرهنگ أدبيات فارسي 157) . [2] أبلة البصرة: بينها وبين البصرة عشرة أميال، كانت مدينة عظيمة يقصدها التجار من الهند وفارس (رحلة ابن بطوطة 127) . [3] شعب بوان: شعب بإقليم فارس به الرياض والأشجار الكثيفة والزهور الرقيقة، وهو مكان بديع. [4] الجاحظ: أبو عثمان عمرو بن بحر المعروف بالجاحظ، من كبار الأدباء العرب، ولد بالبصرة، كان معتزليا، عمر طويلا ومات سنة 255 هـ له: البيان والتبيين، والبخلاء، والحيوان، والتاج في أخلاق الملوك. [5] هو محمد بن محمد بن منجا زين الدين التنوخي (نسبة إلى عدة قبائل تدعى بتنوخ أقاموا بالبحرين) وهو الدمشقي ثم البغدادي الأديب المتوفي سنة 748 هـ، له: أقصى الغرب في صناعة الأدب (انظر: هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي، استانبول 1955 ج 2/154) .

أحببت إليّ بنهر معقل الذي ... فيه التسلى عن همومي معقل عذب إذا ما حل فيه ناهل ... فكأنه في ريق حبّ ينهل متسلسل وكأنه لصفائه ... دمع نجدى كاعب يتسلل وكأنه ياقوتة أو أعين ... زرق تلام فينها وتفصل عذب فما تدري أماء ماءوها ... عند المذاقة أم «1» رحيق سلسل وله بمد بعد جزر ذاهب ... جيشان يذهب «2» ذا وهذا يقبل وإذا نظرت إلى الأبلة خلتها ... من جنة الفردوس حين تخيل كم منزل من نهرها إلى السرو ... رفإنه في غيرها لا ينزل وكأنما تلك القصور عرائس ... والرّوض حلي وهي فيه ترفل غنت قيان الطير في أرجائها ... هزجا يقل لها الثقيل الأول وتعانقت تلك الغصون فاذكرت ... يوم الوداع وغيرهم يترحل ربع الرّبيع بها فحاكت كفه ... حللا بها عقد الهموم تحلل (المخطوط ص 113) . فمديح وموشح ومدثر ... ومعمّد ومحبّر ومهلل فتخال ذاعينا وذا خدا وذا ... ثغرا يعضض مرة ويقبّل ويحيط بالأبلة نهرها المشتق لها، ونهر معقل فلهذا صارت بين سلكيهما في أبهى منظر وأحرز معقل، وبها النخيل المايسات، القدود المائلات في خضر البرود، لا يفوق شيء رطبها الجنية، وثمراتها الهنية كأنها السكر المذاب بل شفاه لعمر معسولة الرضاب. وأما شعب بوان فهو بظاهر همدان، يشرف عليها من جبل يقال له بالفارسية

الرند، والشعب في سفحه تضاحك الأفق ثغر صبحه، والأنهار تنحدر «1» عليه من أعلى الجبل، ويناجيه صبها برقة الغزل يتيه «2» على أنديتها مقبلا، ويترامى على شفاهها الخو مقبلا، قد تكسرت على رباها، فأوهمت الغواني في حلاها، بقلب عواضها المخضرة كالعذار، والتفتت حدائقها إليها كأنها اعتذار، وهو من أبدع بقاع الأرض منظرا، وأندى دوحا نضرا. قال المبرد [1] : أشرفت على شعب بوان، فنظرت فإذا بماء منحدر كأنه سلاسل فضة، وتربة كالكافور، وروضة كالثواب الموشي، وأشجار متهادلة، وأطيار متجاوبة. ولقد حدثني من رآها، وطيب مفارقة بثراها، إنها تذهب بالألباب ويذهب بها عصر الشباب، لا تكاد الشمس تسقط من أردائها، ولا الكواكب تغيب من فرجات أغصانها. ولقد مر أبو الطيب المتنبي [2] بشعب بوان لما توجه إلى عضد الدولة بن بويه [3] واستطابة واستطال «3» نزولا به، واستطار إعجابا بما هزه فيه هزه الحمام من طربه، فلما سمع لغة أهل العجم، وقاس إلى فصاحة قومه البكم، استغرب بينهم

_ [1] المبرد (أبو العباس) 826- 898 م نحوي، ممثل مذهب البصرة، تلميذ المازني والسجستاني، علّم في بغداد من أشهر مؤلفاته الكامل المنجد في الأعلام 519) . [2] أبو الطيب المتنبي هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الكوفي الكندي، ولد بالكوفة سنة 303 هـ، نبغ في الشعر ومدح سيف الدولة الحمداني في سيفياته وكافور الإخشيدي في كافورياته وقتل سنة 354 هـ. [3] عضد الدولة بن بويه هو أبو شجاع فغا خسرو بن ركن الدولة حسن بن بويه، جلس على كرسي حكم فارس دكرمان سنة 338 هـ ثم أصفهان وضواحيها 356 هـ ثم الموصل وديار بكر وبغداد، وتوفي سنة 372 هـ (انظر: تاريخ گرديزى 146، ابن الأثير 7/100- 111، تكملة تاريخ الطبري 407، ابن الأثير 11/263، ابن مسكويه 2/300، روضة الصفا 188- 192) .

نفسه، فقال [1] : [الوافر] مغاني الشّعب طيّبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزّمان ولكنّ الفتى العربيّ فيها ... غريب الوجه واليد واللّسان ملاعب جنة لو سار فيها ... سليمان لسار، بترجمان (المخطوط ص 114) . «طبت فرساننا «1» والخيل حتى ... خشيت «2» وإن كرمن من الحران «غدونا تنفض الأغصان فيها ... على أعرافها مثل الجمان» «فسرت وقد حجبن الشمس عنّي ... وجيز من الضّياء بما كفاني» «وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفرّ من البنان» «لها ثمر تشير إليك منه ... بأشربة وقفن بلا أوان» يقول بشعب بوان حصاني ... أعن هذا يسارعن الطعان «3» وقد ذكرنا ما اشتملت عليه هذه المملكة الجليلة من الأقاليم، وجمل من محاسن هذه المملكة، ترتيبها، وسنذكر الآن ما لا بد منه فمن ذلك بلاد الجبال وهي تشمل على المياه التي تجري على البصرة والكوفة، وحدها الشرقي مفازة خراسان وفارس وأصبهان، والغربي آذربيجان، والشمالي الديلم والري وقزوين، والجنوبي العراق وخوزستان وتشتمل على مدن مشهورة ذكرناها فيما تقدم من الكتاب، وبلاد الديلم، وهي سهل وجبلان، فأما السهل فهو بلاد الجيل وما معها، وهي الآن بمجموعها تسمى كيلان [2] ، والجبل ممتد عليها من الجنوب إلى

_ [1] تم تشكيل الأبيات من الديوان. [2] كيلان هي گيلان وجيلان وبلاد إگليل. والجبل بين قزوين وبحر الخزر (آثار البلاد 353) .

الشمال، وطبرستان هي كيلان أو في حكمها وكذلك مازندران وكيلان، وإن كان من هذه المملكة فإنها مقررة لملوك سيأتي ذكرهم، وسجستان. ومنها هرمز بلاد تحيط بها مما يلي الشرق مفازة بين أرض بكران وأرض السند وبين سجستان وفارس، ومن ناحية الغرب خراسان وشيء من أرض الهند، وما يلي الشمال أرض الهند، ومما يلي الجنوب المفازة التي بين سجستان وفارس وكرمان وخراسان، ويشتمل على كور ويحيط به من شرقيه نواحي سجستان وبلاد الهند، وجبال الغور، وغربية مفازة القرية وناحية جرجان، وشماليه ما وراء النهر وشيء من بلاد الترك، وجنوبيه مفازة فارس وريفه، ومن الغرب من حبر قوس إلى الغرب، وفيها من حد جرجان وبحر الخزر إلى خوارزم تقويسا على العمارة. ومن الناس من بعد هراة (المخطوط ص 115) من خراسان ومنهم من بعدها بذاتها وأقدم مدنها بناء مرو الشاهجهان، يقال أنها من بناء ذي القرنين وهي أرض مستوية بعيدة عن الجبال، لا يرى فيها جبل، وهي كثيرة الرمال وفيها ظهرت دولة بني العباس في دار آل أبي النجم المعيطي، وأحصن مدنها مدينة نسا، وهي في غاية الحصانة كثيرة المياه والبساتين ومن خراسان قوهستان وأهلها كلهم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وأرمينية وآران وآذربيجان حدودها مما يلي الشرق الجبال وبلاد الديلم، وشرقي بحر الخزر ومما يلي الغرب حدود بلاد الأرمن، ومن جهة الشمال اللان وجبال القبق، ومن الجنوب العراق وبعض الجزيرة، وأجل هذه النواحي أذربيجان وأجل مدنها قديما أردبيل. قال: الزواوي: تكون أعمالها ثلاثين فرسخا، وبها كانت كبار الإمارة في صدر الإسلام ثم كانت تليها مراغة، وكانت قديما مقرا للجند وتليها أرمينية، وبينها وبين مراغة بحيرة كبودان وهي مالحة وليس بها سمك ولا دابة، وتختلف فيها المراكب بين أرمينية ومراغة وطولها نحو عشرين فرسخا، فأما قد بنيت توريز لم تبق بذكره معها سواها، وفي آران باب الأبواب وهي مدينة على بحر الخزر وهي ميناء ذلك البحر وإليها مرس السفن.

وكرجستان هي داخلة في حدود ما ذكرنا مع أرمينية ومدينتها تفليس [1] على نهر الكر، وقد تقدم ذكر الحال مفصلا فيما تقدم، والجزيرة وديار بكر وربيعة ومضر وهي ملاحقة لبلاد العراق وجزيرة العرب، والجزيرة بين الفرات ودجلة وقد كانت هذه بمجموعها مملكة جليلة قائمة بذاتها في الدولة الأتابكية وخوزستان وشرقيها حد فارس وأصبهان، وغربها رستاق واسط، وشماليها حد الصيمرة والكرج، كرج أبي دلف، وهو قصور مفرقة، والكر حتى يتصل على غربي الجبال أي إلى أصبهان، والجنوبي ينتهى بعضه إلى بحر فارس وبعضه (المخطوط ص 116) إلى رستاق واسط والبحر دائر عليها من آخر الشرقي إلى أول الغربي وجبال القفص والبلوص في حدها الجنوبي مما يلي الجنوب، قريبة من البحر وقريبها جبال الفضة، قريب مدينة جيرفت من كرمان وكلها جبال عامرة. وأما البلوص ففي سفح الجبال القفص، ولا يخاف أهل القفص من أحد إلا منهم وهم بادية يسكنون بيوت الشعر ولا يؤذون أحدا، وجبال بادن خصبة منيعة ذات أشجار، وكان أهلها مجوسا زمان بني أمية ثم أسلموا في أوائل الدولة العباسية وبقوا في منعة حتى وليّ يعقوب [2] وعمر ابنا الصفار [3] فملكوا جبالهم وكرمات، ومدينتهم السيرجان ثم جيرفت، وهي بلد متجر خراسان، والأختان التوأمان، وقد رخص فيهما الجمع بين الأختين والفريدتان اليتيمتان، ولا يوصف باليتم إلا الواحدة إلا إذا كانت اثنتين السمع والبصر، والبحر والمطر، وأفضل ما جهز له أبو بكر الجيوش، وفتحه عمر الفرقدان المعنقان والنيران المتألقان، مركز الأعلام،

_ [1] هي تبليس الحالية عاصمة جمهورية جورجيا. [2] يعقوب بن الليث الصفار، كان يعمل صفارا، استولى على بست وعلى سيستان، ثم استولى على إيران كلها وهدد بغداد، كان جاهلا، أسس الدولة الصفارية (انظر: روضة الصفا 57- 61، زين الأخبار 10، تاريخ گزيده 2، ابن الأثير 5/338) . [3] ورد بالمخطوط عمر، وهو في الأصل عمرو بن الليث الصفار أخو يعقوب، حكم بعده ولمدة ثلاث وعشرين سنة، حاربه إسماعيل الساماتي وقبض عليه وأرسله إلى الخليفة، ومات في حبسه (انظر: روضة الصفا 60- 64، الطبري 9/545، زين الأخبار 15، ابن الأثير 6/22، ابن كثير 11/38) .

والأعلام والسيوف والأقلام، قطبا تلك الدائرة وأفتا نجومها الزاهرة عراق العرب، وعراق العجم، وعراق العرب، والأول أكبر، والثاني أشهر لمكان الخلفاء منها، وكور عراق العجم عظيمة جليلة. ذكرنا فيما تقدم عنه ذكر الأقاليم ما نبني عليه، وأما عراق العرب فهو دونه، وإن كان غاية من الفخامة ونهاية في الضخامة، وكان ملوك الفرس دليران إيران [1] ومعناه....... [2] وهو اثنا عشر كورة. وقال الفاضل أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري البوسعيدي أن كل كورة منها استان [3] وطساسجه [4] ستون طسوجا وترجمة إجازة، وترجمة الطسوج ناحية، فالكورة الأولى كورة ستارسان فيروز وهو خمسة طساسيج وطسوج خانقين، ومن الجانب الشرقي سقى تامرا. والكورة الثانية كورة سار شادمهر وهي ثمانية طساسيج طسوج بشابور وطسوج نهر بوق وطسوج كلواذا وبها كلواذا، وهي (المخطوط ص 117) مدينة قديمة، وبها يسمى الكلدانيون الطائفة المشهورة المعدود منها كيومرث [5] وطهمورث [6]

_ [1] يقصد بعراق العجم إيران. دليرات إيران: أبطال إيران، ودليرات جمع مفرده دلير وهي كلمة فارسية بمعنى شجاع وبطل (فرهنگ رازي 350) . [2] فراغ بمسافة 5 سم. [3] استان: إقليم أو محافظة، كلمة فارسية من البهلوية Ostan وتعني ولاية (فرهنگ عميد 1/134) . [4] طساسجة جمع مفرده طسوج وهي من تسو التركية بمعنى جزء من أربعة وعشرين جزءا (انظر: فرهنگ عميد 1/576) . [5] كيومرث: أول ملك أسطوري حكم على الأرض وهو في العربية جيومرث وبالبهلوية گيومرد أوكيه مرت (حماسهء سراي در إيران تأليف د. ذبيح الله صفا تهران 1369 ش جاپ بنجم ص 399) . [6] طهمورث: تهمورث ملك أسطوري حكم بعد هوشنگ ورد في شاهنامة الفردوسي بأنه تعلم ثلاثين لغة وحكم ثلاثين عاما (حماسة سراي در إيران 418- 423) .

وجمشيد [1] والضحاك [2] وطسوج نهر بين طسوج جازر وطسوج المدينة العتيقة، وطسوج زاذان الأعلى، وطسوج زاذان الأسفل. والكورة الثالثة كورة سارشادقناد، وهي ثمانية طساسيج، طسوج رستاقياذ، وطسوج مهرود، وطسوج ستسل، وطسوج جلولاء، وطسوج الدسكرة والرساتيق. والكورة الرابعة كورة بارنجان خسره، وهي خمسة طساسيج، طسوج النهروان الأعلى، وطسوج النهروان الأوسط، وطسوج النهروان الأسفل، وطسوج بادريا، وطسوج باكسايا والكورة الخامسة كورة سارشاد سابور وهي خمسة طساسيج، طسوج دجلة والفرات، وطسوج الزندورة، وطسوج الثرثور، وطسوج الآسان، وطسوج الخوارج. والكورة السادسة، كورة ساشاد بهمن، وهو أربعة طساسيج، طسوج بهمن أردشير، وطسوج ميسان، وطسوج دست ميسان وهو الأبلة، وطسوج أثر قتادة. والكورة السابعة كورة ستان العليا وهي أربعة طساسيج، طسوج فيروز سابور وهي الأتيار، وطسوج مسكن وهو دحيل، وطسوج قطربل، وطسوج بادروبا. والكورة الثامنة وهي كورة سان سيربايكان وهي خمسة طساسيج طسوج نهر سبر وطسوج الرومتان، وطسوج كومي، وطسوج درفيط، وطسوج نهر جوير. والكورة التاسعة وهي كورة بدروبرشان وهي الروابي وهي ثلاثة طساسيج، طسوج الزاب الأعلى، وطسوج الزاب الأوسط، وطسوج الزاب الأسفل. والكورة العاشرة وهي كورة سنان تهقياد الأعلى وهي ستة طساسيج، طسوج بابل، وطسوج خطروبه (المخطوط ص 118) ، وطسوج الفلوجة العليا، وطسوج

_ [1] جمشيد: هو ابن تهمورث، حكم بعد أبيه، وهو أيضا من الملوك الأسطوريين (حماسهء سراي در إيران 424) . [2] الضحاك: هو الضحاك بن مرداس العربي الذي قتل جمشيد، وحكم بلاد إيران حتى قتله أفريدون البطل الأسطوري الإيراني (حماسه ءسراي در إيران 451 وما بعدها) .

الفلوجة السفلى، وطسوج النهرين، وطسوج عين التمر. والكورة الحادية عشر هي كورة ستان تهقياد الأوسط وهي أربعة طساسيج، طسوج الحبة والدواه، وطسوج سوار وباروسما، وطسوج باروسما، وطسوج نهر الملك. والكورة الثانية عشرة وهي تمام وهي كورة ستان تهقياد الأسفل، وهي خمسة طساسيج، طسوج فرات وبادفلى، وطسوج النسالحين، وطسوج تستر، وطسوج رومستان، وطسوج هرمز دخره. قلت: ولم أذكر مدن هذه المملكة هنا لكثرتها ولأنها قد تقدم عند ذكر الأقاليم بالا يحتاج معه إلى إعادة، ولا فيه نقص يفتقر إلى زيادة، والذي ذكرناه الآن من كور العراق هو عمل بغداد الداخل حسابه فيما يختص بها من السواد دون ما هو مفرد لبقية ما معها من المدن والبلاد، والذي أعدنا ذكره هنا مما تقدم ذكره إنما هو للإعلام بمقدار هذه الملكة، وما جمعت أطرافها من الأقاليم والأمصار «1» والممالك العظيمة والمدن الكبار، مما اجتمعت في جمعة الأكاسرة، ودأبت الدولة العباسية في تحصيله، وقد صارت كلها بيد ملوك بيت هولاكو. وهي واسطة الأرض وخالصة المعمور وسرة الدنيا وأسرة العلياء، فسبحان الله العظيم الوهاب الكريم يرزق من يشاء بغير حساب، ويعطى بلا احتساب لا راد لما قضى ولا مانع لما أعطى، يؤتى الملك لمن يشاء، وينزع الملك ممن يشاء [1] . على أن هذا البيت في وقتنا هذا قد وهي نظمه، وهوى نجمه، وهوان «2» على الناس أمره، وخمدت تحت الرماد جمرة منذ مات بو سعيد بهادر خان آخر ملوكهم،

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران 3: الآية 26] .

المجمع على طاعته، ثم هم بعده في دهياء «1» مظلمة، وعمياء معتمة، لا يقضي ليلتهم إلى الصباح «2» ، ولا جملتهم المفرقة إلى اجتماع، ولا فساد ذات بينهم إلى صلاح، في كل ناحية هاتف يدعى باسمه (المخطوط ص 119) وخائف، آخذا جانبا إلى قسمه، وكل طائفة تتغلب وتقيم قائما، يقول هو من أبناء القان، وتنسبه إلى فلان بن فلان، ثم يضمحل أمره عن قريب، ولا تلحق دعوته تبلغ حتى يدعى فلا يجيب، وما ذلك من الدهر بعجيب، وملوك هذا البيت، وإن كانوا ملوكا من قديم الزمان، وبينهم ما يكون بين الملوك من الشنآن، وكان متألفهم على ما وجدوا عليه آباءهم، لا ينيبون «3» للإسلام ولا يتركون آباءهم، فإنهم أهل همم تذل لها الجبال، وكرم تذهب به الأموال، فأما نجدتهم وبأسهم فأول دليل على مبلغهم منه ما ملكوه بسيوفهم من المشرق إلى الشام والي الآن ما تقادمت الأيام، وأما كرمهم قد ذكرنا منه ما يدل عليه. حدثني شيخنا فريد الدهر أبو الثناء محمود بن أبي القسم «4» الأصفهاني أطال الله بقاه أن خواجا رشيد الدولة [1] . وله ألف كتابا (سماه ... [2] ) «5» وقدمه

_ [1] خواجه رشيد الدولة هو فضل الله بن عماد الدولة أبي الخير الملقب برشيد، من وزراء وأطباء ومؤرخي إيران الكبار في العصر المغولي ولد في همدان سنة 645 هـ، والتحق ببلاط آباقا خان ثم غازان خان وكذلك خدم في عهد محمد خدابنده، قتل سنة 718 هـ، كان مؤرخا معروفا له مؤلفات مشهورة أهمها: جامع التواريخ وقد ترجم إلى العربية محمد صادق نشأت وآخرون (انظر: جامع التواريخ، رشيد الدين فضل الله الهمذاني نقله إلى العربية محمد صادق نشأت وآخرون القاهرة 1960، المقدمة ج 1/2 وما بعدها. [2] فراغ بمقدار 4 سم وأظنه كتاب جامع التواريخ.

للسلطان خدابنده، وقال له أن أرسطو عمل كتابا (المسمى ... «1» ) [1] وقدمه للاسكندر، فأجازه عليه ألف ألف دينار، وما أنت ممن يرضى أن يكون دون الإسكندر، فقبل خدابنده الكتاب، وأمر له بنظير ما أمر به الاسكندر لأرسطو، فأخذ به خواجة رشيد الدولة أملاكا وعقارا قيمتها قدر المبلغ ثلاث مرات، قال: والأملاك إلى الآن في يد أولاده وذريته. قلت: وأحب السلطان المذكور على ما بلغنا امرأة مغنية من بغداد، فأطلق لها ما لا يحصى وما لا يدخل في حساب. وحدثني من أثق به أن أبغا بن هولاكو كان يأنس برجل، فاتفق أن صحبه في سفر إلى جهة ما، وكانت يوم ذاك خزانة أموالهم، فأمر به أن يدخل إليها [2] ويأخذ ما أراد منها، فلما دخل إليها لم يأخذ سوى دينار واحد عمله في فيه، فلما حضر بين يديه سأله عما أخذ، فألقى الدينار من فيه، وقال: ياقان شبعت وامتلأت حتى خرج من فمي، فضحك، وأعجبه منه ما قاله، وأمر له بعشرة توامين؛ عنها مائة ألف رائج، بستمائة ألف درهم، فأخذها. وحدثني قاضي (المخطوط ص 120) القضاة أبو محمد الحسن الغوري أن فقيرا وقف بكيخيتو [3] في أيام سلطنته، وشكا إليه ضرره، فأمر له بثلاثة توامين، وهي ثلاثون ألف رائج بمائة وثمانين ألف درهم، فاستكثر هذا طاجار وزيره، (وما تجاسر أن يشاوره،) «2» فسكبها على نطع في طريق كيختو ليبصرها، فيستكثر المبلغ،

_ [1] فراغ بمقدار 4 سم. [2] تكرار «يدخل إليها» . [3] هو كيخانو بن آباقا خان بن هولاكو حكم ما بين سنة 690- 694 هـ (جامع التواريخ ج 2/14، تركستان 818) .

فلما عبر عليها كيخبتو رآها، سأل عنها: فقيل له هذا الذي رسمت به لذلك الفقير، فقال هذا هو بس؟، قالوا: نعم قال: والله مسكين أنا، والله «1» كنت أعتقد أنا أعطيناه شيئا، وهذا ما هو شيء، أعطوه مثله مرة أخرى، فأعطوه [1] .

_ [1] سبق للمؤلف أن ذكر قصة مشابهة مع القان الكبير.

الباب الثالث في مملكة الجيل

الباب الثالث في مملكة الجيل وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في بومن. الفصل الثاني: في توليم. الفصل الثالث: في كسكر. الفصل الرابع: في رسفت.

«1» ونحن نذكر في هذا الباب في رسفت «2» من مملكة الجيل [1] ما تيسر لنا ذكره جملة. حدثني الشريف محمد بن أحمد بن عبد الواحد الجبلي أن بلاد كيلان في وطأة يحيط بها أربعة [2] حدود، من الشرق إقليم مازندران [3] ، ومن الغرب موقان [4] ، ومن الغرب «3» عراق العجم، يفصل بينهما جبل يعرف مازندران «4» يعرف بأشناده في سفحه الجنوبي قرى ممتدة تسمى بلاد التارم [5] داخلة في مملكة كيلان، وبأيدي ملوكها، وهو جبل عال لا يرقى إلا من طلوع الشمس إلى العصر، وهو جبل مشجر. فيها «5» عيون كثيرة، وبه سكان من الأكراد، ومن الشمال بحر القلزم، ويأخذ على توريز فيه، وكيلان مشتمل على أربعة مدن كبار، لكل مدينة منها في الغالب ملك ينفرد بذاته بها، وأعمالها المضافة إليه «6» وهي بومن قريبة من الجبل إلى

_ [1] الجيل: طائفة تسكن گيلان أو جيلان، والجيلان نزل قوم من أبناء فارس من أهل اصطخر من طرف من البحرين (مراصد الاطلاع 1/368) . [2] وردت أربع. [3] مازندران: اسم ولاية طبرستان (مراصد الاطلاع 3/1219) . [4] موقان: ولاية فيها قرى ومروج يحتلها التركمان للرعي وهي من آذربيجان (مراصد الاصلاع 3/1335) . [5] بلاد التارم: كورة واسعة في الجبال بين قزوين وجيلان (مراصد الاطلاع 1/249) .

وسطه، وتوليم تليها إلى البحر بشرق، وكسكر [1] «1» تليها إلى جهة موقان مصاقبة للبحر، وطول مجموع كيلان مما في أيدي هؤلاء الملوك الأربعة وهو شرق بغرب نحو عشرة أيام، وعرضها، وهو جنوب بشمال نحو ثلاثة أيام تزيد وتنقص، وجميع أهلها حنابلة. قال: وهي شديدة الأمطار والأنهار كثيرة، والفواكه خلا النخل والموز وقصب السكر (المخطوط ص 121) والمشمش، ويجلب إليها المحمضات من مازندران، ومدن كيلان غير مسورة، ولملوكهم قصور علية، وجميع مباني كيلان بالطوب المشوي، مفرشة بالطوب مثل بغداد، مسقفة «2» بالخشب، وبعضها معقودة أقباء، وعليها قش مضفور [2] «3» ، وفي غالب ديارها آبار قريبة المستقى نحو ذراعين أو ثلاثة أو أقل، والأنهار تحكم «4» كل مدينة. وغالب أقوات كيلان الأرز، يعمل منه خبز مليح، ورقاق مع تيسر القمح والشعير، والغنم، والبقر كثيرة عندهم، وأسعارها متوسطة إلى أرخص «5» . وبها المساجد الجليلة ومدارس تسمى عندهم الخوانق، وزوايا وحمامات لطاف، يجرى إليها الماء من الأنهار، وبها الحرير الكثير، ولها حصون في نواحي مازندران وجزائر في القلزم، وبها رمان وبلوط وفواكه، ولا يجري بها ماء، وبها تحصنهم عند مغالبة العدو لهم.

_ [1] كسكر: كورة واسعة وقصبتها واسط القصب التي بين الكوفة والبصرة (مراصد الاطلاع 3/1166) وهي الآن تابعة لإقليم فارس. [2] وردت بالمخطوط مظفور.

ولملوكهم زي جميل على قدر دخل بلادهم، فإنه ليس بالكثير لضيق بلادهم، ولأنها لا مكس بها ولا مؤذي فيها، لهم أمراء الطبلخانات [1] ويركب الملك بالرقبة «1» السلطانية، والحجاب والسلاح داريه [2] والجمدارية [3] ، والجنائب المجرورة، ويركب الأمير ووراءه صاحب أربعة وخمسة «2» وأكثر، ولباسهم أقبية إسلامية ضيقة الأكمام وتخافيف صغار، ويشدون المناطق والبنود [4] ، وخيلهم براذين جياد مشكورة، وسروج منها المحلى بالفضة، وزيهم كلهم قريب من الزي العسكري الخوارزمي، ويتخذ بظواهر قصور [5] ملوكهم ميادين خضرا يعمل في أوساطها قصورا صغارا من الخشب، فيها جلوسهم للخدم والمظالم. وجميع جنود هؤلاء الملوك الأربعة نحو عشرين ألف (فارس ما بين ميدونه [6] ومطوعه [7] ممن يضمهم الجموع والحشود من الفارس والراجل) «3» ، وهؤلاء الملوك الأربعة لا يزال بينهم الخلق «4» حتى إذا قصدهم عدو (خارجي

_ [1] الطبلخانات جمع مفرده طبل خانه، بيت الطبل والمقصود بها هنا الأمراء الذين يدقون لهم الطبل. [2] السلاح داريه جمع مفرده سلاح دار وتعني حملة السلاح. [3] الجمدارية جمع مفرده جمدار وهو من اللفظ الفارسي جامة دار أي حملة الملابس (فرهنگ رازي 191) . [4] البنود جمع مفرده بند وتعني العلم الكبير. [5] وردت بالمخطوط قصورهم. [6] ميدانه أي المسجلين في الديوانه، والديوان وهو الدفتر يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء المعجم الوسيط 1/316) . [7] مطوعة هم المتطوعة الذين يتطوعون للجهاد ونحوه، يقال: لهم مطوعة بتخفيف الطاء (المعجم الوسيط 2/591) ويأتي اللفظ باسم غازيان واحدات (انظر: تركستان 1347) .

عنهم) «1» ، تألفت قلوبهم، واجتمعت كلمتهم، وصاروا حزبا واحدا على عدوهم، ولقد قصدوا أيام هولاكو فما قدر عليهم «2» ، ثم قطلو شاه في سبعين ألف فارس، وانتصر على صاحب (المخطوط ص 122) تومن وكسكر، وامتنع صاحب توليم، وضرب معه مصافا بالفارس والراجل، وحمل بنفسه قطلوشاه على أنه مقفل إليه، فلما قاربه أحسّ قطلوشاه بالغدر منه، فولى منهزما، فطعنه، فألقاه عن فرسه قتيلا، فنزل إليه، وقطع أذنيه بالحلقتين اللتين فيهما «3» ، ثم ركب وساق إلى التتار، وقطع عليهما المياه، وسد عليهم الطرق بالأخشاب العظيمة، فأفناهم إلا الشريد، وراحوا كلهم بين قتيل وغريق متوحل في الطين، وضال بالجبال وهم بحصانة بلادهم بالبحر من جانب وتوعير «4» المسالك إليهم، لا يدينون لملوك إيران ولا يطمع أحد في ملكهم. وطبرستان ومازندران والجبل كما قال الله تعالى وفي الأرض قطع متجاورات، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود [1] . قلت: وبما ذكر من شدة بأس أهلها ذكرت قول صاحب شاه آعا في تاريخ الفرس. وقد ذكر مازندران وعصيان أهلها قال: وهم مردة «5» . قال الشريف: وبلاد الجبل مقسومة بين ثماني «6» ملوك ملك باللاهجان [2]

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ [فاطر: الآية 27] . [2] وردت اللاهجان وهي اللاهيجان وهي بلدة منحازة عن بقية بلدان جيلان، يقطع بينهما نهر، وأهلها روافض زيدية في القرن الثامن الهجري (مراصد الاطلاع 3/1195) .

وملك سخام وملك يرشب وملك تسفت وملك بومن وملك توليم وملك كسكر وملك بنفس «1» ، منهم أربعة كبار وهم ملك بومن وملك توليم وملك كسكر وملك رست، والملوك «2» الأربعة الآخرون دون هؤلاء، ومع هذا فلا ينقاد منهم ملك لملك ولا يذعن أحد لآخر: قال: وجملة بلاد الجبل بلاد خصبة ورخاء ولحم وحب وفاكهة، أقطارها سخية، وأسعارها رخية، ولا يخطب بها للتتار، وإنما تضرب السكة باسم ملوك التتار، لأنه لو ضرب واحد من ملوك الجبل السكة باسمه، لم تخرج دراهمه في بلد جاره الآخر لشدة ما بينهم من الحقد، والجفوة «3» . قال: ولا يدخل بلاد الجبل مملوك ولا جارية بل كل أهلها أحرار، ولا يتعدى واحد منهم شأن أبيه، وما كان عليه حتى أن الفلاح منهم ليقتني العدد الكثير (المخطوط 123) من الخيل ليبيعها، ويربح بأثمانها، ومع هذا لا يتجاسر على ركوبها، ولو ركبها قتل، وبالجبل ربض وخوانيق وغالب ما يجري بها من أحكام مذهب الإمام أحمد بن حنبل [1] رضي الله عنه، ونحن لا نذكر ملوكها إلا أربعة «4» المشاهير المترجم لهم في هذا الكتاب على ما ذكرناه.

_ [1] أحمد بن حنبل: أحد الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة الكبار عاش ما بين 164- 241 هـ من أهل بغداد، اتصف بشدة تمسكه بالنزعة السلفية ومخالفته للرأي، قاوم المعتزلة من مشكلة خلق القرآن، سجن في عهد المأمون والمعتصم وعفا عنه المتوكل، له المسند (المنجد في الإعلام 6- 7) .

الفصل الأول في بومن

الفصل الأول في بومن

«1» صاحب بومن شافعي المذهب، دون من معه من بلاد الجبل، مذهب نشأ عليه ملوكها، وعسكره يزيد على الألف فارس، وهو صاحب اللاهيجان، بلادهم قليلة، وإنما غالب دخلها من التجار والحرير بهما كثير، ولهذا بينهما وبين التتار مكارمة ومهاداة، لدخول التجار لبلادهما «2» لجلب الحرير منهما، واحتياجهما «3» إلى ما عندهما من الحرير، على من يدخل إليهما «4» ، وبقية بلاد الجبل محتاجة أيضا إلى بومن، واللاهيجان من أجل هذا، وحاجتهما إلى بومن أكثر، لما يوجد بها من القماش والمعمولات، وبها فيما يحاذيها من الجبل معدن حديد. قال: وصاحب بومن يدعى النسب إلى بيت الشرف «5» ، وله اعتناء بأهل العلم والفضل، ولباس الملك والجند، والملك بها نوع من لباس التتار، ولباس علمائها قريب من زي التجار، ولهم عذبات [1] كالصوفية إلى قدامهم، وعامة أهلها كعامة من جاورهم.

_ [1] عذبات جمع مفردها عذبة والعذبة طرف الشيء يقال: عذبة السوط وعذبة اللسان وعذبة العمامة (المعجم الوسيط 2/611) .

الفصل الثاني في صاحب توليم

الفصل الثاني في صاحب توليم

«1» صاحبها أمره قريب من صاحب بومن، ولكن لا حرير ببلاده، وهو حنبلي المذهب، وعدة عسكره نحو ألف فارس وهم أفرس إخوانهم «2» ، ولصاحبها في وقتنا هذا على ملوك الجيل سيما استظهار، لأن عسكر توليم كان لهم في واقعة قطلوشاه اليد الطولى، والبطش الغالب، فثبت لهم في قلوب جيرانهم ما هو ظاهر عليهم إلى الآن، وزيها كزي أخواتها.

الفصل الثالث في كسكر

الفصل الثالث في كسكر

«1» وصاحبهما له جولة في ملوك توليم، وجيشه أكثر عددا من بقية ملوك الجيل، وبلاده أوسع وأرضه أخصب وأكثر حبا وفاكهة (المخطوط ص 124) وأغناما وأبقارا مما حولها، ولها رفق زائد ممن يجاورها من الأكراد، وما يجلبه إليها من الأجلاب، وأسعارها أرخى وأرخص مما سواها، وزيها كزي أخواتها.

الفصل الرابع في رسفت

الفصل الرابع في رسفت

«1» وهم أميل إلى الجبل، وأبعد عن البحر، وإنما رسفت أونى إلى الجبل منها، وهي مناسبة لأخواتها في غالب أحوالها، وهي كثيرة السمك والطير، ومنها الشيخ العارف السيد «2» عبد القادر الكيلاني [1] قدس الله روحه ونور ضريحه، وهو القليل مثلا، العديم «3» مثلا، الواحد علما وعملا، (وستأتي إن شاء الله ترجمته في مكانها) «4» .

_ [1] عبد القادر الكيلاني هو عبد القادر الجيلاني من أئمة التصوف، أمام زاهد من كبار المتصوفة، مؤسس الطريقة القادرية، عاش ببغداد، من آثاره الفتح الرباني والغنية لطالبي طريق الحق، فتوح الغيب توفي 561 هـ (المنجد في الأعلام 367) .

الباب الرابع في مملكة الجبال

الباب الرابع في مملكة الجبال وهي أربعة فصول: الفصل الأول: في الأكراد وفيه فصل جامع لأحوال سكان الجبال. الفصل الثاني: في اللّر. الفصل الثالث: في الشول. الفصل الرابع: في شنكاره. وبلادهم جميعا بلاد خصب زائد ومزارع وموارد وزروع وفواكه، وثمر متشابه وغير متشابه، وكلهم أهل غناء ودفاع وحصانة وامتناع.

الفصل الأول في الأكراد

الفصل الأول في الأكراد

«1» الذي نقول وبالله التوفيق، أن الأكراد، وإن دخل في نوعهم (كل جنس أتى ذكره في هذه الفصول، فإنهم جنس خاص من نوع) [1] عام وهم ما قارب العراق وبلاد «2» العرب دون من توغل في بلاد العجم، ومنهم طوائف بالشام واليمن، ومنهم فرق مفترقة في الأقطار، وحول العراق وديار العرب جمهرتهم، وغلب في زماننا بما يقارب ماردين، منهم إبراهيم بن علي المسمى بالعزيز مالو [2] ، واستفحل أمره، وقويت شوكته، واجتمعت عليه جموع وبرقت بها اسنة ودروع، وثوب باسمه الداعي، وتقيدت دون غايته «3» المساعي، ثم مات، وقام ابنه بعده، ولكنه ما حكى «4» الوالد الولد ولا سد الشبل موضع الأسد. وأما الفصل الجامع لأحوال سكان «5» الجبال (هؤلاء) «6» وغيرهم فإنا نقول وبالله التوفيق، أن المراد بالجبال على المصطلح (المخطوط ص 125) هي الجبال الحاجزة بين ديار العرب وديار العجم «7» ، وابتداؤها جبال همذان وشهرزور [3] ، وانتهاؤها صياصي الكفرة من بلاد التكفور [4] ، وهي مملكة سيس وما هو مضاف إليها بأيدي بيت لادن.

_ [1] وردت هذه العبارة التي بين القوسين في الحاشية. [2] هو إبراهيم شاه ابن الأمير سنيته تغلب على الموصل وديار بكر (رحلة ابن بطوطة 154) . [3] شهرزور كورة واسعة في الجبال بين إربل وهمذان (مراصد الاطلاع 2/822) . [4] بلاد التكفور هو تكفور ابن السلطان جرجيس وهي القسطنطينية العظمى (رحلة ابن بطوطة 232- 233) .

ولم أذكر من عشائرهم إلا من كنت به خبيرا، ولم أسم فيها منهم إلا بيت ملك أو إمارة ابتداء «1» بجبال همذان وشهرزور وأربل [1] ، وتنتهي إلى دجلة الجزيرة من كوار إلى الموصل، ونترك ما وراء النهر دجلة إلى نهر الفرات لقلة الاحتفال به على أن الذي ذكرته هو خلاصة المقصود إذ لم يبق إلا أكراد الجزيرة وقرى ماردين [2] ، وهم لكل من جاورهم «2» من الأعداء الماردين «3» ، مع أن أماكنهم ليست منيعة ومساكنهم للعصيان غير مستطيعة، فمنهم طائفة بجبال همذان وشهرزور يقال لهم الكورانية منهم جند ودعية، وكلهم أولو شوكة وحمية، مقيمون «4» ، بموضع يقال له ريادشت الأمير محمد، ومكان ثان يقال له درتنك «5» (أميرهم الأمير محمد) «6» . وعدة القوم تزيد على خمسة آلاف، لا بين بينهم ولا خلاف، ومن بعدهم الكلالية وهم قوم لهم مقدار وكمية، تعرف بجماعة سيف الدين صبور، ومقامهم دانترك ونهاوند إلى قرب شهرزور، وعدتهم ألف رجل مقاتلة وقوية وأميرهم يحكم على من جاورهم من العصابة الكردية حكم الملك على جنده ويقدر على جمع عدد أصناف عشيرته، لأنهم واقفون بصدق كلمته، وحسن سيرته. ومن الكلالية سوى هؤلاء [3] طائفتان؛ إحداهما مقيمة بنواحي دقوق وعددهم

_ [1] إربل: مدينة كبيرة في فضاء من الأرض واسع (مراصد الاطلاع 1/51) في شمال العراق. [2] ماردين: مدينة عظيمة على سفح جبل، من أحسن مدن الإسلام، لها قلعة تسمى الشهباء (رحلة ابن بطوطة 159) . [3] وردت بالمخطوط هاولاء.

ألف أو دونها، والأخرى باشنة من نواحي آذربيجان عدة رجالها مائتان، وكانوا أكثر من ذلك عددا، وأوفر مددا، لما كان الملك شرف الدين بن سلار صاحب أربل من جهة التتر قتله رجل من الكفار فعصى قومه على الكفار، وهاجر بعضهم إلى مصر والشام، وبقى ولده الأمير محمد حاكما على باشنه (المخطوط ص 126) من قبيلته وولده الأمير عثمان أميرا لمن أقام بوطنه من عشيرته، فلما توفى ولده توفاهم «1» سواهم. ويلي الكلالية بجبال همذان قوم يقال لهم رنكليه، أصحاب شجاعة وحيلة وعدتهم ألفان، يقال لهم جماعة جمال الدين بالان، يحكم على بلاد كنكور وما جاورها من البقاع والكور. وأما بلاد شهرزور فكان يسكنها طوائف من الأكراد قبل خراب البلاد، أكثرهم رجالا وأوفرهم أموالا إلا طائفتان؛ إحداهما يقال أنها اللوسة، والأخرى تعرف بالبابيرية، رجال حرب وإقبال وطعمة وضرب، نزحوا عنها بعد واقعة بغداد في عدد كثير من أهل السواد بالنساء والأولاد، وأخلوا ديارهم، ووفدوا إلى مصر والشام، وتفرقت منهم الأحزاب، وأصابتهم الأوصاب، وعظم فيهم المصاب، ولكل أجل كتاب، وقد بقى في أماكنهم، وسكن في مساكنهم قوم يقال لهم الخريسة «2» ، ليسوا من صميم الأكراد وببلاد شهرزور قوم أخر بينها وبين باشنة، يبلغ عددهم ألفي نفر، يقال لهم السيولية، ذوو شجاعة، وحمية لهم، وهم قسمان قسم تورك بن عز الدين محمود، والآخر قسم يعرف بالأمير داود، ويعرف بداوود بدران ثم يليهم الفرماوية وهم يسكنون بعض بلاد بستار، وبيدهم «3» من بلاد أربل أماكن أخر، يزيد عددهم على أربعة آلاف نفر، كان أميرهم أبو بكر [1] يلقب بسيف الدين، وتولاهم بعدهم «4» ولده شهاب الدين.

_ [1] وردت بالمخطوط أبي بكر.

ثم يليهم قبيلة يقال لهم الحسنائية، ذوو أنفس قوية، ينقسمون على ثلاثة بطون وهم نحو الألف، أكبر بطونهم طائفة عيسى بن شهاب الدين كراتي، ولهم الجفر لقلعة بري والحامي. وثاني بطونهم نفران نفر يقال لهم البلية والآخر يعرف بالجاكية «1» ، وكان الأمير عبد الله بن شهاب الدين زنكي أمير النفرين، وثالث بطونهم كان (المخطوط ص 127) لفخر الدين أمير قيم، والآن أخوه اختيار الدين عمر بن أبي بكر. وتختص الحسائية ببلاد الكركار «2» ، وتشاركهم الفرماوية في الخفارة المأخوذة «3» بدربند قرايلي مشاركة الآخرين. ثم يليهم «4» بلاد الكرجين ودقموق الساقية «5» ، عدتهم تزيد على سبعمائة، وكان أميرهم شجاع الدين بابكر، رمامي، ذابا عن دينه، محاربا عن حزبه، ومن ذلك موضع يقال له بين الجبلين من أعمال إربل، قوم يتخدمون للدولتين، ويدارون الفئتين، فهم في الشتاء يعاملون التتر بالمجاملة، وفي الصيف يعينون سرايا الشام في المجاملة، وعددهم كعدد الكلالية، وكان أميرهم تاج الدين الخضرين سليمان كاتبا ذابنان ولسان وفد إلى الباب الملكي المنصوري السيفي قلاوون [1] بمصر ثم اخترمته المنية، وعاد أولاده الأربعة إلى أوطانهم في الأيام العادلية الزينية مع عز الدين سنقر «6» من الشهرزورية والمبارز بن شجاع الدين من الأرخية، وبهاء الدين ابن

_ [1] قلاوون: من أكابر الأمراء المماليك زمن الظاهر بيبرس، تولى الحكم في مصر سنة 678 هـ، كسر التتار في حمص وغزا الفرنج غير مرة، توفي سنة 689 هـ (العبر ج 5/363) .

جمال الدين خوش من الحميدية، إذا لم يجدوا لهم في الدولة الزينية حرمة مرعية ولا أخبارا مرضية. ثم يلي هؤلاء من أربل المازنجانية، وهم طائفة ينسبون إلى الحميدية «1» ، لم يبق لهم أمير غير أمرائهم، وعدتهم تنضاف إليهم في شدتهم، ورخائهم، ولا تنقص عدة الحميدية عن ألف مقاتل، وهؤلاء هم المازنجانية، يتعانون الصلافة، ويتشبهون بالناس «2» في الآلات واللباس، لأن أميرهم كان من أمراء الخلافة من الدولة العباسية، لقب من ديون الخلافة بمبارز الدين واسمه كنك، وكان يدعى الصلاح وتنذر له النذور، فإذا حملت إليه قبلها، ثم أضاف إليها مثلها من عنده وصدق بهما معا «3» . قال الحكيم الفاضل شمس الدين أبو عبد الله محمد بن ساعد الأنصاري، وقد ذكره كان ذا شجاعة وصبر وتحيل ومكر وعقل وفكر وتدبير وسياسية وتثبت ورئاسة (المخطوط ص 128) لا يهمل عدوا لصغره وحقارته، ولا يهاب من أراد به سوءا [1] لعظمته وجسارته. نقل عن ابن الصلايا رحمه الله أنه قال حين أعطاه خبز «4» أبيه سيف الدين محمد، وحياه، لقد توسمت في هذا الشاب سعادة لم أتوسمها في أحد سواه، فكان كما توسمه الصاحب رحمه الله، فرآه كذلك، إذ أقام في «5» التتر في ذلك المقام، وتمكن ابن يافث من ابن سام، وتشتت «6» أهل الإسلام، وانحل ما عهد من النظام، ولم يبق من الرجال القادرين على القتال إلا سكان الجبال فما أعجز الكفار

_ [1] وردت سواء أ 128.

استئصالهم، وتحققوا أن سهامهم لا تنالهم، عاملوهم بالمكر والخديعة، وهادنوهم على تخلية الخراج، سدا للذريعة، وقدموا منهم اثنتين، وحكموهما عليهم من الوجهين. فما كان من وجه بلاد العجم كان مبارز الدين كنك، متحدثا فيه، وما كان من مدن العجم كان الأسدين منكاكين الحائز لنواحيه، وجعلوهما ملكين، وأعطوهما بائزتين «1» [1] ، ثم استنابوا لمبارز كنك في أربل وأعمالها، وصرفوه في سيفها ومالها، وأقطعوه عقر سوس «2» بكمالها، وأضافوا إليه هراوتل هفتون، وقدموه على خمسمائة فارس أو يزيدون. وسعد بسعادته قومه، وأناف على أمسه يومه، وكثر في عشيرته الأمراء لاشتباكهم معه في النسب، وغلب على أقرانه بعناية الدولة والدنيا لمن غلب، وكان ترى همته همة الشبان، وهو ابن تسعين، وتولى هذه المملكة وهو ابن نحو عشرين، ما قصده عدو إلا مكنه الله منه، ولا رسم ملك من ملوك التتر بقتله إلا هلك قبل نفاذ أمره وامتثاله، ولم يبلغ ما بلغ من ملكه «3» ، وكثرة رجاله، ولا تمنعه جباله، لكن سعادته وإقباله، ثم مات وخلقه ولده عز الدين وكان يكنى به «4» فيما ألف منه وعرف عنه، ثم أخوه نجم الدين خضر. وكان من الرفاهية على سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة [2] ، ونعم مما ترك أبوه موروثه إلي (المخطوط ص 129) حاشية

_ [1] يائزتين مثنى يايزة وهي مثل يارليغ (انظرهما: في موضع سابق) . [2] إشارة إلى قوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: الآيات 13- 16] .

وغاشية، وعقار وماشية، وسعادات قديمة وناشئة، ومكانة في الدولتين الإسلامية والتتارية لا تطاول، ورتبته عالية في الجهتين لا تحاول، وانبساط في اللذات، وشرف بالعرض والذات، ويد لا تقصر في أدب، ولا تبالي بلاغتها بما تنفق من كنوز الفضة والذهب. وكانت ترد على الأبواب السلطانية بمصر ونواب الشام منه كتب، تنهل بماء الفصاحة كالسحب، وتسرح «1» من إحبائها الأبكار العرب، ثم مات رحمه الله، وخلفه ولده، وجرى على سنته، وتمت به في أهل بيته منيته «2» . ويلي يسار وأعمالها وتل حفتون وبلادها، وبلاد السهرية المشهورين باللصوصية، وهي من بلاد شقلاباد [1] إلى خفتيان [2] أبى على، ويعرف بخفتيان الصغير، وما بين ذلك من الدست والدربند [3] الكبير، وهم قوم لا يبلغ عددهم ألفا، وحبالهم عاصية، ودربندهم بين جبلين شاهقين، يشقهما الزاب [4] الكبير، ويتقلب على صخورهما بصوت مفرع وهدير قوي، عليه ثلاث «3» قناطر اثنان منهما بالحجر والجير، والوسطى مضفور [5] من الخشب كالحصير علوها عن جهة «4» الماء مائة ذراع في الهواء، وطولها بين الجبلين خمسون ذراعا، في عرض

_ [1] شقلاباذ: قرية كبيرة في سفح الجبل المطل على آربل، بينها وبين إربل ثمانية فراسخ (مراصد الاطلاع 2/806) . [2] خفثيان: قلعتان عظيمتان من أعمال أربل إحداهما على طريق مراغة والأخرى في طريق شهرزور (مراصد الاطلاع 1/475) . [3] دربند بشروان وهو باب الأبواب (مراصد الاطلاع 2/521) . [4] هو الزاب الأعلى بين الموصل وإربل (مراصد الاطلاع 2/652) . [5] وردت بالمخطوط مظفور.

ذراعين، وقد ينقل تارة من أرضه فينقص من طوله أو يزاد في عرضه، ثم تمر عليه الدواب بأحمالها، والخيل برجالها وهي ترتفع وتنخفض، وتبسط وتنقبض، يخاطر المجتاز عليها بنفسه، ويغامر بعقله، وهم يأخذون الخفارة عندها يخيلون ما شاءوا بعدها. فإن الدربند مضيق على نهر عميق، وهم أهل غدر وخديعة، وقبائح شنيعة، لا يستطيع المسافر مدافعتهم فيه، بل ترضيه سلامته بنفسه. قال الحكيم شمس الدين محمد بن ساعد أن نسب أحد من الأكراد إلى الجن فهم هؤلاء حقا، وإن صعب مسلك دربند، فهذا أصعب المسالك، وأشقى، كان أميرهم الحسام بن عم قميان، أنقى ما ترك ولا أبقى، ومجاورهم قوم يقال لهم الزرزارية وهي كلمة أعجمية معناها ولد الذئب. (المخطوط ص 130) . ويقال أنهم ممن تكرد [1] من العجم المنسوبين إلى ملوكهم، ذكره بعض أهل التاريخ، ولهم عدد جم، منهم زراع وأمراء وأغنياء وفقراء، تبلغ عدة رجالهم خمسة آلاف، قليل بينهم الخلاف، ومنهم زهاد يشار إليهم، وفقهاء يعتمد في الفتوى عليهم. مساكنهم من مرت [2] إلى جبل جنجرين المشرف على أسنة من ذات اليمين، وهو جبل عال، مشرف بمكانه على جميع الجهات «1» ، كان هواه الزمهرير وكأنه للسحب مغناطيس، يجذبها بالخاصة، قد نصب عليه للتخدير ثلاثة أحجار، طول كل حجر «2» عشرة أشبار، وعرضه ربع هذا المقدار، وثخانته «3» تزيد على ذراع في

_ [1] أي صار كرديا. [2] مرت: قرية بينها وبين أرمية منزل واحد في طريق تبريز (مراصد الاطلاع 3/1254) .

التقدير، على كل من الثلاثة كتابة قديمة، لم يبق منها سوى المعالم، وهي من الحجر المانع الأخضر الذي لا يغيره البرد ولا الحر، ولا يتأثر «1» إلا في ألوف سنين، تاثير «2» لا يكاد يبين، فالوسط منها على بسطة رأس الجبل، والآخران في ثلث عقبتيه لمن صعد أو نزل، يقال أنها نصبت لمعنى الإنذار، وأن المكتوب عليها أخبار من أهلكه الثلج والبرد في الصيف، وهم يأخذون الخفارة تحته، ويدركون أو يوارون من هلك ببرده. وبيد الزرزاريه أيضا بلاد ملازكرد والرستاق بقلاعها ومزارعها وضياعها، ولا يحملون لأحد شيئا من ارتفاعها، وكان لهم أمير جامع لكلمتهم، مانع لشوكتهم «3» يسمى نجم الدين بن باساك ثم توفى، وتولاهم من بعده ولده المسمى جيده «4» ، ولما أدركه الأجل وتوفى، تولاهم ولده عبد الله، وكان لهم أيضا أمير شجاع عفيف له رأي وتدبير يقال له الحسام شير الصغير، حوله من عشيرته عصبة تسير بسيرته، وكذلك كان لهم أمير آخر جيدا «5» يسمى باساك. ابن الحسام شير الكبير، وآخر منهم له بأس قوى يدعى بهاء الدين بن جمال الدين أبي علي، وأمراء غير هؤلاء ممن ينطوى في طاعتهم ويدخل في جماعتهم، إذ لا يبلغ قدر استطاعتهم يستغنى عن ذكر اسمه بمن تقدم. وينضم إلى الزرزارية شرذمة قليلة العدد هي لهم كالمدد تسمى (المخطوط ص 131) باسم قرينتها بالكان، منفردة بمكان، مشرف على عقبة الخان، يأخذون عليها الخفارة باليد القوية، ويجولون بين الحسائية، قتل أميرهم توبك «6» مع نجم الدين، وعاد قومه لهم بالرعية «7» ، يبلغ عدتهم ثلاثمائة رجل. ومنهم الجولمركية [1] ، وهم قوم نسبوا إلى الوطن، لا إلى النفر، بل هم طائفة

_ [1] جولمكرية نسبة إلى جولمكر.

من بني أمية، يقال أنها حكمية [1] ، اعتصموا بالجبال، عند غلبة الرجال عليهم، واستغنوا بمنعتها عند استعمال البأس، ومخالطة الناس، طلبا للسلامة من أعدائهم، وفرارا من اعتدائهم، فانخرطوا في سلك الأكراد، فسلموا، وهم الآن في عدد كثير، يزيدون على ثلاثة آلاف، كان ملكهم عماد الدين بن الأسد بن متكلان، ثم خلفه ولده الملك أسد الدين، وتحت يده المعادن ما ينقل من الزرينجين، إلى سائر الأماكن، وكان ظهر له معدن اللازورد، فأخفى، لئلا يسمع به ملوك التتر، فيطلبونه. ومعقله الذي يعتمد عليه من أمنع المعاقل على جبل عال، مقطوع بذاته، قرين الجبال قائم في وسطها مع الانفصال شامخ في الهواء راسخ فيما حوله من الماء، والزاب الكبير محدق به، فاصل بينه وبينها بإذن ربه، لا محط «1» للجيش عليه، ولا وصول للسهام إليه، سطحه للزراعة متسع، وفي كل ضلع من جوابنه كهف «2» مرتفع، يأوى إليه من شاء للامتناع، فيمتنع، والماء محيط بأساسه، والثلج لا يزال يشتغل، سببه برأسه، والصعود إليه في بعض الطريق يستدعى العبور على أوتاد مضروبة مصلحة لمن يطيق، ومن لا يستطيع التسليق، جر بالحبال (يعلق بها) «3» وكذلك ترفع البغال للطواحين والذخائر التي يحتاج إليها في كل حين. والملك عليهم معتبر عند الأكراد، ولهم على كلمته اعتماد، يدعى بهاء الدين بن قطب الدين، وولده في الملك يجرى مجراه، ويخلف في سيرته أباه، وكان له ابن عم آخر يدعى بشمس الدين داود، عصا على دولة الأعداء مدة، وعجزوا عنه، وقد اجتهدوا في غيلته بكل حيلة، فلم يقدروا عليه، فبالغوا في الإحسان إليه،

_ [1] حكمية نسبة إلى مروان بن الحكم.

وأمروه بالانتقال عن الجبل ليأمنوا اعتصامه، فاحتصن التوصل في التوسل، حتى سكن ببعض المدن (المخطوط ص 132) فلما قر في دار كانت بنيت للسلطان، وغرس في ما حولها «1» بستانا جامعا لأشجار ذات أفنان، مختلفة الثمار، ومحفوفة بالارتفاع «2» ارتفاع مغلة «3» من دنانيرهم عشرون ألف ألف دينار، والدار أعظم. ما يكون من دار السلطنة لما فيها من البسط والآلات المثمنة، فخولوه في سكنها، وسمحوا له بالفاكهة وثمنها، إلى أن اخترمه ريب المنون، فترك ولده الحركة، وعاد إلى حربهم، يؤدي إليه خراج بلاده، ويقطع منها ما شاء من أقاربه وأجناده، ويأخذ الخفارة من جميع الطرقات، من آذربيجان من تبريز إلى خوى ونقشوان [1] ، وكل وظائف مستخدميه بضمان من الكتاب والمنتدين والنواب والمتصرفين والوكلاء، ولا يقدم طعامهم ضيفانه إلى ثلث الليل المعلوم إلى نصف النهار أي غذاء كان، ولا يطعم ضيفانه إلي ثلث الليل عشاء، ولا يجعل في خبزه ملحا ليأكل منه من كان حربا وصلحا. ويجاور الجولمركية من الأكراد قوم يسكنون الجبال من بلاد تدعى مركوان، كثيرة الثلوج والأمطار مخصبة ربيعها زاهر بأنواع النبات والأزهار، وصيفها منوط بألحان الأطيار، وشتاءوها وافر الأسمان والألبان غزير اللحوم المنوعة، وهي مترخمة لأرمية «4» من بلاد آذربيجان، وكان لهم بها أميران بدر الدين والأمير حسن، أخوان شقيقان، وبالرعايا رفيقان، تبلغ عدتهم ثلاثة آلاف، وهم لمن جاورهم من الزرزارية والجولمركية أخلاف، ويعاملونهم بالرأفة والإحسان. ويجاور الجولمركية من قبل بلاد الروم جبال وبلاد يقال لها كواره، ذات سعة وإمكان «5» ، ومرعى للحيوان، وخصب مستمر في سائر الأحيان، وإليها ينسب من

_ [1] هي تخجوان وهي منطقة واقفة الآن بين إيران وأرمينيا وتابعة لآذربيجان.

بها من السكان، فيحسبانه من قبيله. وكان الأمير شمس الدين هو المداري عنهم، وعدة قومه ثلاثة آلاف، ويلي الجولمركية وجه عقر شوشن وبلاد العمادية، وبلاد الزيبار وبلاد الهكلر «1» . أما الزيبارية فيبلغون خمسمائة عددا، أصحاب بازاريه [1] «2» ، لهم سوق وبلد، وكان حروب بينهم وبين المازنجانية (المخطوط ص 133) مددا، ثم قر قرارهم، (واتحدوا) «3» ، وكان ملكهم «4» أحدهما الأمير إبراهيم بن الأمير محمد الزابي، وكان موقرا في زمن الخلافة، معروفا بالحشمة، وبقى ولده بعده صغيرا، فاحتاج إلى الاعتضاد بالمبارز كنك، ليكون له ظهيرا، والثاني الشهاب بن بدر الدين برش، توفى أبوه، وخلفه كبيرا، ولولا المازنجانية لم يدع لهم سواه أميرا، فاستولى علي الرعية استيلاء كبيرا «5» . وأمّا الهكارية فإنهم مقيمون في بلاد العمادية، تزيد عدتهم على أربعة آلاف حربية «6» ، وكانت إمارتهم إلى أميرين أخوين، أحدهما الأمير أبو بكر، والآخر الأمير علي، يعرف والدهما بالطوراشي، فأما أبو بكر فإنه كان ممتنعا برجاله، وكثرة احتياله وقوة جباله ونوابه وجيوشه وأحزابه، وبقى مدة لا يعبأ بهم ولا به، مع أنه سير له العساكر، واستعان عليه بكل ماكر، إلى أن حكم بالموصل نصراني يقال له مسعود البرقوطي، وعزل عنها الأمير رضى الدين بابا القزويني البكري رحمه الله، فاحتال النصراني على الأمير أبي بكر بكل حيلة، وأعانه عليه في المكيدة بعض القبيلة، فحسنوا له الوثوق إليه، والنزول في الطاعة على يديه، وسير له الرهائن أربعة من الصبيان إلى السلطان، أحدهما مباركشاه والثاني سيف الدين بن

_ [1] بازارية ونسبة إلى بازار بمعنى السوق، وتعني هنا رجال السوق والتجار.

المبارز كنك، الذي استنابه في العقد أبوه، والآخران أحمد وجركتم والدهما، فبلغ بكر الدين، كان باربل «1» نائبا في ذلك الزمان، فاغتر ونزل الباب، وبقى عند السلطان معظم المقدار، إلى عدت فيه ذوو الاعتراض، وقالوا أن أحضر ولده وأهله، فما عليه اعتراض، ولما طلبوا معه سيّر اليهم «2» بالنزول، فلم يأخذوا أمره بالقبول، وعاد مؤكدا لطلبهم برسول، وتأخر حضورهم، فاشتبهت على السلطان أمورهم، فأمر بالاحتياط عليه وعلى من معه من أصحابه، وكان إذ ذاك متوجها إلى حمص في أحزابه فلما وصلوا إلى مراغة آذربيجان، توجه حسان «3» ، إجابة داعي السلطان؛ وكان موثقا عنده في المكان (المخطوط ص 134) فانتهز الفرصة في الخروج من الوثاق، وخلص من معه من الرفاق [1] ، وركب ما وجد من الخيل عربا وساق، بناء على أن الجبل قريب، وطمعا في أن يدركه الليل، فيستتر، فلما أحسن القوم بفراره، خافوا صولة سلطانهم، ونادوا: أولام أولام على أثاره، فتنبه عليه قوم من الإختاجية «4» ، وهم رعاة الخيل، (وهو يحث فرسه) «5» بكزلك، وهي مذبة، فرماه أحدهم بسهم، أصابه به، وتواثبوا عليه أصحابه، فلم ينج منهم أحد إلا رجل كان، لما انهزموا قد دخل البلد. وأما أكثر الرهائن فإن البارز شيرسير من سرق ولده، وهرب كل منهم، فلحق ولده، وبقى الأمير علي، أخوه مستقلا بالهكارية وحده إلى أن أتاه اليقين، فخلف فيهم ولده غرس الدين صاحب قلعة هروز، ونشأ الأمير محمد بن الأمير أبي بكر شجاعا، فقصد قلعة الجبال، فأخذها، وأحرق ما بها من الدور، وأراد أن يقيم بها،

_ [1] عبارة مكررة.

إن ساعده القدر المقدور. والهكارية يأخذون الخفارة في أماكن كثيرة من بخاري إلى جبل «1» الجزيرة، ويليهم من قبل المرج جبال القمرانية وكهف داود، وهذه الأماكن أوطان البستكية «2» وقليل ما هم، لكنهم حماة رماة وطعامهم مبذور على خصاصة، وعدتهم لا تزيد على خمسمائة، وأميرهم مقيم بالقمرانية يقال له ... [1] ويقابل الجولمركيه من قبل الموصل البختية، وهم قوم كانوا يضاهون الحميدية، لكنهم شعبهم أكثر، وقبيلهم أكثر، فكان لهم كبراء وأعيان فهلك أمراؤهم، وتشتت كبراؤهم، وتفرق جمعهم المعهود، ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة، تفرقت بين القبائل والشعوب، وكان من بقايا أمرائهم فخر الدين خدم صاحب ماردين فأبعده لأقوال قيلت. وشعبهم كثيرة، وقبائلهم متفرقة «3» منهم السندية وهو أكثر شعبهم عددا، وأوفرهم مددا، يبلغون ثلاثين ألف مقاتل مختال مخاتل والمحمدية، وكان أميرهم شروين «4» ، لا تزيد على ستمائة رجل، والراستية كانوا أولى عدد وعدد وجمع ومدد إلى أن نزح أميرهم البدر بن كيايك) المخطوط ص 135) من ذلك البلد، بالأهل والولد، إلى متعة وقد تشتت شملهم، وتفرق جمعهم وعات، عدتهم لا تزيد في بلد الموصل، لا تزيد على ألف رجل، وأميرهم علاء الدين كورك بن إبراهيم، ولا ينقص من بلد القعر «5» في خمسمائة وأميرهم عمر بن أبي علي وموسى بن بهاء الدين، والدينلية وهم يسكنون الجبال المقلوب، والمختار مطلوبون بالخفارة أميرهم كلتي، ولا تزيد عدتم على ألف متفرقين في البلاد، متمزقين في كل واد «6» .

_ [1] فراغ بمسافة 4 سم.

الفصل الثاني في اللر

الفصل الثاني في اللر

«1» وهؤلاء طائفة؛ كثيرة العدد، ومنهم فرق مفرقة في البلاد، وفيهم ملك وإمارة، وإقدام وشطارة، ولهم خفة في الحركات، وصدق في القول، يقف الرجل منهم إلى جانب البناء المرتفع، ويلصق بطنه بأحد الزوايا القائمة به، ثم يصعد فيه إلى أن يرتقى صهوته، العليا، ومنهم من يخالس الرجل ماله، ويأخذه منه، وهو لا يدري. وربما أمسك الرجل منهم، وضرب بالسياط، وعوقب أشد العقاب، فلا يقر أنه أخذه، ولا يعرفه، فإذا حلف بستر الله، وأقسم عليه به، أقر واعترف. وفي بلاد مصر والشام منهم طوائف، وفي بلاد الشامية معظمهم، ولهم في هذا وقائع مشهورة، وأحوال مشهودة. وما يحكى أن السلطان صلاح الدين أبا المظفر يوسف بن أيوب [1] رحمه الله، حضر إليه رجل منهم، وأظهر له أشياء من أفعاله اللطيفة، وحركاته الخفيفة، حتى أنه وقف إلى جانب بناء مرتفع، وارتفع والتصق به، وارتفع حتى استوى على أعلاه، وصلاح الدين رحمه الله يظهر العجب من شطارته، وخفة حركته، وقدرته على ما لا يقدر عليه مثله، فلما نزل خلع عليه، وأكرمه، وحمله على فرس وأقطعه أقطاعا جليلا، وقال له: اشتهى أن يكون عندنا جماعة منكم، فإننا ما نستغنى عنكم لنتوصل بكم (المخطوط ص 136) إلى حصون الأعداء [2] . فبقى هذا اللرى [3] يجلب له واحدا بعد واحد ممن يقدر على هذا منهم، فكلما جاء واحد منهم أكرمه صلاح الدين، وخلع عليه، وأقطعه الأقطاع، حتى لم

_ [1] صلاح الدين الأيوبي: تولى وزارة العاضد لدين الله الفاطمي عقب وفاة أسد الدين شيركوه، وفي سنة 557 هـ أسقط اسم العاضد من الخطبة، وأسس دولة الأيوبيين التي حكمت مصر والشام حتى قيام دولة المماليك (انظر روضة الصفا 231- 232) . [2] وردت بالمخطوط الحصون الأعداء. [3] اللرى نسبة إلى اللر هي اللار وهي من بلاد إقليم فارس تقع قرب شيراز وهي أيضا اللور.

يبق أحد منهم، وبقى مدة لم يحضر أحدا إلى صلاح الدين، فقال له: لأي شيء ما عدت جبت «1» لنا أحدا؟ فقال: والله يا مولاي ما بقى أحد يقدر على هذا مثلنا، فلما تحقق صلاح الدين في ذلك، أسرها في نفسه، ثم جمعهم، وأوقف خلف كل رجل منهم رجلا، وأومأ إليه، فضربوا رقاب أولئك النفر، لأن صلاح الدين لما رأى ذلك [1] . فزع منهم على نفسه، وخاف إن هو قتله وجده، يبقى وراءه من يفعل مثل فعله، فاحتال عليهم بذلك لئلا ينزل عليه أحدهم فيقتله به. وأما ما يروى من مشى هذه الطائفة على الحبال المنصوبة، على قامات من الأرض، وانقلابهم عليها في الهواء، حتى يصير رأس الرجل منهم منكوسا إلى الأرض، ورجله متعلقة بالحبل ثم يستوى على قامته، ثم يمشي على الحبل بالقبقاب، ويلعب فوقها بالمخاريق، ما تحار له الألباب، ويحاك فيه نوادر العجب العجاب، وإن نساءهم يفعلن «2» ، وتركضها أشد مركض، ثم تطيح عنها في قوة جريها إلى الأرض ثم تثب عليها فيستوى على ظهرها، ثم تصير حزاما لبطنها، ثم تنزل صهوة الفرس، وتعنق العنق تارة من أعلاها وتارة من تلقاء صدرها إلى غير ذلك من عجائب الأفعال وغرائب الخفة في المجال. ودأب من هو منهم في الشام أحد ما قدروا عليه ووصلت أيديهم إليه، وقد عرف صبرهم على الضرب، فما بقى يضرب، أحد منهم إذا اتهم بل يحلف بستر الله ويقسم عليه به، فيقر، ويعترف، ويرد ما أخذه، ويقول: نحن نأخذ قبيح، ونحن نرد مليح «3» .

_ [1] عبارة مكررة.

وقد أوردنا هاتين اللفظتين بعبارتهم على ما هي عليه، وهم ببلادهم أهل منعة، وهي اللر، إن كبير وصغير ومأمور وأمير وسارقهم لا يقطع على السرقة هكذا جرت عادتهم في بلادنا.

الفصل الثالث في الشول

الفصل الثالث في الشول

«1» وهؤلاء حكمهم حكم شنكاره «2» ، وما يبعد بعضهم عن بعض في موازنة العقول، إلا أنه لا يخلو بينهم من دماء تطل، ومواثيق فيما بينهم تحل، وفيهم كرم وسماح، يقصدهم الفقراء [1] وتنزل في قراهم، وتقيم في ضيافتهم وقراهم، ولهم فيها، ولهم فيهم حسن الظن «3» إذا أنزلهم الفقير أنزلوه في بيوتهم، يمسي ويصبح عندهم وبين نسائهم، فإن اطلعوا على أحد منهم أنه خان أو تطرق إلى حريم، أخرجوه من بيوتهم، وتبعوه، فإما نجا وإما أدرك، فقتل ولا يقتلون أحدا منهم في بيوتهم، سترا على حريمهم، وخوفا من تنفير الفقراء عنهم، لحسن ظنهم فيهم.

_ [1] المتصوفة.

الفصل الرابع في شنكاره

الفصل الرابع في شنكاره

«1» وهم أحسن من اللر طريقا «2» ، وأقل فريقا، وفيهم رعاية الذمام، وتمسك من الشريعة المطهرة «3» بزمام، ولهم بأس وشجاعة، وعندهم لأمرائهم سمع وطاعة، على أنهم أشد من الأسود إذا غضبوا، وأخف من البروق إذا وثبوا، يكون الرجل منهم في أسفل الجبل العالي، ثم يأخذ في الصعود، ويرشق محاربه «4» السهم، فيكاد يسبق السهم، وقد بلغ غايته، وما انحدر أو يوافى هو وإياه على قدر.

الباب الخامس في مملكة الأتراك بالروم

الباب الخامس في مملكة الأتراك بالروم

أما المسماة الآن بمملكة الروم فقد كانت مملكة لا ترام، ولا يلحق إليها مرام، وهي مما هو من الخليج القسطنطيني [1] ممتدا على جنوب بحر بنطس [2] «1» ، وماء «2» بنطس محجوزة بجبال يزل الطرف عن صهواتها، ويخل الطرف بعوائدها، في اقتحام حجراتها، وكانت آخر وقت زمان، بقايا بني سلجوق، معدن الخيرة والخير، ومسلك «3» مسكن الملك، صاحب القبة والطير، وكان لسلطانها من إرث آبائه حرمة محفوظة، ونعمة على معاطف الملوك ملحوظة، وقد تقدم (المخطوط ص 138) في هذا الكتاب ما ينبه على ما لهذه البلاد في المجد من الطارف والتلاد «4» . كانت على عهد الروم؛ الباقي عليها نعتهم، إلى الآن محتبك الأعنة، ومشتبك الأسنة، دار القياصرة، ومكسر الأكاسرة، وكان لملكها الرتبة العلياء، وكانت بقسمة التعديل ثلث الدنيا، لأنه لم يكن يسمى «5» من ملوك الأرض إلا ملوك الفرس والروم والترك. وهكذا قسم فريدون [3] ، حد هؤلاء الملوك الثلاثة الأرض بينهم بالإثلاث،

_ [1] الخليج القسطنطيني هو بحر مرمرة أو بحر إيجة الواصل بين بحر بنطس والبحر الرومي. [2] بحر بنطس هو البحر الأسود، وهو في وسط المعمورة بأرض الصقالبة والروس، يخرج منه خليج يمر بسور قسطنطينية، ولا يزال يتضايق حتى يقع في بحر الشام (مراصد الاصلاع 1/165) انظر: الخريطة المرفقة. [3] فريدون: من الأبطال الأسطوريين عند الفرس، وهو من نسل جمشيد، أبوه آبتين وأمه فرانك، قتل الضحاك، وله ثلاثة أولادهم: ايرج وسلم وتور، قسم عليهم العالم المعروف آنذاك فكان هناك التوارنيون والإيرانيون أما سلم فكان في الشام وما يليها (حماسة سراي 461- 469) .

فالروم لهم الثلث وهم أهل التثليث [1] وهذا الذي نحن في ذكره الآن، مما وقع في قسمهم، وطبع إلى وقتنا بطبائع اسمهم، هو الذي «1» الواقع على شرقي الخليج القسطنطيني متصلا بأرمينية وديار العرب والعواصم والشام. وهو أثرى الممالك بلا احتشام خلا أنه بكثرة الثلوج كالح الوجه، في شبابه أشيب اللمة في قبابه «2» لا يستسقى به محب لأتراك، (ولا يسأم، ولا بارق فيه لعارضة برق) «3» [2] ، ولا يشأم، إلا أن صخوره تتفجر ماء وتتفجر أنواء، يعقد دون السماء بسماء، فتخصب زرعها، ويحطم المحل ضرعها، وتخصف ورق الجنّة على الخلائق، تمرها وينعها، وتطرب ورقها لمنظرها البديع، ومخبرها من صناعة صنعاء الربيع، فلا تسمع إلا كل مطربة تناجي النجى وتشجى الشجى، وتخلب قلب الخلي، وتهب الغواني ما في أطواقها من الحلى، يعجب ثوبها السندس، ونباتها المتعلق بذيل النهار «4» سجافها القندسي، فلا تجول في أرضها إلا على أرائك ولا ينظر إلا نساء كالحور العين، وولدانا كالملائك. وآخر ما كانت في أيام السلجوقية على ما قدمنا ذكره دار بهجة وسناء، ومجلس أنس لكؤوس وغناء، انتهبوا العيش بها نهبا وقطعوا الأيام بالمسرات فيها وثبا، ثم جرى عليها ملك أولاد جنكيز خان، لما فاضوا على الأرض من كل مكان، إلا أنهم أبقوا على بقايا السلجوقية الملك بالروم، وحكموا معهم من يمنع أسودهم

_ [1] لقولهم الأب والابن والروح القدس. [2] ما بين القوسين زائد.

الرابضة أن تثب وتشتد، ولهم عبر ما خلوا من الثدي ويحتلب، ثم إزالتهم الأيام، وأزاحتهم، لتمتد ستور الظلام. وكان من دخول الملك الظاهر أبي الفتح بيبرس البندقداري [1] (المخطوط ص 139) الصالحي، إلى قيسارية، ما هو مشهور، وكسر عليها طائفة من رؤوس التتار، ثم عاد، ولم يقر له بها قرار، بعد أن جلس على تخت آل سلجوق، ولبس التاج، وضرب باسمه الدينار والدرهم واستبشرت به أهل تلك الدار، لكنه خاف عاقبة لموافقة طالع الوقت لنجم سعدهم ورجم ضدهم، ولم يكن قد آن لجمرتهم أن يخمد لهبها، ولا لجدول سيوفهم أن يجمد عليها قربها، فاستمرت أيدي المغل عليها، واضمحل ملك آل سلجوق حتى سقط في «1» يديها، فغلبت طوائف الأتراك هنالك على كثير من تلك الممالك؟ إلا بقية «2» حفظت المغل من مطالع أفقها، وأمسكت آخر رمقها، ودارت طوائف الأتراك ملوك المغل على ما غلبت عليه، وبقى منهم من يدخل في طاعتهم على أنه يسلم إليهم، ولا يخرج شيء من يديه، واستمرت أحوالهم معهم من الطاعة والعصيان والتذكار والنسيان حتى تمادت المدد، وخر رواق الدولة الجنكيز خانية أو وهي منه بعض العمد، فحينئذ ثبتت أقدامهم، وثبتت في مغارس الاستمرار أيامهم. ومنذ غلبوا على الروم، كاتبوا ملوك مصر [2] ، واتخذوهم ظهرا، وعدوهم

_ [1] الظاهر بيبرس: ولد ببلاد القبجاق سنة 625 هـ تقريبا، وأسر وبيع وحمل إلى القاهرة، كان من المماليك البحرية، تسلم السلطنة بعد السلطان قطز سنة 658 هـ تصدى للتتار والفرنجة توفي سنة 676 هـ (انظر: فوات الوفيات 1/235) . [2] يقصد مكاتبات بركة خان إلى الظاهر بيبرس والتي بدأت سنة 1262 م. (386.D'ohsson.IIIP ,Histoire Des Monqols

لحوادث الأيام ذخرا، حتى أن منهم من رغب في تقليد يكتب له بالنيابة فيما هو فيه، فكتب له وجهز إليه بالصناجق [1] والألوية والأعلام والتشاريف التمام والسيف المحلي والحصان المركوب والجنائب، وهم إلى يومنا هذا أهل ود وصفاء وحسن عهد ووفاء، لكثرة ما خلطهم به الامتزاج وصل منهم من اتخذ مصر والشام دارا، وأخذ بهما الإمرة «1» والأقطاع، وجرى فيها تحت حكم الأمر المطاع، ورسلهم حتى الآن لا تنقطع عن مصر والشام، والمكاتبات واردات وصادرات، والهدايا مقيمة وسائرات، ومع هذه كله كل واحد منهم بما أتاه الله من فضله ونحن الآن نذكرهم على التفصيل، ونكتفي بالقليل. وها نحن نشرح حال كل طائفة متغلبة على هذه البلاد والمملكة التي استولت عليها، وما استقر «2» (في يديها على ما تنبه عليه في موضعه) «3» . وقد ذكر أبو الفضل (المخطوط ص 40) عبد الله بن عبد الظاهر [2] دخول الملك الظاهر رحمه الله هذه البلاد، وخروجه في رسالة قال فيها: وسرنا لا يستقر

_ [1] الصناجق جمع مفرده صنجق أو سنجق وهو اللواء وحاكم اللواء. [2] عبد الله بن عبد الظاهر بن نشوان الجذامي الروحي السعدي القاضي محي الدين، مؤرخ مصري عاش ما بين 620- 692 هـ (1223- 1292 م) نشأ بالقاهرة وخدم السلاطين الثلاثة الأوائل في دولة المماليك البحرية في مصر وهم الظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون، وخليل بن قلاوون، وصارت له رئاسة ديوان الإنشاء له ثلاثة مؤلفات عن السلاطين الثلاثة وهي «الروض الزاهر في سيرة المالك الناصر، وتشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور، والروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة (موسوعة العلوم الإسلامية والعلماء والمسلمين- حققها وراجعها بول غليونجي وآخرون- بيروت 1/130) وكتاب الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر- تحقيق ونشر عبد العزيز الخويطر الرياض 1976- وكتاب تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور تحقيق د. مراد كامل القاهرة 1961.

بنا قرار، ولا يقتدح من غير سنابك الخيل نار، ولا نقيم إلا بقدر ما يتزيد الزائر من الأهبة، أو يتزود الطائر من التغبة، تحمل همنا الخيل العتاق، ويكبوا البرق خلفنا إذا حاول بنا اللحاق، وكان السلطان من حلب قد أمر جميع عساكره بإدراع لامات حربهم، وحمل آلات طعنهم وضربهم، ورحلوا من حلب جرائد على الأمر المعهود، قد خفقوا كل شيء حتى عن السيف الغمود، فسرنا في جبال تشتهي فيها سلوك الأرض، وأودية تهلك الأسواط فيها إذا ملئت الفروج من الأرض، واستقبلنا الدرب كما قال المتنبي [1] : [الطويل] رمى الدّرب بالخيل العتاق إلى الورى ... وما علموا أن السّهام خيول [2] فلما تجلى من دلوك وصنجة ... علت كل طود رنة وعويل [3] على طرق فيها على الطّرق رفعة ... وفي ذكرها عند الأنيس خمول [4] ومررنا من دلوك وهي رسوم باكية على سكانها، ضاحكة عن تبسم أزهارها، وتقهقه غدرانها، ذات بروج مشيدة، وأركان موطدة، ونيران تزاويق موقدة في عمد من كنائسها ممددة، وسرنا إلى مرج الديباج نتهادى، وذلك في ليلة مدلهمة ذات أندية، وإن لم تكن من جمادى، لا يثبت تربها تحت قدم المار وكأنما ساكنها يمشي على شفا جرف هار [5] . وبتنا نستخف بالنسبة إليها ليلة الملسوع، وتتمنى العين فيها هجمة هجوع،

_ [1] رمى الدّرب بالجرد الجياد إلى العدا ... وما علموا أن السّهام خيول (ديوان المتنبي شرح عبد الرحمن البرقوقي بيروت 1980- ج 3/221) . [2] رمى الدّرب بالجرد الجياد إلى العدا ... وما علموا أن السّهام خيول (ديوان المتنبي شرح عبد الرحمن البرقوقي بيروت 1980- ج 3/221) . [3] بوجهك ما أنساكه من مرشّة ... يضيرك منها رنة وعويل (ديوان المتنبي 3/228) . [4] على طرق فيها على الطّرق رفعة ... وفي ذكرها عند الأنيس خمول (ديوان المتنبي 3/222) . [5] إشارة إلى قوله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة، الآية: 109] .

وأخذنا في اختراق غابات أشجار تخفى الرفيق عن رفيقه، وتشغله عن افتقار طريقه، حولها معاثر أحجار كأنها قبور تغيرت، أو جبال تفطرت، بينها مخائض لإبل مغائص كأنها بحار فجرت [1] ، ما خرجنا منها إلا إلى جبال قد تمنطقت بالجداول، وتيممت بالثلوج، وعميت مسالكها فلا أحد إلا وهو قائل، فهو إلى خروج من سبيل أو إلى سبيل من خروج، تضيق مناهجها بمشي الواحد وتلتف شجراتها التفات (المخطوط ص 141) الأكمام بالساعدة ذات أوعار زلقة، وصدور شرقة، وأودية بالمزدحمين مختنقة. حتى وصلنا إلى الحدث الحمراء المسمى الآن بكينوك ومعناها المحترقة، كان قسطنطين والد صاحب سيس [2] قد أخذها من أصحاب الروم، وأحرقها وتملكها، وعم بها الضرر لبلاد الإسلام، سيّر السلطان إليها عسكرا من حلب، فافتتحها بالسيف، وقتل كل من بها من الرجال وسبى الحريم والذرية، وخربت من ذلك الحين، وما بقى منها من يكاد يبين. وشاهدنا منها ما بناه سيف الدولة بن حمدان [3] ، فالقنا يقرع بالقنا، وموج المنايا تتلاطم، وقيل لسلطاننا هناك على قدر أهل العزم تأتي العزائم [4] ، غضب الدهر والملوك عليها فبناها في وجنة الدهر خالا. فبتنا بها وجيادنا إذا زلفت مشت كالأراقم على البطون، وإن تكاسلت جر بعضها بعضا بالصهيل والحديث شجون، وخضنا في أثناء ذلك مخائض سواقع،

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ [الانفطار، الآية: 3] . [2] سبس: هي سيواس من بلاد ملك العراق، حسنة العمارة واسعة الشوارع على حدود الروم (رحلة ابن بطوطة 197) . [3] سيف الدولة بن حمدان، هو أبو الحسن علي المعروف بسيف الدولة الحمداني، أشهر أمراء الدولة الحمدانية من قبيلة تغلب مات سنة 356 هـ. [4] تضمين لقول أبي تمام: على قدر أهل العزم تأتي العزائم

كأنها لأجل عموم الخيل بها سمى كل منها لأجل ذلك سابح، كلما قلت هذا بحر قد قطعناه أعرض لنا جبل، وكلما لنا هذا جبل قد طلعناه بان لنا واد، يشتهون دون الهوى فيه نفاد الأجل. ثم وصلنا إلى كوك صو، وهو النهر الأزرق الذي رد الملك الكامل منه سنة الدربندات، لما قصد التوجه إلى الروم، وللوقت عبرنا ركضا وأعجلت الخيل، فما درت هل خاضت لجة أم قطعت أرضا، وبات الناس من بر هذا النهر الآخر، وأصبحوا متسللين في تلك الشم، ووقع السنابك يسمع من تلك الجبال الصم، حتى وصلوا إلى أمجاد دربند، فما ثبتت يد فرس لمصالحة صفاها، ولا بغلة لمكافحة رحاها، ولا رجلة لمطارحة قواها. وتمرنت الخيل على الاقتحام والازدحام في التطرق وتعودت ما تعودت الأوعال في الأوعار من الشرب والتسلق تنحط انحطاط الهيدب، وترتفع ارتفاع الكوكب، حتى حصل الخروج من منتهى الدربند، وبات السلطان في وطاة هناك، وسمحت السحب بما شاءت من برد وبرد (المخطوط ص 142) ، وجاءت الريح بما ألم الجار، واستنفذ الجلد، وانتشرت العساكر حتى ملأت المفاوز، وملكت الطرق على المار، وأخذتها على الجائز، وقد تقدم سنقر الأشقر في الجاليش [1] فوقع على ثلاثة آلاف فارس من التتار، مقدمهم كراي، فانهزموا من بين يديه، وأخذ منهم من قدم للسيف السلطاني، فأكل تهمته وأمتار، واستمرت تلك منه فيمن يؤخذ من التتار، ويؤسره، وبات التتر على أجمل ترتيب ونظر، وبات المسلمون على أجمل تيقظ وحذر. فلما كان يوم الجمعة عاشر ذي القعدة تتابع الخبر بعد الخبر، بأن القوم قد قربوا، وأنهم تأبوا ووثبوا، ووصى السلطان جنوده في التثبت على ما يجب، وأراهم من نور رأيه ما لا يحتجب. وطلعت العساكر من جبال مشترفة على صخرات منا من بلد ابلستين، وكان العدو ليلته تلك بايتا على نهر زمان، وهو أصل نهر جهان، وأصل اسمه جيحان،

_ [1] الجاليش: هم جماعة مقاتلة وهي جالش (فرهنگ رازي 213) .

فترتب المغل أحد عشر طلبا [1] كل طلب يزيد على ألف فارس، وعزلوا عسكر الروم خيفة منهم، وجعلوا عسكر الكرج [2] طلبا منهم واحدا بمفرده، ولما شاهدوا صناجق السلطان ومن حولها، وعليهم الخوذ الصفر المقترحة، وكأنها في شعاع الشمس نيران مقتدحة، رجعوا إلى ما كانوا عقدوا من العزائم فحلوا، وسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا، وأنصبت الخيل إليهم من أعلى [3] الجبل انصباب السيل، وبطلت الحيلة منهم وبقى الحيل، فشمروا عن السواعد، ووقفوا وقفة الرجل الواحد. وكان هؤلاء المغل قد اختارهم آبقا من كل ألف مائة، ومن كل مائة عشرة، ومن كل عشرة واحد، لأجل هذا اليوم، وكان فيهم من المقدمين الكبار تداون، وتقووا إليه أمر بلاد الروم، وأرختو أخو تداون ونمادربخشى، ومن أمراء الألوف زيرك وصهر آبغا وقراق وأخلدت من المغل فرقة إلى الأرض فقاتلت، وعاجت على نفوسهم وعاجلت، وجاء العدو الموت من كل مكان، وأصبح ماهان منهم وقدهان، وكم فيهم من شهم ما سلم قوسه حتى لم يبق في كنانته سهم، وذي سن طارح (المخطوط ص 143) فما طارحه حتى تثلم، واشتدت فرقة من العدو من جهة الميسرة، معرجين على الصناجق السلطانية. [الوافر] فلزهم الطراد إلى قتال ... أدلّ سلاحهم فيه الفرار وثاب السلطان إليهم وثب عليهم فضحى منهم بكل أشمط، وأقرى سباع الوحش والطير فأفرط، ولحق من قصد التحصن في الجبال فأخذهم من كل رابية الأخذة الرابية، وقتلهم فهل ترى لهم من باقية، وانهزمت جماعة يسيرة، طمع فيها من العوام من لا كان يدفع عن نفسه، وأخذتهم المهاوي فما نجا منهم إلا آيس من

_ [1] الطلب: فرقة مقاتلة. [2] الكرج: جبل من النصارى كانوا يسكنون في جبال القبق وبلاد السرير، ثم قويت شوكتهم، وملكوا مدينة تفليس، ولهم ولاية تنسب لهم وملك ولغة وشوكة وعدد (ياقوت الحموي 4/446، صبح الأعشى 1/369) ، وهي الآن دولة جورجيا. [3] وردت بالمخطوط أعلا.

حياة عده في أمسه. [الوافر] مضوا متسابقو [1] الأعضاء فيها ... لأرجلهم بأرؤسهم عثار إذا فاتوا الرماح تناولتهم ... بأرماح من العطش القفار ووصدت ميمنة عسكرنا جماعة من المغل، ذو بأس شديد، فقاتلهم المسلمون حتى ضجر الحديد من الحديد، وأما العدو فتقاسمت الأيدي ما يمتطونه من الصواهل والصوافق، وما يصولون به من سيوف وقسى وكتاين [2] ، وما يلبسونه من خوذ وذروع وجواشن [3] ، وما يتملونه من جميع أصناف المعادن، فغنم ما هنالك، وتسلم من استشهد من المسلمين رضوان، ومن قتل من التتار مالك، وأورث الله المسلمين منازلهم، فنزلوها ووطاقاتهم وخركاواتهم فتمولوها، وكان السلطان مع أعدائه كما قيل: [الوافر] فمساهم وبسطهم حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب وأصبح الأعداء كأنما جزر أجسادهم، تتخللها من الدماء السيل، وكأنما رؤوسهم المجموعة لدى الدهليز المقصور أكر، تلعب بها صوالح الأيدي والأرجل من الخيل، وكم فيهم من مهيب الهامة حسن الوسامة، يتفرس في جهامة وجهه الفخامة، قد فض الرمح فاه، فقرع السن على الحقيقة قدماه، وكثرت الأساري، فاختار السلطان من كبرائهم البعض وعمل بقول الله ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ (المخطوط ص 144) لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [4] ودخل البرواناه [5]

_ [1] وردت بالمخطوط متسابقي. [2] كناين جمع مفرده كنانة وهي جعبة السهام. [3] جواشن جمع مفرده جوشن، والجوشن هو الدرع بالفارسية (فرهنگ رازي 207) . [4] إشارة إلى قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: الآية: 67] . [5] البرواناة هو حامل الرسائل وهو مشتق من الكلمة الفارسية پروانه أي الخادم (انظر: تركستان حاشية ص 359) .

مدينة قيصرية في سحر يوم الأحد ثاني عشر الشهر. فأفهم غياث الدين سلطانها الصاحب فخر الدين عليا والأتابك مجد الدين والأمير جمال الدين المستوفى والأمير بدر الدين ميكائيل النائب، والأمير الطغرائي [1] وهو ولد عز الدين أخي البرواناه، وهو يكتب طرز المناشير، أن المسلمين كسروا بعض المغل وبقيتهم منهزمون، ونخشى منهم دخول قيصرية، واتلاف من يكون بها، فاحذر زوجته كرجى خاتون بنت غياث الدين صاحب أزر، وأمها ملكة الكرج وزوجها السلطان غياث الدين صاحب الروم في أربعمائة جارية. وكان لها ما لا كان لصاحب الروم من النجاتي والخيام والآلات، وتوجهوا كلهم إلى جهة توقات وهو حصن عن قصيرية أربعة أيام، وهوّل على بقية أمراء الروم، فاتبعوه إلا قليل منهم، وأخفى البرواناه أمره وأمر من معه حتى لا يخبر عنهم. ورحل السلطان فنزل قريب قرية رمان، وبيوتها حول سن جبل قائم كالهرم إلا أنه ملموم، وعمرت البيوت في سفحه حوله بيتا فوق بيت، وبدت كأنها مجرة النجوم وما منها بيت إلا وبه مقاعد ذوات داربيزينات [2] منجورة (ورواشون) قد بدت في أحسن صورة، يحمها من أعلاها أحسن بنيان، ويعلوها من رأسها منزل مسنم الرأس كما يعلوه الصعدة السنان، ويطوف بها الجبال كأنها لها أسوار بل سوار، وكأنها في وسطها إناء فيه جذوة نار، وفيها أنهار ذوات قناطر لا تسع غير راكب، مضائق لا تلقى غيرها مناكب، فنزلنا قريبا منها حتى تخلص من تخلص وحضر من كان في المضائق قد تربص. وقال كل الآن حصحص، ورحلنا والسماء قد حبت الأرض تيجان أمطارها،

_ [1] الطغرائي: من يقوم بوضع الشعار السلطاني على الرسائل (انظر: طغرا- فرهنگ رازي 575) . [2] درابيزينات جمع مفرده درابيزين وهي كلمة فارسية وتعني سياج يتكئ عليه المرء أثناء صعوده على السلالم أو على الكراسي (انظر: فرهنگ عميد 1/928) وهي تأتي في العربية طرابزين.

وأغرقت الهوام في أحجارها، والقبح في أوكارها، وأصبحت الأرض لا تتماسك حتى ولمرور الأراقم، والجبال لا تتمالك أن تكون للعصم عواصم، تضع بها من الدواب كل ذات حمل، وتزلق على صقليها أرجل النمل. سرنا على هذه الحالة نهارنا كله إلى قريب الغروب وقطعناه بتسلمنا (المخطوط ص 145) أيدي الدروب من الدروب، فنزلنا عشاء في مستنقع أرض يطوف بها جبال شاهقة، ومياه دافقة، تعرف قاعدة تلك الأرض بوطأة فشلارهار من أعمال صاروس العتيق، ويضرب من تلك الجهة معدن الفضة. وبينما نحن قد شرعنا في أهبة المبيت، ولم تجمع الشمل الشتيت، وإذا بالصارخ قد عقر عقيرته، بأن فوجا من التتار هنالك في فجوة قد استتروا وفي فجوة نفرة قد انتظروا، فركب السلطان والناس في السلاح، وعزموا على المطار، فعاقهم تتابع الغيث، وكيف يطير مبلول الجناج، ثم لطف الله وعاد السلطان وهو يقول لا بأس، فنمنا نومة السليم، وصارت أفكارنا سالمة شاعرة في كل واد تهيم، وأصبحنا فسلكنا جبالا، لا يحيط بها الوصيف، ونبسط عذر الطرف فيها حين يكبو الطرف، ينحط منها إلى جنادل تضعف عن الهوى، إليها قوى الأجادل، ومررنا على قرية أوزاك، وتحتها قناطر وخان من حجر منحوت ثم خان للسبيل على رأس رابية، هناك قريب حصن سمند والذي عرض أبو الطيب به في قوله: فإن يقدم فقد زرنا سمند ... وإن يحجم فموعده الخليج [1] وكان السلطان قد سير إليها خواصه بكتاب إلى نائبها فقبله وقبله وأذعق بالتسليم لحصنها المنيع، والنزول لأمر السلطان عنها أن استنزله، فشكر السلطان له تلك الإجابة، ووفاه من الشكر حسابه. وكذلك إلى قلعة درنده وإلى قلعة دوالوه، فكلهم أجابوه وأطاعوه، ولكلمة

_ [1] انظر: ديوان المتنبي شرح عبد الرحمن البرقوقي 1/362.

الإذعان والوه، ونزلنا في وطأة قريب من قرية تعرف بحمرهاه، وكان الناس قد فرغت علوفات خيلهم أو كادت، وباتت الخيل ليالي بلا عليق، فمالت ومادت، وشاركها خيول الكسوب في عليقها، وما ساعدتها في طروقها ولا طريقها، فصادفنا في هذه الليلة بعض أتيان، أمسكت أرماقها، وأحسنت إرفاقها، وأصبحنا راحلين من جبال كأنها تلك الأول، وهابطين في أودية (المخطوط ص 146) يتمنى سالكها لشدة مضائقها لو عاد ترقى قبه الجبل. ثم أشرفنا على خان هناك يعرف بقرطاي، يدل على شرف همة بانيه، وطلب ثواب الله تعالى فيه، وهو من أكبر الأبنية سعة وارتفاعا، وأحسنها شكلا وأوضاعا، كله مبنى بالحجر المنحوت المصقول الأحمر الذي كأنه رخام، ومن ظاهر أسواره وأركانه نقوش، لا يمكن أن يرسم مثلها بالقلم، وله خارج بابه مثل الربض ببابين بأسوار حصينة، مبلط الأرض، فيه حوانيت، وأبواب الخان حديد من أحسن ما يكون استعماله، وداخله اواوين [1] ضيقة، وأمكنة شتوية، واصطبلات على هذه الصورة، لا يحسن الإنسان يعبر عنها بكيف؟ ولا منها إلا ما يعده الكافر رحلة الشتاء والصيف [2] وفيه الحمام والمرستان [3] والأودية والفرش والأواني والضيافة لكل طارق على قدره. وحمل إلى السلطان لما مر عليه وكثر الناس فما وصل أحد إليها ولا إليه، وعليه أوقاف عظيمة، وضياع كثيرة حوله وفي غيره من البلاد، وله دواوين وكتاب ومباشرون، يتولون استخراج أمواله، والإنفاق فيه، ولم يتعرض التتار إلى أبطال شيء من رسومه، وأبقوه على عوائد تكريمه، وأهل الروم يبالغون في تبجيل بانيه- رحمه الله- وتعظيمه، فنزلنا تلك الليلة قريب قرية قريبة من قيصرية شرقي الجبل المعروفة بعسيب [4] وفيه قبر امرئ [5] القيس الشاعر وفيه يقول: [الطويل]

_ [1] إواوين جمع مفرده إيوان، فضاء مسقوف (فرهنگ رازي 38) . [2] إشارة إلى قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ [قريش، الآية: 1- 2] . [3] دار الشفاء: المستشفى. [4] جبل عسيب: جبل قرب دومة الجندل. [5] وردت في المخطوط أمرء.

أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب اجارتنا إنا غريبان هاهنا [1] ... وكل غريب للغريب نسيب وهذا الجبل يعلوه جبل أرجاش وهو الذي يضرب به الروم الأمثال لتساميه، وتتضاءل الجبال في جميع الدنيا العالية، لا تسحب ذيول السحاب إلا دون سفحه، ولا يعرف شتاؤه من صيفه من ثلوجه ولا لهيال الأبخرة المتصعدة، وعشاؤه من صبحه. فلما كان يوم الأربعاء منتصف ذي القعدة، وهو يوم شرق الزهرة، ركبت العساكر المنصورة مترتبة، وملأت الفضاء (المخطوط ص 147) متسربة، فركب السلطان في زمرته، ودوى أمره وإمرته، يختال به جواده في أفسح ميدان ويصيح به مرحا وفرحا كأنه نشوان درى إنه سلطان. تظل ملوك الأرض خاشعة له ... تفارقه هلكى وتلقاه سجدا وخرج أهل قيصرية وعلماؤها [2] وزهادها وتجارها ورعاياها ونساؤها وصغارها، فأكرم السلطان ممساهم وشكر مسعاهم، وتلقى قضاتهم وعلماؤهم ركبانا وحادثهم إنسانا إنسانا، وحصلت لجماعة من الفقراء والناس حالات جد مضطربة [3] وصرخات ذكر معجبة، وكان شعار السلطان غياث الدين صاحب الروم وخيامه، وشعار سلطنته قد بقى جميعه في وطأة قريب الجوسق والبستان المعروف بكيخسرو، فترجل الناس على اختلاف طبقاتهم في الركاب الشريف من ملك وأمير ومأمور، وارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير، ونزل السلطان في تلك المضارب، وضربت نوبة بني سلجوق على باب دهليزه على العادة.

_ [1] ههنا (ديوان امرئ القيس دار صادر بيروت 1958 ص 79) . [2] وردت بالمخطوط وعلمائها. [3] وردت بالمخطوط مطربة.

وإذن السلطان للناس في التقرب إلى شريف فسطاط، وحضر أصحاب الملاهي، فما ظفروا بغير النواهي، وقيل لهم: ارجعوا وراءكم، فالتمسوا وذهبوا إلى واد غير هذا الوادي فاقت سوءه هذه الهنات، لا تتفق هنا، وما هذا موضع الغناء بل موضع الغنى. وشرع السلطان في إنفاق اللها وعين في كل جهة شخصا وقال: أنت لها، وحكم وحكم، وعلم وعلم، واعتمد على الأمير جاليش في النيابة وأعطى كلا بيمينه كتابه [1] وأقام الحجة على من نزح بالاستعطاف، وتأمين من خاف، فلما علم أنهم لا يفلحون، ولغير التتار لا يصلحون، وإنهم إن أصبحوا في الطاعة لا يمسون، وإن أمسوا لا يصبحون، عاد عن تلك الوعود، وأختار أن ما بدا إليه يعود، فركب يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة مستقبلا من الله الخير، ونصب خبر بني سلجوق على رأسه، فرأى الناس منه صاحب القنة والسّبع، وصاحب القبة والطير، ودخل قيصرية في بكرة هذا اليوم، وكانت دار السلطنة قد فرشت لنزوله، وتخت بني سلجوق قد هيئ لحلوله، وهي (المخطوط 148) منازل تزهو، ومفازة من يتعبد ويلهو، أنيقة المبتنى، تحف بها بساتين عذبة المجتبى، جدرانها بأحسن أصناف القاشاني مصفحة، وبأجمل نقوشه مصرحة، فجلس السلطان في مرتبة الملك في أسعد وقت ونال التخت بحلوله أسعد البخت. «وما كان هذا التخت من حين نصبه لغير المليك الظاهر الندب يصلح» . «مليك على اسم الله ما فتحت له صوارق البيض المواضي وتفتح» . «أتته وفود الروم والكل قائل رأيناك تعفو عن كثير وتصفح» . «فأوسعهم حلما وجادلهم ندى [2] وأمسوا على من وأمن وأصبحوا» [3] .

_ [1] إشارة لقوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة، الآية: 19] . [2] وردت بالمخطوط يدي. [3] من شعر المؤلف.

وأقبل الناس على السلطان يهنونه. وعلى كفه الشريف يقبلونه ثم حضرت القضاة والفقهاء والصوفية ودور الرواتب من أصحاب العمائم على عادة بني سلجوق في كل جمعة، ووقف أمير المحفل وهو كبير المعدلة عندهم، وله وسامه وفخامه، وله أوسع كم وأكبر عمامة. وأخذ في ترتيب المحفل على قدر الأقدار، وانتصب قائما بين يدي السلطان منتظرا ما إليه به يشار، وشرع القراء يقرءون [1] جميعا وفرادي بأحسن تلحين وأجمل تحسين، فلما فرغوا شرح أمير المحفل صارخا، وبكور فمه نافخا، فأنشد وأورد بالفارسية، ما يعجب مدلوله، ويهول مقوله، وأطال وما أطاب، واستصوب من يعرف مقاله قوله، والله أعلم بالصواب. ولما انقضى ذلك مدوا سماطا ليس يناسب همم الملوك، فأكل الناس منه للشرف لا للسرف، ثم عاد كل إلى مكانه فوقف، وقام السلطان إلى مكان الراحة، فأقام ساعة أو ساعتين، ثم عاد إلى مخيمه قرير العين، وكان بدار الملك حرم السلجوقية، على أبوابهم أسمال ستور حرير، ومشايخ خدام، يستحق لكل منهم أن يدعى بالكبير، فجبرهم السلطان، وآنسهم، وأحسن إليهم، وتوجه إلى صلاة الجمعة بقيصرية، وبها سبع جمع تقام فيها خطبا إلا أنهم كالأنعام فصلينا في جامع السلطان، وهو جامع لا يدل على (المخطوط ص 149) احتفال ملوكها ببيوت عباداتهم، ولا فيه دلائل الخير ما تقضى بحسن إرادتهم. فحضر أهل المدينة وأكابرها، وجلسوا حلقا لا صفوفا وأجروا من البحث بالعجمية صنوفا، واجتمعت جماعة من حفاظ الكتاب العزيز فتخارجوا القراءة آية آية، وهي قراءة بعيدة عن الدراية بل إنها تبرزها أصوات مترنمة، والحان لتفريق الكلمات مقسمة، ينطقون بالحروف كيف اتفقت، ولا يتوقفون على مخارج الحروف إنها بها نطقت ولا نطقت، ولما آن وقت الآذان، قام صبي عليه قباء، من

_ [1] وردت بالمخطوط يقرون.

وسط جماعة عليهم أقبية، قعود على دكة المؤذنين، فابتدأ بالتكبير أولا وثانيا بمفرده من غير إعانة ولا إبانة، ولمّا تشهد ساعدوه جميعهم بأصوات مجمجمة ملعلعة، ونغمات متنوعة يحيكون له النغم بأطيب تلحين، ويترنمون بالأصوات إلى آخر التأذين، وفرغ الآذان، وكلهم قعود، ما منهم أحد غير الصبي قد وقف وما منا أحد لكلمة من الأذان عرف، ولما فرغ الآذان، طلع شيخ كبير السن يعرف بأمير محفل المنبر، فصعد ذروة المنبر، وشرع في دعاء لا نعرفه، وادعاء لا نألفه، كأنه مخاصم أو وكيل شرع أحضره لمشاورة خصمه خصم بين يدي حاكم، وطلع الخطيب بعد ذلك فخطب، ودعا للسلطان بغير مشاركة، وانفضت الجمعة على هذه الصورة المسطورة. وضربت السكة باسم السلطان، وأحضرت الدراهم إليه في هذا اليوم فشاهدنا وجها متهللا باسمه الميمون، وأقرت الألسنة [1] بهذه النعمة، وقرت العيون، وشاهدت بقيصرية مدارس وخوانق وربطا، تدل على اهتمام بانيها، ورغبتهم في العلوم الشريفة، مشتدة بأحسن الحجار الحمر المصقولة المنقوشة وأراضيها بأجمل ذلك مفروشة، وأواينها وصففها مؤزرة بالقاشاني الأجمل صورة، وجميعها مفروشة بالبسط الكرخية [2] والقالية [3] ، وفيها المياه الجارية، ولها الشبابيك على البساتين الحسنة. وسوق قيصرية طائف بها من حولها، وليس داخل المدينة دكان ولا سوق، والوزير في بلاد الروم يعرف (المخطوط ص 150) بالصاحب فخر الدين خواجا علي، وهو لا يحسن الكتابة، ولا الخط، وخلفه من مماليكه خاصة مائتا مملوك، ودخله غير دخل أولاده وغير الإقطاعات التي له ولأولاده وخواصه سبعة آلاف درهم

_ [1] وردت بالمخطوط الآستانة. [2] البسط الكرخية المصنوع في الكرخ إحدى ضواحي بغداد. [3] القالية من قالى وهي كلمة تركية بمعنى السجادة الكبيرة من الصوف بألوان ونقوش مختلفة (فرهنگ عميد 2/1566، فرهنگ رازي 655) .

سلطانية، ولقد شاهدت في مدرسته من خيامه وخركاواته شيئا لا يكون لأكبر الملوك، وله بر ومعروف وبالخير معروف. وأما معين الدين سليمان البرواناه وزوجته كرجى خاتون فظهر لهم من الوجود البادي للعيون كل نفيس، واستولى السلطان من موجودهما على ملك سليمان [1] وعرش بلقيس [2] ولما أقام بقيصرية هذه المدة، فكر في أمر عساكره، ومصالحهم بما لا يعرفه سواه، ونظر في حالهم بما أراه الله، وذلك لأن الأقوات قلت، والسيوف من المضاربة ملت، والسواعد من المصارمة كلت. وأنه ما بقى بالروم من الكفار من يغزى، ولا بجزاء السوء يجزى، وما بقى في البلاد إلا رعايا كالسوائم الهاملة، ولا دية لكفر منهم على عاقل ولا عاقلة، وإن أقام بالبلاد لا تحمله، ومواد بلاده لا تصله، وأعشاب الروم بالدوس قد اضمحلت، وعلوفاتها قد قلت، وزروعها لا ترجى لكفاية، ولا ترضى خيول العساكر المنصورة بما ترضى به خيول الروم من الرعى والرعاية، وإن الحسام الصقل الذي قلت به التتار في يد القاتل، وإنه إن كان أعجبهم عامهم فيعودون إلى الروم من قابل. فرحل يوم الاثنين العشرون [3] من ذي القعدة بعد أن أعطى أمراءه وخواصه كلما أحضر إليه من الأعنة والأزمة، وكلما يطلق على غولة اسم النعمة، فنزل في منزلة تعرف بقبر لولو، فيها وصل إليه رسول غياث الدين والبرواناه، يستوقفونه، وكان الأمر شائعا إنها إلى سيواس، فعدد السلطان عليه حسن وفاء عهده، وأنه أجاب دعاهم مرة بعد مرة، من أقصى ملكه مع بعده، وأنهم ما وقفوا عند الشرائط المقررة، ولا وفوا يمضمون الرسائل المسيرة، وأنه لما جاء الحق وزهق الباطل [4] طلبوا نظرة إلى ميسرة، وعلم (المخطوط ص 51) السلطان أن عساكر الروم أهل البداد لا

_ [1] نبي الله سليمان عليه السلام. [2] بلقيس ملكة سبأ باليمن. [3] وردت بالمخطوط العشرين. [4] إشارة إلى قوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء، الآية: 81] .

أهل نفاذ، وأهل طرف لا أهل حرب، وأهل طيبة عيش لا قواد جيش فرد إلى سليمان البرواناه وهدده، وقال: قل له أني قد عرفت الروم وطرقاته، وأمه أسيرة معي وابن بنته وولده، ويكفينا ما جرى من النصر الوجيز، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز [1] ، ولا كل من قضى فريضة الحج تجب عليه المجاورة، ولا بعد هذه المهاجرة مهاجرة، ونحن فقد ابتغينا فيما أتانا الله من حقن دماء أهل الروم، وعدم نهب أموالهم، الدار الآخرة، وما كان جلوسنا في تخت مملكتكم لزيادة تنجح بتخت آل سلجوق إلا لتعلمكم أنه لا عائق لنا عن أمر من الأمور، يعوق، وأن أحدا لا ينبغي له أن يأمن لنا سطوة، وليتحقق كل أن كل مسافة جمعة لنا خطوة، وسروجنا بحمد الله أعظم من ذلك التخت حلالا، وأرفع منالا، وكم في ممالكنا كرسي ملك نحن آية ذلك الكرسي وكم لنا فتح، والحمد لله فوق الفتح القدسي. واستصحب السلطان معه أكابر الروميين، ثم رحل فنزل قريب خان السلطان علاء الدين كيقباد، ويعرف بكرواصواي، وهذا الخان بنية عظيمة من تشبه خان قطراي، وعليه أوقاف عظيمة، من جملتها أغنام كثيرة، يذبح نتاجها للواردين عليه، ثم نزلنا في وطأة رويزان كودلوز كودلو، اسم جبال تلك الوطأة، ثم رحلنا فعارضنا نهر في وطأة خلف حصن سمند ومن طريق غير التي كنا توجهنا عليها بمكان يعرف بنهر قزل صو، وهو صعب المخاض، واسع الاعتراض، عالي المهبط، زلق المسقط، مرتفع المرتقى، بعيد المستقى، لا يجد السالك من أوحال حافتيه إلا صعيدا زلقا. فوقف السلطان عليه بنفسه وجرد سيفه بيده، وباشر العمل هو وجميع خواصه، حتى هيأ المكان جميعه، ووقف راحلا يعبر الناس أولا فأولا من كبير وصغير وغلام، وهو في أثناء ذلك يكبر على من يزدحم، ويكرر التأديب (المخطوط ص 152) لمن يطلب بأذية رفيقة أنه يقتحم، فلما خفت البرور، ولم يبق إلا المرور،

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج، من الآية: 40] .

ركب فرسه، وعبر الماء. ونزل في واد هناك به مرعى ولا كالسعدان ومرائي ولا لشعب بوان، ثم رحل، فنزل عند صخرات قراجا حصار، وهي قرية كانت عامرة فيما مضى قبالة بازاربلو، وهذا البازار [1] هو الذي كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض، ويباع فيه من كل شيء يجلب في الأقاليم. ثم سرنا حتى نزلنا وطأة الأبلستين، وعبر السلطان على مكان المعركة المتقدمة مع التتار، ورأى كيف تعاقبت عليهم من العقبان كواسرها، ومن النسور مناسرها، وكيف أصبحوا لا تندبهم إلا البوم، وكيف تحققوا أن التي أهلكهم زرق الأسنة لا زرق الروم، وشاهدهم والهوام في أجسامهم متصرفة، قد هزأ بهم كل شيء حتى الوحوش والرياح، فهذه من صديدهم متكرعة، وهذه عليهم متقصفة. «قد سودت شجر الجبال شعورهم فكان فيه مسفه الغربان» . وحضرت من أهل الابلستين هناك جماعة من أهل التقى والدين، فاستخبرهم السلطان عن عدة قتلى المغل، فقالوا: ما شأن العاديين، فاستفهم من كبيرهم عن عدة المغل كم من قتيل؟ فقال: قل الله أعلم بعدتهم، ما يعلمهم إلا قليل [2] ، فقال الذي عنده علم من الكتاب [3] أنا أعددت سبعة آلاف وسبعمائة وسبعين نفرا وضاع الحساب، هذا غير من آوى إلى جبل يعصمه من ماء السيوف [4] فما عصمه، ومن اعتقد أن فرسه يسلمه فما سلمه.

_ [1] السوق. [2] إشارة إلى قوله تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف، الآية 22] . [3] إشارة إلى قوله تعالى: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ... [النمل، الآية: 40] . [4] إشارة إلى قوله تعالى: قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ... [هود، الآية: 43] .

فنزلهم السلطان، ورسم بتقدير الأثقال والخزائن والدهليز على أمجاد ربند، ثم أقام يومين ينتظر صعيدا من العدو يعن أو دما من دمائهم إلى السيف يحن، فلما لم يجد أحدا، رحل من طريق غير التي حضر منها، فسلك على الأوعار طريقا يبسا، وطلع من قنن الجبال في هضاب كان كلا منها كف حملت من الأنجم قبسا، فقاس الناس في هذا اليوم من الشدة ما لا يدخل في قياس. (المخطوط ص 153) وكاد الناس أن يهلكوا لولا أن الله تدارك الناس، فساقوا ولكن على مثل حد السيف، وتسللوا ولكن سل حوافر الخيل كيف، وهبطوا من جبال يستصعبها كل شيء حتى طارق الطيف، يستصحب الحجر المحلق وقوعه في عقابها ويستهول النجم الثاقب تعلقه بشعابها. وعد بباكوك صو وهو النهر الأزرق، وبات السلطان هناك، وكان قضيم الخيل في تلك الليلة ورق البلوط إلا من أمست عناية الله له بيسير شعير محوط، ورحل السلطان ونزل كينوك المقدم ذكرها، وعدل إلى طريق مرعش فزال بحمد الله عقاب تلك العقاب. وقالت الأنهار المتلقية لكل منا أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب [1] ، ونزلنا قريب قلعة خراب، تعرف بالاسكركيس إلى جانب نهر يعرف بالخان، ثم رحل السلطان قريب بركلوجا من بلاد مرعش ثم رحل فنزل عقبة مرى أحد دربندات سيس إلى جانب النهر الأسود، ورحل فنزل قبالة دريساك، ورحل فنزل قبالة حارم، فنزل قريب منزله الذي كان به فيما تقدم، وألقى عصا النسيان، وقال لأهل الخيام هذه الخيام ولأهل هذه الدرار هذه الدر. هذه الرسالة كافية في كثير من أحوال الروم، وفيما ذكره عن دخل هذا الوزير ومن له المماليك غير بقية من لعله يكون له من الجند والأتباع ما يعرف به عظم

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ [ص، الآية: 42] .

شأن هذه المملكة ووفور دخلها ووفود السعود إلى محلها، وتستر أبناء الزمان من عين دهرها بظلها. ولو قد اجتمعت هذه البلاد لسلطان واحد، وكفت بها أكف المفاسد، لما وسع ملوك الأرض إلا انتجاع سحابه وارتجاع كل زمان ذاهب في غير جنابه، وهذا الذي ذكره، دخله الملك الظاهر بيبرس من بلاد الروم، وهو بعض ما لبيت جنكيز خان وهو من جلالة المقدار، وكثرة المال، على ما قد أشرنا إليه، فكيف جميع ما هو الخليج القسطنطيني (المخطوط ص 154) إلى بحر نيطش. الله أكبر أن ذلك فلك عقيم، وسلك نظيم وسلطنة كبرى ودنيا أخرى، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم [1] . وأما ما نحن بصدد ذكره من ممالك الأتراك في الروم، فقد حدثني الشيخ حيدر العريان السبر حصري الرومي، وهو من أهل مدينة سبر حصر من بلاد الروم، مما هو في أيدي ملوك بيت جنكيز خان، قال: إن لهؤلاء أمراء الأتراك نقود ألا يخرج نقد واحد منهم في بلاد الآخر، ودرهمهم في الغالب في تقدير نصف وربع درهم من نقدنا، والرطل مختلف عندهم، وأكثرها بالتقريب زنة اثني عشر رطلا بالمصري، وأقلها زنة ثمانية أرطال. قال: وأما الغلات فتباع بكيل لهم يعرف بالوط، وهو يجيء تقدير أردب ونصف بالمصري. قال: وهذه البلاد بل الروم جميعه فيه من أنواع الفواكه. كلها إلا الحوامض كالليمون والنارنج وما لا يوجد في الصرود كالرطب والموز، وقد يوجد ما قل من الحوامض في بعضها مما هو على ساحل البحر.

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: ... ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد، من الآية: 21] .

وأما الدواب والسوائم فأكثر من أن يقع عليها إحصاء أو حساب من الخيل والغنم والبقر، وأعظمها عددا وأنماها ولدا الغنم، فإنها تبسط فرش الأرض منها المعز الموغر ذوات الأوبار المضاهية لأنغم الحرير، وغالب قنية أهل الشام وديار بكر والعراق وديار العجم، وذبائحهم مما يفضل عنها، ويجلب إليها منها، وهي أطيب أغنام البلاد لحما، وأشهى شحما، وبها العسل المضاهي للثلج بياضا، والسكر في اللذاذة طعما، لا حدة فيه ولا إفراط حلاوة توقف الأكل. والأسعار كلها بالروم رخيصة لأسباب منها قلة المكوس وكثرة المراعي المباحة، واتساع سبب التجارة، واكتتاف البحر. قال: وقيمة الغلات بها دون قيمتها بمصر والشام. وقيمتها أو مثلها في الغالب، فأما اللحم واللبن على اختلاف أنواعها فرخية رخيصة، أما الغنم فخيار رأس يكون لا يجاوز (المخطوط ص 155) اثني عشر درهما من دراهمهم، يكون بنحو تسعة دراهم من دراهمنا إلى ما دون ذلك. وأما اللبن وما يعمل منه فما هو مما يسأل عنه بكيف؟ 1 لكثرته، وأما في زمن الربيع فإنه لا يوجد له من يشتري ولا من يبيع لأنه لا يكاد يخلو أحد في الروم من أغنام تحلب له اللبن فلا يحتاج ليشتريه، ولا يحتاج إليه فيبيعه له. قال: وأما العسل فلا تتجاوز الرطل ثلاثة دراهم برطلهم وهو ذلك الرطل الكبير، ودرهمم وهو ذلك الدرهم الصغير، وأما الفواكه في أوانها حكم الألبان في زمان الربيع. وقال: وبلاد الروم إذا غلت وأقحطت كانت بسعر الشام، وإذا أقبل أرخص. قال: ومع نواب بيت جنكيز خان بالروم ثلاثة معادن فضة أحدها بأراضي مدينة لؤلؤة، والثاني بأراضي مدينة لبن، والثالث بأراضي مدينة باجرت. قال: وهي إلي أن فارقتها في حدود سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، عماله

مستمرة تستخرج الفضة الخالصة بها. قال: والروم شديد البرد، لا يوصف شتاءوه إلا أن سكانه تستعد له قبل دخوله، وتحصل ما تحتاج إليه، وتدخره في بيوتها، وتستكثر من القديد والأدهان والخمور، فتأكل طول مدة الشتاء تلك الأيام بهنية العيش عندهم ولا تخرج من بيوتها، ولو أرادت ذلك لما قدرت حتى تذوب الثلوج، فتخرج إلى معايشها. وذكر هذا الشيخ حيدر العريان أن جملة ممالك الأتراك بالروم أحد عشر مملكة غير ما بيد بيت جنكيز خان، وهذا هو خلاف ما تبين على ما سنذكره نقلا عن يليان الجنوبي ويليان أدرى. فأما ما عده العريان من ممالك الأتراك فهو مملكة انطاليا [1] ، وصاحبها خضر بن دندار [2] ، وقال: أن لصاحبها مدينة افنيكا [3] ، وأميرها الذي هو بها الآن من قبله، وهو من أولاد منتشا، وقال: إن عدة عسكره نحو أربعين ألف فارس. قلت: ولهؤلاء بني دندار إلى ملوك مصر انتماء، ولهم من (المخطوط ص 156) تحف سلاطينها نعما، وكان بمصر منهم من له إمرة فيها، ثم عاد إلى بلاده بعد مهلك تمرتاش بن جوبان [4] لأنه كان قد ترك بلاده لأجله، وفر هاربا من يده لعداوة كانت قد اضطرمت بينهما شرورها، واضطربت أمورها، فلما خلت من مجاورة

_ [1] انطاليا هي أنطاليه وهي من بلاد الروم من أحسن المدن، متناهية في اتساع المساحة والضخامة، أجمل ما يرى من البلاد، وأكثر عمارة وأحسنه ترتيبا، فيها البساتين والفواكه وعيون الماء وهي غير أنطاكية (رحلة ابن بطوطة 189- 190) . [2] خضر بن دندار: هو خضر بك بن يونس بك (رحلة ابن بطوطة 191) ، حكم من سنة 728 هـ- 776 هـ (انظر: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة 229) . [3] أفنيكا هي مدينة الفنيكة على ساحل الخليج القسطنطيني وهي صغيرة لكنها حسنة مانعة، وكنائسها وديارها حسان والأنهار تخترقها والبساتين تحف بها (رحلة ابن بطوطة 231) وهي فنكة (معجم الأنساب والأسرات الحاكمة، زامباور أخرجه زكي محمد حسن وآخرون، القاهرة: 1951 ص 230) . [4] هو دمرطاش بن جوبان: فر إلى مصر، فأكرمه ملكها الناصر، وأعطاه الإسكندرية، فأبى من قبولها وقال: إنما أريد العساكر لأقاتل أبا سعيد وأظهر أمورا أوجبت قتله (رحلة ابن بطوطة 153) .

تمرتاش تلك البلاد، عاد وأخبرني يليان الجنوبي الآتي ذكره، أنه قتل هناك، وما استقر له حال، ولا سلمت له بلاد. ومملكة رملاش [1] بلاد ابن منتشا [2] ، وقال: عسكره لا يزيد عن ثلاثة آلاف فارس. ومملكة بركري [3] بلاد محمد بن ايدين [4] ، وأن عسكره نحو عشرة آلاف فارس، وهذا ابن آيدين ما أعرف بأن له من حوله من ملوك الممالك الماما، ولا أن له أخيارا ترد طروقا ولا لماما، بل هو في عزلة من كل جانب، ولا مخالط ولا مجانب. ومملكة كاس برديك [5] بلاد صاروخان، قال: وعسكره إذا جمع بقارب ثمانية آلاف فارس. ومملكة بالي كسرى [6] بلاد دمرخان بن قراشي [7] قال: وله مدينة كردما وبينهما يومان، وأمير كردما من قبيلة واسمه سبغا، قال: وهذه البلاد محصنة منيعة، ولها أقطار رخية وسيعة، ومع هذا فعسكره قليل ضئيل، لا يجاوز مائتي فارس، لكنه مطمئن بمنعة بلاده، ولا ينافسه فيها منافس.

_ [1] هي مملكة بيلاس ومدينتها ميلاس من أحسن بلاد الروم وأضخمها، كثيرة الفواكه والبساتين (رحلة ابن بطوطة 194) . [2] هو شجاع الدين أرخان بك بن المتتشا من خيار الملوك حسن الصورة والسيرة (رحلة ابن بطوطة 195) . [3] هي بركي (انظر: رحلة ابن بطوطة 199- معجم الأسرات الحاكمة 227) . [4] محمد بن آيدين من خيار السلاطين وكرمائهم وفضلائهم (رحلة ابن بطوطة 199) حكم في بركي وأربا وصرت وكوشك وآقجشهر وأماكن أخرى سنة 734 هـ (معجم الأسرات الحاكمة 227) . [5] وهي مملكة مغنيسة وسلطانها صارو خان من سلاجقة أوج أميرا (معجم الأسرات الحاكمة 226) ومغنيسة مدينة كبيرة حسنة في سفح جبل وبسيطها كثير الأنهار والعيون والبساتين والفواكه (رحلة ابن بطوطة 203) . [6] هي مملكة بلى كسرى وهي مدينة حسنة، كثيرة العمارات مليحة الأسواق (رحلة ابن بطوطة 204) وهي باليكسر وتابعة لبني قراس (معجم الأسرات الحاكمة 225) . [7] سلطانها دمور خان ولا خير فيه (رحلة ابن بطوطة 204) .

ومملكة بلاد أورجادين عمان قال: وعسكره خمسة وعشرون ألف فارس، وهو مجاور الخليج القسطنطيني، وبينه وبين صاحب القسطنطينية الغلب، ولها في صدور الروم سهام تشق صدور القلب، ولهذا يداريه ملك الروم على مال، يحمله إليه كل هلال، قال: ولقد جاز البحر مرة إلى بلاد النصارى، وعاش في نواحيها، وشد على بطارقتها [1] لا فلاحيها، وألقى علوجها بحيث تعتلج سيول الدماء، وتختلج سيوف النصر (المخطوط ص 157) من الأعداء، أمده الله بتأييده، وأذلّ رخم الكفر بعقبان صناديد. ومملكة كرميان [2] بلاد أرغدشار [3] ، قال: كرسي مملكة كوناي، قال: ومالكها الآن كرميان بن غدشار، هكذا قال الشيخ حيدر العريان، وهو أمير مطاع، وقائد جيوش لبوارق سيوفهم متاع، وأمراء الأتراك تتقيه ببذل كل منهم في متاقاته ما استطاع، قال: وعسكره يقارب أربعين ألف فارس، وهم فوارس وغي، وفوارع عليا لا تبتغي. مملكة كرداله [4] بلاد شاهين، قال: وعسكره نحو خمسة آلاف فارس. ومملكة كونيك حصار بلاد أمير جاكو، قال: وعسكره ثلاثة آلاف فارس. ومملكة كصطمونيه [5] بلاد سليمان باشا [6] ، قال: وصاحبها الآن إبراهيم بن

_ [1] بطارقتها جمع مفرده بطريق وبطرك وبطريرك وهو مقدم النصارى ورئيس رؤساء الأساقفة (المعجم الوسيط 1/63) . [2] بكوتاهية واوشاق وقولا وبازار وصارى كيوك (معجم الأسرات الحاكمة 227) . [3] زكرزمباور إنه محمد بن يعقوب والذي حكم ما بين 706 هـ إلى 779 هـ (معجم الأسرات الحاكمة 227) . [4] كرده بولي (معجم الأنساب والأسرات الحاكمة 223) . [5] وهي قسطموني وسينوب وبرغلد وحاكمها هو غياث الدين إبراهيم بن سليمان حكم 740 هـ وبعده يعقوب بن تمر 742 هـ (معجم الأنساب وكصطمونيه من أعظم المدن وأحسنها، كثيرات الخيرات، رخيصة الأسعار (رحلة ابن بطوطة 210) . [6] سليمان باشا السلطان المكرم، حسن الوجه، طويل اللحية صاحب وقار وهيبة يجالسه الفقهاء والصلحاء

سليمان باشا [1] ، وله مدن وقلاع، ومن مشهور ماله منية سنوب، وأميرها من قبله، واسمه غازي جلبى، وبودي وأميرها مراد بك. قلت: وصاحب كصطمونيه ممن له بملوك مصر اتحاد، وبينه وبينهم مكاتبات ووداد ونحوه على ما يقال لنا ويبلغنا نحو ثلاثين ألف فارس أو يزيدون، وببلاده الخيل المخاص الرومية الفائقة، المفضل بعضها على كل سابق من الخيل العرّاب، وهي بيوت مشهورة مثل خيول العرب، بأنساب محفوظة وأحساب ملحوظة، ويغالى في أثمانها، خصوصا في مكانها حتى أن قيمتها لتبلغ قيمة ألف دينار ذهبا، ومنها ما يتجاوز هذا المقدار ويزيد قيمته على ألف دينار، ولا يستكثر من يعرفها فيها بذل مال، ولا يستغلى اشتطاط السوم، وإذا قصد في بلاد الروم بيع اكديش [2] خال منها بالثمن الغالي، قال: هذا كصطموني يشرفه بهذا الوسم، وينفقه في البيع تجاه هذه النسبة. ومملكة أرمصال [3] وهي بلاد ابن قرمان [4] ، وصاحبها الأمير محمد بن قرمان، من أهل بيت توارثوا (المخطوط ص 158) هذه البلاد، ولا يخاطب قائم منهم إلا يأمره، وفي ساحل بلاده مدينة العلائية المعروفة على ألسنة الناس بالعلايا، وأميرها من قبله اسمه يوسف، وله مدينة وهي عنه على ثلاثة أيام، وأميرها من قبله واسمه إسحاق بك، ولأولاد قرمان عصبة ذات أيد ويد وجيوش كثيرة العدد، وهم أصحاب

_ (رحلة ابن بطوطة 211) . [1] إبراهيم بك ابن السلطان سليمان هو ولي عهد سليمان ووالي مدينة حينوب (رحلة ابن بطوطة 212، انظر: معجم الأنساب والأسرات الحاكمة 225) . [2] أكديش يجمع أكاديش وهي نوع من الخيول تجلب من آزاق ببلاد الروم، والأكاديش معروفة في مصر وهي كالغنم في تلك البلاد (رحلة ابن بطوطة 218) . [3] أرمصال هي بلاد العلايا، وهي أول بلاد الروم ومن أحسن الأقاليم، وجمع الله فيه ما تفرق من المحاسن في البلاد فأهله أجمل الناس وأنظفهم وأطيبهم مطاعم (رحلة ابن بطوطة 188) . [4] ابن قرمان هو والد يوسف وإسحاق وقد كانا في فترة رحلة ابن بطوطة (انظر: الرحلة ص 188- 189) وكانوا في لارنده وسيواس وقونية وأرمناك (معجم الأنساب 236) .

الحروب التي ضعضعت الجبال، وأنتجت الحرب الحيال، ولهم مع الأرمن وبلاد التكفور [1] وقائع لا يجحدها إلا الكفور، تتخطفهم عقبانه القشاعم، وتلتهم أسوده الضراغم. ببلادهم معدن حديد، لهم به بأس شديد، ومنه درق مديد، وهم أهل بيت ألقى الله عليهم محبة منه، وإذا شاء أميرهم جمع أربعين ألفا، وهو ما هو عليه، يدارى ملوك التتار، وهواه هو ومن سلف من أهل بيته مع ملوك مصر، لا تغب المكاتبات بينهم، ولا ينقطع بذل خدمته لهم، وإقبالهم عليه، واعتدادهم بموالاة، وقد كان منهم من قد طلب تقليدا بمصر بإتيائه ما بيده من بلاد الروم، فكتب له، ثم أن سلامش الحاكم بالروم كان انحرف عن سلاطين بيت هولاكو، وكتب إلى الأبواب السلطانية بمصر يسأل تقليدا بملك حكم الروم أجمعه، وأن تكون أولاد قرمان ومن سواهم في طوعه، فكتب من إنشاء شيخنا أبي الثناء محمود بن سلمان بن فهد الحلبي الكاتب رحمه الله، ومنه وبعد فإن أولى من أصغت عزائمنا الشريفة إلى نداء إخلاصه، وأجابت مكارمنا العميمة دعاء تميزه بالولاء واختصاصه، وقابلت مراسمنا استنصاره في الدين بالنفير لإعانته على ما ظفر باقتلاعه من يد الكفر، واقتناصه (تكرار من أول وقابلت إلى اقتناصه) وتكفلت له مهابتنا بالأمن على ملك مذ وسمه باسمه الشريف، يئس العدو من استخلاصه، وأتت كتبه (المخطوط ص 159) في الاستنجاد ليرعان الكتائب، ولمعان القواضب، وتتابع إمداد جيوشا التي ستنوء بحملها كواهل المشارق والمغارب، وتدفق أمواج عسكرنا الذي ينشد طلائعها ملوك العدى أين المفر؟ ولا مفر لهارب وتألق بروق النصر، من خفق ألويتنا، الشاهدة بأن قبيلنا إذا ما التقى الجمعان أول غالب، وفوضت إليه مراسمنا الحكم بالعدل والإحسان، وقلدته أوامرنا من عقود النظر في تلك الممالك ما تود جباه الملوك لو حلت بدره معاقد التيجان، وعقدت به من الأوامر ما تنفذ بنا

_ [1] وهو تكفور بن السلطان جرجيس (رحلة ابن بطوطة 232) .

مواقعه، وكذا الأمور المعتبرة ما تنفذ إلا بسلطان من ألقى الله الإيمان في قلبه وهداه إلى دين الإسلام، فأصبح على بينة من ربه، وأراد به خيرا فنقله من حزب الشيطان إلى حزبه، وأيقظه من طاعتنا التي أوجبها على الأمم لما أبصر به رشده، ورأى قصده، وعلم به أن الذي كان فيه كسراب بقيعه [1] ولم يجده شيئا، وأن الذي انتقل إليه، وجد الله عنده وأنهته من موالاتنا بما حتم به النهوض على من كان مسلما وأخرجه بنور الهدى من عداء أعدائه الذين تركهم خوفنا، كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما، وأراه الرشد ما علم به أن الله تعالى أورثنا ملك الإسلام، فبطاعتنا يتم الانتماء إليه، وأعطانا مقاليد البسيطة، فمن اغتصبت منها شيئا [2] ، انتزعه الله بجنوده المسومة من يديه فلجأ من أبوابنا العالية إلى الظل الذي يلجأ إليه كل ذي منير وسرير، ورجاء من كرمنا الاعتصام بجيوشنا التي مارمينا بها عدوا إلا ظن أن الرمال تسيل (والجبال تسير [3] ) وتخير منا إلى فئة الإسلام، وانتصر بسيوفنا التي هي تعلم كيف يسلمها على الأحلام، ومتّ إلينا بذمة الإسلام، وهي أبر الذمم، وطلب تقليده الحكم منا من معادنه إذا رأته النظرات الصادقة أن كان يسحب الشحم فيمن تحمه ورم، وعقد بنا رجاؤه، وهل لمسلم من ملك الإسلام من معدل (المخطوط ص 160) وأنزل بنا كتائب آماله، وهل تعد راحة لرام من منزل فتلفت نغمها كرائم قصده بالترحيب، وأحلت وفادة انتمائه بحرمنا الذي شاءه بعيد ونصره قريب، وتسارعت إلى نصرته جنودنا التي هي مشهورة في عددها، وآثارها، مشكورة في رواحها وغدوها، وأعلامها منصورة في انتزاحها ودنوها، وتوالت تبايع بعضها بعضا، تتابع الغمام المتراكم، والموج المتلاطم، وتقدم غلبه بالنصر القريب من الأمد البعيد، وتعلم بوادرها أن طلائعها عنده، وبانيها

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ [النور، الآية: 39] . [2] ترد بالمخطوط شياءا. [3] ما ورد بين القوسين جاء بالهامش.

بالصعيد، ولما كان فلان هو الذي أراد الله به الخير، ما أراد، ووطد له بعنايته أركان الرشاد وشاد وجعل له بعد الجهل به علما، وتداركه برحمته فما أمسى للإسلام عدوا، حتى أصبح هو ومن معه سلما، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، وبكرمه العميم فليستفتحوا صدورهم ويشرحوا وبإرشاده الجلي وهدى نبيه فليدعوا قومهم إلى ذلك وينصحوا، وحين وضحت له هذه الطرف أرشدته من خدمتنا الشريفة إلى الطاعة، وبادلته على مولاة ملك الإسلام التي من لم يتمسك بها فقد فارق الجماعة، فإن الله تعالى قرن طاعته وطاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم) بطاعة ولي الأمر، وحث على ملازمة الجماعة في وقت يكون التمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر [1] وهذا فعل من أراد الله به خيرا وسعى من يحسن في دين الله سيرة وسيرا، ولذلك اقتضت آراءونا الشريفة إمضاء عزمه على الجهاد بالانجاد، وانقاذ سهمه في أهل العناء بالإسعاف الإسعاد، وأرسلها الجيوش كما تقدم شرحه يطأون الصحاصح، ويستقربون المدى النازح ويأخذون كل كمى، فلو استطاع السماك لم يتسم بالرامح، ويحتسبون النفقة في طلب علو الإسلام علما أنهم لا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم به عمل صالح، فرسم بالأمر الشريف لا زال يهب (المخطوط ص 161) الدول ويقلد أجياد العظماء ما تود لو تحلت ببعض فرائده تيجان الملوك الأول، أن يفوض إليه نيابة المملكة الرومية تفويضا، ليصون قلاعها ويصول به على من حاول انتزاعها من يده، واقتلاعها، ويجرها على ما ألفت ممالكنا، من أمر لا يروع سربه، ولا يكدر شربه، ولا يوحد فيه باغ يخاف السبيل بسببه، ولا من يجرد سيف بغى وإن جرده قتل به، وليحفظ من الأطراف ما استودعه، وهذا التقليد حفظه، وليعمل في قتال مجاوريه من العد [2] ،

_ [1] إشارة إلى الحديث النبوي الشريف: «القابض على دينه كالقابض على الجمر» (انظر: الحديث في مسند أحمد بن حنبل 2/290) . [2] وردت بالمخطوط بالعدى.

بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [1] ، وليعلم أن جيوشنا في المسير إليه متى قصد عدوا، سابقت خيولها خيالها، وجادت جيادها طلاها، وأنفت سنابكها أن تجعل غير جماجم الأعداء نعالها، وها هي قد تقدمت وأقدمت، ونهضت لإنجاده، فلو سامها أن تخوض البحار في سبيل الله لخاضت، أو قصد الجبال لصدمت، والشرع الشريف مهمة المقدم، وأمره السابق على كل ما تقدم، فليعل مناره، وليستشف في أموره وأنواره، وينقذ أحكامه، ويعضد حكامه، ومن عدل عن حكمه معاندا، أو ترك شيئا من حكمه جاحدا فقد برئت الذمة من دمه، حتى يفيء إلى أمر الله، ويرجع عن عناده وينيب إلى الله، فإن الله يهدى إليه من أناب وهو الذي يقبل التوبة عن عباده.

_ [1] جزء من الآية 123 من سورة التوبة 9.

(وكان من حديث هذا اسلامش المذكورة) إن السلطان محمود غازان قصد أعداءه [1] فأراد الانحياز إلى الشام، وكاتب الملك المنصور لاجين [2] ، فأرسل شخصا من جهته يعرف بالمخلص الرومي، فأقبل السلطان وأرباب الدولة عليه، وقيل إنّا لا نكره من هاجر إلينا، واتصل بالسلطان محمود غازان مراسلة المصريين، فبعث إليه عسكرا لمحاربته، فالتقوا معه ببلاد الروم، فلما التحم القتال خامر عليه (المخطوط 162) بعض من كان معه، فبقى في قل من أصحابه، وحقت عليه الهزيمة فالتحق بالشام في قل من جيشه، فلما أتى حلب جهز معه من يحضره إلى الأبواب السلطانية بمصر، فلما وصل عومل بالإكرام، وعوجل بالإنعام وخير في المقام بمصر إن شاء أو الشام، فذكر أنه ترك وراءه ماله وأهله وأولاده، وسأل تجريد عسكر لإحضارهم ليقيم بالبلاد الشامية، مقطوع الالتفات عما سواها، فجهز معه من العسكر الجلو [3] طائفة مع بكتمر الجلمى، دخل بهم بلاد الروم على بلاد الأرمن. وبلغ متملك سيس الخبر، وكان عنده طائفة من التتار فأمسكوا عليهم الدروب، وعاجلوهم باللقاء فما كان بأسرع من أن قتل الجلمى، وفر سلامش، ولجأ إلى قلعة من قلاع الروم، فأرسل السلطان محمود غازان في طلبه، فأحضر إليه، فقتله شر قتلة، وذبحه على غير قبلة. وكان سلامش قد خلف بالأبواب السلطانية بمصر أخا له اسمه قطقطو والمخلص

_ [1] وردت بالمخطوط أعدائه. [2] المنصور حسام الدين لاجين المنصوري، نائب السلطان قلاوون بدمشق سنة 678 هـ تولى السلطنة سنة 698 هـ ولمدة سنتين (انظر: فضل الله بن أبي الفخر الصقاعي في تالي وفيات الأعيان تحقيق جاكلين سوبلة من منشورات المعهد القرنسى للدراسات العربية دمشق 1974 ص 132، المنجد في الأعلام، الشيخ عبد الله العلايلي وآخرون بيروت 1987 طبعة 15/ص 546) . [3] العسكر الجلو: عسكر الطليعة وجلو هي الطليعة من اللغة الفارسية (فرهنگ رازي 200) .

الرومي، فاستقرا بها، وأقطعا إقطاعا بها، وأجرى عليهما راتبا فيها. وإنما ذكرنا حديث سلامش في هذا المكان لتعلقه بالروم، ولأن أمراء بني قرمان هم كانوا المؤلفين بينه وبين المنصور لاجين، والداخلين معه أولا وآخرا فيه وهؤلاء أولاد قرمان هم الذين لا يرتاب في رأيهم، ولا يظن في دينهم، فمهما ورد من جهتهم تلقى بالقبول، وحمل على أحسن المحامل. وكذلك طلب ارتنا [1] تقليدا ناصريا بنيابة الروم، وتردد في هذا سراج الدين قاضي قيسارية فكتب له، فخلص الموالاه، وأقام دعوة الخطبة الناصرية. على منابر البلاد الرومية، وضرب السكة بالاسم الشريف وجهز معه الدراهم المضروبة وذلك كله أظهر طاعة لا إذعان لحكم، ولقد حدثني من تردد إليهم، وعرف ما هم عليه، أنهم رجال صدق، وقوم صبر لا يستخف لهم حفيظة، ولا يرد بحنقها لهم صدور مغيظة، ولهذا أمراء الروم لا يطأون لهم موطئا بغيظ، ولا يواطئون لهم عدة شهور (المخطوط 163) مشتى ولا مغيظ، وما أحد ممن يحسدهم على ما أتاهم الله من فضله إلا من يستجيش عليهم بالتتار، ويعدد عليهم عظائم الذنوب الكبار، ووقاية الله تكفيهم، وحياطته عن عيون القوم تحفظهم. ولقد كان السلطان محمود غازان يقول أنا أطلب الباغي [2] شرقا وغربا، والباغي في ثوبي، عن أولاد قرمان، ومع هذا لم يسلط عليهم. وحكى لي الصدر شمس الدين عبد اللطيف أخو النجيب أنه قال يوما لولا الأكراد وأولاد قرمان وتركان الروم دست بخيلي مغرب الشمس، قال: وكان لا يريد

_ [1] أرثنا: أمير بلاد التركمان المعروفة ببلاد الروم أيضا (رحلة ابن بطوطة 154) وبنو أرثنا كانوا بسيواس وقيصرية ونيكده وأماسية وقراصار وكمش وقد حكم علاء الدين أتنا بن جعفر سنة 736 هـ واستقل بسيواس بعد موت أبي سعيد بهادر وخلفه غياث الدين محمد أرثنا سنة 753 هـ (معجم الأنساب والأسرات الحاكمة 232) . [2] الياغي كلمة تركية بمعنى المتمرد (فرهنگ رازي 1034) .

بعد الشام إلا هم، ومع هذا ما قدر عليهم، ولولا خلا وجهه لما انصرف إلا إليهم. ولما استفحل أمير جوبان بك [1] بمملكة إيران، وكان هو حقيقة السلطان، واستولى ابنه تمرتاش [2] على الروم، وانتزع به عدة ممالك، وجد في طلب الباقي، رأت أولاد قرمان مصافاة أبيه جوبان، واستدفعت به شرايينه طول ذلك الزمان مع ما كان لهم من العناية الإلهية، والإعانة من سلطاننا أعز نصره، ولولا هذا لأتى عليهم، وسلبوا النفس والنفائس لما كان عند جارهم الجائر من الاستعداد، لموالاة التكفور متملك الأرمن، لرفع الشكوى عليهم في كل وقت، وتضرره مما ينوب أهل بلاده منهم، وتضرره مما ينوء به من ثقل وطأتهم، وكانوا في تلك السنين خائفين، يترقبون المصابحة والمماساة، وينتظرون البيات والمقيل. قلت: ولأهل هذا البيت روعة في قلوب التكفور والأرمن، وفي كل بيت يبعث التكفور يسأل بروز المراسم المطاعة إلى أميرهم بالكف عن بلاده، وهو لا يتعمد سيف جهاده، لا يرعى للأرمن حق جواره، ولا يدخل في سمعه لضجيجهم جواءر، يشن عليهم في كل وقت غاراته، ويجوس خلال ديارهم جيوشه وسراياه، وكرسيه مدينة أرمناك على ذروة جبل. أرزاقه متسعة وجيرانه كثيرة، وبينها وبين العلاية ثلاثة أيام، وقد يحكى عن أميرهم القائم الآن بدر الدين أنه افتض ألف بكر (المخطوط ص 164) . ويوصف من كرمه أنه يطلق على كل ما يملك من صامت وناطق حتى أنه لا يدع له شيئا البتة، ثم يتحول فإذا أثرى أطلق كل ما يملكه حتى لا يدع له شيئا،

_ [1] كان جوبان أمير الأمراء في عهد السلطان أبي سعيد بهادر خان، وقد استولى على الأمر، وحجر على تعرفات السلطان حتى لم يكن بيده من الملك إلا الاسم، وكان ابن جوبان المسمى خواجه يفتك بحريم والد السلطان، فقتل أبو سعيد ابن الجوبان وثار جوبان وأولاده وقتل والي خوارزم جوبان وولدا له (رحلة ابن بطوطة 152- 153) . [2] هو دمرطاش بن جوبان وكان قد فر إلى مصر وقتل هناك (رحلة ابن بطوطة 153) .

هكذا دأبه، وبهذا يعرض على الله حسابه. قلت: ولقد وصل من سنين أخواه الأمير بهاء الدين موسى ابن قرمان إلى الحضرة السلطانية، وأقام مديدة بالباب الشريف ثم توجه لأداء فريضة الحج، وعاد إلى الحضرة، وحرك العزائم الشريفة على الأرمن، وارتجاع ما يلي الممالك الإسلامية من نهر جهان، ثم عاد إلى بلاده، وعومل بالجميل في إصداره، وإيراده، وأجلس أكابر الأمراء، أمراء المشورة، وأجرى في تكبير القدر مجراهم، وطلب منشورا سلطانيا ببلاد من مملكة التكفور، تولى سيفه انتزاعها واستعاد ضالتها من أيديهم وارتجاعها فكتب له على ما طلب، وما أخذها إلى الآن، ولكنه في الطلب. هذه جملة بمعنى ما ذكره العريان وما انساق في تبيانها من أمور هذه البلاد. وأما ما ذكره بلبان الجنوى عتيق الأمير الكبير بهادر المعزى، وهو ممن له الخبرة التامة بما يحكيه، وهو الذي أفاد كيفية تصوير هذه البلاد، واسم هذا بلبان في بلاده دوما نوكين دور بابن بادا دور بار هو من بيت حكيم في جنوة [1] ، اتفق أنه جمعت بيني وبينه المقادير في الاعتقال وعنه أحدث ما قال. حدثني أن هؤلاء أمراء الأتراك الذين بالروم الآن أبناء أمرائها الأول، وممن تأخر عن سالف تلك الدول، وهم فيها إلى يومنا هذا من بقايا تلك البقية وممن فصحت عنهم برود الأيام السلجوقية، استقر بأيديهم الجبل، وبأيدي بيت هولاكو السهل، وجميع هؤلاء الأمراء الأتراك تقر لصاحب كرمان، وتذعن له بعض الإذعان، وتجريه في كثير من أحوالها مجرى السلطان، وتعترف له بالتقديم، وله على بعضهم مقرر لا ينقص، وعلى بعضهم هدايا بحسب الأوقات. (المخطوط ص 165) وهو في ظاهر الحال فيهم الملك المطاع، والبقية له أتباع، أو كالاتباع، تكاتبه في معضلات الأمور، وتتيمن برأيه ويقوي بعضهم على بعض

_ [1] كان أهل جنوه أهل سفر وترحال لهم حي في القسطنطينية.

بمعاضدته [1] ، وتسر بخلعه وإنصافه وتقاليده وتكريماته، وهو وإن لم يقدر على إمضاء الولاية والعزل فيهم، فإن له عندهم مكانة لا يجهل مقدارها، وغاية لا ينازع فيها، ومع هذا ففي أمره معهم شبه بأواخر الخلفاء مع ملوك البلاد، يلزم معه قاعدة الأدب في مخاطبتها لتعظيم، وهو مع من غلب أو كحال آل سامان في آخر الزمان، وهو أوسع الكل بلادا أو أكثر الكل رعايا وأجنادا. وأما ما هو لبيت جنكيز خان فإنه لم يزل بأيدي نوابهم مع بقايا السلاجقة من غير زيادة عليه، ولا نقص منه، وبينهم وبين هؤلاء الأتراك مداهنة لا مهادنة، حتى حكم تمرتاش بن جوبان فاستضاف من ممالك الأتراك إليه، ما يلفت قدرة سيوفه، وهو جانب كبير، وممالك لها قدر جليل فمن ذلك ... مملكه ابن شرف [2] وموقعها في شمال الروم غربي مملكة أولاد درندار [3] ، وجنوبي بلاد ابن قرمان، وشرقي بلاد بيت جنكيز خان بشمال، وكانت مستقلة بذاتها، وكرسيها بكسرى، وعساكرها تتناهز سبعين ألف فارس هم إلى الآن. وتجمع هذه المملكة خمسة وستين مدينة ومائة وخمسة وخمسين، أمسك تمرتاش [4] صاحبها، وقتله، ومثل به، وقطع ابنيه، وعلقهما في عنقه. وكذلك مملكة ابن طرغت، وهي غربي ابن أشرف وكرسيها قراصار [5] ، وله مدينة سكنجر، وعسكره خمسمائة فارس.

_ [1] وردت بالمخطوط بمعضادته. [2] وكانت في آقشهر وسيدي شهرى بكشهري (معجم الأنساب ب 231) . [3] كانت مملكة أولاد درندار في مدينة أكريدور وهي على مسافة يومين من آقشهر وكان سلطانها في عهد ابن بطوطة القريب من عهد ابن فضل الله هو أبو إسحاق بك بن الدرندار بك (رحلة ابن بطوطة 191) . [4] رواية ابن فضل الله العمري تختلف عن رواية ابن بطوطة، فعند العمري صار تمرتاش صاحب مملكة، وعند ابن بطوطة أنه قتل في مصر. [5] قرا حصار استولى عليها أحمد بن محمد سنة 730- 750 هـ (معجم الأنساب والأسرات الحاكمة 223) .

وكذلك بلاد شجاع الدين أعزلو، ومدنها لوليا وكمش سار، وعسكره يزيد على عشرين ألف فارس، وموقع بلاده هذه غربي ابن طرغست، وبلاد عزلو هذه لم ينتزعها منه، بل أبقاها بيده، كأنه من قبله، وهذه كمسر سهرهى ذات معدن يخرج منه الفضة هذا ما ذكره هذا (المخطوط ص 166) بلبان. وأما ما ذكره العريان، فإنه قال: يخرج من لوليا وقد تقدم ذكره ... وكذلك أخذ بلاد طوعان جق وهي غربي طرابزون وجنوبي بلاد سليمان باشا، وبين كرمبان في مشاريق كرميان، ومغاريب سليمان باشا. وكذلك أخذ بلاد يعقوب، وهي قيراسارى، وجار على كل مجاور، وكان تارة يصالب بالسيف وتارة يداور بالخديعة حتى دوخ الممالك، وفتح المعاقل، وامتدت أعماله، واتسعت شعوبه وكثر جباياته، وعظم خراجه، وقويت شوكته في ذلك الإقليم، وطلب في وقت الاستقلال بالملك. وخطب لنفسه وضرب السكة باسمه، وهوى مثل ملك آل سلجوق أو أجل، وقام بهذا العبء واستقل، وقرر به تسع تومانات [1] من المغل، ومن التركمان مثلهم أو أكثر، وصار لا يقاوم ولا يقاول، ولا يحارب ولا يحاول، وما هذا موضع ذكره، وإنما ذكرناه لذكر ما بأيدي بيت جنكيز خان من الروم، وقد ذكرناه في موضعه. وأما نفوذ هذه البلاد ومعاملاتها لتختلف في بلادها باختلاف حكامها، واعتيادها، والذي نذكره الآن ما هو بيد الأتراك الآن خاصة، وهو ست عشرة مملكة على ما ذكره بلبان الجنوي، وأجلها مملكة كرميان، وهي أقربها إلى ما بيد بيت جنكيز خان، وموقع كرميان منها شمالا يمتد شرقا بغرب، وما بأيدي بيت جنكيز خان جنوبها، وقد دارت عليها ممالك الأتراك من شرقها. فطاقت نطاقا وراء

_ [1] وردت بالمخطوط تمانات.

نطاق، فالنطاق الأول وهو الأقرب إليها المماس لحدودها من شرقيها ثلاث ممالك، أخذت من الجنوب إلى الشمال كأنها قوس، تفصل بينها وبين بلاد كرميان جبل ممتد على هذه الهيئة. وأول هذه الممالك الثلاثة مما يلي الجنوب جبل القسيس وهو جبل عظيم منيع مشجر بأنواع الفواكه، وكل أشجاره مثمرة وفيه هذا الجبل وسفوحه مسكونة، ويمشي في طوله عدة أيام بغير زاد ولا ماء، فيه من كل الثمرات (المخطوط ص 167) رزقا من عند الله، لا بغرس غارس، ولا باحتجاز مالك، بل هو مباح لمن أكل وحمل، من سبق إليه اجتنى، ومن وضع يده على شيء من شجرة اقتنى، هو من عجائب الوجود، وغرائب ما من به إلا له المعبود، وفي أخريات هذا الجبل مملكة طغرلو في شماليه، ثم يليها في شماليها مملكة تواز، ثم يليها في شماليها مملكة عميد لي ثم تنتهي مملكة الأتراك هناك إلى ما كان بيد ابن أشرف وآخذة بيت جنكيز خان. ثم يلي هذه الممالك على شرقيها النطاق الثاني، وهو اثني عشر مملكة آخذة عنها من الجنوب إلى الشمال كأنها قوس، يفصل بينها وبين تلك جبل ممتد على هذه الهيئة، فهذه خارج تلك الممالك الثلاثة، وتلك الممالك الثلاثة خارج كرمينان، وكرمينان خارج بيت جنكيز خان، وهذه الممالك الاثنا عشر التي أشرنا إليها أولها مما مال إلى الجنوب مملكة كصطمونية ثم يليها مملكة فاديا ثم يليها مملكة بعرشا، ثم يليها مملكة اكيرا، ثم يليها مملكة نيف، ثم يليها مملكة مغيسا، ثم يليها مملكة مرمرا، ثم يليها مملكة برلي، ثم يليها مملكة توله، ثم يليها مملكة انطاليا، ثم يليها ملكة قراصار، ثم يليها مملكة ازمناك، وها نحن نذكرها مفصلة.

الفصل الأول في مملكة كرمينان

الفصل الأول في مملكة كرمينان

«1» وهي مثل قرن الجاموس، أحاط بها جبل في مشاريقها كالقوس أخذ عليها جنوبا بشمال، وأحاط بها في مغاريبها جبل أخذ غربا بشمال ثم عطف مشرقا ثم أخذ شمالا بغرب حتى لاقى الجبل الأول فاجتمعا، فكان كأنه قرن الجاموس، فسبحان الخلاق العظيم. وهذه المملكة قد تقدم من ذكرها ما فيه منتفع، وينزل من جبلها الغربي نهر مندروس الأعظم، وهو إذا نقص كان كالنيل فأما إذا زاد فبحر زاخر لا له أول ولا آخر، وهو يشق هذه البلاد، ويجري، وسطها بحيرة جليلة نافعة، يصطاد بها الحيتان، وتتنزه فيها أهل تلك الديار، ثم يمضي مندروس على مقطع في الجبل الشرقي حتى يخرج (المخطوط ص 168) إلى بلاد طغرلوا، ثم يمر عليها ثم يخرج إلى بلاد بركي ثم يصب في البحر المالح المؤدي [1] من الخليج القسطنطيني، إلى ماء بنطس. وهذا نهر مندروس مجرى السفن والمراكب، تصعد وتنحدر فيه، ويخرج منه الملح، ومن الملح إليه لأهل تلك البلاد، به مرافق في الأسفار ومنه يتجهز الغزاة والبحار، وهو قاطع البرد، لا يكاد يتغير، ولا يؤثر الهواء إذا سخن فيه، لكثرة مائه، واتساع جوانبه. وصاحب كرمينان هو أكبر ملوك الأتراك، وله تسلط على الجميع، وتبسط في ملكهم الوسيع، وكرسي ملكه مدينة كونتاي [2] ، وهي مدينة كبيرة، ذات قلعة

_ [1] وردت بالمخطوط الماء. [2] هي كوتاهية وحاكمها هو محمد بن يعقوب بن عليشير (كرميان خان) استولى على الحكم سنة 706 هـ وظل حتى 779 هـ (معجم الأنساب 227) .

جليلة، وأعمال وسيعة، ورساتيق من كل مكان، وبلاد ذوات دواب سائمة، وعمار وسكان ويقال أن له نحو سبعمائة مدينة، وقلعة، وله عساكر كثيرة. قال العريان: له أربعون: ألف فارس مديونه، وقال بلبان أضعافها وأكثر، فقال: أنه إذا جمع وحشد، جمع مائتي ألف مقاتل ما بين فارس وراجل ورامح ونابل، قال: وهم أهل حرب وقتال، ومخاتلة واحتيال، ولهم عدد حصينة، وسلاح للحرب وللزينة، من الفولاد المجوهر، والأطلس الأحمر، وما يذهب هذا المذهب. ولهم مال جم من صامت وناطق، ونعم لا يحصيها إلا الخالق، وخيلهم نهاية في الروميات، لا يسبقها سابق، ولا يتعلق بغبارها الغبراء، ولا يلحقها لا حق، مسومها عندهم بما غلا من الأثمان معروفة بينهم هذه أمه فلان، وهذا أبوه فلان، وله على صاحب القسطنطينية أتاوة مقررة نحو مائة ألف دينار قسطنطينية، ويتحفه معها بتحف فاخرة، وهدايا مستحسنة، وهو في كل وقت يعرض جيوشه بالخيل والعدد والسلاح ويستعد ويعد أماكن الحرب والكفاح. وله أمراء ووزراء وقضاة وكتاب وحاشية وغلمان وخزائن واصطبلات (المخطوط ص 169) ومطابخ وبيوت ورخت [1] ملوكي، وهيئة سلطاني، وأبهة ملكية. وله مدينة كمش ساراي [2] ، مدينة الفضة، وهي غير ما بأيدي بيت جنكيز خان، وهو معدن كبير المتحصل، جليل الفائدة جزيل العائدة، أعظم من الذي بأيدي بيت جنكيز خان، وأجود فضة، وأسهل مكانا، وأهون تخليصا واستخراجا. وكذلك بها معدن يباع منه بحمل أموال، وله مدينة سركوي وهي مدينة لا تزرع إلا الأرز، وأهل هذه الملكة كرام، ولكنهم لا يفكرون في حلال ولا حرام،

_ [1] رخت: فرش، كلمة فارسية وتركية وتعني في العربية سرخ الحصان (فرهنگ رازي 392) . [2] هي من بلاد ملك العراق، مدينة كبيرة عامرة، بها معادن الفضة (رحلة ابن بطوطة 198) .

أهون ما عليهم سفك الدماء واراقتها، تنهل كمزاود الماء لا يبالون بما فعلوا، ولا يعبأون بمن قتلوا، لهم في كل أوان موارد مسوغة، ومعاهد أعداء بأنياب الأسنة محصنة، لا يردى في الحروب سيوفهم العطاش، ولا يردى لو بل نبلهم رشاش، ولا تزال ظباء الروم تتكاثر من سيوفهم على خداش صخر الحديد، ولم يضجروا، ومضت أعمار الأيام وما قالوا ولا هجروا، مالهم يسوى ما هم فيه التذاذ، ولا بغير أن تخرج وجوههم، وهي سواهم معاذ ولأهل هذه الدولة تصرف في أنواع المعابس والأسباب، وأصناف الاكتساب. قال: وأما لبسهم ولبس جميع الروم فهو زي واحد لا يكاد يختلف، ودرهم هذه المملكة نصف وربع درهم فضة خالصة، والرطل بها زنته تحريرا ثلاثة آلاف ومائة وعشرون درهما، وكيلها يسمى المد [1] وهو نحو أردب وربع مصري تقريبا، هذا ما قاله فيه بلبان، وقد تقدم ما قاله العريان. قال: وأما السعر المتوسط فمد القمح خمسة عشر درهما، وكذلك الشعير، أو دونه بقليل، واللحم كل رطل بدرهم واحد، وأما الفواكه والألبان والأعسال فرخيصة جدا، وأوقات الرعايا والفلاحين والزراع طيبة، كأنهم فيها في بكر مفضضة، وآصال مذهبة. ومن جملة بلاده بلاد ابن السّائب وهذا ابن السائب صاحبها (المخطوط 170) هو صهر صاحب كرمينان، ولولا مصاهرته له ما كانت بقيت [2] إلى الآن، لأن بلاده هذه هي خارجة عن كرمينان، مجاورة لها من غربها، وهي من بلاد بيت جنكيز خان في شرقها.

_ [1] المد: مكيال قديم اختلف الفقهاء في تقديره بالكيل المصري فقدره الشافعية بنصف قدح وقدره المالكية بنحو ذلك وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز وعند أهل العراق رطلان جمعه أمداد ومداد (المعجم الوسيط 2/893) . [2] عبارة مكررة.

ولما امتد تمرتاش إلى من جاوره من الأتراك، وأخذ بلادهم ارتمى صاحب كرمينان، وانتمى إليه، وصاهره، وقوى على تمرتاش بيده القاهرة، واعتصم به، ونامت عينه الساهرة، واستمر على مصافاته الظاهرة، وامتنع على من جاهده وجاهره. وكرسيه قراساي، وهي مدينة مشهورة، ويحيط بها وببلادها جبل استدار عليها استدارة الحلقة، وأحاطها إحاطة بالحدقة وحكمها اليوم وحكم بلاد كرمينان، وابن السائب وإن كان صاحبها، فهو الآن كأنه من قبله فيها، وليس له مدينة سوى قراساري، ولها ألف قرية، وعسكره يقارب أربعة آلاف فارس وبلاده حصينة بما أحاط بها من الجبال، وشمخ من ذوائبها التي سما بها فرع إلى النجم لا ينال.

الفصل الثاني في مملكة طغرلو

الفصل الثاني في مملكة طغرلو

«1» وهي أول النطاق الأول، وهذه المملكة صاحبها اسمه يلنج [1] ، ويشقها نهر مندروس، وهي إلى جانب جبل القسيس، في غربه بشمال، وموقعها جنوبي ما بين مرمر إلى بركي، ومدينة طغرلو كرسيه، وكأنها دمشق في تصوير خطة وبساتين حولها مختطة، لكنها أكثر من دمشق ماء وفاكهة، وأوسع غوطة، ولكن ليس لصاحبها مدينة سواها، ولا عمل إلا إياها، إلا أن لها قاعدة قرى وضياع ليست بكثيرة، ولا كثيرة ازدراع، وأكثر ما فيها من الفاكهة الرمان وهو على عدة ألوان، ويباع ألف بدرهم، وكله بلا عجم له، مكسّر كأنه شرارنار أو بهرمان، أدرج في ثوب نصار، أو مدامع عشاق في نهود أبطار، وهو في غاية الكثرة والرخص، ولذاذة المأكل، ويعتصر ماءوه، ويعمل منه دبس إذا نزل هو والعسل، إيهم (المخطوط ص 171) الفرق ما بينهما، وأشكل، ويعمل منه شراب أشد إسكارا من الخمر، وأقرب إليه مشابهة مما يعمل من التمر، وهم أكثر معاطاة له من الخمر على كثرته عندهم. وما ذاك إلا لأمر سألت بلبان عن السبب في هذا مع إجماع العقلاء على تفضيل الخمر على كل مسكر، فقال: أنه لا يعلم السبب، ولا يوجب الحب لها إلا مضاحكة الجنب. قال: وأهل هذه البلاد، كأنما خلقوا لارتضاع كؤوس، ولإماطة نقب عن شموس فمالهم غير اغتباق [2] كأس من معين، واعتناق مائس من قدود الخرد العين، فهم أبدا في بلهينة في الوطم، وأمنية مع الظفر، ولأميرهم عليهم عدل، ولا يشكون معه الأجور الساقي، ولا يخافون معه إلا عقرب صدغ أعجزت الراقي، أو دم عاشق يطل أو على خدود الغانيات الباقي.

_ [1] هو شجاع الدين تنج بك علي بك حكم سنة 735 هـ (معجم الأنساب والأسرات الحاكمة 229) . [2] اغتباق من الغبوق وهو خمر المساء.

قال: وأكثر ما تكوى القرى والضياع بطغرلو أربعمائة قرية كلها في حواضرها القريبة، ولصاحبها نحو عشرة آلاف فارس وراجل، ودرهمهم نصف درهم فضة خالصة، ورطلهم نحو سبعة أرطال بالمصري، ومدهم نحو نصف [1] وربع أردب، وأسعارهم مشابهة لكرمينان، ومقاربة لها في اختلاف كل أوان.

_ [1] عبارة مكررة.

الفصل الثالث في مملكة توازا

الفصل الثالث في مملكة توازا

«1» وهي ثانية النطاق الأول، وهذه المملكة صاحبها على أزبية، وهي تقع شرقي كرمينان محضا، وموقعها ما بين جنوبي بركي إلى فوكه، وكرسيه توازا، ولصاحبها أربع قلاع ونحو ستمائة قرية، وعساكره نحو أربعة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل، ودرهمهم ورطلهم ومدهم مثل كرمينان، وهو كثير الترامي إلى صاحب كرمينان. ولأهل هذه الملكة حسن بديع ببياض وحمرة كأنها ضربيا لبن وخمرة، مع لين بشرة، وصهوبة شعره، كأن عليهم ثوب صباح مسبول، وعلى ضفائرهم [1] برادة ذهب مسحول، مع حلاوة تأكل النظر ومأكلها، ولهجة توقد حجرات الحسن وتشعلها (المخطوط ص 172) .

_ [1] وردت بالمخطوط ظفائرهم.

فصل الرابع في مملكة عبدلي

فصل الرابع في مملكة عبدلي

وهي ثالثة النطاق الأول، وهذه المملكة صاحبها دندار [1] أخو يونس صاحب أنطاليا، وكرسيه مدين برلو [2] ، وهي أم إقليم عبدلي وموقعها من فوكه [3] إلى قراصار [4] ، ولصاحبها أيضا إقليم يلواج، وإقليم فرا عاج وإقليم اكرى دور، وهذه بلاد مدنها قليلة، وقراها كثيرة، ومداها ممتد، يقال أن له تسعة مدن، وخمسة عشر قلعة، وعسكره خمسة عشر ألف فارس، ومثلهم رجاله، وهو في كل وقت يتفقد فرسانه ورجاله، ويتأهب للحرب، ويوسع مجاله، ويقاتل العدو، ويهب للسيوف آجاله، وهذه هي آخر الممالك الثلاثة، التي تلي كرمينان، وهي نهاية ما أخذ إلى الشمال، وبها تم النطاق الأول ونحن نعقبها بذكر الممالك التي تليها، وهي النطاق الثاني عليها في شرقيها وعدتها اثنتا عشرة مملكة، وأولها هو ما نذكره الآن.

_ [1] الدندار بك من كبار سلاطين تلك البلاد، خلفه ابنه أبو إسحاق بك (رحلة ابن بطوطة 191) وهو ينسبون إلى حميد بك أو فلك الدين دندار الذي حكم الروم من قبل المغول سنة 724 هـ وقتله تيمور تاش (انظر: معجم الأنساب 229) . [2] ذكر ابن بطوطة أن مدينة برلو مدينة صغيرة على تل تحتها خندق، ولها قلعة بأعلى شاهق وأميرها علي بك بن سليمان پادشاه.. أما ابن الدندار فكان في أكريدور (210 و 191) . [3] هي فوجة على ساحل البحر على مسيرة يوم من مغنيسة (رحلة ابن بطوطة 203) . [4] يقصد أكريدور: وهي مدينة عظيمة، يسافر المركب فيها يومين إلى آقشهر وسلطانها ابن الدندار (رحلة ابن بطوطة 191) .

الفصل الخامس في مملكة كصطمونية

الفصل الخامس في مملكة كصطمونية

وهي هذه مملكة سليمان باشا، وهي الآن لولده إبراهيم شاه، وكان في حياة أبيه صاحب سنوب [1] ، ثم جرت له مع أبيه أمور لا حاجة بنا إلى ذكرها، إلى أن ملك، واستمرت سنوب له مع ملك أبيه، وولى سنوب من قبله. وهذه هي شمال بلاد طوغان حق، وما جاورها، وجنوبي بلاد سلطان بوى المصاقبين لممالك بيت جنكيز خان، وهي أول الممالك الاثنا عشر المشار إليها من الشرق، وهذه المملكة على ضفة بحر بنطس، وقبالتها جزيرة زك، ومن ركب البحر من سنوب خرج إلى سوداق [2] لأنها أقرب مدن ذلك البر إليها، ويقع طرف بلاد طرا بزون الشرقي على أول حد هذه البلاد، ولأجل هذا نقصد هذه الأرض لجواز البحر إلى بر القبجاق [3] وبلاد الخزر والروس والبلغار [4] . وكرسي هذه المملكة كصطمونية [5] ، ولصاحبها نحو أربعين مدينة وقلاع مثلها أو أزيد، وعسكره نحوه خمسة وعشرين ألف فارس، وخيلهم هي النهاية في جنسها (المخطوط ص 173) والغاية في نفسها، وقد تقدم القول في ذلك وبها البلغار والبزاة [6] والشواهين [7] ، في غاية الجودة، وهي منفردة بمحاسن هذه الأنواع، ومنها يشترى ويبتاع، وحسنها لا مخالفة فيه ولا نزاع. وأما الجمال فلا توجد عندهم البتة قد عدم العربي منها خطة والبختي [8] بختة، لأنها بلاد جبال وعرة، يود كل متعلق بها لو تعلق بشعرة، وملوك هذه

_ [1] جبينوب: مدينة يحيط بها البحر من ثلاث جهات (رحلة ابن بطوطة 212) . [2] سوداق هي سردق مدينة على ساحل البحر مرساها من أعظم المراس وأحسنها وبخارجها البساتين والمياه (رحلة ابن بطوطة 229) . [3] القبجاق: القفجق طائفة على دين النصرانية في أيام ابن بطوطة (انظر: رحلته 214) . [4] بلغار انظر: الخريطة المرفقة في آخر المخطوط. [5] كصطمونيه هي قصطمونية من أعظم المدن وأحسنها (رحلة ابن بطوطة 211) . [6] البزاة جمع مفرده باز نوع من الصقور. [7] الشواهين جمع مفرده شاهين نوع من الصقور. [8] البختي نوع من الإبل الخراسانية جمعها بخت وبخاتي وبخات (المعجم الوسيط 1/42) .

المملكة لهم مع ملوكنا- ملوك مصر- انتظام، وتشرق بمواهبهم الجمة، وأياديهم العظام، وتتابعت رسلهم إلى سلطاننا مدد الفجاج، ونظرت لديه إلى سماء العلياء من وراء زجاج، واستنصرت بها على الأعداء، وهي قاطعة البحر الأجاج، وعادت عليهم الأجوبة الشريفة بقطع الحجاج والحجاج وهم حتى الآن في الدولة القاهرة الناصرية، وفي حزبها في حسب ديحها. وأما رعايا هذه البلاد منهم أهل طاعة لأمرائهم، وإقبال على مصالحهم ودولتهم، ودرهمهم نصف درهم فضة خالصة، ورطلهم نحو ستة عشر رطل بالمصري، ومدهم نحو أردب مصري، وأسعارهم نحو كرمينان.

الفصل السادس في مملكة فاويا

الفصل السادس في مملكة فاويا

وهي الثانية من النطاق الثاني، وصاحبها مراد الدين حمزة، ومملكته تجاوز سمسون من غربها، وبلاد سليمان باشا المقدم ذكره جنوبها، وجبل القسيس غربيها، وبلاد طريق السفار إلى سمسون، وسمسون هي شرقي هذه البلاد خارج الجبل المار على رساتيق بلاد الأتراك بالروم على ضفة بحر بنطس، من ركب البحر منها إلى بر القبجاق كان خروجه على الكفا [1] أقرب مجلبة وتبقى زك جنوبية، وعلى بلاد هذا مراد الدين حمزة، أكثر طرق المترددين من التجار والسفار المتوجهين من مصر والشام إلى تلك البلاد. وكرسي هذه المملكة مدينة فاويا، لصاحبها عشر مدن ومثلها قلاع، وعسكره نحو سبعة آلاف فارس، فأما الرجالة فكثير عددهم، متى أراد استجاش بهم، وجمع (المخطوط ص 174) أمما، وشرع أسنة وهمما وليست للأعداء معه طالعة، ولا لهم في رداء ملكه منازعة، لا تتفرزن البياذق من رخاخة، ولا تتجاسر العصافير أن تسقط على فخاخة، وأهل هذه البلاد قوم أمته، لا يستحيل بودهم يوم ولا سنة، درهمهم ومدهم وأسعارهم مثل كصطمونيه بل هي ولكثرة الأجلاب لا تكاد تكون دقلية.

_ [1] الكفا: مدينة عظيمة على ضفة البحر (رحلة ابن بطوطة 214) .

الفصل السابع في مملكة برسا

الفصل السابع في مملكة برسا

وهي الثالثة من النطاق الثاني، وصاحبها أرخان بن طمان، وكرسيه مدينة برسا [1] ، وموقعها شرقي بلاد مران الدين حمزة، وغربي بعض سمسون وبعض سنوب، وجيل القسيس غربيها، ولصاحبها خمسون مدينة وعدد قلاعه أكثر من ذلك، وعساكره نحو أربعين ألف فارس، وأما الرجالة فلا تكاد تعد، خصوصا إذا استجاش وحشد وجاش، لكن يقال أنه قليل غناهم، تهول صورتهم لا معناها، وهو كثير المسالمة لمن جاوره، والمناصرة لمن ناصره ومع هذا له حروب سجال، ودروب في إرغام أنوف رجال، وخيول تقتنص عليها الأرواح، فرسان عجال، وإنما قلة غناء عسكره، لعدم استقامة الرعية، ومشاقة بعض المجاورين له، يقال أن رعاياه أخبث، تنطوي بواطنهم على الغل، وعمائمهم على المكزتلات، وهذه البلاد درهمها وزن الدرهم الكاملي، وهو فضة خالصة، وهو مدها ورطلها مثل كرمينان، وسعرها أرخص في غالب الأوان، وفي هذه ثلاثمائة جمة يطلع منها الماء السخين الناضج، ويقصدها المرضى بالبلغم البارد والفالج، ليغتسل فيها، ويستشفى بها، وغالبهم يبرأ بإذن الله عز وجل ويجد الشفاء والصحة عليها. قلت: الحمامات كثيرة في البلاد، وأقطار الأرض، ولكني لا أعرف اجتماع هذا العدد الكثير في مكان واحد سوى هذا، وأظنه لأن تكون هذه الأرض كلها كبريتية سواخة، فلهذا كثرت فيها هذه الحمامات (المخطوط ص 175) هذا ما اتصل بنا علمه، وفوق كل ذي علم عليم، والله بغيبه أعلم.

_ [1] برسا هي برصا: مدينة كبيرة عظيمة حسنة الأسواق فسيحة الشوارع تحف بها البساتين من جميع جهاتها سلطانها اختيار الدين ارخان خان وهو ابن السلطان عثمان جوق وهو من أكبر ملوك التركمان وأكثرهم مالا وبلادا وعسكرا (رحلة ابن بطوطة 205) .

الفصل الثامن في مملكة اكيرا

الفصل الثامن في مملكة اكيرا

وهي أربعة النطاق الثاني، وصاحبها ومرخان بن قراشي [1] ، وبلاده تجاور بلاد أرخان آخذة إلى الشمال، وجبل القسيس جنوبها على تغريب، وسنوب شمالها، وهي طريق من طرق سنوب. وهذه المملكة مدنها وقلاعها وعساكرها أكثر من بلاد أرخان، وأهلها أطول باع في المكنة والمكان والإمكان، وصاحبها ذو حرب ويد وأيد، وقوة لا تدفع بكيد، وله في البحر مع الروم حروب، تطير بها الفائن، وتهتز لها المدائن، كم طاروا من الغراب على جناح، وسخر لهم في سبيل الله ما سخر لسليمان من الرياح. وهذه البلاد يخرج منها ما لا يحصى من الحرير واللاذن ويحمل إلى بلاد النصارى منه، وحريرها يوافق الديباج الرومي والقماش القسطنطيني، ومنه يعمل غالبه، ودرهمها مثل الذي قبلها، ورطلها ثمانية أرطال بالمصري، ومدها نحو أردب ونصف، وأسعارها رخيصة جدا، على حال واحد لا تكاد تتجاوزه ولا تتعدى.

_ [1] ورد في معجم الأنساب أن بني قراسى حكام باليكسر وأن حاكمهم سنة 737 هـ هو تيمور بك بن عجلان (ص 225) .

الفصل التاسع في مملكة مرمرا

الفصل التاسع في مملكة مرمرا

وهي خامسة النطاق الثاني، وصاحبها يحيى بن قراشى أخو دمرخان [1] المقدم ذكره، وبلاده جوار بلاد أخيه غربا بشمال، وطرف بلاده جنوبا على شمالي طغرلو، ولصاحبها نحو خمسة عشر مدينة، ومثلها قلاع وكلها على جبال شاهقة، على البحر المالح، وعكسره نحو عشرين ألف فارس، ولا رجالة له، وهو مثاغر للروم، وله معهم ثارات، يقصد فيها ويقوم، وعسكره نفاع، له قوة ودفاع، وقد ذللت لهم المراكب، فامتطوا في البحر منونها، وأطاروا غربانها وأجروا نونها ولهم اسطول [2] مجهز للركوب على ظهور الفائن والتصريف بها كالصوافن، طالما صبح بلاد الروم منها غراب ناعق، وسبح راكبها، وتعجب لقدرة الخالق، وزحقت لها (المخطوط 176) مدن، وزحفت لها أعداء إلا أنه من الجبن. وأهل هذه المملكة غزاة، لا تستكين سراة حصانهم، ولا تلين سراة، لا ينزل لهم لبد عن جواد، ولا قلع عن سفين، ولا يحجبهم عن بلد سوره، ولا عن ساكن برخباؤه، ولا يغلبهم سرب، تقتض بهم من الروم جآذره، ومن الخزر ظباؤه، وهذه البلاد درهمها نصف درهم فضة خالصة، ورطلها أربعة أرطال بالمصري، ومدها أردب واحد، وسعرها رخيص، والرقيق بها لكثرة السبي كثير. ولا تخلو لأجل هذا من تجار وجلابة ومن دخل في هذه البابه.

_ [1] هو دمور خان حاكم بلى كسرى (رحلة ابن بطوطة 204) . [2] وردت بالمخطوط اصطول.

الفصل العاشر في مملكة نيف

الفصل العاشر في مملكة نيف

وهي سابعة النطاق الثاني، وصاحبها علي باشا أخو صارو خان، وهو جاره في المكان، وكرسيه مدينة نيف، وبلاده شمالي طغرلوا وجنوبي بيد رول، وهذه بيدرول شماليها من خارج الجبل الشرقي المحيط ببلاد الأتراك خارجة في البحر، ولصاحبها ثمان مدن ونحو ثلاثين قلعة، وعسكره ثمانية آلاف فارس، وخلق كثير من الرجالة، أكثرهم رماة نبالة، ومملكته كلها على قنن الجبال، لا يلحقها الغمام بريته ولا يلحقها نسر السماء لتعشيشه، تهوى وفود الرياح دون أوديتها، وتستقى السحب فائض أنيتها، ولا يمر بها البرق إلا وهو مجتار، ولا البرق إلا وهو على أوفار، تميل قبل رؤيتها العمائم، وتتوسوس وعليها من النجوم تمائم، ودرهمها ورطلها ومدها وسعرها من نسبة مغنيسيا.

الفصل الحادي عشر في مملكة مغنيسيا

الفصل الحادي عشر في مملكة مغنيسيا

وصاحبها صارو خان [1] وكرسيه مغنيسيا [2] ، وهذه البلاد تجاور مملكة يخشى غربا بشمال [3] ، وجنوبها طغرلو وقبالتها [4] في البحر جزيرة كيول، ولصاحب هذه المملكة نحو خمسة عشر مدينة وعشرين قلعة، وعسكره يزيد على عشرة آلاف فارس، وهم أهل حرب وطعن، يضيق به فم الدرب، ومنهم غزاة في البحر كأنهم الملوك على الأسرة (المخطوط ص 177) لا تهتبل لهم نمرة، وحالهم في هذا مثل حال جارهم الأول، ولكل منهما جهاد عليه يعول، ودرهمها ورطلها ومدها وسعرها كذلك، ومن نسبة ما قبلهم أو ما يقارب ذلك.

_ [1] صارو خان من سلاجقة أوج أميرا حكم سنة 700 هـ إلى 746 هـ (معجم الأنساب 226) . [2] وهي مدينة كبيرة حسنة في سفح الجبل (رحلة ابن بطوطة 203) . [3] يقصد برغمة وسلطانها يخشى خان ويخشى يعني الجيد (رحلة ابن بطوطة 204) . [4] عبارة مكررة.

الفصل الثاني عشر في مملكة بركي

الفصل الثاني عشر في مملكة بركي

وهي ثامنة النطاق الثاني، وصاحبها ابن أندين [1] ، وكرسيه مدينة بركي [2] ، وموقعها شمال طغرلو، وتوازا وجنوبي تدرقل ولصاحبها نحو ستين مدينة [3] وثلاثمائة قلعة أو أزيد، وعسكره سبعون ألف فارس أشلاء حرب وكفاح، وعرضه سيوف ورماح، ولهم مع الروم والفرنج وطوائف بني الأصفر، حروب عظيمة وأيام لها غور وحجول معلومة، ضج البر والبحر من وقائعها، ومع السجايا تصعد إليه من بقائعها، لا تهدأ لهم مضاجع ولا تراهم إلا بين متأهب لغزوة وآخر راجع، سدوا فروج البر خيلا، وأوقروا صدور البحر سفنا، وجروا لكاتب برسي على هذا حبالا، وتسرى على ذاك مدنا، وكل ملوك الأتراك في غزوات الكفار، عليهم عيال وبسيوفهم المهندة الذكور يلفح الحرب الجبال لا يرضى إلا بصيد المهج، ولا يمضي يوم إلا بقتيل لها لا إثم فيه ولا حرج، كأنما كونوا من جناح غراب أو صهوة مطهم أو خلقوا المطية نقارا وأدهم، لا تفرغ لهم شمال ولا يمين، هذه بعنان جواد، وهذه بقلع سفين، ولمهابتهم في قلوب ملوك بني الأصفر ما يختلج به ضمائرهم وتختلف الأتي، الإجماع عليه سرائرهم، وإذا قيل أنه قد تحرك منهم متحرك طيب، إنه يريد نفوسها وسكت في حياتها حتى تلمس رؤوسها بيديها. وملك هذه البلاد أثابه الله تعالى وجنوده أجمعين [4] على هذه العزيمة، لا يفل وحدها، ولا حديدها، ولا يكف والدها ولا وليدها، وهم سبب كثرة السبي، ومن يجلب إلى الآفاق من أولاد الروم ونسائهم، فأمدهم الله بالظفر وأعلى كلمتهم على من كفر، وهذه البلاد دهمها ومدها نحو مملكة صارو خان، فأما رطلها فستة عشر (المخطوط 178) رطلا بالمصري، وأسعارها رخية، وثمارها مما يحمل البحر وتنبت الأرض سخية.

_ [1] هو محمد بن آيدين من خيار السلاطين وكرمائهم وفضلائهم (رحلة ابن بطوطة 199) . [2] بركى مقر حكمه بها محيي الدين والقاضي عز الدين فرشتي (رحلة ابن بطوطة 199) . [3] منها أريا وصرت وكوشك وقراجة فيونلو وآقجشهر وبلين بولى (معجم الأنساب 227) . [4] وردت أجمعون.

الفصل الثالث عشر في مملكة فوكه

الفصل الثالث عشر في مملكة فوكه

وهي تاسعة النطاق الثاني وصاحبها أورخان بن منتشا [1] وكرسيه مدينة فوكه [2] ، وبموقعها شمالي مشاريقها جزيرة دفنوسة، وقبالة هذه البلاد جزيرة المصطكي تقع وراء بلاده سواء بسواء، ولهذا صاحب فوكه نحو خمسين مدينة [3] ، ومائتي قلعة وحصن، وعساكره مائة ألف أو يزيدون، وله سيف لا يألف غمده، ولا يكف حده، يقاتل من عاده برا، وبحرا، ويخاتل من ناوأه مسلما كان أو كافرا، يركب السفن والخيل، ويخوض النهار والليل، لا يطمئن به وساد، ولا يستكن له مفرش جهاد، ولا يزال له ولإعدائه وقائع تشيب مفرق الوليد، وتذيب قلب الحديد، وتبيت الدهر منها على وعد أو وعيد، يبث سراياه في كل صوب، ويحث مطاياه في البر والبحر، في كل توجه وأوب، فما رأت الكفار حيلة، ولا طفقت تتنهّد، ولا أقبلت طلائعه على سفائنها إلا ورفعت سبابات صواريها تتشهد، وهذه العساكر ميمونة النقيبة، سعيدة التحركات، قلّ أن توجهت إلى جهة، وظفرت بمرادها وبلغت قصدها من أعدائها، وهذا هو المعروف منهم، والمستفاض حديثه عنهم، لا يخالف في هذا ممن يعرفهم، مخالف ولا يخالط، هذا شك عندهم في حديث، ولا سالف ولا يتم من يداريه، صاحب كرمينان من أمراء الأتراك سواه، ويراهنه ويقنع بأيسر موالاة منه، ولا يقدم عليه إلا صاحب كرمينان، فأما كل من سواه فدونه قدرا، ومكانة وله عليهم المزية والمزيد ودرهم هذه المملكة، ورطلها ومدها وأسعارها مثل كرمينان.

_ [1] هو حاكم مبلاس وليست فوكه (رحلة ابن بطوطة 194) . [2] فوجه: مدينة للكفار على الساحل البحر على مسيرة يوم من مغنيسة، أهلها يبعثون هدية في كل سنة إلى سلطان مغنيسة (رحلة ابن بطوطة 203) . [3] منها معلابالاط ومبلاس ومكرى ومرمرس (معجم الأنساب 230) .

الفصل الرابع عشر في مملكة إنطاليا

الفصل الرابع عشر في مملكة إنطاليا

وهي عاشرة النطاق الثاني، وصاحبها خضر بن يونس [1] وكرسيه إنطاليا [2] ، وهي شمالي مملكة عبدلي بلاد ابن درندار، وهي على ضفة البحر والسفر إليها ومنها (المخطوط ص 179) والأخبار عليها وعنها، ولصاحبها اثنا عشر مدينة، وخمسة وعشرون قلعة، وعسكره ثمانية آلاف فارس، وليس بأهل حرب طائل، ولا منهم هائب ولا هائل، ودرهمها نصف درهم فضة خالصة، ورطلها أربعة أرطال بالمصري ومدا أردب واحد.

_ [1] خضر بك بن يوسف بك بن يونس (رحلة ابن بطوطة 189) . [2] أنطالية: من أحسن المدن، متناهية في اتساع المساحة والضخامة أجمل ما يرى من البلاد، وأكثره عمارة وأحسنه ترتيبا (رحلة ابن بطوطة 189) .

الفصل الخامس عشر في مملكة قراصار

الفصل الخامس عشر في مملكة قراصار

وهي حادية عشر النطاق الثاني [1] ، وصاحبها زكريا وهي مملكة ضيقة إلى غاية، وهي شمالي إلى عبدلي بغرب، وكرسي صاحبها قراصار، وله ثلاث مدن، واثنا عشر قلعة على ضيق الرقعة، وقرب مدى البقعة، وعسكره ألف وخمسمائة فارس، وكان أصل هذا زكريا؛ مملوك يونس صاحب أنطاليا، ثم لما مات تقوى على ولده، وغالبه فغلبه، وأخذ الملك بيده، ودرهمهم ورطلهم ومدهم مثل أنطاليا، وهذه البلاد من ملك مقتطعة ومما كان في يد مالكها مرتجعة.

_ [1] وردت قل حصار عند ابن بطوطة ووصفها بأنه مدينة صغيرة بها المياه من كل جانب، لا طريق لها إلا طريق كالجسر مهيأ بين القصب والمياه (رحلة ابن بطوطة 192) .

الفصل السادس عشر في مملكة أزمناك

الفصل السادس عشر في مملكة أزمناك

«1» وهي ثانية عشر النطاق الثاني، وصاحبها ابن قرمان، وكرسي مملكته أزمناك، وله نحو أربعة عشر مدينة، ومائة وخمسين قلعة وعسكره يناهز خمسة وعشرين ألف فارس، ومثليهم رجّالة، ومن مشاهير مدنه مدينة أرندة [1] ، وهي مدينة جليلة، ومدينة العلائية، وهي المسماة باعلايا [2] عند العوام، وموقع هذه البلاد شرقي بلاد الأرمن بشمال، وبلاد ابن شرف جنوبها، وأقرب مدن الأرمن جنوبها، إليها طرسوس واذنه، وهذه البلاد على ضفة البحر الملح، وقد تقدم ذكر هذه المملكة وما هم عليه، وموالاتهم لسلطاننا صاحب مصر خلد الله ملكه، وميلهم إليه، وما هم عليه من الجهاد في الأرمن، ومن ساكنهم من الكفار، وتجريد سيوف غزوهم آناء الليل والنهار، وبهذا تم ذكر ممالك الأتراك، وما هي عليه على ما بلغنا، وتبين لنا وقد أوضحنا طرق الروايتين على ما فيها من الخلاف (المخطوط ص 180) على أنني اجتهدت والعهدة على الناقل. ونحن نذكر تتمة ما كنا أشرنا إليه من أحوال الروم عند غلبة التتار ودخول طوائفها هاتيك الديار. فنقول أنه لما استقلت قدم التتار فيها وأستنهلت غمائم كتائبهم على جهاتها، بقى ملوك آل سلجوق معهم بالاسم لا غير لا لهم حكم ولا تصرف بل لهم ما يقيم بهم، وبيوتهم، وشعار ملكهم الظاهر ونفقاتهم اللازمة، والأمر كله لنواب التتار، وعنهم الإيراد والإصدار وباسم الملوك الجنكيز خانية يخطب ويضرب سكة الدرهم والدينار، فلما ضعفت الدولة السلجوقية، وآذنت أيامها بذهاب تلك البقية،

_ [1] مدينة اللارنده، مدينة حسنة كثيرة المياه والبساتين سلطانها بدر الدين بن قرمان (انظر: رحلة ابن بطوطة 196) (انظر: معجم الأنساب 236) . [2] باعلايا وهي العلايا: أول بلاد الروم، من أحسن الأقاليم وأجمل الناس حاكمها يوسف بن قرمان (رحلة ابن بطوطة 88) .

وكانت المغول لا تقدر على صعود تلك الجبال، ولا تعرف الحصار ومطاولة المعاقل والقلاع، فغلب طوائف الأتراك هنالك على كثير من تلك الممالك ولولا قوة شوكة التتار، وسطوتها التي عمت الأقطار، لاستولت على السهول مع الجبال، وأخذت بجنباتها من كل مكان. مع أنها ملكت معظم البلاد إلا بقية حفظت المغل مطالع أفقها وأمسكت آخر رمقها، ودارت إذ ذاك طوائف الأتراك، ملوك المغل على ما غلبت عليه وبقى كل منهم يدخل في طاعتهم على أنه يسلم إليه، ولا يخرج بشيء من يديه، واستمرت أحوالهم معهم على الطاعة والعصيان، والتذكار والنسيان. حتى تهادت المدد، وخر رواق الدولة المغولية، أو وهي منه بعض العمد، فحينئذ ثبتت أقدامهم، ونبتت في مفارس الاستمرار أيامهم، ومنذ غلبوا على ما بأيديهم من الروم لصاحب كرمينان عليهم مزيد الفضل كما ذكرنا. وكل واحد من هؤلاء الأتراك مستقل بمكانة مشتغل بشأنه وتبسطوا في جهاد من جاورهم من الكفار، وصار هذا دينهم، وبقى بينهم من التنافس ما يكون بين النظراء، ولهذا كاتبوا عظماء الملوك ليتقوا بمظاهرتهم ويطيروا بريح (المخطوط ص 181) سعادتهم وأكثرهم كاتبوا سلاطيننا ملوك مصر رحم الله من مضى منهم، وحفظ من بقى وأدام حياة سلطاننا مالك ملوك الأرض، صاحب الدولة الملكية الناصرية، وخلد سلطانه خلود الليالي والأيام، ولا ذوا بهذه الأبواب العزيزة، وتطيعوا بالميل إلى هذه الدولة القاهرة حتى صارت المولاة في طباعهم كالغريزة، فاتخذوا ملوك مصر، نصرهم الله، لهم ظهرا، وعدوهم للحوادث ذخرا، حتى أن منهم من رغب في تقليد يكتب له بالنيابة فيما هو فيه، فكتب إليه وجهز بالصناجق والألوية، والأعلام والتشاريف التمام، والسيف المحلي والحصان المركوب والسرج الذهب، والعدة الكاملة والجنائب الطائلة، وما منهم إلا من تدخل وترامي، وانشرح مراما والأنعامات تغمرهم، والصدقات الشاملة تعمهم، وهم إلى يومنا هذا

أهل ود وصفاء، وحسن عهد ووفاء، وبكثرة ما خلطهم به الامتزاج وصل منهم من اتخذ مصر والشام دارا، وأخذ بهما الإمرة والإقطاع وجرى فيهما تحت الأمر المطاع، ورسلهم حتى الآن لا تنقطع بصدق نية، وإخلاص طوية، والمكاتبات واردة وصادرة، والهدايا مقيمة وسائرة، ومع هذا كله كل واحد منهم غنى مما آتاه الله، وأمراء الأتراك على ما هم عليه من الامتناع، والتحصن بشوامخ الجبال والقلاع وبعدهم عن المغل، وقوتهم بكثرة العديد والعدد والسلاح، ووفور ذات اليد، تداري ملوك جنكيز خان، وتخدم ملوكهم، ومن يصل منهم ويتردد من جهتهم، وتهاديهم، وتعضد بالمقربين إليهم لكل واحد منهم في الأردو، ومن هو من ورائه ومتكفل بالمدافعة عنه، ويخطب في بلادهم للقائم من بيت هولاكو، وتضرب السكة بأسمائهم. وكتائب الروم عليهم ألطاف وتحف يتأقونه بها، ويتوقون من خلفه من قانات المغل بالأخذ بخاطر نائبهم. (المخطوطة ص 182) هذا لأنه جارهم المجاور لهم، وهم رهن ما يكتب به إلى الأردو وفي حقهم، ولما كان تمرتاش بن جوبان، قد استقل بهذه النيابة ورست فيها أعلامه، وفتح الفتوحات، وأباد المجاور لهم، وهم رهن ما يكتب به إلى الأردو وفي حقهم. ولما كان تمرتاش بن جوبان، قد استقل بهذه النيابة ورست فيها أعلامه، وفتح الفتوحات، وأباد المخالفين له بها، خافت أمراء الأتراك بأسه، وكاتبت أباه جوبان، وتسترت بظله، وتترست من مواقع سيوف تمرتاش تجاهه، وقضت تلك المدة معه بهذا وأشباهه، ومع هذا كله يرميهم بالبوائق، ويترصد لهم غفلات الوقت. وقال: غفلات بيت جنكيز خان ما قاله بهرام جوبين [1] في الأكاسرة [2] ، قال وما الله (تعالى) جعل حتما على العباد أن تبقى دولة آل ساسان [3] إلى آخر

_ [1] بهرام جوبين: قائد كسرى برويز، ثار على كسرى، وفر برويز إلى الروم واستعان بالروم لاستعادة ملكه، وتمكن كسرى من قبل بهرام جوبين (انظر: حاشية روضة الصفا ص 122) . [2] الأكاسرة جمع مفرده كسرى. [3] آل ساسان: آخر الإمبراطوريات الفارسية قبل الإسلام والتي قضى عليها المسلمون عند فتحهم لبلاد فارس.

الزمان، وأظهر ما كان يسره من هذا الأمر، وباح به وهم وما فعل، فبلغ ذلك أبا سيعد بهادر خان سلطان ذلك الوقت، فعتب على أبيه جوبان، فقرأ جوبان من فعل ولده تمرتاش، ونهض إليه في وقت شتاء لا طاقة لأحد بسلوكه، وقطع إلى الروم كل جبل ثلج نزل عنه النظر، وأراد تمرتاش أن يضرب معه مصافا، فلاطفه أبوه، وراسله حتى كف وأذعن، وأخذه أبوه وأحضره إلى الأردو في هيئة المأسور المقهور. وجوبان يظهر هذا، ويسر خلافة، ويبطن مخادعة السلطان أبي سعيد في أمره، فلما مثل تمرتاش بين يديه، فك إساره، وخلع عليه وتركه بالأردو مدة، ثم أعاده إلى الروم على ما كان عليه، وزاد في تخويله والتنويه بقدره. ثم لما آن لدولة جوبان وبنيه الزوال، وكان منهم ما كان قويت أمراء الأتراك بالروم، وانتعشت قواهم ثم هم إلى الآن على هذا الحال على كثرة اضطراب أمر المغل وتفرق أهوائهم. في هذه المدد كلها مع هذا ما استطاع أحد من أمراء الأتراك إلى (أن) يلتفت إلى شيء مما بأيديهم من الروم (المخطوط 183) لا ولا ارتجاع شيء مما كان تمرتاش بن جوبان قد أبان ملوكه وافتتحه واستضافه إلى ما بيده. وهذه جملة ما حمله مقدار هذا التأليف من أخبار الروم، ما تضمنه مما دخل فيه بدلالة اللزوم، وبالله نسترشد ونستهدي، وعليه نتوكل وإليه ننسب. وأما ما هو بأيدي النصارى فقد قال بلبان الجنوي: أن ممالك الروم كلها تترامى إلى رومية، موضع الباب ثم مملكة القسطنطينية ثم طرابزون. فأما مملكة طرابوزن [1] ، فهي من ممالك عباد الصليب مملكة جليلة القدر، وعلى ساحل البحر على خرجة ماء ينطش، وهي مملكة أخذت غربا بشرق على أطراف مملكة الأتراك في البر المتصل بنا، وهي في جنوبي الروم، دق طرفاها واتسع

_ [1] طربيزون وطرابزون مملكة واقعة بين بلاد الروس وبلاد اليونان (ابن الأثير 12/160) .

وسطها، كأنما دار على جانبها الفرجار [1] من خارج المركز، فجاءت على شكل الإهليلجة، وعلى هذا التصور صورها بلبان الجنوي. وقال: وصاحبها ملك رومي عريق في الملك من أولاد قسطنطين، باني مدينة القسطنطينية، وهو صاحب تخت وتاج، ووظائف ملكية، وحاشية سلطانية، وقدر رفيع عند الباب، وهو وجميع أهله، الغابر منهم والباقي، أهل جمال فائق، وحسن فاتن إلا أن أهل هذا الملك القائمة بها الآن وإياه لكل منهما على عجم الصلب سلعة [2] رقيقة ممتدة بارزة، تكون طول الإبهام وعرضه كأنها ذنب خارج. وقال: وفي هذه المملكة قوم فيهم مثل هذا، ولما قال لي هذا توقفت عن نقله عنه وشككت فيه حتى حدثني بمثل هذا بهادر الإيواني، وحكى مثل هذا آخر من أهل السير وآخر ثم آخر حينئذ نقلته في كتابي هذا والعهدة عليهم، والقدوة صالحة، والله سبحانه وتعالى فاعل مختار ويخلق ما لا تعلمون [3] فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون. قال وأهل طرا بزون أهل نجدة وبأس وعليهم طريق مسلوك لمن أم بلاد القزم وصحراء القبجاق وطوائف سكان الشمال. قال: ومملكة طرابزون أوسع من (المخطوط ص 184) مملكة الكرج، وأجل مقدارا عند ملوك النصرانية، وإنما أولئك أشد أيد وقوة. قال: وملك طرابزون يسمى التكفور كما يسمى ملك الأرمن، وهو أعلى نسبا من ملك الروم القائم الآن في المملكة بها، وله عليه فخر لا يعلى على منصبه، ولا يعلى رداؤه عن منكبه، قالوا: وجنده ليسوا بذي عدد غالب ولا مدد مغالب، وإنما

_ [1] وردت بالمخطوط البيكار، ويعني اليركار وهو بالعربية الفرجار، آلة هندسية (فرهنگ رازي 96) . [2] أظنها صلعة. [3] إشارة إلى الآية 8 من سورة النحل 16.

هم أقران فوارس وأعيان ليوث، لا يحلى لها فرائس، قال: وأحوالها كلها تشابه ما يليها من ممالك الأتراك. قال بلبان الجنوي: وأما مملكة القسطنطينية وهي الآن تسمى اصطنبول [1] وقديما ببرطانية، فإنها كرسي مملكة الروم، ولملوكها التقدم على جميع ملوك عباد الصليب، ومن أهلها الملك القائم القديم وكانت لهم اليد العليا على بني العمودية، وجميع طوائف العيسوية. وهي مملكة قيصر [2] بها كان تخت الاسكندر وتداولتها دول الروم من أولاد قسطنطين، وخرجت عليهم خوارج، ثم هبت للفرنج بها ريح ملك، واشتعلت لهم بها ذؤابة دولة، واشتعلت لهم بها نار عليه، ثم عادت إلى الروم واستمرت إلى اليوم. قال: والفرنج تزرى بالروم لخروج ملك الشام عنهم وتغيرهم بغلبة العرب عليهم، يعني في مبدأ الإسلام، وتعيبهم بهذا، وتوسعهم الملام. قال: ومع هذا فلا يسع ملوك الفرنج إلا إجلال هذا الملك الرومي، وتوفيه حقه من التعظيم، وعساكره مائتا ألف فارس مديونه، ما فيهم إلا صاحب أقطاع أو نقد، وأرزاقهم لكل واحد منهم في السنة مائتا دينار إلى ألف وخمسمائة دينار، وفيهم من يبلغ ألفي دينار، والدينار اثنا عشر درهما، وهو درهم ينقص عن البندقي بقليل، والدينار ما هو دينار مسمى بل حقيقة دينار مسكوك من ذهب مغشوش، فلهذا نقص ثمنه، قال: واسم هذا الدينار برير.

_ [1] وردت اصطنبول وهي قسم من مدينة القسطنطينية بالعدوة الشرقية من النهر وفيها سكنى السلطان وأرباب دولته وسائر الناس، وهي بسفح جبل داخل في البحر نحو تسعة أميال (رحلة ابن بطوطة 233) وهي استانبول وأسطنبول وأسلامبول. [2] قيصر لقب ملوك الرومان يعادل القاآن عند المغول وتبع عند اليمن وكسرى عند الفرس وراجا عند الهنود.

وقال: وأما الإمرة عند الروم فإنها محفوظة في بيوت قديمة، يتقدم في إمرة كل واحد منهم يتوارثها كابر عن كابر (المخطوط 185) ويورثها أول لآخر. قال: ولملك القسطنطنية قدرة [1] ، ليست لأحد من الملوك النصرانية سواه، قال: لأنه يركب في كل يوم إلى الكنيسة العظمى بها، ومعه البطريرك، ويقف على كل باب من أبواب الكنيسة على كثرة أبوابها [2] فرس للملك وبغلة للبطريرك. وشعار سلطنته كامل بجميع ما يحتاج إليه الملك، بما لا بد للموكب الملوكي منه، فمن أي باب خرج من أبواب الكنيسة، هو والبطريرك ركبا، وسار الملك في أبهة الملك التمام، وشعار السلطنة الكامل بما كان معدا له على الباب الذي خرج منه دون ما كان معدا على بقية الأبواب وعلى كل باب منها نظير ما كان على الباب الذي خرج منه الملك، وسار بشعار الملك الكامل. قال: وللملك ميزة يتميز بها، وهو أنه لا يلبس أحد في مملكته جميعها خفا أحمر غيره، وزي الروم في لباسهم من نوع زي الأتراك والمغل من الأقبية التترية والمحضرة، خلا أن الكبائس على رؤوسهم متسع مرحرح، كأنه الطبق، ويشدون في أوساطهم المناطق والسيوف، ومناطقهم ثقال، وسيوفهم كالسيوف المغربية، أخف من العربيات، وعلى أشكالها، ولباسهم الجوخ والصوف والحرير الأطلسي والديباج وسائر أنواع الحرير. قال: وللملك داران معروفتان بدار المملكة، الواحدة قديمة من بناء الاسكندرية، خارجة في كبد البحر، ذات حارات طوال ودهاليز بعيدة نائبة، وفي جانبيها تماثيل نحاس على صورة الإنسان وسائر أنواع الحيوان، وفيها صوة فرسان على خيل وحيوانات وأشكال آخر، وكلها أكبر من الحيوانات المعروفة بما يزيد زيادة ظاهرة على الأشكال الطبيعية، وهي في غاية الصنعة الأحكام بالنقوش العجيبة

_ [1] هو تكفور ابن السلطان جرجيس (رحلة ابن بطوطة 232) . [2] ثلاثة عشر بابا (رحلة ابن بطوطة 234) .

والتخاطيط الغريبة، ولا يعرف هل عملت لظاهر الزينة أو لباطن من الحكمة وهي دار عظيمة هائلة البناء، بعقود منظمة وأبنية رفيعة واسعة رحبة مفروشة بالرخام الأبيض والجزع والملون وضروب من المسن الأخضر. (المخطوط ص 186) قال: والملوك لم يسكنوها منذ عصر ميتشامون بها، ويقولون أنها مسكونة بمردة وفساق الشياطين، وأن فيهم من يتراءى [1] على مثال أصلة لا نطاق، والدار الأخرى هي التي يسكنها الآن الملوك، وتسكن إليها وهي على جلالة مكانها وفخامة قدرها لا تقارب دار الاسكندر ولا تدانيها في الإمكان والتشييد ورونق التأنيق والتنميق. قال: ولقد كانت ملوك القسطنطينة تراقب ملوك القبجاق، وتؤدي إليهم القطيعة حتى تزوج هذا السلطان أزبك خان منهم فأمنهم ووضع عنهم أثقال تلك القطيعة، وأصر تلك الأتاوة وناموا الآن في مهاد الأمن، ورفعت عنهم غمم التكليف. وقال لي غيره وقد سألته عن عدد جيوش الروم، فقال: هم عدد بلا نفع، قلت: وهذا هو المشهور عندهم في كل زمان ومكان والمأثور عنهم أنهم وإن كانوا ذووي عدل ليسوا من الشيء شيء وإن كانوا، وإن هان أقوى اعتدادهم المخمر والخمير وأوفى حبهم الديباج والحرير، ما فيهم ضارب إلا بجنك [2] أو عود، ولا طاعن إلا بين أعكان ونهود، ولا يشربون دما إلا من فم إبريق جريح، ولا يرون قتيلا إلا شخص زق طريح، ولا لهم وقائع إلا في طبقات الصحاف، ولا مواقع إلا بين فراش ولحاف. لا يعرفون البيض الأبيض الدمى، ولا السمر إلا كل سمراء الدمى، ولا العجاج إلا من دخان عنبر، ولا أثر السيوف إلا في ثغر شنيب كأنه عقد جوهر ولا مقام إلا في مجلس راج، ولا اهتمام إلا بمجلس أفراح، ولا التماس إلا لغبوق أو اصطباح [3]

_ [1] وردت بالمخطوط تيرآاي. [2] جنگ: وهي آلة موسيقية وهي جنگ أو الصنج (فرهنگ رازي 564) . [3] الغبوق خمر المساء والاصطباح هو خمر الصباح ويسمى الصبوح.

ولا اقتباسه إلا مما تتوقد ناره في كأس أو يقتدح من أقداح ما منهم راكب جواد إلا اللذة، ولا صاحب جهاد إلا في فرصة مستلذة، ولا عوال تلعلع أسنتها غير الشمع، ولا عويل إلا مما يتخير من مآقى الغيد من الدمع. قال بلبان: وطوائف الروم لا معروفة لهم بامتطاء البحر ولا عادة بركوب السفن، وأبعد سيارتهم فيه إلى مواضع النزهة، وإنما هم أصحاب خيل، ولا تعد خيالهم في جياد الخيل وإنما يجلب إليهم كرائمها (المخطوط ص 187) من بلاد الأتراك من قاطع الخليج، وإنما هم بغال تباع بغال. ولهم تجمل دبر في الملابس والمراكب والفروش، وفي أهلها الجمال البديع والكمال التام، وفي المثل وجوه الترك وأجسام الروم وظرف العرب. قال: فأما منابت القسطنطينية فكلها أرض جيدة صالحة للزروع والثمار، ولها نهر متوسط المقدار، عليه مساقي زرع وأشجار والأرزاق بها كثيرة الوجود والرطل القسطنطين نظير الرطل المصري وكيل الطعام بها المسمى مدني، وهو حمل جمل يكون أردبين ونصف بالمصري، وبه يباع الغلال الكثيرة، فأما القليل منها، فيباع بالرطل. قال: وهذا الملك لا يفارق مجلسه الطرب، ويضرب له بالآلة المعروفة بالأرغل [1] وهي ذات وضع عجيب وألحان غريبة مطربة تأخذ بمجامع القلب، قلت: وقد رأيت هذا الأرغل بدمشق ثم بالقاهرة فقلت هذا للضارب به، فقال لي: هذا أرغل صغير يفكك ويحمل وما معه أصوات تسير له الضرب، والذي يضرب به لملوك الروم البحر الكبير مستقر في مكان لا يزايله، وله عدة من أصحاب الأنغام المطربة، تسير له، وله بذلك رونق لا يكون في مثل هذا، وصورة الأرغل خشب مركب، وله بكر نحاس وأوتار شريط نحاس، ونحر بمثل كور الصائغ، ونغمه شبيه

_ [1] الأرغل هو الأرغول.

بالآلة التي تسمى القانون. ثم نعود إلى تتمة الحديث. قال بلبان: والملك لا يمد الطعام إلا بين سماطين من المغاني وأصحاب الملاهي. حدثني آقسنقر الرومي أحد أمراء العشرات بالأبواب السلطانية، وهو من بعض بيوت العشرة الآمرة القديمة بالقسطنطينية وكان قد حضر في جملة الرسل إلى الأبواب العالية، وأسلم وشمله التشريف والأنعام الشريف، والإقامة في الخدمة السعيدة السلطانية بمثل هذه الأحوال، وسمعته يبالغ في تعظيم شأن ملوكهم، ويصفهم بحسن الموافاة والمراعاة لمصالح (المخطوط ص 188) أولياء دولتهم ورعاياهم. وقال: إن عادتهم جارية بأنه إذا من مات من أمراء الروم جرى على أكبر أولاده ما كان يجري على أبيه، فإن لم يكن له ولد كان على أكبر أهله، فإن انقرض تصرف الملك فيه برأيه، فإن ترك الميت أولادا لا يقوم بهم ما كان لأبيهم ولا يكفيهم إذا توزع عليهم جرى على الأماثل ما كان لأبيهم، ونظر في حال البقية. قال: وعادة هؤلاء الملوك أن لا يعطى ولد أمير رزقا من جهتهم ما دام أبوه حيا يرزق، بل ارتزاقه مما لأبيه، وإن أراد الملك أن يعطيه شيئا أعطى لأبيه مقدار ما يريد أن يجعله لابنه، ثم أمره أن يجريه هو على ولده من جهة لا من جهة الملك. قال: وهم أهل عدل فلا يظلم أحد منهم ولا يستحسن الظلم ولا يفسح فيه ولا يتطلع إلى شيء مما في أيدي الناس من أرباب دولته ورعايا مملكته، ولا يعرف هذا عندهم. قال: وجميع من هو في خدمة ملوك الروم لا حجر عليهم ولا تضيق في الإكرام بحضور خدمة مرتبة ولا أخذ دستور في أمر من الأمور، فخلي بين نفسه وما يريد في الركوب والنزول والسفر إلى الصيد والتنزه وإلى جهات أملاكهم وأقطاعاتهم بل هو في ذلك كله مع رأيه يسافر متى أراد إلى جهة أراد، ويغيب ما يقدر له أن

يغيب بغير إذن لملك ولا لأحد ممن ينوب عنه، وفيهم من يغيب السنة فما فوقها، ولا يقال له لم سافرت؟ ولا كيف أبطأت؟ ولا لأي شيء انقطعت عن الخدمة؟ ولا يعتب ولا ينكر عليه، ولا لملك تشديد عليهم في أمر إلا في الإلزام بالتوجه إلى حرب أو المؤاخذة بحق. قال: وما أهل مملكة الملك فهم منه في أرغد عيش، لا يقوض له بناء، ولا يكف له إناء، قالوا: كلهم والبطريرك هو الحاكم على الملك، لأنه لا معول إلا على رأيه، ولا يفصل حكم إلا بقضائه وله رزق عظيم، يعدل معدلة دخل إقليم، وإليه أمر الكنيسة العظمى، وسائر الكنائس والديارات (المخطوط ص 189) ويحصل لها في كل سنة أموال جمة طائلة من الوقوف والنذور والقربانات والتحف، ومهاداة الملوك والكنود والتجار. وفيما يزعم الروم أن بلاد مقدونية جميعها. وقف على الكنيسة العظمى التي لهم المسماة بالأوصفية [1] ، وبلاد مقدونية هي الاسكندرية، وما هي مضاف إليها، وكان ذلك في قديم الزمان مصر كلها بأسرها إلا الصعيد الأعلى، وعلى هذا جاء الفتوح في صدر الإسلام. قلت: والروم تبالغ في تعظيم هذه الكنيسة وتعتقد في كرامتها، وينقل من التواريخ أن بها كان اجتماع قسطنيطين على التدين بدين النصرانية، وإن عقد الاتفاق كان على المذبح بها، وفيها ما يقول صليب الصلبوت وعصا موسى وزنار مريم ومسح المسيح مما يقال أنه صار إليها من طليطلة، وفي زمان الملك الناصر صلاح الدين قدس الله روحه، جاءت إليه رسل الفرنج تسأله في إرسال صليب الصلبوت إليها، وزعموا أنه قد صار إلى خزائن العبيدين واتصل إليه، ثم أن صلاح الدين

_ [1] الأوصفية: هي كنيسة أياصوفيا ويذكر أنها من بناء آصف بن برخيا وهو ابن خالة سليمان عليه السلام، وهي من أعظم كنائس الروم عليها سور يطيف بها، فكأنها مدينة، وأبوابها ثلاثة عشر بابا (رحلة ابن بطوطة 234) وهي الآن متحف آيا صوفيا في تركيا.

ظفر به في بعض حروبه بالرجل الذي كان حضر في طلب الصليب، فأمر به فصلب، وكتب الفاضل رحمه الله كتابا ذكر هذا فيه. فقال: وحصل الظفر بمن كان تقدم حصون في طلب صليب الصلبوت، وأطلقه في ذلك الوقت، وعلم أنه لا يفوت، فلما ظفر به الآن آمر به أن يصلب، وجعله مثلة، وسمره على الصليب الخشب، وجعلة مثله (مثله) هذا ما ذكره في هذا المعنى. وأما الشائع الذائع على ألسنة الناس وكلام المتجولين في الأرض، وطلبة الكنوز والخبايا، فهو أن علم الكنوز في كنيسة القسطنطينية، ثم صارت إلى القسطنطينية، ومنهم من يقول أن الروم لما خلت عن الشام وبلاد القبط، اكتنزت كثيرا من أموالها في مواضع كانت تعدها لذلك، وكتبا بها كتبا بإعلام مواضعها، وطرق الوصول إليها، وأودعت تلك الكتب مكانا في كنيسة القسطنطينية، وإن منها تستفاد معرفتها، ومنهم من زعم (المخطوط ص 190) أن سكان الشام من الروم، لم يكنزوا، وإنما ظفروا بكتب بمعالم كنوز من كان قبلهم من اليونان والصابئة والكلدانيين ومن تقدمهم من الأمم الأول، فلما غلبوا على الشام، واستصحبوا تلك المعالم فأودعوها الكنيسة، أنه لا يصل إليها إلا من خدم الكنيسة مدة معلومة عندهم، فإذا انقضت، أعطى ورقة واحدة بخطه، ونصيب فيما يدل عليه، ولهم في هذا ومثله حكايات بجنسها، وأنا لا أصدقها ولا أكذبها، وإنما ذكرت منها هذا هنا على سبيل الحكاية والتندير إذ كان هذا ما يدور ذكره في حديث الناس إذا ذكروا هذه الكنيسة، وهو مما لا يستبعد إما كله وإما شيء منه لدخوله في حيز الإمكان، ولأنه لا يخلو من فواضل أهل زمان. وهؤلاء العرب [1] تكتنز أموالها في قدور بسلاسل طوال تدفنها في مواضع متغلغلة في البر، وتعلمها بأعلام لا تتغير من الجبال والربى، وما أشبه ذلك، فأما ما

_ [1] ربما يقصد الروم.

لا شك فيه فهو أن في القسطنطينية كتبا جليلة من كتب حذاق الحكماء والفلاسفة القدماء، ما لا خرج عن دار قومه ولا وصل إلى فلاسفة الإسلام منه شيء، لضنانة بطارقتهم [1] ، وسوء سهم به، ومحافظة خزانة على خزنة وحفظه، ويقال أن فيها دقائق الموسيقى مما لو عمل به أهل هذا الشأن والقوة على أصحاب الأصوات المطاوعة لاستغنوا به في معالجتهم به من العقاقير حتى يقال أن فيها ما يلين القاس، ويقاد الصعب، ويضحك ويبكي ويندم. ويدعى أصحاب علم الكيمياء أن فيها كتبا جليلة فيها العلم الصحيح بأسهل الطرق وأقربها إلى الوصول، وتدعى أنه مما تلقى عن موسى صلوات الله عليه. قال: ويقال أن فيها أثرا من علوم الخضر والاسكندر وذي القرنين تفتح به المغالق، وتتسلم المعاقل، وتملك النواصي، وتهزم الأعداء، فإذا حوجج أحد ممن يقول هذا القول وحوقق وقيل له (المخطوط ص 191) ، أنتم تلوون ضلوعكم على الداء الدقيق [2] ، غيظا على أخذ الشام منكم، فهلا أخذتم بتلك الآثار، وبلغتم المراد وكفيتم المهم ايلسوا وسكنوا، ولم تكن لهم حجة إلا أن يقولوا ما بقى من يعرفها أو ذهب زمانها أو تزيد طوالع أو باد من يعلمها أو ما تم من هو مشتغل بها. وأما الذي هو الآن عندهم ظاهر من بقايا ذخائر العلماء الحكماء فهو الطين المختوم، ورأيت أطباء الزمان، ومنهم بالديار المصرية رؤساء أفاضل وعلماء لا تقصر عن درجات الأوائل، ما فيهم من يثبته على التحقيق، لكنها تستحسنه، وتقول هو طين مليح يحصل به القصد، ويتوقف، ولا يجزم بأنه هو الطين المختوم، ويقول الطين المختوم طين عمل وطبع وختم على عهد جالينوس. ويقال كانت امرأة في جزيرة في البحر تجلس على هيكل على قراره أو بركة

_ [1] بطارقتهم وبطاركتهم جمع مفرد بطريك وبطريرك. [2] وردت بالمخطوط الدوين.

يأتيها السيل، فتذبح هناك التيوس على سبيل القربان في وقت معلوم من السنة، ويؤخذ من التراب مما جف عنه السيل وجمد عليه الدم، وقالوا: إنه يجبل بالدم في طالع مخصوص، ويقرص أقراصا، ويطبع بطابع متخذ لها، ومنهم من يقول إن فعله إنما هو لخاصية تلك البقعة، ومنهم من يقول للطالع المخصوص، ومنهم من يقول بل لشيء أفيض عليه في الهيئة الاجتماعية. وهذا الطين المختوم المجلوب الآن هو على نوعين أبيض ونوع أحمر، فأما الأبيض فمنه أغبر ومنه شديد البياض، أما الأحمر فمنه وردي ومنه ما يشوبه سواد كأنه لون المغرا أو طوابعه مختلفة، وهذا الاختلاف مما أوقف الأطباء عن الجزم به، أنه هو هو ولأنه لم يجدوا فيه كل ما ذكرت القدماء في أوصافه. وقال لي الرئيس أمين الدين سليمان بن داوود المتطبب رحمه الله، وقد رأيته منه هذا ما هو الطين المختوم، والطين المختوم عمل على عهد جالينوس، وكان مقدارا ليس بالكثير ثم لم يعمل بعده، وغطى البحر على تلك الجزيرة، والناس منذ عمل تستعمل منه، ولهذا زمان طويل ولولا كان (المخطوط ص 192) بقدر ما عمل أضعافا مضاعفة لكان قد فرغ، وإنما هو شيء يشبه، وليس به. وأكثر ما يحمد الأطباء من هذا الطين المشتبه بلون المغرا، ثم أن الوردي، فأما الأبيض فما رأيت أحدا [1] منهم يقدمه، إذا رآها في وصف، ولا يعبأ به، فأما جلابته من القسطنطينية فتذكره وتصف صفاته الروم، والذين جربت منه، فحمدت من أنواعه هو المشبه بالمغرا وقد ذكرت هذا المحل الفائدة، ثم نعود إلى الكلام على القسطنطينية. قال آقسنقر الرومي وبلبان الجنوي وعلي بن بلبان الجلبي قالوا كلهم، وقال غيرهم: إن القسطنطينية على جزر من البحر، يدخل منه ماء إلى الميناء في جانب

_ [1] وردت بالمخطوط أحد.

القسطنطينية، ويدخل مسورها والتجار والسفارة من سائر الأقطار من المسلمين والنصارى وغيرهم، يأتي إليها وينزل بها، ويبيع ويشتري فيها، ولا حرج عليهم ولا تضييق. والمسلمون فيها على جانب أعزاز وإكرام، فيها سكان من المسلمين يسكنونها إلى اليوم، لا يمسهم ولله الحمد ذل ولا هوان، ولهم مساجد وأئمة تصلي بهم الجماعة، فتظاهر فيها بشعائر الإسلام، وللملك اهتمام بكف الأذية عنهم، وإذا شكى المسلم إليه على أحد من النصارى، ولو أنه من عظماء البطارقة، أشكاه وأنصفه منه، ولا اضطهاد، ولا ضيم في جميع مملكة هذا الملك عليهم ولو تغيرت الملوك، واختلفت الأحوال، لا يقدر الملك على تغيير حاله في هذا، ولا مخالفة لمن تقدمه فيه لأنها عادة تدين بها ملوكهم، وسارت بها في ملوك النصرانية سيرهم، فلو عدل الملك عنها، لمنعه البطريرك، وو آخذه به وآخذه بالرجوع إلى عادة أسلافه، واشتد في منعه، فإن رجع، وإلا كان السبب بتحريمه، فإن رجع، وإن كان السبب لخلعه. والروم أسخى من جميع الطوائف النصرانية، واسمك في الكرماء نفوسا، وأمسك ناموسا، ومع هذا فما فيهم من يداني العرب في كرم، ولا يقاربهم في جود، والشح غريزة في طباع النصارى، لا ينفق إلا فيما (المخطوط ص 193) يتنغم به، فينفقه في اللهو والطرب، والنخوة فيهم قليلة، وهذه جملة ما ذكروه من أخبارهم، وفهم من كلامهم. ومما أقوله أن أول دليل على عظم القسطنطينية ومالها من الممدود غزوة هارون الرشيد إياها سنة خمس وستين ومائة، كان أبوه المهدي قد وجهه إليها وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه المهدي، فخرج يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة [1] غازيا إلى بلاد الروم، وضم إليه المهدي الربيع مولاه، فتوغل هارون الرشيد

_ [1] وردت بالمخطوط جمدى الآخرة.

في بلاد الروم، فافتتح ماجده ولقيه خيول بقطياقوس القوامسة فبارزه يزيد بن مزيد، فأرجل يزيد ثم سقط بقطيا، فضربه يزيد حتى أثخنه، وانهزمت الروم، وغلب يزيد على عسكره، وسار هارون الرشيد بمن معه في مائة ألف ألف دينار وثلاثة وسبعين ألف ألف وأربعمائة وخمسين دينارا ومن الورق مائة ألف ألف وإحدى وعشرين ألف ألف وأربعة عشر ألف وثمانمائة درهم، وسار هارون الرشيد حتى قطع خليج القسطنطينية، وصاحب الروم يومئذ عسطه امرأة النون وذلك أن ابنها كان صغيرا، قد هلك أبوه وهو في حجرها، فجرت بينها وبين الرشيد السفراء في طلب الصلح والموادعة، وإعطاء الفدية فقبل ذلك منها هارون الرشيد، وشرط عليها الوفاء بما أعطت، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في طريقه، وذلك أنه دخل مدخلا ضيقا تخوفا على المسلمين. قال أبو جعفر الطبري [1] : وسار هارون في خمسة وتسعين ألف وسبعمائة وثلاثة وسبعين رجلا من المرتزقة سوى المطوعة ثم ذكر مثل هذا، وقال: إنه جرت بينها وبين هارون الرسل والسفراء في طلب الصلح فشرط عليها الوفاء وأن تقيم له الأولاد والأسواق في طريقه فأجابته، والذي وقع عليه الصلح بينه وبينها سبعون ألف دينار تؤديها في نيسان [2] الأول (المخطوط ص 194) في كل سنة، مثله في حزيران [3] ، وقيل ذلك منها، وأقامت الأسواق في منصرفه، ووجهت معه رسلا إلى المهدي بما بعثت له وربما بذلت على أن تؤدي ما يتيسر من الذهب والفضة والعرض، وكتبوا كتاب الهدنة إلى ثلاث سنين، وكان الذي أفاء الله على هارون إلى أن أذعنت الروم بالجزية خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعون رأس، وقتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسون ألف وقتل في الأساري صبرا ألفان وتسعون

_ [1] الطبري: محمد بن جرير من الفقهاء والمؤرخين الكبار في القرن الثالث والرابع الهجريين له جامع البيان في تفسير القرآن وله تاريخ الرسل والملوك مات سنة 310 هـ. [2] أبريل. [3] يونيو.

أسيرا، وبيع البرذون بدرهم، والبغل بأقل من عشرة دراهم، والدرع بأقل من درهم، وعشرون سيفا بدرهم. فقال مروان بن أبي حفص يمدح الرشيد [1] . «لطفت بقسطنطينية الروم مسندا إليها القنا حتى أكتسى الذل سورها» . «ومارمتها حتى أتتك ملوكها بجزيتها والحرب تغلى قدورها» . «وجزت إليهم مالح البحر لم تنل به ووفود الموج دان سيرها» . «وأخرجت منها من خزائن قيصر ألوف قناطير عظيم يسيرها» . «فبورك هارون الندى ابن محمد ودام على الأعداء منه منيرها» . «لقد جرد المهدي منه مهندا يعض به يوم اللقاء صدورها» . «على سمته سرا ينوه لائح من وجهه الوضاح أشرق نورها» . «لقد أصلح الرحمن أمة أحمد لمسعاهما حتى استقامت أمورها» . «أيمتد عدل حيث حلت بلادها وكل سرير للملوك سريرها» . وقد ذكر الطبري هذه الواقعة في أحداث هذه السنة بهذه المقاصد، وقد الحقت هذه الفصل بشيء مما ذكره الحافظ أبو القسم ابن عساكر [2] في تاريخه [3] في ترجمة أبي محمد البطال [4] . قال عبد الله بن يحيى الأنطاكي [5] ، كان ينزل انطاكية قال: وكان ممن خرج

_ [1] مروان بن أبي حفصة شاعر مخضرم مدح المهدي والرشيد ومعن بن زائدة عاش ما بين 724- 298 م (المنجد في الأعلام ط 15 ص 530) . [2] الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله الشافعي المتوفى 571 هـ. [3] تاريخ مدينة دمشق ص 256. [4] عبد الله أبو يحيى المعروف بالبطّال (تاريخ مدينة دمشق 39/356) . [5] أبو مروان الأنطاكي (تاريخ ابن عساكر 39/356) .

مع مسلمة بن عبد الملك بن مروان إلى بلاد الروم، قال: لما أراد عبد الملك أنه يوجه مسلمة إلى بلاد الروم، قال: قد أمرّت (المخطوط ص 195) عليكم مسلمة بن عبد الملك، قال: وولى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطّال، وأمره، فليعس بالليل العسكر، فإنه ثقة أمين شجاع مقدام، فخرج مسلمة، وخرج عبد الملك يشيعه إلى باب دمشق. وذكر الحافظ [1] بسنده عن الوليد بن مسلمة، قال: حدثني بعض شيوخنا أن مسلمة بن عبد الملك عقد للبطّال على عشرة آلاف من المسلمين، فجعلهم سيادة ما بين عسكر المسلمين وما يليهم من حصون الروم، ومن يتخوفون اعتراضه في نشر المسلمين وعلاقاتهم، ويخرج المسلمون يتعلقون فيما بينهم وبين العسكر، فيصيبون ويخطئون فيأمن بهم العسكر [2] . وقال الوليد بن مسلم: حدثني أبو مروان الأنطاكي عن البطال أنه قال: سألني بعض ولاة بني أمية عن أعجب ما كان من أمري فيهم، فقلت، خرجت في سرية ليلا، وخرجنا إلى قرية، وقلت لأصحابي: أرخوا لجم خيولكم، ولا تحركوا أحدا بقتل ولا سبى حتى تشحنوا [3] [4] القرية، فإنهم في نومة، قال: ففعلوا، وتفرقوا في أزقتها، ودفعت في ناس من أصحابي إلى بيت يزهر سراجه، وامرأة تسكت ابنها من بكائه، وهي تقول، لتسكتن أو لأدفعنك إلى البطّال ثم انتشلته من سريره، فقالت: امسك يا بطال، فأخذته. وقال الوليد حدثني أبو مروان أنه سمعه يحدث، قال: خرجت ذات يوم متوحدا على فرسي لأصيب غفلة مسمطا مخلاة فيها عليق فرسي، ومسربل فيه خبر وشواء، فبينما أنا أسير إذ مررت ببستان فيه بقل طيب فنزلت، فعلقت على

_ [1] انظر: تاريخ مدينة دمشق (لابن عساكر 39/357) . [2] انظر: تاريخ مدينة دمشق (لابن عساكر 39/357) . [3] تفتحوا القرية. [4] انظر: تاريخ مدينة دمشق 39/358.

فرسي، وأصبت من ذلك الشواء يتصل البستان، إذ أسهلني بطني، فاختلفت متواريا، فأشفقت من دوامه، وضعفي عن الركوب، فبادرت، فركبت، ولزمت طريقا، واستفرغني على سرجي كراهية أن أنزل، وضعفت عن الركوب حتى لزمت عتق فرسي، خوفا أن أسقط عنه وذهب لي لا أدري أين يذهب لي، إذ سمعت وقع حوافره على بلاط، ففتحت (المخطوط ص 196 عيني فإذا دير فوقف بي في وسط الدير، وإذا نسوة يتطلعن من أبواب الدير. فلما رأين حالي وضعفي عن النزول [1] ، فأتتني جارية صاحية منهن حتى وقفت عليّ، ونظرت في وجهي، ورطنت لهن، فنزعن ثيابي وغسلن ما بي، ودعت بثياب فالبستنيها، وترياق أو دواء فشربته، ثم أمرت بي، فجعلت على سرير لها ودثار، وأمرت بطعام تهىء لي فأتت به وأقمت يومي وتلك الليلة لا أدري ما أنا فيه، ومكثت يومين وليلتين حتى ذهب عني السبات، وأنا ضعيف عن الركوب. فلما كان اليوم الثالث [2] جاءها من يخبرها أن فلانا البطريق قد أقبل في موكبه. فأمرت نفرسي فغيب، وأغلق عليّ باب بيتي الذي أنا فيه، ثم أنزلت البطريق وأصحابه، وكان قد جاء خاطبا لها، فبينما هو على ذلك، إذ جاءه من يخبره عن موضع فرسي، وإغلاقهم عليّ فهم أن يهجم عليّ، فأقسمت إن هو تعرضني، لأنال حاجته، فأمسك وأقام قائلة ذلك اليوم، ثم تزوج، وخرجت فدعوت بفرسي فخرجت إليّ، فقالت [3] : إني لا آمن أن يكمن لك، دعه يذهب، فأبيت عليها، وركبت فقفوت أثره

_ [1] قارن: تاريخ ابن عساكر. مع اختلاف يسير في الألفاظ 39/359. [2] قارن: تاريخ ابن عساكر 39/359. [3] تاريخ ابن عساكر 39/359.

حتى لحقته وشددت عليه، فانفرج عنه أصحابه فقتلته وطلبت أصحابه فهربوا عني، وأخذت فرسه وسمطت رأسه، ورجعت إلى الدير فألقيت الرأس، ودعوتها ومن معها من نسائها وخدمها. فوقفت بين يدي، وأمرتها بالرحلة، ومن معها على دواب الدير وسرت بهن إلى العسكر، حتى دفعت بهن إلى العسكر حتى دفعت بهن إلى الوالي فجعل نفلي منهن، فتنفلت المرأة بعينها، وسلمت سائر الغنيمة في المقسم واتخذتها أم أبني. قال: أبو مروان، وكان أبوها بطريقا من بطارقة الروم له شرف يهاديه ويكارمه ويكاتبه. وقال الوليد: سمعت عبد الله بن راشد الخزاعي يخبر عمن سمعه من البطال: يخبر أن هشاما أو غيره من خلفاء بني أمية كان قد (المخطوط ص 196) استعمله على ثغر المصيصة وما يليها، وأنه ران عليه خبر الروم، فوجه سرية لتأتيه بالخبر، فتوجهوا واجلتهم أجلا، فاستوعبوا الأجل. قال: فأشفقت من مصيبتهم، ولائمة الخليفة، فخرجت متوحدا حتى أوغلت في الناحية التي أمرتهم بها، فلم أجدلهم خبرا، فعرفت أنهم أخبروا بغفلة أهل الناحية الأخرى، فتوجهوا إليها، وكرهت أن أرجع لهم، ولم استنقذهم مما هم فيه، إن كان عدوا يكاثرهم، وأعرف من خبرهم ما أسكن إليه، فلم أجد أحدا يخبرني بشيء، فمضيت حتى أقف على باب عمورية فضربت بابها، وقلت للبواب أفتح لفلان سياف الملك ورسوله، وكنت أشبه به [1] . فأعلم ذلك صاحب عمورية، فأمره بفتح الباب ففعل وأدخلني، فلما صرت إلى بلاطها، وقفت وأمرت من يشتد إلى بيت يدي إلى باب بطريقها ففعل، ووافيت باب البطريق قد فتح، وجلس لي ونزلت عن فرسي، وأنا متلثم بعمامتي فأذن لي،

_ [1] تاريخ ابن عساكر 39/360.

ومضيت حتى جلست إلى جانبه فرحب بي فقلت له: أخرج من هنا لكلام حملت إليك، فأخرجهم وغلق الباب، وعاد إلى مجلسه، فاخترطت سيفي وضربت على رأسه، ثم قلت له: قد وقعت بهذا الموضع، فأعطني عهدا حتى أكلمك بما أريد، ثم أرجع من حيث جئت، ولا يتبعني منك خلاف، ففعل. فقلت: أنا البطال، فأصدقني عما أسألك عنه، وأنصحني وإلا أتيت عليك [1] . فقال: سل عما بدا لك، فقلت: السرية. فقال: نعم وافت البلاد غارة لا تدفع أهلها يد لامس، فوغلوا في هذه البلاد، وملأوا أيديهم غنائم، وهذا آخر خبر جاءني، إنهم بوادي كذا، فغمدت سيفي. وقلت: أدع لي بطعام فدعا، فأصبت منه، ثم قمت فقال لمن حوله: كونوا معه حتى يخرج، ففعلوا ثم قصدت السرية حتى أتيتها وخرجت بها، وبما غنمت فهذا من أعجب ما كان مني [2] . ثم قتل رحمه الله شهيدا في غزاة غزاها، وقتل معه خلق كثير من المسلمين وفيها يقول الشاعر: [الوافر] (المخطوط ص 198) ألم يبلغك من أنباء جيش ... باقرن غودروا جثثا رماما تقودهم حتوف لم يطيقوا ... لها دفعا هناك ولا خصاما معارك لم تقم فيها بشجو ... نوائح يلتزمن به التزاما ولم تهمل على البطّال عين ... هناك بعبرة تشفى الهياما

_ [1] تاريخ ابن عساكر 39/360. [2] تاريخ ابن عساكر 39/361.

عشية باشر الأهوال صبرا ... بخيل تخرق الجيش اللهاما إذا ما خيله حملت عليهم ... تداعوا من مخافته اهتزاما [1] فلا تبعد هنالك من شهيد ... فإنك كنت للهيجا حساما [2]

_ [1] انهزاما (تاريخ ابن عساكر 39/363) . [2] كنت: سقطت من الأصل، وأضيفت من تاريخ ابن عساكر. القصيدة وشرح بعض ألفاظها بتاريخ ابن عساكر 35/363.

الباب السادس في مملكة مصر والشام والحجاز

الباب السادس في مملكة مصر والشام والحجاز [ذكر مملكة المصر]

هذه الممالك هي مملكة واحدة، يقع معظم مصر في أوائل الثالث، ومعظم الشام في أواخره، وحلب منه في الرابع، وهي مملكة كبيرة، وأموالها كثيرة، وقاعدة الملك بها قلعة الجبل [1] ثم دمشق وهي من أجل ممالك الأرض لما حوت من الجهات المعظمة، والأرض المقدسة، والجهات «1» والمساجد التي هي التقوى مؤسسة «2» بها المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها [2] وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم [3] والطور [4] والنيل [5] والفرات [6] وهما من الجنة. وبها معدن الزمرد ولا نظير له في أقطار الأرض، وحسب «3» مصر فخرا بما تفردت به من هذا المعدن، واستمداد ملوك الآفاق له منها.

_ [1] قلعة الجبل: هي القلعة التي بناها قراقوش: بهاء الدين أبو سعيد لصلاح الدين الأيوبي، والتي اتخذت مقرا للحكم وهي الآن تقع بموقعها الكائن بالقاهرة بمنطقة القلعة عند سفح جبل القطم. [2] إشارة إلى قول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ... » جزء من حديث للبخاري في باب التطوع (التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح للإمام الحسين بن المبارك، بيروت ط 2 سنة 1980 ج 3/557) . [3] بها قبور إبراهيم وموسى وهود وصالح وشعيب وأيوب ولوط ويوسف وإدريس ويعقوب وآخرون. [4] الطور: جبل بسيناء ناجى منه موسى عليه السلام ربه وهو المذكور في قوله تعالى: وَطُورِ سِينِينَ [التين، الآية 2] وهو جبل أضيف إليه سينيين وسنين شجر (مراصد الاطلاع 2/896) . [5] ونيل مصر يفضل أنهار الأرض عذوبة مذاق، واتساع قطر وعظم منفعة، والنيل أحد أنهار الدنيا الخمسة الكبار (رحلة ابن بطوطة 34) ونيل مصر قيل هو تعريب نيلوس (مراصد الاطلاع 3/1413) . [6] الفرات: أحد الأنهار الخمسة الكبار، يجري في العراق وسوريه وتركيا، واسمه بالفارسية فالاذروذ (مراصد الاطلاع 3/1021) .

«1» أخبرنا العدل عبد الرحيم شاهد المعدن بما أذكره من أحواله قال: إن بينه وبين قوص [1] ثمانية أيام بالسير المعتدل المعتاد، والبجاه [2] تنزل حوله وقريبا منه لأجل القيام بحفره وحفظه، وهذا المعدن وهو في الجبل الآخذ شرقي النيل في بحرى، قطعة عظيمة من هذا الجبل تسمى قرشنده، وليس في الجبال التي هناك أعلى [3] ولا (المخطوط ص 199) أشرف منها، وهو في منقطع من البر، لا عمارة عنده، ولا حوله ولا قريبا منه، والماء عنه على مسيرة نصف يوم منه أو أزيد، وهو ما يحصل من المطر، (ويعرف بغدير أعين بكثرة مطر [4] ) ، ويقل بقلته. وأما هذا المعدن فهو في صدر مغارة طويلة في حجر أبيض منه يستخرج الزمرد [5] ، والحجر الأبيض المذكور ثلاثة أنواع، أحدهما يقال له طلق كافوري، والثاني يقال له طلق فضي، والثالث يقال له حجر خروي، يضرب من هذه الحجارة حتى يخرج الزمرد وهو كالعروق فيه، والذي يخرج من أجوده، وأنواع الزمرد ثلاثة الدبائي وهو أفخرها، ولكنه قليل بل أقل من القليل بل لا يكاد يوجد.

_ [1] قوص: مدينة عظيمة لها خيرات عميمة، بساتينها مورقة وأسواقها مونقة ولها المساجد والمدارس وهي منزل ولاة الصعيد (رحلة ابن بطوطة 41- 42) مدينة كبيرة وهي قصبة صعيد مصر (مراصد الاطلاع 3/1133) . [2] البجاة قوم سود الألوان يلتحفون ملاحف صفراء ويشدون على رؤوسهم عصائب يكون عرض العصابة منها أصبعا ومقرهم عيزاب وملكهم يدعى الحدربي (رحلة ابن بطوطة 42) . [3] وردت بالمخطوط أعلا. [4] ما بين القوسين ورد بالحاشية. [5] الزمرد هو الزبرجد جوهر ثمين (انظر: الدخيل في لهجة أهل الخليج 65 القاموس المحيط 1/308) .

قال العدل عبد الرحيم: أنه ما رآه في مدة مباشرته ولا خرج منه شيء في طول تلك المدة. قال: وهو يستخرج في طول السنة مهما وجد من يعمل فيه، قال: وليس فيه عدة محصورة بل هم تارات بحسب الاهتمام وعدم الاهتمام باستخراج هذا المعدن. قال: وإذا استخرج الزمرد يلقى في الزيت الحار ثم يحط في قطن، ويصير ذلك القطن في خرق خام، وما يجري مجراه. قال: والاحتراز على هذا المعدن كثير جدا، والفعلة تفتش عند خروجهم منه في كل يوم حتى يفتش منهم أماكن لا يليق ذكرها هذا ما أخبرني به. وحدثني آخر له معرفة بهذا المعدن وأحواله أن هؤلاء الفعلة في هذا المعدن مع هذا الاحتراز الشديد لهم حيل كثيرة في سرقة الزمرد، منها أن الرجل منهم يسرق ما يمكنه من الزمرد ويعمله في كيس صغير من معد منه لذلك، ويربطه ثم يعلقه بخيط ابريسم [1] مبروم مشدود فيه بين أضراسه الدواخل، ويكون رأس الخيط معقودا عقدا وثيقا، فإذا علق الخيط أخرج تلك العقدة بين الضرسين إلى جهة الشفة، فيبقى ناشبا به، فإذا خرج إلى ظاهر المعدن، وصار (المخطوط ص 200) جنب بأمن أخرجه وأخذ ما فيه «1» . وبها البلسان [2] وهو ما هو وملوك النصرانية تترامى على طلبه، والنصارى

_ [1] أبريسم هو بريسم وبريشم نوع من الصوف من الكلمة الفارسية بريسم (انظر: معجم تيمور 2/8 الدخيل في لهجة أهل الخليج 16) . [2] البلسان: شجر له زهر أبيض صغير كهيئة العناقيد، وهو من الفصيلة البخورية، يستخرج من بعض أنواعه دهن عطر ينبت بعين شمس بظاهر القاهرة (المعجم الوسيط 1/71) .

كافة تعتقد فيه ما تعتقد، وترى أنه لا يتم تنصير نصراني حتى يوضع شيء من دهن البلسان في ماء العمودية «1» عند تغطيسه فيها. فأما وجوه دخل هذه المملكة وخراجها وعساكرها وأجنادها وما أوى «2» إليها من الأمم، وسكنها من أشتات الخلائق، وعرفت به سلاطينها من حسن السياسة وقدم «3» الرئاسة فأمر لا يخفى له خبر، لا يغطى «4» ضوءه على ذي بصر، وقد تقدم في مواضع من هذا الكتاب ويأتي في مواضع أخرى منه، ما يحقق ما قلناه، ولا يعتقد معتقد أو يظن ظان أنى قلت في هذا بغرض لكوني من أهل هذه البلاد وتحت ظل ملوكها، وربيب أنا وآبائي في نعم سلاطينها «5» ، فمعاذ الله أن أقول إلا الحق أو أسطر عني «6» غير الصحيح، لا سيما فيما يحدث به جيل بعد جيل بل لهذا اختصرت في القول. ومعاملتها الدراهم، ثلثاها فضة، والثلث نحاس، والدرهم ثمانية عشر خروب، الخروبة ثلاث قمحات، والمثقال أربعة وعشرون خروبة، والدرهم منها قيمته أربعة وعشرون فلسا، والدينار الجيشي مسمى عنه ثلاثة عشر درهما وثلث درهم من العادة عنه مسمى أربعون درهما سوداء الدرهم منها ثلث درهم مما ذكر، ولا يوجد بالديار المصرية من الدراهم السود إلا المسميات لا الأعيان. فأما بالاسكندرية فإنها توجد بها وهي كل اثنين «7» بدرهم وأما الكيل فيختلف، فبمصر الأردب، وهو ست ويبات [1] «8» أربعة أرباع، الربع أربعة

_ [1] الإسكندرية: الثغر المحروس والقطر المأنوس العجيبة الشأن، الأصيلة البنيان، بها ما شئت من تحسين وتحصين لها أربعة أبواب وبها المنار وعمود السواري (رحلة ابن بطوطة 21- 22) (انظر: مراصد الاطلاع 1/76) .

أقداح، القدح، مائتان واثنان وثلاثون درهما، هذا أردب مصر وفي أريافها يختلف الأردب عن هذا المقدار إلى أنهى ما ينتهى «1» ثمان ويبات [1] ، وإنما المعهود المتعامل إنما هو بالأردب المتقدم ذكره، والرطل هو اثنا عشر أوقية، الأوقية اثنا عشر درهما، فيكون الرطل مائة وأربعة وأربعون درهما. وأما دمشق فهي بنظير المعاملة المذكورة خلا أن الصيحة «2» تتفاوت، فينقص كل مائة مثقال شامي مثقالا وربعا بمصر [2] ، وكذلك الدراهم والرطل اثنا عشر أوقية، الأوقية خمسون درهما، فيكون الرطل ستمائة درهم. والغرارة «3» للغلات وهي اثنا عشر كيلا، كل كيل ستة أمداد، المد ينقص قليلا عن الربع المصري، ونسبة ما بين الغرارة والأردب، أن كل غرارة ومد نصف ثلاثة أرادب بالمصري تحريرا وفي بر دمشق ربما زاد الرطل والغرارة على الدمشقي حتى يكثر تفاوت ما بينهما لعظم زيادة بعض المواضع، لكن كيل دمشق، ورطلها هو المعتبر وإليه المرجع. وأما حلب وحماة وحمص فأرطلها [3] أزيد من الدمشقي ولا تعرف الغرائر، وإنما تعرف المكاكيك [4] ، وتختلف زيادة بعضها على بعض، منها ما هو معتدل الغرارة مكوكان ونصف وما بين ذلك، كل ذلك تقريبا.

_ [1] ويبات جمع مفرده ويبة. والويبة كيلتان والأردب ست ويبات (المعجم الوسيط 2/1104) . [2] الصنجة: وهي السنجة من سنگ الفارسية وهو الحجر المستعمل في الوزن، عيار وزن والهاء للنسبة (فرهنگ عميد 2/1246 والدخيل 75) . [3] الغرارة: وعاء من الخيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه، وهو أكبر من الجوالق جمعه غرائر (المعجم الوسيط 2/672) . [4] مكاكيك جمع مفرده مكوك، مكيال قديم يختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، قيل: يسع صاعا ونصفا (المعجم الوسيط 2/917) .

فأما مصر فمزروعها «1» على النيل بعد زيادته وعمومه البلاد، سوى قليل لا يعتبر به في بلادها مما يزرع على المطر، كأطراف البحيرة وما يزرع على الأنهر كالفيوم [1] ، وماؤها من البحر المنهي اليوسفي المشتق من النيل، لا ينقطع جريه أبدا على ما هو معروف من أمره. وأكثر محاسن مصر مجلوبة إليها حتى بالغ بعضهم فقال: إن العناصر الأربعة مجلوبة إليها، الماء وهو النيل مجلوب من الجنوب، والتراب مجلوب من حمل الماء وإلا فهي رمل محض ولا ينبت الزرع، والنار لا يوجد بها شجرته وهو الصوان إلا إذا أجلب إليها، والهواء لا يهب إليها إلا من أحد البحرين إما الرومي [2] وإما الخارج من القلزم [3] إليها. ولقد زاد هذا في تحامله وهي كثيرة الجنوب من القمح والشعير والفول والحمص والعدس والبسلة واللوبيا والدخن والأرز وبها الرياحين الكثيرة كالحبق «2» والآسن، والورد والنيلوفر والنسرين والبان «3» والتمر حنة [4] والمنثور والياسمين والأترج والنارنج والليمون والحامض الكباد والموز الكثير وقصب السكر الكثير، والرطب (المخطوط ص 202) ، والعنب والتين والرمان والتوت والفرصاد والخوخ واللوز والجميز والنبق والبرقوق والقراصيا والتفاح «4» .

_ [1] الفيوم، ولاية غربية بينها وبين الفسطاط أربعة أيام (مراصد الاطلاع 3/1053) . [2] البحر المتوسط (انظر: الخريطة آخر الجزء الثالث) . [3] القلزم: هو بحر اليمن (مراصد الاطلاع 3/1116) وهو البحر الأحمر الآن. [4] وردت بالمخطوط التامر صفا أ 201 ب 132.

وأما السفرجل والكمثرى فقليل وكذلك الزيتون مجلوب إلا قليل في الفيوم، لا اعتبار به، ولا من الجوز إلا ما قل جدا ولا يوجد بها الفستق ولا البندق، وبها البطيخ الأصفر أنواع والأخضر أنواع والخيار والقثاء على أنوع، والقلقاس واللفت والجزر والقرنبيط [1] والفجل والبقول المنوعة. وبها أنواع الدواب من الخيل والجمال والبغال والحمر والبقر والجواميس والغنم والمعز، ومما يوصف من دوابها بالجودة الحمر لفراهتها، والبقر والغنم لعظمها. وبها الأوز والدجاج والحمام، ومن الوحش الغزلان والنعام والأرنب، فأما من أنواع الطير، فكثير كالكركي والأوز وغير ذلك وأوسط الأسعار في غالب أوقاتها الأردب القمح بخمسة عشر درهما، والشعير بعشرة، وبقية الحبوب على هذا الأنموذج، وأما الأرز فيبلغ أكثر من ذلك، وأما اللحم فأقل سعره الرطل نصف درهم وفي الغالب أزيد، والدجاج يختلف سعره بحسب اختلاف أحواله فجيده الطائر بدرهمين، ومنها ما هو بثلاثة، وقد يزيد، ومنها ما هو بدرهم واحد. ويعمل بمصر معامل [2] كالتنانير [3] ، ويعمل بها البيض بصنعة وتوقد، يحاكي بها نار الطبيعة في حضانة الدجاجة البيض، ويخرج في تلك المعامل الفراريج، وهي معظم دجاجهم. وبها ما يستطاب من الألبان والأجبان، وبها العسل بمقدار متوسط بين الندرة والقلة، وأما السكر فكثير جدا، وقيمته المعهودة منه على الغالب من السعر «1» ،

_ [1] وردت بالمخطوط القنبيط، وهو بقلة زراعية من الفصيلة الصليية، تطبخ وتؤكل وتسمى في مصر والشام القرنبيط (المعجم الوسيط 2/791) . [2] المعامل هي المصانع. [3] التنانير جمع مفرده تنور وهو الفرن (فرهنگ رازي 170) .

الرطل بدرهم ونصف «1» ، ومنها يجلب السكر على اختلاف أنواعه إلى كثير من البلاد، وقد نسى بها ما كان يذكر من سكر الأهواز. وبها الكتان المعدوم المثل المنقول «2» ، ومما يعمل من قماشه إلى أقطار البلاد، ولقد أراني خواجا جمال الدين (المخطوط ص 203) يوسف الماحوزي [1] مقاطع شربا «3» أبيض من الصنف الممرش، استعملها بالاسكندرية على أنه يقدمها للسلطان أبي سعيد كأنها جناح الزنبور. لا أظن أنه يعاد لها في الدنيا قماش، قال: أنه استعملها [2] ، يقوم «4» كل مقطع منها (ساذجا) «5» بسبعمائة درهم ورقا، ويقوم طرزه وهو ساذج (بمثل ذلك) «6» ، فيقول جملة المقطع الواحد بألف وأربعمائة درهم ورقا عنها سبعمائة درهم نقرة [3] ليس فيه إلا الكتان. وبها قليل من الحرير في طرز على أنه لا يكون غالب الطرز إلا من الكتان، فإن الأبيض فيه لا يكون من الحرير أبدا، ومنه تكون الكتابة وهي حلى الطراز، وقال لي إن الكتان لا يباع الدرهم منه، وأما ما يدخل في الطرز فيباع بنظير وزنه مرات عدة. قلت: وهذا الشّرب هو الذي تفوق به الاسكندرية البلاد أكثر مما يعمل فيها من القماش على اختلاف أجناسه وأنواعه.

_ [1] الشيخ جمال الدين الحويزائي ذكره ابن بطوطة ضمن علماء مصر وأعيانها (رحلة ابن بطوطة 38) . [2] صنعها. [3] الفضة.

ثم نعود إلى ذكر مصر فنقول: وأما مبانيها فقليل منها بالحجر وأكثرها بالطوب وأفلاق النخل والجريد، وخشب الصنوبر مجلوب إليهم من بلاد الروم من البحر ويسمى عندهم النقي. وبها المدارس والخوانق والربط والزوايا والترب الضخمة والعمائر الجليلة الفائقة والأماكن المعدومة المثل، المفروشة بالرخام، المنقوشة بالأخشاب، المدهونة بأنواع الأصباغ، الملمعة «1» بالذهب واللازورد، ومن حيطانها ما هو مؤزر بالرخام، وتختلف المباني بحسب اختلاف أصحابها. وحاضرة مصر تشتمل على ثلاث مدن عظام، الفسطاط وهو بناء عمرو بن العاص [1] وهي المسماة عند عامة أهل مصر بمصر العتيقة [2] ، والقاهرة المعزية بناها القائد جوهر [3] لمولاه الخليفة المعز بن القائم بن المهدي [4] ، وقلعة الجبل بناها قراقوش [5] للملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى، وأول من سكنها أخوه العادل، وقد يفصل «2» بعض هذه الثلاثة ببعض بسورما، بناه قراقوش بها، إلا أنه قد يقطع الآن في (المخطوط ص 204)

_ [1] هو عمرو بن العاص الذي فتح مصر وخط مدينة الفسطاط وهي قاعدة مصر لزمن طويل. [2] ما زال هذا الاسم معروفا حتى الآن باسم مصر العتيقة ومصر القديمة. [3] جوهر: هو جوهر الصقلي، قائد المعز لدين الله الفاطمي، فتح مصر وبلادا كثيرة في شمال أفريقيا والشام، وأسس ملكا واسعا للفاطميين (روضة الصفا 221- 222، الخطط المقريزية 1/27) . [4] المعز لدين الله الفاطمي ابن القائم المهدي، كان ملكا شجاعا صاحب رأي، تولى حكم الدولة الفاطمية سنة 341 هـ، وانتقل إلى مصر سنة 361 هـ ومات سنة 365 هـ (انظر: روضة الصفا 221- 223، العبر وديوان المبتدأ والخبر 4/47، ابن الأثير 6/354، ابن كثير 11/233 حمد الله المستوفى 464) . [5] قراقوش هو بهاء الدين أبو سعيد المعروف بقراقوش ومعناه بالتركية القصاب أو النسر الأسود، نشأ في خدمة صلاح الدين، وناب عنه في بعض الأحيان، بنى سور القاهرة وقلعة الجبل وقناطر الجيزة توفي سنة 1201 هـ اشتهر بأحكامه التعسفية التي هي محل شك المؤرخين (انظر: الموسوعة العربية الميسرة، شفيق غربال وآخرون 1373) .

بعض الأماكن. وهذا السور هو الذي ذكره الفاضل في كتاب كتبه إلى صلاح الدين فقال: والله يحيى الموتى «1» حتى يستدير بالبلد من بنطاقه ويمتد عليها رواقه، فيها عقيلة ما كان معصمها ليترك بغير سوار ولا خصرهما ليخلى بلا منطقة نضار، والآن قد استقرت خواطر الناس وآمنوا به من يد تتخطف ومن طمع مجرم يقدم ولا يتوقف وقد عظمت، وبها المارستان [1] المنصوري [2] المعدوم «2» النظير لعظمة بنائه، وكثرة أوقافه، وسعة انفاقه، وتنوع الأطباء وأهل الكحل [3] والجراح «3» به، وهو جليل المقدار، جميل الآثار جزيل الإيثار، وقفه السلطان الملك المنصور قلاوون [4] رحمه الله. وبها البساتين الحسان والمناظر النزهة والأدر المطلة «4» على البحر وعلى الخلجانات الممتدة فيه أوقات مدها، وبها القرافة تربة عظمى لمدفن أهلها. وبها العمائر الضخمة، وبها المتنزهات المستطابة، وهي من أحسن البلاد أيام ربيعها للقدر [5] الممتدة من مقطعات النيل بها، وما يحفها من زروع أخرجت

_ [1] دار الشفاء. [2] نسبة إلى المنصور سيف الدولة قلاوون الذي حكم مصر سنة 1279 م- 1290 م (المنجد في الأعلام ص 546) . [3] أطباء العيون. [4] الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي وكان معروفا بالألفى لأن الملك الصالح أيوب اشتراه بألف دينار ذهبا وهو من بلاد القبجاق، تولى حكم مصر ما بين سنة 1279 م- 1290 م (انظر: رحلة ابن بطوطة 36) توفي 21 ذي الحجة 741 هـ (النجوم الزاهرة ج 10 أحداث سنة 741 هـ) . [5] الغدر جمع مفرده غدير وهو النهر الصغير (المعجم الصغير 2/669) .

شطآها [1] وفتقت أزهارها. وبها الآثار القديمة الدالة على حكمة بانيها كالأهرام وأشهرها الهرمان الكبيران بالجيزة [2] ، وبرابي أخميم [3] ، فأما بقية ما يذكر من البرابي والملاعب بالأشمونين وألصنا وقيط وعين شمس ومنارة الإسكندرية والبيت الأخضر بمصر يوسف عليه السلام، فكل هذه قد غير الدهر معالمها، وطمس آثار غالبها، وشرع الخراب بالهرمين الكبيرين والبراي بأخميم لأخذ حجارتها، وتغيير بهجتها [4] . وبها الصنم المقارب للهرمين المسمى عند العامة بأبي الهول وهو صنم كبير لا يبين منه إلا إلى قريب نصفه. والقول في الأهرام والبرابي «1» كثير، والأقرب أن الأهرام هياكل لبعض الكواكب، فأما البرابي فقال لي الحكيم شمس الدين أبو عبد الله محمد بن شقير الدمشقي أنه رآها وأجاد تأملها، فوجدها مشتملة على جميع أشكال الفلك، وأن الذي ظهر له أنه لم يعملها حكيم واحد ولا ملك (المخطوط 205) واحد بل تولى عملها قوم بعد قوم حتى تكاملت في دور كامل وهو ستة وثلاثون ألف سنة [5] ، لأن مثل هذه الأعمال لا تعمل إلا بأرصاد، ولا يكتمل

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: ... وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ ... [الفتح، من الآية 29] . [2] يقصد هرم خوفو وخفرع ولم يذكر هرم منقرع حيث كانت الرمال ترتفع حوله، ولم يحدد ابن بطوطة المعاصر للمؤلف عدد الأهرامات (رحلة ابن بطوطة 36) . [3] البرابي جمع مفرده بربى وهو مبني بالحجارة في داخله نقوش وكتابة للأوائل لا تفهم في هذا العهد، أما أخميم فهي مدينة عظيمة البنيان عجيبة الشأن (رحلة ابن بطوطة 41) . [4] أكد ذلك ابن بطوطة في حديثه عن أخميم 41. [5] ذكر ابن بطوطة إنها بنيت في ستين سنة وكتب عليها، بنينا هذه الأهرامات في ستين سنة، فليهدمها من يريد ذلك في ستمائة سنة، وقول ابن بطوطة عن المدة الزمنية أقرب إلى الصواب أما العبارة التي ذكرها فهي منكرة لأنه لم يكن قد تم فك رموز اللغة الهيروغليفية وكما ذكر هو نفسه أنها لا تفهم (انظر الرحلة ص 36- 41) .

رصد المجموع «1» في أقل من هذه المدة المذكورة، هذا ما أخبرني به عنها. وكتب القاضي محيي الدين بن الزكي إلى القاضي الفاضل كتابا ذكر فيه مصر وسماها بالمومسة، فعز ذلك عليه، وذكر في جوابه إليه، وهجم بي التأمل على لفظة أطلقها على مصر، وكنى بها عنها، ووصمها بما وسمها، وبث في القلوب عصمها، وأظنه عاقبها بذنب فرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى [1] وحين قال أليس لي ملك مصر كما فعل الرشيد [2] ، وولى الخصيب [3] ، فإن كان إلى ها هنا ذهب، فقد غاب عاقبها بذنب لم يجبه، وهدمها بأمر لم تنبه، وعلى كل حال فلو كان على نفس لكنت معه عليها، ولو بعث سهما إليها لتولت يدي إيفاده إليها، فلقد أخرجني من أرضي بسحره، وندم خادمه على ما فات فيها من عمره، فهو الآن لا يرفع إليها طرفا من كسله، (ولا يرى نيلها إلا أقل من مسل برد أو وشلة) «2» وإذا رأى دينارها الأحمر، قال: به حمرة من خجله، وإذا رأى ابريزها [4] الأسود، قال: من سواد عمله، وإذا رأى هرميها، قال: انكسر نهداها، وإذا رأى ملتها الحاقة قال: شاب قوادها، ثم راجع النظر فإذا اللفظة التي أطلقها سيدنا عليها وهي المومسة تأبى العلقة، فكيف له أن يقذف المستورة بهذا القذف؟ ويهجم على خدرها بهذا الوصف؟! وقد وفد إليها عن شامه حين أخذ الكفر بمخنق إسلامه، فانجدته واصرخته، وسكنت الروع

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات، الآية: 24] . [2] يقصد هارون الرشيد الخليفة العباسي. [3] الخصيب: غضب الرشيد على أهل مصر فولى عليهم أحقر عبيده. وأصغرهم شأنا، قصدا لإذلالهم والتنكيل بهم وكان خصيب أحقرهم وكان يتولى تسخين الحمام، فولاه مصر، فسار فيهم سيرة حسنة غير ما كان الرشيد يبغيه (رحلة ابن بطوطة 40) . [4] وردت بالمخطوط إبليزها ويقصد العملة السوداء أ 205 ب ر 135

وأفرحته، وعاد إلى الفائت الدرك، وقالت الناس ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك [1] وإذا كانت دمشق من عتقاء مصر فلا فخر لها أن تكن مولاتها مومسة، وقد سترت هذه اللفظة، فما كأنها دخلت كتابه ولا مجلسه. قلت: وأما الشام فيزرع غالبه على المطر، وهو من جميع ما ذكر في مصر من الحبوب، ومنه ما هو على سقى الأنهار وهو قليل. وبها أنواع الأشجار وأجناس الثمار (المخطوط ص 206) من التين والعنب والرمان والسفرجل والتفاح والكمثرى والأجاص والقراصيا والتوت والفرصاد والمشمش والزعرور والخوخ وهو المسمى عندهم الدراقن، وأجلها بدمشق من غالب ذلك على أنواع منوعة وأجناس متعددة شتى، ومنها فواكه تأتي في الخريف وتبقى إلى الربيع كالسفرجل والتفاح والرمان والعنب وبها الجوز واللوز والفستق والبندق، وبها الليمون والأترج والنارنج والكباد والموز وقصب السكر، من أغوارها يحمل إليها من نحو يومين وأزيد. وبها البطيخ الأصفر والأخضر على أنواع والخيار والقثاء واليقطين واللفت والجزر والقرنبيط [2] ، والهليون والباذنجان والملوخية والبقلة اليمانية والرجلة «1» ، وغير ذلك من أنواع الخضروات المأكولة. ونهر دمشق الخاص بها بردى [3] ، وبها غيره من الينابيع والأنهار المارة «2» فيما حولها.

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: ... وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف، من الآية: 31] . [2] وردت بالمخطوط القنبيط. [3] وردت بالمخطوط بردا وهو نهر بردى.

وبها الأوز والدجاج والحمام وكثير من أنواع الطير، ولا تكون الفراريج إلا بحضانة لا كما يعمل في مصر، ولقد ذكر أنه جاءها شخص من مصر زمن الصيف، وعمل بها في حاضرة العقيبة «1» مع الفراريج، وطلعت به الفراريج، فلما أتى زمن الخريف لم تطلع معه وخسر وترك ذلك وعاد إلى مصر، وأسعار اللحم أرخص من مصر، وأما الدجاج فنظيرها. وأما الأوز فأغلى، وبها العسل متوسط، ويعمل بها السكر، ومنه المكرر، وهو بأزيد من سعره بمصر، ولا يكثر، وبها أنواع الرياحين الآس والورد والبنفسج والنيلوفر والخلاف والنرجس والمنثور والياسمين والترنجان «2» والمرزنجوش [1] والنمام والنسرين، وإلى وردها وبنفسجها النهاية حتى أنه «3» عطل وردها، وما يستخرج من مائة ما كان يذكر من حور ونصبين وماء الورد ينقل «4» إلى غالب البلاد (وبالشام الزيتون الكثير ومنه يحمل إلى كثير من البلاد) «5» وبها أشياء كثيرة خاصة بها. وغالب مباني الشام بالحجر، ودورها أصغر مقادير من دور مصر، ولكنها أزيد زخرفة منها، وإن كان الرخام بها أقل، وإنما هي أحسن أنواعا وعناية أهل دمشق بالمباني كثيرة، ولهم في بساتينهم منها ما تفوق به (المخطوط ص 207) وتحسن به، وإن كانت حلب أجل بناء لعنايتهم بالحجر، فدمشق أزيد وأكثر رونقا لتحكم الماء على مدينتها، وتسلطه على جميع نواحيها.

_ [1] المرزنجوش: عشب طيب الرائحة، له فروع طويلة وأوراق دقيقة، وأزهار بيضاء تميل إلى الحمرة، يستخدم في الطب يسمونه بالعربي آذان الفار، الكلمة فارسية مرزنگوش (فرهنگ عميد 2/1788) .

وبجميع الشام وجوه الخير كثيرة من المدارس والخوانق، والربط والزاويا، للرجال والنساء والمارستانات [1] وأوقاف البر والصدقات على اختلافها، وخصوصا دمشق، فإنه لا يطاول في ذلك باعها، ولا يحاول في هذه الغاية ارتفاعها. فأما مسجدها الجامع [2] فهو الفارق «1» بينها وبين ما سواها «2» والفائق بحسنه على كل المباني، في هذه المملكة مصر والشام، من محاسن (الأشياء ولطائف الصنائع، ما تكفى شهرته، وبها من أنواع الصناع في الأسلحة «3» والقماش والزركش [3] والمصوغ والكفت وغير ذلك مما يكاد يعد تفردها به، والرماح التي لا يعمل في الدنيا أحسن منها. وأما عساكر هذه المملكة فمنهم من هو بحضرة السلطان، ومنهم من فرق في أقطار هذه المملكة وبلادها، ومنهم سكان بادية كالعرب والتركمان. وجندها مختلط من أتراك وجركس وروم وأكراد وتركمان، وغالبهم من المماليك المبتاعين، وهم طبقات، أكابرهم من له إمرة مائة فارس، وتقدمة ألف فارس من هذا القبيل يكون أكابر النواب، وربما زاد بعضهم بالعشرة فوارس والعشرين، ثم أمراء الطبلخانات [4] ، ومعظم «4» من تكون له إمرة «5» أربعين

_ [1] دور الشفاء. [2] يقصد المسجد الأموي بناه الوليد بن عبد الملك بن مروان وهو من أعظم المساجد وأتقنها صناعة وأبدعها حسنا وبهجة وكمالا، ولا يعلم له نظير ولا يوجد به شبيه (انظر: وصف ابن بطوطة رحلته 163) . [3] المذهب. [4] الذين يدق لهم الطبل وهم عادة قواد أربعين فما فوق.

فارسا، وقد يوجد فيهم من له أزيد من ذلك إلى السبعين. ولا تكون الطبلخانات لأقل من أربعين، ثم أمراء العشرات ممن تكون له إمرة عشرة، وربما كان فيهم من له عشرون فارسا، ولا يعد إلا في أمراء العشرات، ثم جند الحلقة وهم لا تكون مناشيرهم من السلطان، كما أن مناشير الأمراء من السلطان، وأما أجناد الأمراء فمناشيرهم من أمرائهم وهؤلاء جند الحلقة لكل عدة أربعين نفرا مقدم منهم، ليس له عليهم حكم إلا إذا خرج العسكر، كانت مواقفهم معه، وترتيبهم في موقفهم إليه. ويبلغ بمصر أقطاع بعض أكابر الأمراء المئين المقربين من السلطان مائتي ألف دينار حبشية وربما زادت على ذلك، وأما غيرهم فدون ذلك [1] ودون (المخطوط ص 208) دونه، ودون دونه، ودون دونه إلى ثمانين ألف دينار، وما حولها. وأما الطبلخانات فتبلغ الثلاثين «1» ألف دينار وما يزيد وينقص عليها إلى ثلاثة وعشرين ألف دينار. وأما العشرات فنهايتها سبع آلاف دينار إلى ما دون ذلك. وأما إقطاعات جند الحلقة فمنه ما يبلغ ألف وخمسمائة دينار. ومن هذا المقدار وما حوله إقطاعات أعيان الحلقة المقدمين عليهم، ثم ما دون ذلك إلى مائتين «2» وخمسين دينارا، وأما إقطاعات جند الأمراء فإلى ما يراه الأمير من زيادة بينهم ونقص. وأما إقطاعات الشام فلا تقارب هذا المقدار، بل تكون على الثلثين منها خلا ما ذكرناه عن بعض أكابر أمراء المئين المقربين، فإن هذا نادر لا حكم له، ولا أعرف

_ [1] عبارة مكررة.

في الشام ما يقارب هذا المقدار إلا ما هو لنائب الشام، وكل جند الحلقة والإمرة «1» تعرض بديوان جيش السلطان، ويثبت باسمه وهيئته وحليته «2» ، ثم لا يستبدل به أميره إذا شاء إلا بتنزيل عوضه وعوض العوض. وللأمراء على السلطان في كل سنة ملابس، فأما من بحضرته فحظهم في ذلك، وأقر لهم الخيول في كل سنة، ينعم بها عليهم، ولأمراء المئين مسرجة ملجمة، والبقية عرى، وتمتاز خاصتهم على «3» عامتهم بذلك، ولجميع الأمراء بحضرته من المئين والطبلخانات والعشرات الرواتب الجارية في كل يوم من اللحم وتوابله كلها والخبز والشعير والزيت، ولبعضهم الشمع والسكر والكسوة في السنة، وكذلك لجميع مماليك السلطان وذوي الوظائف من الجند. وإذا نشأ لأحد الأمراء ولد، أطلق له دنانير ولحم وخبز وعليق إلى أن يتأهل «4» الإقطاع في جملة الحلقة، ثم منهم من ينقل إلى العشرة أو إلى الطبلخانات على حسب الحظوظ والأرزاق، وإذا ركب هذا السلطان إلى الميدان يلعب الكرة [1] ، يفرق حوائص ذهب على المقدمين وركوبه إلى الميدان يكون دائما يوم السبت في قوة الحر نحو شهرين من السنة، يفرق كل ميدان على اثنين بالنوبة، فمنهم من تجىء نوبته بعد ثلاث سنين (المخطوط 209) أو أربع سنين، ولكل ذي إمرة بمصر من خواص عليه السكر والحلوى [2] من رمضان والأضحية في عيد الأضحى على مقادير رتبهم والبرسيم لتربيع [3] دوابهم، ويكون في تلك المدة بدل العليق «5»

_ [1] لعبة الصولجان المسماة بالفارسية جوگان وهي عصاة معقوفة يلعب بها الفارس وهو فوق حصانه بضرب الكرة على الأرض. [2] وردت بالمخطوط الحلوا. [3] علف الدواب في فصل الربيع.

المرتب لهم. ومن مصطلح صاحب مصر أن تكون تفرقته الخيل «1» على أمرائه في وقتين، أحدهما عند ما يخرج إلى مرابط خيله في الربيع عند اكتمال «2» تربيعها. وفي ذلك الوقت يعطي أمراء المئين مسرجة له ملجمة، بكنابيش [1] مذهبة، والطبلخانات عريا، وعند لعبه بالكرة في الميدان، وفي ذلك الوقت يعطى الجميع مسرجة ملجمة بلاكنابيش بفضة خفيفة، وليس للعشرات حظ في ذلك إلا ما يتفقدهم به على سبيل الأنعام، والخاصة المقربين من الأمراء المئين والطبلخانات زيادات كثيرة في ذلك بحيث يصل إلى بعضهم «3» المائة فرس في السنة. وله أوقات أخرى يفرق فيها الخيل على مماليكه، وربما أعطى بعض مقدمي الحلقة، وقاعدة عنده أنه إذا كل من نفق له من مماليكه فرس يحضر من لحمه والشهادة بأنه نفق، ويعطيه فرسا عوضه. وأما أمراء الشام فلاحظ لأحد منهم في أكثر من قباء واحد يلبس في وقت الشتاء إلا من تعرض يقصد السلطان، فيحسن إليه، ولخاصة المقربين أنواع من الإنعامات كالعقار والأبنية الضخمة، التي ربما أنفق على بعضها أزيد من مائة ألف دينار، وكساوي القماش المنوع، وفي أسفارهم في أوقات خروجهم إلى الصيد، وغيرها العلوفات والإنزال. ومن عادة هذا السلطان أن الخروج إلى الصيد مرات في السنة، فإذا خرج أنعم على أكابر أمراء المئين، ولا أعني المقربين، بل أكابرهم قدرا وسنا، كل واحد منهم بألف مثقال ذهبا، وبرذون خاص به مسرج ملجم وكنبوش مذهب، ومن

_ [1] كنبوش: جمع كنابيش وهو البرذعة تجعل تحت السرج، فارسية، وهو برقع يغطى به الوجه، وهنا يعني برذعة (انظر كنبوش في المنجد في اللغة ط 29 بيروت دار المشرق 1960 ص 699) .

عادته أنه إذا مر في متصيداته بأقطاع أمير كبير قدم له من الغنم والأرز والدجاج وقصب السكر والشعير ما تسمو همة مثله إليه، فيقبله منه، وينعم عليه بخلعة كاملة، وربما أمر لبعضهم بمبلغ من المال، (المخطوط ص 210) . ومن شعار سلطنة هذه المملكة أن يركب سلطانها في يوم (دخوله إلى مدينة يحبها، ويوم العيد وأيام ركوبه إلى الميدان للعب) «1» الكرة برقبة، وهي بزرگش ذهب على أطلس أصغر يعمل على رتبة الفرس من تحت أذنيه إلى نهاية العرق، ويكون قدامه اثنان من أوشاقيته راكبين على حصانيين أشهبين برقبتين نظير ما هو راكب كأنهما معدان لأن يركبهما، وعلى الوشاقيين [1] المذكورين قباءان [2] أصفران «2» من حرير بطرازين مزركش بالذهب «3» وعلى رأسيهما قبعان مزركشان وغاشية السرج محمولة أمامه دائما [3] «4» وهي أديم مزركش بذهب يحملها بعض الركاب دائرة قدامة، وهو ماش في وسط الموكب، ويكون قدامه فارس يشبب بسبابة «5» ، لا يقصد بنغمها الإطراب بل ما يقرع بالمهابة سامعه، ومن خلفه الجنائب، وعلى رأسه العصائب السلطانية، وهي صفر مطرزة بذهب بألقابه واسمه في يوم العيدين ودخول المدينة، يزيد على ذلك برفع المظلة على رأسه، وهي الجتر [4] ، وهو أطلس أصفر مزركش على أعلاه قبة وطائر من فضة مذهبة يحملها يومئذ بعض أمراء المئين الأكابر، وهو راكب فرسه إلى جانبه،

_ [1] الوشاقين جمع مفرده وشاق بكسر الواو من أوشاق التركية وتعني الغلمان ذوي الوجوه الجميلة، (فرهنگ رازي 996) . [2] وردت بالمخطوط قباوان. [3] وردت بالخطوط دايم. [4] المظلة السلطانية.

وأرباب الوظائف والسلاح كلهم خلفه وحوله وأمامه الطبردارية [1] وهم طائفة من الأكراد، ذوي الإقطاعات والإمرة يكونون مشاة وبأيديهم الأطبار [2] مشهورة. ومن رسم الأمراء أن يركب الأمير منهم حيث يركب وخلفه جنيب، وأما أكابرهم فربما ركب بجنيبين، هذا في المدن والحاضرة، وهكذا في البر، ويكون لكل منهم طلب مشتمل على أكثر مماليكه قدامهم خزانة محمولة للطبلخانات على جمل واحد يجره راكب آخر على جمل، والمال على جملين وربما زاد بعضهم على ذلك، وأمام الخزانة عدة جنائب تجر على أيدي مماليك ركاب خيل وهجن في ركابه من العرب على هجن، وأمامها الهجن بأكوارها مجنوبة للطبلخانات قطارا واحدا وهو أربعة (المخطوط ص 211) ومركوب الهجان والمال قطاران، وربما زاد بعضهم وعدد الجنائب في كثرتها وقلتها إلى رأي الأمير وسعة نفسه. والجنائب على ما تراه منها ما هو مسرج وملجم ومنها ما هو بعنانه لا غير، وأهل هذه المملكة يضاهي بعضهم بعضا في الملابس الفاخرة والسروج المحلاة والعدد الفاخرة. وأما زيهم فالأقبية التترية والتكلاوات [3] «1» فوقها، ثم القباء الإسلامي

_ [1] الطبردارية جمع مفرده طبردار وهو من اللفظ التركي تبر بمعنى بلطة وهي آلة حرب قديمة ودار بمعنى صاحب والطبردارية هم حملة البلط (فرهنگ عميد 1/534) . [2] أطبار جمع طبر، والطبر هي تبر التركية بمعنى سلطة، وآلة حرب قديمة (فرهنگ رازي 128) . [3] التكلاوات جمع مفرده تكلاة وهي قبعة ذات قرن تلبس على الرأس وهي قلنسوة مغولية في الأصل حيث تشبه قرن الحيوان (فرهنگ عميد 1/604) .

فوقها، وعليه تشد المنطقة والسيف، ثم الأمراء المقدمون وأعيان الجند تلبس فوقه أقبية قصيرة الأكمام أقصر من القباء التحتاني بلا تفاوت كثير في قصر الكم والطول وكلوتات [1] صغار غالبها من الصوف الملطي الأحمر، وعليها عمائم صغار ومهاميز على الأخفاف، ويعمل المناديل على الحياصة على الصولق من الجانب الأيمن. هذا هو زي أهل هذه المملكة ومعظم حوائصهم الفضة ومنهم من يعملها من الذهب، وربما عملت باليشم [2] ولا ترصع بالجواهر إلا في خلع السلطان لأكبار المئين، ومعظمهم يلبس المطرز ولا يكفت مهمازه بالذهب أو يلبس المطرز إلا من له أقطاع في الحلقة، وأما من هو يقدر بالجامكية [3] فإنه لا يتعاطى على ذلك، وعلى الجملة فزيهم ظريف وعددهم فائقة نفيسة، وملبوسهم منوع من الكمخا والخطائى والكبخى والمخمل والاسكندراني والشرب والنصافي والأصواف.

_ [1] كلوتات جمع مفرد. كلوته وهي قلنسوة من القطن تغطي الأذنين (فرهنگ عميد 2/1648) . [2] البشم والصوف (فرهنگ رازي 108) . [3] الجامكية: حملة القماش والثياب.

ذكر هيئة جلوسه للمظالم

ذكر هيئة جلوسه للمظالم عادة هذا السلطان أن يجلس بكرة الاثنين [1] ما كان بالقلعة خلا شهر رمضان، فإنه لا يجلس فيه هذا المجلس، ومجلسه هذا هو في أبواب ظاهر قصره قريبا من بابه، وهو إيوان متسع على عمد منه مرتفع السمك أمامه رحبة فسيحة، يسمى هذا الإيوان «دار العدل» وفيه تكون الخدمة العامة، واستحضار رسل الملوك غالبا، فإذا قعد للمظالم كان جلوسه على كرسي، إذا قعد عليه تكاد تلحق الأرض رجليه، وهو منصوب إلى جانب المنبر الذي هو تخت الملك ويجلس على يمينه قضاة القضاة من المذاهب الأربعة [2] ثم الوكيل عن بيت المال ثم الناظر (المخطوط ص 212) في الحسبة، ويجلس على يساره كاتب السر، وقدامه ناظر الجيش وجماعة الموقعين تكملة حلقة دائرة وإن كان، ثم وزير من أرباب الأقلام، كان بينه وبين كاتب السر، وإن كان الوزير من أرباب السيوف كان واقفا [3] على بعد مع بقية أرباب الوظائف وكذلك إن كان: ثم نائب يقف «1» مع أرباب الوظائف، ويقف من وراء السلطان صفان عن يمينه وشماله «2» من السلاح داريه [4] والجمداريه [5] والخاصكية [6] ويجلس

_ [1] ذكر ابن بطوطة أنه كان يجلس الاثنين والخميس (ص 37) . [2] وهم قاضي الشافعية وقاضي الحنفية، وقاضي المالكية وقاضي الحنبلية. [3] عبارة مكررة. [4] السلاحدارية: حملة السلاح. [5] الجمدارية: حملة الملابس والقماش. [6] الخاصكية: وهم الخاصة من اللفظ الفارسي خاصگان (فرهنگ عميد 1/821) .

على بعد تقدير خمسة «1» ذراعا عن يمينه ويسرته ذوو السن من أكابر «2» أمراء المئين، وهم أمراء المشورة، ويليهم من أسفل منهم أكابر الأمراء وأرباب الوظائف وقوف، وبقية الأمراء وقوف من وراء أمراء المشورة، ويقف خلف هذه الحلقة المحيطة بالسلطان الحجاب والدواداريه [1] ، لإحضار قصص الناس. وإحضار المساكين، وتقرأ عليه، فما احتاج إلى مراجعة القضاة راجعهم فيه وما كان متعلقا بالعسكر تحدث مع الحاجب وكاتب الجيش فيه، ويأمر في البقية بما يراه.

_ [1] الدوادارية: الكتاب.

ذكر هيئة في بقية الأيام

ذكر هيئة في بقية الأيام عادة هذا السلطان في يوم الاثنين ما تقدم ذكره، وكذلك في يوم الخميس على مثل هذه الهيئة أيضا إلا أنه لا يتصدى فيه لسماع القصص ولا يحضره أحد من القضاة وكاتب الجيش والموقعين إلا عرضت حاجة إلى طلب أحد منهم وهذا القعود عادته في طول السنة ما دام أنه بالقلعة في الاثنين والخميس غير رمضان أيضا. وأما بقية الأيام فإنه يخرج من قصوره الجوانية إلى قصره «1» الكبير البراني، وهو بشبابيك مطلة على اصطبلاته، وفي صدره تخت الملك المختص، فيقعد تارة عليه، وتارة «2» دونه على الأرض، والأمراء وقوف على ما تقدم خلا أمراء المشورة والغرباء منه كأنه «3» ليس لهم عادة بحضور هذا المجلس ولا يحضر هذا المجلس من الكبار إلا من دعت الحاجة إلى حضوره ثم يقوم في الثالثة (المخطوط 213) من النهار، ويدخل إلى قصوره الجوانيه، ثم إلى دار حريمه ونسائه، ثم يخرج في أخريات النهار إلى قصوره الجوانية لمصالح ملكه، ويعبر إليه عليها خاصته من أرباب الوظائف في الأشغال المتعلقة به على ما تدعو [1] الحاجة إليه.

_ [1] وردت بالمخطوط تدعوا.

ذكر هيئته في الأسفار

ذكر هيئته في الأسفار قد تقدم ذكر هيئته في الأعياد وأيام المؤادين، فأما في الأسفار فإنه لا يتكلف إظهار كل ذلك الشعار، بل يكون الشعار في موكبه السائر فيه جمهور مماليكه مع المقدم عليهم، واستاذ دار [1] ، وأمامهم الخزائن والجنائب والهجن، وأما هو بنفسه فإنه يركب ومعه عدة كثيرة من الأمراء الكبار والصغار من الغرباء والخواص ونخبة من خواص مماليكه، ولا يركب في السير برقبه ولا بعصائب، بل تتبعه جنائب خلفه، ويقصد في الغالب تأخير النزول إلى الليل، فإذا جاء حملت قدامه فوانيس كثيرة ومشاعل، فإذا قارب مخيمه تلقى بشموع مركبة في شمعدانات [2] كفت، وصاحت الجاويشيه [3] بين يديه، وترجلت الناس كافة إلا حملة السلاح داريه [4] والوشاقية وراءه، ومشت الطبرداريه حوله حتى يدخل الدهليز الأول، ثم ينزل ويدخل إلى الشقة وهي خيمة مستديرة متسعة، ثم منها إلى شقة مختصرة، ثم إلى لاجوق، ومدار كل خيمة من جميع جوانبها من داخل سور خركاه [5] . وفي صدر ذلك اللاجوق قصر صغير من الخشب ينصب له للمبيت فيه، وينصب بإزاء الشقة الحمام بالقدور والرصاص والحوض على هيئة الحمام المبني في المدن، إلا أنه مختصر، فإذا نام طافت به المماليك دائرة بعد دائرة، وطاف

_ [1] استاذدار: هو المسؤول عن نفقات ومصاريف القصر من نفقات يومية على البلاط والمطبخ والاصطبل والمهام التترية (فرهنگ عميد 1/132) . [2] شمعدانات جمع مفرده شمعدان بمعنى حامل الشمع مكون من كلمة عربية ولا حقة فارسية (فرهنگ رازي 541) . [3] الجاويشية: لفظ تركي من جاووش بمعنى نقيب ومقدم الجيش، ومقدم الرحلة (فرهنگ عميد 1/726) . [4] وردت بالمخطوط إلا حملت السلاح وراءه. [5] خرگاه: الخيمة السلطانية (صبح الأعشى 2/131) .

بالجميع الحرس، وتدور الزفة [1] حول الدهليز في كل ليلة مرتين الأولى عندما يأوى إلى النوم والثانية عند قعوده من النوم، كل زفة يدور بها أمير بابدار [2] ، وهو من أكابر الأمراء، وحوله الفوانيس والمشاعل والطبول والبياته «1» وينام على باب الدهليز النقباء وأرباب الدول «2» ، والنوب من الخدم. ويصحب هذا السلطان في أسفاره من غالب ما تدعو الحاجة إليه حتى (المخطوط ص 214) يكاد يكون معه مارستان [3] لكثرة من معه من الأطباء وكثرة «3» أرباب الكحل [4] والجراح والأشربة والعقاقير وما يجري مجرى ذلك، وكل من عادة طبيب ووصف له ما يناسبه يصرف من الشراب خاناه [5] والدواخاناه [6] المحمولين في الصحبة. ومن عادة هذا السلطان مد السماط طرفي النهار في كل يوم لعامة الأمراء خلا البرانيين وقليل ما هم، وأما بكرة فيمد سماط أول لا يأكل منه السلطان، ثم كان بعده يسمى الخاص قد يأكل منه السلطان وقد لا يأكل، ثم ثالث بعده ويسمى الطارئ ومنه مأكول السلطان.

_ [1] وردت بالمخطوط الذفة. [2] بإبداء: البواب، المسؤول عن الباب. [3] دار الشفاء. [4] أطباء العيون. [5] الشراب خاناه هي شراب خانه أي بيت الشراب، ويعني مكان شراب السلطان (انظر: فرهنگ عميد 2/1297) ويعني هنا الصيدلية. [6] الدواخاناه: هي دوا خانه وتعني صيدلية وتأتي أيضا دارو خانه، من اللفظ الفارسي (فرهنگ عميد 1/973) .

وأما في أخريات النهار فيمد سماطان الأول والثاني المسمى بالخاص ثم إن استدعى بطار «1» حضر، وإلا فلا خلا المشوى منه فإنه ليس له عادة محفوظة النظام، بل هو على حسب ما يأمر به. وفي كل هذه الأسمطة يؤكل ويفرق نوالات، ويسقى بعدها الأقسماء المعمولة من السكر، والأفاويه المطيبة بماء الورد والمبردة، ومن عادة هذا السلطان أن يبيت قريب مبيته في كل ليلة أطباق فيها أنواع من المطجنات [1] والبوارد والقطر والقشطة والجبن المقلي والموز والكيماخ، وأطباق فيها الأقسماء والماء المبرد برسم أرباب النوبة في السهر حوله ليتشاغلوا بالمأكول والمشروب عن النوم. والليل مقسوم بالنوبة بينهم على الساعات الرمل [2] فإذا انتهت نوبة، نبهت التي تليها، ثم ذهبت هي فنامت (هي) «2» إلى الصبح هكذا أبدا سفرا وحضرا، وتبيت في المبيت المصاحف الكريمة لقراءة من يقرأ منهم، ويبيت الشطرنج ليتشاغل به عن النوم. وهذا السلطان يخرج أيام الجمع إلى الجامع «3» المجاور لقصره في القلعة، ومعه خاصة الأمراء، ويجيء بقية الأمراء من باب آخر للجامع، وأما السلطان فيصلى عن يمين المحراب في مقصورة خاصة به ويجلس عنده أكابر خاصته، ويصلي معه الأمراء خاصتهم وعامتهم خارج المقصورة عن يمينها ويسرتها على مراتبهم، فإذا سمع الخطبة وصلى صلاة الجمعة، دخل إلى قصوره ودور خدمه «4» (المخطوط ص 415) وحرمه، وتفرق الناس كل واحد إلى مكانه.

_ [1] وردت بالمخطوط المطجنانات. [2] كانت الساعات الرملية هي المستعملة.

ذكر انتهاء الأخبار إليه

ذكر انتهاء الأخبار إليه عادة هذا السلطان أن يطالعه نوابه في مملكته مما يتجدد عندهم من مهمات الأمور أو ما قاربها، وتأخذ أوامره، وتعود أجوبته عليهم بما يراه، وبين السلطان وجميع بلاد ممالكه مراكز بين المركز والمركز أميال، في كل مركز عدة خيل بريد للسلطان من الجند أناس بريديه في حضرته، وفي كل بلد لحمل الكتب والعود بأجوبتها، فإذا ورد بريدي بلد من بلاد مملكته أو عاد المجهّز من بابه، أحضره أمير جاندار [1] «1» ، وهو من أمراء المئين، والدوادار وكاتب السر بين يديه، فيقبل الأرض ثم يأخذ الدوادار الكتاب فيمسحه بوجهه البريدي، ثم يناوله السلطان، فيفتحه، ويجلس كاتب السر، فيقرأه عليه، ويأمر فيه بأمره. ومما ينهى إليه من الأخبار ما يكتب في ورق خفيف صغير ويحمل على الحمام الأزرق، وللحمام مراكز كل مركز منها ثلاثة من مراكز خيل البريد أو أزيد، لا يتعدى الحمام ذلك المركز، ولا يمكنه تجاوزه، فإذا حمل الكتاب خلوه بنوع معزى «2» ليعرف، فلا يعارض ثم يسرح «3» ، فإذا وصل إلى المركز المعد له أخذ عنه، ونقل على حمام غيره، من ذلك المركز من مكان إلى مكان إلى حضرة السلطان.

_ [1] جاندار: من اللفظ الفارس جانه دار وتعني الحرس الخاص بالسلطان، وكان يحمل سيفا ويسير بجوار السلطان، وهو بالعربية جندار وجمعه جنادره (فرهنگ عميد 1/673) .

ومن عادة هذه المملكة «1» أن ولاة أمور المدينة، وهم أصحاب الشرط تستعد مجددات «2» ولا يأتهم في كل نهار ممن هم على المحلات من قبلهم، ثم يكتب متولى الشرطة مطالعة جامعة ما يبعث إنهاؤه من ذلك، وعمل إلى السلطان هذا بمتجددات ما يقع من قتل يقع أو حريق كبير [1] ، ويجرى مجرى ذلك، فأما يتبع الناس في أحوال أنفسهم فلا.

_ [1] وردت بالمخطوط كبيرا.

فصل

فصل ومن عادة «1» جيوش هذه الممالك الركوب في يومي الاثنين والخميس في الموكب، وهو مكان فسيح يكون بكل مدينة بها عسكر فيسيرون به، ثم يقف العسكر مع نائب السلطان أو الحاجب، إن لم يكن، ثم نائب، وينادى على الخيل بينهم وربما نودى على كثير من آلات «2» الجند والخيم والخركاوات والأسلحة، وربما نودى على كثير من «3» العقار، ثم أن كانوا بمصر طلعوا إلى الخدمة السلطانية بالقلعة على ما قدمنا ذكره، والإذن لهم على الانصراف بعد أكل السماط، وإن كانوا في غير مصر نزلوا في خدمة النائب إلى مكان سكنه، وهو دار السلطنة، ويجلس النائب، وتقرأ عليه القصص، وينصف «4» المظلومين، ويمد السماط، ويأكل عامة الأمراء والجند، ثم ينصرفون، وتزداد عساكر الشام بركوب يوم السبت على هذين اليومين. والنواب تقعد لقراءة القصص الاثنين والخميس والسبت، وربما قعدوا طرفي النهار في هذه الأيام كذلك، ومن عادة هذا السلطان أنه يكتب خطه على ما يأمر، وأما مناشير الأمراء والجند، وكل من له إقطاع فإنه يكتب عليه علامته وعلامة السلطان القائم الآن، السلطان الناصر [1] «5» ناصر الدنيا والدين أبي

_ [1] الملك الناصر أبو الفتح محمد ابن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي الألفي، وله سيرة كريمة وفضائل عظيمة، كفاه شرفا انتماؤه لخدمة الحرمين الشريفين (رحلة ابن بطوطة 36) كان ابن بطوطة في القاهرة وقت كتابة هذا المخطوط.

المعالي محمد ابن الملك المنصور قلاوون، خلد الله دولته، الله أملى. وأما تقاليد النواب وتواقيع أرباب المناصب من القضاة والوزراء والكتاب، وبقية أرباب الوظائف، وتواقيع أرباب المناصب من القضاة وتواقيع الرواتب والإطلاقات فإنه يكتب عليها اسمه واسم أبيه صورته محمد بن قلاوون. وأما كتب البريد وخلاص الحقوق والظلامات، فإنه يكتب عليها أيضا اسمه، وربما كرم من يكتب إليه، فأما من كرمه من ذوي السيوف كتب له والده محمد بن قلاوون، وأما من كرمه من ذوي العمائم المدورة من القضاة والوزراء كتب أخاه بدلا من والده. فأما الإقطاعات فالرسم فيها أن يقال (خرج الأمر الشريف، وأما الوظائف والرواتب والإطلاقات فالرسم فيها أن يقال) «1» رسم بالأمر الشريف، وليس بموضع استيعاب أوضاع المكاتبات ولو أخذنا في هذا لطال، ولكننا نذكر نبذة تتعلق بالمناشير والتقاليد والتواقيع إذ كانت هي الأصل لجريان الأرزاق بها فأعلاها ما أفتتح بخطبة الحمد لله (المخطوط ص 217) ثم ما افتتح بخطبة أولها أما بعد حمد الله حتى يأتي على خرج الأمر في المناشير أو رسم في الأمر بالتواقيع «2» ، ثم بعد هذا أنزل الرتب، وهو أن يفتتح في المناشير خرج الأمير، وفي التواقيع رسم بالأمر. ويمتاز المناشير المفتتح فيها بخطبة الحمد لله بطغرا [1] بالسواد تضمن اسم السلطان وألقابه، ومن عادة السلطان في الإقطاعات للجند أن يتولى بنفسه

_ [1] الطغرا: لفظ تركي وهو يعني التوقيع أو العلامة التي تكون على الرسائل والمسكوكات السلطانية ويقوم بها طغرائي (فرهنگ عميد 2/1400) .

استخدامهم، فإذا وقف قدامه من يطلب الإقطاع المحول «1» ، ووقع اختياره على واحد أمر كاتب الجيش بالكتابة له، فكتب ورقة مختصرة تسمى المثال [1] ، مضمونها خبز فلان كذا ثم يكتب فوقه رسم المستقر له ويناولها السلطان، ويكتب عليها بخطه «2» ، ويعطيها الحاجب لمن رسم له، فيقبل الأرض ثم يعاد إلى ديوان الجيش، فتسك شاهدا عندهم، ثم تكتب مربعة مكملة بخطوط جميع الديوان الإقطاع، وهم ديوان الجيش وعلائمهم «3» ؛ ثم يؤخذ «4» عليها خط السلطان، ثم تحمل إلى ديوان الإنشاء بالمكاتبات، فتكتب المناشير ثم يعلم السلطان عليها علامة على ما تقدم ذكره، ثم يكمل ذلك المنشور بخطوط ديوان الإقطاع بعد المقابلة على صحة أصله. فأما الاستخدام في البلاد النائبة فليس للنواب مدخل في تأمير أمير عوض أمير مات، بل إذا مات أمير سواء كان كبيرا أو صغيرا، طولع السلطان بموته، فأمر من أراد عوضه، أما فمن في حضرته ويخرجه إلى مكان الخدمة أو فمن في مكان الخدمة أو نقل إليه من بلد آخر على ما يراه في ذلك. فأما جند الحلقة فإذا مات أحد منهم، استخدم النائب عوضه، فكتب على نحو من ترتيب السلطان المثال ثم المربعة، وتجهز المربعة مع البريد إلى حضرة السلطان، فيقابل عليها في ديوان الإقطاع «5» ، ثم يكتب عليها من ديوان الإنشاء كما تقدم في الجند الذين بالحضرة، وإن كان ما يمضيها السلطان،

_ [1] المثال هي الأقصوصة وتعني المنحة والعطية التي يمنحها السلطان مكتوبة على ورقة وتأتي أحيانا بمعنى القصص.

أخرجها لمن يرى، ثم يكون حكم الكتابة به حكم ما تقدم. ومن مات من الأمراء والجند (المخطوط ص 218) قبل استكمال «1» مدة الخدمة حوسب وراثه على حكم الاستحقاق، ثم إما ترتجع منهم أو يطلق على قدر حصول العناية بهم. وإقطاعات الأمراء والجند منها ما هو بلاد يستغلها مقطعها كيف شاء، ومنها ما هو نقد على جهات يتناولها منها، فأما أرزاق ذوي الأقلام من مبلغ يعين وغلة ولأعيانهم الرواتب الجارية في اليوم من اللحم بتوابله أو غير توابله والخبز والعليق، ولأكابرهم السكر والشمع والزيت والكسوة في كل سنة والأضحية. وفي رمضان السكر والحلوى وأكبر من هؤلاء كالوزير له في المدة مائتان وخمسون دينارا حبشية، ومعه ما ذكر من الأصناف والغلة إذا تسطر ونمت كانت بنظيرها ثم ما دون ذلك وما دون دونه، ومن هو في الحضرة آمين في ذلك. وأما القضاة والعلماء، فالقضاة أرزاقهم على السلطان وأكثرها خمسون دينارا كل شهر، ولهم المدارس التي يستدر من أوقافها، وفي دمشق معالم حكامها على وقف بمصالح المسلمين مضاف إلى مال مسجدها الجامع. وأما العلماء فليس لأحد منهم شيء إلا من أوقاف مدارسه إلا من له على سبيل الراتب أو الإدراري [1] ، وذلك قليل نادر لا حكم له، فنعرج على ذكره. ولهذا السلطان صدقات جارية ورواتب داره منها ما هو أرض من بلاد، ومنها ما هو مرتب على جهات من مبلغ وغلة وخبز ولحم وزيت وكسوة، واللحم والزيت والكسوة قليل نادر لمن حصلت له عناية، فأما الأرض والمبلغ

_ [1] الإدرار هو الأراضي والعقارات التي تكون دخلا على صاحبها.

والغلة والخبز فكثير جدا، ومتسع مرة «1» ، وفي الغالب يتوارثه الأبناء عن الآباء، والأخ عن الأخ وابن العم عن ابن العم حتى أن كثيرا ممن يموت، ويخرج أدراره من مرتبه لأجنبي فيحضر القريب بعد ذلك، ويقدم قصته، يذكر فيها أولويته بما كان لقريبه فيستعاد له. وفي هذه المملكة قائمة شعائر الإسلام بالمساجد والخطبات في جميع القرى، وأما الأرزاق والإدرارات فلا تؤخذ إلا بتواقيع (المخطوط ص 219) السلطان ما قل منها وما جل. وهذه المملكة تشتمل على عدة من القلاع والحصون والمعاقل وبكل منها نائب وحاكم شرعي وخطيب ومؤذن وكحال وجرائحي وحفظة ولحفظتها جوامك [1] لا إقطاعات وبها آلات التحصين وذوو أعمال وصناعات والحجارين والنجارين والحدادين وما تدعو إليه الضرورة في مثل ذلك.

_ [1] جوامك: مفردها جامك وجومك وهو المقرر الخاص بموظفي الدولة والجيش (فرهنگ عميد 1/670) .

زي ذوي العمائم المدورة

زي ذوي العمائم المدورة نبدأ بالقضاة والعلماء، وزيهم دلق متسع بغير تفريج فتحة على كتفه، وشاش كبير منه ذؤابة بين الكتفين طويلة، وأما من دون هؤلاء فالفرجية الطويلة الكم بغير تفريج والذؤابة أيضا، فأما زهادهم فيقصر الذؤابة ويميلها إلى الكتف الأيسر على المسنون، ولا يلبس أحد منهم الحرير ولا ما فيه الحرير، ومنهم من يلبس الطيلسان. فأما قاضي القضاة الشافعي، فرسمه الطرحة «1» ، وبها يمتاز ويركب أعيان هذه الطائفة البغلات بسروج غير مفضضة ويتخذ عوض الطمنكيات [1] «2» في السروج عرقشينات [2] وهي شبيه بثوب السرج، مختصر منها، وهو من جوخ، وقد يكون من أنواع الأديم، ويشق ويعمل بين السرج ومثرته، وقضاتهم تعمل بدلا من الكنبوش [3] الزناري وهو من الجوخ شبيه بالعباءة المجوبة الصدر مستدير من وراء الكفل، لا يعلوه لا ذنب ولا قوش وربما ركبوا بالكنابيش وهؤلاء لجمهم كبار ثقال الوزن «3» . وأما الوزراء والكتاب فزيهم الفرجيات المفرجة من الصوف ومن المحبرات

_ [1] الطمنكيات. [2] عرقشينات: من عرقجين وهي نوع من اللباس تحت السرج لامتصاص العرق (انظر: عرقجين فرهنگ عميد 2/1433) . [3] الكنبوش: البرذعة التي توضع على ظهر الفرس تحت السرج.

عمل الإسكندرية وغير ذلك، والنصافي والبياض، ويعمل أكابرهم البادهنجات [1] «1» في الأكمام، ويلبس البغالطيق من تحت فراجيهم، وربما لبسوا الجباب المفرجة من ورائها، ويختلف ركوبهم، وغالبه شبيه بالجند أو يقارب له، وتجمل هذه الطوائف بمصر أقل مما هم عليه بالشام في زيهم وملبوسهم ومركوبهم، إلا ما يحكى عن قبط مصر في بيوتهم من اتساع الأحوال والنفقات حتى أن الواحد منهم يكون في ديوانه بأردأ [2] اللباس ويأكل أدنى المأكل، ويركب (المخطوط ص 220) الحمار حتى إذا صار في بيته، انتقل من حال إلى حال، وخرج من عدم إلى وجود. ولقد يبالغ الناس فيما يحكى من ذلك عنهم، لبعد أحوالهم [3] وتباين أمورهم [4] «2» فأما التجار وأخلاط عامة الناس، فتختلف أحوالهم في الملابس والزي حتى أن الفقراء وإن جمعهم زي الفقر وزيقه «3» ، وضمهم لباس التصوف، فإنهم تتباين حالاتهم في الملابس وأطوارهم في التشكلات.

_ [1] البادهنجات جمع مفرده بادهنج وهي من الكلمة الفارسية بادآهنگ، فتحة تهوية (فرهنگ عميد 1/286- 291) . [2] وردت بالمخطوط بأردى. [3] وردت بالمخطوط أحاليهم. [4] وردت بالمخطوط أمريهم.

الكلام على أرباب الوظائف في هذه المملكة

الكلام على أرباب الوظائف في هذه المملكة نقول أن جميع الوظائف التي في حضرة السلطان لا تذكر منها إلا أعيانها، وأما صغار الوظائف فجزء من كل، فلا حاجة بنا إلى ذكرها، وكل ما نذكره مما هو في الحضرة نظيره في كل مدينة من قواعد مدن هذه المملكة، ويبقى الفرق ما بينهما الفرق بين «1» المكانين، فالوظائف الكبار «2» فمن ذوي السيوف، إمرة السلاح الدوادارية [1] «3» الحجوبية [2] ، إمرة جاندار [3] الاستاذ دارية [4] هي المهمندارية [5] ، نقابة الجيوش، الولاة، ومن ذوي الأقلام؛ الوزارة، كتابة السر، نظر الجيش، نظر الأموال، نظر الخزانة، نظر البيوت، نظر بيت المال، نظر الإصطبلات، ومن ذوي العلم؛ القضاة، الخطباء، وكالة بيت المال، الحسبة. ثم نقول: إن هذا السلطان أبطل النيابة والوزارة بحضرته «4» ، وكان هو الذي يفرق الإقطاعات، ويعين الإمرة «5» ، وفي هذا القول كفاية.

_ [1] الدوادارية: مفرده دوادار وهو الحاجب أو المسؤول عن توصيل الرسائل والشكاوى إلى السلطان، ويعرض البريد على السلطان. [2] الحجوبية نسبة إلى الحاجب وهو القائم بالعرض على الملك (فرهنگ عميد 1/769) . [3] جاندار: مقدم البريد (فرهنگ عميد 1/673) . [4] استاذدار: المشرف على نفقات القصور السلطانية (فرهنگ عميد 1/132) . [5] المهمندارية: المسئولون عن استقبال الضيوف (فرهنگ عميد 2/1875) .

وأما الوزارة فكان يليها من أرباب السيوف والأقلام على قدر ما ينفق، وكان الوزير ثاني النائب في المكانة، فأما الآن فإن السلطان بقى المفرد بما كان للسلطنة من العظمة والنيابة في التصرف. وأما الوزارة فإنه أبطلها واستخدم في أيام هذا السلطان وظيفة يسمى مباشرها نظر الخاص (المخطوط ص 221) أصل موضوعها «1» أن يكون مباشرها متحدثا فيما هو خاص بمال السلطان، ويتحدث في موضوع السلطان، وفي مجموع الأمر في الخاص بنفسه، وفي القيام بأخذ راية فيه، فبقى تحدثه فيه، وبسببه كأنه هو الوزير لقربه من السلطان، وزيادة تصرفه، ولنذكر وضع كل وظيفة مما ذكرنا.

ذكر الوظائف

ذكر الوظائف أما النيابة فقد تقدم قولنا أنه سلطان مختصر في ما هو ناء عن الحضرة، وأن النائب هو المتصرف المطلق التصرف في كل أمر يراجع في الجيش والمال والخبر، وهو البريد وكل ذي وظيفة في نيابته، لا يتصرف إلا بأمره، ولا يفصل أمرا معضلا إلا بمراجعته، وهو يستخدم الجند، ويرتب في الوظائف، وأما ما هو جليل منها كالوزارة والقضاء وكتابة السر والجيش، فإنه ربما عرض على السلطان من يصلح، وقل أن لا «1» يجاب، وربما سمى أكابر هؤلاء النواب ملك الأمراء، وإن حصلت المناقشة لا يستحقها إلا من هو بدمشق لأنه «2» ليس بالشام قاعدة الملك سواها. وأما النيابة العظمى فهي نيابة الحضرة ويسمى هذا النائب، كافل الملك، وقد نبهنا فيما تقدم على كبير محله، وهو السلطان الثاني، وجميع نواب الممالك تكاتبه في غالب ما يكاتب فيه السلطان، ويراجعونه فيه كما يراجع السلطان، وهو يستخدم الجند من غير مشاورة، ويعين الإمرة، ولكنه بمشاورة السلطان وعادته أن يركب بالعسكر في أيام المواكب، وينزل الجميع في خدمته، فإذا مثل في حضرة السلطان وقف في ركن الإيوان، فإذا انقضت الخدمة مضى «3» إلى داره والأمراء معه، ومدلهم السباط [1] «4» كما يمد السلطان، ويجلس جلوسا عاما للناس، ويحضره أرباب الوظائف، ويقف قدامه الحجاب، وتقرأ عليه القصص، فيقدم إليه الشكاة، ثم يصرف الناس، ولما كانت النيابة قائمة على هذه الصورة،

_ [1] السماط.

لم يكن السلطان يتصدى بنفسه لقراءة القصص [1] (المخطوط ص 222) عليه، وسماع الشكوى بل كان يكتفى بالنائب ثم أن النائب إذا قرئت عليه القصص «1» فما كان يكفي فيها مرسومه، أصدره عنه، وما لم يكن فيه بد من صدور مرسوم سلطاني فيه أمر بكتابته عن السلطان وإصداره، فيكتب وينبه فيما يكتب أنه بإشارته، ثم يصدر ما كان من الأمور المعضلة التي لا بد له من إحاطة علم السلطان بها، يعلمه تارة منه إليه وقت اجتماعه به، وتارة يرسل من يعلمه بها ويأخذ أمره فيها. وكان ديوان الأقطاع، وهو الجيش في زمان النيابة ليس لهم خدمة إلا عنده ولا اجتماع إلا به ولا اجتماع «2» لهم بالسلطان «3» في أمر من الأمور. وأما الوزير وكاتب السر فقد يراجعانه في بعض الأمور دون بعض، ثم اضمحلت النيابة بالحضرة وتقهقرت [2] أوضاعها، وأما الآن فقد بطلت. وأما الحجبة فهي موضوعة لأن صاحبها ينصف من الأمراء والجند تارة بنفسه وتارة بمشاورة السلطان وتارة بمشاورة النائب إن كان، وإليه تقديم من يعرض، ومن يرد، وعروض الجند وما ناسب ذلك، وأما مع عدم النيابة فهو المشار إليه في الباب والقائم مقام النواب في كثير من الأمور، وأما إمرة جاندار فصاحبها كالمتسلم للباب، وله به البردداريه [3] وطوائف الركابية

_ [1] الشكاوى. [2] وردت بالمخطوط تقهرقهرت. [3] البرددارية: مفرده برده دار وهو الحاجب، أو الشخص الذي يرعى بلاط السلطان (فرهنگ عميد 1/449) .

والحريسانية [1] والجاندارية وهو يقدم البريد مع الدوادار، وكاتب السر على ما قدمنا ذكره. وإذا أراد السلطان تقرير أحد أو قتله، كان على يد صاحب هذه الوظيفة، وهو المتسلم الزردخانة [2] «1» ، التي هي أرفع قدرا في الاعتقالات من السجن المطلق، ولا تطول مدة المعتقل بها بل إما أن يعمل تخليه سبيله أو تلاف نفسه. وقد قدمنا القول أن صاحب هذه الوظيفة يدور بالزفة حول السلطان في سفره مساء وصباحا. وأما الأستاذدار [3] فإليه أمر بيوت السلطان كلها من المطابخ والشرابخاناه [4] «2» والحاشية والغلمان، وهو الذي يمشي بطلب السلطان والحكم في غلمانه وباب داره [5] (المخطوط ص 223) وإليه أمور الجاشنكيريه [6] وإن كان كبيرهم نظيره في الإمرة من ذوي المئين، وله حديث مطلق وتصرف تام في استدعاء ما يحتاجه كل من في بيت السلطان من النفقات والكساوى، وما يجري مجرى [7] ذلك.

_ [1] الحريسانية: هم حراس جدار يعمل للحفاظ على الغنم (فرهنگ عميد 1/789) . [2] الزردخانة: الزرّاد خانه مصنع لصناعة الأسلحة ومخزن الأسلحة (انظر: فرهنگ عميد 2/1100) . [3] المسؤول عن نفقات القصور السلطانية. [4] الشرابخانه: بيت الشراب. [5] بابدار: المسؤول عن الباب، البوّاب. [6] الجاشنكيرية: مفرده جاشنكير وهو الشخص المرتدي للدرع من الكلمة الفارسية جوشن گير (فرهنگ عميد 1/713) . [7] وردت بالمخطوط مجرا.

وإما إمرة سلاح فهو مقدم السلاح داريه، والمتولى لحمل سلاح السلطان في المجامع الجامعة، وهو المتحدث في السلاح خاناه [1] ، وما يستعمل لها، وما يقدم إليها، ويطلق منها وهو من أمراء المئين. وأما الدواداريه فهم لتبليغ الرسائل عن السلطان، وإبلاغ عادة الأمور، وتقديم القصص إليه والمشاورة على من يحضر إلى الباب «1» وتقديم البريد هو وأمير جاندار وكاتب السر كما تقدم، ويأخذ خط السلطان على عموم المناشير والتواقيع والكتب، وإذا خرج عن السلطان بمرسوم يكتب «2» وتعين رسالته. «3» وأما نقابة الجيوش فهذا كأحد الحجاب الصغار، وله تخلية الجند في عرضهم، ومعه يمشي النقباء، وإذا طلب السلطان أو النائب أو الحاجب أميرا أو خدما قالوا له أرسل إليه وأحضره، وإذا أمروا بالترسيم على أحد من هؤلاء «4» أمروه فرسم عليه وهو بمن يطلب بالخزانة في الموكب وفي السفر. وأما الولاية فهم أصحاب الشرطة وطبقتهم معروفة معلومة وأما وظائف أرباب الأقلام فأجلها الوزارة لأن ربها ثاني السلطان إذا أنصف وعرف حقه، ولكن في هذه المدد حدث عليها النيابة، وتأخرت الوزارة حتى قعد بها مكانها، وقد تقدم قولنا على أنه وليها أناس من أرباب السيوف والأقلام بأرزاق على قدر الإنفاق، ووظيفة الوزارة أشهر من أن يذكر وضع مباشرها، لنفاذ كلمته، وتمام تصرفه، ولكنها في أخريات هذه الأيام تقهقرت [2] حتى كان المتحدث فيه

_ [1] بيت السلاح. [2] وردت بالمخطوط تقهقهرت.

كناظر المال، لا يتعدى الحديث في المال، ولا يتسع له في التصرف بمجال ولا تمتد يده في الولاية والعزل لتطلع السلطان إلى الإحاطة بجزئيات [1] الأحوال، ثم أن السلطان أبطل هذه الوظيفة، وعطل جيد الدولة من عقودها (المخطوط ص 224) وصار ما كان إلى الوزير منقسما إلى ثلاثة؛ إلى ناظر المال إرشاد الدواوين أمر تحصيل المال، وصرف النفقات والكلف، وإلى ناظر الخاص تدبير جملة الأمور وتعيين المباشرين، وإلى كاتب السر التوقيع في دار العدل مما كان يوقع فيه الوزير بمشاورة واستقلال ثم أن كلا من المتحدثين الثلاثة لا يقدر على الاستقلال بأمر إلا بمراجعة السلطان، ومراجعته عليه. وأما كتابة السر فقراءة الكتب الواردة على السلطان وكتابة أجوبتها وأخذ خط السلطان عليها، وتسفيرها، وتصريف المراسم ورودا وصدرا والجلوس لقراءة القصص بدار العدل والتوقيع عليها، وقد صار يوقع فيما كان يوقع عليه بقلم الوزارة على حسب ما يرسم له به السلطان. وأما نظر الجيوش فقد تقدم في ذكر الإقطاعات وعند ذكر النيابة ما يدل على حال صاحب هذه الوظيفة مما فيه كفاية «1» وهذا الناظر معه من المستوفيين [2] من يحرر كليات المملكة وجزئياتها فرأسهم هو مستوفى الصحبة، وهو يتحدث في جميع المملكة مصرا وشاقا، ويكتب مراسيم يعلم عليها السلطان تارة تكون بما يعمل في البلاد؛ بإطلاقات، وتارة باستخدامات كتاب في صغار الأعمال، ومن هذا، وما يجرى مجراه، وهي وظيفة جليلة تلي النظر. وأما بقية المستوفين فكل منهم حديثه مقيد لا مطلق، فإنه لا يتعدى حديثه

_ [1] وردت بالمخطوط بجزئيات. [2] مفرده مستوفى وهو المحصل وجامع الأموال المستحقة.

قطرا من أقطار المملكة، وهذا الديوان هو أرفع ديوان الأموال «1» ، هو فرع هذا الديوان وإليه يرفع حسابه وتتناهى أسبابه. وأما نظر الخزانة فكانت الخزانة أولا كبيرة الوضع لأنها مستودع أموال المملكة، فلما استحدثت وظيفة الخاص ضعف أمر هذه المسماة بالخزانة، وصارت تسمى بالخزانة الكبرى، وهو اسم أزيد من مسماه، ولم يبق بها الآن إلا خلع تخلع منها، ولا يحضر عليها ويصرف أولا فأولا، وفي غالب ما يكون ناظرها من القضاة، أو ممن يلتحق بهم. وأما نظر البيوت فهو ناظر جليل، وهو منوط بالاستاذداريه (المخطوط ص 225) فكل ما يتحدث فيه استاذدار له فيه مشاركة الحديث، وقد تقدم تفصيل حال وظيفة أستاذدار فيما تقدم. فأما نظر بيت المال فهي وظيفة جليلة معتبرة وموضوعها حمل حمول المملكة إلى بيت المال، والمتصرف منه تارة بالميزان وتارة بالتسبيب بالأقلام، ولا يلي هذه الوظيفة إلا من ذوي العدالة المبرزة. وأما نظر الاصطبلات فهو ديوان جليل، مباشرته في اصطبل السلطان، وله الحديث في أنواع الاصطبلات والمناخات [1] وعليقها وأرزاق المستخدمين فيها ومالها من الاستعمالات والإطلاق، وكل ما يبتاع لها أو يبتاع بها «2» . وأما وظائف ذوي العلم فقد تقدم القول أنها القضاة والخطابة ووكالة بيت المال والحسبة، وهذه وظائف معروفة ومباشرات أربابها معلومة لأنه لا يكاد تخلو مملكة من ممالك الإسلام فيها.

_ [1] المناخات جمع مفرده مناخ حيث تنيخ الإبل.

فصل

فصل وفي هذه المملكة وما هو متعلق «1» بها مجموع المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، المسجد الحرام والبيت المقدس ومسجد النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وأول ما تبدأ به ما هو محقق في هذه المملكة، ودخل في حدودها وهو القدس وبه المسجد الأقصى والصخرة التي هي أول القبلتين، وإليه كان إسراء النبي (صلى الله عليه وسلم) من المسجد الحرام كما قال الله عز وجل سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ [1] وبجانبه الأيمن الطور وعليه كانت مخاطبة موسى عليه السلام وفيه وفيما حوله غالب مدافن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. «2» قال التيفاشي [2] في كتاب سرور النفس بمدارك الحواس الخمس [3] وذكرت الرواة أن هذه الأرض التي بارك الله فيها وحولها [4] أربعون ميلا عرضا في تدوير

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء، الآية: 1] . [2] التيفاشى هو القاضي أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي القفصى الطبيب الأديب المتوفى 651 هـ له من التصانيف أزهار الأفكار في جواهر الأحجار الدور الفائقة في محاسن الأفارقة، رجوع الشيخ إلى صباه في القوة والباه، سجع الهديل في أخبار النيل، الشفا في الطب المسند على المصطفى، فصل الخطاب، سرور النفس وغير ذلك (انظر: هدية العارفين، أسماء المؤلفين وآثار المصنفين لإسماعيل باشا البغدادي استانبول 1951 ج 1/72) . [3] كتاب سرور النفس بمدارك الحواس الخمس من تصانيف القاضي أبو العباس التيفاشي (انظر: هدية العارفين 1/94) . [4] إشارة إلى الآية رقم 1 من سورة الإسراء.

البيت المقدس [1] ، والبيت المقدس في وسطها، وكان اسمها في الزمن الأول ايليا [2] ، وقول الله تعالى يحقق أن بيت المقدس في وسط تربيع الأرض المقدسة التي بارك الله تعالى فيها، والمسجد الأقصى في قبة السلسلة (المخطوط ص 226) وكان مجلس داود عليه السلام. وفيه أيضا الموضع الذي عرج بالنبي (صلى الله عليه وسلم) إلى السماء منه، وهو تحت قبة المعراج [3] ، وفيه موضع مصلى أيوب عليه السلام بالملائكة على قبة يقال لها قبة الملائكة، وفيه الصخرة التي كان يقرب عليها يوشع بن نون خلافة لموسى بن عمران وفيه محراب مريم، وفيه متعبد زكريا، وهو نفسه من بناء داود وسليمان عليهما السلام: قلت «1» : وفيه قبر إبراهيم الخليل على الصحيح داخل السور المحيط بالمكان المعروف به الآن بقرية إبراهيم «2» المسماة الآن ببلدة الخليل [4] ، وإن لم يصح القبر المعين الآن بعينه «3» وقد تضمن كتاب الله العزيز والأحاديث الواردة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) من فضائله ما فيه كفاية. والصخرة قبلة اليهود الآن وإلى القدس حجهم، وبالقدس القمامة [5] التي

_ [1] بيت المقدس: بلدة كبيرة منيغة، مبنية بالصخر المنحوت بها المسجد المقدس (رحلة ابن بطوطة 45) . [2] اسم مدينة بيت المقدس، عبري، قيل: معناه بيت الله (مراصد الاطلاع 1/138) . [3] قارن ابن بطوطة في رحلته ر 45. [4] به قبور إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام وأزواجهم (رحلة ابن بطوطة 44) . [5] كنيسة للنصارى في وسط بيت المقدس، فيها قبة تحتها قبر، يقولون أن المسيح دفن فيه، ومنه قام، فلذلك تسميها النصارى القيامة (مراصد الاطلاع 3/1121) .

يحجها النصارى من أقطار الأرض وأعماق البحر. وإلى جانب القدس مدينة نابلس [1] محسوبة من الأرض المقدسة، وداخلة في حدودها وإلى طورها حج السامرة وهم طائفة من اليهود [2] ينتمي أئمتها «1» إلى بنوة هارون عليه السلام. فالقدس الشريف معظم عند جميع «2» المسلمين واليهود والنصارى، ومكان زيارة لهم أجمعين، وإنما اختلافهم في أماكن الزيارة منه، وما نبهنا على هذا إلا لما فيه من الفائدة لإطباق الجميع على تعظيمه وقصده بالزيارة. وأما الحرمان الشريفان مكة [3] والمدينة [4] زادهما الله جلالة وتعظيما، فهما من الحجاز ولم يزل أمراء المدينة الشريفة مترامين إلى صاحب مصر في غالب أوقاتهم، ومعظم أيامهم إلا القليل النادر، فإنه ربما عصى بعضهم، ومع هذا لا يترامى إلى سواه «3» . وأما أمراء مكة المعظمة فقد كان منهم من يسر حوافي من

_ [1] نابلس: مدينة عظيمة كثيرة الأشجار، مطردة الأنهار، من أكثر بلاد الشام زيتوتا (رحلة ابن بطوطة 47) مدينة مشهورة بأرض فلسطين وهي مدينة السمرة (السامرة) (مراصد الاطلاع 3/1347) . [2] طائفة اليهود يزعمون أن مسجد نابلس هو القدس وأن بيت المقدس المعروف ملعون عندهم (مراصد الاطلاع 3/1347) . [3] مدينة كبيرة متصلة البنيان، مستطيلة في بطن واد تحف به الجبال، فلا يراها قاصدها حتى يصل إليها، بها المسجد الحرام ويؤدي بها مناسك الحج، أماتها في القرن الثامن الهجري كانت لأسد ابن رميثة وسيف الدين عطيفة ولدى أبي نمى بن أبي سعد بن علي ابن قتادة الحسنيين (رحلة ابن بطوطة 90 وما بعدها) سميت مكة لأنها تملك أعناق الجبابرة (مراصد الاطلاع 3/1303) . [4] المدينة: هي مدينة الرسول (صلى الله عليه وسلم) المنورة بها مسجد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأميرها في القرن الثامن الهجري كبيش بن منصور بن حجاز بعد عمه مقبل ثم تولى أخوه طفيل بن منصور، (رحلة ابن بطوطة 79 وما بعدها) (انظر: مراصد الاطلاع 3/1247) .

ارتقاء يرضى صاحب مصر بأنه سامع له مطيع، ويقول لصاحب اليمن مثل ذلك، وكان أكثر ميلهم إلى صاحب اليمن حقيقة، هو أهم معه ثم تراموا إلى صاحب العراق لقوة سلطانه (المخطوط ص 227) . وما برح هذا السلطان يجلس منهم ويطلق ويقيم الواحد بعد الواحد، ويجهز إليهم الجيش مرة بعد أخرى ليصفوا له كدرهم على علاتهم، فأما الآن فقد حكم عليهم حكما قاهرا حتى انقاد له صعبهم، ولانت له شكائمهم على إباء فيها واعوجاج بها، وذلك لما مات أبو سعيد بهادر خان بن محمد خدابنده سلطان العراق «1» وتشعبت بعده الأهواء، ولم يعد إلى بعد «2» تأليف (كتابي «3» هذا، أنهم يجمل) «4» ولا صلحت [1] لهم أمور وأمراء المدينة من بني الحسن بن علي رضي الله عنهما من أولاد جماز بن شيحه [2] . وأمراء مكة المعظمة من أولاد الحسن بن علي بن علي «5» رضي الله عنهما من أولاد إدريس بن قتادة [3] ، وبكل منهما جماعة من الأشراف أقارب أمرائها، وهؤلاء أمراء مكة والمدينة على طاعتهم وعصيانهم لابد القائم منهم بالإمرة من ملاطفة صاحب مصر حتى يأخذ منه تقليدا [4] بالإمرة، لخوفهم من قربه ومواصلة ركبانهم إليهم من مصر ودمشق، وقد ذكرنا هذا توفية بشرط هذا

_ [1] وردت بالمخطوط ولا صفحت أ 226 صلحت ب ر 148 [2] كبيش بن منصور بن حجاز وأخوه طفيل (انظر: رحلة ابن بطوطة 85) . [3] أسد الدين رميثة وسيف الدين عطيفة ابني أبي نمى بن أبي سعد بن علي بن قتادة (رحلة ابن بطوطة 101) . [4] وردت بالمخطوط تقليد.

الكتاب، ولم نتعرض إلى ذكر فضائلهما كفى الحرمين عن ذلك، وفيهما البيت المحجوج المحجوب، ونبي هذه الأمة وشفيعها سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) ، فحسبهما بمكان بيت الله ورسوله المصطفى (صلى الله عليه وسلم) شرفا، تتطامن له أعناق السماء، ويمسك بأطراف البسيطين الثرى والماء. ومما هو في حدود هذه المملكة مما له باسم سلطان حاكم وملك متصرف، حماة [1] وهي مدينة بين حمص [2] وحلب [3] وهي لبقايا ملوك بني أيوب من أراد صاحب مصر ولاه ومن أراد عزله، ولقد كانت انتزعت منهم بعد موت المظفر شادي بن المنصور محمد بن المظفر، ووليت لنواب كبقية نواب هذه المملكة ثم أن هذا السلطان أعادها إلى البيت الأيوبي، وملك بها المؤيد عماد الدين إسماعيل بن الأفضل «1» بن المظفر ابن عم الذي انتزعت بعد موته ثم بعده ولده الأفضل محمد وهو القائم بها الآن، يستقل فيها بإعطاء (المخطوط ص 228) الإمرة والإقطاعات وتولية القضاة والوزراء وكتابة السر وكل الوضائف، ويكتب المناشير والتواقيع من جهته، ولكن لا يمضي أمرا كبيرا في مثل إعطاء إمرة أو إعطاء وظيفة كبيرة، حتى يشاور صاحب مصر، وهو لا يجيبه إلا بأن الرأي ما يراه، وهذا ومثله. وهذه حماة مبنية على نهر العاصي، وهي من أحاسن مدن الشام. ومما يجب

_ [1] حماة: إحدى أمهات الشام الرفيعة، ومدائنها البديعة، ذات الحسن الرائق، والجمال الفائق، بها نهر العاصي (رحلة ابن بطوطة 51، مراصد الاطلاع 1/423) . [2] حمص: مدينة مليحة، أرجاءوها مونقة، وأشجارها مورقة، بها جامع وخارجها قبر خالد بن الوليد (رحلة ابن بطوطة 51) بين دمشق وحلب (مراصد الاطلاع 1/425) . [3] حلب: المدينة الكبرى والقاعدة العظمى، قدرها خطير، وذكرها من كل زمان يطير، قلعتها تسمى الشهباء (رحلة ابن بطوطة 52) وهي مدينة مشهورة بالشام (مراصد الاطلاع 1/417) .

ذكره هنا ذكر بلاد سيس، وهي ما بين حلب والروم استولى عليها الأرمن من قديم، ومملكتها في بيت الأرد بن مليح الأرميني من مدة متقدمة. وبلادها بعضها أغوار على ساحل البحر، وبعضها متعلقة بالجبال، وهي من العواصم، ومما يليها، وملكها مترام إلى صاحب العراق والعجم، ومنتظم في سلكه، وما خرج عسكره إلى الشام لقتال صاحب مصر إلا وخرج معهم، وكثر سواد عسكره، وبالغ في نكاية الإسلام وأهله، وهو مع هذا يدارى صاحب مصر ويداهنه ويحمل إليه ما لا في كل سنة، قطيعة مقررة، وفي كل وقت «1» وحين تغزوه عساكر مصر والشام في عقر البيره، وفتحت البلاد وسبى النساء والذراري في سنة تأليفي فيها هذا الكتاب، وهي سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة [1] ، جهز السلطان فرقة من العساكر إليها، فخاف صاحبها، وسلم جانبا من بلاده، مما يلي المملكة الإسلامية من نهر جيهان «2» إلى ما لاصق البلاد، وصارت بحمد الله في يد الإسلام، وقبضة السلطان، وقرر عليه القطيعة على باقي بلاده. ومن خصاص هذه المملكة معدن الزمرد وهو بالحد المتصل بأسوان له من جهة السلطان ديوان وشهود، وينفق على العمال به، وتقام لهم المؤن لحفره واستخراج الزمرد منه، وهو في جبال هرمله، يحفر فيه، وربما سقط على الجماعة به فماتوا وتجمع ما يخرج منه، ويحمل إلى السلطان، ومنه يحمل إلى البلاد، ولقد رأيت منه قطعة وسطها أخضر، في نهاية الحسن، وأطرافه جميعه أبيض، ما بين وسطه وأطرافه بين اللونين، ثم كلما كان أقرب (المخطوط ص 229) إلى الوسط كان أقرب إلى الخضرة، كان إلى الطرف، كان أميل إلى البياض إلى أن كان آخره

_ [1] سنة تأليف الكتاب 738 هـ وهو قبيل تأليف تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار لابن بطوطة والمكتوبة سنة 757 هـ.

أبيض الوسط، أنضجته الطبيعة نضجا كاملا والأطراف لم يكمل نضجها، فسبحان الله مبدع كل شيء. وبها البلسان وهو شجر قصار بالمطرية «1» [1] حاضرة عين شمس «2» بالقرب من القاهرة، وتسقى من بير هناك، (ولا يكون إلا في تلك البقعة، وهذه البير) [2] تعظمها النصارى، وتقصدها وتغتسل بمائها، وتستشفى بها على زعمها، ويخرج لاعتصار البلسان أوان إدراكه من قبل السلطان، من يتولى ذلك ويحفظه، ويحمل إلى الخزانة ثم يحمل منه إلى قلاع الشام، والمارستانات [3] لمعالجة المبرودين، وملوك النصارى من الجيوش والروم والفرنج بها دون السلطان بسببه، (ويستهدونه منه) «3» لأنهم لا يصح عندهم تنصر إلا بالغمس في ماء العمودية وعندهم أنه لا بد أن يكون في ماء العمودية من دهن البلسان، هكذا أخبرني جماعة من النصارى، وهو ظاهر التقديم في معالجة الفالج وارتخاء الأعصاب وسائر الأمراض. وفيها القرصفة والصنم السليماني، والسبسب من مكان يعرف بدار الغربة، قريب مصر، أنفع دواء للاستسقاء، ومنه الأفيون، وهو عصارة الخشخاش الأسود المصري، وكذلك الجوز المائل، وهو يطلع بدمياط [4] ، فأما ما يطلع بجبال

_ [1] المطرية من قرى مصر بها البلسان (مراصد الاطلاع 3/284) . [2] مدينة فرعون بمصر بينها وبين الفسطاط ثلاثة فراسخ (مراصد الاطلاع 2/978) . [3] دور الشفاء. [4] دمياط: مدينة فسيحة الأقطار، متنوعة الثمار، على شاطىء النيل، خربها الفرنج (رحلة ابن بطوطة 30- 31) على زاوية بين بحر الروم والنيل (مراصد الاطلاع 2/536) .

القدس وبلاد فلسطين والأردن من الحشائش المنصوص عليها في كتب الأطباء فكثير جدا كالمرياقلوت [1] ذات الألف ورقة التي هي من أجل الباذزهرات [2] النافعة من السموم القتالة، ولم نذكر هذا إلا على سبيل العرض وإلا فليس هو من المقصود.

_ [1] المرياقلوت: هو نبات يسمى أيضا مازريون بها أوراق تستخدم في الطب (فرهنگ عميد 2/1735) . [2] الباذزهرات جمع مفرده بادزهر وهو الترياق المضاد للسم (فرهنگ عميد 1/417) .

ذكر عادة هذه المملكة في الخلع ومراتبها

ذكر عادة هذه المملكة في الخلع ومراتبها وهي ثلاثة أنواع؛ أرباب السيوف والأقلام والعلماء، فأما أرباب السيوف «1» أكابر ذوي المئين منهم الأطلس الأحمر الرومي وتحته الأطلس الأصفر الرومي وعلى الفوقاني طرز مزركش ذهب وتحته سنجاب، وله سجف من ظاهره مع الغشاء قندس وكلوته زركش ذهب وكلاليب ذهب وشاش لانس رفيع موصول به في طرفيه حرير أبيض مرقوم بألقاب السلطان (المخطوط ص 230) مع نقوش باهرة من الحرير الملون مع منطقة «2» ذهب، ثم تختلف أحوال المنطقة بحسب مقاديرهم، وأغلاها أن يعمل بين عمدها يواكر [1] أوسط ومجنبين مرصعة بالبلخش [2] «3» والزمرد، واللؤلؤ. ثم ما كان بيكاريه واحدة مرصعة ثم ما كان بيكارية واحدة من غير ترصيع. فأما من تقلده ولاية كبيرة منهم، فإنه يزاد سيفا محلى بالذهب «4» وفرسا مسرجا ملجما بكنبوش مذهب. وصاحب حماة خلعته من أعلى هذه الخلع، وبدل الشاس اللانس بشاش يعمل بالاسكندرية من الحرير شبيه بالطول، ويمرج بالذهب، ويعرف بالمثمن،

_ [1] بواكر: بوغاز، فتحات. [2] البلخش هو البدخش نوع من الزمرد (فرهنگ عميد 1/324) .

ويعطى فرسانا، أحدهما كما ذكر والآخر يكون عوض كنبوشة زناري أطلس أحمر، وقد استقر لنائب الشام مثل هذا وأزيد بتركيبه مزركش ذهب دائرة بالقباء الفوقاني، ودون هذه المرتبة في الخلع نوع يسمى الطرد وحش يعمل بدار الطراز بالاسكندرية وبمصر وبدمشق، وهو مجوخ جاخات كتابه بألقاب السلطان. وجاخات طردوحش [1] أو طير، وجاخات ألوان ممتزجة بقصب مذهب تفصل بين هذه الجاخات نقوش وطراز، هذا من القصب وربما كبر بعضهم فركب عليه طراز مزركش بالذهب، وعليه السنجاب والقندس كما تقدم، وتحته قباء من المفرج الاسكندراني الطرح وكلوته زركش كلاليب وشاش على ما تقدم، وحياصة ذهب تارة تكون بيكارية وتارة لا تكون بيكارية. وهذه لأصاغر أمراء المئين، ومن يلحق بهم ودون هذه الرتبة كنجى [2] عليه نقش من لون آخر غير لونه، وقد يكون من نوع لونه، يتفاوت بينهما بسنجاب مقندس والقباء «1» كما قدمنا ذكره، إلا أن الحياصة [3] والشاش [4] لا يكونان بأطراف رقم بل تكون مجوخة بأخضر وأصفر مذهب، لا يكون بيكارية [5]

_ [1] جاخات طرد وحش وهي أقمشة ورداء خاص بالصيد ومطاردة الوحوش. [2] كنجى: نوع من القماش المرصع بالذهب وأظنه نسبة إلى كنج وتعني الكنز من الفارسية. [3] الحياصة: ذكر المقريزي عند الكلام على سوق الحوائصين (2/99) فقال، وتباع فيه الحوائص وهي التي تعرف بالمنطقة في القديم، فكانت حوائص الأجناد أولا بأربعمائة درهم فضة ونحوها ثم عمل المنصور قلاوون حوائص الأمراء الكبار ثلاثمائة دينار ... وصارت الحياصة من الذهب وما هو مرصع بالجوهر. [4] الشاش: نسيج قطني أبيض رفيع (معجم الألفاظ العامية، أنيس فريحة 89) . [5] بيكاريه: هو القماش المستدير، وتبكير أي استدار (معجم الألفاظ العامية أنيس فريحة 19) .

ودون هذه الرتبة كنجى بلون واحد بسنجاب مقندس [1] والبقية على ما ذكر، وتكون الكلوتة خفيفة الذهب، وجانباها يكاد (المخطوط ص 231) أن يكونان خاليين بالجملة، ولا حياصة له ودون هذه الرتبة لا محرم لون واحد، والبقية على ما ذكر خلا الكلوته والكلاليب ودون هذه الرتبة محرم وقندس تحته قباء ملون بجاخات من أحمر وأخضر وأزرق أو غير ذلك من الألوان وسنجاب وقندس، وتحته قبائها إما أزرق أو أخضر أو شاش أبيض بأطراف من نسبة ما تقدم ذكره، ثم ما دون هذا النوع ولا بد من تنقيص ما. وأما الوزراء والكتاب فأجل خلعهم كنجى أبيض مطرز برقم حرير ساذج وسنجاب وقندس ويبطن القندس بالسنجاب، وتملأ الأكمام به، وتحته كنجى أخضر وبقيار كتان من عمل دمياط مرقوم وطرحة، ثم دون هذه التربة عدم تبطين القندس بالسنجاب وأخلى الأكمام منه، ودونها ترك الطرحة، ودونها أن يكون التحتاني محرما، ودون هذا أن يكون الفوقاني من نوع الكنجي، لكنه غير أبيض ثم تحته عنابي طرح «1» أو ما يجرى مجراه، ثم ما دون ذلك ما قدمنا في خلع أرباب السيوف. وأما القضاة والعلماء فخلعهم من الصوف بغير طراز، ولهم الطرحة، وأجله أن يكون أبيض وتحته أخضر ثم ما دون ذلك على نحو ما قدمنا. وأما أهبة الخطباء فإنها من السواد للشعار العباسي وهو دلق مدور كما قدمنا وصفه في ذكر زي العلماء وشاش أسود وطرحة سوداء، وينصب على المنبر علمان أسودان مكتوبان بأبيض أو بذهب؛ ويخرج المبلغ من المؤذنين قدام

_ [1] قندس: فروة حيوان القندس، وهو حيوان ذو فروة تستخدم في الملابس (المعجم الوسيط 2/791) .

الخطيب، وعليه سواد مثل الخطيب، خلا الطرحة، وفي يده السيف، فإذا صعد الخطيب المنبر أخذ منه السيف فإذا رقى المنبر وسلم، أذن لابس السواد تحت درج المنبر، وتبعه المؤذنون، ثم ذكر الحديث الوارد؛ (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت) [1] ثم يبلغ عنه الصلاة والرضا والدعاء للخليفة (المخطوط ص 232) والسلطان هو ثم «1» المؤذنون ثم إذا انحط إلى الصلاة أخذ السيف من يده، وهذه الأهبة تصرف من الخزانة، ثم تكون في حواصل الجوامع، لتلبس في ساعات الجمع، فإذا خلعت أعيدت الخلعة في الخزانة، وصرف لهم عوضها.

_ [1] قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت» . (انظر: التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح للإمام الحسين بن المبارك، بيروت 1982، ص 77) .

ذكر العيدين

ذكر العيدين قد تقدم ذكرنا لهيئة السلطان في ركوبه أيام الأعياد وبقى ما لابد من ذكره هنا، وهو أنه إذا ركب من باب قصره بقلعة الجبل، ونزل إلى منفذه من الإصطبل إلى ميدان العبيد الملاصق له، ينزل به في دهليز قد ضرب له على أكمل ما يكون من الأبهة «1» ، فيصلى، ويسمع الخطبة، ثم يركب ويعود إلى الإيوان الكبير المقدم. ذكره، ويمد به السماط، ويخلع على حامل الجتر [1] والسلاح واستاذدار، والجاشنكير «2» ، وكثير من أرباب الذين لهم خدمة في مهم العيد كنواب استاذدار [2] وصغار الجاشنكيرية ونقيب النقباء وناظر البيوت، ومثل هؤلاء. ومن عادة هؤلاء أن يعد له كل عيد خلعه على أنها لملبوسه من نسبة خلع أكابر «3» المئين، فما يلبسها هو ولكن يخص بها من بعض أكابر أمراء المئين، يخلعها عليه. ولصاحب مصر في مثل هذه اليد الطولى حتى بقى بابه سوقا ينفق فيه كل مجلوب، ويحضر إليه الناس من كل قطر حتى كاد هذا ينهك المملكة، ويؤدي «4» بمتحصلاتها عن آخرها، وغالب هذا ربما قدره هذا السلطان، ولقد يتعب من يجيء بعده بكثرة هذا الإحسان.

_ [1] المظلة. [2] المدرع: لابس الدرع، وهي وظيفة من وظائف القصر السلطاني.

ولهذا السلطان عادات جميلة كلها من الخلع في أوقات لعبه بالكرة على أناس جرت لهم عنده عوائد بالخلع في ذلك الوقت كالجوكندار «1» [1] والولاه، ومن يجري مجراهم ممن له خدمة في ذلك عادة مما ينعم به ويطلقه (المخطوط ص 233) وإذا حصل لواحد شيئا مما يصيده في صيوده، خلع عليه، وأما إذا خرج إلى صيد الوحش وصادوا الغزلان والنعام فكل من أحضر له صيدا، خلع عليه قباء مستحبا بما يناسب خلعه مثله للكبير كبير وللصغير صغير كل واحد على قدره. وكذلك البزداريه [2] وحملة الجوارح ومن يجري مجراهم عند كل صيد انعامات ينعم بها عليهم، ولغلمانه في الطاشتخاناه [3] والشرابخانات [4] والفراشخانات [5] ، ومن يجرى مجراهم، عوائد في كل سنة زمان الصيود، كل هذه العوائد «2» جارية لا تنقطع، ولكل من يتصل بخدمة هذا السلطان بمن يرد عليه أو بها جر من مملكة أخرى أنواع الإدرارات والأرزاق والإنعام، وغايات لا يبلغها قرارته في بلاده، ولا يزين بظله. وكذلك التجار الذين يصلون إليه ويبيعون عليه، لهم عليه الرواتب الدائمة من الخبز واللحم والتوابل والحلوى والعليق والمسامحات بنظير كل ما يباع عليه من الرقيق المماليك والجواري مع ما يسامحهم به أيضا من حقوق تطلق أخرى.

_ [1] جوكندار: جوگان دار لفظ فارسي وهو المسئول عن لعبة الجوگان المعروفة بالعربية بالصولجان وهي كرة تقذف بعصاه أثناء ركوب الخيل (انظر جوكندار، فرهنگ عميد 1/760) . [2] البزدارية جمع مفرده بزدار وهي من بازدار أي المسؤول عن الصقر البازي الخاص بالصيد. [3] الطاشتخاناه: هي اللفظ الفارسي طشت خانه أو تشت خانه وهو بيت الطست أو الطس أو الطشت، والطشت إناء مصنوع من معدن (فرهنگ عميد 1/578) . [4] الشرابخانه: بيت الشراب. [5] الفراشخانات جمع مفرده فراشخانه واللفظ فارسي بمعنى بيوت الفراش.

وكل هؤلاء إذا باعوا عليه ولو رأسا واحدا من الرقيق لهم خلع مكملة، لكل واحد بحسبه خارجا من الثمن، وعما ينعم به على بعضهم أو يستقر به من مال السلطان على سبيل القرض، ليتاجر به. فأما جلّابة الخيل من عرب الحجاز والشام والبحرين [1] وبرقة وبلاد العرب «1» فإن لهم من ذلك الحظ الوافر والنصيب الراجح، وربما أعطى عن الفرس نظير ثمنها عشر مرات وأكثر، غير الخلع والرواتب والعلوفات والإنزال ورسوم المقامات خارجة عن تثمين الخيول ومسامحات تكتب لهم بالمقررات عن تجارات يتجرون «2» بها، مما أخذوه من أثمان الخيول. «3» (قلت: وبجنده المملكة جميع قبل الملل، أما القبلة الإسلامية فهو بيت مكة المعظمة، وهو بها كما تقدم، وأما اليهود فقبلتهم البيت المقدس (المخطوط ص 234) وقد كان القبلة الأولى في الملة الإسلامية، وهو بها، وأما الساحرة وهم فرع من اليهود فقبلتهم طور نابلس وهو بها عندهم أنه طور سيناء، وأما النصارى فلا قبلة لهم وتوجههم إلى الشرق لا لقبلة، وجميع معابدهم التي يعظمونها بها مثل قمامة [2] وهي بالقدس، وإليها حجهم، من أقطار الأرض يأتون إليها من البراري والبحار، وبيت لحم [3] به مولد عيسى المسيح عليه

_ [1] البحرين: مدينة البحرين كبيرة حسنة، ذات بساتين وأشجار شديدة الحر، كثيرة الرمان، (رحلة ابن بطوطة 186) اسم جامع لبلاد على ساحل البحرين بالبصرة وعمان من جزيرة العرب، عمان آخرها ومدينتها هجر (مراصد الاطلاع 1/167) والبحرين الآن دولة. [2] يقصد كنيسة القيامة، وهي تذكر دائما عنده وعند ابن بطوطة والبغدادي وغيرهم القمامة. [3] بيت لحم: بلد قرب البيت المقدس، المشهور أن عيسى عليه السلام ولد به (مراصد الاطلاع 1/238) .

السلام وكنيسة صيدنايا [1] ببر دمشق، وكنيسة صور [2] ، ومن ملوكهم من لا يصح تمليكه حتى يصلى عليه فيها، وكنيسة ماري حنا [3] «1» بالاسكندرية وهي معتقد اليعاقبة منهم، وبها بطريرك القبط، وملوك الحبشة [4] لعظم هذا البطريرك، وتشير إليه بالتعظيم، وإذا جاءهم كتابه «2» ، عملوا به، لا خروج لهم عنه، ولا مندوحة لهم عند حكمه، وهو يولى عليهم مطرانا بعد مطران، كلما مات واحد بعث غيره، نائبا له فيهم، وذلك المطران يقوم بالحبشة مقام البطريرك في الأمر والنهي فيهم، وانقيادهم أجمعين إلى طاعته من غير مخالفة له ولا عليه في شيء. حدثني من أثق به أن بعض التجار بمصر جهز مالا له مع مسفر به «3» إلى الحبشة، فمات المسفر «4» وبئس صاحب المال من ماله، وكان مالا كثيرا، فعيل صبره، وشكا إلى السلطنة بمصر حاله، فقيل للبطريرك، فكتب كتابا إلى ملك الحبشة، يأمره بإعادة مال الرجل إليه ثم أن صاحب المال سفر رجلا أعهد عليه فما طال به المكث أتى «5» بجوابه بالامتثال، وأحضر معه جميع المال بعينه أصله

_ [1] صيدنايا: كنيسة صيدنايا بمدينة صيداء، وهي على ساحل البحر (رحلة ابن بطوطة 48) من أعمال دمشق (مراصد الاطلاع 2/859) . [2] صور: بلدة حصينة بالشام، بناؤها عجيب، البحر محيط بها من ثلاث جهاتها (رحلة ابن بطوطة 48) مدينة على بحر الشام (مراصد الاطلاع 2/856) . [3] ماري حنا: كنيسة بالإسكندرية، وهي الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية. [4] الحبشة: هي أثيوبيا الآن.

وربحه. وحكى عن تعظيم الحبشة لكتاب البطريرك أنه منذ دخل حدود بلاده وحدودهم «1» ، وعلموا بالكتاب، تلقاه عمال الأطراف بها ورفعوا الكتاب على رمح وحملوه هو ومحضره ومن حضر معه على أرفه «2» الدواب، ورتبوا له الإنزال والإقامات (المطوط ص 235) يوصله أهل كل عمل إلى الآخر على هذه الصورة حتى انتهى إلى حضرة الملك، فبالغ في إكرامه وإنزاله، وإضافته. فلما كان يوم الأحد أخذ منه الكتاب وقرأه المطران في الكنيسة على الملك، وهو واقف مكشوف الرأس إلى أن فرغ ثم أمر بإحضار المال وتسليمه إليه، ولم يخرج منه مكانه حتى أوصل إليه المال ثم وصله بصلة جيدة، وإفادة مكرمة والإنزال جار عليه من عمل إلى عمل إلى أن خرج من حدوده. قلت: ولهذا جميع ملوك النصرانية الملكية واليعاقبة تهادى صاحب مصر، وتراسله لاحتياجها لتمكين المترددين من عندهم من زيارة قمامة، وبقية مزاراتهم، واليعاقبة أكثر حاجاتهم إليه لمقام بطريركهم عنده، فإنهم لا باب لهم بخلاف الملكية فإن لأولئك الباب [1] وهو بروميه [2] . قلت: والباب هو طاغيتهم العظمى عندهم أن الحلال ما حلل والحرام ما حرم، ولا لأحد عندهم مندوحة أن يتأخر عن أمره أو يتقدم «3» .

_ [1] الباب وهو البابا وهو الرئيس الأعلى للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وأطلق أخيرا على رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الضياء (المعجم الوسيط 1/37) . [2] رومية: وهي روما، حيث يوجد الفاتيكان مقر البابا، وهي مدينة رياسة الروم وعلمهم (مراصد الاطلاع 1/642) .

فصل

فصل ومن شيعة هذا السلطان طائفة تعرف بالإسماعيلية [1] مساكنهم «1» في مصياف [2] ، وما معها من قلاع الدعوة «2» على مسافة ما بين حمص وحماة، متصلة بالبحر الرومي إلى جانب طرابلس الشام [3] ، وهؤلاء هم الذين يسمون في بلاد العجم تارة بالباطنية وتارة بالملاحدة، وملخص معتقدهم التناسخ، وهم يسمون «3» أصحاب الدعوة الهادية، وهم شيعة الخلفاء الذين كانوا بمصر وتسموا [4] بالفاطميين [5] ، وكان قد انتهت رئاسة هذه الطائفة إلى راشد الدين سنان، وكان صاحب سماء «4» ، أراهم بها ما أضل به عقولهم من تخيل أشخاص، فمن مات على طاعة أئمتهم في جنات ونعيم، وأشخاص فمن مات على عصيان أئمتهم في النار والجحيم، وهم يعتقدون أن كل من ملك مصر كان مظهرا لهم، فلهذا تتوالاه هذه الطائفة، وترى ائتلاف نفوسها في طاعته لما ينتقل

_ [1] وهم الفداوية، وهم من اتباع الفرقة الصباحية الإسماعيلية وكان السلاطين يستأجرون هؤلاء الفداوية كما فعل سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون. [2] مصياف: حصن حصين مشهور للإسماعيلية بالساحل قرب طرابلس وهي مصياب (مراصد الاطلاع 3/1280) . [3] طرابلس الشام: إحدى قواعد الشام، وبلدانها الفخام، لها الأسواق العجيبة والمسارح الخصيبة، وهي تبعد عن البحر بميلين ويوجد طرابلس القديمة على البحر (انظر: رحلة ابن بطوطة 650، انظر: الضيا مراصد الاطلاع 2/882) . [4] الباطنية سموا بذلك لأنهم يفسرون القرآن الكريم تفسيرا باطنيا، وأن القرآن له ظاهر وباطن. [5] الفاطميون نسبة إلى فاطمة الزهراء، وقد أسسوا دولة في شمال أفريقية أمتدت إلى مصر والشام والحجاز وبغداد وانتهى أمرها سنة 557 هـ على يد صلاح الدين الأيوبي (انظر: روضة الصفا 219- 233، حركات الغلو والتطرف في الإسلام للمحقق 55 وما بعدها) .

إليه من النعيم الأكبر. ولصاحب مصر بتشيع هؤلاء مزية يخافه بها أعداؤه لأنه يرسل من هؤلاء إليه من يقتله، ولا يبالي أن يقتل معه، ومن بعثه صاحب مصر إلى عدو له ليقتله فجبن قتله أهله إذا عاد، وإن هرب اتبعوه وقتلوه. ولقد سألت المقدم عليهم والمشار إليه فيهم وهو مبارك بن علوان عن معتقدهم، وجاذبته في هذا الحديث مرات، فظهر لي أن هذه الطائفة ترى أن الأرواح مسجونة في هذه الأجسام المكلفة بطاعة الإمام المظهر على زعمهم، فإذا انتقلت على الطاعة كانت قد تخلصت وانتقلت للأنوار العلوية، وإن انتقلت على العصيان هوت في الظلمات السفلية وعقيدتهم أن عليا رضي الله عنه، كان المظهر ثم الانتقال منه، وليس هذا بمكان التطويل فيه «1» . «2» وأكابر المدن المشورة بهذه المملكة قاعدة الملك الكبرى وهي القاهرة، وقد تقدم القول على أنها هي والقلعة والفسطاط ثلاث مدن صارت مدينة واحدة، وقوص والاسكندرية ودمياط، ودمشق وهي قاعدة الملك الثانية ثم بعلبك [1] ثم حمص «3» ثم حماه ثم حلب ثم طرابلس ثم صفد والقدس والكرك [2] وغزة [3]

_ [1] بعلبك: مدينة بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، بها أبنية عجيبة وآثار عظيمة (مراصد الاطلاع 1/208) . [2] الكرك: قلعة حصينة جدا في طرف الشام من نواحي البلقاء، وهي على جبل عال (مراصد الاطلاع 3/1159) . [3] غزة: مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر، فيها مات هاشم جد النبي (صلى الله عليه وسلم) (مراصد الاطلاع 1/993) .

وتقدم القول على قلة والمدينة المعظمتين، وكيف دخولهما في المملكة على ما بيننا هناك. أما قلعة الجبل فهي على نشز عال يسمى الجبل الأحمر من تقاطيع جبل المقطم «1» بناها قراقوش للملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب رحمه الله، ولم يسكنها حتى ملك أخوه العادل أبو بكر فسكنها، وهي مبنية على ذلك النشز، ترتفع في موضع منه وتنخفض في آخر، يدور بها سور حجر بأبراج وبدنات إلى أن ينتهى إلى القصر الأبلق الناصري المستجد بناؤه، ثم من هناك تتصل بدور الملك، ليست على أوضاع أبراج القلاع، يدخل إلى القلعة من بابين أحدهما؛ (المخطوط ص 237) بابها الأعظم مواجه القاهرة، والثاني ينفذ إلى القرافة، وبينهما ساحة فسيحة في جانبيها قبلة بشرق، وشمالا بغرب بيوت وبالقبلى سوق للمأكل، وينتهى من صدر الساحة إلى دركاه [1] جليلة يجلس بها «2» الأمراء حتى يؤذن لهم بالدخول «3» ، وفي وسطها باب القلعة يدخل منه في دهاليز فسيحة إلى ديار وبيوت ومساكن وإلى المسجد الجامع، وقد كان لا مسجد لضيق بنائه، فبناه هذا السلطان بناء متسع الأرجاء، متسع البناء، مفروش الأرض بالرخام، مبطن السقوف بالذهب، وفي وسطه قبة علية تليها المقصورة مستورة هي والرواقات بالشبابيك الحديد المحكمة الصنعة، ويحف صحنه رواقات من جهاته، ويمشي من دهليز باب القلة المقدم ذكره «4» في مدخل أبواب إلى رحبة فسيحة في صدرها الإيوان الكبير، المعد لجلوس أيام المواكب، وإقامة

_ [1] هي درگاه وتعني البلاط كلمة بهلوية) Dargah فرهنگ عميد 1/936) .

دار العدل، وبجانب الرحبة ديار جليلة، وفي محنته ممر إلى باب القصر الأبلق تليه رحبة صغيرة، يجلس هناك خواص الأمراء قبل دخولهم إلى الخدمة الدائمة، ويمشى من باب القصر في دهاليز إلى قصر عظيم البناء شاهق في الهواء بإيوانيين أعظمهما الشمالي يطل منه على الاصطبلات السلطانية ويمتد النظر إلى سوق الخيل والقاهرة وحواضرها إلى بحر النيل وما يليها من بلاد الجيزة وقراها. وفي الإيوان الثاني القبلي باب خاص لخروج السلطان وخواصه منه إلى الإيوان الكبير في أيام المواكب، ويدخل من هذا القصر إلى ثلثه قصور جوانية منها واحد مسامت الأرض هذا القصر الكبير، واثنان مرفوعان يصعد إليهما بدرج في جميعها شبابيك حديد تخترق إلى مثل منظر القصر الكبير، وفي هذه القصور مجاري الماء مرفوعا من النيل بدواليب تديرها الأبقار من مقره إلى أخرى حتى ينتهي إلى القلعة ثم يدخل إلى القصور (المخطوط ص 238) السلطانية ودور أكابر الأمراء الخواص المجاورين للسلطان يجرى في دورهم، وتدور به حماماتهم وهو من عجائب الأعمال لرفعته مما يقارب خمسمائة ذراع من مكان إلى مكان، ويدخل من القصور الجوانية إلى حرم الحريم وأبواب الستور السلطانية. وهذه القصور جميعها من ظاهرها بالحجر الأسود والأصفر، مؤزرة من داخلها بالرخام والفص المذهب والمشجر بالصدف والمعجون والطرقات «1» وأنواع الملونات والسقوف المبطنة بالذهب واللازورد يخرق الضوء في جدرانها بطاقات من الزجاج القبرسي الملون كقطع الجوهر المؤلفة في العقود، وجميع الأرض بها مفروشة بالرخام المنقول إليها من أقطار الأرض مما لا يوجد مثله، فأما الأدر السلطانية فعلى ما صح عندي خبرة ذوات بساتين وأشجار وساحات للحيوانات البديعة والأبقار والأغنام والطيور والدواجن «2» وباقي داخلها يعني

القلعة للمالك السلطانية وخواص الأمراء بنسائهم وحرمهم ومماليكهم ودواوينهم وطشت خاناتهم وفراش خاناتهم وشراب خاناتهم ومطابخهم ووظائفهم. والقلعة بها مساكن لأكابر الأمراء ومن كبر من الطبلخانات والعشرات، ومن خرج عن حكم الخاجكيه إلى طبقة البرانيين، ودار الوزارة ودار كاتب السر وديوان الإنشاء وديوان الجيوش وديوان الأموال والنقباء والزردخاناه والحبوس «1» والأسرى وما يجري في هذا المجرى، مقسمة المساكن، فيها المساجد والحوانيت والأسواق في جهاتها، هذه جملة العمارة. ثم نذكر بقية ما يتعلق بالقصر السلطانية فنقول: أنه ينزل منه في جانب إيوان القصر إلى الإصطبلات السلطانية ثم إلى ميدان ممرج بالنجيل الأخضر فاصل بين الاصطبلات وبين سوق الخيل، في غربيه، فسيح المدى يسافر النظر في أرجائه، يركب السلطان من درج يلي قصره الجواني (المخطوط ص 239) وينزل إلى الاصطبل الخاص ثم إليه راكبا وخواص الأمراء في خدمته لعرض الخيول في أوقات طعم الطير، وربما وقف به راكبا، وربما نزل فيه، ولم ينصب عليه خيام وربما نصب عليه الخيام إذا طال مكثه، وكان زمان حر أو برد، وربما مد به السماط ثم يطلع راكبا إلى قصره. وبهذا الميدان أنواع من الوحش المستحسن النظر، وتربى [1] به خواص الخيول للتفسح، وفي هذا الميدان يصلى السلطان وخواصه ومن لا يقدر يفارقه من ذوي الخدم، صلاة العيدين، ونزوله إليه وطلوعه، منه من باب خاص من دهليز القصر غير هذا المعتاد النزول منه لما قدمنا ذكره، وللسلطان عدة أبواب سر إلى القرافة وإلى غيرها، لا حاجة لنا إلى ذكرها.

_ [1] وردت بالمخطوط تربا.

قلت: هذه القصور والأيوان الكبير، والميدان الأخضر، والجامع، وغالب العمائر الضخمة بالقلة، والقلعة عمارة هذا السلطان، وبناؤه مطرزة الطرز فيها بألقابه واسمه، ترد الطرف كليلا بأنوارها، وترف القلوب على ما تفتح من نقوش نوارها، تقر الملوك بها، لعلو هممه وسعة إنفاقه وكرمه، تقف عليها الأبصار ويعرف من رآها أنه هان عليه العدو والدينار «1» .

الباب السادس

القاهرة

القاهرة مدينة عظيمة مبنية في وطأة نائية عن ذروة الجبل، أرضها سباخ، ولأجل هذا يعجل إلى مبانيها الفساد. والفسطاط [1] المسمى الآن على ألسنة العامة بمصر [2] مدينة مبنية على ضفة النيل الشرقية، وقد بنى قبالتها في الجزيرة المبنى بها المقايس، أبنية كثيرة، صارت كأنها فرقة من مصر، ومجرى النيل بينهما لمنظره بينهما عند امتداد ضوء القمر، أو إيقاد السرج بالليل، منظر يجذب القلوب وكل من مصر والقاهرة وحواضرها الممتدة ذات رباع عليه مبلغ بعضها أربع طبقات، في كل طبقة مساكن كاملة بمنافعها ومترفقها، وسطح مقتطع لها من الأعلى بهندسة محكمة وصناعة (المخطوط ص 240) عجيبة مع كوّن البيوت بعضها تحت «1» بعض، لا يرى مثل صناع مصر في هذا الباب، وفي كل من هاتين المدينتين وحواضرهما، القصور الشاهقة والديار العظيمة والمنازل الرحيبة، والأسواق الممتدة، والمدارس والخوانق، والربط والزوايا، والجميع على اتساع رقعة البناء، وفسحة الشوارع مزدحمة بالخلق سكنا وممشى «2» ، قد حشرت إليها الأمم، واختلفت إليها «3» أنواع الطوائف. وقال لي غير واحد ممن رأى المدن الكبار، والخطط العظام في مشارق الأرض

_ [1] الفسطاط: مدينة عمرو بن العاص التي بناها بعد فتحه لمصر (انظر: مراصد الاطلاع 3/1036) . [2] مصر: سميت بمصر نسبة إلى مصر بن مصرايم بن حام ابن نوح (مراصد الاطلاع 3/1278) والمقصود هنا مصر القديمة أو العتيقة.

ومغاربها، وبعيدها ومتقاربها: أنه ما رأى مدينة اجتمع فيها من الناس ما اجتمع في مصر والقاهرة وحواضرهما قال لي الصدر مجد الدين «1» اسماعيل السلامي، وقد سألته عن بغداد وتوريز، وهل يجمعان مثل مصر؛ فقال: في مصر خلق قدر كل من هو في جميع البلاد منها إلى توريز وغالب من فيها من العوام والباعة وأهل المهن والصنائع. كما قال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني رحمه الله: أهل «2» مصر على كثرة عددهم، وما ينسب من وفور المال إلى بلدهم، مساكين يعملون في البحر، ومجاهيد يدانون في البر «3» ، وأحمله على أنه قصد السجعة، إذ كل بلد فيها مجاهيد في أعمالهم، وما زال هذا في خاطري لا زيادة عندي عليه إلى أن أقمت بمصر، وسافرت في صحبة السلطان، غالب بلادها فرأيت خلقا ممن عليهم أرض مسجلة، قد ركب «4» المنخفص فيها، ولم يركب العالي وهم وقوف كل اثنين على مستنقع ماء، وبأيديهما قفة بخيط في أذنيها، وهما يترفان الماء بها، ضربا باليد إلى ورائهما من نقرة محفورة، يجتمع ما ينزح منها، ثم يصرف في مجاري إلى تلك الأعالي، ثم التي لم يركبها الماء ليسقوها [1] ، وهم من هذا في جهد جهيد، وأمر شديد، فعلمت أن هؤلاء الذين أراد القاضي الفاضل رحمه الله مجاهيد يعملون في البر، فإنه ليس في البلاد أشد جهدا منهم وأنهم (المخطوط ص 241) ملزمون بدرهم معين، وأردب معين، فإن لم يعملوا هذا

_ [1] المقصود به الشادوف.

أضنهم الطلب، ولم يجدوا جهة الوفاء. وأما بر الديار المصرية فإنه «1» ريف ممتد بين حاجزين «2» ، وأعقبه رمل مفصل بالقرى، وهي مبنية بالطوب، سود الظواهر يحف بها نخل، وتقل في بعض وتكثر في الأخرى «3» ، كلها على أنموذج واحد، من رأى واحدة [1] منها فكأنما رآها كلها. وقوص [2] مدينة على شرقي النيل في أعلى الصعيد، واقعة في الثاني ذات ديار جليلة وفنادق ورباع وحمامات ومدارس، يسكنها جلة من التجار والعلماء وذوي الأموال، وهي أول محط ركاب تجار الهند والحبشة واليمن والحجاز، الواصلون في البحر المالح «4» من صحراء عيزاب [3] ، وبها المكاسب ولها البساتين والحدائق ومنابت البقول والخضروات، لكنها شديدة الحر كثيرة العقارب والسام أبرص، وبها صنف من العقارب القتالات حتى أنه يقال فيها عن الملسوع أكلته العقرب، لأنه لا يرجى له إقامة. قال لي عز الدين حسن بن أبي المجد الصفدي أحد العدول بالقاهرة: أنه عد في يوم صيف على حائط الجامع سبعين سام أبرص على صف واحد، والمستفاد

_ [1] وردت واحد أ 241. [2] قوص ذكرها ابن بطوطة المعاصر لابن فضل الله إنها مدينة عظيمة، لها خيرات عميمة، بساتينها مورقة وأسواقها مونقة، وهي منزل ولاه الصعيد (رحلة ابن بطوطة 41- 42) . [3] عيزاب بها مدينة عيزاب، وهي كبيرة كثيرة الحون واللبن وأهلها البجاة وهم سود الألوان (رحلة ابن بطوطة 42) . بليدة على ساحل بحر القلزم وهي مرسى المراكب التي تقدم من عدن إلى الصعيد (مراصد الاطلاع 2/974) .

أن أهل قوص إذا تمشى أحد منهم في مكان أو خرج إلى بيته أو منه يأخذ بيده الواحدة مسرجة وفي الأرض مشك يشك به العقارب. وفي الصعيد بقايا سحر قديم يحكى عنه أشياء، أصح ما سمعت منها ما حكى لي من أثق به عن طغصبا والي قوص؛ قال: أمسكت امرأة ساحرة فقلت لها: أريد أن «1» أبصر شيئا من سحرك؟ فقالت: أجوّد عملي أني أسحر العقرب. فقلت لها تسحري العقرب؟ قالت أسحره على اسم شخص مخصوص فلا تزال ذلك العقرب «2» تتبع ذلك الشخص حتى يلسعه «3» فيقتله. فقلت: أريني هذا وأسحري العقرب على اسمي، فأخذت عقربا وسحرته وأرسلته «4» فبقيت كلما انحنى عنه وهو يتبعني، فجلست على تحت منصوب في بركة ماء، فجاءت العقرب إلى البركة وصارت (المخطوط ص 242) تحاول طلوعها إليّ ولا تقدر على اقتحام الماء فذهبت إلى الجدار فصعدت فيه وأنا أنظرها حتى ترقب إلى السقف وجاءت إلى ساحة مكاني ثم رمت بنفسها إلى أن نزلت إلى الأرض وقصدت مكاني، فضربتها بعصى في يدي فقتلتها ثم أمسكت تلك الساحرة فقتلتها لما رأيت من سحرها العظيم. ويحكى كثير من هذا، ليس هذا موضع ذكره، ثم من قوص إلى أسوان ومن أسوان المؤجل إلى بلاد النوبة [1] ومن أسوان شعبة إلى الصحراء إلى عيزاب على ساحل البحر، يجاز منه على جده ميناء مكة المعظمة «5» ومن هذا البحر مسالك

_ [1] النوبة: بلاد واسعة عريضة في جنوب مصر، أول بلادهم بعد أسوان (مراصد الاطلاع 3/1394) .

للتجار إلى عدن، ثم إلى ما أرادوا من الهند واليمن والحبشة ولم نذكر قوص دون ما سواها من الصعيد إلا لأنها هي مدينتها الحاضرة وبها يحط مصعدا ومنحدرا زمر الرفاق المسافرة.

الاسكندرية

الاسكندرية والاسكندرية [1] مدينة قديمة جليلة عظيمة وكانت في القديم أكبر مما هي الآن وأعظم في كثرة الأهل والبنيان، بناها الاسكندر ذو القرنين على شاطىء البحر الرومي، وكان بها على ما يقال سرير ملكه ومستقر أمة وجميع بنايتها بالحجر والكلس، مبيضة البيوت باطنا وظاهرا، كأنها الحمامة البيضاء، ذات شوارع مشرعة الأرجاء «1» ، كل خط بذاته كأنها رقعة الشطرنج، يستدير بها أسوار ممنعة، وبروج محصنة، عليها الستائر المسترة، والمجانيق المنصوبة، وبها عسكر مستخدم لحفظها، وليس بالديار المصرية مدينة حاكمها مرسوم بنيابة السلطنة سوى الإسكندرية [2] . لا يزال أهلها على يقظة من أمور البحر، ومخالسة العدو، وبها الديار الجليلة، والجوامع والمساجد، والربط والخوانق، والمشاهد [3] والفنادق، والرباع والأسواق الممتدة، ومعامل البز والقماش والطرز الفائق المثل، إليها تهوى ركاب التجار برا وبحرا من كل فج عميق ومكان سحيق، وليس في الدنيا نظير شربها، وطرازها المعمول بها والمحمول إلى أقطار الأرض شرقا وغربا، منها من الحفير المنسوج بالذهب والفضة (المخطوط ص 243) . والمقصب بالقصب، وطرد الوحش المنوع، والجر والمنقوش، والمنزج والمدفون والديبقى والمساذج، والمفرح والمقاطع، والممرش والشرب الخام والمقصور وبدلات المقانع وأنواع المقصبات

_ [1] هناك أكثر من مدينة باسم الإسكندرية، والإسكندرية العظمى ببلاد مصر (مراصد الاطلاع 1/76) . [2] حاكمها في ذلك الوقت هو زكريا أبو يحيى بن أحمد بن أبي حفص المعروف باللحياني. [3] يقصد بها قبور الألياء مثل أبي العباس المرسي، لأن المشاهد معروفة عند الشيعة وتعرف بها قبور أئمتهم.

والملون بالذهب والفضة والملاءات [1] والغوط من كل ما لا شبيه لرقمه ولا نظير لحسنه، يباع في «1» كل يوم فيها بآلاف مؤلفة من الذهب الأحمر، ولا ينفذ متاعها، ولا يقل موجودها وبالاسكندرية معاملة الدرهم السّواد حقيقة مقصورا عليها لا يخرج من سواها ولا يتعدى حاضرة أسوارها، وهو فيها كل درهمين سوداوين بدرهم واحد من نقد الدرهم المصري، يوجد بها الدراهم السود حقيقة اسم على مسمى. وأما من بقية الديار المصرية فكما قدمنا يوجد اسما لا مسمى كل ثلاثة دراهم سودا بدرهم واحد من الدراهم المصرية. والاسكندرية هي فرصة الغرب والأندلس وجزائر الفرنج وبلاد الروم وإليها ترد سوافنها، وتجلب بضائعها، ومنها تخرج أغراضها. فأما دمياط فهي وإن كانت وسيلتها في هذا الباب، فإنه لا تشبه لها إلى الاسكندرية، وسيأتي ذكرها، والاسكندرية لها بحر خليج من النيل تصل فيه المراكب من مصر إليها، ومنها إلى مصر، وفي أوان زيادة النيل يمتلئ هذا الخليج «2» ، ويمد إلى صهاريج «داخل» المدينة معدة لإختزان الماء بها لشرب أهلها، نافذة من بعض الدور إلى بعض يمكن النازل «3» إلى صهريج منها الصعود من أي دار اختار، وتحت الصهاريج الآبار النبع بالماء المملوح، فهي طبقات ثلاثة، طبقة الآبار عليها طبقة الصهاريج عليها طبقة البناء ولا يعتني أهل الاسكندرية ببناء الطبقات على أعالي أبنيتهم لقوة الأمطار بها، وتجويف قرارها. وعلى الاسكندرية البساتين الأنيقة والغيطان الفساح وفيها لجلة أهلها القصور الناهدة والجواسق الشاهقة، محصنة جميعها بأحكام البناء، وعلو الجدر

_ [1] وردت الملآت.

خشية من طرّاق الفرنج ودعّار العرب. وبها من الفواكه المنتجة الثمار وهي تفوق (المخطوط 244) مصر بحسن ثمراتها، ورخص الفواكه بها، وليس للاسكندرية من ازدراع القمح والشعير والحبوب إلا ما قل، وغالب أقواتها محمول من أرياف مصر «1» . «2» تنبيه: قد ذكرنا فيما تقدم أن الاسكندر هو الذي بنى الاسكندرية وذلك صحيح بمعنى أنه جددها وجدد بنائها، وأما سبب بنائها القديم فقد ذكره التيفاشي في كتاب سرور النفس بمدارس الحواس الخمس. قال: ذكر أحمد بن مطرف [1] في كتاب الترتيب أن الذي بنى الاسكندرية أول أمرها جبير المؤتفكى، وأن الذي دعاه إلى بنائها أنه غزا بعض النساء اللواتي ملكن مصر، وكان اسمها حوريا بنت البرت، وأنه لما طال بينهما الحرب، انفذت إليه، نقول: أني قد رغبت في أن تتزوجني فيصير ملكنا واحدا، ودارنا واحدة، وأصير أنا ومملكتي لك، وذلك خير لك من أن تقيم على الحرب، فينفذ مالك، وتفنى رجالك، فإن ظفرت بي لم يحصل لك طائل، لأن الهزائم تذهب الأموال وتمحقها وإن أنت خذلت ذهبت وذهب جميع مالك، فأعجبه جميع مقالها وأجابها وعقد النكاح على ما كانوا يعتقدونه، والتمس الدخول بها، فقالت: إنه يفتح بي وبك أن نجتمع في غير مدينة تبنيها لهذا الأمر في أحسن موضع، وأجل مكان بحيث لم يكن فيه بناء قط غير ما تبنيه، وإنما كان ذلك منها مكرا به لتنقذ أمواله وتبلغ منه ما تريد في لطف وموادعه، فأجابها وأنفذ المهندسين

_ [1] أحمد بن مطرف بن إسحاق اللغوي القاضي أبو الفتح المصري المتوفى سنة 413 هـ، له عدة مؤلفات أهمها كتاب اللغة كبير (هدية العارفين لإسماعيل باشا البغدادي 1/72) .

إليها، وخيرها المواضع، فاختارت موضع الاسكندرية، وقسمت المدينة وصورها المهندسون، ثم عرفته ذلك، فأجاب إلى كل ما طلبت، وسار بجيشه فنزل على ذلك الموضع، وشرع في البناء، فكان كلما بنى بناء خرجت دواب البحر وعبثت به، وهدمته، فأقام زمانا، ونفذت الأموال، وضاق ذرعا فوفق له أن دل على بعض السحرة، فأحضره وشكا إليه ذلك الأمر، فوضع له طلسمات، وجعلها في آنية زجاج كالتوابيت فكانت في الماء حذاء (المخطوط 245) الأبنية، فإذا جاءت دواب البحر فرأت الطلسمات والتوابيت نفرت فثبت البناء، وبنيت المدينة، وتمت بعد زمان طويل، ثم راسلها في المسير، فسارت بجميع قللها وعساكرها حتى نزلت حذاء، عسكره، وراسلته أنى قد أحببت أنى أحمل عنك مؤنة الإنفاق على العسكريين في أطعمة تصلح وأشربة، وقد أعددت لوجود الأمراء والقواد خلعا وتحفا حملا عنك لكرمك في بناء المدينة، فأحب أن تجيبني إلى ذلك، فأجابها، وأمرت بذلك، فعمل وأنفذت إليه: أنا أحب أن أراك وأرى سائر عسكرك في الميدان يلعبون ضروب اللعب، ويكون متصرفكم بعد ذلك إليّ لحضور الطعام والخلع، فأجابها، وتقدم بركوب الجيش وحمل السلاح واللعب، فلما فعل واشتد عرق القوم، انصرفوا إليها جميعا، فتلقاهم أصحابها بالخلع المسمومة؛ فلبسها وجوه العسكر، ولبس الملك جبير خلعته، وكانت أقل سما من غيرها إبقاء عليه لتبقى فيه بقية لخطأ بها، فما أقاموا إلا ساعة بالخلع حتى طفئوا وماتوا: ورأى ذلك بقية العسكر، فعلموا موضع الحيلة، فبادروا مستأمنين فنودى فيهم بالأمان، وبقى الملك بقية من الحياة، فأمرت أنه يحمل إليها فلما رأته في السياق قالت له: إن ملكا أنفق ماله وأفنى زمانه، ونزل ملكه، وجاء شهوة لا يدري أينالها، ولملك سخيف، وكان آخر كلامها بخروج روحه، فمات، ودخلت هي المدينة، وأقامت بها زمانا، وعادت إلى مصر.

ثم ملك الاسكندر فزاد في بنائها، وأطال في منارتها [1] وجعل فيها مرآة كان يرى منها مراكب العدو عن بعد، فإذا صارت بإزائها، وصدمها شعاعها أحرقها كما تحرق المهاة في الشمس ما قابلها من الخرق، وإن لم تتصل بها، فسميت الاسكندرية من حينئذ، وكان اسمها قبل ذلك وقوده، وبذلك يعرفها القبط في كتبهم القديمة. وأقامت المرآة على ذلك زمانا، وشق ذلك على الروم، فاحتال حكيم من حكمائهم بأن وافق متملكهم على أن يبعث أموالا مع أصحاب له، فيدفنونها في مواضع متفرقة (المخطوط 246) من ثغور الإسلام، ثم عادوا بعد دفنها فصنع كتاب مطالب ذكر فيه المواضع وختمه بأن تحت المرآة التي في منارة الاسكندرية كنزا لا يحصى ما فيه من الأموال، وعتق ذلك الكتاب، ودفعه إلى إنسان ذكي، وأمر أن يسير به إلى بلد بلد، وأن يكون قصده إلى السلطان، كل بلد فيعرفه ما في ذلك البلد، ويخرجه، ويأخذ منه جزءا [2] يسيرا واتصلت الأخبار إلى سائر الثغور بذلك، فكان سلطان كل بلد ينفذ إليه من يتسلمه بعد أن يحضر أخراجه الكنز في البلد الذي هو فيه، فلم يزل إلى أن وصل إلى الاسكندرية، فقال لملكها ما قال في المرآة، وقال له: إذا قلعتها وأخذت الكنز أنا أردها إلى أفضل ما هي عليه الآن، فأجابه، وقلعت المرآة وشرع في هدم ما تحتها وانسل الإنسان ونزل ونزل تلك الأموال التي أخذها من الكنوز المتقدمة ليطمسوا ولا يجدوا في طلبه، وفاتهم، وحفروا فلم يجدوا شيئا، فعلموا أن ذلك كله كان حيلة على قلع المرآة، ولم يقدروا على ردها لأن واضعيها كانوا حكماء قد نصبوها بطالع مختار، واختلف الناس في هذا القول فمنهم من ذكره، ومنهم من ذكر غيره.

_ [1] منارة الإسكندرية المشهورة إحدى عجائب الدنيا السبع كانت خرائبها لا تزال موجودة حتى عصر المؤلف والآن لم يصبح لها وجود. [2] وردت بالمخطوط جزاء.

قال: غير أني قرأت في بعض كتب التواريخ أن أعاجيب الدنيا أربعة فرس من نحاس بأقصى غرب الأندلس لا يتجاوزه أحد إلا ابتلعه الرمل، وشجرة من نحاس بروميه عليها صورة طائر من نحاس وهو الذي يسمى الزرزور، إذا كان أوان نضج الزيتون، فلا يبقى طائر من جنسه، وهو الطائر المعروف إلا أتى حاملا زيتونة في منقاره وزيتونتين في رجليه، فيلقيه عند الطائر النحاس المذكور، فيعصر أهل رومية من ذلك ما يكفي أدمهم، وسرج عامهم ذلك لأن روميه ليس بها زيتون، ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عاد إذا كان في الأشهر الحرم، جرى منها الماء، ولا يجرى من غيرها، ومرآة بمنارة الاسكندرية ترى بها القطائع الحربية إذا تجهزت من القسطنطينية العظمى، فيرى أهل الاسكندرية أهل (المخطوط 247) القسطنطينية، وبينهما عرض البحر. قال: وأما مساحة المنارة فهي ثلاثة طبقات، ومساحتها على ما ذكره بعض المحصلين مائتا ذراع وثلاث وثلاثون ذراعا، فالطبقة الأولى مربعة وهي مائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعا، والطبقة الثانية مثمنة وهي إحدى وثمانون ذراعا ونصف ذراع، والطبقة الثالثة مستديرة وهي ثلاثون ذراعا ونصف ذراع «1» [1] . قلت: وأما ما حكاه «2» عن منارة اسكندرية «3» ، فقد أصبحت كلها أثرا بعد عين، سقطت أعلامها، ومحيت آثارها، ولم يبق من المنارة، إلا دون العشرين [2] ذراعا، وأمر السلطان لها بالبناء، ولم يصرف إليها وجه الاعتناء وليس الناطور الآن إلا في منارة استحدثت على كوم عال داخل السور يعرف بكوم معلى لا له أساس ثابت ولا جدار معلى [3] .

_ [1] انظر: وصف المنارة عند ابن بطوطة المصادر للمؤلف ص 22. [2] وردت بالمخطوط العشرون. [3] وردت بالمخطوط معلا.

وأما عمود الصواري [1] فباق على حاله والطلل باق على هائل «1» ولا طائل، وهو من الاسكندرية على مسافة ونصف يوم من غربها البر الأقفر المتصل ببرقه إلى الغرب الأقصى. والرطل الاسكندري يسمى الجروي وهو رطلان وأوقيتان بالمصري، وأراد بها ثمان ويبات بأردب وثلث بالمصري، وأسعارها أقرب إلى الرخاء، ولولا التهجير زادت رخاؤها، وعظمت أجلابها.

_ [1] عمود الصواري هو عمود السواري وهو عمود من رخام هائل وهو متوسط في غابة نخل، وهو قطعة واحدة محكمة النحت، أقيم على قواعد حجارة مربعة، لا يعرف كيفية وضعه عليها (رحلة ابن بطوطة 22) .

دمياط

دمياط ودمياط مدينة على ضفة البحر، عند مصب أحد فرقي النيل، بناؤها الآن غير موثق، يطوف بها جسر، يباري «1» النيل إلى مصبه، وهي موضع غرة للعدو من قبل البحر، وقد علقت بها جمة الكفر «2» زمانا طويلا حتى نصر الله عليهم في أخريات الدولة الأيوبية [1] . حدثني من رأى دمياط أنها مدينة لطيفة فيها مدرسة واحدة وأسواق ليست بالكثيرة، ومنها الإفضاء إلى بحيرة تنيس المذكورة في القديم بحسن الأوضاع، وجودة القماش والمتاع، وإنما هي الآن جون من البحر المالح كالجون «3» . وبدمياط وما يليها شجر الموز الكثير، ومنه مدد مصر والقاهرة وبلادهما. «4» فائدة: قال (المخطوط ص 248) التيفاشي في سرور النفس: يقال أن تنيس [2] ودمياط والفرما [3] ثلاثة أخوة ملكوا هذه المدن الثلاثة، وسمى كل واحد منهم مدينته باسم نفسه، وكانت تنيس يقال لها تنيس الإخصاص، ويقال أن المسيح عليه السلام دخلها، فأكرمه أهلها، فدعا أن يبارك الله لأهلها فيها، وأن يأتيها الرزق في كل مكان، لما رآها وسط بحيرة، ولم يدخل دمياط. وأما الجفار [4] فهي خمس مدن الفرما والبقارة والورادة

_ [1] يقصد هجوم لويس التاسع على دمياط آخريات الدولة الأيوبية. [2] تنيس: جزيرة في بحر مصر، قريبة من البر بين الفرما ودمياط (مراصد الاطلاع 1/279) . [3] الفرما: مدينة على الساحل من ناحية مصر أو حصن لطيف فاسد الهواء، شرق تنيس (مراصد الاطلاع 3/1031) . [4] الجفار: أرض مسيرة سبعة أيام بين فلسطين ومصر (مراصد الاطلاع 1/337) .

والعريش [1] ورفح [2] والجفار، كله رمل وإنما سمى جفارا لشدة المشي فيه على الناس والدواب، لكثرة رمله وبعد مراحله، والجفار تحفر فيه الأبل وغيرها فتهلك، فاتخذ له هذا الاسم كما قيل للحبل، الذي لهجر به البعير هجار، والذي يحجر به حجار والذي تعقل به عقال، والذي تبطن به بطان، وكذلك خطام وزمام ونحوه. والبقارة من البقر، والواردة من الورود والعريش أخذ من العرش ويذكر أنه نهاية التخوم من الشام وأن إليه كان ينتهي رعاة إبراهيم الخليل عليه السلام بمواشيه، وأنه اتخذ به عريشا كان يجلس فيه، ومواشيه تحلب بين يديه، فسمى بذلك، ورفح اسم رجل نسب إليه المكان «1» . قلت: هذه جملة الكلام في مدن الديار المصرية الشهيرة وأما برها فيأخذ بخناقة جيلان، تضيقا «2» في أوله بأعلى الصعيد ثم يأخذ في التقليص [3] إلى الجزيرة، فانفرجا واتسع «3» مدى ما بينهما حتى انقطع بالبحر الرومي إلى آخر الأعمال، فأوسعه مدى نحو يومين وأضيفه نحو ساعة (نحو يومين نحو ساعة) ، [4] وغالبه نحو ساعتين وما بين ذلك، وهذا هو عرض الديار المصرية حقيقة «4» إلا أن نظرت إلى قفار موحشة تهاب الجن سلوكها، ويخاف الظلام اقتحامها على أن مدى العرض الذي ذكرناه عطل الجانبين عن الحرث والنسل «5» والزرع والغروس،

_ [1] العريش: مدينة كانت أول عمل مصر من ناحية الشام على بحر الروم (مراصد الاطلاع 2/935) . [2] رفح: منزل في طريق مصر (مراصد الاطلاع 2/623) وهي مدينة على الحدود المصرية الفلسطينية. [3] وردت بالمخطوط التقليس أ 248 ب 158. [4] زائدة في نسخة أ 248.

خال من الأنيس الإسار في سبيل أوصال عن طريق، والعامر الآهل من هذا المدى ثلاثة والثلث كثير، لكن ذو ربع رابع، (المخطوط ص 249) ومتحصل كثير. وبمصر من أنواع الثعابين والأفاعي والحيات والعقارب والفأر وسائر الحشرات لولا ما يهلكه النيل الفائض على البلاد في كل سنة، وما يفر من النيل فيقف أهل البلاد له على الطرق بأيديهم العمد والعصى لقتل ما يهاجمهم منها، لما سكنت مصر ولا تأهلت لها ديار، ولا استقر بها لأحد قرار. وأما زمان ربيعها وما يبقيه من المقطعات نيلها وما يوشى حللها من نوار البرسيم والكتان، ويحشر في أرضها من الطير على اختلاف ذوات الجناح، فلا يملأ عينيك وسامة وحسنا، ويروقك صورة ومعنى، كأن بناءها زمردة خضراء، ومقطعاتها فيروزجه زرقاء ونوارها لكل فرط منه لؤلؤة بيضاء، عليها للطيور ظلل من الغمام، قد نصبت على فرشها «1» الاستبرق خيام، ولما رأيت منظرها البديع في زمان الربيع، وبين أكنافها المخضرة قرارا بناء كأنها النجوم في السماء: قلت: «لمصر فضل باهر لعيشها الرغد النضر» «في سفح روض «2» يلتقى ماء الحياة والخضر» ونحن نقول: إن الديار المصرية وجهان؛ قبلي وبحري، جملتها خمس عشرة [1] ولاية، فالوجه القبلي أكبرهما، وهي تسعة أعمال وهي عمل قوص، وقوص شرقي النيل «3» ، وهو أجلها، ومنه أسوان، وعرب قموله، وأسوان نهاية حد المملكة من الجنوب، وعمل آخميم وهو شرقي النيل أيضا، وعمل

_ [1] وردت بالمخطوط خمسة عشر أ 248 ب 159.

سيوط [1] ، وعمل منفلوط [2] ، وعمل الأشمونيين، وبها الطحاوية «1» ، وعمل البهنسا [3] ، (وعمل العراني وهي عبارة عن غربي المنهى المؤدي [4] إلى الفيوم) «2» ، وعمل الفيوم، وهو منقطع، وعمل أطفيج [5] وهو شرقي النيل، وعمل الجيزة، والوجه البحري وهو ستة أعمال «3» ؛ عمل البحيرة [6] (وهو متصل البر بالاسكندرية، وبرقة [7] ، وعمل العزبية جزيرة واحدة، يشتمل على ما بين البحرين (المخطوط ص 250) والبحر المار ومسكبه عند دمياط، وهو المسمى بالشرقي، والبحر الثاني ومسكبه عند رشيد، وهو المسمى بالغربي) «4» ، والمنوفية وكانت منف «5» المنسوبة إليها هذا العمل هي مصر قديما [8] ، (ومنها أبيار

_ [1] سيوط وهي أسيوط قال ابن بطوطة وهي مدينة بالصعيد رفيعة أسواقها بديعة (رحلة ابن بطوطة 40) كورة جليلة من صعيد مصر (مراصد الاطلاع 2/769) . [2] منفلوط: مدينة حسن رواؤها، موفق بنائها على ضفة النيل، شهيرة بالبركة (رحلة ابن بطوطة 40) بلدة بالصعيد في غربي النيل (مراصد الاطلاع 3/1323) . [3] بهنسا: مدينة كبيرة وبساتينها كثيرة تصنع بها ثياب الصوف الجيدة (رحلة ابن بطوطة 39) مدينة بمصر من الصعيد الأدنى (مراصد الاطلاع 1/235) . [4] وردت بالمخطوط المآد. [5] أطفيح: بلد بالصعيد الأدنى من أرض مصر على شاطىء النيل في شرقية (مراصد الاطلاع 1/92) . [6] البحيرة: كورة معروفة بها قرى كثيرة (مراصد الاطلاع 1/168) وهي محافظة البحيرة الآن. [7] برقة: اسم صقع كبير يشتمل على مدن وقرى بين الإسكندرية وأفريقية (مراصد الاطلاع 1/186) وهي مدينة عامرة بليبيا الآن. [8] منف ليست هي المنوفية فمنف هي منفيس هي طيبة هي الأقصر وليست المنوفية، والمنوفية تنسب إلى منوف عاصمتها السابقة وعاصمتها الآن شبين الكوم.

المسماة بجزيرة أبي نصر، وهي جزيرة وتأخذ في وسط البحر الغربي) «1» وعمل قليوب، وقليوب شرقي النيل، وعمل الشرقية وهو متصل البر بين الشام والقلزم والحجاز. وكذلك أشموم [1] (ويعرف باشموم طناج) «2» [2] ومنها الدقهلية [3] ، والمرناحية، (وهنا موقع ثغر البرلس [4] ، وموقع ثغر رشيد [5] ، والمنصورة المبنية زمان حصار دمياط. وفي هذه الوجه الاسكندرية ودمياط وهما مدينتان بندران [6] على البحر لا عمل لهما، وأما الواحات فمنقطعة وراء الوجه القبلي في مغاربيه، ولا تعد في الولايات ولا في الأعمال، ولا يحكم عليها من قبل السلطان وال، وإنما يحكم عليها من قبل مقطعها،) «3» وبلاد الواحات بين مصر والاسكندرية والصعيد والنوبة والحبشة، بعضها داخل بعض. قال البكري: وهو بلد قائمة بنفسه غير متصل بغيره ولا مفتقر إلى سواه، وفي هذه الأرض شبيه وراجية وعيون حامضة الطعوم تستعمل كاستعمال الخل «4» مختلفة الطعوم من الحامض والقابض والملح ولكل نوع منها منفعة وخاصية.

_ [1] اشموم: هما اثنان: اشموم طناح قرب دمياط وأشموم الجريسات بالمنوفية (مراصد الاطلاع 1/84) . [2] وردت أيضا أشموم طناح وهي من أعمال الدقهلية (مراصد الاطلاع 1/84) . [3] وردت بالمخطوط الدهقلية وهي الدقهلية إحدى الأقاليم المصرية وقاعدتها المنصورة. [4] البرلس: بليدة على شاطىء نيل مصر قرب البحر من جهة الإسكندرية (مراصد الاطلاع 1/188) . [5] رشيد: بليدة على ساحل البحر والنيل قرب الإسكندرية (مراصد الاطلاع 2/617) . [6] بندران: بندر كلمة فارسية بمعنى ميناء.

ومما يتعلق بذيل هذه المملكة

ومما يتعلق بذيل هذه المملكة ذكر برقة قال ابن سعيد: هي سلطنة طويلة وإن لم تكن يمكن بها استقلال، لأنه قد استولت عليها العرب، وكان سريرها في القديم مدينة طبرق [1] . قلت: وليس لها سلطان بل ولا سوى أهل العمد [2] سكان، وقربها إلى أفريقية أكثر من قربها إلى مصر، ولكن ما دون العقبة، لصاحب مصر وأمرها إليه. أخبرني الأمير الفاضل ناصر الدين محمد بن المحسني أنها بلاد كثيرة الماء، صحيحة الهواء، وأرضها محاجر وحزوز وعرة في الغالب، وبها المروج والأشجار الكثيرة، وبها المدن المبنية الباقية (المخطوط ص 251) البناء إلى الآن، وهي خالية من السكان. وبها القصور العليّة، والآثار الدالة على ما كانت عليه من الجلالة، وهي اليوم بيد العرب، وهم أصحاب ماشية ودواب سائمة كثيرة من الإبل والغنم، ومنهم من يزرع في بعض أرضها، فتخصب زروعها، ولكنهم أهل بادية لا عناية لهم بعمارة ولا زرع. وحدثني غير واحد ممن دخلها من العسكر المصري ممن كان جرد إليها، أنها شبيهة بأطراف الشام وجبال نابلس، في منابت أشجارها، وكيفية أرضها، وما كانت عليه، وأنها لو عمرت بالسكان، وتأهلت بالزراع كانت اقليما كبيرا يقارب نصف الشام، وقد كانت برقة مقطعة من مناشير صاحب مصر لابن

_ [1] طبرق: هي طبرقة مدينة بالمغرب من ناحية البربر على شاطىء البحر، قرب باجه (مراصد الاطلاع 2/878) وهي مدينة طبرق الليبية الآن. [2] الخيام.

المحسنى، وكان يتوجه إليها، ويأخذ من العربان بهائم أقطعت لأمراء عربان مصر من سليم، وهم الآن يستأذون من عرب برقة العداد. وحدثني الأمير فايد بن مقدم السلمي المقطعة له الآن وأن برقة من أزكى البلاد أرضا للدواب، وأمراها مرعى لها، وأما خيل برقة فهي من أقوى الخيل بناء، وإذا قيل الخيل البرقية كفى، وهم «1» مدورات، ليست بمقرطات العلو، ولكنها عراض مرددات صلبة الحوافر، قد جمعت بين سبق العربيات وقوة صدماتها وكمال تخاطيطها، وصلابة حوافر البراذين وثباتها على الجبال والوعور وإدمان الركوب. وأما صورها فهي بين العراب والبراذين، عليا منها سمات الشبه، وهي إلى محاسن العرّاب أميل، وفحول الخيل البرقية انجب من إناثها، ولجند مصر بها عناية، وتباع بالأثمان الغالية، ولكنها لا تبلغ مبلغ خيل البحرين والحجاز والشام. وطولها بالمسافة مقدار شهرين، وكانت قاعدة برقة مدينة انطابلس [1] ومن مدنها طبرق وقد تقدم ذكرها، وطجيشه ولبده وهي ذات رخام كثير عمد وألواح، وبها إلى الآن الرخام قائما ونائما، ومن مدنها المشهورة سرت [2] . وحدثني قاضي الجماعة أبو إسحاق إبراهيم بن أبي سالم عن لبدة أنها مملوءة بالرخام الأبيض الفائق حتى شوارعها وممشى الناس في أسواقها، وأنها (المخطوط ص 252) لا يعوزها من العمارة إلا السكان.

_ [1] طرابلس: هي طرابلس الغرب على جانب البحر (مراصد الاطلاع 2/882) . [2] سرت: مدينة على بحر الروم بين برقة وطرابلس الغرب وأجدابية في جنوبها إلى البر (مراصد الاطلاع 2/704) .

وحدثني الشيخ شرف الدين عيسى الزواوي قال: مررت ببلاد برقة فرأيتها كلها خرابا بيابا «1» مقفرة، ما فيها إلا بادية العرب، وبها القصور المبنية، ليس بها الأغلال مخزونة لهم، وقال لي أن في جبال برقة أشجار مثمرة من الزيتون والفواكه الكثيرة، ولكن ليس بها مدينة معمورة تذكر لها أخبار. وسكان برقة كلهم أهل بادية، لا يتبايعون إلا بالأمتعة، حتى أن منهم من تكون معه دراهم فيعرضها للبيع فيقول من يشتري منى هذه الدراهم، لأنها ليست عندهم نقدا ولا معاملة.

ذكر المملكة الثانية وهي مملكة الشام

ذكر المملكة الثانية وهي مملكة الشام وقاعدتها مدينة دمشق، وكانت الشام يقال لها أرض كنعان [1] ثم جابر بنو «1» إسرائيل، فقتلوهم بها، ونفوهم عنها، وبقيت الشام لبني إسرائيل إلى أن غلبت عليهم الروم، وانتزوعها منهم. «2» قال التيفاشي في كتاب سرور النفس: قال الشريف الإدريسي [2] في حدود الشام: إنها من المشرق الجزيرة بينه وبين العراق، وسميت الجزيرة لأنها بين نهر دجلة والفرات، وهي أدنى الأرض التي ذكر الله عز وجل في سورة الروم [3] من بلاد الجزيرة بنينوى مدينة يونس عليه السلام [4] ، وقاعدتها اليوم الموصل [5] ، ومنها الرقة ونصبين [6] وديار ربيعة وبني تغلب وجزيرة هي التخوم الفاصلة بين الشام والعراق، وحدها النهران دجلة والفرات.

_ [1] كان الكنعانيون سكان هذه البلاد نسبة إلى كنعان بن حام بن نوح عليه السلام. [2] الشريف الإدريسي: أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس ولد سنة 493 هـ في سبتة وتوفي 560 هـ، صنف في الجغرافيا: روض الأنس ونزهة النفس، أو كتاب المسالك والممالك (انظر: دائرة المعارف الإسلامية مادة إدريس 2/488- 489) . [3] إشارة إلى قوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم، الآيات: 1- 3] . [4] مدينة يونس عليه السلام، وهي قرية كبيرة زارها ابن خلدون (رحلة ابن خلدون 158) . [5] الموصل: مدينة عتيقة كثيرة الخصب، وقلعتها المعروفة بالحدباء عظيمة الشأن، شهيرة الامتناع (رحلة ابن بطوطة 157) . [6] نصبين مدينة عتيقة متوسطة، في بسيط أفيح فسيح فيه المياه والبساتين والأشجار والفواكه (رحلة ابن بطوطة 158) .

وحدود الشام من الجنوب وادي القرى، ومن الغرب عسقلان والحاجز الذي بين البحرين حيث مدائن لوط عليه السلام وطوله أكثر من شهر ونحوه، بعضه في الإقليم الرابع، وبعضه في الثالث، والتوجه في قبلته إلى الميزاب إلى الركن الشامي من جهة الشرق، وأكثر أهل يمن وفيهم معدنه [1] . ثم قال: روى الحافظ أبو القسم علي بن الحسن ابن عساكر [2] في تاريخ الشام، بسنده إلى الشعبي قال: لما هبط آدم من الجنة وانتشر ولده، أرخ بنوه من هبوط آدم، وكان (المخطوط ص 253) . ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحا، فأرخوا بمبعث نوح، حتى كان الغرق فهلك من كان على وجه الأرض، فلما هبط نوح وذريته وكل من كان في السفينة إلى الأرض، قسم الأرض بين ولده أثلاثا فجعل لسام وسط الأرض فيها بيت المقدس والنيل والفرات والدجلة وسيحون وجيحون [3] ، وذلك ما بين قيسبون إلى نهر النيل، وما بين منحر الريح الجنوب إلى منحر الشمال. وجعل لحام قسمه غربي النيل مما وراءه إلى منحر ريح الدبور، وجعل قسمة يافث في قيسبون فما وراءه إلى منحر ريح الصبا، ثم تفرق بنو نوح من بابل إلى سائر جهات الأرض، فلحقت كل طائفة منهم بجهة. وفي رواية الحافظ من طريق آخر عن هشام بن محمد عن أبيه [4] قال: كان الذين عقد لهم الألوية يعني ولد نوح عليه السلام، فنزل بنو سام المجدل صرة

_ [1] أي عدنانية نسبة إلى عدنان. [2] ابن عساكر أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر الشافعي المعروف بالحافظ الكبير ولد 499 هـ وتوفي 571 هـ (انظر: ترجمته في مقدمة كتابه تاريخ دمشق الكبير، هذبه ورتبه الشيخ عبد القادر بدران المتوفى 1346 هـ بيروت 1979 ص 7 وما بعدها) . [3] وردت بالمخطوط سيحان وجيحان. [4] ورد عن محمد بن السائب (انظر: تهذيب تاريخ دمشق الكبير 1/13) .

الأرض [1] ، وهو ما بين ساندما [2] إلى البحر وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله النبوة والكتاب والجمال والأدمة والبياض فيهم. ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدبور، ويقال لتلك الناحية الداروم [3] وجعل الله فيهم أدمة وبياضا قليلا، وأغمر بلادهم، ورفع عنهم الطاعون، وجعل في أرضهم الأثل والآراك والعسر والغار [4] والنخل وجرت الشمس والقمر في سمائهم. وبنو [5] يافث القصور [6] مجرى الشمال والصبا، ومنهم الحمرة والسناء، وأخلى الله أرضهم فأشتد بردها، وأجلى سماهم فليس يجرى فوقهم شيء من النجوم السبعة الجارية، لأنهم صدروا تحت نبات نعس والجدي والفرقدين، وابتلوا بالطاعون، ثم لحقت عاد بالشجر، فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث، ولحقت عبيل بموضع يثرب، ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تسمى صنعاء، ثم انحدر بعضهم إلى يثرب فأخرجوا منها عبيلا [7] ونزلها موضع الجحفة، واقبل سبل فاجتحفهم، فذهب بهم فسميت الجحفة، ولحقت ثمود بالحجر وما يليه فهلكوا، ثم ولحقت طسم وجديس باليمامة، وإنما سميت اليمامة بامرأة منهم فهلكوا (المخطوط ص 254) ولحقت أميم بأرض أبار فهلكوا بها، وهي بين اليمامة والشحر، ولا يصل اليوم إليها أحد، غلبت عليها الجن، وسميت أبار

_ [1] وردت بالمخطوط مسرة الأرض. [2] سايبدما (تهذيب تاريخ دمشق الكبير 1/13) . [3] الدارون (تهذيب تاريخ دمشق الكبير 1/13) . [4] وردت عند ابن عساكر العشر والغاف 1/13) . [5] وردت بالمخطوط وبنوا. [6] الصفون (تاريخ ابن عساكر 1/13) . [7] انظر: تهذيب تاريخ دمشق الكبير، قارن بين الاختلافات بين النصين 1/13.

بابان بن أميم، ولحقت بنو يقطن بن عابر باليمن فسميت اليمن حين تيامنوا إليها، ولحق قوم من بني كنعان بن حام بالشام فسميت الشام حين تشاءموا إليها [1] . وكانت الشام يقال لها أرض كنعان ثم جاء بنو إسرائيل فقتلوهم بها، ونفوهم عنها، وكانت الشام لبني إسرائيل، ووثبت على بني إسرائيل فقتلوهم؛ وأجلوهم إلى العراق إلا قليلا منهم وجاءت العرب فغلبوا على الشام. قال أبو بكر محمد بن القسم الأنباري [2] : الشام فيه وجهان يجوز أن يكون مأخوذا من اليد الشومي وهي اليسرى ويجوز أن يكون فعلى من الشوم، ويقال انجداني نجدا، وأعرق دخل العراق، وأعمن أتى عمانا، وأشأم أي الشام، وبعّر وكوّف، وفي التنزل العزيز وأصحاب المشأمة [3] ورجل شأم من أهل الشام، وسميت اليمن لأنها عن يمين الكعبة، وسميت الشام لأنها عن شمال الكعبة، قيل كان اسم الشام أول الأمر سدريه [4] .

_ [1] قارن مع ابن عساكر 1/14. [2] انظر: تاريخ ابن عساكر 1/14. [3] إشارة إلى قوله تعالى: وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ [الواقعة، الآية 9] . وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ [البلد، الآية: 19] . [4] شورية (ابن عساكر 1/15) .

ذكر دمشق وبنائها

ذكر دمشق وبنائها روى عن كعب الأحبار قال: (أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران [1] ودمشق ثم بابل، وفي رواية أخرى أن نوحا لما نزل من الجبل، أشرف فرأى تل حران بين نهري جلاب وريصان فأتاه فبنى حائط حران، ثم سار فبنى حائط دمشق ثم رجع إلى بابل فبناها) «1» . وفي رواية أخرى أن جيرون بن سعد بن عاد بن عوض نزل دمشق وبنى مدينتها، وسماها جيرون «2» ، وهي ارم ذات العماد [2] وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق [3] . «3» قال الحافظ [4] : وجدت في بعض الكتب أن جيرون وبريد كانا أخوين، وهما ابنا سعد بن لقمان بن عاد، وهما اللذان يعرف جيرون وباب البريد بدمشق بهما. وفي رواية عن وهب بن منبه قال: ودمشق بناها العازر غلام إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان حبشيا (المخطوط ص 255) وهبه له نمرود بن كنعنان حين خرج إبراهيم من النار، وكان اسم الغلام دمشق، وكان متصرفا في جميع مال إبراهيم [5] .

_ [1] حران: من مدينة الجزيرة تقع على طريق الموصل والشام والروم (معجم البلدان 2/235) . [2] إشارة إلى قوله تعالى: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ [الفجر، الآية: 7] . [3] انظر: رواية ابن عساكر 1/15. [4] انظر: رواية ابن عساكر 1/15. [5] ابن عساكر 1/16.

وروى الحافظ [1] إنه وجد في كتاب أبي عبيدة بن المثنى المسمى بفضائل الفرس [2] أن بنو آراسب الملك الكبراني بنى مدينة بابل، ومدينة صور ومدينة دمشق. قال الحافظ [3] : وبلغني من وجه آخر أنه لما رجع ذو القرنين من الشرق، وعمل السد بين أهل خراسان وبين يأجوج ومأجوج وسائر بريد المغرب، فلما بلغ الشام، وصعد على عقبه. دمر حتى عبر هذا الموضع الذي فيه اليوم مدينة دمشق، وكان هذا الوادي الذي فيه نهر دمشق غيضه أرز، قيل أن الأرزة وجدت في سنة ثلاث عشر وثلاثمائة من بقايا تلك الغيضة، فلما نظر ذو القرنين لماء تلك الغيطة وكان هذا الماء الذي هو في هذه الأنهار اليوم مفترق مجتمعا في واد واحد فأخذ ذو القرنين يفكر كيف يبنى فيه مدينة، وكان أكثر فكره فيه وتعجبه منه أنه نظر إلى جبل يدور ذلك الموضع وبالغيضة كلها، وكان له غلام يقال له دمشقش [4] على جميع ملكه، وما نزل ذو القرنين من عقبة ومر سار حتى نزل في موضع القرية المعروفة ببلدا من دمشق على ثلاثة أميال، فأمر ذو القرنين أن يحفر له في ذلك الموضع حفيرة، ففعلوا ذلك، ثم أمر برد التراب الذي أخرج منها، فلما رد التراب لم تمتلأ [5] الحفيرة، فقال لغلامه دمشقش ارحل فإني كنت

_ [1] لم يذكر ابن عساكر اسم الكتاب وإنما ذكر، مؤلف مسالك الأبصار، انظر: ابن عساكر 1/16. [2] كتاب فضائل الفرس لأبي عبيدة معمر بن المثنى البصري المتوفى 210 هـ (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون للعالم الفاضل الأديب والمؤرخ الأديب مصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة وبكاتب جلبي، بغداد مكتبة المثنى 2/1276) . ابن عساكر وذو القرنين وبناء دمشق. [3] انظر: تاريخ ابن عساكر 1/16. [4] دمشق (ابن عساكر 1/16) . [5] وردت بالمخطوط تمتلء.

نويت أن أؤسس في هذا الموضع مدينة فلما إذ بان لي هذا فما يصلح أن يكون هاهنا مدينة، فإنها لا يكون زرعها يكفي أهلها، قال: ثم رحل ذو القرنين حتى وصل إلى البثنية وحوران أشرف على تلك السعة، ونظر إلى تلك التربة الحمراء، فأمر أن يناول من ذلك التراب، فلما صار في يده، أعجبه، لأنه نظر إلى تربة كأنها الزعفران، فنزل هناك، وأمر أن تحفر حفرة فحفرت، وأمر برد التراب إلى المكان الذي أخرج منه فملأه [1] ، وفضل منه تراب كثير، فقال ذو القرنين لغلامه دمشقش: ارجع إلى ذلك الموضع الذي فيه الأرز فأقطع ذلك الشجر وابن على حافة الوادي (المخطوط ص 256) مدينة وسمها على اسمك، فهنا يصلح أن يكون مدينة، وهذا الموضع منه قوتها وعليه ميزتها [2] . قال الحافظ [3] : وعلامة صحة ذلك أن أهل غوطة دمشق لا تكفيهم غلاتهم حتى يتكفوا من البثنية وحوران، فرجع دمشقش، وبنى المدينة، وعمل لها حصنا، وهي المدينة الداخلة وعمل لها أربعة أبواب جيرون مع باب البريد مع باب الحديد في سوق الأساكفة مع باب الفراديس الداخلة، هذه كانت المدينة إذا غلقت هذه الأبواب فقد أغلقت المدينة، وخارج هذه الأبواب كان مرعى، فبناها دمشقش، وسكنها ومات فيها، وكان قد بنى الموضع الذي هو الآن مسجدها الجامع كنيسة يعبد الله فيها إلى أن مات [4] . وروى أن باني دمشق بناها على الكواكب السبعة، وأن المشتري كان طالع بنائها، وجعل لها سبعة أبواب، وصور على كل باب أحد الكواكب السبعة،

_ [1] قارن تاريخ ابن عساكر 1/16. [2] قارن تاريخ ابن عساكر 1/17. [3] ابن عساكر 1/16. [4] تاريخ ابن عساكر 1/17.

وصور على كل باب كيسان صورة زحل، فخربت الصور التي على الأبواب كلها إلا باب كيسان فإن صورة زحل باقية إلى الآن. وروى الحافظ عن أبي القسم تمام بن محمد قال: قرأت في كتاب عتيق باب كيسان لزحل، باب شرقي للشمس، باب توما للزهرة، باب الصغير للمشتري، باب الجابية للمريخ، باب الفراديس لعطارد، باب الفراديس الآخر المسدود للقمر [1] . وروى الحافظ عن أبي مسهر قال: إن ملك دمشق بنى حصن دمشق الذي حول المسجد داخل المدينة على مساحة بيت المقدس، وحمل أبواب مسجد بيت المقدس فوضعها على أبوابه، فهذه الأبواب التي على الحصن هي أبواب مسجد بيت المقدس.

_ [1] انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر 1/17.

أسماء بعض جهاتها

أسماء بعض جهاتها خرّج الحافظ مرفوعا أن اسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ولد له اثنا عشر ولدا، فسمى منهم دوما وبه سميت دومة الجندل، وفي رواية أخرى أنه كان للوط أربعة بنين وابنتان ماب وعمان وجلان وملكان والبنات زعز (المخطوط ص 257) والربة [1] ، فعمان مدينة البلقاء سميت بعمان وماب من سائر البلقاء سميت بماب، وعين زعز سميت بزعز بنت لوط والربة سميت بالربة. قال الشرقي بن القطامي [2] : وسميت صيدا بصيدون بن صيدنا بن كنعان بن حام بن نوح، وسميت أريحا بأريحا بن مالك ابن ارفخشد بن سام بن نوح، وسميت البلقاء بأبلق عمان بن لوط لأنها ملكها وسكنها. قال: وقيل أن الكسوة سميت بذلك لأن غسان قتلت بها رسل ملك الروم قدموا عليهم في طلب الجزية، فقتلوهم، وأخذوا كسوتهم، هذا آخر ما نقله التيفاشي [3] «1» . قلت: وبدمشق مهبط عيسى عليه السلام، وهي فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى، وقد تقدم القول أن الخوارزمي قال: طفت جوانب الأرض «2» الأربعة فكان فضل غوطة دمشق عليها كفضلها على غيرها، كأنها الجنة صورت على وجه الأرض.

_ [1] ماث وخلاب وعمان وملكان وزغر والربة (ابن عساكر 1/18) . [2] ابن عساكر 1/18. [3] واضح أن ابن فضل الله العمري ينقل عن التيفاشى والتيفياشى عن ابن عساكر.

وأما وصفها فكثير جدا يعجبني منه قول ابن عنين [1] . [الطويل] دمشق في شوق إليها مبرح ... وإنّ لج واش أو ألح عذول بلاد بها الحصباء در وتربها ... عبير وأنفاس الشمال شمول تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الروض وهو عليل [2] وقول عرقلة [3] : [البسيط] ما بين شطري ومغربي جنة سرحت ... أنهارها في خلال الآس والبان يظل منثورها في الأرض منتثرا ... كأنما صيغ من در ومرجان فالطير تصدح في أغصانها سحرا ... هذا هو العيش إلا أنه فاني وكذلك قول ابن عنين وقد نفى منها: [الكامل] فسقى دمشق وواديها والحمى ... متواصل الإرعاد منفصم العرا حتى ترى وجه الرياض بعارض ... أحوى ووجه الدوح أزهر نيّرا وأعاد أياما قطعت حميدة ... ما بين حرة عالقين وعكبرا (المخطوط ص 258) تلك المنازل لا أعقة عالج ... ورمال كاظمة ولا وادي القرى أرض إذا مرت بها ريح الصبا ... حملت من الأغصان مسكا أذفرا فارقتها لا عن رضى وهجرتها ... لا عن قلى ورحلت لا متخيّرا

_ [1] هو محمد بن نصر بن مكارم بن عنين الأنصاري الدمشقي له ديوان مشهور وهجو مؤلم كان بارعا في معرفة اللغة توفي 630 هـ (انظر: ديوان العبر لابن خلدون 2/122) . [2] هذه الأبيات لشرف الدين بن محسن (انظر: قول ابن جزى في رحلة ابن بطوطة ص 62) . [3] هو عرقلة الدمشقي الكلبي (انظر: رحلة ابن بطوطة ص 62) .

وقول البحتري [1] : [البسيط] العيش في ظل [2] داريّا إذا بردا ... والرّاح يمزجها [3] بالراح من بردا [4] إذا أردت ملأت العين من بلد ... مستحسن، وزمان يشبه البلدا أمّا دمشق فقد أبدت محاسنها ... وقد وفى لك مطريها بما وعدا تمشى السّحاب على أجبالها فرقا ... ويصبح النّبت في حجراتها بددا [5] ولست تبصر إلّا واديا خضرا ... أو يانعا خضلا أو طائرا غردا [6] كأنّما القيظ ولى بعد جيلته ... أو الربيع أتى من بعد ما بعدا [7] ومدامتها على الموصوفة «1» في الآفاق المعروفة في مغارسها بكرم الأعراق، تنشر كاساتها ألوية حمرا، وتوقد في صفحات الخدود جمرا، فمن حمراء كنار تتلهب، ومن صفراء كالزجاج المذهب، ومن بيضاء كأنها نقطة غدير أو فضة طافت بها قوارير أو وردية تتضاحك في الشفاه اللعس «2» ثغورها المعتبرة، ويخالطها الصفاء كخد أبيض تشرب بحمرة، تضىء في دجى «3» الليل

_ [1] انظر: ديوان البحتري تحقيق حسن كامل الصيرفي، دار المعارف، القاهرة: 2/709- 710 (وانظر: الأبيات أيضا في تاريخ دمشق لابن عساكر في ترتيب مختلف 1/254) . [2] ليل (الديوان 2/709) . [3] تمزجها بالماء (الديوان 2/709) . [4] من بردى (الديوان 2/709) . [5] عيسى السحاب ... في صحرائها (الديوان 2/709) . [6] فلست تبصر إلا واكفا حضلا ... أو يانعا خضرا، أو طائرا غردا (الديوان) . [7] كأنما القيظ ولى بعد جيئته ... أو الربيع دنا من بعد ما بعدا (الديوان) .

مصباحا، وتهدى إلى الجلساء بريحها تفاحا، وببلاد الشرق بها ما يرق عن الزجاج، ويخف عن مخالطة الامتزاج «1» ، فيعلق فوق الماء على الأقداح، وتتعلى حمرته عليه كالشفق على الصباح، يطير عليها الشعاع ويطيب إلى قهقهة قيانها السماع، وصيدنا يا «2» معدن ذهبها وافق كوكبها وإليها أشار ابن عنين [1] بقوله: [الكامل] ومدامة من صيدنا يا نشرها ... من عنبر وقميصها من صندل مسكية النفحات يشرف أصلها ... عن بابل ويحل عن قطربل «3» وقد خالف القاضي الفاضل حيث قال بذم دمشق، ودخلت دمشق وأنا (المخطوط ص 259) ملتات لتغير مائها وهوائها وأبنيتها وأبنائها وأوديتها، ومن في مصر، فإني أبيع بردا [2] بشربة من مائها، فالطلل هائل ولا طائل، وما سمعناه من تلك الفضائل متضائل. وقال فيها وقد وقع عليها الثلج وأما دمشق فأدرها اليوم للثلج قوالب، وقد أخذ أن يذوب، فالشوارع تحتاج إلى مرالاب [3] «4» ، وبدمشق من كل ما في مصر من الوظائف، وليس هذا في بقية بلاد الشام، مثل (قضاة) القضاة الأربعة

_ [1] ابن عنين: هو أبو المحاسن محمد بن نصر الدين بن نصر بن الحسين بن عنين الأنصاري، طاف بلاد الشام والعراق والجزيرة ومصر وغزنة وما وراء النهر ولد بدمشق 49 هـ وتوفي بها 630 أو 634 هـ (دائرة المعارف، البستاني بيروت 620) . [2] نهر بردى. [3] زلاجات.

من المذاهب الأربعة، وقاضي عسكر، وخزانة يخرج منها الانفاقات والخلع وخزائن سلاح وزردخانات [1] وبيوت تشتمل على حاشية سلطانية مختصرة، حتى لو حضر السلطان إليها جريدة، وجد بها من كل الوظائف القائمة بدولته، وكل أمير أمر فيها أو في غيرها من الشام أو أولى رب وظيفة وظيفة، من عادة متوليها أن يخلع عليه «1» خلعة أو إنفاقا، ولم يخلع عليه من مصر أو «2» ينعم عليه من مصر، كان من دمشق خلعة وإنعامه. ومنها يخرج أعلام الإمرة وطلائعهم وشعار الطبلخانات، وفي خزائن السلاح بها معمل المجانيق [2] والسلاح، والزردخانات، وتحمل إلى جميع الشام، وتعمر به البلاد والقلاع، ومن قلعتها يجرد الرجال وأرباب الصنائع إلى جميع قلاع الشام، ويندب في التجاريد والمهمات. وهي مدينة جليلة وقلعتهما مرحلة على الأرض يحيط بها وبالمدينة أسوار عليه، يحيط بها خندق، بطون الماء منه بالقلعة، وإذا دعت الحاجة، أطلق على جميع الخندق المحيط بالمدينة فيعمها، وهي في وطأة مستوية، بارزة عن الوادي المخط عن منتهى ذيل الجبل، مكشوفة الجوانب لممر الهواء إلا من الشمال؛ فإنه محجوب بجبل قاسيون [3] ،

_ [1] زردخانات جمع مفرده زردخانه وهي بالفارسية زرّادخانه وهي مصنع صناعة السلاح (فرهنگ عميد 2/1100) . [2] المجانيق: جمع مفرده منجنيق، آلة قديمة من آلات الحصار، وكانت ترمي الحجارة الثقيلة على الأسوار فتهدمها منجنيق كلمة فارسية (انظر: الكلمات الفارسية في كتاب سيبويه د. أحمد الشاذلي، المنوفية 1987 ص 43، المعجم الوسيط 2/855، فقه اللغة للثعالبي 323) . [3] قاسيون جبل في شمال دمشق، والصالحية في سفحه وهو شهير البركة لأنه مصعد الأنبياء عليهم السلام (رحلة ابن بطوطة 72) .

وبهذا تعاب وتنسب إلى الوخامة، ولولا جبلها الغربي الملبس بالثلوج صيفا وشتاء، لكان أمر في هذا أشد، وحال سكانها أشق، ولكنه ترياق [1] ذلك السم ودواء ذلك الداء. وهي مدينة حسنة الترتيب جليلة الأبنية، (المخطوط ص 460) بالحجر والخشب والآجر، مضبب بين مداميك البناء بالخشب الملبن، وأخشابها من خير أخشاب الأرض، يسمى الحور، ينصب في بساتنيها، ويربي، ويقطع في انتهائه فيعطى اللبان، فإذا انكسر عود منها يبقى في مكانها متماسكا عدة سنين وأكثر ولو أنه متعلق بقدر شعرة واحدة [2] . ولهذه المدينة حواضر «1» فسيحة من جهاتها الأربع، والماء حاكم عليها من جميع نواحيها بإتقان محكم على ما نذكره في صفة نهرها. وهذه المدينة مقسمة على جوانب الجامع [3] بها لا على أنه واسطتها من كل الجهات «2» ، فإن ما بينه وبين نهاية المدينة من القبلة وما بينه وبين نهاية المدينة من الشرق أوسع مدى مما بينه إلى نهاية المدينة من الجانبين الآخرين الشمالي والغربي. وأشرف هذه المدينة ما قرب من جامعها، وبها الديار الجليلة المذهبة السقوف المفروشة بالرخام، ومنها ما هو مرموز «3» الحيطان بالرخام والنوع المفصل بالصدف والذهب والبرك الماء الجارية، وقد تجري الماء في الدار في أماكن، وبها الطباق الرفيعة والأقنية الوسيعة «4» ، والأسواق المليحة الترتيب، والقياسر «5» الحصينة،

_ [1] وردت بالمخطوط ذرياق ودرياق ب 162 أ 260. [2] قارن وصف دمشق عند ابن بطوطة 61- 62. [3] يقصد الجامع الأموي المشهور بدمشق والذي بناه الوليد بن عبد الملك بن مروان.

وبها الصناع المبهرة في كل فن من البنائين [1] وصناع السلاح والمصوغ والزركش وغير ذلك، ونعمل بها لطائف الأعمال من كل نوع، وصناعها تفخر على بقية صناع هذه المملكة إلا فيما قل مما بمصر. ومصر والشام والعراق والروم تستمد من لطائفها خصوصا في القس والنحاس الطعم والزجاج المذهب وجلود الخراف «1» المدبوغة بالقرط المضروب بها المثل وهي أحد جنات الدنيا الأربع. وقال الخوارزمي، رأيت جنات الدنيا الأربع، وكان فضل غوطة دمشق عليها كفضلها على سواها كأنها الجنة على وجه الأرض حسبما ذكرناه، وبها البساتين الأنيقة يتسلسل جداولها، وتفيء دوحاتها، وتتمايل أغصانها، وتغرد أطيارها. وبها بساتين «2» النزهة وبها العمائر الضخمة والجواسق العلية، والبرك العميقة والبحيرات (المخطوط ص 261) الممتدة عليها العرش المحددة «3» المظللة، تتقابل بها الأواوين والمجالس، ويحف بها العراس والنصوب المطرزة بالسرو الملتف البرود والجور الممشوق القدود، والرياحين المتأرجّة الطيب، والفواكه الجنية، والثمرات الشهية، والبدائع التي تعينها شهرتها عن الوصف، وبها في سفح جبل قاسيون الصالحية، وهي مدينة ممتدة في سفح الجبل بإزاء المدينة في طول مدى، ذات بيوت وجناين ومدارس وربط وترب جليلة وعمائر ضخمة ومارستان وأسواق جليلة بالبز وغيره وبأعاليها من ذيل الجبل المقابر العامة، وجميع الصالحية مشرفة على دمشق، وغوطتها وكل بساتينها وشرفها وميادينها ومجرى واديها وبجانبها القرى، كان دير مران المشهور مكانه الآن من المدرسة المعظمية إلى قريب عقبة

_ [1] وردت بالمخطوط البناين.

دمر ومنه وهناك بقايا آثار. وأما حواضر دمشق فهي كما قدمنا القول جليلة من جميع جهاتها وأجلها ما هو في جانبها الغربي والشمالي، فأما الغربي فإنها تفضي من تحت القلعة بها في ساحة فسيحة هي سوق الخيل على ضفة الوادي، ويخرج إليها من جوانب المدينة من أمتعة الجند فتباع في أيام المواكب بها وتنتهي فيما يليها من الوادي إلى شرقي محيطين به قبلة وشاما «1» في ذيل كل منهما ميدان أخضر النخيل، والوادي يشق بينهما، وفي الميدان القبلي منهما القصر الأبلق، بناه الملك الظاهر بيبرس البندقداري الصالحي [1] وظاهر من وجه الأرض إلى نهاية أعلاه بالحجر الأسود والأصفر مدماكا من هذا ومدماكا من هذا بتأليف غريب وإحكام عجيب، ويدخل من دركاه [2] «2» له على جسر راكبا بعقد على مجرى الوادي إلى إيوان يراني بطل على الميدان القبلي استجده أقوس «3» الأقرم زمان نيابته بها، ثم يدخل إلى القصر من دهاليز فسيحة مشتمل قاعات ملوكية يستوقف الأبصار وتستوهب الشموس من أشعتها الأنوار بالرخام الملون قائما نائما في مفارشها وصدورها وأعاليها وأسافلها مموهة بالذهب (المخطوط ص 262) واللازورد والفص المذهب وأزر من الرخام إلى سجق السقوف. وبالدار الكبرى «4» بها إيوانان متقابلان، تطل شبابيك شرقيها على الميدان الأخضر الممتد، وغربيها على شاطىء الوادي المخضر، والنهر به كأنه ذوائب

_ [1] الظاهر بيبرس البندقداري من مماليك الصالح أيوب، تولى السلطنة في مصر بعد قتله للسلطان قطز، استمر في ملاحقة المغول له آثار طيبة (انظر: العبر 5/247، القريزي ق 2/429- 431، ابن كثير 13/220) . [2] حاكم دمشق هو نائب السلطنة لأنه تابع لسلطان مصر ويعين بفرمان منه.

الفضة، وله الرفارف العالية المناغية للسحب، تشرف من جهاتها الأربع على جميع المدينة والغوطة، والوادي كامل المنافع بالبيوت الملوكية والاصطبلات السلطانية، والحمام والمنافع المكملة لسائر الأغراض. وتجاه باب القصر باب من رحبته إلى الميدان الشمالي على الشرفين المقدم ذكرهما، أبنية جليلة من بيوت ومناظر ومساجد ومدارس وربط وخوانق وزوايا وحمامات ممتدة على جانبين ممتدين طول الوادي. وقد بنى في هذه السنين نائب السلطنة [1] «1» بها على الشرف الشرقي «2» منهما جامعا بديعا، يليه تربة ضخمة ودارا ملوكية، ومد قبالة الجامع سوقا نظيفا وحماما فائقا، زاد المكان حسنا على حسن وإبداعا على إبداع. وأما حاضرها الشمالي ويسمى العقبة «3» فهو مدينة مستقلة بذاتها ذات جوامع ومساجد ومدارس وربط وخوانق وزوايا وأسواق جليلة. وحمامات وبها ديار كثيرة للأمراء والجند. وأما نهر دمشق وهو بردى [2] فمجراه من عينين، البعيدة منهما دون قرية تسمى الزبداني [3] «4» ، ودونها عين بقرية تسمى الفيحة بذيل جبل غزتا، والماء خارج من صدع في نهاية سفل الجبل، وقد عقد على مخرج مائة قبو رومي البناء، ثم ترفده منابع في مجرى النهر، ثم يقسم النهر أربعة؛ اثنان عن اليمين

_ [1] وردت بالمخطوط بردا. [2] الزبداني: بلدة صغيرة، كثيرة الفواكه قرب دمشق (رحلة ابن بطوطة 61) . [3] نور الدين محمود زنكي ابن عماد الدين زنكي من حكام الدولة الأتابكية في الشام، له فضائل في جهاد الصليبين ورعاية العلم ولد 511 هـ وتوفي بدمشق سنة 569 هـ (ابن خلكان 5/184) .

واثنان عن الشمال مرفوعان على مجرى النهر في قرارة الوادي دائمة بمقسم معلوم، وعليه التفاف بساتين «1» ممتدة من الجانبين إلى أن يمر على المكان المسمى بالربوة وقد بنى الملك العادل الشهيد نور الدين محمود بن زنكي [1] رحمه الله بها المقام المعروف بمهد عيسى «2» ، يقال أن مريم آوت إليه بولدها عيسى عليه السلام، وأن هذه الربوة هي المعنية بقوله تعالى: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ. (المخطوط ص 263) . ومنظر هذا الوادي من أعجب المناظر لتراكم الظل والماء وأظلال الشمس والهواء، وأفراش الجبلين المحدقين به في أرضه بالبنفسج تحت الأشجار المتمايلة على غصون البان، تنفخ بينهما خدود الورد، ويفتر مباسم الياسمين، وتندلق ألسن السوسن، وتتجاوب فيها هدير الماء والحمام، وتتلاقى خيول «3» النسيمين الطائر من الشمال على منابت الشيح ومن القبلة على الحدائق الفيح. وإنّ إلى جانب هذا الوادي في قبليه بشمال سطح ممتد على ظاهر المزية كأنه قطعة بيداء مقفرة ينبت بها الشيح والقيصوم، وتتلاعب بها الصبا والدبور [2] ، عرفت بصحة الهواء وفسحة الفضاء فطاب به ما جاورها، وصح لأجله ما قاد بها ثم نعود إلى ذكر النهر وتسمى الأنهار السبعة بحرى الوادي، والستة المقسومة فمجرى الوادي بردا فاق عليه هذا الاسم لا يعرف بغيره، وعلى سمت بردى في الجانب الغربي الأعلى الآخذ قبلة نهر داريا ودور المزية ودونه نهر القنوات، ودونه نهر باناس وعلى يسرة «4»

_ [1] إشارة إلى قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون، الآية: 50] . [2] رياح تهب عليها.

بردى في الجانب الشرق الآخذ شمالا على نهر يزيد، ودونه نهر نورا. فأما القنوات وباناس فهما نهر المدينة حاكمان عليها، ومسلطان على ديارها، يدخل باناس القلعة بها، ثم ينقسم قسمين؛ قسم للجامع، وقسم للقلعة، ثم ينقسم كل قسم منهما على تقاسيم تتفرق على أصابع في المدينة بأصابع مقسومة وحقوق معلومة، وكذلك تنقسم القنوات في المدينة، ولا مدخل له في القلعة ولا الجامع، ومجرى الماء في قنى مدفونة في الأرض إلى أن تصل إلى مستحقاتها، ويتسع في منابعها، ثم تنصب فضلات الماء والبرك ومجاري الميضاوات والمرتفعات إلى قنى «1» وسخ معقودة تحت أرجائي الماء المشروب، ثم تتجمع وتنهّر وتخرج إلى ظاهر المدينة لسقى الغيطان. وأما بقية الأنهر خلا بحر بردى فإنها تتصرف إلى البساتين والغيطان وعليها القصور والبنيان خصوصا ثورا [1] ، فإنه نيل دمشق، عليه أجل مبانيهم، وبه متنزهاتهم، وإليه أكثر سيارتهم وتوجهاتهم، يخاله من يراه زمردة خضراء لتراكم الأفياء عليه، والتفاف الدوح من جانبيه، ويجرى (المخطوط ص 264) يزيد في ذيل الصالحية، ليشق خيطا من عمارتها، وأما مجرى بردى فإنه تتفرق منه فرقة بجانب المدينة، تدخل إلى داخل سورها، وتدور به أرجاؤها [2] وينصب باقيها إلى مجرى الوادي إلى أن يخرج من حدود العمارة، والأرجاء المنصوبة عليه إلى تتمة الوادي يحف به الفياض المتكاتفة من السفرجل والجوز والبساتين، ثم يرمى إلى ظاهر قرى دمشق، يسقى ما يحكم عليه ثم ينصب في بحيرة هناك متصلة

_ [1] تورة: نهر يشق الربوة، في دمشق (رحلة ابن بطوطة 73) . [2] ارحاؤها جمع مفرده رحاه وهي السواقي والنواعير.

بالبرية. هذه أمهات الأنهار من بردى، وما ينقسم منه على أن كل نهر من هذه الأنهار تنقسم منه أنهار كبار وصغار، وتتشعب من تلك الأنهار جداول، ثم تتفرق في البساتين والغيطان لسقى أراضيها، وإدارة أرحائها، مما لا يكاد يعد كثرة «1» . فأما مسجدها الجامع فصيته دائر في الدنيا «2» ، كان هيكلا لعباد الكواكب، ثم كنيسة للنصارى [1] ، إلى أن فتحت دمشق على أيدي أبي عبيدة بن الجراح [2] وخالد بن الوليد رضي الله عنهما، فجرى عليه حكم المناصفة، فوقع

_ [1] كان موضع كنيسة، حيث دخل خالد بن الوليد الكنيسة حتى منصفها أثناء فتح دمشق، وصالح أبو عبيدة بن الجراح على النصف الثاني، وبنى المسلمون مسجدا على النصف الأول، وعزم الوليد بن عبد الملك زيادة المسجد فأراد شراء النصف الثاني من الكنيسة فرفض الروم فأنتزعه عنوة وبنى هذا المسجد الأموي (رحلة ابن بطوطة ص 63) . [2] ورد عبيدة بن الجراح أ 264 وورد صحيحا في ب 165.

جملة أعمال دمشق

نصفه الشرقي للمسلمين، وبقى نصفه الغربي بأيدي الروم إلى خلافة الوليد بن عبد الملك، واستخلصه وأتمه جامعا للمسلمين، فهو بيت عبادة من قديم، وقد ذكرناه فيما تقدم. جملة أعمال دمشق «1» أما جملة أعمال دمشق فهي ثمانية وعشرون عملا، وهي ما يذكر عمل ضواحيها، وتسمى بولاية البر، وهي الغوطة والمرج وجبة عسال والإقليم، كل هذا عمل واحد، والبلاد الساحلية القبلية وما تبعها وهي عبارة عن بلاد غزة وعمل قريتا وما جاورها سهلا ووعرا وهي نسخة أعمال خاصة غزة ثلاثة أعمال وهي؛ عمل غزة وعمل قريتا، وعمل بيت جبريل، والساحل ثلاثة أعمال وهي عمل الرحلة وعمل قاقون وعمل لدّم، والجبل وهو ثلاثة أعمال، عمل نابلس وعمل القدس الشريف، وعمل بلد الخليل عليه السلام. فهذه جملة هذه الأعمال والمشاهير منها مذكور في عمله، موصفة إلا نابلس فإننا نذكرها هنا فنقول إنها مدينة ممتدة يحتاج إليها، ولا يحتاج إلى سواها، والصّفقة القبلية وهي بلاد صوران والغور وما مع ذلك (المخطوط 265) وهي عشرة أعمال وهي؛ عمل بيسان وبيسان لها قليعة من بناء الفرنج، وهي مدينة الغور، وعمل بانياس وهي مدينة الجولان وبها قلعة الصبيبة، وعمل الشعراء، وعمل نوى وهي مدينة قديمة، وبها قبر أيوب عليه السلام، وعمل أذرعات هي مدينة البثنية. قال البلاذري [1] ولما فتح المسلمون بصرى [2]

_ [1] انظر: فتوح البلدان للإمام أبي الحسن البلاذري عنى بمراجعته والتعليق عليه رضوان محمد رضوان بيروت 1978 ص ر 120 [2] بصرى: في موضعين إحداهما بالشام وهي التي وصل إليها النبي (صلى الله عليه وسلم) للتجارة والأخرى من قرى بغداد (مراصد الاطلاع 1/201) .

أتاهم صاحب أذرعات فلما جاءها عسكر هولاكو بعد أخذ دمشق فهدموا شرفاتها وأبقوها بيده، فجدد الملك الظاهر بيبرس البندقداري تحصينها وتحسينها، وصرخد مدينة حوران العليا، وعمل بصرى وهي مدينة حران السفلى، بل حوران كلها بل هذه الصفقة جميعها. قال البلاذري [1] : وبصرى قصبة حوران، وهي مدينة على سيف البرية، ولها ذكر في حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ودخل إليها قبل بعثته وهو تاجر لخديجة بنت خويلد الأسدية رضي الله عنهما، وفيها لقى بحيرة الراهب، وبها قبره إلى عصرنا هذا. قال البلاذري [2] : اجتمع المسلمون عند قدوم خالد بن الوليد على بصرى، ففتحوها صلحا ولبثوا على حوران فغلبوا عليها. وقال ابن جرير [3] وقد ذكرها: في هذه الكورة قلعة صرخد، وهي محدثة ثم كان بها ملك بعد ملك.

_ [1] البلاذري: أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري نشأ في بغداد ورحل إلى كثير من أنحاء البلاد وله فتوح البلدان الكبير، وفتوح البلدان، وأنساب الأشراف وعهد أردشير وكتاب الأخبار توفي 279 هـ (انظر مقدمة فتوح البلدان بيروت لجنة تحقيق التراث 1983 ص 5- 12) . [2] انظر: فتح بصرى في كتاب فتوح البلدان، الإمام أبو الحسن البلاذري بيروت 1983 ص 116) . [3] تاريخ الرسل والملوك المعروف بتاريخ الطبري لأبي جعفر محمد ابن جرير الطبري تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم بيروت 1967 ج 3/440.

قلت: وهكذا جرت العادة في محضرنا وما تقدمنا مما قاربه أن يكون لمن أنزل عنه رتبة سلطنة أو ما قاربها، وعمل زرع فهذه جملة الأعمال والصفقة الساحلية والجبلية الشمالية، وهي أربعة أعمال وهي؛ عمل البقاع العزيزية والبقاع البعلبكية وعمل بيروت [1] ؛ وهي ثغر على صفة البحر، وعليها سور من حجارة وبها جبل فيه معدن حديد، ولها غيضة من أشجار الصنبور تكسيرها اثنا عشر ميلا، تتصل بلبنان، وشرب أهلها من الآبار، وهي بيدر فرصة دمشق، وعمل صيدا [2] ، وعليها سور حجر، وهي تنسب لرجل من ولد كنعان بن حام، وكورتها كثيرة الأشجار غزيرة الأنهار وتشتمل على نيف وستمائة ضيعة، وشرب أهلها من ماء يجري إليهم من قناة فهذه جملة هذه الأعمال. والصفقة الشرقية الشمالية هي البلاد الحمصية، وهي أربعة أعمال وهي عمل حمص [3]

_ [1] بيروت: مدينة صغيرة حسنة الأسواق، وجامعها بديع الحسن (رحلة ابن بطوطة 48) وهي الآن حاضرة لبنان. [2] صيداء: على ساحل البحر، حسنة كثيرة الفواكة (رحلة ابن بطوطة 48، مراصد الاطلاع 2/859) . [3] حمص: مدينة مليحة، أرجاؤها مونقة، وأشجارها مورقة، وأنهارها متدفقة، وأسواقها فسيحة الشوارع وجامعها متميز بالحسن الجامع في وسطه بركة ماء، وأهل حمص عرب لهم فضل وكرم (رحلة ابن بطوطة 51) .

بعلبك

وعلى قارة وعمل سلمية وعمل تدمر وتدمر مدينة شامية عراقية لاتصالها ببر العراق وبر الشام وهي مدينة جليلة سليمانية البناء، وبها بساتين جليلة ومتاجر مفيدة لأهلها يسار ومنها تجار تضطرب في الأرض (المخطوط ص 267) فهذه جملة المملكة الدمشقية «1» . بعلبك وبعلبك [1] مدينة قديمة البناء، شمالي دمشق يقال أنها من بناء سليمان بن داود عليهما السلام، لها قلعة عظيمة مرجلة على وجه الأرض، مثل قلعة دمشق يستدير بها. وبالمدينة سور منيع محصن عظيم البناء بالحجارة الثقل «2» الكبار من الصخر الشديد المانع، وبه ثلاثة أحجار عظيمة ممتده تحت برج وبدنتين كوامل ذوات «3» أطوال وعروض وسمك مرتفع كأفلاق «4» الجبال وفي القلعة عمد عظيمة شواهق وسيعة الدور منيفة العلو. وفي هذه البقعة «5» من عمائر من تفرد بها من الملوك الأيوبية أثار ملوكية جليلة القدر جلية الحسن كالدار الأمجدية والمجرة.

_ [1] بعلبك: مدينة حسنة قديمة من أطيب مدن الشام، تحدق بها البساتين الشريفة، والجنات المنيفة، تضاهي دمشق في خيراتها المتناهية، بها يصنع الدبس المنسوب إليها (انظر: رحلة ابن بطوطة 61 مراصد الاطلاع 1/208) .

وأما المدينة فمختصرة من دمشق في كمال محاسنها في حسن الترتيب والبناء وجهات الوقف العامرة من الجامع والمسجد والمارستان ودار الحديث والمدارس والربط «1» والخوانق والزوايا والأسواق النظيفة المشتملة على أنواع المبيعات، وتخرق الماء في ديار هذه ومشارعها وأسواقها، ويعمل بها الدهان الفائق في الماعون مما يستحسن، ويحمل منه إلى كثير من البلاد، ويحف بالمدينة غوطة عظيمة أنيقة ذات بساتين مشتبكة الأشجار بأنواع الثمرات الحسان والفواكه المختلف الألوان [1] . وبعلبك في ظاهرها عين ماء سارحة متسعة الدائرة مشهورة بالزينة، ماءوها في غاية الصفاء، عليها بهجة الحسن بين مسرح أخضر وبستان مونق، وعليها مسجد، واستجد إلى جانبها مسجد جامع كمل به طرازها المذهب، وجمالها المبدع، يمد منها نهر ينكسر على الحصباء في خلاف تلك المروج كنصل سيف يسن فوق مسن إلى أن يدخل المدينة، وينقم منه في بيوتها وجهاتها، ويسمى ماء رأس العين. ولبعلبك عين أخرى أبعد من هذه الأولى مدى، يقال لها عين اللوجوج في طرف بساتينها البعيدة، خفيفة الماء هاضمة لا يشرب أكابر بعلبك، وأهل النعمة بها إلا من مائها، ويتصل منها فرع إلى الجانب الشمالي (المخطوط ص 268) من بعلبك، ويصب منه في قناة هناك، ويدخل إلى القلعة منه، وهو من الماء المستطاب الموصوف في البلاد. وبعلبك بلد لطيف ظريف كثير الخير والأرزاق، أرخى أسعارا من دمشق،

_ [1] قارن وصف بعلبك عند ابن بطوطة ص 61.

كثيرة الأطايب، وبها الملبن المعمول على أنواع، يقل موجود مثلها من الأرض، ولا يكاد يفوتها من دمشق فائت. وبها جبل لبنان المشهور المبارك البقعة موطن الأولياء «1» والصلحاء والسواح، يأوى إليه كثير ممن انقطع إلى عبادة الله عز وجل، وهو مدرج طريق الفقراء، وقطب مدار الأولياء، يقر بهذا من عرفه، ولا يستطيع إنكاره من جهله. ومع ما ذكرنا من حسنها، قد ذمها القاضي الفاضل فقال: وكأني آليها من إحدى المضائق بل المطابق «2» المسماة بعلبك، وأنا نازل على عين يصم الشمع هديرها، فوق جبال يغمر العين حريرها «3» تحت سماء قد رابني منها الغداة سفورها، إما في قتال يدير كأس المنون فيه مديرها، ورأى أحجار المنجنيقات التي إذا زأرت نفطها حروف البروج محيت سطورها، والله المستعان على ما يصفون.

حمص

حمص حمص مدينة قديمة اسمها القديم سوريا، كانت معظمة عند ملوك الروم كرسي ملك لهم، ولم تزل يشار إليها بينهم بالتعظيم وهي في وطأة ممتدة على جانب نهر العاص في شماليه مبنية بالحجر الأسود الصغير، وبها قلعة لا تمنع ويستدير بها سور هو أمنع من القلعة، واسمح من أبراجها في الرفعة، ولها من العاص ماء مرفوع يجرى إلى دار نائب السلطنة بها، وبعض مواضع بها ولها من بر بعلبك أنواع البز، وظاهرها أحسن من باطنها، لا سيما في زمان الربيع، وما تلبس به ظواهرها من حلل الربيع الموشحة بالأزهار ما مد النظر، يرنو [1] بأحداق النرجس وثغور الأقاح وتتوسط بها البحيرة الصافية الماء الضافية النماء، ذات السمك المنقول من الفرات إليها حتى تولد فيها، والطير المبثوث في نواحيها [2] . وبها إلى جانب مسجدها الجامع قبة العقارب لا يوجد (المخطوط ص 269) لها نظير، يقال أنها طلسم قديم موضوع لدفع العقارب عنها، ولأجل هذا لا يوجد بها شخص عقرب، ولا تجمل عقرب إليها إلا وتموت بها ومن أخذ ترابا من أرض حمص، وخلطه بماء حتى يصير طينا ثم ألصق تلك الطينة ببعض جدران تلك القبة من داخلها، وتركها حتى تسقط بذاتها من غير أن يلقيها أحد، ثم أخذها ووضع شيئا منه في بيت، لا تدخله عقرب «1» ، فإن ذر على عقرب منه أحدث بها مثل السكر وربما زاد عليها فقتلها هذا لا يحتاج يسأل عن تحقيقه، ولا يأبى من هو في غاية المشرق أو المغرب في تصديقه، بل والذي يقال أن هذا الأمر لا يختص بهذه القبة وإنما هو خاصة في عامة أرض حمص، لا تقرب عقرب

_ [1] وردت بالمخطوط يرنوا ب 166- أ 268. [2] انظر: وصف حمص لابن بطوطة في رحلته ص 51.

ثيابه وأمتعته ما دام عليه من غبار ترابها. حدثني خلق بهذا، ورأيت بعيني، وجربت ما يتعلق بالطين الملصق بالقبة، وإلى هذا أشار الفاضل في البشرى بفتوحها ودب إليها من عقارب المجانيق ما خالف عادة حمص في العقارب ورميت بها الحجارة على الحجارة، فظهرت العداوة المعروفة بين الأقارب وحمص تتلو اسكندرية فيما يعمل فيها من القماش الفائق على اختلاف الأنواع وحسن الأوضاع، لولا قلة مائه ونحولة جسمه مع أنه يبلغ الغاية في الثمن، وإن لم يلحق «1» اسكندرية مصر فإنها تفوق صنعاء اليمن.

حماة

حماة حماة [1] مدينة قديمة وهي في وهدة حمراء ممتدة عليها نشزان عاليان مطلان عليها، يسميان قرون حماة، ذكرها امرؤ القيس، هي وسيزر «1» في شعره لما مر بهما في طريقه إلى قيصر. وهي مدينة «2» على ضفة العاص بناء مكينا بالحجارة، ولها قلعة ملونة الأحجار يستدير بها سور وبيوت ملوكها وسرواتها مطلة على النهر، بها القصور الملوكية والدور السرية والمساجد والمدارس والربط والزوايا والأسواق التي لا تعدم نوعا من الأنواع، ولا صنفا من الصنوف «3» ، جليلها وحقيرها. وغالب مبانيها العلية وأثار الخير الباقية فيها من فواضل نعم (المخطوط ص 270) الدولة الأيوبية، ولها النواعير [2] المركبة على العاص تدور بذاتها، ويرفع الماء إلى الدور السلطانية، ودور الأمراء والبساتين والغيطان. وفي بساتينها الأشجار والغراس المفنن الأفنان، وبها «4» بقايا الناس وأنموذج الكرام، يخدمهم العلماء بتصانيفهم، والشعراء بمدائحهم، ويقصدهم الفقراء والسؤال وطوائف بني الآمال، ويتفنن أرباب الصنائع في دقائق الأعمال، وتقدم إليهم التحف، ويخصهم التجار ببدائع الطرف، وكرمهم يربي على الأمل، ويزيد

_ [1] حماة: إحدى أمهات الشام الرفيعة، ومدائنها البديعة، ذات الحسن الرائق، والجمال الفائق، تحف بها البساتين والجنات (انظر: رحلة ابن بطوطة ص 51) . [2] النواعير جمع مفرده ناعورة وهي الساقية.

على الرجاء حتى أن كل أحد ليعلق من ملوكها الطماعية بنصيب، ويفردهم بقصد، وهم أجود من الغمام السكوب، وأندى من الرياح ندى عند الهبوب. ثم نعود إلى ذكر حماة فنقول: إنها لم تكن في القديم نبيهة الذكر، وكان الصيت دونها لحمص، ثم تنبه في الدولة الأتابكية ذكرها فلما جاءت الدولة الصلاحية الناصرية «1» [1] وانتقلت حماة إلى ملوك «2» بني أيوب مصروا مدينتها بالأبنية العظيمة والمساكن الفاخرة، وتأمير الأمراء فيها وتجنيد الجند بها، وعظموا أسواقها وزادوا فيها القصور والغراس، وجلبوا إليها من أرباب الصنائع كل من فاق في فنه، وبقى كل ما لمحل منها يكبر ويزداد «3» إلى أن أضحت الآن تامة المحاسن، معدودة في أمهات البلاد، وأحاسن الممالك. وبها الفواكه الكثيرة والخيرات الغزار، وأسعارها رخية وسمتها ملوكية خلا أنها ذات وعر في الصيف بحجب الهواء عن اختراقها، ويعرض بها في الخريف، تغير ينسب إلى الوخم، ولا يبقى بها الثلج كما يبقى من بقية الشام مدخرا إلى الصيف، ولكنه يجلب إليها من جاورها. وحول حماة مروج [2] ممتدة وبر فسيح يكثر به مصائد الطير والوحش، وليس بعد دمشق في الشام لها شبيه ولا يدانيها في لطف ذاتها من مجاوراتها قريب ولا بعيد وليس لها سوى عملين؛ عمل بارين وعمل المعرة.

_ [1] نسبة إلى الناصر محمد بن قلاوون الصالحي. [2] قارن وصف حماة عند ابن بطوطة 51.

حلب

حلب وحلب مدينة عظيمة قديمة، أم أقاليم وبلاد وأغوار وأنجاد؛ وبها معظم قلاع الشام ومعاقله وحصونه (المخطوط ص 271) وثغوره، وتسمى حلب الشهباء. وهي ذات القلعة البديعة العلية المنار، وهي أعني حلب في وسط وطأة حمراء ممتدة، والقلعة على تل عليّ، كانت قد عظمت أيام بني حمدان، وتاهت بهم شرفا على كيوان ثم جاءت الدولة الأتابكية [1] فزادت فخارا، واتخذت لها من بروج السماء منطقة وأسوارا، ولم تزل على هذا يشار إليها بالتعظيم ويأبى أهلها في الفضل عليها لدمشق التسليم حتى وطئها هولاكو بحوافر خيله، وأقام عليها مفرقا في أقطار الشام بعوث سراياه وجنده، فهدمت أسوارها وخربت حوافرها، فأصبحت يرثى لها الشامت ويبكى بها اللاهى، وهي على ما توالى عليها من المحن، وأطاف بها من نوب الأيام مصر جامع، ومبصر رائع، مبنية بالحجر الأصفر، الذي لا يوجد مثله في البلاد، كأنها به رافلة في حلل الديباج، مائلة في ذهبية الأصيل. وبها الديار العظيمة والجامع ذو المئذنة [2] العليا الفائقة والمارستان والمساجد والمدارس والربط والخوانق ووجوه البر الدائم والصدقات الجارية، ويجرى إلى داخل المدينة فرع ماء، يتشعب في دورها ومساكنها، وهو قليل نزر، لا يبل صداها، ولا يكفي بغيتها ولها الصهاريج المملوءة من ماء الأمطار، صافية الغطاف، باردة الزلال، منه شرب أهلها. ويدخل إليها الثلج من بلادها وليس لأهلها إليه كبير التفات لبرد هوائهم

_ [1] الدولة الأتابكية نسبة إلى الأتابك عماد الدين زنكي مؤسسها وكان مشهورا برعايته لأهل العلم، حارب هو وولده نور الدين محمود الصليبيين (انظر: ابن خلكان 5/184) . [2] وردت بالمخطوط المأذنة.

ومائهم، وقرب اعتدال صيفهم، وشتائهم، وبها نهر قويق، وهو «1» نهرها القديم، ونهر الساجور مستجد فيها ساقه هذا السلطان إليها، وحكمه جاريا عليها. وحلب أوسع الشام بلادا وأوطأ أكتافها لخيل الأمل «2» مجالا، ولها المروج الفيح والبر الممتد حاضرة وبادية ومنازل عرب وأتراك [1] . بها جند كثيف، وأمم من طوائف العرب والتركمان، وبها البطيخ القليل في الشام مثله وأنواع من الفواكه، أكثرها مجلوبة من بلادها، متصلة بسيس [2] والروم وبلاد ديار بكر وبرية (المخطوط ص 272) العراق، وفي أعمالها وادي الباب وبزاعة «3» وهو الوادي المشهور، نزل به المنازي الشاعر ووصفه بقوله: [الوافر] وقانا لفحة الرمضاء واد ... وقاه مضاعف النبت العميم نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو الوالدات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم يروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم صد الشمس أنّى واجهتها ... فيحجبها ويأذن للنسيم» وأما أعمالها فهو كثير «4» منه قلاع وحصون، ومنه ما ليس له قلعة وعدة الجميع ثلاثة وعشرون عملا، وهي عمل شيزر المدينة المشهورة، وعمل الشغر

_ [1] انظر: وصف حلب عند ابن بطوطة 52- 53. [2] انظر: رحلة ابن بطوطة ص 55.

ولكاس «1» [1] وهي قلعة، وعمل القصير [2] وهي قلعة، وعمل دبركوش، وعمل كارم، وعمل أنطاكية [3] المدينة العظيمة المشهورة المذكورة «2» ، وعمل يقراض [4] وهي قلعة حصينة ثغر الأرمن والدر يسال «3» وهي قلعة، وعمل حجر شعلان «4» وهي قلعة، وعمل الراوندان وهي قلعة، وعمل عيتبان وهي مدينة (مليحة) جليلة، وعمل مدينة بيشنا (وهي مدينة جليلة على ما يذكر) ، وعمل كركر وهي قلعة، وعمل الكحتا، وهي قلعة، وعمل البيرة وهي القلعة (الجليلة المشهورة) ، وعمل قلعة المسلمين (وهي قلعة جليلة) «5» وعمل منبج، وعمل الجول، وعمل بيرين [5] ، وعمل عزاز، وعمل سرمين ومعها الفويعة ومشيزر، وعمل كفرطات، وعمل الباب وبزاعه المقدم الذكر.

_ [1] حصن الشغر بكاس (ابن بطوطة 56) . [2] القصير حصن حسن أميره علاء الدين الكردي (رحلة ابن بطوطة 56) . [3] أنطاكية: مدينة عظيمة، كان لها سور محكم، كثيرة العمارة دورها حسنة البناء، بخارجها نهر العاصي (رحلة ابن بطوطة 55) . [4] وردت عند ابن بطوطة بغراس وهو حصن منيع لا يرام (ص 55) . [5] وردت عند ابن بطوطة تيزين وهي على طريق قنسرين (ص 55) .

طرابلس

طرابلس طرابلس [1] قد قدمنا القول «1» على أنها بنيت عند الفتح عوض طرابلس العتيقة، وكانت تسمى قديما بدار العلم، وتداولها ملوك بني عمار، وكانوا في الأول لهم القضاء بها، ولما بنيت هذه المدينة الجديدة كانت وخيمة البقعة. ذميمة المسكن، فلما طالت مدة سكنها، وكثر بها الناس والدواب وصرفت المياه الآسنة التي كانت حولها نقائع، وعملت بساتين ونصب بها المنصوب والغراس فخف ثقلها وقل (المخطوط ص 273) . وخمها، وقد كان بها أسد مر الكرجى «2» نائبا، وبقى لا يستقل من لوثة وخم، فشكا «3» إلى الحكيم الفاضل أمين الدين سليمان بن داود المتطبب، وخامتها، وسأله عما يخفف بعض ذلك، فأشار عليه أن يستكثر بها من الجمال وبقية الدواب ففعل ذلك، وأمر به الأمراء والجند، فخف ما بها، وكان الأمر كما أشار به الحكيم، وسألت عن تعليل هذا كثيرا من الأطباء فقال أنه لا يعرفه، وفوق كل ذي علم عليم. وأما ما قاله لي الصدر بهاء الدين أبو بكر بن غانم رحمه الله فقال: إن السبب فيما تعرض للأجسام بها، أنها لمجاورة البحر وعره حارة فتكون في أول الليل كذلك، فلا يقبل فيها ثقيل الغطاء، فإذا نام النائم قليل الدثار [2] يفاجئه البرد الشديد في آخر الليل من قبل الجبال المجاورة لها، فيجيء البرد عقيب الحر، والمسام مفتحة، والنائم في غفلته فيحدث له ما يحدث.

_ [1] طرابلس الشام وهي مدينة مشهورة بين اللاذقية وعكا (مراصد الاطلاع 1/91) . [2] وردت بالمخطوط قليلا الدثار.

ولها نهر يحكم على ديارها وطبقاتها، يتخرق الماء في مواضع من أعالي بيوتها التي لا يرقى إليها إلا بالدرج العلية، وحولها جبال شاهقة صحيحة الهواء خفيفة الماء ذوات أشجار وكروم ومروج وأغنام ومعز ويجتمع بها الجوز والموز وقصب السكر والثلج، ويعمل بها السكر ويهوى إليها، وفود البحر، وترسي بها مراكبهم: موضع زرع وضرع، وهي الآن مدينة ممتدة كثيرة الرخام، ذات مارستانين [1] ومساجد ومدارس وزوايا وأسوار جليلة وحمامات حسان موصوفة وجمع أبنيتها بالحجر والكلس مبيضا ظاهرا وباطنا تحيط بها غوطتها، ويحيط بغوطتها مواضع مزدرعاتها بديعة المشرف تحسن بعين من يشرف من هضبة عليها، وهي مملكة ذات جيش وتركمان، وخاصة لأهل الجبال، بها يد من الرمى على القوس الثقيل بالنشاب الخارق، ولها حصون وقلعة وتجاورها قلاع الدعوة المعروفة [2] وقاعدتها مصياف «1» ، ومن جملتها قلعة القدموس [3] وبها حمام يخرج بها أنواع حيات (المخطوط ص 274) كثيرة لا تحصى حتى أن القاعد في داخلها ليغتسل والحيات ظاهرة من الأنبوب مع الماء، حتى أن الخارج من الحمام ليرفع قماشه من الأرض ليلبسه والحيات تتساقط منه، ولكنها لا تؤذي أحدا، ولا أعرف هذا عنها في وقت من الأوقات، وبالقرب «2» من هذه القلعة قلعة الخوابي. حدثني الأديب بدر الدين حسن الغزى أن سورها أغنى قلعة الخواي مكانا إذا لدغت أفعى أو حية أحدا، وحمل لكي يشاهد ذلك الموضع من سور الخواي

_ [1] داران للشفاء. [2] يقصد الدعوة الإسماعيلية فرجالها يسمون الدعاة. [3] حصن القدموس أحد حصون الفداوية الإسماعيلية.

بيته أو كان الملدوغ عاجزا، فأرسل رسولا له إلى ذلك الموضع، فأتى إليه وشاهده بعينه قبل عطب السليم الملدوغ «1» نجا السليم، وكانت عاقبته إلى سلامة. وهذا من عجائب ما يحدث به في الآفاق مما أدى أهذا الطلسم هناك أو لخاصية في ذلك الحجر؟ وعلى كل الحالين هذا السر عجيب غريب، وأغرب ما فيه كون «2» هذا يفيد نفع اللديغ برؤية رسوله له إذا لم يره هو بنفسه، فسبحان من له الحكم وإليه مرجع الأمر كله. ووادي الفوار قريب حصن الأكراد غربا بشمال على الطريق السالكة صفته هناك صفة بير قائمة في الأرض، وفي أسفل البئر سرداب ممتد إلى الشمال يفور في كل أسبوع يوما واحدا لا غير، فيسقى به أرض ومزروعات، وينزل عليه التركمان ويردوه، وبقية الأيام يابس لا ماء فيه، ويسمع له دوى كالرعد قبل فورانه، والسرداب خلفه البناء، وذكر من دخل السرداب أن في نهايته نهرا كبيرا آخذا من الغرب إلى الشرق تحت الأرض، وله جريان معين، وبه موج وريح عاصف، ولا يعرف إلى أين يجري، ولا من أي جهة يجيء. وداخل البحر الشامي بطرابلس عند برج الخصاص بقدر «3» رمية حجر فوارة ماء حلو عذب، تطلع على وجه الماء علو ذراع أو أكثر بين ذلك عند سكون البحر لكل أحد.

صفد

صفد وصفد مدينة في سفح جبل، صحيحة الهواء، خفيفة الماء يحمل إليها (المخطوط ص 275) الماء على الدواب من واديها، وبها عين ماء لو أنها دمع لما بلت الآفاق، ولا ملت بلى البكاء به الأحداق وأكثر ما يدخل أهلها حمامات الوادي بها، ولا يرضى حمامات المدينة لقلة مائها، وسوء بنائها، وبها عسكر من الجند. والحلية وهي على مسافة يومين من دمشق فحكها حكمها، وكل ما يوجد بدمشق فيها مما هو من صفد وبلادها، ومما هو مجلوب من دمشق إليها، وهي إلى جانب عكا، وقد خربت «1» عكا، وبقيت هي مدينة ذلك الساحل، وقاعدة ذلك «2» ، ولها قلعة قل أن يوجد لها شبيه، كأنما عليها من ذهب الأصيل تمويه، ولا تردم السحب إلا من جنب، ولا يطوف عليها سوى الشفق مدام عليه من مواقع النجوم حبب، ولا تجاور الأرض إلا وهي إذا رامت السماء لا يعوقها بسبب، ولما فتحها الملك الظاهر بيبرس، عظم أمرها وهي تستحق التعظيم، وتستوجب الرفعة، بما رفع الله من بنائها العظيم، ولقد ذكرها ابن الواسطي الكاتب فقال: وقلعة صفد بنتها الفرنج، وكانت أولا تلا عليه قرية عامرة تحت برج اليتيم، بنتها الداوية في سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وقال: وهي قلعة حصينة على جبل يحتف «3» به جبال وأودية، ولها أحد عشر عملا، وهي (ولاية برها) «4»

وولاية الناصرة «1» [1] منيع الطائفة النصرانية، وولاية طبرية [2] ذات البحيرة المشهورة والحجة العجيبة، وطبرية من سفح جبل مطل على البحيرة، وطول البحيرة اثنا عشر ميلا، (وحمتها) «2» يقصدها المبرودون للاستشفاء ويكاد أن يلصق «3» بها البيض والجدا، وماؤها حلو، ويخرج منها نهر الأردن، «4» (ومن عملها قدس، وكان معها قديما السواد وبيسان [3] ، ثم خرجا عنها، وولاية بينين ومنها هونين [4] وهما حصنان منيعان بناهما الفرنج بعد الخمسمائة، وهما من جبل عاملة بين بانياس وصور، وولاية عثليث (المخطوط ص 276) ، وولاية عكا، وولاية صور وشهرتهما تعني عن ذكرهما، وولاية الشاغور، وولاية الإقليم، وولاية شقيف أرنون وعلى الشقيف قلعة حصينة، وبقاربها شقيف نيرون، وهو حصن جله مغارة منيعة، وما هي من صفد، وولاية جنين فهذه جملة أعمال صفد. ومما يذكر فيها حيفا، وهي خراب على الساحل، وقلعة كوكب، وهي قال فيها العماد الأصفهاني، راسية راسخة شماء شامخة، وقلعة الطور وهي مفردة على جبل الطور بناها العادل أبو بكر بن أيوب ثم غالبه عليها الفرنج فهدمها.

_ [1] الناصرة: قرية بينها وبين طبرية ثلاثة عشر ميلا منها أشتق اسم النصارى لأن المسيح سكنها فنسب إليها (مراصد الاطلاع 3/1348) . [2] طبرية: من أعمال الأردن في طرف الغور، بليدة مطلة على البحيرة المعروفة بها (مراصد الاطلاع 2/878) . [3] بيسان: مدينة بالأردن بالغور الشامي بين حوران وفلسطين (مراصد الاطلاع 1/241) . [4] هونين: بلد في جبال عاملة مطل على نواحي مصرين (مراصد الاطلاع 3/1467) .

القدس

القدس «1» والقدس الشريف [1] الأرض المقدسة مشتملة على مدينة القدس وما حوله إلى نهر الأردن المسمى بالشريفة إلى فلسطين المسماة بالرملة [2] طولا، ومن البحر الشامي [3] إلى مدائن لوط عرضا، غالبها جبال وأودية إلا ما هو في جنباتها. وأما مدينة القدس الشريف فعلى جبل «2» مدينة مستديرة في وسطها السور المحيط على الصخرة والمسجد المسمى الآن بالمسجد الأقصى [4] ، وإنما حقيقة المسجد الأقصى جميع ما يحيط به السور المذكور، وهي المعروف بالسور السليمان، ويشرف عليها من شرقيها جبل أعلى [5] منها، يفصل بينهما الوادي المعروف بوادي جهنم، ويعرف بالطور وبه إلى الآن بناء جليل رومي يقال أن منه كان صعود المسيح عليه السلام إلى السماء [6] وبهذا الوادي عين سلوان وهي تخرج من مكان في الجبل الذي عليه بناء مدينة القدس، ويجري في داخل ذلك الجبل أزيد من علوه نشاب تقديرا، ثم يخرج من صدع في الجبل إلى ساحة لطيفة في انفراجه في الجبل لا ترى إلا جدولا جاريا، والنبع من داخل الصدع،

_ [1] القدس الشريف: بلدة كبيرة منيفة، مبنية بالصخر المنحوت بها المسجد المقدس والصخرة (انظر: رحلة ابن بطوطة 45- 46) . [2] الرملة في فلسطين: مدينة كبيرة، كثيرة الخيرات، حسنة الأسواق، وبها الجامع الأبيض (رحلة ابن بطوطة 47) . [3] البحر الشامي هو البحر الرومي هو البحر المتوسط. [4] المسجد الأقصى من المساجد العجيبة الرائقة، الفائقة الحسن (انظر: وصف المسجد عند ابن بطوطة 45) . [5] وردت بالمخطوط أعلا. [6] في شرقي البلد (انظر: رحلة ابن بطوطة 46) .

ثم يسرح على وجه الأرض، وترمى إلى الوادي وتسقى المنازل، وماؤها قليل ليس بالكثير. ومدينة القدس مبنية بالحجر والكلس وغالب حجرها أسود وهي وعرة المسالك وكان بها آثار (المخطوط ص 277) قلعة «1» قديمة خربة، جددت في أيام هذا السلطان سنة عشرة وسبعمائة على ما يذكر الجوكندار «2» . إذ كان كافل الممالك ووجودها وعدمها سواء، إذ لا نفع بها، ولا تحصين لها [1] . وبالقدس مدارس وخانقاه وربط وزوايا وترب والمسجد الأقصى بها وقوف كثيرة جارية على مصالحه والمؤذنين به وخدمه وجماعة من العلماء والقراء به. وقد تقدم القول في هذا الكتاب على أن في القدس لكل الملل معتقدا وإليه توجها، وأن اليهود تزوره والنصارى تحج به قمامة [2] وتزور كنيسة بيت لحم مكان مولد عيسى عليه السلام [3] . وقد كانت مدينة القدس بعد تولي أيدي الفرنج عنها؛ تغلب عليها الهدم والخراب؛ إلى هذه المدة القريبة، انصرفت الهمم إلى عمارة أماكن بها، وتوفرت الدواعي عليها، ووفر نائب السلطان بالشام الآن الاهتمام بذلك، وساق إليها قناة بسطها إلى بركة هو مجتمع ترفدها بالماء زمان قلة الماء، وتجري إلى مدينة القدس، وتدخل إلى سور المسجد الأقصى، وتجري به. وعمر نائب السلطان إلى ما جاورها الربط «3» المنصوري قلاووني مدرسة

_ [1] كان حولها سور هدم الظاهر بيبرس بعض أجزائه خوفا أن يقصدها الروم فيمتنعوا بها (رحلة ابن بطوطة 45) . [2] كنيسة القيامة. [3] انظر: رحلة ابن بطوطة ص 45.

جليلة، وقفها على مدرس وفقهاء ومتفقهة على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وبأعلاها خانقاه مشرفة، وبحضرتها مكتب أيتام حصل له به الأجر التام، وللناس الرفق العام، أثابه الله وتقبل منه. وعمر بها حمامين جليلين كانت أحوج شيء إليه لأنه لم يكن بها حمامات مرضية، وأنشأ بها الأسواق والعمائر وأصبحت مدينة القدس ضاحية (المواء آهلة) «1» الرحاب، وعادت إلى ما كانت عليه من التمدن بعد أن كانت لا تعد من القرى، ولا يندى في جوانبها الثرى. وأما بلد الخليل [1] عليه السلام، وهي مزرعة إبراهيم فأبهى بلدة [2] غير مسورة، على نحو يوم من القدس بالسير المعتاد (المخطوط ص 278) ، وهي منطوية بين جبال، لا هي في صحراء، ولا في واد، وهي قرية أم عمل، ولولا مكان الخيل عليه السلام بها، لم تذكر فيما يذكر، وإنما عادت عليها بركات ذلك المثوى الكريم، فباهت الأقطار بفضلها وتأهلت الأمصار بأهلها، وأجرى بكتمر [3] الجوكندار قبل أن يكون كافل المماليك إليها عين ماء كانت على بعد منها ولقد شاهدت بها الماء جاريا في طبقة عليه يصعد إليها من نحو عشرين درجة في العلو. والخليل عليه السلام «2» بها، يحيط به سور هو داخل ذلك السور ولا يصح مكان القبر به على التخصيص، وبه سرداب الخليل المنسوب إليه داخل ذلك

_ [1] مدينة الخليل وهي مدينة صغيرة الساحة، كبيرة المقدار مشرقة الأنوار، حسنة المنظر، عجيبة المخبر (انظر: رحلة ابن بطوطة 44) . [2] وردت بالمخطوط أبها بلدة. [3] بكتمر هو الأمير بكتمور قتله الملك الناصر باسم (رحلة ابن بطوطة ص 36) .

السور، يوقد عليه قنديل، ولهذا تقول العامة «صاحب السرداب والقنديل» وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم.

الكرك

الكرك والكرك مدينة ذات قلعة تعرف بكرك الشوبك، والشوبك «1» أقدم منها، والكرك مدينة محدثة البناء، كانت ديرا يتديره «2» الرهبان ثم كثروا «3» ، فكبروا بناءه، وكثروا أبناءه «4» ، وآوى إليهم أناس من مجاوريهم من النصارى، فقامت لهم به أسواق، ودارت لهم به معايش، وأوت إليه الفرنج، فأدارت أسواره فصار مدينة مشهورة، ثم بنوا حصته [1] فكانت قلعة مذكورة فاستولى عليها الفرنج حتى فتح الله في زمان السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى. وهو مكان صعب المرتقى، لا تليق عقارب صخوره للرقى، قد زاحم الشعر القبور بمناكبه، وعلا في السماء فألقى الهلال نعل راكبه، قعد من البر المقفر على نشز عال لا يبلغه النسر إلا محلقا، ولا يغدو مصباح الصباح إلا على شرفاتها معلقا، فلهذا اتخذته الملوك لمآلها حرزا ولمالها كنزا، ولم يزل لأولاد السلاطين في الأمور ملجأ، ومن الدهور منجا، ماؤه من مطر السماء، وله واد يتفجر عيونه بالماء، وهو (المخطوط ص 279) بلد خصب وإقبال ومنبت زرع ومسرح مال «5» وفيه يقول القاضي الفاضل: وكان الكرك شجى في الحناجر، وقذى في الحاجر،

_ [1] الكرك وحصن الكرك من أعجب الحصون وأمنعها وأشهرها ويسمى بحصن الغراب، والوادي يطيف من جميع جهاته، وله باب واحد قد نحت المدخل إليه في المجر الصلة (رحلة ابن بطوطة 78) .

ورصد الطرقات المسلوكة وصير في السبل المشكوكة، قد أخذ من الأمان بمخنقها، وقعد بأرصاد العزائم وطرقها، وصار دينا للدهر في ذلك الفجر، وعذرا لتارك فريضة الله من الحج، وحبس من هام الإسلام مكان عمامته، وجثم على أنفاس الحجاز، فلم يدع نفسا يصعد من تهامته فؤاديه من مسائل المعاقل بجمعها، وظله من نجوم الأسنة بمطلعها، وهو والشوبك بسر الله الأمر كبيت الواصف للأسدين: «ما مر يوم إلا وعندهما لحم رجال أو يولغان دما» وكفى إشارة أنه مكان الغزاة وقعرها ومستودع الفريضة ومستقرها، مجاورته لتبوك [1] وغزاتها آخر الغزات النبوية، وإلى طريقه انتهت الخطا الحميدة المحمدية، والعمل على آخر الأعمال الشرعية، والوقوف عنده إشارة لا تخفى عن الإفهام اللوذعية، وتحف بهذه القلعة مدينة قد عقل الجبل حبولها وأزلق الغراب أن يطأ ذروتها، وعصم سوار الوادي الملوك معصمها، وحمت غرة الجبل المطل أدهمها فمنكبها حاطم، والله يحطمه، ولها من ندى الغمام راضع، ومهد المنجنيق يفطمنه، وهصروه هصرة فإذا البلد قائم على عروشه بل طريح على نعوشه، قد محيت سلة دنانيره، ومن الدور فما يتعامل بالسكن فيه أهل الغرور، وصار كل مديح في الكنيسة مربطا، وكل مصعد من قلة مهبطا، وكل مسقط رأس بالحقيقة لرأس مسقطا، وفيه يقول أيضا: ومما فتحه الله على سلطاننا بلاد الكرك وما أدراك ما هو قلعة، كانت على الإسلام أية مضرة بل كانت لكعبة الإسلام زادها الله شرفا أية ضرة، وإن نعم الله لأكثر من أن يقصر لها حديثا، وأن الله قد أغشى ليل الشرك (المخطوط ص 280) نهار الإسلام، يطلبه حثيثا، وما

_ [1] تبوك: الموضع الذي غزاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وفيه عين ماء تجود بشيء من الماء، ولما نزلها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جاءت بالماء وما زالت (رحلة ابن بطوطة 78) .

أشك أن في أهل الحرم الشريف مع الرماة رماة بسهام الأسحار، ومجاهدون وبالمحاورة ما خرجوا ولا بعدوا عن البيكاد وكلا وعد الله الحسنى) «1» .

الشوبك

الشوبك والشوبك [1] المنسوب إليه الكرك مدينة صغيرة أكثر في البر دخولا منها، وانحرافا إلى التغريب في القبلة عنها ذات أكواب من جداول الأنهار موضوعة وسرر من مقاعد «1» الأبراج مرفوعة [2] وفاكهة كما قال الله تعالى في الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة [3] . قلت: والشوبك فتح وقت فتح الكرك بعد أن دام الحصار سنتين على الكرك وأقطعها الملك الناصر لأخيه الملك العادل ولم يزالا في يده حتى أعطاهما لولده الملك المعظم عيسى، فصرف إليهما العناية حتى نزّل الكرك مدينة يعنى «2» بنفسها وزادها تحصينا وتحسينا، وجلب إلى الشوبك غرائب الأشجار حتى تركها تضاهي دمشق في روائها وتدفق مائها وتزيد بطيب هوائها. قلت: وذكر ابن جرير كورة الجبال فقال: (وقد أحدثت بها مدينة تسمى الكرك، وقال البلاذري: في كتاب فتوح البلدان أن مدينة هذه الكورة الغرندك) «3» . وأما أعمال الكرك (فهي أربعة؛ زغر [4] وهي مدينة قديمة حارة متصلة

_ [1] الشوبك: قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وإبلة قرب الكرك (مراصد الاطلاع 2/818) . [2] إشارة إلى قوله تعالى: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية، الآيات: 13- 15] . [3] إشارة إلى قوله تعالى: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة، الآيتان: 32- 33] . [4] وردت عند ابن بطوطة زيزى، وعند البغدادي هي قرية بمشارف الشام قرب الكرك (مراصد الاطلاع 2/667) .

بالبادية، وبها (تل) جيد، ومعان [1] وكانت مدينة قديمة خربت هي وعملها «1» ، ومؤته وهي باقية وواضعها معروف، وبها قبر جعفر بن أبي طالب (عليه السلام [2] ، والشوبك وهو محدث كما ذكرنا) «2» .

_ [1] معان: آخر بلاد الشام (رحلة ابن بطوطة 78) مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء (م